######OpenITI# #META# bkid: 16953 #META# bk: جامع المسائل لابن تيمية ط عالم الفوائد - المجموعة الأولى #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: جامع المسائل - المجموعة الأولى #META# المؤلف: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (661 - 728 ه) #META# تحقيق: محمد عزير شمس #META# إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد #META# الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع - مكة #META# الطبعة: الأولى، 1422 ه #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: ابن تيمية #META# authinf: ابن تيمية، تقي الدين (661 - 728 ه، 1263 - 1328 م). تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي. • شيخ الإسلام في زمانه وأبرز علمائه، فقيه أصولي ومفتي الدين الحصيف وصاحب الآثار الكبرى في علوم الدين والفكر الإسلامي. ولد بحران بتركيا، ورحل إلى دمشق مع أسرته هربا من غزو التتار. وتلقى العلم على والده وعلى مشايخ دمشق وظهرت عليه علامات النجابة منذ نعومة أظفاره، فكان قوي الذاكرة سريع الحفظ. نهل من منهج النبوة، حتى آلت إليه الإمامة في العلم والعمل سنة 720 ه. • كان من أشد مفكري الإسلام نقدا للفلسفة وعلم الكلام، ودعا إلى وضع العقل بعد النقل وليس قبله. وقد صنف كتابا ضخما سماه درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول رد فيه على شطحات الفلاسفة، وفند فيه دعاوى أهل الفرق الضالة حسب رأيه واجتهاده، ودافع فيه عن المنطق الفطري، وهو المنطق السليم، منطق القرآن الكريم. وفي كتابه الرد على المنطقيين حمل على دعوى أتباع أرسطو من المنطقيين الذين ذهبوا إلى أن المفاهيم التي ليست بديهية لاتدرك إلا بالحد (الدليل) بحجة أنها لما كانت غير بديهية كان لابد لها من دليل، وإلا كانت دعوتهم باطلة، وبين ابن تيمية أن تحديد المفاهيم تكتنفه الصعاب، وحتى من دافع عن المنطق من أهل الفلسفة وعلم الكلام، اضطر إلى التسليم بصعوبة تحديد الجنس أو الفصل الخاص، الذي يقوم عليه التعريف، ونسبه ابن تيمية إلى اختلاف الناس في سرعة إدراك الحد الأوسط في القياس مثل حيوان يمشي على أربع، والكلب حيوان، الكلب يمشي على أربع، فالحد الأوسط هنا وهو الكلب حيوان لا يحتاج إليه الذكي، ولا يستفيد منه الغبي. والنتيجة تحصيل حاصل. وانتقد كذلك نظريات البرهان عند أرسطو باعتبار أن البرهان يتناول الكليات الذهنية، في حين أن الكائنات موجودات جزئية، ولذلك فالبرهان لايؤدي إلى معرفة إيجابيته بالكائنات بشكل عام وبالله بشكل خاص. • ذهب ابن تيمية إلى مصر فسجن بها، ورجع إلى دمشق، وجاهد ضد التتار وحبسه السلطان لفتواه عن طلاق الثلاث، وتحرش به علماء دمشق عند السلطات ليوقعوا به، فحبس ثانية في قلعة دمشق ومات فيها. وخرجت البلدة على بكرة أبيها تشيع جنازته. • كان ابن تيمية صالحا مصلحا، داعيا إلى الإصلاح والعودة إلى القرآن والسنة، وكان ذا باع طويل في اللغة العربية وعلومها، وفي مختلف العلوم. تربو مصنفاته على ثلاثمائة مجلد في علوم الإسلام المختلفة من أهمها: اقتضاء الصراط المستقيم في الرد على أهل الجحيم؛ السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية؛ الصارم المسلول على شاتم الرسول؛ الواسطة بين الخلق والحق؛ العقيدة التدمرية؛ الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان؛ العقيدة الواسطية؛ بيان الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن؛ تفسير سورة البقرة؛ درء تعارض العقل والنقل؛ منهاج السنة النبوية؛ مجموعة الفتاوى. • خالف بعض الأئمة والعلماء بعض آراء ابن تيمية وفتاويه وردوا عليه. ومن هؤلاء العلماء: صفي الدين الهندي وتقي الدين السبكي وشمس الدين الذهبي وابن حجر العسقلاني والعز بن جماعة وبدر الدين محمد بن إبرهيم بن جماعة وغيرهم. نقلا عن. الموسوعة العربية العالمية http://www.mawsoah.net #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 16953 #META# over: 1 #META# seal: 831A62C0 #META# oauth: 54 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 4 #META# vername: None #META# lng: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي #META# cat: الجوامع والمجلات ونحوها #META# higrid: 728 #META# ad: 728 #META# aseal: 34F8B041 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: None #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/16953 #META# bkid: 17680 #META# bk: جامع المسائل لابن تيمية ط عالم الفوائد - المجموعة الثانية #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: جامع المسائل - المجموعة الثانية #META# تحقيق: محمد عزير شمس #META# إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد #META# الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع - مكة #META# الطبعة: الأولى، 1422 ه #META# islamshort: 0 #META# onum: 17680 #META# over: 1 #META# seal: 8A06ED1B #META# oauth: 54 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 4 #META# vername: None #META# higrid: 728 #META# ad: 728 #META# aseal: 34F8B041 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: None #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/17680 #META# bkid: 17835 #META# bk: جامع المسائل لابن تيمية ط عالم الفوائد - المجموعة الثالثة #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: جامع المسائل - المجموعة الثالثة #META# تحقيق: محمد عزير شمس #META# إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد #META# الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع - مكة #META# الطبعة: الأولى، 1422 ه #META# islamshort: 0 #META# onum: 17835 #META# over: 1 #META# seal: 814C3D23 #META# oauth: 54 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 4 #META# vername: None #META# higrid: 728 #META# ad: 728 #META# aseal: 34F8B041 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: None #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/17835 #META# bkid: 18124 #META# bk: جامع المسائل لابن تيمية ط عالم الفوائد - المجموعة الرابعة #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: جامع المسائل - المجموعة الرابعة #META# تحقيق: محمد عزير شمس #META# إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد #META# الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع - مكة #META# الطبعة: الأولى، 1422 ه #META# islamshort: 0 #META# onum: 18124 #META# over: 1 #META# seal: 1F02D1B8 #META# oauth: 54 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 4 #META# vername: None #META# higrid: 728 #META# ad: 728 #META# aseal: 34F8B041 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: None #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/18124 #META# bkid: 18128 #META# bk: جامع المسائل لابن تيمية ط عالم الفوائد - المجموعة الخامسة #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: جامع المسائل - المجموعة الخامسة #META# تحقيق: محمد عزير شمس #META# إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد #META# الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع - مكة #META# الطبعة: الأولى، 1424 ه #META# islamshort: 0 #META# onum: 18128 #META# over: 2 #META# seal: 08D1A642 #META# oauth: 54 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 4 #META# vername: None #META# higrid: 728 #META# ad: 728 #META# aseal: 34F8B041 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: None #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/18128 #META# bkid: 18152 #META# bk: جامع المسائل لابن تيمية ط عالم الفوائد - المجموعة السادسة #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: جامع المسائل - المجموعة السادسة #META# تحقيق: محمد عزير شمس #META# إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد #META# الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع - مكة #META# الطبعة: الأولى، 1429 ه #META# islamshort: 0 #META# onum: 18152 #META# over: 2 #META# seal: A2D0B404 #META# oauth: 54 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 4 #META# vername: None #META# higrid: 728 #META# ad: 728 #META# aseal: 34F8B041 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: None #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/18152 #META# bkid: 13652 #META# bk: جامع المسائل لابن تيمية ط عالم الفوائد - المجموعة السابعة #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: جامع المسائل - المجموعة السابعة #META# تحقيق: علي بن محمد العمران #META# الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع - مكة #META# الطبعة: الأولى، 1432 ه #META# عدد الأجزاء: 1 #META# أعده للشاملة: محمد المنصور (19/ 4/ 1434 ه = 1/ 3/ 2013 م) #META# islamshort: 0 #META# onum: 13652 #META# over: 1 #META# seal: 4044CDB1 #META# oauth: 54 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 4 #META# vername: None #META# higrid: 728 #META# ad: 728 #META# aseal: 34F8B041 #META# blnk: None #META# pdfcs: 1 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/13652 #META# bkid: 16422 #META# bk: جامع المسائل لابن تيمية ط عالم الفوائد - المجموعة الثامنة #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: جامع المسائل - المجموعة الثامنة #META# المؤلف: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية #META# المحقق: محمد عزير شمس #META# الناشر: دار عالم الفوائد - مكة #META# الطبعة: الأولى، 1432 ه #META# عدد الأجزاء: 1 #META# أعده للشاملة: محمد المنصور (11/ 2/ 1435 ه = 14/ 12/ 2013 م) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مقابل] #META# inf: #META# auth: ابن تيمية #META# tafseernam: #META# islamshort: 0 #META# onum: 16422 #META# over: 1 #META# seal: 12A4A798 #META# oauth: 54 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 4 #META# vername: None #META# higrid: 728 #META# ad: 728 #META# aseal: 34F8B041 #META# blnk: None #META# pdfcs: 1 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/16422 #META# bkid: 145376 #META# bk: جامع المسائل لابن تيمية ط عالم الفوائد - المجموعة التاسعة #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: جامع المسائل - المجموعة التاسعة #META# المحقق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد #META# الناشر: دار عالم الفوائد - مكة #META# الطبعة: الأولى، 1437 ه #META# عدد الصفحات: 490 #META# أعده للشاملة: محمد المنصور m_almansour@yahoo.com #META# islamshort: 0 #META# onum: 145376 #META# over: 1 #META# seal: DE3787AD #META# oauth: 54 #META# bver: 1 #META# pdf: None #META# oauthver: 6 #META# vername: None #META# higrid: 728 #META# ad: 728 #META# aseal: 168A7DB9 #META# blnk: None #META# pdfcs: None #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/145376 #META#Header#End# ### | CHECK (1) فصل في معنى الحي القيوم # فصل في معنى "الحي القيوم" PageV01P035 # بسم الله الرحمن الرحيم # ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ~~سيئات أعمالنا، من هداه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله ~~عليه وسلم تسليما كثيرا، وعلى آله وصحبه وسلم. # فصل # في معنى اسمه "الحي القيوم" # قال الله سبحانه وتعالى: (الله لا إله إلا هو الحى القيوم) (1). # وقال تعالى: (الم (1) الله لا إله إلا هو الحى القيوم) (2). وقال تعالى: ~~(*وعنت الوجوه للحى القيوم) (3). وقد قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره ~~"الحي القيام" (4). والقيام فيعال، والقيوم فيعول، وفيعال من جنس فعال، ~~وفيعول من جنس فعول، لأن الحرف المضعف يعاقب الحرف المعتل، كقولهم تقضى ~~البازي وتقضض. PageV01P037 ### || CHECK - أسرار الرفع والنصب والجر في العربية ### || CHECK - الكلام على صيغتي فعول وفعال # والقيوم والقيام من قام يقوم، فهو معتل، فإن عينه واو، فلهذا قيل فيه: ~~فيعال وفيعول، ولو لم يكن في ألفاظه حرف معتل لا ياء ولا واو لقيل: فعال، ~~كما قيل "حماد" و"ستار"، وفعول كما قيل "سبوح" و"قدوس"، والغالب فعول ~~بالفتح، وهو القياس في شرح "قدوس"، ولكن جاءت دلالة اللفظ على غير القياس ~~بالضم سبوح وقدوس وذو الروح. # وقد تبين أن قراءة الجمهور "القيوم" أتم معنى من قراءة "القيام"، فإن ~~فعول وفيعول أبلغ من فعال وفيعال، لأن الواو أقوى من الألف، والضم أقوى من ~~الفتح، وهذا عينه مضمومة، والمعتل منه واو، فهو أبلغ مما عينه مفتوحة ~~والمعتل منه ألف. ودائما في لغة العرب الضم والواو أقوى من الياء والكسرة، ~~والياء والكسرة أقوى من الألف والفتحة، وهكذا هو في النطق، وكذلك في سائر ~~الحركات، فإن المتحرك إلى أسفل كحركة الماء أثقل من المتحرك إلى فوق كالريح ~~والهواء، والمتحرك على الوسط هو الفلك أقوى منهما. # ولهذا كان الرفع لما هو عمدة في ms0001 الكلام، وهو: الفاعل، والمفعول القائم ~~مقامه، والمبتدأ، والخبر. وكان النصب لما هو فضلة في الكلام، كالمفاعيل ~~وغيرها: المفعول المطلق والمفعول به وله ومعه، والحال والتمييز. وكان الجر ~~لما هو متوسط بين العمدة والفضلة، وهو المضاف إليه، فإنه تضاف إليه العمدة ~~تارة والفضلة تارة، فتقول: قام غلام زيد، وأكرمت غلام زيد. # ولما كانت "كان" وأخواتها أفعالا تستعمل تارة تامة مكتفية بالفاعل، وتارة ~~ناقصة فتحتاج إلى منصوب، كان الرفع فيها مقدما، فإنه العمدة، ولابد منه في ~~النوعين التامة والناقصة. PageV01P038 # وأما "إن" وأخواتها فإنها تختص بالجمل الاسمية، لكن أشبهت الأفعال، فصار ~~لها منصوب ومرفوع كالأفعال، ونقصت درجتها عن درجة الأفعال، فقدم منصوبها ~~لذلك، ولأنه أخف، ولأن الخبر يكون غير اسم، مثل الجار والمجرور به، فلا ~~يظهر فيه النصب، بل قد يقدم على الاسم. # وأما باب "ظننت" وأخواتها فإنها أفعال، تستعمل تارة مع الاقتصار على ~~الفاعل، وتارة يذكر معها المفعولات، ولكن تعلق على العمل إذا تصدر ماله صدر ~~الكلام، فلا يعمل ما قبله فيما بعده، مثل لام الابتداء وحروف الاستفهام، ~~وما الناقصة، كقوله تعالى: (لنعلم أى الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12)) ~~(1)، وقوله تعالى: (ولقد علموا لمن أشتراه ما له في الآخرة من خلاق) (2). ~~وتارة تلغى عن العمل إذا قدم المفعولات أو وسط الفعل بينهما، كقولك: "زيد ~~منطلق ظننت"، والإلغاء هاهنا أحسن، وقولك "زيد ظننت منطلق". # وكان الفرق بين باب "ظننت" وباب "كسوت" أن المفعولين هاهنا المبتدأ ~~والخبر، بخلاف باب كسا، فإن الثاني غير الأول، ولهذا يجوز في باب كسا ~~الاقتصار على أحد المفعولين، بخلاف باب ظننت، فإنه لا يجوز ذلك فيه، كما لا ~~يجوز الاقتصار على المبتدأ دون الخبر. # وقد تبين أن المبتدأ وخبره مع نواسخه قد استوعبت الأقسام الممكنة، فإنهما ~~إما مرفوعان، كما إذا تجردا عن العوامل اللفظية؛ وإما منصوبان، وهو باب ~~ظننت، إذ الأول مرفوع، وهو باب "كان"؛ PageV01P039 ### || CHECK - الفرق بين القيوم والقيام # أو الأول منصوب وهو باب "إن". وتبين أن الرفع لما هو عمدة، والنصب لما هو فضلة. # وكذلك الضم والفتح ms0002 والكسر التي هي حركات لنفس الكلمة، وتسمى مناسبة إذا ~~كانت في الآخر لم .... (1) عامل للإعراب، كقولك: خرج وخرج، وكره وكره، ~~والغسل والغسل ونحو ذلك، فالخرج والكره والغسل مصدر الفعل الثلاثي المتعدي، ~~وهو قياس، تقول: ضربه ضربا، وأكله أكلا ونحو ذلك، وأما الخرج والكره فهو ~~نفس الشيء المكروه والمخروج، والعين أقوى من الفعل، والغسل بالضم اسم ~~الاغتسال، واغتسال الإنسان لنفسه أكمل من غسله لغيره، تقول في هذا: غسل ~~الجمعة وغسل الجنابة، لأن المراد الاغتسال؛ وتقول في ذلك: غسل الميت وغسل ~~الثوب، لأن المصدر غسل الإنسان لغيره. هذا هو اللغة المشهورة سماعا وقياسا، ~~وما نقل غير ذلك فإما خطأ وإما شاذ. # فتبين أن "القيوم" أبلغ من "القيام"، ذلك يفيد قيامه بنفسه باتفاق ~~المفسرين وأهل اللغة، وهو معلوم بالضرورة. وهل يفيد إقامته لغيره وقيامه ~~عليه؟ فيه قولان. وهو يفيد دوام قيامه وكمال قيامه، لما فيه من المبالغة ~~لقيوم وقيام. ولهذا قال غير واحد من السلف: القيوم الذي لا يزول، كما قال ~~ابن أبي حاتم (2): حدثنا علي بن الحسين نا عيسى الصائغ ببغداد نا سعد بن ~~عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الحسن رضي الله عنه: القيوم الذي لا زوال ~~له. PageV01P040 ### || CHECK - الكلام على معنى القراءتين في قوله تعالى (لتزول منه الجبال) ### || CHECK - الرد على من أراد به نفي الأفعال الاختيارية # وقد ظن طائفة من النفاة - كبشر المريسي وغيره - أن مرادهم بذلك أن لا ~~تقوم به الأفعال الاختيارية ولا يتحرك ونحو ذلك، ورد عليهم عثمان بن سعيد ~~الدارمي وغيره، وبينوا خطأه فيما فهمه من ذلك عمن نقل ذلك عنه من السلف، ~~وهو إنما نقله عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما. وهذا ~~الإسناد وحده مما لا يعتمد عليه أهل الحديث، فذكروا ضعفه (1)، ثم ذكروا عدم ~~دلالته على ما طلبه. ولكن قد روي هذا بغير هذا الإسناد، فبينوا خطأ من فهم ~~ذلك المعنى، وأن المراد بقولهم "لا يزول": أنه دائم باق لا ينقص عن كماله ~~فضلا عن أن يفنى أو ms0003 يعدم، كقوله تعالى: (أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم ~~من زوال (44) وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ~~وضربنا لكم الأمثال (45) وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال (46)) (2). وفيه قراءتان (3): أكثر القراء يقرءون ~~"لتزول"، فيدل على النفي، أي: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال. # وقرأ بعضهم "لتزول" بالرفع على الإثبات، أي: إن كان مكرهم تزول، هذا ~~تقدير البصريين. والكوفيون يقدرون: ما كان مكرهم ألا تزول. وكلا القراءتين ~~لهما معنى صحيح، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع (4). # وقوله تعالى "تزول منه الجبال" مثل قوله تعالى: (إن الله يمسك PageV01P041 # السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) (1) ومنه ~~قول لبيد (2): # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وقد قال له عثمان (3) بن مظعون رضي الله عنه وهو ينشد: # "صدقت". ثم قال: # وكل نعيم لا محالة زائل # فقال له: "كذبت، إن نعيم الجنة لا يزول" (4). # وليس المراد بقوله (ما لكم من زوال (44)) وبقبم له تعالى (لتزول منه ~~الجبال (46) و (يمسك السموات والأرض أن تزولا) هو الحركة، فإنهم كانوا ~~يتحركون، والكواكب متحركة، بل الأفلاك التي فيها الكواكب متحركة. و"زال" ~~يستعمل لازما ويستعمل ناقصة من أخوات "كان"، فيقال في اللازم: زال يزول ~~زوالا، كما في قوله تعالى (أن تزولا) و (مالكم من زوال (44)) و (وإن كان ~~مكرهم لتزول منه الجبال (46)). ومنه: زالت الشمس تزول زوالا. وليس المراد ~~بزوالها حركتها، فإنها لا تزال متحركة في رأي العين منذ تطلع إلى أن تغرب. # ولا يقال إنها زالت إلا إذا انحطت عن غاية الارتفاع، فإذا ارتفعت على ~~رءوس الناس كان غاية ارتفاعها، وهو قبل الزوال، ثم إذا PageV01P042 # انحطت بعد هذا وانحطت ومالت قيل: زالت، ويقال لها قبل الزوال: قد قام ~~قائم الظهيرة، فيعبر عن هذا بلفظ القيام، وعن آخرها يلفظ في الانحطاط بلفظ ~~الزوال، كما يعبر عنه بلفظ الاستواء، فيقال: استوت الشمس، وعند الزوال ~~بالميل فيقال مالت الشمس؛ فكأن لفظ الزوال يدك على ms0004 النقص بعد الكمال، ~~والانخفاض بعد الارتفاع. # والذين أقسموا من قبل "ما لهم من زوال" لم يريدوا أنهم لا يموتون، فإن ~~هذا لا يقوله أحد من العقلاء، ولكن ظنوا دوام ماهم فيه من الملك والمال، ~~وأن ذلك لا يزول عنهم. وهذا باطل. ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما سبقت ناقته العضباء وكانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن حقا على الله أن لا يرفع شيء ~~من الدنيا إلا وضعه" (1). فكلما ارتفع شيء من الدنيا فإن الله تعالى يضعه، ~~وذلك من زواله. # والزائل الذي لم يكتسب به ما يدوم نفعه يسمى باطلا، فالموت حق والحياة ~~باطل، فإن الباطل ضد الحق، والحق يقال على الموجود، فيكون الباطل هو ~~المعدوم. ويقال أيضا على ما ينفع وينفى نفعه، فيكون الباطل اسما لما لا ~~ينفع، أو لما لا يدوم نفعه. # ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كل لهو يلهو به الرجل باطل منه ~~إلا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته امرأته، فإنهن الحق". رواه أبو ~~داود وغيره (2). PageV01P043 ### || CHECK - الكلام على الورع المشروع ### || CHECK - معنى الزائل والباطل في العربية # ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذا الرجل لا يحب الباطل" (1)، ~~وهو مالا ينفع النفع الباقي، وهو النافع في الآخرة، فكل مالا ينفع في ~~الآخرة فهو باطل، وإن كان لذة حاضرة، فإنها تزول وتعد بلا نفع يبقى، فهي ~~باطل بهذا الاعتبار. # وقال الله تعالى: (ذلك بأن الله هو وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) (2)، ~~فهذا باطل من الجهتين: من جهة أن استحقاق الإلهية معدوم، فهو لا ينفع ولا ~~يضر؛ ومن جهة أن عبادته لا تنفع وإن كانت موجودة (3) في الحياة الدنيا، ~~فيوم القيامة يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا. ومن هذا قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أصدق كلمة قالها شاعر لبيد: # ألا كل شيء ماخلا الله باطل (4) # قال الله تعالى: (وقدمنا إلى ما علموا من عمل فجعلناه هباء منثورا) (5)، ~~وقال تعالى: (مثلا ms0005 كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24)) ~~إلى قوله تعالى (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الأخرة) (6). والثابت ضد الزائل، فالباطل الزائل الذي لا ينفع في الآخرة هو ~~الذي شرع فيه الزهد، فالزهد مشروع في كل مالا ينفع في الآخرة، والورع مشروع ~~في كل ما قد يضر في PageV01P044 # الآخرة. فالورع عن المحرمات واجب، لأنها سبب الضرر، والورع عن الشبهات ~~حسن، لأنه قد يكون في ذلك محرم، وقد يدعو الوقوع فيها إلى الوقوع في ~~الحرام، كما في الصحيحين (1) عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور ~~مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن ترك الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن ~~وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يواقعه. ألا وإن ~~لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا ~~صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب". # فقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من ترك الشبهات التي لا يعلم ~~كثير من الناس أحلال هي أم حرام، استبرأ لعرضه ودينه، وإن وقع فيها وقع في ~~الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يرتع، ويقرب أن يواقعه. # وبين أن حمى الله تعالى محارمه التي حرمها، وفي هذا ما دل على أن الشبهات ~~لا تخفى على جميع الناس، بل كسبهم من غير الحلال منها من الحرام. ومن تبين ~~له ذلك فأخذ الحلال وترك الحرام لم يكن ممن وقع في الشبهات، وإنما الذي يقع ~~فيها من لم يتبين له أحلال هي أم حرام. وفيه ما دل على أن شريعته في ترك ~~الشبهات يتضمن سد الذريعة، فإنها داعية إلى الحرام، وما كان ذريعة يترك، ~~إلا إذا كان مصلحة فعله راجح. # مثال ذلك أن يشتبه عليه الحلال بالحرام، فلا يقطع بواحد PageV01P045 # منهما، فهذا يرغب في الترك، لأنه شبهة، إلا أن يكون ms0006 إذا ترك ذلك تضمن ترك ~~واجب محقق أو فعل محرم محقق، فلا يكون حينئذ مرغبا في ترك الشبهة، بل يكون ~~مأمورا بفعلها، لأنه إذا فعلها لم يعلم أنه يأثم، وإذا تركها وتضمن ذلك ترك ~~واجب أو فعل محرم كان إثما. # والورع المشروع هو ما قاله - صلى الله عليه وسلم - للحسن رضي الله عنه: ~~"دع ما يريبك إلى مالا يريبك" (1)، وهنا إذا تركه لم يدعه إلى مالا يريبه، ~~بل إلى ماهو يريبه قطعا، وذلك يظن أنه قد يريبه. # ومثل هذه المسألة المشهورة عن الإمام أحمد رضي الله عنه، وقد ذكرها أبو ~~طالب وأبو حامد وغيرهما في كتاب الورع للمروذي (2) وغيره، أنه سئل عمن مات ~~أبوه وعليه دين، وله مال فيه شبهة، وهو يتورع عن قبض ذلك المال، أيدع ذمة ~~أبيه مرتهنة فبين ذلك الإمام أحمد رضي الله عنه أن قضاء دين الميت من المال ~~الذي خلفه واجب، وأن الوارث عليه أن يفعل ذلك، أو يمكن الغرماء من قبضه، ~~وإن لم يمكن قضاؤه إلا بفعل الوارث تعين عليه ذلك، فإنه واجب على الكفاية، ~~وهو متعين عليه إذ لم يقم من غيره. وأما قبضه الشبهة فليس محرما، بل ورع ~~مستحب، فكيف يفعل مستحبا بترك واجب؟. # وهكذا من عليه ديون وله مال يقضي به الديون، وفيه شبهة، فقضاء الديون ~~واجب، والورع بقضاء الديون واجب، وليس ترك الشبهة واجبا. ولو قدر أن في ملك ~~الشبهة ظلم قليل، فهو أخف من PageV01P046 # ظلم أرباب الديون بمنع حقوقهم. مثل أن يكون له ألف درهم فيها مئة لغيره ~~مثلا، وعليه ألف درهم، فإذا لم يوف الغرماء حقوقهم ظلمهم بألف درهم، وذاك ~~أعظم إثما من ظلم مئة، هذا إذا قدر أنه لا يعرف قدر ما في ماله من الظلم، ~~وإلا فإذا عرف قدر ذلك فإنه يخرج مقدار الحرام، فيعطيه لمستحقه إن عرفه، ~~وإلا تعرف به وصرفه في مصالح المسلمين عنه إذا لم يعرفه، كما نقل عن السلف ~~من الصحابة والتابعين، وهو مذهب أكثر الفقهاء، كمالك وأبي حنيفة والإمام ~~أحمد بن ms0007 حنبل وغيرهم، أعني صرفه إذا جهل صاحبه إلى مصرف مال الله تعالى ~~ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهو صرفه في كل ما أمر الله تعالى به ~~ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. # وليس هذا كاللقطة التي له أن يتملكها، فإن اللقطة عرفها حولا وأخذها ~~بفعله، فإذا لم يجد صاحبها صارت بمنزلة ما يملكه من المباحات بفعله ما دام ~~صاحبها مجهولا، وله أن يتصدق بها عنه، فإن عرف صاحب المال في الموضعين ~~فالأمر إليه، إن شاء أجاز ما فعله من تصرفه لنفسه أو صدقة بها عنه، وإن شاء ~~رد ذلك وطلب بدل ماله، كما قال الصحابة رضي الله عنهم مثل ذلك في المال، ~~وفي امرأة المفقود أيضا، قالوا: يخير الزوج القادم بين المرأة وبين مهرها، ~~وهو مبني على هذا، فإنه لما انقطع خبره جاز التصرف في بضع امرأته، كما جاز ~~التصرف في المال الملتقط الذي جهل صاحبه، وفي غيره، ثم ظهر خبره، صار حينئذ ~~مخيرا، وكان ذلك التصرف الأول الذي كان مع عدم العلم به جائزا باطنا ~~وظاهرا، كمال اللقطة، فإنه بعد حلول التعريف يملك الملتقط باطنا وظاهرا، ~~وكذلك يملكه من تصدق عليه، فإذا جاء المالك وطلبه عاد إليه ملكا جديدا. PageV01P047 # وأما الشبهة إذا اجتنبها أوقعته فيما يتردد بين الكراهة والتحريم قطعا، ~~فهذا مما يتنازع الفقهاء فيه، مثل إذا شك من الطلاق الثلاث فمن الفقهاء من ~~يستحب له اجتنابها، بل يستحبون له إيقاع الطلاق يقينا لتباح لغيره بلا شك، ~~مثل أن يقول: إن لم يكن وقع بك فقد أوقعته بك. ومنهم من يستحب له إمساكها، ~~ويرى ذلك خيرا (1) من مفارقتها ومن إيقاع الطلاق عليها، فإنه إذا ملكها لم ~~يأثم، فإن الأصل عدم الطلاق، وإمساكها جائز لا إثم فيه، وأما الطلاق فهو ~~مكروه أو محرم، فمن قطع بتحريمه فإنه يقطع بأنه ليس له أن يطلقها لأجل ~~الشك، ومن قال مكروه فقد يتردد اجتهاده لكون كراهة الطلاق أشد أم كراهة ~~إمساكها مع الشك. وأما من تردد هل الطلاق محرم أو مكروه فإمساكها أولى ~~عنده، ms0008 لأنه هناك متردد بين حلال وحرام، وهنا متردد بين حرام ومكروه. وأما ~~من قال: الطلاق مباح لا كراهة فيه، فإيقاعه عنده أولى من إمساكها مع الشك. ~~وقد بسطنا هذه المسائل في غير هذا الموضع. والصواب أن الطلاق في الأصل ~~محظور، وإنما أبيح للحاجة. # والمقصود هنا أن مالا يستعان به على النفع الدائم فهو نفع يتعقبه، ومنه ~~يسمى العبث واللعب باطلا، وإن كان العابث اللاعب فيه منفعته زائلة، لما فيه ~~من اللذة الحاضرة، لكن هو باطل إذا لم يستعن به على الحق الذي يدوم نفعه. ~~ولهذا قال تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين ~~كفروا) (2)، وقال تعالى: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ~~(38)) (3)، وقال تعالى: أفحسبتم أنما خلقناكم PageV01P048 ### || CHECK - كل عمل لا يبقى نفعه فهو عبث ولعب وباطل # عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) (1). فإن الدنيا وإن كان فيها نوع لذة ~~ومنفعة حاضرة فتلك زائلة منقطعة، فهي باطلة، والفعل لمثل ذلك من باب العبث ~~واللعب، والله تبارك وتعالى منزه عن ذلك، إنما خلق هذا الذي ينقص ويزول لما ~~يبقى ويدوم، والذي يبقى ويدوم هو الحق، والذي يزول وينقص قد فسد وهلك. ~~ولهذا قيل في قوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه) (2): كل عمل باطل إلا ما ~~أريد به وجهه. وفي الدعاء المأثور: "أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار ~~أرضك باطل إلا وجهك الكريم". وقد قال تعالى: (كل من عليها فان (26) ويبقى ~~وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27)) (3). فهو سبحانه وتعالى الباقي الدائم، ~~وما كان به وله فهو الباقي الدائم، وما لم يكن له فهو باطل فاسد هالك، لا ~~يبقى ولا يدوم. # قالوا لمالك بن أنس رحمه الله تعالى: إن فلانا عمل موطأ مثل موطأك، فقال: ~~وطأوا ووطأنا، وما كان لله عز وجل فهو يبقى (4). # ولما استقر في الفطر أن كل عمل لا يبقى نفعه فهو عبث ولعب وباطل، صار كل ~~من الناس يسمي مالا يبقى نفعه بالنسبة إلى ما يبقى عبثا وباطلا ولعبا ~~وباطلا، فالصبيان ms0009 إذا لعبوا سمى الرجال العقلاء فعلهم لعبا وباطلا وعبثا، ~~وإن كان للصبيان فيه لذة ومنفعة حاضرة، لكنها لا تدوم وتبقى، بل إذا فرغوا ~~من اللعب احتاجوا إلى أمور لا PageV01P049 ### || CHECK - الكلام على حديث ما ذئبان جائعان ومعنى الشح # تحصل باللعب. فكان من اشتغل بما يحصل له قوتا وكسبا ونحو ذلك من المقاصد ~~عندهم صاحب جد وحق، ليس بصاحب لعب وباطل، فإن هذا يبقى ويدوم وينفع أعظم من ~~ذاك؛ ومن كان عنده أن الجاه والرئاسة والسلطان والملك أنفع وأبقى من المال، ~~كان عنده من اشتغل بتحصيل المال وأعرض عن ذلك صاحب لعب وباطل بالنسبة إلى ~~مطلوبه ومقصوده، فإن المال لا ينتفع به صاحبه إلا إذا أخرجه وأنفقه، ~~فمنفعته في إذهابه، بخلاف الجاه، فإنه كلما قوي وحصل كان الانتفاع به أكثر، ~~وصاحبه يمكنه أن يحصل به من المال مالا يمكن صاحب المال أن يحصل به من ~~الجاه، فلهذا كان هذا أعقل وأكيس وأبعد عن اللعب والباطل من ذاك. # ثم إن صاحب الحق الذي قد علم أن الدنيا لا تدوم، فلا يدوم للإنسان فيها ~~لا جاه ولا مال، بل هذا وهذا يقول يوم القيامة: (ما أغنى عنى ماليه (28) ~~هلك عنى سلطانيه (29)) (1). وقد روى الترمذي وغيره (2) عن كعب رضي الله عنه ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها ~~من حرص المرء على المال والشرف لدينه". [قال] الترمذي: حديث حسن صحيح. بين ~~- صلى الله عليه وسلم - أن حرص المرء على المال والشرف والرئاسة يفسد الدين ~~مثل أو أبلغ من إفساد الذئبين الجائعين إذا أرسلا في زريبة غنم. وهذا الحرص ~~صفة تقوم بالنفس، والدين هو الذي يبقى ويدوم نفعه بعد الموت، فلو قدر أن ~~الإنسان طلب من PageV01P050 # المال والشرف مالا ينفعه بعد الموت، لكان صاحب باطل ولعب وعبث، فكيف إذا ~~طلب ماهو صار له بعد الموت يفسد ما ينفعه، كإفساد الذئبين الجائعين لزريبة ~~الغنم. ولهذا إنما جعل ذلك الحرص على المال والشرف، والحرص يوجب الشح، فإن ~~الشح أصله شدة ms0010 الحرص. # وفي الصحيحين (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إياكم الشح، ~~فإن الشح أهلك من قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، ~~وأمرهم بالقطيعة فقطعوا". # ورئي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يطوف وهو يقول: "رب قني شح نفسي، رب ~~قني شح نفسي"، فقيل له: ما أكثر ما تدعو بذلك! فقال: إذا وقيت الشح وقيت ~~البخل والظلم والقطيعة (2). # وذكر رجل لابن مسعود رضي الله عنه أنه يكره إخراج المال، أفشحيح هو؟ فقال ~~ابن مسعود رضي الله عنه: ذلك البخيل، وبئس الشيء البخل، ولكن الشح أن تحب ~~أخذ مال أخيك (3). # ولهذا الشح كان أعظم من البخل، فإن البخيل يبخل بما عنده، والشح هو شدة ~~الحرص، فهو عمل على الحسد حتى يكره أن يعطي الله تعالى غيره من فضله، وعمل ~~على الظلم والقطيعة حتى يأخذ مال غيره بغير حق. ولهذا قال الله تعالى: (ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة PageV01P051 ### || CHECK - الحسد والغبطة # مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك ~~هم المفلحون (9)) (1). فمدح الأنصار بأنهم لا يجدون في صدورهم حاجة مما ~~أوتي المهاجرون، أي لا يجدون في أنفسهم طلبا لما أنعمه الله عليهم، بل ~~نفوسهم غنية، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس الغنى عن كثرة ~~العرض، وإنما الغنى غنى النفس" (2). والحاسد والحريص أنفسهم فقيرة محتاجة ~~لا غنى فيها، فالحاسد شر من البخيل، والمحسن إلى الناس أفضل من المستغني ~~الذي لا يحسن. ولهذا جاء في الحديث (3): "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ ~~الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". # والحسد يكون على المال والجاه جميعا، كما قد يكون على الدين والعلم، قال ~~الله تعالى: "أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله فقد ءاتينا ءال ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكا عظيما (54)) (4)، وقال تعالى: (ود ~~كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من ~~بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره) (5). وإذا ms0011 أحب ~~أن يحصل له من الخير الذي حباه الله تعالى مثلما حصل لغيره من غير زوال تلك ~~النعمة عنه، فهذا غبطة، ويسمى حسدا لكنه حسن. كما في الصحيحين (6) عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه PageV01P052 # قال: "لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ~~ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق". فإن هذا وهذا مما يحبها ~~الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وسيجازى صاحبهما في الآخرة، فإذا أحب ~~الرجل أن يكون له مثل ما لغيره من ذلك فهذا حسن، وهو من المنافسة التي رغب ~~فيها بقوله تعالى وتبارك: (وفى ذلك فليتنافس المتنافسون (26)) (1). وأما ~~إذا تمنى زوال النعمة عنه فهذا مذموم معيب، وإن أحب أن يكون له مثلها من ~~المال والرئاسة من غير زوال لذلك عنه فهذا من جنس حب المال والرئاسة ~~ابتداء، فهو باطل وعبث ولعب، إلا ما ينتفع به في الآخرة، والحرص عليه يفسد ~~الدين كما تقدم. وقال شداد بن أوس رضي الله عنه (2): يا بقايا العرب! إن ~~أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية. قيل لأبي داود السجستاني: ما ~~الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة. وقال سفيان الثوري رحمه الله: رأيناهم ~~يزهدون في الطعام والشراب واللباس، فإذا نوزع أحدهم الرئاسة ناطح نطاح ~~الكباش. # فطلاب الرئاسة عند الذين يريدون ما أحبه الله ورسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - أولى بالذم والنقص والعيب، من طلاب المال عند طلاب الرئاسة، حيث ~~أرادوا مالا يدوم نفسه ولا يبقى، بل يزول ويفنى، فطلبوا الباطل الذي يفنى، ~~وتركوا الحق الذي يبقى. وقد قال بعضهم: لو كانت الدنيا ذهبا يفنى، فكيف ~~والدنيا خزف يفنى، والآخرة ذهب يبقى! # ولهذا قال السحرة لما آمنوا وتبين لهم الحق، وقال لهم فرعون PageV01P053 ### || CHECK - عودة إلى شرح معنى زال التامة والناقصة # (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا ~~أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذى فطرنا ~~فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا (72) إنا ms0012 ءامنا بربنا ليغفر ~~لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73)) (1). # والمقصود هنا ذكر معنى الزوال، وقد تقدم أن لفظ "زال" يستعمل لازما تاما، ~~ويستعمل ناقصا من أخوات كان، وهو كثير، كقوله تعالى: (لا يزال بنيانهم الذي ~~بنوا ريبة في قلوبهم) (2)، وقوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين (118) إلا من ~~رحم) (3)، وقوله تعالى: (ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم) ~~(4). ويقال: "لم يزل كذلك"، كقول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ~~(وكان الله عزيزا حكيما (158))، (سميعا بصيرا (58)) فكأنه كان ثم مضى، فقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: (وكان الله غفورا رحيما (96)) تسمى بذلك، وذلك ~~قوله، أي: لم يزل كذلك. رواه البخاري في صحيحه (5) عنه. وكذلك قال الإمام ~~أحمد بن حنبل رضي الله عنه: لم يزل الله عز وجل عالما متكلما غفورا. # وقال رضي الله عنه أيضا: لم يزل متكلما إذا شاء. ذكره في رواية عبد الله ~~فيما كتبه في "الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكت فيه من متشابه القرآن ~~وتأؤلته على غير تأويله" (6). PageV01P054 ### || CHECK - معنى اسمه القيوم # وهذا يقال فيه: ما زال، ولم يزل؛ والأول يقال فيه: زال يزول، ذاك بالواو، ~~وهذا بالألف، لأن معنى الواو أكمل، وذاك فعل تام يراد به لم يزل المذكور، ~~وهنا يراد به: لم يزل أو لا يزال على هذه الصفة وهذه الحال. فالمراد هناك ~~دوام نفسه وبقاؤها، والمراد هنا دوام صفته المذكورة وبقاؤها. ودوام نفسه ~~وبقاؤها من غير زوال ونقص يستلزم دوام صفات الكمال وبقاءها. وأما إذا قيل: ~~لم يزل كذلك، فقد يكون المذكور صفة نقص، كقوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين ~~(118)) (1)، وقد يكون صفة كمال، وإذا كان صفة كمال فهو داخل في الأول. # فلهذا كان اسمه "القيوم" يتضمن أنه لا يزول، فلا ينقص بعد كماله، ويتضمن ~~أنه لم يزل ولا يزال دائما باقيا أزليا أبديا موصوفا بصفات الكمال، من غير ~~حدوث نقص أو تغير بفساد واستحالة ونحو ذلك مما يعتري ما يزول من الموجودات، ~~فإنه سبحانه وتعالى "القيوم". ولهذا كان ms0013 من تمام كونه قيوما لا يزول أنه لا ~~تأخذه سنة ولا نوم، فإن السنة والنوم فيهما زوال ينافي القيومية، لما فيهما ~~من النقص بزوال كمال الحياة والعلم والقدرة، فإن النائم يحصل له من نقص ~~العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام وغير ذلك ما يظهر نقصه بالنسبة إلى ~~الشيطان. ولهذا كان النوم أخا الموت، وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~أهل الجنة: أينامون؟ فقال: "لا، النوم أخو الموت" (2). PageV01P055 # والنوم جعل للناس في الدنيا سباتا، كما قال تعالى (1). جعل الليل لباسا ~~والنوم سباتا، ليسكن الإنسان فيه ويستريح بدنه من الحركات التي لو دامت ~~عليه لأهلكته (2)، ولهذا يغتذي الإنسان بالنوم لاحتياجه إليه، ويقوم من ~~نومه كأنه خلق جديدا. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا استيقظ من ~~نومه يقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور" (3). # والرب تبارك وتعالى منزه عن كل نقص، قال تعالى: (ولقد خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (38)) (4)، وقال تعالى: ~~(وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلى العظيم (255)) (5) ~~قالوا: لا يكرثه ولا يثقل عليه. # وإذا كان القيوم الذي لا يزول فقد دخل في ذلك أنه لا يأفل، كما قال ~~الخليل - صلى الله عليه وسلم -: (لا أحب الأفلين (76)) (6)، فإنه من ~~المعلوم أن أفول الشمس والقمر والكواكب أبلغ في النقص من زواله إذا كان ~~الآفل غاب واحتجب، ولم يبق له في عابده فعل ولا نفع، ولا يمكن عابده أن ~~يوجه وجهه إليه، بخلاف زوال الشمس، فإنه فيه نقص لها وانخفاض وانحطاط عن ~~حال كمال ارتفاعها. والزوال بدء حصول الأفياء المزيلة لشعاعها، فإن الظل ~~يكون ممدودا قبل طلوعها، كما PageV01P056 ### || CHECK - تحقيق معنى دلوك الشمس # قال تعالى: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46)) (1). فإذا طلعت ~~انبسط شعاعها على وجه الأرض، ونسخ الظل الذي يقع عليه، فنسخ الظلال الشرقية ~~كلها، ولا يزال ينسخ الغربية شيئا بعد شيء حتى تستوي الشمس، ms0014 فيكون قد نسخ ~~الظلال الشرقية والغربية جميعا، وهذا غاية نسخ الشمس الظلال. فإذا زالت ~~انحطت وانخفضت، ففاءت الأفياء. والفيء اسم للظل الذي بعد الزوال، والظل يعم ~~ما قبله وما بعده، لأنه يفيء الفيء ويعود، فيعود الفيء إلى ناحية المشرق، ~~بعد أن كان قد نسخ عنها، ولا يزال الفيء يمتد ويطول كلما انخفضت الشمس إلى ~~أن تغرب، فيعود الظل ممدودا بأفولها، كما يكون ممدودا قبل طلوعها، فكان ~~أفولها غاية بطلان أثرها في ذلك الزوال، مبدأ ذلك بالأفول، كما نقصها الذي ~~ابتدأ من الزوال، وكأنه كمال زوالها. ولهذا فسر دلوكها بهذا وبهذا في قوله ~~عز وجل: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل) (2)، فطائفة من السلف ~~قالوا: دلوكها غروبها، والتحقيق أن الزوال أول دلوكها، والغروب كمال ~~دلوكها، فمن حين الزوال إلى الغروب دالكة، كما هي زائلة بارحة، ولهذا سميت ~~"براح"، ويقال: دلكت براح. ولهذا قال تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى ~~غسق اليل)، فالدلوك يتناول الظهر والعصر، وغسق الليل يتناول المغرب ~~والعشاء، وصلاة العشي (3) فيها مشترك عند الحاجة. وكذلك صلاة العشاء، فإن ~~ذلك كله دلوك، وهذا كله PageV01P057 # غسق، ولا يجوز تفويت صلاة غسق الليل إلى الفجر لدلوك الغسق # الليل، كما لا يجوز تفويت صلاة الفجر إلى غسق الليل (1). قال - صلى الله ~~عليه وسلم - # في الحديث الصحيح: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" (2). # وقال أيضا - صلى الله عليه وسلم -: "من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله" ~~(3). وهي # الصلاة الوسطى، كما دل على ذلك الأحاديث الصحيحة (4)، وهي # بين صلاتي ليل وصلاتي نهار. # فالحي القيوم سبحانه وتعالى الذي لا يزول ولا يأفل، فإن الآفل # قد زال قطعا، واسم "القيوم" تضمن أنه لا يزول، ولا ينقص شيء # من صفات كماله، ولا يفنى ولا يعدم، بل هو الدائم الباقي الذي لم # يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال. وهذا يتضمن كونه قديما، # فالقيوم يتضمن معنى القديم، وزيادات صفات الكمال دوامها الذي # لا يدل عليه لفظ القديم. ويتضمن أيضا كونه موجودا بنفسه، وهو # معنى كونه واجب الوجود، ms0015 فإن الموجود بغيره كان معدوما ثم وجد، # وكل مفعول فهو محدث، وتقدير قديم أزلي مفعول كما يقوله بعض # المتفلسفة باطل في صريح العقل، وهو خلاف ما عليه جماهير العقلاء # المتقدمين والمتأخرين. # فالقيوم الذي لم يزل ولا يزال لا يكون إلا موجودا بنفسه، PageV01P058 ### || CHECK - جميع صفات الكمال يدل عليها اسم الحي القيوم # والموجود بنفسه لا يكون إلا قديما واجب الوجود، فإن وجوده [لو]. # لم يكن واجبا لكان ممكنا، يمكن وجوده ويمكن عدمه، وما أمكن وجوده وعدمه ~~لم يكن إلا محدثا كائنا بعد أن لم يكن. فليس هو القيوم الذي لا يزول، بل لم ~~يزل ولا يزال. # ومن الناس من يطلق هنا أنه لم يزل ولا يزال ولا يكون بغيره (1)، وهذا إن ~~كان لغة فكونه موجودا بنفسه من معاني كونه قيوما، أو، إذا ما وجد بغيره ليس ~~هو قيوما، لحاجته إلى من يوجده ويقيمه، بل ليس له من القيومية بنفسه، إذ هو ~~دائما محتاج فقير إلى القيوم، وما كان موجودا بنفسه يمتنع أن يكون معدوما ~~تارة وموجودا أخرى، [وما] كان ممكنا محدثا لم يكن وجوده بنفسه، فإن ما ~~وجوده بنفسه وجوده ملازم له لا يكون معدوما قط، بل من تصورت نفسه تصور أنه ~~موجود، والمعدوم يتصور نفسه معدومة وموجودة أخرى، فليس الوجود ملازما لها. # فقد تبين أن الوجود الواجب القديم وما يستلزم ذلك من صفات الكمال ودوام ~~ذلك وبقائه، كل ذلك يدخل في اسمه "القيوم"، واقترانه بالحي يستلزم سائر ~~صفات الكمال، فجميع صفات الكمال يدل عليها اسم "الحي القيوم"، ويدل أيضا ~~على بقائها ودوامها وانتفاء النقص والعدم عنها أزلا. ولهذا كان قوله سبحانه ~~وتعالى (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) أعظم آية في كتاب الله عز وجل، ~~كما ثبت ذلك في الصحيح (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا. PageV01P059 ### | CHECK (2) قاعدة جليلة في إثبات علو الله تعالى على جميع خلقه # قاعدة جليلة # في إثبات ms0016 علو الله تعالى على جميع خلقه PageV01P061 ### || CHECK - ذكر هذه القاعدة # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية ~~رضي الله عنه: # قاعدة جليلة بمقتضى النقل الصريح في إثبات علو الله تعالى الواجب له على ~~جميع خلقه فوق عرشه، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة والإجماع والعقل الصريح ~~الصحيح والفطرة الإنسانية الصحيحة الباقية على أصلها. # وهي أن يقال: كان الله ولا شيء معه، ثم خلق العالم، فلا يخلو: إما أن ~~يكون خلقه في نفسه واتصل به، وهذا محال، لتعالي الله عز وجل عن مماسة ~~الأقذار والنجاسات والشياطين والاتصال بها. # وإما أن يكون خلقه خارجا عنه ثم دخل فيه، وهذا محال أيضا، لتعالي الله عز ~~وجل عن الحلول في المخلوقات. وهاتان الصورتان مما لا نزاع فيها بين ~~المسلمين. # وإما أن يكون خلقه خارجا عن نفسه ولم يحل فيه، فهذا هو الحق الذي لا يجوز ~~غيره، ولا يقبل الله منا ما يخالفه، بل حرم علينا ما يناقضه. # وهذه الحجة هي من بعض حجج الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، التي احتج ~~بها على الجهمية في زمن المحنة. ولهذا قال عبد الله بن المبارك فيما صح عنه ~~أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: PageV01P063 ### || CHECK - عند المخالفين شبه المعقولات لا حقائقها # بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه (1). # وعلى ذلك انقضى إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم وجميع الأئمة الذين لهم ~~في الأمة لسان صدق، وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله. # ومن ادعى أن العقل يعارض السمع ويخالفه فدعواه باطلة، لأن العقل الصريح ~~لا يتصور أن يخالف النقل الصحيح. وإنما المخالفون للكتاب والسنة والإجماع، ~~والمدعون حصول القواطع العقلية إنما معهم شبه المعقولات لا حقائقها، ومن ~~أراد تجربة ذلك وتحقيقه فعليه بالبراهين القاهرة والدلائل القاطعة التي هي ~~مقررة مسطورة في غير هذا الموضع (2). والله أعلم. # ... PageV01P064 ### | CHECK (3) فتوى فيمن يدعي أن ثم غوثا وأقطابا وأبدالا # فتوى فيمن يدعي أن ثم غوثا وأقطابا وأبدالا PageV01P065 ### || CHECK - معنى الأولياء في ms0017 الكتاب والسنة # سئل شيخ الإسلام مفتي الأنام حبر الأمة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد ~~الحليم بن عبد السلام ابن تيمية رضي الله عنه وأرضاه، فيمن يدعي أن ثم غوثا ~~وأقطابا وأبدالا وأولياء، وأن بهم يستسقى الغيث وتنزل الرحمة ويكشف العذاب، ~~وإذا غضب الله على أحد من أهل الأرض وأراد أن ينزل غضبه، نظر إلى قلوب ~~هؤلاء، فإن وجدهم راضين بذلك أنزل عذابه، وإلا رفعه، وكذلك الرحمة والنصر ~~والرزق، وأن الغوث بمكة مقيم. ومن يدعي أن هؤلاء المولهين والبهاليل الذين ~~لا يصلون، ولا يتوقون نجاسة ولا غيرها. # فأجاب رضي الله عنه قائلا: # الحمد لله رب العالمين. الذي دل عليه الكتاب والسنة، وعليه سلف الأمة ~~وخلفها الصالحون المتبعون للسلف -: أن لله تعالى أولياء، كما له أعداء، ~~وأولياء الله هم المنعوتون في قوله تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفى الأخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (64)) (1). # وفي صحيح البخاري (2) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب ~~إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره PageV01P067 ### || CHECK - أولياء الله نوعان # الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي ~~يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي. لئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه. وما ~~ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره ~~مساءته، ولابد له منه". # فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر أولياء الله أنه ما يقرب ~~العباد إليه بمثل أداء الفرائض، ثم ذكر أنه لا يزال العبد يتقرب إليه ~~بالنوافل بعد الفرائض، حتى يحبه، فيصير العبد يسمع بالله، ويبصر بالله، ~~ويبطش بالله، ويمشي بالله، فيصير سمعه وبصره ومشيه وبطشه بيده لرضا الله ~~ومحبته، فإنه ms0018 لما في قلبه من محبة الله وموالاته وعبادته وطاعته، يصير قلبه ~~منيبا إلى الله، ويصير ممن هداه الله واجتباه، فيجتبي قلبه إليه، ويقذف من ~~نوره في قلبه، كما قال تعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى ~~به في الناس) (1)، وقال تعالى: (يآ أيها الذين آمنوا اتقوا الله وءامنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به) (2)، وقال تعالى: (* ~~الله نور السماوات والأرض مثل نوره) (3) قال محمد بن كعب: مثل نوره في قلب ~~المؤمن. # وقال تعالى: (ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدى ~~به من نشاء من عبادنا) (4). فإذا جعل الله في قلبه من نوره صار بذلك النور ~~يسمع ويبصر ويبطش ويمشي. # وأولياء الله نوعان: مقربون سابقون، ومقتصدون أبرار أصحاب PageV01P068 ### || CHECK - لهم كرامات يكرمهم الله بها # يمين، كما ذكر الله هذين الصنفين في سورة الواقعة في أولها وفي آخرها، ~~فذكر تعالى أن الناس ثلاثة أصناف وقت القيامة الكبرى ووقت الموت، فقال ~~تعالى: (وكنتم أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) ~~وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة (9) والسابقون السابقون (10)) (1). # وكذلك قال في آخر السورة: (فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان ~~وجنت نعيم (89) وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين ~~(91) وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم ~~(94)) (2). # وكذلك ذكر الأصناف الثلاثة في سورة هل أتى على الإنسان، وفي سورة ~~المطففين. وقد ذكر في سورة فاطر تقسيم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~ثلاثة أصناف في قوله: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ~~ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) (3)، فالظالم لنفسه: هو ~~المفرط بترك المأمور أو فعل المحظور، والمقتصد (4): المؤدي للفرائض، ~~المجتنب للمحارم، والسابق بالخيرات: المؤدي للواجب والمستحب، والتارك ~~للمحرم والمكروه. # وأولياء الله المتقون لهم كرامات يكرمهم الله بها، فخواص أولياء الله ~~المتبعون لمحمد - صلى الله عليه وسلم - يكون كراماتهم إما لحجة في الدين، ~~أو لحاجة للمسلمين، كما كانت معجزات الرسول - صلى الله عليه ms0019 وسلم - كذلك، ~~فهم يتقربون إلى الله بما يكرمهم به من الخوارق، ويعبدون الله بها، ~~ويزدادون بها قربا إلى الله، لا يطلبون بها علوا في الأرض ولا فسادا. PageV01P069 ### || CHECK - لا يكون لله ولى إلا من يتبع محمدا - صلى الله عليه وسلم - ### || CHECK - منهم من يسمى بالأبدال # وقد كان كثير من السلف يسمي من يسمي من هؤلاء الأبدال، وقد قيل في معنى ~~الأبدال (1): إنهم الذين بدلوا السيئات بالحسنات، كما قال تعالى: (إلا من ~~تاب وءامن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) (2). ولا ريب ~~أن الصالحين من عباد الله لهم سبب في الرزق والنصر، كما قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لسعد بن أبي وقاص: "يا سعد، وهل تنصرون وترزقون إلا ~~بضعفائكم، بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم" (3). فهذا ونحوه حق جاء به الكتاب ~~والسنة، ولا وصول للخلق إلى رضوان الله وكرامته إلا بالإيمان برسله ~~وطاعتهم، فهم الوسائط والسفراء بين الله وبين خلقه، والأنبياء صلوات الله ~~عليهم وسلامه أفضل الخلق، فمن ظن أنه يصل إلى رضوان الله وكرامته بدون ~~اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، أو لأحد من الخلق طريق إلى رضوان الله ~~وكرامته غير اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، فهو كافر ملحد. ومن ادعى ~~أن أحدا من أولياء الله الذين بلغتهم رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~يصل إلى رضوان الله وكرامته بغير كتاب الله وسنة رسوله محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - فهو ملحد ضال مفتر، يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا. بل محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - رسول الله إلى جميع الخلق الثقلين إنسهم وجنهم، وهو ~~رسول الله إلى جميع الإنس: أسودهم وأحمرهم، وعربهم وعجمهم. # فأولياء الله المتقون هم العالمون العاملون بما بعث الله به محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولا يكون لله ولي إلا من يتبع محمدا، ومن لم يتبع محمدا ~~فهو PageV01P070 ### || CHECK - ليس للأولياء عدد معين # عدو الله، لا ولي له، وإن كان مع ذلك له أحوال شيطانية، يحصل له بها ~~مكاشفة وتصرف يعين بذلك أعداء محمد ويخفرهم، فهم ms0020 من أعداء الله الملاعين، ~~لا من أوليائه المتقين. وهو من جنس السحرة والكهان الذين كانت الشياطين ~~تخبرهم ببعض المغيبات، وتساعدهم على بعض مطالبهم، وهؤلاء من أعداء الله ~~المجرمين، لا من أوليائه المتقين، بل هم كفار يجب قتلهم، بل يقتلون بلا ~~استتابة عند كثير من علماء المسلمين. # وأما أن يكون في العالم أحد من البشر لا ينزل الله رزقا أو نصرا أو هدى ~~إلا بواسطته، فهذا من أقوال المفترين الملحدين، وهو من جنس قول النصارى، ~~إما في المسيح، وإما في الباب. بل الناس يدعون الله، فيجيب دعاءهم، ويسمع ~~كلامهم. والمشركون كانوا يدعون الله إذا اضطروا، فيجيب دعاءهم، فكيف ~~بالمؤمنين! # وليس أحد من الخلق يكون هو الذي يرفع دعاء العباد كلهم إلى الله سبحانه ~~وتعالى، ولا لعباد الله الصالحين وأوليائه المتقين عدد معين، لا أربعة ولا ~~سبعة ولا اثنا عشر ولا أربعون ولا ثلاث مئة وثلاثة عشر، بل يكثرون تارة ~~ويقلون أخرى. وقد كان حين بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - في أول ~~الأمر كانوا من أقل الناس، ثم إنه بعد هذا انتشر الإيمان. # وقد أغرق الله أهل الأرض في زمن نوح عليه السلام إلا من آمن معه، وما آمن ~~معه إلا قليل. # وفي الحديث الصحيح (1) أن الخليل عليه السلام قال لسارة لما طلبها ~~الكافر، وكان يأخذ امرأة الرجل إذا أعجبته، فقال الخليل لها: إذا سألك PageV01P071 ### || CHECK - حال الرسل مع الله ### || CHECK - الرد على من يدعي أن الله ينزل العذاب أو يصرفه بالنظر إلى قلوب هؤلاء # فقولي إنك أختي، فإنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك. # وقول القائل: إن الله إذا غضب على أحد من أهل الأرض وأراد أن ينزل به ~~العذاب، نظر إلى قلوب هؤلاء المذكورين، فإن وجدهم راضين بإنزال العذاب على ~~الذي قد استحقه أنزله، وإن لم يجدهم راضين بذلك رفعه- كذب مفترى، بل قد ~~أنزل الله العذاب على قوم لوط مع مجادلة إبراهيم الخليل عنهم. قال تعالى: ~~(فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ms0021 (74) إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك ~~وإنهم ءاتيهم عذاب غير مردود (76)) (1). # وقال تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - لما استغفر للمنافقين: (سوآء ~~عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم) (2). # ومحمد وإبراهيم أفضلا الخلق، هذا خليل الله، وهذا خليل الله. # والخليل إبراهيم استغفر لأبيه. ثم لما مات أبو طالب قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لأستغفرن لك مالم أنه عنك" (3)، فانزل الله تعالى: (ما كان ~~للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما ~~تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113)) (4). فقال بعض المسلمين: إن إبراهيم قد ~~استغفر لأبيه، فأنزل الله تعالى: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن ~~موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) (5). PageV01P072 # وقد ثبت (1) أنه يوم القيامة يراجع الناس الشفاعة، فيأتون إلى آدم ليشفع ~~لهم، فيردهم إلى نوح، ويردهم نوح إلى إبراهيم، ويردهم إبراهيم إلى موسى، ~~ويردهم موسى إلى عيسى، ويردهم عيسى إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى ~~سائر النبيين وال كل وسائر الصالحين، فإذا أتوا محمدا أفضل الشفعاء وأعظم ~~الخلق جاها عند الله قال: "فآتي ربي، فإذا رأيته خررت له ساجدا، وأحمد ربي ~~بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقال: أي محمد، ارفع رأسك، وقل تسمع، ~~وسل تعطه، واشفع تشفع". فلا يشفع حتى يأذن الله له في الشفاعة، كما قال ~~تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) (2)، وقال تعالى: (ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) (3). # فإذا كان أفضل الخلق لا يشفع في أحد إلا بإذن الله عز وجل، فكيف يقال: إن ~~الله لا يعذب أحدا إلا إذا رضي هؤلاء أن يعذبهم؟ # ومعلوم أن العبد عليه أن يتبع رضا الله عز وجل، فيفعل ما أمر، ويرضى بما ~~قدر. وأما الرب عز وجل إذا أراد أن يهلك أعداءه هل يشاور أحدا، أو يتوقف ~~فعله على رضا أحد من عباده؟ بل هؤلاء العباد إن كانوا راضين ms0022 بما أمرهم أن ~~يرضوا به، وإلا وجبت التوبة عليهم. إلا ترى أن الله تعالى لما أغرق أهل ~~الأرض، وأغرق فيهم ابن نوح الذي قال له نوح: (يا بنى اركب معنا ولا تكن مع ~~الكافرين (42) قال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر ~~الله إلا من PageV01P073 # رحم) (1). وبعد هذا دعا نوح ربه فقال: (رب إن ابنى من أهلى # وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين (45)) (2)، قال الله: (يا نوح إنه ليس من # أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم) (3). فإذا كان الله لما # استحق ابن نوح الهلاك أهلكه، وسأل نوح فيه فعاتب الله نوحا على # سؤاله، وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فكيف يقال: إنه # لا يعذب أحدا إلا برضا طائفة من عباده؟ فهل يكون أحد أفضل من أولي العزم: ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم ومحمد؟ # وقد (اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو ~~شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هى إلا فتنتك) أي ~~محنتك واختبارك (تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء أنت ولينا فأغفر لنا ~~وارحمنا وأنت خير الغافرين (155) واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ...) (4) الآية. # وقال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن ~~يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض ~~جميعا) (5). # فهذا حال الرسل مع الله يرد على من يغلو فيهم، فكيف يقال: إن له عبادا لا ~~يعذب أحدا إلا برضاهم؟ بل يقال: هؤلاء العباد لو أراد أن يهلكهم فمن يملك ~~دفع بأس الله عنهم؟ وهؤلاء العباد عليهم PageV01P074 # أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه، ففي صحيح البخاري (1) عن أبي هريرة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في ~~اليوم أكثر من سبعين مرة". # وفي صحيح مسلم (2) عن الأغر المزني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "يا أيها ms0023 الناس، توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم مئة مرة". # وقال - صلى الله عليه وسلم - (3): "إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر ~~الله في اليوم سبعين مرة". # وثبت عنه في الصحيحين (4) أنه كان يقول: "اللهم اغفر لي هزلي وجدي، وخطئي ~~وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما ~~أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت". # وهذا وأمثاله في دعاء الأنبياء وتضرعهم واستغفارهم وتوبتهم كثير في ~~الكتاب والسنة، وهم يسألون الله رحمته لهم ولغيرهم، ويستعيذون بالله من ~~عذابه أن ينزل بهم أو بمن يطلبون دفعه عنهم، فكيف يكون تعذيب رب العالمين ~~لمن شاء تعذيبه لا يكون إلا برضا بعض الناس؟. # لكن قد ثبت في الصحيحين (5) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مر عليه ~~بجنازة، فأثنوا عليها خيرا، فقال: "وجبت"، ومر عليه بجنازة، فأثنوا عليها PageV01P075 ### || CHECK - أولياء الله المتقون هم شهداء الله في الأرض # شرا، فقال: "وجبت"، قال: "هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت: # وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت: وجبت لها # النار، أنتم شهداء الله في الأرض". # وفي المسند (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يوشك أن ~~تعلموا أهل # الجنة من أهل النار"، قيل: بم يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن # والثناء السيئ". # فأولياء الله المتقون هم شهداء الله في الأرض، بما جعله الله من # النور في قلوبهم، فمن أثنوا عليه خيرا كان من أهل الخير، ومن أثنوا # عليه شرا كان من أهل الشر. وأيضا فقد يدعون الله لمن يحبونه، فينفعه الله ~~بدعائهم، ويدعون على غيره، فيتضرر بدعائهم. # والملائكة يؤيد الله بهم عباده المؤمنين، كما قال تعالى: (ثم أنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها) (2)، وقال: (إذ يوحي ~~ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا) (3). وقال: (فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها) (4). وقال .... (5). # وأما حزب الشيطان فيعاونهم الشياطين شياطين الإنس والجن، كما قال تعالى: ~~(وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم PageV01P076 ### || CHECK ms0024 - لفظ الغوث والقطب لم ينطق به كتاب ولا سنة # من الناس وإنى جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنى برئ ~~منكم) (1). .... (2). # فصل # ولفظ الغوث والقطب في حق البشر لم ينطق به كتاب ولا سنة، ولا تكلم به أحد ~~من الصحابة والتابعين لهم بإحسان في هذا المعنى، بل غياث المستغيثين على ~~الإطلاق هو الله تعالى، كما قال: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم) (3). # ولم يجعل الله أحدا من الخلق غوثا يغيث الخلق في كل ما يستغيثونه فيه، لا ~~ملك ولا نبي ولا غيرهما. بل في الصحيحين (4) أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: ~~يا رسول الله أغثني أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا. يا عباس عم قد ~~أبلغتك". # وهذا كقوله (5): "يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا؛ يا عباس ~~عم رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا؛ يا صفيه عمة رسول الله، لا أغني ~~عنك من الله شيئا، سلوني ما شئتم". وهذا من تأويل قوله: (وأنذر عشيرتك ~~الأقربين (214)) (6). PageV01P077 ### || CHECK - معنى القطب في العربية ### || CHECK - الرد على من يقول: الغوث مقيم بمكة # وقد يكون بعض الناس سببا لشر يندفع في بعض الأمور، فيقال: فلان يستغيث ~~بفلان، كما قال تعالى: (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) (1). هذا ~~كلفظ النصر والرزق والهدى، فالله هو الهادي النصير الرازق، وليس هذا النعت ~~على الإطلاق لأحد إلا لله وحده، لا لملك مقرب ولا نبي مرسل. لكن من الخلق ~~من يكون سببا في رزق أو هدى أو نصر يحصل لغيره، وهو في ذلك سبب، لا يستقل ~~بالحكم، بل لابد معه من أسباب أخر، ولابد من موانع يدفعها الله، وإلا لم ~~يحصل المطلوب. وأما أن يكون بشر أو ملك يغيث الخلق في كل ما يستغيثون فيه ~~بالله، فمن ادعى هذا فهو أكفر من النصارى من بعض الوجوه، فإن أولئك قالوا: ~~إن الله هو الذي يغيث، لكن زعموا ms0025 أنه اتحد أو حل في المسيح، وهذا جعل بعض ~~المخلوقات يفعل ما يفعله الخالق. ومن زعم أن ثم غوثا يكون على يديه ما ~~ينزله الله من هدى ونصر ورزق، فقد افترى على الله، ليس ما ينزله الله في ~~ذلك على عباده لشخص واحد. # ومن ضلال بعض هؤلاء أنهم يجعلون الغوث مقيما بمكة دائما. # فيقال لهم: من هذا الغوث الذي كان غياث الخلق على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين، ولم يكن أحد منهم مقيما بمكة؟ ومن كان ~~بمكة من هو أفضل من الرسول وخلفائه؟ وهؤلاء من جنس قول الإفرنج في "الباب"، ~~فإنهم يدعون فيه نحوا من ذلك. # وأما لفظ "القطب"، فما دار عليه أمر من الأمور قيل: إنه قطبه، كقطب الرحا ~~وقطب الفلك. فمن كانت له مرتبة من إمارة أو علم أو PageV01P078 ### || CHECK - الفرق بين الكرامات والخوارق الشيطانية ### || CHECK - القطب المصطلح عليه لا يمكن أن يوصف به مخلوق # دين فهو قطب تلك الأمور التي دارت عليه، فالملك قطب الملك، والوالي قطب ~~الولاية، ونحو ذلك. وقطب الدين الذي يؤخذ عنه ولا يزاحمه أحد هو محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -، ومن الصالحين من يجري الله على يديه من الخير ما يكون ~~قطب أمته. # وأما أن يكون للوجود قطب يدور عليه أمره، به ينزل المطر مطلقا، وبه يحصل ~~الهدى مطلقا، وبه يحصل النصر مطلقا، فهذا لا يكون لمخلوق البتة، ولكن قد ~~يكون من المخلوقين من يحصل به ما يحصل من نصر ورزق وهدى، كما قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم، بدعائهم وإخلاصهم ~~وصلاتهم؟ " (1). # ومن كان تاركا للصلاة مع قدرته على الصلاة فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا ~~قتل، وليس في هؤلاء من هو ولي لله، بل فيهم من معه شياطين توحي إليه ~~بأشياء، وتعاونه بأشياء، فيخبرون ببعض الأمور الغائبة كما كانت الكهان ~~تخبر، ويتصرفون في بعض الأمور بشياطينهم من جنس تصرف السحرة، فتارة يقتلون ~~الرجل، وتارة يمرضونه، إلى أمور أخرى من جنس الحوادث، فيظن من لا ms0026 يعرف ~~حقيقة أمرهم أنهم أولياء الله وأن هذه كرامات، وقد يكون في هؤلاء من هو ~~كافر بالله. ومن هؤلاء من يصلي، ويكون له ذنوب كبائر يكون بها فاسقا، وله ~~شياطين تعينه. وطائفة ثالثة خير من هؤلاء، وهؤلاء فيهم خير ودين، وفيهم قلة ~~معرفة بأمر الله ونهيه، يقترن بهم جن من جنسهم، فتارة يطيرون بهم في ~~الهواء، فيذهبون بهم إلى مكة، ويقفون بعرفات من غير أن يحجوا الحج الذي أمر ~~الله به ورسوله، فلا يحرمون، ولا PageV01P079 # يلبون، ولا يجتنبون محظورات الإحرام، ولا يقيمون بمزدلفة، ولا يطوفون ~~بالبيت، بل يحملون في الهواء فيقفون بعرفات، ثم يحملون فيصبحون في بلدهم. ~~وهذا من تلاعب الشياطين بهم. # ومن ظن هذا من كرامات أولياء الله فهو جاهل، فإن هذا عمل محرم، ليس مما ~~أمر الله به ورسوله، فلا يحل لأحد أن يذهب إلى عرفات، فيقف مع الناس ~~بثيابه، من غير أن يحج الحج الذي أمر الله به ورسوله. بل قد روي أن عمر بن ~~الخطاب رأى بعرفات ناسا عليهم الثياب، فأراد أن يعاقبهم عقوبة بليغة. # والقلم لم يرفع إلا عن المجنون، وليس كل من رفع عنه القلم يكون وليا لله، ~~بل من المجانين من يكون يهوديا ونصرانيا ومشركا، فلا يكون وليا لله وإن رفع ~~عنه القلم، بخلاف من كان مؤمنا بالله وبرسوله وله صلاح ودين، فأصابه خلط ~~أفسد مزاجه، فهذا إذا غاب عقله رفع عنه القلم، وإذا صحا (1) تكلم بكلام أهل ~~الإيمان، و [له] قلب يحب الله ورسوله ويحب ما أحبه الله ورسوله. # وأما من اقترنت به الشياطين، وغيبت عقله في بعض الأحوال، فهذا قد يتكلم ~~الشياطين على لسانه بالإثم والعدوان، ويبغض إليه ما يحبه الله من الطهارة ~~والصلاة والقرآن، ويحبب إليه ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان. ومن ~~علامات هؤلاء أنه لا يحصل لهم الخوارق عند أفعال الخير التي يحبها الله ~~ورسوله، كالصلاة والقراءة والذكر والدعاء وقيام الليل، بل إنما يحصل إذا ~~أشركوا بالله، فاستغاثوا ببعض المخلوقين، أو عاشروا النسوان والمردان ~~معاشرة قبيحة، أو ms0027 PageV01P080 ### || CHECK - رجال الغيب عند الصوفية هم من الجن والشياطين # حضروا سماع المكاء والتصدية، وإذا اجتمعت المحرمات كانت أحوالهم أقوى. ~~فهذا مما يبين أنهم من حزب الشياطين وأوليائه، لا من حزب الرحمن وأوليائه، ~~قال تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال ياليت بينى ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في ~~العذاب مشتركون (39)) (1). # وأما الذين يسمونهم (2) الناس رجال الغيب، كالذين يظهرون بالأماكن التي ~~ليس فيها جمعة ولا جماعة ولا آثار الرسالة، بل يظهرون في الأماكن التي ~~ينفرد بها بعض الناس عن الجمعة والجماعة، إما جبل من الجبال، كجبل لبنان ~~وجبل الفتح وجبل الأحبس وغير ذلك من الجبال، وإما مغارة من المغارات، ~~كمغارة الدم، وإما غيرها، وإما غير ذلك من المواضع التي لم يأمر الله ~~ورسوله بقصدها للعبادة، وإنما يقصدها الجهال. فهؤلاء هم من الجن والشياطين، ~~وقد سماهم الله رجالا، كما قال: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا (6)) (3). والكلام على هؤلاء وتفصيل أحوالهم وما عرفناه ~~من هذه الأمور يطول (4)، وهذا مقدار ما وسعته هذه الورقة. # تمت هذه الورقات [من] الجواب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. PageV01P081 ### | CHECK (4) فصل في أولياء الله وأولياء الشيطان # فصل في أولياء الله وأولياء الشيطان PageV01P083 ### || CHECK - المؤمن التقي ولى لله # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه الإعانة # الحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز ~~عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (128)) (1). # وقال تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلوا عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) (2). # وقال تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض لا إله إلا هو يحى ويميت فأمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158)) (3). # وقال تعالى: (ألا إن أولياء الله ms0028 لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون (63)) (4). # فمن كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، من أي صنف كان. # وفي الصحيحين (5) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن أوليائي ~~المتقون PageV01P085 ### || CHECK - أولياء الله نوعان # حيث كانوا ومن كانوا". # وفي صحيح البخاري (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يقول ~~الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل ~~أداء ما افترضت عليه. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ~~ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي. ولئن سألني ~~لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض ~~نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه". # فقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أولياء الله نوعان: المقربون ~~السابقون، والأبرار أصحاب اليمين، هم الذين تقربوا إليه بالنوافل بعد ~~الفرائض. # والآخرون هم المؤدون للفرائض المجتنبون للمحارم، كما قال تعالى: (ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات) (2). فالظالم لنفسه: هو صاحب الذنوب والخطايا؛ والمقتصد: هو ~~الذي يفعل ما فرضه الله عليه ويترك ما حرمه الله عليه؛ والسابق بالخيرات: ~~هو الذي لا يزال يتقرب إلى الله بما يقدر عليه من النوافل بعد الفرائض. ~~وهؤلاء هم المتبعون لخاتم المرسلين وإمام المتقين وأفضل خلق الله أجمعين ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - تسليما، الذي بعثه الله إلى الناس بشيرا ~~ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فهدى به من الضلالة، وأرشد به ~~من الغواية، وفتح به PageV01P086 # أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، حين فرق الله به [بين] الحق والباطل، ~~وبين المعروف والمنكر، وبين الخير والشر، وبين طريق الجنة وطريق النار، ~~وبين أولياء الله وأعداء الله. # فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والطريق إلى الله هو ~~طاعة أمره، فلا ms0029 طريق إلى الله إلا متابعة رسول الله. # قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم) (1). # وقال تعالى: (وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم (52) صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور (53)) (2). # وقد بعث الله محمدا بشرائع الإسلام وحقائق الإيمان، فقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت" (3). # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره". وقال: "الإحسان أن تعبد ~~الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (4). # فقد بين شرائع الإسلام وحقائق الإيمان، فكل من دعا إلى شريعة أو حقيقة ~~تخالف ما بعثه الله به فهو ضال من إخوان الشياطين، خارج PageV01P087 ### || CHECK - ذكر بعض الإشارات الشيطانية والمنكرات لديهم ### || CHECK - من سلك مسلك المبتدعين الضالين لم يكن من أولياء الله # عن طريق الله ودين المرسلين، ليس من أولياء الله المتقين ولا حزب الله ~~المفلحين ولا عباده الصالحين. # وقد ثبت في الصحيح (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في ~~خطبته: "إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور ~~محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". # وقال العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة ~~بليغة ذرفت منها الأعين، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! # كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بالسمع والطاعة، ~~فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كبيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ~~ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" (2). قال الترمذي: حديث صحيح. # فمن سلك مسلك المبتدعين الضالين لم يكن من أولياء الله المتقين وحزبه ~~المفلحين وعباده الصالحين، مثل الذين يظهرون الإشارات الشيطانية، كإشارة ~~الدم والسكر والنيل واللادن وماء الورد والزعفران، وملابسة النيران، فحين ~~يلبسهم ms0030 الشيطان قد يزيد أحدهم، ويتكلم الشيطان على لسانه كما يتكلم الجن ~~على لسان المصروع، وإذا أفاق من سكره لم يعرف ما تكلم به الشيطان على ~~لسانه، كما لا يعرف المصروع إذا أفاق ما تكلم به الشيطان على لسانه، ومثل ~~أكل الحيات والعقارب والزنابير، وأكل آذان الكلاب والحمير، وغير ذلك PageV01P088 ### || CHECK - سماع المؤمنين هو سماع القرآن ### || CHECK - رغبتهم في سماع مزامير الشيطان # من الخبائث التي يأكلونها، والمنكرات التي يفعلونها، مثل الرقص على ~~الغناء والمزامير، ورفع الأصوات بالخوار كما يخور الثور، وقد قال تعالى: ~~(واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19)) (1). ~~وهؤلاء الضلال الغواة حزب الشيطان لا يقصدون في مشيهم، ولا يغضون من ~~أصواتهم، بل يرفعون الأصوات المنكرات، ويرقصون كرقص الدباب ونحوها من ~~الحيوانات، ويعرضون عن كتاب الله وسنة رسوله، فلا يرغبون في سماع كلام الله ~~وكلام رسوله وكلام الصحابة كما يرغبون في سماع مزامير الشيطان، بل سماع ~~مزامير الشيطان أحب إليهم من سماع كلام الملك الرحمن. # وقد كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتمعوا أمروا واحدا ~~منهم أن يقرأ، والباقي (2) يستمعون، وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى ~~الأشعري: يا أبا موسى! ذكرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون. # ومر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ، فقال: ~~"مررت بك البارحة وأنت تقرأ، فجعلت أستمع لقراءتك"، فقال: يا رسول الله! # لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا (3). # وسماع القرآن هو سماع النبيين والمؤمنين والعالمين والعارفين، كما بين ~~الله ذلك في كتابه، قال تعالى: (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ~~ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا PageV01P089 # إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58)) (1). # وقال تعالى: (* وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~مما عرفوا من الحق) (2). # وقال تعالى: (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان ~~سجدا (107) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (108) ويخرون ms0031 ~~للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109)) (3). # وقال تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود ~~الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) (4). # وقال: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) (5). # وأما اتخاذ التصفيق والغناء والمزامير قربة وطاعة وطريقا إلى الله، فهذا ~~من جنس دين المشركين الذين قال الله فيهم: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا ~~مكاء وتصدية) (6). والمكاء: هو التصويت بالفم، كالصفير والغناء، والتصدية: ~~التصفيق باليد. فذم الله هؤلاء المشركين الذين يجعلون هذا قائما مقام ~~الصلاة. # وأهل البدع والضلالة أتباع الشيطان يحبون السماع بالدف والكف أكثر مما ~~يحبون سماع القرآن، ويرون ذلك طريقا لهم يقدمونه على PageV01P090 ### || CHECK - المبتدعون الضالون لا تأتيهم الإشارات الشيطانية إلا عند البدع # استماع القرآن، [و] يختارون سماع أبيات الشيطان على سماع آيات الرحمن. ~~وقد قال عبد الله بن مسعود (1): الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت ~~الماء البقل، والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقل. # ولهذا كان هؤلاء المبتدعون الضالون أتباع الشيطان لا تأتيهم الإشارات ~~الشيطانية إلا عند الباع التي لم يشرعها الله ولم يأذن بها، مثل اجتماعهم ~~على سماع أبيات الشيطان ومزاميره، لاسيما إذا كان هناك جيران من الصبيان ~~وأخواتهم من النسوان، فهنالك يكون أظهر لحال الشيطان. # سمعوا القران فاطرقوا لا خيفة لكنه إطراق ساه لاه # أما الغناء فكالحمير تناهقوا والله مارقصوا من أجل الله # دف ومزمار ونغمة شاهد فمتى رأيت عبادة بملاهي # يا أمة ما ضر دين محمد وجنى عليه ومن له إلا هي # وأيضا فهم يشركون بالرحمن، فيستغيثون بالمخلوق الميت والغائب، يرجونه ~~ويخافونه ويدعونه، وهو لا يسمع كلامهم ولا يرى مكانهم، ولكن الشياطين قد ~~تخاطبهم وقد تتمثل في صورته، فيظنونه أن ذلك هو المسيح المستغاث به، وإنما ~~هو شيطان تمثل لهؤلاء المشركين، كما تتمثل الشياطين للنصارى في صورة من ~~يستغيثون به مثل جرجس وغيره، مثل ما تدخل الشياطين في الأصنام، وتكلم ~~عابديها أحيانا، مثل ما كان يجري للمشركين من العرب، ومثل ما يجري للمشركين ~~من الترك ms0032 والهند وغيرهم. فإذا حضر أولياء الله المتقون وحزبه PageV01P091 ### || CHECK - كيف ينبغي أن يعامل هؤلاء # المفلحون وجنده الغالبون، فذكروا الرحمن وقرأوا آية الكرسي ونحوها من ~~آيات القرآن نزلت الملائكة، فطردت الشياطين، وبطلت أحوالهم. كما قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب ~~الله ويتدارسونه إلا غشيتهم الرحمة، وتنزلت عليهم السكينة، وحفتهم ~~الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" (1). و"من قرأ آية الكرسي إذا أوى إلى ~~فراشه لم يزل عليه من الله حافظ، لا يقربه شيطان حتى يصبح" (2). كما صدق ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من أخبر بذلك. # وهؤلاء المبتدعون الضالون يجب على كل قادر أن ينهاهم عن هذه البدع ~~المضلة، ويذم من يفعلها، فإن لم ينته وإلا عاقبه بما يستحقه شرعا، وأقل ذلك ~~أن يهجرهم، فلا يقربهم ولا يعاشرهم حتى يتوبوا، ويتبعوا الكتاب والسنة ~~والطريق التي بعث الله بها رسوله، ولا يعطون من الزكاة حتى يتوبوا، فإن ~~الزكاة جعلها الله رزقا لمن يعبده ويطيعه ويطيع رسوله من عباده المؤمنين، ~~فلا يعان بها أهل البدع الضالين الذين يضلون الناس عن سبيل الله، ويدعونهم ~~إلى خلاف كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. # والحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه على سيد المرسلين محمد وآله ~~وصحبه أجمعين، كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون، وسلم تسليما ~~كثيرا. والله الموفق للصواب. # (تمت الرسالة بحمد الله وعونه لشيخ الإسلام مفتي الأنام تقي الدين أبي ~~العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، رضي الله عنه وأرضاه، ~~وجعل الجنة منقلبه ومثواه). PageV01P092 ### | CHECK (5) مسألة عن الأحوال وأرباب الأحوال # مسألة عن الأحوال وأرباب الأحوال PageV01P093 ### || CHECK - اضطراب المتكلمين والصوفية في هذا الأصل ### || CHECK - الفرق بين الأحوال الربانية والأحوال الشيطانية # مسألة # عن الأحوال وأرباب الأحوال، هل هم قسمان: أولياء لله تعالى أحوالهم ~~ربانية؛ وأولياء للشيطان أحوالهم شيطانية؟ وإذا كان كذلك فما الفرق بين ~~هؤلاء وهؤلاء؟ فإن جماعة من الناس انحرفوا، حتى أنكروا كرامات الأولياء، ~~وآخرين اعتقدوا كل خارق دليل (1) على الولاية الرحمانية. ms0033 # أجاب الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد ~~السلام ابن تيمية - أيده الله ووفقه لما يرتضيه بمنه وكرمه -: # الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة من أعظم المسائل التي يحتاج إليها ~~جميع الناس، فإنه من لم يفرق بين الخوارق التي تكون آيات وبراهين ومعجزات ~~للأنبياء، وتكون مما يكرم الله به الأولياء؛ وبين الخوارق التي تكون للسحرة ~~والكهان وغيرهم من حزب الشيطان، وإلا (2) اشتبه عليه الأنبياء وأتباعهم ~~أولياء الله المتقون بالمنتسبين الكذابين وشبههم الكذابين الضالين. # ولهذا اضطرب في هذا الأصل كثير من أهل النظر والكلام في أصول الدين ~~والعلوم الإلهية، ومن أهل العبادة والزهد والفقراء والصوفية. وأما اشتباه ~~ذلك على عموم الناس ومن شدا طرفا من العلم أو كان له حظ من العبادة، فأعظم ~~من أن يوصف. PageV01P095 ### || CHECK - إنكار كرامات الأولياء من البدع # والله سبحانه بعث رسوله وأنزل كتابه لبيان الفرق بين هذا وهذا، وختمهم ~~بمحمد - صلى الله عليه وسلم - أفضل رسول بعثه بأفضل كتاب إلى أفضل أمة ~~بأفضل شريعة، فرق الله به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي ~~والرشاد، وأولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وجند الله المفلحين وحزب إبليس ~~اللعين. وقد بسط الكلام عليه [في] غير هذا الموضع، مثل "بيان الفرقان بين ~~أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" لأجل سؤال من سأل عن ذلك من أهل الملك ~~والعلم والدين. # فمن أنكر كرامات أولياء الله المتقين فهو من أهل البدع الضالين، كمن أنكر ~~ذلك من المعتزلة وغيرهم، ولهذا كان أفضل متأخريهم أبو الحسين البصري مقرا ~~بكرامات أولياء الله المتقين، وإن كان بعض أهل الإثبات -كأبي إسحاق ~~الإسفرايني- وافق المعتزلة على إنكار الكرامات. فإنكار كرامات أولياء الله ~~المتقين قول مبتدع في الإسلام، مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف الماضين ~~وأئمة الدين، بل من أنكر خوارق أهل السحر وأتباع الشياطين فهو من أهل البدع ~~الضالين، كما أنكر طائفة من الفلاسفة والأطباء وجود الجن، وأنكر كثير من ~~المعتزلة أن يدخلوا في الإنسان ويصرعوه ويتكلموا على لسانه. فكلا القولين ~~من الأقوال الباطلة المخالفة للكتاب والسنة وأقوال ms0034 الأئمة، بل من المخالف ~~لصحيح المنقول وصريح المعقول، وإن كان إنكار الجن كفر ظاهر (1)، فكثير ما ~~في الكتاب والسنة من ذكرهم، بخلاف دخولهم في الإنسان فإنه أخفى، ولهذا كان ~~إنكار الثاني بدعة وإنكار الأول إلحادا ظاهرا. PageV01P096 # والمقصود [أن] من أنكر خوارق العادات مطلقا للأنبياء وغيرهم فهذا كافر ~~باتفاق أهل الملل، وكذلك إن جعل ذلك من قوى النفس، كما يقوله ابن سينا ~~وأمثاله من المتفلسفة، فهؤلاء ملحدون باتفاق أهل الملل، وقد بسط الكلام على ~~هؤلاء في مجلد كبير يسمى "الصفدية" وغيرها. # ومن قال إن العادات لا تخرق إلا للأنبياء، وأنكر الكرامات والسحر الخارق ~~للعادة، فهو من أهل البدع الخارجين عن الجماعة كأكثر المعتزلة. وكذلك من ~~قال: إنها لا تخرق إلا للأنبياء والأولياء، وجعل يستدل بمجرد خرق العادة ~~على أن من خرقت له العادة كان وليا لله، وإن كان مخالفا للكتاب والسنة. ~~فهؤلاء ضالون، وهم شر من المعتزلة، وهم من جنس أتباع الدجال وأتباع مسيلمة ~~الكذاب والأسود العنسي وغيرهم من الكذابين. # ولهذا اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء ~~لم يعتبر حتى ينظر متابعته لأمر الله ونهيه. فإن هؤلاء يستلزم أقوالهم أن ~~يجعلوا كثيرا من المشركين وأهل الكتاب - اليهود والنصارى - من أولياء الله ~~المتقين، فإن لهؤلاء خوارق كثيرة، فمن أنكر وجودها كان كمن أنكر خوارق ~~الأولياء وأنكر السحر والكهانة، ومن أقر بوجودها وجعلها دليلا على أن ~~صاحبها ولي لله فهو جعل خوارق السحرة والكهان دليلا على أنهم أنبياء ~~وأولياء الرحمن، وكلا القولين يوجب الخروج عن دين الإسلام، والخروج من ~~النور إلى الظلام. بل يجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء بما بينه الله من ~~الآيات والبراهين، وبما بعث به سيد المرسلين، فيعلم أن أولياء الله هم ~~المذكورون في قوله تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم PageV01P097 ### || CHECK - أولياء الله هم المتقون، وهم نوعان # يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ms0035 (64)) (1). # فأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وهم نوعان: الأبرار وأصحاب اليمين؛ ~~والسابقون المقربون. فالأولون هم المقربون إلى الله بفعل ما فرضه وترك ما ~~حذره؛ والآخرون هم الذين يتقربون إليه بعد الواجبات بالنوافل المستحبات، ~~كما روى البخاري في صحيحه (2) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: "يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما ~~تقرب إلي عبد بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ~~حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده ~~التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي ~~يمشي. ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا ~~فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه". # فقد بين - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث نوع أولياء الله المتقربين ~~بالفرائض، # ونوع أهل النوافل بالمحبة. ومالم يكن من الواجبات ولا من المستحبات، ولم ~~يأمر الله به ورسوله لا أمر إيجاب ولا استحباب، ولا فضله الله ورسوله ~~بالترغيب فيه، فليس من الأعمال الصالحة، وليس من العبادات التي يتقرب بها ~~إلى الله، وإن كان كثير من عباد المشركين وأهل الكتاب والمبتدعين يتقربون ~~بما يظنونه عبادات، PageV01P098 ### || CHECK - الخوارق التي تحصل للمبتدعة من الأحوال الشيطانية # وليس مما أوجب الله ورسوله ولا أحبه الله ورسوله، فهؤلاء ضالون مخطئون ~~طريق الله. # وهم في الضلال درجات: فمنهم كافر، ومنهم فاسق، ومنهم مذنب، ومنهم مؤمن ~~مخطئ أخطأ في اجتهاده. والخوارق التي تحصل بمثل هذه الأعمال التي ليست ~~واجبة ولا مستحبة، بل هي من الأحوال الشيطانية، لا مما يكرم الله به ~~أولياءه. كالخوارق التي تحصل بالشرك والكواكب وعباداتها، وعبادة المسيح ~~والعزير وغيرهما من الأنبياء، وعبادة الشيوخ الأحياء والأموات، وعبادة ~~الأصنام، فإن هؤلاء قد تجعل لهم أرواح تخاطب ببعض الأمور الغائبة، ولكن ~~لابد أن يكذبوا مع ذلك، كما قال تعالى: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ~~(221) تنزل على كل ms0036 أفاك أثيم (222)) (1). وقد تقتل بعض الأشخاص أو تمرضه، ~~وقد تأتيه بما تسترقه من الناس، إما دراهم وإما طعام وإما شراب أو لباس أو ~~غير ذلك. وهذا كثير جدا. # فمن كذب بمثل هذه الخوارق فهو جاهل بالموجودات، ومن ظن أن هذه كرامات ~~أولياء الله المتقين فهو كافر بدين رب الأرض والسماوات، بل هذه من جنس ~~أحوال الكهنة والسحرة، مثل مكاشفة عبد الله بن صياد للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وكان قد ظنه بعض الصحابة الدجال، ولم يكن هو الدجال، وتوقف فيه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تبين له أنه ليس هو الدجال، لكن كان له ~~حال شيطاني، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قد خبأت لك خبيئة" ~~(2)، فقال: الدخ الدخ، وكان قد خبأ له سورة الدخان، PageV01P099 ### || CHECK - أمثلة من كرامات الأولياء ### || CHECK - الأحوال التي تحصل عند سماع المكاء والتصدية والشرك كلها شيطانية ### || CHECK - كرامات الأولياء فيها الإيمان والتقوى # فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اخسأ، فلن تعدو قدرك، فإنما أنت ~~من إخوان الكهان". وقال له (1): "ما ترى؟ " قال: أرى عرشا على الماء، وقال: ~~يأتيني صادق وكاذب. وذلك العرش هو عرش إبليس. وقد ثبت في صحيح مسلم (2) عن ~~جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشيطان ينصب عرشه على البحر، ~~ويبعث سراياه". # وأما كرامات أولياء الله تعالى فيها الإيمان والتقوى، سببها ما أمر الله ~~به من الأعمال الواجبات والمستحبات، وأكابر أولياء الله يقتدون بنبيهم - ~~صلى الله عليه وسلم -، فلا يستعملون الخوارق إلا لحاجة المسلمين، أو لحجة ~~في الدين، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما تجري الخوارق على ~~يديه لحجة للدين أو لحاجة المسلمين، كتكثير الطعام والشراب عند الحاجة. # والأحوال التي تحصل عند سماع المكاء والتصدية والشرك كلها شيطانية، ولهذا ~~تبطل أحوالهم إذا قرئت عليهم آية الكرسي، فإنها تطرد الشيطان، وإذا أرادوا ~~(3) دعوا شيوخهم وتوجهوا إلى ناحيتهم جاءتهم الشياطين، وقد تتكلم على ~~ألسنتهم حال الوجد الشيطاني بكلام لا يفهمه صاحبه إذا أفاق، كما يتكلم ~~الجني على لسان ms0037 المصروع، وقد يطير أحدهم في الهواء. فهذا ونحوه من الأحوال ~~الشيطانية. # وأما كرامات أولياء الله كمثل ما جرى للعلاء بن الحضرمي لما غزا البحرين، ~~فمشى هو والعسكر الذي معه بخيولهم على البحر، فما PageV01P100 # ابتلت لبود سروجهم. وكذلك أبو مسلم الخولاني ومن معه، ومثل صلاة أبي مسلم ~~ركعتين لما ألقاه الأسود العنسي في النار، فصارت عليه بردا وسلاما. # وقد بسطنا هذا في "بيان الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" (1)، ~~وهذا قدر ما احتملته الورقة. والله أعلم. # ... PageV01P101 ### | CHECK (6) مسألة في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه # مسألة في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه PageV01P103 ### || CHECK - ثبت أنه رآه بفؤاده ### || CHECK - رؤيته بالعين لم تثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن غيره # مسألة # سئل الشيخ الإمام العالم الأوحد شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ~~بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني رضي الله عنه، في رؤية ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه عز وجل، هل كانت بعين رأسه أم بقلبه؟ # الجواب # الحمد لله. أما رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه بعين رأسه في ~~الدنيا فهذا لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحد من ~~الصحابة، ولا عن أحد من الأئمة المشهورين، لا أحمد بن حنبل ولا غيره. ولكن ~~الذي ثبت عن الصحابة - كأبي ذر وابن عباس وغيرهما - والأئمة كأحمد بن حنبل ~~وغيره أنه يقال: رآه بفؤاده، كما ثبت في صحيح مسلم (1) عن ابن عباس أنه ~~قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين. # وقد ثبت عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله ~~الفرية (2). # ولم ترو عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيئا، ولا روى أبو ~~بكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيئا. وأما الحديث الذي يذكره ~~بعض الجهال أنه قال لعائشة: "لم أره"، وقال لأبي بكر: "بل رأيته"، وأنه ~~أجاب كل واحد على قدر عقله - فهذا كذب، ولم يرو هذا الحديث ms0038 أحد من علماء ~~المسلمين، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعروفة. PageV01P105 ### || CHECK - من زعم أنه يرى الله في الدنيا بعينه فهو من الحلولية والاتحادية ### || CHECK - الروايات عن الإمام أحمد في هذا الباب ### || CHECK - التوفيق بين قول عائشة وابن عباس # ثم من العلماء من جمع بين قول عائشة وقول ابن عباس، وقال: إن عائشة أنكرت ~~رؤية العين، وابن عباس ذكر رؤية الفؤاد، ولا منافاة بينهما. ومنهم من ~~جعلهما قولين مختلفين. وأكثر أهل السنة يرجحون قول ابن عباس، لما فيه من ~~الإثبات، ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "رأيت ربي" ~~(1). وليس في شيء من الحديث الثابت أنه قال: رأيت ربي بعيني، بل قد روى ~~بعضهم هذه الأحاديث التي فيها رؤية العين، كأبي بكر الخلال، ونصر هذا القول ~~طائفة، منم القاضي أبو يعلى. # وذكر عن أحمد في الرؤية ثلاث روايات (2): رواية أنه رآه بعين رأسه، ~~ورواية بعين قلبه، ورواية أنه يقول: رآه، ولا يقول: بعين رأسه، ولا بعين ~~قلبه. ونصر هذا طائفة من أهل الكلام من أتباع ابن كلاب، لكن رؤية العين عند ~~هؤلاء إنما هي زوال مانع في العين، [و] ليست الرؤية المعروفة عند سلف الأمة ~~وأئمتها، وهؤلاء إنما وافقوا ابن كلاب في مسألة الكلام فقط، وأما مسألة ~~الرؤية المناسبة فخالفوه فيها، وخالفوه أيضا فيما يثبته من الصفات الخبرية: ~~الرؤية والعلو وغيرهما، وإن كانوا ينتسبون إلى مذهبه لموافقتهم له في أكثر ~~أقواله، وأكثر هؤلاء يجعلون تكليم الله لموسى إفهامه الكلام القائم بالذات، ~~ويجعلون رؤيته إنما هي خلق الإرادة في العين فقط. فسلك طريق هؤلاء الجهمية ~~الاتحادية وغيرهم، وصار منهم من يزعم أن الله يكلمه كما كلم موسى بن عمران، ~~ومن يزعم أنه يرى الله في الدنيا بعينه من الحلولية والاتحادية، حتى ~~يقولون: إنهم يرون الله في كل PageV01P106 ### || CHECK - ما روي في رؤية العين في الدنيا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كله كذب # صورة في الدنيا والآخرة. # واتفق هؤلاء غلاة المعطلة وغلاة المجسمة على أنه يرى في ms0039 الدنيا بالعينين، ~~وحتى يزعموا (1) أنهم يؤاكلونه ويشاربونه ويجالسونه في الدنيا، وأمثال هذه ~~الترهات. # وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وجميع علماء المسلمين على أن غير النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يرى الله في الدنيا (2)، وثبت في الصحيح (3) عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت". # ولذلك اتفق الصحابة وسلف الأمة وأئمتها على أن الله يرى في الآخرة ~~بالأبصار عيانا كما يرى الشمس والقمر، كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. فمن قال: إنه لا يرى في الآخرة فهو جهمي ضال، ومن ~~قال: إن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - يراه في الدنيا بالفؤاد فهو أيضا ~~مبتدع ضال كاذب، والحلولية والاتحادية يجمعون بين النفي # والإثبات. ومن قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - رآه بعينه في الدنيا ~~فهو أيضا غالط، قائل قولا لم يقله أحد من الصحابة ولا الأئمة. # والمنقول في رؤية العين في الدنيا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كله ~~كذب موضوع باتفاق أهل العلم. وكذلك عن أحمد، فإنه لم يقل قط: إنه رآه ~~بعينه، وإنما قال مرة: رآه، ومرة قال: بفؤاده، وأنكر على من أنكر مطلق ~~الرؤية، وذكر أنه يتبع ما نقل في ذلك من الآثار، وروى بإسناده عن أبي ذر ~~أنه رآه بفؤاده. PageV01P107 ### || CHECK - الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية وأنه رآه في صورة كذا كلها رؤيا منام # وقد ثبت في صحيح مسلم (1) أن أبا ذر أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقال: هل رأيت ربك؟ فقال: "نور، أنى أراه! ". وفي لفظ: "رأيت نورا". فأبو ~~ذر هو السائل للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد أجابه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بهذا الجواب. وقد روى بإسناده عن أبي ذر أنه رآه بفؤاده، واتبع ~~أحمد ذلك. # وقد روي أحاديث فيها ذكر الرؤية، وأنه رآه في صورة كذا، وأنه وضع يده بين ~~كتفيه حتى وجد برد أنامله، وقال له: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: في ~~الكفارات والدرجات، وقال في ms0040 آخره: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك ~~المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني ~~إليك غير مفتون". رواه الترمذي وغيره (2)، وذكر تصحيحه. # وهذا الحديث ونحوه كلها رؤيا منام، وكانت بالمدينة بعد المعراج، وأما ~~أحاديث المعراج المعروفة فليس في شيء منها ذكر رؤيته البتة أصلا. # فالواجب اتباع الآثار الثابتة في ذلك وما كان عليه السلف والأئمة، وهو ~~إثبات مطلق الرؤية، أو رؤية مقيدة بالفؤاد. أما رؤيته بالعين ليلة المعراج ~~أو غيرها، فقد تدبرنا عامة ما صنفه المسلمون في هذه المسألة وما نقلوا فيها ~~قريبا من مئة مصنف، فلم نجد أحدا روى بإسناد ثابت - لا عن صاحب ولا إمام - ~~أنه رآه بعين رأسه. والله أعلم. # ... PageV01P108 ### | CHECK (7) قاعدة شريفة في تفسير قوله (أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم) # قاعدة شريفة في تفسير قوله # (أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم) # (كتبها بقلعة دمشق في آخر عمره) PageV01P109 ### || CHECK - ترجيح بعضهم قراءة ولا يطعم ورد المؤلف عليه ### || CHECK - الكلام على القراءتين في الآية # بسم الله الرحمن الرحيم # (من كلام شيخنا الجديد الذي كتبه بقلعة دمشق في آخر عمره) # الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # فصل # في قوله تعالى (أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا ~~يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14)) (1). # القراءة المتواترة التي بها يقرأ جماهير المسلمين قديما وحديثا - وهي ~~قراءة العشرة وغيرهم -: "وهو يطعم ولا يطعم". وروي عن طائفة أنهم قرأوا: ~~"وهو يطعم ولا يطعم" بفتح الياء. قال أبو الفرج (2): وقرأ عكرمة والأعمش: ~~"ولا يطعم" بفتح الياء. قال الزجاج (3): وهذا الاختيار عند البصراء ~~بالعربية، ومعناه: وهو يرزق ويطعم ولا يأكل. ms0041 PageV01P111 ### || CHECK - حكم القراءات الشاذة ### || CHECK - القراءة المتواترة أرجح من جهة النقل # قلت: الصواب المقطوع به أن القراءة المشهورة المتواترة أرجح من هذه، فإن ~~تلك القراءة لو كانت أرجح من هذه لكانت الأمة قد نقلت بالتواتر القراءة ~~المرجوحة. والقراءة التي هي أحب القراءتين إلى الله ليست معلومة للأمة، ولا ~~مشهودا بها على الله، ولا منقولة نقلا متواترا، فتكون الأمة قد حفظت ~~المرجوح، ولم تحفظ الأحب إلى الله الأفضل عند الله، وهذا عيب في الأمة ونقص فيها. # ثم هو خلاف قوله (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9)) (1)، فإنه ~~على قول هؤلاء يكون الذكر الأفضل الذي نزله ما حفظه حفظا يعلم به أنه منزل، ~~كما يعلم الذكر المفضول عندهم. # وأيضا فللناس في هذه القراءة وأمثالها مما لم يتواتر قولان (2): منهم من ~~يقول: هذه تشهد بأنها كذب، قالوا: وكل مالم يقطع بأنه قرآن فإنه يقطع بأنه ~~ليس بقرآن. قالوا: ولا يجوز أن يكون قرآن منقولا بالظن وأخبار الآحاد، فإنا ~~إن جوزنا ذلك جاز أن يكون ثم قرآن كثير غير هذا لم يتواتر. قالوا: وهذا مما ~~تحيله العادة، فإن الهمم والدواعي متوفرة على نقل القرآن، فكما لا يجوز ~~اتفاقهم على نقل كذب، لا يجوز اتفاقهم على كتمان صدق. # فعلى قول هؤلاء يقطع بأن هذه وأمثالها كذب فيمتنع أن يكون أفضل من القرآن ~~الصدق. PageV01P112 # والقول الثاني: قول من يجوز أن تكون هذه قرانا وإن لم ينقل بالتواتر. ~~وكذلك يقول هؤلاء في كثير من الحروف التي يقرأ بها في السبعة والعشرة، لا ~~يشترط فيها التواتر. وقد يقولون: إن التواتر منتف فيها أو ممتنع فيها. ~~ويقولون: المتواتر الذي لا ريب فيها ما تضمنه مصحف عثمان من الحروف، وأما ~~كيفيات الأداء مثل تليين الهمزة، ومثل الإمالة والإدغام، فهذه مما يسوغ ~~للصحابة أن يقرأوا فيها بلغاتهم، لا يجب أن يكون النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - تلفظ بهذه الوجوه المتنوعة كلها، بل القطع بانتفاء هذا أولى من ~~القطع بثبوته. وما كان تلفظه به على وجهين كلاهما صحيح المعنى، مثل قوله: ms0042 ~~(وما الله بغافل عما تعملون (85)) (1) ويعملون (2)، وقوله: (إلا أن يخافا ~~ألا يقيما حدود الله) (3) إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله (4)، فهذه ~~يكتفى فيها بالنقل الثابت وإن لم يكن متواترا، كما يكتفى بمثل ذلك في إثبات ~~الأحكام والحلال والحرام، وهو أهم من ضبط الياء والتاء، فإن الله سبحانه ~~وتعالى ليس بغافل عما يعمل المخاطبون بالقرآن، ولا عما يعمل غيرهم، وكلا ~~المعنيين حق قد دل عليه القرآن في مواضع، فلا يضر أن لا يتواتر دلالة هذا ~~اللفظ عليه. بخلاف الحلال والحرام الذي لا يعلم إلا بالخبر الذي ليس ~~بمتواتر. # والعادة والشرع أوجب أن ينقل القرآن نقلا متواترا، كما نقلت جمل الشريعة ~~نقلا متواترا، مثل إيجاب الصلوات الخمس، وأن صلاة PageV01P113 ### || CHECK - وجوه ترجيح القراءة المتواترة ولا يطعم من جهة المعنى # الحضر أربع إلا المغرب والفجر، وأنه يخافت في صلاة النهار ويجهر في صلاة ~~الليل، ويجهر في صلاة الفجر وإن قيل: إنها من صلاة النهار، وأنها ركعتان ~~حضرا وسفرا، والمغرب ثلاث حضرا وسفرا، ونحو ذلك. # ثم كثير من الأحكام التي يعملها الخاصة دون العامة، تعلم بالأخبار التي ~~يعلمها الخاصة، كذلك بعض الحروف التي يضبطها الخاصة من القراء قد تكون من ~~هذا الباب. # وعلى هذا الوجه فيمتنع أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ ~~بتلك القراءة أكثر، ويعلمها لأمته أكثر، وجماهير الأمة لم تنقلها ولم ~~تعرفها، فنقل جمهور الأمة لها خلفا عن سلف توجب أنها كانت أكثر وأشهر من ~~قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - إن كان قرأ بالأخرى، وإن كان لم يقرأ ~~بالأخرى لم تعدل بهذه. فنحن نشهد شهادة قاطعة أنه قرأ بهذه، وأن تلك إما ~~أنه لم يقرأ بها أو قرأ بها قليلا، والغالب عليه قراءته بهذه، لأنه يمتنع ~~عادة وشرعا أن تكون قراءته بتلك أكثر، وجمهور الأمة لم تنقل عنه ما هو أغلب ~~عليه، ونقل عنه ما كان قليلا منه. # فهذا من جهة نقل إعراب القرآن ولفظه. # فصل # وأما من جهة معناه ومفهومه فيقال: نفس القراءة المتواترة أرجح ms0043 وأظهر ~~وأتم، وذلك من وجوه: أحدها: أن معنى هذه موافق لمعنى قوله في الآية الأخرى ~~(وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن ~~يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58)) (1). فقوله: (وما ~~أريد أن يطعمون (57)) PageV01P114 # نفي لإرادته منهم أن يطعموه، فهو نفي لإطعامهم، وهذا موافق لقوله (وهو ~~يطعم ولا يطعم) على البناء للمفعول. ولو أريد نظير تلك القراءة لقال: "فإني ~~لا أطعم" ونحو ذلك. ولا ريب أنه سبحانه منزه عن الأكل والشرب، بل الملائكة ~~لا تأكل ولا تشرب، فكيف بالسبوح القدوس رب الملائكة والروح؟ # وهذا المعنى قد دل عليه في مواضع: # منها: اسمه "الصمد"، فإن من معناه الذي لا يأكل ولا يشرب، كما قد بين هذا ~~في تفسير هذه السورة (1). # ومنها: قوله (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقه كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ~~(75)) (2). وهو سبحانه ذكر هذا بعد قوله: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من ~~يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ~~(72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن ~~لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) أفلا يتوبون ~~إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ~~ثم انظر أنى يؤفكون (75)) (3). PageV01P115 ### || CHECK - تفسير قوله تعالى (كانا يأكلان الطعام) # فهذا كلام في سياق نفي الإلهية عن المسيح وغيره، وتكفير من قال: إنه ~~الله، أو إن الله ثالث ثلاثة، ومن اتخذه وأمة إلهين من دون الله، فبين ~~غايته وغاية أمه، فقال (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~وأمه صديقه)، وهو رد على اليهود والنصارى. # ثم قال: ms0044 (كانا يأكلان الطعام)، وهو يقتضي أن أكل الطعام مناف للإلهية، ~~فمن يأكل الطعام لا يصلح أن يكون إلها. ولولا منافاته للإلهية لم يذكر ~~دليلا على نفيها، فإن الدليل يستلزم المدلول عليه، فعلم أن أكل الطعام ~~يستلزم نفي الإلهية. # وقد ذكروا في ذلك وجهين (1)، أشهرهما أن من يأكل ويشرب يعيش بالغذاء، ومن ~~يقيمة اكل والشرب كان مفتقرا إلى غيره، فلا يصلح أن يكون إلها. وهذا هو ~~الذي ذكره أكثر المفسرين. # وقال طائفة منهم ابن قتيبة (2): إنه نبه على عاقبته، وهو الحدث، إذ لابد ~~لأكل الطعام من الحدث. قال: وقوله (انظر كيف نبين لهم الآيات) من ألطف ما ~~يكون من الكناية. # وهذا الوجه صحيح في حق المسيح وأمثاله من البشر في الدنيا، فإن أكلهم ~~الطعام يستلزم الحدث، وخروج الحدث من أبين الأشياء دلالة على انتفائه إلهية ~~من يبول ويغوط، وذلك أعظم من كونه يلد. والدليل يجب طرده ولا يجب عكسه، فلا ~~يلزم أن يكون كل من PageV01P116 # يتغوط أو من لا يأكل ويشرب إلها. كما أنه [لو] استدل على انتفاء الإلهية ~~بأنه لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر، كان دليلا صحيحا، ولم يلزم أن يكون كل من ~~يتكلم ويسمع ويبصر إلها، بل انتفاء صفات الكمال يناقض الإلهية، وإن كان ~~ثبوت جنسها لا يستلزم إلهية. كما أنه إذا قيل: إن الإله يجب أن يكون موجودا ~~قائما بنفسه حيا عليما قديرا، فانتفاء هذه الأمور يستلزم انتفاء الإلهية، ~~ولا يستلزم أن يكون كل موجود حي عليم قدير إلها. # وأما إن أريد بهذا الوجه الذي ذكره ابن قتيبة وغيره من لزوم الحدث طرد ~~الدليل، فيحتاجون أن يفسروا الحدث بجنس الخارج من الآكل الشارب، فإن أهل ~~الجنة يأكلون ويشربون، ولا يبولون ولا يتغوطون، كما ثبت ذلك في الأحاديث ~~الصحيحة (1)، لهم رشح كرشح المسك، وهذا من جنس العرق الذي يخرج من المشام. ~~وهو أيضا ينافي الصمدية، فإن الصمد هو الذي لا يدخل فيه شيء، ولا يخرج منه ~~شيء، فخروج الخارج ولو كان كرشح المسك ينافي الصمدية التي هي من ms0045 لوازم ~~البارئ، فيكون لزوم الحدث للأكل دالا على نفي إلهيته من هذه الجهة أيضا. ~~والصمدية هي المنافية للأكل والشرب وسائر ما يدخل ويخرج، كما قد بسط في ~~تفسير السورة (2). # الوجه الثاني: أن هذه الآية لم تسق لبيان تنزهه عن الأكل، فإن PageV01P117 # ذلك مبين فيما يناسب ذلك من السور التي فيها تنزيهه عن النقائص، ومن ~~الآيات الدالة على أن هذه النقائص مستلزمة لكون صاحبها مخلوقا لا إلها ونحو ~~ذلك. وإنما سيقت لبيان حاجة الخلق إليه وإحسانه إليهم، وبيان غناه عنهم ~~وامتناع إحسانهم إليه، فإنه يطعمهم وهم لا يطعمونه، وهذا الوصف دال على هذا ~~المقصود. كما إذا قيل: يعلمهم ولا يعلمونه، ويعطيهم ولا يعطونه. وهو من ~~معاني الصمد، أن كل ما سواه محتاج إليه، وهو مستغن عن كل ما سواه، ثم كونه ~~في نفسه لا يأكل ولا يشرب مدح له وتنزيه من جهة أخرى، فإن نفس كونه يطعم ~~ولا يطعم وصف اختص به. فالحيوان إنسهم وجنهم وبهائمهم يأكلون، فإذا قدر ~~أنهم أطعموا فهم يطعمون، والملائكة وإن كانوا لا يأكلون ولا يشربون فهم لا ~~يطعمون الخلق، فليس من يطعم ولا يطعم إلا الله. وإذا قدر قادر يطعم غيره ~~ويحسن إليه ويرزقه، وأولئك لا يطعمونه ولا يرزقونه ولا يحسنون إليه، كان هو ~~المنعم عليهم، واستحق أن يشكروه، وإن كان هو يأكل ويشرب من ملكه، لكن ليس ~~هو محتاجا إليهم، ولا هم يحسنون إليه. # فتبين أن هذا الوصف وصف مدع يختص به، ويبين ربوبيته وافتقار الخلق إليه ~~وإحسانه إليهم، وإذا قيل: وهو يطعم ولا يطعم، كان دلالته على هذا المعنى ~~بطريق اللزوم، فإنه إذا كان لا يطعم في نفسه امتنع أن يطعمه أحد. # الوجه الثالث: أن مجرد كون الشيء يطعم غيره ولا يطعمه يوجب المدح، فهذه ~~صفة كمال حيث كانت، وأما كون الشيء في نفسه لا يطعم ولا يأكل ولا يشرب، ~~فهذا إنما يكون مدحا في حق الكامل المستغني عن الطعام والشراب لكماله، وأما ~~من لا يطعم ولا PageV01P118 # يشرب لنقصه، كالجامدات وكالحيوان المريض، فهذا ليس ms0046 ممدوحا بذلك، فلو قدر ~~مريض موسر يطعم الناس، وهو في نفسه لا يطعم لمرضه، لم يمدح بأنه يطعم ولا ~~يطعم، والناس إذا لم يطعموه لكونه لا يطعم لمرضه ونقصه لم يكن ممدوحا بأنهم ~~لا يطعمونه، بخلاف ما إذا لم يطعم لغناه، فإنه يمدح بأنه يطعم ولا يطعم، ~~وإن كان هو في نفسه يأكل ويشرب من ماله، مع أن المريض لابد أن يطعم، وأما ~~ما لا يطعم بمال لنقصه كالجامدات، فالأرض يخرج منها صنوف الثمرات، وهي لا ~~تأكل لنقصها، فقد يقال: إنها تطعم ولا تطعم أي لا تأكل لنقصها، لكن هي ~~محتاجة إلى السقي والشرب، وهذا حاجة منها إلى ما يقيها ويغذيها. # ولهذا قال تعالى: (وهو يطعم ولا يطعم)، فوصفه بالإثبات المطلق والنفي ~~العام، وصفه بأنه يطعم، وهذا مطلق يصلح أن يدخل فيه كل إطعام، كما إذا قيل: ~~يخلق ويرزق ويعطي ويمنع، كما في الحديث الصحيح الإلهي (1): "يا عبادي! كلكم ~~ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، ~~فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم". ~~وقال: (وما بكم من نعمة فمن الله) (2)، وقال: (هل من خالق غير الله يرزقكم ~~من السماء والأرض) (3)، وقال الخليل: (الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو ~~يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80)) (4). PageV01P119 # وفي الحديث المأثور أنه يقال على الطعام (1): "الحمد لله الذي أطعمني هذا ~~ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة"، وأنه من قال ذلك غفر له. وفي الحديث ~~الآخر (2): "الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، من علينا فهدانا، وأطعمنا ~~وسقانا، ومن كل خبر آوانا" (3). وقد قال تعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت (3) ~~الذي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف (4)) (4). # وبالجملة فضرورة الخلق إلى الرزق دائما أمر باهر علما وذوقا ووجدا، فكونه ~~"يطعم" من أطعم بيان نعمه وكرمه وإحسانه، وقوله "ولا يطعم" نفي عام، فإن ~~الفعل نكرة في سياق النفي، فلا يطعمه أحد بوجه من الوجوه، فلا يكون أحد ~~محسنا إليه، ولا مكافئا له على هذه النعمة. كما رواه ms0047 البخاري (5) عن أبي ~~أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول إذا رفعت مائدته: "الحمد ~~لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا". # وأما إذا قيل: يطعم وهو لا يأكل، لم يكن المنفي عنه من جنس المثبت له، بل ~~ذكر تنزيهه عن الأكل، فلا يبين المقصود من أنه PageV01P120 # يحسن إليهم الإحسان الذي يضطرون إليه، مع أن أحدا من الخلق لا يحسن إليه، ~~فإن دلالة القراءة المشهورة على نفي إحسان الخلق إليه مع إحسانه إليهم أبين ~~من دلالة كونه لا يأكل، فإن تلك تدل على المدح مطلقا مع قطع النظر عن كونه ~~هو يأكل أو لا يأكل، حتى لو قدر على سبيل الفرض أنه يأكل لم يكن محتاجا ~~إليهم، ولا كانوا هم الذين يطعمونه، كما قال: (وما خلقت الجن والأنس إلا ~~ليبجون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين (58)) (1). # وقد نبهنا على هذا وأنه إذا كان مخلوق يحسن إلى غيره ويطعمه، وهو لا ~~يحتاج إليه في أمر لا إطعام ولا غيره، كان محسنا إليه إحسانا محضا، وإن كان ~~محتاجا إلى غير هذا الشخص، فكيف بمن هو سبحانه لا يحتاج إلى أحد بوجه من ~~الوجوه؟ ثم إنه من كمال إحسانه إلى عباده بين أن من لم يطعم أولياءه ولم ~~يعدهم، فهو كمن لم يطعمه ولم يعده، كما في الحديث الصحيح (2): "يقول الله ~~تعالى: عبدي! مرضت فلم تعدني، فيقول: رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ ~~فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده. عبدي! جعت فلم ~~تطعمني، فيقول: رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي ~~فلانا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي". فقال: "لوجدت ذلك عندي"، ولم يقل: ~~"لوجدتني قد أكلته". وقال: "لوجدتني عنده"، ولم يقل: "لوجدتني إياه". PageV01P121 ### || CHECK - معنى حديث أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني # الوجه الرابع: أن يقال: قوله (وهو يطعم) يتناول إطعام الأجساد ما تأكل ~~وتشرب، وإطعام ms0048 القلوب والأرواح ما تغتذي به وتتقوت به من العلم والإيمان ~~والمعرفة والذكر، وأنواع ذلك مما هو قوت للقلوب، فإنه هو الذي يقيت القلوب ~~بهذه الأغذية، وهو في نفسه عالم لم يعلمه أحد، هاد لم يهده أحد، متصف بجميع ~~صفات الكمال، قيوم لا يزول، ولا يعطيه غيره شيئا من ذلك. فإذا قال: "وهو ~~يطعم ولا يطعم" تناول القسمين، وإذا قيل: "لا يطعم" لم يكن المراد إلا ~~الأكل والشرب، لم يكن المراد ذكره وعلمه وهدايته. # وحينئذ فيكون قوله "وهو يطعم" لا يتناول إلا مأكول الجسد ومشروبه، ومعلوم ~~أن ذاك أشرف القسمين، فالقراءة التي تتناول القسمين أكمل من القراءة التي ~~لا تتناول إلا أحدهما. # بيان ذلك ما في الصحاح (1) من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ~~نهاهم عن الوصال قالوا: إنك تواصل، قال: "إني لست كأحدكم، إني أبيت - وروي: ~~أظل - عند ربي يطعمني ويسقيني". وأظهر القولين عند العلماء (2) أن مراده ما ~~يطعمه ويسقيه في باطنه، من غير أن يكون أكلا وشربا في الفم لوجهين. # أحدهما: أنه لو كان يطعمه ويسقيه من فمه لم يكن مواصلا، فإن المواصل هو ~~من لا يأكل ولا يشرب، ولو قدر أنه أتي بطعام من الجنة فأكله، لكان آكلا لا ~~مواصلا. PageV01P122 # الثاني: أنه روي "إني أظل عند ربي"، وهذا يتناول النهار، والأكل في ~~النهار حرام مفطر ولو كان من طعام الجنة. فتبين أنه سمى ما يرزقه ويقيت ~~قلبه ويغذيه إطعاما وإسقاء. # وقد وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالطعم والذوق والوجد والحلاوة ما ~~في القلوب من الإيمان، فقال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم (1) عن العباس ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، ~~وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا". فهذا ذائق طعم الإيمان، وهو ذوق بباطن قلبه، ~~يظهر أثره إلى سائر بدنه، ليس هو ذوقا لشيء يدخل من الفم، وإن كان ذوقا ~~لشيء يدخل من الأذن. ولهذا يقال: البهائم تسمن من أقواتها، والآدمي يسمن من أذنه. # وفي الصحيحين (2) عنه - صلى الله عليه وسلم ms0049 - أنه قال: "ثلاث من كن فيه ~~وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب ~~المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله ~~منه، كما يكره أن يلقى في النار". فأخبر أن من كانت فيه هذه الثلاث وجد ~~حلاوة الإيمان، والحلاوة ضد المرارة، وكلاهما من أنواع الطعوم. فبين أن ~~الإنسان يجد بقلبه حلاوة الإيمان ويذوق طعم الإيمان، والله سبحانه هو الذي ~~يذيقه طعم الإيمان، وهو الذي يجعله واجدا لهذه الحلاوة. فالمؤمنون يذوقون ~~هذا الطعم، ويجدون هذا الوجد، وفي ذلك من اللذة والسرور والبهجة ما هو أعظم ~~من لذة أكل البدن وشربه. PageV01P123 ### || CHECK - وصف القلوب بالعطش والجوع والري والشبع # والرب تعالى له الكمال الذي لا يقدر العباد قدره في أنواع علمه وحكمته ~~ومحبته وفرحه وبهجته، وغير ذلك مما أخبرت به النصوص النبوية، ودلت عليه ~~الدلائل الإلهية، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع. وهو في كل ذلك غني عن كل ~~ما سواه، فهو الذي يجعل في قلوب العباد من أنواع الأغذية والأقوات والمسار ~~والفرح والبهجة مالا يجعله غيره، وهو إذا فرح بتوبة التائب فهو الذي جعله ~~تائبا حتى فرح بتوبته، لم يحتج في ذلك إلى أحد سواه. # والتعبير بلفظ القوت والطعام والشراب ونحو ذلك عما يقيت القلوب ويغذيها ~~كثير جدا، كما قال بعضهم: أطعمهم طعام المعرفة، وسقاهم شراب المحبة. وقال آخر: # لها أحاديث من ذكراك يشغلها عن الشراب ويغنيها عن الزاد # وكثيرا ما توصف القلوب بالعطش والجوع، وتوصف بالري والشبع. وفي الصحيحين ~~(1) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "رأيت كأني أتيت بقدح، فشربت حتى ~~إني لأرى الري يخرج من أظفاري، ثم ناولت فضلي عمر"، قالوا: فما أولته يا ~~رسول الله؟ قال: "العلم". فجعل العلم بمنزلة الشراب الذي يشرب. # وفي الصحيحين (2) عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن ~~مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها ~~طائفة قبلت ms0050 الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أمسكت ~~الماء، فشرب الناس وسقوا وزرعوا، وكانت منها PageV01P124 # طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين ~~الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ~~ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به". فقد بين أن مثل ما بعثه الله به من ~~الهدى والعلم مثل الغيث الذي تشربه الأرض، فتخرج فنون الثمرات، وتمسكه أرض ~~لتنتفع به الناس، وأرض ثالثة لا تنتفع بشربه ولا تمسكه لغيرها. فتبين أن ~~القلوب تشرب ما ينزله الله من الإيمان والقرآن، وذلك شراب لها، كما أن ~~المطر شراب للأرض، والأرض تعطش وتروى، كذلك القلب يعطش إلى ما ينزله الله ~~ويروى به. وهو سبحانه الذي يطعمه هذا الشراب، وهو سبحانه لا يطعمه أحد ~~شيئا، بل هو الذي يعلم ولا يتعلم من غيره شيئا. # وفي مناجاة داود: إني ظمئت إلى ذكرك كما تظمأ الإبل إلى الماء، أو نحو ~~هذا، لبعد الإبل عن الماء وشدة عطشها إليه. # وفي مراسلة يحيى بن معاذ لأبي يزيد (1) لما ذكر أن من الناس من شرب براري ~~قال أبو يزيد: لكن آخر قد سقوه بحور السماوات والأرض، وقد أدلع لسانه من ~~العطش، يقول: هل من مزيد، أو ما يشبه هذا. وقد قال القائل: # شربت الحب كأسا بعد كأس فما فني الشراب وما رويت # ويقال: فلان ريان من العلم، ويقال: هذا الكلام يشفي العليل ويروي الغليل، ~~وهذا الكلام لا يشفي العليل ولا يروي الغليل. وفي حديث مكحول المرسل (2): ~~"من أخلص لله أربعين يوما تفجرت PageV01P125 # ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه". وقال ابن مسعود لأصحابه (1): "كونوا ~~ينابيع العلم مصابيح الحكمة أحلاس البيوت سرج الليل جدد القلوب أخلاق ~~الثياب، تعرفون في السماء وتخفون على أهل الأرض". # وقد شبه حياة القلوب بعد موتها بحياة الأرض بعد موتها، وذلك بما ينزله ~~عليها، فيسقيها وتحيا به، وشبه ما أنزله على القلوب بالماء الذي ينزله على ~~الأرض، وجعل القلوب كالأودية: ms0051 واديا كبيرا يسع ماء كثيرا، وواديا صغيرا يسع ~~ماء قليلا، كما قال: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) (2). وبين ~~أنه يحتمل السيل زبدا رابيا، وأن هذا مثل ضربه الله للحق والباطل، (فأما ~~الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله ~~الأمثال (17)) (3). فالأرض تشرب ما ينفع وتحفظه، كذلك القلوب تشرب ما ينفع ~~وتحفظه، كما ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ومثل ما بعثه الله به ~~من الهدى والعلم كغيث أصاب أرضا، فبعض الأرض قبلت الماء فشربته، فأنبتت ~~الكلأ والعشب الكثير، وبعض الأرض حفظته لمن يسقي ويزرع، وبعض الأرض قيعان ~~لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. ثم قال: "فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما ~~بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك PageV01P126 ### || CHECK - معنى الفقيه عند السلف # رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (1). فجعل قبول القلوب بشربها ~~وإمساكها، والأول أعلى، وهو حال من علم وعمل، والثاني حال من حفظ العلم لمن ~~انتفع به. ولهذا قال: "فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب ~~الكثير، وكانت منها طائفة أمسكت الماء، فشرب الناس وسقوا وزرعوا". فالماء ~~أثر في الأولى واختلط بها، حتى أخرجت الكلأ والعشب الكثير، وكالثانية لم ~~تشربه لكن أمسكته لغيرها حتى شربه ذلك الغير. وهذه حال من يحفظ العلم ~~ويؤديه إلى من ينتفع به، كما في حديث الحسن - وبعضهم يجعله من مراسيله (2) ~~- قال: "العلم علمان: علم في القلب، وعلم على اللسان، فعلم القلب هو العلم ~~النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده". # وبعض الناس قال: إن. الأول مثل الفقهاء، والثاني مثل المحدثين. # والتحقيق أن الذين سماهم فقهاء إذا كان مقصودهم إنما هو فهم الحديث وحفظ ~~معناه وبيان ما يدل عليه، بخلاف المحدث الذي يحفظ حروفه فقط، فالنوعان مثل ~~الممسك الحافظ المؤدي لغيره حتى ينتفع به، لكن الأول فهم من مقصود الرسول ~~مالم يفهمه الثاني. PageV01P127 # وكذلك القرآن إذا كان هذا يحفظ حروفه، وهذا يفهم تفسيره، وكلاهما قد وعاه ms0052 ~~وحفظه وأداه إلى غيره، فهما من القسم الثاني، وإنما القسم الأول من شرب ~~قلبه معناه فأثر في قلبه كما أثر الماء في الأرض الذي شربته، فحصل له به من ~~ذوق طعم الإيمان، ووجد حلاوته ومحبة الله وخشيته والتوكل عليه والإخلاص له، ~~وغير ذلك من حقائق الإيمان الذي يقتضيها الكلام، فهؤلاء كالطائفة التي قبلت ~~الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، ولابد أن يظهر ذلك على جوارحهم كما يظهر ~~الكلأ والعشب. قال الحسن البصري (1): ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ~~ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. # وفي الصحيحين (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ألا إن في ~~الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ~~ألا وهي القلب". وهذا مبسوط في مواضع، مثل "كتاب الإيمان وشرح أحاديثه ~~وآياته" (3) وغير ذلك (4). # والسلف كانوا يجعلون الفقيه اسما لهذا، والمتكلم بالعلم بدون هذا يسمونه ~~خطيبا، كما قال ابن مسعود (5): إنكم في زمن كثير فقهاؤه قليل خطباؤه، كثير ~~معطوه قليل سائلوه؛ وسيأتي عليكم زمان كثير خطباؤه قليل فقهاؤه، كثير ~~سائلوه، قليل معطوه". PageV01P128 # وفي حديث زياد بن لبيد الأنصاري (1) لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "هذا أوان يرفع العلم"، فقال له زياد: كيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن، ~~فوالله لنقرأنه ولنقرئنه أبناءنا ونساءنا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة، أو ليست التوراة والانجيل عند ~~اليهود والنصارى؟ فماذا يغني عنهم؟ ". # وقد قال الله تعالى: (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ~~وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ~~قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78)) (2). # وقال تعالى: (ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7)) (3). # وقال تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها) الآية (4). # وفي الحديث (5): "خصلتان لا تكونان في منافق: حسن سمت PageV01P129 # ولا فقه في الدين". فإن حسن السمت صلاح الظاهر ms0053 الذي يكون عن صلاح القلب، ~~والفقه في الدين يتضمن معرفة الدين ومحبته، وذلك ينافي النفاق. # وقال الكفار لشعيب: (يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول) (1) مع أن شعيبا ~~خطيب الأنبياء. # وفي الصحيحين (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الناس ~~معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". وهذا إنما يكون ~~بفهم القلب للحق، وأتباعه له. # وفي الصحيحين (3) عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل ~~المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل ~~المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق ~~الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها". فهذا قارئ القرآن ~~يسمعه الناس وينتفعون به وهو منافق، وقد يكون مع ذلك عالما بتفسيره وإعرابه ~~وأسباب نزوله، إذ لا فرق بين حفظه لحروفه وحفظه لمعانيه، لكن فهم المعنى ~~أقرب إلى أن ينتفع الرجل به، فيؤمن به ويحبه ويعمل به، ولكن قد يكون في ~~القلب موانع من اتباع الأهواء والحسد والحرص والاستكبار، التي تصد القلب عن ~~اتباع الحق، قال تعالى: (إن شر الدواب عند PageV01P130 # الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ~~ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23)) (1). فهؤلاء لا خير فيهم يقبلون الحق ~~به إذا فهموا القرآن، فهو سبحانه لا يفهمهم إياه، ولو علم فيهم خيرا ~~لأفهمهم إياه، ولما لم يكن فيهم خير فلو أفهمهم إياه لتولوا وهم معرضون، ~~فيحصل لهم نوع من الفهم الذي يعرفون به الحق، لكن ليس في قلوبهم قصد للخير ~~والحق وطلب له، فلا يعملون بعلمهم ولا يتبعون الحق. # وقد بسط الكلام على هذا في مواضع، وبين أن مثل هذا العلم والفهم الذي لا ~~يقترن به العمل بموجبه لا يكون تاما، ولو كان تاما لاستلزم العمل، فإن ~~التصور التام للمحبوب يستلزم حبه قطعا، والتصور التام للمخوف يوجب خوفه ~~قطعا، فحيث حصل نوع من ms0054 التصور ولم تحصل المحبة والخوف لم يكن التصور تاما. # قال بعض السلف (2): من عرف الله أحبه. ولهذا قال السلف: # كل من عصى الله فهو جاهل. وقال ابن مسعود وغيره: كفى بخشية الله علما، ~~وكفى بالاغترار بالله جهلا (3). وقيل للشعبي: أيها العالم! # فقال: إنما العالم من يخشى الله (4). وهذا مبسوط في مواضع. PageV01P131 # ولهذا قال تعالى: (هدى للمتقين (2)) (1)، وقال: (لينذر من كان حيا) (2)، ~~وقال: (سيذكر من يخشى (10)) (3)، إلى أمثال ذلك. # ولهذا يجعل الرسول نفس الفقه موجبا للسعادة، كما يجعل عدمه موجبا للشقاء، ~~ففي الصحيحين (4) أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "الناس معادن كمعادن ~~الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". فجعل مسمى ~~الفقه موجبا لكونهم خيارا، وذلك يقتضي أن العمل داخل في مسمى الفقه لازم له. # وفي الصحيحين (5) أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، فمن لم ~~يفقهه في الدين لم يرد به خيرا، فلا يكون من أهل السعادة إلا من فقهه في ~~الدين. والدين يتناول كل ما جاء به الرسول، كما في الصحيحين (6) لما جاء ~~جبريل في صورة أعرابي، وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال: "هذا ~~جبريل جاءكم يعلمكم دينكم". فجعل هذا كله دينا. # والمقصود هنا كان الكلام في أن الله يطعم القلوب ويسقيها، وقد قال الله ~~تعالى في حق عباد العجل: (وأشربوا في قلوبهم العجل) (7)، أي أشربوا حبه. ~~فإذا كان المخلوق الذي لا تجوز به محبته قد يحبه PageV01P132 ### || CHECK - مثل الإيمان والتوحيد والكفر والشرك # القلب حبا يجعل ذلك شرابا للقلب، فحب الرب تعالى أن يكون شرابا يشربه ~~قلوب المؤمنين أولى وأحرى. # قال تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله) (1). ووصف الشعراء وغيرهم أن القلوب تشرب ~~المحبة، وضربهم المثل في ذلك بالشراب الطاهر، وأن شرب المحبة أعلى الشرابين ~~كثير جدا. وهو سبحانه الذي يطعم عباده المؤمنين، ويسقيهم شراب معرفته ~~ومحبته والإيمان به، وهو غني عن جميع خلقه في معرفته ومحبته وإيمانه - إذ ~~كان من أسمائه ms0055 "المؤمن" -، وفي توحيده وشهادته وسائر شئونه، سبحانه وتعالى ~~عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وأهل الشرك الذين يعبدون غير الله ومن ضاهاهم من أهل البدع، الذين اتخذوا ~~من دون الله أوثانا يحبونهم كحب الله، لهم شراب من محبتهم وذوق ووجد، لكن ~~ذلك من عبادة الشيطان لا من عبادة الرحمن، فلهذا وقعت باطلا. فإن البدن كما ~~يتغذى بالطيب والخبيث، كذلك القلوب تتغذى بالكلم الطيب والعمل الصالح، ~~وتتغذى بالكلم الخبيث والعمل الفاسد، ولها صحة ومرض، وإذا مرضت اشتهت ما ~~يضرها وكرهت ما ينفعها. # وقد ضرب الله مثل الإيمان الذي هو كلمة طيبة بشجرة طيبة، ومثل الشرك الذي ~~هو كلمة خبيثة بشجرة خبيثة، فهذا أصله كلمة طيبة في قلبه وهي كلمة التوحيد، ~~وهذا أصله كلمة خبيثة في قلبه وهي كلمة الشرك؛ فهذا يتغذى بهذه الكلمة ~~الطيبة، وهذا يتغذى بهذه PageV01P133 ### || CHECK - أهل الشرك والضلال لهم مواجيد وأذواق باطلة # الكلمة الخبيثة، كما تتغذى الأبدان بالطيب والخبيث. قال تعالى: (يا أيها ~~الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) (1)، وقد أمر الله المؤمنين بما أمر ~~به المرسلين، فقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) (2). # فالتوحيد والإيمان كلمة طيبة، مثلها مثل الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء؛ والشرك والكفر كلمة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من ~~قرار (3)، ليس لها أصل راسخ ولا فرع باسق. ولهذا كان أهل الشرك والضلال لهم ~~مواجيد وأذواق وأعمال بحسب ذلك، لكنها باطلة لا تنفع، إذ هم في جهل بسيط ~~يعملون بهواهم بلا اعتقاد ونظر، أو في جهل مركب يحسبون أنهم على هدى وهم ~~على ضلال، والمؤمنون يعملون بعلم وهدى من الله. ولهذا قال تعالى: (الله نور ~~السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة) الآية إلى قوله (نور على نور يهدى الله ~~لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35)) (4). ثم ~~قال: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها أسمه) إلى آخر الآية (5). ثم ~~ضرب للكفار مثلين للجهل المركب والبسيط فقال: (والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمئان ms0056 ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) الآية (6). فهذا مثل ~~الجهل المركب، وهو الاعتقادات PageV01P134 ### || CHECK - ذكر الحب والخمر والسكر عند أهل الضلال # الفاسدة. ثم قال: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه ~~سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها) (1). وهذا مثل الجهل ~~البسيط. # وأهل الضلال يذكرون المحبة وشراب الحب ونحو ذلك، وكثيرا ما يمثلون ذلك ~~بشراب الخمر دون غيرها من الأشربة، ويذكرون أوعية الخمر كالدن والكأس ونحو ~~ذلك، ومواضعها كالحان أو دير الرهبان. والخمر توجب الغي، ولما عرض على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج اللبن والخمر أخذ اللبن، فقيل ~~له: "أصبت الفطرة، لو أخذت الخمر لغوت أمتك" (2). # وكلما كان القوم أعظم عنتا وضلالا مثلوا بما هو أقبح من شرب الخمر، فإن ~~شربها وإن كان قبيحا فهو في الحانات مواضع الفحش أقبح، وفي مواضع الكفر ~~كديور الرهبان أقبح وأقبح. ويذكرون السكر من شراب المحبة، كالسكر الذي ~~يعتري من شرب الخمر، كقول بعضهم (3): # شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم # وهذا الحب والشرب من عبادة الشيطان، لا من عبادة الرحمن. # والتشبيه بالخمر يبين أن ذلك من عبادة الشيطان الذي قال الله فيه: (إنما ~~يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن PageV01P135 ### || CHECK - محبة المؤمنين لا تستلزم زوال العقل # ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (91)) (1). وذلك من وجهين: أحدهما: ~~أن شرب الخمر محرم، فحب الله ورسوله وشرب القلوب لهذا الحب لا يكون كشرب ~~الخمر، وإنما يكون كشرب الخمر شرب الحب الذي لا يحبه الله ورسوله، كحب ~~المشركين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله. # الثاني: أن شرب الخمر يوجب السكر وزوال العقل، فهو والسكر بالحب واتباع ~~الأهواء حال الكفر، كقوم لوط الذين قال الله فيهم: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم ~~يعمهون (72)) (2). وقد قيل (3): سكران سكر هوى وسكر مدامة ومتى إفاقة من به ~~سكران ومحبة المؤمنين لله ورسوله لا تستلزم زوال العقل، بل ms0057 هم أكمل الناس ~~عقلا، وإنما يوجب متابعة الرسول، كما قال: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله) (4). فالمحبون لله إذا اتبعوا الرسول أحبهم الله. واتباع ~~الرسول فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وهو لم يأمر بما يزيل العقل قط، لا ~~باطنا ولا ظاهرا، فلم يأمر بأكل شيء مما يغير العقل سواء كان معه سكر ~~كالخمر، أو لم يكن كالبنج، بل نهى عن ذلك. وكذلك ما في القلوب من حب الله ~~ورسوله وحقائق الإيمان التي يحبها الله ورسوله، ليس فيما أمر الله به ~~ورسوله منها ما يوجب زوال العقل ولا الموت ولا الغشي والصعق. ولهذا لم يكن ~~الصحابة PageV01P136 ### || CHECK - ما أنزل الله القرآن ليقتل أولياءه # أفضل القرون يعتريهم شيء من هذا، ولكن بعض من بعدهم ضعفت قلوبهم عن بعض ~~ما يرد عليها من خوف أو غيره. فصار فيهم من يموت إذا سمع الآية، وفيهم من ~~يغشى عليه. وهؤلاء معذورون مع الصدق والاجتهاد في اتباع الرسول، ويشكر الله ~~لهم ما معهم من الإيمان والخوف الذي ..... (1)، وهو ما يحض على فعل الواجب ~~وترك المحرم، وأما الزيادة التي أوجب لهم الموت فحسبهم أن يكونوا فيها ~~معذورين لا مأجورين، كالحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران، فإذا اجتهد فأخطأ ~~فله أجر. # ومن ظن أن الميت من هؤلاء بسماع آية أفضل من شهداء بدر وأحد ونحوهما، ~~وجعل هؤلاء قتلى القرآن وشهداء الرحمن، وأولئك ماتوا بسيوف الكفار، فقد غلط ~~غلطا عظيما، فإن أولئك فعلوا ما أمروا به وقتلوا شهداء، فهم من أفضل ما خلق ~~الله، وهؤلاء فعلوا مالم يؤمروا به، إما تعديا للحد، وإما تفريطا في الحق، ~~فماتوا بهذا السبب موتا ليس في سبيل الله ولا جهاد أعدائه، ولكن لضعف ~~قلوبهم عما ورد عليها. # والله تعالى ما أنزل القرآن ليقتل به أولياءه، ولا ليشقيهم به، بل ~~ليهديهم وليشفيهم وينورهم، فهؤلاء ضلوا الطريق، ولهذا أنكر حالهم من أدركهم ~~من الصحابة، مثل ابن عمر وابن الزبير وأسماء بنت أبي بكر وغيرهم، كما هو ~~مبسوط في موضع آخر. ms0058 # إذ المقصود هنا أن الرب تعالى هو الذي يقيت عباده، ويغذيهم لأرواحهم ~~وأجسادهم، وهو مستغن عن عباده من كل وجه، فهو PageV01P137 ### || CHECK - الكلام على القراءتين في قوله (أمن لا يهدي إلا أن يهدى) # بنفسه عالم قادر، وكل ما يعلمه العباد فهو من تعليمه وهدايته، وما يقدرون ~~عليه فهو من إقداره. وهو سبحانه وتعالى كما قال: (ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء) (1)، وهو الذي خلق فسوى، وقدر فهدى. وإذا كان ما للعباد من ~~علم وقدرة فمنه امتنع أن يحصل له منهم علم أو قدرة، فإن ذلك يستلزم الدور ~~القبلي، إذا كان المعلم المقدر لغيره يمتنع أن يكون علمه وقدرته منه. # وأيضا فمن جعل غيره عالما قادرا كان أولى أن يكون عالما قادرا، قال ~~تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج ~~الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ~~(31) فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32)) ~~إلى قوله: (قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن يهدى ~~إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35)) ~~(2). فقوله: (أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى) فيه ~~قراءتان مشهورتان (3): الإدغام "يهدي"، وأصله يهتدي، فسكنت الياء، وأدغمت ~~في الدال بعد أن قلبت دالا، وألقيت حركتها على الهاء. فأكثر القراء يفتحون ~~الهاء، ومنهم من يسكنها، ومنهم من يختلس. والقراءة الأخرى بالتخفيف "يهدي"، ~~ثم قيل: إنه فعل متعدي، أي يهدي غيره، وقيل: بل فعل لازم، أي يهتدي، وحكوا ~~"هدى" بمعنى اهتدى، وأنه يستعمل لازما ومتعديا. وهذا أصح، والمعنى: أفمن ~~يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهتدي PageV01P138 ### || CHECK - الجزاء من جنس العمل # بنفسه إلا أن يهديه غيره، وهذا يتناول كل مخلوق، فكل مخلوق لا يهتدي إلا ~~أن يهديه الله. ففي الآية النهي عن اتباع كل مخلوق، وأنه لا يتبع إلا ms0059 الله ~~وحده، الذي يهدي إلى الحق. # فكل هدى في العالم وعلم فهو من هذا وتعليمه، ويمتنع أن يكون غيره هاديا ~~له ومعلما. # وقوله: (أمن لا يهدى إلا أن يهدى) يتضمن نفي اهتدائه بنفسه مطلقا، وأنه ~~لا يهتدي بحال إلا أن يهديه غيره. وهذا حال جميع المخلوقات. # وقد بين أن هذا أحق بالاتباع من هذا، لأنه يهدي الحق وهذا لا يهدي، وذلك ~~نهي عن عبادة ما سواه، وعن استهدائه وعن طاعته، لأن كل معبود فهو متبوع، ~~يتبعه عابده، فإذا لم يتبعه لم يكن عابدا له. # ولهذا يجزون يوم القيامة بنظير أعمالهم، فإن الجزاء من جنس العمل، كما في ~~الأحاديث الصحيحة: "ينادي مناد ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون، فيتبع من كان ~~يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر"، وذكر إتيان الحق في ~~صورة غير الصورة التي يعرفون، يمتحنهم هل يتبعون غير ربهم، وإنهم يستعيذون ~~بالله منه، ويقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ~~ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيتجلى لهم، ويخرون له ~~سجدا إلا المنافقين، فإن ظهورهم تصير مثل قرون البقر، ثم ينطلق ويتبعونه. ~~والحديث في ذلك طويل، وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد (1). ~~وفي مسلم [من] حديث جابر (2)، PageV01P139 # وهو أيضا معروف من حديث أبي موسى (1)، ومن حديث ابن مسعود وهو أطولها. # آخره، والله أعلم، الحمد لله وحده. # ... PageV01P140 ### | CHECK (8) فصل في سورة حم السجدة [فصلت] # فصل في سورة حم السجدة [فصلت] PageV01P141 ### || CHECK - اشتمالها على أصول الإيمان # فصل # سورة حم السجدة مشتملة على تقرير أمر القرآن بما تضمنه أصول الإيمان، ~~التي هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، بذلك فتحت وبذلك ~~ختمت. كما أن سورة الشورى أيضا بدأت بالوحي، وختمت بالوحي المتضمن للقرآن ~~والإيمان. # قال تعالى: (حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته قرءانا ~~عربيا لقوم يعلمون (3)) (1) في ذكر القرآن ومستمعيه، إلى قوله: (قل إنما ~~أنا بشر مثلكم يوحي إلى أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه) (2) ~~يتضمن ms0060 الإخلاص والتوحيد والنبوة. وجماع الأمر الاستقامة إليه والاستغفار، ~~كما في قوله: (فأعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) (3)، وكما قال: ~~(وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) (4). # وذم المشركين الذين لا يؤتون الزكاة، فإن الشرك ضد الاستقامة إليه، التي ~~هي الإخلاص، كما فسر أبو بكر الصديق قوله: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا) (5) قال: استقاموا إليه، فلم يلتفتوا يمينا ولا شمالا. فإن ~~المستقيم ضد الزائغ، فالمستقيم إليه ضد الزائغ عنه، والزائغ عنه المشرك به. ~~وعدم إيتاء الزكاة - وهو ما تزكو به PageV01P143 # النفوس من الذنوب فتصير زكية - ضد الاستغفار الذي يمحو الذنوب، فتزكو ~~النفوس. ففي ذلك جمع بين الإخلاص والعمل الصالح، وهو الإيمان والعمل الصالح ~~وإسلام الوجه لله مع الإحسان. # وكل واحد من التوبة والصدقة يمحو الذنوب، كما قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار" (1). ولهذا قال ~~سبحانه: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات) (2)، ~~وقال في التوبة: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (3)، وفي الصدقة: ~~(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم تزكيهم بها) (4). # ثم ذكر تقرير الربوبية بخلق السماوات والأرض وما فيهما، وبدء العالم. ثم ~~ذكر أخبار الأشقياء والسعداء في الدنيا والآخرة، فذكر الوعيد في الدنيا بقص ~~الأمم المتقدمة، وفي الآخرة بذكر ما يكون في القيامة، فقال: (فإن أعرضوا ~~فقل أنذرتكم صاعقة) إلى قوله: (ويوم يحشر) (6)، فيشبه والله أعلم أي ~~"وأنذرتكم يوم يحشر"، وقد يقال: "واذكر يوم يحشر"، إلى قوله: (إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا) (7)، فإنه ذكر حشر حالهم في الدنيا والآخرة، ~~كما ذكر سوء منقلب أولئك في الدنيا والآخرة. PageV01P144 # ثم ذكر الدين المأمور به، وهو الخلق العظيم، وهو دين الإسلام، ليجمع بين ~~إسلام الوجه لله وبين العمل الصالح بين القصد والعمل، ملة إبراهيم ودين ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - تسليما. ثم قرر البعث بالدليل. # ثم عاد إلى مخاطبة الكافرين بالذكر وتقرير أمره، فقال: (إن الذين يلحدون ~~في آياتنا لا يخفون علينا) (1) إلى قوله: (إن الذين كفروا بالذكر ms0061 لما جاءهم ~~وإنه لكتاب عزيز (41)) (2) إلى قوله- وهو كان المقصود بالكلام هنا -: (قل ~~أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد (52)) ~~(3)، فإن الضمير عائد إلى الكتاب، وهو القرآن. # ثم قال: (سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53)) (4)، فالضمير في قوله (أنه الحق) ~~هو الضمير في قوله (إن كان من عند الله ثم كفرتم به)، وذلك هو القرآن، أي ~~حتى يتبين لهم أن الكتاب هو الحق لا ما خالفه. # ثم قال: (أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53)) (5) أي أولم يكف ~~بشهادته عليه أنه منزل من عند الله، من الآيات المرتبة في الآفاق وفي ~~الأنفس، كما قال: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون وكفى بالله شهيدا (166)) (6). وشهادة الله تعالى PageV01P145 ### || CHECK - استعراض الموضوعات التي تشتمل عليها # يعلم بما به يعلم أن هذا كلامه، وأن المبلغ صادق، مثل كونهم لا يقدرون ~~على الإتيان بمثله ولا بمثل عشر سور منه ولا سورة واحدة، وما امتاز به من ~~الوصف الذي باين به كلام المخلوقين مما هو معلوم بالعقل والفطرة. كما أصاب ~~عتبة بن ربيعة ونحوه من أكابر عقلاء قريش لما سمعوا منه (حم (1) تنزيل من ~~الرحمن الرحيم (2)) (1)، وكما قال فيه عاقلهم وفيلسوفهم ورئيسهم الوليد بن ~~مغيرة (2)، وغير ذلك. # فالكفاية هنا تشبه الكفاية في قوله: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه ~~قل إنما الآيات عند الله) إلى قوله: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ~~يتلى عليهم) (3). فنزول الكتاب يتلى عليهم آية كافية، وهو شهادة الله بما ~~أخبر فيه، وبأن الرسول رسوله، ((أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53)). ~~فهذا ونحوه طرق يعلم بها شهادة الله. # وثم طرق أخرى، وهي إخبار رسل الله المتقدمين، وإخبار أممهم عنهم بمثل ما ~~أخبر به هذا الرسول، فلذلك قال: (قل كفي بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتب) (4)، وقال: PageV01P146 # (قل أرأيتم إن كان من ms0062 عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على ~~مثله) (1)، وقال: (أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل) (2)، ~~وقال: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) إلى قوله: ~~(ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) (3). # فالقرآن قد أخبر الله فيه بأمور، وإخباره بها شهادته بها، وكفى بالله ~~شهيدا، فنفس إخباره وشهادته بما شهد به من أمر الربوبية والرسالة والثواب ~~والعقاب وأحوال أوليائه وأعدائه كاف، وهو الطريق السمعية. وقد قال: (سنريهم ~~آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) (4). فهذه الطريق ~~البصرية التي قد تسمى العقل، وهو أن يرد في أنفسهم وفي الآفاق ما يدلهم على ~~مثل ما دل عليه القرآن، فيروا حال المؤمنين بمحمد وحال الكافرين به كما ~~أخبروا به عن المتقدمين، ويروا أيضا حالهم إذا آمنوا أو كفروا، ويروا أيضا ~~الدلائل الدالة على وحدانية الخالق وصفاته التي شهد بها الرب. # فالكلام في شيئين: في أن القرآن منزل من عند الله، وهذا قد شهد به الله ~~بما أتى به، وسيريهم آيات يعاينونها تبين أنه منزل من عند الله. والثاني: ~~الكلام فيما أخبر به القرآن أيضا كما تقدم، وأن الحق يتناول نسبته إلى ~~الله، ويتناول أنه صدق في نفسه، والله شهيد بالأمرين، وقد أرى آياته على ~~الأمرين. PageV01P147 ### | CHECK (9) مسألة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ # مسألة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: # "أتدري ما حق الله على العباد؟ " PageV01P149 ### || CHECK - مذاهب الناس في هذه المسألة # مسألة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: ~~"أتدري ما حق الله على العباد؟ " (1)، وفي قوله: وما حق العباد على الله"، ~~فهل حقهم واجب عليه كما حقه واجب عليهم على ظاهر اللفظ أم مجاز؟. # أجاب شيخ الإسلام بقية السلف الكرام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد ~~الحليم بن عبد السلام ابن تيمية أيده الله: # الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة ونحوها للناس فيها ms0063 ثلاثة أقوال، ~~طرفان ووسط (2): # طائفة تقول: إن الله يجب عليه أشياء، ويحرم عليه أشياء، بالقياس على ~~المخلوقين، وإن العباد بقياس عقولهم يوجبون عليه ويحرمون عليه، كما يجب على ~~العباد ويحرم عليهم، فيقولون: يجب عليه أن يفعل في حق كل عبد ما هو الأصلح ~~له في دينه، ولهم في الصلاح الدنيوي نزاع. ويقولون: إنه لا يقدر على أن ~~يفعل غير ما فعل، وإن العباد يقدرون على مالا يقدر عليه الله، وإنه لا يقدر ~~أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا. وهذا قول القدرية من المعتزلة والشيعة ~~وغيرهم. # والقول الثاني: قول من يقول: إن الله سبحانه وتعالى لا يوجب هو على نفسه ~~شيئا، ولا يحرم على نفسه شيئا، ولا ينزه عن فعل من الأفعال، ويجوز أن يقع ~~منه كل ما هو مقدور، فلا يقدر أن يظلم أحدا، بل الظلم ممتنع لذاته، وإنه ~~ليس في أسمائه الحسنى وصفاته PageV01P151 ### || CHECK - مذهب السلف أن الله كتب على نفسه الرحمة وحرم الظلم # العلا ما يدل على تنزهه عن أفعال مذمومة، ولا عن اتخاذه ولدا، ولا عن ~~أمره بأن يشرك به. وخالفوا قوله: (قالوا أتخذ الله ولدا سبحانه) (1)، ~~وقالوا: إنه يجوز أن يأمر بالفحشاء والمنكر، وقالوا: لا ينزه قط عن فعل من ~~الأفعال، ولا أمر من الأمور، وإن كان أمرا بالشرك والكذب والظلم، وإن كان ~~نهيا عن الصدق والعدل والتوحيد، ولا يميز بين ما يفعله وما لا يفعله إلا ~~بما جرت به العادة، مع أن العادات يمكن خرقها، أو أخبار الأنبياء، مع أن ~~خبرهم عند طائفة منهم لا يفيد اليقين، وخبرهم بالوعد والوعيد عند أكثرهم لا ~~يعلم منه شيء. ويقولون: إنه يخلق ما يخلق لا لسبب ولا لحكمة. وهذا قول ~~الجهمية الجبرية ومن اتبعهم من المتأخرين. # والطائفتان تقولان: إن القادر يرجح أحد المتماثلين لا لمرجح، لكن هؤلاء ~~يجعلون فعله كله كذلك، وأولئك يجعلونه كذلك في الابتداء. وقد ذهب إلى كل من ~~القولين طوائف من أعيان الناس، وإن كان القولان ضعيفين (2). # والقول الثالث ما دل عليه الكتاب والسنة، وكان ms0064 عليه سلف الأمة وأئمتها، ~~كالأئمة الأربعة وغيرهم: إنه سبحانه عليم حكيم رحيم، وإنه كتب على نفسه ~~الرحمة كما أخبر في كتابه (3)، وحرم على نفسه الظلم، كما ثبت في الحديث ~~الصحيح الإلهي عن أبي ذر الغفاري (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~يخبر به عن ربه عز وجل أنه قال: "يا عبادي، إني PageV01P152 ### || CHECK - مناقشة المؤلف لمن ينكر ذلك ويؤوله # حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا". وإنه أوجب على ~~نفسه نصر المؤمنين، كما قال تعالى: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47)) ~~(1). فليس للمخلوق بنفسه على الله حق، ولا يقاس الخالق بالمخلوق فيما ~~يفعله، كما لا يقاس بالمخلوق في صفاته وذاته، بل ليس كمثله شيء، لا في ذاته ~~ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولكن هو كتب على نفسه الرحمة، [وحرم على نفسه] ~~الظلم كما تقدم. وقد اتفق المسلمون على أنه أخبر بما أخبر به من ثواب ~~المؤمنين وعقوبة الكافرين، وأنه صادق لا يخلف الميعاد، فاتفقوا على ثبوت ~~الخبر، وإنما النزاع في كتابته على نفسه وتحريمه على نفسه، لكن النصوص دلت ~~على ذلك. # وكذلك حلفه "ليفعلن" كقوله تعالى: (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين (85)) (2)، وقوله: (ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين (13)) (3). ومثل هذا القسم ليس خبرا محضا، بل فيه معنى الإرادة ~~والعهد، كما في الوعد. # ومن قال بالقول الثاني يتأول كتابته على نفسه الرحمة وتحريمه على نفسه ~~الظلم، بأن المراد إخباره بوقوع ذلك وعدم وقوع هذا. والظلم عندهم هو ما ~~يمتنع أن يكون مقدورا، وما يمتنع أن يكون مقدورا لا يحرم، وقد علم الناس ~~أنه لا يكون، فلا فائدة بالإخبار أنه لا يكون. PageV01P153 # وأيضا فإنه ذكر ذلك مقدمة لنهيه عباده عن الظلم بقوله: "يا عبادي، إني ~~حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا". # فلو أراد به مالا يكون مقدورا كان المناسب لهذا أن يحرم على عباده مالا ~~يقدرون عليه. # وهذا يناسب قول من قال: الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل، فيكون قد ms0065 حرم ~~عليهم ما يفعلونه من ظلم بعضهم بعضا، ولا حرم عليهم الشرك الذي هو ظلم ~~عظيم، ولا حرم عليهم ظلم أنفسهم. # وإذا قيل: أراد بالظلم الذي حرمه على نفسه مالا يكون مقدورا، وبالظلم ~~الذي حرمه على عباده ما يقدرون عليه، لم يكن ذكر هذا مناسبا لذكر هذا، وهو ~~قد قال: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا ~~تظالموا". الضمير إلى الظلم، فلو كان الأول مالا يقدر عليه، لقيل: لا معنى ~~لتحريمه هذا على نفسه. # والمناسب إذا لم يحرم إلا ما يكون مقدورا لهم، وإلا فالمعنى على قول ~~هؤلاء: حرمت على نفسي إذ أجعل الشيء موجودا معدوما، وأجعل الجسم متحركا ~~ساكنا، وأجعل المحدث قديما والقديم محدثا، ونحو ذلك من الأمور التي ليست ~~شيئا باتفاق العقلاء، ولا يتصور العقل وجودها في الخارج، وحرم عليهم ما ~~يقدرون هم عليه، وهو إنما ذكر هذا ليقيم الحجة على خلقه بقوله: يا عبادي ~~إني حرمت الظلم على نفسي، فأنتم أولى أن يكون الظلم محرما عليكم، لأنه ~~سبحانه على كل شيء قدير، ورب كل شيء وخالقه، ولا يتصرف إلا في ملكه، لا في ~~ذلك غيره، وليس فوقه آمر يأمره، فإذا كان مع كمال قدرته وعزته ووحدانيته قد ~~حرم الظلم على نفسه، فكيف بالمخلوق الذي فوقه آمر يأمره، ومجاز يجازيه، وقد ~~يتعدى PageV01P154 # فيتصرف فيما لا يملكه. # وأما كونه يقول: حرمت على نفسي ماليس مقدورا لي، كالجمع بين الضدين ونحو ~~هذا، ولا يقدر أحد على جزايته وعقوبته، بل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا ~~معقب لحكمه، ولا راد لأمره - فهذا مما يعلم يقينا أن الرسول لم يقصد هذا، ~~بل تحريم ماهو مقدور، كما قصد تحريم الظلم الذي يقدرون عليه. # وهو سبحانه لا يظلم مثقال ذرة، (ولا يظلم ربك أحدا (49)) (1)، ويقول ~~لعبده إذا حاسبه يوم القيامة: لا ظلم عليك، فلا ينقص أحدا من حسناته شيئا، ~~ولا يحمل عليه سيئات غيره، كما قال تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ~~فلا يخاف ظلما ولا هضما (112)) (2). قال ms0066 غير واحد من السلف: الظلم أن يحمل ~~عليه سيئات غيره، والهضم أن يهضم من حسناته (3). فهذا مما حرمه على نفسه ~~وهو قادر عليه، لكنه منزه قدوس سلام، لا يجوز أن يظلم أحدا، ولا يجوز أن ~~يتخذ صاحبة ولا ولدا، بل هو حكيم عليم رحيم، لا يفعل إلا بموجب رحمته ~~وحكمته وعدله. وهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، ما شاء كان، ومالم يشأ ~~لم يكن. # فكل واحد من قول القدرية المعتزلة [و] الجهمية الجبرية باطل، والصواب ~~فيما جاء به الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها. PageV01P155 # وهذه المسألة فرع على هذا الأصل، والكلام على هذا مبسوط في مواضع غير ~~هذا، وهذا مقدار ما احتملته الورقة من الجواب. # فعلى هذا فقوله: "أتدري ما حق الله على عباده؟ " قال: الله ورسوله أعلم. ~~قال: "حقه عليهم أن يعبدوه، لا يشركوا به شيئا"، هو حق استحقه بنفسه على ~~عباده. وقوله: "أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم"، ~~هو حق أحقه على نفسه لعباده، كما قال تعالى: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) ~~(1)، فهو أحقه بنفسه على نفسه، لا لأن العباد بأنفسهم يستحقون عليه شيئا، ~~ولا يقاس على خلقه فيما يستحقه المخلوق على المخلوق، فإنه خلق عباده، ولم ~~يكونوا قبل وجودهم شيئا، بل عدما محضا لا يستحقون شيئا، ثم لما خلقهم فكل ~~ما فيهم من الأمور الوجودية هي مخلوقة له، فيمتنع أن يكون موجبا على الرب ~~عز وجل محرما عليه، وهذا هذا. والله أعلم. # (هذا مختصر جواب الشيخ تقي الدين أثابه الله تعالى). # ... PageV01P156 ### | CHECK (10) فصل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: سيد الاستغفار أن يقول العبد # فصل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: # سيد الاستغفار أن يقول العبد # " ### || AUTO اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ... # " PageV01P157 ### || CHECK - شرح هذا الحديث # فصل # في قوله عليه السلام: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا ~~إله إلا أنت" (1). # قد اشتمل هذا الحديث من المعارف الجليلة ما استحق لأجلها أن يكون سيد ms0067 ~~الاستغفار، فإنه صدره باعتراف العبد بربوبية الله، ثم ثناها بتوحيد الإلهية ~~بقوله: "لا إله إلا أنت". ثم ذكر اعترافه بأن الله هو الذي خلقه وأوجده ولم ~~يكن شيئا، فهو حقيق بان يتولى تمام الإحسان إليه بمغفرة ذنوبه، كما ابتدأ ~~الإحسان إليه بخلقه. # ثم قال: "وأنا عبدك"، اعترف له بالعبودية، فإن الله تعالى خلق ابن آدم ~~لنفسه ولعبادته، كما جاء في بعض الآثار: "يقول الله تعالى: ابن آدم! خلقت ~~لنفسي، وخلقت كل شيء لأجلك، فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له". # وفي أثر آخر: "ابن آدم! خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت لك برزقك فلا ~~تتعب. ابن آدم! اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل ~~شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء". # فالعبد إذا خرج عما خلقه الله له من طاعته ومعرفته ومحبته والإنابة إليه ~~والتوكل عليه، فقد أبق من سيده، فإذا تاب إليه ورجع إليه فقد راجع ما يحبه ~~الله منه، فيفرح الله بهذه المراجعة. ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - ~~يخبر عن الله (2): "لله أشد فرحا بتوبة عبده من واجد راحلته PageV01P159 # عليها طعامه وشرابه بعد يأسه منها في الأرض المهلكة، وهو سبحانه هو الذي ~~وفقه لها، وهو الذي ردها إليه". وهذا غاية ما يكون من الفضل والإحسان، ~~وحقيق بمن هذا شانه أن لا يكون شي لا أحب إلى العبد منه. # ثم قال: "وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت"، فالله سبحانه وتعالى عهد إلى ~~عباده عهدا أمرهم فيه ونهاهم، ووعدهم على وفائهم بعهده أن يثيبهم بأعلى ~~المثوبات، فالعبد يسير بين قيامه بعهد الله إليه وتصديقه بوعده. أني أنا ~~مقيم على عهدك مصدق بوعدك. # وهذا المعنى قد ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم -، كقوله: "من صام رمضان ~~إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" (1). والفعل إيمانا هو العهد الذي ~~عهده إلى عباده، والاحتساب هو رجاؤه ثواب الله له على ذلك، وهذا لا يليق ~~إلا مع التصديق بوعده. وقوله "إيمانا واحتسابا" منصوب على المفعول له، ms0068 إنما ~~يحمله على ذلك إيمانه بأن الله شرع ذلك وأوجبه ورضيه وأمر به، واحتسابه ~~ثوابه عند الله، أي يفعله خالصا يرجو ثوابه. # وقوله: "ما استطعت" أي إنما أقوم بذلك بحسب استطاعتي، لا بحسب ما ينبغي ~~لك وتستحقه علي. وفيه دليل على إثبات قوة العبد واستطاعته، وأنه غير مجبور ~~على ذلك، بل له استطاعة هي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب. ففيه رد على ~~القدرية المجبرة الذين يقولون: إن العبد لا قدرة له ولا استطاعة، ولا فعل ~~له البته، وإنما يعاقبه الله على فعله هو، لا على فعل العبد. وفيه رد على ~~طوائف المجوسية وغيرهم. PageV01P160 ### || CHECK - معنى قوله أبوء لك بنعمتك علي # ثم قال: "أعوذ بك من شر ما صنعت"، فاستعاذته بالله الالتجاء إليه والتحصن ~~به والهروب إليه من المستعاذ منه، كما يتحصن الهارب من العدو بالحصن الذي ~~ينجيه منه. وفيه إثبات فعل العبد وكسبه، وأن الشر مضاف إلى فعله هو، لا إلى ~~ربه، فقال: "أعوذ بك من شر ما صنعت". فالشر إنما هو من العبد، وأما الرب ~~فله الأسماء الحسنى، وكل أوصافه صفات كمال، وكل أفعاله حكمة ومصلحة. ويؤيد ~~هذا قوله عليه السلام: "والشر ليس إليك" في الحديث الذي رواه مسلم (1) في ~~دعاء الاستفتاح. # ثم قال: "أبوء بنعمتك علي" أي أعترف بأمر كذا، أي أقر به، أي فأنا معترف ~~لك بإنعامك علي، وإني أنا المذنب، فمنك الإحسان ومني الإساءة. فأنا أحمدك ~~على نعمك، وأنت أهل لأن تحمد، وأستغفرك لذنوبي. # ولهذا قال بعض العارفين: ينبغي للعبد أن تكون أنفاسه كلها نفسين: نفسا ~~يحمد فيه ربه، ونفسا يستغفره من ذنبه. ومن هذا حكاية الحسن مع الشاب الذي ~~كان يجلس في المسجد وحده ولا يجلس إليه، فمر به يوما فقال: ما بالك لا ~~تجالسنا؟ فقال: إني أصبح بين نعمة من الله تستوجب علي حمدا؛ وبين ذنب مني ~~يستوجب استغفارا، فأنا مشغول بحمده واستغفاره عن مجالستك. فقال: أنت أفقه ~~عندي من الحسن. # ومتى شهد العبد هذين الأمرين استقامت له العبودية، وترقى في درجات ~~المعرفة والإيمان، ms0069 وتصاغرت إليه نفسه، وتواضع لربه. وهذا PageV01P161 # هو كمال العبودية، وبه يبرأ من العجب والكبر وزينة العمل. والله الموفق ~~الهادي، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ~~ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # (من كتابة العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن إسحاق التميمي الداري ~~نسبا الحنفي مذهبا، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين. آمين آمين آمين). # *** PageV01P162 ### | CHECK (11) قاعدة في الصبر # قاعدة في الصبر PageV01P163 # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. # قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام مفتي الأنام تقي الدين أبو ~~العباس أحمد بن تيمية الحراني رضي الله عنه. # فصل # جعل الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بكل منزلة خيرا منه، فهم دائما في ~~نعمة من ربهم، أصابهم ما يحبون أو ما يكرهون، وجعل أقضيته وأقداره التي ~~يقضيها لهم ويقدرها عليهم متاجر يربحون بها عليه، وطرقا يصلون منها إليه، ~~كما ثبت في الصحيح عن إمامهم ومتبوعهم - الذي إذا دعي يوم القيامة كل أناس ~~بإمامهم دعوا به صلوات الله وسلامه عليه - أنه قال (1): "عجبا لأمر المؤمن، ~~إن أمره كله عجب، ما يقضي الله له من قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء ~~شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له". # فهذا الحديث يعم جميع أقضيته لعبده المؤمن، وأنها خير له إذا صبر على ~~مكروهها وشكر لمحبوبها، بل هذا داخل في مسمى الإيمان، فإنه كما قال السلف: ~~الإيمان نصفان، نصف صبر، ونصف شكر. # كقوله تعالى: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5)) (2). وإذا اعتبر العبد ~~الدين كله رآه يرجع بجملته إلى الصبر والشكر، وذلك PageV01P165 ### || CHECK - الصبر ثلاثة أقسام # لأن الصبر ثلاثة أقسام (1): # صبر على الطاعة حتى يفعلها، فإن العبد لا يكاد يفعل المأمور به إلا بعد ~~صبر ومصابرة، ومجاهدة لعدوه الظاهر والباطن، فبحسب هذا الصبر يكون أداؤه ~~للمأمورات وفعله للمستحبات. # النوع الثاني: صبر عن المنهي حتى لا يفعله، فإن النفس ودواعيها وتزيين ms0070 ~~الشيطان وقرناء السوء تأمره بالمعصية، وتجزئه عليها، فبحسب قوة الصبر يكون ~~تركه لها. قال بعض السلف (2): أعمال البر يفعلها البر والفاجر، ولا يقدر ~~على ترك المعاصي إلا صديق. # النوع الثالث: الصبر على ما يصيبه بغير اختياره من المصائب، وهي نوعان: # نوع لا اختيار للخلق [فيه]، كالأمراض وغيرها من المصائب السماوية، فهذه ~~يسهل الصبر فيها، لأن العبد يشهد فيها قضاء الله وقدره، وأنه لا مدخل للناس ~~فيها، فيصبر إما اضطرارا وإما اختيارا، فإن فتح الله على قلبه باب الفكرة ~~في فوائدها، وما في حشوها من النعم والألطاف، انتقل من الصبر عليها إلى ~~الشكر لها والرضا بها، فانقلبت حينئذ في حقه نعمة، فلا يزال هجيرا قلبه ~~ولسانه فيها: "رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (3). وهذا يقوى ويضعف ~~بحسب قوة محبة العبد لله وضعفها، بل هذا يجد أحدنا في الشاهد، PageV01P166 # كما قال بعض الشعراء (1) يخاطب محبوبا له ناله ببعض ما يكره: # لئن ساءني أن نلتني بمساءة لقد سرني أني خطرت ببالكا # النوع الرابع (2): ما يحصل له بفعل الناس في ماله أو عرضه أو نفسه، فهذا ~~النوع يصعب الصبر عليه جدا، لأن النفس تستشعر المؤذي لها، وهي تكره الغلبة، ~~فتطلب الانتقام، فلا يصبر على هذا النوع إلا الأنبياء والصديقون. # وكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - إذا أوذي يقول: "يرحم الله موسى، لقد ~~أوذي بأكثر من هذا فصبر" (3). وأخبر عن نبي من الأنبياء أنه ضربه قومه، ~~فجعل يقول: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون" (4). وقد روي عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه جرى له مثل هذا مع قومه، فجعل يقول مثل ذلك (5). # فجمع في هذا ثلاثة أمور: العفو عنهم، والاستغفار لهم، والاعتذار عنهم ~~بأنهم لا يعلمون. # وهذا النوع من الصبر عاقبته النصر والهدى والسرور والأمن، والقوة في ذات ~~الله، وزيادة محبة الله ومحبة الناس له، وزيادة العلم. PageV01P167 ### || CHECK - الأمور التي تعين العبد على الصبر # ولهذا قال الله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون (24)) (1). فالصبر واليقين ينال [بهما] الإمامة في ms0071 الدين ~~(2)، فإذا انضاف إلى هذا الصبر قوة اليقين والإيمان ترقى العبد في درجات ~~السعادة بفضل الله تعالى، و (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم (21)) (3). ولهذا قال الله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما ~~يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35)) (4). # ويعين العبد على هذا الصبر عدة أشياء: # أحدها: أن يشهد أن الله سبحانه وتعالى خالق أفعال العباد، حركاتهم ~~وسكناتهم وإراداتهم، فما شاء الله كان، ومالم يشأ لم يكن، فلا يتحرك في ~~العالم العلوي والسفلي ذرة إلا بإذنه ومشيئته، فالعباد آلة، فانظر إلى الذي ~~سلطهم عليك، ولا تنظر إلى فعلهم بك، تسترح من الهم والغم. # الثاني: أن يشهد ذنوبه، وأن الله إنما سلطهم عليه بذنبه، كما قال تعالى: ~~(وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (30) (5). فإذا شهد ~~العبد أن جميع ما يناله من المكروه فسببه ذنوبه، اشتغل بالتوبة والاستغفار ~~من الذنوب التي سلطهم عليه [بسببها]، عن ذمهم ولومهم والوقيعة فيهم. وإذا ~~رأيت العبد يقع في الناس إذا PageV01P168 # آذوه، ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار، فاعلم أن مصيبته مصيبة ~~حقيقية، وإذا تاب واستغفر وقال: هذا بذنوبي، صارت في حقه نعمة. قال علي بن ~~أبي طالب -كرم الله وجهه- كلمة من جواهر الكلام: لا يرجون عبد إلا ربه، ولا ~~يخافن عبد إلا ذنبه (1). وروي عنه وعن غيره: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع ~~إلا بتوبة. # الثالث: أن يشهد العبد حسن الثواب الذي وعده الله لمن عفا وصبر، كما قال ~~تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب ~~الظالمين (40)) (2). ولما كان الناس عند مقابلة الأذى ثلاثة أقسام: ظالم ~~يأخذ فوق حقه، ومقتصد يأخذ بقدر حقه، ومحسن يعفو ويترك حقه، ذكر الأقسام ~~الثلاثة في هذه الآية، فأولها للمقتصدين، ووسطها للسابقين، وآخرها ~~للظالمين. # ويشهد نداء المنادي يوم القيامة: "إلا ليقم من وجب أجره على الله" (3)، ~~فلا يقم (4) إلا من عفا وأصلح. وإذا ms0072 شهد مع ذلك فوت الأجر بالانتقام ~~والاستيفاء، سهل علمه الصبر والعفو. # الرابع: أن يشهد أنه إذا عفا وأحسن أورثه ذلك من سلامة القلب لإخوانه، ~~ونقائه من الغش والغل وطلب الانتقام وإرادة الشر، وحصل له من حلاوة العفو ~~ما يزيد لذته ومنفعته عاجلا وآجلا، على المنفعة الحاصلة له بالانتقام ~~أضعافا مضاعفة، ويدخل في قوله تعالى: PageV01P169 # والله يحب المحسنين (134)) (1)، فيصير محبوبا لله، ويصير حاله حال من أخذ ~~منه درهم فعوض عليه ألوفا من الدنانير، فحينئذ يفرح بما من الله عليه أعظم ~~فرحا (2) يكون. # الخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحد قط لنفسه إلا أورثه ذلك ذلا يجده في ~~نفسه، فإذا عفا أعزه الله تعالى، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق حيث ~~يقول: "ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا" (3). فالعز الحاصل له بالعفو أحب ~~إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالانتقام، فإن هذا عز في الظاهر، وهو ~~يورث في الباطن ذلا، والعفو ذل في الباطن، وهو يورث العز باطنا وظاهرا. # السادس - وهي من أعظم الفوائد -: أن يشهد أن الجزاء من جنس العمل، وأنه ~~نفسه ظالم مذنب، وأن من عفا عن الناس عفا الله عنه، ومن غفر لهم غفر الله ~~له. فإذا شهد أن عفوه عنهم وصفحه وإحسانه مع إساءتهم إليه سبب لأن يجزيه ~~الله كذلك من جنس عمله، فيعفو عنه ويصفح، ويحسن إليه على ذنوبه، ويسهل عليه ~~عفوه وصبره، ويكفي العاقل هذه الفائدة. # السابع: أن يعلم أنه إذا اشتغلت نفسه بالانتقام وطلب المقابلة ضاع عليه ~~زمانه، وتفرق عليه قلبه، وفاته من مصالحه مالا يمكن استدراكه، ولعل هذا ~~أعظم عليه من المصيبة التي نالته من جهتهم، فإذا عفا وصفح فرغ قلبه وجسمه ~~لمصالحه التي هي أهم عنده من الانتقام. PageV01P170 # الثامن: أن انتقامه واستيفاءه وانتصاره لنفسه، وانتصاره لها، فإن رسول ~~الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط، فإذا كان هذا خير خلق الله وأكرمهم على ~~الله لم ينتقم لنفسه، مع أن أذاه أذى الله، ويتعلق به حقوق الدين، ونفسه ~~أشرف الأنفس وأزكاها وأبرها، ms0073 وأبعدها من كل خلق مذموم، وأحقها بكل خلق ~~جميل، ومع هذا فلم يكن ينتقم لها، فكيف ينتقم أحدنا لنفسه التي هو أعلم بها ~~وبما فيها من الشرور والعيوب، بل الرجل العارف لا تساوي نفسه عنده أن ينتقم ~~لها، ولا قدر لها عنده يوجب عليه انتصاره لها. # التاسع: إن أوذي على ما فعله لله، أو على ما أمر به من طاعته ونهي عنه من ~~معصيته، وجب عليه الصبر، ولم يكن له الانتقام، فإنه قد أوذي في الله فأجره ~~على الله. ولهذا لما كان المجاهدون في سبيل الله ذهبت دماؤهم وأموالهم في ~~الله لم تكن مضمونة، فإن الله اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، فالثمن على الله ~~لا على الخلق، فمن طلب الثمن منهم لم يكن له على الله ثمن، فإنه من كان في ~~الله تلفه كان على الله خلفه، وإن كان قد أوذي على مصيبة فليرجع باللوم على ~~نفسه، ويكون في لومه لها شغل عن لومه لمن آذاه، وإن كان قد أوذي على حظ (1) ~~فليوطن نفسه على الصبر، فإن نيل الحظوظ دونه أمر أمر من الصبر، فمن لم يصبر ~~على حر الهواجر والأمطار والثلوج ومشقة الأسفار ولصوص الطريق، وإلا فلا ~~حاجة له في المتاجر. # وهذا أمر معلوم عند الناس أن من صدق في طلب شيء من الأشياء بدل من الصبر ~~في تحصيله بقدر صدقه في طلبه. PageV01P171 # العاشر: أن يشهد معيه الله معه إذا صبر، ومحبه الله له إذا صبر، ورضاه. ~~ومن كان الله معه دفع عنه أنواع الأذى والمضرات مالا يدفعه عنه أحد من ~~خلقه، قال تعالى: (واصبروا إن الله مع الصابرين (46)) (1)، وقال تعالى: ~~(والله يحب الصابرين (146)) (2). # الحادي عشر: أن يشهد أن الصبر نصف الإيمان، فلا يبدل من إيمانه جزاء في ~~نصرة نفسه، فإذا صبر فقد أحرز إيمانه، وصانه من النقص، والله يدفع عن الذين آمنوا. # الثاني عشر: أن يشهد أن صبره حكم منه على نفسه، وقهر لها وغلبة لها، فمتى ~~كانت النفس مقهورة معه مغلوبة، لم تطمع في استرقاقه وأسره وإلقائه في ms0074 ~~المهالك، ومتى كان مطيعا لها سامعا منها مقهورا معها، لم تزل به حتى تهلكه، ~~أو تتداركه رحمة من ربه. فلو لم يكن في الصبر إلا قهره لنفسه ولشيطانه، ~~فحينئذ يظهر سلطان القلب، وتثبت جنوده، ويفرح ويقوى، ويطرد العدو عنه. # الثالث عشر: أن يعلم أنه إن صبر فالله ناصره ولابد، فالله وكيل من صبر، ~~وأحال ظالمه على الله، ومن انتصر لنفسه وكله الله إلى نفسه، فكان هو الناصر ~~لها. فأين من ناصره الله خير الناصرين إلى من ناصره نفسه أعجز الناصرين ~~وأضعفه؟ # الرابع عشر: أن صبره على من آذاه واحتماله له يوجب رجوع خصمه عن ظلمه، ~~وندامته واعتذاره، ولوم الناس له، فيعود بعد إيذائه (3) له PageV01P172 # مستحييا منه نادما على ما فعله، بل يصير مواليا له. وهذا معنى قوله ~~تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34) ~~وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35)) (1). # الخامس عشر: ربما كان انتقامه ومقابلته سببا لزيادة شر خصمه، وقوة نفسه، ~~وفكرته في أنواع الأذى التي يوصلها إليه، كما هو المشاهد. فإذا صبر وعفا ~~أمن من هذا الضرر، والعاقل لا يختار أعظم الضررين بدفع أدناهما. وكم قد جلب ~~الانتقام والمقابلة من شر عجز صاحبه عن دفعه، وكم قد ذهبت نفوس ورئاسات ~~وأموال لو عفا المظلوم لبقيت عليه. # السادس عشر: أن من اعتاد الانتقام ولم يصبر لابد أن يقع في الظلم، فإن ~~النفس لا تقتصر على قدر العدل الواجب لها، لا علما ولا إرادة، وربما عجزت ~~عن الاقتصار على قدر الحق، فإن الغضب يخرج بصاحبه إلى حد لا يعقل ما يقول ~~ويفعل، فبينما هو مظلوم ينتظر النصر والعز، إذ انقلب ظالما ينتظر المقت ~~والعقوبة. # السابع عشر: أن هذه المظلمة التي ظلمها هي سبب إما لتكفير سيئته، أو رفع ~~درجته، فإذا انتقم ولم يصبر لم تكن مكفرة لسيئته ولا رافعة لدرجته. # الثامن عشر: أن عفوه وصبره من أكبر الجند له على خصمه، فإن من صبر وعفا ~~كان صبره وعفوه موجبا ms0075 لذل عدوه وخوفه وخشيته منه ومن الناس، فإن الناس لا ~~يسكتون عن خصمه، وإن سكت هو، فإذا انتقم زال ذلك كله. ولهذا تجد كثيرا من ~~الناس إذا شتم غيره أو PageV01P173 # آذاه يحب أن يستوفي منه، فإذا قابله استراح وألقى عنه ثقلا كان يجده. # التاسع عشر: أنه إذا عفا عن خصمه استشعرت نفس خصمه أنه فوقه، وأنه قد ربح ~~عليه، فلا يزال يرى نفسه دونه، وكفى بهذا فضلا وشرفا للعفو. # العشرون: أنه إذا عفا وصفح كانت هذه حسنة، فتولد له حسنة أخرى، وتلك ~~الأخرى تولد له أخرى، وهلم جرا، فلا تزال حسناته في مزيد، فإن من ثواب ~~الحسنة الحسنة، كما أن من عقاب السيئة السيئة بعدها. وربما كان هذا سببا ~~لنجاته وسعادته الأبدية، فإذا انتقم وانتصر زال ذلك. # والأصل الثاني الشكر، وهو العمل بطاعة الله (1). # ... PageV01P174 ### | CHECK (12) فتوى في العشق # فتوى في العشق (*) PageV01P175 # بسم الله الرحمن الرحيم # سؤال رفع لشيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد ~~السلام بن تيمية الحراني، وصورته: # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين - في رجل عاشق ~~في صورة، وتلك الصورة مصرة على هجره منذ زمان طويل لا يزيده إلا بعدا، ولا ~~يزداد لها إلا حبا، وعشقه لهذه الصورة من غير فسق ولا خنا، وليس هو ممن ~~يدنس عشقه بزنا، وقد أفضى الحال إلى هلاكه لا محالة إن بقي مع محبوبه على ~~هذه الحالة. فهل يحل لمن هذه حاله أن يهجر؟ وهل يجب وصاله على المحبوب ~~المذكور؟ وهل يأثم ببقائه على ما يكره من المحب؟ وماذا يجب من تفاصيل ~~أمرهما وما لكل واحد منهما على الآخر من الحقوق مما يوافق الشرع والعقل؟ ~~أفتونا مأجورين رحمكم الله. # الجواب # الكلام على هذه المسألة ينبني على أصلين: أحدهما يتعلق بالعاشق، والآخر ~~يتعلق بالمعشوق، ولكل واحد منهما تفاصيل تذكر عند ذكره. ولابد من تقديم ~~مقدمة ينبني عليها الجواب، وهي: # لاشك أنه من المعلوم أن الشرع والعقل قد دلا [على] وجوب تحصيل المصالح ~~وتكميلها، وإعدام ms0076 المفاسد وتقليلها، فكلما يرى العاقل أنه إذا دخل في أمر ~~ما يوجب له مصلحة من وجه ومفسدة من PageV01P177 ### || CHECK - ما ذكروا من فوائد العشق ### || CHECK - ليس في عشق الصور مصلحة شرعية # وجه وجب عليه عند ذلك الترجيح، فيأخذ لنفسه بالأسد والأكمل والأرشد ~~والأصلح. # ومن المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة شرعية دينية، لما يؤدي إلى ~~الاشتغال بذكر المخلوق عن ذكر الخالق، والعبث بالصور لا المعاني، والالتحاق ~~بالعالم الحيواني غير الناطق في الائتلاف الصوري. كما سئل بعضهم عن العشق، ~~فقال: هي قلوب غفلت عن ذكر الحق، فشغلت بذكر الخلق. فهذا مما يدل على بعد ~~عشاق الصور عن الرب العظيم باشتغالهم بالخسيس الذميم. # لكن قد ذكر المتقدمون من عقلاء العرب وظرفائهم وطائفة من الحكماء أن فيه ~~فوائد، مع اتفاقهم على نقصه من جهة ما ذكرنا من أن صاحبه كلما قرب منه بعد ~~عن الله عز وجل. إن فيه فوائد (1)، من جملتها رقة الطبع وإزالة خبثه وترويح ~~النفس وخفتها ورياضة الجسد، كما روي عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قيل له: إن ~~ابنك عشق فلانة، فقال: الحمد لله الذي صيره إلى طبع الآدمي. # وقال بعضهم: العشق داء أفئدة الكرام. # وقال بعضهم: العشق لا يصلح إلا لذي مروءة ظاهرة، أو لذي لسان فاضل وإحسان ~~كامل، أو لذي أدب بارع وحسب خاشع (2)، ويقبح لسواهم. # وقال بعضهم: العشق يشجع جنان الجبان، ويصفي ذهن الغبي، ويسخي كف البخيل، ~~ويخضع عزة الملوك، ويسكن نوافر الأخلاق. PageV01P178 # وهو أنيس المؤنس وجليس المجالس (1)، وملك قاهر وسلطان. # وقال بعض العرب (2): # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فأنت وعير في الفلاة سواء # وحكي أن جالينوس قال: من لم تبتهج نفسه للصوت الشجي والوجه البهي فهو ~~فاسد المزاج، يحتاج إلى العلاج. # وقال بعض الحكماء: العشق يروض النفس ويهذب الأخلاق، وإظهاره طبعي، ~~وإضماره تكليفي، حاجبه الصبر وخادمه الجوارح. # فهذه آثار - كما ترى - دالة على أنه ليس في العشق مصلحة شرعية دينية، ~~وإنما مال إليه هؤلاء لما ذكروا فيه من المصالح العقلية والرياضية، ms0077 من ~~تهذيب النفس ورياضتها، ولو تعلق هؤلاء بمحبة الإله المعبود لألهاهم ذلك عن ~~محبة الأشخاص الفانية، وحصل لهم مقصودهم من رياضة النفس وفرط المحبة وتهذيب ~~الأخلاق المذكورة، وصار كل موجود يحدث لهم الفكر فيه وجدا لموجده، وكل ~~مخلوق يتبين لهم منه محبة لخالقه، فتخاطبهم الموجودات والمخلوقات بألسنة ~~الأحوال، وتوضح لهم أنه لا يستحق المحبة على الكمال غير ذي الإكرام ~~والجلال. # هذا ما يتعلق بالمقدمة وكيفية بناء الأصلين عليها. أما ما يتعلق بالعاشق ~~فقد ذكرنا أنه لابد من تحصيل المصالح وتكميلها، وإعدام المفاسد وتقليلها، ~~فمن دخل على أمر ما فواجب عليه أن ينظر في ذلك الأمر، فإن كانت مصلحته ~~راجحة على مفسدته أخذ بالأرجح. PageV01P179 # وقد دل الدليل كما ذكرنا على أنه ليس في العشق الصوري مصلحة دينية كما ~~ذكرنا، وإنما فيه مصلحة رياضية نفسية، والمصالح الدينية مقدمة، مع ما يقرن ~~بذلك مع أدائه إلى فساد الذهن وتشويش الحواس، وهو ملحق بشرب الخمر المحرم، ~~وليس لصاحبه عذر يعتذر به ولا حجة يقيمها. # مثال ذلك أن من شرب الخمر فسكر، فحصل منه جناية في حق أحد أو عربدة على ~~غيره، فأتلف شيئا، أخذ به، لأن الذي أزال عقله سبب محرم أدخله على نفسه ~~راضيا غير مكره، مع علمه قبل أن يشربه أنه يؤدي به الحال إلى هذا، فإذا ~~اعتذر وقال: لم أع ما قلت، ولا كان عقل أميز به، قلنا له: أنت فرطت حين شربت. # ولهذا جنح بعض العلماء إلى مؤاخذة السكران بما يصدر منه من طلاق وعتاق ~~وجناية، بخلاف من يزول عقله بخلط سوداوي أو روحاني، فإن ذلك ليس هو من ~~فعله، ولا تسبب فيه برضاه، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال (1): "رفع القلم عن ثلاث"، فذكر المجنون حتى يفيق. # فعلى هذا لا ينبغي لأحد أن يحكم على نفسه عشق الصور، ليؤدي به الحال إلى ~~الهلاك، فمن فعل ذلك فهو المفرط بنفسه والمقرر لها، فإذا هلكت فهو الذي ~~أهلكها، وإذا قتلت فهو الذي قتلها، فإنه لولا تكرار نظره ms0078 إلى وجه معشوقه لم ~~يثبت محبته في قلبه، حتى أداه إلى ما أداه. PageV01P180 ### || CHECK - مراتب الحب # وذلك لأن أول مرتبة المحبة (1) تسمى الاستحسان، وهي المتولدة عن النظر ~~والسماع، ثم تقوى هذه المرتبة بطول الفكرة في محاسن المحبوب وصفاته ~~الجميلة، فتصير مودة، وهي الميل إليه والألفة بشخصه. ثم تتأكد المودة فتصير ~~محبة، والمحبة هي الائتلاف الروحاني. فإذا قويت صارت خلة، وهذا أصح ~~الأقوال. والخلة بين الآدميين هي تمكن محبة أحدهما من قلب صاحبه حتى يسقط ~~بينهما السرائر، ثم تقوى الخلة فتصير هوى، والهوى أن المحب لا يخالطه في ~~محبوبه تغير، ولا يداخله تلون. ثم يزيد الهوى فيصير عشقا. # والعشق الإفراط في المحبة حتى لا يخلو العاشق من تخيل المعشوق وفكره ~~وذكره، ولا يغيب عن خاطره وذهنه، فعند ذلك يشغل النفس عن استخدام القوة ~~الشهوانية والنفسانية، فيمنع من النوم لاستضرار الدماغ. فإذا قوي العشق صار ~~تتيما، وفي هذا الحال لا يوجد في قلبه فضلة لغير تصور معشوقه، ولا يرضى ~~نفسه بسواها. فإذا تزايد الحال صار ولها، والوله هو الخروج عن الحدود ~~والضوابط حتى تختل أفعاله وتتغير صفاته، ويصير موسوسا لا يدري ما يقول ولا ~~أين يذهب، فحينئذ يعجز الأطباء عن مداواته، وتقصر آراؤهم عن معالجته، ~~لخروجه عن الحدود والضوابط. # قال بعضهم (2): # الحب أول ما يكون لجاجة يأتي به ويسوقه الأقدار PageV01P181 ### || CHECK - مقامات العاشق وما يجب عليه فيها # حتى إذا خاض الفتى لجج الهوى جاءت أمور لا تطاق كبار # فلو لم ينتقل العاشق بنفسه في هذه المراتب من مرتبة إلى مرتبة، حتى وصل ~~إلى الحد الذي يؤذيه، لم يصبه أذى، فهو الجاني على نفسه، وأشبه به قول ~~القائل: "يداك أوكتا وفوك نفخ" (1). فتصور بهذا أنه مخطئ بما صدر منه أو ~~لا، وإن كان ينبغي أن يحتاط لنفسه ولا يورطها فيما فيه هلاكها. # فعلى هذا فالعاشق له ثلاث مقامات (2): مبتدأ، ومتوسط، ونهاية. # أما مبتدؤه ففي أول الأمر واجب عليه كتمان ذلك وعدم إفشائه للمخلوقين، ~~تقليلا للوشاة عليه، وإمالة لقلب محبوبه إليه، مراعيا في ذلك ms0079 شرائط الفتوة ~~من العفة مع القدرة، وإلا التحق بالشيطان الرجيم وحزبه، فازداد به الأمر ~~إلى المقام الأوسط، فيغلب عليه الحال، فلا بأس بإعلام محبوبه بمحبته إياه، ~~فيخف بإعلامه له وشكواه إليه ما يجده منه، ويحذر من إطلاع الناس على ذلك، ~~فهو يكون سبب هلاكه. فإن زاد به الأمر حتى يخرج عن الحدود والضوابط ~~المذكورة، فقد التحق من هذا حاله بالمجانين والمولهين. # على أن من رخص في العشق من العقلاء، لما ذكرنا من ترويضه للنفس وتهذيبه ~~للأخلاق، فجعله مشروطا بالعفة المذكورة، كما قال قائلهم: "عفوا تشرفوا، ~~واعفوا تطرفوا". وقال الأحنف بن قيس (3): PageV01P182 ### || CHECK - العشاق نوعان # أتأذنون لصب في زيارتكم فعندكم شهوات السمع والبصر # لا يضمر الشوق إن طال الجلوس به عف الضمير ولكن فاسق النظر # وقيل لبعض العشاق: ما كنت تصنع لو ظفرت بمن تهوى؟ قال: # كنت أمنع طرفي من وجهه، وأروح قلبي بذكره وحديثه، أستر منه مالا يحب ~~كشفه، ولا أصير بفتح القفل إلى ما ينقض عهده. وأنشد (1): # أخلو به فأعف عنه كأنني خوف الديانة لست من عشاقه # كالماء في يد صائم يلتذه ظمأ فيصبر عن لذيذ مذاقه # وانقسموا قسمين: # قسم قنعوا بالنظرة البعيدة ولو في مدة مديدة، كما قال شاعرهم: # ليس في العاشقين أقنع مني أنا أرضى بنظرة من بعيد # وقال الآخر: # لو مر في خاطري تقبيل وجنته لسيلت فكري عن عارضيه دما # وقال آخر: # وأحفظه عن ناظري ومقلتي مخافة أن العين تجرح خده # واستمروا على هذه الحالة، فمنهم من يموت وهو كذلك، لا يظهر سره لأحد، حتى ~~محبوبه لا يدري به. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من عشق ~~فعف فكتمه فمات منه فهو شهيد" (2). وهذا مقام PageV01P183 # عظيم يرفع، إن تركه وحسم مادته [فهو] أفضل وأقرب إلى الحق كما ذكرنا. # والقسم الثاني أباحوا لمن وصل إلى حد يخاف على نفسه منه- القبلة في الحين ~~قد غلبه نفسه وقهره قوته. قالوا: لأن في تركها ما يؤدي إلى هلاك النفس، ~~والقبلة صغيرة، وهلاك النفس كبيرة، وإذا وقع الإنسان ms0080 في مرضين خطرين داوى ~~أخطرهما، ولا خطر أعظم من قتل النفس، حتى أوجبوا على المحبوب مطاوعته على ~~ذلك إذا علم أن تركه ذلك يؤدي إلى هلاكه، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ~~(وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) (1)، ~~قالوا: إن سبب نزولها أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~يا رسول الله! إني أصبت من امرأة أجنبية كل شيء إلا النكاح، فقال له النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: قد غفر الله لك. فنزلت ~~هذه الآية (2). # وبقول الله تعالى: (والذين يجتنبون كبائر الأثم والفواحش وإذا ما غضبوا PageV01P184 ### || CHECK - تحريم النظر إلى المردان # هم يغفرون (37)) (1). إلا أنهم كما قال بعض السلف: ما رأيت شيئا أشبه ~~باللمم من قول أبي هريرة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كتب ~~على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، ~~واللسان يزني وزناه النطق، والرجل تزني وزناها الخطا، واليد تزني وزناها ~~البطش، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (2). # وهذه النصوص واردة في حق النساء، وهذا السؤال عن الرجال، لأن أولئك القوم ~~في الزمن الأول لم يكن للغلمان عندهم قدر يهوون من أجله، أما الآن فقد ~~زادوا على الحد، وازدادوا على أولئك في الحد، وهم الفتنة موجودة، وقد نهى ~~الله عز وجل عن إرسال النظر، فقال تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) ~~(3) حسما لهذه المادة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي: "النظرة ~~الأولى لك، والثانية عليك" (4). حتى قيل: "رب حرب حميت من لفظه، ورب عشق ~~غرس من لحظه". # وقد نقل الشيخ محيي الدين النووي (5) تحريم النظر إلى الأمرد الحسن بشهوة ~~وبغير شهوة، وأفتى به وصححه - رحمه الله - ذهابا إلى سد هذه الثغرة وحسم ~~مادة هذه البلية العظيمة. # فإن كان هذا السائل كما زعم ممن لا يدنس عشقه بزنا، ولا PageV01P185 ### || CHECK - ما يجب على المعشوق # يصحبه بخنا، فينظر في حاله، إن كان من الطبقة الأولى فقد ms0081 ذكر شروطهم فيما ~~يتعلق بالكتمان حتى عن المحبوب، وإن كان كافيا لهم ان صدقت دعواهم. وإن كان ~~من الطبقة الثانية فلا بأس بشكواه إلى محبوبه كي يرق عليه ويرحمه. وإن غلبه ~~الحال فالتحق بالثالثة أبيح له ما ذكرنا، بشرط أن لا يكون أنموذجا لفعل ~~القبيح المحرم، فيلتحق بالكبائر، فيستحق القتل عند ذلك، ويزول عنه العذر، ~~ويحق عليه كلمة العذاب، (حقت كلمة العذاب على الكافرين (71)) (1). # وأما ما يتعلق بالمعشوق فيجب عليه إدامة حمد الله وشكره على ما أعطاه من ~~الجمال والحسن، ويحرص أن لا يجتمع مع حسنه قبيح الفعال، ولا يدنس جماله ~~بخسيس الخصال. فإن ظهر له من محبة هذا صدق دعواه، وفهم سلوك طريق المحبة من ~~نجواه، فعامله المعاملة الجميلة، وأباح له النظر والمحادثة المذكورة، ~~والقبلة في الأحيان بالشروط المتقدمة، مع أن هذا يكون تفضلا منه فلا يجب ~~عليه، فإن خست نفس العاشق وجنحت إلى الفسق الصراح هجره، وما عليه في ذلك من ~~جناح، وإن قتله بعشقه فليقتله، فهذا بعض حقه. والله أعلم بالصواب، وعنده ~~علم الكتاب. آخره، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ... PageV01P186 ### | CHECK (13) مسألة في الفتوة وآدابها وشرائطها # مسألة في الفتوة وآدابها وشرائطها PageV01P187 ### || CHECK - معنى الفتى في اللغة والعرف # مسألة # في الفتوة وآدابها وشرائطها، وهل لها أصل في كتاب الله وسنة رسول الله؟ ~~وهل الفتوة متصلة بإبراهيم الخليل عليه السلام أو بعلي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه؟ وهل إذا كانت متصلة بأحد من الأنبياء أو من الأولياء، فهل للباس ~~والماء والملح الذي يشربونه أصل في ذلك؟ حتى أنه إذا شرب أحدهم الشربة يعد ~~نسبها إلى آدم عليه السلام، وكيف سميت فتوة؟ وأيش السبب في ذلك؟ وهل لأحد ~~من أئمة المسلمين قول في ذلك أم لا؟. # الجواب # الحمد لله. الفتى في كلام العرب هو الحدث بالنسبة إلى غيره، كما قال ~~تعالى: (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13)) (1)، وقال تعالى: (قالوا ~~سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60)) (2)، (وإذ قال موسى لفتاه) (3)، ~~(وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) (4). # ثم إنها غلبت في ms0082 عرف كثير من الناس على مكارم الأخلاق، لكون الشباب ألين ~~أخلاقا من الشيوخ، وصاروا يطلقون الفتوة على ذلك، حتى قال بعض المشايخ: ~~طريقتنا تتفتى وليس تتعرى. وكما قال آخر منهم: التصوف خلق، من زاد عليك في ~~الخلق زاد عليك في التصوف. PageV01P189 ### || CHECK - تقوى الله وحسن الخلق يجمعان كل خير # وأعظم مكارم الأخلاق تقوى الله، ولهذا روي عن الإمام أحمد أنه سئل عن ~~الفتوة، فقال: ترك لما تخشى. وهذا من قوله: (وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي المأوى (41)) (1). ولهذا يقولون: إن هذه ~~الآية تجمع علم الطريق، وصار يتكلم في الفتوة وما يدخل فيها من طوائف من ~~المشايخ وغيرهم، وجماع الأمر المحمود يرجع إلى الأصلين، كما روى حديثا صححه ~~عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل ما أكثر ما يدخل ~~الناس الجنة؟ فقال: تقوى الله وحسن الخلق، وسئل ما أكثر ما يدخل الناس ~~النار؟ فقال: الأجوفان: الفم والفرج (2). # فتقوى الله وحسن الخلق يجمع كل خير، وقد قال الله تعالى: (إن الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون (128)) (3). وسواء سمي ذلك فتوة أم لم يسم، ~~فالاعتبار في الدين بالإخاء التي جاءت (4) في القرآن وما علق بها من مدح ~~وذم، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، فالممدوح مثل اسم الإيمان والإسلام والتقوى ~~والإحسان والبر والصدق والعدل ونحو ذلك، والمذموم مثل الكفر والنفاق ~~والفجور والإساءة والكذب والظلم والفواحش ونحو ذلك. فمن فعل ما يحمد عليه ~~في القرآن حمد، ومن فعل ما يذم عليه في القرآن ذم، ومن فعل ما يحمد وما يذم ~~استحق الحمد والذم جميعا، (وما ربك بظلام للعبيد (46)) (5). PageV01P190 ### || CHECK - التحزب على التناصر المطلق غير مشروع ### || CHECK - سقي الماء والملح وإلباس السراويل ونحو ذلك بدعة # وأما سقي الماء والملح وإلباس السراويل ونحو ذلك فبدعة باطلة لا أصل لها، ~~ولم يفعل ذلك أحد من الأنبياء والصالحين، لا إبراهيم ولا علي ولا غيرهما. # ولا يشرع اجتماع طائفة وتحزبهم على التناصر المطلق، بحيث ينصر بعضهم بعضا ~~في الحق والباطل، ms0083 بل الواجب على كل أحد اتباع كتاب الله وسنة رسوله، ~~والمؤمنون إخوة يجب موالاة بعضهم بعضا وتناصرهم وتعاونهم على البر والتقوى. ~~قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) (1)، وقال تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) ومن يتول ~~الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (56)) (2)، وقال تعالى: ~~(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن ~~الله عزيز حكيم (71)) (3). # وفي الصحيحين (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مثل ~~المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه ~~عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وقال (5): "المؤمن للمؤمن ~~كالبنيان يشذ بعضه بعضا"، وشبك بين أصابعه. وقال (6): "والذي نفسي بيده لا ~~يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه". PageV01P191 ### || CHECK - الأمور التي ارتبطت بالفتوة في هذا الزمان # وأمثال هذه الآيات والأحاديث التي إذا آمن الناس بها، وسموا بما سماهم ~~الله ورسوله، جمع الله لهم خير الدنيا والآخرة. # ولم يكن من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين لا من أهل البيت ولا غيرهم ~~[من] يدعو الناس إلى هذا الاسم، ولا يحزب له أحزابا عليه. ومن نقل عن أمير ~~المؤمنين علي أو غيره شيئا من ذلك فقد كذب عليه باتفاق أهل المعرفة بحاله. # وأما الأمور المكروهة في الدين من الظلم والكذب (1) ونحو ذلك، فلا يشك ~~مؤمن بالله ورسوله أنه يجب النهي عن ذلك، بل يجب النهي عن دواعي ذلك ~~وأسبابه وما يقصد به ذلك. # وكثير مما تسميه الناس فتوة في هذا الزمان يقصدون به التعاون على ظلم أو ~~فاحشة، ويجعلون ذلك وسيلة لصيد المردان وإفسادهم، فلو كان الفعل الذي ~~يفعلونه مباحا وكان المقصود به ذلك لكان محرما باتفاق المسلمين، فإن في ~~الصحيحين (2) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى ~~الله ورسوله ms0084 فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو ~~امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه". # فإذا كانت الهجرة التي أمر الله بها عباده، إذا كان مقصود المهاجر [بها] ~~التزوج بامرأة أو طلب دنيا لم يكن له إلا ذلك، ولم يكن له في الآخرة من ~~خلاق، فكيف ممن يفعل البدع لقصد الفواحش والظلم، PageV01P192 # حتى يجرئوا الشباب على القتل المحرم وأخذ الأموال والعشرة في طاعة ~~الشيطان، من جن[س] ما يفعله أهل الدساكر وأهل المياسر. # والواجب النهي عن هذه الشباهة، وعقوبة من يفعل ذلك عقوبة بليغة تردع ~~المتعاونين على الإثم والعدوان المتشبثين بخطوات الشيطان. # والله أعلم. # *** PageV01P193 ### | CHECK (14) مسألة فيما يفعله بعض الخطباء يوم الجمعة # مسألة فيما يفعله بعض الخطباء يوم الجمعة PageV01P195 ### || CHECK - البدع التي يفعلها الخطباء في الجمعة نحو عشرين بدعة # مسألة # فيما يفعله بعض الخطباء يوم الجمعة، كدق المنبر بالسيف في أول درجه ~~وثانيه وثالثه، وقول المؤذنين عند ذلك: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~وعلى أبي بكر وعمر ضجيعيه، وفي الثانية: وعلى عثمان وعلي صهريه؛ وفي ~~الثالثة: وعلى آل محمد وعلى الحمزة والعباس عميه. فإذا رقي أعلى المنبر ~~أقبل على الناس وسلم عليهم ورفع يده، فإذا شرع في الخطبة وأتى إلى ذكر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع المؤذنون أصواتهم بالصلاة عليه، فإذا فرغ ~~الخطيب قام بعض المؤذنين ومجد الخطيب وأثنى عليه. # الجواب # البدع التي يفعلها الخطباء في الجمعة متعددة، قد ذكروا منها نحو عشرين ~~بدعة (1)، منها ما ذكر من الدق بالسيف، ورفع المؤذن صوته بالدعاء للخطيب، ~~أو بالصلاة والترضي. # وأما تسليم الإمام عليهم إذا استقبلهم بعد الاستدبار، فهو مستحب عند ~~الشافعي وأحمد وغيرهما (2)، وقد جاء ذلك مأثورا عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - (3)، PageV01P197 ### || CHECK - المشروع لمن سمع الخطبة الإنصات # ولكن يسلم السلام الشرعي. # واتفق الأئمة على أن المشروع لمن سمع الخطيب أن ينصت ولا يجهر بشيء، فقد ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قلت لصاحبك - والإمام يخطب يوم الجمعة-: ~~أنصت، فقد لغوت" (1). فإذا كان الأمر بالإنصات ms0085 لاغيا فكيف غيره؟ وسواء في ~~ذلك المؤذن وغيره، لا يجهر أحدهم عند تكلم الخطيب بشيء، لا بصلاة على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ولا غير ذلك. لكن هل يسكت عند ذكر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أو يصلي عليه سرا في نفسه؟ هذا فيه نزاع بين العلماء، فأما رفع ~~الصوت بذلك أو غيره فمنهي عنه باتفاق العلماء، وجمهورهم على أن ذلك محرم، ~~كما هو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه وأحمد في أشهر ~~الروايتين عنه. # وقد تبين أن هذه الأفعال مذمومة إلا سلام الخطيب على المأمومين. # والله أعلم. الحمد لله، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # ... PageV01P198 ### | CHECK (15) قاعدة في أفعال الحج # قاعدة في أفعال الحج PageV01P199 ### || CHECK - أعمال الحج ثلاثة أقسام # بسم الله الرحمن الرحيم # قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: # الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # فصل # في أعمال الحج والعمرة، وما يشرع منها في غير حج ولا عمرة، وما يختص ~~بالحج، وهل لمن ليس بحاج ولا معتمر أن يدخل معهم في بعض ذلك ولا يلتزم ~~شرائطه، وكذلك الصلاة فنقول: أعمال الحج ثلاثة أقسام، منها ما يختص بالحج، ~~ومنها ما يشترك فيه الحج والعمرة، ومنها ما يشرع منفردا عن الحج والعمرة. # فهذا الثالث هو الطواف بالبيت، فإن الحج لابد فيه من طواف بالبيت، وكذلك ~~العمرة. والطواف عبادة مستقلة، فيطوف بالبيت المحل الذي ليس في حج ولا ~~عمرة، ولا يشترط له إحرام. وهذا متفق عليه بين المسلمين، مشروع للخلق من ~~حين بنى إبراهيم البيت. قال تعالى: (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع ~~السجود (26)) (1). فهذه PageV01P201 ### || CHECK - الطواف بالصفا والمروة يختص بالحج والعمرة # العبادات الطواف والاعتكاف والصلاة هي مشروعة لجميع الناس، لا يختص شيء ~~من ذلك بالحج والعمرة، بل ms0086 الاعتكاف مشروع بغير إحرام، وكذلك الصلاة، وكذلك ~~الطواف. لكن الطواف هو ركن في الحج والعمرة، بخلاف الاعتكاف، لقوله تعالى: ~~(ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29)) (1). # وأما الطواف بالصفا والمروة فيختص بالحج والعمرة، لا يشرع منفردا، بل ولا ~~يشرع إلا بعد الطواف بالبيت، ولهذا يجيء في الحديث: "طاف بالبيت وبين الصفا ~~والمروة" (2). قال تعالى: (*إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت ~~أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) (3)، لم يشرع ذلك مطلقا كما شرع ~~الطواف والاعتكاف والصلاة، وقد ثبت في الصحيح (4): أن ناسا كانوا يظنون أن ~~الصفا والمروة ليس من شعائر الله، بل ظنوا ذلك من أعمال الجاهلية، وآخرون ~~كانوا لا يطوفون بهما في الجاهلية. فلما جاء الإسلام سألوا عن ذلك، فأنزل ~~الله هذه الآية، يبين أن الصفا والمروة من شعائره، وقد شرع لعباده الطواف ~~بهما، فلا جناح في ذلك على من حج أو اعتمر، وأزال بذلك ما كان قد حصل من ~~الشك والظن. وهذا كما يسأل الرجل عن عبادة مأمور بها، فيظن أنها منهي عنها، ~~فيقال له: لا بأس بذلك، وإن كان ذلك مشروعا مستحبا. # ولم يكن حين نزول هذه الآية قد أوجب الله الحج، بل بين أن PageV01P202 # ذلك مشروع بقوله: إنهما (من شعائر الله)، وبقوله: (ومن تطوع خيرا فإن ~~الله شاكر عليم (158)) (1). فهذا وهذا يبين أن ذلك عمل صالح، وأن قوله "فلا ~~جناح" لنفي الشبهة التي وقعت لهم في ذلك، وأن قوله "لا جناح عليه" أي لا ~~جناح في التقرب بالطواف واتخاذه عبادة، فإن أحدا لا يطوف بهما إلا على وجه ~~التعبد، ليس ذلك كالسفر الذي يفعل على وجه العبادة وغير وجه العبادة. فلما ~~قال تعالى (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) وهو لا يفعل إلا عبادة، كان ~~المعنى: لا جناح [على] من عبد الله بهما، فيدل ذلك على أن الطواف بهما ~~عبادة لله. # وهذا متفق عليه بين المسلمين، لكن تنازعوا: هل ذلك ركن؟ # كما يقوله مالك والشافعي، أو واجب يجبره دم؟ أم لا ms0087 شيء في تركهما؟ كما ~~يقوله طائفة من السلف، وهي ثلاث روايات عن أحمد (2). وأقوى الأقوال أنه ~~واجب يجبره دم. # وهذا كما يقول: تقام الجمعة في القرى، وبدون إذن الإمام، وإن كان ذلك ~~واجبا، لما في ذلك من الشبهة. وكما يجوز الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة، ~~وإن كان ذلك هو السنة. وكما يجوز إشعار الهدي، وإن كان ذلك هو السنة. وكما ~~يقول: يجوز قضاء الفوائت في أوقات النهي، وإن كان ذلك واجبا، لأن قضاءها ~~على الفور. وكما يجوز قصر الصلاة في السفر وإن كان آمنا، وهذا هو السنة، بل ~~هو واجب في أحد قولي العلماء. ونظائر ذلك كثيرة. # والمقصود هنا أن الطواف بالصفا والمروة مما لا يكون إلا في PageV01P203 ### || CHECK - ماذا يعمل من فاته الوقوف بعرفة ### || CHECK - الأعمال التي يختص بها الحج # حج أو عمرة بالكتاب والسنة والإجماع، فلا يفعل مفردا كالطواف، ولا يختص ~~بالحج كالوقوف. وكذلك الإحرام والتلبية والحلق أو التقصير هو مما يشترك فيه ~~الحج والعمرة. # وأما القسم الثالث وهو ما يختص [به] الحج، كالوقوف بعرفة وتوابعه مزدلفة ~~ومنى، ورمي الجمار، فهذه الأعمال يختص بها الحج، وما اختص به الحج فإنه ~~يختص بمكان وزمان. فالوقوف لا يكون إلا يوم عرفة وليلة النحر، وهو مختص ~~بعرفات، لا يسافر إلى غيرها للوقوف، وكذلك توابعه: كالوقوف بمزدلفة، ~~والمبيت بمنى، ورمي الجمار، فهذا له مكان مخصوص، وهو مشروع في أوقات ~~مخصوصة. # بخلاف العمرة، فإنها مشروعة في جميع السنة، قال الله تعالى: (الحج أشهر ~~معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (1)، وقال: ~~(*يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) (2). # ولهذا اتفق العلماء على أن من طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة، أنه ~~فاته الحج، لأن له وقتا محدودا، وإذا فاته الحج سقطت توابعه - كالوقوف ورمي ~~الجمار - عند عامة العلماء للسلف والخلف، وهو قول الأئمة الأربعة وغيرهم، ~~لكنه هل ينقلب إحرامه عمرة؟ لكونها لا وقت لها، أو يتحلل بطواف الحج وسعيه؟ ~~فيه قولان مشهوران للعلماء، والنزاع ms0088 في مذهب أحمد وغيره (3). PageV01P204 ### || CHECK - حكم من اجتاز المواقيت يريد الحج أو التجارة أو غير ذلك # وفيها قول شاذ أنه يتم أعمال الحج من الوقوف بمزدلفة ورمي الجمار، يروى ~~عن الأوزاعي والمزني، وهو رواية ضعيفة عن أحمد. # والصواب ما عليه الجمهور، كما نقل عن الصحابة، ولأن الله إنما أمر بهذه ~~الأعمال من وقف بعرفة، فقال: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) ثم أفيضوا من ~~حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) فإذا قضيتم مناسككم ~~فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا) (1) الآية. وإذا كان إنما أمر ~~بذلك من أفاض من عرفات، فمن فاته الحج لم يفض من عرفات، فلا يؤمر بذلك. ~~وهذا كما أن الطواف بين الصفا والمروة إنما يكون تابعا للطواف بالبيت، فلا ~~يفعل إلا بعده، فمن لم يطف بالبيت لم يطف بالصفا والمروة. # وأعظم أعمال الحج الوقوف والطواف، وهما ركنان في الحج باتفاق العلماء، ~~وهذا من جنس السكون، وهذا من جنس الحركة. # فصل # فمن اجتاز بالمواقيت لقصد الحج والعمرة، فعليه الإحرام بالسنة المستفيضة ~~واتفاق العلماء، كما قال ابن عباس في الحديث المتفق عليه (2)، وقال: وقت ~~لأهل المدينة ذا الحليفة، وأهل الشام الجحفة، وأهل نجد قرنا، وأهل اليمن ~~يلملم، وقال: "هن لهن ولكل آت آتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج أو العمرة، ~~ومن كان دون ذلك PageV01P205 # فمن أهله، حتى أهل مكة يهلون منها". # وإذا اجتاز بالمواقيت لا يريد الحرم، فليس عليه الإحرام بالاتفاق. # وإن اجتاز بها يريد مكة لتجارة أو زيارة أو غير ذلك مما لا يتكرر، فإنه ~~ينبغي له أن يدخل محرما بحج أو عمرة. وهل ذلك واجب؟ فيه قولان للعلماء، ~~والجمهور على الوجوب، وهو مأثور عن ابن عباس، حكاه عنه أحمد وغيره، وهذا ~~مذهب مالك وأبي حنيفة، وهو المشهور في مذهب الشافعي وأحمد. وعنهما أن ذلك مستحب. # ومن قال بالوجوب تنازعوا فيما إذا ترك ذلك، هل يلزمه القضاء؟ # فأوجبه أبو حنيفة، ولم ms0089 يوجبه الباقون. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~"ممن يريد الحج والعمرة" (1) لا ينافي هذا القول، فإن هؤلاء يوجبون عليه أن ~~يريد الحج أو العمرة، لكن الحديث فيه نفي ذلك عمن (2) لا يريده، مثل ~~المجتاز بالمواقيت إلى غير مكة. # ولو كان منزله بالمواقيت أو دونها لم يوجب أبو حنيفة عليه الإحرام، ~~وأوجبه مالك والشافعي وأحمد - على قولهما بالوجوب -، وقد حكى الطحاوي الأول ~~عن مالك. # والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو وخلفاؤه لم يدخل أحد منهم مكة إلا ~~محرما، إلا عام الفتح، فانه دخل وعلى رأسه المغفر (3)، ولم يكن محرما، لأن ~~الله أحل له القتال فيها يومئذ، وقال: "إنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل ~~لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار" (4). وقال: "فإن PageV01P206 ### || CHECK - من عمل الحج أو العمرة عليه أن يفعلها على الوجه المشروع # أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها فقولوا: إنما ~~أحلها الله لرسوله، ولم يحلها لك، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها أمس" (1). # فصل # وأما من عمل أعمال الحج والعمرة فهذا عليه أن يفعلها على الوجه المشروع، ~~وليس له أن يجتاز بالمواقيت بلا إحرام، بالسنة واتفاق العلماء. وهو كمن ~~أراد الصلاة، عليه أن يصليها على الوجه المشروع، فيصليها بطهارة وقصد إلى ~~القبلة، وإن كانت الصلاة تطوعا غير فرض، لكن ليس له أن يصلي إلا على الوجه ~~المشروع. # كذلك الحج والعمرة وإن كان متطوعا، فليس له أن يحج ويعتمر إلا على الوجه ~~المشروع. فلو قال: أنا أدخل بلا إحرام، وأطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، ~~لم يكن له ذلك. وكذلك لو قال: أنا أدخل بلا إحرام، وأقف بعرفة ومزدلفة ~~وأرمي الجمار، لم يكن له ذلك بالسنة واتفاق العلماء. # ولو قال: أنا أريد الوقوف فقط، فأذهب في شأني غير محرم إلى عرفة، فأقف مع ~~الناس وأرجع، فهذا أولى بالمنع، لأن ذاك ترك الإحرام وحده، وهذا ترك ~~الإحرام وتوابع الوقوف. والوقوف بعرفة إنما شرعه الله بعمل قبله - وهو ~~الإحرام -، وعمل بعده - وهو الوقوف بالمشعر الحرام وسائر المناسك-، ms0090 قال ~~تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما ~~هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) فإذا قضيتم مناسككم PageV01P207 ### || CHECK - الذي يقف بعرفة ومزدلفة بدون الحج يعصي الله ورسوله # فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا) إلى قوله (*واذكروا الله في ~~أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن ~~اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203)) (1). # فأمر سبحانه الناس إذا أفاضوا من عرفات أن يذكروه عند المشعر الحرام، وهو ~~مزدلفة كلها بالسنة واتفاق العلماء، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في عرفة: "هذا الموقف، وعرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة". وقال في ~~مزدلفة: "هذا الموقف، ومزدلفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن محسر". وقال: "منى ~~كلها منحر، وفجاج مكة كلها منحر" (2). وأمر الناس بقضاء مناسكهم أي إتمامها ~~وإكمالها. وأمرهم أن يذكروه في أيام معدودات، وهن أيام التشريق، وفيها يرمى ~~الجمار الثلاث، ويذكر الله عند رمي الجمار بدعاء بين كل جمرتين. ومزدلفة ~~المبيت بها والوقوف بها ورمي الجمار بمنى واجب عند العلماء قاطبة، ومنهم من ~~جعل الوقوف بمزدلفة ركنا. # فهذا الذي وقف بعرفة إن لم يفعل ما أمره الله من هذه الأعمال فقد عصى ~~الله ورسوله، وترك ما أوجبه الله. وإن فعل ذلك بغير إحرام، وقال: كنت حاجا، ~~فهو أيضا عاص لله ورسوله، فإن هذه هي أفعال الحج، وليس للإنسان أن يأتي ~~بالعبادة بلا قصد التعبد، فإن هذا استهزاء بآيات الله. وهو بمنزلة من يقوم ~~ويركع ويقرأ ويسجد، ويقول: لست مصليا، فلا أحتاج إلى وضوء. PageV01P208 # وليس لأحد أن يشهد مجامع الناس في صلاتهم وحجهم إلا إذا شاركهم في ذلك. ~~وفي السنن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة العصر بمسجد الخيف، ~~فرأى رجلين لم يصليا، فقال علي بهما، فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: ~~"مالكما لم تصليا؟ ألستما مسلمين؟ "، فقالا: يا رسول الله! صلينا في ~~رحالنا، قال: ms0091 "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، ~~فإنهما لكما نافلة" (1). وكذلك قال عن الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن ~~وقتها، قال: "صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة" (2). وفي ~~رواية: "ولا يقل أحدكم قد صليت" (3). # وكذلك الوقوف بعرفة ومزدلفة، لا يقف هناك مع الحجاج إلا حاج محرم. وقد ~~روي عن عمر بن الخطاب أنه رأى بعرفة قوما عليهم العمائم، فأراد عقوبتهم. # والله سبحانه يباهي الملائكة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي، آتوني ~~شعثا غبرا (4). وهذا شعار الإحرام، فمن لم يحرم لم يأت ربه لا أشعث ولا ~~أغبر. فمن ذهب إلى عرفات بغير إحرام، ووقف مع الناس ثم انصرف منها، كما ~~يحصل لطائفة من الناس ممن PageV01P209 ### || CHECK - الذي تحمله الجن إلى عرفة ترك ما أمر الله به ### || CHECK - من قال أقف ولست بحاج خرج عن شريعة المسلمين # يحمله الجن والشياطين، يحملونهم إلى عرفات ثم يردونهم، فهؤلاء ضالون ~~مبتدعون خارجون عن شريعة الإسلام، وإن كانوا وقفوا بعرفات بغير إحرام وفي ~~غير حج، ولم يفعلوا ما أمر به المفيضون من عرفات بعد ذلك. # والوقوف بعرفات لا يكون قط مشروعا إلا في الحج باتفاق المسلمين، في وقت ~~معين على وجه معين، فمن قال: أقف ولست بحاج فقد خرج عن شريعة المسلمين، بل ~~إن اعتقد ذلك دينا لله مستحبا فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وإن قال: ليس ~~بدين لله ولا هو مستحب، قيل له: إنما فعلت على وجه التدين والتعبد به، وهذا ~~لا يجوز. وإن كنت فعلته على سبيل التنزه والتفرج فهذا شر وشر. # والحج والعمرة لهما شأن يميزهما، فيلزمان بالشروع، كما قال: (وأتموا الحج ~~والعمرة لله) (1)، فمن دخل فيهما لم يكن له الخروج، فالواقف بعرفة عليه ~~إتمام الحج وإن كان متطوعا، وليس له أن يقف وينصرف باتفاق المسلمين. # فهذا الذي حملته الجن إلى عرفة ثم منها إلى بلده، قد ترك ما أمر الله به ~~قبل الوقوف وبعد الوقوف وحال الوقوف، حيث وقف بثيابه من غير إحرام. ولو قدر ~~أنه وقف بعرفة ms0092 ومزدلفة ومنى كان قد ترك ما يجب عليه من الإحرام، وفعل ذلك ~~في ثيابه بغير عذر. وهذا لا يجوز بالنص والإجماع. # ولهذا يذكر عن بعض المحمولين إلى عرفة من بلد بعيد - إما الإسكندرية أو ~~غيره - أنه رأى في منامه وهو هناك ملائكة تنزل تكتب PageV01P210 ### || CHECK - أخبار بعض هؤلاء المحمولين # الحجاج، فقال: ألا تكتبوني؟ فقالوا: لست منهم، الحجاج هؤلاء الذين جاءوا ~~ركبانا ومشاة، وأحرموا ووقفوا وهم يتمون الحج. أو كما قيل له. # وأيضا فالله تعالى إنما دعا الناس إلى بيته على لسان الخليل، قال: (وأذن ~~في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) (1). ~~فجعل الآتين إلى بيته نوعين: رجالا وركبانا، وليس فيهم طائر ولا محمول في ~~الهواء، فدل على أن هذا القسم الثالث ليسوا ممن أجاب دعوة ربهم، ولهذا لا يلبون. # ومنهم من يحمله الشيطان، ويمنعه أن يرى شيئا، فلا يحس بنفسه إلا بعرفة أو ~~بغيرها من الأماكن التي يحمله إليها. وقد حدثني غير واحد من الثقات عن ~~الشيخ إبراهيم الجعبري أنه قال: خرجت مرة، فرأيت بالكسوة - أو قال بغيرها - ~~رجالا ممن يطير في الهواء، فيذهب إلى مكة، فقالوا: لا تذهب معنا؟ فقلت لهم: ~~لا، فإن هذا الذي تفعلونه لا يسقط الفرض عنكم، ولا يتقبله الله حتى تحجوا ~~كما أمر الله ورسوله، فيحصل لكم في طاعة الله من التعب وغيره ما يأجركم ~~الله عليه، وأما هذا الحج فلا فائدة فيه. فقالوا: نحن نقبل منك ونحج معك ~~على السنة. فلما حجوا قالوا: جزاك الله خيرا، فإنا في هذه الحجة ذقنا طعم ~~العبادة لله وحلاوة الحج. # ومن هؤلاء المحمولين الذي تحملهم الجن إلى مكة من يذهب به قبل الحج، ~~فيحرم من الميقات، ويحج حج المسلمين. ولكن هذا محروم، فوت نفسه فضل السير ~~إلى المواقيت راكبا أو ماشيا، فلم PageV01P211 ### || CHECK - مثل هذا الحمل يحصل للكفار والمنافقين أعظم مما يحصل للمؤمنين # يكن له أجر الحجاج. ومن هذا الباب ما يحكى عن بعض المشايخ - معروف أو ~~غيره - أنه سار في الهواء ms0093 إلى مكة، فطاف بالبيت، ثم ذهب ليشرب من زمزم، ~~فوقع فشج. فإن هذا وإن كان أهون من الذي حمل يوم عرفة إلى عرفة، كما حمل ~~جماعة كثيرة من أعصار وأمصار متفرقة. وأقدم من حكي هذا عنه حبيب العجمي. ~~فأما الصحابة فكانوا أجل قدرا من أن يطمع الشيطان في أن يضلهم ويصرفهم عن ~~سنة الرسول وشريعته، كما صرف من كان قليل العلم والمعرفة بالسنة والشريعة ~~من العباد والزهاد وغيرهم. # والذين يحملون إلى عرفات أو غيرها، منهم من لا يعرف أن ذلك من الجن، ~~ومنهم من يعرف ذلك، ويظن هؤلاء وهؤلاء أن ذلك كرامة من كرامات الأولياء، ~~وأن هذا العمل مما يحبه الله ويرضاه ويثيب صاحبه عليه. ولو علموا أن ذلك ~~ليس بواجب ولا مستحب في الشريعة، وأنه من إضلال الشياطين لهم، لم يفعلوه ~~لما عندهم من الدين والخير وحسن القصد، رحمة الله عليهم. والمجتهد المخطئ ~~يغفر له خطؤه، ويثاب على حسن قصده وما عمله من عمل مأمور به، والله أعلم. ~~لكن مثل هذا هو مما يعذر فاعله عليه، ليس هو مما يستنكر عليه، بخلاف ما ~~فعله من لم يعرف، فإنه يظن أن هذا من أعظم القربات. ولو علم أن مثل هذا ~~الحمل إلى الأمكنة البعيدة يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين ~~أعظم مما يحصل للمؤمنين، لعلم أنه من عمل الشيطان، لا مما أمر به الرحمن. # وذلك أن الطواف بالبيت مشروع بغير إحرام، لكن نفس الدخول إلى مكة للطواف ~~بغير إحرام لا يجوز عند جماهير العلماء، بل لو جاز لتجارة لم يجز، فكيف ~~للطواف بلا إحرام. ومن لم يوجبه فإنه PageV01P212 ### || CHECK - الذهاب محمولا مع الجن وغيرهم ليس من الأعمال الصالحة # يستحبه، فهذا فوت نفسه هذه الفضيلة. وذهابه محمولا مع الجن أو غيرهم في ~~الهواء ليطوف ليس من الأعمال الصالحة المشروعة، لا واجبا ولا مستحبا، ولو ~~كان ذلك مشروعا لكان الأنبياء أقدر على ذلك، وكانوا يذهبون في الهواء ~~يحجون، وهذا لم يعرف عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة، والأنبياء أفضل ~~الخلق، والصحابة ms0094 أفضل الخلق بعد الأنبياء، ولو كان عملا صالحا لكان هؤلاء ~~أحق به من غيرهم. # ونبينا - صلى الله عليه وسلم - إنما أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى ليريه الله من آياته بالمعراج، كما قال: (سبحان الذي أسرى بعبده ~~ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا ~~إنه هو السميع البصير (1)) (1). فالمقصود كان أن يريه الله من آياته، كما ~~أراه ليلة المعراج ما أراه من الآيات. قال تعالى: (أفتمارونه على ما يرى ~~(12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) ~~إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ~~ربه الكبرى (18)) (2). وقال تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس) (3). # وفي الصحيح (4) عن ابن عباس قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ليلة أسري به. ولهذا كان قوله (لنريه من آياتنا) دليلا في ~~المعراج الذي كان بعد المسرى إلى المسجد الأقصى، لم يكن المقصود مجرد رؤية ~~الأقصى، فإنه قد رآه المسلم والكافر والبر والفاجر، ولكن هو سبحانه أخبر ~~بذلك ليكون هذا آية للرسول، فإنهم قد رأوا PageV01P213 # المسجد الأقصى، فإذا أخبرهم أنه رآه ووصفه لهم - كما جاء في الحديث ~~الصحيح (1) - كان ذلك حجة له على أنه رآه، ولم يمكنهم تكذيبه في ذلك، بخلاف ~~ما لو أخبر بالعروج إلى السماء ابتداء، فإنهم كانوا إذا كذبوا بذلك لم يكن ~~هناك ما رأوه حتى يصفه لهم. # وهو سبحانه قد أخبر بعروجه إلى السماء في قوله: (ولقد رآه نزلة أخرى (13) ~~عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ~~ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18)) (2). # وهو سبحانه ذكر هذا بعد أن ذكر رؤية جبريل النزلة الأخرى في الأرض، فإنه ~~رآه على صورته مرتين، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. وقال في سورة ~~التكوير وقد ذكر سبحانه بقوله: (إنه لقول رسول كريم (19) ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21)) (3)، فهذا جبريل، ms0095 ثم قال: (وما صاحبكم ~~بمجنون (22) ولقد رآه بالأفق المبين (23) وما هو على الغيب بضنين (24) وما ~~هو بقول شيطان رجيم (25) فأين تذهبون (26) إن هو إلا ذكر للعالمين (27) لمن ~~شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين (29)) (4). # وهؤلاء الذين يحملون إلى مكة في الهواء: منهم من مثل له فرس أو بعير، ~~يركبه وهو يسير في الهواء، ومنهم من لا يرى شيئا، ومنهم من يعرف أنه محمول. ~~وقد حدثني منهم من حمل، وحدثني جماعات عن جماعات منهم وعمن كان قبلنا. ~~وأحوالهم مع الشياطين بحسب بعدهم عن معرفة ما جاء به الرسول والعمل به، فإن ~~هذا هو PageV01P214 ### || CHECK - عباد الله هم الذين عبدوه وحده مخلصين له الدين # دين الله، وأهله هم عباد الله الذين لا سلطان للشيطان عليهم، كما قال ~~تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفي بربك وكيلا (65)) (1). # ولما قال الشيطان: (بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ~~(39) إلا عبادك منهم المخلصين (40)) (2) قال الله: (هذا صراط علي مستقيم ~~(41) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)، ثم قال: (إلا من اتبعك من الغاوين) (3). # وهذا استثناء منقطع في أصح القولين، لقوله في الآية الأخرى. (إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65)) (4)، ولم يستثن منهم أحدا. وقال ~~في الآية الأخرى: (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون (100)) (5). # وعباد الله هم الذين عبدوه وحده مخلصين له الدين، وعبادته إنما هي بطاعته ~~وطاعة رسله، وذلك هو الواجب والمستحب، كما في صحيح البخاري (6) وغيره [في] ~~حديث الأولياء من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"يقول الله: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة" - وروي: فقد آذنته ~~بالحرب - "وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره ~~الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي ms0096 يمشي بها، ولئن سألني ~~لاعطينه، PageV01P215 ### || CHECK - أحوال هؤلاء المحمولين ### || CHECK - كلما كان الإنسان أقرب إلى الصراط المستقيم كان أقرب إلى أن يكون من عباد الله # ولئن استعاذ بي لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس ~~عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه". وهذا مبسوط في ~~مواضع (1). # والمقصود هنا أنه كلما كان الإنسان أقرب إلى الصراط المستقيم الذي بعث ~~الله به رسوله كان أقرب إلى أن يكون من عباد الله الذين ليس للشيطان عليهم ~~سلطان، وكلما كان أبعد عن ذلك كان أقرب إلى الشياطين. فهؤلاء الذين يحملهم ~~في الهواء: منهم من يحمله إلى بلاد الكفر، ويدخلون مع الكفار في دينهم، وهم ~~منافقون وإن كانوا في ديار الإسلام يظهرون الإسلام. ومنهم من يحمل من بعض ~~بلاد الكفار إلى بعض، ومن ذلك ما يكون بسحر، ومنه مالا يعرف صاحبه السحر، ~~لكن يكون مشركا أو منافقا يتعبد تعبد المشركين والمنافقين. # والذين يحملون إلى مكة: منهم من لا يدخل المسجد الحرام ولا يصلي فيه، ولا ~~يصلي في الطريق ولا في بلده، والمدة في وصولهم إلى مكة تختلف، منهم من يصل ~~في بعض نهار من مثل مصر والشام والجزيرة والعراق، ومنهم من يصل في يوم أو ~~يومين أو أكثر من ذلك. # وقد حدثني بعض هؤلاء المحمولين أنه كان له رفقة سماهم، وأنهم لم يدخلوا ~~المسجد الحرام، ولا طافوا ولا صلوا، لا فيه ولا في الطريق. ومن هؤلاء من ~~يتمثل له شخص ويقول: أنا الخضر، أو يسمي غير الخضر من الأنبياء والصالحين، ~~ويقول: أنا أذهب بك إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما، وقد يكاشفه ببعض ~~الأشياء، وقد PageV01P216 ### || CHECK - مرور هؤلاء على المواقيت مع إرادة الوقوف بعرفة ليس مشروعا # يحضر له طعاما أو شرابا في الهواء، ويكون ذلك مما قد أخذه من بعض ~~الأماكن، وكثير منه يكون مسروقا قد سرقه وأخذه الشيطان من مال من خان ~~شريكه، أو من مال من لم يذكر اسم الله عليه. # وهؤلاء من جنس الكهان، ms0097 قد يوحون إلى أوليائهم من الإنس بعض ما يكاشفون ~~به، ولابد أن يكذبوا في بعض ما يخبرون به، لكن ما كان مستورا عنهم قد ذكر ~~صاحبه عليه اسم الله لا يرونه ولا يخبرون به. وهذا من الفروق بين إخبار ~~هؤلاء وبين إخبار المسيح بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، فإن المسيح يخبر ~~بالبواطن التي تكون محجوبة عن الجن، كما يحجب عنهم الأشياء بذكر اسم الله ~~تعالى. فالآكل متى ذكر اسم الله لم يشركه الشيطان في طعامه، وإن سمى الله ~~عند دخول المنزل لم يشركه في دخول البيت، وإن لم يسم الله لا في هذا ولا ~~هذا أدرك المبيت والطعام، كما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك في ~~الحديث المعروف (1). # والمسيح يخبر بذلك، وأيضا فخبر المسيح صدق كله، ليس في شيء منه كذب، ~~وهؤلاء الذين يخبرون عن إعلام الشياطين لهم لابد أن يكذبوا. قال تعالى: (هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون ~~السمع وأكثرهم كاذبون (223)) (2). والكلام على جنس هذا وأقسامه مذكور في مواضع. # والمقصود أن مرور هؤلاء على المواقيت مع إرادة الوقوف بعرفة ليس مشروعا ~~بالإجماع، لا واجبا ولا مستحبا، بل هو منهي عنه لا PageV01P217 # يجوز التعبد به، بل من أراد أن يقف مع المسلمين بعرفة فإنه يحج كما يحج ~~المسلمون، فيحرم إذا حاذى الميقات، وإذا أفاض من عرفات فعل عند المشعر ~~الحرام ومنى ما أمر الله به ورسوله، وطاف بالبيت العتيق. لا يشرع الوقوف ~~إلا على هذا الوجه. ومن حمل إلى عرفات ولم يقف الوقوف المشروع، فهو كمن حمل ~~يوم الجمعة إلى المسجد وهو جنب أو بلا وضوء، فسمع الخطبة ولم يصل مع ~~المسلمين، أو صلى بلا وضوء أو إلى غير القبلة. # والعبد والصبي لا يلزمهما الحج، وإذا حجا صح حجهما ولم يسقط عنهما فرض ~~الإسلام، بل إذا بلغ هذا وعتق هذا فعليه الحج إن استطاعه. # ولو أراد العبد والصبي أن يقف بلا إحرام وحج منع من ذلك. # وليس لأحد أن يقف بعرفة إلا مكشوف ms0098 الرأس محرما، إلا من كان معذورا. ولو ~~أراد الماشي إلى عرفة والراكب أن يقف مع الناس بلا حج ولا إحرام منع من ~~ذلك، كما لو أراد الماشي والراكب والمحمول في الهواء أن يشهد عند المسلمين، ~~فيكون بين صفوفهم ولا يصلي صلاتهم، فهذا يعاقب على ذلك. # والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر النساء أن يخرجن إلى العيد، وأمر ~~الحيض والعواتق وذوات الخدور، وقال: "أما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن ~~الخير ودعوة المسلمين" (1)، فالحيض مع كونهن معذورات في ترك الصلاة أمرهن ~~أن لا يختلطن بالمصليات، ولا يكن بين صفوف المصليات، بل يعتزلن المصلى، ~~ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. فكيف من لا عذر له إذا أراد أن يختلط ~~بالمصلين في PageV01P218 ### || CHECK - أمثلة من إضلال الشياطين ببني آدم ### || CHECK - حمل هؤلاء في الهواء ليس من كرامات الأولياء بل من تلعب الشياطين بهم # صفوفهم ولا يصلي معهم؟ وكذلك من يطوف بالهواء من الإنس، فقد رئي بعض ~~هؤلاء في الهواء عند الكعبة، وتوضأ وسقط من وضوئه على الأرض، فأنكر عليه ~~الرائي وأحسن في إنكاره، فإن الصلاة والطواف في الهواء غير مشروع، بل يطوف ~~بالأرض ماشيا أو راكبا لعذر، وكذلك الصلاة يصلي على الأرض أو راكبا لعذر. ~~فهذا هو الذي يكون عبادة لله واتباعا لما أنزله ولرسله، وقد قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (1). # وحمل هؤلاء في الهواء ليس من كرامات أولياء الله، بل من تلعب الشياطين ~~بهم وإضلالهم لهم، كما يفعل الشياطين بالمشركين والنصارى ونحوهم، يفعل بهم ~~أعظم مما هو من هذا، وكذلك ما يفعل مع السحرة والكفان، كما قد بسط في ~~مواضع. وقد قال العفريت لسليمان لما قال: (يا أيها الملأ أيكم يأتيني ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن ~~تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين (39)) (2). فهذا يبين أن العفاريت ~~يقدرون على مثل ذلك، لكن هذا كان لسليمان تسخيرا من الله لسليمان، كما سخر ~~له الريح غدوها شهر ورواحها شهر، والشياطين ms0099 كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين ~~في الأصفاد. # والشياطين أضلت كثيرا من بني آدم، فذكروا لكثير من الإنس أن سليمان كان ~~سحر الجن بأسماء وكلمات يقوم بها وهي شرك، وكتبوا ذلك في كتب، وقد قيل: ~~إنهم دفنوها، حتى ظهرت تلك الكتب، وقالوا: إن سليمان كان يسحر الجن بهذا، ~~فصار أهل الضلال فريقين: PageV01P219 # فريقا قدحوا في سليمان وبينوا أنه ساحر، كما يقول ذلك من يقوله من أهل ~~الكتاب، وفريقا قالوا: إنه نبي، وإن هذه الأسماء والكلمات علمه الله إياها، ~~فعملوا بها فكفروا. فنزه الله سليمان عن قول الطائفتين، وبين كفر من اتبع ~~الشياطين، وذم أهل الكتاب الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما ~~تتلو الشياطين على ملك سليمان، قال تعالى: (ولما جاءهم رسول من عند الله ~~مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم ~~لا يعلمون (101) واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ~~ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت ~~وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ~~ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ~~ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) ولو أنهم آمنوا واتقوا ~~لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (103)) (1). وبسط هذا له مواضع ~~أخر، والله سبحانه أعلم. # ... PageV01P220 ### | CHECK (16) فتوى في البيع بفائدة إلى أجل # فتوى في البيع بفائدة إلى أجل PageV01P221 ### || CHECK - هذه معاملة فاسدة وهي عين الربا # بسم الله الرحمن الرحيم # سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس ابن تيمية - رضي الله عنه - عن رجل ~~احتاج إلى مئة درهم، فجاء إلى رجل فطلب منه دراهم، فقال الرجل: ما عندي إلا ~~قماش، فهل يجوز له أن يبيعه قماش مئة درهم بمئة وخمسين إلى أجل؟ أو يشتري ~~له قماشا من غيره، ثم يبيعه إياه ms0100 بفائدة إلى أجل؟ وهل يجوز اشتراط الفائدة ~~قبل أن يشتري له البضاعة؟ وما مقدار ما يجوز له أن يكسب في البضاعة إذا ~~كانت تساوي مئة درهم إلى سنة؟ وهل تجوز المماكسة عند وزن الدراهم في البيع ~~الحاضر أم لا؟ فإن أعطى البائع بطيبة قلبه، فهل يجوز له أن يبيع ما قيمته ~~خمسون درهما بمئة إلى أجل معلوم؟ وكيف يصنع بتجارته إذا جلبها؟ وكيف يدينها ~~إلى أجل؟. # فأجاب، فقال رحمه الله، ومن خطه نقلت: # الحمد لله رب العالمين. متى قال له الطالب: أريد دراهم، فأي طريق سلكوه ~~إلى أن تحصل له الدراهم ويبقى في ذمته دراهم إلى أجل - فهي معاملة فاسدة، ~~وذلك حقيقة الربا، فإن حقيقة الربا أن يبيعه ذهبا بذهب إلى أجل، أو فضة ~~بفضة إلى أجل، حرم الله الربا لما فيه من ضرر المحاويج، وأكل أموال الناس ~~بالباطل، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما ~~لكل امرئ ما نوى" (1). PageV01P223 ### || CHECK - التوسل إلى الحرام بكل طريق محرم # فمتى كان المقصود ما حرمه الله ورسوله، فالتوسل إليه بكل طريق محرم، ~~وإنما يباح للإنسان أن يتوسل إلى ما أباحه الله ورسوله من البيع المقصود ~~والتجارة المقصودة، فإن الله أحل البيع وحرم الربا، وقال: (لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (1). فالتاجر الذي ~~يشتري السلعة ليبيعها، ويربح فيها إما بنقلها من موضع إلى موضع، أو حبسها ~~من وقت إلى وقت، فهذا يقصد السلعة التي يربح فيها، لا يقصد أن يبيعها بأقل ~~من ثمنها ولا بمثل ثمنها. والبيع مثل أن يكون قصده السلعة لينتفع بها، إما ~~بأكل أو شرب أو لبس أو ركوب، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع التي أباحها الله ~~بالأموال. # فإذا لم يكن قصده أن ينتفع بالمال، ولا أن يبيعه ليربح فيه، وإنما مقصوده ~~أن يبيعه ويأخذ ثمنه، فهذا مقصوده مقصود الربا، ومتى واطأه الآخر على ذلك ~~كان مربيا، سواء اتفقا على أن يبيعه السلعة إلى أجل، ثم يبتاعها بأقل مما ~~باعها، كما ms0101 قالت أم ولد زيد بن أرقم لعائشة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين! ~~إني بعت من زيد بن أرقم غلاما إلى العطاء بثمان مئة درهم، ثم ابتعته منه ~~بست مئة درهم، فقالت لها عائشة: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أخبري زيدا ~~أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب (2). # وسئل ابن عباس عمن باع حريرة ثم ابتاعها بأقل، فقال: دراهم بدراهم دخلت ~~بينهما حريرة. PageV01P224 # وسئل عن ذلك أنس بن مالك، فقال: هذا مما حرم الله ورسوله. # وقال ابن عباس: إذا استقمت بنقد ثم بعت بنقد فلا بأس به، وإذا استقمت ~~بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم. # و"استقمت" بلغة أهل مكة بمعنى قومت. # وفي السنن (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من باع بيعتين ~~في بيعة فله أوكسهما أو الربا". فمتى اتفقا على أن يبيعه السلعة ثم ~~يبتاعها، فقد باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما، وهو الثمن الأقل، مثل أن ~~يتفقا على أن يبيعه إلى أجل بمئة، ويبتاعها بثمانين، فتعود السلعة إلى ربها ~~بالبيع الثاني، ويعطي الطالب ثمانين، فليس له أن يطالبه إلا بالأوكس، وهو ~~الثمانون. # وكذلك لو كان رب السلعة هو المحتاج، مثل أن يحتاج الجندي أو الفلاح أو ~~نحو ذلك إلى القرض، فيقول: اشتر فرسي أو ثوري بثمانين حالة ثم بعنيه بمئة ~~مؤجلة، فليس له إلا الثمانون. والشرط المتقدم على العقد كالمقارن له مالم ~~يفسخاه، والشرط العرفي الذي جرت به العادة بمنزلة اللفظي، والمقاصد في ~~العقود معتبرة، فإنما الأعمال بالنيات. # وكذلك إذا اتفقا على أنه يشتري سلعة من غيره بثمن حال، ثم يبيعه إياها ~~إلى أجل بأكثر من ذلك الثمن، ثم إن المشتري يعيدها إلى صاحب الحانوت، فهذه ~~الحيلة الثلاثية، ومتى درى صاحب الحانوت بقصدهما كان شريكهما في الربا. PageV01P225 # وأما اشتراط الربح قبل أن يشتري البضاعة في مثل هذا، فلأن مقصودهما دراهم ~~بدراهم إلى أجل. وأما إذا كان المشتري يشتري السلعة لينتفع بها أو يتجر ~~فيها، لا ليبيعها في ms0102 الحال ويأخذ ثمنها، فهذا جائز، والربح عليه إن كان ~~مضطرا إليها يكون بالمعروف. فإذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير أو شراب عنده ~~أو لباس، كان عليه أن يبيعهم إياه بقيمة المثل، فيربح الربح المعروف، وكذلك ~~يربح على المسترسل الذي لا يماكسه، كما يربح على سائر الناس، فإن غبن ~~المسترسل ربا. # وإذا تفرق المتبايعان عن تراض لزم، وكان على المشتري أن يوفيه جميع ~~الثمن، ولا يحل له أن يمكسه شيئا منه، بل لا يحل له أن يسأله أن يضع عنه ~~شيئا منه إذا كان غنيا، فإن سؤال الغني لغيره حرام، وهذا يسأل غيره أن يسقط ~~عنه حقه. ولا يحل له أن يمكن غلامه أن يطلب منه شيئا من الثمن، فإذا أعطاه ~~البائع بطيب نفسه كان صدقة عليه، والصدقة أوساخ الناس، فإن اختار أن يقبل ~~أوساخ الناس من غير حاجة فقد رضي لنفسه بما لا يرضى به العاقل. # وأما إذا باعها إلى أجل معلوم لمن ينتفع بها أو يتجر فيها، فجائز؛ فإن ~~باعها مزايدة لم ينضبط ذلك، وإن باعها مرابحة كان الربح ما يتفقان عليه ~~ويرضيان إذا لم يكن المشتري مضطرا، وإن كان مضطرا ربح عليه ما يربحه على ~~غير المضطر. والله أعلم. # آخرها، لله الحمد والمنة، وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما. # (علقها أحمد بن المحب من خط المجيب - رحمه الله - في ليلة حادي عشري رجب ~~سنة 747). PageV01P226 ### | CHECK (17) مسائل في الإجارة ونقص بعض المنفعة والجوائح # مسائل في الإجارة ونقص بعض المنفعة والجوائح، والفرق بين الجائحة في ~~الثمر والزرع وغير ذلك # أجاب عنها شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية الحراني رحمة الله عليه PageV01P227 ### || CHECK - يحط عن المستأجر بقدر ما نقص من المنفعة # بسم الله الرحمن الرحيم # سأل أبو عبد الله سؤالا صورته: # ما تقول السادة العلماء - رضي الله عنهم أجمعين - في الرجل يستأجر أرضا ~~ليزرعها، أو يضمن بستانا، فينقطع الماء عن الأرض والبستان، أما ماء المطر ~~أو النهر فيفسد بعض الزرع والثمر، فهل يحط عن المستأجر أو الضامن ms0103 من الأجرة ~~شيء أم لا؟ وكذلك إذا استأجر طاحونا يديرها الماء فينقطع، وكذلك إذا استأجر ~~ظئرا للإرضاع، فينقص لبنها، وأمثال ذلك. وكذلك إذا أصاب الأرض الجراد أو ~~الفار أو النار، فتلف الزرع أو الثمر، هل يوضع الجائحة فيضمن المؤجر ما تلف ~~بالآفة السماوية. وما الفرق بين وضع الجوائح في الثمرة المشتركة والزرع في ~~الأرض؟ بينوا لنا ذلك. # وفي الرجل يضمن بستانا بألف مثلا، وفيه عشرة أصناف من الفاكهة، فيتعطل ~~بعض المنافع، ويرتفع سعر الباقي فيزيد على الألف. وكذلك الطاحونة إذا كانت ~~عدة أحجار، فيعطل البعض، وزاد السعر. وكذلك في الحانوت وغيره. # أفتونا وابسطوا القول مثابين، رضي الله عنكم. # أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية: # الحمد لله رب العالمين. نعم يحط عن المستأجر بقدر ما نقص من المنفعة، وقد ~~نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء. قال أحمد PageV01P229 ### || CHECK - المسألة لها صورتان، وحكم كل منهما # ابن القاسم: سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن رجل اكترى أرضا ~~فزرعها، وانقطع الماء عنها قبل تمام الوقت، قال: يحط عنه من الأجرة بقدر ~~مالم ينتفع بها، أو بقدر انقطاع الماء عنها. # وهذه المسألة لها صورتان (1): # أحدهما أن ينقطع الماء بالكلية، بحيث لا يمكن الانتفاع بها لشيء من ~~الزرع، فهذا لا أعلم نزاعا أن للمستأجر الفسخ هنا، وفيما إذا انهدمت الدار ~~المستأجرة. لكن هل ينفسخ الإجارة بنفس الانقطاع؟ # أو يخير المستأجر بين الفسخ والإمضاء؟ فيه وجهان في مذهب الشافعي وأحمد: # إحداهما أنه ينفسخ بمجرد انقطاع الماء. وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وهو ~~المنصوص عن أحمد، لأنه أمر أن يحط عن المستأجر بقدر انقطاع الماء، ولم يعلق ~~ذلك باختياره، فأسقط الأجرة من حين انقطاع الماء. وهذا معنى الانفساخ. # والثاني: يثبت له الفسخ، وهو المنصوص عن الشافعي في صورة انقطاع الماء، ~~ونص في صورة الهدم على الانفساخ. # فخرجت المسألتان على قولين. ومأخذ من قال: له الفسخ، أنه قال: المنفعة لم ~~تتعطل، بل يمكن الانتفاع بالأرض في غير الازدراع، فأما إذا قدر أن المنفعة ~~تعطلت بالكلية فلا ms0104 نزاع بين الأئمة في انفساخ الإجارة. وهذا هو الصواب في ~~المسألتين، لأن المنفعة المقصودة بالعقد إذا كانت هي الازدراع، لم يكن ~~الانتفاع بها في غير ذلك PageV01P230 ### || CHECK - دليل الجمهور ### || CHECK - مذهب الجمهور أنه متى تعطلت المنفعة المقصودة بالعقد انفسخت الإجارة # مستحقا بالعقد، فوجوده كعدمه. # والأئمة الأربعة وجمهور العلماء متفقون على أنه متى تعطلت المنفعة ~~المقصودة بالعقد انفسخت الإجارة. مثل أن يستأجر ظئرا، فيموت في أثناء ~~المدة؛ أو يستأجر جمالا أو حميرا للركوب أو الحمل، فيموت قبل التمكن من ~~استيفاء المنفعة؛ ونحو ذلك مما يتلف فيه العين المستأجرة، فإنه ينفسخ ~~الإجارة عند الأئمة الأربعة. وقال أبو ثور: لا ينفسخ الإجارة إذا كان ~~المستأجر قد تسلم العين المستأجرة، وإن تلفت عقب التسلم، لأن ذلك تلف بعد ~~القبض، فأشبه ما لو تلف المبيع بعد القبض، فإنه يكون من ضمان المشتري، ~~فكذلك إذا تلف الموجود بعد القبض كان من ضمان المستأجر، لاسيما من يقول: ~~إنه لا يوضع الجوائح في الثمر المبيع بعد بدو صلاحه إذا تلف بعد قبض ~~المشتري، فإن هذا قياس قوله، لأنه يقول هناك قد تلف بعد القبض، وإن كان ~~المشتري لم يتمكن من الجداد والحصاد، كذلك المنافع هنا تلفت بعد القبض، وإن ~~كان المستأجر لم يتمكن من استيفاء المنفعة بالبيع عند الأكثرين، كمالك ~~والشافعي وأحمد في أقوى الروايات. # ولولا قبضه لها لما جاز ذلك، وله أن يربح فيها عندهم، مع النهي عن الربح ~~فيما لم يضمن، فدل ذلك على أنها من ضمانه. # ومذهب الجمهور هو الصواب، لما روى مسلم في صحيحه (1) عن جابر بن عبد الله ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو بعت من أخيك تمرا، فأصابته ~~جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ". PageV01P231 ### || CHECK - حكم إجارة المستأجر لما استأجره # وفي رواية لمسلم (1): أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بوضع ~~الجوائح. # فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الثمرة التالفة من ضمان ~~البائع، ونهى البائع أن يأخذ من ms0105 المشتري شيئا من الثمن، وبين أنه أكل مالا ~~بالباطل، مع أن الثمرة بعد بدو صلاحها عين موجودة، فإنه قد يمكن الانتفاع ~~بها ببعض الوجوه، فالمنافع التي لم توجد بعد ولا يمكن المستأجر من استيفاء ~~شيء منها أولى وأحرى أن لا يكون من ضمانه، بل من ضمان المؤجر. ولهذا كان ~~أبو حنيفة والشافعي في الجديد يقولان: المنفعة تتلف من ضمان المؤجر، ~~والثمرة من ضمان المشتري. فإذا كان النص قد ورد في الثمار بأنها من ضمان ~~البائع، فلأن تكون المنافع من ضمان المؤجر أولى. # وأيضا فإن تلف المنافع قبل التمكن من استيفائها كتلف الأعيان المبيعة قبل ~~التمكن من استيفائها، وإذا كان المبيع التالف قبل التمكن من قبضه من ضمان ~~البائع، فكذلك المنافع التالفة قبل التمكن من استيفائها، ومعلوم أنه لم ~~يتمكن من استيفائها، وطرد ذلك الثمرة بعد ظهور صلاحه وقبل كماله، فإن ~~المشتري لما لم يتمكن من جدادها على الوجه المعروف كانت من ضمان البائع، ~~فإن التمكن إنما يحصل عند إمكان الجداد على الوجه المعروف. # فإن قيل: بل المستأجر قد قبض المنفعة قبضا حكميا، فقبض العين بدليل جواز ~~التصرف فيها بالإجارة، وبدليل أنه يجب عليه تسليم الأجرة. # قيل: هذا فيه نزاع، فأما إجارة المستأجر لما استأجره فعن أحمد PageV01P232 # فيها أربع روايات (1): # إحداها: لا يجوز بحال، بناء على هذا، إذ المنافع لو تلفت لتلفت من ضمان ~~المؤجر. وكذلك عنه في بيع المشتري للثمرة المشتراة قبل الجداد روايتان، ~~والنزاع في ذلك معروف عن الصحابة ومن بعدهم. # والثانية: يجوز بمثل الأجرة، ولا يجوز بزيادة إلا إذا جدد فيها عمارة، ~~فإن فعل تصدق بالزيادة. وهذا قول أبي حنيفة وطائفة. # والثالثة: لا يجوز إلا بإذن المؤجر. # والرابعة: يجوز مطلقا، كقول الشافعي وكثير من العلماء. # وكذلك يجوز على المشهور عنه للمشتري أن يبيع الثمرة قبل كمال صلاحها، ~~وعلى هذا فنقول: وجد القبض للمبيع، ولم يوجد كمال القبض الذي يوجب أن يتلف ~~من ضمان المشتري والمستأجر. # والدليل على أنه لم يوجد القبض التام أن البائع عليه سقي الثمرة إلى ms0106 كمال ~~صلاحها، فلو تلفت بالعطش كانت من ضمان البائع بلا نزاع. وإذا كان على ~~البائع تمام التوفية علم أنه لم يوجد كمال القبض. # وكذلك المؤجر عليه عمارة ما شعث من العين المؤجرة، وما يحتاج إليه الآدمي ~~والبهيمة من النفقة هو على المؤجر، والإنفاق على العين المؤجرة من تمام ~~التسليم المستحق بالعقد. فعلم أنه لم يوجد كمال القبض، وإنما وجد التخلية ~~التي لا يتمكن معها من كمال الاستيفاء. PageV01P233 # وإنما جاز فيها التصرف بالبيع وغيره، لأن البائع قد فعل ما يمكنه من ~~الإقباض، وكذلك في الإجارة قد فعل المؤجر غاية ما يمكنه، وانتقلت بهذا إلى ~~ضمان المستأجر من بعض الوجوه، وهو أنه إذا تلفت المنفعة تحت يده تلفت من ~~ضمانه، فلا يكون إذا ربح فيها قد ربح فيما لم يضمن، فالاعتبار في الضمان ~~بتمكنه، إذا تمكن من استيفائها فلم يستوفها كانت من ضمانه، والمستأجر بعد ~~تسليم العين قد تمكن من استيفائها شيئا فشيئا، كما كان يتمكن المؤجر، فلو ~~تركها تلفت من ضمانه، فإذا باعها باعها بعد قبض مثلها. وإن كان القبض التام ~~الذي يوجب إذا تلفت بغير اختياره أن يكون من ضمان المؤجر لم يوجد. # وهكذا الثمرة بعد بدو صلاحها إذا خلي بينه وبينها كان متمكنا من قبضها ~~والانتفاع بها إن شاء، ولو قطعها لضمنها بالمسمى، لم يضمنها ضمان الغصب. # ثم يقال: أما كونها مضمونة على البائع فهو ثابت بالنص، وأما جواز التصرف ~~فيها ففيه نزاع، وحينئذ فإن أمكن الجمع بينهما، وإلا منع الحكم، فإن ما ثبت ~~بالنص لا يجوز دفعه بغير نص يعارضه، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من غير وجه أنه قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" (1). وثبت ~~عنه أنه قال: "إن بعت من أخيك ثمرة، فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ ~~منه شيئا، بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ " (2). فيجب العمل بالحديثين، ~~فإن كان القبض PageV01P234 # المبيح للتصرف هو كمال القبض الذي يرفع ضمان البائع لم يجز للمشتري بيع ~~الثمرة؛ وإن أريد به ms0107 أصل القبض فهو موجود هنا، والسنة دلت على أن ضمان ~~المشتري وجواز تصرفه لا يتلازمان، بل قد يكون مضمونا عليه من بعض الوجوه ~~مالا يجوز له بيعه، وقد يجوز أن يبيع ما يكون مضمونا على البائع من بعض ~~الوجوه. وهذا ظاهر مذهب أحمد، وهو الذي ذكره الخرقي وغيره، وإن كان من ~~أصحابه من يقول بتلازمهما، كمذهب أبي حنيفة والشافعي. وذلك أنه قد ثبت في ~~الصحيحين (1) عن ابن عمر أنه قال: "مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا ~~مجموعا فهو من مال المبتاع". فإذا باعه حيوانا، وتمكن المشتري من قبضه ولم ~~يقبضه، كان من ضمان المشتري. وهذا مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه. # وكذلك إذا اشترى صبرة طعام جزافا، وتمكن من نقله، كان من ضمان المشتري في ~~ظاهر مذهب أحمد، مع أنه لا يجوز له بيعه حتى ينقله، كما في الصحيح (2) عن ~~ابن عمر أنه قال: "لقد رأيت الناس في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يبتاعون جزافا - يعني الطعام - فيضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى ~~رحالهم". وفي لفظ (3): "كنا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه ~~إلى مكان سواه قبل أن نبيعه". فابن عمر نقل هذا وهذا، وكلاهما مذهب مالك ~~وأحمد في المشهور عنه، فالموجب PageV01P235 ### || CHECK - ليس في الأدلة الشرعية أن ما قبض كان من ضمان المشتري، ومالم يقبض كان من ضمان البائع # للضمان تمكن المشتري من القبض المقصود بالعقد، سواء قبض أو لم يقبض، فإذا ~~لم يكمل الصلاح لم يتمكن من القبض المقصود بالعقد. # وكذلك إذا تلفت العين المؤجرة، وإذا اشترى عبدا وقدر على أخذه، فقد تمكن ~~من القبض المقصود بالعقد، وأما بيعه فيعتمد القبض الممكن، فإذا قبض الشجرة ~~والعين المؤجرة فقد قبضها القبض الممكن، وإذا لم ينقل الصبرة لم يقبضها ~~القبض الممكن. وهذا لأن ما أمكن فيه كمال القبض كالصبرة يمكن أن يوقف البيع ~~على كمال القبض فيها، ومالم يمكن فيه ذلك ms0108 كالثمر والمنفعة، فإنه قد جاز ~~بيعها قبل وجودها للحاجة، فكذلك يجوز بيعها بعد القبض الممكن فيها للحاجة ~~أيضا، لأن الشارع يعتبر الشروط بحسب الإمكان. إلا ترى أنه فهى عن بيع ~~الثمار قبل بدو صلاحها، إذ لا حاجة إلى بيعها في هذه الحال، وهو بيع غرر قد ~~يفضي إلى أكل المال بالباطل، وأما بعد بدو الصلاح فهم محتاجون إلى بيعها في ~~هذه الحال، إذ تأخير البيع إلى كمال الصلاح متعذر، فإنه حينئذ قد تتلف ~~وتفسد هي أو بعضها قبل أن تشترى. وما فيه من الخطر جبره الشارع بوضع ~~الجائحة. # وليس في الأدلة الشرعية أن ما قبض كان من ضمان المشتري، ومالم يقبض كان ~~من ضمان البائع، بل هذا قول طائفة من الفقهاء، وخالفهم آخرون، فهو مورد ~~نزاع لم يدل عليه نص ولا قياس صحيح، بل الشارع منع من البيع حيث يكون فيه ~~مفسدة ولا حاجة إليه، وأباحه حيث يحتاج إليه، وأزال ما فيه من المفسدة بما ~~شرعه من الضمان. # والطعام المنقول يمكن تأخير بيعه إلى حين نقله، بخلاف الثمر على الشجر ~~والمنفعة في الإجارة، كما أن الثمرة يمكن تأخير بيعها إلى بدو صلاحها، ~~بخلاف تأخيره بعد بدو الصلاح. ولهذا كان الصحيح PageV01P236 ### || CHECK - حكم ما لو اكترى أرضا للزرع فزرعها، ثم أصابها غرق أو آفة # جواز بيع المقاثي، وأنه إذا بدا الصلاح في بعض ثمر البستان بيع ذلك ~~النوع، بل بيع ذلك الجنس، بل بيع جميع الأجناس التي في البستان، إذا كان ~~بيع بعض الأجناس دون بعض من البستان الواحد فيه ضرر، كما في تأخير بيع ~~الثمر بعد بدو الصلاح. والبيع الذي يحتاج الناس إليه لم تحرمه الشارع، بل ~~أوجب فيه وضع الجوائح، وإنما نهى عما لا يحتاج إليه. # فصل # ولو اكترى أرضا للزرع فزرعها، ثم أصابها غرق أو آفة من غير الشرب، فلم ~~تنبت، فالمنقول عن أحمد أنه يلزمه الكرى، بخلاف ما لو غرقت في وقت زرعها، ~~فلم يمكنه الزراعة، فإنه لا يلزمه الأجرة، لتعذر التسليم، وهكذا نقل عن مالك. # وقد ms0109 فرق الأصحاب بين هذه الصورة وبين صورة انقطاع الماء بأنه هناك تعطلت ~~المنفعة المستحقه بالعقد، وهنا تلف مال المستأجر، فأشبه مالو تلف ماله في ~~الدار المؤجرة، فإن المؤجر لا يضمن ما تلف للمستأجر في العين المؤجرة، كما ~~لو سرق ماله الذي على الدابة المكتراة. # ولم أقف بعد على لفظ أحمد في هذه المسألة، وقياس نصوصه وأصوله بل وأصول ~~غيره: أنه إذا أصابت العين آفة عطلت منفعتها انفسخت الإجارة فيما بقي، كما ~~إذا تعطلت بالانهدام وانقطاع الماء والموت، فإنه إذا أصاب الأرض غرق تعذر ~~معه نبات الأرض فقد تعطل نفعها، وكذلك لو أصابها حريق أو ركبها جراد يمتنع ~~معه نبات الزرع فقد تعطل نفعها، كما تعطل بغير ذلك، ولكن لا يضمن المؤجر PageV01P237 ### || CHECK - نظير هذا ضامن البستان إذا اشترى ثمرة، فتلفت بالعطش أو بآفة سماوية ### || CHECK - نظير هذا لو انهدمت الدار، وتلف ما فيها من متاع المستأجر # الزرع التالف، ولا توضع الجائحة عن المستأجر فيما تلف من زرعه، كما توضع ~~عن المشتري، لأن المؤجر لم يبعه الزرع، وإنما باعه منفعته. # ونظير هذا لو انهدمت الدار، وتلف ما فيها من متاع المستأجر، فإن المؤجر ~~وإن لم يضمن متاعه فإنه لا أجرة له من حين تعطلت المنفعة، وكذلك لو تلفت ~~الحمولة وما عليها بأمر سماوي، فإنه لا يضمن المؤجر ما عليها، ولكن تبطل ~~الإجارة من حينئذ، فكذلك الأرض إذا أصابتها آفة سماوية أفسدت الزرع وعطلت ~~المنفعة لم يكن على المؤجر ضمان الزرع، ولم تبطل الإجارة إذا تعطلت ~~المنفعة، والمنفعة المقصودة ليست مجرد وضع البذر فيها، بل المقصود أن ينبت ~~الزرع فيها ويكمل نباته إلى حين الحصاد، وإذا نبت وغرقت الأرض فهو كما إذا ~~نبت وانقطع الماء، وهو في انقطاع الماء لا يضمن زرع المستأجر، كذلك في ~~الغرق. وهذا بخلاف ما إذا باعه ثمرة على البائع سقيها، فإنه هنا إذا تلفت ~~بالعطش كانت من ضمان البائع، بل وكذلك إذا تلفت بغير العطش، لأن البائع ~~باعه ثمرة، فتلف الثمرة كتلف المنفعة. وأما تلف الزرع الثابت ms0110 للمستأجر فهو ~~كتلف متاع المستأجر الذي في الدار، فأين هذا من هذا؟ # فمن قال: إن المؤجر لا يضمن الزرع فقد أصاب، ومن قال: إنه لا يجب على ~~المستأجر أجرة المنفعة المتعطلة فقد أخطأ. # ونظير هذا ضامن البستان إن كان اشترى ثمرة، فإذا تلفت بالعطش فهي في ~~ضمانه في مذهب الشافعي، كما هو في مذهب مالك وأحمد، وإن تلفت بآفة سماوية ~~فهي مسألة وضع الجوائح. وأما إذا كان الضامن مستأجرا ضمنها على أنه يخدمها ~~ويسقيها، فهذا مستأجر متى تلفت PageV01P238 ### || CHECK - حكم ما إذا نقصت المنفعة في الزرع # الثمرة بالعطش أو غيره فهو كتلف الزرع لا يضمنه المؤجر، لكن إن تعطلت ~~المنفعة سقط من الأجرة بقدر ما تعطل منها. وذلك أن الثمرة قد تكون تساوي ~~جملة، والزرع حصل بعمل المستأجر، وقد يساوي ذلك أكثر من الأجرة، فلا يجب ~~على المؤجر إلا ضمان الأجرة فقط، فإذا تعطلت المنفعة بآفة سماوية سقطت ~~الأجرة، وما تلف مع ذلك للمستأجر من ثمر وزرع فهو من ضمانه، لا من ضمان ~~المؤجر. # هذا هو الواجب في هذا ونظائره، ومن تدبره وتدبر نظائره وأصول الشرع علم ~~أن هذا مما لا ينازع فيه من فهمه، وإنما وقعت الشبهة حيث قد يظن الظان، أنه ~~توضع الجوائح في الإجارة، كما توضع في البيع، بمعنى أن المؤجر يضمن ما تلف ~~من زرع المستأجر، كما يضمن ما تلف من الثمرة المبيعة، وهذا خطأ. نعم لو ~~باعه زرعا، فتلف بآفة سماوية، فإنه توضع الجائحة فيه في أحد الوجهين في ~~مذهب أحمد ومالك، كما يوضع في الثمرة، وفي الآخر لا يوضع، قالوا: لأن الزرع ~~إنما يباع بعد كمال صلاحه، فلا يحتاج إلى وضع الجائحة فيه. # فصل. # وأما إذا نقصت المنفعة، مثل نقص الماء المعتاد عن السماء وعن الأرض، بحيث ~~ينتفع به نصف المنفعة المستحقة أو أقل أو أكثر، فكلام أحمد وأصوله تقتضي ~~أنه يحط عنه من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة، فإنه قال: يحط عنه من ~~الأجرة بقدر مالم ينتفع بها، أو بقدر انقطاع الماء ms0111 عنها. ولو تغيبت المنفعة ~~أو كانت معيبة، فقياس مذهبه أن للمستأجر المطالبة بالأرش مع الإمساك، كما ~~يقول ذلك في البيع وأولى، لاسيما وعنه في ممسك المصراة هل له المطالبة ~~بالأرش PageV01P239 ### || CHECK - نظير هذه المسألة في الإجارة # روايتان. ومن أصحابه من قال: ليس له الإمساك إلا بكل الأجرة، وضعف هذا ~~على أصل أحمد ظاهر بين. وإنما الكلام إذا قلنا: إنه ليس للبائع إلا ~~المطالبة بالأرش مع إمكان الرد. # فنظير هذه المسألة في الإجارة أن تظهر العين المؤجرة معيبة في استيفاء ~~شيء من المنفعة، فهذه الصورة كالبيع، وأما إذا كان قد ازدرع الأرض، ثم عابت ~~في أثناء المدة، ونقصت منفعتها، فهنا لا عليه رد جميع المنفعة، بل غايته ~~الفسخ في المستقبل. وإذا فسخ في المستقبل كان له إبقاء زرعه بأجرة المثل، ~~ومعلوم أن إبقاءه بقسطه من الأجرة أولى. كما نقول: إذا تعطلت المنفعة في ~~أثناء المدة أنه ينفسخ الإجارة فيما بقي من المدة، ويجب للماضي قسطه من ~~الأجرة. هذا مذهب مالك وأحمد والشافعي، وجعل بعض أصحابه له قولا بالانفساخ ~~في الجميع، ووجوب أجرة المثل للماضي، كالهلاك الطارئ في بعض المبيع، ومعلوم ~~أن المستأجر إذا كان له زرع في الأرض لم يمكنه إذا فسخ رد المنفعة، بل له ~~إبقاؤه بأجرة المثل، فإبقاؤه بقسطه من المسمى مع أنه يحط عنه قسط ما نقص من ~~المنفعة أولى. فعيب المنفعة في الإجارة إن كانت قبل تسلم شيء من المنفعة ~~فهذا كالبيع، وإن كانت بعد استيفاء شيء من المنفعة فلها صورتان: # إحداهما: أن يتعذر رد العين المؤجرة لما له فيها من الزرع ونحو ذلك. # والثانية: أنه يمكن رد العين، كالدار المعيبة والطاحون والحانوت. # فهنا يتوجه قول من يقول: ليس له إلا الفسخ، أو الإمساك بالأجرة كلها، إذا ~~قلنا بمثل ذلك في البيع. ويتوجه أن يقال: بل هنا يحط عنه من الأجرة، وإن ~~قلنا: ليس له في البيع أن يمسك بالأرش مع PageV01P240 # إمكان الرد، لأنه قد استوفى بعض المنفعة، وتلف بعضها، فهو كما لو اشترى ~~أعيانا، فتلف بعضها ms0112 قبل التمكن من القبض، فإنه يحط عنه من الثمن بقدر قسط ~~التالف قبل التمكن من القبض، كما لو تلف بعض الثمرة في الجوائح، وكان أكثر ~~من الثلث، فإنه يحط عنه من الثمن بقدر التالف بلا نزاع عند من يقول بوضع ~~الجوائح، فتلف بعض المنفعة كتلف بعض الثمرة، ومعلوم أن انقطاع بعض الماء أو ~~تعطل بعض الأرض ذهاب بعض المنفعة. # (آخر ما كتب فيها، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم. # علقها لنفسه أحوج الخلق إلى رحمة الله محمد بن أبي شامة الحنبلي، عفا ~~الله عنه وعن والديه وعن جميع المسلمين). # *** PageV01P241 ### | CHECK (18) فصل في الطلاق وتقسيمه إلى سني وبدعي، وبيان أن الطلاق البدعي لا يقع # فصل في الطلاق، وتقسيمه إلى سني وبدعي، وبيان أن الطلاق البدعي لا يقع # من كلام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية مما كتبه في ~~القلعة بدمشق في آخر عمره رحمة الله عليه PageV01P243 ### || CHECK - الطلاق السني المباح # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين. # وقال شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن ~~تيمية رحمه الله، ونقلته من خطه. # فصل # الطلاق منقسم إلى طلاق سنة مأذون فيه، وطلاق بدعة منهي عنه بالكتاب ~~والسنة والإجماع، ولكن تنازع الناس في الطلاق المحرم المنهي عنه هل يقع أم لا. # واتفقوا على أن الطلاق السني المباح أن يطلق واحدة في طهر لم يصبها فيه، ~~وكذلك إذا طلقها حاملا قد تبين حملها، فهذا وهذا جائز بالنص والإجماع، ولكن ~~هل يسمى طلاق الحامل طلاق سنة، أو لا يسمى سنة إلا طلاق من تحيض؟ فيه ~~قولان، وهو نزاع لفظي. والصغيرة التي لم تحض والآيسة ليس في حقهما طلاق ~~بدعة من حيث الوقت. # وأما العدد ففيه نزاع مشهور، وأكثر السلف على أنه لا يحل له أن يطلق إلا ~~طلقة واحدة، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وهو ظاهر مذهب أحمد الذي رجع إليه - ~~وهو اختيار أكثر أصحابه - بعد أن كان يجوز الثلاث، كما هو ms0113 قول الشافعي، وهو ~~اختيار الخرقي، وقد بسط الكلام على هذه المسائل في مواضع (1). PageV01P245 ### || CHECK - هل النهي يقتضي الفساد؟ تحقيق القول في ذلك ### || CHECK - الطلاق المحرم لا يلزم # والذي تبين دلالة الكتاب والسنة عليه وأصول الشرع أن الطلاق المحرم لا ~~يلزم كما لا يلزم سائر العقود التي تنقسم إلى حلال وحرام، كالنكاح الحرام ~~والبيع الحرام، إذا كان التحريم لحق الله، كالنكاح في العدة وبيع الخمر ~~ونحوها من المحرمات، وأما إذا كان النهي لحق آدمي فلو رضي جاز، مثل بيع ~~المعيب المدلس، وبيع المصراة، وتلقي الجلب والاشتراء منهم، ونحو ذلك. فهنا ~~أيضا العقد غير لازم، لكن المظلوم يخير بين الفسخ والإمضاء، فهو موقوف على ~~رضاه، وقد أعطى النهي حقه، فإن المقصود إزالة المفسدة، وذلك يحصل بتمكينه ~~من الفسخ، وإذا علم أنه مظلوم ورضي بذلك جاز، كما لو رضي في ابتداء العقد ~~مع علمه بالعيب والتدليس، فإن هذا جائز بالنص والإجماع. # وهذا هو الجواب في هذا الباب، فإن من الناس من جعل النهي الذي لحق آدمي ~~يقتضي فساد العقد أيضا، وقال أبو بكر عبد العزيز بذلك في المعيب المدلس، ~~فلما أورد عليه المصراة سكت ولم يجب. # ولو أنهم قالوا: النهي يقتضي هنا موجبه من فساد لزوم العقد، فإن العقد لا ~~يقع لازما كلزوم العقود الصحيحة، بل للمظلوم الفسخ، لكان هذا عملا بالنصوص ~~كلها وبالإجماع، مع طرد القاعدة. # وأما من زعم أن النهي هنا يقتضي بطلان العقد بالكلية، فهو قول فاسد مخالف ~~للنص والأجماع، وهو قول من لم يعرف مقصود النهي، وهو إزالة الفساد بحسب ~~الإمكان. وهو في مقابلة قول من يقول: إن النهي لا يقتضي الفساد أصلا (1)، ~~ويحتج بصور متنازع فيها، كطلاق PageV01P246 # الحائض، والصلاة في الدار المغصوبة، إذ ليس معهم صورة منهي عنها مع أنها ~~صحيحة لازمة، لا بنص ولا بإجماع، بل كل ما يذكر في ذلك فهو من صور النزاع، ~~ولا نص في شيء من ذلك على أنه صحيح لازم. ولهذا لم يكن هذا القول معروفا عن ~~أحد من السلف والأئمة، كما ms0114 لم يعرف ذلك عن أحد من السلف والأئمة، وإنما ~~قاله طائفة من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية ومن تبعهم، وقال هؤلاء: إن ~~فساد العبادات والعقود لا يتلقى من خطاب الشارع بالأمر والنهي والتحليل ~~والتحريم، وإنما يتلقى من خطاب الإخبار بقوله: إن هذا صحيح أو فاسد، أو ~~جعله الشيء شرطا ومانعا وركنا، فيفسد العبادة أو العقد، لفوات شرطه أو ركنه ~~أو لوجود مانعه. # وهذا كلام قوم ليسوا من أهل الاجتهاد والعلم بالأدلة الشرعية، وإنما ~~يتكلمون في مقدرات مفروضة في الأذهان، لا وجود لها في الأعيان، فإن هذا ~~الذي زعموا أنه هو الذي يستدل به على صحة العقود والعبادات وفسادها، لا ~~يوجد في كلام الشارع، لا يوجد في كلامه أنه قال: هذا العقد أو العبادة تصح ~~أو لا تصح، أو هذا ركن أو شرط أو مانع ونحو ذلك. وإنما هذه عبارات الفقهاء ~~الذين فهموا ما فهموه من كلام الشارع، وعبروا عن ذلك بعباراتهم، ثم قد يكون ~~ما عبروا به عن كلام الشارع حقا بالإجماع، وقد يكون فيه نزاع. # وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين أهل الاجتهاد ~~فإنهم يحتجون به على فساد العبادات والعقود بالنهي عنها، كما يفسدون نكاح ~~الأمهات والأخوات وغيرهما من المحرمات. # ولهذا لما أفتى ابن مسعود رجلا في تزوج بنت امرأته التي لم يدخل بها، ~~واعتقد أنها كالربيبة، ثم قدم المدينة، فسأل عمر وغيره من PageV01P247 ### || CHECK - قول أبي علي الجبائي في تفسيره، ومناقشة المؤلف له ### || CHECK - هذا الدليل حجة عليهم لا لهم ### || CHECK - دليل من يقول: الطلاق المحرم يقع # الصحابة، فقالوا له: الشرط في الربائب دون الأمهات. فرجع ابن مسعود، فأمر ~~الذي كان أفتاه أن يفارق امرأته، لما علم أن هذا مما تناولته آية التحريم، ~~وهو قوله: (وأمهات نسائكم) (1)، علم أن هذا العقد فاسد. # وكذلك سائر الصحابة والعلماء متفقون على الاستدلال على فساد هذه العقود ~~بالنهي، وهذا في العبادات أظهر، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أن الذين قالوا: إن الطلاق المحرم يقع، قد احتج بعضهم ms0115 بقوله ~~تعالى: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله ~~واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا) (2). قالوا: ~~والمراد لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الولد، فدل ذلك على ~~أنه طلقها بعد أن أصابها، وإلا فلو طلقها في طهر لم يصبها فيه لم يكن ~~حاملا، ولو طلقها وقد استبان حملها لم يمكنها كتمان الحمل. # وهذه الحجة مما يعتمد عليها من يراها حجة قوية، وسنبين إن شاء الله أن ~~هذه الآية حجة عليهم لا لهم، وممن ذكر ذلك أبو علي الجبائي في تفسيره، فقال ~~بعد أن نصر أن الأقراء هي الحيض: وقد دلت هذه الآية على أن الطلاق قد يلزم ~~لغير السنة، وذلك أن المطلق للسنة هو من طلق امرأته وهي طاهر من غير جماع، ~~أو طلقها بعد أن تبين الحمل بها، والمطلقة إذا كانت طاهرا من غير جماع لا ~~يجوز أن PageV01P248 ### || CHECK - تفسير (ما خلق الله في أرحامهن) عند السلف # يظهر بها الحبل، فيحرم كتمانه، والتي قد ظهر بها الحبل لا يجوز أن تكتمه ~~وتبينه من نفسها بعد الطلاق، وإن يكتم ذلك زوجها الذي طلقها علمنا أن هذه ~~المطلقة الكاتمة لحبلها كانت طلقت بعدما جومعت في الطهر من غير أن يتبين ~~بها حبل. وإذا كانت كذلك لم تكن في وقت سنة، وقد لزمها الطلاق مع ذلك بنص ~~القرآن. # قال: وهذا يدل على بطلان مذهب الرافضة في قولهم: إن الطلاق لا يلزم إلا للسنة. # فإن قيل: قوله: (ما خلق الله في أرحامهن) قد يكون هو الحيض. # قيل: إن الحيض لا يكون حيضا وهو في الرحم، ولا يكون حيضا حتى يخرج عن ~~الرحم، وإذا خرج عن الرحم فليس هو في الأرحام. وإنما أمرهن الله أن لا ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، فليس يجوز أن يكون عنى بذلك إلا الحبل. # قلت: فقد فسر الآية بأن المراد الحبل دون الحيض، وادعى أنه لا يجوز إرادة ~~الحيض، لأنه إنما يكون ms0116 حيضا إذا كان ظاهرا، دون ما إذا كان في الرحم. وهذه ~~حجة ضعيفة، والسلف قد أطلق بعضهم القول بأنه الولد، وأطلق بعضهم القول بأنه ~~الحيض، وبعضهم ذكر النوعين جميعا (1)، وهو الصواب، فإن لفظ الآية يعم هذا ~~وهذا، ومن أطلق القول بأحدهما فقد يكون مراده التمثيل لا الحصر، فإن مثل ~~هذا كثير فاش في كلام السلف. يذكرون في تفسير الآية ما يمثلون به المراد من ~~ذكر بعض الأنواع، لا يقصدون تخصيصها بذلك. كما يقول المترجم إذا ترجم بعض ~~الألفاظ وعين مسماها، فإذا قال له PageV01P249 # الأعجمي: ما الخبز؟ أخذ الرغيف وقال: هذا. وهذا باب واسع لبسطه موضع آخر (1). # وأما الاحتجاج بقوله: (في أرحامهن) فيقال: هو سبحانه قال: # (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن)، فالظرف متعلق بقوله ~~(خلق)، فما خلق الله في رحمها لم يحل لها كتمانه، وكتمانه إخفاؤه عن غيرها، ~~وذلك يتناول كتمانه بعدما يخرج من الرحم، مثل كتمان الولد إذا ولدته، ~~وكتمان الدم إذا حاضت، فإنها إذا كتمت ذلك عن الزوج وغيره، ولم تخبر بذلك، ~~فقد كتمت ما خلق الله في رحمها، فإن هذا خلق في رحمها، وإن كان قد خرج من ~~الرحم بعد ذلك، وهي منهية عن كتمانه مطلقا، لم يخص النهي بوقت وجوده في ~~الرحم، لاسيما وهو إذا فسره بالولد، فولدته وكتمته، لم يقل إنها ولدت، لئلا ~~يظن أن عدتها انقضت، أو لتضيع نسبه، على أنه كان ذلك محرما، وكانت منهية عن ~~ذلك. ولو قيل: الرجل يكتم ما تحت ثيابه أو ما في منديله، كان كإمساكه، وإن ~~خلع ثيابه حيث لا يرى، وإن أخرج ما في المنديل حيث لا يرى، فالظرف هنا ~~متعلق بالفعل العامل فيه، كالاستقراء وكالخلق في الآية ليس معلقا بالكتمان، ~~والمنهي عنه الكتمان مطلقا، وحيث نهي الإنسان عن الكتمان فإنه متناول لمثل ~~هذا، كقوله: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) (2)، وقوله: ~~(ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) (3)، وقوله: (إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى من بعد ms0117 ما بيناه للناس PageV01P250 ### || CHECK - الآية حجة على نقيض ما ذكروه # في الكتاب) (1)، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من سئل عن علم ~~يعلمه فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" (2). # فلو تكلم بالشهادة حيث لا ينتفع صاحبها، ولم يظهرها حيث ينتفع بأدائها، ~~كان كاتما لها، وإن كان قد أخرجها من فمه. وكذلك كاتم العلم. والمرأة على ~~كتمان الحيض أقدر منها على كتمان الولد، فإنها إذا كانت حاملا انتفخ بطنها، ~~وعرف حملها كثير من الناس، ثم إذا ولدته فإنه يظهر أعظم مما يظهر دمها، فإن ~~دمها قد يسيل ويخرج ولا يعلم بذلك أحد، فتكون دلالة الآية على النهي عن ~~كتمان الحيض أقوى، وإن كانت قد تدل على الآخر. # فصل # وأما كون الآية حجة على نقيض ما ذكروه فهو قول من قال: إن الطلاق إنما هو ~~الطلاق الشرعي الذي أذن الله فيه وملكه للإنسان، وأما مالم يأذن فيه فإنه ~~لم يملكه للإنسان، كما لم يملكه الطلاق بعد انقضاء العدة، ولا طلاق غير ~~المدخول بها إذا أبانها بواحدة، ثم أراد أن يطلقها تمام الثلاث، وكذلك ~~البائن بالخلع عند أكثر السلف والخلف لم يملكه طلاقها، ولم يملكه طلاق ~~الأجنبية. وإذا كان الإنسان ليس له طلاق إلا فيما يملك، ولا عتاق إلا فيما ~~يملك، كما جاء في الحديث (3)، PageV01P251 # فطلاقه لواحدة من هؤلاء طلاق باطل، إذ كان الله لم يملكه إياه. # وكذلك طلاق الحائض والموطوءة التي تبين حملها لم يملكه الله طلاقها، فإنه ~~لم يأذن في ذلك ولم يبحه، بل نهى عنه، وما نهى عنه العبد من نكاح وطلاق ~~وعتق وبيع فإنه لم يملكه ذلك، فتصرفه فيه تصرف في غير ملك، ولو سمي ملكا ~~فهو محجور عليه فيه منهي عنه، وتصرف المحجور عليه فيما حجر عليه فيه لا ~~يجوز، فتصرف من حجر الله ورسوله عليه أولى أن لا يصح، لاسيما وهو سفيه حيث ~~خالف أمر الله ورسوله، وفعل ما نهى عنه، وهم يسلمون أن الوكيل في الطلاق لا ~~يملك إلا ما أذن له فيه، ولو ms0118 طلق غير ذلك لم يقع، بل هو محجور عليه فيه، ~~فما لم يأذن الله فيه وحجر على صاحبه فيه أولى أن لا يقع. والله تعالى قد ~~نهاه عن الطلاق إلا في العدة، كما نهاه عن النكاح في العدة، ولو تزوج في ~~العدة لم يصح بالاتفاق، فكذلك إذا طلق لغير العدة، فإن الذي حرم هذا حرم ~~هذا، والحكم إنما استفيد من تحريمه، ليس في كلامه يصح أو لا يصح، أو يشترط ~~أو لا يشترط، بل الدلالة في كلامه على هذا من جنس الدلالة في كلامه على ~~هذا. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا بيان دلالة الآية على نقيض ما استدلوا عليه، فنقول: قوله ~~(والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (1) إنما يتناول من كانت عدتها ~~الأقراء، لا يتناول الحامل، فان الحامل لا تتربص ثلاثة قروء، بل عدتها كما ~~قال تعالى: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (2). # وإذا كانت المرأة حاملا لم تتربص ثلاثة قروء، ولكن ربما ظنت أن PageV01P252 # عدتها القروء، ثم يتبين أنها حامل، كما أنه ربما ظنت أن أجلها وضع الحمل، ~~ثئم يتبين أنها حامل. وحينئذ فالنساء ثلاثة أقسام. # أما المطلقة طلاق السنة التي طلقت في طهر لم يصبها فيه فالظاهر من هذه ~~أنها ليست حاملا، والتي استبان حملها ظاهر أمرها أنها حامل، والتي وطئها ~~ولم يعلم أحملت أم لا فهذه مشكوك فيها، لا تدري أعدتها القروء أو وضع ~~الحمل. والأولى طلاقها جائز بالاتفاق، والثانية أيضا طلاقها جائز بالاتفاق، ~~وهذه الثالثة لا يجوز طلاقها، لأنه يحتمل أن تكون عدتها القروء، ويحتمل أن ~~تكون عدتها الحمل. # والله إنما أباح الطلاق للعدة، وذلك إنما هو لمن علمت عدتها، وهي القروء ~~أو الحمل، وهي المطلقة في الطهر قبل الجماع، أو المطلقة وقد استبان حملها. ~~وإذا كان كذلك فالآية تضمنت أمر المطلقة بأن تتربص ثلاثة قروء، وهذا الأمر ~~لا يكون إلا لمن طلقت بعد الطهر وقبل الجماع، فأما من استبان حملها فلا ~~تؤمر بذلك. ومن شك هل هي حامل أم لا، لو كان طلاقها ms0119 جائزا لم تؤمر بذلك، بل ~~يقال لها: انظري، فإن كنت حاملا فعدتك الحمل، وإن كنت حائلا فعدتك القروء. ~~فلما كان الله تعالى أمر المطلقات بتربص ثلاثة قروء، وأمره لم يتناول هذه ~~المشكوك فيها، لم تدخل في الآية. فتبين بذلك بطلان قولهم إن الآية ~~تناولتها. # ثم نقول: إذا كان في هذه الآية أمر كل مطلقة بعد الدخول بتربص ثلاثة ~~قروء، وإن كانت من أولات الأحمال فأجلها وضع الحمل، وهذه لا تؤمر عقب ~~الطلاق لا بهذا ولا بهذا، علم أنها ليست مطلقة، فدل على أنه لا طلاق لها. # ومما يوضح هذا أن الآية أمرت المطلقات بتربص ثلاثة قروء، PageV01P253 # وذلك من حين الطلاق، فهي من حين الطلاق تتربص، وهذه لو كانت مطلقة لم ~~تؤمر بتربص ثلاثة قروء من حين الطلاق، ولا هي من أولات الأحمال، فعلم أنها ~~ليست مطلقة. # ومما يوضح ذلك أن قوله (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) إما أن ~~يقال: إنها عامة في كل مطلقة، ثم استثنيت ذات الحمل، كما قال ذلك طائفة؛ ~~وإما أن يقال: بل هي مختصة بغير ذات الحمل لم تتناول لغيرهن، فإن القرآن قد ~~بين أن غير المدخول بها لا عدة عليها بقوله: (إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) (1). ولهذا قال ~~من قال: إن هذه الصورة مستثناة مخصوصة من هذا العموم. # وقد يقال: الآية لم تشمل غير المدخول بها، فإنه قد قال في سياقها: () ~~ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) (2)، وقبل الدخول ليس لها حق في المعاشرة. ~~وقال أيضا: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا) (3)، وهذا مختص ~~بالمدخول بها، فغير المدخول بها يرجع إليه نصف مهرها الذي أعطاها، بقوله: ~~(وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم فنصف ما فرضتم) (4). ولأن قوله: ~~(ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) (5) يتناول الحيض والولد. ~~ومن لم يدخل بها ليس له منها ولد. PageV01P254 ### || CHECK - الخلع ليس بطلاق # فإن قيل: قد يكون الضمير في آخرها أخص منه في ms0120 أولها، كما قالوا: إن قوله ~~(والمطلقات) يعم البائنات والرجعيات، وقوله (وبعولتهن) يختص بالرجعيات. ~~وتنازعوا هل يقال: التخصيص في الضمير فقط أو التخصيص في أولها فقط؟ ليتطابق ~~المضمر والمظهر، أو بالوقف؟ على ثلاثة أقوال، وهي أقوال معروفة (1). # قيل: هذا على قول من يقول: إن المطلقات فيهن بانت بعد الدخول، وهو أحد ~~القولين في مذهب أحمد وغيره، ثم رجع أحمد عن هذا، وقال: تدبرت القرآن فإذا ~~كل طلاق فيه فهو الرجعي. فظاهر مذهبه أن الطلاق بعد الدخول لا يكون رجعيا. ~~وأما الثلاث فذاك هو الطلاق المحرم، وقد بينه بعد هذا بقوله: (الطلاق ~~مرتان) (2)، أي الطلاق المذكور في الآية، وهو الرجعي. # وهذه الآية وأمثالها مما يستدل به على أن الطلاق بعد الدخول لا يكون إلا ~~رجعيا، ولهذا يذكر الله فيه الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، وهو مما ~~يدل على أن الخلع ليس بطلاق (3)، لأنه لا رجعة فيه، فإن الله سماه افتداء، ~~ولهذا كان لا رجعة فيه عند عامة العلماء، وهو في أحد القولين - وهو الثابت ~~عن عثمان وابن عباس وغيرهما - أنها تستبرأ منه بحيضة، فلا تتربص ثلاثة ~~قروء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وقول إسحاق وغيره وقول طائفة من السلف، ~~وإذا كان فسخا لم يكن له عدد. فهذه خصائص الطلاق المذكورة في الآية، PageV01P255 # وهي ثلاثة: تربص ثلاثة قروء، واستحقاق البعل الرجعة، وأنه مرتان، ثلاثتها ~~منفية في الخلع، لأنه افتداء افتدت به المرأة نفسها من زوجها كما يفتدي ~~الأسير، فقد اشترت ذلك وعاوضت عليه. وقد يشبه بالإقالة أيضا، ولهذا قال من ~~قال: ينبغي أن لا يكون بزيادة على المسمى كالإقالة. # وإذا قيل: هو فسخ، فهل يصح مع الأجنبي؟ فيه وجهان في مذهب الشافعي وأحمد. # أحدهما: لا يصح، فإنه حينئذ يكون كالإقالة، والإقالة لا تكون مع الأجنبي. ~~وهذا قول أبي المعالي والرافعي، وقد ذكره أبو الخطاب وغيره من أصحاب أحمد. # والثاني: يصح مع الأجنبي، وهو الصحيح المشهور عند أصحاب أحمد، وكذلك ذكره ~~العراقيون من أصحاب الشافعي، كأبي إسحاق الشيرازي في "نكته"، وذلك لأنه ~~كافتداء الأسير، ms0121 ويجوز بذل الأجنبي العوض في افتداء الأسير. وبسط هذا له ~~موضع آخر (1). # والمقصود هنا أن القرآن من تدبره تدبرا تاما تبين له اشتماله على بيان ~~الأحكام، وأن فيه من العلم مالا يدركه أكثر الناس، وأنه يبين المشكلات ~~ويفصل النزاع بكمال دلالته وبيانه إذا أعطي حقه، ولم تحرف كلمه عن مواضعه. # فقوله: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) نص في أن المراد ذات ~~الأقراء. وقد تنازع الناس هل يعم لفظها لذوات الحمل والمتوفى عنها، ثم قد ~~خص منها ذلك؟ أو لا يعم لفظها لهؤلاء؟ PageV01P256 # على قولين (1). والأول قاله بعض أهل التفسير، كما ذكره مقاتل بن سليمان، ~~وكما روي عن الضحاك أيضا، وهو شيخ مقاتل. قالوا: إن الله استثنى من هذه ~~الآية من لم يدخل بها، واستثنى منها ذوات الحمل، واستثنى الصغيرة والكبيرة. # فأما استثناء من لم يدخل [بها] (2) فقد قاله غير هؤلاء، ورواه أبو داود ~~في سننه (3) عن ابن عباس، وتقدم القول فيه. # وأما استثناء هؤلاء وإخراجهن من الآية فقول ضعيف. والصواب أن الآية لم ~~تشمل هؤلاء: # أما الصغيرة والكبيرة فإنهن لا يحضن، وقوله (ثلاثة قروء) هي الحيض التي ~~يكون فيها طهر، فلابد أن يكون ذلك فيمن تحيض وتطهر، ويمتنع أن يقال لمن لا ~~قروء لها: تتربص ثلاثة قروء. فالآية لم تشمل أولئك. # ولم يقل أحد: إنه استثني منها المتوفى عنها، فإن لفظ المطلقات لا يتناول ~~من مات عنها زوجها. # وأما أولات الأحمال فنقول: لو شملها اللفظ لكانت تحتاج أن تتربص ثلاثة ~~قروء بعد وضع الحمل وانقضاء النفاس، فإن العادة الغالبة أن الحامل لا ترى ~~دما، وقد تراه نادرا، والفقهاء مختلفون هل هو حيض أم لا؟ ولو قيل: هو حيض ~~نزاع أنه لا تقضي به العدة، ثم إنها ترى النفاس، ثم تتربص ثلاثة قروء، ~~فتبقى في العدة أكثر من PageV01P257 # سنة في الغالب، ومعلوم أن الله كما لم يرد ذلك بهذه الآية، فلم يدل لفظها ~~على ذلك، لأنه قال: (يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، والتربص الانتظار، فجعل ~~مدة التربص ثلاثة قروء، كما قال: (للذين ms0122 يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) ~~(1). والتربص في الموضعين من حين السبب، وهو الإيلاء أو الطلاق، فإنه لما ~~قال: (والمطلقات يتربصن) كان أمرا لهن بالتربص من حين طلقهن، وإذا وجب ~~عليها من حين الطلاق تربص ثلاثة قروء حينئذ امتنع أن يكون بين الطلاق وهذه ~~القروء عدة أخرى كالحمل، والله تعالى أمر بطلاقها للعدة، فالعدة التي هي ~~القروء، فستعقب الطلاق لا تتراخى عنه، ولأن قوله (ثلاثة قروء) عدد، فعلم ~~أنها لا تتربص زيادة على ذلك. # فهذا وغيره مما يبين أن لفظ الآية لم يشمل إلا المطلقة التي لها قروء عقب ~~الطلاق، لم يتناول الصغيرة ولا الكبيرة ولا الحامل، كما لم يتناول المتوفى ~~عنها، وإذا كان كذلك تبين أنها أيضا لم يتناول من لا تدري أتعتد بالقروء أو ~~بوضع الحمل، فإن هذه ليست مأمورة من حين الطلاق أن تتربص ثلاثة قروء، ~~والآية قد دلت على أن المطلقات المذكورات في الآية مأمورات أن تتربص كل ~~واحدة منهن ثلاثة قروء عقب الطلاق، فلم تدخل في الآية الحامل، ولا من لا ~~يعرف هل هي حامل أو حائل، ولو كانت هذه مطلقة لوجب أن تشملها الآية على ~~تقدير، فيجب عليها إن لم تكن حاملا أن تتربص من حين الطلاق ثلاثة قروء، ~~فلما لم تشملها الآية علم أنها ليست مطلقة. والمطلقات المذكورات هنا هن ~~المطلقات المذكورات في قوله: (إذا طلقتم النساء PageV01P258 ### || CHECK - الجواب عما احتج به المخالفون # فطلقوهن لعدتهن) (1)، والطلاق للعدة لا تدخل فيه هذه، فإنها ليست مطلقة ~~للعدة، فعلم أنها لا تكون مطلقة. # وأما الجواب عما احتجوا به فيقال: الآية سواء شملت الولد والحيض، أو قدر ~~أنها مختصة بالولد، فلا يمتنع أن يطلق للسنة وتكتم الحمل والولد، تارة تكره ~~الزوج فتكتمه، لئلا يعلم به فيراجعها، وتارة تكتمه لتطول العدة فتأخذ ~~النفقة، وقد تكتمه لتنفيه عن أبيه، وذلك أنه إذا طلقها وقد رأت الطهر، فقد ~~تكون مع ذلك حاملا، فإن الحامل قد ترى الدم باتفاق الناس، وهل يكون حيضا؟ ~~على قولين، والطهر دليل ظاهر على براءة الرحم ms0123 وليس قاطعا، فقد تكون حاملا ~~لاسيما في أوائل الحمل، وترى الدم [في] الطهر، فيطلقها يظنها حائلا، وتكون ~~حاملا تكتم ذلك. وقد يكون في ابتداء الخبر، فتخبر أنها حاضت وطهرت، ~~ليطلقها، رغبة منها في الطلاق وكراهة التزوج. # وقوله (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) (2) يقتضي تحريمه ~~في هذه الحال أيضا، فإنه إذا حرم عليها الكتمان بعد الطلاق، فقبل الطلاق ~~أولى أن يحرم عليها الكتمان، لأنه حينئذ يحتاج أن يعرف هل هي طاهر فيباح له ~~الطلاق، أم لا؟ وهل هي حامل لئلا يطلقها، أم لا؟ فإذا كتمت الحمل وزعمت ~~أنها طاهر ليطلقها، كانت أولى بالإثم من أن تكتم ذلك في آخر العدة، فإن هذه ~~قصدت أن توقعه في طلاق محرم، وأن تخرج نفسها من ملكه بالحيلة، وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن المنتزعات والمختلعات هن المنافقات" ~~(3)، وقال: "أيما امرأة سألت PageV01P259 # زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة" (1). فإذا كان هذا ~~بسؤالها واختياره فكيف باحتيالها ومكرها. وهذا مما يدل على بطلان الطلاق، ~~فإن الشارع حكيم ينبغي أن يعاقبها بنقيض قصدها، فلا يحصل لها ما طلبته من ~~المكر والخداع المحرم. فإذا كتمت الحمل وقالت: إني طاهر، حتى طلقها، ولم ~~تكن طاهرا بل كانت موطوءة، ولم يتبين حملها فهذه لا يقع بها الطلاق، على ~~هذا القول الذي نصرناه، وقد وقع مثل هذه القضية، وإذا تبين أنها قد تكتم ~~الحبل بعد الطلاق وقبل الطلاق، مع أن المطلقة مأمورة بثلاثة قروء، تبين أن ~~هذا القول هو المتضمن للعمل بالآية دون ذاك. # وقد ذكر بعض أهل التفسير (2) أنهن في الجاهلية كن يفعلن ذلك، فقال ابن ~~السائب عن أبي صالح عن ابن عباس كانت المرأة إذا كانت راغبة في زوجها قالت: ~~أنا حبلى، وليست حبلى، لكي يراجعها. # وإن كانت حبلى وهي كارهة قالت: لست بحبلى، لكي لا يقدر على مراجعتها، أو ~~لكيلا يراجعها. فلما جاء الإسلام ثبتوا على هذا، فنزل قوله، فقال: (يا أيها ~~النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ms0124 وأحصوا العدة) (3). # ثم نزلت: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (4). # قلت: وهذا يقتضي أنهم كانوا يطلقون الموطوءة قبل نزول آية PageV01P260 # الطلاق، وحينئذ فقد تقول: أنا حبلى، فيراجعها، وقد تقول: لست حبلى، فلا ~~يراجعها. فلما أنزل الله آية الطلاق أمر بالطلاق للعدة أن تكون طاهرا أو ~~حاملا قد تبين حملها، وأنزل آية البقرة، فصار الطلاق وهي طاهر، والغالب ~~أنها لا تكون حبلى، فما بقيت تتمكن مما كانت تتمكن منه في الجاهلية. # وقد ذكر بعض أهل التفسير أنهم كانوا يراجعون الحامل بعد الطلاق الثلاث، ~~وأن الآية نزلت في ذلك، ففي "تفسير الخمس مئة" لمقاتل قال: (ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) يعني من الولد، (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) ~~يعني أزواجهن أحق بردهن يعني برجعتهن في ذلك، يعني في الحمل. كان هذا في ~~أول الإسلام، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا وهي حبلى فهو أحق برجعتها ما ~~دامت في العدة، ثم نزلت: (وبعولتهن أحق بردهن) في الحبل بعدما طلقها ثلاثا ~~معلومة في كتاب الله ممكنة. وفسر الآيات إلى قوله: (وتلك حدود الله) يعني ~~ما بين من الزوج والمرأة في الطلاق والرجعة (يبينها لقوم يعلمون (230)). ~~فمن طلق امرأته ثلاثا وهي حبلى أو غير ذلك، فقد بانت منه، ولا تحل له حتى ~~تنكح زوجا غيره. # وفي تفسير عاصم بن سليمان الكوزي عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: وقوله ~~(وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) يعني في الحامل، في أول الإسلام كان الرجل إذا ~~طلق امرأته ثلاثا وهي حامل أو غير حامل، فهو أحق برجعتها ما دامت حاملا. ثم ~~نزلت في امرأة رجل لم يعلم بحملها، فطلقها زوجها، ولم تخبره المرأة بحملها. ~~فذلك قوله: (إن أرادوا إصلاحا) إذا تراجعا ما بينهما، ثم نسخت هذه الآية ~~التي بعدها، فقال: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف) يقول: بحسن PageV01P261 ### || CHECK - كان الطلاق في الجاهلية بغير عدد # الصحبة، إلى أن قال: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد) التطليقة الثالثة ~~(حتى تنكح زوجا غيره) حاملا كانت أو غير ms0125 حامل. # قلت: أما كون الطلاق في الجاهلية وفي أول الإسلام كان بغير عدد، يطلق ~~الرجل المرأة ما شاء ثم يراجعها، فهذا مشهور معروف، قد ذكره عامة العلماء، ~~ولا فرق في ذلك كان بين الحامل وغيرها. # ولم يكن في الجاهلية عدة ولا عدد للطلاق، وأنزل الله العدة أولا، فكان ~~الرجل المضار يطلقها، حتى إذا لم يبق من العدة إلا قليل راجعها، ثم يطلقها، ~~فتستأنف العدة، فيمهلها، حتى إذا بقي منها قليل طلقها، ثم كذلك يفعل، حتى ~~يبقى دائما يطلقها ثم يراجعها، فأنزل الله الثلاث. وكان له أن يرتجعها بعد ~~الطلاق الثلاث إذا كانت في العدة، سواء كانت العدة حملا أو قروءا، كما ذكر ~~هؤلاء. ولم يكونوا إذ ذاك أمروا بالطلاق للعدة، فإنه إذا كان يملك أكثر من ~~ثلاث أمكنه تطويل العدة وإضرارها وإن طلقها للعدة، ولكن لما قصروا على ~~الثلاث أمروا أن لا يطلقوا إلا للعدة، لتكون العدة عقب الطلاق، فلا يقع ضرر أصلا. # وما ذكر من أن المرأة كانت تكتم الحمل تارة لبغضها للرجل، وتارة لئلا ~~يراجعها، وتقول: إني حبلى، وتكتم الحيض تارة لحبها له، ليمسكها، وأن رجلا ~~طلق امرأته ولم تعلمه أنها حامل، فهو يوافق ما ذكرناه من أنها قد تكتم ~~الحمل حين الطلاق. # وقولهم: "إن هذا في الحمل، وكان هذا في أول الإسلام"، فمعناه أنه في أول ~~الإسلام لما كان الطلاق بغير عدد، ولم تكن هناك سنة وبدعة، كانت المرأة ~~تتمكن من كتمان الحمل تارة وكتمان الحيض، ودعوى الحمل تارة، لهواها في ~~الحالين. فلما صار الطلاق PageV01P262 # ثلاثا ما بقي يتمكن من المراجعة إلا في الطلقتين، وأمر أن لا يطلقها حتى ~~يعلم أنها حامل أو غير حامل، فإن كانت حاملا كانت عدتها الحمل، وأقدم على ~~علم فلا يندم، ولا تغره وتكتمه وتكذب عليه. وإن ظهر أنها ليست حاملا، ~~لكونها في طهر لم يصبها فيه، كان كذلك، وما بقي الكذب الذي يضره يمكنها إلا ~~في صور نادرة، إذا طهرت ثم تبين أنها حامل، أو فيما إذا كتمت الحمل أولا ~~وقالت: ms0126 إني طاهر، وهو مع ذلك وفي كلا الموضعين إنما يمكنها الخداع على قول ~~من يوقع الطلاق. ومن لا يوقع إلا طلاق السنة يقول: إذا تبين أنها كانت ~~حاملا ولم يعلم، لم يقع الطلاق، فإنها لم تكن طاهرا، ولا كان ذلك دم حيض. # وأيضا فقد يكون مرادهم أن هذه الآية - آية القروء - نزلت قبل الأمر ~~بالطلاق للعدة، فكانوا في تلك الحال لهم أن يطلقوا المرأة حائضا وموطوءة، ~~وحينئذ فقد تكون حاملا وتكتم الزوج ذلك، أو حائلا وتكتم ذلك، فكان النهي عن ~~الكتمان في تلك الحال عاما. ثم إنه بعد ذلك أمر بالطلاق للعدة، ونهي الرجل ~~أن يطلق امرأة بمرة إلا إذا تبين حملها، فزال هذا الفساد، كما قيل لهم: ~~(ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) (1)، لما كان الطلاق بلا عدد فأمر بالعدة ~~أولا، ثم قصروا على الثلاث ثانيا، ثم أمروا بطلاق السنة ثالثا. # وهذا يبين حقائق الأمور، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولهذا قال في سورة ~~الطلاق (2): (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن)، فدل على PageV01P263 ### || CHECK - القول بأن طلاق البدعة لا يقع هو أرجح القولين # أن العدة كانت مشروعة قبل ذلك، وأن آية العدة نزلت قبل الأمر بطلاق ~~السنة، وهذا يحقق ما ذكر، والحمد لله رب العالمين. # وكذلك إذا كتمت الحمل وقالت: إني طاهر، فإنه لا يقع الطلاق. # فهذا كله ما يبين أن القول بأن طلاق البدعة لا يقع هو أرجح القولين، ~~وعليه يدل الكتاب والسنة، وهو الموافق لمقاصد الشرع، وهو الذي يسد باب ~~الضرار والمخادعة والمكر، الذي أراده الله بأمره بطلاق السنة، وبقصره ~~الطلاق على ثلاث، وإلا فإذا قيل بوقوع طلاق البدعة كان الضرر الذي كان في ~~الجاهلية من هذا الوجه باقيا. فإذا قيل: إن الطلاق بعد الطهر لازم أمكنها ~~حينئذ أن تكتم الحمل إذا كانت زاهدة في الرجل لئلا يرتجعها، وأن تكتم الحيض ~~وتدعي الحمل إذا كانت راغبة في الرجل ليرتجعها. # وما ذكره بعض أهل التفسير من أن نهيها عن كتمان ما خلق الله في رحمها كان ~~في أول الإسلام، إن ms0127 قيل: أرادوا بذلك أن النهي كان في أول الإسلام قبل ~~قصرهم على الثلاث وأمرهم بطلاق السنة، لأن الحامل حينئذ كانت تطلق من غير ~~أن يعلم أنها حامل، فاحتاجوا إلى ذلك. وأما بعد أن بين الله أنها لا تطلق ~~حتى يعلم أنها حائل أو حامل، فلا حاجة إلى ذلك. فهذه حجة قوية على من احتج ~~بالآية على وقوع طلاق البدعة كما تقدم. لكن الآية تبين أنهن نهين عن ~~الكتمان في الحال التي أمرت بها المطلقة أن تتربص ثلاثة قروء، وقيل فيها: ~~(الطلاق مرتان) (1)، وهذا هو آخر الأمر، فيكون النهي يشمل هذه الحال وغيرها ~~بطريق الأولى كما تقدم، وإذا نهين عن PageV01P264 # الكتمان لم يدل ذلك على أن كتمانها ينفعها إذا علم بها، بل قد لا يعلم ~~كتمانها، فتكتمه الحمل، فيطلق يظنها طاهرا، ويستمر الأمر إلى أن تضع الحمل، ~~فربما غيبت الولد وكتمت الولادة. كما روي أن امرأة لعمر فعلت ذلك، وأن عمر ~~عاقبها بمنعها من الأزواج. وربما مات الولد أو قتلته، وربما كره الزوج ~~مراجعتها بعد ذلك. هذا مع العلم بأن طلاقها لا يقع، فكيف وأكثر الناس يظنون ~~أن طلاقها يقع، فيكون كتمانها مضرة في هذه الحال. والزوج قد يعتقد أن ~~طلاقها يقع كما يعتقده غالب الناس، فيتضرر حينئذ بمكرها وكيدها، فنهي الله ~~لها عن الكتمان فيه كمال المصالح للعالم والجاهل في مسائل الإجماع والنزاع. ~~ثم من كان أبصر وأخبر بحكمة الرب ورحمته ومحاسن الإسلام تبين له أن الرب لم ~~يجعل لها طريفا إلى أن تضار الرجل، حتى توقعه في طلاق أو تمنعه من رجعة، ~~إلا إذا كان حكم الله ورسوله خفيا عليه، فيؤتى من عدم علمه، لا من نقص في ~~حكم الله ورسوله. # والله أعلم وأحكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # آخره، والحمد لله رب العالمين. # (بلغ مقابلة بالأصل خط المؤلف، ومنه نقل. والحمد لله رب العالمين). # *** PageV01P265 ### | CHECK (19) فتوى في طلاق السنة وطلاق البدعة # فتوى في طلاق السنة وطلاق البدعة PageV01P267 ### || CHECK - من طلق ثلاثا بكلمة واحدة أو بكلمات في طهر ms0128 واحد فهو عاص لله مبتدع ### || CHECK - ما هو طلاق السنة؟ # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين. # سئل شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رضي الله عنه، ومن خطه نقلت: # ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين - في طلاق ~~السنة وطلاق البدعة ما هو؟ وهل طلاق البدعة حلال أو حرام؟ # وهل طلاق الثلاث بكلمة واحدة من السنة أو البدعة؟ وهل هو حلال أو حرام؟ ~~بينوا لنا هذه المسألة، رحمكم الله وهداكم. # فأجاب رحمه الله: # الحمد لله. طلاق السنة الذي أباحه الله ورسوله أن يطلق الرجل امرأته طلقة ~~واحدة في طهر لم يصبها فيه، ثم يدعها حتى تقضي العدة، فإن كان له فيها غرض ~~راجعها في العدة، أو يراجعها بعقد جديد بعد انقضاء العدة، وإن لم يكن له ~~فيها غرض تركها. فإذا فعل ذلك فقد طلق للسنة، وهذا الطلاق الذي أباحه الله ~~بالكتاب والسنة والإجماع. # فأما إذا طلقها في الحيض فإنه يكون عاصيا لله مبتدعا باتفاق الأئمة، ~~وكذلك إذا طلقها بعد أن وطئها قبل أن يستبين حملها، فإنه طلاق بدعة. وكذلك ~~إذا طلقها ثلاثا بكلمة واحدة أو بكلمات في طهر واحد فإنه يكون عاصيا لله ~~مبتدعا عند جماهير السلف والخلف، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في أشهر ~~الروايتين عنه، بل لو PageV01P269 ### || CHECK - لم يثبت أن أحدا أوقع الطلاق الثلاث في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - # طلقها واحدة ثم أتبعها بطلقتين قبل أن تنقضي العدة فانه يكون أيضا مبتدعا ~~في مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه. # والقرآن والسنة يدل على أن الله إنما أباح للرجل أن يطلق طلقة واحدة، ~~فإذا راجعها ثم أراد أن يطلق الثانية فله ذلك، وكذلك الثالثة، فإذا طلقها ~~ثلاثا كذلك لم يكن مبتدعا. وإذا وقع به الطلاق الثلاث حرمت عليه حتى تنكح ~~زوجا غيره. فإذا طلقها على الوجه المشروع لم يندم. وهو قول الله تعالى: (يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم ~~لا تخرجوهن من ms0129 بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ~~ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1) ~~فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) إلى قوله (ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب) (1). # فهذا إنما يكون لمن طلق أقل من ثلاث، فيمسك بمعروف، أو يفارق بمعروف، وفي ~~مثل هذا يقال: "لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا"، وهو أن يبدو له فيراجعها. ~~فأما إذا وقع الثلاث فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ وأي رجاء يكون بعدها؟ فلهذا ~~قال جمهور السلف والخلف: إن جمع الثلاث بدعة منهي عنها، والمطلق ثلاثا ~~بكلمة واحدة مبتدع عاص. # ولم يثبت أن أحدا أوقع الطلاق الثلاث على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بكلمة واحدة، بل زوج فاطمة ابنة قيس طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات. ~~والملاعن كان باللعان قد ثبت حكم الفرقة بينه وبين PageV01P270 # امرأته، فطلق ثلاثا، ولو لم يطلقها لكانت محرمة عليه. فالطلاق لم يفد شيئا. # فأما أن يكون المسلمون يطلقون ثلاثا بكلمة واحدة على عهد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - - كما يفعل الناس في زماننا - فهذا لم يثبت فيه حديث ~~صحيح، ولهذا كان الصحابة يذمون من يطلق ثلاثا بكلمة واحدة، ويقولون: إنه ~~عاص لله، والطلاق إذا وقع لم يرتفع بالكفارة بإجماع المسلمين، وإنما ~~الكفارة في الأيمان، لا في إيقاع الطلاق. والله # أعلم. # (صورة خطه) كتبه أحمد بن تيمية. # (بلغ مقابلة بأصله، ومنه نقل). # *** PageV01P271 ### | CHECK (20) فصل في جمع الطلاق الثلاث # فصل في جمع الطلاق الثلاث PageV01P273 ### || CHECK - الدليل الأول من القرآن ### || CHECK - التحريم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس ### || CHECK - النزاع في أنها تقع واحدة أم ثلاثا ### || CHECK - جمع الطلاق الثلاث محرم عند جمهور السلف والخلف # بسم الله الرحمن الرحيم # (قال شيخ الإسلام وبحر العلوم تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ~~بن عبد السلام بن تيمية الحراني - رحمه الله ورضي عنه -، ومن خطه نقلت:). # فصل # جمع الطلاق الثلاث محرم عند جمهور السلف والخلف، ms0130 وهو مذهب مالك وأبي ~~حنيفة وأحمد في آخر الروايتين عنه، واختيار أكثر أصحابه. ثم هل يقع عند ~~هؤلاء أو لا يقع، أو تقع واحدة، أو يفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها، ~~فيه نزاع (1). والنزاع بين السلف إنما هو هل تقع واحدة أو ثلث. وأما القول ~~بأنه لا يقع شيء فإنما هو منقول عن بعض أهل البدع من أهل الكلام والرافضة. # وقالت طائفة: بل هو مباح. # والكلام في مقامين: # أحدهما: أنه محرم، والدليل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ~~والاعتبار بالأصول المعلومة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فمن وجوه: # أحدها: أنه سبحانه قال: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن PageV01P275 ### || CHECK - دلالته على التحريم من تسعة وجوه # لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ~~لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1) فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ~~أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به ~~من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله ~~لكل شيء قدرا (3)) إلى قوله: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن ~~لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن ~~لكم فآتوهن أجورهن) (1). # ومعلوم أن هذه السورة هي سورة الطلاق، وقد ذكر الله فيها من أحكام الطلاق ~~والرجعة والعدد ونفقة الحامل والمرضع وغير ذلك مالم يذكره في موضع آخر، وهي ~~تدل على تحريم جمع الثلاث من وجوه: # أحدها: أنه قال (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا ~~الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) إلى ~~قوله (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1) فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو فارقوهن بمعروف). ومعلوم أن هذا لا يكون ms0131 في الطلاق الثلاث، فإن ~~الثلاث لا إمساك بعدهن، وبعد الثلاث لا يحدث الله للزوج رجعة بدون رضاها. ~~ولهذا قال غير واحد من الصحابة والتابعين والعلماء - كابن عباس وجابر ~~وفاطمة بنت قيس - وفقهاء الحديث ومن وافقهم من العلماء: إن هذا في الرجعية. PageV01P276 # الثاني: أن قوله (فطلقوهن) إذن في مطلق الطلاق، ليس إذنا في كل طلاق. ومن ~~ظن أن هذا عام فقد غلط ولم يفرق بين العام والمطلق، فإن قول القائل "كل" ~~و"بع" ونحو ذلك إذن في مطلق الأكل والبيع، لا يتعرض للعموم لا بنفي ولا ~~إثبات. ولهذا لم يكن تقييد هذا المطلق رفعا لمدلول اللفظ ولا نسخا له، وإذا ~~لم يكن فيه عموم فهو لم يأذن إلا في الطلاق الذي وصفه، وهو أن يطلق للعدة ~~وأن يحصي العدة ويتقي الله، وأنه إذا بلغن أجلهن أمسك بمعروف أو فارق ~~بمعروف. وهذه الصفة إنما هي في الطلاق دون الثلاث، كما أنها إنما هي في ~~الطلاق لاستقبال العدة، فمن طلقها حائضا فلم يطلق كما أمره الله تعالى. ~~كذلك من لم يطلق الطلاق الموصوف بأن صاحبه لا يدري لعل الله يحدث بعده ~~أمرا، وبأنه إذا بلغت المرأة أجلها فإما أن يمسك بمعروف أو يسرح بمعروف، ~~فلم يطلق الطلاق الذي أمر الله به. # الثالث: أنه أمر بإحصاء العدة وأن يتقي الله، وأمر إذا بلغن أجلهن أن ~~يمسك بمعروف أو يسرح بمعروف، وهذا لا يحتاج إليه في الثلاث، فإن الثلاث ~~إنما يحتاج إلى إحصاء العدة لتحل لغيره، لا لأجل إمساكه وتسريحه. # الرابع: أنه قال (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة)، وهذا حكم المطلقة الرجعية، فإن زوجها أحق بها ما دامت في العدة، ~~فليست كالزوجة من كل وجه، ولا كالبائن من كل وجه، بخلاف الزوجة فإن لها أن ~~تخرج بإذن زوجها، والبائن لزوجها أن يخرجها بلا إذنها، فإنها لا تستحق عليه ~~السكنى ولا النفقة، إلا أن يختار هو أن يحصنها، فله إلزامها بالسكنى لحقه ~~في PageV01P277 # العدة. وقد دل على ذلك سنة رسول الله ms0132 - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة في ~~فاطمة بنت قيس حيث قال لها: "ليس لك سكنى ولا نفقة" (1). ولم يعارض ذلك أحد ~~بمعارضة صحيحة، فإن القرآن لا يخالف ذلك بل يوافقه، فإن الله قال: (أسكنوهن ~~من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن) (2)، والضمير عائد على ما تقدم، وهي الرجعية. وما ~~ذكره في الحامل والمرضع فبين فيه أن النفقة حينئذ لأجل الحمل، لا لأجل ~~النكاح، ولهذا قال: (حتى يضعن حملهن)، فهذا ذكره لغاية نفقة الحمل، وإلا ~~فقد بين عدة الحامل بقوله (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (3)، وقوله ~~بعد ذلك: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) (4). وقد ثبت بالإجماع أن أجرة ~~الرضاع نفقة الولد، وهي تجب للنسب لا للنكاح، فدل ذلك على أن نفقة الحامل لذلك. # ولهذا كان أصح القولين أن نفقة الحامل تجب للحمل (5)، وحكمها حكم نفقة ~~الولد التي تجب على والده، وهذا مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه، ~~والشافعي في أحد قوليه، ومن قال: إنها تجب للزوجة من أجل الحمل، فكلامه ~~متناقض لا يعقل. # الخامس: أنه قال (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1))، وهو كما قال ~~غير واحد من الصحابة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث، فإن PageV01P278 # الله ذكر هذا ليبين أنه قد يحدث بعد رغبة في الزوجة وندم على الطلاق، ~~فيكون له سبيل إلى رجعتها. # السادس: أنه قال في سياق الآية: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2))، وقد ~~قال الصحابة لمن طلق ثلاثا (1): لو اتقيت الله لجعل لك فرجا ومخرجا، فعلم ~~أن جامع الثلاث لم يتق الله. # السابع: أنه قال (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ~~وأشهدوا ذوي عدل منكم)، والإشهاد إنما يؤمر به في حكم الطلاق الرجعي، وهو ~~واجب على الرجعة في أحد القولين، ويستحب في الآخر. # الثامن: أنه قال (فإذا بلغن أجلهن) أي وصلن إلى آخر المدة، فإن الأجل هو ~~آخر المدة، والعدة مجموعها، ولهذا قال تعالى في الآيسات: (فعدتهن ثلاثة ~~أشهر)، وقال: ms0133 (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)، فجعل الأجل وضع الحمل، ~~ولم يجعل ذلك عدة، لأن العدة ما يعد، وهي المدة التي تعد. وأما الأجل فهو ~~آخر المدة. # ولهذا دلت هذه الآية على أن الحامل لا أجل لها إلا وضع الحمل، سواء كانت ~~متوفى عنها أو مدخولا بها، ولهذا قال ابن مسعود (2): أشهد أن سورة النساء ~~القصرى نزلت بعد الطولى، (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وقال ~~سبحانه: (فإذا بلغن أجلهن)، لأنه إنما يخير بين الإمساك والتسريح عند آخر ~~المدة، بخلاف أثنائها، فإنه لا PageV01P279 ### || CHECK - الدليل الثاني من القرآن # يسرحها حينئذ، وهذا إنما يكون في الرجعية. # التاسع: أنه خيره بين الإمساك والتسريح، وليس المراد بالتسريح هنا تطليقا ~~بائنا باتفاق المسلمين، فإن ذلك لا يختص ببلوغ الأجل، بل المراد به تخلية ~~سبيلها، كما قال: (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49)) (1)، فأمر ~~بتسريح المطلقة قبل المسيس، وتلك ليست رجعية، ولا يلحقها الطلاق الثاني، ~~وإنما المراد تخلية سبيلها وإزالة يده عنها، فإن له يدا على الرجعية، فإذا ~~بانت لم يكن له عليها بد. # الموضع الثاني من كتاب الله قوله تعالى: (وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع ~~عليم (227) والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما ~~خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ~~ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ~~والله عزيز حكيم (228) الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل ~~لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن ~~خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا ~~تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) فإن طلقها فلا تحل له ~~من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن ~~يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها ms0134 لقوم يعلمون (230) وإذا طلقتم ~~النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا ~~لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة ~~الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا ~~أن الله بكل شيء عليم (231) وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ~~ينكحن PageV01P280 ### || CHECK - دلالته على مشروعية الطلاق الرجعي دون الثلاث من تسعة عشر وجها # أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله ~~واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232)) (1). # وهذه الآيات تدل على أن المشروع هو الطلاق الرجعي دون الثلاث، من وجوه: # الأول: أنه قال (وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227) والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن ~~كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا)، ~~وهذا يدل على أن كل مطلقة فإنها تتربص ثلاثة قروء، وأن بعلها أحق بردها في ~~ذلك، فلو كان المطلق مخيرا بين إيقاع واحدة وثلاث لم تكن كل مطلقة كذلك، بل ~~كان هذا وصف بعض المطلقات. # فإن قيل: فهذا يرد عليكم فيمن طلقت الطلقة الثالثة. # قيل: قد بين ذلك بقوله فيما بعد (الطلاق مرتان)، تبين أن هذا الطلاق هو ~~مرتان فقط، والثالثة قوله (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره). وقبله قوله (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، فكان تمام الكلام يبين ~~المراد، ولم يك في ذلك خروج عن مدلول القرآن ومفهومه وظاهره، بخلاف ما إذا ~~قيل: إن المطلق مخير بين الواحدة والثلاث. # وأيضا فالآية عامة في كل مطلقة، والمطلقة طلقة ثالثة قد خصها في تمام ~~الكلام بقوله (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره)، فيبقى ما ~~سواها على ظاهر القرآن وعمومه. PageV01P281 # الوجه الثاني: أن الله ذكر حكم الطلاق الذي أذن فيه وشرعه، فإنه لما قال: ~~(فإن فاءوا فإن الله ms0135 غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ~~(227))، وقال: (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن)، وقال: (إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) ونحو ذلك، دل على أنه أذن في ~~الطلاق وأباحه في الجملة، وهو سبحانه لم يأذن في كل طلاق ولا أباحه، بل ~~الطلاق ينقسم إلى مباح ومحظور بالكتاب والسنة والإجماع. وإنما الكلام هنا ~~في جمع الثلاث هل هو من المباح أو المحظور، فإذا قيل: إن الله بين حكم ~~الطلاق الذي أباحه، ولم تكن الثلاث مباحة، كان القرآن على ظاهره وعمومه؛ ~~وإذا قيل: هو من المباح، والقرآن يعم الطلاق المأذون فيه والمحظور، كان ذلك ~~مخالفا لظاهر القرآن. # الوجه الثالث: أنه قال (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك)، وهذا صفة الطلاق ~~الرجعي، فدل ذلك على أن هذا هو الطلاق الموصوف في كتاب الله بقوله ~~(والمطلقات)، فالمطلق ثلاثا ابتداء لا رجعة له، ومن لم يوقع إلا طلاقا لا ~~رجعة فيه فقد خالف كتاب الله. # الوجه الرابع: أنه قال بعد ذلك (الطلاق مرتان)، ثم قال: (فإمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسان). وفي الحديث المرسل عن أبي رزين الأسدي الذي رواه الإمام ~~أحمد وغيره (1) أنه قيل: يا رسول الله! فأين الطلقة الثالثة؟ قال: في قوله ~~(فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان). وهذا معناه أنه جوز إمساكها بعد الثانية، ~~فعلم أنها تكون زوجة بعد الثانية، لا PageV01P282 # تحرم بالثانية. ثم ذكر حكمه إذا أوقع الثالثة بقوله: (فإن طلقها فلا تحل ~~له من بعد حتى تنكح زوجا غيره). وقد فسر بعضهم (1) معناه بان قوله (أو ~~تسريح بإحسان) هو الطلقة الثالثة، وهذا غلط من وجوه كما قد ذكر في موضع ~~آخر. ومعلوم أن هذا لا يتناول الثلاث المجموعة، فإنه ليس بعد وقوع الثلاث ~~إمساك بمعروف. # الوجه الخامس: أن قوله (الطلاق مرتان) لفظ معرف باللام، فيعود إلى الطلاق ~~المعهود، وهو الطلاق الذي تقدم ذكره في كتاب الله بقوله (والمطلقات ~~يتربصن)، وهو الطلاق الرجعي، فدل ذلك على أن الطلاق المشروع في كتاب الله ~~هو الطلاق الرجعي الذي يقع مرة بعد ms0136 مرة، وبعدهما إمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان، والثالثة قوله (فإن طلقها). # الوجه السادس: أن قوله (مرتان) إما أن يريد به مرة بعد مرة، كما في قوله ~~(ثم ارجع البصر كرتين) (2)، وكما في قوله تعالى: (ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات) (3) الآية. ومعلوم أن ~~الثلاث في الاستئذان لا تكون بكلمة واحدة، فلو قال: "سلام عليكم، أأدخل ~~ثلاثا" لم يكن قد استأذن ثلاثا. وكما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من قال في يوم مئة مرة سبحان الله وبحمده حطت عنه خطاياه، ولو كانت مثل ~~زبد البحر" (4)؛ وفي مثل قوله: "سبح ثلاثا وثلاثين، وحمد ثلاثا وثلاثين، ~~وكبر ثلاثا وثلاثين" (5)؛ وقوله: "كان إذا سلم PageV01P283 # سلم ثلاثا" (1)، وأمثال ذلك مما يقتضي لفظ العدد فيه تكرير القول. # لاسيما وهو لم يقل: "الطلاق طلقتان"، وإنما قال (الطلاق مرتان). # وإذا قال: "هي طالق ثلاثا" قد يقال: إنه طلقها ثلاثا، لكن لا يقال: طلقها ~~ثلاث مرات، بل إنما طلقها مرة واحدة. وكذلك لو قال: "هي طالق طلقتين" إنما ~~يقال: طلقها مرة واحدة، لا يقال: طلقها مرتين. # وإما (2) أن يريد به "طلقتان" سواء كان بكلمة أو كلمتين، ولو أريد هذا ~~لقيل: "الطلاق ثلاث"، لم يقل: "الطلاق مرتان"، بخلاف ما إذا أريد الأول، ~~فإن المراد الطلاق المذكور، وهو الطلاق الرجعي مرتان: مرة بعد مرة؛ ~~والثالثة الطلاق بعد الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان، وهو قوله (فإن ~~طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره)، ولو أريد هذا لقيل: "الطلاق ~~طلقتان"، ولم يقل "الطلاق مرتان". وقوله تعالى (نؤتها أجرها مرتين) (3) هو ~~على مقتضاه، أي مرة ومرة، وليس المراد إيتاء واحدا، بل إيتاء مرتين. # الوجه السابع: أن الطلاق اسم مصدر طلق تطليقا، ومعلوم أن التطليق فعل ~~يفعله المطلق بكلامه الذي يتكلم به، وهذا لا يعقل أن يكون مرتين، إلا إذا ~~قيل مرة بعد مرة، فأما إذا طلقها بكلمة واحدة فهذا لم يصدر منه الطلاق إلا ~~مرة واحدة لا مرتين. وإن جاز أن يقال: إنه طلقها ms0137 طلقتين، فلا يجوز أن يقال: ~~إنه طلقها مرتين، ولا يفهم لفظ "طلقها مرتين" بدون تكرير التطليق. # يدل على ذلك أن قوله "الطلاق مرتان" يدل على ما يدل عليه PageV01P284 # قول القائل "طلقها مرتين"، ولو قال ذلك لم يفهم منه إلا أنه طلقها مرة ~~بعد مرة، فكذلك قوله "الطلاق مرتان". وإذا قال القائل: "سبح مرتين أو ~~ثلاثا" و"هلل مرتين أو ثلاثا" ونحو ذلك، فهم منه أنه قال ذلك مرة بعد مرة، ~~وكذلك إذا قيل "كلمه مرتين أو ثلاث مرات". # ومنه قوله تعالى: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) (1)، ~~وقوله تعالى: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) إلى قوله (ثلاث مرات) (2)، ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (3): "من قال في يوم مئة ~~مرة سبحان الله وبحمده، حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر، ومن قال في ~~يوم مئة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على ~~كل شيء قدير، كتب الله له مئة حسنة، وحط عنه مئة سيئة، وكانت له حرزا من ~~الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال ~~مثلما قال أو زاد عليه". # وقوله في الحديث الصحيح (4): "إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في ~~اليوم مئة مرة"، وقوله في الحديث الصحيح (5): "أيها الناس! توبوا إلى ربكم، ~~فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة". # الوجه الثامن: أنه قال بعد قوله "الطلاق مرتان": (فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان)، فأمره بعد الطلاق مرتين أن يمسك بمعروف PageV01P285 # أو يسرح بإحسان، وهذا لا يكون إلا فيما إذا أخر الطلقة الثالثة عن ~~الطلقتين، لا إذا جمع الجميع. # الوجه التاسع: أنه قال بعد ذلك (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا)، ومعنى ذلك باتفاق ~~المسلمين: فإن طلقها الذي طلقها مرتين فلا تحل له من بعد هذا الطلاق الثالث ~~حتى تنكح زوجا ms0138 غيره، فإن طلقها هذا الزوج الثاني فلا جناح عليها وعلى الزوج ~~الأول أن يتراجعا، أي ينكحها نكاحا ثانيا إن ظنا أن يقيما حدود الله، ~~وحينئذ فالله تعالى إنما حرمها في القرآن بطلقة وقعت بعد الطلاق مرتين. # الوجه العاشر: أنه قال (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ~~أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه)، ~~فقوله "وإذا طلقتم" عام في كل تطليق، فإنه نكرة في سياق الشرط، فأمر عند ~~بلوغ الأجل بالإمساك أو التسريح، وهذا لا يكون مع جمع الثلاث، فعلم أن جمع ~~الثلاث لم يدخل في ذلك. فلا يكون داخلا في مسمى التطليق، فلا يكون مشروعا، ~~فإنه لو دخل في مسماه لزم مخالفة ظاهر القرآن وتخصيص عمومه. # فإن قيل: فهذا يرد عليكم في الثالثة إذا أوقعها بعد ثنتين. # قيل: قد بين ذلك بقوله (الطلاق مرتان) إلى قوله (فإن طلقها)، فقد بين أن ~~الطلاق الذي ذكر فيه الإمساك إنما هو مرتان فقط. # الوجه الحادي عشر: أنه قال (الطلاق مرتان)، ولم يقل "ثلاثا"، مع العلم ~~بأنه يملك أن يطلقها ثلاث تطليقات في ثلاث مرات، فعلم أنه أراد أن يبين أن ~~الطلاق الذي هو أحق برجعتها فيه مرتان، ولو PageV01P286 # قيل: أراد: الطلاق الرجعي طلقتان، لم يستقم ذلك إذا جمعها، فإن الرجعي ~~حينئذ يكون طلقة واحدة، وطلقة بعد طلقة، وطلقتان مجموعتان، بخلاف ما إذا ~~قيل "مرتان"، فنه لا يكون إلا مرة بعد مرة. # فن قيل: فإذا كان المراد أن الطلاق الرجعي مرتان علم أن لنا طلاقا رجعيا ~~وطلاقا غير رجعي، وذلك يتناول البائن والمحرم، وهو الثلاث. # قيل: لفظ الطلاق إما أن يعم كل طلاق أو يعود إلى الطلاق المتقدم، وهو ~~المعهود، وعلى التقديرين فنه يقتضي أن كل طلاق إنما يكون مرة بعد مرة، ولا ~~يكون إلا رجعيا، فمن أثبت طلاقا بكلمة توجب البينونة فقد خالف دلالة ~~القرآن، فضلا عن طلاق واحد يوجب التحريم. # الوجه الثاني عشر: أنه قال (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا)، وهذا لا يتأتى ~~في جمع الثلاث. ms0139 # الوجه الثالث عشر: أنه قال (ولا تتخذوا آيات الله هزوا)، وقد روي أن جمع ~~الثلاث من اتخاذ آيات الله هزوا، كما رواه النسائي (1) من حديث ابن وهب ~~أخبرني مخرمة عن أبيه سمعت محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان ثم قال: ~~أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! حتى قام رجل فقال: يا رسول الله! أفلا أقتله؟ # الوجه الرابع عشر: أنه قال (واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من ~~الكتاب والحكمة يعظكم به)، وهذه النعمة تظهر فيما إذا وقع للعبد أن PageV01P287 # يطلقها مرة بعد مرة، وأن يراجعها بعد التطليق، فأما إذا حرمها عليه في ~~أول تطليق يطلقه فهذه حرمت عليه في أول مرة، وتحريم الطيبات ليس من باب ~~النعم، بل قد جعله عذابا بقوله: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم) (1)، وقوله: (ذلك جزيناهم ببغيهم) (2). # الوجه الخامس عشر: قوله (وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به)، ~~والوعظ هو الأمر والنهي بترغيب وترهيب، كقوله: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون) ~~(3) أي يؤمرون به، وقوله: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله) (4) أي ينهاكم ~~الله. فدل عل أنه سبحانه أمرهم ونهاهم في الطلاق الذي ذكره، ولو كان قد ~~أباح لهم الثلاث جميعا لم يكن فيما ذكره من الطلاق أمر ولا نهي، فإنه بعد ~~الثلاث لا إمساك ولا تسريح ولا وعظ، وفاعلها إذا كان لم يذنب فلا يوعظ قبل ~~التطليق ولا بعده، والقرآن يدل على أنه وعظهم فيما ذكره من الطلاق. # الوجه السادس عشر: قوله (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ~~ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف)، فإن هذا عام في الطلاق الذي ~~ذكره الله في كتابه، وجعله مرتين، فلو كان قد أذن في جمع الثلاث لم تكن ~~الآية على عمومها، بل كان هذا في بعض التطليق المذكور دون بعض، وهو خلاف ~~ظاهر القرآن وعمومه. # الوجه السابع عشر: أن القرآن خطاب للصحابة ابتداء، ثم للأمة بعد الصحابة، ~~ومعلوم ms0140 أن الخطاب بالطلاق الذي ذكر الله أحكامه، PageV01P288 # كقوله: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا)، وقوله: (الطلاق ~~مرتان)، وقوله: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف)، وقوله: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن) لا يتناول ~~جمع الثلاث، وإنما يتناول من طلق مرة بعد مرة، فدل ذلك على أن هذا هو ~~الطلاق المعروف عند المخاطبين بالقرآن ابتداء. # ودل ذلك على أن جمع الثلاث لم يكن من الطلاق الذي يعرفونه، إذ لو كان ~~كذلك لكان يستثنيه ويبينه، وإلا كان القرآن قد أريد به خلاف ظاهره وعمومه ~~بلا بيان من الله ورسوله. # الوجه الثامن عشر: أن يقال: معلوم أن ظاهر القرآن وعمومه يدل على أن ~~الطلاق المشروع طلقة بعد طلقة، فإذا أريد خلاف ظاهره فلابد من بيان من الله ~~أو رسوله لذلك. ومعلوم أنه ليس في القرآن آية تدل على إباحة جمع الثلاث، ~~ولا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على ذلك، فإن حديث فاطمة بنت ~~قيس إنما فيه أن زوجها طلقها آخر ثلاث تطليقات، وحديث الملاعنة لما طلقها ~~ثلاثا إنما فيه طلاق من لا سبيل له إلى المقام معها، وهذا كما لو طلق من ~~حرمت عليه بغير الطلاق ثلاثا، وطلاق هذه زيادة توكيد في مفارقتها، بل هو ~~لغو لم يوجب الفرقة التي يوجبها الطلاق، بل وجوده كعدمه. والطلاق الثلاث ~~حرمت عليه ليكون له سبيل إلى رجعتها، وهذا المعنى منتف في حق هذه. ولو قدر ~~أنه فعل منكرا، فالمنكر إذا بين الله ورسوله أنه منكر لم يجب بيان ذلك في ~~كل مجلس. وهذا جواب ثان عن حديث فاطمة بنت قيس، فليس معهم إلا مجرد سكوت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو إذا بين تحريم الشيء لم يكن سكوته عن ~~إنكاره كل وقت دليلا على الجواز. # الوجه التاسع عشر: أن الله حرمها عليه بعد الطلقة الثالثة حتى PageV01P289 # تنكح زوجا غيره، ولم يبح له أن يطلقها رابعة، وهذا عقوبة له، كما قال ~~تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا ms0141 عليهم طيبات أحلت لهم) (1)، وقوله: ~~(ذلك جزيناهم ببغيهم) (2). فنها إذا حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره لم يكن ~~قادرا على تزوجها ولو رضيت به، بل من الممكن أنها لا تتزوج بغيره، أو تتزوج ~~بمن لا يطلقها، ومن طبع الإنسان أنه يكره أن تتزوج امرأته بغيره. ولهذا حرم ~~على غير النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تنكح أزواجه من بعده، إكراما ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -. فدل على أن تحريمها حتى تنكح زوجا غيره ~~إهانة له، فإنه إذا كان منع غيره من التزوج بامرأته إكرام، فاشتراط تزويج ~~غيره في الحل وجعل ذلك واجبا في عودها إليه إهانة له، والإهانة لا تكون إلا لمذنب. # فإن قيل: فالله أباح الطلاق. # قيل: لم يبحه مطلقا، لكن أباحه بعدد محصور، وأن تحرم عليه امرأته بعد ~~الثالثة، والأمر الذي لم يبح فيه إلا مقدار معين وحرمت عليه بعد ذلك ~~المقدار - لا يكون مباحا مطلقا، بل هو بمنزلة ما أبيح من الحرير، فإنه أبيح ~~للنساء، وأبيح منه عرض كف للرجال؛ وبمنزلة الهجرة والإحداد ومقام المهاجر ~~بمكة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحل لرجل أن يهجر أخاه ~~فوق ثلاث، يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (3). ~~وقال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث" ~~(4). وأذن للمهاجر أن PageV01P290 # يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا. فكان الأصل في هجرة المسلم والإحداد على ~~غير الزوج ومقام المهاجر بما هاجر عنه أن يكون منهيا، لكن رخص في الثلاث ~~منه للحاجة إلى ذلك. # كذلك الطلاق، لما لم يبح منه إلا الثلاث دل على أن الأصل فيه الحظر، ~~والمعنى أن الرجل خير بين أن يطلقها فتحرم عليه، وبين أن لا يطلقها، ومعلوم ~~أنه إذا أبيح مجموع التطليق وتحريمها عليه لم يكن. الطلاق وحده مباحا، فمن ~~ظن أن الطلاق مباح مطلقا كما يباح الأكل والشرب فقد غلط، بل إذا اقتصر على ~~ثلاث تطليقات وحرمت بعد الثالثة دل على أنه أبيح منه قدر الحاجة، ومعلوم ms0142 أن ~~جمع الثلاث لا حاجة إليه، فلا يباح (1). # ... PageV01P291 ### | CHECK (21) فصل في الأحاديث الواردة في الطلاق الثلاث # فصل في الأحاديث الواردة في الطلاق الثلاث PageV01P293 ### || CHECK - الكلام على حديث ركانة الذي احتج به الموقعون للثلاث ### || CHECK - بل فيها ما يدل على أن الثلاث بكلمة واحدة لا تكون لازمة # والأحاديث في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلم ### || AUTO - ليس فيها حديث ثابت يدل على وقوع الثلاث بكلمة واحدة # ، بل فيها في الصحيح والسنن ما يدل على أن الثلاث بكلمة واحدة لا تكون ~~لازمة لكل من أوقعها. # مثل الحديث الذي في صحيح مسلم ومسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي وغيرهما ~~(1) عن طاوس عن ابن عباس: أن الطلاق كان على عهد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس ~~قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أنا أنفذناه عليهم، فأنفذه عليهم. # وهذا الحديث بطرقه وألفاظه مذكور في غير هذا الموضع، والذي رواه طاوس كان ~~يفتي بموجبه كما قد ذكر في غير هذا الموضع (2). # والمقصود هنا حديث ركانة (3)، فإنه قد احتج به غير واحد من أهل العلم على ~~وقوع الثلاث بكلمة واحدة، حيث قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما ~~أردت إلا واحدة؟ قال: ما أردت إلا واحدة. وعليه اعتمد الشافعي رضي الله عنه ~~في هذه المسألة (4). # وحديث ركانة هذا قد ضعفه طائفة (5) كأحمد وأبي عبيد وابن حزم، PageV01P295 ### || CHECK - الأحاديث والآثار الواردة في الباب، والكلام عليها # مع أنه رواه ابن حبان في صحيحه (1). وقال الشافعي (2): عمي ثقة، وعبد ~~الله بن علي بن السائب ثقة. وأما نافع بن عجير فروى عن علي بن أبي طالب وعن ~~ركانة، وروى له أبو داود والنسائي. وهذا الإسناد مع الإسناد الآخر (3) الذي ~~رواه أيضا أبو داود وابن ماجه وأبو حاتم في صحيحه يوجب حسن الحديث، فإنهما ~~إسنادان ليس فيهما متهم، لكن رواته ليسوا معروفين بالعلم، ولا يعرف لقاء ~~بعضهم بعضا، كما سيأتي بيانه. # وفي الجملة لو ms0143 لم يعارضه غيره لأمكن أن يقال هو حسن أو صحيح على طريقة ~~بعضهم، وأما إذا عارضه ما هو أرجح منه فإنه يقدم الراجح. وقد يقال: إنه لم ~~يعارضه غيره. وطائفة أخرى عارضوه بأنه قد روي فيه أنه طلقها ثلاثا. فأما ~~إذا تدبرنا الروايات في هذا الباب وتتبعناها لم نجد بين الحديثين خلافا، بل ~~في حديث الثلاث دلالة صريحة على أن الثلاث لا تقع بكلمة واحدة، ونحن نذكر ذلك. # قال أبو داود في السنن (4): باب في نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث. ~~حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن ~~أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن PageV01P296 # ما خلق الله في أرحامهن) (1) الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته ~~فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك، فقال: (الطلاق مرتان) (2) الآية. # قلت: هذا مروي عن عائشة وغير واحد من السلف (3). ثم ذكر أبو داود (4) ~~حديث طاوس، فقال: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الرزاق، أبنا ابن جريج، ~~أخبرني ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت ~~الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ~~وثلاث من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم. # وكأنه - والله أعلم - ذكره أبو داود هنا لقول من قال: إن هذا الحديث ~~منسوخ، وإنه كان هذا حكمه لما كان الطلاق بغير طلاق. # وهذا من جملة ما حمل عليه هذا الحديث، وفي كلام الشافعي إشارة إلى هذا. ~~لكن من المعلوم أن ذلك المنسوخ لم يكن محصورا بثلاث، بل كان إذا طلقها أكثر ~~من ثلاث راجعها بغير اختيارها، وكان إذا طلقها ثلاثا مفترقات، كل واحدة بعد ~~رجعة أو عقد جديد، له أن يراجعها. وهذا هو المنسوخ بلا ريب، وأما كون ~~الثلاث تجعل واحدة فهذا حكم غير الحكم المنسوخ، إذ المنسوخ لم تجعل الثلاث ~~فيه واحدة، ولا كان الطلاق مقصورا على ثلاث، بل ms0144 الثلاث والخمس والعشر ~~والواحدة كانت فيه سواء. # ثم إن ذلك المنسوخ لم يعمل به لعد نسخه على عهد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - PageV01P297 # ولا أبي بكر ولا خلافة عمر، بل قد نزل القرآن بأنها بعد الثالثة تحرم ~~عليه حتى تنكح زوجا غيره، وتواترت بذلك السنة، وشاع ذلك في المسلمين. ولم ~~يكن هذا من جنس تحريم نكاح المتعة الذي خفي على بعضهم، فإن هذا لم ينزل ~~نسخه صريحا في القرآن، ولا ظهر أمره كظهور الطلاق الثلاث، فإن طلاق الرجل ~~المرأة الطلقة الثالثة بعد ثنتين مما تكرر وقوعه على عهد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وخليفتيه، مثل فاطمة بنت قيس لما أرسل إليها زوجها أبو حفص بن ~~المغيرة بآخر ثلاث تطليقات، وكان قد ذهب مع علي إلى اليمن (1)، وكان هذا في ~~آخر الأمر قريبا من حجة الوداع. وكذلك امرأة رفاعة القرظي تميمة بنت وهب، ~~لما طلقها رفاعة، فأبت طلاقها بالثلاث، ونكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير، ~~وجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تسأله العود إلى رفاعة، فقال: "لا، ~~حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (2). # وكلا القصتين مشهورة ثابتة في الصحيح والمساند والسنن من غير وجه، وهذا ~~بخلاف سر المتعة. فلو كان أحد يمسك امرأته بعد الطلقة الثالثة لكان ذلك مما ~~يظهر للمسلمين. وأما المتعة فلما حرمت تركها من علم التحريم، ومن لم يعلمه ~~فعلها قليل منهم وهي تفعل سرا. ولم ينقل أحد أن أحدا بعد النسخ أمسك امرأته ~~بعد ثلاث تطليقات، كل طلقة بعد رجعة أو عقد، ولا أنه طلق بغير عدد، مع PageV01P298 # أن الآثار التي فيها أن الطلاق كان بغير عدد آثار قليلة خفية لا يعلمها ~~جمهور الناس، ولم يرو أهل الصحيح منها شيئا، وإنما رواها طائفة من أهل ~~السنن والتفسير والفقه. # وأما الآثار بتحليل المتعة في أول الإسلام فهي مشهورة صحيحة معروفة عند ~~المسلمين، فكانت شبهة من اعتقد بقاء حل المتعة من هذه الجهة، ولهذا ذهب إلى ~~ذلك طائفة من السلف من أصحاب ابن عباس وغيرهم، إذ كان ابن عباس ms0145 أفتى بها. ~~وقد قيل: إنه رجع عنها، وقيل: إنه إنما أفتى بها عند الضرورة، حتى روى له ~~علي بن أبي طالب نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها، كما أخرج ذلك أهل ~~الصحيح وغيره (1). # وأما جواز التطليق بغير عدد فلم يذهب إليه مسلم، بل هو مما يعلم فساده ~~بالضرورة من دين الإسلام، فكيف يقال: إن هذا كان بعد النسخ موجودا على عهد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر؟. # وأيضا ففي الحديث أن عمر رضي الله عنه قال: إن الناس قد استعجلوا في أمر ~~كانت لهم فيه أناة، فلو أنا أنفذناه عليهم، فأنفذه عليهم. فدل ذلك على أنه ~~أنفذ عليهم ما كانت لهم فيه أناة، فلو كان ما فعلوه هو المنسوخ المحرم لم ~~تكن لهم أناة في شيء قد ظهر تحريمه بالكتاب والسنة المتواترة والإجماع، ولم ~~يكن إنفاذه عليهم مما يتعلق باجتهاد الأئمة. # ثم ذكر أبو داود في سننه حديثا ثابتا مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في أن جمع الثلاث بكلمة يكون واحدة، كما في حديث أبي الصهباء. PageV01P299 # وذكر ما يعارضه، فقال (1): حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الرزاق، أبنا ابن ~~جريج، قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن ~~عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - ~~أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ~~ما يغني عني إلا كما تغني عني هذه الشعرة - لشعرة أخذتها من رأسها -، ففرق ~~بيني وبينه، فأخذت النبي - صلى الله عليه وسلم - حمية، فدعا بركانة وإخوته، ~~ثم قال لجلسائه: "أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلان منه ~~كذا وكذا؟ ". قالوا: نعم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد يزيد: ~~"طلقها"، ففعل. [ثم] قال: "راجع امرأتك أم ركانة وإخوته"، فقال: إني طلقتها ~~ثلاثا يا رسول الله، قال: "قد علمت، راجعها". وتلا (يا أيها النبي إذا ~~طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) (2). # قال أبو داود: وحديث ms0146 نافع بن عجير وعبد الله بن علي بن يزيد ابن ركانة عن ~~أبيه عن جده: أن ركانة طلق امرأته، فردها إليه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- - أصح، لأنهم ولد الرجل، وأهله أعلم به (3)، إن ركانة إنما طلق امرأته ~~البتة، فجعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - واحدة. # ثم روى هذا الحديث أبو داود (4) من طريق الشافعي: حدثني عمي محمد بن علي ~~بن شافع، عن عبد الله (5) بن علي بن السائب، PageV01P300 # عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة أن ركانة طلق امرأته. وفي لفظ: عن ~~ركانة بن عبد يزيد أنه طلق امرأته سهيمة البته، فأخبر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بذلك، وقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "والله ما أردت إلا واحدة؟ " فقال ركانة: والله ما أردت ~~إلا واحدة، فردها إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فطلقها الثانية ~~في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان. # ورواه أبو داود (1) أيضا وابن ماجه (2) وأبو حاتم بن حبان في صحيحه (3) ~~من حديث جرير بن حازم عن الزبير بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ~~ركانة عن أبيه عن جده أنه طلق امرأته البته، فأتى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: "ما أردت"؟ قال: واحدة، قال: "آلله"؟ قال: آلله! # قال: "هو على ما أردت". # ورواه الترمذي (4): فقلت: يا رسول الله! إني طلقت امرأتي البته، فقال: ما ~~أردت بها؟ قلت: واحدة، قال: والله؟ قلت: والله! # قال: فهو ما أردت. وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه. # وقال ابن ماجه (5): سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث! ~~قال ابن ماجه: أبو عبيد تركه ناحية، وأحمد جبن عنه. PageV01P301 # قال أبو داود (1): وهذا أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، ~~لأنهم أهل بيته، وهم أعلم به. وحديث ابن جريج رواه عن بعض بني أبي رافع عن ~~عكرمة عن ابن عباس. # قلت: فجعل أبو داود - رضي الله عنه - القصتين واحدة، وهو كما قال: ms0147 ويرد ~~عليه أنه في حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، وليس هذا في حديث ~~ابن جريج الذي رواه هو، وإنما فيه أن عبد يزيد - أبا ركانة وإخوته - طلق أم ~~ركانة، ونكح امرأة من مزينة، وأنها اشتكت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وذكرت أنه عنين، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين كذبها بأن أولادها ~~يشبهونه، فدل على أنهم منه، وأنه ليس بعنين. ثم إنه أمر عبد يزيد أبا ركانة ~~أن يطلق هذه المزنية المشتكية، وإنه أمره أن يراجع أم ركانة التي طلقها ثلاثا. # هذا هو الذي في حديث ابن جريج، ليس في حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ~~ثلاثا. لكن قد يقال: إن القصة واحدة، وإن هذا الراوي غلط في بعض ألفاظ ~~القصة في المطلق والمطلقة، كما يقول من يقول: إنه غلط في عدد الطلاق. وقد ~~يقال: من قال هذا لم يكن له أن يقول في حديث ابن جريج أن ركانة طلق ثلاثا، ~~بل هذا يبين أن قائل ذلك لم يتأمل الحديث حق التأمل، فإذا تأملهما علأن ~~المنقول في هذا الحديث قصة غير المنقول في الآخر، فلا المطلق المطلق، ولا ~~المطلقة المطلقة، فإن المطلقة في هذا سهيمة امرأة ركانة، وهناك أمه؛ ولا ~~لفظ التطليق لفظ التطليق. وفي هذا من تزويج عبد يزيد لامرأة مزنية، ودعواها ~~عنته، وتكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم - بشبه أولاده له، مالا PageV01P302 # يمكن أن يكون في حديث ركانة، فإن ركانة لم يكن له أولاد أدركوا النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يعدون من الصحابة، وإنما المعدود من الصحابة هو ~~وإخوته وأبوه، كما في حديث ابن جريج. # لكن يجاب عن هذا بأن عبد يزيد أبا ركانة لم يذكره في الصحابة الزبير بن ~~بكار ولا ابن عبد البر ولا غيرهما من المصنفين في الصحابة فيما علمنا (1)، ~~بل قال الزبير بن بكار في كتاب "نسب قريش وأخبارها" (2): وولد هاشم بن ~~المطلب بن عبد مناف: عبد يزيد، وأمه الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف. فولد عبد ~~يزيد ms0148 بن هاشم: ركانة وعجير وعبيد وعمير بني عبد يزيد، وأمهم العجلة بنت ~~العجلان ونسبها إلى كنانة. # قال: وركانة بن عبد يزيد الذي صارع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ~~الإسلام، وكان أشد الناس، فقال: يا محمد! إن صرعتني آمنت بك، فصرعه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أشهد أنك ساحر. ثم أسلم بعد، وأطعمه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسين وسقا بخيبر. ونزل ركانة المدينة، ~~ومات بها في أول خلافة معاوية (3). # قال: وعجير بن عبد يزيد أطعمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثين ~~وسقا (4). PageV01P303 # قال: وولد عبيد بن عبد يزيد: السائب، أسر يوم بدر، وكان يشبه بالنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - (1). # فقد بين أن ركانة وابنه كانا من الصحابة، بخلاف أبيه عبد يزيد. # وأيضا فلا يجوز أن يكون في الصحابة من يسمى بهذا الاسم، فتبين أن المطلق ~~ركانة لا أبوه. # وإذا قال القائل: ما في حديث ابن جريج من قصة عبد يزيد أبي ركانة لا ~~يعارضه حديث ركانة بوجه من الوجوه، [و] لم يجز دفع أحدهما بالآخر، بل يبقى ~~النظر في رواة هذا الحديث، وهم ثقات معروفون إلا بعض بني أبي رافع، فإنه ~~يحتاج إلى معرفتهم، فإنهم ليسوا من ولده لصلبه، إذ ولده لصلبه عبد الله ~~وعبيد الله كاتب علي رضي الله عنه، وهذان قديمان لا يرويان عن عكرمة، ولا ~~يروي عنهما ابن جريج. # قيل: هذا الحديث قد روي بإسناد آخر معروف الرجال، وهو يبين أن القصة ~~واحدة، رواه أحمد والبيهقي وغيرهما (2) من حديث إبراهيم بن سعد عن ابن ~~إسحاق، فجعل المطلق ركانة. ورواه القاضي الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم من ~~حديث يونس بن بكير، فقال في "كتاب الطلاق": ثنا محمد بن الحسين، ثنا ابن ~~(3)، ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن ~~عباس أن أبا ركانة طلق امرأته ثلاثا، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV01P304 # فقال: يا رسول الله! طلقت امرأتي ثلاثا بكلمة واحدة، وإني قد وجدت ms0149 عليها ~~وجدا شديدا، فقال: "أتريد أن ترتجعها"؟ قال: قلت نعم يا رسول الله، قال: ~~"فإنما هي واحدة". # وقد رواه البيهقي فقال في "السنن الكبير" (1): وقد روى محمد ابن إسحاق عن ~~داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق ركانة امرأته ثلاثا في مجلس ~~واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف ~~طلقها، قال: طلقتها ثلاثا، فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، قال: إنما تلك ~~واحدة، فارجعها إن شئت، فراجعها. وكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل ~~طهر، فتلك السنة التي كان عليها الناس، والتي أمر الله بها (فطلقوهن ~~لعدتهن) (2). # قال البيهقي: أخبرناه أبو بكر بن الحارث، ثنا أبو محمد بن حيان، ثنا سلم ~~(3) بن عصام، ثنا عبيد الله (4) بن سعد، ثنا عمي، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، ~~حدثني داود بن الحصين، فذكره. # قال البيهقي: وهذا الإسناد لا تقوم به حجة مع ثمانية رووا عن ابن عباس ~~فتياه بخلاف ذلك، ومع رواية أولاد ركانة أن طلاق ركانة كانت واحدة. # قلت: أما المعارضة بفتيا ابن عباس ففيها كلام مذكور في موضع آخر (5). ~~وأما حديث أولاد ركانة فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله، PageV01P305 ### || CHECK - حديث ابن عباس في الطلاق الثلاث، الذي رواه مسلم # لكن البيهقي ذكر في حديث أن المطلق ركانة، وهو الصواب. وقد رواه أحمد في ~~المسند (1) من هذا الوجه فقال: ثنا سعد بن إبراهيم، ثنا أبي عن محمد بن ~~إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: طلق ~~ركانة بن عبد يزيد أخو المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا ~~شديدا، قال: فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف طلقتها؟ قال: ~~طلقتها ثلاثا، قال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، فقال: إنما تلك واحدة، فارجعها ~~إن شئت، قال: فرجعها. فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر. # وهذا الحديث خرجه أبو عبد الله المقدسي في صحيحه (2) الذي هو خير من صحيح ~~الحاكم. فقد اتفق ms0150 يونس بن بكير وإبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق على هذا ~~الحديث، لكن قال أحدهما: إن المطلق ثلاثا أبو ركانة، كما في حديث ابن جريج، ~~وقال الآخر: إنه ركانة. فإن كان المطلق أبا ركانة فلا منافاة بينه وبين ~~حديث ركانة في البتة، وإن كان المطلق ركانة فهذه الرواية من هذين الوجهين ~~تعارض من روى أنه قال: لم أطلق إلا واحدة. ورواة هذا الحديث مشهورون بحمل ~~العلم، بخلاف ذاك، لكن ذاك من رواية أهل بيته. # ويعضد رواية من روى أن الطلاق كان ثلاثا حديث ابن عباس الذي في صحيح مسلم ~~(3) أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي ~~بكر. فهذا يوافق رواية ابن عباس، ورواية ابن عباس من وجهين عن عكرمة يصدق ~~أحدهما صاحبه، فإن عكرمة عن PageV01P306 ### || CHECK - بيان أن هذا الحديث عمل به رواته # ابن عباس أثبت من عبد الله بن علي بن [يزيد بن] (1) ركانة عن أبيه عن ~~جده. وقد قال أحمد: حديث ركانة ليس بشيء (2). وابن إسحاق يدخله أبو حاتم ~~وابن خزيمة وابن حزم في الصحيح. # والبيهقي اعتقد أن القضية واحدة، كما اعتقدها أبو داود، ولكن ما رووه ~~يخالف ذلك، فإما أن يكون الغلط فيما رووه، أو الغلط منهم في فهم ما رووه، ~~ولا ريب أنهم صادقون فيما رووه رضي الله عنهم. # وهذا الحديث عمل به رواته، فكان ابن إسحاق يعمل به، ويقول: إن الثلاث ~~بكلمة واحدة واحدة (3). وكذلك عكرمة راويه عن ابن عباس. وروي ذلك عن ابن ~~عباس أيضا، كما قال أبو داود في سننه (4): وروى حماد بن زيد عن أيوب عن ~~عكرمة عن ابن عباس إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة. قال: وروى ~~إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا قوله، لم يذكر ابن عباس، وجعله ~~قول عكرمة. # وذكر أبو داود (5) عن ابن عباس من ستة أوجه أنه أوقع الثلاث بمن أوقعها ~~بكلمة واحدة، من رواية مجاهد وسعيد بن جبير ومالك ابن الحويرث وعطاء وعمرو ~~بن دينار ms0151 ومحمد بن إياس بن البكير. PageV01P307 # وكان عطاء ونحوه يدخلون على ابن عباس مع العامة، وكان طاوس يدخل عليه مع ~~الخاصة، وكذلك عكرمة مولاه كان من خاصته. فلهذا حمل من حمل قول ابن عباس ~~على مثل فعل عمر، من أن هذا من العقوبات التي يجتهد فيها الأئمة، ليس شرعا ~~لازما، وهو عقوبة لمن لم يتق الله. ولهذا كان ابن عباس يقول لمن يفتيه: لو ~~اتقيت الله لجعل لك فرجا ومخرجا (1). # وأبو داود (2) روى حديث حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحد عن طاوس أن رجلا ~~يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان ~~إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة، على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، قال ابن عباس: بلى! كان ~~الرجل إذا طفق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول ~~الله وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى - يعني عمر - الناس قد تتايعوا ~~فيها قال: أجيزهن عليهم. # ثم روى (3) من حديث ابن علية عن أيوب عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال: ~~كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، قال: فسكت حتى ~~ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن ~~عباس يا ابن عباس! وإن الله تعالى قال: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2)) ~~(4)، وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، وإن ~~الله قال: PageV01P308 ### || CHECK - من أجاز الثلاث من الصحابة # (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن) (1) في قبل عدتهن. # قلت: لا يقال مثل هذا الكلام إلا لمن علم أن جمع الثلاث محرم، ثم فعله ~~عامدا لفعل المحرم، فإن هذا لم يتق الله بل تعدى حدوده. أما من لم يعلم أن ~~ذلك محرم، ولا قامت [عليه] حجة بتحريم ذلك، ولو علم أنه محرم لم يفعله، فن ~~هذا لا يخرج ms0152 عن التقوى بذلك، ولا يقال له: إنك لم تتق الله فلا أجد لك ~~مخرجا، ولا يقال له: عصيت ربك. # ففي فتيا ابن عباس هذه ونحوها إيقاع الثلاث بمثل هذا لما تتايع الناس ~~فيما نهوا عنه، فأجازه عليهم عمر ومن روي أنه وافقه، كعثمان (2) وعلي (3) ~~وابن مسعود (4) وزيد بن ثابت (5) وابن عباس (6) وابن عمر (7) وأبي هريرة ~~(8) وعبد الله بن عمرو (9) وغيرهم الذين أجازوا الثلاث على PageV01P309 # الناس المتتايعين فيما نهوا عنه من ذلك، كما وافقوا عمر على أن حد في ~~الخمر بثمانين لما كثر شرب الناس لها واستقلوا العقوبة بأربعين (1). # وكان عمر رضي الله عنه أحيانا ينفي في الخمر ويحلق الرأس فيغلظ عقوبتها ~~بحسب الحاجة، إذ لم يكن من النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها حد مقدر موقت ~~القدر والصفة لا يزاد عليه ولا ينقص منه، كما في حد القذف، بل كان قدر ~~العقوبة فيها وصفتها موكولة إلى اجتهاد الأئمة بحسب الحاجة، فمن أدناها ~~أربعون بالجريد والنعال وأطراف الثياب، وهذا من أخف العقوبات قدرا وصفة، ثم ~~أربعون بالسياط، وهذا أعلى في الصفة دون القدر، ثم ثمانون بالسياط، وهذا ~~أعلى منهما. وهل يعاقب فيها بالقتل بعد الثالثة أو الرابعة إذا لم ينتهوا ~~إلا بذلك؟ فيه أحاديث ونزاع ليس هذا موضعه (2). # فحديث عبد يزيد أو ركانة مروي من هذين الوجهين، وأقل أحواله حينئذ أن ~~يكون حسنا، فإن الحسن عند الترمذي هو ما روي من وجهين ولم يعلم في رواته ~~متهم بالكذب، ولم يعارضه ما يدل على غلطه، وهو من أحسن ما يحتج به الفقهاء. ~~وقد يقال: هو صحيح، وابن. حبان وإن كان قد صحح حديث البتة فإنه يصحح حديث ~~ابن إسحاق هو وغيره كابن خزيمة وابن حزم وغيرهما، PageV01P310 ### || CHECK - حديث آخر في الثلاث مجتمعة (حديث محمود بن لبيد) # وابن حزم وغيره يضعفون حديث البتة كما ضعفه أحمد رحمه الله. # وابن إسحاق إمام حافظ، لكن يخاف أن يدلس ويخلط الأحاديث بعضها ببعض، فإذا ~~قال "حدثني" زالت الشبهة. وقد ذكر أن داود بن الحصين حدثه وعمل ms0153 بما حدثه به. # ولا يستريب أهل العلم بالحديث أن هذا الإسناد أرجح من إسناد البتة، هذا ~~لو انفرد، وأما مع موافقته لحديث أبي الصهباء الذي في صحيح مسلم فإن ذلك ~~مما يؤكد الاحتجاج بذلك الحديث، ويرد على من علله بما لا يقدح في صحته، ~~كقول من قال: إن ابن عباس روي عنه بخلافه، فصار حديث عكرمة يروى عن ابن ~~عباس من وجهين، وجهالة الراوي في أحدهما كجهالة أولاد ركانة، فإنهم لا ~~يعرفون بعلم ولا حفظ. والإسناد الآخر رجاله من مشاهير أهل العلم والفقه ~~والصدق. وحديث طاوس عن ابن عباس الذي لا ريب في صحته موافق، فصارت الأحاديث ~~بأن الثلاث كانت واحدة يصدق بعضها بعضا، ولم يرو أحد من أهل العلم حديثا ~~ثابتا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألزم بثلاث مفرقة. # وقد جاء حديث ثالث في. الثلاث مجتمعة، رواه النسائي (1) فقال: أخبرنا ~~سليمان بن داود، أبنا ابن وهب، أخبرني مخرمة عن أبيه قال: سمعت محمود بن ~~لبيد قال: أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث ~~تطليقات جميعا، فقام غضبان، ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم"؟! ~~حتى قام رجل فقال: يا رسول الله! # أفلا أقتله؟. PageV01P311 ### || CHECK - حديث فاطمة بنت قيس ### || CHECK - الكلام على الأحاديث التي احتج بها المجيزون للثلاث # ففي هذا الحديث أنه غضب على من طلق ثلاثا بكلمة واحدة، وجعل هذا لعبا ~~بكتاب الله، وأنكر أن يفعل هذا وهو بينهم، حتى استأذنه رجل في قتله، ومع ~~هذا فلم يذكر أنه فرق بينه وبين امرأته، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا ~~يجوز، ولا يقال: كان هذا معلوما بينهم. فإن هذا يشتبه، وقد ثبت أنهم كانوا ~~يجعلون الثلاث واحدة، ونفس التحريم يشتبه على العلماء فضلا عن العامة، حتى ~~أن كثيرا منهم يقولون: ليس هو بحرام. # فإن قيل: المطلق كان يعتقد وقوع الطلاق بالثلاث. # قيل: كما كان يعتقد إباحته. ولم ينقل أحد بإسناد ثابت أن أحدا طلق امرأته ~~ثلاثا بكلمة واحدة، وهي ممن يباح له إمساكها، ms0154 فأوقع به النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. وقد روى طائفة من المصنفين في الحديث والفقه والخلاف أحاديث ~~ضعيفة بل موضوعة عند أهل العلم بالحديث، فلا حاجة إلى ذكرها، ولكن الذي يظن ~~أن فيه حجة ثلاثة أحاديث: # حديث فاطمة بنت قيس، ففي رواية غير واحد أنها قالت: طلقني ثلاثا (1)، وفي ~~لفظ بعضهم: طلقني البتة (2). ولكن هذا مجمل فسره ما ثبت في الصحيح (3) من ~~رواية الزهري عن أبي سلمة وعبيد الله عنها أن زوجها أبا حفص بن المغيرة خرج ~~مع علي إلى اليمن، وأرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها. PageV01P312 ### || CHECK - حديث امرأة رفاعة ### || CHECK - حديث العجلاني # والثاني: حديث العجلاني (1)، قال أبو بكر بن أبي عاصم لما ذكر اختلافهم ~~في طلاق العجلاني: قال مالك بن أنس في حديثه: فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال إبراهيم بن سعد: ففارقها، وقال ابن ~~إسحاق: هي طلاق البتة، وقال ابن أبي ذئب: ففارقها، وقال الأوزاعي: ففارقها، ~~وقال عقيل: ثم فارقها. ولم ينقل عنه لفظ طلاق، بل قال: كذبت عليها إن ~~أمسكتها، ولكن الراوي عبر عن مفارقته إياها بهذه الألفاظ التي تدل على أنه ~~فارقها فراقا باتا قبل أن يؤمر بذلك، فإن كان الراوي عبر عن مفارقته بقوله ~~"طلقها ثلاثا" - لأن مقصوده أنه حرمها عليه - فليس فيه حجة؛ وإن كان هو ~~تكلم بلفظ الطلاق بقوله "طلقها ثلاثا" قد يراد به مفرقة، كقوله: هي طالق، ~~هي طالق، هي طالق، كما في حديث فاطمة وغيرها أن زوجها طلقها ثلاثا، وكان ~~المراد ثلاثا مفرقات، فلا حجة فيه أيضا؛ وإن قال: "هي طالق ثلاثا" فلا حجة ~~فيه أيضا، كما سنذكره. # والثالث: حديث امرأة رفاعة (2)، وهو أيضا لفظ مجمل، فقد يكون الطلاق ~~الثلاث وقع مفرقا، كما وقع في حديث فاطمة بنت قيس. # بل (3) وأما حديث البتة (4) إن صح ففيه أنه أتى إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV01P313 # وقال: ما أردت إلا واحدة، وأنه استحلفه ما أردت إلا واحدة. # ومنطوق هذا لا حجة فيه، لأنه إذا لم ms0155 يرد إلا واحدة لم يقع به إلا واحدة. ~~وفيه حجة على مسألة النزاع المشهورة بين الفقهاء. وأما مفهومه فمجمل، لو ~~قال: أردت ثلاثا حتى كان يغضب عليه ويؤدبه لفعله المحرم الذي نهى عنه، كما ~~غضب على غيره، ويؤخر إذنه له في الرجعة تأديبا له، أو كان يوقعها به. وليس ~~في الحديث بيان لأحدهما، والطريق الآخر الذي هو أصح فإنه أوقع ثلاثا، ولا ~~يجوز أن يثبت تحريم عام يلزم الأمة بمسكوت مجمل أو بحديث مضعف، قد عارضه ما ~~هو أصح منه لا بيان فيه للوقوع، وإنما فيه الفرق بين أن يريد الواحدة أو ~~أكثر، والفرق ثابت بدون إيقاع الثلاث. # وقد روى مسلم في صحيحه (1) عن عائشة قالت: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن ~~يدخل بها، فأراد زوجها الأول أن يتزوجها، فسئل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن ذلك، فقال: "لا، حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول". وهذه ~~هي قصة تميمة التي تزوجها رفاعة، وكان يدعي أنه وطئها. # وتطليقها ثلاثا قد يكون مفرقة، وقد يكون طلقها ثلاثا بكلمة واحدة، ولكن ~~بانت بواحدة إذا لم يكن دخل بها. فليس فيه دلالة على أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - جعل ذلك ثلاثا. # ... PageV01P314 ### | CHECK (22) فصل في الطلاق الثلاث # فصل في الطلاق الثلاث PageV01P315 ### || CHECK - الكلام على الآية التي احتج بها بعضهم على ذلك ### || CHECK - لا يوجد دليل شرعي يوجب إيقاع الثلاث بكلمة واحدة # أمكنني (1)، وبقيت على ذلك مدة ... فلم أجد دليلا شرعيا يوجب إيقاع ~~الثلاث بكلمة واحدة، لا من الكتاب ولا من السنة ولا من الإجماع ولا من ~~القياس. # أما القرآن ... إلا على طلاق يستلزم الرجعة إذا كان بعد الدخول ... ~~الثالثة، كما قال أحمد بن حنبل في آخر الروايتين: تدبرت القرآن فلم أجد فيه ~~إلا طلاقا رجعيا، ولا يدل قط إلا على طلقة واحدة ..... # وقد ادعى طائفة من العلماء أنه يدل على وقوع الثلاث، واحتجوا بأنه أمر ~~بالطلقة الواحدة، كما في قوله: (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا ~~العدة واتقوا الله ربكم) إلى ms0156 قوله (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) ~~(2). قالوا: فأمره الله بالطلاق ..... وليكون له سبيل إلى الرجعة بقوله (لا ~~تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1))، فلو كان لا يقع بالثلاث إلا واحدة ~~أو ..... بحال لم يحتج إلى ذلك، بل كان سواء طلق واحدة أو ثلاثا، فإن له أن ~~يراجعهما. # وهذا الدليل ذكره طائفة من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ~~ولا حجة فيه، لأن التعليل قد يكون للشرع الذي يتناول الأمر والنهي والصحة ~~والفساد، وقد يكون لمجرد الأمر والنهي، أو لنفس المأمور به والمنهي عنه ~~فقط، فعلى قولهم يكون تعليلا PageV01P317 # للمأمور به، أي طلقوا بواحدة ليكون لكم سبيل إلى الرجعة، ولا تطلقوا ~~بثلاث فلا يكون لكم سبيل إلى الرجعة. وهذا إنما يصح أن لو كانت الثلاث تقع ~~بكلمة واحدة، فإن كانت الثلاث تقع هكذا صح أنه تعليل للمأمور به، لكن لا ~~يثبت أنه تعليل للمأمور به حتى يثبت أنه تقع الثلاث المجموعة؛ فإذا استدلوا ~~به عليه لم يلزم أنه تقع الثلاث المجموعة حتى يثبت أنه هذا تعليل للمأمور ~~به، وهذا دور يمنع صحة الدلالة. # وذلك أنه يجوز أن يكون هذا تعليلا لنفس الأمر والشرع، والمعنى أن الله ~~شرع لكم أن توقعوا واحدة وأمركم بذلك، ولم يشرع لكم أن توقعوا الثلاث ~~مجموعة، فإنه لو شرع لكم ذلك أفضى (1) إلى الندم. # ومعلوم أنه إذا لم يشرع إيقاع الثلاث بكلمة واحدة، بل نهى عن ذلك، ولم ~~يجعل الثلاث ..... في هذا أبلغ في عدم الندم، فإنه لو نهى عنه وأوقعوه إذا ~~تكلموا به فقد يكون فيهم من يعصي النهي، وقد يكون فيهم من لا يبلغه، فيقع ~~في الندم، فإذا لم يجعله مشروعا بحال كان هذا أبلغ في انتفاء المفسدة. # وأيضا فإن القرآن إنما يعلل شرع الله الذي شرعه لعباده، والشرع المذكور ~~إذا كان تحريما للزيادة وإبطالا لها كان ذلك أبلغ في تحصيل مقصود الشارع في ~~الحكم وفي حكمته، بخلاف ما إذا كان تعليلا لمجرد النهي. وهذا كما أنه لو ~~نهى أن ms0157 تنكح المرأة على عمتها وعلى خالتها، وقال: "إنكم إذا فعلتم ذلك ~~قطعتم أرحامكم" (2)، كان هذا PageV01P318 ### || CHECK - علة النهي عن الظهار ### || CHECK - تحقيق القول في أن النهي يوجب الفساد # تعليلا للنهي والفساد المنهي عنه بحيث لا يحل له الجمع، ولو جمع لكان ~~العقد فاسدا، لأنه لو وقع المنهي عنه لزم الفساد، بل الفساد ينشأ من صحة ~~المنهي عنه أكثر من فعله، فإنه إذا جمع ولم يصح العقد كان الفساد أقل منه ~~إذا انعقد المنهي عنه وصححه الشارع، فكذلك هاهنا الفساد إذا صح المنهي عنه ~~أكثر منه إذا فعله ولم يصح. # وهذا يقرر أن النهي يوجب فساد المنهي عنه، فإن الشارع إنما نهى عن الشيء ~~لرجحان المفسدة فيه على المصلحة، فإذا جعله صحيحا بحيث يترتب عليه حكمه ~~ويحصل به مقصوده لزم وقوع المفسدة، فأما إذا أبطله فلم يترتب عليه مقصود ~~المنهي الذي ارتكبه انتفت المفسدة بالكلية. # ولهذا إنما يحكم بالفساد فيما إذا أمكن أن لا يحصل به مقصوده، فأما ~~الأفعال التي حصل المنهي عنها مقصوده بها فلا يقال إنها باطلة أو غير ~~منعقدة، كالمنهي عن الزنا والسرقة وشرب الخمر، فإنه إذا فعل ذلك فقد فعل ~~مقصوده من المنهي عنه، فلا يمكن إبطاله. وأما المنهي عن الصلاة بلا طهارة ~~والطواف عريانا فمقصوده براءة ذمته وحصول الأجر، فيمكن إبطال ذلك بأن لا ~~تبرأ ذمته ولا يحصل الأجر؛ وكذلك المنهي عن البيع المحرم والنكاح المحرم ~~مقصوده حصول الملك وحل الانتفاع، فيمكن أن لا يحصل مقصوده من الملك وحل ~~الانتفاع، فيكون البيع باطلا، كما اتفق عليه المسلمون من بطلان نكاح ذوات ~~المحارم وبطلان بيع الدم والميتة ولحم الخنزير ونحو ذلك. # وأما الظهار فنهي عنه لأنه منكر من القول وزور، لا لمجرد كونه مزيلا ~~للملك أو موقعا للتحريم الذي تزيله الكفارة، فإن الزوج له أن PageV01P319 # يزيل الملك بالطلاق، والتحريم الذي تزيله الكفارة لا ينافي الشرع، فإن ~~المرأة قد تحرم على زوجها إلى غاية، كتحريم المحرمة والصائمة والمعتكفة، ~~وتحريم الحلال يوجب كفارة على ظاهر القرآن، وهو أحد قولي ms0158 العلماء. وإنما ~~نهي عن الظهار لاشتماله في نفسه على القول المنكر والزور، وهذا المعنى لا ~~يمكن إبطاله بعد وقوعه، كما أن من نهي عن الكذب وشهادة الزور فكذب وشهد ~~بالزور لا يمكن أن يقال: ما كذب ولا شهد بالزور، وكذلك من نهي عن الكفر ~~والقذف فكفر وقذف لا يمكن أن يقال: إنه ما وقع منه كفر ولا سب، فكذلك ~~الظهار، لكن كانوا في الجاهلية وأول الإسلام يجعلونه طلاقا مزيلا للملك، ~~فرفع الله ذلك، ولم يجعله مزيلا للملك، بل للرجل أن يمسك المرأة إن شاء ~~ويطأها إذا كفر. # ثم قال الشافعي: موجبه إما إزالة الملك بالطلاق، وإما التكفير. # وقال الجمهور مالك وأبو حنيفة وأحمد: بل موجبه الامتناع من الوطء أو ~~التكفير، فجعلوه يشبه اليمين التي يكون موجبها إما الامتناع من فعل المحلوف ~~عليه وإما التكفير، لكن الكفارة في الظهار تجب قبل العود، لأن الظهار محرم، ~~لاشتماله على منكر من القول والزور، فلم يكن له أن يطأها حتى يأتي بالتحلة ~~التي فرضها الله له، وكان ما رفعه الله من إيقاع الطلاق بالظهار كما كانوا ~~عليه في أول الأمر دليلا على أنه ليس كل لفظ قصد به الطلاق يقع به الطلاق، ~~فإن هذا اللفظ كانوا يقصدون به الطلاق، ثم لم يوقع الله به الطلاق، بل نسخ ~~ما كانوا عليه. ولابد لهذا من سبب يوجب الفرق بينه وبين لفظ الطلاق. فلما ~~كان من أوقع الطلاق بلفظه يقع ومن أوقع بلفظ الظهار لا يقع-: لم يكن بد من ~~الفرق بينهما في نفس الأمر. PageV01P320 ### || CHECK - هذه العلة موجودة في الطلاق الثلاث جملة # ولا يسوغ أن يعلل الشرع بما يقوله من يقول من الفقهاء: لفظ الظهار صريح ~~في حكمه، وقد وجد نفاذا فيه، فلا يكون كناية في غيره. # فإنه يقال له: السؤال هو عن علة هذا الحكم: لم جعل هذا القول صريحا في ~~غير الطلاق بحيث لا يقع به الطلاق وإن نواه، فإن هذا يقتضي أن الأقوال عند ~~الشارع نوعان: نوع إذا نوى به الطلاق وقع؛ ونوع ms0159 إذا نوى به الطلاق لم يقع، ~~فلابد لأحد القولين من أن يختص بمعنى يوجب اختصاصه بذلك الحكم، فما هو ~~الفارق عند الشارع بين هذا القول وهذا القول حتى جعل الطلاق يقع بهذا ولم ~~يجعله يقع بهذا، بل عدل به عن الطلاق الذي كانوا يوقعونه، إلى أن أوجب فيه ~~الكفارة. وهذا أمر ثابت في نفس الأمر لابد منه. # فلقائل أن يقول: العلة في ذلك أن هذا القول منكر من القول وزور، فلا يقع ~~الطلاق بمنكر من القول وزور، فيكون هذا حجة لمن قال: إن الطلاق المنهي عنه ~~لا يقع، لأنه أيضا محرم كما أن هذا محرم؛ فإن كون الكلام منكرا من القول ~~وزورا يوجب النهي عنه وتحريمه. ويشاركه في ذلك كل كلام محرم، فإن جميعها ~~أقوال محرمة ينهى الله عنها ورسوله. فإن كان المتكلم بالكلام الحرام إذا ~~نوى به الطلاق وقع، فما الفرق بين هذا الكلام المحرم وغيره؟. # وقد شد بعض متأخري الفقهاء فزعم أن الظهار ليس بمحرم. # لكن هذا خلاف النص والإجماع القديم، فإنه قد حكى الإجماع على تحريم ذلك ~~غير واحد من العلماء، ولم يعلم نزاع قديم يقدم في ذلك كما علم في غيره. ~~والذي نقطع به أنا لا نعلم فيه خلافا قديما. # وقد يقال: بل هذا القول لا يتضمن إزالة الملك، بل هو كذب PageV01P321 # في نفسه، وهو منكر لكونه جعل امرأته بمنزلة أمه. والأقوال التي بها يقع ~~الطلاق لابد أن يتضمن إزالة الملك، ولهذا جعل أحمد التحريم صريحا في ~~الظهار، لأنه أيضا بمنزلته في كونه منكرا وزورا. لكن يرد على هذا أنه إذا ~~قصد التشبيه ونوى أنك إذا وقع بك الطلاق صرت مثل أمي، فإن هذا الوصف لازم ~~لو زال الملك. وليس من شرط التشبيه التساوي من كل وجه، فقوله "أنت مثل أمي" ~~أي طلقتك فصرت مثل أمي، كقوله "أنت خلية وبريه وبائن"، فإن المعنى: طلقتك ~~فصرت كذلك. وقوله "أنت طالق" معناه طلقتك فصرت طالقا، فإذا قال "مثل أمي" ~~أي جعلتك مثل أمي في كونك لا تبقي (1) زوجة. ms0160 # وهذا هو الذي كانوا يقصدونه، وإلا فهم يعلمون أن المرأة لا تصير مثل أمه ~~محرمة على التأبيد، فإذا كان ما قصدوه مما يمكن أن يقصد بهذا اللفظ وأمثاله ~~ولم يعتبره الشارع علم أنه أبطل ذلك لكون القول في نفسه منكرا وزورا، ~~فيشاركه في ذلك ما كان كذلك، فقول القائل "أنت طالق ثلاثا" منكر من القول، ~~لأن الله حرمه، وكل واحد من كون القول منكرا يوجب إبطاله. وقوله تعالى ~~(وزورا (4))، الزور: هو نوع من المنكر، فإن كل زور منكر، فيمكن أن يكون هذا ~~وجه كونه منكرا. # وإن قيل: هو جزء علة. # قيل: كل ما كان منكرا فإن الله ينهى عنه، سواء كان زورا أو لم يكن. # وكذلك إن قيل: هو علة ثانية، وحينئذ فالقول المحرم لا يكون PageV01P322 # سببا لنقل الملك، فلا يزول ملكه ويباح لغيره بقول محرم. فهذا قد يحتج به ~~من يقول: إن الطلاق المحرم لا يصح، كما أن النكاح المحرم لا يصح، وهذا موجب ~~الأصول على قول الجمهور الذين يقولون: النهي يقتضي الفساد، لاسيما والطلاق ~~في الأصل مكروه بل محرم يبغضه الله، وإنما أباح منه قدر الحاجة، فيكون ما ~~أبيح من قدر الحاجة إنما أبيح لمن تكلم به بكلام مباح، وأوقعه على الوجه ~~المأذون فيه، أما من تكلم به بكلام محرم وفعله على الوجه الذي نهي عنه، ~~فالشارع لم يبح له ذلك الطلاق، فيكون باقيا على الحظر، فلا يكون من الطلاق ~~المشروع، كطلاق الأجنبية والطلاق قبل النكاح. # يوضح ذلك أن ما كان محظورا وأبيح للحاجة كان رخصة، والرخص لا تستباح على ~~الوجه المحرم، فيكون من طلق طلاقا لم يؤذن له به - كمن طلق بلفظ الظهار - ~~فلا يقع الطلاق بذلك. # يوضح ذلك أن إيقاع الطلاق ممن أوقعه على الوجه المحرم إما أن يكون عقوبة ~~له، وإما أن يكون رخصة له. والثاني ممتنع، لأن فعل المحرم لا يناسب النعمة ~~بالرخصة. وإن قيل: هو عقوبة، فيقال: فكان ينبغي أن يعاقب المتظاهر بوقوع ~~الطلاق به، فلما لم يعاقبه الشارع بذلك علم أن الشارع ms0161 لم يجعل نفس وقوع ~~الطلاق عقوبة للخلق، بل إنما عاقبهم بالكفارات، لأن الكفارات من جنس ~~العبادات، والله يحب أن يعبد، فإذا فعلوها فعلوا ما يحبه الله ورسوله، كما ~~إذا أقاموا الحدود لله، التي جعلت عقوبات، فإن الله أمر بها وجعلها واجبة، ~~وما تقرب العباد إلى الله بأفضل من أداء ما افترض عليهم. # فالعقوبات التي يشرعها الشارع هي مما يجب وقوعه ويرضاه ويأمر به، وهو لا ~~يحب وقوع الطلاق ولا يأمر به ولا يرضاه لغير حاجة، PageV01P323 # فكيف يشرع وقوعه ويجعله عقوبة؟! # يوضح ذلك أنه تعالى يبغض وقوع الطلاق، فكيف يشرع العقوبة بوجود ما يبغضه؟ ~~وهو إنما يشرع العقوبة لئلا يوجد ما يبغضه، فيمتنع أن يحكم بوجود ما يبغضه ~~لئلا يوجد ما يبغضه، فإن هذا جمع بين النقيضين، لاسيما إذا كان الذي عاقب ~~به هو نفس ما يبغضه. # فهو مثل أن يقال: اسقوه الخمر لئلا يشرب الخمر! وهذا ممتنع. # فإن قيل: فقد حرمها عليه بعد الطلقة الثالثة عقوبة له. # قيل: هناك لما استوفوا الطلاق الذي أباحه لهم للحاجة حرمها عليهم بعد ~~الثالثة، فكانت العقوبة بالتحريم عليه لا بوقوع الطلاق عليه، فلم يعاقبهم ~~بوقوع طلاق قط. والعقوبة بالتحريم إلى غاية مما جاءت به الشريعة، كما حرم ~~الله على المظاهر المرأة حتى يكفر، والعقوبة بالتحريم المؤبد كان من شرع من ~~قبلنا، كما قال تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) ~~(1)، وكما قال: (ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (146)) (2). فإن قيل: ~~فهلا منع وقوع الطلاق الثلاث إذا كان يبغضه؟ وقال: لا يقع الطلاق الثلاث ~~وإن فرقها. # قيل: هذا كان يقتضي المنع من الطلاق بالكلية كدين النصارى، وفي ذلك حرج ~~عظيم، لحاجة الناس إلى الطلاق بعض الأوقات إذا كان يبغضها أو كانت تبغضه. ~~ولهذا أباح الله الافتداء إذا خافا أن لا PageV01P324 ### || CHECK - الكلام على حديث فاطمة بنت قيس ### || CHECK - ليس في السنة ما يدل على ذلك ### || CHECK - ليس في القرآن ما يدل على وقوع الثلاث جملة # يقيما حدود الله، فلم يبح الله الخلع إلا ms0162 عند الحاجة. وكذلك الطلاق، لكن ~~لما أبيح الطلاق للحاجة لم يبح منه إلا الثلاث، فإنها قدر الحاجة، وحرمها ~~عليه بعد الثالثة، لئلا يكون ذلك مانعا من استيفاء العدد الذي أبيح رخصة مع ~~قيام السبب الحاظر. كما أنه لم يرخص في اقتناء الكلاب إلا للحاجة. # فإن قيل: فهلا أبيح له بعد الثالثة أن يتزوجها بعقد جديد قبل أن تنكح ~~زوجا غيره؟. # قيل: كانت النفوس تطمع في عودها بعد الثالثة باختيار الزوجين، فلم يكن ~~هذا وحده زاجرا للنفوس عن استيفاء الثلاث، كما بسطناه في موضع آخر. وعلى ~~هذا فيظهر حكمة الشارع في أحكامه، ويتبين تناسب الأصول الشرعية، وما في ذلك ~~من الرحمة والعدل والحكمة، وإلا فلماذا جعلت هذه الكلمة يقع بها الطلاق ~~وهذه لا يقع مع قصد الإنسان للوقوع في الحالين؟ ولماذا حرمت عليه بعد ~~الثالثة؟ ولماذا جعل في الظهار الكفارة؟ وقولنا "لماذا" تنبيه على حكمة ~~الشارع وعدله ورحمته، وإن الأقوال التي توافق ذلك هي التي توافق شرعه، دون ~~ما يخالف ذلك من الأقوال المتناقضة. # والمقصود في هذا المقام أن القرآن ليس فيه ما يدل على وقوع الثلاث جملة. ~~وأما السنة فليس فيها أيضا شيء من ذلك، بل لا يعرف أن أحدا أوقع الثلاث ~~جملة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنها وقعت به. وما روي في ذلك ~~من الأحاديث فهي ضعيفة بل موضوعة كذب عند أهل العلم بالحديث، بل قد نقل ~~نقيض ذلك. # وحديث فاطمة بنت قيس لما طلقها زوجها ثلاثا إنما كانت الثالثة PageV01P325 ### || CHECK - الكلام على حديث ركانة # آخر ثلاث تطليقات، كما جاء ذلك مفسرا في الصحيح (1). وحديث المتلاعنين ~~طلقها ثلاثا بعد اللعان، واللعان حرمها عليه أشد من تحريم الطلاق، فكان ~~وجود الطلاق كعدمه. # وإذا قيل: فلماذا لم ينهه عن التكلم بالثلاث إن كانت لا توجب طلاقا في ~~هذه الحال؟ # قيل: كما أنه لم ينهه عن أصل التطليق في هذه الحال مع أنه عندهم لا يفيد ~~ولا يقع بها طلاق، وذلك لأن النهي إنما كان لمفسدة الوقوع، فلما لم ms0163 يكن هنا ~~محل يقع به الطلاق لم تكن هنا مفسدة، كما لو طلق أخته التي تزوجها، فإذا ~~تزوج من تحرم عليه على التأبيد وطلقها كان هذا توكيدا للتحريم، فكذلك طلاق ~~الملاعنة توكيد لمقصود الشارع، فإنه بين أن مقصوده تحريمها عليه، والشارع ~~قصد ذلك أيضا. بخلاف من قصد الشارع أن لا يحرمها عليه بالثلاث، بل نهاه عن ~~إيقاع الثلاث جملة بها، ولهذا غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - على من ~~أوقع الثلاث في غير الملاعنة، دون من أوقعه في الملاعنة. # وأما حديث ركانة بن عبد يزيد (2) فقد روي أنه طلقها ثلاثا فردها عليه بعد ~~الثلاث، وروي أنه طلقها البتة وأنه حلفه ما أراد إلا واحدة، فقال: ما أردت ~~إلا واحدة، فردها. وقد روى أهل السنن أبو داود وغيره هذه وهذه، ورجحوا ~~الثانية لأنها من رواية أهل بيته، لكن أحمد وأبو عبيد وابن حزم وغيرهم من ~~العلماء ضعفوا حديث ركانة، وذلك أن رواته قوم لم يعرفوا بحمل العلم، ولا ~~يعرف من عدلهم PageV01P326 ### || CHECK - الأحاديث التي وردت في عدم وقوع الثلاث # وضبطهم ما يوجب أن تثبت بمثل نقلهم سنة للمسلمين توجب حكما عاما للأمة. # وأيضا فالرواية الثانية لا تدل بمنطوقها، بل غاية ما تدل بمفهومها، وهو ~~لو قال "أردت ثلاثا" كان يحتمل أن يؤدبه على ذلك ويعاقبه لكون ذلك محرما، ~~ويحتمل أنه كان يوقعها به، فاستفهامه له يدل على اختلاف الحكم بين إرادة ~~الواحدة وإرادة الثلاث. لكن هل كان الإحلاف لأجل التحريم والمعصية أم لأجل ~~الوقوع؟ هذا ليس في الحديث ما يبينه. # وفي سنن النسائي (1) أن رجلا طلق امرأته ثلاثا على عهد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فغضب عليه وقال: أتتلاعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ فقال ~~الرجل: أفأقتله يا نبي الله؟ # فهذا فيه غضبه عليه حتى استأذنه بعض المسلمين في قتله، وليس فيه أنه أوقع ~~به الثلاث، فدل ذلك على أن هذا كان منكرا عند النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وفاعله مستحق للذم والعقاب، وليس فيه أنه أوقعه به، فقد يكون استفهام ms0164 ~~ركانة لهذا. فهذا الحديث لا يدل على وقوع الثلاث بل على تحريمها، ودلالته ~~على أنها لا تقع أقوى. # ثم قد ثبت في صحيح مسلم (2) وغيره عن ابن عباس أن الثلاث كانت واحدة على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر، ثم قال ~~عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم [فيه] أناة، فلو أنا أمضيناه ~~عليهم، فأمضاه عليهم. PageV01P327 ### || CHECK - لا قياس في وقوعه، بل القياس أنه لا يقع ### || CHECK - تحقيق الإجماع في هذه المسألة ### || CHECK - فتيا ابن عباس في هذه المسألة # وأما قول القائل: إن ابن عباس أفتى بخلافه، فقد اختلفت فتيا ابن عباس في ~~ذلك، فنقل عنه إيقاع الثلاث بكلمة واحدة، وروي عنه أنه لا تقع، كما ذكر ذلك ~~أبو داود في سننه وغيره (1). # والمقصود هنا أنه ليس في السنة قط أن أحدا طلق ثلاثا جملة على عهد النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فأوقعها به، وهذا لا ريب فيه. # وأما الإجماع فلا إجماع في المسألة (2)، بل قد نقل عن أكابر الصحابة - ~~مثل الزبير وعبد الرحمن بن عوف وعلي وابن مسعود وابن عباس - أنه لا تقع ~~الثلاث بكلمة واحدة، وهو قول غير واحد من التابعين ومن بعدهم، كطاوس وعكرمة ~~وابن إسحاق والحجاج بن أرطاة، وقول طائفة من أصحاب مالك من أهل قرطبة ~~وغيرهم، وقول طائفة من فقهاء الحديث من أصحاب أحمد وغيرهم، وكان جدنا أبو ~~البركات يفتي بذلك أحيانا، وقول [طائفة] من الناس من أهل الحديث والكلام ~~والفقه، وهو أحد قولي الظاهرية بل أكثرهم، وقول الشيعة. # وأما القياس فلا قياس في وقوعه، بل القياس أنه لا يقع، لأنه منهي عنه، ~~والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، بمعنى أنه لا يحصل للمنهي قصده، والمنهي عن ~~الطلاق المحرم قصده وقوعه، ففساده يوجب أن لا يحصل مقصوده. كما أن المكره ~~الظالم لما كان قصده وقوع الطلاق بالمكره لم يقع الطلاق من المكره. PageV01P328 ### || CHECK - الكلام على الظهار والنذر # فإن قيل: المنهي عنه إذا كان سببا للإباحة فينبغي أن ms0165 لا يباح له، لأن ~~المعصية لا تكون سببا للنعمة، وأما إذا كان سببا لإيجاب أو تحريم فإنه يصح، ~~كالنذر والظهار، فإنه نهي عن النذر وانعقد، ونهي عن الظهار وانعقد. # قيل: أما الظهار فقد تقدم القول فيه، وبينا أنه نفسه قول منكر وزور، ~~وأنهم كانوا يجعلونه طلاقا، فأبطل الشارع ذلك، وذكرنا أن هذا مما يحتج به ~~من يقول "النهي يقتضي الفساد"، حيث لم يوقع الطلاق. وأما إيجاب الكفارة فيه ~~فلكونه أتى بالمنكر من القول والزور، والكفارة قربة وطاعة، كما أوجب ~~الكفارة في نظائر ذلك من الأمور المنهي عنها، كالجماع في رمضان وغيره. # وأما النذر فإنه يمين، وهو حجة لنا، فإنه إذا نذر ماليس بقربة لم يلزمه، ~~بل يجزئه كفارة يمين. وأما إذا نذر القرب فالقرب يحبها الله ورسوله، وإنما ~~نهي عن النذر لاعتقاد أنه يقضي حاجته، لا لكون المنذور مكروها. وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إنه يستخرج به من البخيل" (1)، والاستخراج من البخيل ~~مما يحبه الله ورسوله، فلم يحصل بانعقاد النذر إلا ما يحبه الله ورسوله، ~~لكن يخاف عليه أن لا يوفي. كما أن المحرم قبل الميقات يخاف عليه أن يرتكب ~~المحظورات، وكذلك الشارع في التطوعات يخاف عليه أن لا يأتي بها، وما كان ~~مفضيا إلى الطاعة لم يبطل خوفا من عدم الإتمام، بل قد يأمر بإتمامه، كما ~~قال تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) (2). PageV01P329 # والمفسدة التي نهي عنها إنما هي إذا لم يفعل المنذور، أما مع فعله ~~فالمصلحة راجحة، وإذا لم يفعل كان كاذبا، لكونه التزم مالم يف به، وهو ~~مذموم على الكذب، كما قال تعالى: (*ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم ~~معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما ~~وعدوه وبما كانوا يكذبون (77)) (1). وقد ذكرنا أن نفس المنهي عنه إذا كانت ~~المفسدة فيه فلا يمكن رفعها، وإنما يمكن رفع ما يترتب على ذلك. وأما ~~الأفعال كالقتل والوطء والشرب إذا رفع محرما فهنا ms0166 لا يمكن أن يقال: لا حكم ~~له، بل وجوده كعدمه، بخلاف بيع الميتة ونكاح الأم، فإن هذا العقد باطل، ~~وجوده كعدمه. # والأقوال قسمان: قسم هو بمنزلة الفعل، كالكفر وشهادة الزور ونحو ذلك، فإن ~~هذا إذا كذب لم يمكن أن يقال: وجود الكذب كعدمه. وكذلك إذا اعتقد الكفر ~~بقلبه أو قاله بلسانه غير مكره استهزاء بآيات الله لم يمكن إن يقال: وجود ~~ذلك كعدمه. فالطلاق والعتاق عند جمهور الفقهاء مالك والشافعي وأحمد في ~~القسم الأول من جنس البيع والنكاح وغيرهما، لا من جنس الكذب. # والقول الموجب للصدق إذا كذب صاحبه كان الذنب له، ولم يكن رفع المفسدة ~~إلا بأن يقال: الصيغة ليست التزاما وعهدا، وهذا ممتنع، إلا ترى أنه لما ~~التزم فعل المحرمات أبطل الشارع ذلك، ولما التزم فعل المباحات لم يأمره ~~بذلك، بل شرع الكفارة في الموضعين PageV01P330 ### || CHECK - سبب إلزام عمر الناس بوقوع الثلاث # عند من يقول بذلك كأحمد وغيره، أو لا شيء عليه كما يقوله الشافعي وغيره. # وأيضا فإنه إذا نذر الطاعات إن جعل وجود العقد كعدمه ففيه صد عن الترغيب ~~في الطاعات، والشارع يرغب في ذلك من لم ينذر، فكيف إذا نذر؟ وكذلك إن قيل: ~~فيه كفارة يمين مطلقا ففيه صد عن الطاعات التي هي أحب إلى الله من الكفارة، ~~وهذا بخلاف المحرمات، فإن الكفارة أحب إلى الله منها. # ثم الظهار ونذر المعصية أوجب كفارة يتقرب بها إلى الله، أما إيقاع الطلاق ~~الذي نهى الله عنه وهو يوجب ما يبغضه الله من غير مصلحة في ذلك، لا للزوج ~~ولا للمرأة ولا لأحد من المسلمين، ولا فيه ما يحبه الله ورسوله، فكيف يشرع ~~الله وقوع فساد راجح وشر راجح، ولا يجعل للعباد طريقا إلى رفع ذلك الشر ~~والفساد؟! وهذا ليس من شريعة الإسلام ولله الحمد والمنة. # وإذا قيل: العبد هو الذي أوقع ذلك. # قيل: نعم، والعبد هو الذي يعقد سائر العقود المنهي عنها، ويلتزم ما فيها ~~من اللوازم، ومع هذا لما كان فسادها راجحا أبطل الشارع تلك العقود، ولم ms0167 ~~يشرع وقوع ذلك الفساد الراجح، كمن نكح أنكحة منهيا عنها، وباع بيوعا منهيا ~~عنها، ونحو ذلك، فالطلاق المحرم عقد من العقود المنهي عنها. # فإن قيل: فعمر بن الخطاب ألزم الناس بوقوع الثلاث جملة كما ذكرتم، وعمر ~~لم يكن ليخالف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعلم أنه اطلع على ~~دليل شرعي يوجب ذلك. وقد وافقه علي وابن مسعود وابن PageV01P331 ### || CHECK - الذين أفتوا بذلك من الصحابة وافقوا عمر في اجتهاده # عباس وابن عمر وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو (1)، فهؤلاء أفتوا فيمن أوقع ~~الثلاث جملة أن تقع. واشتهر ذلك عند عامة العلماء حتى ظنه من ظنه إجماعا، ~~وصار نقيض ذلك يحكى عن أهل البدع كالرافضة، ولهذا لما ذكر هذا القول عن ~~الرافضة لأحمد قال: قول سوء، أو نحو ذلك. # قيل: أما المنقول عن عمر رضي الله عنه فظاهره أنه عاقب الناس بإيقاعها ~~جملة لما أكثروا من فعل ما نهوا عنه، ولهذا قال: إن الناس قد أسرعوا في أمر ~~كانت لهم فيه أناة، فلو أنا أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم. # والذين أفتوا بذلك من الصحابة رأوا رأي عمر في ذلك، وألفاظهم تدل على ~~أنهم فعلوا ذلك عقوبة لمن فعل ما نهي عنه، كقول ابن مسعود لما سئل عمن طلق ~~ثلاثا: أيها الناس! من أتى الأمر على وجهه فقد بين له، وإلا فوالله ما لنا ~~طاقة بكل ما تحدثون. وفي لفظ: من أتى بدعة ألزمناه بدعته. فعلم أن هذا كان ~~عنده مما نهوا عنه، فألزمهم به. وكذلك ابن عباس قال لمن طلق ثلاثا: إنك لو ~~اتقيت الله لجعل لك فرجا ومخرجا، ولكنك لم تتق الله فلم يجعل لك فرجا ~~ومخرجا. وكذلك عبد الله بن عمر يقول: إذا فعلت ذلك فقد عصيت الله وبانت منك ~~امرأتك. ومثل ذلك كثير في كلامهم، يذمون فاعل ذلك مع إيقاعهم به الثلاث. ~~وهذا يقتضي أن فاعل ذلك كان مذموما عندهم مع إيقاع الثلاث به. # وقد كان للصحابة رضي الله عنهم اجتهاد في أنواع من العقوبات PageV01P332 ### || CHECK - مثل هذه ms0168 العقوبة لها أصل في الشرع # وفي المنع من بعض المباحات، لما يرونه من مصلحة الأمة، كاجتهاد عمر وغيره ~~في حد الشارب حتى حدوه ثمانين، وحتى كان عمر ينفيه ويحلق رأسه. وكما كان ~~عمر ينهى عن متعة الحج ليعتمر الناس في غير أشهر الحج، فمنعهم من المباح ~~لما رآهم يتركون به ماهو مشروع للأمة، ولما رأى في ذلك من حض الناس على ~~الطاعة به، ويمنعهم من المباح ليفعلوا خيرا أو لئلا يفعلوا شرا. فلما كثر ~~منهم إيقاع الثلاث جملة، ورأى أنهم لا ينتهون عن ذلك إلا بإلزامهم بها ~~ومنعه من المرأة إذا قال ذلك، فمنعهم من نكاحها بعد الثلاث جملة ومفرقا، ~~لئلا يفعلوا الشر الذي كانوا يفعلونه، كما منعهم من متعة الحج، ليفعلوا ~~الخير - وهو العمرة - في سائر السنة، وكما حرم على الناكح في العدة أن ~~يتزوج المنكوحة أبدا، ليمنعهم بذلك من الشر الذي فعلوه، وهو التزوج في ~~العدة. وكما منع شارب الخمر أن يقيم ببلده، ليمنعه بذلك من شرب الخمر. # وهذه العقوبات لها أصل في الشرع، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى ~~المخنث والزاني، ومنع الحميري من السلب الذي أمر خالدا أن يعطيه إياه، ~~فحرمه عليه بعد أن أوجبه له، ليزجر بذلك عن التعدي على ولاة الأمور لما ~~اعتدى عوف بن مالك على خالد (1). وكذلك ما روي من منع الغال سهمه. وأيضا ~~فإنه لما أمر بهجر الثلاثة الذين خلفوا أمر أزواجهم بهجرهم، ومنعهن أن ~~يمكنوهم من مضاجعتهم (2)، مع أن هذا حلال للزوج مع امرأته. وهذا أبلغ من ~~موجب الظهار، فإن هذا تحريم لنسائهم عليهم إلى أن يتوب الله عليهم أو يحكم ~~الله بحكم PageV01P333 ### || CHECK - لا يظن أحد أن عمر أو غيره عمد إلى نسخ ما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - # آخر. والمظاهر تحرم عليه إلى أن يكفر، فاثبت موجب الظهار تعزيرا لمن ~~استحق التعزير بالهجرة. وعاقب المتلاعنين بتحريم كل منهما على الآخر، وهذا ~~أبلغ من موجب الطلاق. فإذا كان قد عاقب بتحريم أخف من موجب الطلاق وبتحريم ~~أبلغ ms0169 من موجب الطلاق، وجعل الثاني شرعا مطلقا، وجعل الأول تعزيزا يسوغ أن ~~يفعله الأئمة بمن أذنب مثل ذلك الذنب -: لم يمتنع أن يكون أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب - مع كمال علمه ونصحه للأمة - رأى أن يعاقب المستكثرين مما ~~نهى الله عنه، الذين لم يرتدعوا بمجرد نهي الشارع، بما هو من جنس العقوبات ~~المشروعة. وقد كان أحيانا يهم بنهيهم عن أشياء وعقوبتهم بالمنع، ثم يتبين ~~له الصواب في ذلك، كما هم أن يمنعهم من الزيادة في قدر الصداق على ما فعله ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بأزواجه وبناته، ويجعل فعله شرعا لازما لهم ~~لا يزدادون عليه، وأن يعاقب من جاوز فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بجعل ~~الزيادة في بيت المال، حتى تبين له أن ذلك مما أباحه الله لهم، فلا يمنعون ~~منه ولا يعاقبون عليه. # وإلا فهل يظن من يؤمن بالله واليوم الآخر ويعرف حال السابقين الأولين أن ~~عمر بن الخطاب أو غيره من الخلفاء الراشدين كان يعمد إلى نسخ شرع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -؟ وأن المسلمين يقرونه على ذلك مع علمه وعلمهم بأن هذا ~~نسخ لشرعه! نعم، الأمور الاجتهادية التي يفعلها أحد الخلفاء تارة يوافقه ~~عليها جماعتهم، وتارة يوافقه عليها بعضهم وينكرها بعضهم إنكار مجتهد على ~~مجتهد، كما أنكر عمران بن حصين وغيره على عمر ما قاله في متعة الحج (1)، مع ~~أنه قد ثبت عن عمر أنه لم يحرمها، وأنه كان له فيها اجتهاد متنوع. PageV01P334 # وإذا كان هذا مخرج ما فعله عمر فيقال: من كانوا عالمين بالتحريم وأقدموا ~~عليه بعد علمهم بالتحريم، واستكثروا منه بعد علمهم بالتحريم، فمن ألزمهم به ~~فقد اقتدى بعمر في ذلك وبمن وافقه من الصحابة. # وأما من لم يعلم أن ذلك محرم أو اعتقد أنه مباح وفعله، فهذا لا يستحق أن ~~يعاقب، ولا يمكن إلزامه به على وجه العقوبة، إلا أن يكون الشارع ألزمه ~~بالثلاث. وظهر مقصود عمر، فإنهم إذا كانوا يعتقدون تحريمه، والشارع نهاهم ~~عنه، وإذا أوقعوه جعله واحدة، فإذا صاروا يوقعونه قاصدين ms0170 للثلاث صاروا ~~يقصدون ما نهوا عنه، وقد يعتقد عامتهم وقوع الثلاث به، فعاقبهم عمر على ذلك ~~بإلزامهم ما قصدوه وما اعتقدوه. # فإن قيل: فقد تقدم أن الشارع لم يعاقب بوقوع الطلاق. # قلنا: نعم، ليس في الكتاب والسنة عقوبة بوقوع الطلاق، ولكن جعل هذا عقوبة ~~هو مما يقوله كثير من السلف والخلف بالاجتهاد، كما يقول كثير من الفقهاء: ~~إنما يوقع الطلاق بالسكران عقوبة له، ونحن ذكرنا مقاصد اجتهاد عمر رضي الله عنه. # وأيضا فعمر رضي الله عنه رأى أن في إلزامهم به منعا لهم من إيقاعه، فرأى ~~أن ما ينتفي من وقوع الطلاق البغيض إلى الله أكثر مما يقع منه، فدفع أعظم ~~الفسادين بالتزام أدناهما، فإنهم إذا كانوا يوقعون الثلاث المحرمة ولا ~~يرونها إلا واحدة، وكانوا يقصدون الثلاث أولا بالقول المحرم مع علمهم أنه ~~لا يلزمهم ذلك، يكثر منهم تكلمهم بالثلاث وقصدهم إيقاعها، وذلك بغيض إلى ~~الله، ووقوعه أيضا بغيض، لكن ما فعله أوجب دفع أكبر البغيضين وقوعا ~~بأدناهما وقوعا، فإنهم إذا علموا أنه يلزمهم بالثلاث الثلاث امتنعوا عن ~~التكلم بالثلاث، PageV01P335 ### || CHECK - نهي عمر عن التحليل # فكان في ذلك دفع أمور كثيرة بغيضة إلى الله بإلزام أمور أقل منها، ولما ~~رأى أنهم لا ينتهون إلا بذلك فعل ذلك. # وكان عمر ينهى عن التحليل ويقول: لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما، ~~فلو رأى عمر أن إيقاع الثلاث يفضي إلى التحليل الذي حرمه الله ورسوله وإلى ~~كثرته العظيمة لم ينه عنه، لعلمه بأن القول بأن الثلاث لا تقع إلا واحدة ~~خير من التحليل، وأن المفسدة في التحليل أضعاف المفسدة في أن يتكلموا ~~بالثلاث فلا يقع بهم إلا واحدة. فمتى دار الأمر بين أن تقع الثلاث ويحلل، ~~وبين أن لا تقع الثلاث، كان أن لا يقع أولى. ولا يرتاب في هذا من نور الله ~~قلبه بالإيمان، فإن التحليل فيه شر كبير ليس في عدم إيقاع الثلاث جملة منها شيء. # وكان نكاح التحليل قليلا جدا في زمن الصحابة، ولهذا سئلوا عنه في وقائع ~~مخصوصة، ms0171 وقال عمر بن الخطاب: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. وقد ~~لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له (1). # ولم يكن على عهده من يظاهر بذلك، لكن قد يكون من يفعل ذلك باطنا ومن ~~يقصده، فلعنه كما لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، لتنزجر النفوس بذلك ~~عن قصد التحليل، فلا يقع منه شيء لوجهين: أحدهما: لتتم عقوبة الله للمطلق ~~الذي طلق الثالثة بعد طلقتين، فلا يقصد أحد إعادة امرأته إليه، فينزجر بذلك ~~عن إيقاع الثلاث مفرقة. PageV01P336 # والثاني: لأن التحليل من جنس السفاح لا من جنس النكاح، فإنه غير مقصود. ~~ولهذا كان الزوج مشبها فيه بالتيس المستعار، الذي يقصد استعارته لا ~~مصاحبته. # فلما كان مفسدة وقوع الثلاث قليلة لقلة التحليل، وكان الناس قد أكثروا ~~مما نهوا عنه من إيقاع الثلاث جملة، رأى عمر أن يعاقبهم بإنفاذ ذلك عليهم، ~~لئلا يفعلوا ذلك، فالشارع حرم عليهم المرأة بعد الثالثة عقوبة لهم، فرأى ~~عمر وغيره أنهم إذا أكثروا من إيقاعها مجتمعة استحقوا هذه العقوبة. بخلاف ~~ما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وأول خلافته، ~~فإنها كانت قليلة في الناس، وكانوا ينتهون بنهي الشارع، فلم يكن في وقوعها ~~قليلا حاجة إلى عقوبة. ولا ريب أنه إذا كثر المحظور احتاج الناس فيه إلى ~~زجر أكثر مما إذا كان قليلا. # ولهذا لما رأى الصحابة رضي الله عنهم كثرة شرب الناس الخمر واستخفافهم ~~بالعقوبة التي هي أربعون جلدوا ثمانين، وكان عمر مع ذلك ينفي ويحلق الرأس، ~~لأن عقوبة الشارب لم يقدر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها قدرا مؤبدا ~~كما قدر في القذف، لا عددا ولا صفة، بل أقل ما ضرب أربعين، وكان يضرب ~~بالجريد والنعال وأطراف الثياب، وقد أمر بقتل الشارب في الرابعة (1)، فكان ~~صفة عقوبته وقدرها مفوضا إلى اجتهاد الأئمة، ولو كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أوجب فيها حدا حرم ما زاد عليه لامتنع عليهم أن يبدلوا شريعته، ~~فإنهم لا يتفقون على ضلالة. # وإذا كان هذا فعله ms0172 عمر على وجه العقوبة والتعزير بذلك لكثرة إقدام الناس ~~على المحظور، لا لأنه شرع لازم لكل من تكلم بذلك، PageV01P337 ### || CHECK - الطلاق في الحيض، والكلام على حديث ابن عمر فيه # سواء كان عالما بالتحريم أو جاهلا، وسواء كان الناس يحتاجون إلى العقوبة ~~بذلك أو لا يحتاجون، لم يكن على أن إيقاع الثلاث بكلمة واحدة لكل من تكلم ~~بها دليل شرعي أصلا. وإذا كان كثير من الفقهاء يوقعون الطلاق بالسكران، ~~ويقولون: نوقعه عقوبة ونجعل ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، مع أن هذا لا يوجب ~~انتهاء الناس عن الشكر، فكيف لا يكون ما فعله عمر رضي الله عنه من العقوبة ~~مما يسوغ فيه الاجتهاد؟ مع أن ذلك أقرب إلى الأدلة الشرعية ومقصود المعاقب ~~من هذا. # ولو قدر أن بعض الصحابة رأى وقوع الثلاث جملة بكل من تكلم بها، ورأى هذا ~~شرعا عاما لازما، فقد نازعه في ذلك غيره، مع أن هذا بعيد، فإن الذين روي ~~عنهم إيقاع الثلاث جملة روي عنهم نفي ذلك، كعمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ~~(1)، فحمل كلامهم على اختلاف حالين أولى من حمل كلامهم على التناقض، ~~واعتقادهم فساد أحد القولين (2). وقد قال تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول). # فإن قيل: فإذا لم يكن الطلاق المحرم لازم الوقوع، فيلزم أن المطلقة في ~~الحيض أيضا لا يجب أن يلزم فيها الوقوع. وحديث ابن عمر قد ثبت في الصحيحين ~~(3) أنه لما طلق امرأته في الحيض غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: ~~"مره فيراجعها، حتى تحيض ثم تطهر، ثم تحيض ثم PageV01P338 # تطهر، ثم إن شاء بعد أمسكها، وإن شاء طلقها، فتلك العدة التي أمر الله أن ~~يطلق لها النساء". وقد روي عن ابن عمر (1) أنه قيل له: أتعتد بها؟ قال: ~~أفرأيت إن عجز واستحمق. وقال: إن طلقتها ثلاثا عصيت ربك وبانت منك امرأتك. # قيل: أولا حديث ابن عمر قد روي فيه أنه حسبها من الثلاث، وروي أنه لم ~~يحسبها، وكلا الإسنادين جيد. وقوله "راجعها" مثل قوله "ردها" ونحو ذلك، ms0173 ~~وهذه الألفاظ تستعمل في العقد المبتدأ، وتستعمل في إمساك المطلقة، وتستعمل ~~في إمساك من لم يقع بها طلاق، قال تعالى: (فإن طلقها فلا جناح عليهما أن ~~يتراجعا) (2)، فهذا عقد جديد. وقال تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) ~~(3)، فهذا رجعة المطلقة. وقال: فردها علي. # وابن عمر رضي الله عنه إما أن يكون كان يعلم أن الطلاق في الحيض لا يجوز، ~~بل يجب إذا طلق المرأة أن يطلقها لعدتها كما أمر الله بذلك؛ وإما أنه لم ~~يكن يعلم هذا، فإن كان يعلمه وألزم بما أوقع فقد يكون من جنس إلزام عمر لهم ~~بالثلاث، وإن لم يكن علم بالتحريم وألزم بها فهو دليل على أنها تلزم، ~~فيحتاج الاستدلال بحديثه إلى مقدمتين: # إحداهما: أنه أمر بمراجعة هي مراجعة من وقع بها الطلاق. # والثانية: أن وقوع الطلقة لم يكن عقوبة عارضة على ذنب، بل PageV01P339 # هي شرع لازم لكل من طلق في الحيض. # وكلا المقدمتين تحتاج إلى دليل. # ثم قد يستدل على نقيض ذلك بأن علة تحريم الطلاق في الحيض هي إطالة العدة ~~عليها عند كثير من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وعلله آخرون من ~~أصحاب أبي حنيفة وأحمد بأن الحيض زمن النفرة عن المرأة والزهد فيها، والطهر ~~زمن الميل إليها والرغبة فيها. وبالجملة فلا بد لهذا الحكم من علة، وقد ~~بحثوا عن الأوصاف الثابتة في محل الحكم، فلم يجدوا وصفا مناسبا إلا هذا أو ~~هذا، والسبر مع المناسبة والاقتران من أقوى الطرق التي تثبت بها العلة. # وإذا كانت العلة ما ذكره الأولون، فإذا وقع الطلاق فإنما يؤمر به لإزالة ~~تلك المفسدة، والأيمان كانت لا تزول، فلا فائدة في الأمر بالمراجعة. # والفقهاء لهم في وجوب المراجعة قولان هما روايتان عن أحمد، ولهم في ~~ارتجاعها في الحيضة التي تلي ذلك الطهر قولان هما روايتان عن أحمد (1). ومن ~~قال: إن الرجعة لا تجب، وإنها تشرع في الطهر الذي يلي الحيضة، لم يكن في ~~الأمر بالرجعة عنده فائدة، ولا زال بها مفسدة طلاق الحيض، بل ذلك أشد في ms0174 ~~الضرر عليها، فإنه يرتجعها وهو في الحيض لا يطأها، ثم يطلقها في الطهر ~~الأول، فيحتاج إلى استئناف العدة عليها، فيزداد الطول والضرر. وهذا أشهر ~~القولين. ومن قال: إنها تبني لم يكن في الارتجاع عنده فائدة؛ ومن قال: لا ~~يطلقها إلا في الطهر الثاني فإنه لا يوجب وطئها في الطهر PageV01P340 # الأول، فإذا أمسكها ولم يطأها وطلقها في الطهر الثاني استأنفت العدة أيضا ~~عند الجمهور، فكان ارتجاعها زيادة شر. وإن بنت على العدة فلا فائدة في ~~الرجعة. # وهذا بخلاف ما إذا لم يقع الطلاق، فإنه لا عدة عليها فيردها، لأنها ~~امرأته، ولا يطلقها في الطهر الأول لأنه لم يتمكن بعد من وطئها، فالنفور ~~بينهما قد لا يزول، فإذا تركها إلى الطهر الثاني تمكن من وطئها، فربما بسبب ~~ذلك تفتر رغبته عن الطلاق. # والشارع نهى الرجال أن يطلقوا إلا لاستقبال العدة، لئلا تطول بذلك العدة. ~~فهذا حكمة نهي الشارع، لكن إذا فعلوا ما نهوا عنه، فإن أوقع الطلاق لغير ~~العدة فقد حصل الشر الذي كرهه الله ورسوله، وحصل طول العدة لا محالة، لأن ~~هذا الطلاق إذا وقع أوجب عدة، فتكون طويلة، ومراجعتها بعد ذلك - إذا قيل: ~~إن الطلاق قد وقع - لا ترفع هذه العدة الطويلة، ولا تزيل هذا الضرر، بل إما ~~أن تزيده ضررا وطولا آخر، كما هو قول الجمهور الذين يوجبون على المرتجعة ~~إذا طلقت قبل الدخول عدة أخرى، وقد ذكر الثوري أن هذا إجماع الفقهاء. وإما ~~أن تبقى العدة طويلة مضرة كما كانت، كما هو قول للشافعي ورواية عن أحمد. # فإن قيل: بل في الرجعة في الحيض تمكنه من الاستمتاع بغير الوطء، وفي ~~تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني تمكنه من وطئها في ذلك الطهر. # قبل: هذا الذي لا يزول الضرر إلا به لا يأمرون به، ولم يأمر الشارع به، ~~وإنما أمر على قولكم بمجرد رجعة للمطلقة، وهذا المأمور PageV01P341 # به على قولكم يزيد الضرر، فإنه يكون قد طلقها واحدة، فيطلقها ثنتين. وهذا ~~أيضا دليل آخر، وذلك أن مذهب مالك وأحمد في أظهر ms0175 الروايات أن تفريق الثلاث ~~في ثلاثة أطهار بدعة، وهو الصحيح، وأن السنة أن يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى ~~تنقضي عدتها، فإذا كانت الأولى قد وقعت ثم أبيح له الثانية في الطهر الأول ~~أو الثاني، كان في هذا. خلاف للسنة بأن طلقها ثانية بعد أولى. # فإن قيل: لكن طلقها الثانية بعد أن راجعها، وهذا سنة بالاتفاق. # قيل: بل في هذا وجهان ذكرهما أبو الخطاب، أحدهما: أنه بدعة، وعلى هذا ~~التقدير فالحديث حجة عليهم صريحة. والثاني - وهو الأظهر -: هو سنة لمن ~~طلقها ثم راجعها ثم اختار طلاقها أن يطلقها، أما من كان غرضه طلاقها، وقد ~~طلق واحدة، فيؤمر بما يلزم أن يوقع ثانية. # وأيضا فإن تطويل العدة وضررها يزول بذلك. # وأيضا فالاعتداد بتلك الطلقة من الثلاث أعظم ضررا على الزوجين من تطويل ~~العدة عليها، ولو خيرت المرأة بين هذا وهذا لاختارت طول العدة على أن تحسب ~~من الثلاث. فكيف تقصد مصلحتها بما هو عليها أشد ضررا. # وأما ما ذكره الآخرون فإنهم قالوا: أراد بذلك تقليل الطلاق، فإنه منع منه ~~زمن الزهد فيها، وأذن فيه زمن الرغبة فيها. وإذا كان هذا مقصود الشارع فهذا ~~المقصود لا يحصل إذا أمر المواقع له بالرجعة، وقيل له: طلق بعد ذلك، لأنه ~~حينئذ لا يكون في الرجعة إلا تكثير الطلاق، لأن الأول لا يرتفع، والثاني قد ~~يحصل، بل هو PageV01P342 ### || CHECK - أصل مقصود الشارع أن لا يقع الطلاق إلا للحاجة # الأظهر ممن غرضه الطلاق، فيكون ما أمر به لا يرفع المفسدة بل يزيدها، ~~بخلاف ما إذا لم يقع، فإن المفسدة تعدم حينئذ. # فصل # أصل مقصود الشارع أن لا يقع الطلاق إلا للحاجة، والحاجة تندفع بثلاث ~~متفرقة، كل واحدة بعد رجعة أو عقد، فما زاد على هذا فلا حاجة إليه فلا ~~يشرع، فإنه إذا فرق الثلاثة عليها في ثلاثة أطهار لم تكن به حاجة إلى ~~الثانية والثالثة، فإن مقصوده من الطلاق يحصل بالأولى، كما أنه لا حاجة به ~~إلى الثلاث. # فإن قيل: قد يكون مقصوده رفع نفقتها، فيطلقها ثلاثا ms0176 لئلا تجب لها نفقة، ~~ولا يجب أيضا سكنى عند فقهاء الحديث. # قيل: هذا يمكنه عند من يوجب للمبتوتة النفقة والسكنى بأن يطلقها طلقة ~~بائنة، كما هو مذهب أبي حنيفة، وهذا رواية عن أحمد، وإن لم يقل بوجوب ~~النفقة للمبتوتة، لكن عنده له أن يبتها بواحدة، فتسقط النفقة بإسقاط رجعته. ~~وأما على قول الباقين فيقولون: نفقتها في الرجعة حق لها، فليس له أن يسقطه ~~إلا برضاها، فإذا رضيت أن يختلعها سقطت النفقة، وإذا كانت هي تريد أن ينفق ~~عليها ويتمكن من ارتجاعها لم يكن له إسقاط ذلك. ونفقة العدة أمر هين، ليس ~~له لأجلها أن يوقع نفسه في الثلاث التي يحصل بها ضرر عظيم، كما أنه ليس ~~لأجلها أن يعجل طلاقها في الحيض بالكتاب والسنة والإجماع، فعلم أن تسويغ ~~تغيير الطلاق الشرعي لأجل إسقاط النفقة من المناسبات التي يشهد لها الشرع ~~بالإبطال والإهدار. # وأيضا فإن الله أمر المطلق أن يمتع المطلقة، فيعطيها متاعا لما PageV01P343 ### || CHECK - في الطلاق البدعي مفسدة راجحة # حصل لها من الذلة بالطلاق، فكيف يسوغ الطلاق الذي يكرهه ويحرمه. # وأيضا فإن هذا الكلام يقتضي جواز إيقاع الثلاث جملة، ونحن في هذا المقام ~~إنما نتكلم على القول بتحريمه، فأما مع القول بجوازه فلا ريب في وقوعه. # وإذا عرف أن هذا مقصود الشارع فالطلاق المسمى الشرعي لا يترتب عليه مفسدة ~~راجحة، بخلاف غيره من أنواع الطلاق البدعي المنهي عنه، فإن فيه من المفسدة ~~الراجحة ما أوجب أن الله ينهى عنه. والفساد الحاصل في الطلاق والتحليل وخلع ~~اليمين وغير ذلك إنما هو لخروجهم عن طاعة الله ورسوله فيما شرع لهم من ~~الطلاق، فلما فعلوا ما نهوا عنه أوجب ذلك لهم ضررا في دينهم أو دنياهم، ~~فإنهم إن لم يخالفوا أمرا آخر حصل لهم ضرر في دنياهم بمفارقة الأهل وخراب ~~البيت وتشتيت الشمل وتفرق الأولاد، وبالمطالبة بالصدقات المتأخرة وفرض ~~النفقات، وغير ذلك من أنواع الشرور الحاصلة بالطلاق في الدنيا، وإن دخلوا ~~فيما نهوا عنه من تحليل وغيره حصل لهم ضرر في دينهم مع ms0177 الضرر في الدنيا ~~أيضا، بالعار بدخولهم فيما نهوا عنه من الطلاق البدعي، يوجب لهم الضرر ~~والشر لا محالة، فإذا أوقعوه فقيل إنه يقع حصل هذا الضرر، فإن الضرر لم ~~ينشا من إيقاع لا وقوع معه، وإنما نشأ من إيقاع معه وقوع. فإذا قيل: إنه ~~يقع، فالضرر حاصل لم يزل، والفساد واقع لم يرتفع، ولم يكن في النهي ما يرفع ~~الفساد ويصلح العباد، بل كان أن لا ينهوا عنه ويحرم عليهم أقل لضررهم، فإن ~~الضرر حاصل بوقوعه إذا أوقعوه، لكن إذا كان محرما زاد الضرر بالإثم، فيبقون ~~آثمين مضرورين، وفساد النهي عنه حاصل مع أن المنهي عنه من باب العقود، ~~والكلام PageV01P344 ### || CHECK - طلاق المكره ### || CHECK - الطلاق ينقسم إلى صحيح وفاسد # الذي يقبل الصحة والفساد ليس من باب الأفعال والتأثيرات التي لا يمكن رفع ~~موجبها، فإن الطلاق كالنكاح والعتاق والظهار ونحو ذلك مما إذا تكلم به يقع ~~تارة ولا يقع أخرى، ليس وقوعه من لوازم إيقاعه. # والطلاق عند أصحابنا وغيرهم ينقسم إلى صحيح وفاسد، كما قالوا - واللفظ ~~لأبي الخطاب في "الانتصار" - في مسألة المكره: إنه قول حمل عليه بغير حق ~~فلم يلزمه حكمه كالإقرار بالطلاق. قال: وهذا لأن لفظ الطلاق ينقسم إلى صحيح ~~وفاسد، وليس نفوذه أمرا محسوسا لا مرد له، فإذا كان محمولا عليه بالباطل ~~كان مردودا، لأن الشرع يحكم في الرد والقبول، وقرر ذلك. # وأما من قال: إن طلاق المكره يقع، كما يقول أبو حنيفة، فإنه يقول مالا ~~يقبل الرفع، كالنكاح والعتاق والخلع، فإنه كالفعل ينفذ مع الإكراه، بخلاف ~~ما يقبل الرفع كالبيع والإجارة والهبة. وعندنا الجميع يقبل الرفع، وإذا كان ~~كذلك فمحرمه يقع فاسدا. # فإن قيل: لو أوقعه سنيا لغير حاجة؟. # قيل: فإن الإنسان أخبر بمصلحة نفسه، فإذا أوقعه على الوجه المشروع لم ~~يمكن أن نقول: ذلك محرم عليه. # فإن قيل: فأنتم تقولون: الطلاق لغير حاجة محرم أو مكروه وإن كان سنيا. # قيل: هذا كلام مجمل، ولابد من تفصيله. قيل: هذا السؤال يرد على الجمهور ~~الذين قالوا بان الثلاث ms0178 يحرم جمعها، فإن هؤلاء قالوا: إن الطلاق لغير حاجة ~~محرم، والحاجة لا تدعو إلا إلى واحدة. ثم لما أورد عليهم هذا السؤال قالوا: ~~العاقل لا يتكلف النكاح والتزام PageV01P345 ### || CHECK - طلاق السكران # المهر وحقوق النكاح ثم يقدم على الفراق إلا لحاجته إليه، إما لعدم إرادته ~~للمرأة وعدم محبته لها؛ أو لعدم حصول مقصوده بنكاحه بها: لكونها ممتنعة ~~منه، أو لكونها تكلفه ما يضره، أو لكون أهلها يكلفونه ذلك؛ أو لبغضه لها: ~~إما بغضا لصورتها أو لخلقها أو لدينها أو لظلمها له؛ أو لغير ذلك. فأما مع ~~كونه مريدا لها إرادة راجحة على كراهتها فلا يقصد إيقاع الطلاق أصلا. # ولهذا لم يقع الطلاق إلا ممن له قصد صحيح يقصد به مصلحته، فلم يقع ~~بالمجنون بالاتفاق، وإن كان يتكلم باختياره ويفعل باختياره، فإن البهائم ~~تفعل باختيارها، فكيف المجنون، لكن لما تغير عقله الذي يوجب أن لا يميز بين ~~قصد ما ينفعه وما يضره لم يقع به الطلاق باتفاق المسلمين. وكذلك لا يقع ~~بالنائم والمبرسم ولا بمن زال عقله بغير فعل محرم منه كالمغمى عليه، ~~بالاتفاق. # ولكن تنازع المسلمون في السكران، والذي نصرناه في غير هذا الموضع (1) أنه ~~لا يقع به أيضا، كما هو قول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عثمان ~~بن عفان وعبد الله بن عباس وعقبة بن عامر، ولم نعلم أنه ثبت عن صحابي خلاف ~~ذلك صريحا، وهو قول طوائف من أئمة التابعين، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ~~اختارها أئمة من أصحابه، كأبي بكر الخلال وأبي الخطاب وغيرهما، وهو طرد ما ~~ذكرناه من الطلاق إذا كان إنما أبيح للحاجة، وهي جلب منفعة أو دفع مضرة، ~~فلم يقع إلا ممن له قصد صحيح يجلب به المنفعة ويدفع به المضرة، وحينئذ ~~فإقدامه عليه دليل الحاجة. PageV01P346 ### || CHECK - طلاق الهازل # وأما الهازل فذاك لزمه عند من يقول به، لأنه اتخذ آيات الله هزوا، كما ~~يلزم الكفر لمن تكلم به مستهزئا، لأنه اتخذ آيات الله هزوا، لئلا يستهزئ ~~أحد بآيات الله. وهذا إذا قيل عوقب ms0179 به كانت العقوبة تدفع أن يستهزئ أحد ~~بآيات الله، كما أن تكفير المسلم بآيات الله هزوا يمنع أن يستهزئ أحد بآيات ~~الله، فكان في إيقاع الطلاق به زوال هذه المفسدة، وكان ما حصل له من الضرر ~~ضررا بمن يستحق هذا الضرر، بخلاف المكره وبخلاف السكران، فإن ذنبه هو ~~الشرب، ليس ذنبه إيقاع الطلاق، والشارع لا يعاقبه على الشرب بالتزام ما ~~يمكن أن يتكلم به، ولو كان ذلك لعاقبه بالقتل، لأن السكران قد يتكلم ~~بالكفر، كما قد يتكلم بالطلاق. # وعلى هذا فإذا قالوا: الطلاق لغير حاجة محرم أو مكروه، قالوا: إن الطلاق ~~الشرعي مباح مأذون فيه. وهذا معنى قوله: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" ~~(1)، أي أبغض ما أبيح للحاجة وهو محرم بغيض إلى الله بدونها: الطلاق، كما ~~تقول: أبيحت المحرمات للمضطر، أي أبيح له عند الضرورة ما كان محرما بدونها، ~~ليس المراد به أن الشيء في حال واحدة يكون حلالا حراما، كذلك الشيء في حال ~~واحدة لا يكون بغيضا إلى الله مأذونا فيه من جهته، فإن هذا تناقض. # فصل # ومما يبين هذا أن الله إذا كان يحب شيئا فإنه يأمر به أمر إيجاب PageV01P347 ### || CHECK - من الفقهاء من عكس ذلك، وبيان غلطهم ### || CHECK - الأصل تيسير حصول النكاح وتشديد حصول الطلاق # أو استحباب، أمرا ييسر أسبابه، فإنه ما لا يتم المأمور به إلا به فهو ~~مأمور به، وإذا كان يكرهه فهو ينهى عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه، والنكاح في ~~الأصل حسن مأمور به، وأدنى أحواله الإباحة، لا ينهى عنه إلا لمعارض راجح: ~~كالعجز عن واجباته أو الاشتغال به عما هو أوجب منه، كما إذا تعارض الحج ~~المتعين والنكاح فإنه يقدم الحج ونحو ذلك. والطلاق منهي عنه إلا لحاجة كما ~~قد عرف، فالذي يناسب ذلك تيسير حصول النكاح وتشديد حصول الطلاق، كما قال ~~تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان) (1)، ~~فأمر بالتعاون على ما يحب، ونهى عن التعاون على ما يكره. وطائفة من الناس ~~يعكسون الأمر، فتجدهم يشددون النكاح ويصعبون ms0180 صحته، فلا يوقعون ما يحبه الله ~~إلا بشرائط كثيرة، وكثير منها لا أصل له في الكتاب والسنة، كاشتراط بعضهم ~~لفظين معينين، وهو الإنكاح والتزويج؛ واشتراط بعضهم أن يكون ولي المرأة ~~عدلا؛ واشتراط بعضهم حضور شاهدين عدلين مبرزين؛ واشتراط بعضهم في صحته ~~الكفاءة في النسب والدين واليسار والصناعة والحرية؛ واشتراط بعضهم أن يكون ~~القبول عقب التلقظ بالإيجاب. وهذه الشروط ونحوها لا أصل لها، بل الأصول ~~والنصوص تدل على بطلان اشتراطها. # ثم إن طائفة من الناس يشددون في انعقاده، ويعيدون اللفظ على العامي مرتين ~~أو ثلاثا، ويزيدون على ما ذكره الفقهاء أمورا من جنس الوسواس الذي يزيدونه ~~في نيات العبادات. ثم الطلاق الذي يبغضه الله لغير حاجة تجدهم سراعا إلى ~~وقوعه، فيوقعونه على المكره والسكران والحالف الحانث الناسي والمكره ~~والجاهل وغير هؤلاء. PageV01P348 # هذا مع أن الشارع يضيق إيقاعه، فنهى عن إيقاعه في الحيض وفي طهر أصابها ~~فيه، وعن إيقاع الثلاث جملة، بل أمر أن لا يطلق إلا واحدة في طهر لم يصبها ~~فيه، ولا يردفها بطلاق حتى تقضي العدة إن لم يكن له غرض في رجعتها. وهذا من ~~الشارع تضييق لوقوعه. # والنكاح يشرع وقت حيض المرأة ونفاسها وصومها واعتكافها وصوم الرجل ~~واعتكافه، وإن كان الوطء متعذرا، ويشرع في الأوقات الفاضلة. فالواجب منع ~~وقوع ما يبغضه الله إلا حيث يكون في وقوعه مصلحة راجحة، وتيسير وقوع ما ~~يحبه الله إلا إذا كان في وقوعه مفسدة راجحة، وحيث لا تكون مصلحة وقوعه ~~راجحة فالأصول تقتضي أنه لا يقع، لأن الشارع لا يوقع إلا ما تكون مصلحته ~~محضة أو راجحة، وما كان مفسدته محضة أو راجحة فإنه يرفعه ولا يوقعه. # والله أعلم. # (نقلته من خط مصنفه شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد ابن تيمية ~~رحمه الله. # قوبل بالأصل بعد نقله منه). # *** PageV01P349 ### | CHECK (23) فتوى في الطلاق الثلاث بكلمة واحدة # فتوى في الطلاق الثلاث بكلمة واحدة PageV01P351 ### || CHECK - القول الثاني أنه ليس بمحرم ### || CHECK - جمع الطلاق الثلاث محرم عند الجمهور # سئل شيخ الإسلام علامة الزمان تقي الدين ms0181 أبو العباس أحمد بن تيمية ~~الحراني - قدس الله روحه ونور ضريحه - عن رجل طلق امرأته ثلاثا بكلمة ~~واحدة، فهل يقع به واحدة أم ثلاث؟. # فأجاب: # أما جمع الطلقات الثلاث فمحرم عند أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه واختيار ~~أكثر أصحابه، وقال: تدبرت القرآن فإذا كل طلاق فيه فهو الطلاق الرجعي - ~~يعني طلاق المدخول بها - غير قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره) (1). # وعلى هذا القول فهل له أن يطلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة، بأن يفرق ~~الطلاق على ثلاثة أطهار، فيطلقها في كل طهر طلقة؟ فيه قولان، هما روايتان ~~عن أحمد: # إحداهما: له ذلك، وهو قول طائفة من السلف ومذهب أبي حنيفة. # والثانية: ليس له ذلك، وهو قول أكثر السلف، وهو مذهب مالك، وأصح ~~الروايتين عن أحمد التي اختارها أكثر أصحابه، كأبي بكر عبد العزيز والقاضي ~~أبي يعلى وأصحابه. # والقول الثاني: إن جمع الثلاث ليس بمحرم، بل هو ترك الأفضل، وهو مذهب ~~الشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد، واختارها الخرقي. # واحتجوا بأن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو حفص بن المغيرة PageV01P353 ### || CHECK - دلالة القرآن على أن الله لم يبح إلا الطلاق الرجعي ### || CHECK - الرد عليهم ### || CHECK - احتجاج القائلين بأنه ليس بمحرم ببعض الأحاديث # ثلاثا، وبأن امرأة رفاعة طلقها زوجها ثلاثا، وبان الملاعن طلق امرأته ~~ثلاثا ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك (1). # وأجاب الأكثرون بأن حديث فاطمة فيه أنه طلقها ثلاثا متفرقات، هكذا ثبت في ~~الصحيح أن الثالثة كانت آخر ثلاث تطليقات، لم يطلق ثلاثا لا هذا ولا هذا. ~~وقول الصحابي "طلق ثلاثا" يتناول ما إذا طلقها ثلاثا متفرقات، بأن يطلقها ~~ثم يراجعها ثم يطلقها. وهذا طلاق سني واقع باتفاق الأئمة، وهو المشهور على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معنى الطلاق ثلاثا. وأما جمع ~~الثلاث بكلمة فهذا كان منكرا عندهم، إنما يقع قليلا، فلا يجوز حمل اللفظ ~~المطلق على القليل المنكر ms0182 دون الكثير المحق، ولا يجوز أن يقال طلق ثلاثا ~~مجتمعات لا هذا ولا هذا، بل هذا قول بلا دليل، بل بخلاف الدليل. # وأما الملاعن فإن طلاقه وقع بعد البينونة أو بعد وجوب الإبانة، التي تحرم ~~بها المرأة أعظم ما تحرم بالطلقة الثالثة، فكذا مؤكدا لموجب اللعان. ~~والنزاع إنما هو في طلاق من يمكنه إمساكها، ولاسيما النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قد فرق بينهما، فإن كان قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها، وإن ~~كان بعدها فدل على بقاء النكاح. # واستدل الأكثرون بأن القرآن يدل على أن الله لم يبح إلا الطلاق الرجعي ~~وإلا الطلاق للعدة، كما في قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة) إلى قوله (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا (1) فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) (2)، PageV01P354 # وهذا إنما يكون في الرجعي. وقوله (فطلقوهن لعدتهن) يدل على أنه لا يجوز ~~إرداف الطلاق الطلاق حتى تنقضي العدة أو يراجعها، وإنما أباح الطلاق للعدة، ~~أي لاستقبال العدة، فمتى طلقها الثانية أو الثالثة قبل الرجعة بنت على ~~العدة، فلنم تستأنفها باتفاق المسلمين، وإن كان فيه خلاف شاذ عن خلاس وابن ~~حزم قد بينا فساده في موضع آخر. فلم يكن ذلك طلاقا للعدة. # ولأنه قال: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف)، فخيره ~~بين الرجعة وبين أن يدعها حتى تنقضي العدة، فيسرحها بإحسان، فإذا طلقها ~~ثانية قبل انقضاء العدة لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان، وقد قال: ~~(والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) (1)، ~~فهذا يقتضي أن هذا حال كل مطلقة، فلم يشرع إلا هذا الطلاق. ثم قال: (الطلاق ~~مرتان) أي هذا الطلاق المذكور مرتان، وإذا قيل: سبح مرتين أو ثلاث مرات، لم ~~يجز أن يقول: "سبحان الله مرتين"، بل لابد أن ينطق بالتسبيح مرة بعد مرة، ~~وكذلك لا يقال: طلق مرتين إلا ms0183 إذا طلق مرة بعد مرة. فإذا قال: أنت طالقة ~~ثلاثا أو طلقتين لم يجز أن يقال: طلق ثلاث مرات ولا مرتين، وإن جاز أن يقال ~~طلق ثلاث تطليقات أو طلقتين، لكن يقال: طلق مرة واحدة. # وقال بعد ذلك: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) (2)، ~~فهذه الطلقة الثالثة، فلم يشرعها الله إلا بعد الطلاق الرجعي مرتين، وقد PageV01P355 ### || CHECK - الأصل في الطلاق الحظر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة # قال الله: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) ~~(1) وهذا إنما يكون فيما دون الثلاث، وهو يعم كل طلاق. فعلم أن جمع الثلاث ~~ليس بمشروع. # ودلائل تحريم الثلاث كثيرة قوية من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار. ~~وسبب ذلك أن الأصل في الطلاق الحظر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة، كما ثبت في ~~الصحيح (2) عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن إبليس ~~ينصب عرشه على البحر، ويبعث سراياه، فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة، ~~فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا، حتى يأتيه الشيطان فيقول: ما ~~زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويلتزمه ويقول: أنت أنت!! ". # وقال الله تعالى في ذم السحرة: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه) (3). # وفي السنن (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن المختلعات ~~والمنتزعات هن المنافقات". # وفي السنن (5) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أيما امرأة ~~سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة". # وفي السنن (6) أيضا: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". PageV01P356 ### || CHECK - نص كلام ابن مغيث من كتاب الوثائق له ### || CHECK - أقوال الصحابة في جمع الطلاق الثلاث # ولهذا لم تبح إلا ثلاث مرات، وحرمت عليه المرأة بعد الثالثة حتى تنكح ~~زوجا غيره. وإذا كان إنما أبيح للحاجة فالحاجة تندفع بواحدة، فما زاد باق ~~على الحظر. # والناس في الطلاق المحرم هل يقع أم لا؟ على قولين، وأقوال الصحابة رضي ~~الله عنهم في جمع الطلقات الثلاث كثير مشهور، روي ms0184 الوقوع فيها عن عمر ~~وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وعمران بن الحصين ~~وغيرهم؛ وروي عدم الوقوع فيها عن أبي بكر وعن عمر سنتين من خلافته وعن علي ~~بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس و. عن الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن ~~عوف (1). # قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث في كتاب "الوثائق" له (2): فطلاق ~~البدعة أن يطلقها ثلاثا في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه الطلاق. # ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق؟ فقال ~~علي بن أبي طالب وابن مسعود: يلزمه طلقة واحدة، وقاله ابن عباس. # وقال: وذلك لأن قوله "ثلاث" لا معنى له، لأنه لم يطلق ثلاث مرات، وإنما ~~يجوز قوله "ثلاث" إذا كان مخبرا عما مضى، فيقول: طلقت ثلاث مرات، يخبر عن ~~ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات، كرجل يقول: قرأت سورة كذا ثلاث مرات، ~~فذلك يصح، ولو قرأها مرة واحدة فقال: قرأتها ثلاث مرات كان كاذبا. وكذلك لو ~~حلف بالله ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان، وأما لو حلف بالله فقال: PageV01P357 ### || CHECK - الكلام على حديث ابن عباس الذي رواه مسلم # أحلف بالله ثلاثا لم يكن حلفه إلا يمينا واحدة. والطلاق مثله. # قال: ومثل ذلك قال الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، روينا ذلك كله ~~عن ابن وضاح. يعني الإمام محمد بن وضاح الذي يأخذ عن طبقة أحمد بن حنبل ~~وابن أبي شيبة ويحيى بن معين وسحنون ابن سعيد وطبقتهم. # قال: وبه قال شيوخ قرطبة: ابن زنباع شيخ هدى (1)، ومحمد بن عبد السلام ~~الخشني فقيه عصره، وابن بقي بن مخلد، وأصبغ بن الحباب، وجماعة سواهم من ~~فقهاء قرطبة. # قلت: وقد ذكر التلمساني هذا رواية عن مالك، وهو قول محمد بن مقاتل الرازي ~~من أئمة الحنفية، حكاه عنه المازري وغيره، ويفتي بذلك أحيانا الشيخ أبو ~~البركات ابن تيمية. وهو وغيره يحتجون بالحديث الذي رواه مسلم في "صحيحه" ~~وأبو داود وغيرهما (2) عن طاووس عن ابن عباس ms0185 أنه قال: كان الطلاق على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق ~~الثلاث واحد، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد أستعجلوا في أمر كانت فيه ~~أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. وفي رواية: إن أبا الصهباء قال ~~لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر ~~تتابع الناس في الطلاق، فأمضاه عليهم. # والذين ردوا هذا الحديث تأولوه بتأويلات ضعيفة، وكل حديث PageV01P358 ### || CHECK - حديث ركانة ### || CHECK - الرد على من عارض حديث ابن عباس بفتواه بخلافه ### || CHECK - كل حديث فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألزم الثلاث جملة ضعيف بل موضوع # فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألزم الثلاث بمن أوقعها جملة - مثل ~~حديثا روي عن علي، وآخر عن عبادة، وآخر عن الحسن عن ابن عمر، وغير ذلك - ~~فكلها أحاديث ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل موضوعة. # وأقوى ما ردوه به أنهم قالوا: ثبت من غير وجه عن ابن عباس أنه أفتى بلزوم ~~الثلاث (1). # وجواب المستدلين أن ابن عباس روي عنه من طريق عكرمة أيضا أنه كان يجعلها ~~واحدة، وثبت عن عكرمة عن ابن عباس ما يوافق حديث طاووس مرفوعا إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وموقوفا على ابن عباس، ولم يثبت خلاف ذلك عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. فالمرفوع أن ركانة طلق امرأته ثلاثا (2)، فردها عليه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا المروي عن ابن عباس في حديث ركانة من ~~وجهين عن عكرمة، وهو أثبت من رواية عبد الله بن علي بن زيد بن ركانة ونافع ~~بن عجير أنه طلقها البتة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استحلفه ما ~~أردت إلا واحدة. فإن هؤلاء مجاهيل الصفات، لا تعرف أحوالهم ليوافقها، وقد ~~ضعف أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأبو عبيد وابن حزم وغيرهم حديثهم. # قال أحمد بن حنبل رضي الله ms0186 عنه: حديث ركانة في البتة ليس بشيء. # وقال أيضا: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة، لأن ابن إسحاق ~~يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن ركانة طلق امرأته ثلاثا. PageV01P359 ### || CHECK - مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة ### || CHECK - حديث فاطمة بنت قيس # فقد استدل أحمد على بطلان حديث البتة بهذا الحديث الذي فيه أنه طلقها ~~ثلاثا، وقال: أهل المدينة يسمون من طلق ثلاثا البتة، وهذا يدل على ثبوت ~~الحديث عنده. وكذلك ثبته غيره من الحفاظ. # وقد روى أبو داود هذا الحديث في سننه عن ابن عباس من وجه آخر، كلاهما ~~موافق لحديث طاووس عنه. وأحمد كان يعارض حديث طاووس بحديث فاطمة بنت قيس أن ~~زوجها طلقها ثلاثا ونحوه. وكان أحمد يروي (1) جمع الثلاث جائزا، ثم رجع عن ~~ذلك، وقال: تدبرت القرآن فإذا كل طلاق فيه فهو رجعي. واستقر مذهبه على ذلك، ~~وعليه جمهور أصحابه. وتبين أن حديث فاطمة إنما كانت ثلاثا متفرقات لا ~~مجموعة. فإذا كان قد ثبت حديثان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من جمع ~~ثلاثا لم يلزمه إلا واحدة، وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يخالف ~~ذلك، بل القرآن يوافق ذلك، والنهي عنده يقتضي الفساد، فهذه النصوص والأصول ~~الثابتة عنه تقتضي من مذهبه أنه لا يلزمه إلا واحدة، وعدوله عن القول بحديث ~~ركانة وغيره كان أولى، لما تعارض ذلك عنده من جواز جمع الثلاث، وكان ذلك ~~يدل على النسخ، ثم إنه رجع عن المعارضة، وتبين له فساد هذا المعارض وأن جمع ~~الثلاث لا يجوز، فوجب على أصله العمل بالنصوص السالمة عن المعارض، ولكن علل ~~حديث طاووس بفتيا ابن عباس بخلافه، وهذه علة في إحدى الروايتين عنه. # وأما ظاهر مذهبه الذي عليه أصحابه فذلك لا يقدح في العمل بالحديث، لاسيما ~~وقد بين ابن عباس عذر عمر بن الخطاب في PageV01P360 ### || CHECK - العقود المحرمة لا تكون لازمة ### || CHECK - إلزام الناس بوقوع الثلاث في عهد عمر كان عقوبة # الإلزام، وهو عذر ابن عباس ms0187 أيضا، وهو أن الناس لما تتايعوا فيما حرم الله ~~عليهم استحقوا العقوبة على ذلك، فعوقبوا بلزومه، بخلاف ما كانوا عليه قبل ~~ذلك، فإنهم لم يكونوا مكثرين من فعل المحرم. # وهذا كما أنهم أكثروا شرب الخمر واستخفوا بحدها كان عمر يضرب الشارب ~~ثمانين وينفي فيها ويحلق الرأس، ولم يكن ذلك على عهد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. وكما قاتل علي رضي الله عنه بعض أهل القبلة، ولم يكن ذلك على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # [و] التفريق بين الزوجين هو مما كانوا يعاقبون به، إما مع بقاء النكاح، ~~وإما بدونه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بين الثلاثة الذين تخلفوا ~~وبين نسائهم - حتى تاب الله عليهم - من غير طلاق. والمطلق ثلاثا حرمت عليه ~~امرأته حتى تنكح زوجا غيره، عقوبة له ليمتنع عن الطلاق. # وعمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن وافقه كمالك وأحمد - في إحدى الروايتين ~~- حرموا المنكوحة في العدة على الناكح أبدا، لأنه استعجل ما أحله الله، ~~فعوقب بنقيض قصده. والحكمان لهما عند أكثر السلف أن يفرقا بين الزوجين بلا ~~عوض إذا رأيا الزوج متعديا، لما في ذلك من منعه من الظلم، ورفع الضرر عن ~~الزوجة، وعلى ذلك دل الكتاب والسنة والآثار، وهو مذهب مالك، وأحد القولين ~~في مذهب الشافعي وأحمد. # والمقصود هنا التنبيه على مآخذ الناس، فالذين لا يرون الطلاق المحرم ~~لازما يقولون: هذا الأصل الذي عليه الفقهاء كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ~~وهو أن العقود المحرمة لا تقع لازمة، كالبيع المحرم والنكاح المحرم ~~والكتابة المحرمة. ولهذا أبطلوا نكاح الشغار ونكاح المحلل، وأبطل مالك ~~وأحمد البيع عند النداء يوم الجمعة. ولكن PageV01P361 ### || CHECK - قول الشيعة إن جمع الثلاث لا يقع به شيء، لم يعرف عن أحد من السلف # الذين خالفوا قياس أصولهم في الطلاق خالفوها لما بلغهم من الآثار، فلما ~~ثبت عندهم عن أئمة الصحابة أنهم ألزموا بالثلاث المجموعة قالوا: لا يلزمون ~~بذلك إلا وذلك مقتضى الشرع. واعتقد طائفة أن لزوم هذا إجماع، لكونهم لم ~~يعلموا فيه خلافا، لاسيما ms0188 وصار القول بذلك معروفا عن الشيعة الذين لم ~~ينفردوا عن أهل السنة بحق. # قال المستدلون لهم: أما الشيعة وطائفة من أهل الكلام فيقولون: جامع ~~الثلاث لا يقع به شيء. وهذا القول لم يعرف عن أحد من السلف، بل قد تقدم ~~الإجماع على نقضه، وإنما الكلام هل يلزمه واحدة أو ثلاث، والنزاع بين السلف ~~في ذلك ثابت لا يمكن دفعه. # وليس مع من ألزم بالثلاث وجعل ذلك شرعا لازما للأمة حجة يجب اتباعها، لا ~~من كتاب ولا من سنة ولا من إجماع، وإن كان قد احتج بعضهم بالكتاب، وبعضهم ~~بالسنة، وبعضهم بالإجماع، وبعضهم بالقياس، وقد يحتج بعضهم بحجتين أو أكثر. ~~لكن المنازع تبين له أن هذه كلها حجج ضعيفة، وإن كان الكتاب والسنة ~~والاعتبار إنما يدل على عدم اللزوم. وتبين أنه لا إجماع في المسألة، بل ~~الآثار الثابتة عمن ألزم بالثلاث مجموعة من الصحابة تدل على أنهم لم يكونوا ~~يجعلون ذلك مما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته شرعا لازما، كما ~~شرع تحريم المرأة بعد الطلقة الثالثة، بل كانوا مجتهدين في العقوبة بإلزام ~~ذلك إذا كثر ولم تنته الناس عنه، وقد ذكرت الألفاظ المنقولة عن الصحابة في ~~غير هذا الموضع. والعقوبة إنما تكون لمن علم التحريم وأقدم عليه، وأما من ~~لم يعلم التحريم فلا تجوز عقوبته. # وعامة الآثار المنقولة عن الصحابة تدل على أنهم ألزموا بالثلاث لمن عصى ~~الله بإيقاعها جملة، فأما من كان متقيا لله فإن الله يقول: PageV01P362 ### || CHECK - الكلام على نكاح التحليل # (ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب) (1)، فمن لم ~~يعلم التحريم حتى أوقعها، ثم لما علم التحريم تاب والتزم أن لا يعود إلى ~~المحرم، فهذا لا يستحق أن يعاقب. وليس في الأدلة الشرعية - الكتاب والسنة ~~والإجماع والقياس - ما يوجب لزوم الثلاث له، ونكاحه ثابت بيقين، وامرأته ~~محرمة على الغير بيقين. وفي إلزامه بالثلاث إباحتها للغير مع علمه، وذريعة ~~إلى نكاح التحليل الذي ذمه الله ورسوله. # ونكاح التحليل لم يكن ظاهرا على عهد ms0189 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وخلفائه، ولم ينقل قط أن امرأة بعد الطلقة الثالثة أعيدت إلى زوجها بنكاح ~~تحليل على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد خلفائه، بل لعن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له، ولعن آكل الربا وموكله وكاتبه ~~وشاهده (2). ولم يذكر في التحليل الشهود ولا الزوجة ولا الولي، لأن التحليل ~~الذي كان يفعل كان مكتوما، يقصده المحلل ويتواطأ عليه هو والمطلق والمرأة ~~ووليها، لا يعلم قصدهم، ولو علم لم يرض أن يزوجه، فإنه من أعظم المستقبحات ~~والمستنكرات عند الناس. # فلما لم يكن على عهد عمر تحليل، ورأى أن في إنفاذ الثلاث زجرا لهم عن ~~المحرم، فعل ذلك باجتهاده رضي الله عنه. أما إذا كان الفاعل لا يستحق ~~العقوبة، وإنفاذ الثلاث يفضي إلى وقوع التحليل المحرم بالنص والإجماع - ~~إجماع الصحابة - والاعتبار، وغير ذلك من المفاسد، لم يجز أن تزال مفسدة ~~بمفاسد أغلظ منها، بل جعل الثلاث واحدة في مثل هذه الحال - كما كان على عهد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر - أولى. PageV01P363 ### || CHECK - ما شرعه شرعا معلقا بسبب إنما يكون مشروعا عند وجود السبب ### || CHECK - ما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - شرعا لازما دائما لا يمكن تغييره # ولهذا كان طائفة من العلماء مثل أبي البركات يفتون بلزوم الثلاث في حال ~~دون حال، كما نقل عن الصحابة، وهذا إما لكونهم رأوه من باب التعزير الذي ~~يجوز فعله بحسب الحاجة، كالزيادة على أربعين في الخمر، والنفي فيها وحلق ~~الرأس؛ وإما لاختلاف اجتهادهم، فرأوه تارة لازما، وتارة غير لازم. # وبالجملة فما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - شرعا لازما دائما لا ~~يمكن تغييره، فإنه لا نسخ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولا يجوز ~~أن يظن بأحد من علماء المسلمين أنه يقصد هذا، لاسيما الصحابة، لاسيما ~~الخلفاء الراشدين. # وإنما يظن مثل ذلك في الصحابة أهل الجهل والضلالة من الرافضة والخوارج، ~~الذين يكفرون بعض الخلفاء أو يفسقونه. ولو قدر أن أحدا فعل ذلك لم يقره ~~المسلمون ms0190 على ذلك، فإن هذا إقرار على أعظم المنكرات، والأمة معصومة أن ~~تجتمع على مثل ذلك. لكن يجوز أن يجتهد الحاكم والمفتي، فيصيب فيكون له ~~أجران، ويخطئ فيكون له أجر واحد. # وما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - شرعا معلقا بسبب، إنما يكون ~~مشروعا عند وجود السبب، كإعطاء المؤلفة قلوبهم، فإنه ثابت بالكتاب والسنة. # وبعض الناس ظن أن هذا نسخ (1)، لما روي عن عمر أنه ذكر أن الله أعز ~~الإسلام وأهله، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. وهذا الظن غلط، ولكن عمر ~~استغنى في زمنه عن إعطاء المؤلفة قلوبهم، فترك ذلك لعدم الحاجة إليه، لا ~~لنسخه. كما لو فرض أنه عدم في بعض الأوقات ابن السبيل أو الغارم. PageV01P364 ### || CHECK - لماذا نهى عمر عن التمتع في الحج؟ # ونحو ذلك متعة الحج، فقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه نهى عنها، وكان ~~ابنه عبد الله وغيره يقولون: لم يحرمها، وإنما قصد أن يأمر الناس بالأفضل، ~~وهو أن يعتمر أحدهم من دويرة أهله في غير أشهر الحج، فإن هذه العمرة أفضل ~~من عمرة المتمتع والقارن باتفاق الأئمة. حتى أن مذهب أبي حنيفة وأحمد ~~المنصوص عنه: أنه إذا اعتمر في غير أشهر الحج، وأفرد الحج في أشهره فهذا ~~أفضل من مجرد التمتع والقران، مع قولهما بأنه أفضل من الإفراد المجرد. # ومن الناس من قال: إن عمر أراد فسخ الحج إلى العمرة، وقالوا: إن هذا يحرم ~~ولا يجوز، وإن ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه من الفسخ ~~[كان] خاصا لهم. وهذا قول كثير من الفقهاء، كأبي حنيفة ومالك والشافعي. ~~وآخرون من السلف والخلف قالوا: بل الفسخ واجب، ولا يجوز أن يحج أحد إلا ~~متمتعا مبتدئا أو فاسخا، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في ~~حجة الوداع. وهذا قول كثير من السلف والخلف، كأحمد بن حنبل وغيره من فقهاء ~~الحديث. # وعمر لما نهى عن المتعة خالفه غيره من الصحابة، كعمران بن الحصين وعلي بن ~~أبي طالب وعبد الله بن عباس وغيرهم، ms0191 بخلاف نهيه عن متعة النساء، فإن عليا ~~وسائر الصحابة وافقوه على ذلك، وأنكر علي بن أبي طالب على ابن عباس إباحة ~~متعة النساء، فقال له: إنك امرؤ تائه، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حرم المتعة وحرم لحوم الحمر الأهلية عام خيبر. فأنكر علي على ابن عباس ~~إباحة لحوم الحمر وإباحة متعة النساء. # فقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم ~~فيه أناة، فلو أنفذناه عليهم، فأنفذه عليهم، وهو بيان PageV01P365 ### || CHECK - الإلزام بالثلاث اجتهاد من عمر # أن الناس قد أحدثوا ما استحقوا به عنده أن ينفذ عليهم الثلاث، فهذا إما ~~أن يكون كالنهي عن منع الفسخ، لكون ذلك كان مخصوصا بالصحابة، وهو باطل، فإن ~~هذا كان على عهد أبي بكر، ولأنه لم يذكر ما يوجب اختصاص الصحابة بذلك. ~~وبهذا أيضا تبطل دعوى من ظن أن ذلك منسوخ كنسخ متعة النساء. وإن قدر أن عمر ~~رأى ذلك لازما فهو اجتهاد منه، كاجتهاد من اجتهد في المنع من فسخ الحج، ~~لظنه أن ذلك كان خاصا. وهذا قول مرجوح، قد أنكره غير واحد من الصحابة، ~~والحجة الثابتة مع من أنكره. # وهكذا الإلزام بالثلاث، من جعل قول عمر فيه شرعا لازما، قيل له: فهذا ~~اجتهاد قد نازعه فيه غيره من الصحابة، وإذا تنازعوا في شيء وجب رد ما ~~تنازعوا فيه إلى الله والرسول، والحجة مع من أنكر هذا القول المرجوح. فإما ~~أن يكون عمر جعل هذا عقوبة تفعل عند الحاجة، وهذا الأمرين بعمر (1). # ثم العقوبة بذلك يدخلها الاجتهاد من وجهين: # من جهة أن العقوبة بذلك هل تشرع أم لا؟ فقد يرى الإمام أن يعاقب بنوع لا ~~يرى غيره العقوبة به، كتحريق علي - رضي الله عنه - الزنادقة، وقد أنكره ~~عليه ابن عباس، وجمهور الفقهاء مع ابن عباس في ذلك. # ومن جهة أن العقوبة إنما تكون لمن يستحقها، فمن كان من المتقين استحق أن ~~يجعل الله له فرجا ومخرجا، ولم يستحق العقوبة. # ومن لم يعلم أن جمع الثلاث ms0192 محرم، ولما علم أن ذلك محرم تاب PageV01P366 # من ذلك، والتزم أن لا يطلق إلا طلاقا سنيا، فنه من المتقين في باب ~~الطلاق. فمثل هذا لا يتوجه إلزامه بالثلاث مجموعة، بل يلزم بواحدة منها. # وهذه المسألة من المسائل الكبار، وقد بسطت الكلام عليها في مواضع في نحو ~~مجلدين وأكثر (1)، وإنما نبهنا عليها تنبيها لطيفا. # وعلى هذا الراجح لهذا الموقع أن يلتزم طلقة واحدة، ويراجع امرأته. # والله أعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم. وهو حسبنا ونعم الوكيل. # (تمت المسألة لله الحمد والمنة يوم الجمعة خامس عشر جمادى الآخرة سنة 1187. # بلغ مقابلة وتصحيحا). # ... PageV01P367 ### | CHECK (24) فصل في الإيلاء # فصل في الإيلاء # من كلام الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمة الله عليه # كتبه أخيرا بقلعة دمشق PageV01P369 ### || CHECK - الصواب أنه إذا طلق لم يقع إلا طلقة رجعية ### || CHECK - مذهب الجمهور في الإيلاء # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين. # قال شيخنا تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله: # فصل # في طلاق الإيلاء # قال تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله ~~غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227)) (1). والذي ~~عليه جمهور الصحابة والعلماء أنه لا يقع به الطلاق، حتى تمضي الأربعة، فإما ~~أن يفئ وإما أن يطلق، وإن طلق قبل ذلك جاز. وقد قالت طائفة: إن عزيمة ~~الطلاق انقضاء الأربعة أشهر، فإذا مضت وقع به طلقة، وهذا مذهب أبي حنيفة، ~~والأول مذهب الثلاثة، وقولهم هو الصواب كما قد بين في غير هذا الموضع (2). ~~لكن المقصود أنه متى طلق فقد قيل: إنه لا يقع إلا بائنا لئلا يملك الرجعة، ~~وقيل: يقع رجعيا، وله الرجعة، ثم تضرب له مدة الإيلاء. وقيل: للإمام أن ~~يطلق عنه إذا امتنع ثلاثا. # وهذه أقوال ضعيفة، والصواب القول الآخر الذي دل عليه القرآن، وهو أنه إذا ~~طلق أو طلق عنه الإمام لم يقع إلا طلقة رجعية، لأن الله PageV01P371 # ذكر قوله (والمطلقات) عقب ms0193 قوله (وإن عزموا الطلاق)، فيجب أن تكون هذه ~~المطلقة داخلة في قوله (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (1). ولهذا ~~يجب عليها العدة ثلاثة قروء باتفاق العلماء، وإن كان له عنها أربعة أشهر، ~~وهذا يؤيد ما قررناه من أنها جعلت ثلاثة قروء لحق الزوج في الرجعة، وإذا ~~كانت هذه المطلقة داخلة في قوله (والمطلقات) وجب أن يكون بعلها أحق بردها ~~في العدة كما بينه القرآن. # لكن يقال: إن الله خيره بين شيئين: بين أن يفيء أو يطلق، وهو تخيير بين ~~إمساك بمعروف أو تسريح بحسان، فإذا طلق ثم أراد الرجعة فقد قدم على الطلاق، ~~فيكون قد فاء بعد الطلاق، وحينئذ فعليه أن يطأها عقب هذه الرجعة إذا طلبت ~~ذلك، ولا يمكن من الرجعة إلا بهذا الشرط، لأن الله خيره بين أن يفيء ~~فيمسكها بمعروف، وبين أن يسرحها بإحسان، فإذا أراد أن يرتجعها فيمسكها بغير ~~معروف لم يكن له ذلك. ولأن الله إنما جعل الرجعة لمن أراد إصلاحا بقوله ~~(وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا) (2). وإذا لم يكن مقصوده حسن ~~عشرتها بالوطء لم يكن مريدا للإصلاح، فلا يمكن من الرجعة. ولأن الله لما ~~خيره بين أن يفيء وبين أن يطلق، فإن طلق واستمر على ذلك فقد اختار الطلاق، ~~ولكن الله جعله أحق من غيره في العدة، فإذا ارتجعها كان قد اختار إمساكها، ~~لم يرد استمرار الطلاق، وحينئذ فيكون كمن لم يطلق، ولو لم يطلق كان عليه أن ~~يطأها إذا لم يختر الطلاق، كذلك هذا. ولأنه لو سوغ أن يرتجع ولا يطأها ~~أربعة أشهر، ثم يطلق ثم PageV01P372 ### || CHECK - تفسير قوله (يؤلون من نسائهم)، ومعنى من # يرتجعها ولا يطأها أربعة لكان قد جعل له تربص سنة، وذلك خلاف القرآن، ~~وفيه إضرار عظيم بها، والله أعلم. # فصل # وهو سبحانه قال: (يؤلون من نسائهم) (1). والإيلاء هو اليمين، وهو القسم، ~~وهو الحلف، يقال آلى وائتلى، كقوله (ولا يأتل أولو الفضل منكم) (2)، ويقال: ~~تألى يتألى. وهو سبحانه عداه بحرف "من" فقال: (من نسائهم)، وكذلك ~~الاستعمال، كقول عائشة ms0194 رضي الله عنها: "آلى من نسائه شهرا" (3)، وهذا ~~استعمال الناس كافة يقولون "آلى من نسائه". # فحكى ابن الأنباري (4) عن بعض اللغويين أنه قال: "من" بمعنى في أو على، ~~والتقدير: يحلفون على وطء نسائهم، فحذف الوطء وأقام النساء مقامه، وقيل: ~~تقديره يولون أي يعتزلون من نسائهم. # وكلاهما ضعيف، لأن حروف المعاني لا يقوم بعضها مقام بعض عند البصريين، ~~لأنه لو صرح فقال: يحلفون على وطء نسائهم، لم يدل على أنه حلف لا يطأ، بل ~~هذا يفهم منه أنه حلف على الفعل، والحذف إن لم يكن في الكلام ما يدل عليه ~~كان غير جائز. # وأيضا فإنه يقال: اعتزل امرأته، لا يقال: اعتزل منها. لكن قوله (يؤلون من ~~نسائهم) كقوله (الذين يظاهرون منكم من نسائهم) (5) و (والذين PageV01P373 # يظاهرون من نسائهم) (1)، وكلاهما مضمن معنى الامتناع، فإن المولي يمتنع ~~باليمين من امرأته، وكذا المظاهر يمتنع بالظهار من امرأته، وكلاهما مقصوده ~~الامتناع والبعد والنفور منها والهرب منها والتخلص منها والفرار منها، فمن ~~هي لابتداء الغاية، ولكن الفعل هنا قد ترك. # وإذا قلت: سرت من مكة إلى المدينة فالمجرور بمن مبدأ الفعل، كذلك إذا ~~قلت: غضبت من هذا، أو خفت من هذا، أو حذرت من هذا، أو فزعت من هذا ونحو ~~ذلك، كان المجرور هو مبدأ الغاية للفعل المذكور، والمولي والمظاهر هو تارك ~~للمرأة، والمولي ممتنع من وطئها، وإنما يكون بسبب منها، وإن كانت قد تكون ~~مظلومة لكونه يبغضها ويغضب منها وينفر عنها، وإن كانت مظلومة، فبكل حال هو ~~ممتنع منها أي من وطئها، وهو نافر منها. لكنه في الإيلاء هو ممتنع باليمين، ~~وفي الظهار ممتنع بتحريمها لما شبهها بأمه التي تحرم عليه. ولهذا كانوا ~~يعدون هذا وهذا في الجاهلية طلاقا، إذ لم يكن في شرعهم كفارة يمين ولا ~~كفارة ظهار، فمتى حرمها فلا تحرم إلا بالطلاق، ومتى ألزمته اليمين ترك ~~وطأها، فالزوجة لا تكون ممنوعا من وطئها، فإذا زال لازم النكاح زال. # والله سبحانه في البقرة ذكر الأيمان ثم الطلاق، كما أنه في سورتي التحريم ~~والطلاق ms0195 ذكر الأيمان ثم الطلاق، وفرق بين الأيمان والطلاق هاهنا وهاهنا، ~~وهو مما يبين الفرق بين الأيمان والطلاق، كما قد بسط في غير هذا الموضع ~~(2)، ويبين أن الحلف بالطلاق من باب الأيمان لا من باب الطلاق، كما أن ~~الحلف بالنذر من باب الأيمان لا PageV01P374 ### || CHECK - في تفسيره ثلاثة أقوال ### || CHECK - تفسير قوله (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا) الآية # من باب النذر، وكذلك الحلف بالكفر من باب الأيمان لا من باب الكفر، وطرده ~~الحلف بالعتاق والظهار والحرام. # وهو سبحانه في سورة المائدة ذكر كفارة الأيمان، وفي سورة التحريم أحال ~~عليها فقال: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) (1). وأما البقرة فنزلت قبل ~~المائدة، فذكر فيها النهي أن يجعلوا الله عرضة لأيمانهم (أن تبروا وتتقوا ~~وتصلحوا بين الناس) (2)، فتضمنت النهي عن أن يجعل الحلف بالله مانعا من فعل ~~الخير، لكن هذا يقتضي في أول الأمر النهي عن الحلف على ذلك حين لم تشرع ~~الكفارة، فلما شرعت الكفارة صار النهي عن جعل هذه اليمين مانعة من فعل ما ~~يحبه الله، فإنه إما أن لا يحلف بها فيجعلها مانعة، وإما أنه إذا حلف لا ~~يجعل الحلف بها مانعا، فإن الكفارة مشروعة عن اليمين. # ولهذا تنوعت عبارات المفسرين للآية، قال أبو الفرج (3): وفي معنى الآية ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناها لا تحلفوا بالله أن لا تبرو ولا تتقوا ولا تصلحوا بين ~~الناس. هذا قول ابن عباس ومجاهد وعطاء وابن جبير وإبراهيم والضحاك وقتادة ~~والسدي ومقاتل والفراء وابن قتيبة والزجاج في آخرين. # والثاني: أن معناها لا تحلفوا بالله كاذبين لتتقوا المخلوقين وتبروهم ~~وتصلحوا بينهم بالكذب. روى هذا المعنى عطية عن ابن عباس. PageV01P375 # والثالث: لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم بارين مصلحين، فإن كثرة الحلف ~~ضرب من الجرأة عليه. هذا قول ابن زيد. # قلت: الحلف بالله كاذبا لا يجوز مطلقا، ولكن هذه الآية لم يقصد بها النهي ~~عن الحلف الكاذب، وأما الإكثار من الحلف به مع الصدق فإنه ليس بمحرم، ~~والآية تضمنت نهيا يوجب التحريم، والحلف ms0196 بالله تعظيم له. وقد حلف النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مرات متعددة، وأمر الله تعالى بالحلف في ثلاث مواضع، ~~قال تعالى: (ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق) (1)، وقال تعالى: (وقال ~~الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم) (2)، وقال تعالى: (زعم ~~الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن) (3). # وما يروى عن الله تعالى أنه قال: "لا تحلفوا بي صادقين ولا كاذبين" كلام ~~لا إسناد له عن الله تعالى، ليس مما أنزله الله على محمد، ولا نقل عن نبي ~~قبله بإسناد يعرف. وطائفة من النساك يستحبون أن لا يحلف أحد قط، وينهون عن ~~ذلك، ولكن ليس هذا شرع الإسلام. كما أن طائفة يستحبون الصمت مطلقا حتى عن ~~الكلام الواجب والمستحب، وليس هذا من شرع الإسلام، بل قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" (4). فما ~~كان واجبا أو مستحبا فقوله خير من السكوت عنه، والسكوت عن الواجب PageV01P376 ### || CHECK - تحقيق الحق في ذلك # محرم. وما لم يكن خيرا فهو مأمور بالصمت عنه، فإنه عليه لا له، كما قد ~~بسط هذا في مواضع (1). # وفي الحديث المرفوع: "لا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون" ~~(2). وهذا مبسوط في موضعه. # وعامة السلف والخلف على أن المراد بالآية المعنى الأول، وهو أن لا يجعل ~~الحلف بالله مانعا من فعل ما أمر الله به، فإن هذا حرام لا يجوز، لم يبح ~~الله أن يجعل الحلف به مانعا من فعل ما أمر به، بل ما أمر به هو يحبه ~~ويرضاه، وهو واجب أو مستحب، والحلف به على ترك ذلك يمين ليست بواجبة ولا ~~مستحبة، فلا يجوز أن يجعل ماليس بطاعة لله مانعا من طاعة الله. والله تعالى ~~لما أنزل الكفارة جعل الكفارة تحلة اليمين، كما ثبت عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو ~~خير، وليكفر عن يمينه" (3). # وأما قبل إنزاله الكفارة فآيات البقرة ms0197 ليس فيها كفارة، فقيل: كان يجوز ~~الحنث بلا كفارة، لكن هذا لم يثبت. وقيل: بل كان منهيا عن الحلف، ثم إذا ~~حلف كان عاصيا قد ورط نفسه بين ذنبين، والحنث منهي عنه، وجعل اليمين مانعة ~~من الخير منهي عنه. ثم إن الله تعالى شرع الكفارة، فصار الحالف قادرا على ~~التكفير. # وهذه العبارة التي ذكرها أبو الفرج من أن معناها النهي، عن الحلف PageV01P377 # بالله على ترك طاعته، يناسب ما كان الأمر عليه قبل الكفارة، وعبارة كثير ~~من المفسرين أن معناها إذا حلفت فلا تجعل حلفك بالله مانعا من فعل الطاعة، ~~وهذا يناسب الحال بعد الكفارة، والآية تتناول هذا وهذا. قال كثير من ~~المفسرين - واللفظ للبغوي (1) -: معنى الآية لا تجعلوا الحلف بالله سببا ~~مانعا لكم من البر والتقوى، يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو بر فيقول حلفت بالله ~~أن لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البر. وذكر الحديث الذي في الصحيح (2) عن ~~مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "من حلف بيمين فرأى خيرا منها فليكفر عن يمينه، وليأت ~~الذي هو خير". # وروى ابن أبي حاتم وغيره (3) ما في تفسير ابن أبي طلحة عن ابن عباس: (ولا ~~تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) قال: لا تجعلن الله عرضة ليمينك أن لا تصنع ~~الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير. # قال ابن أبي حاتم (4): وروي عن مسروق وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ~~والشعبي ومجاهد وعطاء والزهري والحسن وعكرمة وطاوس ومكحول ومقاتل بن حيان ~~وقتادة والربيع بن أنس والضحاك وعطاء الخراساني والسدي نحو ذلك. وقال (5): ~~حدثنا أبي ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل نا يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه ~~عن عطاء قال: PageV01P378 ### || CHECK - تفسير اللفظ من جهة العربية، وتقدير الكلام # جاء رجل إلى عائشة، فقال: يا أم المؤمنين! إني نذرت إن كلمت فلانا فكل ~~مملوك لي عتيق لوجه الله، وكل مال لي ستر للبيت، فقالت: لا تجعل مملوكيك ~~عتقاء لوجه الله، ولا ms0198 تجعل مالك سترا للبيت، فإن الله يقول: (ولا تجعلوا ~~الله عرضة لأيمانكم) الآية، قالت: فكفر عن يمينك. # وروى (1) عن السدي قال: وأما "تبروا" فالرجل يحلف أن لا يبر ذا رحمه، ~~فيقول: قد حلفت، فأمر الله أن لا يعرض بيمينه بينه وبين ذي رحمه، وليبره ~~ولا يبال بيمينه. # وعن عبد الكريم الجزري (2) قال في قوله (أن تبروا وتتقوا) قال: التقوى ~~يحلف ويقول: قد حلفت أن لا أعتق ولا أصدق. # وعن سعيد بن جبير (3) في قول الله (وتتقوا وتصلحوا بين الناس) قال: كان ~~الرجل يريد الصلح بين اثنين، فيغضبه أحدهما أو يتهمه، فيحلف أن لا يتكلم ~~بينهما في الصلح، قال: أن تصلوا القرابة وتتقوا وتصلحوا بين الناس فهو خير ~~من وفاء اليمين في المعصية. # قال ابن أبي حاتم (4): وروي عن السدي نحو ذلك، وقال: هذا قبل أن تنزل ~~الكفارات. # وأما تفسير اللفظ من جهة العربية، فقال الفراء (5): والمعنى ولا PageV01P379 # تجعلوا الله معترضا لأيمانكم. وقال أبو عبيد (1): نصبا لأيمانكم. وقال ~~طائفة- واللفظ للبغوي (2) -: العرضة أصلها المد (3) والقوة، ومنه قيل ~~للدابة التي تصلح للسفر عرضة لقوتها عليه، ثم قيل لكل ما يصلح لشيء: هو ~~عرضة له، حتى قالوا للمرأة: هي عرضة للنكاح إذا صلحت له. والعرضة كل ما ~~يعترض له فيمتنع عن الشيء. ثم قال: ومعنى الآية لا تجعلوا الحلف بالله ~~سببا، إلى آخر كلامه المتقدم. # قلت: فعلى هذا يكون التقدير لا تجعلوا الله معروضا لأيمانكم تقصدون الحلف ~~به لئلا تفعلوا الخير، ويكون قوله (أن تبروا وتتقوا) من تمام ما نهوا عنه، ~~أي لا تجعلوا الله محلوفا به لئلا تفعلوا الخير، فتجعلوا ما يجب من تعظيم ~~حقه والحلف به مانعا لكم من فعل ما يحبه ويرضاه من البر والتقوى والإصلاح ~~بين الناس. فإذا قيل: هو عرضة لكذا، أي هو أهل أن يتعرض إليه بكذا، فلا ~~تجعلوه عرضة لليمين أن تبروا وتتقوا، أي كراهة أن تبروا وتتقوا. هذا تقدير ~~البصريين. # وتقدير الكوفيين لئلا تبروا وتتقوا وتصلحوا (4)، أي السبب الداعي لكم إلى ~~أن يكون عرضة لأيمانكم كراهة ms0199 فعل الخير، فلما كرهتم فعل ما يحبه جعلتموه ~~عرضة ليمينكم، لتكون اليمين به مانعة لكم من فعل ما كرهتموه من الخير، فهذا ~~لا يجوز. # وعلى ما قال السدي المعنى: لا تجعلوا الله معترضا بينكم وبين PageV01P380 # ما أمر به. لكن لفظ الآية (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا)، ولم ~~يقل "بينكم"، فتضمن العرضة معنى المنع، لأن المعترض بين الشيئين مانع ~~بينهما، ويكون المعنى لا تجعلوا الله مانعا لكم من البر والتقوى، ويكون (أن ~~تبروا وتتقوا) منصوبا (1) بالعرضة. لكن هذا ضعيف في العربية، فإنه قال: ~~(عرضة لأيمانكم)، فدل على أنه معروض لليمين، وهو فعلة بمعنى المفعول، لا ~~بمعنى الفاعل، وهو المعارض المانع. # (آخر ما كتب فيها، والحمد لله وحده. بلغ مقابلة بالأصل خط المؤلف، ومنه ~~نقل. والحمد لله رب العالمين). # ... PageV01P381 # فصل في الظهار # من كلام شيخ الإسلام، إمام الأئمة الأعلام، تقي الدين، أوحد العلماء ~~العاملين أبي العباس ابن تيمية رحمة الله عليه # مما صنفه بقلعة دمشق في محبسه الأخير PageV01P383 ### | CHECK (25) فصل في الظهار ### || CHECK - سبب نزول آيات الظهار # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر وأعن # الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # فصل في الظهار # قال تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله ~~يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير (1) الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ~~وإن الله لعفو غفور (2) والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ~~فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) ~~فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين ms0200 عذاب أليم ~~(4)) (1). # وقد عرف أنها نزلت في خولة بنت ثعلبة لما تظاهر منها أوس بن الصامت (2)، ~~وكان الظهار والإيلاء طلاقا عندهم، فلما أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وجادلته واشتكت إلى الله أنزل هذه السورة. وكانت قد قيل لها: إنه PageV01P385 ### || CHECK - تفسير هذه الآيات # وقع بك الطلاق، على ما كانت عادتهم، وذلك أن موجب هذا اللفظ. # أنها تحرم عليه أبدا، لأنه شبهها بأمه يقصد تحريمها، فمقصوده تحريمها، ~~والتحريم لا يكون إلا بزوال الملك بالطلاق، فلهذا كان طلاقا. # والإيلاء هو حلف على أنه لا يطأها، ولم يكن عندهم لليمين كفارة، فكانت ~~اليمين تمنعه من وطئها، والمرأة لا تكون محرمة الوطء أبدا، فتقع به الطلاق. # فالظهار أوجب تحريم وطئها، والإيلاء أوجب تحريم وطئها، وكلاهما ينافي ~~موجب النكاح، فإن النكاح لا يكون إلا مع حل الوطء. # فلهذا كانوا يرون هذا وهذا طلاقا، حتى أنزل الله تعالى في الظهار الكفارة ~~الكبرى، والمولي خيره بين أن يفيء وبين أن يطلق، فإنه إذا فاء ورجع كان له ~~مخرج بالكفارة، كما قال: (فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم) (1)، وقال: (لم ~~تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم) (2). # قال سبحانه: (ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم) (3)، كما قال ~~في الآية الأخرى: (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم) (4). # وهم كانوا يعرفون أنهم ما هن أمهاتهم، لكن شبهوهن بهن، فأقاموا الزوجة ~~مقام الأم، وجعلوها مثل الأم، فبين الله تعالى بطلان هذا التشبيه، وأن الأم ~~هي التي ولدتك، والزوجة لم تلد، فامتنع أن تكون أما أو مثل الأم. PageV01P386 # ثم قال: (وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا) (1). فالمنكر ضد المعروف، ~~والزور الكذب، والكذب يكون في الأخبار، والمنكر هو المكروه المذموم المعيب، ~~وذلك يكون في الأفعال والإنشاءات، كالأمر والنهي وصيغ العقود، كقوله: أنت ~~علي كظهر أمي، تضمنت إنشاءا وإخبارا، فكانت منكرا من القول باعتبار ما فيها ~~من الإنشاء، وكانت زورا باعتبار ما فيها من الإخبار، فإن كونه يجعل زوجته ~~الحلال التي ما ولدته مثل أمه الحرام ms0201 التي ولدته أمر منكر مكروه بغيض، تنفر ~~عنه القلوب لما فيه من القبح، وهو زور أيضا لما فيه من الكذب. فدل القرآن ~~على أن المنكر من القول والزور لا يقع به طلاق، وإن قصد به الإنسان الطلاق، ~~كما كانوا يقصدون الطلاق بهذا القول. ودل القرآن على أنه ليس كل لفظ يقصد ~~به الإنسان الطلاق يقع به الطلاق، بل لابد أن يكون ذلك القول ليس منكرا من ~~القول ولا زورا. # فكان في هذا دلالة على مذهب الجمهور من السلف والخلف أن صيغة الحرام لا ~~يقع بها طلاق إذا قال لامرأته: أنت علي حرام، فإن هذا هو مثل قوله: أنت علي ~~كظهر أمي، لكنه هنا صرح بالحكم الذي هو مقصود التشبيه، وهو منكر من القول، ~~حيث جعل الحلال حراما، وهو زور أيضا، فإن الحلال لا يكون حراما. وقول من ~~قال: إنه طلاق هو شبيه بقولهم في الجاهلية: إن الظهار طلاق. # بل دل هذا على أن الحرام لا يكون طلاقا ولو قصد به الطلاق، كما أن الظهار ~~لا يكون طلاقا وإن قصد به الطلاق. وقد نص على ذلك أحمد وغيره. PageV01P387 ### || CHECK - إذا قصد بالحرام الطلاق هل يكون طلاقا؟ # وللناس هنا ثلاثة أقوال (1): # فذهب بعض المالكية إلى أن الظهار إذا قصد به الطلاق كان طلاقا كالحرام، ~~وهذا قياس قولهم، لكنه هو قولهم في الجاهلية، وهذا رجوع إلى قول أهل ~~الجاهلية. # وذهب طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد إلى أنه إذا قصد بالحرام ~~الطلاق كان طلاقا، خلاف الظهار. وهؤلاء أرادوا أن يجمعوا بين نص الظهار ~~وبين ما اعتقدوه قياسا في الكنايات، وأنه أي لفظ قصد به الطلاق وقع، ~~فتناقضوا؛ فإن لفظ الظهار إذا قصد به الطلاق لم يقع، ولا فرق بينه وبين لفظ ~~الحرام. # فإن قالوا: اللفظ إذا كان صريحا في حكم، ووجد نفاذا فيه، لم يجز جعله ~~كناية في غيره. # قيل لهم: فهذا يدل على أنه ليس كل ما احتمله اللفظ كان كناية فيه، بل ~~لابد أن يكون صريحا في حكم آخر، وحينئذ ms0202 فلم قلتم: إن الحرام ليس بصريح في ~~الظهار كلفظ الظهار؟ وما الفرق بينه وبين لفظ الظهار؟. # وأما أحمد فإن نصوصه المتواترة عنه أنه يجعله صريحا في الظهار، # لا يقع به الطلاق ولو نواه به. # وأيضا فإما أن يجعل الظهار كناية في الطلاق، وإما أن لا يجعل، فمن جعله ~~كناية فيه فقد أتى بقول أهل الجاهلية الذي أبطله القرآن، PageV01P388 ### || CHECK - مناقشة المؤلف لمن يقول: اللفظ إذا كان صريحا في حكم ووجد نفاذا لم يكن كناية، وبيان بطلانه من وجوه # ومن لم يجعله كناية فإما أن يقيس عليه ما كان في معناه فلا يقع به طلاق، ~~وإما أن لا يقيس، فإن لم يقس فإنه يقول: اللفظ إذا كان صريحا في حكم ووجد ~~نفاذا لم يكن كناية في غيره، وجعلوا هذا هو عمدتهم في الفرق بين الطلاق ~~بالظهار والطلاق بغيره، فيقولون: الظهار صريح في حكم، وقد وجد نفاذا فيه، ~~فلا يكون كناية في الطلاق، بخلاف غيره من الألفاظ، مثل لفظ الحرام والخلية ~~والبرية، فإن تلك ليست صريحة في حكم، فلهذا كانت كناية في الطلاق. # فيقال: هذا الفرق باطل من وجوه: # أحدها: أن قول القائل "اللفظ إذا كان صريحا في حكم ووجد نفاذا لم يكن ~~كناية في غيره" دعوى مجردة لم يقم عليها دليلا، ولم يثبتها بنص ولا إجماع ~~ولا قياس صحيح. # الوجه الثاني: أن يقال: هذه الدعوى باطلة، فإن اللفظ الصريح في حكم ليس ~~من شرطه أن لا يكون مستعملا في غيره، لا مطلقا ولا مقيدا، بل ولا يجب أن ~~يكون نصا فيه، بل إذا كان ظاهرا فيه بحيث يكون هو المفهوم عند الإطلاق فهو ~~صريح فيه، وإن كان محتملا لغيره، وإن كان قد يراد به غيره مع التقييد ~~والقرينة، وحينئذ فإذا كان صريحا في حكم فمعناه أن المفهوم منه عند الإطلاق ~~هو المعنى المقتضي لذلك الحكم. كلفظ التطليق، هو عند الإطلاق يفهم منه ~~إيقاع الطلاق، وإن قيل: إنه صريح في المعنى الموجب للحكم فهو صريح في ~~الإيقاع المقتضي للوقوع، وكذلك إن قيل: ms0203 هو صريح فيهما. وإذا كان هذا معنى ~~الصريح أمكن أن يكون مستعملا في معنى آخر يريده به المتكلم مع القرينة، ~~وحينئذ فلا يكون صريحا في معنى مانعا عن استعماله في معنى آخر، كسائر ~~الألفاظ التي هي ظاهرة في PageV01P389 # معنى وتستعمل في غيره مع القرينة. # الوجه الثالث أن يقال: عامة الألفاظ الصريحة في معنى وحكم تكون كناية في ~~غيره مع وجود النفاذ، كلفظ التطليق، فإنه صريح في الإيقاع إيقاع الطلاق، ثم ~~إذا قال: أنت طالق من وثاق، أو من زوج كان قبلي، أو من نكاح قبل هذا، ووصله ~~بهذا لم يقع بها طلاق، وهذا مما لا أعلم فيه نزاعا، ولو قصد ذلك بقلبه ~~فقال: أنت طالق، ومراده من وثاق، أو من الجبل الذي كنت مقيدة به، أو من زوج ~~قبلي، أو مني قبل هذا النكاح، فإنه لا يقع به الطلاق في الباطن، بل يدين ~~فيما بينه وبين الله. وهل يقبل في الحكم؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، ~~فاللفظ صريح، ووجد نفاذا، ومع هذا كان كناية في الطلاق من الوثاق. # وفي حديث فيروز الديلمي (1) لما خيره النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ~~زوجتيه، وكان قد جمع بين الأختين، قال: فعمدت إلى إحداهما، فطلقتها. # أراد بتطليقها إرسالها وتسريحها، وإلا فإحداهما قد حرمت عليه، لا تحتاج ~~إلى طلاق. وهذه الفرقة عند الشافعي وأحمد وغيرهما فسخ لا طلاق، وقد سماها طلاقا. # وكذلك لو قال في الخلع: هي طالق تالق، كان خلعا موجبا للبينونة، لأنه ~~قيده بالعوض، فتكون فرقة بائنة، كما لو كان بغير لفظ الطلاق في أحد قولي ~~العلماء، كما قد بسط في موضعه. PageV01P390 # وكذلك لفظ الحرية الذي يقولون: إنه صريح في العتق، من نوى به أنه عفيف ~~غير فاجر، لم يقع به العتق، بل يقبل منه، لاسيما عند القرينة، كما لو قيل ~~له: ما حال مملوكك هذا؟ وكيف دينه وخلقه؟ # فقال: هو حر. فهذه القرينة تبين أنه أراد أنه عفيف، لم يرد إعتاقه، فلا ~~يعتق، وإن قيل: هو صريح وقد وجد نفاذا. # وكذلك ms0204 لفظ النكاح والتزويج، هما صريح في العقد، ثم إذا قال: أنكحت أو ~~زوجتك فلانة، ومع هذا فهو محتمل للخبر عن عقد ماض. وكذلك سائر صيغ العقود، ~~إذا نوى ذلك كان محتملا، وإن كانت القرينة تدل على ذلك قبل منه. # وأيضا فلو قيل: زوجتك بهذه، فهو محتمل قرنتك بها، كما في قوله: (أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا) (1). وهذا يراد باللفظ مع ما يدل على ذلك، كما لو ~~جمع بين الصغار بين كل صغير وصغيرة في موضع قيل: زوج هذه بهذا وهذه بهذا، ~~أي اقرنها به. # وقد يقال: أنكحتك فلانة، بمعنى مكنتك من سبيها وأخذها، كما قال الشاعر: # ومن أيم قد أنكحتها رماحنا ... وأخرى على عم وخال (2) # وكذلك لفظ الوقف، يراد به تحبيس الأصل، وقد يقال: وقفت هذا، أي وقفته في ~~السوق لأبيعه. وكذلك ألفاظ الإيلاء، إذا قال: والله لا وطئت، فقد يراد: لا ~~وطئتك برجلي، ولو أراد ذلك لم يكن موليا في الباطن، وفي قبوله في الحكم ~~نزاع. PageV01P391 # فعامة الألفاظ الصريحة تكون كناية في معنى آخر، مع كون المحل قابلا لمعنى ~~الصريح. فعلم أن هذه الدعوى باطلة، وإنما ذكرت في الظهار ليفرق بها، وليس ~~هو فرقا صحيحا. # الوجه الرابع: أنه لو سلم أن الأمر كذلك، فلا ريب أن لفظ الظهار كان في ~~عرفهم يراد به الطلاق، أو يحتمل أن يراد به الطلاق، فكان صريحا في الطلاق ~~أو كناية فيه، والأرجح أنه كان صريحا فيه، فإنه إذا كان ظاهرا أوقعوا به ~~الطلاق، ولم يسألوه عن نيته، فإن مقتضاه تحريم الوطء على التأبيد، والزوجة ~~لا تكون كذلك، وسواء كان صريحا أو كناية فالشارع أبطل إيقاع الطلاق به. وإن ~~قصدوه دون غيره من ألفاظ الصرائح والكنايات، فلابد من فرق بينه وبين غيره ~~لأجله فرق الشارع بينهما، وإلا فلم أبطل وقوع الطلاق بهذا اللفظ دون غيره ~~من الألفاظ المحتملة؟ ولم جعل له حكما آخر غير وقوع الطلاق؟ فذلك المعنى إن ~~كان مختصا بهذا اللفظ، وإلا قيس به ما كان في معناه، ومعلوم أن قوله "أنت ~~علي ms0205 حرام" في معنى "أنت علي كظهر أمي"، فيجب أن يقاس به. # فإن قال هؤلاء: نحن نقيس به لفظ التحريم، لأنه في معناه. # قيل: وإن كان هذا في معناه، فالشارع إنما علل بكونه منكرا من القول ~~وزورا، فيجب أن لا يقع الطلاق بقول منكر ولا بقول زور، وإن كان صاحبه قصد ~~الطلاق. وهذا يقتضي أن لا يقع الطلاق بلفظ محرم. والمطلق في الحيض مطلق ~~بلفظ محرم، وهو منكر من القول، فيجب أن لا يقع به الطلاق، وكذلك المطلق ~~ثلاثا بكلمة أو كلمات بدون رجعة أو عقد قد أتى بمنكر من القول، فيجب أن لا ~~يقع به، وكلاهما أتى بزور، فإن الزور الكذب، وكلاهما اعتقد أنه يملك PageV01P392 # ما أوقعه، وذلك زور وكذب، فلم يملكه الله إلا الطلاق المباح، وأما الحرام ~~فلم يملكه إياه. # وفي الآية سؤال، وهو أن الله قال: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن ~~أمهاتهم) (1)، كما قال في الآية الأخرى: (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون ~~منهن أمهاتكم) (2). والمتظاهر ما قال: إن زوجته أمه، لكنه شبهها بها، وهو ~~لم يقل: "ما هن مثل أمهاتهم"، بل قال: "ما هن أمهاتهم". # فيقال: المتظاهر مقصوده تحريم الوطء، وقوله "أنت علي كظهر أمي" معناه: ~~وطؤك مثل وطء أمي، فمقصوده تشبيه الوطء بالوطء، وأن يكون وطؤها مثل وطء ~~أمه، وذلك يقتضي أن تكون حراما، ووطؤها لا يكون مثل وطء أمه إلا إذا كانت ~~من جنس أمه، وإلا فإذا تباينت الحقائق تباينت أحكامها، فكان موجب قولهم أن ~~تكون الأزواج من جنس الأمهات، كما تكون أم الأب والأم من جنس الأم في ~~التحريم والمحرمية، فبين الله تعالى أن هذا الجنس ما هو هذا الجنس، بل جنس ~~آخر، فقال: (ما هن أمهاتهم)، وقال (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم)، كما قال (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) (3). وهم لم يكونوا يقولون: ~~هو مولود منه، بل جعلوه من جنس المولود، فجعلوا حكمه حكم المولود منه الذي ~~هو الابن، فقال تعالى: هذا ما هو من جنس الابن، فلا يكون حاله حاله. ms0206 PageV01P393 # والمعقول من الكتاب والسنة أنه إذا كان إنما لم يقع به الطلاق لأنه منكر ~~من القول وزور، فكل قول هو منكر أو زور لا يقع به طلاق، والطلاق المحرم ~~منكر من القول، لأنه محرم، وكل محرم منكر، وكونه منكرا يوجب أن لا يترتب ~~أثره عليه. # وقد يقال: هو زور، لكونه اعتقد أنه يملك إيقاعه، وهو كاذب في هذا ~~الاعتقاد، فإن الله لم يملك أحدا ما هو محرم، فكل قول أو فعل محرم فإن الله ~~نهى عنه، ولم يأذن فيه، ولم يجعل العبد مالكا له. # والظهار لما كان محرما لم يملك أحد أن يظاهر، ولم يبحه، وإذا ظاهر لم ~~يترتب على الظهار موجبه، وهو التحريم الموجب لزوال الملك ووقوع الطلاق، كما ~~كانوا عليه في الجاهلية، بل جعل عليه كفارة إذا اختار بقاء امرأته ووطئها، ~~لكونه حرمها، وهو قد فرض التحلة، وإن اختار أن يفارقها ويطلقها فقد أنشأ ~~طلاقا شرعيا مباحا، وذلك له، ولا كفارة عليه، بل عليه أن يستغفر الله من ~~الظهار، فإنه ذنب. # والكفارة لا تجب بكل ذنب، كما لو حرم الحلال بيمين أو غير يمين فإنه منهي ~~عن ذلك بقوله: (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) (1)، وقوله: (لم تحرم ما ~~أحل الله لك) (2)، ومع هذا فلا كفارة عليه إلا إذا عاد فاستحل ما حرمه، دون ~~ما إذا اجتنبه، وذلك أنه إذا اجتنبه وطلق المرأة، ففي هذا من الحرج والضرر ~~عليه ما يشبه جزاء ذلك الذنب، فلابد من التكفير أو اجتناب ما حرمه، وهو في ~~المرأة بطلاقها، PageV01P394 ### || CHECK - تفسير العود في الآية # وكانوا قبل أن يشرع الله الكفارة يتعين اجتناب ما حرموه، لا يباح بكفارة. # وهذا الذي ذكرناه من أن الكفارة لا تجب إلا إذا عاد، هو قول جمهور ~~المسلمين من السلف والخلف (1)، وحكي عن طائفة أن الكفارة تجب بمجرد الظهار، ~~حكي ذلك عن مجاهد والثوري. قال الحاكي عنهما: والمراد من العود هو العود ~~إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من نفس الظهار. # وهذا القول في تفسير العود هو ms0207 معروف عن ابن قتيبة، فإنه لما أنكر على من ~~قال: إنه لا يقع بلفظ واحد، قال (2): وإنما تأويل الآية أن أهل الجاهلية ~~كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في ~~الجاهلية، وأنزل قوله: (والذين يظاهرون من نسائهم) يريد في الجاهلية (ثم ~~يعودون لما قالوا) في الإسلام، أي يعودون لما كانوا يقولونه من هذا الكلام. ~~وهذا كما قد قيل في قوله في الصيد: (عفا الله عما سلف) أي في الجاهلية، ~~(ومن عاد) أي في الإسلام (فينتقم الله منه) (3). # قلت: وهذا قول ضعيف، فإنه قال: (ثم يعودون لما قالوا)، فلابد من عود بعد ~~الظهار، والعود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية هو نفس الظهار. PageV01P395 # وأيضا فأول ظهار كان في الإسلام أنزل الله فيه هذه الآية، ولم يكونوا بعد ~~قد نهوا عن الظهار حتى يقال: إنه كان عائدا إلى ما نهوا عنه. # وأيضا فليس من شرط ثبوت الظهار أن يكون قد تظاهر من امرأته في الجاهلية، ~~ولو كان ما ذكروه صحيحا لم يثبت إلا فيمن تظاهر منها في الجاهلية، ثم عاد ~~إلى ذلك في الإسلام. وهذا معلوم البطلان باتفاق المسلمين. # وأيضا فأوس بن الصامت لم يكن قد تظاهر من امرأته قبل ذلك، ولو كان قد ~~تظاهر منها لكان ذلك طلاقا عندهم. # وأيضا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسأله هل تظاهرت منها قبل هذا. # وأيضا هو لم يقل: "والذين تظاهروا منكم" بصيغة الماضي، بل قال: ~~"يظاهرون"، وهذا يتناول الحالف بالاتفاق. # وقريب من هذا القول قول الشافعي: إنه إذا أمسكها عقب الظهار زمانا يتسع ~~للطلاق ولم يطلقها فيه لزمته الكفارة. والعود عنده هو مجرد إمساكها هذا ~~الزمن اليسير بلا طلاق، فن طلقها عقب الظهار، أو مات أحدهما عقب الظهار، ~~فلا كفارة. # وهذا القول لم ينقل عن أحد من السلف، وهو ضعيف أيضا، فإنه قال: (ثم ~~يعودون لما قالوا)، و"ثم" توجب الترتيب، وتقتضي المهلة، فلابد أن يحصل بعد ~~الظهار عود مرتب عليه في زمان متمهل فيه، ولو كان العود لا ms0208 يكون إلا عقب ~~الظهار لقال: "فيعودون إلى ما قالوا". # وأيضا فإن العود يقتضي إنشاء فعل أو كلام، ومجرد الإمساك PageV01P396 ### || CHECK - قول عامة السلف والفقهاء # ترك محض، واستصحاب لحال، وهذا لا يسمى عودا. # وأيضا فإن الطلاق عقب الظهار قد يكون محرما، لكونه ليس زمن طهر لم ~~يجامعها فيه، بل قد تكون المرأة حائضا، أو موطوءة في الطهر، فلا يحل له ~~طلاقها، ولا له غرض في إمساكها، بل هو يختار طلاقها، لكن الشرع أمره أن ~~يؤخر الطلاق إلى طهر لم يجامعها فيه، فكيف يكون هذا مختارا لها عائدا إلى ~~ما قال؟ مع كمال بغضه وكراهته لها. # وأيضا فن طلقها طلاقا رجعيا فهي زوجه، ترثه ويرثها، وذلك لا ينافي بقاء ~~النكاح، وإن طلقها غير رجعي فذلك منهي عنه، كما دل عليه الكتاب والسنة. # وأيضا فقد يقف مترددا هل يمسكها أو يفارقها؟ فكيف يجعل عائدا بمجرد ترك ~~الطلاق؟. # وصاحب هذا القول إنما قاله لما رأى قول من قال هو الوطء أو العزم عليه، ~~فيه إشكال، ورأى أن الظهار اقتضى خروجها من ملكه، فإن طلقها فقد أنفذ ~~موجبه، وإن لم يطلقها فقد ناقض موجب الظهار، فقد عاد إلى ما قال. # وليس كذلك، فقد يكون في زمن التردد والتطويل يعود أو يطلق، وإنما يكون ~~عائدا إذا أتى بخصيصة النكاح، وهي الوطء. # والذي عليه عامة السلف والفقهاء أن العود هو الوطء أو العزم عليه، وجمهور ~~السلف قالوا: هو الوطء، كذلك قال طاوس والحسن والزهري وقتادة، وهو قول أحمد ~~وغيره. وقالت طائفة: هو العزم على الوطء، كما يحكى عن أبي حنيفة ومالك ~~وطائفة من أصحاب أحمد. PageV01P397 ### || CHECK - الرد على من قال: هو تكرير لفظ الظهار # وسبب النزاع في ذلك أن عليه إخراج الكفارة قبل الوطء بنص القرآن، قال ~~تعالى: (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا). # وأما قول من قال: هو تكرير لفظ الظهار، فهو من أضعف الأقوال أيضا، فإن ~~ذلك مخالف لأصول الشرع، إذ كان القول المحرم تحرم منه المرة الواحدة ~~والمرتان والثلاث، وكلما كرره كان أعظم إثما. ms0209 والأحكام المعلقة به إنما هي ~~معلقة بجنسه، كالقذف واليمين الغموس وشهادة الزور، وتحريم الحلال بغير ~~الظهار، إما بصيغة قسم وإما بغير ذلك، وكذلك الكفر والردة، وأمثال ذلك ~~الحكم المعلق بهذه معلق بجنسها، وإذا غلظ القول وكرره تغلظ الإثم وتكرر. ~~لكن ليس فيها ما يقال: إنه لا يلزمه بالمرة الواحدة حكم، لكن إن كرره لزمه ~~الحكم، وإنما يقال هذا فيمن لزمه الحكم أولا، أو تاب ورجع، ثم عاد إلى ما ~~نهي عنه، فهذا قد يختلف حكمه، فكذلك ما فعله أولا قبل العلم بالتحريم، أو ~~فعله ناسيا أو مخطئا، فعفي عنه. فهذا قد يقال فيه: إنه إذا عاد لزمه الحكم، ~~لكون العود ليس من جنس الأول، بل الثاني فعله عالما عامدا. # وهذا كما قد اختلف العلماء فيمن تاب من الردة ثم عاد، وهو الذي تكررت ~~ردته، فهذا فيه نزاع (1)، كما قيل في الصيد: (عفا الله عما سلف ومن عاد ~~فينتقم الله منه) (2)، فهذا عود بعد العفو، قيل (3): إنه عفي عما كان في ~~الجاهلية وقبل التحريم، ومن عاد بعد النهي فينتقم الله منه. وقيل: عفا الله ~~عن أول مرة بالجزاء، ومن عاد ثانيا لم يحكم PageV01P398 # عليه وقيل له: ينتقم الله منك. # وهذا قول ضعيف، والجمهور على أنه يحكم عليه ثانيا وثالثا، ومن قال: لا ~~يحكم عليه ثانيا، قال: لأنه قد تاب من الأول، وعفي عنه بالجزاء. ولم يقل ~~أحد: إن أول مرة لا حكم فيه، كما قيل مثل ذلك في الظهار. # وأما إذا تكلم المرتد بالكفر مرة أو مرتين أو ثلاثا، فإنه يوجب تغليظ ~~الردة، وهو كالكافر الأصلي، إذا تكلم بالكفر مرة بعد مرة لا يقال: إن الأول ~~لا حكم له، وإنما الحكم إذا كرره. # وكذلك القاذف إذا قذف مرة بعد مرة، فالقذف الأول موجب للحد، ولكن قد ~~يتنازعون في الثاني هل يدخل في الأول؟ وباب التداخل إذا كان الجميع حقا ~~لله، وهي من جنس واحد دخل بعضها في بعض، كما لو زنى ثم زنى، أو سرق ثم سرق، ~~ولم يعاقب على الأول، ms0210 فإنه إنما يقام عليه حد واحد، لأن الحد مشروع في جنس ~~هذا الفعل، فقليله وكثيره في الحد سواء جعل الشارع القطع حدا لمن سرق ~~النصاب أو أضعاف النصاب. وكذلك حد الزنا لمن أولج مرة أو مرات. # وأما الشرب فقد قيل: إنه من هذا الباب، وليس كذلك؛ فإن حده غير مقدر، بل ~~من شرب كثيرا ومرات فإنه يزاد في عقوبته بحسب الاجتهاد. وهذا بناء على أن ~~الأربعين الزائدة على الأربعين يفعلها الإمام تعزيرا بحسب الاجتهاد، كما ~~يقوله الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين (1). PageV01P399 # فهذه أصول الشرع كلها تبين أن الجنس المحرم لا يسقط حكم المرة، ويغير ~~الحكم في المرتين، فمدعي مثل ذلك في الظهار ادعى على الشارع ما هو مخالف ~~لأصوله وقواعده ومقاصده المعروفة. # وهؤلاء إنما أتوا من لفظ (ثم يعودون لما قالوا)، ظنوا أن المراد بذلك أن ~~يكرر قوله الأول، وهذا اللفظ لا يستعمل في مثل هذا المعنى، فلا يقال لمن ~~كرر قوله: إنه عاد إلى قوله، إلا إذا اختص الثاني بمعنى يقتضي أنه لا يعود، ~~مثل أن يستتاب من قول ثم يعود إليه، فيقال: عاد إلى قوله؛ لأن التوبة تقتضي ~~رجوعه عنه، فإذا نقضها فقد عاد إلى الذنب. وكذلك إذا نهي عن فعل أو قول ثم ~~فعله وقاله. قال تعالى: (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما ~~نهوا عنه) (1)، وقال تعالى في حق بني إسرائيل: (عسى ربكم أن يرحمكم وإن ~~عدتم عدنا) (2) أي إن عدتم إلى الذنب عدنا إلى العقوبة، وإن عدتم إلى ~~التوبة عدنا إلى الرحمة. فأما من كرر القول أو الفعل، مثل من يسبح في ~~الصلاة ثلاثا أو أكثر من ذلك، أو يستغفر مرات، فإنه لا يقال في المرة ~~الثانية والثالثة: إنه عاد. # فهؤلاء غلطوا في فهم القرآن واللغة التي بها نزل القرآن، ولهذا قال ~~الزجاج (3): هذا قول من لا يدري اللغة. ومثل هذا يقع كثيرا ممن يدعي التمسك ~~بظاهر القرآن والحديث، وقد غلط في ذلك، ليس ما ادعاه هو الظاهر الذي دل ~~عليه اللفظ. ms0211 # ولفظ الإعادة والعود حيث استعمل لابد أن يكون بينه وبين الابتداء PageV01P400 ### || CHECK - منشأ الغلط في تفسير الآية # نوع فرق، حتى يتميز المعاد من المبتدأ، فأما إذا كان هو إياه من كل وجه ~~فهذا لا يقال فيه: إنه أعاده، ولا عاد إليه. # وقد يقال لمن فعل فعلا وقطعه لتعب أو شغل ونحو ذلك: عد إلى ما كنت، وعد ~~إلى حالك، لأن الأول حصل عقبه فتور تميز به عن الثاني، فلو وصل الثاني ~~بالأول لم يقل: إنه عاد. فإذا قال: أنت على كظهر أمي، أنت على كظهر أمي، أو ~~قال: والله لا أطأك، والله لا أطأك، لم يقل: إن قول الثاني عود إلى الأول، ~~بل هو تكرير محض. # وأيضا فالذي قالوه لو كان صحيحا محتملا إنما يجب الجزم به إذا كانت ما ~~مصدرية، أي ثم يعودون إلى قولهم، وليس في الآية ما يوجب ذلك، بل يجوز أن ~~تكون ما موصولة، أي إلى الذي قالوه. # وهذا أظهر، فإن كونها موصولة أكثر في الكلام، ولفظ العود يستعمل في مثل ~~هذا، كقوله: (ثم يعودون لما نهوا عنه) (1). # وهذا منشأ غلط طائفة من الناس في الآية، فإنهم ظنوا أن ما مصدرية، وأن ~~المعنى: ثم يعودون لقولهم، ولم يفهموا معنى كونها موصولة. # ثم هؤلاء الذين ظنوا أنها مصدرية قالوا أقوالا كلها باطلة، فقال داود ومن ~~وافقه (2): إن العود تكرير القول. وهذا القول لا يعرف عن أحد قبلهم، وقيل: ~~إنه مروي عن بكير بن الأشج. # وقال طائفة من أهل العربية ما قاله ابن قتيبة من أن قوله: يتظاهرون في ~~الجاهلية، ثم يعودون إليه في الإسلام. وهو قول فاسد أيضا. PageV01P401 # وقال أبو علي الفارسي قولا ثالثا، قال: ليس الأمر كما ادعاه من قال ~~بتكرير اللفظ، لأن العود قد يكون إلى شيء لم يكن الإنسان عليه، وقيل: سميت ~~الآخرة معادا، ولم يكن فيها أحد ثم عاد إليها. # وقال الهذلي (1): # وعاد الفتى كالطفل ليس بقائل سوى الحق شيئا واستراح العواذل # وهذا أيضا ضعيف من وجوه: # أحدها: أن لفظ العود لابد أن ms0212 يتضمن رجوعا عن شيء أو إلى شيء، فقوله "وعاد ~~الفتى كالطفل"، وقوله: # .... فعادا بعد أبوالا (2) # وفي الحديث (3): "تعاد روحها" هو رجوع عن حال كانوا عليها إلى حال أخرى. ~~فأما الأمر المبتدأ إذا فعله الإنسان فلا يقال: إنه عاد إليه. # وأيضا فما ذكروه إنما هو في لفظ العود مجردا، فماذا قيل: عاد إلى كذا، ~~ورجع إليه، وعاد فيه، كما قال: (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون ~~لما نهوا عنه) (4)، وقال أصحاب الكهف: (إنهم إن يظهروا عليكم PageV01P402 ### || CHECK - الرد على من قال: هو محمول على التقديم والتأخير # يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا (20)) (1). وقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" (2). فهذا ونحوه ~~إنما يعرف إذا عاد إلى مثل ما كان عليه أولا. والمعاد سمي معادا لأن الله ~~يعيد الخلق فيه بالنشأة الثانية، كما قال: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) ~~(3)، وقال: # (كما بدأنا أول خلق نعيده) (4)، وقال: (كما بدأكم تعودون (29)) (5). # وأيضا فإنهم يعودون إلى ربهم، كما يقال: إنهم يرجعون إليه ويردون إليه، ~~كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع. # وأيضا فهب أن لفظ العود لا يقتضي ذلك، فلابد من تفسير قوله (ثم يعودون ~~لما قالوا). وأبو علي لم يذكر معنى الكلام. # وقد قيل فيها قول رابع وخامس على أصل من يقول: إنها مصدرية، قال الزجاج ~~(6): المعنى ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا. # فجعل اللام لام كي، لم يجعلها معدية ليعودون. # وأضعف منه قول من يقول (7): هو محمول على التقديم والتأخير، والمعنى: ~~والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون، أي يعودون إلى ما كانوا عليه من ~~الجماع، فتحرير رقبة من أجل ما قالوا. PageV01P403 # وهذا فاسد من وجوه: # أحدها: أنه لم يقل "فلما قالوا تحرير رقبة" أو "تحرير رقبة لما قالوا"، ~~بل قال: (ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة). ولا يجوز أن يقال: "لما قالوا ~~فتحرير رقبة"، فإن الفاء هي جواب الشرط، والشرط هو ما في الاسم الموصول من ~~معنى ms0213 الشرط، والاسم الموصول أو النكرة الموصوفة - إذا كان في الصلة أو ~~الصفة معنى الشرط - دخلت الفاء في خبر المبتدأ، كقوله: (الذين ينفقون ~~أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم) (1)، ومثله قوله: (والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما) (2)، وقوله: (والذان يأتيانها منكم فآذوهما) ~~(3). ولو دخلت "إن" على المبتدأ ففيه نزاع، والقرآن قد جاء بالفاء في قوله: ~~(قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) (4). فقوله (والذين يظاهرون من ~~نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة) (5) بمنزلة قوله: "من تظاهر ثم ~~عاد فعليه تحرير رقبة". ولا يجوز أن يقال: "لما عاد فعليه تحرير رقبة". # وأيضا فتحرير الرقبة لم يجب لمجرد العود، بل الموجب له الظهار، والعود ~~شرط، أو الموجب مجموعهما، فقولهم: إن الرقية إنما وجبت لأجل العود فقط غلط. # وقول الزجاج: ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا، PageV01P404 ### || CHECK - الصواب أن ما موصولة، ذكر نظائر لها ### || CHECK - بيان فساد قوله من وجوه # فاسد أيضا، فإنهم إذا عادوا مع الظهار وجبت الكفارة، وإن لم يعودوا لأجل ~~ما قالوا. # وأيضا فهم لا يعودون لأجل ما قالوا، بل يعودون لرغبتهم في المرأة لا ~~للقول، بل القوع مانع من العود، فكيف يجعل علة له وداعيا إليه. # وهذه كلها أقوال من لم يفهم الآية ولا حكم الشرع، بل ظنوا أن "ما" ~~مصدرية، ولم يفهموا المعنى إذا كانت موصولة. # وفيها قول سادس، وهو أنها مصدرية، لكن المصدر بمعنى المفعول، ذكره ~~المهدوي وغيره. # والصواب أنها موصولة، كما اتفق على ذلك سلف الأمة وأئمتها، وكما في ~~نظائرها من القرآن، ولبطلان معنى المصدرية، قال تعالى: (ألم تر إلى الذين ~~نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه) (1)، وقال تعالى: (بل بدا لهم ما ~~كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون (28)) (2). # وقد أطلق العود في قوله (وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين) (3)، وفي قوله: ~~(وإن تعودوا نعد) (4)، وفي قوله: (وإن عدتم عدنا) (5). # والذي قالوه هو المقول، كما في قوله: (ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك ~~بيت طائفة ms0214 منهم غير الذي تقول) (6)، فإنهم بيتوا غير الذي PageV01P405 ### || CHECK - معنى (يعودون لما قالوا) # أمرهم به وقالوا فيه طاعة، وهو غير المقول، ليس المراد أنهم بيتوا لفظا ~~غير اللفظ الذي لفظت به، فإن هذا لا يضر إذا كان المعنى موافقا لما قاله. # وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3)) (1). فقوله "مالا تفعلون" هو مفعول ~~القول، وهو المقول، وهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لفعلناه، فكان ~~إخبارهم عن أنفسهم أنهم إذا علموا الأحب فعلوه، ووعدهم بذلك، والمقول هو ~~فعلهم للأحب، وهو الموعود به المخبر عنه، فلامهم على أن قالوا مقولا هو ~~موعود مخبر به ولم يفعلوه، وكان الفعل نفسه هو المقول، فالمقول هو المخبر ~~عنه إن كان القول خبرا، والمأمور به والمنهي عنه إن كان القول أمرا أو ~~نهيا. فإذا قال: لا أفعل، ثم فعل، فقد عاد لما قال، وإذا قال لأفعلن، ولم ~~يفعل، فلم يفعل ما قال. وهذا هو المعنى المفهوم في مثل هذا اللفظ عند عامة ~~الناس الخاصة والعامة، بل وفي سائر اللغات، فإذا قيل: فلان قد حلف أن لا ~~يكلم فلانا، أو قال: لا أكلمه، ثم عاد إلى ما قال، فهموا منه أنه عاد إلى ~~أن يكلمه، لم يفهموا أن ما مصدرية. # فصل # ومعنى قوله (ثم يعودون لما قالوا) (2) أي إلى الذي امتنعوا عنه بقولهم، ~~فإن القول إذا كان خبرا فالمقول هو المخبر عنه، وإن كان أمرا فالمقول هو ~~المأمور به، وإن كان نهيا فالمقول هو المنهي عنه. PageV01P406 # والظهار في معنى المنهي، فن مقصود المظاهر أن يحرم عليه امرأته، وينهى ~~نفسه عن اتخاذها زوجة، فلا يطأها، فمقوله هو ما نهى عنه نفسه من اتخاذها ~~زوجة والاستمتاع بها، فإذا عاد إلى ذلك فقد عاد إلى ما نهى عنه نفسه، وهو ~~مقوله، وهذا العود يتضمن رجوعه وندمه، ولفظ العود يدل على ذلك، ولهذا فسر ~~ابن عباس العود بالندم، فقال: يندمون، يرجعون إلى الألفة (1). قال الفراء ~~(2): يقال: ms0215 عاد فلان لما قال، أي فيما قال، وفي بعض ما قال، يعني رجع عما ~~قال. ولهذا قال الشافعي: إذا أمسكها لحظة فقد عاد. # لكن يقال: مجرد الكف لا يكون عودا، فإنه قد يكون اعتقد أن الظهار حرمها ~~عليه ووقع به الطلاق، فلا يحتاج إلى طلاق ثان، وقد تكون نيته أن يطلقها ~~فيما بعد، أو يطلقها إذا جاء وقت الطلاق المشروع، وقد يكون مترددا هل ~~يطلقها أو يمسكها، فمجرد مرور لحظة لا يوجب أن يقال: إنه عاد. # وإذا عزم على الوطء فليس له أن يطأ حتى يكفر بنص القرآن واتفاق الناس، ~~لكن لو رجع عن هذا العزم، وبدا له أن يطلقها، أو مات أحدهما قبل الوطء، فقد ~~قيل: إنه تستقر عليه الكفارة، لأنه عاد، والصحيح الذي عليه جمهور السلف أن ~~الكفارة لا تستقر إلا بالوطء، فأما مجرد العزم فلا يوجب شيئا، فإن في ~~الصحيحين (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله تجاوز ~~لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تتكلم به أو تعمل به". وهذا عازم على العود، ~~ولم يعد بعد، وإنما PageV01P407 ### || CHECK - الكلام على كفارات الظهار الثلاث # يكون عائدا إذا وطئها. فقوله (ثم يعودون) كقوله (فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله) (1)، وقوله (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) (2). # ومعلوم أن المراد إذا عزمت. # فصل # وقال تعالى: (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) (3)، ولم يقل: "من قبل أن ~~يتماسا" كما ذكر في الإعتاق والصيام، فلهذا تنازع العلماء هل يجب الإطعام ~~قبل التماس كما يجب الإعتاق والصيام، أم يجوز تأخيره؟ على قولين مشهورين ~~(4)، هما روايتان عن أحمد، والقول بوجوب تقديمه قول الشافعي وأبي حنيفة ~~والأكثرين، والآخر يحكى عن مالك. # ومن قال ذلك قال: إن الله أطلق الإطعام، ولم يقيده كما قيد الصيام، وهما ~~حكمان مختلفان، فيحمل المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده، بخلاف العتق، ~~فإنه حكم واحد. # وفي العتق أيضا قولان (5) هما روايتان عن أحمد، فالشافعي يشترط الإيمان ~~في رقبة الظهار، وكذلك مالك، وأبو حنيفة لا يشترطه، فصار من الناس من يحمل ms0216 ~~المطلق على المقيد في الموضعين، ومنهم من يحمله في العتق فقط، لأن الحكم ~~واحد، ومنهم من يحمله في تقديم الكفارة فقط، لأن السبب واحد. PageV01P408 # والمقصود هنا هو التقديم في الكفارات الثلاث، وهو سبحانه لم يقل في ~~الثلاث: "من قبل أن يتماسا"، لأن فيما تقدم بيان له، كما أنه لم يقل في ~~الصيام: "ذلكم توعظون به"، لأن فيما تقدم بيان له، ولكن ذكر التماس في ~~الصيام، ولم يكتف بذكره في العتق، لأن في الصيام يصوم شهرين متتابعين قبل ~~التماس، فيتأخر التماس هذه المدة الطويلة، فلو لم يذكره لظن الظان أنه في ~~العتق وجب التقديم لأن الزمان يسير، يمكنه أن يعتق ثم يطأ تلك الليلة، وأما ~~الصيام فيتأخر الوطء شهرين متتابعين، وفي هذا مشقة عظيمة، فلا يفهم هذا من ~~مجرد تقييده في العتق، فلهذا أعيد ذلك في الصيام. وأما الإطعام فمعلوم أنه ~~دون الإعتاق ودون الصيام، وقد جعل بدلا عنه، فإذا كانت الكفارة المتقدمة ~~الفاضلة يجب عليه أن يقدمها على الوطء، والمرأة محرمة قبل التكفير، فلأن ~~تكون الكفارة المؤخرة المفضولة كذلك بطريق الأولى؛ فإن الظهار أوجب تحريمها ~~إلى التكفير بالكفارة المقدمة، فكيف يبيحها قبل التكفير إذا كفر بالكفارة ~~المفضولة المؤخرة؟. # هذا مما يعلم من تنبيه الخطاب وفحواه أن الشارع لا يشرع مثله، فكان إعادة ~~ذكره مما لا يليق ببلاغة القرآن وفصاحته وحسن بيانه، بل نفس تحريمها قبل ~~صيام الشهرين - وهو الأصل المبدل منه - يوجب تحريمها قبل البدل، وهو ~~الإطعام، بطريق الأولى. # وتقديم الإطعام على التماس أسهل من تقديم الصيام. # وهو في الإعتاق قال: (ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير) (1)، ولم ~~يقل مثل ذلك في الصيام والإطعام، وقد علم أنهما كذلك، PageV01P409 # وأنهم يوعظون بالصيام والإطعام، كما يوعظون بالإعتاق. والوعظ أمر ونهي ~~بترغيب وترهيب، فهم يوعظون بالتحريم قبل التكفير، أي ينهون به ويزجرون به ~~عن الظهار، فإن الظهار محرم بالنص والإجماع، فإذا علم المتظاهر أن المرأة ~~تحرم عليه إلى أن يكفر، كان ذلك مما يعظه، فينهاه ويزجره أن يتظاهر منها. # وأيضا فإنه قال ms0217 بعد ذلك: (وتلك حدود الله) (1)، والحدود هي الفاصلة بين ~~الحلال والحرام، والحد إما آخر الحلال وإما أول الحرام، فلهذا قيل في ~~الأول: (تلك حدود الله فلا تعتدوها) (2)، وقيل في الثاني: (فلا تقربوها) ~~(3). وقد قال بعد ذلك: (وتلك حدود الله)، فعلم أن هنا محرم له حد، وقوله ~~"وتلك" إشارة إلى ما تقدم كله، فلو كانت لا تحرم إلا إذا كانت الكفارة ~~طعاما لم يكن هنا حد، بل كانت حلالا كما كانت، فلم يكن هناك حد ينهى عن ~~تعديه أو قربانه. # وأيضا فقوله (فإطعام ستين مسكينا) إن كان تقديره: "من قبل أن يتماسا" فقد ~~اتفقت الكفارات، وثبت أنها محرمة قبل التكفير بالأنواع الثلاثة، وإن لم يكن ~~هذا تقديره، بل قوله "فإطعام ستين مسكينا" إيجاب للإطعام، لم يعلم متى يجب ~~الكفارة بالإطعام، فإنه لم يقل: "فإطعام ستين مسكينا بعد التماس". # فإن قيل: يجب إذا وطئها. # قيل: ليس في الآية ما يدل على ذلك، ليس فيها ما يدل على أن PageV01P410 # الإطعام يجب بعد الوطء لا قبله، بل اللفظ إن كان مطلقا كما زعموه فلا ~~دلالة له، لا على هذا ولا على هذا. وهذا غلط ينزه القرآن عنه وأيضا فقوله ~~(فإطعام ستين مسكينا) اقتضى إيجاب الإطعام، وليس في الآية ما يقتضي تأخير ~~الوجوب إلى بعد التماس، فيبقى الإيجاب يتناول الحالين، ما قبل التماس وما ~~بعده، فهو واجب قبل التماس، فإن لم يفرق الواجب حتى تماسا فعليه إخراجه بعد ذلك. # وأيضا فقوله (ثم يعودون لما قالوا) مع قوله (فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا) دل على أن العود له مبدأ وله منتهى كسائر الأفعال، فمبدؤه إذا عزم ~~عليه، ومنتهاه إذا وطئ. وقوله "ثم يعودون" لم يرد به توقيف الكفارة على ~~تمام العود، فإنه لو أراد ذلك لم تجب الكفارة إلا بعد تمام العود، وهو خلاف ~~قوله "من قبل أن يتماسا". بل أراد به أنه يجب إخراجها بعد الشروع في العود ~~بالعزم عليه، قبل إتمامه بالوطء. وإذا كان هذا هو مقتضى قوله "ثم يعودون" ~~مع قوله "من ms0218 قبل أن يتماسا"، فهو إنما أوجب التكفير بالإطعام بعد هذا ~~العود، فعلم أنه واجب إذا شرع في العود، وإن لم يحصل تمام العود، وإلا لزم ~~اختلاف معنى العود في الآية. # وأيضا فالكفارات هي من جنس العبادات، وفيها معنى العقوبات، كما أن الحدود ~~هي عقوبات، وهي أيضا عبادات، ولهذا قال: (ذلكم توعظون به)، أي تزجرون به، ~~وتنهون به، وتعاقبون به، وقد جعل من تمام العقوبة أن تحرم عليه إلى أن ~~يكفر، فذا قيل: إنها لا تحرم على المكفر بالإطعام زالت العقوبة الواجبة ~~بالتحريم، لاسيما والتكفير .. (1). ### || AUTO نص الفتوى PageV02P055 ### ||| CHECK السؤال # بسم الله الرحمن الرحيم # ما تقول السادة العلماء أئمة الهدى ومصابيح الدجى فيمن يزعم أنه على قدم ~~كل نبي من الأنبياء وليان: ولي ظاهر وولى باطن، وهما أقطاب الغوث (1) الذي ~~ينتهي إليه حوائج الخلق، وأن له أربعة أوتاد وسبعة نجباء واثنا عشر (2) ~~نقيبا وأربعين بدلا، وأن كلما مات من الاثنا عشر واحدا (3) أخذ من ~~الأربعين، ومن السبعة أخذ من الاثنا عشر (4)، وكل ينزل من أكثر العدد إلى ~~أقل العدد بحسب مراتب الأوضاع، وأن الغوث بمكة، والقطبين أحدهما بالمشرق ~~والآخر بالمغرب، والأربعة بأركان الأرض، والنجباء بمصر، والأبدال بالشام، ~~والنقباء بالعراق، وأن الشدة إذا نزلت بأهل الأرض رفعها الأدنى إلى الأعلى، ~~حتى ينتهي الأمر إلى الغوث، فلا يرفع بصره حتى تنفرج تلك النازلة. ويدعون ~~أن لكل قطب علم (5) لا يعرفه الآخر، ويسمون أنواعا من العلوم الظاهرة ~~والباطنة. PageV02P057 # والمسئول معرفة الحق المشروع، هل هذه الأشياء المسماة لها دليل من كتاب ~~أو سنة؟ أو لها وجود أو لها تأثير؟ أو لها حقيقة ترجع إلى تمثلها في ~~الأكوان أو الأذهان؟ وهل الحديث المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لا تسبوا أهل الشام، فإن فيهم الأبدال"، هل هو صحيح أم ضعيف؟ وإن كان ~~صحيحا ما حكمه؟ # أفتونا مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى. PageV02P058 ### ||| CHECK احتجاجهم ببعض الأحاديث الموضوعة ### ||| CHECK هذه الأعداد والمراتب والصفات مخالفة للدين والعقل ### ||| CHECK ورود بعض هذا الكلام عن بعض الشيوخ المتأخرين ### ||| CHECK ms0219 هذه الدعوى لا أصل لها في الكتاب والسنة ### ||| CHECK الجواب # الحمد لله. هذه الدعوى على الوجه المذكور لا أصل لها من كتاب ولا سنة، ~~ولا قول أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين وشيوخهم، الذين ~~لهم في الأمة لسان صدق، وإنما يذكر بعض هذا الكلام عن بعض الشيوخ ~~المتأخرين، مع أنه لا أصل له، وزاد في ذلك من بعدهم ونقصوا، وغيروا في ~~الأعداد والمراتب والصفات،/ وقالوا أشياء نعلم مخالفتها لدين المسلمين، بل ~~ولعقل عقلاء العالمين. وقد يروون في ذلك أحاديث موضوعة، مثل روايتهم أنه ~~كان للمغيرة بن شعبة غلام اسمه هلال، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إنه من السبعة" (1). # وقد روى هذا الحديث بعض المصنفين في الرقائق، كما روى غيره من الموضوعات، ~~وأما الشهادة لمعين بالجنة فهذا صحيح، فقد شهد النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بالجنة لغير واحد من الصحابة، كالعشرة وثابت بن قيس وغيرهم. PageV02P059 ### ||| CHECK تعيين بعضهم لكل قرية واحدا أو أكثر، ووصفهم له بما يناقض العقل والدين ### ||| CHECK دعواهم أنه ينزل كل عام على البيت ورقة مكتوب فيها اسم غوث ذلك العام وخضره ### ||| CHECK قولهم إن لكل زمان خضرا، وإنه مرتبة محفوظة ### ||| CHECK حيرتهم عندما سئلوا من كان الغوث بمكة بعد الهجرة ### ||| CHECK قولهم في الغوث مثل قول الرافضة والنصارى ### ||| CHECK رأيهم في الأقطاب والأوتاد والغوث # وهؤلاء الذين تكلموا في هذا من المتأخرين يجعلون الأقطاب سبعة على عدد ~~الأقاليم، ويجعلون الأوتاد أربعة كالأوتاد التي يذكرها المنجمون، ويجعلون ~~الغوث واحدا مقيما بمكة، ويجعلون مدد أهل الأرض منه، ويقولون: إنه منه يفيض ~~على أهل الأرض ما ينزل عليهم من الهدى والرزق ونحو ذلك، ويقولون: إنه لابد ~~لكل زمان من ذلك، كما يقول الرافضة: إنه لابد لكل زمان من إمام معصوم، وكما ~~يقول النصارى: إنه لابد من الباب الذي به يحفظ أهل الأرض (1). # فقيل لبعض هؤلاء: فإذا كان لابد كذلك فمن الغوث الذي كان بمكة بعد الهجرة ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين، الذي ms0220 كان هو ~~الممد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وهو أفضل منهم؟ ~~فبهت مدعي ذلك. # وقد يقولون مع ذلك بأن لكل زمان خضرا، ويجعلون الخضر مرتبة محفوظة لا ~~شخصا معينا، ويدعون أنه ينزل كل عام على البيت ورقة مكتوب فيها اسم غوث ذلك ~~العام وخضره. ونحو هذه الدعاوي التي يعلم كل عاقل بطلانها، وضلال معتقدها، ~~وكذب المخبر بها عمدا أو خطأ. # ومن هؤلاء من يعين لكل قرية من القرى واحدا من هذا العدد PageV02P060 ### ||| CHECK يجلب الله المنافع ويدفع المضار بدعاء المؤمنين وعبادتهم ### ||| CHECK أولياء الله هم المؤمنون المتقون كما في الكتاب والسنة # أو أقل أو أكثر، ويتكلمون في ذلك نظما ونثرا بكلام يناقض العقل ويخالف ~~دين الإسلام. # وحقيقة الأمر في ذلك أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون (1)، كما قال ~~تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) (2) # /وفي صحيح البخاري (3) عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي ~~عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي ~~يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ~~(وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) (4)، وما ترددت عن شئ أنا ~~فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه". # وأيضا فإن الله بعبادات عباده المؤمنين ودعائهم يجلب للناس PageV02P061 ### ||| CHECK الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة ### ||| CHECK ليس لأولياء الله عدد محصور في جميع الأزمنة ولا مكان معين، بل يزدادون وينقصون ### ||| CHECK انتفاع الخلق بدعاء المؤمنين، مثل نزول الغيث والنصر على الأعداء وغيرهما # المنافع ويدفع عنهم المضار، كما في السنن (1) أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم، بدعائهم وصلاتهم ms0221 وإخلاصهم". ~~وانتفاع الخلق بدعاء المؤمنين وصلاتهم كانتفاع الحي والميت بدعاء المؤمنين ~~واستغفارهم، ونزول الغيث بدعاء المؤمنين واستغفارهم، والنصر على الأعداء ~~بدعاء المؤمنين واستغفارهم، وأمثال ذلك مما اتفق عليه المؤمنون. # فهذان الأصلان هما أصلان ثابتان بالكتاب والسنة والإجماع. وليس لأولياء ~~الله عدد محصور تتساوى فيه الأزمنة، ولا لهم مكان معين من الأمكنة، بل هم ~~يزدادون وينقصون بحسب زيادة أهل الإيمان والتقوى ونقصانهم. فبعث الله محمدا ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى الناس، وكان الأمر كما أخبر في الحديث الصحيح ~~(2): "إن الله نظر إلى أهل 236 ب الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم،/ إلا بقايا ~~من أهل الكتاب". # وقد ثبت في الصحيح (3) أن إبراهيم الخليل قال لسارة: "إنه ليس على وجه ~~الأرض مؤمن غيري وغيرك". وقد أخبر الله عن نوح PageV02P062 ### ||| CHECK زيادة عددهم بعد الهجرة وفضل السابقين الأولين منهم ### ||| CHECK بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحالة المؤمنين في مكة # أنه (ما ءامن معه إلا قليل (40)) (1)، وأن الله أغرق أهل الأرض إلا من ~~كان معه في السفينة. # وقد كانت الشام قبل أن يخرج إليها موسى وبنو إسرائيل يغلب على أهلها ~~الكفر، فأورثها الله لبني إسرائيل، فصار فيها من الأنبياء والصالحين ما لم ~~يكن فيها نظيره قبل ذلك. # ولما بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - آمن به طائفة قليلة، فكان ~~أول من آمن به أبو بكر وعلي وزيد وخديجة، وآمن على يدي أبي بكر عثمان وطلحة ~~والزبير وسعد وعبد الرحمن، ثم تزايد أهل الإيمان حتى بلغوا أربعين، فلم يكن ~~بمكة قبل ذلك أربعون مؤمنا، بل ولا عشرة مؤمنون، بل ولا أربعة. ثم إن ~~الإيمان زاد، وهاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وكثر ~~السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين اتبعوهم بإحسان، الذين رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه، وكل هؤلاء من سادات أولياء الله المتقين، فبايعه تحت ~~الشجرة أكثر من ألف وأربع مائة قد رضي الله عنهم، وكلهم من أهل الجنة، قال ~~الله فيهم: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم ms0222 درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) (2). # وفي الصحيح (3) أنه قال لخالد بن الوليد لما (4) ساب PageV02P063 ### ||| CHECK * الأسماء التي يذكرها الصوفية ### ||| CHECK من جعلهم في أول الإسلام بهذا العدد فهو أيضا جاهل ### ||| CHECK من ادعى قصر عدد الأولياء آنذاك على الأربعين أو ثلاث مائة فهو جاهل ### ||| CHECK انتشار الإسلام يعد ذلك في اليمن والشام والعراق وغيرها، حتى كان في العصر الواحد فيها آلاف من أولياء الله ### |||| CHECK (2) النقباء: معناه في الكتاب والسنة وكلام السلف ### |||| CHECK (1) الغوث: لا أصل له في كلام أحد من السلف بالمعنى الذي يدعيه هؤلاء # عبد الرحمن بن عوف: "يا خالد، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق ~~أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مذ أحدهم ولا نصيفه ". وخالد هو ممن أنفق من بعد ~~الفتح وقاتل، فإنه أسلم بعد/ الحديبية (1)، فجعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - هؤلاء التابعين من الصحابة بالنسبة إلى السابقين منهم بهذه المنزلة. # وانتشر الإسلام بعد هذا في أرض اليمن والشام والعراق وخراسان ومصر ومغرب ~~(2)، حتى بقي في العصر الواحد من هذه البلاد من أولياء الله ألوف مؤلفة. ~~فمن قصرهم حينئذ على الأربعين أو ثلاث مائة كان جاهلا، كما أن من بلغ بهم ~~في أول الإسلام هذا العدد كان جاهلا. # وأما الأسماء المذكورة فتسمية "الغوث" لا أصل لها في كلام أحد من السلف ~~بالمعنى الذي يدعيه هؤلاء (3)، ولا يعرف عن أحد من السلف أنه قال: فلان هو ~~غوث هذه الأمة، أو إن للأمة غوثا بمكة أو يجيء مكة. # وأما لفظ "النقباء" فإنما ذكر في الكتاب والسنة بالمعنى الذي ذكره الله ~~في قوله: (* ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا PageV02P064 ### ||||| CHECK لا يعرف أحد من البشر أعيان الأولياء على التفصيل ### ||||| CHECK جعل النقباء اثني عشر، وجعل الخضر نقيب الأولياء باطل # منهم اثني عشر نقيبا) (1). وكذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل ~~للأنصار اثني عشر نقيبا على عدد نقباء موسى (2). وكذلك قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لأصحابه عام حنين لما ms0223 أطلق لهوازن السبي فقال: "ليرفع لنا ~~عرفاؤكم من طيب ممن لم يطيب" (3). وكان العسكر اثني عشر ألفا. # وكذلك الخلفاء الراشدون كانوا يعرفون العرفاء وينقبون الئقباء، ليعزفوهم ~~بأخبار الناس، وينقبوا عن أحوالهم. فهؤلاء هم النقباء المعروفون في الكتاب ~~والسنة وكلام السلف. # وأما من جعل لأولياء الله نقباء هم، اثنا عشر، أو جعل الخضر نقيب ~~الأولياء، فهذا باطل، فإن أولياء الله لا يعرف أعيانهم على التفصيل أحد من ~~البشر، لا نبي ولا غير نبي. وقد كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بمدينته مؤمنون (4) ومنافقون، وقد قال الله له: (وممن حولكم من الأعراب ~~منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) (5). # وإذا لم يقع التمييز بين هؤلاء وهؤلاء لخير الخلق، فغيره PageV02P065 ### ||||| CHECK بطلان أن يكون لأولياء الله نقباء # أولى، ومن لم يعرف أعيان المنافقين جوز على من ظاهره الإسلام أن يكون ~~مؤمنا، وإذا لم يعلم فجوره جاز أن يكون تقيا، وكل مؤمن تقي ولي لله. # وقالوا لعمر بن الخطاب: من يعطى المغازي؟ قيل: فلان وفلان وآخرون لا ~~يعرفهم أمير المؤمنين، فقال: إن لا يكن عمر يعرفهم فإن الله يعرفهم، وقد ~~قال تعالى: (وما يعلم جنود ربك إلا هو) (1). # وقد ثبت في الصحيح (2) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرف أمته يوم ~~القيامة بسيماهم، فإنهم يكونون غرا محجلين من آثار الوضوء. # وأيضا فأولياء الله إذا كان لهم نقباء كان النقباء أخبر بهم ممن يرفعون ~~أخبارهم إليه، ومعلوم أن الذين يرفعون أخبارهم إليه سواء كان نبيا أو غير ~~نبي، هو أعلى مرتبة من النقباء، فيكون المفضول أعلم بأولياء الله من ~~الفاضل، وهذا ممتنع. بخلاف النقباء الذين جاء بهم الكتاب والسنة، فإنهم ~~يرفعون أخبارهم الظاهرة التي يشهد بها الشهود ويحكم بها الحكام، وإن كان قد ~~يكون في ذلك ما يستدل به على الإيمان والتقوى، لكن الدليل لا ينعكس، فلا ~~يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول عليه، فلا يشهد على شخص معين أنه ~~ليس من أولياء الله إلا بعليم يقتضي ذلك. ms0224 والنقباء لا PageV02P066 ### |||| CHECK (3) الأبدال: ورد ذكره في كلام كثير من السلف ### ||||| CHECK تفسير هذا اللفظ بثلاثة معان ### |||||| CHECK (أ) إنهم أبدال عن الأنبياء ### ||||||| CHECK شواهد ذلك من الكتاب والسنة ### ||||||| CHECK هذا المعنى صحيح، فقد كان الأنبياء لهم خلفاء # يشهدون بذلك، ومن لم يشهد بذلك لم يكن عالما بمن هو ولي ممن ليس بولي. # وأما لفظ "الأبدال" (1) فقد جاء ذكره في كلام كثير من السلف: فلان كان ~~يعد من الأبدال. ولفظ "الأوتاد" (2) جاء في كلام بعضهم. # فأما لفظ "الأبدال " فقد فسر بثلاث معاني: # قيل: سموا أبدالا لأنهم أبدال عن الأنبياء، وهذا المعنى صحيح. # فإن الأنبياء،/لهم خلفاء، كما كان الخلفاء الراشدون خلفاء للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقد كان له في حياته ولغيره من الأنبياء خلفاء في أمر دون ~~أمر، فإنه كان إذا خرج في غزو أو حج أو عمرة استخلف على المدينة بعض ~~أصحابه، كما كان يستخلف ابن أم مكتوم وغيره، واستخلف علي بن أبي طالب [في] ~~غزوة تبوك، وكان قد خرج معه عامة أصحابه، ولم يبق بالمدينة من المؤمنين إلا ~~معذور، غير الثلاثة الذين خلفوا، فخرج إليه على، فقال: يا رسول الله، ~~أتدعني مع النساء والصبيان؟ فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من ~~موسى؟ " (3) وقد قال تعالى: (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ~~ولا تتبع سبيل المفسدين (142)) (4). PageV02P067 # فاستخلف موسى هارون مدة ذهابه للميقات إلى أن عاد. # وكذلك كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته ولاة على الأمصار كعتاب ~~بن أسيد وخالد بن سعيد وغيرهما، وسعاة على الصدقات ونواب في التعليم، كمعاذ ~~وأبي موسى، وكل من هؤلاء خليفة له وبدل عنه في بعض الأمور دون بعض. # وجاء في حديث وصف الذين يحيون السنة ويعلمونها الناس بأنهم خلفاء النبي ~~(1)، وللأنبياء أيضا ورثة كما في الحديث المشهور في السنن: "العلماء ورثة ~~الأنبياء" (2). والخلافة والوراثة قد تكون في بعض الأشياء دون بعض، فمن نال ~~بعض ما بعثوا به من العلم فهو وارث لذلك المقدار، ومن قام مقامهم في بعض ms0225 ~~الأمر فقد خلفهم في ذلك على البدلية، ومن قام مقامهم في بعض الأمر كان بدلا ~~منهم في ذلك. وقد استسقى عمر بالعباس وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا ~~نتوسل إليك بنبينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا" (3). # ومعلوم أن من جملة أحوال الأنبياء دعاءهم للخلق، وما يحصل PageV02P068 ### |||||| CHECK (ب) سموا بذلك لأنه كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا ### ||||||| CHECK لو كان كل من مات قام مقامه غيره للزم أن يقوم مقام الخلفاء الراشدين أمثالهم، ولم يكن كذلك ### ||||||| CHECK جعل الله بعض بني آدم خلفاء بعض مع اختلاف أعمالهم ### ||||||| CHECK هذا المعنى لا يصح، ولا مدح فيه # بدعائهم وعبادتهم من الرزق والنصر، فمن قام مقامهم في بعض ذلك كان بدلا ~~منهم في ذلك البعض. # وقيل: سموا أبدالا لأنه كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا. # وهذا لا يصح، ولا مدح فيه/فإن كون الشخص إذا مات قام مقامه غيره قد يكون ~~مع إيمانه، وقد يكون مع كفره، والله جعل بعض بني آدم خلفاء بعض مع اختلاف ~~أعمالهم. قال تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض) (1)، وقال: (ولقد ~~أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ~~لننظر كيف تعملون (14)) (2). فقد جعل أمة محمد خلائف عمن أهلك من القرون ~~المكذبين الظالمين. # وقد قال نوح له (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ~~(27)) (3)، فهذا الولد الفاجر الكفار بدل عن أبيه. فليس في إبدال شخص مكان ~~شخص مدح إلا أن يكون الأول ممدوحا، فإن لم يعتبر في معنى البدل أن يكون ~~بدلا عن نبي أو من يقوم مقام نبي لم يكن في كونه بدلا عمن كان قبله صفة مدح. # وأيضا فلو كان كل من مات قام مقامه غيره للزم أن يقوم مقام PageV02P069 ### |||| CHECK (4) القطب: معناه في اللغة ### |||||| CHECK (د) زعم بعضهم أن البدل إذا غاب عن مكانه أبدل بصورة على مثاله ### |||||| CHECK (ج) الذين بدلوا سيئاتهم حسنات ### ||||||| CHECK ms0226 هذا معنى باطل، لم يكن السلف يقصدون به ذلك ### ||||||| CHECK هذا معنى التائبين، وهذا يعم جميع المؤمنين ### ||||||| CHECK المؤمنون المتقون ليسوا إذا مات منهم أحد قام مقامه غيره # أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أمثالهم، ولم يكن كذلك. وهؤلاء أفضل خلفاء ~~الرسل وأبدالهم ووراثهم. # وأيضا فمن يكون بدلا عن الأنبياء كثيرون إذا كثر الإيمان والتقوى، قليلون ~~إذا قل ذلك، ومعلوم أن المؤمنين المتقين ليسوا إذا مات منهم واحد قام مقامه غيره. # وقد قيل في معنى الأبدال: إنهم بدلوا سيئاتهم حسنات. وهذا معنى التائبين، ~~فكل مؤمن تاب من سيئاته له هذا المعنى. # وزعم بعضهم أن البدل إذا غاب عن مكانه أبدل بصورة على مثاله. وهذا باطل، ~~ولم يكن السلف يعنون بالبدل هذا المعنى، ولا يجعلون ذلك لازما لمن يسمونه ~~بهذا الاسم. # وأما اسم "القطب" (1) فالقطب مأخوذ من قطب الرحى، وهو ما يدور عليه ~~الرحى، وكذلك قطب الفلك وغير ذلك من الأجسام الدائرة. ف ### ||||| AUTO الشخص الذي يدور عليه أمر من الأمور هو قطب ذلك الأمر # ، وأفضل الخلق هم الرسل، وعليهم تدور رسالة الله إلى خلقه، وتبليغهم أمره ~~ونهيه ووعده ووعيده،/وكل من دار عليه أمر من الأمور فهو قطبه، فإمام الصلاة ~~قطب الإمامة، ومؤذن المسجد قطب الأذان، وحاكم البلد قطب القضاء، وأمير ~~الحرب قطب هذه الإمارة، وأئمة الهدى -كالشيوخ الذين يقتدى بهم في دين الله- ~~هم أقطاب ما دار عليهم من ذلك. ومن ينصر المسلمون ويرزقون PageV02P070 ### ||||| CHECK أولو الأمر هم العلماء والأمراء # بدعائهم وإخلاصهم وصلاتهم هم أقطاب ما دار عليهم. # وفي الصحيحين (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كلكم راع ~~وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، ~~والرجل راع على أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على مال زوجها، وهي ~~مسئولة عن رعيتها، والمملوك راع على مال سيده وهو مسئول عن رعيته، فكلكم ~~راع، وكلكم مسئول عن رعيته". # وكان الخلفاء الراشدين (2) أقطاب الأمة، دار عليهم من مصالح الأمة في ~~دينها ودنياها ما لم يدر على ms0227 أحد مثله، ثم بعدهم تفرق الأمر، فصار الملوك ~~والأمراء يقومون ببعض الأمر، وأهل العلم والدين يقومون ببعض الأمر، وهؤلاء ~~من أولي الأمر، وهؤلاء من أولى [الأمر] (3). وقوله تعالى: (أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (4) يتناول الطائفتين العلماء والأمراء ~~إذا أمروا بطاعة الله، فمن أمر بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق، وقد جاء في الأثر: "صنفان إذا صلحوا صلح الناس: العلماء PageV02P071 ### ||||| CHECK قد يكون في الزمان رجل هو أفضل أهل الأرض، ولكن ليس فيه ما يقتضي أنه بوجوده يحصل للناس الرزق وينتصرون على الأعداء، مع كونهم معرضين عن الله # والأمراء" (1). # وقد يكون في الزمان رجل هو أفضل أهل الأرض، كما قد يكون رجلان وثلاثة ~~وأربعة، ولكن ليس في الوجود/رجل هو أفضل أهل الأرض، وفيه ما يقتضي أنه ~~بوجوده يحصل للناس الرزق، وينتصرون على الأعداء، وتهتدي قلوبهم مع كونهم ~~معرضين عن طاعة الله ورسوله. بل كان نوح أفضل أهل الأرض، وقد مكث في قومه ~~ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله، وقد قال نوح: (رب إني دعوت قومي ~~ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا (6) وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم ~~جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (7)) ~~(2). لم إن الله أغرق أهل الأرض إلا من آمن به. وكذلك غيره من الرسل، كهود ~~وصالح وشعيب ولوط وغيرهم. # نعم قد يحصل بدعائه وعبادته من الخير ويندفع من الشر ما لا يحصل بدون ~~ذلك، كما في قوله: "بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم" (3). وقد قال تعالى لنبيه: ~~(وما كان الله ليعذبهم PageV02P072 ### ||||| CHECK هذه الدعاوي تجعل للقطب نوعا من الإلهية والربوبية ### ||||| CHECK الفرق بين القطب والغوث والجمع بينهما ### ||||| CHECK دعواهم أنه يعطي الملك وولاية الله لمن يشاء، ويصرف عمن يشاء ### ||||| CHECK دعواهم أن مدد أهل الأرض يكون من جهته، بواسطته يفيض الخير إلى سائر الخلق ### ||||| CHECK دعوى الصوفية في القطب والمرتبة القطبية من الغلو الذي يشبه غلو النصارى والرافضة # وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33)) (1) وقال تعالى: ~~(ولولا رجال مؤمنون ونساء ms0228 مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما (25)) (2). يقول: لولا أن تطأوا أولئك المؤمنين والمؤمنات ~~الذين لم تعلموهم إذا دخلتم مكة بالسيف، لسلطكم على أهل مكة، ولو تميز ~~المؤمنون من الكفار لعذبنا الكفار عذابا أليما. فهذا ونحوه مما يوافق دين ~~المسلمين. # /وأما ما يدعيه قوم في القطب والمرتبة التي يسمونها "القطبية" ~~و"القطبانية" فمن الغلو الذي يشبه غلو النصارى والرافضة، كقول أحدهم: القطب ~~الغوث الفرد الجامع، وتفسيرهم ذلك بأن مدد أهل الأرض يكون من جهته، وأن ~~الله إذا أنزل إلى أهل الأرض خيرا من هدى ورزق ونصر فإنه ينزله عليه، ثم ~~منه يفيض إلى سائر الخلق. # وقد يدعي أحدهم أنه منه مدد ملائكة السماوات وطير الهواء وحيتان الماء، ~~وأنه يعطي الملك وولاية الله لمن يشاء ويصرف ذلك عمن يشاء. ونحو هذه ~~المقالات التي تجعل للقطب نوعا من الإلهية والربوبية التي لم تحصل ~~للأنبياء. # وآخرون يجعلون ذلك للغوث، ويجعلون مسمى الغوث أعلى PageV02P073 ### ||||| CHECK الرسول يدعوهم إلى الله ويبين لهم، وليس في قدرته جعل الهداية في قلب أحد ### ||||| CHECK إنزال الله الهدى والإيمان على قلوب العباد مثل إعطائهم الرزق ### ||||| CHECK هي من أعظم الكذب والمحال، والشرك والضلال # من مسمى القطب. وآخرون يجمعون بين الاسمين فيقولون: "القطب الغوث"، كما تقدم. # فهذا وأمثاله من أعظم الكذب والمحال، ومن أعظم الشرك والضلال، وهو شبيه ~~بالإفك والشرك الذي ذم الله به المشركين وأهل الكتاب. وهو سبحانه كثيرا ما ~~يجمع بين الكذب والشرك، كقوله تعالى: (واجتنبوا قول الزور (30) حنفاء لله ~~غير مشركين به) (1)، وقول الخليل: (أئفكا آلهة دون الله تريدون) (86) (2)، ~~وفي له تعالى:) (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ~~ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون (75)) (3). # /وما ينزل الله على قلوب عباده من الهدى والإيمان هو بمنزلة ما يعطيهم ~~إياه من الرزق، ومعلوم أن ما ينزله من المطر وينبته من ms0229 النبات لم ينزله قبل ~~ذلك على شخص من البشر، وكذلك ما يغذي به عباده من الطعام والشراب والهواء ~~لم يتغذ به قبله واحد من الناس، ثم انتقل عنه إلى الناس، وأنه ... (4) من ~~الهدى هم الرسل صلوات الله عليهم، فالرسول يدعو إلى الله ويتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وهو يهديهم بمعنى أنه PageV02P074 # يدعوهم ويبين لهم، وليس في قدرته أن يجعل الهدى ولا الضلالة في قلب أحد، ~~بل ذلك لا يقدر عليه إلا الله، قال تعالى: (إنك لا تهدى من أحببت) (1)، ~~وقال تعالى: (إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل (37)) (2) أي من ~~يضله الله لا يهدى، كما قال: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ~~وليا مرشدا (17)) (3)، وقال: (*ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء)) ~~(4). ولهذا أمر الله عباده أن يقولوا (اهدنا الصراط المستقيم (6)) (5)، ~~وهذه الهداية المطلوبة من الله، لا يقدر عليها إلا الله. # وفي الصحيح (6) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام من الليل ~~يصلي يقول: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، ~~عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني ~~لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". # وقد ثبت في الصحيحين (7) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مثل ~~ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت PageV02P075 ### ||||| CHECK هذا من جنس قول الرافضة في المنتظر ### ||||| CHECK إذا كان الرسول لا يقدر على جعل الضال مهتديا وهو يكلمه ويحرص على هداه، فكيف يجعل شخص آخر يهدي الخلق كلهم، لا سمعوا كلامه ولا رأوه، ولا عرفوه ولا عرفوا ما قال؟ # منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة ~~أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا، وكانت منها طائفة إنما هي قيعان/ لا تمسك ~~ماء، ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به ~~من الهدى والعلم، ومثل من ms0230 لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به". # فقد بين - صلى الله عليه وسلم - أن مثل ما أرسله الله به كالماء، والماء ~~مختلف باختلاف المحل الذي يصل إليه، فهكذا ما بعث الله به رسوله يختلف أثره ~~باختلاف القلوب التي يصل إليها، فكما أن الزرع يحصل من الماء ومن التربة ~~الطيبة، فهكذا الهدى، يحصل من هداية الأنبياء ومن القلوب القابلة لذلك. # فإذا كان هذا حال الرسل مع من يخاطبه الرسول ويكلمه ويحرص على هداه، لا ~~يقدر على جعل الضال مهتديا، فكيف يجعل شخص دون الرسل بكثير يهدي الخلق ~~كلهم، لا سمعوا كلامه ولا رأوه، ولا عرفوه ولا عرفوا ما قال؟ وهل هذا إلا ~~من جنس قول الرافضة في المنتظر الذي لم يسمع له أحد بحس ولا بخبر، ولا وقع ~~له على عين ولا أثر. # وفي الجملة فما يقوم بقلب الإنسان من معرفة الهدى والعلم والإيمان، لا ~~ينتقل عنه ويقوم بغيره، ولكن قد يقوم بغيره (1) إذا علمه وخاطبه، مع بقاء ~~الهدى والعلم في قلب الأول. ولهذا يشبه PageV02P076 ### ||||| CHECK قدروه في الأذهان، ولا حقيقة له في الأعيان، مثل دعوى الرافضة والنصارى ### ||||| CHECK ما وصفوا به القطب والغوث لا يقدر عليه الأنبياء ### ||||| CHECK دعواهم في الغوث القطب أن من قلبه فاض الهدى والعلم إلى قلب الناس، وبطلانها ### ||||| CHECK وجه تشبيه العلم بالمصباح # العلم بالمصباح الذي يقتبس منه الناس وهو لا ينقص، فإن المقتبس من ~~المصباح يحدث الله له نارا في ذبالة مصباحه من غير أن ينتقل إليه من ذلك ~~المصباح شيء، فهكذا العلم. وقد يعطي الله رجلا من العلم والهدى نظير ما ~~أعطى غيره بدون تعليم الأول وخطابه. # فهذا الغوث القطب/ إذا لم يعلم الناس ويخاطبهم كان ما جعله الله في قلوب ~~الناس من الهدى والعلم نظير ما في قلبه إذا قدر من 0 .. (1)، ولكن لم يكن ~~سببا في ذلك، فضلا عن أن يكون من قلبه فاض إلى قلوبهم، لاسيما إذا لم يره ~~الناس ولا عرفوا ما قال ولا فعل، فإن ms0231 الإنسان قد يرى كيان الرجل وآثاره، أو ~~يرى وجهه وعمله، فيحصل له بذلك من الهدى والعلم ما يسره الله له، أما بدون ~~سمع هذا وبصره لذلك، وبدون خطاب دال له أو لمن يوصل إليه، فكيف يصل إليه ~~منه هدى؟ فضلا عن أن يكون منه يحصل هدى جميع الخلق. # فليتدبر اللبيب هذا يتبين له أن ما وصفوا به قطبهم وغوثهم أمر لا يقدر ~~عليه الأنبياء في العلو، ومع هذا فمعلمو الكتاتيب ومقرئو القرآن ومعلموهم ~~آداب الإسلام أهدى للخلق من هذا القطب الغوث الذي قدروه في الأذهان، ولا ~~حقيقة له في الأعيان، كما قدر الرافضة وعبدة الصلبان. وإذا كان هذا في ~~الهدى الذي يحصل PageV02P077 ### ||||| CHECK وساطة الرسل بين الله وبين خلقه تبليغهم أمره ونهيه، لا وساطة في العبادة والاستعانة والدعاء والتوكل ### ||||| CHECK الذين جعلوا بين الله وبين خلقه وسائط وشركاء ضالون مثل النصارى ### ||||| CHECK يمكن أن يحصل الهدى والرزق والنصر للإنسان بالدعاء المستجاب، ولكن هذا الأمر لا يختص بشخص معين ### ||||| CHECK الرزق- مثل الهدى- لا يتصور أن يخص الله به أحدا، ثم منه يفيض إلى سائر الخلق # بالتعليم والخطاب، فما الظن بالرزق الذي هو أعيان تنتقل من محل إلى محل، ~~أو اغتذاء يقوم بالإنسان لا يتصور أن يقوم بغيره. نعم يمكن أن يحصل بالدعاء ~~المستجاب للإنسان من الهدى والرزق والنصر ما لا يحصل بدون ذلك، كما ذكرناه ~~أولا في قوله: "وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم، بدعائهم وصلاتهم ~~وإخلاصهم". # وكذلك توجه القلوب والهمم له من الأمر بحسب ما يقدره الله، وهذا عام ~~الوجود لا يختص/ بشخص معين، ولا يكون الأمر في ذاك عاما للخلق. أما وهذا ~~أمر لم يحصل للأنبياء والمرسلين، فكيف من دونهم؟ # ولا ريب أن هؤلاء الضالين الغلاة من الذين جعلوا بين الله وبين خلقه ~~وسائط جعلوهم له أندادا وشركاء وشفعاء، كما فعلته النصارى بالمسيح وأمه ~~والأحبار والرهبان. قال تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون ms0232 (31)) (1). ولهذا أمر نبيه أن يقول: (يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ~~(64)) (2). # ودين الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه أثبت وساطة الرسل PageV02P078 ### ||||| CHECK لا شيء من الموجودات يستقل بالتأثير غير الله # بين الله وبين خلقه، فيبلغونهم أمره ونهيه وخبره ووعده ووعيده، ويقطعون ~~وساطة المخلوقات في العبادة والاستعانة والدعاء والتوكل، فلا يعبد إلا ~~الله، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يدعى إلا هو، فإنه لا رب غيره، ولا خالق ~~غيره، ولا إله سواه. وكل ما خلقه من الأسباب فإنه موقوف على سبب آخر يشركه ~~ويعينه، وله مانع يحجبه ويعوقه، فما من الموجودات شيء يستقل بالتأثير غير ~~الله، بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكل ما جعل سببا كإحراق النار ~~فلابد له من معين، وهو قبول المحل، وقد يحصل مانع كما حصل في نار ~~إبراهيم،/وبهدى الرسل ودعائهم يهتدي الخلق، ولكن هدى الخلق موقوف على ~~قبولهم. # وقد يكون القلب مائلا للهدى، لكن يحصل له مانع يعارضه، كما قال: (وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112)) (1). وقال تعالى: (يا ~~أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما ~~الله بغافل عما تعملون (99)) (2). # وقال تعالى: (وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37)). وقال ~~تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ~~(27) يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر PageV02P079 ### ||||| CHECK ### |||| AUTO * # مذاهب الناس في الشفاعة ### ||||| CHECK من عدل عن سبيل المرسلين صار مشركا بالله، وأثبت الوسائط في خلق الله وربوبيته، وجعل له شركاء وشفعاء بغير إذنه ### |||||| CHECK المشركون والنصارى أثبتوا شفعاء بدون إذنه، هذه الشفاعة التي نفاها الله # بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (29)) (1). ونظائر هذا ms0233 كثير. # فمن عدل عن سبيل المرسلين، فلم يتابعهم ويطع أمرهم ونهيهم قطع ما بينه ~~وبين الله، فصار مشركا بالله يدعو غير الله، إما الملائكة وإما الكواكب ~~وإما الجن، وإما البشر كالأنبياء والصالحين، وإما صور هؤلاء وتماثيلهم، ~~وإما ما يظنه موجودا من هؤلاء. ويتخيل في هؤلاء من صفات الإلهية ما لا ~~حقيقة له، ويثبت الوسائط في خلق الله وربوبيته، ويجعل له شركاء وشفعاء بغير ~~إذنه، وهو سبحانه كما قال: (ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) (2)،/وقال تعالى: ~~(قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ولا تنفع الشفاعة ~~عنده إلا لمن أذن له (3). # والناس في الشفاعة على طرفين ووسط (4): # فالمشركون والنصارى ونحوهم أثبتوا شفعاء لهم بدون إذنه، وهذه الشفاعة ~~التي نفاها الله في كتابه، فقال تعالى: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل ~~أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون (43) قل لله PageV02P080 ### |||||| CHECK طائفة تثبت نوعا من الشفاعة التي أثبتها المشركون، وتثبت القدر الذي نفته المعتزلة، ولكنها تحتج بالقدر على الشرع، فأصبحت مثل المشركين ### |||||| CHECK الخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكبائر من أمته، فنفوا الشفاعة بإذن الله وبغير إذنه، وهذا ضلال # الشفاعة جميعا (44) (1). وقال تعالى: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم ~~أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم ~~أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون (94)) (2). # وقال تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون (18)) (3). وقال تعالى: (ما لكم من دونه من ولي ~~ولا شفيع) (4). وقال تعالى: (قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة) (5). وقال تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل ~~منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل) (6). # /وأما الخوارج ms0234 والمعتزلة الذين أنكروا شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لأهل الكبائر من أمته، فنفوا الشفاعة بإذن الله وبغير إذنه، وهؤلاء ضلال، ~~وإن كان ضلال الأولين أعظم، إذ ذلك الضلال شرك بالله، وهذا من البدع ~~المحدثة في الإسلام. ومع هذا فقد صار كثير من المتأخرين المنتسبين إلى ~~العمل والعبادة، يثبت نوعا من هذه الشفاعة التي أثبتها المشركون والنصارى، ~~فصاروا أسوأ حالا من الخوارج والمعتزلة من هذه الجهة، كما أن هؤلاء ونحوهم PageV02P081 ### |||||| CHECK المشركون تارة يعبدون غير الله، وتارة يزعمون عبادة لم يشرعها، وتارة يحتجون بالقدر ### |||||| CHECK موازنة بين هذه الفرق # يثبتون القدر الذي نفته المعتزلة ونحوهم من القدرية، فتكون بذلك خيرا ~~منهم، لكنهم قد يحتجون به على الشرع، بل قد يلاحظونه، ويعرضون عن الأمر ~~والنهي، ويجعلونه الحقيقة التي تدفع مقتضى الشريعة، وهي الحقيقة الكونية، ~~فيصيرون بذلك مضاهين للمشركين الذين قالوا: (لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء) (1). # ومعلوم أن هؤلاء المشركين شر ممن جحد القدر من المعتزلة ونحوهم، فهؤلاء ~~الذين يدفعون الأمر والنهي الشرعيين ناظرين إلى الحقيقة الكونية، ويثبتون ~~الشفاعة التي أثبتها المشركون والنصارى، شر من الخوارج والمعتزلة من هذا ~~الوجه ومن هذا الوجه،/ فإنهم جمعوا بين الإشراك والبدع في العبادات وبين ~~الاحتجاج بالقدر. # وهذا حال المشركين الذين ذمهم الله في كتابه، فإنهم كانوا تارة يعبدون ~~غير الله، وتارة يزعمون عبادة لم يشرعها، ويحرمون ما أحله، وتارة يحتجون ~~بالقدر. وقد ذكر الله عنهم في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما ما فيه عبرة ~~للمعتبرين، فإنه سبحانه قرر في سورة الأنعام توحيده وعبادته وحده لا شريك ~~له، وأنه هو الذي يدعى عند الشدائد، وهو الذي يكشف الضر وينزل الرحمة، ~~كقوله تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون إن كنتم صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ~~وتنسون ما تشركون (41) (2). وقوله تعالى: (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم ~~وأبصاركم PageV02P082 ### |||||| CHECK آية (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ....) لم تنزل في أهل ms0235 الصفة، وكذا آية (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ...) # (وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم ~~يصدفون (46)) (1). وقوله تعالى: (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ~~ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (51) ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم ~~من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (52)) (2). # وهذه الآية عامة في كل من أراد الله بعمله. ودعاؤهم بالغداة والعشي ~~يتناول من صلى صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر، وليست هذه الآية مختصة بأهل ~~الصفة ولا نزلت فيهم، فإن هذه الآية نزلت بمكة (3). # /وكذلك الآية الأخرى التي في سورة الكهف: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة ~~الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (28)) ~~(4). فإن سورة الكهف مكية أيضا باتفاق العلماء، والصفة إنما كانت بالمدينة، ~~لم تكن بمكة، ولكن طلب PageV02P083 # قوم من رؤساء المشركين من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يطرد المؤمنين ~~الضعفاء والفقراء عنه، فأنزل الله هذه الآية (1)، يأمره فيها بأن لا يطرد ~~أحدا لأجل ضعفه أو فقره إذا كان مؤمنا يريد وجه الله، فإن الناس إنما ~~يقربهم إلى الله الإيمان والتقوى، لا عبرة بالغنى ولا بالفقر. # وقد ذكر سبحانه ما يناسب هذه الآيات في سورة الأنعام إلى قوله: (قل من ~~ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن ~~من الشاكرين (63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64)) (2). # ثم إنه سبحانه قرر في السورة بعد التوحيد الرسالة والكتاب المنزل، وذكر ~~ما ذكره من رسله صلوات الله عليهم، وذكر المعاد والثواب والعقاب، ثم إنه ~~ختم السورة بذم حال المشركين وما حرموه وما شرعوه من الدين الذي لم يأذن به ~~الله، فقال: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) ms0236 (3) إلى ~~قوله تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء PageV02P084 ### |||||| CHECK احتجاج المشركين بالقدر ورد الله تعالى عليهم # كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148)) (1). # فأخبر عن المشركين أنهم احتجوا فيما شرعوه من الدين # وحرموه من الأشياء بالقدر، فقالوا: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من شيء). قال تعالى: (كذلك كذب الذين من قبلهم) أي كذبوا بأمر ~~الله ونهيه وخبره الذي بعث به رسله، فإن هذا تكذيب منهم للشرع محتجين عليه ~~بالقدر. # ثم قال: (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم ~~إلا تخرصون (148))، فبين أن الاحتجاج بالقدر ليس بدليل على صحة قول المحتج، ~~فإن القدر متناول لكل كائن، فالمحتج به لا علم عنده، إن يظن إلا ظنا، وهو ~~في ذلك من الخارصين الحازرين الكاذبين (2). # وفي صحيح مسلم (3) عن عياض بن حمار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~أخبر به عن الله أنه قال: "خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت ~~عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا. وإن ربي ~~قال لي: قم في قريش فأنذرهم، فقلت: أي رب إذا يثلغوا رأسي حتى يجعلوه خبزة. ~~فقال: إني PageV02P085 ### ||||| CHECK * المتكلمون في علوم الحقائق على ثلاث درجات ### |||||| CHECK (ج) من وقف عند الحقيقة القدرية، هؤلاء أهل ضلال وتعطيل ### |||||| CHECK (ب) من تكلم بمجرد ذوقه ووجده ورأيه، فيخطئ أو يصيب ### |||||| CHECK (أ) أهل الحقيقة الدينية الشرعية، الذين يتكلمون بما يوافق الكتاب والسنة # مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظان. ~~فابعث جندا أبعث مثلهم، وأنفق أنفق عليك، وقاتل بمن أطاعك من عصاك". # وهذا الأصل مبين في الكتاب والسنة، فمن شرع دينا لم يأذن به الله، أو ~~احتج بالقدر، وجعل الحقيقة الكونية معارضة للأمر والنهي الشرعيين فقد ضاهى/ ~~هؤلاء المشركين. # ولهذا كان المتكلمون ms0237 في علوم الحقائق على ثلاثة (1) درجات: إحداها: أهل ~~الحقيقة الدينية الشرعية، الذين يتكلمون في حقائق الإيمان، كالحب لله، ~~والتوكل عليه، وإخلاص الدين له، والخوف منه، والرجاء له، والصبر لحكمه، ~~والشكر لنعمه، ونحو ذلك من حقائق الدين بما يوافق الكتاب والسنة. فهذا أهل ~~طريق أولياء الله المتقين وحزبه المصلحين وعباده الصالحين. # والثانية: من خاض في حقائق الدين بمجرد ذوقه ووجده ورأيه، سواء وافقت ~~الكتاب والسنة أو خالفت. فهذا (2) يصيبون تارة ويخطئون تارة، ويكونون من ~~أهل السنة تارة ومن أهل البدعة أخرى. # الثالثة: من وقف عند الحقيقة الكونية القدرية، ولم يميز بين أولياء الله ~~وأعدائه، ولا بين طاعته ومعصيته، ولا بين ما يحبه PageV02P086 ### |||| CHECK (5) الأوتاد: معناه في اللغة ### |||| CHECK عودة إلى الكلام على القطب، وأن السلف لم يتكلموا به في الرجال، ولم يعبروا به عن أحوال أولياء الله المتقين ### ||||| CHECK * قول القائل: على قدم كل نبي وليان: وفي ظاهر ووفي باطن كذب وباطل # ويرضاه وبين سائر ما قدره وقضاه. فهؤلاء أهل ضلال وتعطيل، قد حققوا ~~التوحيد الذي أقر به المشركون، ولم يدخلوا في توحيد الله ودينه الذي كان ~~عليه الأنبياء والمرسلون. فإن انتقلوا من ذلك إلى الحلول ووحدة الوجود ~~والإلحاد فقد صاروا من أعظم أهل الكفر والإلحاد. وهؤلاء فيهم من الإشراك ~~بالله والمخالفة لدينه ما لا يعلمه إلا الله، كما قد بسطنا الكلام على هذه ~~الأمور في غير هذا الموضع (1). # والمقصود هنا الكلام على اسم "القطب" ومسماه،/ وما علمت أن السلف تكلموا ~~بهذا الاسم في الرجال. (2)، ولا جعلوا اسم القطب مما يعثر به عن أحوال ~~أولياء الله المتقين. بخلاف اسم "الأبدال"، فإنه نقل عنهم التكلم بذلك في مواضع. # وقد تكلم بعض المتأخرين بلفظ "الوتد"، والوتد: المثبت لغيره، كما أن ~~الجبال أوتاد الأرض، فمن ثبت الله به الإيمان والتقوى في قلوب بعض عباده، ~~أو ثبت بدعائه وعبادته نصرهم ورزقهم، كان له من هذا المعنى نصيب بحسب ذلك. # وأما قول القائل: "إن على قدم كل نبي من الأنبياء وليان (3): ولي ظاهر ~~وولي باطن"، فهذا ms0238 كذب بلا ريب، فإن الأنبياء مائة ألف PageV02P087 ### |||||| CHECK نقد هذه المقولة والمراد من الولي الظاهر والباطن # وأربعة وعشرون ألف نبي (1)، وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الذين صحبوه أفضل الخلق، وما بلغوا هذا العدد، بل مكث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى حين الفتح أكثر من عشرين سنة، وما آمن معه إلا بضعة عشر ألفا. # ومعلوم أن هؤلاء الأولياء لا يكونون بعد مبعثه في غير أمته، فإذا كانت ~~أمته في سنين كثيرة لا تبلغ هذا العدد علم قطعا بطلان ذلك. # وأيضا فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى الأنبياء، النبي ~~يجيء وحده، والنبي يجيء معه الرجل، والنبي يجيء معه الرجلان (2). # فإذا كان النبي قد لا يتبعه أحد، أو لا يتبعه إلا رجل واحد، فكيف يجب أن ~~يكون له في كل عصر اثنان على قدمه من أمة غيره؟ PageV02P088 ### |||||| CHECK إذا كان المقصود من كون الولي على قدم النبي اتباع شريعته، فهذا لا يجوز بعد مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - # وأيضا فقوله: "وفي باطن وولي ظاهر" إن أريد به ولي يعرفه الناس ويظهر لهم ~~ولايته، وولي لا يظهر لهم، فمن المعلوم أن الناس لا يظهر لهم ولاية مائة ~~ألف ولا عشرة ألف (1)، ولا يشهد بالولاية إلا لمن ثبت أنه ولي، إما بنص أو ~~بما يقوم مقامه. وإن كان لا يشهد بنفيها، لكن نحن نعلم قطعا أنه لا يظهر ~~ولاية هذا العدد للناس. # وإن أريد بظهوره وجوده بين الناس وعلمهم به، فعامة الأولياء ظاهرون بهذا ~~الاعتبار، بل ليس من الأولياء من لم يره الناس، وإذا قدر أن فيهم من يختفي ~~عن الناس كثيرا من أوقاته أو أكثرها، فلا بد أن يظهر لبعضهم في بعض ~~الأوقات، ولو أنه ظهر/لأبويه ومن رباه إذا كان صغيرا. ثم هؤلاء في غاية ~~القلة، وهم من أضعف الأولياء ولاية، بل القرون الفاضلة كان وجود هؤلاء فيها ~~نادرا أو معدوما، فإن سكنى البوادي والجبال والغيران واعتزال المسلمين من ~~جمعهم وجماعتهم إما أن يكون منهما عنه، ms0239 وإما أن يكون صاحبه إذا عذر عاجزا ~~منقوصا. # وأيضا فقول القائل "إن الولي على قدم النبي" لا يجوز أن يريد به اتباع ~~شريعته، فإن بعد مبعث محمد لا يتقبل الله من أحد إلا شريعته، ولو كان موسى ~~حيا ثم اتبعه متبع وترك شريعة محمد كان ضالا (2)، فلم يبق إلا موافقته في ~~بعض أخلاقه وأحواله، كما شبه PageV02P089 ### |||||| CHECK الكلام المذكور لا دليل عليه، ولا قاله أحد من السلف # النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر بإبراهيم وعيسى، وشبه عمر بنوح ~~وموسى (1)، وحينئذ فيحتاج أن تكون أخلاق الأنبياء متفاوتة هذا التفاوت، ~~وهذا غير معلوم. # وأيضا فإن غالب الأنبياء لم يقصوا على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~ولم تعرفهم أمته، فكيف يكون من أمته من هو على قدم نبي لا يعرفه ولا يعرف قدمه؟ # وأيضا فهذا كلام لا دليل عليه، ولم يقله من له قول في الأمة، ولو كان مثل ~~هذا حقا لكان معروفا عند أهل [العلم] (2) والإيمان. # فإن مثل هذا لو كان حفا مما لا يخفى على أهل العلم والإيمان من هذه ~~الأمة، فإذا لم يكن له أصل عندهم علم بطلانه. PageV02P090 ### ||||| CHECK قول القائل: الغوث الذي تنتهي إليه حوائج الخلق # فصل # وأما قول القائل: "الغوث الذي تنتهي إليه حوائج الخلق"، فحوائج الحلق لا ~~تنتهي إلا إلى الله، كما قال سبحانه: (وما بكم فن نعمه فمن الله ثم إذا ~~مسكم الضر فإليه تجأرون (53)) (1)، وقال تعالى: (ما يفتح الله للناس من ~~رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده) (2)، وقال تعالى: (قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ~~إن عذاب ربك كان محذورا (57)) (3). قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون ~~الملائكة والمسيح والعزير، فأنزل الله هذه الآية (4). # وقال تعالى: (أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا ~~أعتدنا جهنم للكافرين نزلا) (102) (5). وأفضل الخلق: الرسل، والله سبحانه PageV02P091 ### |||||| CHECK أفضل الخلق ms0240 هم الرسل، ولم يضمنوا للخلق لا رزقا ولا نصرا ولا هدى # بعثهم مبشرين ومنذرين (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) (1)، ~~وجعلهم سفراء بينه وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وسائر ~~كلامه سبحانه وتعالى. # ولم يضمن الرسل للخلق لا رزقا ولا نصرا ولا هدى، بل قال أولهم نوح: (قل ~~لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك) (2)، ~~وأمر خاتمهم وأفضلهم- صلى الله عليه وعليهم أجمعين وسلم تسليما -أن يقول ~~ذلك، فقال: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) (3)، وقال له: (إنك لا تهدى من ~~أحببت) (4)، وقال له: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم) (5)، ~~وقال له: (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب (40)) (6)، وقال: (إنما أنت ~~منذر) (7)، (لست عليهم بمصيطر) (8). PageV02P092 ### |||||| CHECK من البشر، نظير ما يقوله النصارى في المسيح ### |||||| CHECK هذا يشبه زعم الفلاسفة في العقل الفعال، وهو كفر صريح اعتقادا أن جميع المنافع والمصالح تجري على يد رجل ### |||||| CHECK القائل المذكور إذا قصد به أن ما يحتاج إليه الخلق يحدثه الله بواسطته فقد جعل بين الله وبين خلقه ربا متوسطا # /فقول القائل: "إن حوائج الخلق تنتهي إليه"، إن أراد به ما يحتاج إليه ~~الخلق من الرزق والهدى والرزق (1) يحدثه الله بواسطته، فقد جعل بين الله ~~[و] (2) بين خلقه ربا متوسطا، كما يزعمه المتفلسفة في العقل الفعال، وهو ~~كفر صريح بإجماع أهل الملل. # ثم إنه من أظهر الكذب، فإن أفضل الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~وبعده أولو العزم كإبراهيم وموسى وعيسى، ونحن نعلم قطعا أن عامة ما كان ~~الله يحدثه في زمانهم لم يكونوا متسببين فيه، ولا كانوا يعلمون به، وقد قال ~~الخضر لموسى لما نقر العصفور في البحر: "ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ~~كما نقص هذا العصفور من هذا البحر" (3) فإذا كان هذا في العلم الذي لا ~~تأثير معه، فكيف بالتأثير في ms0241 الملك. # ومن قال: إن طير الهواء وحيتان البحر ووحوش الفلا والكفار الذين بأرض ~~الهند والأجنة في بطون الأرحام تجري منافعهم ومصالحهم على يد رجل من البشر، ~~فقد قال نظير ما يقوله النصارى في المسيح، وكان قوله من أعظم الكذب القبيح ~~(4). PageV02P093 ### |||||| CHECK قولهم إن الغوث يطلع على أسرار قلوب العباد، أظهر في الكفر والفساد، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - خفيت عليه أشياء # /وإن قال: إن أهل الأرض إذا احتاجوا إلى شئ دعا الله فيعطيه بدعائه، كان ~~هذا من نمط الذي قبله، فإنه قد علم أن الله يجيب دعوة المضطر إذا دعاه وإن ~~كان كافرا، فإذا كان المشركون يدعون الله بلا واسطة فيجيب دعاءهم، ~~فالمسلمون الذين هم عباده أولى. وقد يدعو الله بدعاء لم يعلم به أحد من البشر. # فإن قيل: ذلك الغوث يطلع على أسرار قلوب العباد. كان هذا القول أظهر في ~~الكفر والفساد، فسيد ولد آدم يظهره على شئ ويجيب عليه أشياء. وقد قال له: ~~(وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم) (1). # وقال: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب) (2). وقد رميت أم ~~المؤمنين بالإفك وأخفي عنه أمرها مدة، لما كان في ذلك له من المحنة، تعظيما ~~لأجره ورفعا لدرجته. # وكذلك لما جاء قوم زكوا بني أبيرق الذين كانوا قد سرقوا طعام جارهم ~~ودرعه، ظن صدق المزكين ودفع عن المتهمين، حتى أنزل الله تعالى: (إنا أنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) (3) الآيات. PageV02P094 ### |||||| CHECK مازال الخلق يحتاجون إلى الله ويضطرون إلى دعائه، وهو يجيب دعاءهم ويعطيهم سؤلهم، من غير أن يرفعوا أمرهم إلى واسطة بينهم وبين الله # وفي الصحيح (1) عنه أنه قال: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن ~~بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو مما أسمع ". وفي لفظ: "فأحسبه صادقا. فمن ~~قضيت له من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار". # ولما رآهم يلقحون النخل [قال]: "ما أظنه يغني شيئا"، فتركوه، ms0242 فصار شيصا، ~~فقال: "إنما أخبرتكم عن ظني، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله ~~فلق أكذب على الله" (2). وقال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم، فما كان من أمر ~~دينكم فإلي " (3). ومثل هذا كثير، فإذا كان هذا أفضل الخلق وأعلمهم فكيف ~~يجوز أن يقال في غيره إنه يعلم جميع أسرار من يحتاج إلى الله؟ # /ثم قد علم بالقرآن والتواتر والتجارب أن الخلق مازالوا يحتاجون إلى ~~الله، ويضطرون إلى دعائه، إما في إعطائهم ما ينفعهم، كإنزال المطر، وإثبات ~~النبات، وغفران الذنوب، والإعانة على الطاعات؛ وإما في دفع ما يكرهون، مثل ~~دفع الأعداء وتفريج PageV02P095 ### |||||| CHECK ما يروى أن أهل الصفة قاتلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يوم حنين وغيره، من أعظم الكذب الموضوع ### |||||| CHECK إذا كان الغوث يسعى في نصر الكفار كان عاصيا لله ومن أعدائه لا من أوليائه ### |||||| CHECK ما هي الحوائج التي يقضيها الغوث كما يقولون؟ # الكربات، وهو يجيب دعاءهم ويعطيهم سؤلهم تحقيقا لقوله: (وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون (186)) (1) من غير أن يرفعوا أمرهم إلى واسطة بينهم وبين الله. # وأيضا ف ### |||||| AUTO مازال الناس يجدبون ويستولي عليهم العدو، وهذا الغوث لا ينفع ولا يدفع # ، فيا ليت شعري ماذا هي الحوائج التي يقضيها؟ أهي التي سألوا الله فيها؟ ~~فالله مجيب المضطر إذا دعاه، وهو قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، أم التي ~~لم تقض بعد لأحد فيها؟ أم النعم التي ابتدأهم الله بها من غير سؤالهم؟ فهو ~~سبحانه يرزق الكفار ويمنعهم، بل وينصرهم إذا شاء، كما نصرهم يوم احد، ~~(ليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) ~~وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141)) (2). # فإن كان هذا الغوث ساعيا في ذلك كان عاصيا لله ورسوله، محاربا لله ~~ورسوله، فإن من حارب الله ورسوله وعباده المؤمنين كان من أعداء الله لا من ~~أولياء الله. وما يرويه أهل الكذب والضلال من أن أهل الصفة قاتلوا النبي - ~~صلى الله عليه ms0243 وسلم - وأصحابه لما انهزم أصحابه يوم حنين أو غير يوم حنين، ~~وأنهم قالوا: نحن مع الله، من كان مع الله كنا معه، من أعظم الكذب الموضوع ~~(3) /وأعظم الكفر بالله PageV02P096 ### |||||| CHECK بعث الله الرسل بتوحيد الإلهية ### |||||| CHECK مقصود هذا القائل تحقيق توحيد المشركين # ورسوله، وهذا يقوله من ينظر إلى مجرد ما يقدره الله ويقضيه، ويشهد ~~الحقيقة الكونية، معرضا عما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به ونهى عنه، وبعث ~~به رسله وأنزل به كتبه. ومن طرد هذا القول كان أكفر من اليهود والنصارى، ~~فإن أولئك آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، وصاحب هذا المشهد لا يؤمن بشيء ~~من الكتاب، وغايته في شهوده تحقيق توحيد المشركين كأبي لهب وأبي جهل ~~وأمثالهما من الكفار، فإن أولئك كانوا يقرون بأن الله رب كل شيء وخالقه، ~~كما أخبر الله عنهم بقوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله) (1). فمن جعل غاية تحقيقه في توحيده أن يشهد ذاك، كان منتهاه هذا ~~الإشراك. # والله سبحانه بعث الرسل بتوحيد الإلهية، وهو أن لا يعبد إلا الله، ولا ~~يخاف إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ويخلص له الدين، ويطيع رسله ويتبعهم، ~~ويحب ما أحب ويبغض ما أبغض، ويوالي من والى ويعادي من عادى، ويأمر بما أمر ~~وينهى عما نهى، حتى يكون الدين كله له، كما قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك ~~من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25)) (2)، وقال تعالى: ~~(واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة PageV02P097 ### |||||| CHECK من جعل الأنبياء وغيرهم وسائط بين الخلق وبين الله في الإعطاء والمنع والضر والنفع، فهو كافر # يعبدون (45)) (1)، وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت) (2)،/وقال تعالى: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله ~~الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن ~~كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) ms0244 (3). # فقد بين أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر، فكيف بغيرهم؟ وقد ~~قال عن النصارى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ~~(31) (4). ومعلوم أن النصارى لم تجعل الأحبار والرهبان شركاء لله في خلق ~~السماوات والأرض، ولا جعلت النبيين كذلك، بل جعلتهم وسائط بينهم وبين الله ~~في الإعطاء والمنع والضر والنفع، وأعطوهم من الدعاء والطاعة ما لا يستحقه ~~إلا الله، وظنوا أنهم يشفعون لهم عند الله كما يشفع المخلوق عند ملوك ~~الدنيا، يشفع عنده من يعز عليه ومن يحتاج إليه، والله تعالى ليس كمثله شيء، ~~لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله ولا أحكامه، ولا شيء من دونه سبحانه ~~وتعالى، فهو الذي يأذن للشفيع فيشفع، وهو الذي يقبل شفاعته، فالأمر منه ~~وإليه، لا PageV02P098 ### |||| CHECK (6) النجباء: لا يعرف هذا اللفظ في كلام أحد من السلف، وإنما تكلم به بعض المتأخرين # خالق غيره ولا رب سواه، فلا يرجى غيره، والشفاعة من جملة الأسباب التي ~~قدرها وقضاها، يفعل بها كما يفعل بسائر ما يقدره من الأسباب. # وأما لفظ "النجباء" فهذا لا يعرف في كلام أحد من السلف من أقسام عباد ~~الله الصالحين وأولياء الله المتقين، وإنما تكلم به بعض الشيوخ المتأخرين. PageV02P099 ### ||| CHECK * قول القائل: النجباء بمصر، والأبدال بالشام، والنقباء بالعراق ونحوه باطل ### |||| CHECK بعض الأحاديث الواردة في فضائل الشام وأهله ### |||| CHECK من قال إن الأبدال لا يكونون إلا بالشام لقف أخطأ ### |||| CHECK بعد ما صارت دار إسلام صار فيها من الأولياء بحسب ما في أهلها من الإيمان والتقوى ### |||| CHECK هذه الأمصار كانت في أول الإسلام ديار كفر لم يكن بها أحد من أولياء الله # / ### || AUTO فصل # وأما قول القائل: "إن النجباء بمصر والأبدال بالشام والنقباء بالعراق" ~~ونحو هذا الكلام، فهذا الكلام على الإطلاق باطل قطعا، فإن هذه الأمصار كانت ~~في أول الإسلام ديار كفر، لم يكن بها أحد من أولياء الله، ولما صارت دار ~~إسلام صار فيها ms0245 من أولياء الله المتقين بحسب ما في أهلها من الإيمان ~~والتقوى، ولا يختص إقليم من هذه الأقاليم بالأبدال. ومن قال إن الأبدال لا ~~يكونون إلا بالشام فقد أخطأ، فإن خيار هذه الأمة من السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار كانوا بالمدينة النبوية، ولما فتحت الأمصار كان في كل ~~مصر من خيار المسلمين من لا يحصيه إلا الله. # وقد جاء في فضائل الشام وأهله أحاديث معروفة (1) لم يجئ مثلها في العراق ~~وغيره من الأمصار، مثل قوله في الحديث الصحيح: "إن ملائكة (2) الرحمن باسطة ~~أجنحتها على الشام" (3). PageV02P100 ### |||| CHECK معنى أهل الغرب في الحديث # وقوله: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا" (1). وفي ~~القرآن أربع آيات تدل على حصول البركة في الشام (2). ومثل قوله لعبد الله ~~بن حوالة لما قال: "إنكم ستجندون أجنادا مجندة جندا بالشام وجندا باليمن ~~وجندا بالعراق"، فقال عبد الله بن حوالة: يا رسول الله! اختر لي، فقال: ~~"عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فمن ~~أبي فليلحق بيمنه، وليسق من غدره، فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله". رواه ~~أبو داود وغيره (3). # وفي "صحيح مسلم" وغيره عنه أنه قال:"لا يزال أهل الغرب ظاهرين لا يضرهم ~~من خالفهم حتى تقوم الساعة" (4). قال الإمام أحمد: أهل الغرب هم أهل ~~الشام./وهذا الذي قاله # = فضائل الشام" (ص 11). # (1) أخرجه البخاري (1037، 7094) من حديث ابن عمر. وأخرجه أيضا أحمد (2/ ~~90، 118) والترمذي (3953). # (2) هي خمس آيات في سورة الأعراف: 137؛ وسورة الإسراء: 1؛ وسورة ~~الأنبياء: 71، 81؛ وسورة سبأ: 18. وانظر "مجموع الفتاوى" (27/ 506). # (3) أخرجه أبو داود (2483) وأحمد (4/ 110) من طريق أبي قتيلة عن ابن ~~حوالة، وإسناده صحيح. وأخرجه أحمد (5/ 33) والحاكم في "المستدرك" (4/ 510) ~~من طريق مكحول عن ابن حوالة بنحوه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وللحديث طرق ~~أخرى في "تاريخ دمشق" (1/ 56 - 81). وذكرها الألباني في "تخريج أحاديث ~~فضائل الشام ودمشق" (ص 12 - 13) وتكلم عليها. # (4) أخرجه مسلم (1925) وأبو يعلى في "مسنده" (783) وأبو نعيم في "الحلية" ~~(3/ 95 - 96) من حديث سعد بن أبي وقاص. PageV02P101 ### |||| CHECK بيان ذلك ### |||| CHECK حديث لا تسبوا أهل الشام ms0246 فإن فيهم الأبدال ... ، روي عن علي بإسناد منقطع # أحمد هو معروف عند السلف، كانوا يسمون أهل الشام وما يغرب عنها أهل الغرب ~~(1)، ويسمون أهل نجد والعراق وما يشرق عن ذلك أهل الشرق. فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان بالمدينة النبوية، فما يغرب عنها فهو غرب، وما يشرق ~~عنها فهو شرق. # وقد جاء في بعض الآثار أن أكثر الأبدال بالشام (2). # فأما الحديث المأثور "لا تسبوا أهل الشام فإن فيهم الأبدال، أربعين رجلا، ~~كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا"، فهذا يروى عن علي بن أبي طالب بإسناد ~~منقطع، وهو في "المسند" (3) وغيره، وهو من رواية بعض الشيوخ الشاميين عن ~~علي، وهو لم يسمعه منهم، وإنما بلغه عن علي بلاغا، فلم يضبط له لفظه. # و ### |||| AUTO إذا كان الأبدال الأربعون أفضل الأمة فمن الممتنع أن يكونوا في زمن علي بالشام # ، فإن الأمة في زمن علي كانوا ثلاثة أصناف: # صنف قاتلوا معه، كعمار وسهل بن حنيف وأمثالهم، فهؤلاء مع PageV02P102 # علي بن أبي طالب لم يكن بالشام مثلهم، بل علي ومن معه أولى بالحق من ~~معاوية ومن معه من الشاميين، كما في الصحيحين (1) عن أبي سعيد عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين ~~يقتلهم أولى الطائفتين بالحق"، وفي لفظ: "أدناهما إلى الحق". # فهذا حديث صحيح صريح بأن عليا وطائفته أولى بالحق من الطائفة الأخرى ~~معاوية وطائفته. # /والصنف الثاني من المؤمنين من لم يقاتل، لا مع علي ولا معاوية، كسعد بن ~~أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر وأسامة بن زيد وأمثالهم، فهؤلاء ~~أيضا أفضل من أهل الشام، وقد كان في لفيف أهل الشام من هو أفضل من كثير من ~~أهل العراق والحجاز. # أما من لم يشهد القتال مع معاوية فإن في الشاميين من لم يقاتل معه كأبي ~~أمامة الباهلي وغيره. وأما من كان في عسكره فقد كان في عسكره أيضا قوم ~~صالحون لهم اجتهاد وحسن مقصد، وبكل حال فلا يعتقد مسلم أن علي ms0247 بن أبي طالب ~~وسعد بن أبي وقاص وسهل بن حنيف ومحمد بن مسلمة وأمثالهم من السابقين ~~الأولين الذين يشهد الكتاب والسنة بفضلهم على من بعدهم، كان PageV02P103 ### |||| CHECK الذين نطقوا بلفظ الأبدال كانوا يجعلون من الأبدال من ليس بالشام # الأبدال الأربعون الذين هم أفضل الأمة خارجين عنهم في حياتهم. # فهذا الأصل المعلوم بالكتاب والسنة والإجماع لا يعارضه خبر واحد رواه ~~الثقات، بل ينسبون في ذلك إلى الغلط، فكيف بحديث منقطع فيه من الريبة ما لا يخفى. # /ومما يبين ذلك أن الذين نطقوا بلفظ "الأبدال" من السلف كانوا يجعلون من ~~الأبدال من ليس بالشام، كما في حكاية أن مالك ابن دينار ومحمد بن واسع ~~وغيرهما من الأبدال (1)، وفي حديث معدان الذي سأل الثوري عن قوله: (ما يكون ~~من نجوى ثلاثة) (2) فقال: بعلمه (3)، قالوا: وكان معدان من الأبدال. ومثل ~~هذا كثير في كلامهم. # وأما لفظ "النقباء" و"النجباء" في أولياء الله، فقد تقدم أنه ليس لذلك ~~أصل في كلام السلف. PageV02P104 ### |||| CHECK هذا الغوث المدعى ليس بأعظم من الرسل، وهم قد يمنعون ما يسألون ### |||| CHECK قول القائل إن الشدة إذا نزلت بأهل الأرض يرفعها الأدنى إلى الأعلى، حتى ينتهي الأمر إلى الغوث، فلا يرفع بصره حتى تنفرج تلك النازلة - من أعظم البهتان من وجوه ### ||| AUTO فصل # وأما قول القائل: "إن الشدة إذا نزلت بأهل الأرض يرفعها الأدنى إلى ~~الأعلى، حتى ينتهي الأمر إلى الغوث، فلا يرفع بصره حتى تنفرج تلك النازلة"، ~~فهذا من أعظم البهتان من وجوه: # أحدها: أن هذا الغوث المدعى ليس بأعظم من الرسل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ~~ومحمد وغيرهم. وهؤلاء سادة الخلائق، يجيب الله من دعائهم ما لا يجيب من ~~دعاء غيرهم، وهم الذين تطلب منهم الشفاعة يوم القيامة، حتى ينتهى إلى خاتم ~~الرسل محمد - صلى الله عليه وسلم -، فيقول عيسى: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر ~~الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: "فيأتوني، فأذهب إلى ربي، فإذا ~~رأيته خررت ساجدا، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقول: ms0248 أي ~~محمد, ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع". قال: "فأرفع رأسي فأقول ~~أمتي أمتي، فيحذ لي حدا يدخلهم الجنة ... " الحديث بطوله (1). وأحاديث ~~الشفاعة من أصح الأحاديث وأشهرها. # فهذا سيد الخلائق وصاحب المقام المحمود لا يبتدئ PageV02P105 # بالشفاعة بل بالسجود والثناء،/حتى يؤذن له بالشفاعة فيشفع ثم يشفع. # أما في الدنيا ففي الصحيح (1) عنه قال: "سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين ~~ومنعني واحدة، سألته أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فيجتاحهم، ~~فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك بسنة عامة، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل ~~بأسهم بينهم، فمنعنيها". # وفي الصحيح (2) أنه قال لعمه: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله ~~تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي ~~قربى) (3). وقد صلى على عبد الله بن أبى ودعا له (4)، حتى أنزل الله: (ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) (5). وقال له: (سواء عليهم ~~أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم) (6). PageV02P106 ### |||| CHECK الأنبياء كانوا يجتهدون في الدعاء، فكيف يكون غيرهم لا يرفع بصره حتى تدفع النوازل؟ # وثانيه في الفضيلة الخليل، فإنه قد ثبت في الصحيح (1) أنه خير البرية، ~~وهو أفضل الرسل بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقد استغفر لأبيه بقوله: ~~(ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41)) (2)، ومع هذا فآزر ~~في جهنم. وقد اعتذر الله عن إبراهيم من استغفاره له (3). # وأيضا فقد قال تعالى: (ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في ~~قوم لوط (74) إن إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه ~~قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76)) (4). # وأيضا فالأنبياء صلوات الله عليهم كانوا يجتهدون في الدعاء، كما كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو في مقامات معروفة، ففي يوم بدر كان ~~يناشد ربه ويجتهد في الدعاء حتى أتته البشرى بنزول الملائكة (5)؛ وفي ~~الاستسقاء اجتهد في الدعاء (6)، تارة في المسجد وتارة في # (1) مسلم (2369) عن أنس. وأخرجه أيضا أحمد (3/ 178، 184) وأبو داود ~~(4782) وا لتر مذي (3352). # (2) سورة ms0249 إبراهيم: 41 # (3) في سورة التوبة: 114 (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114)) # (4) سورة هود: 74 - 76. # (5) أخرجه البخاري (2915، 3953، 4875، 4877) عن ابن عباس. وأخرجه مسلم ~~(1763) عن عمر بن الخطاب. # (6) وردت أحاديث عديدة في الاستسقاء، منها حديث عبد الله بن زيد الذي ~~أخرجه البخاري (1023 - 1025) ومسلم (894)، وفيه ذكر الدعاء قبل الصلاة. ~~وحديث أنس بن مالك الذي أخرجه البخاري (933، 1013، 1019، 1021) ومسلم ~~(897)، وفيه ذكر الدعاء في خطبة الجمعة. PageV02P107 ### |||| CHECK هذه الشدائد العامة لا يتركها المسلمون لشخص معين، ولا يرفعون أمرها إلى غير الله، فمن هذا الأدنى الذي يرفعها إلى الأعلى؟ ### |||| CHECK خبر الشيخ عبد الواحد بن القصار ### |||| CHECK نزل بهذه الأمة من الشدائد ما لا يحصيه إلا الله، واتصل بعضها مدة، فأين كان هذا الغوث؟ # الصحراء، حتى نزل الغيث. فإذا كانت الشدة لم تزل إلا بعد اجتهادهم/في ~~الدعاء في هذه المواطن، فكيف يكون غيرهم لا يرفع بصره حتى تدفع النوازل؟ # ثم إن الأمة قد نزل بها من الشدائد ما لا يحصيه إلا الله، واتصل بعضها ~~مدة، فأين كان هذا الغوث؟ وحدثوني عن الشيخ عبد الواحد بن القصار- وكان من ~~الشيوخ العارفين- أنه في اليوم الذي أخذت فيه بغداد، كشف له عن ذلك والسيف ~~يعمل في أهلها، فجعل يقول: أين القطب، أين الغوث؟ هذا السيف يعمل في أمة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وأيضا فكل مسلم يعلم من نفسه أن هذه الشدائد العامة لم يتركها هو وأصحابه ~~لشخص معين، بل دعوا الله سبحانه كما يدعونه عند الاستسقاء، وكما يدعونه عند ~~الاستنصار على الأعداء، لا أحد يرفع أمره إلى غير الله، الفهم إلا ما يقوله ~~بعض الناس لبعض كما جرت به العادة، فمن الأدنى الذي يرفع هذه الأمور إلى ~~الأعلى؟ # وأيضا فقد أخبر الله عن المشركين أنهم يدعونه إذا مسهم الضر مخلصين له ~~الدين, فيجيبهم، قال تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ~~فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ms0250 (67)) (1). وقال تعانى: ~~(وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره ~~مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين PageV02P108 ### |||| CHECK إذا كان الله يجيب الكفار إذا دعوه مضطرين، فكيف يحوج عباده المؤمنين إلى وسائط في رفع حوائجهم إليه؟ # ما كانوا يعملون (12)) (1). وقال تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ~~مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما ~~آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66)) (2). ونظائره في القرآن كثيرة. # وقد قال تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) (3)، فهو سبحانه قريب مجيب. # وفي الصحيحين (4) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: "إنكم لا ~~تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى ~~أحدكم من عنق راحلته". # وقد قال الخليل: (إن ربى لسميع الدعاء (39)) (5)، وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والمؤمنون في الصلاة: "سمع الله لمن حمده". فإذا كان هو سبحانه ~~سميع الدعاء، مجيبا لدعوة عباده، قريبا منهم، يجيب الكفار إذا دعوه مضطرين، ~~فكيف يحوج عباده المؤمنين إلى وسائط في رفع حوائجهم إليه كما يفعله الملوك؟ # وهو سبحانه يكلم عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم حاجب PageV02P109 ### |||| CHECK الكتاب والسنة مملوء بما يناقض هذه الدعوى ### |||| CHECK إذا كان العبد يناجي ربه ويخاطبه، والله يسمع كلامه ويجيب دعاءه، فأين حاجته إلى الوسائط؟ # ولا ترجمان، كما في الصحيح (1) عن عدي بن حاتم عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ~~ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ~~شيئا قدمه، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو ~~بشق تمرة فليفعل، فإن لم يستطع فبكلمة طيبة". # والمصلي يقول في الصلاة: (إياك نعبد وإياك نستعين (5)) (2). وفي الصحيح ~~(3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن المصلي يناجي ربه"، وقال ms0251 ~~(4): "إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الله قبل وجهه، فلا يبصقن قبل وجهه". ~~فإذا كان العبد يناجي ربه ويخاطبه، والله يسمع كلامه ويجيب دعاءه، فأين ~~حاجته إلى الوسائط التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ /التي يعلم كل عاقل من ~~أهل الإيمان أنها من تأويل أهل الشرك والبهتان. وشواهد هذه الأصول كثيرة، ~~قد بسطت في غير هذا الموضع. # والكتاب والسنة مملوء (5) بما يناقض دعوى هؤلاء المفترين. PageV02P110 ### |||| CHECK المغضوب عليهم: اليهود، والضالون: النصارى، بيان ذلك ### |||| CHECK هي شعبة من شعب دين النصارى # وهذا كله- الذي عليه هم- شعبة قوية من شعب دين النصارى، الذين (اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) (1). # وقد أمرنا الله أن نقول في صلواتنا: (اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7)) (2) قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون" (3). فاليهود ~~شبهوا الخالق بخلقه، فوصفوه بصفات النقص والعيب، كالفقر والبخل واللغوب. ~~والنصارى شبهوا المخلوق بالخالق، فوصفوه بصفات الإلهية التي لا يستحقها إلا ~~الله، حتى أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. ولهذا قال تعالى: (لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد ~~أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا (17)) (4). # وقال تعالى: (المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله PageV02P111 ### |||| CHECK بعض الأحاديث المتعلقة بها ### |||| CHECK حسم النبي - صلى الله عليه وسلم - مواد الشرك قولا وعملا # الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام (75)) (1). # /وفي الصحيح (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تطروني ~~كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله". ~~وقد حسم - صلى الله عليه وسلم - مواد الشرك قولا وعملا، حتى قال: "لا يقولن ~~أحدكم ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ما شاء الله ثم شاء محمد" (3). وقال: ~~"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب ms0252 الله على قوم اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد" (4). وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد"، يحذر ما فعلوا (5). # وقال قبل أن يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون PageV02P112 ### |||| CHECK لم يأمر الله مخلوقا أن يسال مخلوقا وإن كان بدأ باسمه بالسؤال # القبور مساجد، إلا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (1). ~~ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها (2). # والله سبحانه لم يأمر مخلوقا أن يسأل مخلوقا وإن كان بدأ باسمه بالسؤال ~~أحدا، فلم يأمره به، بل قال تعالى: (فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب ~~(8)) (3). وقال لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن ~~بالله" (4). # وفي الصحيح (5) عنه أنه قال في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب: "هم ~~الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون". فجعل من ~~فضائلهم أنهم لا يطلبون من غيرهم رقية وإن كانت الرقية دعاء. فهذا وصف خواص ~~عباد الله. وهذا باب واسع، قد بسط في غير هذا الموضع (6). PageV02P113 ### |||| CHECK العبد مأمور أن لا يتوكل إلا على الله، والله ييسر له من الأسباب ما لم يكن له في حساب، فهو يتولى الصالحين، وهو كاف عبده ### |||| CHECK أسعد الناس بدعاء الأنبياء وشفاعتهم أعظمهم إخلاصا لثه وتوكلا عليه ### |||| CHECK - الدعاء لعباد الله والشفاعة لهم بإذنه ### |||| CHECK - الدعوة إلى الله وتبليغ رسالاته ### |||| CHECK ما يراد من المشايخ الصالحين ما يراد من الأنبياء والمرسلين # /وغاية ما يراد بالمشايخ الصالحين ما يراد من الأنبياء والمرسلين، ~~والمراد منهم تبليغ رسالات الله وهداية عباد الله، والدعوة إلى الله، هذا ~~هو المقصود الأعظم. ولهم أيضا من الدعاء لعباد الله والشفاعة لهم ما هو من ~~الأمور المطلوبة، لكن الأمر كله لله، وقد جعل الله لكل شيء قدرا. # ودعاء الله من الأنبياء والمؤمنين للعبد هو من نعم الله عليه، وأسعد ~~الناس بذلك أعظم إخلاصا لله وتوكلا عليه، كما في الصحيح (1) أن أبا هريرة ~~قال: يا رسول الله، أي الناس أسعد بشفاعتك؟ قال: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن ~~لا يسألني ms0253 عن هذا الحديث أحد قبلك، أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا ~~الله يبتغي بها وجه الله". # فالعبد مأمور أن لا يتوكل إلا على الله، ولا يرغب إلا إليه، ولا يخاف إلا ~~إياه، ولا يعمل إلا له. والله ييسر له من الأسباب ما لم يكن له في حساب، ~~فإنه سبحانه يتولى الصالحين، وهو كاف عبده، وقد قال تعالى: (يا أيها النبي ~~حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64)) (2) أي حسبك وحسب من اتبعك من ~~المؤمنين الله، فهو وحده كاف عباده لا يحتاج إلى ظهير ولا شريك. قال تعالى: ~~(وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي ~~من PageV02P114 # الذل) (1). فإن المخلوق ذليل يتولى من يتولاه لذله، فإنه إن لم يكن له من ~~يعينه وينصره/عجز وذل، وقهره عدوه. والله تعالى لا يوالي عباده من الذل، بل ~~برحمته وفضله وجوده وإحسانه، وهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير ~~إليه، (يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) (2). قال تعالى: ~~(قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ولا تنفع الشفاعة ~~عنده إلا لمن أذن له) (3). # وقال تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28)) (4). وقال تعالى: (إن كل ~~من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) ~~وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95) (5). # وهذا كثير في كتاب الله، والله سبحانه أعلم. كتبه أحمد بن تيمية PageV02P115 ### | AUTO قاعدة في الاستحسان PageV02P117 ### ||| CHECK معنى الاستحسان ### ||| CHECK بيان الحاجة إلى التأليف في هذا الباب ### ||| CHECK مقدمة المؤلف # الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد ms0254 أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تسليما. # فصل في الاستحسان وتخصيص العلة، وموضع الاستحسان هل يقاس عليه أم لا، وما ~~يرد من الأحكام الثابتة بالنص والإجماع ويقال: إنها مخالفة للقياس. فإن هذه ~~قواعد كثر اضطراب الناس فيها، والحاجة ماسة إلى تحقيقها في كثير من مسائل ~~الشريعة أصولها وفروعها. # أما الاستحسان فالمشهور من معانيه أنه مخالفة القياس لدليل (1)، وقد يراد ~~به غير ذلك (2). والعلماء في لفظه ومعناه المذكور على PageV02P163 ### ||| CHECK - من يقول به (الأحناف) ### ||| CHECK - من ينكره (الظاهرية وكثير من المتكلمين) ### ||| CHECK اختلاف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب # ثلاثة أقوال: # منهم من ينكر هذا اللفظ مطلقا، وهم نفاة القياس، كداود وأصحابه (1)، ~~وكثير من أهل الكلام من المعتزلة والشيعة وغيرهم، فليس عندهم في أدلة الشرع ~~لا قياس ولا استحسان. # ومنهم من يقر به بهذا المعنى، ويجوز مخالفة القياس للاستحسان، ويعمل ~~بالقياس فيما عدا صورة الاستحسان. وهذا هو المعروف عن أبي حنيفة وأصحابه ~~(2). PageV02P164 ### ||| CHECK قول الشافعي في إبطال الاستحسان ### ||| CHECK لفظ الاستحسان في كتب مالك وأصحابه ### ||| CHECK - من يذمه تارة ويقول به تارة (مالك والشافعي وأحمد) # ومنهم من ذم الاستحسان تارة، وقال به تارة، كالشافعي وأحمد بن حنبل ومالك ~~وغيرهم، ففي كتب مالك وأصحابه ذكر لفظ الاستحسان في مواضع (1). والشافعي ~~قال: من استحسن فقد PageV02P165 ### ||| CHECK قول أحمد في أصحاب أبي حنيفة وبيان اختلاف منهجه عن منهجهم ### ||| CHECK بعض استحسان الشافعي # شرع (1)، وتكلم في إبطال الاستحسان، وبسط القول في ذلك (2). وكان من أعظم ~~الأئمة إنكارا له، وهو الذي عليه أصحابه في أصول الفقه. ومع هذا فقد قال ~~بلفظ الاستحسان، كما قال: أستحسن أن تكون المتعة ثلاثين درهما" (3). ولهذا ~~حكي للشافعي في الاستحسان قولان: قديم وجديد. # وكذلك أحمد بن حنبل، نقل عنه أبو طالب (4) أنه قال: أصحاب أبي حنيفة إذا ~~قالوا شيئا خلاف القياس قالوا: نستحسن هذا PageV02P166 ### ||| CHECK أحمد يوجب طرد العلة الصحيحة، ويتبين أن انتقاضها يوجب فسادها ### ||| CHECK معنى كلامه ms0255 عند المؤلف أنه يستعمل النصوص كلها ولا يقيس على أحد النصين قياسا يعارض النص الآخر كما يفعل الحنفية ### ||| CHECK هل المقصود بقول أحمد هذا إبطال الاستحسان؟ # وندع القياس. فيدعون الذي يزعمون أنه الحق بالاستحسان. قال: وأنا أذهب ~~إلى كل حديث جاء، ولا أقيس عليه (1). # قال القاضي أبو يعلى (2): وظاهر هذا يقتضي إبطال القول بالاستحسان، وأنه ~~لا يقاس المنصوص عليه على المنصوص عليه. # قلت: مراد أحمد أني أستعمل النصوص كفها، ولا أقيس على أحد النصين قياسا ~~يعارض النص الآخر، كما يفعل من ذكره، حيث يقيسون على أحد النصين، ثم ~~يستثنون موضع الاستحسان إما لنص أو غيره، والقياس عندهم يوجب العلة ~~الصحيحة، فينقضون العلة التي يدعون صحتها مع تساويها في محالها./ # وهذا من أحمد يبين أنه يوجب طرد العلة الصحيحة، وأن انتقاضها مع تساويها ~~في محالها يوجب فسادها. ولهذا قال: لا أقيس على أحد النصين قياسا ينقضه ~~النص الآخر، فإن ذلك يدك على فساد القياس. # وهو يستعمل مثل هذا في مواضع، مثل حديث أم سلمة وفيه PageV02P167 ### ||| CHECK - العمل بالنصين والامتناع من قياس أحدهما على الآخر ### ||| CHECK - التسوية بينهما في الإذن ### ||| CHECK - التسوية بين الهدي والأضحية في المنع ### ||| CHECK مثال يوضح ذلك: حديث منع المضحي من أخذ شعره، وحديث جواز ذلك للمهدي، واختلاف الناس في المسألة # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أراد أحدكم أن يضحي ودخل العشر فلا ~~يأخذ من شعره ولا من بشرته شيئا" (1)، مع حديث عائشة: كنت أفتل قلائد هدي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يبعث به وهو مقيم، فلا يحرم عليه شيء ~~مما يحرم على المحرم (2). # والناس في هذا على ثلاثة أقوال: # منهم من يسوي بين الهدي والأضحية في المنع، ويقول: إذا أرسل المحرم هديا ~~لم يحل حتى ينحر، كما يروى عن ابن عباس (3) وغيره. # ومنهم من يسوي بينهما في الإذن، ويقول: بل المضحي لا يمنع عن شيء كما لا ~~يمنع المهدي، فيقيسون على أحد النصين ما يعارض الآخر. # وفقهاء الحديث كيحيى بن سعيد والشافعي وأحمد بن ms0256 حنبل وغيرهم عملوا ~~بالنصين، ولم يقيسوا أحدهما على الآخر، كما أن الله لما أحل البيع وحرم ~~الربا (4) لم يقس المسلمون أحدهما على PageV02P168 ### ||| CHECK مثال آخر للعمل بالنصين وعدم قياس أحدهما على الآخر: جواز القرعة وتحريم القمار ### ||| CHECK قياس المشركين، والفرق بينه وبين قياس المسلمين، وذكر نماذج منه: قياس الربا على البيع، وقياس الميتة على، المذكى # الآخر، وإنما هذا قياس المشركين. وكذلك لما أحل المذكى وحزم الميتة (1) ~~لم تقيسوا أحدهما على الآخر، بل هذا قياس المشركين (2). # وكذلك لما جاء (3) الكتاب والسنة بالقرعة (4)، وجاءا بتحريم القمار (5) ~~لم يقيسوا هذا على هذا، بل أجازوا القرعة، وحزموا PageV02P169 ### ||| CHECK عمل أحمد بالحديثين، وذهاب بعض العلماء إلى أن الأول منسوخ ### ||| CHECK مثال آخر لذلك: حديث إذا صلى الإمام جالسا فصلوا جلوسا وحديث آخر في صلاة الناس قائما والنبي - صلى الله عليه وسلم - قاعد # الميسر والاستقسام بالأزلام، بخلاف من جعل القرعة من القمار أو من ~~الاستقسام بالأزلام، ولم يعلق بها حكما. وأحمد أكثر الفقهاء عملا بالقرعة ~~(1)، لما كان عنده فيها من النصوص والآثار. # وكذلك عند أحمد وغيره من فقهاء الحديث لما أمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الناس إذا صلى الإمام قاعدا أن يصلوا قعودا أجمعين (2). ثم لما ~~افتتحوا الصلاة قياما أتمها بهم قياما" (3). عمل بالحديثين، ولم يقس على ~~أحدهما قياسا يناقض الآخر ويجعله منسوخا" (4)، كما فعل PageV02P170 # طائفة من الفقهاء، كالشافعي (1) والحميدي (2) وغيرهما (3). واستدل هو ~~وغيره بأن الصحابة بعده لفا صلوا جلوسا أمروا من خلفهم بالجلوس، وقد شهدوا ~~صلاته في آخر عمره، مثل أسيد بن الحضير (4)، وهو من أفضل السابقين الأولين ~~من الأنصار، وقد فعل ذلك في عهد أبي بكر، فإنه قتل في قتال المرتدين من ~~حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب (5)./ PageV02P171 ### ||| CHECK استحسانات الإمام أحمد ### |||| CHECK (1) المضارب إذا خالف له أجرة مثله والربح لصاحب المال # وقد قال أحمد بالاستحسان المخالف للقياس في مواضع، كقوله في رواية صالح ~~(1) في المضارب: إذا خالف فاشترى غير ما أمر به صاحب المال، فالربح لصاحب ~~المال، ولهذا أجرة مثله، إلا أن يكون الربح ms0257 يحيط باجرة مثله فيذهب. وكنت ~~أذهب إلى أن الربح لصاحب المال، ثم استحسنت (2). PageV02P172 ### |||| CHECK (3) جواز شراء أرض السواد وعدم جواز بيعها ### |||| CHECK (2) التيمم لكل صلاة # وقال في رواية الميموني (1): أستحسن أن يتيمم لكل صلاة، ولكن القياس أنه ~~بمنزلة الماء حتى يحدث أو يجد الماء (2). # وقال في رواية المروذي (3): يجوز شرى (4) أرض السواد (5)، PageV02P173 ### |||| CHECK (4) من غصب أرضا وزرعها فالزرع لرب الأرض وعليه نفقته # ولا يجوز بيعها، فقيل له: كيف تشترى ممن لا يملك؟ فقال: القياس كما تقول، ~~ولكن هو استحسان. واحتج بأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - رخصوا في ~~شرى المصاحف وكرهوا بيعها، وهذا يشبه ذاك (1). # وقال في رواية بكر بن محمد (2) فيمن غصب أرضا وزرعها: الزرع لرب الأرض، ~~وعليه النفقة، وليس هذا شيئا يوافق القياس. # أستحسن أن يدفع إليه نفقته (3). # وقد جعل القاضي أبو يعلى المسألة على روايتين، ونصر هو وأتباعه كأبي ~~الخطاب (4) وابن عقيل وابن PageV02P174 ### ||| CHECK أنواع الاستحسان عندهم ### ||| CHECK معنى الاستحسان عندهم ### ||| CHECK من ذهب من الحنابلة إلى القول بالاستحسان مثل الحنفية ### |||| CHECK (1) الاستحسان لأجل الكتاب ### ||||| CHECK مثاله: شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر # [الزاغوني] (1) القول بالاستحسان كقول أصحاب أبي حنيفة وفسر هؤلاء وهؤلاء ~~الاستحسان الذي يقولون به بأنه ترك الحكم إلى حكم هو أولى منه. وقيل: هو ~~أولى القياسين (2). قالوا- وهذا لفظ القاضي (3) -: والحجة التي يرجع إليها ~~في الاستحسان فهي الكتاب تارة، والسنة أخرى، والإجماع ثالثة. والاستدلال ~~بترجح (4) شبه بعض الأصول على بعض. # كما (5) قلنا بالاستحسان لأجل الكتاب في شهادة أهل الكتاب على المسلمين ~~في الوصية في السفر إذا لم نجد مسلما" (6). PageV02P175 ### ||| CHECK أمثله أخرى للاستحسان عندهم قالوا فيها: إنها مخالفة للقياس ### |||| CHECK - نفقة الصغير وأجرة مرضعه على أبيه دون أمه ### |||| CHECK (3) الاستحسان للإجماع ### |||| CHECK (2) الاستحسان للسنة ### ||||| CHECK مثاله: جواز سلم الدراهم والدنانير في الموزونات ### ||||| CHECK مثاله: من غصب أرضا وزرعها فالزرع لصاحب الأرض وعليه نفقته # قال: ومما قلنا فيه بالاستحسان للسنة فيمن غصب أرضا وزرعها، فالزرع لرب ~~الأرض، وعلى صاحب الأرض النفقة لصاحب الزرع، لحديث ms0258 رافع بن خديج عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "من زرع في أرض قوم فالزرع لرب الأرض وله نفقته" ~~(1). وقد كان القياس أن يكون الزرع لزارعه (2). # قال: ومما قلنا فيه بذلك للإجماع جواز سلم الدراهم والدنانير في ~~الموزونات، وكان القياس أن لا يجوز ذلك لوجود الصفة المضمومة إلى الجنس، ~~وهي الوزن، إلا أنهم استحسنوا فيه للإجماع (3). # قلت: ومن ذلك أن نفقة الصغير وأجرة مرضعه على أبيه دون أمه بالنص (4) ~~والإجماع. والقياس- عند من يجعل النفقة على كل PageV02P176 ### |||| CHECK - جواز القرض والقراض ### |||| CHECK - جواز الإجارة ### |||| CHECK - جواز إجارة الظئر # وارث بفرض أو تعصيب، أو على كل ذي رحم (1) محرم، أو على عمودي النسب ~~مطلقا- أن يكون على الأبوين. # وكذلك يقولون: جواز إجارة الظئر ثابت بالنص (2) والإجماع على خلاف ~~القياس، بل وقد يقولون بجواز الإجارة، بل وجواز القرض والقراض وغير ذلك على ~~خلاف القياس (3) للإجماع. PageV02P177 ### ||| CHECK من قال: إن الاستحسان تخصيص العلة، وانتصار المؤلف له ### ||| CHECK ذكرهم المعنى الذي يقتضي التخصيص، مثل الحاجة والضرورة # لكن إذا أبدوا معنى يقتضي التخصيص مثل الحاجة، قيل: هذا يقول به جميع ~~الأمة، بل جميع علماء السنة، مثل إباحة الميتة للمضطر للضرورة، وصلاة ~~المريض قاعدا للحاجة، ونحو ذلك. وإنما يتنازعون إذا لم يظهر في إحدى ~~الصورتين معنى يوجب الفرق./ # ولهذا فسر غير واحد الاستحسان بتخصيص العلة، كما ذكر ذلك أبو الحسين ~~البصري (1) والرازي (2) وغيرهما، وكذلك هو، فإن غاية الاستحسان- الذي يقال ~~فيه: إنه يخالف القياس حقيقة- تخصيص العلة. والمشهور عن أصحاب الشافعي منع ~~تخصيص العلة، وعن أصحاب أبي حنيفة القول بتخصيصها (3)، كالمشهور PageV02P178 ### ||| CHECK اختلاف العلماء في جواز تخصيص العلة ومنعه # عنهما في منع الاستحسان وإجازته. ولكن في مذهب الشافعي خلاف في جواز ~~تخصيص العلة (1)، كما في مذهب مالك (2) وأحمد (3). PageV02P179 ### ||| CHECK من قال بالاستحسان ومنع تخصيص العلة ### |||| CHECK - ذكر أقوال الإمام أحمد وأصحابه في هذا الموضوع # ومن الناس من حكى قول الأئمة الأربعة جواز تخصيص العلة. وقد ذكر أبو ~~إسحاق بن شاقلا (1) عن أصحاب أحمد في تخصيص العلة وجهين. ومن الناس من ms0259 يحكي ~~ذلك روايتين عن أحمد. والقاضي أبو يعلى وأكثر أتباعه كابن عقيل يمنعون ~~تخصيص العلة (2) مع قولهم بالاستحسان. وكذلك أصحاب مالك (3). # وأما أبو الخطاب فيختار تخصيص العلة (4) موافقة لأصحاب أبي حنيفة، فإن ~~هذا هو الاستحسان كما تقدم. وهؤلاء يجوزون تخصيصها بمجرد دليل يدك على ~~التخصيص، وإن لم يبيق اختصاص صورة النقض فقدان شرط أو وجود مانع. وهذا ~~حقيقة ما ذكره القاضي وهؤلاء في الاستحسان، كما ذكره في الأمثلة. # ولكن القاضي وغيره ممن يقول بالاستحسان ومنع تخصيص العلة فرقوا بينهما ~~فقالوا- واللفظ للقاضي (5) -: لا يجوز تخصيص PageV02P180 ### |||| CHECK - حجة من قال بجواز تخصيصها، ومناقشة أبي يعلى لها # العلة الشرعية، وتخصيصها نقضها. # قال: وقد قال أحمد في رواية الحسين بن حسان (1): القياس أن يقاس الشيء ~~على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال ~~فهذا خطأ (2). # قال: وهذا الكلام يمنع من تخصيصها. # قال: وقد ذكر أبو إسحاق- يعني ابن شاقلا- في "شرح الخرقي" فقال: أصحابنا ~~على وجهين: منهم من يرى تخصيص العلة، ومنهم من لا يرى ذاك. # وقال: وقد ذكرها أبو الحسن الخرزي (3) في "جزء فيه مسائل من الأصول ": لا ~~يجوز تخصيصها. PageV02P181 # قال: وقول أحمد "القياس كان يقتضي أن لا يجوز شرى أرض السواد، لأنه لا ~~يجوز بيعها" ليس بموجب لتخصيص العلة، فإنها في حكم خاص (1)، وما ذكر أحمد ~~إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول في الحكم العام، وقد يترك قياس الأصول ~~للخبر (2). # ولذلك أجاب من احتج على جواز تخصيصها بالاستحسان فقال (3): فإن قيل: أليس ~~قد قال أحمد في رواية المروذي وقد قيل: كيف تشترى ممن لا يملك؟ فقال: ~~القياس كما تقول، وإنما هو استحسان. واحتج بقول الصحابة في المصاحف. # ثم قال في الجواب: قيل: تخصيص العلة ما يمنع من جريها في حكم خاص. وما ~~ذكره أحمد إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول. ولأنهم قد يعدلون في ~~الاستحسان عن قياس وعن غير قياس (4)، فامتنع أن يكون معناه تخصيص (5) ~~بدليل. وقد ناقضه أبو الخطاب (6)./ # وهذا الذي ذكره القاضي ms0260 قد ذكره كثير من العلماء فيما إذا عارض النص قياس ~~الأصول، فقالوا: يقدم النص. واختلفوا فيما إذا PageV02P182 ### ||| CHECK معارضة النص أو خبر الواحد لقياس الأصول عند بعضهم (وهو القول الثالث) ### |||| CHECK - مثال الثاني: خبر المصراة ### |||| CHECK - مثال الأول: حمل العاقلة # عارض خبر الواحد قياس الأصول، كخبر المصراة (1) ونحوه (2). وأما الأول ~~فمثل حمل العاقلة (3)، فإنهم يقولون: هو خلاف قياس PageV02P183 ### ||| CHECK جواز تخصيص العلة المنصوصة دون المستنبطة (وهو القول الرابع) # الأصول، وهو ثابت بالنص والإجماع. وهذا يذكره بعض الناس قولا ثالثا في ~~تخصيص العلة. # ويذكرون قولا رابعا، وهو أنه يجوز تخصيص (1) المنصوصة دون المستنبطة (2). ~~وأكثر الناس في التخصيص من أصحاب الشافعي وأحمد كأبي حامد (3) وأبي الطيب ~~(4) والقاضي أبي يعلى وابن عقيل PageV02P184 ### ||| CHECK التحقيق في هذا الباب: أن العلة تطلق على العلة التامة المستلزمة لمعلولها، وعلى العلة المقتضية أولا أو المؤثرة، فالأولى إذا انتقضت بطلت، والثانية إذا انتقضت لفرق مؤثر لم تفسد ### ||| CHECK تحرير محل النزاع وبيان أن الخلاف في عفة قام على صحتها دليل # وغيرهم يقولون: إذا خصت المنصوصة تبينا أنها نقض العلة (1)، وإلا فلا ~~يجوز تخصيصها بحال. # وهذا النزاع إنما هو في عل! قام على صحتها دليل كالتأثير والمناسبة، وأما ~~إذا اكتفي فيها بمجرد الطرد الذي يعلم خلوه عن التأثير والسلامة عن ~~المفسدات، فهذه تبطل بالتخصيص باتفاقهم. وأما الطرد المحض الذي يعلم خلوه ~~عن المعاني المعتبرة فذاك لا يحتج به عند أحد من العلماء المعتبرين. وإنما ~~النزاع في الطرد الشبهي، كالمجوزات - الشبهية التي يحتج بها كثير من ~~الطوائف الأربعة، لاسيما قدماء أصحاب الشافعي، فإنها كثيرة في حججهم أكثر ~~من غيرهم./ # والتحقيق في هذا الباب (2) أن العلة تقال على العلة التامة، PageV02P185 ### ||| CHECK اعتراض النص على قياس الأصول أيضا من تخصيص العلة ### ||| CHECK بيان خطأ من قال بعدم جواز تخصيص العلة مطلقا # وهي المستلزمة لمعلولها، فهذه متى انتقضت بطلت بالاتفاق. وتقال على العلة ~~المقتضية أولا، وتسمى المؤثرة ويسمى السبب دالا ودليل العلة ونحو ذلك. فهذه ~~إذا انتقضت لفرق مؤثر يفرق فيه بين صورة ms0261 النقض وغيرها من الصور لم تفسد. ثم ~~إذا كانت صورة الفرع التي هي صورة النزاع في معنى صورة النقض ألحقت بها، ~~وإن كانت في معنى صورة الأصل ألحقت بها. # فمن قال: إن العلة لا يجوز تخصيصها مطلقا لا لفوات شرط ولا لوجود مانع ~~فهذا مخطئ قطعا، وقوله مخالف لإجماع السلف كلهم الأئمة الأربعة وغيرهم، ~~فإنهم كلهم يقولون بتخصيص العلة لمعنى يوجب الفرق، وكلامهم في ذلك أكثر من ~~أن يحصر. وهذا معنى قول من قال: تخصيصها مذهب الأئمة الأربعة. # و ### ||| AUTO القول بالاستحسان المخالف للقياس لا يمكن إلا مع القول # بتخصيص العلة # . وما ذكروه من اعتراض النص على قياس الأصول فهو أحد أنواع تخصيص العلة، ~~وهذا تسليم منهم لكون العلة تقبل التخصيص في الجملة. وأما من جوز تخصيص ~~العلة بمجرد دليل لا يبين الفرق بين صورة التخصيص وغيرها فهذا مورد النزاع ~~في PageV02P186 ### ||| CHECK من يقول: إن الصورتين سواء، ويجعل أحد النصين ناسخا للآخر ### ||| CHECK إذا جاء نص في صورة ونص يخالفه في صورة أخرى، وبينهما شبه لم يقم دليل على أنه مناط الحكم، فالصواب العمل بهما وعدم قياس منصوص على آخر ### ||| CHECK تخصيص العلة المنصوصة إذا جاء نص بتخصيص بعض صورها ### ||| CHECK معارضة النص للعلة المستنبطة دليل على فسادها ### ||| CHECK تخصيص العلة المستنبطة دون بيان الفرق المعنوي بين صورة التخصيص وغيرها ضعيف، وهو الذي أنكره الشافعي وأحمد على أصحاب أبي حنيفة # الاستحسان المخالف للقياس وغيره. # ثم هذه العلة إن كانت مستنبطة وخصت بنص، ولم يبين الفرق المعنوي بين صورة ~~التخصيص وغيرها فهذا أضعف ما يكون. وهذا هو الذي كان ينكره كثيرا الشافعي ~~وأحمد وغيرهما على من يفعله من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم. وكلام أحمد فيما ~~تقدم أراد به هذا، فإن العلة المبينة لم تعلم صحتها إلا بالرأي، فإذا ~~عارضها النص كان مبطلا لها. والنص إذا عارض العلة دل على فسادها، كما أنه ~~إذا عارض الحكم الثابت بالقياس دل على فساده بالإجماع. # وأما إذا كانت العلة منصوصة، وقد جاء نص بتخصيص بعض ms0262 صور العلة، فهذا مما ~~لا ينكره أحمد، بل ولا الشافعي وغيرهما، كما إذا جاء نص في صورة ونص يخالفه ~~في صورة أخرى، لكن بينهما شبه لم يقم دليل على أنه مناط الحكم فهؤلاء يقرون ~~النصوص، ولا يقيسون منصوصا على منصوص يخالف حكمه، بل هذا من جنس الذين ~~قالوا: (إنما البيع مثل الربا) (1). وهذا هو الذي قال أحمد فيه: "أنا أذهب ~~إلى كل حديث كما جاء، ولا أقيس عليه "، أي لا أقيس عليه صورة الحديث الآخر، ~~فأجعل الأحاديث متناقضة، وأدفع بعضها ببعض، بل أستعملها كلها./ # والذين يدفعون بعض النصوص ببعض يقولون: الصورتان سواء لا فرق بينهما، ~~فيكون أحد النصين ناسخا للآخر. ومثل هذا PageV02P187 ### ||| CHECK أمثلة للأحكام التي قالوا فيها: إنها منسوخة ### |||| CHECK - قطع جاحد العارية منسوخ بحديث ليس على المختلس ولا المنتهب ولا الخائن قطع ### |||| CHECK - حديث الأضحية والهدي، أحدهما منسوخ بالآخر ### |||| CHECK - أمر المأمومين بالصلاة جالسين والإمام جالس، بحديث آخر ### |||| CHECK - القرعة منسوخة بآية الميسر # كثيرا ما يتنازع فيه فقهاء الحديث ومن ينازعهم ممن يقيس منصوصا على ~~منصوص، ويجعل أحد النصين منسوخا لمخالفته قياس النص الآخر في طي هذا ~~القياس. # ويبقى الأمر دائرا هل دل الشرع على التسوية بين الصورتين حتى يجعل حكمهما ~~سواء، ويجعل الحكم الوارد في إحداهما منسوخا بالحكم المضاد له الوارد في ~~الأخرى، كما يقوله من يجعل القرعة منسوخة بآية الميسر (1)، وأمر المأمومين ~~بأن يتبعوا الإمام، فإذا كبر كبروا، وإذا ركع ركعوا، وإذا صلى جالسا صلوا ~~جلوسا أجمعين-: منسوخا بدوام قيامهم في الصلاة التي صلوا بعضها خلف إمام ~~قائم، وباقيها خلف إمام قاعد. ويجعل حديث الأضحية والهدي أحدهما منسوخا ~~بالآخر (2). ويجعلون قطع جاحد العارية (3) منسوخا إذا سلموا أنه قطعها ~~لذلك، منسوخا" (4) بقوله: "ليس على PageV02P188 ### |||| CHECK - تقضية ما شرطه النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية منسوخة بحديث من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل ### |||| CHECK - تضعيف الغرم على من درئ عنه القطع منسوخ بالآية ### |||| CHECK - العقوبة المالية منسوخة بالنهي عن إضاعة المال # المختلس ولا ms0263 المنتهب ولا الخائن قطع " (1). ويجعلون العقوبة المالية ~~منسوخة بالنهي عن إضاعة المال (2)، ويجعلون تضعيف الغرم على من درئ عنه ~~القطع منسوخا بقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) (3). # ويجعل (4) تقضية ما شرطه النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين ~~المشركين في الهدنة (5) منسوخا بقوله: "من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو ~~باطل" (6). PageV02P189 ### ||| CHECK معنى المجمل عند الأئمة وعند المتأخرين ### ||| CHECK تحذير الإمام أحمد من التأويل والمجمل والقياس، ومراده من ذلك ### ||| CHECK دفع النصوص البينة الصريحة بلفظ مجمل أو قياس، وإنكار الإمام أحمد وغيره له # وكثير مما يدعونه في الناسخ لا يعلمون أنه قيل بعد المنسوخ. # فهذا ونحوه من دفع النصوص البينة الصريحة بلفظ مجمل أو قياس هو مما كان ~~ينكره أحمد وغيره. # وكان أحمد يقول: " أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس" (1). ~~وقال: "ينبغي للمتكلم في الفقه أن يجتنب هذين الأصلين: المجمل والقياس" ~~(2). ومراده أنه لا يعارض بهما ما ثبت بنص خاص، ولا يعمل بمجردهما قبل ~~النظر في النصوص والأدلة الخاصة المقيدة. والمطلق يدخل في كلامه وكلام غيره ~~من الأئمة كالشافعي وغيره في المجمل، لا يريدون بالمجمل مالا يفهم معناه ~~كما يظنه بعض الناس (3)، ولا مالا يستقل بالدلالة، فإن هذا لا يجوز ~~الاحتجاج به بحال. PageV02P190 ### ||| CHECK مثاله: أخذ الإمام أحمد بالنصوص الواردة في سجود السهو، وما ليس فيه نمق ألحقه بما قبل السلام ### ||| CHECK إذا علم المعنى في أحد النصين، وعلم وجوده في المسكوت عنه، ولم يعلم المعنى في الآخر ### ||| CHECK إذا علم المعنى في أحد النصين ولم يعلم في الآخر، لم يلحق المسكوت عنه بواحد منهما إلا بدليل ### ||| CHECK الاستحسان المتنازع فيه أن يجيء نصان بحكمين مختلفين في صورتين، وثم صور مسكوت عنها، فيقال: القياس مقتضى أحد النصين، ويلحق المسكوت عنه به وإن لم يعرف المعنى الفارق بينه وبين الآخر # وأما إذا جاء نصان بحكمين مختلفين في صورتين وثم صور مسكوت عنها فهل ~~يقال: القياس هو مقتضى أحد النصين؟ فما سكت عنه نلحقه به وإن لم نعرف ~~المعنى الفارق ms0264 بينه وبين الآخر. # فهذا هو الاستحسان الذي تنوزع فيه، فكثير من الفقهاء يقول به، كأصحاب أبي ~~حنيفة وكثير من أصحاب أحمد وغيرهم. وهذا هو الذي ذكره القاضي بقوله (1): ~~"اعتراض النص على قياس الأصول ". وهو في الحقيقة قول بتخصيص العلة كما تقدم. # ومن لم يجوز تخصيصها إلا بفارقي بين صورة التخصيص وغيرها يقول: لابد أن ~~يعلم الجامع أو الفارق، فليس إلحاق المسكوت بأحد النصين بأولى من إلحاقه ~~بالآخر. وإذا علم المعنى في أحد النصين ولم يعلم في الآخر، وجاز أن يكون ~~المسكوت عنه في معنى هذا ومعنى هذا لم يلحق بواحد منهما إلا بدليل. وإذا ~~علم المعنى في أحد النصين ووجوده في المسكوت عنه، ولم يعلم المعنى في الآخر ~~فهذا أقوى من الذي قبله، فإنه هنا قد علم مقتضى القياس الصحيح وشموله لصورة ~~المسكوت. وأما وجود الفارق فيه فمشكوك فيه. # وهذا نظير أخذ أحمد بالنصوص الواردة في سجود سهو (2)، PageV02P191 # فما كان منها قبل السلام أخذ به، وما كان بعد السلام أخذ به، وما لم يجئ ~~فيه نص ألحقه بما قبل السلام، لأنه القياس عنده (1)./ # و ### ||| AUTO تحقيق هذا الباب أنه إما أن يعلم استواء الصورتين في الصفات المؤثرة في الشرع، وإما أن يعلم افتراقهما، وإما أن لا يعلم واحد منهما # ، ونعني بالعلم ما يسميه الفقهاء علما، وهو أن يقوم الدليل على التماثل ~~والاستواء، أو الاختلاف والافتراق، أو لا يقوم على واحد منهما. PageV02P192 ### ||| CHECK الكلام على آية (وعلى الوارث مثل ذلك) وأنها محكمة ### ||| CHECK مناقشة المؤلف لهم ### ||| CHECK مثال ذلك: العلة التي أوجبوا من أجلها النفقة على الجد والجذة إذا اجتمعا # فالأول ### ||| AUTO متى ثبت الحكم في بعض الصور دون بعض علم أن العلة باطلة # ، وهذا مثل دعوى من يدعي أن الموجب للنفقة نفسر الإيلاد، أو نفس الرحم ~~المحرم، أو مطلق الإرث بفرض أو تعصيب، ويقول: إذا اجتمع الجد والجدة كانت ~~النفقة عليهما. فإنه لما ثبت بالنص والإجماع أنه إذا اجتمع الأبوان كانت ~~النفقة على الأب (1)، علم أن العصبة في ذلك يقدم ms0265 على غيره، وإن كان وارثا ~~بفرض، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد. وعلم أن قوله (وعلى الوارث مثل ذلك) ~~(2) هو الوارث المطلق، وهو العاصب إن كان موجودا، لأن عمر جبر بني عم منفوس ~~على نفقته (3). # وهذه الآية صريحة في إيجاب نفقة الصغير على الوارث العاصب، وقال بها ~~جمهور السلف (4). وليس لمن خالفها حجة أصلا. ولكن ادعى (5) بعضهم أنها ~~منسوخة، وقيل ذلك عن مالك (6). وبعضهم PageV02P193 ### ||| CHECK مثال آخر للعلة الباطلة: اعتبارهم عفة الربا الوزن، وجعلهم جواز السلم في النقدين مخالفا للقياس ### ||| CHECK ### ||| AUTO مناقشة المؤلف لهم ### ||| CHECK من قال: القياس يقتضي وجوب ثلث النفقة على الأم، ولكن ترك ذلك للنص # قال: عليه أن لا يضار" (1)، فتركها بدعوى نسني أو تأويل هو من نوع تحريف ~~الكلم عن مواضعه لغير معارض لها أصلا مما يحلم بطلانه كل من تدبر ذلك. # وإذا كانت الأم أقرب الناس إليه لا نفقة عليها مع الأب، وهي تحوز الثلث ~~معه، فأن لا يجب على الجدة مع الجد وهي تحوز السدس أولى وأقوى. # والقائلون بذلك يقولون: القياس يقتضي وجوب ثلثها على الأم، لكن ترك ذلك للنص. # فيقال: أي قياس معكم؟ إنما يكون قياسا لو كان معهم نص يتناول هذه الصورة ~~بلفظه أو معناه، وليس معهم ذلك، ولو كان ذلك لكان مجيء هذا النص بهذا يوجب ~~إلحاق نظائره به، فيقاس كل عاصب معه فرضن أوجبه من وراث الفرض على الأب مع الأم. # وكذلك إسلام النقدين في الموزونات يقدح في كون العلة الوزن، ولم يثبت ذلك ~~بين، بل بعلة مستنبطة قد عارضها ما هو PageV02P194 ### ||| CHECK انتقاض العلة يوجب بطلانها قطعا إذا لم تختص صورة النقض بفرق معنوي، فإن الشارع حكيم عادل # أقوى منها (1)، فإن لم يبين الفرق بين النقدين وغيرهما وإلا كان انتقاضها ~~مبطلا لها. # فانتقاض العلة يوجب بطلانها قطعا إذا لم تختص صورة النقض بفرق معنوي ~~قطعا، فإن الشارع حكيم عادل لا يفرق بين المتماثلين، فلا تكون الصورتان ~~متماثلتين، ثم يخالف بين حكميهما، بل اختلاف الحكمين دليل على اختلاف ~~الصورتين في ms0266 نفس الأمر. فإن علم أنه فرق بينهما كان ذلك دليلا على ~~افتراقهما في نفس الأمر، وإن لم يعلم بمجيء الفرق. وإن علم أنه سوى بينهما ~~كان ذلك دليلا على استوائهما. وإن لم يعلم هذا ولا هذا لم يجز أن يجمع ~~ويسوى إلا بدليل يقتضي ذلك (2). # وهذا معنى قول إياس بن معاوية: "قس للقضاء ما استقام PageV02P195 ### ||| CHECK تفصيل القول في ذلك ### ||| CHECK لماذا قال أحمد بالاستحسان تارة وأنكره أخرى؟ # القياس، فإذا فسد فاستحسن" (1). فأمر بمخالفة القياس إذا تغير الأمر ~~بحصول مفاسد تمنع القياس./ # وأحمد قال بالاستحسان لأجل الفارق بين صورة الاستحسان وغيرها، وهذا من ~~باب تخصيص العلة للفارق المؤثر، وهذا حق. وأنكر الاستحسان إذا خصت العلة من ~~غير فارق مؤثر، ولذا قال: "يدعون القياس الذي هو حن عندهم للاستحسان "، ~~وهذا أيضا هو الاستحسان الذي أنكره الشافعي وغيره، وهو منكر كما أنكروه. ~~فإن هذا الاستحسان وما عدل عنه من القياس المخالف له يقتضي فرقا وجمعا بين ~~الصورتين بلا دليل شرعي، بل بالرأي الذي لا يستند إلى بيان الله ورسوله ~~وأمر الله ورسوله، فهو ليس له وضع الشرع أبدا، وقد قال تعالى: (أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (2). # وذلك أنه إذا كان القياس لم ينص الشارع على علته، ولا دل PageV02P196 ### ||| CHECK إشارة المؤلف إلى مصنف مفرد له عن القياس ### ||| CHECK لا يكون الاستحسان الصحيح عدولا عن قياس صحيح، والقياس الصحيح لا يجوز العدول عنه بحال ### ||| CHECK مجيء النص بخلاف العلة في بعض الصور دليل على أنها ليست علة تامة قطعا # لفظ الشرع على عموم المعنى فيه، ولكن رأى الرائي ذلك لمناسبة أو لمشابهة ~~ظنها مناط الحكم، ثم خص من ذلك المعنى صورا بنص يعارضه كان معذورا في عمله ~~بالنص. لكن مجيء النص بخلاف تلك العلة في بعض الصور دليل على أنها ليست علة ~~تامة قطعا، فإن العلة التامة لا تقبل الانتقاض. فإن لم يعلم أن مورد النص ~~مختص بمعنى يوجب الفرق لم يطمئن قلبه إلى أن ذلك ms0267 المعنى هو العلة، بل يجوز ~~أن تكون العلة معنى آخر، أو أن يكون ذلك المعنى بعض العلة، وحينئذ (1) فلا ~~يفترق الحكم من جميع موارد ما ظنه علة. # وإن كان مورد الاستحسان هو أيضا معنى ظنه مناسبا أو مشابها فإنه يحتاج ~~حينئذ إلى أن يثبت ذلك بالأدلة الدالة على تأثير ذلك الوصف، فلا يكون قد ~~ترك القياس إلا لقياس أقوى منه، لاختصاص صورة الاستحسان بما يوجب الفرق ~~بينها وبين غيرها، فلا يكون حينئذ لنا استحسان يخرج عن نص أو قياس. # وهذا هو الذي أنكره الشافعي وأحمد وغيرهما في الاستحسان، وما قال به ~~فإنما هو عدول عن أنه قياس، لاختصاص تلك الصورة بما يوجب الفرق. وحينئذ فلا ~~يكون الاستحسان الصحيح عدولا عن قياس صحيح، والقياس الصحيح لايجوز العدول ~~عنه بحال. # وهذا هو الصواب، كما قد بسطناه في مصنف مفرد، بمناسبة PageV02P197 ### ||| CHECK كلام القاضي أبي يعلى في مسألة المخصوص من جملة القياس ### ||| CHECK المعدول به عن سنن القياس هل يقاس عليه أم لا؟ # أنه ليس في الشرع شيء بخلاف القياس الصحيح أصلا (1). وعلى هذا فصور ~~الاستحسان المعدول بها عن سنن القياس يقاس عليها عند أصحاب مالك والشافعي ~~وأحمد وغيرهم إذا عرف المعنى الذي لأجله ثبت الحكم فيها. # وذكروا عن أصحاب أبي حنيفة أنه لا يقاس عليها (2)، وهو من جنس تخصيص ~~العلة والاستحسان، فإن من جوز التخصيص والاستحسان من غير فارق معنوي قال: ~~المعدول به عن سنن القياس لا يجب أن يكون لفارق معنوي، فلا يقاس عليه، لأن ~~من شرط القياس وجود العلة وتفريقها. ومن قاس قال: بل لا يكون إلا ~~لفارق،/فإذا عرفناه قسنا. # قال القاضي (3) وغيره: مسألة: المخصوص من جملة القياس PageV02P198 ### ||| CHECK اختلاف العلماء في هذا الباب مع ذكر الأمثلة # يقاس عليه ويقاس على غيره، أما القياس عليه فإن أحمد قال في رواية ابن ~~منصور (1): "إذا نذر أن يذبح نفسه يفدي نفسه بذبح كبش"، فقاس من نذر ذبح ~~نفسه على من نذر ذبح ولده، وإن كان ذلك مخصوصا من جملة القياس. وإنما ثبت ms0268 ~~بقول ابن عباس (2). # وأما قياسه على غيره فإن أحمد قال في رواية المزوذي: يجوز شرى أرض ~~السواد، ولا يجوز بيعها، فقيل: كيف تشترى ممن لا يملك؟ فقال: القياس كما ~~تقول، ولكن هذا استحسان. واحتج بأن الصحابة رخصوا في شرى المصاحف دون ~~بيعها. وهذا يشبه ذاك. # قال: فقد قاس مخصوصا من جملة القياس على مخصوص من جملة القياس. وبهذا قال ~~الشافعي. # وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يقاس (3) على غيره ولا يقاس [غيره] (4) عليه، ~~إلا أن تكون علته منصوصة أو مجمعا على جواز القياس عليه (5). PageV02P199 ### ||| CHECK حجة القائلين بجواز القياس على المخصوص، والرد على المانعين # فالمنصوص كقوله: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات " (1). والمجمع عليه ~~كالتحالف في الإجارة قياسا على التحالف في البيع، لاتفاق من أوجب التحالف ~~في البيع أن حكمهما سواء (2). والممنوع مثل قياس الجنازة على الصلاة في ~~الإسقاط بالقهقهة (3)، وإسقاط الكفارة في الاستقاءة لا يقاس عليه الأكل ~~(4)، والوضوء بنبيذ التمر لا يقاس عليه غيره من الأنبذة، وجواز البناء على ~~صلاته إذا أحدث لا يقاس عليه من أمنى بالاحتلام ونحوه (5). # واحتج أصحاب الشافعي وأحمد بحجج، وهذا لفظ القاضي أبي يعلى، قال (6): ~~وأيضا فإنا إذا قسنا على المخصوص، أو (7) قسنا PageV02P200 ### ||| CHECK تعليق المؤلف عليها # المخصوص على غيره، وحملنا النبيذ على غيره من المائعات، والقهقهة على ~~الكلام، فإن مخالفنا يعترف بصحة القياس، وأنه يجب حمل النبيذ على غيره من ~~المائعات والقهقهة على الكلام، ويدعي أنه استحسن تركه لما هو أولى منه (1). # قالوا: وهذا غير صحيح لوجهين: # أحدهما: أنه يلزمه أن يبين الأولى، وإلا حكم القياس متوجه عليه. وهذا كما ~~لو قال: القرآن يدك على كذا، ولكن تركته للسنة، فتكون حجة القرآن لازمة له ~~ما لم يبين السنة التي هي أقوى من القرآن، ولا يكفي في ذلك مجرد الدعوى. # والثاني: أنه يدعي أن الاستحسان أقوى من القياس، فلهذا تركه. والقياس إذا ~~عارضه دليل أقوى منه كان القياس باطلا، ولم يكن له حكم. كما لو عارضه نمن ~~كتاب أو سنة أو إجماع. ولما حكم بصحة القياس ms0269 هاهنا امتنع أن يكون ما عارضه ~~أقوى منه ومانعا من استعماله (2). # قلت: مضمون هذا إبطال أن يكون هذا مخصوصا من جملة القياس، وقياسه على ~~سائر الصور، وهذا إبطال للاستحسان، وهذا يقتضي أن الاستحسان إذا خالف ~~القياس لزم بطلان الاستحسان إن كان القياس صحيحا، أو بطلان القياس إن كان ~~الاستحسان المعارض PageV02P201 ### ||| CHECK حجج أخرى للقائلين بالجواز ### ||| CHECK تحقيق الكلام في ذلك أنه إذا تعارض القياس والاستحسان، فإن لم يكن بينهما فرق، وإلا لزم بطلان أحدهما # له صحيحا. وهذا لا يتوجه فيمن يقول بالاستحسان، وجعل معارضة الاستحسان ~~للعفة كمعارضته لحكمها، وهذا قول نفاة الاستحسان مطلقا. # والتحقيق في ذلك أنه إذا تعارض القياس والاستحسان فإن لم يكن بينهما فرق، ~~وإلا لزم بطلان أحدهما، وهو مسألة تخصيص العلة بعشها. فإن لم يكن بين ~~الصورة المخصوصة وغيرها فرق لزم التسوية، وحينئذ فإما أن تكون العلة باطلة، ~~وإما أن يكون تخصيص تلك الصورة باطلا. # وهذا هو الصواب في هذا كفه، وهو الذي ينكره الشافعي وأحمد وغيرهما على ~~القائلين بالقياس والاستحسان الذي يخالفه، فإنهم لا يأتون بفرق مؤثر ~~بينهما، كما لم يأتوا بفرق مؤثر بين نبيذ التمر وغيره من المائعات، ولا بين ~~القهقهة في الصلاة التي فيها ركوع وسجود وبين صلاة الجنازة وغيرهما مما ~~يشترطون فيه الطهارة./ # وذكروا أدلة أخرى جيدة، كقولهم- واللفظ للقاضي (1) -: # وأيضا فإن ما ورد به الأثر قد صار أصلا بنفسه، فوجب القياس عليه كسائر ~~الأصول (2). وليس رد هذا الأصل لمخالفة تلك الأصول له بأولى من رذ تلك ~~الأصول لمخالفة هذا الأصل، فوجب إعمال كل PageV02P202 ### ||| CHECK تعليق المؤلف عليها وذكر بعض الأمثلة # واحد منهما في مقتضاه، وإجراؤه على عمومه. وأيضا فإن القياس يجري مجرى ~~خبر الواحد، بدليل أن كل واحد منهما يثبت بغالب الظن. ثم ثبت أنه يصح أن ~~يرد مخالفا لقياس الأصول، كذلك القياس مثله (1). # قلت: ومن هذا الباب جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة بعرفة ~~ومزدلفة (2)، لو لم يرد به نص في أسفار أخر. وأما قصره الصلاة بعرفة بأهل ~~مكة وغيرهم فليس ms0270 مخالفا لعادته، فإنه مازال يقصر في السفر، بل هو بيان ~~استواء السفر الطويل والقصير في ذلك (3). فأما منع قصر المكيين فهو مخالف ~~للسنة الثابتة بلا ريب (4). وإنما خالف ذلك من PageV02P203 ### ||| CHECK حجة المانعين والجواب عنها ### ||| CHECK ما قيل فيه إنه خالف القياس في صور الاستحسان فلا بد أن يكون قياسه فاسدا، أو يكون تخصيصه بالاستحسان فاسدا، إذا لم يكن هناك فرق مؤثر # غفل عن هذه السنة. وأما قصر غير المكيين فلأن القصر ليس من خصائص الحج ~~ولا متعلقا به. وإنما هو متعلق بالسفر طردا وعكسا. # وكلامهم في هذه المسألة تقتضي أن ما قيل فيه إنه خالف القياس في صور ~~الاستحسان فلا بد أن يكون قياسه فاسدا، أو أن يكون تخصيصه بالاستحسان ~~فاسدا، إذا لم يكن هناك فرق مؤثر. وهذا هو الصواب في هذا الباب. # قالوا (1): واحتج المخالف بأن إثبات الشيء لا يصح مع وجود ما ينافيه، ~~فلما كان القياس مانعا مما ورد به الأثر لم يجز لنا استعمال القياس فيه، ~~لأنه لو جاز ذلك لم يكن فرق بينه وبين سائر الأصول التي يمنع قياسها منه. ~~فكان يخرج حينئذ من كوبه مخصوصا من جملة القياس. # قالوا: والجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أنا لا نسلم أن هاهنا ما ينافيه، لأن المنافاة تكون بدليل خاص، ~~وما يذكرونه في هذه المسائل ليس بدليل خاص لما نذكره من التأويل. # والثاني: أن المنافاة إنما تحصل بقياسه على غيره في إسقاط حكم النص، فأما ~~قياس غيره عليه فلا ينافيه، لأنه لا يسقط حكم النص عندهم، فيصح القياس عليه ~~(2). PageV02P204 ### ||| CHECK إنكار الشافعي وأحمد وغيرهما للاستحسان ### ||| CHECK تحقيق القول في المخصوص من جملة القياس ### ||| CHECK تعليق المؤلف على الجواب ### |||| CHECK - تارة ينكرون صحة الاثنين ### |||| CHECK - تارة ينكرون مخالفة القياس الصحيح لأجل الاستحسان ### |||| CHECK - تارة ينكرون صحة القياس الذي خالفه القائلون به لأجل الاستحسان # قلت: هذا الثاني جواب عن قياس غيره عليه، والأول جواب عن قياسه على غيره، ~~ومنع لكونه مخصوصا من جملة القياس. # والتحقيق أنه وإن كان مخصوصا من ms0271 جملة القياس فهو مخصوص من قياس معين، لا ~~من كل قياس، وإنما يخص لمعنى فيه يوجب الفرق بينه وبين غيره. فإذا قيس عليه ~~غيره بذلك المعنى لم يناف ذلك كونه مخصوصا من ذلك القياس الأول. # وحقيقة هذا كفه أنه قد يثبت الحكم على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر، ~~فمن يقول بالاستحسان من غير فارق مؤثر، وبتخصيص العلة من غير فارق مؤثر، ~~وبمنع القياس على المخصوص، يثبت أحكاما على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر. # وهذا هو الاستحسان الذي أنكره الأكثرون، كالشافعي وأحمد وغيرهما، وهم ~~تارة ينكرون صحة القياس الذي خالفوه لأجل الاستحسان، وتارة ينكرون مخالفة ~~القياس الصحيح لأجل ما يدعونه من الاستحسان (1) الذي ليس بدليل شرعي، وتارة ~~ينكرون صحة الاثنين، فلا يكون القياس صحيحا، ولا يكون ما خالفوه لأجله ~~صحيحا، بل كلا الحجتين (2) ضعيفة، وإنكار هذا كثير في كلام هؤلاء./ PageV02P205 ### ||| CHECK معنى القياس، وكيفية ثبوت الأحكام، وبيان أنها معللة بالمعاني المؤثرة ### ||| CHECK ضبط أصول الفقه الكلية، وبيان أن الشريعة ليس فيها تناقض أصلا، والقياس الصحيح لا يكون خلافه إلا تناقضا ### ||| CHECK فصل: في ذكر المواضع التي يقال إنها على خلاف القياس الصحيح # فصل # وقد تدبرت عامة هذه المواضع التي يدعي من يدعي فيها من الناس أنها تثبت ~~على خلاف القياس الصحيح، أو أن العلة الشرعية الصحيحة خضت بلا فرق شرعي من ~~فوات شرط أو وجود مانع، أو أن الاستحسان الصحيح يكون على خلاف القياس ~~الصحيح من غير فرق شرعي، فوجدت الأمر بخلاف ذلك، كما قاله أكثر الأئمة ~~كالشافعي وأحمد وغيرهما، وإن كان الواحد من هؤلاء قد يتناقض أيضا، فيخص ما ~~يجعله علة بلا فارق مؤثر، كما أنه قد يقيس بلا علة مؤثرة. # فالمقصود ضبط أصول الفقه الكلية المطردة المنعكسة، وبيان أن الشريعة ليس ~~فيها تناقض أصلا، والقياس الصحيح لا يكون خلافه إلا تناقضا، فإن القياس ~~الصحيح هو التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، والجمع بين ~~الأشياء فيما جمع الله ورسوله بينها فيه، والفرق بينهما فيما فرق الله ~~ورسوله بينها ms0272 فيه. # والقياس هو اعتبار المعنى الجامع المشترك الذي اعتبره الشارع وجعله مناطا ~~للحكم، وذلك المعنى قد يكون لفظ شرعي عام (1) أيضا، فيكون الحكم ثابتا ~~بعموم لفظ الشارع ومعناه. وقد بينا PageV02P206 ### ||| CHECK دراسة ما يذكره العلماء أنه استحسان على خلاف القياس # في غير هذا الموضع (1) أن الأحكام كلها بلفظ الشارع ومعناه، فألفاظه ~~تناولت جميع الأحكام، والأحكام كلها معللة بالمعاني المؤثرة، فمعانيه أيضا ~~متناولة لجميع الأحكام. لكن قد يفهم المعنى من لم يعرف اللفظ العام، وقد ~~يعرف اللفظ العائم ودلالته من لم يفهم العلة العامة. وكثيرا ما يغلط من ~~يظنه قال لفظا ولم يقله، أو يجعله عاما أو خاصا ويكون مراد الشارع خلاف ~~ذلك، كما يغلط من ينفي لفظا قاله، وكما يغلط من يظنه اعتبر معنى لم يعتبره، ~~أو ألغى معنى وقد اعتبره، ونحو ذلك. # ولنأتين بما يذكر العلماء أنه استحسان على خلاف القياس: # فمن ذلك ما يقوله أحمد في إحدى الروايتين عنه إذا اعتبر الاستحسان، فإنه ~~قد ذكر عنه روايتين (2) كما تقدم، والقول الثالث وهو الذي يدك عليه أكثر ~~نصوصه أن الاستحسان المخالف للقياس PageV02P207 ### |||| CHECK (1) استحسان التيمم لكل صلاة ### ||||| CHECK الصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة أنه بمنزلة الماء، وهو القياس # صحيح إذا كان بينهما فرق مؤثر قد اعتبره الشارع، وليس بصحيح إذا جمع بغير ~~دليل شرعي وفرق بغير دليل شرفي، وأنه لا يجوز ترك القياس الصحيح. # أما قوله "أستحسن أن يتيمم لكل صلاة، لكن القياس أنه بمنزلة الماء حتى ~~يجد الماء أو يحدث" (1) فهذا القياس هو الرواية الأخرى عنه، وهو مذهب أبي ~~حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم (2)، وهو الصواب، كما دل عليه الكتاب والسنة. # وقوله "القياس" هو قياس الشرع لفظا ومعنى. فإن قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: " الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين " (3)، ~~وقوله: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" (4) ونحو ذلك، ألفاظ PageV02P208 ### ||||| CHECK حجج القائلين بالتيمم لكل صلاة، ومناقشة المؤلف لها بتفصيل # دالة على أن التراب طهور كالماء./والقران يدل على أنه طهور بقوله لما ذكر ~~التيمم: ms0273 (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته ~~عليكم) (1). والذين أمروه بالتيمم لكل صلاة تمسكوا بآثار رويت عن بعض ~~الصحابة، هي ضعيفة (2)، وعنهم ما يخالفها. وقالوا: إنه لا يرفع الحدث، ~~وإنما هو مبيح، فيبيح بقدر الضرورة. قالوا: ولو رفع الحدث لما كان إذا قدر ~~على استعمال الماء يستعمله بحكم الحدث السابق من غير تجدد حدث. واحتجوا ~~بقوله لعمرو بن العاص: "أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ " (3). PageV02P209 # وجواب هذا (1) أن قولهم "لا يرفع بل يبيح " كلائم لا حقيقة له، ولو صح لم ~~يكن لهم فيه حجة، فإن الحدث ليس هو أمرا محسوسا كطهارة الجنب، بل هو أمر ~~معنوي يمنع الصلاة، فمتى كانت الصلاة جائزة، بل واجبة معه امتنع أن يكون ~~هنا مانع من الصلاة، بل قد ارتفع المانع قطعا. # وإن قالوا: هو مانع، لكنه لا يمنع مع التيمم. # فالمانع (2) الذي لا يمنع ليس بمانع. # فإن قيل: هو يمنع إذا قدر على استعمال الماء. # قيل: هو حينئذ! يوجد المانع. # فإن قالوا كيف يعود المانع من غير تجدد حدث؟ # قيل: كما عاد الحاظر من غير تجدد حدب، فالحاظر للصلاة هو المانع، والمبيح ~~لها هو الرافع لهذا المانع. # فإن قيل: أباحها إلى حين القدرة على استعمال الماء. # قيل: وأزال المانع إلى حين القدرة، فكما يقال: أباح إباحة موقتة، يقال: ~~إنه رفع رفعا موقتا. # وإن قالوا: نحن لا نقبل إلا ما يرفع مطلقا كالماء. PageV02P210 # قيل: ولا نقبل إلا ما يبيح مطلقا كالماء. وأيضا فالله ورسوله قد سماه (1) ~~طهورا، وجعله النبي - صلى الله عليه وسلم - طهور المسلم ما لم يجد الماء، ~~وجعل تربة الأرض طهورا. والطهور ما يتطهر به، وقد قال تعالى: (وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا" (2). والتيمم قد يطهر، ومع الطهارة لا يبقى حدث، فإن الطهارة ~~مناقضة للحدث، إذ غايته أن تكون نجاسة معنوية، والطهارة تناقض النجاسة. # فإن (3) قيل: الصلاة بالتيمم رخصة كأكل الميتة في المخمصة، والرخصة ~~استباحة المحظور مع قيام الحاظر ومنع المانع، فلو بقي مانعا لم تجز الصلاة. ~~فعلم زوال المانع. # ولا ms0274 يجوز أن يقال هنا: إنه استباح الصلاة مع قيام الحاظر لها، فإن كون ~~الحاظر حاظرا زائل من الميتة لمعارض راجح، وذلك أن المعنى المقتضي للحظر ~~القائم بالميتة موجود حال المخمصة، كما هو موجود في حال القدرة، فإن الميتة ~~في نفسها لم تتغير، وإنما تغير حال الإنسان، كان غنيا عنها، ثم صار محتاجا ~~إليها (4). فهذا PageV02P211 # يمكن دعواه في الميتة، ولا يمكن دعواه هنا، لأنه لا تحصل له إلا الميتة، ~~وقد تغير حاله إليها، وحاجته تدفع الفساد الحاصل بأكلها، فكذلك التيمم. # قيل: هذا قياس فاسد، وذلك أنه صاد ميتة وأكل، والميتة لم تتغير، لكن تغير ~~حال الآكل، وهنا ليس إلا المحدث الذي كانت الصلاة محرمة عليه، ثم صارت ~~واجبة عليه أو جائزة بالتيمم، فلو لم يتغير حاله بالتيمم لما جازت صلاته، ~~وليس هنا إلا الحدث في الشرع، فأبيحت (1) له الصلاة في حال، وحرمت عليه في ~~حالي، مع تسميته في حال الإباحة متطهرا، وجعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا. # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص: "أصليت بأصحابك وأنت ~~جنب؟ " استفهام (2)، فسأله: أكان ذلك أم لم يكن؟ وليس هو خبرا أنه صفى وهو ~~جنب، فلما أخبره أنه تيمم لخشية البرد تبين أنه لم يكن جنبا، فأقره النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. وإلا فلو كان المراد الخبر وهو قد صفى مع الجنابة ~~صلاة جائزة لم يسأله. وإن كانت الجنابة مانعة من الصلاة مطلقا لم يقبل ~~عذره. وهو لم يقل: "أصليت وأنت (3) جنب بلا تيمم " ليكون قد استفهمه عن حال ~~التحريم، بل أطلق الصلاة مع الجنابة. وهم يقولون: يجوز مع الجنابة تارة، ~~ولا يجوز أخرى، PageV02P212 ### |||| CHECK (2) قول الإمام أحمد في المضارب إذا خالف: له أجرة مثله، والربح لصاحب المال ### ||||| CHECK إذا ثبت تخصيص العلة علم بطلانها ### ||||| CHECK إذا ثبت أن العلة صحيحة لم يجز تخصيصها، مثل هذا الموضع ### ||||| CHECK بيان أن القياس هو الصحيح في هذه المسألة، دون الاستحسان الذي يناقضه # وكلام الرسول يقتضي منعها مع الجنابة مطلقا، وأن هذا استفهام إنكار، ms0275 وأنه ~~لما بئن أنه تيمم تبين أنه لم يكن جنبا، فلا إنكار عليه بهذا أبدا، والله ~~أعلم (1). # فقد تبين هنا أن القياس هو الصحيح، دون الاستحسان الذي يناقضه، وتخصيص ~~العلة، وهو كون هذا بدلا طهورا مبيحا يقوم مقام الماء عند تعذره في جميع ~~أحكامه، ثم يخص بعض الأحكام من حكم البدلية والطهوريه والإباحة، والبدل ~~يقوم مقام المبدل في حكمه لا في صورته، والحكم جواز الصلاة به ما لم يجد ~~الماء أو يحدث. فذلك القول مخالف للقياس وتخصيص للعلة بلا ريب، والعفة ~~صحيحة بلا ريب. # ونحن إذا قلنا: لا يجوز تخصيص بدون فارق مؤثر أفاد شيئين: أحدهما: أنه ~~إذا ثبت أنها علة صحيحة لم يجز تخصيصها مثل هذا الموضع. # والثاني: أنه إذا ثبت تخصيصها علم بطلانها، وهذا معنى قولنا: لا يجتمع ~~قياس صحيح واستحسان صحيح إلا مع الفارق المؤثر في الشرع. # وأما قوله في المضارب (2): إذا خالف فاشترى غير ما أمر به PageV02P213 ### ||||| CHECK بيان هذا الفرق # صاحب المال، فالربح لصاحب المال، ولهذا أجرة مثله، إلا أن يكون الربح ~~يحيط بأجرة مثله فيذهب، قال: وكنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال فاستحسنت. ف ### ||||| AUTO هذا استحسان بفرق رآه مؤثرا # ، والقياس مستنبط، والاستحسان مستنبط، وهو تخصيص لعلة مستنبطة بفرق ~~مستنبط. وأحمد لا يرد مثل هذا الاستحسان، لكن قد تكون العفتان أو إحداهما ~~فاسدة، كما لا يرد تخصيص العلة المنصوصة بفرق منصوص./ # والفرق أن المضارب مأمور بالعمل بجعل، بل هو شريك في الربح، وعمله له ~~ولصاحب المال جميعا، ولهذا كان للعلماء فيما يستحقه في المضاربة الفاسدة ~~ونحو ذلك قولان: هل يستحق قسط مثله في الربح، أو أجرة مقدرة تكون أجرة مثله ~~(1)؟ والقول الأول هو الصواب قطعا، وهذا قياس مذهب أحمد، فإن من أصله أن ~~هذه المعاملات مشاركة، لا مؤاجرة بأجرة معلومة، والقياس عنده صحتها. # وإنما يقول أجرة المثل من يجعلها من باب الإجارة. ويقول: القياس يقتضي ~~فسادها، والمأجور فيها مأجور للحاجة. وبكل حال PageV02P214 ### ||||| CHECK ذكر أصل آخر يخرج منه هذا الفرع # فهو يعمل لنفسه ms0276 لاستحقاق القسط أو الأجر، ويعمل لرب المال، فليس هو ~~بمنزلة الغاصب الذي جعل عمله لصاحب المال كالمتبرع، فإن هذا إنما قبض المال ~~ليعمل فيه بالعوض، وهو بالمخالفة لا يخرج عن كون المال بيده قبضه ليعمل فيه ~~بالعوض، ولكن عمل غير ما أمر به، فيكون ضامنا لتعديه، ولكن ليس إذا كان ~~ضامنا يكون وجود عمله كعدمه، مع أنه مأذون له في التجارة به في الجملة، ليس ~~هو كمن لم يؤذن له في ذلك. # وهو أيضا من أصل آخر، وهو أنه إذا تصرف بغير أمره كان فضوليا (1)، فيكون ~~المعقود موقوفا. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وقول أكثر العلماء، وهي التي ~~ذكرها الخرقي في مختصره: أن بيع الفضولي وشراه ليس باطلا بل موقوفا (2)، ~~فإن باع أو اشترى PageV02P215 ### ||||| CHECK نظائر لهذه المسألة # بعين المال فهو موقوف، وإن اشترى فى الذمة فهو موقوف. فإن أجازه المشترى ~~له وإلا لزم المشتري (1). # وأما القاضي وأتباعه فاختاروا أن تصرفه مردد (2) إلا إذا اشترى في الذمة. ~~والذي ذكره الخرقي أصح، لكنه قرن هذه المسألة في مواضع من مختصره بالعامل ~~إذا خالف كان متصرفا له بغير إذنه، فإذا أجازه وطلب نصيبه من الربح صار ~~مجيزا له، وصار العامل مأذونا له. والعامل إنما عمل لأجل نصيبه من الربح، ~~فيستحق نصيبه من الربح. # وقول أحمد: "كنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال، ثم استحسنت" رجوع منه ~~إلى هذا، وجعله الربح في جميع الصور للمالك يقتضي أنه يصحح تصرف الفضولي ~~إذا أجيز، وإلا كان البيع باطلا. # وكذلك الشرى بعين المال، كما يقوله الشافعي ومن نصر الرواية الأخرى"، ~~ويكون عليه ضمان ما فوته من ماله فقط، ليس للمالك غير هذا، ولا يكون للعامل ~~أيضا ربح، لأنه لم يعمل شيئا. والآثار المأثورة عن الصحابة والتابعين في ~~باب البيع والنكاح والطلاق وغير ذلك تدل على أنهم كانوا يقولون بوقف ~~المعقود، PageV02P216 # لاسيما حيث تعذر استئذان المالك (1). # ولهذا أحمد يقول بوقفها هنا كما في مسألة المعقود، اتباعا للصحابة في ~~ذلك. وإنما ادعى أنها خلاف القياس من لم يتفطن ms0277 لما فيها من وقف المعقود، ~~كما في اللقطة (2). وتكلم السلف فيمن يتجر بمال غيره في الربح دليل على صحة ~~التصرف عندهم إذا أجازه المالك. # وبهذا ظهر ما استحسنه أحمد ورجع إليه أخيرا، لأنه إذا صار بالإجازة ~~كالمأذون له، وهو لم يعمل إلا بجعل برضا المالك، فلا يجوز منعه حقه. وهذا ~~بناء على أنه إذا تصرف ابتداء فالربح كله للمالك، وهو أحد الأقوال في ~~المسألة، وقيل: يتصدقان به، وهو رواية عن أحمد. وقيل: هو للعامل، كقول ~~الشافعي. وقيل: هما شريكان فيه، وهو أصح الأقوال، وهو المأثور عن عمر (3) ~~في PageV02P217 # المضاربة (1)،/لأن المالك لما أذن فيه صار كالمضارب، وهو لم يعمل ليكون ~~الربح للمالك كالمبضع (2)، فإنه لو فعل ذلك لكان الربح للمالك، وإنما اتجر ~~ليكون الربح له أو بينهما، والمالك قد أجاز بيعه، ولم يجزه ليكون الربح كله ~~له، فيكون النماء حاصلا بمال هذا وبيع هذا، والتصرف صحيحا مأذونا فيه، ~~فيكون الربح بينهما. ومن قال: "يتصدقان به" جعله كغير المأذون فيه، فيكون ~~خبيثا، وهو متعد، لأن الحق لهما لا يعدوهما، فإذا أجاز التصرف جاز. # وكذلك في جميع تصرف الغاصب، لاسيما من لم يعلم أنه غاصب، إذا تصرف في ~~المغصوب بما أزال اسمه، كطحن الحب ونسج الثوب ونحو ذلك، ففيه ثلاثة أقوال ~~في مذهب أحمد وغيره: # قيل: كل ذلك للمالك دون الغاصب، وعليه ضمان النقص، كقول الشافعي. # وقيل: يملكه الغاصب، وعليه بدله، كقول أبي حنيفة. # وقيل: يخير المالك بينهما، كقول مالك. وهذا أصح (3)، بناء PageV02P218 ### |||| CHECK (3) قوله فيمن غصب أرضا وزرعها: الزرع لرب الأرض وعليه نفقته ### ||||| CHECK هذا قاله بالنص، فيجب أن يكون القياس المخالف لهذا النص فاسدا # على وقف التصرفات، فإن شاء المالك أجاز تصرفه، وطالبه بالنقص، كما في ~~العامل المخالف، وإن شاء طالبه بالبدل لإفساده عليه، وبأخذه ذلك لأدائه ~~عوضه، فيخير على المعاوضة لحق المالك. # وإذا رضي المالك به فهل يكون الغاصب شريكا لما في عمله؟ فيه وجهان، ~~والأظهر في الجميع أن أثر عمله له، وكونه ظالما يظهر في تضمينه له، لا ms0278 في ~~أن يؤخذ أثر عمله، فيعطى لغيره بلا عوض، فإن هذا ظلم له، والواجب إزالة ~~الظلم بالعدل، لا بظلم آخر، "وجزاؤا سيئة سيئة مثلها" (1) لا زيادة عليها. # وأما قوله فيمن غصب أرضا فزرعها: "الزرع لرب الأرض، وعليه النفقة، وليس ~~هذا شيئا يوافق القياس، أستحسن أن يدفع إليه نفقته" (2)، فهذا قاله بالنص ~~كما تقدم، لحديث رافع بن خديج. فيجب أن يكون القياس المخالف لهذا النص ~~فاسدا إن لم يدل نص على صحته، ويظهر الفارق المؤثر، وإلا فالقياس إذا خالف ~~النص كان فاسدا. أما فساد الحكم المخالف للنص فبالاتفاق، وفساد العلة على ~~قول الجمهور الذين لا يرون (3) تخصيص العلة إلا بفارق مؤثر، PageV02P219 ### ||||| CHECK مناقشة المؤلف لمن قال: القياس أن الزرع لزارعه وبيان وجه خطئه # وهذا نص قد خالف القياس. # وقولهم: "القياس أن الزرع لزارعه" ليس معهم بذلك نص ولا نظير، بل القياس ~~(1) أن الزرع إما أن يكون بينهما كالمزارعة، أو يكون لرب الأرض، لأن الزرع ~~في الأرض كالحمل في البطن، وإلقاء البذر كإلقاء المني، ولو وطيء ذكر أنثى ~~كان الحمل لمالك الأنثى دون مالك الذكر، وهذا اختيار ابن عقيل وغيره. لكن ~~المني لا يقوم، بخلاف الزرع، فلهذا جعل له نفقته، فإن الزرع عامته في ~~الأرض، في ترابها ومائها وهوائها وشمسها، كما أن الحمل في البطن عامته في ~~الأم، وماء الأب قليل، كما أن الحب قليل./ # وكذلك الشجر إذا لقح أنثاه بذكر فإن الثمر لصاحب الأنثى، لا لصاحب ~~اللقاح، والحب كاللقاح. # وقول أحمد: "عليه نفقته" يقتضي مثل البذر، ويقتضي أجرة عمله وعمل فدانه ~~(2). فقوله: "ليس هذا شيئا يوافق القياس" كقوله في العامل المخالف: "ثم ~~استحسنت أن يعطيه الأجرة"، فكان قياسه على ما يراه في الغاصب أن لا يكون له ~~أجرة عمله وعمل فدانه، فهو PageV02P220 ### |||| CHECK (4) شراء المصاحف وأرض السواد ### ||||| CHECK وجه التفريق بين شرائها وبيعها # مخالف للقياس في هذه الحجة (1)، لأنه إنما عمل ليأخذ العوض، لم يعمل ~~مجانا كالعامل في المضاربة، ولأن البذر له، فليس غاصبا محضا. # وقد اختلفت الرواية عن أحمد: هل ms0279 يعطى ما أنفق أو أجرة مثله؟ والنص ورد ~~بالأول بقوله: "فليس له في الزرع شيء، وله نفقته"، والقياس يقتضي الثاني. ~~فقد يكون قوله على خلاف القياس من هذا الوجه، وما ورد به النص قد يكون ما ~~أنفق وأجرة مثله فيه سواء. # وأما شرى المصاحف والسواد (2) فإنما فرق فيهما بين الشرى والبيع، لأن ~~العلة موجودة في البيع دون الشرى، فإن المشتري راغب في المصحف، معظم له، ~~باذل فيه ماله، والبائع معتاض عنه بالمال، والشرع يفرق بين هذا وهذا (3)، ~~كما فرق في إعطاء المؤلفة PageV02P221 ### ||||| CHECK الآثار الواردة عن الصحابة في بيع المصاحف # قلوبهم بين المعطي والآخذ، وكذلك في افتداء الأسير وغير ذلك. ومعلوم أنه ~~لو أعطاه المصحف والأرض الخراجية بلا عوض جاز، وقام فيه مقامه، بخلاف ما لا ~~يجوز تملكه كالخمر وغيرها، فإذا بذل له هذا فيه العوض لم تكن مضرته إلا على ~~البائع. # فإن قيل: فإذا لم يحصل للإنسان كلب معلم إلا بثمن فينبغي أن يجوز بذله، ~~وإن لم يجز أخذه. # قيل: إن لم يكن بينهما فرق مؤثر في الشرع فهكذا (1) هو، وإن قيل هناك: ~~يجب عليه إعطاء الكلب بلا عوض , بخلاف الأرض والمصحف، فهذا فرق. مع أن ~~الثابت عن الصحابة كراهة بيع المصحف، وابن عباس كان يكرهه (2)، وكان أيضا ~~يجوزه ويقول: إنما هو مصور, وله أجرة تصويره (3). فدل على أنها كراهة ~~تنزيه. وروي عن غيره: وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف (4)، وهذا تغليظ ~~تحريم. ولهذا اختلفت الرواية عن أحمد: هل هو نهي تنزيه أو تحريم. # وأما شراه ومبادلته فهل هو مباح أو مكروه على روايتين، وعن ابن عباس يجوز ~~أن يبيعه ويشتري بثمنه مصحفا آخر، وليس PageV02P222 ### ||||| CHECK مناقشة المانعين الذين قالوا: إنها وقف ### ||||| CHECK لا دليل على منع بيع الأرض الخراجية ### ||||| CHECK رأي المؤلف في المسألة # في المبادلة والشرى استبدال به عرضا من الدنيا، فالأظهر جواز ذلك بلا ~~كراهة (1)، وأن البيع أيضا لا يحرم، بل يكره تعظيما لكتاب الله، إذ ليس على ~~التحريم دليل شرعي. # وكذلك الأرض الخراجية ليس ms0280 في منع بيعها دليل شرعي أصلا (2)، فإن الذين ~~منعوها من الفقهاء قالوا: إنها وقف، وبيع الوقف لا يجوز. وهذا إنما هو في ~~الوقف الذي يبطل حق أهل الوقف ببيعه، وهو الذي لا يورث ولا يوهب، والأرض ~~الخراجية تورث وتوهب، والوقف الذي لا يباع لا يورث ولا يوهب، وذلك أن ~~المشتري لها يقوم مقام البائع، لا يبطل حق أهل الوقف./ PageV02P223 ### ||||| CHECK سبب منع المسلمين من بيعها في أول الإسلام ### ||||| CHECK سبب كراهة الصحابة لشرائها # وأحمد في ظاهر مذهبه يجوز بيع المكاتب لهذا المعنى (1)، لان ذلك لا يبطل ~~حقه من الكتابة، بل يكون عند المشتري كما كان عند البائع، وهو يورث ~~بالاتفاق. ولكن لما انعقد فيه سبب الحرية تخيل من منع بيعه أنه يباع حر، ~~كما تخيل أولئك أنه يباع وقف، وليس الأمر كما تخيلوه، بل بيع الحز هو أن ~~يستعبد فيصير بخلاف ما كان حرا، وبيع الوقف هو أن يجعل طلقا ويصرف فعله إلى ~~غير مستحقيه. # والأرض الخراجية فعلها هو فعلها لم يتغير، وهو الخراج المضروب عليها، ~~سواء كان ضريبة كخراج عمر، أو صار مقاسمة كما فعله متأخرو الخلفاء بأرض ~~السواد وغيرها، كما فعله المنصور. فعلى التقديرين حق المسلمين باق، كما ~~يبقى مع الموت والهبة. # والصحابة الذين كرهوا شراها إنما كرهوه لدخول المسلم في خراج أهل الذمة، ~~أو إبطال حق المسلمين به، فإن المشتري إن أدى الخراج - وهو جزية- فقد التزم ~~الصغار، وإن لم يؤده أبطل حق المسلمين، فلذا كره ذلك عمر وغيره من الصحابة، ~~وهم نهوا عن الشرى. # وأما البيع فإنما كان يبيعها أهل الذمة، لأن الأرض الخراجية PageV02P224 ### |||| CHECK (5) قبول شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر # إنما كانت بأيدي أهل الذمة، وكان ذلك أيضا لئلا يشتغل المسلمون بالفلاحة ~~والصغار عن الجهاد. فلما كثر المسلمون، وصار أكثرهم غير مجاهدين، وصار ~~أداؤهم الخراج أنفع لعموم المسلمين من كونها بأيدي الذمة، لم يصر في ذلك من ~~الصغار ما كان يكون في أول الإسلام إلا لمن يشتغل بعمارة الأرض عن الجهاد. ~~وهذا لا يختص ms0281 بالخراجية، بل قد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - سكة فقال: ~~"ما دخلت هذه دار قويم إلا دخلها الذل ". رواه البخاري (1). مع أن الأنصار ~~كانوا هم الفلأحين لأرضهم، فهذا على الاشتغال بعمارة الدنيا عن الجهاد، ~~وهذا لا يختص بالخراجية. # وأما ما ذكره القاضي من قبول شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر (2)، ~~فلا ريب أن الفرق هنا ظاهر، وهذا من الاستحسان PageV02P225 ### ||||| CHECK بيان وجه الفرق # وتخصيص العلة التي ظهر فيها الفرق، والمنع من شهادتهم على المسلمين ثبت ~~بالنص، والإذن فيها هنا ثبت بالنص أيضا للحاجة. وهل يعدى هذا إلى جميع ~~مواضع الحاجة؟ فيه عن أحمد روايتان (1)، بناء على أن العلة معلومة، وهي ~~موجودة/في غير هذا الموضع. هذا وجه القول بالجواز. # وأما وجه المنع فإما أن نقول: لم نعلم العلة وإنها مشتركة، أو علمنا ~~اختصاصها بهذه الصورة للضرورة العامة فيها. هذا إذا ثبت عموم المنع في غير ~~هذه الصورة، إما لفظا وإما معنى. وألفاظ القرآن لا عموم فيها بالمنع، وكذلك ~~السنة ليس فيها لفظ عام بالمنع. لم يبق إلا القياس، وتلك المواضع أمر فيها ~~بإشهاد المسلمين، ومعلوم أن ذلك إنما هو عند القدرة على إشهادهما، وهذا ~~واجب في الوصية في السفر. وأما إذا تعذر إشهادهما على الذين في السفر أو ~~على الرجعة فليس في القرآن ما يدل على المنع من ذلك. وإذا لم يكن في الكتاب ~~والسنة منع من إشهاد أهل الذمة عند تعذر إشهاد المسلمين، لم يكن هنا قياس ~~يخالف هذه الآية، وقد عمل بها PageV02P226 ### ||||| CHECK مبنى باب الشهادات على الفرق بين حال القدرة وحال العجز ### ||||| CHECK الذين لم يعملوا بها ليس معهم في خلافها نص ولا إجماع ولا قياس # الصحابة وجمهور التابعين. والذين لم يعملوا بها ليس معهم في خلافها لا نص ~~ولا إجماع ولا قياس، وقد تأولوها ناجزين (1) من غير أصل يسلم، وقال بعضهم: ~~هي منسوخة، وقال بعضهم: الشهادة اليمين. والأقوال الثلاثة باطلة من وجوه كثيرة. # وقول من قال: "لا يجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين بحال " ليس ms0282 معهم ~~بذلك لا نص ولا قياس، ولكن كثير من الناس يغلطون لأنهم يجعلون الخاص من ~~الشارع عاما، والله أمر بإشهاد المسلمين على المسلمين إذا أمكن، فظن من ظن ~~أن هذا يقتضي أنه لا يشهد غيرهم ولو لم يوجد مسلم. # وباب الشهادات مبناها على الفرق بين خال القدرة وحال العجز، ولهذا قبلت ~~شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال. وقد نصن أحمد على شهادتهن في ~~الجراح وغيرها إذا اجتمعن ولم يكن عندهن رجال، مثل اجتماعهن في الحمامات ~~والأعراس ونحو ذلك. وهذا هو الصواب (2)، فإنه لا نص ولا إجماع ولا قياس ~~يمنع شهادة النساء في مثل ذلك. وليس في الكتاب والسنة ما يمنع شهادة النساء ~~في العقوبات مطلقا (3). PageV02P227 ### |||| CHECK (6) من نذر ذبح ولده أو نفسه فعليه ذبح كبش ### ||||| CHECK هذا ليس مخالفا للقياس # وأما إذا نذر ذبح ولده أو نفسه فأحمد اتبع ما ثبت عن ابن عباس (1)، وهو ~~مقتضى القياس والنص، فإن. كان قادرا كان عليه كبش، وإن سلف فيه بمال فعليه ~~كفارة يمين. وهذا أصح الروايات عن أحمد (2)، وهو الذي يصرح به في مواضع. ~~وقيل: عليه كفارة يمين في الجميع. وقيل: كبش في الجميع (3). وقيل: لاشيء ~~عليه (4). وذلك لأن من نذر نذرا فعليه المنذور أو بدله في الشرع، وهنا لما ~~تعذر المنذور انتقل إلى البدل الشرعي، وهو الكبش، كما في نظائره، فليس هنا ~~ما يخالف القياس الصحيح (5). PageV02P228 # وهذا الباب- باب تدبر العموم والخصوص من ألفاظ الشرع ومعانيه التي هي علل ~~الأحكام- هو الأصل الذي تعرف منه شرائع الإسلام. والله أعلم، والحمد لله، ~~وصلى الله على محمد وآله. PageV02P229 ### | AUTO قاعدة في شمول النصوص للأحكام PageV02P231 ### ||| CHECK أنزل الله الكتاب والميزان # بسم الله الرحمن الرحيم # (صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. الحمد لله وحده حق حمده. # وله رحمه الله تعالى:) (1) ### ||| AUTO فصل # في شمول النصوص للأحكام وموافقة ذلك للقياس الصحيح # قال الله تعالى: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان) (2)، وقال: ~~(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط) (3). فأخبر أنه ms0283 أنزل مع رسوله الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. ~~وقوله: (وأنزلنا معهم) دليل على أن الميزان مما جاءت به الرسل، كما ذكر أنه ~~أنزل الكتاب والحكمة، وأنه أوحى القرآن والإيمان في قوله: (وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا) (4). PageV02P253 # وفي الصحيحين (1) عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة تنزل في جذر ~~قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة. ثم حدثنا ~~عن رفع الأمانة، قال: "ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل ~~أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل ~~المجل، كجمر دحرجته على رجلك، فنفط، فتراه منتبرا وليس فيه شيء" ... الحديث (2). # والجذر: الأصل، والأمانة: الإيمان. فأخبر أن الله سبحانه أنزل الإيمان في ~~أصل قلوب الرجال، وقد قال تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) ~~(الأمثال (17)) إلى قوله (الأمثال (17)) (3). # وفي الصحيحين (4) عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب) أرضا، PageV02P254 # فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير؛ وكانت منها ~~طائفة أمسكت الماء، فشربت الناس وسقوا وزرعوا؛ وكانت منها طائفة إنما هي ~~قيعان، لا تمسك ماء (1)، ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ~~ما بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل ~~هدى الله الذي أرسلت به ". # فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث مثل ما جاء به ~~بالماء الذي ينزل على الأرض، وشبه القلوب بالأرض، والهدى والعلم الذي أنزله ~~الله تعالى بالماء الذي نزل على الأرض، وجعل الناس ثلاثة أقسام: قسما سمعوا ~~وفقهوا وعلموا، وقسما حفظوه وبلغوا غيرهم فانتفعوا به، وقسما لا هذا ولا هذا. # هذا المثل يطابق المثل الذي في القرآن (2)، حيث شبه ms0284 الله القلوب بالأودية ~~التي منها كبار تسع ماء كثيرا، وصغار لا تسع إلا ماء قليلا، كما أن القلوب ~~منها ما (3) تسع علما عظيما، ومنها ما لا تسع إلا دون ذلك، وأن الماء ~~بمخالطة الأرض يحتمل زبدا رابيا لا PageV02P255 # ينفع، كذلك العلم الذي نزل على القلوب يحتمل من الشهوات والشبهات بسبب ~~مخالطته الأنفس ما يكون كالزبد الذي لا ينفع. وبين أن الزبد الذي يذهب جفاء ~~فيخفى، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، كذلك العلم في القلوب ما ينفع الناس. # وقال تعالى: (كذلك يضرب الله الأمثال (17))، فأخبر أن هذا مثل مضروب. ~~وقال تعالى: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا) ~~(1). وقال تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) (2). # فبين أنه يلهم المؤمنين (3) الإيمان وما ينفعهم، وذلك إيحاء إليهم وإن لم ~~يكونوا أنبياء. # . وفي الصحيحين (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "قد كان في ~~الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر". # وفي المسند والترمذي (5) حديث النواس بن سمعان عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط PageV02P256 ### ||| CHECK تفسير الميزان بالعدل عند السلف # سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة/ [161/أ]، وعلى رأس ~~الصراط داع يدعو، يقول: يا أيها الناس! ادخلوا الصراط جميعا ولا تخرجوا، ~~وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أحد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ~~ويحك لا تفتحه، [فإنك إن تفتحه] (1) تلجه ". وفي رواية (2): "فلا يقع أحد ~~في حدود الله حتى يكشف الستر". قال: والصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله ~~تعالى، والأبواب المفتحة: محارم الله، والداعي على رأس الصراط: كتاب الله، ~~والداعي في جوف الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم". # فبين أن في قلب كل مؤمن واعظا يعظه، والوعظ هو الأمر والنهي، ترغيب ~~وترهيب (3)، قال تعالى: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به) [أي يؤمرون به] (4) ~~(لكان خيرا لهم) (5). وقال تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن ~~كنتم مؤمنين (17)) (6) أي ينهاهم، وذلك يسمى إلهاما ms0285 ووحيا. # وأخبر أنه أنزل الكتاب والميزان، وقد قال كثير من السلف: PageV02P257 ### ||| CHECK اعتبار الشيء بنظيره من الميزان # الميزان: العدل (1)، وقال بعضهم: الميزان اسم لما يوزن به، والمقصود به ~~العدل، كما قال تعالى: (وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) ~~(2). فأخبر أن المقصود بإنزال ذلك أن يقوم الناس بالقسط. فدل ذلك على أنه ~~أنزل في القلوب من الميزان ما يعلم [به] (3) القسط. ومن ذلك: الاعتبار، وهو ~~اعتبار الشيء بنظيره، كما قال ابن عباس رضي الله عنه في دية الأصابع: هلا ~~اعتبرتموها بدية الأسنان؟ (4) يعني إذا كانت ديتها واحدة مع اختلاف ~~منافعها، فكذلك الأصابع ديتها واحدة مع اختلاف منافعها، كما أن النفوس ~~مختلفة الفضائل مع (5) أن ديتها واحدة، إذ (6) كان جعل (7) الديات المقررة ~~بالشرع مختلفة باختلاف التلف أمرا (8) لا يقدر البشر على معرفته وضبطه، وما ~~عجزوا عن العلم به سقط عنهم الأمر به، كما يسقط فيما يعجزون عن العمل به. PageV02P258 ### ||| CHECK التماثل معتبر بحسب الإمكان ### ||| CHECK ضمان النفوس والأموال مبناه على العدل ### ||| CHECK الطريقة المثلى هي ما تكون أقرب إلى العدل # ولهذا قال تعالى: (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها) ~~(1). فبين أنه لا يكلف النفوس (2) إلا وسعها، لا يكلفها من القسط الذي ~~أمروا به ما يعجزون عن معرفته، ولهذا يقال: هذا أمثل من هذا وأشبه، أي أقرب ~~إلى العدل الثابت في نفس الأمر، الذي لا يمكن العباد معرفته، وإنما كلفوا ~~من ذلك ما يطيقونه، وهو الأقرب إليه. ولهذا يقال لمثل هذه الطريقة: المثلى، ~~ثم كل قوم يسمون ما يرونه أقرب إلى العدل: الطريقة المثلى، ويقولون: هذا ~~أمثل، كما قاله فرعون: (ويذهبا بطريقتكم المثلى (63)) (3). # ولهذا كان ضمان النفوس والأموال مبناه (4) على العدل، كما قال: (وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها) (5)، وقال (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) (6)، ~~وقال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (7). # والتماثل المأمور به معتبر (8) بحسب الإمكان، والاجتهاد في PageV02P259 ### ||| CHECK أمثلة من ذلك ### |||| CHECK (1) المظلوم بالضرب واللطم ونحو ذلك # معرفة التماثل هو من باب الاجتهاد ms0286 الذي اتفق عليه العلماء: مثبتو القياس ~~ونفاته، وقد يكون في نوع من الأنواع، وقد يكون في عيني معينه، ويسمى تحقيق ~~المناط. كاختلافهم في المظلوم بالضرب واللطم ونحو ذلك (1)، مما لا (2) يمكن ~~فيه أن يفعل بخصمه مثل ما فعل به من كل وجه. فأيما أقرب إلى العدل: أن يقتص ~~منه، ويعتبر التماثل بحسب الإمكان، كما كان (3) الخلفاء الراشدون وغيرهم من ~~الصحابة يفعلون ذلك، وهو المنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (4)؛ أو ~~أن يعزر الظالم تعزيرا يرد إلى اجتهاد الوالي؟ على قولين. والأول هو ~~المنصوص عن أحمد، وهو قول جمهور السلف، والثاني قول طائفة من متأخري ~~أصحابه، وهو المنقول عن أبي حنيفة ومالك والشافعي، قالوا: لأنه لا يمكن فيه ~~المماثلة، والقصاص لا يكون إلا مع المماثلة. # ونظر (5) الأول أكمل (6)، وهم أتبع للكتاب والميزان للنص PageV02P260 ### |||| CHECK (4) قرض الحيوان ### |||| CHECK (3) الصيد في الحرم والإحرام ### |||| CHECK (2) المتلف من المال # والقياس، لأن المماثلة [من كل] (1) وجه متعذرة، فلو لم يبق إلا أحد ~~أمرين: قصاص قريب إلى المماثلة، أو تعزير بعيد عن المماثلة، فالأول أولى؛ ~~لأن التعزير لا يعتبر فيه جنس الجناية ولا قدرها، بل قد يعزره بالسوط أو ~~العصا، وتكون إما لطمة بيده، وقد يزيد وينقص، وكانت العقوبة بجنس ما فعله،/ ~~[161/ب] وتحري المماثلة (2) في ذلك بحسب الإمكان في ذلك أقرب إلى العدل ~~الذي أمر الله به، وأنزل له الكتاب والميزان. # وكذلك تنازع العلماء في المتلف من المال (3)، إذا لم يوجد مثله من كل ~~وجه، كالحيوان والآدميين والعقار والثياب والأبنية، وأكثر المعدودات ~~والمذروعات، فمنهم من قال: لا يجب في ذلك إلا القيمة بنقد البلد، فيعطى ~~المظلوم الذي فوت عليه حفه من الدراهم ما يقاوم به ذلك في الشوق (4). ~~وقالوا: لأن المثل في الجنس متعذر. # ثم من هؤلاء من طرد قياسه، فقال: وكذلك إذا تلف صيده في الحرم والإحرام، ~~إنما تجب قيمته كما لو كان مملوكا، وقالوا: لا يجوز قرض ذلك، لأن موجب ~~القراض رد المثل، وهذا لا مثل PageV02P261 # له، فلا يجوز قرضه، وهذا قول أبي ms0287 حنيفة. # ومنهم من خرج عن موجب هذا القياس في الصيد، لدلالة الكتاب والسنة وآثار ~~الصحابة على أن الصيد يضمن بمثله من النعم (1)، وهو مثل مقيد بحسب الإمكان، ~~ليس مثلا من كل وجه، وهو في النعامة بدنة، وفي بقرة الوحش بقرة، وفي الظبي ~~(2) شاة. # وهذا قول الجمهور مالك والشافعي وأحمد. وهؤلاء يجوزون (3) قرض الحيوان ~~أيضا (4)، لأن السنة دلت عليه، فإنه قد ثبت في الصحيح (5) أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - استسلف بكرا، وقضى جملا خيارا رباعيا، وقال: "إن خياركم ~~أحسنكم قضاء". # ثم (6) من هؤلاء من قال: إن [كان] (7) القرض حيوانا رد قيمته، طردا ~~للقياس أصله في الإتلاف، فإنه قال: كما يضمن في PageV02P262 ### |||| CHECK (5) الغصب والإتلاف # الغصب والإتلاف بالقيمة، فكذلك (1) في القرض، إذ لا مثل له. وهذا قول في ~~مذهب أحمد وغيره، وقال الأكثرون: بل يجب المثل من الحيوان بحسب الإمكان، ~~كما دلت عليه السنة، وهذا هو المنصوص عن الأئمة. # واختلفت (2) أقوالهم في الغصب والإتلاف، فتارة يقولون: # يضمن بالقيمة، وتارة يقولون: يضمن ما سوى الحيوان بالقيمة، وتارة يقولون: ~~بل الجميع يضمن بالمثل بحسب الإمكان. وهذه الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد. ~~وقد اختلف في ذلك قول (3) مالك والشافعي أيضا، فقال الشافعي في الجدار ~~المهدوم ظلما: يعاد مثله، وقال في مواضع: يضمن بالقيمة. # ولم يكن مع من يوجب القيمة في الإتلاف من النصوص إلا قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - (4): "من أعتق شركا له في عبد، وكان له من المال ما بلغ ~~ثمن العبد، فقوم عليه قيمة عدل، لا وكس ولا شطط، وأعطي شركاؤه حصصهم، وعتق ~~عليه العبد". # قالوا: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب في نصيب الشريك القيمة، ولم ~~يوجب نصف عبد، ولو كان العبد يضمن بالمثل لأوجب نصف عبد. PageV02P263 ### |||| CHECK (6) عتق العب إذا أعتق الشريك نصيبه ### |||| CHECK حديث من أعتق شركا له في عبد ... ليس من باب ضمان المتلف # وهذا غلط على الشارع، فإن هذا ليس من باب ضمان المتلف، بل هو من باب تملك ~~ملك (1) الغير بالقيمة، فإن نصيب الشريك يملكه ms0288 المعتق ثم يعتق عليه بعد ~~ذلك، لا يتلفه قبل أن يملكه (2)، بخلاف ما لو قتله، فإن ذلك إتلاف. ~~والعلماء القائلون بالسراية متفقون على أنه يعتق على ملك الغير والولاء (3) ~~دون الشريك. وتنازعوا هل يسري عقب الإعتاق، أو لا يعتق حتى يؤدي الثمن؟ على ~~قولين مشهورين لهم: الأول هو المشهور في مذهب الشافعي وأحمد، والثاني قول ~~مالك، وهو قول في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح في الدليل (4)، كما قد ~~بسط في موضعه (5). # وعلى هذا فإذا أدى هل يعتق من حين الأداء، أو يتبين أنه عتق من حين ~~الإعتاق؟ على قولين. # وعلى هذا ينبني لو أعتق الشريك نصيبه بعد عتق الأول، فعلى القول الذي ~~ذكرنا أنه الصحيح يجوز عتقه، وعلى الآخر لا يجوز. # وعلى هذا ينبني إذا قال أحدهما: إذا أعتقت نصيبك (6) فنصيبي حر، فعلى ~~القول الذي بينا رجحانه يصح هذا التعليق، ويعتق PageV02P264 ### |||| CHECK الذين يوجبون القيمة في ضمان المتلف ليس معهم أصل # نصيب الشريك المعلق من ماله، وعلى القول الآخر لا يصح التعليق، ويعتق كفه ~~من نصيب المعتق إن كان موسرا، وإن كان المعتق معسرا صح وعتق عليهما على ~~القولين. # وأيضا فإنه يفرق بين أن يكون المتلف (1) عينا كاملة أو بعض عين، فإذا ~~كان/ [162 أ]، المتلف (2) بعض عين فإنه إن وجب نظر ذلك الجزء، لكن بحسب ~~القيمة إذا طلبها الشريك، فإن كان المشترك (3) مما ينقسم عنه، وإلا بيع إذا ~~طلب أحدهما ذلك، وقسم الثمن، فلو أتلف أحد الشريكين عينا مشتركة تمكن ~~قسمتها، فالواجب جز مقسوم لا مشاع إذا طلب أحدهما ذلك، وإن تراضيا بالشركة ~~وجب جزء مشترك، وإن كان مما لا تمكن قسمته فإنما يجب نصف عين إذا تراضيا ~~بذلك، وإلا وجب نصف القيمة لأجل وجوب القيمة. # والمقصود هنا أن الذين يوجبون في ضمان المتلف القيمة ليس معهم أصل يقيمون ~~(4) عليه قولهم، لا كتاب ولا سنة، وإنما هو رأي محض، ظنوا أن المثل إنما ~~يكون في القيمة. ثم من طرد منهم قياسه ظهر تناقضه (5) للكتاب والسنة، ومن ~~لم يطرده ظهر ms0289 مناقضته PageV02P265 ### |||| CHECK اختلاف العلماء في هذه القضية على أربعة أقوال ### |||| CHECK (7) حكومة داود وسليمان في الحرث الذي نفشت فيه الغنم # ومخالفته لبعض النصوص أيضا. # وهذا الأصل هو الحكومة المذكورة في كتاب الله (1)، التي حكم فيها داود ~~وسليمان إذ حكما في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، والحرث هو البستان، وقد ~~روي أنه كان بستان عنب الذي يسمى الكرم، ونفش الغنم إنما يكون بالليل، فقضى ~~سليمان بالضمان على أصحاب الغنم، وأن يضمنوا ذلك بالمثل، بأن يعمروا ~~البستان حتى يعود كما كان. وأما مغله من حين الإتلاف إلى حين الكمال فأعطى ~~أصحاب البستان ماشية أولئك، ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان، وقد ~~اعتبر النماءين فوجدهما سواء. كما أن داود لما حكم لأصحاب البستان بالغنم ~~نفسها قد اعتبر قيمتها، فوجدها بقدر ما أتلف (2) من البسمتان، ولم يكن لهم ~~مال غيرها، وقد رضوا بأخذها ما لم يطالبوا بدراهم، أو تعذر بيعها بدراهم. # وقد تنازع علماء المسلمين في مثل هذه القضية على أربعة PageV02P266 ### ||| CHECK اجتهاد العلماء في القياس والتمثيل واتفاقهم على صحة أصله # أقوال (1): # فمنهم من حكم بمثل حكم (2) سليمان عليه السلام في النفش وفي المثل، وهذا ~~هو الصواب، وهو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقد ذكر (3) ذلك وجها في ~~مذهب الشافعي ومالك. # والثاني: موافقته في النفش دون المثل، وهذا هو المشهور من مذهب مالك ~~والشافعي وأحمد. # والثالث: بالعكس، وهو موافقته في المثل دون النفش، وهو قول من قاله من ~~أهل الظاهر كداود وغيره. # والرابع: أن النفش لا يوجب الضمان، ولو كان لم يكن بالمثل بل بالقيمة، ~~وهو مذهب أبي حنيفة. # وهذا من اجتهاد العلماء في القياس والتمثيل الذي اتفقوا على صحة أصله، ~~فإنهم متفقون على ما دل عليه القرآن من أن جزاء سيئة سيئة مثلها، وأن ~~المعاقبة تكون بالمثل، وأن من اعتدى يعتدى عليه بمثل ما اعتدى (4). فما ~~كانت المماثلة فيه ظاهرة لم يتنازعوا فيه، PageV02P267 ### ||| CHECK اختلافهم في القتل بالجرح في غير العنق أو بالتحريق والتغريق # كما لو أتلف مكيلا أو موزونا متماثل ms0290 الأجزاء، كالدرهم والحنطة ونحو ذلك، ~~فإن الواجب هنا المثل إذا أمكن. وكذلك يجب في القرض مثل ذلك. # وكذلك لم يتنازعوا فيما ظهرت فيه المماثلة في القصاص، كما لو قطع عنقه ~~بالسيف، فاتفقوا على أنه يقطع عنقه بالسيف. # ولكن تنازعوا فيما إذا قتله بالجرح في غير العنق، أو بغير القتل كالتحريق ~~والتغريق (1): هل يفعل به كما فعل- كما يقوله مالك والشافعي وأحمد في (2) ~~إحدى الروايات-؛ أو لا قود إلا بالحديد في العنق- كقول أبي حنيفة واحمد في ~~إحدى الروايات-؛ أو يفرق بين الجرح المزهق وغير المزهق- كالرواية الثالثة ~~عن أحمد-؛ أو بين المزهق وما كان موجبا للقود بنفسه كقطع اليد، وبين ما ليس ~~من هذين النوعين- كالرواية الرابعة عن أحمد-؟ # فهذا من اجتهاد العلماء في (3) تحقيق القياس والعدل والتماثل الذي اتفقوا ~~على اعتباره، متى (4) تعذرت المماثلة المطلقة من كل وجه. والذي يدك عليه ~~النص والاعتبار الصحيح هو القول الأول، وهو أن يفعل به كما فعل، فإن مات ~~بذلك، وإلا قتل، فإن النبي PageV02P268 # - صلى الله عليه وسلم - أمر برضخ رأس اليهودي الذي رضخ رأس الجارية، لما ~~اعترف بأنه قتلها (1)، وكان/ [162 ب] هذا قتلا بالقصاص لا بنقض العهد، إذ ~~لو قتله بمجرد نقض العهد- كما يقتل الحربي الأسير- لقتله في العنق. وأيضا ~~فالعدل في أن يفعل به كما فعل أقرب من أن تضرب عنقه بالسيف، مع كونه حرق ~~الأول، أو قطع أربعته، أو مثل به. # وقد أباح الله أن نمثل بمن مثل بنا، وإن كانت المثلة بدون ذلك منهيا عنها ~~بقوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) (2)، فدل على أن ~~التمثيل بجدع الأنف والأذن هو من العقوبة بالمثل. # وإذا قل: هذا يفضي إلى أن يؤخذ أكثر. # قيل: وما ذكرتم يفضي غالبا إلى (3) أن يؤخذ أنقص من الواجب. وهذا أقرب ~~إلى المماثلة، فإنه يكون تارة أكثر، وتارة يكون أنقص، ولكن هذا أقرب إلى ~~العدل من الذي يكون دائما أنقص. # وإذا قيل: في غير الجرح المزهق ربما نقص منه، فيفضي إلى جرحه مرتين. PageV02P269 ### ||| CHECK قياس الطرد وقياس العكس ms0291 وأمثلة منهما ### ||| CHECK اختلافهم في التماثل الواجب لا يمنع أن يكون أصل القياس صحيحا # قيل: لو ضربه في العنق فلم يمت (1)، كان له أن يضربه ثانية بالاتفاق، وإن ~~كان في ذلك ضرب مرتين، لأن هذا أقرب إلى العدل. # والمقصود بهذا أن ننبه على أن الناس يتنازعون في التماثل الواجب، حيث ~~اتفقوا على وجوب المثل، وأن الاجتهاد في مثل هذا متفق عليه، فكذلك التماثل ~~في غير هذا يتنازعون فيه، وذلك مما يدل على أن تنازع الناس في كثير من ~~القياس لا يمنع أن يكون أصل القياس- الذي يقاس فيه الشيء بمثله وضده- قياسا ~~صحيحا، فاعتباره بمثله يوجب قياس الطرد الذي يوجب التسوية بينهما، واعتباره ~~بضده يوجب قياس العكس الذي يوجب تضاد حكمهما. # كما إذا اعتبرنا دم السمك الذي (2) تباح ميتته بدم ما لا تباح ميتته، ~~فقلنا: يجب أن نفرق بين الدمين، لأن ذلك لا يباح إلا بسفح دمه، وهذا يباح ~~بدون سفح دمه، فدل على افتراق حكم الدمين. # وكذلك الوتر لما ثبت بالسنة الصحيحة أنه يصفى على الراحلة (3)، ثبت بذاك ~~الفرق بينه وبين الواجبات التي لا يجوز فعلها على الراحلة، فعلم أنه مفارق ~~لها لا مماثل لها. # والطرد هو قياس الجمع، والعكس هو الفرق، والجمع والفرق PageV02P270 # يكون بالأمور المعتبرة في الجمع، فيجمع بين ما جمع الله بينه، ويكون ~~الجمع والفرق بالأوصاف المعتبرة في حكم الله ورسوله. فهذا كفه من الميزان ~~الذي أنزله (1) الله مع رسوله (2)، كما أنزل الله الكتاب. PageV02P271 ### ||| CHECK فصل: الكتاب والميزان لا يتناقضان # فصل # وإذا تبين أن الكتاب والميزان منزلان، فلا يجوز أن يناقض الكتاب بتناقض ~~الميزان (1)، ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة ~~لا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصحيح والقياس الصحيح، وإنما ~~يكون التناقض بين الحق الصحيح واالباطل الذي ليس بصحيح، فأما الصحيح الذي ~~كله حق فلا يتناقض، بل يصدق بعضه بعضا. وقد بسطنا هذا المعنى في مواضع (2). # والمقصود هنا أن نقول: ### |||| AUTO النصوص محيطة بجميع أحكام العباد # ، فقد بين الله تعالى بكتابه وسنة رسوله جميع ms0292 ما أمر الله به وجميع ما ~~نهى عنه، وجميع ما أحله وجميع ما حرمه، وبهذا أكمل الدين، حيث قال: (اليوم ~~أكملت لكم دينكم) (3). ولكن ### |||| AUTO قد يقصر فهم كثير من الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص # ، والناس PageV02P272 ### |||| CHECK أمثلة من التفاوت في الأفهام # متفاوتون في الأفهام، ولذلك قال تعالى: (ففهمناها سليمان) (1)، ولو كان ~~الفهم متماثلا لما خص به. وكذلك في كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ~~القضاء إلى أبي موسى الأشعري: "الفهم الفهم فيما أدلي إليك" (2). # وفي الحديث الصحيح (3) عن علي رضي الله عنه: "إلا فهما يؤتيه الله عبدا ~~في كتابه". وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه: (4) وكان أبو بكر رضي الله عنه ~~أعلمنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفي الصحيح (5) PageV02P273 ### |||| CHECK اختلاف العلماء في شمول النصوص للأحكام ### ||||| CHECK (1) قال بعضهم: النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث ### |||||| CHECK الرد عليهم # أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا لابن عباس رضي الله عنه فقال: ~~"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". # لكن الناس صاروا هنا ثلاثة أقسام (1): # (1) قوم من مثبتة القياس قالوا: إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث، وغلا ~~منهم من قال: ولا بعشر معشار الحوادث (2)، وقال بعضهم: إن النصوص متناهية، ~~وحوادث العباد غير متناهية، وإحاطة/ [163 أ] المتناهي (3) بغير المتناهي ~~ممتنع (4). # وهذا خطأ (5)، لأن ما يتناهى لا يمتنع أن يجعل أنواعا، PageV02P274 ### |||||| CHECK معنى حديث بعثت بجوامع الكلم # فيحكم (1) لكل نوع منه بحكيم، والأفراد التي لا تتناهى تدخل تحت (2) تلك ~~الأنواع. هذا إن قذر وجود ذلك، مع أن أنواع الأفعال بل والأعراض كلها ~~متناهية، ولو قذر أنها لا تتناهى فأفعال العباد الموجودة إلى يوم القيامة ~~متناهية. وهذا كما يجعل الأقارب نوعين: نوعا مباحا، وهن بنات العم والعمة ~~وبنات الخال والخالة، وما سوى ذلك حرام. وكذلك يجعل ما ينقض الوضوء محصورا ~~(3)، وما سوى ذلك لا ينقض الوضوء. وكذلك ما يفسد الصوم محصورا (4)، وما سوى ~~ذلك لا يفسده، وأمثال ذلك. # وإذا كان (5) أهل المذاهب جعلوا لهم قواعد (6) يضبطون بها ما ms0293 يحل ويحرم، ~~فالله ورسوله أقدر على ذلك، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بعثت ~~بجوامع الكلم" (7)، فهو يأتي بالكلمة الجامعة، وهي قاعدة عامة وقضية كلية ~~تجمع أنواعا وأشخاصا (8)، كقوله لما سئل عن أنواع الأشربة كالبتع والمزر، ~~وكان قد أوتي جوامع PageV02P275 ### ||||| CHECK (2) نفى بعضهم القياس الجلي الظاهر وفرقوا بين المتماثلين ### |||||| CHECK الرد على قولهم ### |||||| CHECK قالوا: لم يشرع شيء لحكمة أصلا ### |||||| CHECK أمثلة من القواعد الكلية في الكتاب والسنة # الكلم، فقال: "كل مسكر حرام " (1). # والكتاب والسنة ملان (2) من هذا (3)، كقوله تعالى: (إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) (4)، وقوله تعالى: (قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم) (5)، وقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) (6)، ~~إلى غير ذلك من النصوص. # (2) وقوم من نفاة القياس نفوا القياس الجلي الظاهر، حتى فرقوا بين ~~المتماثلين، وزعموا أن الشارع لم يشرع شيئا لحكمة أصلا، ونفوا تعليل خلقه ~~وأمره، فقالوا: إنه لا يخلق ولا يأمر لحكمة ولا لنفع عباده. # وهذا الأصل وإن كان قد قاله طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في ~~إثبات القدر، وخالفوا القدرية في إثبات القدر، فهم وإن أصابوا في إثبات ~~القدر، وبينوا تناقض المعتزلة النفاة للقدر، فقد ردوا أيضا من الحق المعلوم ~~بالشرع والعقل ما (7) صاروا به PageV02P276 ### |||| CHECK اختلافهم في التعليل ### ||||| CHECK - قول الأشعري واتباعه: إن علل الشرع مجرد أمارات ### |||||| CHECK أصل قولهم قول جهم بن صفوان ومن وافقه # ممن رد بدعة ببدعة، وقابلوا الفاسد بالفاسد، فإنهم أنكروا حكمة الله ~~تعالى في خلقه وأمره، وأنكروا رحمته في خلقه وأمره. # وأصل قولهم هو قول جهم بن صفوان ومن وافقه على قوله في القدر، كما قد بسط ~~الكلام عليهم في غير هذا الموضع (1)، فإن القدرية من المعتزلة ونحوهم ~~والجهمية الجبرية تناقضوا في هذا الباب تناقضا بينا، والسنة وسط، ليست مع ~~هؤلاء ولا مع هؤلاء. # وهؤلاء صاروا في القياس نوعين: # قوم (2) اقروا به، كالأشعري وأتباعه ومن وافقهم من الفقهاء، وقالوا: إن ~~علل الشرع إنما هي مجرد (3) أمارات محضة وعلامات، كما قالوا ذلك في ms0294 سائر ~~الأسباب، فقالوا: إن الدعاء إنما هو علامة محضة، والأعمال الصالحة إنما هي ~~علامات، وكذلك سائر ما وجدوه من (4) الخلق والأمر مقترنا بعضه ببعض، قالوا: ~~أحدهما دليل على الآخر لمجرد الاقتران والعادة الموجودة في خلقه وأمره، لا ~~(5) لأن أحدهما سبب للآخر، ولا علة له ولا حكمة، ولا له فيه تأثير بوجه من ~~الوجوه (6). PageV02P277 ### |||| CHECK مناظرة الطائفتين للفلاسفة مناظرة فاسدة ### |||| CHECK عامة البدع في أصول الدين من الجهمية والقدرية ### ||||| CHECK - قول السلف والجمهور: إثبات الحكمة والرحمة في خلقه وأمره # وأما الفقهاء المعتبرون وسلف الأمة وأئمتها وجمهورها وجمهور متكلميها ~~فعلى خلاف [هذا] (1) القول، وإثبات الحكمة والرحمة في خلقه وأمره، وإثبات ~~لام كي في خلقه وأمره، كما دل على ذلك الكتاب والسنة مع المعقول الصريح، ~~فاتفق على ذلك الكتاب والميزان والسلف والفقهاء. وجمهور الأئمة وأكثر طوائف ~~الكلام ينكرون (2) قول المعتزلة المكذبين بالقدر، وقول هؤلاء الجهمية ~~المكذبين بالحكمة والرحمة، فلا يقولون بقول القدرية ولا قول الجهمية. # وعامة البدع الحادثة بالمعقول الفاسد (3) في أصول الدين هي من قول هاتين ~~الطائفتين: الجهمية والقدرية، فالجهمية هم رءوس الجبرية الذين أنكروا حكمته ~~ورحمته، والقدرية أنكروا قدرته ومشيئته، فأولئك أثبتوا له نوعا من الملك ~~بلا حمد، وهؤلاء أثبتوا له [نوعا] (4) من الحمد بلا ملك. والصواب ما عليه ~~سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والجماعة: أنه سبحانه/ [163 ب] له الملك وله ~~الحمد، بل له كمال الملك وله كمال الحمد. # وكلتا (5) الطائفتين ناظرت الفلاسفة الدهرية في خلق الرب PageV02P278 ### |||| CHECK مآل المتكلمين الحيرة والشك ### |||| CHECK الفتنة بكتب الكلام والفلسفة # وأفعاله وأقواله وحدوث العالم مناظرة فاسدة، تنبني (1) على مقدمات مخالفة ~~للشرع والعقل، وهم يظنون أنهم يوافقون الشرع والعقل، ف ### |||| AUTO لا للإسلام نصروا ولا للأعداء كسروا # (2)، وصار ما ابتدعوه في أصول الدين سببا لضلال طوائف ممن وافقهم وممن ~~خالفهم، فإن المخالف لهم من الفلاسفة استطال بما ابتدعوه عليهم وعلى ~~المسلمين، وظن أن ما قالوه هو الذي يقوله المسلمون، وصارت الكتب المصنفة في ~~الكلام إنما يذكر فيها قولهم وقول الفلاسفة، ويجعل قولهم هو قول ms0295 المسلمين، ~~لم يأت فيه كتاب ولا سنة، ولا قاله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة ~~المسلمين. # ولهذا عظمت الفتنة بالكتب (3) المصنفة في الكلام والفلسفة، حتى آل الأمر ~~بالأفاضل من أهلها (4) إلى الحيرة والشك (5)، إذ (6) كان فيها من الأمور ~~الإلهية مما يخالف المعقول الصريح والمنقول الصحيح ما يوجب الحيرة والشك ~~لمن لم يعرف الهدى إلا منها، كما أصاب ذلك كثيرا من رؤساء النظار في الكلام ~~المحدث PageV02P279 # والفلسفة، حتى دخل من ذلك في كلام الفقهاء وأهل أصول الفقه ما دخل، فتجد ~~الواحد منهم إذا بحث في الفقه بحث فيه (1) بفطرته وإسلامه، معللا للأحكام ~~بالعلل المناسبة، ذاكرا أن الله أمر بكذا لكذا، وخلق كذا لكذا، وفي موضع ~~آخر ينكر هذا ويقول: لا يخلق ولا يأمر لعلة، واللام في ذلك لام العاقبة لا ~~لام كي. # فهذا قول من أثبت القياس من نفاة الحكمة والتعليل في خلقه وأمره. # وأما من نفى القياس فقوله أشبه بهذا الأصل، فإنه إذا لم يأمر لحكمة (2) ~~فلا معنى لتعليل أمره ونهيه، لكن مثبتة القياس من هؤلاء قالوا: إن الحكمة ~~اقترنت (3) بالأمر وإن لم يأمر لها، وقالوا في الأمر كما قالوا في الخلق، ~~فقالوا: كما جرت عادة الله تعالى في خلقه، فخلق الشبع عقب الأكل، والري عقب ~~الشرب، والاحتراق عقب الإحراق، ونحو ذلك، وإن لم يكن خلق هذا لهذا ولا ~~لهذا، ولا جعل سبحانه أحد هذين علة للآخر عندهم. # قالوا: فهكذا أمره، أمر بقطع السارق، لا لأجل حفظ الأموال، بل إذا قطع ~~السارق حفظت الأموال، فاقترن هذا بهذا عادة، وإن لم يأمر بهذا لأجل هذا. ~~فالمصلحة عندهم توجد عند PageV02P280 ### |||| CHECK نفاة القياس احتاجوا إلى مجرد الظواهر والاستصحاب # هذه الأسباب، لأنها والأفعال تقترن بها المصلحة عادة، وإن لم تكن أسبابا ~~وعللا لها عندهم. # . فهذا قولهم، وهو (1) موجود في أقوال كثير (2) من المنتسبين إلى السنة ~~من أصحاب أحمد بن حنبل ومالك بن أنس والشافعي وغيرهم، وهي أقوال مبتدعة ~~مخالفة لنصوص الأئمة وأصولهم، ولنصوص الكتاب والسنة، وإجماع السلف، والعقل ~~الصريح، كما قد بسط ms0296 (3) في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أن نفاة القياس لما سدوا على أنفسهم باب التمثيل والتعليل ~~-وهو من الميزان والقسط الذي أنزل الله سبحانه- احتاجوا في معرفة الأحكام ~~إلى مجرد الظواهر، [و] (4) صاروا معتصمين (5) بالظاهر والاستصحاب، فحيث ~~فهموا (6) من النص حكما أثبتوه، وحيث لم يفهموه نفوه، وأثبتوا الأمر على ~~موجب الاستصحاب. وهم وإن أحسنوا في كونهم قالوا: إن النصوص تفي بجميع ~~الحوادث، وإن الله ورسوله بين الأحكام، وأكمل الدين، وأغنى الناس عما سوى ~~الكتاب والسنة، وأحسنوا في ردهم ما PageV02P281 ### |||| CHECK - قول أصحاب أبي حنيفة ### |||| CHECK اختلاف العلماء في استصحاب البراءة الأصلية ### |||| CHECK خطؤهم من ثلاثة أوجه ### ||||| CHECK ج- جزمهم بموجب الاستصحاب لعدم علمهم بالناقل ### ||||| CHECK ب- تقصيرهم في فهم النصوص ### ||||| CHECK أ- رد القياس الصحيح # ردوه (1) من الأقيسة الفاسدة- فأخطأوا من ثلاثة أوجه (2): # أحدها: رد القياس الصحيح. # والثاني: تقصيرهم في فهم النصوص، فكم من حكم دل عليه النص، فلم يفهموا ~~دلالته عليه، فكانوا مقصرين في فهم الكتاب لما قصروا في معرفة الميزان. # والثالث: جزمهم بموجب الاستصحاب، لعدم علمهم بالناقل، وعدم العلم ليس ~~علما بالعدم. # وكذا تنازع الناس في استصحاب حال البراءة الأصلية (3)، فقالت طائفة من ~~أصحاب أبي حنيفة: يصلح للدفع لا للإبقاء، أي يصح أن يدفع به من/ [164 أ]، ~~ادعى تغيير الحال، لإبقاء الأمر على ما كان، فإذا لم نجد دليلا ناقلا ~~أمسكنا، لا نثبت الحكم ولا ننفيه، بل (4) ندفع من يثبته (5). فيكون حال ~~المتمسك بالاستصحاب حال المعترض مع المستدل PageV02P282 ### |||| CHECK ثلاثة مسالك لنفي الحكم ### |||| CHECK - قول أصحاب الشافعي # يمنعه (1) الدلالة حتى يثبتها، لا [أنه] (2) يقيم (3) دليلا مناقضا له. # وذهب الأكثرون من أصحاب الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم إلى أنه يصلح لإبقاء ~~الأمر على ما كان عليه، فإنه إذا غلب على الظن انتفاء الناقل غلب على الظن ~~بقاء الأمر على ما كان عليه. وهنا لنفي الحكم ثلاث (4) مسالك: # أحدها: التمسك بالاستصحاب المحض، مثل أن يقال في مسألة وجوب الوتر أو ~~الأضحية أو غير ذلك: الأصل عدم الوجوب، والذمة كانت بريئة من الإيجاب، وليس ~~في الشرع ms0297 ما يزيل ذلك، فالأصل بقاء الذمة بريئة من الوجوب. # وهذا مستقيم فيما لا يجب ولا يحرم إلا بالشرع، كوجوب الوتر والأضحية ~~وسجود التلاوة، وكذلك تحريم ما لا يحرم إلا بالشرع، كالضب واليربوع وسنور ~~البر، ونحو ذلك مما اختلف في تحريمه، وكالعقود المتنازع في تحريمها، ~~كالمساقاة والمزارعة وغير ذلك. # المسلك الثاني: أن نبين من أدلة الشرع العامة ما ينفي الوجوب والحرمة ~~فيما لم يوجبه الشارع ولم يحر مه، كقوله تعالى: PageV02P283 # (قد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) (1)، وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: # "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم" (2). وقوله لما قال: "إن الله كتب عليكم الحج"، قالوا: أفي كل ~~عام؟ قال: "لا، ولو قلت نعم لوجبت" (3). # والمسلك الثالث أن يقال: الحكم الشرعي لا يثبت إلا بدليله، والدليل منتف، ~~فلا يثبت. وهذا يسمى حصر المدارك ونفيها، وهذا مضمونه أن ثبوت الحكم في ~~حقنا بدون دليل منتف، والدليل منتف، فينتفي الحكم، وإذا انتفى أحد النقيضين ~~ثبت الآخر. والدليل وإن كان لا ينعكس، بل قد يثبت الشيء بدون دليله، فهذا ~~مما (4) ليس علينا معرفته. وأما الأحكام التي هي الأمر والنهي، التي علينا ~~أن نعرفها، فلا تثبت بدون دليلها. # وأيضا فإن قول الله ورسوله هو المثبت لهذه الأحكام، فإذا انتفى الموجب ~~انتفى موجبه، فانتفت لانتفاء (5) موجبها، وهو دليله، فإن خطاب الشارع ليس ~~دليلا مختصا، بل هو الدليل، وهو PageV02P284 # المثبت لها في نفس الأمر، ولا واجب إلا ما أوجبه الله تعالى ورسوله، ولا ~~حرام إلا ما حرمه الله ورسوله. # هذا إذا (1) أثبتنا بموجب الخطاب، مثل أن نقول: أوجب الله ذلك فوجب، ~~وحرمه فحرم، فهنا شيئان: إيجاب ووجوب، وتحريم وحرمة، فالايجاب والتحريم ~~يعود إلى خطاب الشارع وكلامه، والوجوب والحرمة فهو صفة الفعل. والفقهاء ~~يثبتون هذين النوعين من الأحكام (2)، وأما المعتزلة فلا تثبت إلا الثاني، ~~والجهمية ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم لا يثبتون إلا الأول، ms0298 إذ ليس عندهم ~~للأحكام سبب (3) ولا حكمة. # والمقصود أن كل واحد من النوعين لا يثبت إلا بالدليل الشرعي، فإذا انتفى ~~الدليل الشرعي، لزم انتفاء هذا الحكم، لكون ثبوته مستلزما للدليل الشرعي، ~~وثبوت الملزوم بدون اللازم محال، بخلاف المدلول الذي لا يستلزم الدليل. ~~وهذا لأن الدليل لابد أن يستلزم مدلوله، فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت ~~المدلول، ولولا ذلك لم يكن دليلا عليه، إذ لو اقترن به المدلول تارة، وتخلف ~~(4) عنه أخرى (5)، لم يكن- إذا تحقق الدليل- وجود المدلول معه بأولى PageV02P285 # من عدمه، فلهذا كان الدليل مستلزما للمدلول، إما قطعا (1) إن كان يقينيا ~~(2)، وإما ظنا (3) إن كان ظنيا، ولا ينعكس، فلا يلزم من عدم الدليل عدم ~~المدلول، كما لا يلزم من عدم الملزوم عدم اللازم، لأن الدليل هو الملزوم، ~~إلا أن تكون الملازمة من الجانبين، بحيث يكون كل من الأمرين لازما للآخر ~~ملزوما له، كالحكم الشرعي والدليل الشرعي، فإنه إذا ثبت الدليل الشرعي [ثبت ~~الحكم الشرعي] (4)، وإذا ثبت الحكم/ [164 ب] الشرعي فلابد له من دليل شرعي. ~~فلما كان التلازم (5) من الجانبين جاز الاستدلال بثبوت كل (6) منها على ~~ثبوت الآخر، وبانتفائه على انتفائه، كالأبوة والبنوة لما تلازما جاز أن ~~يستدل بثبوت كل منهما على ثبوت الآخر، وبانتفائه على انتفائه. # وكذلك إرادة الرب ومراده، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإرادته ~~تستلزم (7) المراد وتدل عليه، فوقوع الكائنات تستلزم إرادته وتدل عليها، ~~ولهذا كان الاستثناء في الأيمان مانعا من الحنث، كما إذا قال: والله لا ~~أفعل كذا إن شاء الله، فإن PageV02P286 ### |||| CHECK خطأ نفاة القياس # فعله (1) علم وجود المشيئة، وإن [لم] (2) يفعله علم انتفاؤها. # وكذلك كل حكم له سبب واحد، كالقتل العمد العدوان المحض (3)، فإنه مستلزم ~~لثبوت القود، وثبوت القود مستلزم له. # وكذلك القصر والسفر، فإن القصر ليس له سبب إلا السفر، فحيث كان سفر كان ~~قصر، وحيث كان قصر (4) كان سفر، إما سفر مقدر عند من يقول به، وإما مطلق ~~السفر عند من لا يخص القصر بسفر مقدر. # فنفي الحكم الشرعي تارة ms0299 يكون بالاستصحاب، وتارة بدليل شرعي يدك على نفسه، ~~وتارة بانتفاء دليله وسببه اللازم له، فإنه إذا انتفى اللازم انتفى ملزومه. # والمقصود هنا أن نفاة القياس لفا سدوا باب التعليل ونفوا (5) التمثيل، ~~وقصروا في معرفة النصوص وفهمها، ظهر من خطئهم في الأحكام ما شنع به عليهم ~~الناس، وإلا فلو أعطوا النصوص حقها من المعرفة والفهم لدلت على جميع ~~الأحكام، واستغنوا بذلك عن القياس، وإن كان القياس أيضا دليلا صحيحا يوافق ~~دلالة الظاهر. PageV02P287 ### |||| CHECK أمثلة من مخالفتهم للنصوص ### |||| CHECK خطأ مثبتة القياس حيث خالفوا النصوص # والتعليل صحيح (1)، وهم مخطئون في نفي التمثيل والتعليل. # كما أن مثبتة القياس لو لم يقيسوا إلا قياسا صحيحا لما خالفوا نصا قط، ~~لكن حيث خالفوا النصوص بالقياس فلابد أن يكون القياس فاسدا، ولكن قد يخفى ~~فساده، كما قد تخفى صحته إذا دق. فكما تخفى دلالة النص تارة وتظهر أخرى، ~~وخفاء الدلالة وظهورها أمر نسبى، فقد يخفى على هذا ما يظهر لهذا. وإلا (2) ~~فالذين خالفوا أحاديث القرعة (3) والقيافة (4)، وحديث ذي اليدين (5)، وحديث ~~أكل الناسي في رمضان (6)، وحديث الصيد الذي يوجد ميتا بعد المغيب ولا أثر ~~فيه إلا للسهم (7)، حديث إيجاب التسمية على الذبيحة والصيد (8)، وحديث ~~الشاهد PageV02P288 # واليمين (1)، وأحاديث الجمع بين الصلاتين (2)، وحديث قطع الصلاة بالكلب ~~الأسود والمرأة والحمار (3)، وحديث جعل الطلاق الثلاث واحد (4)، وحديث يعذب ~~الميت ببكاء أهله عليه (5)، وأمثال ذلك من الأحاديث الصحيحة، التي ليس مع ~~مخالفيها إلا ما يظن أنه ظاهر، أو ظاهر نمن آخر، أو مقتضى قياس (6)، متى ~~تدبرت المعارض لذلك لم تجده -ولله الحمد (7) - معارضا صحيحا، بل تجد (8) ما ~~عارض به الظاهر إما حديث ضعيف، وإما PageV02P289 ### |||| CHECK نفاة القياس اضطروا إلى مقالات فاسدة، كأقوالهم في الفرائض # حديث ظاهر لا دلالة فيه، وإما قياس فاسد، وإما دعوى إجماع قد علم انتفاؤه ~~ووجود النزاع في تلك المسألة. # وكذلك نفاة القياس مع قصورهم في فهم النصوص تجدهم قد اضطروا إلى مقالات ~~في غاية الفساد، كأقوال في الفرائض، فإن المسائل التي تنازع فيها الصحابة- ~~كالعمريتين (1) والحمارية التي تسمى المشتركة ms0300 (2)، وأمثال ذلك- لما لم ~~يدخلوا في المعاني، ولا فهموا دلالة النصوص على ذلك، صاروا يعملون بما ~~يظنونه استصحابا للإجماع، فيقولون في مسألة الحمارية -وهي زوج وأم وابنان ~~من ولد الأم وبعض ولد الأبوين- يقولون: قد اتفقوا على توريث ولد الأم، ~~وتنازعوا في توريث ولد الأبوين، ولم يقم دليل على توريثهم، فينتفي توريثهم ~~لانتفاء دليله. # وهذا خطأ، فإن الإجماع إنما انعقد على أنهم يرثون بعض PageV02P290 ### |||| CHECK الكلام على استصحاب حال الإجماع وأمثلة منه # الثلث الباقي، وتنازعوا في بعضه الآخر، هل هو لهؤلاء أو (1) هؤلاء، فإذا ~~جعلناه لأحدهما لم يكن ذلك مجمعا عليه، فإن كان معنا دليل غير الإجماع، ~~وإلا فهذا قول بلا دليل أصلا. # وهذا بخلاف تنازعهم في دية الذمي، إذا قال قائل: هي دون الثلث، لأن ~~الإجماع انعقد/ [165 أ] على وجوب ذلك، والذمة بريئة مما زاد عليه، ولا بينة ~~إلا بدليل، فإن هذا نفى الزيادة (2) باستصحاب براءة الذمة. والتمسك ~~بالاستصحاب في مثل هذا وإن كان أضعف من غيره -لأنه قد وجد جناية توجب شغل ~~الذمة قطعا، فعلمنا أن الذمة مشتغلة قطعا (3)، وقد وجب لهذا على هذا حق، ~~لكن لم يعلم مقداره- فليس هذا كالميراث المتنازع فيه، لأنه لأحد المتنازعين ~~قطعا، ولم يجمعوا على وجوبه لأحدهما، ولا يورث أحدهما دون الآخر (4) ~~الجميع. # وأما استصحاب حال الإجماع بعد زوال المحل المجمع عليه، كقولهم في المصلي ~~إذا رأى الماء: كانت صلاته صحيحة بالإجماع قبل وجود الماء، والأصل بقاء ما ~~كان على ما كان، ولم يقم دليل على الفساد. # وكذلك قولهم: أم الولد كان بيعها صحيحا قبل الاستيلاد، PageV02P291 ### |||| CHECK اختلاف العلماء في الاحتجاج به # فمن ادعى التحريم فعليه الدليل. # فهذا فيه نزاع مشهور (1)، يحتج به طائفة من الفقهاء من أصحاب الشافعي ~~وأحمد وغيرهما، كالمزني والصيرفي وأبي إسحاق بن شاقلا وأبي عبد الله بن ~~حامد وأبي عبد الله بن الخطيب الرازي وغيرهم. وينكره آخرون، كابي حامد ~~والطبري والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الخطاب والحلواني وابن الزاغوني ~~وغيرهم. # والذين أنكروه قالوا: إن الإجماع إنما كان على الصفة ms0301 التي كانت قبل محل ~~النزاع، كالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء في الصلاة، فأما بعد ~~الرؤية فلا إجماع، فيمتنع دعوى الإجماع في محل النزاع. # وهذا الذي قالوه نقيض الإجماع في محل النزاع، وهذا صحيح، والذين استدلوا ~~به لم يدعوا الإجماع في محل النزاع، بل استصحبوا حال المجمع عليه. # قال المنكرون: فالحكم إذا كان إنما يثبت بالإجماع، يزول الحكم لزوال ~~دليله، ويبقى إثبات الحكم بعد ذلك إثباتا بغير دليل. # وأما المستدلون فيقولون: الحكم لما كان ثابتا، وعلمنا بالإجماع ثبوته، ~~فالإجماع ليس هو علة ثبوته ولا سبب ثبوته في PageV02P292 # نفس الأمر، حتى يلزم من زوال العلة زوال المعلول، ومن زوال السبب زوال ~~حكمه، وإنما الإجماع دليل عليه، وهو في نفس الأمر يستند إلى نص أو معنى نص. ~~فنحن نعلم أن الحكم المجمع عليه ثابت في نفس الأمر، والدليل لا ينعكس، فلا ~~يلزم (1) من انتفاء الإجماع انتفاء الحكم، بل يجوز أن يكون نافيا، ويجوز أن ~~يكون منتفيا (2)، لكن الأصل بقاؤه، فإن البقاء لا يفتقر إلى حادث، ولكن ~~يفتقر (3) إلى بقاء سبب ثبوته. وأما الحكم المخالف فيفتقر إلى ما يزيل ~~الأول، وإلى ما يحدث الثاني، وإلى ما يبقي (4) الثاني، فكان ما يفتقر إليه ~~الحادث أكثر مما يفتقر الباقي، فيكون البقاء أولى من التغيير. # وهذا مثل استصحاب حال براءة الذمة، فإنها كانت بريئة قبل وجود ما يظن أنه ~~شاغل (5)، ومع هذا فالأصل البراءة. # والتحقيق أن هذا دليل من جنس استصحاب البراءة، لكن لا يجوز الاستدلال به ~~إلا بعد الاجتهاد في معرفة المزيل، ولا يجوز الاستدلال به لمن لا (6) يعرف ~~الأدلة الناقلة، كما لا يجوز PageV02P293 ### |||| CHECK لا يجوز الاستدلال بالاستصحاب إلا بعد انتفاء الناقل # الاستدلال بالاستصحاب لمن لا يعرف الأدلة الناقلة. # وبالجملة الاستصحاب لا يجوز الاستدلال به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل، ~~فإن قطع المستدل بانتفاء الناقل قطع ببقاء الحكم، كما يقطع ببقاء شرع محمد ~~- صلى الله عليه وسلم -، وأنه غير منسوخ، وإن ظن انتفاء الناقل ظن بقاء ~~الحكم، فإن كان الناقل دليلا تبين (1) له ms0302 انتفاء دلالته ظن انتفاء النقل ~~(2)، وإن كان معنى مؤثرا وتبين له عدم اقتضائه، تبين له بقاء النقل، مثل ~~رؤية الماء في الصلاة، فلا يطمئن قلبه إلى بقاء الصلاة إن لم يتبين له أن ~~رؤية الماء في الصلاة لا تبطل الطهارة، وإلا فمع تجويزه لكون هذا ناقضا ~~للوضوء لا يطمئن ببقاء الوضوء. # وهكذا في كل من يتورع في انتقاض وضوئه ووجوب الغسل عليه، فإن الأصل بقاء ~~طهارته، كالنزاع في بطلان الوضوء بخروج النجاسات من غير السبيلين، وبالخارج ~~النادر منهما، وبمس النساء لشهوة ولغير شهوة غير الجماع، ومسن الذكر، وأكل ~~ما مسته النار، وغسل الميت، وغير ذلك، لا يمكن اعتقاد/ [165 ب] استصحاب ~~الحال حتى يتبين له بطلان ما يوجب الانتقال، وإلا بقي شاكا، وإن لم يتبين ~~له صحة الناقل، كما لو أخبره فاسق بخبير، فإنه مأمور بالتبين والتثبت، لم ~~يؤثر (3) تصديقه ولا تكذيبه، فإن كلاهما ممكن PageV02P294 # منه، وهو مع خبره لا يستدل باستصحاب الحال، كما كان يستدل به بدون خبره. ~~ولهذا جعل ذلك لوثا وشبهة في أظهر قولي العلماء. وإذا شهد مجهول الحال فإنه ~~هناك شاك في حال الشاهد، ويلزم منه الشك في حال المشهود به، فإذا تبين عدله ~~تم الدليل، وعند شهادة المجهولين تضعف البراءة أعظم مما تضعف عند شهادة ~~الفاسق، فإن الشهادة قد يكون دليلا، ولكن لم تعرف دلالته، وأما هناك فقد ~~علمنا أنه ليس بذلك، لكن يمكن وجود المدلول في هذه الصورة، فإن صدقه ممكن. PageV02P295 ### ||| CHECK فصل: شمول النصوص لأحكام الفرائض ### |||| CHECK أمثلة منها ### ||||| CHECK (1) مسألة المشركة # [فصل] (1) # والمقصود هنا أن النصوص شاملة لجميع الأحكام، ونحن نبين ذلك فيما هو أشكل ~~الأشياء ليستدل به على ما سواه، والفرائض من أشكلها، إذ نفاة القياس عدلوا ~~في كثير منها عن دلالة النص إلى أن أثبتوا ما ظنوه مجمعا عليه، ونفوا ما ~~ظنوه غير مجمع عليه، وكلاهما غلط: # أما الأول: فقد بيناه. # وأما الثاني: فتقديره عدم الإجماع إذا انتفى دليل بمعين (2)، فلابد من ~~نفي سائر الأدلة الشرعية، كما ذكروه في مسألة ms0303 المشركة (3)، فإنه لو قدر ~~ثبوت ميراث أحدهما بالإجماع، فعدم الإجماع عن الآخر لا ينفي ميراثه، إذ لم ~~تنتفي (4) سائر الأدلة. PageV02P296 # فنقول: النص والقياس- وهما الكتاب والميزان- دلا على أن الثلث يختص به ~~ولد الأم، كما هو قول علي (1) رضي الله عنه ومن وافقه (2)، وهو مذهب أبي ~~حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، وروى عنه حرب التشريك، وهو قول زيد (3) ومن ~~وافقه (4)، وقول مالك والشافعي. # واختلف في ذلك عن عمر وعثمان (5) وغيرهما [من الصحابة] (6)، حتى قيل: إنه ~~اختلف فيها عن جميع الصحابة إلا علي وزيد رضي الله عنهما؟ فإن عليا رضي ~~الله عنه لم يختلف عنه أنه لم يشرك، وزيد رضي الله عنه لم يختلف [عنه] (7) ~~أنه شرك (8). PageV02P297 # قال العنبري (1): القياس ما قال علي رضي الله عنه، [والاستحسان ما قال ~~زيد. قال الخبري (2): هذه وساطة مليحة، وعبارة صحيحة (3). # فيقال: النص والقياس دلا على ما قال علي] (4). أما النص فقول الله تعالى: ~~(فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث). (5) والمراد به: ولد الأم، ~~فإذا أدخلنا فيهم ولد الأبوين لم يشتركوا في الثلث؛ بل زاحمهم غيرهم. # وإن قيل: ولد الأبوين منهم لكونه من ولد الأم، فهذا غلط، لأن الله تعالى ~~قال: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما ~~السدس) الآية (6). PageV02P298 # وفي قراءة ابن مسعود (1) وسعد (2): "من أم". والمراد ولد الأم بالإجماع، ~~ودل على ذلك قوله: () فلكل واحد منهما السدس) (3)، وولد الأبوين لم يفرض ~~لواحد منهما السدس. وأيضا فإنه قد ذكر حكم ولد الأبوين والأب في آية الصيف ~~(4) في قوله: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد ~~وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها) (5). فجعل لها النصف، ~~وله جميع المال، وهذا حكم ولد الأبوين. ثم قال: (وإن كانوا أخوة رجالا ~~ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) (6). وهذا حكم ولد الأبوين لا الأم، باتفاق ~~المسلمين. # ودل ذكره تعالى لهذا الحكم في هذه الآية، ولذلك الحكم في تلك الآية، على ~~أن ms0304 أحد الصنفين غير الآخر. فلا يجوز أن يكون PageV02P299 # ذلك الصنف هو هذا الصنف، وهذا الثاني هو ولد الأبوين والأب بالإجماع. ~~فالأول ولد الأم كما في القراءة الأخرى التي تصلح أن تكون مفسرة لقراءتنا ~~(1)، ولهذا ذكر ولد الأم في آية الزوجين، والزوجان (2) أصحاب فرض مقدر لا ~~يخرجون عنه، وكذلك ولد الأم أصحاب فرض مقدر لا يخرجون عنه. وكلاهما لا حظ ~~له في التعصيب بحال (3). بخلاف من ذكر في آية العمود (4) وفي آية الصيف ()، ~~فإن لجنسهم حطا في التعصيب. ولهذا قال سبحانه في آية الشتاء: (6) (غير ~~مضار)، ولم يذكر في آية العمود، لأن الإنسان كثيرا ما يقصد ضرر الزوج وولد ~~الأم، لأنهم ليسوا من عصبتهم، بخلاف أولاده وآبائه، فإنه (7) لا يضارهم في ~~العادة. # وإذا كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث، فمن نقصهم منه فقد ظلمهم. وولد ~~الأبوين جنس آخر، هم عصبة،/ [166 أ]، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى PageV02P300 # رجل (1) ذكر" (2). وهذا يقتضي أنه إذا لم تبق الفرائض لم يكن للعصبة شيء، ~~وهنا لم تبق الفرائض شيئا. # وأما قول القائل (3): "هب أن أباهم (4) كان حمارا، فقد اشتركوا (5) في ~~الأم "، فقول فاسد (6) حسا وشرعا. أما الحس فلأن الأب لو كان حمارا لكانت ~~(7) الأم أتانا، ولم يكونوا من بني آدم. # وإذا قيل: قدر وجوده كعدمه. # فيقال: هذا باطل، فإن الموجود لا يكون معدوما. # وأما الشرع فلأن الله حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم. # وإذا قيل: فالأب إن لم ينفعهم لم يضرهم. PageV02P301 ### ||||| CHECK (2) ابنا عم أحدهما أخ لأم # قيل: بل قد يضرهم ولا ينفعهم، بدليل ما لو كان ولد الأم واحدا وولد ~~الأبوين كثيرين (1)، فإن ولد الأم وحده يأخذ السدس، والباقي (2) يكون لهم ~~كلهم، ولولا الأب لشاركوا هم وذلك الواحد في الثلث، وإذا جاز أن يكون وجود ~~الأب ينفعهم جاز أن يحرمهم، فعلم أنه قد يضرهم. # وأيضا فأصول الفرائض مبنية على أن القرابة المتصلة ذكر وأنثى لا تفرق ~~أحكامها، فالأخ من الأبوين لا يكون ms0305 كالأخ من أب، ولا (3) كالأخ من الأم، ~~ولا يعطى بقرابة الأم وحدها، كما لا يعطى بقرابة الأب وحده؛ بل بالقرابة ~~المشتركة من الأبوين. وإنما يفرد بحكم إذا كان قرابة الأم منفردة، مثل ابني ~~عم أحدهما أخ لأم (4)، فهنا ذهب الجمهور إلى أن للأخ من الأم السدس، ~~ويشتركان في الباقي. وهو مأثور عن علي (5) رضي الله عنه. وروي عن شريح (6) ~~أنه جعل الجميع للأخ من الأم، كما لو كان ابن عم لأبوين. PageV02P302 # والجمهور يقولون: كلاهما في بنوة العم (1) سواء، هما ابنا عم من أبوين أو ~~من أب. والأخوة من الأم مستقلة ليست مقترنة بأبوة حتى يجعل كابن عم لأبوين. # ومما يبين الحكم في مسألة المشتركة: أنه لو كان فيها أخوات لأب لفرض لهن ~~الثلثان، وعالت الفريضة، فلو كان معهن أخوهن سقطن، ويسمى "الأخ المشؤم"، ~~فلما كن يصرن (2) بوجوده عصبة صار تارة ينفعهن، وتارة يضرهن، ولم يجعل ~~وجوده كعدمه في حال الضرار. # كذلك قرابة الأب لما صار الإخوة بها عصبة صار ينفعهم تارة ويضرهم أخرى. ~~وعلى هذا مجرى العصوبة، فإن العصبة تارة تحوز المال، وتارة أكثره، وتارة ~~تحوز أقله، وتارة لا يبقى لها (3) شيء، وهو إذا استغرقت الفرائض المال. فمن ~~جعل العصبة تأخذ مع استغراق الفرائض المال فقد خرج عن الأصول المنصوصة في ~~الفرائض. # وقول القائل "هذا استحسان" مخالف للكتاب والميزان؛ فإنه ظلم للإخوة من ~~الأم؛ حيث يؤخذ حفهم، فيعطاه غيرهم. وإذا كانوا يعقلون عن الميت وينفقون ~~عليه، فعاقلة المرأة يعقلون عنها، PageV02P303 # وميراثها لزوجها وولدها، كما قضى بذلك (1) رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # والمنازعون في هذه المسألة ليس معهم حجة إلا أنها (2) قول زيد، وقد روي ~~عن عمر رضي الله عنه أنه حكم بها، فعمل بذلك من عمل من أهل المدينة وغيرهم، ~~كما عملوا بمثل ذلك في ميراث الجد والإخوة، وعملوا بقول زيد رضي الله عنه ~~في غير ذلك من الفرائض، لاتصال العمل عندهم به تقليدا له، وإن كان قد خالفه ~~من هو أفضل منه من الصحابة، وإن كان النص والقياس ms0306 مع من خالفه. # وبعضهم يحتج لذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"أفرضكم زيد" (3). وهو حديث ضعيف (4) لا أصل له. ولم يكن PageV02P304 ### ||||| CHECK (3) مسألة الجد مع الإخوة # زيد رضي الله عنه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - معروفا بالفرائض. ~~والحديث الذي روي فيه ذلك قد رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه، وهو ضعيف، ~~لم يصح فيه إلا قوله: "لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن ~~الجراح" (1). وروي بإسناد أضعف من هذا، وفيه: "وأقضاكم علي، وحبر (2) هذه ~~الأمة ابن عباس" (3) من حديث كوثر بن حكيم، وكوثر هذا يأتي عن نافع بما ~~يعلم أنه باطل، ولا يحتج به باتفاق أهل العلم (4). # وكذلك اتباعهم في "الجد" لقول زيد رضي الله عنه، مع أن جمهور الصحابة رضي ~~الله عنهم على خلافه (5). فجمهور الصحابة موافقون للصديق في أن الجد كالأب، ~~يحجب الإخوة (6) وهذا مروي عن بضعة عشر/ [166 ب] من الصحابة رضي الله PageV02P305 # عنهم (1)، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد، ~~واختاره أبو حفص البرمكي من الصحابة، وحكاه بعضهم رواية عن أحمد. # وأما المورثون الجد مع الإخوة فهم علي وابن مسعود وزيد (2) رضي الله ~~عنهم، ولكل [واحد] (3) قول انفرد به. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ~~متوقفا في أمره (4). والصواب بلا ريب قول الصديق، لأدلة متعددة ذكرناها في ~~غير هذا الموضع (5). # منها: أن الذين ورثوا الإخوة عمدتهم أنهم يدلون ببنوة الأب، والجد يدلي ~~بأبوته، والبنوة أقوى. # وهذه الحجة فاسدة، مناقضة للكتاب والسنة والإجماع، فإن الجد مقدم على بني ~~الإخوة عند عامة المخالفين في هذا، وابن الابن يقوم مقام الابن ويقدم على ~~الجد، فلو كان بنوة الأب مقدمة لقدمت بنوة الأب. PageV02P306 ### ||||| CHECK (4) العمريتان # ومنها: أن الجد الأعلى مقدم على العم، والعم ابن الجد الأدنى، والجد ~~الأعلى أبوه، فالعم يدلي ببنوته، والجد الأعلى بأبوته، والجد الأعلى مقدم ~~بالإجماع، ونسبة الجد الأعلى إلى العم كنسبة الأدنى إلى الأخ. # ومنها: أن ما ذكروه لو كان صحيحا لوجب ms0307 تقدم (1) الإخوة، وهذا خلاف إجماع ~~الصحابة. وقد طرد هذا القياس الفاسد من قال في الولاء: إن إخوة المعتق أولى ~~من جده. وهذا من أضعف الأقوال، بل الصواب أن الولاء لجد المعتق فقط دون ~~إخوته، كالميراث. # وأيضا فالبنوة وبنوة البنوة مقدمة على الأبوة وأبوة الأبوة، لأن هذا ~~الجنس مقدم على هذا الجنس. # وأما بنوة الأبوة فليست من هذا البنوة، بل الأبوة وأبوة الأبوة مقدم على ~~بنوة الأبوة في جميع أحكام الشرع، ولم يقدم الأخ على الجد في شيء من ~~الأحكام الشرعية، بل ولا عدل به. فمن جعل مقتضى القياس تقديمه أو مساواته ~~(2) فقد خالف الأصول الشرعية كلها. # وأما العمريتان (3) فليس في القرآن ما يدل على أن للأم الثلث PageV02P307 # مع الأب والزوج، بل إنما أعطاها (1) الله الثلث إذا ورثت المال هي والأب، ~~فكان القرآن قد دل على أن ما ورثته هي والأب تأخذ ثلثه، والأب ثلثيه. ~~واستدل بهذا أكابر الصحابة: كعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد (2) رضي الله ~~عنهم وجمهور العلماء، على أن ما يبقى بعد فرض الزوجين، يكونان فيه أثلاثا، ~~قياسا على جميع المال إذا اشتركا فيه، وكما يشتركان فيما يبقى بعد الدين ~~والوصية. # ومفهوم القرآن ينفي أن تأخذ الأم الثلث مطلقا، [فمن أعطاها الثلث مطلقا] ~~(3) حتى مع الزوجين (4)، فقد خالف مفهوم القرآن. وأما الجمهور فقد عملوا ~~بالمفهوم، فلم يجعلوا ميراثها إذا ورثه أبوه كميراثها إذا لم يرثه، بل إن ~~ورثه أبواه فلأمه الثلث مطلقا، وأما إذا لم يرثه أبواه، بل ورثه مع من دون ~~الأب: كالجد والعم والأخ، فهي بالثلث أولى، فإنها إذا أخذت الثلث مع الأب PageV02P308 # فمع غيره من العصبة أولى. # فدل القرآن على أنه إذا لم يرثه إلا الأم والأب، أو عصبة غير الأب سوى ~~الابن، فللأم الثلث؛ وهذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. وأما الابن ~~فإنه أقوى من الأب، فلها معه السدس. # بقي إذا كان مع العصبة ذو فرض، فالبنات والأخوات قد أعطي للأم معهن ~~السدس. والأخت الواحدة إذا كانت هي والأم، فالأم تأخذ الثلث مع ms0308 الذكر من ~~الإخوة، فمع الأنثى أولى. # وإنما تحجب عن الثلث إلى السدس بالإخوة؛ والواحد ليس إخوة. وإذا كانت ~~تأخذ مع الأخ الواحد الثلث، فمع العم وغيره بطريق الأولى. # وإذا كان مع أحد الزوجين عصبة غير الأب والابن، كالجد والعم وابن العم، ~~فهؤلاء لا ينقصها دون الأب، وإنما جعل الباقي بعد نصيب الزوجة أثلاثا، ~~لأنها والأب في طبقة واحدة، فجعل ذلك بينهما كأصل المال، وهؤلاء ليسوا في ~~طبقتها، فلا يجعلون معها، كالأب، فإنه لا واسطة بينه (1) وبين الميت، بخلاف ~~هؤلاء، فإن بينهم وسائط، وهي لا تسقط بحال، بخلاف هؤلاء، فلم يمكن أن يعطى ~~ثلث الباقي هنا، لما فيه من تسوية هؤلاء بالأب. # ولا نزاع في ذلك إلا في الجد، نزاع يروى عن ابن مسعود PageV02P309 # رضي الله عنه، كأنه ألحقه بالأب، فأعطاها معه ثلث الباقي. والجمهور/ [167 ~~أ]، على أنها معه تأخذ ثلث المال، وهو الصواب؛ لأن الجد أبعد منها؛ وهو ~~محجوب بالأب، فلا يحجبها عن شيء من حقها. # وإذا لم يمكن أن تعطى ثلث الباقي، وامتنع أن تعطى السدس لأنه دون ذلك، ~~تعين أن تعطى الثلث. وكان إعطاؤها الثلث مع عدم الأب، سواء كان هناك أحد ~~الزوجين أو لم يكن، وإعطاؤها ثلث الباقي مع أحد الزوجين، مما فهمه جماهير ~~الصحابة والعلماء والأئمة، تارة بالاعتبار الذي هو في معنى الأصل، وتارة ~~بالاعتبار الذي هو أولى وأحرى، وتارة بالاعتبار الذي فيه إلحاق الفرع بأشبه ~~الأصلين به. # فإن قلت: فهذه دلالة نص أو قياس؟ # قلت لك: القياس المحض أن الأب مع الأم، كالبنت مع الابن، والأخت مع الأخ؛ ~~لأنهما ذكر وأنثى، من جنس واحد، وهما عصبة. وقد أعطيت (1) الزوجة نصف ما ~~يعطاه الزوج؛ لأنهما (2) ذكر وأنثى من جنس واحد. # وإنما عدل عن هذا في ولد الأم لأنهم يدلون بالأم، فلا عصوبة لهم بحال، ~~بخلاف الزوجين والأبوين والأولاد، فإنهم PageV02P310 # يدلون بأنفسهم، وسائر العصبة يدلون بذكر، كولد البنين والإخوة للأبوين أو ~~الأب. فإعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين هو معتبر فيمن يدلي بنفسه أو بعصبة، ~~فإنه أهل ms0309 للتعصيب. فأما من يدلي بغير عصبة فإنه ليس من أهل التعصيب، ~~فالذكورة فيه ليست (1) كالأنوثة، وليس الذكر كالأنثى، لا في باب الزوجية، ~~ولا في الأبوين، ولا في الأولاد والإخوة (2) للأب. فهذا اعتبار. # وأما (3) دلالة الكتاب على (4) ميراث الأم؛ فإن الله تعالى يقول: (لكل ~~واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث) (5). فالله تعالى فرض لها الثلث بشرطين: أن لا يكون له ولد، ~~وأن يرثه أبواه؛ فكان في هذا دلالة على أنها لا تعطى (6) الثلث مطلقا، مع ~~عدم الولد، إذ لو كانت تعطى الثلث مع عدم الولد مطلقا لكان قوله: (وورثه ~~أبواه) زيادة في اللفظ ونقص (7) في المعنى، وكان عديم الفائدة، وجوده ~~كعدمه، فإنه حينئذ سواء ورثه أبواه أو لم يرثه أبواه، لأمه الثلث. وهذا ~~خلاف دلالة القرآن، وهذا مما يدل على صحة أكابر الصحابة والجمهور PageV02P311 # الذين يقولون: لا تعطى (1) في العمريتين -زوج وأبوين؛ وزوجة وأبوين- ثلث ~~جميع المال، كما قال ابن عباس رضي الله عنه وموافقوه، فإنها لو أعطيت الثلث ~~لكانت تعطاه مع عدم الولد مطلقا. وهو خلاف ما دل عليه القرآن. # وقد روى عنه أنه قال لزيد رضي الله عنه: أين في كتاب الله ثلث ما بقي ~~(2)؛ أي ليس فيه إلا ثلث وسدس. # فيقال: وليس في كتاب الله إعطاؤها الثلث مطلقا، فكيف تعطيها مع أحد ~~الزوجين الثلث؟! بل في كتاب الله ما يمنع إعطاءها الثلث مع الأب وأحد ~~الزوجين، فإنه لو كان كذلك لكان يقول: "فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث ". ~~فإنها على هذا التقدير تستحق الثلث مطلقا؛ فلما خص الثلث ببعض الحال (3) ~~علم أنه لا يستحق مطلقا. # فهذا مفهوم المخالفة (4) الذي يسمى دليل الخطاب، يدل على بطلان قول من ~~أعطاها الثلث في العمريتين، ولا وجه لإعطائها السدس مع مخالفته للإجماع ~~(5)، لأن الله تعالى إنما أعطاها ذلك PageV02P312 # مع الولد والإخوة، وقيده بذلك، ودل ذلك على أنها لا تعطاه (1) مع الأخ ~~الواحد، فعلم أن الثلث قد تستحقه مع الأخ الواحد، ms0310 ويدل على ذلك أنها إذا ~~أعطيته (2) مع الأب، فمع غيره من العصبات أولى وأحرى. # وهذه دلائل بتنبيه الخطاب ومفهومه، إما مفهوم الموافقة أو مفهوم ~~المخالفة، فلما دل القرآن على أنها لا تعطى الثلث ولا تعطى السدس، وكان ~~قسمة ما يبقى بعد فرض الزوجة أثلاثا، مثل قسمة أصل المال من الأبوين أثلاثا ~~(3) ليس بينهما فرق (4) أصلا- علم بدلالة التقسيم أن الله أراد أن تعطى في ~~هذه الحال هذا، وكانت هذه الدلالة خطابية من جهة دلالة القرآن على إبطال ما ~~سواه، فتعينت بالضرورة، ومن جهة أنها قياس في معنى الأصل، وإذا جعل ما في ~~معنى الأصل (5) دلالة لفظية كانت خطابية أيضا، كما في قوله: "من أعتق شركا ~~له في عبد" (6)، وقوله: "أيما رجل وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق ~~به" (7)، فإن لفظ PageV02P313 # "عبد" و"رجل" يتناول في هذا الذكر/ [167 ب] والأنثى في عرف الخطاب، من ~~باب التعبير باللفظ الخاص عن المعنى (1) العام. # وهذا باب غير باب القياس، وذلك تارة لكون اللفظ الخاص صار في العرف العام ~~عاما، كقوله تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) (2)، وقوله: (ما يملكون من ~~قطمير (13)) (3)، وقوله: (ولا يظلمون نقيرا (124)) (4)، وقول القائل: ~~"والله ما أخذت له حبه، ولا شربت له قطرة، ولا أكلت له لقمة"، ونحو ذلك مما ~~صار في عرف الخطاب يدل على العام، لا يقصد به النفي (5) الخاص. # وتارة يعبر باللفظ الخاص عن المعنى العام، لكونه صار [في] (6) العرف ~~الخاص عاما، ومن هذا الباب خطاب [المطاع] (7) الواحد في أهل طاعته الذين قد ~~استقر عندهم تماثلهم في الحكم، فإن هذا خطاب لجمعهم، كخطاب السيد الواحد من ~~عبيده بأمور يشترك فيها العبيد، وكذلك الملك الواحد من رعيته. ومن هذا PageV02P314 # خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - للواحد من أمته، فإن عرف بعادته من ~~خطابه أن هذا حكم لمن هو مثل ذلك الشخص إلى يوم القيامة، وكذلك خطابه لمن ~~حضره، قد علم بعادته أن من غاب عنه إذا كان بمنزلتهم فإنهم يخاطبون بمثل ~~ذلك، لمعرفة المستمع أن حكم ms0311 الشيء حكم مثله، وأن التعيين (1) هنا لا يراد ~~به التخصيص، بل التمثيل. # وأما إذا كان أحد الزوجين مع سائر العصبة، فهنا (2) لو أعطيت ثلث الباقي ~~لكان جعلا (3) لذلك العاصب معها بمنزلة الأب، وليس الأمر كذلك، فإن الأب ~~(4) في طبقتها، وكان حكمها معه كحكم الذكر مع طبقته من الإناث، وأما غير ~~الأب فبعيد عنها. # والقران لما أعطاها الثلث مع الأب دل على أنه مع غيره من العصبة أولى، ~~وليس إذا أعطيت ثلث الباقي مع الأب يكون غيره من العصبة مثله، ولا أولى (5) ~~من نقصانها، والسدس لا سبيل له لما تقدم. # وقد دل القرآن أنها مع الواحد من الإخوة لا تعطى السدس، فلما بطل إعطاؤها ~~السدس مع العصبة غير الأب وأحد الزوجين، PageV02P315 # وثلث الباقي، تعين الثلث، وكان أعطيت الثلث مع سائر العصبة وأحد الزوجين ~~بمنزلة أن تعطاه مع الأب وحده، فإن الأب وحده يحجب سائر العصبة ويأخذ ~~الثلثين. # ومع أحد الزوجين أعطيناها ثلث الباقي ليأخذ الأب الثلثين الآخرين، إذ ليس ~~هناك عصبة غيره، إذ هو يحجبهم، ومع غيره لو أعطيناها ثلث الباقي لكان ذلك ~~ليأخذ ذلك العصبة الثلثين، وليس ذلك له، بل قد يكون مع الأم محجوبا لا يأخذ ~~شيئا بحال، إذا كان معها أب أو ابن، إذا كان قد يكون محجوبا حجب حرمان، ~~فحجب النقصان أولى (1). بخلاف الأب، فإنه لا يحجب معها لا حجب حرمان ولا ~~حجب نقصان، فكان إعطاؤها مع الأب الثلث إعطاء (2) مع غير الأب في سائر ~~الأحوال بطريق الأولى، إذ لا حال (3) هناك يستحق أحد معها أن يأخذ مثلي ما ~~تأخذ (4)، كما يستحق الأب ذلك. فإن قوله: (وورثه أبواه فلأمه الثلث) (5) ~~(دل على أن لها الثلث، والباقي للأب بقوله (وورثه أبواه)،فإنه لما جعل ~~الميراث ميراثا بينهما، ثم أخرج (6) نصيبها، دل على أن الباقي نصيبه. وإذا ~~أعطي PageV02P316 # [الأب] (1) الباقي معها لم يلزم أن يعطى غيره مثل ما أعطي. # وإنما أعطينا سائر العصبة بقوله: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله) (2)، وبقوله: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون) ms0312 (3)، ~~وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما # أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر". (4). PageV02P317 ### ||||| CHECK (5) الأخوات مع البنات # فصل # وأما ميراث الأخوات مع البنات (1)، وأنهن عصبة كما قال جمهور الصحابة (2) ~~والعلماء- فقد دل عليه القرآن والسنة أيضا، فإن قوله تعالى: (يستفتونك قل ~~الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ~~وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) (3) يدل على أن الأخت ترث النصف مع عدم ~~الولد، وأنه هو يرث المال (4) كله مع عدم ولدها. وذلك يقتضي أن الأخت مع ~~الولد لا يكون لها النصف مما ترك؛ إذ لو كان كذلك لكان لها النصف، سواء كان ~~له ولد أو لم يكن، فكان ذكر الولد تدليسا وعبثا مضرا، وكلام الله منزه عن ذلك. # وليس هذا من المفهوم الذي هو تخصيص أحد النوعين PageV02P318 # بالذكر، بل هو من باب تخصيص اللفظ العام وتقييده مع أن الحكم يتناول جميع ~~الصور،/ [168 أ]، والتخصيص بعد التعميم ليس بمنزلة التخصيص المبتدأ، فإن ~~ذلك قد يقصد به ذكر ذلك النوع دون الآخر. وأما ذكر الجنس الذي يعمهما ~~والحاجة داعية إلى بيان الحكم العام، وليس في هذا التقييد مقصود، فهنا ~~يمتنع أن يذكر التخصيص إلا لاختصاصه بالحكم. # ومن ذلك قوله تعالى: (ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك) (1) وقوله: ~~(فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث) (2)، وإذا علم أنها مع الولد ~~لا ترث النصف، فالولد إما ذكر وإما أنثى. أما الذكر فإنه يسقطها كما يسقط ~~الأخ بطريق الأولى، بدليل قوله: (وهو يرثها إن لم يكن لها ولد)، (3) [فلم ~~يثبت له الإرث المطلق إلا إذا لم يكن لها ولد]. والإرث المطلق هو حوز جميع ~~المال، فدل ذلك على أنه إذا كان لها ولد لم يحز المال؛ بل إما أن يسقط وإما ~~أن يأخذ (4) بعضه. فيبقى (5) إذا كان لها ولد: فإما ابن، وإما بنت. فالقران ~~قد بين أن البنت إنما تأخذ النصف، فدل على أن البنت لا تمنعه النصف ms0313 الآخر ~~(6)، إذا PageV02P319 # لم يكن إلا بنت وأخ. # ولما كان فتيا الله إنما هي في الكلالة، والكلالة من لا والد له ولا ولد ~~(1)، علم أن من له ولد ووالد، ليس هذا حكمه. # ولما (2) كان قد بين تعالى أن الأخ يحوز مال الأخت فيكون لها عصبة، كان ~~الأب أن يكون عصبة بطرق الأولى، وإذا كان الأب والأخ عصبة، فالابن بطريق ~~الأولى. # وقد قال تعالى: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون) (3)، فإذا ~~كان قد جعل مواليهم واحدهم مولى، وهو الذي يتولى المرء، فيكون مولى ويرث ~~ماله، ويكون من أولى الأرحام الذين بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، إذ كان ~~لكل أحد قد جعل الله عصبته ترث ماله مما ترك، وهم: الوالدان والأقربون. # قال طائفة من المفسرين (4): أي: من المال الذي ترك. # والموالي: هم الوالدان والأقربون. والموالي يتضمن معنى ورثة، والمعنى: ~~لكل جعلنا ورثة يرثن (5) مما ترك، هم: الوالدان PageV02P320 # والأقربون. # وإذا كان قد جعل الوالدين والأقربين موالي، فالبنون أولى أن يكونوا ~~موالي. ولهذا لما كانوا في أول الأمر إنما يرث الرجل ولده، فرض الله الوصية ~~للوالدين والأقربين بقوله: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا ~~الوصية للوالدين والأقربين) (1). فلما فرض الوصية لهما دل ذلك على أن ~~الميراث للولد دونهما، وكان ذلك هو الحكم قبل نزول آية الفرائض، فعلم أن ~~الولد أولى من الأبوين والأقربين، وأن (2) الابن أولى أن يكون عصبة من الأب. # وأيضا فإن الله سبحانه قال: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا ~~الوصية للوالدين والأقربين)، فأوجب الوصية للوالدين والأقربين لما كان لا ~~يرث أحدهم إلا ولده، وكان ميراث الولد وأخذ الأب مال ابنه كله معروفا عندهم ~~في الجاهلية، ففرض الله الفرائض لمن سماه. وأما إرث الابن مال أبيه إذا لم ~~يكن غيره، فكان من الأحكام الظاهرة (3) الواضحة التي كانوا عليها في ~~الجاهلية، وأقرهم عليها في الإسلام، ووكد ميراث الابن، حتى ورث الابن سواء ~~كان صغيرا أو كبيرا. # وكذلك سائر الورثة سوى بين (4) الصغير والكبير، وكانوا في PageV02P321 # الجاهلية- أو ms0314 من كان منهم- لا يورثون إلا الكبير (1). # ودل أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ألحقوا الفرائض بأهلها، ~~فما بقي فلأولى رجل ذكر" أن ما بقي بعد الفرائض فلا يرثه إلا العصبة، وقد ~~علم أن الابن أقرب، ثم الأب، ثم الجد، ثم الإخوة. # وقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ولد ابن الأم يتوارثون دون بني ~~العلات (2). فالأخ للأبوين أولى من الأخ للأب، وابن الابن يقوم مقام الابن ~~(3)، وكذلك كل بني أب هم أقرب من بني الأب الذي هو أعلى منه، وأقربهم إلى ~~الأب الأعلى، فهو أقرب إلى الميت. وإذا استووا في الدرجة فمن كان لأبوين ~~أولى ممن كان لأب. # فلما دل القرآن على أن للأخت النصف مع عدم الولد، وأنه مع ذكور الولد ~~يكون الابن عاصبا، يحجب الأخت ما يحجب أخاها، بقي حال الأخت مع إناث الولد، ~~ليمس في القرآن ما ينفي PageV02P322 # ميراث الأخت في هذه الحال. وإنما ينفي أن يكون لها النصف مع الولد، كما ~~يكون مع [عدم] (1) الولد. # بقي كذا مع البنت: إما أن تسقط، وإما/ [168 ب] أن يكون لها النصف، وإما ~~أن تكون عصبة: # ولا وجه لسقوطها؛ فإنها لا تزاحم البنت، وأخوها لا يسقط، فلا تسقط هي، ~~ولو سقطت هي لسقطت بمن هو أبعد منها من الأقارب، والبعيد لا يسقط القريب. # ولا يكون لها النصف فرضا كما يكون لها مع الزوج، لأن الله عز وجل إنما ~~جعل لها النصف معه إذا لم يكن له ولد، ولأنها كانت تساوي البنت مع ~~اجتماعها، والبنت (2) أولى منها، فلا تساويها. وأيضا فإنه لو فرض لها النصف ~~لنقصت البنت عن النصف إذا عالت الفرائض، مثل: زوجة وبنت وأخت، فكان يكون ~~للزوجة الثمن، ولكل منهما النصف، فتعول فتنقص البنت عن النصف. # وكذلك لو كان الزوج لكان له الربع، فلو فرض للأخت النصف مع البنت لعالت، ~~فنقصت البنت عن النصف، والإخوة لا يزاحمون الأولاد لا بفرض ولا تعصيب؛ فإن ~~الأولاد أولى منهم. # والله تعالى إنما أعطاها النصف، إذا كان الميت كلالة لا ms0315 ولد له PageV02P323 # ولا والد، فمن له ولد لا يفرض لها معه النصف. # فلما بطل سقوطها وفرضها (1) لم يبق إلا أن تكون (2) عصبة أولى من عصبة ~~البعيد (3)، كالعم وابن العم. [وهذا قول الجمهور] (4)، وقد دل عليه حديث ~~البخاري (5) عن ابن مسعود [لما ذكر له] (6) أن أبا موسى وسلمان بن ربيعة ~~قالا في بنت وبنت ابن وأخت: للبنت النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود ~~فسيتابعني (7) 0 [فقال] (8): لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، لأقضين ~~فيها بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: للبنت النصف، ولبنت الابن ~~السدس تكملة الثلثين، وما بقي للأخت. PageV02P324 # فأخبر ابن مسعود رضي الله عنه أن هذا قضاء رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فدل ذلك على أن الأخوات مع البنات عصبة، والأخت تكون عصبة بغيرها، ~~وهو أخوها. فلا يمتنع أن تكون عصبة مع البنت. فإن البنت/ [169 أ] أقوى من ~~أخ الميت (1)، ولهذا لم يعصبها، بخلاف البنت مع الابن، فإنها ليست أقوى من ~~أخيها، فلهذا عصبها. وفي السنن (2): أن معاذا أفتى في بنت وأخت، فأعطى ~~الأخت النصف، والبنت النصف. # وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما ~~بقي فلأولى رجلى ذكر"، فهذا عام خص منه المعتقة والملاعنة والملتقطة؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تحوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها، ولقيطها، ~~وولدها الذي لاعنت عليه" (3). وإذا كان عاما مخصوصا خصت منه هذه الصورة بما ~~ذكر من الدلالة. PageV02P325 # وإن قيل: قوله: "فلأولى رجل ذكر" إنما هو في الأقارب الوارثين بالنسب. ~~قيل: فالمنازع يقدم المعتق على الأخت مع البنت، وليس من الأقارب، وهو - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "فلأولى رجل ذكر"، ووكد بالذكر ليبين أن العاصب ~~المذكور هو الذكر دون الأنثى، وأنه لم يرد بلفظة الرجل ما يتناول (1) ~~الأنثى، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما رجل وجد متاعه" ونحو ~~ذلك مما (2) يذكر فيه لفظ الرجل، والحكم يعم النوعين: الذكور والإناث. وهذا ~~كقوله - صلى الله عليه وسلم - في فرائض صدقة الإبل: "فإن لم يكن فيها بنت ms0316 ~~مخاض فابن لبون ذكر" (3)، فذكر لفظ "الذكر" ليبين أن (4) مراده بابن ~~اللبون: الذكر دون الأنثى، وأن الذكر يجزئ (5) في هذه الحال دون ما إذا كان ~~فيها بنت مخاض، فإن الفرض بنت مخاض. # ومما يبين صحة قول الجمهور أن قوله: (ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ~~ترك) إنما يدل منطوقه على أنها ترث النصف مع عدم الولد، والمفهوم إنما ~~يقتضي أن الحكم في المسكوت ليس مماثلا PageV02P326 # للحكم في المنطوق، فإذا كان فيه تفصيل حصل بذلك مقصود المخالفة. فلا يجب ~~أن تكون كل صورة من صور المسكوت عنه مخالفة لكل صورة من صور المنطوق، ومن ~~توهم ذلك في دلالة المفهوم فإنه في غاية الجهل. # فإن المفهوم إنما يدل بطريق التعليل أو بطريق التخصيص. # والحكم إذا ثبت بعلة وانتفت؛ جاز أن يخلفها- في بعض الصور أو كلها- علة ~~أخرى. وقصد (1) التخصيص يحصل بالتفصيل، وحينئذ فإذا نفي إرثها مع (2) ذكور ~~الولد حصل المقصود بدليل الخطاب، ولم يكن في الآية نفي ميراثها مع الأنثى، ~~فيجب أن تكون من أهل الفرائض، أو من العصبة، وهي مع كونها من أهل الفرائض، ~~فقد تكون عصبة، وحينئذ فلا تخرج (3) من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ألحقوا الفرائض بأهلها"، بل هي من أهل الفرائض، لكن لها التعصيب في بعض ~~الأحوال، كما تكون عصبة مع إخوتها. # وعلى هذا التقدير فلا يكون الحديث مخصوصا، بل عمومه محفوظ، وصار هذا كما ~~لو كان معها إخوتها أو كان مع البنين والبنات أو الإخوة والأخوات أحد ~~الزوجين أو الأم، فإما أن تلحق (4) الفرائض بأهلها، وما بقي لا يختص به ~~ذكور الولد PageV02P327 # والإخوة بالنص والإجماع أفإن الله تعالى يقول، (1) (وإن كانوا إخوة رجالا ~~ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) (2) [بعد قوله: (فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك). وقال تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها ~~النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن ms0317 له ~~ولد] (3) وورثه أبواه فلأمه الثلث) (4). # فقد جعل لكل من الأبوين السدس مع الولد، والباقي للولد. # وإن كانوا ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا متفق عليه بين ~~المسلمين، فدل ذلك على أن قوله: "فلأولى رجل ذكر" إنما يراد به إذا لم يكن ~~هناك من يكون عصبة بغيره، وهو من أهل الفرائض في بعض الأحوال. # ولو أخذ بما يظن أنه ظاهر الحديث (5) , لكان الباقي بعد الفرض لذكور ~~الإخوة دون الأخوات، والبنين دون البنات، وهذا باطل بالنص وإجماع المسلمين. ~~فعلم أنها إذا كانت عصبة بغيرها لم يكن الباقي لأولى رجل ذكر، وهي في هذه ~~الحال عصبة PageV02P328 # بغيرها (1)، فليس الباقي لأولى رجل ذكر. ومعلوم أن أخاها أقرب من العم ~~وابن العم، فإذا كان لا يسقطها، بل تكون عصبة معه، فلأن لا يسقطها العم ~~وابنه بطريق الأولى والأحرى، وإذا لم يسقطها ورثت دونه، لأنه أبعد منها ~~بخلاف أختها. # وحينئذ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألحقوا الفرائض بأهلها" إن أريد به ~~من له فرض في تلك المسألة، فقوله: "فما بقي فلأولى رجل ذكر" خص منه من ~~الأقارب من يكون عصبة بغيرها، والبنت في هذه الصورة عصبة بغيرها، فتخص منه. # ولو أريد بالفرائض من هو من أهل الفرائض في الجملة، سواء كان لا يرث إلا ~~بفرض، كالزوجين والأم وولد الأم؛ أو كان يرث بفرض تارة وبتعصيب أخرى، كالأب ~~والبنات والأخوات، فيراد بتقديم هذا الضرب، وما بقي بعد فلأولى رجل ذكر، ~~فقد تناولها الحديث. # فإن الورثة أقسام: # ذوو فرض محض: كالزوجين، وولد الأم، والأم. # وذوو تعصيب محض: كالبنين، والإخوة. # ومن يكون ذا فرض بنفسه، وتعصيب بنفسه: كالأب والجد. # ومن يكون ذا فرض وعصبة بغيره: كالبنات والأخوات. PageV02P329 # [ومعلوم أن قوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" لم ~~يرد به سقوط البنات والأخوات] (1) إذا كن عصبة بغيرهن، بل يرثن في هذه ~~الحال بالإجماع. # والأخوات مع البنات كالأخوات مع إخوتهن (2)، فإذا لم ينفرد الرجل الذكر، ~~وهو أخوهن ويسقطهن؛ فأن لا ينفرد من هو أبعد منه ويسقطهن بطريق ms0318 الأولى. # ولهذا لم توجد قط أختا تسقط مع عم، وابن عم، ومن هو أبعد منها. بل لابد ~~أن ترث إما بفرض، وإما بتعصيب حصل بغيرها. # وحينئذ فإذا كن مع البنات وجب أن يرثن بأحد هذين، وقد تعذر به الفرض ~~فتعين التعصيب، كما لو كان معها أخوها. يبين ذلك أن جنس أهل الفرائض يقدمون ~~على العصبات، سواء كانوا (3) أهل فرض محض، أو كانوا مع ذلك لهم تعصيب ~~بأنفسهم أو بغيرهم. # والأخوات من جنس أهل الفرائض، ممن يرثن في حال بفرض، وفي حالي يكن (4) ~~عصبة، وهم مقدمون على من لا PageV02P330 # يرث (1) إلا بالتعصيب المحض كالعم وابن العم، فدل ذلك على أن الأخوات ~~أولى من هؤلاء. # ولا يجوز أن يستدل بهذا الحديث على حرمانهن مع البنات، كما لا يجوز أن ~~يستدل به على حرمانهن مع إخوتهن، [بل] (2) ولا على حرمان بنات الابن مع ~~أخيهن ومع ابن أخيهن إذا استكمل البنات الثلثين، بل أتعصب من، (3) في درجته ~~ومن هو أعلى منه عند الجمهور (4)، ولكن ابن مسعود (5) ومن وافقه [كأبي ثور] ~~(6) يقولون: إنه لا يعصب إلا من يرث دونه، لا يعصب (7) من يسقط بدونه، ~~ودلالة الحديث في هذه المواضع من جنس واحد. # فإما أن يقال: هؤلاء كلهم من جنس أهل الفرائض فإنهن (8) ممن يفرض لهن، ~~ليست بمنزلة العمة والخالة ونحوهما ممن ليس له فرض مقدر. # / [169 أ]، وإما أن يقال: هو مخصوص. وهذا الحديث قد PageV02P331 # روي بألفاظ، فمن جمل ألفاظه (1): "اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب ~~الله، فما بقي فلأولى رجل ذكر". وهذا لفظ يتناول كل من كان من أهل الفرائض ~~في الجملة، وإن عرض له حال يكون فيها عصبة بغيره، إذا لم يكن محجوبات ~~بغيرهن، كما يحجب بنات الابن بالابن، وما بقي من بعده فلأولى رجل ذكر، ليس ~~المراد به أنه ما بقي بعد الفرائض المقدرة لا يعطاه إلا رجل، ولو قدر أن ~~اللفظ يتناول هذا فقد خص منه صور كثيرة بالنص والإجماع، فهذه الصورة أولى. PageV02P332 ### ||||| CHECK (6) ميراث البنتين # وأما ميراث البنتين (1)، فقد ms0319 قال تعالى: () يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة ~~فلها النصف) (2). # فدل القرآن على أن البنت لها مع أخيها الذكر الثلث، ولها وحدها النصف، ~~ولما فوق اثنتين (3) الثلثان. بقيت البنتان، فكان إذا كان لها مع الذكر ~~الثلث لا الربع، فأن يكون لها مع الأنثى الثلث لا الربع أولى وأحرى؛ ولأنه ~~قال: (وإن كانت واحدة فلها النصف)، فقيد النصف بكونها واحدة، فدل بمفهومه ~~على أنه لا يكون لها إلا مع هذا الوصف؛ بخلاف قوله: (فإن كن نساء فوق ~~اثنتين)، فإنه لما ذكر ضمير "كن" و"نساء" وذلك جمع، لم يمكن أن يقال: ~~اثنتين؛ لأن ضمير الجمع لا يختص باثنتين؛ ولأن الحكم PageV02P333 # لا يختص باثنتين، فلزم أن يقال: (فوق اثنتين)، لأنه قد عرف حكم اثنتين، ~~وعرف حكم الواحدة. وإذا كانت واحدة فلها النصف، ولما فوق اثنتين الثلثان، ~~امتنع أن يكون للاثنتين أكثر من الثلثين، فلا يكون لهما جميع المال لكل ~~واحدة النصف، فإن الثلاث ليس لهن إلا الثلثان، فكيف بما دون الثلاثة؟ ولا ~~يكفيهما النصف، لأنه لها بشرط أن تكون واحدة، [فلا يكون لها إذا لم تكن ~~واحدة] (11). # وهذه الدلالة تظهر بقراءة النصب (2): "وإن كانت واحدة"، فإن هذا خبر ~~كانت، تقديره: فإن كانت بنتا واحدة، أي مفردة ليس معها غيرها فلها النصف، ~~فلا يكون لها ذلك إذا كان معها غيرها، فانتفى النصف، وانتفى الجميع، فلم ~~يبق إلا الثلثان. وهذه دلالة من الآية. # وأيضا فإن الله تعالى لما قال: في الأخوات (فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك) (3)، كان دليلا على أن البنتين أولى بالثلثين من الأختين. # وأيضا فسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لما أعطى ابنتي سعد بن ~~الربيع الثلثين، وأمهما الثمن، والعم ما بقي (4). وهذا إجماع لا يصح فيه PageV02P334 # خلاف عن ابن عباس (1). # وقال في الأخوات: (فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك)، لأنه لم ~~يذكر قبل ذلك ما يدل على أن للواحدة مع أخيها (2) الثلث، وإنما ذكره ms0320 بعد ~~ذلك بقوله: (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين)، بخلاف ~~تلك الآية، فإنه ذكر أولا أن للذكر مثل حظ الأنثيين، فتضمن حكمها مع أخيها، ~~ثم ذكر حكم العدد من النساء بعد ذلك. # ودلت آية "الولد" (3) على أن حكم ما فوق الاثنتين حكم الاثنتين؟ فلذلك ~~قال في الأخوات: (فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك) (4)، ولم يذكر ~~ما فوقهما؛ فإنه إذا كانت الثنتان (5) تستحقان الثلثين، فما فوقهما بطريق ~~الأولى والأحرى. بخلاف آية PageV02P335 # "البنات " (1) فإنه لم يدل قوله: (للذكر مثل حظ الأنثيين) إلا على أن لها ~~الثلث مع أخيها، وإذا كن فوق اثنتين لم تستحق الثلث، فصار بيانه في كل من ~~الآيتين من أحسن البيان. # هناك لما دل الكلام الأول على ميراث البنتين دون ما زاد على ذلك، بين بعد ~~ذلك ميراث ما زاد على الثنتين. # وفي آية الصيف (2) لما دل الكلام الأول على ميراث الأختين (3)، وكان ذلك ~~دالا بطريق الأولى على ميراث الثلاثة والأربعة وما زاد، لم يحتج أن يذكر ما ~~زاد على الأختين. # فهناك (4) ذكر ما فوق البنتين دون البنتين، وفي الأخرى (5) ذكر الثنتين ~~دون ما فوقهما، لما يقتضيه حسن البيان في كل موضع، حيث كان هناك قد بين ~~ميراث البنتين دون ما فوقهما، وكان هنا بيان حكمهما بيانا لما فوقهما بطريق ~~الأولى، ولم يكن فيما تقدم بيان حكمهما، فلا يجوز (6) أن يكون للأخوات أكثر ~~من الثلثين، لأن البنات إذا لم يكن لهن أكثر من الثلثين، فالأخوات بطريق ~~الأولى. PageV02P336 # ثم قال تعالى: (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين). ~~وأراد بذلك وإن كانوا عددا من الإخوة من جنس / [170 أ] الرجال وجنس النساء، ~~لم يرد أن يكون جمع رجال وجمع نساء، فإنه لو كان رجل وامرأتان، أو امرأة ~~ورجل، أو رجلان وامرأتان، لكان ذلك كما لو كانوا ثلاثة رجال وثلاث نساء ~~(1)، وهذا باتفاق الناس. # ولو قيل: الإخوة ثلاثة فصاعدا. # لقيل: وكذلك الرجال والنساء، فلزم أن يكون المعنى إن كانوا ستة إخوة ~~فصاعدا. ولأنه لما بين ms0321 حكم الأخت الواحدة والأخ الواحد وحكم الأختين ~~فصاعدا، بقي بيان الاثنتين فصاعدا من الصنفين، ليكون البيان مستوعبا ~~للأقسام. # ولفظ "الإخوة" وسائر ألفاظ الجمع قد يعنى به الجنس من غير قصد العدد، ~~لقوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم) (2)، ~~وقد يعنى به العدد من غير قصد لقدر منه، فيتناول الاثنين فصاعدا، وقد يعنى ~~به الثلاثة فصاعدا. وفي هذه الآية إنما عني به العدد مطلقا؛ لأنه بين ~~الواحدة قبل ذلك؛ ولأن ما ذكره من الأحكام في الفرائض فرق فيه بين الواحد ~~والعدد، وسوى فيه بين PageV02P337 # مراتب العدد: الاثنين والثلاثة والأربعة، وهذا مما يبين [أن قوله: (فإن ~~كان له إخوة فلأمه السدس) يتناول الاثنين والثلاثة. # وقد صرح بذلك في] (1) قوله تعالى: () وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ~~وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في ~~الثلث). فقوله "كانوا" ضمير جمع، وقوله "أكثر من ذلك" أي أكثر من أخ وأخت، ~~ثم قال: "فهم شركاء في الثلث"، فذكرهم بصيغة الجمع المضمر، وهو قوله "فهم"، ~~والمظهر (2)، وهو قوله "شركاء". ولم يذكر قبل ذلك إلا قوله: "وله أخ أو أخت ~~"، فذكر حال انفراد الواحد لا حال اجتماعهما. # فدل على أن قوله "أكثر من ذلك" أي: أكثر من أخ وأخت، وأعاد الضمير إليهم ~~بصيغة الجمع، فدل ذلك على أن صيغة الجمع في آيات الفرائض تناولت العدد ~~مطلقا: الاثنين فصاعدا؛ لقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم)، وقوله: ~~(فإن كان له إخوة فلأمه السدس)، وقوله تعالى: (وإن كانوا إخوة رجالا ~~ونساء). ثم هذه الصيغة تصلح لذلك، وإن كان إنما يراد بها الثلاثة فصاعدا في ~~موضع آخر. # وإن قيل: إن ذلك هو الأصل، فصيغة الجمع قد تختص PageV02P338 # بالتثنية، فيما (1) كان مضافا إلى مثنى وليس فيه إلا واحد منه، كقوله ~~تعالى (فقد صغت قلوبكما) (2)، ولا يحتمل إلا قلبين (3)، فهذا يختص ~~بالاثنين، وعدل فيه عن لفظ الاثنين إلى لفظ الجمع للخفة وعدم اللبس، فإنه ~~قد علم أن لكل واحد ms0322 قلبا، فصار استعمال لفظ الجمع في الاثنين مع البيان هو ~~لغة القوم. ومنه قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (4)، ولم ~~يقل: "يديهما". # فإذا كانت الصيغة تختص بالاثنين في الموضع المبين، ولم يقل أحد إنها عند ~~الإطلاق تختص بالاثنين، فكذلك تستعمل في الاثنين فصاعدا في الموضع المبين، ~~وإن كانت عند الإطلاق إنما تتناول الثلاثة فصاعدا، وليس شيء من ذلك مجازا؛ ~~بل كله من الموضوع في لغتهم. # وإنما غلط من ظن لفظ الجمع إنما وضع للثلاثة فصاعدا (5)، أو لاثنين ~~فصاعدا. بل وضع لاثنين فصاعدا في موضع، ولثلاثة فصاعدا في موضع، ولاثنين ~~فقط في موضع، كله من موضوع العرب. والقرينة هنا من وضع العرب. PageV02P339 # وإذا كانت القرينة موضوعة كانت بمنزلة ما يقترن بالفعل من المفعول به، ~~ومعه، وله، والظرفين، والحال، والتمييز، وما يقترن باللفظ من الصفة، وعطف ~~البيان، وعطف النسق، والاستثناء، والشرط، والغاية، وغير ذلك مما يقيد ~~مطلقه، ويكون مانعا له من العموم، موجبا لاختصاصه ببعض ما يدخل فيه عند عدم ~~تلك القيود، فإن هذا كله مما وضعت العرب أجناسه، كما وضعت رفع الفاعل، ونصب ~~المفعول به، وخفض المضاف إليه. PageV02P340 ### ||||| CHECK (7) ميراث الجدة وأي الجدات يرثن؟ # وأما الجدة (1) فكما قال الصديق: ليس لها في كتاب الله شيء (2)، فإن الأم ~~المذكورة في كتاب الله مقيدة بقيود توجب اختصاص الحكم بالأم الدنيا، فالجدة ~~وإن سميت أما لم تدخل في لفظ الأم المذكورة في الفرائض، كما دخلت في لفظ ~~"الأمهات" في قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) (3). ولكن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أعطاها السدس (4)، فثبت ميراثها بسنته، ولم ينقل عن النبي PageV02P341 # - صلى الله عليه وسلم - لفظ عام في الجدات، بل ورث الجدة التي أتته، فلما ~~جاءت الثانية إلى أبي بكر رضي الله عنه جعلها شريكة الأولى في السدس (1). # وقد تنازع الناس في الجدات (2): # فقيل: لا يرث إلا اثنتان: أم الأم وأم الأب، كقول مالك وأبي ثور. # وقيل: لا يرث إلا ثلاث، هاتان وأم الجد؟ لما روى إبراهيم النخعي أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ورث ms0323 ثلاث جدات: جدتيك من قبل أبيك، وجدة من قبل أمك ~~(3). وهذا مرسل حسن، فإن مراسيل إبراهيم من أحسن المراسيل. فأخذ به أحمد. ~~ولم يرد في النص إلا توريث هؤلاء. # وقيل: بل يرث جنس الجدات المدليات بوارث؛ وهو قول PageV02P342 # الأكثرين، كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما، وهو وجه في مذهب أحمد. وهذا ~~القول أرجح؟ لأن لفظ النص وإن لم يرد في كل جدة فالصديق لما جاءته الثانية ~~قال لها: لم يكن السدس الذي أعطي إلا لغيرك؟ ولكن هو لكن، فأيتكن خلت به ~~فهو لها. فورث الثانية،/ [170 ب]، والنص إنما كان في غيرها. # ولأنه لا نزاع أن من علت بالأمومة ورثت، فترث أم أم الأب، وأم أم الأم ~~بالاتفاق، فيبقى أم أبي الجد، أي فرق بينها وبين أم الجد؟ وأي فرق بين أم ~~الأب وأم الجد؟ # ومعلوم أن أبا الجد يقوم مقام الجد؟ بل هو جلى أعلى. # وكذلك الجد كالأب؟ فأي وصف يفرق بين أم أم الجد وأم أبي الجد؟ # فبين ذلك أن أم أم الميت وأم أبيه بالنسبة إليه سواء؛ فكذلك أم أم أبيه ~~وأم أبي أبيه بالنسبة إلى أبيه سواء (1)، وأم أبي جده وأم جد جذه بالنسبة ~~إلى جده سواء، وإذا كانت هاتان تشتركان في الميراث، ونسبة تينك إليه كنسبة ~~هاتين وجب اشتراكهما في الميراث. # وأيضا فهؤلاء جعلوا أم أم الأم وإن زادت أمومتها ترث، وأم أبي الأب لا ~~ترث، ورجحوا الجدة من جهة الأم على الجدة من جهة الأب. وهذا ضعيف فإن جدته ~~أم أبيه إذا لم تكن مثل أم أمه، PageV02P343 ### ||||| CHECK (8) الجدة مع ابنها # لم تكن أدنى منها، فإنها تدلي بعصبة، وبنت الابن أولى من بنت البنت، فلم ~~تكن أم الأم أولى من أم الأب. # ونظير هذا في الحضانة، فإنهم متنازعون: هل أم الأم أولى من أم الأب؟ على ~~قولين (1)، هما روايتان عن أحمد. # وأصل الحضانة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم الأم على الأب (2)، ~~لكن قدمها لكونها أنثى، فهي أحق بالتربية من الذكر، أو لكون جهة الأمومة ms0324 ~~أحق من جهة الأبوة؟ فإن كان الأول لم تقدم أم الأم بل أم الأب، لأنهما ~~تشتركان في الأمومة، وامتازت تلك بأنها من نساء العصبة، والحضانة لرجال ~~العصبة دون رجال الأم، فان كانت لجهة الأم قدمت أم الأم، وهذا مخالف لأصول ~~الشرع (3)، فإن أقارب الأم لم يقذفوا في شيء من الأحكام؛ بل أقارب الأب ~~أولى من أقارب الأم في جميع الأحكام، فكذلك في الحضانة. # وكذلك في ميراث الجدة، أم الأب إن لم تكن أولى من أم الأم لم تكن دونها. ~~والصحيح أنها لا تسقط بابنها (4) - أي الأب- كما هو أظهر PageV02P344 # الروايتين عن أحمد؛ لحديث ابن مسعود رضي الله عنه (1)، ولأنها وإن أدلت ~~به فهي لا ترث ميراثه؛ بل هي معه كولد الأم مع الأم، لما أدلوا بها ولم ~~يرثوا ميراثها، لم يسقطوا بها. # وقول من قال: من أدلى بشخص سقط به، باطل طردا وعكسا، باطل طردا بولد الأم ~~مع الأم؛ وعكسا بولد الابن مع عمهم، وولد الأخ مع عمهم، وأمثال ذلك مما فيه ~~سقوط شخص بمن (2) لم يدل به. وإنما العلة أنه يرث ميراثه، فكل من ورث ميراث ~~شخص سقط به إذا كان أقرب منه، والجدات يقمن مقام الأم، فيسقطن بها وإن لم ~~يدلين بها. PageV02P345 ### ||||| CHECK (9) ميراث بنات الابن مع البنت # فصل # وأما كون "بنات الابن مع البنت " لهن السدس تكملة الثلثين (1)، وكذلك ~~الأخت من الأب مع أخت لأبوين (2)؛ فلأن الله تعالى قال: (يوصيكم الله في ~~أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) (3). # وقد علم أن الخطاب يتناول ولد البنين دون ولد البنات،. وأن قوله ~~"أولادكم" يتناول من ينسب إلى الميت؛ وهم ولده وولد بنيه، فإنه يتناولهم ~~على الترتيب: يدخل فيه ولد البنين عند عدم ولد الصلب؛ لما قد عرف من أن ما ~~أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر، والابن أقرب من ابن الابن، فإذا لم يكن إلا ~~بنت فلها النصف. # وبقي من نصيب البنات السدس؛ فإذا كان هنا بنات ابن فهن استحققن الجميع ~~لولا البنت؛ ms0325 فإذا أخذت النصف فالباقي لهن. # وكذلك في الأخت من الأبوين وفي أخت من الأب، أخبر ابن مسعود رضي الله عنه ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى للبنت النصف، ولبنت PageV02P346 ### ||||| CHECK (10) ميراث الأخت للأب مع الأخ # الابن السدس تكملة الثلثين (1). # وأما إذا استكمل البنات الثلثين لم يبق فرض؛ فان كان هناك عصبة من ولد ~~البنين فالباقي له؛ لأنه أولى رجل ذكر؛ وإن كان معه أو فوقه بنت عصبها عند ~~جمهور الصحابة والعلماء كالأئمة الأربعة وغيرهم (2). وأما ابن مسعود رضي ~~الله عنه فإنه يسقطها (3)؛ لأنها لا ترث مفردة، فلا ترث مع أخيها كالمحجوبة ~~برق أو كفر. # والجمهور يقولون: هي وارثة في الجملة، وهي ممن تكون عصبة بأخيها، وهنا ~~إنما سقط (4) ميراثها بالفرض لاستكمال الثلثين، وإذا سقط الفرض لم يلزم ~~سقوط التعصيب مع قيام موجبه، وهو وجود أخيها، وإذا كان وجود الأخ يجعلها ~~عصبة فيحرمها وإن ورثت بالفرض، كما في الأخ المشئوم،/ [171 أ]، فكذلك يجب ~~أن يجعلها عصبة فيورثها (5) إذا لم ترث بالفرض. والنزاع في الأخت للأب مع ~~أخيها (6) إذا استكملت الأخوات PageV02P347 # للأبوين الثلثين، كالنزاع في بنت الابن مع أخيها (1) إذا استكمل البنات ~~الثلثين. فالجمهور يجعلون البنات عصبة مع إخوتهن، يقتسمون النصف الباقي ~~للذكر مثل حظ الأنثيين، سواء زاد ميراثهن بالتعصيب أو نقص، وتوريثهن هنا ~~أقوى، وقول ابن مسعود معروف في نقصانهن (2). PageV02P348 ### ||||| CHECK (11) من عمي موتهم هل يتوارثون أم لا؟ # فصل # فيمن عمي موتهم فلم يعرف أيهم مات أولا، فالنزاع مشهور فيهم (1). والأشبه ~~بأصول الشريعة أن لا يرث بعضهم من بعض، بل يرث كل واحد ورثته الأحياء، وهو ~~قول الجمهور، وقول في مذهب أحمد؛ لكنه خلاف المشهور في مذهبه. # وذلك لأن المجهول كالمعدوم في الأصول، بدليل الملتقط، لما جهل حال المالك ~~كان المجهول كالمعدوم، فصار مالكا لما التقطه؛ لعدم العلم بالمالك. # وكذلك "المفقود" (2)، قد أخذ أحمد فيه بأقوال الصحابة الذين جعلوا ~~المجهول كالمعدوم، فجعلوها (3) زوجة الثاني مادام الأول مجهولا باطنا ~~وظاهرا، كما في اللقطة، فإذا علم صار (4) النكاح PageV02P349 # موقوفا، لأنه فرق ms0326 بينه وبين امرأته بغير إذنه، لكن تفريقا جائزا، فصار ~~(1) ذلك موقوفا على إجازته ورده، فيخير بين امرأته والمهر. فإن اختار ~~امرأته كانت زوجته، وبطل نكاح الثاني بنفس ظهور هذا واختياره امرأته، ولم ~~يحتج إلى طلاقه. وإن لم يخترها بقيت زوجة الثاني، وكان للأول المطالبة ~~بالمهر الذي هو عوض خروج بضعها من ملكه بغير أمره، ولم يحتج ذلك إلى إنشاء ~~نكاح الثاني. # فلها ثلاثة أحوال: # حال الجهل بالأول، فهي زوجة الثاني باطنا وظاهرا. # وحال انقضاء نكاحه واختياره المهر، فصارت أيضا زوجة الثاني باطنا وظاهرا. # وحال اختيار الأول لها، فتعود زوجته باطنا وظاهرا. # وحال ظهوره قبل اختياره، فالأمر موقوف كالنكاح الموقوف. # والمقصود هنا أن أحمد اتبع الصحابة الذين جعلوا المجهول كالمعدوم، وهنا ~~(2) إذا كان أحدهما قد مات قبل الآخر فذاك مجهول، والمجهول كالمعدوم، فيكون ~~(3) تقدم أحدهما على الآخر معدوما، فلا يرث أحدهما من صاحبه. PageV02P350 # وأيضا فالميراث جعل للحي ليكون خليفة للميت ينتفع بماله، فإذا ماتا على ~~هذه الحال لم يكن انتفاع أحدهما بمال الآخر أولى من العكس، وجعل كل منهما ~~وارثا موروثا مناقض لمقصود الإرث، فإن كونه وارثا يوجب أن يكون حيا يخلف ~~غيره، وكونه موروثا يوجب أن يكون ميتا مخلوفا، فكيف يحكم بحكمين متناقضين ~~في حال واحد؟ # وكما أنهم لم يورثوه إلا من التلاد دون ما ورثه لئلا يلزم الدور؛ فيجب أن ~~لا يورثوه مطلقا لئلا يلزم الدور في نفس المورث (1) لا في عين الموروث. # وأما إذا عاش أحدهما بعد الآخر، ولو لحظة، فإنه بمنزلة الطفل إذا استهل ~~ثم مات، فثبت له حكم الحياة المعلومة، فاستحق الإرث، بخلاف من لا تعلم ~~حياته بعد الآخر، فإن شرط الإرث- وهو العلم بحياته بعده- منتف، فلا يجوز ~~توريثه منه. # وهذا يستفاد من جعل الله هذا وارثا، والوارث لا يكون إلا من عاش بعد ~~الموروث، وهذا غير معلوم، فلا يثبت الإرث، فإن الجهل بالشرط بمنزلة عدمه، ~~كما قلنا [في] (2) الربويات: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، فالجهل ~~بالتقدم كالعلم بعدم التقدم. # والله سبحانه أعلم، وصلى الله على محمد وآله ms0327 وسلم. # ... ### | CHECK (1) فصل في الفرق بين ما أمر الله به ورسوله من إخلاص الدين وبين ما نهى عنه من الإشراك والبدع # فصل # في الفرق بين ما أمر الله تعالى به ورسوله # من إخلاص الدين لله وشريعته، وبين ما نهى عنه # من الإشراك والبدع في زيارة القبور ونحو ذلك PageV03P031 ### || CHECK - زيارة قبر الكافر وعدم الاستغفار له ### || CHECK - حكم زيارة القبور # الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله أجمعين، وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد، فهذا فصل في الفرق بين ما أمر الله تعالى به ورسوله من إخلاص ~~الدين لله وشريعته، وبين ما نهى عنه من الإشراك والبدع في زيارة القبور ~~ونحو ذلك، فنقول: # زيارة القبور جائزة، سواء كان الميت مسلما أو كافرا، لكن يفرق بينهما في ~~الزيارة، فأما الكافر فيزار قبره ليذكر الموت، ولا يجوز الاستغفار له ولا ~~الدعاء له بالرحمة ونحو ذلك، لما ثبت في الصحيح (1) عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكر ~~الآخرة". وثبت عنه في الصحيح (2) أنه قال: "استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي ~~فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي. فزوروا القبور فإنها ~~تذكر الآخرة". # وقد زار أمه في ألف مقنع عام فتح مكة، فبكى وأبكى من حوله، وقد كانت أمه ~~ماتت كافرة في الجاهلية قبل أن يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وكذلك في الصحيح (3) أنه حضر عمه أبا طالب حين موته، وعنده أبو جهل وعبد ~~الله بن أبي أمية، فقال: "يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها ~~عند الله"، فقالا: يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: "لأستغفرن ~~لك ما لم أنه عنك"، فأنزل الله تعالى: PageV03P033 ### || CHECK - زيارة قبور المؤمنين # (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ~~إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو ms0328 لله تبرأ منه إن إبراهيم ~~لأواه حليم (114)) (1). وذلك أن بعض المسلمين احتج بأن إبراهيم وعد أباه ~~بالاستغفار، واستغفر له بقوله (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم ~~الحساب (41)) (2)، فأجاب الله عن ذلك، وأمرنا أن نتأسى بإبراهيم في موعده ~~بالاستغفار لأبيه، فقال تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا ~~بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم ~~لأبيه لأستغفرن لك) الآيات (3). فذكر سبحانه أن المؤمنين لهم أسوة حسنة في ~~إبراهيم والمؤمنين معه إذ تبرءوا من المشركين وما يعبدون من دون الله، إلا ~~في هذا القول الذي قاله إبراهيم لأبيه، فإنهم ليس لهم في ذلك أسوة. # وأما زيارة قبور المؤمنين من الأنبياء والصالحين وغيرهم فإنها من جنس ~~الصلاة على جنائزهم، قال الله تعالى في المنافقين: (ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ~~(84)) (4)، فنهى نبيه عن الصلاة على المنافقين وعن القيام على قبورهم لأجل ~~أنهم كفار، وكان ذلك دليلا على أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم. ~~وهذه كانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في PageV03P034 # المؤمنين، فإن الصلاة على المسلمين مشروعة بسنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - المتواترة بإجماع المؤمنين، وهي فرض على الكفاية. وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن اتبعها ~~حتى يدفن فله قيراطان أدناهما مثل أحد" (1). # وكذلك بعد الدفن يستحب أن يزار فيسلم عليه ويدعى له بالمغفرة والرحمة ~~ونحو ذلك. ويستحب حين الدفن أن يدعى له أيضا، كما ثبت في سنن أبي داود (2) ~~عن عثمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول إذا دفن الميت ~~أصحابه: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل". أي اسألوا ~~له أن يثبته الله بالقول الثابت، كما قال تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ms0329 ويضل الله الظالمين ويفعل الله ~~ما يشاء (27)) (3)، وقد ثبت في الصحيحين (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر حين يسأل الميت: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ # وأما بعد الدفن، فكما ثبت في الصحيح وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه كان يأمر أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: "سلام عليكم أهل دار ~~قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم ~~والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا ~~بعدهم، واغفر لنا ولهم" (5). PageV03P035 ### || CHECK - الزيارة المشروعة: السلام على الميت والدعاء له # وثبت أيضا في الصحيح أنه كان يخرج إلى أهل البقيع، فيدعو لهم ويستغفر لهم ~~(1). وثبت أيضا في الصحيح أنه خرج إلى شهداء أحد قبل موته، فصلى عليهم ودعا ~~لهم (2). # فهذان أمران مشروعان: السلام على الميت والدعاء له. وقد قال ابن عبد البر ~~(3): ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من رجل يمر بقبر ~~الرجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ~~عليه السلام" (4). # وفي سنن أبي داود (5) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام". # وفيه أيضا أنه قال: "أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن ~~صلاتكم معروضة علي "، فقالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: "إن ~~الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء" (6). # وأما الدعاء حين الزيارة فمن جنس الدعاء في صلاة الجنازة، كل ذلك حق ~~للميت وعمل صالح من الحي، مثل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV03P036 ### || CHECK - الزيارة البدعية من جنس الإشراك بالله # والسلام عليه، وسؤال الله له الوسيلة، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات ~~بالمغفرة وغيرها. قال الله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا ~~أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (56)) (1). وقد ثبت في الصحيح ~~(2) عن النبي - صلى الله عليه ms0330 وسلم - أنه قال: "من صلى علي مرة صلى الله ~~عليه عشرا". وثبت في الصحيح (3) أنه قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما ~~يقول، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من ~~عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه ~~شفاعتي يوم القيامة". # وثبت في الصحيح (4) عن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكل الله به ملكا كلما دعا ~~لأخيه بدعوة قال الملك به: آمين، ولك مثل ذلك ". # فأما [ما] يسميه كثير من الناس زيارة هي من جنس الإشراك بالله وعبادة ~~غيره، مثل السجود لبعض المقابر التي يقال إنها من قبور الأنبياء والصالحين ~~وأهل البيت أو غيرهم ويسمونها المشاهد، أو الاستعانة بالمقبور ودعائه ~~ومسألته قريبا من قبره أو بعيدا منه، مثل ما يفعل كثير من الناس-: فهذا كله ~~من أعظم المحرمات بإجماع المسلمين، وهو من جنس الإشراك بالله تعالى، فإن ~~المسلمين (5) متفقون على أنه لا يجوز لأحد أن يدعو أحدا ويتوكل عليه ويرغب PageV03P037 ### || CHECK - النهي عن اتخاذ القبور مساجد # إليه في المغفرة والرحمة وتفريج الكربات وإعطاء الطلبات إلا الله وحده لا ~~شريك له، ولا يسجد لغير الله لا لحي ولا لميت، حتى إن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى أمته عن اتخاذ القبور مساجد لئلا يفضي ذلك إلى الشرك. ففي ~~صحيح مسلم (1) عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~قبل أن يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، إلا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". وفي الصحيحين (2) عن عائشة رضي ~~الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في مرضه الذي مات فيه: "لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا. قالت ~~عائشة (3): ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. # وفي الصحيحين (4) أيضا أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا النبي ms0331 - صلى الله عليه ~~وسلم - كنيسة رأينها بأرض الحبشة، وذكرتا حسنها وتصاوير فيها، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره ~~مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شر الخلق عند الله يوم القيامة". # وفي مسند الإمام أحمد (5) عن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، الذين ~~يتخذون القبور مساجد". # وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لعن الله زوارات ~~القبور PageV03P038 ### || CHECK - نذر المعصية لا يجوز الوفاء به # والمتخذين عليها المساجد والسرج". رواه أهل السنن (1)، وصححه الترمذي أو حسنه. # فلعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من يتخذ القبور مساجد ويسرج عليها ~~سرجا كالشمع والقناديل ونحو ذلك، مثل ما يفعله كثير من الناس، وهذا ما اتفق ~~عليه أهل العلم، فلم يتنازعوا في أن ذلك غير مشروع، بل ينهى عنه، حتى قال ~~العلماء: من نذر لنبي أو غير نبي شمعا أو زيتا أو نحو ذلك فإنه نذر معصية ~~لا يجوز الوفاء به، لكن منهم من يجعل عليه كفارة يمين، ومنهم من يقول: لا ~~شيء. وإذا صرف ذلك إلى مسجد يعبد الله فيه وحده لا شريك له، أو صرفه إلى ~~فقراء المسلمين المؤمنين الذين يستعينون به على عبادة الله كان حسنا. وقد ~~ثبت في صحيح البخاري (2) عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". # وأما اعتقاد بعض الجهال أن حاجته قضيت بسبب هذه النذور فهذا جهل وضلال، ~~فإن نذر الطاعة الذي يجب الوفاء به لا يفيد في قضاء الحوائج، ولا يستحب بل ~~يكره، فكيف نذر المعصية؟ وقد ثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من غير وجه أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج ~~به من البخيل" (3). وقال: "إن النذر يرد ابن آدم إلى القدر، فيعطي على ~~النذر ما ms0332 لم يعطه على غيره" (4). PageV03P039 ### || CHECK - إذا كان في المنذور طاعة ومعصية # لكن إذا كان المنذور طاعة لله تعالى -مثل الصلاة المشروعة والصوم المشروع ~~والحج المشروع والصدقة المشروعة ونحو ذلك- فهذا يجب أن يوفى، وإن كان عقده ~~مكروها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ~~ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (1). # وأما إذا كان المنذور ليس طاعة لله فلا يجب الوفاء به، بل عليه كفارة ~~يمين لتركه عند طائفة من أهل العلم، لما ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: "كفارة النذر كفارة يمين" (2). وفي السنن عنه أنه ~~قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين" (3). # وأما إذا كان المنذور معصية، مثل أن ينذر لوثن من الأوثان: كالنذر ~~للأصنام التي كانت تعبدها العرب، والبدود التي تعبدها الهند والزط (4)، ~~والنذر لكنيسة أو بيعة، أو النذر لغير نبي أو رجل صالح أو غير ذلك، فهذا ~~كله لا يجوز الوفاء به بإجماع المسلمين. # وإن كان في المنذور طاعة ومعصية أمر بفعل الطاعة ونهي عن فعل المعصية، ~~وإن كان الناذر يعتقد أنها طاعة، كما في صحيح البخاري (5) عن ابن عباس قال: ~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، ~~فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس، فلا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم، ~~ويصوم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مروه فليتكلم PageV03P040 ### || CHECK - وجوب إزالة المساجد المبنية على القبور ### || CHECK - النهي عن بناء المساجد على القبور # وليستظل وليقعد وليتم صومه". # وهكذا حكم جميع العقود والعهود التي يأخذها المشايخ وغيرهم على الناس، ~~يوفى منها ما كان طاعة الله عزوجل، ولا يوفى منها بدين لم يشرعه الله. # وكذلك لا يشرع بإجماع المسلمين أن يبني مسجدا على قبر من القبور، بل هذا ~~ينهى عنه باتفاق المسلمين، وهو محرم نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~ذلك، ولعن من يفعل ذلك. # والمساجد المبنية على القبور يشرع باتفاق المسلمين إزالتها ويجب # ذلك، فإن كان المسجد قبل ms0333 القبر فإنه ينبغي أن يساوى القبر ويزال # أثره، أو يعاد المسجد إلى ما كان. وإن كان المسجد يبني على القبر # فيهدم المسجد ويزال، كما هدم مسجد الضرار الذي قال الله تعالى # فيه: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن ~~حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم ~~لكاذبون (107) لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن ~~تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) أفمن أسس ~~بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ~~فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) لا يزال بنيانهم ~~الذي بنوا ريبة في قلوبهم_ إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم (110)) (1). # ولهذا كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرون بهدم مثل ذلك، كما ~~روى حرب الكرماني عن زيد بن ثابت أن ابنا له مات، فاشترى غلام له جضا وآجرا ~~ليبني على القبر، فقال له زيد: حفرت وكفرت، أتريد أن PageV03P041 ### || CHECK - علة النهي عن الصلاة في المقبرة ### || CHECK - الصلاة عند القبور # تبني على قبر ابني مسجدا؟ ونهاه عن ذلك. # ولهذا لما فتح المسلمون تستر- التي يسمونها العجم "ششتر"- وجدوا عندها ~~قبرا عظيما قالوا: إنه قبر دانيال، ووجدوا عنده مصحفا. قال أبو العالية: ~~أنا قرأت ذلك المصحف، فإذا فيه أخباركم وسيركم ولحون كلامكم، وشموا من ~~القبر رائحة طيبة، ووجدوا الميت بحاله لم يبل، فكتب في ذلك أبو موسى ~~الأشعري إلى عمر بن الخطاب، فأمره أن يحفر بالنهار بضعة عشر قبرا، فإذا كان ~~الليل دفنه في قبر من تلك القبور ليخفى أثره، لئلا يفتتن به الناس، فينزلون ~~به ويصلون عنده ويتخذونه مسجدا (1). # وقد اتفق المسلمون على أن الصلاة عند القبور غير مشروعة، فلا تجب ولا ~~تستحب، ولم يقل قط أحد من علماء المسلمين أن الصلاة عند قبر أو مسجد أو ~~مشهد على قبر سواء كان قبر نبي أو غير نبي، أن ذلك مستحب، أو ms0334 أن الصلاة ~~هناك أفضل من الصلاة في غيره، فمن اعتقد ذلك أو قاله أو عمل به فقد فارق ~~إجماع المسلمين وخرج عن سبيل المؤمنين. # وقد تنازع العلماء في الصلاة في المقبرة، قيل: هي محرمة أو مكروهة أو ~~مباحة، ولم يقل أحد منهم: إنها مستحبة ولا واجبة. # والذي عليه جماهير العلماء أنها منهي عنها نهي، تحريم أو نهي تنزيه، ~~وكثير منهم يقول: إنها باطلة. # والمقبرة وإن كان قد قال بعضهم: إنها ثلاثة أقبر فصاعدا، فلم PageV03P042 ### || CHECK - السجود للقبر شرك # يتنازعوا في أن المسجد المبني على قبر لا فرق بين أن يبنى على قبر أو ~~أكثر، كالذين لعنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم إنما كانوا يبنون ~~المسجد على قبر واحد، قبر نبي أو رجل صالح. وإن كان بعض من نهى عن الصلاة ~~في المقبرة علله بالنجاسة، فإنه لا يعلل الصلاة في المسجد المبني على قبر ~~بالنجاسة، بل قد نص هؤلاء -كالشافعي وغيره- على أن العلة هنا خشية الافتتان ~~بالقبر التي هي الشرك. # وأما الصلاة في المقبرة فالعلة الصحيحة عند محققيهم أيضا إنما هي مشابهته ~~للمشركين وأن ذلك قد يفضي إلى الشرك، كما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، وقال: إنه حينئذ يسجد لها الكفار ~~(1). ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة إلى القبور، كما ~~ثبت ذلك في صحيح مسلم (2) وغيره عن أبي مرثد الغنوي أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". فنهى أن يكون في ~~القبلة قبر. # وفي صحيح البخاري (3) عن أنس قال: كنت أصلي وهناك قبر، فقال عمر بن ~~الخطاب: القبر القبر! فظننته يقول: القمر، وإذا هو يقول: القبر. أو كما قال. # وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن الصلاة إلى القبر وإن ~~لم يقصد العبد السجود له، فكيف بمن يسجد للقبر؟ فإن هذا شرك. وقد روى PageV03P043 # الإمام أحمد (1) عن معاذ بن جبل أنه لما قدم الشام وجدهم يسجدون ~~لأساقفتهم، فلما رجع ms0335 سجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ما هذا يا ~~معاذ؟ "، فقال: يا رسول الله! رأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعظمائهم، ويذكرون ~~ذلك عن أنبيائهم، فقال: "إنه لا يصلح السجود إلا الله، ولو كنت آمر أحدا أن ~~يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لعظم حقه عليها". ثم قال: "يا ~~معاذ! أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجدا إليه؟ "، قال: لا، قال: "فلا تسجد ~~لي". فمعاذ كان يعلم أن السجود للقبور لا يجوز. # قال تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29)) (2). وهذا في كتاب الله ~~كثير جدا. # وقال تعالى: (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله ~~فما له من هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ~~(37) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون ~~من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ~~ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38)) (3). # وقال تعالى: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل ~~له من بعده وهو العزيز الحكيم (2) يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل ~~من خالق غير الله PageV03P044 ### || CHECK - التمسح بالقبور منهي عنه باتفاق المسلمين # يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3)) (1) # وقال تعالى عن إبراهيم الخليل: (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا ~~أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي ~~فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79)) الآيات إلى (وهم ~~مهتدون (82)) (2). # وفي الصحيحين (3) عن عبد الله بن مسعود قال: لما (4) [نزلت # (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) شق ذلك على أصحاب رسول الله # - صلى الله عليه وسلم ms0336 - وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - "ليس هو كما # تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك ~~لظلم عظيم (13))]. # كان يظن أن السجود للحي مشروع، كما ذكر في قصة يوسف، وكما ذكر في قصة أهل ~~الكهف أن أولئك اتخذوا عليهم مسجدا، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~في شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله، كما بين في الأحاديث المتقدمة أن الذين ~~اتخذوا على أهل الكهف مسجدا من الذين نهانا رسولنا أن نتشبه بهم. # وكذلك التمسح بالقبور - كاستلامها باليد وتقبيلها بالفم- منهي عنه باتفاق ~~المسلمين، حتى إنهم قالوا فيمن زار قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنه ~~لا يستلمه بيده ولا يقبله بفمه، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق الذي هو ~~الكعبة البيت الحرام، فإن الله شرع أن يستلم الحجر الأسود PageV03P045 # الذي بمنزلة يمينه في الأرض، وأن يقبله أيضا، حتى إنه يستحب إذا لم يمكن ~~تقبيله أن يقبل اليد التي استلمته، حتى إنه يستحب استلامه بالمحجن والعصا ~~ونحو ذلك إذا لم يمكن استلامه باليد. وكذلك الركن اليماني يستحب استلامه. ~~ولم يستلم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أركان البيت الأربعة إلا ~~الركنين اليمانيين، لأنهما بنيا على قواعد إبراهيم، وأما الركنان اللذان ~~يليان الحجر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستلمهما، ولهذا لا يستحب ~~استلامهما عند الأئمة الأربعة وعامة العلماء، كما لا يستحب أن يستلم الرجل ~~جوانب بيت الله، ولا يستحب تقبيل ذلك أيضا. # وكذلك مقام إبراهيم الذي قال الله تعالى فيه: (واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى) (1) لم يستلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يقبله، ولا يشرع ذلك ~~فيه بل ينهى عنه باتفاق العلماء. فإذا كان مقام إبراهيم الذي ذكره الله ~~تعالى في القرآن لا يشرع أن يتمسح العبد به فكيف سائر المقامات والمشاهد ~~التي يقال: إنها أثر بعض الأنبياء والصالحين؟. # وإذا كان قبر نبينا لا يشرع باتفاق المسلمين بأن يقبل أو يمسح به، فكيف ~~بقبر غيره؟ وفي سنن ms0337 أبي داود (2) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا ~~تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر". وقال أيضا (3): "صلوا علي ~~حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني". # ولهذا رأى عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب رجلا يكثر ~~الاختلاف إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا هذا! إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، فصلوا علي حيثما ~~كنتم، فإن PageV03P046 # صلاتكم تبلغني"، فما أنت ورجل بالأندلس فيه إلا سواء. ذكره سعيد بن منصور ~~في سننه (1)، وروى بنحو هذا المعنى علي بن الحسين زين العابدين عن أبيه ~~الحسين عن علي بن أبي طالب. ذكره أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي ~~الحافظ في صحيحه (2). # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". رواه مالك في ~~"الموطأ" (3)، وعن مالك مرسلا ومسندا. # وقد كانت حجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي هو الآن مدفون فيها ~~هي حجرة عائشة، وكانت شرقي المسجد لم تكن داخلة فيه، وكان حجر أزواج النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قبلي المسجد وشرقيه، وكانت منفصلة عن المسجد على ~~عهد الخلفاء الراشدين إلى عهد الوليد بن عبد الملك، فإنه عمر المسجد وغيره، ~~وكان عمر بن عبد العزيز نائبه على المدينة، فتولى هو عمارة المسجد، فأدخل ~~فيه حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأدخل فيه حجرة عائشة، وأمر ~~عمر أن يحرف الحجرة عن يمين القبلة، وأن يسنم مؤخرها، لئلا يصلي أحد إلى ~~قبر .. (4). PageV03P047 ### | CHECK (2) فصل في حق الله وحق عبادته وتوحيده # فصل # في حق الله وحق عبادته وتوحيده PageV03P049 ### || CHECK - شرح الحديث الوارد في ذلك ### || CHECK - حق الله على العباد # الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ms0338 عبده ورسوله، ~~- صلى الله عليه وسلم - # فصل # في حق الله وحق عبادته وتوحيده # قد ثبت في الصحيحين (1) عن معاذ بن جبل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال له: "يا معاذ بن جبل! أتدري ما حق الله على عباده؟ "، قلت: الله ورسوله ~~أعلم، قال: "حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا. يا معاذ! أتدري ما حق ~~العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حقهم عليه ~~أن لا يعذبهم". # وروى الطبراني في كتاب الدعاء (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~الله يقول: "يا عبادي! إنما هي أربع: واحد لي، وواحدة [لك]، وواحدة بيني ~~وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي، فالتي هي لي: تعبدني لا تشرك بي شيئا، والتي ~~هي لك: [عملك] أجزيك به أحوج ما تكون إليه، والتي بيني وبينك: منك الدعاء ~~وعلي الإجابة، والتي بينك وبين خلقي: فأت إلى الناس ما تحب أن يأتوه إليك". # وضد هذا الظلم، وهو ثلاثة أنواع، كما جاء في الحديث PageV03P051 # مرفوعا (1) وموقوفا على بعض السلف: "الظلم ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفر ~~الله منه شيئا، وديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه ~~شيئا. فالديوان الذي لا يغفره الله هو الشرك، والديوان الذي لا يعبأ الله ~~به شيئا ظلم العبد فيما بينه وبين ربه، والذي لا يترك منه شيئا ظلم العباد ~~بعضهم بعضا. # فالتوحيد ضد الشرك، فإذا قام بالتوحيد الذي هو حق الله، فعبده لم يشرك به ~~شيئا، ومن عبادته التوكل عليه والرجاء له والخوف منه، فهذا يخلص به العبد ~~من الشرك. وإعطاء الناس حقوقهم وامتناعه من العدوان عليهم يخلص به العبد من ~~ظلمهم، وبطاعة الله يخلص من ظلم نفسه. # وتقسيمه في الحديث إلى قوله "واحدة لي وواحدة لك" هو مثل تقسيمه في حديث ~~الفاتحة (2) حيث يقول الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: ~~نصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل". والعبد يعود عليه نفع الصنفين، ~~والله تعالى يحب الصنفين، لكن هو سبحانه يحب أن يعبد، وما ms0339 يعطيه العبد من ~~الإعانة والهداية هو وسيلة إلى ذلك، فإنما يحبه لكونه طريقا إلى عبادته. ~~والعبد يطلب ما يحتاج إليه أولا، وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة ~~والهداية إلى الصراط المستقيم، وبذلك يصل إلى العبادة. فهو يطلب ما يحتاج ~~إليه أولا مما يتوسل به إلى محبوب الرب الذي فيه سعادته. PageV03P052 # وكذلك قوله "عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه"، فإنه يحب الثواب الذي هو ~~جزاء العمل، فإنما يعمل لنفسه، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. ثم إذا طلب ~~العبادة فإنما يطلبها من حيث هي نافعة له محصلة لسعادته، فلا يطلب العبد قط ~~إلا ما فيه حظ له، وإن كان الرب يحب ذلك فهو يطلبه من حيث هو ملائم له، ~~والرب تعالى يحب أن يعبد لا يشرك به شيئا، ومن فعل ذلك من العباد أحبه ~~وأثابه، فيحصل للعبد ما يحبه من النعيم تبعا لمحبوب الرب، وهذا كالبائع ~~والمشتري، البائع يريد أولا الثمن، ومن لوازم ذلك إرادة تسليم المبيع، ~~والمشتري يريد السلعة، ومن لوازم ذلك إرادة إعطاء الثمن. # فالرب تعالى يحب أن يعبد، ومن لوازم ذلك أن يحب مالا تحصل العبادة إلا ~~به، والعبد يحب ما يحتاج إليه وينتفع به، ومن لوازم ذلك محبته لعبادة الله ~~تعالى. فمن عبد الله وأحسن إلى الناس لله فهذا قائم بحق الله وحق عباده ~~لأجله، ومن طلب منهم العوض ثناء أو دعاء أو غير ذلك لم يحسن إليهم لله. ومن ~~خاف الله فيهم ولم يخفهم فقد قام بحق الله في إخلاص الدين له، وقام بحقهم، ~~فإن خوف الله يحمله على أن يعطيهم مالهم ويكف عن ظلمهم؛ ومن [لم] يخف الله ~~بل خاف الناس، ولم يرج الله بل رجا الناس فهذا ظالم في حق الله، حيث خاف ~~غيره ورجا غيره، وظالم للناس لأنه إذا خافهم دون الله فإنه يحتاج أن يدفع ~~شرهم عنه، وهو إذا لم يخف الله بنفسه وهواه يختار العدوان عليهم والبغي، ~~فإن طبع النفس ظلم من لا يظلمها، فكيف من يظلمها؟ فتجد هذا الضرب ms0340 كثير ~~الخوف من الخلق كثير الظلم لمن يخافه بحسبه. وهذا مما يوقع الفتن بين ~~الناس. PageV03P053 ### || CHECK - لا يستغني القلب إلا بعبادة الله تعالى # وكذلك إذا رجاهم فهم لا يعطونه ما يرجوه منهم، فلابد أن يبغضهم فيظلمهم ~~إذا لم يكن خائفا من الله. وهذا موجود كثيرا، تجد الناس يخاف بعضهم بعضا ~~ويرجو بعضهم بعضا، وكل من هؤلاء وهؤلاء يتظلم من الآخر ويطلب ظلمه، فهم ~~ظالمون بعضهم بعضا، ظالمون في حق الله حيث خافوا غيره ورجوا غيره، ظالمون ~~لأنفسهم، فإن هذا من الذنوب التي تعذب النفس عليها، وهو أيضا يجر إلى فعل ~~المعاصي المختصة كالشرب والزنا، فإن الإنسان إذا لم يخف من الله اتبع هواه، ~~لاسيما إذا كان طالبا ما لم يحصل له، فإن نفسه تبقى طالبة لما تستريح به ~~وتدفع به الغم والحزن، وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما تستريح به، ~~فتستريح بالمحرمات من فعل الفواحش وشرب المحرمات وغير ذلك. # ولا يستغني القلب إلا بعبادة الله تعالى، فإن الإنسان خلق محتاجا إلى جلب ~~ما ينفعه ودفع ما يضره، ونفسه مريدة دائما، ولابد لها من مراد يكون غاية ~~مطلوبها، فتسكن إليه وتطمئن به، وليس ذلك إلا الله وحده لا شريك له. فإذا ~~لم تكن مخلصة له الدين عبدت غيره، فأشركت به عبادة واستعانة، فتعبد غيره ~~وتستعين غيره. وسعادتها في أن لا تعبد إلا الله، ولا تستعين إلا الله، ~~فبالعبادة له تستغني عن معبود آخر، وبإعانته تستغني عن معين غيره، وإلا ~~يبقى مذنبا محتاجا. # وهذا حال الإنسان، فإنه محتاج فقير، وهو مع ذلك مذنب خطاء، فلابد له من ~~ربه الذي يسد مفاقره، ولابد له من الاستغفار من ذنوبه. قال تعالى: (فاعلم ~~أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) (1). PageV03P054 ### || CHECK - تفسير قوله تعالى (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) ### || CHECK - الإنسان مفتقر دائما إلى التوكل على الله والاستعانة به # فبالتوحيد يقوى ويستغني، ومن سره أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على الله؛ ~~وبالاستغفار له يغفر له. فلا يزول فقره وفاقته إلا بالتوحيد، لابد له منه، ms0341 ~~وإلا فإذا لم يحصل له لم يزل فقيرا محتاجا لا يحصل مطلوبه معذبا، والله ~~تعالى لا يغفر أن يشرك به. وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار حصل غناه ~~وسعادته، وزال عنه ما يعذب به، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # وهو مفتقر دائما إلى التوكل عليه والاستعانة به، كما هو مفتقر إلى ~~عبادته، فلابد أن يشهد دائما فقره إليه وحاجته في أن يكون معبودا له وأن ~~يكون معينا له، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ منه إلا إليه. قال ~~تعالى: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) أي يخوفكم أولياءه (فلا تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين (175)) (1). هذا هو الصواب الذي علمه جمهور المفسرين ~~(2)، كابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة والنخعي، وأهل اللغة كالفراء (3) وابن ~~قتيبة (4) والزجاج (5) وابن الأنباري. وعبارة الفراء: يخوفكم بأوليائه، كما ~~قال: (لينذر بأسا شديدا من لدنه) أي ببأس، وقوله: (لينذر يوم التلاق (15)) ~~أي بيوم التلاق. وعبارة الزجاج: يخوفكم من أوليائه. قال أبو بكر الأنباري ~~(6): والذي نختاره في الآية أن المعنى يخوفكم أولياءه، يقول العرب: أعطيت ~~الأموال، أي أعطيت القوم الأموال، فيحذفون المفعول الأول، ويقتصرون على ذكر ~~الثاني. PageV03P055 ### || CHECK - ذكر أقوال المفسرين في تفسير الآية وترجيح الراجح منها # قال فهذا أشبه من ادعاء "باء"، وما عليها دليل ولا تدعو إليها ضرورة. # قلت: وهذا لأن الشيطان يخوف الناس أولياءه تخويفا مطلقا، ليس له في تخويف ~~ناس [ضرورة]، فحذف الأول لأنه ليس مقصودا. # وهذا يسمى حذف اقتصار، كما يقال: فلان يعطي الأموال والدراهم. # وقد قال بعض المفسرين (1): إن المراد يخوف أولياءه المنافقين، ونقل هذا ~~عن الحسن والسدي. وهذا له وجه سنذكره، لكن الأول أظهر، لأن الآية إنما نزلت ~~بسبب تخويفهم من الكفار. قال الله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173)) إلى ~~أن قال: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه)، ثم قال: (فلا تخافوهم وخافون إن ~~كنتم مؤمنين (175)) (2). فإنما نزلت فيمن خوف المؤمنين من الناس، وقد قال ~~تعالى: (يخوف أولياءه) ثم ms0342 قال: (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين). ~~والضمير عائد إلى أوليائه الذين قيل فيهم (فاخشوهم). # وأما ذلك القول فالذي قاله فسرها من جهة المعنى أن الشيطان إنما يخوف ~~أولياءه، وأما المؤمنون فهم متوكلون على الله لا يخوفهم. أو أنهم أرادوا ~~المفعول المتروك، أي يخوف المنافقين أولياءه، وإلا فهو يخوف الكفار كما ~~يخوف المنافقين. ولو أريد أنه يخوف أولياءه أي يجعلهم خائفين لم يكن للضمير ~~ما يعود إليه، وهو قوله (فلا تخافوهم). PageV03P056 # وأيضا فهذا فيه نظر، فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم، كما قال تعالى: ~~(وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس) الآية (1)، ~~وقال: (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120)) (2). ولكن الكفار ~~يوقع الله في قلوبهم الرعب من المؤمنين، والشيطان لا يختار ذلك، قال تعالى: ~~(لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله) (3)، وقال تعالى: (إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم) الآية (4)، وقال: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما ~~أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا) (5). وفي حديث قريظة (6) أن جبريل قال: ~~إني ذاهب إليهم فأزلزل بهم الحصن. # فتخويف الكفار والمنافقين وإرعابهم هو من الله نصر للمؤمنين، ولكن الذين ~~قالوا ذلك من السلف أرادوا أن الشيطان يخوف الذين أظهروا الإسلام وهم ~~يوالونه من العدو، فإنما يخاف من الكفار المنافقون بتخويف الشيطان لهم، كما ~~قال تعالى: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56)) ~~(7)، وقال تعالى: (قد يعلم الله المعوقين منكم) إلى قوله (وإن يأت الأحزاب ~~يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم) الآية (8). PageV03P057 # فكلا القولين صحيح من حيث المعنى، لكن لفظ أوليائه في الآية هو الذي ~~يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين، كما دل عليه سياق الآية ولفظها، وإذا ~~جعلهم الشيطان مخوفين فإنما يخافهم من خوفه الشيطان فجعله خائفا. فالآية ~~دلت على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين، ويجعل ناسا خائفين أولياءه. # ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز أن يخاف أولياء الشيطان، وعليه أن يخاف ~~الله، فخوف الله أمر به وخوف أولياء ms0343 الشيطان نهي عنه. وهذا كقوله في الآية ~~الأخرى: (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم) الآية (1)، فنهى ~~عن خشية الظالم وأمر بخشيته تعالى. وقال: (الذين يبلغون رسالات الله ~~ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله) (2)، وقال: (فإياي فارهبون (51)) (3). # وبعض الناس يقول: يا رب! أخافك وأخاف من لا يخافك. وهذا لا يجوز، بل عليه ~~أن يخاف الله، ولا يخاف من لا يخاف الله، فإن من لا يخاف الله ظالم من ~~أولياء الشيطان، وهذا قد نهى الله عن أن يخاف. # وإذا قيل: قد يؤذيني، قيل: إنما يؤذيك بتسليط الله له، وإذا أراد سبحانه ~~دفع شره عنك دفعه، فالأمر لله. أنت إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك ~~شره، ولم يسلطه عليك، فانه تعالى قال: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (4). PageV03P058 ### || CHECK - ذكر أقوال المفسرين في تفسير الآية وتحقيق الكلام عليها ### || CHECK - تفسير قوله تعالى (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير) # وتسليطه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه، فإذا خفت الله وتبت من ذنوبك ~~واستغفرته [لم يسلطه عليك]، وقد قال تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33)) (1). وفي الآثار: "أنا الله ~~مالك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن ~~عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشتغلوا بسبب الملوك، وأطيعوني أعطف قلوبهم ~~عليكم". # وقد قال لما سلط العدو عليهم يوم أحد: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم ~~مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (165)) ~~(2)، وقال تعالى: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم ~~في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) وما كان ~~قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين (147) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب ~~الآخرة والله يحب المحسنين (148)) (3). والأكثرون يقرأون "قاتل معه ربيون ~~كثير"، والربيون الكثير عند جماهير السلف والخلف هم الجماعات الكثيرة (4). ~~قال ابن مسعود وابن عباس- في رواية ms0344 عنه- والفراء (5): ألوف كثيرة" وقال ابن ~~عباس -في رواية أخرى- ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي والربيع وابن ~~قتيبة (6): جماعات كثيرة. وقرئ PageV03P059 # بالحركات الثلاث في الراء، فعلى هذه القراءة الربيون الذين قاتلوا معه هم ~~الذين ما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا. # وأما على قراءة أبي عمرو وابن كثير ونافع "قتل" ففيها وجهان: # أحدهما يوافق معنى هذه الآية، أي قتل معه ربيون كثير، فالربيون مقتولون، ~~فما وهنوا أي ما وهن من بقي منهم لقتل كثير منهم. # والثاني أن النبي قتل ومعه ربيون كثير، فما وهنوا لقتل نبيهم. # وهذا يناسب كون يوم أحد صرخ الشيطان بأن محمدا قد قتل. لكن هذا المعنى لا ~~يناسب لفظ الآية، فإنه سبحانه قال: "ربيون كثير"، فالمناسب أنهم مع كثرة ~~المصيبة الشاملة لهم ما وهنوا. ولو أريد أن النبي قتل ومعه ناس لم يخافوا ~~لم يحتج إلى تكثيرهم، بل كان تقليلهم هو المناسب، يقول: هم مع قلتهم وقتل ~~نبيهم لم يخافوا. # وأما إذا كانوا كثيرين لم يكن مدحهم بعدم الخوف فيه عبرة. # وأيضا فإذا وصف من قتل نبيه بكونهم كثيرين لم يكن في هذا حجة على الصحابة ~~ولا عبرة لهم، فإنهم يوم أحد كانوا قليلين، وكان العدو أضعافهم، فكانوا ~~يقولون: أولئك كانوا ألوفا مؤلفة فلهذا لم يهنوا، ونحن قليلون. # وأيضا فقوله (وكأين من نبي) يقتضي كثرة ذلك، وهذا لا يعرف أن أنبياء ~~كثيرين قتلوا في الجهاد. # وأيضا فيقتضي أن المقتولين كان مع كل واحد ربيون كثيرون، فيكون قد قتل ~~أنبياء كثيرون، ومع كل واحد خلق عظيم، وهذا لم يوجد. فإن من قبل موسى من ~~الأنبياء لم يكونوا يقاتلون، وموسى PageV03P060 # وأنبياء بني إسرائيل لم يقتلوا في الغزاة، والذين قبلهم بنو إسرائيل من ~~الأنبياء لم يقتلوا في جهاد، بل لا يعرف نبي قتل في جهاد، فكيف يكون هذا ~~كثيرا؟ ويكون جنسه كثيرا ولا يعرف هذا في شيء من الأخبار؟!. # وهو سبحانه أنكر على من ينقلب على عقبيه، سواء كان النبي مقتولا أو ميتا، ~~لم يخص حال القتل، فلم يذمهم إذا مات أو ms0345 قتل على الخوف والرعب، بل على ~~الردة والانقلاب على العقبين. ولهذا تلاها الصديق يوم مات النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فكأن الناس لم يسمعوها حتى تلاها (1). # ثم ذكر بعدها معنى آخر، وهو أن من قبلكم كانوا يقاتلون، فيقتل معهم خلق ~~كثير وهم لا يهنون. ويكون ذكر الكثرة مناسبا؛ لأنه إن قتل منهم كثير فهذا ~~يقتضي الوهن وما وهنوا، وإن كان الذين قاتلوا كثيرين وما وهنوا دل على ~~إيمانهم كلهم مع الكثرة. ولم يقل هنا: وما انقلبوا على أعقابهم، فلو كان ~~المراد أن نبيهم قتل لقال: "فما انقلبوا على أعقابهم"، لأنه هو الذي أنكره ~~إذا مات الرسول أو قتل، فأنكر سبحانه شيئين: الارتداد إذا مات الرسول أو ~~قتل، والوهن والضعف والاستكانة لما أصابهم في سبيل الله من استيلاء العدو، ~~ولهذا قال: (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا)، ~~ولم يقل: "فما وهنوا لقتل النبي". ولو كان النبي هو المقتول وهم كلهم أحياء ~~لذكر ما يناسب ذلك ولم يقل (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله). ومعلوم أن ~~ما يصيب في سبيل الله في عامة الغزوات لا يكون قتل نبي. PageV03P061 ### || CHECK - الكلام على معنى "الربيين" واشتقاقه # وأيضا فكون النبي قاتل معه أو قتل معه ربيون كثير لا يستلزم أن يكون معهم ~~في الغزاة، بل كل من اتبع النبي وقاتل على دينه فقد قاتل معه، وكذلك كل من ~~قتل على دينه فقد قتل معه، وحينئذ تظهر كثرة هؤلاء، فإن الذين قاتلوا ~~وأصيبوا وهم على دين الأنبياء كثيرون. ويكون في هذه الآية عبرة لكل ~~المؤمنين إلى يوم القيامة، فإنهم كلهم يقاتلون مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وإن كان النبي قد مات. والصحابة الذين كانوا يغزون في السرايا ~~والرسول غائب عنهم كانوا معه وكانوا يقاتلون معه، وهم داخلون في قوله (محمد ~~رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) (1)، وفي قوله: ~~(والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم) (2). فليس من شرط ~~من يكون مع المطاع أن يكون ms0346 رائيا للمطاع. # وقد قيل في "ربيين" هنا: إنهم العلماء (3)، واختاره الرماني والزجاج، ~~وروي عن الحسن وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وذلك قال ابن فارس (4): هم ~~المتألهون العارفون بالله. وهؤلاء جعلوا لفظ "الربي" كلفظ "الرباني". وعن ~~ابن زيد قال: هم الأتباع. كأنه جعلهم المربوبين. # والمعنى الأول أصح من وجوه: # أحدها: أن الربانيين غير الأحبار، وهم الذين يربون الناس، وهم PageV03P062 # أئمتهم الذين يقتدون بهم في دينهم. ومعلوم أن هؤلاء لا يكونون إلا قليلا، ~~فكيف يقال: هم كثير؟. # والثاني: أن الأمر بالجهاد والصبر لا يختص بهؤلاء، والصحابة لم يكونوا ~~كلهم ربانيين، فيقولون: أولئك أعطوا علما منعهم [من] الخوف. # الثالث: أن استعمال لفظ "الربي" في هذا ليس معروفا في اللغة، بل المعروف ~~الأول. والذين قالوا ذلك قالوا: هو نسبة إلى الرب بلا نون، والقراءة ~~المشهورة: "ربي" بالكسر، وما قالوه إنما يتوجه على قراءة من قرأ "ربيون" ~~بالفتح، وقد قرئ "ربيون" بالضم. فعلم أنها لغات. # الرابع: أن الله تعالى يأمر بالصبر والثبات كل من يأمره بالجهاد، سواء ~~كان من الربانيين أو لم يكن. # الخامس: أنه لا مناسبة في تخصيص هؤلاء بالذكر، وإنما المناسب ذكرهم في ~~مثل قوله: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الأثم وأكلهم السحت) ~~(1)، وفي مثل قوله: (ولكن كونوا ربانيين) (2)، وهناك ذكرهم بلفظ الربانيين. # السادس: أن "الرباني" قيل: منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون، ~~كالرقباني واللحياني، وقيل: إنه منسوب إلى ربان السفينة. # وهذا أصح، فإن الأصل عدم الزيادة في النسبة، لأنهم منسوبون إلى PageV03P063 # تربية الناس وكونهم يربونهم، وهذه النسبة تختص بهم. وأما نسبتهم إلى الرب ~~فلا اختصاص لهم بذلك، بل كل عبد فهو منسوب إليه. ولم يسم الله تعالى ~~أولياءه المتقين ربانيين، ولا سمى أنبياءه والرسل ربانيين، فإن الرباني من ~~يرب الناس كما يرب الربان السفينة. ولهذا كان الربانيون يذمون تارة ويمدحون ~~أخرى، ولو كانوا منسوبين إلى الرب بأنهم عرفوه وعبدوه لم يكونوا مذمومين ~~قط، وهذا هو الوجه السابع: # أن نسبتهم إلى الرب إن جعلت مدحا فقد ذم الله الربانيين في ms0347 موضع آخر، وإن ~~لم تجعل مدحا لم يكن لهؤلاء خاصة يمتازون بها من جهة المدح. وإذا كان ~~الرباني منسوبا إلى ربان السفينة لا إلى الرب بطل قول من يجعل الرباني ~~منسوبا إلى الرب، فنسبة "الربيون" إلى الرب أولى بالبطلان. # الثامن: أنه إذا قدر أنهم منسوبون إلى الرب فهذه النسبة لا تدل على أنهم ~~علماء، نعم تدل على إيمان وعبادة وتأله، قاله ابن فارس. وهذا يعم جميع ~~المؤمنين، فكل من عبد الله وحده لا يشرك به شيئا فهو متأله عارف بالله. # والصحابة كلهم كانوا يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئا، وكانوا متألهين ~~عارفين بالله، ولم يسموا "ربيون" ولا "ربانيون"، وإنما جاء عن منذر الثوري ~~قال: قال محمد بن الحنفية لما مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة ~~(1)، لكونه كان يؤدبهم بما أعطاه الله من PageV03P064 # العلم، فيأمرهم وينهاهم. والخلفاء الراشدون كانوا ربانيين. وقال إبراهيم: ~~كان علقمة من الربانيين. ولهذا قال مجاهد: هم الذين يربون الناس بصغار ~~العلم قبل كباره. فهم أهل الأمر والنهي والأخبار، يدخل فيه من أخبر بالعلم ~~ورواه عن غيره وحدث به، وإن لم يأمر وينه، وذلك هو المنقول عن السلف في ~~"الرباني" (1). نقل عن علي رضي الله عنه قال: هم الذين يغذون الناس بالحكمة ~~ويربونهم عليها، وعن ابن عباس قال: هم الفقهاء المعلمون. # قلت: أهل الأمر والنهي [هم الفقهاء المعلمون]. # وعن قتادة وعطاء: هم الفقهاء العلماء الحكماء. قال ابن قتيبة (2): واحدهم ~~رباني، وهم العلماء المعلمون. وقال أبو عبيد (3): أحسب الكلمة ليست بعربية، ~~إنما هي عبرانية أو سريانية. وذلك أن أبا عبيدة زعم أن العرب لا تعرف ~~الربانيين. قال أبو عبيد: وإنما عرفها الفقهاء وأهل العلم. قال: وسمعت رجلا ~~عالما بالكتب يقول: هم العلماء بالحلال والحرام والأمر والنهي. # قلت: هذا صحيح، واللفظة عربية منسوبة إلى ربان السفينة، ولكن العرب في ~~جاهليتهم لم يكن لهم ربانيون، لأنهم لم يكونوا على شريعة منزلة من الله عز ~~وجل، فلهذا لم يشتهر هذا الاسم عنهم. PageV03P065 # وحكى ابن الأنباري (1) عن بعض اللغويين أن ms0348 الرباني منسوب إلى الرب، لأن ~~العلم مما يطاع الله به، فدخلت الألف والنون في النسبة للمبالغة، كما ~~قالوا: رجل لحياني إذا بالغوا في وصفه بكبر اللحية. # وهذا قول ضعيف كما تقدم التنبيه عليه. # والله سبحانه أعلم. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وسلم. PageV03P066 ### | CHECK (3) رسالة إلى المنسوبين إلى التشيع وغيرهم في العراق ومشهد المنتظر # رسالة إلى المنسوبين إلى التشيع # وغيرهم في العراق ومشهد المنتظر PageV03P067 # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الإمام العالم فريد عصره، مفتي الفرق، شيخ الإسلام تقي الدين ~~أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العالم شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ ~~الإمام العلامة مجد الدين عبد السلام ابن تيمية -رضي الله عنه وأرضاه وأعلى ~~درجته-: # هذا الكتاب إلى من يصل إليه من الإخوان المؤمنين، الذين يتولون الله ~~ورسوله والذين آمنوا (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ~~فإن حزب الله هم الغالبون (56)) (1)، الذين يحبون الله ورسوله ومن أحبه ~~الله ورسوله، ويعرفون من حق المتصلين برسول الله ما شرعه الله ورسوله، فإن ~~من محبة الله وطاعته محبة رسوله وطاعته، ومن محبة رسوله وطاعته محبة من ~~أحبه الرسول وطاعة من أمر الرسول بطاعته، كما قال تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا (59)) (2). # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع ~~أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني" (3). PageV03P069 ### || CHECK - بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكتاب والحكمة # وقال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عنه أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه: "إنما الطاعة في المعروف" (1). # وقال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (2). # سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا ~~هو، وهو للحمد أهل ms0349 وهو على كل شيء قدير، ونصلي على إمام المتقين وخاتم ~~النبيين محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا بالكتاب والحكمة، ليخرج الناس ~~من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد (3)، وقال الله ~~تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ~~(164)) (4)، وقال تعالى: (واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من ~~الكتاب والحكمة يعظكم به) (5)، وقال لأزواج نبيه: (واذكرن ما يتلى في ~~بيوتكن من آيات الله والحكمة) (6). PageV03P070 ### || CHECK - ذم التفرق ومدح الاتفاق # والذي كان يتلوه هو ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في بيوت أزواجه: كتاب ~~الله والحكمة، فكتاب الله هو القرآن، والحكمة هي ما كان يذكره من كلامه، ~~وهي سنته. فعلى المسلمين أن يتعلموا هذا وهذا. # وفي الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وغيره (1) عن أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ستكون ~~فتنة"، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما ~~قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من ~~جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ~~وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا ~~تلتبس به الألسن، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. من قال به ~~صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه فدي إلى صراط مستقيم". # وقال الله تعالى في كتابه: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (2)، ~~وقال في كتابه: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء) (3). # فذم الذين تفرقوا فصاروا أحزابا وشيعا، وحمد الذين اتفقوا وصاروا PageV03P071 # جميعا معتصمين بحبل الله الذي هو كتابه شيعة واحدة للأنبياء، كما قال ~~تعالى: (وإن من شيعته لإبراهيم (83)) (1). وإبراهيم هو إمام الأنبياء، ms0350 كما ~~قال تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس ~~إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (124)) (2)، وقال تعالى: ~~(إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120)) إلى أن ~~قال: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين). # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أمته أن يقولوا إذا أصبحوا: ~~"أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين" (4). # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ~~فلا ألفين رجلا شبعان على أريكته يقول: بيننا وبينكم هذا القرآن، فما وجدنا ~~فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. إلا إني أوتيت الكتاب ~~ومثله معه" (5). # فهذا الحديث موافق لكتاب الله، فإن الله ذكر في كتابه أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV03P072 ### || CHECK - أصول الإسلام التي يجب على أهل الإيمان الاستمساك بها # يتلو الكتاب والحكمة، وهي التي أوتيها مع الكتاب، وقد أمر في كتابه ~~بالاعتصام بحبله جميعا، ونهى عن التفرق والاختلاف، و [أمر] أن نكون شيعة ~~واحدة لا شيعا متفرقين. وقال الله تعالى في كتابه: (وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ~~الله يحب المقسطين (9)) (1). فجعل المؤمنين إخوة، وأمر بالإصلاح بينهم ~~بالعدل مع وجود الاقتتال والبغي. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ~~وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى ~~والسهر" (2). وقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"، وشبك بين ~~أصابعه (3). # فهذه أصول الإسلام التي هي الكتاب والحكمة والاعتصام بحبل الله جميعا، ~~على أهل الإيمان الاستمساك بها. ولا ريب أن الله قد أوجب فيها من حرمة ~~خلفائه وأهل بيته والسابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان ما أوجب، قال ~~الله تعالى: (يا أيها النبي ms0351 قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ~~الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29)) (4). PageV03P073 ### || CHECK - أمثلة منه ### || CHECK - من أساليب العرب: ذكر الشيء للاختصاص بالكمال لا للاختصاص بأصل الحكم ### || CHECK - وجوب محبة أهل البيت وحرمتهم # وقد روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما (1) عن أم سلمة أن هذه الآية لما ~~نزلت أدار النبي - صلى الله عليه وسلم - كساءه على علي وفاطمة والحسن ~~والحسين رضي الله عنهم، فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الزجس ~~وطهرهم تطهيرا". # وسنته تفسر كتاب الله وتبينه، وتدل عليه وتعبر عنه، فلما قال: "هؤلاء أهل ~~بيتي" -مع أن سياق القرآن يدل على أن الخطاب مع أزواجه-علمنا أن أزواجه وإن ~~كن من أهل بيته كما دل عليه القرآن، فهؤلاء أحق بأن يكونوا أهل بيته، لأن ~~صلة النسب أقوى من صلة الصهر. والعرب تطلق هذا البيان للاختصاص بالكمال لا ~~للاختصاص بأصل الحكم، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس المسكين ~~بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، وإنما المسكين ~~الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يتفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس إلحافا" (2). # بين بذلك أن هذا مختص بكمال المسكنة، بخلاف الطواف فإنه لا تكمل فيه ~~المسكنة، لوجود من يعطيه أحيانا، مع أنه مسكين أيضا. ويقال: هذا هو العالم، ~~وهذا هو العدو، وهذا هو المسلم، لمن كمل فيه ذلك، وإن شاركه غيره في ذلك ~~وكان دونه. # ونظير هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه (3) عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - PageV03P074 # أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال: "مسجدي هذا" يعني مسجد ~~المدينة. مع أن سياق القرآن في قوله عن مسجد الضرار (لا تقم فيه أبدا لمسجد ~~أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا ~~والله يحب المطهرين (108)) (1) يقتضي أنه مسجد قباء، فإنه قد تواتر أنه قال ~~لأهل قباء: "ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟ "، فقالوا: لأننا ms0352 ~~نستنجي بالماء (2). لكن مسجده أحق بأن يكون مؤسسا على التقوى من مسجد قباء، ~~وإن كان كل منهما مؤسسا على التقوى، وهو أحق أن يقوم فيه من مسجد الضرار، ~~فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا ~~(3). فكان يقوم في مسجده القيام الجامع يوم الجمعة، ثم يقوم بقباء يوم ~~السبت، وفي كل منهما قد قام في المسجد المؤسس على التقوى. # ولما بين سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل ببته ويطهرهم تطهيرا، دعا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لأقرب أهل بيته وأعظمهم اختصاصا به، وهم: علي ~~وفاطمة -رضي الله عنهما- وسيدا شباب أهل الجنة، جمع الله لهم بين أن قضى ~~لهم بالتطهير، وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فكان في ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم نعمة من الله ~~ليسبغها عليهم، ورحمة من الله وفضل لم PageV03P075 # يبلغوهما لمجرد حولهم وقوتهم، إذ لو كان كذلك لاستغنوا بهما عن دعاء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما يظن من يظن أنه قد استغنى في هدايته ~~وطاعته عن إعانة الله تعالى له وهدايته إياه. # وقد ثبت أيضا بالنقل الصحيح (1) أن هذه الآيات لما نزلت قرأها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - على أزواجه، وخيرهن كما أمره الله، فاخترن الله ~~ورسوله والدار الآخرة، ولذلك أقرهن ولم يطلقهن حتى مات عنهن. ولو أردن ~~الحياة الدنيا وزينتها لكان يمتعهن ويسرحهن كما أمره الله سبحانه وتعالى، ~~فإنه - صلى الله عليه وسلم - أخشى الأمة لربه وأعلمهم بحدوده. # ولأجل ما دلت عليه هذه الآيات من مضاعفة للأجور ورفع الوزر بلغنا عن ~~الإمام علي بن الحسين زين العابدين وقرة عين الإسلام أنه قال: إني لأرجو أن ~~يعطي الله للمحسن منا أجرين، وأخاف أن يجعل على المسيء منا وزرين. # وثبت في صحيح مسلم (2) عن زيد بن أرقم أنه قال: خطبنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بغدير يدعى "خم" بين مكة والمدينة، فقال: "وأهل بيتي، ~~أذكركم الله في أهل ms0353 بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي". قيل لزيد بن أرقم: ومن ~~أهل بيته؟ قال: الذين حرموا الصدقة: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل عباس. ~~قيل لزيد: أكل هؤلاء أهل بيته؟ قال: نعم. # وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه صحاح (3) أن الله لما ~~أنزل عليه PageV03P076 ### || CHECK - تعويضهم عنها بالخمس والفيء ### || CHECK - تحريم الصدقة على آل محمد # (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما (56)) (1) سأل الصحابة كيف يصلون عليه، فقال: "قولوا: اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، ~~وبارك على محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". # وفي حديث صحيح (2): "اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته". وثبت عنه (3) أن ~~ابنه الحسن لما تناول تمرة من تمر الصدقة قال له: "كخذ كخ، أما علمت أنا ~~-آل بيت- لا تحل لنا الصدقة؟ " وقال (4): "إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد". # وهذا -والله أعلم- من التطهير الذي شرعه الله لهم، فإن الصدقة أوساخ ~~الناس، فطهرهم الله من الأوساخ، وعوضهم بما يقيتهم من خمس الغنائم، ومن ~~الفيء الذي جعل منه رزق محمد، حيث قال - صلى الله عليه وسلم - رواه أحمد ~~وغيره (5): "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى PageV03P077 ### || CHECK - الأمر بالاستغفار للمهاجرين والأنصار وإن صدر من بعضهم ذنب # يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار ~~على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم". # ولهذا ينبغي أن يكون اهتمامهم بكفاية أهل البيت الذين حرمت عليهم الصدقة ~~أكثر من اهتمامهم بكفاية الآخرين من الصدقة، لاسيما إذا تعذر أخذهم من ~~الخمس والفيء، إما لقلة ذلك، وإما لظلم من يستولي على حقوقهم فيمنعهم إياها ~~من ولاة الظلم، فيعطون من الصدقة المفروضة ما يكفيهم إذا لم تحصل كفايتهم ~~من الخمس والفيء. # وعلى الآخذين من الفيء من ذوي القربى وغيرهم أن يتصفوا بما وصف الله به ~~أهل الفيء في كتابه، ms0354 حيث قال: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) الآيات (1). فجعل أهل ~~الفيء ثلاثة أصناف: المهاجرين، والأنصار، (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ~~ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالأيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ~~للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم (10)) (2). # وذلك أن الفيء إنما حصل بجهاد المهاجرين والأنصار وإيمانهم وهجرتهم ~~ونصرتهم، فالمتأخرون إنما يتناولونه مخلفا عن أولئك، مشبها بتناول الوارث ~~ميراث أبيه، فان لم يكن مواليا له لم يستحق الميراث، فلا يرث المسلم ~~الكافر، فمن لم يستغفر لأولئك بل كان مبغضا لهم خرج عن الوصف الذي وصف الله ~~به أهل الفيء، حتى يكون قلبه مسلما لهم، ولسانه داعيا لهم. ولو فرض أنه صدر ~~من PageV03P078 # واحد منهم ذنب محقق فإن الله يغفره له بحسناته العظيمة، أو بتوبة تصدر ~~منه، أو يبتليه ببلاء يكفر به سيئاته، أو يقبل فيه شفاعة نبيه وإخوانه ~~المؤمنين، أو يدعو الله بدعاء يستجيبه له. # وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحاح (1) من رواية أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن حاطب بن أبي بلتعة كاتب كفار مكة ~~لما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغزوهم غزوة الفتح، فبعث إليهم ~~امرأة معها كتاب يخبرهم فيه بذلك، فجاء الوحي إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بذلك، فبعث عليا والزبير، فأحضرا الكتاب، فقال: "ما هذا يا حاطب؟ "، ~~فقال: والله يا رسول الله! ما فعلت ذلك أذى ولا كفرا، ولكن كنت امرأ ملصقا ~~من قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من أصحابك لهم قرابات يحمون بها ~~أهليهم، فأردت أن أتخذ عندهم يدا أحمي بها قرابتي. فقال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "إنه شهد بدرا، ~~وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت ~~لكم". وأنزل الله تعالى في ذلك (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ms0355 ~~أولياء تلقون إليهم بالمودة) الآيات (2). # وثبت في صحيح مسلم (3) أن غلام حاطب هذا جاء إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: يا رسول الله! والله ليدخلن حاطب النار، وكان حاطب يسيء إلى ~~مماليكه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كذبت، إنه قد شهد بدرا ~~والحديبية". PageV03P079 ### || CHECK - كانوا فيما تنازعوا فيه مجتهدين طالبين للحق # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يدخل النار واحد بايع تحت الشجرة" (1). # فهذا حاطب قد تجسس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة فتح مكة ~~التي كان - صلى الله عليه وسلم - يكتمها عن عدوه، وكتمها عن أصحابه، وهذا ~~من الذنوب الشديدة جدا. وكان يسيء إلى مماليكه، وفي الحديث المرفوع: "لن ~~يدخل الجنة سيئ الملكة" (2). ثم مع هذا لما شهد بدرا والحديبية غفر الله له ~~ورضي عنه، فإن الحسنات يذهبن السيئات. فكيف بالذين هم أفضل من حاطب، وأعظم ~~إيمانا وعلما وهجرة وجهادا، فلم يدنب أحد قريبا من ذنوبه؟! # ثم إن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه روى هذا الحديث في خلافته، ورواه ~~عنه كاتبه عبيد الله بن أبي رافع (3)، وأخبر فيه أنه هو والزبير ذهبا لطلب ~~الكتاب من المرأة الظعينة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شهد لأهل بدر ~~بما شهد، مع علم أمير المؤمنين بما جرى، ليكف القلوب والألسنة عن أن تتكلم ~~فيهم إلا بالحسنى، فلم يأت أحد منهم بأشد ما جاء به حاطب، بل كانوا في غالب ~~ما يأتون به مجتهدين، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"، وهذا حديث صحيح مشهور ~~(4). PageV03P080 # وثبت عنه (1) أيضا أنه لما كان في غزوة الأحزاب فرد الله الأحزاب بغيظهم ~~لم ينالوا خيرا، وأمر نبيه بقصد بني قريظة، قال لأصحابه: "لا يصلين أحد ~~منكم العصر إلا في بني قريظة"، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فمنهم قوم ~~قالوا: لا نصليها إلا في بني قريظة، ومنهم قوم قالوا: لم يرد منا تفويت ~~الصلاة، إنما أراد المسارعة، فصلوا في الطريق. فلم يعنف ms0356 النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - واحدة من الطائفتين. # وكانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه موافقة لما ذكره الله ~~سبحانه وتعالى في كتابه، حيث قال: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ ~~نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا ~~حكما وعلما) (2). فأخبر سبحانه وتعالى أنه خص أحد النبيين بفهم الحكم في ~~تلك القضية، وأثنى على كل منهما بما آتاه الله من العلم والحكم. # فهكذا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ~~-رضي الله عنهم ورضوا عنه-[كانوا] فيما تنازعوا فيه مجتهدين طالبين للحق. # وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من يعش منكم بعدي ~~فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من ~~بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل PageV03P081 ### || CHECK - قول علي في أهل الجمل: "إخواننا بغوا علينا" # بدعة ضلالة" (1). # وروى عنه مولاه سفينة أنه قال: "الخلافة ثلاثون سنة، ثم تصير ملكا" (2)، ~~فكان آخر الثلاثين حين سلم سبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحسن بن ~~علي -رضي الله عنهما- الأمر إلى معاوية، وكان معاوية أول الملوك، وفيه ملك ~~ورحمة، كما روي في الحديث: "ستكون خلافة نبوة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ~~ملك وجبرية، ثم يكون ملك عضوض" (3). # وقد ثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من وجوه أنه لما قاتل أهل ~~الجمل لم يسب لهم ذرية، ولم يغنم لهم مالا، ولا أجهز على جريح، ولا اتبع ~~مدبرا، ولا قتل أسيرا، وأنه صلى على قتلى الطائفتين بالجمل وصفين، وقال: ~~"إخواننا بغوا علينا" (4)، وأخبر أنهم ليسوا بكفار ولا منافقين، واتبع فيما ~~قاله كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فإن الله سماهم إخوة، ~~وجعلهم مؤمنين في الاقتتال والبغي، كما ذكر في قوله: (وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا) (5). # وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحاح (6) أنه قال: "تمرق ~~مارقة على PageV03P082 ### || CHECK - الفرق بينهم وبين الخوارج الذين كفروا المسلمين # حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين ms0357 بالحق". وهذه المارقة هم ~~أهل حروراء، الذين قتلوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وأصحابه لما مرقوا من الإسلام، وخرجوا عليه، فكفروه وكفروا سائر المسلمين، ~~واستحلوا دماءهم وأموالهم. # وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طرق متواترة (1) أنه وصفهم ~~وأمر بقتالهم، فقال: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، ~~وقرأنه مع قرآنهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الذين يقتلونهم مالهم على لسان محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - لنكلوا عن العمل". فقتلهم علي رضي الله عنه وأصحابه، وسر ~~أمير المؤمنين بقتلهم سرورا شديدا، وسجد الله شكرا، لما ظهر فيهم علامتهم، ~~وهو المخدج اليد الذي على يده مثل البضعة من اللحم عليها شعرات، فاتفق جميع ~~الصحابة على استحلال قتالهم، وندم كثير منهم -كابن عمر وغيره- أن لا يكونوا ~~شهدوا قتالهم مع أمير المؤمنين. بخلاف ما جرى في وقعة الجمل وصفين، فإن ~~أمير المؤمنين كان متوجعا لذلك القتال، متشكيا مما جرى، يتراجع هو وابنه ~~الحسن القول فيه، ويذكر له الحسن أن رأيه أن لا يفعله. # فلا يستوي ما سر قلب أمير المؤمنين وأصحابه وغبطه به من لم يشهده، مع ما ~~تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه وساءه وساء قلب أفضل أهل بيته ~~حب النبي - صلى الله عليه وسلم -، الذي قال فيه: "اللهم إني أحبه، فأحب من PageV03P083 ### || CHECK - سبب ضلال كثير من الناس: الغلو في علي أو الجفاء عنه # يحبه" (1). وإن كان أمير المؤمنين هو أولى بالحق ممن قاتله في جميع حروبه. # ولا يستوي القتلى الذين صلى عليهم وسماهم "إخواننا"، والقتلى الذين لم ~~يصل عليهم، بل قيل له: من (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا (104)) (2)؟ فقال: هم أهل حروراء. # فهذا الفرق بين أهل حروراء وبين غيرهم الذي سماه أمير المؤمنين في خلافته ~~بقوله وفعله موافقا فيه لكتاب الله وسنة نبيه-: هو الصواب الذي لا معدل عنه ~~لمن هدي رشده، وإن كان كثير ms0358 من علماء السلف والخلف لا يهتدون لهذا الفرقان، ~~بل يجعلون السيرة في الجميع واحدة، فإما أن يقصروا بالخوارج عما يستحقونه ~~من البغض واللعنة والعقوبة والقتل، وإما أن يزيدوا على غيرهم ما يستحقونه ~~من ذلك. # وسبب ذلك قلة العلم والفهم لكتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه، وسيرة ~~خلفائه الراشدين المهديين، وإلا فمن استهدى الله واستعانه بحث عن ذلك، وطلب ~~الصحيح من المنقول، وتدبر كتاب الله وسنة نبيه وسنة خلفائه، لاسيما سيرة ~~أمير المؤمنين الهادي المهدي، التي جرى فيها ما اشتبه على خلق كثير فضلو ~~بسبب ذلك، إما غلوا فيه وإما جفاء عنه، كما روي عنه أنه قال: "يهلك في ~~رجلان: محب غال يقرظني بما ليس في، ومبغض قال يرميني بما نزهني الله منه" ~~(3). PageV03P084 ### || CHECK - علاجه طلب الهدى ومجانبة الهوى # وحد ذلك وملاك ذلك شيئان: طلب الهدى ومجانبة الهوى، حتى لا يكون الإنسان ~~ضالا وغاويا، بل مهتديا راشدا. قال الله تعالى في حق نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم -: (والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى ~~(3) إن هو إلا وحي يوحى (4)) (1)، فوصفه بأنه ليس بضال وهو الجاهل، ولا غاو ~~وهو الظالم، فإن صلاح العبد في أن يعلم الحق ويعمل به، فمن لم يعلم الحق ~~فهو ضال عنه، ومن علمه فخالفه واتبع هواه فهو غاو، ومن علمه وعمل به كان من ~~أولي الأيدي عملا ومن أولي الأبصار علما. وهو الصراط المستقيم الذي أمرنا ~~الله سبحانه في كل صلاة أن نقول: (اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7)) (2)، فالمغضوب عليهم: ~~الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه كاليهود، والضالون: الذين يعملون أعمال ~~القلوب والجوارح بلا علم كالنصارى. # ولهذا وصف الله اليهود بالغواية في قوله تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين ~~يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل ~~الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا ~~بآياتنا وكانوا عنها غافلين) (3)، ووصف العالم الذي لم يعمل بعلمه ms0359 بذلك في ~~قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض ~~واتبع هواه (176)) (4). # ووصف النصارى بالضلال في قوله تعالى: (ولا تتبعوا أهواء قوم PageV03P085 ### || CHECK - كيفية النظر في كتاب الله وسنة النبي وسيرة الخلفاء # قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77)) (1)، ووصف بذلك ~~من يتبع هواه بغير علم حيث قال: (وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ~~ربك هو أعلم بالمعتدين (119)) (2)، وقال: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى ~~من الله) (3). # وأخبر أن من اتبع هداه المنزل فإنه لا يضل كما ضل الضالون، ولا يشقى كما ~~شقي المغضوب عليهم، فقال: (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقى) (4). قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه إلا يضل ~~في الدنيا ولا يشقى في الآخرة (5). # ومن تمام الهداية أن ينظر المستهدي في كتاب الله، وفيما تواتر من سنة ~~نبيه وسنة الخلفاء، وما نقله الثقات الأثبات، ويميز بين ذلك وبين ما نقله ~~من لا يحفظ الحديث، أو يتهم فيه بكذب لغرض من الأغراض، فإن المحدث بالباطل ~~إما أن يتعمد الكذب، أو يكذب خطأ لسوء حفظه أو نسيانه أو لقلة فهمه وضبطه. # ثم إذا حصلت، المعرفة بذلك تدبر ذلك، وجمع بين المتفق منه، وتدبر المختلف ~~منه حتى يتبين له أنه متفق في الحقيقة وإن كان الظاهر مختلفا، أو أن بعضه ~~راجح يجب اتباعه، والآخر مرجوح ليس بدليل في الحقيقة وإن كان في الظاهر ~~دليلا. PageV03P086 ### || CHECK - العالم العادل لا يقول إلا الحق ولا يتبع إلا إياه ### || CHECK - غلط الناس لعدم التمييز بين ما يفهم من النصوص وبين ما يعقل بمجرد القياس # أما غلط الناس فلعدم التمييز بين ما يعقل من النصوص والآثار، # أو يعقل بمجرد القياس والاعتبار، ثم إذا خالط الظن والغلط في العلم # هوى النفوس ومناها في العمل صار لصاحبها نصيب من قوله تعالى # (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ms0360 ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23)) (1). # وهذا سبب ما خلق الإنسان عليه من الجهل في نوع العلم، والظلم في نوع ~~العمل، فبجهله يتبع الظن، وبظلمه يتبع ما تهوى الأنفس. ولما بعث الله رسله ~~وأنزل كتبه لهدى الناس وإرشادهم، صار أشدهم اتباعا للرسل أبعدهم عن ذلك، ~~كما قال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ~~إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~(213)) (2). # ولهذا صار ما وصف الله به الإنسان لا يخص غير المسلمين دونهم، ولا يخص ~~طائفة من الأمة، لكن غير المسلمين أصابهم ذلك في أصول الإيمان التي صار ~~جهلهم وظلمهم فيها كفرانا وخسرانا مبينا، ولذلك من ابتدع في أصول الدين ~~بدعة جليلة أصابه من ذلك أشد مما يصيب من أخطأ في أمر دقيق أو أذنب فيه، ~~والنفوس لهجة بمعرفة محاسنها ومساوئ غيرها. # وأما العالم العادل فلا يقول إلا الحق، ولا يتبع إلا إياه، ولهذا من يتبع ~~المنقول الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه وأصحابه وأئمة أهل PageV03P087 ### || CHECK - براءتهم من البدع الغليظة ### || CHECK - اتفاق أئمة أهل البيت وأئمة الفقهاء في أصول الدين وجماع الشريعة # بيته -مثل الإمام علي بن الحسين زين العابدين، وابنه الإمام أبي جعفر ~~محمد بن علي الباقر، وابنه الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق شيخ ~~علماء الأمة- ومثل مالك بن أنس والثوري وطبقتهما، وجد ذلك جميعه متفقا ~~مجتمعا في أصول دينهم وجماع شريعتهم، ووجد في ذلك ما يشغله وما يغنيه عما ~~أحدثه كثير من المتأخرين من أنواع المقالات التي تخالف ما كان عليه أولئك ~~السلف، ممن ينتصب (1) لعداوة آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ويبخسهم حقوقهم ويؤذيهم، أو ممن يغلو فيهم غير الحق، ويفتري عليهم الكذب، ~~ويبخس السابقين والطائعين حقوقهم. # ورأى (2) أن في المأثور عن أولئك السلف في ms0361 باب التوحيد والصفات، وباب ~~العدل والقدر، وباب الإيمان والأسماء والأحكام، وباب الوعيد والثواب ~~والعذاب، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يتصل به من حكم ~~الأمراء أبرارهم وفجارهم، وحكم الرعية معهم، والكلام في الصحابة والقرابة-: ~~ما يبين لكل عاقل عادل أن السلف المذكورين لم يكن بينهم من النزاع في هذه ~~الأبواب إلا من جنس النزاع الذي أقرهم عليه الكتاب والسنة كما تقدم ذكره، ~~وأن البدع الغليظة المخالفة للكتاب والسنة واتفاق أولي الأمر الهداة ~~المهتدين إنما حدثت من الأخلاف، وقد يعزون بعض ذلك إلى بعض الأسلاف، تارة ~~بنقل غير ثابت، وتارة بتأويل لشيء من كلامهم متشابه. PageV03P088 ### || CHECK - المسلمون لم ينحرفوا انحراف اليهود والنصارى ### || CHECK - غلط الغالطين عليهم في الناقل أو التأويل # ثم إن من رحمة الله أنه قل أن ينقل عنهم شيء من ذلك إلا وفي النقول ~~الصحيحة الثابتة عنهم للقول المحكم الصريح ما يبين غلط الغالطين عليهم في ~~النقل أو التأويل، وهذا لأن الصراط المستقيم في كل الأمة بمنزلة الصراط في ~~الملل، فكمال الإسلام هو الوسط في الأديان والملل، كما قال تعالى: (وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا) (1) لم ينحرفوا انحراف اليهود والنصارى والصابئين. فكذلك ~~أهل الاستقامة، ولزوم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما عليه ~~السلف، تمسكوا بالوسط، ولم ينحرفوا إلى الأطراف. # فاليهود مثلا جفوا في الأنبياء والصديقين حتى قتلوهم وكذبوهم، كما قال ~~الله تعالى: (ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87)) (2)، والنصارى. غلوا فيهم ~~حتى عبدوهم، كما قال تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق) الآية (3). # واليهود انحرفوا في النسخ، حتى زعموا أنه لا يقع من الله ولا يجوز عليه، ~~كما ذكر الله عنهم إنكاره في القرآن حيث قال: (سيقول السفهاء من الناس ما ~~ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) (4)، والنصارى قابلوهم، فجوزوا للقسيسين ~~والرهبان أن يوجبوا ما شاءوا ويحرموا ما شاءوا. # وكذلك تقابلهم في سائر الأمور. # فهدى الله المؤمنين إلى الوسط، فاعتقدوا في الأنبياء ما يستحقونه، ~~ووقروهم وعزروهم وأحبوهم، وأطاعوهم واتبعوهم، ولم يردوهم PageV03P089 ### || CHECK ms0362 - أهل الاستقامة والاعتدال منهم وسط بين الغلاة والمقصرين في جميع الأبواب # كما فعلت اليهود" ولا أطروهم ولا غلوا فيهم فنزلوهم منزلة الربوبية كما ~~فعلت النصارى. وكذلك في النسخ، جوزوا أن ينسخ الله، ولم يجوزوا لغيره أن ~~ينسخ، فإن الله له الخلق والأمر، فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره. # وهكذا أهل الاستقامة في الإسلام المعتصمون بالحكمة النبوية والعصمة ~~الجماعية، متوسطون في باب التوحيد والصفات بين النفاة المعطلة وبين المشبهة ~~الممثلة، وفي باب القدر والعدل والأفعال بين القدرية الجبرية والقدرية ~~المجوسية، وفي باب الأسماء والأحكام بين من أخرج أهل المعاصي من الإيمان ~~بالكلية كالخوارج وأهل المنزلة، وبين من جعل إيمان الفساق كإيمان الأنبياء ~~والصديقين كالمرجئة والجهمية، وفي باب الوعيد والثواب والعقاب بين ~~الوعيديين الذين لا يقولون بشفاعة نبينا لأهل الكبائر، وبين المرجئة الذين ~~لا يقولون بنفود الوعيد، وفي باب الإمامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~بين الذين يوافقون الولاة على الإثم والعدوان ويركنون إلى الذين ظلموا، ~~وبين الذين لا يرون أن يعاونوا أحدا على البر والتقوى لا على جهاد ولا جمعة ~~ولا أعياد إلا أن يكون معصوما، ولا يدخلوا فيما أمر الله به ورسوله إلا في ~~طاعة من لا وجود له. # فالأولون يدخلون في المحرمات، وهؤلاء يتركون واجبات الدين وشرائع ~~الإسلام، وغلاتهم يتركونها لأجل موافقة من يظنونه ظالما، وقد يكون كاملا في ~~علمه وعدله. # وأهل الاستقامة والاعتدال يطيعون الله ورسوله بحسب الإمكان، فيتقون الله ~~ما استطاعوا، وإذا أمرهم الرسول بأمر أتوا منه ما استطاعوا، ولا يتركون ما ~~أمروا به لفعل غيرهم ما نهي عنه، بل كما قال تعالى: PageV03P090 ### || CHECK - شهادة الحسين يوم عاشوراء وموقف أهل الاستقامة منها # (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) (1). ولا ~~يعاونون أحدا على معصية، ولا يزيلون المنكر بما هو أنكر منه، ولا يأمرون ~~بالمعروف إلا بالمعروف. فهم وسط في عامة الأمور، ولهذا وصفهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بأنهم الطائفة الناجية لما ذكر اختلاف أمته وافتراقهم (2). # ومن ذلك أن اليوم الذي ms0363 هو يوم عاشوراء الذي أكرم الله فيه سبط نبيه وأحد ~~سيدي شباب أهل الجنة بالشهادة على أيدي من قتله من الفجرة الأشقياء، وكان ~~ذلك مصيبة عظيمة من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام. وقد روى الإمام أحمد ~~وغيره (3) عن فاطمة بنت الحسين -وقد كانت قد شهدت مصرع أبيها- عن أبيها ~~الحسين بن علي رضي الله عنهم، عن جده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "ما من رجل يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت، فيحدث لها استرجاعا، ~~إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها". # فقد علم الله أن مثل هذه المصيبة العظيمة سيتجدد ذكرها مع تقادم العهد، ~~فكان من محاسن الإسلام أن روى هذا الحديث صاحب المصيبة والمصاب به أولا، ~~ولا ريب أن ذلك إنما فعله الله كرامة للحسين رضي الله عنه، ورفعا لدرجته ~~ومنزلته عند الله، وتبليغا له منازل الشهداء، وإلحاقا له بأهل بيته الذين ~~ابتلوا بأصناف البلاء. ولم يكن الحسن والحسين حصل لهما من الابتلاء ما حصل ~~لجدهما PageV03P091 # ولأمهما وعمهما، لأنهما ولدا في عز الإسلام، وتربيا في حجور المؤمنين، ~~فأتم الله نعمته عليهما بالشهادة، أحدهما مسموما والآخر مقتولا، لأن الله ~~عنده من المنازل العالية في دار كرامته ما لا ينالها إلا أهل البلاء، كما ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: ~~"الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن ~~كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، ولا يزال ~~البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة" (1). # وشقي بقتله من أعان عليه أو رضي به. فالذي شرعه الله للمؤمنين عند ~~الإصابة بالمصائب وإن عظمت أن يقولوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. وقد روى ~~الشافعي في مسنده (2) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات وأصاب أهل ~~بيته من المصيبة ما أصابهم، سمعوا قائلا يقول: يا آل بيت رسول الله! إن في ~~الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل ms0364 هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا ~~وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب. فكانوا يرونه الخضر جاء يعزيهم ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV03P092 ### || CHECK - اتخاذ المآتم في المصائب ليس من دين الإسلام ولا من عادة أهل البيت # فأما اتخاذ المآتم في المصائب واتخاذ أوقاتها مآتم فليس من دين الإسلام، ~~وهو أمر لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أحد من السابقين ~~الأولين ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من عادة أهل البيت ولا غيرهم. وقد ~~شهد مقتل علي أهل بيته، وشهد مقتل الحسين من شهده من أهل بيته، وقد مرت على ~~ذلك سنون كثيرة وهم متمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا ~~يحدثون مأتما ولا نياحة، بل يصبرون ويسترجعون كما أمر الله ورسوله، أو ~~يفعلون مالا بأس به من الحزن والبكاء عند قرب المصيبة. قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ما كان من العين والقلب فمن الله، وما كان من اليد ~~واللسان فمن الشيطان" (1)، وقال: "ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا ~~بدعوى الجاهلية" (2)، يعني مثل قول المصاب: يا سنداه! يا ناصراه! يا عضداه! ~~وقال: "إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من ~~جرب وسربالا من قطران" (3). وقال: "لعن الله النائحة والمستمعة إليها" (4). # وقد قال في تنزيله: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا ~~يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله ~~إن الله PageV03P093 ### || CHECK - الاكتحال والاغتسال والاختضاب يوم عاشوراء بدعة # غفور رحيم (12)) (1). وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله (ولا ~~يعصينك في معروف) بأنها النياحة (2)، وتبرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من الحالقة والصالقة (3). والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة، ~~والصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة. وقال جرير بن عبد الله (4): كنا ~~نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعتهم الطعام للناس من النياحة. وإنما السنة ~~أن يصنع لأهل ms0365 الميت طعام، لأن مصيبتهم تشغلهم، كما قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما نعي جعفر بن أبي طالب لما استشهد بمؤتة فقال: "اصنعوا لآل ~~جعفر طعاما، فقد جاءهم ما يشغلهم" (5). # وهكذا ما يفعل قوم آخرون يوم عاشوراء من الاكتحال والاختضاب أو المصافحة ~~والاغتسال، فهو بدعة أيضا لا أصل لها، ولم يذكرها أحد من الأئمة المشهورين، ~~وإنما روي فيها حديث "من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض تلك السنة، ومن اكتحل ~~يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام" (6) ونحو ذلك، ولكن الذي ثبت عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه صام PageV03P094 ### || CHECK - السنة يوم عاشوراء # يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، وقال: "صومه يكفر سنة،، وقرر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن الله أنجى فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه (1)، وروي أنه ~~كان فيه حوادث الأمم، فمن كرامة الحسين أن الله جعل استشهاده فيه. # وقد يجمع الله في الوقت شخصا أو نوعا من النعمة التي توجب شكرا، أو ~~المحنة التي توجب صبرا، كما أن سابع عشر شهر رمضان فيه كانت وقعة بدر، وفيه ~~كان مقتل علي. وأبلغ من ذلك أن يوم الاثنين في ربيع الأول مولد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وفيه هجرته، وفيه وفاته. # والعبد المؤمن يبتلى بالحسنات التي تسره والسيئات التي تسوءه في الوقت ~~الواحد، ليكون صبارا شكورا، فكيف إذا وقع مثل ذلك في وقتين متعددين من نوع واحد؟ # ويستحب صوم التاسع والعاشر، ولا يستحب الكحل، والذين يصنعون من الكحل من ~~أهل الدين لا يقصدون به مناصبة أهل البيت، وإن كانوا مخطئين في فعلهم، ومن ~~قصد منهم أهل البيت بذلك أو غيره، أو فرح أو استشفى بمصائبهم، فعليه لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"والذي نفسي بيده لا يدخلون PageV03P095 ### || CHECK - سبب تأليف هذه الرسالة # الجنة حتى يحبوكم من أجلي" (1) لما شكا إليه العباس أن بعض قريش يجفون ~~بني هاشم. وقال: "إن الله اصطفى قريشا من بني كنانة، واصطفى بني هاشم من ~~قريش، واصطفاني من بني هاشم" (2). وروي ms0366 عنه أنه قال: "أحبوا الله لما ~~يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي" (3). وهذا باب ~~واسع يطول القول فيه. # وكان سبب هذه المواصلة أن بعض الإخوان قدم بورقة فيها ذكر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وذكر سادة أهل البيت، وقد أجري فيها ذكر النذور لمشهد ~~المنتظر. فخوطب من فضائل أهل البيت وحقوقهم بما سر قلبه وشرح صدره، وكان ما ~~ذكر بعض الواجب، فإن الكلام في هذا طويل، ولم يحتمل هذا الحامل أكثر من ~~ذلك. وخوطب فيما يتعلق بالأنساب والنذور بما يجب في دين الله، فسأل ~~المكاتبة بذلك إلى من يذهب إليه من الإخوان، فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "الدين النصيحة"، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ~~ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (4). PageV03P096 ### || CHECK - المهدي المنتظر الغائب عند الشيعة ### || CHECK - بيان بعض الأخطاء التاريخية في ورقة الأنساب والتواريخ التي وردت إلى المؤلف # أما ورقة الأنساب والتواريخ ففيها غلط في مواضع متعددة، مثل ذكره أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - توفي في صفر، وأنه محمد بن عبد الله بن عبد ~~المطلب ابن عمرو بن العلاء بن هاشم، وأن جعفر الصادق توفي في خلافة الرشيد، ~~وغير ذلك. # فإنه لا خلاف بين أهل العلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توفي في شهر ~~ربيع الأول شهر مولده وشهر هجرته، وأنه توفي يوم الاثنين، وفيه ولد وفيه ~~أنزل عليه. وجده هاشم بن عبد مناف، وإنما كان هاشم يسمى عمرا، ويقال له ~~عمرو العلا، كما قال الشاعر (1): # عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف # وأن جعفرا أبا عبد الله توفي في سنة ثمان وأربعين في إمارة أبي جعفر ~~المنصور. # وأما المنتظر فقد ذكر طائفة من أهل العلم بأنساب أهل البيت أن الحسن بن ~~علي العسكري لما توفي بعسكر سامراء لم يعقب ولم ينسل، وقال من أثبته: إن ~~أباه لما توفي سنة ستين ومئتين كان عمره سنتين أو أكثر من ذلك بقليل، وأنه ~~غاب من ذلك الوقت، وأنه من ms0367 ذلك الوقت حجة الله على أهل الأرض، لا يتم ~~الإيمان إلا به، وأنه هو المهدي الذي أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وأنه يعلم كل ما يفتقر إليه في الدين. # وهذا موضع ينبغي للمسلم أن يتثبت فيه ويستهدي الله ويستعينه، فإن الله قد ~~حرم القول بغير علم، وذكر أن ذلك من خطوات الشيطان، PageV03P097 ### || CHECK - تحقيق الكلام في المهدي الذي بشر به النبي - صلى الله عليه وسلم - # وحرم القول المخالف للحق، ونصوص التنزيل شاهدة بذلك، ونهى عن اتباع الهوى. # فأما المهدي الذي بشر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد رواه أهل ~~العلم العالمون بأخبار النبي - صلى الله عليه وسلم -، الحافظون لها، ~~الباحثون عنها وعن رواتها، مثل أبي داود والترمذي وغيرهما. ورواه الإمام ~~أحمد في "مسنده" (1). # فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو ~~لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث الله فيه رجلا من ~~أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ~~ملئت ظلما وجورا" (2). # وروي هذا المعنى من حديث أم سلمة وغيرها (3). # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "المهدي من ولد ابني هذا"، ~~وأشار إلى الحسن (4). PageV03P098 ### || CHECK - المهدي من ذرية الحسن ### || CHECK - الحسن والحسين يشبهان من بعض الوجوه بإسماعيل وإسحاق # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "يكون في آخر الزمان خليفة يحثو المال ~~حثوا" (1)، وهو حديث صحيح. # فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن اسمه "محمد بن عبد الله" ليس ~~"محمد بن الحسن". ومن قال: إن أبا جده "الحسين"، وإن كنية الحسين "أبو عبد ~~الله"، فقد جعل الكنية اسمه، فما يخفى على من يخشى الله أن هذا تحريف الكلم ~~عن مواضعه، وأنه من جنس تأويلات القرامطة. # وقول أمير المؤمنين صريح في أنه حسني لا حسيني، لأن الحسن والحسين مشبهان ~~من بعض الوجوه بإسماعيل وإسحاق، وإن لم يكونا نبيين، ولهذا كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول لهما: ms0368 "أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان ~~وهامة، ومن كل عين لامة" (2)، ويقول: "إن إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل ~~وإسحاق" (3). وكان إسماعيل هو الأكبر والأحلم، ولهذا قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو يخطب على المنبر والحسن معه على المنبر: "إن ابني هذا سيد، ~~وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (4). # فكما أن غالب الأنبياء كانوا من ذرية إسحاق، فهكذا كان غالب السادة ~~الأئمة من ذرية الحسين، وكما أن خاتم الأنبياء الذي طبق أمره مشارق الأرض ~~ومغاربها كان من ذرية إسماعيل، فكذلك الخليفة الراشد المهدي الذي هو آخر ~~الخلفاء يكون من ذرية الحسن. PageV03P099 ### || CHECK - الأمر بعمارة المساجد وإقامة الصلوات فيها # وأيضا فإن من كان ابن سنتين كان في حكم الكتاب والسنة مستحقا أن يحجر ~~عليه في بدنه، ويحجر عليه في ماله، حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد، فإنه يتيم، ~~وقد قال الله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) (1). فمن لم تفوض الشريعة إليه أمر نفسه كيف ~~تفوض إليه أمر الأمة؟ وكيف يجوز أن يكون إماما على الأمة من لا يرى ولا ~~يسمع له خبر؟ مع أن الله لا يكلف العباد بطاعة من لا يقدرون على الوصول ~~إليه، وله أربعمئه وأربعون سنة ينتظره من ينتظره وهو لم يخرج، إذ لا وجود له. # وكيف لم يظهر لخواصه وأصحابه المأمونين عليه كما ظهر آباؤه؟ وما الموجب ~~لهذا الاختفاء الشديد دون غيره من الآباء؟ وما زال العقلاء قديما وحديثا ~~يضحكون ممن يثبت هذا ويعلق دينه به، حتى جعل الزنادقة هذا وأمثاله طريقا ~~إلى القدح في الملة وتسفيه عقول أهل الدين إذا كانوا يعتقدون مثل هذا. # لهذا قد اطلع أهل المعرفة على خلق كثير منافقين زنادقة يتسترون بإظهار ~~هذا وأمثاله، ليستميلوا قلوب وعقول الضعفاء وأهل الأهواء، ودخل بسبب ذلك من ~~الفساد ما الله به عليم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والله ~~يصلح أمر هذه الأمة ويهديهم ويرشدهم. # وكذلك ما يتعلق بالنذور والمساجد والمشاهد، فإن ms0369 الله في كتابه وسنة نبيه ~~التي نقلها السابقون والتابعون من أهل بيته وغيرهم قد أمر بعمارة المساجد، ~~وإقامة الصلوات فيها بحسب الإمكان، ونهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن ~~من يفعل ذلك. قال الله تعالى: PageV03P100 # (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (18)) (1). # وقال تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في ~~خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) (2). # وقال تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال (36)) (3) وقال: (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا ~~(18)) (4). # وقال: (ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا) (5). # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا ~~في الجنة" (6). # وقال: "بشر المشائين في ظلم الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" ~~(7). PageV03P101 # وقال: "من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح" (1). # وقال: "صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ~~درجة" (2). # وقال: "من تطهر في بيته فأحسن الطهور، وخرج إلى المسجد لا ينهزه إلا ~~الصلاة، كانت خطوتاه إحداهما ترفع درجة، والأخرى تضع خطيئة" (3). # وقال: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى ~~من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر كان أحب إلى الله" (4). # وقال: "سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ~~ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة" (5). PageV03P102 ### || CHECK - النهي عن اتخاذ القبور مساجد # وقال: "يصلون لكم، فإن أحسنوا فلكم، وإن أساءوا فلكم وعليهم" (1). # وهذا باب واسع جدا. # وقال أيضا: "لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا ~~(2). قالوا: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا (3)، وهذا قاله ~~في مرضه. # وقال قبل موته بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا ~~فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (4). # ولما ms0370 ذكر كنيسة الحبشة قال: "أولئك إذا مات الرجل فيهم بنوا على قبره ~~مسجدا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (5). # وكل هذه الأحاديث في الصحاح المشاهير. # وقال أيضا: "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج". ~~رواه الترمذي وغيره (6)، وقال: حديث حسن. PageV03P103 ### || CHECK - النهي عن الاجتماع عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواية أهل البيت للأحاديث الواردة فيه # فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد لعن الذين يتخذون على القبور ~~المساجد، ويسرجون عليها الضوء، فكيف يستحل مسلم أن يجعل هذا طاعة وقربة؟ # وفي صحيح مسلم (1) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ~~بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرني أن لا أدع قبرا مشرفا إلا ~~سويته، ولا تمثالا إلا طمسته". # وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد" (2). # وقال: "لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" (3). # فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الاجتماع عند قبره، وأمر بالصلاة ~~عليه في جميع المواضع، فإن الصلاة عليه تصل إليه من جميع المواضع. # وهذه الأحاديث رواها أهل بيته، مثل على بن الحسين عن أبيه عن جده علي، ~~ومثل عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فكانوا هم وجيرانهم من علماء ~~أهل المدينة ينهون عن البدع التي عند PageV03P104 ### || CHECK - الزيارة الشرعية للقبور ### || CHECK - مبدأ عبادة الأوثان العكوف على قبور الأنبياء والصالحين # قبره أو قبر غيره، امتثالا لأمره متابعة لشريعته، فإن من مبدأ عبادة ~~الأوثان: العكوف على قبور الأنبياء والصالحين والعكوف على تماثيلهم، وإن ~~كانت وقعت بغير ذلك. # وقد ذكر الله في كتابه عن المشركين أنهم قالوا (لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ~~ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23 وقد أضلوا كثيرا)) (1). وقد روى ~~طائفة من علماء السلف أن هؤلاء كانوا قوما صالحين، فلما ماتوا عكفوا على ~~قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم (2). وكذلك قال ابن عباس في قوله (أفرأيتم اللات ~~والعزى ms0371 (19) ومناة الثالثة الأخرى (20)) (3)، قال ابن عباس: كان اللات رجلا ~~يلت السويق للحجاج، فلما مات عكفوا على قبره (4). # ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" ~~(5)، ونهى أن يصلى عند قبره. ولهذا لما بنى المسلمون حجرته حرفوا مؤخرها ~~وسئموه، لئلا يصلى إليه، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا إليها"، رواه مسلم (6). # وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج إلى أهل البقيع يسلم عليهم ويدعو ~~لهم (7)، PageV03P105 ### || CHECK - الأمر بالصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - من القرب والبعد # وعلم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور (1): "سلام عليكم أهل دار قوم ~~مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منكم ~~والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم اجرهم ولا تفتنا بعدهم، ~~واغفر لنا ولهم". # هذا مع أن في البقيع إبراهيم وبناته أم كلثوم ورقية وسيدة نساء العالمين ~~فاطمة، وكانت إحداهن دفنت فيه قديما قريبا من غزوة بدر، ومع ذلك فلم يحدث ~~على أولئك السادة شيئا من هذه المنكرات، بل المشروع التحية لهم والدعاء ~~بالاستغفار وغيره. # وكذلك في حقه أمر بالصلاة والسلام عليه من القرب والبعد، وقال: "أكثروا ~~علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي". قالوا: ~~كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني بليت، قال: "إن الله حرم على الأرض أن ~~تأكل أجساد الأنبياء" (2). # وقال: "ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد ~~الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام" (3). # وكل هذه الأحاديث ثابتة عند أهل المعرفة بحديث النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، PageV03P106 ### || CHECK - المشروع استلام أركان الكعبة وتقبيل الحجر الأسود # فالدعاء والاستغفار يصل إلى الميت عند قبره وغير قبره، وهو الذي ينبغي ~~للمسلم أن يعامل به موتى المسلمين، من الدعاء لهم بأنواع الدعاء، كما أن في ~~حياته يدعو لهم. # وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمرنا أن نصلي عليه ونسلم ~~تسليما في حياته ومماته، وعلى آل بيته، ms0372 وأمرنا أن ندعو للمؤمنين والمؤمنات ~~في محياهم ومماتهم، عند قبورهم وغير قبورهم، ونهانا الله أن نجعل له ~~أندادا، أو نشبه بيت المخلوق الذي هو قبره ببيت الله الذي هو الكعبة البيت ~~الحرام، فإن الله أمرنا أن نحج ونصلي إليه ونطوف به، وشرع لنا أن نستلم ~~أركانه، ونقبل الحجر الأسود الذي جعله الله بمنزلة يمينه. قال ابن عباس: ~~"الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن استلمه وصافحه فكأنما صافح الله ~~وقبل يمينه" (1). # وشرع كسوة الكعبة وتعليق الأستار عليها، وكان يتعلق من يتعلق بأستار ~~الكعبة كالمتعلق بأذيال المستجار به، فلا يجوز أن تضاهى بيوت المخلوقين ~~ببيت الخالق. # ولهذا كان السلف ينهون من زار قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يقبله، بل يسلم عليه -بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - ويصلي عليه، كما ~~كان السلف يفعلون. # فإذا كان السلف أعرف بدين الله وسنة نبيه وحقوقه، وحقوق السابقين ~~والتابعين من أهل البيت وغيرهم، ولم يفعلوا شيئا من هذه البدع التي تشبه ~~الشرك وعبادة الأوثان، لأن الله ورسوله نهاهم عن PageV03P107 ### || CHECK - نذر الطاعة ونذر المعصية ### || CHECK - لا تشرع هذه الأعمال عند القبور # ذلك، بل يعبدون الله وحده لا شريك له، مخلصين له الدين كما أمر الله به ~~ورسوله، ويعمرون بيوت الله بقلوبهم وجوارحهم من الصلاة والقراءة والذكر ~~والدعاء وغير ذلك؛ فكيف يحل للمسلم أن يعدل عن كتاب الله وشريعة رسوله ~~وسبيل السابقين من المؤمنين، إلى ما أحدثه ناس آخرون، إما عمدا وإما خطا؟ # فخوطب حامل هذا الكتاب بأن جميع هذه البدع التي على قبور الأنبياء ~~والسادة من آل البيت والمشايخ، المخالفة للكتاب والسنة، ليس للمسلم أن يعين ~~عليها، هذا إذا كانت القبور صحيحة، فكيف وأكثر هذه القبور مطعون فيها؟ # وإذا كانت هذه النذور للقبور معصية قد نهى الله عنها ورسوله والمؤمنون ~~السابقون، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من نذر أن يطيع الله ~~فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (1). وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"كفارة النذر كفارة يمين" (2)، وهذا الحديث ms0373 في الصحاح. # فإذا كان النذر طاعة لله ورسوله، مثل أن ينذر صلاة أو صوما أو حجا أو ~~صدقة أو نحو ذلك، فهذا عليه أن يفي به؟ وإذا كان النذر معصية -كفرا أو غير ~~كفر- مثل أن ينذر للأصنام كالنذور التي بالهند، ومثلما كان المشركون ينذرون ~~لآلهتهم، مثل اللات التي كانت بالطائف، والعزى التي كانت بعرفة قريبا من ~~مكة، ومناة الثالثة الأخرى التي كانت لأهل المدينة. وهذه المدائن الثلاث هي ~~مدائن أرض الحجاز، كانوا ينذرون لها النذور، ويتعبدون لها، ويتوسلون PageV03P108 ### || CHECK - لا يجوز الوفاء بنذر المعصية # بها إلى الله في حوائجهم، كما أخبر الله عنهم بقوله: (ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى) (1). ومثلما ينذر الجهال من المسلمين لعين ماء أو ~~بئر من الآبار أو قناة ماء أو مغارة أو حجر أو شجرة من الأشجار أو قبر من ~~القبور -وإن كان قبر نبي أو رجل صالح-، أو ينذرون زيتا أو شمعا أو كسوة أو ~~ذهبا أو فضة لبعض هذه الأشياء-: فإن (2) هذا كله نذر معصية لا يوفى به. لكن ~~من العلماء من يقول: على صاحبه كفارة يمين، لما روى أهل السنن (3) عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين". وفي ~~الصحيح عنه أنه قال: "كفارة النذر كفارة يمين" (4). # وإذا صرف من ذلك المنذور شيء في قربة من القربات المشروعة كان حسنا، مثل ~~أن يصرف الدهن إلى تنوير بيوت الله، ويصرف المال والكسوة إلى من يستحقه من ~~المسلمين من آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسائر المؤمنين، وفي ~~سائر المصالح التي أمر الله بها ورسوله. # وإذا اعتقد بعض الجهال أن بعض هذه النذور المحرمة قد قضت حاجته بجلب ~~المنفعة من المال والعافية ونحو ذلك، أو بدفع المضرة من العدو ونحوه، فقد ~~غلط في ذلك، فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن النذر ~~وقال: "إنه لا يأتي بخير، ولكنه يستخرج به من البخيل" (5). فعد PageV03P109 ### || CHECK - الواجب على الناس عبادة الله وحده وطاعة الله ms0374 ورسوله # النذر مكروها، وإن كان الوفاء به واجبا إن كان المنذور طاعة لله ورسوله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النذر لا يأتي بخير، وإنما ~~يستخرج به من البخيل، وهذا المعنى قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من غير وجه فيما كان قربة محضة لله، فكيف بنذر فيه شرك؟ فإنه لا يجوز نذره ~~ولا الوفاء به. # وهذا وإن كان قد غمر الإسلام، وكثر العكوف على القبور التي هي للصالحين ~~من أهل البيت وغيرهم، فعلى الناس أن يطيعوا الله ورسوله، ويتبعوا دين الله ~~الذي بعث به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولا يشرعوا من الدين ما لم يأذن ~~به الله، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، ~~وليعبدوا الله وحده لا شريك له. # كما قال تعالى: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون (45)) (1). # وقال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13)) (2). # وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة) (3). PageV03P110 # وقال تعالى في حق الذين كانوا يدعون الملائكة والنبيين) قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك ~~كان محذورا (57)) (1). # وقال: (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر ~~بعد إذ أنتم مسلمون (80)) (2). # ورد على من اتخذ شفعاء من دونه فقال: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل ~~أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون (43) قل لله الشفاعة جميعا له ملك ~~السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44) وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة وإذا ms0375 ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45) قل اللهم ~~فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا ~~فيه يختلفون (46)) (3). # وقال: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركونى (31)) (4). # وقال تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) (5). # وقال تعالى: (وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد PageV03P111 ### || CHECK - بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - دقيق الشرك وجليله # أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى (26)) (1). # وقال تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (2). # وقال: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) (3). # وكتب الله من أولها إلى آخرها تأمر بإخلاص الدين لله، لاسيما الكتاب الذي ~~بعث به محمد - صلى الله عليه وسلم -، أو الشريعة التي جاء بها، فإنها كملت ~~الدين، قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) (4)، وقال: (ثم جعلناك على ~~شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (18)) (5). # وقد جعل قوام الأمر بالإخلاص لله والعدل في الأمور كلها، كما قال تعالى: ~~(قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما ~~بدأكم تعودون (29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) (6). # ولقد خلص للنبي - صلى الله عليه وسلم - التوحيد من دقيق الشرك وجليله، ~~حتى قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك". رواه الترمذي وصححه (7). # وقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا PageV03P112 # فليحلف بالله أو ليصمت". وهذا مشهور في الصحاح (1). # وقال: "لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم ~~شاء محمد" (2). # وقال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله ~~وحده" (3). # وروي عنه أنه قال: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل" (4). # وروي عنه أن الرياء شرك (5). # وقال تعالى: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا (110)) (6). # وعلم بعض أصحابه أن يقول: "اللهم إني أعوذ ms0376 بك من أن أشرك بك وأنا أعلم، ~~وأستغفرك لما لا أعلم" (7). # ومن هذا الباب الذين يسألون الصدقة أو يعطونها لغير الله، مثل PageV03P113 ### || CHECK - سؤال الصدقة وإعطاؤها لغير الله ممنوع # من يقول: لأجل فلان، إما بعض الصحابة أو بعض أهل البيت، حتى يتخذ السؤال ~~بذلك ذريعة إلى أكل أموال الناس بالباطل، ويصير قوم ممن ينتسب إلى محبة آل ~~البيت يعطي الناس، وآخرون ممن ينتسب إلى السنة يعطي الآخرين، والشيطان قد ~~استحوذ على الجميع، فإن الصدقة وسائر العبادات لا يشرع أن تفعل إلا لله، ~~كما قال تعالى: (وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد ~~عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى (21)) (1). # وقال تعالى: (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ~~(39)) (2). # وقال: (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم ~~كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل) (3). # وقال: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه ~~الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9)) (4). # وقال تعالى كلمة جامعة: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة (4) وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة (5)) (5). PageV03P114 ### || CHECK - عبادة الله تجمع الصلاة والدعاء والذكر والصدقة والزكاة وغيرها # وعبادته تجمع الصلاة وما يدخل فيها من الدعاء والذكر، وتجمع الصدقة ~~والزكاة بجميع الأنواع من الطعام واللباس والنقد وغير ذلك. # والله يجعلنا وسائر إخواننا المؤمنين مخلصين له الدين، نعبده ولا نشرك به ~~شيئا، معتصمين بحبله، متمسكين بكتابه، متعلمين لما أنزل من الكتاب والحكمة، ~~ويصرف عنا شياطين الجن والإنس، ويعيذنا أن تفرق بنا عن سبيله، ويهدينا ~~الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا. PageV03P115 ### | CHECK (4) مسألة في قصد المشاهد المبنية على القبور للصلاة عندها والنذر لها وغير ذلك # مسألة في قصد المشاهد المبنية # على ms0377 القبور للصلاة عندها والنذر لها # وقراءة القرآن وغير ذلك PageV03P117 ### || CHECK - أسئلة تتعلق بزيارة المشاهد والقبور وما يفعل عندها # مسألة # ما يقول سيدنا الإمام العلامة تقي الدين -أيده الله تعالى- في مشهد فيه ~~شريف مدفون من أولاد زين العابدين، والناس يقصدونه ليصلوا عنده الصلوات ~~الخمس، وينذرون له، ومنهم من يقصد البركة، ومنهم من يعتقد أن الصلاة عنده ~~أفضل مما سواه من المساجد. فهل هم مصيبون أم مخطئون؟ وهل لهم أجر أم لا؟ ~~وهل يثاب من يتصدق أو يبر قيم المشهد المذكور أو الفقراء الذين يقعدون عند ~~المشهد المذكور؟ وأيضا يقعد في المشهد قراء يقرأون القرآن العظيم بلا أجرة ~~من العشاء إلى بكرة، فهل يؤجرون على ذلك أم لا؟ وهل للميت أجر باستماعه ~~القرآن أم لا؟ والذين يقرأون القرآن في الترب بالأجرة وفي الختم التي ~~يعملونها، مثل الذي يسمونه الثالث والسابع وتمام الشهر وتمام الحول، ~~وينشدون الأشعار الفراقيات ليبكي أهل الميت، وينقطوه بالفضة، والوعاظ أيضا ~~والذين يقرأون القرآن في الطرقات والأسواق حتى يتصدق عليهم، فما حكمهم؟ ~~والحديث الذي يذكر فيه أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وقول عائشة: إنما ~~كانت يهودية، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله لا يعذب بدمع العين ~~ولا بحزن القلب، ولكن بهذا" وأشار إلى لسانه. وإذا كان أحد يتحدث في عليم ~~أو صلاة أو ذكر أو حديث مباح، أو ينام، فهل يجوز لأحد أن يجهر بالقرآن ~~ليشوش عليهم؟ # أفتونا مأجورين، رضي الله عنكم. # أجاب -رضي الله عنه- # الحمد لله. اتفق أئمة المسلمين -رضي الله عنهم أجمعين- على PageV03P119 ### || CHECK - النهي عن اتخاذ القبور مساجد ### || CHECK - حكم الصلاة في المشاهد المبنية على القبور وقصدها للصلاة والتبرك بها # أن المشاهد المبنية على القبور، سواء كان قبر بعض الصالحين أو بعض ~~الصحابة أو بعض أهل البيت، أو قبر نبي من الأنبياء أو غير ذلك، سواء كان ~~علم أنه قبر الميت المسمى أو علم أنه ليس قبره أو جهل الحال-: اتفقوا كلهم ~~على أن الصلاة فيها ليست أفضل من الصلاة في المساجد، بل ولا في ms0378 سائر البقاع ~~التي تجوز الصلاة فيها، وأنه لا يشرع لأحد أن يقصدها لأجل الصلاة عندها، لا ~~الصلوات الخمس ولا غيرها. بل قصدها للصلاة عندها والتبرك بالصلاة هناك ~~خصوصا لم يأمر الله به ولا رسوله، وولا أحد من الصحابة ولا من أئمة ~~المسلمين، لا أهل البيت ولا غيرهم، ولا ذكروا أن في ذلك ثوابا أو أجرا أو قربة. # بل قد استفاضت السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين ~~بالنهي في ذلك، وصرح غير واحد من أئمة المسلمين أن النهي عن اتخاذ المساجد ~~على القبور نهي تحريم، كما في الصحيحين (1) عن عائشة رضي الله عنها وابن ~~عباس رضي الله عنهما قالا: لما نزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - طفق ~~يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: ~~"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا. # وفي الصحيحين (2) عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وفي صحيح مسلم (3) عن جندب ~~بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت ~~بخمس PageV03P120 # وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني ~~خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا ~~بكير خليلا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا ~~فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك". # وعن أبي مرثد الغنوي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ~~تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". رواه مسلم (1). # وعن ابن عباس قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوارات القبور ~~والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة أبو ~~داود وابن ماجه والنسائي والترمذي (2)، وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ: صحيح. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~مرضه الذي لم يقم ms0379 منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد"، لولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا (3). # والأحاديث والآثار في هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وسلف ~~الأمة وأئمتها وسائر علماء الدين كثيرة. فمن اعتقد أن الصلاة عندها فيها ~~فضيلة على غيرها، أو أنه ينبغي أن يقصد الصلاة عندها [و] أن في ذلك أجرا ~~ومثوبة، فهو مخطئ ضال باتفاق أئمة المسلمين. PageV03P121 ### || CHECK - زيارة القبور جائزة على الوجه المأذون فيه ### || CHECK - المشروع العكوف في المساجد والمجاورة فيها ### || CHECK - العكوف على القبور والمجاورة عندها من البدع المذمومة المنهي عنها # وكذلك العكوف عندها والمجاورة عندها ليس مشروعا باتفاق المسلمين ولا ~~واجبا ولا مستحبا، بل ذلك من البدع المذمومة المنهي عنها. وإنما تكون ~~البقعة التي يشرع العكوف فيها والمجاورة فيها: المساجد، كما قال الله ~~تعالى: (تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) (1). وكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يعتكف في مسجده في العشر الأواخر من رمضان (2)، واعتكف مرة ~~عشرين يوما (3)، وترك مرةا لاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فقضاه في ~~شوال (4). وهذا هو المشروع للمسلمين. # وزيارة القبور جائز على الوجه المأذون فيه، فإن كان الميت كافرا فيزار ~~للاعتبار بالموت ولا يدعى له، كما في صحيح مسلم (5) عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: "استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته ~~في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكركم الآخرة". وإنما ~~زار قبر أمه دون أبيه لأنها كانت على طريقه عام فتح مكة، فاجتاز بقبرها عند ~~مكة فزارها، وروي أنه زارها في ألف مقنع، فبكى وأبكى من حوله (6). وأما ~~أبوه فلم يمر بقبره. PageV03P122 ### || CHECK - النهي عن الدعاء والاستغفار للمشركين # ولم يأذن ربه له في الاستغفار له لأن الاستغفار إنما يكون للمؤمنين، قال ~~الله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113)) (1)، ثم قال: (وما ~~كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ms0380 فلما تبين له أنه عدو ~~لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114)) (2). فإن إبراهيم استغفر لأبيه ~~بقوله فيما ذكر الله عنه (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ~~(41)) (3)، ووعده بذلك في قوله: (سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ~~(47)) (4). فشرع له القدوة بإبراهيم إلا في ذلك بقوله: (قد كانت لكم أسوة ~~حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من ~~دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء) (5). # ولما نهى المؤمنين عن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى فاحتج بعض ~~الناس بإبراهيم، فبين سبحانه الجواب بقوله: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ~~إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه)، فإن أباه مات ~~كافرا. ومن قال "إنه مات مؤمنا" من الرافضة الجهال أو غيرهم فقد خالف ~~الكتاب والسنة والإجماع. # وكذلك أبو النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمه أبو طالب، وفي صحيح مسلم ~~(6) أن PageV03P123 ### || CHECK - أبو طالب (عم النبي - صلى الله عليه وسلم -) مات كافرا # رجلا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ فقال: "إن أباك في النار". فلما أدبر ~~دعاه فقال: "إن أبي وأباك في النار". وفي الصحيحين (1) أنه لما حضرت أبا ~~طالب الوفاة دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه وعنده أبو جهل وعبد ~~الله بن أمية، فقال: "يا عم! قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند ~~الله". فقالا: يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فكان آخر شيء قاله: ~~على ملة عبد المطلب. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لأستغفرن لك ما ~~لم أنه عنك"، فأنزل الله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113)) (2). # وفي الصحيح (3) أن العباس قال: يا رسول الله! عمك الشيخ الضال كان يحوطك ~~ويصنع لك، فهل ms0381 نفعته بشيء؟ فقال: "وجدته في غمرة من النار، فشفعت فيه، فجعل ~~في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"، أو كما قال - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وهذه الأحاديث الصحيحة توافق ما اتفق عليه أئمة المسلمين في أنه مات ~~كافرا، وتبين كذب من ادعى من الجهال الرافضة وغيرهم أنه مات مؤمنا. ويحتج ~~بما ذكر ابن إسحاق في "السيرة" (4) من أنه جعل يهمهم عند الموت، وأن العباس ~~قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنه قد قال الكلمة التي تطلبها أو نحو ~~ذلك. فإن الذي في الصحيح بين أن العباس لم PageV03P124 ### || CHECK - الزيارة الشرعية: السلام على الميت والدعاء له # يكن حاضرا، وأن العباس علم أنه مات ضالا، وأنه سأل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - هل نفعه نصره لك مع كفره، فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~ذلك نفعه، بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في تخفيف العذاب لا في ~~رفعه، ولو كان قد مات على الإيمان لم يكن في العذاب، ولم ينه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن الاستغفار له، ولقرن ذكره بذكر حمزة والعباس، ولكان قد ~~صلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وابنه علي. بل الاستغفار للمنافقين ~~الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر غير نافع لهم ولا جائز إذا علم حالهم، ~~كما قال تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله ~~لهم) (1)، وقال تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ~~إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون (84)) (2). # وأما زيارة قبور المؤمنين فجائزة بل مستحبة، كما سنها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فإن الزيارة نوعان: شرعية وبدعية، والشرعية السلام على ~~الميت والدعاء له، بمثل أن يقال (3): "السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، ~~وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم ~~والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ~~ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم". فالزيارة المشروعة من جنس الصلاة على ~~الجنازة، وكلاهما ms0382 المقصود به الدعاء للميت، والله تعالى يرحم الميت بدعاء ~~المسلمين، ويرحم الداعين له أيضا، فيثيب هذا وهذا كما يثيب المصلين على ~~الجنازة، فمن صلى على جنازة إيمانا واحتسابا كان له قيراط من الأجر، ومن ~~شيعها حتى تدفن PageV03P125 ### || CHECK - الزيارة البدعية مثل التمسح بالقبر أو تقبيله أو قصده للصلاة عنده وطلب الحوائج من الميت وغير ذلك # كان له قيراطان (1). # والله تعالى يقبل شفاعة المؤمنين ودعاءهم للميت، كما جاء في الحديث ~~الصحيح (2) أنه إذا شفع فيه مئة من المؤمنين شفعهم الله فيه، وفي حديث آخر ~~في الصحيح (3): إذا شفع فيه أربعون، وفي حديث آخر (4): إذا كانوا ثلاثة ~~صفوف. ولهذا كانوا يستحبون أن لا تنقص صفوف الجنازة عن ثلاثة. # والمؤمنون مأمورون بدعاء بعضهم لبعض، حتى يدعو الفاضل للمفضول وبالعكس، ~~قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (5): "إذا سمعتم المؤذن ~~فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا، ~~ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد ~~الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم ~~القيامة". وقال: "ما من مؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ~~ملكا، كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك: ولك بمثل" (6). # وأما الزيارة البدعية فمثل التمسح بالقبر أو تقبيله أو قصده للصلاة عنده ~~والدعاء وطلب الحوائج من الميت، وأمثال ذلك مما هو من PageV03P126 ### || CHECK - أصل الدين أن يعبد الله لا يشرك به شيء ### || CHECK - أصل عبادة الأصنام: العكوف على قبور الأنبياء والصالحين # جنس فعل المشركين والنصارى، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~رواه مالك في الموطأ (1): "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله ~~على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". # وقد ذكر غير واحد من السلف (2) أن أصل عبادة الأصنام كان ذلك، فقالوا في ~~قوله (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ~~(23)) (3): إن هذه أسماء قوم ms0383 كانوا قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا ~~عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، وهذه الأصنام صارت إلى العرب، حتى ~~بعث الله رسوله بأن يعبد الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك من عبادة ~~الأوثان وغير ذلك، وبين أن أصل الدين أن يعبد الله لا يشرك به شيئا. # وفي الصحيح (4) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ بن جبل: "يا ~~معاذ! أتدري ما حق الله على عباده؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن ~~يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ " ~~قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "أن لا يعذبهم". # وفي الصحيحين (5) عنه أنه قال: "الإيمان بضع وستون أو وسبعون شعبة، ~~أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة ~~من الإيمان". PageV03P127 ### || CHECK - أصل النذر مكروه منهي عنه ### || CHECK - حكم النذر للقبور # وفي الترمذي (1) عنه أنه قال: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء ~~الحمد لله". # وفي الموطأ (2): "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". # وفي الصحيحين (3) عنه أنه قال: "من قال في يوم مئة مرة: "لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، كانت له عدل ~~عشر رقاب، وكتب له مئة حسنة، وحط عنه مئة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان ~~يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثل ما قال ~~أو زاد عليه. ومن قال في يوم: "سبحان الله وبحمده" مئة مرة حطت عنه خطاياه ~~ولو كانت مثل زبد البحر". # وأما النذر لها فينبغي أن يعلم أن أصل النذر مكروه منهي عنه بلا نزاع ~~أعلمه بين الأئمة، لما في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به [من] البخيل" (4). # وفي الصحيحين أيضا ms0384 عنه أنه قال: "إن النذر يرد ابن آدم إلى القدر، فيعطي ~~على النذر مالا يعطي على غيره" (5). # فبين - صلى الله عليه وسلم - أن النذر لا يجلب خيرا ولا يدفع شرا، ولكن ~~يقع مع PageV03P128 ### || CHECK - يجب الوفاء بنذر الطاعة ولا يجوز الوفاء بنذر المعصية # النذر ما كان واقعا بدون النذر، فيبقى النذر عديم الفائدة، لكنه يستخرج ~~من البخيل، فإنه يخرج بالنذر مالا يخرجه بدونه، ونهى عن النذر لأن فيه ~~التزام شيء لم يكن لازما، وقد لا يفعله فيبقى متلوما، كما قال تعالى:) ~~ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) ~~فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) (1). # ولهذا يجب الوفاء بالنذر إذا كان المنذور طاعة، وإن كان نفس النذر منهيا ~~عنه، كما أن العبد منهي عن الظهار، وإذا ظاهر لزمته الكفارة، فالمنهي عنه ~~إن كان فيه إيجاب أو تحريم لزم المنهي عقوبة له، وإن كان فيه إباحة لم تبح، ~~لأن المنهي عنه معصية، والمعصية لا تكون سببا للمنعة الشرعية. وفي صحيح ~~البخاري (2) عن عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه". وعلى هذا ~~اتفق أهل العلم، اتفقوا على أن المنذور إذا كان طاعة -كالصلاة الشرعية ~~والحج الشرعي والصيام الشرعي والصدقة الشرعية والعتق الشرعي ونحو ذلك- فإنه ~~يوفى به، وإذا كان المنذور معصية لم يجز الوفاء به، لكن هل عليه كفارة ~~يمين؟ على قولين للعلماء، أحدهما: لا شيء عليه، وهو قول أبي حنيفة ومالك ~~والشافعي؟ والثاني: عليه كفارة يمين، وهو ظاهر مذهب أحمد، لما في الصحيح ~~(3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كفارة PageV03P129 ### || CHECK - النذر للقبر أو للعاكفين عليه نذر معصية # النذر كفارة يمين". وفي السنن (1) عنه: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين". # وإذا كان كذلك فمن نذر زيتا لقبر ليسرج عليه أو ms0385 للعاكفين عند القبر وسدنة ~~القبر ونحوهم فهذا نذر معصية، فإن الإيقاد على القبور منهي عنه، والعكوف ~~عند القبور والمجاورة عندها منهي عنه، والإعانة على ذلك إعانة على الإثم ~~والعدوان. ولا يشك أحد من العلماء أنه ليس بطاعة ولا بر، وإذا لم يكن كذلك ~~فلا يجب الوفاء بهذا النذر باتفاق المسلمين، فإن الوفاء إنما يجب بنذر ~~الطاعة، لا بنذر المباح ولا المكروه ولا المحرم، بل تنازع العلماء: هل يجب ~~بنذر كل طاعة أو نذر ما كان جنسه واجبا بالشرع؟ فقال الأكثرون كمالك ~~والشافعي وأحمد بالأول؟ وقال أبو حنيفة بالثاني، ولهذا لا يجب عنده الوفاء ~~إذا نذر إتيان مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس، لأن جنس ذلك ليس واجبا ~~بالشرع بخلاف إتيان مكة للحج والعمرة، فإن الوفاء بذلك لا نزاع فيه، لأن ~~جنس الحج والعمرة واجب بالشرع؛ وعلى قول الجمهور يوفى بالنذر في إتيان مسجد ~~المدينة والمسجد الأقصى لمن يقصد الصلاة هناك أو الاعتكاف، لكن إذا أتى ~~الفاضل أغنى عن المفضول، فمن أتى في نذره ذلك المسجد الحرام أغناه عن ~~الآخرين، ومن أتى مسجد المدينة أغناه عن الأقصى، وأما المسجد الحرام فهو ~~أفضل المساجد، لا يقوم غيره مقامه، به الطواف، وإليه الصلاة والحج. PageV03P130 ### || CHECK - ينقطع عمل الميت إلا من ثلاث ### || CHECK - لا يجوز قصد المقابر للاجتماع على صلاة ولا قراءة ولا غيرها ### || CHECK - لا ثواب على إعانة العاكفين على القبور والمجاورين عندها بصدقة ولا غيرها # ولا ثواب على إعانة العاكفين على القبور والمجاورين عندها بصدقة ولا ~~غيرها، لا من العوام والفقراء ولا غيرهم. ولا يصلح قصد المقابر للاجتماع ~~على صلاة ولا قراءة ولا غيرها، فإن هذا أعظم من صلاة الآحاد عندها، وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو داود في سننه (1): "لا تتخذوا ~~قبري عيدا". وهذا اتخاذ القبر عيدا يعاد إليه فيجتمع عنده. ولم يقل أحد من ~~علماء المسلمين أن الاجتماع هناك لقراءة القرآن أفضل من الاجتماع للقراءة ~~في المساجد والبيوت، بل اتفق المسلمون على أن الاجتماع لقراءة القرآن ms0386 في ~~المساجد والبيوت أفضل من الاجتماع لقراءته في مشاهد القبور. وفي الصحيح (2) ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت ~~الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم ~~السكينة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده". # ولم يقل أحد من أئمة الدين أن الميت يؤجر على استماعه للقرآن، وإن قال ~~ذلك بعض المتأخرين الذين ليسوا أئمة، فإنه ثبت في الصحيح (3) عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ~~صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". # فقد أخبر أن عمله ينقطع من سوى المسمى، والاستماع الذي يؤجر عليه من ~~الأعمال، والميت يسمع بلا ريب، كما ثبت ذلك بالنصوص واتفاق أهل السنة، كما ~~في الصحيح (4) أ نه "يسمع خفق نعالهم حتى PageV03P131 ### || CHECK - حكم الاستئجار على تعليم القرآن والفقه والإمامة في الصلاة والأذان والحج عن الغير ### || CHECK - القراءة وختم القرآن عند القبر # يولون عنه مدبرين"، وأنه لما خاطب أهل قليب بدر قال (1): "ما أنتم بأسمع ~~لما أقول منهم". ولهذا أمر الزائر أن يسلم على الميت، ولولا أنه يسمع ~~السلام لم يؤمر بالسلام عليه. وقد قال ابن عبد البر (2): ثبت عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من رجل يمر بقبر رجل يعرفه في الدنيا فيسلم ~~عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام". لكن الإدراك لا يستلزم ~~أن يكون مما يؤجر عليه ويثاب عليه، وإن كان الميت يتنعم ببعض ما يسمعه، كما ~~يعذب بالنياحة عليه. وليس تعذيبه عقابا على النياحة، لأنها ليست من عمله، ~~وإنما هي من جنس الآلام التي تلحق العبد من غير عمله، كشم الروائح الخبيثة ~~وسمع الأصوات المنكرة ورؤية الأشياء المروعة. ولو كان هذا الاستماع مما ~~يؤجر عليه لكان الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين أحق بعمل ذلك. # ولم يكونوا يجتمعون عند القبر لختم القرآن عنده، كما يفعل ذلك بعض ~~المتأخرين، بل تنازع العلماء في القراءة عند ms0387 القبر: فكرهها أبو حنيفة ومالك ~~وأحمد في أكثر الروايات عنه، ورخص فيها في الرواية الأخرى لما بلغه عن ابن ~~عمر أنه وصى أن يقرأ عند دفنه بفواتح البقرة وخواتمها. والرخصة إما مطلقا ~~وإما حال الدفن خاصة، ولكن اتخاذ ذلك سنة راتبة لم يذهب إليه أحد من أئمة ~~المسلمين. # فإذا كان هذا حال من يقرأ القرآن محتسبا فكيف من يقرؤه بالكراء، فإن ~~العلماء قد تنازعوا في جواز الاستئجار على تعليم القرآن والفقه والحديث ~~والإمامة في الصلاة والأذان والحج عن الغير، فقيل: يجوز ذلك، كما هو في ~~مذهب الشافعي ومالك قريب منه، وقيل: لا يجوز، PageV03P132 ### || CHECK - الخلاف في العبادات البدنية ### || CHECK - وصول ثواب الصدقة وغيرها من العبادات المالية إلى الميت # كما هو مذهب أبي حنيفة وغيره، وهو أشهر الروايتين عن أحمد. وفيها قول ~~ثالث في مذهب أحمد وغيره: إنه يجوز مع الحاجة دون الغني، كما في ولي اليتيم ~~(ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) (1). # ومنشأ النزاع أن الأعمال التي يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة هل يجوز ~~إيقاعها على غير وجه التقرب؟ فمن قال: لا يجوز ذلك، لم يجوز الإجارة، لأنها ~~بالعوض تقع غير قربة، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، والله ~~لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه. ومن جوز الإجارة جوز إيقاعها على ~~غير وجه التقرب، ولا تصح الإجارة عليها لما فيها من نفع المستأجر، فأما ~~الاستئجار للتلاوة فليس من هذا الباب. # والعلماء متفقون على أن الصدقة تصل إلى الميت، وكذلك العتق ونحوه من ~~العبادات المالية. وأما العبادات البدنية كالقراءة والصيام والصلاة فلهم ~~فيها قولان مشهوران، ومن جوز إلا هذا فلابد أن يكون ثواب عمل صالح، وهو ما ~~أريد به وجه الله، فإذا وقعت العبادة لمجرد العوض -مثل أن يعطيه عوضا على ~~صلاته أو صيامه أو قراءته- لم تقع قربة، فلا ثواب ولا إهداء، ولكن نفس حفظ ~~القرآن ودراسته وتعلمه وتعليمه من الأعمال المقصودة، وإنفاق المال فيها من ~~القربات والطاعات، كإعانة المسلمين على ms0388 الجهاد والصيام وغيرهما. # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "من فطر صائما فله مثل أجره" (2)، وقال ~~- صلى الله عليه وسلم -: "من PageV03P133 ### || CHECK - الموازنة بين المصالح والمفاسد في الوقف على القبور # جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا" (1). فإعانة المسلمين ~~على تلاوة القرآن وتبليغه بالمال ونحوه حسن مشروع. # ولهذا لما تغير الناس وصاروا يفعلون بدعة ويتركون شرعة، وفي البدعة مصلحة ~~ما إن تركوها ذهبت المصلحة ولم يأتوا بالمشروع، صار الواجب أمرهم بالمشروع ~~المصلح لتلك المصلحة مع النهي عن البدعة، وإن لم يمكن ذلك فعل ما يمكن وقدم ~~الراجح. فإذا كانت مصلحة الفعل أهم لم ينه عنه لما فيه من المفسدة إلا مع ~~تحصيل المصلحة، وإن كانت مفسدته أهم نهي عنه. # وهذه الوقوف التي على الترب فيها من المصلحة بقاء حفظ القرآن وتلاوته، ~~وكون هذه الأموال معونة على ذلك وخاصة عليه، إذ قد يدرس حفظ القرآن في بعض ~~البلاد بسبب عدم الأسباب الحاملة عليه، وفيها مفاسد أخر: من حصول القراءة ~~لغير الله، والتآكل بالقرآن، وقراءته على غير الوجه المشروع، واشتغال ~~النفوس بذلك عن القراءة المشروعة، فمتى أمكن تحصيل هذه المصلحة بدون بذلك ~~فالواجب النهي عن ذلك والمنع منه وإبطاله، وإن ظن حصول مفسدة أكثر من ذلك ~~لم يدفع أدنى الفسادين باحتمال أعلاهما. لهذا جاء الوعيد في حق الشيخ ~~الزاني والملك الكذاب والفقير المستكبر، كما في الصحيح (2): "ثلاثة لا ~~يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذا ~~وعائل مستكبر". وذلك لضعف الموجب لهذه المعاصي في حقهم. PageV03P134 ### || CHECK - إنشاد الشعر الفراقي في المأتم من النياحة ### || CHECK - الاجتماع يوم الثالث والسابع وتمام الشهر والحول ونحو ذلك بدعة مكروهة ### || CHECK - على المؤمن أن يقصد وجه الله عند التصدق عن الميت ويجتنب البدع # فينبغي للمؤمن الذي يقصد وجه الله إذا أراد الله يثيبه ويرحم ميته أن ~~يتصدق عنه، ويقصد بذلك من ينتفع بالمال على مصلحة عامة من أهل القرآن ~~ونحوهم، ولا يشترط عليهم إهداء القرآن إلى الميت ms0389 ولا قراءته عند القبر ونحو ~~ذلك مما يخرج العمل عن أن يكون خالصا لله أو أن يكون غير مشروع، فإن في ~~الصحيحين (1) عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت ~~عنها؟ قال: نعم. وفي البخاري (2) عن ابن عباس أن سعد بن عبادة توفيت أمه ~~وهو غائب عنها، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! إن ~~أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدقت عنها؟ قال: نعم. قال: ~~فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها. # وأما الاجتماع يوم الثالث والسابع وتمام الشهر والحول ونحو ذلك على ما ~~ذكره فهو بدعة مكروهة من وجوه، أحدها: أن إنشاد الشعر الفراقي في المأتم من ~~النياحة، وكذلك كل ما فيه تهييج المصيبة، وكذلك الذين يتسمون الوعاظ، وإنما ~~هم نواحون. وإذا كان النساء قد نهين عن ذلك مع ضعف قلوبهن فكيف بالرجال؟ مع ~~أن النساء يباح لهن من الغناء وضرب الدف مالا يباح للرجال، إلا ترى أنه رخص ~~فيما لا يمكن دفعه من دمع العين وحزن القلب، والنساء نهين عن الأسباب ~~المهيجة للنياحة من اتباع الجنائز وزيارة القبور سدا للذريعة، بخلاف ~~الرجال، فإنهم لقوة قلوبهم لم ينهوا عن ذلك. PageV03P135 ### || CHECK - البكاء المرخص فيه هو دمع العين وحزن القلب # فتبين أن الرجال أحق بالنهي عن النياحة، لأنهم أقل عذرا في ذلك من ~~النساء، فهو بمنزلة من ينوح في المصيبة الصغيرة، فهو أحق ممن ناح في مصيبة ~~كبيرة. وفي صحيح مسلم (1) عن أبي مالك الأشعري أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، ~~والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة". وقال (2): "النائحة إذا ~~لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب". # والبكاء المرخص فيه هو ما كان من دمع العين وحزن القلب، ومع ذلك فلا يصلح ~~استدعاؤه حزنا، بخلاف البكاء للرحمة، ms0390 وما كان من اللسان واليد فمنهي عنه، ~~فكيف بالإعانة عليه؟! ففي الصحيحين (3) عن ابن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة ~~شكوى له، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده مع عبد الرحمن بن عوف ~~وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وحده في غاشية -وفي ~~لفظ مسلم: في غشية- فقال: "قد قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فلما رأى القوم بكاءه بكوا، فقال: "إلا تسمعون؟ إن ~~الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- ~~أو يرحم". # وعن ابن عباس قال: لما ماتت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه (4)، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بيده PageV03P136 ### || CHECK - قراءة القرآن في الأسواق والجباية على ذلك منهي عنها # فقال: "مهلا يا عمر"، ثم قال: "إياكن ونعيق الشيطان"، ثم قال؟ "مهما كان ~~من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن ~~الشيطان" (1). # وعن جابر بن عبد الله قال: أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيد عبد ~~الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى ابنه إبراهيم، فوجده يجود بنفسه، فأخذه - صلى ~~الله عليه وسلم - فوضعه في حجره، فبكى، فقال له عبد الرحمن: أتبكي؟ أو لم ~~تكن نهيت عن البكاء؟ قال: "لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند ~~مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة". رواه الترمذي (2) وقال: حديث حسن، وذكر ~~غيره (3) تمام الحديث: "وصوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان". # وفي الصحيحين (4) عن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية". # وأما قراءة القرآن في الأسواق والجباية على ذلك فهذا منهي عنه من وجهين: # أحدهما: من جهة قراءته لمسألة الناس، ففي الحديث: "اقرأوا القرآن واسألوا ~~به الله قبل أن يجيء أقوام يقرأونه يسألون به الناس" (5). PageV03P137 ### || CHECK - شرح معنى حديث "إن الميت يعذب ببكاء أهله" ومناقشة ms0391 أقوال العلماء في ذلك # والثاني: من جهة ما في ذلك من ابتذال القرآن بقراءته لمن لا يستمع إليه ~~ولا يصغي إليه. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - "إن الميت يعذب ببكاء أهله، ومن نيح ~~عليه يعذب بما يناح عليه" فهذا حديث صحيح ثابت عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من رواية عمر بن الخطاب وابنه والمغيرة بن شعبة وغيرهم (1)، ولكن ~~أشكل معناه على طوائف حتى تفرقوا فيه: # فمنهم من طعن فيه؛ وظن أن راويه لم يحفظه، كما قالت عائشة ومن معها، ~~كالشافعي في كتاب "مختلف الحديث" (2). ثم روت عائشة لفظين: أحدهما مناسب ~~معناه، وهو قوله: "إن الله يزيد الكافر ببكاء أهله عليه"، وجعلوا الموجب ~~لضعفه قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (3). # وأما جماهير السلف والخلف فعلموا أن مثل هذا التأويل لا يصلح أن يرد به ~~أحاديث ثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كانوا من صغار ~~الصحابة كجابر وأبي سعيد، فكيف بما يرويه عمر ونحوه؟ وذلك أن قوله (ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى) إنما فيه أن المذنب لا يحمل ذنبه غيره، وهذا حق لا يخالف ~~معنى الحديث، فإن الحديث ليس فيه أن الميت يحمل ذنب الحي، بل الحي النائح ~~يعاقب على نياحته عقوبة لا يحملها عنه الميت، كما دل على ذلك القرآن. وأما ~~كون الميت يتألم PageV03P138 # بعمل غيره فهذا شيء آخر، كما أنه ينعم بعمل غيره لشيء آخر لا ينافي قوله ~~(وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) (1). # ومن الناس من تأول على ما إذا لم ينه عنه مع اعتيادهم له، فيكون ذلك ~~إقرارا للمنكر يعذب عليه. وهؤلاء ظنوا أن عذاب الميت عقوبة، والعقوبة لا ~~تكون إلا على ذنب، فاحتاجوا أن يجعلوا للميت ذنبا يعاقب عليه، وليس كذلك، ~~بل العذاب قد يكون عقابا على ذنب، وقد لا يكون. قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "السفر قطعة من العذاب" (2). # والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: إنه يعاقب، بل يعذب. # وقد جاء ذلك مفسرا، كما رواه البخاري في صحيحه ms0392 (3) عن النعمان بن بشير ~~قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته تبكي واجبلاه! واكذا واكذا! ~~تعد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا وقد قيل لي: أنت كذلك؟ فلما مات ~~لم تبك عليه. # وعن أبي موسى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الميت يعذب ببكاء ~~الحي، إذا قالت النائحة: واعضداه! واناصراه! واكاسياه! جبذ الميت وقيل له: ~~أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسيها؟ ". رواه الإمام أحمد في المسند (4). # وروى الترمذي (5) عن أبي موسى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"ما من PageV03P139 # ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه! واسنداه! أو نحو ذلك إلا وكل به ~~ملكان يلهزانه أهكذا أنت؟ ". قال الترمذي: حديث حسن غريب. # وفي سنن أبي داود (1) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لنسوة في ~~جنازة: "ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت". # فهذا ونحوه هو تعذيب الميت بالنياحة. والحي في الدنيا قد يعذب بما يراه ~~ويسمعه ويشمه من أمور منفصلة عنه، وهو التعذيب الذي يلحق من جنس سائر ما ~~يلحقه من هول الفتنة والضغطة وهول القيامة وغير ذلك من أنواع الآلام. ~~والكلام في هذا مبسوط في غير هذا الموضع (2). # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا ~~على حزن القلب، ولكن يؤاخذ على هذا أو يرحم" (3) وأشار إلى لسانه، فهذا ~~أيضا حق، وهذا كقوله: "ما كان من اليد واللسان فمن الشيطان، وما كان من ~~العين والقلب فمن الله" (4). والميت إنما يعذب بما نهي عنه لا بما أبيح له، ~~ولهذا جاء مفسرا أنه النياحة، وهو البكاء بالمد، فإن من الناس من يقول: ~~البكاء بالمد هو الصوت، وأما بالقصر فهو الدمع، زيادة اللفظ كزيادة المعنى، ~~وينشدون: PageV03P140 ### || CHECK - هل يستحب الجهر بالقراءة للمنفرد؟ ### || CHECK - على المصلي والقارئ والمحدث والمفتي ونحوهم أن لا يؤذي بعضهم بعضا في المسجد # بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل (1) # وأما من يكون في المسجد من مصل وقارئ ومحدث ومفت ms0393 ونحوهم من يفعل في ~~المسجد ما بني له المسجد، فليس لبعضهم أن يؤذي بعضا، ففي السنن (2) أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج على أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقرآن، ~~فقال: "أيها الناس! كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة". ~~فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - المصلين أن يجهر بعضهم على بعض ~~بالقراءة. ومن هذا أن يكون القوم قد صلوا وهم يذكرون الله بعد صلاة الفجر ~~وغيره، فيقوم بعض من يصلي منفردا أو مسبوقا، فيرفع صوته عليهم بالقراءة حتى ~~يشغلهم. # والمنفرد لا يستحب له الجهر عند كثير من العلماء، كأحمد في المشهور عنه ~~وغيره، فإن الجهر إنما يشرع للإمام الذي يسمع المأمونين، ولهذا قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "وإذا قرأ فأنصتوا" (3). ومن استحب الجهر للمنفرد ~~فإنه ينهاه عن جهر يرفع به صوته على غيره كما نهى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، بل يجهر جهرا خفيا أو يدعه، لما فيه من إيذاء الغير الذي ينهى عن ~~إيذائهم. ألا ترى أن استلام الحجر وتقبيله مستحب، فإذا كان هناك زحمة وفي ~~ذلك إيذاء للناس فإنه ينهى عنه، كما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV03P141 # عمر عن ذلك، ففي المسند (1) عن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~له: "يا عمر! إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة ~~فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل وكبر". وعن عبد الرحمن بن عوف قال: قال لي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فرغنا من الطواف بالبيت: "كيف صنعت ~~يا أبا محمد في استلام الركن؟ "، قلت: استلمت وتركت، قال: "أصبت" رواه أبو ~~حاتم ابن حبان في صحيحه (2) والطبراني في معجمه (3). # وهذا كما أن رفع الصوت بالتلبية والأذان ونحو ذلك سنة، ثم لما كان رفع ~~المرأة صوتها مفسدة نهي عما فيه المفسدة، وجعل جهرها بالتلبية بقدر ما تسمع ~~رفيقتها. وأمثال ذلك في الشريعة كثير، والله أعلم. # قاله أحمد بن تيمية أيده الله تعالى. PageV03P142 ### | CHECK (5) فتوى فيمن يعظم المشايخ ويستغيث بهم ويزور قبورهم ms0394 # فتوى فيمن يعظم المشايخ # ويستغيث بهم ويزور قبورهم PageV03P143 # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين -رضي الله عنهم أجمعين- في قوم يعظمون ~~المشايخ، بكون أنهم يستغيثون بهم في الشدائد، ويتضرعون إليهم، ويزورون ~~قبورهم ويقبلونها ويتبركون بترابها، ويوقدون المصابيح طول الليل، ويتخذون ~~لها مواسم يقدمون عليها من البعد يسمونها ليلة المحيا، فيجعلونها كالعيد ~~عندهم، وينذرون لها النذور، ويصلون عندها. # فهل يحل لهؤلاء القوم هذا الفعل أم يحرم عليهم أم يكره؟ وهل يجوز للمشايخ ~~تقريرهم على ذلك أم يجب عليهم منعهم من ذلك وزجرهم عنه؟ وما يجب على ~~المشايخ من تعليم المريدين وما يوصونهم به؟ وهل يجوز لهم أن يكتبوا لهم ~~إجازات بالمشيخة على بلاد أخرى؟ وهل يجوز تقريرهم على أخذ الحيات والنار ~~وغير ذلك أم لا؟ وماذا يجب على أئمة مساجد يحضرون سماعهم ويوافقونهم على ~~هذه الأشياء؟ وما يجب على ولي الأمر في أمرهم هذا؟ أفتونا مأجورين. # أجاب الشيخ الإمام العالم العامل شيخ الإسلام بقية السلف طراز الخلف بحر ~~العلوم ناصر الشريعة قامع البدعة تاج العارفين إمام المحققين العارف ~~الرباني الناسك النوراني علامة الوقت مفتي الفرق تقي الدين أحمد بن عبد ~~الحليم بن تيمية الحراني الحنبلي -رضي الله عنه وأرضاه، ورزقه ما رزق ~~أولياءه-، قال: # الحمد لله رب العالمين. من استغاث بميت أو غائب من البشر بحيث يدعوه في ~~الشدائد والكربات، ويطلب منه قضاء الحوائج، PageV03P145 ### || CHECK - تحريم بناء المساجد على القبور ### || CHECK - لا يجوز التوسل به والذهاب إلى قبره للاستغاثة به بعد وفاته ### || CHECK - التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته هو التوسل بدعائه وشفاعته ### || CHECK - أما الحي فيجوز أن يطلب منه ما يقدر عليه مثل الدعاء ونحو ذلك ### || CHECK - من استغاث بميت ودعاه في الشدائد وطلب منه قضاء الحوائج فهو ضال جاهل مشرك # فيقول: يا سيدي الشيخ فلان! أنا في حسبك وجوارك؟ أو يقول عند هجوم العدو ~~عليه: يا سيدي فلان! يستوحيه ويستغيث به؟ أو يقول ذلك عند مرضه وفقره وغير ~~ذلك من حاجاته-: فإن هذا ضال جاهل مشرك عاص لله ms0395 باتفاق المسلمين، فإنهم ~~متفقون على أن الميت لا يدعى ولا يطلب منه شيء، سواء كان نبيا أو شيخا أو ~~غير ذلك. # ولكن إذا كان حيا حاضرا، وطلب منه ما يقدر عليه من الدعاء ونحو ذلك، جاز، ~~كما كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطلبون منه في حياته، وكما ~~يطلب منه الخير يوم القيامة. وهذا هو التوسل به والاستغاثة التي جاءت به ~~الشريعة، كما ثبت في صحيح البخاري (1) وغيره عن أنس بن مالك: أن الناس لما ~~أجدبوا استسقى عمر بالعباس، فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك ~~بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا"، قال: فيسقون. فكان ~~توسلهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته هو توسلهم بدعائه وشفاعته، ~~فلما مات توسلوا بدعاء عمه العباس وشفاعته، لقربه منه، ولم يتوسلوا حينئذ ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا استغاثوا به، ولا ذهبوا إلى قبره ~~يدعون عنده. فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان قد سد الذريعة في هذا الباب، ~~حتى قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" ~~(2). وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" (3). وقال: "لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا (4). وقال: "إن من كان ~~قبلكم كانوا PageV03P146 # يتخذون القبور مساجد، إلا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (1). # فلهذا قال العلماء -رضي الله عنهم-: إنه يحرم بناء المساجد على القبور. ~~فإذا كان قبور الأنبياء والصالحين لم تتخذ مساجد، والصلاة عندها لله تعالى ~~قد نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لئلا تكون ذريعة إلى الشرك، ~~فكيف إذا كان صاحب القبر يدعى ويسأل ويقسم على الله به ويسجد لقبره أو ~~يتمسح به؟ فإن هذا شرك صريح. # وقد قال الله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ~~(22) ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له (2). وقال تعالى: (قل ms0396 ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن ~~عذاب ربك كان محذورا (57)) (3). # وقال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والنبيين كالمسيح وعزير، ~~فقال الله تعالى: إن هؤلاء عبادي كما أنتم عبادي، يرجون رحمتي كما ترجون ~~رحمتي، ويتقربون إلي كما تتقربون إلي، ويخافوني كما تخافوني. # وقد قال تعالى: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون PageV03P147 ### || CHECK - الزيارة الشرعية ### || CHECK - زيارة القبور على وجهين # الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80)) (1). فبين سبحانه أن اتخاذ ~~الملائكة والنبيين أربابا كفر، وهذا إنما كان بدعائهم من دون الله، لا ~~بأنهم اعتقدوا أنهم شاركوه في خلق السماوات والأرض، فإن هذا لم يقله أحد. # ولهذا قال عن النصارى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون (31)) (2). فبين أن النصارى مشركون من حيث اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، ولم يقل أحد من النصارى أن ~~الأحبار والرهبان شاركت الله في خلق السماوات والأرض. فإذا كان الداعي ~~المستغيث بمن مات من الأنبياء مشركا فكيف من دعا ميتا غير الأنبياء واستغاث به؟! # ولهذا كانت زيارة القبور على وجهين: زيارة بدعية، وزيارة شرعية. فالزيارة ~~الشرعية مقصودها الدعاء للميت كما يصلى على جنازته، فيقال فيها (3): ~~"السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله ~~المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية في الدنيا ~~والآخرة، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم". فهذا ~~من جنس الصلاة على الميت. PageV03P148 ### || CHECK - إيقاد المصابيح وتعليق الستور على القبور غير مشروع ### || CHECK - حديث "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي" موضوع ### || CHECK - الزيارة البدعية # وأما ms0397 الزيارة البدعية فهي من جنس الشرك به من جنس النصارى، مثل: دعاء ~~الميت والاستغاثة به، والإقسام به على الله تعالى، وتقبيل قبره والتسمح به، ~~والسجود له، وتعفير الخد عنده، ونحو ذلك مما يتضمن طلب الحاجات منه أو ~~بسببه. فليس شيء من هذا من جنس دين المسلمين، ولم يشرع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - شيئا من هذا، ولا فعله أصحابه، ولا استحب ذلك أحد من أئمة ~~المسلمين، بل قد نهوا عنه. حتى قد اتفق أئمة المسلمين على أن قبر رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - لا يقبل ولا يتمسح به ولا يسجد عنده. فإذا كان هذا ~~قبره فكيف يكون قبر غيره؟ وهو أفضل الخلق وأكرمهم على الله، وأقربهم إليه ~~وسيلة، وأعظمهم عنده جاها. # والحديث الذي يرويه بعض الناس عنه - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سألتم ~~الله فاسألوه بجاهي" حديث موضوع (1)، لم يروه أحد من أهل العلم، ولا ذكر في ~~شيء من كتب المسلمين المعروفة. # وكذلك إيقاد المصابيح وتعليق الستور على قبور الأنبياء والصالحين من أهل ~~البيت وغيرهم ليس شيء من ذلك مشروعا باتفاق المسلمين جميعا، ولم يفعل ذلك ~~أحد من الأمة ولا أئمتها، ولا استحبه أحد من أئمة الدين. بل في السنن (2) ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لعن الله زوارات القبور ~~والمتخذين عليها السرج والمساجد". قال الترمذي: حديث حسن. PageV03P149 ### || CHECK - الاجتماع عند القبر لقراءة ختمة أو دعاء أو ذكر من البدع المنهي عنها ### || CHECK - النذر للقبر ليس نذر طاعة # ومن نذر لقبر زيتا أو شمعا أو قناديل أو سترا أو نحو ذلك لم يكن هذا نذر ~~طاعة، ولم يكن على أحد أن يوفي به، وما أعلم في هذا نزاعا بين العلماء. ~~ولكن هل عليه كفارة يمين أم لا؟ فيه قولان. # وكذلك الاجتماع عند قبر من القبور لقراءة ختمة أو دعاء أو ذكر أو عمل ~~سماع أو غير ذلك هو من البدع المنهي عنها؟ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "لا تتخذوا قبري عيدا"، رواه أهل السنن ms0398 كأبي داود وغيره (1). # فإذا كان قد نهي عن اتخاذ قبره عيدا، فقبر غيره أولى بالنهي عن ذلك. ~~والمكان الذي يتخذ عيدا هو أن يعتاد الناس للاجتماع فيه في وقت معين، كما ~~يعتادون الاجتماع فيه بعرفة ومزدلفة ومنى، وكذلك الزمان الذي يتخذ عيدا هو ~~الزمان الذي يعتادون الاجتماع فيه، كيومي الفطر والنحر. # والمشركون الذين كفرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقاتلهم واستباح ~~دماءهم وأموالهم من العرب لم يكونوا يقولون: إن آلهتهم شاركت الله في خلق ~~السماوات والأرض والعالم، بل كانوا يقرون بأن الله وحده خالق السماوات ~~والأرض والعالم، كما قال الله تعالى (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن) (2)، وقال تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) ~~سيقولون لله) (3) الآيات إلى قوله (تسحرون (89)) وقد قال تعالى: (وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106)) (4). PageV03P150 ### || CHECK - المقصود عبادة الله وحده وطاعة رسوله ### || CHECK - الشرك في العبادة وحكم من قامت عليه الحجة فيه ومن كان جاهلا # قال طائفة من السلف: يسألهم من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم ~~يعبدون غيره. وإنما كانت عبادتهم إياهم أنهم يدعونهم ويتخذونهم وسائط ~~ووسائل وشفعاء لهم، فمن سلك هذا السبيل فهو مشرك بحسب ما فيه من الشرك. # وهذا الشرك إذا قامت على الإنسان الحجة فيه ولم ينته، وجب قتله كقتل ~~أمثاله من المشركين، ولم يدفن في مقابر المسلمين، ولم يصل عليه. وإما إذا ~~كان جاهلا لم يبلغه العلم، ولم يعرف حقيقة الشرك الذي قاتل عليه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - المشركين، فإنه لا يحكم بكفره، ولاسيما وقد كثر هذا ~~الشرك في المنتسبين إلى الإسلام، ومن اعتقد مثل هذا قربة وطاعة فإنه ضال ~~باتفاق المسلمين، وهو بعد قيام الحجة كافر. # والواجب على المسلمين عموما وعلى ولاة الأمور خصوصا النهي عن هذه الأمور، ~~والزجر عنها بكل طريق، وعقوبة من لم ينته عن ذلك العقوبة الشرعية، والله أعلم. # فصل # والواجب على المشايخ أن يأمروا أتباعهم بطاعة الله ورسوله، فيفعلوا ما ~~أمر الله ورسوله به، ويتركوا ما نهى الله ورسوله ms0399 عنه، ويتبعوا كتاب الله ~~وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن المقصود بذلك دعوتهم إلى ~~عبادة الله وحده لا شريك له وطاعة رسوله. والشيوخ يبلغون عن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - لما أمر به أمته من الدين الذي أمر الله به، ويتبعون ~~لخلفائه الراشدين، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنه من يعش منكم فسيرى ~~اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها PageV03P151 ### || CHECK - كتابة الإجازات بالمشيخة # وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" (1). # والوصية الجامعة من وصية الله التي وصى بها عباده حيث قال. (ولقد وصينا ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) (2). ولما بعث النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - معاذا إلى اليمن وصاه ثلاث وصايا، فقال: "اتق الله ~~حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" (3). # وأما كتابة الإجازات فهي بمنزلة الشهادة للرجل أنه أهل المشيخة، وبمنزلة ~~أمر الناس بمتابعته وطاعته، وليس لأحد أن يفعل هذا إلا أن يكون عالما بمن ~~يصلح للقدوة والاتباع، ومن لا يصلح أن يكون عدلا فيما يقوله ويأمر به. فمن ~~كان جاهلا بطريق الله الذي بعث به رسوله، أو كان صاحب غرض يكتب الإجازة لمن ~~يعطيه مالا ويخدمه، إن لم يكن مستحقا لذلك لم يكن لمثل هذا أن يكتب إجازة، ~~ولا حرمة لمن كتب له مثل هذا إجازة، لاسيما إذا كان مضمون الإجازة أن يعطوه ~~أموالهم. فهذه إجازة الشحاذين والسوال، PageV03P152 ### || CHECK - من حضر سماعاتهم في المساجد وغيرها وكثر جمعهم الباطل يستحق التعزير ### || CHECK - كل من أظهر الإشارات البدعية أهل باطل وضلال يستحق التعزير البليغ ### || CHECK - الشيوخ الذين يستحقون أن يكونوا قدوة # وليس هذا من حكم طريق الله. # ومن قبض أموال الناس على أن يعطيها مستحقها فلابد أن يكون هذا عالما ~~بالمستحقين عدلا يعطي المال لمستحقيه. وأما إذا أخذ أموال الناس يطعم بها ~~من يعاونه على أغراضه، ويأمر بغير ما أمر الله به، وينهى عن شرع الله ~~ودينه، فهذا من الآكلين أموال الناس بالباطل ms0400 والصادين عن سبيل الله. قال ~~الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله) (1). # وإنما الشيوخ الذين يستحقون أن يكونوا قدوة متبعين هم الذين يدعون الناس ~~إلى طريق الله، وهو شرع الله ودينه الذي بعث به رسوله محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ويصرفون الأموال في ~~مصارفها الشرعية التي يحبها الله ورسوله، فيكونون داعين إلى الله منفقين ~~الأموال في سبيل الله. # وكل من أظهر هذه الإشارات البدعية التي هي فشارات، مثل إشارة الدم ~~واللاذن والسكر وماء الورد والحية والنار، فهم أهل باطل وضلال وكذب ومحال، ~~مستحقون التعزير البليغ والنكال، وهم إما صاحب حال شيطاني، وإما صاحب حال ~~بهتاني، فهؤلاء جمهورهم، وأولئك خواصهم. وهؤلاء يجب عليهم أن يتوبوا من هذه ~~البدع والمنكرات، ويلزموا طريق الله الذي بعث به رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ليس لهم أن يكونوا قدوة للمسلمين، وليس لأحد أن يقتدي بهم. # ومن كثر جمعهم الباطل، وحضر سماعاتهم التي يفعلونها في PageV03P153 # المساجد وغيرها، أو حسن حالهم، أو قرر محالهم من أئمة المساجد ونحوهم، ~~فإنه مستحق التعزير البليغ الذي يستحقه أمثاله. وأقل تعزيره أن يعزل مثل ~~هذا عن إمامة المسلمين، فإن هذا معين لأئمة الضلالة، أو هو منهم، فلا يصلح ~~أن يكون إماما لأهل الهدى والفلاح. قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر ~~والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (1)، وقال تعالى: (والعصر (1) إن ~~الإنسان لفي خسر (2)) إلى آخرها (2). وقال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون ~~إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (104)) ~~(3). والله تعالى أعلم. PageV03P154 ### | CHECK (6) مسألة في تأويل الآيات وإمرار أحاديث الصفات كما جاءت # مسألة في تأويل الآيات وإمرار # أحاديث الصفات كما جاءت PageV03P155 ### || CHECK * الجواب [الأول]: عن هذا من وجوه ### || CHECK - السؤال عن تأويل آيات المعية وإمرار أحاديث الصفات كما جاءت ### ||| CHECK - الوجه الأول: أنه يجب اتباع طريقة السلف # مسألة # سئل عنها الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد الورع أوحد أهل زمانه ms0401 شيخ ~~الإسلام تقي الدين أبو العباس (1) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن ~~تيمية الحراني -رضي الله عنه وأرضاه- وهو بالديار المصرية، في قوله تعالى ~~(ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) الآية (2)، وقوله (وهو معكم أين ما ~~كنتم) (3)، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ينزل ربنا كل ليلة إلى ~~سماء الدنيا (4) ... " الحديث (5). وقد تأول طائفة هذه الآيات وأمثالها من ~~آيات الصفات التي أنزلها الله تعالى، ولم يتأولوا هذا الحديث ولا أمثاله من ~~أحاديث الصفات. وقد قال طائفة: إذا تأولنا هذه الآيات احتملت هذه الأحاديث ~~أيضا التأويل. فما الحجة في تأويل الآيات وإمرار الأحاديث كما جاءت؟ بينوا ~~لنا الصواب في ذلك. # أجاب رضي الله عنه # الحمد لله. الجواب عن هذا من وجوه: # أحدها # أن يقال: يجب اتباع طريقة السلف من السابقين الأولين من PageV03P157 ### |||| CHECK - كلام ابن عبد البر في "التمهيد" ### |||| CHECK - إجماعهم على إمرار آيات الصفات وأحاديثها وعدم تأويلها # المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فإن إجماعهم حجة قاطعة، وليس ~~لأحد أن يخالفهم فيما أجمعوا عليه، لا في الأصول ولا في الفروع. وحكى غير ~~واحد من أهل العلم بآثارهم وأقوالهم قالوا في قوله (ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم) (1) ونحوه: إنه بعلمه (2)، وحكوا إجماعهم على إمرار [آيات] ~~الصفات وأحاديثها وإنكارهم على المحرفين لها. # ولهذا لا يقدر أحد أن يحكي عن أحد من الصحابة والتابعين وغيرهم من سلف ~~الأمة بنقل صحيح أنه تأول الاستواء بالاستيلاء أو نحوه من معاني أهل ~~التحريف، بل ينقل عنهم أنهم فسروا الآية بما يقتضي أنه سبحانه فوق عرشه، ~~ويمكنه أن ينقل بالإسناد الصحيح أنهم قالوا في قوله (ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم) أنهم قالوا: بعلمه. # قال أبو عمر ابن عبد البر في كتاب "التمهيد في شرح الموطأ" (3) لما شرح ~~حديث النزول، قال: هذا حديث لم يختلف أهل العلم في صحته، وفيه دليل [على] ~~أن الله في السماء على العرش كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة. ~~وهذا أشهر عند العامة ms0402 والخاصة، وأعرف من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته، لأنه ~~اضطرار، لم يؤنبهم (4) عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم. PageV03P158 ### |||| CHECK - كلام الآجري في كتاب "الشريعة" # وقال أبو عمر أيضا (1): أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم ~~التأويل قالوا في تأويل قوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم): هو على العرش، وعلمه في كل مكان. وما خالفهم في ذلك ~~أحد يحتج بقوله. # وقال أيضا (2): أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب ~~والسنة، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ~~ذلك. وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها ~~على الحقيقة، ويزعم أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود. # وقال الشيخ أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة" (3) في باب التحذير من مذهب ~~الحلولية: الذي يذهب إليه أهل العلم أن الله على عرشه فوق سماواته، وعلمه ~~محيط بكل شيء، قد أحاط بجميع ما خلق في السموات العلي، وبجميع ما في سبع ~~أرضين، يرفع إليه أعمال العباد. # فإن قال قائل: فما معنى (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) الآية ~~التي يحتجون بها؟ قيل له: علمه، والله على عرشه، وعلمه يحيط بهم. هكذا فسره ~~أهل العلم، والآية يدك أولها وآخرها على أنه العلم وهو على عرشه. # هذا قول المسلمين. PageV03P159 ### ||| CHECK - الوجه الثاني: أن الكلام في الآيات والأحاديث كفها على طريقة واحدة ### |||| CHECK - التأويل المذموم هو تحريف الكلام عن مواضعه ### |||| CHECK - كلام ابن بطة في كتاب "الإبانة" # وقال الشيخ أبو عبد الله بن بطة في كتاب "الإبانة" (1): باب الإيمان بأن ~~الله على عرشه بائن من خلقه، وعلمه محيط بخلقه: أجمع المسلمون من الصحابة ~~والتابعين أن الله على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه. فأما قوله (وهو ~~معكم) فهو كما قالت العلماء: علمه. وأما قوله (وهو الله في السماوات وفي ~~الأرض) (2) معناه أنه هو الله في السماوات وهو الله في الأرض، وتصديقه في ~~كتاب ms0403 الله: (وهو الذي في السماء إله وفى الأرض إله) (3). واحتج الجهمي ~~[بقول الله تعالى] (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)، فقال: إن الله ~~معنا وفينا. وقد فسر العلماء أن ذلك علمه. ثم قال في آخرها (إن الله بكل ~~شيء عليم (7)) (4). # فهؤلاء وأمثالهم الذين هم من أعلم الناس بأقوال السلف من الصحابة ~~والتابعين، وكل منهم له من المصنفات المشهورة ما فيه العلم بأقوال السلف ~~وآثارهم، ما يعلم أنهم أعلم بذلك من غيرهم، وقد حكوا إجماع السلف كما ترى. # الوجه الثاني # أن يقال: الكلام في الآيات والأحاديث كلها على طريقة واحدة، والتأويل ~~الذي ذمه السلف والأئمة هو تحريف الكلام عن مواضعه، وإخراج كلام الله ~~ورسوله عما دل عليه وبينه الله به. وقد حده طائفة PageV03P160 ### |||| CHECK - آيات المعية ليس معناها أن يكون الله مختلطا بالمخلوقين، لوجوه # بأنه صرف الكلام عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بغير دليل. ~~فقوله تعالى (وهو معكم أين ما كنتم) ونحوها من الآيات ليس ظاهرها ولا ~~مدلولها ولا مقتضاها ولا معناها أن يكون الله مختلطا بالمخلوقين ممتزجا ~~بهم، ولا إلى جانبهم متيامنا أو متياسرا، ونحو ذلك، لوجوه: # أحدها: أنه لم يقل أحد من أهل اللغة إن المعية تقتضي الممازجة والمخالطة، ~~ولا توجب التيامن ولا التياسر (1) ونحو ذلك من المعاني المنفية عن الله مع ~~خلقه، وإنما تقتضي المصاحبة والمقارنة المطلقة. الثاني: أنه حيث ذكر في ~~القرآن لفظ المعية فإنه لم يدل على الممازجة والمخالطة، كما في قوله: (محمد ~~رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) (2)، فليس معنى ذلك أن ~~ذات المؤمنين ممتزجة بذاته. # وكذلك قال تعالى: (والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك ~~منكم) (3)، والمجاهد معهم ليست ذاته ممتزجة بذواتهم ولا مماسة لذواتهم. ~~وقال تعالى: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (119)) (4)، وليس المراد أن ~~ذاته تمتزج بذواتهم ولا مماسة لها. وقال تعالى: (وما آمن معه إلا قليل ~~(40)) (5)، وقال تعالى: (فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119)) (6). PageV03P161 ### |||| CHECK - معنى قوله تعالى (وهو الله في السماوات وفي الأرض) ### |||| CHECK ms0404 - معنى قوله تعالى (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) ### |||| CHECK - ليس مقتضى المعية أن يكون متيامنا أو متياسرا أو إلى جانبه # وهذا كثير في كتاب الله، وليس في شيء من ذلك أن معنى المعية أن يكون ~~أحدهما حالا في الآخر ولا ممتزجا به ولا مختلطا به، فمن قال: إن ظاهر قوله ~~(وهو معكم) ونحو ذلك أن يكون الله مختلطا بالمخلوقين وممتزجا بهم وحالا ~~فيهم أو مماسا لهم ونحو ذلك، فقد افترى على القرآن وعلى لغة العرب، وادعى ~~أن هذا الكفر هو ظاهر القرآن، وهو كذب على الله ورسوله بلا حجة ولا برهان. # وغاية ما يقال: أن لفظ "مع" ظرف أو ظرف مكان، فيقتضي أن يكون المتعلق ~~بهذا الظرف مكانا (1) من المضاف إليه، كما في قول القائل: هذا فوق هذا، فإن ~~"فوق" من ظروف المكان، ولكن هذا لا يقتضي أن يكون المكان عن يمين المضاف ~~إليه أو عن شماله، ولا يقتضي أن يكون عن يمينه وشماله جميعا، بل أكثر ما ~~يقتضي مطلق المكان، فإذا قذر أنه (2) فوق المضاف إليه لم يكن هذا مخالفا ~~لظاهر المعية. # ومن قال: إنه لابد في المعية من أن يكون ما مع الشيء متيامنا أو متياسرا ~~أو إلى جانبه ونحو ذلك، فقد غلط غلطا بينا. وهذا كما أن قوله (وهو الذي في ~~السماء إله وفي الأرض إله) ليس ظاهره أن ذاته في السماوات والأرض، بل ظاهره ~~أنه إله أهل السماء وإله أهل الأرض، فأهل السماء يألهونه، وأهل الأرض ~~يألهونه. # وكذلك قوله (وهو الله في السماوات وفي الأرض) ليس ظاهره أن نفس الله في ~~السماوات والأرض، فإنه لم يقل: "هو في السماوات والأرض"، بل PageV03P162 ### |||| CHECK - إخبار الله في القران أنه مع عباده جاء عاما وخاصا # قال: (وهو الله في السماوات وفي الأرض)، فالظرف مذكور بعد جملة لا بعد ~~مفرد، فهو متعلق بما في اسم "الله" من معنى الفعل، هو الله في السماوات: أي ~~المعبود الإله في السماوات، والإله المعبود في الأرض، كقوله: (وهو الذي في ~~السماء ms0405 إله وفي الأرض إله)، بخلاف قوله: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم ~~الأرض) (1) وقوله: (أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا) (2)، فإنه ~~لم يذكر ما يتعلق به قوله "في السماء" غير نفسه. # وكذلك الأثر الذي يروى عن ابن عباس أنه قال: "الحجر الأسود يمين الله في ~~الأرض، فمن صافحه واستلمه فكأنما صافح الله وقبل يمينه" (3)، فمن قال: إن ~~هذا يحتاج إلى تأويل فقد أخطأ، فإنه ليس ظاهر هذا أن الحجر هو صفة الله، ~~فإنه قال: "يمين الله في الأرض"، فقيده بكونه "في الأرض"، وهذا بين أنه ليس ~~هو صفة الله. ثم قال: "فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه"، ~~والمشبه غير المشبه به، فقد صرح بأن المستلم له لم يصافح الله، وإنما هو ~~مشبه بذلك. # الوجه الثالث أن يقال: إخبار الله في القرآن أنه مع عباده جاء عاما ~~وخاصا، فالعام كقوله: (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن ~~الله بكل شيء عليم (7)) (4)، وقال: (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى PageV03P163 # على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما ~~يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4)) (1). ففتح ~~الكلام بالعلم وختمه بالعلم. # وأما الخاص فكقوله: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) (2)، فهذا ~~بين أنه ليس مع الفجار والظالمين، ولو كان بذاته في كل مكان لكان مخالفا ~~لهذه الآية. # وكذلك قوله لموسى وهارون: (إنني معكما أسمع وأرى (46)) (3)، فهو مع موسى ~~وهارون دون فرعون وقومه. # وكقوله عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن ~~الله معنا) (4)، فهو مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه، لا مع الكفار ~~كأبي جهل وأمثاله. # فلو كانت المعية معناها ms0406 الاختلاط والامتزاج، وكان في كل مكان بذاته، لم ~~يجز أن يكون في المعية تخصيص. فمن زعم أن معناها الامتزاج والاختلاط وأن ~~ظاهرها أن يكون في كل مكان فقد أخطأ، ولكن المعية وإن دلت على المصاحبة ~~والمقارنة فهي في كل مكان بحسب ما دل عليه السياق. فلما كان في تلك (5) ~~الآيتين قد افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، دل ذلك على أن من حكم المعية ~~أنه PageV03P164 ### || CHECK *الجواب الثاني: أن قوله (وهو معكم) يدل على نقيض قول الجهمية # عليم بكل شيء. وهنا لما كان السياق يدل على أن المقصود الإعانة والنصر دل ~~على أن من حكم المعية النصر والمعونة، فقول القائل "أنا معك" معناه: أني ~~مصاحبك ومقارنك، وإذا كان كذلك اقتضى أني أعلم حالك، وقد يقتضي إذا أني ~~أعينك وأنصرك على أعدائك. # وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: "اللهم أنت ~~الصاحب في السفر، وأنت الخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في ~~أهلنا" (1). وهذا وأمثاله بين أن لفظ المعية في القرآن ليس فيه هذا التأويل ~~المتنازع فيه، وهو صرف اللفظ عن الاحتمال (2) الراجح إلى الاحتمال المرجوح ~~لدليل يقترن بذلك، فإن هذا إنما يكون إذا كان ظاهر قوله (وهو معكم) يقتضي ~~أن يكون الله ممتزجا بنا حالا في أجوافنا، أو أن يكون إلى جوانبنا، وليس ~~هذا مدلول لفظ المعية أصلا، فبطل ما قال. بل يقال: # الجواب الثاني # وهو أن قوله (وهو معكم) يدل على نقيض قول الجهمية، فإنه ذكر نفسه وذكر ~~أنه معهم، ولفظ الخطاب -إذا قيل: هم وأنتم ومعكم ونحو ذلك- يتناول ما ~~يتناوله الاسم الظاهر، واسمهم يتناول جميع ذاتهم وصفاتهم فأبعاضهم، وذلك ~~يمتنع (3) أن يكون في أحدهم شيء من غيره. فإذا كان هو معهم دل ذلك على أنه ~~منفصل عنهم بائن منهم خارج عنهم، كما في نظائره. بل قوله "رب الناس" "ملك PageV03P165 ### ||| CHECK - تحقيق معنى المعية # الناس" و"رب العالمين" ونحو ذلك يقتضي أنه مغاير للناس مباين لهم، لأن ~~الرب مغاير للمربوب، فإذا قيل: "هو معهم أنه ms0407 اقتضى أنه مغاير لهم، ولمسمى ~~"مع" الذي هو معنى الظرف اللفظي، فإنه إذا قيل: "هذا فوق هذا" اقتضى أنه ~~مغاير مباين لما هو فوقه ولنفس المسمى بلفظ فوقه، ولفظ "مع" هو من هذا ~~الجنس ظرف من الظروف، فيقتضي ذلك أن يكون المتعلق بهذا الظرف مغايرا مباينا ~~له ولما أضيف إليه الظرف، ولا نزاع أن الشيء إذا كان فوق الشيء جاز أن ~~يقال: هو معه، وقد يجعل الأعلى مع الأسفل، كما يقال: "هذا الحمل معي"، وقد ~~يجعل الأسفل مع الأعلى، كما يقال: "هذا المركوب معي"، وقد يقال لما هو ~~مباين منفصل عنه، كما يقال: "هذه الغاشية (1) معي"، وقد يقال: "سرنا ~~البارحة والقمر معنا"، وأمثال ذلك مما يقتضي المباينة والانفصال. # فعلم بذلك أن كونه (وهو معكم) لا ينفي أن يكون الرب مباينا لهم، ولا ~~يقتضي أن يكون على جوانبهم، بل غايته أن يكون بحيث هو مضاف إليه مما يسميه ~~النحاة ظرفا كالفوق ونحوه، فلا يكون بين قوله "فوقهم" وقوله "معهم" منافاة، ~~بل يكون لفظ "المعية" دل على مطلق أنه حيث يضاف إليهم، ولفظ "الفوقية" دل ~~على خصوص ذلك ولو معية هي فوقية، ليست تيامنا ولا تياسرا. # وحقيقة الأمر أن لفظ "مع" في الأصل معناه واحد، وهو المصاحبة والمقارنة ~~والمشاركة في مسمى "مع" الذي هو معنى الظرف، وهو ظرف إضافي. فقوله "هذا ~~معه" بمنزلة قوله "هذا مصاحب له مفارق له"، وهو يقتضي مطلق المصاحبة ~~والمقارنة لا نوعا منهم إلا بتفصيل وتخصيص. PageV03P166 # وكذلك إذا قيل: هو يقتضي مطلق الموافقة أو المشاركة فيما قد يسمى مكانا ~~ونحو ذلك من الأسماء، فإنه لا يدل إلا على مطلق هذه الموافقة، لكن قد يكون ~~من لوازم ذلك موالاة أحدهما للآخر محبة ونصرة، كما يقال: فلان معي وفلان ~~على، إذ كان من شأن المتحابين قرب كل منهما إلى الآخر حتى يتفقا في محل ~~واحد، وقد يكون من لوازم ذلك معرفة كل منهما بالآخر أو معاونته، إذ من شأن ~~المجتمعين من الآدميين في محل [أن] يعرف أحدهما الآخر ومعاونته له. ms0408 # وهذا كما أن لفظ "العلم" في الأصل إنما يقتضي معرفة المعلوم، ثم قد يكون ~~من لوازم ذلك ما يقتضيه العلم من محاسبة الشخص ومجازاته ونحو ذلك، كما في ~~قوله (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى ~~من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108)) (1)، وكما في قوله (نحن أعلم ~~بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى) (2)، وقوله تعالى (قد يعلم ~~الله الذين يتسللون منكم لواذا) إلى قوله (ألا إن لله ما في السماوات ~~والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل ~~شيء عليم (14)) (3). # وكذلك "السمع" و"البصر"، مثل قوله: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن ~~الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق) (4)، ~~وقوله: (الذي يراك حين تقوم (218) وتقلبك في الساجدين (219)) (5)، وقوله: PageV03P167 # (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) (1). فهذا ونحوه وإن ذكر ~~فيه لفظ "السمع" و"الرؤية" فالمقصود لوازم ذلك، من إحصاء ذلك والجزاء عليه ~~بالثواب والعقاب، وقد يكون المقصود بذلك قبول الدعاء، كقول الخليل: (إن ربى ~~لسميع الدعاء (39)) (2)، وقول المصلي "سمع الله لمن حمده"، كما يعنى بالنظر ~~نظر الرحمة والمحبة، كقوله (ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم) (3). فهذه ~~الأمور لما كانت من لوازم العلم والسمع والبصر، [و] من شأنه إحصاء الأعمال ~~والجزاء عليها ونحو ذلك، صارت متضمنة لهذا المعنى. وكذلك المصاحبة لما كان ~~لها لوازم -مثل معرفة الصاحب بحال صاحبه، وموالاته له، وموافقته له- دخلت ~~هذه المعاني فيها حيث دل عليه السياق. # ولفظ "مع" في الأصل يدل على المصاحبة، ويدل على لوازم هذا المعنى: من ~~العلم الذي يتضمن الإحصاء والجزاء على الأعمال عموما، ومن الموالاة ~~والمعونة والنصر الذي يختص المؤمنين ونحو ذلك، فقوله تعالى (هو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما ~~يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله ~~بما تعملون بصير (4)) (4) ذكر بعد أن ms0409 أخبر بخلق السماوات والأرض واستوائه ~~على العرش أنه يعلم ما يدخل في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء ~~وما يصعد فيها، وأنه مع الخلق أينما كانوا، وأنه بكل شيء عليم. فدل هذا ~~السياق على PageV03P168 # أنه مع كونه استوى على العرش يعلم باطن الخلق وظاهرهم، وهو معهم لا يغيب ~~عنه شيء من أمرهم. # وكذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث العباس بن عبد المطلب ~~لما ذكر السماوات والعرش قال: "والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه" (1). # وكذلك قال عبد الله بن مسعود: "ما بين السماء إلى السماء كذا وكذا" إلى ~~أن قال: "والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه" (2). # وكذلك ما ذكره في سورة المجادلة (3) من قوله: (ألم تر أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا ~~هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم ~~بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (7))، فافتتح الآية بالعلم ~~وختمها بالعلم. # ومثل هذا قوله: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ ~~يبيتون ما لا يرضى من القول) (4). # وأما قوله: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128)) (5)، وقوله ~~لموسى وهارون: (إنني معكما أسمع وأرى (46)) (6)، وقوله PageV03P169 ### ||| CHECK - قرب الله من خلقه لا ينافي علوه # عن الرسول: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) (1)، فقد علم أن حكم ~~المعية هنا ومقصودها ليس عاما لجميع المخلوقات كالعلم والقدرة، بل مختصا ~~بالمتقين المحسنين (2) دون الفجار الظالمين، وبموسى وهارون دون فرعون ~~وقومه، وبالنبي وصديقه دون مشركي قومه. فهذه الأمور التي فيها خصوص وعموم ~~تضمنها لفظ المعية ودل عليها، كما دل لفظ العلم والسمع والبصر على ما تقدم، ~~وهي في نفسها تقتضي من المصاحبة والمقارنة ما هو معناها في الأصل، ولا ~~تقتضي ممازجة ولا مخالطة ولا تيامنا ولا تياسرا. # بل إذا قيل: إنها تتضمن قربه من خلقه، فقربه ثابت ms0410 بنصوص صريحة أصرح من ~~لفظ المعية، كقوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع ~~إذا دعان) (3)، وقو له تعالى: (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت ~~فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب (50)) (4). وفي الصحيح (5) عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال لأصحابه لما كانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير: ~~"أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون ~~سميعا قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته". وهو سبحانه ~~قريب في علوه علي في دنوه. # وقد تكلمنا على قربه من خلقه وقرب عباده منه بكلام مبسوط، PageV03P170 ### || CHECK * الجواب الثالث: أن للتأويل ثلاثة معان # وذكرنا أقوال الناس كلهم في ذلك في غير هذا الموضع (1)، وبينا أن قربه لا ~~ينافي علوه. # الجواب الثالث # أن لفظ "التأويل" فيه اصطلاحات متعددة، فالتأويل الذي يتنازع فيه مثبتة ~~الصفات ونفاتها المراد به صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال ~~المرجوح، وذلك لا يجوز إلا بدليل يوجب ذلك. # وقد يراد بلفظ التأويل تفسير اللفظ، وإن كان التفسير يوافق ظاهره. وهذا ~~اصطلاح ابن جرير الطبري في تفسيره وابن عبد البر ونحوهما. # وقد يراد بلفظ التأويل ما يؤول إليه اللفظ، وهو الحقيقة الموجودة في ~~الخارج التي دل الكلام عليها، وبهذه اللغة جاء القرآن، كقوله تعالى: (هل ~~ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ~~ربنا بالحق) (2)، وقوله تعالي: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) (3)، وأمثال ذلك. # إذا عرف ذلك فنقول (4): أما التأويل بالمعنى الثالث والثاني فلا نزاع فيه ~~بين الناس. وأما التأويل بالمعنى الأول فيقال: هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى ~~ما يخالف ظاهره، أو عن حقيقته أو عن PageV03P171 ### ||| CHECK - أخطأ من ظن معاني فاسدة من آيات الصفات وظن أنها ظاهرها واحتاج إلى التأويل # الاحتمال الراجح، وحينئذ فالظهور والبطون من الأمور الإضافية، فإن كان ~~الإنسان يظهر له من نصوص الصفات أن صفات الخالق ms0411 مماثلة لصفات المخلوقات ~~-مثل أن يظن أن استواءه على العرش كاستواء الإنسان على بعيره أو على الفلك، ~~أو أن معيته مع الخلق تقتضي دخوله فيهم، أو أن قوله "الحجر الأسود يمين ~~الله في الأرض" ظاهره أن صفة الله حلت في الأرض، وأن ذلك الحجر صفة للرب، ~~وأن قوله (أأمنتم من في السماء) (1) يقتضي أن يكون الله في جوف الأفلاك، ~~ونحو ذلك- فمن ظن أن هذه المعاني الفاسدة هي ظاهر القرآن، وأن مسماها ظاهره ~~وحقيقته، فيجب على مثل هذا أن يعتقد التأويل في ذلك كله، ويعلم أن هذه ~~النصوص مصروفة عن هذا المعنى الذي ظنه هو الاحتمال الراجح إلى ما يخالف ذلك ~~المعنى. لكن عليه أن يعتقد ويعلم أن السلف والأئمة الأربعة الذين منعوا من ~~التأويل لم يعتقدوا أن هذا المعنى الفاسد ظاهر هذه النصوص، ولا أنها تدل ~~على ذلك. # بل من فهم منها هذا المعنى الفاسد بينوا له أنها لا تدل على هذا المعنى ~~الفاسد، وفي كلام الله ورسوله ما ينفي عن الله هذا المعنى الفاسد. # فمن ادعى أن هذه المعاني الفاسدة قد دل عليها القرآن كان ما في القرآن من ~~التصريح بنفي ذلك مثبتا لنفي هذه المعاني الفاسدة، فإنه قد أخبر في القرآن ~~أنه استوى على العرش، وأن كرسيه وسع السماوات والأرض، وأن الأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، وأخبر بعلوه في غير موضع من ~~الكتاب. وهذه كلها نصوص تنفي أن تكون صفاته تشبه صفات خلقه (2)، أو يكون ~~حالا PageV03P172 ### ||| CHECK - بطلان الحاجة إلى التأويل من ثلاثة وجوه ### ||| CHECK - النصوص المفسرة تدل على أن تلك المعاني الفاسدة ليست مرادة # في المخلوقات. وأخبر بقوله ليس (ليس كمثله شيء) (1) وبقوله (ولم يكن له ~~كفوا أحد (4)) (2) ونحو ذلك أن يماثله العباد في صفاتهم، فتكون صفاته كصفات خلقه. # فهذه النصوص المفسرة تبين أن تلك المعاني الفاسدة ليست مرادة، سواء سمى ~~المسمي ذلك تأويلا أو لم يسمه. # فقول القائل "إذا تأولنا هذه الآيات احتملت هذه الأحاديث أيضا التأويل" ~~حقيقته أنا إذا نفينا عن النصوص ms0412 أن يراد بها معنى فاسد بين الله تنزهه عنه ~~في موضع آخر، وجب [أن] ننفي عن نصوص أخرى معاني ونفسرها بأمور من غير أن ~~يدل القرآن والسنة لا على نفي هذا ولا على إرادة هذا، ومعلوم أن هذا باطل ~~سواء سماه تأويلا أو لم يسمه، لوجوه: # أحدها: أن ما نفي من المعاني الفاسدة هناك نفاه القرآن، فإن بينوا في ~~بقية (3) النصوص معنى فاسدا نفاه القرآن وجب نفيه أيضا. # الثاني: أن ما فسروا به تلك النصوص هو تفسير يوافق سائر النصوص، لتفسيرهم ~~لها بان الله إله من في السماء وإله من في الأرض، وأنه بكل شيء عليم، ونحو ~~ذلك. وأما تأويلات الجهمية فهي متناقضة، منها قولهم (4): "استوى" بمعنى ~~استولى، فإن هذا فاسد من قريب عشرين وجها مذكورة في غير هذا الموضع (5). PageV03P173 ### || CHECK * الجواب الرابع: أن الناس متفقون على أنه لا يسوغ كل تأويل # وقولهم "ينزل أمره أو ملك"، فان هذا فاسد من وجوه كثيرة، فكيف يقاس تأويل ~~فاسد على تأويل صحيح. وهذا كله إذا تنزلنا وسمينا ذلك تأويلا بحسب فهم هذا ~~الفاهم، وإلا فالصواب هو: # الوجه الثالث؟ وهو أن يقال: إذا فهم بعض الناس من كلام الله معنى فاسدا ~~-مثل فهمهم كون المعية تقتضي المخالطة، وأن الحجر صفة الله، وزعم أنه ~~ظاهره- رد عليه هذا الفهم، وقيل له: هذا خطأ في فهمك، وإلا فالنص لم يدل ~~على ذلك، ولا هذا ظاهر النص. وظاهر الخطاب الذي هو مدلوله ومعناه يعلم تارة ~~بمفردات ألفاظه وموضوعها، وتارة بالتركيب وبما اقترن بالمفردات من التركيب ~~الذي يبين المراد ويظهر معنى الخطاب، وتارة بالسياق الذي سيق له الكلام. # وإذا كان كذلك لم نسلم أن هذا تأويل، فإن أصر على تسمية هذا تأويلا كان ~~نزاعا لفظيا، وقيل له: ذلك تأويل يوافق مدلول النص ومقتضاه، وهذا تأويل ~~يخالف مدلوله ومقتضاه، وكل تأويل كان من القسم الأول نقول به، وإنما نرد ~~التأويل الذي يخالف مدلول كلام الله ومقتضاه. # الجواب الرابع # أن الناس متفقون على أنه لا يسوغ كل تأويل، من التأويلات ms0413 ما هو مردود، ~~مثال ذلك أن الأشعري يرد تأويل المعتزلي لعلم الله وقدرته وسمعه وبصره ~~وتكليمه ومشيئته، ويثبت هذه الصفات حقيقة؟ والمعتزلي يرد تأويل المتفلسف في ~~معاد الأبدان والأكل والشرب في الجنة؟ والفيلسوف يرد تأويل القرمطي في ~~الصلاة والزكاة والصوم والحج؟ والقرمطي يرد تأويلات الجمهور الذين (1) ~~ينازعونه فيها. PageV03P174 ### ||| CHECK - مناقشة المتأولين من جميع الطوائف في رد بعض التأويلات وقبول بعضها # وإذا كان كذلك قيل لكل من هؤلاء: بأي شيء رددت بعض التأويلات وقبلت ~~بعضها؟ فلا يذكر شيئا إلا عورض حتى يبين له تناقضه وفساد أصله. # فمن كان من المتأولين (1) يتأول المحبة والرضا والغضب ونحو ذلك، ويقرر ~~الإرادة ونحوها، قيل له: ما الفرق بين ما قررته وبين ما تأولته؟ # فإن قال: لأن الغضب هو غليان دم القلب لطلب الانتقام، وذلك لا يليق بالله. # قيل له: هذا غضبنا، وغضب الله ليس مثل غضبنا، بل يقال له: # هذا هو مقتضى الغضب فينا أو موجبه، ليس هو نفس الغضب، والله تعالى لا ~~يوصف بما نحتاج إليه نحن في ثبوت الصفات، فإنه عليم، ولا يحتاج في علمه إلى ~~النظر والاستدلال الذي يحصل لنا العلم، وهو قدير ولا يحتاج إلى مزاج وعلاج ~~يحصل له القوة، وهو بصير ولا يحتاج إلى شحمة، وهو متكلم ولا يحتاج إلى لسان ~~وشفتين. # فكذلك غضبه لا يفتقر إلى ما يفتقر إليه غضبنا. # فإن قال: أنا لا أعرف الغضب إلا هكذا. # قيل له: فتأول الإرادة، فإن الإرادة فينا هي ميل القلب إلى جلب ما ينفعه ~~أو دفع ما يضره، والله تعالى لا يوصف بذلك. # فإن قال: إرادته ليست كإرادتنا. # قيل له: فقل في الغضب كذلك، وهكذا في سائر الصفات. PageV03P175 # فإن قال المعتزلي: أنا أتأول الإرادة والكلام، وأجعل كلامه ما خلقه في ~~غيره، وإرادته ما خلقه في المفعولات والأصوات، أو عرضا خلقه قائما بنفسه. # قيل له: فتأول أسماءه الحسنى، وهو الحي العليم القدير، ولا تثبت له حقائق ~~هذه الأسماء كما يفعل القرمطي، قال: لأن ثبوت هذه الأسماء يقتضي هذه ~~المشابهة بينه وبين خلقه، ms0414 ويقتضي أنه جسم، إذ لا يسمى بهذه الأسماء إلا جسم. # فإذا قال: أنا أثبت هذه الأسماء له مع الفرق بين المسمى والمسمى. # قيل له: فكذلك أثبت الصفات، وفرق بين الموصوف والموصوف. # فإن قال: الصفات تقتضي التجسيم. # قيل له: والأسماء تقتضي التجسيم. # فإن قال: التجسيم (1) إنما يلزم إذا قلت: هو حي بحياة عليم بعلم قدير ~~بقدرة، وأنا أقول: حي بلا حياة عليم بلا عليم. # قيل له: هذا باطل من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن التجسيم الذي تزعمه يلزم في هذا كما يلزم في هذا. # الثاني: أن إثباتك حيا بلا حياة عليما بلا عليم قديرا بلا قدرة مخالف ~~لصريح العقل أكثر من مخالفة ما فررت منه. # الثالث: أن خصومك من النفاة [و] المثبتة يخالفونك في هذا الفرق، فالمثبتة ~~للصفات يقولون: ليس في الجميع تجسيم، أو PageV03P176 # التجسيم الذي نفيته ليس بمنتف، والنفاة القرامطة يقولون: التجسيم في ~~إثبات الأسماء كالتجسيم في إثبات الصفات. # فإن قال المتفلسف: أنا أتأول هذا كفه، وأتأول ما ورد في معاد الأبدان. # قيل له: فتأول ما ورد في معاد الروح ونعيمها، وما ورد في إثبات واجب ~~الوجود وعنايته وإبداعه وعلمه الكلي ونحو ذلك، فالخطاب الوارد فيما نفيته ~~أصرح من الخطاب الوارد فيما أثبته. # فإن قال: ما نفيته يستلزم تركيب واجب الوجود. # قيل له: وكذلك ما أثبته، ولا فرق، فإن الوجود والوجوب والعناية والعقل ~~وأمثال ذلك معان متميزة في العقل كتميز ما أثبتته الصفاتية. # وقيل له: فتأول العبادات كما تأولها القرمطي. # فإن قال: العبادات قد علم بالاضطرار أن الرسول أوجبها، أو ليس فيها ما ~~ينافي العقل. # قيل له: منازعون من النفاة والمثبتة يقولون لك ذلك، فالمعتزلة وغيرهم ~~يقولون: إن معاد الأبدان قد علم بالاضطرار أن الرسول قد أخبر به، والصفاتية ~~يقولون: إن إثبات الصفات مما علم بالاضطرار أن الرسول أخبر به، ويقولون لك: ~~ليس في العقل منافاة لما أثبته من هذه الجزئيات، كما ليس في العقل منافاة ~~لما أثبته من العلميات (1). # والقرامطة ينازعونك فيما أثبته حتى في النفس، فيقولون: لا يقال هو ms0415 PageV03P177 # لا موجود ولا معدوم، لأن في هذا تشبيها له بالموجودات والمعدومات. # فان قال (1): هذا خروج عن النقيضين، وهذا خروج عن العقل، وهو مخالف لما ~~علم بالاضطرار من السمع. # قيل له: وهكذا حال جميع النفاة، فإنهم لابد أن يجمعوا بين النقيضين أو ~~يسلبوا النقيضين كالقرمطي، فمن قال: لا هو مباين ولا محايث ولا داخل ولا ~~خارج، كان بمنزلة من يقول: لا قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ~~ولا موجود ولا معدوم، ومن قال: إنه وجود مطلق ليس له حقيقة وراء الوجود ~~المطلق. وقد تقرر في المنطق أن المطلق بشرط إطلاقه لا يوجد في الخارج بل في ~~الذهن، كالجسم المطلق والحيوان المطلق، فإن جعل المطلق بشرط الإطلاق يثبت ~~في الخارج جمع بين النقيضين. # وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع، وبينا أن هؤلاء أهل التأويلات ~~المبتدعة الذين ينفون الصفات ليس لأحد منهم قانون مستقيم في التأويل، بل ~~يتناقضون. # فيقال لهم: إذا تأولتم هذا فتأولوا هذا، أو لا تتأولوا شيئا. # فإن قالوا: ما دل العقل على إثباته لم نتأوله كالإرادة، بخلاف ما لم يدل ~~على إثباته كالغضب. # كان الجواب من وجوه: # أحدها أن يقال: عدم الدليل ليس دليلا على العدم، فهب أنكم لم تعلموا ~~بالعقل ثبوت صفة أخرى، فمن أين لكم نفيها بلا دليل PageV03P178 ### || CHECK * الجواب الخامس: أن لمثبتة الصفات ثلاثة مسالك في التأويل ### ||| CHECK - الثاني: أن يقولوا بالتأويل الذي قام عليه دليل شرعي ### ||| CHECK - أحدها: نفيها مطلقا # والسمع قد دل عليها؟! # الثاني أن يقال: فهذا عزل للرسول عن الإخبار بصفات مرسله، فإنكم لم ~~تثبتوا إلا ما علمتم بعقولكم، وما لم تثبته عقولكم نفيتموه، فبقي كلام ~~الرسول عديم الفائدة في باب أسماء الله وصفاته. # الثالث: أن يبين لهم أن العقل يدل على ما نفيتموه نظير دلالته على ما ~~أثبتموه، وأن ما في الوجود من الإحسان يدل على الرحمة، كما أن ما فيه من ~~التخصيصات يدل على الإرادة، وما فيه من العقوبات للمكذبين يدل على الغضب، ~~كما قد بسط في غير هذا ms0416 الموضع. # فإن قال: إنما نتأول (1) ما علم نفيه بدليل قطعي من العقل أو النقل. # قيل له: ونحن نسلم لك أن ما علم نفيه بصريح المعقول أو صحيح المنقول فإنه ~~يجب نفيه عن الله، لكن دعواكم أن هذا المنصوص يدل على ما يخالف صريح ~~المعقول وصحيح المنقول قول غير مقبول. # الجواب الخامس # أن يقال: التأويل الذي هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال ~~المرجوح، للمثبتة فيه ثلاثة مسالك: # أحدها: أن ينفوه مطلقا، ويقولوا: لا حاجة إليه، وتمام ذلك بان يثبتوا ~~تنزه القرآن والحديث عن الدلالة على المعاني الفاسدة. # المسلك الثاني: أن يقولوا بالتأويل الذي قام عليه دليل شرعي، مثل أن يكون ~~نفي ذلك المعنى قد بينه الشارع في موضع آخر، فيكون هو PageV03P179 ### ||| CHECK - الثالث: أن يسلموا أن كل تأويل قام عليه دليل سمعي أو عقلي فإنه يجب قبوله # قد بين كلامه بكلامه، فلا يكون كلام الله ورسوله محتاجا في البيان إلى ما ~~يحدثه المحدثون. # المسلك الثالث: أن يسلموا أن كل تأويل قام عليه دليل سمعي أو عقلي فإنه ~~يجب قبوله، لكن يطالبون منازعيهم بالدلائل القطعية فيما إذا [كانت] حاجة ~~إلى التأويل، ويثبتون أن ذلك لم يخالف دليلا قطعيا، لا عقليا ولا سمعيا، بل ~~يبين أن العقل الصريح يقرر ما أثبته السمع، وأن العقل الصريح لا يخالف ~~النقل الصحيح أصلا، كما يبين أن ما دل عليه القرآن من أن الله مباين ~~لمخلوقاته (1) قد دل عليه العقل، وأن العقل يثبت مباينته للمخلوقات، والسمع ~~زاد على ذلك وأثبت الاستواء على العرش، وذلك لا يعلم بالعقل، فالسمع أثبت ~~ما علم العقل وزاد عليه وفضله، لأن الرسل بعثت بتكميل الفطرة وتقريرها، لا ~~بتحويل الفطرة وتغييرها. والله أعلم. # (تمت بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وصلواته على سيدنا محمد خير خلقه محمد ~~(2) وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا كثيرا، بتاريخ خامس شهر ربيع الأول سنة ~~ست وخمسين وسبعمئة). PageV03P180 ### | CHECK (7) مسألة فيمن قال: إن نسبة البارئ تعالى إلى العلو من جميع الجهات المخلوقة # مسألة # فيمن قال: إن نسبة البارئ ms0417 تعالى # إلى العلو من جميع الجهات المخلوقة PageV03P181 ### || CHECK - بيان بطلانه من وجوه كثيرة ### || CHECK - هذا التصور باطل ### || CHECK - هل ذات البارئ فلكية محيطة بالفلك؟ وهذا التصور حق أم لا؟ # مسألة # سئل عنها سيدنا وشيخنا وإمامنا الشيخ الإمام العالم العامل الناسك البارع ~~المجتهد السالك المحقق المدقق مفتي الفرق ناصر السنن قامع البدع فريد عصره ~~وواسطة عقد دهره، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس (1) أحمد بن عبد الحليم ~~بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني -متعنا ~~الله بعلومه الفاخرة، وأسبغ عليه نعمه باطنة وظاهرة، وأثابه في الدنيا ~~والآخرة- بالديار المصرية، فيمن قال: إن نسبة البارئ تعالى إلى العلو من ~~جميع الجهات المخلوقة، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وأنه بائن من خلقه، ~~لا يتصور ذلك في الذهن إلا إذا فرضنا أن ذات الحق فلكية محيطة بالفلك؟ إذ ~~الفلك مستدير محيط بالخلق. فهذا التصور حق أم لا؟ وإذا لم يكن حق (2) فما ~~الدليل الخاصم بحجته بما يقبله العقل الصحيح؟ أفتونا مأجورين رضي الله عنكم ~~أجمعين. # أجاب -رضي الله عنه- # الحمد لله. بل هذا التصور باطل، وأما بيان بطلانه فله طرق كثيرة، وذلك أن ~~هذا القائل يقول: لو كان البارئ سبحانه فوق المخلوقات وهو بائن من ~~مخلوقاته، لوجب أن يكون فلكا محيطا بالأفلاك، لأن الفلك التاسع مستدير، وهو ~~محيط بسائر الأفلاك وما في جوفها، والمحدد للجهات هو سطح الفلك التاسع، فلو ~~قدرنا PageV03P183 ### || CHECK * الوجه الأول # شيئا فوقه للزم أن يكون فلكا تاسعا، وهو مبني على أن الأفلاك مستديرة، ~~وهذا ثابت بالسمع والعقل. وربما قال بعضهم: إن الأفلاك هي تحت الأرض، فلو ~~كان فوق العالم للزم أن يكون تحت هذه الأرض ... (1) تحت بعض الناس. # فهذا حقيقة كلامه، وأما بيان بطلانه فمن وجوه: # أحدها أن يقال: لا يخلو إما أن يكون الخالق تعالى مباينا للمخلوقات، وإما ~~أن يكون محايثا لها، وإما أن لا يكون لا مباينا ولا محايثا لها" وإن شئت ~~قلت: إما أن يكون داخل العالم، وإما أن يكون ms0418 خارجه، وإما أن لا يكون لا ~~داخل العالم ولا خارجه؛ وإن شئت قلت: هو سبحانه لما خلق العالم إما أن يكون ~~دخل فيه أو أدخله في نفسه (2)، أو لا دخل (3) فيه ولا أدخله في نفسه. # فإن قال: إنه داخل العالم محايث له أي هو يحيث العالم، والعالم أجسام قام ~~بها أعراض هي الصفات، فالذي هو داخل فيه محايث له: إما عرض قائم بأجسامه ~~وإما بعض أجسامه، وعلى القول بكون سطح الفلك محيطا به فالقول بكون الفلك ~~محيطا به أبعد عن العقل والدين من كونه محيطا بالفلك. # فإن قال: يمكن في العقل أن يكون داخل العالم ولا يكون جسما من أجسام ~~العالم ولا عرضا قائما به. # قيل له: فإن كان هذا جائزا في العقل فكونه خارجا عن العالم PageV03P184 ### ||| CHECK - ثلاثة معان للمباينة # مباينا له وكونه عين الفلك أقرب في العقل من كونه فيه والعالم لا يحيط ~~به. وهذا بين واضح. # فإن أثبت أنه في العالم ولا يحيط به العالم كان القول بأنه خارج العالم ~~وليس بفلك أولى في العقل. # وإن قال: إنه فيه، والعالم يحيط به، وذلك ممكن، كان القول بأنه هو المحيط ~~بالعالم أولى في العقل أن يكون ممكنا (1). # فتبين أنه على التقديرين أي محذور لزمه في كونه خارج العالم مباينا له ~~كان المحذور في كونه داخله محايثا له أعظم وأقوى، فلا يجوز إثبات الأبعد عن ~~العقل والدين بنفي الأقرب إلى العقل والدين. وأما إن قال: إنه لا داخل ~~العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محايث له. # قيل له: فهل يعقل موجودان قائمان بأنفسهما لا يكون أحدهما داخل الآخر ولا ~~خارجه؟ وهل يعقل إثبات خالق للعالم ليس في العالم ولا مباينا للعالم؟ وهل ~~يعقل أن يكون خلق العالم لا في نفسه ولا خارجا (2) عن نفسه؟ # فإن قال: هذا معقول ممكن متصور. # قيل: فتصور موجود قائم في هذا الباب يستعمل لثلاث معان: أحدها: أن يراد ~~بالمباينة المخالفة التي هي ضد المماثلة، وهي بهذا الاعتبار متفق عليها بين ~~الناس، إذ لا ms0419 نزاع بينهم أن الخالق سبحانه PageV03P185 # مباين لمخلوقاته بهذا المعنى، لكن هذه المباينة تثبت لصفات الموصوف ~~القائمة بمحل واحد، وهي الأعراض القائمة بالجسم، كالطعم واللون والريح ~~والحركة والسكون القائمة بالساحة مثلا، فإن هذه الصفات تباين بعضها بعضا ~~بهذا المعنى، فإن كل واحدة من هذه الصفات التي تسمى أعراضا ليست مثل الآخر. # والمعنى الثاني في المباينة: حد المحايثة، وهو أن يكون أحد الشيئين ليس ~~هو محايثا له، سواء كان ملاصقا له مباينا أو لم يكن كذلك، فكل شيء قائم ~~بنفسه مباين لكل شيء قائم بنفسه بهذا الاعتبار، سواء ماسه أو لم يماسه. ~~وهذه المباينة المذكورة في السؤال، وهي التي أرادها السلف والأئمة كعبد ~~الله بن المبارك وغيره، حيث قالوا: نعرف ربنا بأنه فوق سماواته على عرشه ~~بائن من خلقه. # وكان المتكلمة الصفاتية الذين سلك مسلكهم الأشعري -كعبد الله بن سعيد بن ~~كلاب والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وغيرهم- يثبتون هذه المباينة، ~~لاعتقادهم أن الله فوق خلقه وأنه مستو على عرشه، وإنكارهم على الجهمية ~~الذين لا يفرقون بين العرش وغيره. وكذلك ذكر الأشعري ذلك عن أهل السنة ~~والحديث، وذكر أنه هو قوله (1)، ورد على الجهمية في (2) كتبه المعروفة ~~"كالموجز" و"الإبانة" و"المقالات" وغير ذلك من كتبه. # والمعنى الثالث من معاني المباينة: ما يضاد المماسة والملاصقة، وهذه ~~المباينة المعروفة عند الناس، وهي أخص معانيها. وليس PageV03P186 # المقصود هنا ذكر هذه لا نفيا ولا إثباتا، فإن القائم بنفسه لا يجب أن ~~يكون مباينا لكل قائم بنفسه بهذا الاعتبار، وكل مباينة يجب للمخلوق مع ~~المخلوق فالخالق أحق بها سبحانه وتعالى. # فلما وجب أن يكون المخلوق مباينا للمخلوق بالمعنى الأول والثاني كان ~~الخالق أحق بذلك وزيادة، لامتناع مماثلته للمخلوق ومحايثته له، فإن ~~المماثلة والمحايثة ممتنعان عليه لامتناع مساواته لخلقه أو احتياجه إليهم، ~~والمماثلة والمحايثة توجب ذلك. # والله سبحانه له المثل الأعلى، كما قال تعالى: (للذين لا يؤمنون بالآخرة ~~مثل السوء ولله المثل الأعلى) (1)، فكل ما يفهم للمخلوق من صفات كمال ~~فالخالق أحق بها وأكمل في اقتضائه، كالعلم والقدرة والحياة والكلام ms0420 ونحو ~~ذلك. وكل ما نزه عنه شيء من المخلوقات من صفات النقص فالخالق أحق بأن ينزه ~~عن ذلك. فإذا كان أهل الجنة لا ينامون ولا يموتون، فالحي القيوم أحق بأن لا ~~تأخذه سنة ولا نوم. وهو الغنى المطلق عما سواه، فكل ما سواه يفتقر إليه، ~~وهو غني عن كل ما سواه. # وهو سبحانه مع أنه مستو على عرشه عال على خلقه فهو الذي يمسك السماوات ~~والأرض أن تزولا، وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يؤوده حفظهما. فالعرش ~~وحملته هو الذي يمسكهم بقوته ومشيئته، بل قد جاء في الأثر (2) أن الله لما ~~خلق العرش وأمر الملائكة بحمله PageV03P187 ### ||| CHECK - الله تعالى ليس محايثا لخلقه # قالوا: ربنا! من يطيق حمل عرشك وعليك عظمتك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة ~~إلا بالله، فبذلك أطاقوا حمل العرش. # والله سبحانه قد جعل الأعلى من المخلوقات مستغنيا عن الأسفل، فالسماوات ~~فوق الأرض وليست محتاجة إلى الأرض ولا مفتقرة إلى أن تحملها، فالخالق العلي ~~الأعلى كيف يفتقر إلى العرش أو حملته فوق العرش أو إلى غيره من المخلوقات؟ ~~فلو كان محايثا لخلقه لكان وجوده مشروطا بوجود ذلك المحايث، بل كانت ذاته ~~مفتقرة إلى محايث، سواء كان محايثته من جنس محايثة العرض للعرض أو جنس ~~محايثة العرض للجسم، أو من جنس ما يدعيه من يقول بمحايثة الصورة الجوهرية ~~للمادة الجوهرية. وهذا هو المعقول من المحايثات، ولهذا كان القائلون بحلوله ~~في المخلوقات أو اتحاده بها من الجهمية تعود مقالتهم إلى مثل هذا، فآخر ~~أمرهم يجعلونه مع المخلوقات كالمادة مع الصورة، أو كالعرض مع الجسم، حتى ~~قالوا: وجوده وجود المخلوقات، إذ قالوا: إن الماهيات ثابتة بدونه، كما ~~يقوله ابن عربي صاحب "الفصوص" الموافق للمعتزلة في قولهم: إن المعدوم شيء، ~~فإما أن يجعلوا الوجود صفة للإنسان أو قائما بنفسه مع الأعيان. وكلام ابن ~~سبعين يرجع إلى هذا، فإنه كان متفلسفا، فيجعله مع المخلوق بمنزلة المادة ~~والصورة. # ومن جعله الوجود المطلق، والأعيان لها التعين، فإن جعل للأعيان ماهيات ~~ثابتة في الخارج -كما يقوله من ms0421 يقوله من المتفلسفة- فقد جعلوه مشروطا بتلك ~~الماهيات، وهو معها إما كالجوهر مع الجوهر أو كالجوهر مع العرض. # وإن لم يجعل للأعيان ماهيات ثابتة، فالمطلق لا يكون في PageV03P188 # الخارج إلا عين المشخص، فافتقاره إلى الأعيان المخلوقة أعظم وأعظم، بل ~~على هذا التقدير ليس مغايرا لها البتة. وقول التلمساني -وهو أحذقهم في ~~مقالتهم التي هي وحدة الوجود- يرجع إلى هذا. # وعلى كل وجه يفرض من وجوه المحايثات فإنه يكون مشروطا بوجود المخلوقات، ~~لا يتحقق ذاته بدون المخلوقات، وما كان كذلك لم يكن خالقا للمخلوقات، بل ~~ولا يجوز أن يكون علة لها، فضلا عن أن يكون خالقا لها؛ لأن العلة متقدمة ~~بالذات على المعلول، والمشروط بالشيء لا يكون متقدما عليه، إذ وجود المشروط ~~المستلزم لشرطه قبل شرطه الملازم للإيجاب، فيمتنع أن يكون علة. بل ولا يكون ~~واجب الوجود بنفسه، لأن نفسه لا تستغني في وجودها، بل لابد لتحققها من ذلك ~~الشرط اللازم لها المقرون بها، فيكون وجودها مفتقرا إلى وجود ذلك الشرط. ~~ولأن محايثة القائم بنفسه محال، وما يذكره المتفلسفة من محايثة الصورة ~~للمادة هو بناء منهم على أن تصور الأجسام مواد هي جواهر قائمة بنفسها. وهذا ~~باطل لا حقيقة له. # وكذلك من قال: إن الجواهر الموجودة ماهيات قائمة بأنفسها غير الموجود ~~المعروف، فقوله باطل بما يذكرونه من الماهيات الثابتة المغايرة للوجود ~~المحسوس، ومن المواد القائمة بنفسها المغايرة للجسم المحسوس، فهو حادث في ~~الأذهان، لا حقيقة لها في الأعيان، سواء قالوا باستغناء المواد عن الصور ~~واستغناء الماهيات عن وجودها -كما يذكر عن أفلاطن وشيعته-، أو قالوا ~~بافتقار المادة إلى الصورة، والماهيات إلى الوجود -كما يقوله أرسطو ~~وشيعته-. وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع. # فلم يبق إذا محايثة العرض للجسم ومحايثة الصفة للموصوف، PageV03P189 # وهذا ممتنع لوجهين: # أحدهما: أن الموجودات القائمة بأنفسها لا تحايثها الأعراض، والعرض مفتقر ~~إليها محتاج إليها، والعرض يمتنع أن يكون هذا الفاعل المبدع العلة لمحاله ~~أو غير محاله، وهذا معلوم ببديهة العقل وضرورته، وأدلته كثيرة، فإن الأعراض ~~ذواتها مفتقر [ة] إلى ms0422 ذوات محالها، فلا تكون واجبة الوجود ودون محالها، ~~والواجب مستغن عمن دونه، فلو لم تكن واجبة الوجود امتنع أن تكون مبدعة لها ~~فاعلة لها أو محالها. # الوجه الثاني: أن كلا من المتحايثين يمتنع وجوده دون محايث، فإن العرض لا ~~يوجد دون الجسم، والجسم أيضا يمتنع خلوه عن جميع الأعراض، فانه لابد له من ~~شكل، والأبدان تكون متحركا أو ساكنا. ومن ظن جواز خلو الأجسام عن الأعراض ~~(1)، وإذا كان كذلك فكل محايث لمخلوق يمتنع وجوده بدون وجود المخلوق، ويكون ~~مشروطا بوجود المخلوق، ومفتقرا في وجوده إلى وجود المخلوق، فيمتنع حينئذ أن ~~يكون هذا المبدع الفاعل له، لوجوب تقدم المبدع مع امتناع تقدم المحايث، ~~فيجب أن يكونا (2) مفعولين لفاعل ثالث، فيكون الخالق مخلوقا والواجب ممكنا، ~~أو يكون كل منهما واجب الوجود بنفسه، فيمتنع جعل أحدهما خالقا والآخر ~~مخلوقا، فلا يكون من العالم شيء مخلوق ولا محدث ولا ممكن، وهذا خلاف الحس، ~~فإنا نشهد الحدوث والعدم يعتقبان على ما شاء الله من PageV03P190 ### || CHECK * الوجه الثاني # العالم، وما وجد بعد عدمه وعدم بعد وجوده يمتنع أن يكون واجئا بغيره ~~مطلقا، فضلا عن أن يكون واجبا بنفسه. # ومن تدبر هذه المعاني وما يشبهها تبين له أن كل من جعله محايثا للمخلوقات ~~امتنع أن يكون عنده خالفا لها أو مبدعا أو علة أو يكون غنيا عنها، بل يجب ~~على قوله أن يكون مفتقرا إليها كافتقارها إليها، كما يصرح بذلك صاحب ~~"الفصوص" وأمثاله من القائلين بوحدة الوجود. ومن المعلوم أن ذلك ينافي ~~وجوبه بنفسه وإمكان غيره، وقد علم بالضرورة أن الوجود فيه من موجود واجب ~~مستغن بنفسه، ومن موجود مفتقر إلى غيره، بل فيه موجود حادث بعد أن لم يكن، ~~والحادث لا يحدث نفسه ولا يحدث بلا محدث، بل لابد للحادث من محدث، فهذا هذا. # الطريق الثاني في الجواب عن السؤال المذكور أن يقال: المخلوق [يجوز] أن ~~يكون فوق المخلوق ولا يكون فلكا محيطا به، والأفلاك يجوز أن يكون فوقها شيء ~~آخر غير الأفلاك ولا يكون فلكا ms0423 محيطا بها، مع كونه أكبر منها تارة وأصغر ~~منها أخرى، فكيف يجب في الخالق إذا كان فوقها أن يكون فلكا مستديرا؟ # وذلك أن الشمس والقمر والكواكب التي هي في الفلك الرابع أو الثامن أو نحو ~~ذلك هي فوق ما تحتها من الأفلاك، فالشمس التي هي في الفلك الرابع تحقيقا أو ~~تقديرا لا ريب أنها فوق بقية الأفلاك، وهي فوق الأرض، ولا تزال فوق الأرض، ~~وهي قدر الأرض أكثر من مئة وستين مرة، ومع هذا فليست فلكا محيطا بالأرض. ~~والقمر فوق الأرض، ويقال: إن الأرض بقدره أربعين مرة، ومع هذا فليس هو فلكا ~~مستديرا. والكواكب الثابتة منها ما يقال: إنه أكثر من مئة مرة، PageV03P191 # ومنها ما هو دون ذلك. والكواكب الموجودة ستة أقدار، يقال: إن أصغرها بقدر ~~الأرض ثماني عشر [ة] مرة. # وهذا الكلام على نمط من تكلم باستدارة الأفلاك، فإن ذلك لما كان من علم ~~الحساب كان هذا من توابعه، فلهذا ذكرناه، وإن كان استدارة الأفلاك قد يعلم ~~بالسمع وهذا لا يعلم بالسمع فلا ريب أنه ممكن، وليس في السمع ما يدفعه، ~~ولنا عنه غنية، فنقول: كل كوكب مرئي في السماء هو فوق الأرض مطلقا، مع ~~العلم أنه ليس فلكا محيطا بها، سواء لا قدرنا أنه أكبر من الأرض أو أصغر ~~منها، وهذا لأن العالي على الشيء الذي هو فوقه لا يجب أن يكون مسامتا لجميع ~~أجزائه، بحيث لا يزيد عليه ولا ينقص عنه، بل هو فوقه. وعليه سواء كان أكبر ~~منه كالسماء على الأرض... (1). PageV03P192 ### | CHECK (8) مسألة في العلو # مسألة في العلو PageV03P193 ### || CHECK - كلام أحمد بن حنبل ### || CHECK - كلام الشافعي في أول "الرسالة" ### || CHECK - لا نزاع بينهم في أصول الدين ### || CHECK - اعتقاد الشافعي هو اعتقاد سلف الأئمة والمشايخ ### || CHECK - سؤال عن رجلين اختلفا في الاعتقاد، أحدهما يقول: إن الله في السماء، والثاني يقول: إن الله لا ينحصر في مكان، وهما شافعيان # سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني -رضي الله ~~عنه وأرضاه-: ما تقول في رجلين ms0424 اختلفا في الاعتقاد، فقال أحدهما: من لا ~~يعتقد أن الله في السماء فهو ضال، وقال الآخر: إن الله سبحانه لا ينحصر في ~~مكان، وهما شافعيان. فبينوا لنا ما نتبعه من عقيدة الشافعي رضي الله عنه، ~~وما الصواب فيه؟ # فأجاب # الحمد لله. اعتقاد الشافعي رضي الله عنه هو اعتقاد سلف أئمة الإسلام، ~~كمالك والثوري والأوزاعي وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وهو ~~اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني وسهل بن ~~عبد الله التستري وغيرهم. فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول ~~الدين. وكذلك أبو حنيفة رضي الله عنه، فإن الاعتقاد الثابت عنه في التوحيد ~~والقدر ونحو ذلك موافق لاعتقاد هؤلاء، واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه ~~الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو ما نطق به الكتاب والسنة. # قال الشافعي في أول خطبة "الرسالة" (1): "الحمد لله الذي هو كما وصف به ~~نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه". فبين رحمه الله أن الله موصوف بما وصف به ~~نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -. # وكذلك قال أحمد بن حنبل: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به ~~رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث. PageV03P195 ### || CHECK - مباينته لخلقه في جميع الصفات ### || CHECK - الله سبحانه موصوف بصفات الكمال منزه عن كل نقص وعيب ### || CHECK - مذهبهم في الأسماء والصفات واحد # وهكذا مذهب سائرهم أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل ~~يثبتون له ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلي، ويعلمون أنه ~~ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإنه كما أن ذاته ~~ليست كالذوات المخلوقة فصفاته ليست كالصفات المخلوقة. بل هو سبحانه موصوف ~~بصفات الكمال منزه عن كل نقص وعيب. # وهو سبحانه في صفات الكمال لا يماثله شيء، فهو حي قيوم سميع بصير عليم ~~قدير رؤوف رحيم، وهو الذي خلق ms0425 السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم ~~استوى على العرش، وهو الذي كلم موسى تكليما، وتجلى للجبل فجعله دكا. ولا ~~يماثله شيء من الأشياء في شيء من صفاته، فليس كعلمه علم أحد، ولا كقدرته ~~قدرة أحد، ولا كرحمته رحمة أحد، ولا كاستوائه استواء أحد، ولا كسمعه وبصره ~~سمع أحد ولا بصره، ولا كتكليمه تكليم أحد، ولا كتجليه تجلي أحد. # والله سبحانه وتعالى قد أخبرنا أن في الجنة لحما ولبنا وعسلا وماء وحريرا ~~وذهبا، وقد قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء (1). ~~فإذا كانت المخلوقات الغائبة ليست مثل هذه المخلوقات المشاهدة مع اتفاقهما ~~في الأسماء، فالخالق أعظم علوا ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق للمخلوق ~~وإن اتفقت الأسماء. # وقد سمى نفسه حيا عليما سميعا بصيرا ملكا رءوفا رحيما، PageV03P196 ### || CHECK - كون الله في السماء # وسمى أيضا بعض مخلوقاته حيا، وبعضها عليما، وبعضها سميعا بصيرا، وبعضها ~~رءوفا رحيما، وليس الحي كالحي، ولا العليم كالعليم، ولا السميع كالسميع، ~~ولا البصير كالبصير، ولا الرءوف كالرءوف، ولا الرحيم كالرحيم. قال الله ~~تعالى (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) (1)، وقال الله تعالى: (وهو العليم ~~الحكيم (2)) (2)، وقال: (وبشروه بغلام عليم (28)) (3)، وقال: (إن الله كان ~~سميعا بصيرا (58)) (4)، وقال: (إنا خلقنا الأنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا (2)) (5)، وقال: (إن الله بالناس لرؤوف رحيم (143)) ~~(6)، وقال: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤوف رحيم (128)) (7). # وهو سبحانه وتعالى قد قال في كتابه: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم ~~الأرض فإذا هي تمور (16) أم أمنتم من في لسماء أن يرسل عليكم حاصبا ~~فستعلمون كيف نذير (17)) (8). وثبت في الصحيح (9) عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال للجارية: "أين الله؟ "، قالت: في السماء، قال: "من أنا؟ "، ~~قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". وهذا الحديث PageV03P197 ### || CHECK - من اعتقد ذلك فهو ضال مبتدع ### || CHECK - ليس معناه أنه في جوف السماء وأن السماوات تحصره وتحويه # رواه مالك (1) والشافعي (2) وأحمد بن حنبل (3) ومسلم ms0426 في صحيحه وغيرهم. # لكن ليس معنى ذلك أن الله في جوف السماء، وأن السماوات تحصره وتحويه، فإن ~~هذا لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هم متفقون على أن الله فوق ~~سماواته على عرشه بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته ~~شيء من مخلوقاته. # وقد قال مالك بن أنس: إن الله في السماء، وعلمه في كل مكان (4). وقالوا ~~لعبد الله بن المبارك: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، ~~بائن من خلقه. وقال أحمد بن حنبل كما قال هذا وهذا (5). # وقال الشافعي: خلافة أبي بكر حق قضاها الله في سمائه، فأجمع عليها قلوب ~~أوليائه. وقال الأوزاعي (6): كنا والتابعون متوافرون نقر بأن الله فوق ~~عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. # فمن اعتقد أن الله في جوف السماء محصور محاط به، أو أنه مفتقر إلى العرش ~~أو غير العرش من المخلوقات، أو أن استواءه على عرشه كاستواء المخلوق على ~~كرسيه= فهو ضال مبتدع جاهل. PageV03P198 ### || CHECK - من اعتقد أنه ليس فوق السماوات إله يعبد فهو فرعوني معطل ضال مبتدع # ومن اعتقد أنه ليس فوق السماوات إله يعبد، ولا على العرش رب يصلى له ~~ويسجد، وأن محمدا لم يعرج به إلى ربه، ولا نزل القرآن من عنده= فهو معطل ~~فرعوني ضال مبتاع؛ فإن فرعون كذب موسى في أن ربه فوق السماوات، وقال: (يا ~~هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) أسباب السماوات فأطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه كاذبا) (1). # ومحمد - صلى الله عليه وسلم - صدق موسى في أن ربه في السماوات، فلما كان ~~ليلة المعراج وعرج به إلى الله تعالى وفرض عليه ربه خمسين صلاة، ذكر أنه ~~لما رجع إلى موسى قال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا ~~تطيق ذلك، فرجع إلى ربه فخفف عنه عشرا، ثم رجع إلى موسى فأخبره بذلك، فقال: ~~ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. وهذا الحديث في الصحاح (2). # فمن وافق فرعون وخالف موسى ومحمدا فهو ms0427 ضال، ومن مثل الله بخلقه فهو ضال. ~~قال نعيم بن حماد: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه ~~فقد كفر. وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها. # وقد قال الله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) (3)، ~~وقال: (يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي) (4)، وقال: (بل رفعه الله إليه) ~~(5)، PageV03P199 ### || CHECK - الكلام على قول الرجلين وبيان الخطأ والصواب في المراد منه # وقال: (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق) (1)، وقال: ~~(تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1)) (2)، وقال تعالى: (وله من في ~~السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19)) (3). # فدل ذلك على أن الذين عنده هم قريبون إليه، وإن كانت المخلوقات كلها تحت قدرته. # والقائل الذي قال: من لا يعتقد أن الله في السماء فهو ضال، إن أراد بذلك ~~من لا يعتقد أن الله في جوف السماء بحيث تحصره وتحيط به، فقد أخطأ. وإن ~~أراد بذلك من لم يعتقد ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة ~~وأئمتها من أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، فقد أصاب. فإنه من ~~لم يعتقد ذلك يكون مكذبا للرسول - صلى الله عليه وسلم - متبعا لغير سبيل ~~المؤمنين، بل يكون في الحقيقة معطلا لربه نافيا له، فلا يكون له في الحقيقة ~~إله يعبده، ولا رب يسأله ويقصده. وهذا قول الجهمية ونحوهم من أتباع فرعون ~~المعطل. # والله قد فطر العباد عربهم وعجمهم على أنهم إذا دعوا الله توجهت قلوبهم ~~إلى العلو، لا يقصدونه تحت أرجلهم. ولهذا قال بعض العارفين: ما قال عارف قط ~~"يا الله" إلا وجد في قلبه قبل أن يتحرك لسانه معنى يطلب العلو، ولا يلتفت ~~يمنة ولا يسرة. # والقائل الذي قال: إن الله لا ينحصر في مكان، إن أراد به أن الله لا ~~ينحصر في جوف المخلوقات أو أنه لا يحتاج إلى شيء منها= فقد PageV03P200 ### || CHECK - كل ما ثبت في الكتاب والسنة وجب التصديق به ### || CHECK - منشأ ms0428 الضلال أن يظن أن صفات الرب كصفات خلقه # أصاب. وإن أراد أن الله ليس فوق السماوات، ولا هو على العرش، وليس هناك ~~إله يعبد، ومحمد لم يعرج به إلى الله= فهذا جهمي فرعوني معطل. # ومنشأ الضلال أن يظن أن صفات الرب كصفات خلقه، فيظن أن الله سبحانه على ~~عرشه كالملك المخلوق على سريره، فهذا تمثيل وضلال. وذلك أن الملك مفتقر إلى ~~سريره، ولو زال سريره لسقط، والله غني عن العرش وعن كل شيء، والعرش وكل ما ~~سواه فقير إلى الله، وهو حامل العرش وحملة العرش، وعلوه عليه لا يوجب ~~افتقاره إليه، فإن الله قد جعل المخلوقات عاليا وسافلا، وجعل العالي غنيا ~~عن السافل، كما جعل الهواء فوق الأرض، وليس هو مفتقرا إليها، وجعل السماء ~~فوق الهواء، وليست محتاجة إليه. فالعلي الأعلى رب السماوات والأرض وما ~~بينهما أولى أن يكون غنيا عن العرش وسائر المخلوقات وإن كان عاليا عليها، ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # والأصل في هذا الباب أن كل ما ثبت في كتاب الله أو سنة رسوله وجب التصديق ~~به، مثل علو الرب واستوائه على عرشه ونحو ذلك. وأما الألفاظ المبتدعة في ~~النفي والإثبات مثل قول القائل: هو في جهة أو ليس هو في جهة، وهو متحيز أو ~~ليس بمتحيز، ونحو ذلك من الألفاظ التي تنازع فيها الناس، وليس مع أحدهم نص، ~~لا عن الرسول ولا عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أئمة المسلمين، فإن ~~هؤلاء لم يقل أحد منهم: إن الله في جهة، ولا قال: ليس هو في جهة؟ ولا قال: ~~هو متحيز، ولا قال: ليس بمتحيز؟ ولا قال: هو جسم أو جوهر، ولا قال: ليس ~~بجسم ولا جوهر. فهذه PageV03P201 ### || CHECK - مناقشة قول القائل: إن الله في جهة ### || CHECK - الألفاظ المبتدعة في النفي والإثبات قد يراد بها معنى صحيح فيقبل، وقد يراد بها معنى فاسد فيرد عليه # الألفاظ ليست منصوصة في الكتاب ولا في السنة ولا الإجماع. والناطقون بها ~~قد يريدون معنى صحيحا، وقد يريدون معنى فاسدا، ms0429 فمن أراد معنى صحيحا يوافق ~~الكتاب والسنة كان ذلك المعنى مقبولا منه، وإن أراد معنى فاسدا يخالف ~~الكتاب والسنة كان ذلك المعنى مردودا عليه. # فإذا قال القائل: إن الله في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ أتريد بذلك أنه ~~في جهة موجودة تحصره وتحيط به، مثل أن يكون في جوف السماء؟ أم تريد الجهة ~~أمرا عدميا؟ وهو ما فوق العالم، فإنه ليس فوق العالم شيء من المخلوقات. فإن ~~أردت الجهة الوجودية وجعلت الله محصورا في المخلوقات فهذا باطل، وإن أردت ~~الجهة العدمية وأردت أن الله وحده فوق المخلوقات بائن منها فهذا حق، وليس ~~في ذلك شيء من المخلوقات حصره ولا أحاط به ولا علا عليه، بل هو العالي ~~عليها المحيط بها، وقد قال تعالى: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67)) (1). # وقد ثبت في الصحيح (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يقبض ~~الأرض يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه ثم يهزهز، ثم يقول: أنا الملك، ~~أين ملوك الأرض؟ ". وقال ابن عباس (3): ما السماوات السبع والأرضون السبع ~~وما فيهن وما بيتهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم. # وفي حديث آخر: أنه يرميها كما يرمي الصبيان الكرة. فمن يكون PageV03P202 ### || CHECK - الناس في ذلك ثلاثة أصناف ### || CHECK - مناقشة من يقول: إن الله ليس في جهة ### ||| CHECK (آ) أهل الحلول والاتحاد # جميع المخلوقات بالنسبة إلى قبضته تعالى في هذا الصغر والحقارة كيف تحيط ~~به وتحصره؟ # ومن قال: إن الله ليس في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ فإن أراد بذلك أنه ~~ليس فوق السماوات رب يعبد، ولا على العرش إله، ومحمد لم يعرج به إلى الله ~~تعالى، والأيدي لا ترفع إلى الله تعالى في الدعاء، ولا تتوجه القلوب إليه= ~~فهذا فرعوني معطل جاحد لرب العالمين. # وإن كان معتقدا أنه مقر به، فهو جاهل متناقض في كلامه. ومن هنا دخل أهل ~~الحلول والاتحاد كابن عربي، وقالوا: إن الله بذاته في كل مكان، ms0430 وأن وجود ~~المخلوقات هو وجود الخالق. # وإن قال: مرادي بقولي "ليس في جهة" أنه لا تحيط به المخلوقات، بل هو بائن ~~عن المخلوقات= فقد أصاب في هذا المعنى. # وكذلك من قال: إن الله متحيز، أو قال: ليس بمتحيز، إن أراد بقوله "متحيز" ~~أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ. وإن أراد أنه منحاز عن المخلوقات لا ~~تحويه فقد أصاب. وإن أراد: ليس ببائن عنها، بل هو لا داخل فيها ولا خارج ~~عنها فقد أخطأ. # والناس في ذلك ثلاثة أصناف: أهل الحلول والاتحاد، وأهل النفي والجحود، ~~وأهل الإيمان والتوحيد والسنة. # فأهل الحلول يقولون: إنه بذاته في كل مكان، وقد يقولون بالاتحاد والوحدة، ~~فيقولون: وجود المخلوقات وجود الخالق، كما هو مذهب ابن عربي صاحب "الفصوص" ~~وابن سبعين ونحوهما. PageV03P203 ### || CHECK - شبهات أهل الحلول والتعطيل ### ||| CHECK (ج) أهل الإيمان والتوحيد والسنة ### ||| CHECK (ب) أهل النفي والجحود # وأما أهل النفي والجحود فيقولون: لا هو داخل العالم ولا خارج عنه، ولا ~~مباين له ولا حال فيه، ولا فوق العالم ولا فيه، ولا ينزل منه شيء ولا يصعد ~~إليه شيء، ولا يتقرب إليه شيء، ولا يدنو منه شيء، ولا يتجلى لشيء ولا يراه ~~أحد، ونحو ذلك. # وهذا قول متكلمة الجهمية، كما أن الأول قول عباد الجهمية. فمتكلمة ~~الجهمية لا يعبدون شيئا، ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء، وكلاهما مرجعهم ~~إلى التعطيل والجحود الذي هو قول فرعون. # وقد علم أن الله كان قبل أن يخلق السماوات والأرض، ثم خلقها، فإما أن ~~يكون دخل فيهما، وهذا حلول باطل وإما أن يكونا دخلا فيه، وهو أبطل وأبطل؛ ~~وإما أن يكون بائنا عنهما لم يدخل فيهما ولم يدخلا فيه، وهذا قول أهل الحق ~~والتوحيد والسنة. # ولأهل الحلول والتعطيل في هذا الباب شبهات يعارضون بها كتاب الله وسنة ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، وما فطر ~~الله عليه عباده، وما دلت عليه الدلائل العقلية الصحيحة. فإن هذه الأدلة ~~كلها متفقة على أن الله فوق مخلوقاته عال عليها، قد ms0431 فطر الله على ذلك ~~العجائز والأعراب والصبيان في الكتاب، كما فطرهم على الإقرار بالخالق. وقد ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (1): "كل مولود يولد ~~على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينضرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة ~~جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ "يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم (فطرت ~~الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله). PageV03P204 ### || CHECK - كثير منهم ينسب إلى أئمة المسلمين ما لم يقولوه ### || CHECK - أصل ضلالهم تكلمهم بكلمات مجملة لا أصل لها في الكتاب والسنة # وهذا معنى قول عمر بن عبد العزيز: عليك بدين الأعراب والصبيان في الكتاب، ~~عليك بما فطره الله عليه. فإن الله فطر عباده على الحق، والرسل بعثوا ~~بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتحويل الفطرة وتغييرها. # وأما أعداء الرسل كالجهمية الفرعونية فيريدون أن يغيروا فطرة الله، ~~ويوردون على الناس شبهات بكلمات مشتبهات لا يفهم كثير من الناس مقصودهم ~~بها، ولا يحسن أن يجيبهم. وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع. # وأصل ضلالهم تكلمهم بكلمات مجملة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله، ~~ولا قالها أحد من أئمة المسلمين، كلفظ التحيز والجسم والجهة ونحو ذلك، فمن ~~كان عارفا بحل شبهاتهم بينها، ومن لم يكن عارفا بذلك فليعرض عن كلامهم، ~~ولا يقبل إلا ما جاء به الكتاب والسنة، كما قال تعالى: (وإذا رأيت الذين ~~يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) (1). ومن تكلم في ~~الله وأسمائه وصفاته بما يخالف الكتاب والسنة فهو من الخائضين في آيات الله ~~بالباطل. # وكثير من هؤلاء ينسب إلى أئمة المسلمين ما لم يقولوه، فينسبون إلى ~~الشافعي وأحمد بن حنبل ومالك وأبي حنيفة من الاعتقادات ما لم يقولوه، ~~ويقولون لمن اتبعهم: هذا اعتقاد الإمام الفلاني، فإذا طولبوا بالنقل الصحيح ~~عن الأئمة تبين كذبهم في ذلك، كما يتبين كذبهم فيما ينقلونه عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في كثير من البدع والأقوال الباطلة. # ومنهم من إذا طولب بتحقيق نقله يقول: هذا القول قاله ms0432 العقلاء، والإمام ~~الفلاني لا يخالف العقلاء. ويكون أولئك العقلاء طائفة من PageV03P205 ### || CHECK - ذكر لفظ "الجسم" في أسماء الله وصفاته بدعة ### || CHECK - ذم الأئمة لأهل الكلام # أهل الكلام الذين ذمهم الأئمة. # فقد قال الشافعي: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف ~~بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على ~~الكلام! فإذا كان هذا حكمه فيمن أعرض عنهما، فكيف حكمه فيمن عارضهما ~~بغيرهما؟. # وكذلك قال أبو يوسف القاضي: من طلب الدين بالكلام تزندق. وكذلك قال أحمد ~~بن حنبل: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح. وقال: علماء الكلام زنادقة. # وكثير من هؤلاء قرأوا كتبا من كتب الكلام فيها شبهات أضلتهم، ولم يهتدوا ~~لجوابهم، فإنهم يجدون في تلك الكتب أنه لو كان الله فوق الخلق للزم التجسيم ~~والتحيز والجهة، وهم لا يعرفون حقائق هذه الألفاظ وما أراد بها أصحابها. # فإن ذكر لفظ "الجسم" في أسماء الله وصفاته بدعة، لم ينطق بها كتاب ولا ~~سنة، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها، لم يقل أحد منهم: إن الله جسم، ~~ولا إن الله ليس بجسم، ولا إن الله جوهر، ولا إن الله ليس بجوهر. # ولفظ "الجسم" لفظ مجمل، فمعناه في اللغة هو البدن، ومن قال: إن الله مثل ~~بدن الإنسان فهو مفتر على الله، ومن قال: إن الله يماثله شيء من المخلوقات ~~فهو مفتر على الله. ومن قال: إن الله ليس بجسم، وأراد بذلك أنه لا يماثله ~~شيء من المخلوقات، فالمعنى صحيح وإن كان اللفظ بدعة. وأما من قال: إن الله ~~ليس بجسم، وأراد بذلك أنه لا يرى في الآخرة، وأنه لم يتكلم بالقرآن العربي، ~~بل PageV03P206 ### || CHECK - الجهمية يظهرون للناس التنزيه وحقيقة كلامهم التعطيل # القرآن العربي مخلوق أو تصنيف جبريل ونحو ذلك= فهذا مفتر على الله فيما ~~نفاه عنه. # وهذا أصل ضلال الجهمية من المعتزلة ومن وافقهم على مذهبهم، فإنهم يظهرون ~~للناس التنزيه، وحقيقة كلامهم التعطيل، فيقولون: نحن لا نجسم، بل نقول: إن ~~الله ليس بجسم، ومرادهم بذلك نفي حقيقة ms0433 أسمائه وصفاته، فيقولون: ليس لله ~~علم ولا حياة ولا قدرة ولا كلام ولا سمع ولا بصر، ولا يرى في الآخرة، ولا ~~عرج بالنبي إليه، ولا ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يتجلى لشيء، ~~ولا يقرب إلى شيء، ولا يقرب منه شيء. ويقولون: إنه لم يتكلم بالقران، بل ~~القرآن مخلوق، أو هو كلام جبريل، وأمثال ذلك من مقالات المعطلة الفرعونية ~~الجهمية. # والله تعالى يقول في كتابه (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) (1) أي ~~لا تحيط به، فكما أنه يعلم ولا يحاط به علما، فكذلك سبحانه يرى ولا يحاط به ~~رؤية. فهو سبحانه نفى الإدراك، ولم ينف الرؤية، ونفي الإدراك يدل على ~~عظمته، وأنه من عظمته لا يحاط به. وأما نفي الرؤية فلا مدح فيه، فإن ~~المعدومات لا ترى، ولا مدح لشيء من المعدومات، بل المدح إنما يكون بالأمور ~~الثبوتيه لا بالأمور العدمية، وإنما يحصل المدح بالعدم إذا تضمن ثبوتا، ~~كقوله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم) (2)، ~~فنزه نفسه عن السنة والنوم، لأن ذلك يتضمن كمال حياته وقيوميته، PageV03P207 ### || CHECK - مذهب السلف في الأسماء والصفات # كما قال تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت) (1)، فهو سبحانه حي لا ~~يموت، قيوم لا ينام. وكذلك قوله تعالي: (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (38)) (2)، فنزه نفسه المقدسة عن مس ~~اللغوب -وهو الإعياء والتعب- ليتبين كمال قدرته. # فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال منزه عن كل نقص وعيب، موصوف بالحياة ~~والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، منزه عن الموت والجهل والعجز والصمم ~~والعمى والبكم، وهو سبحانه لا مثل له في شيء من صفات الكمال، وهو منزه عن ~~كل نقص وعيب، فإنه قدوس سلام يمتنع عليه النقائص والعيوب بوجه من الوجوه، ~~وهو سبحانه لا مثل له في شيء من صفات كماله، بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ~~ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. # ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما ms0434 وصف به نفسه وبما ~~وصف به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيثبتون ~~له ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينزهونه عما نزه عنه نفسه من ~~مماثلة المخلوقات، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل. قال تعالى (ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير (11)) (3)، فقوله (ليس كمثله شيء) رد على ~~الممثلة، وقوله: (وهو السميع البصير (11)) رد على المعطلة. # قال بعض العلماء: المعطل يعبد عدما، والممثل يعبد صنما، PageV03P208 # المعطل أعمى، والممثل أعشى، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه. وقد ~~قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) (1). والسنة في الإسلام كالإسلام في ~~الملل، فأهل السنة وسط في الصفات بين أهل التمثيل وأهل التعطيل، وهذا هو ~~الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. # فنسأل الله العظيم أن يجعلنا وسائر إخواننا منهم بفضله ورحمته، إنه على ~~ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. PageV03P209 ### | CHECK (9) قاعدة شريفة في الرضا الشرعي # قاعدة شريفة # في الرضا الشرعي وما يحبه الله من الرضا، وبيان # أن الله لا يرضى بالكفر ولا يحبه ولا يشرعه، # ولا يرضى بالمعاصي ولا يحبها ولا يثيب فاعلها PageV03P211 ### || CHECK - قول القدرية المكذبين بقدر الله من المعتزلة وغيرهم ### || CHECK - ثلاثة مذاهب في الرضا والقضاء # الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~- صلى الله عليه وسلم -. # فصل # فيما يحبه الله ويرضاه من رضا العبد، وما لا يحبه من ذلك ويرضاه، فإن هذا ~~الباب مما كثر فيه اضطراب كثير من المتأخرين، فإنهم سمعوا لفظ الرضا ~~بالقضاء وأن ذلك محمود من العبد يثاب عليه بل يؤمن به، وأنه من أعلى مقامات ~~اليقين وأحوال الصديقين، وظنوا أن المراد بذلك أن كل ما كان مخلوقا للرب ~~فينبغي أن ms0435 يرضى ذلك المخلوق. ثم صاروا حزبين: # حزبا قالوا إذا كان القضاء والرضا متلازمين، فمعلوم إلا مأمورون ببغض ما ~~نهى الله ورسوله عنه وسخطه، فلا يكون بقضاء وقدر. # وحزبا قالوا: إذا كانا متلازمين، وقد دعينا إلى الرضا، فنحن نرضى بكل ما ~~يقع من الكفر والفسوق والعصيان. # وكل من هذين الحزبين مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، ~~فالحزب الأول علموا أن الله لا يرضى الكفر والفسوق والعصيان، قالوا: فلم ~~يخلق ذلك ولم يقدره ولم يقتضه، بل ذلك واقع في الوجود بغير مشيئته ولا ~~قدرته ولا خلقه، ومنهم من قال: ولا علمه قبل أن يقع. وهؤلاء القدرية ~~المكذبون بقدر الله من المعتزلة وغيرهم. ومن أعظم حججهم على ذلك أن قالوا: ~~الرضا PageV03P213 ### || CHECK - حجتهم ومناقشتها # بالقضاء من أعظم المقامات، وربما ادعوا إجماع المسلمين على أن الرضا ~~بالقضاء من أفضل المقامات، فلو كانت المعاصي بقضائه لكان ينبغي أن يرضى ~~بها. والرضا بالكفر والفسوق والعصيان لا يجوز باتفاق المسلمين، فعلم أن هذه ~~ليست بقضائه. # ولما أوردوا هذه الحجة أجابهم أهل الإثبات للقدر، كل طائفة بجواب بحسب ~~أصولهم، فإن من يقول: إن رضاه هو إرادته، وإن كل ما قدره فقد رضيه وأحبه ~~وأراده، كما يقول ذلك الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام والتصوف وغيرهم، ~~فله جواب على أصله. # وهؤلاء يقولون: أراد الكفر قبيحا معاقبا عليه، وكذلك رضيه وأحبه قبيحا ~~معاقبا عليه. ومعنى "قبيحا" عندهم أي منهيا عنه، فهم يقولون: أراده ورضيه ~~وأحبه ومع ذلك نهى عنه ونهانا أن نرضى به، فحقيقة قولهم أن الله يحب أمورا ~~ويرضاها مع نهيه لنا عنها أن نحبها ونرضاها. ومن هؤلاء أبو الحسن الأشعري ~~وأبو بكر الباقلاني وطائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد. # فمن هؤلاء من قال: إنما نرضى بقضائه الذي أمرنا أن نريده ونرضاه، ولا ~~نرضى من ذلك ما نهانا أن نرضى به. وهذا جواب طائفة كالقاضي أبي بكر والقاضي ~~أبي يعلى وغيرهما. # وقد يقولون: نرضى بالقضاء على الجملة، ولا نطلقه على التفصيل. # هذا حكاية لفظهم. # ومنهم من قال ما ms0436 ذكره أبو حامد والرازي وغيرهما، قالوا: نرضى بالقضاء ولا ~~نرضى بالمقضي. # قالت الطائفة الأولى كالقاضيين -وهذا لفظ أبي بكر، فإنه الأسبق PageV03P214 ### || CHECK - كلام الباقلاني # إلى هذا الجواب، قال (1) -: # فإن قال: أفترضون بقضاء الله وقدره؟ # قيل له: نرضى بقضاء الله الذي هو خلقه، الذي أمرنا أن نريده ونرضاه، ولا ~~نرضى من ذلك ما نهانا أن نرضى به، ولا نتقدم بين يدي الله ولا نعترض على حكمه. # وجواب آخر، وهو أنا نقول: نرضى بقضاء الله في الجملة على كل حال. # فإن قال: أفترضون الكفر والمعاصي التي هي من قضاء الله؟ # قيل له: نحن نطلق الرضا بالقضاء في الجملة، ولا نطلقه على التفصيل لموضع ~~الإبهام، كما يقول المسلمون كافة: الأشياء لله، ولا يقولون في التفصيل: ~~الولد والصاحبة والشريك لله، وكما يقولون: الخلق يفنون ويبيدون، ولا ~~يقولون: حجج الله تفنى وتبيد، في نظائر لهذا من القول الذي يطلق من وجه ~~ويمنع من وجه. # ثم يقال لهم: أو ليس قد قضى بموت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعجز ~~المسلمين عن دفع الكفار، والاستيلاء على ثغورهم وسبي نسائهم، وقضى إعانة ~~الفراعنة والشياطين وسائر الكفار، وبقاءهم واستظهارهم على المؤمنين؟ # فإذا قالوا: أجل. # قيل لهم: أفترضون بذلك أجمع؟ PageV03P215 ### || CHECK - كلام الجويني ### || CHECK - تعليق المؤلف عليه # فإن قالوا: نعم. # قيل لهم مثله فيما سألونا عنه، وخرقوا الإجماع في ركوب هذا الإطلاق. وإن ~~قالوا: لا. # قيل لهم مثله فيما طالبونا به (1). # قلت: وقد بسطوا هذا القول أكثر، فقالوا -واللفظ للقاضي أبي يعلى-: قلت: ~~أما تفصيل القول في الرضا بأن بعض المخلوق نرضى به وبعضه لا نرضى به فصواب، ~~لكن لم يثبتوا ما هو الذي نرضى به، فإن قولهم "الذي أمرنا أن نريده ونرضاه" ~~إن كان مرادهم نرضى بما أمرنا أن نفعله وهو الذي أمرنا بإرادته، فالرضا أعم ~~من ذلك، فإنه ينبغي الرضا بأمور غير أفعالنا التي أمرنا بها؟ وإن كان ~~مقصودهم بكل ما أمرنا أن نريده ونرضاه وإن لم يكن من فعلنا. # قلت: فهذا جواب حسن، لكن لا يستقيم على ms0437 أصل أتباع أبي الحسن في قوله الذي ~~خالف به المتقدمين واتبع فيه الجهمية والقدرية، حيث قال معهم: إن المحبة ~~والرضا هي الإرادة، وفرعوا على ذلك أن الله لا يجوز أن يحب ذاته، كما لا ~~يجوز أن تراد ذاته، فإن الإرادة إنما تتعلق بالمتجدد، وهو ما كان معدوما ~~فأريد حدوثه. # قال أبو المعالي: ومما اختلف أهل الحق في إطلاقه ومنع إطلاقه: المحبة ~~والرضا، فصار المتقدمون إلى أنه سبحانه لا يحب الكفر ولا يرضاه، وكذلك كل ~~معصية. وقال شيخنا أبو الحسن: المحبة هي PageV03P216 ### || CHECK - تعليق المؤلف عليه # الإرادة نفسها، وكذلك الرضا والاصطفاء، فيقول: إنه سبحانه يريد الكفر ~~ويرضاه كفرا قبيحا معاقبا عليه، ويحب أن يكون على ما هو عليه. وليس معنى ~~قوله "إنه يحبه ويرضاه" أنه يراه حسنا أو يثني على صاحبه بفعله، بل يذمه ~~بفعله ويلعنه ويعاقبه عليه. # قال أبو المعالي: ومن أصحابنا من قال: نأخذ هذه الإطلاقات بالشرع، فما لم ~~يرد الشرع بإطلاقه لا نطلقه، وهذا هو الأولى، وربما يقول هذا القائل: ~~المحبة من الله صفة خبرية، يتبع في ذلك الخبر. # قال أبو المعالي: وإذا ثبت أن المحبة هي الإرادة فيترتب على ذلك أن يعلم ~~أنه سبحانه لا تتعلق به المحبة على الحقيقة، فإنها هي الإرادة، والإرادة لا ~~تتعلق إلا بمتجدد. # قلت: وهذا القول الذي قاله أبو الحسن هو اختيار القاضي أبي بكر والقاضي ~~أبي يعلى في أحد قوليه الذي يقول فيه: إن الإرادة والرضا والمحبة واحد، كما ~~قاله في "المعتمد" (1). وهذا خلاف المعروف عن المتقدمين من أصحاب الأئمة ~~الأربعة وغيرهم، كأبي بكر بن عبد العزيز وغيره، فإنهم يفرقون بين المحبة ~~والرضا (2). PageV03P217 ### | CHECK (10) فصل: الأقوال نوعان # فصل # الأقوال نوعان PageV03P219 ### || CHECK (2) ما ليس منقولا عن الأنبياء، فلا يقبل ولا يرد إلا بعد تصور مراده ### || CHECK (1) أقوال ثابتة عن الأنبياء، فهي معصومة يجب أن يكون معناها حقا ### ||| CHECK - قول المتكلمين: إن الله لا يفعل الأشياء بالأسباب، بل يفعل عندها لا بها، ولا يفعل لحكمة # الأقوال نوعان: # أقوال ثابتة عن الأنبياء، فهي معصومة، ms0438 يجب أن يكون معناها حقا، عرفه من ~~عرفه وجهله من جهله. والبحث في ذلك إنما هو عن معرفة ما أرادته الأنبياء ~~بأقوالهم. ومن طلب تفسير كلامهم وتأويله، ومقصوده معرفة مرادهم من الوجه ~~الذي به يعرف مرادهم فقد سلك طريق الهدى؟ ومن كان مقصوده أن يجعل ما قالوه ~~تبعا له، فإن وافقه قبله وإلا رده، وتكلف له من التحريف ما يسميه تأويلا، ~~مع أنه يعلم بالضرورة أن كثيرا من ذلك أو أكثره لم ترده الأنبياء= فهذا ~~محرف للكلم عن مواضعه، لا طالب لمعرفة التأويل الذي يعرفه الراسخون في العلم. # والنوع الثاني: ما ليس منقولا عن الأنبياء، فقد علم أن من سواهم ليس ~~بمعصوم، وحينئذ فلا يقبل كلامه ولا يرد إلا بعد تصور مراده ومعرفة صلاحه من ~~فساده، فمن قال من أهل الكلام والجدل: إنه لا يفعل الأشياء بالأسباب، بل ~~يفعل عندها لا بها، ولا يفعل لحكمة، وإنه لا يجعل في الأعيان صفات وطبائع ~~وخواص يميز بها بين موصوف وموصوف، وباعتبارها يحصل ما يحصل من آثارها ~~الموجودة في العالم، ولا خص الأفعال المأمور بها بما لأجله كانت حسنة ~~مأمورا بها، ولا المنهي عنها بما لأجله كانت سيئات منهيا عنها، وإنه ليس ~~لشيء من القوى والقدر التي في الحيوان والإنسان وغيره وفي النبات والمعادن ~~والعناصر الأربعة تأثير في شيء، بل لا فرق بين الماء والنار، تخلق الحرارة ~~عند ملاقاتها لا بقوة فيها، PageV03P221 ### ||| CHECK - إبطال هذا القول بنصوص الكتاب والسنة وكلام السلف ### ||| CHECK - أول من قال بذلك الجهم بن صفوان # والماء يخلق الري عنده لا بسبب عذوبة وقوة فيه، وأمثال ذلك= فهذا مخالف ~~لنصوص القرآن والسنة وإجماع سلف الأمة. # ولم يقل هذا القول أحد من سلف الأمة وأئمتها، وأول من قال هذا القول في ~~الإسلام الجهم بن صفوان الذي أجمع الأمة على ضلالته، فهو أول من أنكر ~~الأسباب والطبائع، كما أنه أول من ظهر عنه القول بنفي الصفات وخلق كلام ~~الله وإنكار رؤيته وغير ذلك، ونصوص الكتاب والسنة وكلام السلف في إبطال هذا ~~الأصل ms0439 كثيرة جدا، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (1) ~~لأشج عبد القيس: "إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة"، فقال: أخلقين ~~جبلت عليهما أم تخلقت بهما؟ فقال: "بل جبلت عليهما"، فقال: الحمد لله الذي ~~جبلني على ما يحب. وقال تعالى: (إن الأنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر ~~جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21)) (2). # ومما يدل على ذلك قوله تعالى في قصة إبراهيم: (قلنا يا نار كوني بردا ~~وسلاما على إبراهيم (69)) (3)، فسلب النار طبيعة الحرارة التي بها تسخن، ~~وجعلها بردا وسلاما، ولو كان ما يحصل عند ملاقاتها لا أثر لها فيه لم يحتج ~~إلى ذلك، بل كان يكفي أن لا يخلق الأثر عند الملاقاة. بل قوله "بردا ~~وسلاما" يقضي أنه جعل فيها ما توجب برودته PageV03P222 # وسلامته. والأدلة في ذلك كثيرة تخبر أنه يخلق الأسباب والحكم، كقوله عز ~~وجل: (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ~~ألفافا (16)) (1)، وقال تعالى: (ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به ~~جنات وحب الحصيد (9) والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد) الآية ~~(2). وقال تعالى: (والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس) الآية (3). ~~وقال تعالى: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ~~ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا ...) (4)، فذكر أن الرياح تقل السحاب أي ~~تحمله، فجعل هذا الجماد فاعلا بطبعه. # وقال تعالى: (والذاريات ذروا (1)) الآيات (5). وقال: (وأخرجت الأرض ~~أثقالها (2)) (6)، وقال: (وترى الأرض هامدة) الآية (7). وقال تعالى: ~~(انظروا إلى ثمره إذا أثمر) (8). وقال تعالى (كلتا الجنتين آتت أكلها ولم ~~تظلم منه شيئا) (9). وقال تعالى: (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل ~~تقيكم بأسكم) (10)، فوصف السرابيل بأنها تقي الحر والبأس. وقال تعالى: ~~(أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (69)) (11)، PageV03P223 # أخبر أنه أنزل الماء من المزن، وهو السحاب، كما أخبر أنه أنزله من ~~المعصرات، وهو المراد بقوله (وأنزلنا من السماء) في مواضع أخر (1)، وبين ~~أنه لو شاء لجعله أجاجا، كما قال تعالى: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب ~~فرات وهذا ملح أجاج) (2)، وقال ms0440 تعالى: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات ~~سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) (3)، فبين أن كلا من البحرين جعل فيه صفة قائمة ~~به، عذوبة هذا وملوحة هذا، وامتن على عباده بذلك، وأنه لو شاء لجعل العذب ~~أجاجا، فدل على أن المياه المشروبة مخصوصة بصفة جعلها بها تشرب، وأنه لو ~~جعله أجاجا لما شرب، وبين أن أحد الجسمين يختصه بصفة يحصل بها الانتفاع ~~ويختص أحدهما بقوة يكون بها الفعل. # وقال تعالى: (وجعلنا سراجا وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ~~(14) لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16)) (4)، وقال تعالى ~~(وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48)) (5) (أنزلنا الحديد فيه بأس شديد ~~ومنافع للناس) (6)، وقال تعالى: (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ~~(138)) (7)، وقال تعالى: (فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10)) (8) أي صنف ~~كريم، وهو الكثير المنفعة. PageV03P224 # فمن قال من أهل الجدل والكلام: إنه يحدث النبات عند المطر لا به، فقد ~~خالف نص الرسول، مع مخالفته صريح المعقول، وكذلك في سائر ما يقوله، كقولهم: ~~يحدث الشبع عند الأكل إلا، به، والزهوق عند القتل لا به، والهدى عند سماع ~~القرآن لا به، فهذا النفي مخالف للكتاب والسنة والميزان للشرع، قال تعالى: ~~(يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) (1)، وقال تعالى: (يضل به كثيرا ~~ويهدي به كثيرا) (2)، وقال تعالى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) (3)، ~~وقال: (أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا) (4). # وكما أخبر أنه يخلق الأشياء من موادها، في مثل قوله: (وجعلنا من الماء كل ~~شيء حي) (5)، وقوله تعالى: (خلق الأنسان من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان ~~من مارج من نار (15)) (6)، وقال: (والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم ~~يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18)) (7). # وأخبر سبحانه أنه قائم بالقسط وأنه لا يظلم الناس شيئا، فلا يضع شيئا في ~~غير موضع، ولا يسوي بين مختلفين ولا يفرق بين متماثلين، فقال تعالى: (أم ~~حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) (8) ~~الآية. وقال تعالى: (أم نجعل الذين آمنوا PageV03P225 # وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28)) (1)، ~~وقال تعالى: (أفنجعل المسلمين ms0441 كالمجرمين (35)) (2) الآية. وقال تعالى: (وما ~~يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20)) (3) الآية. وقال ~~تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والأنجيل) (4) الآية. فدل في هذه الآية وغيرها على أن ما أمرهم به ~~هو معروف في نفسه تعرفه القلوب، فهو مناسب لها مصلح لفسادها، ليس معنى كونه ~~معروفا أنه مأمور به، إذ هذا قدر مشترك بينه وبين كل آمر حتى الشيطان، فإنه ~~يأمر بما يأمر به، فعلم أن ما يأمر به الرسول مختص بأنه معروف، وما ينهى ~~عنه مختص بأنه منكر، وما يحله مختص بأنه طيب، وما يحزمه مختص بأنه خبيث. ~~ومثل هذا كثير في القرآن وفي غيره من الكتب كالتوراة والإنجيل والزبور. ~~والله سبحانه أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه أجمعين وسلم تسليما. PageV03P226 ### | CHECK (11) قاعدة في شمول آي الكتاب والسنة والإجماع أمر الثقلين الجن والإنس # قاعدة في شمول آي الكتاب والسنة # والإجماع أمر الثقلين الجن والإنس، # وما يتعلق بهم من الخطاب وغيره PageV03P227 ### || CHECK - حديث "رفع القلم عن ثلاث" ### || CHECK - رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الثقلين # قال سيدنا وشيخنا شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ~~الحراني رحمه الله: # قاعدة شريفة # ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أمر الثقلين: الجن والإنس، كما أخبر به ~~في سورة الأنعام في قوله تعالى: (يا معشر الجن والأنس ألم يأتكم رسل منكم) ~~(1)، وبقوله: (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) (2). # وثبت أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسول إلى الثقلين جميعا، ~~كما أخبر به في سورة الرحمن (3)، وقل أوحي (4)، والأحقاف (5)، وكما في ~~الأحاديث المشهورة، مثل حديث ابن مسعود (6) وغيره. # وثبت بالسنة والإجماع مع ما دل عليه القرآن أن القلم مرفوع عن الصبي حتى ~~يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، كما في حديث علي بن ~~أبي طالب وعائشة وغيرهما: "رفع القلم عن ثلاث" (7)، مع قوله: (يا أيها ~~الذين آمنوا ليستأذنكم PageV03P229 ### || CHECK * مسائل تكلم عليها المؤلف # الذين ملكت ms0442 أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم) إلى قوله (وإذا بلغ ~~الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم) (1)، وقوله: ~~(وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم) (2)، وقوله: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ ~~أشده) في غير موضع (3)، مع ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من نهيه ~~عن قتل النساء والصبيان، وأنه استعرض قريظة فمن أنبت قتله، ومن لم ينبت لم ~~يقتله. وما روي من الأحاديث التي فيها: "ثلاثة كلهم يدلي على الله بحجته" (4). # فأما قوله (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15)) (5) ونحو ذلك، فإنما ~~يتناول من لا يعقل من الأطفال والمجانين، فأما الصبي المميز فتكليفه ممكن ~~في الجملة، ولهذا يصحح أكثر الفقهاء تصرفاته تارة مستقلا كإيمانه، وتارة ~~بالإذن كمعاوضاته الكبيرة. # واختلفوا في وجوب الصلاة على ابن عشر، وفي وجوب الصوم على من أطاقه. ~~والخلاف فيه معروف في مذهب أحمد، حتى اختلف في صحة شهادته وأمانه وإمامته ~~وولايته في النكاح وعتقه. # وهنا مسائل: PageV03P230 ### ||| CHECK - الثانية: هل يبعث يوم القيامة من لا تكليف عليه؟ ### ||| CHECK - الأولى: أن من نتائج التكليف: عقاب العاصي وثواب المطيع # المسألة الأولى # أن من نتائج التكليف: العقاب والثواب، عقاب العاصي وثواب المطيع. # فأما العقاب: فما علمت أحدا من أهل القبلة خالف في أن الكافر معذب في ~~الجملة، وإن اختلفوا في تفاصيل عذابه. ونصوص القرآن متظاهرة بعذاب ~~الكافرين، وكذلك الذي عليه عامة المسلمين من جميع الطوائف عقوبة فجار أهل ~~القبلة في الجملة: إما في الدنيا بالمصائب والحدود؟ وإما في الآخرة. وأما ~~غلاة المرجئة فروي عنها أنها نفت ذلك، كما أن الخوارج والمعتزلة جزمت بوقوع ~~ذلك على جميع الفاسقين وخلودهم في النار. # وأما الثواب: فاتفقت الأمة على ثواب الإنس على طاعتهم. # واختلفوا في الجن هل يثابون أو لا ثواب لهم إلا النجاة من العذاب؟ على ~~قولين: الأول قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنبلية وأبي يوسف ومحمد ~~وغيرهم. والثاني مأثور عن طائفة، منهم أبو حنيفة. # وقد اختلف في ms0443 أصول الفقه: هل من شرط الوجوب العقاب على الترك؟ على قولين. ~~وأما الثواب على الفعل فهو واجب، إما بالسمع، وإما بمجرد الإيجاب. # المسألة الثانية # أن من لا تكليف عليه هل يبعث يوم القيامة؟ # فأما الإنس والجن فيبعثون جميعا باتفاق الأمة، ولم يختلفوا PageV03P231 ### |||| CHECK - اختلاف بني أديم لمحي معاد الآدميين # -فيما علمت- إلا فيمن لم ينفخ فيه الروح: هل يبعث؟ على قولين. وبعثه ~~اختيار القاضي وكثير من الفقهاء، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه. # وأما البهائم فهي مبعوثة بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: (وما من دابة ~~في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ~~ثم إلى ربهم يحشرون (38)) (1)، وقال تعالى: (وإذا الوحوش حشرت) (2)، ~~والحديث في قول الكافر (يا ليتني كنت ترابا (40)) (3) معروف (4). وما أعلم ~~فيه خلافا. # لكن اختلف بنو آدم في معاد الآدميين على أربعة أقوال: # أحدها -وهو قول جماهير من المسلمين أهل السنة والجماعة، وجماهير ~~متكلميهم، وجماهير اليهود والنصارى والمجوس وجمهور غيرهم- أن المعاد للروح ~~والبدن، وأنهما ينعمان ويعذبان. # والثاني -وهو قول طائفة من متكلمي المسلمين من الأشعرية وغيرهم- أن ~~المعاد للبدن، وأن الروح لا معنى لها إلا حياة البدن، فيحيا البدن وينعم ~~ويعذب. وأما معاد روع قائمة بنفسها ونعيمها وعذابها فينكرونه. # والثالث: ضد هذا، وهو قول الإلهيين من الفلاسفة وطائفة ممن يبطن مذهبهم ~~من بعض متكلمي أهل القبلة ومتصوفتهم، أن المعاد للروح دون البدن. PageV03P232 ### ||| CHECK - الثالثة: هل يعذب في الآخرة من لا تكليف عليه؟ ### |||| CHECK - مسألة أطفال المشركين # الرابع: أنه لا معاد أصلا، لا لروع ولا لبدن، وهو قول أكثر مشركي العرب، ~~وكثير من الطبائعيين والمنجمين وبعض الإلهيين من الفلاسفة. # فعلى هذين القولين ينكر حشر البهائم، وعلى القول الأول يقبل الخلاف. # المسألة الثالثة # أن من لا تكليف عليه -بل قد رفع عنه القلم- هل يعذب في الآخرة؟ # وهنا مسألة أطفال المشركين، فمن قال من أصحابنا وغيرهم: إنهم يعذبون تبعا ~~لآبائهم، قال بعذاب غير المكلف تبعا؟ ومن قال: يدخلون الجنة من أصحابنا ~~وغيرهم، قال بتنعيمهم. ms0444 # والصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة أنهم لا يعذبون جميعهم ولا ينعمون ~~جميعهم، بل فريق منهم في الجنة وفريق في السعير كالبلغ. وهذا مقتضى نصوص ~~أحمد، فإن أكثر نصوصه على الوقف فيهم، بمعنى أنه لا يحكم لأحد منهم لا بجنة ~~ولا بنار، فدل على جواز الأمرين عنده في حق المعين منهم. وأما تجويز ~~الأمرين في حق مجموعهم فلا يلزمه، وهذا قول الأشعري وغيره. # وبهذا أجاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عنهم فقال: "الله ~~أعلم بما كانوا عاملين" (1)، فبين أن الأمر مردود إلى علم الله بما كانوا ~~يعملون لو بلغوا. PageV03P233 # وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في البخاري (1) أنه رأى حول إبراهيم ~~عند الجنة أطفال المسلمين والمشركين. وثبت عنه في صحيح مسلم (2) أن الغلام ~~الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا، مع أنه قتل قبل الاحتلام. قال ابن عباس ~~لنجدة الحروري لما سأله عن قتل الغلمان، فقال: إن كنت تعلم منهم ما علمه ~~الخضر من الغلام الذي قتله فاقتلهم، وإلا فلا تقتلهم. هذا مع أن أبويه كانا ~~مؤمنين. وفي الصحيحين (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن أهل ~~الدار من المشركين يبيتون ليصاب من صبيانهم، فقال: "هم منهم". # ويجوز قتل الصبي إذا قاتل، وإذا صال ولم تندفع صولته إلا بالقتل، وكذلك ~~المجنون والبهيمة. فقد يجوز قتل الصبي في بعض المواضع. وحديث عائشة في ~~قولها: عصفور من عصافير الجنة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أو غير ~~ذلك يا عائشة؟! فإن الله خلق للجنة أهلا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، ~~وخلق للنار أهلا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم" (4). # ولهذا قال أصحابنا: لا يشهد لأحد بعينه من أطفال المؤمنين أنه في الجنة، ~~ولكن يطلق القول: إن أطفال المؤمنين في الجنة. # وقد روي بأحاديث حسان (5) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من لم يكلف ~~في PageV03P234 # الدنيا من الصبيان والمجانين، ومن مات في الفترة- يمتحنون يوم القيامة، ~~فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار. وهذا التفصيل ms0445 هو الصواب، فإن الله ~~قال في القرآن (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85)) (1)، فأقسم ~~سبحانه أنه لابد أن يملأ جهنم من إبليس وأتباعه، وأتباعه هم العصاة، ولا ~~معصية إلا بعد التكليف، فلو دخلها الصبي والمجنون لدخلها من هو من غير ~~أتباعه، فلم تمتلئ منهم. # وأيضا فقد قال سبحانه: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (65)) (2)، وقال ~~سبحانه: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) (3)، وقال سبحانه: (كلما ~~ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير) ~~الآية (4)، إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا من جاءه ~~نذير وأتاه رسول، والطفل والمجنون ليسا كذلك كالبهائم. # وقال تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) إلى قوله (إنما ~~أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون) (5). # فأخبر سبحانه أنه استخرج ذرياتهم، وأشهدهم على أنفسهم، لئلا يقولوا: ~~أتهلكنا بما فعل المبطلون، فعلم أنه لا يعاقبهم بذنب غيرهم. # وأما البهائم فعامة المسلمين على أنه لا عقاب عليها، إلا ما يحكى عن ~~التناسخية بأنهم مكلفون، فيستحقون العقاب، وهذا نظير قول من يقول: لا تحشر. ~~لكن هنا: PageV03P235 ### ||| CHECK - الرابعة: عقوبات غير المكلفين # المسألة الرابعة # وهو ما يشرع في الدنيا من عقوبة الصبيان والمجانين والبهائم على الذنوب، ~~مثل ضرب الصبي على ترك الصلاة لعشر، وما يفعله من قبيح؛ وكذلك ضرب المجنون ~~لكف عدوانه؛ وضرب البهائم حضا على الانتفاع بها كالسوق، ودفعا لمضرتها كقتل ~~صائلها، وما جاء في الحديث (1) أنه يقتص في الآخرة للجماء من القرناء. فهذه ~~الأمور عقوبات لغير المكلفين، وهي نوعان: أحدهما ما كان عقوبة في الدنيا ~~لمصلحة، والثاني ما كان لأجل حق غيره. # فأما النوع الأول فمشروع في حق الصبي والمجنون، فإنه يضرب الصبي على ترك ~~الصلاة ليفعلها ويعتادها، ويضرب المجنون إذا أخذ يؤذي نفسه، ليكف عن إيذاء ~~نفسه. ويجوز أيضا مثل هذا في حق البهائم: أن تضرب لمصلحتها، وهذا غير الضرب ~~لحق الغير، وذلك أن العقوبة لمنفعة المعاقب ms0446 هي بمنزلة سقي الدواء للمريض، ~~فإن المطلوب دفع ما هو أعظم مضرة من الدواء. # النوع الثاني: العقوبة لأجل حق الغير، وهذا قسمان: # قسم لاستيفاء المنفعة المباحة منه، كذبح البهائم للأكل وضربها للمشي، فإن ~~مالا يتم المباح إلا به فهو مباح. # والقسم الثاني: العقوبة لأجل العدوان على الغير، مثل قتل الصائل من ~~المحاربين والبهائم، وضرب المجانين والصبيان والبهائم إذا اعتدى بعضهم على ~~بعض، أو اعتدوا على العقلاء في أنفسهم وأموالهم. PageV03P236 # فهذا النوع إن كان لدفع ضررهم جاز بلا خلاف، مثل قتل الصائل لدفع صوله، ~~وقتل الكلب العقور الذي يخاف من ضرره في المستقبل، وقتل الفواسق الخمس في ~~الحل والحرم. # وأما إن كان على وجه الاقتصاص، مثل أن يظلم صبي صبيا، أو مجنون مجنونا، ~~أو بهيمة بهيمة، فيقتص للمظلوم من الظالم. وإن لم يكن في ذلك زجر عن ~~المستقبل، لكن لاستيفاء المظلوم وأخذ حقه، فهذا الذي جاء فيه حديث الاقتصاص ~~للجماء من القرناء، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لتؤدى الحقوق ~~إلى أهلها حتى يستوفى للجماء من القرناء" (1). # وهذا موافق لأصول الشريعة، فإن القصاص بين غير المكلفين ثابت في الأموال ~~باتفاق المسلمين، فمن أتلف منهم مالا أو غصب مالا أخذ من ماله مثله، سواء ~~في ذلك الصبي والمجنون، والناسي والمخطئ. وكذلك في النفوس، فإن الله تعالى ~~أوجب دية الخطأ، وهي من أنواع القصاص بحسب الإمكان، فإن القود لم يمكن ~~إيجابه، لأنه لا يكون إلا ممن فعل المحرم، وهؤلاء ليسوا مكلفين، ولا ~~يخاطبون بالتحريم، بخلاف ما كان من باب دفع الظلم وأخذ الحق، فإنه لا يشترط ~~فيه الإثم. ولهذا تقاتل البغاة وإن كانوا متأولين مغفورا لهم، ويجلد شارب ~~النبيذ وإن كان متأولا مغفورا له. # فتبين بذلك أن الظلم والعدوان يؤدى فيه حق المظلوم، مع الإثم والتكليف ~~ومع عدم ذلك، فإنه من باب العدل الذي كتبه الله تعالى على نفسه، وحرم الظلم ~~على نفسه وجعله محرما بين عباده. PageV03P237 ### ||| CHECK - الخامسة: دار التكليف # المسألة الخامسة # دار التكليف # فالدنيا دار تكليف بلا خلاف، وكذلك البرزخ ms0447 وعرصة القيامة، وإنما ينقطع ~~التكليف بدخول دار الجزاء، وهي الجنة أو النار، كما صرح بذلك من صرح من ~~أصحابنا وغيرهم، مستدلين بامتحان منكر ونكر للناس في قبورهم وفتنتهم إياهم؟ ~~وبأن الناس يوم القيامة يدعون إلى السجود، فمنهم من يستطيع، ومنهم من لا ~~يستطيع؟ وبأن من لم يكلف في الدنيا يكلف في عرصات القيامة. # وهذا ظاهر المناسبة، فإن دار الجزاء لا امتحان فيها، وأما الامتحان قبل ~~دار الجزاء فممكن لا محذور فيه، والامتحان في البرزخ لمن كان مكلفا في ~~الدنيا، إلا النبيين، ففيهم قولان لأصحابنا وغيرهم. # وأما امتحان غير المكلفين في الدنيا -كالصبيان والمجانين- ففيهم قولان ~~لأصحابنا وغيرهم: # أحدهما: لا يمتحنون، وعلى هذا فلا يلقنون. وهذا قول القاضي وابن عقيل. # والثاني: يمتحنون في قبورهم ويلقنون. وهو قول أكثرهم، حكاه ابن عبدوس" عن ~~الأصحاب، وذكره أبو حكيم وغيره، وهو أصح، كما ثبت عن أبي هريرة، وروي ~~مرفوعا أنه صفى على طفل لم يعمل خطيئة قط، فقال: "اللهم قه عذاب القبر ~~وفتنة القبر" (1). PageV03P238 ### ||| CHECK - السادسة: أن غير المكلف قد يرحم ### |||| CHECK - الكلام على حديث "حتى يضع رب العزة فيها قدمه" # وهذا الاختلاف في امتحانهم في البرزخ يشبه الاختلاف في امتحانهم في ~~العرصة، وقول من يقول بامتحانهم أقرب إلى النصوص والقياس من قول من يقول: ~~يعاقبون بلا امتحان. # المسألة السادسة # أن غير المكلف قد يرحم، فإن أطفال المؤمنين مع آبائهم في الجنة، كما دل ~~عليه قوله: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم) الآية (1)، وكما في الصحيحين ~~(2) من حديث أبي هريرة وأنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"احتجت الجنة والنار، فقالت الجنة: لا يدخلني إلا الضعفاء والمساكين؛ وقالت ~~النار: يدخلني الجبارون المتكبرون. فقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم ~~بك من شئت، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من شئت، ولكل واحدة منكما ~~ملؤها". فأما النار فلا يزال يلقى فيها وتقول: "هل من مزيد"، حتى يضع رب ~~العزة فيها -وفي رواية: عليها- قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط! قط. ~~وأما الجنة فيفضل فيها فضل، ms0448 فينشئ الله لها خلفا آخر". فهذا الحديث ~~المستفيض المتلقى بالقبول نص في أن الجنة ينشأ لها في الدار الآخرة خلق ~~يدخلونها بلا عمل، وأن النار لا يدخلها أحد بلا عمل. # وقد غلط في هذا الحديث المعطلة الذين أولوا قوله "قدمه" بنوع من الخلق، ~~كما قالوا: الذين تقدم في علمه أنهم أهل النار. حتى قالوا PageV03P239 ### |||| CHECK - الرد على المعطلة والمشبهة الذين غلطوا في فهم الحديث # في قوله "رجله": كما يقال: رجل من جراد. وغلطهم من وجوه: # فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حتى يضع"، ولم يقل: حتى يلقي، ~~كما قال في قوله: "لا يزال يلقى فيها". # الثاني: أن قوله "قدمه" لا يفهم منه هذا، لا حقيقة ولا مجازا، كما تدل ~~عليه الإضافة. # الثالث: أن أولئك المؤخرين إن كانوا من أصاغر المعذبين فلا وجه لانزوائها ~~واكتفائها بهم، فإن ذلك إنما يكون بأمر عظيم، وإن كانوا من أكابر المجرمين ~~فهم في الدرك الأسفل، وفي أول المعذبين لا في أواخرهم. # الرابع: أن قوله "فينزوي بعضها إلى بعض" دليل على أنها تنضم على من فيها، ~~فتضيق بهم من غير أن يلقى فيها شيء. # الخامس: أن قوله "لا يزال يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها ~~قدمه" جعل الوضع الغاية التي إليها ينتهي الإلقاء، ويكون عندها الانزواء، ~~فيقتضي ذلك أن تكون الغاية أعظم مما قبلها. # وليس في قول المعطلة معنى للفظ "قدمه" إلا وقد اشترك فيه الأول والآخر، ~~والأول أحق به من الآخر. # وقد يغلط في الحديث قوم آخرون ممثلة أو غيرهم، فيتوهمون أن "قدم الرب" ~~تدخل جهنم. وقد توهم ذلك على أهل الإثبات قوم من المعطلة، حتى قالوا: كيف ~~يدخل بعض الرب النار والله تعالى يقول: (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها) ~~(1)؟. PageV03P240 ### || CHECK - هل يعلم المعاد بالعقل؟ ### ||| CHECK - السابعة: في ثبوت التكليف بالشرع وبالعقل # وهذا جهل ممن توهمه أو نقله عن أهل السنة والحديث، فإن الحديث: "حتى يضع ~~رب العزة عليها -وفي رواية: فيها-، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط ~~وعزتك"، ms0449 فدل ذلك على أنها تضايقت على من كان فيها فامتلأت بهم، كما أقسم ~~على نفسه إنه ليملأنها من الجثة والناس أجمعين، فكيف تمتلئ بشيء غير ذلك من ~~خالق أو مخلوق؟. وإنما المعنى أنه توضع القدم المضاف إلى الرب تعالى، ~~فتنزوي وتضيق بمن فيها. والواحد من الخلق قد يركض متحركا من الأجسام فيسكن، ~~أو ساكنا فيتحرك، ويركض جبلا فيتفجر منه ماء، كما قال تعالى: (اركض برجلك ~~هذا مغتسل بارد وشراب (42)) (1)، # وقد يضع يده على المريض فيبرأ، وعلى الغضبان فيرضى. # المسألة السابعة # أن التكليف بالأمر والنهي ثابت بالشرع باتفاق المسلمين، وفي ثبوته بالعقل ~~اختلاف بين العلماء من أصحابنا وغيرهم، والمسألة مشهورة، مسألة التحسين ~~والتقبيح ووجوب الواجبات وتحريم المحرمات، هل ثبتت بالعقل؟ ومسألة وجوب ~~معرفة الله وشكره، ومسألة الأعيان قبل السمع. وفي المسألة تفصيل كتبته في ~~غير هذا الموضع، إذ المقصود هنا النكت المستغربة. # وأما الثواب والعقاب فمعلوم بالسمع بلا خلافي بين المسلمين، وهل يعلم ~~بالعقل؟ مبني على المعاد، فإن المعاد معلوم بالسمع بلا ريب، وهل يعلم ~~بالعقل؟ قد اختلف فيه: # فذهب كثير من أهل الكلام وذهب أكثر الناس إلى أن المعاد من PageV03P241 # الأمور السمعية التي لا تعلم إلا بالسمع، وهو قول كثير من أصحابنا ~~والأشعرية وغيرهم. # وذهب طوائف إلى أنه يعلم بالعقل، ثم تنوعت مسالكهم: # منهم من بناه على وجوب العدل، وأن ذلك يقتضي معادا غير هذه الدار، يجزى ~~فيها الظالمون بظلمهم، أو يعوض المعذبون على عذابهم. وهذا مسلك كثير من ~~المعتزلة وغيرهم. # ومنهم من بناه على أن الروح غير البدن، وأنها باقية بعده، وأن لها من ~~النعيم والعذاب الروحانيين ما لا يفارقها. وهذا مسلك كثير من المتفلسفة ومن ~~نحا نحوهم، ومن هؤلاء من يثبت معاد الأرواح العالمة دون الجاهلة، وفيهم من ~~ينكر المعادين. # والصواب أن معرفته بالسمع واجبة، وأما بالعقل فقد تعرف وقد لا تعرف، ~~فليست معرفته بالعقل ممتنعة، ولا هي أيضا واجبة. وأما المتفلسفة فتثبت ~~المعاد بالعقل، وتثبت التكليف العقلي، وأما ما جاء به السمع من المعاد ~~والشرائع فلها فيه ms0450 تأويلات محرفة. # فصارت الأقسام في الإيمان باليوم الآخر وفي العمل الصالح: هل هو معلوم ~~بالشرع وحده أو بالعقل وحده أو يعلم بكل منهما؟ فيه هذا الخلاف بين أهل ~~الأرض. وإن كان الصواب أن ذلك معلوم جميعه بالشرع قطعا، وقد يعلم بعضه ~~[بالعقل]. # بل مثل هذا الخلاف ثابت في معرفة الله تعالى، لكن التجاء المتكلمين هناك ~~إلى العقل أكثر. وكثير من المتكلمين -كأكثر المعتزلة وكثير من الأشعرية- لا ~~يعلم عندهم وجود الرب وصفاته إلا بالعقل، كما يزعمه الفلاسفة، مع اضطراب ~~هؤلاء وآخرين في مقابلتهم. PageV03P242 # وقد كتبت تفاصيل أقوال الناس وبينت مذهب أئمة السنة والحديث في هذا الأصل ~~في "قاعدة نفي التشبيه ومسألة الجسم"، وإنما الغرض هنا التكليف وتوابعه. # وإنما قرنت بين الأصول الثلاثة التي قال الله تعالى فيها: (إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)) (1)، # فأشرت إلى طرق الناس في معرفتها. # والحمد لله وحده أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، حمدا كثيرا مباركا دائما ~~بدوامه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # (فرغت يوم الثلاثاء سادس عشر من شهر صفر سنة ست وستين وسبع مئة. علقها ~~العبد الفقير إلى رحمة ربه الغفور، وعفوه وصفحه وجوده وكرمه وستره وبزه ~~ومنه: عبد المنعم البغدادي الحنبلي، عفا الله عنه بمنه وكرمه وعن جميع ~~المسلمين). PageV03P243 ### | CHECK (12) مسألة فيمن قال: إن عليا أشجع من أبي بكر # مسألة فيمن قال: # إن عليا أشجع من أبي بكر PageV03P245 ### || CHECK - معنى الشجاعة وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أشجع الخلق ### || CHECK - مذهب السلف أن أبا بكر الصديق أعلم الصحابة وأشجعهم وأكرمهم # مسألة # في رجلين تكلما فقال أحدهما: إن عليا أشجع من أبي بكر، وقال آخر: [إن] ~~أبا بكر أشجع الصحابة. # الجواب # الحمد لله. الذي عليه سلف الأمة وأئمتها أن أبا بكر الصديق أعلم الصحابة ~~وأدين الصحابة وأشجع الصحابة وأكرم الصحابة، وقد بسط هذا في الكتب الكبار ~~وبين ذلك بالدلائل الواضحة. وذلك أن الشجاعة ليست [عند] ms0451 أهل العلم بها كثرة ~~القتل باليد ولا قوة البدن، فإن نبينا - صلى الله عليه وسلم - أشجع الخلق، ~~كما قال علي بن أبي طالب (1): كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم كنا ~~نتقي برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان يكون أقرب إلى القوم منا. ~~وقد انهزم أصحابه يوم حنين وهو على بغله يسوقها نحو العدو، ويتسمى بحيث لا ~~يخفي نفسه، ويقول: # أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب (2) # ومع هذا فلم يقتل بيده إلا واحدا، وهو أبي بن خلف، قتله يوم أحد. # وكان في الصحابة من هو أكثر قتلا من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وإن كان ~~لا يفضل عليهم في الشجاعة، مثل البراء بن مالك أخي أنس بن مالك، فإنه قتل ~~مئة رجل مبارزة غير من شرك في دمه. PageV03P247 # ولم يقتل أحد من الخلفاء على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا ~~العدد، بل ولا حمزة سيد الشهداء -الذي يقال: إنه أسد الله ورسوله- لم يقتل ~~هذا العدد، وهو في الشجاعة إلى الغاية. وكذلك الزبير بن العوام هو في ~~الشجاعة إلى الغاية، حتى قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث ~~الصحيح: "إن لكل نبي حواريا، وحواري الزبير" (1)، ولم يقتل في عهد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - هذا العدد. # وغزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - وسراياه مضبوطة عند أهل العلم ~~بالسيرة والحديث، والله تعالى كان يبارك لنبيه وأصحابه في مغازيهم، فمع ~~العمل القليل يظهر الإسلام وتفشو الدعوة ويدخلون في دين الله أفواجا. ~~ومجموع من قتل الصحابة كلهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يبلغون ألف ~~نفس، بل أقل من ذلك، ومع هذا ببركة الإيمان فتحت أرض العرب كلها في حياته. # وكان القتل يوم بدر، وهي أول مغازي القتال، وأسروا منها سبعين أو نحوها. ~~وأما يوم أحد فقتل الكفار قليلا جدا، وكذلك يوم الخندق ويوم فتح مكة، ~~والقتلى في خيبر وحنين ليسوا بالكثير. وأعظم عددا قتلوا جميعا قتلى قريظة، ~~فإنهم بلغوا ثلاث مئة أو أربع مئة قتلهم جميعا. ms0452 # وجملة مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - بضغ وعشرون غزاة، وكان القتال ~~فيها في تسع: مغازي بدر وأحد والخندق وبني المصطلق وقريظة (2) وخيبر والفتح ~~وحنين والطائف، وأعظم ما كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم تبوك ~~بلغوا عشرات ألوف، ولكن لم يكن في تبوك قتال، بل أقام النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة، وكان قد جاء لقتال النصارى من ~~الروم والعرب وغيرهم، فلم يقدموا على قتاله. PageV03P248 ### || CHECK - الشجاعة ثبات القلب وقوته وقوة الإقدام على العدو # وأما هذه المحاربات التي يذكرها الكذابون، وكثرة القتلى التي يذكرها أهل ~~الفرية، فكذبها معروف عند كل عالم. وإذا كان القتلى نحوا ممن ذكروا [و] ~~المقاتلة في الصحابة كثيرون من المهاجرين والأنصار، مثل عمر وعلي وحمزة ~~والزبير والمقداد وأمثالهم، ومثل أبي أيوب وأبي طلحة وأبي قتادة وأبي ~~دجانة، ثم مثل خالد بن الوليد وأمثاله، وقتل الواحد من هؤلاء يقارب قتل عمر ~~وعلي وغيرهما، ينقص عنه أو يزيد عنه، ولهذا لما جاء علي رضي الله عنه أخذ ~~بسيفه إلى فاطمة وقال: اغسليه عن دمهم، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إن تكن أحسنت فقد أحسن فلان وفلان" (1) وسمى طائفة من المسلمين-: علم ~~(2) أنه لم يمتنع أن يكون أحد من الخلفاء قتل مئة من الكفار مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وأما خالد بن الوليد والبراء بن مالك وأمثالهما فهؤلاء قتل الواحد منهم ~~مئة وأكثر، لمغازيهم بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم لما غزوا ~~أهل الردة وفارس والروم كان القتلى من الكفار كثيرا جدا لكثرة الجموع. ~~والخلفاء الراشدون لم يغز أحد منهم بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولا باشر بنفسه قتال الكفار بعده، وإنما كانوا هم أولي الأمر، فكان أبو بكر ~~يشاور عمر وعثمان وعليا وغيرهم، وكذلك عمر كان يشاور هؤلاء وغيرهم، وهم ~~عنده. ولكن الزبير بن العوام شهد فتح مصر، وسعد ابن أبي وقاص فتح العراق، ~~وأبو عبيدة بن الجراح فتح الشام. # وإذا تبين هذا فالشجاعة هي ms0453 ثبات القلب وقوته، وقوة الإقدام PageV03P249 ### || CHECK - مظاهر من شجاعة أبي بكر الصديق # على العدو، والبعد عن الجزع والخوف، فهي صفة تتعلق بالقلب، وإلا فالرجل ~~قد يكون بدنه أقوى الأبدان، وهو من أقدر الناس على الضرب والطعن والرمي، ~~وهو ضعيف القلب جبان، وهذا عاجز. وقد يكون الرجل يقتل بيده خلقا كثيرا، ~~وإذا دهمته الأمور الكبار مالت عليه الأعداء، فيضعف عنهم أو يخاف. # وأبو بكر الصديق كان أقوى الصحابة قلبا وأربطهم جأشا وأعظمهم ثباتا ~~وأشدهم إقداما وأبعدهم عن الجزع والضعف والجبن، ولهذا كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يصحبه وحده في المواضع التي يكون أخوف ما يكون فيها، كما صحبه ~~في الهجرة، وكان معه في الغار، والأعداء يطلبهما ويبذل ديتهما لمن يأتي ~~بهما، وكان معه في العريش يوم بدر وحده والكفار قاصدون الرسول خصوصا. ولهذا ~~لما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - ظهر من شجاعته وبسالته وصبره وثباته ~~وسياسته وتدبيره وإمامته للدين وقمعه للمرتدين ومعونته للمؤمنين وسد ظهورهم ~~ما لا تتسح هذه الورقة. وكل من له بالشجاعة أدنى خبرة يعلم أنه لم يكن منهم ~~من يقاربه في الشجاعة فضلا أن يشاريه. وكذلك كان عمر، كان أشجعهم بعده، كما ~~أن أبا بكر كان أعلمهم، كما ذكر الإمام منصور بن عبد الجبار السمعاني إجماع ~~العلماء على أن أبا بكر أعلم الأمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وهو مبسوط في غير هذا الموضع (1). والله أعلم. PageV03P250 ### | CHECK (13) تفسير أول العنكبوت # تفسير أول سورة العنكبوت PageV03P251 # قال شيخ الإسلام بحر العلوم مفتي الفرق أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله: # فصل # قال الله تعالى: (الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين (3) أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) من ~~كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد فإنما ~~يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم ms0454 أحسن الذي كانوا يعملون (7) ووصينا الإنسان ~~بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم ~~فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في ~~الصالحين (9) ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله ~~بأعلم بما في صدور العالمين (10) وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين (11)) (1). # وقال الله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ~~من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (214)) (2). وقال الله تعالى لما ذكر ~~المرتد والمكره بقوله: (من كفر بالله من بعد إيمانه) (3) قال بعد ذلك: PageV03P253 ### || CHECK - لابد من حصول الألم لكل نفس ### || CHECK - سنة الله في إرسال الرسل إلى الخلق وابتلاء من يؤمن بهم وعقاب من لا يؤمن بهم # (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم (110)) (1). # فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما ~~أن لا يقول: آمنا، بل يستمر على عمل السيئات. فمن قال "آمنا" امتحنه الرب ~~عز وجل وابتلاه، وألبسه الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب، ومن لم ~~يقل "آمنا" فلا يحسب أنه يسبق الرب لتجربته، فإن أحدا لن يعجز الله تعالى. # هذه سنته تعالى، يرسل الرسل إلى الخلق، فيكذبهم الناس ويؤذونهم، قال ~~تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن) (2)، وقال تعالى: ~~(كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون) (3)، وقال ~~تعالى: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك) (4). # ومن آمن بالرسل وأطاعهم عادوه وآذوه، فابتلي بما يؤلمه، وإن لم يؤمن بهم ~~عوقب، فحصل ما يؤلمه أعظم وأدوم. فلابد من حصول الألم لكل نفس سواء آمنت أم ~~كفرت، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء ثم تكون ms0455 له العاقبة في ~~الدنيا والآخرة. والكافر تحصل له النعمة ابتداء، ثم يصير في الألم. # سأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله! أيما أفضل للرجل أن يمكن أو ~~يبتلى؟ فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى، فان الله ابتلى PageV03P254 ### || CHECK - سبب ذلك # نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما ~~صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البته. # وهذا أصل عظيم، فينبغي للعاقل أن يعرفه، وهذا يحصل لكل أحد، فإن الإنسان ~~مدني الطبع، لابد له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات يطلبون ~~منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له ~~الأذى والعذاب تارة منهم وتارة من غيرهم. # ومن اختبر أحواله وأحوال الناس وجد من هذا شيئا كثيرا، كقوم يريدون ~~الفواحش والظلم، ولهم أقوال باطلة في الدين أو شرك، فهم مرتكبون بعض ما ~~ذكره الله من المحرمات في قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والأثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (33)) (1). وهم في مكان مشترك، ~~كدار جامعة أو خان أو قيسرية أو مدرسة أو رباط أو قرية أو درب أو مدينة ~~فيها غيرهم، وهم لا يتمكنون مما يريدون إلا بموافقة أولئك، أو بسكوتهم عن ~~الإنكار عليهم، فيطلبون من أولئك الموافقة أو السكوت، فإن وافقوهم أو سكتوا ~~سلموا من شرهم في الابتلاء، ثم قد يتسلطون هم أنفسهم على أولئك يهينونهم ~~ويعاقبونهم أضعاف ما كان أولئك يخافونه ابتداء، كمن يطلب منه شهادة الزور ~~أو الكلام في الدين بالباطل، إما في الخبر، وإما في الأمر أو المعاونة على ~~الفاحشة والظلم، فإن لم يجبهم آذوه وعادوه، وإن أجابهم فهم أنفسهم يتسلطون ~~عليه فيهينونه ويؤذونه أضعاف ما كان يخافه، وإلا عذب بغيرهم. PageV03P255 ### || CHECK - ذكر الابتلاء في القرآن # فالواجب ما في حديث عائشة الذي بعثت به إلى معاوية، ويروى موقوفا ومرفوعا ~~(1): "من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله ms0456 مؤونة الناس -وفي لفظ: رضي الله ~~عنه وأرضى عنه الناس-، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا ~~-وفي لفظ: عاد حامده من الناس ذاما-". # وهذا يجرى فيمن يعين الملوك والرؤساء على أغراضهم الفاسدة، وفيمن يعين ~~أهل البدع المنتسبين إلى العلم والدين على بدعهم. فمن هداه الله وأرشده ~~امتنع من فعل المحرم وصبر على أذاهم وعداوتهم، ثم تكون له العاقبة في ~~الدنيا والآخرة، كما جرى للرسل وأتباعهم مع من آذاهم وعاداهم، مثل ~~المهاجرين في هذه الأمة ومن ابتلي من علمائها وعبادها وتجارها وولاتها. # وقد يجوز في بعض الأمور إظهار الموافقة وإبطان المخالفة، كالمكره على ~~الكفر، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع، إذ المقصود هنا أنه لابد من ~~الابتلاء بما يؤذي الناس، فلا خلاص لأحد مما يؤذيه البتة. ولهذا ذكر الله ~~تعالى في غير موضع أنه لابد أن يبتلي الناس، والابتلاء يكون بالسراء ~~والضراء، ولابد أن يبتلي الإنسان بما يسره ويسوؤه، فهو محتاج إلى أن يكون ~~صابرا شكورا، قال تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم ~~أحسن عملا (7)) (2)، وقال تعالى: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ~~(168)) (3)، وقال تعالى: PageV03P256 ### || CHECK - لا تزكو النفس ولا تصلح حتى تمحص بالبلاء # (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ~~ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124)) (1)، وقال تعالى: ~~(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين (142)). هذا في آل عمران (2)، وقد قال قبل ذلك في البقرة، فإن ~~البقرة نزل أكثرها قبل آل عمران: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (214)) (3). # وذلك أن النفس لا تزكو وتصلح حتى تمحص بالبلاء، كالذهب الذي لا يخلص جيده ~~من رديئه حتى يفتن في كير الامتحان، إذ كانت النفس جاهلة ظالمة، وهي منشأ ~~كل شر يحصل للعبد، فلا ms0457 يحصل له شر إلا منها، قال تعالى: (ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (4)، وقال تعالى: (أولما أصابتكم ~~مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) (5)، وقال: (وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (30)) (6)، وقال تعالى: ~~(ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ~~(7)، (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال (11)) ~~(8). PageV03P257 ### || CHECK - اعتراف الصالحين بالذنوب والخطايا # وقد ذكر عقوبات الأمم من آدم إلى آخر وقت، وفي كل ذلك يقول: إنهم ظلموا ~~أنفسهم فهم الظالمون لا المظلومون، وأول من اعترف بذلك أبواهم، قالا: (ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23)) (1)، وقال ~~لإبليس: (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85)) (2)، وإبليس إنما ~~تبعه الغواة منهم، كما قال: (بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين) (3)، وقال تعالى: (إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) (4). والغي: اتباع هوى النفس. # وما زال السلف معترفين بذلك كقول أبي بكر وعمر وابن مسعود (5): أقول فيها ~~برأي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله ~~بريئان منه. # وفي الحديث الإلهي حديث أبي ذر (6) الذي يرويه الرسول عن ربه عز وجل: "يا ~~عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد ~~الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". # وفي الحديث الصحيح (7) حديث سيد الاستغفار أن يقول العبد: PageV03P258 # "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ~~ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر ~~لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من ~~يومه دخل الجنة، ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة". # وفي حديث أبي بكر الصديق ms0458 (1) من طريق أبي هريرة وعبد الله بن عمرو أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه ما يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا ~~أخذ مضجعه: "اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ~~ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، ~~وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم". قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا ~~أخذت مضجعك. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبته (2): "الحمد لله، ~~نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا". وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تتهافتون ~~تهافت الفراش" (3). # شبههم بالفراش لجهله وخفة حركته، وهي صغيرة النفس، فإنها جاهلة سريعة ~~الحركة. PageV03P259 # وفي الحديث: "مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة" (1). وفي حديث آخر: ~~"للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا" (2). ومعلوم سرعة حركة ~~الريشة والقدر مع الجهل. ولهذا يقال لمن أطاع من يغويه: إنه استخفه. قال عن ~~فرعون: (فاستخف قومه فأطاعوه) (3). وقال تعالى (فاصبر إن وعد الله حق ولا ~~يستخفنك الذين لا يوقنون (60)) (4)، فإن الخفيف لا يثبت بل يطيش، صاحب ~~اليقين ثابت. يقال: أيقن، إذا كان مستقرا، واليقين: استقرار الإيمان في ~~القلب علما وعملا، فقد يكون علم العبد جيدا، لكن نفسه لا تصبر عند المصائب ~~بل تطيش. قال الحسن البصري: إذا شئت أن ترى بصيرا لا صبر له رأيته، وإذا ~~شئت أن ترى صابرا لا بصيرة له رأيته، فإذا رأيت بصيرا صابرا فذاك. قال ~~تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ~~(24)) (5). # ولهذا تشبه النفس بالنار في سرعة حركتها وإفسادها، وغضبها وشهوتها من ~~النار، والشيطان من النار. وفي السنن (6) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: "الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، ~~فإذا غضب أحدكم فليتوضأ". وفي الحديث الآخر (7): PageV03P260 # "الغضب جمر توقد في جوف ابن آدم، إلا ترى إلى حمرة عينيه وانتفاخ ~~أوداجه"، وهو غليان دم ms0459 القلب لطلب الانتقام. وفي الحديث المتفق على صحته ~~(1): "الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". # وفي الصحيحين (2) أن رجلين استبا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ~~اشتد غضب أحدهما، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأعلم كلمة لو ~~قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". وقد قال ~~تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ~~ذو حظ عظيم (35) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع ~~العليم (39)) (3)، وقال تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ~~(199) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200)) (4)، ~~وقال تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) وقل رب ~~أعوذ بك من همزات الشياطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98)) (5). PageV03P261 ### | CHECK (14) مسألة في قوله تعالى (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله) # مسألة في قوله تعالى: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله...) PageV03P263 ### || CHECK - المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية النعم والمصائب # مسألة # في قوله عز وجل (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ~~يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا (78)) الآية (1). # الجواب # الحمد لله. المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية النعم والمصائب، كما ~~في قوله تعالى (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) (2)، وقال تعالى: ~~(إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) (3)، (إن تصبك حسنة ~~تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل) (4)، وقال تعالى عن ~~قوم فرعون: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ~~ومن معه) (5). # وهذه الآية نزلت في سياق الأمر بالجهاد وذم المنافقين، فقال تعالى: ~~(أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا ~~هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ms0460 قل كل من عند الله فمال ~~هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78)) (6). كانوا إذا أصابهم نصر ورزق ~~ونحو ذلك قالوا: هذا، من الله، وإذا أصابهم خوف وقحط ونحو ذلك قالوا: هذا ~~من PageV03P265 # محمد بسبب الدين الذي جاء به، كما قال قوم فرعون في حق موسى، فقال الله ~~تعالى: (فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78))، فإن محمدا إنما ~~جاءهم بالهدى والحق، وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر. # ثم قال (1): (ما أصابك من حسنة) من نصر ورزق ونحو (فمن الله وما أصابك من ~~سيئة) من خوف وجدب وغير ذلك (فمن نفسك) أي بذنوبك، وكان ذلك بقضاء الله ~~وقدره، ولكن القدر نؤمن به ولا نحتج به، فليس للعبد على الله حجة، بل لله ~~الحجة البالغة. # ونظير هذا قوله: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ~~(30)) (2)، وقوله: (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36)) ~~(3) وقوله: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من ~~عند أنفسكم) (4). # وفي الصحيح (5): "إن الله يقول: يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم ~~أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه". وفي سيد الاستغفار أن يقول العبد: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، ~~خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، ~~أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". ~~من قال ذلك إذا أصبح موقنا به فمات من يومه دخل الجنة، ومن قاله إذا PageV03P266 ### || CHECK - من قال: إن المراد بها هنا الطاعات والمعاصي فهو مخطئ غالط # أمسى موقنا به فمات من ليلته دخل الجنة. رواه البخاري (1). # وقوله "أبوء لك بنعمتك علي" أي أعترف وأقر بنعمتك، وأعترف وأدر بذنوبي. ~~فمن قال: إنه لا يؤاخذ، أو إنه لم يذنب ولم يخطئ، أو إن من شهد الحقيقة سقط ~~الأمر والنهي والعقاب والثواب-: فهو مشرك أكفر من اليهود والنصارى، ومن ~~قال: إن الله ms0461 لم يقدر ذلك ولم يقضه، فهو من مجوس هذه الأمة القدرية. ومن ~~آمن بأن كل شيء بقضاء الله وقدره، وعلم أن القدر يؤمن به ولا يحتج به على ~~الله، وأنه ليس للعبد على ربه حجة، بل لله الحجة البالغة، فإذا عمل حسنة ~~شكر الله عليها، وإذا عمل سيئة استغفر الله منها-: فهو موحد. # ومن قال: إن الحسنات والسيئات في هذه الآية المراد بها الطاعات والمعاصي، ~~كما في قوله (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها) (2) فهو مخطئ غالط، فإن هذا يلزم منه تناقض القرآن، فإنه قد أخبر أن ~~كلا من عند الله، وأخبر أن الحسنة من الله والسيئة من نفسك. وأيضا فإنه قال ~~"ما أصابك"، ولم يقل "ما أصبت"، فلو أراد أفعال العباد لقال: "ما أصبت" أو ~~"ما كسبت" أو "ما فعلت" ونحو ذلك. ولكن أراد النعم والمصائب، وهي جميعها من ~~عند الله، لكن النعم من إنعامه وإحسانه، والمصائب بسبب ذنوب العباد، ولهذا ~~قال: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ~~(33)) (3). والله أعلم. أجاب به أحمد بن تيمية أيده الله تعالى. PageV03P267 ### | CHECK (15) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات وبيان اقتران التهليل بالتكبير والتسبيح بالتحميد # قاعدة حسنة # في الباقيات الصالحات وبيان اقتران التهليل # بالتكبير والتسبيح بالتحميد PageV03P269 ### || CHECK - التسبيح مقرون بالتحميد ### || CHECK - تفسير الباقيات الصالحات # الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، ~~وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين. # فصل # في الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر # فقد ثبت في الصحيح (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أفضل ~~الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر". وقد ذكرنا ما يتعلق بمعانيها في مواضع (2)، والمقصود هنا ~~أن نقول: التسبيح مقرون بالتحميد، والتهليل مقرون بالتكبير، فإن الله تعالى ~~يذكر في غير موضع التسبيح بحمده، كقول الملائكة: (ونحن نسبح بحمدك) (3)، ~~وقوله: (الذين يحملون ms0462 العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم) (4)، وقوله تعالى: ~~(ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) (5)، وقوله: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها) (6)، وقو له: (وسبح بحمد ربك حين تقوم (48)) (7). # ولا ريب أن الصلاة الشرعية تتضمن ما أمر به من التسبيح بحمده، كما قد بين ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك في مثل حديث جرير المتفق عليه (8) أنه PageV03P271 ### || CHECK - التكبير مقرون بالتهليل # نظر إلى القمر فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في ~~رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ~~فافعلوا" ثم قرأ (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (39)) (1). # وأيضا ففي صحيح مسلم (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل أي ~~الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده". وفي ~~الصحيحين (3) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان ~~الله وبحمده، سبحان الله العظيم". # وأما التكبير فهو مقرون بالتهليل في الأذان، فإن المؤذن يكبر ويهلل، وفي ~~تكبير الإشراف: كان إذا علا نشزا كبر ثلاثا وقال: "لا إله إلا الله، وحده ~~لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آئبون تائبون عابدون ~~لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده". ~~وهو في الصحيحين (4). وكذلك على الصفا والمروة، وكذلك إذا ركب دابة، وكذلك ~~في تكبير الأعياد. # والتكبير مشروع في الأماكن العالية، والتسبيح عند الانخفاض، كما في السنن ~~عن جابر (5) قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا علونا PageV03P272 ### || CHECK - التسبيح والتحميد يجمع النفي والإثبات # كبرنا، وإذا هبطنا سبحنا". فوضعت الصلاة على ذلك، والمصلي في ركوعه ~~وسجوده يسبح، ويكبر في الخفض والرفع، كما جاءت الأحاديث الصحيحة بمثل ذلك ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ومن اقتران التهليل بالتكبير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن ~~حاتم: "يا عدي! ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: لا إله ms0463 إلا الله؟ فهل تعلم من إله ~~إلا الله؟ ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟ ". # رواه أحمد والترمذي (1) وغيرهما. # فنقول: التسبيح والتحميد يجمع النفي والإثبات، نفي المعائب وإثبات ~~المحامد، وذلك يتضمن التعظيم، ولهذا قال: (سبح اسم ربك الأعلى (1)) (2)، ~~وقال: (فسبح باسم ربك العظيم (74)) (3). وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "اجعلوا هذه في ركوعكم، وهذه في سجودكم" (4). # وقال: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" (5). فالتسبيح يتضمن التنزيه ~~المستلزم للتعظيم، والحمد يتضمن إثبات المحامد المتضمن لنفي نقائصها. # وأما التهليل والتكبير فالتهليل يتضمن اختصاصه بالإلهية، وما يستلزم ~~الإلهية فهذا لا يكون لغيره، بل هو مختص به، والتكبير PageV03P273 ### || CHECK - غلط من قال في معناه: إنه أكبر مما يعلم ويوصف ويقال ### || CHECK - قول بعض النحاة إن "أكبر" بمعنى كبير، غلط ### || CHECK - "الله أكبر" يتضمن تفضيله على غيره ### || CHECK - التهليل يتضمن اختصاصه بالإلهية، والتكبير يتضمن أنه أكبر من كل شيء # يتضمن أنه أكبر من كل شيء، فما يحصل لغيره من نوع صفات الكمال -فإن ~~المخلوق متصف بأنه موجود وأنه حي وأنه عليم قدير سميع بصير إلى غير ذلك- ~~فهو سبحانه أكبر من كل شيء، فلا يساويه شيء في شيء من صفات الكمال، بل هي ~~نوعان: نوع يختص به ويمتنع ثبوته لغيره، مثل كونه رب العالمين، وإله الخلق ~~أجمعين، الأول الآخر الظاهر الباطن القديم الأزلي الرحمن الرحيم مالك الملك ~~عالم الغيب والشهادة، فهذا كله هو مختص به، وهو مستلزم لاختصاصه بالإلهية، ~~فلا إله إلا هو، ولا يجوز أن يعبد إلا هو، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب ~~إلا إليه، ولا يخشى إلا هو. فهذا كله من تحقيق "لا إله إلا الله". # وأما "الله أكبر" فكل اسم يتضمن تفضيله على غيره، مثل قوله: # (اقرأ وربك الأكرم (3)) (1)، وقوله: (فتبارك الله أحسن الخالقين (14)) ~~(2)، وقوله: (وأنت أرحم الراحمين (151)) (3) و (وأنت خير الغافرين (155)) ~~(4)، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم: "أيفرك أن يقال: ~~الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟ ". # وأما قول بعض ms0464 النحاة إن "أكبر" بمعنى كبير، فهذا غلط مخالف لنص الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - ولمعنى الاسم المنقول بالتواتر. وكذلك قول بعض الناس ~~إنه أكبر مما يعلم ويوصف ويقال، جعلوا معنى "أكبر" أنه أكبر مما في القلوب ~~والألسنة من معرفته ونعته، أي هو فوق معرفة PageV03P274 # العارفين، وهذا المعنى صحيح، لكن ليس بطائل، فإن الأنبياء والرسل ~~والملائكة والجنة والنار وما شاء الله من مخلوقاته هي أكبر مما يعرفه ~~الناس، قال الله تعالى (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين)، وقال ~~تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر" (2). # فبعض مخلوقاته هي أكبر في معرفة الخلق من البعض، بخلاف ما إذا قيل إنه ~~أكبر من كل شيء، فهذا لا يشركه فيه غيره. وبذلك فسر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - هذه الكلمة في مخاطبته لعدي بن حاتم حيث قال: "أيفرك أن يقال الله ~~أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟ ". # وعلى هذا فعلمه أكبر من كل علم، وقدرته أكبر من كل قدرة، وهكذا سائر ~~صفاته، كما قال تعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم) ~~(3). فشهادته أكبر الشهادات. # فهذه الكلمة تقتضي تفضيله على كل شيء مما توصف به الأشياء من أمور ~~الكمالات التي جعلها هو سبحانه لها. وأما التهليل فيتضمن تخصيصه بالإلهية، ~~ليس هناك أحد يتصف بها حتى يقال إنه أكبر منه فيها، بل لا إله إلا الله. ~~وهذه تضمنت معنى نفي الإلهية عما سواه وإثباتها له، وتلك تضمنت أنه أكبر ~~مطلقا، فهذه تخصيص وهذه تفضيل لما تضمنه التسبيح والتحميد من النفي ~~والإثبات، فإن كل ذلك إما أن يكون مختصا به، أو ليس كمثله أحد فيه. PageV03P275 ### || CHECK - كلمة "لا إله إلا الله" أساس الدين ### || CHECK - التهليل يمنع أن يعبد غيره ### || CHECK - التكبير مشروع عند مشاهدة ماله نوع من العظمة في المخلوقات # ولهذا كان التكبير مشروعا على مشاهدة ماله نوع من العظمة في المخلوقات، ~~كالأماكن العالية، والشياطين تهرب عند سماع الأذان، والحريق ms0465 يطفأ بالتكبير، ~~فإن مردة الإنس والجن يستكبرون عن عبادته ويعلون عليه ويحادونه، كما قال عن ~~موسى وجاءهم رسول كريم: (وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين ~~(19)) (1). فالنفوس المتكبرة تذل عند تكبيره سبحانه. # والتهليل يمنع أن يعبد غيره، أو يرجى أو يخاف أو يدعى، وذلك يتضمن أنه ~~أكبر من كل شيء، وأنه مستحق لصفات الكمال التي لا يستحقها غيره، فهي أفضل ~~الكلمات، كما في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"الإيمان بضع وسبعون شعبة أو ستون، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها ~~إماطة الأذى عن الطريق" (2). # وفي حديث "الموطأ" (3): "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا ~~الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". وفي سنن ~~ابن ماجه (4) وكتاب ابن أبي الدنيا (5) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله". # وهذه الكلمة هي أساس الدين، وهي الفارقة بين أهل الجنة PageV03P276 # وأهل النار، كما في صحيح مسلم (1) عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: "الموجبتان: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك ~~بالله شيئا دخل النار". وفي الصحيح (2) عنه: "من مات وهو يعلم أن لا إله ~~إلا الله دخل الجنة". وفي الصحيح (3) أيضا: "لقنوا موتاكم لا إله إلا ~~الله". وهي الكلمة الطيبة التي ضربها الله مثلا كشجرة طيبة، وهي بعث بها ~~جميع الرسل: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون (25)) (4)، (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون (45)) (5). # وهي الكلمة التي جعلها إبراهيم في عقبه: (وجعلها كلمة باقية في عقبه ~~لعلهم يرجعون (28)) (6). وهي دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره، لا ~~من الأولين ولا من الآخرين (إن الدين عند الله الأسلام) (7)، (ومن يبتغ غير ~~الأسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85)) (8). # وكل خطبة لا تكون ms0466 فيها شهادة فهي جذماء، كما في سنن الترمذي (9) عن أبي ~~هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كل خطبة ليس فيها تشهد ~~فهي PageV03P277 ### || CHECK - أثر التهليل والتكبير في نفوس العباد ### || CHECK - الحمد مفتاح الكلام # كاليد الجذماء". والحمد مفتاح الكلام، كما في سنن أبي داود (1) عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم". ~~ولهذا كانت السنة في الخطب أن تفتتح بالحمد، ويختم ذكر الله بالتشهد، ثم ~~يتكلم الإنسان بحاجته، وبها جاء التشهد في الصلاة أوله: "التحيات لله"، ~~وآخره: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". # وفاتحة الكتاب نصفان: نصف لله، ونصف للعبد، ونصف الرب أوله حمد وآخره ~~توحيد (إياك نعبد)، ونصف العبد هو دعاء، وأوله توحيد (وإياك نستعين (5)). # والتكبير والتهليل والتسبيح مقدمة التحميد، فالمؤذن يقول: "الله أكبر ~~الله أكبر"، ثم يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله"، ويختم الأذان بقوله: ~~"الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله". وكذلك تكبيرات الإشراف والأعياد ~~تفتتح والتكبير وتختم بالتوحيد، فالتكبير بساط. وكذلك التسبيح مع التحميد ~~"سبحان الله وبحمده"، (فسبح بحمد ربك)، لأن التسبيح يتضمن نفي النقائص ~~والعيوب، والتحميد يتضمن إثبات صفات الكمال التي يحمد عليها. # فصل # وهو في نفس الأمر لا إله غيره، وهو أكبر من كل شيء، وهو المستحق للتحميد ~~والتنزيه، هو متصف بذلك كله في نفس الأمر. فالعباد لا يثبتون له بكلامهم ~~شيئا لم يكن ثابتا له، بل المقصود بكلامهم تحقيق ذلك في أنفسهم، فإنهم ~~يسعدون السعادة التامة، إذا PageV03P278 # صار أحدهم ليس في نفسه إله إلا الله خلص من شرك المشركين، فإن أكثر بني ~~آدم كما قال تعالى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106)) (1)، فهم ~~يقرون أنه رب العالمين لا رب غيره، ومع هذا يشركون به في الحب أو التوكل أو ~~الخوف أو غير ذلك من أنواع الشرك. # وأما التوحيد أن يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، فلا يحب شيئا مثل ما ~~يحب الله، ولا ms0467 يخافه كما يخاف الله، ولا يرجوه كما يرجوه، ولا يجله ويكرمه ~~مثل ما يجل الله ويكرمه، ومن سوى بينه وبين غيره في أمر من الأمور فهو ~~مشرك، إذ كان المشركون لا يسوون بينه وبين غيره في كل [شيء]، فان هذا لم ~~يقله أحد من بني آدم، وهو ممتنع لذاته امتناعا معلوما لبني آدم، لكن منهم ~~من جحده وفضل عليه غيره في العبادة والطاعة، لكن مع هذا لم يثبته ويسو بينه ~~وبين غيره في كل شيء، بل في كثير من الأشياء. فمن سوى بينه وبين غيره في ~~أمر من الأمور فهو مشرك، قال الله تعالى (الحمد لله الذي خلق السماوات ~~والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (1)) (2) أي ~~يعدلون به غيره، يقال: عدل به أي جعله عديلا لكذا ومثلا له. وقال تعالى: ~~(وبرزت الجحيم للغاوين (91)) إلى قوله: (إذ نسويكم برب العالمين (98)) (3) ~~وقال تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله) (4). PageV03P279 # فلا إله إلا هو سبحانه، وما سواه ليس بإله، لكن المشركون عبدوا معه آلهة، ~~وهي أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، كما يسمي الإنسان ~~الجاهل عالما، والكاذب صادقا، ويكون ذلك عنده لا في نفس الأمر. وهؤلاء آلهة ~~في نفوس المشركين بهم ليسوا آلهة في نفس الأمر. ولهذا كان ما في قلوبهم من ~~الشرك هو إفكا، قال الله تعالى عن إبراهيم: (إذ قال لأبيه وقومه ماذا ~~تعبدون (85) أإفكا آلهة دون الله تريدون (86)) (1)، وقال أيضا: (إنما ~~تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا) (2)، وقال: (هؤلاء قومنا اتخذوا ~~من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا) (3)، وقال هود لقومه: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا ~~مفترون (50)) (4). # والموحد صادق في قوله "لا إله إلا الله"، وكلما كرر ذلك تحقق قلبه ~~بالتوحيد والإخلاص، وكذلك قوله "الله أكبر"، فإنه تعالى كل ما يخطر بنفس ~~العباد من التعظيم فهو أكبر منه، الملائكة والجن والإنس، فإنه أي شيء ms0468 قدر ~~في الأنفس من التعظيم كان دون الذي هو متصف به، كما أنه سبحانه فوق ما يثني ~~عليه العباد، كما قال أعلم الناس به: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت ~~على نفسك" (5). # فكلما قال العبد "الله أكبر" تحقق قلبه بأن يكون الله في قلبه أكبر PageV03P280 ### || CHECK - أثر التسبيح فيها # من كل شيء، فلا يبقى لمخلوق على القلب ربانية تساوي ربانية الرب، فضلا عن ~~أن يكون مثلها، وهذا داخل في التوحيد لا إله إلا الله، فلا يكون في قلبه ~~لمخلوق شيء من التأله لا قليل ولا كثير، بل التأله كله لله، ولكن المخلوق ~~عنده نوع من القدر والمنزلة والمحبة، وليست كقدر الخالق، والمحبة المأمور ~~بها هي الحب لله، كحب الأنبياء والصالحين، فهو يحبهم لأن الله أمر بحبهم، ~~فهذا هو الحب الله. فأما من أحبهم مع الله فهذا مشرك، كما قال تعالى: (ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله) (1). فالحب في الله ~~إيمان، والحب مع الله شرك. # وكذلك إذا قال "سبحان الله والحمد لله" فقد نزه الرب، فنزه قلبه أن يصف ~~الرب بما لا ينبغي له، فكلما سبح الرب تنزهت نفسه عن أن يصف الرب بشيء من ~~السوء، كما قال سبحانه: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180)) (2)، وقال: ~~(سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43)) (3). # فهو سبحانه سبح نفسه عما يصفه المفترون والمشركون، فإذا سبح الرب كان قد ~~زكى نفسه. وقد سمى الله الأعمال الصالحة زكاة وتزكية في مثل قوله: (وويل ~~للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة) (4). قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ~~(ويزكيهم) قال: يعني بالزكاة PageV03P281 # طاعة الله والإخلاص (1)، فجمع بين التزكية من الكفر والذنوب. وقال مقاتل ~~بن حيان: "يزكيكم": يطهركم من الذنوب. هكذا قال في آية البقرة (2)، وقال في ~~آية الصيف (3): يطهرهم من الذنوب والكفر. # وقال ابن جريج: يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه. وقال السدي: يأخذ زكاة ~~أموالهم (4). ففسروا الآية بما يعم زكاة الأموال وغيرها من الأعمال ~~والأفعال، فالإخلاص والطاعة وتزكيتهم من الذنوب والكفر أعظم مقصود ms0469 الآية. ~~والمشركون نجس، والصدقة من تمام التطهر والزكاة، كما قال تعالى: (خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم) (5). # وكذلك قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (وويل للمشركين، الذين لا ~~يؤتون الزكاة) (6) قال: هم الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله (7). وروي ~~عن عكرمة نحو ذلك. وقال قتادة: لا يقرون بها ولا يؤمنون بها. وكذلك قال ~~السدي: لا يدينون بها، ولو زكوا وهم مشركون لم ينفعهم. وقال معاوية بن قرة: ~~ليسوا من أهلها. وقد قال موسى لفرعون: (هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ~~ربك فتخشى (19)) (8)، وقال عن الأعمى: (وما يدريك لعله يزكى (3)) (9)، PageV03P282 ### || CHECK - أثر التحميد فيها # وقال: (قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها) (1)، وقال: (إنه من يأت ~~ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى) إلى قوله: (وذلك جزاء من ~~تزكى) (2). # وكذلك الحمد، كلما حمد العبد ربه تحقق حمده في قلبه معرفة بمحامده ومحبة ~~له وشكرا له. والألف واللام في قوله (الحمد لله) فيها قولان (3)، قيل: هي ~~للجنس، كما ذكره بعض المفسرين من المعتزلة، وتبعه عليه بعض المنتسبين إلى ~~السنة. والثاني -وهو الصحيح-: أنها للاستغراق، فالحمد كله لله، كما جاء في ~~الأثر: "لك الحمد كله، ولك الملك كله". فله الحمد حمد مستقل، وله الملك ملك ~~مستقل، ولكن هو سبحانه يؤتي الملك من يشاء، والذي يؤتيه هو من ملكه، وكل ما ~~تصرف فيه العبد فهو من ملك الرب، وهو مستقل بالملك، ليس هذا لغيره، كذلك ~~الحمد هو مستقل بالحمد كله، فله الحمد كله وله الملك كله، وكل ما جاء به ~~الإذن من موجود فله الحمد عليه، وكل ما يجعله للعباد مما يحمدون عليه فله ~~الحمد عليه، وإذا ألهمهم الحمد فهو الذي جعلهم حامدين. # والمعتزلة لا يقرون بأنه جعل الحامد حامدا والمصلي مصليا والمسلم مسلما، ~~بل يثبتون وجود الأعمال الصالحة من العبد لا من الله، فلا يستحق الحمد على ~~تلك الأعمال على أصلهم، إذ كان ما أعطاهم من القدرة والتمكين وإزاحة العلل ~~قد أعطى الكفار ms0470 مثله، لكن المؤمنون استقلوا بفعل الحسنات، كالأب الذي يعطي ~~ابنيه PageV03P283 ### || CHECK - الحمد يتم بالتوحيد # مالا، فهذا ينفقه في الطاعة، وهذا ينفقه في المعصية. فهو عندهم لا يمدح ~~على إنفاق هذا الابن، كما لا يذم على إنفاق الآخر. # وأما أهل السنة فيقولون كما أخبر الله تعالى: (ولكن الله حبب إليكم ~~الأيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) (1)، وقال أهل ~~الجنة: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) (2) ~~الآية. وقال الخليل: (رب اجعلني مقيم الصلاة) (3)، وقال هو وابنه إسماعيل: ~~(واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) (4). ويحمدون الله حمد النعمة ~~وحمد العبادة، كما قد بسط هذا في الكلام في الشكر. # وهو سبحانه جعل من شاء من عباده محمودا، ومحمدا سيد المحمودين، ومحمد ~~تكون صفاته المحمودة أكثر، وأحمد يكون أحمد من غيره، فهذا أفضل، وذاك أكثر. ~~وهو سبحانه جعله محمدا وأحمد. فهو المحمود على ذلك، وحمد أهل السماوات ~~والأرض جزء من حمده، فإن حمد المصنوع حمد صانعه، كما أن كل ملك هو جزء من ~~ملكه، فله الملك وله الحمد. # والحمد إنما يتم بالتوحيد، وهو مناط التوحيد ومقدمة له، ولهذا يفتح به ~~الكلام، ويثنى بالتشهد. وكل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم، وكل ~~خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء. وإذا كان الحمد كله له .... (5) ~~بخلاف ما إذا أثبت جنس الحمد من غير PageV03P284 # استغراق، فان هذا لا يثبت خصائص الرب التي بها يمتاز عن غيره، فإن الحمد ~~إذا كان للجنس أوجب أن يكون لغيره أفراد من أفراد هذا الجنس، كما تقوله ~~القدرية. وأما أهل السنة فيقولون: الحمد لله كله، وإنما للعبد حمد مقيد، ~~لكون الله تعالى أنعم عليه، كما للعبد ملك مقيد. وأما الملك المستقل والحمد ~~المستقل والملك العام والحمد العام فهو لله رب العالمين، لا إله إلا هو، له ~~الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. # وفي السنن (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من قال إذا أصبح: اللهم ~~ما أصبح بي ms0471 من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك، لا شريك لك، فلك الحمد -فقد ~~أدى شكر ذلك اليوم، ومن قال مثل ذلك إذا أمسى فقد أدى شكر تلك الليلة". ~~وقال تعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون (53) ~~ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) (2). وقال تعالى: ~~(وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82)) (3) أي تجعلون شكركم على نعمة الله أنكم ~~تضيفونها إلى غيره بقولكم "مطرنا بنوء كذا وكذا". وقال تعالى: (وإذا مس ~~الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه) (4) الآية. وقال: (هو الحي لا إله إلا هو ~~فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (65)) (5). # وفي حديث آخر (6): "من قال إذا أصبح الحمد لله ربي لا أشرك PageV03P285 # به شيئا، أشهد أن لا إله إلا الله، ظل تغفر له ذنوبه حتى يمسي، وإن قالها ~~حين يمسي ظل تغفر له ذنوبه حتى يصبح". رواه أبان المحاربي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقال سعيد بن جبير: إذا قرأت (فادعوه مخلصين له الدين الدين الحمد لله رب ~~العالمين (65)) فقل "لا إله إلا الله"، وقل على أثرها: "الحمد لله رب ~~العالمين". ثم قرأ هذه الآية (فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب ~~العالمين). وقد روي نحو ذلك عن ابن عباس. وقد ثبت في الصحيحين (1) أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دبر الصلاة: "لا إله إلا الله، ولا ~~نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله ~~مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". وهذا قد ذكره في أوائل هذه السورة، ~~فقال تعالى: (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم) إلى ~~قوله (فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14)) (2). # وفي السنن نوعان من الدعاء يقال في كل منهما لمن دعا به أنه دعا الله ~~باسمه الأعظم، أحدهما (3): "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان ~~بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام". والآخر (4): "اللهم إني ~~أسألك بأنك أنت ms0472 الله الأحد الصمد الذي لم PageV03P286 # يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد". والأول سؤال بأنه المحمود، والثاني ~~سؤال بأنه الأحد، فذاك سؤال بكونه محمودا، وهذا سؤال بوحدانيته المقتضية ~~توحيدا، وهو في نفسه محمود يستحق الحمد، معبود يستحق العبادة. # والنصف الأول من الفاتحة الذي هو نصف الرب، أوله تحميد وآخره تعبيد، وقد ~~بسط مثل هذا في مواضع، وبين أن التحميد والتوحيد مقرونان، ولابد منهما في ~~كل خطبة، فكل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم، وكل خطبة ليس ~~فيها تشهد فهي كاليد الجذماء. والحمد مقرون بالتسبيح، ولا إله إلا الله ~~مقرون بالتكبير، كذاك تحميده وهذا توحيده. قال تعالى: (فادعوه مخلصين له ~~الدين الحمد لله رب العالمين (65)) (1)، ففي أحدهما إثبات المحامد له، وذلك ~~يتضمن جميع صفات الكمال ومنع النقائص، وفي الآخر إثبات وحدانيته في ذلك، ~~وأنه ليس له كفو في ذلك. # وقد بينا في غير هذا الموضع أن هذين الأصلين يجمعان جميع أنواع التنزيه، ~~فإثبات المحامد المتضمنة لصفات الكمال تستلزم نفي النقص، وإثبات وحدانيته ~~وأنه ليس له كفو في ذلك يقتضي أنه لا مثل له في شيء من صفات الكمال، فهو ~~منزه عن النقائص ومنزه أن يماثله شي بلا في صفات الكمال، كما دل على هذين ~~الأصلين قوله تعالى: (قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد ~~(3) ولم يكن له كفوا أحد (4)) (2). PageV03P287 ### || CHECK - اسمه "الله" يتضمن جميع المحامد # واسمه "الله" تضمن جميع المحامد، فإنه يتضمن الإلهية المستلزمة لذلك، ~~فإذا قيل "لا إله إلا الله" تضمنت هذه الكلمة إثبات جميع المحامد، وأنه ليس ~~له فيها نظير، إذ هو إله لا إله إلا هو. والشرك كله إثبات نظير لله عز وجل، ~~ولهذا يسبح نفسه ويعاليها عن الشرك في مثل قوله (ما اتخذ الله من ولد وما ~~كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله ~~عما يصفون (91) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (92)) (1). وقال ~~تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ms0473 ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22)) (2). فان الشرك قول هو ~~وصف، وعمل هو قصد، فنزه نفسه عما يصفون بالقول والاعتقاد وعن أن يعبد معه غيره. # وأعظم آية في القرآن آية الكرسي، أولها: (الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم) (3). فقوله "الله" هو اسمه المتضمن لجميع المحامد وصفات الكمال، ~~وقوله "لا إله إلا هو" نفي للنظراء والأمثال. وكذلك أول الكلمات العشر التي ~~في التوراة: "يا إسرائيل! أنا الله لا إله إلا أنا"، جمع بين الإثبات ونفي ~~الشريك، فالإثبات لرد التعطيل، والتوحيد لنفي الشرك. # وهكذا التحميد والتوحيد، فالتحميد متضمن إثبات ما يستحقه من المحامد ~~المتضمنة لصفات الكمال، وهو رد للتعطيل، والتوحيد رد للشرك، والتحميد يتضمن ~~إثبات أسمائه الحسنى، وكلها محامد له، وهو يتضمن ذكر آياته وآلائه، فإنه ~~محمود على آلائه كلها، وآياته PageV03P288 ### || CHECK - تفسير قوله تعالى (وسبح بحمد ربك) # كلها من آلائه، كما قد بسط في مواضع. فهو محمود على كل ما خلق، له الحمد ~~ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد ذلك، فله ~~الحمد حمدا يملأ جميع ما خلقه، ويملأ ما شاء خاصة بعد ذلك، إذ كان كل مخلوق ~~هو محمود عليه، بل هو مسبح بحمده، كما قال تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44)) (1). # والتوحيد يقتضي نفي كل ند ومثل ونظير، وهو كمال التحميد وتحقيقه ذاك ~~إثباته بغاية الكمال ونفي النقص، وهذا نفي أن يكون له مثل أو ند. # وقوله (وسبح بحمد ربك) قد فسرها كثير من المفسرين أي فصل بحمد ربك ~~والثناء عليه، لم يذكر ابن الجوزي غير هذا القول، قال (2): وسبح بحمد ربك ~~أي صل له بالحمد والثناء عليه. وتفسير التسبيح بالصلاة فيها أحاديث صحيحة ~~وآثار كثيرة، مثل حديث جرير المتقدم. # وأما قوله (بحمد ربك) فقد فسروه كما تقدم، أي بحمد ربك وشكر ربك وطاعة ~~ربك وعبادة ربك، أي بذكرك ربك وشكرك ربك وطاعتك ربك وعبادتك ms0474 ربك، ولا ريب ~~أن حمد الرب والثناء عليه ركن في الصلاة، فإنها لا تتم إلا بالفاتحة التي ~~نصفها الأول حمد لله وثناء عليه وتحميد له، وقد شرع قبل ذلك الاستفتاح، ~~وشرع الحمد عند الرفع من الركوع، وهو متضمن لحمد الله تعالى. PageV03P289 # وذكر طائفة من المفسرين كالثعلبي وغيره قولين، قالوا -واللفظ للبغوي (1) ~~-: "وسبح بحمد ربك" أي صل بأمر ربك، وقيل: صل له بالحمد له والثناء عليه. ~~فهذا القول الأول الذي ذكره البغوي هو مأثور عن أبي مالك أحد التابعين ~~الذين أخذ عنهم السدي التفسير من أصحاب ابن عباس. وروى ابن أبي حاتم (2) عن ~~أسباط عن السدي عن أبي مالك: قوله (بحمد) أي بأمر. وتوجيه هذا أن قوله ~~"بحمده" أي بكونه محمودا، كما قد قيل في قول القائل "سبحان الله وبحمده"، ~~قيل: سبحان الله ومع حمده أسبحه، أو أسبحه بحمدي له، وقيل: سبحان الله ~~وبحمده سبحناه، أي هو المحمود على ذلك، كما تقول: فعلت هذا بحمد الله، ~~وصلينا بحمد الله، أي بفضله وإحسانه الذي يستحق الحمد عليه. وهو يرجع إلى ~~الأول، كأنه قال: بحمدنا الله فإنه المستحق لأن نحمده على ذلك. # وإذا كان ذلك بكونه المحمود على ذلك فهو المحمود على ذلك، حيث كان هو ~~الذي أمر بذلك وشرعه، فإذا سبحنا سبحنا بحمده، كما قال تعالى: (لقد من الله ~~على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) (3) الآية. وقد يكون القائل ~~الذي قال: "فسبح بحمد ربك" أي بأمره أراد المأمور به، أي سبحه بما أمرك أن ~~تسبحه به، فيكون المعنى: سبح التسبيح الذي أمرك ربك به، كالصلاة التي أمرك ~~بها. وقولنا "صليت بأمر الله" و"سبحت بأمر الله" يتناول هذا وهذا، يتناول ~~أنه أمر بذلك ففعلته بأمره لم أبتدعه، وأني فعلت بما أمرني به لم أبتدع. PageV03P290 ### || CHECK - لفظ "التسبيح" قد يراد به جنس الصلاة، وقد يراد به النافلة خصوصا ### || CHECK - ليس المراد أن الحمد غير التسبيح، بل نفس تسبيح الله هو حمد الله # فأما هذه الآية (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ms0475 غروبها) (1) في يذكر ~~البغوي وابن الجوزي إلا أنه الصلاة كما ذكرنا، وكذلك آية "ق"، قال ابن ~~الجوزي (2): "وسبح بحمد ربك" أي صل بالثناء على ربك والتنزيه عما يقول ~~المبطلون. فذكر الثناء والتنزيه عما يقول المبطلون تفسيرا للحمد. فأما ~~البغوي (3) فإنه قال: فصل حمدا لله. # وهو ينقل ما يذكره الثعلبي في تفسيره في مثل هذه المواضع، والثعلبي يذكر ~~ما قاله غيره، سواء قاله ذاكرا أو آثرا، ما يكاد هو ينشئ من عنده عبارة، ~~وهذه عبارة طائفة قالوا: "سبح بحمد ربك" صل حمدا لله، جعل نفس الصلاة حمدا، ~~كما يقال: افعل هذا حمدا لله أي شكرا. # وهذا بنى على قول من قال: "بحمد ربك" أي بكونه محمودا، ثم جعل المصدر ~~يضاف إلى المفعول. # وليس المراد أن الحمد غير التسبيح، بل نفس تسبيح الله هو حمد الله. ولفظ ~~التسبيح يراد به جنس الصلاة، وقد يراد به جنس الصلاة، وقد يراد به النافلة ~~خصوصا، فإن الفرض لما كان له اسم يخصه جعل هذا اللفظ للنافلة، كما في ~~الحديث (4): كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسبح على راحلته حيث ~~توجهت به راحلته. وكان يصلى سبحة الضحى، ومنه ما رواه مسلم في صحيحه (5) عن ~~حفصة قالت: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى في سبحته قاعدا، ~~حتى كان قبل وفاته PageV03P291 ### || CHECK - ويراد به جنس ذكر الله، ويراد به قول العبد "سبحان الله" # بعام -وفي رواية: أو اثنين- فكان يصلي في سبحته قاعدا، وكان يقرأ فيها ~~بالسورة فيرتلها، حتى يكون أطول من أطول منها. ومنه أيضا ما أخرجاه في ~~الصحيحين (1) عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم. # لكن هذا يوجد في كلام الفصحاء، تسمية التطوع سبحة، خصوه بذلك. وأما في ~~كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - فيحتاج إلى نقل عنه. # ويراد بالتسبيح جنس ذكر ms0476 الله تعالى، يقال: فلان يسبح، إذا كان يذكر الله. ~~ويدخل في ذلك التهليل والتحميد، ومنه سميت "السباحة" للإصبع التي يشير بها، ~~وإن كان يشير بها في التوحيد. ويراد بالتسبيح قول العبد "سبحان الله"، وهذا ~~أخص به. # وفي السنن (2): لما أنزل الله تعالى (فسبح باسم ربك العظيم (74)) قال: ~~"اجعلوها في ركوعكم"، ولما نزل (سبح اسم ربك الأعلى (1)) قال: "اجعلوها في ~~سجودكم". وفي الصحيحين (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كلمتان ~~حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله ~~وبحمده، سبحان الله العظيم". وفي الصحيحين (4) عن أبي هريرة عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "من قال في يوم مئة مرة: سبحان الله وبحمده، حطت عنه ~~خطاياه ولو كأنت مثل زبد البحر". PageV03P292 ### || CHECK - تفسير قوله تعالى (وسبح بحمد ربك حين تقوم) # وقد قيل: إن الصلاة إنما سميت تسبيحا لاشتمالها على القيام والقراءة، ~~وتسمى ركعة وسجدة لاشتمالها على الركعة والسجدة. لكن فرق بين قوله "سبح اسم ~~ربك الأعلى" و"العظيم" -فهذه قد فسرت بالتسبيح المجرد قول العبد في ركوعه ~~وسجوده: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى- وبين قوله "فسبح بحمد ربك"، ~~فان هذا إذا قيل: إن المراد بحمدك ربك أمر بالتسبيح وبالحمد، كقوله "سبحان ~~الله وبحمده". # والمصلي إذا حمد ربه في القيام، أو في القيام والقعود، وسبح في الركوع ~~والسجود، فقد جمع التسبيح والحمد، فسبح بحمد الله. فالصلاة تسبيح بحمد ربه، ~~كما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك. # وقد فسر طائفة من السلف قوله (وسبح بحمد ربك حين تقوم (48)) (1) بالتسبيح ~~بالكلام (2)، وذكروا أنواعا: التسبيح عند افتتاح الصلاة، والتسبيح عند ~~القيام من المجلس، فروى ابن أبي حاتم (3) عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي ~~الأحوص: (وسبح بحمد ربك حين تقوم (48)) قال: إذا أراد أن يقوم الرجل من ~~مجلسه قال: سبحانك اللهم وبحمدك. هكذا رواه وكيع، ورواه أبو نعيم وقبيصة ~~فقالا: يقول سبحان الله وبحمده. # وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد: "حين تقوم" قال: من كل مجلس. # وعن طلحة عن عطاء: حين ms0477 تقوم من كل مجلس، إن كنت أحسنت ازددت خيرا، وإن ~~كان غير ذلك كان هذا كفارة له. # وقال طائفة: حين تقوم إلى الصلاة، وكذلك قال الضحاك: حين تقوم إلى الصلاة ~~المفروضة، وكذلك قال ابن زيد: إذا قام إلى الصلاة من PageV03P293 # ليلى أو نهار، وفي رواية جويبر عن الضحاك قال: هو قول الرجل إذا استفتح ~~الصلاة "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". ~~وقال أبو الجوزاء: حين تقوم من منامك من فراشك. وعلى هذا فهو أمر بالصلاة ~~إذا قام من فراشه من قائلة النهار، فهو أمر بصلاة الظهر والعصر. # و"إدبار النجوم" فسرها طائفة بركعتي الفجر (1)، وروى ابن عيينة عن ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد: "وإدبار النجوم" قال ابن عباس: هو التسبيح أدبار ~~الصلاة. # قلت: لعل هذا تفسير لقوله (وأدبار السجود (40)) (2)، فإنه أنسب. # وقد روي عن طائفة من السلف (3) أن "أدبار السجود" الركعتان بعد المغرب، ~~و"إدبار النجوم" ركعتا الفجر، فإحداهما تشتبه بالأخرى. فقوله (ومن الليل ~~فسبحه وأدبار السجود (40))، إذا فسر هذا بالتسبيح دبر الصلاة كان اللفظ ~~دالا على هذا. والسلف الذين فسروها بهذا كأنهم -والله أعلم- أرادوا أن أول ~~ما يكتب في صحيفة النهار ركعتا الفجر، وآخر ما يرفع ركعتا المغرب، فقد روي ~~أنهما ترفعان مع عمل النهار. # قلت: ولفظ التسبيح يتناول هذا كله، منه واجب ومنه مستحب. # (آخره، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما كثيرا). PageV03P294 ### | CHECK (16) مسألة في إخوة يوسف هل كانوا أنبياء؟ # مسألة # في إخوة يوسف هل كانوا أنبياء؟ PageV03P295 ### || CHECK - تحقيق معنى كلمة "الأسباط" ### || CHECK - حجة من قال: إنهم أنبياء، ومناقشتها ### || CHECK - الذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار أنهم ليسوا بأنبياء # الذي يدل عليه القران واللغة والاعتبار أن إخوة يوسف ليسوا بأنبياء، وليس ~~في القرآن ولا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بل ولا عن أصحابه خبر بأن ~~الله تعالى نبأهم. وإنما احتج من قال إنهم نبئوا بقوله في آيتي البقرة ~~والنساء (والأسباط) (1)، وفسر الأسباط بأنهم أولاد يعقوب، والصواب أنه ليس ~~المراد ms0478 بهم أولاده لصلبه بل ذريته، كما يقال فيهم أيضا "بنو إسرائيل"، وكان ~~في ذريته الأنبياء، فالأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من بني إسماعيل. # قال أبو سعيد الضرير: أصل السبط شجرة ملتفة كثيرة الأغصان (2). # فسموا الأسباط لكثرتهم، فكما أن الأغصان من شجرة واحدة، كذلك الأسباط ~~كانوا من يعقوب. ومثل السبط الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، والأسباط حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر. وقال ~~تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159) وقطعناهم اثنتي ~~عشرة أسباطا أمما) (3)، فهذا صريح في أن الأسباط هم الأمم من بني إسرائيل، ~~كل سبط أمة، لا أنهم بنوه الاثنا عشر. بل لا معنى لتسميتهم قبل أن تنتشر ~~عنهم الأولاد أسباطا، فالحال أن السبط هم الجماعة من الناس. # ومن قال: الأسباط أولاد يعقوب، لم يرد أنهم أولاده لصلبه، بل أراد ذريته، ~~كما يقال: بنو إسرائيل وبنو آدم. فتخصيص الآية ببنيه PageV03P297 # لصلبه غلط، لا يدل عليه اللفظ ولا المعنى، ومن ادعاه فقط أخطأ خطأ بينا (1). # والصواب أيضا أن كونهم أسباطا إنما سموا به من عهد موسى للآية المتقدمة، ~~ومن حينئذ كانت فيهم النبوة، فإنه لا يعرف أنه كان فيهم نبي قبل موسى إلا ~~يوسف. ومما يؤيد هذا أن الله تعالى لما ذكر الأنبياء من ذرية إبراهيم قال: ~~(ومن ذريته داود وسليمان) الآيات (2)، فذكر يوسف ومن معه، ولم يذكر ~~الأسباط، فلو كان إخوة يوسف نبئوا كما نبئ يوسف لذكروا معه. # وأيضا فإن الله يذكر عن الأنبياء من المحامد والثناء ما يناسب النبوة، ~~وإن كان قبل النبوة، كما قال عن موسى: (ولما بلغ أشده) (3) الآية، وقال في ~~يوسف كذلك، وفي الحديث: "أكرم الناس يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ~~نبي من نبي من نبي" (4). فلو كانت إخوته أنبياء كانوا قد شاركوه في هذا ~~الكرم، وهو تعالى لما قص قصة يوسف وما فعلوا معه ذكر اعترافهم بالخطيئة ~~وطلبهم الاستغفار من أبيهم، ولم يذكر من فضلهم ما يناسب النبوة، ولا شيئا ~~من خصائص الأنبياء، بل ms0479 ولا ذكر عنهم توبة باهرة كما ذكر عن ذنبه دون ذنبهم، ~~بل إنما حكى عنهم الاعتراف وطلب الاستغفار. ولا ذكر سبحانه عن أحد من ~~الأنبياء -لا قبل النبوة ولا بعدها- أنه فعل مثل هذه الأمور العظيمة، من ~~عقوق الوالد وقطيعة الرحم وإرقاق المسلم PageV03P298 # وبيعه إلى بلاد الكفر والكذب البين وغير ذلك مما حكاه عنهم، ولم يحك شيئا ~~يناسب الاصطفاء والاختصاص الموجب لنبوتهم، بل الذي حكاه يخالف ذلك، بخلاف ~~ما حكاه عن يوسف. # ثم إن القرآن يدل على أنه لم يأت أهل مصر نبي قبل موسى سوى يوسف، لآية ~~غافر (1)، ولو كان من إخوة يوسف نبي لكان قد دعا أهل مصر، وظهرت أخبار ~~نبوته، فلما لم يكن ذلك علم أنه لم يكن منهم نبي. فهذه وجوه متعددة يقوي ~~بعضها بعضا. # وقد ذكر أهل السير أن إخوة يوسف كلهم ماتوا بمصر، وهو أيضا، وأوصى بنقله ~~إلى الشام، فنقله موسى. # والحاصل أن الغلط في دعوى نبوتهم حصل من ظن أنهم هم الأسباط، وليس كذلك، ~~إنما الأسباط ذريتهم الذين قطعوا أسباطا من عهد موسى، كل سبط أمة عظيمة. ~~ولو كان المراد بالأسباط أبناء يعقوب لقال: "ويعقوب وبنيه"، فإنه أوجز ~~وأبين. واختير لفظ "الأسباط" على لفظ "بني إسرائيل" للإشارة إلى أن النبوة ~~إنما حصلت فيهم من حين تقطيعهم أسباطا من عهد موسى. والله أعلم. PageV03P299 ### | CHECK (17) فتوى في قراءة القرآن بما يخرجه عن استقامته # فتوى # في قراءة القرآن بما يخرجه عن استقامته PageV03P301 ### || CHECK - أعدل الأقوال في حكم قراءة الألحان ### || CHECK - الناس مأمورون أن يقرأوا القرآن على الوجه المشروع # الحمد الله رب العالمين. # ما تقول أئمة الدين -رضي الله عنهم أجمعين، وجعلهم عاملين بما علموا، ~~مخلصين مصيبين- في قراءة القرآن بما يخرجه عن استقامته التي أجمع أئمة ~~القراءة عليها، من تمطيط أو ترجيع بالألحان المطربة، أو ملك مجمع على قصره، ~~أو قصر مجمع على مده، أو إظهار ما أجمع على إدغامه، أو إدغام ما أجمع على ~~إظهاره، أو تشديد ما أجمع على تخفيفه، أو تخفيف ما أجمع على تشديده، ms0480 أو بما ~~يزيل الحرف عن مخرجه أو صفته، وما أشبه ذلك مما يعانيه بعض القراء، هل تجوز ~~تلك القراءة؟ وهل يجوز سماعها أو استماعها؟ فإن لم تجز فهل يلزم سامعها أن ~~ينكر على قارئها؟ فإن لزمه وترك فهل يأثم؟ وإن أنكر على قارئها، ولم يقبل ~~القارئ، فهل يجب عليه شيء أم لا؟ أفتونا مأجورين، رحمكم الله، والحمد لله وحده. # أجاب شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية: # الحمد لله. الناس مأمورون أن يقرأوا القرآن على الوجه المشروع، كما كان ~~يقرأه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن القراءة سنة يأخذها ~~الآخر عن الأول. # وقد تنازع الناس في قراءة الألحان، منهم من كرهها مطلقا بل حرمها، ومنهم ~~من رخص فيها (1)، وأعدل الأقوال فيها أنها إن كانت موافقة لقراءة السلف ~~كانت مشروعة، وإن كانت من البدع المذمومة PageV03P303 ### || CHECK - القراءة على ألحان الغناء بدعة ### || CHECK - معنى حديث "زينوا القرآن بأصواتكم" # نهي عنها. والسلف كانوا يحسنون القرآن بأصواتهم من غير أن يتكلفوا أوزان ~~الغناء، مثل ما كان أبو موسى الأشعري يفعل، فقد ثبت في الصحيح عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لقد أوتي هذا مزمازا من مزامير آل داود" ~~(1). وقال لأبي موسى الأشعري: "مررت بك البارحة وأنت تقرأ، فجعلت أستمع ~~لقراءتك"، فقال: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا (2). أي لحسنته لك ~~تحسينا. وكان عمر يقول لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى، ذكرنا ربنا، فيقرأ ~~أبو موسى وهم يستمعون لقراءته. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "زينوا القرآن بأصواتكم" (3). ~~وقال: "لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى ~~قينته" (4). وقال: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (5). # وتفسيره عند الأكثرين كالشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما هو تحسين الصوت به. ~~وقد فسره ابن عيينة ووكيع وأبو عبيد على الاستغناء به. فإذا حسن الرجل صوته ~~بالقرآن كما كان السلف يفعلونه -مثل أبي موسى الأشعري وغيره- فهذا حسن. # وأما ما أحدث بعدهم من تكفف القراءة على ألحان. الغناء فهذا PageV03P304 # ينهى عنه عند ms0481 جمهور العلماء، لأنه بدعة، ولأن ذلك فيه تشبيه القرآن ~~بالغناء، ولأن ذلك يورث أن يبقى قلب القارئ مصروفا إلى وزن اللفظ بميزان ~~الغناء، لا يتدبره ولا يعقله، وأن يبقى المستمعون يصغون إليه لأجل الصوت ~~الملحن كما يصغى إلى الغناء، لا لأجل استماع القرآن وفهمه وتدبره والانتفاع ~~به. والله سبحانه أعلم. PageV03P305 ### | CHECK (18) رسالة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسال عنه" # رسالة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: # "إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاما # فليأكل من طعامه ولا يسأل عنه" PageV03P307 ### || CHECK - رسالة ابن عبد البر في أكل طعام السلاطين وقبول جوائزهم ### || CHECK - الكلام على هذا الحديث # الحمد الله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين، وسلم ~~تسليما. # روى الإمام أحمد في "مسنده" (1): حدثنا حسين بن محمد، ثنا مسلم -يعني ابن ~~خالد- عن زيد بن أسلم عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاما، فليأكل من ~~طعامه ولا يسأله عنه، وإن سقاه شرابا من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه". # هذا حديث رواه مشهورون، ومسلم بن خالد الزنجي وثقه بعض الأئمة وضعفه ~~بعضهم. وقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن أبي هريرة، رواه ابن عجلان عن ~~المقبري عن أبي هريرة (2)، وقد روي موقوفا. وقد رأيت للشيخ أبي عمر بن عبد ~~البر رسالة (3) أملاها حين بلغه -وهو بشاطبة- أن قوما عابوه بأكل طعام ~~السلاطين وقبول جوائزهم: # قل لمن ينكر أكلي لطعام الأمراء # أنت من جهلك هذا في محل السفهاء # لأن الاقتداء بالصالحين من الصحابة والتابعين وأئمة الدين من المسلمين ~~والسلف الماضين هو ملاك الدين، فقد كان زيد بن ثابت PageV03P309 ### || CHECK - آراء الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذا الموضوع # -وكان من الراسخين في العلم- يقبل جوائز معاوية وابنه يزيد، وكان ابن عمر ~~مع ورعه وفضله يقبل هدايا صهره المختار بن أبي عبيد، ويأكل طعامه ويأخذ ms0482 ~~جوائزه، وكان المختار غير مختار. # وقال عبد الله بن مسعود -وكان قد ملئ علما من قرنه إلى مشاعبه- لرجل سأله ~~فقال: إن لي جارا يعمل الربا، ولا يجتنب في مكسبه الحرام، يدعوني إلى طعامه ~~إذا جئت، فقال: لك المهنأ وعليه المأثم ما لم تعلم الشيء بعينه حراما. # وسئل عثمان بن عفان عن جوائز السلطان فقال: لحم ظبي ذكي. # وكان الشعبي -وهو من كبار التابعين وعلمائهم- يؤدب بني عبد الملك بن ~~مروان، ويقبل جوائزه، ويأكل طعامه. # وكان إبراهيم النخعي وسائر علماء الكوفة والحسن البصري -مع زهده وورعه- ~~وسائر علماء البصرة وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبان ابن عثمان والفقهاء ~~السبعة -حاشا سعيد بن المسيب- يقبلون جوائز السلاطين والأمراء. وقبل الحسن ~~والشعبي جائزة ابن هبيرة لما سألهما عن حاله مع عبد الملك. وكان سفيان ~~الثوري مع فضله وورعه يقول: جوائز السلطان أحب إلي من صلات الإخوان، لأن ~~الإخوان يمنون والسلطان لا يمن. # ومثل هذا عن العلماء والفضلاء كثير، وقد جمع الناس فيه أبوابا، ولأحمد بن ~~خالد فقيه الأندلس وعالمها في ذلك كتاب حمله على جمعه ووضعه طعن أهل بلاده ~~عليه في قبوله جوائز عبد الرحمن الناصر إذ نقله إلى المدينة بقرطبة، وأسكنه ~~دارا من دور الجامع قربه، وأجرى عليه الرزق من الطعام والشراب والإدام ~~والناض. وله ولمثله في بيت PageV03P310 # المال حظ، والمسئول عن التخليط فيه هو السلطان، كما قال عبد الله ابن ~~مسعود: لك المهنا وعليه المأثم لما لم تعلم الشيء بعينه حراما. # ومعنى قول ابن مسعود هذا قد اجتمع عليه العلماء ما لم تعلم الشيء بعينه ~~حراما مأخوذا من غير حبه، كالخبزة وشبهها من الطعام والثوب والدائة، وما ~~كان مثل ذلك كله من الأشياء المبيعة غصبا أو سرقة، أو مأخوذة بظلم بين لا ~~شبهة فيه، فهذا الذي لم يختلف أحد في تحريمه وسقوط عدالة مستحل الحلة وأخذه ~~وتملكه، وما أعلم أحدا من علماء التابعين تورع عن جوائز السلطان إلا سعيد ~~بن المسيب بالمدينة ومحمد بن سيرين بالبصرة، وهما قد ذهبا مثلا بالورع، ~~وسلك سبيلهما في ms0483 ذلك أحمد بن حنبل وأهل الزهد والورع والتقشف رحمة الله ~~عليهم أجمعين. # والزهد في الدنيا من أفضل الفضائل، ولا يحل لمن وفقه الله تعالى وزهد ~~فيها أن يحرم ما أباح الله منها. والعجب من أهل زماننا يعيبون الشهوات وهم ~~يستحلون المحرمات والمنكرات، ومثالهم عندي كالذين سألوا عبد الله بن عمر عن ~~المحرم يقتل القراد والقملة، فقال للسائلين: من أين أنتم؟ فقالوا: من أهل ~~الكوفة، فقال: تسألوني عن هذا وأنتم قتلتم الحسين بن علي؟! # وروى عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما أتاك ~~من غير مسألة فخذه، وتموله" (1). # وروى أبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~معناه (2)، PageV03P311 # وفي حديث أحدهما: "إنما هو رزق رزقه الله"، وفي لفظ بعض الرواة: "فلا ترد ~~على الله رزقه". # وهذا كله عند أهل العلم مركب مبني على ما أجمعوا عليه، وهو الحق فيمن عرف ~~الشيء المحرم بعينه أنه لا يحل له (1). والله سبحانه وتعالى أعلم. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، وسلم تسليما. PageV03P312 ### | CHECK (19) جواب سؤال سائل سأل عن حرف "لو" # جواب سؤال سائل سأل عن # حرف "لو" PageV03P313 ### || CHECK - حرف "لو" من أدوات الشرط ### || CHECK - ما يروى عن عمر من قوله "نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه" # الحمد لله الذي علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان، وأشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له الباهر البرهان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~المبعوث إلى الإنس والجان، صلى الله عليه وآله وسلم تسليما يرضى به الرحمن. # سألت -وفقك الله- عن معنى حرف "لو"، وكيف يتخرج قول عمر رضي الله عنه: ~~"نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه" (1) على معناها المعروف؟ وذكرت ~~أن الناس يضطربون في ذلك، واقتضبت الجواب اقتضابا أوجب أن أكتب في ذلك ما ~~حضرني الساعة، مع بعد عهدي بما بلغني مما قاله الناس في ذلك، وإني ليس ~~يحضرني الساعة ما أراجعه في ذلك. فأقول، ms0484 والله الهادي النصير: # الجواب مرتب على مقدمات: # إحداها: أن حرف "لو" المسئول عنها من أدوات الشرط، وأن الشرط يقتضي ~~جملتين إحداهما شرط والأخرى جزاء وجواب، وربما سمي المجموع شرطا، وسمي أيضا ~~جزاء. ويقال لهذه الأدوات أدوات الشرط وأدوات الجزاء، والعلم بهذا كله ~~ضروري لمن كان له عقل وعلم بلغة العرب، والاستعمال على ذلك أكثر من أن ~~يحصر، PageV03P315 ### || CHECK - الذي يسميه النحاة شرطا هو في المعنى سبب لوجود الجزاء # كقوله تعالى: (ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم ~~وأقوم) (1)، (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم ~~الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64)) (2)، (ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا) (3)، (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) (4)، (لو ~~خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا) (5)، (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما ~~أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) (6). # الثانية: أن هذا الذي تسميه النحاة شرطا هو في المعنى سبب لوجود الجزاء، ~~وهو الذي تسميه الفقهاء علة ومقتضيا وموجبا ونحو ذلك، فالشرط اللفظي سبب ~~معنوي. فتفطن لهذا، فإنه موضع غلط فيه كثير ممن يتكلم في الأصول والفقه، ~~وذلك أن الشرط في عرف الفقهاء ومن يجري مجراهم من أهل الكلام والأصول ~~وغيرهم هو ما يتوقف تأثير السبب عليه بعد وجود المسبب، وعلامته أنه يلزم من ~~عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط. # ثم هو منقسم إلى ما عرف كونه شرطا بالشرع، كقولهم: الطهارة والاستقبال ~~واللباس شرط لصحة الصلاة، والعقل والبلوغ شرط لوجوب الصلاة، فإن وجوب ~~الصلاة على العبد يتوقف على العقل والبلوغ، كما تتوقف صحة الصلاة على ~~الطهارة والستارة واستقبال PageV03P316 ### || CHECK - تقسيم الشرط إلى قسمين ### ||| CHECK (ب) ما يعرف كونه شرطا بالعقل ### ||| CHECK (أ) ما عرف كونه شرطا بالشرع # القبلة، وإن كانت الطهارة والستارة أمورا خارجة عن حقيقة الصلاة. ولهذا ~~يفرقون بين الشرط والركن بأن الركن جزء من حقيقة العبادة أو العقد، كالركوع ~~والسجود، وكالإيجاب والقبول؛ وبأن الشرط خارج عنه، فإن الطهارة يلزم من ~~عدمها عدم صحة الصلاة، ولا ms0485 يلزم من وجودها وجود الصلاة. # وتختلف الشروط في الأحكام باختلافها، كما يقولون في باب الجمعة، منها ما ~~هو شرط للوجوب بنفسه، ومنها ما هو شرط للوجوب بغيره، ومنها ما هو شرط ~~للإجزاء دون الصحة، ومنها ما هو شرط للصحة. وكلام الفقهاء في الشروط كثير ~~جدا، لكن الفرق بين السبب والشرط وعدم المانع إنما يتم على قول من يجوز ~~تخصيص العلة منهم، وأما من لا يسمي علة إلا ما استلزم من الحكم ولزم من ~~وجودها وجوده على كل حال، فهؤلاء يجعلون الشرط وعدم المانع من جملة أجزاء العلة. # وإلى (1) ما يعرف كونه شرطا بالعقل وإن دل عليه دلائل أخرى، كقولهم: ~~الحياة شرط في العلم والإرادة والسمع والبصر والكلام، والعلم شرط في ~~الإرادة، ونحو ذلك، وكذلك جميع صفات الأجسام وطباعها لها شروط تعرف بالعقل ~~أو بالتجارب أو بغير ذلك. وقد تسمى هذه شروطا عقلية، والأول شروطا شرعية. # وقد يكون من هذه الشروط ما يعرف اشتراطه بالعرف، ومنه ما يعرف باللغة، ~~كما يعرف أن شرط المفعول وجود فاعل، وإن لم PageV03P317 ### || CHECK - عدم الشرط هل يدل على عدم المشروط؟ ### || CHECK - الشرط في اصطلاح آخر # يكن شرط الفاعل وجود مفعول، فيلزم من وجود المفعول المنصوب وجود فاعل، ~~ولا ينعكس. بل يلزم من وجود اسم منصوب أو مخفوض وجود مرفوع، ولا يلزم من ~~وجود المرفوع لا منصوب ولا مخفوض، إذ الاسم المرفوع -مظهرا أو مضمرا- لابد ~~منه في كل كلام عربي، سواء كانت الجملة اسمية أو فعلية. # فقد تبين أن لفظ الشرط في هذا الاصطلاح يدل عدمه. على عدم المشروط ما لم ~~يخلفه شرط آخر، ولا يدل ثبوته من حيث هو شرط على ثبوت المشروط. # وأما الشرط في الاصطلاح الذي يتكلم به في باب أدوات الشرط اللفظية -سواء ~~كان المتكلم [نحويا] أو فقيها وما يتبعه من متكلم وأصولي ونحو ذلك- فان ~~وجود الشرط يقتضي وجود المشروط الذي هو الجزاء والجواب، وعدم الشرط هل يدل ~~على عدم المشروط؟ مبني على أن عدم العلة هل يقتضي عدم المعلول؟ فيه خلاف ms0486 ~~وتفصيل قد أومئ إليه. # الخوف (1) لو فرض عدمه لكان مع هذا العدم لا يعصي الله، لأن ترك المعصية ~~له قد يكون لخوف الله، وقد يكون لأمر آخر: إما لنزاهة الطبع أو إجلال الله ~~أو الحياء منه أو لعدم المقتضي إليها، كما كان يقال عن سليمان التيمي: إنه ~~كان لا يحسن أن يعصي الله. فقد أخبرنا عنه أن عدم خوفه لو فرض موجودا لكان ~~مستلزما لعدم معصية الله، لأن هذا العدم يضاف إلى أمور أخرى: إما عدم مقتض ~~أو وجود مانع، مع أن هذا الخوف حاصل. PageV03P318 ### || CHECK - مناقشة قول النحاة أن جواب "لو" منتف أبدا ### || CHECK - منشأ الإشكال أخذ كلام بعض النحاة في هذا الحرف مسلما ### || CHECK - معنى الأثر المنقول # وهذا المعنى يفهمه من الكلام كل أحد صحيح الفطرة، لكن لما وقع في بعض ~~القواعد اللفظية والعقلية نوع توسع -إما في التعبير وإما في الفهم- اقتضى ~~ذلك خللا إذا بنى على تلك القواعد المحتاجة إلى تتميم، فإذا كان للإنسان ~~فهم صحيح رد الأشياء إلى أصولها، وقرر النظر على معقولها، وبين حكم تلك ~~القواعد وما وقع فيها من تجوز أو توسع، فإن الإحاطة في الحدود والضوابط غير ~~تحرير (1). # ومنشأ الإشكال أخذ كلام بعض النحاة مسلما أن المنفي بعد "لو" مثبت، ~~والمثبت بعدها منفي، أو أن جواب "لو" منتف أبدا، وجواب "لولا" ثابت أبدا، ~~وأن "لو" حرف يمتنع به الشيء لامتناع غيره، و"لولا" حرف يدل على امتناع ~~الشيء لوجود غيره مطلقا. فإن هذه العبارات إذا قرن بها "غالبا" كان الأمر ~~قريبا، وأما أن يدعى أن هذا مقتضى الحرف دائما فليس كذلك، بل الأمر كما ~~ذكرناه من أن "لو" حرف شرط تدل على انتفاء الشرط، فإن كان الشرط ثبوتيا فهي ~~"لو" محضة، وإن كان الشرط عدميا مثل "لولا" و"لو لم" دلت على انتفاء هذا ~~العدم بثبوت نقيضه، فيقتضي أن هذا الشرط العدمي مستلزم لجزائه، إن وجودا ~~وإن عدما، وأن العدم منتف. وإذا كان عدم شيء سببا في أمر فقد يكون وجوده ~~سببا في عدمه، وقد ms0487 يكون وجوده أيضا سببا في وجوده، بأن يكون الشيء لازما ~~لوجود الملزوم ولعدمه، والحكم ثابت مع العلة المعينة، ومع انتفائها لوجود ~~علة أخرى. # وإذا عرفت أن مفهومها اللازم لها إنما هو انتفاء الشرط، وأن PageV03P319 ### || CHECK - "لو" دالة على انتفاء الجزاء، وقد تدل على ثبوته ### || CHECK - التحقيق أن مفهومها اللازم إنما هو انتفاء الشرط، وأن فهم نفي الجزاء منها ليس أمرا لازما # فهم نفي الجزاء منها ليس أمرا لازما، وإنما يفهم باللزوم العقلي أو ~~العادة الغالبة، وعطفت على ما ذكرته من المقدمات زال الإشكال بالكلية. # وكان يمكننا أن نقول: إن حرف "لو" دالة على انتفاء الجزاء، وقد تدل ~~أحيانا على ثبوته: إما بالمجاز المقرون بقرينة أو بالاشتراك، لكن جعل اللفظ ~~حقيقة في القدر المشترك أقرب إلى القياس. مع أن هذا إن قاله قائل كان سائغا ~~في الجملة، فإن الناس ما زالوا يختلفون في كثير من معاني الحروف: هل هي ~~مقولة بالاشتراك أو بالتواطؤ أو بالحقيقة والمجاز، وإنما الذي يجب أن نعتقد ~~بطلانه ظن ظان ظن أن لا معنى ل "لو" إلا عدم الجزاء والشرط، فإن هذا ليس ~~بمستقيم البتة. والله سبحانه أعلم. PageV03P320 ### | CHECK (20) فصل في مؤاخذة ابن حزم في الإجماع # فصل # في مؤاخذة ابن حزم في الإجماع PageV03P321 ### || CHECK - شرط الإجماع عند ابن حزم ### || CHECK - كلام ابن حزم في مقدمة كتابه # هذا فصل فيما ذكره الحافظ تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية في الكلام ~~على الإجماعات، ومن جملتها الكلام على ما ذكره الشيخ الإمام أبو محمد ابن حزم. # قال أبو محمد ابن حزم في كتابه المصنف في مسائل الإجماع: أما بعد، فإن ~~الإجماع قاعدة من قواعد الملة الحنيفية، يرجع إليه ويفزع نحوه ويكفر من ~~خالفه إذا قامت عليه الحجة بأنه إجماع. وإنا أملنا بعون الله أن نجمع ~~المسائل التي صح فيها الإجماع، ونفردها من سائر المسائل التي وقع فيها ~~الخلاف بين العلماء. # إلى أن قال: وقد أدخل قوم في الإجماع ما ليس فيه، فقوم عدوا قول الأكثر ~~إجماعا، وقوم عدوا مالا ms0488 يعرفون فيه خلافا، وإن لم يقطعوا على أنه لا خلاف ~~فيه، فحكموا على أنه إجماع، وقوم عدوا قول الصاحب المشهور المنتشر إذا لم ~~يعلموا له من الصحابة مخالفا إجماعا، وقوم عدوا اتفاق العصر الثاني على أحد ~~القولين أو أكثر كانت للعصر الأول قبله إجماعا. # قال: وكل هذه الآراء فاسدة. ويكفي من فسادها أنهم يتركون في كثير من ~~مسائلهم ما ذكروا أنه إجماع. وإنما نحوا في تسمية ما وصفنا إجماعا عنادا ~~منهم وشغبا عند اضطرار الحجة والبراهين لهم إلى ترك اختياراتهم الفاسدة. # قال: وأيضا فإنهم لا يكفرون من خالفهم في هذه المعاني، ومن شرط الإجماع ~~الصحيح أن يكفر من خالفه بلا اختلاف من أحد من المسلمين في ذلك، فلو كان ما ~~ذكروه إجماعا لكفر مخالفوهم، بل PageV03P323 ### || CHECK - تعليق المؤلف عليه # لكفروهم لأنهم يخالفونها كثيرا. # قلت: أهل العلم والدين لا يعاندون، ولكن قد يعتقد أحدهم إجماعا ما ليس ~~بإجماع، لكون الخلاف لم يبلغه، وقد يكون هناك إجماع لم يعلمه. فهم في ~~الاستدلال بذلك كما هم في الاستدلال بالنصوص، تارة يكون هناك نص لم يبلغ ~~أحدهم، وتارة يعتقد أحدهم وجود نص ويكون ضعيفا أو منسوخا. # وأيضا فما وصفهم هو به قد اتصف هو به، فإنه يترك في بعض مسائله ما قد ذكر ~~في هذا الكتاب أنه إجماع. # وكذلك ما ألزمهم إياه من تكفير المخالف غير لازم، فإن كثيرا من العلماء ~~لا يكفرون مخالف الإجماع، وقوله "إن مخالف الإجماع يكفر بلا اختلاف من أحد ~~من المسلمين" هو من هذا الباب. فلعله لم يبلغه الخلاف في ذلك، مع أن الخلاف ~~في ذلك مشهور مذكور في كتب متعددة. والنظام نفسه المخالف في كون الإجماع ~~حجة لا يكفره ابن حزم والناس أيضا. فمن كفر مخالف الإجماع إنما يكفره إذا ~~بلغه الإجماع المعلوم، وكثير من الإجماعات لم تبلغ كثيرا من الناس. وكثير ~~من موارد النزاع بين المتأخرين يدعي أحدهما الإجماع في ذلك، إما أنه ظني ~~ليس بقطعي، وإما أنه لم يبلغ الآخر، وإما لاعتقاده انتفاء شروط الإجماع. # وأيضا ms0489 فقد تنازع الناس في كثير من الأنواع هل هي إجماع يحتج به؟ كالإجماع ~~الإقراري، وإجماع الخلفاء الأربعة، وإجماع العصر الثاني على أحد القولين ~~للعصر الأول، والإجماع الذي خالف فيه بعض أهله قبل انقراض عصرهم، فإنه مبني ~~على انقراض العصر، بل PageV03P324 ### || CHECK - صفة الإجماع عند ابن حزم # هو شرط في الإجماع، وغير ذلك. فتنازعهم في بعض الأنواع هل هو من الإجماع ~~الذي يجب اتباعهم فيه، كتنازعهم في بعض أنواع الخطاب هل هو مما يحتج به، ~~كالعموم المخصوص ودليل الخطاب والقياس وغير ذلك. فهذا ونحوه مما يتبين به ~~بعض أعذار العلماء. # قال أبو محمد ابن حزم: وقوم قالوا: الإجماع هو إجماع الصحابة فقط، وقال ~~قوم: إجماع كل عصر إجماع صحيح إذا لم يتقدم قبله في تلك المسألة خلاف. وهذا ~~هو الصحيح لإجماع العلماء عند التفصيل عليه، واحتجاجهم به، وترك ما أصلوه له. # إلى أن قال: وصفة الإجماع ما تيقن أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء ~~الإسلام، ونعلم ذلك من حيث علمنا الأخبار التي لا يتخالج فيها شك، مثل أن ~~المسلمين خرجوا من الحجاز إلى اليمن، ففتحوا العراق وخراسان ومصر والشام، ~~وأن بني أمية ملكوا دهرا، ثم ملك بنو العباس، وأنه كانت وقعة صفين والحرة، ~~وسائر ذلك مما يعلم بيقين وضرورة. # وقال: إنما ندخل في هذا الكتاب الإجماع التام الذي لا مخالف فيه البتة، ~~الذي يعلم كما يعلم أن صلاة الصبح في الأمن والخوف ركعتان، وأن شهر رمضان ~~هو الذي بين شوال وشعبان، وأن هذا الذي في المصاحف هو الذي أتى به محمد صلى ~~الله تعالى عليه وسلم وأخبر أنه وحي من الله إليه، وأن في خمس من الإبل ~~شاة، ونحو ذلك. وهي ضرورة تقع في نفس الباحث عن الخبر المشرف على وجوه ~~نقله، إذا تتبعها المرء في نفسه في كل ما جربه من أحوال دنياه وجده ثابتا ~~مستقرا في نفسه. PageV03P325 ### || CHECK - أمثلة كثيرة على ذلك وتعقبات المؤلف على ابن حزم فيها ### || CHECK - تعليق المؤلف عليه وبيان أن كثيرا من الإجماعات ms0490 التي حكاها ليست قريبا من هذا الوصف، وفيها ما فيه خلاف معروف # وقال أيضا في آخر كتابه -كتاب الإجماع هذا-: كل ما كتبنا فهو يقين لاشك ~~فيه، متيقن لا يحل لأحد خلافه البتة. # قلت: فقد اشترط في الإجماع ما يشترطه كثير من أهل الكلام والفقه كما ~~تقدم، وهو العلم بنفي الخلاف، وأن يكون العلم بالإجماع متواترا. وجعل العلم ~~بالإجماع من العلوم الضرورية كالعلم بعلوم الأخبار المتواترة عند الأكثرين. ~~ومعلوم أن كثيرا من الإجماعات التي حكاها ليست قريبا من هذا الوصف، فضلا عن ~~أن تكون منه، فكيف وفيها ما فيه خلاف معروف، وفيها ما هو نفسه ينكر الإجماع ~~فيه ويختار خلافه من غير ظهور مخالف! # وقد قال: إنما نعني بقولنا "العلماء" من حفظ عنه الفتيا. # وقال: وأجمعوا أنه لا يجوز التوضؤ بشيء من المائعات وغيرها حاشا الماء ~~والنبيذ. # قلت: وقد ذكر العلماء عن ابن أبي ليلى -وهو من أجل من يحكي ابن حزم قوله- ~~أنه يجزئ الوضوء بالمعتصر كماء الورد ونحوه، كما ذكروا ذلك عن الأصم، لكن ~~الأصم ليس ممن يعده ابن حزم في الإجماع. # وقال: وأما الماء الجاري فاتفقوا على جواز استعماله ما لم تظهر فيه نجاسة. # قلت: الشافعي في الجديد من قوليه وأحد القولين في مذهب أحمد أن الجاري ~~كالراكد في اعتبار القلتين، فينجس ما دون القلتين بوقوع النجاسة فيه وإن لم ~~تظهر فيه. PageV03P326 # وقال: واتفقوا على أن غسل الذراعين إلى منتهى المرفقين فرض في الوضوء. # قلت: وزفر يخالف في وجوب غسل المرفقين. وحكي ذلك عن داود وبعض المالكية، ~~اللهم إلا أن يعني بمنتهى المرفقين منتهاهما من جهة الكف. # قال: واتفقوا على أن الاستنجاء بالحجارة وبكل طاهر ما لم يكن طعاما أو ~~رجيعا أو نجسا أو جلدا أو عظما أو فحما أو حممة جائز. قلت: في جواز ~~الاستجمار بغير الأحجار قولان معروفان هما روايتان عن أحمد، إحداهما لا ~~يجزئ إلا بالحجر، وهي اختيار أبي بكر ابن المنذر وأبي بكر عبد العزيز. # قال: واتفقوا على أن كل إناء لم يكن فضة ms0491 ولا ذهبا ولا صفرا ولا رصاصا ولا ~~نحاسا ولا مغصوبا ولا إناء كتابي ولا جلد ميتة ولا جلد مالا يؤكل لحمه وإن ~~ذكي، فإن الوضوء منه والأكل والشرب جائز كل ذلك. # قلت: الآنية الثمينة التي تكون أغلى من الذهب والفضة كالياقوت ونحوه، ~~فيها قولان للشافعي، وفي مذهب مالك قولان. # قال: وأجمعوا أن الحائض وإن رأت الطهر ما لم تغسل فرجها أو تتوضأ فوطؤها حرام. # قلت: أبو حنيفة يقول: إذا انقطع دمها لأكثر الحيض أو مر عليها وقت صلاة ~~جاز وطؤها، وإن لم تغتسل ولم تتوضأ ولم تغسل فرجها. # قال: واتفقوا أن الصلاة لا تسقط ولا يحل تأخيرها عمدا عن PageV03P327 # وقتها عن العاقل البالغ بعذر أصلا، وأنها تؤدى على قدر طاقة المرء من ~~جلوس واضطجاع، بإيماء وكيف أمكنه. # قلت: النزاع معروف في صور، منها حال المسايفة، فأبو حنيفة يوجب التأخير، ~~وأحمد في إحدى الروايتين يجوزه. ومنها المحبوس في مصر. ومنها عادم الماء ~~والتراب، فمذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب مالك أنه لا يصلي، رواه معن ~~عن مالك، وهو قول أصبغ، وحكي ذلك قولا للشافعي ورواية عن أحمد. وهؤلاء في ~~الإعادة لهم قولان هما روايتان في مذهب مالك وأحمد، والقضاء قول أبي حنيفة. # قال: واتفقوا على أن المرأة لا تؤم الرجال وهم يعلمون أنها امرأة، فإن ~~فعلوا فصلاتهم فاسدة لا بالإجماع. قال: وروي عن أشهب أن من ائتم بامرأة وهو ~~لا يدري حتى خرج الوقت ثم علم، فصلاته تامة، وكذا من ائتم بكافر وهو لا ~~يعلم أنه كافر. # قلت: ائتمام الرجال الأميين بالمرأة القارئة في قيام رمضان يجوز في ~~المشهور عن أحمد، وفي سائر التطوع روايتان. # قال: واتفقوا على أن وضع الرأس في الأرض والرجلين في السجود فرض. # قلت: المنقول عن أبي حنيفة أنه لا يجب السجود إلا على الوجه، وهو قول ~~الشافعي ورواية عن أحمد. ويقتضي هذا أنه لو سجد على يديه ووجهه وركبتيه أجزأه. # قال: واتفقوا على أن الفكرة في أمور الدنيا لا تفسد الصلاة. PageV03P328 # قلت: إذا كانت هي ms0492 الأغلب ففيها نزاع معروف، والبطلان اختيار أبي عبد الله ~~بن حامد وأبي حامد الغزالي. # قال: واتفقوا على جواز الصلاة في كل مكان، ما لم يكن جوف الكعبة أو الحجر ~~أو ظهر الكعبة أو معاطن الإبل، أو مكانا فيه نجاسة، أو حماما أو مقبرة أو ~~إلى قبر أو عليه، أو مكانا مغصوبا يقدر على مفارقته، أو مكانا يستهزأ فيه ~~بالإسلام، أو مسجد الضرار، أو بلاد ثمود لمن لم يدخلها باكيا. # قلت: الصلاة في المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق لا تصح في المشهور عند ~~كثير من أصحاب أحمد بل أكثرهم. والصلاة في الحش كذلك عند جمهورهم، وإن صلى ~~في مكان طاهر منه. # قال: واتفقوا أن صلاة العيدين وكسوف الشمس وقيام ليالي رمضان ليست فرضا، ~~وكذلك التهجد على غير النبي - صلى الله عليه وسلم -. # قلت: العيدان فرض على الكفاية في ظاهر مذهب أحمد، وحكي عن أبي حنيفة ~~أنهما واجبان على الأعيان. وعن عبيدة السلماني أن قيام الليل واجب كحلب ~~شاة، وهو قول في مذهب أحمد. # قال: واتفقوا أن كل صلاة ما عدا الصلوات الخمس وعلى الجنائز والوتر وما ~~نذره المرء ليست فرضا. # قلت: في وجوب ركعتي الطواف نزاع معروف، وقد ذكر في وجوب المعادة مع إمام ~~الحي وركعتي الفجر والكسوف. # قال: واتفقوا أن من أسقط الجلسة الوسطى من صلاة الظهر والعصر والمغرب ~~والعتمة ساهيا، أن عليه سجدتي السهو. PageV03P329 # قلت: الشافعي لا يوجب سجود السهو. # قال: واتفقوا أن في كل مائتي درهم خمسة دراهم، ما لم يكن حلي امرأة أو ~~حلية سيف أو منطقة أو مصحفا أو خاتما. # قلت: النزاع في كل حلي مباح أو حلي الخوذة والران، وحمائل السيف كالمنطقة ~~في مذهب أحمد وغيره. والذهب اليسير المتصل بالثوب كالطراز الذي لا يتجاوز ~~أربعة أصابع مباح في إحدى الروايتين عنه، وحلية السلاح كله كحلية السيف في ~~إحدى الروايتين عنه. # وللعلماء نزاع في غير ذلك من الحلية. # قال: واتفقوا على أن وقت الوقوف ليس قبل الظهر في التاسع من ذي الحجة. # قلت: أحد القولين -بل أشهرهما- في ms0493 مذهب أحمد أنه يجزئ الوقوف قبل الزوال ~~وإن أفاض قبل الزوال، لكن عليه دم، كما لو أفاض قبل الغروب. # وقال بعد أن ذكر من محظورات الإحرام اللباس والطيب والتغطية: واتفقوا أنه ~~من فعل من كل ما ذكرنا أنه يجتنبه في إحرامه شيئا عامدا أو ناسيا أنه لا ~~يبطل حجه ولا إحرامه. واتفقوا أن من جادل في الحج فإن حجه لا يبطل ولا ~~إحرامه. واختلفوا فيمن قتل صيدا متعمدا، فقال مجاهد: بطل حجه وعليه الهدي. # قلت: وقد اختار في كتابه (1) ضد هذا، وأنكر على من ادعى هذا الإجماع الذي ~~حكاه هنا، فقال: الجدال بالباطل وفي الباطل عمدا PageV03P330 # ذاكرا لإحرامه مبطل لإحرامه والحج، بقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج) (1). وقال: كل نسوق تعمده المحرم ذاكرا فقد أبطل إحرامه وحجه ~~وعمرته، لقوله تعالى:: (فلا رفث ولا فسوق). # قال: ومن عجائب الدنيا أن الآية وردت كما تلونا، فأبطلوا الحج بالرفث ولم ~~يبطلوه بالفسوق. وقال: كل من تعمد معصية أي معصية كانت، وهو ذاكر لحجه منذ ~~يحرم إلى أن يتم طوافه بالبيت للإفاضة ورمي جمرة العقبة، فقد بطل حجه. قال: ~~وأعجب شيء دعواهم الإجماع على هذا. # قلت: الإجماع فيه أظهر منه في كثير مما ذكره في كتابه. # قال: واتفقوا أن كل صدقة واجبة في الحج أو إطعام، أنه إن أداه بمكة ~~أجزأه، واختلفوا فيمن أدى ذلك في غير مكة، حاشا جزاء الصيد، فإنهم اتفقوا ~~أنه لا يجزئ إلا بمكة. # قلت: مذهب أبي حنيفة ومالك أنه يجزئ الإطعام في جزاء الصيد في غير مكة. ~~وكذلك عندهما تفرقة اللحم تجزئ في غير الحرم، وإنما الواجب في الحرم عندهما ~~إراقة الدم، بخلاف الشافعي وأحمد ومن وافقهما، فإنهم أوجبوا ذبحه في الحرم، ~~وأوجبوا تفرقته في الحرم. وكذلك الصدقة تقوم مقام ذلك. # قال: واتفقوا أن من يوم النحر -وهو العاشر من ذي الحجة- إلى انسلاخ ذي ~~الحجة وقت لطواف الإفاضة ولما بقي من سنن الحج. قلت: إن أخره عن أيام منى ~~جاز في مذهب الشافعي وأحمد PageV03P331 # والليث ms0494 والأوزاعي وأبي يوسف وغيرهم، وهكذا نقل عن مالك. # وقال أبو حنيفة وزفر والثوري في رواية: إن أخره إلى ثالث أيام التشريق ~~لزمه دم -وهو قول مخرج في مذهب أحمد- وإن أخره إلى المحرم فلا شيء عليه إلا ~~عند مالك، فإنه عليه دم. ولفظ المدونة: إذا جاوز أيام منى وتطاول ذلك لزمه، ~~ولم يوقت فيه. وأما رمي الجمار فلا يجوز بعد أيام التشريق، لا نزاع نعلمه، ~~بل على من تركها دم، ولا يجزئ رميها بعد ذلك. # قال: واتفقوا على أن إيجاب الهدي فرض على المحصر. # قلت: قد نقل غير واحد عن مالك أنه لا يجب الهدي على المحصر، وهو المشهور ~~من مذهب مالك. # قال: واتفقوا على أن من حلف لخصمه دون أن يحلفه حاكم أو من حكماه على ~~أنفسهما، أنه لا يبرأ بتلك اليمين من الطلب. # قلت: قد نص أحمد على أنه إذا رضي بيمين خصمه فحلف له، لم يكن له مطالبته ~~باليمين بعد ذلك. # قال: وأجمعوا على أن كل من لزمه حق في ماله أو ذمته لأحد، فرض عليه أداء ~~الحق إلى من هو له عليه، إذا أمكنه ذلك وبقي له بعد ذلك ما يعيش به أياما ~~هو ومن تلزمه نفقته. # قلت: مذهب أحمد أنه يترك له من ماله ما تدعو إليه الحاجة من مسكن وخادم ~~وثياب، وكذلك قال إسحاق. وظاهر مذهب أحمد أيضا أنه إذا لم تكن له صنعة يترك ~~له ما يتجر به لقوته وقوت عياله، وإن كان ذا حرفة ترك له آلة حرفته. وقد ~~نقل عنه عبد الله ابنه أنه قال: يباع عليه كل شيء إلا المسكن وما يواريه من ~~ثيابه والخادم، إن كان PageV03P332 # شيخا كبيرا أو زمنا وبه حاجة إليه. فلم يستثن ما يكتسب به لقول الأكثرين. # قال: وأجمعوا أن المملوكة لا يجبر سيدها على إنكاحها، ولا على أن يطأها ~~وإن طلبت هي ذلك، ولا على بيعها من أجل منعه لها الوطء والإنكاح. # قلت: مذهب أحمد المنصوص المعروف من مذهبه أن الأمة إذا طلبت الإنكاح فإن ~~سيدها ms0495 يستمتع بها، وإلا لزمه إجابتها، وكذلك إذا كانت ممن لا تحل له، وكذلك ~~مذهبه في العبد. ومذهب الشافعي -إذا كانت ممن لا تحل له فهل يلزمه إجابتها- ~~على وجهين. # قال: واتفقوا أن التعريض للمرأة وهي في العدة حلال، إذا كانت العدة في ~~غير رجعية أو كانت من وفاة. # قلت: في المعتدة البائنة بالثلاث أو بما دون الثلاث كالمختلعة ثلاثة أوجه ~~في مذهب أحمد، وقولان للشافعي، أحدها: يجوز التعريض بخطبتها، وهو قول مالك ~~وأحد قولي الشافعي. والثاني: لا يجوز، والثالث: يجوز في المعتدة بالثلاث، ~~لأنها محرمة على زوجها، وكذلك كل محرمة، ولا يجوز في المعتدة بما دون ذلك، ~~لإمكان عودها إليه، وهو أحد قولي الشافعي. # قال: واتفقوا أن الطلاق إلى أجل أو بصفة واقع إن وافق وقت طلاق، ثم ~~اختلفوا في وقت وقوعه، فمن قائل الآن، ومن قائل هو إلى أجله. واتفقوا أنه ~~إذا كان ذلك الأجل في وقت طلاق أن الطلاق قد وقع. # قال: واختلفوا في الطلاق إذا خرج مخرج اليمين أيلزم أم لا؟ PageV03P333 # قال: واتفقوا على أن ألفاظ الطلاق: "طلاق" وما تصرف من هجائه مما يفهم ~~معناه، والبائن والبتة والخلية والبرية، وأنه إن نوى بشيء من هذه الألفاظ ~~طلقة واحدة سنية لزمته كما قدمنا. # قال: ولا نعلم خلافا في أن من طلق ولم يشهد أن الطلاق لازم، ولكنا لسنا ~~نقطع على أنه إجماع. # قلت: فقد ذكر فيما إذا كان قصده الحلف بالطلاق أيلزم أم لا؟ قولين (1)، ~~وذكر أن المؤجل والمعلق بصفة -يعني إذا لم يكن في معنى اليمين- أنه يقع ~~بالاتفاق. # وقد اختار في كتابه الكبير في الفقه "شرح المجلى" (2) خلاف هذا، وأنكر ~~على من ادعى الإجماع في ذلك. وكذلك اختار (3) أن الطلاق بالكناية لا يقع، ~~ولا يقع إلا بلفظ الطلاق. وهذان قول الرافضة، وكذلك قولهم: إن الطلاق لا ~~يقع إلا بالإشهاد. وقد أنكر في كتابه من ادعى إجماعا في هذا وهذا وهذا، كما ~~هو عادته في أمثال ذلك، مع أنه قد ذكر هنا فيه الإجماع الذي اشترط فيه ~~الشروط المتقدمة. ms0496 ومعلوم أن الإجماع على هذا من أظهر ما يدعى فيه الإجماع، ~~لكن هو في غير موضع يخالف ما هو إجماع عند عامة العلماء، وينكر أنه إجماع، ~~كدعواه وجوب الضجعة بعد ركعتي الفجر، وبطلان صلاة من لم يركعهما (4)، ~~ودعواه وجوب الدعاء في التشهد PageV03P334 # الأول (1) بقوله "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن ~~فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" (2). # ونحو ذلك مما يعلم فيه الإجماع أظهر مما يعلم في أكثر ما حكاه. بل إذا ~~قال القائل: إن الأمة أجمعت أن الدعاء لا يشرع في التشهد الأول، كان هذا من ~~الإجماعات المقبولة، فضلا عن أن يقول أحد: إن هذا الدعاء واجب فيه، وإن ~~صلاة من لم يدع فيه باطلة. وإنما النزاع في وجوبه في التشهد الذي يسلم فيه، ~~وكان طاووس يأمر من لم يدع بالإعادة، وذكر ذلك وجه في مذهب أحمد. # قال: واتفقوا أن عدة الحرة المسلمة المطلقة التي ليست حاملا ولا مستريبة، ~~وهي لم تحض أو لا تحيض، إلا أن البلوغ متوهم منها= ثلاثة أشهر متصلة. # قلت: من بلغت من سن المحيض ولم تحض، ففيها عن أحمد روايتان، أشهرهما عند ~~أصحابه أنها تعتد عدة المستريبة تسعة أشهر، ثم ثلاثة أشهر، كالتي ارتفع ~~حيضها لا تدري ما رفعه. # قال: واتفقوا على أن استقراض ما عدا الحيوان جائز، واختلفوا في جواز ~~استقراض الرقيق والجواري والحيوان. # قلت: الاتفاق إنما هو في قرض المثليات المكيل والموزون، وأما ما سوى ذلك ~~فأبو حنيفة لا يجوز قرضه، لأن موجب القرض المثل، ولا مثل له عنده، فالنزاع ~~فيه كالنزاع في الحيوان. PageV03P335 # قال: واتفقوا أن الوصية بالمعاصي لا تجوز، وأن الوصية بالبر وبما ليس ببر ~~ولا معصية ولا تضييعا للمال جائزة. # قلت: الوصية بما ليس ببر ولا معصية، والوقف على ذلك، فيه قولان في مذهب ~~أحمد وغيره، والصحيح أن ذلك لا يصح، فإن الإنسان لا ينتفع ببذل المال بعد ~~الموت إلا أن يصرفه إلى طاعة الله، وإلا فبذله بما ليس بطاعة ولا معصية لا ~~ينفعه ms0497 بعد الموت، بخلاف صرفه في الحياة في المباحات كالأكل والشرب واللباس، ~~فإنه ينتفع بذلك. # وقال في الجزية: واتفقوا على أنه إن أعطى -يعني من يقبل منه الجزية عن ~~نفسه وحدها- أربعة مثاقيل ذهب في كل عام، على أن يلتزموا ما ذكره من شروط ~~الذمة، فقد حرم دم من وفى بذلك وماله وأهله وظلمه. # قلت: للعلماء في الجزية هل هي مقدرة بالشرع أو باجتهاد الإمام أن يزيد ~~على أربعة دنانير؟ [قولان]، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، وهي مذهب عطاء ~~والثوري ومحمد بن الحسن وأبي عبيد وغيرهم. # قال: واتفقوا أنه لا ينفل من ساق مغنما أكثر من ربعه في الدخول، ولا أكثر ~~من ثلثه في الخروج. # قلت: في جواز تنفيل ما زاد على ذلك إذا اشترطه الإمام، مثل أن يقول: من ~~فعل كذا فله نصف ما يغنم، قولان هما روايتان عن أحمد. وأما تنفيل الزيادة ~~بلا شرط فلا أعلم فيه نزاعا، ويمكن أن يحمل كلام أبي محمد ابن حزم على هذا، ~~فلا يكون فيما ذكره نزاع. # قال: واتفقوا أن الحر البالغ العاقل الذي ليس بسكران، إذا أمن PageV03P336 # أهل الكتاب الحربيين على أداء الجزية على الشروط التي قدمنا أو على ~~الجلاء، أو أمن سائر الكفار على الجلاء بأنفسهم وعيالهم وذراريهم، وترك ~~بلادهم، واللحاق بأرض حرب أخرى، لا بأرض ذمة ولا بأرض إسلام، أن ذلك لازم ~~لأمير المؤمنين ولجميع المسلمين حيث كانوا. # قلت: ظاهر مذهب الشافعي أنه لا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه. ~~وهذا هو المشهور عند أصحاب أحمد، وفيه وجه في المذهبين أنها تصح من كل مسلم ~~كما ذكره ابن حزم. # قال: واتفقوا أن أولاد أهل الجزية ومن تناسل منهم، فإن الحكم الذي عقده ~~أجدادهم -وإن بعدوا- جار على هؤلاء لا يحتاج إلى تجديده مع من حدث منهم. # قلت: هذا هو قول الجمهور، ولأصحاب الشافعي وجهان: أحدهما يستأنف له ~~العقد، وهذا منصوص الشافعي، والثاني لا يحتاج إلى استئناف عقد، كقول ~~الجمهور. # قال: واتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في ms0498 وقت واحد في جميع ~~الدنيا إمامان، لا متفقان ولا مفترقان، لا في مكانين ولا في مكان واحد. # قلت: النزاع في ذلك معروف بين المتكلمين في هذه المسألة، كأهل الكلام ~~والنظر، فمذهب الكرامية وغيرهم جواز ذلك، وأن عليا كان إماما ومعاوية كان ~~إماما. وأما أئمة الفقهاء فمذهبهم أن كلا منهما ينفذ حكمه في أهل ولايته ~~كما ينفذ حكم الإمام الواحد. وأما جواز العقد لهما ابتداء فهذا لا يفعل مع ~~اتفاق الأمة، وأما مع تفرقتها فلم يعقد كل من الطائفتين لإمامين، ولكن كل ~~طائفة إما أن تسالم PageV03P337 # الأخرى، وإما أن تحاربها، والمسالمة خير من محاربة يزيد ضررها على ضرر ~~المسألة. وهذا مما تختلف فيه الآراء والأهواء. # قال: واتفقوا أنه إذا كان الإمام من ولد علي، وكان عدلا، ولم يتقدم بيعته ~~بيعة أخرى لإنسان حي، وقام عليه من دونه، أن قتال الآخر واجب. # قلت: ليس للأئمة في هذه بعينها كلام ينقل عنهم، ولا وقع هذا في الإسلام، ~~إلا أن يكون في قصة علي ومعاوية. ومعلوم أن أكثر علماء الصحابة لم يروا ~~القتال مع واحد منهما، وهو قول جمهور أهل السنة والحديث، وجمهور أهل ~~المدينة والبصرة، وكثير من أهل الشام ومصر والكوفة وغيرهم من السلف والخلف. # وقد قال: إنما أدخلنا هذا الاتفاق على جوازه لخلاف الزيدية، هل تجوز ~~إمامة غير علوي أم لا؟ وإن كنا مخطئين لهم في ذلك ومعتقدين صحة بطلان هذا ~~القول، وأن الإمامة لا تتعدى فهر بن مالك، وأنها جائزة في جميع أفخاذهم، ~~ولكن لم يكن بذ في صفة الإجماع الجاري عند الكل مما ذكرنا. # قلت: قد ذكر هو أنه لا يذكر إلا خلاف أهل الفقه والحديث دون المعتزلة ~~والخوارج والرافضة ونحوهم. فلا معنى لإدخال الزيدية في الخلاف وفتح هذا ~~الباب، فقد ذكر في كتابه "الملل والنحل" (1) نزاعا في ذلك، وأن طائفة ادعت ~~النص على العباس، وطائفة ادعت النص على عمر. # قال: واتفقوا أن من خالف الإجماع المتيقن بعد علمه بأنه إجماع فإنه كافر. PageV03P338 ### || CHECK - مسألة في السمن إذا وقع فيه ms0499 فأر فمات وهو مائع # قلت: في ذلك نزاع مشهور بين الفقهاء. # قال: واتفقوا أن السمن إذا وقع فيه فأر أو فأرة، فمات أو ماتت وهو مائع، ~~أنه لا يؤكل. # قلت: هذا فيه نزاع معروف، فمذهب طائفة أنه يلقى ما قرب منها ويؤكل، سواء ~~كان جامدا أو مائعا. قال البخاري في صحيحه (1): باب إذا وقعت الفأرة في ~~السمن الجامد أو الذائب. حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا الزهري أخبرني ~~عبيد الله بن [عبد الله بن] عتبة أنه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة أن فأرة ~~وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها فقال: "ألقوها ~~وما حولها، وكلوه". قيل لسفيان: فإن معمرا يحدثه عن الزهري عن سعيد بن ~~المسيب عن أبي هريرة، قال: سمعت الزهري يقوله عن عبيد الله عن ابن عباس عن ~~ميمونة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولقد سمعته منه مرارا. # حدثنا عبدان (2) حدثنا عبد الله -يعني ابن المبارك- عن يونس عن الزهري: ~~عن الدابة تموت في الزيت والسمن وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها. ~~قال: بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بفأرة ماتت في سمن، ~~فأمر بما قرب فطرح، ثم أكل. عن حديث عبيد الله بن عبد الله. ثم رواه من ~~طريق مالك كما رواه من طريق ابن عيينة. # وهذا الحديث رواه عن الزهري كما رواه ابن عيينة بسنده ولفظه. # وأما معمر فاضطرب فيه في سنده ولفظه، فرواه تارة عن ابن المسيب عن أبي ~~هريرة، وقال فيه: "إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن PageV03P339 # كان مائعا فلا تقربوه". وقيل عنه: "وإن كان مائعا فاستصحبوا به". واضطرب ~~عن معمر فيه. # وظن طائفة من العلماء أن حديث معمر محفوظ، فعملوا به، وممن ثبته محمد بن ~~يحيى الذهلي فيما جمعه من حديث الزهري. # وأما البخاري والترمذي وغيرهما فعللوا حديث معمر وبينوا غلطه، والصواب ~~معهم (1). فذكر البخاري هنا عن ابن عيينة أنه قال: سمعته من الزهري مرارا ~~لا يرويه إلا عن عبيد الله بن عبد ms0500 الله، وليس في لفظه إلا قوله "ألقوها وما ~~حولها وكلوا"، وكذلك رواه مالك وغيره. وذكر من حديث يونس أن الزهري سئل عن ~~الدابة تموت في السمن الجامد وغير الجامد، فأفتى بأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح. فهذه فتيا الزهري في ~~الجامد وغير الجامد، فكيف يكون قد روى في هذا الحديث استواء حكم النوعين ~~بالحديث، ورواه بالمعنى فقال: "وأمر أن يطرح وما قرب منها"؟. # وروى صالح بن أحمد في "مسائله" (2) عن أحمد قال: حدثنا أبي حدثنا إسماعيل ~~حدثنا عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة أن ابن عباس سئل عن فارة ماتت في سمن، ~~قال: تؤخذ الفأرة وما حولها. # قلت: يا مولاي! فإن أثرها كان في السمن كله، قال: عضضت بهن أبيك! إنما ~~كان أثرها في السمن وهي حية، وإنما ماتت حيث وجدت. # ثم قال: حدثنا أبي حدثنا وكيع حدثنا عن النضر بن عربي عن عكرمة قال: جاء ~~رجل إلى ابن عباس، فسأله عن جر فيه زيت وقع PageV03P340 # فيه جرو، فقال: خذه وما حوله، فالقه وكله. # وروي نحو ذلك عن ابن مسعود -وهو إحدى الروايتين عن أحمد وإحدى الروايتين ~~عن مالك- أن الكثير من الطعام والشراب المائع لا ينجسه يسير النجاسة، بل هو ~~كالماء. # قال أبو محمد: واختلفوا في بيعه والانتفاع به، واختلفوا في المائعات وفي ~~السمن الجامد وفي كل شيء جامد. # قال: واتفقوا أن من نذر معصية فإنه لا يجوز له الوفاء بها. # واختلفوا أيلزمه لذلك كفارة أم لا؟ واختلفوا في النذر المطلق الذي ليس ~~معلقا بصفة، وفي النذر الخارج مخرج اليمين، أيلزم أم لا؟ وأفيه كفارة أم لا؟ # قال: واتفقوا أن من نذر مالا طاعة فيه ولا معصية أنه لا شيء عليه. # قلت: بل النزاع في نذر المباح هل يلزم فيه كفارة إذا تركه كالنزاع في نذر ~~المعصية وأوكد، وظاهر مذهب أحمد لزوم الكفارة في الجميع، وكذلك مذهب أكثر ~~السلف، وهو قول أبي حنيفة وغيره، لكن قيل عنه إذا قصد بالنذر ms0501 اليمين. # قال: واتفقوا أن إزالة المرء عن نفسه ظلما -بأن يظلم من لم يظلمه قاصدا ~~إلى ذلك- لا يحل، وذلك مثل أن يحل عدو المسلمين بساحة قوم فيقول؟ أعطوني ~~مال فلان، أو أعطوني فلانا، وهو لا حق له عنده بحكم دين الإسلام. أو قال: ~~أعطوني امرأة أو أمة فلان، أو افعلوا كذا لبعض ما لا يحل في دين الإسلام، ~~فإنه لا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه لا يجاب إلى ذلك، وإن كان في منعه ~~اصطلام الجميع. PageV03P341 ### || CHECK - لم يكن قصد المؤلف تتبع ما ذكره من الإجماعات التي عرف انتقاضها فإنها كثيرة # قلت: دعوى الإجماع في مثل هذا الأمر العام الذي يتناول أنواعا كثيرة ليس ~~مستنده نقلا في هذا عن أهل الإجماع، ولكن هو بحسب ما يعتقده الناقل في أن ~~مثل هذا ظلم محرم لا يبيحه عالم. وفي بعض ما يدخل في هذا نزاع وتفصيل. كما ~~لو تترس الكفار بأسرى المسلمين وخيف على جيش المسلمين إن لم يرموا، فإنه ~~يجوز أن يرموا بقصد الكفار، وإن أفضى إلى قتل هؤلاء المعصومين، لأن فساد ~~ذلك دون فساد استيلاء الكفار على جيش المسلمين. وهذا مذهب الفقهاء ~~المشهورين، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. ولو لو يخش على جيش المسلمين ~~ففي جواز الرمي قولان لهم: أحدهما يجوز، كقول أبي حنيفة وبعض أصحاب ~~الشافعي؟ والثاني لا يجوز، كالمعروف من مذهب أحمد والشافعي. وكذلك لو أكره ~~رجل رجلا على إتلاف مال غيره، وإن لم يتلفه قتله، جاز له إتلافه بشرط ~~الضمان. والعدو المحاصر إذا طلب مال شخص، وإن لم يدفعوه اصطلمهم العدو، ~~فإنهم يدفعون ذلك المال، ويضمنونه لصاحبه. وأمثال ذلك كثيرة. # وقد ذكر -رحمه الله تعالى- إجماعات من هذا الجنس في هذا الكتاب، ولم يكن ~~قصدنا تتبع ما ذكره من الإجماعات التي عرف انتقاضها، فإن هذا يزيد على ما ~~ذكرناه. مع أن أكثر ما ذكره من الإجماع هو كما حكاه لا نعلم فيه نزاعا، ~~وإنما المقصود أنه مع كثرة اطلاعه على أقوال العلماء وتبززه في ذلك على ~~غيره، ms0502 واشتراطه ما اشترطه في الإجماع الذي يحكيه، يظهر فيما ذكره في ~~الإجماع نزاعات مشهورة، وقد يكون الراجح في بعضها خلاف ما يذكره في ~~الإجماع. وسبب ذلك دعوى الإحاطة بما لا يمكن الإحاطة به، ودعوى أن الإجماع ~~الإحاطي هو الحجة لا غيره. فهاتان قضيتان لابد PageV03P342 ### || CHECK - مسألة تكفير من لم يعتقد أن الله خالق كل شيء ### || CHECK - تعليق المؤلف على باب الإجماع في الاعتقادات # لمن ادعاهما من التناقض إذا احتج بالإجماع، فمن ادعى الإجماع في الأمور ~~الخفية بمعنى أنه يعلم عدم المنازع فقد قفا ما ليس له به علم. وهؤلاء الذين ~~أنكر عليهم الإمام أحمد. وأما من احتج بالإجماع بمعنى عدم العلم بالمنازع ~~فقد اتبع سبيل الأئمة، وهذا هو الإجماع الذي كانوا يحتجون به في مثل هذه ~~المسائل. # وقد ختم الكتاب بباب من الإجماع في الاعتقادات، فكفر من خالفه، فقال: ~~اتفقوا أن الله وحده لا شريك له، خالق كل شيء غيره، وأنه تعالى لم يزل ~~وحده، ولا شيء غيره معه، ثم خلق الأشياء كلها كما شاء، وأن النفس مخلوقة، ~~والعرش مخلوق، والعالم كله مخلوق. # قلت: أما اتفاق السلف وأهل السنة والجماعة على أن الله وحده خالق كل شيء ~~فهذا حق، ولكنهم لم يتفقوا على كفر من خالف ذلك، فان القدرية -الذين ~~يقولون: إن أفعال الحيوان لم يخلقها الله- أكثر من أن يمكن ذكرهم من حين ~~ظهرت القدرية في أواخر عصر الصحابة إلى هذا التاريخ، والمعتزلة كلهم قدرية، ~~وكثير من الشيعة بل عامة الشيعة المتأخرين وكثير من المرجئة والخوارج ~~وطوائف من أهل الحديث والفقه نسبوا إلى ذلك، منهم طائفة من رجال الصحيحين، ~~ولم يجمعوا على تكفير هؤلاء. بل هو نفسه قد ذكر في أول كتابه أنه لا يكفر ~~هؤلاء. والمنصوص عن مالك والشافعي وأحمد في القدرية أنهم إذا جحدوا العلم ~~كفروا، وإذا لم يجحدوه لم يكفروا. # وأيضا فقد ذكر في كتابه "الملل والنحل" (1) أن الصحابة وأئمة الفتيا لا ~~يكفرون من أخطأ في مسألة في الاعتقاد ولا فتيا. وإن كان PageV03P343 ### || CHECK - مسألة تكفير من ms0503 لم يعتقد أن الله لم يزل وحده ولا شيء غيره معه # أراد بقوله أتى المسلمون على هذا فهذا أبلغ. ومعلوم أن مثل هذا النقل ~~للإجماع لم ينقله عن معرفته بأقوال الأئمة، لكن لما علم أن القرآن أخبر بأن ~~الله خالق كل شيء، وأن هذا من أظهر الأمور عند الأمة، حكى الإجماع على هذا، ~~ثم اعتقد أن من خالف الإجماع كفر بإجماع. فصارت حكايته لهذا الإجماع مبنية ~~على هاتين المقدمتين اللتين ثبت النزاع في كل منهما. # وأعجب من ذلك حكايته الإجماع على كفر من نازع أنه سبحانه لم يزل وحده ولا ~~شيء غيره معه، ثم خلق الأشياء كما شاء. ومعلوم أن هذه العبارة ليست في كتاب ~~الله ولا تنسب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل الذي في الصحيح ~~(1) عنه حديث عمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان الله ~~ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات ~~والأرض"، وفي لفظ: "ثم خلق السماوات والأرض". وروي هذا الحديث في البخاري ~~بثلاثة ألفاظ (2): روي "كان الله ولا شيء قبله"، وروي "ولا شيء غيره"، وروي ~~"ولا شيء معه" (3)، والقصة واحدة، ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما قال واحدا من هذه الألفاظ، والآخران رويا بالمعنى. وحينئذ فالذي يناسب ~~لفظ ما ثبت عنه في الحديث الآخر الصحيح (4) أنه كان يقول في دعائه: "أنت ~~الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك ~~شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء". فقوله PageV03P344 # في هذا "أنت الأول فليس قبلك شيء" يناسب قوله "كان الله ولا شيء قبله". ~~وقد بسط الكلام على هذا الحديث وغيره في غير هذا الموضع (1). # والمقصود هنا الكلام على ما يظنه بعض الناس من الإجماعات. # فهذا اللفظ ليس في كتاب الله، وهذا الحديث لو كان نصا فيما ذكر فليس هو ~~متواترا، فكم من حديث صحيح ومعناه فيه نزاع كثير، فكيف ومقصود الحديث غير ~~ما ذكر. ولا نعرف هذه العبارة عن الصحابة ms0504 والتابعين وأئمة المسلمين، فكيف ~~يدعى فيها الإجماع ويدعى الإجماع على كفر من خالف ذلك؟ ولكن الإجماع ~~المعلوم هو ما علمت الأمة أن الله بينه في القرآن، وهو أن خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام، كما أخبر الله بذلك في القرآن في غير موضع ~~(2). فإذا ادعى المدعي الإجماع على هذا وتكفير من خالف هذا كان قوله ~~متوجها. وليس في خبر الله أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~ما ينفي وجود مخلوق قبلهما، ولا ينفي أنه خلقهما من مادة كانت قبلهما، كما ~~أنه أخبر أنه خلق الإنسان وخلق الجن، وإنما خلق الإنسان من مادة وهي ~~الصلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، فكيف وقد ثبت بالكتاب والسنة ~~وإجماع السلف الذي لا يعلم فيه نزاع أن الله لما خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام وكان عرشه على الماء قبل ذلك، فكان العرش موجودا قبل ~~ذلك، وكان الماء موجودا قبل ذلك. PageV03P345 ### || CHECK - بيان خطأ من ظن أن السماوات والأرض لم يخلقا من شيء # وقد ثبت في صحيح مسلم (1) عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض ~~بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء". # وقد أخبر سبحانه أنه استوى إلى السماء الدنيا وهي دخان، فقال لها وللأرض: ~~(ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11)) (2). # وثبت عن غير واحد من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين أنه خلق ~~السماء من بخار الماء. ونحو ذلك من النقول التي يصدقها ما يخبر به أهل ~~الكتاب عن التوراة وما عندهم من العلم الموروث عن الأنبياء. وشهادة أهل ~~الكتاب الموافقة لما في القرآن أو السنة مقبولة، كما في قوله تعالى: (قل ~~كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (43)) (3). ونظائر ذلك في ~~القرآن. # وهذا الموضع أخطأ فيه طائفتان: # طائفة من أهل الكلام من اليهود والمسلمين وغيرهم ظنوا أن إخبار الله ~~بخلقه للسماوات والأرض وما بينهما يقتضي ms0505 أنهما لم يخلقا من شيء، بل لم يكن ~~قبلهما موجود إلا الله. ومعلوم أن خبر الله مخالف لذلك، والله قد أخبر أنه ~~خلق الإنسان والجان من مادة ذكرها. والذين يثبتون الجوهر الفرد من هؤلاء ~~وغيرهم يعتقدون أن خلق الإنسان وغيره مما يخلقه في هذا العالم ليس هو خلقا ~~لجوهر قائم بنفسه، بل هو إحداث أعراض يحول بها الجواهر المنفردة من PageV03P346 ### || CHECK - خطأ طائفة أخرى تقول بالتولد والتعليل والإيجاب بالذات # حال إلى حال. وهذا مخالف للشرع والعقل، كما قد بسط في موضعه، فإن هؤلاء ~~يقولون: إنا لم نشهد خلق عين من الأعيان، بل الرب أبدع الجواهر المنفردة، ~~ثم الخلق بعد ذلك إنما هو إحداث أعراض قائمة بها. # وطائفة أخرى أبعد عن الشرع والعقل من هؤلاء، يتأولون خلق السماوات والأرض ~~بمعنى التولد والتعليل والإيجاب بالذات، ويقولون: إن الفلك قديم أزلي معلول ~~للرب، وأنه يوجب بذاته لم يزل ولا يزال. وقولهم بالإيجاب هو معنى القول ~~بالتولد، فإن ما حصل عن غيره بغير اختيار منه فقد تولد عنه، لاسيما إن كان ~~حيا. وهؤلاء يقولون بقدم عين الفلك وأنه لم يزل ولا يزال. # فهؤلاء إذا قيل: إن المسلمين أجمعوا على نقيض قولهم أو على كفر من قال ~~بقولهم، كان قولا متوجها، فإنه قد علم بالاضطرار من دين الرسول أنه أخبر ~~بخلق السماوات والأرض بعد أن لم تكن مخلوقة، بخلاف من ادعى أن الصانع لم ~~يزل معطلا، والفعل والكلام عليه ممتنعا بغير سبب حدث أوجب انتقاله من ~~الامتناع إلى الإمكان، وأوجب أن يصير الرب قادرا على الفعل أو الفعل ~~والكلام بعد أن لم يكن قادرا على ذلك. فهذه الدعوى وأمثالها عند جمهور ~~العقلاء معلومة الفساد بالعقل مع فسادها في الشرع، ومعلوم عند من له معرفة ~~بالكتاب والسنة والإجماع أن الشرع لم يرد بها ولا بما يدل عليها قط. ولكن ~~ظن من ظن من أهل الكلام أن هذا دين أهل الملل، واستدلوا على ذلك بالكلام ~~الذي أنكره السلف والأئمة عليهم من أن مالا يخلو من الحوادث فهو ms0506 حادث، وكان ~~الذي أنكره السلف والأئمة عليهم الكلام الباطل الذي خالفوا فيه الشرع ~~والعقل. PageV03P347 ### || CHECK - ذكر قول السلف في هذا الباب ومنشأ غلط الطائفتين # وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع (1)، وذكر منشأ غلط الطائفتين ~~حيث لم يفرقوا بين النوع والعين، وذكر قول السلف والأئمة: إن الله لم يزل ~~متكلما إذا شاء، وإنه لا نهاية لكلمات الله، وإن وجود مالا نهاية له من ~~كلمات الله في الماضي، كما ثبت في المستقبل وجود مالا نهاية له أيضا، وإن ~~كل ما سوى الله مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وليس معه شيء قديم بقدمه، بل ذلك ~~ممتنع عقلا باطل شرعا؛ فإن الله أخبر أنه خالق كل شيء. والقول بأن الخالق ~~علة تامة أزلية مستلزمة لمعلولها باطل عقلا وشرعا، وموجبة أنه يمتنع ضرورة ~~وجود علة تامة يقارنها حدوث شيء من العالم، فإن الحوادث بعد أن لم تكن ~~يمتنع مقارنة معلولها بها، بل قد بين أن القول بأن الفاعل يكون علة تامة ~~مستلزمة للمفعول باطل، وأن الفعل لا يكون إلا بإحداث شيء. لكن فرق بين حدوث ~~الشيء المعين وبين حدوث الحوادث شيئا بعد شيء. # وقد ثبت بالدلائل اليقينية أن الرب فاعل باختياره وقدرته، وأنه إذا قيل: ~~هو موجب بالذات، فإن أريد بذلك أنه يوجب بمشيئته وقدرته ما شاءه= فهذا لا ~~ينافي فعله بمشيئته وقدرته؛ وإن أريد بذلك ما يقوله دهرية الفلاسفة كابن ~~سينا ونحوه من أن ذاتا مجردة عن الصفات أوجبت العالم بما فيه من الأمور ~~المختلفة الحادثة= فهذا من أفسد الأقوال عقلا وسمعا، فإن إثبات ذات مجردة ~~عن الصفات أو إثبات وجود مجرد عن جميع القيود أو مقيد بالسلوب لا يختص بأمر ~~وجودي مما لا يمكن تحققه في الخارج، وإنما يقدره الذهن كما يقدر سائر PageV03P348 ### || CHECK - الغرض من تأليف هذه الرسالة # الممتنعات. ودعوى أن الصفة هي الموصوف، وأن إحدى الصفتين هي الأخرى كما ~~يقوله هؤلاء المتفلسفة: إن العقل والعاقل والمعقول شيء واحد، واللذة ~~واللذيذ والملتذ شيء واحد، وأن العلم والقدرة والإرادة ms0507 شيء واحد، والقدرة ~~هي القادر، والعلم هو العالم، ونحو ذلك من أقوالهم التي قد بسط الكلام على ~~فسادها وتناقضها في غير هذا الموضع= هي دعاو باطلة. # والمقصود هنا الإشارة إلى ما قد يتوهمه بعض الناس من الإجماع لنوع من ~~الاشتباه، فيظن أمورا داخلة في الإجماع ولا تكون كذلك، كما يظن أمورا خارجة ~~عنه ولا تكون كذلك، كما يصيب بعض الناس فيما يدخلونه في نصوص الكتاب والسنة ~~وفيما يخرجونه، ولهذا يذكر هؤلاء أمورا مختلفة فيها، وإذا نظر إلى مستندهم ~~في الخلاف وجد فيه من الخطأ أمور أخرى كذلك، إما نقل ضعيف، وإما لفظ مجمل، ~~وإما غير ذلك مما قد يقع الغلط في صحته تارة وفي فهمه تارة، كما يقع مثل ~~ذلك فيما ينقلونه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الغلط، ويكون قد نشأ ~~من الإسناد تارة ومن فهم المتن تارة. والله سبحانه أعلم. PageV03P349 ### | CHECK (21) رسالة في بيان الصلاة وما تألفت منه # رسالة في بيان الصلاة وما تألفت منه PageV03P351 ### || CHECK - أعظم أقوالها القرآن وأعظم أفعالها الركوع والسجود ### || CHECK - الصلاة مؤلفة من أقوال وأفعال # فصل # قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: # اعلم أن الصلاة مؤلفة من أقوال وأفعال، فأعظم أقوالها القرآن، # وأعظم أفعالها الركوع والسجود. وأول ما أنزله الله من القرآن (اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق (19)) (1)، وختمها بقوله (واسجد واقترب (1)) (2)، # فافتتحها بالأمر بالقراءة، وختمها بالأمر بالسجود، وكل منهما يكون عبادة ~~مستقلة، فالقراءة في نفسها عبادة مطلقا إلا في مواضع، والسجود عبادة بسبب ~~السهو والتلاوة وسجود الشكر وعند الآيات على قول. # فالتلاوة الخاصة سبب السجود. # وقد ذكر الله الركوع والسجود في مواضع، فقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا ~~اركعوا واسجدوا) (3)، فهذا أمر بهما. وقال تعالى: # (تراهم ركعا سجدا) (4)، فهذا ثناء عليهم بهما، وإن كان ذكرهما منتظما ~~لبقية أفعال الصلاة، كما في القراءة والقيام والتسبيح والسجود المجرد، وهو ~~من باب التعبير بالبعض عن الجميع، وهو دليل على وجوبه فيه. وقال تعالى لبني ~~إسرائيل: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (43)) (5)، ~~فأفرد ms0508 الركوع بالتخصيص بعد الأمر بإقامة الصلاة، ويشبه -والله أعلم- أن ~~يكون فيه معنيان: PageV03P353 # أحدهما: أنهم لا يركعون في صلاتهم، فأمرهم بالركوع، إذ كانوا لا يفهمون ~~ذلك من نفس الصلاة. # الثاني: أن قوله (مع الراكعين (43)) أمر بصلاة الجماعة، ودل بذلك على ~~وجوبها، وأمر بالركوع معهم لأنه بالركوع يكون مدركا للركعة، فإذا ركع معهم ~~فقد فعل بقية الأفعال معهم، وما قبل الركوع من القيام لا يجب فعله معهم، ~~فما بعده لازم. بخلاف مالو قال "قوموا" أو "اسجدوا" لم يدل على ذلك. # وقال لمريم: (اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43)) (1) قد يكون ~~أمرا لها بصلاة الجماعة -وإن كانت امرأة- لأنها كانت محررة منذورة لله ~~عاكفة في المسجد. وقال تعالى: (وخر راكعا وأناب) (2)، قد قيل: إنه السجود. ~~وقال تعالى: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48)) (3). # وذكر السجود والقيام في قوله: (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) (4)، ~~وفي قوله: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما (64)) (5). # وذكر السجود في قوله: (واسجد واقترب (19)) (6)، وفي قوله: (يوم يكشف عن ~~ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد ~~كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43)) (7)، وقوله: (وقلنا لهم ادخلوا ~~الباب PageV03P354 ### || CHECK - آيات سجود التلاوة والكلام عليها # سجدا) (1)، وقوله: (فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98)) (2)، وقوله: ~~(فسبحه وأدبار السجود (40)) (3)، وقوله: (فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم) (4) .. # وآيات سجود التلاوة كقوله تعالى: (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن ~~عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206)) (5)، وقوله: (ولله يسجد من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15)) (6)، وقوله: (ولله يسجد ما ~~في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون (49) يخافون ~~ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (50)) (7)، وقوله: (إن الذين أوتوا العلم ~~من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا (107)) (8) الآية، وقوله: (إذا ~~تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58)) (9)، وقوله تعالى: (ألم تر ~~أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم ~~والجبال والشجر والدواب) (10) الآية، وقوله: (اركعوا واسجدوا) (11)، وقوله: ~~(وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ms0509 الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم PageV03P355 # نفورا (60)) (1)، وقوله: (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات ~~والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25)) (2)، وقوله: (إنما يؤمن بآياتنا ~~الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) (3)، ~~وقوله: (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن) (4) الآية. ~~وقوله: (فاسجدوا لله واعبدوا (62)) (5)، وقوله: (وإذا قرئ عليهم القرآن لا ~~يسجدون (21)) (6)، وقوله: (واسجد واقترب (19)) (7). # فآية الأعراف والرعد والنحل والحج فيها الخبر عن سجود المخلوقات، لكن في ~~الأعراف سجود الملائكة، وفي الرعد سجود المخلوقات طوعا وكرها، وفي النحل ~~المخلوقات والملائكة، وفي الحج سجود المخلوقات الطوعية، ولهذا لم يعم بني ~~آدم. وسجود الكائنات مطلقا ليس بمقيد بركوع، فشرع السجود عند ذكره، لأن ~~المؤمن داخل في ذلك أو متشبه بصاحبه. وقوله (إن الذين أوتوا العلم من قبله) ~~(8) الآية وقوله (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن) (9) خبر عن سجود بسبب ~~التلاوة، فأمر بالسجود عند التلاوة. ونظيره (وإذا قرئ عليهم القرآن لا ~~يسجدون (21)) (10)، وقوله PageV03P356 # (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) (1)، وقوله (ومن آياته الليل ~~والنهار والشمس والقمر) (2) نهي عن السجود لغير الله مطلقا وأمر بالسجود ~~له، فشرع السجود المقابل للمنهي عنه. وقوله (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن ~~قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60)) (3)، فأخبر عن ~~امتناع الكافر عن السجود مطلقا، فيشرع السجود المقابل له، وهو مطلق السجود ~~هناك في مقابلة المعبود الباطل، وهنا في مقابلة الكافر الممتنع عن الحق. # وأما قوله (اركعوا واسجدوا) (4) فلا ريب أن هذا أمر بسجود الصلاة، فلذلك ~~جرى فيه النزاع، فقيل: هو أمر به، كما في قوله (اقنتي لربك واسجدي واركعي) ~~(5)، وقيل: هذا لا يمنع أن يكون أمرا به وبالسجود عنه بسماعه. وقوله ~~(فاسجدوا لله واعبدوا (62)) (6) وقوله (واسجد واقترب (19)) (7)، وذلك سجود ~~الصلاة، فقيل: هو مختص به، وقيل: ذلك لا يمنع أن يكون سببا، كما أن آيات ~~التلاوة والسجود تتضمن السجود في الصلاة عقب سماع القرآن. # فصل # ولما كثر ذكر السجود في القرآن، تارة أمرا به، وتارة ذما لمن PageV03P357 ### || CHECK - السجود أفضل ms0510 أركان الصلاة الفعلية # يتركه، وتارة ثناء على فاعله، وتارة إخبارا عن سجود عظماء الخليقة ~~وعمومهم، كان ذلك دليلا على فضيلة السجود. وهذا ظاهر، فإن السجود فيه غاية ~~الخضوع والتواضع، وهو أفضل أركان الصلاة الفعلية وأكثرها، حتى إن مواضع ~~الصلاة سميت به، فقيل "مسجد"، ولم يقل "مقام" ولا "مركع"، لوجهين: # أحدهما: أنه أفضل وأشرف وأكثر. # والثاني: أن نصيب الأرض منه أكثر من نصيبها من جميع الأفعال، فإن العبد ~~يسجد على سبعة أعضاء، وإنما يقوم على رجلين. وأما الركوع فسيان نسبة الأرض ~~إليه وإلى القيام، فلهذا قيل "مسجد"، وهو موضع السجود دون موضع الركوع. ~~والركوع نصف سجود، والسجود شرع مثنى مثنى، في كل ركعة سجدتان، ولم يشرع من ~~الأركان مثنى إلا هو، حتى سجود الجبران جعل أيضا مثنى، وهو سجدتا السهو. ~~وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسميهما "المرغمتين"، وقال في الشك: "إن ~~كانت صلاته وترا شفعتا له صلاته، وإن كانت تامة كانتا ترغيما للشيطان" (1). ~~فأقام السجدتين مقام ركعة في تكميل الصلاة، لأن الركن الأعظم من كل ركعة ~~هما السجدتان. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله ~~بها درجة، وحط عنك بها خطيئة" (2). وقال: "أعني على نفسك بكثرة السجود" ~~(3). وقال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (4). PageV03P358 ### || CHECK - الركوع مع السجود تقدمة وتوطئة وباب إليه # ولما كانت الصلاة مثنى مثنى جعل في كل ركعة السجود مثنى مثنى، فكل سجدتين ~~معقودتان بركعة، فتصير وترا، سجدتان وركوع، والركوع مقدمة أمامهما كتقدمة ~~الوقوف على طواف الزيارة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:إ إذا ~~أدركتمونا ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك" ~~(1)، كما قال: "الحج عرفة" (2)، فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج، ومن فاته ~~التعريف فإنه يفعل الطواف والسعي ولكن لا يكون مدركا للحج، لكن يكون متحللا ~~بعمرة أو عمل عمرة. # ولهذا قيل: (واركعوا مع الراكعين (43)) (3)، فالركوع مع السجود تقدمة ~~وتوطئة وباب إليه، وهو مشترك بين القيام والسجود وبرزخ بينهما، فالقيام ~~قيام القراءة ms0511 قبله، وأما القيام بعده فهو -والله أعلم- لأجل السجود بعده، ~~ليكون السجود عن قيام، وهو السجود الكامل، فالرفع منه تكميل للركوع، والخفض ~~من القيام تكميل للسجود. ولهذا هو ركن تام كما جاءت به السنة، وليس معادلته ~~لبقية الأركان -كما كان يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "لا يقبل ~~الله صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود" (4) - لعدم تكميلها، فإنه ~~أيضا إذا لم يقم صلبه بين السجدتين لا يكون قد أكمل الأولى برفعها ولا ~~الثانية بخفضها. # فالسجود إذا شرع في الانحناء وهو قاعد، أما إذا كان وجهه قريبا من PageV03P359 ### || CHECK - غلط من قال إن الاعتدال في القيام والجلوس ليسا بركنين # الأرض وألصقه فليس هذا بسجود. # ومن هنا غلط من غلط وقال: إن الاعتدالين ليسا بركنين طويلين، لما ظنوا أن ~~المقصود مجرد الفضل، والصواب ما جاءت به السنة إيجابا للاعتدال واستحبابا ~~لإتمامه وتسويته بسائر الأركان، لأن هذا القيام والقعود وإن كانا تابعا (1) ~~من بعض الوجوه فالقعود في آخر الصلاة أيضا تابع من بعض الوجوه للسجود، ~~وإنما المقصود المحض: القيام المشتمل على القراءة المقصودة، والسجود الذي ~~هو غاية الخضوع، كما قال: (ساجدا وقائما) (2). فإذا كان بعض أركان الصلاة ~~الفعلية أفضل من بعض وأبلغ في كونه مقصودا لم يمنع إيجاب التابع المفضول، ~~كالركعتين الأخريين مع الأوليين، وكإيجاب الطمأنينة. # وحرف المسألة أن إتمام الأركان فرض، ولا يتم إلا بذلك، وإتمام الصلاة من ~~إقامتها، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، فإن قوله في الخوف والسفر (أن ~~تقصروا من الصلاة) (3) -فالخوف يبيح قصر الأفعال والسفر قصر الأعداد- دليل ~~على وجوب الإتمام في الأمن والطمأنينة في الطمأنينة، لقوله تعالى (فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة) (4)، وإتمامها من إقامتها كما جاءت به السنة، حيث ~~قال للمسيئ في صلاته: "ارجع فصل، فإنك لم تصل"، وقال: "فإذا فعلت هذا فقد ~~تمت صلاتك" (5)، فجعل من لم يتمها لم يصل. والله سبحانه أعلم. PageV03P360 ### | CHECK (22) فتوى في أمر الكنائس # فتوى في أمر الكنائس PageV03P361 # ورد على شيخنا استفتاء في أمر الكنائس صورته: # ما يقول السادة العلماء -وفقهم ms0512 الله- في إقليم توافق أهل الفتوى في هذا ~~الزمان على أن المسلمين فتحوه عنوة من غير صلح ولا أمان، فهل ملك المسلمون ~~ذلك الإقليم المذكور بذلك؟ # وهل يكون الملك شاملا لما فيه من أموال الكفار من الأثاث والمزارع ~~والحيوان والرقيق والأرض والدور والبيع والكنائس والقلايات والديورة ونحو ~~ذلك، أو يختص الملك بما عدا متعبدات أهل الشرك؟ # فإن ملك جميع ما فيه فهل يجوز للإمام أن يعقد لأهل الشرك من النصارى ~~واليهود -بذلك الإقليم أو غيره- الذمة على أن يبقى ما بالإقليم المذكور من ~~البيع والكنائس والديورة ونحوها متعبدا لهم، وتكون الجزية المأخوذة منهم في ~~كل سنة في مقابلة ذلك بمفرده أو مع غيره أم لا؟ # فإن لم يجز -لأجل ما فيه من تأخير ملك المسلمين عنه- فهل يكون حكم ~~الكنائس ونحوها حكم الغنيمة يتصرف فيه الإمام تصرفه في الغنائم أم لا؟ # وإن جاز للإمام أن يعقد الذمة بشرط بقاء الكنائس ونحوها فهل يملك من عقدت ~~له الذمة بهذا العقد رقاب البيع والكنائس والديورة ونحوها، ويزول ملك ~~المسلمين عن ذلك بهذا العقد أم لا؟ لأجل أن الجزية لا تكون عن ثمن مبيع. # وإذا لم يملكوا ذلك وبقوا على الانتفاع بذلك، وانتقض عهدهم PageV03P363 # بسبب يقتضي انتقاضه، إما بموت من وقع عقد الذمة معه ولم يعقبوا، أو ~~أعقبوا، فإن قلنا: إن أولادهم يستأنف معهم عقد الذمة -كما نص عليه الشافعي ~~فيما حكاه ابن الصباغ، وصححه العراقيون، واختاره ابن أبي عصرون في ~~"المرشد"- فهل لإمام الوقت أن يقول: لا أعقد لكم الذمة إلا بشرط أن لا ~~تدخلوا الكنائس والبيع والديورة في العقد، فتكون كالأموال التي جهل ~~مستحقوها وأيس من معرفتها، أم لا يجوز له الامتناع من إدخالها في عقد ~~الذمة، بل يجب عليه إدخالها في عقد الذمة؟ فهل ذلك يختص بالبيع والكنائس ~~والديورة التي تحقق أنها كانت موجودة عند فتح المسلمين، ولا يجب عليه ذلك ~~عند التردد في أن ذلك كان موجودا عند الفتح، أو حدث بعد الفتح، أو يجب عليه ~~مطلقا فيما تحقق أنه كان موجودا قبل ms0513 الفتح أو شك فيه؟ وإذا لم يجب في حالة ~~الشك فهل يكون ما وقع الشك في أنه كان قبل الفتح، وجهل الحال فيمن أحدثه ~~لمن هو؟ لبيت المال أم لا؟ # وإذا قلنا: إن من بلغ من أولاد من عقدت معهم الذمة -وإن سلفوا- ومن غيرهم ~~لا يحتاجون أن تعقد لهم الذمة، بل يجري عليهم حكم من سلف إذا تحقق أنه من ~~أولادهم، يكون حكم كنائسهم وبيعهم حكم أنفسهم، أم يحتاج إلى تجديد عقد وذمة؟ # وإذا قلنا: إنهم يحتاجون إلى تجديد عقد عند البلوغ، فهل تحتاج [كنائسهم] ~~وبيعهم إليه أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، ما فتحه المسلمون كأرض خيبر التي فتحت على عهد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وكعامة أرض الشام وبعض مدنها، وكسواد العراق إلا PageV03P364 ### || CHECK - ما فتحه المسلمون عنوة فقد ملكهم الله إياه، ويدخل فيه معابد الكفار # مواضع قليلة فتحت صلحا، وكأرض مصر، فإن هذه الأقاليم فتحت عنوة على خلافة ~~أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد روي في أرض مصر أنها فتحت ~~صلحا، وروي أنها فتحت عنوة، وكلا الأمرين صحيح على ما ذكره العلماء ~~المتأملون للروايات الصحيحة في هذا الباب (1)، فإنها فتحت أولا صلحا، ثم ~~نقض أهلها العهد، فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ~~يستمده، فأمده بجيش كثير فيهم الزبير بن العوام، ففتحها المسلمون الفتح ~~الثاني عنوة. # ولهذا روي من وجوه كثيرة (2) أن الزبير سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ~~أن يقسمها بين الجيش كما سأله بلال قسم الشام (3)، فشاور الصحابة في ذلك، ~~فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يحبسها فيئا للمسلمين ~~ينتفع بفائدتها أول المسلمين وآخرهم. ثم وافق عمر على ذلك بعض من كان ~~خالفه، ومات بعضهم، فاستقر الأمر على ذلك. # فما فتحه المسلمون عنوة فقد ملكهم الله إياه كما ملكهم ما استولوا عليه ~~من النفوس والأموال والمنقول والعقار. ويدخل في العقار معابد الكفار ~~ومساكنهم وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع الأرض، كما يدخل في المنقول سائر ms0514 ~~أنواعه من الحيوان والمتاع والنقد. وليس لمعابد الكفار خاصة تقتضي خروجها ~~عن ملك المسلمين، فإن ما يقال فيها من الأقوال ويفعل فيها من العبادات إما ~~أن يكون مبدلا أو محدثا لم PageV03P365 # يشرعه الله قط، أو يكون الله قد نهى عنه بعدما شرعه. # [و] قد أوجب الله على أهل دينه جهاد أهل الكفر حتى يكون الدين كله لله، ~~وتكون كلمة الله هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق ~~الذي بعث الله به خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، ويعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون. # ولهذا لما استولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أرض من حاربه من ~~أهل الكتاب وغيرهم -كبني قينقاع والنضير وقريظة- كانت معابدهم مما استولى ~~عليه المسلمون، ودخلت في قوله (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم) (1)، وفي ~~قوله تعالى: (وما أفاء الله على رسوله منهم) (2) و (ما أفاء الله على رسوله ~~من أهل القرى) (3). # لكن وإن ملك المسلمون ذلك فحكم الملك متنوع، كما يختلف حكم الملك في ~~المكاتب والمدبر وأم الولد والعبد، وكما يختلف حكمه في المقاتلين الذين ~~يؤسرون، وفي النساء والصبيان الذين يسبون، كذلك يختلف حكمه في المملوك نفسه ~~والعقار والأرض والمنقول. وقد أجمع المسلمون على أن الغنائم لها أحكام ~~مختصة بها لا تقاس بسائر الأموال المشتركة. # ولهذا لما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر أقر أهلها ذمة للمسلمين ~~في مساكنهم، وكانت المزارع ملكا للمسلمين عاملهم عليها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بشرط ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ثم أجلاهم عمر رضي الله ~~عنه في PageV03P366 ### || CHECK - ولكن يجوز للمسلمين انتزاعها منهم إذا اقتضت المصلحة ذلك ### || CHECK - قول من قال "يجوز إقرارها بأيديهم" أوجه وأظهر ### || CHECK - الخلاف في جواز عقد الذمة مع إبقاء المعابد بأيدي الكفار # خلافته، واسترجع المسلمون ما كانوا أقروهم فيه من المساكن والمعابد. # فصل # وأما أنه هل يجوز للإمام عقد الذمة مع إبقاء المعابد بأيديهم؟ فهذا فيه ~~خلاف معروف في مذاهب الأئمة الأربعة، منهم من يقول: لا يجوز تركها لهم، ms0515 ~~لأنه إخراج ملك المسلمين عنها وإقرار الكفر بلا عهد قديم. ومنهم من يقول ~~بجواز إقرارهم فيها إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما أقر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أهل خيبر فيها، وكما أقر الخلفاء الراشدون الكفار على المساكن ~~والمعابد التي كانت بأيديهم. # فمن قال بالأول قال: حكم الكنائس حكم غيرها من العقار، منهم من يوجب ~~إبقاءه، كمالك في المشهور عنه وأحمد في رواية؛ ومنهم من يخبر الإمام فيه ~~بين الأمرين بحسب المصلحة، وهذا قول الأكثرين، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في ~~المشهور عنه، وعليه دلت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث قسم نصف ~~خيبر وترك نصفها لمصالح المسلمين. # ومن قال: "يجوز إقرارها بأيديهم" فقوله أوجه وأظهر، فإنهم لا يملكون بهذا ~~الإقرار رقاب المعابد كما يملك الرجل ماله، كما أنهم لا يملكون ما ترك ~~لمنافعهم المشتركة كالأسواق والمراعي، كما لم يملك أهل خيبر ما أقرهم فيه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المساكن والمعابد. # ومجرد إقرارهم ينتفعون بها ليس تمليكا، كما لو أقطع المسلم بعض عقار بيت ~~المال ينتفع بغلته، أو سلم إليه مسجد أو رباط ينتفع به لم يكن ذلك تمليكا ~~له، بل ما أقروا فيه من كنائس العنوة يجوز للمسلمين انتزاعها منهم إذا ~~اقتضت المصلحة ذلك، كما انتزعها أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV03P367 ### || CHECK - متى انتقض عهدهم جاز أخذ كنائس الصلح منهم فضلا عن كنائس العنوة # من أهل خيبر بأمره بعد إقرارهم فيها. وقد طلب المسلمون في خلافة الوليد ~~بن عبد الملك أن يأخذوا من النصارى بعض كنائس العنوة التي خارج دمشق، ~~فصالحوهم على إعطائهم الكنيسة التي داخل البلد، وأقر ذلك عمر بن عبد العزيز ~~أحد الخلفاء الراشدين ومن معه في عصره من أهل العلم، فإن المسلمين لما ~~أرادوا أن يزيدوا جامع دمشق بالكنيسة التي إلى جانبه، وكانت من كنائس ~~الصلح، لم يكن لهم أخذها قهرا، فاصطلحوا على المعاوضة بإقرار كنائس العنوة ~~التي أرادوا انتزاعها، وكان ذلك الإقرار عوضا عن كنيسة الصلح التي لم يكن ~~لهم ms0516 أخذها عنوة. # فصل # ومتى انتقض عهدهم جاز أخذ كنائس الصلح منهم فضلا عن كنائس العنوة، كما ~~أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان لقريظة والنضير لما نقضوا العهد، ~~فإن ناقض العهد أسوأ حالا من المحارب الأصلي، كما أن ناقض الإيمان بالردة ~~أسوأ حالا من الكافر الأصلي. ولذلك لو انقرض أهل مصر من الأمصار، ولم يبق ~~من دخل في عهدهم، فإنه يصير للمسلمين جميع عقارهم ومنقولهم من المعابد ~~وغيرها فيئا. # فإذا عقدت الذمة لغيرهم كان كالعهد المبتدأ، وكان لم يعقد لهم الذمة أن ~~يقرهم في المعابد، وله أن لا يقرهم بمنزلة ما فتح ابتداء، فإنه لو أراد ~~الإمام عند فتحه هدم ذلك جاز بإجماع المسلمين، ولم يختلفوا في جواز هدمه، ~~وإنما اختلفوا في جواز بقائه. وإذا لم تدخل في العهد كانت فيئا للمسلمين. # أما على قول الجمهور الذين لا يوجبون قسم العقار فظاهر. # وأما على قول من يوجب قسمه سمه فلأن عين المستحق غير معروف، PageV03P368 ### || CHECK - ما أحدث منها بعد فتح المسلمين فإنه يجب إزالته وهدمه # كسائر الأموال التي لا يعرف لها مالك معين. # وأما تقدير وجوب إبقائها فهذا تقدير لا حقيقة له، فإن إيجاب إعطائهم ~~معابد العنوة لا وجه له، ولا أعلم به قائلا، فلا يفرع عليه، وإنما الخلاف ~~في الجواز. # نعم، قد يقال في الأبناء إذا لم نقل بدخولهم في عهد آبائهم، لأن لهم شبهة ~~الأمان والعهد، بخلاف الناقضين، فلو وجب لم يجب إلا ما تحقق أنه كان له، ~~فإن صاحب الحق لا يجب أن يعطى إلا ما عرف أنه حقه، وما وقع الشك فيه على ~~هذا التقدير فهو لبيت المال. وأما الموجودون الآن إذا لم يصدر منهم نقض عهد ~~فهم على الذمة، فإن الصبي يتبع أباه في الذمة، وأهل داره من أهل الذمة، كما ~~يتبع في الإسلام أباه وأهل داره من المسلمين، لأن الصبي لما لم يكن مستقلا ~~بنفسه جعل تابعا لغيره في الإيمان والأمان. # وعلى هذا جرت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه والمسلمين ms0517 في ~~إقرارهم صبيان أهل الكتاب بالعهد القديم من غير تجديد عقد آخر. وهذا الجواب ~~حكمه فيما كان من معابدهم قديما قبل فتح المسلمين، أما ما أحدث بعد ذلك ~~فانه يجب إزالته، ولا يمكنون من إحداث البيع والكنائس، كما شرط عليهم عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه في الشروط المشهورة عنه (1): "إلا يجددوا في مدائن ~~الإسلام ولا فيما حولها كنيسة ولا صومعة ولا ديرا ولا قلاية"، امتثالا لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تكون قبلتان ببلد واحد". رواه أحمد ~~وأبو داود بإسناد جيد (2)، ولما PageV03P369 # روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لا كنيسة في الإسلام" (1). # وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى. وما زال ~~من يوفقه الله من ولاة أمور المسلمين ينقذ ذلك ويعمل به، مثل عمر بن عبد ~~العزيز الذي اتفق المسلمون على أنه إمام هدى، فروى الإمام أحمد عنه أنه كتب ~~إلى نائبه عن اليمن أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، فهدمها بصنعاء ~~وغيرها. # وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: "من السنة أن تهدم الكنائس ~~التي في الأمصار، القديمة والحديثة" (2). وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر ~~بهدم ما كان في سواد بغداد، وكذلك المتوكل لما ألزم أهل الكتاب بشروط عمر ~~استفتى علماء وقته في هدم الكنائس والبيع، فأجابوه، فبعث بأجوبتهم إلى ~~الإمام أحمد، فأجابه بهدم كنائس سواد العراق، وذكر الآثار عن الصحابة ~~والتابعين، فمما ذكره ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال (3): أيما ~~مصر مصرته العرب -يعني المسلمين-، فليس للعجم -يعني أهل الذمة- أن يبنوا ~~فيه كنيسة، ولا يضربوا فيه ناقوسا، ولا يشربوا فيه خمرا. # وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب، فإن للعجم ما في عهدهم، ~~وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم، ولا يكلفوهم فوق طاقتهم. PageV03P370 ### | CHECK (23) مسألة فيمن يسمي الخميس عيدا # مسألة فيمن يسمي الخميس عيدا PageV03P371 ### || CHECK - كل ما يفعل في أعياد الكفار من الخصائص ليس للمسلم فعل شيء منها # مسألة # ما تقول السادة العلماء ms0518 أئمة الدين -رضي الله عنهم أجمعين- فيمن يسمي ~~الخميس المعروف بعيد النصارى عيدا؟ وفيمن يعتقد أن مريم ابنة عمران -عليها ~~السلام- تجر ذيلها ذلك اليوم على الزرع، فينمو ويلحق اللقيس بالبكير، ~~ويخرجون في ذلك اليوم ثيابهم وحلي النساء يرجون البركة من ذلك اليوم وكثرة ~~الخير، ويكحلون الصبيان، ويمغرون الدواب والشجر لأجل البركة، ويصبغون البيض ~~ويقامرون به ويعتقدون حله، ويدفون البخور ويتبخرون به قصد البركة. # أفتونا مأجورين. # الجواب # قال الشيخ الإمام العالم العامل مفتي الفرق، أبو العباس أحمد بن عبد ~~الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني الحنبلي -رحمه الله ورضي عنه-: # الحمد لله وحده. كل ما يفعل في أعياد الكفار من الخصائص التي يعظم بها ~~فليس للمسلم أن يفعل شيئا منها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من ~~تشبه بقوم فهو منهم" (1)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس منا من تشبه ~~بغيرنا" (2). # وقد شارط عمر بن الخطاب رضي الله عنه أهل الكتاب أن لا يظهروا PageV03P373 ### || CHECK - بعض الاعتقادات الفاسدة للنصارى # شيئا من شعائرهم بين المسلمين، ولا شيئا من شعائر الكفار لا الأعياد ولا ~~غيرها، واتفق المسلمون على نهيهم عن ذلك كما شرطه عليهم أمير المؤمنين. # وسواء قصد المسلم التشبه بهم أو لم يقصد ذلك بحكم العادة التي تعودها ~~فليس له أن يفعل ما هو من خصائصهم، وكل ما فيه تخصيص عيدهم (1) بلباس وطعام ~~ونحو ذلك فهو من خصائص أعيادهم، وليس ذلك من دين المسلمين. # ومن قال: إن مريم تجر ذيلها على الزرع فينمو، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا ~~قتل، فإذا هذا اعتقاد الكفار النصارى، وهو من أفسد الاعتقادات، فإن من هو ~~أفضل من مريم من الأنبياء والمرسلين -عليهم السلام- لا سعي لهم في إنبات ~~النبات وإنزال القطر من السماوات، فكيف يكون ذلك من مريم عليها السلام؟ ~~وإنما هذا اعتقاد النصارى فيها وفي شيوخهم القسيسين أنهم ينفعونهم أو ~~يضرونهم، وهذا من شركهم الذي ذمهم الله تعالى به، كما قال تعالى: (اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا ms0519 إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31)) (2)، وقال تعالى ~~(ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله) (3). فإذا كان من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا هو ~~كافر، فكيف من اتخذ مريم أو غيرها من الشيوخ؟ PageV03P374 ### || CHECK - ليس ليوم عيدهم مزية على غيره ### || CHECK - التزين يوم عيد النصارى وصنعة الطعام الزائد وغير ذلك من المنكرات # وقال تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا (56) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57)) (1). قال طائفة من ~~السلف: كان قوم يدعون العزير والمسيح والملائكة، فقال الله تعالى: هؤلاء ~~الأنبياء والملائكة الذين تدعونهم يرجون رحمتي ويخافون عذابي، كما ترجون ~~رحمتي وتخافون عذابي، ويتقربون إلي كما تتقربون إلي، وأخبر أنهم لا يملكون ~~كشف الضر عنهم ولا تحويلا. # فإذا كان هذا في الملائكة والنبيين فكيف بمن دونهم؟ كمريم وغيرها من ~~الصالحين الرجال والنساء. فمن دعا غير الله تعالى أو عبده فهو مشرك بالله ~~العظيم، وإن كان ذلك رجلا صالحا (2) أو امرأة صالحة. # وكذلك التزين يوم عيد النصارى من المنكرات، وصنعة الطعام الزائد عن ~~العادة، وتكحيل الصبيان، وتحمير الدواب. والشجر بالمغرة وغيرها، وعمل ~~الولائم وجمع الناس على الطعام في عيدهم. ومن فعل هذه الأمور يتقرب بها إلى ~~الله تعالى راجيا بركتها فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، فإن هذا من إخوان ~~النصارى. كما لو عظم الرجل الصليب، وصلى إلى المشرق، وتعمد بالمعمودية، فإن ~~من فعل هذا فهو كافر مرتد يجب قتله شرعا وإن أظهر مع ذلك الإسلام. # وكذلك صبغ البيض فيه. وأما القمار فيه فإنه حرام في كل وقت، فيه وفي ~~غيره. وكذلك البخور فيه ونحو ذلك. # وبالجملة فليس ليوم عيدهم مزية على غيره، ولا يفعل فيه شيء PageV03P375 ### || CHECK - ما يفعل فيه من الاختضاب والكحل وغير ذلك بدعة ### || CHECK - صوم يوم عاشوراء ومخالفة اليهود في إفراد تعظيمه ### || CHECK - حكم الصوم ms0520 فيه قصدا لمخالفتهم مكروه # مما يميزونه هم به. ولكن لو صامه الرجل قصدا لمخالفتهم فقد كرهه كثير من ~~العلماء، كما روي عن أنس بن مالك والحسن البصري وأحمد بن حنبل وغيرهم رضي ~~الله عنهم، لأن في (1) تخصيص أعياد الكفار بالصوم نوع تعظيم لها، وإن كانوا ~~هم لا يصومونه، فكيف إذا كان التعظيم من جنس ما يفعلونه؟ # إلا ترى أن اليهود كانوا يتخذون يوم عاشوراء عيدا، فيصومونه ويظهرون ~~السرور فيه، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بصيامه مرة واحدة قبل أن ~~يفرض رمضان، فلما فرض رمضان سقط وجوبه (2) وبقي صومه مستحبا. ثم إن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما قيل له: إن اليهود والنصارى يتخذونه عيدا قال: ~~"لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع" (3). فقال أكثر أهل العلم: مراده صوم ~~التاسع والعاشر، لئلا يخص يوم عاشوراء بالصوم، كما نهى عن إفراد يوم الجمعة ~~بالصوم (4)، وكان يقول: "صوموا يوما قبله أو يوما بعده" (5). وهو - صلى ~~الله عليه وسلم - فعل هذا في عاشوراء بعد أن كان أمر بصيامه ليخالف اليهود، ~~ولا يشاركهم في إفراد تعظيمه. # هذا مع أن عاشوراء لم يشرع فيه غير الصوم باتفاق علماء المسلمين، فكل ما ~~يفعل فيه غير ذلك من الاختضاب والكحل والتزين والاغتسال والتوسع على العيال ~~غير العادة فيه من حبوب أو غيرها هو من البدع المحدثة في الدين، لم يستحبها ~~أحد من العلماء PageV03P376 ### || CHECK - الواجب على الولاة نهي الناس عن هذه المنكرات المحزمة # ولا السلف، بل كل ما روي فيها من الأحاديث المرفوعة فهي أحاديث موضوعة. # فإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كره نوعا من التشبه بهم في ~~عاشوراء، فكيف بالمياليد والشعانين والخميس وغير ذلك من أعياد الكافرين؟ ~~وقد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل خصائص عيدهم، وقال بعضهم: من ذبح ~~فيه بطيخة فكأنما ذبح خنزيرا. # فالواجب على ولاة الأمور نهي الناس عن هذه المنكرات المحرمة، وأمرهم ~~بملازمة شعائر الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، ف (إن الدين عند الله ~~الأسلام) (1)، (ومن يبتغ غير ms0521 الأسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين (85)) (2). آخرها، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم). PageV03P377 ### | CHECK (24) فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # فصل. # في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر PageV03P379 ### || CHECK - معنى "المعروف" و"المنكر" ### || CHECK - هو فرض على الكفاية # فصل # قال الله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون ~~وأكثرهم الفاسقون (110)) (1). قال بعض السلف: هم خير أمة إذا قاموا بهذا ~~الشرط، فمن لم يقم بهذا الشرط فليس من خير أمة. # قال: واتفق أئمة الدين على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر واجب ~~على الناس، لكنه فرض على الكفاية كالجهاد وتعلم العلم ونحو ذلك، فإذا قام ~~به من يستكفى به سقط عن الناس، وكان الأجر والدرجة لمن قام به. ومن كان ~~عاجزا عما أمر الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأراد أن يقوم ~~به وجب على غيره أن يعاونه، حتى يحصل المقصود الذي أمر الله به ورسوله، كما ~~قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان) (2). # فكل رسول أرسله الله وكل كتاب أنزله الله يتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. والمعروف اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، والمنكر اسم جامع لكل ~~ما يكرهه ويسخطه. وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لعقوبة الدنيا ~~قبل الآخرة، فلا يظن الظان أنها تصيب الظالم الفاعل للمعصية دونه مع سكوته ~~عن الأمر والنهي، بل تعم الجميع. PageV03P381 ### || CHECK - صفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر # وينبغي أن يكون الآمر فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا ~~فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حكيما فيما ينهى عنه، رفيقا عالما قبل ~~الأمر والنهي، رفيقا حين الأمر والنهي، حليما صبورا بعد الأمر والنهي، كما ~~قال تعالى في قصة لقمان: (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ~~إن ذلك من عزم الأمور (17)) (1)، فإن ms0522 الآمر إنما هو مجاهد في سبيل الله، إذ ~~(2) .................. أن يفعل ذلك عبادة لله، وطاعة لله ورسوله، وطلبا للنجاة من عقاب ~~الله، ونصحا لعباد الله، لا يفعله لطلب العلو والرئاسة على الناس، ولا ~~لعداوة أو حقد في نفسه على المأمور والمنهي، ولا لغرض يناله بذلك، يكون ~~أمره بالمعروف معروفا غير منكر، ونهيه أيضا معروف غير منكر. وإلا فمتى أراد ~~أن يزيل منكرا بمنكر كان كمن يريد غسل الخمر بالبول، ومن فعل ذلك فقد يكون ~~خسرانه أكثر من ربحه، وقد يكون أقل أو أكثر. والله أعلم. PageV03P382 ### | CHECK (25) مسألة في تلاوة القرآن والذكر أيهما أفضل؟ # مسألة # في تلاوة القرآن والذكر، أيهما أفضل PageV03P383 ### || CHECK - يختلف ذلك باختلاف الأشخاص # الحمد لله. سئلت أي الأمرين أفضل: تلاوة القرآن أو الذكر؟ # فأجبت قائلا: الظاهر أن ذلك يختلف بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال، فإن كان ~~الشخص ممن أوتي فهما في كتاب الله تعالى، إذا تلا متدبرا لآياته ازداد في ~~الحكم والأحكام، وتجلت له معان وحقائق في أصول الدين وفروع الحلال والحرام، ~~كانت التلاوة في حقه أفضل، كيف وتلاوة القرآن من أفضل الأذكار، والنظر في ~~أحكام الله تعالى من أفضل أعمال الأبرار. وكان عطاء لا رحمه الله تعالى ~~يقول: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تبيع وتشتري وتصلي وتصوم ~~وتحج وتطلق ونحو ذلك. # وإن لم يكن الرجل ممن له أهلية الفهم عن كلام الله تعالى، وكان الذكر ~~أجمع لهمته وأصفى لخاطره، كان اشتغاله بالذكر أفضل والحالة هذه. # وينبغي للسالك وطالب الزيادة من الخير أن لا يترك حطه منهما، فيذكر الله ~~تعالى إلى أن يجد عنده سأمة ما، فينتقل إلى الذكر بتلاوة القرآن متدبرا ~~بترتيل وتفكر، وتعظيم عند آيات التوحيد والتنزيه، وسؤال عند آيات الوعد ~~والرجاء، وتضرع واستعاذة عند آيات الخوف والوعيد، واعتبار عند آيات القصص. ~~فإن القرآن الكريم لا يسأم قارئه، لاختلاف المعاني الواردة فيه. # وعند اشتغاله بالذكر ينبغي أن لا يفوته دقيقة نبه عليها بعض المحققين، ~~وهي أن يقصد مثلا عند ذكر "لا إله إلا الله" تلاوة قوله ms0523 تعالى في سورة محمد ~~- صلى الله عليه وسلم -: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) (1) لتثمر له هذه PageV03P385 # الكلمة المباركة ثمرة الذكر والتلاوة، فيكون جامعا بين الفضيلتين. # ولكل من التلاوة والذكر آداب وشروط ذكرها العلماء، فينبغي له أن يتحرى في ~~المحافظة عليها، وإن كان له شيخ يربيه ألقى زمام أمره إليه، ليشير بما هو ~~الأولى له عليه. والله أعلم. PageV03P386 ### | CHECK (26) فتوى في السماع # فتوى في السماع PageV03P387 ### || CHECK - التغبير من البدع المحدثة في الإسلام # ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين -رضي الله عنهم أجمعين- هل السماع ~~بالقضيب على المخاد (1) مباح وحلال أو حرام؟ لأنه عدل به عن الدف والشبابة، ~~وما هو ذلك؟ أفتونا مأجورين أثابكم الله تعالى. # أجاب سيدنا وشيخنا الشيخ تقي الدين ابن، تيمية- أطال الله في عمره-: # الضرب بالقضيب على المخاد هو التغبير الذي قال فيه الشافعي: خلفت ببغداد ~~شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن. ويذكر فيه ~~الإمام أحمد وغيره من الأئمة، ونهوا الناس عن الحضور معهم. وكان الذين ~~يحضرونه أهل زهد وعبادة ودين، يحضرونه لما فيه من التزهيد والترقيق وتحريك ~~القلوب بالحب والحزن والخوف ونحو ذلك، فعده الأئمة من البدع المحدثة في ~~الإسلام، لأن الله إنما شرع للمسلمين سماع القرآن، فهو سماع النبيين ~~والعالمين والعارفين والمؤمنين، كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابه. # ولم يحضر هذا التغبير أعيان الشيوخ المعروفين، كالفضيل بن عياض وإبراهيم ~~بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والسري السقطى، بل ولا الشيخ ~~العارف عبد القادر الكيلاني ولا الشيخ عدي والشيخ أبي مدين والشيخ أبي ~~البيان والشيخ حيا، وأمثال هؤلاء من شيوخ المسلمين، والله سبحانه أعلم. ~~وكتبه أحمد ابن تيمية عفا الله عنه. PageV03P389 ### | CHECK (27) مسألة في رجل شتم شريفا # مسألة في رجل شتم شريفا PageV03P391 ### || CHECK - لا يحل تكفير المسلم بذلك # مسألة # في رجل من أهل العلم شتمه شريف وقال له: يا جاهل! فقال هو للشريف: الجاهل ~~جدك، ولم يعلم أنه شريف، فقال له الشريف: كفرت لأنك شتمت جدي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم ms0524 -. # الجواب # لا يحل تكفير المسلم بمثل ذلك، ومن عرف إيمانه لا يقصد بمثل هذا اللفظ ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمن ادعى على معروف بالخير والدين أنه ~~قصد بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه يعزر هذا المفتري على أهل ~~الخير والدين، كما لو ادعى على أحد أنه سرق ماله أو قطع الطريق عليه ونحو ~~ذلك من دعاوي التهم التي يعلم براءة المتهم فيها، فإنه يعزر في قولي ~~العلماء من يفتري على أهل الخير بمثل ذلك. # وسواء كان المتكلم بهذا يعلم أن المخاطب شريف أو لم يكن يعلم لا يحمل ذلك ~~على مراده النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا أن تكون هناك قرينة تدل على ~~ذلك، مثل أن يكون القائل معروفا بالنفاق والاستهزاء بالرسالة والقرآن ودين ~~الإسلام ونحو ذلك، فمتى ظهرت هذه الكلمة ممن هو معروف بالنفاق كان ذلك ~~قرينة تقوي إرادته النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيحبس حينئذ المتهم، ~~ويكشف عن بقية أحواله، ويعاقب إما بالقتل وإما بدونه، لئلا يجترئ أهل ~~النفاق والزندقة على انتهاك حرمة الرسالة. # والجد المطلق يتناول أبا الأب، وقد يتناول من هو أعلى منه بقرينة، ومن ~~الأشراف العالم والجاهل والبر والفاجر والصادق PageV03P393 ### || CHECK - ليس لأحد أن يسب من لا يسبه ### || CHECK - ليس لأحد أن يعتدي على أحد سواء كان شريفا أو لم يكن # والكاذب، ويجب عليهم طاعة الله ورسوله كما يجب على سائر الأمة، ويجب أن ~~تقام عليهم الحدود كما تقام على غيرهم، فإن في الصحيحين (1) أن امرأة كانت ~~ذات شرف سرقت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بقطع يدهما، فشق ذلك على أهلها، وقالوا: من يكلم فيها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن ~~زيد، فكلمه فيها أسامة، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: "يا ~~أسامة! أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟ إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا ~~إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق ms0525 فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. # والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". # وليس لأحد أن يعتدي على أحد سواء كان شريفا أو لم يكن، ومتى اعتدى الشريف ~~أو غيره على الناس كان لهم أن يعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليهم، فإن قال ~~لمسلم: يا كلب يا خنزير! كان له أن يقول له: يا كلب يا خنزير!، ولو قال له: ~~لعنك الله، كان له أن يقول له: لعنك الله، وإن ضربه بغير حق ضرب كما ضربه، ~~وإن أخذ ماله بغير حق أخذ من ماله بقدر ما أخذ من ماله. فإن المسلمين ~~متفقون على أن القصاص ثابت بين الشريف وغير الشريف في الدماء ونحوها. ولو ~~قذف الشريف رجلا محصنا أقيم عليه حد القذف كما يقام على غيره. وليس لأحد أن ~~يسب من لا يسب، سواء كان شريفا أو لم يكن، بل له أن يعاقب من ظلمه ولا ~~يتعدى إلى غيره. وفي الصحيحين (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه"، PageV03P394 ### || CHECK - من سب نبيا من الأنبياء وجب قتله # قالوا: وكيف يسب والديه؟ قال: "يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب ~~أمه". ومن يسب من لم يسبه من الأشراف أو غيرهم عزر. ولا يقتل أحد إلا بسب ~~نبي من الأنبياء، فمن يسب نبيا من الأنبياء وجب قتله. وفي الرافضة الذين ~~يسبون الصحابة تفصيل ونزاع. والله أعلم. (هذا جواب الشيخ تقي الدين أحمد ~~ابن تيمية، أثابه الله ورضي عنه، وجزاه عن هذه الأمة كل خير في الدنيا ~~والآخرة). PageV03P395 ### | CHECK (28) قاعدة في حضانة الولد # قاعدة في حضانة الولد PageV03P397 ### || CHECK - كلام الإمام أحمد كثير منتشر جذا قل من يضبط جميع نصوصه ### || CHECK - حضانة الصغير المميز: هل هي للأب أو للأم أو يخير بينهما؟ # قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني رضي ~~الله عنه: # الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ~~سيئات أعمالنا، من يهده الله ms0526 فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم تسليما. # فصل # في مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء في حضانة الصغير المميز: هل هو ~~للأب أو للأم؟ أو يخير بينهما؟. # فإن عامة كتب أصحاب أحمد إنما فيها أن الغلام إذا بلغ سبع سنين خير بين ~~أبويه، أما الجارية فالأب أحق بها، وأكثرهم لم يذكروا في ذلك نزاعا. # وهؤلاء الذين ذكروا هذا بلغهم بعض نصوص أحمد في هذه المسألة، ولم يبلغهم ~~سائر نصوصه، فإن كلام أحمد كثير منتشر جدا، وقل من يضبط جميع نصوصه في كثير ~~من المسائل، لكثرة كلامه وانتشاره، وكثرة من كان يأخذ عنه العلم. فأبو بكر ~~الخلال قد طاف بالبلاد، وجمع من نصوصه في مسائل الفقه نحو أربعين مجلدا ~~(1)، وفاته أمور كثيرة ليست في كتبه. وأما ما جمعه من نصوصه في أصول PageV03P399 ### || CHECK - ذكر هذه الروايات ### || CHECK - عنه في الابن ثلاث روايات، وفي البنت روايتان ### || CHECK - الخلاف في النقل عنه في هذه المسألة # الدين مثل: "كتاب السنة" نحو ثلاث مجلدات، ومن أصول الفقه والحديث مثل: ~~"كتاب العلم" الذي جمعه، ومن الكلام على علل الأحاديث مثل "كتاب العلل" ~~الذي جمعه، ومن كلامه في أعمال القلوب والأخلاق والآداب، ومن كلامه في ~~الرجال والتاريخ= فهو مع كثرته لم يستوعب ما نقله الناس عنه. # والمقصود هنا أن النزاع عنه موجود في المسألتين كلتاهما: في مسألة البنت، ~~وفي مسألة الابن. وفي مذهبه في المسألتين ثلاثة أقوال: هل تكون مع الأم أو ~~مع الأب أو تخير؟ لكن في الابن ثلاث روايات. وأما البنت فالمنقول عنه ~~روايتان: هل هي للأم أو للأب؟ وأما التخيير فهو وجه مخرج في مذهبه (1). # فعنه في الابن ثلاث روايات معروفة، وممن ذكرهن أبو البركات في "محرره" ~~(2). وعنه في الجارية روايتان، وممن ذكرهما أبو عبد الله ابن تيمية في ~~كتابه "التلخيص" و"ترغيب القاصد" (3). والروايات موجودة بألفاظها ونقلتها ~~وأسانيدها في عدة كتب. ms0527 # وممن ذكر هذه الروايات القاضي أبو يعلى في "تعليقه"، نقل عن أحمد في ~~الغلام: أمه أحق به حتى يستغني عنها، ثم الأب أحق به. قال في رواية الفضل ~~بن زياد: إذا عقل الغلام واستغنى عن الأم PageV03P400 # فالأب أحق به. وقال في رواية أبي طالب: والأب أحق بالغلام إذا عقل ~~واستغنى عن الأم. # وهذا يشبه الذي نقله القاضي أبو يعلى والشاشي وغيرهما عن أبي حنيفة، قال: ~~إذا أكل وحده ولبس وحده وتوضأ وحده فالأب أحق به. ونقل ابن المنذر أنه يخير ~~حينئذ بين أبويه عن أبي حنيفة وأبي ثور. # والأول هو مذهب أبي حنيفة الموجود في كتب أصحابه. وهو إحدى الروايتين عن ~~مالك، فإنه نقل عنه ابن وهب: الأم أحق به حتى يثغر. ولكن المشهور عنه: أن ~~الأم أحق به ما لم يبلغ. وهذه هي الرواية الثانية عن أحمد. # والرواية الثالثة عن أحمد أن الأم أحق بالغلام مطلقا، كمذهب مالك. قال في ~~رواية حنبل: في الرجل يطلق امرأته وله منها أولاد صغار، فالأم أعطف عليهم ~~مقدار ما يعقل الأدب، فيكون الأب أحق بهم ما لم تتزوج، فإذا تزوجت فالأب ~~أحق بولده غلافا كان أو جارية. # قال الشيخ أبو البركات (1): فهذه الرواية تدل على أنه إذا كبر وصار يعقل ~~الأدب فإنه يكون مقره أيضا عند الأم، لكن في وقت الأدب -وهو النهار- يكون ~~عند الأب. # وهذا مذهب مالك بعينه الذي حكيناه. فصار في المسألة ثلاث روايات. ومذهب ~~مالك في "المدونة" (2) أن الأم أحق به ما لم يبلغ، PageV03P401 # وللأب تعاهده عندها وأدبه وبعثه إلى المكتب، ولا يبيت إلا عند الأم. # قلت: وحنبل وأحمد بن الفرج كانا يسألان الإمام أحمد عن مسائل مالك وأهل ~~المدينة، كما كان يسأله إسحاق بن منصور وغيره عن مسائل سفيان الثوري وغيره، ~~وكما كان يسأله الميموني عن مسائل الأوزاعي، وكما كان يسأله إسماعيل بن ~~سعيد الشالنجي عن مسائل أبي حنيفة وأصحابه، فإنه كان قد تفقه على مذهب أبي ~~حنيفة، ثم اجتهد في مسائل كثيرة رجح فيها مذهب أهل الحديث، وسأل ms0528 عن تلك ~~المسائل أحمد وغيره، وشرحها إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني إمام دمشق. وأما ~~الذين كانوا يسألونه مطلقا -مثل الأثرم وعبد الله وصالح وغيرهم- فكثيرون. # وأما حضانة البنت إذا صارت مميزة فوجدنا عنه روايتين منصوصتين، وقد ~~نقلهما غير واحد من أصحابه، كأبي عبد الله ابن تيمية وغيره: # إحداهما: أن الأب أحق بها، كما هو موجود في الكتب المعروفة في مذهبه. # والثانية: أن الأم أحق بها. # قال في رواية إسحاق بن منصور: يقضى بالجارية للأم والخالة، حتى إذا ~~احتاجت إلى التزويج فالأب أحق بها. # وقال في رواية مهنا بن يحيى: الأم والجدة أحق بالجارية حتى يتزوج الأب. # قال أبو عبد الله في "ترغيب القاصد": وإن كانت جارية فالأب أحق بها بغير ~~تخيير، وعنه: الأم أحق بها حتى تحيض. PageV03P402 ### || CHECK - مذاهب الأئمة في هذه المسألة # وهذه الرواية الثانية هي نحو مذهب مالك وأبي حنيفة في ذلك. ففي "المدونة" ~~(1): مذهب مالك أن الأم أحق بالولد ما لم يبلغ، سواء كان ذكرا أو أنثى. ~~فإذا بلغ وهو أنثى نظرت، فإن كانت الأم في حرز ومنعة وتحصين فهي أحق بها ~~أبدا ما لم تنكح وإن بلغت أربعين سنة؟ وإن لم تكن في موضع حرز وتحصين أو ~~كانت غير مرضية في نفسها، فللأب أخذها منها. # وكذلك الأولياء والوصي كالأب في ذلك إذا أخذ إلى أمانة وتحصين. # ومذهب الليث بن سعد نحو ذلك، قال: الأم أحق بالجارية حتى تبلغ، فإن كانت ~~الأم غير مرضية في نفسها وأدبها لولدها أخذت منها إذا بلغت، إلا أن تكون ~~صغيرة لا يخاف عليها. # وأما أبو حنيفة فقال: الأم والجدة أحق بالجارية حتى تحيض، ومن سوى الأم ~~والجدة أحق بها حتى تبلغ حدا تشتهي. هذا هو المشهور، ولفظ الطحاوي (2): ~~"حتى تستغني" كما في الغلام مطلقا. # ولهذا قيل فيها كما قيل في الغلام: حتى تأكل وحدها وتلبس وحدها وتتوضأ ~~وحدها، ثم تكون مع الأب. # وأبو حنيفة أيضا يجعل الأب أحق بها بعد التمييز، كما يقول مثل ذلك في ~~الابن، لكن يستثني الأم والجدة خاصة. # وأما ms0529 المشهور عن أحمد -وهو تخيير الغلام بين أبويه- فهو مذهب الشافعي ~~وإسحاق بن راهويه. وموافقته للشافعي وإسحاق أكثر من موافقته لغيرهما، ~~وأصوله بأصولهما أشبه منها بأصول غيرهما. وكان يثني عليهما ويعظمهما ويرجح ~~أصول مذاهبهما على من ليست أصول PageV03P403 # مذاهبه كأصول مذاهبهما. وعندهم أصول فقهاء الحديث أصح من أصول غيرهم، ~~والشافعي وإسحاق هما عنده من أجل فقهاء الحديث. # وجمع بينهما بمسجد الخيف فتناظرا في مسألة رباع مكة، والقصة مشهورة (1). ~~وذكر أحمد أن الشافعي علا إسحاق بالحجة في موضع، وأن إسحاق علاه بالحجة في ~~موضع؛ فإن الشافعي كان يبيح البيع والإجارة، وإسحاق يمنع منهما، وكانت ~~الحجة مع الشافعي في جواز بيعها، ومع إسحاق في المنع من إجارتها. # وأما التخيير في الجارية فهو قول الشافعي، ولم أجده منقولا لا عن أحمد ~~ولا عن إسحاق، كما ونقل عنهما التخيير في الغلام. ولكن نقل عن الحسن بن حي ~~أنها تخير إذا كانت كاعبا. # والتخيير في الغلام هو مذهب الشافعي وأحمد -في المشهور عنه- وإسحاق، ~~للحديث الوارد في ذلك، حيث خير النبي - صلى الله عليه وسلم - غلاما بين ~~أبويه (2)، وهي قضية معينة، ولم يرد عنه نص عام في تخيير الولد مطلقا. # والحديث الوارد في تخيير الجارية ضعيف (3) مخالف لإجماعهم. PageV03P404 ### || CHECK - الفرق بين تخيير الغلام والجارية وتخيير الإمام والحاكم # والفرق بين تخيير الغلام والجارية أن هذا التخيير تخيير شهوة، لا تخيير ~~رأي ومصلحة، كتخيير من يتصرف لغيره، كالإمام والولي، فإن الإمام إذا خير في ~~الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء فعليه أن يختار الأصلح ~~للمسلمين، ثم قد يصيب ذلك الأصلح للمسلمين، فيكون مصيبا في اجتهاده حاكما ~~بحكم الله، ويكون له أجران، وقد لا يصيبه، فيثاب على استفراغ وسعه، ولا ~~يأثم بعجزه عن معرفة المصلحة. كالذي ينزل أهل حصن على حكمه، كما نزل بنو ~~قريظة على حكم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما سأله فيهم بنو عبد ~~الأشهل قال: "ألا ترضون أن أجعل الأمر إلى سيدكم سعد بن معاذ؟! فرضوا بذلك، ~~وطمع من كان يحب استبقاءهم أن سعدا يحابيهم، لما ms0530 كان بينه وبينهم في ~~الجاهلية من الموالاة. فلما أتى سعا حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ~~ذراريهم، وتغنم أموالهم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لقد حكمت ~~فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات" (1). وهذا يقتضي أنه لو حكم بغير ذلك لم ~~يكن ذلك حكما لله في نفس الأمر، وإن كان لابد من إنفاذه. # ومثل هذا ما ثبت في صحيح مسلم (2) وغيره من حديث بريدة المشهور، قال فيه: ~~"وإذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم ~~الله، فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك". PageV03P405 ### || CHECK - مسائل من تخيير الإمام # ولهذا قال الفقهاء: إنه إذا حاصر الإمام حصنا، فنزلوا على حكم حاكم، جاز ~~إذا كان رجلا مسلما حرا عدلا، من أهل الاجتهاد في أمر الجهاد، ولا يحكم إلا ~~بما فيه حظ للإسلام من قتل أو رق أو فداء. وتنازعوا فيما إذا حكم بالمن، ~~فأباه الإمام، هل يلزم حكمه أو لا يلزم؟ أو يفرق بين المقاتلة والذرية؟ على ~~ثلاثة أقوال. وإنما تنازعوا في ذلك لظن المنازع أن المن لا حظ فيه ~~للمسلمين. # والمقصود أن تخيير الإمام والحاكم الذي نزلوا على حكمه هو تخيير رأي ~~مصلحة، بطلب أي الأمرين كان أرضى لله ورسوله فعله، كما ينظر المجتهد في ~~أدلة المسائل، فأي الدليلين كان أرجح اتبعه. # ولكن معنى قولنا "يخير" أنه لا يتعين فعل واحد من هذه الأمور في كل وقت، ~~بل قد يتعين فعل هذا تارة وفعل هذا تارة. وقول الله في القرآن (فإما منا ~~بعد وإما فداء) (1) يقتضي فعل أحد الأمرين، وذلك لا يمنع تعين هذا في حال ~~وهذا في حال، كما في قوله تعالى: (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا) (2). فتربص أحد ~~الأمرين لا يمنع بعينه إذا كان الجهاد فرض عين علينا بعض الأوقات، فحينئذ ~~يصيبهم الله بعذاب بأيدينا، كما في قوله: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ~~ويخزهم ms0531 وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم) (3). # ولهذا كان عند جميع العلماء قوله تعالى في المحاربين: (إنما PageV03P406 # جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) (1) لا يقتضي أن الإمام يخير تخيير ~~مشيئة، فيفعل أي هذه الأربعة شاء، بل كلهم متفقون على أنه يتعين هذا في حال ~~وهذا في حال. # ثم أكثرهم يقولون: تلك الأحوال مضبوطة بالنص، فإن قتلوا تعين قتلهم، وإن ~~أخذوا المال ولم يقتلوا تعين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، كما هو مذهب أبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد (2)، وروي في ذلك حديث مرفوع (3). # ومنهم من يقول: بل التعيين باجتهاد الإمام، كقول مالك، فإن رأى أن القتل ~~هو المصلحة قتل، وإن لم يكن قد قتل. # ومن هذا الباب تخيير الإمام في الأرض المفتوحة عنوة بين جعلها فيئا ~~وجعلها غنيمة، كما هو قول الأكثرين كأبي حنيفة والثوري وأبي عبيد وأحمد في ~~المشهور عنه، فإنهم قالوا: إن رأى المصلحة في جعلها غنيمة قسمها بين ~~الغانمين، كما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر؛ وإن رأى أن لا ~~يقسمها جاز، كما لم يقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة مع أنه فتحها ~~عنوة، كما شهدت بذلك الأحاديث الصحيحة والسيرة المستفيضة، وكما قاله جمهور ~~العلماء. ولأن خلفاءه بعده أبا بكر وعمر وعثمان PageV03P407 # فتحوا ما فتحوه من أرض المغرب والروم وفارس، كالعراق والشام ومصر ~~وخراسان، ولم يقسم أحد من الخلفاء شيئا من العقار المغنوم بين الغانمين، لا ~~السواد ولا غير السواد، بل جعلوا العقار فيئا للمسلمين داخلا في قوله (ما ~~أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول) الآية (1). ولم يستأذنوا ~~في ذلك الغانمين، بل طلب أكابر الغانمين قسمة العقار، فلم يجيبوهم إلى ذلك، ~~كما طلب بلال من عمر أن يقسم أرض الشام، وطلب منه الزبير أن يقسم أرض مصر، ~~فلم يجيبوهم إلى ذلك. ولم يستطب أحد من ms0532 الخلفاء أحدا من الغانمين في ذلك، ~~فضلا عن أن يستطيب أنفس جميع الغانمين. # وهذا مما احتج به من جعل الأرض فيئا بنفس الفتح، ومن نصر مذهبه كإسماعيل ~~بن إسحاق وغيره، وقالوا: الأرض ليست داخلة في الغنيمة؛ فإن الله حرم على ~~بني إسرائيل المغانم وملكهم العقار، فعلم أنه ليس من المغانم. وهذا القول ~~يذكر رواية عن أحمد، كما ذكر عنه رواية ثالثة كقول الشافعي: أنه يجب قسمة ~~العقار والمنقول، لأن الجميع مغنوم. # وقال الشافعي: إن مكة لم تفتح عنوة بل صلحا، فلا يكون فيها حجة. ومن حكى ~~عنه أنه قال: إنها فتحت عنوة -كصاحب "الوسيط" (2) وفروعه- فقد غلط عليه. ~~وقال في السواد: لا أدري ما أقول فيه، إلا أني أظن فيه ظنا مقرونا بعلم وظن ~~أن عمر استطاب أنفس الغانمين، لما روي من قصة المثنى بن حارثة. وبسط هذا له ~~موضع آخر. PageV03P408 # وقول الجمهور أعدل الأقاويل، وأشبهها بالكتاب والسنة والأصول، وهم الذين ~~قالوا: يخير الإمام بين الأمرين تخيير رأي ومصلحة، لا تخيير شهوة ومشيئة، ~~وهكذا سائر ما يخير فيه ولاة الأمر ومن تصرف لغيره بولاية، كناظر الوقف ~~ووصي اليتيم والوكيل المطلق، لا يخيرون تخيير مشيئة وشهوة، بل تخيير اجتهاد ~~ونظر وطلب، ويجزى للأصلح. # كالرجل المبتلى بعدوين، وهو مضطر إلى الابتداء بأحدهما، فيبتدئ بماله ~~نفع. وكالإمام في تولية من ولاه الحرب والحكم والمال يختار الأصلح فالأصلح. ~~فمن ولى رجلا على عصابة، وهو يجد فيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ~~وخان رسوله وخان المؤمنين. # وهذا بخلاف من خير بين شيئين وله أن يفعل أيهما شاء، كالمكفر إذا خير بين ~~الإطعام والكسوة والعتق، فإنه وإن كان أحد الخصال أفضل فيجوز له فعل ~~المفضول. وكذلك لابس الخف إذا خير بين المسح وبين الغسل، وإن كان أحدهما ~~أفضل. وكذلك المصلي إذا خير بين الصلاة في أول الوقت وآخره، وإن كان أحدهما أفضل. # وكذلك تخيير الآكل والشارب بين أنواع الأطعمة والأشربة المباحة، وإن كان ~~نفس الأكل والشرب واجبا عند الضرورة، حتى إذا تعين المأكول وجب ms0533 أكله وإن ~~كان ميتة، فمن اضطر إلى أكل الميتة وجب عليه أكلها في المشهور عن الأئمة ~~الأربعة وغيرهم من أهل العلم. # وكذلك تخيير الحاج بين التمتع والإفراد والقران عند الجمهور الذين يخيرون ~~الثلاثة. وتخيير المسافر بين الفطر والصوم عند الجمهور. # وأما من يقول: لا يجوز أن يحج إلا متمتعا، وأنه يتعين الفطر في السفر، ~~كما يقوله طائفة من السلف والخلف من أهل السنة والشيعة، فلا يجيء هذا على ~~أصلهم. وكذلك القصر عند الجمهور PageV03P409 ### || CHECK - تعين الأم في حق الطفل غير المميز ### || CHECK - الصبي المميز يخير تخيير شهوة # الذين يقولون: ليس للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ليس له أن يصلي أربعا، ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في السفر قط إلا ركعتين، ولا أحد ~~من أصحابه في حياته. وحديث عائشة التي تذكر فيه أنه أو أنها صلت في حياته ~~في السفر أربعا كذب عند حداق أهل العلم بالحديث، كما قد بسط في موضعه (1). # إذ المقصود هنا أن التخيير في الشرع نوعان، فمن خير فيما يفعله لغيره ~~بولايته عليه، أو بوكالة مطلقة، لم يبح له فيها فعل ما شاء، فعليه أن يختار ~~الأصلح. وأما من تصرف لنفسه، فتارة يأمره الشارع باختيار ما هو الأصلح بحسب ~~اجتهاده، كما يأمر المجتهد بطلب أقوى الآراء بل وأصلح الأحكام في نفس ~~الأمر. وتارة يبيح له ما شاء من الأنواع التي خير بينهما، كما تقدم. هذا ~~إذا كان مكلفا. # وأما الصبي المميز فيخير تخيير شهوة، حيث كان كل من الأبوين نظير الآخر، ~~ولم ينضبط في حقه حكم عام للأب أو الأم، فلا يمكن أن يقال: كل أب فهو أصلح ~~للمميز من الأم، ولا كل أم فهي أصلح له من الأب. بل قد يكون بعض الآباء ~~أصلح، وبعض الأمهات أصلح، وقد يكون الأب أصلح في حال، والأم أصلح في حال. ~~فلم يمكن أن يعتبر أحدهما في هذا. بخلاف الصغير، فإن الأم أصلح له من الأب، ~~لأن النساء أوثق بالصغير وأخبر بتغذيته وحمله وتنويمه وتنويله، وأصبر على ms0534 ~~ذلك وأرحم به، فهي أقدر وأخبر وأرحم وأصبر في هذا الموضع. فتعينت الأم في ~~حق الطفل غير المميز بالشرع. # ولكن بقي تنقيح المناط: هل عينهن الشارع لكون قرابة الأم PageV03P410 # مقدمة على قرابة الأب في الحضانة أو لكون النساء أقوم بمقصود الحضانة من ~~الرجال؟ وهذا فيه قولان للعلماء، يظهر أثرهما في تقديم نساء العصبة على ~~أقارب الأم، مثل: أم الأم، وأم الأب، والأخت من الأم، والأخت من الأب، ~~ومثل: العمة والخالة، ونحو ذلك. # هذا فيه قولان هما روايتان عن أحمد. # وأرجح القولين في الحجة تقديم نساء العصبة، فتقدم الأخت من الأب على ~~الأخت من الأم، وخالة الأب على خالة الأم. وهو الذي ذكره الخرقي في ~~"مختصره" (1) وأبو الحسن الآمدي وغيرهما من الأصحاب. # وعلل ذلك من علله -كأبي الحسن الآمدي- في مثل تقديم خالة الأب على خالة ~~الأم، فإن قرابتها فيها رحم وتعصيب، بخلاف قرابة الأم، فإن فيها رحما بلا ~~تعصيب. فأم الأب مقدمة على أم الأم، والأخت من الأب مقدمة على الأخت من ~~الأم، والعمة مقدمة على الخالة. كما يقدم أقارب الأب من الرجال على أقارب ~~الأم، فالأخ للأب أولى من الأخ للأم، والعم أولى من الخال. بل قد قيل: إنه ~~لا حضانة للرجال من أقارب الأم بحال، وإن الحضانة لا تثبت إلا لرجل من ~~العصبة أو لامرأة وارثة، أو مدلية بعصبة أو وارث، فإن عدموا فالحاكم. # وعلى الوجه الثاني فلا حضانة للرجال في أقارب الأم. وهذان الوجهان في ~~مذهب الشافعي وأحمد. فلو كانت جهة الأمومة راجحة لترجح رجالها ونساؤها، ~~فلما لم يترجح رجالها بالاتفاق فكذلك نساؤها. PageV03P411 ### || CHECK - تقديم جنس نساء الأم على جنس نساء الأب مخالف للأصول والمعقول # وأيضا فمجموع أصول الشرع إنما يقدم أقارب الأب في الميراث والعقل والنفقة ~~وولاية الموت والمال وغير ذلك، لم يقدم الشارع قرابة الأم في حكم من ~~الأحكام، فمن قدمهن في الحضانة فقد خالف أصول الشريعة. # ولكن قدموا الأم لكونها امرأة، وجنس النساء مقدمات في الحضانة على ~~الرجال. وهذا يقتضي تقديم الجدة أم الأب على ms0535 الجد، كما قدمت الأم على الأب، ~~وتقديم أخواته على إخوته، وعماته على أعمامه، وخالاته على أخواله. هذا هو ~~القياس والاعتبار الصحيح. # وأما تقديم جنس نساء الأم على جنس نساء الأب فمخالف للأصول والمعقول، ~~ولهذا كان من قال هذا في موضع يتناقض، ولا يطرد أصله. # ولهذا تجد لمن لم يضبط أصل الشرع ومقصوده في ذلك أقوالا متناقضة، حتى ~~يوجد في الحضانة من الأقوال المتناقضة أكثر مما يوجد في غيرها من هذا ~~الجنس. فمنهم من يقدم أم الأم على أم الأب، كأحد القولين في مذهب أحمد، وهو ~~قول مالك والشافعي وأبي حنيفة. ثم من هؤلاء من يقدم الأخت من الأب على ~~الأخت من الأم، ثم يقدم الخالة على العمة، كقول الشافعي في الجديد وطائفة ~~من أصحاب أحمد. وبنوا قولهم على أن الخالات مقدمات على العمات لكونهن من ~~جهة الأم، ثم قالوا في العمات والخالات والأخوات: من كانت لأبوين أولى، ثم ~~من كانت لأب، ثم من كانت لأم. # وهذا الذي قالوه هنا موافق لأصول الشرع، لكن إذا ضم هذا إلى قولهم بتقديم ~~قرائب الأم ظهر التناقض. وهم أيضا قالوا بتقديم أمهات الأب والجد على ~~الخالات والأخوات للأم، وهذا موافق لأصول الشرع؛ لكنه يناقض هذا الأصل، ~~ولهذا قالوا في القول PageV03P412 ### || CHECK - إمعان زفر في طرد القياس، وبيان ذلك # الآخر: إن الخالة والأخت للأم أولى من أم الأب، كقول الشافعي القديم. ~~وهذا أطرد لأصلهم، لكنه في غاية المناقضة لأصول الشرع. # وطائفة أخرى طردت أصلها، فقدمت من الأخوات من كانت لأم على من كانت لأب، ~~كقول أبي حنيفة والمزني وابن سريج. وبالغ بعض هؤلاء في طرد قياسه، حتى قدم ~~الخالة على الأخت من الأب، كقول زفر ورواية عن أبي حنيفة، ووافقهم ابن ~~سريج. ولكن أبو يوسف استشنع ذلك، فقدم الأخت للأب، ورواه عن أبي حنيفة. # وروي عن زفر أنه أمعن في طرد قياسه، حتى قال: إن الخالة أولى من الجدة أم ~~الأب. وقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: لا تأخذوا بمقاييس زفر، فإنكم إذا ~~أخذتم ms0536 بمقاييس زفر حرمتم الحلال وحللتم الحرام. وكان يقول في القياس: قياس ~~زفر أقبح من البول في المسجد. # وزفر كان معروفا بالإمعان في طرد قياسه، لكن الشأن في الأصل الذي قاس ~~عليه وفي علة الحكم في الأصل، وهو جواب سؤال المطالبة، فمن أحكم هذا الأصل ~~استقام قياسه. # وهذا كما أن زفر اعتقد أن النكاح إلى أجل يبطل فيه التوقيت، ويصح النكاح ~~لازما. وخرج بعضهم ذلك قولا في مذهب أحمد. # فكان مضمون هذا القول أن نكاح المتعة يصخ لازما غير موقت، وهو خلاف ~~النصوص وخلاف إجماع السلف. والأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين، لم يكن ~~لمن بعدهم إحداث قولي يناقض القولين، ويتضمن إجماع السلف على الخطأ والعدول ~~عن الصواب. وليس في السلف من يقول في المتعة إلا أنه باطل، أو يصخ مؤجلا، ~~فالقول بلزومه مطلقا خلاف الإجماع. # وسبب هذا القول اعتقادهم أن كل شرط فاسد في النكاح فإنه يبطل، PageV03P413 # وينعقد النكاح لازما بدون حصول غرض المشترط. فألزموه ما لم يلتزمه ولا ~~ألزمه به الشارع، ولهذا صحح من قال ذلك نكاح الشغار ونحوه مما شرط فيه نفي ~~المهر، وصححوا نكاح التحليل لازما مع إبطال شرط التحليل، وأمثال ذلك. # وقد ثبت في الصحيحين (1) عن عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج". فدك النص ~~على أن الوفاء بالشروط في النكاح أولى منه بالوفاء بالشروط في البيع، فإذا ~~كانت الشروط الفاسدة في البيع لا يلزم العقد بدونها، بل إما أن يبطل العقد، ~~وإما أن يثبت الخيار لمن فات غرضه بالاشتراط إذا بطل الشرط، فكيف بالشروط ~~في النكاح؟. # وأصل عمدتهم كون النكاح يصح بدون تقدير الصداق، كما ثبت بالكتاب والسنة ~~والإجماع. فقاسوا النكاح الذي شرط فيه نفي المهر على النكاح الذي ترك تقدير ~~الصداق فيه، كما فعل أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأكثر متأخري أصحاب أحمد. ثم ~~طرد أبو حنيفة قياسه، فصحح نكاح الشغار بناء على أن لا موجب لفساده إلا ~~إشغاره عن ms0537 المهر، وهذا ليس مفسدا. # وأما الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد فتكلفوا الفرق بين الشغار وغيره، ~~بأن فيه تشريكا في البضع أو تعليقا للعقد أو غير ذلك، مما قد بسط في غير ~~هذا الموضع (2)، وبين فيه أن كل هذه فروق غير مؤثرة، وأن الصواب مذهب أهل ~~المدينة مالك وغيره، PageV03P414 # وهو المنصوص عن أحمد في عامة أجوبته، وعليه أكثر قدماء أصحابه: أن العلة ~~في إفساده هي شرط إشغار النكاح عن المهر، وأن النكاح ليس بلازم إذا شرط فيه ~~نفي المهر أو مهر فاسد. فإن الله فرض فيه المهر، فلم يحل لغير الرسول ~~النكاح بلا مهر. فمن تزوج بشرط أن لا يجب مهر فلم يعقد النكاح الذي أذن ~~الله فيه، فإن الله إنما أباح العقد لمن يبتغي بماله محصنا غير مسافح، كما ~~قال تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) ~~(1). فمن طلب النكاح بلا مهر فلم يفعل ما أحل الله. وهذا بخلاف من اعتقد ~~أنه لابد من مهر لكن لم يقدره، كما قال تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) إلى قوله (وإن طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة) الآية (2). فهذا نكاح المهر المعروف، وهو ~~مهر المثل. # قالوا: فهذا هو الفرق بين النكاح وبين البيع، فإن البيع بثمن المثل -وهو ~~السعر- أو الإجارة بثمن المثل لا يصح، بخلاف النكاح. # وقد سلم لهم هذا الأصل الذي قاسوا عليه الشافعي وكثير من أصحاب أحمد في ~~البيع. وأما في الإجارة فأصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم يقولون: إنه ~~يجب أجرة المثل فيما جرت العادة فيه في مثل ذلك، كمن دخل حمام حمامي يدخلها ~~الناس بالكراء، أو سكن في خان أو حجرة جرت عادتهم بذلك، أو دفع طعامه أو ~~خبزه إلى من يطبخ أو يخبز بالأجرة، أو ثيابه إلى من يغسل بالأجرة، أو PageV03P415 ### || CHECK - تخيير الصبي أولى من تعيين أحد الأبوين ### || CHECK - عود إلى مسائل الحضانة # ركب دابة مكارئ يكاري بالأجرة، أو ms0538 سفينة ملاح يركب الناس بالأجرة. فإن ~~هذه إجارة عرفية عند جمهور العلماء، وتجب فيها أجرة المثل وإن لم يشترط ~~ذلك. فهذه إجارة بأجرة المثل. وكذلك لو ابتاع طعاما بمثل ما ينقطع به ~~السعر، أو بسعر ما يبيع الناس، أو بما اشتراه به من بلده أو برقمه، فهذا ~~يجوز في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. # وقد نص أحمد على هذه المسائل ومثلها في غير موضع، وإن كان كثير من متأخري ~~أصحابه لا يوجد في كتبهم إلا القول الآخر بفساد هذه العقود، كقول الشافعي ~~وغيره. وبسط هذه المسائل في مواضع أخر. # والمقصود هنا كان مسائل الحضانة، وأن الذين اعتقدوا أن الأم قدمت لتقدم ~~قرابة الأم لما كان أصلهم ضعيفا كانت فروعهم اللازمة للأصل الضعيف ضعيفة، ~~وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم. بل الصواب بلا ريب أنها قدمت لكونها ~~أنثى، فتكون المرأة أحق بحضانة الصغير من الرجل، فتقدم الأم على الأب، ~~والجدة على الجد، والأخت على الأخ، والخالة على الخال، والعمة على العم. ~~وأما إذا اجتمع امرأة بعيدة ورجل قريب، فهذا لبسطه موضع آخر، إذ المقصود ~~هنا ذكر مسألة الصغير المميز، والفرق بين الصبية والصبي. # فتخيير الصبي الذي وردت به السنة أولى من تعيين أحد الأبوين له، ولهذا ~~كان تعيين الأب كما قال مالك وأحمد في رواية، والتخيير تخيير شهوة. ولهذا ~~قالوا: إذا اختار الأب مدة ثم اختار الأم فله ذلك. حتى قالوا: متى اختار ~~أحدهما ثم اختار الآخر نقل إليه، وكذلك إن اختار ابتداء. وهذا قول القائلين ~~بالتخيير: الحسن بن صالح والشافعي وأحمد بن حنبل. وقالوا: إذا اختار الأم ~~كان عندها ليلا، PageV03P416 ### || CHECK - التعيين في حق البنت أولى من التخيير # وأما بالنهار فيكون عند الأب ليعلمه ويؤدبه. هذا مذهب الشافعي وأحمد، ~~وكذلك قال مالك، وهو يقول: يكون عندها بلا تخيير، للأب تعاهده عندها وأدبه ~~وبعثه إلى المكتب، ولا يبيت إلا عند الأم. # قال أصحاب الشافعي وأحمد: وإن اختار الأب كان عنده ليلا ونهارا، ولم يمنع ~~من زيارة أمه، ولا تمنع الأم من ms0539 تمريضه إذا اعتل. # فأما البنت إذا خيرت -فكانت عند الأم تارة وعند الأب تارة- أفضى ذلك إلى ~~كثرة مرورها وتبرجها وانتقالها من مكان إلى مكان، ولا يبقى الأب موكلا ~~بحفظها ولا الأم موكلة بحفظها، وقد عرف بالعادة أن ما تناوب الناس على حفظه ~~ضاع. ومن الأمثال السائرة: لا تصلح القدر بين طباختين. # وأيضا فاختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر في الإحسان والصيانة، فلا يبقى ~~الأب تام الرغبة في حفظها، ولا الأم تامة الرغبة في حفظها. وليس الذكر ~~كالأنثى، كما قالت امرأة عمران (1) (رب إني نذرت لك ما في بطني محررا) إلى ~~قوله (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ~~كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) ~~فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا) إلى قوله (وما ~~كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم). فهذه مريم احتاجت إلى من ~~يكفلها ويحضنها، حتى اقترعوا على كفالتها، فكيف بمن سواها من النساء؟ # وهذا أمر يعرف بالتجربة: أن المرأة تحتاج من الحفظ والصيانة إلى ما لا ~~يحتاج إليه الصبي، وكل ما كان أستر لها وأصون كان أصلح لها. PageV03P417 # ولهذا كان لباسها المشروع لباسا لما يسترها، ولعن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من يلبس منهن لباس الرجال (1)، وقال لأم سلمة في عصابتها: "لية لا ~~ليتين"، رواه أبو داود وغيره (2). وقال في الحديث الصحيح (3): "صنفان من ~~أهل النار من أمتي لم أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، على ~~رؤوسهن مثل أسنمة البخت، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها؛ ورجال معهم سياط ~~مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله". # وأيضا فأمرت المرأة في الصلاة أن تتجمع ولا تجافي بين أعضائها، وفي ~~الإحرام أن لا ترفع صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها، وأن لا ترقى فوق الصفا ~~والمروة، كل ذلك لتحقيق سترها وصيانتها. ونهيت أن تسافر إلا مع زوج أو ذي ~~محرم، لحاجتها في حفظها إلى الرجال مع كبرها ومعرفتها. فكيف إذا كانت صغيرة ~~مميزة، وقد ms0540 بلغت سن ثوران الشهوة فيها، وهي قابلة للانخداع؟ وفي الحديث: ~~"النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه" (4). # فهذا مما يبين أن مثل هذه الصبية المميزة من أحوج النساء إلى حفظها ~~وصونها، وترددها بين الأبوين مما يخل بذلك، من جهة أنها هي لا يجتمع قلبها ~~على مكان معين، ولا يجتمع قلب أحد الأبوين PageV03P418 ### || CHECK - الخلاف في تعيين الأب أو الأم لها وسبب ذلك # على حفظها، ومن جهة أن تمكينها من اختيار هذا تارة وهذا تارة يخل بكمال ~~حفظها، وهو ذريعة إلى ظهورها ومرورها، فكان الأصلح لها أن تجعل عند أحد ~~الأبوين مطلقا، ولا تمكن من التخيير، كما قال ذلك جمهور علماء المسلمين ~~مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم. # وليس في تخييرها نص صريح ولا قياس صحيح. # والفرق ظاهر بين تخييرها وتخيير الابن، لاسيما والذكر محبوب مرغوب فيه، ~~فلو اختار أحدهما كانت محبة الآخر له تدعوه إلى مراعاته. والبنت مزهود ~~فيها، فأحد الوالدين قد يزهد فيها مع رغبتها فيه، فكيف مع زهدها فيه؟ ~~فالأصلح لها لزوم أحدهما لا التردد بينهما. # ثم هنا يحصل الاجتهاد في تعيين أحدهما. فمن عين الأم -كمالك وأبي حنيفة ~~وأحمد في إحدى الروايتين- لابد أن يراعوا مع ذلك صيانة الأم لها، ولهذا ~~قالوا ما ذكره مالك والليث وغيرهما: إذا لم تكن الأم في موضع حرز وتحصين أو ~~كانت غير مرضية فللأب أخذها منها. وهذا هو الذي راعاه أحمد في الرواية التي ~~اشتهرت عند أصحابه، حتى لم يذكر أكثرهم في ذلك نزاعا، وقد عللوا ذلك ~~بحاجتها إلى الحفظ والتزويج، والأب أقوم لذلك من الأم، فإنه إذا كان لابد ~~من رعاية حفظها وصيانتها، وأن للأب أن ينتزعها من الأم إذا لم تكن حافظة ~~لها بلا ريب، فالأب أقدر على حفظها وصيانتها من الأم، وهي مميزة لا تحتاج ~~في بدنها إلى أحد. والأب له من الهيبة والحرمة ما ليس للأم. # وأحمد وأصحابه إنما يقدمون الأب إذا لم يكن عليها في ذلك ضرر، فلو قدر أن ~~الأب عاجز عن حفظها وصيانتها، أو يهمل ms0541 حفظها لاشتغاله عنها أو لقلة دينه، ~~والأم قائمة بحفظها وصيانتها، فإنه تقدم الأم في هذه الحال. PageV03P419 ### || CHECK - لا حضانة لفاسق # فكل ما قدمناه من الأبوين إنما نقدمه إذا حصل به مصلحتها واندفعت به ~~مفسدتها، فأما مع وجود فساد أمرها مع أحدهما فالآخر أولى به بلا ريب. حتى ~~الصغير إذا اختار أحد أبويه وقدمناه إنما نقدمه بشرط حصول مصلحته وزوال ~~مفسدته، فلو قدرنا أن الأب أقرب لكن لا يصونه والأم تصونه لم يلتفت إلى ~~اختيار الصبي، فإنه ضعيف العقل، قد يختار أحدهما لكونه يوافق هواه الفاسد، ~~ويكون الصبي قصده الفجور ومعاشرة الفجار، وترك ما ينفعه من العلم والدين ~~والأدب والصناعة، فيختار من أبويه من يحصل له معه ما يهواه، والآخر يذوده ~~ويصلحه. ومتى كان كذلك فلا ريب أنه لا يمكن ممن يفسد معه حاله. # ولهذا قال أصحاب الشافعي وأحمد: إنه لا حضانة لفاسق، وكذلك قال الحسن بن ~~حي. وقال مالك: كل من له الحضانة من أب أو ذات رحم أو عصبة ليس له كفاية، ~~ولا موضعه بحرز، ولا يؤمن في نفسه= فلا حضانة له. والحضانة لمن فيه ذلك وإن ~~بعد، وينظر للولد في ذلك بالذي هو أكفأ وأحرز، فرب والد يضيع ولده. # وكذلك قالوا -وهذا لفظ القاضي أبي يعلى في "خلافه"-: إنما يكون التخيير ~~بين أبوين مأمونين عليه، يعلم أنه لا ضرر عليه من كونه عند واحد منهما. ~~فأما من لا يقوم بأمره ويخليه للعب فلا يثبت التخيير في حقه. # والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها ~~لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" (1). فمتى كان أحد الأبوين يأمره بذلك، PageV03P420 # والآخر لا يأمره، كان عند الذي يأمره بذلك دون الآخر، لأن ذلك الآمر له ~~هو المطيع لله ورسوله في تربيته، والآخر عاص الله ورسوله. # فلا يقدم من يعصي الله فيه على من يطيع الله فيه، بل يجب إذا كان أحد ~~الأبوين يفعل معه ما أمر الله به ورسوله، ويترك ما حرم الله ورسوله، والآخر ~~لا يفعل معه الواجب، أو ms0542 يفعل معه الحرام= قدم من يفعل الواجب ولو اختار ~~الصبي غيره، بل ذلك العاصي لا ولاية له عليه بحال. # بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له، بل إما أن يرفع يده عن ~~الولاية ويقام من يفعل الواجب؛ وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب. فإذا ~~كان مع حصوله عند أحد الأبوين يحصل طاعة الله ورسوله لاحقه، ومع حصوله عند ~~الآخر لا يحصل له= قدم الأول قطعا. وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل ~~بالرحم والنكاح والولاء، وإن كان الوارث حاضرا وعاجزا، بل هو من جنس ~~الولاية ولاية النكاح والمال التي لابد فيها من القدرة على الواجب وفعله ~~بحسب الإمكان. # وإذا قدر أن الأب تزوج بضرة، وهو يتركها عند ضرة أفها، لا تعمل مصلحتها ~~بل تؤذيها أو تقصر في مصلحتها، وأمها تعمل مصلحتها ولا تؤذيها، فالحضانة ~~هنا للأم قطعا، ولو قدر أن التخيير مشروع وأنها اختارت الأم، فكيف إذا لم ~~يكن كذلك؟ # ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس له نص عام على تقديم أحد الأبوين ~~مطلقا، ولا تخيير أحد الأبوين مطلقا. والعلماء متفقون على أنه لا يتعين ~~أحدهما مطلقا، بل مع العدوان والتفريط والفساد والضرر لا يقدم من يكون كذلك ~~على البر العادل المحسن القائم بالواجب. PageV03P421 # وقد عللوا أيضا تقديم الأب بعلة ثانية: بأنها إذا صارت مميزة صارت ممن ~~تخطب وتزوج، واحتاجت إلى تجهيزها. فإذا كانت عند الأب كان أنظر لها وأحرص ~~على تجهيزها وتزويجها مما إذا كانت عند الأم. # وأبو حنيفة يوافق أحمد على أن الأب أحق بها من الخالة والأخت والعمة ~~وسائر النساء، بخلاف ما قاله في الصبي، فإنه جعل الأب أحق به مطلقا. لكن ~~قال: الأم والجدة أحق من الأب. فكلاهما قدم الأب وغيره من العصبة على ~~النساء، لكن أحمد طرد القياس، فقدمه على جميع النساء، وأبو حنيفة فرق بين ~~عمود النسب وغيره. والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال: "الخالة أم" (1). ~~فإذا قدم الأب على النساء اللائي يقدمن عليه في ms0543 حال صغرها دل ذلك على أن ~~الأب أقوم بمصلحة ابنته من النساء. وتبين أن أصل هذا القول ليس في مفردات ~~أحمد، بل هو طرد فيه قياسه. وبكل حال فهو قول قوي متوجه، ليس بأضعف من غيره ~~من الأقوال المقولة في الحضانة، وليس قول من رجح الأم مطلقا بأقوى منه. # ومما يقوي هذا القول أن الولد مطلقا إذا تعين أن يكون في مدينة أحد ~~الأبوين دون الآخر، وكان الأب ساكنا في مصير والأم ساكنة في مصر آخر، فالأب ~~أحق به مطلقا، سواء كان ذاكرا أو أنثى عند عامة العلماء، كشريح القاضي ~~وكمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، حتى قالوا: إن الأب إذا أراد سفر نقلة لغير ~~الضرار إلى مكان بعيد فهو أحق به، لأن كونه مع الأب أصلح له، لحفظ نسبه ~~وكمال تربيته PageV03P422 ### || CHECK - من أحق بالغلام أو الجارية بعد البلوغ؟ # وتعليمه وتأديبه، وأنه مع الأم تضيع مصلحته. ولا يختر الغلام هنا عند ~~أحدهما لا يخرج إلى الأحق، فالأب أيضا أحق، لأن كونه عند الأب أصلح له. ~~وهذا المعنى منتف في الابن، لأنه يختر، ولأن تردد الابن بينهما لا مضرة ~~عليه فيه، بخلاف البنت. # واتفقوا كلهم على أن الأم لو أرادت أن تسافر بالذكر أو الأنثى من المصر ~~الذي فيه عقد النكاح فالأب أحق به، فلم يرجح أحد منهم الأم مطلقا. فدل ذلك ~~على أن ترجيحها في حضانة الولد مطلقا -ذكرا كان أو أنثى- مخالف لهذا الأصل ~~الذي اتفقوا عليه. وعلم أنهم متفقون على ترجيح جانب الأب عند تعذر الجمع ~~بينهما، وهذا ثابت في الولد وإن كان طفلا يكون في بلد أبيه، بخلاف ما إذا ~~كان الأبوان في مصر واحد، فهاهنا هو مع الصغر للأم، لأن في ذلك جمعا بين ~~المصلحتين. # ومما يقويه أيضا أن الغلام إذا بلغ معتوها كانت حضانته للأم كالصغير، وإن ~~كان عاقلا كان أمره إلى نفسه، ليسكن حيث شاء إذا كان مأمونا على نفسه، عند ~~الأئمة الأربعة وغيرهم. فإن كان غير مأمون على نفسه فلم يجعل أحد الولاية ~~عليه للأم، ms0544 بل قالوا: للأب ضمه إليه وتأديبه، والأب يمنعه من السلفة. # وأما الجارية إذا بلغت فنقل عن مالك: الوالد أحق بضمها إليه حتى تزوج ~~ويدخل بها الزوج، ثم هي أحق بنفسها، وتسكن حيث شاءت، إلا أن يخاف منها هوى ~~أو ضيعة أو سوء موضع، فيمنعها الأب بضمها إليه. # وقد تقدم في "المدونة" (1): أن الأم أحق بها ما لم تنكح، وإن PageV03P423 # بلغت أربعين سنة. وكذلك قال أبو حنيفة في البكر، قال: الأب أحق بها ~~مأمونة كانت أو غير مأمونة، والثيب هي أحق بنفسها إذا كانت مأمونة. وقال ~~الشافعي: هي أحق بنفسها إذا كانت مأمونة، بكرا كانت أو ثيبا. # وفي مذهب أحمد ثلاثة أقوال ذكرها في "المحرر" (1) روايتين ووجها: # أحدها: أنها تكون عند الأب حتى تتزوج ويدخل بها الزوج. # وهذا هو الذي نصره القاضي وغيره في كتبهم، وقالوا: إن الجارية إذا بلغت ~~وكانت بكرا فعليها أن تكون مع أبيها، حتى تتزوج ويدخل بها الزوج. ولم ~~يذكروا فيه نزاعا. # والرواية الثانية عن أحمد: تكون عند الأم. وهذه الرواية إنما أخذها الشيخ ~~أبو البركات من الرواية المتقدمة أن حضانتها تكون للأم ما لم تتزوج، فإنه ~~على هذه الرواية نقل عن أحمد فيها روايتين، فإن أحمد قال في تلك الرواية: ~~الأم والجدة أحق بالجارية ما لم تتزوج. # فجعلها أحق بها ما لم تتزوج في رواية مهنا. وقال في رواية ابن منصور: ~~يقضى بالجارية للأم والخالة، حتى إذا احتاجت إلى التزويج فالأب أحق بها. ~~فهنا قال عند الحاجة إلى التزويج للأب، وإن كانت لم تتزوج بعد، وهذا يكون ~~بالبلوغ. # وأما القول الثالث في مذهبه وهو أنها إذا بلغت تكون حيث شاءت كالغلام، ~~فهذا يجيء على قول من يخيرها كما يخير الغلام. فمن خير الغلام قبل بلوغه ~~كان أمره بعد البلوغ إلى نفسه، كما قاله PageV03P424 ### || CHECK - الكلام على الحديث الوارد في تقديم الأم على الأب في حق الصغير ### || CHECK - جعل البنت المميزة عند الأب أرجح # الشافعي وأحمد وغيرهما. لكن أبو البركات حكى هذه الأقوال الثلاثة في ~~"محرره" (1) في ms0545 البالغة، وهي مطابقة للأقوال الثلاثة التي ذكرناها في غير ~~البالغة، فإنه على المشهور عند أصحاب أحمد أنها إذا كانت قبل البلوغ عند ~~الأب فهي بعد البلوغ أولى أن تكون عند الأب منها عند الأم، فإن أبا حنيفة ~~وأحمد في رواية ومالكا يجعلونها قبل البلوغ للأم، وبعد البلوغ جعلوها عند ~~الأب. وهذا يدل على أن الأب أحفظ لها وأصون وأنظر في مصلحتها، فإذا كان ~~كذلك فلا فرق بين ما قبل البلوغ وما بعده في ذلك. # فتبين أن هذا القول -وهو جعل البنت المميزة عند الأب- أرجح من غيره. ~~والله أعلم. # فصل # والتخيير قد جاء فيه حديثان. وأما تقديم الأم على الأب في حق الصغير ~~فمتفق عليه، وقد جاء فيه حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن امرأة قالت: ~~يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له ~~سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال: "أنت أحق به ما لم تنكحي". رواه أحمد ~~(2) وأبو داود (3)، لكن في لفظه: "وأن أباه طلقني وزعم أنه ينتزعه مني". # وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا ~~افترقا ولهما ولد طفل أن الأم أحق به ما لم تنكح، وممن حفظنا عنه ذلك: يحيى ~~الأنصاري والزهري ومالك والثوري PageV03P425 ### || CHECK - الكلام على الحديثين الواردين في التخيير # والشافعي وأحمد وإسحاق، وبه نقول. وقد روينا عن أبي بكر الصديق أنه حكم ~~على عمر به، وبصبي لعاصم لأمه أم عاصم، وقال: حجرها وريحها ومسها خير له ~~منك حتى يشب فيختار. # وأما التخيير: فعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير غلاما ~~بين أبيه وأمه. # رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه (1)، ورواه أبو داود (2) وقال فيه: ~~"إن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد ~~سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"استهما عليه". قال زوجها: من يحاققني في ولدي؟ فقال النبي - صلى الله ms0546 عليه ~~وسلم -: "هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت". فأخذ بيد أمه، فانطلقت ~~به. ورواه النسائي (3) كذلك، ولم يذكر "استهما عليه". ورواه أحمد (4) كذلك ~~أيضا، لكنه قال فيه: "جاءت امرأة قد طلقها زوجها"، ولم يذكر فيه قولها "قد ~~سقاني ونفعني". # وقد روي تخيير الغلام بين أبويه عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي ~~هريرة، فروى سعيد بن منصور وغيره (5) أن عمر بن الخطاب خير غلاما بين أبيه ~~وأمه. وعن عمارة الجرمي أنه قال: خيرني علي بين عمي وأمي وكنت ابن سبع أو ~~ثمان (6). وروي نحو ذلك عن PageV03P426 # أبي هريرة (1)، ولم يعرف لهم مخالف، مع أنها في مظنة الاشتهار وأما ~~الحديث الثاني فرواه عبد الحميد بن جعفر الأنصاري عن جده أن جده أسلم وأبت ~~امرأته أن تسلم، فجاء بابن له صغير لم يبلغ، قال: فأجلس النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الأب هاهنا والأم هاهنا، ثم خيره وقال: "اللهم اهده"، فذهب إلى ~~أبيه. هكذا رواه أحمد والنسائي (2). # ورواه أبو داود (3) عن عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرني أبي عن جدي رافع ~~بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبيهه، وقال رافع: ابنتي. فقال له رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "اقعد ناحية"، وقال لها: "اقعدي ناحية"، وأقعد ~~الصبية بينهما، ثم قال: "ادعواها"، فمالت إلى أمها، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "اللهم اهدها"، فمالت إلى أبيها فأخذها. # وعبد الحميد هذا هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن رافع بن سنان ~~الأنصاري. وهذا الحديث قد ضعفه بعضهم، فقال ابن المنذر: في إسناده مقال، ~~وقال غيره: هذا الحديث لا يثبته أهل النقل، وقد روي على غير هذا الوجه، وقد ~~اضطرب فيه هل كان المخير ذكرا أم أنثى؟ ومن روى أنه كان أنثى قال فيه: ~~"إنها فطيم" أي مفطومة. # وفعيل بمعنى مفعول إذا كان صفة يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: عين ~~كحيل، وكف خضيب، فيقال للصغير "فطيم" وللصغيرة ms0547 "فطيم". ولفظ "الفطيم" إنما ~~يطلق على قريب العهد بالفطم، فيكون له نحو ثلاث سنين، ومثل هذا لا يخير ~~باتفاق العلماء. PageV03P427 # وأيضا فإنه خير بين مسلم وكافر، وهذا لا يجوز عند الأئمة الأربعة وغيرهم، ~~فإن القائلين بالتخيير لا يخيرون بين مسلم وكافر، كالشافعي وأحمد. وأما ~~القائلون بأن الكافرة لها حضانة كأبي حنيفة وابن القاسم فلا يخيرون. لكن ~~أبو ثور يقول بالتخيير، فيما حكاه عنه ابن المنذر. والجمهور على أنه لا ~~حضانة لكافر، وهو مذهب مالك والشافعي والبصريين كسوار وعبد الله بن الحسن. # وقال أبو حنيفة وأبو ثور وابن القاسم صاحب مالك: الذمية في ذلك كالمسلمة، ~~وهي أحق بولدها من أبيه المسلم، وهو قول الإصطخري من أصحاب الشافعي. وقد ~~قيد ذلك أبو حنيفة فقال: هي أحق بولدها ما لم يعقل الأديان، ويخاف أن يألف الكفر. # والأب إذا كان مسلما كان الولد مسلما باتفاقهم. وكذلك إن كانت الأم مسلمة ~~عند الجمهور، كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة، فإنه يتبع عند الجمهور في الدنيا ~~خيرهما دينا، وأما في النسب والولاء فهو يتبع الأب بالاتفاق، وفي الحرية أو ~~الرق يتبع الأم بالاتفاق. # وقد حمل بعضهم هذا الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنها ~~تختار الأب بدعائه، فكان ذلك خاصا في حقه. # وأيضا فهذه القصة قضية في عين، والأشبه أنها كانت في أول زمن الهجرة، فإن ~~الأب كان من الأنصار فأسلم، والأم لم تسلم. # وفي آخر الأمر أسلم جميع نساء الأنصار، فلم يكن فيهم إلا مسلمة، حتى قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولنساء ~~الأنصار" (1). PageV03P428 # ولما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة لم يكره أحدا على ~~الإسلام، ولا ضرب الجزية على أحد، ولكن هادن اليهود مهادنة. وأما الأنصار ~~ففشا فيهم الإسلام، وكان فيهم من لم يسلم، بل كان مظهرا لكفره، فلم يكونوا ~~ملتزمين لحكم الإسلام. وكذلك كان عبد الله بن أبي ابن سلول وغيره قبل أن ~~يظهروا الإسلام. # وقد ثبت في الصحيحين (1) من حديث أسامة أن النبي - صلى الله ms0548 عليه وسلم - ~~ذهب يعود سعد بن عبادة، فمر بمجلس من الأنصار ... الحديث. ففي، هذا الحديث ~~وغيره من الأحاديث ما يبين أنهم كانوا قبل غزوة بدر متظاهرين بالكفر من غير ~~إسلام ولا ذمة، فلم يكن الكفار ملتزمين لحكم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~إذ التزام حكمه إنما يكون بالإسلام أو بالعهد الذي التزموا فيه ذلك، ولم ~~يكن المشركون كذلك. فلهذا لم يلزم المرأة بحكم الإسلام، بل دعا الله أن ~~يهدي الصغير، فاستجاب الله. ودعاؤه له أن يهديه دليل على أنه كان طالبا ~~مريدا لهداه، وهداه أن يكون عند المسلم لا عند الكافر. لكن لم يمكنه ذلك ~~بالحكم الظاهر، لعدم دخول الكافرة تحت حكمه، فطلبه بدعائه المقبول. وهذا ~~يدل على أنه متى أمكن أن يجعل مع المسلم لا يجعل مع الكافر. # وكان هذا حكم الله ورسوله بأهل الذمة الملتزمين جريان حكم الله ورسوله ~~عليهم، يحكم بينهم بذلك. نعم لو كان النزاع بين من هو مسلم ومن هو من أهل ~~الحرب والهدنة الذين لم يلتزموا جريان حكم الله ورسوله عليهم، فهنا لا يمكن ~~الحكم فيهم بحكم الإسلام بدون رضاهم، فيسعى حينئذ في تغليب الإسلام بالدعاء ~~كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ كان الاجتهاد في ظهور الإسلام ~~ودعاؤه واجبا بحسب الإمكان. # وعلى هذا فالحديث إن كان ثابتا دليل على التخيير في الجملة. # لكن قد اختلف في المخير: هل كان صبيا أو صبية؟ فلم يتبين أحدهما، فلا ~~يبقى فيه حجة على تخيير الأنثى، لا سيما والمخيرة كانت فطيما، وهذه لا تخير ~~باتفاقهم، وإنما كان تخيير هذه إن صح الحديث من جنس آخر. # (آخر ما وجد، والحمد لله وحده، وصلي الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم. وكتب في شهر ربيع الأول من شهود سنة أربع وستين وسبعمئة، أحسن الله ~~عاقبتها بمنه وكرمه، آمين يا رب العالمين. وكتبها أضعف العباد عبد المنعم ~~البغدادي الحنبلي عفا الله عنه بمنه وكرمه). ### | AUTO مسائل من الفتاوى المصرية PageV04P021 ### || CHECK (1) مسألة في شرح دعاء أبي بكر ### ||| CHECK - شرح ms0549 الحكيم الترمذي لهذا الدعاء # بسم الله الرحمن الرحيم # مسألة # في شرح الحديث الذي ذكره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به في ~~صلاتي، فقال: قل: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا ~~أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم" (1). # شرحه الحكيم فقال (2): هذا عبد اعترف بالظلم، ثم التجأ إليه مضطرا، لا ~~يجد لذنبه ساترا غيره، ثم سأله مغفرة من عنده. # والأشياء كلها من عنده، ولكن أراد شيئا مخصوصا ليس مما بذله للعامة، فلله ~~تعالى رحمة قد عمت الخلق برهم وفاجرهم، سعيدهم وشقيهم، في أرزاقهم ومعايشهم ~~وأحوالهم؛ ثم له رحمة خص بها المؤمنين، وهي رحمة الإيمان، ثم له رحمة خص ~~بها المتقين، وهي رحمة الطاعة لله تعالى؛ ولله رحمة خص بها الأولياء نالوا ~~بها الولاية، وله رحمة خص بها الأنبياء نالوا بها النبوة. ولما ذكر في PageV04P023 ### ||| CHECK - اعتراف العبد بظلم نفسه ليس من خصائص الصديقين # تنزيله الأنبياء قال: (ووهبنا لهم من رحمتنا) (1). وقال الراسخون في ~~العلم: (وهب لنا من لدنك رحمة) (2). فإنما سألوه رحمة من عنده. # فهذا صورة ما شرحه الحكيم الترمذي، ولم يذكر صفة الظلم وأنواعه كما ذكر ~~صفات الرحمة. # والمسئول شرح ما مفهوم قول الصديق "ظلمت نفسي ظلما كثيرا"؟ والذنب بين ~~يدي الله تعالى لا يحتمل المجاز، والصديق من أئمة السابقين، والرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - أمره بذلك، فسيدي بسط القول في ذلك مما يفهمه السائل، وما ~~هو الظلم الذي نسبه الصديق إلى نفسه كما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ # أجاب # الحمد دلله. الدعاء الذي فيه اعتراف العبد بظلم نفسه ليس من خصائص ~~الصديقين ومن دونهم، بل هو من الأدعية التي يدعو بها الأنبياء وهم أفضل ~~الخلق، قال الله تعالى عن آدم وحواء: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر ~~لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23)) (3)، وقال موسى عليه السلام: (رب إنى ~~ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له ms0550 إنه هو PageV04P024 # الغفور الرحيم (16)) (1)، وقد دعا غيرهم بنحو هذا الدعاء، كقول الخليل ~~عليه السلام: (ربنا اغفرلى ولولدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41)) (2)، # وقال: (والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين (82)) (3)، وقال هو ~~وإسماعيل: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين ~~لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ~~(128)) (4)، وقال موسى عليه السلام: (أنت ولينا فأغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الغافرين (155) واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك) ~~(5)، وقال نوح عليه السلام: (رب أنى أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لى به علم ~~وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين (47)) (6)، وقال يونس: (لا إله إلا ~~أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين (87)) (7). # وقد ثبت في الصحيح (8) من حديث علي عليه السلام عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه كان يقول في دعاء الاستفتاح: "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، ~~أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، فإنه ~~لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن PageV04P025 # الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف ~~عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك ~~وإليك، أستغفرك وأتوب إليك". وقد ثبت في الصحيح (1) عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه كان يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، ~~وعلانيته وسره، وأوله وآخره". # وثبت عنه في الصحيحين (2) أنه كان يقول بين التكبير والقراءة: "اللهم ~~باعد (3) بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من ~~الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء ~~والثلج والبرد". # وثبت أيضا في صحيح مسلم (4) أنه كان يقول نحو هذا الدعاء إذا رفع رأسه من ~~الركوع بعد التسميع والتحميد، وبعد أن يقول: "أهل الثناء والمجد أحق ما قال ~~العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا ~~الجد منك ms0551 الجد" (5). PageV04P026 # وثبت عنه في الصحيحين (1) عن أبي موسى أنه كان يقول في دعائه: "اللهم ~~اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر ~~لي هزلي وجدي وخطأي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، ~~وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت ~~على كل شيء قدير". # وثبت عنه في الصحيحين (2) أنه كان يقول في دعائه بالليل: "اللهم لك الحمد ~~أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن ~~فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، وقولك الحق، ~~ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، ~~وبك خاصمت، وإليك حاكمت. اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما ~~أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت". # وثبت عنه في الصحيح (3) عن عائشة أنه كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك ~~اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" يتأول القرآن، أي يمتثل ما أمر به في ~~قوله: (فسبح بحمد ربك واستغفره PageV04P027 ### ||| CHECK - الكلام على قوله تعالى (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) # إنه كان توابا (3)) (1). كما امتثل بتلك الأدعية ما أمره في قوله: (فاصبر ~~إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والإبكار (55)) (2)، ~~(فأعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) (3). # وهذا الدعاء الذي ذكرته عائشة بعد نزول قوله: (ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر) (4)، فإنه قد ثبت في الصحيح (5) أن سورة "إذا جاء نصر الله ~~والفتح" آخر سورة أنزلت. وأيضا فأبو موسى الأشعري وأبو هريرة إنما صحباه ~~بعد نزول قوله: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، فإن هذه الآية ~~قد ثبت في الصحيح (6) أنها نزلت عام الحديبية لما بايعه الصحابة بيعة ~~الرضوان تحت الشجرة وانصرف، وقد خالط أصحابه كآبة ms0552 وحزن لرجوعهم، ولم يتموا ~~العمرة التي خرجوا لها، وقد صالحوا المشركين، لما أن في ظاهره غضاضة عليهم، ~~حتى كرهه كثير منهم، وجرت فيه فصول، فأنزل الله سورة الفتح بنصرته من ~~الحديبية، وهو في الطريق قبل وصوله إلى المدينة، ثم إنه تجهز من المدينة ~~لفتح خيبر، وفي أواخر غزاة PageV04P028 ### ||| CHECK - الرد على من قال: المقصود به ذنب آدم وذنب أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - # خيبر قدم عليه أبو موسى والأشعريون، وفي تلك المدة أسلم أبو هريرة. ولما ~~أنزل الله عليه هذه الآية (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) قال له ~~الناس: يا رسول الله! هذا لك، فما لنا؟ فأنزل الله تعالى (هو الذي أنزل ~~السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) (1). # وفي هذا رد على طائفة من الناس - كبعض المصنفين في السير وفي مسألة ~~العصمة - يقولون في قوله (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك): وهو ذنب آدم، ~~(وما تأخر) ذنب أمته، فإن هذا القول وإن كان لم يقله أحد من الصحابة ~~والتابعين ولا أئمة المسلمين، ولا يقوله من يعقل ما يقول، فقد قاله طائفة ~~من المتأخرين (2)، ويظن بعض الجهال أن هذا معنى شريف، وهو كذب على الله ~~وتحريف الكلم عن مواضعه، فإنه قد ثبت في الصحاح (3) في أحاديث الشفاعة أن ~~الناس يوم القيامة يأتون آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر إليهم ويقول: إني ~~نهيت عن الشجرة فأكلت منها، نفسي نفسي، ويأتون نبيا بعد نبي إلى أن يأتوا ~~المسيح، فيقول: ائتوا محمدا فإنه عبد قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر. فلو كانت "ما تقدم" هو ذنب آدم لم يعتذر آدم. PageV04P029 # وأيضا فلما نزلت الآية قالت الصحابة: هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله: (هو ~~الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين)، فلو كان "ما تأخر" مغفرة ذنوبهم ~~لقال: هذه لكم. # وأيضا فقد قال تعالى: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) (1)، ففرق بين ~~ما أضاف إليه وما يضاف إلى المؤمنين والمؤمنات. # وأيضا فإضافة ذنب غيره إليه أمر لا ms0553 يصلح في حق آحاد الناس، فكيف في حقه - ~~صلى الله عليه وسلم -؟ حتى تضاف ذنوب الفساق من أمته إليه، ويجعل ما جعلوه ~~(2) من الكبائر - كالزنا والسرقة وشرب الخمر - ذنبا له - صلى الله عليه ~~وسلم -، والله يقول في كتابه: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (3)، ويقول في ~~كتابه: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112)) (4)، ~~قالوا (5): الظلم أن تحمل عليه سيئات غيره، والهضم أن ينقص هو من حسناته، ~~وهو أفضل من عمل من الصالحات وهو مؤمن، فكيف تحمل عليه سيئات غيره وتضاف ~~إليه؟ وأي فرق بين ذنب آدم وذنب نوح والخليل وكلهم آباؤه؟ وأي فرق بين ذنب ~~الإنسان وذنب غيره (6) حتى يضاف إليه هذا دون هذا؟ والله يقول: (أم لم ينبأ ~~بما في PageV04P030 ### ||| CHECK - أول من دخل في الغلو هم الرافضة # صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى (38)) (1) ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لرجل معه ابنه: "لا يجني عليك ولا تجني ~~عليه" (2). # وأيضا فقد قال الله في غير موضع في القرآن (3) إنه ليس عليه إلا البلاغ ~~المبين، وقال: (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم) (4). فإذا ~~كان على أمته ما حملوا وهو ليس عليه إلا البلاغ المبين كيف تكون ذنوب أمته ~~ذنوبه؟ ومثل هذا القول لا يخفى فساده على من له أدنى تدبر، وإن كان قاله ~~طوائف من المصنفين في العصمة، حتى يرى ذلك بعض من له في السنة والفقه ~~والحديث قدم، لكن الغلو أوجب اتباع الجهال الضلال، فإن مثل هذه التفاسير ~~إنما يصدر في الابتداء عن أهل التحريف لكتاب الله: إما من الزنادقة ~~المنافقين، وإما من المبتدعة الضالين. # وأول من دخل في الغلو من أهل الأهواء هم الرافضة، فإنهم لما ادعوا في علي ~~وغيره أنهم معصومون حتى من الخطأ احتاجوا أن يثبتوا ذلك للأنبياء بطريق ~~الأولى والأحرى، ولما نزهوا عليا ومن هو دون علي من أن يكون له ذنب يستغفر ~~منه كان تنزيههم PageV04P031 ### ||| CHECK - قول الإمامية الاثنا عشرية في الإمام المنتظر ms0554 ### ||| CHECK - غلو القرامطة الإسماعيلية في أئمتهم # للرسل أولى وأحرى. # ثم جاءت القرامطة الزنادقة المنتسبون إلى الشيعة لما ادعوا عصمة أئمتهم ~~الإسماعيلية العبيدية القرامطة الباطنية الفلاسفة الدهرية صاروا يقولون: ~~إنهم معصومون يعلمون الغيوب، وصار من صار منهم يعبدهم ويعتقد فيهم الإلهية، ~~كما كانت الغالية تعتقد في علي وغيره الإلهية أو النبوة. # وأما الإمامية الاثنا عشرية الذين لا يقولون بإمامة إسماعيل بن جعفر بل ~~بإمامة موسى بن جعفر، فهم [و] إن كانوا لا يقولون بإلهية علي ولا نبوته، ~~فهم يقولون بالعصمة حتى في المنتظر الذي دخل في سرداب سامراء سنة ستين ~~ومائتين وهو طفل غير مميز، قيل: كان له سنتان، وقيل: ثلاث سنين، وقيل: خمس. ~~ويقولون: إنه إمام معصوم لا يجوز عليه الخطأ، ويقولون: إن الإيمان لا يتم ~~إلا به، ومن لم يؤمن به فهو كافر. وقد علم أهل العلم بالأنساب أن (1) الحسن ~~بن علي العسكري أباه لم يكن له نسل ولا عقب، ولو كان له ولد صغير لكان تحت ~~الحجر على ماله، وأن يحضنه من يستحق الحضانة، فلا يكون له ولاية لا على ~~نفسه ولا على ماله حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد، فحينئذ يسلم إليه ماله، فكيف ~~يكون لمثل هذا ولاية على المسلمين؟ فضلا عن أن يكون معصوما، فضلا عن أن ~~يكون اتباعه ركنا في الإيمان. PageV04P032 ### ||| CHECK - الغلو من شعب النصرانية ### ||| CHECK - اعتقاد الغلاة العصمة في المشايخ # ثم لما صار مثل هذا يدعى ادعى ابن التومرت صاحب "المرشدة" أنه المهدي ~~الذي بشر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان يقال في الخطبة له: ~~"المهدي المعلوم" و"الإمام المعصوم" حتى رفع ذلك. # وصار من الغلاة في مشايخهم يعتقد أحدهم في شيخه نحو ذلك، فإما أن يقول: ~~هو معصوم، أو يقول: هو محفوظ، والمعنى عنده واحد، وإما أن ينكر ذلك بلسانه ~~ولكن يعامله معاملة المعصوم. # فهؤلاء إذا كان أحدهم يعتقد في بعض الرجال المؤمنين أنهم معصومون من ~~الذنوب بل ومن الخطأ، كيف لا يعتقدون ذلك في الأنبياء؟ فغلوهم فيمن غلوا ~~فيه من أئمتهم أهل ms0555 المشيخة أو النسب يوجب عليهم أن يغلوا في الأنبياء بطريق ~~الأولى، فإن كان من المسلمين اعتقدوا أن الأنبياء أفضل منهم، وإن كانوا ممن ~~يعتقد في الشيخ والإمام أنه أفضل من النبي - كما يقول ذلك المتفلسفة ~~والشيعة وغلاة المتصوفة الاتحادية وغير الاتحادية - فهم لابد أن يقروا ~~الغلو في الأنبياء حتى توافقهم الناس على الغلو في أئمتهم. # وهذا كله من شعب النصرانية الذين وصفهم الله بالغلو في القرآن، وذمهم ~~عليه ونهاهم فقال: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله ~~إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح ~~منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله ~~واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله ~~وكيلا (171) لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن ~~يستنكف عن عبادته ويستكبر PageV04P033 ### ||| CHECK - نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - الغلو # فسيحشرهم إليه جميعا (172)) (1) الآية، وقال تعالى: (يأهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم غير الحق و لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا ~~كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77)) (2). # وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تطروني كما أطرت ~~النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" (3). وقال: ~~"إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" (4). ~~وهذا قال لهم بسبب رمي الجمار لئلا يغلوا فيها، فكيف فيما هو أعظم من ذلك؟ ~~وهؤلاء أهل الغلو النصارى ومن شابههم من هذه الأمة في الغلو - كما ثبت عنه ~~في الصحيحين (5) أنه قال: "لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى ~~لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" - هم قصدوا تعظيم الأنبياء والصالحين بالغلو ~~فيهم، فوقعوا في تكذيبهم وبغضهم ما جاءوا به، فإن المسيح قال للنصارى كما ~~أخبر الله عنه أنه قال: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربى ~~وربكم وكنت عليهم شهيدا ms0556 ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم ~~وأنت على كل شئ شهيد (117)) (6) وقال المسيح: (إني عبد PageV04P034 ### ||| CHECK - هذا باب دخل فيه الشيطان على خلق كثير # الله أتاني الكتاب وجعلني نبيا (30)) (1). والغلاة فيه كذبوه وعصوه، ~~فقالوا: ما هو عبد الله بل هو الله، وأشركوا به الشرك الذي نهاهم عنه. # وكذلك الغالية في علي وفي غيرهم (2) من أهل العلم والإيمان، وعلي عليه ~~السلام يقول: "لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري" ~~(3). وحرق الغالية فيه بالنار، ويقول ما نقل عنه من نحو ثمانين وجها: "خير ~~هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر" (4)، ويذكر ذلك لابنه محمد بن الحنفية ~~كما رواه البخاري في الصحيح (5) عنه، والشيعة تكذبه وتخالفه. # فهم معه كالنصارى مع المسيح واليهود مع موسى. وكذلك (6) أتباع الشيوخ ~~الصالحين المهتدين يضلون فيهم، ويتركون اتباعهم على الطريقة التي يحبها ~~الله ورسوله. # وهذا باب دخل فيه الشيطان على خلق كثير فأضلهم، حتى يجعل أحدهم قول الحق ~~تنقصا له، فإذا قيل للنصارى في المسيح: PageV04P035 # (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة) (1) ~~قالوا: هذا تنقيص بالمسيح وسوء أدب معه، وهم مع هذا يشتمون الله ويسبونه ~~مسبة ما سبه إياها أحد من البشر، كما كان معاذ بن جبل يقول في النصارى: "لا ~~ترحموهم، فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر". # وفي الصحيح (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يقول الله ~~تعالى: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، ~~فأما شتمه إياي فقوله إن لي ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ~~ولم يكن له كفوا أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، أوليس ~~أول الخلق بأهون علي من إعادته؟ ". # وهؤلاء الغالية يجمعون بين شتم الرب وتكذيبه، وهكذا الغالية المنتسبون ~~إلى هذه الأمة تجد أحدهم يغلو في قدوته، حتى يكره أن يوصف بما هو فيه، ~~ويقال عليه الحق، وهو ms0557 مع هذا يقول في الله العظائم التي ما قالتها فيه لا ~~اليهود ولا النصارى، حتى يقول: إن الله موصوف بكل ذم وكل عيب كما هو موصوف ~~بكل حمد وكل مدح، وإنه هو إبليس وفرعون والأصنام، كما قالته النصارى في ~~المسيح، والله سبحانه عاب على المشركين ما هو دون هذا، حيث قال: (وجعلوا ~~لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ~~فما كان لشركائهم فلا PageV04P036 # يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (136)) ~~(1)،وقال: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) (2). # وهؤلاء يريدون أن يقال في أئمتهم الحق، ويقولون على الله الباطل، ويرضون ~~بأن يسب الله ويشتم، ولا يرضون بأن يسب متبوع أحدهم على ما افتراه على الله ~~ورسوله، بل لا يرضون أن يقال فيه الحق أو أن يضاف إليه خطأ جائز عليه وواقع ~~منه. وقال تعالى حكاية عن الخليل عليه السلام: (وكيف أخاف ما أشركتم ولا ~~تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق ~~بالأمن إن كنتم تعلمون (81)) (3). قال تعالى: (الذين أمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82)) (4). # كان المشركون يخوفون المؤمنين بآلهتهم، ويقولون: إنكم إذا لم تتخذوها ~~شركاء وشفعاء فإنها تضركم، فأنكر الخليل عليه السلام وقال: (وكيف أخاف ما ~~أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا)، أي كيف ~~أخاف ما تدعونه من دون الله؟ وهو لا يضر ولا ينفع إلا بإذن الله، وأنتم لا ~~تخافون الله حيث أشركتم به فجعلتم له أندادا، فأعدلتموهم به، تدعون من دونه PageV04P037 ### ||| CHECK - من سوى الأنبياء غير معصوم # وتخافونهم وترجونهم، وهو لم ينزل بذلك عليكم سلطانا، وهو الكتاب المنزل ~~من السماء، (فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81)). # وفي الصحيحين (1) عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية (الذين أمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم) شق ذلك على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقالوا: أينا لم ms0558 يظلم نفسه؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما هو ~~الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح (إن الشرك لظلم عظيم (13)) (2) ". # وهذا باب يطول وصفه، وإنما المقصود التنبيه عليه. # إذا عرف هذا فقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وجميع الطوائف الذين لهم قول ~~يعتبر أن من سوى الأنبياء ليس بمعصوم، لا من الخطأ ولا من الذنوب، سواء كان ~~صديقا أو لم يكن، ولا فرق بين أن يقول: هو معصوم من ذلك، أو محفوظ من ذلك، ~~أو ممنوع من ذلك. # قال الأئمة: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فإنه هو الذي أوجب الله على أهل الأرض الإيمان به وطاعته، بحيث يجب ~~عليهم أن يصدقوه بكل ما أخبر ويطيعوه في كل ما أمر. # وقد ذكر الله طاعته واتباعه في قريب من أربعين موضعا في PageV04P038 # القرآن، كما قال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (1)، وقال: (وما أرسلنا ~~من رسول إلا ليطاع بإذن الله) (2) وقال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ~~(65)) (3)، وقال تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا)، ~~إلى قوله: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أؤ يصيبهم عذاب ~~أليم (63)) (4)، وقال تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) (5)، وقال تعالى: ~~(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (6)،وقال تعالى: (فإن ~~تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) (7)، وقال تعالى: (ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء ~~والصالحين) (8). # وطاعة الله والرسول هي عبادة الله التي خلق لها الجن والإنس، فهي غايتهم ~~التي يحبها الله ورسوله ويرضاها ويأمرهم بها، وإن كان قد شاء من بعضهم ما ~~هو بخلاف ذلك وخلقهم له، فتلك غاية PageV04P039 ### ||| CHECK - مسالة عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ### ||| CHECK - حقيقة العبادة # شاءها وقدرها، وهذه غاية يحبها ويأمر بها ويرضاها. والكلام على هذا مبسوط ~~في غير هذا الموضع (1). # والعبادة لله أن يجمع ms0559 غاية الحب له بغاية الذل له، فكل خير وكل كمال ~~ومقام وحال قرب إليه ونحو ذلك مما يحمد من العباد ويطلب منهم ويرضى لهم فهو ~~داخل في طاعة الله ورسوله أو مستلزم لذلك. ولهذا اتفقت الأمة على أنه معصوم ~~فيما يبلغه عن ربه تبارك وتعالى، فإن مقصود الرسالة لا يتم إلا بذلك، وكل ~~ما دل على أنه رسول الله من معجزة وغير معجزة فهو يدل على ما قال - صلى ~~الله عليه وسلم -:" فإني لن أكذب على الله" (2). # وقد اتفقوا أنه لا يقر على خطأ في ذلك، وكذلك لا يقر على الذنوب لا ~~صغائرها ولا كبائرها، ولكن تنازعوا: هل يقع منهم بعض الصغائر مع التوبة ~~منها أو لا يقع بحال؟ # فقال كثير من المتكلمين من الشيعة والمعتزلين وبعض متكلمي أهل الحديث: لا ~~يقع منهم الصغيرة بحال، وزادت الشيعة حتى قالوا: لا يقع منهم لا خطأ ولا ~~غير خطأ. # وأما السلف وجمهور أهل الفقه والحديث والتفسير وجمهور متكلمي أهل الحديث ~~من أصحاب الأشعري وغيرهم فلم يمنعوا الوقوع إذا كان مع التوبة، كما دلت ~~عليه نصوص الكتاب والسنة، PageV04P040 # فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وإذا ابتلى بعض الأكابر بما يتوب ~~منه فذاك لكمال النهاية، لا لنقص البداية، كما قال بعضهم: لو لم يكن التوبة ~~أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه. وفي الأثر (1): "إن ~~العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة، وإن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها ~~النار"، يعني أن السيئة يذكرها ويتوب منها فيدخله ذلك الجنة، والحسنة يعجب ~~بها ويستكبر فيدخله ذلك النار. # وأيضا فالحسنات والسيئات تتنوع بحسب المقامات، كما يقال: "حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين"، فمن فهم ما تمحوه التوبة وترفع صاحبها إليه من الدرجات ~~وما يتفاوت الناس فيه من الحسنات والسيئات زالت عنه الشبهة في هذا الباب، ~~وأقر الكتاب والسنة على ما فيهما (2) من الهدى والصواب. # فإن الغلاة يتوهمون أن الذنب إذا صدر من العبد كان نقصا في حقه لا ينجبر، ~~حتى يجعلوا من فضل بعض الناس أنه لم يسجد ms0560 لصنم قط. وهذا جهل منهم، فإن ~~المهاجرين والأنصار والذين هم أفضل هذه الأمة هم أفضل من أولادهم وغير ~~أولادهم ممن ولد على الإسلام، وإن كانوا في أول الأمر كانوا كفارا يعبدون ~~الأصنام، بل المنتقل من الضلال إلى الهدى ومن السيئات إلى PageV04P041 # الحسنات يضاعف له الثواب، كما قال تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا ~~صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70)) (1). # وقد ثبت في الصحيح (2) أن الله يوم القيامة يظهر لعبده فيقول: "إني قد ~~أبدلتك مكان كل سيئة حسنة"، فحينئذ يطلب كبائر ذنوبه. # وقد ثبت في الصحاح (3) من غير وجه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~أخبر أن الله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل (4) راحلته بأرض دوية مهلكة ~~عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فلما ~~استفاق إذا بدابته عليها طعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا ~~براحلته. # وهذا أمر عظيم إلى الغاية. فإذا كانت التوبة بهذه المنزلة كيف لا يكون ~~صاحبها معظما عند الله؟ وقد قال تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات ~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما ~~جهولا (72) ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب ~~الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله PageV04P042 ### ||| CHECK - المقصود من الذنوب والتوبة منها # غفورا رحيما (73)) (1)، فوصف الإنسان بالجهل والظلم، وجعل الفرق بين ~~المؤمن والكافر والمنافق أن يتوب الله عليه، إذ لم يكن له بد من الجهل ~~والظلم. ولهذا جاء في الحديث (2): "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين ~~التوابون". # واعلم أن كثيرا من الناس يسبق إلى ذهنه من ذكر الذنوب الزنا والسرقة ونحو ~~ذلك، فيستعظم أن كريما يفعل ذلك، ولا يعلم أن أكثر عقلاء بني آدم لا يسرقون ~~بل لا يزنون، حتى في جاهليتهم وكفرهم، فإن أبا بكر وغيره من الصحابة كانوا ~~قبل الإسلام لا يرضون (3) أن يفعلوا مثل هذه الأعمال، ولما بايع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - هندا بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية بيعة النساء ms0561 على أن ~~لا يسرقن ولا يزنين، قالت: أو تزني الحرة؟ (4) فما كانوا في الجاهلية ~~يعرفون الزنا إلا للإماء. ولهذا قولهم "حرة" تراد به العفيفة، لأن الحرائر ~~كن عفائف. # وأما اللواط فأكثر الأمم لم يكن يعرفه، ولم يكن هذا يعرف في العرب قط. PageV04P043 # ولكن الذنوب التي هي في باب الضلال في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر، وما يدخل في ذلك من البدع التي هي من جنس العلو في ~~الأرض والفخر والخيلاء والحسد والكبر والرياء ونحو ذلك، هي في الناس الذين ~~هم متعففون عن الفواحش. وكذلك الذنوب التي هي ترك الواجبات، فإن الإخلاص ~~لله والتوكل على الله والمحبة له ورجاء رحمة الله وخوف عذاب الله والصبر ~~على حكم الله والتسليم لأمر الله= كل هذا من الواجبات، وكذلك الجهاد في ~~سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك هو من فروض الكفايات، ~~وتحقيق ما يجب من المعارف والأعمال يطول تفصيله في هذا السؤال، حتى يفطن ~~هذا ثم يفتح له الباب. # وقد ذكر الله الذين وعدهم بالحسنى فلم ينف عنهم الذنوب، ولكن ذكر المغفرة ~~والتكفير فقال: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما ~~يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35)) (1)، وقال تعالى: (أولئك ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد ~~الصدق الذي كانوا يوعدون (16)) (2). # وقد ثبت في الصحيح (3) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لن يدخل أحد ~~منكم الجنة بعمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن ~~يتغمدني الله برحمته". PageV04P044 ### ||| CHECK - ظلم العبد نفسه أجناس # فصل # إذا ثبت هذا فظلم العبد نفسه يكون بترك ما ينفعها وهي محتاجة إليه، أو ~~بفعل ما يضرها، كما أن ظلم الغير كذلك يكون إما بمنع حقه أو التعدي. والنفس ~~إنما تحتاج من العبد إلى فعل ما أمر الله به، وإنما يضرها فعل ما نهى الله ~~عنه، فظلمها لا يخرج عن ms0562 ترك حسنة مأمور بها أو فعل سيئة منهي عنها، وما ~~يضطر العبد إليه من أكل وشرب ولباس وغير ذلك هو داخل في هذا، فإن جميع ذلك ~~هو من الواجبات المأمور بها، حتى أكل الميتة عند الضرورة يجب في المشهور من ~~مذهب الأئمة الأربعة، قال مسروق: من اضطر إلى الميتة ولم يأكل حتى مات دخل النار. # وكذلك ما يضرها من جنس العبادات، مثل الصوم الذي يزيد في مرضها أو ~~يقتلها، أو الاغتسال بالماء البارد الذي يقتلها ونحو ذلك، هو من ظلمها ~~المحظور، فالله تعالى أمر العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم، كما قال ~~قتادة: إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به حاجة إليه، ولا نهاهم عما ~~نهاهم عنه بخلا به، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم، ~~ولهذا جاء القرآن بالأمر بالصلاح والنهي عن الفساد في غير موضع. # والصلاح كله في طاعة الله، والفساد كله في معصية الله، فالصلاح والطلاعة ~~متلازمان، والمعصية والفساد متلازمان، كتلازم الطيب والحل، وكل طيب حلال ~~وكل حلال طيب، وكل خبيث PageV04P045 ### ||| CHECK - اختلاف العلماء في المصالح المرسلة # حرام وكل حرام خبيث. والمعروف ملازم مع الطاعة والصلاح، والمنكر ملازم مع ~~المعصية والفساد، ولكن بعض الناس قد تبين له اتصاف الفعل ببعض هذه الصفات ~~قبل بعض، كما يعلم كثيرا من العبادات ولا يعلم ما فيها من الصلاح، وكثيرا ~~من المحرمات ولا يعلم ما فيها من الفساد، وكذلك قد يرى مصالح كثيرة ولا ~~يعلم أمر الشارع بها. # والمؤمن يعلم أن الله يأمر بكل مصلحة وينهى عن كل مفسدة، فإذا كان في بعض ~~الأفعال رأى أنه مصلحة ولم يأمر به كان مخطئا من أحد الوجهين: إما أن يكون ~~في نفس الأمر مصلحة لما ترجح فيه من مفسدة لا يعلمها هو؛ وإما أن يكون ~~داخلا فيما أمر الله به ولم يعلم. # ولهذا تنازع العلماء في المصالح المرسلة التي لم يعلم أن الشارع اعتبرها ~~ولا أهدرها، فقيل: يستدل بكونها مصلحة على أن الله اعتبرها، لأنه لا يهمل ~~المصالح، وقيل: بل ms0563 يستدل بعدم اعتبار الشارع لها على أنها ليست مصلحة، بل ~~مضرتها راجحة إذ لو كانت مصلحتها راجحة لاعتبرها الشارع. وتتفاوت فطن الناس ~~في ذلك بحيث تعرفها بجهة الاعتبار والإهدار. # ومما يجب أن يعرف أن العبد قد يجب عليه أسباب أمور لا تجب عليه بدونها، ~~فإن قام بها كان مصلحا محسنا إلى نفسه، وإلا كان ظالما لنفسه، وإن لم يكن ~~تركها ظلما في حق من لم يقبل تلك الأسباب، مثل من ولي ولاية، ففي "المسند" ~~(1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV04P046 ### ||| CHECK - لا يخلو أحد عن ترك بعض الحقوق أو تعدي بعض الحدود # أنه قال: "أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر". # وكذلك (1) من لغيره عليه حقوق، كالزوجة والأولاد والجيران، فقد ذكر الله ~~الحقوق العشرة في قوله: (*واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين ~~إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب ~~والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم) (2). فبدأ سبحانه بحقه، كما ~~في الصحيحين (3) أن النبي # - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: "يا معاذ! أتدري ما حق الله على ~~عباده"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، يا معاذ! # أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، ~~قال: "حقهم عليه أن لا يعذبهم". # فكلما ازدادت معرفة الإنسان بالنفوس ولوازمها وتقلب القلوب، وبما عليها ~~من الحقوق لله ولعباده، وبما حد لهم من الحدود= علم أنه لا يخلو أحد عن ترك ~~بعض الحقوق أو تعدي بعض الحدود. ولهذا أمر الله عباده المؤمنين أن يسألوه ~~أن يهديهم الصراط المستقيم في اليوم والليلة في المكتوبة وحدها سبع عشرة ~~مرة، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين، ومن يطع الله ورسوله فهم هؤلاء. PageV04P047 ### ||| CHECK - شرح حديث سيد الاستغفار ### ||| CHECK - معنى الصراط المستقيم # فالصراط المستقيم طاعة الله ورسوله، وهو دين الإسلام التام، وهو اتباع ~~القرآن، وهو لزوم السنة والجماعة، وهو طريق العبودية، وهو طريق الخوف ~~والرجاء. ms0564 ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبته (1): ~~"الحمد لله نستعينه ونستغفره" لعلمه أنه لا يفعل خيرا ولا يجتنب شرا إلا ~~بإعانة الله له، وأنه لابد أن يفعل ما يوجب الاستغفار. # وفي الحديث الصحيح (2): "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا ~~إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من ~~شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت". # فقوله "أبوء لك بنعمتك علي" يتناول نعمته عليه في إعانته على الطاعات، ~~وقوله "أبوء لك بذنبي" يبين إقراره بالذنوب التي تحتاج إلى الاستغفار. ~~والله تعالى غفور شكور، يغفر الكثير من الزلل، ويشكر اليسير من العمل. وجاء ~~عن غير واحد من السلف أنه كان يقول: إني أصبح بين نعمة وذنب، فأريد أن أحدث ~~للنعمة شكرا وللذنب استغفارا. # فقوله "الحمد لله نستعينه ونستغفره" يتناول الشكر والاستعانة والاستغفار، ~~الحمد لله وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، كما PageV04P048 ### ||| CHECK - أصل الشر البدع وأصل الخير اتباع الهدى # كان بعض المشايخ يقرن بين هذه الثلاثة، فالشكر يتناول ما مضى من إحسانه، ~~والاستغفار لما تقدم من إساءة العبد، والاستعانة لما يستقبله العبد من ~~أموره. وهذه الثلاث لابد لكل عبد منها دائما، فمن قصر في واحد منها فقد ظلم ~~لنفسه بحسب تقصير العبد. # وأصل الإحسان هو التصديق بالحق ومحبته، وأصل الشر هو التكذيب به أو بغضه، ~~ويتبعه التصديق بالباطل ومحبته. والتصديق بالحق وحبه هو أصل العلم النافع ~~والعمل الصالح، والتكذيب به وبغضه هو من الجهل والظلم. فالإنسان إذا لم ~~يعلم من الحق ما يحتاج إليه أو لم يقر به أو لم يحبه كان ظالما لنفسه، وإن ~~أقر بباطل أو أحبه واتبع هواه كان ظالما لنفسه، فظلم النفس يعود إلى اتباع ~~الظن وما تهوى الأنفس، وهذا يكون في اتباع الآراء والأهواء، فأصل الشر ~~البدع، وهو تقديم الرأي على النص واختيار الهوى على امتثال الأمر، وأصل ~~الخير اتباع الهدى، كما قال ms0565 تعالى: (فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداي ~~فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى (124)) (1). قال ابن عباس (2): تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل ~~بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية. # والضلال والشقاء هو خلاف الهدى والفلاح الذي أخبر به عن المتقين الذين ~~يهتدون بالكتاب، حيث قال: (ذلك الكتاب لا ريب PageV04P049 ### ||| CHECK - تنزيه الله نبته عن الضلال والغي # فيه هدى) إلى قوله (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5)) (1). ~~والضلال والشقاء هو أمر (2) الضالين والمغضوب عليهم المذكورين في قوله (غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين (7)) (3)، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون" (4)، فإن اليهود عرفوا الحق ولم ~~يعملوا به، والنصارى عبدوا الله بغير علم. # ومن عرف الحق ولم يعمل به كان متبعا لهواه، واتباع الهوى هو الغي، ومن ~~عمل بغير علم كان ضالا. # ولهذا نزه الله نبيه عن الضلال والغي بقوله: (والنجم إذا هوى (6) ما ضل ~~صاحبكم وما غوى (2)) (5). قال تعالى في صفة أهل الغي: (سأصرف عن آياتي ~~الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل أية لا يؤمنوا بها وإن يروا ~~سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا) (6)، وقال: (واتل عليهم نبأ الذي أتيناه آيتنا ~~فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175)) (7)، وقال في الضلال: ~~(وإن كثيرا ليضلون بأهوآئهم PageV04P050 # (بغير علم) (1)، وقال: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) (2). # والعبد إذا عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، كما قال سبحانه: (ولو ~~أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من ~~لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68)) (3)، وقال: (والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17)) (4)، وقال: (اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به) (5)، وقال: (يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام) (6). # فإذا ترك العمل بعلمه عاقبه الله بأن أضله عن الهدى الذي يعرفه، كما ms0566 قال: ~~(فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) (7)، وقال: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة) (8)، وقال: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) (9). # وفي الحديث الذي رواه الترمذي (10) وصححه عن أبي هريرة PageV04P051 ### ||| CHECK - أجناس الأعمال ثلاثة # عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه ~~نكتة سوداء، فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد يزيد فيها حتى يعلو ~~قلبه، فذلك الران الذي قال الله: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) ~~(14) (1) ". # فهذه الأمور تتبين بها أجناس ظلم العبد نفسه، لكن كل إنسان بحسبه وبحسب ~~درجته، فما من صباح يصبح إلا ولله على عبده حقوق لنفسه ولخلقه عليه أن ~~يفعلها، وحدود عليه أن يحفظها، ومحارم عليه أن يجتنبها، كما قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم ~~محارم فلا تنتهكوها" (2). # فإن أجناس الأعمال ثلاثة: مأمور به، فالواجب منه هو الفرائض؛ ومنهي عنه ~~وهو المحارم؛ ومباح له حد ينتهي إليه، فتعديه تعد لحدود الله، بل قد يكون ~~الزائد على بعض الواجبات والمستحبات تعد (3) لحدود الله، وذلك هو الإسراف، ~~كما قال المؤمنون قبلنا: (ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) (4). ~~والذنوب PageV04P052 ### ||| CHECK - الرد على الشبهة في ذلك من وجهين ### ||| CHECK - معنى قول الصديق لأظلمت نفسي ظلما كثيرا # تتناول جنس الذنوب، وأما الإسراف فهو تعدي الحدود، كما قال تعالى: ~~(وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان) (1). # فالإثم جنس المنهي عنه، والعدوان تعدي الحد في المأذون فيه، والبر جنس ~~المأمور به، والتقوى حفظ الحدود، بل يفعل المأمور به ويترك المنهي عنه، ~~ويفعل المباح من غير تعدي الحدود في ذلك. # إذا تبين هذا الأصل فقول السائل: "ما مفهوم قول الصديق: "ظلمت نفسي ظلما ~~كثيرا"، والدعاء بين يدي الله لا يحتمل المجاز، والصديق من أئمة السابقين، ~~والرسول أمره بذلك" يتضمن شبهة في هذا الدعاء، ومثار الشبهة أن يقال: ~~الصديق أجل قدرا من أن تكون له ذنوب تكون ظلما كثيرا، فإن ms0567 ذلك ينافي مرتبة ~~الصديقية. # وهذه الشبهة تزول بوجهين: # أحدهما: أن الصديق بل والنبي والرسول إنما كملت مرتبته وانتهت درجته، وتم ~~علو منزلته في نهايته لا في بدايته، وإنما قال ذلك بفعل ما أمر الله به من ~~الأعمال الصالحة، وأفضل أعماله بل PageV04P053 # أفضلها التوبة، فإن التوبة تكون من الكفر والفسوق والعصيان، وما من صديق ~~إلا ويمكن أن يتوب من الكفر والفسوق والعصيان كالصديقين من السابقين ~~الأولين، وما وجد قبل التوبة فإنه لم ينقص صاحبه إذا تعقبته التوبة ولم يغض ~~من منزلته، ولا يتصور أن بشرا يستغني عن التوبة، كما في الحديث المرفوع: ~~"كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" (1). # وفي صحيح البخاري (2) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أيها الناس! ~~توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم ~~أكثر من سبعين مرة". # وفي صحيح مسلم (3) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنه ليغان على ~~قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة". فقد أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمته بالتوبة عموما، وأخبر أنه يستغفر الله ويتوب إليه في ~~اليوم أكثر من سبعين مرة، بل قوله الذي في الحديث المتفق عليه (4): "اللهم ~~اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر ~~لي هزلي وجدي، وخطأي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، ~~وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي PageV04P054 ### ||| CHECK - الولي أو الصديق لا يجب أن يكون معصوما من الخطأ ونحوه ### ||| CHECK - الصديقون يجوز عليهم جميع الذنوب # لا إله إلا أنت". فهذا الدعاء فيه من الاعتراف أعظم مما في الدعاء الذي ~~أمر به الصديق. # والصديقون يجوز عليهم جميع الذنوب بإتفاق الأئمة، فقد يكون الرجل كافرا ~~ثم يتوب من الكفر ويصير صديقا، وقد يكون فاسقا أو عاصيا ثم يتوب من الفسق ~~والمعصية ويصير صديقا. وإنما تنازع الناس في الأنبياء، وإن كان القول بعصمة ~~الأئمة قد يقوله بعض من يقوله من الرافضة، حتى الإسماعيلية يقولون: إن بني ~~عبيد ms0568 الله بن ميمون القداح كانوا معصومين لا يجوز عليهم الخطأ ولا الذنوب، ~~فهؤلاء زنادقة مرتدون ليسوا من أهل القبلة الذين ينصب معهم الخلاف. ~~والرافضة الذين يعتقدون العصمة في الاثني عشر أجهل الخلق وأضلهم، ليس لهم ~~عقل ولا نقل، ويشبههم من يعتقد في شيخه أو متبوعه العصمة، لكرامة رآها منه ~~أو لحسن ظن به، فهؤلاء كلهم من الجهال الذين ليس لقولهم أصل يبنى عليه. # ومع هذا فتقدير أن يكون أحد هؤلاء معصوما أو محفوظا إنما ذاك عندهم بعد ~~أن يبلغ منزلة الولاية أو الصديقية، وأما قبل ذلك فليس بمعصوم باتفاق ~~الناس، وإن كان الصواب الذي عليه أئمة الدين ومشايخ الدين أن الولي والصديق ~~لا يجب أن يكون معصوما، لا من الخطأ ولا من نحوه، بل قد قال الصديق الأكبر ~~خير هذه الأمة بعده نبيها أبو بكر رضي الله عنه لما ولي الناس: "أيها ~~الناس! القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم القوي عندي ~~حتى آخذ له الحق، أطيعوني فيما أطعت الله، PageV04P055 # فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم" (1). # وثبت في الصحيح (2) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قص رؤيا رآها، فقال ~~أبو بكر: دعني يا رسول الله أعبرها، فلما عبرها قال: أصبت يا رسول الله أم ~~أخطأت؟ فقال: "أصبت بعضا وأخطأت بعضا". # وقال الصديق في الكلالة (3): "أقول فيها برأي، فإن يكن صوابا فمن الله، ~~وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان". # وأفضل هذه الأمة بعد أبي بكر عمر، وكان محدثا ملهما، كما في الصحيحين (4) ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون، ~~فإن يكن في أمتي أحد فعمر". وفي حديث آخر: "إن الله ضرب الحق على لسان عمر ~~وقلبه" (5). # فعمر رضي الله عنه أفضل المخاطبين المحدثين من هذه الأمة، والصديق أفضل ~~منه، فإن الصديق يتلقى عن الرسول لا عن قلبه، PageV04P056 # ولهذا سمي صديقا، وما جاء به الرسول فهو معصوم أن يستقر فيه خطأ، فما ~~يأخذه الصديق فهو صدق كله وحق كله، وأما المحدث ms0569 الذي يأخذ عن قلبه فقلبه قد ~~يصيب وقد يخطيء، فيجب على كل محدث ومكاشف أن يعرض ما وقع عليه على الكتاب ~~والسنة، فإن وافق ذلك وإلا رده، كما قال الشيخ أبو سليمان الداراني: إنه ~~ليمر بقلبي النكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين: الكتاب ~~والسنة. وقال: ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يعمله حتى يسمع فيه بأثر، ~~فإذا سمع بالأثر كان نورا على نور. # وقال الجنيد بن محمد: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ~~ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا. # وقال سهل بن عبد الله التستري: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل. # وقال أبو عمرو بن نجيد أو غيره: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق ~~بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة، لأن الله يقول: ~~(وإن تطيعوه تهتدوا) (1). # ومثل هذا كثير في كلام المشايخ، فما يلقى لأهل المكاشفات والمخاطبات من ~~المؤمنين هو من جنس ما يكون لأهل الرأي والقياس من العلم منهم، وكل ذلك فيه ~~حق وفيه باطل، وليس أحد منهم معصوما، وكل منهم عليه أن يزن ذلك بالكتاب ~~والسنة والإجماع، PageV04P057 ### ||| CHECK - منزلة الصديق والفاروق # فما خالف ذلك فهو باطل. # ومنزلة الصديق والفاروق دلت على أن [من] يأخذ من علم النبوة الثابت عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أرفع منزلة ممن يأخذ من أهل القلوب عن ~~قلوبهم، فإن غاية الواحد من هؤلاء أن يكون مشابها لعمر ولا يكون مثله قط، ~~ومنزلة الصديق أفضل، ولهذا كان الصديق يعلم عمر ومعاوية في غير قصة، كما ~~جرى له معه يوم الحديبية لما قال عمر للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا ~~رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليس عدونا على الباطل؟ قال: ~~بلى، قال: ألست رسول الله حقا؟ # قال: فلم نعطى الدنية في ديننا؟ قال: إني رسول الله، وهو ناصري ولست ~~أعصيه، قال: ألم تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، فقلت لك إنك ms0570 ~~تأتيه في هذا العام؟ قال: لا، قال: فإنك آت البيت ومطوف به. ثم جاء عمر إلى ~~أبي بكر، فقال: يا أبا بكر! # ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: ~~أليس هو رسول الله حقا؟ قال: بلى، قال: فلم نعطى الدنية في ديننا؟ قال: إنه ~~رسول الله وهو ناصره وليس يعصيه، قال: ألم يكن يحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف ~~به؟ قال: بلى، أقال لك إنك تأتيه هذا العام؟ قال: لا، قال: فإنك آت البيت ~~وتطوف به (1). # فأبو بكر أجاب بمثل ما أجاب به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من غير ~~أن يسمع كلامه في تلك القصة التي اضطربت فيها أكثر الصحابة، حتى PageV04P058 ### ||| CHECK - الرد على من استدل بها على الاستغناء عن الرسالة بالمكاشفة ### ||| CHECK - الكلام على قصة الخضر مع موسى # قال سهل بن حنيف - وهو من كبار المؤمنين وشهد مع علي صفين -: "أيها ~~الناس! اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن ~~أرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددته" رواه البخاري (1). # فإذا كان الصديق والفاروق - وهما خير الخلق بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وهما اللذان قال فيهما: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ~~- هما مع الرسول كما ترى، فما الظن بغيرهما؟ وبهذا يعلم أن كل من ادعى ~~استغناءه عن الرسالة بمكاشفة أو مخاطبة، أو عصمة ذلك له أو لشيخه ونحو ذلك= ~~فهو من أضل الناس. # ومن احتج على ذلك بقصة الخضر مع موسى ففي غاية الجهل لوجوه: # أحدها: أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولا كان يجب على الخضر اتباع ~~موسى، بل قال له موسى: إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت ~~على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه، ولما سلم عليه قال: وأنى بأرضك ~~السلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم (2). فالخضر لم ~~يعرف موسى حتى عرفه نفسه. وأما محمد - صلى الله عليه وسلم ms0571 - فهو رسول الله ~~إلى جميع الخلق، فمن لم يتبعه كان كافرا ضالا من جميع من بلغته دعوته، ومن ~~قال له كما قال الخضر لموسى كان كافرا. PageV04P059 # الوجه الثاني: أن ما فعله الخضر لم يكن خارجا عن شريعة موسى، ولهذا لما ~~بين له الأسباب التي أبيح له بها خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار ~~بغير جعل أقره على ذلك، بل كانت الأسباب المبيحة لذلك قد علمها الخضر دون ~~موسى، كما يدخل الرجل دار غيره، فيأكل طعامه ويأخذ ماله، لعلمه بأنه مأذون ~~له في ذلك، وقتل الآخر لعدم علمه بالإذن قد يكون سببا ظاهرا وقد يكون بسبب ~~باطن، وعلى التقديرين هما في الشريعة. # الوجه الثالث: أن الخضر إن كان نبيا فليس لغير الأنبياء أن يتشبه إليه، ~~وإن لم يكن نبيا - وهو قول الجمهور - فأبو بكر وعمر أفضل منه، فإن هذه ~~الأمة خير أمة أخرجت للناس، وخيار هذه الأمة القرن الأول من المهاجرين ~~والأنصار، وخير القرن الأول السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ~~وخيرهم أبو بكر وعمر. # فإذا كان أبو بكر وعمر أفضل من الخضر، وحالهما مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - هذه الحال، ونحن مأمورون أن نقتدي بهما، لا بأن نقتدي بالخضر، ~~كان من ترك الاقتداء بهما في حالهما مع محمد - صلى الله عليه وسلم - واقتدى ~~بالخضر في حاله مع موسى= من أضل الناس وأجهلهم. بل من اعتقد أنه يجوز له أن ~~يخرج عن طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتصديقه في شيء من أموره ~~الباطنة أو الظاهرة فإنه يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كائنا من كان. # وإذا عرف أن التوبة ترفع منزلة صاحبها وإن كان فيه قبل ذلك ما كان، لم ~~يكن لأحد أن ينظر إلى صديق ولا غيره باعتبار ما وقع PageV04P060 ### ||| CHECK - ظلم النفس أنواع مختلفة ودرجات متفاوتة # منه قبل التوبة والاستغفار، ومن فعل ذلك كان جاهلا أو ظالما مهما أمكن أن ~~يقع، إلا إذا كانت التوبة قد وجدت منه، فقد زال أمره وارتفعت بالتوبة ~~درجته. فلا يستكبر ms0572 بعد هذا أن يقع من صديق قدر ماذا عسى أن يقع، وإن كان ~~صديق هذه الأمة كان من أبعد الناس عن الذنوب قبل الإسلام وبعده، حتى إنه لم ~~يشرب الخمر في الجاهلية ولا الإسلام، وكان معروفا عندهم بالصدق والأمانة ~~ومكارم الأخلاق، لكن المقصود أن يحسم مادة مثل هذا السؤال، لكن مع كونه من ~~أبعد الناس عن الذنوب فكل بني آدم يحتاج أن يتوب ويعترف بظلم نفسه، كما ~~اعترف بذلك من هو أفضل من أبي بكر. # وتمام ذلك بالوجه الثاني، وهو أن ظلم النفس أنواع مختلفة ودرجات متفاوتة ~~كما تقدم التنبيه عليه، وكل أحد ظلم نفسه على قدر درجته ومنزلته، وما ~~يمكننا أن نحصر ما فعله كل شخص من أشخاص الصديقين، فإن أحوال العباد مع ~~الله أسرار فيما بينهم وبين الله، وإنما يمكن أن يعرف أنواع ذلك كما دل ~~عليه الكتاب والسنة، ولا حاجة بنا إلى معرفة تفصيل ذلك، فإن هذا ليس مما ~~يقتدى فيه بأحد، فإن الاقتداء إنما يكون في الحسنات لا في السيئات التي ~~يثاب فيها. والإنسان لا يقنط من رحمة الله ولو عمل من الذنوب ما عسى أن ~~يعمل، كما قال تعالى: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) (1). PageV04P061 ### ||| CHECK - التعقيب على شرح الحكيم الترمذي لهذا الحديث ### ||| CHECK - حصول التقصير في كثير من الفرائض لعامة الخلق # ونحن نعلم أن التوكل على الله فرض، والإخلاص له فرض، ومحبة الله ورسوله ~~فرض، والصبر على فعل ما أمر الله وعما نهى الله عنه وعلى المصائب التي ~~تصيبه فرض، وخشية الله وحده دون خشية الناس فرض، والرجاء لله وحده فرض، ~~وأمثال ذلك من الأعمال الباطنة والظاهرة والتي يحصل التقصير في كثير منها ~~لعامة الخلق. # وأي نوع من هذه الأنواع إذا تدبر بعض الصديقين فيه حاله يجده قد ظلم نفسه ~~فيه ظلما كثيرا، دع ما سوى ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ~~في سبيل الله، وكالقيام بحقوق الأهل والجيران والمؤمنين، وإكمال كل ms0573 واجب ~~كما أمر به، وأمثال ذلك مما لا يحصى. # وقد ذكر البخاري (1) عن ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ~~كلهم يخاف النفاق على نفسه. وفي الصحيح (2) أن حنظلة الكتاب لما قال: نافق ~~حنظلة، قال أبو بكر: إنا لنجد ذلك. # فهؤلاء كانوا يخافون على أنفسهم النفاق لكمال علمهم وإيمانهم، ولهذا كان ~~عبد الله بن مسعود وغيره من السلف يستثنون الإيمان فيقول أحدهم: أنا مؤمن ~~إن شاء الله. وقد تقدم التنبيه على مجامع الظلم. والله سبحانه أعلم. # وأما ما ذكره أبو عبد الله الحكيم الترمذي من أصناف الرحمة فلا ريب أن ~~الرحمة أصناف متنوعة ومتفاوتة، كما ذكره من أن له PageV04P062 ### ||| CHECK - الكلام على الحكيم الترمذي ومؤلفاته # رحمة عمت الخلق مؤمنهم وكافرهم، ورحمة خصت المؤمنين، ثم رحمة خصت خواص ~~المؤمنين على قدر درجاتهم، والحديث ليس فيه "رحمة من عندي"، وإنما فيه ~~"فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني"، ولكن مقصوده أن شبه هذا بقوله: (وهب لنا ~~من لدنك رحمة) (1)، وهو قد جعل هذه المغفرة المسئولة من عنده مغفرة مخصوصة ~~ليست مما تبذل للعامة، كما أن الرحمة منها رحمة مخصوصة ليست مما تبذل ~~للعامة. # وهذا الكلام في بعضه نظر، فالحكيم الترمذي رحمه الله في الحديث والتصوف، ~~وتكلمه على أعمال القلوب واستشهاده على ذلك بما يذكره من الآثار، وما يبديه ~~عليها (2) من المناسبات والاعتبار= هو في هذا الطريق كغيره من المصنفين في ~~فنون (3) العلم كالتفسير والفقه ونحو ذلك. وكثيرا ما يوجد في هذه الكتب من ~~الآثار الضعيفة بل المضلة ما لا يجوز الالتفات إليه، وكذلك الحكيم الترمذي، ~~فإن له كتبا (4) متعددة كنوادر الأصول والصلاة وغيرها، وفي كتبه فوائد ~~ومقاصد مستحسنة مقبولة، وفيها أيضا أقوال لا دليل عليها وأقوال مردودة يعلم ~~فسادها، وآثار ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها. PageV04P063 ### ||| CHECK - شرحه لهذا الحديث فيه نظر من وجوه # ومن أضعف ما ذكره ما تكلم عليه في كتاب "ختم الولاية" (1)، فإنه تكلم على ~~حال من زعم أنه خاتم الأولياء بكلام مردود ومخالف لإجماع الأئمة، ويناقض في ~~ذلك. ms0574 وهذا كان سبب من تكلم في ختم الأولياء وادعى ذلك لنفسه، كابن العربي ~~وابن حمويه ونحوهما، فإن الترمذي أخطأ مقدارا من الخطأ، فزادوا على ذلك ~~زيادات كثيرة حتى خرج بهم الأمر إلى الاتحاد، وكل متكلم في الوجود يوزن ~~كلامه بالكتاب والسنة. # وكلامه على الحديث من أوسط كلامه، وفيه نظر: # أحدهما: فإن قوله "مغفرة من عندك"، وقوله (وهب لنا من لدنك رحمة) ونحو ~~ذلك، ليس في ذلك ما يقتضي اختصاص هذا الشخص الداعي بهذا المطلوب المسؤول، ~~ولو كان كذلك لما كان يسوغ لغيره أن يدعو بهذا الدعاء، وهذا خلاف الإجماع. # وإن قيل: مراده أن هذا المطلوب يختص من دعا هذا الدعاء. قيل له: كذلك ~~يمكن أن يقال في كل مطلوب بدعاء، فإن ذلك المطلوب هو مختص بذلك الدعاء. # وإن قال: بل غير هذا من المطلوبات قد ينال بلا دعاء. قيل له: وهذا أيضا ~~قد ينال بلا دعاء، فمن أين لنا أن هذه المغفرة والرحمة المطلوبة لا تنال ~~إلا بهذا الدعاء؟ وأن سائر ما PageV04P064 ### ||| CHECK - خطاه في شرح قوله من عندك # يطلب من الله قد ينال بغير الطلب. ومن المعلوم أن الدعاء والطلب سبب لنيل ~~المطلوب المسؤول، فإن جاز أن يكون للمسؤول سبب غير الدعاء في غير هذا ~~الموضع فكذلك في هذا الموضع. # وأيضا فقوله "من عندك" ليس فيه ما يدل على اختصاصه بالطلب ولا بالمطلوب، ~~وتفسير اللفظ بما لا دليل عليه هو من جنس تفسير القرامطة الذين يفسرون ~~الألفاظ لما أرادوا، وأكثر أهل الإشارات الذين يقعون في أشياء مثل قطعة ~~كثيرة من الحكايات المذكورة في "حقائق التفسير" لأبي عبد الرحمن السلمي، ~~والإشارات التي يعتمدها المشايخ العارفون، هي من جنس القياس والاعتبار. # وهي كشبه غير المنطق بالمنطق لكونه في معناه أو أولى بالحكم منه، كما ~~يفعل مثل ذلك في القياس الفقهي، كما إذا قيل في قوله: (لا يمسه إلا ~~المطهرون (79) (1) إذا كان المصحف الذي كتب فيه طاهرا لا يمسه إلا البدن ~~الطاهر، فالمعاني التي هي باطن القرآن لا يمسها إلا القلوب المطهرة، ms0575 وأما ~~القلوب المنجسة لا تمس حقائقه، فهذا معنى صحيح، قال تعالى: (سأصرف عن آياتي ~~الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) (2). قال بعض السلف: أمنع قلوبهم فهم ~~القرآن. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أذنب العبد نكت في قلبه ~~نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زيد فيها حتى تعلو ~~قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى فيه: (كلا بل ران على PageV04P065 # قلوبهم ما كانوا يكسبون (14)) (1). # فالذنوب ترين على القلوب حتى تمنعها فهم القرآن، وإذا كان هذا المعنى ~~صحيحا فقياس طهارة القلب على طهارة البدن فيما يشترط له الطهارة من مس ~~القرآن إشارة حسنة، فأما أن يفسر (2) المراد للفظ بغير المراد وبما لا يدل ~~عليه اللفظ فهذا خطأ. # وقد قال زكريا: (هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (38)) (3)، ولم ~~تكن الذرية الطيبة مختصة به ولا بالأنبياء، بل الله يخرج الأنبياء من أصلاب ~~الكفار إذا شاء، ولكن بمشيئته - والله أعلم - أنه إذا قال: "من عندك" و"من ~~لدنك"، كان مطلوبا فعل العبد، فإن ما يعطيه الله للعبد على وجهين: # منه ما يكون بسبب فعله، كالرزق الذي يرزقه بكسبه، والسيئات التي تغفر له ~~بالحسنات الماحية لها، والولد الذي يرزقه بالنكاح المعتاد، والعلم الذي ~~يناله بالتعلم المعهود، والرحمة التي تصيبها بالأسباب التي يفعلها. # ومنه ما يعطيه للعبد ولا يحوجه إلى السبب الذي ينال به في غالب الأمر، ~~كما أعطى زكريا الولد مع أن امرأته كانت عاقرا، وكان قد بلغ من الكبر عتيا، ~~فهذا الولد وهبه الله من لدنه لم يهبه PageV04P066 # بالأسباب المعتادة، فإن العادة لا تحصل بهذا الولد، وكذلك العلم الذي ~~علمه الخضر من لدنه لم يكن بالتعلم المعهود، وكذلك الرحمة الموهوبة، ولهذا ~~قال: (إنك أنت الوهاب (8)) (1). # وقوله: "مغفرة من عندك"، لم يقل فيه "من لدنك مغفرة" بل "من عندك"، ومن ~~الناس من يفرق بين "لدنك" و"عندك"، وهكذا قد يفرق بين التقديم والتأخير، ~~فإن لم يكن بينهما فرق فقد يكون المراد: اغفر لي مغفرة من عندك لا تصلها ~~بأسباب، ms0576 لا من عزائم المغفرة التي تغفر لصاحبها، كالحج والجهاد ونحوهما ما ~~يوجب المغفرة لصاحبه، بل اغفر لي مغفرة تهبها لي وتجود بها علي بلا عمل ~~يقتضي تلك المغفرة. # ومن المعلوم أن الله تعالى قد يغفر الذنوب بالتوبة، وقد يغفرها بالحسنات ~~الماحية، وقد يغفرها بالمصائب المكفرة، وقد يغفرها بمجرد استغفار العبد ~~وسؤاله أن يغفر له، فهذه مغفرة من عنده. فهذا الوجه إذا فسر به قوله: "من ~~عندك" كان أحسن وأشبه مما ذكر من الاختصاص. # وأما قوله: "والأشياء كلها من عنده"، فيقال: [إن] للأشياء وجهين: منها ما ~~جعل سببا من العبد يوفيه عليه، ومنها ما يفعله بدون ذلك السبب، بل إجابة ~~لسؤاله وإحسانا إليه. واستعمال لفظ "من عندك" في هذا المعنى هو المناسب، ~~دون تخصيص بعض الناس دون بعض، فإن قوله "من عندك" دلالته على الأول أبين، PageV04P067 # ولهذا يقول الرجل لما يطلبه: "أعطنى من عندك" لما يطلبه منه بغير سبب، ~~بخلاف ما يطلبه من الحقوق التي عليه كالدين والنفقة، فإنه لا يقال فيه "من عندك". # والله تعالى وإن كان الخلق لا يوجبون عليه شيئا فهو قد كتب على نفسه ~~الرحمة، وحرم الظلم على نفسه، وأوجب بوعده ما يجب لمن وعده إياه، فهذا قد ~~يصير واجبا بحكم إيجابه ووعده، بخلاف ما لم يكن كذلك. فاستعمال لفظ "من ~~عندك" في هذا هو شبيه باستعماله فيما يطلب من الناس من الإحسان ذو ~~المعاوضات. # وأيضا فقوله "من عندك" يراد به أن يكون مغفرة تجود بها أنت علي لا تحوجني ~~فيها إلى خلقك، ولا يحتاج إلى أحد يشفع في أو يستغفر لي، واستعمال لفظة "من ~~عندك" في مثل هذا معروف، كما في حديث توبة كعب بن مالك (1) لما جاء إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك ~~أمك"، فقلت: يا رسول الله! # أمن عند الله أو من عندك؟ فقال: "بل من عند الله"، فأخبره - صلى الله ~~عليه وسلم - أن الله تاب عليه من عنده. # وكلا الوجهين قول مريم عليها السلام ms0577 (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد ~~عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من ~~يشاء بغير حساب (37)) (2)، فلما كان الرزق لم يأت به بشر ولم PageV04P068 # يسع فيه السعي المعتاد قالت: "هو من عند الله". فهذه المعاني وما يناسبها ~~هي التي يشهد لها استعمال هذا اللفظ. وإن قال قائل: كذلك كلام الحكيم ~~الترمذي على مثل هذا، وإنه أراد بالتخصيص ما يناسب هذا، كان قولا محتملا، ~~وقد قال عمر: احمل كلام أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، والله ~~أعلم. PageV04P069 ### || CHECK (2) مسألة فيمن قال: إن نبيا أكله القمل فاشتكى إلى الله، فأوحى إليه: لئن اختلج هذا في سرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان الأنبياء ### ||| CHECK - وجوب اتباع شريعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ### ||| CHECK - هذا من النقول الباطلة، ولا يجوز لأحد أن يقول بها # مسألة # في رجل قال: إن نبيا من الأنبياء أكله القمل، فاشتكى إلى الله، فأوحى ~~الله إليه: لئن اختلج هذا في سرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان الأنبياء. # الجواب # الحمد لله. لا يجوز لأحد أن يقول مثل هذا القول من غير بيان حاله، فإن ~~هذا ليس من المنقول الثابت، بل من النقول الباطلة، ولو كان من النقول ~~الصحيحة لم يجز لأحد من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يتبع مثل هذه ~~الحكاية ويبني عليها طريقه إلى الله تعالى. # وذلك أن الحكايات الإسرائيليات (1) إن ثبتت عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أو نقلت بالتواتر ونحو ذلك علم صحتها، وإذا صحت فما وافق الشريعة ~~اتبع، وما خالف منها شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يتبع؛ فإن الله ~~تعالى يقول: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) (2). # وفي النسائي (3) وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لو كان ~~موسى PageV04P070 ### ||| CHECK - لا يجوز لأحد أن يثبت بالإسرائيليات حكما يخالف شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - # حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم". وفي رواية (1): "لو كان موسى حيا ما ~~وسعه إلا اتباعي". وقد ms0578 قال الله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ~~أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من ~~الشاهدين (81)) (2). قال ابن عباس (3): ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه ~~العهد والميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ ~~الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. # وهذا كما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الله بعث محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى جميع أهل الأرض، عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، إنسهم ~~وجنهم. فلا يقبل الله من أحد عملا يخالف شريعته وإن كان ذلك العمل مشروعا ~~لبعض الأنبياء. فمن اتبع الشرعة والمنهاج الذي كان مشروعا لموسى وعيسى ونسخ ~~على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو كافر باتفاق المسلمين، وإذا كان ~~هذا فيما علم أنه مشروع للأنبياء، فكيف بما يحكى عنهم ولا يعلم صحته؟ فلا ~~يجوز لأحد أن يثبت بالإسرائيليات لا صحيحها ولا ضعيفها حكما يخالف شريعة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -. والمنقولات من PageV04P071 ### ||| CHECK - إجماع المسلمين على جواز الاشتكاء إلى الله فيما نزل من الضر # الإسرائيليات تارة يعلم صحتها، وتارة يعلم أنها كذب، وتارة لا يدرى. # وقد ثبت في الصحيح (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا ~~حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، ~~وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه". # إذا تبين هذا فنقول: أجمع المسلمون على أن المسلم يجوز له أن يشتكي إلى ~~الله ما نزل من الضر، والله سبحانه في كتابه قد أمر بذلك، وذم من لا يفعله، ~~قال تعالى: (فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون (42)) (2)، وقال ~~تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76)) (3)، ~~وقال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55)) (4). # وفي الصحيح (5) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في دعائه: ~~"اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، ms0579 وشماتة ~~الأعداء". وفي الصحيح (6) أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ~~يقول: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك (7)، وفجاءة PageV04P072 ### ||| CHECK - مما يدل على كذب هذه الحكاية أن الأنبياء اشتكوا ### ||| CHECK - الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر # نقمتك، وجميع سخطك". # وفي الصحيح (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان لا يدعو دعاء ~~إلا ختمه بقوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار (201)). وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - العباس وغيره أن يسأل ~~العافية في الدنيا والآخرة (2)، وعلم رجلا أن يدعو فيقول: "اللهم اغفر في ~~وارحمني واهدني وعافني وارزقني" (3)، ومثل هذا كثير. # والعبد إذا اشتكى إلى ربه ما نزل به من الضر وسأله إزالته لم يكن مذموما ~~على ذلك باتفاق المسلمين، والشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، بل الشكوى إلى ~~الخلق قد تنافي الصبر، فإن يعقوب عليه السلام قال: (فصبر جميل) (4)، وقال: ~~(قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله). وكان عمر بن الخطاب يقرأ في الفجر ~~بسورة هود ويوسف ونحو ذلك، فلما وصل إلى قوله: (قال إنما أشكو بثي وحزني ~~إلى الله) فسمع نشيجه من أواخر الصفوف. # وهذا مما يدل على كذب الحكاية، فإن يعقوب عليه السلام اشتكى إلى الله ما ~~أصابه بفراق ولده من البث والحزن، ولم يكن PageV04P073 ### ||| CHECK - الكلام على الرضا بالقضاء # مذموما بذلك، وكذلك أيوب عليه السلام قال: (أني مسني الضر وأنت أرحم ~~الراحمين (83)) قال: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم ~~معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (84)) (1). # وقد قال تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88)) (2). وقال تعالى: (ولقد نادانا ~~نوح فلنعم المجيبون (75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76)) (3). # فهؤلاء الأنبياء قد اشتكوا إلى الله، وأزال ما اشتكوا منه من الضر والغم ~~والحزن ونحو ذلك، فكيف يمحى [نبي من] الأنبياء إذا ms0580 اشتكى من ضر القمل ~~وغيره؟ أم كيف يمحوه من ديوان النبوة إذا اختلج ذلك في سره؟ وأكثر ما يقال: ~~إن العبد ينبغي له أن يرضى بالقضاء. لكن جواب هذا من وجوه: # أحدها: أن الرضا ليس بواجب في أصح قولي العلماء بل يستحب، وإنما الواجب ~~الصبر، والصبر لا ينافي الشكوى. # الثاني: أن الرضا لا ينافي القضاء مطلقا، بل يرضى في الحاضر، ويسأل الله ~~في المستقبل أمرا آخر، فإن الرضا إنما يكون PageV04P074 # بعد القضاء، والدعاء إنما يكون بطلب مستقبل أو دفعه، فالرضا بما مضى لا ~~ينافي طلب زوال المستقبل. وقد يخاف العبد أنه لا يدوم الرضا، فيسأل الله ~~زوال الشدة التي يخاف معها زوال رضاه، فالداعي قد يكون راضيا وغير راض، كما ~~أن الراضي قد يكون داعيا وغير داع. # الثالث: أن اختلاج المصيبة في السر لا ينافي الرضا باتفاق العقلاء، ولا ~~يدخل هذا في التكليف، فضلا عن أن يكون ذنبا، أو أن يستحق صاحبه زوال نبوته. # وبالجملة فهذه الحكايات المخالفة لشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - لا ~~تخلو عن وجهين: إما أن تكون كذبا، وإما أن تكون غير مشروعة لنا في دين ~~الإسلام، فلا يحل لأحد أن يحكيها لمن يتبعها، ولا أن يستحسن العمل بها في ~~ديننا، ولا يمدح على ذلك. PageV04P075 ### || CHECK (3) مسألة في قوله تعالى (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم)، هل من هنا للتبعيض أو زائدة؟ وما حكم من يعتقد زيادتها؟ ### ||| CHECK - من هنا للتبعيض باتفاق العلماء # مسألة # في قوله تعالى: (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) (1)، هل "من" ~~هاهنا للتبعيض؟ فيكون الحكم بالعداوة على البعض؛ أو تكون "من" زائدة؟ فيحكم ~~على كل واحد ولد وكل زوج بالعداوة. # فإن قلتم: إنها للتبعيض فما حكمكم على من يعتقد زيادتها؟ # ويزعم أنه يستدل على الحديث والقرآن بكلام العرب، وهل من دليل على ذلك ~~فيما ذكر من القرآن والحديث وكلام العرب؟ فبينوه، أم ليس الأمر كذلك؟ # الجواب # الحمد لله. بل "من" هنا للتبعيض باتفاق الناس، والمعنى أن من الأزواج ~~والأولاد عدوا، وليس ms0581 المراد أن كل زوج وولد عدو (2). فإن هذا ليس هو مدلول ~~اللفظ، وهو باطل في نفسه، فإن سبحانه قد قال عن عباد الرحمن: إنهم يقولون: ~~(ربنا هب لنا من PageV04P076 ### ||| CHECK - قول من قال إنها زائدة، غلط من وجوه # أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) (1)، فسألوا الله أن يهب لهم من أزواجهم ~~وأولادهم قرة أعين، فلو كان كل زوج وولد عدوا (2) لم يكن فيهم قرة أعين، ~~فإن العدو لا يكون قرة عين بل سخنة عين، وأيضا فإنه من المعلوم أن مثل ~~إسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم، ومثل يحيى بن زكريا وأمثالهم ليسوا أعداء. # وقول من قال: إنها هنا زائدة، غلط لوجوه: # أحدها: أن مذهب سيبويه وجمهور أئمة النحاة أنها لا تزاد في الإثبات، ~~وإنما تزاد في النفي تحقيقا لعموم النفي (3) كقوله: (وما من إله إلا إله ~~واحد) (4)، وقوله (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) (5) ونحو ذلك، ~~فإنه لولا "من" لكان الكلام ظاهرا في العموم، فإنه يجوز أن تقول: ما رأيت ~~رجلا بل رجلين، فإذا أدخلت "من" فقلت: ما رأيت من رجل كان نصا في العموم، ~~فلا يجوز أن يقال: ما رأيت من رجل بل رجلين، مع أن النكرة في سياق النفي ~~للعموم مطلقا، لكن قد يكون نصا وقد يكون ظاهرا، فإذا كانت ظاهرا احتملت نفي ~~الواحد من الجنس بخلاف النص، وهذا الموضع إثبات لا نفي، فلا تزاد فيه. PageV04P077 # الثاني: أن من جوز زيادتها في الإثبات - كالأخفش - لا يجوزه إلا إذا كان ~~في الكلام ما يدل عليه، وإلا فلو قال قائل: إن من هؤلاء القوم مسلمين، ~~وأراد أن جمعهم مسلمون، لم يجز ذلك بالاتفاق. # الثالث: أنه إذا قيل بزيادتها كان المعنى باطلا. # الرابع: الزيادة على خلاف الأصل، فلا يجوز ادعاؤها بغير دليل، والله ~~أعلم. PageV04P078 ### || CHECK (4) مسألة فيمن استدل بتحويل النبي - صلى الله عليه وسلم - رداءه في الاستسقاء، وجعل أعلاه أسفله، ورقع ظاهر كفيه إلى السماء، وجعل باطنهما إلى الأرض= على أن الله ليس فوق السماوات على العرش ### ||| CHECK - هذا الاستدلال يدل على ms0582 غاية الجهل # مسألة # فيمن استدل بتحويل النبي - صلى الله عليه وسلم - رداءه في الاستسقاء، ~~وجعل أعلاه أسفله، ورفع ظاهر كفيه إلى السماء، وجعل باطنها إلى الأرض= على ~~أن الله ليس فوق السماوات على العرش بائن من الخلق، وأنه بذاته لا يختص ~~بجهة العلو، هل هو مصيب في ذلك الاستدلال أم لا؟ وما معنى الحديث؟ وهل لقول ~~طائفة من الفقهاء إنه يستحب لمن هو في شدة أن يرفع ظاهر كفيه إلى السماء ~~دون باطنها وجه؟ ولو فرض أن الحديث يدل على ذلك ولو على بعد، فهل مثل ذلك ~~مع ما يزعمونه أدلة عقلية دلت على استحالة ذلك يعارض ما ثبت بالكتاب والسنة ~~من أن الله تعالى مستو على عرشه بائن من خلقه فوق كل شيء وعال على كل شيء أم لا؟ # الجواب # الحمد لله رب العالمين. استدلال المستدل بهذا وإن سبقه إلى نحو منه من ~~المتجهمة المنتسبة إلى الحديث، فإنه يدل على غاية الجهل بما فعله رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في الاستسقاء، وغاية الجهل في الاستدلال بذلك على ~~نفي علو الله، إذ ما فعله يدل على نقيض مطلوب هذا المستدل الجاهل. ونحن ~~نبين ذلك بالكلام على ما PageV04P079 ### ||| CHECK - لم يجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلاه أسفله، بل جعل الأيمن على الأيسر وقلبه وحوله كما في الأحاديث الواردة في الباب ### ||| CHECK - الكلام على ذلك في فصلين # فعله من تحويل الرداء، ومن رفع يديه في الاستسقاء. # أما الفصل الأول - وهو تحويل الرداء - فما علمت أحدا يستدل به على نفي ~~العلو، ولا فيه شبهة تقتضي ذلك، وإنما المعروف عن بعضهم أنه يستدل برفع ~~اليدين، فهذا هو الذي يعترض به بعض الناس، فأما الرداء فلا، ولكن نتكلم على ~~الفصلين. # أما الأول فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل أعلاه أسفله كما ~~قاله هذا المستدل، وإنما جعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن، وقلبه ~~فجعل باطنه ظاهرا وظاهره باطنا، كما جاء مفسرا في الأحاديث المعروفة في ~~الباب، فإن في الصحيحين (1) عن عبد ms0583 الله بن زيد قال: خرج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى المصلى، فاستسقى، واستقبل القبلة، وقلب رداءه، وصلى ~~ركعتين. وفي لفظ: استقبل القبلة، وحول رداءه. فلفظ الحديث جاء بلفظ القلب ~~وبلفظ التحويل، ورواه البخاري من وجوه بلفظ التحويل (2)، وذكر عن أبي بكر ~~بن محمد بن عمرو بن حزم قال (3): جعل اليمين على الشمال. # ورواه أبو داود (4) من حديث عبد الله بن زيد أيضا، قال: خرج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يستسقي، قال: فحول رداءه، وجعل عطافه الأيمن PageV04P080 # على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله عز وجل. # ورواه مالك (1) وأحمد (2) أيضا - واللفظ له - من حديث عبد الله ابن زيد ~~قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استسقى لنا أطال الدعاء ~~وأكثر المسألة، قال: ثم تحول إلى القبلة وحول رداءه فقلبه ظهرا لبطن. # ورواه الدارقطني (3) أيضا من حديث عبد الله بن زيد قال: خرج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى يستسقي، فاستقبل القبلة، فقلب رداءه وصلى ~~ركعتين. قال سفيان: جعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين. # ورواه أحمد (4) وأبو داود (5) أيضا عنه قال: استسقى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فثقلت ~~عليه، فقلبها الأيمن على الأيسر [والأيسر] على الأيمن. # فهذا فيه أيضا ما في سائر الأحاديث أنه قلب الأيمن على الأيسر والأيسر ~~على الأيمن، لكن فيه ذكر الراوي أنه هم بجعل أسفلها أعلاها، فهذا ليس فيه ~~أنه فعل ذلك، وإنما فيه أن الراوي ظن أنه أراد فعله، والظن قد يصيب وقد ~~يخطئ. PageV04P081 ### ||| CHECK - تحويل الرداء وصفته والمقصود منه # فهذه أحاديث عبد الله بن زيد، وحديثه أشهر حديث في تحويل الرداء وفي صلاة ~~الاستسقاء، وأصح الأحاديث في ذلك، فيها تارة متصلا بالحديث وتارة من تفسير ~~الرواة أنه جعل الأيمن على الأيسر [والأيسر على الأيمن]، وفيها تصريح بأنه ~~لم يفعل الأعلى أسفل ولا الأسفل أعلى. وكذلك غيره من الحديث مثل حديث أبي ~~هريرة الذي رواه أحمد ms0584 (1) وابن ماجه (2)، قال: خرج رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يوما يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ~~ودعا الله عز وجل، وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه، فجعل ~~الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. # وكذلك رواه الدارقطني (3) من حديث ابن عباس قال: سنة الاستسقاء سنة ~~الصلاة في العيدين، إلا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلب رداءه، ~~فجعل يمينه على يساره ويساره على يمينه، وذكر تمامه. # وفي إسناده مقال يصلح للاعتضاد (4) والاستشهاد. # وتحويل الرداء في دعاء الاستسقاء سنة عند فقهاء الحجاز وفقهاء الحديث ~~كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وهو قول صاحبي أبي حنيفة PageV04P082 ### ||| CHECK - فساد استدلال الجهمي من وجوه # أبي يوسف ومحمد، كما أن الصلاة في الاستسقاء سنة عند هؤلاء، وأبو حنيفة ~~لم يبلغه لا الصلاة في الاستسقاء ولا تحويل الرداء في دعائه. # وأما صفة التحويل فجعل الأيمن على الأيسر كما جاءت بذلك الأحاديث، عند ~~جمهور العلماء كمالك وأحمد وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور، وهو قول الشافعي إذ ~~كان بالعراق، وقال في الجديد: في الرداء المراد كذلك، وفي المربع يجعل ~~أعلاه أسفله، لما تقدم من هم النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وحجة الجمهور أنه حوله من اليمين إلى اليسار، وأن الخلفاء الراشدين بعده ~~فعلوا ذلك، كما فعله عثمان بحضرة الصحابة. وأما تلك الزيادة فلو كانت ثابتة ~~لكانت ظنا من الراوي لا يترك لها ما ثبت من فعله المتيقن وفعل خلفائه. # وروى أبو بكر النجاد عن عروة بن أذينة عن أبيه قال: رأيت عثمان يستسقي ~~بالمصلى، فرأيته صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة، ثم خطب الناس، ثم حول وجهه ~~إلى القبلة، ورفع يديه، وحول رداءه، جعل اليمين على اليسار واليسار على ~~اليمين. # فقد ظهر فساد استدلال الجهمي من وجوه: # أحدها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل أسفله أعلاه، بل قلبه، ~~وإن قيل (1) إنه هم بذلك. PageV04P083 # الثاني: هب أنه جعل أعلاه أسفله، أو أن ذلك هو المستحب - كما هو أحد قولي ~~الفقهاء - لكونه هم ms0585 بذلك وتركه للعسر، وأي شيء في جعل أسفل الرداء أعلاه ~~مما يدل على أن الله ليس هو العلي الأعلى، وأنه ليس هو فوق العالم؟ أو أي ~~شيء في ذلك ما يبطل أدلة القائلين بذلك أو يعارضها؟ وهذا جواب عن هذا، وعن ~~توجيه اليدين إلى الأرض إن قيل (1): إنه فعل ذلك. وسنبين حقيقة ما فعله، ~~فإن غاية ما يقدر المقدر أنه وجه وجهه ويديه إلى الأرض وجعل أعلى ردائه ~~أسفله، فليس في بني آدم من يقول: إنه قصد بذلك أن الله في الأرض دون ~~السماء، فإن هذا لا يقوله لا مؤمن ولا كافر، ولا مثبت ولا منافق، بل جميع ~~الخلق متفقون على أن الأرض ليست مختصة به دون السماء، بل الجهمية تقول: لا ~~فرق بين الأرض والسماء، ثم تارة يقولون: إنه بذاته في الأرض والسماء كما ~~يقوله الحلولية والاتحادية، منهم أكثر عبادهم وعوامهم الذين يدعون التحقيق ~~والتوحيد من صوفيتهم. وتارة يقولون: بل ليس هو داخل العالم ولا خارجه ~~البتة، ولا فوق العرش، ولا في السماء ولا في الأرض، وهذا قول نظارهم ~~ومتكلميهم. # فإذا قدر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد التوجه إلى الأرض دون ~~السماء، لم يقل أحد: إن ذلك يدل على أن الله في الأرض دون السماء، بل غاية ~~ما يقال: يبطل استدلال من يستدل برفع اليدين أنه فوق PageV04P084 # العالم. وسنتكلم على ذلك ونبين أنه لا يبطل هذه الدلالة، وبتقدير أن يبطل ~~هذا الدليل المعين لا يبطل المدلول عليه، فنفرض أن رفع اليدين لا يدل على ~~هذه المسألة، فأدلتها السمعية والعقلية أكثر من أن تسطر هنا، وفي القرآن ~~نحو ثلاثمائة موضع يدل على ذلك، والأحاديث والآثار في ذلك أشهر وأظهر من أن ~~تذكر هنا مع الأدلة العقلية، كما قد بسط في غير هذا الموضع (1). # ثم يقال: هب أنه يبطل الاستدلال برفع اليدين، فأي شيء أدخل تحويل الرداء ~~في ذلك؟ فإنا ما علمنا أحدا استدل بتحويل الرداء على أن الله فوق حتى تبطل ~~دلالته، فعلم أن إدخال هذا في هذه ms0586 المسألة جهالة واضحة، وإنما يعرف عن ~~طائفة من المتجهمة المنتسبين إلى الحديث أنهم يذكرون رفع اليدين، وأما ~~تحويل الرداء فما علمت لذكره وجها. # الوجه الثالث: أن يقال: ما ذكره المستدل إن كان فيه حجة # فهي عليه لا له، وذلك أن عائبنا يقول إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~جعل أعلى ردائه أسفله، أو أن ذلك هو المستحب، فيقال له: إن لم يكن في هذا ~~التحويل دليل على مسألة العلو بنفي ولا إثبات فلا حجة لك فيه، وإن كانت فيه ~~حجة فثبت بحجة على أن الله في العلو، لأنه جعل أسفله أعلاه، فيكون قد قصد ~~توجيه ردائه إلى ما فوق كما وجه قلبه، كما سنذكره إن شاء الله، وهذا مناسب، ~~وهو لا يمكنه PageV04P085 ### ||| CHECK - الأحاديث الواردة في رفع اليدين في الاستسقاء # أن يقول: توجيهه إلى أسفل لأن الله في العلو، والمثبت يمكنه أن يقول: ~~وجهه إلى فوق لكون الله تعالى في العلو، فإن كان فيه حجة فهو للمثبت لا ~~للنافي. # ولكن الصواب أنه ليس فيه حجة لا على هذا ولا على هذا، لأن المقصود بذلك ~~تحويل السنة من الجدب إلى الخصب، كما رواة الدارقطني (1) عن جعفر بن محمد ~~عن أبيه عليهم السلام قال: استسقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحول ~~رداءه ليتحول القحط. # فصل # وأما رفع اليدين في الاستسقاء فالأصل فيما ذكر في السؤال حديث أنس بن ~~مالك، وقد أخرجاه في الصحيحين (2) عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع حتى يرى ~~بياض إبطيه. لفظ البخاري. وله (3) عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه. ولفظ مسلم (4): "كان لا يرفع يديه في شيء من ~~دعائه إلا في الاستسقاء PageV04P086 # حتى يرى بياض إبطيه". ولمسلم (1) أيضا عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه. وفي ~~لفظ لمسلم (2): أن النبي - صلى ms0587 الله عليه وسلم - استسقى فأشار بظهر كفيه ~~إلى السماء. وفي لفظ لأبي داود (3) عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض ~~إبطيه. وفي لفظ لأبي داود (4): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه ~~حذاء وجهه، أعني في الاستسقاء. # وعن عمير مولى آبي اللحم أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي ~~عند أحجار البيت (5) قريبا من الزوراء قائما يدعو رافعا يديه قبل وجهه لا ~~يجاوز بهما رأسه. رواه أبو داود (6) والنسائي (7). وروى الأوزاعي عن سليمان ~~بن موسى قال: لم يحفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رفع يديه ~~الرفع كله إلا في ثلاثة مواطن: في الاستسقاء، والاستنصار، وعشية عرفة، ثم ~~كان بعدها رفعا دون رفع فيها. رواه أبو داود في "المراسيل" (8). PageV04P087 ### ||| CHECK - الكلام على حديث أنس كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء # وعن ابن عباس قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو بعرفة ~~بالموقف ويداه إلى صدره كما يستطعم المسكين. وعن ابن عباس قال: المسألة أن ~~ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، ~~والابتهال أن تمد يديك جميعها (1). وفي لفظ (2): والابتهال هكذا، ورفع يديه ~~وجعل ظهورهما مما يلي وجهه. [و] رواه أبو داود من طريق آخر (3) عن ابن عباس ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر نحوه. # إذا تبين هذا فنقول: الكلام على حديث أنس في موضعين: # أحدهما: قوله "كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء". # والثاني: ما روي في بعض ألفاظ مسلم "فأشار بظهر كفيه إلى السماء". # فإن من الناس من غلط في كلا الموضعين، فظن بعضهم أن اليد لا ترفع في ~~الدعاء إلا في الاستسقاء، حتى تركوا رفع اليدين في سائر الأدعية، ومنهم من ~~فرق بين دعاء الرغبة ودعاء الرهبة، فقال في دعاء الرغبة: يجعل باطن كفيه ~~إلى السماء وظاهرهما إلى الأرض، وقال في دعاء الرهبة بالعكس، ms0588 يجعل ظاهرهما ~~إلى PageV04P088 ### ||| CHECK - ذكر بعض الأحاديث الواردة في ذلك ### ||| CHECK - رفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء متواتر # السماء وباطنهما إلى الأرض، وقالوا: إن الراغب كالمستطعم، والراهب ~~كالمستجير المستعيذ الدافع. ونحن نتكلم في بيان السنة في صفة الرفع، ثم ~~نبين أنه على كل تقدير لا حجة فيه للجهمية نفاة العلو. # أما رفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء فقد تواتر عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، كما في صحيح البخاري (1) وغيره عن أبي هريرة قال: قدم الطفيل ~~بن عمرو الدوسي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! # إن دوسا قد عصت وأبت فادع عليهم، فاستقبل القبلة ورفع، وقال: "اللهم اهد ~~دوسا وأت بهم". # وفي الصحيحين (2) أيضا عن أبي موسى قال: أصيب أبو عامر رضي الله عنه في ~~ركبته في غزوة أوطاس، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره فيها، ~~فقال لي: اقرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - السلام وقل له: استغفر لي ~~واستخلفني على الناس، وسكت يسيرا ثم مات. فلما رجعت إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأخبرته خبر أبي عامر وسؤاله أن يستغفر له، فدعا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بماء فتوضأ، ثم رفع يديه وقال: "اللهم اغفر لعبيدك ~~أبي عامر". # وفي صحيح البخاري (3) وغيره عن ابن عمر قال: بحث النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم PageV04P089 # يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ~~ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا ~~أسيره، فقلت: والله إني لا أقتل أسيري، ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره، حتى ~~قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذكرنا له، فرفع يديه فقال: ~~"اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد"، مرتين. # وفي صحيح مسلم (1) عن عائشة قالت: ألا أحدثكم عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -؟ قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي انقلب - صلى الله عليه وسلم -، ~~فوضع ms0589 نعليه عند رجليه، وذكرت الحديث الطويل في دعائه لأهل البقيع، فرفع ~~يديه ثلاث مرات وأطال القيام، ثم انحرف وانحرفت، وذكرت الحديث. # وفي صحيح مسلم (2) أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - تلا قول الله عز وجل في إبراهيم (رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم (36)) (3)، وقال عيسى ~~عليه السلام: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~(118)) (4)، فرفع يديه فقال: "اللهم أمتي أمتي"، قال الله: يا جبريل اذهب ~~إلى محمد - وربك أعلم - فسله ما يبكيك؟ فأتاه PageV04P090 # جبريل، فسأله، فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال الله: يا ~~جبريل! اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك فيهم. # وفي صحيح مسلم (1) عن عمر بن الخطاب قال: نظر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فاستقبل ~~القبلة ثم مد يديه وجعل يهتف برئه: "اللهم وأنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ~~ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض"، ~~فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه ~~أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، والتزمه من ورائه، وقال يا نبي ~~الله! كذاك (2) منا شدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله (إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (9)) (3)، ~~فأمدهم الله بالملائكة. # وفي سنن أبي داود (4) وغيره عن قيس بن سعد من حديث زيارة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، قال فيه: فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ~~وهو يقول: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة". PageV04P091 # وفي سنن أبي داود (1) وغيره عن سعد بن أبي وقاص قال: خرجنا مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - من مكة نريد المدينة، فلما قدمنا من عزورا نزل، ثم ~~رفع يديه فدعا ساعة، ثم خر ساجدا، قال: ms0590 "إني سألت ربي وشفعت لأمتي، فأعطاني ~~ثلث أمتي، فخررت ساجدا شكرا لربي"، وذكر تمام الحديث. # وعن أم عطية قالت: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - جيشا فيهم علي، ~~قالت: فسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو رافع يديه يقول: "اللهم ~~لا تمتني حتى تريني عليا". أخرجه الترمذي (2). # و [في] حديث أسامة بن زيد (3) قال: كنت ردف النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه ~~وهو رافع يده الأخرى. # وقد ذكر فيمن روي عنه رواية رفع اليدين في غير الاستسقاء: أنس أيضا في ~~حديث القنوت، قال أنس: لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلما صلى ~~الغداة رفع يديه يدعو عليهم. رواه البيهقي (4). PageV04P092 ### ||| CHECK - الأول: أن أنسا ذكر الرفع الشديد الذي يرى فيه بياض إبطيه ### ||| CHECK - الجمع بين حديث أنس وهذه الأحاديث من وجهين # فصل # إذا تبين هذا فنقول: الجمع بين حديث أنس وهذه الأحاديث من وجهين: # أحدهما: ما قاله طوائف من العلماء في الجمع بين حديث أنس وغيره، وهو أن ~~أنسا ذكر الرفع الشديد الذي يرى فيه بياض إبطيه وينحي فيه يديه، وهذا هو ~~الذي سماه ابن عباس الابتهال، وجعل المراتب ثلاثة: # الإشارة بإصبع واحدة، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشير بإصبعه ~~في التشهد [و] على المنبر يوم الجمعة بإصبعه، والحديث متعدد مشهور. وفي سنن ~~أبي داود (1) عن سعد قال: مر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ~~أدعو بإصبعي، فقال: "أحد أحد"، وأشار بالسبابة. # والثانية: المسألة، وهو أن تجعل يديك حذو منكبيك، كما في أكثر الأحاديث. # والثالث: الابتهال، وهو أن تمد يديك جميعا، وفي لفظ: والابتهال هكذا، ~~ورفع يديه وجعل ظهورهما مما يلي وجهه. # فهذا الابتهال هو الذي ذكره أنس في الاستسقاء، ولهذا قال: كان يرفع حتى ~~يرى بياض إبطيه، وإنما يرى بياض الإبطين بالرفع PageV04P093 ### ||| CHECK - الثاني: أن أنسا أراد الرفع على المنبر يوم الجمعة # الشديد، وهذا الرفع إذا اشتد كان بطون يديه مما يلي ms0591 وجهه والأرض، ~~وظهورهما مما يلي السماء، وكذلك جاء مفسرا: "رفع يديه حذاء وجهه"، وفي لفظ: ~~"جعل بطونهما مما يلي الأرض". # ولو كان المراد به كما يظنه بعض الغالطين حيث يجعل يديه حذو منكبيه ويجعل ~~ظهورهما مما يلي الوجه والأرض، وتارة يكون الظهور مما يلي السماء، يؤيد ذلك ~~ما رواه أبو داود (1) عن أنس بن مالك نفسه قال: رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يدعو هكذا بباطن كفيه وظاهرهما. # وقد يكون أنس أراد بالرفع على المنبر يوم الجمعة كما في صحيح مسلم (2) ~~والسنن (3) عن حصين بن عبد الرحمن قال: رأى عمارة بن رؤيبة بشر بن مروان ~~وهو يدعو في يوم الجمعة، فقال عمارة: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر ما يزيد على هذه بإصبعه ~~المسبحة. # وفي مسند أحمد (4) عن غضيف بن الحارث الثمالي قال بعث إلي عبد الملك بن ~~مروان أنا قد جمعنا الناس على أمرين: برفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، ~~والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي ولست مجيبك إلى ~~شيء PageV04P094 # منهما، قال: لم؟ قال: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أحدث ~~قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة (). فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة. # وعلى هذا يحمل الحديث الذي في سنن أبي داود (1) عن سهل بن سعد قال: ما ~~رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - شاهرا يديه يدعو على منبر ولا غيره، لكن ~~رأيته يقول هكذا، وأشار بالسبابة وعقد الوسطى بالإبهام، وقد قيل: في إسناد ~~هذا مقال (2)، مع أنه ليس فيه إلا نفي الرؤية. # وهذه المسألة فيها قولان للعلماء هما وجهان في مذهب أحمد في رفع الخطيب ~~يديه، فقيل: يستحب لعموم الأخبار الواردة في رفع الأيدي، وهذا قول ابن ~~عقيل، وقيل: لا يستحب بل يكره، وهذا أصح، قال إسحاق بن راهويه: ذلك بدعة ~~للخاطب، إنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشير بإصبعه إذا دعا، لما ~~تقدم من الآثار. # وأما في الاستسقاء لما ms0592 استسقى على المنبر رفع يديه، كما رواه البخاري في ~~صحيحه (3) عن أنس، قال: أتى أعرابي من أهل البدو إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله! هلكت الماشية وهلك العيال وهلك ~~الناس، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه يدعو، ورفع الناس ~~أيديهم معه يدعون، قال: فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا. PageV04P095 ### ||| CHECK - من ظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرفع المعتدل جعل ظهر كفيه إلى السماء فقد أخطأ # فقد أخبر أنس في هذا الحديث الصحيح أنه [لما] استسقى بهم يوم الجمعة على ~~المنبر رفع يديه ورفع الناس أيديهم، وقد ثبت أنه لم يكن يرفع على المنبر في ~~غير الاستسقاء، فيكون أنس رضي الله عنه أراد هذا المعنى، لا سيما وبعض بني ~~أمية كانوا قد أحدثوا رفع الأيدي يوم الجمعة، كما تقدم من حديث عبد الملك ~~وبشر بن مروان، وإنكار عمارة بن رؤيبة وغضيف بن الحارث عليهما مخالفة ~~السنة، وأنس أدرك هذا العصر فيكون هو أيضا أخبر بالسنة التي أخبر بها غيره ~~من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يرفع يديه - أي على المنبر - ~~إلا في الاستسقاء. وهذا الوجه يوافق الذي قبله، ويبين أن الاستسقاء مخصوص ~~بمزيد الرفع، وهو الابتهال الذي ذكره ابن عباس، فالأحاديث تأتلف ولا تختلف. # وأما الموضع الثاني فنقول: من ظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الرفع المعتدل جعل ظهر كفيه إلى السماء فقد أخطأ، وكذلك من ظن أنه قصد ~~توجيه ظهر يديه إلى السماء في شيء من الدعاء، فليس في شيء من الحديث ما يدل ~~على أنه قصد جعل كفيه دون بطنهما إلى السماء، ولا على أنه في الرفع المعتدل ~~أشار بظهرهما إلى السماء، بل الأحاديث المشهورة عنه تبين أن سنته إنما هي ~~قصد توجيه بطن اليد إلى السماء دون ظهرها إذا قصد أحدهما. # ففي سنن أبي داود (1) من حديث مالك بن يسار السكوني ثم PageV04P096 # العوفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ms0593 سألتم الله ~~فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها". وروى أيضا (1) من حديث محمد بن ~~كعب عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من نظر في كتاب ~~أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار. سلوا الله ببطون أكفكم، ولا تسألوه ~~بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم". قال أبو داود: روي هذا الحديث من ~~غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضا. # وفي سنن أبي داود (2) وغيره عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن ~~يردهما صفراوين". وفي سنن أبي داود (3) عن السائب بن يزيد عن أبيه أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه. وقد تقدم في ~~حديث الاستسقاء من حديث عمير مولى آبي اللحم أنه رأى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عند أحجار البيت (4) قائما يدعو رافعا يديه قبل وجهه. لكن هذا ~~الرفع دون الرفع الذي أخبر به أنس، وذاك كان في موطن آخر، فإن ذاك الرفع ~~جاوز بهما رأسه. PageV04P097 ### ||| CHECK - الجواب عن احتجاج الجهمي من ثمانية وجوه # وبالجملة فهذا الرفع الذي استفاضت به الأحاديث، وهو الذي عليه الأئمة في ~~دعاء الصلاة، وعليه عمل المسلمين من زمن نبيهم إلى هذا التاريخ. # وأما حديث أنس فقد تقدم أنه لشدة الرفع انحنت يده، فصار كفه مما يلي ~~السماء لشدة الرفع، لا قصدا لذلك، كما جاء أنه رفعها حذاء وجهه. وتقدم حديث ~~أنس نفسه أنه رأى رسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو بباطن كفيه وظاهرهما، ~~وتقدم حديث ابن عباس: الابتهال هكذا، ورفع يديه وجعل ظهورهما مما يلي وجهه. ~~فهذه ثلاثة أنواع في هذا الرفع الشديد رفع الابتهال، تارة يذكر فيه أن ~~بطونهما مما يلي وجهه وهذا أشد، وتارة يذكر هذا وهذا، فتبين بذلك أنه لم ~~يقصد في هذا الرفع الشديد لا ظهر اليد ولا بطنها، لأن الرفع يرتفع وتبقى ~~أصابعها نحو ms0594 السماء مع نوع من الانحناء الذي يكون فيه هذا تارة وهذا تارة. ~~وأما إذا قصد توجيه بطن اليد أو ظهرها فإنما كان توجه بطنها، وهذا في الرفع ~~المتوسط الذي هو رفع المسألة. # فبهذا تآلف الأحاديث ويظهر السنة وتبين المعاني المتناسبة. # إذا تبين هذا فنقول: الجواب عن احتجاج الجهمي من وجوه: أحدها: أن يقال: ~~لا نسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد توجيه ظهر الكف دون بطنه إلى ~~السماء في شيء من الدعاء، وقد تقدم بيان معنى PageV04P098 # حديث أنس وأنه لشدة الرفع انحنت يده. # الوجه الثاني: أن يقال: لو جاء حديث واحد صحيح صريح بأنه قصد رفع ظهر ~~كفيه إلى السماء لكانت الأحاديث التي هي أكثر منه وأشهر معارضة له في ذلك، ~~فإن أمكن الجمع بينهما وإلا كان الأكثر الأشهر أولى بالتقديم عند التعارض. # الوجه الثالث: أن يقال: هب أنه قصد رفع كفيه إلى السماء وتوجيه باطن يديه ~~إلى الأرض، فهذا لا يدل على نفي علو الله سبحانه وتعالى، فإن الناس كلهم ~~متفقون على أن الله ليس في الأرض دون السماء، فلا يجوز أن يقال: قصد توجيه ~~بطن يده إلى الله، ولم يقل هذا أحد من الخلائق. # الوجه الرابع: أن يقال: غاية ما في هذا أنه لم يقصد رفع يده إلى السماء، ~~ولا ريب أن رفع اليدين إلى السماء في الدعاء ليس واجبا، فغاية هذا أن يقال: ~~إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرفع يديه إلى السماء في الدعاء، وهذا ~~لا يدل على أن الله ليس في العلو. # الوجه الخامس: أن هذا غاية ما فيه أنه يبطل استدلال من يستدل برفع اليد ~~على أن الله في العلو، فيقول المعارض: رفع اليد إلى السماء لا يدل على أنه ~~رفعها إلى الله، كما أن جعل الكف إلى السماء لا يدل على أن بطن اليد إلى ~~الله، فغاية ما يقول المعترض أن رفع اليد لا يبقى فيه دلالة على العلو، ~~ومعلوم أن انتفاء الدليل المعين لا ينفي الحكم. PageV04P099 # الوجه السادس: أنه لا ms0595 يتوهم عاقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد ~~بذلك تعريف أمته أن الله ليس في العلو، فإن هذا الفعل ليس ظاهرا في هذا ~~المقصود، ولهذا لم يستدل أحد من الجهمية بذلك. والله قد أمر نبيه بالبلاغ ~~المبين، فكيف يترك البيان الذي جعل عليه إلى ما لا بيان فيه؟ كيف والقرآن ~~والأحاديث مملوء من البيان الدال على أن الله في العلو؟ فكيف يجوز أن يقال: ~~إنه قصد أن يعرفهم نفي العلو بمثل هذا العلو الذي لا يدل؟ ولا يقال: إنه ~~قصد تعريفهم العلو بتلك الدلالات البينة الواضحة الكثيرة المتواترة؟ هذا ~~مما يعلم بالاضطرار أنه من نسب الرسول إليه فهو من أكذب الخلق عليه، وهو في ~~هذا المقام من حبالة أهل السفسطة والقرمطة المبطلين للعقليات والسمعيات. # الوجه السابع: أن يقال: لا ريب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الدعاء تارة كان يشير بإصبعه، كما ثبت مثل ذلك في الصلاة والخطبة، وأنه كان ~~يدعو بباطن يديه كما جاء في أحاديث متعددة، وقد كان يدعو أحيانا بلا إشارة ~~ولا رفع، فيقال: إذا كان بعض هذه الأفعال دالا على علو الله تعالى وقد فعله ~~بعض الأوقات حصل المقصود، وليس ترك الدلالة في بعض الأوقات نافيا للمدلول ~~بوجود الرفع دليل العلو، وعدمه لا ينافيه، فلا يضر إذا كان في بعض الأدعية ~~لم يرفع بطن يديه إلى السماء، إذ قد علم أنه لم يقصد هنالك توجيه بطن يديه ~~إلى غير الله. # الوجه الثامن: أنه قد جاء مصرحا بأن الإشارة والرفع إلى الله تعالى، PageV04P100 # كما تقدم من حديث سلمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن ربكم حيي ~~كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراوين". # وفي صحيح مسلم (1) عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي ~~الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبتيه باسطها. وفي لفظ (2): كان إذا ~~قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته ms0596 [اليسرى]، ووضع يده اليمنى على ~~ركبته اليمنى، وعقد ثلاثا وخمسين، وأشار بالسبابة. وفي لفظ (3): كان إذا ~~جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، فقبض أصابعه كلها، وأشار ~~بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى. # وكذلك في صحيح مسلم (4) حديث عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده ~~اليسرى [على فخذه اليسرى]، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه ~~الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته. # وفي صحيح مسلم (5) وغيره من حديث جابر الطويل في صفة PageV04P101 # حجة الوداع - وهو أتم حديث جاء في صفة حجته - قال: حتى إذا زاغت الشمس ~~أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس فقال: "إن دماءكم ~~وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل ~~شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم ~~أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فصلبه هذيل، ~~وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب ~~فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، ~~فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ~~وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله. وأنتم تسألون عني ~~فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه ~~السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ~~ثلاث مرات. ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر. # فهو هنا يدعو ربه ويناجيه، مشيرا بإصبعه إلى السماء، ثم ينكتها إليهم ~~يقول: اللهم اشهد أني على ما قالوا. ومن رأى هذا الفعل منه وسمع هذا الكلام ~~منه على هذا الوجه علم ضرورة أنه أشار بإصبعه إلى الله أن يشهد على أمته ~~بإقرارهم ms0597 بالبلاغ. ولو كان يكابر وقال: هذا لا يدل، فلا ينازع في أنه ظاهر ~~في ذلك، ولو نازع في الظهور لم ينازع في أن دلالة هذا وأمثاله على علو الله ~~أبين PageV04P102 # من دلالة ترك رفع اليدين أو ترك رفع بطونهما على عدم علوه، فإن ذلك لا ~~يدل بوجه من الوجوه، فمن ترك هذه الدلالات المحكمات وتمسك بالمتشابهات كان ~~من الذين في قلوبهم زيغ. PageV04P103 ### || CHECK (5) مسألة في رجال يتركون الصلوات الخمس تهاونا، ويدعون فلا يجيبون ### ||| CHECK - الخلاف بين العلماء هل يقتلون كفرا أو فسقا ### ||| CHECK - إذا أقروا بالجواب وامتنعوا من الفعل يستتابون، فإن لم يتوبوا يجب قتلهم ### ||| CHECK - هؤلاء إذا لم يكونوا مقرين بوجوبها عليهم كفار مرتدون يجب قتلهم إذا لم يتوبوا # مسألة # في رجال يتركون الصلوات الخمس تهاونا، ويدعون في كل وقت إلى فعلها فلا ~~يجيبون، فماذا يجب عليهم؟ وهل إذا سلموا على أحد أن يرد عليهم السلام؟ وهل ~~يهجروا في الله؟ وفيهم رجل قال: صليت بلا وضوء، وقال أيضا: ما كتب الله علي ~~صلاة، فماذا يجب عليه؟ # الجواب # الحمد لله رب العالمين، هؤلاء إذا لم يكونوا مقرين بوجوبها عليهم فهم ~~كفار مرتدون (1) بإجماع المسلمين، يجب قتلهم كلهم إذا لم يتوبوا. والذي ~~قال: ما كتب الله علي صلاة، فإن هذا كافر باتفاق المسلمين يجب قتله إذا لم ~~يتب. وإذا أقروا بالوجوب وامتنعوا من الفعل فإنه يجب عند جماهير أئمة ~~المسلمين أن يستتابوا أيضا، فإن لم يتوبوا ويقيموا الصلاة المفروضة عليهم ~~فإنه يجب قتلهم أيضا. # وهل يقتلوا (2) كفرا أو فسقا؟ على قولين مشهورين للعلماء، أحدهما: أنهم ~~يقتلون كفرا، وهو قول أكثر السلف وقول طائفة من PageV04P104 # أصحاب مالك والشافعي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختاره أكثر أصحابه، ~~كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس بين العبد وبين الكفر والشرك ~~إلا ترك الصلاة". رواه مسلم (1)، وقال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، ~~فمن تركها فقد كفر" (2). قال الترمذي: حديث صحيح. وروى الترمذي (3) عن عبد ~~الله بن شقيق: كان أصحاب محمد لا يرون شيئا من ms0598 الأعمال تركه كفرا إلا ~~الصلاة، من تركها فقد برئت منه ذمة الله ورسوله. # وفي صحيح البخاري (4) عن عمر أنه لما طعن قيل له: الصلاة، فقال: نعم، لا ~~حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وقد قال تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) (5)، فعلق الأخوة في الدين على التوبة من ~~الشرك وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما علق ترك القتال على ذلك بقوله: (فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) (6). PageV04P105 ### ||| CHECK - الاستهزاء بالصلاة كفر ### ||| CHECK - هجرهم وترك رد السلام عليهم # وفي الصحيح (1) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عمن لم يره كيف ~~تعرفهم؟ # فقال: "يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء". فمن لم يصل لم يكن ~~فيه علامة أمة محمد يوم القيامة. # وفي الصحيحين (2) في حديث الشفاعة أنه ذكر الجهنميين الذين أخرجوا من ~~النار بالشفاعة، قال: "فتأكلهم النار إلا موضع السجود، فإن الله حرم على ~~النار أن تأكل أثر السجود". وأمثال ذلك كثيرة. # وأما قول القائل: صليت بلا وضوء، فإن كان مستحلا لذلك أو مستهزئا بالصلاة ~~كفر باتفاق المسلمين، ووجب قتله، وإن كان معتقدا لوجوب الوضوء للصلاة وأن ~~الصلاة بغير وضوء حرام، ففي كفره قولان للفقهاء، فإن طائفة من أصحاب أبي ~~حنيفة قالوا: يكفر هذا، واتفق المسلمون على مثل هذا يستحق العقوبة الغليظة. ~~والله سبحانه أعلم. # وهجر هؤلاء وترك رد السلام عليهم من أهون ما يعزرون به، فإنهم يستحقون ما ~~هو أغلظ من ذلك، والله أعلم. PageV04P106 ### || CHECK (6) مسألة في رجل مضى عليه زمن لم يصل فيه، ثم تاب ولم يتفرغ لقضاء ما فات، فهل يطالبه الله بذلك؟ # مسألة # في رجل مضى عليه زمن لم يصل فيه، ثم تاب ولازم الصلوات الخمس، ولم يتفرغ ~~لقضاء ما فاته من الصلوات، فهل - والحالة هذه - يطالبه الله بذلك أم لا؟ # الجواب # الحمد لله. أما إن كان أولا ممن لا يعتقد وجوب الصلاة ويعزم على فعلها ~~فهذا في الباطن ليس بمؤمن، وإن كان في الظاهر مسلما، كالمنافقين الذين تجري ~~عليهم أحكام ms0599 الإسلام الظاهرة، وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار. وإن ~~لم يكن مكذبا في الباطن للرسول، بل قد يكون مقرا في الباطن بصدقه، أو معرضا ~~عن تصديقه وتكذيبه، وهو مع ذلك معرض عما جاء به، لا يخطر بقلبه الصلاة هل ~~هي واجبة أو ليست واجبة؟ وهل يلزمه فعلها أو لا يلزمه؟ وإن خطر ذلك بقلبه ~~أعرض عنه، واشتغل بأمور دنياه وشهواته عن أن يعتقد الوجوب ويعزم على الفعل، ~~فهؤلاء وإن صلوا لم تقبل صلاتهم. قال تعالى: (إن المنافقين يخادعون الله ~~وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون ~~الله إلا قليلا (142)) (1)، PageV04P107 ### ||| CHECK - إذا كان ممن لا يعتقد وجوب الصلاة لا يجب عليه القضاء بعد التوبة # وقال تعالى: (فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم ~~يراؤون (6) ويمنعون الماعون (7)) (1). # وهذا إذا تاب فاعتقد الوجوب، وعزم على الفعل، وأقام الصلاة، كان بمنزلة ~~من قد تاب من الزكاة، وهذا على أصح قولي العلماء وأكثرهم لا يوجب عليه قضاء ~~ما تركه قبل الإسلام من صلاة وغيرها، ولهذا لم يكن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يأمر من تاب من المنافقين بإعادة ما فعلوه أو تركوه في حال نفاقهم، ~~ولا أمر من تاب من المرتدين بقضاء ما تركوه في حال الردة. وكذلك الصديق ~~والصحابة لما قاتلوا المرتدين لم يأمروهم بقضاء ما تركوه في حال الردة، ~~وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه أنه يجب على المرتد إذا ~~أسلم أن يقضي ما تركه حال الردة، وفي قضاء ما تركه قبل الردة روايتان عن ~~أحمد، ومذهب أبي حنيفة ومالك أنه لا يجب عليه قضاء شيء من ذلك، ومذهب ~~الشافعي: يقضي الجميع، وقد بنوا ذلك على أن الردة هل تحبط مطلقا أو بشرط ~~الموت عليها؟ وفي هذا البناء وتقرير هذه المسائل كلام ليس هذا موضعه، فإن ~~المسئول عنه قد عرف حكمه بالسنة المعروفة، مع ما دل عليه القرآن في قوله: ~~(قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) (2). # وقد ms0600 أجمع المسلمون على أن الكافر لا يصلي، سواء كان حربيا أو ذميا، لا ~~يجب عليه قضاء شيء من هذه الفرائض، مع قول الجمهور إنه يعاقب على تركها في ~~الآخرة إذا لم يسلم. PageV04P108 ### ||| CHECK - ينبغي له المحافظة على الصلاة فيما بقي من عمره والاستكثار من النوافل ### ||| CHECK - إذا كان مؤمنا يعتقد وجوبها وتكاسل عنها بعض الأوقات يجب عليه القضاء # وأما إن كان هذا الذي فوت بعض الصلاة عمدا مؤمنا، يعتقد وجوبها ويعزم على ~~أدائها، ولكن تكاسل عنها بعض الأوقات، فهذا يجب عليه عند جمهور العلماء، ~~وعند بعضهم إذا تاب فلا قضاء عليه، بخلاف ما لو نام عنها أو نسيها فإن هذا ~~عليه القضاء بالسنة والإجماع. ومن قال: العامد لا يقضي، فإن ذنبه أكبر ولا ~~ينفعه القضاء، لكن إذا تاب فالتوبة تجب ما قبلها. والذين أوجبوا عليه ~~القضاء أوجبوه بحسب الإمكان. # وأكثرهم يقولون: إذا كثرت الفوائت لم يجب قضاؤها على الفور مرتبة، كأبي ~~حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وأصحاب الشافعي في أصح الوجهين، يوجبون ~~قضاء ما تعمد تركه على الفور، وأحمد في الرواية الأخرى يوجب قضاء الجميع ~~على الفور مرتبا لكن بحسب الإمكان، بحيث لا يشغله عما لا بد له منه من ~~معيشة ونحوها، ولا يضعفه عن واجب أو ما لا بد منه. # والكثير الذي لا يجب فيه الفور والترتيب، قيل: هو صلاة يوم وليلة، كما هو ~~في مذهب أبي حنيفة ومالك. وقيل: ما لا يمكن فعله إلا بفوت الحاضرة، كما هو ~~المنقول عن أحمد. # والذي ينبغي لهذا التائب أن يجتهد في المحافظة على الصلاة فيما بقي من ~~عمره، وإن قصر في قضاء الفوائت فليجتهد في الاستكثار من النوافل، فإنه ~~يحاسب بها يوم القيامة، كما قال - صلى الله عليه وسلم - (1): "أول ما يحاسب ~~به العبد PageV04P109 ### ||| CHECK - إذا عجز عن القضاء فلم يتفرغ حتى مات بعد التوبة فهذا مغفور له إن شاء الله # صلاته، فإن كان أتمها كتبت تامة، وإن لم يكن أتمها قال الله: انظروا هل ~~تجدون لعبدي من تطوع فتكملون به. ms0601 فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال ~~على حسب ذلك". # وأما إن قدر أنه عجز عن القضاء، فلم يتفرغ حتى مات بعد التوبة، فهذا ~~مغفور له، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وكذلك لو قضى البعض وعجز عن البعض، ~~ومن العجز أن يكون بحيث لو اشتغل بالقضاء لتضرر في معيشته وما يحتاج إليه ~~لنفقة عياله وقضاء ديونه ونحو ذلك، فإنه ليس عليه أن يواصل القضاء مواصلة ~~تمنعه عما لا بد منه باتفاق العلماء. والله أعلم. PageV04P110 ### || CHECK (7) مسألة في رجل له عشرون سنة يشرب الخمر ولا يصلي إلا بعض الأعياد والجمع ولكنه يتصدق ### ||| CHECK - تارك الصلاة يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا عوقب # مسألة # في رجل له عشرين (1) سنة يشرب الخمر، ولا يصلي إلا بعض الأعياد والجمع، ~~لكنه يتصدق وينظر المعسر، فهل يثاب على ذلك؟ وهل إذا تاب يجب عليه قضاء ما ~~فاته من الواجبات؟ # الجواب # الحمد لله. تارك الصلاة يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا عوقب عقوبة شديدة ~~حتى يصلي بإجماع المسلمين. وأكثر الأئمة كمالك والشافعي وأحمد يقولون: إنه ~~إذا لم يصل فإنه يقتل، واختلف هل يقتل كافرا أو فاسقا على قولين. وقد ثبت ~~في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ليس بين العبد وبين ~~الكفر إلا ترك الصلاة" (2)، وقال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن ~~تركها فقد كفر" (3). # وأما إذا فعل شيئا من الخير فإن الله لا يظلم، فإن اليهود PageV04P111 ### ||| CHECK - إذا فعل شيئا من الخير فهذا لا يدفع عنه عقوبة ترك الصلاة # والنصارى إذا فعلوا خيرا فإن الله يثيبهم عليه في الدنيا، لكن هذا لا ~~يدفع عنه عقوبة ترك الصلاة. ويجب عليه المحافظة على الصلوات في مواقيتها. ~~ومن ترك الصلاة متعمدا فقد قال بعض العلماء: إن الإثم الذي عليه لا يسقط ~~ولا غيره، ولا يقبل منه القضاء، بل يتوب ويستغفر. وقال الأكثرون: بل يقضي ~~ويتوب من التأخير، والله أعلم. PageV04P112 ### || CHECK (8) مسألة في رجل عنده زوجة لا تصلي، فهل يجب عليه أن يأمرها بالصلاة؟ وإذا لم ms0602 تأتمر فهل يجوز له إبقاؤها زوجة أو يجب عليه أن يفارقها؟ ### ||| CHECK - إن أصرت على ترك الصلاة فعليه أن يطلقها ### ||| CHECK - يجب عليه أن يأمرها بالصلاة ويحضها على ذلك # مسألة # في رجل عنده زوجة لا تصلي، فهل يجب عليه أو يستحب له أن يأمرها بالصلاة؟ ~~وإذا لم تأتمر فهل يجوز له إبقاؤها زوجة أو يجب عليه أو يستحب له أن ~~يفارقها؟ وماذا يجب على تارك الصلاة؟ وهل يكفر بتركها أم لا؟ # الجواب # الحمد لله. بل يجب عليه أن يأمرها بالصلاة ويجب ذلك عليه، بل يجب عليه أن ~~يأمر بذلك كل من يقدر على أمره به إذا لم يقم غيره بذلك، وقد قال الله ~~تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) (1)، وقال تعالى: (قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا) (2)، قال علي عليه السلام: علموهم وأدبوهم. وينبغي مع الأمر ~~بذلك أن يحضها على ذلك بالرغبة والرهبة، كما يحضها على ما يحتاج إليه، فإن ~~أصرت على ترك الصلاة فعليه أن يطلقها، وذلك واجب في الصحيح. # وتارك الصلاة يستحق العقوبة حتى يصلي باتفاق المسلمين، على أنه إن لم يصل ~~قتل، وهل يقتل كافرا أو فاسقا؟ على قولين مشهورين، والله أعلم. PageV04P113 ### || CHECK (9) مسألة في رجل عمره سبعون سنة وهو مقيم في بلده مدة ثلاث سنين، ما رآه أحد صلى ولا زكى ### ||| CHECK - إن لم يؤد الزكاة أخذت منه قهرا ### ||| CHECK - هذا يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل # مسألة # في رجل عمره سبعين (1) سنة وهو مقيم في بلده مدة ثلاث سنين، ما رآه أحد ~~صلى ولا زكى. # الجواب # هذا الرجل يجب أن يستتاب ليقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، فإن لم يقم الصلاة ~~وإلا قتل عند جماهير العلماء، وهل يقتل كفرا أو فسقا على قولين. # وإن لم يؤد الزكاة وإلا أخذت منه قهرا، فإن غيب ماله وامتنع من أدائها ~~قتل أيضا في أحد قولي العلماء، وفي الآخر: لا يزال يضرب ضربا بعد ضرب حتى ~~يظهر ماله فيوخذ منه الزكاة. ومن عرف حال هذا فينبغي أن يهجره، فلا يسلم ~~عليه ولا ms0603 يعاشره، ويوبخه ويغلظ له حتى يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. # قال عمر بن الخطاب: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. # وقال ابن مسعود: ما تارك الزكاة بمسلم. وقد قال تعالى: (فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) (2)، وفي الآية PageV04P114 # الأخرى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) (1). # وفي الصحيحين (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا ~~الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها، وحسابهم على الله". # فقد بين الله في كتابه وسنة رسوله أنه إنما يكف عن قتالهم وإنما يصيرون ~~إخوة في الدين إذا كانوا مع توبتهم من الكفر يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ~~فمن لم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة لم يكن من هؤلاء، فيعاقب على ذلك باتفاق ~~المسلمين، وإن وقع نزاع في صفة العقوبة، والله أعلم. PageV04P115 ### || CHECK (10) مسألة في البنت إذا بلغت ولم تصل، وإن قيل لها: صلي تقول: ما أنا كبيرة والمرأة الكبيرة إذا لم تصل فماذا يجب عليها؟ ### ||| CHECK - إن كانت لا تقر بوجوبها لظنها أن الصلاة إنما تجب على العجوز، فهذا لا يحكم بكفرها حتى تعرف أنها واجبة عليها ### ||| CHECK - إذا بلغت المرأة ولم تقر بوجوب الصلاة عليها فهي كافرة ### ||| CHECK - من بلغ من الرجال والنساء فالصلاة فريضة عليه # مسألة # في البنت إذا بلغت ولم تصل، وإن قيل لها: صلي تقول: ما أنا كبيرة. ~~والمرأة الكبيرة إذا لم تصل فماذا يجب عليها إذا كان زوجها حلف عليها: لا ~~يطأها ولا ينفق عليها إلا أن تواظب على الصلاة؟ هل يحنث أم لا؟ # الجواب # الحمد لله رب العالمين. من بلغ من الرجال والنساء فالصلاة فريضة عليه ~~باتفاق المسلمين، والمرأة يحصل بلوغها بحيضها وبإنزال الماء، وكذلك الحبل ~~يدل على الإنزال، فمتى حاضت المرأة أو حبلت ولم تقر بوجوب الصلاة عليها بعد ~~أن تعرف أن الله أوجبها عليها فهي كافرة باتفاق المسلمين، ولا تحل لزوجها، ms0604 ~~ولا يصح عقد النكاح عليها، فإنها مرتدة، ونكاح المرتدة باطل عند الأئمة، ~~ويجب قتلها عند مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، كما يجب قتل سائر المرتدات عندهم. # وإن كانت لا تقر بوجوبها لظنها أن الصلاة إنما تجب على العجوز دون ~~الشابة، فهذه لا يحكم بكفرها وردتها حتى تعرف أنها واجبة عليها، وهل على ~~هذه إعادة ما تركته في حال جهلها بوجوب الصلاة عليها؟ على قولين للعلماء في ~~مذهب أحمد وغيره. PageV04P116 ### ||| CHECK - المرأة الكبيرة إذا لم تقر بوجوب الصلاة تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت # وكذلك المرأة الكبيرة إذا لم تقر بوجوب الصلاة وامتنعت من فعلها فإنها ~~تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت عند مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وإذا هجرها ~~وامتنع من وطئها حتى تصلي كان محسنا في الهجر والامتناع، ولا نفقة لها هذه ~~المدة، فإن الذي فعله واجب عليه. ويجب عليها أن تطيعه فيه، وللزوج إلزام ~~زوجته بترك المحرمات، وإن أمكن الوطء مع فعلها، وله أيضا إلزامها بغسل ~~الجنابة وإزالة النجاسة، وإن أمكن وطؤها مع الجنابة، وهذا وإن علل بأن ~~النفس تعاف وطء المرأة الجنب، فالتي لا تصلي شر منها، وترك الصلاة شر من ~~فعل أكثر المحرمات، إذا كانت تطيعه فيما له أن يلزمها به، وإن كانت ناشزا ~~فلا نفقة لها ما دامت كذلك، والله أعلم. PageV04P117 ### || CHECK (11) مسألة في أقوام لم يكونون بالمسجد، فإذا حضرت الصلاة قاموا، فيدعون للصلاة فيأبون، فيقال لهم: من لا يصلي ما هو بمسلم، فيقولون: كل من نطق بالشهادتين مسلم ### ||| CHECK - الصلاة واجبة على كل عاقل بالغ إلا الحائض والنفساء ### ||| CHECK - من لا يعرف الوجوب يعزف الوجوب، فإن أقر به وإلا قتل ### ||| CHECK - من ترك الصلاة غير مقر بوجوبها عليه فهو كافر # مسألة # في أقوام يكونون بالمسجد، فإذا حضرت الصلاة قاموا، فيدعون للصلاة فيأبوا ~~(1)، فيقال لهم: من لا يصلي ما هو مسلم، فيقولون: كل من نطق بالشهادتين هو مسلم. # فبينوا لنا حكم هؤلاء وما يجب عليهم، ومنهم من لا يصلي إلا من العيد إلى ~~العيد، ومنهم من لا يصلي أبدا. ms0605 # الجواب # الحمد لله رب العالمين، من ترك الصلاة غير مقر بوجوبها عليه - وهو من أهل ~~الوجوب - فإنه كافر باتفاق الأئمة وإن كان مقرا بالشهادتين، وهذا يستتاب، ~~فإن تاب وإلا قتل كافرا مرتدا باتفاق الأئمة. وإن كان ممن لا يعرف الوجوب ~~لحدثان عهده بالإسلام أو إنشائه بمكان جهل فإنه يعرف الوجوب، فإن أقر به ~~وإلا قتل كافرا. # والصلاة واجبة على كل عاقل بالغ إلا الحائض والنفساء، تجب على الحر ~~والعبد، الذكر والأنثى، والمقيم والمسافر، والآمن PageV04P118 ### ||| CHECK - المجنون لا صلاة عليه حال جنونه، ولا قضاء عليه بعد الإفاقة # والخائف، والصحيح والمريض، وأهل الأحوال وأهل خوارق العادات ذوي ~~المكاشفات والتأثيرات وغير أهل خوارق العادات، وأهل حضور القلب مع الله ~~وأهل المعرفة والحقائق، وغير هؤلاء، والمتولهين الذين لهم عقل يميزون وغير ~~المتولهين، لا تسقط عن العبد مع حضور عقله بسبب من هذه الأسباب. # وأما من كان مجنونا فإنه لا صلاة عليه حال جنونه، ولا قضاء عليه بعد ~~الإفاقة، وإن قصر زمن الجنون عند جماهير العلماء، قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن ~~النائم حتى يستيقظ" (1). والمجانين منهم من يكون مع جنونه له نصيب من ~~الإيمان أو الكشف ونحوه، وقد يسمى هؤلاء عقلاء المجانين، وقد يسمون ~~المولهين، فهؤلاء إذا كانوا مجانين كانوا كما قال فيهم بعض أهل العلم: هم ~~قوم أعطاهم الله عقولا وأحوالا، سلب عقولهم وأبقى أحوالهم، فأسقط ما فرض ~~بما سلب. # وأما من كان عاقلا فلا تسقط عنه الصلاة، وإن له من الأحوال والمعارف ~~وخوارق العادات ما عسى أن يكون، بل إذا لم يقر بوجوب الصلاة عليه فإنه ~~يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وكذلك من قرره على ذلك واعتقد أن الصلاة لا تجب ~~على مثل هؤلاء لحصول PageV04P119 ### ||| CHECK - إذا أقر بوجوب الصلاة وامتنع من فعلها يستتاب، فإن تاب وإلا قتل # مقصود الصلاة لهم ونحو ذلك، فإنه من اعتقد ذلك يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. ~~ومن كان نائما فإنه يقضي الصلاة إذا استيقظ. وهذا ms0606 كله لا نزاع فيه بين ~~المسلمين. # وأما من أغمي عليه لمرض أو خوف أو حال ورد عليه من خشية الله تعالى أو ~~استماع القرآن ونحو ذلك، فهذا قيل: يجب عليه القضاء مطلقا، وهو مذهب أحمد ~~ويروى عن عمار بن ياسر، وقيل: لا قضاء عليه وهو مذهب الشافعي، وقيل: يقضي ~~صلاة يوم وليلة، كمذهب أبي حنيفة ومالك. # وإن زال عقله بسبب محرم، كالسكر بالخمر والحشيشة وأكل البنج ونحو ذلك، أو ~~بحال محرم مثل أن يستمع القصائد المنهي عنها فيغيب عقله، فهذا عليه القضاء ~~بلا نزاع، وإذا كان السبب محصورا لا يكون (1) السكران معذورا. # وأما أن أقر الواحد من هؤلاء بوجوب الصلاة وامتنع من فعلها فهذا أيضا ~~يستتاب، فإن تاب وإلا قتل عند جماهير الأئمة كمالك والشافعي وأحمد، ويقتل ~~في ظاهر مذهبهم بترك صلاة واحدة، فإذا مضى من وقت صلاة الفجر قيل له: صل، ~~فإن لم يصل حل دمه ولو طار في الهواء ومشى على الماء، فإن الدجال يأمر ~~السماء فتمطر والأرض فتنبت، ويستتبع معه الكنوز، ومع هذا فهو كافر من خلق ~~الله، يقتله المسيح بن مريم على باب الشرقي. ولكن لا يقتل PageV04P120 # حتى يستتاب. وهل هذه الاستتابة واجبة أو مستحبة هي موقتة ثلاثة أيام؟ هذا ~~فيه نزاع معروف. # وإذا قتل فهل يقتل كافرا مرتدا لا يدفن في مقابر المسلمين ولا يغسل ولا ~~يصلى عليه، أو يقتل فاسقا كقتل قاطع الطريق والزاني إذا كان مقرا بوجوبها؟ ~~على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد. # وكلام أكثر السلف يدل على تكفيره، وقد رجحه كثير من أصحاب أحمد وبعض ~~أصحاب مالك والشافعي. وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: "ليس بين العبد وبين الشرك إلا ترك الصلاة" (1)، وقال: "العهد ~~الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (2). # وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب محمد لا يرون شيئا من الأعمال تركه ~~كفرا إلا الصلاة. وقال عمر بن الخطاب لما قيل: الصلاة، فقال لا حظ في ~~الإسلام لمن ترك الصلاة، ولم ms0607 يقل ثلاثة أيام. # وسئل ابن مسعود وغيره عن قوله (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة) (3)، ~~فقال: إضاعتها تأخيرها عن وقتها، فقالوا: ما كنا نحسب ذلك إلا تركها، فقال: ~~لو تركوها لكانوا كفارا، وقد قال سبحانه وتعالى: (فويل للمصلين (4) الذين ~~هم عن صلاتهم ساهون (5)) (4). وإذا كان هذا الوعيد لمن نسيها عن وقتها فكيف ~~بمن تركها؟ PageV04P121 ### || CHECK (12) هل يجوز غيبة تارك الصلاة أم لا؟ ### ||| CHECK - ينبغي أن يشاع ذلك عنه ويجهر حتى يصلي ### ||| CHECK - إذا قيل عنه إنه تارك الصلاة وكان تاركها فهذا جائز # مسألة # هل يجوز غيبة تارك الصلاة أم لا؟ # الجواب # الحمد لله، إذا قيل عنه إنه تارك الصلاة وكان تاركها فهذا جائز، وينبغي ~~أن يشاع ذلك عنه ويهجر حتى يصلي، وأما مع القدرة فيجب أن يستتاب، فإن تاب ~~وإلا قتل. PageV04P122 ### || CHECK (13) مسألة فيمن ترك الصلاة عامدا أو غير عامد ولم يزك، وقد قصد الحج، فهل يسقط هذا جميعه ومظالم العباد؟ ### ||| CHECK - لا يسقط حقوق العباد وما وجب عليه من صلاة وزكاة وصيام وإن حج # مسألة # فيمن ترك الصلاة عامدا أو غير عامد، ووجبت عليه الزكاة ولم يزك، وعاق ~~والديه، وقتل نفسا خطأ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من حج هذا ~~البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". وقد قصد الحج، فهل ~~يسقط هذا جميعه ومظالم العباد؟ # الجواب # أجمع المسلمون لا يسقط حقوق العباد كالدين ونحو ذلك، ولا يسقط ما وجب ~~عليه من صلاة وزكاة وصيام وحق المقتول عليه وإن حج. والصلاة التي يجب عليه ~~قضاؤها يجب قضاؤها وإن حج. وهذا كله باتفاق العلماء. PageV04P123 ### || CHECK (14) مسألة في رجل مات، وكان لا يزكي ولا يصلي إلا إن كان في رمضان، فهل يصلى على مثل هذا؟ ### ||| CHECK - يستحب لأهل العلم والدين أن يدعوا الصلاة عليه عقوبة ونكالا لأمثاله # مسألة # في رجل مات، وكان لا يزكي ولا يصلي إلا إن كان في رمضان، فيجب لنا أن ~~نصلي على مثل هذا؟ # الجواب # مثل هذا يستحب لأهل العلم والدين ms0608 أن يدعوا الصلاة عليه عقوبة ونكالا ~~لأمثاله، كما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على قاتل نفسه، وعلى ~~الغال، وعلى المدين الذي لا وفاء له. وإن كان منافقا فمن علم نفاقه لم يصل ~~عليه، ومن لم يعلم نفاقه فله أن يصلي عليه. PageV04P124 ### || CHECK (15) مسألة في أقوام لم يصلوا ولم يصوموا، ومالهم حرام، ويأخذون أموال الناس، ويكرمون الجار والضيف ### ||| CHECK - يجب أن يؤمروا بإقامة الصلاة ويعاقبوا على تركها # مسألة # في أقوام لم يصلوا ولم يصوموا، والذي يصوم منهم لم يصل، ومالهم حرام، ~~ويأخذون أموال الناس، ويكرمون الجار والضيف، ولم يعرفوا لهم مذهب (1) وهم ~~مسلمون. # الجواب # الحمد لله رب العالمين، هؤلاء إن كانوا تحت حكم ولاة الأمور فإنهم يجب أن ~~يأمروهم بإقامة الصلاة ويعاقبوا على تركها باتفاق المسلمين، وكذلك الصيام. ~~فإن أقروا بوجوب الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان والزكاة المفروضة، وإلا فمن ~~لم يقر بذلك فهو كافر، وإن أقروا بوجوب الصلاة وامتنعوا من إقامتها عوقبوا ~~حتى يقيموها. # ويجب قتل كل من لم يصل إذا كان عاقلا بالغا عند جماهير العلماء كمالك ~~والشافعي وأحمد، وكذلك يقام عليهم الحدود، وإن كانوا طائفة ممتنعة ذات شوكة ~~فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا أداء الواجبات الظاهرة والمتواترة كالصلوات ~~والصيام والزكاة، وترك PageV04P125 # المحرمات كالزنا والربا وقطع الطريق ونحو ذلك. ومن لم يقر بوجوب الصلاة ~~والزكاة فإنه كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. ومن لم يؤمن بالله ورسوله ~~واليوم الآخر والجنة والنار فهو كافر أكفر من اليهود والنصارى. وعقوق ~~الوالدين من الكبائر الموجبة للنار. PageV04P126 ### || CHECK (16) مسألة فيمن قال: صلاة الجماعة ليست بواجبة، وإنما كانت واجبة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه فقط، ولا يوجد اليوم منافق ### ||| CHECK - هذا القوم مخالف لأقوال الأئمة # مسألة # فيمن قال: صلاة الجماعة ليست بواجبة، وإنما كانت واجبة في زمن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ومعه فقط. # قيل له: فقد قال بعض العلماء: إن من ترك الجماعة وصلى في بيته فهو منافق، ~~فقال: من قال هذا هو المنافق، وقال: إنه لا ms0609 يوجد اليوم منافق، وإنما كان ~~النفاق في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن يقال اليوم: زنديق، ~~ولا يقال: منافق. # فهل ما قاله هذا الرجل صحيح أم لا؟ # أجاب # الحمد لله، أما من قال إن صلاة الجماعة كانت واجبة في زمن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ومعه فقط، فهذا القول مخالف لأقوال الأئمة الأربعة وسائر ~~أئمة الدين، بل ما نعلم إماما قال هذا، وإنما قال هذا بعض العلماء في صلاة ~~الخوف خاصة، زعم أنها كانت تصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - دون غيره، ~~وجمهور الأئمة على خلاف ذلك. وأما الجماعة المعروفة فالأئمة متفقون فيها ~~على خلاف قول هذا القائل، فمنهم من يقول: هي واجبة على الأعيان على عصر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وسائر الأعصار على من يصلي خلفه ومن يصلي خلف ~~غيره. ومنهم من PageV04P127 ### ||| CHECK - إطلاق النفاق على من تخلف عن الجماعة إذا كان بغير تأويل شرعي # يقول: هي واجبة على الكفاية على عصره وعصر غيره خلفه وخلف غيره، ومنهم من ~~يقول: هي سنة مؤكدة على عصره وعصر غيره خلفه وخلف غيره. وأما وجوبها في ~~عصره معه فقط، فهذا قول مخالف لأقوال أئمة الإسلام، وما سمعت عالما قال هذا. # وقد كانت الجماعة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - تقام خلفه وخلف ~~غيره من أئمة القبائل، وكان في كل دار من دار الأنصار مسجد، أي في كل قبيلة ~~من قبائل الأنصار مسجد، وكان لهم إمام راتب يصلون خلفه، كما كان معاذ بن ~~جبل يصلي بأهل قباء، وكان غسان بن مالك يصلي بقومه وكذلك غيرهما من الأئمة. ~~وأما الجمعة فلم تكن تقام إلا في مسجده، فمن قال: إن الصحابة كلهم كان يجب ~~عليهم أن يصلوا خلفه الجماعة كما كان يجب عليهم أن يصلوا خلفه الجمعة فقد ~~أخطأ خطأ بينا، وقال قولا معلوم الفساد بالتواتر والإجماع. # وأما إطلاق النفاق على من تخلف عن الجماعة أو الجمعة، فهذا إنما يكون إذا ~~كان بغير تأويل شرعي، فأما من تخلف لعذر شرعي، ms0610 أو من اعتقد أن ذلك ليس ~~بواجب عليه، فتخلف لأجل هذا الاعتقاد فإنه قد يكون مؤمنا غير منافق، سواء ~~كان مصيبا في اعتقاده أو مخطئا. # وقد ثبت في صحيح مسلم (1) عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن الله شرع ~~لنبيه سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما PageV04P128 # يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ~~ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. فقد أخبر ابن مسعود أن ~~الجماعة لم يكن يتخلف عنها على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا منافق ~~معلوم النفاق، وهذا مما يستدل به من يوجبها، لأنه إذا لم يكن يتركها حينئذ ~~إلا منافق معلوم النفاق علم أنها كانت واجبة إذ لو كانت مستحبة كقيام الليل ~~وصيام يوم الاثنين والخميس وسنة الظهر والمغرب لكان قد يتركها المؤمن، ولم ~~يكن في تركها يقال: إنه منافق، فإنه قد ثبت في الصحيحين (1) أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ذكر ما فرض الله من الصلاة والصيام والزكاة ونحو ذلك ~~لرجل، فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال: "أفلح ~~إن صدق". فإذا كان من أدى الفرائض يكون مفلحا وإن لم يأت المستحبات، وكانت ~~الجماعة لا يتخلف عنها عندهم إلا منافق، علم أنها كانت عندهم من الواجبات، ~~ولكن هذا كان لعلم الصحابة بأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاني ~~كلامه، وأنه لم يكن بينهم نزاع على عهده ولا شبهة ولا اختلاف، لظهور العلم ~~والإيمان ومعرفتهم بوجوبها وتوكيد النبي - صلى الله عليه وسلم - لها. حتى ~~قال: "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم الحطب ~~إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (2). ومعلوم أن ~~التحريق بالنار لا يكون إلا عن كفر أو كبيرة عظيمة. PageV04P129 # وفي رواية (1): "لولا ما في البيوت من النساء والذزية"، وفي رواية لأبي ~~داود (2): "ثم أنطلق إلى رجالي يصلون في بيوتهم، فأحرق بيوتهم بالنار". ~~فلما علم الصحابة هذا الوعيد والتهديد كان ms0611 المؤمنون يطيعون الله ورسوله، ~~والمنافقون يتخلفون عن الجماعة، فأما اليوم فقد قل العلم والإيمان، وكثير ~~من العلماء يخفى عليه بعض السنة فضلا عن غيرهم، فلهذا صار يتركها من ليس ~~بمنافق معلوم النفاق، لكن هؤلاء يتشبهون بالمنافقين، إذا لم يكونوا ~~منافقين، وهم تاركون للسنة المؤكدة باتفاق المسلمين، وإذا أصروا على ذلك ~~ردت شهادتهم، بل يقاتلون في أحد القولين، وهذا عند من لا يقول بوجوبها. # فأما من قال بوجوبها فإنه يقاتل تاركها، ويفسق المصرين على تركها إذا ~~قامت عليهم الحجة التي تبيح القتال والتفسيق، كما يقاتل أهل البغي بعد ~~إزالة الشبهة ورفع المظلمة، بل العلماء قد يعاقبون من ترك واجبا أو فعل ~~محرما وإن كان متأولا، كما قال مالك والشافعي وأحمد في شارب النبيذ المتأول ~~أنه يجلد وإن كان متأولا، والشافعي لا يرد شهادته بذلك، ومالك يردها، وعن ~~أحمد روايتان. وكذلك البغاة المتأولون إذا قاتلوا، كما قاتل علي بن أبي ~~طالب لأهل الجمل وصفين، فإنهم عند الأئمة الأربعة لا يفسقون بذلك البغي، ~~لأنهم كانوا فيه متأولين وإن قوتلوا. PageV04P130 ### ||| CHECK - دلائل وجوب الجماعة ظاهرة بينة # وهكذا كل ما ثبت تحريمه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد خفي ذلك ~~على بعض العلماء، فإنه يذكر تحريمه وما ورد فيه من التغليظ والوعيد، وإن ~~كان المتأول المعذور من العلماء لا يلحقه الوعيد، بل يغفر الله له لأنه ~~اجتهد فأخطأ، وقد قال تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (1)، ~~وفي الصحيح (2) أن الله تعالى قال: "قد فعلت". # وهكذا ما يتنازع فيه الأئمة من واجبات الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك، ~~إذا تركه التارك متأولا مع قيامه بالواجبات وتركه للمحرمات لم يكن بذلك ~~فاسقا بل ولا آثما، بل الله يغفر له خطأه. # ومع هذا فمن يقول بوجوبه يبين وجوبه، ويذكر ما جاء فيه من الأدلة الشرعية ~~لبيان العلم وإظهار السنة، وليتبين خطأ القول المخالف للسنة وصواب القول ~~الموافق لها، وإن كان المخالف مجتهدا معذورا، بل يكون المجتهد من أولياء ~~الله المتقين، وعباده الله الصالحين، ومن أئمة الدين، ms0612 والله يغفر له خطأه ~~ويغفر له ما هو فوق الخطأ من الذنوب، إذ لا معصوم من أن يقر على خطأ أو ذنب ~~بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان صديقا أو شهيدا أو صالحا، لكن ~~يكونون كما قال تعالى: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن ~~سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16)) (3). # ووجوب الجماعة من هذا الباب، فإن دلائل وجوبها في PageV04P131 # الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ظاهر بين، لا يستريب فيه بعد معرفته ومعرفة ~~ما قيل في ذلك عالم منصف، ولكن طائفة من العلماء ظنوا أن الوعيد كان في ~~الجمعة خاصة، والنصوص صريحة ثابتة بأنها كانت في الجماعة أيضا. ومنهم من ظن ~~أن العقوبة إنما كانت للنفاق خاصة لا لترك الجماعة، وهذا أيضا خطأ فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعاقب أحدا على ما أسره من النفاق، ~~وإنما يعاقبه بما أظهره من ترك واجب أو فعل محرم. وأيضا فإذا [كان] تركها ~~علامة النفاق، فالدليل يستلزم المدلول، علم أن كل من تركها كان منافقا، ~~وهذا دليل الوجوب. # وأيضا فإنه قد ثبت في الصحيح (1) أن ابن أم مكتوم سأل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يرخص له في تركها، فقال: "هل تسمع النداء؟ "، قال: نعم. ~~قال: "فأجب". وفي رواية في السنن (2): فقال: "لا أجد لك رخصة". وابن أم ~~مكتوم مؤمن باتفاق المسلمين، وهو الأعمى الذي ذكره الله بقوله: (عبس وتولى ~~(1) أن جاءه الأعمى (2)) (3)، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستخلفه ~~على المدينة، وكان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ومع هذا فلم يأذن له ~~في التخلف عن الجماعة، فعلم أنها واجبة على من علم إيمانه. # ومن ادعى أن هذا الحديث منسوخ أو مخالف للإجماع فقد PageV04P132 ### ||| CHECK - الكلام على لفظ الزنديق ### ||| CHECK - من قال: لا يوجد اليوم منافق، فهو مخطئ # غلط، فإن العمل عليه عند من يوجب الجماعة، يوجبها على الأعمى كما يوجب ~~عليه الجمعة، فإذا أمكنه الخروج إليها وجبت عليه وإن لم يكن له قائد، ms0613 إذ ~~الأعمى قد يذهب إلى السوق وغيره من حوائجه بلا قائد، فكذلك يذهب إلى ~~الجماعة. # فصل # وأما من قال: لا يوجد اليوم منافق، إنما كان النفاق على عهد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فهذا مخطئ بإجماع المسلمين، بل قد قال حذيفة بن اليمان ~~بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن النفاق اليوم أكثر منه على عهد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. والمنافق هو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام، ~~وهذا موجود في سائر الأعصار، بل إذا كان مع رؤية النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وآياته وسماع كلامه يكون المنافقون موجودين فبعده أولى وأحرى. # وأما قوله: إنه يقال زنديق، ولا يقال منافق، فهذا جهل منه، فإن لفظ ~~"زنديق" لفظ معرب لم ينطق به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه، ~~ولكن نطقت به الفرس، فأخذته العرب فعربته. ومعنى الزنديق الذي تنازع ~~الفقهاء في قبول توبته هو معنى المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ~~ولهذا قال الفقهاء: إن الزنديق هو المنافق، وتنازعوا في قبول توبته. واحتج ~~الشافعي وغيره ممن يرى قبول توبة الزنديق بأن المنافقين الذي كانوا على عهد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل ~~علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله. وكذلك تكلم PageV04P133 ### ||| CHECK - اسم النفاق قد يطلق على النفاق الأصغر # الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم في أحكام الزنديق، مثل ميراثه، ووجوب ~~إعادة ما فعله من العبادات، وأمثال ذلك، وكلهم يحتج على ذلك بأحكام النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في المنافقين الذين كانوا على عهده، وذلك لعلم الأئمة ~~أن الزنديق هو المنافق، وكل زنديق يظهر الإسلام ويبطن الكفر فإنه منافق، ~~يسمى منافقا، ويدخل في المنافقين المذكورين في القرآن، ومن أنكر هذا فإنه ~~يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. # واسم النفاق والكفر ونحوهما قد يعبر به عن بعض شعب الكفر والنفاق، وهذا ~~هو النفاق الأصغر وهو الذي خافته الصحابة على أنفسهم، كما في صحيح مسلم (1) ~~أن حنظلة الكاتب لقي أبا بكر الصديق فقال: نافق حنظلة، نافق حنظلة. # وذكر ms0614 البخاري (2) عن ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد كلهم ~~يخاف النفاق على نفسه. وقد صنف جعفر بن محمد الفريابي الحافظ كتابا في صفة ~~المنافق (3)، ذكر فيه من الأحاديث والآثار ما لا يتسع له هذا الموضع، وقد ~~قال ابن عباس وغيره في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون (44))، (فأولئك هم الفاسقون (47))، (فأولئك هم الظالمون (45)) ~~(4)، PageV04P134 # قال: كفر دون كفر، وفسوق دون فسوق، وظلم دون ظلم (1). وفي الحديث عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب ~~النمل، والرياء شرك" (2) وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والاستسقاء بالأنواء" ~~(3). وفي حديث آخر: "لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن ~~آبائكم" (4). ونظائر ذلك كثيرة، والله أعلم. PageV04P135 ### || CHECK (17) مسألة في رجل له دكان بقرب المسجد، هل يجوز له أن يصلي منفردا، أو يؤخر الصلاة مع الجماعة ويصلي في البيت؟ ### ||| CHECK - الصلاة في الجماعة من أوكد ما شرعه الله ورسوله ### ||| CHECK - هو مأمور باتفاق المسلمين أن يصلي مع الجماعة # مسألة # في رجل له دكان يبيع فيها ويشتري، وهي بقرب المسجد من غير حائل بينهما، ~~فهل يجب عليه إذا أقيمت الصلاة وحضرت الجماعة أن يصلي منفردا في الدكان ~~ويترك الجماعة؟ وهل يوجب (1) أن يؤخر الصلاة مع الجماعة ويصلي في البيت ~~ويقول: أنا أؤخر الصلاة إلى نصف الليل وأصلي في بيتي؟ # الجواب # لا يجب عليه باتفاق المسلمين أن يصلي منفردا في الحانوت، بل هو مأمور ~~باتفاق المسلمين أن يصلي مع الجماعة، وإنما يأمر بالصلاة منفردا دون ~~الجماعة أهل البدع المضلة كالرافضة، وبعض ضلال النساك ونحوهم، وأما أهل ~~السنة والجماعة فمن أعظم شعائرهم الصلاة في الجمعة والجماعة. # والصلاة في الجماعة من أوكد ما شرعه الله ورسوله، بل هي واجبة، فقد ثبت ~~في الصحيح (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لقد PageV04P136 ### ||| CHECK - من صلى منفردا عن الجماعة يستحق العقوبة ms0615 البليغة # هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أنطلق معي رجال معهم حزم الحطب إلى قوم لا ~~يشهدون الصلاة، فأحرق بيوتهم بالنار". وفي رواية (1): "لولا ما في البيوت ~~من النساء والذرية". فبين - صلى الله عليه وسلم - أنه إنما يمنعه من تحريق ~~المتخلفين عن الجماعة أن في البيوت نساء وذرية. # وفي الصحيح (2) أن أعمى جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ~~رسول الله! إني رجل شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن ~~أصلي في بيتي؟ قال: "هل تسمع النداء"؟ قال: نعم، قال: "فأجب". وفي رواية ~~(3): "هل تسمع النداء؟ " قال: نعم، قال: "لا أجد لك رخصة". وفي الصحيح (4) ~~عن ابن مسعود أنه قال: شرع الله لنبيه سنن الهدى، وإن هذه الصلوات الخمس في ~~المساجد التي يؤذن بها من سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما صلى هذا ~~المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد ~~رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. # وإذا ظهر من الرجل [الانفراد] بما يجب عليه من الصلاة وواجباتها فإنه ~~يستحق على ذلك العقوبة البليغة، التي تحمله وأمثاله على أداء PageV04P137 ### ||| CHECK - من يؤخر العشاء حتى يصليها بعد نصف الليل، لا يقر على ذلك بل يعاقب # الواجبات وإقامة شرائع الدين، ومتى ادعى ما يظهر خلافه لم يقبل منه، بل ~~يؤمر أن يصلي مع المسلمين، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث ~~الصحيح (1): "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب ~~أحدهم الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام، فنقر أربعا لا يذكر الله ~~فيها إلا قليلا". # ومن قال: إنه يؤخر العشاء حتى يصليها بعد نصف الليل، فإنه لا يقر على ~~ذلك، بل يعاقب حتى يصلي الصلاة في وقتها وقت الاختيار، فإن تأخير العصر إلى ~~[ما] بعد الاصفرار وتأخير العشاء إلى ما بعد نصف الليل لا يجوز مع القدرة، ~~بل يجوز ذلك لمن لم تمكنه الصلاة وقت الاختيار، كالحائض تطهر، والمجنون ~~يفيق، والنائم يستيقظ، والكافر ms0616 يسلم، ونحو ذلك، والله أعلم. PageV04P138 ### || CHECK (18) مسألة في مسلم تارك الصلاة ويصلي يوم الجمعة، هل يجب عليه اللعنة؟ ### ||| CHECK - لعن تارك الصلاة على وجه العموم جائز، أما لعنة المعين فالأولى تركها # مسألة # في مسلم تارك الصلاة ويصلي يوم الجمعة، فهل يجب عليه اللعنة؟ # الجواب # الحمد لله، هذا يستوجب العقوبة باتفاق المسلمين، والواجب عند جمهور ~~العلماء كمالك والشافعي وأحمد أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. # ولعن تارك الصلاة على وجه العموم جائز، وأما لعنة المعين فالأولى تركها، ~~لأنه يمكن أن يتوب. PageV04P139 ### || CHECK (19) مسألة في رجل يصوم ولا يصلي ويلعب بالنرد ### ||| CHECK - لعب النرد حرام باتفاق العلماء ### ||| CHECK - تاركهما يستحق العقوبة البليغة # مسألة # في رجل يصوم ولا يصلي ويلعب بالنرد. # الجواب # الحمد لله رب العالمين، الصلاة أعظم من الصيام، وتارك الصلاة المفروضة ~~أعظم إثما من تارك الصيام. # وفي الصحيحين (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من فاتته ~~صلاة العصر حبط عمله". وفي الصحيحين (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: "الذي تفوته الصلاة صلاة واحدة فكأنما وتر أهله وماله" أي سلب ~~أهله وماله. فإذا كان هذا فيمن تفوته صلاة واحدة فكيف بمن يفوته أكثر من صلاة؟ # فكيف بمن يترك الصلاة؟ وقد ثبت في الصحيح (3) عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "ليس بين العبد وبين الشرك إلا ترك الصلاة". وتاركها مستحق ~~للعقوبة البليغة بإجماع المسلمين، ويستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وأما لعب ~~النرد فهو حرام باتفاق العلماء. PageV04P140 ### || CHECK (20) مسألة فيمن عنده زوجة ما تصلي، هل تحرم عليه؟ ### ||| CHECK - المقر على ذلك آثم فاسق عاص ### ||| CHECK - إقرار الزوجة أو غيرها ممن هو تحت طاعة الرجل على ترك الصلاة حرام # مسألة # فيمن عنده زوجة ما تصفي، هل تحرم عليه؟ أو ينفسخ العقد الذي عقد بينهما؟ ~~ولها عليه صداق ثقيل ولم يقدر على شي؟ منه، ويخاف إن يفارقها يطالب بشي لا ~~يقدر عليه. # الجواب # الحمد لله، أما إقرار الزوجة أو غيرها ممن هو تحت طاعة الرجل على ترك ~~الصلاة فهو حرام ms0617 بإجماع المسلمين، والمقر على ذلك مع القدرة على الإنكار ~~آثم فاسق عاص بلا نزاع، بل الأمر بالصلاة لمن ليس تحت طاعة الرجل فرض على ~~الكفاية، إذا تركه الناس عصوا وأثموا، واستحقوا جميعهم عقاب الله، فكيف ترك ~~الأمر بذلك لمن هو في طاعته؟ وقد قال تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر ~~عليها) (1)، وما أمر الله به نبيه فهو أمر لأمته ما لم يقم دليل على ~~التخصيص، ولا تخصيص هنا بالاتفاق، فيجب على كل مسلم أن يأمر أهله بالصلاة. ~~وكذلك قال تعالى: (قوا أنفسكم وأهليكم) (2)، قال عليه الصلاة والسلام: ~~علموهم وأدبوهم. PageV04P141 ### ||| CHECK - تارك الصلاة شر من السارق والزاني باتفاق العلماء # وإذا علم الرجل أن المخطوبة لا تصلي كان تزوجه أشر مما إذا علم أنها قحبة ~~أو سارقة أو شاربة خمر، فإن تارك الصلاة شر من السارق والزاني باتفاق ~~العلماء، إذ تارك الصلاة سواء كان رجلا أو امرأة يجب قتله عند جمهور ~~العلماء كمالك والشافعي وأحمد، والسارق لا يجب قتله، ولا يجب قتل الزانية ~~التي لم تحصن باتفاق العلماء، وإن كانت بكرا بالغا عند أبويها وهي لا تصلي ~~كانت شرا من أن تكون قد زنت عندهم أو سرقت، وإذا كان الناس كلهم ينكرون أن ~~يتزوج الرجل بسارقة أو زانية أو شاربة خمر ونحو ذلك فيجب أن يكون إنكارهم ~~لتزوج من لا تصلي أعظم وأعظم باتفاق الأئمة. فإن التي لا تصلي شر من ~~الزانية والسارقة وشاربة الخمر. # وليس لقائل أن يقول: فالمسلم يجوز له أن يتزوج اليهودية والنصرانية، فكيف ~~بهذه؟ لأن اليهودية والنصرانية تقر على دينها، فلا تقتل ولا تضرب، وأما ~~تارك الصلاة والسارق والشارب والزاني فلا يقر على ذلك، بل يعاقب إما بالقتل ~~وإما بالقطع وإما بالجلد، وإن كان عقابه في الآخرة أخف من عقاب الكافر، لكن ~~لا يجوز لغيره أن يقره على فسقه، فمن أقر فاسقا على فسقه ولم ينكر عليه كان ~~عاصيا آثما، ومن أقر ذميا على دينه لم يكن آثما ولا عاصيا، وقد قال تعالى: ~~(الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين ms0618 والطيبون للطيبات ~~أولئك مبرءون مما يقولون) (1) أي النساء الخبيثات للرجال الخبيثين، والنساء ~~الطيبات للرجال الطيبين، PageV04P142 ### ||| CHECK - لا يحكم بانفساخ النكاح بمجرد ترك الصلاة # والخبيثة هي الفاجرة، فهي للرجل الخبيث الفاجر. # والخبث إن قيل المراد به الزنا دل على أن تزوج الزانية لا يجوز حتى تتوب، ~~وهو أصح قولي العلماء، لقوله تعالى: (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) ~~(1)، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى رجلا أن يتزوج امرأة كان يزني ~~بها اسمها عناق (2)، وأنزل الله هذه الآية في ذلك، ولهذا كان المتزوج بها ~~مذموما عند عامة العقلاء، حتى يقال: شتمه بالزين والقاف، أي قال له: يا زوج ~~القحبة. والحديث الذي يروى في الرجل الذي قال: إن امرأتي لا ترد كف لامس، ~~قد ضعفوه (3)، ولا شك أن الزانية يخاف منها إفساد الفراش، وهو من هذا الوجه ~~شر من غيرها، بخلاف من كان فسقها بغير ذلك، ولهذا يقال: ما بغت امرأة نبى ~~قط، لكن عقوبة المرأة التي تترك الصلاة أعظم من عقوبة بعض البغايا فالمتزوج ~~بها يكون قد أقر في بيته من المنكرات أعظم من أن يقر عنده أخته الزانية ~~وبنته الزانية. # وأما انفساخ النكاح بمجرد الترك فلا يحكم بذلك، لكن إذا PageV04P143 ### ||| CHECK - لكن إذا دعيت إلى الصلاة وامتنعت انفسخ نكاحها عند بعض العلماء # دعيت إلى الصلاة وامتنعت انفسخ نكاحها في أحد قولي العلماء، وفي الآخر لا ~~ينفسخ، لكن على الرجل أن يقوم بما يجب عليه. # وليس كل من وجب عليه أن يطلقها ينفسخ نكاحها بلا فعله، بل يقال له: مرها ~~بالصلاة وإلا فارقها، فإن كان عاجزا عن ذلك لثقل صداقها كان مسيئا بتزوجه ~~من لا تصلي على هذا الوجه، فيتوب إلى الله من ذلك، وينوي أنه إذا قدر على ~~أكثر من ذلك فعله، والله أعلم. PageV04P144 ### || CHECK (22) مسألة في رجل ذكر له الصلاة فقال: قال الله (لا تقربوا الصلاة)، فقيل له: اقرأ بقية الآية، فقال: كلمة تكفي العاقل، وهو يضحك ### || CHECK (21) مسألة فيمن لا يصلي هل تجاب دعوته إذا دعا أحدا؟ ms0619 ### ||| CHECK - هذا مستهزئ بآيات الله، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل ### ||| CHECK - لا يسلم عليه ولا تجاب دعوته # مسألة # فيمن لا يصلي هل تجاب دعوته إذا دعا أحدا؟ # الجواب # أما من لا يصلي فلا ينبغي أن يسلم عليه، ولا تجاب دعوته، بل هو مستحق ~~للقتل، فإذا هجر فلم يسلم عليه ولم تجب دعوته كان ذلك أخف ما يعاقب به. # مسألة # في رجل ذكر له الصلاة، فقال: قال الله: (لا تقربوا الصلاة) (1)، فقيل له: ~~اقرأ بقية الآية، فقال: كلمة تكفي العاقل، وهو يضحك، فما يجب عليه؟ # الجواب # هذا الرجل مستهزئ بآيات الله، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. PageV04P145 ### || CHECK (23) مسألة في الميت وخروجه على زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمرور به بالمقربين، وخروج النساء صحبة الميت، وخروجهم إلى القبر اليوم الثالث، والقراءة على القبر ثلاثة أيام، وغير ذلك ### ||| CHECK - السنة في الخروج بالميت إلى المقبرة # مسألة # في الميت وخروجه على زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهل المرور ~~بالميت بالمقربين، وخروج النساء صحبة الميت، وخروجهم إلى القبر اليوم ~~الثالث، ومن يصنع موضع غسل الميت خبزا وماء وسراجا إلى ثلاثة أيام، ~~والقراءة على القبر ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث نسق القبر بأيديهم، ~~والضرب بالدفوف والشبابات، هل يكره ذلك أم لا؟ # الجواب # الحمد لله رب العالمين، كان الميت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يخرج به الرجال، يحملونه إلى المقبرة ويسرعون به وعليهم السكينة، لا يخرج ~~معهم النساء، ولا يرفع الرجال أصواتهم لا بقراءة ولا غيرها. وهذه هي السنة ~~باتفاق علماء المسلمين أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، لا يستحبون أن يكون مع ~~الميت شيء من الأصوات المرتفعة ولو كانت بالقراءة. # قال قيس بن عبادة -وهو من كبار التابعين الذين صحبوا علي بن أبي طالب-: ~~كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز وعند الذكر وعند التحام الحرب. وذكروا ~~أن عبد الله بن عمر سمع رجلا PageV04P146 ### ||| CHECK - خرج النساء في الجنائز منهي عنه # في جنازة يقول: استغفروا لفلان، فقال عبد الله بن عمر: لا غفر ms0620 الله ~~للأبعد، قال ذلك نهيا له عن هذه البدعة. وقال سعيد بن المسيب لما احتضر: ~~إياي وحادثكم هذا الذي ترحموا على سعيد، استغفروا لسعيد. # وفي السنن (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يتبع الجنازة ~~بصوت أو نار. وفي الصحيحين (2) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"أسرعوا بالجنازة، فإن كانت صالحة فخير تعجلونها إليه، وإن كانت غير ذلك ~~فشر تضعونه عن رقابكم". وفي السنن (3): "أسرعوا بالجنازة ولا تدبوا بها ~~دبيب اليهود". والآثار في ذلك متعددة. # وخروج النساء في الجنائز منهي عنه، لا سيما إذا كان النساء ينحن أو يضربن ~~خدودهن ويرفعن أصواتهن، فإن هذا نزاع بلا ريب، سواء فعلته مع الجنازة أو في ~~حال غيبتها، لكنه معها بحضور الرجال أشد. وفي الصحيحين (4) عن أتم عطية ~~قالت: نهينا عن اتباع الجنائز. وفي السنن (5) أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رأى نسوة مع جنازة، فقال لهن: "هل تحملن مع من يحملن؟ " قلن: لا، ~~قال: "هل تحفرن PageV04P147 ### ||| CHECK - النهي عن النياحة # مع من يحفرن؟ " قلن: لا، قال: "هل تدلين مع من يدلي؟ " قلن: لا، قال: ~~"فارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت". ومعنى قوله: ~~"تؤذين الميت" أي بالنياحة، فإنه قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "من نيح ~~عليه يعذب بما نيح عليه". # وقد بسطنا الكلام على هذا الحديث في غير هذا الموضع (1)، وبينا أن ما ~~يحصل للألم بنياحة الحي ليس عقوبة له على ذنب غيره، بل النائحة تعاقب على ~~نياحتها، كما ثبت في صحيح مسلم (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب ~~وسربالا من قطران". # فالميت ما يحمل وزر النائحة، بل يحصل له بنياحتها من الألم الذي يتعذب به ~~ما أخبر به - صلى الله عليه وسلم -، وليس كل ألم يحصل للإنسان بسبب من ~~الأسباب يكون عقوبة عليه، وفي الصحيحين (3) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "ليس منا من لطم الخدود وشق ms0621 الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية". فقد تبرأ ~~ممن لطم الخدود وشق الجيوب، والجيب هو طوق الثوب، كما يفعله بعض المصابين ~~حين يشق ثيابه. والدعاء بدعوى الجاهلية مثل أن يقول: يا ركناه! يا عضداه! ~~يا ناصراه! # ونحو ذلك، وهذا هو الندب، لأنه يندب الميت، أي يدعوه، والميت لا يجيب ~~دعاءه، ولا منفعة في هذا الندب لا للحي وللميت، PageV04P148 ### ||| CHECK - عمل العرس للميت من أعظم البدع، وكذلك الضرب بالدفوف في الجنائز # بل فيه ضرر عليهما، فإنه قد ثبت أن عبد الله بن رواحة أغمي عليه، فجعلت ~~أخته تندب عليه، فلما أفاق قال: ما قلت في شيء إلا قيل لي: أنت كذلك؟ أنت ~~كذاك؟ (1). # وفي الصحيحين (2) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه تبرأ من الحالقة ~~والصالقة والشاقة. فالحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، والصالقة التي ~~ترفع صوتها بالمصيبة، والشاقة التي تشق ثيابها عند المصيبة. # والأحاديث في ذلك كثيرة، حتى قال جرير بن عبد الله البجلي: كنا نعد ~~الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة، رواه أحمد (3) أي إذا ~~اجتمع الناس وصنع أهل الميت للناس وليمة، فهذا من عمل الجاهلية، وإنما ~~السنة أن يصنع لأهل الميت طعام لاشتغالهم بمصيبتهم، كما قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لما أتاه نعي جعفر: "اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم ما ~~يشغلهم" (4). # وعمل العرس للميت من أعظم البدع المنكرات، وكذلك الضرب بالدفوف في ~~الجنائز على وجه النياحة منكر باتفاق العلماء، لم يرخص أحد من أهل العلم في ~~ضرب الدفوف في الجنائز والموت، PageV04P149 ### ||| CHECK - بدع أخرى في الجنائز # فكيف بالشبابات؟ وإنما يضرب بالدف في عرس النكاح ونحوه، كما جاءت به ~~السنة، مع أن بعض السلف كره ذلك مطلقا، لكن الصحيح أنه يفرق بين الضرب به ~~في الموت أو في الفرح، وكان دفهم ليس له صلاصل، ولهذا تنازع العلماء في ~~الدف المصلصل على قولين. وأما الشبابة فلم يرخص فيها أحد من الأئمة الأربعة ~~لا في عرس ولا موت. # وكذلك ما يفعله بعض المصابين من كشف الرءوس ونشر الشعور، ولبس المسوح، ms0622 ~~ونبذ الأواني والبسط، أو كسر بعض ذلك، أو هلب الخيل، أو تقليب سروجها، أو ~~تقليب الكيات التي على رءوس أتباعه، أو وضع التين في داره، وما أشبه هذه ~~الأمور، فكل ذلك من المنكرات التي هي من جنس عمل أهل الجاهلية. وكذلك وضع ~~الفواكه والمشمومات عنده، أو إلباس الميتة حليها أو جميل ثيابها كما يصنع ~~بالمرأة العروس، ونحو ذلك كله من المنكرات التي هي من جنس عمل الجاهلية، ~~وكذلك وضع طعام وشراب في مغتسله أو إيقاد ضوء في مغتسله كل ذلك من البدع ~~المنكرة التي لا أصل لها، وكذلك شق تراب قبره بعد ثلاث، بل الاختلاف إلى ~~قبره صبيحة موته أو ثالثه وسابعه ورأس شهره ورأس حوله هو أيضا من البدع ~~التي لم يكن يفعل عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه، وإنما قال ~~عمرو بن العاص لما احتضر: اجلسوا عند قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها، ~~أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي. PageV04P150 ### ||| CHECK - الصدقة عن الميت تنفعه، ولكن إخراجها مع الجنازة بدعة مكروهة # وأما الصدقة عن الميت فإنها تنفعه، كما ثبت ذلك بنص سنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - واتفاق أئمة المسلمين، ففي الصحيح (1) أنه قال سعد: يا ~~رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت لتصدقت، فهل ينفعها إن ~~أتصدق عنها؟ قال: "نعم"، وأما إخراج الصدقة مع الجنازة فبدعة مكروهة، وهو ~~يشبه الذبح عند القبر، وهذا مما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما ~~في السنن (2) عنه أنه نهى عن العقر عند القبر. وتفسير ذلك أن أهل الجاهلية ~~كانوا إذا مات فيهم كبير عقروا عند قبره ناقة أو بقرة أو شاة أو نحو ذلك، ~~فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، حتى نص بعض الأئمة على كراهة ~~الأكل منها، لأنه يشبه الذبح لغير الله. قال بعض العلماء: وفي معنى ذلك ما ~~يفعله بعض الناس من إخراج الصدقات مع الجنازة من غنم أو خبز أو غير ذلك، ~~وهذا فيه عدة مفاسد: # منها: أن ms0623 مشيعي الجنازة تشتغل قلوبهم بذلك. # الثاني: أنه يتبع الميت من ليس له غرض إلا في أخذ ذلك. # الثالث: أنهم يختصمون عليها. # الرابع: أنه يأخذها الغالب غير مستحق ويحرم المستحق. PageV04P151 # الخامس: أنه قد يكون على الميت دين أو في ورثته صغار. # السادس: أنها تصنع رياء. # فمن أحب أن ينفع ميته بصدقة عنه فليتصدق بما يسره الله تعالى على من ~~يثيبه الله بالصدقة عليه، فإن الصدقة إذا وصلت إلى المستحق الذي ينتفع بها ~~محمولة إليه كان أعظم للأجر والثواب، وكان في ذلك اتباع للسنة والتخلص من ~~البدعة. PageV04P152 ### || CHECK (24) مسألة في قوم يقرءون قدام الموتى على طريقة الغناء ### ||| CHECK - القراءة على الجنازة بدعة مكروهة ### ||| CHECK - الوقوف بالميت ليقرأ القراء مما ينهى عنه # مسألة # في قوم يقرءون قدام الموتى على طريقة الغناء، ويقفون بالميت قليلا بعد ~~قليل لأجل النقوط، فقالت جماعة: هذا حرام على المقرئ والمعطي، وقالت جماعة: ~~مكروه، والمراد بيان ذلك. # الجواب # الحمد لله رب العالمين، نعم الوقوف بالميت ليقرأ القراء مما ينهى عنه، ~~ولو لم يكن لأجل تنقيطهم، فإذا كان كذلك فهو زيادة شر على شر، بل مجرد ~~الوقوف بالميت منهي عنه مطلقا، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكن غير ذلك فشر ~~تضعونه عن رقابكم" (1). وقال: "أسرعوا بالجنازة ولا تدبوا دبيب اليهود" (2). # والقراءة على الجنازة بدعة مكروهة باتفاق الأئمة الأربعة، فإذا وقفوا ~~تضاعفت المكروهات، والإعطاء نقوطا لمثل هؤلاء مما ينهى عنه فاعله، ولا يثاب ~~عليه، فإنه بإعطائه أعان على ما يكرهه الله ورسوله، والله أعلم. PageV04P153 ### || CHECK (25) مسألة في المشاهد ومن ابتدعها، وفي زيارتها، وما صح من قبور الأنبياء والصحابة، وهل يجوز التبرك بالمشهد؟ ### ||| CHECK - منها ما هو حق لا ريب فيه ### ||| CHECK - القبور ثلاثة أقسام # مسألة # المسئول أن يبين لنا عن هذه المشاهد، ومن ابتدعها، وفي زيارتها، وما صح ~~من الأنبياء والصحابة في دفنهم على ما ذكروا عند جامع بني أمية وغيره، ~~وخالد بن الوليد ذكر أنه كان تربته [في] حمص ms0624 ورجله تخط الأرض. وهل يجوز ~~التبرك بالمشهد أو زيارة رجل ميت؟ ومن يقول: "بحرمة فلان اقض حاجتي" أو ~~يندب له؟ وكيف تكون زيارة الرجل الصالح وما صح من دفن الأنبياء؟ # الجواب # الحمد لله رب العالمين، الجواب عن هذه المسائل متضمن أصلين: # أحدهما: هذه المقابر والمشاهد وما فيها من حق وباطل، فنقول: القبور ثلاثة أقسام: # منها: ما هو حق لا ريب فيه، مثل قبر نبينا - صلى الله عليه وسلم - ~~وصاحبيه أبي بكر وعمر، فإن هذا منقول بالتواتر، وإن كان بعض الرافضة تطعن ~~في قبر أبي بكر وعمر، فهؤلاء مكابرون بهاتون، بمنزلة من ينكر قبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. PageV04P154 ### ||| CHECK - منها ما هو كذب بلا ريب، ذكر بعض هذه القبور # ومنها: ما هو كذب بلا ريب، مثل القبر المضاف إلى أبي بن كعب الذي شرقي ~~دمشق، فإن الناس متفقون على أن أبي بن كعب مات بالمدينة النبوية، وكذلك ~~أمهات المؤمنين كلهن توفين بالمدينة، فمن قال: إن بظاهر دمشق قبر أم حبيبة ~~أو أم سلمة أو غيرهما فقد كذب. ولكن من الصحابيات بالشام امرأة يقال لها أم ~~سلمة أسماء بنت يزيد بن السكن، فهذه توفيت بالشام، فهذه قبرها محتمل. كما ~~أن قبر بلال ممكن فإنه دفن بباب الصغير بدمشق، فنعلم أنه دفن هناك، وأما ~~القطع بتعين قبره ففيه نظر، فإنه يقال: إن تلك القبور حدثت. # وكذلك القبر المضاف إلى أويس القرني غربي دمشق كذب بلا # ريب، وقد روى أبو عبد الرحمن السلمي حكاية فيها أنه توفي بدمشق، وهي ~~باطلة قطعا، فإن أويسا لم يجيء إلى الشام وإنما ذهب إلى العراق. # وكذلك القبر المضاف إلى هود بجامع دمشق كذب باتفاق أهل العلم، فإن هودا ~~لم يجئ إلى الشام، بل بعث باليمن وهاجر إلى مكة، فقيل: إنه مات باليمن، ~~وقيل: إنه مات بمكة، وإنما ذلك تلقاء قبر معاوية بن أبي سفيان، فإن خلف ~~الحائط تابوت مكتوب فيه اسم معاوية بن أبي سفيان. # وأما الذي خارج باب الصغير الذي يقال: إنه قبر معاوية، فإنما هو ms0625 معاوية ~~بن يزيد بن معاوية الذي تولى الخلافة مدة قصيرة ثم مات، ولم يعهد إلى أحد، ~~وكان فيه دين وصلاح، ولكن لما اشتهر أنه قبر معاوية ظن الناس أنه معاوية بن ~~أبي سفيان. PageV04P155 ### ||| CHECK - القسم الثالث: قبور اختلف الناس فيها # وهكذا يقال في قبر خالد أنه خالد بن يزيد بن معاوية أخو يزيد هذا، ولكن ~~لما اشتهر أنه خالد والمشهور عند العامة خالد بن الوليد ظنوا أنه خالد بن ~~الوليد، كان قد عزله عمر بن الخطاب لما تولى عن إمارة الشام. وقد اختلف في ~~هذا الذي بحمص هل هو قبره أو قبر خالد بن يزيد، وكذلك اختلف في قبر أبي ~~مسلم الخولاني الذي بداريا على قولين، وكذلك قبور غير هذه اختلف الناس ~~فيها، وهذا هو القسم الثالث، وهو الذي اختلف فيه أهل النقل، فإن كان مع ~~أحدهما ما يرجح به نقله ترجح. # وأما المكذوب قطعا فكثير، مثل قبر علي بن الحسين الذي بمصر، فإن علي بن ~~الحسين توفي بالمدينة بإجماع الناس ودفن بالبقيع، ويقال إن قبة العباس بها ~~قبره وقبر الحسن وعلي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وجعفر بن محمد، وفيها ~~أيضا رأس الحسين، وأما بدنه فهو بكربلاء باتفاق الناس. والذي صح ما ذكره ~~البخاري في صحيحه (1) من أن رأسه حمل إلى عبيد الله بن زياد، وجعل ينكت ~~بالقضيب على ثناياه، وقد شهد ذلك أنس بن مالك، وفي رواية أخرى أبو برزة ~~الأسلمي، وكلاهما كانا بالعراق، وقد روي بإسناد منقطع أو مجهول (2) أنه حمل ~~إلى يزيد، وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه، وأن أبا برزة كان حاضرا وأنكر ~~ذلك. وهذا كذب، فإن أبا برزة لم يكن بالشام عند يزيد، وإنما كان بالعراق. PageV04P156 # وهذا كما يرويه الكذابون أن أهل البيت سبوا وحملوا على الجمال فنبتت لها ~~سنامان، فإن كل عاقل يعلم أن هذا كذب، وقد كانت البخاتي موجودة في زمن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبل ذلك، وكما يروون أن الحجاج بن يوسف قتل ~~أشراف بني هاشم، وهذا كذب أيضا، فإن الحجاج ms0626 مع ظلمه وغشمه صرفه الله عن بني ~~هاشم، فلم يقتل منهم أحدا، وبذلك أمره خليفته عبد الملك، وقال: إياك وبني ~~هاشم أن تتعرض إلى أحد، فإني رأيت آل حرب لما تعرضوا للحسين أصابهم ما ~~أصابهم، أو كما قال. ولم يقتل في دولة بني مروان من الأشراف بني هاشم من هو ~~معروف، لأن زيد بن علي بن الحسين لما صلب بالكوفة، وقد تزوج الحجاج ابنة ~~عبد الله بن جعفر وأعظم صداقها، فلم يروه كفؤا لها وسعوا في مفارقته إياها، ~~ولكن ذكر الناس أن الحجاج كان يقتل الأشراف أشراف الناس وهم رؤوس قبائل ~~العرب، فظن من ظن أنهم بنو هاشم، وتخصيص لفظ الأشراف بهم عرف حادث، والشرف ~~هو الرئاسة، كالحديث الذي رواه الترمذي (1) وصححه عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على ~~المال والشرف لدينه". # وفي الصحيح (2) عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المخزومية، PageV04P157 # فقالوا: من يكلم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالوا: ومن ~~يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، فكلمه فيها فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، ~~وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة ~~بنت محمد سرقت لقطعت يدها". فهذه كانت من أشراف قريش، وكانت مخزومية. # وكذلك قبر نوح الذي بجبل بعلبك كذب قطعا، وإنما ظهر من مدة قريبة، وقد ~~بينت حاله لما سألني عنه أهل الناحية وتبين أنه لا أصل له. # وكذلك مشهد الرأس الذي بالقاهرة، فإن المصنفين في مقتل الحسين اتفقوا على ~~أن الرأس لم يعرف، وأهل المعرفة بالنقل يعلمون أن هذا أيضا كذب، وأصله أنه ~~نقل من مشهد بعسقلان، وذاك المشهد بني قبل هذا بنحو من ستين سنة في أواخر ~~المائة الخامسة، وهذا بني في أثناء المائة السادسة بعد مقتل الحسين بنحو من ~~خمسمائة عام، والقاهرة بنيت بعد مقتل الحسين بنحو من ثلاثمائة عام، ms0627 وهذا ~~المشهد بني بعد بناء القاهرة بنحو مائتي عام. # وكذلك قبر علي عليه السلام الذي بباطنة النجف بالكوفة، فإن المعروف عند ~~أهل العلم أنه دفن بقصر الإمارة بالكوفة، كما دفن معاوية بقصر الإمارة ~~بالشام، ودفن عمرو بقصر الإمارة بمصر، خوفا عليهم من الخوارج أن ينبشوا ~~قبورهم، فإن الخوارج كانوا قد تحالفوا على قتلهم، فقتل عبد الرحمن بن ملجم ~~عليا عليه السلام PageV04P158 # وهو خارج إلى صلاة الفجر بمسجد الكوفة باتفاق الناس، ومعاوية ضربه الذي ~~أراد قتله على أليته فعولج من ذلك وعاش، وعمرو بن العاص استخلف على الصلاة ~~رجلا اسمه خارجة، فضربه الخارجي فظنه عمرا، وقال: أردت عمرا وأراد الله خارجة. # ومثل قبر جابر الذي بظاهر حران، فإن الناس متفقون على أن جابرا توفي ~~بالمدينة النبوية، وهو آخر من مات من الصحابة بها. # ومثل قبر عبد الله بن عمر الذي بالجزيرة، فإن الناس متفقون على أن عبد ~~الله بن عمر مات بمكة عام قتل ابن الزبير، وأوصى أن يدفن في الحل لكونه من ~~المهاجرين، فشق ذلك عليهم، فدفنوه بأعلى مكة. # وكثير من هذه الأسماء يقع فيها الغلط من جهة اشتراك الأسماء، كما وقع في ~~قبر معاوية وغيره بسبب اشتراك اللفظ، فلعل رجلا اسمه جابر أو عبد الله بن ~~عمر دفن هناك، فظن الجهال أنه الصاحب لشهرته، ثم اشتهر ذلك. # وكذلك رقية وأم كلثوم مما هو مدفون بالشام أو مصر أو غيرهما، قد يظن بعض ~~الناس أنه قبر رقية بنت النبي أو أم كلثوم بنته، وقد اتفق الناس على أن ~~رقية وأم كلثوم ماتتا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة تحت ~~عثمان بن عفان وبهما يسمى ذا النورين، وكذلك زينب بنت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - توفيت في حياته، ولم يخلف من بناته إلا فاطمة، ولم يخرج أحد من ~~بناته إلى الشام ولا مصر ولا غيرهما من الأقاليم. PageV04P159 ### ||| CHECK - القبور المختلف فيها كثيرة # والمسجد الذي بجانب عرنة الذي يقال له مسجد إبراهيم، فإن بعض الناس يظن ~~أنه إبراهيم الخليل، وإنما ms0628 هو من ولد العباس، والمسجد إنما بني في دولة ~~العباسية علامة على الموضع الذي صلى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الظهر والعصر يوم عرفة، فإنه أقام بنمرة إلى حين الزوال، ثم ركب فأتى بطن ~~عرنة عند المكان الذي بني فيه هذا المسجد، فخطب على راحلته، ثم نزل فصلى ~~بهم هناك الظهر والعصر قصرا وجمعا، ثم أتى الموقف بعرفات. وكان بحران مسجد ~~يقال له مسجد إبراهيم، فيظن الجهال أنه إبراهيم الخليل، وإنما هو إبراهيم ~~بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، الذي كانت دعوة الخلافة العباسية له، ~~وحبس هناك ومات في الحبس، وأوصى إلى أخيه أبي جعفر الملقب بالمنصور. # والقبور المختلف فيها كثيرة، منها قبر خالد بن الوليد كما تقدم، فإن فيه ~~قولين ذكرهما أبو عمر ابن عبد البر في "الاستيعاب" (1): توفي بحمص، وقيل: ~~توفي بالمدينة، سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب، ~~وأوصى إلى عمر بن الخطاب، قال: وروى يحيى بن سعيد القطان [عن سفيان] (2) عن ~~حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل قال: بلغ عمر بن الخطاب أن نسوة من نساء بني ~~المغيرة اجتمعن في دار يبكين على خالد بن الوليد، فقال عمر: وما عليهن أن ~~يبكين على أبي سليمان PageV04P160 ### ||| CHECK - ضبط هذه القبور والمشاهد ليس من الدين # ما لم يكن نقع أو لقلقلة. # وأما قبر الخليل عليه السلام قالت العلماء على أنه حق، لكن كان مسدودا ~~بمنزلة حجرة النبي، ولم يكن عليه مسجد، ولا يصلي أحد هناك، بل المسلمون لما ~~فتحوا البلاد على عهد عمر بن الخطاب بنوا لهم مسجدا يصلون فيه في تلك ~~القرية منفصلا عن موضع الدير، ولكن بعد ذلك نقبت حائط المقبرة كما هو الآن ~~النقب ظاهر فيه، فيقال: إن النصارى لما استولوا على البلاد نقبوه وجعلوه ~~كنيسة، ثم لما فتحه المسلمون لم يكن المتولي لأمره عالما بالسنة حتى يسده ~~ويتخذ المسجد في مكان آخر، فاتخذ ذلك مسجدا وكان أهل العلم والدين العالمون ~~بالسنة لا يصلون هناك. # فصل ms0629 # الأصل الثاني: أن هذه المشاهد والقبور المضافة إلى الأنبياء والصالحين ~~إنما اضطرب النقل فيها ووقع فيها الكذب والاشتباه لأن ضبطها ليس من الدين، ~~والله تعالى قد ضمن حفظ ما نزله من الذكر بقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا ~~له لحافظون (9)) (1)، والله قد نزل الكتاب والحكمة، كما قال تعالى: ~~(واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة) (2)، والحكمة: ~~السنة، كما قال ذلك PageV04P161 ### ||| CHECK - طريقة الزيارة الشرعية للقبور # غير واحد من السلف، كقتادة ويحيى بن أبي كثير والشافعي وغيرهم، بدليل ~~قوله: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) (1)، والذي كان ~~يتلى في بيوتهن هو القرآن والسنة، فالذكر الذي نزله الله ضمن حفظه، فلهذا ~~كانت الشريعة محفوظة مضبوطة، ومن الشريعة أن هذه المشاهد والقبور لا تتخذ ~~أربابا، بل زيارة القبور نوعان: شرعية وبدعية: # فالزيارة الشرعية أن يسلم على الميت ويدعو له، كما يصلي على جنازته، فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول ~~قائلهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم ~~العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم" (2). # فهذا الدعاء للميت من جنس الدعاء على جنازته إذا حضرت، وقد قال الله ~~تعالى لنبيه في حق المنافقين: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره) (3)، فلما نهاه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم دل ذلك ~~بطريق مفهوم الخطاب وتعليله على أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم، ~~وقد فسر ذلك القيام على قبورهم بالدعاء لهم، فالمؤمن يقام على قبره بالدعاء ~~له، فهذا PageV04P162 ### ||| CHECK - النهي عن اتخاذ القبور مساجد ### ||| CHECK - حكم زيارة المشاهد والقبور لأجل الصلاة والدعاء عندها # هو المشروع. # وأما زيارة المشاهد والقبور لأجل الصلاة عندها والدعاء عندها وبها، ~~والتمسح بها وتقبيلها، وطلب الحوائج من الرزق والنصر والهدى عندها وبها، ~~فهذا ليس مشروعا باتفاق أئمة المسلمين، إذ هذا لم يفعله رسول ms0630 الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولا أمر به، ولا رغب فيه، ولا تعلمه أحد من الصحابة ~~والتابعين وسائر أئمة المسلمين، بل ولا كانوا يبنون مشهدا على قبر ولا ~~مسجدا ولا غيره، وإنما حدثت هذه المشاهد بعد القرون المفضلة التي أثنى ~~عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - القرن الذي بعث فيهم ثم الذين يلونهم ~~ثم الذين يلونهم، وإنما انتشرت في دولة بني بويه ونحوهم من أهل البدع ~~والجهل. وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، بل لعن من يفعله، ~~كما في الصحيحين (1) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في مرضه الذي مات ~~فيه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما ~~صنعوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا (2). # وفي صحيح مسلم (3) عن جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال قبل أن ~~يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، إلا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". PageV04P163 # وفي موطأ مالك (1): "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على ~~قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وفي المسند (2) وغيره عن ابن مسعود عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم ~~أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد". رواه أبو حاتم في صحيحه (3). # ولهذا اتفق السلف والأئمة على أن من سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أو غيره من الأنبياء والصالحين عند قبره فإنه لا يتمسح بالقبر ولا يقبله، ~~بل اتفقوا على أنه لا يشرع أن يستلم ويقبل إلا الحجر الأسود، والركن ~~اليماني يستلم ولا يقبل على الصحيح، وإذا سلم على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأراد أن يدعو استقبل القبلة، ودعا في المسجد، ولم يدع مستقبلا ~~للقبر، كما كان الصحابة يفعلون، وهذا ما أعلم فيه نزاعا بين أهل العلم، وإن ~~نقل في ذلك [ما] يخالف ذلك عن مالك مع المنصور فلا أصل لها. # وإنما تنازعوا في وقت التسليم عليه: هل يستقبل القبر ms0631 أو يستقبل القبلة؟ ~~فقال أصحاب أبي حنيفة: يستقبل القبلة، وقال الأكثرون: بل يستقبل القبر. ~~وكانت حجرته خارجة عن المسجد، فلما كان زمن الوليد بن عبد الملك أمر أن ~~يزاد في المسجد، فاشتريت الحجرة التي شرقي المسجد وقبليها من أهلها وزيدت ~~في المسجد، PageV04P164 # فبقيت حجرة عائشة -التي دفن فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحباه- ~~داخلة في المسجد، ولما بنى عمر بن عبد العزيز والمسلمون عليها الحائط ~~حرفوها عن سمت القبلة، وجعلوا ظهرها مثلثا لئلا يصلي إليها أحد، لما ثبت ~~عنه في الصحيح (1) أنه قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". كل ~~ذلك تحقيقا للتوحيد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن الله تعالى قال ~~في كتابه عن قوم نوح: (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا ~~يغوث ويعوق ونسرا (23)) (2)، قال غير واحد من السلف كابن عباس وغيره: هولاء ~~كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا اتخذوا تماثيلهم. وفي رواية: ~~عكفوا على قبورهم ولم يعبدوها، ثم طال عليهم الأمد فعبدوها، فكان ذلك أول ~~عبادة الأصنام. # فنبينا - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين الذي بعثه الله بالتوحيد حسم ~~مادة الشرك، حتى أمر بما رواه مسلم في صحيحه (3) عن أبي هياج الأسدي قال: ~~قال لي علي بن أبي طالب: إلا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؟ " إلا أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته". فأمر ~~بتسوية القبور وطمس التماثيل، فإن هذين كانا سببا لعبادة الأصنام. # ولو كان قصد المشاهد هذه التي على القبور لأجل الدعاء أو PageV04P165 ### ||| CHECK - لا يجوز الوفاء بنذر المعصية # الصلاة عندها مشروعا لم يكره الصلاة فيها، بل كانت تكون الصلاة فيها ~~أفضل، وقد أجمع المسلمون على أن الصلاة والدعاء في المسجد الذي ليس عليه ~~قبر لا رجل صالح ولا غيره أفضل من الصلاة والدعاء في المسجد المبني على قبر ~~من المشاهد وغيره، بل صرح أئمة المسلمين أن بناء المساجد عليها حرام، ونهوا ~~عن الصلاة فيها. # وفي السنن (1) عن ms0632 النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لعن الله ~~زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج". قال الترمذي: حديث حسن. # ورواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه. فقد لعن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من يتخذ على القبور مساجد وسرجا. ولهذا قال العلماء: إنه لا يجوز أن ~~ينذر للقبور لا زيت ولا شمع ولا نفقة ولا نحو ذلك، بل هذا نذر معصية. وفي ~~صحيح البخاري (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من نذر أن يطيع ~~الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه". # ونذر المعصية مثل هذا لا يجوز الوفاء به بالاتفاق، لكن هل عليه كفارة ~~يمين؟ فيه قولان للعلماء: # أحدهما: لا شيء عليه، كقول أبي حنيفة ومالك والشافعي. # والثاني: عليه كفارة يمين، وهو ظاهر مذهب أحمد، لما في PageV04P166 ### ||| CHECK - قوله - صلى الله عليه وسلم - لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ودلالته على النهي عن السفر لزيارة القبور ### ||| CHECK - يجب الوفاء بنذر الطاعة، وإن كان أصل عقد النذر مكروها # الصحيح (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كفارة النذر كفارة ~~يمين". وفي السنن (2) عنه أنه قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين". # وإذا نذر طاعة لله، مثل صلاة مشروعة أو صيام شرعي أو صدقة شرعية فعليه ~~الوفاء بذلك، وإن كان أصل عقد النذر مكروها لما في الصحيحين (3) عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما ~~يستخرج به من البخيل". فنفس عقد النذر منهي عنه باتفاق الأئمة، لكنه إذا ~~نذر نذرا فإن طاعة لله وفى به، وإن كان معصية مثل نذر للكنائس والبيع، ونذر ~~الزيت والشمع والكسوة والنفقة للمشاهد التي على القبور، فهذا لا يجوز ~~الوفاء به، وهل عليه كفارة يمين؟ على قولين للفقهاء. # ولو سافر لزيارة القبور التي عليها المساجد فلا أعلم أحدا من السلف أذن ~~في ذلك، لكن رخص فيه طائفة من متأخري الفقهاء، ومنع منه آخرون، وقالوا: هو ~~بدعة منهي عنها، حتى قالوا: لا يجوز فيها ms0633 قصر الصلاة، لأنه قد ثبت في ~~الصحيحين (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تشد الرحال إلا ~~إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا". وفي السنن (5) ~~أن بصرة بن أبي بصرة لما PageV04P167 # رأى بعض من زار الطور -الطور الذي كلم الله عليه موسى- نهاه عن ذلك، وقال ~~له: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد". # فهذا يبين أن الصحابة فهموا أنه نهى عن السفر لزيارة جميع البقاع إلا ~~المساجد الثلاثة، سواء كانت تلك البقعة فيها آثار الأنبياء أو غير ~~الأنبياء، وهذا هو الذي اتفق عليه أئمة العلماء، فإنهم لم يتنازعوا أنه لو ~~نذر السفر إلى بقعة بعينها غير المساجد الثلاثة لم يجب الوفاء بنذره، ولو ~~كان ذلك طاعة عندهم لوجب الوفاء به، واتفقوا على أن نذر الإتيان في المسجد ~~الحرام يجب الوفاء به، وتنازعوا في من نذر إتيان مسجد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والمسجد الأقصى، فقال أبو حنيفة: لا يجب الوفاء بذلك، لأن من ~~أصله أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجبا بالشرع، وقال مالك ~~والشافعي وأحمد: بل يجب الوفاء بذلك، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ~~نذر أن يطيع الله فليطعه" (1)، وهذا طاعة لله بالاتفاق، فيستحب الوفاء به. # فإذا علم أن غير المساجد الثلاثة لم يقولوا بوجوب الوفاء إذا نذر السفر ~~إليه، علم أن ذلك ليس بطاعة، حتى مسجد قباء، قالوا: من قصده إذا أتى ~~المدينة فحسن، وأما شد الرحل له فلا، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من تطهر في بيته فأحسن الطهور، ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة ~~فيه كان له كأجر عمرة" (2). فإذا رغب في إتيان من PageV04P168 ### ||| CHECK - أمرنا الله بالعبادة في المساجد لا في المشاهد # يأتيه من بيته فيمن سافر إليه، وكذلك للرجل أن يقصد مسجد مدينته وقريته، ~~وليس له أن يسافر إلى مسجد مدينة أو قرية غير المساجد الثلاثة، بالاتفاق. # فهكذا يزور القبور الزيارة الشرعية، فيسلم على ms0634 الميت، ويدعو له، إذا كان ~~قريبا من مدينة هو فيها، أو اجتاز به، ونحو ذلك، فأما السفر لأجل ذلك فليس ~~بمشروع. وإنما عظمت هذه البدع من أهل الأهواء الذين عطلوا المساجد عن ~~الجمعات والجماعات، وابتدعوا الإشراك الذي يفعلونه عند المشاهد، حتى صنفوا ~~كتبا فيها مناسك حج المشاهد. والله تعالى في كتابه إنما أمرنا بالعبادة في ~~المساجد لا في المشاهد، فقال تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر ~~فيها اسمه وسعى في خرابها) (1)، ولم يقل: مشاهد الله، وقال تعالى: (وأنتم ~~عاكفون في المساجد) (2)، ولم يقل: في المشاهد، وقال تعالى: (قل أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) (3)، ولم يقل: كل مشهد، وقال تعالى: ~~(ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) إلى قوله: (إنما يعمر مساجد الله ~~من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) ~~(4)، ولم يقل: يعمر مشاهد الله، وقال تعالى: (أن المساجد لله فلا تدعوا مع ~~الله أحدا (18))، ولم يقل: وأن المشاهد لله. PageV04P169 ### ||| CHECK - قول القائل بحرمة فلان الميت أن تقضي حاجتي أو تغفر لي ليس بمشروع # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (1): "صلاة الرجل في المسجد تفضل على ~~صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة. وذلك أن الرجل إذا تطهر في بيته ~~فأحسن الطهور، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة فيه، كانت خطوتاه إحداهما ~~ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة، فإذا جلس فإنه في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، ~~والملائكة تصفي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صفى فيه: "اللهم اغفر له، ~~اللهم ارحمه " ما لم يحدث أو يخرج من المسجد". # وأما قول السائل: "بحرمة فلان الميت أن تقضي حاجتي أو تغفر لي " فهذا ليس ~~بمشروع، فإن هذا لم يفعله أحد من السلف، ولا استحبه أحد من الأئمة، ولا فيه ~~أثر عمن مضى، والعبادات مبناها على الاستنان والاتباع، لا على الهوى ~~والابتداع، قال تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ~~الله) (2)، وقال النبي - صلى الله ms0635 عليه وسلم -: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ~~ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" (3). # ولو كان هذا مشروعا لأحد أو في حق أحد لكان أحق الناس بذلك أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه ~~أفضل الخلق PageV04P170 ### ||| CHECK - المقصود بزيارة القبور # وأكرمهم على ربه، وأقربهم إليه وسيلة حيا وميتا، وقد ثبت في صحيح البخاري ~~(1) عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا أجدب استسقى بالعباس بن عبد المطلب، ~~وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل ~~إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون. فأخذوا العباس يتوسلوا به، وجعل يدعو ~~ويدعون معه، كما كانوا يتوسلون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - عند ~~الاستسقاء، ولم يجيئوا إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيدعوا هناك، ~~ويفعلون ما يفعله كثير من الناس عند من ليس مثل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، من سؤاله أو السؤال منه وغير ذلك. ولهذا ذكر العلماء في الاستسقاء ما ~~فعله الصحابة، ولم يذكروا ما ابتدعه الجاهلون. # فالمقصود بالزيارة الدعاء للميت على جنازته، والله تعالى يثيب العبد على ~~دعائه له، كما يثيبه على الصلاة عليه، وقد يكون الداعي أفضل من المدعو له، ~~وقد يكون المدعو أفضل، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سمعتم ~~المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله ~~عليه عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنه درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد ~~من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه ~~شفاعتي يوم القيامة". رواه مسلم (2)، والله أعلم. PageV04P171 ### || CHECK (26) مسألة في امرأة توفيت وهي حامل في سبعة أشهر، فهل يشق بطنها أو تضع على بطنها شيئا ثقيلا أو تسطو عليه القوابل؟ ### ||| CHECK - فإن تعذر خروج الولد فهل يشق بطنها؟ فيه قولان للفقهاء ### ||| CHECK - ينبغي أن يسعى في خروج الجنين من فرجها # مسألة # في امرأة ms0636 توفيت وهي حامل في سبعة أشهر، فهل يشق بطنها أو تضع على بطنها ~~شيئا ثقيلا أو تسطو عليه القوابل؟ # الجواب # الحمد لله، ينبغي أن يسعى في خروج الجنين من فرجها، إما أن تسطو القوابل ~~عليه فيخرجنه، وإما أن يفتح فرجها بالمفتاح المصنوع لذلك، فإذا اتسع أخرج ~~منه الولد، فإن تعذر ذلك ففيها قولان مشهوران: # أحدهما: لا يشق بطنها، لأنه مثلة، والعادة أن الولد يموت بموت أمه، فلا ~~يبقى حيا، فيكون تمثيل بالميت بلا استبقاء الحي، بل لو اضطر الجائع إلى أكل ~~ميت معصوم لم يجز، لأن بقاء نفسه في أحد القولين مع أن الحياة منتفية وقد ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كسر عظم ميت ككسر عظم الحي" (1). وهذا ~~مذهب مالك وأحمد وغيرهما. PageV04P172 ### ||| CHECK - هذا النزاع إذا رجي خروجه حيا، فأما إذا ظهر موته فلا يشق بطنها # والثاني: بل يشق بطنها لإخراج الولد، فإن مراعاة حق الولد الحي أولى من ~~مراعاة الميت. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما، وفي مذهب الشافعي وجه ~~كالأول، وفي مذهب الإمام أحمد وجه كالثاني. وهذا النزاع إذا رجي خروجه حيا، ~~فأما إذا ظهر موته، فإنه لا يشق بطنها بلا خلاف. PageV04P173 ### || CHECK (27) مسألة في رجل توفي إلى رحمة الله بالقاهرة، فهل يجوز الصلاة عليه غائبة في مصر أو في القلعة؟ وكم قدر مدة البعد الذي يجوز الصلاة على الغائب فيه؟ وكم مقدار بعد صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - للنجاشي؟ ### ||| CHECK - في مسألة الصلاة على الغائب قولان مشهوران للعلماء # مسألة # في رجل توفي إلى رحمة الله بالقاهرة، فهل يجوز الصلاة عليه غائبة في مصر ~~أو في القلعة؟ وكم قدر مدة البعد الذي يجوز على الغائب فيه؟ وكم مقدار بعد ~~صلاة النبي على النجاشي؟ وهل النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على الغائب ~~أو أحد من الصحابة في مقدار بعد القاهرة إلى مصر أو أحد من الأئمة؟ # الجواب # أصل هذه المسألة هي مسألة الصلاة على الغائب، وفيها للعلماء قولان ~~مشهوران: # أحدهما: يجوز، وهو قول الشافعي وأحمد في ms0637 أشهر الروايات عنه عند أكثر ~~أصحابه. # والثاني: لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، ~~وذكر ابن أبي موسى (1) - وهو ثبت في نقل مذهب أحمد - رجحانها في مذهبه. PageV04P174 ### ||| CHECK - سبب هذا الاختلاف # وسبب هذا النزاع أنه قد ثبت بالنصوص الصحيحة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى على النجاشي وكان غائبا، ففي الصحيحين (1) عن أبي هريرة أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم ~~إلى المصلى، فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات، وقال: "استغفروا لأخيكم". ~~وفيهما عن جابر (2) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على النجاشي فكبر ~~أربعا، وللبخاري عنه (3): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على ~~النجاشي، فكنت في الصف الثاني أو الثالث. وله (4): "قد توفي اليوم رجل صالح ~~من الحبش، فهلم فصلوا عليه". فصففنا، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ونحن صفوف. ولمسلم (5): إن أخا لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه"، فقمنا ~~فصفنا صفين. وروى مسلم (6) عن عمران بن حصين أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "إن أخا لكم"، وفي لفظ: "إن أخاكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه"، ~~يعني النجاشي. # فهذه السنة ثبتت، ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى على ~~غائب غيره، إلا حديث ساقط (7) روي فيه أنه صلى على معاوية بن معاوية PageV04P175 # الليثي في غزوة تبوك لكثرة قراءته "قل هو الله أحد"، وهو حديث لا يحتج ~~به. وقد مات على عهده خلائق من أصحابه في غيبته فلم يصل عليهم، وكذلك لم ~~يصل المسلمون الغائبون عنه في مكة والطائف واليمن وغيرها، ولا صلوا على أبي ~~بكر وعمر وغيرهما في الأمصار البعيدة. # ولهذا تنازع العلماء، فقالت طائفة: لا يصلى على الغائب، إذ لو كانت سنة ~~لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ذلك، ولكان المسلمون يعملون ~~بذلك في محياه ومماته، واعتذروا عن قضية النجاشي بعذرين: # أحدهما: أن ذلك [كان] مختصا به، قالوا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان ms0638 يشاهده، أو لأنه حمل إلى بين يديه. وهذا عذر ضعيف، لأن ذلك لم ينقله ~~أحد، ولأن الصحابة الذين صلوا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يشاهدوه، ولا فرق بين الإمام والمأموم، ولأن المانع عندهم هو البعد أو ~~التكرار، وكلاهما موجود شهد أو لم يشهد، ولأن مثل هذا قد كان ممكنا في حق ~~غير النجاشي، فبطل الاختصاص به. # ولأن الأصل مشاركة أمته في الأحكام ما لم يقم دليل اختصاص النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # والعذر الثاني: قالوا: إن النجاشي قد كان بين قوم نصارى، PageV04P176 ### ||| CHECK - حد البلد الواحد ### ||| CHECK - حكم الصلاة على الغائب في البلد الواحد ### ||| CHECK - أعدل الأقوال في ذلك ### ||| CHECK - أدلة المانعين ومناقشتها # وكان يخفي قومه إسلامه حتى سعوا في محاربته، ولم تكن شريعة الإسلام ظهرت ~~هناك حتى يكون عنده من يصلي عليه، لعدم صلاة القريب عليه. وهذا العذر أقرب ~~من الأول، وبه يظهر تخصيص النجاشي بالصلاة دون غيره من الموتى. # ثم من قال هذا ولم يجوز الصلاة على الغائب بحال نقض كلامه، ومن قال هذا ~~[و] جوز الصلاة على الغائب الذي لم يصل عليه فقد أحسن فيما قال، ولعل قوله ~~أعدل الأقوال، فإن الشريعة استقرت على قوله تعالى: (فاتقوا الله ما ~~استطعتم) (1)، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا ~~منه ما استطعتم" (2). فما تعذر من العبادات سقط بالعجز، وإذا كانت الصلاة ~~على الميت مأمورا بها ولم تكن إلا مع الغيبة كانت هي المأمور به. # وقالت طائفة: بل تجوز الصلاة على كل غائب عن البلد وإن كان قد صلي عليه، ~~كما ذكرناه عن أصحاب الشافعي وأكثر متأخري أصحاب أحمد، ثم قال هولاء: يجوز ~~على الغائب عن البلد، سواء كان فوق مسافة القصر أو دونها، وسواء كان الميت ~~خلف المصلي أو أمامه. # وأما الغائب في البلد الواحد فالأكثرون من أصحاب الإمامين منعوا الصلاة ~~عليه، [و] لم يرد بها أثر ولا نقل ذلك عن أحد من PageV04P177 # السلف، فالفاعل لها مبتدع دينا لم يشرعه الله، ولو ساغ ذلك ms0639 لم يكن لذلك ~~ضابط، بل كان يجوز أن يصلي الرجل في هذه الدار أو الدرب على من مات في هذا ~~الدرب أو هذه الدار، ومعلوم أن هذا ليس من عمل المسلمين، ولو كان هذا جائزا ~~لكان قربة، ولكان السلف يبادرون إليه، لاسيما ولا يزال في المسلمين من لا ~~يمكنه شهود الجنازة من مريض ومحبوس ومشغول. فلما لم يفعل هذا أحد من السلف ~~علم أنه غير مشروع، وإن كان يشرع الدعاء للميت على كل حال، بطهارة أو غير ~~طهارة، إلى القبلة وغيرها، قياما وقعودا وعلى جنوبهم، بتكبير وغير تكبير، ~~وأما صلاة الجنازة فيشترط لها الشروط الشرعية. # وجوز طائفة من أصحاب الإمامين الصلاة على الغائب في البلد الواحد، ثم ~~محققوهم قيدوا ذلك بما إذا مات الميت في أحد جانبي البلد الكبير، ومنهم من ~~أطلق في أحد جانبي البلد لم يقيدها بالكبيرة، كما إذا مات في أحد جانبي ~~بغداد فصلي عليه في الجانب الآخر. وكانت هذه المسألة قد وقعت في عصر أبي ~~حامد وأبي عبد الله بن حامد، مات ميت في أحد جانبي بغداد، فصلى عليه أبو ~~عبد الله بن حامد، وطائفة في الجانب الآخر، وأنكر ذلك أكثر الفقهاء من ~~أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، كأبي حفص البرمكي وغيره، واتفق الفريقان على ~~أنه من مات في الجانب الواحد لا يصلى عليه فيه إذا كان غائبا، كما إذا كان ~~الرجل عاجزا عن حضور الجنازة لمطر أو مرض فإنه لا يصلي على الغائب وفاقا. PageV04P178 # لكن بعض متأخري الخراسانيين من أصحاب الشافعي أجرى الوجهين في الغائب في ~~البلد وإن أمكن حضوره، وألحق ذلك بالوجهين في القضاء على الغائب عن مجلس ~~الحكم إذا لم يمكن حضوره، فإن فيه وجها ضعيفا بجواز الحكم عليه، فقاس ~~الصلاة عليه على القضاء عليه. وهذا إلى غاية الضعف والشذوذ، مع ما بين ~~الصلاة والحكم، ولا يستريب من له أدنى معرفة أن تشريع مثل هذا حدث وبدعة ~~ظاهرة. وأمثال هذه الوجوه تخرج عند ضيق مناظرة المخالف طردا لقياس واحترازا ~~عن نقض، ولا يدان الله ms0640 بها. # وعلى القول المشهور في المذهبين وأنه لا يصلى إلا على الغائب عن البلد لم ~~يبلغني أنهم حدوا البلد الواحد بحد شرعي، ومقتضى اللفظ أن من كان خارج ~~السور أو خارج ما يقدر سورا يصلى عليه، بخلاف من كان داخله، لكن هذا لا أصل ~~له في الشريعة في المذهبين، إذ الحدود الشرعية في مثل هذا إما أن تكون ~~العبادات التي تجوز في السفر الطويل والقصير، كالتطوع على الراحلة والتيمم ~~والجمع بين الصلاتين على قول، فلابد أن يكون منفصلا عن البلد بما يعد ~~الذهاب نوع سفر. وقد قالت طائفة من أهل المذهبين كالقاضي أبي يعلى أنه يكفى ~~خمسين خطوة. # وإما أن يكون الحد ما يجب فيه الجمعة، وهو مسافة فرسخ، حيث يسمع النداء، ~~ويجب عليه حضور الجمعة، كان من أهل الصلاة في البلد فلا يعد غائبا عنها، ~~بخلاف ما إذا كان فوق ذلك فإنه بالغائب أشبه. PageV04P179 # وإما أن يقال مسافة العدوى في مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، وهو ~~ما لا يمكن الذاهب العود إليه في يومه، وهذا يناسب قول من جعل الغائب عن ~~البلد كالغائب عن مجلس الحكم. وفيه أيضا من الفقه أنه إذا كان كذلك شق ~~الحضور، بخلاف من يمكنه العود. ولكن إلحاق الصلاة بالصلاة أولى من إلحاق ~~الصلاة بالحكم. # فهذه هي المآخذ التي ينبني عليها جواب هذه المسألة. إذا تبين ذلك فنقول: ~~القلعة والقاهرة تشبه جانبي بغداد، فمن جوز الصلاة في أحد جانبي بغداد على ~~من مات في الجانب الآخر كقول بعض أصحاب الشافعي وأحمد، فإنه يجوز أن يصلى ~~على من مات في القلعة أو القاهرة على من مات في الآخر، وعلى قول هؤلاء ~~فصلاة أهل القاهرة على من مات في مصر بالعكس، وصلاة أهل القلعة على من مات ~~بمصر وبالعكس أولى بالجواز، فإن القاهرة والقلعة يجمعهما سور واحد، ومصر ~~خارجة عن ذلك، لأنهما بالبلد الواحد الكبير الذي له جانبان أشبه، لكن أكثر ~~العلماء كأصحاب أبي حنيفة ومالك واكثر أصحاب الشافعي وأحمد لا يجوزون ~~الصلاة في أحد جانبي ms0641 البلد وإن كان كبيرا على من مات في الجانب الآخر، حتى ~~صرحوا بأن بغداد - مع كونها محال كثيرة، ولها جانبان بينهما دجلة، ومع كون ~~الجمعة تقام بها في مواضع من حين بنيت بغداد من زمن أبي جعفر المنصور وإلى ~~الساعة - صرحوا مع ذلك أنه لا يصلى في أحد جانبيها على من مات في الجانب ~~الآخر. PageV04P180 # ومما يبين ذلك أن أمصار المسلمين الكبار التي فيها قطع كثيرة كبغداد ~~كثيرة القطع، وليس من عمل المسلمين أن يصلوا في هذه القطعة على من مات في ~~القطعة، فلم يعرف أن المسلمين كانوا يصلون في قطعة مصر أو دمشق أو غيرهما ~~على من مات بالمدينة وبالعكس، ولا عرف أنهم كانوا يصلون بمصر على من مات ~~بالقلعة وبالعكس مع اشتمال هذه الأمصار على أئمة من أصحاب الشافعي وأحمد، ~~وهم أهل الترخص في هذه المسألة، وإن لم يقل بهذا القول. # والأضعف الصلاة على الغائب جدا، فإنا قد علمنا أن المسلمين في جميع ~~الأمصار لم يصلوا بمنى وعرفات على من مات بمكة وبالعكس، ولا كانوا يصلون ~~بقباء والعوالي على من مات بالمدينة وبالعكس، وقد مات خلق كثير على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقباء والعوالي ونحوهما، مما هو عن ~~المدينة مثل مصر والقاهرة، وأبعد من دمشق والصالحية، ولم يكن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - والصحابة والتابعون يصلون في أحدهما على من مات في الآخر. # وأما الصلاة بمصر على من يموت بالقلعة أو بالقاهرة وبالعكس على المشهور - ~~وهو منع الصلاة في أحد جانبي البلد على من يموت في الآخر - فمبني على ما ~~ذكرناه في معنى البلد الواحد، هل المراد به ما خرج عن السور، أو ما يجب فيه ~~الجمعة، أو مسافة العدوى؟ # فعلى المأخذ الأول يجوز ذلك، وعلى المأخذين الآخرين لا PageV04P181 ### ||| CHECK - ما يفعله بعض الناس من الصلاة كل ليلة على جميع من مات من المسلمين -بدعة ### ||| CHECK - مقدار بعد النجاشي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معروف # يجوز، فقد تبين مما ذكرناه على أن الصلاة بالقاهرة ms0642 والقلعة على من مات ~~بمصر وبالعكس لا تجوز عند جمهور العلماء، وتجوز عند بعضهم في مذهب الشافعي وأحمد. # وأما قول السائل: كم مقدار بعد النجاشي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ # فذلك كثير معروف، فإن النجاشي كان بالحبشة، وبينهما اليمن ثم تهامة، وهو ~~مسافة كبيرة. # وأما قوله: هل النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أحد من الصحابة أو ~~التابعين أو الأئمة صلى على الغائب في مقدار هذا البعد؟ فالجواب أنه لم ~~ينقل ذلك عن أحد من هؤلاء، وغاية ما بلغنا في مثل ذلك ما ذكرناه من النزاع ~~في جانبي بغداد، وكان هذا بعد الأئمة، وأما في زمن الشافعي وأحمد بن حنبل ~~فلم يبلغنا أن أحدا صلى في أحد جانبي بغداد على من مات في الآخر، مع كثرة ~~الموتى وتوفر الهمم والدواعي على نقل ذلك. فتبين أن ذلك محدث لم يفعله ~~الأئمة. # وأما ما يفعله بعض الناس من أنه كل ليلة يصلي على جميع من مات من ~~المسلمين، فلا ريب أيضا أنه بدعة لم يفعلها أحد من السلف، والله أعلم. PageV04P182 ### || CHECK (28) مسألة في روح ابن آدم إذا خرجت منه هل تعود إليه في قبره كما كانت في دار الدنيا؟ ومعنى الروح في قوله تعالى (ويسألونك عن الروح)، وهل يموت المهدي إذا أم بعيسى قبل إتمام الصلاة؟ ### ||| CHECK - مستقر أرواح المؤمنين في الجنة، وله شان آخر بعد الموت ليس لها نظير في العالم ### ||| CHECK - تعود الروح إلى الميت إذا وضع في قبره # مسألة # في روح ابن آدم إذا خرجت منه وإذا نزل في قبره، هل تعود إليه كما كانت في ~~دار الدنيا أم لا؟ وقوله تعالى: (ويسألونك عن الروح) (1) هل هي روح ابن آدم ~~أو روح الله؟ وهل يموت المهدي إذا أم بعيسى بن مريم قبل إتمام الصلاة؟ وقد ~~روي أن جنازة مرت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت عائشة: يا رسول ~~الله! ما أحسن هذه! عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "وما يدريك أن الله ms0643 خلق خلقا، فقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، ~~وهؤلاء إلى النار ولا أبالي". # أجاب # نعم، إذا وضع الميت في قبره فإن الروح تعاد إليه، ويسأل عن ربه ودينه ~~ونبيه، ويسمع الميت خفق نعال المشيعين إذا ولوا عنه مدبرين، وما من رجل يمر ~~بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ~~عليه السلام. ومع هذا فمستقر أرواح المؤمنين الجنة، لكن للروح شان آخر بعد ~~الموت PageV04P183 ### ||| CHECK - صفة المهدي، والرد على الشيعة في تصورهم للمهدي المنتظر ### ||| CHECK - المهدي يتم الصلاة ولا يموت فيها ### ||| CHECK - الروح المسئول عنها في الآية هي روح ابن آدم # ليس لها نظير في هذا العالم. # وأما المسيح فإنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، ويدرك الدجال ~~فيقتله بباب لد الشرقي، ويأمر الله تعالى بعد قتل الدجال أن يحصن الناس إلى ~~الطور، ويقال له: يا روح الله! تقدم، فصل بنا، فيقول: لا إن بعضكم على بعض ~~أمير، فيصلي بالمسلمين بعضهم، ويتم الصلاة ولا يموت فيها. # وأما الروح المسئول عنها فأكثر الناس على أنها روح ابن آدم، وهي وإن كانت ~~من أمر الله فهي موجودة مخلوقة باتفاق العلماء المعتبرين، والآدمي كله عبد ~~الله، جسمه وروحه. # وأما حديث عائشة فصحيح (1)، فإنا لا نشهد لأحد بعينه أنه [من أهل الجنة] ~~إلا ما شهد له النص، أو شهد له الناس شهادة عامة على أحد القولين، فإن الله ~~خلق للجنة أهلا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا، خلقها ~~لهم وهم في أصلاب آبائهم، فنقول بطريق العموم: المؤمنون في الجنة والكافرون ~~في النار، ولا نعين أحدا أنه في جنة أو في نار إلا أن نعلم عاقبته. # والمهدي الذي أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - اسمه محمد بن عبد ~~الله من ولد الحسن بن علي رضي الله عنه، يقوم إذا شاء الله، وهو خليفة صالح ~~يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا، ويحثو المال حثوا. وقد جاءت ~~أخباره في الترمذي وسنن أبي داود ومسند ms0644 PageV04P184 # الإمام أحمد، ووقع التنبيه عليه في الصحيحين (1). # وأما ما يدعيه الضالون أن الحسن بن علي العسكري المتوفى في سامراء، كان ~~له ابن اسمه محمد دخل سرداب سامراء بعد موت أبيه وهو صغير، وأنه المهدي، ~~فهذا كذب باطل باتفاق علماء بني آدم وعقلائهم، وليس هو المخبر به في ~~الأحاديث، فإن هذا حسيني وذاك حسني، وأيضا فإن الحسن بن علي العسكري عند ~~العارفين بالأنساب محمد بن جرير الطبري وعبد الباقي بن قانع وغيرهما لم ~~ينسل ولم يعقب، والذين أثبتوه زعموا أنه خليفة معصوم حجة الله على أهل ~~الأرض، وأنه باق إلى الآن، وهذا مخالف للعقل والكتاب والسنة، فإن هذا لو ~~كان حقا لكان يتيما يجب الحجر عليه في نفسه وماله، ولا يجوز أن يولى مثل ~~هذا ولاية أصلا، ولا معصوم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أحد ~~يجب أبدا طاعته في كل شيء إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يجوز ~~أن يكلف الله العباد طاعة من لا سبيل إلى العلم بأمره، ولا وجه لهذه ~~الاحتجاجات. والله أعلم. PageV04P185 ### || CHECK (29) مسألة في رجل مات، وأوصى أن يعمل له ختمة في أسبوعه وتمام شهره، هذا جائز أم لا؟ ### ||| CHECK - الاستئجار على نفس التلاوة غير جائز ### ||| CHECK - في قراءة القرآن للميت نزاع ### ||| CHECK - الصدقة عن الميت أفضل من عمل ختمة # مسألة # في رجل مات، وأوصى أن يعمل له ختمة في أسبوعه وتمام شهره، جائز أم لا؟ # الجواب # الحمد لله، الصدقة عن الميت أفضل من عمل ختمة من هذه الختم له، فإن ~~الصدقة تصل إلى الميت باتفاق الأئمة، وقد ثبت في الصحيح (1) أن سعدا قال: ~~يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت لتصدقت، فهل ينفعها إن ~~أتصدق عنها؟ قال: "نعم". # وأما قراءة القرآن ففي وصوله إلى الميت نزاع إذا قرئ لله، فأما استئجار ~~من يقرأ ويهدي للميت فهذا لم يستحبه أحد من العلماء المشهورين، فإن المعطي ~~لم يتصدق لله، لكن عاوضوا على القراءة، والقارئ قرأ للعوض، والاستئجار على ~~نفس التلاوة ms0645 غير جائز، PageV04P186 # وإنما النزاع في الاستئجار على التعليم ونحوه مما فيه منفعة تصل إلى ~~الغير، والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان العمل لله، وما وقع بالأجر ~~فلا ثواب فيه وإن قيل: يصح الاستئجار عليه، ولأن ذلك يتضمن أن يأكل الطعام ~~من ليس يحتاج إليه، وأن يقرأ القرآن والناس يتحدثون لا يسمعون، وأن القراء ~~ينتهبون الطعام، وهذا كله أمور مكروهة. وإذا تصدق على من يقرأ القرآن ~~ويعلمه ويتعلمه كان له مثل أجر من أعانه على القراءة، من غير أن ينقص من ~~أجورهم شيئا، وينتفع الميت بذلك. # وإذا وصى الميت بأن يصرف مال في هذه الختمة، وقصده التقرب إلى الله، ~~فصرفت إلى محاويج يقرؤون القرآن ختمة وأكثر، كان ذلك أفضل وأحسن من جمع ~~الناس على مثل هذه الختم، والله أعلم. PageV04P187 ### || CHECK (30) في رجل جامع زوجته ولم تغتسل، ثم ماتت، فهل يجزئها كسل الموت؟ ### ||| CHECK - يجزئها غسل الميت عن الأمرين # مسألة # في رجل جامع زوجته ولم تغتسل، ثم ماتت، فهل يجزئها غسل الموت؟ # الجواب # الحمد لله، يجزئها غسل الميت عن الأمرين. PageV04P188 ### || CHECK (31) مسألة في رجل غسل صبيا، وأبو الصبي يسكب عليه الماء، والغاسل لا يحفظ القرآن، فهل بجوز تغسيله أم لا؟ وهل يجوز للذي لا يحفظ القرآن أن يصلي عليه؟ ### ||| CHECK - يجوز أن يصلي على الميت إذا كان يحفظ الفاتحة والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والدعاء للميت ### ||| CHECK - يجوز تغسيله # مسألة # في رجل غسل صبيا، وأبو الصبي يسكب عليه الماء، والغاسل لا يحفظ القرآن، ~~فهل يجوز تغسيله أم لا؟ وهل يجوز للذي لا يحفظ القرآن أن يصلي عليه؟ # الجواب # الحمد لله، نعم يجوز تغسيله، والفرض في ذلك أن يعم جميع بدنه بالماء كله، ~~وهو أخف من اغتسال الحي، فإن الحي يتمضمض ويستنشق، والميت لا يفعل به ذلك، ~~لكن يستحب أن يمسح منخريه وفمه بالماء. # والسنة أن ينجى ثم يوضأ، ثم يفاض عليه الماء كالحي، لكن ينبغي أن يغسل ~~الميت ثلاثا. # ويجوز أن يصلي على الميت إذا كان يحفظ الفاتحة ms0646 والصلاة على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - والدعاء للميت. PageV04P189 ### || CHECK (32) مسألة في سماع حضره رجل فصاح وخر ميتا، فقال بعضهم: هذا لا يصلى عليه، ودفن ولم يصل عليه، فماذا يجب على من أفتى بذلك؟ وهل يصلى على مثل هذا؟ ### ||| CHECK - الذي عمل السماع والذي أنكره وترك الصلاة عليه كلاهما مجتهد، حكمهما إلى الله ### ||| CHECK - سماع المكاء والتصدية بدعة مكروهة ### ||| CHECK - تجوز الصلاة عليه، ويصلى على قبره إلى شهر # مسألة # في سماع يسمع رجل الحادي بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصاح وخر ~~ميتا، وكان ثم فقير، فقال: هذا لا يصلى عليه، ودفن ولم يصل عليه، فماذا يجب ~~على من أفتى بذلك؟ وهل يصلى على مثل هذا؟ # الجواب # أما الميت فتجوز الصلاة عليه، ويصلى على قبره إلى شهر، بل تجب الصلاة ~~عليه. وأما سماع المكاء والتصدية فبدعة مكروهة، كان المشركون إذا اجتمعوا ~~عند الميت يصفقون ويصوتون، والتصفيق هو التصدية، والتصويت هو المكاء، فأنزل ~~الله تعالى بذمهم: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) (1). # وأما حب الله ورسوله فهو أصل الإيمان، لكن من تمام ذلك أن يعبد الله بما ~~شرع، لا يعبد بالبدع، ولكن من اجتهد في عمل يقربه إلى الله متحريا لاتباع ~~الكتاب والسنة، وأصاب، فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وخطأه مغفور له. والله ~~تعالى قد غفر للمؤمنين خطأهم، فالذي عمل السماع مجتهدا، والذي أنكره وترك ~~الصلاة عليه مجتهدا، حكمهم ذلك إلى الله. والله أعلم. PageV04P190 ### || CHECK (33) هل صح أن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون؟ وكيف تعرض أعمال الأمة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبره؟ وإذا صلى علبه أو سلم عليه العبد هل يرد عليه السلام؟ ### ||| CHECK - الأنبياء أحياء في قبورهم، وقد يصلون # مسألة # هل صح أن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون؟ وكيف كيفية عرض أعمال الأمة ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبره؟ على روحه الكريمة؟ أم تعاد روحه ~~إلى جسده؟ وإذا صلى عليه أو سلم عليه العبد هل يرد عليه السلام؟ # الجواب # الحمد لله، الأنبياء ms0647 أحياء في قبورهم، وقد يصلون كما ثبت عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: "مررت بموسى ليلة أسري بي يصلي في قبره" (1). ~~وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من مسلم يسلم علي إلا ~~رد الله علي روحي، حتى أرد عليه السلام" (2). وقال: "صلوا علي حيث ما كنتم، ~~فإن صلاتكم تبلغني" (3). وقال: "أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة، فإن ~~صلاتكم معروضة علي"، قالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: "إن الله ~~حرم على الأرض PageV04P191 ### ||| CHECK - عرض الأعمال عليه حق، وأما مخل ذلك فلا يتعلق به غرض # أن تأكل لحوم الأنبياء" (1). # وأما عرض الأعمال عليه فإنها تعرض عليه، وهو حق، وأما محل ذلك فمما لا ~~يتعلق به غرض، والله أعلم. PageV04P192 ### || CHECK (34) مسألة- في حديث قيس: لابد لك من قرين يدفن معك وهو حي، فهل يبرز العمل في قبره في صورة؟ ### ||| CHECK - هذا المعنى روي في عدة أحاديث # مسألة # في حديث قيس يقول - صلى الله عليه وسلم -: "واعلم يا قيس أنه لابد لك من ~~قرين يدفن معك وهو حي، وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريما أكرمك، وإن كان ~~لئيما أسلمك، ثم لا يحشر إلا معك، ولا تسأل عنه، ألا وهو فعلك أو عملك". ~~فهل ذلك كذلك من كون عمل الإنسان يبرز له في قبره في صورة، فإن كان صالحا ~~كان شابا حسن الوجه طيب الريح فيأنس به، وإن كان طالحا فبعكسه فيستوحش منه ~~إلى يوم القيامة أم لا؟ # الجواب # الحمد لله، أما هذا المعنى فقد روي في أحاديث حسان بأن العمل الصالح يصور ~~لصاحبه صورة حسنة، والعمل السيء يصور لصاحبه صورة قبيحة، فالأولى تنعم ~~صالحا والثانية تعذبه. # وجاء أيضا مخصوصة بأعمال مثل قراءة القرآن وغيرها من الأعمال (1)، وذلك ~~في البرزخ في القبر وفي عرصات القيامة، فأما جري الأعمال بالعمال فإن كان ~~معناه أن عبورهم على الصراط PageV04P193 ### ||| CHECK - تصوير العمل لصاحبه على الصراط، لم يبلغني فيه شيء # يكون بحسب أعمالهم الصالحة، فمنهم من يجري كالبرق، ومنهم من يجري ms0648 كالريح، ~~ومنهم من يسعى كأجاويد الخيل، ومنهم من يسعى كركاب الإبل، ومنهم من يعدو ~~عدوا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، وذلك على قدر أعمالهم ~~الصالحة، فهذا حق (1). # وأما تصوير العمل لصاحبه على الصراط فهذا لم يبلغني فيه شيء، والله أعلم. PageV04P194 ### || CHECK (35) مسألة في أن لله ملائكة نقالة ينقلون من قبور المسلمين إلى قبور اليهود والنصارى، وكذلك العكس، هل ورد في ذلك خبر أم لا؟ ### ||| CHECK - ما سمعت في نقل الملائكة بأثر ### ||| CHECK - بعض من يكون ظاهره الإسلام منافق: يهودي أو نصراني أو زنديق # مسألة # فيما هو شائع بين الناس أن لله ملائكة نقالة ينقلون من قبور المسلمين إلى ~~قبور اليهود والنصارى، وكذلك من قبورهم إلى قبور المسلمين، هل ورد في ذلك ~~خبر أم لا؟ # الجواب # الحمد لله، أما الأجساد فإنها لا تنقل من القبور، ولكن يعلم أن في بعض من ~~يكون ظاهره الإسلام ممن يكون منافقا إما يهوديا أو نصرانيا أو زنديقا معطلا ~~فقد يكون في الآخرة مع نظرائه، كما قال تعالى: (احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم) (1) أي أشباههم ونظراءهم، وقد يكون في بعض من مات وظاهره كافر أن ~~يكون آمن بالله ورسوله قبل الغرغرة، ولم يكن عنده مؤمن، وكتم أهله حاله إما ~~لأجل ميراث أو لغير ذلك، فيكون مع المؤمنين وإن كان مقبورا بين الكفار. # وأما أثر في نقل الملائكة فما سمعت في ذلك بأثر، والله أعلم. PageV04P195 ### || CHECK (36) مسألة فيمن يقرأ القرآن العظيم أو شيئا منه، هل الأفضل أن يهدي ثوابه لوالديه ولموتى المسلمين؟ أو يجعل ثوابه لنفسه خاصة؟ ### ||| CHECK - أفضل العبادات ما وافق هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة # مسألة # فيمن يقرأ القرآن العظيم أو شيئا منه هل الأفضل أن يهدي ثوابه لوالديه ~~ولموتى المسلمين؟ وكذلك إذا دعا عقيب القراءة يقول: اللهم أوصل ثوابه ~~لوالديه ولموتى المسلمين أو يجعل ثوابه لنفسه خاصة؟ # الجواب # أفضل العبادات ما وافق هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهدي ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، كما صح عنه - صلى الله ms0649 عليه وسلم ~~- أنه كان يقول في خطبته (1): "إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي ~~محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"، وقد قال تعالى: (والسابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه) (2)، فرضي عن السابقين مطلقا، ورضي عمن اتبعهم بإحسان. # وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح (3) من غير وجه أنه قال: ~~"خير PageV04P196 # القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، وقال ~~عبد الله بن مسعود (1): من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا ~~يؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، ~~وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، ~~وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم. # وقال حذيفة بن اليمان (2): يا معشر القراء! استقيموا وخذوا طريق من ~~قبلكم، فوالله لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ~~ضلالا بعيدا. # وهذا باب واسع، والدلائل عليه كثيرة، وقد قال تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا)، قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قالوا: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن ~~العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا ~~لم يقبل، حتى يكون صوابا خالصا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على ~~السنة. وهذا الذي قاله الفضيل من الأصول المتفق عليها، فإنه قد صح عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من أحدث في ديننا ما PageV04P197 # ليس منه فهو رد" (1)، وصح عنه أنه قال: "الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ~~ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت ~~هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (2). # وهذان الأصلان اللذان ذكرهما الفضيل، وقد أوجب الله الإخلاص له في غير ~~موضع من كتابه، كقوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) ~~(3)، وقوله (فاعبد الله مخلصا له الدين (2)) (4)، وقوله: (فادعوا الله ~~مخلصين) (5) وغير ذلك، وقد ms0650 ذم من دان بغير شرعه في غير موضع، كقوله: (أم ~~لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (6)، وقوله: (قل أرأيتم ~~ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على ~~الله تفترون (59)) (7). # فإذا عرف هذا الأصل فالأمر الذي كان معروفا بين المسلمين في القرون ~~الفاضلة أنهم كانوا يعبدون الله تعالى بأنواع العبادات المشروعة فرضها ~~ونفلها، من الصلاة والصيام والقراءة والذكر وغير PageV04P198 ### ||| CHECK - حكم إهداء ثواب العبادات البدنية والمالية # ذلك، وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات كما أمر الله بذلك، يدعون لأحيائهم ~~وأمواتهم في صلاتهم على الجنائز وعند زيارة قبورهم وغير ذلك. وروي عن طائفة ~~من السلف أن عند كل ختمة دعوة مجابة، فإذا دعا الرجل عقيب الختمة لنفسه ~~ولوالديه ومشايخه وغيرهم من المؤمنين والمؤمنات كان هذا من الجنس المشروع، ~~وكذلك دعاؤه لهم في قيام الليل وغير ذلك من مواطن الإجابة، وقد صح عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بالصدقة عن الميت، وأنه أمر بأن يصام عنه ~~الصوم الذي نذره (1)، فالصدقة عن الموتى من الأعمال الصالحة، وكذلك ما جاءت ~~به السنة في الصوم عنهم ونحو ذلك. # وبهذا وغيره احتج من قال من العلماء: إنه يجوز إهداء ثواب العبادات ~~البدنية إلى موتى المسلمين، كما هو مذهب أحمد وأبي حنيفة وطائفة من أصحاب ~~مالك والشافعي، فإذا أهدي لميت ثواب صيام أو صلاة أو قراءة جاز ذلك، و ~~[قال] أكثر أصحاب مالك والشافعي: إنما يشرع ذلك في العبادات المالية ~~كالصدقة والعتق ونحو ذلك دون العبادات البدنية، بناء على أن هذه تقبل ~~النيابة ويجوز التوكيل فيها بخلاف تلك، والأولون يقولون: هذا ثواب ليس من ~~باب النيابة، كما أن الأجير الخاص ليس له أن يستنيب عنه، وله أن يعطي أجرته ~~لمن شاء. وأصحاب أبي حنيفة من أبعد الناس عن الاستنابة في الصيام ونحوه، ~~وجوزوا مع هذا إهداء الثواب، والنيابة إنما تجوز في مواضع مخصوصة بخلاف ~~الإهداء. PageV04P199 # ومن احتج على منع الإهداء بقوله: (وأن ليس للإنسان إلا ms0651 ما سعى (39)) (1) ~~فهو مبطل لتواتر النصوص واتفاق الأئمة على أن الإنسان قد ينتفع بعمل غيره، ~~والآية إنما نفت الاستحقاق لسعي الغير لم تنف الانتفاع بسعي الغير، والفرق ~~بينهما بين، ومع هذا فلم يكن من عادات السلف إذا صلوا تطوعا أو صاموا تطوعا ~~أو حجوا تطوعا أو قرأوا القرآن أن يهدوا ثواب ذلك إلى موتى المسلمين بل ولا ~~بخصوصهم، بل كان من عاداتهم كما تقدم، فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريق ~~السلف فإنه أفضل وأكمل. وقد بسطنا الجواب في الإهداء للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في جواب كبير (2)، وبينا أنه ليس بمشروع، وذكرنا ما يتعلق بذلك من ~~الحكم والمعاني، والله أعلم. PageV04P200 ### || CHECK (37) مسألة في رجل حفر قبرا في مصيف المسجد بقصد أن يدفن فيه، هل يجوز له ذلك؟ ### ||| CHECK - السنة أن يدفن في مقابر المسلمين ### ||| CHECK - لا يجوز أن يدفن أحد في المسجد # مسألة # في رجل في مسجد وللمسجد مصيف، وإن الفقير قد حفر فيه قبرا وبنى فسقية (1) ~~بقصد أن يدفن فيه، وقد حصل من ينازعه في ذلك، وهل يجوز له أن يدفن فيه؟ وهل ~~يجوز أن يقر هذا البناء في المكان أم لا؟ # الجواب # الحمد لله، لا يجوز أن يدفن أحد في المسجد، فكيف في مسجد بني قبل موته؟ ~~فإن دفن الميت في مثل هذا المسجد حرام بإجماع المسلمين. ولا يجوز لأحد أن ~~يبني قبرا بفسقية ولا غير فسقية في مسجد، ولا فرق بين سقف المسجد ومصيفه، ~~والمساعد على ذلك عاص لله ورسوله آثم مخطيء باتفاق المسلمين، والمنكر لذلك ~~الناهي عنه مطيع لله ورسوله، ويجب على كل مسلم قادر إعانته، ويجب أن يهدم ~~ما بني في المسجد من المصيف وغيره من فسقية المقبرة باتفاق المسلمين. # والسنة التي كان عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~والتابعون وسائر الأئمة والمشايخ أن يدفنوا في مقابر المسلمين، لم يأمر ~~منهم أحد PageV04P201 ### ||| CHECK - النهي عن اتخاذ القبور مساجد # أن يدفن في مسجد، ولا دفن أحد منهم في مسجد، بل لعن النبي - صلى ms0652 الله ~~عليه وسلم - من يفعل ذلك، كما ثبت عنه في الصحيح (1) أنه قال قبل أن يموت ~~بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". # وثبت عنه في الصحيحين (2) أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا، قالت عائشة (3): ولولا ذلك لأبرز قبره ~~ولكن كره أن يتخذ مسجدا، وقال (4): "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم ~~أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد". # فهذا سيد ولد آدم يكره أن يتخذ قبره مسجدا، ودفنوه في حجرته لأن لا ~~[يجعل] قبره مسجدا، وكان المسلمون يدفنون في مقابرهم، فالذي يقصد أن يدفن ~~في دار ليصلى عنده مقصوده خلاف مقصود النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه، ومن قصد ذلك فقد ضاد أمر الله ورسوله. # وفي السنن (5) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لعن الله زوارات ~~القبور PageV04P202 # والمتخذين عليها المساجد والسرج". فمن قصد أن يدفن بعض الشيوخ في موضع ~~لينذر له ويسرج عليه فقد لعنه الله ورسوله، وليس لهم أن يغيروا المسجد بفتح ~~شباك لأجل ذلك، والله سبحانه أعلم. PageV04P203 ### || CHECK (38) مسألة في عمل طعام في الختم هل هو جائز؟ ومن يتحدث بين الناس بكلام أو حكايات مفتعلة كلها كذب هل يجوز ذلك؟ ### ||| CHECK - هذا المتحدث ليضحك الناس أو لغرض آخر عاص لله ورسوله # مسألة # في عمل طعام في الختم هل هو جائز؟ ومن يتحدث بين الناس بكلام أو حكايات ~~مفتعلة كلها كذب هل يجوز ذلك؟ # الجواب # الحمد لله، أما المتحدث بأحاديث مفتعلة ليضحك الناس أو لغرض آخر فإنه عاص ~~لله ورسوله، وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال (1): "إن الذي يحدث فيكذب ليضحك القوم منهم ويل له ثم ويل له ثم ~~ويل له"، وقال ابن مسعود: إن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا أن يعد ~~أحدكم صبيه شيئا ثم لا ينجزه. وأما إن كان في ذلك ما فيه عدوان على ms0653 مسلم ~~وضرر في الدين فهذا أشد تحريما من ذلك، وبكل حال ففاعل ذلك مستحق للعقوبة ~~الشرعية التي تردعه عن ذلك. PageV04P204 ### ||| CHECK - أما اكتراء قوم يقرأون القرآن ويهدون ذلك للميت فهذه بدعة ### ||| CHECK - الصدقة عن الميت تنفعه # وأما ما يصنع للميت فالذي ينفع الميت ويصل إليه باتفاق العلماء هو الصدقة ~~ونحوها، فإذا تصدق عن الميت بذلك المال لقوم مستحقين لوجه الله تعالى ولم ~~يطلب منهم عملا أصلا كان ذلك نافعا للميت وللحي الذي يتصدق عنه باتفاق ~~العلماء، كما في الصحيحين (1) أن سعدا قال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت ~~نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل ينفعها إن أتصدق عنها؟ # قال: نعم. # وأما اكتراء قوم يقرأون القرآن ويهدون ذلك للميت فهذه بدعة، لم يفعلها ~~السلف ولا استحبها الأئمة، لكن لو قرأ الإنسان القرآن لله وأهداه للميت وصل ~~إليه الثواب عند أبي حنيفة وأحمد وغيرهما كما تصل إليه الصدقة، فإن هذا ~~تصدق لله وهذا قرأ لله، وذلك عمك صالح ينفع الله به الحي والميت، بخلاف ~~الذي يكتري من يقرأ، فإن القارئ إنما قرأ لأجل العوض، والمعطي إنما أعطى ~~عوضا عما استعمله فيه. # والفقهاء تنازعوا في الاستئجار على تعليم القرآن، فأما استئجار من يقرأ ~~ويهدي فما علمت أحدا من العلماء ذكر ذلك، ولكن إذا قرئ القرآن فاستماعه ~~حسن. PageV04P205 ### ||| CHECK - حكم الأكل من الطعام المصنوع من مال الوارث ومن تركة الميت # وأما الأكل من الطعام فإن كان قد صنعه الوارث من ماله لم يحرم الأكل منه، ~~وإن كان قد صنع من تركة الميت - وعليه ديون لم توف، وله ورثة صغار، وفي ذلك ~~من حقوقهم - لم يؤكل منه. PageV04P206 ### || CHECK (40) مسألة في الصلاة على الجنازة قدام الإمام ### || CHECK (39) مسألة في رجل مات وتزوج أخوه امرأته، ثم إنها ماتت، فهل يحل أن تدفن مع زوجها الأول في قبر واحد؟ ### ||| CHECK - أعدل الأقوال أنها تصح عند العذر ### ||| CHECK - يكره دفن اثنين في قبر واحد إلا لحاجة # مسألة # في رجل مات وتزوج أخوه امرأته ثم إنها ماتت، فهل يحل أن ms0654 تدفن مع زوجها ~~الأول في قبر واحد؟ # الجواب # الحمد لله، يكره دفن اثنين في قبر واحد إلا لحاجة، سواء كان أجنبيا أو لم ~~يكن، وإذا احتيج إلى ذلك جعل بينهما حاجز. # مسألة # في الصلاة على الجنازة قدام الإمام. # الجواب # تنازع العلماء في الصلاة قدام الإمام في الجنازة والجمعة وغير ذلك، فقيل: ~~يصح مطلقا كقول مالك، وقيل: لا يصح مطلقا كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في ~~المشهور عنه في مذهبه، وقيل: يصح عند العذر، فإذا كان زحمة وتعذر معها ~~الصلاة خلفه صلى أمامه، وذلك خير من أن يدع الصلاة، وإن أمكنه الصلاة لم ~~يصل أمامه، وهذا أعدل الأقوال. PageV04P207 ### || CHECK (41) مسألة فيمن يصلي على جنازة قدام الإمام وقدام الجنازة، هل تصح أم لا؟ ### ||| CHECK - الجواب كالسابق # مسألة # فيمن يصلي على جنازة قدام الإمام وقدام الجنازة، فهل تصح أم لا؟ وهل تصح ~~صلاته لمن هو لابس مداسه؟ # الجواب # أما صلاته قدام الإمام في الجمعة والجنازة والصلوات الخمس وغير ذلك ~~فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: # قيل: لا يجوز، وهو مذهب أبي حنيفة وهو المشهور من مذهب الشافعي وأحمد. # وقيل: يجوز، وهو قول مالك والشافعي في القديم. # وقيل: إن كان للحاجة جاز، وإلا فلا، مثل أن يكون قبال وجهه ولا يمكنه ~~الصلاة إلا قدام الإمام، فالصلاة أمامه خير من ترك الصلاة، وأما إذا أمكنه ~~الصلاة خلفه فلا يصلي إلا خلفه. وهو أعدل الأقوال وأقواها، وهذا قول في ~~مذهب أحمد وغيره، والأحاديث هكذا وردت بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. PageV04P208 ### || CHECK (42) مسألة في رجل كلما ختم القرآن أو قرأ شيئا منه يهدي ثوابه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو إلى جميع أهل الأرض، فهل يجوز ذلك أو يستحب؟ وهل يجب إنكار ذلك على فاعله؟ ### ||| CHECK - أما العبادات البدنية ففيها قولان ### ||| CHECK - لا نزاع في العبادات المالية كالصدقة أنها تصل إلى الميت # مسألة # في رجل كلما ختم القرآن أو قرأ شيئا منه يقول: اللهم اجعل ثواب ما قرأته ~~هدية مني واصلة إلى رسول الله - صلى ms0655 الله عليه وسلم - أو إلى جميع أهل ~~الأرض في مشارق الأرض ومغاربها. # فهل يجوز ذلك أو يستحب؟ وهل يجب إنكار ذلك على فاعله؟ وهل فعله أحد من ~~علماء المسلمين؟ # الجواب # الحمد لله، هذه المسألة مبنية على أصل، وهو أن إهداء ثواب العبادات إلى ~~الموتى هل يصل إليهم أم لا؟ # فأما العبادات المالية كالصدقة فلا نزاع بين المسلمين أنها تصل إلى ~~الميت، إذ قد ثبت في الصحيح (1) أن سعدا قال: يا رسول الله! # إني أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت لتصدقت، فهل ينفعها إن أتصدق ~~عنها؟ قال: نعم. # وأما العبادات البدنية كالصوم والصلاة والقراءة ففيها قولان: أحدهما: ~~يجوز إهداء ثوابها إلى الميت، وهو مذهب أبي PageV04P209 ### ||| CHECK - مناقشة هذا القول ### ||| CHECK - من أنكر ذلك لأجل كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلى من أن أحدا يهدي إليه شيئا ### ||| CHECK - لم يبلغنا أن أحدا من الصحابة والتابعين وتابعيهم كان يفعل ذلك ### ||| CHECK - الكلام على إهداء ثواب القرآن إلى الميت # حنيفة وأحمد وطائفة من أصحاب مالك والشافعي. # والثاني: لا تصل، وهو المشهور عند أصحاب مالك والشافعي، وقد ثبت في ~~الصحيح (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن امرأة قالت: يا رسول الله! ~~إن أمي نذرت صيام شهر، فقال: "صومي عن أمك". # فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على أن العبادات البدنية تفعل عن الميت ~~كالعبادات المالية، وفي الترمذي (2) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ~~كان يضحي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته، ويذكر أنه أمره بذلك. # إذا عرف هذا فإهداء ثواب القرآن إليه - صلى الله عليه وسلم - أو إلى جميع ~~أهل الأرض هو مثل إهداء ثواب الصيام التطوع والصلاة التطوع ونحوهما، ومثل ~~إهداء ثواب الصدقة والعتق والحج على أحد القولين إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وسائر المسلمين، ولم يبلغنا أن أحدا من السلف والصحابة والتابعين ~~وتابعيهم كان يفعل ذلك، وأقدم من بلغنا أنه فعل شيئا من ذلك علي بن الموفق ~~أحد الشيوخ من طبقة أحمد الكبار وشيوخ الجنيد. # وبعض الناس ms0656 ينكر هذا لأجل كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلى من أن ~~أحدا يهدي إليه شيئا، وهذا الإنكار ليس بجيد، فإنا مأمورون أن نصلي PageV04P210 # على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن نسلم عليه وأن نسأل له الوسيلة، ~~وقد ثبت عنه أنه قال (1): "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم سلوا ~~الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينبغي إلا لعبد من عباد الله، ~~وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم ~~القيامة". # والدعاء يكون من الأعلى للأدنى، ومن الأدنى للأعلى، كما قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لعمر: "لا تنسنا من دعائك" (2)، ولما أخبره بأويس القرني ~~قال: "إن استطعت أن يستغفر لك فليستغفر لك" (3). # وكذلك الصدقة عن الميت والصوم عنه يجوز، وإن كان الميت أفضل ممن يصوم عنه ~~ويتصدق عنه، فكون الشخص الميت أفضل من الحي أو كونه نبيا أو صديقا لا يمنع ~~أن يشرع للحي الدعاء له، كما أنه يصلي على جنازته، ولا يمنع أيضا أن يهدي ~~إليه ما يهدي إلى الميت من ثواب الأعمال الصالحة، والله تعالى بفضله يرحم ~~هذا وهذا، كما قال (4): "من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا". و"من سأل ~~لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة" (5). PageV04P211 ### ||| CHECK - ينبغي للإنسان أن يفعل المشروع من الصلاة والتسليم عليه - صلى الله عليه وسلم - # لكن إهداء ثواب الأعمال إلى جميع الناس ما سمعت أحدا فعله، ولا سمعت أن ~~أحدا كان يهدي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا ما بلغني عن علي بن ~~الموفق ونحوه. والاقتداء بالصحابة والتابعين وتابعيهم أولى، فينبغي للإنسان ~~أن يفعل المشروع من الصلاة عليه والتسليم، فهذا هو الذي أمر الله به ~~ورسوله. وفي السنن (1) عنه: "أكثروا على من الصلاة يوم الجمعة وليلة ~~الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي"، قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ ~~فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء". وقال له رجل: أجعل ~~لك ثلث صلاتي، فقال: "إذا يكفيك الله ثلث ms0657 أمرك"، قال: أجعل نصف صلاتي، ~~فقال: "إذا يكفيك الله نصف أمرك"، قال: أجعل ثلثي صلاتي، قال: "إذا يكفيك ~~الله ثلثي أمرك"، فقال: أجعل صلاتي كلها عليك، قال: "إذا يكفيك الله ما ~~أهمك من أمر دنياك وآخرتك" (2). # وفي فضل الصلاة عليه - بأبي هو وأمي - من الآثار ما يضيق هذا الموضع عن ~~ذكره، وكذلك الدعاء للمؤمنين والمؤمنات والاستغفار لهم هو الذي جاء به ~~الكتاب والسنة، قال تعالى: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) (3)، وفي ~~السنن (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV04P212 # مر بعلي وهو يدعو فقال: "يا علي! عم فإن فضل العموم على الخصوص كفضل ~~السماء على الأرض"، وفي السنن (1): "أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب". ~~وفي الصحيح (2): "ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ~~ملكا، كلما قال الملك الموكل به آمين قال: ولك بمثل". فالأفعال الشرعية هي ~~التي ينبغي للمؤمن أن يتحراها، والله أعلم. PageV04P213 ### || CHECK (43) مسألة في الميت هل غسله طاهر أم نجس؟ وهل تلحد المرأة الرجل أو الرجل المرأة؟ وهل يجب أن يحج عن المرأة الرجل وعن الرجل المرأة؟ ### ||| CHECK - حكم إدخال المرأة والرجل في القبر ومن يقوم بذلك ### ||| CHECK - غسله طاهر عند جماهير العلماء # مسألة # في الميت هل غسله طاهر أم نجس؟ وهل تلحد المرأة الرجل أو الرجل المرأة؟ ~~وهل يجب أن يحج عن المرأة الرجل وعن الرجل المرأة؟ وما يعطي الحاج عن الميت؟ # الجواب # الحمد لله رب العالمين، بل غسله طاهر عند جماهير العلماء، فإن ابن عباس ~~وغير واحد من الصحابة قال: الميت لا ينجس حيا ولا ميتا، وثبت في الصحيح (1) ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي بعض أصحابه في طريق فاختفى منه، فذهب ~~فاغتسل ثم جاء، فقال: "أين كنت"؟، قال: إني كنت جنبا، قال: "سبحان الله! إن ~~المؤمن لا ينجس". # ولهذا قال جمهور العلماء على أن الماء المستعمل من غسل الجنابة والحيض ~~والوضوء طاهر. وقد ثبت في الصحيح (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ~~وصب وضوءه على جابر. # وأما دفن الرجل للمرأة ms0658 فإذا كانت المرأة تدفن في المقابر PageV04P214 ### ||| CHECK - يجوز أن يحج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل # فالسنة أن لا يشهد جنازتها إلا الرجال لا يحضر النساء، فحينئذ فيدفنها ~~رجل من أهل الخير، كما ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا طلحة ~~أن ينزل في قبر ابنته (1). وهذا وإن كان فيه مس المرأة فوق الكفن فهو جائز ~~لأجل الحاجة، لأن خروج النساء مع الجنائز منهي عنه. # وأما إن قدر أن المرأة تدفن في موضع فيه النساء، فإلحاد المرأة لها أولى ~~من إلحاد الرجل إذا لم يكن في ذلك مفسدة. # والرجل يلحده الرجال إلا إذا احتيج إلى إلحاد النساء له، فإن ذلك جائز، ~~وإلحاد النساء الرجال أخف من تغسيلهن له، وفي جواز تغسيل ذوات محارمه له ~~وتغسيل الرجل لذوات محارمه نزاع مشهور بين العلماء، وفي إلحاد الرجل للمرأة ~~أيضا نزاع، لكن الذي ذكرناه صحت به السنة. # ويجوز أن يحج الرجل عن المرأة باتفاق العلماء، وكذلك يجوز للمرأة عن ~~الرجل عند الأئمة الأربعة، وخالفهم بعض الفقهاء لأن حجها أنقص، وليس بشيء، ~~فإنه قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر امرأة أن تحج عن أبيها ~~(2)، وليس لأحد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول. # ويحج عن المعتقة كما يحج عن الحرة الأصل، فإن كان الحج وجب عليهما في ~~حياتهما وجب أن يخرج عنهما من رأس المال في PageV04P215 # مذهب الشافعي وأحمد ومن وافقهما، وأما أبو حنيفة ومالك ومن وافقهما ~~فيستحبون الإخراج عنهما، ولا يوجبونه إلا إذا وصت به، ويكون من الثلث، ~~وينبغي أن يخرج عنها حجة تامة من حيث أمرت بالحاج، ويخرج عنها حجة مثلها، ~~وإذا أخرج من القاهرة ما ينوي الخمس مئة إلى الألف كان مقاربا. وإن لم يجب ~~الحج عليها في حياتها فيستحب أن يحج عنها بعد موتها، والحجة تامة أفضل من ~~حجة مقامية، ويعطى الحاج ما يكفيه بالمعروف. وأما إذا دبرها - وهي التي ~~يعتقها بعد موته - إذا ماتت في حياته فلا حج عليها بإجماع المسلمين، لكن إن ms0659 ~~أخرج عنها حج التطوع كان ذلك حسنا، والله أعلم. PageV04P216 ### || CHECK (44) مسألة في معنى حديث ابن مسعود ما تعدون الرقوب فيكم؟ ### ||| CHECK - شرح معنى الرقوب # مسألة # في حديث في مسلم (1) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما تعدون الرقوب فيكم؟ "، قال؟ قلنا يا رسول ~~الله! الذي لا يولد له، قال: "ليس ذلك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم ~~من ولده شيئا"، الجواب عن الرقوب ما هو؟ # الجواب # الحمد لله رب العالمين، الرقوب في اللغة هو الذي لا ولد له أو الذي لا ~~يعيش له ولد، وهو مشتق من الرقبى، والرقبى أن يرقب كل واحد من الشخصين موت ~~الآخر، كما أن المفلس في اللغة هو الذي لا وفاء لدينه، والمسكين في اللغة ~~هو الطواف، فقوله عن الرقوب مثل قوله (2): "ما تعدون المفلس فيكم؟ "، ~~قالوا: من ليس له درهم ولا دينار، قال: "لا، ولكن المفلس من يجيء يوم ~~القيامة بحسنات أمثال الجبال، قد ظلم هذا وشتم هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا ~~من حسناته وهذا من حسناته، فإذا لم يبق له حسنة أخذ من سيئاتهم فألقيت ~~عليه، ثم يلقى في النار". PageV04P217 # فهو - صلى الله عليه وسلم - بين لهم أن المفلس الحقيقي هو من أفلس في ~~الآخرة، والرقوب الحقيقي الذي ليس له ولد يؤجر عليه، ومن لم يقدم من ولده ~~شيئا لم يؤجر على الولد، والإنسان إنما يطلب بولده وماله النفع، ويعد عدم ~~ذلك مصيبة، فبين لهم أن النفع الحقيقي والمصيبة الحقيقية التي ينبغي للعاقل ~~أن يعدها منفعة ومصيبة هو حال من نظر في عواقب الأمور ونهاياتها لا في ~~أوائلها وبداياتها، والله أعلم. PageV04P218 ### || CHECK (45) مسألة في رجل عزم على حفر قبره في حال حياته ### ||| CHECK - لا يجوز للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت # مسألة # في رجل عزم على حفر قبره في حال حياته، فماذا يستحب أن يفعل مع ذلك من ~~الأجر الموجب لثواب الله سبحانه والأفضل فيه؟ # عرفونا مبسوطا. # الجواب # لا يستحب للرجل ms0660 أن يحفر قبره قبل أن يموت، فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه، وأيضا فإن الله تعالى يقول: (وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت) (1)، والعبد لا يدري أين ~~يموت، وكم من أعد له قبرا وبني عليه بناء وقتل أو مات في بلد آخر، وإذا كان ~~مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون بالعمل الصالح، فإن العبد إنما ~~يؤنسه في قبره عمله الصالح، فكلما أكثر من الأعمال الصالحة - كالصلاة ~~والقراءة والذكر والدعاء والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - كان ~~ذلك هو الذي ينفعه في قبره، لا ينفعه بناء القبر ولا توسيعه ولا ترتيبه، بل ~~قد ثبت في الصحيح (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يجصص ~~القبر وأن PageV04P219 ### ||| CHECK - من ظن أن إعداد القبر وبناءه وتعظيمه وتحسينه ينفعه فقد تمنى على الله الأماني الكاذبة # يبنى عليه، فكيف بمن يبني القبور كأنها قصور؟ فهذا من أعظم ما ينكر من ~~الأمور، وهو باتفاق المسلمين لا ينفع الميت شيئا، وإنما ينفعه العمل ~~الصالح، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الكيس من دان نفسه وعمل لما ~~بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" (1). # فمن ظن أن إعداد القبر وبناءه وتعظيمه وتحسينه ينفعه فقد تمنى على الله ~~الأماني الكاذبة، وإنما يكون في قبره بحسب ما في قلبه، وكلما كان الإيمان ~~في قلبه أعظم كان في قبره أسر وأنعم، قال الله تعالى:) أفلا يعلم إذا بعثر ~~ما في القبور (9) وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11)) ~~(2)، فجمع سبحانه بين ما في القبور وما في الصدور، وفي الصحيحين (3) عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للمشركين عام الخندق: "ملأ الله ~~قبورهم وأجوافهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت ~~الشمس". وهذا باب واسع لا يتسع له هذا الموضع، والله أعلم. PageV04P220 ### || CHECK (46) مسألة في أطفال المؤمنين الذين يموتون دون الثلاث، هل لهم صحائف أعمال بكتب فيها ما ms0661 يهدى لهم من قرآن وصدقة أم لا؟ وهل يسألون في قبورهم ويحاسبون أم لا؟ وهل يدومون على حالتهم أم يكبرون؟ والبنات اللاتي يدفن أبكارا هل يزوجن في الجنة؟ و # مسألة # في أطفال المؤمنين الذين يموتون دون الثلاث، هل لهم صحائف أعمال يكتب ~~فيها ما يهدى لهم من قرآن وصدقة أم لا؟ وهل يسألون في قبورهم ويحاسبون أم ~~لا؟ وهل يدومون على حالتهم التي ماتوا عليها في القيامة أم يكبرون ويتزوجون ~~إذا دخلوا الجنة؟ والبنات اللاتي يدفن أبكارا هل يزوجن في الجنة؟ وهل في ~~الجنة حبل وولادة في الناس كلهم أم ناس دون ناس؟ وهل ذلك صحيح؟ # الجواب # الحمد لله رب العالمين، أما ما يهدى إلى الأطفال من صدقة ونحوها من ~~العبادات المالية فتصل إليه بلا نزاع، وفي العبادات البدنية قولان مشهوران، ~~لكن مذهب أحمد وأصحاب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعي أنها تصل ~~أيضا كما تصل المالية وهو الصحيح، والمهدى إلى الصغار والكبار سواء في باب ~~كتابته، فلا يقال إن ما يهدى إلى الكبار يكتب دون ما يهدى إلى الصغار، بل ~~حكم النوعين واحد. # وأما سؤالهم في القبر ففيه قولان مشهوران لأصحاب أحمد وغيرهم من أهل ~~السنة: PageV04P221 # أحدهما: أنهم لا يسألون، وهذا قول القاضي وابن عقيل وغيرهما، قالوا: لأن ~~السؤال في القبر إنما يكون لمن كان مكلفا في الدنيا، والصبي والمجنون ليس ~~بمكلف فلا يسأل. # والقول الثاني: وهو قول أبي حكيم النهرواني، وهو الذي نقله أبو الحسن علي ~~بن عبدوس عن أصحاب أحمد أنهم يسألون، لما في "الموطأ" (1) أن أبا هريرة صلى ~~على صغير لم يعمل خطيئة قط فقال: اللهم قه عذاب القبر وضيقة القبر. وهذا قد ~~ينبني على امتحانهم في عرصات القيامة، وقد جاءت بذلك أحاديث (2). # وأما حالهم في الآخرة فإنهم إذا دخلوا الجنة دخلوها كما يدخلها الكبار ~~على صورة أبيهم آدم، طول أحدهم ستون ذراعا في عرض سبعة أذرع، ويتزوجون كما ~~يتزوج الكبار، ومن مات من النساء ولم تتزوج فإنها تتزوج في الآخرة، وكذلك ~~من مات من ms0662 الرجال فإنه يتزوج في الآخرة. PageV04P222 ### || CHECK (47) مسألة في مقبرة للمسلمين، وأهل الذمة يدفنون فيها، هل يجب على وفي الأمر منعهم أم لا؟ ### ||| CHECK - ليس لأهل الذمة دفن موتاهم في شيء من مقابر المسلمين # مسألة # في مقبرة للمسلمين، وأهل الذمة يدفنون فيها، هل يجب على ولي الأمر منعهم أم لا؟ # الجواب # الحمد لله، ليس لأهل الذمة دفن موتاهم في شيء من مقابر المسلمين لا ~~الشهداء ولا غيرهم، بل لابد أن تكون مقابرهم متميزة عن مقابر المسلمين ~~تميزا ظاهرا، بحيث لا يختلطون بهم ولا يشتبه قبور المسلمين بقبور الكفار، ~~وهذا أوكد من التمييز بينهم حال الحياة بلبس الغيار ونحوه، فإن مقابر ~~المسلمين فيها الرحمة، ومقابر الكفار فيها العذاب، بل ينبغي مباعدة مقابرهم ~~عن المسلمين، وكلما بعدت عنها كان أصلح، والله أعلم. PageV04P223 ### || CHECK (48) مسألة في الخلائق إذا حشروا يوم القيامة هل يحشرون جميعهم عراة أو بعضهم عراة وبعضهم بأكفانهم؟ وهل يموت إدريس من الصعقة؟ ### ||| CHECK - في الأحاديث الصحيحة أنهم يحشرون عراة ### ||| CHECK - معنى حديث الميت يبعث في ثيابه التي قبض فيها # مسألة # في الخلائق إذا حشروا يوم القيامة هل يحشرون جميعهم عرايا، أو بعضهم عراة ~~وبعضهم بأكفانهم؟ وقول أبي سفيان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بالغوا ~~في أكفان موتاكم، فإن أمتي تحشر بأكفانها، وسائر الأمم عراة" كما ذكره ~~الغزالي. وهل يموت إدريس من الصعقة؟ # الجواب # الذي في الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "الميت يبعث في ثيابه التي قبض فيها". أخرجه أبو حاتم ابن حبان في ~~صحيحه (1) وغيره. وقد روي أن أبا سعيد لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد، ~~فلبسها ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الميت يبعث ~~في ثيابه التي يموت فيها" (2). # فأبو سعيد على هذا حمل الحديث على أن الثياب التي يموت PageV04P224 # فيها العبد يبعث فيها، ولم يقل: إنه يبعث في أكفانه، فإن الكفن غير ~~الثياب التي يموت فيها، فإن عامة الموتى لا يكفنون في ثيابهم التي يقبضون ~~فيها، ms0663 لا سيما والكفن الذي كفن فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس ~~فيه مما يمسى فيه، فإنها لم يكن فيها قميص ولا عمامة، فإنه إذا عرف أن ~~الحديث المأثور إنما هو أنه يبعث في ثيابه التي قبض فيها، فقيل: يبعث في ~~نفس الثوب الطاهر. # وقال طوائف من أهل العلم - كأبي حاتم وغيره -: إن المراد بذلك أنه يبعث ~~على ما مات عليه من العمل، سواء كان صالحا أو سيئا، كما قال أكثر المفسرين ~~في قوله تعالى: (وثيابك فطهر (4)) (1) أن المراد به إصلاح العمل وتطهير ~~النفس من الرذائل (2). ومثل هذا كثير في كلامهم، كما قيل: # ثياب بني عوف طهارى نقية (3) # ويقال: "فلان طاهر الثياب". يؤيد هذا شيئان: # أحدهما: أن الذي جاء في الحديث أنه يبعث على ما مات عليه من خير وشر، كما ~~جاء، فما ختم له به يبعث عليه، كما في حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "يبعث كل عبد على ما مات عليه". PageV04P225 # رواه أبو حاتم في صحيحه (1). # الثاني: أن الأحاديث الصحيحة تبين أنهم يحشرون عراة، كما في الصحيح (2) ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يحشر الناس يوم القيامة حفاة ~~عراة غرلا"، ثم قرأ: (كما بدأنا أول خلق نعيده) (3). وفي لفظ في الصحيح ~~(4): "أول من يكسى إبراهيم الخليل". وفي الصحيح (5) أيضا عن عائشة أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا"، ~~قالت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض! قال: "يا ~~عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض". فهذا وأمثاله أحاديث صحيحة لا ~~يجوز أن تعارض بمثل ذلك اللفظ المجمل. # وأيضا فإن بعثه على ما مات عليه من خير وشر ظاهر، فإن الأعمال بالخواتيم، ~~وقد ثبت في الصحيح (6) "أن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه ~~وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، ~~وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ms0664 فيسبق ~~عليه الكتاب، PageV04P226 ### ||| CHECK - أما إدريس فقد روي أنه مات في السماء # فيعمل بعمل [أهل] الجنة فيدخل الجنة". فهذا وأمثاله تبين أنه في الآخرة ~~يحشر على ما مات عليه. # وأما ثوبه الذي كان عليه وقت الموت فلا مناسبة في بعثه فيه، فقد تموت ~~الأنبياء والصالحون (1) في الثياب الرثة، وقد يموت الكفار والمنافقون في ~~ثياب حسنة، فهل يكون قيام الكفار والمنافقين من قبورهم أجمل وأبهى من قيام ~~الأنبياء والمؤمنين؟ ولو كان صحيحا لكان تكفينه في ثيابه التي مات فيها ~~ويبعث فيها أولى من تكفينه في غيرها، وليس الأمر كذلك، بل قد يختلف الحكم ~~في ذلك. # وقد ثبت في الصحيح (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا ~~كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه". وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~بشد الفخذ في بعض الجنائز، وقال: "إن هذا لا يغني شيئا، وإنما تطيب نفس ~~الحي" (3)، ولو كان الميت يبعث في ثياب موته لوردت السنة بتجميلها. # وأما الأكفان فلا أصل لكونه يبعث فيها بحال. # وأما إدريس فقد روي أنه مات في السماء (4)، فلا يحتاج إلى موت ثان، والله ~~سبحانه قد أخبر بصعق من في السماوات ومن في PageV04P227 # الأرض إلا من شاء الله (1)، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~ذكر "أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من أفيق، فأجد موسى باطش بساق ~~العرش، لا أدري هل أفاق قبلي أم كان مما استثنى الله" (2). # فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد توقف في مثل هذا فكيف يجزم ~~أحدنا بما لا علم له به؟ والله أعلم. PageV04P228 ### || CHECK (49) مسألة في معنى قوله من قتل دون ماله فهو شهيد، وهل يجب على الشخص أن يبذل ثلث ماله أم يجوز ذلك # مسألة # في معنى قوله "من قتل دون ماله فهو شهيد" (1)، وهل يجب على الشخص أن يبذل ~~ثلث ماله قبل القتال - كما هو متعارف بين الناس - أم يجوز ذلك؟ وهل الواجب ~~عليه الدفع عن نفسه وأهله وماله دون البذل؟ # الجواب # قد ms0665 ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من قتل دون ماله فهو ~~شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد، ومن قتل دون ~~دينه فهو شهيد" (2). # واتفق العلماء على أن قطاع الطريق إذا تعرضوا لأبناء السبيل يريدون ~~أموالهم فإن لهم أن يقاتلوهم دفعا عن أموالهم، إذا لم يندفعوا إلا بالقتال، ~~ولا يجب عليهم أن يبذلوا لهم من المال لا قليلا ولا كثيرا، لا الثلث ولا ~~غير الثلث، لكن إن أحبوا هم أن PageV04P229 ### ||| CHECK - أما الدفع عن دمه فهو جائز، وفي وجوبه قولان ### ||| CHECK - أما الدفع عن الحرمة فهو واجب ### ||| CHECK - يجوز له ذلك ولا يجب # يبذلوا ذلك ويتركوا القتال فلهم ذلك، وليس بواجب عليهم، إلا أن يكونوا ~~عاجزين عن القتال، فحينئذ يصالحونهم بما أمكن، ولا يقاتلون قتالا تذهب فيه ~~أنفسهم وأموالهم. # وأما الوجوب فلا يجب عليهم الدفع عن أموالهم، بل لهم أن يقاتلوا عنها ~~ولهم أن يبذلوها، لأن إعطاء المال لهم جائز، وإمساكه عنهم جائز، والعبد ~~يفعل أصلح الأمرين عنده. # وأما الدفع عن الحرمة مثل أن يريد الظالم أن يفجر بامرأة الإنسان أو ذات ~~محرمه أو بنفسه أو بولده ونحو ذلك، فهذا يجب عليه الدفع، لأن التمكين من ~~فعل الفاحشة لا يجوز، كما لا يجوز بذل المال، فيجب عليه أن يدفع ذلك بحسب ~~إمكانه، وإذا لم يندفع إلا بالقتال وهو قادر عليه قاتل. # وأما دفعه عن دمه فهو جائز أيضا، لكن في وجوبه قولان للعلماء هما روايتان ~~عن أحمد: # أحدهما: لا يجب، لأن ابن آدم المظلوم لما أراد أخوه قتله لم يدفع عن ~~نفسه، وقال: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني ~~أخاف الله رب العالمين (28) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب ~~النار وذلك جزاء الظالمين (29)) (1). # وكذلك أمير المؤمنين عثمان لما طلب الخوارج قتله لم يدفع PageV04P230 ### ||| CHECK - النهي عن القتال في الفتنة # عن نفسه، وأمر الذين جاءوا ليقاتلوا عنه - كغلمانه وأقاربه والحسن ابن ~~علي وعبد ms0666 الله بن الزبير وغيرهم - أن لا يقاتلوا، وكان ذلك من مناقبه رضي ~~الله عنه. # والقول الثاني: يجب الدفع عن نفسه، لأن قتله بغير حق محرم، فلا يجوز له ~~التمكين من محرم. # وهذا إذا لم تكن فتنة، وأما إذا كانت فتنة بين المسلمين، مثل أن يقتتل ~~رجلان أو طائفتان على ملك أو رئاسة أو على أهواء بينهم، كأهواء القبائل ~~والموالي الذين ينتسب كل طائفة إلى رئيس أعتقهم، فيقاتلون على رئاسة سيدهم، ~~وأهواء أهل المدائن الذين يتعصب كل طائفة لأهل مدينتهم، وأهواء أهل المذاهب ~~والطرائق كالفقهاء الذين يتعصب كل قوم لحزبهم ويقتتلون، كما كان يجري في ~~بلاد الأعاجم، ونحو ذلك، فهذا قتال الفتنة ينهى عنه هؤلاء وهؤلاء، وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل ~~والمقتول في النار"، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ ~~قال: "إنه أراد قتل صاحبه" (1). # وفي الصحيح (2) أنه قال: "من قتل تحت راية عمية يغضب لعصبة ويدعو لعصبة ~~فليس منا - أو قال: - هو في النار". وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ستكون ~~فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من PageV04P231 # الماشي، والماشي خير من الساعي، والساعي خير من المرجع" (1). # والأحاديث الصحيحة كثيرة في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القتال ~~في الفتنة، بل عند التداعي بسعارها، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه هن أبيه ولا تكنوا" (2)، يعني: ~~إذا قال الداعي: يا لفلان! أو يا للطائفة الفلانية! فقولوا له: # اغضض ذكر أبيك. # وفي الصحيحين (3) عنه أن المسلمين كانوا معه في سفر، فاقتتل - يعني - رجل ~~من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقال المهاجري: يا للمهاجرين! وقال ~~الأنصاري: يا للأنصار! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أبدعوى ~~الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة". # وقال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) (4)، # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~(102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم ms0667 إذ ~~كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من ~~النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير PageV04P232 # ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (104) ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ~~(105) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) (1). قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة ~~والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والضلالة. # وقد قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (2). وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إلا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على ~~أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب" (3). ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ~~كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (4). # فالله قد جعل المؤمنين إخوة مع الاقتتال، وأمر بالعدل بينهم، فقال تعالى: ~~(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين PageV04P233 # أخويكم واتقوا الله) (1). فجعلنا إخوة مع الاقتتال والبغي، وأمر بالعدل بينهم. # فيجب على كل أحد أن يعظم أهل التقوى والحق ويكون معهم، سواء كانوا من ~~طائفته أو لم يكونوا، ويقصد أن يكون الدين لله لا لمخلوق، فإذا فضل هؤلاء ~~على هؤلاء لم يكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، بل يسعى بينهم بالعدل والإصلاح. # فإذا طلب قتل الرجل في هذه الحال وهو لا يريد أن يقاتل أحدا، فهل له أن ~~يدفع عن نفسه في هذه الحال؟ على قولين للعلماء هما روايتان عن أحمد: # إحداهما: لا يدفع عن نفسه وإن قتل، حتى لا يكون مقاتلا في الفتنة، ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للسائل لما سأله عن ذلك: "دعه ms0668 حتى يبوء ~~بإثمه وإثمك" (2). # والثاني: يجوز لعموم الحديث، والأحاديث الخاصة تبين أنه نهى عن القتال في ~~الفتنة وإن قتل مظلوما، ولهذا لم يقاتل عثمان رضي الله عنه، لأنه رأى أن ~~ذلك يفضي إلى الفتنة. والله أعلم. PageV04P234 ### || CHECK (50) مسألة في سؤال منكر ونكير، وهل نعود الروح في جسد الميت عند ذلك؟ ### ||| CHECK - عود الروح في بدن الميت في القبر ليس مثل عودها إليه في الدنيا # مسألة # سؤال منكر ونكير، الميت إذا مات تدخل الروح في جسده ويجلس ويجاوب منكر ~~ونكير، فيحتاج موتا ثانيا؟ # الجواب # عود الروح في بدن الميت في القبر ليس مثل عودها إليه في هذه الحياة ~~الدنيا، وإن كان ذاك قد يكون أكمل من بعض الوجوه، كما أن النشأة الآخرة ~~ليست مثل هذه النشأة وإن كانت أكمل منها، بل كل موطن في هذه الدار وفي ~~البرزخ والقيامة له حكم يخضه. # ولهذا أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الميت يوسع له في قبره ويسأل ~~ونحو ذلك، وإن كان التراب قد لا يتغير. فالروح تعاد إلى بدن الميت وتفارقه، ~~وهل يسمى ذلك موتا؟ فيه قولان: # قيل: يسمى ذلك موتا، وتأولوا على ذلك قوله (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين) (1). قيل: إن الحياة الأولى في هذه الدنيا، والحياة الثانية في ~~القبر، والموتة الثانية في القبر. PageV04P235 ### ||| CHECK - مشابهة النوم بالموت ### ||| CHECK - الروح تتصل بالبدن وتفارقه متى شاء الله # والصحيح أن هذه الآية كقوله (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) ~~(1). فالموتة الأولى قبل هذه الحياة، والموتة الثانية بعد هذه الحياة، ~~وقوله (ثم يحييكم) بعد الموت. قال: (*منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها ~~نخرجكم تارة أخرى (55)) (2)، وقال: (فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ~~(25)) (3). # فالروح تتصل بالبدن متى شاء الله، وتفارقه متى شاء الله، لا يتوقت ذلك ~~بمرة ولا مرتين، والنوم أخو الموت، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول إذا أوى إلى فراشه: "باسمك اللهم أموت وأحيا". وكان إذا استيقظ يقول: ~~"الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور" (4). فقد سمى النوم ~~موتا ms0669 والاستيقاظ حياة. # وقد قال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ~~فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون (42)) (5)، فبين أنه يتوفى الأنفس على نوعين، فيتوفاها حين ~~الموت، ويتوفى الأنفس التي لم تمت بالنوم، ثم إذا ناموا فمن مات في منامه ~~أمسك نفسه، ومن لم يمت PageV04P236 # أرسل نفسه. ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى فراشه ~~قال: "باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن ~~أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" (1). # والنائم يحصل له في منامه لذة وألم، وذلك يحصل للروح والبدن، حتى إنه ~~يحصل له في منامه من يضربه، فيصبح والوجع في بدنه، ويرى في منامه أنه أطعم ~~شيئا طيبا، فيصبح وطعمه في فمه، وهذا موجود، فإذا كان النائم يحصل لروحه ~~وبدنه من النعيم والعذاب ما يحس به والذي إلى جنبه لا يحس به، حتى قد يصيح ~~النائم من شدة الألم والفزع الذي يحصل له ويسمع اليقظان صياحه، وقد يتكلم ~~إما بقران وإما بذكر وإما بجواب، واليقظان يسمع ذلك وهو نائم عينه مغمضة، ~~ولو خوطب لم يستمع، فكيف ينكر حال المقبور الذي أخبر الرسول بأنه يسمع قرع ~~نعالهم، وقال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" (2). # والقلب يشبه بالقبر، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - لما فاتته صلاة ~~العصر يوم الخندق: "ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا" (3)، وفي لفظ: "قلوبهم ~~وقبورهم نارا"، وفرق بينها في قوله: (أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) ~~وحصل ما في الصدور (10)) (4). PageV04P237 # وهذا تقريب وتقرير لإمكان ذلك، ولا يجوز أن يقال: ذلك الذي يجده الميت من ~~النعيم والعذاب مثل ما يجده النائم في منامه، بل ذلك النعيم والعذاب أكمل ~~وأبلغ وأتم، وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي، ولكن يذكر هذا المثل لبيان إمكان ~~ذلك إذا قال السائل: الميت لا يتحرك في قبره، أو التراب لا يتغير، ونحو ~~ذلك. مع أن هذه المسألة لها بسط يطول وشرح لا يحتمل ms0670 هذه الورقة. والله ~~أعلم. PageV04P238 ### || CHECK (51) إذا أدرك الميت في أيام مرضه شهر رمضان، وتوفي وعليه صيامه والصلاة مدة مرضه، ووالداه بالحياة، فهل تسقط الصلاة والصيام عنه إذا صاما عنه وصليا؟ # مسألة # الميت في أيام مرضه أدركه شهر رمضان، ولم يكن يقدر على الصيام، وتوفي ~~وعليه صيام شهر رمضان، وكذلك الصلاة مدة مرضه، ووالداه بالحياة، فهل تسقط ~~الصلاة والصيام عنه إذا صاما عنه وصليا إذا وصى أو لم يوص؟ # الجواب # إذا اتصل به المرض ولم يمكنه القضاء فليس على ورثته الاطعام عنه. وأما ~~الصلاة المكتوبة فلا يصلى عن أحد، ولكن إذا صلى عن الميت واحد منهما تطوعا ~~وأهداه له، أو صام عنه تطوعا وأهداه له، نفعه ذلك. PageV04P239 ### || CHECK (52) مسألة في الشهداء: هل يشفع الشهيد منهم في أربعين من أهل بيته أم لا؟ وهل هم سبعة أو تسعة؟ وهل يشفعون جميعهم أم لا؟ وإذا كان الشهيد عاصيا يكون منهم أم لا؟ وإذا كان الشهيد عليه دين أو مظلمة يطالب بها أم لا؟ # مسألة # في الشهداء، هل يشفع الشهيد منهم في أربعين من أهل بيته أم لا؟ وهل هم ~~سبعة أو تسعة؟ وهل يشفعون جميعهم أم لا؟ وهل إذا كان الشهيد عاصيا يكون ~~منهم أم لا؟ وإذا كان الشهيد عليه دين أو مظلمة يطالب بها أم لا؟ # الجواب # الحمد لله، أما الشهيد المقتول في الجهاد في سبيل الله - وهو الذي يقتل ~~في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، ويكون قتاله لتكون كلمة الله هي ~~العليا، لا حمية ولا لدنيا ولا غير ذلك - فهذا جاء فيه أنه يشفع في اثنين ~~وسبعين من أهل بيته (1). # وأما سائر الشهداء فهم أكثر من ذلك، وقد جاء أنهم سبعة (2): PageV04P240 # المبطون شهيد، والغريق شهيد، والذي يموت تحت الردم شهيد، وصاحب ذات الجنب ~~شهيد، والمرأة التي تموت بالطلق شهيد. # وإن كان أحدهم مذنبا يرجى أن الشهادة يغفر له بها، لكن حقوق الآدميين دين ~~عليه لابد لصاحبها من استيفائها. والله أعلم. PageV04P241 ### || CHECK (53) هل يجوز نقل الموتى من تربة في مكان ms0671 منقطع إلى تربة مستجدة أم لا؟ # مسألة # في أقوام لهم تربة، وهي في مكان منقطع، وقتل فيها قتيل، وقد بنوا لهم ~~تربة أخرى، هل يجوز نقل موتاهم إلى التربة المستجدة أم لا؟ # الجواب # لا ينبش الميت لأجل ما ذكر. والله أعلم. PageV04P242 ### || CHECK (54) مسألة في إهداء ثواب الأعمال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى أزواجه وأولاده # مسألة # فيمن يحض الناس من أهل الإيمان على أن يصوموا ويصلوا ويتصدقوا، ويقرأوا ~~القرآن، ويهللوا ويسبحوا، ويسألوا الله أن يتقبل منهم، ويوصل أجور ذلك إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلى أزواجه وأولاده، فسئل عن ذلك، فقال: ~~لأنه كان يحب الهدية، ويأمر بها للتحابب، فقيل له: ذلك في الدنيا، فقال: إن ~~الإمام علي رضي الله عنه كان يضحي عنه بعد موته، وإن أبي بن كعب قال: إني ~~أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت"، قال الربع؟ قال: ~~"ما شئت، وإن زدت فهو خير"، قال: النصف؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير"، ~~قال: الثلثين؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير"، قال: يا رسول الله! فاجعل ~~لك كلها، قال: "إذا تكفى همك، ويغفر ذنبك". # فما هذه الصلاة المقسمة بالربع والنصف والثلثين والكل؟ فإن كانت الصلاة ~~عليه فكلها له، وللمصلي أجرها، وكانت الزيادة فيها تكون بالأعداد من واحد ~~إلى عشرة، إلى مائة، إلى ألف، فأكثر من ذلك، فانصرف المفهوم أنها صلاة ~~نوافله وتطوعاته، وأن يجعل له ربعها ونصفها وثلثيها وكلها، فهل أصاب فيما ~~أمر به وحض عليه؟ # وبنى على ما رواه الدارقطني: أن رجلا سأله فقال: يا رسول الله صلى الله ~~عليك، كان لي أبوان، وكنت أبرهما حال حياتهما، PageV04P243 ### ||| CHECK - ذهب إليه طائفة من المتأخرين # فكيف لي بالبر بعد موتهما؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن من ~~البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك، وأن تصدق ~~لهما مع صدقتك". # فقيل: إن عمل الولد من الخير ملحق بالوالدين، لوجوب حقهما. # فقال: حق النبي - صلى ms0672 الله عليه وسلم - أوجب، وحق أزواجه أمهات المؤمنين ~~أوجب من أمهات الأولاد. # فقيل له: فهلا فعل أبو بكر ذلك؟ # قال: وما يدريك؟ قد فعله علي رضي الله عنه حين ضحى عنه. # فقيل: إن النبي دعا الناس إلى الهدى والخير كله، وله أجر كل من تبعه. # فقال: إن الواحديه حق لله في الأزل والأبد لا يزيلها إنكار منكر لها، ~~ويثاب المقر بها طوعا راضيا مختارا، والكون وما فيه ملكه ثانيا لا يزيله ~~ملك مالك، ونحن نتقرب منه بشق تمرة. # فما الحكم في ذلك مع صحة القصد وما ذهب إليه من التأويلات؟ # أفتونا مأجورين. # أجاب رضي الله عنه # أما ما ذهب إليه هذا المسئول عنه من إهداء ثواب القربات إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقد ذهب إليه طائفة من المتأخرين من الفقهاء والعباد، ~~ولكن لم يسلكوا هذا الطريق التي ذكرت عنه، ولكن بنوا ذلك على PageV04P244 ### ||| CHECK - من سوى بينهما يقول: إن النيابة في العبادات البدنية تجوز للحاجة ### ||| CHECK - من فرق بين العبادات البدنية والمالية ### ||| CHECK - مستندهم في ذلك # إن إهداء ثواب القرب إلى موتى المؤمنين جائز، ورسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أفضل المؤمنين، ولا ريب أن الصدقة عن الميت جائزة باتفاق العلماء، ~~وكذلك سائر العبادات المالية، هان تنازع الأئمة في العبادات البدنية ~~كالصلاة والصيام والقراءة، فمنهم من سوى بين النوعين كأحمد، وهو المذكور في ~~كتب الحنفية، وذهب إليه طائفة من أصحاب مالك والشافعي، ولكن أكثر أصحاب ~~مالك والشافعي فرقوا بين العبادات البدنية والمالية، لأن المالية يدخلها ~~النيابة والتوكيل، فيجوز للرجل أن يستنيب في صدقته، ولا يجوز له أن يستنيب ~~في صلاته وصيامه. # والأولون أجابوا عن هذا من وجهين: # أحدهما: أن النيابة في العبادات البدنية تجوز للحاجة، كما ثبت في ~~الصحيحين (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من مات وعليه صيام ~~صام عنه ولله"، ولكن فرض الصلاة لا نيابة فيه، لأن الإنسان لا يعجز عما وجب ~~من الصلاة، فلا عذر له في (2)، والصوم له بدل وهو الإطعام، كما قال ms0673 تعالى: ~~(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له) (3)، فلما ~~نسخ ذلك وتعين الصيام على القادر بقي العاجز كالشيخ الذي لا يرجى قدرته ~~والمريض المأيوس من بزيه، فإنه يفطر باتفاق العلماء، وأكثرهم PageV04P245 # يوجبون عليه الفدية، وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة، أما مالك فلا ~~يوجب عليه فدية. وأما الصوم عن الميت فقيل: لا يصام عنه بحال، كقول أبي ~~حنيفة ومالك والشافعي في الجديد، لكن الشافعي وطائفة يقولون: يطعم عنه إذ ~~الإطعام هو البدل، وقيل: بل يصام عنه الفرض والنذر، وهو قول للشافعي، وقيل: ~~يصام عنه النذر، وأما الفرض يطعم عنه، وهو مذهب أحمد وغيره اتباعا لابن ~~عباس في تفريقه بينهما، وهو الذي روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (1)، وروته عائشة أيضا (2)، وكلا ~~الحديثين في الصحيح، وقد جاء حديث ابن عباس مفسرا في النذر كما في الصحيحين ~~(3) عنه: "أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، ~~أفأصوم عنها؟ قال: "أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ ~~"، قالت: نعم، قال: "فصومي عن أمك". # وفرقوا بين الفرض والنذر بأن الله قد جعل لما فرضه بدلا، وهو الإطعام من ~~مال من وجب عليه، كما جعل في الكفارة من عجز من صوم الشهرين المتتابعين ~~أطعم ستين مسكينا، والبدل من ماله أولى من بدن غيره، والله لا يوجب على ~~عباده ما يعجزون PageV04P246 ### ||| CHECK - ويقول: إن إهداء ثواب العمل إلى الميت ليس نيابة عنه # عنه، ولهذا لو استمر به المرض المرجو إلى ما بعد رمضان ولم يتمكن من ~~القضاء فلا إطعام عنه ولا قضاء باتفاق الأئمة، بخلاف ما أوجبه العبد على ~~نفسه فإنه قد يوجب ما يعجز عنه، كما يستدين ما لا يطيق وفاءه، فيكون فعل ~~الغير عنه كقضاء الذين عنه، وذلك جائز. # وحقيقة هذا القول أن من عجز عن الصيام والفدية فلا شيء عليه، فلا يحتاج ~~أن يصوم عنه، ومن قدر على أحدهما فلا ms0674 بد له من أحدهما. والمقصود هنا أن ~~الشارع سوغ الصوم عن الميت كما سوغ الحج عنه في الجملة، فلا يجوز أق يقال: ~~لا تدخله النيابة بحال. # والوجه الثاني: أنهم قالوا: إهداء ثواب العمل إلى الميت ليس نيابة عنه، ~~وإنما العامل عمل لنفسه لا عن الميت، والإنسان ليس له إلا ما سعى، فهذا ~~السعي للحى لا للميت، لكن الميت استحق عليه أجرا من الله، فتبرع به للميت ~~كما يتبرع الأجير بأجرته لغيره، وإن كان عمله في الإجارة لنفسه لا للغير، ~~ولهذا يفرق في الإجارة بين من يعمل لغيره وبين من يعمل لنفسه، ويعطي الأجرة ~~لغيره، فالأول كالأجير المشترك الذي التزم العمل في ذمته، إذا أعطاه لبعض ~~الناس ليعمل عنه كان ذلك عملا بطريق النيابة عمن وجب عليه العمل، وهو نظير ~~قضاء الدين. والثاني كالأجير الخاص أو المشترك الذى عمل ما عليه، وأخذ ~~أجرته فأعطاها لغيره، ولهذا كان أصحاب أبي حنيفة لا يجوزون النيابة في ~~العبادات البدنية، ويجوزون إهداء ثوابها، وكذلك أصحاب أحمد يجوزون إهداء PageV04P247 ### ||| CHECK - مناقشة هذا الدليل ### ||| CHECK - احتجاج بعض الناس لعدم وصول ثواب القرب إلى الميت بقوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) # ثواب العبادة حيث لا يجوزون النيابة، حتى يجوزون إهداءها إلى الحي في أصح ~~الوجهين، وهو المنصوص عن أحمد، وفي إهداء ثواب الفريضة لهم وجهان. # وبعض الناس يحتج على أن إهداء ثواب القرب لا يصل إلى الميت بقوله: (وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى (39)) (1). واحتجاجه بهذه الآية حجة باطلة بكتاب ~~الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين، فإن القرآن قد دل على الاستغفار ~~للمؤمنين، كما في استغفار الملائكة والأنبياء لهم، وذلك ليس من سعيهم، قال ~~الله تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ~~ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا ~~واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7)) (2) الآية، وقال تعالى: (واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) (3)، وقال تعالى عن نوح: (رب اغفر لي ولوالدي ~~ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات) (4)، وقال عن إبراهيم: ms0675 (ربنا ~~اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41)) (5). # وقد اتفق المسلمون على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الصلاة ~~على الميت والدعاء له والشفاعة فيه، واتفقت الأمة على أن الصدقة تنفع PageV04P248 ### ||| CHECK - التفسير الصحيح للآية # الميت كما ثبت في الصحيحين (1): أن سعدا قال: يا رسول الله! إن أمي ~~افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت لتصدقت، فهل ينفعها إن أتصدق عنها؟ قال: ~~"نعم ". فما كان جواب هذا المحتج عن الدعاء والصدقة عن الميت كان جوابا ~~لغيره عن الصيام عنه ونحو ذلك من العبادات. # وقد ذكر الناس عن الآية أجوبة متعدد (2)، على أنها منسوخة، وقيل: مخصوصة، ~~وقيل: مختصة بشرع من قبلنا، وقيل: سببه الإيمان الذي هو شرط وصول الثواب من سعيه. # والآية لا تحتاج إلى شيء من هذا، فإن الله أخبر عما في الصحف أنه (ليس ~~للإنسان إلا ما سعى (39)) (3)، ولم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى، وأن الإنسان ~~فيما ينتفع به في الدنيا قد ينتفع بما يملكه وبما لا يملكه، فلا يلزم من ~~نفي الملك نفي الانتفاع، لكن هو يستحق الثواب على سعيه لأنه حفه، فلا يخاف ~~منه ظلما ولا هضما، وأما سعي غيره فهو لذلك الغير، فإن سعى له ذلك الغير ~~أثاب الله ذلك الساعي على سعيه، ونفع هذا من سعي ذلك بما شاء، كما يثيب ~~الداعي على دعائه لغيره وينتفع المدعو له. كما ثبت في الصحيح (4) أنه قال: ~~"ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب PageV04P249 # بدعوة إلا وكل الله به ملكا، كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: ~~آمين، ولك بمثل ". # ومن ذلك: الصلاة على الميت، فقد ثبت عنه أنه قال: "من صلى على جنازة فله ~~قيراط" (1)، وثبت عنه: أن الله يقبل شفاعة مائة (2)، وروي أربعين (3)، وروى ~~ثلاثة صفوف (4). فهو يثيب الداعي وينفع المدعو له، وكذلك المتصدق عن الميت ~~بما يصل إليه من ثواب الصدقة. # ومن هذا الباب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلب الوسيلة، ~~كما ثبت عنه في الصحيح (5) أنه قال: "من صلى علي ms0676 مرة صلى الله عليه عشرا"، ~~وقال: "ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينبغي إلا لعبد من ~~عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حفت عليه ~~شفاعتي يوم القيامة". # فهذا هو الأصل الذي ينبني عليه فعل القرب عن الأموات مطلقا، وبعض الناس ~~يعارض هذا بما ليس بدليل شرعي، بمثل أن PageV04P250 ### ||| CHECK - مناقشة هذا القول ### ||| CHECK - قول بعضهم: إن النبي أجل من أن يهدى له ثواب أو يفعل عنه قربة # يقول عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - وغيره من النبيين أو الصديقين: هذا ~~أجل من أن يهدى له ثواب أو أن يفعل عنه قربة، ويرى أن هذا من باب الخفض من ~~منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه من باب حاجته إلى هذا الفاعل. # وهذا الكلام ليس بشيء، فإن الله أمرنا أن نصلي عليه ونسلم تسليما، ~~والصلاة عليه من أفضل العبادات مع الدعاء في الصلاة وغيرها، حتى قال عمر بن ~~الخطاب: "إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - "، رواه الترمذي (1) وقال: حديث حسن. وثبت ~~عنه في صحيح مسلم (2) وغيره أنه قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا بمثل ما ~~يقول، ثم صلوا على، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا الله ~~لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن ~~أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم ~~القيامة". وفي السنن (3): "ثم سل تعطه ". # فهذه أربع سنن أمر بها عند استماع الأذان: أن يقول كما يقول المؤذن، وقد ~~جاء مفسرا بالأمر بذلك في الحيعلة والحوقلة، لأنه دعاء للادميين لا ذكر، ~~فيقال ما يستعان به على فعل ما دعي العبد إليه. ثم أن يصلي عليه، ثم أن ~~يسأل له الوسيلة، ثم قال: "سل تعطه"، فإن هذا ليس بمظان إجابة الدعاء. PageV04P251 # وفي سنن أبي داود (1) وغيره عن أبي هريرة أن ms0677 رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا على فإن ~~صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم ". # وعن أبي ليلى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الملك جاءني ~~فقال: يا محمد! إن الله يقول لك: أما ترضى إلا يصلي عليك عبد من عبادي إلا ~~صليت عليه عشرا؟ ولا يسلم عليك تسليمة إلا سلمت عليه عشرا؟ قلت: بلى أي ~~رب". رواه النسائي (2) وأبو حاتم وغيره. # وعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من أفضل ~~أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، فأكثروا ~~فيه من الصلاة علي، فإن صلاتكم معروضة"، قالوا: وكيف تعرض عليك وقد أرمت؟ ~~فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". رواه أبو داود ~~والنسائي وأبو حاتم في صحيحه (3). PageV04P252 ### ||| CHECK - الدعاء مشروع من الأدنى للأعلى ومن الأعلى للأدنى # وفي سنن أبي داود (1) عنه قال: "ما من مسلم يسلم على إلا رد الله علي ~~روحي حتى أرد عليه السلام ". # وفي النسائي وأبي حاتم (2) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن لته ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام". # والأحاديث في ذلك كثيرة، وهذا مما أجمع عليه المسلمون، والصلاة والسلام ~~[عليه]- صلى الله عليه وسلم - هي من هذا الباب من باب الدعاء، والدعاء ~~مشروع من الأدنى للأعلى، ومن الأعلى للأدنى، والداعي إذا دعا لغيره أثاب ~~الله الداعي على دعائه، ونفع المدعو له بالدعاء، فلم يكن لأحد عليه منة ~~بصلاته عليه وسلامه، إذ كان الله يصقي على المصلي عليه عشرا، ويسلم على ~~المسلم عليه عشرا، فيعطيه بالحسنة عشر أمثالها، فلله المنة على من استعمله ~~في الصلاة عليه والسلام، ولله المنة على رسوله وعلى جميع عباده إذ نصب ~~أسبابا يرحمهم بها، والخلق كلهم فقراء إلى الله تعالى، والله يرحم عباده ~~بما شاء من الأسباب، فمن جعل أحدا من الأنبياء أو غيرهم مستغنيا عن مزيد ~~الرحمة والرضوان وعلو ms0678 الدرجات فهو جاهل بالته، ومن ظن أن دعاء الداعي ~~للأنبياء وصلاته عليهم بل صلاته على المؤمنين منه منة عليهم فهو جاهل بذلك، ~~فإن الله يثيبه PageV04P253 # على عمله ولا يظلمه، والمنة لله على هذا وعلى هذا. # ومن هذا الباب دعاء الملائكة للمؤمنين وسائر الأسباب، بل من هذا الباب ~~جميع ما يعمله العباد من القرب والطاعات، فإن للرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، كما ثبت عنه في الصحيح (1) ~~أنه قال: "من دعا إلى هد ى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ~~ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان له من الوزر مثل أوزار من ~~اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا". وقال - صلى الله عليه وسلم - (2): ~~"من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ~~ينقص من أجورهم شيئا". وهو - صلى الله عليه وسلم - قد سن سنن الهدى جميعها لأمته. # ومن هذا الباب يبين جواب المسألة، فإن القائل يقول: إذا كان إهداء القرب ~~إلى الموتى مشروعا وإن كانوا فضلاء، فما بال السلف لم يكونوا يفعلون القرب ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن الخلفاء الراشدين؟ # بل ولا عن شيوخهم معلميهم ومؤدبيهم الذين علموهم العلم والإيمان؟ والسلف ~~كانوا أحرص على الخير منا، فلا يمكن أن يقال: تركوه جهلا به ولا رغبة عنه، ~~وهذا هو الذي يظهر به إشكال المسألة، فإن ما تقدم يحتبئ به من يستحب إهداء ~~ثواب القربات إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما ذهب إليه طائفة من ~~الفقهاء والعباد من أصحاب أحمد وغيرهم، وأقدم من بلغنا ذلك عنه علي بن ~~الموفق أحد PageV04P254 ### ||| CHECK - الكلام على حديث تضحية علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ### ||| CHECK - حجة من لا يستحب إهداء الثواب إلى الميت ويراه بدعة: أن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك وهم أعلم بالخير وأرغب # الشيوخ المشهورين، كان أقدم من الجنيد وطبقته، وقد أدرك أحمد ms0679 وعصره وعاش بعده. # ومن لا يستحب بل يراه بدعة -وهو الصواب المقطوع به- يحتج بأن السلف لم ~~يكونوا يفعلون ذلك وهم أعلم بالخير وأرغب، وليس فعل [المذكور] وأمثاله ولا ~~قول طائفة من متأخري الفقهاء مما يعارض به أقوال السلف. # وأما احتجاج المحتج بتضحية علي رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فيقال له: هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي (1) من حديث حنش ~~الصنعاني، قال: رأيت عليا عليه السلام يضحي بكبشين، فقلت له: ما هذا؟ فقال: ~~إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصاني أن أضحي عنه، فأنا أضحي عنه". ~~وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك. ومثل هذا الإسناد قد ~~يقال: لا تقوم به سنة، فإن حنشا تكلم فيه غير واحد، قال أبو حاتم: كان كثير ~~الوهم، وشريك بن عبد الله القاضي في حديثه لين. # وإن صح هذا الحديث فإنه إنما ضحى عنه - صلى الله عليه وسلم - بإذنه، وهذا ~~جائز ولو لم يرد هذا الحديث، فإن الميت إذا أوصى أن يضحى عنه كان كما لو ~~أوصى أن يحج عنه، فإن الأضحية عبادة بدنية مالية كالحج عنه، ولو وصى ~~بالصدقة عنه جار بإجماع المسلمين، بل PageV04P255 ### ||| CHECK - الكلام على حديث أبي بن كعب الذي فيه: أجعل صلاتي كلها لك # هذا الحديث إن صح فقد يستدل به على أنهم لم يكونوا يفعلون عنه عبادة إلا ~~بإذنه، ولو كان مشروعا عندهم التضحية عنه بدون إذنه لما أنكر ذلك على علي، ~~ولبين علي أنه يشرع هذا وغيره من الأعمال عنه بغير إذنه. # وأما احتجاجه بحديث أبي بن كعب الذي فيه "أجعل صلاتي كلها لك، قال: إذا ~~تكفى همك ويغفر ذنبك"، فيقال له: ليس حملك هذا الحديث على صلاته المتطوعة ~~بأولى من حمل غيرك له على الدعاء، إذ قد سلمت أنه ليس المراد به الصلاة ~~الواجبة ذات الركوع والسجود، فيقال له: كما لم يدخل هذه الصلاة فلا يدخل ما ~~كان من جنسها وهو التطوع، فإنهما من جنس واحد، ولم يعرف أن ms0680 في السنة أن ~~يكون جميع ما يتطوع به العبد من الصلاة لغيره، كما لم يعرف مثل ذلك في ~~الصيام والحج. # فإن قيل: يحصل له من أجر الإهداء أكثر من ثواب التطوع، قيل: فسووا ذلك في ~~الفريضة، واجعلوا من المسنون أن يهدي الرجل ثواب فرائضه لبعض الموتى، ويكون ~~ما يحصل من ثواب ذلك أعظم من أجر الفريضة مع أن ذمته بريئة. وقد تقدم أن في ~~إهداء ثواب الفريضة قولين في مذهب أحمد وغيره. # والذين جوزوا ذلك قالوا: الفرض له مقصودان: براءة الذمة باندفاع العقاب، ~~وحصول الأجر والثواب، فأما براءة الذمة وهو الذي امتاز به عن النافلة فلا ~~يمكن إهداؤه، وأما الأجر وهو المشترك بينهما فيمكن إهداؤه، ولا ريب أن ~~الحديث لا يمكن PageV04P256 ### ||| CHECK - الكلام على حديث الدارقطني: إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك # حمله على الصلاة عليه كما ذكر السائل. بقي المفهوم الثالث وهو الدعاء، ~~فإن الصلاة من أهل اللغة: الدعاء، كما قال تعالى: (وصل عليهم) (1)، فيكون ~~هذا السائل له دعاء يدعو به لنفسه، فيمكن أن يجعل ثلثه دعاء للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فالصلاة عليه صلاة، ويمكن أن له شطره، ويمكن أن يكون ~~جميع دعائه دعاء للنبي، مثل أن يصلي عليه بدل دعائه. وقد ثبت (2) أنه من ~~صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا، فيكون أجر صلاته كافيا له، ولهذا قال: ~~"يكفي همك ويغفر ذنبك"، أي إنك إنما تطلب زوال سبب الضرر الذي يعقب الهم ~~ويوجب الذنب، فإذا صليت على بدل دعائك حصل مقصودك، وهذا معنى مناسب، فإنه ~~قد ثبت (3) أن من دعا لأخيه بظهر الغيب بدعوة قال الملك الموكل به: آمين، ~~ولك بمثل. وثبت عنه (4) أنه قال: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون ~~أخيه"، فإذا كان بدل دعائه لنفسه يدعو للنبي - صلى الله عليه وسلم - حصل له ~~أعظم مما كان يطلب لنفسه. # واحتجاجه بحديث الدارقطني يقال له: إنما في الحديث فعل العبادات عن ~~الوالدين، وهذا في العبادات المالية متفق عليه بين الأئمة، ms0681 وإنما تنازعوا ~~في النذر، وقد ذكر مسلم في صحيحه (5) عن PageV04P257 ### ||| CHECK - ليس فيها ما يعتمد عليها في إثبات الأحكام الشرعية ### ||| CHECK - احتجاج بعض المتأخرين بأحاديث رويت فيمن مر على القبور فقرأ كذا وكذا # أبي إسحاق الطالقاني قال: قلت لعبد الله بن المبارك: الحديث الذي جاء في ~~البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك، قال فقال عبد ~~الله: يا أبا إسحاق! عمن هذا؟ قلت له من حديث شهاب بن خراش، قال ثقة، قال: ~~عمن؟ قلت: عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة، عمن؟ قلت: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، قال: يا أبا إسحاق! إن بين الحجاج بن دينار ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي. وليس في الصدقة خلاف. # ولو احتج في هذا الباب بحديث عمرو لكان أقوى، كما في مسند أحمد (1) عن ~~عبد الله بن عمرو أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن يذبح مائة بدنة، وأن ~~هشام بن العاص نحر حصته خمسين، وأن عمرا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عن ذلك فقال: "أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه ذلك". وقد ~~رواه أبو داود (2)، ولفظه: "لو كان مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو ~~حججتم عنه نفعه ذلك". وهذا اللفظ إنما فيه الأعمال المالية. # وقد احتج بعض المتأخرين من أصحاب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما بأحاديث رويت ~~فيمن مر على القبور فقرأ كذا وكذا، وليس فيها ما يعتمد عليها في إثبات ~~الأحكام الشرعية. وقد قدمنا أنه ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض ~~لها أن الولي يصوم عن الميت الصوم الذي نذره كما يحج عنه، وقد جاء ذكرهما ~~في حديث صحيح PageV04P258 # رواه مسلم (1) وغيره عن بريدة بن الحصيب أن امرأة أتت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفيجزئ أو يقضي أن أصوم ~~عنها؟ قال: "نعم"، وفي رواية: وعليها صوم، أفأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها"، ~~قالت: يا رسول الله! إنها ms0682 لم تحج، فقال؟ "حجي عنها". # ولا يقال: هذا مختص بالولد، ففي الصحيحين (2) عن ابن عباس: أن امرأة جاءت ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أختي ماتت، وعليها صوم شهرين ~~متتابعين، قال: "أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضيه؟ " قالت: نعم، قال: ~~"فحق الله أحق". وفي رواية (3): أن امرأة ركبت في البحر، فنذرت إن نجاها ~~الله أن تصوم شهرا، فأنجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك، فقال: "صومي عنها". # وأيضا فقوله في الحديث الصحيح: "صام عنه وليه" يتناول الولد وغيره ممن ~~يكون وليا للميت، فلا يجوز أن يقال: الحكم مختص بالولد. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (4): "إذا مات ابن ~~آدم PageV04P259 # انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو ~~له". فهنا خص الولد بالذكر لأنه استثناه من عمل الميت، وولده من كسبه، كما ~~قال تعالى: (ما أغنى عنه ماله وما كسب (2)) (1) وإن ولده من كسبه. وقد قال ~~- صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي قال له: إن أبي أراد أن يجتاح مالي، ~~فقال: "أنت ومالك لأبيك" (2). وقد قال تعالى: (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن ~~يشاء الذكور (49)) (3)، فجعل الولد موهوبا للوالد، فجعل بيت الولد بيت ~~الرجل في قوله تعالى: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم) ~~(4) ولم يذكر بيوت الأولاد، لأن بيت ولدك بيتك، وهذا الحكم مختص بالأب فإنه ~~المولود له، كما قال تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (5). # فلما كان الولد من كسب الوالد استثناه من عمله المنقطع، كما استثنى ما ~~ينفق من الصدقة والعلم النافع، وهذا مما احتج به من يقول: إن مال الابن ~~للوالد بمنزلة المباح، فيهلك منه ما لا يضر بولده. وهذا الحديث لا يدل على ~~أن غير الولد لا ينفع دعاؤه PageV04P260 # للميت، فإن هذا خلاف إجماع المسلمين. إذ هم متفقون على أن الدعاء والصلاة ~~على الميت ينتفع بها، سواء ms0683 كانت من ولده أو من غير ولده، فهذا بيان أن ~~الحكم لا يختص بالولد أن ذلك لوجوب حقهما، فلا حاجة إلى تعليل ذلك بوجوب حقهما. # وأما جوابه لمن قال له: "النبي قد دعا إلى كل خير، فله أجر من اتبعه " ~~بأن الواحديه لله حق ثابت، وكل شيء له، ونحن نتقرب إليه بشق تمرة -فهذا مثل ~~ضعيف، وذلك أن الأشياء كلها لته ملك له، إذ هو خالقها وربها ومليكها، وله ~~أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها، وهذا الملك لا يتعلق به ثواب ~~العباد ولا عقابهم ولا وعدهم ولا وعيدهم، فإن هذا حكم ربوبيته الشاملة ~~وقدرته الكاملة، التي تتناول المؤمن والكافر والبر والفاجر، وأما تقرب ~~العباد إليه فهو بالفعل الذي يحبه ويرضاه لهم، وهذا مما افترقوا فيه. فبعض ~~العباد آمن به وعبده وأطاعه وفعل ما يحبه ويرضاه، وبعضهم كفر به وفسق وعصى، ~~وكلاهما يتناوله حكم ربوبيته وقضائه وقدره، والذي يتقرب إليه بشق تمرة إذا ~~أقرضه قرضا حسنا لم يدخل في ملكه ما لم يكن فيه، بل جميع ما بذله بل هو ~~وفعله وقدرته داخل في ملك الرب وقدرته، سواء كان المبذول من رضاه أو سخطه، ~~لكن ببذله في الجهة التي يحبها ويرضاها صار العبد مستوجبا لما وعده في تلك ~~الجهة، كما أن حركات بدنه هي مخلوقة له على كل حال، فإن كانت حركة يحبها ~~ويرضاها أثابه عليها، وإن كانت حركة يكرهها ويسخطها عاقبه عليها، وهذا ~~يتعلق بحكم إلهيته وأمره الديني الشرعي الذي هو PageV04P261 ### ||| CHECK - الفرق بين الأمر الديني والأمر الكوني # الفارق بين أوليائه وأعدائه. قال تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ~~(35)) (1)، وقال تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (21)) (2)، وقال ~~تعالى: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار (28)) (3). والأول يتعلق بحكم ربوبيته وأمره الكوني الشامل ~~لوليه وعدوه، كما قال: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط ~~مستقيم (56)) (4). # وقد بسطنا الكلام على هذا ms0684 المقام الذي ضلت فيه أمم من الأنام، وبينا ~~الفرق بين كلماته الدينية والكونية، وإرادته الكونية والدينية، وإذنه ~~الكوني والديني، وكذلك حكمه، وأمره، وتحريمه، وبعثه، وإرساله، والفرق بين ~~الحقيقة الكونية التي يقر بها المشركون وهي الحقيقة القدرية، وبين الحقيقة ~~الدينية الحي يختص بها المؤمنون، وكيف اشتبه على كثير من الخائضين في ~~الحقيقة هذا الباب بهذا الباب، حتى لم يفرقوا بين الهدى والضلال، والرشاد ~~والغي، والخطأ والصواب، بل آل الأمر بكثير منهم إلى أنهم لم يفرقوا بين ~~الخالق والمخلوق، حتى دخلوا في الحلول والاتحاد الذي هو من أعظم الكفر ~~وأكبر الالحاد، فالأشياء PageV04P262 # التي هي لله إذا جعلناها له وتقربنا بها إليه بحكم ربوبيته، فليست هذه ~~الإضافة تلك الإضافة، فإن تلك الإضافة إضافته بحكم ربوبيته، وهذه إضافة ~~إليه بحكم ألوهيته، كما أن لفظ العبد يعني به المعبد، فجميع الخلق عباد ~~الله بهذا الاعتبار حتى الكفار والفجار، قال تعالى: (إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93)) (1)، وقد يعني به العابد، فيختص به ~~المؤمنين الأبرار، كما قال تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) (2)، وقال ~~الشيطان: (ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين (40)) (3)، وقال: ~~(عينا يشرب بها عباد الله) (4)، وقال: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض ~~هونا) (5)، وقال: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) (6)، وقال: (فأوحى إلى عبده ~~ما أوحى (10)) (7). # وبهذا يظهر الفرق بين قوله: (وطهر بيتي) (8) وقوله: (ناقة الله وسقياها ~~(13)) (9)، وبين سائر البيوت والنوق، فإن سائر البيوت PageV04P263 # والنوق وإن كانت ملكا لله لكن ليست محل عبادته وطاعته والصلاة عليه، ~~كالمساجد التي هي بيوت عبادته، لا سيما المسجد الحرام الذي هو بيت الطواف ~~ببيته والعكوف وتضعيف [الأجر فيه]، فالإضافة العامة بحكم الربوبية الخلقية، ~~وهذه الإضافة الخاصة بحكم الألوهية الأمرية. وكذلك الناقة التي جعلها آية ~~له وجعلها من شعائره وحرماته التي يجب تعظيمها، فالفرق بين هذا البيت وبيت ~~الكنيسة مثلا كالفرق بين المؤمن الذي هو عبد الله والكافر الذي هو خلقه، ~~وهو معبد له وإن كان لا يعبده، وكذلك قوله عز وجل: (يسألونك عن الأنفال ms0685 قل ~~الأنفال لله والرسول) (1)، وقوله: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول) (2)، فإضافة الأنفال والخمس إليه كالإضافة العامة الثابتة لكل ~~مخلوق، كقوله: (ولله ما في السماوات وما في الأرض) (3). بل هذه الإضافة ~~بحكم أمره ودينه الذي بعث به رسوله، ولهذا قرن هذا بالرسول، فإن أمره الذي ~~أمر به ما يحبه ويرضاه هو ما جاء به الرسول، وهذه الأموال الشرعية التي ~~يحكم بها بأمر الله ورسوله ليست كالأموال التي ملكها لعباده. # ولهم أن يفعلوا فيها ما أحبوا إذا لم يكن محرما، ولهذا قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا، وإنما أنا قاسم أضع ~~حيث أمرت" (4). PageV04P264 # وهذا باب قد نبهنا على أصله، وبينا الفرق بين النوعين، وإذا كان كذلك ظهر ~~ضعف القياس الذي قاسه، وتبين أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا عمل ~~المؤمن من أمته عملا فله مثل أجره، فإذا أهدى له ثوابه فإنما أهدى له مثل ~~ما حصل للرسول سواء بسواء، وهما من جنس واحد ومقدار واحد، وإنما ملكه الرب ~~لعباده إذا أنفقوه في طاعته، فليس كونه أنفق حيث يحبه ويرضاه مثل كونه ~~مملوكا ملكا قدره وقضاه. # يبين هذا أن الله سبحانه هو يملك الأموال المحرمة في الشريعة، فالظالم ~~والغاضب إذا أخذ مالا فالله هو أيضا مالكه، وقد ملكه إياه قدرا لا شرعا ~~ودينا، ولو أنفق منه لم يتقبل الله منه، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إن الله لا يتقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" رواه مسلم (1) وغيره، ~~فالنفقة المقبولة لابد أن تكون من مال أذن في إنفاقه شرعا، لا يكفي الإذن ~~القدري الكوني، واسم الرزق في كتاب الله يراد به ما ملك شرعا ويراد به ما ~~يتنعم به الحي، فالأول يختص بالحلال، والثاني يتناول كل ما ينتفع به ~~الحيوان وإن [كان] مما لا يملك كالبهائم، وإن كان حراما، فالأول كقوله ~~(ومما رزقناهم ينفقون (3)) (2)، والثاني كقوله: (وما من دابة في الأرض إلا ~~على الله رزقها) (3). والقدرية منعوا أن يكون ms0686 الحرام مرزوقا PageV04P265 ### ||| CHECK - ما يرد على هذا القول وما يجاب به عنه ### ||| CHECK - من قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - له مثل أجور أمته، فلا حاجة إلى الإهداء # بناء على أصلهم في أن الله لم يخلق أفعال العباد، فتناول العبد له ليس ~~عندهم مقدورا لله، ولا هو ملكه إياه، وهو قول باطل. # فإن قيل ما ذكره المعترض عليه -من كون النبي - صلى الله عليه وسلم - له مثل # أجور أمته، فلا حاجة إلى الإهداء- ضعيف من وجهين: # أحدهما: أن الابن من كسب أبيه، ودعاؤه مستثنى من عمله المنقطع، ومع هذا ~~فالابن يتصدق عن أبيه بالسنة والإجماع، وكذلك يحج عنه، بل ويصوم عنه، ~~بالسنة الصحيحة. # الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا حصل له مثل أجر العالم من ~~أبيه أمكن أن يحصل له مثل ذلك أيضا بطريق الإهداء إليه، فلا منافاة بين ~~الأمرين. # قيل عن الأول من وجهين: # أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل للأب مثل عمل جميع ~~أمته، ولا يعلم دليلا على ذلك، وإنما جعل ما يدعوه الابن له من عمله الذي ~~لا ينقطع، بخلاف الداعي إلى هدى كان له، حصل له مثل أجر المدعو، وهذا الفرق ~~ظاهر، وهو أن الداعي إلى هدى أراد إرادة جازمة فعل ذلك الهدى بحسب قدرته، ~~وهو لم يقدر إلا على الأمر به والدعاء إليه، ومن أراد عملا إرادة جازمة ~~وعمل منه ما يقدر عليه كان بمنزلة العامل له، كما قد بسطنا هذه المسألة في ~~غير هذا الموضع، وبينا فصل الخطاب فيما تنازع الناس فيه من الإرادة ونحوها ~~من أعمال القلوب إذا لم يدربه من عمل الجوارح، هل PageV04P266 # يترتب عليه عقاب أم لا؟ فمن الناس من جزم بالأول، ومنهم من جزم بالثاني، ~~وقد يحكى ذلك إجماعا. # واحتج هؤلاء بأحاديث الهم (1) ونحوها، وهؤلاء بقوله؟ "إنه أراد قتل ~~صاحبه" (2)، وقوله: "فهما في الأجر سواء" (3) ونحوهما. # وقد بينا أن الإرادة الجازمة لابد أن يدربها من عمل الجوارح ما يقدر عليه ~~العبد، وحينئذ فيترتب عليها العقاب، ms0687 كالذي يهم بالذي يتمنى وينظر، ويفعل ~~بعض المحرمات ويترك الباقي عجزا، كالذي أراد قتل أخيه بذل مقدوره في قتله ~~حتى قتل، بخلاف من هم ولم يفعل مقدوره كالذي هم بسيئة ولم يفعلها أصلا، ~~فهذا لا تكون إرادته جازمة. وكذلك قوله: "فهما في الأجر سواء، وهما في ~~الوزر سواء"، لأن كلا منهما قال بلسانه: لو أن لي مثل ما لفلان لفعلت فيه ~~مثل ما فعل، فلما أراد إرادة جازمة وفعل مقدوره صار كالفاعل. # والله تعالى في كتابه ذكر الفعل، وذكر ما يتولد عنه، وجعله من عمل العبد، ~~كما في قوله: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا ~~يطأون موطئا يغيظ PageV04P267 # الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين) (1)، فهذه الأمور لم يفعلوها، ثم قال: (ولا ينفقون نفقة ~~صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب) (2)، فالإنفاق وقطع الوادي نفس ~~عملهم، فكتب، وما تقدم أثر عملهم الصالح، فكتب لهم به عمل صالح، كدعاء ~~الولد فإنه أثر عمل الوالد، وإن كان الوالد لم يقصد دعاءه، كما لم يقصد ~~هؤلاء ما حصل من الظمأ والمخمصة والنصب، وأما الداعي إلى الهدى فهو قصد هدى ~~المدعوين ولم يفعلوا ما أمرهم به، وبذل مقدوره في فعلهم، فصار قاصدا للفعل ~~عاملا ما يقدر عليه في حصوله، فله أجر الفاعل، وكذلك من سن سنة حسنة ومن سن ~~سنة سيئة، والبيان للفعل الذي هو رسمه ليحتذى، فهو يقصد أن يتبع فيه. # فإن قيل: فقد ثبت في الصحيحين (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول ~~من سن القتل". وهو لم يقصد أن يقتل كل قاتل. # قيل: هو - صلى الله عليه وسلم - لم يقل هنا إن عليه مثل ألم كل قاتل، بل ~~قال: "عليه كفل من دمها"، لأن ذلك من أثر فعله، كما كتب ابتداء بهذا الفعل، ~~وقد قال تعالى ms0688 في حق أئمة الكفر: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا ~~سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم PageV04P268 # من شيء إنهم لكاذبون (12) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن ~~يوم القيامة عما كانوا يفترون (13)) (1)، وقال: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ~~القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) (2). فما تولد عن فعل العبد ~~يحصل له منه ثواب وعقاب وإن لم يقصده، ولكن حصول مثل أجر العامل فرع أخص من ذلك. # الجواب الثاني، وهو من الوجه الثاني بأن يقال: إذا كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يحصل له مثل أجر العامل، فأهدى له العامل عملا، فلابد أن يثاب ~~العامل على إهدائه، فيكون للنبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل إهداء الثواب ~~أيضا، فإهداء هذا الثواب إن جوز لزم التسلسل، وإن لم يجوز فما الفرق بين ~~عمل وعمل؟ بخلاف الولد إذا بر والده بدعاء أو صدقة عنه أو نحو ذلك، فإن ~~الله يثيب الولد على ذلك، ولا يلزم أن يحصل للوالد مثل أجر الابن وإحسانه ~~إلى أبيه، لأن الأب لم يدعه إلى هذا الإحسان. ولا يلزم من صلى منا أو سلم ~~عليه بأن الله يصلي على المصلي عشرا، ويسلم على المسلم عشرا، ويحصل للرسول ~~مثل ذلك لدعائه إلى هذا الهدى، ولا يفضي إلى هذا التسلسل، فإن هذا الأجر ~~ليس من عمل المصلي، بخلاف ما إذا أهدى الثواب، فإن إهداء الثواب عمل فيلزم ~~أن يحصل له مثله، فإن جوزنا أن يهدى ثواب الإهداء لزم التسلسل. فنحن بين ~~أمرين: إما أن نقول: يهدى إليه عمل، فيلزم أن يهدى إليه ثواب الإهداء، PageV04P269 ### ||| CHECK - لماذا لم يكن السلف يحجون ويعتمرون ويذبحون عن أئمتهم؟ # وهلم جرا، [وهذا] يلزم التسلسل. أو نقول: لا يهدى إليه، بل ما حصل له من ~~الأجر المساوي لأجر العامل هو غاية المقصود، وعلى هذا لا يحصل التسلسل. ~~وعلى هذا فيقال: لا يهدى إلى من له مثل ثواب العامل كالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وكالمعلم للخير من الشيوخ ونحو ذلك، وهذا موافق لطريقة السلف في ~~كونهم لم يكونوا ms0689 يهدون لمثل هؤلاء لا ثواب العبادات البدنية ولا المالية. # وأما تضحية علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن صح ذلك فإنه كان ~~بإذنه، كما لو وصى بصدقة وغيرها فإنها تنفذ باتفاق المسلمين، فإن الوصي ~~بمنزلة الوكيل في ذلك، والموصي هو العامل لذلك في الحقيقة، كالمستنيب في ~~إيتاء الزكاة وفي ذبح الأضحية وغير ذلك، فليس هذا من هذا، وإنما كانوا ~~يدعون لهم. # ولكن يقال: هب أن هذا مستقيم فيما يعمله الإنسان لنفسه من الفرائض ~~والنوافل، فإذا أنشأ عملا آخر ليجعل ثوابه لهم فما المانع من ذلك من ~~العبادات البدنية والمالية؟ وهلا كان السلف يتصدقون ويحجون ويعتمرون ~~ويذبحون عن أئمتهم الذين علموهم الدين؟ # وسيد هؤلاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن الصدقة عن الموتى ~~ونحوها تصل إليهم باتفاق المسلمين. # فيقال: الجواب عن هذا هو الجواب عن الأول، وذلك أنهم إذا أهدوا لهم ثواب ~~عمل وجب أن يكون لهؤلاء أجر على هذا الإهداء، وأن يكون لمن دعاهم إلى هذا ~~الخير وعلمهم إياه مثل أجرهم كلى ذلك، وهذا الداعي إلى الخير عنى أن يهدى ~~إليه ثواب PageV04P270 # العمل، فلم يبق في الإهداء فائدة، بل فيه إخراج العامل الثواب عن نفسه من ~~غير فائدة تحصل لغيره، إذ العامل يثيبه الله على عمله، ويعطي من دعاه إليه ~~مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئا، فإذا أهداه وبذل ثوابه لغيره فإن لم ~~يثب على هذا الإهداء بمثل ثواب العمل كان ذلك ضررا في حقه، من غير منفعة ~~حصلت للمهدى إليه، لأن هذا العامل فاته ثواب العمل أو كمال الثواب، وذلك ~~المهدى إليه كان قد حصل له مثل هذا الثواب، فلم يحتج إليه. ولو قدرنا أنه ~~يحصل له ثوابه مرتين فلا ثواب يبقى لهذا، فالله تعالى لا يأمر بمثل هذا ولا ~~يشرعه، ولا يأمر أحدا أن ينفع غيره في الآخرة بغير منفعة تحصل له لا في ~~الدنيا ولا في الآخرة، بل الله تعالى إنما يأمر بالإحسان لأنه يجزي ~~المحسنين على إحسانهم، والجزاء من جنس العمل، ms0690 كما قال - صلى الله عليه وسلم ~~- في الحديث الصحيح (1): "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه ~~كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا ~~والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ~~ما كان العبد في عون أخيه"، وقال (2): "من صلى علي مرة صلى الله عليه ~~عشرا"، وقال (3): "ما من مؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ~~ملكا، كلما دعا لأخيه بدعوة قال PageV04P271 # الملك الموكل: آمين، ولك بمثل". والأحاديث في ذلك كثيرة. # وإن قيل: إنه يثاب على هذا الإهداء مثل ثواب العمل لزم أن يكون لمعلمه ~~مثل ذلك ولزم التسلسل، فصار الأمر دائرا بين ضرر العامل -والله لا يأمر به- ~~وبين التسلسل في الجزاء على العمل الواحد، وهو ممتنع، فلهذا لم يشرع مثل ذلك. # فإن قيل: فهذا ينقض بدعائه لمن دعاه وعلمه ونحو ذلك. # قيل: هذا ونحوه من باب المكافأة، كما في الحديث (1): "من أسدى إليكم ~~معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه". وقد ~~قال تعالى: (هل جزاء الأحسان إلا الأحسان (60)) (2). وهم إذا كافأوا المحسن ~~بالدعاء انتفع بدعائهم له، وحصل لهم ثواب المكافأة، فحصل له مثل ثوابهم على ~~المكافأة التي دعاهم إليها فلم يتضرر، وإن لم يتسلسل الأمر بل يكون فعلهم ~~المكافأة له لفعله المكافأة لغيره وسائر ما يعملونه من العدل والإحسان الذي ~~دعاهم إليه. # ولهذا جاءت الشريعة في حق نبينا - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة عليه ~~والتسليم وسؤال الوسيلة له - صلى الله عليه وسلم - تسليما، فنحن إذا صلينا ~~عليه أثبنا على صلاتنا عليه، وله مثل ذلك الأجر لكونه هدانا إلى ذلك، وذلك ~~من PageV04P272 ### ||| CHECK - الفرق بين الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين إهداء الثواب للوالدين ونحوهما # المنفعة التي حصلت له بالدعاء. وبهذا تزول شبه تعرض في هذا الموضع، فإن ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا" يوهم ~~أنه يحصل ms0691 للمصلي أكثر ما يحصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - مثلها، من جهة ~~كونه دعاه إلى هذا الخير لا من جهة صلاة العبد، ويحصل بصلاة العبد أيضا ما ~~جعله الله لذلك. # فقد ظهر الفرق بين هذا وبين إهدائه لوالديه ونحوهم، كما أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سعد بن عبادة بالصدقة عن أمه ولم يكن واجبا عليها، إذا ~~ثبت بالسنة أنه يفعل عن الوالد الواجب وغير الواجب، فقد ظهر الفرق من وجهين: # أحدهما: أنه لم يثبت أن كل عمل يعمله الولد يكون لأمه أو لأبيه مثل أجره، ~~وإنما قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ~~ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (1). وفي الحديث ~~الآخر: "إن الرجل إذا قرأ القرآن فإنه يكسى والداه من حلل الجنة" (2)، ~~ويقال: بأخذ ولدكما القرآن"، ونحو ذلك مما فيه أن الوالد يحصل له نفع وثواب ~~بعمل ولده، لكن لا يجب أن يكون مثله، ولو كان لكل والد من عمل أولاده لكان ~~لآدم PageV04P273 # من أعمال الأنبياء من ذريته، وكذلك نوح وغيره، وليس كذلك، بخلاف الداعي ~~إلى الخير كنبينا - صلى الله عليه وسلم -، فإن له مثل أعمال أمته التي ~~دعاهم إليها، فأجر المعلم الداعي للخير مثل أجر المدعو العامل، بخلاف ~~الوالد والولد، ولهذا حق النبي وخلفائه في دعوته على المدعوين والمعلمين ~~أعظم من حقوق الآباء، كما قال تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~وأزواجه أمهاتهم) (1)، وفي القراءة الأخرى: "وهو أب لهم" (2). # وقد تكلم الناس في هذا المقام بكلام كثير، قالوا: هذا هو الأب الروحاني، ~~وهذا هو الأب الجثماني، وهذا هو سبب للسعادة الأبدية من الدار الآخرة، وهذا ~~سبب لوجوده في الدنيا. وبالجملة فالداعي إلى الخير قصد أن يعمل المدعو ذلك ~~الخير، وسعى في ذلك بحسب وسعه، فهو قد قصد العمل الصالح الذي فعله المدعو، ~~أو قصد نفع المدعو، وأما الوالد فقد يقصد هذا وقد لا يقصده، ولو قصده ~~بالدعوة إلى حصول المدعو أقرب من نفس وجود الولد ms0692 إلى حصول سعادته، فإنها هي ~~السبب القريب ووجود السبب البعيد، ومعلوم أن الإنسان يجب عليه إن يطع معلمه ~~الذي يدعوه إلى الخير ويأمره بما أمره الله به ورسوله، ولا يجوز له أن يطيع ~~أباه في مخالفة هذا الداعي، بل طاعة هذا الداعي طاعة لله ورسوله، وطاعة ~~الوالد لمخالفة هذا الداعي طاعة PageV04P274 # للشيطان، قال تعالى: (ووصينا الأنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن ~~وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك ~~بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من ~~أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) (1)، فوصاه سبحانه ~~بوالديه، ثم نهاه عن طاعتهما إذا جاهداه على الشرك، فكان في هذا بيان أنهما ~~لا يطاعان في ذلك وإن جاهداه، وأمر مع ذلك فصاحبهما في الدنيا معروفا، ~~وأمره باتباع سبيل من أناب إليه، وسبيل أهل الإنابة هي سبيل المؤمنين ~~المتقين، أهل طاعة الله ورسوله. فالداعي إلى هذا السبيل هو أمر بما أمره ~~الله به، فيجب عليه طاعته، فإذا أطاعه كان للداعي بمثل أجره. أما الوالد ~~فيصاحبه في الدنيا معروفا ويحسن إليه، وإن من يجب عليك طاعته إلي من تؤمر ~~بمعاشرته بالمعروف والإحسان إليه وتنهى عن طاعته إذا خالف الأول، فهذا ~~المعلم فأجره أعظم وطاعته أوجب. وأما الوالد فلا يستحق مثل أجر الولد إذا ~~لم يدعه إلى ما عمله، فيكون في الإهداء إليه تحصيل أجر لم يحصل له مثله. # وظهر الفرق الثاني، وهو أنه إذا لم يستحق مثل أجره أمكن أن يهدي إليه ~~الثواب، ويثاب الولد على برهما بذلك، فيكون له مثل أجر بره لهما، فلا يفضي ~~ذلك إلى التسلسل في ثواب العمل الواحد، ولا إلى تضرر الولد، فلهذا كان ~~مشروعا مسنونا، ولو قدر أن المعلم كان والدا، وعلم ولده الخير كله، كان له ~~مثل أجر عمل PageV04P275 # الولد من حيث هو معلم، وله أجر بعمله الصالح، وإن لم يكن مثل أجر الوالد، ~~والولد إذا تصدق عن هذا من حيث ms0693 هو والده كان هذا أيضا مشروعا لما تقدم. # وتبين بهذا الجواب عن الوجه الثاني، وهو قوله "يمكن حصول الثواب للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مرتين" بوجهين أيضا، أحدهما: أن ذلك يفضي إلى ~~التسلسل، إذا كان للعامل بإهدائه مثل أجره وإن لم يكن له أجر، فقد تبين بما ~~ذكرناه ما يعلم به جواب السؤال. # وقول القائل "حق النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب من حق الوالد" كلام ~~صحيح، إذ حقه بوجوب طاعته، فله بمثل أجرها بخلاف الوالد كما تقدم. # وأما أزواجه أمهات المؤمنين فلهن من الاحترام ما ليس لأم الوالدة، ويحرم ~~نكاحهن كما يحرم نكاح أم الولادة، لكن أم الولادة ذات محرم يجوز الخلوة بها ~~والنظر إليها والسفر معها، كما يجوز لسائر ذوات المحارم. وأما أمهات ~~المؤمنين فلا يجوز ذلك في حقهن إذ هن أمهات في الحرمة لا في المحرمية. # وأما قول القائل: "هلا فعل ذلك أبو بكر وعمر" فكلام صحيح، وأما قول الآخر ~~"وما يدريك قد فعله علي حين ضحى عنه" فليس بجواب صحيح، فإنا نعلم أنه لم ~~يكن يفعل ذلك لا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، وتضحية علي إن صح ~~الحديث فيها فإنما فعله بإذنه كما تقدم، ومثل هذا لا نزاع فيه، فإنه من باب ~~النيابة عن الوصي، وقد تقدم أن نفس حديث التضحية ما PageV04P276 # يدل على أنه لا يفعل هذا وأمثاله بغير إذنه، فإن في الحديث أن حنش ~~الصنعاني قال: رأيت عليا يضحي بكبشين، فقلت له: ما هذا؟ فقال: إن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وصاني أن أضحي عنه، فأنا أضحي عنه. فسؤال حنش لعلي ~~دليل على أنه لم يكن من المعروف عندهم أن تفعل العبادات البدنية أو المالية ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجواب علي له بقوله "إن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وصاني أن أضحي عنه" دليل على أنه إنما فعل ذلك لأجل ~~الوصية، وأنه لو لم يوصه لم يفعل ذلك. ولو كان هذا ونحوه مما يفعل بوصية ~~وبغير وصية ms0694 لكان علي يجيب بهذا الجواب أيضا، فإنه يكون أعم فائدة وأقطع ~~لسؤال السائل، لأنه هو الذي نقل أنه وصاه، وأما كون ذلك يفعل عنه فدليل هذا ~~يشترك فيه علي غيره، ثم كان ينتفع بذلك في جميع العبادات أو في العبادات ~~المالية. # وأما قول القائل: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد دعا الناس إلى ~~الهدى والخير كله، وله أجر كل من اتبعه" فكلام صحيح كما تقدم، لكن قد تقدم ~~فساد هذا القياس وبطلان هذا، وتبين أن كونه سبحانه وتعالى مالكا لكل شيء ~~وربه وخالقه لا يستلزم وجود الإيمان والعمل الصالح من العبد إلا بأمره بذلك ~~وبهديه إليه، فإنه سبحانه رب المؤمن والكافر والبر والفاجر، وله الدنيا ~~والآخرة، وهذه الربوبية العامة الشاملة لكل شيء يشترك فيها أولياؤه ~~وأعداؤه، وأهل جنته وناره، وإنما يفترقون في توحيد إلهيته، وهي عبادته وحده ~~لا شريك له وطاعته وطاعة رسوله، فمن قام بهذا التوحيد والطاعة كان مؤمنا ~~سعيدا، ومن لم يقم بها كان كافرا شقيا، وأنه PageV04P277 ### ||| CHECK - عودة إلى الكلام على الفرق بين الحقائق الكونية والحقائق الدينية # رب هذا وهذا: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم ~~جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ~~وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ~~وما كان عطاء ربك محظورا (20)) (1). # وقد بسطنا الكلام على هذا الأصل العظيم في مواضع كثيرة، وبينا ما وقع من ~~غلط الغالطين الذين لم يفرقوا بين الحقائق الكونية المتعلقة بمشيئته، وبين ~~الحقائق الدينية المتعلقة برضاه ومحبته وإلهيته، فإن الحقيقة الكونية أقر ~~بها اليهود والنصارى بل المشركون عباد الأصنام، كما قال تعالى (ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) (2)، وقال تعالى: (قل لمن الأرض ومن ~~فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم (85) سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل ~~من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم ms0695 تعلمون (88) سيقولون ~~لله قل فأنى تسحرون (89)) (3). # وكثير من أهل السلوك يشهدون هذه الحقيقة وتوحيد الربوبية، فيظنون أنهم ~~وصلوا إلى الغاية المطلوبة من أهل التحقيق والمعرفة والتوحيد، حتى إن منهم ~~من يكون في الباطن من المعاونين للكفار والفساق بحاله، ويظن أنه متصرف بأمر ~~لمشاهدته الحقيقة الكونية، PageV04P278 # ومنهم من يظن أنه من وصل إلى مشاهدة هذه الحقيقة سقط عنه الأمر والنهي ~~الشرعيان، ومنهم من قد يتوهم أن وجود الخالق هو المخلوق فيقع في وحدة ~~الوجود، فيكون في أول أمره يقول (1): # الرب حق والعبد حق يا ليت شعري من المكلف # إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف # وفي آخر أمره يقول: فالآمر الخالق المخلوق، والآمر المخلوق الخالق، ~~والعلم والعالم هويته وصورته، وهو الموصوف بكل مدح وذم وكل جمال وكل نقص، ~~وأمثال ذلك مما قد عرف من كلام هؤلاء الملحدين الذين يقولون من الكفر ما لم ~~يقله اليهود ولا النصارى ولا عباد الأصنام، ويدعون أن هذا تحقيق وعرفان ~~وتوحيد. # وأصل ذلك عدم الفرق بين ما يحبه ويرضاه وما لا يحبه ولا يرضاه، وإن كان ~~قد قدره وقضاه، فيجعلون المخلوقات متساوية، ثم يسوون بين الخالق والمخلوق، ~~ويجعلونه إياه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ولهذا يفرق ~~بين عباد الله: بين العبد الذي عبد الله بقدرته ومشيئته وربوبيته، وبين ~~العابد الذي عبد الله فعبده وحده لا يشرك به شيئا، وأطاع أمره الشرعي ~~الديني، فالأول كقوله تعالى: (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا (93) PageV04P279 # لقد أحصاهم وعدهم عدا (94)) (1)، والثاني كقوله: (إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان) (2)، وقوله: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا) (3)، وقوله: ~~(عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6)) (4)، وقوله: (سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا) (5)، (وأنه لما قام عبد الله يدعوه) (6)، (وإن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا) (7)، (فأوحى إلى عبده ما أوحى (10)) (8). # وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام في الفرق بين الإرادة الكونية ~~والدينية، كقوله (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (9)، وقوله: ms0696 ~~(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا) (10)، وبين الأمر الكوني والديني، والإذن الكوني والديني، والبعث ~~الكوني والديني، والإرسال الكوني والديني، وكذلك القضاء والحكم والكتاب ~~والتحريم وغير ذلك مما يفرق به بين الحقائق الدينية الإيمانية PageV04P280 ### ||| CHECK - التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة ليس من جنس طاعة المخلوق المملوك لمالكه لوجوه كثيرة # القرآنية النبوية الشرعية الإلهية الفارقة بين أولياء الله وأعدائه، ~~والحقائق الكونية الوجودية الخلقية القدرية الملكية. # فإذا عرف هذا فتقرب العباد بفعل ما أمرهم من صلاة وصدقة وغير ذلك مما ~~يحصل لهم من الإيمان والعمل الصالح الذي يحبه ويرضاه ما يحصل ويستحقون به ~~الثواب في الدنيا والآخرة، وليس بحاصل من مجرد كون الأشياء مخلوقة له، بل ~~إنما يحصل من جهة أمره لما يحبه ويرضاه، وإرساله الرسل بذلك وإنزاله الكتب، ~~ودعوتهم للعباد إلى ذلك، ثم هدايته لمن يشاء إلى صراط مستقيم. # والتقرب إلى الله بالأعمال وطاعته منها ليس من جنس طاعة المخلوق المملوك ~~لمالكه من وجوه كثيرة، أحدها أن الأمر كما قال قتادة: إن الله لم يأمر ~~العباد بما أمرهم به حاجة إليه ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا به، وإنما ~~أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم. وأما السيد والملك فهو يأمر ~~عبده وجنوده بما هو محتاج إليه. وفي الحديث الصحيح الإلهي (1) يقول الله: ~~"يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني". وفيه: ~~"يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا ~~فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". # وقد قال سبحانه وتعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها) (2)، PageV04P281 # وقال: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) (1)، قال لقمان: (ومن ~~يشكر فإنما يشكر لنفسه) (2)، وقال: (ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97)) (3). # فهو سبحانه يبين غناه عن أعمال خلقه، وأنهم إنما يعملون لأنفسهم، وإنما ~~هو سبحانه لكمال إحسانه وإنعامه على عباده المؤمنين ms0697 أمرهم بالجهاد، وأمرهم ~~بالصدقة، وأخبر أن ذلك نصر له، وإقراض منه، فقال تعالى: (إن تنصروا الله ~~ينصركم) (4)، وقال تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) (5)، وهم إنما ~~يجاهدون ويتصدقون بإعانته لهم، وهو المحسن بالأمر إليهم، وهو المحسن ~~بالإعانة لهم، وهو المحسن بالجزاء لهم، وقد قال تعالى (ولو يشاء الله ~~لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض) (6). # وكذلك لو شاء أن يغني الفقراء فلا يقترض لهم من الأغنياء ما يثابون عليه ~~إذا أعطوه لهم، وهذا النصر له والقرض بحكم إلهيته المتضمنة لعبادته وحده لا ~~شريك له وطاعته طاعة رسوله، ثم الذي هو يخلق ذلك ويبشره بحكم ربوبيته، فله ~~الحمد في الأولى PageV04P282 # والآخرة، وله الحكم وإليه يرجعون. لا رب غيره ولا إله إلا هو، كما أنه هو ~~المنعم بالنعمة، والمنعم بالشكر عليها، والمنعم بجزاء الشاكرين. ولهذا ~~التوحيد أسرار علوية مذكورة في غير هذا الموضع، تتعلق بتحقيق مسائل الصفات ~~والشرع والقدر ليس هذا موضعها، قد نبهنا إليها في غير هذا الموضع. # فمن سوى بين ... (1) كان من جنس الذين قال فيهم (لقد سمع الله قول الذين ~~قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق) ~~(2)، فإن هؤلاء المجادلين جعلوا اقتراضه كاقتراض المخلوق من المخلوق ~~لحاجته، وكيف يقترض من هو خالق المقترض والمقرض وخالق أعيان ذلك وصفاته ~~وأفعاله، فمن جهة الربوبية العامة الشاملة للبر والفاجر جمع المقرض، ولكن ~~تصح من جهة الألوهية التي أقر بها أهل التوحيد الذين يشهدون أن لا إله إلا ~~هو، وأنه المستحق للعبادة والطاعة دون من سواه، فيكونون عابدين له بالجهاد، ~~ولهذا كان الكفار رحمة في حق المؤمنين الذين جاهدوهم فنالوا بجهادهم أعلى ~~الدرجات، وكذلك وجود الفجار في حق من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ~~حتى ينال أعلى الدرجات. وكذلك وجود الفقراء في حق الأغنياء الذين بهم حصل ~~لهم ثواب الصدقات، والله قد ابتلى بعضنا ببعض، فمن أعانه على أن أطاعه في ~~الابتلاء كان الابتلاء رحمة في PageV04P283 # حقه، بخلاف من خذله فعصاه. ويشهد لهذا الحديث الذي في ms0698 صحيح مسلم (1) عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يقضي الله ~~للمؤمن بقضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء ~~فشكر كان خيرا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له". فالمؤمن الذي من ~~الله عليه بالشكر والصبر يكون جميع القضاء خيرا له، بخلاف من لم يشكر ولم يصبر. # الوجه الثاني من الفرق: أن الله إذا أمر العباد بأمر فهو الذي يعينهم على ~~طاعته فيه، فهو الآمر، وهو الخالق للمأمور والمأمور به لذاته وصفاته ~~وأفعاله، فله الحمد في خلقه وأمره، والعبد إذا أمر العبد كأمر السيد عبده ~~فهو محتاج إلى ما أمره به، وليس هو خالق أفعاله، بل إنما يفعله العبد ~~بإعانة الله له، ولكن على السيد نفقته وكسوته بالمعروف، فالأمر بينهما فيه ~~معاوضة. وكذلك معاملة المخلوق للمخلوق فيها معاوضة من الطرفين، هذا يعين ~~هذا بما لا يقدر عليه هذا، وهذا يعين هذا بما لا يقدر عليه هذا، حتى تتم ~~مصلحتها في الدنيا والآخرة، والخالق تعالى هو المعين للجميع، الخالق المحسن ~~إلى الجميع، وأعظم نعمته عليهم أن أمرهم بالإيمان وهداهم إليه، فهؤلاء هم ~~أهل النعمة المطلقة المذكورين في قوله: (اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط ~~الذين أنعمت عليهم (7)) (2)، كما قال تعالى (ومن يطع الله والرسول فأولئك ~~مع الذين PageV04P284 ### ||| CHECK - كل مخلوق فهو محتاج إلى الله مفتقر إليه # أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) (1). # الوجه الثالث: أن الله سبحانه من عليهم بالثواب على العمل وينعم عليهم ~~بذلك، والعبد إذا عمل لسيده لم ينتظر ثوابا غير ما يستحقه من النفقة عليه. # فهذا القائل الذي قال: "الكون كله له، ونحن نتقرب إليه منه بشق تمرة"، ~~وقاس على هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون له مثل أجرنا ويهدي ~~إليه من ذلك ما يهديه، غالط غلطا عظيما. بل حقيقة هذا القول يؤدي إلى الكفر ~~العظيم. وإن كان هذا الذي قاله لم يفطن لما يؤدي إليه، حيث جعل حصول الثواب ~~المهدى إلى النبي - صلى ms0699 الله عليه وسلم - بمنزلة الصدقة التي يتقبلها الله، ~~فجعل وصول ثواب الأعمال إلى المخلوق بمنزلة ما يتقرب به إلى الخالق من صدقة ~~وغيرها، وأين هذا من هذا؟ كل مخلوق فهو محتاج إلى الله مفتقر إليه، والحاجة ~~والفقر للمخلوق وصف لازم، لا يفارقه لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل العبد ~~محتاج إلى الله من جهة ألوهيته ومن جهة ربوبيته، فهو محتاج إلى أن يعبد ~~الله لا يعبد غيره، ومحتاج إلى أن يستعين بالله لا يستعين بغيره، كما قال ~~تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين (5)) (2)، فإن لم يعبده بل عبد غيره أو ~~أعرض عن العبادة خسر الدنيا والآخرة، وإذا وجبه سبحانه على عبادته لكان ~~مخذولا لا يقدر لعبده، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، PageV04P285 # ولا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ ولا منجأ إلا إليه. # ولهذا قيل: إن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب جعل سرها في الكتب ~~الأربعة، وجعل سر الأربعة في القرآن، وسر القرآن في المغصل، وسر المفصل في ~~الفاتحة، وسر الفاتحة في (إياك نعبد وإياك نستعين). وهذه هي التي نصفها ~~للرب ونصفها للعبد، فإن العبادة حق لله، كما قال في الصحيحين (1): إنه - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "يا معاذ! أتدري ما حق الله على عباده؟ "، قلت: ~~الله ورسوله أعلم، قال: "أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد ~~على الله إذا فعلوا ذلك؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حقهم عليه أن لا ~~يعذبهم". # والكلام في استحقاقه العبادة لها أسرار ليس هذا موضع بسطه، وإذا كان ~~العباد كلهم فقراء إلى الله، والله يرحمهم بما يشاء من الأسباب، ومن ذلك ~~دعاء بعضهم لبعض، وإحسان بعضهم إلى بعض، وإن كان هو سبحانه يثيب الداعي ~~والمحسن، والدعاء يكون من الأعلى للأدنى، ومن الأدنى للأعلى، وليس في هذا ~~غضاضة بالأعلى، فإن الله هو الذي أمر الأدنى بالدعاء كما أمرنا بالصلاة ~~والسلام على خير الخلق، وهو الذي يثيبنا على ذلك بالحسنة عشرا للأمة على ~~النبي - صلى الله عليه ms0700 وسلم -، بل لله عليه أكمل المنة والنعم، ونعمة الله ~~عليه أعظم نعمة أنعم بها على مخلوق - صلى الله عليه وسلم -، وما من به ~~علينا من الثواب على الصلاة عليه وسائر أعمالنا فقد من عليه بمثله، لدعائه PageV04P286 ### ||| CHECK - على العبد آن يلاحظ التوحيد والإنعام # لنا إلى ذلك، مضافا إلى ما من به عليه من أجر عمله. # والخالق سبحانه إذا تقربنا إليه بأن نتصدق على العباد بشق تمرة فذاك ~~إحسان منا إلى أنفسنا، وهو الذي أعاننا على ذلك، وإذا كان هو يحب ذلك ~~ويرضاه بل يفرح بتوبة التائبين كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، فحبه ~~ورضاه وفرحه لمخلوق عليه منه منة، فإنه الذي خلق ذلك كله، بل له النعمة على ~~المخلوق الذي أنعم عليه بذلك. كان - صلى الله عليه وسلم - يقول عقيب الصلاة ~~(1): "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل ~~شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله ~~الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". # فعلى العبد أن يلاحظ التوحيد والإنعام، قال تعالى: (فادعوا الله مخلصين ~~له الدين) (2)، (الحمد لله رب العالمين (2)) (3) فالخالق سبحانه ليس محتاجا ~~إلى المخلوق بوجه من الوجوه، بل هو الغني عنه، وما أحبه ورضيه وفرح به من ~~أعمال العباد فهو الذي خلقه سواء كان صدقة أو غير صدقة، والمخلوق سواء كان ~~نبيا أو غير نبي هو محتاج إلى الخيرات، والله هو الذي يعينه بأسباب ييسرها، ~~وإذا ساق إليه خيرا على يدي العباد أثاب العباد على ذلك، فما يسوقه على يدي ~~العباد من النفع بصلاتهم عليه وسلامهم PageV04P287 ### ||| CHECK - من شبه الله بخلقه فقد كفر # عليه ومسألتهم له الوسيلة ونحو ذلك هو خالقه، وهو مجازي العباد، والله ~~غني عن كل ما سواه، وهو الخالق لكل ما يحبه ويرضاه، فكيف يقاس هذا بهذا؟ ~~فمن شبه الله بخلقه فقد كفر. # ومثل ذلك مثل المشركين والنصارى ومن ضاهاهم من ضلال هذه الأمة الذين ms0701 ~~يجعلون التقرب إلى الله بمنزلة التقرب إلى الملوك، ويقولون إذا كان المتقرب ~~إلى الملوك يحتاج إلى وسائل ووسائط وشفعاء من خواص الملك، فكذلك المتقرب ~~إلى الله، على هذا بنت الصابئة والنصارى وغيرهم دينهم الفاسد، وهذا أصل ~~عظيم، فإن العباد إنما يحتاجون إلى الوسائط في تبليغ أمر الله ونهيه وخبره، ~~وهو سبحانه قد أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل. وأما وجود الأعمال منهم والثواب على الأعمال فالله خالق ~~ذلك، لا يحتاج فيه إلى رسول، لكنه قد خلقه بأسباب وهو يخلق الأسباب، فالرسل ~~ليسوا أسبابا في خلق ذلك، وإنما هم أسباب في تبليغ الرسالة. # ولهذا قيل لأفضل الرسل: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ~~وهو أعلم بالمهتدين (56)) (1)، وقال: (إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي ~~من يضل) (2)، وقال تعالى: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ~~ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي) (3)، PageV04P288 # (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) (1)، وأنواع ذلك مما يحقق فيه أنه عبد ~~الله، مطيع لربه، مبلغ لرسالته، وأن الله هو الذي يخلق ويرزق ويعطي ويمنع ~~ويهدي ويضل. كما كان يقول في دبر الصلوات: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا ~~معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (2). وكان ما فعله رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - هو أكمل المقامات، وأعلى الدرجات، وهو بذلك سيد ولد ~~آدم، وخير الخلق، وأكرمهم على الله، إذ ليس بين الخالق والمخلوق إلا نسبة ~~العبودية، فمن كانت عبوديته لله أكمل كان عند الله أفضل، (لن يستنكف المسيح ~~أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ~~فسيحشرهم إليه جميعا (172)) (3)، (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير (22) ولا ms0702 تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) (4). # فبين أن المخلوق ليس له ملك، ولا شريك في الملك ولا ظهير يعين الملك، بل ~~غايته الشفاعة عند الله، ولكن الشفاعة لا PageV04P289 # تنفع إلا لمن أذن له، (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)، (وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى)، ~~(وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول ~~وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى (28)) (1). # ولهذا كان سيد الشفعاء - صلى الله عليه وسلم - إذا جاء الخلائق يوم ~~القيامة يطلبون الشفاعة من آدم فيعتذر، ثم يطلبونها من نوح، ومن إبراهيم، ~~ثم موسى، ثم من عيسى، فيقول: اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر الله له ما تقدم ~~من ذنبه وما تأخر، قال: فأذهب إلى ربي، فإذا رأيت ربي خررت ساجدا، فأحمد ~~ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقول: أي محمد، ارفع رأسك، قل ~~تسمع، وسل تعطه، فأشفع" (2). فبين - صلى الله عليه وسلم - أنه. إذا أتى ربه ~~لا يشفع حتى يؤذن له، بل يبدأ بالسجود لله، والثناء عليه، فيأذن له ربه في ~~الشفاعة. # وهذا باب واسع. فإنهم شبهوا الخالق بالمخلوق، وشبهوا المخلوق بالخالق، ~~فجعلوا إهداء الهدية إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة الهدية إلى ~~الله، وكأنهم يتقربون إلى النبي كما يتقربون إلى الله، فجعلوا المخلوق كأنه ~~الرب الغني عنهم المجازي لهم على أعمالهم، PageV04P290 # وجعلوا الرب محتاجا إلى عباداتهم، مفتقرا إلى صدقاتهم، وإنهم يبغون ضره ~~ونفعه، وهذا دين المشركين والنصارى، بل المؤمن يعلم أن كل ما يعمله من ~~الخير مع أنبياء الله وأوليائه فإنما يطلب أجره من الله لا منهم، والمؤمنون ~~الذين أولهم أبو بكر الصديق إنما يطلب أجر إيمانهم وهجرتهم وجهادهم ~~وصدقاتهم من الله لا من - مخلوق، ولله يعملون لا لمخلوق، وقد قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه (1): "إن أمن الناس علي في ~~صحبته وذات يده أبو بكر، ms0703 ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا". # قال تعالى: (وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد ~~عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20)) (2). # وهذه الآية نزلت في الصديق (3)، وإن كانت متناولة لغيره، فإنه قد يراد ~~بها قطعا، وهي مما استدل به أهل السنة على أنه الأتقى، فيكون أكرم الخلق من ~~هذه الأمة، كقوله (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (4)، قالوا: ولا يجوز أن ~~تكون نزلت في على دونه، لأن عليا عليه السلام كان فقيرا في كفالة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، كفله لما وقعت بمكة المجاعة، فبعث الله نبيه وعلي ~~عنده صغير في كفالته، فآمن به كما آمنت به خديجة، ولم يكن له مال ينفقه ~~عليه. PageV04P291 ### ||| CHECK - المقصود أن الأعمال لا تعمل إلا لله، ولا يطلب أجرها إلا من الله # وأما أبو بكر فكان رجلا بالغا موسرا، فأعانه بنفسه وبماله، كما قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر" (1)، ~~وإن كانت نفقة أبي بكر في سبيل الله، لم تكن في مؤنة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مستغنيا في نفقة نفسه عن أبي ~~بكر وغيره، ولكن أعانه بالنفقة في سبيل الله، حيث اشترى سبعة يعذبون في ~~الله منهم بلال وغيره، وفعل غير ذلك. # والمقصود هنا أن الأعمال لا تعمل إلا لله، ولا يطلب أجرها إلا من الله، ~~وإن وصل بها نفع عظيم إلى الأنبياء وغيرهم، فالله هو المعبود، والرسل دعوا ~~إلى عبادة الله وطاعتهم، وبينوا أن الجزاء على الله لا عليهم، قال تعالى: ~~(فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب (40)) (2)، وقال تعالى: (وإما نرينك بعض ~~الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون (46)) ~~(3)، وقال: (فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22)) إلى قوله (إن ~~إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26)) (4). وقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول ms0704 الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (5). PageV04P292 # وكثير من أهل الجهل والضلال يطلبون جزاء أعمالهم من أولياء الله أو ~~أنبيائه، كأنهم يعبدونهم أو كأنهم عملوا لأجلهم، وإنما هم لهم دعاة وهداة ~~ومرشدون ومعلمون، ومعينون لهم على الخير بحسب ما يمكنهم من دعاء وغير دعاء، ~~يطلبون أجرهم من الله لا ممن دعوه وأعانوه، ولهذا كان كل من الرسل يقول: ~~(وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (109)) (1) وقال:) ~~(قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57)) (2)، ~~وهذا الاستثناء منقطع، وكذلك الاستثناء في قوله: (قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى) (3). # كما قد فسر ذلك ابن عباس، وحديثه في الصحيحين (4). # وكذلك من عمل صالحا ينتفعون به من ذكر وأنثى فإنما يطلب أجره من الله، ~~فنحن كل خير نفعله هو ببركة دعوة الرسول لنا إلى الخير، وأجرنا في ذلك على ~~الله لا على غيره، وله مثل أجورنا من الله لا منا، ولهذا أمرنا عند زيارة ~~القبور أن نسلم عليهم وندعو لهم كما نصلي على جنائزهم، ويكون أجرنا في ذلك ~~على الله، لا من صلينا على جنازته ولا على من زرنا قبره، ويكون رغبتنا إلى ~~الله، كما قال تعالى: (فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب (8)) (5). PageV04P293 # ولكن كثير من أهل الضلال صار يشبه النصارى، فينزل المخلوق بعد موته ~~بمنزلة الخالق، يطلب منه ما يطلب من الخالق، ويتقرب إليه بالهدية وغيرها، ~~يطلب الثواب منه كما يطلب من الخالق، وهذا إنما يفعل بالأنبياء والأولياء ~~بعد موتهم، لأنهم في حياتهم لا يمكنون أحدا من الإشراك بهم، كما قال ~~المسيح: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم ~~شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ~~(117)) (1)، وقال تعالى: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ~~ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ms0705 ولكن كونوا ربانيين بما كنتم ~~تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80)) (2)، فمن اتخذ ~~الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر. # ولهذا كان خاتم الرسل المبعوث بملة إبراهيم قد أقام الملة الحنيفية كما ~~نعت ذلك في الكتب المتقدمة، وثبت ذلك في الصحيح (3): "إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، لست بفظ ولا ~~غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا تجزي بالسيئة السيئة، ولكن تجزي بالسيئة ~~الحسنة والعفو، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، فأفتح به أعينا عميا ~~وآذانا صفا وقلوبا غلفا، بأن يقولوا: لا إله إلا الله". PageV04P294 # وفي الصحيح (1) أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تطروني كما أطرت ~~النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله". # وفي الصحيح (2) أيضا: أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ما فعلوا، قالت عائشة ولولا ~~ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا". # وفي الصحيح (3) أنه قال قبل أن يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور [مساجد]، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". وفي ~~السنن (4) عنه أنه قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تتخذوا قبري عيدا، ~~وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم". # وقد ثبت عنه في الصحيحين (5) أنه قال: "لتركبن سنن من كان قبلكم حذو ~~القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود ~~والنصارى؟ قال: "فمن؟ ". # وقد شرحنا هذا الحديث وتكلمنا على جمل ما وقع في ذلك من مخالفة الصراط ~~المستقيم في غير هذا الموضع (6). والمقصود PageV04P295 ### ||| CHECK - في النصارى إشراك وغلو وابتداع، وكذا في كثير من ضلال هذه الأمة # هنا أن النصارى فيهم إشراك وغلو وابتداع، قال تعالى: (اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31)) (1)، وقال تعالى: (ورهبانية ~~ابتدعوها ما ms0706 كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله) (2)، وقال تعالى: (يا ~~أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ~~ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد) (3)، وقال: ~~(يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا ~~من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77)) (4). # فصار في كثير من الضلال في هذه الأمة إشراك وغلو وابتداع، كما أخبر به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهؤلاء الذين يعملون العبادات ويهدونها إلى ~~الأنبياء والأولياء بعد موتهم طالبين الأجر من أولئك الذين يهدونها إليهم، ~~كما يطلبون الأجر من الله فيما يتقربون به إليه من الصدقة وغيرها من ~~الأعمال، فيهم إشراك وابتداع وغلو، أما إشراكهم فقد ضاهوا المخلوق بالخالق، ~~وأما ابتداعهم فإن هذا العمل لم يسنه لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا خلفاؤه الراشدون. PageV04P296 ### ||| CHECK - لله حقوق لا يشركه فيها غيره # وقد ثبت عنه في الصحيحين (1) أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ~~رد". وقال (2): "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، ~~تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ~~ضلالة". والغلو حيث جعلوا في البشر شوبا من الربوبية والإلهية والغنى عن ~~صاحبه إلى زيادة النفع مضاهاة للنصرانية، وهم في تقربهم إلى غير الله ~~بالعبادات والأعمال يشبهون المتوكلين على غير الله المستعينين بغير الله. # والله تعالى له حقوق لا يشركه فيها غيره، ولرسله حقوق لا يشركهم فيها ~~غيرهم، وللمؤمنين بعضهم على بعض حقوق، كما قال تعالى: (إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة ~~وأصيلا (9)) (3)، فالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، ~~والتسبيح بكرة وأصيلا لله وحده، وقال تعالى: (ومن يطع الله ورسوله ويخش ~~الله ويتقه فأولئك هم الفائزون (52)) (4)، فالطاعة لله والرسول، والخشية ~~والتقوى لله وحده، وقال تعالى: (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا ~~حسبنا ms0707 الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59)) (5)، ~~فالإيتاء لله والرسول. كما قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما PageV04P297 # نهاكم عنه فانتهوا) (1)، فإن الرسول يأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى ~~الله عنه، ويأذن فيما أذن الله. قال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) ~~(2)، وقال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) (3). # وأما التوكل فعلى الله وحده، فلهذا قالوا: حسبنا الله، ولم يقولوا: حسبنا ~~الله ورسوله، كما قالوا: سيؤتينا الله من فضله ورسوله، فإن الحسيب هو ~~الكافي، والله وحده كافي عباده، كما قال تعالى: (أليس الله بكاف عبده) (4)، ~~وقال تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64)) (5)، أي ~~الله كافيك وكافي المؤمنين المتقين، [هذا] الذي اتفق عليه السلف. ومن ظن ~~أنه معناه "أن الله والمؤمنين يكفونك" فقد غلط غلطا عظيما من وجوه كثيرة في ~~اللغة والتفسير والمعنى، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وهذه القواعد كلها ~~مبسوطة في غير هذا الموضع، والمقصود هنا أن الإشراك أن يجعل لله ند فيما ~~يختص به من العبادة أو التوكل، ومن البدعة أن يعبد الله بعبادة لم يدل ~~عليها دليل شرعي. ومن الغلو أن يرفع المخلوق إلى درجة الخالق. PageV04P298 ### ||| CHECK - إهداء العبادات إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بدعة، لم يقم على استحبابه دليل شرعي ### ||| CHECK - أصل الإسلام مبني على أصلين: أن لا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع # وأصل الإسلام مبني على أصلين: أن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له، ولا ~~نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع. كما قال الفضيل ابن عياض في قوله: ~~(ليبلوكم أيكم أحسن عملا) (1) قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي! ما ~~أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا ~~كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون ~~لله، والصواب أن يكون على السنة، فهذه العبادات التي فيها شرك وغلو ولم ~~تثبت بدليل ms0708 شرعي، لا هي خالصة لله ولا هي على موافقة السنة، فهي منهي عنها ~~من هذين الوجهين. # وهؤلاء الذين ابتدعوا إهداء العبادات إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يجتمع فيهم هذا وهذا، وإن تخلصوا من الإشراك والغلو لم يتخلصوا عن ~~الابتداع، فإن هذا عمل مبتدع لم يقم على استحبابه دليل شرعي. # وقد بينا فساد ما احتج به من سوغه، وإنا لم نعلم أحدا من القرون الثلاثة ~~المفضلة فعل مثل هذا. والمجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد ~~فأخطأ فله أجر، لكن إذا تبين الحق وجب اتباعه. والله أعلم. PageV04P299 ### || CHECK (55) مسألة فيمن قال: إن إبليس أودع ولده لآدم، وأن آدم طرده مرتين، وبعد الثالثة ذبحه وسلقه وأكله، فلهذا يجري الشيطان في ابن آد مجرى الدم ### ||| CHECK - الحديث المذكور عن آدم من أقبح الكذب والبهتان # مسألة # فيمن قال: إن إبليس أودع ولده لآدم عليه السلام، وأن آدم طرده مرتين، ~~وبعد الثالثة ذبحه وسلقه، وأكله، فلهذا يجري الشيطان في ابن آدم مجرى الدم. ~~وهل عرض على إبليس أن يسجد عند قبر آدم أو يعرض عليه في القيامة؟ وفي قوله ~~تعالى (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا (40)) ~~(1) هل هذا القول عن الكافر خاصة -وهو إبليس- أو عن الكفار؟ # الجواب # أما الحديث المذكور عن آدم عليه السلام فمن أقبح الكذب والبهتان، لا ~~يقوله أحد من العقلاء فضلا عن أهل العلم والإيمان. # ولم يذكر هذا أحد من أهل العلم والدين، وإنما يروي هذا أو يصدقه أجهل ~~العالمين. # وأكل الشيطان إذا كان من الممكنات هو من أعظم المحرمات، فإن الله تعالى ~~قد حرم الخبائث من الحيوان -كالخنزير وغيره- على آدم وذريته، كما حرم علينا ~~مع ذلك كل ذي ناب من السباع، لأن PageV04P300 # هذه البهائم فيها البغي والعدوان الذي هو وصف الشيطان، فنهى الله تعالى ~~عن أكلها لئلا يصير في أخلاق المسلمين البغي والعدوان الذي هو بعض أوصاف ~~الشيطان. فكيف يأكل الشيطان الذي هو جامع لكل خبيث؟ ولو كان الشيطان مما ~~يؤكل فهل في ms0709 كل الشيطان إلا شيطان؟ وبالجملة فمثل هذا الكلام يستحق من ~~يقوله أو من يصدقه العقوبة البليغة التي تردعه وأمثاله. # وأما عرض السجود لقبر آدم عليه السلام على إبليس فهذا قد ذكره بعض الناس، ~~لكن ليس له إسناد يعتمد عليه. وأما عرض السجود له على إبليس في الآخرة فلم ~~يذكره أحد مما علمته. # وكلاهما باطل وإن قاله من قاله؛ فإن الله تعالى قد أخبر عن إبليس بما ~~أخبر به من إنظاره وإغوائه الذرية، وقوله: (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين (85)) (1)، وأخبر أنه عدو لهم بقوله: (أفتتخذونه وذريته أولياء من ~~دوني وهم لكم عدو) (2)، (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (60) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61)) (3). وأخبر بما ~~يكون من الشيطان يوم القيامة حيث قال: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله ~~وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني PageV04P301 # كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم) (1). وهذا وأمثاله ~~مما يبين أن الشيطان حقت عليه كلمة العذاب، وقد ظهر ذلك للخلق، ولا يحتاج ~~إلى إعادة ذلك الأمر كما لا يحتاج إعادة الأمر. # وأما قوله: (ويؤم يعض الظالم على يديه) (2)، (ويقول الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا (40)) (3)، فالكافر اسم جنس، ليس كافرا بعييه، بل قد جاء في الحديث: ~~"إن البهائم يقتص بعضها من بعض، ثم يقال لها: كوني ترابا" (4)، فأعيدت ~~البهائم إلى أصلها. وأما إبليس فهو مخلوق من مارج من نار، وذلك لا يناسب ~~عوده إلى التراب. PageV04P302 ### || CHECK (56) مسألة في رجل قال لزوجته: علي الطلاق ما تروحي لبيت أبيك (ثلاث مرات)، فغصبتها أمها وأخذتها، وراحت إلى دار أبيها من غير رضى منها ولا إذن الزوج، فهل تقع الثلاث أو واحدة؟ # مسألة # في رجل قال لزوجته: على الطلاق ما تروحي لبيت أبوك (1) لسنة، فلحت عليه، ~~قال: علي الطلاق ما تروحي لبيت أبوك (1) لسنة، فلحت عليه، ms0710 قال: علي الطلاق ~~ما تروحي لبيت أبوك (1) لسنة، فجاءت أم الزوجة، فقالت لها: قومي الدار، ~~فقالت: ما أقدر أروح، فغصبتها أمها وأخذتها، وراحت إلى دار أبيها من غير ~~رضي منها ولا إذن الزوج، فهل تقع الثلاث أو واحدة؟ وهل يكون تأثيرا (2) ~~لإكراهها في الخروج بغير رضاها؟ أفتونا مأجورين. # الجواب # الحمد لله. إذا أخرجتها مكرهة ولم تقدر أن تمتنع لم يحنث الحالف، ولو ~~قدرت أن تمتنع، واعتقدت أن الإخراج الذي أخرجته ليس محلوف (3) عليه، فلا ~~تكون مخالفة له به، لم يحنث الحالف أيضا. وأما إذا فعلت المحلوف عليه عالمة ~~فإنه يحنث. PageV04P303 ### ||| CHECK - لا يقع به إلا واحدة # ثم إن كان نوى بتكرير اليمين توكيدها لم يقع به أكثر من طلقبة، وإن كانت ~~أيمانا ففيه قولان: هل يقع به ثلاث أو واحدة، والأظهر أنه لا يقع به إلا ~~واحد، فإنه لو كرر اليمين بالله على فعل واحد لأجزأته كفارة واحدة في أصح ~~القولين. ولكن وقوع الثلاث هو المشهور عن أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، ~~وفرقوا بين اليمين (1) بالله وبين الطلاق. والله أعلم. PageV04P304 ### || CHECK (57) فصل: ما ضمن بالعقد الصحيح صمن بالعقد الفاسد، والضمانات ثلاثة # فصل # ما ضمن بالعقد الصحيح ضمن بالعقد الفاسد، وما لم يضمن بالعقد الصحيح لم ~~يضمن بالعقد الفاسد. والضمانات ثلاثة ضمانات: # ضمان العقد، كالنكاح والإجارة وما أشبههما. # وضمان اليد، الغصب والخؤنة (1) وما أشبههما. # وضمان الإتلاف. كل من أتلف لغيره بمباشرة أو سبب محرم وما أشبهها. والله ~~أعلم. PageV04P305 ### || CHECK (58) مسألة في رجل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كنت نبيا وآدم بين الماء والطين، فقال له آخر: هذا ما هو صحيح ### ||| CHECK - ليس هذا الحديث بصحيح لفظ الحديث المعروف ومعناه # مسألة # في رجل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كنت نبيا وآدم بين ~~الماء والطين"، فقال له آخر: هذا ما هو صحيح. # الجواب # الحمد لله. ليس هذا الحديث بصحيح، وليس هو في شيء من كتب المسلمين ~~المعروفة، وإنما الحديث المعروف عن ميسرة الفجر قال: قلت: يا رسول الله! ms0711 ~~متى كنت نبيا؟ وفي لفظ: متى كتبت نبيا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" (1). ~~وفي حديث العرباض بن سارية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إني ~~كنت مكتوبا عند الله خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ~~ذلك، دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي، رأت حين ولدتني أنه خرج منها ~~نور أضاءت له قصور الشام" (2). PageV04P306 # ففي هذه الأحاديث المعروفة عند علماء المسلمين أن الله كتب نبوته وأظهرها ~~بين خلق آدم وبين نفخ الروح فيه، كما ثبت في الصحيح (1) عن عبد الله بن ~~مسعود قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - -وهو الصادف المصدوق- ~~أن خلق أحدكم يجمع في بطن أفه أربعين صباحا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون ~~مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال: اكتب رزقه ~~وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح. قال: فوالذي نفسي بيده إن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل ~~النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل ~~أهل الجنة، فيدخل الجنة. # فبين - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الصحيح أنه بعد أن يخلق الجسد ~~وقبل نفخ الروح يكتب رزق العبد وأجله وعمله وشقي أم سعيد. # وآدم هو أبو البشر، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - سيد ولد آدم، فكتب الله ~~نبوته بعد خلق آدم وقبل نفخ الروح فيه. فأما قول القائل بين الماء والطين" ~~فهذا الكلام باطل، فإن الماء هو بعض الطين، إذ الطين ماء وتراب، ولم يكن ~~آدم قط بين الماء والطين، وإنما كان بين الروح والجسد، وكان - صلى الله ~~عليه وسلم - حينئذ مكتوبا عند الله خاتم النبيين. # وأما تبين ذاته وصفاته وجعل الله له نبيا ورسولا فإنما كان حتى خلقه، ~~ونبأه الله على رأس أربعين سنة، فأول ما أنزل الله عليه PageV04P307 # (اقرأ باسم ربك) (1)، فكان نبيا، ms0712 ثم أنزل الله عليه (يا أيها المدثر (1)) (2). # فكان رسولا. ومن زعم أنه كان يحفظ القرآن قبل أن ينزل عليه به جبريل فهو ~~ضال مفتر بإجماع المسلمين. وما يروى في هذا الباب من الأحاديث -مثل: أنه ~~كان كوكبا في السماء يرى قبل الخلق، أو نحو ذلك- فهي أحاديث مكذوبة باتفاق ~~علماء المسلمين. والله أعلم. PageV04P308 ### || CHECK (59) مسألة في قوله تعالى (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وقوله تعالى (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)، فمن هو في هؤلاء أعلى درجة؟ ### ||| CHECK - الآية الأولى تتناول جميع الأولياء، الفاضل منهم والمفضول # مسألة # في قوله تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)) ~~(1)، وقوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) الآية (2)، ~~فمن هو في هؤلاء أعلى درجة؟ # الجواب # الحمد لله. أما قوله تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون (63)) فهي تتناول # جميع أولياء الله الفاضل والمفضول، وكل من ذكر في غير هذه الآية من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فهو صنف ممن دخل فيها، وبعض هذه ~~الأصناف أعلى من بعض. # ولا يقال: إن بعض هذه الأصناف أعلى ممن ذكر في الآية، لأن أولئك بعض هذه ~~الجملة، إلا أن يراد أن البعض الذي هو أعلى أصنافها أفضل أهلها. ولا يقال ~~أيضا: إن كل من في هذه الآية أفضل ممن ذكر في غيرها، لكن يقال: إن مجموع ~~المذكورين فيها أفضل من بعضهم. PageV04P309 ### ||| CHECK - الآية الثانية تتناول أيضا من دخل في تلك الآية، والأفضلية بحسب الإيمان والتقوى # وأما قوله تعالى: (يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) الآية، فهؤلاء ممن ~~دخل في تلك الآية، وهم من أولياء الله المتقين، وهم أفضل من غيرهم، وقد ~~يكون من له تجارة وبيع لا تلهيه أفضل ممن ليس كذلك، وقد يكون ذلك أفضل من ~~هذا بحسب الإيمان والتقوى، فلذلك قوله: (من ms0713 المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23)) (1) ~~هذا مدح لهذا الصنف. والصدق في الوفاء واجب على كل مؤمن، وهؤلاء أفضل من ~~غيرهم، وقد يكون بعض من لم يعاهد أفضل من بعض من عاهد، وقد يكون بالعكس. # والله أعلم. PageV04P310 ### || CHECK (60) مسألة في غلام حلف بالطلاق الثلاث أنه لم يخدم عند إنسان، فأخذه غصبا، واستخدمه بالضرب، فلما ضربه حلف يمينا ثانيا بالطلاق الثلاث أنه ما يخدم، فما الحكم؟ # مسألة # في غلام حلف بالطلاق الثلاث أنه لم يخدم عند إنسان، فأخذه غصبا، واستخدمه ~~بالضرب، فلما ضربه حلف يمينا ثانيا بالطلاق الثلاث أنه ما يخدم، فما الحكم؟ # الجواب # إن أمكنه الامتناع عن الفعل وامتنع فلا حنث عليه، وإن أكره على فعل ~~المحلوف عليه فلا حنث عليه. والله أعلم. PageV04P311 ### || CHECK (61) مسألة في رجل صلى صلاة الصبح إماما بسورة المدثر ولا أقسم بيوم القيامة في الركعتين، فقال بعض الناس: هذه الصلاة ليست من الشرع، ولا يصلى خلفه ### ||| CHECK - بيان ذلك بالأحاديث والآثار ### ||| CHECK - هذه الصلاة مشروعة باتفاق المسلمين # مسألة # في رجل صلى صلاة الصبح إماما بسورة المدثر و"لا أقسم بيوم القيامة" في ~~الركعتين، وسبح في الركوع والسجود ما بين سبع تسبيحات إلى عشر، فقال بعض ~~الناس: هذه الصلاة ليست من الشرع ولا يصلى خلفه. فهل يجب على ولي الأمر ~~تعزير من يقول هذا القول واستتابته؟ وما على من ينكر هذه الصلاة؟ أفتونا ~~رحمكم الله أجمعين. # الجواب # الحمد لله. بل هذه الصلاة مشروعة باتفاق أئمة المسلمين، فإنهم متفقون على ~~أن السنة للإمام أن يقرأ في الفجر بطوال المفصل، والمفصل من قاف. وقد كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الفجر ما بين الستين آية إلى المئة ~~(1)، وكان يقرأ فيها بقاف ونحوها من السور (2)، وهي أطول مما ذكر، وقرأ ~~فيها أيضا بالصافات (3)، PageV04P312 # و"ألم تنزيل" و"هل أتى" (1)، وبسورة المؤمنين، لكن أدركته سعلة في ~~أثنائها (2)، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (3). # وكان عمر بن الخطاب يقرأ فيها بيونس ويوسف ms0714 وهود، وكان عثمان يقرأ بطوال ~~المفصل، وقرأ أبو بكر الصديق مرة فيها بسورة البقرة، فقيل له: كادت الشمس ~~تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. ومثل هذا معروف عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وخلفائه الراشدين، وقد أمرنا باتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين ~~فقال: "إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ~~ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (4). # وفي السنن (5) أن أنس بن مالك لما صلى خلف عمر بن عبد العزيز قال: ما ~~رأيت أشبه بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاة هذا الفتى، وكان ~~يسبح في الركوع والسجود من عشر تسبيحات. # وفي الصحيحين (6) أن أنس بن مالك قال: لأصلين بكم صلاة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فكان إذا قام من الركوع يقوم حتى يقول القائل: قد نسي، PageV04P313 ### || CHECK (62) مسألة في رجل إمام مسجد: هل يجوز أن يكبر أحد خلفه من المؤتمين؟ أو يواظب على السجدة في فجر كل جمعة؟ أو يدعو هو والمؤتمون عقب كل صلاة؟ ### ||| CHECK - من أنكر ما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعزر # وإذا قعد من السجود يقعد حتى يقول القائل مثل هذا. مع أن الركوع والسجود ~~لا ينقص عن ذلك باتفاق المسلمين، بل يكون مثل ذلك أو أطول. # وفي الصحيحين (1) عن البراء بن عازب قال: رمقت الصلاة خلف محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -، فكان قيامه فركوعه فاعتداله في الركوع فسجوده فجلوسه بين ~~السجدتين فسجوده فجلوسه ما بين السلام والانصراف قريبا من السواء. وفي ~~رواية: ما خلا القيام والقعود. # وفي الصحيحين (2) عن أنس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخف ~~الناس صلاة في تمام. فهذا الذي فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - هو من ~~التخفيف الذي أمر به، كما قال: "إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن من ورائه ~~السقيم والكبير وذا الحاجة" (3). وقال لمعاذ: "أفتان أنت يا معاذ؟ " (4) ~~لما قرأ في العشاء الآخرة بسورة ms0715 البقرة. فهذا التطويل الذي فعله معاذ ينهى ~~عنه الإمام. # ومن أنكر ما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: إنه ليس من الشرع، ~~فإنه يعزر على ذلك تعزيرا يناسب حاله، زجرا له ولأمثاله. والله أعلم. PageV04P314 ### ||| CHECK - لا يشرع الجهر بالتكبير خلف الإمام لغير حاجة # مسألة # في رجل إمام مسجد: هل يجوز له أن يكبر أحد خلفه من المؤتمين؟ أو يواضب ~~(1) على السجدة في فجر كل جمعة؟ أو يدعي (2) هو والمؤتمين (3) عقب كل صلاة؟ ~~أفتونا يرحمكم الله ويوفقكم للصواب. # الجواب # الحمد لله. لا يشرع الجهر بالتكبير خلف الإمام الذي يسمى التبليغ لغير ~~حاجة باتفاق الأئمة، فإن بلالا لم يكن يبلغ خلف النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- هو ولا غيره، ولم يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين، لكن لما مرض النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - صلى بالناس مرة وصوته ضعيف، فكان أبو بكر يصلي إلى ~~جنبه يسمع الناس التكبير (4). فاستدل العلماء بذلك على أنه يشرع التبليغ ~~عند الحاجة، مثل ضعف صوت الإمام ونحو ذلك، فأما بدون الحاجة فاتفقوا على ~~أنه مكروه غير مشروع. PageV04P315 ### ||| CHECK - الناس في هذه المسالة طرفان ووسط ### ||| CHECK - دعاء الإمام والمأمومين بعد الصلاة ليس من سنن الصلاة الراتبة # وتنازعوا في بطلان صلاة من يفعله على قولين، والنزاع في الصحة معروف في ~~مذهب مالك وأحمد وغيرهما، مع أنه مكروه باتفاق المذاهب كلها. # وأما في دعاء الإمام والمأمومين بعد الصلاة جميعا رافعين أصواتهم أو غير ~~رافعين، فهذا ليس من سنة الصلاة الراتبة، [و] لم يكن يفعله النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. وقد استحسنه طائفة من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد في ~~وقت صلاة الفجر وصلاة العصر، لأنه لا صلاة بعدها، وبعض الناس يستحبه في ~~أدبار الخمس. لكن الصواب الذي عليه الأئمة الكبار أن ذلك ليس من سنة ~~الصلاة، ولا يستحب المداومة عليه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ~~يفعله هو ولا خلفاؤه الراشدون، ولكن كان يذكر الله عقيب الصلاة ويرغب في ~~ذلك، ويجهر بالذكر عقيب الصلاة، كما ثبت في ذلك ms0716 الأحاديث الصحيحة: حديث ~~المغيرة بن شعبة (1) وعبد الله بن الزبير (2) وغير ذلك. # والناس في هذه المسألة طرفان ووسط: # منهم من لا يستحب ذكرا ولا دعاء، بل بمجرد انقضاء الصلاة يقوم هو ~~والمأمومون كأنهم فروا من قسورة، وهذا ليس بمستحب. # ومنهم من يدعو هو والمأمومون رافعين أيديهم وأصواتهم. # وهذا أيضا خلاف السنة. PageV04P316 ### ||| CHECK - السجدة يوم الجمعة ليست واجبة # والوسط هو اتباع ما جاءت به السنة من الذكر المشروع عقيب الصلاة، ومكث ~~الإمام يستقبل المأمومين على الوجه المشروع. # لكن إذا دعوا أحيانا لأمر عارض كاستسقاء أو استنصار أو نحو ذلك فلا بأس ~~بذلك، كما أنهم لو قاموا ولم يذكروا لأمر عارض جاز ذلك ولم يكره، وكل ذلك ~~منقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1). # وقد كان في أكثر الأوقات يستقبل المأمومين بوجهه بعد أن يسلم، وقبل أن ~~يستقبلهم يستغفر ثلاثا ويقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا ~~الجلال والإكرام" (2). وكان يجهر بالذكر، كقوله: "لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت، ~~ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (3). وأحيانا كان يقوم عقيب ~~السلام إذا عرض له أمر، كما قام مرة يخطب خطيبا (4) للناس، وقال: "ذكرت ~~ذهيبة كانت عندنا، فكرهت أن تبيت عندي". # وأما السجدة يوم الجمعة فليست واجبة باتفاق العلماء، ويكره أن يتعمد ~~الرجل سجدة غير "الم تنزيل". وأما قراءة "هل أتى" PageV04P317 # و"الم تنزيل" في فجر الجمعة فقد جاءت الأحاديث (1) بهذه السنة كما جاءت، ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الجمعة بالجمعة ~~والمنافقين (2). لكن لا ينبغي المداومة على ذلك خشية أن يظن الناس أنها ~~واجبة، كما لم يواظب (3) النبي - صلى الله عليه وسلم - على مثل ذلك، بل كان ~~يقرأ في الجمعة والعيدين سورا متنوعة، لا يلازم شيئا بعينه. # والله أعلم. PageV04P318 ### || CHECK (63) مسألة في رجل متمسك بأحد المذاهب الأربعة، نزلت به نازلة فاستفتى بعض العلماء، فأفتاه بقول أحد الأئمة، فعارضه ms0717 آخر وقال: من استفتى غير أهل مذهبه فهو زنديق فهل هذا المنكر مصيب أم مخطئ؟ ### ||| CHECK - لا يجب على أحد أن يتبع واحدا بعينه في كل ما يقوله ### ||| CHECK - هذا المنكر مخطئ باتفاق الأئمة، بل هو آثم مستحق للعقوبة # مسألة # في رجل متمسك بأحد المذاهب الأربعة، كمذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ~~وأحمد رضي الله عنهم أجمعين، وقد نزلت به نازلة في طلاق أو غيره، فاستفتى ~~بعض العلماء، فأفتاه بقول أحد الأئمة المذكورين، فعارضه آخر وقال: من ~~استفتى غير أهل مذهبه فهو زنديق أو نحو هذا الكلام، فهل هذا المنكر مصيب في ~~هذا الإنكار أم مخطئ؟ وهل يجب عليه القتل أو غير ذلك من أنواع التعزير؟ ~~أفتونا رحمكم الله. # الجواب # الحمد لله. بل هذا المنكر مخطئ في ذلك باتفاق الأئمة، بل هو آثم في ذلك ~~مستحق للعقوبة التي تزجره وأمثاله عن مثل ذلك، فإن كان يفهم معنى الزنديق ~~وأن الزنديق الكافر، وجعل اتباع المسلم في بعض المسائل لإمام غير إمامه ~~كفرا: فإنه يستتاب من هذا الكلام، فإن تاب وإلا قتل؟ وإن كان يظن أن ~~الزنديق هو العاصي الجاهل الفاسق ونحو ذلك فإنه يعزر على هذا الكلام. # ولا يجب على أحد أن يتبع واحدا بعينه في كل ما يقوله، وإنما يجب على ~~الناس طاعة الله ورسوله، ومن قال: إنه يجب PageV04P319 # على الناس طاعة شخص بعينه غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو ~~متناقض مخالف لإجماع المسلمين، فإنهم متفقون على أن كل أحد من الناس يؤخذ ~~من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والأئمة الأربعة رضي ~~الله عنهم نهوا الناس أن يقلدوا واحدا بعينه في جميع ما يقوله وإن وجدت ~~الحجة بخلافه. # والذي كرهه العلماء للرجل أن يكون رخيصا يستفتي في كل حادثة بما يكون له ~~فيه رخصة. فأما أخذه في بعض المسائل بقول إمام وفي بعضها بقول إمام مع تحري ~~التقوى فهو جائز عند أئمة الإسلام. والله أعلم. PageV04P320 ### || CHECK (64) مسألة في رجل لم يؤد الصلوات الفرض وتوفي، وخلف ms0718 ولا صالح، وهو بعد أن يصلي الصلوات المكتوبة يصلي صلوات دائما ويحتسبها لوالده عن فرضه، فهل يجوز ذلك عن والده؟ ### ||| CHECK - الفرض لا يسقط عنه بصلاة غيره # مسألة # في رجل لم يؤدي (1) الصلوات الفرض وتوفي، وخلف ولد صالح، فكان الولد بعد ~~أن يصلي الصلاة المكتوبة عليه يصلي صلوات دائما، ويحتسبها لوالده عن فرضه، ~~فهل يجوز ذلك عن والده ويحتسب له؟ أفتونا مأجورين يرحمكم الله. # الجواب # الحمد لله. أما الفرض فلا يسقط عنه بصلاة غيره، ولكن من مات مؤمنا فإذا ~~صلى عنه ولده أو تصدق عنه أو أعتق عنه أو صام عنه نفعه الله بذلك. وأفضل ~~ذلك الصدقة ونحوها من النفع المتعدي، فإنها تصل إلى المؤمن باتفاق الأئمة. ~~والله أعلم. PageV04P321 ### || CHECK (65) مسألة في رجل أوقف قطعة أرض، وشرط النظر لشخص من الفقراء، فجاء الحاكم بالناحية واجر الأرض مدة عشر سنين بدون أجرة المثل، فهل تجوز هذه الإجارة؟ ### ||| CHECK - إذا كان لها ناظر قائم بالواجب فليس للحاكم أن يؤجرها # مسألة # في رجل أوقف زاوية قطعة أرض مخللة بنخل، بعضه طازج وبعضه غير طازج، وشرط ~~النظر لشخص من الفقراء، فجاء الحاكم بالناحية، واجر الأرض مدة عشر سنين ~~بدون أجرة المثل. فهل تجوز هذه الإجارة؟ وهل للحاكم أن يؤجر مع وجود الناظر ~~الذي شرط له الواقف النظر أم لا؟ أفتونا مأجورين. # الجواب # الحمد لله. إذا كان لها ناظر خاص قائم بالواجب فليس للحاكم أن يؤجرها، ~~ولا يتصرف فيها بدون أمره، لكن [لو] خرج الناظر عما يجب عليه فإن الحاكم ~~يعترض عليه، فيلزمه بالواجب، أو يستبدل به، أو يضم إليه أمينا. وليس للناظر ~~ولا الحاكم أن يؤجرها بدون أجرة المثل. والله أعلم. PageV04P322 ### || CHECK (67) مسألة: هل يجب للحائض أن تغسل باطن فرجها من الحيض والجنابة؟ ### || CHECK (66) مسألة: متى فرض الصوم والصلاة والزكاة؟ ### ||| CHECK - لا يجب عليها ذلك # مسألة # متى فرض الصوم والصلاة والزكاة؟ # الجواب # الحمد لله. صوم رمضان فرض من السنة الثانية من الهجرة، وأدرك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - تسع رمضانات. وأما الصلاة والزكاة ms0719 فأمر بهما بمكة قبل ~~الهجرة، لكن فرائض الصلاة شرعت بالمدينة. والله أعلم. # مسألة # هل يجب للحائض أن تغسل باطن فرجها من الحيض والجنابة؟ # الجواب # الحمد لله. لا يجب على المرأة غسل باطن الفرج من غسل الحيض والجنابة. ~~والله أعلم. PageV04P323 ### | AUTO مسائل وردت من الصلت PageV04P325 ### || CHECK (2) مسألة في الفأرة إذا وقعت في سمن أو زيت وهو مائع، هل يحل أكله وبيعه أم لا؟ ### || CHECK (1) مسألة في الكلب إذا ولغ في طست لبن أو طعام أو شراب، هل يحل أكله وبيعه أم لا؟ # مسألة # في الكلب إذا ولغ في طست لبن أو طعام أو شراب، هل يحل أكله أم بيعه أم لا؟ # فأجاب -رضي الله عنه- # إذا كان فيه أثر الولوغ أو كشط وجهه جاز أكله في أحد قولي العلماء. # مسألة # في الفأرة إذا وقعت في سمن أو زيت وهو مائع، هل يحل أكله أم بيعه أم لا؟ # فأجاب -رضي الله عنه- # إذا لم يتغير يلقى وما قرب منها، ويوكل المال ويباع في أظهر قولي ~~العلماء. والله أعلم. PageV04P327 ### || CHECK (4) مسألة في التيمم، هل يجوز لأحد أن يصلي به السنن والرواتب والفريضة ويقتصر عليه إلى حين الحدث أم لا؟ ### || CHECK (3) مسألة في رجل يدخل على امرأة أخيه وبنات أخيه وبنات عفه وبنات خاله، هل يجوز له ذلك أم لا؟ # مسألة # في رجل يدخل على امرأة أخيه وبنات عمه وبنات خاله، هل يجوز له ذلك أم لا؟ # الجواب # لا يجوز له أن يخلو بها، ولكن إذا دخل مع غيره ومن غير خلوة ولا ريبة جاز ~~له ذلك. والله أعلم. # مسألة # في التيمم، هل يجوز لأحد أن يصلي به السنن والرواتب والفريضة ويقتصر عليه ~~إلى حين الحدث أم لا؟ # الجواب # نعم، يجوز في أظهر قولي العلماء أن يصلي بالتيمم كما يصلي بالوضوء، فيصلي ~~به الفرض والنفل، ويتيمم قبل الوقت، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه، ولا ينقض التيمم إلا ما ينقض الوضوء والقدرة على استعمال ~~الماء. PageV04P328 ### || CHECK (7) سئل عن الماء إذا غمس الرجل يده، ms0720 هل يجوز استعماله أم لا؟ ### || CHECK (6) سئل فيمن يصلي الفرض خلف من يصلي نفلا ### || CHECK (5) سئل عن رجل يأمر الناس بالصلاة ولم يصل، فماذا يجب عليه؟ # سئل # عن رجل يأمر الناس بالصلاة ولم يصل، فماذا يجب عليه؟ # الجواب # من لم يصل فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. والله أعلم. # وسئل أيضا # فيمن يصلي الفرض خلف من يصلي نفلا. # الجواب # يجوز ذلك في أظهر قولي العلماء، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه. # وسئل أيضا # عن الماء إذا غمس الرجل يده، هل يجوز استعماله أم لا؟ # الجواب # لا ينجس بذلك، بل يجوز استعماله عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد، وعنه رواية أخرى أنه يصير مستعملا. PageV04P329 ### || CHECK (9) سئل عن الرجل يمس المرأة، هل ينتقض الوضوء أم لا؟ ### || CHECK (8) سئل عن صلاة التراويح، هل يجوز قبل العشاء أم لا # وسئل أيضا # عن صلاة التراويح، هل يجوز قبل العشاء أم لا؟ # الجواب # السنة في التراويح أن تصلي بعد عشاء الآخرة. والله أعلم. # وسئل أيضا # عن الرجل يمس المرأة، هل ينتقض الوضوء أم لا؟ # الجواب # إن توضأ من ذلك فحسن، وإن صلى ولم يتوضأ صحت صلاته في أظهر قولي العلماء. PageV04P330 ### || CHECK (12) سئل فيمن يحلف بالطلاق أنه لا يفعل شيئا، ثم أراد أن بفعله ### || CHECK (11) سئل عن الرجل لا يواظب على السنن الرواتب ### || CHECK (10) سئل عن الرجل إذا اغتسل من الجنابة، ولم يتوضأ بعده ولا قبله وصلى بالغسل، فهل يجوز ذلك أم لا؟ # وسئل # عن الرجل إذا اغتسل من الجنابة، ولم يتوضأ بعده ولا قبله وصلى بالغسل، ~~فهل يجوز ذلك أم لا؟ # الجواب # نعم، إذا اغتسل للجنابة أجزأته الصلاة بذلك الغسل وإن لم ينوه عند جمهور ~~العلماء. والله تعالى أعلم. # وسئل أيضا # عن الرجل لا يواظب على السنن الرواتب. # الجواب # من أصر على تركها دل ذلك على قلة دينه، وردت بذلك شهادته في مذهب أحمد ~~والشافعي وغيرهما. # وسئل أيضا # فيمن يحلف بالطلاق أنه لا يفعل شيئا، ثم أراد أن يفعله. # الجواب # يجوز أن ms0721 يفعل ما حلف عليه ويكفر عن يمينه. والله أعلم. PageV04P331 ### || CHECK (14) مسألة في الفصاد في شهر رمضان، هل يفسد الصوم أم لا ### || CHECK (13) سئل عن الرعاف هل ينقض الوضوء أم لا؟ # وسئل أيضا # في الرعاف هل ينقض الوضوء أم لا؟ # الجواب # إن توضأ منه فهو أفضل، ولا يجب عليه في أظهر قولي العلماء. والله أعلم. # مسألة أيضا # في الفصاد في شهر رمضان، هل يفسد الصوم أم لا؟ # الجواب # إن أمكنه الفصاد بالليل أخره، وإن احتاج إليه لمرض افتصد، وعليه القضاء ~~في أحد قولي العلماء، والله أعلم. PageV04P332 ### || CHECK (16) سئل عن رجل معه مال من حرام وحلال، فهل يجوز أن يأكل من عيشه أم لا؟ ### || CHECK (15) سئل في سفر يوم رمضان، هل يجوز له أن يقصر فيه أو يفطر أم لا؟ # وسئل أيضا # في سفر يوم رمضان، هل يجوز له أن يقصر فيه أو يفطر أم لا؟ # الجواب # هذا فيه نزاع، والأظهر أنه يجوز له القصر والفطر في رمضان، كما قصر أهل ~~مكة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفة ومزدلفة، وعرفة عن المسجد ~~بريد. ولأن السفر مطلق في الكتاب والسنة. # وسئل أيضا عن رجل معه مال من حرام وحلال، فهل يجوز أن يأكل من عيشه أم لا؟ # الجواب # إذا عرف الحرام بعينه لم يؤكل حتما، وإن لم يعرف بعينه لم يحرم الأكل، ~~لكن إذا كثر الحرام كان ترك الأكل ورعا. والله أعلم. PageV04P333 ### || CHECK (17) مسألة في رجل باع متاعا لإنسان تاجر، وكسب عليه وقسط عليه الثمن، والمديون يطلب السفر ولم يقم له كافلا، فهل لصاحب الدين أن يمنعه من السفر أم لا؟ # مسألة أيضا # في رجل باع متاعا لإنسان تاجر، وكسب عليه، وقسط عليه الثمن، والمديون ~~يطلب السفر ولم يقم له كافلا، فهل لصاحب الدين أن يمنعه من السفر أم لا؟ # الجواب # إن كان حالا وهو قادر على وفائه فله أن يمنعه من السفر قبل استيفائه، ~~وكذلك إن كان مؤجلا ومحله قبل قدوم المدين، فله أن يمنعه من السفر حتى يوثق ~~برهن يحفظ ms0722 المال أو كفيل، وإن كان الدين لا يحل إلا بعد قدوم المدين ففيه ~~نزاع بين العلماء. والله أعلم. PageV04P334 ### || CHECK (18) سئل عن رجل يعمل عملا يستوجب أن يبنى له قصر في الجنة ويغرس له أغراس في الجنة، ثم يعمل ذنوبا يستوجب بها النار، فإذا دخل النار كيف يكون اسمه في الجنة وهو في النار؟ # وسئل أيضا # عن رجل يعمل عملا يستوجب أن يبنى له قصر في الجنة ويغرس له أغراس باسمه، ~~ثم يعمل ذنوبا يستوجب بها النار، فإذا دخل النار كيف يكون اسمه أنه في ~~الجنة وهو في النار؟ # الجواب # إن تاب من ذنوبه توبة نصوحا فإن الله يغفر له، ولا يحرمه ما كان وعده، بل ~~يعطيه ذلك. وإن لم يتب وزنت حسناته وسيئاته، فإن رجحت حسناته على سيئاته ~~كان من أهل الثواب، وإن رجحت سيئاته على حسناته كان من أهل العذاب، وما أعد ~~له من الثواب يحبط حينئذ بالسيئات التي زادت على حسناته، كما أنه إذا عمل ~~سيئات استحق بها النار ثم عمل بها حسنات تذهب السيئات. والله أعلم. PageV04P335 ### || CHECK (19) مسألة في رجل استلف من رجل دراهم إلى اجل على غلة، بحكم أنه إذا حل الأجل دفع إليه الغلة بأنقص مما تساوي بخمسة دراهم فهل يحل أن يتناول ذلك منه على هذه الصفة؟ # مسألة # في رجل استلف من رجل دراهم إلى أجل على غلة، بحكم أنه إذا حل الأجل دفع ~~إليه الغلة بأنقص مما تساوي بخمسة دراهم، فهل يحل أن يتناول ذلك منه على ~~هذه الصفة أم لا؟ # الجواب # إذا أعطاه عن البيدر كل غرارة بأنقص مما يبيعها لغيره بخمسة دراهم ~~وتراضيا بذلك جاز، فإن هذا ليس بقرض، ولكنه سلف بناقص عن السعر بشيء، وقدر ~~هذا بمنزلة أن يبيعه بسعر ما يبيعه الناس أو بزيادة درهم في كل غرارة أو ~~نقص درهم في كل غرارة. # وقد تنازع الناس في جواز البيع بالسعر، وفيه قولان في مذهب أحمد، والأظهر ~~في الدليل أن هذا جائز، وأنه ليس فيه حظر ولا غدر، لأنه ms0723 لو أبطل مثل هذا ~~العقد لرددناهم إلى قيمة المثل، فقيمة المثل التي تراضوا بها أولى من قيمة ~~بمثل لم يتراضيا بها. # والصواب في مثل هذا العقد أنه صحيح لازم، ولهذا كان الصحيح في النكاح ~~الفاسد أنه يجب فيه المسمى لا مهر المثل، فإنا إذا أوجبنا فيه مهر المثل ~~أوجبنا ما يستحقه نظيرها في النكاح الصحيح أولى مما يستحقه غيرها في النكاح ~~الصحيح، فإنه على التقديرين PageV04P336 # قد أوجب في الفاسد ما يجب في الصحيح، ولكن على أحد التقديرين قد اعتبر ~~فاسدها بصحيحها، وعلى الآخر اعتبر فاسدها بصحيح غيرها، والأول أولى، وهي في ~~مسألة البيع بالسعر والإجارة بأجرة المثل. ومنهم من قال: إن ذلك لا يلزم، ~~فإذا تراضيا به جاز. والله أعلم. PageV04P337 ### || CHECK (20) مسألة في رجل فاتته صلاة العصر، فجاء إلى المسجد فوجد المغرب قد أقيمت، فهل يصلي الفائتة قبل أم لا؟ # مسألة # في رجل فاتته صلاة العصر، فجاء إلى المسجد فوجد المغرب قد أقيمت، فهل ~~يصلي الفائتة قبل أم لا؟ # الجواب # بل يصلي المغرب مع الإمام ثم يصلي العصر باتفاق الأئمة، ولكن [هل] يعيد ~~المغرب؟ فيه قولان: أحدهما يعيدها، وهو قول ابن عمر ومالك وأبي حنيفة وأحمد ~~في المشهور عنه. والثاني: لا يعيد المغرب، وهو قول ابن عباس وقول الشافعي ~~والقول الآخر في مذهب أحمد. والثاني أصح، فإن الله لم يوجب على العبد أن ~~يصلي الصلاة مرتين إذا اتقى الله ما استطاع. والله تعالى أعلم. PageV04P338 ### || CHECK (21) مسألة في رجل خص بعض بناته، فجهزها وملكها بنحو مئتي ألف درهم، وخص بعضهم بوقف بعض ماله عليه، فهل لورثة الواقف فسخ ذلك أم لا؟ # مسألة # في رجل خص بعض بناته، فجهزها وملكها بنحو مئتي ألف درهم، وخص بعضهم بوقف ~~بعض ماله عليه، فهل لورثة الواقف فسخ ذلك أم لا؟ # الجواب # الحمد لله، بل يجب عليه العدل بين أولاده كما أمر الله ورسوله، كما ثبت ~~في الصحيح (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لبشير بن سعد: ~~"اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، وقال: "لا ms0724 تشهدني على جور" (2)، وأمره ~~أن يرد التفضيل بين أولاده، وإذا مات ولم يعدل فإنه يرد جوره في أظهر قولي ~~العلماء، كما أمر بذلك أبو بكر وعمر في مال سعد بن عبادة. ولسائر الأولاد ~~المظلومين طلب حقهم وفسخ التخصيص الذي فيه ظلمهم، وإعانتهم على إيصال حقهم ~~إليهم من القرب التي يثاب فاعلها. والله تعالى أعلم. PageV04P339 ### || CHECK (22) مسألة في قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هل هذه القبور التي يزورها اليوم يصح منها شيء أم لا؟ # مسألة # في قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هل هذه القبور التي يزورها الناس ~~اليوم -مثل قبر نوح وقبر الخليل وإسحاق ويعقوب ويوسف ويونس وإلياس واليسع ~~وشعيب وموسى وزكريا وهو بمسجد دمشق- فهل يصح من تلك القبور شيء أم لا؟ # الجواب # الحمد لله، القبر المتفق عليه هو قبر نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقبر الخليل فيه نزاع، لكن الصحيح الذي عليه الجمهور أنه قبره. وأما يونس ~~وإلياس وشعيب وزكريا فلا يعرف [قبورهم]، وقبر معاوية هو القبر الذي تقول ~~العامة إنه قبر هود. والله أعلم. PageV04P340 ### || CHECK (23) مسألة في أكل لحم الضبع والثعلب وسنور البر وابن آوى وجلودهم، هل يحل لبس جلود الجميع وأكل لحم الجميع أم البعض؟ وهل تطهر جلودهم بالدباغ؟ # مسألة # في أكل لحم الضبع والثعلب وسنور البر وابن آوى وجلودهم، وهل يحل لبس جلود ~~الجميع وأكل لحم الجميع أم البعض؟ وهل تطهر جلودهم بالدباغ؟ # الجواب # أما لحم الضبع فإنه مباح عند مالك والشافعي وأحمد، وجلده يطهر بالدباغ في ~~مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك -في رواية- وأحمد في إحدى الروايتين عنه، ~~وهو أصح قولي العلماء. وهذا إذا دبغ بعد موته، وأما إذا ذكي ودبغ كان طاهرا ~~في مذاهب الأئمة. # وأما سنور البر والثعلب ففي حلهما قولان، وهما روايتان عند أحمد، أحدهما: ~~يحل، ويكون جلده طاهرا إذا ذكي، وهذا مذهب مالك والشافعي. وعلى هذا القول ~~فإذا مات ودبغ كان طاهرا في مذهب الشافعي وأحد القولين في مذهب مالك. ~~والقول الثاني: إنهما محرمان، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين ms0725 ~~عنه، وعلى هذا إذا ذكي كان جلده طاهرا عند أبي حنيفة دون أحمد، وجلده يطهر ~~بالدباغ إذا مات عند أبي حنيفة ووجه في مذهب أحمد، وظاهر مذهبه أنه لا ~~يطهر. PageV04P341 # وأما ابن آوى فإنه حرام عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وجلده يطهر ~~بالدباغ. # وأما القول الذي يقوم عليه الدليل فإنه قد روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في السنن من وجوه أنه نهى عن جلود السباع (1)، كما ثبت أنه حرم ~~لحمها (2). فما ثبت أنه من السباع -كالنمر وابن آوى وابن عرس- فلا يحل لحمه ~~ولا لبس الفراء من جلده، ما لم يكن من السباع المحرمة كالضبع فإنه يؤكل ~~لحمه ويلبس جلده. وأما الثعلب وسنور البر ففيه نزاع. والله أعلم. PageV04P342 ### || CHECK (24) مسألة في لحوم الخيل وألبانها، هل هي مباحة أم لا؟ # مسألة # في لحوم الخيل وألبانها، هل هي مباحة أم لا؟ # الجواب # أما لحم الخيل فهو مباح عند أكثر علماء المسلمين، وهو مذهب الشافعي وأحمد ~~بن حنبل وطائفة من أصحاب أبي حنيفة -كأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة-، وهو ~~مذهب الثوري وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر، وهو قول ~~ابن عمر وابن الزبير وغيرهما من العبادلة. فإنه قد ثبت في الصحيحين (1) عن ~~جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ~~وأذن في لحوم الخيل. وثبت في الصحيحين (2) عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ~~نحرنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسا فأكلنا لحمها. ولم ~~يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حرم لحم الخيل في حديث صحيح (3). PageV04P343 # والقرآن لا يدل على تحريمه، فإن قوله (والخيل والبغال والحمير لتركبوها) ~~(1) امتن الله بها على عباده بما يقصد منها في العادة، ولم يرد بذلك تحريم ~~أكلها، بدليل أن الصحابة بعد نزول هذه الآية أكلوا لحم الحمر يوم خيبر حتى ~~نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، والآية مكية، فلو كان فيها دليل على ~~التحريم كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم بذلك. وأما الذين نهوا ms0726 عنها من ~~العلماء كأبي حنيفة فقيل عنه: كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه. # وأما ألبانها فإن كانت لا تسكر فهي مباحة كلحمانها، وإن كانت مسكرة فهي ~~حرام. رواه البخاري ومسلم (2). ولمسلم (3): "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام". ~~وتحريم كل مسكر هو مذهب عامة المسلمين، كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل ومحمد ~~بن الحسن وغيره من أصحاب أبي حنيفة. # ويجوز للرجل أن يأكل لحمها ويشرب لبنها إذا لم يكن مسكرا، كما يجوز أكل ~~اللحم باللبن مطلقا، ولم يحرم أكل اللحم باللبن إلا اليهود الذين حرموا ~~طيبات أحلت لهم لظلمهم وذنوبهم. والله تعالى أعلم. PageV04P344 ### || CHECK (26) مسألة في رجل حلف بالطلاق، ثم استثنى هنيهة بقدر ما يمكن فيه الكلام ### || CHECK (25) مسألة فيمن مات وخلف بنتا وأخا لأم وابن عم # مسألة # فيمن مات وخلف بنتا وأخا لأم وابن عم. # الجواب # للبنت النصف، والباقي لابن العم، ولا شيء للأخ من الأم باتفاق أئمة ~~المسلمين، وما وصى به ينفذ من الثلث ثلث التركة، والباقي للورثة. # مسألة # في رجل حلف بالطلاق، ثم استثنى هنيهة بقدر ما يمكن فيه الكلام. # فأجاب # لا يقع فيه الطلاق، ولا كفارة عليه، والحال هذه لو قيل له: قل "إن شاء ~~الله" ينفعه ذلك أيضا، ولو لم يحضر له الاستثناء إلا لما قيل له. والله ~~تعالى أعلم. PageV04P345 ### | AUTO مسائل متفرقة PageV04P347 ### || CHECK (1) مسألة في مسجد بيت المقدس وقد جعل فيه أئمة، كل منهم يصلي في موضع منه، فإذا صلى أحد منهم في وقت ثلاة الآخر هل يدخل في النهي، فيكره له ذلك أم لا؟ وأي الأئمة أحق بالصلاة بلا كراهة؟ وهل تبطل صلاة الإمام الذي صلى بعد إقامة الصلاة لإمام # مسألة # ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- في مسجد ~~بيت المقدس وقد جعل فيه أئمة، كل منهم يصلي في موضع منه، فهل إذا صلى أحد ~~منهم في وقت صلاة الآخر هل يدخل في النهي فيكره له ذلك أم لا؟ وهل هذا بدعة ~~مكروه أم لا؟ وأي الأئمة أحق بالصلاة بلا كراهة؟ وهل ms0727 تبطل صلاة الإمام الذي ~~صلى بعد إقامة الصلاة لإمام غيره أو نكره؟ وهل يصح قول من قال: إن كل بنية ~~فيه لما اختصت بإمام صارت كالمسجد المستقل؟ # فأجاب الشيخ تقي الدين وقال: # الحمد لله، صلاة إمامين في وقت واحد في المسجد الأقصى أو غيره من المساجد ~~بدعة، لم يكن السلف يفعلونها، وفيها تفريق الجماعات وتقليلها، والسنة اتحاد ~~الجماعة وكثرتها، ولو كان مثل هذا مشروعا لكان يشرع في صلاة الخوف أن يصلي ~~بالناس عدة أئمة، لكن السنة جاءت بصلاتهم خلف إمام واحد، مع ما في ذلك من ~~مخالفة الأصول، مثل مفارقة الإمام قبل السلام، والعمل الكثير في الصلاة، ~~واستدبار القبلة، وقضاء المسبوق قبل سلام إمامه، PageV04P349 # وتخلف الصف الثاني عن متابعة الإمام. فهذا كله جاءت به السنة ليصلوا ~~جميعا خلف إمام واحد. # والعلماء قد تنازعوا في المسجد الذي له إمام راتب هل يصلي فيه جماعة من ~~فاتته الجماعة، أو يفرق بين المساجد التي ينتابها الناس وغيرها، أو بين ~~المساجد العظام وغيرها، أو بين المساجد الثلاثة وغيرها، على النزاع المشهور ~~بين الأئمة، لأنه لم يكن يرتب في المسجد إلا إمام واحد، وفي هذه الأزمنة قد ~~ترتب في المسجد عدة أئمة، وإذا فعل ذلك فالذي ينبغي أن يصلي واحد بعد واحد، ~~ليكون من فاتته الصلاة مع الأول صلى مع الثاني، ولأن إقامة جماعة بعد ~~الجماعة الراتبة مما ذهب إليه كثير من العلماء، وجاءت به السنة في مواضع ~~الحاجة، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن فاتته الصلاة: "إلا رجل ~~يتصدق على هذا فيصلي معه" (1). ولأن أنس بن مالك أتى المسجد وقد صلى فيه ~~الناس، فأقام الصلاة وصلى فيه جماعة أخرى (2). # فأما إمامة اثنين في وقت واحد في مسجد واحد فهذا لا يعرف أحد من السلف ~~فعله، وكل ما كان أقرب إلى السنة وأبعد عن البدعة فهو أولى بالاتباع. والذي ~~أحدث الصلاة مع غيره هو أحق بالنهي ممن كان يصلي وحده. والله أعلم. PageV04P350 ### || CHECK (2) سئل عن رجل يشتري القمح في زمان الصيف، ثم يخزنه إلى ms0728 زمان الشتاء، فيمسك يده عن بيعه حتى يكثر طالبه، فهل هذا محتكر أم لا؟ وعن رجل رأى في المنام أنه بجامع ولم تدركه اللذة الكبرى والإنزال إلا بعد أن استيقظ، فهل يفسد صومه أم لا؟ # وسئل الشيخ -رحمة الله عليه- # عن رجل يشتري القمح في زمان الصيف من الجند وغيرهم، فإن ذلك الوقت يرى ~~الجند الشرى من عندهم صدقة مما عليهم من الديون وقلة الطالب للقمح، ثم ~~يخزنه المشتري إلى زمان الشتاء، فيطلب فيه ما رزقه الله من الفائدة، فيمسك ~~يده عن بيعه حتى يكثر طالبه. فهل هذا محتكر أم لا؟ ولابد أن يرى في قلبه حب ~~للغلاء، فهل يأثم بذلك أم لا؟ وهل ترك ذلك خير أم لا؟ # وعن رجل رأى في المنام أنه يجامع، ولم تدركه اللذة الكبرى والإنزال إلا ~~بعد أن استيقظ، فهل يفسد صومه أم لا؟ # أفتونا مأجورين. # فأجاب -رضي الله عنه- عن ذلك وقال: # الحمد لله. أما ما ذكر من اشتراء القمح وخزنه فتركه خير من فعله، فإنه ~~يورثه محبته ارتفاع السعر، وأن يجمع المال من عموم المسلمين. قال أحمد: إن ~~مالا جمع من عموم المسلمين لمال سوء. ولكن هذا عند طائفة من العلماء إذا ~~كان من البلاد الكثيرة القمح الرخيصة السعر إذا لم يضر ذلك أهلها لا يحرم، ~~بخلاف ما إذا كان شراؤه وخزنه يضر أهل المكان، فإن هذا احتكار محرم، PageV04P351 # كما ثبت في صحيح مسلم (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا ~~يحتكر إلا خاطئ". ومن قال بتحريم هذا الاحتكار أخذ بعموم هذا الحديث، وقوله متوجه. # وأما إذا رأى في منامه أنه يجامع ولم ينزل حتى استيقظ، فخرج منه الماء ~~بغير اختياره، فإن هذا لا يفطر كما لا يفطر إذا أنزل في منامه، لأن الماء ~~خرج منه بغير اختياره. وإذا خرج منه المني بغير سعي منه ولا عمل لم يفطر، ~~كما لو ذرعه القيء فخرج منه القيء بغير اختياره فإنه لا يفطر، وإنما يفطر ~~من استمنى واستقاء. ولهذا لو غلبه الفكر حتى أنزل ms0729 لم يفسد صومه باتفاق ~~الأئمة، بخلاف ما إذا استدعى الفكر حتى أنزل، ففي فساد صومه قولان للعلماء: ~~أحدهما يفسد، وهو مذهب مالك وأحمد في أحد القولين، اختاره أبو حفص وابن ~~عقيل. والآخر لا يفطر، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والقول الآخر من مذهب ~~أحمد، اختاره القاضي أبو يعلى وطائفة. # وأما إذا كرر النظر حتى أنزل، فإنه يفسد صومه في مذهب مالك وأحمد، بخلاف ~~مذهب أبي حنيفة والشافعي، فإنهما لا يريان الفطر إلا أن ينزل بمباشرة ~~كالقبلة ونحوها. والله تعالى أعلم. PageV04P352 ### || CHECK (3) مسألة في سورة الأنعام: هل أنزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة واحدة أم آيات متفرقة متتابعة؟ # مسألة # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- في سورة ~~الأنعام: هل أنزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة واحدة أم آيات ~~متفرقة متتابعة؟ وقد وجد في كتاب "الوسيط في تفسير القرآن العظيم" (1) لأبي ~~الحسن علي بن أحمد الواحدي: أخبرنا أبو سعيد (2) محمد بن علي الخفاف، حدثنا ~~أبو عمر (3) محمد بن جعفر ابن مطر، ثنا إبراهيم بن شريك الأسدي، ثنا أحمد ~~بن يونس، أنبأنا سلام بن سليم المدائني، أنبانا هارون بن كثير عن زيد بن ~~أسلم عن أبيه أعن أبي أمامة، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة، وتبعها سبعون ألف ملك، ~~لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل". أفتونا مأجورين. # فأجاب الشيخ أحمد بن تيمية # -رضي الله عنه وعن سائر العلماء- # الحمد لله. قد ذكر عن طائفة من السلف أنها نزلت جملة واحدة (4)، وذكره ~~الإمام أحمد بإسناده عن جماعة، ولكن الإسناد PageV04P353 # المذكور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - موضوع. وبكل حال فلا تقرأ في ~~شهر رمضان إلا كما تقرأ في غيره، لا تقرأ جملة واحدة دون غيرها، كما يفعله ~~بعض الناس يقرؤونها وحدها في الركعة الثانية، فإن ذلك بدعة غير مستحبة ~~باتفاق العلماء. والله أعلم. PageV04P354 ### || CHECK (6) مسألة قراءة القرآن بقصد التلحين ### || CHECK (5) مسألة: من كان معه ختمة ms0730 فله أن يحملها بين قماشه وفي خرجة ### || CHECK (4) مسألة في رجل كسب جارية من ملطية وباعها، ثم اشترى بثمنها جارية، فتبين أنها مسلمة وأبواها مسلمان، فاعتقها، فهل يجب عليه الخمس أم لا؟ # مسألة # ما تقول السادة العلماء في رجل كسب جارية من ملطية وباعها، ثم اشترى ~~بثمنها جارية، فتبين أنها مسلمة وأبواها مسلمان، فأعتقها، فهل يجب عليه ~~الخمس أم لا؟ # قال الشيخ تقي الدين -رضي الله عنه- # بل يجب عليه الخمس الذي أمر الله به ورسوله أن يصرف إلى مستحقه. والله أعلم. # مسألة # ومن كان معه ختمة فله أن يحملها بين قماشه وفي خرجة، وحمله سواء كان ذلك ~~القماش لرجل أو امرأة أو صبي، وإن كان القماش فوقها وتحتها. # مسألة # وأما قراءة القرآن بقصد التلحين الذي يشبه تلحين الغناء فهي مكروهة ~~مبتدعة، كما نص على ذلك مالك وأحمد بن حنبل والشافعي وغيرهم من الأئمة. PageV04P355 ### || CHECK (7) سئل عن قوم لهم عيون ما عليها زروع، فجاء رجل فحقن الماء، وأحدث عليه سدا وطاحونا، فتضرر أرباب العيون، فهل لهم إزالة ما أحدثه؟ # وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- # عن قوم لهم عيون ما عليها زروع، فجاء رجل فحقن الماء، وأحدث عليه سدا ~~وطاحونا، فتضرر أرباب العيون، فهل لهم إزالة ما أحدثه؟ # فأجاب -رضي الله عنه- # إن كان قوم يستحقون الانتفاع بتلك العين، وقد أحدث ما يزيل بعض المنفعة ~~التي يستحقونها بغير إذن منهم، فلهم إزالة ما أحدثه من الضرر حتى يعود حقهم ~~كما كان. والله أعلم. PageV04P356 ### || CHECK (8) سئل عن رجل خطب ابنة رجل فركن إليه، ثم خطبها آخر، فركب عن الأول وركن إلى الثاني، فهل للثاني تزويجها؟ وهل يكون ملعونا؟ # وسئل -رحمه الله- # عن رجل خطب ابنة رجل فركن إليه، ثم خطبها آخر، فرغب عن الأول وركن إلى ~~الثاني، فهل للثاني تزويجها؟ وهل يكون ملعونا؟ # فأجاب -رضي الله عنه- # إذا كانت المرأة ووليها قد ردا الخاطب الأول وامتنعا من تزويجه جاز لغيره ~~أن يخطبها. والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى أن يخطب الرجل على خطبة ms0731 ~~أخيه (1) حتى ينكح أو يرد، فمتى رد الأول جازت الخطبة لغيره باتفاق ~~العلماء. والله أعلم. PageV04P357 ### || CHECK (10) مسألة: لا يحرم على الرجل النظر إلى شيء من بدن امرأته ولا لمسه ### || CHECK (9) مسألة: السؤال محرم إلا عند الحاجة إليه # مسألة # السؤال محرم إلا عن الحاجة إليه، وظاهر مذهب أحمد -رحمه الله- أنه لو وجد ~~ميتة عند الضرورة ويمكنه السؤال جاز له أكل الميتة، ولو مات مات عاصيا، ولو ~~ترك السؤال فمات لم يمت عاصيا. # والأحاديث في تحريم السؤال كثيرة جدا نحو بضعة عشر حديثا في الصحاح ~~والسنن، وفي سؤال الناس مفاسد الذل والشرك بهم والإيذاء لهم، وفيها ظلم ~~نفسه بالذل لغير الله عز وجل، وظلم في حق ربه بالشرك به، وظلم للخلق ~~يسؤالهم أموالهم. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس: "إذا سالت ~~فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" (1). # مسألة # لا يحرم على الرجل النظر إلى شيء من بدن امرأته ولا لمسه، لكن قيل: يكره ~~النظر إلى الفرج، وقيل: لا يكره إلا عند الوطء. # والله أعلم. PageV04P358 ### || CHECK (11) مسألة في المسافر إذا نزل في موضع وهو يعلم أنه يقيم فيه عشر ليال أو أكثر، فهل يجوز له أن يقصر ويجمع أو يتم؟ # مسألة # في المسافر إذا نزل في موضع وهو يعلم أنه يقيم فيه عشر ليال أو أكثر، فهل ~~يجوز له أن يقصر ويجمع أو يتم؟ # الجواب # السنة للمسافر أن يقصر الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب، والجمع إذا ~~احتاج إليه. وإذا كان المسافر نازلا فالسنة أن يقصر الصلاة، ولا يجمع إلا ~~احتاج إلى ذلك. وإذا كان لا يدري كم يقيم فإنه يقصر أبدا، وإن علم أنه يقيم ~~خمسا أو عشرا أو خمسة عشر ففيه قولان للعلماء، أظهرهما أن يقصر أيضا. والله ~~أعلم. PageV04P359 ### || CHECK (12) مسألة في قضاء الدين إذا أنكر ذلك المدفوع إليه # مسألة # قال المجد في الوديعة (1): وإذا قال: أذنت في دفعها إلى فلان وقد فعلت ~~قبل قوله فيهما. # وقال في الوكالة (2): ومن وكل في قضاء دين، ولم يؤمر بإشهاد، فقضاه بحضرة ~~الموكل ms0732 ولم يشهد، فأنكر الغريم، لم يضمن. وإن قضاه في غيبته ضمن. وعنه لا ~~يضمن، كالوكيل في الإيداع. # وقال في الضمان (3): وإذا ادعى القضاء وأنكره الآخران فلا رجوع له، فإن ~~صدقه رب الحق وحده فوجهان، وإن صدقه المديون وحده رجع عليه إن قضى بحضرته ~~أو بإشهاد، وإلا فلا. # وقيل: لا يرجع فيما قضى بحضرته. # فمتى أمر رجل بدفع ألف إلى فلان، فدفعها، فأنكر المدفوع إليه، فإن كان ~~أمره بالإشهاد ولم يشهد ضمن، وإن لم يأمره بالإشهاد فالقول قوله. PageV04P360 # قال أبو الخطاب وغيره: ومعلوم أنه لم يرد القول قوله على المدفوع إليه، ~~فثبت أنه أراد في حق الأمر. # قلت: هذا صريح في الرواية الأولى. # وقال الخرقي (1) في الوكالة: ولو أمره أن يدفع إلى رجل مالا فادعى أنه ~~دفعه إليه لم يقبل قوله على الآمر إلا ببينة. # قلت: وهذا يوافق الثانية أنه لعدم الإشهاد، فيكون لعدم التفريط، كما هي ~~الرواية. وكذلك قال القاضي وغيره. ويحتمل أن لا يقبل قوله في ذلك إلا ببينة ~~أنه فعل، فلو صدقه لم يقبل، والله أعلم. هذا القول قول الخرقي، فيكون ~~الخرقي إنما تكلم في قبول قوله على الآخر. # قلت: فهذا الذي ذكره المجد في الوديعة يوافق ما ذكره أبو محمد عموم كلام ~~الخرقي، وإن النزاع في الموضعين فإنه قد يتكرر قضاء الدين، أما إذا صدقه في ~~القضاء فيفرق بين أن يفرط أو لا يفرط، وحينئذ لا تختلف مسألة الخرقي ومسألة ~~مهنأ في قضاء الدين ونحوه من نقل الملك، وعلى هذه الرواية التي نقلها ~~الخرقي قد يفرق الأصحاب بين الوفاء وبين الإيداع كما ذكر المجد. # وقال الشيخ أبو محمد (2): وإن وكله في إيداع ماله فأودعه ولم يشهد، فقال ~~أصحابنا: لا يضمن إذا أنكر المودع. PageV04P361 # قال: وكلام الخرقي بعمومه يقتضي أن لا يقبل قوله على الآمر، وهو أحد ~~الوجهين لأصحاب الشافعي، لأن الوديعة لا تثبت إلا بالبينة، فهي كالدين. ~~وقال أصحابنا: لا يصح القياس على الدين، لأن قول المودع يقبل في الرد ~~والهلاك، فلا فائدة هنا في الاستيثاق، بخلاف ms0733 الدين. فإن قال الوكيل: دفعت ~~المال إلى المودع فالقول قول الوكيل، لأنهما اختلفا في تصرفه فيما وكل فيه، ~~فكان القول قوله فيه. # قلت: هذا يخالف ظاهر قول الخرقي على الاحتمال الثاني، وهو أشبه بقوله وما ~~ذكروه من تعليل الأصحاب، ففي دعوى الرد إذا كان الدفع ببينة رواية عن أحمد ~~كقول مالك، وفي دعوى التلفيق بين ماله روايتان. # وقال أبو الخطاب في الوكالة: وإن وكله في قضاء دين، فقضاه في غيبة الموكل ~~ولم يشهد، فأنكر الغريم، ضمن الوكيل. # قال المجد: بهذا قال مالك والشافعي. # وكذلك الوديعة إذا أمره بدفعها إلى إنسان، وهذا اختيار الخرقي، وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه: لا يضمن، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الميموني. # قال: وهذا الذي اختاره أبو الخطاب هنا يناقض ما اختاره في كتاب الرهن. ~~وصرح القاضي وابن عقيل في كتاب الوكالة بأن المسألة على روايتين. PageV04P362 # وقال أبو الخطاب في الوديعة: وكذلك إن قال: أمرتني أن أدفعها إلى فلان ~~وقد دفعتها إليه، فقال المالك: ما أمرتك، فالقول قول المودع، نمن عليه. # قال المجد: بهذا قال ابن أبي ليلى، وبهذا قال مالك والثوري وعبد الله بن ~~الحسن والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي والأوزاعي: لا يقبل قوله في ذلك، وهو ~~ضامن. ووافقوا على أنه إذا وافقه على الإذن فإن القول قوله في الدفع، إلا ~~الأوزاعي، فإنه قال: لا يقبل قوله بدون بينة، ويضمن. # قلت: هذا الذي محل وفاق، فنقل الطحاوي ما ينافي ما ذكره هو وأبو محمد من ~~عموم كلام الخرقي، فإنه قال هنا: وكذلك الوديعة إذا أمره بدفعها إلى إنسان. ~~وهذا اختيار الخرقي. فجعل الأمر بدفع الوديعة كالأمر بدفع الدين. # وهذه المسألة هي بعينها الأمر بدفع الوديعة، ومسألة أبي محمد مسألة ~~الكتاب من التوكيل في الإيداع والوكيل في الإيداع هو أمر بدفع الوديعة إلى ~~مطلق أو معين، لكن قد يقال: إنه في التوكيل في الإيداع لم يعين المودع، ~~بخلافه هنا، وهذا فرق عن سويد، كالأمر بقضاء الدين المطلق أو معين، فهذا ~~شيء، وشيء آخر وهو أنه إذا كان ms0734 منصوص أحمد أنه يقبل قوله عليه في الإذن في ~~الدفع من غير إشهاد، فهذا أبلغ من قبول قوله في مجرد الدفع. وقوله "ادفعها ~~إلى فلان" يتناول ما إذا كان بطريق القضاء والإيداع والهبة وغير ذلك، فهذا ~~موافق لرواية مهنأ، ومخالفة ظاهرة لنقل الخرقي، PageV04P363 ### ||| CHECK - مسألة الضمان # لا سيما إذا حمل قوله على العموم، وعلى ما نقله الخرقي ينبغي أن لا يقبل ~~قوله هنا بالإذن كقول الجمهور بطريق الأولى، وكلام الخرقي يتناول ذلك، بل ~~ولا في الدفع أيضا. # وأما مسألة الضمان فقال أبو الخطاب: وإذا ادعى الضامن قضاء الحق ولا بينة ~~له، فأنكر المضمون له، حلف وطالب من شاء منهما، فإن طالب المضمون عنه فأخذ ~~منه لم يكن للضامن الرجوع عليه، سواء صدق في قضاء الدين أو كذبه، لأنه أذن ~~له في قضاء جرى ولم يوجد. # وقال المجد: هذه المسألة فيما إذا قضاه في غيبة المضمون عنه وإذنه له ~~مطلق. وبهذا قالت الشافعية في أحد الوجهين، والثاني أنه يرجع عليه إذا صدق، ~~اختاره أبو إسحاق. فعلى هذا إن كذبه حلف لا يعلم أنه قضى عنه. # ثم وجدت القاضي قد ذكر في "التعليق" مثل ما ذكرته، وأن قول الخرقي هو في ~~الوديعة، وأن الخلاف في قبول قوله بحيث لو صدقه لم يضمن، فقال في مسألة: ~~إذا قبض وديعة بينة ثم ادعى ردها قبل منه، نص عليه في رواية ابن منصور، ~~وذكر له قول سفيان في رجل استودع رجلا ألف درهم، فجاءه فقال: ادفع إلي ~~دراهمي، قال: قد دفعتها إليك يصدق. فإن قال: أمرتني أن أدفعها PageV04P364 # إلى فلان فبينة، فقال أحمد: في كلا الأمرين يصدق. وبهذا قال أبو حنيفة ~~والشافعي. وقال مالك: لا يقبل منه إلا ببينة. # وقد روى أبو الخطاب عن أحمد مثل مذهب مالك، فقال: قلت لأبي عبد الله: إذا ~~كانت وديعة تريد بينة؟ قال: نعم إذا كان قد أشهد عليه لا يقبل منه حتى يقيم بينة. # وهذه الرواية صريحة بمثل مذهب مالك، أما الأولى فإنها فيها عموم، ~~والمقصود فيها عموم، ms0735 فرق سفيان وتسوية أحمد بين الصورتين بين الدفع إليه ~~والدفع إلى فلان. وقول أحمد "يصدق" قد يقال: إنه لا ينافي قول من يضمن ~~لتفريطه لا لكذبه. # ثم، قال القاضي: وجه الأول أن المودع أمين في أمثال هذا، ويحفظ الشيء ~~لمصلحة صاحبه ومنفعته، لا لمنفعة نفسه وحظه، فيجب أن يكون القول قوله في ~~الرد. وإن شئت قلت: أمانة مجردة، وكان القول قوله في ردها دليله إذا قبض ~~بغير بينة. # قلت: الأول كلام مرسل لا أصل له يشهد له، والثاني قياس في صورة الفرق، من ~~غير إلغاء الفارق. # قال: ولا يلزم على هذا: المرتهن إذا ادعى رد الرهن أنه لا يقبل قوله وإن ~~كان أمانة، لأن ممسك للشيء ليستوفي الحق من نفسه لنفسه. فإذا ادعى الرد لم ~~يقبل منه، نص عليه في رواية أبي طالب. وفي مسألتنا لو أقر بالوديعة وادعى ~~الرد قبل منه. # ثم قال القاضي: مسألة، فإن أمر صاحب الوديعة بدفعها إلى PageV04P365 # رجل، فدفعها إليه بغير بينة، فالقول قول المودع، نص عليه في رواية ابن ~~منصور في المسألة التي قبلها. # قلت: نص أحمد أن يصدق في الإذن في الدفع وفي الدفع أيضا. # قال: وقال أيضا في رجل أمر رجلا أن يدفع إلى رجل ألف درهم، فدفعها، وأنكر ~~المدفوع له أنه قبضها، فإن كان أمره بالإشهاد فلم يشهد ضمن، وإن كان لم ~~يأمره بالإشهاد فالقول قوله، وهو قول أبي حنيفة، وقال مالك والشافعي: لا ~~يقبل قوله في الدفع. وعلموا الخلاف في الوصي إذا ادعى دفع المال إلى اليتيم ~~بعد بلوغه، ولا بينة، فأنكر الصبي ذلك، فالقول قول الوصي، وعندهما لا يقبل ~~قوله إلا ببينة، واختيار الخرقي ذكره في الوكيل. دليلنا إذا ادعى تسليم ~~الوديعة إلى من يجوز الدفع إليه فكان القول قوله، دليله لو ادعى تسليمها ~~إلى المالك فإن القول قوله، كذلك ههنا. # إلى أن قال: واحتج المخالف بأن المالك لم يأمره بإتلافها # على المالك، لأنه قد يجحد، فلا يمكن المالك أن يقيم عليه بينة، ولا يقبل ~~الدافع، لأنه ليس بأمين ms0736 في حقه، فكان مفرطا في ذلك، يلزمه الضمان بتعديه. # قلت: هذه الحجة مضمونها أنه متعد، لا أنه غير مقبول القول كما تقدم، وهذا ~~خلاف ما صدر به المسألة. PageV04P366 # ثم قال: احتج بأنه ادعى التسليم إلى من لم يأتمنه بالحفظ، فهو كما لو ~~ادعى تسليمها إلى أجنبي. والواجب أن الأجنبي لو صدقه صاحب الوديعة أنه سلم ~~إليه ضمن كذلك إذا لم يصدقه. # وفي مسألتنا لو صدقه أنه سلم إليه لم يضمن إذا ادعى التسليم، وله فيه حق. ~~وأما إذا كان بحضرة المضمون عنه رجع، ولم يكن مفرطا بترك الإشهاد عندنا في ~~الصحيح، وهذا ظاهر مذهب الشافعي. ومن أصحابه من قال: هو كالغيبة، فلا يرون ~~تفريطه بالحضور، فيصير لهم في هذه المسألة ثلاثة أوجه. وكذلك ذكر ابن عقيل ~~والقاضي أنه لا يرجع، وهو ظاهر كلام أبي الخطاب، لأن هذا القضاء لا يترك في ~~الظاهر بخلاف المشهود به. # قلت: فهذا كما في "المحرر"، وفيه الفرق بين مسألة الضمان والثاني، ذكر ~~الوجهين في القضاء في الحضور في مسألة الضمان دون مسألة الوكالة. وكذلك ذكر ~~أبو محمد في "المغنى" مثل ما ذكر المجد في كتابيه، وعلى هذا فالفرق أن ~~يقال: إذا وكله في القضاء، ولم يأمره بالإشهاد، فقد فعل ما أمره به من غير تفريط. # أما في الضمان فهو لم يأمر الضامن بالوفاء، لكن الوفاء وجب على الضامن ~~بحكم الضمان، فلو أذن له في الضمان فالموجب للوفاء الضمان دون الإذن، لا ~~سيما على ظاهر المذهب للضامن الرجوع وإن ضمن بغير إذن. وكذلك من أدى عن ~~غيره واجبا عليه، كفداء الأسير. وإذا كان الوفاء هنا حصل بإذن الشارع ~~وإيجابه فالمتصرف عن غيره بحكم الشرع مأمور بأن يتصرف بحسب المصلحة، بحكم ~~التصرف بالوكالة أنه سمع الأمر. ولهذا لو أذن له فيما فيه ضرر PageV04P367 ### || CHECK (13) مسألة شراء الأرض الخراجية وبيعها # عليه وفعله لم يضمن، كما لو أمره أن يبيعه بدون ثمن المثل ليثمن قدره أو ~~بيعه من غريم غير ملي ونحو ذلك، بخلاف من تصرف بحكم المصلحة كالولي. ms0737 وأيضا ~~من يريد أن يرجع بما قضاه عنه فهو مطلب بالبذل كالقرض، لأن وفاء المال ~~إقراض للمدين، بخلاف الوكيل فإنه لا يرجع بشيء. وبهذا يظهر الوجه المذكور ~~فيما إذا كان الوفاء بحضرته في الضمان دون الوكالة، لأن الوكيل يفعل عن ~~الموكل، فسكوته رضى بذلك، والضامن يوفي عن نفسه ما وجب عليه، وهو مقرض ~~للمدين، ومقصود هذا القرض براءة ذمته من الدين. # فصل # الذي يكره من شرى الأرض الخراجية إنما كان لأن المشتري يشتريها فيدفع ~~الخراج عنها، وذلك إسقاط لحق المسلمين، كما كانوا أحيانا يقطعون بعضها لبعض ~~المجاهدين إقطاع تمليك لا إقطاع استغلال، كإقطاع الموات، فهذا الابتياع ~~والإقطاع يسقط حق المسلمين من الرقبة والمنفعة. # والخلفاء أخذوه من الغزاة لتكون منفعة دائمة للمسلمين، فإذا قطعت منفعته ~~عن المسلمين صار ظلما لهم، بمنزلة من غصب طريق المسلمين وبنى في منى ونحوها ~~من المنافع المشتركة بين المسلمين على التأبيد. فأما إذا اشتراها وعليه من ~~الخراج ما على البائع، فهو كما لو ولاه إياها بلا ثمن، وكما لو ورثها، فإن ~~الإرث PageV04P368 # مجمع عليه أن الوارث أحق بها بالخراج، وذلك لأن إعطاءها لمن أعطيته ~~بالخراج قد قيل إنه بيع بالثمن المقسط الدائم كما يقول بعض الكوفيين، وقد ~~قيل: إنه إجارة بالأجرة المقسطة المؤبدة المدة كما يقول أصحابنا والمالكية ~~والشافعية. فكلا القولين خرج في قوله عن قياس البيوع والإجارات. # فالتحقيق أنها معاملة قائمة بنفسها، ذات شبه من البيع دون الإجارة، ويشبه ~~في خروجها عنها المصلحة على منافع مكانه للاستطراق أو إلقاء الزبالة أو وضع ~~الجذوع ونحو ذلك بعرض ناجز، فإنه يملك العين مطلقا ولم يستأجرها، وأما ملك ~~هذه المنفعة مؤبدة. # وكذلك وضع الخراج، ولو كان إجارة محضة، وكان عمر وغيره قد تركوا الأرض ~~للمسلمين وأكروها لكان ينبغي إكراه المساكن أيضا، لأنها للمسلمين إذ فتحت ~~عنوة، ولكان قد ظلم المسلمين، فإن كرى الأرض يساوي أضعاف الخراج، ولكان على ~~المشهور عندهم، ولا يستحق الآخذون ما في الخراج من الشجر القائم ومن النخيل ~~والأعناب وغيرها، كمن استأجر أرضا فيها غراس، ms0738 ولكان دفعها مساقاة مزارعة ~~كما فعل المنصور أو المهدي في أرض السواد -أنفع للمسلمين اقتداء بالنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في أرض خيبر، فإنه لا فرق إلا أن ملاك خيبر معينون ~~وملاك أرض العنوة العمرى مطلقون، وإلا فيجوز للمالك أن يؤاجر، ويجوز لرب ~~الأرض الموقوفة أن يعامل مساقاة ومزارعة. PageV04P369 # وأما بيعها فلو كان كذلك لباع المساكن أيضا، ولا بيع يكون بثمن مؤبد إلى ~~يوم القيامة، فالتخريج أصل دلت عليه السنة والإجماع، فلا يقاس بغيره، فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت ~~الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها" (1). # واتفق الصحابة مع عمر على فعله بوضع ذلك، فإن أصل الخراج في قوله (ما ~~أفاء الله على رسوله من أهل القرى) (2)، فإن هذا فرق بين العقار والمنقول، ~~ومع هذا فقد أضاف القرى إليهم، فعلم اختصاصهم بها. # وإذا كان كذلك فلو أخذه ذمي من الذمي الأول بالخراج، وعاوضه في ذلك عوضا، ~~لم يكن في ذلك ضرر أصلا، فلا وجه لمنعه، لأنه إن قيل: إنه وقف فهذا لا يخرج ~~بهذه المعاوضات عن أن يكون وقفا، بل مستحق أهل الوقف باق كما كان. وبيع ~~الوقف إنما منع منه لإزالة حق أهل الوقف، وهذا لا يزول بل هو بمنزلة إجارة ~~أرض الوقف بأكثر مما استأجرها، فكأنه قال: أكريتك هذه بما على من الخراج ~~وبالزيادة التي تعجلها لي، ولهذا انتقل إلى ورثة من هي في يده، والوقف لا ~~يباع ولا يوهب ولا يورث، فإذا جاز انتقاله بالإرث على صفة ما كان فالهبة ~~مثله، وكذلك المعاوضة، سواء سميت بيعا أو إجازة. ولهذا جوز أحمد -رحمه ~~الله- إصداق الأرض الخراجية، وما جاز أن يكون صداقا جاز أن يكون ثمنا ~~وأجرة، وما كان ثمنا كان مثمنا، فهذا ينبغي تأمله. PageV04P370 # يبقى إذا أخذه المسلم، فقد يكره لما فيه من الصغار، ولما فيه من الاشتغال ~~عن الجهاد بالحراثة، فهو مانع آخر غير كونه وقفا يختلف باختلاف المصالح ~~والأوقات، كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عامل اليهود على ms0739 خيبر لقلة ~~المسلمين، فلما كثر المسلمون أجلاهم عمر بأمر النبي- - صلى الله عليه وسلم ~~-، صار المسلمون يعمرونها. فكذلك الأرض الخراجية، إذا كثر المسلمون كان ~~استيلاؤهم عليها بالخراج أنفع لهم من أن يبقوا فقراء محاويج، والكفار ~~يستغلون الأرض بالخراج اليسير، فإنهم كانوا زمن عمر قليلا وأهل الذمة ~~كثيرا، وقد انعكس الأمر، فكما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاملهم على ~~خيبر، ثم عمرها المسلمون لفا كثر المسلمون وتضرروا ببقاء أهل الذمة في أرض ~~العرب، فكان المعنى ضرر المسلمين بأهل الذمة واكتفاء المسلمين بالمسلمين. ~~فكيف إذا احتاج المسلمون إلى الأرض الخراجية وتضرروا ببقائها في أيدي أهل ~~الذمة، فرأى من احتاج من المسلمين أن يعاوض الذمي ويقوم مقامه فيها، فإن ~~كان المؤدى أجرة فهو أحق باستئجار أرض المسلمين وعمارتها، وإن كان ثمنا فهو ~~أحق باشترائها، وإن كان عوضا ثالثا فهو أحق به أيضا. # ومتى كثر المسلمون لم يبق صغار ولا جزية، وإنما كان فيه صغار وجزية في ~~الزمن المتقدم. كما لو أسلم الذمي الذي هو مسئول عليها، فإنها تبقى في يده ~~مؤديا لخراجها، ويسقط عنه جزية رأسه، فكيف يقاس هذا بهذا؟ وإذا جاز أن يبقى ~~بيده بعد إسلامه، فما المانع أن يدفعها إلى مسلم غيره بعوض أو غيره؟ PageV04P371 # والمسلم لا صغار عليه بحال، فلو كان المانع كونها صغارا لم يجامع الإسلام ~~لجزية الرأس، ولا يقال: هي الرق يمنع الإسلام ابتداء ولا يمنع دوامه، لأن ~~الرق قهرناهم عليه بغير اختيارهم لم نعاوضهم عليه، فكذلك جزية الرأس لا ~~نمكنهم من المقام بالأرض الإسلامية إلا بهما، فهي نوع من الرق، لثبوتها ~~بغير اختيار المسترق. # وأما الخراج فإنما ثبت بمعنى الخارج واختياره، ولو لم يقبل الأرض ما لم ~~يدفعها إليه، بمنزلة المساقاة المزارعة التي عامل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بها أهل خيبر، سواء كان هناك العوض جزءا من الزرع وهنا العوض مسمى ~~معلوم، وهناك لا يستحق شيئا إلا إذا زرعوا، وهنا يستحق إذا أمكنهم الزرع. ~~فنظيره أن العامل في المزارعة يعامل غيره بأقل من الجزء الذي استخرج، ms0740 وأن ~~المضارب يدفع المال مضاربة، لكن هذا يتوقف على إذن المالك لتعيين المستحق. # وبالجملة فالموانع من غير جزية كونها وقفا ينظر فيها العاقبة، أما جهة ~~الوقف يتوجه كونها مانعا على أصول الشريعة أبدا، وأما التعليل بالاشتغال ~~بالحراثة عن الجهاد فهذا قائم في جميع الأرضين عشريها وخراجيها، وذلك شيء ~~آخر. ونظير هذا الغلط ما عللوا به أرض مكة. PageV04P372 # فصل # ونظير ذلك مكة، فإنه لا ريب فتحت عنوة، ومن قال: إنها فتحت صلحا فاستقر ~~ملك أصحابها عليه، ليجوز لهم ما يجوز في سائر أراضي الصلح من البيع وغيره، ~~كما يقوله الشافعي= فقوله ضعيف لوجوه كثيرة من المنقولات. # وأيضا فإنه لا يجوز مثل ذلك، فإنه لو صالح الإمام قوما من المشركين بغير ~~جزية ولا خراج لم يجز إلا لحاجة، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - عام ~~الحديبية. أما إذا فتحت الأرض فتح صلح وأهلها مشركون من غير أهل الجزية، ~~فإنه لا يجوز إقرارهم بغير جزية بإجماع المسلمين. # وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل في العام المقبل لما حج أبو ~~بكر لمن لم يسلم منهم أجل أربعة أشهر، وإلا جعله محاربا يستبيح دمه وماله، ~~ولو كان قد فتحها صلحا لم يجز ذلك. # وأيضا فإنه قد استباح قتل جماعة سماهم، لكن فتحها عنوة وأمن من ترك ~~القتال منهم على نفسه وماله إلا نفرا استثناهم، وكان قد أرسل بهذا الأمان ~~مع أبي سفيان، فمنهم من قبله فانعقد له، ومنهم من لم يقبل فحارب أو هرب، ~~والأمان لا يثبت إلا بقبول المؤتمن كالهدنة. وأما من لم يترك القتال فلم ~~يؤمنه بحال، لكن خص وأم في ألفاظ الأمان، والمقصود واحد، فإن قوله: "ومن ~~دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن ألقى PageV04P373 # السلاح فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" كلها ألفاظ معناها: من ~~استسلم فلم يقاتل فهو آمن. ولهذا سماهم الطلقاء، كأنهم أسرهم ثم أطلقهم كلهم. # فقالت الحنفية: لما فتحها عنوة ولم يقسمها، بل أقرها في يد أهلها، صار ~~هذا ms0741 أصلا في أرض العنوة أنه لا يجوز إقرارها في يد أهلها. قالوا هم ~~وأصحابنا وغيرهم في أحد التعليلين: ولهذا لم يجز بيعها وإجارتها، لكونها ~~فتحت عنوة ولم تقسم كسائر أرض العنوة. وربما قالوا: صار إنزال أهل مكة ~~للناس عندهم هو الخراج المضروب عليهم. # وأما من قال من أصحابنا: إن الخراج على مزارعها، فقد علم بالنقل المتواتر ~~فساد قوله مع إجرائه لقياسه. وهذا التعليل ضعيف لوجوه: # أحدها: أن أرض العنوة يجوز إجارتها بالإجماع، وبيوت مكة أحسن ما فيها أنه ~~لا يجوز إجارتها، بل يجوز بذلها للمحتاج بغير عوض. فهذا هو الذي يدك عليه ~~الكتاب والآثار والقياس، وأما المنع من بيعها ففيه نظر، فلو كان المانع كون ~~فتحها عنوة لما منع إجارتها. # الثاني: أن أرض العنوة إنما تمنع من بيع مزارعها، فأما المساكن فلا يمنع ~~ذلك فيها، بل هي لأصحابها. ومكة إنما منعوا من المعاوضة في رباعها التي لا ~~تمنع فيها في أرض العنوة، وهذا برهان ظاهر على الفرق. PageV04P374 # الثالث: أن مزارع مكة ما علمنا أحدا من أصحابنا ولا غيرهم منع بيعها أو ~~إجارتها، وإنما الكلام في الرباع، وهي المساكن لا المزارع، فأين هذا من هذا؟ # الرابع: أن تلك الديار كانت للمهاجرين، فقد طلبوا من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إعادتها إليهم فلم يفعل، ولو كانت كسائر العنوة لكان قد أعادها ~~إلى أصحابها، لأن الأرض إن كانت للمسلمين، واستولى عليها الكفار، ثم ~~استنقذناها، وعرف صاحبها قبل القسمة= أعيدت إليه. # الخامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتعرض لشيء من أموالهم، لا ~~منقولها ولا عقارها ولا شيء أخذ من ذراريهم، ولو أجرى عليها أحكام غيرها من ~~العنوة لغنم المنقول والذرية. # بل الصواب أن المانع من إجارتها كونها أرض المشاعر التي يشترك في استحقاق ~~الانتفاع بها جميع المسلمين، كما قال تعالى: (سواء العاكف فيه والباد) (1)، ~~فالساكنون بها أحق بما احتاجوا إليه، لأنهم سبقوا إلى المباح، كمن سبق إلى ~~المباح من طريق أو مسجد أو سوق. وأما الفاضل عليهم بذلوا لأنهم إنما لهم أن ms0742 ~~يبنوا بهذا الشرط، لكن العرصة مشتركة، وصار هذا بمنزلة من يبني بيئا في ~~رباط أو مدرسة أو نحو ذلك له اختصاص بسكناه وليس له المعاوضة عليه، أو من ~~يبني بيتا في خانات السبيل، أو في دور الرباط التي تكون في الثغور، ونحو ~~ذلك. كما تكون الأرض فيه مشتركة PageV04P375 # المنفعة للحج والجهاد وللمرور في الطرقات أو للتعليم أو التعبد ونحو ذلك. # فإذا قال: البناء لي، قيل له: والعرسة ليست لك، وأعيان الحجر ليست لك، ~~التأليف أو التأليف والابعاض مما ليس لك، لا يجوز لك أن تعاوض عنه، وما هو ~~لك فقد اعتضت عنه بتقديمك في الانتفاع بالعرصة. # أو لأن المكي لما صار الناس يهدون إليهم الهدايا ويجب عليهم قسمها فيهم ~~صار يجب على المكيين إنزال الناس في منازلهم، مقابلة الإحسان بالإحسان. ~~فصاحب الهدي له أن يأكل منه مثلا حيث يجوز، ويعطي من شاء ولا يعتاض عنه، ~~وكذلك صاحب المنزل يسكنه ويسكنه ولا يعتاض عنه. # وهذا المعنى الذي قد ذكرناه هو السبب الموجب لإبقائها بيد أربابها من غير ~~خراج مضروب عليهم أصلا، لأن للمقيمين بمكة حقا وعليهم حقا وليست لغيرها من ~~الأمصار، ومن هنا يصير التعليل بفتحها عنوة متناسبا لمنع إجارتها كما ~~ذكرناه لإلحاقها بسائر أرض العنوة. # فإن قيل: فالأرض إذا فتحت عنوة يجوز أمان أهلها على نفوسهم وأموالهم كذلك؟ # قيل: نعم يجوز قبل الاستيلاء أن يؤمن من ترك القتال على نفسه وماله، لما ~~فيه من الانتفاع بترك قتاله، وهو أمان بشرط. PageV04P376 # بل إذا جوزنا المن على الأسير بعد الأسر للمصلحة كيف لا يجوز ذلك قبل ~~الأسر للمصلحة كيف ارباب على ماله، لأن ذلك قبل الاستيلاء، كما لو نزلوا ~~على حكم حاكم فإنه من أسلم منهم قبل الحكم عصم نفسه وماله، لأنه لم يتم القهر. # فأما أهل مكة كان قبل القهر ودخلها قهرا، ولهذا التجوز تظهر الشبهة التي ~~أدحضت كلا من القولين، وأما بعد القهر فيجوز أن يمن على المقهورين ويدفع ~~إليهم الأرض مخارجة. فالذين حاربوا بمكة أو هربوا، ثم أمنهم بعد ms0743 قهرهم ~~والقدرة عليهم، هذا جائز في أنفسهم كالمن، ولهذا سماهم الطلقاء. وأما في ~~أموالهم فالأرض قد ذكرت بسبب ذلك فيها. والله أعلم. PageV04P377 ### || CHECK (14) مسألة: أيهما أولى: معالجة ما يكره من أعمال القلب -مثل الحسد والحقد والغل والكبر والرياء والسمعة وقسوة القلب- من درنه وخبثه؟ أو الاشتغال بالأعمال الظاهرة من الصلاة والصيام وأنواع القربات؟ # مسألة # أيهما أولى: معالجة ما يكره الله من قلبك، مثل الحسد والحقد والغل والكبر ~~والرياء والسمعة ورؤية الأعمال وقسوة القلب وغير ذلك مما يختص بالقلب، من ~~درنه وخبثه؟ أو الاشتغال بالأعمال الظاهرة من الصلاة والصيام وأنواع ~~القربات من النوافل والمندوبات مع وجود الأمور في قلبه؟ أفتونا مأجورين. # جواب # شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية الحراني -رضي الله تعالى عنه- الحمد ~~لله. من ذلك ما هو أوجب، وإن الأوجب أفضل وزيادة، كما قال تعالى فيما يروي ~~عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت ~~عليه"، ثم قال: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" (1). # والأعمال الظاهرة لا تكون صالحة مقبولة إلا بتوسط عمل القلب، فإن القلب ~~ملك والأعضاء جنوده، فإذا خبث الملك خبث جنوده. ولهذا قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إلا وإن في الجسد مضغة إذا PageV04P378 # صلحت صلح لها الجسد كله، وإذا فسدت فسد لها الجسد كله، إلا وهي القلب" (1). # وكذلك أعمال القلب لابد أن تؤثر في عمل الجسد، وإذا كان المتقدم هو ~~الأوجب سمي باطنا أو ظاهرا، فقد يكون ما يسمى باطنا أوجب، مثل ترك الحسد ~~والكبرياء، فإنه أوجب عليه من نوافل الصيام. وقد يكون ما سمي ظاهرا أفضل، ~~مثل قيام الليل، فإنه أفضل من مجرد ترك بعض الخواطر التي تخطر في القلب من ~~جنس الغبطة ونحوها. وكل واحد من عمل الباطن والظاهر يعني الآخر، والصلاة ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتورث الخضوع ونحو ذلك من الآثار العظيمة، هي ~~أفضل الأعمال، والصدقة. والله تعالى أعلم. PageV04P379 ### || CHECK (15) مسألة في مدين لا تذبح فيها شاة إلا ويأخذ المكاس سقطها ورأسها وأكارعها، ثم يضع ذلك ms0744 ويبيعه في الأسواق، فهل يحرم شراء ذلك وأكله أم لا؟ # مسألة # ما تقول السادة أئمة الدين - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - في مدينة لا ~~يذبح فيها شاة إلا ويأخذ المكاس سقطها ورأسها وأكارعها مسكا، ثم يضع ذلك ~~ويبيعه في الأسواق، وفي المدينة من لا يمنع عن شراء ذلك وأكله من أهل الذمة ~~وغيرها، وليس يباع في المدينة رءوس وأكارع وأسقاط إلا على هذا الحكم، ولا ~~يمكن غير ذلك. فهل يحرم شراء ذلك وأكله والحالة هذه أم لا؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب شيخ الإسلام تقي الدين -رضي الله عنه- هذه حكمها حكم ما يأخذها ~~الملوك من الكلف التي ضربوها على الناس، فإن هذه في الحقيقة تؤخذ من أموال ~~أصحاب الغنم التي يبيعونها للقصابين وغيرهم، فإن المشتري يحسب أنه يؤخذ من ~~السواقط، فيسقط من الثمن بحسب ذلك. وهكذا جميع ما يؤخذ من الكلف، فإنها وإن ~~كانت تؤخذ من المشتري فهي في الحقيقة من مال البائع. # وهذه الكلف دخلها التأويل والشبهة، منها ما هو ظلم محض، ولكن تعذر معرفة ~~أصحابه وردها إليهم، فوجب صرفه في مصالح PageV04P380 # المسلمين، وولاية بيعها وصرفها لهم. فالمشتري لذلك منهم إذا أعطاهم الثمن ~~لم يكن بمنزلة من اشترى المغصوب المحض الذي لا تأويل فيه ولا شبهة، وليس ~~لصاحبه ولاية بيعه، حتى يقال: إنه فعل محرما يفسق بالإصرار عليه. وفي المنع ~~من شرائها إضرار بالناس وإفساد بالأموال من غير منفعة تعود على المظلوم، ~~والمظلوم له أن يطالب ظالمه بالثمن الذي قبضه إن شاء أو بنظير ماله. # والتورع عن هذه من التورع عن الشبهات، ولا يحكم بأنها حرام محض، ومن ~~اشتراها وأكلها لم يجب الإنكار عليه، ولا يقال: إنه فعل محرما لا تأويل ~~فيه، فإن طائفة من الفقهاء أفتوا طائفة من الملوك بجواز وضع أصل هذه ~~الوظائف، كما فعل ذلك أبو المعالي الجويني في كتابه "غياث الأمم" (1)، وكما ~~ذكر بعض الحنفية. وما قبض بتأويل فإنه يسوغ للمسلم أن يشتريه ممن قبضه، وإن ~~كان يعتقد المشتري أن ذلك العقد محرم. كالذمي إذا باع خمرا ms0745 وأخذ ثمنها، جاز ~~للمسلم أن يعامله في ذلك الثمن وإن كان المسلم لا يجوز له بيع الخمر، كما ~~قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: "ولوهم بيعها وخذوا أثمانها" وهذا ثابت ~~عن عمر -رضي الله عنه- (2)، وهو مذهب الأئمة. PageV04P381 # وهكذا من عمل معاملة يعتقد جوازها في مذهبه وقبض المال، جاز لغيره أن ~~يشتري منه ذلك المال، وإذا كان هو لا يرى جواز تلك المعاملة، فإذا قدر أن ~~الوظائف يدفعها من يعتقد جوازها لإفتاء بعض الناس له بذلك، أو لاعتقاده أن ~~أخذ هذا المال وصرفه في الجهاد وغيره من المصالح جائز، جاز لغيره أن يشتري ~~منه ذلك المال، وإن كان لا يعتقد جواز أصل هذا القبض. # وعلى هذا فمن اعتقد أن لولاة الأمور فيما فعلوه تأويلا، جاز له أن يشتري ~~ما فعلوه، وإن كان هو لا يجوز ما فعلوه، مثل أن يقبض ولي الأمر عن الزكاة ~~قيمتها فيشتري منه، أو مثل أن يصادر بعض المال مصادرة يعتقد جوازها، أو مثل ~~أن يرى أن الجهاد وجب على الناس بأموالهم وأن يأخذه من الوظائف هذا من ~~المال الذي يجوز أخذه وصرفه في الجهاد، ونحو ذلك من التأويلات التي قد تكون ~~خطأ، ولكنها قد تنازع فيها الاجتهاد. # وإن كان قبض ولي الأمر المال على هذا الوجه جاز شراؤه منه، وجاز شراؤه من ~~نائبه الذي أمره بقبضه، وإن كان المشتري لا يسوع قبضه. والمشتري لا يظلم ~~صاحبه، فإنه اشتراه بماله ممن قبضه قبضا يتعقد جوازه، وما كان على هذا ~~الوجه فشراؤه حلال على أصح القولين، وليس من الشبهات. # فإنه إذا جاز أن يشترى من الكفار ما قبضوه بعقود يعتقدون جوازها وإن كانت ~~محرمة في دين الإسلام، فلأن يجوز أن يشترى من المسلم ما قبضه بعقد يعتقد ~~جوازه- وإن كنا نراه محرما- بطريق الأولى والأحرى، PageV04P382 # فإن الكافر تأويله المخالف لدين الإسلام باطل قطعا، بخلاف تأويل المسلم. ~~ولهذا إذا أسلم الكفار وتحاكموا إلينا- وقد قبضوا أموالا يعتقدون جوازها، ~~كالربى وثمن الخمر والخنزير- لم تحرم عليهم تلك الأموال، كما لا تحرم ~~معاملتهم فيها قبل ms0746 الإسلام ولم يحرم، لقوله تعالى: (اتقوا الله وذروا ما ~~بقي من الربا) (1). فأمرهم بترك ما بقي في الذمم، ولا يحرم عليهم ما قبضوه. # وهكذا من كان قد عامل معاملات دنيوية يعتقد جوازها، ثم تبين له أنها لا ~~لجوز، وكانت من المعاولات التي تنازع فيها المسلمين، فإنه لا يحرم عليه ~~قبضه من تلك المعاملات على الصحيح. والله تعالى أعلم. PageV04P383 ### || CHECK (16) مسألة في الحلاج، هل قتله الشرع مظلوما؟ وهل كان قتله بحكم الشرع أم لا؟ ومن قال: إنه قتل مظلوما مصيب أم مخطئ؟ # مسألة # في الحلاج، هل قتله الشرع مظلوما؟ وهل كان قتله بحكم الشرع أم لا؟ وهل ~~إذا قال قائل: إنه قتل مظلوما وإن الذي قاله الحلاج حق- فهل هو مصيب أم ~~مخطئ؟ أفتونا مأجورين. # جواب شيخ الإسلام تقي الدين -رضي الله عنه- # بل قتل ظالما غير مظلوم، وقتل على الزندقة التي تعرف حاله، وإن الذي قاله ~~كفرا باطنا وظاهرا يوجب قتله باتفاق أهل الإسلام علمائهم وفقرائهم. فإن أصر ~~على خلاف ذلك عوقب عقوبة مردعة. ولا ينتصر للحلاج إلا جاهل بحاله أو منافق ~~عدو لله ورسوله. والله أعلم. # وأخبار الحلاج مذكورة في كتب المصنفين، كأبي بكر الخطيب (1) وأبي الفرج ~~ابن الجوزي (2) وسبطه. وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي (3) أن جمهور المشايخ ~~أخرجوه عن الطريق. وكان ساحرا، وله مصنف في السحر. والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. PageV04P384 ### || CHECK (17) مسألة في رجل قرأ القرآن وقال: هذا هدية مني للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فهل يجوز هذا أم لا؟ وهل هو محتاج إلينا حتى نصلي عليه أو نسلم عليه؟ # مسألة # في رجل قرأ القرآن وقال: هذا هدية مني للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فهل ~~يجوز هذا أم لا؟ وهل هو محتاج إلينا حتى نصلي عليه أو نسلم عليه؟ # الجواب # لشيخ الإسلام تقي الدين -رضي الله عنه- # الحمد لله. لم يكن من عمل السلف أنهم يصلون ويصومون ويقرأون ويهدون للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ,وكذلك لم يكونوا يتصدقون عنه ويعتقون عنه وإن ~~فعلوا ذلك، لأن كل ما يفعله المسلمون فله ms0747 مثل أجر فعلهم من غير أن ينقص من ~~أجورهم شيئا، لما ثبت في الصحيح (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص في ~~لك من أجورهم شيئا". بخلاف الأبوين، فإنه ليس كل ما يفعله الولد يكون ~~لوالده مثله، وإن كان الأب ينتفع بعمل ولده. PageV04P385 # وأما صلاتنا عليه وسلامنا عليه وطلبنا له الوسيلة فهذا دعاء فيه لنا، ~~يهحيبنا الله عليه، ويستحب هذا الدعاء في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فيزيده الله به من فضله ويثيب عليه الداعي، ولا منة له عليه، بل لله المنة ~~عليه، وسائر الخلق محتاجون إلى الله تعالى، والأمة محتاجون إلى ما بعث الله ~~تعالى به نبيها - صلى الله عليه وسلم -، فإنما هداهم الله تعالى به. والله ~~أعلم. PageV04P386 ### | AUTO رسالة في الرد على بعض أتباع سعد الدين ابن حمويه PageV04P387 ### || CHECK - تعقيب المؤلف عليه ### || CHECK - نص الكلام المردود عليه # بسم الله الرحمن الرحيم # .......... أهداب الجفن التحتاني، والتفرقة الملكية في العلويات أهداب ~~الجفن الفوقاني، والنفس الكلية سوادها، والروح الأعظم بياضها، والله تعالى ~~نورها. وإنما قلنا: إن العلويات والسفليات أجفان العين، لأنهما يحافظان على ~~ظهور النور، فلو قطعت أجفان عين الإنسان لتفرق نور عينه وانتشر، بحيث لا ~~يرى شيئا أصلا، فكذلك العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط، بحيث لا يظهر ~~فيه شيء أصلا ورأسا. ونعني بعين الله ما يتعين الله فيه. هذا هو الحق ~~الصريح المتبع، لا كما يرى المنحرف عن منهاج الإسلام ودينه، المتحير في ~~مبدأ ضلالته وجهله. # فنقول: هذا الكلام لولا أني علمت مقصود الشيخ به وأنه عنده كلام عظيم فيه ~~كشف حقيقة الأمر، وأن مقصود الشيخ إنما هو المعرفة والهداية، لكنا نقابله ~~بما يستحقه، على حد ما توجبه الشريعة على من قامت عليه الحجة، لكن الله ~~يقول: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15)) (1)، وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" (2)، وقال: "إن الله ~~رفيق يحب ms0748 الرفق، ويعطي PageV04P389 ### || CHECK - هذا الكلام وأمثاله من أعظم الكفر # على الرفق ما لا يعطي على العنف " (1)، وقال: "ما كان الرفق في شيء إلا ~~زانه، ولا كان العنف في شئ إلا شانه" (2). وقد قال لموسى وهارون: (فقولا له ~~قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44)) (3). # فهذا الكلام وأمثاله الذي فيه من الكفر ما تكاد السماوات يتفطرن منه ~~وتنشق الأرض وتخز الجبال هدا، إذ هو أعظم من قول الذين قالوا: اتخذ الله ~~ولدا، إذا صدر من قوم يظنون ويظن بهم مشايخ الإسلام أهل التحقيق والعرفان، ~~احتاج المخاطب لهم إلى شيئين: قوة عظيمة، وغضب لله، وسلطان حجه، وقدرة يدفع ~~بها شتم الله وسبه والكفر به؛ ورفق ولين يوصل به إلى المخاطبين حقيقة ~~البيان. والرفق في الجهاد باليد واللسان إنما يكون بالنسبة إلى العنف في ~~الجهاد، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كتب الإحسان على ~~[كل] شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" (4). # فلابد من القتل الشرعي، ولكن الإحسان فيه يكون بأن يقتل أحسن القتلات، ~~وكذلك دفع الكفر والفرية على الله والإلحاد في PageV04P390 # أسمائه وآياته وجحود ذاته وصفاته، لا يكون الإحسان والرفق في دفعه إلا ~~بأحسن وجوه ذلك، كما قال الله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن) (1)، وقال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي ~~أحسن إلا الذين ظلموا منهم) (2). فمن ظلم وظهر عناده عوقب حينئذ عقوبة ~~مثله، بالقتل المشروع إن إستحق ذلك، وإلا فيما دونه على حسب الأفعال ~~والأحوال وما يتعلق بذلك. # ولا شك أن طريق الله عظيم، وتحقيق الإيمان هو غاية مطلوب الإنسان، وهؤلاء ~~المتكلمون في هذا الباب من حين ظهور دولة التتار قد خلطوا في هذا الباب ~~تخليطا عظيما، وخلطوا التوحيد بالإلحاد، بل منهم من جرد الإلحاد تجريدا، ~~فيغتر بإضلالهم خلق كثير معتقدين أنهم على غاية الهداية والحق الصريح، فإذا ~~وضح الحق الذي أنزل الله به كتبه وبعث به رسله، قامت الحجة على من بلغه ~~ذلك. فمن خرج عنه حينئذ استوجب ما ms0749 أمر الله به في مثله. # وعلمت أن الشيخ لما وقف على الذي كتبه إلي الشيخ نصر في الاتحادية، ظن من ~~ظن أنه قد يرد عليهم من لم يفهم حقيقة قولهم، فأراد الشيخ أن يبين ذلك، ولم ~~يعلم أن مثل هذا الكلام وأمثاله قد صار مضحكة عند الصبيان ومكفرة عند ذوي ~~العلم والإيمان، وأنهم قد علموا من هذا الكلام وأمثاله ما لم يعلمه غيرهم، ~~وهم أعرف بمذهب كل واحد من هؤلاء من أصحابه، بل من نفسه. فإن الواحد من PageV04P391 ### || CHECK - هذا مستمد من كلام الشيخ سعد الدين بن حمويه # هؤلاء يتناقض في كلامه ولا يدري أنه يتناقض، لأن أصلهم فاسد في العقل ~~والدين. # ولا ريب أن الشيخ إنما استمد هذا الكلام من كلام الشيخ سعد الدين ابن ~~حمويه، وقد قيل: إذا أردت أن تعرف خطأ شيخك فاجلس إلى غيره. وقد كان من ~~الواجب على من خاطبنا في هذا المقام أن يتأمل مع كلام سعد الدين كلام ابن ~~العربي في "الفصوص" وفي كتاب "الهو" و"الجلالة"، وفي مواضع من "الفتوحات" ~~وفي غير ذلك؟ ويتأمل كلام القونوي في كتاب "مفتاح غيب الجمع والوجود"؛ ~~ويتأمل كلام ابن سبعين في "البد" و"الإحاطة" وغيرهما؛ ويتأمل كلام ~~التلمساني في "شرح الأسماء"؛ ويتأمل آخر قصيدة ابن الفارض التي هي "نظم ~~السلوك"، مثل قوله: (1) # لها صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صفت # كلانا مصل واحد ساجد إلى حقيقته بالجمع في كل سجدة # وما كان لي صلى سواي ولم تكن صلاتي لغيري في أدا كل سجدتي # ومثل قول ابن إسرائيل (2): PageV04P392 ### || CHECK - مزج ابن حمويه طريقته بشيء من طريقة هؤلاء ### || CHECK - كلام ابن [العربي] والقونوي وابن سبعين والتلمساني وابن الفارض وابن إسرائيل في الحلول والاتحاد شر من كلام اليهود والنصارى # وما أنت غير الكون بل أنت عينه ويفهم هذا السر من هو ذائق # وقوله: # وقلقل أن مرت على جسدي يدي لأني في التحقيق لست سواكم # إلى أنواع من هذه المنظومات والمنثورات. # ثم يتأمل بنور الإسلام: هل هذا القول يرضاه اليهود والنصارى ms0750 والمشركون، ~~أم هو شر من مقالات هؤلاء؟ ويعرض ما قاله هو على كتاب الله الذي أنزله من ~~السماء وسنة رسولي خاتم الأنبياء وما اتفق عليه أهل العلم والإيمان، فإن ~~ذلك هو سلطان الله ونوره وهداه وبرهانه، ثم بعد هذا يتكلم. # ونحن فلم نكن أدخلنا سعد الدين ابن حمويه في هؤلاء، لأنه كان قد صحب ~~الشيخ نجم الدين الكبرى، وهذا الشيخ نجم الدين هو من أجل شيوخ تلك البلاد ~~وأصحهم إسلاما وأبعدهم عما يخالف الكتاب والسنة. وكان الشيخ سعد الدين أخذ ~~منه طريقة صحيحة، لكنه أيضا مزجها بشيء من طريقة هؤلاء. وذلك لأن شيوخ سعد ~~الدين أربعة: # عمه صدر الدين، وإليه تنسب خرقته، فإن بني حمويه بيت قديم معروف بالمشيخة ~~والتصوف. # والشيخ نجم الدين الكبرى، وهذا شيخ جليل من أعظم شيوخ تلك البلاد قدرا ~~وأصحهم طريقة، وله أصحاب كبار: كالشيخ مجد الدين البغدادي، والشيخ علي ~~لالا، والشيخ سيف الدين PageV04P393 ### || CHECK - قول ابن حمويه في ابن العربي: إنه بحر لا ساحل له ### || CHECK - شيوخ ابن حمويه في الطريقة # الباجوري وغيرهم. # والثالث: الشيخ شهاب الدين السهروردي، وهو أيضا من أجلاء المشايخ، ~~وأكثرهم حرصا على متابعة السنة في أعمالهم. # وأما الرابع فهو الملقب بمحيي الدين ابن العربي، ومن هذا الشيخ دخل في ~~كلام سعد الدين الاتحاد. # وقد قدم علينا أكبر مشايخ تلك البلاد من السعدية حسام الدين الكرماني ~~حاجا، وخاطبته في حال هؤلاء، وبينت له من كلام ابن العربي وغيره ما كان ~~طالبا له، حتى رجع عن تعظيم هؤلاء، وكفر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، ~~وقال: ما كنا نعرف حقيقة حال هؤلاء، ولا نعرف أن كلامهم مشتمل على هذا كله. ~~مع أنه كان من أكثر المشايخ تعظيما لابن العربي، وهو من الغلاة في سعد ~~الدين. وجرت لنا معه فصول أظهر الله بها الحق وبين حال التوحيد وتلبيس ~~هؤلاء المنافقين. # وحدثني هذا الشيخ عن شيخه عز الدين الطاوسي أنه سمع الشيخ سعد الدين- وقد ~~سئل عن ابن العربي وعن الشيخ شهاب الدين، فقال:- أما ابن العربي ms0751 فبحر لا ~~ساحل له، ولكن نور متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في جبين الشيخ شهاب ~~الدين شيء آخر. # وهدا كلام صحيح، فإن شهاب الدين شيخ مسلم محب لسنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وشريعته، سالك طريقة أمثاله من المشايخ أهل المعرفة والدين، ~~عظيم القدر في وقته، رضي الله عنه. PageV04P394 ### || CHECK - عند سعد الدين تخليط كثير ### || CHECK - تعقيب المؤلف عليه # وأما قوله عن ابن العربي: "بحر لا ساحل له" فلعمري إنه بحر، لكن ملح ~~أجاج، فإنه كثير الخوض في أحوال العالم وطبقات الكائنات، واسع الخيال، قادر ~~على الكلام، وهو في باطله أشد تمكنا من الشيخ شهاب الدين في حقه، فلهذا ~~جعله سعد الدين أوسع، وإن كان شهاب الدين أقوم، لكن الشيخ شهاب الدين من ~~خيار أمة محمد، وإن كان غيره من المشايخ الكبار- كالشيخ عبد القادر- ~~الواصلين إلى حقائق التوحيد النبوي الذي بعث الله به رسوله، وما اشتمل عليه ~~من أسماء الله وصفاته، التي بها يقتدرون على قمع هؤلاء الملاحدة ودفع ~~الجهمية وضروبهم؛ أرفع درجة، وأعظم علما وإيمانا، وأعظم جهادا ممن ليس ~~مثلهم، ممن يكون معرفته وتوحيده فيه نوع إجمال، لا يتميز فيه أهل المعرفة ~~والسنة المحمدية ممن خرج عن بعض ذلك من أهل النكرة والبدعة. فهم في ذلك ~~بمنزلة ملوك المسلمين الذين ضعف إيمانهم وجهادهم عن مقاومة جنكسخان ونحوه، ~~بخلاف المؤيدين بكمال العلم والإيمان والجهاد، المتبعين لسيرة الخلفاء ~~الراشدين كالأئمة والمشايخ الكبار، فهؤلاء لا يقوم معهم لأهل الضلال والبدع قائمة. # فسعد الدين- مع ما فيه من الإسلام والمتابعة- فيه تخليط كثير، فإنه ~~أحيانا يتكلم بكلام الاتحادية؟ وأحيانا يجرد الاتحاد تجريدهم، بل يسلك ~~لنفسه مسلكا أبلق لا أبيض ولا أسود؛ وأحيانا يتكلم بكلام أهل الإسلام ~~الموافق للكتاب والسنة؛ وأحيانا يحتج بأحاديث موضوعة لا أصل لها عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. PageV04P395 # وأما صاحبه الطاوسي ففي كلامه من الكذب على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - والباطل شيء كثير جدا. وتكلم في الحروف والدوائر بكلام انفرد به، لا ~~يشبه كلام أبي الحسن الحرالي ولا ms0752 كلام أبي العباس البوني، وهو كلام فيه ~~أشياء حسنة مناسبة، وفيه أشياء لا فائدة فيها، وفيه أشياء ضعيفة بل باطلة ~~من جنس كلام سائر الناس، وفيه أشياء من الهذيان والباطل التي لا يقولها ~~عاقل. والله تعالى يغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا يجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنوا. # وإذ قد ابتدأ الشيخ بدعوى أن هذا هو الحق الصريح، فنحن نذكر ما تبين به ~~حقيقته. أول ما في هذا الكلام أنه دعوى مجردة بلا حجة ولا دليل، وإذا كان ~~من تكلم في مسألة من مسائل الاستنجاء أو الإجارة لم يقبل منه إلا بالحجة ~~والدليل، فمن تكلم في خالق الخلق ورب العالمين بكلام لا يوجد في كتاب الله ~~ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا قاله أحد من السلف ولا ~~شيخ من المشايخ الذين لهم لسان صدق في عمومه، بل جميع أهل العلم والإيمان ~~والمشايخ المقبولون يكفرون من يقوله، ولم يأت عليه لا بحجة ولا دليل، كيف ~~يقبل منه؟ # ثم إن هذا الباب كيف يجوز لمؤمن بالته ورسوله أن يتكلم فيه بغير الكتاب ~~والسنة؟) ألم يسمع الله يقول: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق) (1)، ألم يسمع الله PageV04P396 ### || CHECK - هذا أس زندقة الاتحادية ### || CHECK - الأول: قوله كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان ### || CHECK - الرد على كلام الشخص المشار إليه من وجوه # يقول: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير ~~الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون (33)) (1). # ونحن ننبه على بعض حقيقة هذا الكلام، وذلك من وجوه: # الأول # قوله في صدر الكلام: "كان الله ولا شيء معه"، فهذه الكلمة مأثورة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - (2). ثم قال في آخره: "وهو الآن على ما عليه ~~كان"، فهذه الكلمة ليست من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يؤثر عن ~~أحد من أئمة الدين ms0753 المقبولين عند عموم الأمة، ولا لها ذكر في شيء من كتب ~~الحديث. وقد اعترف بذلك ابن عربي وغيره، فقال: قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "كان الله ولا شيء معه"، قال: وزاد العلماء "وهو الآن على ما عليه كان". # وأكثر هؤلاء الاتحادية يجعلون هذا من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ويجعلون هذه الكلمة أس زندقتهم، وغرضهم أنه لم يكن معه غير، وهو الآن ليس ~~معه غير ولا سوى، بل الوجود هو عينه ونفسه، فلا الأصنام والأوثان والجن ~~والشياطين والنجاسات والأقذار غيره ولا سواه، فإنه كان وليس معه غيره، وهو ~~الآن ليس معه غيره. PageV04P397 ### || CHECK - مناقشة قول الاتحادية والرد عليه بنصوص الكتاب والسنة ### || CHECK - لفظ الحديث الذي رواه البخاري # فإذا عرف أن هذه الكلمة لا أصل لها في الشريعة انهدمت قاعدتهم. ولفظ ~~الحديث الذي في البخاري (1) عن عمران بن حصين قال: جاء وفد بني تميم إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "اقبلوا البشرى يا بني تميم! "، ~~فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فجاء أهل اليمن فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن ~~إذ لم يقبلها بنو تميم"، فقالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر، فقال: "كان ~~الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء". قال: وجاء ~~رجل فقال: أدرك ناقتك، فخرجت فإذا السراب ينقطع دونها، فوددت أني كنت ~~تركتها ولم أقم. # والذي ذكره الله في كتابه أنه لا يجوز أن نجعل مع الله إلها آخر، فقال ~~تعالى: (لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22)) (2)، وقال ~~تعالى: (ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (39)) (3)، ~~وقال: (الذين يجعلون مع الله إلها آخر) (4). لم يقل: لا تجعل مع الله ~~مخلوقا ولا مصنوعا، أو لا تجعل مع الله عبدا ولا مملوكا، أو لا تجعل مع ~~الله عبادا له مخلصين، بل صرح بأنه مع عباده عموما وخصوصا، فقال: (ما يكون ~~من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر ms0754 إلا هو معهم أين ما كانوا) (5)، وقال PageV04P398 # لموسى وهارون: (إننى معكما أسمع وأرى (46)) (1)، وقال: (إنا معكم مستمعون ~~(15)) (2)، وقال: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا (40)) (3)، وقال: ~~(إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128)) (4)، وقال: (واصبروا عن ~~الله مع الصابرين (46)) (5). # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر ~~والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا" (6). وقال ~~"أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت" (7). وفي حديث: اللبيب في ~~الجنة فيفرح الله ومعه النبيون والصديقون والشهداء (8). # فإذا كان ما ثم غيره، ولا معه الآن شيء من الخلق، بل الأمر كما كان قبل ~~أن يخلق الخلق، فمع من يكون ولمن يصحب؟ بل قوله (ولا تجعل مع الله إلها ~~آخر) (9) يقتضي أنه ثم شيء غيره، شيء لا يجوز أن نجعله إلها، ولكن يجوز أن ~~نجعله غير إله عبدا ومملوكا. PageV04P399 # وعلى رأي هؤلاء: أي جعلته إلها فما جعلت معه إلها، إذ ما ثم غيره، فيجوز ~~عندهم أن يجعل كل شيء إلفا وما يكون قد جعل معه إلها، إذ ما ثم معه شيء ~~آخر. فهؤلاء يجوزون عبادة الأصنام، كما صرح به صاحب "الفصوص"، وقال في فمن ~~الحكمة النوحية: (ومكروا مكرا كبارا (22)) (1) لأن الدعوة إلى الله مكر ~~بالمدعو، كأنه ما عدم في البداية، فيدعى إلى الغاية ادعوا إلى الله. فهذا ~~عين المكر، وقالوا في مكرهم: (لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا ~~يغوث ويعوق ونسرا (23)) (2) لأنهم لو تركوهم لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا ~~من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجها، يعرفه من عرفه ويجهله من جهله. كما ~~قال في المحمديين: (*وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) (3)، وما قضى الله بشيء ~~إلا وقع. فالعارف يعرف من عبد، وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وإن التفريق ~~والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، والقوى المعنوية في الصورة ~~الروحانية، فما عبد عبد الله في كل معبود. # ولهم مثل هذا الكلام كثير. فمن كان قوله: إن عباد الأصنام ما ms0755 عبدوا إلا ~~الله، وإنه لا يتصور أن يعبد إلا الله، وإن العابد هو المعبود، وإن الوجود ~~هو عين الله= كيف يؤمن بقوله (ولا تجعل مع الله إلها آخر)؟ وكيف يتصور عنده ~~أن ينهى أحد عن أن يجعل مع PageV04P400 ### || CHECK - هذه العبارة فيها طول، وفيها ألفاظ موهمة ### || CHECK - الثاني: قوله يحققوا أن الحق كان ولم يكن معه شيء، هو في كان كأنه يتجلى لنفسه بوحدته الذاتية عالما بنفسه وبما يصدر منه ... # الله إلها آخر، وليس مع الله شيء لا إله ولا غير إله! وهذا المنهي عندهم ~~هو الله، وليس هو غيره! # الوجه الثاني # قوله: "يحققوا أن الحق كان ولم يكن معه شيء، هو في كان كأنه يتجلى لنفسه ~~بوحدته الذاتية عالما بنفسه وبما يصدر منه، وأن المعلومات بأسرها كانت ~~منكشفة في حقيقة العلم شاهدا لها". # هذا الكلام مضمونه أن الله كان عالما بالأشياء قبل كوبها، وهذا صحيح، لكن ~~العبارة فيها طول، وفيها ألفاظ موهمة، مثل قوله: "بما يصدر منه "، فإن هذا ~~يوهم مذهب الدهرية الذين يقولون: إن العالم صدر منه وفاض عنه. فلو قيل: ~~"عالم بنفسه وبما يخلقه وبما يريد أن يخلقه" كان ذلك من عبارات المسلمين ~~التي جاء بها الكتاب والسنة. وكذلك لو قيل: "كان رائيا لنفسه" كان ذلك ~~مطابقا لما جاء به الكتاب والسنة من وصفه بالرؤية، وكذلك يقول العلماء. # وأما لفظ التجلي فإنه لا يكاد يستعمل إلا في ظهور الشيء بعد خفائه، كما ~~قال: (والنهار إذا جلاها (3)) (1)، وكما قال: (فلما تجلى ربه للجبل) (2) ~~ونحو ذلك. فيشعر ذلك أنه رأى نفسه بعد أن لم PageV04P401 ### || CHECK - مناقشة قوله كانت بأسرها منكشفة في حقيقة العلم شاهدا لها # يكن رآها، وهذا باطل. والمتكلم لم يقصد ذلك، ولكن بتعمقه في العبارات ~~وخروجه عن ألفاظ القرآن والسنة يقع في هذه المزالق. # وأما قوله "كانت بأسرها منكشفة في حقيقة العلم شاهدا لها"، فهنا كلامان: # أحدهما: أن هذا يقتضي أنه كان يرى المعدومات قبل وجودها. وهذه مسألة قد ~~تنازع فيها المسلمون، فأما العلم بها قبل وجودها ms0756 فهو حق، لم يخالف به إلا ~~شرذمة كفرهم الأئمة كالشافعي وأحمد. وأما سمع المعدوم ورؤية المعدوم فذهب ~~أكثر العلماء والمتكلمين من أصحاب الشافعي وأحمد والأشعرية والمعتزلة إلى ~~امتناع ذلك؟ وذهب طائفة منهم من السالمية وغيرهم إلى جواز ذلك. وهذا قريب، ~~ليس هذا مما يخاطب فيه هؤلاء الاتحادية، فإن هؤلاء لو قالوا بقول المعتزلة ~~أو اليهود أو النصارى كان خيرا من قولهم، وأما قولهم فلم يظهر في الإسلام ~~إلا مع ظهور دولة التتار. لكن كان حق القائل أن يذكر حجة تدك على أن ~~المعدومات مشهورة مرتبة، فإن موارد النزاع إذا لم يكن فيها حجة كانت دعوى مجردة. # الكلام الثاني: أن يعلم أن قولنا "كان يعلم الأشياء قبل كونها" ليس في ~~ذلك إثبات لكون المعدوم شيئا في نفسه، فإن مذهب جماهير المسلمين وجماهير ~~العقلاء أن الشيء قبل وجوده ليس بشيء أصلا، وأنه وإن كان معلوما لله فالعلم ~~بالشيء لا يقتضي أن يكون موجودا ولا ثابتا، إلا أن يقيد فيقال: موجود في ~~العلم وثابت PageV04P402 ### || CHECK - الثالث: قوله فلما تحركت الإرادة الأزلية أن يعرض نفسه على الحقائق الكونية المعدومة في نفسها المشهودة أعيانها في علمه في تجفيه المطلق ..... # في العلم. وذلك أن الله يعلم الموجود والمعدوم والواجب والممكن والممتنع، ~~وقد اتفق العقلاء على أن الممتنع ليس بشيء، وإنما نازع بعضهم في الممكن، ~~فقال فريق من المعتزلة والرافضة: المعدوم الممكن شي ثابت في نفسه خارجا عن ~~العلم. ثم هؤلاء متفقون على أنه ليس كل ممكن وجد. # فهذا أيضا ينبغي أن نعرفه، فلا فرق عند أهل السنة وجماهير الخلق بين ~~الوجود والثبوت، بل المعدوم كما قال الله تعالى: (وقد خلقتك من قبل ولم تك ~~شيئا (9)) (1)، وقال: (أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ~~(67)) (2). فإذا قال: "إنه معلوم لله" فهذا حق، لا فرق بين أن يقال: هو ~~ثابت في العلم أو موجود في علم الله. # الوجه الثالث # قوله: "فلما تحركت الإرادة الأزلية أن يعرض نفسه على الحقائق الكونية ~~المعدومة في نفسها المشهودة أعيانها في ms0757 علمه في تجليه المطلق، نزلت الحلية ~~الإلهية من حقيقة كانه إلى سر شأنه، فعند ذلك قارن الألف النون، فعبر عنها ~~ب"أنا"، وعند ذلك ظهرت نقطة سميت عقدة "حقيقة النبوة"، فهو صورة علم الحق ~~بنفسه الواقعة بصورة العمل، المطابقة للصفة المعلومية، فصارت مرآة PageV04P403 ### || CHECK - مقصود هذا الكلام ومناقشته # لانعكاس الوجود المطلق محلا لتمييز صفاته القديمة، فظهر الحق فيه بصورة ~~وصفة واصفا يصف نفسه ويحيط به، فالأول هو الموصوف والثاني هو الواصف؛ ~~والأول هو المسمى باسم الله، والثاني هو المسمى باسم الرحمن. فلهذه الحقيقة ~~طرفان: طرف إلى الحق المواجه إليها الذي ظهر فيه الوجود الأعلى واصفا، وطرف ~~إلى ظهور العالم منه، وهو المسمى بالروح الإضافي". # ومضمون هذا الكلام أن الله لما أراد أن تتجلى الحقائق الثابتة في علمه ~~كما كانت متجلية له نزل من الذات إلى الفعل فقال: "أنا"، وظهرت حينئذ حقيقة ~~النبوة، وهي صورة علم الحق بنفسه، فظهر فيها الوجود المطلق الذي كان في علم ~~الله بطريق الانعكاس، كما ينعكس شعاع أحد المرآتين إلى الأخرى، وصارت محلا ~~لتمييز صفاته القديمة، فصار الحق واصفا موصوفا، واصفا باعتبار ظهور علمه ~~المطابق له وموصوفا، وجعل الموصوف هو الله والواصف هو الرحمن، وجعل لهذه ~~الحقيقة التي سماها عقدة "حقيقة النبوة" طرفا إلى الحق لكونها عالمة به، ~~وطرفا إلى ظهور العالم فيه وهو المسمى بالروح الإضافي. # وهذا كله عندهم في نفس الرب، وهذا كله عنده قديم أزلي كما قال في آخر ~~كلامه، فيكون المصطفى محمد نبيا في الأزل والأبد وسطا بين الله وعباده. # وأنا أعلم أن هذا الذي يصفونه ليس له حقيقة في الخارج، وإنما هو شيء ~~تخيلوه، ولهذا يصعب تصوره، لأن الخيالات PageV04P404 ### || CHECK - الله لا يعرض نفسه على شيء، ولا يتجلى لكل شيء # الفاسدة ليس لها حد. وما أكثر ما يوجد هذا في كلام هؤلاء الملحدة في ~~أسماء الله وآياته المشابهين للإسماعيلية والنصيرية والفرعونية، ولهذا كان ~~العلماء يقولون عنهم: لهم خيال واسع، والخيال والوهم محل الشياطين الذين ~~يتنزلون عليهم بهذا. # فيقال: قولك "تحركت الإرادة الأزلية" ms0758 عبارة فيها إنكار، فلو قال: "توجهت ~~أو تعلقت الإرادة" كان أحسن. ومتى كانت هذه الحركة؟ أهي قديمة معه لم تزل ~~أم كان ذلك بعد أن لم يكن؟ فإن كان قديما بطل قولك "فلما تحركت الإرادة ~~الأزلية نزل من كانه إلى شأنه"، فإن هذا ظرف لفعلات يقتضي تحولا من حال إلى ~~حال، والفعل الذي له ظرف زمان لا يكون إلا حادثا، ولذلك قلت: "فعند ذلك ~~قارن الألف النون فعبر عنها". والقديم ليس له ظرف زمان يتحول فيه، فإنه لم ~~يزل، وإن قلت: إن هذا محدث بطل قولك بعد هذا بنبوة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - من الأزل إلى الأبد. # وأيضا فقولك "يعرض نفسه على الحقائق الكونية المعدومة في نفسها المشهودة ~~أعيانها في علمه" كلام باطل، فإن الله لا يعرض نفسه على شيء، ولا يتجلى لكل ~~شيء، وإنما يتجلى لأوليائه يوم القيامة في الجنة كما جاءت الآثار الصحيحة، ~~ويتجلى أيضا لعباده في عرصات القيامة. وقد قيل: إن محمدا رآه ليلة أسري، ~~وأما من سوى محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا يراه بعينه في الدنيا، كما ~~ثبت في صحيح PageV04P405 # مسلم (1) عن النواس بن سمعان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر ~~الدجال قال: "إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ~~ربه حتى يموت". وكذلك روي في حديث عبادة ومعاوية وغيرهما: "واعلموا أنكم لن ~~تروا ربكم حتى تموتوا" (2). ومن قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى ~~ربه ليلة المعراج فإنه لا يقول: إنه تجلى له، فإن التجلي كمال الظهور، ولم ~~يكن الأمر كذلك، بل قد روى مسلم في صحيحه (3) عن عبد الله بن شقيق قال: قلت ~~لأبي ذر: لو رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - لسألته، قال: عما كنت ~~تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ فقال: قد سألته فقال: "نور أنى أراه"! ~~وفي رواية: "رأيت نورا". فهذا من يثبت الرؤية يقول: أراد نفي العين، لأن ~~نوره أعشى بصره، ومن ينفيها يحتج به على نفيها، فقد اختلف ms0759 أهل السنة ~~-واختلفت الرواية عن الإمام أحمد- هل يقال: رآه بعيني رأسه أو بعيني قلبه، ~~أو يقال: رآه ولا يقيد؟ على ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عند أحمد. # فأما رؤية القلب -وهو شهود أهل المعرفة- فهذا موجود في الدنيا لغير النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كلما ولي، وكذلك رؤية المنام، لكنه سبحانه يرى في ~~صور بحسب حال الرائي، فإن رؤية المنام تقتضي ذلك. وأما الأحاديث التي فيها: ~~"رأيت ربي في صورة كذا وكذا، فوضع PageV04P406 # يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله على صدري" (1) فهذه كانت في المنام، ~~فإن هذه لم تكن ليلة المعراج لأنها كانت بالمدينة، فإن فيها أنه احتبس عنهم ~~في صلاة الفجر، ورواها معاذ بن جبل وأم الطفيل وغيرهما ممن لم يصل خلفه إلا ~~في المدينة، والمعراج كان بمكة بنص القرآن وبالسنة المتواترة والإجماع، ولم ~~يقل أحد: إنه رآه بالمدينة. # فأما الأحاديث التي روي فيها أنه رآه في سكك المدينة أو في الطواف أو في ~~عرفة فكلها موضوعة مكذوبة (2). # والغرض هنا أنه لم يقل قط مسلم: إن الله عرض نفسه على معلوماته أو ~~مخلوقاته، ولا إنه تجلى لمعلوماته أو لجميع مخلوقاته، بل موسى قد سأل ~~الرؤية فقال: (لن تراني) (3)، وقال: (ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) (4). فإذا كان موسى عليه السلام ~~عجز عن PageV04P407 # رؤيته في هذه الدار، والجبل جعله دكا لما تجلى له، وقوله (فلما تجلى ربه ~~للجبل) يدل على أنه لم يكن متجليا له قبل ذلك= فكيف يقال: إنه عرض نفسه أو ~~تجلى للكلاب والخنازير والقرود والديدان والكفار والمنافقين والجن ~~والشياطين؟ كما قال: "عرض نفسه على الحقائق الكونية المعدومة في نفسها ~~المشهودة أعيانها في علمه"، فإن علمه محيط بكل شيء مما ذكر ومما لم يذكر، ~~فإن كان قد عرض نفسه على ذلك كله فقد لزم ما ذكر من الكفر الفاحش وما هو ~~أفحش منه. # ثم وأيضا فإن المعلوم قبل وجوده ليس هو سببا موجودا ثابتا يعرض فيه شيء ~~أو يتجلى ms0760 له شيء أصلا، فإن الله يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان ~~كيف كان يكون، كالجمل الشرطية المعلقة بشرط معدوم مثل قوله: (ولو علم الله ~~فيهم خيرا لأسمعهم) (1)، وقوله: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) (2)، ~~وقوله: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا) (3)، وقوله: (ولو شئنا لآتينا ~~كل نفس هداها) (4)، (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~(82)) (5)، (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (6) ونظائره متعددة. PageV04P408 ### || CHECK - الرد على قوله نزلت الحلية الإلهية من حقيقة كانه إلى سر شانه # بل قد يعلم الله بعض عباده ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان ~~يكون، فإنا نعلم ما مضى من القرون والأحوال، ونعلم أن القيامة ستقوم، وأنه ~~سيدخل قوم الجنة وقوم النار، وقوم ما أخبر الله به من أن أهل النار لو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه. # ثم إذا علمنا الحوادث المستقبلة لم يكن أعيانها الحقيقي الخارجية موجودة ~~في علمنا، بل وكذلك الماضية، فإن نفس السماوات والأرض ليست في نفوسها، فكيف ~~يتصور أن يعرض نفسه أو يتجلى لشيء ما وجد بعد ولا صار له حقيقة؟ ولكن علم ~~أن سيوجد. فإذا علم الله أنه سيولد ولد بعد حول، فهل يتصور قبل أن تحبل به ~~أمه أن يعرض عليه شيئا أو يتجلى له شيء من الحقائق؟ وهل يتصور أن يكون ~~المعدوم -وإن علم أن سيوجد- هل يتصور أن يكون عليما تجلت له الحقائق؟ فضلا ~~عن أن يعرض نفسه عليه. # وأيضا "نزلت الحلية الإلهية من حقيقة كانه إلى سر شأنه" فيه أولا لفظه ~~"كانه" كما استعملت أولا، وهذا خطأ، فإن الفعل لا يضاف، ولا يقال: "كانه ~~وصاره وأصبحه"، وإن كان أبو الحكم ابن برجان يستعمل هذا اللفظ في "شرح ~~الأسماء الحسنى"، وهو كتاب جليل كثير الفوائد، لكن هذا اللفظ خطأ. # ثم ما هذا "الشأن" الذي نزل إلى سره؟ أهو شيء منفصل عنه أم متصل به؟ فإن ~~كان منفصلا عنه فكيف يكون شيء منفصلا عنه قبل أن ms0761 يخلق شيئا؟ لا سيما على ~~أصلهم الإلحادي أنه ما ثم شيء PageV04P409 ### || CHECK - هؤلاء تخيلوا خيالات فاسدة، وسمعوا ألفاظا فوضعوها على غير مواضعها # منفصل عنه. وإن كان متصلا به فكيف ينزل من كانه إلى متصل به وقائم به؟ ~~وهل كان قبل هذا النزول في غير شأنه ثم نزل إلى شأنه؟ أم لم يزل في شأنه؟ # ثم عندكم هو الآن على ما هو عليه كان ليس معه شيء، فهذا الشأن الذي نزل ~~إليه من كانه الأول هو شيء أم لا؟ إن كان شيئا فقد صار معه شيء آخر لم يكن ~~معه، وإن لم يكن شيئا فلم ينزل إلى شيء، فلم يزل في كانه ولم يتجدد شيء، ~~فما الذي بدا مما بدا؟ # هؤلاء قوم تخيلوا خيالات فاسدة، وسمعوا ألفاظا، فوضعوها على غير مواضعها ~~بحسب تلك الخيالات، فإذا حققت معانيها جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان ~~زهوقا. (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال (17)) (1). # سمعوا قوله (كل يوم هو في شأن (29)) (2) مع قوله "كان ولا شيء معه"، وقول ~~الله ورسولي حق، فإن الله كان ولا شيء معه، وهو في كل يوم في شأن من شئونه، ~~وهو أفعاله كما جاء في الحديث: "يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع ~~آخرين". ليس في هذا نزول عن كانه إلى شأنه، وإنما هو خالق خلق وأبدع وفطر ~~وأنشأ، ويحدث الله من أمره ما يشاء. PageV04P410 ### || CHECK - الرد على عقدة حقيقة النبوة عندهم # وأيضا "فعند ذلك قارن الألف النون، فعبر عنها ب"أنا"، وعند ذلك ظهرت نقطة ~~سميت عقدة "حقيقة النبوة"، يقال له: أين كانت الألف والنون قبل ذلك حتى ~~تقارنا حينئذ؟ وما الذي أوجب اقترانهما بعد افتراقهما؟ وإن حدثا حينئذ فما ~~الموجب للحدوث؟ وقوله "عبر عنها بأنا" فقبل ذلك ما كان يقال له أنا لما كان ~~ولا شيء معه، لم يكن يستحق أن يقول أنا ولم يقل أنا، ولم يستحق أن يقول أنا ~~حتى نزل هذا النزول الذي ليس له حقيقة ms0762 ولا معقول. # وكذلك هذه النقطة التي ظهرت، ما الموجب لظهورها؟ وأين ظهرت هذه النقطة؟ ~~ثم أغرب من هذا كله تسمية هذه النقطة عقدة حقيقة النبوة، ياليت شعري من ~~الذي سمى هذه النقطة بهذا الاسم؟ هل أنزل الله بهذا الاسم من سلطان؟ أم هي ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان؟ # قد علمنا وتحققنا أن هذا الاسم المفترى ليس له وجود في شيء من الكتب ~~المنزلة من السماء، ولا هو مأثور عن أحد من الأنبياء، ولا تكلم به أحد ~~السلف القدماء ولا من المشايخ والعلماء إلا هؤلاء المقاربون لدولة التتار ~~الذين بشؤم الكفر به استولى الكفار والفجار، وجاسوا خلال الديار، حيث ~~ألحدوا في أسماء الله وآياته، وغيروا ما بعث الله [به] رسوله من الهدى ودين ~~الحق الذي وعد أن يظهره على الدين كله. # ثم هذه النقطة العجيبة التي سميتموها عقدة حقيقة النبوة أهي من الأعيان ~~التي تقوم بنفسها من غير محل؟ أم هي من الصفات PageV04P411 # التي لابد لها من محل؟ فإن كانت عينا قائمة بنفسها فإما أن تكون هي الحق ~~أو غيره، فإن كانت الحق فلم يتجدد شيء، وإن كانت غيره فقد حدث غير الرب، ~~فقد جعل الحق يظهر فيه وسماه الرحمن، فيكون الرحمن اسما لغير الله. وإن ~~كانت صفة من الصفات، وليس هنا ما يقوم به إلا الرب، فتكون هذه النقطة صفة ~~له، أفهي حادثة أم قديمة؟ فإن كانت قديمة فلم يتجدد شيء، وإن كانت حادثة ~~وهي صورة علم الحق فقد تجدد له علم لم يكن له قبل ذلك، وهذا مع أنه كفر لا ~~يقولون به، لأنه تقدم أنه كان عالما بنفسه وبسائر المعلومات. # ومقصوده بهذه الكلمات أن الحق صار معلوما متجليا لمعلوماته بعد أن كان ~~عالما بها وهي متجلية له، وقد قدمنا أنه لا يتجلى لجميعها إلا أن يعنى ~~بتجليه لها دلالتها عليه أو علمها به، كما قيل في قوله: (وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده) (1). ففي الجملة كون الحق يصير معلوما لبعض الخلق أو كلهم ms0763 هذا ~~معنى صحيح، لكن كيف يعلمونه قبل أن يخلقهم. # فإن قيل: لأنهم في علمه. # قلنا: وهم في علمه عالمون به، فإنه يعلم الأشياء على ما عليه، فيعلم ~~المؤمن مؤمنا والكافر كافرا، والعالم عالما والجاهل جاهلا، وأي حال تجدد ~~للشيء فانه يعلمه عليه في علمه قبل أن PageV04P412 # يكون، كما يعلم نفس الشيء قبل أن يكون، فلا يتصور أن تصير المخلوقات ~~عالمة في الخارج إلا بعد وجودها في الخارج، كما لا يعلم أنها عالمة إلا إذا ~~علمت هي، فإن ثبوت الصفة بدون الموصوف في الخارج أو العلم محال. # فهذا التقسيم والتحقيق يكشف ما أبدوه من الزخرف والتزويق، فإن هذه ~~الحقيقة إن كانت صفة لله ليعلم بها نفسه ومعلوماته، فالله علم بذلك قبل ~~ظهور هذه الحقيقة؛ وإن كانت صفة لغيره فلا يتصور وجودها قبل وجود ذلك الغير. # وقوله "ظهرت نقطة" لفظ مجمل، أيعني حدثت؟ فالمحدث لابد له من محدث، ولابد ~~للصفة من محل، أم يعني انكشفت وتجلت؟ فلمن تجلت "وما ثم إذ ذاك إلا الله؟ ~~وهو عالم بنفسه ومعلوماته، فأي شيء انكشف له وتجلى بهذه النقطة العجيبة ~~الشأن؟ ما أشبه هذه النقطة بالكلمة التي تعبدها النصارى وتزعم أنها دخلت ~~الناسوت، فيقول لهم المسلمون: هذه الصفة صفة هي كلام لله، فإن كان كذلك لم ~~يكن إلها يخلق ويرزق ويعبد، ولا يحل المسيح دون الموصوف، وإن كان جوهرا ~~خالقا فإنما يتقدم بنفسه، فهي الأب أو غيره؟ إن كانت الأب فيكون الأب هو ~~الحال، وإن كان غيره فيكون جوهران منفصلان إلهان. فالنصارى في ضلالة وحيرة ~~حيث أثبتوا ثلاثة آلهة وقالوا: هي إله واحد. # وهؤلاء أثبتوا هذه النقطة العالمة العارفة محلا ولم يجعلوا لها محلا، ~~فالشأن كل الشأن في تحقيق هذه النقطة التي هي عقدة PageV04P413 ### || CHECK - تفريقهم بين مدلول الله والرحمن، والرد عليه # حقيقة النبوة، فهو "صورة علم الحق بنفسه الواقعة بصورة العمل المطابقة ~~للصورة المعلومية التي صارت مرآة لانعكاس الوجود المطلق محلا لتميز صفاته ~~القديمة التي ظهر الحق فيه بصورة وصفة، واصفا يصف نفسه ويحيط به، ms0764 فالأول هو ~~الموصوف، والثاني هو الواصف، والأول هو المسمى باسم الله، والثاني هو ~~المسمى باسم الرحمن". # فيقال: قد علم أن هذان اسمان من أسماء الله، ليسا اسمين لشيء من صفاته ~~كالعزة والقدرة والحكمة، ولا اسمين لشيء سواه، وأسماء الله تعالى كلها ~~متفقة في دلالتها على نفسه المقدسة، ولكل اسم خاصة ينفرد بها عن الاسم ~~الآخر، فللرحمن الرحمة، وللحكيم الحكمة، وللقدير القدرة. وهكذا أسماء ~~الرسول وأسماء القرآن، ليست هذه الأسماء مترادفة، ولا هي أيضا متباينة من ~~كل وجه، بل هي باعتبار الذات مترادفة، وباعتبار الصفات غير مترادفة بل ~~كالمتباينة، ولهذا يسمى هذا النوع المتكافئة. وكل اسم فإنه يدل على ذات ~~الله وعلى خصوص وصفه بالمطابقة، ويدل على أحدهما بالتضمن، ويدل على الصفة ~~التي للاسم الآخر بالالتزام، فإنه يدل على الذات المستلزمة للصفة الأخرى، ~~فبين كل اسمين اجتماع وامتياز إلا اسم "الله"، ففيه قولان. ولهذا هل يدخل ~~في الأسماء؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما أنه لا يدخل في هذه ~~الأسماء، بل هو متضمن للجميع، وهذا يطابق قول من يقول: ليس بمشتق. والثاني: ~~أنه من الأسماء، وهذا يطابق قول من يقول: إنه مشتق. PageV04P414 # والصواب أنه فيه الاشتقاق وعدم الاشتقاق، ففيه الاشتقاق الأصلي لا ~~الوضعي، فليس في الاستعمال مشتقا كاشتقاق سائر الأسماء التي هي اشتقاقها ~~اشتقاق الصفات. وأما في الأصل فإنه مشتق، وهذا يسمى الاشتقاق الوضعي، وذاك ~~يسمى الاشتقاق الوصفي. # والأسماء جميعها هي أسماء لله رب العالمين، وأما صاحب "الفصوص" وأصحابه ~~الاتحادية فعندهم أسماء الله نسب وإضافات بين الوجود ليس موجودة، فهو يقول: ~~إضافة بين الوجود الذي هو الله عنده وبين الثبوت؛ وغيره يقول: نسبة بين ~~أجزاء الوجود وجزئياته. وهؤلاء أعظم الناس إلحادا في أسماء الله. # إذا عرف هذا فالفرق بين اسم الله والاسم الرحمن أن الرحمن متضمن للرحمة ~~المتعلقة بالخلق، والاسم الله متضمن للعموم أو لخصوص الإلهية التي هي ~~استحقاق العبادة. فأما كون هذا واصفا والآخر موصوفا فهذا شيء ليس له دخول ~~في معنى اسم الله والاسم الرحمن. # ثم يقال لهم: فهل ms0765 كان الله في كانه قبل نزوله إلى سر شأنه مستحق لهذه ~~الأسماء أم لا؟ فإن قالوا: لا، فهذا كفر، وإن قالوا: نعم، قيل: فأنتم قد ~~جعلتم الرحمن متأخرا عن نزوله إلى سر شأنه! PageV04P415 ### || CHECK - مذهب المسلمين وسائر أهل الملل ### || CHECK - مذاهب الناس في التوحيد ### || CHECK - قول هؤلاء مضطرب مخبط # فصل # اعلم أن قول هؤلاء المنتسبين إلى ابن حمويه مضطرب مخبط، فإنه ليس توحيدا ~~محضا، ولا إلحادا محضا، وإنما يظهر بظهور مذهب أهل التوحيد من المسلمين ~~وسائر أهل الملل، وبظهور مذهب الملحدة الاتحادية مثل أصحاب ابن عربي وابن ~~سبعين والتلمساني، ثم يتبين قول هؤلاء، فنقول: # أما مذهب المسلمين وسائر أهل الملل من اليهود والنصارى بل وسائر المقرين ~~بالصانع فهو أن الله سبحانه حق موجود بنفسه، متميز عما سواه، وهو رب ~~العالمين وخالق الخلق، وأنه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته ~~شيء من ذاته، وأن جميع الكائنات عباد لله فقراء إليه، وهو مالكهم وربهم ~~وخالقهم. # والقرآن من أوله إلى آخره يذكر هذا التوحيد ويبينه. # ومع هذا فلله أسماء وصفات وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله، ومن الجهمية من ~~ينكرها أو بعضها، ويصف الله بصفات سلبية تنافي ما جاءت به الرسل، وتكون تلك ~~الصفات مستلزمة للتعطيل، لكن النفاة لا يقرون أو لا يعتقدون أنها تستلزم ~~التعطيل. # والفلاسفة الصابئة القائلون بقدم العالم يقولون بواجب الوجود وبأنه ليس ~~هو العالم ولا جزءا منه، لكن يحكى عن فريق من الدهرية إنكار الصانع، وهذا ~~هو الذي ذكره الله في القرآن عن فرعون أنه PageV04P416 ### || CHECK - مذهب الجهمية والاتحادية # أنكر رب العالمين، ولكن كان هو وقومه كما قال الله: (وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (14)) (1)، قال ~~لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر 0 وقال له موسى: (لقد ~~علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر) (2). # وكان قدماء الجهمية الذين ينكرون أن يكون الله فوق عرشه يقولون: إنه ~~بذاته في كل مكان، وإنه حال في كل مكان، ms0766 وهو رأي طائفة من متصوفة الجهمية ~~مثل الديلمي ونحوه، وأما علماء الجهمية وفضلاؤهم فلا يصفونه إلا بالسلب، ~~ليس داخل العالم ولا خارج العالم، ولا هو فوق العرش ولا في العالم ونحو ~~ذلك. وكان السلف وأئمة الدين يعلمون أن هذا القول يستلزم نفي ذاته، ~~ويقولون: إنما يدورون على التعطيل. # وهذا هو الذي أوقع هؤلاء الملاحدة الاتحادية في زعمهم أنه هو هذا الوجود، ~~فإن العابد لا يقدر أن يعبد إلا شيئا موجودا، فإن الإرادة والقصد لا يتعلق ~~بمعدوم، بخلاف الوصف والكلام، فإنه يتعلق بموجود وبمعدوم. فالمتكلمون ~~بالنفي إذا لم يثبتوا وجودا تكون قلوبهم خالية من تحقيق العبادة، لأن ذلك ~~ليس هو مطلوبهم ومقصودهم، ولهذا يغلب عليهم القسوة والإعراض عن العبادة لله ~~ولغيره، وأما أهل الإرادة والعبادة من الصوفية والعامة ونحوهم إذا لم ~~يتوجهوا بقلوبهم إلى رب العالمين الذي وصفته رسله PageV04P417 ### || CHECK - اضطراب الاتحادية في تفسير الوجود والثبوت # لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم) (1)، الذي هو فوق السماوات، فلابد أن ~~تتعلق قلوبهم بموجود ما، فتارة يتعلقون بأنه بذاته في كل مكان، وتارة تتعلق ~~بحلوله أو اتحاده ببعض الأشخاص كالمسيح وعزير وغير ذلك، وتارة يتعلقون ~~بعبادة الملائكة أو الكواكب والأصنام ليتقربوا بها إليه، فإنه لابد للقلب ~~من صمد يقصد إليه بالعبادة حق موجود. # والصفات السلبية لا يتعلق بها القلب ولا يطمئن، فإن قصد العدم كعدم ~~القصد، وعبادة المعدوم كعدم العبادة. # فهذا الجهل والضلال بصفات ربهم هي التي أوقعتهم في عبادة ما سواه. ثم إنه ~~يحصل من أحدهم توجه إلى الله وعباد له، فيشهد بقلبه الوجود القائم بأمره، ~~ويرى أن حكم الله وسلطانه ساري في جميع الكائنات، فيعتقد أن ذلك هو الله ~~الخالق، مثل من رأى شعاع الشمس فاعتقد أنه رأى الشمس وإنما رأى أثرها، ~~وهكذا هؤلاء ما شهدوا بقلوبهم إلا صنع الخالق وخلقه ms0767 وملكه وسلطانه، ولهذا ~~تارة يجعلون الرب في ذلك كالروح في الجسد، وتارة كالماء في الصوفة، وهذا ~~قول بالحلول، والرب -كما قال عبد الله بن المبارك والإمام أحمد وسائر أئمة ~~السنة والمعرفة- فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه. فجاء هؤلاء الاتحادية ~~المستأخرون جعلوه نفس الموجودات لم يخلوه منها، وجعلوا الوجود المخلوق PageV04P418 # المصنوع هو الوجود الخالق. ثم قد علموا أن ثم خالقا ومخلوقا، فاضطربوا هنا: # فأما صاحب "الفصوص" فإنه يقول: أعيان الممكنات ثابتة في العدم، كما يقول ~~من يقول من المعتزلة والشيعة: إن المعدوم شيء، ويقول: إن نفس وجود الحق فاض ~~عليها وظهر فيها، فوجودها هو وجود الحق، وذاتها ليست ذات الحق، ويقول: ما ~~كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك، وإن الله ما أحسن إلى أحد ولا أنعم على ~~أحد، وإنما الذوات الثابتة في العدم هي المحسنة المسيئة بما قبلته في فيض ~~وجود الحق عليها. ويجعل أسماء الله هي النسبة بين وجوده وبين ثبوت ~~الممكنات. # وهذا القول كفر، وهو باطل من وجهين: # من جهة أنه جعل المعدوم شيئا ثابتا، وفرق بين الثبوت والوجود، فإن هذا ~~قول باطل وفرق فاسد، وشبهته ثبوتها في علم الحق، ولا يلزم من علم الحق بها ~~ثبوتها في نفسها ولا وجودها. # الوجه الثاني: أنه لو فرض أن الأعيان ثابتة فليس وجودها وجود الحق، بل ~~الرب أبدع وجودها وخلقها، كما قال تعالى: (أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50)) ~~(1)، وقال: (خالق كل شيء) (2). # وهكذا يقول من يقول بأن المعدوم شيء من المعتزلة وغيرهم، PageV04P419 # يقولون: إنه خلق وجوده، لا يقولون: إن وجوده هو نفس وجود الحق. # وأما سائر الاتحادية فلا يفرقون بين الوجود والثبوت، ولا يقولون: إن ~~المعدوم شيء، بل منهم من يفرق بين الوجود المطلق والمعين، كالقونوي فإنه ~~يقول: الحق هو الوجود المطلق، فإذا تعين لم يكن هو الحق. وعلى قول هذا ليس ~~لله وجود إلا ما يقوم بالمخلوقات، فلو زالت لزال وجودها. وهو أيضا جحد لرب ~~العالمين في الحقيقة، وإثبات للوجود الذي أقر به فرعون. # وأصحاب هذا ms0768 القول والذي قبله يفرقون بين المظاهر والمراتب والمجالي وبين ~~الظاهر المتجلي، فيقولون: ظهر وجوده في أعيان الممكنات -على رأي صاحبه ~~"الفصوص"، أو ظهر الوجود المطلق في المتعينات- على رأي صاحبه الرومي. # وأما التلمساني وغيره فعندهم ما ثم غير ولا سوى بوجه من الوجوه، ولا ~~يفرقون بين المطلق والمعين والوجود والثبوت، بل هو الله عندهم كالبحر ~~وأمواجه. وهم تارة يشبهون الله بالشمع والفضة الذي يظهر في صور مختلفة وهو هو. # ثم يقول الرومي: هو المادة المشتركة المطلقة، وأما أعيان الصور فليس هو. ~~وأما ابن العربي فيشبهه بظهور النور في الزجاج، يظهر في كل زجاجة بحسب ~~لونها، وهو واحد في نفسه. وأما التلمساني ونحوه فأبلغ من هؤلاء. PageV04P420 ### || CHECK - كلام سعد الدين ابن حمويه مركب من مذهب المسلمين ومذهب الاتحادية، وهو إلى الاتحادية أقرب # وأما هذا الكلام المذكور المضاف إلى سعد الدين بن حمويه فهو مركب من مذهب ~~المسلمين وسائر أهل الملل الذي جاءت به الرسل عن الله، ومن مذهب هؤلاء ~~الاتحادية، وهو إلى الاتحادية أقرب، وما فيه من الإلحاد فهو يشبه قول صاحب ~~"الفصوص" من وجه، وقول صاحبه الرومي من وجه، وليس مثلهما. وذلك أنه جعل ~~ثبوت الحقائق في علم الله بمنزلة ثبوتها في الخارج ليجعل التجلي عليها، ~~وثبوت الحقائق في علم الله صحيح، لكن يمتنع أن يحصل التجلي على شيء علم قبل ~~أن يوجد. ثم جعل تجلي الحق لها بمنزلة ظهور وجوده في الأعيان الممكنة. # فهذا القول أقل كفرا، لكنه أظهر تناقضا، فإنه لم يصرح بأن وجودها عين ~~وجوده، ولا صرح بثبوت ذواتها، لكنه زعم أن تجليه لأعيانها الثابتة في علمه، ~~مثل ما ذكر صاحب "الفصوص" أنه حصول وجود الحق في أعيان الممكنات. وتكلم في ~~التعين بكلام قارب مذهب القونوي، كما سنذكره إن شاء الله. # وهذا التفصيل الذي نذكره نحن لمذاهب هؤلاء أكثرهم لا يفهمونه، ولعل ~~فاضلهم يفهم بعض مذهب نفسه فقط، لأنها أقوال هي في نفسها متناقضة، فاضطربوا ~~فيها كما اضطربت النصارى في الأقانيم وفي الحلول والاتحاد. وهذا شأن ~~الباطل، كما ms0769 قال تعالى. # (إنكم لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9)) (1)، وكما قال تعالى. PageV04P421 # (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82)) (1). # فصاحب هذا القول يقول: "هو في كانه يتجلى لنفسه بوحدته الذاتية، يشهد ~~نفسه ويشهد الحقائق الكونية المعدومة في نفسها المشهودة له، فلما أراد أن ~~يعرض نفسه على تلك الحقائق نزل التجلي من كانه إلى شأنه التي يظهر فيه ~~الحقائق الكونية، فظهر هو في تلك الحقائق". # وهنا يضطرب أمره، فلم يصرح بأن وجوده قام بالأعيان الممكنة كما صرح ابن ~~العربي، فيكون اتحاديا محضا، ولا اكتفى بمجرد كونه يعلم أن تلك الحقائق أو ~~بعضها ستعلمه كما هو الواقع، فإن الله إذا علم الأشياء وعلم أنها ستعلمه ~~لتكن حينئذ قد صارت موجودة عالمة حتى توجد. بل استعمل اللفظ المشترك كما ~~فعله في عين الحق، فجعل ثبوتها في علمه بمنزلة ثبوتها في الخارج، وظهوره ~~لها علما بمنزلة ظهور وجوده في ذواتها. # فتدبر هذا، فإنه يبين حقيقة مطلوب هذا، ومعلوم أن وجوده الذاتي إن ظهر في ~~الأعيان فأول ما يظهر باسم "أنا"، لأنه على زعمهم في وحدته الذاتية لا ~~يتعين، ولا يكون له اسم إلا إذا ظهر في أعيان الحقائق المعلومة، عند هذا ~~وعند ذاك ظهرت، وهذا التعيين هو النقطة الذي قد سماها عقدة حقيقة النبوة، ~~وهو صورة علم الحق بنفسه الواقعة بصورة العمل المطابقة للصفة المعلومة، PageV04P422 ### || CHECK - قول غلاة الإسماعيلية والنصيرية # وذلك لأن الحق كان متجليا نفسه لنفسه، ثم لما نزلت الحلية من كانه إلى ~~شأنه تجلى للأعيان المشهودة له، وأعظمها حقيقة النبوة التي هي الإنباء ~~والإخبار عن الوجود المطلق الذي كان في كانه. # فهذه النقطة هي في مشهوداته مطابقة لعلمه بذاته. ولهذا كانت صورة علم ~~الحق بنفسه المطابقة للصفة المعلومية لأنه كان يعلم نفسه، وتجلى لهذه ~~النقطة كما تجلى لنفسه، فصار شهودها له مطابقا لشهوده لنفسه، ولهذا قال: ~~فصارت مرآة لانعكاس الوجود المطلق محلا لتميز صفاته القديمة. # لأن الذي كان في كانه من تجليه لنفسه بوحدته المطلقة ليس فيه عندهم ms0770 صفات ~~متميزة ولا أسماء، وهذا متفق عليه بين الاتحادية أنه الحق عندهم في نفسه، ~~ليس له اسم ولا صفة أصلا. وهذا وإن كان مطابقا لقوله غالية الصابئة ~~الفلاسفة والباطنية الذين يقولون: الحق الأول ليس له اسم ولا صفة، ولا ~~يقولون: هو عالم ولا قادر ولا موجود، ولا يقولون: يعلم ولا يقدر ولا غير ~~ذلك، فأولئك إذا حكى عنهم أنه يجعلونه عين مخلوقاته، فإن كان أولئك يجعلونه ~~ساريا في المخلوقات فقولهم هو قول هؤلاء الملاحدة. وهذا صحيح، فإني وقفت ~~على مقالة غلاة الإسماعيلية والنصيرية في كتبهم التي يضنون بها إلا على ~~خواص أكابرهم، فرأيتهم يصرحون فيها بنفي الصانع الخالق وجحوده بالكلية، ~~كالمذهب الذي ذكره الله عن فرعون وحزبه، وعن الذي حاج إبراهيم في ربه. ~~وهكذا حكى عنهم من وقف على سر دعوتهم، كالقاضي أبي بكر ابن الباقلاني ~~والقاضي أبي يعلى والقاضي أبي بكر ابن العربي، وقد ذكر كلامهم PageV04P423 # والرد عليهم أبو عبد الله البصري وأبو الوفاء ابن عقيل وأبو حامد الغزالي ~~وأبو القاسم الشهرستاني وغيرهم. # وأما غالب الخلق فإنما ينقلون عنهم ما يظهره لهم من دون هؤلاء، وهو نفي ~~الأسماء والصفات عن ذاته، كما يظهره هؤلاء الاتحادية، ليظن الجهال أن هذا ~~تحقيق عظيم وتوحيد تائم، وليقربوا بذلك من الصابئة الفلاسفة الذين يقولون: ~~[ليس] له إلا صفة سلبية أو إضافية. # وقريب منه مذهب الجهمية النافية للصفات، فإن هؤلاء لا ينفون الأسماء ولا ~~الأحكام التي هي الصفات القولية الخبرية، وهو الإخبار عنه بأنه يخلق ويرزق، ~~وإنما ينفون المعاني التي يستحقها بنفسه. وقد قررت فساد مذاهب هؤلاء في ~~مواضع، وبينت في مخالفتها للكتاب والسنة والإجماع ولفطرة الله التي فطر ~~الناس عليها، وفسادها بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة. # وقد رأيت هؤلاء الغالية من الإسماعيلية الباطنية قالوا في البلاغ الأكبر ~~والناموس الأعظم الذي هو الدرجة السابعة، وهو آخر المراتب عندهم، وهو جحود ~~الصانع بالكلية وجحود النبوات والشرائع والجزاء في الآخرة، قالوا: إن أقرب ~~الطوائف إليهم هم المتفلسفة الصابئة، قالوا: لكن ليس بيننا وبينهم خلاف إلا ~~في واجب ms0771 الوجود، يعنون الذي صدرت عنه الممكنات، فإنهم يثبتونه ونحن لا نثبته. # وهكذا حدثني بعض أكابر مشايخ هؤلاء الاتحادية، وكنت لما بينت له حقائق ~~أمرهم يتعجب من ذلك ويستعظمه ويقول: هؤلاء الفقهاء لا يفهمون هذا، صم بكم ~~عمي فهم لا يعقلون، حدثني أن PageV04P424 # سعد الدين ابن حمويه كان يقول: ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف. ~~وهذا حقيقة هذا القول المحكي عنه، فإن الإلحاد المحض نفي الصانع بالكلية، ~~وأن هذا العالم الموجود ليس له صانع، فإذا قال القائل: إن هذا العالم ~~الموجود هو الصانع، وهو الصانع المصنوع، فقوله مثل قول الملحدة المحضة في ~~جحود رب العالمين. لكن ذاك لا يحتاج أن يقول: ظهر فيه صانعه، وهذا يقول: هو ~~صانعه وما هو غير صانعه، لكن الصانع له ذات، وهو الوجود المطلق المرئي الذي ~~له اسم ولا صفة، وله أسماء وصفات، وهي نسبة ذلك الوجود إلى مظاهره ومجاليه ~~أو نحو هذه العبارات التي ليس لها حقيقة في الخارج، وإنما كل منهم يتخيل ~~نوعا من الكفر ويقوله، ويقول: إنه غاية التحقيق ونهاية التوحيد وحقيقة ~~النبوة، فيحتاج أهل العلم والإيمان إلى مجاهدتهم بالقلب واليد واللسان، ~~فيحتاجون إلى شرح مقاصدهم -لتتبين أنواع كفرهم، ولئلا يحسب الجهال بهم أن ~~تحتها حقائق إيمانية، فيؤمنون بالجبت والطاغوت مجملا أو مفصلا، لأنهم ~~منتسبون إلى الإسلام ومدعون أنهم سادات العالم وأفاضل الخلق، حتى قد ~~يتفضلوا على الأنبياء -كاحتياج موسى إلى جهاد فرعون، وإبراهيم الخليل إلى ~~مناظرة الذي حاجه في ربه، واحتياج المؤمنين إلى جهاد القرامطة الباطنية، ~~فالله يفتح بين أهل العلم والإيمان (1). PageV04P425 ### | CHECK (1) ضابط التأويل # ضابط التأويل PageV05P033 ### || CHECK - خطبة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر و [أعن] (1) # قال الشيخ الإمام العالم العامل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ~~بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه: # الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الدين، والحمد لله الذي بعث إلينا رسولا ~~يتلو علينا آياته و [يزكينا]، ويعلمنا الكتاب والحكمة، وإن كنا من قبل لفي ~~ضلال مبين. إنه أكمل لنا [ديننا]، وأتم علينا ms0772 نعمته، ورضي لنا الإسلام ~~دينا، وأخبر أن الدين عنده الإسلام هذا الدين، فمن يبتغ غير الإسلام دينا ~~فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. وجعل الكتاب الذي أنزله بيانا ~~للناس وهدى وموعظة [للمتقين]، وأخبر أنه أنزله بلسان عربي مبين، كما أخبر ~~أنه ليس على الرسول [إلا البلاغ المبين]، وذكر أن آياته أحكمت ثم فصلت، إذ ~~الإحكام والتفصيل يجمع خبرا وطلبا، وكمال القصد واللفظ الذي تتم به وتتبين ~~الأشياء، (من لدن حكيم) يحصل بحكمته الإحكام، (خبير (1)) (2) يفصل الخطاب ~~للمخاطبين. [فليس] كل من هدي للحق يسدد الخطاب، كما أنه ليس كل من سدد ~~الخطاب يبلغ PageV05P035 ### || CHECK - منهج الصحابة في تلقي العلم وتبليغه # إلى أفهام المستمعين بالإفصاح البليغ يكون قد هدي للحق. ولهذا قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب (1): "يا علي! سل الهدى والسداد، ~~[واذكر بالهدى] هدايتك الطريق، وبالسداد تسديدك [السهم] " إلى # كمال العلم والقصد والقول والعمل. فهذا الدعاء المبين وما وصف سبحانه ~~كتابه ورسوله من البيان والتفصيل والهدى والتبليغ والإفتاء والموعظة ~~والشفاء والقصص والشهادة والرحمة، كقوله سبحانه وتعالى: (وأنزلنا إليك ~~الذكر...) (2). # ثم إنه سبحانه دعا إلى التفكر والتذكر والتأ [مل] والفقه لهذا البيان ~~عباده المبلغين، وجعل رسوله - صلى الله عليه وسلم - هو [المبين] لما حصل ~~مجملا أو مشكلا على المكلفين، وثبت بالأدلة المتعددة ضبط علماء أصحابه ~~لمعانيه كضبطهم لحروفه المنقطعة القرين، وكانوا يلقون ما تلقوه عن رسولهم - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابهم من التابعين من الكتاب ظهرا وبطنا ومن ~~الحكمة صورة ومعنى مشتركين دون مختصين، فيشتركون كلهم أو أكثرهم في كثير من ~~ذلك أو أكثر، ويختص بعضهم ببعض ذلك وكل على ما يأثره أمين، شائع بينهم ~~معرفة أصول دينهم وعمل ملتهم جملة وتفصيلا ليسوا فيها مختلفين، وإن كان قد ~~يمتاز بعضهم من زيادة العلم ببعض ذلك بما ليس عند الباقين، واستفاضت النقول ~~عنهم أنهم تعلموا من نبيهم - صلى الله عليه وسلم - جميع ما يحتاجون إليه ~~فيصيرون من الكاملين وما يصيرون به من الأكملين. PageV05P036 ### || CHECK - بدعة القدرية ms0773 والمرجئة ### || CHECK - بدعة الخوارج والروافض ### || CHECK - ظهور البدع # ولهذا كانت البدع محرمة في وقت جماعتهم، لعدم مقتضيها أو لوجود منافيها ~~عن هذا الدين، ثم نبغت البدع وتعدت من الصغير إلى الكبير على قضاء سبق من ~~الكتاب المبين، فلما قتل الخليفة المظلوم الشهيد وافترقت الأمة بعده على ~~خلافة الخلفاء الراشدين نبغ في آخر خلافة النبوة بدعتان متقابلتان تقابل ~~المغضوب عليهم والضالين: الخوارج يكفرون الخليفتين ومن تولاهما، يحلون دماء ~~أهل القبلة، ويفعلون بأهل الإيمان فعل اليهود بالنبيين؛ والروافض يغلون ~~فيمن يستحق الولاية والمحبة، فيطرونه إطراء النصارى، حتى وصفوا البشر ~~بالإلهية، وألحقوا الأئمة بالمرسلين. فتولى أمير المؤمنين عقوبة الطائفتين: ~~بقتال الطائفة الممتنعة من المارقين، وقتل المقدور عليه من الغالين، ~~والتعزير بجلد المفترين. # ثم لما صارت الجماعة على الأقذاء، وانصرف عن ضبط دقيق الدين وعناية الأمر ~~في أواخر عصر الصاحبين حدثت أيضا بدعتان متقابلتان: بدعة القدرية والمرجئة ~~على منهاج الأولين، هؤلاء عظموا أمر المعاصي، حتى أوجبوا نفوذ الوعيد بجميع ~~أهل الكبائر أو جميع المذنبين، ومنعوا شفاعة الشفعاء ورحمة أرحم الراحمين، ~~وأعظموا أن يكون الله قدرها أو شاءها أو يسرها، وسلبوا الإيمان بالكلية لمن ~~اتصف بها من المسلمين. وهؤلاء استخفوا بأمر الواجبات والمحرمات، حتى استبعد ~~بعضهم نفوذ الوعيد على الكبائر الموبقات، وزعموا أن ذلك نوع من التخشين. ~~وربما احتجوا لنفوسهم بالقدر السابق، وتشبثوا بكونهم مجبورين، وسوى عامتهم ~~في الإيمان والدين بين الأبرار والفجار والصالحين والفاسقين. PageV05P037 ### || CHECK بدعة الجهمية المعطلة # ثم من تمسك ببعض شعب الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة ولم يوافقهم على ~~أصل بدعتهم ولا دعا إلى مذهبهم كثير من المتقدمين، وهم جمهور من روى عنه ~~أصحاب الصحيح ممن ينسب إلى بعض هؤلاء المخطئين. فقام يرد هذه البدعة بقايا ~~الصحابة العالمين، كابن عمر وابن عباس وجابر وأبي سعيد ونحوهم من الغر ~~الميامين. # ثم لما فرغ الشيطان من المؤمنين ببدعتين رفعا وخفضا، ومن الدين ببدعتين ~~إبراما ونقضا، شرع في رب العالمين، فحدثت بدعتا الجهمية في أواخر عصر ~~التابعين: هؤلاء ينفون عنه ما جاءت به الرسل من الصفات، ms0774 كأنه عندهم من ~~الأمور المعدومات، مضاهاة لضلال الصابئين. ثم كثير منهم أو أكثرهم إن اضطر ~~إلى إثباته جعله لآخر شاملا لمخلوقاته شمول الكل لأجزائه شائعا، حتى قد ~~خصهم بالبحر وأمواجه في مصنوعاته مشاع الجنس المطلق في أفراده (1)، وجعلوه ~~الوجود المطلق الذي لا يوصف بتغييره في معينين، وبعضهم يجعله ساريا في ~~المحدثات بحيث لا يبقى له عندهم حقيقة خارجية من الأرض والسماوات. تعالى ~~الله عن افتراء الظالمين. # فشاركوا النصارى في الحلول والاتحاد، وزادوا عليهم بعموم الحلول والاتحاد ~~في الموجودين. ثم ضربوا للكتب الإلهية أنواع التحريف والتبديل وأصناف ~~المجاز والتأويل، ولا أبقوا العقول كما فطرت عليه من المعقولات وما أتى ~~إليها من المسموعات، تارة بدعوى النظر الثاقب للنظار، وتارة بدعوى الوجد ~~الصادق للعابدين. PageV05P038 ### || CHECK - بدعة الممثلة # ثم آل الأمر بكثير منهم إلى أن عمم هذا فيما جاءت به الرسل من الوعد ~~والوعيد، وما وصفته من النعيم والعذاب في داري الكفار والمؤمنين، فسلبوا ~~داري القرار ما عرف لهما من الصفات ونفوهما، إذ أثبتوهما كإثباتهم إله ~~المؤمنين، فحملوا مثل ذلك في المحارم والعادات، تارة ينفون عن الأفعال ~~أحكامها الشرعية، وتارة يثبتون ذلك في حق العموم دون المتميزين، وعصامهم في ~~جميع ذلك نوع تعطيل يسمونه بالمعقول، ونوع تحريف يسمونه بالتأويل ويزخرفونه ~~بالتزيين. # وهؤلاء الممثلة يمثلون صفاته بصفات المخلوقات، ويجعلونه من جنس المصنوعات ~~وصنف الآدميين، حتى وصفه بعضهم باللحم والدم والعظام -تعالى الله عن ذلك- ~~مضاهاة لكثير من اليهود في تمثيلهم لربهم بالمخلوق، حتى عبدوا العجل وكانوا ~~أتباع الدجال اللعين، وإن كان كثير من اليهود أو أكثرهم معطلة جهمية ذات ~~تحريف يسمونه التأويل، يفرون به -زعموا- من تحيز ذي القوة المتين، فإنه قال ~~- صلى الله عليه وسلم - (1): "لتركبن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى ~~لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: ~~"فمن". وجب بمقتضى هذا الخبر البين أن يكون في أمتنا ما كان في أهل ~~الكتابين قبلنا. هذا، ثم المهتدي منهم قبل المبعث ضل بعدم اتباع نبينا - ~~صلى الله عليه وسلم -، فلذلك ms0775 افترقت أمتنا زيادة عليهم ثلاثة وسبعين. PageV05P039 ### || CHECK - جهود أهل الحديث في هذا المجال ### || CHECK - إنكار السلف على الجهمية # واليهود والنصارى فيهم معطلة وممثلة، وإن كان الغالب على خاصتهم التعطيل، ~~فلذلك كانت المعطلة فينا أكثر من الممثلين، حتى إن المعطلة يكثر وجودهم، ~~والممثلة لا يكاد يوجد منهم إلا الواحد بعد الواحد في الأحايين. # فلما حدثت بدعة التعطيل والتمثيل أنكر ذلك فقهاء التابعين، وكذلك من ~~بعدهم من العلماء ورثة الأنبياء وأئمة المتقين، وكان ذلك عندهم أعظم من ~~جميع بدع المبتدعين، حتى أعظم السلف أمر الجهمية ونحوهم وكفروهم، وإن كانوا ~~عن غيرهم متوقفين، واحتاجوا لانتشار البدع إلى ضبط السنن الدامغة ~~للمبتدعين، وكان أسعد الناس بهذه الوراثة أصحاب الكتاب والآثار المأخوذة عن ~~سيد المرسلين -وهم أهل القرآن والحديث- الباحثين (1) في كل باب في العلم عن ~~آثار الصحابة والتابعين، العالمين بصحيحه وعليله، الفاهمين بمنطوقه ودليله، ~~السالكين سبيل السابقين، الذين أخبر بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث ~~يقول: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال ~~المبطلين وتأويل الجاهلين" (2). # وكانوا هم أئمة الإسلام الذين هم قدوة المؤمنين، بحيث كان PageV05P040 ### || CHECK - محنة خلق القرآن وآثارها # أرباب هذه البدع في أيامهم أصاغر مقموعين، [و] كانت دلائل الحق وآياته ~~ظاهرة مشهورة لمن كان لها يستبين. فقتل برأيهم غيلان القدري والجعد بن درهم ~~والجهم بن صفوان المعطلان ونحوهم من الظالمين. # إلى أن كان في أواخر المئة الثانية قل أولئك الهداة وكثر هؤلاء الغواة، ~~واستعوزوا إلى باطلهم بعض الولاة، حتى ظهرت محنة الصفات في علماء المسلمين، ~~ودعوهم إلى القول بخلق القرآن، إذ هو مفتاح جحود الصفات، وأقرب من غيره إلى ~~المبتدئين. وظهر في الإسلام ما لم يعهد مثله من الفتنة في الدين، حتى عد ~~الناس من قام به ما كان أسى وصبرا من العلماء، ومن أطفأ شررها من الخلفاء ~~دفعا بجراءة، مفضلا على غيره من الأولين، وانكسرت بذلك سورة أهل البدع ~~ظاهرا، ولكن في النفوس من طواياها كمين مكين. # وصار من أسباب الفتنة أن نقلة الآثار قل ms0776 فيهم الفقه والعقل، كما أن ذوي ~~النظر والاعتبار ضعف علمهم بآثار النبيين، ولن يتم الدين إلا بمعرفة الآثار ~~النبوية والسلفية وفقه لما قصدوه من المعاني الدينية، كما كان علماء ~~السالفين، وصار ذلك سببا لإعراض كثير من طلبة العلم من أعيانهم عن النظر في ~~قواعد الدين. # وظهر في الدولة المعتصمية مقاربا للمحنة الجهمية من الطائفة الخرمية من ~~يقول بتواتر النبيين جريا على منهاج الفلاسفة وسلوكا لسبيل الصابئين، حتى ~~جرت بينهم وبين المسلمين من الحروب ما هو مشهور عند المؤرخين. PageV05P041 ### || CHECK - منهج المتكلمين في الرد على الفرق الضالة ### || CHECK - ظهور القرامطة الباطنية والإسماعيلية # وظهر بأثر ذلك من أبطن ذلك من القرامطة الباطنية والطائفة الإسماعيلية ~~الذين كثر فسادهم على الخاصة والعامة للدنيا والدين. # وانتدب للرد على صنوف الكفار والمبتدعة طوائف من المتكلمين بحجج بعضها ~~صحيح قوي وبعضها مهين، لصعوبة الزام (1) علما وقصدا، وعسر الاستبداد في هذا ~~الباب بدرك اليقين، والهوس بفرح ما يقوم لها من الحجة على المنازع قبل تعقب ~~ما يلزم الحجة في سائر المواضع (2). وهذا من أعظم الآفة على الناظرين ~~والمناظرين، فيحتاج أن تطرد تلك الدلالة، ويلتزم من اللوازم ما لا يظن أن ~~فيه إحالة، وإن كان مخالفا لنص مبين. # وهذا هو السبب كثيرا أو غالبا في البدع المخالفة للنصوص أو الدافعة لما ~~عليه كل ذي عقل رصين، حتى صار من نصر السنة في غالب الأمر يعد من متكلميها، ~~وإن اضطره تحقق حده وطرد دليله أحيانا إلى ما ينافيها، إذ ذلك غامض إلا على ~~الأقلين. وخرج كثير ممن ينصر السنة بالآثار إلى الاحتجاج بما لا يسوغ لأولي ~~الأبصار، إما لضعف الإسناد، وإما لعدم المتن المتين، وكثر في العلماء ~~المحسنين في أكثر قولهم من المتأخرين من يقع في كلامه من المخالفة للسنة ما ~~يروج عليه وعلى كثير من الناظرين، فيرد هذا عليه سائر حقه لأجل باطله، ~~ويلحقه بالمعطلين، ويقبل هذا جميع كلامه لاعتقاده فيه أنه كالسلف الماضين، ~~ثم إذا صارت الشبهات أهواء أخرجت من النفوس الداء الدفين. PageV05P042 ### || CHECK - أهل الحديث هم الوسط ms0777 في هذه الأمة # وصار كثير من طلبة العلم وأذكياء المباحثين يقفون على أقسام محصورة ~~وأمثال مسبورة في كلام كثير من الآخرين، فتوجب حسن الظن بعقول تدرك تلك ~~المطالب، وافتقار رجال ذهبوا تلك المذاهب، وإن كانوا للسلف مخالفين، إذ ليس ~~عندهم من السلف إلا أسماء مستطيرة وكلمات ليست بالكثيرة المعتبرة. ولولا ~~أبهة الإسلام في قلوبهم لعدوهم من العمين، وإن كان في الناس من يعتقد هذا ~~أو يتوقف فيه، وإنما سببه ضعف آثار المرسلين. # وإذا قيل "أهل الحديث" ذهبت أوهامهم إلى قوم من الرواة وضرب من النساخ ~~والمستمعين، وإن رفعوا البابة إلى قوم من الحفاظ لبعض الأسماء واللغات إذا ~~حدثوا، وظهر من الجهل والظلم اللذين وصف الله بهما الإنسان ما أوجب نقص ~~العلم والدين. فهذا وأمثاله أسباب لما قضى به قدر الله في العالمين. # ثم مع ذلك فلله في كل زمان فترة من الرسل -كما قال الإمام أحمد (1) - ~~بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون ~~بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، وإن كانوا هم الأقلين. ~~بهم تقوم حجة الله في دق الدين وجله، ويحفظ بهم عمود الدين فرعه وأصله إلى ~~يوم الدين. هم الوسط في هذه الأمة، كما أن هذه الأمة هم الوسط في الناس، ~~فهم شهداء عليهم بما أخذوه عن خاتم النبيين، وهم ورثة الأنبياء فيما جاءوا ~~به من العلم، وخلفاء الرسل فيما قاموا به من البلاع المبين، PageV05P043 ### || CHECK - ذكر مناظرة في الصفات بين المؤلف وبين بعض الناس # وقد يتفرق فيهم علم النبوة إذا لم يقم به واحد، ويغفر للمخطئ منهم في ~~مجتهداته إذا لم يكن عن سنن الاجتهاد بحائد، كما يعذر بعدم البلاع كثير من ~~المؤمنين. # فالحمد لله على ما بين وأمر، وعلى ما قضى وقدر من هذه الأقانين (1)، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك [له]، شهادة تحصن قائلها من النار ~~وتوجب له نور المتقين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بأفضل كتاب وأقوم ~~دين، وأيده بأكمل الآيات ms0778 وأشرف البراهين، وبعثه في خير أمة وأتم مكان وحين، ~~وبين به الحق بأفصح لغة وأبلغ تبيين، وأخرج به الخلق من الظلمات إلى النور ~~المستبين، وجعله سراجا منيرا، كما جعل الروح الذي أوحاه إليه نورا يهدي به ~~المهتدين، وعصمه من مخالفة سره لعلانيته لا سيما في إيمائه وخطابه ~~المستمعين، إذ لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين (2)، ولا يومض إيماضا ~~يخفى على الحاضرين، كل ذلك تحقيقا لكمال البلاغ وتنزها عن ظنون الملحدين، ~~صلى الله عليه وعلى آله كما صلى على إبراهيم إمام المسلمين، وبارك عليه ~~وعلى آله كما بارك على آل إبراهيم في العالمين، إنه سبحانه حميد مجيب سميع ~~لدعاء الطالبين، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته وعلينا وعلى عباد الله ~~الصالحين. # أما بعد، فقد كان جرى بيني وبين بعض الناس من نحو عشر PageV05P044 ### || CHECK - الأنبياء جاءوا بتقرير الفطرة لا بتغييرها ### || CHECK - خلق الله العباد على الفطرة وكملها بالنبوة ### || CHECK - بعض ما اشتملت عليه تلك المناظرة من القواعد والأصول # سنين أو قريب منها أو أكثر منها مناظرة في الصفات والكلام على مذهب أهل ~~التأويل فيها، التمس مني بعد ذلك بعض الأصحاب حكايتها، فكتبتها إليه، مع أن ~~الكتابة لابد فيها من نوع زيادة غير متعمدة ونقصان، لكن المنقوص كثير، إذ ~~الخطاب يحتمل من البسط ما لا يحتمله الكتاب، ومن الورع أن تنقص من الحكاية ~~ولا تزيد فيها. # وتلك المناظرة -مع ما اشتملت عليه من القواعد المقررة والأصول المحررة- ~~لم تخرج مخرج تصنيف، وإن كان لا غرو في جعلها تصنيفا. # وصورة ما كاتبت به الطالب: فإن الله سبحانه وتعالى خلق عباده على الفطرة، ~~وكمل فطرتهم بالنبوة، واصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس، ليعلموا الأمم ما ~~لم يكونوا يعلمونه، كما قال سبحانه وتعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ~~يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون (151)) (1). # ولم يبعث رسله بغير فطرته التي فطر عباده عليها، ولا بإفساد عقولهم التي ~~بها ينالون علم ما أنزله عليهم، بل بعث الرسل بتعليم ما تقصر ms0779 عقولهم عن ~~دركه، لا ما تقضي عقولهم بإحالته، وأمرهم بتقرير الفطر لا بتغييرها. ولهذا ~~قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين (199)) (2)، وقال في صفة المستحقين الرحمة: (الذين يتبعون الرسول ~~النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة PageV05P045 ### || CHECK - معنى "الحجة" في لغة القرآن والعرب ### || CHECK - الحجة قامت على أهل الأرض بالرسل # والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر) (1). وجعل حجته التي يستحق ~~العذاب تاركها رسله المنذرين، دون مجرد الفطرة والعقل، كما قال سبحانه ~~وتعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) إلى قوله ~~تعالى: (وكلم الله موسى تكليما (164) رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما (165)) (2). # فأخبر أنه أرسل الرسل لئلا يبقى لأحد حجة، فعلم أن الحجة قامت على أهل ~~الأرض بالرسل، وأنه لم يبق لأحد بعدهم. # و"الحجة" اسم لما يحتج به، سواء كانت بينة أو شبهة، وإن كان قد اصطلح ~~كثير من المتأخرين قصر هذا اللفظ على البينات دون الشبهات. فإن الأول هو ~~لغة القرآن ولغة العرب، كما قال سبحانه: (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا ~~الذين ظلموا منهم) (3)، وقال تعالى: (لا حجة بيننا وبينكم) (4). وهي اسم ~~لما يقصده المحاج ويؤمه في حجاجه، ومثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين" (5). # وقال سبحانه وتعالى: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا (13) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ~~(14) PageV05P046 # من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16)) (1). فأخبر ~~سبحانه أن كل عامل يلزمه عمله، وأن منفعة هداه وضلالته عائدة عليه، وأنه لا ~~يحمل من سيئات غيره شيئا، وأنه لا يعذب أحد حتى يبعث إليه رسول، وأن القرى ~~إنما تهلك ms0780 بعد فسق مترفيها. # وقال سبحانه وتعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47)) # إلى قوله تعالى: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو ~~عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59)) (2). # فهذه الآيات تشبه تلك الآيات. # وأخبر سبحانه عن عذاب الآخرة مثل ما أخبر به عن عذاب الدنيا، فقال سبحانه ~~وتعالى: (ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال ~~أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال ~~النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله) إلى قوله: (يا معشر الجن والإنس ~~ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا ~~شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين (130) ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى PageV05P047 # بظلم وأهلها غافلون (131)) (1). فأخبر سبحانه عن المعذبين من الجن والإنس ~~أن الرسل قد جاءتهم، وأخبر أنه لا يهلك القرى إلا بعد الرسل المذكرين. # وقال سبحانه: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت ~~أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ~~(71)) (2). فأخبر سبحانه أن الزمر المسوقة إلى جهنم من الذين كفروا قد ~~جاءتهم رسل الله يتلون عليهم آياته وينذرونهم # يوم القيامة. # وقال سبحانه: (وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا ~~فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ~~ما كنا في أصحاب السعير (10)) (3). # فأخبر سبحانه وتعالى أن كل فوج يلقى في النار يعترف بمجيء النذير ويقر ~~بتكذيبه، وأنه لو كان لهم عقل أو سمع لكان ذلك سببا لنجاتهم. # وهذا ms0781 نظير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ~~أو آذان يسمعون بها) (4)، وقولي تعالى: (إن في ذلك لذكرى PageV05P048 ### || CHECK - ليس المراد بالعقل أو القلب ما يستغنى به عن الرسول # لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37)) (1). ودل ذلك علي أنه ليس ~~مراده بالعقل أو بالقلب العاقل ما يستغني به عن الرسول بعد مجيئه، لأنه قد ~~أخبر عن هؤلاء الذين قالوا: "لو كنا نسمع أو نعقل" أن النذير جاء كل فوج ~~منهم، فكذبوه وأنكروا رسالته فعلم أن مع هذا التكذيب لا يبقى عقل منجي، وإن ~~كان العقل باقيا. # وكذلك في الآية الأخرى قال سبحانه وتعالى: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم ~~أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص (36) إن في ذلك لذكرى لمن كان ~~له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37)) (2)، وقال تعالى: (أفلم يسيروا في ~~الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها) (3)، فإنما ذكر ذلك ~~لبيان الاعتبار بآثار المهلكين من الأمم الذين كذبوا الرسل وعصوهم، وهذا ~~إنما هو عقل ينتفع به في الإيمان بالرسل وطاعتهم، وإن لم يحصل ذلك بلسانه ~~أو بأمر لأخبارهم المفصلة، إذ من الناس من يتدبر بنفسه، ومنهم من يحتاج إلى ~~موقظ. وقد أخبر سبحانه وتعالى في غير موضع العقل المتعلق بآياته، كقوله ~~سبحانه وتعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43)) (4). # وقال سبحانه وتعالى: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (60) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) PageV05P049 # ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62)) (1). فبين سبحانه أن ~~من ترك عهد الله إليه وضل عنه لم يكن يعقل. # وقال سبحانه وتعالى: (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن ~~تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39)) (2). وقال أيضا: (قال اهبطا منها ~~جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ms0782 ~~(123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) ~~قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ~~وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى (127)) (3). قال ابن عباس (4): تكفل الله لمن قرأ القرآن ~~وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، وقرأ هذه الآية. # فأخبر سبحانه أن من اتبع ما جاءه من الهدى على ألسن الرسل لا يضل ولا ~~يشقى، فلا يحزن ولا يعذب، وأن من أعرض عنه فإنه يعذب بالمعيشة الضنك، وأنه ~~يكون أعمى يوم القيامة، ضد المتبع لهداه. ثم بين سبحانه أنه يعمى في الآخرة ~~وإن كان بصيرا في الدنيا، لأن آيات الله أتته فتركها وأعرض عنها. PageV05P050 ### || CHECK - للناس في الرسل ثلاثة أحوال: إما التصديق وإما التكذيب وإما عدمهما # وفي هذا بيان واضح لأن المعرض عن آيات الله بترك الاستهداء بها يعمى ~~ويعذب، ولا ينفعه بصره وعقله. وبين أن هذا الحق يلحقه وإن لم يكن مكذبا ~~للرسل، لأنه علقه بمجرد الإعراض عن ذكره، وبين أن ذلك نسيان آياته التي هي تركها. # ثم قال: (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه)، فمجرد عدم الإيمان هو ~~المؤثر وإن لم يكن ثم تكذيب، فإن للناس في الرسل ثلاثة أحوال: إما التصديق، ~~وإما التكذيب، وإما عدمهما. وكل واحد من التكذيب وعدم التصديق كفر. # ولما كان الغالب على المعرضين عن هدى المرسلين الإعجاب بآرائهم وبصائرهم ~~وعقولهم، والاستخفاف بأتباعهم، قال سبحانه عن قوم هود: (ولقد مكناهم فيما ~~إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا ~~أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزئون (26)) (1). فأخبر سبحانه أن السمع والبصر والفؤاد لا يغني مع ~~الجحود بآيات الله. # ومثل ذلك قوله سبحانه: (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من ~~العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (83) فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده ms0783 وكفرنا بما كنا به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده) (2). فأخبر أن المنذرين PageV05P051 ### || CHECK - قد يحصل في بعض الأوقات فترات من الرسل ### || CHECK - الرسالة عمت الأمم كلهم # أعجبوا بما عندهم من العلم، وهذه حال من استغنى بعقله وعلمه عما جاءت به ~~الرسل. وأخبر سبحانه أنه أحاط بهم ما كانوا يستهزئون به مما أنذرت به ~~الرسل. وهذه حال عامة المتكايسين من هؤلاء الذين ينكرون العقوبات التي ~~أخبرت بها الرسل. # وأخبر سبحانه أن الرسالة عمت الأمم كلهم بقوله سبحانه وتعالى: (ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ~~(36)) (1)، وقال سبحانه: (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا ~~خلا فيها نذير (24)) (2). وكما أخبر سبحانه أنه لم يكن معذبا أحدا في ~~الدنيا ولا في الآخرة حتى يبعث رسولا، أخبر سبحانه أنه بعث في كل أمة ~~رسولا، لكن قد كان يحصل في بعض الأوقات فترات من الرسل، كالفترة التي بين ~~عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، كما قال سبحانه وتعالى: (يا أهل الكتاب ~~قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ~~ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير (19)) (3). # وزمان الفترة زمان درست فيه شريعة الرسول وأكثر الدعاة إليها PageV05P052 ### || CHECK - يبقى في الفترة من الدعاة من تقوم به الحجة # إلا القليل، ولم يدرس فيها علم أصول دين المرسلين، بل يبقى في الفترة من ~~الدعاة من تقوم به الحجة، كما قال الإمام أحمد (1) رحمه الله: "الحمد لله ~~الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يحيون بكتاب الله ~~الموتى، ويبصرون بها أهل العمى". # وكما قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في حديث كميل بن زياد: "لن تخلو ~~الأرض من قائم لله بحجة، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عددا ms0784 ~~والأعظمون عند الله قدرا" (2). فمن قامت عليه الحجة في الإيمان والشريعة ~~التي جاء بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجب عليه اتباع ذلك، ومن درست ~~عنه شرائع الرسل أو لم يكن رسوله جاء بشريعة سوى القدر المشترك بين ~~المرسلين ففرضه ما تواطأت عليه دعوة المرسلين، من الإيمان بالله وباليوم ~~الآخر والعمل الصالح، دون ما تميزت به شريعة عن شريعة. وهؤلاء -والله أعلم- ~~هم الصابئون المحمودون في قوله سبحانه وتعالى: (إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)) (3). PageV05P053 ### || CHECK - الصابئون قسمان: منهم المتمسكون بأصول دين الأنبياء، والكفار # فحمد سبحانه من هذه الأصناف الأربعة من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا، وجعلهم من السعداء في المعاد، وهذا يبين أن في الصابئين من يكون ~~سعيدا في الآخرة حميدا عند الله. # وكذلك قال في سورة المائدة (1): (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى من آمن بالله)، والنصارى مقدمون على الصابئين كما في سورة البقرة، ~~ويشبه -والله أعلم- أنهم قدموا هنا لفظا لتقدم زمنهم، وجيئ بهم بصيغة الرفع ~~ليبين أن مرتبتهم التأخير، لأن المعطوف على "إن" واسمها بصيغة المرفوع إنما ~~يعطف بعد تمام الكلام. والصابئ هو الخارج، ولهذا كانوا يسمون من خرج من ~~دينهم الصابئ. والعلماء وإن كانوا قد اختلفوا في الصابئين فالأشبه بظاهر ~~القرآن والعربية وما دلت عليه السير وما تقتضيه أصول الشريعة: أن الصابئين ~~هم المهتدون المستمسكون بأصول دين الأنبياء، وهو المتفق عليه من الإيمان ~~والعمل الصالح دون شريعة معينة، لأنهم يكونون بذلك يصدق عليهم أنهم خارجون ~~من خصوص كل شريعة، ويصدق عليهم أنهم آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحا. # فأما من كان صابئا لا يؤمن بالله واليوم الآخر و [لا] يعمل صالحا فهؤلاء ~~الكفار منهم، كعباد الكواكب ونحوهم، والقوم الذين بعث إليهم إبراهيم كانوا ~~صابئة، وكذلك فرعون وقومه، وكذلك أكثر PageV05P054 ### || CHECK - كل هدى حصل به سعادة الآخرة فهو باتباع الأنبياء # أهل الأرض، وكان غالبهم مشركين، وعلماء الصابئين هم ms0785 الفلاسفة، فمن كان من ~~أولئك الفلاسفة مؤمنا بالله واليوم الأخر عاملا صالحا فهو من الصابئين ~~الذين أثنى الله عليهم، ومن لا فلا (1). # وهذا بخلاف المجوس والذين أشركوا فإن الله لم يحمد أحدا منهم، وإنما ~~ذكرهم لبيان حكم الله بينهم وبين غيرهم يوم القيامة في قوله تعالى: (إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن ~~الله يفصل بينهم يوم القيامة) (2). # ولما كان معلوما أن اليوم الآخر هو يوم القيامة، ولا يؤمن بيوم القيامة ~~إلا أتباع الأنبياء، إذ من لم يتبع الأنبياء من الصابئين وغيرهم إنما يؤمن ~~من المعاد بمعاد الأرواح فقط، كما يؤمن به المجوس وبعض المشركين، وذلك ليس ~~هو اليوم الآخر علم أن من اهتدى من الصابئين فإنما اهتدى باتباع الأنبياء. # فتبين أن كل هدى حصل به سعادة الآخرة فهو باتباع الأنبياء، وأن كل عذاب ~~استحق في الدار الآخرة فهو بالإعراض عما جاءوا به، ومن لم تبلغه دعوتهم فقد ~~ورد أنه يكلف في الدار الآخرة، وليس غرضنا ذكر ذلك. # ويبين ما قدمناه أن من استقرأ أخبار الأمم -علمائها وعوامها- PageV05P055 ### || CHECK - علوم بني آدم نوعان: نوع يختص الله به من يشاء، ونوع مشترك # لم يجد أحدا متمسكا بتوحيد الله وعبادته وحده لا شريك له إلا من كان ~~متبعا للأنبياء جملة وتفصيلا، ومن أعرض عن الأنبياء فلابد أن يشرك، حتى ~~المنافقين من هذه الأمة لا يجد من أعرض عن اتباع حقيقة الدين في الباطن إلا ~~ولابد أن يشرك، إلا ما شاء الله. وأن اتباع الوحي لابد فيه من فطرة بها ~~يعقل ويفقه، وأن الهدى متوقف على صلاح الفطرة والشرعة، فلذلك عمد الشيطان ~~من بني آدم، فاجتالهم تارة عن الفطرة، وزين لهم تارة تحريف الشرعة، وغرهم ~~عن الفطرة الصحيحة السليمة بالقياس الفاسد الذي قد يسمونه معقولا وإن لم ~~يكن، وعن الوحي المنزل بالتحريف الذي يسمونه تأويلا وإن كان فاسدا. # وذلك أن العلوم لبني آدم نوعان: # نوع يختص الله به من يشاء من عباده، كما يوحيه إلى الأنبياء. ونوع مشترك، ~~ينال بالتعاطي، ms0786 كالعلوم النظرية الحساب ونحوه. # وكل واحد من المختص والمشترك منه ما يحصل في القلب بواسطة دليل، ومنه ما ~~يحصل لا بواسطة دليل، كالعلوم المشتركة التي لا تقف على دليل كالبديهية ~~والحسية، والتي تفتقر إلى دليل هي النظرية. والمختصة التي تقف على دليل قد ~~يكون دليلها أيضا مختصا، وقد لا يكون مختصا، وإنما درك العلم به هو المختص. # وأما المختصة التي لا تقف على دليل فهو ما يوحيه الله إلى قلب من يشاء من ~~عباده بلا دليل أصلا، بل تكون للخاصة بمنزلة البديهية للعامة. PageV05P056 ### || CHECK - اعتماد المتكلمين على القياس وضعف علمهم بالآثار ### || CHECK - زعمهم انحصار العلم في القياس ### || CHECK - النبوة عند الفلاسفة كمال علمي وعملي مكتسب # وزعم فريق من المتفلسفة أن علوم الأنبياء المختصة لابد لها من وسط، وإنما ~~خاصتهم درك وسط لا يدركه غيرهم، وأن الحدس هو درك الوسط، ثم الانتقال منه ~~إلى المطلوب، بخلاف التفكر فإنه تصور المطلوب أولا ثم طلب الوسط. # وهؤلاء بنوا هذا على أصلهم الفاسد في أن النبوة كمال علمي وعملي من جنس ~~كمال النوع المكتسب، لكنه أرفع درجاته، وأن النبوة ليست خارجة على القوى ~~المعتادة، ولاهي تنزيلا خاصا من عند الله إلى من يختصه بمشيئته. ولم يعلموا ~~أن لا مانع من أن يكون للنبي علم بديهي مختص لا يقف على دليل أصلا، بل هذا ~~يكون لغير النبي ككثير من الأولياء، فكيف بما يكلم الله به النبي أو ينزل ~~به إليه الملك؟ # ثم هؤلاء يزعمون انحصار العلم في القياس، ولعمري إن القياس لطريق صحيح ~~إذا استعمل على وجهه، لكن لم تنحصر طرق العلم فيه، فوقع عليهم من استعماله ~~حيث لا يمشي ومن نفي ما سواه وهو الحق (1). # ثم إن كثيرا من متكلمي أمتنا وغيرهم من أتباع الأنبياء أقروا بطريق ~~القياس، لكن شركوهم في القياس الفاسد، فصار القياس طريقا لهم في كثير من ~~العلم الإلهي، وضعف علمهم وإيمانهم بآثار المرسلين، فقابلوها إما بالرد ~~والتكذيب، وإما بالتحريف والتأويل، PageV05P057 ### || CHECK - المقصود بالقياس # معتمدين -زعموا- على ما أوجبه ذلك القياس العقلي. ms0787 وبإحكام دلالات الوحي ~~والقياس يبين الحق من الباطل. # ولست أعني بالقياس هنا مجرد قياس التمثيل الذي هو تشبيه أمر معين بأمر ~~معين إما بجامع وإما بغير جامع، وإن كان كثير من فقهائنا يزعم أن هذا هو ~~القياس، وأن ما سواه قياس مجازا؛ ولا مجرد قياس التأصيل الذي هو إدراج ~~الخاص [تحت] العام، كقولنا: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، وإن كان طائفة من ~~متكلمينا وفقهائنا يزعم أن هذا هو القياس، وأن ما سواه باطل. بل أعني به ما ~~هو أعم من ذلك على ما تقتضيه اللغة، فإن جميع هذا قياس. وتسمية الأول قياسا ~~ظاهر، إذ القياس تقدير الشيء بنظيره، كما يقال: قست الجراحة بالميل، وقست ~~الأرض أو الثوب بالذراع. وأما الثاني فلأن الخاص إذا أدرجته تحت المعنى ~~العام فلا بد أن يقوم في ذهنك عام مطابق لتلك الأعيان الموجودة وأنت تطلب ~~مماثلة تلك الأعيان الموجودة بذلك المثال المعلوم القائم في قلبك الذي هو ~~مقياس تلك الأعيان، وهو عام باعتبار شموله لكل منها. # وهذا العلم هو من لوازم الإنسان وبه [تدرك] العلوم العامة الكلية، فإذا ~~لا يمكنك هذا القياس إلا بهذا العلم العام الكلي، والشأن كل الشأن في حصول ~~هذا العلم الكلي العام، فإن المعلوم إذا لم يكن له نظائر يرتسم بمعرفة ~~الواحد منها مثال في الذهن يوزن به سائرها، ولا كانت حقيقته مما يمكن أن ~~تتعدد، حتى يأخذها العقل كلية، وإن لم تكن في الوجود متعددة، بل كانت ~~حقيقته لا متعددة ولا قابلة للتعدد، بل هو الأحد الذي لا أحد غيره، كيف ~~يمكن أن يعلم PageV05P058 ### || CHECK - خواص الرب سبحانه لا تعلم بالقياس العقلي # هذا الذات بالقياس العقلي أبدا؟ ولهذا قال ابن عباس...... (1) # فتبين أن خواص الرب سبحانه لا تعلم بالقياس الكلي الذي يسميه المتكلمون ~~الدليل العقلي. بل قد تعلم بالقياس الأمور المشتركة بينه وبين غيره، ~~لدخولها تحت القياس. ولهذا كان عامة ما يدركه أهل القياس من معرفة الأمور ~~السلبية أو الإضافية أو المشتركة منهما، لأن نفي الأمر عنه هو حكم ms0788 على ذلك ~~الأمر بالعدم، وذلك الأمر المعدوم يدخل تحت القياس الكلي، وكذلك إضافة أمر ~~إليه هي حكم على ذلك المضاف باستلزام الإضافة إلى أمر ما، وذلك المضاف يدخل ~~تحت القياس والأمر بالمعدومات، وأما علم [الصفات] التي هي خواصه فتعلم تارة ~~بالفطرة العامة المشتركة بين الخلق، وتارة بالهداية الخاصة التي يمتاز بها ~~المؤمنون، وتارة بالتعريف الخاص الذي يختص به علماء المؤمنين، وتارة بالوحي ~~الذي يمتاز به الأنبياء، وكل من هذه الأقسام فأهله فيه على درجات غير ~~محصورة لنا. # فهذا أصل ينبغي ضبطه. # وأما الوحي فكتاب الله ثم سنة رسوله، ثم سيرة خير قرون هذه الأمة تشهد ~~بأن الله ورسوله بين وهدى وشفى، وأنه بلغ البلاغ المبين، وبين باللسان ~~العربي المبين، وأنه لم يحل الخلق على غيره في هذا الباب، ولا وكلهم إلى ~~القياس الذي لا يجدي كما تقدم، بل تولى بيان ما تحتاج إليه الأمة. وهذه ~~جملة سيأتي -إن شاء الله- تفصيلها. PageV05P059 ### || CHECK - مذاهب الناس في التوفيق بين القياس والوحي # ثم لما كان للقياس على العقول سلطان عظيم إذا لم يهتد إلى مواقفه ~~ومجاريه، وللوحي في القلوب برهان عظيم لعلمها بما اشتمل عليه، ورأى أكثر ~~الخلق أن بين مقتضى القياس والوحي تعارضا بينا وتنافيا واضحا، تحزب الناس ~~هنا فرقا: # فريق غلب عليهم معرفة القياس دون الأثارة (1)، فاتبعوا موجبه، ثم ردوا ما ~~بلغهم من الأثارة أو تأولوها. # وفريق غلب عليهم معرفة الأثارة، ورأوا للقياس وأهله سلطانا عظيما، ~~فأحجموا عن النظر فيه ومفاوضة أهله، صونا لأبصارهم من العمى ولقلوبهم من ~~الحيرة. وهؤلاء أحسن حالا، بل هم على نهج سلامة. # وفريق أعرضوا عن تدبر هذا والنظر في هذا، وشغلوا نفوسهم بغير هذا. # وفريق قوي إيمانهم بالأثارة، وأحسوا بسوء حال أهل القياس، فذموهم وعابوهم ~~على طريق الإجمال، وإن لم يستطيعوا فك أقيادهم ولاتذليل قيادهم، وهذه حال ~~كثير من علماء الأثارة، وهي حال حسنة، وإن كان قد ترتب عليها الجور أحيانا، ~~لكن من كان [من] هؤلاء سببا لدلالة الأثارة نافيا عنها تحريف المخالفين كان ~~من علماء الدين، ms0789 وإن كان دفعه للمعارض إجماليا. PageV05P060 ### || CHECK - منهج أصحاب الآثار # وفريق فوق هؤلاء، آمنوا بالأثارة، ثم أوتوا من الهداية الخاصة ما علموا ~~به فساد القياس تفصيلا، فزالت عنهم المعارضات بالكلية، ومنهم من يرفع إلى ~~هداية يدرك بها حقيقة بعض ما جاءت به الآثار، فيكون ذلك مثبتا لفؤاده. # ثم هذه الطرق قد تنفصل في المسائل، فكثير من أرباب القياس قد خلص إليه من ~~الأثارة ما لا يمكن دفعه، فكان حكمه في ذلك حكم أرباب الأثارة في غيره، ~~فربما أخذ يؤيد بالقياس ما جاءت به الأثارة، وإن كان لولا مجيء الأثارة لم ~~يطمئن إلى موجب القياس. # وقوم منهم ضعف علمهم أو إيمانهم بالأثارة حتى نأوا عن الهدى، ثم عظم قدر ~~الأنبياء في قلوبهم بكمال التخيل في دعوة الخلق بضروب الاستعارات وأنواع ~~الإشارات. ولا يشك لبيب أن الموغلين في القياس إذا طرق سمعهم جمهور ما جاءت ~~به الأثارة بقوا متحيرين كما يخبرون به عن نفوسهم، فإن القياس أيضا يقضي ~~باستحالة اجتماع هذه الأثارة وهذا القياس، فصار القياس يقضي بفساد القياس. # وأما جمهور أرباب الأثارة فسوطيهم (1) بالقياس وأهله يرد عليهم، ثم كثير ~~ما يسمعونه من اعتراف أهل القياس المخالفين لهم بالحيرة والتردد، وما ~~يسمعونه عنهم ومنهم من الخصام والتلدد، وما يقترن به من شهادة عموم الأمة ~~التي لا تشهد إلا بحق، وما يخبر به أهل PageV05P061 ### || CHECK - قول المؤلف في حكاية المناظرة # البر والتقوى الذي أشربت القلوب لهم خالص المودة من سوء حال هذا وحسن حال ~~هؤلاء، وما يرى ويسمع من البشرى التي وعد الله بها أولياءه في الحياة ~~الدنيا من المبشرات المنامية ولسان الصدق المنشور، وغير ذلك من الأسباب ~~الكثيرة التي توجب رجحان موازينهم وخفة موازين مخالفيهم، صارت تثبت أفئدتهم ~~وتزيد إيمانهم وتدفع عنهم شؤم المعارضات. # والأمر كما أصف وفوق ما أصف، وكان حصل عندي من هذا ما حصل، فاجتمع لي من ~~مدة عشر سنين أو قريب منها أو أكثر من قال لي، فلما كان في هذه الأوقات حدث ~~من الأسباب ما اقتضى أن وقف ms0790 على حكاية هذه المناظرة أحد الفضلاء المبرزين ~~والنبلاء المتبحرين، عين أعيان المناظرين وفرسان المتكلمين ومن تتبين ~~الفوائد بمذاكرته وتستفاد المقاصد بمناظرته، فعلق عليها من الأسولة ما ~~التمس حلها، ومن المباحث ما اقتضى فرعها وأصلها...... (1) # قلت في حكاية المناظرة (2): "قال لي بعض الناس: إذا أردنا أن نسلك سبيل ~~السلامة والسكوت، وهي الطريق التي تصلح عليها العامة، قلنا كما قال الشافعي ~~رضي الله عنه: آمنت بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله ~~وما جاء عن رسول [الله] على مراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وإذا ~~سلكنا طريق البحث والتحقيق فإن الحق مذهب من يتأول آيات الصفات وأحاديث ~~الصفات من المتكلمين. PageV05P062 ### || CHECK - اعتراض أحد المتكلمين على كلام المؤلف من ثلاثة أوجه # فقلت له: أما ما قاله الشافعي فإنه حق يجب على كل مسلم أن يقوله ويعتقده، ~~ومن اعتقده ولم يأت بقول يناقضه فإنه سالك سبيل السلامة في الدنيا والآخرة. ~~وأما إذا بحث الإنسان وفحص وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي يخالفون ~~به أهل الحديث كله باطلا، وتيقن أن الحق مع أهل الحديث ظاهرا وباطنا. ~~فاستعظم ذلك وقال... (1). # قال الفاضل الباحث على قولنا "إذا بحث الإنسان وفحص وجد # ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي يخالفون به أهل الحديث باطلا": ~~الكلام على [هذا] من ثلاثة أوجه: # أحدها: القول الموجب، فإن المخالفة القول بما يخالف قولهم ويناقضه، لا ~~القول بما لم يصرحوا بنفيه ولا بإثباته، ولا أسلم أن المعتبرين من المحدثين ~~منعوا تأويل المعتبرين من المتكلمين، فإن نقل ما ظاهره ذلك حملناه على ~~التأويل بغير دليل أو على غير القواعد العلمية، توفيقا بين العلماء وصيانة ~~لهم عن تخطئة بعضهم. وبالجملة فلا أسلم أن معتبرا حزم تأويلا يشهد العقل ~~بصحته عند الحاجة إليه، لعالم متبحر لا يرضى بأسر التقليد، ولا يرى أن ~~يستعمل في كتب الحقائق نور الحقائق الذي هو من أجل نعم الله على العباد. # فإن قيل: فقد اشتهر النهي عن الكلام في التأويل. PageV05P063 ### || CHECK - القول بالموجب يرد على الأدلة ms0791 دون الدعاوي ### || CHECK - المقام الأول: في بيان أن هذه الأسئلة ليست واردة ### || CHECK - جواب المؤلف عليه في مقامين # قلت: لعل ذلك للعوام، أو على طريق الورع لا التحريم، لم قلتم إن الأمر ~~ليس كذلك؟ # والوجه الثاني: لو سلمنا أن بعضهم حرم ذلك، فهل نقل التحريم عن نص الله ~~أو عن نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو عن إجماع الأمة؟ فإن الحجة ~~ليست في قول البعض، لاسيما إذا خالفوا البعض الآخر. # الوجه الثالث: أنا ننقل عنهم الإجماع على التأويل في بعض المواضع على ما ~~سيأتي، ونطالب بالفرق. # والجواب -ولا حول ولا قوة إلا بالله- من مقامين: # المقام الأول: في بيان أن هذه الأسولة هل هي متوجهة واردة يجب الجواب ~~عنها أم لا؟ # والثاني: في التبرع بالجواب بتقدير عدم وجوبه. # أما المقام الأول # فيمكن أن يقال: نحن نطالبكم بتوجيه هذه الأسولة، فإنه ليس منها شيء ~~واردا، فضلا عن أن يستوجب جوابا. # أما القول بالموجب فعليه أولا مناقشة معروفة، وهو أن القول بالموجب إنما ~~يرد على الأدلة دون الدعاوي، فإن الدليل الصحيح يجب القول بموجبه، ولهذا ~~قيل: إن القول بالموجب سؤال يرد على كل دليل. لكن المعترض يدعي أنه يقول ~~بموجب دليل المستدل من غير التزام لدعواه، ببيان عدم دلالته على محل ~~النزاع، PageV05P064 ### || CHECK - ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي يخالف أهل الحديث باطل # وحاصله أنه يمنع دلالة الدليل على محل النزاع، ويضيف إلى ذلك أنه قائل ~~بموجبه، وموجبه غير محل النزاع، فالقول بالموجب إبداء لسند المنع. # أما الدعوى قبل ذكر دليلها، فإذا قيل بموجبها، بأن كان قولا بموجب قصد ~~المدعي، فهو موافقة في المسألة وليس باعتراض، فإن من قال: لا يقتل مؤمن ~~بكافر، فقيل له: تقول بموجب هذا؟ # أي تقول بما قصدته بهذه العبارة، كان هذا وفاقا لا سؤالا، وإن كان قولا ~~بموجب لفظه لا يوجب معناه، بأن يكون اللفظ مشتركا أو مجملا ونحو ذلك، فيقال ~~بموجبه الذي لم يقصده المدعي، مثل أن يقال فيما إذا ادعى لا يقتل مؤمن ~~بكافر: ms0792 تقول بموجبه في الحربي والمستأمن؟ كان هذا كلاما قليل الفائدة، ولم ~~يعد من الأسولة الواردة، بل يعد من المناقشات اللفظية إن لم يكن ظاهر اللفظ ~~ينفي القول بالموجب. فإنه يقال له: لم تحرر الدعوى، بل ادعيت الذي ادعيت ~~بلفظ مجمل أو مبهم بخلاف مقصودك. فأما إن كان ظاهره ينفي القول بالموجب فلا ~~مناقشة فيه أصلا. ثم إذا توجهت المناقشة اللفظية من الناس من يترك مثل هذا ~~السؤال ويقول: هو خروج عن مقصود المسألة، والكلام فيها كأنه بمنزلة مناقشة ~~المتكلم على لفظ قد لحن فيه. ومنهم من يورده ويعده من ضبط آداب المناظرة، ~~والأمر في ذلك قريب. # أما مسألتنا فالدعوى محررة تمنع القول بالموجب إلا على سبيل الموافقة، ~~وعلى سبيل الموافقة لا يبقى نزاع، فإنا قلنا: "إذا بحث الإنسان وفحص وجد ما ~~يقوله المتكلمون من التأويل الذي يخالفون PageV05P065 # به أهل الحديث كله باطلا، وتيقن الحق مع أهل الحديث ظاهرا وباطنا". ~~والمخالفة لا تكون إلا بما يخالف قولهم ويناقضه، فنصير مدعين أن قول ~~المتكلمين الذي يناقض قول أهل الحديث قول باطل، كما لو قلنا: إن قول ~~المتكلمين الذي يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع أو المعقول قول باطل. ~~وهذا ليس بدليل حتى يكون القول بموجبه سؤالا جاء في دلالته، وإنما هي دعوى، ~~فإما أن نوافق عليها أو نخالف، فإن خولفنا فالسؤال على الدليل الآتي، وإن ~~ووفقنا فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. # يبقى أن يقال: فهل للمتكلمين قول يخالف قول أهل الحديث، بحيث يكون الكلام ~~في وجوده؟ أم هو كلام على هذه الحقيقة مع قطع النظر على وجودها وعدمها؟ ولا ~~شك أن مرادنا هو القسم الأول، وإن كان تفسير اللفظ بالثاني ممكنا، بأن ~~نقول: إن كان للمتكلمين قول مخالف لأهل الحديث فهو باطل، وإلا فلا نص. # ومثل هذا السؤال إذا قيل: كل قول للفلاسفة يخالف الأنبياء فهو باطل، فإن ~~المتفلسف المتأول يزعم أن الفلاسفة موافقون الأنبياء لا مخالفون، وإنما ~~يعتقد مخالفتهم لهم عوام أهل الملل ومتكلمو أهل الجدل، فإذا قال: أنا قائل ms0793 ~~بموجب قولكم لم يكن هذا سؤالا، لكن إن فهم من المتكلم دعوى وجود المخالفة ~~فله أن يطالب بتعيينها. # ومع هذه المناقشة فتسمية مثل هذا الكلام قولا بالموجب لا تأباه اللغة ~~العربية، بل تساعد عليه، وقد يستعمله الناس في مناظراتهم، فإن السائل يقول: ~~ما أوجبته بدعواك من بطلان أحد القولين المتناقضين PageV05P066 # أنا أقول به، لكن لم توجد المناقضة بين القولين، فكأنك تدعي بطلان ما لا ~~وجود له، وأنا قائل بموجب عبارتك لا بموجب إرادتك. وأنت تحكم على أهل ~~الكلام بمخالفة أهل الحديث، وهذا لم يوجد. لكن إذا قال السائل هذا قال له ~~المدعي: أنت كما قد وافقتني على مدعاي، فإن لفظي إما أن يعني نوعا أو عينا، ~~إن عني به النوع فليس من ضرورة الحكم على النوع وجوده في الخارج، بل قد ~~يقول: [من] كذب بسورة يس أو جحد بشيء من القرآن فهو كافر، إن لم يعلم وجود ذلك. # وإن عني به العين كان التقدير: هذا التأويل المعين الذي يخالف أهل الكلام ~~[فيه] أهل الحديث تأويل باطل، فإذا قيل بموجب هذا كان موافقة في بطلان ~~التأويل المعين، ثم تبقى المنازعة في تسميته خلافا لأهل الحديث. ومعلوم أن ~~هذا ثلم للمسألة ونزاع في نفيها. # فحاصله أن القول بالموجب تسليم للمسألة إن عني بها النوع وتنازع في ~~وجودها، أو تسليم لعينها ونزاع في صفتها، فإن كان الأول فهو نزاع فيما لم ~~يدل عليه اللفظ، وإن كان الثاني فهو تسليم للمسألة، ولا يضر بعد ذلك النزاع ~~في اسمها. # وتحرير السؤال أن يقال: لا نسلم أن أهل الكلام خالفوا أهل الحديث، فإنهم ~~لو خالفوهم لقلنا: الصواب مع أهل الحديث، وهو أن القول بالموجب على تقدير ~~ثبوت المخالفة تسليم للمسألة بتقدير وجودها، وقد منع ذلك في السؤال بقوله: ~~لو سلمنا أن بعضهم حرم ذلك فهل نقل التحريم عن الله أو رسوله أو أهل ~~الإجماع، ومن سلم الحكم لم يكن له أن يطالب بالدليل، لأنه منع بعد تسليم، ~~وهو غير مقبول. PageV05P067 ### || CHECK - أمهات المسائل التي خالف فيها ms0794 المتكلمون أهل الحديث ثلاث # وأما السؤال الثالث -وهو نقل الإجماع على بعض التأويلات- فلا يرد أيضا، ~~لأن ذلك إن صح لم يدخل في الدعوى، لأنا قلنا: تأويل المتكلمين المخالف لأهل ~~الحديث باطل، وما أجمعوا عليه ليس من هذا الباب. نعم، يبقى هذا من باب ~~المعارضة لأهل الحديث، وهي أن يقال: كيف تبطلون بعض التأويلات وتصححون البعض؟ # والمعارضة لا تورد عند الدعوى، وإنما تورد بعد الأدلة. # وأيضا مما يبين عدم ورود هذه الأسولة: السؤال الأول، وهو منع الاختلاف ~~بين أهل الحديث وأهل الكلام في التأويل، فإن المناظرة كانت مع من يدعي أن ~~الحق مع أهل التأويل دون من خالفهم، فإن لم يكن لهذا وجود كان ردا على من ~~نصر أهل الكلام المخالفين لأهل الحديث، لا على من نصر أهل الحديث. # وأيضا فإنه عقب هذا الكلام قد قلنا (1): "إن أمهات المسائل التي خالف ~~فيها متأخرو المتكلمين لأهل الحديث ثلاث: مسألة وصف الله بالعلو، ومسألة ~~القرآن، ومسألة تأويل الصفات". وهذا تعيين لهذه المسائل الثلاثة المختلف ~~فيها، والخلاف في هذه المسائل أشهر من أن يحتاج إلى نقل. # فإن قيل. لا نسلم أن أحدا خالف أحدا في هذه المسائل، بل كل تأويل فيها ~~للمتكلمين فإن أهل الحديث لم ينفوه، بل سكتوا عنه. PageV05P068 ### || CHECK - نحن لم نقل: إن كل تأويل باطل حتى ينقض علينا بصورة # قيل: النقل المتواتر والعلم الاضطراري وما مهدته الكتب المصنفة دليل على ~~وقوع الخلاف في أعيان هذه المسائل وأدلتها السمعية. # وأيضا فإن الفاضل المباحث -أيده الله- قد حكى في مباحثه هذه عن القاضي ~~عياض (1): "أما من قال منهم بإثبات جهة "فوق" له تعالى من غير تحديد ولا ~~تكييف من دهماء المحدثين والفقهاء وبعض المتكلمين منهم فيتأول "في السماء" ~~بمعنى على، وأما دهماء النظار والمتكلمين وأصحاب الإثبات [والتنزيه] ~~المحيلين أن يختص به جهة أو يحيط به حد، فلهم فيه تأويلات بحسب مقتضاها". # ومعلوم بأن هذا تصريح بأن لهؤلاء النفاة تأويلات يخالف فيها المثبتون ~~لكونه فوق العرش، وهذه التأويلات مما قضينا بإبطالها، فكيف يتوجه مع هذا ms0795 أن ~~يقال: ليس للمتكلمين تأويل يخالفون به أهل الحديث؟ # ونحن لم نقل: إن كل تأويل باطل، حتى ينقض علينا بصورة، بل قلنا: كل تأويل ~~للمتكلمين يخالفهم فيه أهل الحديث فهو باطل. # ومعلوم أن هذا تكفي فيه صورة واحدة، وهذه صورة قد سلمتموها وحكيتموها. # وهب أنهم أجمعوا على تأويلها -وإن كنا سنتكلم على هذا إن شاء الله- لكن ~~مضمون هذه العبارة أن التأويل الذي أثبته المتكلمون ونفاه أهل الحديث باطل. PageV05P069 ### || CHECK - المراد بالتعطيل ### || CHECK - مذهب السلف وأهل الحديث أنها تصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل # وأيضا فقد قلنا في عقب هذا (1): "إن مذهب السلف وأهل الحديث أنها تصان عن ~~تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل". وقلتم: هذا حق صريح وحكم ~~صحيح، فهذا التأويل الذي يفضي إلى التعطيل معلوم أنه قد وجد، فإن كثيرا من ~~المتأولين ينفي الصفات كلها وأحكامها، وبعضهم يثبت أحكامها، وبعضهم يثبت ~~أحوالها، وبعضهم يثبت بعضها دون بعض، فهؤلاء معطلة الصفات أو بعضها، وأهل ~~الحديث يخالفونهم في هذا. # ولم نرد بالتعطيل تعطيل اللفظ عن معنى، فإن التأويل لا يتصور أن يفضي إلى ~~هذا التعطيل، لأن المتأول لابد أن يحمله على معنى ما، فلا يكون قد عطله عن ~~جميع المعاني، وإنما عطل الصفة التي دل عليها النص، وعطله عن معناه المفضول ~~المفهوم. ومعلوم أن التأويل المفضي إلى هذا التعطيل قد وقع فيه كثير من ~~المتكلمين نفاة الصفات أو بعضها، ومعلوم أن هذا التأويل ينكره أهل الحديث، ~~وكل من وافقهم من المتكلمين على إثبات صفة فإنه ينكر التأويل الذي يفضي إلى ~~تعطيلها. فكيف يصح بعد هذا أن يقال بالموجب إلا بالموافقة؟ # نعم، لو قيل: بعض هذه التأويلات التي ينفونها نقول بصحتها، لكان هذا ~~سؤالا متوجها، وهو غير السؤال المذكور، ومع هذا فليس هذا موضعه، وإنما ~~موضعه الأدلة. PageV05P070 # ثم إنا قد فرضنا بأن الدعوى عامة، وإنما أقمنا الدليل على بطلان التأويل ~~في صفة اليد، وهي بعض صورة الخلاف، لأن هذا حكاية مناظرة جرت، وكان الكلام ~~في صفة اليد نموذجا يحتذى عليه ms0796 غيره من الكلام في غيرها. # وأيضا فإنا قلنا: "إذا بحث الإنسان وجد ما يقول المتكلمون من التأويل ~~الذي يخالفون به أهل الحديث كله باطلا". فكان موجبه القول بالموجب: إنا لا ~~نسلم أن المعتبرين من المحدثين منعوا تأويل المعتبرين من المتكلمين، وليس ~~هذا المنع مطابقا للدعوى، فإنا لم نقل: إن تأويل المعتبرين من المتكلمين ~~الذين يخالفون به المعتبرين من المحدثين باطل، وإنما قلنا: "تأويل ~~المتكلمين المخالف"، ومعلوم أن المتكلمين اسم عام، فتأويلهم المخالف لأهل ~~الحديث يدخل فيه تأويل كل متكلم من الجهمية والنجارية والمعتزلة، بل ومن ~~الفلاسفة والقرامطة الباطنية والإسماعيلية، فما الذي أوجب أن يحمل هذا ~~اللفظ العام على تأويل خاص من تأويلات المتكلمين؟ # من غير أن يكون في اللفظ ما يدل عليه، بل تمام الكلام يصرح بالعموم حيث ~~قلنا: "أمهات المسائل التي خالف فيها متأخرو المتكلمين -ممن ينتحل مذهب ~~الأشعري- لأهل الحديث ثلاثة". # فهذا يدل على أن المتقدمين من المتكلمين خالفوا أهل الحديث في أكثر من ~~ذلك، وهذا هو الواقع، فكيف يكون المنع المتوجه "لا نسلم أن معتبري ~~المتكلمين خالفوا معتبري أهل الحديث"؟ وهل هذا إلا بمنزلة أن يقال: ما خالف ~~به الفلاسفة الأنبياء فهو باطل، فيقال: لا نسلم أن فضلاء الفلاسفة خالفوا ~~الأنبياء؛ أو يقال: ما خالف به PageV05P071 ### || CHECK - المتكلمون أنواع مختلفة، وكل منهم يرد على الآخر تأويلاته ### || CHECK - رد المؤلف عليه ### || CHECK - قول المعترض: "لا أسلم أن المعتبرين من المحدثين منعوا تأويل المعتبرين من المتكلمين" # المتكلمون للكتاب والسنة فهو باطل، فيقال: لا نسلم أن معتبريهم خالفوا ~~الكتاب والسنة؛ أو يقال: ما خالف فيه بنو آدم للأنبياء فهو ضلال، فيقال: لا ~~نسلم أن معتبري الآدميين خالفوا الأنبياء؛ أو يقال: كفار مكة من قريش ~~والعرب في النار، فيقال: لا نسلم أن المعتبرين من أهل مكة أو قريش والعرب كفروا. # وأيضا فقولكم -أحسن الله إليكم-: "لا أسلم أن المعتبرين من المحدثين ~~منعوا تأويل المعتبرين من المتكلمين"، أما الذين تعنون بالمعتبرين من ~~المتكلمين لا يخلو: إما أن تريدوا بالمعتبرين ناسا معينين أو موصوفين، ms0797 فإن ~~أردتم ناسا معينين فاذكروا من شئتم من جميع أعيان المتكلمين، حتى أذكر لكم ~~أن أقواما من أعيان المتكلمين ردوا عليه تلك التأويلات وأبطلوها، فضلا عن ~~أهل الحديث. بل سموا من شئتم، حتى أبين أنه نفسه يرد بنفسه على نفسه، وأنه ~~يتأول التأويل في كتاب، ثم يمنعه أو يبطله في كتاب آخر، وربما فعل ذلك في ~~المصنف الواحد. # وإن أردتم بالمعتبرين موصوفين، مثل أن يقال: المعتبر من له بصر ثاقب وعلم ~~بما يجوز ويجب ويمتنع على الله وما يسوغ في لسان العرب، حتى يتأول بعقله ~~وعلمه ومعرفته بالمعقولات والمسموعات تأويلا سائغا= فهذا أوسع عليكم من ~~الأول، فإن المتكلمين أنواع مختلفة، وكل منهم يرد على الآخر تأويلاته ~~ويبطلها ويحرمها عليه، بل كثير منهم يكفر الآخر ببعض تلك التأويلات، حتى إن ~~التلميذ منهم يكفر أستاذه. PageV05P072 ### || CHECK - أمثلة على ذلك # وأهل الحديث موافقون لهم جميعهم في إنكار تلك التأويلات لا في إثبات شيء منها: # فنفاة الرؤية من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة يتأولون النصوص فيها تارة ~~برؤية أفعال الله، وتارة برؤية القلب الذي هو زيادة العلم، ومثبتو الرؤية ~~من أهل الحديث والكلام يردون ذلك وينكرونه. # ومنكرو الكلام الحقيقي يتأولون "قال الله ويقول" بمعنى أنه أحدث في غيره ~~كلاما خاطب به عباده، ومثبتو الكلام الحقيقي من أهل الحديث والكلام يبطلون ~~هذا التأويل ويحرمونه. # ونفاة الصفات يتأولون (أنزله بعلمه) (1) و (ذو القوة) (2) والسمع والبصر ~~ونحو ذلك، ومثبتو الصفات من أهل الحديث والكلام ينكر [ون] هذه التأويلات. ~~بل الأشعرية المتمسكون بالقول الثاني -كالأشعري في "الإبانة"، والقاضي أبي ~~بكر ابن الباقلاني، وابن شاذان، وابن فورك وغيرهم- ينكرون على من يتأؤل صفة ~~اليد والوجه وغير ذلك، كما صرحوا به في كتبهم (3). # والمسلمون جميعا ينكرون على متكلمي الفلاسفة الذين يتأولون ما ورد في صفة ~~الملائكة والجن والجنة والنار والقيامة وحشر الأجساد. # وأهل الإثبات جميعا -أهل الحديث وأهل الكلام- ينكرون PageV05P073 # على القدرية الذين يتأولون آيات الإضلال والختم والطبع والإغواء ونحو ذلك ~~من نصوص القدر. # وأهل الحديث قاطبة مع من وافقهم من أهل الكلام ينكرون ms0798 على من يتأول ~~النصوص المدخلة للأعمال في الإيمان. # وجميع أهل القبلة إلا الوعيدية ينكرون على الخوارج والمعتزلة تأويلهم ~~نصوص الشفاعة. # والمسلمون جميعا ينكرون على القرامطة والباطنية والإسماعيلية وزنادقة ~~الفلاسفة وغلاة الصوفية تأويل نصوص الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات ~~والجنايات ونحو ذلك. # وأهل الحديث قاطبة والفقهاء والصوفية مع من اتبعهم من المتكلمين وجماهير ~~أهل القبلة ينكرون على المتكلمين والمتفلسفة الذين يتأولون نصوص الفوقية ~~والعلو. وكذلك ينكرون على الذين يتأولون نصوص الصفات بما سنذكره إن شاء الله. # وأهل القبلة جميعا محدثوهم وفقهاؤهم ومتكلموهم إلا الخوارج والمعتزلة ~~ينكرون تأويل هاتين الفرقتين النصوص المدخلة للعصاة في اسم الإيمان في ~~الجملة. # دع التأويلات المتعلقة بأصول الدين، هؤلاء الفقهاء لا يزال بعضهم يرد ~~تأويلات بعض ويبين فسادها قديما وحديثا، ويوافقهم على ذلك الرد أهل الحديث، ~~مع أن الفقهاء معتبرون، فكيف يقال: لا نسلم أن معتبرا رد تأويل معتبر، بل ~~مفسرو القرآن وشراح الحديث PageV05P074 ### || CHECK - المقصود بأهل الحديث عند المؤلف ### || CHECK - ما معنى "المعتبر" في قول المعترض؟ # لا يزال أهل الحديث وغيرهم يردون بعض تلك التفسيرات والتأويلات وينكرون، ~~وذلك أشهر وأكثر من أن يسطر. # ثم كل من هؤلاء الممنوع من ذلك التأويل المردود تأويله معتبر، بمعنى أنه ~~ذو ذهن ذكي وعلم واسع وفضيلة جيدة، بل كثير من هؤلاء المردود عليهم يعتقد ~~أتباعه فيه أنه أفضل من كثير من المعظمين عند غيره، فإن فسرت "المعتبر" ~~بأنه المهتدي أو الذي أجمع المسلمون على أمانته، فالجواب من وجوه: # أحدها: أنا لا نسلم أن تأويل مثل هذا لا يرد، بل تأويله الباطل يرد، كما ~~ترد فتواه الضعيفة وحديثه الذي غلط فيه. # الثاني: أن مثل هذا لا يدخل في مطلق اسم المتكلمين عندنا، كما يشهد به ~~استعمال لفظ المتكلمين. # الثالث: أن هذا منع لغير ما ذكر، فإنا قلنا: تأويل المتكلمين المخالف ~~لتأويل المحدثين باطل، فقيل: لا نسلم أن تأويل من [علم] هداه أو من استفاض ~~عند الأمة هداه باطل، ونحن ما ادعينا هذا قط، وما ذكرناه من هذا الكلام ~~إنما هو نزول ms0799 مع المخاطب، فإنه فهم من قولنا "أهل الحديث" المحدثين الذين ~~يروون الحديث أو يحفظونه، وهذا لا يدل عليه لفظنا ولم نعنه، فإن أهل الحديث ~~هم المنتسبون إليه اعتقادا وفقها وعملا، كما أن أهل القرآن كذلك، سواء رووا ~~الحديث أو لم يرووه، بحيث يدخل في مثل هذه العبارة اسم التابعين وتابعيهم، ~~كالفقهاء السبعة: سعيد بن المسيب وذويه، وعلقمة والأسود وطبقتهما، وعطاء ~~وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والنخعي PageV05P075 ### || CHECK - كل من تأول فتأول بدليل من عنده وعلى القواعد العلمية عنده # والزهري ومكحول ويحيى بن سعيد وأيوب السختياني وابن عون ويونس بن عبيد ~~ومالك والحمادين والسفيانين والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر بن ~~الحارث. # فإن قلتم: مرادنا لا نسلم أن المعتبرين من المحدثين حرموا على المتكلم ~~المعتبر أن يتأول، بمعنى أنهم لم يمنعوه من جنس التأويل، لا أنهم لم يمنعوه ~~من التأويل المعين، لكن سوغوا له أن يتأول، كما يسوغ للمفتي أن يفتي ~~وللقاضي أن يقضي، وإن كان يخالف في بعض أقضيته وفتاويه، كذلك المتأول قد ~~يخالف في بعض تأويلاته، وإن لم يكن ممنوعا من جنسها. # قلنا أولا: كلامكم يخالف هذا، لأنكم قلتم: إن نقل ما ظاهره المنع من ~~التأويل حملناه على التأويل بغير دليل أو على غير القواعد الكلية، ومعلوم ~~أن كل من تأول تأويلا من المشاهير وقد رده عليه غيره فإنما تأؤله بدليل من ~~عنده، وعلى القواعد العلمية عنده، بل يقيم الأدلة التي يزعم أنها قاطعة في ~~وجوب ذلك التأويل وامتناع الإقرار على الظاهر، مع مخالفة جماهير علماء ~~القبلة وقطعهم بأنه ضال أو مخطئ في تأويله، ولعل كثيرا منهم أو أكثرهم أو ~~كلهم قد يكفرونه بذلك التأويل، كما يكفرون نفاة حشر الأجساد، وإن تأولوا ما ~~جاءت به الرسل لأدلة ادعوها وعلى قواعد وضعوها. # وأعجب من هذا -ولا عجب- قولكم: "توفيقا بين العلماء وصيانة لهم من تخطئه ~~بعضهم"، فهل إلى هذا من سبيل؟ وقد علم بالاضطرار اختلاف أهل القبلة في كثير ~~من تأويل الآيات والأحاديث: هل تصرف عن ظاهرها أم تقر على ms0800 ظاهرها؟ وإذا ~~صرفت فهل تصرف PageV05P076 # إلى كذا أم إلى كذا؟ بل الكتب والنقول مشحونة بتكفير بعض المتأولين فضلا ~~عن تخطئته. وأما تخطئة بعض المتأولين فهذا أمر معلوم بالاضطرار في الأصول ~~والفروع والتفسير والحديث والشعر واللغة وغير ذلك، بل عامة الاختلاف بين ~~أهل القبلة إنما هو من تخطئة بعضهم في فهمه للكتاب والسنة وتأويلهما على ~~وجه يخالفه فيه الباقون. # فإن قلتم: كل من تأول بدليل على القواعد سوغناه له، وإن كان قد يخطئ. # قلنا: فيكون تأويل الجهمية والقدرية والخوارج والروافض والوعيدية ~~والباطنية والفلاسفة كلها سائغة وإن كانت خطأ، وهذا مما علم بالإجماع ~~القديم بل بالاضطرار من دين الإسلام أن جميع هذه التأويلات ليست سائغة، بل ~~تسويغ جميع هذه التأويلات على خلاف إجماع هذه الفرق كلها، فإن جميع فرق ~~الأمة لا يسوغ جميع التأويلات. # وقلنا ثانيا: فنحن إنما قلنا: "تأويل المتكلمين الذي يخالفون # به أهل الحديث باطل"، وهذا تأويل موصوف، ولا يلزم من بطلان النوع المقيد ~~بطلان الجنس المطلق، فإذا أبطلنا التأويل المخالف لأهل الحديث [لا] يلزمنا ~~أن نمنع كل تأويل في الدنيا، وأن نحرم على كل معتبر أن يتأول تأويلا لا ~~يخالف أهل الحديث...... (1). PageV05P077 ### || CHECK - إذا أراد المعترض بالمعتبرين صنفا من المتكلمين فالجواب عنه من وجوه ### || CHECK - من قال "كل مجتهد مصيب" لا يمكنه أن يقول: كل متأول مصيب # وقلنا ثالثا: نحن قلنا: "هذه التأويلات باطلة"، أما كونها سائغة أو محرمة ~~فهذا لم نتعرض له في هذا الكلام، فقولكم "إن المعتبرين لم يمنعوا المعتبرين ~~أن يتأولوا، وإن معتبرا لم يحرم التأويل الموصوف" كلام لا يمس كلامنا ولا ~~يقابله، بل هو أجنبي عنه غير متوجه، فلا يستوجب الجواب. نعم، إن ادعيتم أن ~~كل تأويل المتكلمين أو بعضه حق أو صواب فهذا نقيض قولنا، ففرق بين صحة ~~التأويل وفساده وبين حرمته وحليته، ألا ترى أن الفقهاء في تأويلهم نصوص ~~الأحكام يجوز لهم التأويل في الجملة، وإن كان كثير من تأويل بعضهم قد يظهر ~~أنه خطأ، كما يجوز للفقيه الاجتهاد في الفتيا والقضاء، وإن ms0801 كان قد يحكم ~~ببطلان بعض الفتاوى والأقضية. # على أن من قال: كل مجتهد مصيب، لا يمكنه أن يقول: كل متأؤل مصيب، فإن ~~المتأول يقول: الله أراد بهذه الآية كذا، والآخر يقول: لم يرد هذا، والنفي ~~والإثبات لا يجتمعان، اللهم إلا أن يقول قائل: إن الله أراد من زيد أن يفهم ~~هذا، وأراد من عمرو أن يفهم هذا، وهذا في الأمور الاعتقادية ما يكاد يقوله ~~إلا من يخالفه جمهور الناس، وإن كان قد قاله في العمليات طائفة من ~~المتكلمين. # فإن قلتم: أردنا بالمعتبرين من المتكلمين صنفا من الطوائف كالمتكلمين من ~~أصحاب الأشعري مثلا، أو كافة المعتزلة أو المتكلمين من الفقهاء ونحو ذلك. # فالجواب عنه من وجوه: # أحدها: أنه ما من واحد من هؤلاء إلا له تأويلات ينكرها عليه PageV05P078 ### || CHECK - أصحاب الأشعري ثلاثة أصناف في التأويل # بعض أصحابه مع أهل الحديث وغيرهم، بل من هؤلاء [من] هو نفسه يحرم التأويل ~~أو يبطله تارة، ويسيغه ويصححه أخرى لأصحاب الحديث. # أما المعتزلة فمن أكثر الناس في التأويل، وأهل الحديث وغيرهم من علماء ~~المسلمين ينكرون عليهم تأويلاتهم المخالفة لهم تحريما وإبطالا. # وأما أصحاب الأشعري فهم ثلاثة أصناف: # صنف يحرم تأويل الصفات السمعية المذكورة في القرآن كالوجه واليد والعين، ~~ويبطل ذلك. وهذا هو الذي ذكره الأشعري في "الإبانة"، حكاه عن أهل السنة ~~جميعهم، وهو الذي ذكره أبو بكر ابن الباقلاني أفضل أصحابه (1)، وأبو علي ~~ابن شاذان، وذكره أبو بكر ابن فورك في اليد وغيرها، وعليه الأشعرية ~~المتمسكون بالقول الثاني. # وصنف يحرم التأويل، ولا يتكلم في صحته ولا فساده. وهذا الذي ذكره أبو ~~المعالي الجويني في رسالته "النظامية" (2)، وهو قول أكثر المفوضة من ~~المتكلمين. # وصنف يبيحه للعلماء عند الحاجة، ومنهم من يبيحه مطلقا. # وهذا قول الجويني في "إرشاده" (3) وغيره، وجميع هؤلاء مختلفون في صحة بعض ~~التأويلات وفسادها. PageV05P079 # فهؤلاء -كما ترى- مختلفون في التأويل تحريما وجوازا، وصحة وفسادا. # وأما المعتزلة فهم وإن كانوا أكثر تأويلا فإنهم مختلفون في عامة ~~التأويلات صحة وفسادا، ومختلفون أيضا في جنس كثير من التأويل، ms0802 مثل اختلافهم ~~في نصوص عذاب القبر ونعيمه: هل تتأؤل أو تجرى على ظاهرها؛ وفي نصوص الصراط ~~والميزان والحوض: # هل تتأول أو لا تتأول، إلى غير ذلك. منهم من يبيح تأويل ذلك ويصححه، ~~ومنهم [من] يحرمه ويبطله. # وسأذكر إن شاء الله مذاهب الأمة في أجناس التأويلات، وإنما الغرض هنا أن ~~من تعصب لفرقة من أهل الكلام وجعلهم هم المعتبرين دون غيرهم، بحيث يبيح لهم ~~التأويل ويدعي أن أحدا من المعتبرين لم يحظره عليهم= لم يصح له ذلك؛ إذ ما ~~من طائفة إلا وقد حرم وأنكر عليها أنواع من التأويل. # الوجه الثاني: أن تعيين القائل طائفة دون غيرها وتسميتها بالمعتبرين لا ~~يخفى أنه نوع من التحكم والتعصب، فإن مجرد [قول] القائل: أنا معتزلي أو ~~أشعري، أو أنا من أهل الحديث أو من الفقهاء، أو إني حنفي أو مالكي أو شافعي ~~أو حنبلي، [لا] يصير به من المعتبرين عند الله ورسوله، بحيث يباح له في ~~الشرع بذلك ما كان محظورا، ويسوغ له من التأويل ما كان محجورا عليه. # الوجه الثالث: أنا قلنا: "تأويل أهل الكلام المخالف لأهل الحديث باطل"، ~~وذلك لا يوجب أن يكون تأويل طائفة معينة باطلا، PageV05P080 ### || CHECK - رد المؤلف عليه من وجوه ### || CHECK - قول المعترض: "فإن نقل ما ظاهره المنع حملناه على التأويل بغير دليل أو على غير القواعد العلمية" # ولا يوجب أن يكون تأويل معتبر باطلا، فلا يرد هذا علينا. # الوجه الرابع: أنا سننقل إن شاء الله من النقول الكثيرة ما يبين ما عليه ~~أهل الإسلام من إنكار التأويلات الصادرة عن كل طائفة من طوائف المتكلمين إن ~~شاء الله. # فهذا كله في عدم توجيه سؤال القول بالموجب الذي جعل سنده "لا نسلم أن ~~المعتبرين من المحدثين منعوا تأويل المعتبرين من المتكلمين". # قولكم: "فإن نقل ما ظاهره المنع حملناه على التأويل بغير دليل، أو على ~~غير القواعد العلمية، توفيقا بين العلماء وصيانة لهم عن تخطئة بعضهم" غير ~~وارد لوجوه: # أحدها: أن التأويل بغير دليل وبغير قواعد لا يبيحه ولا يسلكه أحد ms0803 من ~~عقلاء الناس المنتسبين إلى العلم، سواء كانوا كفارا أو مؤمنين، مستنة أو ~~مبتدعة، فإن أشد الناس تأويلا من الفلاسفة والباطنية إنما يتأولون -زعموا- ~~لقيام الأدلة العقلية الموجبة لتلك التأويلات عندهم، ويزعمون أنهم يجرونها ~~على القواعد العقلية والسمعية. # وأما المعتزلة فأمرهم في ذلك أظهر، فإنهم يزعمون أنهم فرسان الكلام ودعاة ~~الإسلام، الحافظين (1) له بالقواعد العقلية والموارد السمعية، وأن من ~~خالفهم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والأشعرية والكلابية والكرامية ~~وغيرهم هم حشو الناس. وهم أهل فتنة واضطراب، PageV05P081 # ثم بين البصريين منهم والبغداديين من الاختلاف في القياس ما الله به ~~عليم، ثم بين شيوخ البصريين وشيوخ البغداديين خلاف عظيم، وكل منهم إنما ~~يتأول بدليل عنده وعلى القواعد العلمية. # بل الأشعرية ونحوهم من المتكلمين المنتسبين إلى أهل الحديث مختلفون في ~~التأويل صحة وفسادا وحلا وحظرا، والمتأول منهم إنما يتأول للدليل وعلى ~~القواعد. # فإذا كان كل متأول إنما تأول بدليل وعلى القواعد، فقد خالفه غيره من أهل ~~الحديث وغيرهم في التأويل، فكيف يمكن أن يحمل إنكارهم على التأويل الخالي ~~من الدليل والقواعد؟ # فإن قلتم: إنما أنكروا التأويل الذي لا يعضده دليل صحيح، ولم يكن جاريا ~~على القواعد الصحيحة، وإن كان متأوله يزعم اعتضاده بدليل صحيح وقواعد صحيحة. # قلنا: فهكذا نقول في جميع تأويلات أهل الكلام المخالفة لأهل الحديث: إنها ~~خالية عن دليل صحيح وعن القواعد الصحيحة. # وإذا كان هذا مدعيا لم يسغ أن يقال بموجبه إلا على سبيل الموافقة لنا، ~~وإنما يسوغ أن يطالب ببيان خلوها عن الدليل والقواعد الصحيحة، أو أن يبين ~~المتأول اقتران تأويله بدليل وقواعد ليبين فساد قوله. # الوجه الثاني: أن المنكرين للتأويل إبطالا وتحريما صرحوا بذلك في أعيان ~~التأويلات التي ادعى المتأولون اقترانها بالدليل، وسنذكر إن شاء الله من ~~ذلك بعض ما حضر. وصرحوا أيضا بتحريم التأويل وإن زعم صاحبه اقترانه بدليل. PageV05P082 ### || CHECK - رد المؤلف عليه من وجوه ### || CHECK - قول المعترض: "لا أسلم أن معتبرا حرم تأويلا يشهد العقل بصحته عند الحاجة إليه" # الوجه الثالث: أنا لم نحكم إلا ببطلان تأويل أهل ms0804 الكلام المخالف لأهل ~~الحديث، فإذا قلتم بإبطال أو بتحريم التأويل الخالي عن الدليل والقواعد لم ~~يكن هذا نفيا لوجود ما أبطلناه، لأنه يمكن أن يقال: هذا التأويل الذي ~~رفعناه خلي عن الدليل والقواعد، فإنا أبطلنا نوعا من التأويل، ووافقتم على ~~إبطال نوع منه. فإن قلتم: هذه التأويلات جارية على الأدلة والقواعد، ~~نازعناكم فيها. # فحاصله أن ما ذكرتموه لا يصلح مستندا لمنع أن يكون أهل الحديث خالفوا ~~المتكلمين في أعيان التأويلات. # الوجه الرابع: قولكم "إن التأويل المقرون بدليل الجاري على القواعد ~~العلمية صحيح"، لا ننازعكم فيه، وإنما الشأن في تقرير الدليل المصحح ~~للتأويل وتثبيت القواعد المحققة له، فإنكم تعلمون أن جميع أهل التأويل من ~~القبلة لهم قواعد يضعون تأويلاتهم عليها. # ثم هذا القدر لا يصلح أن يكون سندا لقولكم "لا نسلم أن أهل الحديث منعوا ~~تأويل المعتبرين من المتكلمين" كما تقدم، والغرض هنا أن القول بالموجب لا ~~يتوجه. وأما تقرير مذهب أهل الحديث فليس هذا موضعه، لأنا بعد في تحرير ~~الدعوى وما يرد عليها. # قولكم: "لا أسلم أن معتبرا حرم تأويلا يشهد العقل بصحته عند الحاجة إليه، ~~لعالم متبحر لا يرضى بأسر التقليد، ولا يرى أن يستعمل في كشف الحقائق نور ~~البصيرة الذي هو من أجل نعم الله على العبيد". # فنقول أولا: من الذي حكى عن أحد من الناس تحريم مثل PageV05P083 # هذا؟ هذا شيء لم نذكره ولم نقصده، فمنعه منع شيء أجنبي خارج عن كلامنا، ~~وهذا منع لا توجيه له. # ونقول ثانيا: نحن قررنا بطلان التأويل وفساده، لم نتعرض لتحريمه بنفي ولا ~~إثبات، والكلام في صحة التأويل وفساده غير الكلام في حله وحظره، ولا يلزم ~~من عدم تحريم الاجتهاد والإفتاء والحكم أن يكون الاستدلال والفتيا والقضاء ~~صحيحا، كذلك لو فرضنا جواز الإقدام على هذه التأويلات لم يلزم أن تكون ~~صحيحة، بل جاز أن تكون باطلة، يعني أنها غير مطابقة لمراد المتكلم، سواء ~~كان آثما أو معفوا عنه أو مأجورا. # ونقول ثالثا: التأويل الذي نتكلم فيه هو صرف الكلام [من] الاحتمال الراجح ms0805 ~~إلى المرجوح لدليل يعتضد، كما تقدم بيانه. # وكل تأويل فإنما هو بيان مقصود المتكلم أو مراده بكلامه، ومعلوم أن العقل ~~وحده لا يشهد بمعرفة مقصود المتكلم ومراده، فإن دلالة الخطاب سمعية لا ~~يستقل بها العقل، نعم العقل أخذ باستفادته هذه الدلالة، فإذا انضم [إلى] ~~المعقول العلم بلغة المتكلم وعادته في خطابه فقد يحصل بمجموع هذين العلمين ~~العلم بتأويل كلامه، نعم قد يعلم بالعقل وبأدلة أخرى أن المتكلم لم يرد ~~معنى من المعاني، سواء قيل: إنه ظاهر اللفظ، أو قيل: إنه ليس بظاهره، كما ~~يعلم أن الله لم يرد بقوله: (وأوتيت من كل شيء) (1) أنها أوتيت ملك PageV05P084 # السماوات وملك سليمان وفرج الرجل ولحيته؛ ولم يرد بقوله: (تدمر كل شيء) ~~(1) أنها تدمر السماوات والجنة والنار؛ ولم يرد بقوله: (خلق كل شيء) (2) ~~شمول ذلك للخالق بصفاته. ونعلم أن الله لم يرد بقوله: (خلقت بيدي) (3) يدين ~~مثل يدي الإنسان، ولم يرد بقوله: (ليس كمثله شيء) (4) نفي الصفات المذكورة ~~في الكتاب والسنة. # فإذا كان العقل وحده يشهد بصحة تأويل، وإنما قد يشهد بعدمه، فالتأويل ~~الذي يدعي صاحبه أنه علم بمجرد العقل صحته تأويل مردود محرم. نعم إن فسرتم ~~كلامكم أن العقل بما استفاده من العلوم السمعية وغيرها يعلم صحة التأويل، ~~فهذا حق وإن لم يكن ظاهر اللفظ دالا عليه، ونحن ما حكينا تحريم مثل هذا ~~التأويل عن أحد، ولا يمنع تحريمه كلام آخر. # وسنتكلم -إن شاء الله- عليه متبرعين، فإن الغرض تقرير الحقائق وتحصيل ~~الفوائد، لا ما يقصده المبطلون من التجاهل والتعاند. # ونقول رابعا: قولكم "عند الحاجة إليه" موافقة لما يقوله كثير من الناس من ~~[أن] التأويل اضطر إليه العلماء، وبيان ذلك أنا إذا علمنا بالأدلة العقلية ~~والسمعية مثلا انتفاء أمر من الأمور، ورأينا بعض PageV05P085 # النصوص تقتضي إثباته ظاهرا، احتجنا إلى تأويله، لأنا إن قلنا بمقتضى ~~الدليلين لزم الجمع بين النقيضين، وإن قلنا بنفيهما لزم انتفاء النقيضين، ~~ثم فيه تعطيل الدليلين من دلالتهما، ومحذور التأويل جزء من هذا المحذور، إذ ~~غايته تعطيل دلالة أحدهما، فلابد من ms0806 ثبوت أحدهما وانتفاء الآخر، ولا يجوز ~~أن يقدم الدليل المثبت لأنه ظاهر، والنافي قطعي، والقطعي لا يجوز تخلف ~~مدلوله عنه، بخلاف الظني. فتعين إثبات مدلول الدليل القطعي دون الظاهر. # ولأن القطعي إذا كان عقليا، فلو رجحنا عليه الظاهر السمعي لزم القدح في ~~ذلك الدليل العقلي، والعقل أصل السمع، فالقدح في العقلي القطعي قدح في أصل ~~السمعي، والقدح في الأصل قدح في فرعه، فيصير تقديم السمعي قدحا في السمعي، ~~وإثبات الشيء بما يقتضي نفيه محال. وإذا تعين إثبات مدلول القطعي العقلي ~~دون الظاهر السمعي، فنحن بين أمرين: إما أن نفوض معنى الظاهر إلى الله ~~سبحانه وتعالى، مع علمنا بانتفاء دلالته الظاهرة، أو أن نؤوله على وجه يسوغ ~~في الكلام. # والقائلون بهذا التقرير يسمون طريق المفوضة النفاة طريق السلف، وهو عندهم ~~طريق أهل الحديث وأحد قولي الأشعري وغيره من أهل الكلام. ثم هم في هذا على أقوال: # فغلاة المتكلمين يحرمون هذا ويوجبون التأويل، وذهب إلى هذا ابن عقيل في ~~أحد أقواله، وهو قول أكثر المعتزلة وكثير من الأشعرية، ومن هؤلاء من يفيد ~~كلامه بأنه يجب على العلماء دون العامة. PageV05P086 ### || CHECK - تقرير رأي المتكلمين في الحاجة إلى التأويل # ومنهم من يحرم التأويل، كأبي المعالي الجويني في آخر قوليه (1). # ومنهم من يحرمه على أكثر الخلق إلا على القليل، كأبي حامد الغزالي (2) وغيره. # ومنهم من يسوغ كل واحد من التفويض والتأويل، ويعد هذا من العلوم التطوعية ~~التي لا تجب ولا تحرم، كالعلم بأحاديث الملاحم والفتن وأخبار الأمم ~~والأحاديث الإسرائيليات، والأحاديث المتضمنة لأوصاف الملائكة والجن ونحو ~~ذلك، وإن كانت هذه العلوم قد يكون ضبطها فرضا على الكفاية. # منعكم أن التأويل قد تدعو الحاجة إليه كما تقدم، فلا يحرم على العالم ~~المتبحر لوجوه: # أحدها: أن لا موجب لتحريمه، والأصل الإباحة، فمن ادعى التحريم فعليه ~~الدليل. # الثاني: أن هذا من باب طلب العلم ومعرفة مراد الله ورسوله، وجنس العلم ~~خير من جنس الجهل، فكيف العلم بتأويل كلام الله وكلام رسوله؟ كيف يكون هذا محرما؟ # الثالث: أن المخالف للحق ms0807 من الكفار والمبتدعة إن لم نتأول لهم هذه النصوص ~~لزم سوء الظن بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، ووقوع شبهة PageV05P087 # الاختلاف في كلام الله وكلام رسوله، ونفور الناس عن القرآن والإسلام، ~~ونفور أهل الباطل عن الحق. والتأويل هو أسرع إلى القبول وأدعى إلى ~~الانقياد، فأقل أحواله أن يكون بمنزلة تعليل الأحكام الشرعية المنصوصة، فإن ~~التعليل فيه فائدة الاطلاع على حكمة الشارع التي يحصل بسببها من العلم ~~والإيمان ما لا يحصل بدونها، مع أن الحاجة لا تدعو إليها، فكيف بتأويل ~~الخطاب الذي عارض ظاهره القواطع العقلية والسمعية. # الرابع: أن الطالب الذكي يضيق صدره بأسر التقليد، ويحب أن يخرج إلى ~~بحبوحة العلم، فلا تقنع نفسه ويرضى عقله إلا بالوقوف على التأويل، وهو ~~بدونه يعتور عقله الشبهات وصدره الحرج والضيق، فإذا عرف التأويل اطمأن قلبه ~~وانشرح صدره ورضي عقله، والبدن لو احتاج إلى طعام وشراب لغذاء أو دواء يحصل ~~له الضرر بفقده لأباحه الله له، بل قد أباح الأكل في الصوم الواجب للمريض ~~والمسافر إذا وجد مشقة بالصوم، وأباح ترك القيام في الصلاة إذا خاف زيادة ~~المرض أو لطول البرء. فكيف لا يبيح ما يضر عدمه القلوب لعقولها والنفوس ~~لوجودها، ويزيد بعدمه مرض القلب والدين، أو يتأخر بفقده الشفاء من مرض ~~الكفر والنفاق. وكما أن الأطعمة والأشربة تختلف شهوة الناس وحاجتهم إليها ~~باختلاف قواهم وأمزاجهم، فرب مزاج يقرم إلى اللحم ما لا يقرمه غيره، ومن ~~كان مقيما بطيبة إبان الجداد كانت شهوته إلى الرطب بخلاف شهوة سكان الشام، ~~ومن كانت رياضته البدنية أقوى وأكثر -كالحمالين والحراثين- كانت حاجتهم إلى ~~الطعام أشد. PageV05P088 # كذلك العلوم والطرق، فمن كان ذكيا كان شوقه إلى درك الأمور الدقيقة أشد، ~~ومن راض عقله بكثرة النظر في العلوم والبحث عن أسبابها وأصنافها كانت حاجته ~~إلى الازدياد منها والوقوف عليها أشد. والمتعمقون في الكتاب والسنة ولو في ~~الأحكام فقط يحصل لهم من الحاجة والشوق إلى معرفة معاني كثير من النصوص ما ~~لا يحصل لغيرهم من المعرضين. وإذا كان نقل الواجب والمستحب قد يستلزم ms0808 ~~الحاجة والشوق إلى أشياء، فكيف يحرم؟ وإنما الشوق بحسب الإدراك. ولهذا من ~~لم ير المطاعم الشهية والمناظر البهية لا يشتهيها كشهوة المبتلى بها. فمن ~~لم تنفتح عين بصيرته لصنوف المعارف، ولا توسعت في قلبه أنواع المعالم، لا ~~يحتاج إلى الإدراك كحاجة أولي البصائر الوقادة والمعارف المستفادة، ولا ~~يشتاق كاشتياقهم. وهذا تقرير قول السائل -أيده الله-: "لعالم متبحر لا يرضى ~~بأسر التقليد". # الخامس: أن نعمة الله على عباده بنفوذ البصيرة من أفضل النعم، وإدراك ~~حقيقة مراد الله ورسوله من أفضل إدراك الحقائق، فكيف يحرم استعمال هذه ~~النعمة الجليلة في مثل هذا المطلوب الشريف؟ وهل ذلك إلا أقبح من تحريم ~~استعمال قوى الأبدان في دفع أعداء الدين وعبادة رب العالمين، وتحريم إنفاق ~~الأموال في سبيل الله. بل تحريم هذا تحريم لطلب الدرجات العلى والنعيم ~~المقيم، والله لا يحرم مثل هذا، بل يستحبه إن لم يوجبه. # السادس: أن إبقاء النصوص المصروفة عن دلالتها الظاهرة بلا تأويل معين ~~بنفيها ذريعة إلى اعتقاد موجبها وتقلد مقتضاها. وتأويلها PageV05P089 # يحسم هذه المادة، فيصير الأول مثل بناء الأسوار للأمصار، والثاني كتركها ~~بلا سور. بل الأول بمنزلة كشف النساء الحسان لوجوههن، والثاني كسترها، أو ~~الأول بمنزلة ترك المردان الصباح يعاشرون الأجانب، والثاني كصونهم من هذه ~~العشرة. فإن لم يكن الثاني واجبا أو مستحبا فلا أقل من أن يكون مباحا. # وهذا معنى قول بعض الناس طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أحزم وأحكم؛ لأن ~~طريقة أهل التأويل فيها مخاطر بالإخبار عن مراد الله بالظن، الذي يجوز أن ~~يكون صوابا ويجوز أن يكون خطأ، وذلك قول عليه بما لا يعلم، والأصل تحريم ~~القول عليه بالظن، وكان تركها أسلم. وفي طريقة أهل التأويل حسم مواد ~~الاعتقادات الفاسدة والشبهات الواردة، فكانت أحزم وأحكم. # وصار في المثال بمنزلة قوم من المسلمين بلغهم أن العدو قاصدهم، وبيت ~~المال خال، فهل يسوغ أن يجمع من أموالهم ما يبني به سورهم لحفظهم من العدو ~~إلى لحوق الذرى، واندفاع العدو بشدة البرد (1) المخاطرة بأخذ الأموال بغير ~~طيب نفوس أصحابها، ms0809 وفيه إحكام الحفظ للنفوس وباقي الأموال، والحزم بضبط ~~الدين عن الانحلال. # وهب هذه مسألة اجتهادية يرى فيها قوم الحظر، وقوم الوجوب، وقوم يخيرون ~~بين الأمرين، وقوم يوجبون فعل الأصلح. ويختلف الأصلح باختلاف الأعصار ~~والأمصار والأشخاص. PageV05P090 ### || CHECK - رد المؤلف عليه # السابع: أن السلف تكلموا في تفسير القرآن كله، وما رأيناهم حرموا تفسير ~~شيء منه، إلا أن ينقل عن أحدهم أنه ترك القول فيه، أو حرم القول على غيره ~~بغير علم، أو تركه خوف الخطأ على سبيل الورع ونحوه. وكتب التفسير مشحونة ~~بالروايات عن الصحابة والتابعين في آيات الصفات وغيرها، فكيف يدعي هذا أن ~~المعتبرين حرموا ذلك؟ # فهذا (1) تقرير لما ذكرتموه من قولكم: "لا نسلم أن معتبرا حرم تأويلا ~~يشهد العقل بصحته عند الحاجة إليه، لعالم متبحر لا يرضى بأسر التقليد، ولا ~~يرى أن يستعمل في كشف الحقائق نور البصيرة الذي هو من أجل نعم الله على ~~العبيد". # وجوابه من وجوه: # أحدها: ما تكلمنا في تحريم جنس التأويل وجوازه شيئا، وإنما تكلمنا في ~~صحته وفساده، فقلنا: "إذا بحث الإنسان وفحص وجد ما يقوله المتكلمون من ~~التأويل الذي يخالفون به أهل [الحديث] باطلا، وتيقن [أن] الحق مع أهل ~~الحديث ظاهرا وباطنا". # وسنبين إن شاء الله بالنقول المستفيضة أن الخلاف وقع في أعيان هل هي ~~صحيحة أو فاسد، بل قد بينا في نفس تلك المناظرة PageV05P091 ### || CHECK - الأسئلة تارة تكون موجهة واردة، وتارة لا تكون كذلك # فساد تأويل اليد بما ذكروه فيها من التأويل (1)، ولم نتعرض للتحريم ولا ~~للتحليل. وإذا كان أول الكلام وأوسطه وآخره إنما هو في صحة التأويل المعين ~~والمطلق وفساده، فالكلام في التحريم نفيا وإثباتا كلام آخر ليس بوارد ~~علينا. ولولا أنا في هذا المقام غرضنا بيان عدم ورود الأسولة علينا بالكلية ~~لذكرنا نصوص المختلفين، وإنما نؤخر ذلك إلى المقام الثاني إن شاء الله. # إن الأسولة تارة تكون موجهة واردة، وتارة لا تكون كذلك، والسؤال الوارد ~~منه [ما] يوجب انقطاع المستدل، ومنه ما لا يوجب انقطاعه، إن أجاب عن ضبط ~~حدود النظر ms0810 والمناظرة هدي إن شاء [الله] إلى الهدى والسداد، اللذين أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا بمسألتهما من الله، والغرض الضبط العلمي ~~الديني، لا الضبط العنادي الذي مضمونه الكلام بلا علم أو عدم قصد الحق. ~~وأما الاصطلاح المحض فأنت فيه بالخيار، ويجب أن تعرف حقيقة هذا النقل وتدين ~~في قولهم: "الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" (2). فإن ~~كان النقل مشهورا -مثل أن يقال: مذهب أهل الحديث أن الله يرى في الآخرة، ~~والإيمان بالشفاعة، أو جمهورهم ونحو ذلك- لم يطلب في مثل هذا الإسناد. فإن ~~نقل: مذهب أهل الحديث بأن الله يرى هو الصحيح، فقد تضمن هذا نقلا وحكما، ~~فيجوز أن يقال: لا نسلم أنه هو الصحيح، وقد يقال أيضا: من أين علمتم؟ PageV05P092 # فالمستدل في الأدلة في خطاب أو كتاب إذا قال: مذهب فلان كذا، لم يرد علمه ~~لا منع ولا معارضتها، وقد يعترض النقل بنقل آخر. وفي الحكم ورد عليه منع ~~النقل ومعارضته بأن: من ذكر هذا؟ أو من حكاه؟ أو قد نقل فلان عنه بخلافه. ~~لكن فرق بين منع النقل وبين منع الحكم وبين منع الدلالة، فإن النقل لا يمنع ~~منعا محضا إلا أن يكون المانع يعلم انتفاء ذلك المنقول، مثل أن يعلم أن ~~مذهب الشخص أو روايته بخلاف ذلك، كمن قال: سمع مالك ابن عمر يقول كذا، ~~فحقول المعترض: ما سمع مالك منه شيئا. وأما إن كان صدقه ممكنا، فإن غلب على ~~الظن خيرته وعدالته اكتفي بذلك. # (آخر ما وجد، والله أعلم. وليست كاملة). PageV05P093 ### | CHECK (2) قاعدة في الوسيلة # قاعدة في الوسيلة PageV05P095 ### || CHECK - مسألة فيمن عاب أقوالا نقلها جماعة من أكابر الأئمة، وزعم أن فيها تنقصا بعباد الله الصالحين واستخفافا بحرمة البيت # بسم الله الرحمن الرحيم # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وهداة المسلمين -رضي الله عنهم ~~أجمعين- فيمن عاب أقوالا نقلها جماعة من أكابر الأئمة وأعيان سادات هذه الأمة: # أولها: ما أورده الشيخ أبو الحسين القدوري الحنفي في كتابه الكبير في ~~الفقه المسمى بشرح الكرخي (1) في ms0811 باب الكراهية، وصورة اللفظ: "قال بشر بن ~~الوليد: حدثنا أبو يوسف، قال: قال أبو حنيفة -رضي الله عنه-: لا ينبغي لأحد ~~أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك. وهو ~~قول أبي يوسف. # قال أبو يوسف: "بمعقد العز من عرشك" هو الله، فلا أكره هذا. وأكره أن ~~يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام. # قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا ~~يجوز. PageV05P097 # وثانيها: ما ذكره الشيخ أبو القاسم القشيري في كتابه المسمى "التحبير في ~~علم التذكير" المشتمل على تفسير معاني أسماء الله عز وجل، وصورة اللفظ أنه ~~قال (1): علم الحق سبحانه أنه ليس لك أسام مرضية، فقال تعالى: (ولله ~~الأسماء الحسنى فادعوه بها)، (2) ولأن تكون بأسماء ربك داعيا خير لك من أن ~~تكون بأسماء نفسك مدعيا، فإنك إن كنت بك كنت بمن لم يكن، وإذا كنت به كنت ~~بمن لم يزل، فشتان بين وصف وبين وصف. # وقال (3): من عرف اسم ربه نسي اسم نفسه، بل من صحب اسم ربه تحقق بروح ~~أنسه قبل وصوله إلى دار قدسه، بل من عرف اسم ربه سمت رتبته، وعلت في ~~الدارين منزلته. # وثالثها: ما ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام في فتاويه (4) المشهورة، ~~وصورة اللفظ أنه قال: لا يجوز التوسل في الدعاء بأحد من الأنبياء والصالحين ~~إلا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن صح حديث الأعمى. # وزعم العائب لهذه الأقوال والطاعن على معانيها أن فيها تنقصا بعباد الله ~~الصالحين، واستخفافا بحرمة البيت والمشعر الحرام. # فهل في هذه الأقوال المذكورة تنقص واستخفاف والحالة هذه أو لا؟ PageV05P098 ### || CHECK - أمثلة على ذلك ### || CHECK - متى يكون الشخص متنقصا بالصالحين وبشعائر الله؟ ### || CHECK - الجواب: ليس فيها تنقص ولا استخفاف # وهل يجوز ردها بمجرد رأي الإنسان وما جرت به عوائد بعض أهل الزمان أم لا؟ # وهل اشتهر عن الأئمة الأكابر المتبوعين خلاف لهذه الأقوال؟ # وهل صح حديث الأعمى الذي أورده الترمذي ms0812 في جامعه (1)؟ # وهل في صريح لفظه ما يبطل الأقوال المذكورة ويوجب اعتقاد خلافها؟ # وهل يجوز الحلف بغير الله تعالى؟ وإذا لم يجز هل يجوز التحليف والإقسام ~~بغير الله؟ # والراد لهذه الأقوال المتقدم ذكرها والطاعات فيها، إذا لم يكن عنده دليل ~~شرعي قاطع يدفعها به، هل يردع عن ذلك ويزجر؟ # فأجاب -رضي الله عنه- # الحمد لله، ليس في شيء من هذه الأقوال تنقص ولا استخفاف، لا بصالحي عباد ~~الله ولا بشعائر الله، وإنما يكون متنقصا من نقصهم عن منزلتهم التي جعلهم ~~الله بها، كمن لا يرى حج البيت قربة وطاعة لله، ولا يرى الوقوف بعرفة ~~ومزدلفة ومنى، كما كان بعض أهل الجاهلية لا يرون الصفا والمروة من شعائر ~~الله، وكان بعضهم يخاف -إذ كانوا يعظمونها في الجاهلية- أن لاتكون من شعائر ~~الله PageV05P099 ### || CHECK - من تمام تعظيم البيت أن يعبد الله فيه كما شرعه الرسول # في الإسلام، فأنزل الله قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) ~~(1) جوابا للطائفتين، كما ثبت ذلك في الصحاح (2). # وكمن لا يرى تعظيم الهدي والضحايا التي قال الله فيها: # (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) لكم فيها منافع إلى أجل ~~مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33)) (3). # وكمن لا يرى تعظيم حرمات الله، فلا يحرم صيد الحرم ونباته وسائر ما حرم ~~الله تعالى من المحرمات، فإن الواجب على الخلق فعل ما أمر الله به من ~~العبادات، واجتناب ما حرمه من المحرمات، فإن هذا وهذا من دين الله الذي بعث ~~به رسله، ولهذا قال الله تعالى: (ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه) (4). # ومن تمام تعظيم البيت أن يعبد الله فيه كما شرعه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فيطاف به، ويستلم الركنان اليمانيان، ويقبل الحجر الأسود. # فلو قال قائل: من تعظيمه استلام الركنين الشاميين، وتقبيل مقام إبراهيم ~~والمسح به، أو تقبيل غير الحجر الأسود من جدران الكعبة، ونحو ذلك مما قد ~~يظنه بعض الناس تعظيما= كان هذا غلطا. # وإذا نهاه ناه عن ذلك فقال: نهيك لي ms0813 عن هذا تنقص واستخفاف بحرمة البيت، ~~كان قد غلط غلطا ثانيا. PageV05P100 ### || CHECK - دين الإسلام مبني على أصلين: أن لا يعبد إلا الله، وأن يعبد بما شرع # ولهذا لما طاف ابن عباس ومعاوية بالبيت فكان ابن عباس لا يستلم إلا ~~الركنين اليمانيين، واستلم معاوية الأركان الأربعة، فقال ابن عباس: إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال معاوية: ~~ليس من البيت شيء مهجور، فقال له ابن عباس: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة) (1)، فسكت معاوية ووافق ابن عباس (2). # فمعاوية احتج بأن البيت كله معظم لا يهجر منه شيء، فأجابه ابن عباس بأن ~~العبادات يجب فيها اتباع ما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته، ليس ~~لأحد أن يشرع برأيه عبادة لما يراه في ذلك من تعظيم الشعائر. # فوافقه معاوية، وعلم أن الصواب مع ابن عباس. # وكذلك ما ثبت في الصحيحين (3) أن عمر بن الخطاب لما قبل الحجر الأسود ~~قال: والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقبلك لما قبلتك. # بين عمر -رضي [الله] عنه- أن العبادات مبناها على متابعة الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -، إذ كان دين الإسلام مبنيا على أصلين: # أحدهما: أن لا يعبد إلا الله، لا يشرك به شيئا. PageV05P101 ### || CHECK - قول عمر في الرمل والإبداء عن المناكب في الطواف ### || CHECK - معنى قول عمر المشهور في الحجر الأسود # والثاني: أن يعبده بما شرع من الدين، لا يعبده بشرع من شرع من الدين ما ~~لم يأذن به الله، كالذين قال فيهم: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله) (1). # فأخبر عمر أنا لم نقبلك نرجو منفعتك ونخاف مضرتك، كما كان المشركون ~~يفعلون بأوثانهم، بل نعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أن الرسول قبلك ~~-وقد أمرنا الله باتباعه، فصار ذلك عبادة مشروعة- لما قبلتك، لسنا كالنصارى ~~والمشركين وأهل البدع الذين يعبدون غير الله بغير إذن الله، بل لا نعبد إلا ms0814 ~~الله بإذن الله، كما قال لنبيه: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46)) (2)، فبين أن رسوله يدعو إليه ~~بما أذن فيه من الشرع، لا بما لم يأذن به، كالذين شرعوا من الدين ما لم ~~يأذن به الله. # وكذلك قال عمر (3): فيم الرمل الآن والإبداء عن المناكب؟ # وقد أطأ الله الإسلام ونفى الشرك وأهله، ثم قال: لا ندع شيئا كنا نفعله ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا فعلناه. # وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه في عمرة القضية ~~بالاضطباع وبالرمل ليري المشركين قوتهم، ولهذا لم يأمرهم بالرمل بين ~~الركنين PageV05P102 ### || CHECK - لم يشرع التمسح إلا بالركنين اليمانيين، والتقبيل إلا للحجر الأسود # اليمانيين، لأن المشركين كانوا بقعيقعان جبل المروة ينظرون إليهم (1). # ثم إنه لما حج اضطبع ورمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، فجعل ذلك ~~شرعا لأمته. فبين عمر أنه لو لم يشرع ذلك لما فعلناه، لزوال السبب الذي ~~أوجبه إذ ذاك. # ومعلوم أن مكة -شرفها الله- فيها شعائر الله، وفيها بيته الذي أوجب الحج ~~إليه، وأمر الناس باستقباله في صلاتهم، وحرم صيده ونباته، وأثبت له من ~~الفضائل والخصائص ما لم يثبته لشيء من البقاع. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمكة: "والله إنك لخير أرض الله وأحب ~~أرض الله إلى الله -وفي رواية: وأحب أرض الله إلي-، ولولا أن قومي أخرجوني ~~منك لما خرجت" (2). قال الترمذي: حديث صحيح. # فإذا كان الله لم يشرع أن يتمسح إلا بالركنين اليمانيين لكونهما على ~~قواعد إبراهيم، ويقبل الحجر الأسود لكونه بمنزلة يمين الله في الأرض (3)، ~~فلا يقبل سائر جدران الكعبة، ولا يقبل مقام إبراهيم الذي هناك ولا يتمسح ~~به، ولا يقبل مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يصلي فيه ولا ~~يتمسح به، ولا يقبل قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يتمسح به= فمعلوم ~~أن PageV05P103 ### || CHECK - هذا من قول عباد الأصنام ### || CHECK - حديث "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به" كذب مفترى ### || CHECK - لا يقبل ms0815 شيء من قبور الأنبياء والصالحين، ولا يستلم ولا يطاف به # قبور سائر الأنبياء والصالحين التي ببقية البلاد (مثل ما بالشام وغيرها ~~من الأمكنة التي يقال: إنها مقام إبراهيم أو المسيح أو غيرهما، كمقام ~~إبراهيم ببرزة، وكمغارة الدم، والربوة التي يقال: إنه كان بها المسيح وأمه، ~~وكطور موسى وغار حراء وغيرهما من الجبال والمغارات، وكسائر قبور الصالحين ~~من الصحابة والقرابة وغيرهما، وكصخرة بيت المقدس وغيرها) أولى [بأن] لا ~~يقبل شيء من ذلك ولا يستلم ولا يطاف به، فلا يكون شيء من ذلك بمنزلة ~~الركنين اليمانيين ولا بمنزلة الحجر الأسود. ولهذا قال عمر: والله إني ~~لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقبلك لما قبلتك. # يدل على أنه ليس من الأحجار ما يقبل، إذ كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يشرع تقبيل شيء من ذلك. # والحديث الذي يرويه بعض الكذابين: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله ~~به" (1) كذب مفترى باتفاق أهل العلم، وإنما هذا من قول عباد الأصنام الذين ~~يحسنون ظنهم بالحجارة، وقال تعالى لهم: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم أنتم لها واردون (98)) (2)، وقال تعالى: (فاتقوا النار التي وقودها ~~الناس والحجارة أعدت للكافرين (24)) (3)، وقال الخليل: (يا أبت لم تعبد ما ~~لا يسمع ولا يبصر PageV05P104 ### || CHECK - المؤمن يحسن ظنه بربه # ولا يغني عنك شيئا (42)) (1)، وقال تعالى عن عباد العجل: (ألم يروا أنه ~~لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا) (2). وذكر تعالى عن الخليل أنه قال لقومه: (ما ~~هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ~~(53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) قالوا أجئتنا بالحق أم ~~أنت من اللاعبين (55) قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ~~ذلكم من الشاهدين (56) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) ~~فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا ~~بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ~~(60) قالوا فأتوا به على ms0816 أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا أأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ~~(63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على ~~رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ~~ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ~~(67)) (3). وفي الموضع الآخر: (أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما ~~تعملون (96)) (4). # فهؤلاء المشركون كانوا قد أحسنوا ظنهم بالحجارة، فكان عاقبتهم أنهم في ~~النار خالدون. وإنما يحسن العبد ظنه بربه، كما PageV05P105 ### || CHECK - من نهي عن الغلو في الأنبياء والصالحين فزعم أن هذا تنقص واستخفاف بهم فهو من جنس النصارى والمشركين ### || CHECK - العبادات مبناها على توقيف الرسول # ثبت في الصحيحين (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يقول ~~الله: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في ~~نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه". وفي صحيح مسلم (2) عن جابر ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن ~~الظن بالله". # وبالجملة فهذا أصل متفق عليه بين أئمة الدين أن العبادات مبناها على ~~توقيف الرسول وطاعة أمره والاقتداء به، فلا يكون شيء عبادة إلا أن يشرعه ~~الرسول، فيكون واجبا أو مستحبا، وما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة ~~باتفاق المسلمين. ومن اعتقد مثل ذلك عبادة كان جاهلا، وإن ظن أن ذلك تعظيم ~~لمن يجب تعظيمه، فإن التعظيم المشروع لا يكون إلا واجبا أو مستحبا. # ومن نهي عن اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، ~~وعن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، وعن الغلو في الأنبياء والصالحين، ~~فزعم أن هذا تنقص واستخفاف بالأنبياء والصالحين والملائكة، فهو من جنس ~~النصارى وأشباههم من المشركين وأهل البدع، قال تعالى: (يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ms0817 فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ~~ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في ~~السماوات وما في الأرض PageV05P106 # وكفى بالله وكيلا (171) لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين ~~استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ~~ولا نصيرا (173)) (1). # وقد قال: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80)) (2). # وقال تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ~~(30) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31)) (3). # فهذه الأمور التي ذم الله بها النصارى، إذ نهوا عنها قالوا: هذا تنقص ~~بالمسيح والأحبار والرهبان، وكانوا كفارا بجعلهم هذا النهي تنقصا مذموما، ~~إذ كانوا عظموا الأنبياء والصالحين تعظيما لم يشرع لهم. PageV05P107 ### || CHECK - من قصد الصلاة أو الدعاء في المساجد المبنية على القبور فإنه مخطئ ضال ### || CHECK - جميع أنواع العبادة لله وحده، وجعل للرسول أن يطاع ### || CHECK - من اتخذ قبورهم مساجد أو سجد لهم أو دعاهم وسألهم بعد مماتهم فإنه مشرك مبتدع # وكذلك من اتخذ قبورهم مساجد تعظيما لهم، أو سجد لهم تعظيما لهم، أو دعاهم ~~وسألهم -كما يدعو الله ويسأله- بعد مماتهم وفي تغيبهم، أو رجاهم وخافهم كما ~~يرجو الله ويخافه= فإنه مشرك مبتدع. وإذا نهي عن ذلك فقال: هذا تنقص، زاد ~~ضلالة، قال تعالى: (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ~~الفائزون (52)) (1) وقال تعالى: (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله ms0818 سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59)) (2). # فجعل الله الخشية والتقوى والتوكل والرغبة لله وحده، وجعل للرسول أن ~~يطاع، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، وأن يرضوا بما آتاه، وهو ما حلله، فلا ~~يطلب ما حرمه الله، بل الحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه. ~~ويجب أن يكون أحب إلى المؤمنين من أنفسهم وأهليهم، إلى غير ذلك من حقوقه (3). # ولا يعبد إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يرغب إلا إلى الله، ولا ~~يخشى ولا يتقى إلا الله. # وقد اتفقت أئمة المسلمين على أن من قصد الصلاة في المساجد المبنية على ~~قبور الأنبياء والصالحين، وقصد الدعاء عندها، معتقدا أن الصلاة فيها ~~والدعاء عندها أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد PageV05P108 ### || CHECK - طلب الدعاء والشفاعة من النبي والصالحين في حياتهم مشروع ### || CHECK - لا يشرع لأحد أن يدعو ميتا أو غائبا ويسأله حاجة ### || CHECK - لا يشرع لأحد أن يستلم ويقبل غير الركنين اليمانيين # المبنية لله لا على قبر أحد= فإنه مخطئ ضال، وإن كان كثير من الجهال يرى ~~ذلك من تعظيمهم. # وكذلك اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على أنه لا يشرع لأحد أن يستلم ويقبل ~~غير الركنين اليمانيين، لا قبور الأنبياء ولا حجرة بيت المقدس ولا غير ذلك، ~~ولا مقامات الأنبياء كمقام إبراهيم الذي بمكة، والمشاهد المبنية على قبور ~~الأنبياء والصالحين وغير ذلك مما يستلمه ويقبله كثير من الجهال، ويرون ذلك ~~من تعظيمها، وذلك ليس بواجب ولا مستحب باتفاق المسلمين. ومن فعل ذلك معتقدا ~~أنه بر وقربة فهو ضال مبتدع مشابه للنصارى. # واتفق أيضا أئمة المسلمين على أنه لا يشرع لأحد أن يدعو ميتا ولا غائبا، ~~فلا يدعوه ولا يسأله حاجة، ولا يقول: اغفر ذنبي، أو انصر ديني، أو انصرني ~~على عدوي، أو غير ذلك من المسائل، ولا يشتكي إليه، ولا يستجير به، كما ~~يفعله النصارى بمن يصورون التماثيل على صورته، ويقولون: مقصودنا دعاء أصحاب ~~هذه التماثيل والاستشفاع بهم، فمثل هذا ليس مشروعا -لا واجبا ولا مستحبا- ~~في دين المسلمين ms0819 باتفاق المسلمين. ومن فعل ذلك معتقدا أنه يستحب فهو ضال مبتدع. # بخلاف طلب الدعاء والشفاعة من النبي - صلى الله عليه وسلم - والصالحين، ~~كما كان أصحابه يطلبون منه الدعاء ويستشفعون به ويتوسلون بدعائه في حياته، ~~كما ثبت في صحيح البخاري (1) عن عمر بن الخطاب أنه PageV05P109 ### || CHECK - الأحاديث الواردة في هذا الباب # قال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك [بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل ~~إليك] بعم نبينا فاسقنا"، فيسقون. # وقد ثبت في الصحيحين (1) حديث أنس لما توسلوا بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - واستشفعوا به، فطلبوا منه أن يدعو لهم، حين قال له الأعرابي: جهدت ~~الأنفس وجاع العيال وهلك المال، فادع الله لنا، فدعا الله لهم، فأمطروا ~~سبتا. ثم شكوا إليه بهدم الأبنية وانقطاع الطرق، وسألوه أن يدعو الله ~~بكشفها عنهم، فدعاه، فكشفها عنهم. # وكذلك يوم القيامة يتوسل به أهل الموقف ويستشفعون به، فيشفع لهم إلى ربه ~~أن يقضي بينهم. ثم يشفع شفاعة أخرى لأهل الكبائر من أمته، ويشفع في أن يخرج ~~الله من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، كما استفاضت بذلك الأحاديث ~~الصحيحة (2). # ولما مات - صلى الله عليه وسلم - توسلوا بدعاء العباس عمه، ولم يتوسلوا ~~به بعد موته، فإنهم إنما كانوا يتوسلون بدعائه في حياته، وذلك ينقطع بموته، ~~فتوسلوا بدعاء العباس. # وكذلك معاوية بن أبي سفيان استشفع في الشام وتوسل بيزيد ابن الأسود ~~الجرشي، وقال: "اللهم إنا نتوسل إليك بخيارنا، يا يزيد! ارفع يديك"، فرفع ~~يديه فدعا ودعا الناس، حتى نزل المطر (3). PageV05P110 ### || CHECK - الكلام على حديث الأعمى وبيان معناه ### || CHECK - التوسل بالنبي في حياته ليس توسلا بذاته بل بدعائه # ولهذا قال الفقهاء: يستحب الاستسقاء بأهل الصلاح والدين، والأولى أن ~~يكونوا من أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اقتداء بعمر لما ~~استسقى بالعباس. ولو كان توسلهم في حياته هو إقساما به على الله وتوسلا ~~بذاته من غير أن يدعو لهم، لأمكن ذلك بعد مماته، ولكان توسلهم به أولى من ~~توسلهم بالعباس. ولكن إنما كانوا يتوسلون بدعائه، كما ثبت ms0820 ذلك في الصحاح ~~أنهم توسلوا في الاستسقاء بدعائه. وفي صحيح البخاري (1) عن ابن عمر قال: ~~ربما ذكرت قول الشاعر: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل # ولم يقل أحد من المسلمين إنهم كانوا في حياته يقسمون به ويتوسلون بذاته، ~~بل حديث الأعمى الذي رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وغيرهم (2)، ~~ألفاظه صريحة في أن الأعمى إنما توسل بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~كما قد بسطت ألفاظه في موضع PageV05P111 # آخر (1). وفي أول الحديث أن الأعمى سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يدعو الله أن يرد إليه بصره، فهو طلب من النبي الدعاء، فأمره النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ويقول: "اللهم إني أسألك وأتوجه ~~إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في ~~حاجتي لتقضيها، اللهم فشفعه في". وفي رواية ثانية رواها أحمد والبيهقى ~~وغيرهما (2): "اللهم شفعه في وشفعني فيه". # فلما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو أمره أن يدعو هو أيضا. ~~كما قال له ربيعة بن كعب الأسلمي: أسأل مرافقتك في الجنة، فقال: "أعني على ~~نفسك بكثرة السجود" (3). فإن شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسؤاله ~~الإنسان قد يكون مشروطا بشروط، وقد يكون هناك مانع، كاستغفاره للمنافقين. # فدعاؤه من أعظم الأسباب في حصول المطلوب، ولكن السبب قد يكون له شروط ~~وموانع، فإذا كان إبراهيم قد استغفر لأبيه فلم يغفر له، وقيل للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في المنافقين: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ~~لن يغفر الله لهم) (4)، وقيل له: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم ~~على قبره) (5)، لم يمنع ذلك أن يكون دعاء PageV05P112 # إبراهيم ومحمد عند الله أعظم الدعاء إجابة، وجاههما عند الله أعظم جاه ~~للمخلوقين، وهما الخليلان، وهما أفضل البرية. لكن الدعاء وإن كان سببا قويا ~~فالكفر مانع معارض، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، وقد حرم الجنة على ~~الكافرين والمنافقين وإن استغفر لهم محمد وإبراهيم، لوجود ms0821 المانع لا لنقص ~~جاه الشفيع العظيم القدير. # وكذلك ثبت عنه في الصحيح (1) أنه قال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي ~~فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي". # وقد قال تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو ~~كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113)) (2)، ثم ~~اعتذر عن إبراهيم بقوله: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ~~(114)) (3). # فهو - صلى الله عليه وسلم - قال لربيعة: "سل"، قال: أسأل مرافقتك في ~~الجنة، فقال: "أو غير ذلك"؟ فقال: بل هو ذاك، قال: "أعني على نفسك بكثرة ~~السجود". فإن المطلوب عال لا ينال بمجرد الدعاء، بل لابد من عمل صالح يكون ~~من صاحبه، يكون عونا للداعي، فقال: "أعني على نفسك بكثرة السجود". PageV05P113 ### || CHECK - كلام العلماء في التوسل بذات النبي - صلى الله عليه وسلم - ### || CHECK - التوسل بدعائه وشفاعته هو التوسل به الذي كان الصحابة يعرفونه ويفعلونه # كذلك أمر الأعمى -لما طلب منه الدعاء له- أن يعينه هو أيضا بصلاته ~~ودعائه، وقال: "صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد ~~نبي الرحمة" أي بدعاء نبيك وشفاعته. كما قال عمر: "كنا نتوسل إليك بنبينا، ~~وإنا نتوسل إليك بعم نبينا". # ومعلوم أنهم إنما توسلوا بدعاء العباس، كما كانوا يتوسلون بدعاء النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. وهذا فعله عمر بين المهاجرين والأنصار عام الرمادة، ~~ولم ينكره أحد ولم يقل له: بل التوسل بذات النبي أو الإقسام به مشروع، فلم ~~يعدل عن التوسل بالرسول إلى العباس؟ # فلما أقروا عمر على ذلك ولم ينكره أحد علم أن ما فعله عمر وأصحابه معه هو ~~المشروع دون ما يخالفه. # وكذلك أمر الأعمى أن يتوسل بدعائه وشفاعته، ويدل على ذلك قوله في آخر ~~الحديث: "اللهم فشفعه في"، علم أنه كان يدعو ويشفع له، وأن الأعمى إنما ~~توسل بدعائه وشفاعته، وإلا فكان يقول: "اللهم وهذا شفاعة النبي - صلى الله ~~عليه ms0822 وسلم - ". # والتوسل بدعائه وشفاعته هو التوسل به الذي كان الصحابة يعرفونه ويفعلونه، ~~وهو معنى التوسل به عندهم، كما قد بين ذلك حديث عمر وحديث الأعمى. ولكن من ~~الناس من ظن أن المراد بلفظ التوسل به هو التوسل بذاته أو الإقسام بذاته، ~~وهذا غلط على الصحابة. # وأما كلام العلماء في أن ذلك مشروع أو لا؟ فقد ذكر السائل النقل عن أبي ~~حنيفة وأبي يوسف وغيرهما أن ذلك منهي عنه، PageV05P114 ### || CHECK - ما نقل عن الإمام أحمد في ذلك ### || CHECK - نقد قول العز بن عبد السلام في استثنائه الرسول إن صح حديث الأعمى # وما ذكره عن أبي محمد بن عبد السلام يوافق ذلك. وأما استثناؤه الرسول إن ~~صح حديث الأعمى، فهو -رحمه الله- لم يستحضر الحديث بسياقه حتى يتبين له أنه ~~لا يناقض ما أفتى به، بل ظن أنه يدل على محل السؤال، فاستثناه بتقدير صحته. ~~والحديث صحيح، لكن لا يدل على هذه المسألة كما تقدم. # وأما ما نقله (1) السائل عن القشيري فأجنبي عن هذه المسألة، لا يدل عليها ~~بنفي ولا إثبات. # وقد ذكر المروذي في منسكه عن الإمام أحمد بن حنبل أن الداعي المسلم على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوسل به في دعائه. فهذا النقل يجعل معارضا ~~لما نقل عن أبي حنيفة وغيره. # ونقل أيضا عن عثمان بن حنيف أنه أمر رجلا بعد موت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يدعو بهذا الدعاء، لكن لم يقل فيه: "اللهم فشفعه في". # وقد تكلمت على إسناد ذلك، وهل هو ثابت أم لا؟ وبسطت الكلام على ذلك في ~~غير هذا الموضع (2)، وبينت أنه [على] تقدير ثبوته يكون معارضا لما فعله عمر ~~بمحضر من المهاجرين والأنصار، وإذا كانت مسألة نزاع ردت إلى الله والرسول. # وما نقل عن أحمد رضي الله عنه فإنه يشبه ما نقل عنه من جواز الإقسام ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يجب بذلك الكفارة، فإن الإقسام به PageV05P115 ### || CHECK - جمهور السلف والخلف على أنه لا ينعقد اليمين بمخلوق، لا الأنبياء ولا غيرهم ms0823 # في اليمين كالإقسام به على الله، وكالتوسل بذاته. # وهذه الرواية عن أحمد لم يوافقها [أحد] من الأئمة، بل جمهور الأئمة على ~~الرواية الأخرى عنه، وهو أنه لا يشرع الحلف بمخلوق لا النبي ولا غيره، ولا ~~يجب بذلك كفارة. وتلك الرواية اختارها طائفة من أصحابه ونصروها في الخلاف، ~~كالقاضي والشريف أبي جعفر وابن عقيل وغيرهم. ثم أكثر هؤلاء يقولون: هذا ~~الحكم مختص به، لكون الإيمان به بخصوصه ركنا في الإيمان، لا يتم الإيمان ~~إلا بالشهادتين. وذكر ابن عقيل أن حكم سائر الأنبياء كذلك في انعقاد اليمين ~~بالحلف بهم. # وأما جماهير علماء المسلمين من السلف والخلف فعلى أنه لا ينعقد اليمين ~~بمخلوق، لا الأنبياء ولا غيرهم، كالرواية الثانية عن أحمد. وهذا مذهب مالك ~~والشافعي وأبي حنيفة واختيار طائفة من أصحاب أحمد، وهذا القول هو الصواب، ~~فإنه قد ثبت في الصحيح (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا ~~تحلفوا إلا بالله"، وقال: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". وفي السنن ~~(2) عنه أنه قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك". # وقال ابن مسعود وابن عباس: "لأن أحلف كاذبا أحب إلي PageV05P116 ### || CHECK - النصوص الواردة في النهي عن الشرك به والغلو في النبي - صلى الله عليه وسلم - ### || CHECK - لا يجوز أن يشرك به أو يسوى به الأنبياء وغيرهم ### || CHECK - الحلف بغير الله من باب الشرك # [من] أن أحلف بغيره صادقا" (1). وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك ~~أعظم إثما من الكذب. وهذا يوافق أظهر قولي العلماء أن النهي عن الحلف ~~بالمخلوقات نهي تحريم لا نهي تنزيه، وهذا قول أكثر العلماء، وهو أحد ~~القولين في مذهب الشافعي وأحمد. # وإذا كان الحلف بغير الله من باب الشرك، فمعلوم أنه لا يجوز أن يشرك به ~~ولا يعدل به ولا يسوى به الأنبياء وغيرهم، قال تعالى: (ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80)) ~~(2)، وقال تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا (56) أولئك الذين يدعون ms0824 يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57)) (3). قال طائفة ~~من السلف (4): كان قوم يدعون الملائكة والأنبياء، فأنزل الله هذه الآية بين ~~فيها أن الملائكة والأنبياء قد يتقربون إلى الله ويرجونه ويخافونه، كما أن ~~سائر العباد يتقربون إلى الله ويرجونه ويخافونه، فلا يجوز دعاء الملائكة ~~والأنبياء. وقد قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ما شاء الله وشئت، ~~فقال: "أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده" (5). وقال: "لا تقولوا ما ~~شاء الله PageV05P117 # وشاء محمد، بل قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد" (1). فنهاهم [أن] يشركوا ~~به حتى في مثل هذه الأقوال. # وقد أمر الله أن يقول: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ~~ألا نعبد إلا الله) (2) الآية. ولما قال الأعرابي: ومن يعصهما فقد غوى، ~~قال: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله" (3). # مع أنه قد روي عنه أنه قال: "ومن يعصهما" (4)، وذلك لأن هذا إذا قاله من ~~جعل طاعة الرسول تابعة لطاعة الله ويجعله عبدا لله ورسولا، لم ينكر عليه ~~الجمع بينهما في الضمير، بخلاف من قد لا يفهم ذلك، بل يجعل الرسول ندا، ~~كقول القائل: ما شاء الله وشاء محمد. # وأيضا فقد نهى معاذا وغيره عن السجود له، وقال: "أرأيت لو مررت بقبري ~~أكنت ساجدا لقبري"؟ قال: لا، قال: "فإنه لا يصلح السجود إلا لله" (5). PageV05P118 # وأيضا فقد ثبت في الصحيح (1) أنهم لما صلوا خلفه قياما وهو قاعد لمرضه ~~قال: "لا تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضها بعضا". # فنهاهم أن يقوموا -مع أن قيامهم كان لله- لئلا يشبهوا من يقوم له. # وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" (2). # وفي الصحيحين (3) عنه أنه قال [في] مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا. قالت عائشة (4): ولولا ذلك ~~لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. # وفي السنن (5) عنه أنه قال: "لا تتخذوا بيتي عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم، ~~فإن صلاتكم تبلغني". # وفي الصحيح (6) عنه أنه قال: "لا ms0825 تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، ~~فإنما أنا [عبد] فقولوا: عبد الله ورسوله". # فهذه النصوص وغيرها تبين أنه نهاهم عن الشرك به والغلو فيه، وسد هذه ~~الذريعة بنهيهم أن يتخذوا قبره مسجدا، وأن يقولوا PageV05P119 ### || CHECK - كل ما كان من خصائص الرب فلا يجوز أن يفعل بمخلوق، لا الأنبياء ولا غيرهم # ما شاء الله وشاء محمد، وأنه دفن في بيته ولم يظهر قبره خوف الإشراك. # وإذا كان كذلك، والقسم بالمخلوق شرك بالمخلوق، والشرك لا يجوز به ولا ~~بغيره، فلا يجوز القسم به، كما قال الجمهور، ولا تنعقد اليمين به، ولا يجب ~~بذلك كفارة. # وقد تنازع العلماء في الصلاة عليه عند الذبيحة، فكره ذلك مالك وأحمد ~~وغيرهما، لئلا يذكر على الذبيحة غير الله، خوفا من الإهلال بها لغير الله ~~من أن ذلك صلاة عليه. ورخص في ذلك الشافعي وأبو إسحاق ابن شاقلا من أصحاب ~~أحمد، قالوا: لأن الصلاة عليه من باب الإيمان، وهذا بخلاف الإقسام به، فإن ~~الإقسام بسائر المخلوقات شرك به، والشرك به لا يجوز بحال. # وكل ما كان من خصائص الرب: كالعبادة لله، والنذر لله، والصدقة لله، ~~والتوكل على الله، والخوف من الله، والخشية لله، والرغبة إلى الله، ~~والاستعانة به، وغير ذلك مما هو من خصائص الرب= فإنه لا يجوز أن يفعل ~~بمخلوق، لا الأنبياء ولا غيرهم، ولا يستثنى من ذلك أحد. # وإذا كان الإقسام به منهيا عنه لا ينعقد به اليمين ولا يجب به الكفارة، ~~فالاقسام به على الله أولى أن يكون منهيا عنه، وكذلك الإقسام بسائر ~~المخلوقات على الله. # وكذلك التوسل بذواب الملائكة والأنبياء والصالحين أيضا كذلك، فإن أعظم ~~الوسائل للخلق إلى الله هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأعظم وسائل الخلق ~~إلى الله التوسل بإيمان به: بتصديقه فيما أخبر، PageV05P120 ### || CHECK - لم يشرع النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته الإقسام بأحد من الأنبياء والصالحين على الله ### || CHECK - التوسل إلى الله إنما هو بالإيمان بالرسول وتصديقه وطاعته # وطاعته فيما أوجب وأمر، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وتحليل ما حلل، ms0826 ~~وتحريم ما حرم، وإرضائه ومحبته، وتقديمه في ذلك على الأهل والمال. فهذه ~~الوسيلة التي أمرنا الله بها في قوله: (اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) ~~(1). فالوسيلة ما يتوسل به، [و] هو ما يتوصل [به]، والتوسل والتوصل إلى ~~الله إنما هو بالإيمان بالرسول وتصديقه وطاعته، لا وسيلة للخلق إلى الله ~~إلا هذه الوسيلة. ثم من آمن بالرسول إذا دعا له الرسول وشفع فيه، كان دعاء ~~الرسول وشفاعته مما يتوسل به. فهذا هو التوسل بالرسول. # فأما إذا قدر أن الرجل لم يطعه، وهو لم يدع للإنسان، فنفس ذات الرسول لا ~~ينفع الإنسان شيئا، بل هو أعظم الخلق عند الله قدرا وجاها، وذلك فضل الله ~~عليه وإحسانه إليه، وإنما ينتفع العباد من ذلك بما يقوم بهم من الإيمان به، ~~أو ما يقوم به من الدعاء لهم. فأما إذا قام بهم دعاؤه والإقسام به فهذا لا ~~ينفعهم. # والدعاء من أفضل العبادات، ولم ينقل أحد عنه أنه شرع لأمته الإقسام بأحد ~~من الأنبياء والصالحين على الله، فمن جعل ذلك مشروعا -واجبا أو مستحبا- فقد ~~قفا ما لا علم له به، وقال قولا بلا حجة، وشرع دينا لم يأذن به الله. # وإذا لم يكن ذلك واجبا ولا مستحبا كان من فعله معتقدا أنه واجب أو مستحب ~~مخطئا في ذلك، وإذا كان مجتهدا [أو] مقلدا PageV05P121 ### || CHECK - أهل السنة يتبعون الحق الذي جاء به الكتاب والسنة ### || CHECK - شأن أهل البدع أنهم يبتدعون بدعة ويوالون عليه ويعادون # فله حكم أمثاله من المجتهدين والمقلدين يعفى عن خطئه. فأما إذا أنكر على ~~غيره بلا علم، ورد الأقوال بلا حجة، وذم غيره ممن هو مجتهد أو مقلد، فهو ~~مستحق للتعزير والزجر، وإن كان المنازع له مخطئا، فإن المجتهد المخطئ غفر ~~الله له خطأه، فكيف إذا كان المنازع له المصيب وهو المخطئ؟! # ولكن شأن أهل البدع أنهم يبتدعون بدعة، ويوالون عليها ويعادون، ويذمون بل ~~يفسقون بل يكفرون من خالفهم، كما يفعل الخوارج والرافضة والجهمية وأمثالهم. ~~وأما أهل العلم والسنة فيتبعون الحق الذي جاء به الكتاب ms0827 والسنة، ويعذرون من ~~خالفهم إذا كان مجتهدا مخطئا أو مقلدا له، فإن الله سبحانه وتعالى تجاوز ~~لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال في دعاء المؤمنين: (ربنا لا تؤاخذنا ~~إن نسينا أو أخطأنا) (1). وقد ثبت في الصحيح (2) أن الله استجاب هذا ~~الدعاء، وقال: قد فعلت. # والكلام على هذه المسائل قد بسط في مواضع غير هذا، وصنفت فيه مصنفات، ~~وللعلماء في ذلك وما يتعلق به من الكلام ما لا يتسع له هذا الموضع. والله أعلم. # (آخره. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ~~تسليما). PageV05P122 ### | CHECK (3) الفتيا الأزهرية (في مسألة كلام الله) # الفتيا الأزهرية (في مسألة كلام الله) PageV05P123 ### || CHECK - من قال: "إن القرآن عبارة عن كلام الله"، وقع في محذورات # (قال في فتيا له تسمى "بالأزهرية":) # ومن قال: إن القرآن عبارة عن كلام الله تعالى، وقع في محذورات: # أحدها: قولهم "إن هذا ليس هو كلام الله"، فإن نفي هذا الإطلاق خلاف ما ~~علم بالاضطرار من دين الإسلام، وخلاف ما دل عليه الشرع والعقل. # والثاني: قولهم "عبارة" إن أرادوا أن هذا الثاني هو الذي عبر عن كلام ~~الله تعالى القائم بنفسه، لزم أن يكون كل تال معبرا عما في نفس الله تعالى. ~~والمعبر عن غيره هو المنشئ للعبارة، فيكون كل قارئ هو المنشئ لعبارة ~~القرآن. وهذا معلوم الفساد بالضرورة. # وإن أرادوا أن القرآن العربي عبارة عن معانيه، فهذا حق، إذ كل كلام فلفظه ~~عبارة عن معناه، لكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام متناولا للفظ والمعنى. # الثالث: أن الكلام قد قيل: إنه حقيقة في اللفظ مجاز في المعنى، وقيل: ~~حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ، وقيل: بل حقيقة في كل منهما. والصواب الذي ~~عليه السلف والأئمة أنه حقيقة في مجموعهما. # كما أن الإنسان قيل: هو حقيقة في البدن فقط، وقيل: بل في الروح فقط. ~~والصواب أنه حقيقة في المجموع. فالنزاع في الناطق كالنزاع في منطقه. PageV05P125 ### || CHECK - بيان خطئهم في قولهم "هو العبارة عن المعنى القائم بالذات" من وجهين # وإذا ms0828 كان كذلك فالمتكلم إذا تكلم بكلام له لفظ ومعنى، وبلغ عنه بلفظه ~~ومعناه، فإذا قيل: ما بلغه المبلغ من اللفظ إن هذا عبارة عن القرآن، وأراد ~~به المعنى الذي للمبلغ عنه= نفى عنه اللفظ الذي للمبلغ عنه، والمعنى الذي ~~قام بالمبلغ. فمن لم يثبت إلا القرآن المسموع الذي هو عبارة عن المعنى ~~القائم بالذات، قيل له: فهذا الكلام المنظوم الذي كان موجودا قبل قراءة ~~القراء هو موجود قطعا وثابت، فهل هو داخل في العبارة والمعبر عنه أو ~~غيرهما؟ # فإن جعلته غيرهما بطل اقتصارك على العبارة والمعبر عنه، وإن جعلته أحدهما ~~لزمك إن لم تثبت إلا هذه العبارة والمعنى القائم بالذات أن تجعله نفس ما ~~سمع من القراء، فتجعل عين ما بلغه المبلغون هو عين ما سمعوه، وهذا الذي ~~فررت منه. # وأيضا فيقال له: القارئ المبلغ إذا قرأ فلابد له فيما يقوم به من لفظ ~~ومعنى، وإلا كان اللفظ الذي قام به عبارة عن القرآن، فيجب أن يكون عبارة عن ~~المعنى الذي قام به، لا عن معنى قام بغيره. # فقولهم "هذا هو العبارة عن المعنى القائم بالذات" أخطأوا من وجهين: # أخطأوا في بيان مذهبهم، فإن حقيقة قولهم: أن اللفظ المسموع من القارئ ~~حكاية اللفظ الذي عبر به عن معنى القرآن مطلقا، وذلك أن اللفظ عبارة عن ~~المعنى القائم بالذات، ولفظه ومعناه حكاية عن ذلك اللفظ والمعنى. PageV05P126 ### || CHECK - مذهب الشافعي وسائر الأئمة في القرآن خلاف قول الأشعري ### || CHECK - أول من قال بالعبارة الأشعري ### || CHECK - أول من قال هذا في الإسلام: ابن كلاب # ثم إذا عرف مذهبهم بقي خطؤهم في أصول: # منها: زعمهم أن معاني القرآن معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر، وأن معنى ~~التوراة والإنجيل والقرآن معنى واحد، ومعنى آية الكرسي معنى آية الدين. ~~وفساد هذا معلوم بالضرورة. # ومنها: زعمهم أن القرآن العربي لم يتكلم الله به. # (وأطال في ذلك وبرهن عليه بما يطول هنا ذكره، وقال بعد ذلك:) # وأول من قال هذا في الإسلام عبد الله بن سعيد بن كلاب، وجعل ms0829 القرآن ~~المنزل حكاية عن ذلك المعنى. فلما جاء الأشعري واتبع ابن كلاب في أكثر ~~مقالته ناقشه على قوله: "إن هذا حكاية عن ذلك"، وقال: الحكاية تماثل ~~المحكي. فهذا اللفظ يصح من المعتزلة، لأن ذلك المخلوق حروف وأصوات عندهم ~~وحكاية مثله، وأما على أصل ابن كلاب فلا يصح أن يكون حكاية. بل نقول: "إنه ~~عبارة عن المعنى". # فأول من قال بالعبارة الأشعري. وكان البلاقلاني -فيما ذكر عنه- إذا درس ~~مسألة القرآن يقول: هذا قول الأشعري ولم يتبين صحته، أو كلاما هذا معناه. # وكان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول: مذهب الشافعي وسائر الأئمة في ~~القرآن خلاف قول الأشعري، وقولهم هو قول الإمام أحمد (1). PageV05P127 ### || CHECK - معنى "الحكاية" في اللغة ### || CHECK - من قال: "إن القرآن حكاية كلام الله" فقد غلط وضل # وكذلك أبو محمد الجويني ذكر أن الأشعري خالف في مسألة الكلام قول الشافعي ~~وغيره، وأنه أخطأ في ذلك. # وكذلك سائر أئمة أصحاب مالك والشافعي وغيرهما يذكرون قولهم في حد الكلام ~~وأنواعه من الأمر والنهي والخبر العام والخاص وغير ذلك، ويجعلون الخلاف في ~~ذلك مع الأشعري، كما هو مبين في أصول الفقه التي صنفها أئمة أصحاب أبي ~~حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم. # (ثم قال بعد ذلك:) ومن قال من المعتزلة والكلابية: إن القرآن المنزل ~~حكاية ذلك، وظنوا أن المبلغ حاك لذلك الكلام، ولفظ الحكاية قد يراد به ~~محاكاة الناس فيما يقولونه ويفعلونه اقتداء بهم وموافقة لهم؛= فمن قال: إن ~~القرآن حكاية كلام الله تعالى بهذا المعنى، فقد غلط وضل ضلالا مبينا، فإن ~~القرآن لا يقدر الناس على أن يأتوا بمثله، ولا يقدر أحد أن يأتي بما يحكيه. # وقد يراد بلفظ "الحكاية" النقل والتبليغ، كما يقال: "فلان حكى عن فلان ~~أنه قال كذا"، كما يقال عنه: "نقل عنه". فهذا بمعنى التبليغ للمعنى. وقد ~~يقال: "حكي عن فلان أنه قال كذا وكذا"، لما قاله بلفظه ومعناه، فالحكاية ~~هنا بمعنى التبليغ للفظ والمعنى، لكن يفرق بين أن يقول: حكيت كلامه على وجه ~~المماثلة له، وبين أن يقول: حكيت عنه ms0830 كلامه، وبلغت عنه أنه قال مثل قوله من ~~غير تبليغ عنه، وقد يراد به المعنى الآخر، وهو أنه بلغ عنه ما قاله. # فإن أريد المعنى الأول جاز أن يقال: هذا حكاية كلام فلان، PageV05P128 # وهذا مثل كلام فلان، وليس هو مبلغا عنه كلامه. وإن أريد به المعنى الثاني ~~-وهو ما إذا حكى الإنسان عن غيره ما يقوله وبلغه عنه- فهنا يقال: هذا كلام ~~فلان، ولا يقال: هذا حكاية كلام فلان. # كما لا يقال: هذا مثل كلام فلان. بل قد يقال: هذا كلام فلان بعينه، بمعنى ~~أنه لم يغيره ولم يحرف، ولم يزد ولم ينقص. PageV05P129 ### | CHECK (4) فتوى في الخضر # فتوى في الخضر PageV05P131 ### || CHECK - الحديث الذي يروى في اجتماع الخضر وإلياس كل عام ... ضعيف ### || CHECK - ليس في حياة الخضر خبر صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة # بسم الله الرحمن الرحيم # (قال بعد حكاية القول بحياة الخضر واحتجاج القائلين به ما نصه:) # وقالت طائفة: هو ميت، فإن حياته ليس فيها دليل يصلح مثله للخروج عن ~~العادة المعروفة في بني آدم، وذلك بأن حياته ليس فيها خبر صحيح عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه. والحديث المذكور في مسند الشافعي (1) ~~مرسل ضعيف. والحديث الذي يروى في اجتماع الخضر وإلياس كل عام بالموسم ~~وافتراقهما على تلك الكلمات (2) هو أضعف من ذلك الحديث، والكلمات كلمات ~~حسنة، لكن الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - باجتماعهما كل عام ~~وافتراقهما على هؤلاء الكلمات خبر ضعيف. وإذا لم يكن فيه خبر صحيح عمن علم ~~أمته كل شيء، PageV05P133 ### || CHECK - لو كان حيا لكان اجتمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وآمن به وجاهد معه # وقال أبو ذر (1): لقد توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر ~~يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما، ونحو ذلك، مع أنه أخبرهم ~~بقصته مع موسى وتفصيل ما جرى له معه، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "وددت أن موسى صبر حتى يقص علينا من خبرهما" (2). فلو كان حيا كانت ms0831 ~~حياته أعجب من ذلك كله، فكيف لا يخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ ~~أم كيف يخبر به فلا يبلغه أصحابه ولا كان هذا معروفا عندهم؟ # وأيضا فلو كان حيا لكان يجتمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه قد ~~اجتمع به ليلة المعراج من مات قبله، فكيف لا يجتمع به من هو حي في وقته؟ # وأيضا كان يجب عليه الإيمان به والمجاهدة معه، كما قال تعالى: (وإذ أخذ ~~الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) ~~(3) الآية. قال ابن عباس (4): ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن ~~بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن ~~بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. # والخضر إما نبي أو من أتباع الأنبياء، وعلى التقديرين فعليه أن يؤمن ~~بمحمد وينصره، ومعلوم أن ذلك لو وقع لكان مما تتوفر الدواعي والهمم على ~~نقله، فقد نقل الناس من آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - من الأحبار PageV05P134 ### || CHECK - قول من قال: "إن الرجل الذي يقتله الدجال هو الخضر" لا أصل له ### || CHECK - لو وقع اجتماعه به لتوفرت الدواعي والهمم على نقله # والرهبان، فكيف لا ينقل إيمان الخضر وجهاده معه لو كان قد وقع؟ # وقول من قال: "الخضر كان حيا في حياته" بمنزلة قول من يقول: "يوشع بن نون ~~كان حيا أو بعض أنبياء بني إسرائيل كإلياس"، وهذا باطل لمقدمتين: # إحداهما: لو كان حيا لوجب عليه أن يؤمن به ويهاجر إليه ويجاهد معه. # والثانية: أن ذلك لو وقع لتوفرت الدواعي والهمم على نقله. # وإذا كان هارون ونحوه تبعا لموسى، وكان أنبياء بني إسرائيل تبعا لموسى، ~~فكيف لا يكون الخضر ونحوه إن قدر نبوته تبعا لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~الذي ما خلق الله خلقا أكرم عليه منه، وما تلقوه عن الله بواسطة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - أفضل مما تلقوه بغير واسطة موسى. # وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر بنزول المسيح ms0832 ابن مريم ~~آخر الزمان، وذكر أنه يحكم فينا بكتاب الله وسنة رسوله (1)، والمسيح أفضل ~~من الخضر، فلو كان الخضر حيا لكان يكون مع محمد ومع المسيح ابن مريم. وقول ~~بعض الناس (2): "إن الرجل الذي يقتله الدجال هو الخضر" لا أصل له. PageV05P135 ### || CHECK - ليس في العلم بحياة الخضر بتقدير صحتها منفعة للمسلمين # (ثم قال:) وعدم إيمانه بموسى إنما كان لأن موسى لم يبعث إليه، كما في ~~الحديث الصحيح (1): إن موسى لما سلم عليه قال له: وأنى بأرضك السلام؟ فقال: ~~أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. وقال في أثنائه: يا موسى إني ~~على علم علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. # وأما محمد - صلى الله عليه وسلم - فدعوته عامة لجميع الخلق أسودهم ~~وأحمرهم، فلا يمكن الخضر وغيره أن يعامل محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~ويخاطبه كما عامل موسى وخاطبه، بل على كل من أدرك مبعثه أن يؤمن به ويجاهد ~~معه، ولا يستغني بما عنده عما عنده. وكل من جوز لأحد ممن أدركته دعوة ~~الرسول أن يكون مع محمد كما كان الخضر مع موسى= فهو ضال ضلالا مبينا، بل هو ~~كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. # ولهذا لم يكن في العلم بحياة الخضر بتقدير صحتها ولا في وجوده حيا منفعة ~~للمسلمين، ولا فائدة لهم في ذلك، فإنه في المسند والنسائي عن جابر (2) أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة، ~~فقال: "أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لو كان موسى حيا ~~لما وسعه إلا اتباعي". # فإذا كان هذا حال الأمة مع موسى فكيف مع الخضر وأمثاله؟ PageV05P136 # والمسيح إذا نزل إنما يحكم في الأمة بكتاب ربها وسنة نبيها. فليست هذه ~~الأمة محتاجة في شيء من دينها إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، لا إلى شيء ~~آخر، ولا إلى غير نبي لا خضر ولا غيره، فإن الذي يجيئهم إن جاءهم بما علم ~~في الكتاب والسنة لم يحتج ms0833 إليه فيه، وإن جاءهم بخلاف ذلك كان مردودا عليه. # ولهذا كان أكثر من يتكلم في هذه الأشياء أهل الضلال والحيرة والتهوك ~~الذين لم يستبينوا طريق الهدى من كتاب الله وسنة رسوله، بل يتعلقون ~~بالمجهولات ويرجعون إلى الضلالات. ونجد كثيرا منهم يعنون بالخضر الغوث. # (ثم أطال الكلام في تقرير ذلك). PageV05P137 ### | CHECK (5) سؤال في يزيد بن معاوية # سؤال في يزيد بن معاوية PageV05P139 ### || CHECK - عمه يزيد بن أبي سفيان كان من الصحابة ### || CHECK - يزيد لم يكن من الصحابة ### || CHECK - هل كان صحابيا؟ وهل في الصحابة من اسمه يزيد؟ # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين # سئل شيخ الإسلام الإمام العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية رضي ~~الله عنه: # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في يزيد بن ~~معاوية هل كان صحابيا؟ وما حكم من يعتقد أنه [كان] صحابيا أو أنه كان نبيا؟ ~~وهل في الصحابة من اسمه يزيد؟ # فأجاب رضي الله عنه فقال: # الحمد لله رب العالمين. يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الذي تولى على ~~المسلمين بعد أبيه معاوية بن أبي سفيان لم يكن من الصحابة، ولكن عمه يزيد ~~بن أبي سفيان من الصحابة. فإن أبا سفيان بن حرب كان له عدة أولاد: منهم ~~يزيد بن أبي سفيان، ومنهم معاوية بن أبي سفيان، ومنهم أم حبيبة أم ~~المؤمنين، تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت قد آمنت قبل ~~أبيها وأخويها، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، ثم حلت من زوجها، فخطبها النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. وزوجها ابن عمها خالد بن سعيد (1). وأصدق النجاشي ~~صداقها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (2). PageV05P141 # وزوجة أبي سفيان هند بنت عتبة بن ربيعة. # فلما كان عام فتح مكة أسلم أبو سفيان وامرأته وأولاده، وأسلم سائر رؤساء ~~قريش مثل سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام أخي أبي جهل بن هشام، وأبي سفيان ~~بن الحارث بن عبد المطلب وهو ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وغير ~~هؤلاء، وأسلم أيضا عكرمة ms0834 بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وغيرهما. # وهؤلاء كانوا سادات قريش وأكابرهم بعد الذين قتلوا منهم ببدر، وكانوا قبل ~~ذلك كفارا محاربين لله ورسوله، قد قاتلوه يوم أحد ويوم الأحزاب، ثم لما فتح ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة من عليهم وأطلقهم فسموا الطلقاء. # وكان قد أخذ بعضادتي البيت فقال (1): ماذا أنتم قائلون؟ # قالوا: نقول: أخ كريم وابن عم كريم، قال: إني قائل لكم ما قال يوسف ~~لإخوته: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92)) (2). # وكان إسلام أبي سفيان قبل دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة بمر ~~الظهران. # وهرب منه عكرمة ثم رجع فأسلم. وصفوان وغيره شهدوا حنينا وهم كفار، ثم ~~أسلموا بعد ذلك. PageV05P142 ### || CHECK - جعل أبو بكر يزيد بن أبي سفيان أميرا للجيش ووصاه بوصية معروفة # وعامة هؤلاء الذين أسلموا عام الفتح حسن إسلامهم، مثل سهيل بن عمرو، ومثل ~~عكرمة بن أبي جهل، ومثل يزيد بن أبي سفيان، ومثل الحارث بن هشام، ومثل أبي ~~سفيان بن الحارث. # فإن هؤلاء صاروا من خيار المسلمين. # فلما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستخلف أبو بكر وقام بجهاد ~~المرتدين والكافرين أمر الأمراء لقتال النصارى بالشام وفتح الشام. فكان ممن ~~أمره يزيد بن أبي سفيان أخو معاوية وعم يزيد الذي تولى الملك. وأمر خالد بن ~~الوليد، وأمر عمرو بن العاص، وأمر شرحبيل بن حسنة، وهؤلاء كلهم من الصحابة. # ومشى أبو بكر الصديق في ركاب يزيد بن أبي سفيان ووصاه بوصية معروفة عند ~~العلماء ذكرها مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة وغيرهم، واعتمد ~~عليها العلماء في الجهاد. # ففي "الموطأ" (1) عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر الصديق بعث جيوشا إلى ~~الشام، فخرج معه يزيد بن أبي سفيان وكان أمير ربع من تلك الأرباع. فزعموا ~~أن يزيد قال لأبي بكر: إما أن تركب وإما أن أنزل. فقال أبو بكر: ما أنت ~~بنازل وما أنا براكب. إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله. # ثم قال: إنك ستجد قوما حبسوا أنفسهم ms0835 لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا ~~أنفسهم له. وستجد قوما فحصوا عن أوساط PageV05P143 ### || CHECK - ثم كان من نواب عمر بن الخطاب على الشام # رؤوسهم، فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف. وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ~~ولا صبيا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا، ولا ~~تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلا ولا تفرقنه، ولا تجبن ولا ~~تغلل. وذكر وصية أخرى. # ويزيد هذا الذي أمره الصديق وكان من الصحابة هو عند المسلمين من خيار ~~المسلمين، وهو رجل صالح، وهو عند المسلمين خير من أبيه أبي سفيان ومن أخيه ~~معاوية. # فلما فتح المسلمون بلاد الشام في خلافة أبي بكر وعمر وتوفي أبو بكر ~~واستخلف عمر، كان أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ~~وشرحبيل بن حسنة نوابا لعمر بن الخطاب على الشام. # وكان الشام أربعة أرباع: # الربع الواحد: ربع فلسطين، وهو بيت المقدس إلى نهر الأردن الذي يقال له ~~الشريعة. # والربع الثاني: ربع الأردن وهو من الشريعة إلى نواحي عجلون إلى أعمال دمشق. # والربع الثالث: دمشق. # والربع الرابع: حمص. # وكانت سيس وأرض الشمال من أعمال حمص. PageV05P144 ### || CHECK - ولد يزيد بن معاوية في خلافة عثمان ### || CHECK - بعد وفاته ولى عمر مكانه أخاه معاوية بن أبي سفيان ### || CHECK - توفي يزيد بن أبي سفيان في أثناء خلافة عمر # ثم إنه في زمن معاوية أو يزيد جعل الشام خمسة أجناد، وجعلت قنسرين ~~والعواصم أحد الأخماس. # وكان المسلمون قد فتحوا الشام جميعها إلى سيس وغيرها، وفتحوا قبرص. كان ~~معاوية قد فتحها في خلافة عثمان بن عفان. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر بغزوات البحر، وأخبر أم حرام ~~بنت ملحان أنها تكون فيهم (1)، فكان كما أخبر به النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # فلما كان في أثناء خلافة عمر بن الخطاب مات في خلافته أبو عبيدة بن ~~الجراح، ومات أيضا يزيد بن أبي سفيان. # ولما كان المسلمون يقاتلون الكفار، ويزيد بن أبي سفيان أحد الأمراء، كان ~~أبوه ms0836 أبو سفيان وأخوه معاوية يقاتلان معه تحت رايته، وأصيب يومئذ أبو ~~سفيان، أصيبت عينه في القتال. # فلما مات يزيد بن أبي سفيان في خلافة عمر، ولى عمر مكانه على أحد أرباع ~~الشام أخاه معاوية بن أبي سفيان. # وبقي معاوية أميرا على ذلك، وكان حليما كريما، إلى أن قتل عمر. ثم أقره ~~عثمان على إمارته، وضم إليه سائر الشام، فصار نائبا على الشام كله. # وفي خلافة عثمان ولد لمعاوية ولد سماه يزيد باسم أخيه يزيد. PageV05P145 ### || CHECK - عمر بن عبد العزيز أفضل من غيره من الخلفاء ### || CHECK - كان خليفة من الخلفاء الذين لهم حسنات وسيئات ### || CHECK - ليس هو من الصحابة ولا من الخلفاء الراشدين # وهذا يزيد الذي ولد في خلافة عثمان هو الذي تولى الملك بعد أبيه معاوية، ~~وهو الذي قتل الحسين في خلافته، وهو الذي جرى بينه وبين أهل الحرة ما جرى. ~~وليس هو من الصحابة، ولا من الخلفاء الراشدين المهديين، بل هو خليفة من ~~الخلفاء الذين تولوا بعد الخلفاء الراشدين، كأمثاله من خلفاء بني أمية وبني ~~العباس. # وهؤلاء الخلفاء لم يكن فيهم من هو كافر، بل كلهم كانوا مسلمين، ولكن لهم ~~حسنات وسيئات، كما لأكثر المسلمين، وفيهم من هو خير وأحسن سيرة من غيره، ~~كما كان سليمان بن عبد الملك الذي ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة من بني ~~أمية، والمهدي والمهتدي، وغيرهما من خلفاء بني العباس، وفيهم من كان أعظم ~~تأييدا وسلطانا، وأقهر لأعدائه من غيره، كما كان عبد الملك والمنصور. # وأما عمر بن عبد العزيز فهو أفضل من هؤلاء كلهم عند المسلمين، حتى كان ~~غير واحد من العلماء كسفيان الثوري وغيره يقولون: الخلفاء خمسة: أبو بكر، ~~وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر ابن عبد العزيز. وإذا قيل: "سيرة العمرين" فقد ~~قال أحمد بن حنبل وغيره: العمران عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز. وأنكر ~~أحمد على من قال: العمران أبو بكر وعمر. # وكان عمر بن عبد العزيز قد أحيا السنة، وأمات البدعة، ونشر العدل، وقمع ~~الظلمة من أهل بيته وغيرهم، ms0837 ورد المظالم التي كان الحجاج بن يوسف وغيره ~~ظلموها للمسلمين، وقمع أهل البدع - كالذين كانوا يسبون عليا، وكالخوارج ~~الذي كانوا يكفرون عليا PageV05P146 ### || CHECK - ومن قال: إنه كان كافرا وإنه قتل الحسين تشفيا، فهو أيضا كاذب مفتر ### || CHECK - ومن جعله من الخلفاء الراشدين فهو أيضا ضال مبتدع ### || CHECK - ومن قال: إنه من الأنبياء، فإنه كافر مرتد ### || CHECK - من قال: إنه من الصحابة، فهو كاذب مفتر ### || CHECK - يزيد أول من غزا القسطنطينية في خلافة معاوية ### || CHECK - غيره من الخلفاء لم يبلغوا في العلم والدين والعدل مبلغه # وعثمان ومن والاهما، وكالقدرية مثل غيلان القدري وغيره، وكالشيعة الذين ~~كانوا يثيرون الفتن- بعلمه ودينه وعدله. # وأما غيره من الخلفاء فلم يبلغوا في العلم والدين والعدل مبلغه، ولكن ~~كانوا مسلمين باطنا وظاهرا، لم يكونوا معروفين بكفر ولا نفاق، وكان لهم ~~حسنات كما لهم سيئات. وكثير منهم أو أكثرهم له حسنات يرحمه الله بها، ~~وتترجح على سيئاته، ومقادير ذلك على التحقيق لا يعلمه إلا الله. # ويزيد هذا الذي ولي الملك هو أول من غزا القسطنطينية، غزاها في خلافة ~~أبيه معاوية. وقد روى البخاري في "صحيحه" (1) عن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له". # ومن قال إن يزيد هذا كان من الصحابة فهو كاذب مفتر، يعرف أنه لم يكن من ~~الصحابة، فإن أصر على ذلك عوقب عقوبة تردعه. # وأما من قال إنه كان من الأنبياء فإنه كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. # ومن جعله من الخلفاء الراشدين المهديين فهو أيضا ضال مبتدع كاذب. # ومن قال أيضا إنه كان كافرا، أو إن أباه معاوية كان كافرا، PageV05P147 ### || CHECK - ديوان الشعر الذي يعزى إليه عامته كذب # وإنه قتل الحسين تشفيا وأخذا بثأر أقاربه من الكفار فهو أيضا كاذب مفتر، ~~ومن قال إنه تمثل لما أتي برأس الحسين: # لما بدت تلك الحمول وأشرفت ... تلك الرؤوس على ربى جيرون # نعق الغراب فقلت نح أو لا تنح ... فلقد قضيت من النبي ديوني (1) # أو "من الحسين ms0838 ديوني". # والديوان الشعري الذي يعزى إليه عامته كذب، وأعداء الإسلام كاليهود ~~وغيرهم يكتبونه للقدح في الإسلام، ويذكرون فيه ما هو كذب ظاهر، كقولهم إنه ~~أنشد (2): # ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل # قد قتلنا الكبش من أقرانهم ... وعدلناه ببدر فاعتدل # وأنه تمثل بهذا ليالي الحرة فهذا كذب. # وهذا الشعر لعبد الله بن الزبعرى أنشده عام أحد لما قتل المشركون حمزة، ~~وكان كافرا ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وقال أبياتا يذكر فيها إسلامه ~~وتوبته. PageV05P148 ### || CHECK - يزيد لم يأمر بقتل الحسين، ولا حمل رأسه إليه، ولا نكت بالقضيب على ثناياه ### || CHECK - لا يجوز الغلو في يزيد ولا غيره، بل يجب أن يتكلم بعلم وعدل # فلا يجوز أن يغلى لا في يزيد ولا غيره، بل لا يجوز أن يتكلم في أحد إلا ~~بعلم وعدل. # ومن قال: إنه إمام ابن إمام، فإن أراد بذلك أنه تولى الخلافة كما تولاها ~~سائر خلفاء بني أمية والعباس فهذا صحيح، لكن ليس في ذلك ما يوجب مدحه ~~وتعظيمه، والثناء عليه وتقديمه، فليس كل من تولى أنه كان من الخلفاء ~~الراشدين والأئمة المهديين، فمجرد الولاية على الناس لا يمدح بها الإنسان ~~ولا يستحق على ذلك الثواب، وإنما يمدح ويثاب على ما يفعله من العدل والصدق، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد وإقامة الحدود، كما يذم ويعاقب ~~على ما يفعله من الظلم والكذب والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وتعطيل ~~الحدود، وتضييع الحقوق، وتعطيل الجهاد. # وقد سئل أحمد بن حنبل، عن يزيد أيكتب عنه الحديث؟ فقال: لا، ولا كرامة، ~~أليس هو الذي فعل بأهل الحرة ما فعل؟ # وقال له ابنه: إن قوما يقولون إنا نحب يزيد. فقال: هل يحب يزيد أحد فيه ~~خير؟ فقال له: فلماذا لا تلعنه؟ فقال: ومتى رأيت أباك يلعن أحدا؟ # ومع هذا فيزيد لم يأمر بقتل الحسين، ولا حمل رأسه إلى بين يديه، ولا نكت ~~بالقضيب على ثناياه، بل الذي جرى هذا منه هو عبيد الله بن زياد، كما ثبت ~~ذلك في "صحيح البخاري" ms0839 (1)، ولا طيف برأسه PageV05P149 ### || CHECK - كان بالعراق طائفتان: النواصب (منهم الحجاج بن يوسف)، والشيعة (منهم المختار بن أبي عبيد) # في الدنيا، ولا سبي أحد من أهل الحسين، بل الشيعة كتبوا إليه وغروه، ~~فأشار عليه أهل العلم والنصح بأن لا يقبل منهم، فأرسل ابن عمه مسلم بن ~~عقيل، فرجع أكثرهم عن كتبهم، حتى قتل ابن عمه، ثم خرج منهم عسكر مع عمر بن ~~سعد حتى قتلوا الحسين مظلوما شهيدا، أكرمه الله بالشهادة كما أكرم بها أباه ~~وغيره من سلفه سادات المسلمين. # وكان بالعراق طائفتان: طائفة من النواصب تبغض عليا وتشتمه، وكان منهم ~~الحجاج بن يوسف، وطائفة من الشيعة تظهر موالاة أهل البيت منهم المختار بن ~~أبي عبيد الثقفي. وقد ثبت في "صحيح مسلم" (1) عن أسماء، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: "سيكون في ثقيف كذاب ومبير" فكان الكذاب هو ~~المختار بن أبي عبيد الثقفي، والمبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي. # وكان المختار أظهر أولا التشيع والانتصار للحسين، حتى قتل الأمير الذي ~~أمر بقتل الحسين وأحضر رأسه إليه، ونكت بالقضيب على ثناياه: عبيد الله بن زياد. # ثم أظهر أنه يوحى إليه، وأن جبريل يأتيه، حتى بعث ابن الزبير إليه أخاه ~~مصعبا فقتله، وقتل خلقا من أصحابه. ثم جاء عبد الملك ابن مروان فقتل مصعب ~~بن الزبير. فصار النواصب والروافض في يوم عاشوراء حزبين، هؤلاء يتخذونه يوم ~~مأتم وندب ونياحة، PageV05P150 ### || CHECK - كل ما يروى في يوم عاشوراء غير صومه فهو كذب ### || CHECK - صار النواصب والروافض في يوم عاشوراء حزبين، هؤلاء يتخذونه يوم مأتم وندب ونياحة، وهؤلاء يتخذونه يوم عيد وفرح وسرور # وهؤلاء يتخذونه يوم عيد وفرح وسرور. وكل ذلك بدعة وضلالة. # وقد ثبت في الصحيح (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ليس ~~منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية". # وروى الإمام أحمد (2) عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن ~~قدمت فيحدث لها ms0840 استرجاعا إلا أعطاه من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها". # فدل هذا الحديث الذي رواه الحسين على أن المصيبة إذا ذكرت وإن قدم عهدها ~~فالسنة أن يسترجع فيها، وإذا كانت السنة الاسترجاع عند حدوث العهد بها فمع ~~تقدم العهد أولى وأحرى. # وقد قتل غير واحد من الأنبياء والصحابة والصالحين مظلوما شهيدا، وليس في ~~دين المسلمين أن يجعلوا يوم قتل أحدهم مأتما، وكذلك اتخاذه عيدا بدعة. وكل ~~ما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم عاشوراء غير صومه فهو كذب ~~(3)، مثل ما يروى في الاغتسال يوم عاشوراء، والاكتحال، وصلاة يوم عاشوراء، ~~ومثل ما يروى: "من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته" (4). ~~قال أحمد PageV05P151 ### || CHECK - أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الأديان، يتولون الصحابة وأهل البيت جميعا # ابن حنبل: لا أصل لهذا الحديث. وكذلك طبخ طعام جديد فيه الحبوب أو غيرها، ~~أو ادخار لحم الأضحية حتى يطبخ به يوم عاشوراء. # كل هذا من بدع النواصب، كما أن الأول من بدع الروافض. # وأهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الأديان، يتولون أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته ويعرفون حقوق الصحابة وحقوق القرابة كما ~~أمر الله بذلك ورسوله، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد ثبت عنه في الصحاح ~~(1) من غير وجه أنه قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين ~~يلونهم، ثم الذين يلونهم". # وثبت عنه في الصحيحين (2) أنه قال: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده ~~لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". # وثبت عنه في "صحيح" مسلم (3) عن زيد بن أرقم أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - خطب الناس بغدير يدعى خما بين مكة والمدينة، وذلك منصرفه PageV05P152 # من حجة الوداع. فقال: "يا أيها الناس! إني تارك فيكم الثقلين أحدهما كتاب ~~الله". فذكر كتاب الله وحض عليه، ثم قال: "وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل ~~بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي". قيل لزيد بن أرقم: من أهل ms0841 بيته؟ قال: ~~الذين حرموا الصدقة: آل علي، وآل العباس، وآل جعفر، وآل عقيل. قيل له: كل ~~هؤلاء من أهل بيته؟ قال: نعم. # وهذه أمور مبسوطة في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أن يزيد بن معاوية الذي تولى على المسلمين بعد أبيه لم يكن ~~من الصحابة، بل ولد في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه. # ولكن عمه يزيد بن أبي سفيان من الصحابة، وهو من خيار طبقته من الصحابة، ~~لا يعرف له في الإسلام ما يذم عليه، بل هو عند المسلمين خير من أبيه أبي ~~سفيان، ومن أخيه معاوية. ولما مات يزيد بن أبي سفيان ولى عمر أخاه معاوية ~~مكانه، ثم بقي متوليا خلافة عمر وعثمان، ثم لما قتل عثمان وقعت الفتنة ~~المشهورة. # وكان علي ومن معه أولى بالحق من معاوية ومن معه. كما ثبت في الصحيح (1) ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من ~~المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين". فمرقت الخوارج لما حصلت الفرقة، فقتلهم ~~علي وأصحابه. فدل على أنهم كانوا أولى بالحق PageV05P153 ### || CHECK - كثرة الفتن والفرقة والاختلاف بعد معاوية # من معاوية وأصحابه. # ثم لما قتل علي وصالح الحسن معاوية، وسلم إليه الخلافة كان هذا من فضائل ~~الحسن التي ظهر بها ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال في ~~الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري (1) عن أبي بكرة قال: سمعت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول للحسن: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين ~~عظيمتين من المسلمين". # ومات الحسن في أثناء ملك معاوية. # ثم لما مات معاوية تولى ابنه يزيد هذا، وجرى بعد موت معاوية من الفتن ~~والفرقة والاختلاف ما ظهر به مصداق ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- حيث قال: "سيكون نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة نبوة ورحمة، ثم يكون ملك ~~ورحمة، ثم يكون ملك عضوض" (2). # فكانت نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - نبوة ورحمة، وكانت خلافة ~~الخلفاء الراشدين خلافة نبوة ورحمة، وكانت إمارة معاوية ملكا ورحمة، ms0842 وبعده ~~وقع ملك عضوض. # وكان علي بن أبي طالب لما رجع من صفين يقول: لا تسبوا معاوية، فلو قد مات ~~معاوية لرأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها. # وكان كما ذكره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. PageV05P154 # وقد روى مسلم في "صحيحه" (1) عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: "النجوم أمنة لأهل السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما ~~توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة ~~لأمتي فإذا ذهبت أصحابي أتى أمتي ما يوعدون". # وكان كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإنه لما توفي ارتد كثير من ~~الناس، بل أكثر أهل البوادي ارتدوا، وثبت على الإسلام أهل المدينة ومكة ~~والطائف، وهي أمصار الحجاز التي كان لكل مصر طاغوت يعبدونه من الطواغيت ~~الثلاثة المذكورة في قوله: (أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة ~~الأخرى (20) ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22)) (2). # فكانت اللات لأهل الطائف، والعزى لأهل مكة، ومناة لأهل المدينة، حتى أذهب ~~الله ذلك وغيره من الشرك برسوله - صلى الله عليه وسلم -، فلما ارتد من ارتد ~~عن الإسلام وقع في أكثر المسلمين خوف وضعف، فأتاهم ما يوعدون، فأقام الله ~~أبا بكر الصديق رضي الله عنه وجعل فيه من الإيمان واليقين، والقوة ~~والتأييد، والعلم والشجاعة، ما ثبت الله به الإسلام، وقمع به المرتدين، حتى ~~عادوا كلهم إلى الإسلام، وقتل الله مسيلمة الكذاب المتنبي المدعي للنبوة، ~~وأقر جاحدو الزكاة بها. # ثم شرع في قتال فارس والروم: المجوس والنصارى، ففتح PageV05P155 ### || CHECK - ظهور الخوارج والشيعة ### || CHECK - ظهور أهل البدع والفجور بعد الخلفاء الراشدين # الله بعض الفتوح في خلافته. # ثم انتشرت الفتوح والمغازي في خلافة عمر بن الخطاب، ففي خلافته فتحت ~~الشام كلها، ومصر، والعراق، وبعض خراسان. # ثم فتحت بعض المغرب وتمام خراسان وقبرص وغيرها في خلافة عثمان. # ثم لما قتل كان المسلمون مشتغلين بالفتنة، فلم يتفرغوا لقتال الكفار وفتح ~~بلادهم، بل استطال بعض الكفار عليهم حتى احتاجوا إلى مداراتهم، وبذلوا ~~لبعضهم مالا. ولما اجتمعوا ms0843 فتحوا في خلافة معاوية ما كان قد بقي من أرض ~~الشام وغيرها. وكان معاوية أول الملوك. وكانت [ولايته] ولاية ملك ورحمة. # فلما ذهبت إمارة معاوية كثرت الفتن بين الأمة، ومات سنة ستين، وكان قد ~~مات قبله عائشة والحسن وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وزيد بن ثابت وغيرهم من ~~أعيان الصحابة، ثم بعده مات ابن عمر وابن عباس وأبو سعيد وغيرهم من علماء ~~الصحابة. # فحدث بعد الصحابة من البدع والفتن ما ظهر به مصداق ما أخبر به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وكان المسلمون لما كانوا مجتمعين في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان لم يكن ~~لأهل البدع والفجور ظهور، فلما قتل عثمان وتفرق الناس ظهر أهل البدع ~~والفجور، وحينئذ ظهرت الخوارج، فكفروا علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ومن ~~والاهما حتى قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب طاعة لله ورسوله وجهادا ~~في سبيله. PageV05P156 # واتفق الصحابة على قتالهم، لم يختلفوا في ذلك كما اختلفوا في الجمل ~~وصفين. وقد صح الحديث فيهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال الإمام ~~أحمد بن حنبل من عشرة أوجه. وقد رواها مسلم في صحيحه، وروى البخاري حديثهم ~~من غير وجه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1). # وحدثت أيضا الشيعة، منهم من يفضل عليا على أبي بكر وعمر، ومنهم من يعتقد ~~أنه كان إماما معصوما نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على خلافته، وأن ~~الخلفاء والمسلمين ظلموه، وغاليتهم يعتقدون أنه إله أو نبي، والغالية كفار ~~باتفاق المسلمين، فمن اعتقد في نبي من الأنبياء كالمسيح أنه إله، أو في أحد ~~من الصحابة كعلي بن أبي طالب، أو في أحد من المشايخ كالشيخ عدي أنه إله، أو ~~جعل فيه شيئا من خصائص الإلهية فإنه كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. # وقد عاقب علي بن أبي طالب طوائف الشيعة الثلاثة فإنه حرق الغالية الذين ~~اعتقدوا إلهيته بالنار، وطلب قتل ابن سبإ لما بلغه أنه يسب أبا بكر وعمر ~~فهرب منه. وروي عنه أنه قال: لا أؤتى ms0844 بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ~~جلدته حد المفتري (2). وقد تواتر عنه أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو ~~بكر ثم عمر (3). ولهذا كان PageV05P157 ### || CHECK - ظهور المرجئة والقدرية والجهمية في أواخر عصر الصحابة # أصحابه الشيعة متفقين على تفضيل أبي بكر وعمر عليه. # ثم في أواخر عصر الصحابة حدثت المرجئة والقدرية، ثم في أواخر عصر ~~التابعين حدثت الجهمية، فإنما ظهرت البدع والفتن لما خفيت آثار الصحابة. ~~فإنهم خير قرون هذه الأمة وأفضلها، رضي الله عنهم وأرضاهم. # والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. # (بلغ مقابلة على الأصل، ولله الحمد). PageV05P158 ### | CHECK (6) فصل في اسمه تعالى "القيوم" # فصل في اسمه تعالى "القيوم" PageV05P159 ### || CHECK - لفظ القيام يقتضي شيئين: القوة والثبات، والعدل والاستقامة ### || CHECK - القيوم والقيام والقيم كلها مبالغات في القائم # فصل # في اسمه تعالى "القيوم" # وقد قرأ طائفة "القيام" و"القيم"، وكلها مبالغات في القائم وزيادة. قال ~~الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط) (2)، (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) (3). فهو قائم بالقسط وهو ~~العدل، وقائم على كل نفس بما كسبت، وقيامه بالقسط على كل نفس يستلزم قدرته، ~~فدل هذا الاسم على أنه قادر وأنه عادل. # وسنبين أن عدله يستلزم الإحسان، وأن كل ما يفعله فهو إحسان للعباد ونعمة ~~عليهم. ولهذا يقول (4) عقيب ما يعدده من النعم على العباد: (فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (13))، وآلاؤه هي نعمه، وهي متضمنة لقدرته ومشيئته، كما هي ~~مستلزمة لرحمته وحكمته. # وأيضا فلفظ "القيام" يقتضي شيئين: القوة والثبات والاستقرار، ويقتضي ~~العدل والاستقامة، فالقائم ضد الواقع، كما أنه ضد الزائل، PageV05P161 ### || CHECK - شرح ذلك بالأمثلة # والمستقيم ضد المعوج المنحرف، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (1): ~~"ما من قلب من قلوب العباد إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن ~~يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه". (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) ~~(2)، وقال: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) (3). # ومنه تقويم السهم والصف، وهو تعديله، ms0845 وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "أقيموا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة" (4). # وكان يقوم الصف كما يقوم القدح (5). # ومنه الصراط المستقيم والاستقامة، وهذا من هذا، كما قال تعالى: (إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم) (6) من طريقة أهل التوراة. # وما يهدي إليه القرآن أقوم مما يهدي إليه الكتاب الذي [قبله]، وإن كان ~~ذلك يهدي إلى الصراط المستقيم، لكن القرآن يهدي للتي هي أقوم. ولهذا ذكر ~~هذا بعد قوله: (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل) (7)، ثم قال: ~~(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم). PageV05P162 # ولما كان القيام بالأمور بطريقة القرآن يقتضي شيئين: القوة والثبات، مع ~~العدل والاستقامة، جاء الأمر بذلك في مثل قوله: (كونوا قوامين بالقسط شهداء ~~لله) (1)، و (كونوا قوامين لله شهداء بالقسط) (2). # وقوله: (وأقيموا الشهادة لله) (3) يقتضي أنه يأتي بها تامة مستقيمة، فإن ~~الشاهد قد يضعف عن أدائها وقد يحرفها، فإذا أقامها كان ذلك لقوته ~~واستقامته. # وكذلك إقام الصلاة يقتضي إدامتها والمحافظة عليها باطنا وظاهرا، وأن يأتي ~~بها مستقيمة معتدلة. ولما كانت صلاة الخوف فيها نقص لأجل الجهاد قال: (فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة) (4)، فإن الرجل قد يصلي ولا يقيم الصلاة لنقص ~~طمأنينتها والسكينة فيها، فلا تكون صلاته ثابتة مستقرة، أو لنقص خضوعه لله ~~وإخلاصه له، فلا تكون معتدلة، فإن رأس العدل عبادة الله وحده لا شريك له، ~~كما أن رأس الظلم هو الشرك، إذ كان الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ولا أظلم ~~ممن وضع العبادة في غير موضعها فعبد غير الله، فعبادة الله أصل العدل ~~والاستقامة. قال تعالى: (قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ~~وادعوه مخلصين له الدين) (5)، فأمر بإقامة الوجه له عند كل مسجد، PageV05P163 # وهو التوحيد وتوجيه الوجه إليه سبحانه، فإن توجيهه إلى غيره زيغ. ~~وبالإخلاص يكون العبد قائما، وبالشرك زائغا، كما قال: (فأقم وجهك للدين ~~حنيفا) (1)، وقال: (فأقم وجهك للدين القيم) (2). # وإقامته: توجيهه إلى الله وحده، وهو أيضا إسلامه، فإن إسلام الوجه لله ~~يقتضي إخضاعه له وإخلاصه له. # وفي ms0846 القرآن إقامة الوجه، وفيه توجيهه لله وإسلامه لله، وتوجيهه وإسلامه ~~هو إقامته، وهو ضد إزاغته. فلما كانت الصلاة تضمنت هذا وهذا، وهو عبادته ~~وحده وإخلاص الدين له وتوجيه الوجه إليه، كما فيها هذا العدل، فلابد من هذا ~~ولابد من الطمأنينة فيها، وهي إنما تكون مقامة بهذا، وهذا هو الخضوع، فإن ~~الخشوع يجمع معنيين: أحدهما الذل والخضوع والتواضع، والثاني السكون ~~والثبات. ومنه قوله تعالى: (خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة) (3)، ودوله: (خاشعين ~~من الذل ينظرون من طرف خفي) (4)، وهو الانخفاض والسكون. ومنه خشوع الأرض، ~~وهو سكونها وانخفاضها، فإذا أنزل عليها الماء اهتزت بدل السكون، وربت بدل ~~الانخفاض. # وقال: (كونوا قوامين بالقسط) (5)، (قوامين لله) (6). و"القوام" PageV05P164 ### || CHECK - الفرق بين "قوام" و"قيام" # هو القيام، فإن "قيام" و"قيوم" أصله قيوام وقيووم، ولكن اجتمعت الياء ~~والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما بالأخرى، لأن ~~الياء أخف من الواو. قال الفراء (1): وأهل الحجاز يصرفون الفعال إلى ~~الفيعال، ويقولون للصواغ: صياغ. # قلت: هذا إذا أرادوا الصفة، وهي ثبات المعنى للموصوف، عدلوا عن "فعال" ~~إلى "فيعال" كما في سائر الصفات المعدولة، فإن من هذا قلب المضعف حرف عينه، ~~والحروف المختلفة أبلغ من حرف واحد مشدد. وأما إذا أرادوا الفعل فهو كما ~~قال تعالى: (كونوا قوامين بالقسط)، ولم يقل "قيامين". # وقد قرأ طائفة من السلف: "الحي القيام"، ولم يقرأ أحد قط: "كونوا قيامين ~~بالقسط"، لأن المقصود أمرهم أن يقوموا بالقسط، والأمر طلب فعل يحدثه ~~المأمور. بخلاف الخبر عن الموصوف بأنه صياغ، فإنه خبر عن صفة ثابتة له. ~~ولهذا جاء في أسماء الله "القيام"، ولم يجئ "القوام"، قرأ عمر بن الخطاب ~~وغير واحد "القيام"، وقرأ طائفة "القيم". قال ابن الأنباري (2): هي كذلك في ~~مصحف ابن مسعود. ومن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين (3): ~~"ولك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن". PageV05P165 # ولما كان لفظ "القيام" يتضمن القوة والثبات، وقد يتضمن مع قيام الشيء ~~بنفسه إقامته لغيره، خص لفظ "القوم" بالرجال دون النساء، فلا تسمى النساء ~~بانفرادهن "قوما"، ولكن قد ms0847 يدخلن في اللفظ تبعا. قال تعالى: (لا يسخر قوم ~~من قوم ... ولا نساء من نساء) (1)، فإنه قال: (الرجال قوامون على النساء) ~~(2). ومنه قول الناظم: # وما أدري وظني كل ظن ... أقوم آل حصن أم نساء (3) # ولما كان "القيام" يقتضي الثبات -وهو ضد الزوال- قال: (ومن آياته أن تقوم ~~السماء والأرض بأمره) (4)، وقال: إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا) ~~(5). وهو يقتضي الاعتدال مع الثبات، وهو خلقهما معتدلتين كما قال: (فسواهن ~~سبع سموات) (6)، وقال: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) (7). والعدل لازم ~~في كل مخلوق، ومأمور به كل أحد، كما قد بسط في قوله: (الذي خلق فسوى (2)) (8). # ولما في لفظ "القيام" من العدل سمي ما يساوي المبيع: قيمة PageV05P166 # عدل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (1): "من أعتق شركا له في عبد، ~~وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط، ~~فأعطي شركاؤه وعتق عليه العبد". # وكذلك يسمى تعديل الحساب تقويما، فإذا جمعت حركة الشمس والقمر وغيرهما ~~السريعة والبطيئة، وأحد يعدل ذلك، سمي ذلك تعديلا وتقويما، ويسمى ما يكتب ~~فيه ذلك تقويما، كما يصنع بالمكان إذا أخذ مغله في إقباله وإدباره، فإنه ~~يوجد معدل ذلك، ويقوم باعتبار ذلك. # ويقال: قامت السوق، إذا حصل فيها التبايع بالتراضي الذي هو أصل العدل، ~~ولابد أن يبقى ذلك زمنا، ففي قيام السوق معنى العدل والثبات، قال الشاعر: # أقامت سوقها عشرين عاما # ومنه قوله تعالى: (إلا ما دمت عليه قائما) (2)، أي يقوم عليه كما يقوم ~~القيم على ما يقوم عليه وإن كان جالسا معه. والإقامة أبلغ من القيام، فإن ~~فيها زيادة الهمزة والزيادة لزيادة المعنى، وهي تقتضي من الثبات والدوام ~~أبلغ مما يدل عليه لفظ القيام. والمقام بالمكان هي السكنى فيه واستيطانه، ~~والمقيم خلاف المسافر. PageV05P167 ### || CHECK - فساد قول من أثبت الجوهر الفرد ### || CHECK - عودة إلى بيان معنى "القيوم" # ولما كان اسمه "القيوم" يتناول هذا وهذا، وهو قيوم السماوات والأرض ومقيم ~~كل مخلوق من الأعيان والصفات، دل ذلك على أن كل مخلوق ms0848 له نصيب من القيام، ~~فهو قائم بالقيم الذي أقامه، كما أن له قدرا بالخلق، فإن اسمه "الخالق" ~~يقتضي الإبداع والتقدير، فقال: (إنا كل شيء خلقناه بقدر (49)) (1)، وقال: ~~(قد جعل الله لكل شيء قدرا (3)) (2). # وإذا كان لكل شيء مخلوق قيام وقدر، دل ذلك على فساد قول من أثبت الجوهر ~~الفرد، ومن قال: العرض لا يبقى زمانين. # فإن الذين يقولون بالجوهر الفرد يثبتون شيئا لا تتميز يمينه عن يساره، ~~ولا يعرف بالحس، وهو ممتنع وجوده، فإن وجود ما لا يتميز منه جانب عن جانب ~~ممتنع، وإنما يفرضونه في الذهن. # وعلى قولهم لا قدر له، والله تعالى قد جعل لكل شيء قدرا، فما لا قدر له ~~لم يخلق، بل هو ممتنع. # وما يفرضه أهل الهندسة من نقطة مجردة وخط مجرد وسطح مجرد، هي أمور مقدرة ~~في الأذهان واللسان، لا توجد مجردة في الخارج، بل لا توجد إلا نقطة معينة ~~مثل نقطة الماء والحبر ونحو ذلك مما يتميز منه جانب عن جانب، لقوله تعالى: ~~(قد جعل الله لكل شيء قدرا (3))، وقوله: (وخلق كل شيء فقدره تقديرا (2)) ~~(3). PageV05P168 ### || CHECK - الله خالق كل شيء وقيومه، ولا يخرج شيء أصلا عن تخليقه وتعليمه # والله سبحانه خالق الموجودات العينية ومعلم الصور الذهنية، وأول ما نزل: ~~(اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) ~~الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5)) (1). # ومن الناس من يقول: المعدوم شيء ثابت في الخارج، وليس بمخلوق، بل ثبوته ~~قديم. وآخرون يقولون: الماهيات غير مجعولة. # وهؤلاء وهؤلاء اشتبه عليهم ما في الأذهان بما في الأعيان، فأخرجوا بعض ~~مخلوقاته عن أن تكون مخلوقة له. # وتحقيق الأمر أن كل ما يقدر فإما أن يكون ثابتا في الأعيان والموجود ~~الخارج، أو في العلم والوجود الذهني، وهو سبحانه خالق هذا ومعلم هذا، فلا ~~يخرج شيء أصلا عن تخليقه وتعليمه، بل هو الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وقال: ~~(ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8)) (2). فهو خالق كل شيء ~~وقيومه، وكل ما أقامه القيوم فله قيام، ms0849 والحركة وإن وجدت شيئا فشيئا فلابد ~~لها من لبث، لا يتصور أن تعدم قبل أن تلبث زمنا من الأزمان، وقيوم السماوات ~~هو الخالق الذي يبدعه ويجعل له ذلك القدر، فجعل للأعيان قدرا، وللحركات ~~قدرا، ولزمانها قدرا، وبعض ذلك يطابق بعضا، فإن الزمان مساوق للحركة، ~~والحركة هي مبدأ الأحداث. قال تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل) (3)، PageV05P169 ### || CHECK - الرد على من أنكر استحالة الأجسام وقال بالجوهر الفرد # والإيلاج هو بسبب الحركة الحولية، كما أن اختلاف الليل والنهار وتكوير ~~الليل على النهار وتكوير النهار على الليل هو بسبب الحركة اليومية. # وهو سبحانه (فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) ~~(1)، وهو (فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا) (2). # فذكر أنه فالق الإصباح بعد ذكره فلق الحب والنوى، فإنه بسبب فلقه الإصباح ~~وجعل الليل والنهار يتم ما يخلقه وينمو ويحصل مصلحته، ثم ذلك يحصل بتسخير ~~الشمس والقمر وجعلهما بحساب على وفق العدل في الحكمة، لا يتقدم شيء على ~~وقته ولا يتأخر شيء عن أجله، وهو سبحانه يسوق المقادير إلى المواقيت. # واستحالة الأجسام بعضها إلى بعض معلوم بالمشاهدة، وهو مما تطابق عليه أهل ~~الطبائع والشرائع وأهل العادات، والأطباء يعرفون استحالة الأجسام بعضها إلى ~~بعض، وغيرهم. وكذلك الفقهاء تكلموا في استحالة الطاهر إلى النجس، واستحالة ~~النجس إلى الطاهر، وفي الماء والمائع إذا خالطته النجاسة هل يستحيل أم لا؟ # والذين أنكروا ذلك وقالوا بالجوهر الفرد زعموا أن كل ما شهد العباد أن ~~الله يخلقه من سحاب ونبات ومطر وإنسان وحيوان، فإن الله -فيما زعموا-[لم] ~~يبدع تلك الأعيان والجواهر القائمة بأنفسها، PageV05P170 ### || CHECK - مخالفة هؤلاء للحس والعقل والشرع # وإنما يحدث أعراضا، وهو تركيب الجواهر بعضها مع بعض، ثم زعموا أن الجواهر ~~إنما يعلم أنه خلقها بالاستدلال، وهو أنها لا تخلو من الأعراض الحادثة، وما ~~لا يخلو إذن فهو حادث. وعلى هذا اعتمدوا في خلق الله للعالم وفي إثبات ~~الصانع، وجعلوا ذلك أصل دين المسلمين، ثم التزموا لوازم من إنكار ms0850 الصفات أو ~~بعضها، ومن إنكار الرؤية، والقول بخلق القرآن، وغير ذلك. # فتسلط عليهم السلف والأئمة وعلماء السنة بالتبديع والتكفير مع التجهيل ~~والتضليل، وتسلط عليهم طوائف العقلاء الذين فهموا كلامهم بالتجهيل ~~والتضليل، وخالفوا الحس والعقل والشرع الذي هو خبر الصادق، وهذه الثلاثة هي ~~مدارك العلم عندهم وعند غيرهم، كما ذكروا ذلك في أول كتبهم. # أما مخالفة الحس فقولهم: إن الله لم يبدع عين الإنسان والحيوان، ولا عين ~~الثمار والمطر والسحاب، وإنما أحدث تأليفا. وعلى قولهم تلك الجواهر التي ~~كانت في بني آدم باقية بأعيانها في كل واحد من ولده، ومعلوم أن هذا غير ~~ممكن، فإن مني الرجل الواحد لا يحتمل أن ينقسم أقساما بعدد كل من ولد من ~~الآدميين. وكذلك عندهم أن كل بني الآدميين فيه جزء من بني نوح، لأنه عندهم ~~لم يبدع الله عينا، بل نفس مني الأب فيه الجواهر، ركبها تركيبا آخر، وضم ~~إليها جواهر أخر. # وأما مخالفة العقل فإثبات الجوهر الفرد إثبات شيء موجود لا يتميز منه شيء ~~عن شيء، فإذا وضع جوهر بين جوهرين، فإن كان PageV05P171 # الذي يماس هذا الجانب فقد التقى الجوهران، وإن كان غيره فقد ثبت ~~الانقسام. # وأيضا فنحن نشاهد الهواء يستحيل ماء إذا وضع في الزجاج، ونحوه ثلج صار ~~عليه ماء يقطر، ومعلوم أن الثلج لم يثقب الزجاج، بل الهواء الذي أحاط به ~~برد فاستحال ماء، كما يحيل الله سحابا وماء. هذا مشهود، يكون الإنسان على ~~حيد، فيرى البخار قد صعد من البحار فانعقد سحابا، وينظر تحته وهو أعلى منه ~~في الشمس على رأس الجبل. وكذلك الهواء يستحيل نارا، فإذا قرب ذبالة المصباح ~~إلى النار أوقد، مع أنه لم يخرج من تلك النار شيء، ولكن الهواء المحيط ~~بالذبالة استحال نارا لما سخن سخونة شديدة. فالهواء يبرد فيستحيل ماء، ~~ويسخن فيستحيل نارا. # وكذلك ما يقدح النار، قال تعالى: (فالموريات قدحا (2)) (1)، وقال: ~~(أفرأيتم النار التي تورون (71)) (2) الآيات، وقال تعالى: (الذي جعل لكم من ~~الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80)) (3). والعرب يقولون: "في كل ~~شجر ms0851 نار، واستمجد المرخ والعفار" (4)، يأخذون عودين أخضرين يحكون أحدهما ~~بالآخر حتى يسخن، فإن الحركة PageV05P172 ### || CHECK - رجوع إلى بيان معنى "القيوم"، والتنبيه على بعض ما دل عليه من المعارف # توجب السخونة، والسخونة تحصل بالحركة وبالنار وبالشعاع، فإذا سخن انقدح ~~منه نار باستحالة بعض تلك الأجزاء نارا، وما كان هناك قبل هذا نار، بل ~~سبحانه يحدث النار عند باقية بعينها، وهي جوهر يقوم بها الصورة كما يقوله ~~من يقول ذلك من المتفلسفة، فقوله خطأ، بل المادة استحالت فخلق منها شيء ~~آخر، والأولى هلكت وأعدمها الله على هذا الوجه، كما أوجد ما خلق منها على ~~هذا الوجه. وقد بسط الكلام على هذا في موضع آخر. # والمقصود الكلام على اسمه "القيوم"، والتنبيه على بعض ما دل عليه من ~~المعارف والعلوم، فهو سبحانه قيوم السماوات والأرض، لو أخذته سنة أو نوم ~~لهلكت السماوات والأرض. والمخلوق ليس له من نفسه شيء، بل الرب أبدع ذاته، ~~فلا قوام لذاته بدون الرب، والمخلوق بذاته فقير إلى خالقه، كما أن الخالق ~~بذاته غني عن المخلوق، فهو الأجل الصمد، والمخلوق لا يكون إلا فقيرا إليه، ~~والخالق لا يكون إلا غنيا عن المخلوق، وغناه من لوازم ذاته، كما أن فقر ~~المخلوق إلى خالقه من لوازم ذاته. وهذا المعنى مما يتعلق بقول الله: (الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم (2)) تعلقا قويا. # والناس يشهدون إحداثه لمخلوقات كثيرة وإفناءه لمخلوقات كثيرة، وهو سبحانه ~~يحدث ما يحدثه من إرادة يحيلها ويعدمها إلى شيء آخر، ويفني ما يفنيه ~~بإحالته إلى شيء آخر، كما يفني الميت بأن يصير ترابا. # وعلى هذا تترتب مسائل المعاد، فإن الكلام على النشأة الثانية فرع عن ~~النشأة الأولى، فمن لم يتصور الأولى فكيف يعلم الثانية؟ PageV05P173 ### || CHECK - مسألة فناء العالم وأقوال المتكلمين فيها # قال تعالى: (أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (59) ~~نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على أن نبدل أمثالكم وننشئكم ~~في ما لا تعلمون (61) ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (62)) (1). ~~فهؤلاء غلطوا في معرفة النشأة الأولى، فكانوا ms0852 في معرفة النشأة الثانية ~~أغلط، كما قد ذكر هذا في غير هذا الموضع. # وكان غلطهم لأنهم ظنوا أن الله يفني العالم كله ولا يبقى موجود إلا الله، ~~كما قالوا: إنه لم يكن موجود إلا هو، فقطعوا بعدم كل ما سوى الله. ثم ~~اختلفوا، فقال الجهم: إنه يفني العالم كله، وإنه وإن أعاده فإنه يفني الجنة ~~والنار، فلا يبقى جنة ولا نار، لأن ذلك يستلزم دوام الحوادث، وذلك عند ~~الجهم ممتنع بنهاية وبداية في الماضي والمستقبل. وقال الأكثرون منهم: بل هو ~~إذا أعدم العالم بالكلية فإنه يعيده ولا يفنيه ثانيا، بل الجنة باقية أبدا، ~~وفي النار قولان (2). # وهؤلاء قطعوا بإفناء العالم، وللنظار فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: القطع بإفنائه. # والثاني: التوقف في ذلك، وأنه جائز، لكن لا يقطع بوجوده ولا عدمه. # والثالث: القطع بأنه لا يفنيه. وهذا هو الصحيح، والقرآن يدل على أن ~~العالم يستحيل من حال إلى حال، فتنشق السماء فتصير PageV05P174 ### || CHECK - معنى قوله تعالى (كل من عليها فان (26)) # وردة كالدهان (1)، وتسير الجبال (2) وتبس بسا (3)، وتدك الأرض (4)، وتسجر ~~البحار (5)، وتنكدر النجوم (6) وتتناثر (7)، وغير ذلك مما أخبر الله به في ~~القرآن، لم يخبر بأنه يعدم كل شيء، بل أخباره المستفيضة بأنه لا يعدم ~~الموجودات. # فقوله: (كل من عليها فان (26)) (8) أخبر فيه بفناء من على الأرض فقط، ~~والفناء يراد به الموت ولا يراد به عدم ذواتهم، فإن الناس إذا ماتوا صارت ~~أرواحهم إلى حيث شاء الله من نعيم وعذاب، وأبدانهم في القبور وغيرها، منها ~~البالي وهو الأكثر، ومنها ما لا يبلى كأبدان الأنبياء (9)، والذي يبلى يبقى ~~منه عجب الذنب، منه بدأ الخلق ومنه يركب (10). فهؤلاء لما قالوا: إنه يفني ~~جميع العالم وإن ذلك واقع وممكن، احتاجوا إلى تلك الأقوال الفاسدة، وإلا ~~فالفناء الذي أخبر به القرآن هو الفناء المشهود بالاستحالة إلى مادة، كما ~~كان الإحداث PageV05P175 # بالحق من مادة. # فاسمه سبحانه "القيوم" يقتضي الدوام والثبات والقوة، ويقتضي الاعتدال ~~والاستقامة، وقد وصف نفسه بأنه قائم بالقسط (1)، وأنه على صراط مستقيم (2). ~~ومنه قوله: (لقد خلقنا الإنسان ms0853 في أحسن تقويم (4)) (3)، ومنه قامة الإنسان ~~وهو اعتداله، ومنه قيام الإنسان، فإنه يتضمن الاعتدال مع كمال وطمأنينة، ~~ومنه قول الشاعر (4): # أقيمي أم زنباع أقيمي ... صدور العيس شطر بني تميم # فإنه أراد: وجهي صدور العيس نحو بني تميم. والعيس هي الإبل التي تركب ~~ويحمل عليها، ويقال: الإبل العيس، جمع عيساء. PageV05P176 ### | CHECK (7) فصل في معنى "الحنيف" # فصل في معنى "الحنيف" PageV05P177 ### || CHECK - الآيات التي ورد فيها هذا اللفظ # فصل # في معنى"الحنيف" # فإن هذا الاسم قد تكرر في القرآن، وقد فرض الله على الناس أن يكونوا ~~حنفاء، فرضه الله على أهل الكتاب ثم على أمة محمد، وأوجب عليه وعليهم أن ~~يتبعوا ملة إبراهيم حنيفا، فقال تعالى في أهل الكتاب: (وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين ~~القيمة (5)) (1)، وهذا أمر لجميع الخلق من # المشركين وأهل الكتاب وغيرهم. # وقال تعالى: (قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (135)) (2) ~~وقال عن إبراهيم: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ~~وما كان من المشركين (67)) (3)، وقال تعالى: (قل صدق الله فاتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95)) (4)، وقال تعالى: (ومن أحسن دينا ~~ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا) (5)، وقال تعالى: (قل ~~إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا PageV05P179 ### || CHECK - كلام السلف وأهل اللغة في شرح هذا اللفظ ### || CHECK - الحنيفية ملة إبراهيم، وهي عبادة الله وحده والبراءة من الشرك # وما كان من المشركين (161) (1)، وقال: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ~~حنيفا ولم يك من المشركين (120)) (2)، وقال تعالى: (فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) حنفاء لله غير مشركين به) (3)، وقال # تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) منيبين إليه ~~واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31)) (4). # والقرآن كله يدل على أن الحنيفية هي ملة إبراهيم، وأنها عبادة الله وحده ~~والبراءة من الشرك. وعبادته ms0854 سبحانه إنما تكون بما أمر به وشرعه، وذلك يدخل ~~في الحنيفية. ولا يدخل فيها ما ابتدع من العبادات، كما ابتدع اليهود ~~والنصارى عبادات لم يأمر بها الأنبياء، فإن موسى وعيسى وغيرهما من أنبياء ~~بني إسرائيل ومن اتبعهم كانوا حنفاء بخلاف من بدل دينهم فإنه خارج عن ~~الحنيفية. وقد أمر الله أهل الكتاب وغيرهم أن يعبدوه مخلصين له الدين ~~حنفاء، فبدلوا وتصرفوا من بعد ما جاءتهم البينة. # وكلام السلف وأهل اللغة يدل على هذا وإن تنوعت عباراتهم. # روى ابن أبي حاتم (5) بإسناده المعروف عن عثمان بن عطاء PageV05P180 # الخراساني عن أبيه في قوله: (حنيفا مسلما) قال: مخلصا مسلما. # قال: وروي عن مقاتل بن حيان مثل ذلك. وقال خصيف: # الحنيف المخلص. # وذكر ذلك الثعلبي وغيره عن مقاتل بن سليمان بإسناده عن أبي قتيبة البصري ~~نعيم بن ثابت عن أبي قلابة قال: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم. # وقال محمد بن كعب: الحنيف المستقيم. # وبإسناده المعروف عن سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: (حنيفا) ~~قال: متبعا، وقال: الحنيفية اتباع إبراهيم. # وذكره طائفة من المفسرين عن مجاهد، وروي نحو ذلك عن الربيع ابن أنس. # قال مجاهد: هو اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إماما للناس. # وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: (حنيفا) قال: حاجا. # وقال ابن أبي حاتم: وروي عن الحسن والضحاك وعطية والسدي نحو ذلك. # ونقل طائفة عن الضحاك أنه قال: إذا كان مع الحنيف المسلم فهو الحاج، وإذا ~~لم يكن معه فهو المسلم. PageV05P181 ### || CHECK - الأمور التي هي داخلة في الحنيفية # وذكر الثعلبي ومن اتبعه كالبغوي (1) وغيره عن ابن عباس قال: الحنيف ~~المائل عن الأديان إلى دين الإسلام. قالوا: وأصله من حنف الرجل، وهو ميل ~~وعوج في القدم، ومنه قيل للأحنف بن قيس ذلك، لأنه كان أحنف القدم. # قلت: والحج داخل في الحنيفية من حين أوجبه الله على لسان محمد، فلا تتم ~~الحنيفية إلا به، وهو من ملة إبراهيم، وما زال مشروعا من عهد إبراهيم، فحجه ~~الأنبياء موسى ms0855 ويونس وغيرهما، وما زال مشروعا من أول الإسلام، وإنما فرض ~~بالمدينة في آخر الأمر بالاتفاق. والصواب أنه فرض سنة عشر أو تسع، وقيل: ~~سنة ست، والأول أصح. # والله أمر محمدا وأمته أن يكونوا حنفاء، فقال في النحل (2) -وهي مكية-: ~~(ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا)، فكان الحج إذ ذاك داخلا في ~~الحنيفية على سبيل الاستحباب والتمام، لا على سبيل الوجوب. وأمر الله أهل ~~الكتاب أن يكونوا حنفاء، ولم يكن الحج مفروضا عليهم، بل كان مستحبا. # ومثل هذا ما رواه ابن أبي حاتم (3) عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: ~~الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى حجه عليه واجبا إن استطاع إليه ~~سبيلا. PageV05P182 ### || CHECK - الصائبة نوعان: حنفاء ومشركون # فهذا تفسيره للحنيف بعد أن حولت القبلة إلى الكعبة وأمر الناس باستقبالها ~~وبعد أن فرض الحج، وإلا فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن اتبعه ~~وهم بمكة حنفاء وهم يصلون إلى بيت المقدس لما كانوا مأمورين بذلك، وإنما ~~أمروا باستقبالها بالمدينة في السنة الثانية من الهجرة. وكذلك موسى ومن ~~اتبعه والمسيح ومن اتبعه كانوا حنفاء أيضا، وكانوا يصلون إلى بيت المقدس. # وروى ابن أبي حاتم (1) وغيره من التفسير الثابت عن قتادة تفسير ابن أبي ~~عروبة عنه قال: الحنيفية شهادة أن لا إله إلا الله، يدخل فيها تحريم ~~الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وما حرم الله والختان، وكانت ~~حنيفية في الشرك، وكانوا يحرمون في شركهم الأمهات وما تقدم من القرابات، ~~وكانوا يحجون البيت وينسكون المناسك. # فذكر قتادة أنها التوحيد واتباع ملة إبراهيم بتحريم ما حرم الله والختان، ~~وأنهم في شركهم كانوا ينتحلون الحنيفية، فيحرمون ذوات المحارم ويحجون ~~ويختتنون، وهذا مما تمسكوا به من دين إبراهيم مع شركهم الذي فارقوا به أصل ~~الحنيفية، لكن كانوا ينتحلونها. # وكان هذا فارقا بينهم وبين المجوس ومن لا يحرم ذوات المحارم، وبين ~~النصارى ومن لا يرى الختان، وبين سائر أهل الملل ممن لا يرى حج البيت. فإن ~~الحج كان من الحنيفية، لكن كان من مستحباتها ms0856 PageV05P183 # لا من واجباتها. # وكذلك قال أبو الحسن الأخفش (1): الحنيف المسلم، وقال غيره: إذا ذكر مع ~~الحنيف المسلم فهو الحاج. قال أبو الحسن الأخفش: وكانوا في الجاهلية يقولون ~~لمن اختتن وحج حنيفا، لأن العرب لم تتمسك بشيء من دين إبراهيم غير الختان ~~والحج، فلما جاء الإسلام عادت الحنيفية. وقال الأصمعي: من عدل عن دين ~~اليهود والنصارى فهو حنيف عند العرب. # قلت: ولهذا يوجد في كتب بعض أهل الكتاب من النصارى وغيرهم وفي كلامهم ~~معاداة الحنيف، وهم هؤلاء العرب الذين كانوا يحجون ويختتنون وهم مشركون، ~~فإن النصارى لا يحجون ولا يختتنون ولا يتعبدون بالختان، بل أكثرهم ينهى ~~عنه، وفيهم من يختتن. # وفي كلام طائفة ممن ينقل المقالات والأديان المقابلة بين الصابئين ~~والحنفاء، وهذا يتناول الحنيفية المحضة ملة إبراهيم ومن اتبعه من الأنبياء ~~وأممهم، فإنهم كانوا يعبدون الله وحده، بخلاف الصابئين المشركين. # والصابئون نوعان: صابئون حنفاء، وهم الذين أثنى عليهم القرآن، وصابئون ~~مشركون. وأما المجوس وسائر أنواع المشركين فليسوا حنفاء. PageV05P184 ### || CHECK - كلام ابن فورك من كتاب له في إثبات النبوات # وقد ذكر طائفة في الكلام والمقالات -مثل أبي بكر ابن فورك وغيره- أن ~~الذين ادعوا النبوة من الفرس مثل زردشت ومزدك وبهافريد (1) كانوا ينتحلون ~~ملة إبراهيم ويزعمون أنهم يدعون إلى دينه. # قال ابن فورك في مصنف له لما تكلم على إثبات النبوات والرد على من أنكرها ~~من البراهمة حكماء الهند، وذكر ما ذكره غيره من أهل الكلام والمقالات، قال: ~~إن البراهمة صنفان: صنف أنكروا الرسل أجمعين، وصنف أقروا بنبوات بعضهم، ~~فمنهم من أقر بنبوة إبراهيم وجحد من كان بعده. # قال: فإن قال قائل: قد دللت على جواز بعثة الرسل، فما الدليل على أن ~~الأنبياء الذين بعثهم الله إلى خلقه من ذكرتم دون غيرهم؟ # قيل له: الدليل على ذلك أنه قد نقل إلينا من الجهات المختلفات التي لا ~~يجوز على ناقليها الكذب أنهم أتوا بمعجزات تخرج عن عادة الخلق، مثل: فلق ~~البحر، وقلب العصا حية، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وانشقاق ~~القمر، ولم ينقل لغيرهم ms0857 من المعجزات ممن ادعى النبوة كما نقل لهم، فدل ذلك ~~على أنهم هم الأنبياء دون غيرهم ممن ادعى النبوة ولم يكن لهم معجزة تدل على صدقهم. # قال: ومما يدل على صدقهم أنا وجدنا كل واحد منهم في زمانه قد منع الناس ~~عن الشهوات واتباع الهوى، وقبض على أيديهم، وحال بينهم وبين مرادهم، وما ~~سرت إليه أنفسهم، ثم مع ذلك كلفوهم PageV05P185 ### || CHECK - زردشت ومزدك وماني وغيرهم ادعوا أنهم على دين إبراهيم # البراءة من الآباء والأبناء والأقارب، ونبذ أهاليهم وراء ظهورهم، وبذل ~~أموالهم، وخفض الجناح لهم، والائتمار لأمورهم، والجري تحت أحكامهم. وكل هذه ~~الأحوال مما ينفر عنها البشر وتفر وتمل من تكلفهم، فلولا أنهم صادقون فيما ~~ادعوه، وصححوا دعواهم بمعجزات ظاهرة وبراهين بينة تخرج ذلك عن حيل ~~المحتالين ومخرقة الممخرقين، لما كان يوجب ظاهر فعلهم قبوله. # ولو كان الخلق مكرهين في حياة واحد منهم لنفاذ أمره وقوته وغلبته لكانوا ~~من بعد موته ومفارقته هذا العالم يرجعون إلى ما شاءوا عليه، كما يرجع ~~الملوك في الدنيا. فلما وجدنا الخلق جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن يزدادون في ~~كل يوم لهم محبة وطاعة وولوعا بهم وجزعا على ما فاتهم منهم من الرؤية ~~والصحبة= دل ذلك على أنهم كانوا أنبياء من قبل الله، صححوا دعواهم بمعجزات ~~ظاهرة، وبراهين باهرة نيرة، وأخذوا قلوب الخلق -العالم والجاهل- بذلك. # قال: فإن قال قائل: قد وجدنا من المفترين المدعين قد ظهروا في العالم، ~~وصار لهم أتباع مثل أتباع الأنبياء، قلنا لهم: من هم؟ # فلا يتهيأ أن يسموا أحدا له تبع ورسم قائم غير زردشت ومزدك وماني ~~وبهافريد. # قلنا له: زردشت ومزدك وبهافريد فإن ثلاثتهم ادعوا في زمانهم أن كل واحد ~~في زمانه هو المستقيم على دين إبراهيم، ولم يدع واحد منهم خلافا عليه أي ~~على إبراهيم. فبريحه والانتساب إليه اجتمع له الأتباع والأصحاب، لا ~~بسياستهم وسلطانهم، وإنهم لم يشرعوا دينا، بل ادعى كل واحد منهم في زمانه ~~أن شريعة إبراهيم PageV05P186 ### || CHECK - جعل الله إبراهيم إماما لمن بعده من الناس ### || CHECK ms0858 - المشركون أعداء إبراهيم # هي ما كل واحد منهم عليه، يزاد فيه وينقص منه لطول الزمان الذي أتى عليه، ~~وكل واحد منهم ترجم في كتابه في زمانه لقومه وأتباعه على لسانهم. # قال: وأما ماني فإنه ادعى أنه من تلاميذ المسيح المستقيم الجاري على ~~منهاج إبراهيم، وأن غيره من النصارى قد زاغوا عن طريقه، وأن الإنجيل المنزل ~~على عيسى هو الذي عنده، وادعى أنه حين ارتقى إلى السماء أرقي إلى عيسى، ~~وأنه بأمره عمل ما عمل وأسس ما أسس، فبريح المسيح تروح له ما تروح، وتبعه ~~من تبعه، لا برأيه. # قلت: والمشركون أعداء إبراهيم الذين يبغضونه ويحبون عدوه النمرود موجودون ~~إلى اليوم من مشركي الترك والصين ونحوهم، يصورون الأصنام على صورة النمرود ~~كبارا وصغارا، وفيها ما هو كبير جدا، ويعبدون تلك الأصنام ويسبحون باسم ~~النمرود، ومعهم مسابح يسبحون بها: سبحان النمرود! سبحان النمرود! # وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه هو الذي جعله إماما لمن بعده من الناس، ~~فلا يوجد قط مؤمن ولا منافق يظهر الإيمان إلا وهو معظم لإبراهيم. وإن كان ~~فيهم من يكذب بكثير مما كان عليه إبراهيم. وقد جعل الله في ذريته النبوة ~~والكتاب، فالأنبياء بعده من ذريته، فلا يوجد من يؤمن بالأنبياء إلا وهو ~~مؤمن بإبراهيم، ولا من يدعو إلى عبادة الله في الجملة وينهى عن الشرك إلا ~~وهو معظم لإبراهيم. # وإن كان فيهم من هو مكذب بكثير مما كان عليه إبراهيم، ومكذب ببعض ~~الأنبياء والرسل= فإبراهيم بريء منه، ومن ذريته محسن وظالم لنفسه مبين، كما ~~كان مشركو العرب، وكما يوجد عليه أهل الكتاب، PageV05P187 ### || CHECK - إعراب قوله تعالى (ملة إبراهيم حنيفا) # فإنه حين بعث إبراهيم كان الشرك قد طبق الأرض، وامتلأت بعبادة الكواكب ~~العلوية والأصنام السفلية، فأظهر التوحيد ودعا إليه، وعادى الشرك وأهله، ~~ونصره الله على قومه. # والقرآن في غير موضع بين أنه كان حنيفا، وجعل الحنيفية صفته، حتى إن لفظ ~~"حنيف" ينصب على الحال من المضاف إليه، كقوله: (قل بل ملة إبراهيم حنيفا) ~~(1) و (أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) ms0859 (2)، وهذا منصوب على الحال، والكوفيون ~~يسمونه نصبا على القطع، لكونه لم يكن صفة في اللفظ فقطع، وهو معنى قول ~~البصريين إنه منصوب على الحال. # وقد قال بعض النحويين: انتصاب الحال على المضاف إليه لا يجوز حتى يكون ~~المضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحد، كقوله: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ~~ميتا) (3) هو حال من الأخ، لأنه واللحم شيء واحد. وقوله: (قل بل ملة ~~إبراهيم حنيفا) كذلك، لأن الملة بمنزلة البعض منه، كقول عدي بن حاتم (4) ~~-لما أتاه يعرض عليه الإسلام-: "إني على ديني"، كأنه قال هجنة منه. ولهذا ~~يجوز لك أن تقول: "أعمى زيد علمه ودينه" فتجعلهما بدلا من زيد. # (آخر ما وجد. والله أعلم). PageV05P188 ### | CHECK (8) مسألة فيما إذا كان في العبد محبة # مسألة # فيما إذا كان في العبد محبة لما هو خير وحق ومحمود في نفسه PageV05P189 ### || CHECK - كثير من الناس يفعلون الخير لحبهم له لا لغرض أخر # بسم الله الرحمن الرحيم # فصل # فيما إذا كان في العبد محبة لما هو خير وحق ومحمود في نفسه، فهو يفعله ~~لما فيه من المحبة له، لا لله، ولا لغيره من الشركاء، مثل أن يحب الإحسان ~~إلى ذوي الحاجات، ويحب العفو عن أهل الجنايات، ويحب العلم والمعرفة وإدراك ~~الحقائق، ويحب الصدق والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وصلة الرحم، فإن هذا ~~كثير غالب في الخلق في جاهليتهم وإسلامهم، في قوتي النفس العلمية والعملية، ~~فإن أكثر طلاب العلم يطلبونه محبة، ولهذا قال أبو داود للإمام أحمد بن ~~حنبل: طلبت هذا العلم -أو قال-: جمعته لله؟ فقال: لله عزيز، ولكن حبب إلي ~~أمر ففعلته. # وهذا حال أكثر النفوس، فإن الله خلق فيها محبة للمعرفة والعلم وإدراك ~~الحقائق، وقد يخلق فيها محبة للصدق والعدل والوفاء بالعهد، ويخلق فيها محبة ~~للإحسان والرحمة للناس، فهو يفعل هذه الأمور: لا يتقرب بها إلى أحد من ~~الخلق، ولا يطلب مدح أحد ولا خوفا من ذمه، بل لأن هذه الإدراكات والحركات ~~يتنعم بها الحي ويلتذ بها، ويجد بها فرحا وسرورا، كما يلتذ بمجرد ms0860 سماع ~~الأصوات الحسنة، وبمجرد رؤية الأشياء البهجة، وبمجرد الرائحة الطيبة. PageV05P191 ### || CHECK - مسألة التحسين والتقبيح العقليين وبيان خطأ الفريقين فيها # وكذلك يلتذ ويفرح ويتنعم بمعرفة نفسه للأشياء التي تعرف بالباطن، ويلتذ ~~أيضا بشهود باطنه وإحساسه، كما يلتذ بشهود ظاهره وإحساسه، وكذلك يلتذ بما ~~تعقله نفسه من الأمور الكلية التي تعقلها، وكذلك في أفعاله وحركاته، كما ~~يلتذ بأكله وشربه ونكاحه، وكما يلتذ برحمته وإحسانه إلى أهل الحاجات من ~~أقاربه وغير أقاربه، ويلتذ بالجود والإعطاء، ويلتذ بالعفو عن المسيء إليه ~~وترك معاقبة المسيء، كما يذكر عن المأمون أنه قال: لقد حبب إلي العفو حتى ~~إني أخاف ألا أثاب عليه. # فهذه مكارم الأخلاق التي تكون في بني آدم، كما كانت تكون في أهل البادية، ~~فهذا الحس وهذه الحركة الإرادية يتنعم به الحي ويتنفع به ويلتذ في الحال. # ولا يقال: إن فعل ذلك لغير غرض ولا لجلب منفعة أو دفع مضرة، بل فيه جلب ~~منفعة ودفع مضرة في نفسه، كما في نفس الآكل والشارب يستجلب به منفعة الشبع، ~~ويستدفع به مضرة الجوع، فهكذا سائر هذه الأمور يدفع بها عن نفسه مضرات، ~~ويستجلب لها بها لذات. # ولهذا يقال: اشتفت نفسه، وشفيت صدري، فيجد شفاء في صدره، كما يجد شفاء في ~~جسمه بزوال المرض وحصول العافية. # وهذه أمور محسوسة بالباطن والظاهر، وهي التي أدرك حسنها من قال: إن العقل ~~يقبح ويحسن، ومن قال: إن العلم بحسنها لصفة قائمة بها معقولة: إما بالبديهة ~~وإما بالنظر، أو معلومة بالشرع. PageV05P192 ### || CHECK - طرق العلم الثلاثة: السمع والبصر والعقل # ولقد صدق في قوله: إن حسنها وقبحها لمعنى قام بها، وصدق أن ذلك قد يدرك ~~بالعقل، وقد يدرك بالشرع. # وقد غلط الأول في نفيه أن يكون ذلك لما فيه من جلب منفعة إلى العبد ودفع ~~مضرة راجعة إلى نفسه، وإن كان ذلك في الدار الآخرة أيضا، فإن ذلك أمر محسوس. # والثاني غلط حيث اعتقد أن ذلك ليس لصفة في الفعل، وأن الحسن والقبح ليس ~~إلا مجرد إضافة الفعل إلى الأمر والنهي، فأصاب بعض ms0861 الإصابة في كونه جعل ذلك ~~من الملاءمة للطبع والمنافرة عنه، ومن باب كمال المتصف بذلك ونقصه، ولكن ~~غلط في ظنه أن الحسن والقبح العقليين صادرين (1) عن ذلك، ولم يغلط كل ~~الغلط، فإن الحسن والقبح الذي يدرك بالحس وبالعقل وبالشرع، وبالبصر والنظر ~~والخبر، بالمشهور الظاهر وبالباطن، وبالمعقول القياسي وبالأمر الشرعي= هو ~~في الأصل من جنس واحد، فإن كلا يعلم بذلك ويثبت به ما لا يعلم بالآخر ويثبت به. # وهذه الطرق الثلاثة: السمع، والبصر، والعقل، هي طرق العلم: فالبصر -وهو ~~المشهود الباطن والظاهر- يدرك ما في هذه الحركات والإرادات من الملاءمة ~~والمنافرة، والمنفعة والمضرة العاجلة. # والسمع -وهو وحي الله وتنزيله- يخبر بما يقصر الشهود عن إدراكه من منفعة ~~ذلك ومضرته في الدار الآخرة. PageV05P193 ### || CHECK - تمام الدين بالفطرة وتقديرها، لا بتحويلها وتغييرها # فتمام الدين بالفطرة وتقديرها، لا بتحويلها وتغييرها، فإن كل مولود يولد ~~على الفطرة، والله خلق عباده حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحل ~~الله لهم، وأمرتهم أن يشركوا به ما لم ينزل به سلطانا. هكذا أخبرنا الله ~~فيما روى عنه رسوله في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم (1). # فهم بفطرتهم يحبون الله وحده ويحبون تناول ما يحتاجون إليه من الطيبات، ~~والمحبة تتبع الشهود والإحساس، فهذا الذي في فطرهم من الحس والحركة إلى ~~عبادة خالقهم مما يعينهم عليها من طيبات الرزق، هو وجه الحسن الثابت ~~بالأفعال الحسنة: مأمورها ومباحها، فإن ذلك كله حسن، لما فيه من هذه ~~الملاءمة المناسبة والمحبة التي فطروا عليها، فما كان من ذلك مشهودا في ~~عالم الشهادة أدرك بالشهود والإحساس، وما كان غيبا أدرك بالسمع الذي جاء به ~~المرسلون. # والقلب يعقل هذا المشهود وهذا المسموع، فلابد من أن يعقل ما أمر الله به ~~وأخبر، كما لابد أن يعقل ما شهدنا وحسسنا، فيعقل الشهادة والغيب، بمعنى ضبط ~~العلم بجريان ذلك على وجه كلي ثابت في النفس. # لكن زعم أولئك أن العقل يدرك من حسن الفعل وقبحه ما فيه ملاءمة باطل، كما ~~أن زعم أولئك أن الشرع يأتي بحسن أو قبح لا PageV05P194 # ملاءمة ms0862 فيه باطل، فأولئك إنما نفوا ذلك لأنهم أرادوا أن يثبتوا للرب من ~~جنس ما عقلوه في البشر، وأنكروا الملاءمة في حقه والمنافرة. # وهؤلاء أرادوا أن يثبتوا شرعا محضا مبنيا على محض المشيئة ليس فيه ملاءمة ~~ولا منافرة، وكلا الفريقين أنكر حقيقة محبة الله ورضاه للأفعال الحسنة، ~~وبغضه للمسيئين بها، وهذا هو المعنى الذي يعبرون عنه في حقنا: الملاءمة ~~والمنافرة، وإنما أتوا من جهة ما فيهم من نوع تجهم (1). # ولهذا أنكر أولئك -مع إنكارهم لهذه الصفات- أنكروا القدر، وهو عموم قدرته ~~ومشيئته وخلقه، وأنكر هؤلاء ما في الشريعة من المناسبات والمحاسن التي ~~انطوى عليها الأمر والنهي، وأنكروا أيضا ما في خلقه ومشيئته من الحكمة ~~والرحمة. # فهؤلاء أثبتوا القدرة والمشيئة والخلق، ولكن قصروا في إثبات الرحمة ~~والحكمة والعدل، وأولئك أثبتوا شيئا من الحكمة والعدل، ولكن قصروا في ذلك ~~أيضا، مع تقصيرهم في القدرة والمشيئة والخلق، وإن كان كل من الفريقين لا ~~ينكر أمر الشرع ونهيه. # لكن غلاة أولئك دفعوا بعقولهم كثيرا مما جاء به الشرع من الأمر والنهي، ~~وقالوا: هذا يخالف الحكمة المعقولة، كما فعل إبليس وذووه. وغلاة هؤلاء ~~دفعوا أيضا الأمر والنهي وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، كما قال ~~المشركون. وإبليس أغلظ كفرا، ولهذا كانت بدعة أولئك أقرب إلى السنة ~~والجماعة. PageV05P195 ### || CHECK - من فعلها لمجرد المحبة الفطرية قد يثاب عليها بأنواع من الثواب ### || CHECK - محبة الأمور الحسنة ليس مذموما بل محمود ### || CHECK - المعروف والمنكر # وهذه الأمور التي تحبها النفوس والقلوب بفطرتها هي المعروف، والتي تبغضها ~~هي المنكر، فإن المعروف هو إحساس مع محبة، والإنكار إحساس مع بغضة. فأما ما ~~لم يحس بحال فلا يعرف ولا ينكر، وما لا يحب ولا يبغض بحال فلا يعرف ولا ~~ينكر. وإذا حدث الرجل بحديث فأنكره لجهله فإنه أنكر ما لا أحبه سمعه، وكذلك ~~الحديث المنكر عند أهل الحديث هو ما لم يسمعوه فيحبوه لصحته وصدقه، فإذا ~~سمعوا بذلك أنكروه بعد إحساسه. # والمقصود هنا أن محبة هذه الأمور الحسنة ليس مذموما بل محمودا، ومن فعل ~~هذه ms0863 الأمور لأجل هذه المحبة لم يكن مذموما ولا معاقبا، ولا يقال إن هذا ~~عمله لغير الله، فيكون بمنزلة المرائي والمشرك، فذاك هو الشرك المذموم. ~~وأما من فعلها لمجرد المحبة الفطرية فليس بمشرك ولا هو أيضا متقربا بها إلى ~~الله، حتى يستحق عليها ثواب من عمل لله وعبده، بل قد يثيبه عليها بأنواع من ~~الثواب: إما بزيادة فيها في أمثالها، فيتنعم بذلك في الدنيا، ولهذا كان ~~الكافر يجزى على حسناته في الدنيا وإن لم يتقرب بها إلى الله، ولو كان فعل ~~كل حسن إذا لم يفعل لله مذموما يستحق به صاحبه العقاب لما أطعم الكافر ~~بحسناته في الدنيا إذا كانت تكون سيئات لا حسنات، وإذا كان قد يتنعم بها في ~~الدنيا ويطعم بها في الدنيا، فقد يكون من فوائد هذه الحسنات ونتيجتها ~~وثوابها في الدنيا أن يهديه الله إلى أن يتقرب بها إليه، فيكون له عليها ~~أعظم الثواب في الآخرة. PageV05P196 ### || CHECK - معنى قول السلف: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله # وهذا معنى قول بعض السلف (1): طلبنا العلم لغير الله فأبي أن يكون إلا ~~لله. وقول الآخر لما قيل له: إنهم يطلبون الحديث بغير نية، فقال: طلبهم له ~~نية، يعنى نفس طلبه حسن ينفعهم. وهذا قيل في العلم لخصوصيته، لأن العلم هو ~~الدليل المرشد، فإذا طلبه بالمحبة وحصله عرفه الإخلاص لله والعمل له. # ولهذا قال من قال: هو من النظر الأول الذي هو مقدمة العرفان، فإن القصد ~~والنية مشروط بمعرفة المقصود المنوي به، فإذا لم يعرفه بعد كيف يتقرب إليه؟ ~~فإذا نظر بمحبة أو غيرها فعلم المعبود المقصود صح حينئذ أن يعبده ويقصده. ~~وكذلك الإخلاص كيف يخلص من لم يعرف الإخلاص؟ فلو كان طلب علم الإخلاص لا ~~يكون إلا بالإخلاص لزم الدور، فإن العلم هو قبل القصد والإرادة من إخلاص ~~وغيره، ولا تقع الإرادة والقصد حتى يحصل العلم. # وعلى هذا فما ذكره الإمام أحمد عن نفسه هو حسن، وهو حال النفوس المحمودة ~~المستقيم حالها. ومن هذا قول خديجة رضي ms0864 الله عنها للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتقري الضيف وتحمل الكل وتكسب المعدوم ~~وتعين على نوائب الحق. # فهذه الأمور كان يفعلها محبة لها، خلق على ذلك وفطر عليه، فعلمت أن ~~النفوس المطبوعة على محبة الأمور المحمودة وفعلها لا يوقعها الله فيما يضاد ~~ذلك من الأمور المذمومة، لما قال لها: "قد خشيت PageV05P197 ### || CHECK - هذا الحب والإحساس الذي خلقه الله في النفوس هو الأصل في كل حسن وقبح # على نفسي". قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدا .... الحديث، وهو في ~~الصحيحين (1). # وقد تنازع الناس في النبوة: هل هي مجرد إنباء الله لعبده، أو هي راجعة ~~إلى صفات كمال فيه؟ كما تنازعوا في النبوة: هل هي مجرد تعلق خطاب الشارع، ~~أو هي راجعة إلى صفات يتميز بها، ولابد من خطاب إلهي أو إنباء؟ ولهذا كانت ~~النبوة أجزاء، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الهدي الصالح والسمت ~~الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة". رواه أهل السنن (2)، ~~فهذا في العمل. وقال في العلم: "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من ~~النبوة" (3). وقال: "ثلاث من أخلاق المرسلين" (4). # وهذا الحب والإحساس الذي خلقه الله في النفوس هو الأصل في كل حسن وقبح، ~~وكل حمد وذم، فإنه لولا الإحساس الذي يعتد به في حب حبيب وبغض بغيض لما ~~وجدت حركة إرادية أصلا تحرك شيئا من الحيوان باختياره، ولما كان أمر ونهي ~~وثواب وعقاب، PageV05P198 # فإن الثواب إنما هو بما تحبه النفوس وتتنعم به، والعقاب إنما هو بما تكره ~~النفوس وتتعذب به، وذلك إنما يكون بعد الإحساس، فالإحساس والحب والبغض هو ~~أصل ما يوجد في الدنيا والآخرة من أمور الحي، وبه حسن الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد. وذاك الأمر والنهي والوعد والوعيد هو تكميل للفطرة، وكل منهما عون ~~على الآخر، فالشريعة تكميل للفطرة الطبيعية، والفطرة الطبيعية مبدأ وعون ~~على الإيمان بالشرع والعمل به، والعبد من دان بالدين الذي يصلحه فيكون من ~~أهل [العمل] الصالح في الآخرة، والشقي من لم يتبع الدين ms0865 ويعمل العمل الذي ~~جاءت به الشريعة، فهذا هذا، والله أعلم. PageV05P199 ### | CHECK (9) فصل في انتفاع الإنسان بعمل غيره # فصل # في انتفاع الإنسان بعمل غيره PageV05P201 ### || CHECK - وجوه انتفاع الإنسان بعمل غيره ### || CHECK - من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع # قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: # من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من ~~وجوه كثيرة: # أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير. # ثانيها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم ~~لأهل الجنة في دخولها. # ثالثها: لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير. # رابعها: أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير. # خامسها: أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته، ~~وهذا انتفاع بغير عملهم. # سادسها: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمحض ~~عمل الغير. # سابعها: قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين: (وكان أبوهما صالحا) (1) ~~فانتفعا بصلاح أبيهما وليس من سعيهما. PageV05P203 # ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه وبالعتق بنص السنة والإجماع، وهو من ~~عمل الغير. # تاسعها: أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة، وهو انتفاع ~~بعمل الغير. # عاشرها: أن الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره بنص ~~السنة، وهو انتفاع بعمل الغير. # حادي عشرها: المدين قد امتنع - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة عليه حتى ~~قضى دينه أبو قتادة (1)، وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب، وانتفع بصلاة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو من عمل الغير. # ثاني عشرها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمن صلى وحده: "ألا رجل ~~يتصدق على هذا فيصلي معه" (2)، فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير. # ثالث عشرها: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه، وذلك ~~انتفاع بعمل الغير. # رابع عشرها: أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه، ms0866 وهذا انتفاع ~~بعمل الغير. PageV05P204 # خامس عشرها: أن الجار الصالح ينفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر، ~~وهذا انتفاع بعمل الغير. # سادس عشرها: أن جليس أهل الذكر يرحم بهم، وهو لم يكن منهم، ولم يجلس لذلك ~~بل لحاجة عرضت له، والأعمال بالنيات، فقد انتفع بعمل غيره. # سابع عشرها: الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة ~~الحي عليه، وهو عمل غيره. # ثامن عشرها: أن الجمعة تحصل باجتماع العدد وكذلك الجماعة بكثرة العدد، ~~وهو انتفاع للبعض بالبعض. # تاسع عشرها: أن الله تعالى قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم) (1)، وقال تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء ~~مؤمنات) (2)، وقال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) (3). # فقد رفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض، وذلك انتفاع بعمل الغير. # عشروها: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه الرجل، فإنه ينتفع ~~بذلك من يخرج عنه ولا سعي له فيها. PageV05P205 # حادي عشريها: أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون، ويثاب على ذلك ولا ~~سعي له. # ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، ~~فكيف يجوز أن نتأول الآية الكريمة على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع ~~الأمة؟ PageV05P206 ### | CHECK (10) رسالة في اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - # رسالة في اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - PageV05P207 ### || CHECK - فرض الله على أهل الأرض طاعة الرسول واتباعه # إلى ما خلقوا له من عبادته، كما قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57)) (1)، وقال ~~تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله ~~وما أنا من المشركين) (2)، وقال تعالى: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ~~(45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46)) (3)، وقال تعالى: (وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) صراط الله ms0867 ~~الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور (53)) (4). # وفرض على أهل الأرض: عربهم وعجمهم، وإنسهم وجنهم، ودانيهم وقاصيهم اتباعه ~~وطاعته، كما قال تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي ~~له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله ~~النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158)) (5)، ~~وقال تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس) (6). PageV05P209 # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "فضلنا على الأنبياء بخمس: جعلت صفوفنا ~~كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدا طهورا، وأحلت لنا الغنائم ولم تحل ~~لأحد قبلنا، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة". أخرجاه ~~في الصحيحين (1). # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي في هذه الأمة ~~يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار". رواه مسلم (2). # وتصديقه قوله تعالى: (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) (3). # ولم يجعل لأحد بلغته رسالته وصولا إلى الله وإلى رحمته إلا بمتابعته، كما ~~قال تعالى: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون (84) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو ~~في الآخرة من الخاسرين (85)) (4)، وقال في الآية الأخرى: (فإن آمنوا بمثل ~~ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو ~~السميع العليم (137)) (5)، وقال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (31)) (6). PageV05P210 ### || CHECK - افتراق الناس فيما جاء به الرسول ثلاث فرق # وقال الحسن البصري وغيره (1): ادعت طائفة أنهم يحبون الله على عهد النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فقال لهم: (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله ويغفر لكم ذنوبكم)، فجعل اتباع الرسول موجب محبة العبد ربه جل وعلا، ~~موجبا لمحبه الرب تعالى عبده ومغفرته ذنوبه. # وفي الصحيح (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل ms0868 الناس يدخل ~~الجنة إلا من أبى"، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل ~~الجنة، ومن عصاني فقد أبي". كقوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14)) (3)، وقوله ~~تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65)) (5). # وهذا باب واسع، وهو متفق عليه بين المسلمين. فافترق الناس فيما جاء به ~~الرسول ثلاث فرق: # فرقة امتنعوا من اتباعه، كاليهود والنصارى والمشركين ونحوهم، فهؤلاء كفار ~~تجب معاملتهم بما أمر الله به ورسوله. PageV05P211 # وقسم آمنوا بالله ورسوله باطنا وظاهرا، واتبعوا ما جاء به الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقسم أظهروا الإيمان بألسنتهم، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم. فهؤلاء ~~المنافقون الذين قال الله فيهم: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1)) (1) إلى ~~آخر السورة. وقال تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما ~~هم بمؤمنين (8) يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون (9) في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون (10)) (2) إلى تمام ثلاث عشرة آية. # وأنزل الله في صفاتهم سورة براءة، وذكرهم في غير موضع من القرآن، وأمر ~~رسوله بجهادهم كما أمره بجهاد الكفار. وقال تعالى: (يا أيها النبي جاهد ~~الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (9)) (3). # وأما الكفار فيجاهدون حتى يؤمنوا أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها، كما ~~قال تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون (29)) (4). PageV05P212 ### || CHECK - المنافقون قسمان: قوم نافقوا في أصل الدين، وقوم نافقوا في بعض أمور الدين # وأما المنافقون فجهادهم بإقامة الحدود عليهم، هكذا ذكره السلف، لأنهم ~~يظهرون الإسلام بألسنتهم، فإذا ms0869 خرجوا عن موجب الدين أقيم الحد عليهم، وهم قسمان: # قوم نافقوا في أصل الدين، وأظهروا الإيمان بالله ورسوله، وليس ذلك في ~~قلوبهم، بل هم غافلون عما جاء به الرسول ومعرضون عنه، إلى الاشتغال بدين ~~غيره، والاشتغال بالدنيا عن نفس إيمان القلوب، وأضمروا تكذيب الرسول أو ~~بغضه أو معاداته أو معاداة ما جاء به. فمتى لم يكن الإيمان بالله ورسوله في ~~قلوبهم كانوا منافقين في أصل الدين، سواء كانوا معتقدين لضد ما جاء به ~~الرسول أو خالين عن تصديقه وتكذيبه، كما أن كل من لم يظهر الإسلام فهو ظاهر ~~الكفر، سواء تكلم بضده أو لم يتكلم. ولا ينجي العباد من عذاب الله تعالى ~~إلا إيمان يكون في قلوبهم، حتى إذا سئل أحدهم في القبر فقيل له: من ربك؟ ~~وما دينك؟ ومن نبيك؟ قال: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، فيفتح له ~~باب إلى الجنة، وينام نومة العروس الذي قد دخل بامرأته، لا يوقظه إلا أحب ~~أهله إليه. # وأما المنافق فيقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلت ~~مثلهم، فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو ~~سمعها الإنسان لصعق (1). قال الله تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار ولن تجد لهم نصيرا (145) PageV05P213 ### || CHECK - المعاملة مع من خرج عن بعض أمور الدين # إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع ~~المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146)) (1). # والقسم الثاني: المنافقون في بعض أمور الدين، مثل الذي يكثر الكذب أو نقض ~~العهد أو خلاف الوعد، أو يفجر في الخصومة. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ~~ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، ~~وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". # أخرجاه في الصحيحين (2). # وقد أوجب الله تعالى على أهل دينه جهاد من خرج عن شيء حتى يكون الدين كله ~~لله، كما قال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون ms0870 فتنة ويكون الدين كله لله). (3) ~~فمن خرج عن بعض الدين إن كان مقدورا عليه أمر بالكلام، فإن قبل وإلا ضرب ~~وحبس حتى يؤدي الواجب ويترك المحرم، فإن امتنع عن الإقرار بما جاء به ~~الرسول أو شيء منه ضربت عنقه. # وإن كان في طائفة ممتنعة قوتلوا، كما قاتل أبو بكر رضي الله عنه وسائر ~~الصحابة مانعي الزكاة، مع أنهم كانوا مقرين بالإسلام باذلين للصلوات الخمس، ~~حتى قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على PageV05P214 ### || CHECK - المنتسبون إلى علم أو دين أو إمرة أو رئاسة، فيهم الأبرار والفجار # منعها (1). وكما قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه من الصحابة ~~الخوارج، الذين قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يحقر أحدكم صلاته ~~مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز ~~حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم ~~فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة" (2). # وهؤلاء الخوارج الحرورية هم أول من ابتدع في الدين وخرج عن السنة ~~والجماعة، حتى إن أولهم خرج عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~حياته، وأنكر على النبي - صلى الله عليه وسلم - قسمة المال، وأنزل الله ~~فيهم. وفي أمثالهم: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) (3). قال ابن عباس وغيره: ~~تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة (4). # فكل من خرج عن كتاب الله وسنة رسوله من سوائر الطوائف فقد وجب على ~~المسلمين أن يدعوه إلى كتاب الله وسنة رسوله بالكلام، فإن أجاب وإلا عاقبوه ~~بالجلد تارة، وبالقتل أخرى على قدر ذنبه، وسواء كان منتسبا إلى الدين من ~~العلماء والمشايخ أو من رؤساء الدنيا من الأمراء والوزراء، فإن من هؤلاء ~~فيهم الأبرار والفجار. PageV05P215 # فأبرارهم هم أئمة الدين وهداة المسلمين وصالحو المجاهدين أهل الإيمان ~~والقرآن؛ والحامل الناصر للإيمان والقرآن، هم صفوة الله من عباده وخيرته من ~~خلقه، وموضع نظر الله ms0871 إلى الأرض، وورثة الأنبياء وخلف الرسل، قال الله ~~تعالى فيهم: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل ~~لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (64)) (1). # والبشرى قد فسرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرؤيا الصالحة يراها ~~المؤمن أو ترى له (2)، وبالثناء الحسن من المؤمنين (3). # ومر على النبي - صلى الله عليه وسلم - بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال: ~~"وجبت وجبت"، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا، فقال: "وجبت وجبت"، قالوا: ~~يا رسول الله! ما قولك وجبت؟ قال: "هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت ~~وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار، أنتم ~~شهداء الله في الأرض" (4). # فمن شهد له عموم المؤمنين بالخير كان من أهل الخير، ومن شهد له بالشر كان ~~من أهل الشر. PageV05P216 # وهؤلاء الفجار المنتسبون إلى علم أو دين أو إمرة أو رئاسة كالذين قال ~~الله تعالى فيهم: (إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله) إلى أن قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34)) (1) وقد قالي ~~تعالي كتابه: (اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين (7)) (2)، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"المغضوب عليهم: اليهود، والضالين هم: النصارى" (3). قال الترمذي: هذا حديث ~~حسن صحيح. # قال العلماء: فمن أوتي علما فلم يعمل به كان فيه شبه من اليهود الذين ~~عرفوا الحق ولم يتبعوه، ومن عبد الله بلا علم كان فيه شبه من النصارى الذين ~~ابتدعوا الرهبانية وعبدوه بغير شريعة. # وأما المؤمنون حقا فهم المتمسكون بالشريعة والمنهاج المحمدي كما قال ~~تعالى: (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) (4) وقال تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر ~~فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (18)) (5). PageV05P217 ### || CHECK - من أعظم الناس ضلالا: من ابتدع في دين الله مالم يأذن به الله، ms0872 أو ضم إلى ذلك أنواعا من التكذيب والتلبيس # ومن أعظم هؤلاء ضلالا: من انتسب إلى إمام أو شيخ من شيوخ المسلمين، ~~وابتدع في دين الله ما لم يأذن به الله، أو ضم إلى ذلك أنواعا من التكذيب ~~والتلبيس، كهؤلاء المتولهين الذين يفتلون شعورهم، ومن وافقهم من المظهرين ~~كمحرقة النار واللاذن وماء الورد والسكر والعسل والدم من صدورهم، وإمساك ~~الحيات زاعمين أن ذلك كرامة لهم؛ واحتيالا عن الصد عن سبيل الله، وأكل ~~أموال الناس بالباطل. # أما فتل الشعور ولفيفها فبدعة ما أمر بها نبى ولا رجل صالح ولا فعلها من ~~يقتدى به، بل قد شرع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - الترجل من تسريح ~~الشعر ودهنه. # ودخل عليه رجل ثائر الشعر فقال: "أما وجد هذا ما يسكن به شعره؟ " (1). # ولعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الواصلة والموصولة (2)، ولعن ~~المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال (3). # وأمر بإحفاء الشارب وإعفاء اللحية (4)، وقال: "من كان له شعر PageV05P218 ### || CHECK - من أعظم المنكرات: معاشرة الرجل الأجنبي للنسوة ومخالطتهن # فليكرمه" (1)؛ لا سيما والشعر إذا كان لا يدخل فيه الماء إلى باطنه، لا ~~يصح الاغتسال من الجنابة، ويبقى صاحبه لا طهارة له ولا صلاة، ومن لا صلاة ~~له لا دين له. # وكذلك معاشرة الرجل الأجنبي للنسوة ومخالطتهن من أعظم المنكرات التي ~~تأباها بعض البهائم فضلا عن بني آدم، قال الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا ~~من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) (2)، (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن) (3). # وفي "الصحيح" (4) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "إياكم والدخول على النساء" قالوا: يا رسول الله، أفرأيت ~~الحمو؟ قال: الحمو الموت". # فإذا كان قد نهى أن يدخل على المرأة حموها أخو زوجها، فكيف بالأجنبي؟ # وقال (5): "لا يخلون رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان". # وقال (6): "لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا مع زوج أو ذي محرم". PageV05P219 # وكان إذا صلى في مسجده يصلي الرجال خلفه وخلفهم النساء، فإذا قضى الصلاة ~~مكث هو والرجال حتى يخرج النساء ms0873 لئلا تختلط النساء بالرجال. # وقال (1): "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، ~~وشرها أولها". # وقال أيضا (2): "يا معشر النساء! لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال رؤوسهم ~~من ضيق الأزر"، لئلا تبدو عورة الرجال فتراها المرأة. # وأمر النساء إذا مشين في الطريق أن يمشين على حافة الطريق ولا يحققن ~~الطريق (3) -أي: لا يكن في وسطه- بل يكون وسطه الرجال لئلا يمس منكب الرجل ~~منكب المرأة، حتى يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أنه ترك بابا من أبواب المسجد للنساء، ونهى الرجال عن ~~دخوله، فكان عبد الله بن عمر لا يدخله (4). # وقالت عائشة رضي الله عنها: "ما مست يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يد امرأة لم يملكها قط" (5). PageV05P220 ### || CHECK - التوله والتجانن وقلة العقل ليس قربة وطاعة # ولما جاء النساء يبايعنه، قال: "إني لا أصافح النساء، وإنما قولي لمئة ~~امرأة كقولي لامرأة واحدة" (1). # ويروى (2) أنه وضع يده في إناء فيه ماء، ووضعن أيديهن فيه، ليكون ذلك ~~عوضا عن مصافحة النساء. كل ذلك لئلا يمس الأجانب، وهو رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وتزوج بتسع؛ وسيد الخلق وأكرمهم عند الله تعالى، فكيف بهؤلاء ~~الضلال المبتدعين الخارجين عن الإسلام الذين يجمعون بين النساء والرجال في ~~ظلمة أو غير ظلمة؟ # ويوهم بعضهم للنساء أن مباشرة الشيخ والفقراء قربة وطاعة، وأنه مسقط ~~للصلاة، ويتخذون الزنا والقيادة عبادة، ويتركون ما أمر الله تعالى به من ~~الصلوات واجتناب الفواحش، فما أحقهم بقوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف ~~أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59)) (3). # ثم يعدون التوله والتجانن وقلة العقل والخروج عن العقل والدين قربة ~~وطاعة، ويوهمون الجهال والأغمار من الأعراب والأتراك والفلاحين والنسوان أن ~~هؤلاء صفوة الله تعالى، وإن هؤلاء قد ورد عليهم من الأحوال ما جعلهم هكذا، ~~فيتصرفون في النفوس والأموال تصرف اللص الخادع والمنافق المخادع، موهمين ~~حصول البركة PageV05P221 ### || CHECK - الجنون وأسبابه # لمن أفسدوا عليه دينه ودنياه، كما يفعل الرهبان والقسيسون بعوام النصارى، ~~وهذا ms0874 شيء لم يبعث الله به نبيا ولا قاله رجل صالح قط، ومن كان من الناس قد ~~ذهب عقله حتى صار مجنونا فقد رفع القلم عنه، كما قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون ~~حتى يفيق" (1). # وينبغي أن يعالج هذا بما يعالج به المجانين، فإن الجنون مرض من الأمراض ~~أو عارض من الجن، ومن هؤلاء قوم لهم قلوب فيها تأله وإنابة إلى الله تعالى ~~ومحبة له وإعراض عن الحياة الدنيا، قد يسمون "عقلاء المجانين"، وقد يسمون ~~"المولهين" فهم كما قال فيهم بعض العلماء: "قوم أعطاهم الله عقولا وأحوالا ~~فسلب عقولهم وأبقى أحوالهم، فأسقط ما فرض بما سلب". # فالمجانين كالعقلاء فيهم من فيه صلاح، وفيهم من لا صلاح له. # وسبب جنون أحدهم: إما وارد ورد عليه من المحبة أو المخافة أو الحزن أو ~~الفرح حتى انحرف مزاجه. أو خلط غلب عليه من السوداء. أو قرين قرن به من الجن. # فهؤلاء إذا صح أنهم مجانين ومولهون كانوا في قسم المعذورين الممنوع (2) ~~على الفساد، ولا يحل الاقتداء بمن فيه منهم صلاح؛ PageV05P222 # ولا اتباع ما يقول من الأقوال والأفعال إلا أن يوافق الشريعة. # ولا ينبغي تعظيمهم، فإنهم منقوصون مجروحون، وصالحو العقلاء أفضل منهم ~~بكثير كثير، وليس فيهم ولي ولا صالح مشهور، وإنما يغتر بهم بعض الجهال، لأن ~~جنونهم يوجب أن يظهر بعض ما في بواطنهم من كشف أو زهد أو تأثير فيستعظم ~~الجاهل ذلك. # وصالح العقلاء قد يكون معه أضعاف ذلك، ولا يظهره إلا حيث يراه مصلحة، وقد ~~يكون كتمانه أصلح لهم؛ فأما هؤلاء المفتلون الشعر ونحوهم، فعامتهم متولهون ~~لا مولهون، يظهرون ذلك كذبا ومكرا ومخادعة للجهال، كي يتميزوا بذلك مما ~~يريدونه من النفوس والأموال، وحتى لا ينكر عليهم ما يقولونه ويفعلونه من ~~القبيح، فيقول الجاهل: هذا موله. # وأحدهم يميز بين الدرهم والدينار، والغني والفقير، ويعرف الخير والشر، ~~وله فكر طويل في الحيلة التي يحتال على الجهال بها، ويتواجدون عند السماع ~~المحدث أو غيره، ms0875 فيصيحون ويزعقون ويزبدون ويتغاشى أحدهم، فبعض ذلك كذب ومكر ~~وحيلة، وبعضه عادة فاسدة وطريقة سيئه. # وقد يقرن بأحدهم قرين من الجن فيعينه على ذلك، كما أن المصروع يزبد ويصيح ~~كما يجري لهؤلاء؛ وشيوخهم يقرونهم على ذلك [للاحتيال] على الجهال وأكل ~~أموال الناس بهم؛ وإلا فقد أجمع المسلمون بل واليهود والنصارى أن هؤلاء ~~ضلال وفسقة، وأن الواجب توبتهم واتباعهم لما أمر الله به وترك ما نهى عنه، ~~بل الواجب إذا رأينا PageV05P223 ### || CHECK - للصالحين كرامات معروفة، وأقل أحوالهم الصدق والبر ### || CHECK - عامة ما يبديه هؤلاء المولهون مكر وحيلة # مولها أو مجنونا أن نعالجه حتى يصير عاقلا، فهؤلاء يعمدون إلى الصبيان ~~يربونهم على التوله تربية، ويعودونهم الخروج عن العقل والدين عادة كما يعود ~~الأنبياء والصالحون أتباعهم ملازمة العقل والدين. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (1): "مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم ~~عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع". # قال العلماء: يجب على كافل الصبي أن يعلمه الطهارة والصلاة، ويمنعه ~~اعتياد المحرمات. # وهؤلاء بخلاف ذلك، وعامة ما يبدونه من النار ونحوها مكر وحيلة من جنس حيل ~~الرهبان، فإنهم يتوسلون بالطلق ودهن الضفادع وماء النارنج إلى أن يصفو ذلك، ~~ثم يطلون به لحومهم وثيابهم، فتصبر على النار مدة طويلة من الزمان، وكذلك ~~يصنعون من دم الأخوين ونبت يقال له: أم عربيل ما يظهرون به أن الدم يخرج من ~~أحدهم وقت الوجد، وكذلك اللاذن ونحوه، وأضعاف ذلك، كفعل الرهبان على عوام ~~النصارى حيلا أعظم من هذه. # وللصالحين كرامات معروفة من تسخير السباع والنار لهم وتكثير الطعام ~~والشراب ودفع البلاء، ومن المكاشفات وأنواع الخوارق للعادات، في أبواب ~~العلم وأبواب القدرة، لكن طريقة الصالحين PageV05P224 ### || CHECK - علامة الفاجر الكذب والفجور # طاعة الله ورسوله وملازمة الكتاب والسنة، وأقل أحوالهم الصدق والبر، كما ~~[أن] علامة الفاجر الكذب والفجور. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (1): "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى ~~البر وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب ~~عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ms0876 وإن الفجور يهدي ~~إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا". # وهكذا قال الله تعالى في القرآن: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) ~~تنزل على كل أفاك أثيم (222)) (2). # فأخبر أن الشياطين تنزل على الكذاب في قوله، الفاجر في فعله، كما كانت ~~تنزل على المتنبئين الكذابين مثل الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب والمختار بن ~~أبي عبيد؛ حتى قالوا لابن عمر أو لابن عباس (3) رضى الله عنهما: إن المختار ~~يزعم أنه ينزل عليه فقال: صدق: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل ~~على كل أفاك أثيم (222)). # وقالوا لآخر (4): إنه يزعم أنه يوحى إليه، فقال: صدق: (وإن PageV05P225 ### || CHECK - تفضيل الشيخ على الرسول غلو مثل غلو النصارى # الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) (1). # فمن كان من أتباع الكذابين المتنبئين، فإن أولئك كان يظهر عليهم # أشياء، والساحر والمشعبذ يفعل أشياء، فإذا جاءت عصا الشريعة # المحمدية ابتلعت ما صنعه الخارجون عنها من السحر المفترى، # (ولا يفلح الساحر حيث أتى (69)) (2). # وقد يفضل شيخه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غلوا فيه، كما غلت ~~النصارى في المسيح بن مريم عليه السلام، وغلت الرافضة في علي رضي الله عنه، ~~بل الغالية من النصارى والرافضة أعذر من هؤلاء الغالية في بعض المشايخ ~~المسلمين، كبعض المنتسبين إلى الشيخ أحمد بن الرفاعي والشيخ عدي أو الشيخ ~~يونس (3). # ... له في الصيام وبعضهم في الصدقة وبعضهم في العلم وبعضهم في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أنواع أخر، مع اتفاق قلوبهم واجتماع كلمتهم ~~واعتصامهم بحبل الله تعالى، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله ~~لكم آياته لعلكم تهتدون (103)) (4). PageV05P226 ### || CHECK - من اتبع غير الرسول في كل أقواله وأفعاله أو غلا في محبته وتعظيمه فهو مثل النصارى # وقد يتنازعون في بعض أمور الدين، فإذا ms0877 تنازعوا في شيء من ذلك ردوه إلى ~~الله تعالى ورسوله، والكتاب والسنة، كما أمر الله ورسوله، وليس أحد بعد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبع كل ما يقوله ويفعله، بل كل أحد يؤخذ ~~من قوله وفعله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه الإمام ~~الذي فرض الله طاعته وأوجب متابعته. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبته (1): "إن أصدق الكلام ~~كلام الله، وإن خير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". # فمن اتبع رجلا غير الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- في كل أقواله وأفعاله ~~معرضا عن الكتاب والسنة، أو غلا في محبة بعضهم وتعظيمه حتى جاوز به حده، ~~وفضله على نظرائه تفضيلا كثيرا بلا بينة، فهو مضاه للنصارى الذين قال الله ~~في حقهم: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) (2) الآية، وقال ~~تعالى: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس ~~كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا) (3) الآية، وقال تعالى: (قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دون الله) (4) الآية، وقال تعالى: (قل يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم) (5) الآية. PageV05P227 # فإن الله تعالى ذم النصارى بكونهم غلوا في الأنبياء والعلماء والعباد حتى ~~جاوزوهم حدهم، فعبدوهم حيث أطاعوهم فيما ابتدع (1) الأحبار والرهبان من ~~الدين، وحللوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، هكذا فسره النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ واعتقدوا في المسيح نوعا من الإلهية، وضاهاهم على ذلك من ~~اعتقد في علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من الأئمة أو بعض الأنبياء ~~نوعا من الإلهية، ومن اعتقد في بعض الشيوخ نوعا من الإلهية، حتى إنهم سجدوا ~~لهم أحياء وأمواتا، ويرغبون إليهم في قبورهم في جلب المنافع ودفع المضار، ~~كما كان المشركون يرغبون إلى آلهتهم، ولهذا قال سبحانه وتعالى: (قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن ~~عذاب ربك كان محذورا (57)) (2). # قال ms0878 ابن مسعود وغيره (3): كان أقوام يدعون عزيرا والمسيح والملائكة، فقال ~~الله تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم يتقربون إلى الله كما تتقربون إليه ويرجون ~~الله ويخافونه. # كما قال بعض الفقهاء: إن بعض الفقراء أوصاه عند موته: إذا كان لك حاجة أو ~~أمر مهم أو ضيق استوحني أو استوح بي. # نعوذ بالله من الشرك والضلال، وهم لا يملكون كشف الضر PageV05P228 # عنكم ولا تحويلا، وكما قال سبحانه: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير (22) ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) (1) # وقال تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) (2) وقال تعالى: (ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى) (3). # فهؤلاء الضلال عمدوا إلى ما لم يشرعه الله تعالى من البدع والضلالات ~~والغلو في الصالحين، وتمسكوا به وعمدوا إلى دين الله تعالى الذي بعث به ~~رسوله فأعرضوا عن بعضه؛ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (4): "بني ~~الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت". # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سأله جبريل عليه السلام عن ~~الإسلام والإيمان والإحسان قال (5): "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله ~~وإن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت، ~~والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته [وكتبه] ورسله والبعث بعد الموت PageV05P229 ### || CHECK - عمارة المساجد بالصلوات الخمس وقراءة القرآن ### || CHECK - على المؤمن أن يدعو إلى الدين وينتسب إليه # وتؤمن بالقدر خيره وشره، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن ~~تراه فإنه يراك" وقال: "هذا جبريل أتاكم ليعلمكم". # فالمؤمن يدعو إلى الدين وينتسب إليه، وعليه أن يدعو إلى الإسلام والإيمان ~~والإحسان، ومن ذلك: عمارة المساجد بالصلوات الخمس وقراءة القرآن وذكر الله ~~تعالى ودعاؤه وأنواع العبادات وتعلم العلم وتعليمه، كما كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وخلفاؤه عليه، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر ms0879 أن ~~أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: [من هي ~~يا رسول الله؟ قال:] "هي الجماعة" (1)، وفي رواية (2): "من كان على مثل ما ~~أنا عليه اليوم وأصحابي". # قال الله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) (3) الآية، ~~وقال تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) (4) الآية، وقال تعالى: (وأمر ~~أهلك بالصلاة واصطبر عليها) (5). # فأمر الله بالصلاة والمحافظة عليها؛ والذم لمن أضاعها أكثر من PageV05P230 # أن يذكر هنا، حتى إنه أوجب الصلاة في الأمن والخوف، رجالا وركبانا في ~~الإقامة والسفر، وفي الصحة والمرض، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لعمران بن حصين (1): "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب". # وحتى إنه إذا عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله أمر بأن يتيمم بالصعيد ~~الطيب والتمسح له، ولا يجور تأخيرها عن وقتها بحال من الأحوال، إلا أنه في ~~حال العذر يكون الوقت مشتركا بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فيجوز ~~الجمع بين العشاءين. # وشرع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - الصلوات الخمس والجماعات، حتى ~~أمرهم الله أن يقيموها في الجماعة حال الخوف، قال الله تعالى: (وإذا كنت ~~فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك) (2) الآية. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (3): "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ~~ثم أنطلق مع رجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم ~~بيوتهم بالنار". # وقال (4): "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ خمسا وعشرين درجة". PageV05P231 ### || CHECK - حال الصحابة عند سماع القرآن # وقد شرع الله للمسلمين سماع كتابه في الصلاة وخارج الصلاة، لا سيما في ~~صلاة الفجر، كما قال تعالى: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (78)) (1). # وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتمعوا أمروا واحدا ~~منهم يقرأ والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول (2): ~~"يا أبا موسى ذكرنا ربنا" فيقرأ وهم يستمعون. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج على أهل الصفة فوجد ms0880 ~~فيهم رجلا يقرأ وهم يستمعون، فجلس معهم يستمع (3). # وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند السماع كما ذكر الله ~~تعالى في كتابه توجل قلوبهم وتقشعر جلودهم وتدمع عيونهم. قال الله تعالى: ~~(الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) (4)، وقال تعالى: (وإذا سمعوا ~~ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق) (5)، وقال ~~تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) ~~(6)، وقال تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا PageV05P232 ### || CHECK - ظهور السماع المحدث في القرن الثالث # له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204)) (1). # فلما كان التابعون فيهم من يموت أو يصعق عند سماع القرآن فمن السلف من ~~أنكر ذلك ورآه بدعة، وأن صاحبه متكلف، وأما أكثر السلف والعلماء فقالوا: إن ~~[كان] صاحبه مغلوبا، والسماع مشروعا، فهذا لا بأس به، فقد صعق الكليم لما ~~تجلى ربه للجبل، بل هو حال حسن محمود فاضل بالنسبة إلى من يقسو قلبه. # وحال الصحابة ومن سلك سبيلهم أفضل وأكمل، فإن الغشي والصراخ والاختلاج ~~إنما يكون لقوة الوارد على القلب، وضعف القلب عن حمله، فلو قوي القلب -كحال ~~نبينا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه- لكان أفضل وأكمل. # ولو لم يرد على القلب ما يحركه لكان قاسيا مذموما، كما ذم الله تعالى ~~اليهود على قسوة القلوب. # وما زال السلف كذلك إلى حد المئة الثالثة، صار قوم من العباد يجتمعون ~~لسماع القصائد المرققة، وربما ضربوا بالقضيب لذلك، ويسمون ذلك التغبير، ~~فأنكر الأئمة ذلك، ورأوا أنه بدعة محدثة؛ إذ لم يفعله السلف حتى قال فيهم ~~الشافعي رضي الله عنه: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير، ~~يصدون به الناس عن القرآن. PageV05P233 # وكره أحمد الجلوس معهم فيه، وقال: هو محدث أكرهه، ورأى أنهم لا يهجرون؛ ~~لأنهم متأولون. # وحضر هذا السماع المحدث قوم من الصالحين وكرهوه. # وتركه أفضل من حضوره. والذين حضروه اشترطوا له شروطا كثيرة مثل المكان ~~والخلان والخلوة من المفاسد. # ومع ms0881 هذا فالحجة من الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة مع من كرهه، ونهى ~~عن التعبد به، وإن كان يرخص في الأفراح للنساء والصبيان في أنواع من الغناء ~~وضرب الدف كما جاءت به السنة، فهذا نوع من اللهو واللعب، ليس هو من نوع ~~العبادات والقرب والطاعات، كما يفعله المبتدعون للسماع المحدث، وبكل حال ~~فالإكثار منه حتى يفعل في المساجد، وحتى يشتغل به عن الصلوات، وحتى يقدم ~~على القراءة والصلاة، وحتى يجعل شعار الشيخ وأتباعه، وحتى يضرب بالمعازف، ~~لا ريب أنه من أعظم المنكرات، وهو مضاهاة لعبادة المشركين الذين قال الله ~~تعالى فيهم: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) (1). قال السلف: ~~المكاء: الصفير نحو الغناء، والتصدية: التصفيق باليد. # فمن اتخذ الغناء والتصفيق قربة ففيه شبه من هؤلاء، وإذا شغله عما أمر به ~~وفعله في المسجد، فقد اندرج في قوله: (وما كان صلاتهم) الآية، وفي قوله ~~تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا PageV05P234 # الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59)) (1)؛ وفي قوله: (وذر الذين ~~اتخذوا دينهم لعبا ولهوا) (2)، لا سيما وقد قيل: إنها نزلت في أعياد ~~الجاهلية المشابهة لهذا السماع المشتمل على اللهو واللعب. # قال الله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور) (3)، وقيل: إن هذا من الزور. ~~وقد قال الله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ~~بغير علم) (4). وقال الله تعالى: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) (5). وقال ~~تعالى: (وأنتم سامدون (61)) (6). # وقد روى الطبراني (7) عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن الشيطان قال: يا رب اجعل لي قرآنا، قال: قرآنك الشعر، ~~قال: اجعل لي مؤذنا، قال: مؤذنك المزمار، قال: اجعل لي بيتا، قال: بيتك ~~الحمام". # والأحاديث في هذا كثيرة. # فإذا كان الشيخ يزعم أنه يدعو إلى الله وإلى طاعته، ليس شعاره إلا جمع ~~الناس على مزمور الشيطان ومؤذنه وقراءته، وقل أن يجمعهم PageV05P235 ### || CHECK - الواجب على أهل الإسلام التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر ### || CHECK - لم يقل أحد من السلف: إن الغناء قربة أو طاعة ms0882 # على أذان الله وقراءته وصلاته، كان إماما من أئمة الضلال الذين (يدعون ~~إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41)) (1)، وكان من اتبعه له نصيب من ~~قوله تعالى: (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا (66) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67) ~~ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68)) (2). # وقال تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول ~~سبيلا (27) يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر ~~بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (29)) (3). # والناس وإن كانوا قد تكلموا في الغناء، هل هو حرام أو مكروه أو مباح؟ فما ~~قال أحد من المهتدين: إنه قربة أو طاعة، ومن قال ذلك فقد اتبع غير سبيل ~~المؤمنين، ودخل في مشابهة النصارى والصابئين، ولهذا ذكر العلماء أنه من ~~إحداث الزنادقة. # وكيف يتصور أن يكون قربة، وقد مضت القرون الثلاثة: قرن الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم، وذلك لا يفعل في شيء من أمصار المسلمين، لا في الحجاز ولا في ~~اليمن ولا في الشام ولا في العراق ولا في مصر ولا في خراسان ولا في المغرب. # فالواجب على أهل الإسلام التعاون على البر والتقوى، والتواصي PageV05P236 # بالحق، والتواصي بالصبر والبر، واتباع شرائع الإسلام، وكبت هذه الطرق ~~الجاهلية والضلالات الخارجية، ورد ما تنازع الناس فيه إلى كتاب الله تعالى ~~و [سنة] رسوله، وهو الطريق المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم اليهود ومن شابههم ~~في بعض أمورهم من غواة المنتسبين إلى الفقه والحكمة، ومن طريق الغالين ~~المنتسبين إلى التعبد والتصوف والفقر. # وعلى أهل الإسلام أن ينصح بعضهم لبعض كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- (1): "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة"، قالوا: [لمن؟، ~~قال:] "لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". # وقد قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر وأولئك هم المفلحون (104)) (2)، وقال تعالى: (والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (3). # فهؤلاء الآمرون ms0883 بالمعروف والناهون عن المنكر أطباء الأديان، الذين تشفى ~~بهم القلوب المريضة، وتهتدي بهم القلوب الضالة، وترشد بهم القلوب الغاوية، ~~وتستقيم بهم القلوب الزائغة، وهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى. PageV05P237 # والهدى والمعروف اسم لكل ما أمر به من الإيمان ودعائمه وشعبه، كالتوبة ~~والصبر والشكر والرجاء والخوف والمحبة والإخلاص والرضا والإنابة وذكر الله ~~تعالى ودعائه والصدق والوفاء وصلة الأرحام وحسن الجوار وأداء الأمانة ~~والعدل والإحسان والشجاعة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وغير ذلك. # والمنكر اسم لكل ما نهى الله عنه من الكفر والكذب والخيانة والفواحش ~~والظلم والجور والبخل والجبن والكبر والرياء والقطيعة وسوء المسألة واتباع ~~الهوى وغير ذلك. # فإن كان الشيخ المتبوع آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، داعيا إلى الخير، ~~مصلحا لفساد القلوب، شافيا لمرضاها، كان من دعاة الخير وقادة الهدى وخيار ~~هذه الأمة. # نسأل الله أن يكثر من هؤلاء ويقويهم، ويدمغ بالحق الباطل، ويصلح هذه ~~الأمة. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما. # (تمت الرسالة بعون الله ومنه من كلام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس ~~أحمد بن تيمية، قدس الله روحه وسقى ضريحه). PageV05P238 ### | CHECK (11) شرح حديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" # شرح حديث # "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" PageV05P239 ### || CHECK - رأي الخوارج والمعتزلة ### || CHECK - اختلاف الناس في هذا الحديث وأمثاله # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الحافظ الإمام، شيخ الإسلام، وأستاذ العلماء الأعلام، تقي ~~الدين أحمد بن [عبد الحليم بن] عبد السلام، الشهير بابن تيمية رحمه الله ~~تعالى وجزاه عن المسلمين خيرا: # فصل # في قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (1): "لا يزني الزاني ~~حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولايسرق السارق ~~حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم ~~وهو حين ينتهبها مؤمن". # وللناس في هذا وأمثاله كلام كثير مضطرب، فإن هذه من مسائل الأسماء ~~والأحكام. # فالخوارج والمعتزلة يحتجون بهذا على أن صاحب الكبيرة لم يبق معه من ~~الإيمان بل ms0884 ولا من الإسلام شيء أصلا، بل يستحق التخليد في النار، ولا يخرج ~~منها بشفاعة ولا غيرها. # ومعلوم أن هذا القول مخالف لنصوص الكتاب والسنة الثابتة في غير موضع. PageV05P241 ### || CHECK - مذهب أهل السنة ### || CHECK - رأي المرجئة والجهمية # والمرجئة والجهمية يقولون: إيمان الفاسق تام كامل لم ينقص منه شيء، ومثل ~~هذا إيمان الصديقين والشهداء والصالحين. ويتأولون مثل هذا الحديث على أن ~~المنفي موجب الإيمان، أو ثمرته، أو العمل به، ونحو ذلك من تأويلاتهم. # والصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأهل الحديث، وأئمة السنة يقولون: لا ~~يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، بل يخرج منها من في قلبه مثقال ذرة من ~~إيمان كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، بخلاف قول الخوارج والمعتزلة. # ويقولون: إن الإيمان يتفاضل، وليس إيمان من نفى الشارع عنه الإيمان ~~كإيمان أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. # ومنهم من ينفي عنه إطلاق الاسم، ويقول: خرج من الإيمان إلى الإسلام، كما ~~يروى ذلك عن أبي جعفر الباقر وغيره. وهو قول كثير من أهل السنة من أصحاب ~~أحمد وغيرهم، وقال بمعنى هذا القول حماد بن سلمة، وعبد الرحمن بن مهدي، ~~وأحمد بن حنبل في غير موضع، وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم من أئمة السنة. # فإن أصحاب المنزلة بين المنزلتين ينفون اسم الإسلام، وأولئك يقولون ~~بالتخليد في النار، وأولئك يقولون: ليس معه من الإيمان شيء. وهم لا يقولون ~~معه من الإيمان شيء ما يخرج به من النار ويدخل به الجنة، وبين القولين هذه ~~الفروق الثلاثة. # وعلى هذا قول من يقول إن الأعراب الذين قالوا: (ءامنا)، PageV05P242 ### || CHECK - نفي الإيمان وإثباته باعتبارين # وقال الله: (لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) (1) لم يكونوا منافقين، بل ~~كانوا دخلوا في الإسلام، ولما يدخل الإيمان في قلوبهم فيثيبهم الله على ~~الطاعة، ويعاقبهم على المعصية، كما قال تعالى: (وإن تطيعوا الله ورسوله لا ~~يلتكم من أعمالكم شيئا) (2). وهذا قول أكثر أهل الحديث. # وقيل: بل هؤلاء كان إسلامهم إسلام نفاق، فلا يكون مسلما مثابا على العمل ~~إلا من هو مؤمن. # والتحقيق أن ms0885 نفي الإيمان وإثباته باعتبارين: # فمن في قلبه مثقال ذرة من إيمان لم يدخل جميع الإيمان في قلبه، وإنما دخل ~~في قلبه شيء منه، فهذا يثاب على أعماله وهو مسلم ومعه إيمان، ولما يدخل ~~كمال الإيمان في قلبه بل إيمانه ناقص، ولهذ كان الصحابة وجمهور السلف على ~~أن الإيمان يزيد وينقص. # فالفاسق معه إيمان ناقص نقصا هو نقص جزء واجب، وما كان كذلك فإنه ينفى، ~~وإن كان قد أثيب على فعل ما فعل لكن ما تبرأ ذمته، ولا يعاقب عقوبة من لم ~~يفعل شيئا. كمن ترك بعض واجبات العبادة فيقال: صل فإنك لم تصل، ولا يكون من ~~ترك الطمأنينة كمن ترك جميع الصلاة، ولهذا تكمل الفرائض يوم القيامة من ~~النوافل، والعبد ينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها، PageV05P243 ### || CHECK - بيان كيف ينفى الإيمان بفعل الكبائر # إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها، إلا سبعها، إلا ثمنها، إلا ~~تسعها، إلا عشرها (1). ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش (2)؛ وليس ~~بمنزلة المفطر، بل وإن لم يحصل له ثواب فهل يرفع عنه عقاب الترك؟ وهذه ~~الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا بيان كيف ينفى الإيمان بفعل الكبائر. وذلك أن الإيمان ~~الواجب لابد أن يكون الله ورسوله أحب إلى صاحبه مما سواهما، ولابد أن يخشى ~~الله ويخافه، فمن لا يحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا يخشى الله ~~تعالى فهذا ليس بمؤمن، بل قال تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم ~~أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) (3). وقال تعالى: ~~(ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن ~~كثيرا منهم فاسقون (81)) (4). # فبين سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد المحاد لله ورسوله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأن المؤمن لا يمكن أن يتولى الكافر، والمودة والموالاة تتضمن ~~المحبة، فدل ذلك على أنه لابد في الإيمان من محبة الله ورسوله - صلى الله ms0886 ~~عليه وسلم - مما ينافي PageV05P244 # محبة من حاد الله ورسوله، ولهذا لا تكون موالاة الله ورسوله إلا بمعاداة ~~من عادى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. كقول إبراهيم والذين معه: ~~(قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) (1). # وفي الصحيحين (2) أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب ~~إليه من والده وولده والناس أجمعين". # وفي صحيح البخاري (3) أن عمر بن الخطاب قال: "والله يا رسول الله لأنت ~~أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي! ". قال: "لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من ~~نفسك". قال: "فلأنت أحب إلي من نفسي". قال: "الآن يا عمر". # بل أبلغ من ذلك قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ~~أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين (24)) (4). فهذا وعيد لمن كان أهله الذين ~~يحبهم وأمواله التي يحبها أحب إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله. فكيف ~~إذا كان الصور المحرمة والمال المحرم ومكاره كثيرة، فكيف إذا كان هذا وهذا؟ ~~وهو أحب إليه من الله PageV05P245 ### || CHECK - ظنهم أن القلب يقوم به الإيمان قياما لا يظهر على الجوارح ### || CHECK - غلط الجهمية والمرجئة أنهم جعلوا الإيمان من باب القول # ورسوله بدون الجهاد. # فعلم أن الزاني والشارب أبعد عن كون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما من ~~هؤلاء التاركين للجهاد، وإن كانوا يحبون الله ورسوله، لكن لم يقل له: إنها ~~أحب إليه مما سواهما، ولا إنه متصف بذلك وقت الشرب، فقد يتصف العبد ~~بالأحبية في حال دون حال، ولابد في الإيمان من أن يكون الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما. # ومن هنا غلطت الجهمية والمرجئة؛ فإنهم جعلوا الإيمان من باب القول: إما ~~قول القلب الذي هو علمه (1)، أو معنى غير العلم عند من يقول ذلك. وهذا قول ~~الجهمية ومن تبعهم كأكثر ms0887 الأشعرية، وبعض متأخري الحنفية. وإما قول القلب ~~واللسان كالقول المشهور عن المرجئة؛ ولم يجعلوا عمل القلب مثل حب الله ~~ورسوله ومثل خوف الله من الإيمان، فغلطوا في هذا الأصل. # وغلطوا غلطا آخر غلطت الجهمية فيه أعظم، وهو أنهم ظنوا القلب يقوم به ~~الإيمان قياما لا يظهر على الجوارح. فظنوا أن [الإنسان] (2) يقوم بقلبه ~~تصديق تام للرسول، ومحبة تامة للرسول، وهو مع هذا يشتمه ويلعنه ويضربه من ~~غير إكراه، فصاروا لا يجعلون شيئا من الأعمال الظاهرة مستلزما للكفر ~~الباطن، بل يقولون: نحن نحكم بكفره ظاهرا، وقد يكون في الباطن من أولياء ~~الله. PageV05P246 ### || CHECK - مقصود قول السلف: الإيمان قول وعمل ### || CHECK - الإيمان المنجي من عذاب الله لابد فيه من قول القلب وعمل القلب # وغلطوا غلطة ثالثة فقالوا: كل من حكم الشارع بكفره في الظاهر (1) فذلك ~~دليل على أنه لم يكن مصدقا في الباطن. # وهذا مكابرة ظاهرة، فصاروا يقولون: إن إبليس وفرعون وعلماء اليهود وأمثال ~~هؤلاء هم في الباطن جاحدون لوجود الخالق لأنه ثبت أنهم ليسوا مؤمنين في ~~الباطن. والإيمان عندهم مجرد علم القلب، فاحتاجوا إلى نفي هذا. # والتحقيق أن الإيمان الباطن المنجي من عذاب الله لابد فيه من قول القلب، ~~وعمل القلب، فلابد فيه من حب الله ورسوله، ولهذا أطلق أكثر السلف القول بأن ~~الإيمان قول وعمل. # وإذا كان القلب فيه تصديق للرسول - صلى الله عليه وسلم - ومحبة تامة له ~~فلابد أن يظهر ذلك على الجسد، فإن الإرادة الجازمة مع وجود القدرة تستلزم ~~وجود المقدور، والمحبة الجازمة تتضمن الإرادة الجازمة لتعظيم الرسول ~~وتوقيره. فإذا كان قادرا على ذلك امتنع أن يصدر منه موالاة من عادى الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم -، فكيف يصدر منه شتمه وضربه وقتله طائعا غير مكره؟ # وإذا كان كذلك فمعلوم أن الذنوب كالزنا والسرقة وشرب الخمر تتضمن شهوة ~~ذلك ومحبته، فحب الشهوات من الصور والمطاعم والأموال يوقعه في الزنا والشرب ~~والسرقة. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (2): PageV05P247 # "أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان: الفم والفرج، وأكثر ما يدخل ms0888 الناس ~~الجنة: تقوى الله وحسن الخلق". # والمحبوب المشتهى يصرف عنه طلب ما هو أحب إلى المرء منه، ويصرف عنه خوف ~~ما يكون دفعه أحب إلى النفس من ذلك المشتهى. # فمن أحب امرأة فأتاه من هو أحب إليه منها، وقيل لا يعطى هذه إلا بترك تلك ~~اشتغل بها عنها، فإن أعطي من المال ما هو أحب إليه منها، أو من الأولاد ما ~~هو أحب إليه منها، على طريق المعاوضة، اشتغل عنها بالضدين اللذين لا ~~يجتمعان، إذا كان أحدهما أحب إليه ترك الآخر لأجله. # وكذلك إذا خاف من مقامه معها ضربا، أو حبسا، أو أخذ مال، أو عزلا، كان ~~دفع هذا المكروه أحب إليه منها المغرم (1)، وأما المحب الذي لا يؤثر عليها ~~شيئا من هذه المحبوبات، ولا دفع هذه المكروهات فهذا لا يتركها لذلك. وإذا ~~كان كذلك فالمؤمن المحب لله ورسوله الذي يحب الله ورسوله أعظم من كل شيء، ~~والله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والذي يخشى الله ويخافه إذا عصاه هو في ~~حال حصول حبه التام وخوفه في قلبه لا يفعل شيئا PageV05P248 ### || CHECK - يعدم الذنب تارة لعدم المقتضي، وتارة لوجود المانع # من ذلك، بل حب الله ورسوله الذي وجد حلاوته وهو أحب إليه من هذه المنهيات ~~التي يبغضها الله ورسوله، ومتى وقع فيها نقص ذلك الحب وتلك اللذة ~~الإيمانية. # فلو كانت اللذة الإيمانية الكاملة موجودة (1) لما قدم عليها لذة تنقصها ~~وتزيلها، ولهذا يجد العبد في قلبه إذا كان مخلصا لله واجدا لحلاوة العبادة ~~والذكر والمعرفة الصارف قلبه عن هذه المحرمات فلا يلتفت إليها، كالمشغول ~~بالجوهر إذا لاحت له قشور البصل، بخلاف ما إذا عدم هذه الحلاوة الإيمانية، ~~فإنه حينئذ يميل إلى شيء من المحرمات، وكذلك إذا كان في قلبه خوف الله ~~التام وهو مؤمن، فإن هذا المحرم سبب يفضي به إلى عذاب الله وعقابه، بل إلى ~~سخطه وغضبه والبعد عنه، فمتى خاف زوال محبوب أحب إليه من ذلك، أو حصول ~~مكروه أكره إليه من ذلك لم [يعد إلى] (2) هذه المحرمات. # فالذنب ms0889 تارة يعدم لعدم المقتضي، وتارة لوجود المانع، والثاني هو الغالب، ~~فإنه الداعي في النفس، والأول موجود إذا حصل في القلب من حلاوة الإيمان ~~وطيبه ما يغنيه عن الذنب لم يبق له داع، كالجائع الذي أكل من الطعام الطيب ~~ما يغنيه عن الرديء، فإذا شبع لم يبق له داع، بل إذا كان قادرا على هذه كان ~~مكتفيا عن ذلك. # وكذلك العطشان، والنفس مطلوبها ما يسرها ويلذها، فإذا وجدت اللذة والسرور ~~التام في أمر لم تشتغل عنه بما هو دونه في اللذة. PageV05P249 ### || CHECK - وقوع الناس في البدع لنقص إيمانهم ونقص اتباعهم للسنة ### || CHECK - الإنسان يفعل السيئات إما لجهله بقبحها وإما لحبه الداعي له إلى ذلك # والإنسان إنما يفعل السيئات القبيحة إما لجهله بقبحها، وإما لحبه الداعي ~~له إلى ذلك، وهو يتضمن حاجته إلى ذلك، فإن المشتهي للشيء من مطعوم أو منكوح ~~أو منظور أو غير ذلك يجد في قلبه فاقة إليه وحاجة إليه، فإذا لم يحصل له ~~بقي في ألم يؤذيه بحسب شهوته، فإذا استغنى بما يزيل عنه الشهوة والحاجة لم ~~يبق عنده داع يدعوه إلى ذلك. ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (1): ~~"إذا أعجبت أحدكم امرأة فليأت أهله، فإن معها مثل ما معها". وفي الدعاء ~~المأثور (2): "اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك". # والناس إذا وقعوا في البدع والمعاصي نقص عليهم إيمانهم، وإلا فمن كان ~~عالما بالحق قاصدا له أغناه ذلك عن أن يعتقد الباطل ويتبعه. ولهذا كانت ~~الصحابة رضوان الله عليهم من أبعد الناس عن الذنوب والبدع، لاستغنائهم ~~بالعلم والإيمان بالله [وما] تلقوه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا ~~تجد أحدا وقع في بدعة إلا لنقص اتباعه للسنة علما وعملا. وإلا فمن كان بها ~~عالما، ولها متبعا لم يكن عنده داع إلى البدعة، فإن البدعة يقع فيها الجهال ~~بالسنة، وكذلك الزنا والسرقة وشرب الخمر، إنما يزني من عنده شهوة يطلب ~~قضاءها. # فأما من قضى شهوته بما هو أحب إليه وفترت، فلا يبقى عنده داع، ومن أحب ~~طلب ms0890 شيء آخر فشهوته لم تقض بل قضي بعضها، PageV05P250 # وقضاء الشهوة إنما هو حصول المطلوب كله، فممتنع معه أن يطلب ما يحصل ما ~~قد حصل. # وكذلك السارق إنما يسرق لما عنده من إرادة المال، ولكن من الناس من لا ~~يقف عند حد، بل لو حصل عنده أي شيء كان أحب الزيادة، ولهذا يسرق وإن لم يكن ~~ثم منافع أخر. # وكذلك شارب الخمر يشربها لما يطلب بها من حصول اللذة وزوال الغم، فإذا ~~كانت اللذة الحاصلة بالصلاة وذكر الله أكمل وهي تصده عن ذلك لم يكن عنده ~~داع إليها. # ومما يبين هذا قوله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) (1)، مع قول ~~الشيطان: (لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83)) (2)، وقال ~~تعالى في حق يوسف الصديق: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين (24)) (3)، فإن عباده تعالى هم الذين عبدوه وليس المراد كل من ~~خلقه، فإن الشياطين عباد بهذا الاعتبار، بل هذا كقوله تعالى: (وعباد الرحمن ~~الذين يمشون على الأرض هونا) (4)، وقوله: (عينا يشرب بها عباد الله) (5)، ~~وقوله: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه) (6). PageV05P251 ### || CHECK - عباد الله المخلصين يكون الله أحب إليهم مما سواه، بخلاف المشركين # وفي الصحيحين (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تعس عبد الدرهم، تعس ~~عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن منع سخط، ~~تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش". # فعبد الله الذي هو عبده لابد أن يكون الله أحب إليه مما سواه، فإن الذين ~~جعلوا لله أندادا يحبونهم كحب الله مشركون لا مؤمنون، والذين آمنوا أشد حبا ~~لله، ولابد أن يكون الله أخوف عندهم مما سواه، ومن كان كذلك صرف عنه السوء ~~والفحشاء كما صرف عن يوسف. # بخلاف المشركين الذين جعلوا لله أندادا يحبونهم كحب الله، فهؤلاء ليسوا ~~عباده، و (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (2)، فالمشرك به لا يحصل له ~~ما يقر عينه، ويغني قلبه عن الأنداد، بل هذا لا يحصل إلا بعبادة الله وحده. ~~فإن الله سبحانه خلق عباده حنفاء؛ ms0891 وللسلف في "الحنيف" عبارات، قيل: ~~المستقيم، كقول محمد بن كعب القرظي. والمتبع، كقول مجاهد. والمخلص، كقول ~~عطاء. وأما تفسيره بالمائل فهذا من قول بعض متأخري أهل اللغة، وهو مبسوط في ~~موضع آخر (3). # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (4): "كل مولود يولد على الفطرة". ~~وفي رواية (5): PageV05P252 ### || CHECK - بعض الأخبار التي ذكرها المفسرون هنا، ونقدها ### || CHECK - قصة امرأة العزيز مع يوسف عليه السلام ### || CHECK - كل مولود يولد على الفطرة # "على فطرة الإسلام". فالقلب مخلوق حنيفا مفطورا على فطرة الإسلام، وهو ~~الإستسلام لله دون ما سواه. فهو بفطرته لا يريد أن يعبد إلا الله، فلا ~~يطمئن قلبه ويحصل لذته وفرحه وسروره إلا بأن يكون الله هو معبوده دون ما ~~سواه، وكل معبود دون الله يوجب الفساد، لا يحصل به صلاح القلب وكماله ~~وسعادته المقتضية لسروره ولذته وفرحه، وإذا لم يحصل هذا لا يبقى طالبا لما ~~يلتذ به فيقع في المحرمات من الصور والشرب وأخذ المال وغير ذلك. # ولهذا لما كانت امرأة العزيز مشركة طالبة للفاحشة، ويوسف شاب غريب، ~~فالداعي المطيع معه أقوى، لكن معه من الإيمان ما يصده عن ذلك، وتلك هي ~~وقومها كانوا مشركين، ولهذا قال لهم: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله) ~~إلى قوله: (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) ما تعبدون من ~~دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم ~~إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم) (1). # وما نقله بعض المفسرين من أن زوجها (2) كان لا يصل إليها، وأن يوسف ~~تزوجها بعد ذلك فوجدها عذراء، فهذا ونحوه من الإسرائيليات مما لا يجوز ~~لمسلم أن يصدق به، فإن هذا لم يخبر PageV05P253 # بنقله أحد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو منقول عن أهل ~~الكتاب إن لم يكن قد افتراه غيرهم. وقد ثبت في الصحيح (1) عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا ~~تكذبوهم". لا سيما وقد نقلوا في قصة يوسف أشياء ms0892 تخالف القرآن، وتلك يجب ~~القطع بأنها كذب، وأما ما لم يعلم صدقه ولا كذبه يتوقف فيه. # وهذه الحكاية كذب؛ فإن هذا خلاف العادة الغالبة على بني آدم، وإنما يقع ~~مثل هذا نادرا ولو وقع لأخبر به. # والمراد لو كان الداعي لها مجرد الشهوة لعدم الزوج لكان في الرجال كثرة، ~~وإذا لم يحصل لها يوسف حصل لها غيره، ومعلوم أن الجائع والشبق إذا طلب ~~غلاما يشتهيه فيتعذر عليه لم يصبر عن الجوع والشبق بل يتناول ما تيسر له، ~~ولهذا يوجد صاحب الشبق يقضي شهوته بأخس ما يمكن، فمن الرجال من يأتي بهيمة ~~وكلبا وحمارا وطيرا، ومن النساء من تمكن منها قردا وحمارا أو غير ذلك لغلبة ~~الشهوة، ومن النساء من تتخذ آلة الرجل على صورة عضو الرجل عند تعذر الرجال ~~إلى أمثال ذلك، فكيف إذا حصل للمرأة رجل، وللرجل امرأة؟ # فعلم أن المرأة هويت يوسف لجماله، لا لكون زوجها لا يأتيها. PageV05P254 ### || CHECK - ما أورده المفسرون في معنى "الهم"، والرد عليه # وكذلك ما ينقله بعضهم عن يوسف أنه حل سراويله، وأنه رأى صورة يعقوب وغير ~~ذلك، كل ذلك من الأحاديث التي غالبها أن يكون من كذب اليهود. فإن الله ~~تعالى قال: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) (1). فقد أخبر أنه صرف عنه ~~السوء والفحشاء فلم يفعل سوءا ولا فحشاء، فإن ما صرفه الله عنه انصرف عنه. ~~ولو كان يوسف قد أذنب لتاب، فإن الله لم يذكر ذنب نبي إلا مع التوبة، ولم ~~يذكر عن يوسف توبة، فعلم أنه لم يذنب في هذه القضية أصلا، والله أعلم. إنما ~~أخبر عنه بالهم وقد تركه لله فهو مما أثابه الله عليه. # وفي الصحيحين (2) عن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~يروي عن ربه تبارك وتعالى قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، ~~فمن هم بحسنة ولم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هم بها فعملها ~~كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة ms0893 ~~فلم يعملها كتبها الله [له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها ~~الله له] سيئة واحدة" (3). # فقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح أن من هم بسيئة فلم ~~يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة. وفي الحديث الآخر (4) قال: "يقول الله: PageV05P255 ### || CHECK - البرهان الذي رآه يوسف # اكتبوها له حسنة فإنما تركها من جرائي". أي: من أجلي. فالعبد إذا هم ~~بالسيئة وتركها لله كان تركها لله حسنة كاملة، ولم يكن عليه إثم بذلك الهم. # فيوسف الصديق لم يفعل قط سيئة، بل هم وترك ما هم به لما رأى برهان ربه، ~~فكتب الله له حسنة كاملة. # وبرهان ربه ما تبين له به ما يوجب الترك، قال الله تعالى: (إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) وإخوانهم ~~يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202)) (1). # فالشيطان إذا زين المعصية يجعل في القلب ظلمة، ويضعف نور الإيمان، ولهذا ~~سماه طائفا، أي: يطيف بالقلب مثل ما يطيف الخيال بالنائم، ويغيب عن القلب ~~حينئذ من أمر الله ونهيه ووعده ووعيده ما يناقض ذلك، فإذا كان العبد متقيا ~~لله أمده الله تعالى بنور الإيمان، فذكر ما في الذنب من عذاب الله وسخطه، ~~وما يفوته به من كرامة الله وثوابه. # والبرهان ببصيرة القلب، فيوسف الصديق أبصر برهان ربه بقلبه، فترك ما هم ~~به كل ذلك. # وأما ما يذكر أنه تمثل له يعقوب في صورة جبريل وأنه عض يده، أو أن جبريل ~~أو يعقوب مسح على ظهره، أو رأى أنه مكتوب (2) = PageV05P256 ### || CHECK - حكاية مسلم بن يسار # فكل هذا لا يجوز لأحد أن يصدق بشيء منه، بل هذا مما يعلم كذبه من وجوه ~~متعددة، فإن من لم يتنبه إلا بهذا يكون من أفجر الناس، فكيف يقال لمن وصفه ~~الله بالعفة والتقوى ما لا يوصف به إلا من هو أفجر الناس؟ # قال تعالى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24)) ~~(1). وما ذكر يقتضي أنه لم يصرف عنه إلا الجماع، وإلا فقد فعل مقدماته ms0894 وحرص ~~عليه، وهذا كالفاعل، ولو حصل لمشرك دون هذا لامتنع من الفاحشة بدون ذلك، ~~بخلاف امتناع يوسف، مع كمال الدواعي فإن هذا لا يعرف لغيره، فإن التي ~~راودته سيدته التي تملكه، وقد استعانت عليه بعد ذلك بالنساء وحبسوه على ذلك ~~بضع سنين، وهو شاب غريب، وزوجها لم ينهها ولم يعاقبها، ولم ينصر يوسف ~~عليها، وهو في بلد غربة ليس هناك أهله الذين يستحي منهم، بل لو أتاها لم ~~يعلم أحد من الناس. # وما يذكر من حكاية مسلم بن يسار (2) أنه رأى يوسف، قال: "أنا يوسف الذي ~~هممت، وأنت مسلم الذي لم تهم! ". فمسلم رآه بحسب حاله، وفيه دليل على صلاح ~~مسلم، وإلا فأين حال هذا من حال يوسف؟، تلك امرأة بدوية ظلمته في برية ولا ~~حكم لها عليه، وهو شيخ كثير العبادة، فدواعي الزنا منصرفة عنه، وموانعه ~~موجودة، بخلاف يوسف؛ فإن دواعي البشرية كانت تامة في حقه موجودة، PageV05P257 ### || CHECK - قوله (وما أبرئ نفسي) من تمام كلام امرأة العزيز # وصوارف السوء كانت منتفية، وإنما صرف عنه السوء والفحشاء بإخلاصه، وترك ~~ما هم به لما رأى برهان ربه. وهمه الذي تركه كتب له به حسنات كاملة، ولو ~~تساوت القضيتان لكان هو أفضل، فكيف وبينهما من الفرقان ما لا يخفى إلا على ~~العميان؟ # وكثير من المؤمنين يطلب منه الفاحشة، ويراوده من يراوده ويمتنع، لكن لا ~~تجتمع معه هذه الأمور ولا يكون معهودا هذا الضمير (1)، ولا يصبر على حبس ~~بضع سنين= يختار ذلك على فعل ما طلب منه في خلوة عن الوطء لم يمتنع عن ~~مقدماته، ويوسف صرف الله عنه السوء والفحشاء فلم يفعل كبيرة ولا صغيرة، ولا ~~أمرته نفسه بسوء، بل كان ممن رحم الله، فلم تكن نفسه أمارة بسوء، بل امرأة ~~العزيز هي التي كانت نفسها أمارة بالسوء؛ فإنها راودته، وقدت القميص، وكذبت ~~عليه، واستعانت بالنساء ثم حبسته، ولهذا قالت: (أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين (51) ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) (2) أي: في مغيبته عني. # وقد بسط الكلام على هذا ms0895 في غير هذا الموضع وبين أن قوله: (وما أبرئ نفسي) ~~هو من تمام كلام امرأة العزيز، وكما دل على ذلك القرآن في غير موضع (3). PageV05P258 ### || CHECK - عامة الإسرائيليات دون المراسيل بكثير ### || CHECK - بعضهم ينقل من الإسرائيليات مالم يتبين له أنه كذب، فإذا تبين لغيره أنه كذب لم يجز نقله إلا على وجه التكذيب # ومن قال إنه من كلام يوسف فقد قال باطلا، والنقولات في ذلك عن ابن عباس ~~ضعيفة بل موضوعة. ولو قدر أنه قال ذلك فبعض ما يخبره هذا وعبد الله بن عمرو ~~من الإسرائيليات كله مما سمعوه من أهل الكتاب، فلا يجوز الاحتجاج به. # والصاحب والتابع فقد ينقل عنهم ما لم يتبين [له أنه كذب، فإن تبين] (1) ~~لغيره أنه كذب لم يجز نقله إلا على وجه التكذيب، كما قال كثير منهم: إن ~~الذبيح إسحاق، ودلائل الكتاب والسنة وغير ذلك أنه إسماعيل (2)، وأمثال ذلك. # وكثير من السلف يروي أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إما مسندة ~~وإما مرسلة، فإن كان لم يعلم أنها كذب فيجوز له روايتها، وإن كان غيره ممن ~~علم أنها كذب لا يجوز له روايتها. وعامة ما ينقله سلفنا من الإسرائيليات ~~إذا لم يكن عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - فهو دون المراسيل عن نبينا - ~~صلى الله عليه وسلم - بكثير؛ فإن أولئك النقلة من أهل الكتاب، والمدة ~~طويلة، وقد علم الكذب فيهم والله أعلم. PageV05P259 ### | CHECK (12) فصل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد # فصل # في قوله - صلى الله عليه وسلم -: أصدق كلمة قالها شاعر # كلمة لبيد: # ألا كل شيء ماخلا الله باطل PageV05P261 ### || CHECK - معنى "الباطل" # فصل # في قوله - صلى الله عليه وسلم -: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: # ألا كل شيء ماخلا الله باطل # فقد جعل هذه الكلمة أصدق كلمة قالها شاعر، وهذا كقوله: (ذلك بأن الله هو ~~الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) (1)، وقال: (فذلكم الله ربكم الحق ~~فماذا بعد الحق إلا الضلال) (2)، ونحو ذلك يتناول كل معبود ms0896 من دون الله من ~~الملائكة والبشر وغيرهم من كل شيء، فهو باطل، وعبادته باطلة، وعابده على ~~باطل، وإن كان موجودا كالأصنام. # و"الباطل" يراد به: الذي لا ينفع عابده، ولا ينتفع المعبود بعبادته. فكل ~~شيء سوى الله باطل بهذا الاعتبار، حتى الدرهم والدينار، كما في الدعاء ~~المأثور: "أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل إلا وجهك ~~الكريم" (3)، فإن كل نفس لابد لها أن تأله إلها هو غاية مقصودها، فكل ما ~~سوى الله باطل، وهو ضال عن عابده، كما أخبر بذلك في كتابه. PageV05P263 # و"الضلال" يراد به الهلاك، كما قال تعالى: (وقالوا أئذا ضللنا في الأرض ~~أئنا لفي خلق جديد) (1) قالوا: معناه هلكنا وصرنا ترابا. وأصله من قوله: ضل ~~الماء في اللبن، إذا هلك فيه وتلاشى. فإذا كان الضال في الشيء هالكا فيه، ~~فالضال عنه هالك عنه. ولهذا قال: (ضل سعيهم في الحياة الدنيا) (2) أي: هلك ~~وذهب، وهو بمعنى بطل. # فكل معبود سوى الله فهو باطل وضال، يضل عابده ويضل عنه، ويذهب عنه، وهالك ~~عنه، إلا وجه الله. فعبادة ما سواه فاسدة وباطل وضلال، والمعبود سواه فاسد. # قال مجاهد في قوله: (كل شيء هالك إلا وجهه) (3) قال: إلا ما أريد به ~~وجهه. وقال سفيان الثوري: إلا ما ابتغي به وجهه. كما يقال: ما يبقى إلا ~~الله والعمل الصالح. وفي الحديث: "الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر ~~الله وما والاه، وعالم ومتعلم" (4). فأي شيء قصده العبد وتوجه إليه بقلبه ~~أو رجاه أو خافه أو أحبه أو توكل عليه أو والاه، فإن ذلك هالك مهللك، ولا ~~ينفعه إلا ما كان لله. PageV05P264 ### || CHECK - العالم الذي يطلب العلم للدنيا # وهذا بخلاف قوله: (كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام (27)) (1)، فإنه حصر كل من عليها ولم يستثن، مع أن هذا المعنى يدل ~~عليه، فإن جميع الأعمال تفنى، ولا يبقى منها شيء ينفع صاحبه إلا ما كان ~~لوجه ذي الجلال والإكرام، كما قال مالك: ما كان لله فهو يبقى، وما كان ms0897 لغير ~~الله لا يدوم ولا يبقى. # وقال تعالى: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) (2)، ولهذا قيل: الناس ~~يقولون: قيمة كل امرئ ما يحسن، وأهل المعرفة يقولون: قيمة كل امرئ ما يطلب. ~~ومما روي عن بني إسرائيل: "يقول الله: إني لا أنظر إلى كلام الحكيم، ولكني ~~إنما أنظر إلى همته". # وقد روي أن الله سبحانه يقول (3): "إن أدنى ما أنا صانع بالعالم إذا أحب ~~الدنيا أن أمنع قلبه حلاوة ذكري". وتصديق ذلك في القرآن: (فأعرض عن من تولى ~~عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من العلم) (4)، وقال: ~~(يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) (5). وفي الصحيح ~~(6) حديث الثلاثة الذين أول ما سعرت بهم النار، ذكر منهم العالم الذي يقول: ~~تعلمت العلم فيك وعلمته فيك، فيقال له: PageV05P265 # كذبت، بل أردت أن يقال فلان عالم، وقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب إلى النار. ~~ومعاوية لما سمع هذا الحديث بكى وقال: صدق الله وبلغ رسوله، ثم قرأ قوله: ~~(من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ~~وباطل ما كانوا يعملون (16)) (1). # وكذلك في الحديث في السنن (2): "من طلب علما مما يبتغى به وجه الله، لا ~~يطلبه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يرح رائحة الجنة". وفي الحديث الآخر ~~(3): "من طلب علما -أو قال: من تعلم علما- ليجاري به العلماء ويماري به ~~السفهاء، ويتأكل به الدنيا، ويصرف به وجوه الناس إليه، لقي الله وهو عليه ~~غضبان". # وفي رواية: "لم يجد عرف الجنة". # وهذا باب واسع قد بسط في غير هذا الموضع، وتكلمنا فيه على آية هود وآية ~~سبحان وآية الشورى وغير ذلك من الآيات والأحاديث والآثار في ذم العالم ~~وغيره المريد للدنيا والقالة، وبينا فيه أمارات ذلك، وبينا أن الدين كله ~~لله، وأن الله أغنى الشركاء عن الشرك، وأن الصحابة والسلف كانوا أخوف الخلق ~~في هذا المقام الخطر. # والمقصود أن هذا ms0898 العالم لما لم يكن مقصوده إلا الدنيا بما علمه PageV05P266 # من العلم وبما يعلمه، وذلك مما يبتغى به وجه الله، لم يكن له عند الله ~~قيمة، ولم يكن للعلم في قلبه حلاوة، ولم يرتع في رياض الجنة في الدنيا، وهي ~~مجالس الذكر، فلم يرح رائحة الجنة. فالأول طلب العلم لكسب الأموال والجاه، ~~فكان عقوبته أن لا يجد رائحة الجنة. # والثاني طلبه لمقاصد مذمومة من المباهاة والمماراة وصرف وجوه الناس، فكان ~~جنس مطلوبه محرما، فلقي الله وهو عليه غضبان. # والأول جنس مطلوبه مباح، فلم يجد رائحة الجنة في الدنيا، فلم يرتع في ~~رياضها، فقلبه محجوب عنها بما فيه من طلب الدنيا. # وفي حديث مكحول المرسل (1): "من أخلص لله العبادة أربعين صباحا تفجرت ~~ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه". وحكي عن أبي حامد قال: أخلصت لله أربعين ~~صباحا فلم يفجر لي شيء، فذكرت ذلك لبعض أهل المعرفة، فقال: إنك لم تخلص ~~لله، وإنما أخلصت للحكمة. # وكذلك الحكاية المشهورة عن الحسن (2) في ذلك الرجل الذي كان يتعبد ليراه ~~الناس وليقال، فكان الناس يذمونه، ثم أخلص لله ولم يغير عمله الظاهر، فألقى ~~الله له المحبة في قلوب الناس، كما قال تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96)) (3). PageV05P267 ### || CHECK - العلم بالله سيد جميع العلوم ### || CHECK - كل معبود سوى الله باطل # وإذا كانت العبادة تبقى ببقاء معبودها فكل معبود سوى الله باطل، فلا تبقى ~~النفس، بل تضل وتشقى بعبادة غير الله شقاء أبديا، كما قال تعالى: (ومن يشرك ~~بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) ~~(1). إنما كان بقاؤها ببقاء معبودها لأنها مريدة بالذات، فلابد لها من مراد ~~محبوب هو إلهها الذي تبقى ببقائه، فإذا بطل بطلت وتلاشى أمرها، وما ثم باق ~~إلا الله. والأفلاك وما فيها كله يستحيل، والملائكة مخلوقون يستحيلون، بل ~~ويموتون عند جمهور العلماء. # والعبد ينتفع بما خلق بشيء من حيث هي من آيات الله له فيها، فهي وسيلة له ~~إلى معرفة الله وعبادته، ولو ms0899 كان العلم هو الموجب لما يطلبه هؤلاء لكان هو ~~العلم بالله، فإنه هو الحق، وما سواه باطل، ومن له من مخلوقاته فالعلم به ~~تابع للعلم بالله، والعلم الأعلى هو العلم بالأعلى. كما قال: (سبح اسم ربك ~~الأعلى (1)) (2)، فهو رب كل ما سواه، فهو الأصل، فكذلك العلم به سيد جميع ~~العلوم وهو أصل لها. PageV05P268 ### | CHECK (13) المسألة الخلافية في الصلاة خلف المالكية # المسألة الخلافية # في الصلاة خلف المالكية PageV05P269 ### || CHECK - قول من قال: لا تجوز الصلاة خلف أئمة المالكية، من أنكر المنكرات وأشنع المقالات، يستحق قائله التعزير البليغ # بسم الله الرحمن الرحيم # ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين وعلماء المسلمين -وفقهم الله لطاعته- ~~في رجل يزعم أنه فقيه على مذهب الشافعي، قال للعامة: لا تجوز الصلاة خلف ~~أئمة المالكية، ومن صلى خلف إمام مالكي المذهب لم تصح صلاته، ويلزمه إعادة ~~ما صلى خلف الإمام المالكي. فلما سمع العامة كلامه امتنعوا من الصلاة خلفهم ~~لأجل ما سمعوه منه، وطلبوا فتاوى الأئمة، إما بصحة ما قاله المذكور أو ~~ببطلانه. وإذا لم يصح قوله ماذا يجب عليه؟ وهل على ولي الأمر زجره وردعه ~~ومنعه من ذلك حتى يتعظ به غيره أم لا؟ وإذا ردع وزجر اتعظ به غيره. أفتونا ~~مأجورين. # فأجاب # شيخ الإسلام فريد عصره ونحرير زمانه، المميز على شيوخه وأقرانه، تقي ~~الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام مفتي المسلمين أبي الفضل عبد الحليم ~~بن شيخ الإسلام مجدالدين عبد السلام بن تيمية الحراني، فسح الله في عمره: ~~الحمد لله وحده. إطلاق هذا الكلام من أنكر المنكرات وأشنع المقالات، يستحق ~~مطلقه التعزير البليغ، فإن فيه من إظهار الاستخفاف بحرمة هؤلاء الأئمة ~~السادة ما يوجب غليظ العقوبة، ويدخل صاحبه PageV05P271 ### || CHECK - فضل الإمام مالك ### || CHECK - إجماع أهل المدينة في زمن الخلفاء الراشدين حجة ### || CHECK - مذهب الإمام مالك من أعظم المذاهب قدرا # في أهل البدع المضلة. فإن مذهب الإمام الأعظم مالك بن أنس -إمام دار ~~الهجرة ودار السنة، المدينة النبوية التي سنت فيها السنن، وشرعت فيها ~~الشريعة، وخرج منها العلم ms0900 والإيمان- هو من أعظم المذاهب قدرا، وأجلها ~~مرتبة. حتى تنازعت الأمة في إجماع أهل المدينة هل هو حجة أم لا؟ ولم ~~يختلفوا في أن إجماع أهل مدينة غيرها ليس بحجة. والصحيح أن إجماعهم في زمن ~~الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان، فإن أمير المؤمنين عليا -رضي الله ~~عنهم- انتقل عنها إلى الكوفة. وفيما نقلوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كالصاع وترك صدقة الخضرات ونحو ذلك حجة يجب اتباعها. # وكذلك الصحيح أن اجتهاد أهل المدينة في ذلك الزمن مرجح على اجتهاد غيرهم، ~~فيرجح أحد الدليلين بموافقة عمل أهل المدينة. # وهذا مذهب الشافعي، وهو المنصوص عن الإمام أحمد وقول محققي أصحابه. # وكان لمالك بن أنس -رحمه الله- من جلالة القدر عند جميع الأمة، أمرائها ~~وعلمائها ومشايخها وملوكها وعامتها، من القدر ما لم يكن لغيره من نظرائه، ~~ولم يكن في وقته أجل عند الأمة منه. وقد روي حديث نبوي (1)، وفسر به. ومن ~~جاء بعده من الأئمة -رحمهم الله- PageV05P272 ### || CHECK - ولي الأمر يطاع في مواضع الاجتهاد ### || CHECK - من نهى عن ذلك فهو من أهل البدع والضلال ### || CHECK - اتفق السلف على صلاة بعضهم خلف بعض # مثل الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما؛ فهم أشد الناس تعظيما لأصوله ~~وقواعده، ومتابعة له فيها. وهم متفقون على أن مذاهب أهل المدينة رأيا ~~ورواية أصح مذاهب أهل المدائن الإسلامية في ذلك الوقت. # وكيف يستجيز مسلم يطلق مثل هذه العبارة الخبيثة، وقد اتفق سلف الأمة من ~~الصحابة والتابعين على صلاة بعضهم خلف بعض، مع تنازعهم في بعض فروع الفقه، ~~وفي بعض واجبات الصلاة ومبطلاتها. ومن نهى بعض الأمة عن الصلاة خلف بعض ~~لأجل ما يتنازعون فيه من موارد الاجتهاد؛ فهو من جنس أهل البدع والضلال ~~الذين قال الله فيهم: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء) ~~(1)، وقال الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (2)، وقال ~~تعالى: (لا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) (3)، ~~إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن ~~الفرقة ms0901 والاختلاف. # ودلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر -إمام الصلاة، ~~والحاكم، وأمير الحرب والفيء، وعامل الصدقة- يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس ~~عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم ~~لرأيه، فإن مصلحة PageV05P273 ### || CHECK - نصوص عن الأئمة في صحة صلاة بعضهم خلف بعض ### || CHECK - شبهة من قال بعدم جواز صلاة بعضهم خلف بعض، والرد عليها # الجماعة والائتلاف ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من أمر المسائل الجزئية. ~~ولهذا لم يجز للحكام أن ينقض بعضهم حكم بعض. # وشبهة هذا المتفقه وأمثاله، ممن قد سمع بعض غلطات بعض الفقهاء، فيما إذا ~~ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه، أو فعل ما يعتقد المأموم فسادها به، ~~فإن من الناس من قد يطلق القول ببطلان صلاة المأموم مطلقا، ومنهم من لا ~~يصحح الصلاة خلف من لا يأتي بالواجبات حتى يعتقد وجوبها. # وهذه الاطلاقات خطأ مخالف للإجماع القديم، ولنصوص الأئمة المتبوعين. مثال ~~ذلك: أن يصلي المأموم خلف من ترك الوضوء من خروج النجاسات من غير السبيلين ~~كالدم، أو خلف من ترك الوضوء من مس الذكر، أو ترك الوضوء من القهقهة، ويكون ~~المأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك، أو يكون الإمام قد ترك قراءة البسملة، أو ~~ترك الاستعاذة، أو ترك الاستفتاح، أو ترك تكبيرات الانتقال، أو تسبيحات ~~الركوع والسجود، ويكون المأموم يرى وجوب ذلك. # فالصواب المقطوع به صحة صلاة بعض هؤلاء خلف بعض، وهذا مذهب الأئمة، وإن ~~كان قد يحكى عن بعضهم خلاف في بعض ذلك. # فهذا الشافعي -رضي الله عنه- كان دائما يصلي خلف أئمة المدينة وأئمة مصر، ~~وكانوا إذ ذاك مالكية لا يقرأون البسملة سرا ولا جهرا، ولو سمع الشافعي من ~~يطعن في صلاته خلف مشايخه مالك وأقرانه، وهو دائما يفعل ذلك؛ لحكم عليه ~~بالضلال، وعده هو وسائر الأمة بعد ذلك خلافا للإجماع. PageV05P274 ### || CHECK - الإمام إذا كان مخطئا في نفس الأمر كان بمنزلة الناسي # والإمام أحمد يرى الوضوء من الدم الكثير، فقيل [له]: فإن كان الإمام لا ~~يتوضأ من ذلك، أأصلي ms0902 خلفه؟ قال: سبحان الله! # أتقول: إنه لا يصلى خلف سعيد بن المسيب، وخلف مالك بن أنس، أو كما قال. ~~يعني أن هؤلاء الأئمة الذين اجتمعت الأمة على الصلاة خلفهم؛ كانوا لا ~~يتوضؤون من الدم من غير السبيلين. # وكذلك أبو يوسف -فيما أظن- لما حج مع هارون الرشيد، فاحتجم الخليفة، ~~فأفتاه مالك أنه لا يتوضأ، وصلى بالناس، فقيل لأبي يوسف: أصليت خلفه؟ فقال: ~~سبحان الله! أمير المؤمنين!؟ # يريد بذلك أن ترك الصلاة خلف ولاة الأمور من فعل [أهل] البدع، كالرافضة ~~والمعتزلة والخوارج. # فهذه النصوص وأمثالها عن هؤلاء الأئمة تخالف من يطلق من الحنفية ~~والشافعية والحنبلية أن الإمام إذا ترك ما يعتقد المأموم وجوبه لم يصح ~~اقتداؤه به. # يوضح ذلك أن مذهب عامة أئمة الإسلام -مثل مالك والشافعي وأحمد- أن الإمام ~~إذا ترك الطهارة ناسيا، مثل أن يصلي وهو جنب أو محدث ناس لحدثه، ثم تذكر ~~بعد صلاته؛ فإن صلاة المأموم صحيحة، ولا قضاء عليه. وهذا هو المأثور عن ~~الخلفاء الراشدين مثل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وغيرهما من الصحابة. ~~فالإمام إذا كان مخطئا في نفس الأمر كان بمنزلة الناسي، وقد دل الكتاب ~~والسنة (1) أن الله تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان. فإذا كانت PageV05P275 ### || CHECK - غلط الغالط في هذا الأصل # صلاة المأموم تصح خلف إمام تجب عليه الإعادة؛ فخلف إمام لا تجب عليه ~~الإعادة أولى. # وذلك أن صلاة المأموم إن لم تكن مرتبطة بصلاة الإمام، بل كل منهم يصلي ~~لنفسه؛ فلا محذور. وإن كانت مرتبطة؛ فالإمام معفو عنه في موارد الاجتهاد، ~~فصلاته أيضا باجتهاد صحيحة عند المأموم. # وإنما غلط الغالط في هذا الأصل بحيث يتوهم أن المأموم يعتقد بطلان صلاة ~~الإمام، وليس كذلك، فإنه إذا صلى باجتهاده السائغ؛ لم يكن في هذه الحال ~~محكوما ببطلان عبادته، بل بصحتها، كما يحكم بصحة حكمه في موارد الاجتهاد ~~حتى يمنع نقضه. # فأما فعل المحظورات ناسيا فأسهل، فإن أكثر الأئمة -مثل مالك والشافعي ~~وأحمد في إحدى روايتيه- لا يرون الكلام في الصلاة ناسيا يبطل الصلاة، ولا ~~يوجب الإعادة، ms0903 فالإمام إذا فعل محظورا متأولا؛ فالمخطئ كالناسي. وإذا لم ~~تجب الإعادة عليه فكيف لا يصح الائتمام به؟ PageV05P276 # وقد روى البخاري في صحيحه (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم ~~وعليهم". وهذا نص صريح في أن الإمام إذا أخطأ كان خطؤه عليه لا على ~~المأموم، والمجتهد غايته أن يكون أخطأ بترك واجب اعتقد أنه ليس واجبا، أو ~~فعل محظور اعتقد أنه ليس محظورا. ولا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~يخالف هذا الحديث الصحيح الصريح بعد أن يبلغه. # وقد روى الإمام أحمد (2) وأبو داود (3) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه ~~قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من أم الناس فأصاب ~~الوقت وأتم الصلاة فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئا فعليه ولا عليهم". # وروى ابن ماجه (4) عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: "الإمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء - يعني: ~~فعليه ولا عليهم". # وهذه السنة الصحيحة الصريحة قد اتصل بها الإجماع القديم، وعمل بها زمن ~~القرون الثلاثة الفاضلة في جميع الأمصار، فإنه قد كان في عهد الصحابة من ~~يقرأ البسملة سرا، ومن يقرأ بها جهرا، PageV05P277 ### || CHECK - عدم صحة الاقتداء بالمخالف يوقع في مذاهب أهل الفرقة والبدعة # ومن لا يقرأ بها سرا ولا جهرا، وكل منهم يصلي خلف الآخر وإن كان يرجح قوله. # ومن أجود ما احتج به من يرى الجهر بالبسملة حديث معاوية (1)، لما قدم ~~المدينة فترك قراءة البسملة في الركعة الأولى في أول الفاتحة وأول السورة، ~~حتى هتف به الصحابة فقرأها في الركعة الثانية. وقد اعتمد الشافعي على هذا ~~الأثر في "الأم"، وفيه إجماع أولئك الصحابة على الصلاة خلفه وإن كان قد ترك ~~ذلك، وإن كانوا قد أنكروا تركه. # ومن قال من المتفقهة أتباع المذاهب: إنه لا يصح اقتداؤه بمن يخالفه إذا ~~فعل أو ترك شيئا يقدح في الصلاة ms0904 عند المأموم؛ فقود مقالته يوقعه في مذاهب ~~أهل الفرقة والبدعة، من الروافض والمعتزلة والخوارج، الذين فارقوا السنة، ~~ودخلوا في الفرقة والبدعة. # ولهذا آل الأمر ببعض الضالين إلى أنه لا يصلي خلف من يرفع يديه في ~~المواطن الثلاثة، والآخر لا يرى الصلاة خلف من ترك الرفع أول مرة، وآخر لا ~~يصلي خلف من يتوضأ من المياه القليلة، وآخر لا يصلي خلف من لا يتحرز من ~~يسير النجاسة المعفو عنها عنده، إلى أمثال هذه الضلالات التي توجب أيضا أن ~~لا يصلي أهل PageV05P278 ### || CHECK - من أجل أصول الإسلام: أن موارد الاجتهاد معفو فيها عن الأئمة، وأن الاجتماع والائتلاف مما تجب رعايته، وأن عقوبات المعتدين متعينة ### || CHECK - الواجب على ولاة الأمور المنع من هذه البدع وتأديب من يظهر شيئا من هذه المقالات المنكرة # المذهب الواحد بعضهم خلف بعض، ولا يصلي التلميذ خلف أستاذه، ولا يصلي أبو ~~بكر خلف عمر، ولا علي خلف عثمان، ولا يصلي المهاجرون والأنصار بعضهم خلف بعض. # ولا يخفى على مسلم أن هذه من مذاهب أهل الضلال، وإن غلط فيها بعض الناس. ~~فهذه الفتوى لا تحتمل بسط هذا الأصل العظيم الذي هو جماع الدين. # والواجب على ولاة الأمور المنع من هذه البدع المضلة، وتأديب من يظهر شيئا ~~من هذه المقالات المنكرة، وإن غلط فيها غالطون، فموارد النزاع إذا كان في ~~إظهارها فساد عام؛ عوقب من يظهرها، كما يعاقب من يشرب النبيذ متأولا، وكما ~~يعاقب البغاة المتأولون، لكف الجماعة، وان الناس (1) بعضهم عن البعض. # وهذه الأصول الثلاثة التي يشتمل عليها هذا الواجب: (أن موارد الاجتهاد ~~معفو فيها عن الأئمة، وأن الاجتماع والائتلاف مما تجب رعايته، وأن عقوبات ~~المعتدين متعينة) هي من أجل أصول الإسلام. # وقد أخرجا في الصحيحين (2) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه عام الخندق: "لا يصلين أحد PageV05P279 # العصر إلا في بني قريظة"، فأدركتهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي ~~إلا في بني قريظة، فصلوا بعد الغروب، وقال آخرون: لم ms0905 يرد منا توقيت الصلاة، ~~فصلوا في الطريق. فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يعب على ~~واحدة من الطائفتين. فقد أقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على اجتهادهم ~~في حياته، فبعد وفاته أولى وأحرى. والحمد لله وحده. # (تمت الفتيا وجوابها على يد عمر بن علي بن أحمد بن محمد الأنصاري ~~الأندلسي الشافعي، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين). PageV05P280 ### | CHECK (14) رسالة إلى السلطان الملك المؤيد # رسالة إلى السلطان الملك المؤيد PageV05P281 ### || CHECK - نقيضهما "الضلال" و"الغي" ### || CHECK - الهدى كمال القوة العلمية، والرشاد كمال القوة العملية # بسم الله الرحمن الرحيم # من أحمد بن تيمية إلى المولى السيد السلطان الملك المؤيد، أيده الله ~~بتكميل القوتين النظرية والعلمية، حتى يبلغه أعلى مراتب السعادة الدنيوية ~~والأخروية، ويجعله ممن أتم عليه نعمه الباطنة والظاهرة، وأعطاه غاية ~~المطالب الحميدة في الدنيا والآخرة، وجعله مع الذين أنعم عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. # ففي الهدى كمال القوة العلمية، وفي الرشاد كمال القوة العملية، وبهما ~~أخبر أنه أرسل رسوله حيث قال: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله وكفى بالله شهيدا (28)) (1). # فالهدى يتضمن كمال القوة العلمية، ودين الحق يتضمن كمال القوة العملية. # وقد نزهه عن ضد ذلك في مثل قوله: (والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما ~~غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4)) (2). # فنزهه عن "الضلال" المناقض للهدى، وهو النقص في القوة العلمية، وعن ~~"الغي" المناقض للرشاد، وهو النقص في القوة العملية. PageV05P283 ### || CHECK - أنواع تكليم الله للعباد ثلاثة # ثم أخبر بكماله فيهما بقوله (وما ينطق عن الهوى (3)) وهو هوى النفس ~~المفسد للقوة العملية، (إن هو إلا وحي يوحى (4)) وهو أعلى مراتب إعلام الله ~~لعباده، وإن كان أهله متفاضلين فيه. # فكمال التنزه عن الخطأ للأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وهم فيه ~~متفاضلون، كما قال تعالى: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) (1)، وقال ~~تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ~~وآتينا عيسى ابن مريم ms0906 البينات وأيدناه بروح القدس) (2). # وقد استوعب سبحانه أنواع جنس تكليمه لعباده في قوله تعالى: (وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشاء) (3)، فجعل ذلك ثلاثة أنواع: # الوحي الذي منه ما هو إلهام للأنبياء يقظة ومناما، فإن رؤيا الأنبياء وحي. # والتكليم من وراء حجاب، كما كلم موسى بن عمران حيث نادا وقربه نجيا. # والتكليم بإرسال رسول يوحي بإذنه ما يشاء هو تكليمه بواسطة إرسال الملك، ~~كما قال تعالى: (إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18)) ~~(4)، أي علينا أن نجمعه في قلبك، ثم علينا أن نقرأه PageV05P284 # بلسانك. وهذا على أظهر القولين، وهو أن "قرأ" بالهمزة من الظهور والبيان، ~~وقولهم: ما قرأت الناقة بسلا جزور قط، أي ما أظهرته، بخلاف "قرى يقري" فإنه ~~من الجمع، ومنه سميت القرية قرية، والمقراة مجتمع الماء. # فقوله تعالى: (إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه) أي قرأناه بواسطة ~~جبريل (فاتبع قرآنه (18)). وهذا كقوله تعالى: (نتلوا عليك من نبإ موسى ~~وفرعون) (1)، وإنما ذلك بتوسط قراءة جبريل وتلاوته، كقوله: (أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء) (2). فإن هذا قد جعله سبحانه أحد أنواع الجنس العام ~~المقسوم، وهو تكليم الله لعباده، ولهذا قال عبادة بن الصامت: رؤيا المؤمن ~~كلام يكلم به الرب عبده في منامه. # وأدنى مراتب ذلك الوحي المشترك: الذي يكون لغير الأنبياء، كقوله: (وإذ ~~أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي) (3)، وقوله: (وأوحينا إلى أم ~~موسى أن أرضعيه) (4). # وهذا الوحي المشترك هو الذي أدرجه في النبوة من الفلاسفة من أدرجه، كابن ~~سينا وأمثاله، فإن أرسطو وأتباعه القدماء ليس لهم في النبوة كلام، إذ كان ~~أرسطو هو وزير الإسكندر بن فيلبس المقدوني PageV05P285 ### || CHECK - ذكر أرسطو وبعض آرائه ### || CHECK - الإسكندر المقدوني ليس ذا القرنين # الذي يؤرخ له التاريخ الرومي، وبه يؤرخ كثير من اليهود والنصارى، وكان ~~قبل المسيح عليه السلام بنحو ثلاثمائة سنة. وبعد المسيح بنحو ثلاثمائة سنة ~~كان قسطنطين الذي أقام دين النصارى بالسيف، وفي عهده أحدثوا الأمانة ms0907 وتعظيم ~~الصليب واستحلال الخنزير والقول بالتثليث والأقانيم بمجمعهم الأول المسمى ~~بمجمع نيقية. # وهذا الإسكندر المقدوني هو الذي ذهب إلى أرض الفرس وغير ممالكهم، وليس هو ~~ذا القرنين المذكور في القرآن، الذي بنى سد يأجوج ومأجوج، فإن هذا كان ~~متقدما على ذلك، وكان موحدا مسلما. # والمقدوني لم يصل إلى تلك الأرض، وكان هو وقومه مشركين يعبدون الهياكل ~~العلوية والأصنام الأرضية، ولم يزالوا على ذلك حتى وصلت إليهم دعوة المسيح ~~عليه الصلاة والسلام، فأسلم منهم من أسلم، وكانوا متبعين لدين المسيح الحق، ~~إلى أن بدل منه ما بدل. # وهؤلاء كانوا بأرض الروم وجزائر البحر، لم يصل إليهم من أخبار إبراهيم ~~وآل إبراهيم -كموسى بن عمران وغيره- ما عرفوا به حقيقة النبوة، ولهذا كان ~~أرسطو أول من قال بقدم الأفلاك من هؤلاء، بخلاف من قبله كأفلاطون وشيخه ~~سقراط، وشيخ سقراط فيثاغورس، وشيخ فيثاغورس انبدقلس، فإن هؤلاء كانوا ~~يقولون بحدوث صورة الفلك، ولهم في المبادئ كلام طويل قد بسطناه في الكتاب ~~الكبير (1) الذي ذكرنا فيه مقالات العالم في مسألة PageV05P286 ### || CHECK - توافق الأدلة السمعية والعقلية وتلازمها ### || CHECK - الصحابة والتابعون أتوا بخلاصة المعقول والمنقول # حدوث العالم وقدمه، فإنها منشأ نزاع الأولين والآخرين في أقوال الرب ~~وأفعاله، وعنها تنازع أهل الملل من المسلمين وأهل الكتاب في كلام الرب: هل ~~هو قديم النوع أو العين؟ وهل هو قائم به أو مباين له؟ وهل يتكلم بقدرته ~~ومشيئته أو هو لازم له لزوم الحياة؟ # وكذلك تنازعوا في دوام الحدوث ووجود ما لا يتناهى منها في الماضي ~~والمستقبل: هل هو ممتنع في الماضي والمستقبل؟ كما يقوله الجهم وأبو الهذيل، ~~أو هو جائز في المستقبل ممتنع في الماضي؟ كما يقوله كثير من المتكلمين، أم ~~هو جائز فيهما، كما يقوله أئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة، لكن أئمة أهل ~~الملل لا يجوزون ذلك إلا في قديم واحد، لا يجوزون أن يكون شيئان كل منهما ~~قديم أزلي يقوم به حوادث لا بداية لها ولا نهاية، فيكون ما لا يتناهى لا في ~~الماضي ولا في المستقبل قابلا ms0908 لأن يزاد عليه. # وهذا المحال إنما يلزم من قال بقدم الأفلاك، وأما أئمة أهل السنة ~~-كالصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن سلك سبيلهم من أئمة المسلمين- فهؤلاء ~~أتوا بخلاصة المعقول والمنقول، إذ كانوا عالمين بأن كلا من الأدلة السمعية ~~والعقلية حق، وأنها متلازمة، فمن أعطى الأدلة العقلية اليقينية حقها من ~~النظر التام علم أنها موافقة لما أخبرت به الرسل، ودلته على وجوب تصديق ~~الرسل فيما أخبروا به. ومن أعطى الأدلة السمعية حقها من الفهم علم أن الله ~~أرشد عباده في كتابه إلى الأدلة العقلية اليقينية، التي بها يعلم وجود ~~الخالق وثبوت صفات الكمال له، وتنزهه عن النقائص وعن أن يكون له مثل في شيء ~~من صفات الكمال، و [التي تدل] على PageV05P287 ### || CHECK - كل من العقل والسمع يوجب النجاة ### || CHECK - طرق العلم ثلاثة: الحس والنظر والخبر # وحدانيته ووحدانية ربوبيته ووحدانية إلهيته، وعلى قدرته وعلمه وحكمته ~~ورحمته، وصدق رسله ووجوب طاعتهم فيما أوجبوا وأمروا، وتصديقهم فيما أعلموا ~~به وأخبروا، وأنهم كملوا بما أوتوا من الهدى ودين الحق للعباد ما كانت تعجز ~~مجرد عقولهم عن بلوغه. # إذ كانت طرق العلم ثلاثة: الحس، والنظر، والخبر. فأتباعهم جمع الله لهم ~~غاية الفضائل العلمية والعملية، ولهذا كانت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- خير أمة أخرجت للناس، فإن الله جمع لهم من الفضائل ما فرقه في غيرهم من ~~الأمم، فجمعوا إلى ما خصهم الله به ما كان عند غيرهم من أهل الكتاب ومن ~~فلاسفة اليونان والفرس والهند وغيرهم. # ولما كان سلف هذه الأمة عالمين بغايات العلوم العقلية والسمعية وعلموا ~~تلازمهما، لم يكن بينهم تنازع ولا تعارض. وقد أخبر الله في كتابه بما دل به ~~على أن كلا من العقل والسمع يوجب النجاة، فقال تعالى عن أهل النار: (وقالوا ~~لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10)) (1)، وقال تعالى: (أفلم ~~يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46)) (2)، وقال تعالى: (إن ~~في ذلك ms0909 لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37)) (3). PageV05P288 ### || CHECK - الرسول بين للناس الأدلة العقلية # فدل على أن مجرد العقل يوجب النجاة وكذلك مجرد السمع، [و] معلوم أن السمع ~~لا يفيد دون العقل، فإن مجرد إخبار المخبر لا يدل إن لم يعلم صدقه، وإنما ~~يعلم صدق الأنبياء بالعقل، لكن طائفة من أهل الكلام ظنوا أن دلالة السمع ~~إنما هي من جهة المخبر فقط، وقد علموا أن الخبر لا يفيد إن لم يعلم بالعقل ~~صدق المخبر، فجعلوا دلالة العقل خارجة عما جاءت به الأنبياء. # وأما حذاق المتكلمين فعلموا أن الرسول بين للناس الأدلة العقلية التي بها ~~يعرف إثبات الصانع وتوحيده وصفاته وصدق رسوله، وعلموا أنه لا يكون عالما ~~بالكتاب والسنة إلا من علم ما فيهما من الأدلة العقلية التي تدل على ~~المطلوب، مثل العلم بصدق المخبر، وأن الله إنما بعث رسولا إلى الخلق ~~ليهديهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى الصراط المستقيم، ~~ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن. إذ بعثه بالهدى ~~ودين الحق، وقد أكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة. # وقد تضمنت رسالته ما به يعلم ذلك من الأدلة العقلية، وإلا فمجرد إخبار ~~المخبر قبل العلم بصدقه لا يفيد علما. وكذلك الأدلة العقلية لا يكون الناظر ~~فيها قد أعطاها حقها حتى تدله على صدق الرسول، فإن الأدلة العقلية اليقينية ~~مستلزمة لذلك، وثبوت الملزوم بدون ثبوت اللازم محال. ولهذا قال أهل النار ~~لما قيل لهم (ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى) (1) الآية إلى (السعير (11)). ~~فدل ذلك على PageV05P289 ### || CHECK - اختلاف الناس فيما جاء به الرسل ### || CHECK - من أهل الكلام من قصر في معرفة ما جاء به الرسول وما يوجبه النظر المعقول ### || CHECK - السلف كانوا عالمين بحقائق الأدلة العقلية والسمعية وأنه يمتنع أن تكون متعارضة # أنهم كذبوا الرسل فاستحقوا العذاب، ودل على أنهم لم يكونوا يعقلون، وأنهم ~~لو عقلوا لصدقوا الرسل. # فلما كان السلف عالمين بحقائق الأدلة العقلية والسمعية وأنها متلازمة، ~~علموا أنه يمتنع أن تكون متعارضة، فإن الأدلة القطعية ms0910 اليقينية يمتنع ~~تعارضها، لوجوب ثبوت مدلولها، فلو تعارضت لزم إما الجمع بين النفي ~~والإثبات، وإما رفعهما. والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. لكن جاء بعدهم ~~من أهل الكلام من قصر في معرفة ما جاء به الرسول وما يوجبه النظر المعقول، ~~فظنوا في أقوال الرب وأفعاله في مسألة حدوث العالم وغيرها ظنونا مخطئة، ~~ليست مطابقة لخبر الرسل ولا لموجب العقل، وصار يظن من لا يعرف دين الرسل أن ~~هذا هو دينهم، ورأوا في ذلك ما يناقض صريح العقل. # فكان هذا من أسباب اضطراب الناس في أمر الرسل: # فطائفة تقول: إنما جاءوا في العلوم الإلهية بطريق التخييل وخطاب الجمهور. # وطائفة تقول: بل جاءوا بطريق لا يدل على المقصود، بل يشعر بنقيضه، ليعرف ~~الناس الحق بأنفسهم لا من جهة الأنبياء. ثم يتأولون ما قالته الأنبياء على ~~ما عندهم. # وطائفة تقول: فيما جاءت به الأنبياء متشابه لا يعلم معناه لا الأنبياء ~~ولا غيرهم، ظنوا أن الوقف على قوله (وما يعلم تأويله إلا الله) (1)، وأنه ~~إذا كان الوقف على هذا فالمراد بالتأويل صرف اللفظ PageV05P290 ### || CHECK - لفظ "التأويل" يأتي لثلاثة معان # عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح. وصار من هؤلاء من يقول: هذه ~~الألفاظ تجرى على ظاهرها، ولا يعلم تأويله إلا الله، فيجمع بين النقيضين. # ولم يعلموا أن لفظ "التأويل" بحسب تعدد الاصطلاحات صار مشتركا في ثلاثة معان: # معناه في القرآن هو ما يؤول إليه الكلام وإن وافق ظاهره، كقوله تعالى: ~~(هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ~~ربنا بالحق) (1). وهذا التأويل لا يعلمه إلا الله، كوقت الساعة. # ويراد بالتأويل نفس الكلام وما قصد إفهام الناس إياه، وهذا التأويل يعلمه ~~الراسخون في العلم. ولا يجوز أن ينزل الله كتابا يأمر بتدبره وعقله، وقد ~~فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كله للمسلمين، ويكون فيه ما لا ~~يعلم تفسيره لا النبي ولا أحد من أمته. # ويراد بالتأويل تحريف الكلم عن مواضعه، وتفسير الكلام بغير مراد المتكلم، ~~كتحريف أهل الكتاب لما ms0911 حرفوه من الكتاب، وتحريف الملاحدة وأهل الأهواء لما ~~حرفوه من معاني هذا الكتاب. وهذا تأويل باطل يعلم الله أنه باطل، لا أنه ~~يعلم أنه حق، كما قال تعالى: (قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا ~~في الأرض) (2). فإنه سبحانه PageV05P291 ### || CHECK - السلطان من أحق من تجب معاونته على مصالح الدنيا والآخرة # يعلم الأشياء على ما هي عليه، يعلم الموجود موجودا والمعدوم معدوما، فما ~~كان معدوما لا يعلمه موجودا. وهذا باب واسع. # والسلطان -أيده الله وسدده- هو من أحق من تجب معاونته على مصالح الدنيا ~~والآخرة، لما جمع الله فيه من الفضائل والمناقب. # وكان من أسباب هذه التحية أن فلانا قدم، ولكثرة شكره للسلطان وثنائه عليه ~~ودعائه له حتى في الأسحار وغيرها يكثر المفاوضة في محاسن السلطان، ويجدد ~~بحضوره للسلطان من الثناء والدعاء ما هو من بشرى المؤمن، كما قالوا: يا ~~رسول الله! الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه، فقال: "تلك عاجل ~~بشرى المؤمن" (1). # فالسلطان جعل الله فيه من الاشتمال على أهل الاستحقاق ما يأجره الله ~~عليه. وفلان هذا من خيار الناس وأصدقهم وأنفعهم، ومن بيت معروف، وقد جعل ~~الله فيه من المحبه والثناء على السلطان ما هو من نعم الله عليه، وهو من ~~أهل الخير والدين معروف، فجمع الله بسببه للسلطان قلوبا تحب السلطان وتدعو ~~له. والله تعالى يجمع له خير الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته، وعلى سائر من يحيط به العناية الكريمة. والحمد لله رب العالمين. PageV05P292 ### | CHECK (15) رسالة إلى السلطان الملك الناصر في شأن التتار # رسالة إلى السلطان الملك الناصر في شأن التتار PageV05P293 # بسم الله الرحمن الرحيم # (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (33)) (1). # (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) ~~تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12) وأخرى ms0912 تحبونها نصر من الله ~~وفتح قريب وبشر المؤمنين (13) يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما ~~قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين (14)) (2). # (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم ~~إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ~~ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير (39) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ ~~أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن ~~الله معنا فأنزل الله سكينته عليه PageV05P295 ### || CHECK - تكفل الله بنصر هذا الدين إلى يوم القيامة # وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ~~والله عزيز حكيم (40) انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في ~~سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (41)) (1). # إلى سلطان المسلمين، نصر الله به الدين، وقمع به الكفار والمنافقين، وأعز ~~به الجند المؤمنين، وأدالهم به على القوم المفسدين. # سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا ~~هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلي على محمد عبده ~~ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # أما بعد، فإن الله قد تكفل بنصر هذا الدين إلى يوم القيامة، وبظهوره على ~~الدين كله، وشهد بذلك، وكفى بالله شهيدا. وأخبر الصادق المصدوق - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه لا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ~~إلى يوم القيامة (2)، وأخبر أنهم بالناحية الغربية عن مكة والمدينة (3)، ~~وهي أرض الشام وما يليها. # كما أخبرنا أنه لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا (4) الترك، قوما صغار PageV05P296 ### || CHECK - ما كان في فتنة التتار من العبر ### || CHECK - ما زالت دلائل النبوة تظهر شيئا فشيئا # الأعين دلف الآنف، ينتعلون الشعر، ms0913 كأن وجوههم المجان المطرقة (1). # وأخبر (2) أن أمته لا يزالون يقاتلون الأمم حتى يقاتلوا الأعور الدجال، ~~حين ينزل عيسى بن مريم من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيقتل ~~المسلمون جنده القادم معه من يهود أصبهان وغيرهم. # وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة ~~سنة من يجدد دينها (3). ولا يكون التجديد إلا بعد استهدام. # وقال: "سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فيجتاحهم، فأعطانيها، ~~وسألته أن لا يهلكهم بسنة عامة، فأعطانيها" (4). # وما زالت دلائل نبوته - صلى الله عليه وسلم - تظهر شيئا بعد شيء. وقد ~~أظهر الله في هذه الفتنة (5) من رحمته بهذه الأمة وجندها ما فيه عبرة، حيث ~~ابتلاهم بما يكفر به من خطاياهم، ويقبل بقلوبهم على ربهم، ويجمع كلمتهم على ~~ولي أمرهم، وينزع الفرقة والاختلاف من بينهم، PageV05P297 ### || CHECK - الجهاد واجب على كل مسلم قادر، ومن لم يقدر فعليه أن يجاهد بالمال # ويحرك عزماتهم للجهاد في سبيل الله وقتال الخارجين عن شريعة الله. # فان هذه الفتنة التي جرت، وإن كانت مؤلمة للقلوب، فما هي -إن شاء الله- ~~إلا كالدواء الذي يسقاه المريض ليحصل له الشفاء والقوة. وقد كان في النفوس ~~من الكبر والجهل والظلم ما لو حصل معه ما تشتهيه من العز لأعقبها ذلك بلاء ~~عظيما. فرحم الله عباده برحمته التي هو أرحم بها من الوالدة بولدها، وانكشف ~~لعامة المسلمين شرقا وغربا حقيقة حال هؤلاء المفسدين الخارجين عن شريعة ~~الإسلام وإن تكلموا بالشهادتين، وعلم من لم يكن يعلم ما هم عليه من الجهل ~~والظلم والنفاق والتلبيس والبعد عن شرائع الإسلام ومناهجه، وحنت إلى ~~العساكر الإسلامية نفوس كانت معرضة عنهم، ولانت لهم قلوب كانت قاسية عليهم، ~~وأنزل الله عليهم من ملائكته وسكينته مالم يكن في تلك الفتنة معهم، وطابت ~~نفوس أهل الإيمان ببذل النفوس والأموال للجهاد في سبيل الله، وأعدوا العدة ~~لجهاد عدو الله وعدوهم، وانتبهوا من سنتهم، واستيقظوا من رقدتهم، وحمدوا ~~الله على ما أنعم به من استعداد السلطان والعسكر للجهاد، وما ms0914 جمعه من ~~الأموال للإنفاق في سبيل الله. # فإن الله فرض على المسلمين الجهاد بالأموال والأنفس، والجهاد واجب على كل ~~مسلم قادر، ومن لم يقدر أن يجاهد بنفسه فعليه أن يجاهد بماله إن كان له مال ~~يتسع لذلك، فإن الله فرض الجهاد بالأموال والأنفس. ومن كنز الأموال عند ~~الحاجة إلى إنفاقها في الجهاد، من الملوك أو الأمراء أو الشيوخ أو العلماء ~~أو التجار أو الصناع أو الجند أو غيرهم، فهو داخل في قوله سبحانه (والذين ~~يكنزون الذهب PageV05P298 ### || CHECK - ذم المخلفين عن الغزو بأقبح الذم # والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها ~~في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ~~ما كنتم تكنزون (35)) (1)، خصوصا إن كانت الأموال من أموال بيت المال، أو ~~أموال أخذت بالربا ونحوه، أو لم تؤد زكاتها ولم تخرج حقوق الله منها. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحض المسلمين على الإنفاق في سبيل ~~الله، حتى إنه في غزاة تبوك حضهم، وكان المسلمون في حاجة شديدة، فجاء عثمان ~~بن عفان بألف راحلة من ماله في سبيل الله بأحلاسها وأقتابها، وأعوزت خمسين ~~راحلة فكملها بخمسين فرسا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما ضر ~~عثمان ما فعل بعد اليوم" (2). # وذم الله المخلفين عن الغزو في سورة براءة بأقبح الذم حين قال: (قل إن ~~كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24)) (3). ~~وقال: (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما PageV05P299 ### || CHECK - بعض الأخبار السارة آنذاك ### || CHECK - من ترك الجهاد عذبه الله عذابا أليما بالذل وغيره # ويستبدل قوما غيركم) (1). # فمن ترك الجهاد عذبه الله عذابا أليما بالذل وغيره، ونزع الأمر منه ~~فأعطاه لغيره، فإن هذا الدين لمن ذب عنه. # وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بالجهاد، فإنه باب ~~من أبواب الجنة (2)، يذهب الله به عن النفوس الهم والغم" ms0915 (3). وقال - صلى ~~الله عليه وسلم - (4): "لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة وقتال، واعلم أن ~~النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا". # ومتى جاهدت الأمة عدوها ألف الله بين قلوبها، وإن تركت الجهاد شغل بعضها ببعض. # ومن نعم الله على الأمة أنها قد اجتمعت على ذلك في الشرق والغرب، حتى إن ~~المؤمنين من أهل المشرق قد تحركت قلوبهم انتظارا لجنود الله، وفيهم من نوى ~~أنه يخرج مع العدو إذا جمعوا، ثم إما أن يقفز عنهم وإما أن يوقع بهم. ~~والقلوب الساعة محترقة مهتزة لنصر الله ورسوله على القوم المفسدين، حتى إن ~~بالموصل PageV05P300 # والجزيرة وجبال الأكراد خلقا عظيما مستعدين للجهاد مرتقبين العساكر، سواء ~~تحرك العدو أو لم يتحرك. # وكذلك قدمت (1) بنت بيدرا (2) وكانت مأسورة في بيت قازان (3)، فأخبرت بما ~~جرى بينه وبين أخيه وأمه مما يؤيد ذلك، وهي الساعة في نيتها تذهب إلى مصر، ~~وقد أقامت في بيتهم مدة إلى نصف شوال على ما ذكرت. # وسواء ألقى الله بينهم الفرقة والاختلاف وأهلك رؤساءهم أو لم يكن، فإن ~~الأمر إذا كان كذلك فهذا عون عظيم من الله للمسلمين. # وقد اتصل بالداعي أخبار صادقة من جهات يوثق بها بما قد مال مع المسلمين ~~من أمراء تلك البلاد حتى من المغول، ولابد أن السلطان يطالع بذلك من تلك ~~البلاد، فإن هناك قوم صالحون (4) ساعون في مصالح المسلمين، كشيخ الجزيرة ~~الشيخ أحمد. # وجاءتنا أخبار مع غير واحد بأن الخربندا أخا قازان (5) قد قدم الروم وهو ~~يجمع العساكر للقدوم. وقدمت بنت لبيدرا كانت مأسورة في بيت قازان (5)، ~~وذكرت أحوالا من الكلام بين قازان (5) وأخيه الخربندا وأمه، تدل على ذلك، ~~وأن الخربندا هو في نية فاسدة PageV05P301 ### || CHECK - لا يحل للمسلمين أن ينتظروا العدو حتى يطأوا بلادهم # للمسلمين، وأمه تنهاه عن ذلك، وهو لا يقبل، ويوقع بينهم فتنة. # فليس من الواجب أن يترك نصر الله ورسوله والجهاد في سبيل الله إذا كان ~~عدو الله وعدو المسلمين قد وقع البأس بينهم، بل هناك يكون انتهاز ms0916 الفرصة، ~~ولا يحل للمسلمين أن ينتظروهم حتى يطأوا بلاد المسلمين كما فعلوا عام أول، ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما غزي (1) قوم في عقر دارهم إلا ~~ذلوا" (2). # والله قد فرض على المسلمين الجهاد لمن خرج عن دينه وإن لم يكونوا ~~يقاتلونا، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه يجهزون الجيوش إلى ~~العدو وإن كان العدو لا يقصدهم، حتى إنه لما توفي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وكانت مصيبته أعظم المصائب، وتفرق الناس بعد موته واختلفوا، ~~نفذ أبو بكر الصديق رضي الله عنه جيش أسامة بن زيد الذي كان قد أمره رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الشام إلى غزو النصارى، والمسلمون إذ ذاك ~~في غاية الضعف. # فلما رآهم العدو فزعوا وقالوا: لو كان هؤلاء .... (3) ما بعثوا جيشا. # وكذلك أبو بكر الصديق لما حضرته الوفاة قال لعمر بن الخطاب: لا يشغلكم ~~مصيبتكم بي عن جهاد عدوكم (4). وكانوا هم قاصدين PageV05P302 ### || CHECK - أقل ما يجب على المسلمين أن يجاهدوا عدوهم في كل عام مرة # للعدو لا مقصودين. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرض موته، وهو يقول: "نفذوا جيش ~~أسامة، نفذوا جيش أسامة" (1)، لا يشغله ما هو فيه من البلاء الشديد عن ~~مجاهدة العدو. وكذلك أبو بكر. # والساعة لما ذهب أمير بحلب بعسكر إلى الجزيرة وتصيد هناك، طار الصيت في ~~تلك البلاد بمجيء العسكر، فامتلأت قلوب البنجاي (2) رعبا، حتى صاروا يريدون ~~أن يظهروا زي المسلمين لئلا يؤخذوا، وفي قلوب العدو رعب لا يعلمه إلا الله، ~~وقد هيئ لهم في البلاد إقامات كثيرة من الشعير وغيره، والمسلمون هناك يدعون ~~الله أن يكون رزق المسلمين. # وأقل ما يجب على المسلمين أن يجاهدوا عدوهم في كل عام مرة، وإن تركوه ~~أكثر من ذلك فقد عصوا الله ورسوله، واستحقوا العقوبة، وكذلك إذا تقاعدوا ~~حتى يطأ العدو أرض الإسلام. والتجربة تدل على ذلك، فإنه (3) لما كان ~~المسلمون يقصدونهم في تلك البلاد لم يزالوا منصورين، وفي نوبتي حمص الأولى ~~والثانية لما مكنوهم من ms0917 دخول البلاد كاد المسلمون في تلك النوبة أن ينكسروا ~~لولا أن ثبت الله، وجرى في هذه المدة ما جرى. وما قصدهم المسلمون قط PageV05P303 ### || CHECK - في الحركة في سبيل الله أنواع من الفوائد # إلا نصروا، كنوبة عين جالوت والفرات والروم، ونحن نرجو أن يستأصلهم الله ~~تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن البشارات متوفرة على ذلك. # وقد حدثنا أبي رحمه الله أنه كان عندهم كتاب عتيق وقف عليه من أكثر من ~~خمسين سنة قبل مجيئ التتار إلى بغداد، وهو مكتوب من سنين كثيرة، وفي آخره: ~~والتتار يقلعهم المصريون. وقد رأى المسلمون أنواعا من المبشرات بنصر الله ~~ورسوله، وهذا لاشك منه إن شاء الله. # وليست هذه النوبة كتلك، فإن تلك المرة كان فيها أمور لا يليق ذكرها عفا ~~الله عنها، وما فعله الله بالمسلمين كان أحمد في حقهم. # ثم لاشك أن الله ينصر دينه وينتقم من أعدائه، وقد قال تعالى: (ولو يشاء ~~الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل ~~أعمالهم (4) سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) يا أيها ~~الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7)) (1). # ثم في الحركة في سبيل الله أنواع من الفوائد: # إحداها (2): طمأنينة قلوب أهل البلاد حتى يعمروا ويزدرعوا (3)، وإلا فما ~~دامت القلوب خائفة لا يستقيم الحال. PageV05P304 # الثانية: أن البلاد الشمالية كحلب ونحوها فيها خير كثير ورزق عظيم ينتفع ~~به العسكر. # الفائدة الثالثة: أنه يقوي قلوب المسلمين في تلك البلاد من الأعوان ~~والنصحاء، ويزداد العدو رعبا. وإن لم تحصل حركة فترت القلوب، وربما انقلب ~~قوم فصاروا مع العدو، فإن الناس مع القائم. # ولما جاء العسكر إلى الشام كان فيه مصلحة عظيمة، ولو تقدم بعضهم إلى ~~الثغر كان في غاية الجودة. # الفائدة الرابعة: أنهم إن ساروا أو بعضهم حتى يأخذوا ما في بلد الجزيرة ~~من الإقامات والأموال السلطانية من غير إيذاء المسلمين كان من أعظم ~~الفوائد، وإن ساروا قاطنين متمكنين نزلت إليهم أمراء تلك البلاد من أهل ~~الأمصار والجبال، واجتمعت ms0918 جنود عظيمة، فإن غالب أهل البلاد قلوبهم مع ~~المسلمين، إلا الكفار من النصارى ونحوهم، وإلا الروافض، فإن أكثر الروافض ~~ونحوهم من أهل البدع هواهم مع العدو، فإنهم أظهروا السرور بانكسار عسكر ~~المسلمين، وأظهروا الشماتة بجمهور المسلمين. وهذا معروف لهم من نوبة بغداد ~~وحلب، وهذه النوبة أيضا، كما فعل أهل الجبل الجرد والكسروان، ولهذا خرجنا ~~في غزوهم لما خرج إليهم العسكر، وكان في ذلك خيرة عظيمة للمسلمين. # فإذا كانت عامه القلوب هناك وهنا مع هذا العسكر المنصور، وقد أقامه الله ~~سبحانه وأيده وأمده بنعمته على محمد وأمته، وقلوب العدو في غاية الرعب منه، ~~والله لقد رأى الداعي من رعبهم مالا PageV05P305 # يوصف، حتى إن وزيرهم يحيى قال قدام الداعي ومولاي يسمع: واحد منكم يغلب ~~ستة من هؤلاء، وهكذا يخبر القادمون من هناك أنهم مرعوبون جدا، فمن نعمة ~~الله على المسلمين أن ييسر غزاة ينصر الله بها دينه هنا وهناك. وما ذلك على ~~الله بعزيز. # وليس من شريعة الإسلام أن المسلمين ينتظرون عدوهم حتى يقدم عليهم، هذا لم ~~يأمر الله به ولا رسوله ولا المسلمون، ولكن يجب على المسلمين أن يقصدوهم ~~للجهاد في سبيل الله، وإن بدأوا هم بالحركة فلا يجوز تمكينهم حتى يعبروا ~~ديار المسلمين، بل الواجب تقدم العساكر الإسلامية إلى ثغور المسلمين، فالله ~~تعالى يخ[تار للمسلمي]ن في جميع الأمور ما فيه صلاح الدنيا والآخرة. # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد عبده ورسوله. PageV05P306 ### | CHECK (16) قاعدة في الانغماس في العدو، وهل يباح؟ # قاعدة في الانغماس في العدو وهل يباح؟ PageV05P307 ### || CHECK - يكون الجهاد بالنفس وبالمال وبغير ذلك ### || CHECK - الإيمان لا يتم إلا بالجهاد # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له (1). # ونشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم ms0919 تسليما كثيرا. # أما بعد، فهذه مسألة يحتاج إليها المؤمنون عموما، والمجاهدون منهم خصوصا، ~~وإن كان (2) الإيمان لا يتم إلا بالجهاد، كما قال تعالى: (إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) (3) الآية. # ولكن الجهاد يكون للكفار والمنافقين أيضا، كما قال تعالى: (يا أيها النبي ~~جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) في موضعين من كتاب الله (4). # ويكون الجهاد بالنفس والمال، كما قال تعالى: (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ~~في سبيل الله) (5). ويكون بغير ذلك وينفعه، لما ثبت في الصحيحين (6) عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في ~~أهله PageV05P309 # بخير فقد غزا". ويكون الجهاد باليد والقلب واللسان، كما قال - صلى الله ~~عليه وسلم - (1): "جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم"، وكما قال - ~~صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (2): "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم ~~مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر". فهؤلاء كان جهادهم ~~بقلوبهم ودعائهم. # وقد قال تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما (95)) (3). # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (4): "الساعي (5) على الصدقة بالحق ~~كالمجاهد # في سبيل الله". # وقال أيضا (6): "المجاهد من جاهد نفسه في الله"، كما قال (7): PageV05P310 ### || CHECK - الجهاد في سبيل الله أنواع متعددة # "المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر ما نهى الله ~~عنه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". # والجهاد في سبيل الله أنواع متعددة ... (1) سبيل الله، ويفرق بينهما ~~النية واتباع الشريعة. كما في "السنن" (2) عن معاذ عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "الغزو غزوان: فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، ~~وأنفق الكريمة واجتنب الفساد؛ فإن نومه (3) [ونبهه] كله أجر. وأما من غزا ~~فخرا ورياءا وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض؛ فإنه لم يرجع بالكفاف". # وفي الصحيحين (4) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول ms0920 ~~الله! الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من ~~قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". وقد قال تعالى: ~~(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) (5). # وهذه المسألة هي في الرجل أو الطائفة يقاتل منهم أكثر من ضعفيهم (6)، إذا ~~كان في قتالهم منفعة للدين، وقد غلب على ظنهم PageV05P311 ### || CHECK - دليل ذلك من القرآن ### || CHECK - الانغماس في العدو جائز عند عامة علماء الإسلام # أنهم يقتلون، كالرجل يحمل وحده على صف الكفار ويدخل فيهم، ويسمي العلماء ~~ذلك الانغماس في العدو؛ فإنه يغيب فيهم كالشيء ينغمس فيه فيما يغمره. # وكذلك الرجل يقتل بعض رؤساء الكفار بين أصحابه، مثل أن يثب عليه جهرة إذا ~~اختلسه، ويرى أنه يقتله ويقتل (1) بعد ذلك. # والرجل ينهزم أصحابه فيقاتل وحده أو هو وطائفة معه العدو، وفي ذلك نكاية ~~في العدو، ولكن يظنون أنهم يقتلون. # فهذا كله جائز عند عامة علماء الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ~~وليس في ذلك إلا خلاف شاذ. وأما الأئمة المتبعون كالشافعي وأحمد وغيرهما ~~فقد نصوا على جواز ذلك. وكذلك هو مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما. # ودليل ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأئمة. # أما الكتاب فقد قال الله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة ~~الله والله رءوف بالعباد (207)) (2). وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية أن ~~صهيبا خرج مهاجرا من مكة إلى المدينة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فلحقه المشركون وهو وحده، فنثل كنانته، وقال: والله لا يأتي رجل منكم إلا ~~رميته. فأراد قتالهم وحده، وقال: إن أحببتم أن تأخذوا مالي بمكة فخذوه، ~~وأنا أدلكم عليه. ثم قدم PageV05P312 # على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ربح البيع أبا يحيى" (1). # وروى أحمد (2) بإسناده أن رجلا حمل وحده على العدو، فقال الناس: ألقى ~~بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كلا بل هذا ممن قال الله فيه: (ومن الناس من ~~يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد (207)). # وقوله تعالى: (يشري نفسه) ms0921 أي يبيع نفسه، يقال: شراه وباعه سواء، واشتراه ~~وابتاعه سواء، ومنه قوله: (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) (3) أي باعوه. ~~فقوله: (يشري نفسه) أي يبيع نفسه لله تعالى ابتغاء مرضاته، وذلك يكون بأن ~~يبذل نفسه فيما يحبه الله ويرضاه، وإن قتل أو غلب على ظنه أنه يقتل. كما ~~قال تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم (111) التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون ~~الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين ~~(112)) (4). # وهذه الآية وهي قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم PageV05P313 # وأموالهم) تدل على ذلك أيضا، فإن المشتري يسلم إليه ما اشتراه، وذلك ببذل ~~النفس والمال في سبيل الله وطاعته، وإن غلب على ظنه أن النفس تقتل والجواد ~~يعقر، فهذا من أفضل الشهادة، لما روى البخاري في "صحيحه" (1) عن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من أيام العمل الصالح فيها ~~[أحب] إلى الله من هذه الأيام" يعني أيام العشر. قالوا: يا رسول الله! ولا ~~الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه ~~وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء". وفي رواية (2): "يعقر جواده وأهريق دمه". # وفي "السنن" (3) عن عبد الله بن حبشي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سئل أي العمل أفضل؟ قال: "طول القيام". قيل: أي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد ~~المقل". قيل: فأي الهجرة [أفضل؟ قال: "من هجر ما حرم الله عليه". # قيل: فأي الجهاد أفضل؟] قال: "من جاهد المشركين بنفسه وماله". # قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: "من أهريق دمه وعقر جواده". # وأيضا فإن الله سبحانه قد أخبر أنه أمر خليله بذبح ابنه ليبتليه هل يقتل ~~ولده في محبة الله وطاعته؟ وقتل الإنسان ولده قد يكون أشق عليه من تعريضه ~~نفسه للقتل، والقتال في سبيل الله أحب ms0922 إلى PageV05P314 # الله مما ليس كذلك. # والله سبحانه أمر إبراهيم بذبح ابنه قربانا ليمتحنه بذلك، ولذلك نسخ ذلك ~~عنه لما علم صدق عزمه في قتله؛ فإن المقصود لم يكن ذبحه لكن ابتلاء ~~إبراهيم. # والله تعالى يبتلي المؤمنين ببذل أنفسهم؛ ليقتلوا في سبيل الله ومحبة ~~رسوله؛ فإن قتلوا كانوا شهداء، وإن عاشوا كانوا سعداء. # كما قال: (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) (1). # وقد قال لبني إسرائيل: (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم ~~عند بارئكم) (2). أي ليقتل بعضكم بعضا. فألقى عليهم ظلمة، حتى جعل الذين لم ~~يعبدوا العجل يقتلون الذين عبدوه. # فهذا الذي كان في شرع من قبلنا من أمره بقتل بعضهم بعضا قد عوضنا الله ~~بخير منه وأنفع؛ وهو جهاد المؤمنين عدو الله وعدوهم، وتعريضهم أنفسهم لأن ~~يقتلوا في سبيله بأيدي عدوهم لا بأيدي بعضهم بعضا، وذلك أعظم درجة وأكثر ~~أجرا. وقد قال تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ~~دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ~~وأشد تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا ~~مستقيما (68)) (3). PageV05P315 # وأيضا فإن الله أمر بالجهاد في سبيله بالنفس والمال مع أن الجهاد مظنة ~~القتل، بل لابد منه في العادة من القتل. وذم الذين ينكلون عنه خوف القتل، ~~وجعلهم منافقين، فقال تعالى: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون ~~الناس) إلى قوله: (في بروج مشيدة) (1). وقال تعالى: # (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا ~~(15) قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا ~~قليلا (16) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17)) (2). # فأخبر سبحانه أن الفرار من الموت أو القتل لا ينفع، بل لابد أن يموت ~~العبد، وما أكثر من ms0923 يفر فيموت أو يقتل، وما أكثر من ثبت فلا يقتل (3). # ثم قال: ولو عشتم لم تمتعوا إلا قليلا ثم تموتوا. ثم أخبر أنه لا أحد ~~يعصمهم من الله إن أراد أن يرحمهم أو يعذبهم، فالفرار من طاعته لا ينجيهم. ~~وأخبر أنه ليس لهم من دون الله ولي ولا نصير. # وقد بين في كتابه أن ما يوجبه الجبن من الفرار هو من الكبائر الموجبة ~~للنار، فقال: (إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) PageV05P316 ### || CHECK - دلالة السنة على ذلك # ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب ~~من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16)) (1). # وأخبر أن الذين يخافون العدو خوفا منعهم من الجهاد منافقون، فقال: ~~(ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) لو يجدون ~~ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57)) (2). # وفي الصحيحين (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عد الكبائر؛ فذكر ~~الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والسحر، واليمين الغموس، وقذف المحصنات ~~الغافلات المؤمنات. وذكر منها الفرار من الزحف في الصفين. # [و] عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"شر ما في المرء: شح هالع، أو جبن خالع" (4). # وأما دلالة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك فمن وجوه كثيرة: # منها: أن المسلمين يوم بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم بقدرهم ~~ثلاث مرات أو أكثر، وبدر أفضل الغزوات وأعظمها. # فعلم أن القوم يشرع لهم أن يقاتلوا من يزيدون على ضعفهم، ولا فرق في ذلك ~~بين الواحد والعدد، فمقاتلة الواحد للثلاثة كمقاتلة الثلاثة للعشرة. PageV05P317 ### || CHECK - ذكر قصة عاصم بن ثابت الأنصاري # وأيضا فالمسلمون يوم أحد كانوا نحوا من ربع العدو؛ فإن العدو كانوا ثلاثة ~~آلاف أو نحوها، وكان المسلمون نحو السبعمائة أو قريبا منها. # وأيضا فالمسلمون يوم الخندق كان العدو بقدرهم مرات، فإن العدو كان أكثر ~~من عشرة آلاف، وهم الأحزاب الذين تحزبوا عليهم من قريش وحلفائها وأحزابها ~~الذين كانوا حول مكة ms0924 وغطفان وأهل نجد، واليهود الذين نقضوا العهد وهم بنو ~~قريظة جيران أهل المدينة، وكان المسلمون بالمدينة دون الألفين. # وأيضا فقد كان الرجل وحده على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل على ~~العدو بمرأى من النبي - صلى الله عليه وسلم - وينغمس فيهم، فيقاتل حتى ~~يقتل. وهذا كان مشهورا بين المسلمين على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وخلفائه. # وقد روى البخاري في صحيحه (1) عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عشرة رهط عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم ~~بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة ذكروا ~~لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنهدوا إليهم بقريب من مائة رجل رام -وفي ~~رواية: مائتي رجل- فاقتفوا آثارهم، حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه ~~فقالوا [هذا] تمر يثرب. # فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى موضع -وفي رواية إلى فدفد، أي إلى ~~مكان مرتفع- فأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: PageV05P318 # انزلوا فأعطوا أيديكم ولكم العهد والميثاق، لا يقتل منكم أحد. فقال عاصم ~~بن ثابت: أيها القوم! أما أنا فلا أنزل على ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك ~~- صلى الله عليه وسلم -. فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة. # ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب وزيد بن الدثنة، ~~ورجل آخر. فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها. # قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، لي بهؤلاء أسوة؛ يريد ~~القتلى. فجرروه وعالجوه؛ فأبي أن يصحبهم، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد بن ~~الدثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر. # فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيبا، وكان خبيب هو قتل ~~الحارث بن عمرو يوم بدر. ولبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله. ~~فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها، فأعارته فدرج بني لها وهي ~~غافلة حتى أتاه [قالت: فوجدته] مجلسه على فخذه والموسى بيده؛ قالت: ففزعت ~~فزعة عرفها خبيب. فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت ms0925 لأفعل ذلك. قالت: والله ما ~~رأيت أسيرا خيرا من خبيب، فوالله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده، ~~وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر. # وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبا. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه ~~في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين. فتركوه فركع ركعتين. فقال. ~~والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ~~ولا تبق منهم أحدا. قال: # فلست أبالي حين أقتل مسلما # على أي جنب كان لله مصرعي PageV05P319 # وذلك في ذات الإله وإن يشأ # يبارك على أوصال شلو ممزع # ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو سن لكل مسلم ~~قتل صبرا الصلاة. وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة يوم أصيبوا ~~خبرهم. وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قد قتل أن يؤتى ~~بشيء منه يعرف، وكان قتل رجلا من عظمائهم. فبعث الله لعاصم مثل الظلة [من ~~الدبر]، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا منه شيئا. # فهؤلاء عشرة أنفس قاتلوا أولئك المئة أو المئتين، ولم يستأسروا لهم حتى ~~قتلوا منهم سبعة. ثم لما استأسروا الثلاثة امتنع الواحد من اتباعهم حتى ~~قتلوه. وهؤلاء من فضلاء المؤمنين وخيارهم. # وعاصم هذا هو جد عاصم بن عمر، وعاصم بن عمر جد عمر بن عبد العزيز (1)؛ ~~فإن عمر بن الخطاب كان قد نهى الناس أن يشوب أحد اللبن بالماء للبيع (2)، ~~فبينما عمر ذات ليلة يعس إذ سمع امرأة تقول لأخرى: قومي فشوبي اللبن. ~~فقالت: إن أمير المؤمنين قد نهى عن ذلك. فقالت: وما يدري أمير المؤمنين؟ ~~فقالت: لا والله PageV05P320 # لا نطيعه في العلانية ونعصيه في السر. فعلم عمر على [الباب] (1)، فلما ~~أصبح سأل عن أهل ذلك البيت، فإذا به أهل بيت عاصم هذا الأمير (2) المستشهد، ~~والمرأة المطيعة ابنته، فخطبها وتزوجها (3). # وقد روي أنه زوجها ابنه عاصم هذا، وإن كان عمر قبل ذلك تزوج ابنة عاصم ~~هذا فولدت له عاصما ms0926 ابنه، وصدق عمر بن عبد العزيز من ذرية عاصم. # وأيضا ففي السنن (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "عجب ربنا من ~~رجلين: رجل ثار عن وطائه من بين حيه وأهله إلى صلاته، فيقول الله عز وجل ~~لملائكته: انظروا إلى عبدي، ثار عن فراشه ووطائه من أهله وحيه إلى صلاته، ~~رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي. ورجل غزا في سبيل الله، فانهزم مع أصحابه، ~~فعلم ما عليه في الانهزام وما له في الرجوع، فرجع حتى يهريق دمه. فيقول ~~الله لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي حتى ~~يهريق دمه" فهذا رجل انهزم هو وأصحابه، ثم رجع وحده فقاتل حتى قتل. # وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله يعجب منه؛ [و] عجب الله ~~من الشيء يدل PageV05P321 # على عظم قدره، وأنه لخروجه عن نظائره يعظم درجته ومنزلته. # وهذا يدل على أن مثل هذا العمل محبوب لله مرضي، لا يكتفى فيه بمجرد ~~الإباحة والجواز؛ حتى يقال: وإن جاز مقاتلة الرجل حيث يغلب على ظنه أنه ~~يقتل فترك ذلك أفضل. # بل الحديث يدل على أن ما فعله هذا يحبه الله ويرضاه، ومعلوم أن مثل هذا ~~الفعل يقتل فيه الرجل كثيرا أو غالبا، وإن كان ذلك لتوبته من الفرار ~~المحرم، فإنه مع هذه التوبة جاهد هذه المجاهدة الحسنة. # قال الله تعالى: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110)) (1). # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (2). # فمن فتنه الشيطان عن طاعة الله لم هجر ما نهى الله عنه وجاهد وصبر كان ~~داخلا في هذه الآية. وقد يكون هذا في شريعتنا عوضا عما أمر به بنو إسرائيل ~~في شريعتهم لما فتنوا بعبادة العجل بقوله: (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا ~~أنفسكم) (3). # وقال تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم ~~الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64)) إلى قوله: (ولو أنا كتبنا عليهم أن ms0927 ~~اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ..) (4). PageV05P322 ### || CHECK - رد شبهة تتعلق بآية المصابرة # وذلك يدل على أن التائب قد يؤمر بجهاد تعرض به نفسه للشهادة. # فإن قيل: قد قال الله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ~~وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا) إلى قوله: (الآن خفف الله ~~عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ~~ألف يغلبوا ألفين) (1). وقد قالوا: إن ما أمر به من مصابرة الضعف (2) في ~~هذه الآية ناسخ لما أمر به قبل ذلك # من مصابرة عشرة الأمثال. # قيل: هذا أكثر ما فيه أنه لا تجب المصابرة لما زاد على الضعف، ليس في ~~الآية أن ذلك لا يستحب ولا يجوز. # وأيضا فلفظ الآية إنما هو خبر عن النصر مع الصبر، وذلك يتضمن وجوب ~~المصابرة للضعف، ولا يتضمن سقوط ذلك عما زاد عن الضعف مطلقا، بل يقتضي أن ~~الحكم فيما زاد على الضعفين بخلافه، فيكون أكمل فيه، فإذا كان المؤمنون ~~ظالمين لم يجب عليهم أن يصابروا أكثر من ضعفيهم، وأما إذا كانوا هم ~~المظلومين وقتالهم قتال وقع عن أنفسهم فقد تجب المصابرة كما وجبت عليهم ~~المصابرة يوم أحد ويوم الخندق، مع أن العدو كانوا أضعافهم. وذم الله ~~المنهزمين يوم أحد والمعرضين عن الجهاد يوم الخندق في سورة آل عمران ~~والأحزاب، بما هو ظاهر معروف. PageV05P323 ### || CHECK - بيان الخطأ في تأويل قوله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) # وإذا كانت الآية لا تنفي وجوب المصابرة لما زاد على الضعفين في كل حال، ~~فأن لا تنفي الاستحباب [و] الجواز مطلقا أولى وأحرى. # فإن قيل: قد قال الله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (1). # وإذا قاتل الرجل في موضع فغلب على ظنه أنه يقتل فقد ألقى بيده إلى ~~التهلكة. # [قيل]: تأويل الآية على هذا غلط، ولهذا ما زال الصحابة والأئمة ينكرون ~~على من يتأول الآية على ذلك، كما ذكرنا أن رجلا حمل وحده على العدو، فقال ~~الناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال ms0928 عمر ابن الخطاب: كلا ولكنه ممن قال ~~الله فيه: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) (2). # وأيضا فقد روى أبو داود والنسائي والترمذي (3) من حديث يزيد ابن أبي حبيب ~~-عالم أهل مصر من التابعين- عن أسلم أبي عمران قال: غزونا بالمدينة نريد ~~القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ~~ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو؛ فقال الناس: لا إله إلا الله! ~~يلقي بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر ~~الأنصار، لما نصر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأظهر الإسلام قلنا: ~~هلم نقم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله عز وجل: PageV05P324 # (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (1). فالإلقاء ~~بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. قال أبو ~~عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية. قال ~~الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. # وأبو أيوب من أجل السابقين الأولين من الأنصار قدرا، وهو الذي نزل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في بيته لما قدم مهاجرا من مكة إلى المدينة. # ورهطه بنو النجار هم خير دور الأنصار، كما أخبر بذلك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - (2)، وقبره بالقسطنطينية. قال مالك: بلغني أن أهل القسطنطينية ~~إذا أجدبوا كشفوا عن قبره فيستقون. # وقد أنكر أبو أيوب على من جعل المنغمس في العدو ملقيا بيده إلى التهلكة ~~دون المجاهدين في سبيل الله، ضد ما يتوهمه هؤلاء الذين يحرفون كلام الله عن ~~مواضعه؛ فإنهم يتأولون الآية على ما فيه ترك الجهاد في سبيل الله. والآية ~~إنما هي أمر بالجهاد في سبيل الله، ونهي عما يصد عنه. # والأمر في هذه الآية ظاهر كما قال عمر وأبو أيوب وغيرهما من سلف الأمة؛ ~~وذلك أن الله قال قبل هذه الآية: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم ~~من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل) إلى قوله: (وقاتلوهم PageV05P325 # حتى لا تكون فتنة ويكون ms0929 الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ~~(193)) إلى قوله: (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع ~~المتقين (194) وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا ~~إن الله يحب المحسنين (195)) (1). # فهذه الآيات كلها في الأمر بالجهاد في سبيل الله وإنفاق المال في سبيل ~~الله، فلا تناسب ما يضاد ذلك من النهي عما يكمل به الجهاد وإن كان فيه ~~تعريض النفس للشهادة، إذ الموت لابد منه، وأفضل الموت موت الشهداء. فإن ~~الأمر بالشيء لا يناسب النهي عن إكماله، ولكن المناسب لذلك النهي عما يضل ~~عنه؛ والمناسب لذلك ما ذكر في الآية من النهي عن العدوان، فإن الجهاد فيه ~~البلاء للأعداء؛ والنفوس قد لا تقف عند حدود الله بل تتبع أهواءها في ذلك، ~~فقال: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190)). فنهى عن العدوان؛ لأن ~~ذلك أمر بالتقوى، والله مع المتقين كما قال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194)). وإذا ~~كان الله معهم نصرهم وأيدهم على عدوهم فالأمر بذلك أيسر، كما يحصل مقصود ~~الجهاد به. # وأيضا فإنه في أول الآية قال: (وأنفقوا في سبيل الله)، وفي آخرها قال: ~~(وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (195)) فدل ذلك على ما رواه أبو أيوب من ~~[أن] إمساك المال والبخل عن إنفاقه في سبيل الله والاشتغال به هو التهلكة. PageV05P326 # وأيضا فإن أبا أيوب أخبر بنزول الآية في ذلك؛ لم يتكلم فيها برأيه، وهذا ~~من ثابت روايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو حجة يجب اتباعها. # وأيضا فإن التهلكة والهلاك لا يكون إلا بترك ما أمر الله به أو فعل ما ~~نهى الله عنه. فإذا ترك العباد الذي أمروا به، واشتغلوا عنه بما يصدهم عنه ~~من عمارة الدنيا، هلكوا في دنياهم بالذل وقهر العدو لهم، واستيلائه على ~~نفوسهم وذراريهم وأموالهم، ورده لهم عن دينهم، وعجزهم حينئذ عن العمل ~~بالدين. بل ms0930 وعن عمارة الدنيا وفتور هممهم عن الدين، بل وفساد عقائدهم فيه. ~~قال تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217)) (1). إلى غير ذلك من المفاسد ~~الموجودة في كل أمة لا تقاتل عدوها سواء كانت مسلمة أو كافرة. # فإن كل أمة لا تقاتل فإنها تهلك هلاكا عظيما باستيلاء العدو عليها وتسلطه ~~على النفوس والأموال. وترك الجهاد يوجب الهلاك في الدنيا كما يشاهده الناس، ~~وأما في الآخرة فلهم عذاب النار. # وأما المؤمن المجاهد فهو كما قال الله تعالى: (قل هل تربصون بنا إلا إحدى ~~الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا ~~إنا معكم متربصون (52)) (2). فأخبر أن المؤمن لا ينتظر إلا إحدى الحسنيين: ~~إما النصر والظفر وإما PageV05P327 ### || CHECK - الذي يقاتل العدو مع غلبة ظنه أنه يقتل قسمان # الشهادة والجنة، فالمؤمن المجاهد إن حيي [حيي] حياة طيبة، وإن قتل فما ~~عند الله خير للأبرار. # وأيضا فإن الله قال في كتابه: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات) ~~(1). وقال في كتابه: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون (169)) (2). فنهى المؤمنين أن يقولوا للشهيد إنه # ميت. قال العلماء: وخص الشهيد بذلك؛ لئلا يظن الإنسان أن الشهيد يموت ~~فيفر عن الجهاد خوفا من الموت. وأخبر الله أنه حي مرزوق؛ وهذا الوصف يوجد ~~أيضا لغير الشهيد من النبيين والصديقين وغيرهم، لكن خص الشهيد بالنهي لئلا ~~ينكل عن الجهاد لفرار النفوس من الموت. # فإذا كان هو سبحانه قد نهى عن تسميته ميتا واعتقاده ميتا؛ لئلا يكون ذلك ~~منفرا عن الجهاد فكيف يسمى الشهادة تهلكة؟ واسم الهلاك أعظم تنفيرا من اسم ~~الموت. فمن قال: قوله (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) يراد به الشهادة في ~~سبيل الله، فقد افترى على الله بهتانا عظيما. # وهذا الذي يقاتل العدو مع غلبة ظنه أنه يقتل قسمان: # أحدهما: أن يكون ms0931 هو الطالب للعدو. فهذا الذي ذكرناه. # والثاني: أن يكون العدو قد طلبه، وقتاله قتال اضطرار. فهذا أولى وأوكد. ~~ويكون قتال هذا إما دفعا عن نفسه وماله وأهله ودينه، PageV05P328 ### || CHECK - الذي يكره على الكفر فيصبر حتى يقتل ولا يتكلم بالكفر # كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (1): "من قتل دون ماله فهو شهيد، ~~ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد". قال الترمذي: ~~[حديث حسن صحيح. و] (2) يكون قتاله دفعا للأمر عن نفسه أو عن حرمته، وإن ~~غلب على ظنه أنه يقتل، إذا كان القتال يحصل المقصود، وإما فعلا لما يقدر ~~عليه من الجهاد، كما ذكرناه عن عاصم بن ثابت وأصحابه. # ومن هذا الباب: الذي يكره على الكفر فيصبر حتى يقتل ولا يتكلم بالكفر؛ ~~فإن هذا بمنزلة الذي يقاتله العدو حتى يقتل ولا يستأسر لهم، والذي يتكلم ~~بالكفر بلسانه [وهو] موقن من قلبه بالإيمان بمنزلة المستأسر للعدو. فإن كان ~~هو الآمر الناهي ابتداء كان بمنزلة المجاهد ابتداء. فإذا كان الأول أعز ~~الإيمان وأذل الكفر كان هو الأفضل. # وقد يكون واجبا إذا أفضى تركه إلى زوال الإيمان من القلوب وغلبة الكفر ~~عليها وهي الفتنة، فإن الفتنة أشد من القتل. فإذا كان بترك القتل يحصل من ~~الكفر ما لا يحصل بالقتل، وبالقتل يحصل من الإيمان ما لا يحصل بتركه= ترجح ~~القتل واجبا تارة ومستحبا أخرى. وكثيرا ما يكون ذلك تخويفا به فيجب الصبر ~~على ذلك. # قال تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير PageV05P329 # وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن ~~استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217)) (1). # فأخبر أن الكافرين لا يزالون يقاتلون المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم. ~~وأخبر أنه من ارتد فمات كافرا خالدا في النار. # ومن هذا ما ذكره الله ms0932 عن عباده المؤمنين في كتابه، كما قال تعالى: (وقال ~~فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في ~~الأرض الفساد (26) وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم ~~الحساب (27)) إلى قوله: (وقد جاءكم بالبينات من ربكم) (2). # وقال تعالى: (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض) ~~إلى قوله: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين (128)) (3). # وقال تعالى: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا ~~كذبتم وفريقا تقتلون (87)) (4). PageV05P330 ### || CHECK - قصة الغلام والساحر وذكر أصحاب الأخدود # وقال تعالى: (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ~~ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم) (1). # وقال تعالى: (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ~~بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61)) (2). # وقال تعالى: (ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفاسقون (110) لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ~~ينصرون (111) ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا) إلى قوله: (ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون (78)) (3). # وقال تعالى: (قتل أصحاب الأخدود (4) النار ذات الوقود (5)) إلى قوله: (ما ~~يفعلون بالمؤمنين شهود (7)) (4). # وقد روى مسلم في "صحيحه" (5) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، ~~فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إلي غلاما أعلمه السحر. فبعث إليه ~~غلاما يعلمه. وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه. فكان إذا ~~أتى الساحر مر بالراهب وقعد PageV05P331 # إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خفت الساحر ~~فقل: حبسني أهلي، فإذا خفت أهلك فقل حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ أتى ~~على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب ~~أفضل؟ فأخذ حجرا، فقال: ms0933 اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر ~~فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. فرماها وقتلها، ومضى الناس. فأتى الراهب ~~فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، وقد بلغ من أمرك ما ~~أرى، وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي. وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ~~ويداوي الناس [من] سائر الأدواء. وأصبح جليس الملك كان قد عمي فأتاه بهدايا ~~كثيرة. فقال: ما ههنا لك إن أنت شفيتني. قال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي ~~الله عز وجل، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله عز ~~وجل. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس. # فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي ~~وربك الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له ~~الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل. قال: ~~فقال إني لا أشفي أحدا، وإنما يشفي الله عز وجل. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى ~~دل على الراهب. فجيء بالراهب؛ فقال له: ارجع عن دينك؛ فأبى. # فدعا بالمنشار؛ فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه حتى وقع شقاه. ثم جيء ~~بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك؛ فأبي. # فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جيء PageV05P332 # بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك؛ فأبي. فدفعه إلى نفر من أصحابه. # فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به إلى الجبل فإذا بلغتم ~~ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه. فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: ~~اللهم اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك. فقال ~~له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفير آخر من أصحابه ~~فقال: اذهبوا به فاجعلوه في قرقور، ثم توسطوا البحر فإذا رجع عن دينه وإلا ~~فاقذفوه فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت. فانكفأت بهم السفينة، ~~فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ms0934 ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم ~~الله. فقال: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. فقال: ما هو؟ قال: إنك ~~تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع ~~السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارم، فإنك إذا فعلت ~~ذلك قتلتني. # فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع ~~السهم في كبد القوس. ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في ~~صدغه، فوضع يده في صدغه، فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام. فأتي الملك، ~~فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك؛ قد آمن الناس. # فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت، وأضرمت فيها النيران، وقال: من لم يرجع ~~عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له: اقتحم. ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي ~~لها فتقاعست. فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق". PageV05P333 ### || CHECK - الصبر على أذى الكفار وإن بلغ إلى حد القتل صبرا # ففي هذا الحديث أنه قتل جليس الملك والراهب بالمناشير، ولم يرجعا عن ~~الإيمان. وكذلك أهل الأخدود صبروا على التحريق بالنار ولم يرجعوا عن ~~الإيمان. وأما الغلام فإنه أمر بقتل نفسه لما علم أن ذلك يوجب ظهور الإيمان ~~في الناس، والذي يصبر [حتى] يقتل أو يحمل حتى يقتل لأن في ذلك ظهور ~~الإيمان= من هذا الباب. # وفي صحيح البخاري (1) عن قيس بن أبي حازم عن خباب بن الأرت قال: شكونا ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة. ~~فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، ~~فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل ~~نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، [وما] يصده ذلك عن دينه. ~~والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف ~~إلا الله أو الذئب على غنمه، ms0935 ولكنكم تستعجلون". # وفي رواية (2): أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له ~~في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله. فقعد وهو ~~محمر وجهه فقال: "لقد كان من قبلكم يمشط بأمشاط الحديد". # والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قال لهم ذلك آمرا لهم بالصبر على أذى ~~الكفار، وإن بلغوا بهم إلى حد القتل صبرا، كما قتلوا المؤمنين صبرا؛ PageV05P334 # ومدحا لمن يصبر على الإيمان حتى يقتل. # (والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما ~~كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل. تمت بعونه تعالى في 25 محرم 1319). PageV05P335 ### | CHECK (17) مسألة في المرابطة بالثغور أفضل أم المجاورة بمكة؟ # مسألة # في المرابطة بالثغور أفضل أم المجاورة بمكة؟ PageV05P337 ### || CHECK - شرف هذه الأماكن لكونها ثغورا، لا لأمور مبتدعة ### || CHECK - المرابطة بالثغور أفضل من المجاورة في الحرمين باتفاق أئمة المسلمين # بسم الله الرحمن الرحيم # وهو حسبي ونعم الوكيل # مسألة # في المرابطة بالثغور أفضل أم المجاورة بمكة شرفها الله تعالى؟ # الجواب # الحمد لله. المرابطة في ثغور المسلمين -وهو المقام فيها بنية الجهاد- ~~أفضل من المجاورة في الحرمين باتفاق أئمة المسلمين أهل المذاهب الأربعة ~~وغيرهم. وليست هذه المسألة من المشكلات عند من يعرف دين الإسلام؛ ولكن ~~لكثرة ظهور البدع في العبادات وفساد النيات في الأعمال الشرعيات صار يخفى ~~مثل هذه المسألة على كثير من الناس، حتى صاروا يعظمون الأماكن التي كان ~~المسلمون يعظمونها لكونها ثغورا ظانين أن تعظيمها لأمور مبتدعة في دين ~~الإسلام، فاستبدلوا بشريعة الإسلام بدعا ما أنزل الله بها من سلطان. فإنه ~~يوجد في كلام السلف وحكاياتهم في ذكر غزة وعسقلان والإسكندرية وجبل لبنان ~~وعكة وقزوين، ومن أمثال ذلك، ومن وجود الصالحين بها ما يوجب شرف هذه ~~البقاع. # وإنما كان ذلك لكونها كانت ثغور المسلمين، فكان صالحو المسلمين ~~يتناوبونها لأجل المرابطة بها، لا لأجل الاعتزال عن الناس PageV05P339 ### || CHECK - حكم المجاورة بمكة واختلاف العلماء في ذلك ### || CHECK - المرابطة بالثغور فرض على المسلمين ### || CHECK - كونها ثغرا من الصفات التي تعرض ms0936 وتزول # وسكنى الغيران والكهوف، أو نحو ذلك مما يظنه الجهال أهل البدع والضلال. # ثم إن من هذه البقاع ما غلب عليه العدو، أو سكنه أهل البدع والفساق؛ ففسد ~~حال أهله، مثل ما جرى على لبنان ونحوه. وكون المكان ثغرا هو مثل كونه دار ~~الإسلام ودار الكفر مثل كون الرجل مؤمنا وكافرا، هو من الصفات التي تعرض ~~وتزول، فقد كانت مكة -شرفها الله- أم القرى قبل فتحها دار كفر وحرب تجب ~~الهجرة منها، ثم تغير هذا الحكم لما فتحت. حتى قال - صلى الله عليه وسلم - ~~(1). "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية". وقد كان البيت المقدس بأيدي ~~العدو تارة، وبأيدي المسلمين أخرى. # فالثغور هي البلاد المتاخمة للعدو من المشركين وأهل الكتاب التي يخيف ~~العدو أهلها ويخيف (2) أهلها العدو، والمرابطة بها أفضل من المجاورة ~~بالحرمين باتفاق المسلمين. كيف والمرابطة بها فرض على المسلمين إما على ~~الأعيان وإما على الكفاية. # وأما المجاورة فليست واجبة باتفاق المسلمين، بل العلماء متنازعون هل هي ~~مستحبة أم مكروهة؟ فاستحبها طائفة من العلماء من أصحاب مالك والشافعي، ~~وكرهها آخرون كأبي حنيفة وغيره، قالوا: لأن المقام بها يفضي إلى الملك لها، ~~وأنه لا يأمن من مواقعة المحظور؛ فيتضاعف عليه العذاب. ولأنه يضيق على أهل ~~البلد. PageV05P340 ### || CHECK - اعتمار أهل مكة من التنعيم وغيره مخالف للسنة وإجماع الصحابة # قالوا: وكان عمر يقول عقب المواسم: يا أهل الشام شامكم، يا أهل اليمن ~~يمنكم، يا أهل العراق [عراقكم]. # ولأن المقيم بها يفوته الحج التام والعمرة التامة؛ فإن العلماء متفقون ~~على أنه إن أنشأ سفر العمرة من دويرة أهله كان هذا أفضل أنواع الحج ~~والعمرة. وهم متفقون على أنه أفضل من التمتع والقران ومن الإفراد الذي ~~يعتمر عقب الحج. # وأما ما يظنه بعض الناس من أن الخروج بأهل مكة في رمضان أو غيره إلى الحل ~~للاعتمار؛ وهو المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - (1): "عمرة في رمضان ~~تعدل حجة معي"، حتى صار المجاورون وغيرهم يحافظون على الاعتمار من أدنى ~~الحل أو أقصاه، كاعتمارهم من التنعيم التي ms0937 بها المساجد التي يقال لها مساجد ~~عائشة، أو من الحديبية والجعرانة= فكل ذلك غلط عظيم، مخالف للسنة النبوية ~~ولإجماع الصحابة. فإنه لم يعتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ~~ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا أمثالهم من مكة قط، لا قبل الهجرة ولا ~~بعدها، بل لم يعتمر أحد من المسلمين على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من مكة إلا عائشة فقط، فإنها قدمت متمتعة، فحاضت، فمنعها الحيض من الطواف ~~قبل الوقوف بعرفة، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعمرها بعد الحج ~~(2)، ثم بعد ذلك بنيت هذه المساجد التي هناك، وقيل لها: مساجد عائشة. PageV05P341 # وأما عمرة الحديبية فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل هو وأصحابه من ~~ذي الحليفة، ثم حلوا بالحديبية لما صدهم المشركون عن البيت، فكانت الحديبية ~~حلهم لا ميقات إحرامهم. وهذا متواتر يعلمه عامة العلماء وخاصتهم، وفي ذلك ~~أنزل الله: (وأتموا الحج والعمرة) (1) الآيات باتفاق العلماء. # وأما عمرة الجعرانة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قاتل هوازن ~~بوادي حنين الذي قال الله فيها: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم أنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء ~~الكافرين (26) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27)) ~~(2). وحاصر الطائف ونصب عليها بمنجنيق، ولم يفتحها، وقسم غنائم حنين ~~بالجعرانة، فلما قسمها دخل إلى مكة معتمرا ثم خرج منها؛ لم يكن بمكة فخرج ~~منها إلى الحل ليعتمر كما يفعل ذلك من يفعله من أهل مكة. # بل الصحابة رضي الله عنهم وأئمة التابعين لم يستحبوا لمن كان بمكة ذلك، ~~بل رأوا أن طوافه بالبيت أفضل من خروجه لأجل العمرة، بل كرهوا له ذلك، كما ~~قد بسطنا هذه المسألة في غير هذا الموضع (3). PageV05P342 ### || CHECK - استحباب المجاورة بمكة إذا وقعت على الوجه المشروع # والمقصود هنا أن من العلماء من كره المجاورة بمكة لما ذكر ms0938 من الأسباب ~~وغيرها، ولكن الجمهور يستحبونها في الجملة إذا وقعت على الوجه المشروع ~~الخالي عن المفسدة المكافئة للمصلحة أو الراجحة عليها. # قال الإمام أحمد، وقد سئل عن الجوار بمكة، فقال: وكيف لنا [به]، وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنك لأحب البقاع إلى الله، وإنك لأحب إلي" ~~(1). وجابر جاور مكة، وابن عمر كان يقيم بمكة. # وقال أيضا: ما أسهل العبادة بمكة، النظر إلى البيت عبادة. # واحتج هؤلاء بما رواه عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول، وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: "والله إنك لخير ~~أرض الله، وأحب أرض الله [إلى الله]، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" رواه ~~الإمام أحمد وهذا لفظه، والنسائي وابن ماجه والترمذي (2)، وقال: حديث حسن صحيح. # ورواه أحمد (3) من حديث أبي هريرة أيضا. وعن ابن عباس قال قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي ~~أخرجوني منك ما سكنت غيرك". رواه الترمذي (4)، وقال: حديث حسن صحيح غريب. PageV05P343 # قالوا: فإذا كانت أحب البلاد إلى الله ورسوله، ولولا ما وجب عليه من ~~الهجرة لما كان يسكن إلا إياها، علم أن المقام بها أفضل إذا لم يعارض ذلك ~~مصلحة راجحة، كما كان في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين؛ فإن ~~مقامهم بالمدينة كان أفضل من مقامهم بمكة لأجل الهجرة والجهاد، بل ذلك كان ~~الواجب عليهم، وكان مقامهم بمكة حراما حتى بعد الفتح، وإنما رخص للمهاجر أن ~~يقيم فيها ثلاثا. كما في الصحيحين (1) عن العلاء بن الحضرمي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أرخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا. # وكان المهاجرون يكرهون أن يكونوا بها، لكونهم هاجروا عنها وتركوها لله، ~~حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه (2)؛ لما عاد ~~سعد بن أبي وقاص، وكان قد مرض بمكة في حجة الوداع فقال: يا رسول [الله]! ~~أخلف عن هجرتي، فقال: "لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك ms0939 أقوام، ويضر بك آخرون، ~~لكن البائس سعد بن خولة" يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة. # ولهذا لما مات عبد الله بن عمر بمكة أوصى أن لا يدفن في الحرم، بل يخرج ~~إلى الحل لأجل ذلك، لكنه كان يوما شديد الحر، فخالفوا وصيته، وكان قد توفي ~~عام قدم الحجاج، فحاصر ابن الزبير وقتله لما كان (3) من الفتنة بينه وبين ~~عبد الملك بن مروان. PageV05P344 ### || CHECK - أفضل البلاد في حق كل شخص حيث كان أبر وأتقى # قالوا: ولأن في المجاورة بها من تحصيل العبادات وتضعيفها ما لا يكون في ~~بلد آخر، فإن الطواف بالبيت لا يمكن إلا بمكة وهو من أفضل الأعمال، ولأن ~~الصلاة بها تضاعف هي وغيرها من الأعمال. وقد قال تعالى: (وطهر بيتي ~~للطائفين والقائمين والركع السجود (26)) (1). روي أنه ينزل على البيت في كل ~~يوم مئة وعشرون رحمة: ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، [وعشرون للناظرين] (2). # ولهذا قال العلماء: إن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بالثغر، مع قولهم: إن ~~المرابطة بالثغر أفضل وتضاعف السيئات فيه، وإذا كان المكان دواعي الخير فيه ~~أقوى، ودواعي الشر فيه أضعف، كان المقام فيه أفضل مما ليس كذلك. # ولا نزاع بين المسلمين في أنه يشرع قصدها لأجل العبادات المشروعة فيها، ~~وأن ذلك واجب أو مستحب. وأما النزاع في المجاورة فلما فيه من تعارض للمصلحة ~~والمفسدة كما تقدم. وحينئذ فمن كان مجاورته فيما يكثر حسناته ويقل سيئاته ~~فمجاورته فيها أفضل من بلد لا يكون حاله فيه كذلك. فأفضل البلاد في حق كل ~~شخص حيث كان أبر وأتقى، وإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم. # ولهذا لما كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي، وكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قد آخى بينهما، وكان أبو الدرداء بالشام وسلمان بالعراق، PageV05P345 ### || CHECK - الأحاديث الواردة في ذلك ### || CHECK - جنس الجهاد أفضل من جنس الحج ### || CHECK - جنس المرابطة أفضل من جنس المجاورة بالحرمين # فكتب إليه أبو الدرداء أن هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان: إن ~~الأرض لا تقدس أحدا؛ وإنما ms0940 يقدس الرجل عمله الصالح (1). ومقصوده بذلك أنه ~~قد يكون بالأرض المفضولة من يكون عمله صالحا أو أصلح بما يحبه الله ورسوله. # وهذا مما يبين أن جنس المرابطة أفضل من جنس المجاورة بالحرمين كما اتفق ~~عليه الأئمة. فإذا كانت نية العبد في هذا خالصة، ونيته في هذا خالصة، ولم ~~يكن ثم عمل مفضل يفضل به أحدهما، فالمرابطة أفضل؛ فإنها من جنس الجهاد، ~~وتلك من جنس الحج، وجنس الجهاد أفضل من جنس الحج. # ولهذا قال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ~~ليلة القدر عند الحجر الأسود. وفي لفظ رواه سعيد بن منصور في "سننه" (2) عن ~~عطاء الخراساني عن أبي هريرة قال: "رباط يوم في سبيل الله أحب إلي من أن ~~أقوم ليلة القدر في أحد المسجدين -مسجد الحرام ومسجد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - - ومن رابط أربعين يوما في سبيل الله فقد استكمل الرباط". # وقد قال تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين (19) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة PageV05P346 # عند الله وأولئك هم الفائزون (20) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ~~لهم فيها نعيم مقيم (21)) (1). # وفي صحيح مسلم (2) عن النعمان قال: كنت عند منبر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي ~~الحاج. وقال الآخر: إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل ~~الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر بن الخطاب، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند ~~منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت ~~الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله: (أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله) هو الآية. # وعن عثمان بن عفان قال، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ~~[رباط] يوم ms0941 في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه". رواه الإمام أحمد، ~~والنسائي وهذا لفظه، والترمذي (3) وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأبو ~~حاتم بن حبان البستي في "صحيحه" (4). ولفظ الإمام أحمد (5): عن أبي صالح ~~مولى عثمان بن عفان قال: سمعت PageV05P347 # عثمان يقول على المنبر: أيها الناس! إني كتمتكم حديثا سمعته من رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، كراهية تفرقكم عني، ثم بدا لي أن أحدثكم، ليختار ~~امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "رباط ~~يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل". # فقد بين لهم عثمان هذا الحديث مع كونهم كانوا مقيمين عنده بالمدينة ~~النبوية؛ مصلين في المسجد الذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في ~~مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" (1). # ودل ذلك على أن تضعيف الصلاة لا يقاوم تضعيف اليوم الذي يعم جميع ~~الأعمال، فإن الجهاد يقاوم ما لا يمكن المداومة عليه من صيام وقيام. كما في ~~الصحيحين (2) عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله! ما يعدل الجهاد في سبيل ~~الله؟ قال: "لا تستطيعون". # قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: "لا تستطيعون". # قال في الثالثة: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت ~~بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله". هذا ~~لفظ مسلم. # ولفظ البخاري (3): جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: دلني ~~على PageV05P348 # عمل يعدل الجهاد؟ قال: لا أجده. قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل ~~مسجدك فتقوم لا تفتر، وتصوم لا تفطر؟ " قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو ~~هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات. # وفي الصحيحين (1) عن أبي سعيد الخدري أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: أي الناس أفضل؟ فقال: "رجل مجاهد في سبيل الله بماله ونفسه". ~~قال: ثم من؟ قال: "ثم رجل معتزل ms0942 في شعب من الشعاب يعبد ربه، ويدع الناس من ~~شره". لفظ مسلم. # وقد جاءت النصوص الصحيحة الصريحة بفضل الجهاد على الحج، كما في الصحيحين ~~(2) عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي الأعمال ~~أفضل؟ قال: "الإيمان بالله ورسوله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل ~~الله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور". # وفي الصحيحين (3) أيضا عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله! # أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله، والجهاد في سبيله". # فهذا موافق ما دل عليه القرآن من تفضيل الجهاد على الحج. # وقد روي: "غزوة لا قتال فيها أفضل من سبعين حجة". وهذا لا يناقض ما في ~~الصحيحين (4) عن ابن مسعود قال سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV05P349 ### || CHECK - إطلاق الكفر على تارك الصلاة # أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة لوقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". ~~قلت: ثم أي العمل أفضل؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". حدثني بهن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولو استزدته لزادني. # فإن هذا الحديث أيضا يدل على فضل الجهاد على الحج وغيره. # وأما الصلاة فإنها قد تدخل في مسمى الإيمان. كما في قوله: (وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم) (1) قال البراء بن عازب وغيره (2): صلاتكم إلى بيت المقدس، ~~إذ هي بمنزلة الشهادتين في أنها لا تسقط بحال، ولا ينوب فيها أحد عن أحد، ~~ويدخل بها في الإيمان، وقد جاءت النصوص بإطلاق الكفر على تاركها. # ثم في صحيح مسلم (3) عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ليس بين العبد وبين الكفر والشرك إلا ترك الصلاة". # وفي السنن عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر". رواه الإمام أحمد ~~وابن ماجه والترمذي والنسائي (4)، وقال: حديث حسن صحيح غريب. أطلق الكفر ~~على جاحد الصلاة (5). PageV05P350 ### || CHECK - بر الوالدين والجهاد # وفي الترمذي (1) عن عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب محمد لا يعدون شيئا ~~من الأعمال تركه كفر ms0943 إلا الصلاة. # وفي البخاري (2) أن عمر بن الخطاب لما طعن وأغمي عليه، قيل: الصلاة! ~~فقال: "نعم، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة". # وعن غير واحد من الصحابة والتابعين أنهم ذكروا أن من ترك الصلاة فقد كفر. # فهذه الخاصية التي للصلاة تقتضي أن تدخل في قوله: "إيمان بالله، وجهاد في ~~سبيله، ثم حج مبرور". # وكذلك بر الوالدين قد قرن حقهما بحق الله، في مثل قوله: (أن اشكر لي ~~ولوالديك) (3)، وفي قوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين ~~إحسانا) (4). وكما في الصحيحين الحديث: "كفر بالته: تبرؤ من نسب وإن دق، ~~ومن ادعى إلى غير أبيه فقد كفر، ولا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ~~ترغبوا عن آبائكم" (5). PageV05P351 ### || CHECK - إذا تعارضت الصلاة والجهاد فإنه يفعل كلاهما بحسب الإمكان # وإن كان كذلك فيمكن أن يقال: إن هذا دخل في مسمى الإيمان أيضا، أو يقال: ~~بر الوالدين إنما يجب على من له والدان، فذكرهما في حديث ابن مسعود؛ لأن ~~ابن مسعود كان له والدة؛ فكان ذلك حكم من حاله كحاله. وأما حيث لم يذكرهما ~~فذكر ما يعم من الأعمال؛ فيدخل فيه من ليس له أبوان. # ثم الجهاد إذا صار فرض عين كان أوكد من مطلق بر الوالدين، فيجاهد في هذه ~~الحال بدون إذنهما، وإن كان عليه أن يقوم بما يجب عليه من برهما المتعين ~~عليه، وإن كان لا يجاهد إذا لم يتعين عليه إلا بإذنهما. # وأما الصلاة فإذا تعارضت هي والجهاد المتعين فإنه يفعل كلاهما بحسب ~~الإمكان، كما في حالة الخوف الخفيف والخوف الشديد. # قال تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) ~~فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) (1). قال تعالى: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ..) إلى قوله: (وإذا كنت فيهم فأقمت ~~لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ~~ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود ~~الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون ms0944 عليكم ميلة واحدة ولا ~~جناح عليكم إن كان بكم أذى من PageV05P352 ### || CHECK - حكم الصلاة حال المسايفة # مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين ~~عذابا مهينا (102) فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا (103)) (1). # فقد أمر الله بالجمع بين الواجبين -الصلاة والجهاد- لكنه خفف الصلاة في ~~الخوف من صلاة الأمن؛ بإسقاط أمور تجب في الأمن، وإباحة أفعال لا تفعل في الأمن. # وصلاة الخوف قد استفاضت بها السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وذكرها الأئمة كلهم، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلاها على ~~وجوه متعددة. # وأما حال المسايفة فللفقهاء ثلاثة أقوال: # أحدها: وهو قول الجمهور، أنهم يصلون بحسب حالهم مع المقابلة؛ وهذا مذهب ~~الشافعي وغيره وظاهر مذهب أحمد. # والثاني: أنهم يؤخرون الصلاة؛ وهو قول أبي حنيفة. # والثالث: أنهم يخيرون بين الأمرين وهو أحد الروايتين عن أحمد. # وقوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ~~(238) فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) هو مع ما قد ثبت في الصحيح (2) عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال عام الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى PageV05P353 # صلاة العصر حتى غربت الشمس، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا"؛ قد احتج به ~~وبغيره على أن تأخير الصلاة في حال الخوف منسوخ بهذه الآية. # وأجابوا بذلك عما احتج به من جوز الأمرين من قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~في الحديث المتفق عليه (1) عن ابن عمر أنه قال: "لا يصلين أحد العصر إلا في ~~بني قريظة"، فصلى قوم في الطريق وقالوا: لم يرد منا تفويت الصلاة، وأخر قوم ~~الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريظة، وقد فاتتهم الصلاة، فلم يعنف النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - واحدة من الطائفتين. فهذا الحديث حجة في جواز الأمرين، ~~لكن قال أولئك: [إنه] منسوخ بالآية. # فقد تبين أن الصلاة لما كانت أوكد من الجهاد؛ فإنها عند مزاحمة الجهاد ~~لها أخف، حتى لا تفوت مصلحة ms0945 الجهاد، وقد يحصل من الفساد بترك الجهاد وقت ~~الضرورة ما لا يمكن تلافيه. # وهذا أيضا كالحج وإن كان دون الصلاة باتفاق المسلمين. فإذا تضيق وقته ~~وازدحم هو والمقصود، مثل أن يكون ليلة النحر وهي ليلة عرفة ذاهبا إلى عرفة؛ ~~فإن صلى صلاة مستقر فاته الوقوف، وإن سار ليدرك عرفة قبل طوع الفجر فاتته ~~الصلاة. فللفقهاء ثلاثة أقوال: قيل: يقدم الوقوف؛ لأن عليه من تفويت الحج ~~ضررا عظيما. # وقيل: بل يقدم الصلاة لأنها أوكد. PageV05P354 ### || CHECK - الخائف المطلوب يصلي صلاة الخوف، وأما الطالب ففيه خلاف # وقيل: بل يأتي بهما جميعا، فيصلي بحسب الإمكان صلاة لا تفوته الوقوف. ~~وهذا أعدل الأقوال، وهو قول طائفة من أصحاب أحمد والشافعي وغيرهما. # والعلماء متفقون على أن الخائف المطلوب يصلي صلاة خائف. # فأما الطالب فتنازعوا فيه، وفيه عن أحمد روايتان: إحداهما أنه يصلي أيضا ~~صلاة الخوف. كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن كأبي داود (1) عن عبد ~~الله بن أنيس قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خالد بن ~~سفيان الهذلي، وكان نحو عرنة وعرفات، فقال: اذهب فاقتله. قال: فرأيته وحضرت ~~الصلاة صلاة العصر فقلت: إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة. ~~فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه. فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ # قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل، فجئتك في ذاك، قال: إني ~~لفي ذاك. فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد. # ومن قال هذا القول راعى أن مصلحة الجهاد مأمور بها أيضا، فلا يمكن تفويت ~~إحداهما، وإن لم يكن من تفويت الجهاد في هذا الوقت مفسدة ظاهرة كما أنه ليس ~~في تأخير الصلاة مفسدة ظاهرة. # ولو كان تكميل الصلاة مقدما على الجهاد لكان ينبغي أن يترك الجهاد إذا ~~علم أنه لابد فيه من تحقيق الصلاة. PageV05P355 ### || CHECK - حكمة كون النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين بالمدينة أفضل # فلما ثبت بالسنة المتواترة أن الجهاد يفضل مع العلم بأنه يقصر فيه الصلاة ~~بقصر ms0946 العمل الذي هو قصر العدد فإن قصر العدد سنة السفر، وأما قصر العمل ~~فسنة الخوف. ولهذا إذا اجتمع الأمران شرع القصر المطلق، كما في قوله: (وإذا ~~ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا) (1). والآية على ظاهرها؛ فإن القصر المطلق المتضمن لقصر العدد ~~وقصر العمل إنما يكون مع الأمرين. وقد بينت السنة أن مجرد الخوف يفيد قصر ~~العمل، ومجرد السفر يفيد قصر العدد. # فهذا كله مما يبين أن الصلاة وإن كانت أفضل الأعمال فإنها إذا اجتمعت مع ~~الجهاد لم يترك واحد منهما، بل يصفى بحسب الإمكان مع تحصيل مصلحة الجهاد ~~بحسب الإمكان. وقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45)) (2). فأمر بالثبات والذكر معا. # وكانت السنة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه وأصحابه ~~وخلفاء بني أمية وكثير من خلفاء بني العباس أن أمير الحرب هو أمير الصلاة ~~في المقام والسفر جميعا. # وما ذكرناه يبين بعض حكمة كون النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين ~~كان مقامهم بالمدينة أفضل على أحد قولي العلماء؛ فإنهم كانوا بها مهاجرين PageV05P356 ### || CHECK - طريقتان للسلف في الرباط # مجاهدين مرابطين بخلاف مكة. # وهذا حيث كان الإنسان كذلك كان أفضل من المقام بالحرمين، حتى إن مالكا ~~رضي الله عنه -مع فرط تعظيمه المدينة وتفضيله لها على مكة وكراهية الانتقال ~~منها- لما سئل عمن بدار وهو مقيم بالمدينة يأتي الثغور كالإسكندرية وغيره، ~~أجاب: بأن عليه أن يأتي الثغور؛ لأن المرابطة بالثغور أفضل من مقامه ~~بالمدينة. وما زال خيار المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم من بعدهم ~~من الأمراء والمشايخ يتناوبون الثغور لأجل الرباط، وكان هذا على عهد أبي ~~بكر وعثمان أكثر، حتى كان عبد الله بن (1) وغيره مرابطين. # وكان عمر من يسأله عن أفضل الأعمال إنما يدله على الرباط والجهاد، كما ~~سأله عن ذلك من سأله، كالحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية ~~وسهيل بن عمرو وأمثالهم، ثم كان بعد ms0947 هؤلاء إلى خلافة بني أمية وبني العباس. ~~ولهذا يذكر من فضائلهم وأخبارهم في الرباط أمور كثيرة. # وكانوا على طريقتين: # إحداهما: أن يرابط كل قوم بأقرب الثغور إليهم، ويقاتلون من يليهم. كقوله: ~~(يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) (2). # وهذا اختيار أكثر العلماء كالإمام أحمد وغيره، ولهذا كان أصحاب PageV05P357 ### || CHECK - السكن بالثغور والرباط أمر عظيم # مالك كابن القاسم ونحوه يرابط (1) بالثغور المصرية. # والطريقة الثانية: يجوزون الرباط بثغور الشام ونحوها بما فيه قتال ~~النصارى. فكان عبد الله بن المبارك يقدم من خراسان فيرابط بثغور الشام، ~~وكذلك إبراهيم بن أدهم ونحوهما، كما كان يرابط بها مشايخ الشام كالأوزاعي ~~وحذيفة المرعشي ويوسف بن أسباط وأبي إسحاق الفزاري ومخلد بن الحسين ~~وأمثالهم. وكان المسلمون قد فتحوا قبرص في خلافة عثمان، وبقيت تحت حكمهم ~~أكثر من ثلاثمائة سنة. وكانت "سيس" ثغر المسلمين، و"طرسوس" كانت من أسماء ~~الثغور، ولهذا تذكر في كتب الفقه المصئفة في ذلك الوقت، وتولى قضاءها أبو ~~عبيد الإمام وصالح بن أحمد بن حنبل وغيرهما. # وكان ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهم يقولون: إذا اختلف الناس في شيء ~~فانظروا ما عليه أهل الثغر، فإن الحق معهم؛ لأن الله تعالى يقول: (والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (2). # وبالجملة إن السكن بالثغور والرباط والاعتناء به أمر عظيم، وكانت الثغور ~~معمورة بخيار المسلمين علما وعملا، وأعظم البلاد إقامة بشعائر الإسلام ~~وحقائق الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان كل من أحب التبتل ~~للعبادة والانقطاع إلى الله وكمال الزهد والعبادة والمعرفة يدلونه على ~~الثغور. PageV05P358 ### || CHECK - فضل سكنى الشام ### || CHECK - سبب اختيار من اختار الرباط بثغور النصارى # وإنما اختار من اختار الرباط بثغور النصارى للحديث الذي في سنن أبي داود ~~(1) عن ثابت بن قيس قال: جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقال ~~لها أم خلاد وهي منتقبة تسأل عن ابنها وهو مقتول، فقال لها بعض أصحاب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة! # فقالت: [إن] أرزأ ابني فلن أرزأ حيائي، فقال رسول ms0948 الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ابنك له أجر شهيدين". قالت: ولم ذاك؟ قال: "لأنه قتله أهل ~~الكتاب". # وهذا بعض [الأخبار التي] تبين فضيلة سكنى الشام؛ فإن أهل الشام ما زالوا ~~مرابطين من أول الإسلام لمجاورتهم النصارى ومجاهدتهم لهم، فكانوا مرابطين ~~مجاهدين لأهل الكتاب. ولهذا فضل النبي - صلى الله عليه وسلم - جندهم على ~~جند اليمن والعراق؛ مع ما قاله في أهل اليمن (2). # ففي سنن أبي داود وغيره (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"إنكم ستجندون أجنادا؛ جندا بالشام وجندا باليمن وجندا بالعراق"، قال: فقلت ~~يا رسول الله! خر لي، فقال: "عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي ~~إليها خيرته من عباده، فمن أبي فليلحق بيمنه، وليسق من غدره فإن الله قد ~~تكفل لي بالشام وأهله". قال الحوالي: ومن يتكفل الله به فلا ضيعة عليه. PageV05P359 ### || CHECK - المراد بأهل الغرب في الحديث أهل الشام # وفي سنن أبي داود (1) أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "إنه ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر ~~إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الرحمن، ~~تحشرهم النار مع القردة والخنازير". # وفي صحيح مسلم (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزال أهل ~~الغرب ظاهرين". # قال الإمام أحمد: أهل الغرب هم أهل الشام. يعني: ومن يغرب عنهم؛ فإن ~~التغريب والتشريق من الأمور النسبية، والنبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم ~~بذلك وهو بالمدينة النبوية، فما تغرب عنها فهو غرب المدينة، كما أن حران ~~والرقة ونحوهما خلف مكة. # والكلام في هذا ونحوه يطول ويتعذر، بحيث لا تحتمله هذه الفتوى، لكن هذه ~~الأمور المتيسرة تعود إلى أفضل الأحوال: الإيمان بالله ورسوله والجهاد في ~~سبيله كما ثبت ذلك بالنصوص. وقد قال تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك ~~هم الصادقون (15)) (3). # فالجهاد تحقيق كون المؤمن مؤمنا؛ ولهذا روى مسلم في صحيحه (4) عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم ms0949 - أنه قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث PageV05P360 ### || CHECK - جهاد النساء الحج ### || CHECK - إذا كان الجهاد أفضل من الحج فما معنى حديث "أفضل الجهاد حج مبرور"؟ # نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق". # وذلك أن الجهاد فرض على الكفاية، فيخاطب به جميع المؤمنين عموما، ثم إذا ~~قام به بعضهم سقط عن الباقين. ولابد لكل مؤمن من أن يعتقد أنه مأمور به، ~~وأن يعتقد وجوبه وأن يعزم عليه إذا احتيج إليه، وهذا يتضمن تحديث نفسه ~~بفعله. فمن مات ولم يغز أو لم يحدث نفسه بالغزو نقص من إيمانه الواجب عليه ~~بقدر ذلك؛ فمات على شعبة نفاق. # فإن قيل: فإذا كان الجهاد أفضل من الحج بالكتاب والسنة فما معنى الحديث ~~الذي روته عائشة أم المؤمنين قالت: يا رسول الله! # أرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: "لكن أفضل الجهاد: حج مبرور" ~~رواه البخاري (1)، ورواه النسائي (2)، وفيه: ألا نخرج نجاهد معك فإني لا ~~أرى عملا أفضل من الجهاد. قال: "لا، ولكن أحسن الجهاد وأجمله حج البيت حج ~~مبرور". # قيل: أفضل الجهاد للنساء حج مبرور. فأخبرها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أن أفضل الجهاد للنساء حج مبرور. وكذلك جاء مبينا، رواه النسائي (3) عن أبي ~~هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "جهاد الكبير والصغير والضعيف ~~والمرأة: الحج والعمرة". وفي حديث آخر (4): "الحج جهاد كل PageV05P361 # ضعيف". وفي حديث آخر (1): هل على النساء جهاد؟ قال: "جهاد لا قتال فيه: ~~الحج والعمرة". # سياق الحديث المتقدم بين ذلك، فإنها قالت: نرى الجهاد أفضل العمل أفلا ~~نجاهد معك؟ قال: "لكن أفضل الجهاد: حج مبرور". فقد أقرها على قولها: "نرى ~~الجهاد أفضل العمل"، ثم ذكر أن "أفضل الجهاد الحج المبرور". # وفي اللفظ الآخر (2): ألا نخرج فنجاهد معك فإني لا أرى عملا في القرآن ~~أفضل من الجهاد؟ قال: "لكن أحسن الجهاد وأجمله حج مبرور". فأقرها على قولها ~~بفضل الجهاد، ثم لما استأذنته في الجهاد (3) المعروف قال: "لا، ولكن أحسن ~~الجهاد وأجمله حج البيت"، وجعل فضله بكونه جهادا، ومعلوم بالحس أن ms0950 الجهاد ~~لا يقاوم الجهاد في الكفار والمنافقين؛ فعلم أنه أراد جهاد النساء، واللام ~~للتعريف، ينصرف إلى ما يعرفه المخاطب. # ومقصود الناقل هنا الجهاد الذي هو أفضل العمل له عند الله؛ فبين النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أن الجهاد الذي هو مقصوده ومطلوبه هو الحج؛ فإن ~~السائل ضعيف؛ والحج جهاد كل ضعيف. وفي صحيح مسلم (4) عن أبي هريرة عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى PageV05P362 ### || CHECK - الأحاديث الواردة في فضائل الرباط # الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا ~~تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله ~~وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان". # وقد جاء في فضائل الرباط أحاديث في الصحاح والسنن تبين ما ذكرناه: # فروى البخاري في صحيحه (1) عن سهل بن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها". # وفي صحيح مسلم (2) عن سلمان الفارسي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه ~~[عمله] الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان". # وفي السنن (3) عن فضالة بن عبيد قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ما من ميت يموت إلا ختم عليه عمله إلا من مات مرابطا في سبيل الله، فإنه ~~ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتنة القبر" رواه أحمد وأبو داود ~~وهذا لفظه والترمذي بمعناه. وزاد: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "المجاهد [من جاهد] نفسه في طاعة الله" قال الترمذي: حسن صحيح. PageV05P363 ### || CHECK - من الضلال: قصد التعريف بالبيت المقدس في وقت الحج ### || CHECK - في سنن ابن ماجه بضعة عشر حديثا من الموضوعات ### || CHECK - الأحاديث المروية بتعيين قزوين والإسكندرية موضوعة # وقد تقدم حديث عثمان: "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه ~~من المنازل". # وقد ms0951 جاء عن السلف آثار فيها ذكر الثغور مثل غزة وعسقلان والإسكندرية ~~وقزوين ونحو ذلك. # وأما الأحاديث المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعيين قزوين ~~والإسكندرية ونحو ذلك فهي موضوعة كذب بلا ريب عند علماء الحديث (1)، وإن ~~كان ابن ماجه قد روى في سننه (2) الحديث الذي في فضل قزوين؛ وقد أنكر عليه ~~العلماء ذلك، كما أنكروا عليه رواية أحاديث أخرى بضعة عشر حديثا من ~~الموضوعات؛ ولهذا نقصت مرتبة كتابه عندهم عن مرتبة أبي داود والنسائي. # وقد قدمنا كون البلد ثغرا صفة عارضة لا لازمة؛ فلا يمكن فيه مدح مؤبد ولا ~~ذم مؤبد، إلا إذا علم أنه لا يزال على تلك الصفة. # وإذا تبين ما في الرباط من الفضل؛ فمن الضلال ما تجد عليه أقواما ممن ~~غرضه التقرب إلى الله والعبادة له بما يحبه ويرضاه يكون في الشام أو ما ~~يقاربها، فيسافر السفر الذي لا يشرع بل يكره، ويترك ما هو مأمور به واجب أو مستحب. # مثال ذلك أن قوما يقصدون التعريف بالبيت المقدس، فيقصدون زيارته في وقت ~~الحج ليعرفوا به، ويدعو [ن] المقام بالثغور التي تقاربه. PageV05P364 ### || CHECK - السفر للتعريف بغير عرفة من الضلالات ### || CHECK - من أعظم المنكرات: التعريف بقبور المشايخ والأنبياء والسفر لذلك # وهذا في غاية الضلال والجهل والحرمان من وجوه: # أحدها: أن التعريف بالبيت المقدس ليس مشروعا لا واجبا ولا مستحبا بإجماع ~~المسلمين، ومن اعتقد السفر إليه للتعريف قربة فهو ضال باتفاق المسلمين، بل ~~يستتاب فإن تاب وإلا قتل، إذ ليس السفر مشروعا للتعريف إلا للتعريف بعرفات. # وأقبح من ذلك تعريف أقوام عند بعض قبور المشايخ والأنبياء وغير ذلك من ~~المشاهد أو السفر لذلك، فهذا من أعظم المنكرات باتفاق المسلمين. بل تنازع ~~السلف في تعريف الإنسان في مصره من غير سفر، مثل أن يذهب عشية عرفة إلى ~~مسجد بلده فيدعو الله ويذكره، فكره ذلك طوائف؛ منهم أبو حنيفة ومالك ~~وغيرهما. ورخص فيه آخرون؛ منهم الإمام أحمد، قال: لأنه فعله ابن عباس ~~بالبصرة وعمرو بن حرب بالكوفة. ومع هذا فلم ms0952 يستحبه أحمد، وكان هو نفسه لا ~~يعرف ولا ينهى من عرف. وقد قيل عنه: إنه يستحب. # وأما السفر للتعريف بغير عرفة فلا نزاع بين المسلمين أنه من الضلالات، لا ~~سيما إذا كان بمشهد مثل قبر نبي (1) أو رجل صالح أو بعض أهل البيت، فإن ~~السفر إلى ذلك لغير التعريف منهي عنه عند جمهور العلماء من الأئمة ~~وأتباعهم. كما قال - صلى الله عليه وسلم - (2): "لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا". وقد رأى بصرة بن ~~أبي بصرة الغفاري أبا هريرة PageV05P365 ### || CHECK - الزيارة المشروعة للقبور # راجعا من زيارة الطور فقال: لو رأيتك قبل أن تزوره لم تزره، فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد ~~الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا" (1). # [وقد] قال من قال من هؤلاء كأبي الوفاء ابن عقيل وغيره: إن المسافر لمجرد ~~الزيارة لبعض المشاهد لا يقصر الصلاة لأنه عاص بسفره، وإنما رخص في هذا ~~السفر طائفة من المتأخرين، ولكن الزيارة المشروعة إذا اجتاز الرجل بالقبور ~~أو خرج إلى ما يجاوره من القبور كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج ~~إلى البقيع، وكما زار قبر أمه لما اجتاز بها في غزوة الفتح. وقد ثبت عنه في ~~الصحيح (2) أنه قال: "استأذنت ربي أن أزور قبر أمي؛ فأذن لي، واستأذنته في ~~أن أستغفر لها؛ فلم يأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة". # وكان - صلى الله عليه وسلم - يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول ~~أحدهم: "السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ~~ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم ~~لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم" (3). # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (4): "ما من رجل يمر ~~بقبر الرجل PageV05P366 ### || CHECK - النهي عن اتخاذ القبور مساجد ### || CHECK - المقصود من الزيارة المشروعة السلام على صاحب القبر والدعاء له # كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه ms0953 حتى يرد عليه ~~السلام". # والزيارة المشروعة للمسلم: أن يسلم عليه ويدعى له، كما أن الصلاة مقصودها ~~الدعاء له. ولهذا نهى الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن الأمرين في حق ~~المنافقين. كما قال تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره) (1)، نهى نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة على المنافقين ~~والقيام على قبورهم؛ فكان في ذلك دلالة على أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام ~~على قبورهم. وقد قال طوائف من السلف والخلف: وهو القيام على قبورهم بالدعاء ~~والاستغفار. # فزيارة قبر المؤمن من نبي وغيره مقصودها التحية والدعاء له، فأما اتخاذ ~~القبور مساجد أو الاشراك بها فذلك كله حرام بإجماع المسلمين. كما في ~~الصحيحين (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في مرضه الذي مات ~~فيه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"؛ يحذر ما ~~صنعوا. قالت عائشة (3): ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. PageV05P367 ### || CHECK - لا تشرع الصلاة عند القبور، ولا قصدها لأجل الدعاء عندها، ولا التمسح بها وتقبيلها # وفي صحيح مسلم (1) أنه قال قبل أن يموت بخمس: "إني أبرأ إلى الله أن يكون ~~لي منكم خليل، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان ~~قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني ~~أنهاكم عن ذلك". # وفي السنن (2) عنه أنه قال: "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها ~~المساجد والسرج". # وقد اتفق أئمة المسلمين على أنه لا تشرع الصلاة عند القبور، وقصدها لأجل ~~الدعاء عندها، ولا التمسح بها وتقبيلها؛ سواء في ذلك قبور الأنبياء وغيرهم. ~~بل ليس تحت أديم السماء ما يشرع التمسح به وتقبيله إلا الحجر الأسود، ~~والركن اليماني يستحب التمسح به. # وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين (3)، فلم ~~يمسحوا إلا الركنين اليمانيين، ولم يمسحوا سائر جوانب البيت ولا مقام ~~إبراهيم الذي هناك؛ فكيف بمقام إبراهيم في تلك البقعة ومقام غيره من ~~الأنبياء والصالحين؟ وقد قال الله في كتابه: (وقالوا ms0954 لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23)) (4). قال طوائف من الصحابة PageV05P368 ### || CHECK - السفر إلى الثغر للرباط أفضل من السفر إلى غيره على الوجه المشروع # والتابعين: "هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على ~~قبورهم، ثم لما طال عليهم الأمد صوروا صورهم، فكان ذلك مبدأ عبادة ~~الأوثان". # ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما رواه مالك في الموطأ (1): ~~"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد". وفي السنن (2) عنه أنه قال: "لا تتخذوا ~~قبري عيدا". # فالسفر للتعريف ببعض المشاهد حرام، فيكون بمنزلة لحم الخنزير، وأما السفر ~~للتعريف ببيت المقدس مثلا، والسفر لزيارة بعض القبور أو البقاع غير المساجد ~~الثلاثة فهو أيضا منهي عنه، وإن كان وجد في ذلك من عمد إلى هذه البدع التي ~~فيها من الشرك ما فيها، وتعبد بها وأقام بها، وقصد ما يقصده من البقاع ~~لأجلها، وترك أن يقصد من البقعة أو ما هو قريب منها لأجل الرباط في سبيل ~~الله الذي هو من أفضل الأعمال بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، أليس هو ممن ~~استبدل السيئات بالحسنات؟ # الوجه الثاني: أنه لو قدر أنه قصد بعض هذه البقاع قصدا مشروعا مثل السفر ~~إلى بيت المقدس على الوجه المشروع للصلاة فيه والاعتكاف فيه، فإن هذا عمل ~~صالح باتفاق المسلمين، وإن كان قد دخل فيه بدع كثيرة، مثل البدع التي تفعل ~~هنا من السماع PageV05P369 # للمكاء والتصدية في النصف وعشر ذي الحجة ونحو ذلك، ومثل استلام بعض ما ~~هناك من الأحجار، فإنه لا يشرع أن يستلم أحد قط إلا الركنين اليمانيين ~~للبيت العتيق، ومثل اعتقادهم أن ذلك القدم المصنوع قدم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وظن أجهل منهم أنه قدم الله وأشباه هذه الجهالات. فالزيارة ~~إذا سلمت عن هذه البدع وغيرها كانت شرعية، والسفر إلى الثغر للرباط أفضل ~~منها، والعدول عن الفاضل إلى المفضول مع استوائهما غير محمود. # الوجه الثالث: أن من الناس من يقصد المجاورة ببيت المقدس ويدع المجاورة ~~بالثغر الذي هو قريب منه. وهذا ms0955 الباب من أفضل الأفضل وأجلها، وهو فرض على ~~الكفاية، ومعلوم أن هذا أعظم خسرانا، وأشد حرمانا، وأبعد عن اتباع الشريعة؛ ~~فإن المجاور بالحرمين قد يتعسر عليه ذلك دون المرابطة لاختلاف المكانين. ~~أما مع تفاوت المكانين فالعدول عن هذا إلى هذا لا يصدر إلا من جهل أو من ~~ضعف إيمان، اللهم [إلا] إذا نذر هذا فيكون هذا معذورا. وإنما الكلام فيمن ~~يقدر على الأمرين. # ولهذا [لما] كان أهل البدع مهملين أمر الجهاد معظمين للزيارات، استولى ~~الكفار على كثير من الثغور، حتى قتل ببيت المقدس وقتلوا فيه من المجاورين ~~من شاء الله، وكان قد جرت فيه بدع كثيرة. # ومن ذلك من يقصد بعض هذه البقاع، إما جبل لبنان وإما غيره، إما لزيارته ~~لظنه أن فيه الصالحين من الأبدال وغيرهم، ويدع أن يقصد للرباط في سبيل ~~الله، فإن هذا أيضا من الضلال العظيم، وأصل السفر PageV05P370 ### || CHECK - رهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله ### || CHECK - تفسير السياحة المذكورة في القرآن بالصيام والجهاد ### || CHECK - السياحة لغير قصد معين ليس مشروعا # إلى الزيارة غير مشروع ولا مأمور به، بل هو من البدع والضلال. وكذلك ~~السياحة لغير قصد معين ليس ذلك مشروعا لنا. قال الإمام أحمد: ليست السياحة ~~من أمر الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين. والسياحة ~~المذكورة في القرآن ليست هذه السياحة؛ فإن الله قد قال: (عسى ربه إن طلقكن ~~أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ~~ثيبات وأبكارا (5)) (1). # ومعلوم أن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ونساء المؤمنين لا يشرع لهن ~~هذه السياحة. ولكن قد فسرت السياحة بالصيام، وفسرت بالجهاد (2)، وكلاهما ~~مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # أما الأول: فرواه عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مرسلا. # وأما الثاني فقال أبو داود في سننه (3): "باب النهي عن السياحة"؛ وروى ~~فيه حديث العلاء بن الحارث عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة أن رجلا ~~قال: يا رسول الله! ائذن لي ms0956 بالسياحة؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله". # وكذلك أيضا روي (4): "إن رهبانية هذه الأمة: الجهاد في سبيل الله". إذ لا ~~رهبانية في الإسلام، وأما ما ذكره في كتابه أن النصارى PageV05P371 ### || CHECK - الأمر باتباع السنة والنهي عن البدع # ابتدعوا الرهبانية فقد نهانا الله ورسوله عن البدع. # وثبت عنه في صحيح مسلم (1) وغيره عن جابر أنه كان يقول في خطبته: "إن ~~أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل ~~بدعة ضلالة". # وثبت عنه في السنن (2) الحديث الذي صححه الترمذي عن العرباض بن سارية ~~قال: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة بليغة فقال رجل: يا ~~رسول الله! كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بالسمع ~~والطاعة فإن من يعش منكم سيرى بعدي اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ~~ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة". # فكيف بما نهى الله عنه ورسوله من العبادات المبتدعة؟ كما أخرجا في ~~الصحيحين (3) -واللفظ لمسلم- عن أنس بن مالك أن نفرا من أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سألوا أزواج النبي عن عمله في السر؟ # فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. # وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه فقال: "ما بال أقوام ~~قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن ~~سنتي فليس مني". PageV05P372 ### || CHECK - نذر المعصية وحكمه # ولفظ البخاري (1): جاء ثلاثة رهط بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فلما أخبروا كأنهم ~~تقالوها! فقالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم - قد غفر له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. وقال ~~الآخر: أنا أصوم الدهر أبدا. # وقال الآخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج. فجاء رسول الله [فقال]: "أنتم ~~الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم ms0957 له، لكني أصوم ~~وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". # وفي الصحيحين (2) عن سعد بن أبي وقاص قال: رد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا. # وفي صحيح البخاري (3) وغيره عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رأى رجلا قائما في الشمس فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن ~~يقوم في الشمس ولا يجلس ولا يستظل وأن يصوم، فقال: "مروه فليجلس، وليستظل ~~وليتكلم وليتم صومه". # فلما كان هذا الناذر نذر ما هو سنة وما هو بدعة أمره بالوفاء بالسنة دون ~~البدعة، كما في صحيح البخاري (4) عن عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر PageV05P373 # أن يعصي الله فلا يعصه". # وهذا متفق عليه بين أئمة الدين، لكن تنازعوا هل عليه كفارة يمين أو نذر ~~ما ليس مشروعا؛ بعد اتفاقهم على أنه لا يفعله؟ # فقيل: لا شيء عليه، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما لأنه ليس في هذا ~~الحديث وغيره أنه أمر له بالتكفير. # وقيل: بل عليه كفارة يمين، وهو ظاهر مذهب أحمد، لما ثبت في صحيح مسلم (1) ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كفارة النذر كفارة يمين". وفي ~~السنن (2) عنه أنه قال: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين". # وقد ثبت في الصحيح (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أفضل ~~الصيام صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وأفضل القيام قيام داود كان ~~ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه". وقد استفاض عنه في الصحيح (4) أنه ~~نهى عن مداومة الصيام والقيام وقراءة القرآن في أقل من ثلاث. وأمثال ذلك من ~~النصوص التي تبين ما بعث الله به رسوله من الحنيفية السمحة. كما جاء في ~~الحديث: "أحب الدين إلي الحنيفية السمحة" (5). PageV05P374 ### || CHECK - الناس في حالة الفتور نوعان: منهم من يلزم السنة، ومنهم من يخرج إلى البدعة في دينه أو فجور ms0958 في دنياه # وفي الصحيح (1) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن هذا الدين متين ~~وإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من ~~الدلجة، والقصد القصد تبلغوا". # وفي الصحيحين (2) عنه أنه قال: "اكلفوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا ~~يمل حتى تملوا". # وفي السنن (3) عنه أنه قال: "لكل عامل شرة وفتر، فمن كانت فترته إلى سنة ~~فقد اهتدى، ومن أخطأها فقد ضل". وفي لفظ: "ولكل شرة فتر؛ فإن [كان] صاحبها ~~سدد وقارب فارجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه". # فقيل للحسن البصري لما روى هذا الحديث: "إنك إذا مررت بالسوق فإن الناس ~~يشيرون إليك؟ فقال: "لم يرد ذلك، وإنما أراد المبتدع في دينه والفاجر في ~~دنياه". وهو كما قال الحسن رضي الله عنه، فإن من الناس من يكون له شدة ~~ونشاط وحدة واجتهاد عظيم في العبادة، ثم لابد من فتور في ذلك. وهم في ~~الفترة نوعان: # منهم: من يلزم السنة فلا يترك ما أمر به، ولا يفعل ما نهي عنه بل يلزم ~~عبادة الله إلى الممات؛ كما قال تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99)) ~~(4)، يعني الموت، قال الحسن البصري: لم يجعل PageV05P375 # الله لعباده المؤمنين أجلا دون الموت. # ومنهم: من يخرج إلى البدعة في دينه أو فجور في دنياه حتى يشير إليه ~~الناس، فيقال: هذا كان مجتهدا في الدين ثم صار كذا وكذا. فهذا مما يخاف على ~~من عدل (1) عن العبادات الشرعية إلى الزيارات البدعية. ولهذا قال أبي بن ~~كعب وعبد الله بن مسعود: "اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة". # ومع هذا فجنس الجهاد أفضل، بل قد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: مر رجل ~~من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشعب فيه عيينة من ماء عذبة ~~فأعجبته. فقال: لو اعتزلت الناس، فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: "لا تفعل فإن مقام أحدكم في ms0959 سبيل الله أفضل من صلاته في بيته ~~سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؛ اغزوا في سبيل ~~الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة" (2). قال الترمذي: ~~حديث حسن صحيح. وفواق الناقة: ما بين الحلبتين. # وجماع الأمر ما قاله الفضيل بن عياض في قوله: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ~~(3) قال: أخلصه وأصوبه، قالوا يا أبا علي! ما أخلصه PageV05P376 ### || CHECK - لابد في سائر الأعمال الشرعية من السنة التي هي روحها ### || CHECK - العمل الصالح ما كان خالصا لله وموافقا للسنة # وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان ~~صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، ~~والصواب أن يكون على السنة. # وهذا كما قال تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا (110)) (1). وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم ~~اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا. # والعمل الصالح هو المشروع، وهو طاعة الله ورسوله، وهو فعل الحسنات التي ~~يكون الرجل به محسنا. قال تعالى: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو ~~محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا (125)) (2). وقال: ~~(بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (112)) (3). # ولابد في الرباط والهجرة والجهاد وسائر الأعمال الشرعية من السنة التي هي ~~روح العمل، كما في الصحيحين (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ~~يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه". PageV05P377 ### || CHECK - تشاغل المسلمين بقتال بعضهم بعضا وتركهم الرباط والجهاد خسارة الدنيا والآخرة # وفي الصحيحين (1) عنه أنه قيل له: يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة ~~ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل ms0960 لتكون كلمة ~~الله هي العليا فهو في سبيل الله". # قال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا ~~فإن الله بما يعملون بصير (39) وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم ~~المولى ونعم النصير (40)) (2). # فالله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين لما يحبه ويرضاه لنا من ~~الأحوال والأعمال الباطنة والظاهرة، ويجنبنا ما يكرهه لنا من ذلك كله. # وأعظم من ذلك أن يتشاغل المسلمون بقتال بعضهم بعضا، كما يجري بين أهل ~~الأهواء من القبائل وغيرها، كقيس ويمن وجرم وتغلب ولخم وجذام وغير هؤلاء، ~~مع مجاورتهم للثغور، فيدعون الرباط والجهاد الذي هو سعادة الدنيا والآخرة ~~-كما قال تعالى: (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) (3) يعني: إما النصر ~~والظفر، وإما الشهادة والجنة- ويشتغلون بقتال الفتن والأهواء الذي هو خسارة ~~الدنيا والآخرة. # وفي الصحيحين (4) عن أبي بكرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~[قال]: "إذا PageV05P378 # التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". فقيل: يا رسول ~~الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه". # وقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون (102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا ~~حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) ~~ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك ~~هم المفلحون (104) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (105) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين ~~اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) وأما ~~الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون (107)) (1). # وهذه الفتيا لا تحتمل البسط في هذه الورقة، وإنما نبهنا على النكت ~~الجامعة. # (والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل). تمت PageV05P379 ### | CHECK (18) قاعدة في الأموال السلطانية # قاعدة في الأموال السلطانية ms0961 PageV05P381 ### || CHECK - مناهج العلماء في التأليف في هذه الأموال ### || CHECK - الأموال المشتركة السلطانية ثلاثة: الفيء والمغانم والصدقة # بسم الله الرحمن الرحيم # فصل # الأموال السلطانية والأموال العقدية من وقف ونذور ووصية ونحو ذلك، الأصل ~~في ذلك مبني على شيئين: # أحدهما: أن يعلم المسلم بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله وإجماع ~~المؤمنين نصا واستنباطا. # ويعلم الواقع من ذلك في الولاة والرعيه، ليعلم الحق من الباطل، ويعلم ~~مراتب الحق ومراتب الباطل، ليستعمل الحق بحسب الإمكان، ويدع الباطل بحسب ~~الإمكان، ويرجح عند (1) التعارض أحق الحقين، ويدفع أبطل الباطلين. # فنقول: إن الأموال المشتركة السلطانية الشرعية ثلاثة: الفيء، والمغانم، ~~والصدقة. وإذا صنف العلماء كتب الأموال -ككتاب "الأموال" لأبي عبيد ولحميد ~~بن زنجويه، و"الأموال" للخلال من جوابات أحمد، وغير ذلك- فهذه هي الأموال ~~التي يتكلمون فيها. # وكذلك من العلماء من يجمع الكلام فيها في الكتب المصنفة في ربع الأموال، ~~كما في "المختصر" للمزني و"مختصر" الخرقي وغيرهما PageV05P383 ### || CHECK - هذه الأموال ثابتة مستخرجها ومصروفها بكتاب الله وسنة رسوله # كتاب قسم الفيء والغنائم والصدقة، يذكرونه قبل قسم الوصايا والفرائض بعد ~~قسم الوقوف. ومنهم من يذكر قسم الصدقة في كتاب الزكاة، وقسم المغانم والفيء ~~في الجهاد، كما هي طريقة كثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم. ومنهم من ~~يذكر الخراج والفيء في كتاب الإمارة، كما فعل أبو داود في "السنن" في كتاب ~~الخراج والإمارة. # وهذه الأموال الثلاثة ثابتة مستخرجها ومصروفها بكتاب الله وسنة رسوله، ~~وأكثرها مجتمع عليه، وفيها مواضع متنازع فيها بين العلماء. فإن الله فرض ~~الزكاة في الأموال وذكر أهلها في كتابه بقوله: (إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين) الآية (1). والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد بين من ذلك ما ~~أجمله الكتاب بما سنه من نصب الزكاة وفرائضها، وفسر من مواضعها، وعمل به ~~خلفاؤه من بعده. # وكذلك المغانم، قد أحلها الله بكتابه وسنة رسوله، وقسمها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون، وهي المال المأخوذ من الكفار بالقتال، ~~وما أخذ من المرتدين والخارجين عن شريعة الإسلام، فتفصيله ليس هذا موضع ~~ذكره. ويسمى ms0962 أيضا فيئا وأنفالا. # وكذلك الفيء الخاص، وهو ما أخذ من الكفار بغير قتال، ذكره الله في سورة ~~الحشر (2)، وجرى قسمه في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV05P384 ### || CHECK - ما قبضه المسلم بالتأويل يحل له ### || CHECK - إن اعتقد الرجل تحريم بعض ذلك فليس له أن ينكر على الإمام المجتهد في ذلك ### || CHECK - اجتهاد الخلفاء في هذه الأموال قبضا وصرفا ### || CHECK - ما يلحق بهذه الأموال # وسنة خلفائه الراشدين على الوجه الذي جرى عليه. ويلتحق به الأموال ~~المشتركة التي لم تؤخذ من الكفار، كالمواريث التي لا وارث لها، والأموال ~~الضائعة التي لا يعلم لها مستحق معين، ونحو ذلك من الأموال المشتركة. # ثم خلفاء الرسول أهل العدل من العلماء والأمراء الجامعين بين العلم ~~والإمارة مع العدل -كالخلفاء الراشدين- قد يجتهدون في كثير من هذه الأموال ~~قبضا وصرفا، كما يجتهدون في الأحكام والولايات والأعمال والعقوبات ونحو ~~ذلك، واجتهادهم سائغ، والأموال المأخوذة بمثل هذا الاجتهاد سائغة، وإن ~~اعتقد الرجل تحريم بعض ذلك، فليس له أن ينكر على الإمام المجتهد في ذلك، ~~ولا على من أخذ باجتهاده، كما لا ينكر على ما أعطاه الحاكم بحكمه في ~~الفرائض والوقوف ونحو ذلك. ولكن هل يباح له بالحكم ما اعتقد تحريمه قبل ~~الحكم؟ على روايتين. # وكذلك يخرج في القسم، فإن قسم الإمام المال الذي يجب عليه قسمه هو كحكمه، ~~وأما قسمته لغير ذلك فهي بمنزلة فعل الحاكم، كتزويج الأيامى وبيع أموال ~~اليتامى. وهل فعل الحاكم حكم فلا يسوغ نقضه، أم هو كفعل غيره فيجوز نقضه ~~حتى ينفذه أو غيره من الحكام؟ فيها وجهاد. # ثم إذا قلنا: هو حرام عليه، فليس حراما على غيره، ويحل له -إذا أخذه غيره ~~بتأويل- أن يأخذه منه بابتياع واتهاب ونحو ذلك من العقود. هذا هو الصواب، ~~فإن ما قبضه المسلم بالتأويل أولى PageV05P385 ### || CHECK - ما أتلفه أهل البغي على أهل العدل من النفوس والأموال لا يجب عليهم ضمانه # بالإباحة مما يقبضه الكفار من أهل الحرب والذمة بالتأويل. وإذا كان ~~الكفار فيما يعتقدون حله إذا أسلموا لو تحاكموا ms0963 إلينا بعد القبض حكمنا ~~بالاستحقاق لمن هو في يده، وحللناه لمن قبضه من المسلمين منه بمعاوضة، ~~وحللناه له بعد إسلامه، فالمسلم فيما هو متأول في حكمه باجتهاد وتقليد إذا ~~قبضه أولى أن تحل معاملته فيه، وأن يكون مباحا له إذا رجع بعد ذلك عن القول ~~الذي اعتقده أولا، وأن يحكم له به بعد القبض، كما لو حكم به حاكم. # وقد ذكرت هذه المسألة في غير هذا الموضع، وذكرت فيها روايتين أصحهما ذلك، ~~بناء على أن حكم الإيجاب والتحريم لا يثبت في حكم المكلف إلا بعد بلوغ ~~الخطاب، وأنه [لا] يجب عليه قضاء ما تركه من الواجبات بتأويل، ولا رد ما ~~قبضه من المحرمات بتأويل كالكفار بعد الإسلام وأولى، فإن المسلم في ذلك أعذر. # وتنفير الكفار عن الإسلام كتنفير أهل التأويل عن الرجوع إلى الحق والتوبة ~~من ذلك الخطأ. وهذا في الأنكحة والمعاوضات والمقاسمات. # وكذلك ما أتلفه أهل البغي على أهل العدل من النفوس والأموال، لا يجب ~~عليهم ضمانه في ظاهر المذهب الموافق لقول جمهور العلماء، وهو قول أبي ~~حنيفة والشافعي في أحد قوليه، كما أجمع عليه السلف من الصحابة والتابعين. ~~قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~متوافرون، فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر. ~~وذلك لأنهم متأولون، وإن كان ما فعلوه حراما في نفس الأمر. PageV05P386 ### || CHECK - ما قبضه المسلم بعقد متأولا فيه ملكه # وفي أهل الردة أيضا روايتان، أصحهما أنهم لا يضمنون كأهل الحرب، كما أشار ~~به عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أبي بكر رضي الله عنه، لما قال لأهل ~~الردة: تدوا قتلانا ولا ندي (1) قتلاكم، فقال عمر: لا، لأنهم قوم قتلوا في ~~سبيل الله واستشهدوا. دل على ذلك كتاب الله في عفوه عن الخطأ، وسنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في قصة أسامة بن زيد (2) وقصة عمار بن ياسر ~~(3) وعدي بن حاتم (4) وأبي ذر (5) وغير ذلك. # فما قبضه المسلم بعقد متأولا فيه ملكه، ولو تحاكم ms0964 اثنان في عقد اعتقدا ~~صحته بعد القبض فينبغي للحاكم أن يقرهما على ذلك التقابض. # ويجوز معاملة المسلم فيما قبضه بهذا الوجه، ولهذا أمر أحمد لمن يعامل ~~السلطان في وقته أن يكون بينه وبينه آخر، وكلما بعد كان أجود، لأن المباشر ~~لهم قد يستحل من المعاملة باجتهاد أو تقليد ما لا يستحله المستفتي، فإذا ~~قبضه المباشر بتأويله حل للمستفتي حينئذ. # ونظير هذا قول عمر في الخمر والخنزير: ولوهم بيعها وخذوا أثمانها، ولا ~~تبيعوها أنتم (6). فإن المسلم لا يحل له بيع الخمر PageV05P387 ### || CHECK - يجب على المأموم متابعة الإمام في الصلاة فيما يسوغ فيه الاجتهاد ### || CHECK - ما قبضه الإمام من الحقوق بتأويل وجبت طاعته فيه # والخنزير، ويحل له قبض ثمن ذلك ممن باعه بتأويله في دينه. # فالمسلم الذي قبض بتأويل أولى. فهذا مأخذ لقول أحمد. # وله مأخذ ثان: أن الظالم إذا باع المغصوب فالمشتري قبض عوض ماله، ~~والأموال التي بأيديهم مجهولة الملك، فالعوض فيها كالمعوض. فالمستفتي قبض ~~ممن قبض عوض [ماله]، ولم يقبض ممن قبض نفس مال الغير. ولهذه القاعدة فروع ~~في جواباتي في الفتاوى. # وما قبضه الإمام من الحقوق -الزكوات والخراج وغير ذلك- بتأويل من اجتهاد ~~أو تقليل وجبت طاعته فيه، كما يجب طاعة الحاكم في الحكم المتنازع فيه، فإذا ~~طلب أخذ القيمة أو أخذ ما فضل عن الفرائض ونحو ذلك أطيع في ذلك، وتبرأ ذمة ~~المسلم بما يدفعه من ذلك. # وهل يجزئه ذلك إذا كان يعتقد أنه لا يجزئه لو فعله؟ الصواب أنه يجزئه، ~~كما ذكر أصحابنا في الخلطة أنه لو أخذ القيمة أو الكبير عن الصغير فإنه ~~يرجع أحد الخليطين على الآخر بذلك، وإطلاقهم يقتضي أنه يجزئ. # ونظير هذا من مسائل العبادات البدنية الصلاة، فإن المأموم يجب عليه ~~متابعة الإمام فيما يسوغ فيه الاجتهاد وإن كان المأموم لا يراه، كما لو قنت ~~الإمام في الفجر، أو زاد في تكبير الجنازة إلى سبع. لكن لو أخل في الصلاة ~~بركن أو شرط في مذهب المأموم دون مذهبه فهذه فيها الخلاف. وهو يشبه إجزاء ms0965 ~~إخراج الزكاة من بعض الوجوه، لكن إن كان الإمام لا يطلب منه الزكاة وإنما ~~هو بذلها له، PageV05P388 ### || CHECK - يجزئ دفع الزكاة إلى الإمام الذي يجور في قسمها # فقبضها الإمام (1) باجتهاده، فهذا نظير صلاته خلفه؛ وإن كان الإمام يطلب ~~منه الزكاة بحيث يجب طاعته، فهذا نظير أن يصلي خلفه ما لا يمكنه فعله خلف ~~غيره، كالجمعة والعيدين ونحوهما. ولهذا إذا قلنا: لا تصح الصلاة خلف ~~الفاسق، فإنه يجب فعل هذه الصلوات خلفه، وفي الإعادة روايتان. فالأمر بفعل ~~الصلاة خلفه وبالإعادة يشبه الأمر بإيتاء الزكاة وبالإعادة. # ومع هذا فمذهب أهل السنة المأثور عن الصحابة أنه يجزئ دفع الزكاة إلى ~~الإمام الذي يجور في قسمها، فإجزاؤها مع أخذها بالاجتهاد أولى، وإن كان رب ~~المال لا يجزئه صرفها في غير المصارف، لكن المأثور عن الصحابة الأمر بدفع ~~الزكاة إليهم وبالصلاة خلفهم. # والمفسدة في الزكاة أشد، فإذا ساغ ذلك فهذا أسوغ. # والسلف لم يأمروا من صلى خلفهم بإعادة، ولا من دفع الزكاة إليهم بإعادة، ~~ولهذا قال أحمد في رسالته في "السنة" (2): إن من أعاد الجمعة فهو مبتدع. ~~لكن المسألتان واحدة، فالمتفق عليه حجة على المختلف فيه، وتخرج في صورة ~~الوفاق ما في صورة النزاع، فإن طائفة من السلف ذهبوا إلى أنه لا يدفع إليهم ~~الزكاة، كعبيد بن عمير وغيره، وكان عمر بن الخطاب هو أمير المؤمنين رضي ~~الله عنه، الذي انتشرت الرعية في زمنه، وكثرت الأموال، وعدل فيها صادقا ~~بارا راشدا تابعا للحق، فوضع الخراج على ما فتحه عنوة، PageV05P389 ### || CHECK - سيرة الخلفاء الراشدين في هذه الأموال وقسمها ### || CHECK - لولاة الأمور في هذه الأموال عادات واصطلاحات: بعضها مشروع، وبعضها مجتهد فيه، وبعضها محرم # كأرض السواد ونحوها، ووضع ديوان العطاء للمقاتلة وللذزية، وكان عثمان بن ~~حنيف على الخراج، وزيد بن ثابت -فيما أظن- على ديوان العطاء. وما زالت هذه ~~التسمية معروفة: "ديوان الخراج" وهو المستخرج من الأموال السلطانية؛ ~~و"ديوان العطاء" كديوان الجيش وديوان النفقات ونحو ذلك. # ولولاة الأمور من الملوك ودولهم في ذلك عادات واصطلاحات، بعضها مشروع، ~~وبعضها ms0966 مجتهد فيه، وبعضها محرم، كما للقضاة والعلماء والمشايخ، منهم من هو ~~من أهل العلم والعدل كأهل السنة، فيتبعون النص تارة والاجتهاد أخرى؛ ومنهم ~~أهل جهل وظلم كأهل البدع المشهورة من ذوي المقالات والعبادات، وذوي الجهل ~~والجور من القضاة والولاة. # وكانت سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في غاية الاستقامة والسداد، بحيث ~~لم يمكن الخوارج أن يطعنوا فيهما فضلا عن أهل السنة. وأما عثمان وعلي رضي ~~الله عنهما فهما من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وسيرتهما سيرة ~~العلم والعدل والهدى والرشاد والصدق والبر، لكن فيهما نوع مجتهد فيه، ~~والمجتهد فيما اجتهد فيه إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وخطؤه مغفور ~~له، فاجتهاد الخلفاء أعظم وأعظم. # وأما عثمان فحصل منه اجتهاد في بعض قسم المال والتخصيص به، وفي بعض ~~العقوبات هو فيها رضي الله عنه مجتهد، والعلماء منهم من يرى رأيه، ومنهم من ~~لا يراه. وعلي رضي الله عنه حصل PageV05P390 ### || CHECK - الكلام على هذه الأنواع الأربعة ### || CHECK - لهم في تفاصيل قبض الأموال وصرفها طرق متنوعة ### || CHECK - سيرة من بعد الخلفاء الراشدين فيها # منه اجتهاد في محاربة أهل القبلة، والعلماء منهم من يرى رأيه، ومنهم من ~~لا يراه. وبكل حال فإمامتهما ثابتة، ومنزلتهما من الأمة منزلتهما، لكن أهل ~~البدع الخوارج الذين خرجوا على عثمان وعلى علي جعلوا آراءهم وأهواءهم حاكمة ~~على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الراشدين، فاستحلوا بذلك الفتنة ~~وسفك الدماء وغير ذلك من المنكرات. # وأما من بعد الخلفاء الراشدين فلهم في تفاصيل قبض الأموال وصرفها طرق (1) ~~متنوعة: # منها ما هو حق منصوص موافق للكتاب والسنة والخلفاء الراشدين. # ومنها ما هو اجتهاد يسوغ بين العلماء، وقد يسقط الوجوب بأعذار، ويباح ~~المحظور بأسباب، وليس هذا موضع تفصيل ذلك. # ومنها ما هو اجتهاد، لكن صدوره لعدوان من المجتهد وتقصير منه، شاب الرأي ~~فيه الهوى، فاجتمعت فيه حسنة وسيئة. وهذا النوع كثير جدا. # ومنه ما هو معصية محضة لا شبهة فيه بترك واجب أو فعل محرم. # وهذه الأنواع الأربعة موجودة في عامة ms0967 تصرفاتهم من الحكم والقسم والعقوبات ~~وغير ذلك، إما أن يوافق سنة الخلفاء أو لا يوافق، والذي لا يوافق إما أن ~~يكون معذورا فيه كعذر العلماء المجتهدين PageV05P391 ### || CHECK - بداية الضعف بعد المئة الثالثة وآثاره في هذه الأموال ### || CHECK - حالة هذه الأموال في الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية # أو لا يكون كذلك، والذي لا يكون معذورا فيه عذرا شرعيا إما أن يكون فيه ~~شبهة واجتهاد مع التقصير والعدوان أو لا يكون فيه شبهة ولا تأويل. # ولم أعلم أن في الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية وظفوا على الناس ~~وظائف تؤخذ منهم غير الوظائف التي هي مشروعة في الأصل، وإن كان التغيير قد ~~وقع في أنواعها وصفاتها ومصارفها، نعم كان السواد مخارجة عليه الخراج ~~العمري، فلما كان في دولة المنصور -فيما أظن- نقله إلى المقاسمة، وجعل ~~المقاسمة تعدل المخارجة كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بخيبر. وهذا ~~من الاجتهادات السائغة. # وأما استئثار ولاة الأمور بالأموال والمحاباة بها فهذا قديم، بل قال - ~~صلى الله عليه وسلم - للأنصار: "إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني ~~على الحوض" (1). وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بحال الأمراء بعده ~~في غير حديث، وكان الخلفاء هم المطاعين في أمر الحرب والقتال وأمر الخراج ~~والأموال، ولهم عمال ونواب على الحروب، وعمال ونواب على الأموال، ويسمون ~~هذه ولاية الحرب وهذه ولاية الخراج. # ووزراؤهم الكبار ينوبون عنهم في الأمرين إلى أثناء الدولة العباسية بعد ~~المئة الثالثة، فإنه ضعف أمر خلافة بني العباس وأمر وزرائهم بأسباب جرت، ~~وضيعت بعض الأموال، وعصى عليهم قوم من النواب PageV05P392 ### || CHECK - ظهور دولة بني بويه والسلاجقة # بتفريط جرى في الرجال والأموال. فذكر ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة فيما ~~علمته من "التاريخ" (1) أنه في سنة أربع وعشرين وثلاث مئة فوض الراضي ~~الخليفة الإمارة ورئاسة الجيش وأعمال الخراج وتدبير سائر المملكة إلى مقدم ~~اسمه محمد بن رائق، وجعله أمير الأمراء، وأمر بأن يخطب له على سائر منابر ~~المملكة، ولم يكن قبل ذلك شيء من ذلك. # قال: وبطل قبل ms0968 ذلك أمر الوزارة، فلم يكن الوزير ينظر في شيء من النواحي ~~ولا الدواوين، ولا كان له اسم غير اسم الوزارة فقط، وأن يحضر في أيام ~~المواكب دار السلطان بسواد وسيف ومنطقة، ويقف ساكنا. وصار ابن رائق وكاتبه ~~ينظران فيما كان الوزراء ينظرون فيه، وكذلك كل من تقلد الإمارة بعد ابن ~~رائق، وصارت أموال النواحي تحمل إلى خزائن الأمراء، فيأمرون فيها وينفقون ~~منها، ويطلقون لنفقات السلطان ما يريدون، وبطلت بيوت الأموال. # ثم إنه بعد ذلك حدثت دولة بني بويه الأعاجم، وغلبوا على الخلافة، وازداد ~~الأمر عما كان عليه، وبقوا قريبا من مئة عام إلى بعد المئة الرابعة بنحو من ~~ثلاثين سنة أو نحوها حدثت دولة السلاجقة الأتراك، وغلبوا على الخلافة أيضا. # وكان أحيانا تقوى دولة بني العباس بحسن تدبير وزرائهم -كما جرى في وزارة ~~ابن هبيرة- بما يفعلونه من العدل واتباع الشريعة، PageV05P393 ### || CHECK - الوظائف السلطانية التي ليس لها أصل في السنة حرام عند المسلمين بالإجماع ### || CHECK - سيرة الملوك في وضع الوظائف # وينهضون به من الجهاد، وكان ملوك النواحي يعطونهم السكة والخطبة وطاعة ~~يسيرة تشبه قبول الشفاعة. فأما الولايات وإمارة الحروب وجباية الأموال ~~وإنفاقها فكانوا خارجين فيه عن أمر الخلفاء. # وكانت سيرة الملوك تختلف، فمنهم العدل المتبع للشريعة ذو القوة والأمانة، ~~المقيم للجهاد وللعدل، كنور الدين محمود بن زنكي بالشام والجزيرة ومصر؛ ~~ومنهم الملك المسلم المعظم لأمر الله ورسوله، كصلاح الدين؛ ومنهم غير ذلك ~~أقسام يطول شرحها. # وهكذا هم في وضع الوظائف، فمن الملوك والوزراء من يسرف فيها وضعا وجباية؛ ~~ومنهم من يستن بما فعل قبله، ويجري على العادة، فيجري هو والذي قبله على ~~القسم الرابع؛ ومنهم من يجتهد في ذلك اجتهادا ملكيا يشبه القسم الثالث؛ ~~ومنهم من يقصد اتباع الشريعة وإسقاط ما يخالفها، كما فعل نور الدين لما ~~أسقط الكلف السلطانية المخالفة للشريعة التي كانت توجد بالشام ومصر ~~والجزيرة، وكانت أموالا عظيمة جدا، وزاد الله البركات، وفتح البلاد وقمع ~~العدو بسبب عدله وإحسانه. # ثم هذه الوظائف السلطانية التي ليس لها أصل في ms0969 سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وسنة خلفائه الراشدين، ولا ذكرها أهل العلم المصنفون للشريعة ~~في كتب الفقه من الحديث والرأي، هي حرام عند المسلمين، حتى [ذكر ابن حزم] ~~(1) إجماع المسلمين على ذلك، فقال (2). ومع هذا PageV05P394 ### || CHECK - رأي الجويني في وضع الوظائف عند الحاجة إليها للجهاد # فبعض من وضع بعضها وضعه بتأويل واجتهاد علمي ديني، واتفق على ذلك الفتوى ~~والرأي من بعض علماء ذلك الوقت ووزرائه، فإنه [لما] قامت دولة السلاجقة ~~ونصروا الخلافة العباسية، وأعادوا الخليفة القائم إلى بغداد، بعد أن كان ~~أمراء مصر من أهل البدع أولئك الروافض قد قهروه وأخرجوه عن بغداد، وأظهروا ~~شعار البدع في بلاد الإسلام، وهي التي تسمى فتنة البساسيري في نصف المئة ~~الخامسة= حدثت أمور: # منها: بناء المدارس والخوانق ووقف الوقوف عليها، وهي المدارس النظاميات ~~بالعراق وغيره، والرباطات كرباط شيخ الشيوخ وغير ذلك. # ومنها: ذهاب الدولة الأموية من المغرب وانتقال الأمر إلى ملوك الطوائف. # وصنف أبو المعالي الجويني كتابا للنظام سماه "غياث الأمم في التياث ~~الظلم"، وذكر فيه (1) قاعدة في وضع الوظائف عند الحاجة إليها للجهاد، فإن ~~الجهاد بالنفوس والأموال واجب، بل هو من أعظم واجبات الدين، ولا يمكن حصول ~~الجهاد إلا بأموال تقام بها الجيوش، إذ أكثر الناس لو تركوا باختيارهم لما ~~جاهدوا لا بأنفسهم ولا بأموالهم، وإن ترك جمع الأموال وتحصيلها حتى يحدث ~~فتق عظيم من عدو أو خارجي كان تفريطا وتضييعا. فالرأي أن تجمع الأموال ~~ويرصد للحاجة. # وطريق ذلك أن توظف وظائف راتبة لا يحصل بها ضرر، ويحصل PageV05P395 # بها المصلحة المطلوبة من إقامة الجهاد. والوظائف الراتبة لابد أن تكون ~~على الأمور العادية، فتارة وظفوها على المعاوضات والأملاك، مثل أن يضعوا ~~على البائع والمشتري في الدواب والحبوب والثمار وسائر الأطعمة والثياب ~~مقدارا، إما على مقدار المبيع وإما على مقدار الثمن، ويضعوا على الجعالات ~~والإجارات، ويضعوا على العقار من جنس الخراج الشرعي، وكان ما وضعوه تارة ~~يشبه الزكاة المشروعة من كونه يوجد في العام على مقدار؛ وتارة يشبه الخراج ~~الشرعي؛ وتارة يشبه ms0970 ما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحرب. # ومنهم من يعتدي، فيضع على أثمان الخمور ومهور البغايا ونحو ذلك مما أصله ~~محرم بإجماع المسلمين، ومنهم من يضع على أجور المغاني من الرجال والنساء، ~~فإن الأثمان والأجور تارة تكون حلالا في نفسها، وإنما المحرم الظلم فيها، ~~كغالب الأثمان والأجور، وتارة تكون في نفسها حراما، كأثمان الخمور ومهور ~~البغايا. وكان بعد موت الملك العادل بالشام قد وضعه ابنه ذلك على دار الخمر ~~(1) والفواحش، فبقي غير ممنوع من جهة السلطان، لما له عليه من الوظيفة، ~~وكان ذلك سنة خمس عشرة [وست مئة]. # وفي ذلك الوقت ظهرت دولة المغل جنكسخان بأرض المشرق، واستولى على أرض ~~الإسلام، وظهرت النصارى بمصر في مملكة الأفرون، وظهرت بدع في العلماء ~~والعباد، كبحوث ابن الخطيب (2) PageV05P396 ### || CHECK - جمع هذه الأموال وصرفها من مسائل الفتن، مشتملة على الطاعات والمعاصي وأمور مجتهد فيها # وجست العميدي (1) وتصوف ابن العربي وخرقة اليونسية وبعض الأحمدية ~~والعدوية وغير ذلك. # وحقيقة الأمر في ذلك أن هذا من القسم الثالث أو الرابع، فإن هذا إذا صدر ~~باجتهاد فهو في الأصل مشوب بهوى ومقرون بتقصير أو عدوان، وإن التقصير أو ~~العدوان صادر أيضا من أكثر الرعية، فإن كثيرا منهم أو أكثرهم لو تركوا لما ~~أدوا الواجبات التي عليهم، من الزكوات الواجبة والنفقات الواجبة والجهاد ~~الواجب بالأنفس والأموال، كما أنه صادر من كثير من الولاة أو أكثرهم بما ~~يقبضونه من الأموال بغير حق، ويصرفونه في غير مصرفه، ويتركون أيضا ما يجب ~~من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # فجمع هذه الأموال وصرفها هي من مسائل الفتن، مثل الحروب الواقعة بين ~~الأمراء بآراء وأهواء، وهي مشتملة على طاعات ومعاصي وحسنات وسيئات، وأمور ~~مجتهد فيها تارة بهوى وتارة بغير هوى اجتهادا اعتقاديا أو عمليا، نظير ~~الطرائق والمذاهب من الاعتقادات والفتاوى والأحكام، وأنواع الزهادات ~~والعبادات والأخلاق، وما في ذلك من مسائل النزاع بين أهل العلم والدين في ~~الأصول والفروع والعبادات والأحوال، فإنها أيضا مشتملة على حسنات وسيئات، ~~طاعات ومعاصي، وأمور مجتهد فيها تارة بهوى وتارة ms0971 بغير هوى اجتهادا اعتقاديا ~~أو عمليا. PageV05P397 ### || CHECK - الكلام على حديث "الحلال بين والحرام بين ... " ### || CHECK - ما شهد الدليل الشرعي بوجوبه أو تحريمه أو إباحته عمل به # فالواجب أن ما شهد الدليل الشرعي بوجوبه أو تحريمه أو إباحته عمل به، ثم ~~يعامل الرجال والأموال بما توجبه الشريعة، فيعفى عما عفت عنه، وإن تضمن ترك ~~واجب أو فعل محرم، ويثنى على ما أثنت عليه، وإن كان فيه سيئات ومفاسد ~~مرجوحة. وهذه المشتبهات في الأقوال والأعمال والأموال داخلة في الحديث الذي ~~هو أحد مباني الإسلام، حديث النعمان بن بشير المشهور في الصحاح (1) عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك ~~أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن ترك الشبهات استبرأ لدينه ~~وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن ~~يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة ~~إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي ~~القلب". # فإنه ضمن هذا الحديث الأكل والشرب من الطيبات والعمل الصالح، كما أمر به ~~في قوله: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) (2)، إذ أمر به المرسلين ~~والمؤمنين، كما في حديث أبي هريرة المخرج في صحيح مسلم (3). وذكر فعل ~~المعروف وترك المنكر الذي هو صلاح القلب والجسد والحلال والحرام، كما قال: ~~(يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) ~~(4). PageV05P398 # وذكر أن الشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فدل ذلك على أن من الناس من ~~يعلمها، فمن تبينت له الشبهات لم يبق في حقه شبهة، ومن لم تتبين له فهي في ~~حقه شبهة، إذ التبين والاشتباه من الأمور النسبية، فقد يكون الشيء متبينا ~~لشخص مشتبها على الآخر. # وبين أن الحزم ترك الشبهات، والشبهات قد تكون في المأمور به، وقد تكون في ~~المنهي، فالحزم في ذلك الفعل وفي هذا الترك، فإذا شك في الأمر هل هو واجب ~~أو محرم فهنا هو المشكل ms0972 جدا، كما في الاعتقادات، فلا يحكم بوجوبه إلا بدليل ~~ولا بتحريمه إلا بدليل، فقد لا يكون لا واجبا ولا محرما وإن كان اعتقادا، ~~إذ ليس كل اعتقاد مطلق أوجبه الله على الخلق، بل الاعتقاد إما صواب وإما ~~خطأ، وليس كل خطأ حرمه الله، بل قد عفا الله عن أشياء لم يوجبها ولم ~~يحرمها. والله أعلم. # (تم بحمد الله تعالى وعونه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ~~في خامس عشر من شعبان المكرم سنة أربع عشرة وثمان مئة، بمدرسة أبي عمر قدس ~~الله تعالى روحه ونور ضريحه). PageV05P399 ### | CHECK (1) قاعدة في الإخلاص لله تعالى # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر ولا تعسر # قال [الشيخ الإمام] (1) العالم الزاهد العابد الورع أبو العباس أحمد ابن ~~الشيخ [الإمام العالم] عبد الحليم ابن الشيخ الإمام العالم أبي البركات ابن ~~تيمية رضي الله [عنه] وأرضاه: # الحمد لله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى كل أحد، صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما بلا عدد. # أما بعد، فهذه قاعدة في الإخلاص لله تعالى، وعبادته وحده لا شريك له، هي ~~حقيقة الدين، ومقصود الرسالة، وزبدة الكتاب، ولها خلق الخلق، وهي الغاية ~~التي إليها ينتهون، وبذكرها تحصل السعادة لأوليائه، وبتركها تكون الشقاوة ~~[لأعدائه]، وهي حقيقة لا إله إلا الله، وعليها اتفقت الرسل، ولها قامت ~~السموات والأرض. # وقد تكلمت على هذا الأصل بأنواع من القواعد المتقدمة، مثل: قاعدة ~~الشهادتين، وقاعدة المحبة والإرادة، وقاعدة الأعمال بالنيات. والمقصود هنا ~~أن كل عمل يعمله عامل فلا بد فيه من شيئين: من مراد بذلك العمل هو المطلوب ~~المقصود، ومن [حركة إلى] المراد وهي الوسيلة، فلا بد من الوسائل والمقاصد ~~... (2) المطلوبة بالوسائل، PageV06P005 ### || CHECK - سبب الحديث ### || CHECK - حديث "إنما الأعمال بالنيات" يشمل كل عمل من العبادات والعادات ### || CHECK - تشبيه النية والعمل بالروح والجسد # والإرادة في الباطن ... الظاهر، فتقوم بالجسم. فنسبة النية إلى العمل ~~الظاهر نسبة الروح إلى الجسد، ... أرواح أجسامها أجسام أرواحها ms0973 النيات، ولا ~~بد لكل جسم حي من روح، ولا بد لكل جسم حي من إرادة ونية. # ثم إن الروح إن كانت (1) طيبة كان الجسم طيبا، وإن كانت خبيثة كان الجسم ~~خبيثا، فكذلك العمل والنية، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الحديث المشهور: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت ~~هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا ~~يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " (2). # فهذا اللفظ عام (3) في كل عمل كائنا ما كان، هو بنيته، سواء كانت صورته ~~صورة العبادات، كالطهارة والصلاة والحج، أو صورة العادات، كالسفر والاكل ~~والشرب وغير ذلك. # وسبب الحديث كان مما صورته صورة العادات من وجه، [وصورة العبادات من وجه، ~~فالعادة] من جهة كونه سفرا، وهو السفر من مكة إلى المدينة، والدين (4) من ~~جهة كون السفر كان إلى دار الإسلام ومقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ومن معه من المؤمنين المجاهدين، وبهذا الاعتبار سمي هجرة، ثم إن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - جعله نوعين: أحدهما: ما كان PageV06P006 ### || CHECK - الرد على من أضمر ذلك ### || CHECK - وهو تام لا يحتاج إلى إضمار قبول الأعمال أو غير ذلك ### || CHECK - الحديث عام لا يجوز تخصيصه بالأعمال الشرعية # إلى الله ورسوله، والثاني: ما كان لغير ذلك، مثل السفر (1) للنكاح. # وقوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" يوجب أنه ليس للعامل من العمل إلا ما ~~نواه، وهو المقصود المراد بالعمل. وهذا الحديث عام لا يجوز تخصيصه بالأعمال ~~الشرعية كما جعله بعض الفقهاء، وهو كلام تام لا يحتاج إلى إضمار قبول ~~الأعمال أو غير ذلك، كما يضمره بعض الفقهاء، وإنما حملهم على ذلك توهمهم أن ~~النية المراد بها النية المقبولة، أو الصحيحة المأمور بها، فزادوا في لفظ ~~الحديث ما لم يذكر، ونقصوا من معناه ما أريد. والحديث من جوامع الكلم، ومن ~~أمهات الدين، والأصل في الكلام عدم الإضمار وعدم التخصيص. # ثم إن هذا (2) ممتنع، لأنه قال في تمام الحديث: "فمن كانت ms0974 هجرته إلى الله ~~ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ~~يتزوجها"، فقد جمع في العمل الذي هو الهجرة بين الثنتين: المقبولة ~~والمردودة، والمحمودة والمذمومة، والصحيحة والفاسدة، وقوله: "وإنما لكل ~~امرئ ما نوى" يعم من نوى المقصود المحمود، وهو من أراد الله ورسوله، ومن ~~نوى غير ذلك، وهو المرأة والمال، فكيف يجوز أن يقال مع ذلك: إنه أراد قبول ~~الأعمال وصحتها بالنيات، أو صحة الأعمال الدينية؟ # ثم ما أضمروه يرد عليه نوع من الفساد ليس هذا موضعه. PageV06P007 ### || CHECK - اعتقاد وجود اختياري بلا مراد محال ### || CHECK - لا بد للمخلوق في كل عمل من مطلوب ومراد ### || CHECK - الكلام هنا في فصلين: الواقع الموجود، والواجب المقصود # ثم الكلام هنا في فصلين: الواقع الموجود، والواجب المقصود. # أما الأول: فكل حي يتحرك بإرادته واختياره فلا بد أن يكون له في ذلك ~~العمل مطلوب ما، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن أصدق الأسماء ~~الحارث وهمام" (1)، فالحارث: الكاسب العامل، والهمام: صاحب الهم الذي يكون ~~له إرادة وقصد. وقد بينت فيما تقدم أن طلب المخلوق لا بد أن يتعلق بغيره، ~~فكما أنه لا يكون فاعل نفسه، لا يكون مطلوب نفسه، وبينت أن المخلوق كما لا ~~يكون فاعلا، لا يكون مطلوبا، فليس المطلوب الحقيقي إلا الله، ولو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا. # والغرض هنا أن المخلوق لا بد له في كل عمل من مطلوب ومراد، وحظ ونصيب، لا ~~يمكن غير ذلك، فاعتقاد وجود اختياري بلا مراد محال، سواء كان من الملائكة ~~أو النبيين أو الصديقين أو الشهداء أو الصالحين أو الجن أو الشياطين أو ~~الكفار والمنافقين، فما نسمعه من الكلمات المأثورة عن بعض المشايخ مما ~~ينافي هذا فأحد الأمرين PageV06P008 ### || CHECK - مناقشة هذا الكلام وبيان صوابه وخطئه ### || CHECK - قول بعضهم: ينبغي للمريد أن يكون بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل ### || CHECK - ما ينافي هذا عن بعض المشايخ لفظ مجمل أو صاحبه غالط # فيه لازم: إما أنه لفظ مجمل لم يفهم مراد ms0975 صاحبه، أو صاحبه غالط فيما أمر ~~به أو أخبر به. # مثال ذلك قول بعضهم: ينبغي للمريد أن يكون بين يدي الله كالميت بين يدي ~~الغاسل. # فهذا الكلام إذا أريد به في جانب الله أن يكون مفوضا إليه أموره فيما ~~يقدر عليه مما ليس فيه ترك واجب ولا مستحب، فهذا معنى صحيح، لكن دلالة ~~اللفظ عليه بعيدة، وظاهره يعطي أنه لا يكون له من نفسه حركة قط حتى تحرك ~~تحريكا جبريا، فهذا باطل ممتنع. ثم إن الممكن منه محرم في الدين على ~~الإطلاق، وذلك أن الميت لا تقوم به حركة ببدنه ولا إرادة تحرك بدنه، والحي ~~ليس كذلك، فإن جسده يتحرك حركة اختيارية (1)، وهذا أمر لا بد منه، فلا بد ~~من الحركة الاختيارية، ويمتنع أن يحرك حركة ينتفي حكم إرادته فيها، فالأمر ~~فيه عكس الميت من وجهين: الوجود والعدم، فإن الميت لا يتحرك بدنه في العادة ~~باختياره، وهو يحرك دائما بغير اختياره، وقول المطلق احتراز على المقيد ~~ونحوه ممن غسل، فذاك لا فعل له بحال، فهذا بطلانه وامتناعه. # وأما مخالفته للدين والشريعة، فإن الله لم يأمرنا بعدم الإرادة والحركة، ~~ولا مراده في دينه منا أن نكون مسلوبي (2) الاختيار والحركة PageV06P009 ### || CHECK - الحوادث التي تكون بغير أفعالنا ثلاثة أقسام ### || CHECK - المطلوب منا الاستسلام لله وإخلاص الدين له # والعمل، وإنما المراد منا أن نكون مطيعين له ولرسوله، وأن تكون حركتنا ~~واختيارنا تبعا لأمره الذي بعث به رسوله، فعلينا أن نختار ونعمل ما أوجب ~~علينا عمله واختياره، وهو يحب لنا ويرضى أن نختار ونعمل ما يستحب لنا في ~~دينه، ويعاقبنا على عدم الإرادة والعمل المستحب. # وهنا قد تغلط طائفة من المتصوفة فيقولون: ما المراد؟ (1) قد يستعملون ذلك ~~فيما فيه ترك مستحبات، وقد يتعدون إلى ما فيه ترك واجبات، فيقال: ليس ~~المراد منا الانقياد لكل حكم قاهر، ولا الاستسلام لكل ذي سلطان قادر، وإنما ~~المطلوب منا الاستسلام لله، وإخلاص الدين له، وطاعة أمره ونهيه: (ومن يطع ~~الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ms0976 والصديقين ~~والشهداء والصالحين) (2)، (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13)) (3). فإن الدين: الإيمان ~~والبر والتقوى وطاعة الله ورسوله والإحسان والعمل الصالح ونحو ذلك هو ~~المطلوب منا والمراد بنا في دين الله تعالى وكتابه، فأما الحوادث التي تكون ~~بغير أفعالنا فالأقسام فيها ثلاثة: # تارة نؤمر بدفعها بالباطن أو الظاهر، كما يؤمر بجهاد الأعداء عن الدين. PageV06P010 ### || CHECK - مما يغلط فيه قول أبي يزيد: أريد أن لا أريد، لأني أنا المراد وأنت المريد ### || CHECK - تارة نؤمر بدفعها، وتارة نؤمر بالصبر عليها، وتارة يخير بين الأمرين # وتارة نؤمر بالصبر عليها، وهو ما قضي من المصائب ولا فائدة في الجزع ~~عليه، كالمصائب في الأنفس والأموال والأعراض، والرضى بهذه أعظم من الصبر. ~~وهل هو واجب أو مستحب، على قولين أصحهما أنه مستحب. # وتارة نخير بين الأمرين بين دفعها وقبولها، وإن كان قد يترجح أحدهما، ~~كدفع الصائل عن المال، وكالتداوي أحيانا ونحو ذلك، وقد فصلنا مسائل هذا ~~الباب في غير هذا الموضع. # وكذلك الأمور التي ليست حاصلة عندنا، منها ما نؤمر بطلبه واستعانة الله ~~عليه، كأداء الواجبات، ومنها ما ننهى عن طلبه كالظلم، ومنها ما نخير بين ~~الأمرين، فكيف يقال مع هذا: إن العبد ينبغي له أن يكون كالميت بين يدي ~~الغاسل؟ هذا مع الله. # وأما كونه كذلك مع الشيخ ففيه تنزيل الشيخ منزلة الرسول، وهذا على إطلاقه ~~باطل، لكن فيه تفصيل ليس هذا موضعه. # ومما يغلط فيه ما يذكر عن الشيخ أبي يزيد رضي الله عنه أنه قال في بعض ~~مناجاته لما قيل له: ماذا تريد؟ فقال: أريد ألا أريد، لأني أنا المراد وأنت ~~المريد. ويتحذلق بعضهم على أبي يزيد (1)، فيقول: فقد أراد بقوله "أريد". ~~وهذا الاعترض خطأ لوجهين: # أحدهما: أنه من قيل له: ماذا تريد لم يطلب منه عدم الإرادة، وإنما PageV06P011 ### || CHECK - قد يقال هذا في مقام الفناء والاصطلام ### || CHECK - معنى هذا الكلام # طلب منه تعيين المراد. # الثاني: أن انتفاء الإرادة ممتنع، وهو محزم، بل عليه أن ms0977 يريد ما أراده ~~منه، ولا بد له من ذلك. # وأما قوله: "أريد أن لا أريد، لأني أنا المراد وأنت المريد"، فلا ينبغي ~~أن يفهم من قوله: "أن لا أريد" أن لا تكون لي إرادة، فإن هذا باطل محرم، ~~وإنما أراد أن لا يكون ابتداء الإرادة مني، بل إرادتي تابعة لك لأنك أنت ~~مرادي، فأريد أن لا أريد إلا إياك. وهذا حقيقة الحنيفية والإخلاص، فإذا كنت ~~لا أريد إلا إياك لم أحب (1) ولا أفعل إلا ما أمرتني به، فكان حقيقة قوله: ~~أريد أن لا أعبد إلا إياك، ولا أريد شيئا قط إلا وجهك الكريم، وهذا عين ما ~~أوجبه الله لكل عبد، وهي الإرادة الدينية الشرعية. # وأيضا فقد يقول: أريد ألا تكون لي إرادة إلا ما أمرتني أن أريده، وأردته ~~لي إرادة محبة ورضى، لجهلي وعجزي. وأريد أن أكون عبدا محضا، فلا أريد إلا ~~ما تريده أنت، بحيث يكون المراد (2) المختار أمرا دينيا وقضاء كونيا لا ~~يخالف الأمر الديني. فهذا الكلام يكون إخلاصا وتفويضا، وكلاهما إسلام وجهه لله. # وأيضا فإنه قد يقول هذا في مقام الفناء والاصطلام، إذا غلب على قلبه، حتى ~~غاب به عن شهود نفسه وإرادته، فهو يحب هذا الفناء، لأنه PageV06P012 ### || CHECK - شعر لبعضهم في هذا الموضوع ### || CHECK - مما يغلط فيه قول طوائف: إن من طلب شيئا بعبادته لله كان له حظ، وإنما الإخلاص أن لا تطلب بعملك شيئا # متى رجع إلى نفسه أرادت بهواها، فهو يريد أن يفنى عن نفسه حتى يكون الحق ~~هو الذي يريد له وبه. # ثم إنه مع الفناء في نوع من الإرادة لله التي هي أعظم الإرادات، لكنه ~~غائب كغيبته عن نفسه مع وجودها. وهذا كله حسن، وإن كان البقاء أفضل ما لم ~~يفض (1) الأمر إلى ترك مأمور به جريا مع الكوني. # ومما (2) يغلط فيه بعضهم قول طوائف منهم: إن من طلب شيئا بعبادته لله كان ~~له حظ، وكان يسعى لحظه، وإنما الإخلاص أن لا تطلب بعملك شيئا، ولا يكون لك ~~حظ ولا مراد. ثم ms0978 يقولون: لا يريد إلا الله، ولا يطلب إلا وجهه، هذا في ~~الدنيا، وفي الآخرة لا يطلب إلا رؤيته. # وبعضهم قد يقول: إذا طلبت رؤيته كنت في حظك، بل لا يكون لك مطلوب. وينشد ~~قول بعضهم (3): # أحبك حبين: حب الهوى وحب لأنك أهل (4) لذاكا # فأما الذي هو حب الهوى فكشفك للحجب حتى أراكا # وأما الذي أنت أهل (5) له فحبي خصصت به عن سواكا PageV06P013 ### || CHECK - بيان ما في هذا الكلام من حق وغلط # فما الفضل في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الفضل في ذا وذاكا # وهذا الكلام فيه حق، ويقع فيه غلط، فأما [الحق] (1) فهو ما اشتمل عليه من ~~الإخلاص لله وإرادة وجهه دون ما سواه، وطلب النظر إلى وجهه، والشوق إلى ~~لقائه، كما في الحديث المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجهين، ~~أحدهما من حديث عمار بن ياسر، و [الثاني] من حديث زيد بن ثابت، فيه: "أسالك ~~النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة" (2). # وأما الغلط فتوهم المتوهم أن إرادة وجه الله والنظر إليه ليس فيها حظ ~~للعبد ولا غرض، وأن طالبها قد ترك مقاصده ومطالبه، وأنه عامل لغيره لا ~~لنفسه، حتى قد يخيل أن عمله لله بمنزلة كسب العبد لسيده وخدمة الجند ~~لملكهم. وهذا غلط، بل إرادة وجه الله أعلى حظوظ العبد، وأكبر مطالبه وأعظم ~~مقاصده، والنظر إلى وجهه أعظم لذاته، ففي الحديث الصحيح عن أهل الجنة قال: ~~"فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ~~وهي الزيادة"، رواه مسلم (3) عن صهيب. PageV06P014 ### || CHECK - العبد له حظان: حظ من المخلوق، وحظ من الخالق # وإنما العبد له حظان: حظ من المخلوق (1)، وحظ من الخالق، وله لذتان: لذة ~~تتعلق بالمخلوق، ولذة تتعلق بالخالق. فترك أدنى الحظين واللذتين لينال ~~أعلاهما، وما عمل إلا لنفسه ولا حطب إلا في حبله، قال تعالى: (وما يلقاها ~~إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) (2). وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أسألك لذة النظر" ms0979 كما تقدم. # وقال الله تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها) (3)، وقال: (إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) (4)، وقال: (لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت) (5) وقال: (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ~~(40)) (6). والله سبحانه أمره بما يحتاج إليه في سعادته، وأحب له أعلى ~~السعادات وأعظم اللذات، وإن كان لمحبة الرب عبده ولعمله الصالح تعلق بالله ~~ليس هذا موضعه، فالعبد إذا لم يتصرف إلا بأمر الله ورسوله فهو بمنزلة من لا ~~يتصرف إلا بأمر مالكه العالم بحاله، والناصح له، لا بأمر المالك الذي ينتفع ~~به في حياته، قال الله تعالى (7): "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ~~ولن PageV06P015 ### || CHECK - الكلام على قوله تعالى: (يمنون عليك أن أسلموا ...)، وبيان ما فيه من المعاني. # تبلغوا نفعي فتنفعوني" (1)، وقد كتبت فيما تقدم العمل لله والعمل للمالك، ~~وبهذا تزول جهالات كثيرة من بعض العابدين المحبين. # قال تعالى: (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (17)) (2)، فأخبر أنه هو الذي من ~~بهدايتهم للإيمان، إلا أنهم يمنون على رسوله إسلامهم، فتدبر هذا، فإن فيه ~~معاني (3) لطيفة، منها: أنه إنما من بهدايتهم للإيمان التي هي دعوتهم إليه ~~بالرسالة، وإنعامه عليهم بالاهتداء، لم يكن مجرد الدعوة إليه ولا مجرد ~~الإسلام الظاهر، ولأنه يشركهم في الأول الكافر، وفي الثاني المنافق، ولهذا ~~قال: إن كنتم صادقين في قولكم آمنا. # ومنها: أن (4) منهم على رسوله الإسلام الظاهر الذي قد ينتفع به الرسول في ~~نصره وموافقته وغير ذلك، فكان ذلك تنبيها على إنكاره منهم على الله الغني ~~الحميد، الذي لا يبلغون ضره فيضروه، ولا نفعه فينفعوه، فالله هو الذي أنعم ~~على عبده المؤمن بأمره وتعبيده له، وهو الذي من عليه بهدايته وإرشاده، فله ~~الحمد في كونه هو المعبود، وفي كونه هو المستعان، وهو الأول والاخر، وهو ~~بكل شيء عليم، والعبد إنما عمل في مطلوبه مراده الذي هو معبوده وإلهه، وإذا ~~أحبه (5) ربه، PageV06P016 ### || CHECK - شرح الشعر ms0980 السابق: "أحبك حبين ... "، وبيان معناه # وأحب عبادته ودينه (1) ورضي ذلك، فما للعبد من ذلك فهو نعمة من الله ~~عليه، وما للرب في ذلك فهو منه وإليه، وهو الغني عن خلقه. # والعباد أعجز من أن يبلغوا ضره فيضروه، أو يبلغوا نفعه فينفعوه من وجهين: # من جهة الأسماء والصفات، وهو أنه سبحانه أحد صمد قيوم لا تأخذه سنة ولا ~~نوم، ويمتنع عليه أضداد أسمائه الحسنى التي وجبت له بنفسه. # ومن جهة القضاء والقدر، وهو أنه لا يكون في ملكه إلا ما يشاؤه ويريده، ~~ولا حول ولا قوة إلا به، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا ~~قوة إلا به. # وأما قول العابدة المحبة القائلة: # أحبك حبين: حب الهوى وحب لأنك أهل لذاكا # فأما الذي هو حب الهوى فكشفك للحجب حتى أراكا # وأما الذي أنت أهل له فشيء (2) خصصت به عن سواكا # فلكلامها وجهان: # أحدهما: أن تريد بالحب الأول من جهة إنعامه على عباده، وهو الحب المأمور ~~به. وبالثاني محبته لذاته. والأولى متفق عليها، والثانية PageV06P017 # حق عند أهل السنة والجماعة، وفيهم أهل العلم والمعرفة واليقين، فإنهم ~~متفقون على محبته لذاته، وقد قررت هذه المسألة في غير هذا الموضع. # الوجه الثاني: أن تريد بالحب الأول: الحب الذوقي الذي لا يتقيد بالأمر ~~المحض، فإن من عرف الله ولو بعقله ونظره أحبه وعظمه، حتى المشركون فيهم ~~محبة الله، كما قال تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله) (1) أي كحبهم الله، لا كحب المؤمنين لله، فإن الذين آمنوا أشد ~~حبا لله، ثم إن المحبين (2) من الأنبياء عليهم السلام، وأهل العلم والايمان ~~كثيرا ما يستعملهم الحب في أشياء ويدعوهم إلى أشياء من طلب، وسؤال عبادة، ~~واجلال، ونعوت، لابتغاء الوسيلة، وطلب نيل الفضيلة، وإن لم تكن تلك الأشياء ~~قد أمروا بها، لكن إذا لم يكونوا نهوا عنها، بل وغير الحب من الأحوال ~~المحمودة قد يفعل مثل ذلك، من الرحمة للخلق، والرجاء لرحمة الله، والخوف من ~~عذابه، فإن الأفعال ثلاثة: ms0981 مأمور به، ومنهي عنه، وما ليس مأمورا به ولا ~~منهيا عنه. # فكثير من المحبين يفعل ما يراه محصلا لمقصوده من محبوبه إذا لم يكن منهيا ~~عنه، حتى إن منهم من ينهى أويمنع كما منع موسى عليه السلام عن النظر لما ~~ساله، وانما دعاه إليه قلق الشوق والمحبة، كما أن نوحا لما سال في ابنه قيل ~~له: (فلا تسألن ما ليس لك به علم) (3)، PageV06P018 # (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا) (1). وأما نبينا - ~~صلى الله عليه وسلم - فلا يفعل إلا ما أمر به (2) من دعاء وعبادة، فإن ~~نبينا - صلى الله عليه وسلم - العبد المحض الذي لا يفعل إلا ما أمره به ~~ربه، فلهذا أمره بالدعاء فقيل له: (وقل رب زدني علما (114)) (3)، وقيل له: ~~(واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) (4)، وإذا كان يوم القيامة ورد ~~الأنبياء إليه الشفاعة العظمى، وجاءته الأمم، يجيء إلى (5) ربه، ويخر ~~ساجدا، ويحمد ربه بمحامد يفتحها عليه، فيقول له: "أي محمد! ارفع رأسك، وقل ~~يسمع، واشفع تشفع" (6)، فلا يشفع إلا بعد أن يؤمر بالشفاعة، فلا يقال له: ~~أعرض عن هذا، ولا يقال له: لاتسألني ما ليس لك به علم. # وقد أوجب الله على أهل المحبة متابعته بقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) (7)، فهؤلاء المتبعون لأمره، ~~المستمسكون بسنته في الباطن والظاهر، هم خالص أمته، وأما من كان من أهل ~~المحبة أو الخوف أو الرجاء أو الإخلاص، استعمله PageV06P019 # حاله في أعمال لم يؤمر بها، ولم تسمح له، مثل كلام المكاء والتصدية التي ~~تحرك حبه أو حزنه أو خوفه أو رحمته أو رجاءه، ومثل الشدة في عقوبة (1) ~~الفساق حتى يدعو عليهم، أو يعاقبهم بقوة عظيمة لله، من غير أمر منه بذلك، ~~ومثل فرط الرحمة لهم حتى يشفع فيمن يحب الله، ويرضى عقوبته والانتقام له، ~~أو تركه، بترك عقوبته، ولهذا يقول الله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ~~ألا تعدلوا اعدلوا) (2)، (ولا يجرمنكم ms0982 شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام ~~أن تعتدوا) (3)، وقال تعالى: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر) (4)، ومنهم من يحمله حب أقاربه حتى يدعو لهم ~~بدعوة لم يؤمر بها، وغير ذلك. # وهذا كثير في أرباب الأحوال المتأخرين من هذه الأمة، وهم في هذه الأمور ~~خارجون عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنة خلفائه الراشدين، ~~بمنزلة خروج من خرج من ولاة الأمور في السياسات الظاهرة عن طريقة الخلفاء ~~إلى نوع من الملك في العقوبات وفي الولايات وفي الأعطية، فإن تصرف هذا وهذا ~~ببغضه للحرمات من جنس واحد، لكن هذا بباطنه وهذا بظاهره، وكذلك عطاء هذا ~~وهذا برحمته للعباد من جنس واحد، ثم كل منهما قد يكون مقصوده الرئاسة إما ~~الباطنة وإما PageV06P020 ### || CHECK - عبادات المبتدعة ### || CHECK - ليس كل عمل يصلح لأن يعبد به الله، وليس كل ما كان حسنا يراد به وجه الله ### || CHECK - المقصود المطلوب لذاته هو المعبود، والوسيلة هي الأعمال الصالحة ### || CHECK - الفصل الثاني: في الواجب من المقاصد والوسائل # الظاهرة، وقد يكون مقصوده الديانة، وإنما تصرف بحاله لا بالأمر. # وهذا باب عظيم ننبه عليه في مواضع، وإنما أشرنا إليه هنا لما ذكرنا محبة ~~الهوى التي لم تتقيد بالعلم والأمر، وإن كانت محبة الله إذا لم تكن منهيا ~~عنها، ولهذا قالت: # فكشفك للحجب حتى أراكا # أي هذا الحب يستدعي طلب الرؤية كما طلبها من طلبها في الدنيا. # وأما المحبة الثانية فهي العبودية المحضة للذي يحبه لذاته، فلا يفعل إلا ~~ما أمر به، ولا يطلب إلا ما أمر به، ولا يستحق شيء أن يحب لذاته إلا الله، ~~فإنه لا إله إلا الله، والإله هو الذي يعبد لذاته، فلذلك قالت: لأنك أهل ~~لذاكا، وقالت: فشيء خصصت به عن سواكا. # الفصل الثاني: في الواجب من المقاصد والوسائل. # أما المقصود المطلوب لذاته، وهو المعبود، فلا يجوز أن يعبد إلا الله لا ~~إله إلا هو، وهذا أصل الدين وأساسه ودعامته، وأوله وآخره، وباطنه وظاهره. ~~والوسيلة هي الأعمال ms0983 الصالحة الحسنة، إذ ليس كل عمل يصلح لأن يعبد به الله، ~~ويراد به وجهه، وليس كل ما كان في نفسه حسنا وصلاحا يراد به وجه الله وليس ~~بصالح، مثل عبادات المبتدعة المخلصين، كرهبانية النصارى التي قال الله ~~فيها: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله) (1)، ~~ومثل ما في هذه الأمة من أنواع المقالات والعبادات التي فعلها صاحبها لله، ~~لكن بغير PageV06P021 ### || CHECK - عبادات اليهود والنصارى # إذن من الله، مثل بدع الخوارج، واستحلالهم (1) ما استحلوه من مفارقة ~~السنة والجماعة، حتى قال شاعرهم (2) في قاتل علي بن أبي طالب- وهو أشقى ~~الآخرين عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي-: # ياضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا # إني لأذكره حينا فأحسبه أو فى البرية عند الله ميزانا # وكذلك ما عليه كثير من القدرية والمرجئة والجهمية والرافضة، وغيرهم من ~~أهل البدع الاعتقادية إذا كانوا فيها مخلصين مريدين التقرب بها إلى الله. # وكذلك ما عليه كثير من المبتدعة في العبادات والأحوال، من الصوفية ~~والعباد والفقهاء والأمراء والأجناد والولاة والعمال، فكثير من هؤلاء قد ~~يزين له سوء عمله فيراه حسنا، ويتقرب إلى الله بشيء يظنه حسنا، وهو شيء ~~مكروه، وهذا باب واسع. # ومن هذا الباب عبادات اليهود والنصارى التي يتقربون بها إلى الله ويخلصون ~~فيها، قال الله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) (3)، وسئل عنهم سعد ~~بن أبي وقاص فقال: "هم أهل الصوامع والديارات" (4). وسئل عنهم أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالى: "هم أهل PageV06P022 ### || CHECK - ما يكون صالحا ولا يريد به فاعله وجه الله # حروراء" (1) # ولا منافاة بين القولين، فإن مثل هذا الكلام قد لا يكون للتحديد، وإنما ~~يكون للتمثيل، كمن سئل عن الخبز فأخذ رغيفا وقال: هو هذا. ففسروا الضالين ~~من عباد الكفار وعباد أهل البدع، وقد أخبر الله أنهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا، وأخبر أنهم يرون أعمالهم السيئة حسنة، فهم مع رأي وحسبان غير مطابق ms0984 ~~للحقيقة. # القسم الثالث: ما يكون صالحا، ولا يريد به فاعله وجه الله، وهذا أيضا ~~كثير، مثل ما يعمله العاملون من الأعمال الظاهرة المشروعة من إقراء العلم ~~والقرآن، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وجهاد في سبيل الله، وعدل بين الناس، ~~وإحسان إليهم من صدقة ومعروف وإصلاح بين الناس، ولهذا قال تعالى: (لا خير ~~في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ~~ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114)) (2)، وقال عن ~~المتصدقين: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9)) (3) ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو ~~في سبيل الله" (4). # وقد ثبت في صحيح مسلم (5) حديث أبي هريرة في متعلم العلم PageV06P023 ### || CHECK - المحمود من الأقسام الأربعة ### || CHECK - الذي لا يكون عمله خالصا لله، وهذا شر الأقسام # والمقتول في الجهاد وفي المتصدق إذا لم يكونوا مخلصين، وأنهم أول ثلاثة ~~تسجر بهم النار. # - القسم الرابع: الذي لا يكون عمله خالصا لله، وهو شر الأقسام، مثل جهاد ~~المشركين للمسلمين ينصرون بذلك آلهتهم، فلم يعبدوا به ولا أحسنوا، حيث ~~أهلكوا أهل الإيمان. # وكذلك كل ما كان من هذا الجنس من الأعمال التي يفعلها الكفار لغير الله ~~وليست خيرا في نفسها، من نصر (1) أهل الكفر، وكذب على الله، وتكذيب برسله، ~~واعتقاد للباطل. # وكذلك اتباع قوم مسيلمة لمسيلمة، وقتالهم معه، وكذلك أهل البدع والضلال ~~التي يقصدون بها نصر أهوائهم. وكذلك الفجور والمعاصي التي تفعلها النفوس ~~لأجل العلو في الأرض والفساد، وهذا الضرب كثير جدا. # وإذا كانت الأقسام الأربعة، فالقسم الأول هو المحمود، وأهله هم السعداء ~~من جميع بني ادم من الأولين والاخرين، وبذلك جاء الكتاب والسنة والإجماع، ~~قال الله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك ~~أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم وجهه لله وهو ~~محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112)) (2)، فإن أهل ~~الكتاب تمنوا هذه ms0985 الأمنية PageV06P024 # التي قالوا بألسنتهم، وقدروها بقولهم، وجمعوا فيها بين النفي- وهو دخول ~~الجنة- عن غير اليهود والنصارى، وبين الإثبات لمن كان هودا أو نصارى، وهذا ~~من باب اللف والنشر. أي وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا. ~~وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا، (قل هاتوا برهانكم إن ~~كنتم صادقين (111)) فطالبهم بالبرهان على هذه القضية والدعوى الجامعة بين ~~النفي والإثبات. # وكان في ذلك ما دل على أن النافي عليه الدليل، كما أن المثبت عليه ~~الدليل، كما طالب المثبت في قوله: (أئله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم ~~صادقين) (1)، ومعلوم أن ليس مع اليهود والنصارى لا برهان شرعي ولا عقلي يدل ~~على ذلك، فإن الرسل لم تخبرهم بهذا النفي، ولا هو مدرك بالعقل، ولهذا قال ~~الله تعالى: (تلك أمانيهم)، ثم قال تعالى: (بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن ~~فلة اجرة عند ربه). وهذا حصول الخير والثواب والنعيم واللذة، ثم قال: (ولا ~~خوف عليهم) والخوف إنما يتعلق بالمستقبل، (ولا هم يحزنون) والحزن يتعلق ~~بالحاضر والماضي، فلا هم يخافون ما أمامهم، ولا هم يحزنون على ما هم فيه ~~وما وراءهم، ثم إنه قال في الخوف: (ولا خوف عليهم) ولم يقل: يخافون، فإنهم ~~في الدنيا يخافون مع أنه لا خوف عليهم، وقال: (ولاهم يحزنون) فلا يحزنون ~~بحال، لأن الحزن إنما يتعلق بالماضي، وهم (2) فأنواع الألم منتفية بانتفاء ~~الخوف PageV06P025 ### || CHECK - الدين هو الخضوع والانقياد والعمل، ولا بد له من شيئين: معبود ووسيلة إلى المعبود ### || CHECK - معنى إسلام الوجه لله عند المفسرين # والحزن، فإن المتألم لا يخلو من حزن، فإذا انتفى الحزن انتفى كل ألم. # وقال في عملهم: (بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن)، فإسلام وجهه كما قاله ~~أئمة التفسير: هو إخلاص دينه وعمله لله، وقيل: تفويض أمره إلى الله (1). ~~وهو (2) يعم القسمين، كما سنبينه إن شاء الله، فإن إسلام وجهه يقتضي أنه ~~أسلم نيته وعمله ودينه لله، أي جعله لله خالصا سالما، والإحسان هو فعل ~~الحسنات، فاجتمع له أن عمله ms0986 خالص، وأنه صالح، كما قال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: "اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد ~~فيه شيئا" (3). # وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) (4)، قال: ~~أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان ~~خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى ~~يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. # وبهذا البيان يعرف بالعقل أن هذا الدين الحق هو أفضل الأديان، لأن الدين ~~هو الخضوع والانقياد والعمل، فلا بد له من شيئين، من PageV06P026 # مقصود هو المعبود، ووسيلة هي الحركة، فأي معبود يسامي الله؟ وأي قصد ~~للمعبود خير من أن يكون القاصد ذليلا له مخلصا له، لا متكبرا ولا مشركا به؟ ~~وأي حركة خير من فعل الحسنات؟ فبهذا تبين أن من أسلم وجهه لله وهو محسن، ~~فإنه مستحق للثواب، كما تبين أنه لا أحسن منه. # وبيان ذلك أن الوجه إما أن يكون هو القصد والنية كما قال: # أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل (1) # والوجه مثل الجهة، مثل الوعد والعدة، والوزن والزنة، والوصل والصلة، وقد ~~قررت هذا في غير هذا الموضع، وهذا مقتضى كلام أئمة التفسير، وهو مقتضى ظاهر ~~الخطاب لمن كان يفقه بالعربية المحضة من غير حاجة إلى إضمار ولا تكلف، ومثل ~~هذه الاية قوله تعالى: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا ~~يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصالحات ~~من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (124) ومن ~~أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا (125)) (2). # روى الإمام أحمد في مسنده (3) عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: PageV06P027 ### || CHECK - لفظ "أسلم" يتضمن شيئين: الإخلاص والاتباع # "إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، وإنما بعثت بالحنيفية ms0987 السمحة". # فبين الله أنه لا دين أحسن من دين من أسلم وجهه لله، وهو محسن غير مسيء، ~~واتبع ملة إبراهيم حنيفا. # وقال: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) (1)، فدل بذلك على متابعة إبراهيم في ~~محبته لله، ومحبة الله له، ولفظ "أسلم" يتضمن شيئين: أحدهما الإخلاص، ~~والثاني الاتباع (2) والإذلال. كما أن "أسلم" إذا استعمل لازما مثل: (ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) (3)، وقوله: (أسلمت لرب ~~العالمين (131)) (4)، يتضمن الخضوع لله والإخلاص له. # وضد ذلك إما الكبر وإما الشرك، وهما أعظم الذنوب، ولهذا كان الدين عند ~~الله الإسلام، فإن دين الله أن نعبده وحده لا شريك له، وهذا حقيقة قول لا ~~إله إلا الله، وبه بعثت الرسل جميعها، ومن عبادته وحده أن لا نشرك به، ولا ~~نتكبر عن أمره، فلا بد من الإيمان بجميع كتبه، PageV06P028 ### || CHECK - الإسلام الذي في القلب لا يتم إلا بعمل الجوارح # وجميع رسله، وإلا لم يكن العبد مسلما له، ولا مسلما وجهه لى، إذا امتنع ~~عن الإيمان بشيء من كتبه ورسله، وهذا هو الإسلام العام الذي دخل فيه جميع ~~الأنبياء والمرسلين، وأممهم المتبعين غير المبدلين. # ثم إن الإسلام في كل ملة قد يكون بنوع من الشرع والمناهج والوجه ~~والمناسك، فلما بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - وختم به الرسل كان ~~الإسلام لله لا يتم إلا بالدخول فيما جاء به من الشرع والمناهج والمناسك، ~~وهو الإسلام الخالص، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "بني الإسلام على ~~خمس " الحديث (1). # فإن الإسلام الذي في القلب لا يتم إلا بعمل الجوارح، فكن مباني له ينبني ~~عليها، فالمباني الظاهرة تحمل الإسلام الذي في القلب كما يحمل الجسد الروح، ~~وكما تحمل العمد السقف، والقبة الأركان، فالإسلام الذي هو دين الله بني ~~بمبعث محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذه الأركان، وإن كان بني ~~بمبعث غيره على أركان أخرى، إذ الإسلام الخاص المستلزم للإسلام العام الذي ~~بعث به محمد - صلى الله عليه وسلم - بني على هذه الخمسة. وقد تنازع أصحابنا ~~هل يسمى ms0988 ما سوى ديننا هذا إسلاما، والنزاع لفظي. # كما أخبر عن حقيقة الإسلام بقوله: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل ~~بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (135) قولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي PageV06P029 # موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له ~~مسلمون (136) فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في ~~شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) صبغة الله ومن أحسن من الله ~~صبغة ونحن له عابدون) (1)، فأمرهم بعد أمره لهم باتباع ملة إبراهيم أن ~~يقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا، إلى آخر الآية، ففي ذلك الإيمان بما ~~أنزله الله، وما اوتيه النبيون من ربهم، والإيمان بجماعتهم من غير تفريق ~~بينهم، وهو الإيمان ببعض والكفر ببعض، كما قال عن الكفار حيث قالوا: (نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا) (2)، وكان نصيب خالصة ~~الأمة من ذلك أن تؤمن بجميع نصوص الكتاب والسنة، لا تفرق بين النصوص فتتبع ~~بعضها وتترك بعضها، فبذلك يصيرون من أهل السنة، دون الذين تركوا السنن ~~والآثار أو بعضها، أو تمسكوا ببعض آي القرآن دون بعض، من أصناف المبتدعة. # وكذلك لا يفرقون بين أولي الأمر من الأمة من علمائها وأمرائها، بل يعطون ~~كل ذي حق حقه، ويقبلون منه ما أمر الله بقبوله منه، ويتركونه حيث تركه ~~الله، فيكونون أهل جماعة لا أهل فرقة، وهذا فيه جمع عظيم يحتاج إلى تفصيل، ~~وذلك أن الله أمرنا بطاعة أولي الأمر منا، وأمرنا أن نعتصم بحبل الله جميعا ~~ولا نتفرق، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم ~~البينات، وبرأ نبيه من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا. PageV06P030 ### || CHECK - بيان حقيقة هذا الإيمان من وجهين ### || CHECK - الكلام على قوله تعالى: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا) # فصل # وقوله: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا) (1) هذه القراءة العامة ~~التي في المصحف الإمام، وقد كان ms0989 ابن عباس يقرأ: "بما آمنتم به "، ويقول: إن ~~الله لا مثل له (2). # وتلك قراءة صحيحة المعنى، لكن قراءة العامة أحسن وأجمع، فإنه لو قيل: بما ~~آمنتم به، وقيل: إنه أريد به الله، لقالوا: قد آمنا بالله، فإنهم لا يكفرون ~~بأصل وجود الخالق، وإنما يكفرون ببعض كتبه ورسله وأسمائه وصفاته ودينه، ~~ولذلك استحقوا اسم الكفر. # وأيضا فلو آمنوا بما آمنا به من غير أن يؤمنوا بمثل ما آمنا به، لم ~~يكونوا مهتدين وإن آمنوا بجميع الأشياء، وذلك أنه سبحانه قال في المائدة ~~لما أباح نساء أهل الكتاب وطعامهم، قال: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) ~~(3)، والإيمان هو: الإيمان الذي هو الدين، الذي هو الإقرار بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله، فإن الإيمان الذي يجب على العباد اتباعه يجب الإيمان به، فمن ~~كفر بما يفعله المؤمنون من الإيمان، فقد كفر بالله. وهذا الإيمان الذي في ~~القلوب هو مثل مطابق للحقيقة الخارجة، وما في القلوب [من]، (4) الإيمان ~~متماثل أيضا، فنحن آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم، وما ~~أوتي النبيون من ربهم، PageV06P031 # فإذا آمنوا هم بمثل ما آمنا به- وهو ما في القلوب- فقد اهتدوا، كما أنهم ~~لو كفروا بالإيمان الذي في القلوب لحبط عملهم. # وهنا وجهان، أحدهما: إذا صار في قلوبهم مثل ما في قلوبنا، وآمنوا به، فقد ~~آمنوا بمثل ما آمنا به، فإنا آمنا بما في القلوب من الإيمان، فإذا صار مثله ~~في قلوبهم وآمنوا به فقد اهتدوا. ويكون فائدة الإيمان بالإيمان مثل ما ~~يقال: أعلم وأعلم أني أعلم، وأعتقد أن زيدا في الدار، وأعتقد أن اعتقادي ~~حق، فهم مؤمنون بالإيمان غير مرتابين (1) فيه، جازمون أن جزمهم حق، وأيضا ~~فإن هذا مستلزم، وهو كمال وتمام، لأنه إذا حصل هذا الإيمان بالإيمان، وجب ~~حصول الأول ووجوبه، مع أنهما متلازمان من وجه آخر، فإن الوجود العملي ~~الإرادي مع الوجود ... (2)، لكن على هذا الوجه (3) الضمير فيه يعود إلى ~~إيماننا بما أنزل، لا إلى نفس ما أنزل. # الوجه الثاني (4): أن الإيمان الذي في القلب مثل مطابق للمؤمن ms0990 به، كما ~~تقدم، وقد قررت هذا في مواضع، فإذا آمنوا بهذا المثل فقد اهتدوا، والضمير ~~هنا عائد على "ما" كما هو الظاهر، ويكون المثل كما قد قيل في قوله: (ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير (11)) (5). PageV06P032 # وقد يقال: المعنى، فإن آمنوا مثل ما آمنتم. والتقدير: فإن جاؤوا بإيمان ~~مثل الإيمان الذي جئتم به، ويكون "الذي" هنا صفة للمصدر الذي هو الإيمان، ~~لا للمفعول به الذي هو المؤمن به، لكن هذا يفتقر إلى أن يقال: آمنت بمثل ~~إيمانك، أي مثل إيمانك، وهذا يكون إذا ...) (1). # وقد يقال: "المثل" مقحم ليتبين الكلام والتوحيد، كما قد قيل مثل ذلك في ~~نظائره لأسباب قد تكون هناك. # وقوله: (وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ~~(137) صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون) (2)، صبغ القلوب ~~والأشياء بهذا الإيمان حتى أنارت به القلوب، وأشرقت به الوجوه، وظهر ~~الفرقان بين وجوه أهل السنة وأهل البدعة، كما قال في المؤمنين: (تعرفهم ~~بسيماهم) (3)، وفي الكفار: (سنسمه على الخرطوم (16)) (4)، وفي المنافقين: ~~(ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم) (5) PageV06P033 ### || CHECK - الإحسان مع إسلام الوجه شرط في استحقاق الجزاء الموعود للمؤمنين # فصل # وإذا كان الله قد شرط في من له أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~أن يكون محسنا مع إسلام وجهه لله، دل بذلك على أن الإحسان شرط في استحقاق ~~هذا الجزاء، وهذا الجزاء لا يقف إلا على فعل الواجب، فإن كل من أدى الواجب ~~فقد استحق الثواب، ودرأ العقاب، وذلك يدل على أن الإحسان واجب، وقد قال ~~تعالى: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) (1) والأمر يقتضي الوجوب. # وقال تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) (2)، ومن فعل الواجب فما عليه من ~~سبيل، إنما السبيل على من أساء بترك ما أمر به، أوفعل ما نهي عنه. # وقال تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها) (3) ونظائره كثيرة. # وفي الصحيح (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله كتب ~~الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة، وإذا ms0991 ذبحتم فاحسنوا ~~الذبحة"، ففي هذا الحديث أن الإحسان واجب على كل حال، حتى في حال إزهاق ~~النفوس، ناطقها وبهيمتها، فعلمه أن يحسن القتلة للادميين والذبحة للبهائم. ~~والإحسان الواجب هو فعل الحسنات، PageV06P034 ### || CHECK - تحريم الظلم والإضرار في الشريعة ### || CHECK - الظلم ضد الإحسان، وأصله قصد الإضرار # وهو أن يكون عمله حسنا، ليس المراد بذلك فعل الإحسان التطوع، وهذا ~~الإحسان في حق الله، وفي حقوق عباده، فأما في حق الله ففعل ما أمره به من ~~غير أن يتعلق المأمور [به]، وأما في حق عباده ففعل ما أوجب لهم من الإحسان، ~~وترك ما لا يجوز من الإساءة. وأصل ذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولهذا ~~ثنى الله ذكر هذين الأصلين في القرآن في مواضع كثيرة جدا، وقال: (واعبدوا ~~الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى) الاية (1). وإذا ~~كان الإحسان إلى الخلق واجبا، وإن كان قد يكون مستحبا أيضا، فالإحسان إليهم ~~جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم. # والظلم ضد الإحسان الذي يدخل فيه العدل وغيره، فإن العادل محسن من جهة ~~عدله، وأما حيث يكون العدل هو الواجب، فالعادل أي بكمال الإحسان كالعدل بين ~~الناس في القسم والحكم، بخلاف عدل الإحسان في حق نفسه في استيفاء حقوقه من ~~غير زيادة، فإن هذا محسن من جهة أنه لم يعتد ولم يظلم. # وقد قررنا في مواضع كثيرة أن الظلم حرام كله، لم يبح منه شيء، وأصله قصد ~~الإضرار، فإن الظلم إضرار غير مستحق، لكن الإضرار المستحق جائز تارة، وواجب ~~أخرى، وإنما أبيح إضرار الحيوان للحاجة، والحكم المقيد بالحاجة مقدر ~~بقدرها، فليس للعبد أن يكون مقصوده بالقصد الأول إضرار بني ادم، بل الضرار ~~محرم بالكتاب والسنة، قال الله PageV06P035 # تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار) (1)، وقال في المطلقات: ~~(ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) (2)، وقال: (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) (3). # وأما السنة فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:" من شق شق الله عليه، ومن ~~ضار أضر الله به" (4)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ضرر ولا ضرار" (5). # ومعلوم ms0992 أن المشاقة والمضارة مبناها على القصد والإرادة، أو على فعل ضرر ~~لا يحتاج إليه في قصد الإضرار، ولو بالمباح، أو فعل الإضرار من غير ~~استحقاق، فهو مضار. # وأما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة إليه والانتفاع به، لا لقصد الإضرار، ~~فليس بمضار، ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث النخلة التي PageV06P036 ### || CHECK - على الإنسان أن يكون مقصوده نفع الخلق والإحسان إليهم مطلقا # كانت تضر صاحب الحديقة، لما طلب من صاحبها المعاوضة عنها بعدة طرق، فلم ~~يفعل، فقال: "إنما أنت مضار" (1) ثم أمر بقلعها. # فدل ذلك على أن الضرار محرم لا يجوز تمكين صاحبه منه، فعلى الإنسان أن ~~يكون مقصوده نفع الخلق، والإحسان إليهم مطلقا، وهذا هو الرحمة التي بعث بها ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ~~(107)) (2)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إنما أنا رحمة مهداة" (3). # والرحمة يحصل بها نفع العباد، فعلى العبد أن يقصد الرحمة والإحسان ~~والنفع، لكن للاحتياج إلى دفع الظلم شرعت العقوبات، وعلى المقيم لها أن ~~يقصد بها النفع والإحسان، كما يقصد الوالد بعقوبة ولده، والطبيب بدواء ~~المريض. # والمقصود بهذه النكتة أن الدين والشرع لم يأمر إلا بما هو نفع وإحسان ~~ورحمة للعباد، وأن المؤمن عليه أن يقصد ذلك ويريده، فيكون مقصوده الإحسان ~~إلى الخلق ونفعهم. واذا لم يحصل ذلك إلا بالإضرار ببعضهم فعله على نية أن ~~يدفع به ما هو شر منه، أو يحصل به PageV06P037 ### || CHECK - الأول هو المأمور به، والثاني يكون الإحسان أفضل منه ### || CHECK - العدل نوعان: العدل بين الناس، وعدل الإنسان بينه وبين خصمه ### || CHECK - الأمر بالعدل والإحسان # ما هو أنفع من عدمه، فهاهنا أصلان: # أحدهما: أن هذا هو الذي أمر الله به ورسوله. # والثاني: أن هذا واجب على العبد، عليه أن يفعله، وفاعله هو البار والبر، ~~وهو المحسن المذكور في الاية. # وقد أمر الله في كتابه بالعدل والإحسان، والأمر يقتضي الوجوب، وقد يكون ~~بعض المأمور به مندوبا، والإحسان المأمور به ما يمكن اجتماعه مع العدل، ~~فأما ms0993 ما يرفع العدل فذاك ظلم، وإن كان فيه نفع لشخص، مثل نفع أحد الشريكين ~~إعطاء أكثر من حقه، ونفع أحد الخصمين بالمحاباة له، فإن هذا ظلم، وإن كان ~~فيه نفع قد يسمى إحسانا. # والعدل نوعان: # أحدهما: هو الغاية، والمأمور بها، فليس فوقه شيء هو أفضل منه يؤمر به، ~~وهو العدل بين الناس. # والثاني: ما يكون الإحسان أفضل منه، وهو عدل الإنسان بينه وبين خصمه في ~~الدم والمال والعرض، فإن الاستيفاء (1) عدل، والعفو إحسان، والإحسان هنا ~~أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانا إلا بعد العدل، كما قدمناه، وهو أن ~~لا يحصل بالعفو ضرر، فإذا حصل منه ضرر، كان ظلما من العافي، إما لنفسه، ~~وإما لغيره، فلا يشرع. PageV06P038 ### || CHECK - من العدل الواجب: أن لا يعتدى على الظالم إلا بقدر ظلمه ### || CHECK - الفرق بين النوعين من العدل ### || CHECK - العدل واجب في جميع الأمور، والإحسان قد يكون واجبا وقد يكون مستحيا # فالعدل واجب في جميع الأمور، والإحسان قد يكون واجبا، وقد يكون مستحبا، ~~ففي الحكم بين الناس والقسم بينهم ما ثم إلا العدل، والعدل بينهم إحسان ~~إليهم، وفيما بين الناس وبينهم مستحب له الإحسان إليهم، بفعل المستحبات من ~~الابتداء بالإحسان الذي ليس بواجب، والعفو عن حقوقه عليهم، ويدخل في قوله ~~تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199)) (1). # ونكتة هذا الكلام أن يفرق الإنسان بين العدل الذي هو الغاية، وليس بعده ~~إحسان، وهو العدل بين الناس، وبين العدل الذي فوقه الإحسان، وهو العدل مع ~~الناس. الأول: حق الخلق عليه، والثاني: حق له عليهم. فلكل منهما على صاحبه ~~العدل، فعليه أن يوفيهم العدل الذي عليه، وليس عليه أن يستوفي العدل (2) ~~منهم، بل قد يستحب له الإحسان بتركه. # ومن العدل الواجب- كما قررته في غير هذا الموضع- أن الظالم لا يجوز أن ~~يظلم، بل لا يعتدى عليه إلا بقدر ظلمه، كما قال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193) ~~(3)، وقال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ms0994 عليكم) (4)، وقال ~~تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا PageV06P039 ### || CHECK - الظلم في الدين يدعو إلى الظلم في الدنيا ### || CHECK - الظلم نوعان: ظلم في الدين وظلم في الدنيا # تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190)) (1) وقال: (ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) (2)، وقال: (ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا) (3). # وقد تقدم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله كتب الإحسان على كل ~~شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة". # فتبين أن الإحسان واجب حتى في القتل المستحق بإحسان القتلة والذبحة، ~~ومعلوم أن الظلم الذي يستحق به العقوبة- سواء كان في حق الله أو حقوق ~~عباده- لا يخرج عن ظلم في الدين، وظلم في الدنيا، وقد يجتمعان، فالأول ~~كالكفر والبدع، والثاني كالاعتداء على النفوس والأموال والأعراض. # والغالب أن الظلم في الدين يدعو إلى الظلم في الدنيا، وقد لا ينعكس، ~~ولهذا كان المبتدع في دينه أشد من الفاجر في دنياه، وعقوبات الخوارج أعظم ~~من عقوبات أئمة الجور، كما قررت هذا في قاعدة "بيان أن البدع أعظم من ~~المعاصي بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وبما يعقل به ذلك من الأسباب". ثم مع ~~هذا لا يجوز أن يعاقب هذا الظالم ولا هذا الظالم إلا بالعدل بالقسط، لا ~~يجوز ظلمه. PageV06P040 ### || CHECK - التفرق الموجود في هذه الأمة بسبب البغي بينها # فهذا موضع يجب النظر فيه، والعمل بالحق، فإن كثيرا من أهل العلم والدين ~~والزهد والورع والإمارة والسياسة والعامة وغيرهم، إما في نظرائهم أو غير ~~نظرائهم من نوع الظلم والسيئات، إما بدعة، وإما فجور، وإما مركب منهما، ~~فأخذوا يعاقبونهم بغير القسط، إما في (1) أعراضهم، وإما في حقوقهم، وإما في ~~دمائهم وأموالهم، وإما في غير ذلك، مثل أن ينكروا (2) لهم حقا واجبا، أو ~~يعتدوا عليهم بفعل محرم، مع أن الفاعلين لذلك متأولون، معتقدون أن عملهم ~~هذا عمل صالح، وأنهم مثابون على ذلك، ويتعلقون (3) بباب قتال أهل العدل ~~والبغي، وهم الخارجون بتأويل سائغ، فقد تكون الطائفتان جميعا باغيتين ~~بتأويل أو ms0995 بغير تأويل، فتدبر هذا الموضع، ففيه يدخل جمهور الفتن الواقعة ~~بين الأمة، كما قال تعالى: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم) (4)، فأخبر أن التفرق بينهم كان بغيا، والبغي: الظلم. # وهكذا التفرق الموجود في هذه الأمة، مثل الفتن الواقعة بينها في المذاهب ~~والاعتقادات والطرائق والعبادات والممالك والسياسات والأموال، فإنما تفرقوا ~~بغيا بينهم من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، والباغي قد يكون متأولا وقد ~~لا يكون متأولا، فأهل الصلاح منهم هم المتأولون في بغيهم، وذلك يوجب عذرهم ~~لا اتباعهم. PageV06P041 ### || CHECK - المطلوب العدل والاعتدال والاقتصاد في جميع الأمور # فتدبر العدل والبغي، واعلم أن عامة الفساد من جهة البغي، ولو كان كل باغ ~~يعلم أنه باغ لهانت القضية، بل كثير منهم أو أكثرهم لا يعلمون أنهم بغاة، ~~بل يعتقدون أن العدل منهم، أو يعرضون عن تصور بغيهم، ولولا هذا لم تكن ~~البغاة متاولين، بل كانوا ظلمة ظلما صريحا، وهم البغاة الذين لا تاويل معهم. # وهذا القدر من البغي بتاويل (1)، وأحيانا بغير تأويل، يقع فيه الأكابر من ~~أهل العلم، ومن أهل الدين، فإنهم ليسوا أفضل من السابقين الأولين، ولما ~~وقعت الفتنة الكبرى كانوا فيها ثلاثة أحزاب، قوم يقاتلون مع أولى الطائفتين ~~بالحق، وقوم يقاتلون مع الأخرى، وقوم قعدوا اتباعا لما جاء من النصوص في ~~الإمساك في الفتنة. # والفتن التي يقع فيها التهاجر والتباغض والتطاعن والتلاعن ونحو ذلك هي ~~فتن، وإن لم تبلغ السيف، وكل ذلك تفرق بغيا، فعليك بالعدل والاعتدال ~~والاقتصاد في جميع الأمور، ومتابعة الكتاب والسنة، ورد ما تنازعت فيه الأمة ~~إلى الله والرسول، وإن كان المتنازعون (2) أهل فضائل عظيمة ومقامات كريمة، ~~والله يوفقنا لما يحبه ويرضاه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # تمت القاعدة PageV06P042 ### | CHECK (2) فصل في حق الله على عباده وقسمه من أم القرآن # فصل # في حق الله على عباده وقسمه من أم القرآن، # وما يتعلق بذلك من محبته وفرحه ورضاه ونحو ذلك PageV06P043 ### || CHECK - المقصود من الخلق عبادته سبحانه # فصل # في حق الله على عباده، وقسمه من ms0996 أم القرآن، وما يتعلق بذلك من محبته ~~وفرحه ورضاه، ونحو ذلك. # قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من ~~رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58)) ~~وقوله: (ما أريد منهم من رزق) هو نكرة في سياق النفي، تعم كل رزق، فيعم ~~اللفظ: من رزق لي، ومن رزقي لهم، ومن رزق من بعضهم لبعض، لكن قوله بعد ذلك: ~~(وما أريد ان يطعمون (57)) والإطعام هو رزق له، فقد يقال: هو تخصيص بعد ~~تعميم، وقد يقال: الأول رزق المخلوق والثاني [يتعلق] بالخالق، فيكون ~~المعنى: ما خلقتهم إلا ليعبدون، لا ليطعمون، ولا ليرزقوا (2) أحدا، فإن ~~الله هو الرزاق الذي يرزق الخلق، وهو ذو القوة المتين. # فبين الله بهذه الاية أنه خلقهم لعبادته التي أرادها منهم، فهي مراده ~~ومطلوبه، لا يريد منهم أن يرزقوه، ولا أن يطعموه، لأنه لما نفى الإرادة عن ~~الرزق وإطعامه، دل على إثباتها للعبادة، وفي إثباتها للعبادة ونفي إرادة ~~الرزق والإطعام دليل (3) على أن له حقا عليهم PageV06P045 # يريده منهم، وهو محب له، راض به. # وقال تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) ~~(1) وقال: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) (2)، وقال: (إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222)) (3)، وقال: إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا) (4)، وقال: (إن الله يحب المقسطين (42)) (5)، وقال: ~~(يحبهم ويحبونه) (6)، وقال: (فاتبعوني يحببكم الله) (7)، وقال: (رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه) في مواضع (8). # وقد جاءت السنة بذكر حقه عليهم، في الصحيح (9) عن معاذ بن جبل قال: كنت ~~رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا معاذ! أتدري ما حق الله ~~على عباده؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ~~أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم". # وروى الطبراني في كتاب الدعاء (10) مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: (يقول PageV06P046 ### || CHECK - الكلام على حديث "قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين" # الله: يا عبدي! إنما هي ms0997 أربعة: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، ~~وواحدة بينك وبين خلقي، فأما التي لي، فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي ~~هي لك، فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، وأما التي بيني وبينك، فمنك ~~الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين خلقي، فأت إلى الناس ما تحب أن ~~يأتوه إليك ". # وفي صحيح مسلم (1) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ~~الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ~~ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين (2))، يقول الله: ~~حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم (3))، يقول الله: أثنى علي عبدي، ~~وإذا قال: (مالك يوم الدين (4))، يقول الله: مجدني عبدي- وفي رواية: فوض ~~إلي عبدي- وإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين (5)) قال: فهذه الاية بيني ~~وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، وإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال الله: فهؤلاء لعبدي، ~~ولعبدي ما سأل". # ففي هذا الحديث أن النصف الأول- وهو الحمد والثناء والتمجيد والعبادة- ~~لله تعالى، والنصف الثاني- وهو الاستعانة والمسألة- للعبد، هذا مع العلم ~~بان العبد يثاب على حمده وثنائه وعبادته، وقد يحصل له بذلك من الثواب أكثر ~~مما يحصل بالاستعانة والسؤال، [و] PageV06P047 ### || CHECK - بيان أن الشرك ظلم عظيم # لا بد أن تكون للنصف الذي هو للرب خاصية تعود إلى الرب، تميزها عن نصف ~~العبد، وإلا فإذا كان للعبد في كلاهما أجر وثواب، فتخصيص أحدهما بأنه للرب، ~~لا بد فيه من خاصية للرب. # وأيضا فإن الله أخبر (إن الشرك لظلم عظيم) (1)، وقال تعالى: (الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) الآية (2)، وقد ورد في الصحيحين (3) عن ابن مسعود ~~قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:" إنما هو ~~الشرك، ألم تسمعوا إلى قول لقمان: إن الشرك لظلم عظيم " أو كما قال. # وفي الحديث عن طائفة من السلف، وروي مرفوعا (4): "الدواوين ثلاثة: ديوان ms0998 ~~لا يغفر الله منه شيئا، وهو الشرك، وديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا ~~يترك الله منه شيئا. فأما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئا، فهو الشرك، ~~وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا، فهو ظلم العبد نفسه، وأما الديوان ~~الذي لا يترك الله منه شيئا، فهو الظلم للعباد بعضهم بعضا". # وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن PageV06P048 # يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (254)) ~~(1)، فجعل الظلم في حق الله تعالى قسما خارجا عن ظلم العبد نفسه، وعن ظلم ~~العباد، وهذا يقتضي أن لله فيه حقا قد ضيعه العبد، لا أنه مجرد ظلم العبد ~~نفسه كالمعاصي، وإن كانت المعاصي مخالفة لأمر الله وتركا لما أوجبه، وجناية ~~على دين الله. # وأيضا فإن الله قد أخبر أنه يحب الحسنات المأمور بها، من الإيمان والعمل ~~الصالح، وأنه يرضاها، ويحب أهلها، ويرضى عنهم، والحب مستلزم للإرادة، وهو ~~مع ذلك فقد شاء جميع الكائنات، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وقد قررت ~~هذه القاعدة في غير هذا الموضع، وبينت الفرق بين كلماته الكونيات، وما يتصل ~~بها من أمر وإرادة وإذن وحكم وبعث وإرسال وغير ذلك، وبين كلماته الدينيات، ~~وما يتصل بها من أمر وإرادة وحكم وبعث وإرسال، قررت هذا الأصل الفارق في ~~غير موضع، وأن منه تزول الشبهات الحاصلة في مسائل الدين والقدر وتعارضهما. # وحقيقة ذلك تعود إلى أن الدين الذي أمر الله به شرعا من بين سائر ~~الكائنات، له من الله مزية واختصاص بذلك صار محبوبا مأمورا به، وذلك من وجهين: # أحدهما: من جهة عوده إلى الخلق، لما في الدين من مصلحتهم ومنفعتهم في ~~الدنيا والآخرة بالثواب والنعيم المقيم المتعلق بالمخلوق، والمتعلق ~~بالخالق، كالنظر إلى وجهه الكريم. PageV06P049 ### || CHECK - مذاهب المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة في ذلك ### || CHECK - علة خلق الله للخلق وأمره بالدين # والثاني: من جهة عوده إلى الخالق، حتى يصح أن يكون محبوبا لله مرضيا ~~محمودا مفروحا به، ms0999 وإلا فنفس تنعم هذا العبد وتعذب هذا العبد، وصلاح هذا ~~وفساد هذا، سواء بالنسبة إلى الله من جهة الخلق والمشيئة والتكوين، فلابد ~~أن يكون لأحدهما إلى الله إضافة وتعلق ونسبة بها يكون محبوبا له، مرضيا ~~مفروحا به، محمودا مثنيا على أصحابه، ويكون الآخر مسخوطا عليه، ممقوتا ~~مبغضا، ونحو ذلك، وراء ما يلحقه من العذاب. # وهذا الفرق هو حقيقة الدين، وسر الأمر والنهي، وغاية التكليف الشرير، ~~ومقصود الرسالة والكتاب، ولهذا تكلم الناس في علة خلقه للخلق، ثم أمره ~~بالدين. # فقال فريق: إنه فعل ذلك لنفع الخلق ومصلحتهم، وزعموا أن هذا وجه حسن ~~الفعل والأمر، وإن لم يكن هذا واقعا بالجميع ولا عائدا منه حكم إلى الفاعل، ~~وهذا قول المعتزلة وغيرهم من القدرية، ثم التزموا على هذا مسائل التعديل ~~والتجوير، والتحسين والتقبيح بالقياس الفاسد على الخلق، واضطربوا فيه ~~اضطرابا لا ينضبط. # وقد يوافق بعض أهل السنة- من أصحابنا وغيرهم- هؤلاء في بعض المسائل التي ~~لا تخالف الأصول المشهورة في السنة، وعارضهم كثير من متكلمة الإثبات للقدر، ~~الذابين عن السنة في مواضع كثيرة، فقالوا: لا يجوز تعليل شيء من ذلك، بل ~~خلق وأمر لمحض المشيئة، وصرف الأرادة، ولا يجوز تعليل ذلك بمصلحة العباد ~~ونفعهم، ولا غير ذلك. PageV06P050 ### || CHECK - الرد على منكري التعليل من الأشاعرة # ثم إن كثيرا من العلماء يعتقدون أن ليس في هذا الأصل العظيم الجامع- ~~المتعلق بأصول الدين والتوحيد، وبأصول الفقه وبالشريعة- إلا هذان القولان ~~(1)، إما التعليل بنفع العباد وصلاحهم، وإما رد ذلك إلى محض المشيئة ~~والإرادة الصرفة، وهذا القول الثاني يلزمه من اللوازم الفاسدة- التي تتضمن ~~التسوية بين محبوب الله ومكروهه، ومأموره ومنهيه، وأوليائه وأعدائه- أشياء ~~فيها من البطلان والشناعة ما يعلم به تفريط هؤلاء وغلطهم، كما فرط الأولون. # ويقارب هؤلاء من يقول من الفلاسفة وغيرهم: إن هذه المخلوقات لازمة لذاته، ~~وإن قالوا: إنها صادرة عن عنايته، وإن تضمنت ما تضمنت من منافع الخلق ~~ومصالحهم بطريق اللزوم. ويجعلون ذلك علة غائية. # ثم إنهم يتناقضون فلا يجعلون ذلك مقصودا للفاعل ولا مرادا له بالقصد ~~الأول، وإلا لزمهم ms1000 ما لزم الأولين من التعليل، فيثبتون في أفعاله من الحكم ~~والعلل الغائية والمنافع ما لا يصدر إلا عن قصد وإرادة، ثم يتكلمون عن ~~الإرادة بما يناقض ما قالوه. # ومما يبين ذلك أن يقال لمنكري التعليل- الذين لا يثبتون وراء العلم ~~والإرادة لا حكمة، ولا رحمة، ولا لطفا، ولا محبة، ولا رضى، ولا فرحا، ولا ~~غضبا، ولا مقتا، ولا غير ذلك، بل يجعلون لذلك إرادة أو فعلا-: معلوم أن ~~الإرادة المحضة خاصتها التخصيص PageV06P051 # والتمييز، كتخصيص بعض الأعيان بنوع من المقادير والصفات والحركات وغير ~~ذلك، مما يمكن ضده وخلافه. أما التخصيص بالخير دون الشر، والنفع دون الضر، ~~والنعيم دون العذاب، وجعل هذا محبوبا، وهذا مودودا مرضئا، وهذا ممقوتا ~~مبغضا مسخوطا، فلا يجوز أن يكون معنى هذا الإرادة المحضة، لأن الإرادة ~~متعلقة (1) بكل حادث، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وحكمها في سائر ~~أنو اع الحوادث حكم واحد، فلم سميت هنا محبة وهنا بغضا؟ وهنا رضى وهنا ~~غضبا؟ وهنا مودة وهنا مقتا؟ ألا ترى أن الإرادة المتعلقة بغير المأمور به ~~والمنهي عنه لا تتنوع إلى ذلك، فلا يقال في حق الجائع والشبعان والصحيح ~~والمريض والامن والخائف والناكح والمحتلم والغني والفقير والرئيس والمرؤوس: ~~هذا محبوب مرضي مودود، وهذا مبغض مسخوط ممقوت، وإن كان أحدهما متنعما بما ~~هو فيه، والاخر معذبا بما هو فيه. # فإذا كان قد أثاب قوما بعملهم الصالح في الدنيا والآخرة، وعاقب قوما ~~بعملهم السيء في الدنيا والآخرة، والجميع بمشيئته، كما أن التفريق بين ~~الجائع والشبعان، وبأنه بمشيئته، فلم يجعل في هؤلاء محبوبا ومكروها، ولم ~~يجعل في باب الشبعان والجائع محبوبا ومكروها، حيث لا يتعلق به أمر شرعي، ~~فتعلق الحب والرضى والبغض والسخط بالأمر الديني الشرعى، دون مالم يتعلق به ~~ذلك- مع PageV06P052 ### || CHECK - الرد على مثبتي التعليل من القدرية # أن الإرادة عامة التعلق بجميع الكائنات- دليل على أن باب أحدهما ليس هو ~~باب الآخر. # وهذا بين معقول ببرهان لمن تأمله، وهو دليل عقلي على ثبوت هذه الصفات، ~~كما كان أصل التخصيص دليلا ms1001 على ثبوت الإرادة. # ويقال لمثبتي التعليل من القدرية: عندكم أن جميع هذه الصفات تعود إلى ~~معنى النفع والإضرار، فإن مصلحة العباد والإحسان إليهم وغير ذلك هو عندكم ~~نفعهم، وضد ذلك إضرارهم، فعطلتم صفات الله من هذا الوجه، ولكم في الإرادة ~~من الاضطراب ما هو مذكور في غير هذا الموضع. # ثم تزعمون أنه إنما خلق وأمر لنفع الخلق، فيقال لكم: وأي فرق بالنسبة ~~إليه، نفعهم أو لم ينفعهم؟ فإن جعلتم ذلك قياسا على الخلق، فالخلق إنما ~~يحسن منهم نفع بعضهم لبعض، لأن النافع يعود إليه من نفعه مصلحة له، وإلا ~~فحيث لا مصلحة له في ذلك، لا يكون نفعه حسنا. # ويقال لكم أيضا: النافع من الخلق يختلف حاله، بين ما قبل أن ينفع وبعد ما ~~ينفع، فيكسب نفسه بذلك صفة كمال له، يدرك ذلك من نفسه، ويدرك ذلك الخلق ~~منه، فنفس السخي الجواد أكمل وأشرف وأعظم من نفس البخيل الجبان، كما قال ~~الله تعالى: (قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10)) (1)، وقال: ~~(فأما من أعطى واتقى (5) وصدق PageV06P053 ### || CHECK - عدم إطلاق اللذة والألم في حق الله # بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب بالحسنى ~~(9) فسنيسره للعسرى (10)) (1)، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة. # ويقال لكم: إذا كان المقصود مجرد النفع، والفاعل قادر، فهلا حصل؟ ففي ~~انتفائه في صور كثيرة وحصول الضرر دليل على أن هناك مقصودا آخر. # ويورد عليهم ما في المخلوقات من أنواع المضار، وما في المأمورات من ذلك، ~~وقد عرف اعتذارهم عن ذلك، وما فيه من التناقض والفساد. # ويقال لهم: ما الموجب لما وقع من أنواع المضرات بالكفار والفساق؟ إذا كان ~~المقصود نفعهم بالتكليف، وهم لم يقبلوا هذا النفع، فما الموجب لمقابلتهم ~~بأنواع من العقاب والسخط والمقت إذا لم يصدر منهم إلا مجرد عدم قبول نفعهم؟ ~~لولا أن هناك أسبابا أخرى وحكمة أخرى لم يعلموها، ولم يتكلموا بها، فهذا هذا. # وأيضا فالكتاب والسنة إنما أطلق الحب والبغض والود والمقت والرضا والغضب ~~والفرح والأذى، دون لفظ اللذة والألم، لأن هذين الاسمين ms1002 كثيرا ما يطلقان في ~~خصائص المخلوق التي تنفعه وتضره، مثل الاكل والشرب والنكاح، ومثل المرض ~~الذي هو الوصب والنصب والجوع والعطش والعذاب بالنار ونحو ذلك، قال الله ~~تعالى: (وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من ~~عسل PageV06P054 # مصفى) (1)، وقال: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين) (2)، وقال تعالى: ~~(فبشرهم بعذاب أليم (24)) (3)، فالالتذاذ والانتفاع متقاربان، والتألم ~~والتضرر متقاربان، وإن كان المنفعة والمضرة أعم في الاستعمال، ولهذا قيل: ~~إن المنفعة قرينة الحاجة، فإنما ينتفع الحي بما هو محتاج إليه، ويتضرر بما ~~يؤلمه، وقد قال الله تعالى- فيما يروى في الحديث الصحيح (4) -: "يا عبادي ~~إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني "، وهذا الحديث ينفي ~~بلوغ الخلق لذلك، وعجزهم عن ذلك، وما فعله الخلق فإنما فعلوه بقوة الله ~~ومشيئته وإذنه، ولا حول ولا قوة إلا به. # وقد قال الله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله) (5)، وقال: (فلما ~~آسفونا انتقمنا منهم) (6)، وقال في الحديث الصحيح (7): "يؤذيني ابن آدم". ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله " ~~(8)، كما قال: "ما أحد أحب إليه المدح من الله " (9)، وقال: "ما PageV06P055 ### || CHECK - المذهب الرابع أنه خلق الخلق ليحمد ويشكر # أحد أغير من الله، وما أحد أحب إليه العذر من الله" (1)، فأخبر - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه ليس أحد يحب أن يمدح ويعذر مثل ما يحب الله ذلك، ولا ~~أحد أصبر على أذاه وأغير على محارمه من الله، فالممدوح بإزاء المعذور يمدح ~~على إحسانه، ويعذر على عدله وعقوبته، والصبر بإزاء الغيرة، يصبر على أذى ~~خلقه له، ويغار أن ترتكب محارمه. # وعن هذا خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قالت عائشة: "ما انتقم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط لنفسه، إلا أن تنتهك محارم الله، فإذا ~~انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله" (2). فهذا صبر الرسول ~~على ما يؤذي، وهذا غيرته وانتقامه لمحارم الله. # وفريق رابع يقولون: إنه فعل ذلك ليحمد ويشكر ويمجد، أعني خلقه ms1003 سبحانه ~~للخلق، كما دلت عليه النصوص في مثل قوله تعالى: (إلا ليعبدون) (3)، وقوله: ~~(يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) (4)، ~~وقوله: (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون) (5)، وقوله: (فاذكروني ~~أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) (6)، وقوله: (أن اشكر لي ولوالديك) (7)، ~~وقوله: (ولكن يريد ليطهركم PageV06P056 ### || CHECK - تفسير قوله تعالى: (إلا ليعبدون (56)) وبيان خطأ الناس في ذلك ### || CHECK - ما يرد على هذا المذهب من الأسئلة، والأجوبة عنها # وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6)) (1)، وقوله: (فاجعل أفئدة من الناس ~~تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (37)) (2). # وفي الأحاديث كثير، مثل قوله ... (3). # لكن هؤلاء [يرد] عليهم سؤالان عظيمان، سؤال متعلق بالأفعال والقدر، وسؤال ~~متعلق بالأسماء والصفات. # أحدهما: أنه فعل ذلك، فلم لا حصل مراده مع قدرته عليه؟ فإذا كان مراده ~~العبادة، فلم لا حصلت من جميعهم؟ # وهذا السؤال لما استشعر الناس وروده، أجابوا عنه على أصولهم، فقال كثير ~~ممن ينصر السنة: (إلا ليعبدون (56)) (4): إلا ليعرفون، يعني المعرفة العامة ~~الفطرية الموجودة في المؤمن والكافر. وهذا القول ضعيف جدا، لأنه ذمهم على ~~ترك ذلك، ولأن ذلك لم يوجد من المجانين ولا من الجاحدين، ولأنه أي مقصود له ~~في ذلك حتى ينفي إطعامهم ويثبت ذلك، إذا كان الكل سواء؟ # ومنهم من جعل الجن والإنس هنا خاصا لمن عبده، وهو ضعيف لوجوه. # ومنهم من قال: إلا لآمرهم بالعبادة. وهو قريب إذا تمم. PageV06P057 ### || CHECK - اللام في قوله تعالى: (ولذلك خلقهم) لام العاقبة أو لام الغرض # وقالت القدرية: ما أراد منهم كلهم إلا العبادة، لم يرد غير ذلك، لكن منهم ~~من خالف مراده كما عصى أمره، ومنهم من لم يخالف. # فقيل لهم: ولم خلقهم للعبادة؟ # فقالوا: لنفعهم. # قيل لهم: فقد أراد ما علم أنه لا يحصل. # وقيل لهم: لأي شيء أراد نفعهم؟ فاضطربوا. # ثم قيل لهم: فلم لا أعانهم على مراده؟ # فقالوا: استفرغ وسعه، ولم يمكنه أن يجعل لهم إرادة، وإنما أمكنه أن ~~يجبرهم ويضطرهم إلى الإيمان والعبادة، وتلك لا تنفعهم. وأما العبادة ~~الاختيارية فلا يقدر ms1004 عليها إلا هم، ولا يفعلها إلا هم. والتزموا من اللوازم ~~الفاسدة ما يطول وصفه، ورد الناس عليهم ردودا يطول وصفها. # وقيل لهم: وقد قال تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم ~~قلوب لا يفقهون بها) (1)، وقال: (ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم) (2)، قال جمهور السلف: ما دل عليه الخطاب: خلق فريقا للرحمة، ~~وفريقا للاختلاف. # فقالوا: هذه لام العاقبة والصيرورة، لا لام الغرض والقصد PageV06P058 ### || CHECK - افتراق القدرية فرقتين # والإرادة، فإن الفاعل الذي يقصد غاية تكون اللام في فعله للتعليل ~~والإرادة، إذ هي العلة الغائية، والذي لا يقصدها تكون اللام في فعله لام ~~العاقبة. # فيقال لهم: لام العاقبة إما أن تكون من جاهل بالعاقبة، كقوله: (فالتقطه ~~آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) (1)، أو من عاجز عن دفع العاقبة السيئة، ~~كقولهم (2): # لدوا للموت وابنوا للخراب # وقولهم (3): # وللموت ما تلد الوالده # فأما العالم القادر فعلمه بالعاقبة وقدرته على وجودها ودفعها، يبتغي أن ~~لا يكون مريدا لها. # فافترق القدرية فرقتين: # منهم من اختار أنه لم يكن عالما بما يؤول إليه الأمر من الطاعة والمعصية. PageV06P059 ### || CHECK - التحقيق أن اللام في قوله (ليعبدون (56)) ولام إرادة المحبة والرضا، وفي قوله (ولذلك خلقهم) لام الإرادة العامة الشاملة # ومنهم من اختار أنه لا يقدر على أن يفعل بهم غير ما فعل من الإعانة، ~~وهؤلاء أكثر القدرية. # ولا بد من بيان الكلام في ذلك على أصول العربية التي نزل بها القرآن، فإن ~~هذه اللام التي ينصب بها الفعل تسميها النحاة لام [كي]، وهي في الحقيقة لام ~~الجر، أضمر بعدها "أن" فانتصب الفعل، ولهذا تليها الأسماء المجردة، كما في ~~قوله: (لجهنم). # والمجرور بها تارة يكون سببا فاعليا، كما تقول: فعلت هذا لأني اشتهيته ~~وأحببته. وقد يكون سببا غاليا، كما تقول: فعلت هذا ليرضي زيدا وليحسن إلي. # وأما المنصوب على المفعول له فلا يكون إلا لسبب الفاعل، كقوله: (ابتغاء ~~مرضات الله) (1) ونحو ذلك، والفرق بينهما مذكور في غير هذا الموضع. # وأما الذين أجروا الآية على مقتضاها مع الإيمان ms1005 بالسنة، وقالوا: المراد ~~أن يعبد ويحمد ويشكر، فمنهم من يقول: قد وجد ذلك من بعضهم. ومنهم من يقول: ~~مقصوده أمرهم بذلك، لا نفس وجود المأمور به. # والتحقيق أن اللام هنا لام إرادة المحبة والرضا والأمر، لا لام الإرادة ~~العامة الشاملة للكائنات. واللام في قوله: (ولذلك خلقهم) (2) (ولقد ذرأنا ~~لجهنم) (3) لام الإرادة العامة الشاملة، فتلك الإرادة PageV06P060 # الدينية، وهذه الإرادة الكونية، ويجب الفرق بين اللامين والعلتين ~~والغايتين، كما فرق بين الأمرين والإرادتين والحكمين والبعثين والإرسالين. ~~وليس كل ما يحبه ويرضاه ويفرح به لخلقه يكون، وإنما كل ماشاء يكون. # وقد روينا في كتاب القدر (1) عن ابن عباس: أن الأنبياء موسى وعزيرا ~~والمسيح سألوا عن هذه المسألة، فقالوا: أي رب! أنت رب عظيم، لو تشاء أن ~~تطاع لأطعت، ولو تشاء أن لاتعصى لما عصيت، وأنت تحب أن تطاع، وأنت مع ذلك ~~تعصى؟ فاوحى الله إليهم: "إن هذا سري، فلا تسألوني عن سري". # وذلك أنه وإن أحث عبادتهم، فلا يجب في كل ما أحبه الحي أن يفعله، بل قد ~~يكون في حقنا من يترك محبوبه لمعارض راجح، أو يتركه فلا يفعله لا لمعارض ~~راجح، ولا نقص في ذلك، كالأفعال الحسنة التي تستحب لنا، كما قال الله ~~تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) (2).وقال: (يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله ~~الظالمين ويفعل الله ما يشاء) (3). PageV06P061 ### || CHECK - الجواب عن هذا السؤال ### || CHECK - السؤال الثاني الوارد على من قال: إن علة خلقه للخلق حمده وعبادته # وأيضا فإن الله يحب هذه الأعيان والأفعال والصفات بتقدير وجودها، كما ~~يسمع المسموعات ويبصر المدركات بتقدير وجودها، وأما ما لم يوجد منها وقد ~~علم أنه لا يوجد، فلا يقال: إنه يحب العدم المحض والنفي الصرف، كما لم ~~يتعلق به حمد ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب، والله خلق الجن والإنس، والغاية ~~المحبوبة منهم التي بها يكملون ويصلحون وينالون الكرامة ويحبهم الحق أن ~~يعبدوه، فإذا لم يبلغوا هذه الغاية لم يبلغوا سعادتهم، ms1006 ولا محبوب الحق ~~منهم. ثم إن منهم من شاء كون العبادة أمنه، فأعانه، ومنهم من لم يشأكون ذلك ~~منه فلم يعنه، ولكنه من ذرئه لجهنم. # السؤال الثاني: أي مقصود له في أن يعبدوه ويحمدوه إذا كان غنيا عن ~~العالمين؟ وهو أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد. ثم إما أن ~~يكون يحصل بالعبادة ما لم يكن حاصلا، فيكون قبله ناقصا، أو يكون قبل ~~العبادة وبعدها سواء، فسيان عبدوه أو لم يعبدوه. ويتصل ذلك الكلام في حلول ~~الحوادث به، إذا حصل له بالعبادة ما لم يكن حاصلا. # وهذا السؤال هو الذي منع جمهور متكلمي أهل الإثبات عن التعليل ورد الأصول ~~إلى محض المشيئة، فيقولون في الجواب: غناه عن العالمين لا يمنع أن يحب ~~ويرضى ويفرح، والإيمان به، وعبادته، وشكره، والعمل الصالح، وأن يفرح بتوبة ~~التائب (1)، لأن هذه الأشياء PageV06P062 # إذا وجدت فهو الذي خلقها وأوجدها، فلم يكن في ذلك فقر إلى غيره بوجه من ~~الوجوه. # وأما تجدد هذه العبادات فهو بمنزلة تجدد المسموعات والمرئيات في كونه ~~يسمعها ويراها، فما كان الجواب عن تلك فهو الجواب عن هذه. # كما يقال: إما أن يكون بالسمع والبصر يحصل له إدراك لم يكن، أو لم يحصل؟ ~~فإذا لم يحصل فلا فرق بين وجودها وعدمها، وإن حصل لزم أن يكون قبل ذلك ~~ناقصا، ولزم حلول الحوادث به. # فإذا أجيب عن ذلك بأن ذلك ليس بكمال بالنسبة إليه، أو أن المتجدد هو أمر ~~عدمي لا أمر ثبوتي، وقنع العقل بذلك الجواب، فهو الجواب هنا. # وإن قيل: الكمال أن يكون بحيث يسمع ويبصر كل ما يحدث من مسموع ومرئي. # قيل: والكمال أن يكون يحب ويفرح بكل ما يحدث من محبوب ومرضي ومفروح به. # وإذا قيل: ليس ثبوت هذا الإدراك بمنزلة حلول الحوادث بالمخلوق التي ~~تستلزم حدوثه وإمكانه. # قيل: وليس (1) ثبوت هذه الأحوال المتعلقة بالإدراك- من المحبة PageV06P063 ### || CHECK - العبارات المجملة لا نطلقها إلا مفسرة # والرضا والفرح والغضب- بمنزلة حلول الحوادث بالمخلوق، التي تستلزم حدوثه ~~وإمكانه. # وإن قيل: إن ms1007 علمه وسمعه وبصره وإرادته تتعلق بالأنواع الكلية الحافظة لما ~~يتجدد من الأشخاص التي تندرج فيها. # قيل: وكذلك محبته ورضاه وفرحه تتعلق بالأنواع الكلية الحافظة لما يتجدد ~~من الأشخاص التي تندرج فيها. # فما كان جوابا عن أحد البابين، وهو ما أثبت من الصفات كالسمع والبصر ~~والإرادة، فهو الجواب عن الباب الآخر، وهو المحبة والرضى والفرح ونحو ذلك. ~~وإنما يتخيل الفرق لكثرة النظر والاعتبار في أفعال الربوبية، وتعلقها ~~بالصفات التي بها صدرت الأفعال ودلت الأفعال عليها، فإن أكثر نظر الكلاميين ~~والبحاثين في هذا. # وأما النظر في الغايات المطلوبة في العباد، وهو مقتضى الإلهية وما يتعلق ~~بذلك من صفات الحب والبغض والرضا والغضب، فإن الرسل الذين دعوا إلى عبادة ~~الله جاؤوا به، وإنما يحققه أهل العلم والإيمان من أهل ولاية الله تعالى ~~وخاصته. # فإن قيل: هذا يقتضي وصفه باللذة، ومن وصفه بها وصفه بالألم، وذلك يقتضي ~~حدوثه أو إمكانه. # قيل: العبارات المجملة لا نطلقها إذا لم يجيء بها الشرع إلا مفسرة، ~~فالشرع جاء بالحب والرضا والفرح والضحك والبشبشة ونحو ذلك، وجاء أنه يؤذى ~~ويصبر على الأذى، فقال: (إن الذين يؤذون الله PageV06P064 ### || CHECK - اتباع الألفاظ الشرعية في باب الصفات هو المشروع لنا # ورسوله) (1)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما أحد أصبر على أذى ~~يسمعه من الله" (2). وقال الله تعالى: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا ~~الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" (3)، وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - للباصق في القبلة: "إنك قد آذيت الله ورسوله" (4)، وقال: "من لكعب ~~بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله" (5). # فهذه الصفات حق نطق بها الكتاب والسنة، واتفق عليها سلف الأمة وعامة أهل ~~العلم والإيمان من أهل المعرفة واليقين، ودل العقل القياسي والعقل الإيماني ~~على صحتها، فلا خروج عن هذه الأدلة والسنة والجماعة وزمرة الأولياء ~~والأنبياء. # وأما إطلاق لفظ "اللذة" فقد أطلقه قوم من أتباع الأوائل ومن هذه الأمة ~~المتفلسفة وغيرهم، كما أطلقوا لفظ "العشق"، وهو بالمعنى الذي فسروه به ليس ~~بباطل، لكن اتباع الألفاظ الشرعية في هذا ms1008 الباب من الأدب المشروع لنا، إما ~~إيجابا وإما استحبابا، فإذا تركنا إطلاق هذا اللفظ مع صحة المعنى، فلعدم ~~جواز الخروج عن الألفاظ الشرعية في هذا الباب، أو لاستحباب ترك الخروج عن ~~الألفاظ الشرعية في هذا الباب. PageV06P065 # وأما إذا كان اللفظ فيه إجمال، فإطلاقه بلا تفسير ممنوع منه، لما فيه من ~~إضلال المستمع، وتنفير القلوب الصحيحة، ولعدم دلالته على المعنى المقصود ~~إلا بعد مقدمات غير مذكورة، لكن هؤلاء يجعلون ذلك متعلقا بنفسه فقط، ~~فيقولون: هو عاشق ومحب لنفسه، ويلتذ ويبتهج بها، أو، الذي جاءت به الكتب ~~والرسل أن حكم ذلك يتصل بعباده الصالحين، فيحبهم ويرضى عنهم ويفرح بتوبتهم، ~~وإلى هذا دعت الرسل، وفيه نزلت الكتب. # والقران والإيمان يفرقان بين من يحبه ويبغضه، ويرضاه ويسخطه، ويوده ~~ويمقته، وبذلك حصل الفرق بين أولياء الله وأعدائه. وأولئك المتفلسفة لا ~~يصعدون إلى هذا، فإنهم صابئة، وغالبهم عباد لغير ذلك من العلويات والسفليات ~~إلا من هداه الله، فآمن بالله واليوم الآخر، قال الله تعالى: (إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)) (1). # وأما كون ذلك مستلزما للحدث أو الإمكان فلا دليل عليه البتة، بل عامة ~~الصفات الثابتة قد يقال فيها مثل ذلك. ومن أثبت شيئا من الصفات مثل إرادة ~~قائمة، يورد عليه مثل ذلك، بل نفس إثبات كونه خالقا وآمرا بالدين، يورد ~~عليه مثل ذلك، وهو إيراد فاسد، لأن مبناه على قياس الله على ابن ادم، الذي ~~كان معدوما ثم وجد، ولا وجود له PageV06P066 ### || CHECK - الإرادة نوعان: كونية ودينية، وبيان الفرق بينهما # من نفسه، وإنما وجوده بخالقه، والله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ~~فلا يجوز ضرب المثل له من مخلوقاته. # وإذا تبين أن الإرادة نوعان: منها ما هو بمقتضى الربوبية، وهي الإرادة ~~الكونية، ومنها ما هو بمقتضى الإلهية، وهي الإرادة الدينية، فالأولى إرادة ~~فاعلية، والثانية إرادة غائية، الأولى من اسمه الأول، والثانية من اسمه ~~الآخر، الأولى يكون الرب بها ms1009 مريدا والعبد مرادا إرادة تكوين وربوبية، ~~ولذلك قد يكون مريدا، والثانية يكون الرب بها مريدا إرادة حب ورضى وإلهية، ~~والعبد أيضا مريدا إرادة عبادة وديانة وإنابة وإرادة وقصد، وقد يكون بها ~~مرادا إرادة ربوبية إذا حصل ذلك. # تمت هذه القاعدة بحمد الله وعونه، والحمد لله وحده. PageV06P067 ### | CHECK (3) فصل في صفات المنافقين # فصل # في صفات المنافقين PageV06P069 ### || CHECK - تمثيلهم في سورة البقرة # (وهذا فصل من كلام الشيخ تقي الدين رضي الله عنه من غير الكلام الأول). # فصل # ذكر الله المنافقين في القرآن فوصفهم بصفات كقول الله تعالى: (أولئك ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16) مثلهم ~~كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات ~~لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) أو كصيب من السماء فيه ظلمات ~~ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط ~~بالكافرين (19) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم ~~عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ~~(20)) (1). # وهذا كما قال من قال من السلف المفسرين، كقتادة وغيره: عرفوا ثم أنكروا، ~~وأبصروا ثم عموا، واهتدوا ثم ضلوا، ونحو ذلك. فإنه أخبر أنهم اشتروا ~~الضلالة بالهدى، وهذه حال من أخذ الضلالة التي لم تكن عنده، وأخرج الهدى ~~الذي كان عنده، وإن كان قد يقال: إن مثل هذا قد يقال للقادر على الأمرين، ~~إذا ترك هذا وأخذ هذا، لكن سياق الكلام يدل على الأول، فإنه قال: (مثلهم ~~كمثل الذي استوقد نارا) أي طلب إيقادها وأوقدها، (فلما أضاءت ما حوله ذهب ~~الله بنورهم) إلى آخر الاية، فمثلهم بالذي جعل لنفسه نارا ينتفع بضوئها، ~~فلما أضاءت PageV06P071 ### || CHECK - وصفهم في سورة المنافقين # ذهب النور، وبقي في ظلمة لا يبصر، وأخبر أنهم (صم بكم عمي فهم لا يرجعون ~~(18)) إلى الحال التي كانوا عليها من الهدى والنور. # وأما المثل الثاني وهو حال المطر الذي فيه ظلمات ورعد يسمع، وبرق يرى، ~~وأنهم يخافون ms1010 من صوت الصواعق ومن لمعان البرق، فيمتنعون، فتحصل الافة في ~~سمعهم وبصرهم، وأنهم مع ذلك إذا (أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا) ~~فهذه حال من يكون إدراكه الذي هو سمعه وبصره، وعمله الذي هو حركته، فيه خلل ~~واضطراب وآفة ونقص وفساد، ولكن لم يعدم ذلك بالكلية. # وهذه تشبه حال من فيه إيمان ونفاق، وفي قلبه مرض، والأولى حال من ارتد عن ~~الهدى بالكلية. # وقد قال أيضا في سورة المنافقين (1): (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) ~~اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) ذلك ~~بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3)) فأخبر أنهم آمنوا ~~ثم كفروا كما ذكر نحو ذلك في سورة البقرة، وهذا يقتضي شيئين، أحدهما: أنه ~~قد كان منهم ما هو إيمان، وأنهم رجعوا عنه، ومعلوم أنهم ليسوا كالمرتدين ~~الظاهري الردة، فإن ذلك قسم آخر ذكره الله في القرآن في غير موضع، وله حكم ~~آخر في الكتاب والسنة، بل هذه حال المنافقين المتناقضين، الذين يقولون قول ~~المؤمنين، PageV06P072 ### || CHECK - الكلام على قوله تعالى: (*قالت الأعراب أمنا قل لم تؤمنوا ولاكن قولوا أسلمنا) والفرق بين الأعراب والمنافقين # ويقولون ما ينقض قول المؤمنين، ولو كانوا صادقين محققين القول الأول لم ~~يأتوا بما يناقضه. # وليسوا أيضا تاركين لكل ما يتركه المؤمنون ويفعلونه، بل يوافقونهم على ~~شيء، ويوافقون شياطينهم على شيء، وهم وإن كانوا في الظاهر مع المؤمنين، ففي ~~الباطن مع شياطينهم، وهذا هو النفاق، وقد فسر بذلك إيمانهم وكفرهم، أي ~~امنوا ظاهرا ثم كفروا باطنا. # فالقران يدل على أنهم أولا حصل لهم هدى، ثم رجعوا عنه، مع كونهم أظهروا ~~خلاف ما يبطنون، وهذه حال طوائف من العباد، يقرون بالحق من بعض الوجوه، ولم ~~يقروا به إقرارا تاما، فهم كاذبون في دعواهم الإيمان به، ثم إنهم يتناقضون ~~فيأتون بما ينافي الإيمان، وقد قال تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا ms1011 ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا ~~يلتكم من أعمالكم شيئا) (1)، فهذا يبين أنهم دخلوا في الإسلام الذي إذا ~~عملوا فيه عملا صالحا لم ينقصوه، ومع ذلك لم يدخل حقيقة الإيمان إلى ~~قلوبهم، فكثير من الناس يقر بالحق ابتداء، وإن لم يكن في قلبه إذ ذاك تكذيب ~~به أو بغض له، بل لا يكون في قلبه حقيقة التصديق والمحبة، وإن كان فيه بعض ~~ذلك، مع إقراره بلسانه وظاهره. # وفرق بين ان يقوم بقلبه نقيض ما أظهره، وبين أن لا يحقق بقلبه ما أظهره، ~~فإن الأول قام بقلبه كفر وجودي، وهذا لم يقم بقلبه كفر PageV06P073 ### || CHECK - تقسيم النفاق إلى أكبر وأصغر، ووجوده في أئمة الضلال # وجودي، لكن لم يقم بقلبه حقيقة الإيمان، وإن كان قد دخل فيهم منادي ~~الإيمان، إذ تكلموا به، وكان له أثر في قلوبهم، فهذا- والله أعلم- حال ~~الموصوفين في سورة البقرة والمنافقين، فإنه قال: (ومن الناس من يقول آمنا ~~بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8)) (1) فأخبر أنهم في الحقيقة لم ~~يؤمنوا، وأن في قلوبهم مرضا، والمرض يكون ريبا وشكا. وأخبر أنه إذا قيل ~~لهم: (آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء) (2)، وأخبر أنهم ~~يوافقون في الظاهر المؤمنين، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم، إنما ~~نحن مستهزؤون، ثم أخبر عنهم (3) بما يقتضي ردتهم عن هدى حصل لهم، فهذا- ~~والله أعلم- يقتضي أنهم في أول الأمر حصل لهم أمر ناقص، لا يستوجبون به ~~حقيقة الإيمان، كما ذكر عن الأعراب، ولكن لو استمروا على اتباع الحق قوي ~~إيمانهم، فرجعوا عن ذلك الهدى ونافقوا المؤمنين. # والنفاق ينقسم إلى أكبر وأصغر، ومن تدبر حال كثير من أئمة الضلال- من ~~المتفلسفة والقرامطة والباطنية، ومن فيه شعب من ذلك من الجهمية والرافضة ~~ونحوهم- وجدهم على ذاك الحال، فإنهم يتناقضون، فيقرون بالحق وينكرونه، ~~ويعرفونه ثم ينكرونه، ولهذا يجمعون في كلامهم بين ما هو من قول المؤمنين، ~~وبين ما هو من قول الكفار الجاحدين، كالذي يكون مسلما، ثم يتفلسف وينافق ~~شيئا بعد شيء، كالقرامطة الذين كان ms1012 أولا فيهم إسلام، وإن كانوا مبتدعة من PageV06P074 ### || CHECK - شرح المثل في قوله تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ...) # الشيعة مثلا، ثم إن النفاق قوي فيهم، حتى جحدوا ما كانوا أقروا به أولا، ~~وصاروا يقولون: لا نقول حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا سميع ولا أصم، ~~ولا بصير ولا أعمى، ولا يتكلم ولا ساكت، ونحو ذلك، فيمتنعون أن يصفوا الله ~~تعالى بالصفات الثبوتية أو السلبية. فهذا في الحقيقة ترك الإيمان الواجب، ~~وإن كانوا قد تركوا أيضا الكفر الوجودي، فإن عدم الإيمان كفر، وبذلك يزول ~~الهدى والنور الذي حصل لهم، وكذلك إذا قالوا: هو موجود، لكن ليس بعالم ولا ~~قادر ولا حي، وكذلك إذا قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه. # ولا ريب أن في هؤلاء طوائف فيهم إقرار وإنكار، وعلم وجهل، فهؤلاء لهم ~~المثل الثاني. [والله] سبحانه وتعالى أعلم. # فصل # ثم إنه سبحانه ذكر هذين المثلين للمنافقين، أحدهما: المستوقد للنار. ~~والثاني: الصيب، هذا بالنار، وهذا بالماء، وهذا التمثيل نظير التمثيل بهما ~~في سورة الرعد، بقوله تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع ~~زبد مثله) (1)، فإنه ذكر أيضا ما يعمله الماء والنار، وأن النار فيها إضاءة ~~ونور وإشراق مع الحرارة، والماء هو مادة الحياة مع الرطوبة والحياة، والنور ~~جماع الهدى، كما قال تعالى: (أو من كان ميتا PageV06P075 ### || CHECK - السر في خلق الإنسان من علق ### || CHECK - ذكر نعمتي الخلق والهداية في القرآن # فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها) (1)، وقال: (وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور ~~(20) ولا الظل ولا الحرور (21) وما يستوي الأحياء ولا الأموات) (2). # والماء وإن كان مادة الحياة، فالنار أيضا كذلك، ولهذا فيها من الحركة ~~والشوق والإرادة ما يستلزم الحياة، لكن الماء فيه برودة ورطوبة يحصل به ~~الإحساس الذي لا بد فيه من لين، والنار فيها الحرارة التي توجب العمل، ~~والإرادة التي لا بد ms1013 فيها من حركة، فهذا مادة الإحساس، وهذا مادة الحركة ~~الإرادية، والحياة مستلزمة لهذا ولهذا، فإن الحي المطلق لا يكون ... (3)، ~~ولهذا يجمع الله بين حقيقة هاتين النعمتين والايتين اللتين بهما يكمل ~~الموجود فيما ينزله على رسله، وما خاطبت به الرسل لقومها، بل أول ما يعرف ~~به آياته أسباب الحياة والهداية، فأول ما أنزل الله على نبيه محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -: (اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) ~~اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5)) ~~(4)، فذكر الخلق والهداية عموما وخصوصا، وذكر خلق الإنسان من علق، إذ هو في ~~هذا الطور يصير حيا، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " يجمع خلق ~~أحدكم في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ~~ذلك، ثم يبعث إليه الملك، فيؤمر بأربع PageV06P076 # كلمات، فيقال: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح " (1). # فهو بعد المضغة ينفخ فيه الروح، فلو قيل: خلقه من مضغة، لكان يظن أن ~~الروح خلقت من مضغة، بخلاف ما إذا قيل: خلق من علق، فإنه يعلم أن المخلوق ~~منها هو المضغة، التي ينفخ فيها الروح. # وأيضا فالعلق واسطة بين النطفة وبين المضغة، وأيضا فمن يصير علقة يخلق ~~فيميز رأسه ويداه ورجلاه، كما قال الله تعالى في الاية الأخرى: (ثم من مضغة ~~مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم) (2)، قال من فسر ذلك من السلف: المخلقة ما تم ~~خلقها، وغير المخلقة ما أسقطها الرحم. ليبين الله لعباده مبدا خلقهم، وأنهم ~~خلقوا من هذه المضغة. ولهذا تكلم الفقهاء فيما تلقيه المرأة، مما يثبت به ~~حكم النفاس، وتنقضي به العدة والاستبراء، وتصير به المرأة أم ولد، فإنه إذا ~~كان مضغة مخلقة فلا ريب فيه، وأما إذا كان مضغة غير مخلقة أو علقة ففيه ~~نزاع، فلما قال: خلق من علق، دل بذلك على أن تخليق البدن بتصوير الأعضاء ~~كان من نفس العلقة، وهذا أخص من خلقه من نطفة، فإن ذلك تقدير جملته ~~وتصويرها قبل ms1014 التفصيل. # وأيضا فالعلق أول الاستحالات التي يخلق منها، فإنه قبل ذلك كان نطفة، ~~والنطفة لا تتعين أن تكون مبدأ الإنسان بلا ريب. ولهذا يتنازع الفقهاء أنها ~~لو ألقت نطفة، لم يثبت به شيء من أحكام الولد، لا PageV06P077 # نفاس، ولا عدة، ولا استبراء، ولا استيلاد، ولا غير ذلك، بخلاف العلقة، ~~والعلقة تنازعوا فيها، لأنه يجوز أن تكون مبدأ آدمي، ويجوز أن لا تكون، ~~ولهذا قال من قال منهم: يرجع في ذلك إلى شهادة القوابل وغيرهن. # وأيضا فالعلق دم، والدم فيه الحرارة والرطوبة، وهما سبب الحياة، ولهذا ~~كان الدم مادة حياة الإنسان، وفيه الأرواح البدنية التي تكون فيها القوى. ~~وقد دل هذا الكلام على أن الإنسان الذي هو جوهر جسم قائم بنفسه وأنه صورة- ~~مصورة، مخلوق من هذه المادة التي هي جسم أيضا، وهي العلق. فبان بهذا أن ~~الحادث بعد أن لم يكن جوهر قائم بنفسه، ليس كما يطلقه بعض المتكلمين ~~والمتفلسفة أن الحادث إنما هو صفات في الجواهر، فإن الفرق بين الصور ~~والأجسام، وبين الصفات والأعراض، فرق ظاهر كما قد بيناه في غير هذا الموضع. # والفلاسفة يفرقون أيضا بين الأمرين، ويقولون: الحال في المحل إن كان ~~المحل مستغنيا عنه فهو الموضوع، وهو الجوهر، والحال فيه هو العرض، وإن كان ~~المحل محتاجا إليه، فهو الهيولى، والحال فيه هو الصورة، ومجموعهما هو ~~الجسم، ويقولون: إن الهيولى جوهر، والصورة جوهر، والجسم جوهر، والموضوع ~~جوهر، بخلاف الحال في الموضوع فإنه عرض. # والجواهر عندهم خمسة (1): المادة، والصورة، والجسم، PageV06P078 ### || CHECK - فوائد إثبات الربوبية بطريقة القرآن # والعقل، والنفس، وإن كان الذي لا ريب فيه هو الجسم والصورة، فأما ما ~~يقوله من المادة للجسم، ومن وجود موجود قائم بنفسه ليس بجسم، فهذا لاحقيقة ~~له، كما قد بين في موضعه. # والمقصود هنا أن الله سبحانه ذكر خلق الإنسان من علق، وهو الإنسان حي، ~~فذكر خلق الحياة، ثم ذكر التعليم مطلقا، والتعليم بالقلم، وهو الهداية التي ~~هي النور، فذكر خلق الحي وهدايته، مبينا بذلك أنه خالقه أول ما أنزل على ~~نبيه، وكذلك ms1015 قال: (سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر ~~فهدى (3)) (1)، فذكر أيضا هذين النوعين. وكذلك قال موسى لفرعون: (الذي أعطى ~~كل شيء خلقه ثم هدى (50)) (2). # وفي إثبات الربوبية بهذه الطريقة فوائد عظيمة يطول ذكرها هنا. # منها: أن ذلك تعريف للإنسان بحال نفسه ونوعه وجنسه، وذلك أقرب الأمور ~~إليه، فهي دلالة له لازمة له ذاتية. # ومنها: أن ذلك يبين فقره وحاجته، وأنه مربوب مقهور مدبر. # ومنها: أن ذلك يثبت القدر، وأنه خالق الحيوان وأفعالهم، وذلك يدل بطريق ~~التنبيه على خلق غير الحيوان، فإن كثيرا من الناس عرضت لهم شبهة في خلق ~~أفعال الحيوان، لما له من العلم والقدرة والإرادة. PageV06P079 # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن ما يستدل به على أن الله خالق غير العبد، ~~يستدل به على ذلك في العبد، وإن أشبهه ذلك، حتى إن مناظري القدرية لم يتفطن ~~جمهور متكلميهم على ذلك. وذكرنا أن الخوض في القدر أصل كل شبهة في العالم، ~~فبين سبحانه أنه خلق وعلم، وخلق فسوى، وقدر فهدى، فإنه إذا كان هو المعلم ~~الهادي إلى خلقه، فمعلوم أن مبدأ الحركات الإرادية هو جنس العلم، والتعليم ~~ينطبق على تعليم الناطق والبهيم، كما قال تعالى: (وما علمتم من الجوارح ~~مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله) (1)، وذكر الكلب المعلم، والفرق بينه وبين ~~غير المعلم ثابت بالسنة الثابتة واتفاق العلماء. # ولهذا قال سبحانه: (قدر فهدى (3)) (2) فجعل التقدير قبل الهداية، كما جعل ~~الخلق قبل التسوية، والتقدير يتضمن علمه بما قدره، وقد يتضمن تكلمه به ~~وكتابته له، فدل ذلك على ثبوت القدر، وعلى أن أصل القدر هو علمه أيضا، فدل ~~ذلك على أنه بكل شيء عليم، ولهذا قال في السورة الأخرى: (الذي علم بالقلم ~~(4) علم الإنسان ما لم يعلم (5)) (3)، والكتابة بالقلم تتضمن القول، والقول ~~يتضمن العلم، وهذه الثلاثة هي مراتب التقدير العلمي، وذلك مذكور بعد خلق ~~العين، فذكر إحداثه لذاته وصفاته وأفعاله، فانظر كيف كانت الرسالة تتضمن ~~الدلالة بهذين الأصلين: الخلق المستلزم للحياة، والهدى PageV06P080 ### || CHECK - التمثيل بالماء والنار # والنور الذي هو كمال ms1016 الحياة. # وكذلك قال الخليل عليه السلام لما قال: (ربى الذى يحي ويميت) (1)، ذكر ~~الأصل الأول، ثم ذكر أن الله يأتي بالشمس من المشرق، وفي الشمس الضياء ~~والنور الذي يعيش الناس، فذكر الحياة والنور. # فهذه المعاني في التمثيل بالماء والنار، وأيضا فالماء رطب، والنار حارة، ~~والحياة إنما تحصل بالحرارة والرطوبة، ولما ذكر الله في سورة الواقعة خلقه ~~للنسل والحرث للخلق والرزق بقوله: (أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم ~~نحن الخالقون (59)) (2)، وقوله: (أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم ~~نحن الزارعون (64)) (3)، فذكر النسل والحرث، وذلك يتضمن خلق الإنسان وخلق ~~طعامه، كما قال: (فلينظر الإنسان إلى طعامه (24)) (4) الآية، ثم ذكر بعد ~~ذلك ما يتم به الحرث والنسل من الماء والنار، فقال: (أفرأيتم الماء الذي ~~تشربون (68)) (5)، (أفرأيتم النار التي تورون (71)) (6). # وأيضا فالتمثيل بالنار يقتضى الحركة، وحرارة الطلب والإرادة، PageV06P081 # والشوق والمحبة، والنور والهدى مع ذلك، فتبين أن العلم لا يحصل إلا بعمل، ~~والعمل مقارن للعلم، كما قد بينا ذلك في غير هذا الموضع، وبينا تلازم العلم ~~والعمل، وذلك أنها مثل الحياة. # وأيضا ففي النار إنارة وحرارة وأشواق، ففي التمثيل بذلك إشارة إلى أن ~~النور والهدى في القلب، لا يحصل إلا بنوع من الحرارة التي تكون عن الحركة ~~والشوق والمحبة، فإن الحب والشوق والطلب يوجب للقلب أعظم من حرارة النار ~~البسيطة، هكذا يقوله الطبيعيون، وكذلك يجربه العاشقون، كما قال بعضهم: إن ~~لم تكن نار المحبين أعظم من نار جهنم، وإلا كان كذا وكذا. # فإذا كان النور مع الحرارة المقارنة للحركة والمحبة والإرادة، دل ذلك على ~~أن الهدى ينال بذلك، كما قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ~~(1)، قال معاذ بن جبل: والبحث في العلم جهاد. # وقال تعالى: (الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) (2) فعلق ~~الهداية بالإنابة، وقال: (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) (3)، ~~وقال تعالى: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) ~~وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68)) (4). PageV06P082 # وأما الماء ففيه رطوبة وبرودة، وفيه إرواء ms1017 وإغراق، وهذا يدفع ضرره ~~الحرارة التي في النار، كما أن العطشان يجد حرارة العطش، فإذا شرب الماء ~~روي، فكذلك طالب الهدى يكون عنده شوق وطلب وحرارة حين يكون طالبا، فإذا ~~أتاه الهدى، وأحيا قلبه بحياة العلم والإيمان، روي بذلك، ووجد له اللذة، ~~وأما إذا كان عنده الحرارة النارية التي توجب له الحياة المشوقة له ولم ~~يشرب، فإنه يكون عذابا له، كالذي يصلى النار الكبرى، ثم لا يموت فيها ولا ~~يحيى، فإن حياته لم تحصل مقصودها من الهدى واللذة، وما لم يحصل مقصوده يصح ~~نفيه، فإن الشيء إنما هو مطلوب لأجل مقصوده، كما يقال عما لا ينفع: ليس ~~بشيء. وهذا باب مبسوط في موضعه، كقوله: "لا نكاح إلا بولي" (1)، "ولا بيع ~~فيما لا يملك" (2)، ونحو ذلك. # وهو لم يمت أيضا، لأنه فيه حياة، وهذا باب واسع، قال الإمام أحمد في أول ~~خطبته (3): "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل ~~العلم، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل ~~لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال PageV06P083 # تائه قد هدوه ". # وقد قال الله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا) (1)، ~~فسماه روحا ونورا، ليبين أن به الحياة والهدى، والهدى يتضمن اهتداء الحي ~~إلى ما ينفعه هو، الذي يوجب لذته وفرحه وسروره، وذلك كما قال الله تعالى: ~~(أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله) ~~(2)،ولهذا قالت الملائكة: حياك الله وبياك (3)، أي أضحكك، والضحك إنما يكون ~~عند السرور. PageV06P084 ### | CHECK (4) فصل في التوحيد # فصل # في التوحيد PageV06P085 ### || CHECK - يمتنع أن يكون شيئان كل منهما علة للآخر وسبب له ### || CHECK - تفسير قوله تعالى: (لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا) # الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله ~~وأصحابه ms1018 أجمعين .. # قال الشيخ الإمام العالم الزاهد القدوة المحقق أبو العباس أحمد ابن الشيخ ~~الإمام العالم الورع عبد الحليم ابن الشيخ الإمام العالم الورع الفاضل أبي ~~البركات ابن تيمية رضي الله عنه وأرضاه: # فصل في التوحيد # قال الله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب ~~العرش عما يصفون (22)) (1)، قد كتبنا فيما تقدم قواعد تتعلق بذلك في توحيد ~~الربوبية، وفي توحيد الإلهية، وفي أنه كما يمتنع أن يكون للخلق ربان، يمتنع ~~أن يكون له إلهان، وتكلمنا على العلل والأسباب الفاعلية والغائية، وما ~~يتعلق بقوله: (إياك نعبد وإياك نستعين (5)) وفي أن جميع الحركات ناشئة عن ~~المحبة التي هي حقيقة العبادة، وبسطنا الكلام في هذه المواضع بسطا شريفا ~~نافعا كاشفا، ولله الحمد. # فنقول: إنه يمتنع أن يكون شيئان كل منهما علة للآخر وسبب له، لما فيه من ~~الدور القبلي، ولا يمتنع شيئان كل منهما مع الآخر بشرط فيه، وهو الدور المعي. # وقد بينا هذا في جواب مسائل الدور، وذلك أن العلة والسبب PageV06P087 ### || CHECK - بيان امتناع الدور القبلي في العلة الغائية # والفاعل يجب أن تتقدم المعلول والمسبب والمفعول، فإذا كان هذا علة ذاك، ~~وجب أن يكون هذا قبله. وإذا كان ذاك علة هذا وجب أن يكون ذاك قبله، فيجب أن ~~يكون هذا قبل ذاك، وذاك قبل هذا، وهو ممتنع، إذ هذا إذا كان قبل ذاك، وذاك ~~قبله، كان ذاك قبل قبل نفسه، وهو لو كان قبل نفسه كان ممتنعا، لالتزامه ~~اجتماع النقيضين، إذ هو قبل نفسه معدوم، فإذا كان قبلها كان معدوما موجودا، ~~فيلزم هنا اجتماعهما مرتين. # وكذلك إذا قيل: يلزم أن يكون ذاك قبل هذا، وهذا قبله، يلزم مثل ذلك، ~~فيلزم أن يكون ذاك قبل قبل نفسه، وهذان الاجتماعان هما ذانك باعيانهما، ~~وإنما فيه التقديم والتأخير، ومضمونه أن يكون الشيء موجودا قبل أن يكون ~~موجودا بدرجتين، فإن كون الشيء فاعلا لنفسه ممتنع، فكيف يكون فاعلا لفاعل ~~نفسه، وكذا كونه علة نفسه يعني أن نفسه وجدت فأوجدت نفسه، وهذا الممتنع ~~لازم ms1019 في العلتين جميعا، فيلزم اجتماع النقيضين أربع مرات. # وكذلك يمتنع في العلة الغائية، التي يقال لها الحكمة والعاقبة، سواء كانت ~~العلة جوهرا أو عرضا. وذلك أن الغائية يجب تأخرها عن المعلول في الوجود، ~~كما يجب تقدم العلة الفاعلة التي هي السبب، فإذا كان هذا علة ذاك لزم تاخر ~~هذا عن ذاك، وبالعكس، يلزم تاخر ذاك عن هذا، فيكون هذا متاخرا عن نفسه ~~بدرجتين، فيلزم هنا مثل ما لزم هناك، وهو اجتماع النقيضين أربع مرات، فإن ~~امتناع تأخر هذا عن نفسه بدرجة أو درجتين، وهكذا ذاك. PageV06P088 ### || CHECK - الفاعلان إذا تعاونا على فعل واحد لم يكن أحدهما فاعلا للمفعول ولا للفاعل الآخر # وكذا إذا قدر أن الغاية عرض من الأعراض، كاللذة مثلا والتنغم والانتفاع ~~وغير ذلك، فإنه يجب تأخر هذا عن ذاك، وذاك عن هذا، فيلزم ما تقدم من ~~التناقض أربع مرات. # وأيضا فالعلة الغائية علة فاعلية للعلة الفاعلية، لأنها متقدمة في العلم ~~والقصد، فيجب أن يكون هذا متقدما على ذاك علما وقصدا، فيكون هو المقصود ~~بالقصد الأول، وأن يكون ذاك متقدما على هذا، فيكون هو المقصود بالقصد ~~الأول، فيلزم تقدم هذا على ذاك، أو تقدم ذاك على هذا، وبالعكس، فيلزم تقدم ~~كل منهما على نفسه بمرتبتين، فكما لا يفعل هذا لذاك، وبالعكس، لا يكون هذا ~~هو المقصود من فعل ذاك وبالعكس. # وهذا يبين في الفاعل الواحد الذي هو القاصد، قدر كل منهما فاعلا مفعولا، ~~والغاية غيرهما، وهنا قدر كل منهما مفعولا وغاية، والفاعل غيرهما، ويجوز أن ~~يكون اثنان مفعولان لفاعل واحد معا، ويكون وجود أحدهما مشروطا بالاخر، بحيث ~~لا يوجد كل منهما إلا مع الآخر، كالمتضايفات، مثل: الأبوة والبنوة وغيرهما، ~~فهما مقترنان متلازمان لفاعل ثالث، فكذلك يجوز أن تكون غاية واحدة مقصودة ~~من مفعولين، ويكون وجود أحدهما مشروطا بوجود الآخر، لا يوجد إلا معه، ~~والغاية أمر ثالث غيرهما، كالأجزاء المركبة، والأمور المتلازمة، والأعضاء ~~ونحو ذلك. # والفاعلان إذا تعاونا على فعل واحد كتعاون المتناظرين والمتحاملين والجيش ~~والسابين ونحو ذلك، لم يكن أحدهما ms1020 فاعلا PageV06P089 ### || CHECK - معنى قول بعض الفقهاء: يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين ### || CHECK - الفعل الواحد في الحقيقة لا يكون عن فاعلين اثنين # للمفعول، ولا للفاعل الآخر، بل كل منهما فاعل بعض ذلك المفعول، ومفعول ~~أحدهما مع مفعول الآخر وشرط فيه، فالفعلان معا كالأخوين كالوالد والولد. # وكذلك الفعلان، إذا كان لكل منهما غاية، والغايتان متعاونتان مشتركتان، ~~بحيث يكون قصد إحداهما مع قصد الآخر، كالزوجين المتناكحين، وكالمتبايعين ~~ونحوهما ممن يقصد كل منهما بفعله الآخر نظير ما يقصد الآخر بفعله، فهنا ~~ليست واحدة من الغايتين علة للأخرى، بل كل منهما علة فعل الآخر قاصدها، ~~ولكن كل من العلتين المقصودتين الغائيتين معاونة للأخرى ومقارنة لها ودائرة ~~معها دورا معيا، والفاعلان المتعاونان كل منهما لفعله سبب غير المعاون، ~~كذلك المقصودان الغايتان لكل منهما حكمة مقصودة غير الغاية المعاونة، وقد ~~يكون سبب الفاعلين واحد، كالفاعلين بعضوين، كالذي يأمر رجلين بالتعاون، ~~وكالذي يغسل إحدى اليدين بالأخرى. وقد يكون مقصود المقصودين وغايتهما ~~واحدة، كالغاية من المتناكحين، وهو انعقاد الولد. # فصل # الفعل الواحد في الحقيقة لا يكون عن فاعلين اثنين، وكذلك المعلول الواحد ~~في الحقيقة لا يكون عن علتين تامتين. # وقول من قال من الفقهاء: يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين، يعنون به تعليل ~~الحكم الواحد بالنوع، كالملك وحل الدم، والحكم الواحد بالنوع له علة واحدة ~~بالنوع، والواحد بالعين له علة واحدة PageV06P090 # بالعين. # وإذا تعددت أشخاص النوع من العلل تعددت أشخاص الأنواع من الأحكام، وإذا ~~كانت هناك جنس من العلل له علل مختلفة كان لها أحكام مختلفة، وإن كان جنس ~~من الأحكام له أنواع مختلفة كان له أسباب مختلفة، ومثل هذا يجوز، فلا نزاع، ~~لكن هذا يعلم بالنص والإجماع. # وأما إذا وجدنا حكما واحدا وهناك وصفان مناسبان له، فهل يجوز جعلهما ~~علتين كل منهما مستقل بالحكم بدون الآخر، بدون أن نعلم ذلك بدليل غير ~~الاستنباط؟ أو الواجب تعليق الحكم بهما جميعا وجعلهما جزءا العلة؟ الصواب ~~هو الثاني، وهو معنى قول من قال: يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين ~~لا مستنبطتين، وهو ms1021 في الحقيقة واحد النوع، أي كل منهما مستقلة بالحكم في ~~محل آخر. # وبهذا يظهر الفرق وعدم التأثير، فإن الفرق معارضه في الأصل وفي الفرع بأن ~~يبدي الفارق في الأصل وصفا آخر غير وصف المستدل له مدخل في التعليل، أو ~~يبدي في الفرع وصفا مختصا به يمنع من إلحاقه بالأصل، فإذا عارض في الأصل ~~بوصف آخر، فلو كان كل وصف مناسب يمكن جعله علة مستقلة لما أمكن الفرق قط، ~~لإمكان أن يقول المستدل: وصفي علة، وهذا الوصف علة أخرى، فلا يقدح هذا في ~~تعليل الحكم بوصفي. # وهذا باطل لا ريب فيه عند الفقهاء، إلا أن يبيق المستدل استقلال ذلك ~~الوصف بالحكم، وذلك إنما يكون باعتبار الشارع له وحده بدليل PageV06P091 # اخر، غير المناسبة ومجرد التأثير الذي لا يقتضي استقلاله بالحكم. # وأما عدم التأثير فأن يبين المعترض ثبوت الحكم بدون الوصف، كما أن النقض ~~إبداء الحكم بدون الوصف فإن ذلك يبين أن الحكم غني عن الوصف، فلا يكون ~~مؤثرا فيه، بل المؤثر في الحكم غيره. # وهذا إنما يكون إذا لم يخلف ذلك الوصف وصف آخر، فإن كان قد ثبت الحكم عند ~~انتفاء هذا الوصف لعلة أخرى لم يقدح فيه، لكون الحكم له علتان، مع عدم ~~إحداهما كان لوجود الأخرى. # فالفارق يقول: هذا الوصف ليس هو المؤثر، بل المؤثر هو والوصف الآخر، أو ~~الوصف الآخر، فلا يكون هو العلة. # ونافي التأثير يقول: هذا الوصف ليس هو المؤثر، لأن الحكم ثابت بدونه، ففي ~~كل من الوضعين قد بين استغناء الحكم عن كون الوصف علة، تارة بوجوده دونه، ~~وتارة بأن معه غيره. # فذاك وجود الحكم بدون وجوده، وهذا وجود الحكم بدون تأثيره واقتضائه، ~~وكلاهما معارضة في علية الوصف. # كما أن النقض أيضا معارضة، وإذا كان في الفرق مع قولنا: يصح تعليل الحكم ~~بعلتين، ليس له دعوى ذلك، إذا لم يثبت العلية إلا بالاستنباط، بل الأصل أن ~~تكون العلة جميع الأوصاف، لا أن كل وصف علة. # كذلك في عدم التأثير، ليس له أن يقول: ثبوت الحكم بدون ms1022 هذا الوصف كان ~~لعلة أخرى إن لم يبين تلك العلة، لأن الأصل عدم علة PageV06P092 ### || CHECK - الحكم الواحد بالعين إذا اجتمعت فيه أسباب # أخرى، والأصل زوال الحكم لزوال علته. # وأما إمكان أن تخلفها علة أخرى فتحتاج إلى ثبوت علة أخرى غيرها، وإلى ~~بيان وجودها، وهذا لا يكون مجرد الاستنباط، فليس له أن يقول: إنما وجد ~~الحكم هناك لوجود الوصف الآخر المناسب، وذاك علة أخرى، بل يقال له: ذاك جزء ~~العلة، كما يقول الفارق سواء، فإن وجود الحكم بدون الوصف المعلل به كوجود ~~الحكم بدون كونه علة، وكلاهما معارضة في كون الوصف المعلل به علة، لكن هذا ~~بين ذلك بوجود الحكم مع غيره، فلم يكن هذا المقتضي له. # وبهذا يتبين صحة سؤال عدم التأثير مع قولنا بجواز تعليل الحكم بعلتين ~~وكذلك سؤال الفرق، فإنهما سؤالان مشهوران مستعملان عند أئمة الفقهاء ~~القائلين بجواز تعليل الحكم بعلتين، وذلك أنهم قالوا: "يجوز في الجملة". لم ~~يقولوا: إنا نحكم به حيث رأينا وصفين، ولا أنه يسوغ أن يدعى تعليل الحكم ~~بعلتين لمجرد ذلك، بل هم إنما أثبتوا ذلك في تعليل الحكم الواحد بالنوع ~~بعلل منصوصة، فهذا شرطان موجودان فيما ذكروه من الصور. # وقد ظهر الكلام في أحد الشرطين، وهو النص، وأما الكلام في الشرط الثاني، ~~وهو المناسب لهذا المقام، فإن الحكم الواحد بالعين إذا اجتمعت فيه أسباب، ~~فلا يخلو إما أن يكون كل منها مستقلا به لو انفرد. # أما الأول: فظاهر أنها علة واحدة، والأوصاف أبعاضها، لا أنها علل. PageV06P093 ### || CHECK - الشيء الواحد لا يجتمع له سببان مستقلان # وأما الثاني: مثل الردة والزنا والقصاص في حل الدم، ومثل الحيض والجنابة ~~في إيجاب الغسل، ومثل المس والبول في نقض الوضوء. # فهذا وان حصل نزاع في كون الحكم وإن حصل واحدا أو متعددا، فالصواب أنها ~~أحكام متعددة، وعلى ذلك نص الأئمة، كما قال الإمام أحمد في بعض ما ذكره: ~~هذا مثل لحم خنزير ميت، حرام من وجهين، فلو كان الحكم واحدا لم يفرق بين ~~الخنزير الميت وبين الميتة من ms1023 غير الخنزير، بل أثبت فيه تحريمين. # وكذلك حل الدم بالأسباب المجتمعة هو حل متعدد، ولكن ضاق المحل، ولهذا إذا ~~زال الواحد بقي الآخر، ولو كان الحل واحدا لوجب إذا زال أحدها أن يكون قد ~~زال بعضه، فيكون الباقي بعض حل، فلا يباح، لكن قد تتداخل هذه الأحكام، ~~فتداخلها لا يمنع تعددها. # وعلى هذا، فإذا وجبت عليه حدود، فالواجب عقوبات متداخلة من جنس، وقول ~~الفقهاء: تتداخل، كمن سرق ثم سرق، أو شرب ثم شرب، دليل على أن الثابت ~~أحكام، لكن لاتحاد الجنس في مثل هذا تداخلت، وإلا فالشيء الواحد لا يعقل ~~فيه تداخل، وإنما التداخل مع التعدد. # وهذا كله مما يبين أن الشيء الواحد لا يجتمع له سببان مستقلان، وكذلك ~~الفعل الواحد والمفعول الواحد، لا يتصور أن يصدر عن فاعلين تامين، فالشخصان ~~المتعاونان على حمل شيء يقوم بذات كل PageV06P094 # منهما من الفعل ما لا يقوم بذات الآخر، فليس فعلهما واحدا بل متعدد. # وأما المفعول، وهو أثر فعلهما، وهو ما قام بالمحمول من الحمل، فأثر فعل ~~أحدهما الموجود في المحمول ليس هو أثر فعل الآخر، بل هو غيره، والمحمول لم ~~يكن محمولا بفعل هذا وحده وأثره، ولا بفعل هذا وحده وأثره، بل بالمجموع، ~~فليس كل منهما فاعلا بل جزء فاعل، والفاعل مجموعهما، وليس كل منهما مستقلأ ~~بالحمل في مثل هذا، بل المعلوم بالاضطرار أن المفعول بين فاعلين لا يكون كل ~~منهما مستقلا به، فإن المستقل هو الذي يفعل الفعل وحده، فإذا قدر أن له فيه ~~شريكا وقيل مع ذلك: إنه مستقل، كان جمعا بين النقيضين، وكان التقدير أنه ما ~~فعله إلا وحده، وأنه ما فعله إلا هو وغيره، فيكون فيه إثبات فعل الغير، ~~وهذا جمع بين النقيضين. # وإذا لم يكن أحدهما مستقلأ بالفعل في صورة التعاون، فهل يقال: لو انفرد ~~أحدهما لاستقل به؟ # هذا قد لا يمكن في صور كثيرة، وفي صور يمكن، كأن يكون حينئذ الفعل ~~الموجود من المستقل أكمل منه إذا كان له معين وشريك. # وأما أن يقال: فعله إذا ms1024 كان له شريك معاون، مثل فعله إذا كان مستقلا، ~~فهذا باطل، وفيه جمع بين النقيضين أيضا، لأنه إذا كان له شريك معاون، وقدر ~~أن المفعول الموجود معه هو مثل الموجود في صورة الاستقلال سواء، فإن لم يكن ~~لهذا الشريك تأثير فيه لم يكن شريكا، وإن كان له تأثير فقد فعل بعض ~~المفعول، فلا يكون إلا فاعلا PageV06P095 # لبعضه، وفي الاستقلال فعله كله. # ومن الممتنع أن يكون بأنه يفعل الجميع وحده، مساويا لما به يفعل البعض من ~~القدرة والعمل إذا كان له شريك، بل هو أكمل معه، كما نجده في الواقع أن ~~الإنسان إذا فعل عملا وحده ما كان يفعله هو وشريكه بغير عمله، ولم يكن حالى ~~الانفراد مثله حال الاشتراك، كما يظهر ذلك في الاشتراك المعوق، كازدحام ~~الرؤساء، فإنه إذا زال الشريك حصل بانفراد الرئيس راحة له وتمكن. كما يتمكن ~~الشريك من التصرف في الملك المشترك إذا صار له وحده ما لم يكن يتمكن حين ~~كان معه شريكه، وقد يعجز عن أن يفعل وحده ما كان يفعل هو وشريكه، وقد يقدر ~~لكن بنوع من زيادة العمل، وهذا كله موجود. # والمقصود هنا أنه من البين في بدائه العقول عند وجود التصرف أن الفعل ~~الواحد لا يكون من فاعلين، ولا المقدور من الواحد قادر بينهما، لما اشتركا ~~فيه وجد من كل منهما بعضه لا كله، إذ صدوره من كل منهما جمع بين النقيضين، ~~وبذلك يتبين أن الاشتراك في الفعل في كل من الشريكين، فإنه إذا لم يكن ~~قادرا على الفعل وحده كان عاجزا، وإن كان قادرا على العمل وحده فوجود الآخر ~~معه منعه عن نفاذ قدرته، إذ هو لا يمكن مع معاونة الآخر أن يفعل الفعل كله، ~~بل بعضه، فإن كان الكل مقدورا كان ممنوعا، وإن لم يكن الكل مقدورا كان ~~عاجزا، والممنوع كالعاجز، فالمشاركة في العمل تقتضي عجز كل منهما، وعدم ~~كمال قدرته على ذلك العمل حين الاشتراك. وهذا تمانع بأن المنع من فعل البعض ~~كالمنع من فعل الجميع، فظهر أن الاشتراك ms1025 PageV06P096 ### || CHECK - استنباط دليل التمانع من الآية غلط عظيم # نفسه مع التعاون والتناصر هو تمانع يقتضي عجز كل منهما. # وأما التمانع الذي قدروه- أعني المتكلمين- فذاك تمانع الإرادتين، فهذا لا ~~يكون إلا مفروضا، لا يمكن أن يكون موجودا، فلا يتصور صدور العالم عن ربين ~~متمانعين، بل المتمانعان لا يفعلان شيئا. # وظنهم أن هذه الآية هي دليل التمانع غلط عظيم، فإن التمانع لا يقدر في ~~فعل موجود أصلا، وقولهم: لو قدرنا ربين لكان إذا أراد أحدهما تحريك جسم، ~~وأراد الآخر تسكينه، إما أن ينفذ مرادهما، فيجتمع الضدان، أو لا ينفذ ~~مرادهما، فيكونا عاجزين، أو ينفذ مراد أحدهما، فهو الرب القادر والاخر ~~مربوب عاجز= لا يدل (1) على امتناع الاشتراك فيما وجد، وإنما يدل على أن ~~المتمانعين لا يفعلان شيئا ما داما متمانعين، إذ حينئذ يلزم اجتماع الضدين ~~أو عجز الربين، والعاجز لا يفعل، لكن ليس فيه ما يدل على أنهما إذا لم ~~يتمانعا بل تعاونا أنهما لا يفعلان، فمن أين بدل هذا على أن الفعل الموجود ~~لا يكون عن اثنين؟ # لكن دلوا به من وجه اخر، وهو أنهما لو وجدا لتمانعا في الفعل، فكان لا ~~يوجد، وقد وجد، فلم يتمانعا، فلم يوجدا، فاستدلوا بوجود الفعل على انتفاء ~~التمانع. والتمانع إما أن يكون لازما لوجودهما أو ممكنا، فإذا قدر لم يلزم ~~محال، أو لا يكون ممكنا، فيكون كل منهما غير قادر على منع الآخر من مراده، ~~والعاجز لا يكون ربا، فثبت عجز PageV06P097 # كل منهما إذا لم يقدر على منع الآخر. # وهذا بعينه هو العجز حال التعاون إذ كان كل منهما عاجزا عن الفعل وحده، ~~فظهر بما ذكرناه أن دليل التمانع إنما يصح إذا كان التمانع لازما لهما أو ~~جائزا عليهما، وأما إذا قدر وجوب اتحاد الإرادتين، كان هو الدليل الأول ~~المذكور في امتناع الفعل الواحد من فاعلين، ولزوم العجز للمتعاونين، لكن ~~ذاك عجز عن الاستقلال بالفعل، وهذا عجز عن منع الآخر منه. # وأيضا فإن المتعاونين لأنه لا يتميز مفعول أحدهما عن مفعول الآخر، فلا ~~يكون الشيء ms1026 الواحد الموجود في العالم واحدا فعل أحدهما. # ومعلوم أن العالم يتميز فيه هذا عن هذا، يدل عليه قوله: (إذا لذهب كل إله ~~بما خلق) (1)، ولهذا قال الثنوية: بأن مفعول النور ليس هو مفعول الظلمة، بل ~~زعموا باختلاط المفعولين وامتزاجهما مع التباين، كما زعم من زعم من الثنوية ~~بأن نفس الأصلين امتزجا واختلطا ثم تميزا، فلم يقل أحد من العقلاء: إن ~~المفعول الواحد صدر عن اثنين، وهذا توحيد الربوبية، وهو متفق عليه بين ~~العقلاء، ولم يكن هو المقصود بالذكر ولا الاية أنزلت لتقريره، كما يظنه من ~~يظنه من المتكلمين، وإنما هي لتوحيد الإلهية المستلزم لتوحيد الربوبية، وهو ~~الذي قصدناه في هذا الموضع. PageV06P098 ### || CHECK - يستحيل أن يكون إلهان كل منهما معبود لشيء، ويستحيل أن يكون ربان كل منهما فاعل الشيء # فصل # فنقول: كما استحال أن يكون ربان كل منهما فاعل الشيء، فكذلك يستحيل أن ~~يكون إلهان كل منهما معبود لشيء، كما قدمنا أنه إذا استحال كون كل من ~~الشئين فاعلا للآخر وعلة له، فيستحيل أن يكون كل منهما هو المقصود للآخر، ~~والعلة الغائية له، لمفعول لهما، سواء اشتركا في مفعول أو انفرد كل منهما ~~بمفعول مباين. # وكذلك يستحيل أن يكون الشيء فاعلا لنفسه محدثا لها، ويستحيل أن يكون هو ~~الغاية المقصودة من فعل نفسه لفاعلها، فكما لا يكون شيء من الموجودات ربا ~~لنفسه فاعلا، فلا يكون شيء منها مقصودا لنفسه، هي الغاية المطلوبة من ~~وجوده، بل كما وجب أن يكون لجميع المصنوعات رب غيرها فعلها وأحدثها، وجب أن ~~يكون ثبوته بعد أن خلقهم، إذ الحاجة إلى المقصود قبل الافتقار إلى ألوهيته، ~~وهو أعظم الوجهين، فقد يكون لفعلهما جميعا مقصودا مرادا غيرها. # والخارج عن الممكنات المحدثات هو الله الذي لا رب غيره، ولا إله إلا هو، ~~فهو ربها كلها وخالقها ومليكها، وهو إلهها جميعا، الذي يجب أن يكون هو ~~المعبود المقصود المراد بها جميعها، فهو نفسه هو الفاعل لأجل نفسه، إذ لا ~~يجوز أن تكون الغاية المقصودة له غيره، كما لا يجوز أن ms1027 يكون الرب الفاعل غيره. # ومعلوم أن كل واحد من العلتين- الفاعل والغاية- خارج (1) عن PageV06P099 # الشيء المفعول، وإنما جزاه المادة والصورة، إذ المادة والصورة هما ماهيته ~~وحقيقته، فلا يجوز أن يكون في المخلوقات ما هو فاعل لها. # كذلك لا يجوز أن يكون فيها ما هو المقصود المراد لفاعلها، ومن هنا تندفع ~~مسائل الإرادة الموجبة بالذات والتعليل والتجوير، وتعليل أفعاله، فإن ~~المعللين أوجب ذلك عليهم رعاية الحكمة، والمانعين أوجب المنع عليهم رعاية ~~الغنى، فإن الفاعل لأجل غيره مفتقر إلى ذلك الغير، فأما إذا فعل لأجل نفسه ~~كان غاية ما يقال: إنه فعل لنفسه، كما يقال: واجب بنفسه. # وهذا خيال باطل، إنما يتوهم صدقه لأنه يظن أن نفسه منفصلة عن نفسه، وأن ~~الشيء الفاعل نفسه هو شيء متقدم عليها، والشيء المطلوب المقصود هو شيء ~~منفصل عن نفسه التي لها القصد والإرادة. وكل ذلك باطل، بل هو سبحانه القائم ~~بنفسه الذي هو موجود بها، ومريد لها، ومحب لها، ومسبح لنفسه، ومثني على ~~نفسه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما ~~أثنيت على نفسك" (1). # ومن هنا يظهر الفرق بين ما يحبه ويرضاه، وبين ما يريده من غير محبته، فإن ~~ذلك محبوب لنفسه مرضي لها، وهذا مراد من جهة الربوبية. # لكن يقال: هو فعل الأفعال بإرادته، فالوجود كله بمشيئته، لكنه PageV06P100 ### || CHECK - معنى حديث "والشر ليس إليك" # يحب ويرضى شيئا دون شيء، وذلك في مفعولاته وأفعال عباده، فهو فعل لوجود ~~ما يحبه ويرضاه، ومراده وجود المحبوب المرضي، وهو ألوهيته وكونه هو المقصود ~~المراد، وإن كان في ضمن ذلك قد فعل ما أراده، وهو لا يحبه ويرضاه، لأن فعله ~~له وسيلة إلى ما يحبه ويرضاه، فهو مراد بالقصد الثاني. وقد بسطنا في غير ~~هذا الموضع من كلامنا في القدر، وتكلمنا على أنواع تتعلق بذلك. # ومن هنا يعرف قوله عليه الصلاة والسلام: "والشر ليس إليك" (1)، فإن الله ~~إليه المنتهى من جهة إلهيته، والشر لا ينتهي إليه، ولا يصعد إليه، ولا يصل ~~إليه، ولا يحبه، ولا ms1028 يرضاه، فهو قطع له من جهة الألوهية، وهذا نحو قول من ~~قال: لا يتقرب به إليك، ألا ترى كيف قال في الأضحية: "اللهم منك ولك" (2). # لكن قد يقال: المعروف إن قال: هذا العمل لله، فكان مناسبه أن يقال: والشر ~~ليس إليك. وأما "إلى" فيعدى بها الفعل، كما قال الخليل عليه السلام: (إني ~~ذاهب إلى ربي سيهدين (99)) (3)، وقال: (إنك كادح إلى ربك كدحا) (4). # فيقال: وقد قال (5): PageV06P101 # رب العباد إليك الوجه والعمل # وأما من جهة الربوبية فهي مخلوقة، لكن بالقصد الثاني لأجل غيره، وليس هو ~~أيضا مرادا بالإرادة الأولى، ولا مخلوقا بالقصد الأول، فليس هو مضافا إليه ~~من جهة كونه شرا، إذ لم يقصده ويرده من هذه الجهة، ولكن من جهة ما هو وسيلة ~~إلى الخير الذي هو يبدئه، كما قال تعالى: (أحسن كل شيء خلقه) (1)، وقال: ~~(صنع الله الذي أتقن كل شيء) (2)، وهو لم يقل: الشر ليس بك ولا منك ولا من ~~عندك، بل قد يقال: كل من عند الله في الحسنات والسيئات، التي هي المسار ~~والمصائب، كما قد بينته في غير هذا الموضع. # وقد يعترض على هذا فيقال: قد فرق بينهما في قوله: (فمن الله) و (فمن ~~نفسك) (3) في هذه الاية، وفي قوله: (فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله ~~علي إذ لم أكن معهم) (4) الاية، و (ولئن أصابكم فضل من الله) (5)، وقد قال ~~تعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله) (6)، وقال: (ولئن أذقنا الإنسان منا ~~رحمة) (7) ولم يقل في الشر مثل ذلك. PageV06P102 # فالمقصود هنا أنه سبحانه كما أنه واجب بنفسه، فهو محبوب لنفسه، مثني على ~~نفسه، ومن هذا صلواته بثنائه على نفسه وطلبه من نفسه، وهذا غير صلاته على ~~عباده. 0. (1) يحب ما أمر به، ويحب عباده المؤمنين. # وقد خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57)) (2)، وفي ~~الصحيحين (3) عن معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أتدري ما ~~حق الله على عباده؟ " قلت: الله ms1029 ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا ~~به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ " قلت: الله ورسوله ~~أعلم، قال: "حقهم عليه أن لا يعذبهم ". # وفي الحديث الذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء (4) عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -:"يقول الله: يا عبدي! إنما هي أربعة: واحدة لي، وواحدة لك، ~~وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي، فأما التي لي فتعبدني لا تشرك ~~بي شيئا، وأما التي لك فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، وأما الذي بيني ~~وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين خلقي، فأت إلى الناس ~~ما تحب أن يؤتى إليك". # فهو سبحانه قد جعل عبادته حقا له على عباده، كما بين أنه خلقهم PageV06P103 ### || CHECK - محبة المؤمنين لما يحبه الله تبع لمحبتهم لله ### || CHECK - عبادته تتضمن كمال محبته بكمال الذل له # لعبادته، ومعلوم أن عبادته تتضمن كمال محبته بكمال الذل له، فهي متضمنة ~~كونه هو المراد المقصود المحبوب المعبود. # فإذا كان قد خلقهم لعبادته، وذلك يتضمن أنه أمرهم بها وأحبها ورضيها ~~وأرادها إرادة شرع، فمعلوم أن محبة الوسيلة تبع لمحبة المقصود، فمن أحب ~~محبة محبوب ومحبي محبوب، كانت محبته لذلك المحبوب هي الأصل، وكانت ثابتة ~~بطريق الأولى، وكان إنما أحب أن يحب، وأحب محبته لكونه محبوبا له، وكان ذلك ~~فرعا لهذا الأصل. # ولهذا كانت محبة المؤمنين لما يحبه الله من الأعمال والأشخاص، والحب لله، ~~والبغض دئه، والحب في الله، والبغض في الله، كل ذلك تبع وفرع على محبتهم ~~لله، فإذا أحبوه أحبوا ما أحبه هو من الأعمال والأشخاص، إذ محبوب المحبوب ~~محبوب، وبغيض المحبوب بغيض. وكذلك محب المحبوب محبوب، ومبغض المحبوب مبغض، ~~فالمؤمنون يحبون ربهم، وكانت محبتهم لما يحبه الله ولما يحب الله فرعا ~~وتبعا لمحبتهم له، والله تعالى يحبهم ويحب ما يحبونه وما يحبهم، حتى قال ~~أبو يزيد: إن الله لينظر إلى رجال في قلوب رجال، وينظر إلى رجال من قلوب رجال. # فالأول: حال من أحبه المؤمنون، فينظر الله إلى قلوبهم، ms1030 فيجد فيها أولئك ~~المحبوبين. # والثاني: حال من أحب المؤمنين (1)، فينظر إليهم من قلوب PageV06P104 ### || CHECK - بيان أن محبة الله لمن يحبه تبع لمحبته لنفسه، من أربعة وجوه # المؤمنين، فهو يرحم من يحبه أولئك، ومن يحبه أولياؤه، وإذا كان كذلك كانت ~~محبته لما أحبه من الأعيان والأعمال ومحبته لمن يحبه تبعا وفرعا لمحبته ~~لنفسه بطريق الأولى والأحرى، وذلك يتبين من وجوه: # أحدها: أن كل محب فإما أن يحب الشيء لذات المحبوب أو لذات نفسه، فيحبه ~~لمحبته لنفسه، والفرق بين الموضعين أن الأول يتنعم بنفس المحبوب، والثاني ~~يتمتع بما يصل إلى نفسه من نفع المحبوب. فهذا أحط النفع الواصل، فكانت ذات ~~ذلك وسيلة إليه لا غرض له فيها، بحيث لو حصل النفع بدونه لم يكن له بذاته ~~محبة، وذاك أحب نفس المحبوب، لا لأجل نفع يصل إليه سوى نفعه وانتفاعه ~~بذاته، كما تنعم ذلك وانتفع بما وصل إليه من المحبوب، وهذا شبيه بمن يحب ~~إحدى زوجتيه لتمتعه بجمالها، ويحب الأخرى لكونها تنفق عليه مالها، ويحب ~~شخصا لما فيه من العلم والدين، ويحب آخر لكونه محسنا إليه. وقد جبلت القلوب ~~على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها. # وإذا تبين ذلك فالله سبحانه إذا أحب شيئا، فإن أحبه لأجل نفسه تعالى وجب ~~أن تكون نفسه هي المحبوبة، حتى يصح أن يحب الغير لأجلها، ولا يمتنع أن يحب ~~شيئا لأجل شيء إن لم تكن الغاية هي المحبوبة ابتداء. # وهكذا كل من فعل شيئا لكذا، فإنه يحب أن يكون المفعول له هو المراد ~~ابتداء، وهذه هي العلة الغائية، وهي متقدمة في الإرادة PageV06P105 # والقصد، ولكونها مرادة ابتداء صار الفعل المؤدي إليها مرادا، وإن قدر أنه ~~تعالى يحب شيئا لذات ذلك الشيء، فمن المعلوم أنه هو الذي خلق تلك الذات، ~~وجعلها على الوجه الذي يحبه هو، فإذا كان محب المحبوب محبوب (1)، فكيف ~~بفاعل المحبوب ومبدعه وخالقه؟ فقد وجب أن تكون محبته لنفسه هي الأصل في ~~القسمين، في الأول من جهة الغاية، وفي الثاني من جهة السبب، من ms1031 جهة ~~الألوهية، ومن جهة الربوبية. # الوجه الثاني: أنه يحب من يحبه، ومن يتقرب إليه بما يحبه، كما ثبت ذلك ~~بنصوص الكتاب والسنة، ومحبة محب الشيء ومحبة المتقرب إلى الشيء والساير في ~~مراضي الشيء، تبع وفرع على محبة ذلك الشيء محبوبا، امتنع أن يحب محبه (2)، ~~ويحب من يتقرب إليه بمحابه، ويسعى في مراضيه، وإذا كان الله يحب من يحبه، ~~ومن يتقرب إليه بمحابه ويسعى في مراضيه، كان هو أحق بأن يكون هو المحبوب ~~لنفسه المرضي، إذ هو المحبوب المقصود بالقصد الأول. # الوجه الثالث: أنه يبغض ويمقت أعيانا وأفعالا، والموجود لا يبغض إلا ~~لكونه مانعا من المحبوب. وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع في "قاعدة ~~المحبة" (3)، وبينا أن البغض تبع للحب، وأن الحب هو الأصل، فإذا كان بغضه ~~لأمور مستلزما محبته لأضدادها، فمحبة تلك الأمور مستلزمة محبته لنفسه، كما ~~تقدم. PageV06P106 # الوجه الرابع: أنه يحب من يبغض تلك الأمور، ويجاهد أهلها، قال الله ~~تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (4)) ~~(1)، وإنما أحبهم لإعانتهم على حصول محبوبه، فتكون محبته لنفسه التي أحب من ~~أعان على محبوبها أولى وأحرى. # فإن قيل: فتلك الأمور التي يبغضها هو خلقها بإرادته، فكيف يريد مايبغضه؟ # فيقال: الشيء الواحد [قد] يكون (2) مرادا من وجه، مكروها من وجه، كما ~~يوجد في حقنا شرب الأدوية الكريهة، فإنها مكروهة من جهة إيلامها لنا، مرادة ~~من جهة تحصيلها للدنيا في المستقبل، وهو سبحانه إنما خلق الحوادث وأرادها ~~لحكمة فيها، فتلك الغاية التي هي الحكمة هي محبوبة له مرضية، وإن كان بعض ~~ما هو وسيلة إليها قد يكون مكروها مبغضا مع كونه مرادا، وقد بسطنا هذا في ~~غير هذا الموضع. # وأما المأمورات فهي كلها محبوبة بتقدير وجودها، إذ هي الغايات، لكن قد ~~يريد أن تكون إذا كانت الغاية المترتبة عليها مما يحبه ويرضاه، وقد لا يريد ~~أن تكون في بعض الصور، وإن كانت لو وقعت لأحبها، لأن وجودها قد يكون ~~مستلزما لوقوع ما يبغضه ويكرهه، فكما أن المكروه قد ms1032 يراد وقوعه لأنه وسيلة ~~إلى المحبوب، فالمحبوب PageV06P107 # لا يراد وقوعه [لأنه] وسيلة إلى مكروه، وإن كان لو تجرد عن تلك السيئة ~~كان محبوبا، كما قد يقال في قوله: (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم) (1)، ~~وإن كان ذلك الانبعاث هو المأمور به، وإلا فيكون مكروها لنفسه إذا لم يكن ~~على الوجه المأمور به. # لكن قوله: (فثبطهم) هو دليل على أنه كره وقوعه كونا، لما فيه من الشر ~~بالمؤمنين، وذلك يقتضي أنه لو تجرد عن هذه العاقبة لم يكن وقوعه مكروها له ~~كونا، ولم يكن يثبط عنه، بل غايته أن يكون بمنزلة ما يقع من المعاصي ~~المكروهة، فإنه قد لا يثبط عنها إذا كانت مفضية إلى ما يحبه. وأما هذا فثبط ~~عنه لإفضائه إلى ما يكرهه بالمؤمنين. # وهذا باب فيه بسط وتفصيل مذكور في غير هذا الموضع، وهو من المقامات ~~الشريفة الهائلة، التي اضطرب فيها الأولون والاخرون، مسألة اجتماع الشرع ~~والقدر، وإنما المقصود هنا بيان أنه سبحانه هو المقصود المراد المحبوب ~~لنفسه مما فعله خلقا وأمرا، وبهذا يتبين أن حقه على العباد أن يعبدوه لا ~~يشركوا به شيئا، ويظهر الفرق بين ما أمر به لأنه حق له، وبين ما أمر به ~~لينتفع به العامل، وإن كانا متلازمين، كما بيناه في غير هذا الموضع. ولكن ~~يظهر الفرق بحسب القصد الأول، فإذا كان حقه على عباده أن يعبدوه، وهو يستحق ~~ذلك عليهم، علم أنه يحب ذلك ويطلبه ويريده منهم إرادة دينية. ومن أحب حقه ~~على غيره، وأنه يعطيه حقه، فمن المعلوم أنه لولا أنه يحب نفسه التي PageV06P108 ### || CHECK - لا صلاح للخلق إلا بأن يكون الله هو المعبود المقصود # لها الحق وإلا لما تصور أن يكون له حق، ولهذا الإنسان إنما يطلب حقوقه ~~التي يحبها ويرضاها، ولولا تعلق المحبة والرضى بتلك الأمور لما عقل كونها حقوقا. # ومن هذا الباب أنه يفرح بتوبة عبده التائب أعظم من فرح الفاقد لراحلته ~~التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، إذا وجدها بعد اليأس، فهذا ~~المثال فيه أنه فقد ما ms1033 يحتاج إليه وتقوم به نفسه من المنفعة التي لا بد له ~~منها، وهي الطعام والشراب، وما يدفع به المضرة، وهو الركوب للخلاص من تلك ~~المفازة. ومعلوم أنه لولا محبته لنفسه لما أحب ما يجلب إليها من المنفعة، ~~ويدفع عنها من المضرة. فإذا كان فرح الرب بتوبة التائب أعظم من ذلك، وهو ~~سبحانه يحب التوابين ويحب المتطهرين، فمعلوم أن الفرح العظيم بحصول الشيء ~~المحبوب فرع على المحبة العظيمة له، ومحبة المحبوب فرع على محبة النفس التي ~~كان لها ذلك محبوبا. # فصل # فإذا كان هو رب كل شيء ومليكه، ولا وجود لشيء إلا بقدرته ومشيئته، فهو ~~إله الخلق كلهم، لا إله غيره، ولا صلاح للخلق إلا بأن يكون هو المعبود ~~المقصود بالقصد الأول من جميع حركاتهم. # فكما أن ما لا يريده ويشاؤه لا يكون، فما لا يراد لأجله ويقصد له فإنه ~~فاسد لا صلاح فيه، فكل عمل باطل إلا ما أريد به وجهه. # ومن المعلوم أن المخلوق لم يخلق نفسه، ولا وجد من غير PageV06P109 # خالق، فلا بد له من خالق غيره خلقه. كما قال تعالى: (أم خلقوا من غير شيء ~~أم هم الخالقون (35)) (1)، فكذلك المخلوق ليس هو المقصود بوجوده وفعله، ولا ~~وجد من غير مقصود، فوجب أن يكون المقصود بوجوده وفعله شيئا غيره، كما تقدم بيانه. # ثم إنه في نفسه، كما أنه لا يكون شيء من أفعاله إلا بإعانة الله، فلا ~~يصلح شيء من حركاته وأفعاله إلا أن يكون لله، ولهذا [كان سر] (2) القرآن في ~~قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين (5)) كما قال بعض السلف: إن الله أنزل مائة ~~كتاب وأربعة كتب، جمع سرها في الكتب الأربع، وجمع سر الأربعة في القرآن، ~~وجمع سر القرآن في المفصل، وجمع سر المفصل في الفاتحة. # ففرق بالنسبة إلى خالقه بين ربوبيته له وخلقه- وهو السبب- وبين مقصوده ~~ومراده- وهو الغاية-. وفرق بالنسبة إليه بين فعله أنه لا يكون إلا بحبه، ~~وبين فعله أنه لا يصلح إلا لإلهه، فلا يجوز إلا بمعونة الله، ولا يصلح إلا ~~لوجه الله. # ويتبين ذلك ms1034 فيه بالنسبة إلى نفسه، كما يتبين بالنسبة إلى خالقه، وذلك أن ~~فعله وقصده يمتنع أن يكون وجد من غير سبب، ويمتنع أن يكون وجد بقصد منه ~~وفعل آخر، لأنه يفضي إلى التسلسل والدور، فلا بد أن يكون وجوده بسبب من ~~غيره، وهو داخل في جملته التي تناولها PageV06P110 ### || CHECK - بيان غلط طريقة الاستدلال عند المتكلمين ### || CHECK - افتقار المحدث إلى المحدث أظهر من افتقار الممكن إلى المرجح # قوله: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35)) (1). # وكل ما دل على أن الحوادث الممكنات مخلوقة لله، فهو يدل على أفعال ~~العباد، إذ هي جزء من الحوادث الممكنات، فاستدلال بعضهم على ذلك لكونها ~~ممكنة فتفتقر إلى مرجح- كما سلكه أبو عبد الله الرازي- ليس هو أبلغ من ~~الاستدلال على ذلك بكون ذلك محدثا بعد أن لم يكن، فيفتقر إلى محدث، بل هو ~~أبلغ وأكمل، فإن افتقار المحدث إلى المحدث أظهر من افتقار الممكن إلى ~~المرجح، ولكن هو وطائفة من أهل الكلام قبله عكسوا الأمر في إثبات الصانع، ~~فجعلوا طريقة الاستدلال بالمحدث على المحدث مبنية على طريقة افتقار الممكن ~~إلى المرجح، وهذا غلط جدا، فإنه إذا قيل: إن تلك معلومة بالضرورة فالضرورة ~~هنا أرجح بكثير، والمحدث شيء موجود، كان بعد أن لم يكن، حدوثه أمر خارجي ~~موجود في الخارج. # وأما الممكن فإنما يقدر مستوي الطرفين في النفس، إذ هو في الخارج إما ~~واجب بنفسه وإما ممتنع بنفسه، ولهذا منع طائفة من الفلاسفة أن يقال في ~~الموجودات: إنها ممكنة بنفسها. وخالفوا ابن سينا في ذلك كما ذكره ابن رشد ~~الحفيد. فالعلم بثبوت الممكن فيه من الصعوبة ما ليس في العلم بحدوث المحدث، ~~فإن حدوث المحدثات مشهود بالحس، وهو صفة خارجية ثابتة ليست مقدرة في العقل. # ثم افتقار المحدث إلى محدث أظهر وأبين وأبده للعقل من كون PageV06P111 # الممكن المستوي الطرفين مفتقرا إلى المرجح، وهذا مبسوط في غير هذا ~~الموضع. # وإنما المقصود هنا أن كل ما دل في بعض الموجودات أنه مخلوق لله، فهو يدل ~~على ذلك في أفعال العباد، ms1035 فيعلم بذلك كثرة الأدلة وقوتها على هذا المطلوب. ~~ولهذا قال من قال من أئمة السلف، كحماد بن زيد وغيره: من قال: أفعال العباد ~~لم يخلقها [الله]، بمنزلة من قال: السماء والأرض لم يخلقها الله. # والمقصود هنا أنه إذا كان قصده وفعله مخلوقا لله مربوبا له، لا يوجد إلا ~~بمشيئته وقدرته وربوبيته وإعانته، إذ يمتنع أن يكون حادثا بنفسه، أو حادثا ~~من غير محدث، فكذلك أيضا يجب أن يكون لله، مبتغى به وجه الله، لا يفعل إلا ~~لمحبته ورضاه وإلهيته وعبادته، فإنه لا يجوز أن يكون ليس فيه مقصود مراد، ~~إذ القصد والعمل لغير مقصود مراد ممتنع، كما أن الحادث من غير محدث ممتنع. # ولا يجوز أن يكون هو المقصود المراد المحبوب بعمله، كما لا يجوز أن يكون ~~هو الخالق له، لأنه يفضي إلى التسلسل والدور، فكما قلنا: لو كان قصده حادثا ~~بقصد آخر، فإن كان ذلك القصد الثاني حادثا بالأول لزم الدور، وإن كان حادثا ~~بغيره لزم التسلسل. # فيقال: لو كان هو المقصود بذلك، فإما أن يكون مقصودا لنفسه أو لأمر آخر، ~~ويمتنع أن يكون مقصودا لنفسه، كما يمتنع أن يكون محدثا لنفسه، لأن المقصود ~~يجب أن يتأخر عن القاصد، كما يجب أن يتقدم الفاعل على المفعول، فإذا لم يجز ~~أن تفعل نفسه نفسه لم يجز أن PageV06P112 # تقصد نفسه نفسه، لوجوب تأخر نفسه عن نفسه، ولوجوب تقدم نفسه على نفسه في ~~العلم والقصد، وهذا بين، إذ لا بد أن يتأخر هذا المقصود عن وجود ذاته، ~~فتكون ذاته قبل وجود هذا المقصود، فإذا كانت ذاته هي المقصود وهي القاصد، ~~لزم أن لا تكون إلا متقدمة، وأن لا تكون إلا متأخرة، فتكون موجودة معدومة ~~أربع مرات، كما تقدم بيانه. # وقد يقال: إن هذا ظاهر فيما إذا كان نفس ذاته هي العلة الغائية من ~~وجودها، وهذا تقدم، وإنما الكلام هنا في قصده لفعل نفسه الذي يفعله هو. # فيقال: مقصوده بفعله كإحداثه لفعله، كما أن مقصود فاعله به كإحداث فاعله ~~له، وقد تبين أن ms1036 حدوث قصده لا يجوز أن يكون ابتداء منه بل من الله، وأن ~~كونه منه يفضي إلى التسلسل والدور. # فكذلك لا يجوز أن يكون هو منتهى قصده وإرادته بعمله، بل ذلك يفضي إلى ~~الفساد وكون العمل غير نافع بل ضارا، لأن المراد المقصود بعمله إما أن يكون ~~مصلحة لنفسه، أو لا يكون، فإن لم يكن فيه مصلحة لنفسه كان عمله فاسدا ~~باطلا، وإن كان فيه مصلحة لنفسه، فإن كانت تلك المصلحة حاصلة في نفسه قبل ~~قصده وعمله كان هذا القصد والعمل باطلا لا فائدة فيه أيضا، وإن لم يكن ~~حاصلا في نفسه لم يكن في مجرد كون النفس هي منتهى القصد ما يوجب مصلحة، فإن ~~النفس موجودة قبل ذلك، بل لا بد أن يطلب المصلحة بالقصد من غير النفس، ~~فيكون ذلك هو المقصود لمصلحة النفس، فإن المطلوب لها PageV06P113 # إذا لم يكن فيها لا يطلب إلا من غيرها، وهذا مبين نظير ما قلناه في ~~الأسباب، فإن المطلوب للنفس من المصلحة بهذا القصد والعمل إن كان حاصلا ~~فيها لم يكن في القصد والعمل فائدة، وإن لم يكن حاصلا فيها لم يطلب حصوله ~~بالقصد والعمل إلا من غيرها. # فكما استدللنا على أن حدوث أفعال النفس لا توجد بمجردها، بل لا بد من سبب ~~منفصل، فكذلك نستدل على أن أفعال النفس لا تنفعها وتفيدها وتصلحها بمجرد ~~النفس، بل لا بد من غاية منفصلة يكون في قصدها صلاح النفس ومنفعتها وخيرها. # ولهذا كل من عمل عملا لنفسه كان طالبا لمصلحتها من الأمور الخارجة عنها، ~~مثل من يصنع الطعام للأكل، والثياب للباس، والكرسي للجلوس، فإن الغاية ~~المقصودة للطعام هي الأكل، وغاية الأكل هي وجود اللذة والمنفعة بالاكل ~~والشبع ودفع ألم الجوع، فهذه المنفعة واللذة المطلوبة للنفس لا تطلب من ~~النفس، بل يطلب حصولها لها بسبب آخر غيرها، كما أن الإنسان لا تتحرك إرادته ~~إلا بسبب منفصل، مثل أن يحس ما يوجب حركته أو يسمع بذلك، فإن الإرادة لا ~~تتحرك إلا بشعور وإحساس، وذلك لا يكون ابتداء إلا ms1037 بأسباب منفصلة، إذ هي ~~وحدها لا تقتضي الحركة والإرادة، كما أنها وحدها لا تحصل اللذة والمصلحة. # يبين ذلك أنها إذا قصدت بفعلها أمرا فالمقصود إن كان حاصلا فيها كان ذلك ~~تحصيلا للحاصل، وهو محال، وإذا لم يكن المقصود فيها امتنع أن تكون هي منتهى ~~القصد وغاية المراد، إذ المقصود المراد PageV06P114 # يطلب حينئذ لها من غيرها، فإذا جعل الإنسان غاية مقصوده هو نفسه وهوى ~~نفسه، لم يقصد ما يصلح نفسه وينفعها، بل ما يضره أو لا ينفعها، كما قال ~~تعالى: (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه) (1). # وبيان ذلك بالبرهان المشابه لبرهان الإحداث أن يقال: هو إذا فعل فعلا ~~فإما أن يصلح أن يكون ذلك الفعل بمجرده مقصودا لنفسه، أو لا بد أن يقصد به ~~شيئا آخر، فإن صلح أن يكون مقصودا لنفسه وغاية الفاعل، جاز في كل فعل مقصود ~~أن يكون مقصودا لنفسه، وحينئذ فيلزم أن يصلح للنفوس كل ما يحبه ويهواه، ~~ومعلوم أن هذا مستلزم للفساد، وإن لم يجز أن يكون مقصودا لنفسه، بل وجب أن ~~يقصد به شيئا آخر، فإما أن يكون هوي نفسه ومراده أو أمرا آخر، فأما الأول ~~فيفضي إلى الدور، وذلك أنه إذا قصد بفعل أمر لكون نفسه تهواه وتقصده وتحبه، ~~فكونها تحب ذلك وتهواه وتقصده إما أن يجوز أن يكون غاية مقصودة بالفعل أو ~~لا يجوز، فإن لم يجز ذلك بطل هذا، وإن جاز أن يكون غاية مقصودة بالفعل صلح ~~في فعلها الأول الذي قصدت به هذا أن يكون لمجرد كونها تحبه وتقصده وتهواه. # ومتى صلح ذلك لم يجب أن تكون لهذه الغاية ولا غيرها، فصار كون هذا مقصودا ~~لنفسه يمتنع أن يكون مقصودا لنفسه، وذلك هو الدور. وصار كون الفعل يصلح أن ~~يكون مقصودا، وذلك يوجب أن لا يمنع متحرك من حركته التي يهواها، ومعلوم أن ~~هذا مستلزم للفساد، PageV06P115 # فوجب أن يكون مقصوده بذلك الفعل أمرا آخر، لا مجرد ما تهواه نفسه وتحبه ~~وتريده. # وهذا يبين بالدليل العقلي أن اتباع الأهواء مطلقا موجب للفساد، ms1038 وأنه لا ~~يصلح أن يعبد الإنسان مجرد ما يهواه، كما قال: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) ~~(1)، وأنه لا بد أن يكون المعبود المقصود يعبد لمعنى فيه، لا لمجرد إرادة ~~النفس وهواها، وحينئذ فذلك المعنى الذي اختص به وصار لأجله محبوبا معبودا ~~إما أن يكون لنفع منه إلى المحب القاصد العابد، وإما أن يكون لذاته، بمعنى ~~أن في قصده ومحبته صلاح القاصد العابد. # أما الأول فقد تبين في المقام الأول أن الله هو رب، كل شيء وخالقه، فليس ~~غيره مستقلا بالنفع، وإن كان غيره سببا فيه، فذلك النفع الذي يفعله إما أن ~~ييسره الله أو لا ييسره، فإن يسره وصل إليك منه، سواء قصدته أو لم تقصده، ~~وإن لم ييسره لم يصل إليك منه، سواء قصدته أو لم تقصده، فلم يكن في عبادته ~~ما يوجب وصول تلك المنفعة إليك. # وأيضا فذاك المعبود إما أن يعلم بعبادتك أو لا يعلم، فإن لم يعلم لم يجز ~~أن يقصد إيصال النفع إليك، وإن علم فالعالم الشاعر لا يعمل إلا لجلب منفعة ~~أو دفع مضرة. وكونك تعبده وتقصده وتجعله هو الغاية المطلوبة بعملك ليس له ~~في هذا منفعة ولا مصلحة، لأنه لو جاز PageV06P116 # أن تكون نفسه غاية له مقصودة بعمل غيره، لكان أن تكون غاية له بعمل نفسه ~~أولى وأحرى. # وقد تبين أنه لا يجوز أن تكون نفسه غاية نفسه بعمل نفسه، فأن لا تكون ~~غاية له بعمل غيره أولى وأحرى. # وهذا كما نقول في جانب الربوبية: إذا [كان] كل من المخلوقات فقيرا عن أن ~~يقيم نفسه، ويكون وجودها به، فهو عن أن يكون مقيما لغيره وجوده به أولى ~~وأحرى، إذ ذاته أقرب إلى ذاته من غيره، فإذا لم يجز أن يكون فاعلا لنفسه، ~~ولا يصلح أن يكون غاية مقصوده لها بعمله، لم يجز أن يكون فاعلا لغيره ~~ومقصودا لغيره. # وقد تبين أن المخلوق إذا لم يكن له في مجرد كونه معبودا مصلحة، فإن حصل ~~له بعبادة غيره له غرض آخر من غيره، مثل إقامة ms1039 رئاسته وتعظيمه عند الخلق، ~~ونحو ذلك مما يلتذ به، كان ذلك إحسانا إليه، وكان ما يعطيه إياه من باب ~~المعاوضة، فالمعبود من الخلق مفتقر إلى شيء غيره منفصل عنه يحصل به مقصوده ~~من عبادة غيره الذي يحسن إليه بقوة نفسه، وهذا فقير إلى غيره في هذا كفقره ~~إلى غيره في هذا. # وأما ما يكون محبوبا معبودا لذاته، بأن يكون في مجرد ذلك مصلحة ومنفعة ~~لقاصده، مع تقدير أنه لا يقصد نفع قاصده، فهذا كما يتمتع الإنسان بالنظر ~~إلى المناظر الجميلة، ويتمتع بسمع الأصوات المطربة، وهذا قد يكون من ~~الجانبين، كما أن كلا من الزوجين يتمتع بالاخر، فهذا يقصد انتفاعه بهذا، ~~وهذا يقصد انتفاعه بهذا، إذ في PageV06P117 # مباشرة كل منهما للاخر لذة وسرور. وكذلك المتعاونان على علم أو عبادة أو ~~تجارة أو غير ذلك. # وبالجملة فعامة أمور بني آدم إما معاوضة وإما مشاركة، وكل منهما يقصد ما ~~ينتفع به من الآخر، لا يقصد نفع الآخر، لكن تارة يكون الانتفاع بذاته كما ~~في الزوجين، وتارة بما منه كما في شريكي العنان. # وكل من هذين النوعين لا يجوز أن يكون معبودا محبوبا لذاته، فإنه إنما يحب ~~لأمر عارض لذاته ليس بلازم لها، ثم ذلك المحبوب تنقضي محبته بحصول الغرض ~~منه، كما ينقضي غرض أحد الزوجين من الآخر إذا انقضت المنفعة. # وكذلك المتمتع بالنظر إلى منظر بهيج، وكل ما يذكر عن عشاق الصور والمال ~~والرئاسة، فإنه لأمر عارض في المحبوب، وعارض في المحب، ليس لذات واحد ~~منهما، ولهذا تكون المحبة في وقت دون وقت، وقد تتبدل بالبغضاء، وما كان ~~الشيء فإنه باق ببقاء ذاته، وإنما هذه المحبوبات تتناول لقضاء الحاجة، وإذا ~~زادت على الحاجة ضرت على الإنسان وأفسدته. # ولهذا يقال: إنها في الحقيقة دفع آلام، ولا ريب أن لذات الدنيا متضمنة ~~دفع ألم، بخلاف لذات الآخرة، فإنه يتمتع بها من غير دفع ألم، لكن مع هذا لا ~~يجوز أن تكون هي المقصود لذاته في الأفعال الاختيارية، وذلك أن العلة أكمل ~~من المعلول، سواء كانت ms1040 فاعلية أم غائية. PageV06P118 # فكما أن الفاعل المبدع أكمل من المفعول، فالمفعول لأجله- الذي هو المحبوب ~~المقصود المعبود- أكمل من الفاعل، بل العلة الغائية أكمل من العلة ~~الفاعلية، فإنها هي التي جعلت الفاعل فاعلا، ولولا ذلك لم يكن فاعلا، وإن ~~كان الفاعل مستغنيا عنها من جهة نفسه، لا من جهة كونه فاعلا، والغائية غير ~~مفتقرة إلى، الفاعل من حيث كونها غاية ومطلوبة، بل هي في نفسها غاية ~~ومطلوب، سواء قدر وجود الفاعل أو عدمه، لكن لا ينال المقصود بها إلا ~~بالفاعل، فحصول المقصود بها كحصول الفعل من الفاعل. # فالفعل سبب ووسيلة إلى المقصود بها، ومعلوم أن المقاصد أشرف من الوسائل، ~~ولهذا قدم سبحانه قوله: (إياك نعبد) على قوله: (وإياك نستعين (5)) لأن ~~العبادة هي المقصود المطلوب، والاستعانة سبب ووسيلة إليها. # وكونه سبحانه إلها معبودا للخلق أكمل من جهة كونه ربا معينا لهم من جهتهم ~~ومن جهته. # أما من جهتهم فإن من لم يعبده منهم، فلم يؤمن به، ولم يطع رسله، يكون ~~شقيا معذبا، وإن كان مربوبا مخلوقا، وإنما سعادتهم إذا عبدوه فامنوا به ~~وأطاعوا رسله. # وأما من جهته فإنه يكون إلها يفتقرون إلى ذاته، ويكون ربا يفتقرون إلى ما ~~منه، وكون الشيء مقصودا لنفسه أشرف من كونه مقصودا لغيره. PageV06P119 # وبالجملة فمن المستقر في فطر الناس أن ما يطلب لغيره فذلك الغير أشرف ~~منه، وأن المقاصد أشرف من الوسائل. # ولهذا يقال: إن العالي لا يفعل لأجل السافل، وإذا كان كذلك، فكل ما يقدر ~~أنه هو المقصود المعبود لذاته دون الله تعالى، فإنه محتاج إلى ما يكون ~~مقصودا معبودا لذاته، فإن الحي لا بد له من إرادة، ولا بد لكل إرادة من ~~مراد لذاته، فإن المراد إما مراد لنفسه وإما مراد لغيره، واذا أريد لغيره ~~فذلك الغير إما أن يكون مرادا لنفسه أو لغيره، فإن كان ذلك الغير هو الأول ~~لزم الدور القبلي، وان كان غيرا آخر لزم التسلسل في العلل، وكلاهما ممتنع. ~~وكل ما دل على أن كل محدث فله محدث، وكل ممكن فله واجب، ms1041 وأن الممكنات ~~المحدثات لا بد لها من قديم واجب بنفسه، قطعا للدور القبلي والتسلسل في ~~العلل، فإنه يدل على أن كل مريد فلا بد له من مراد، وكل متحرك بالإرادة فلا ~~بد له من غاية، وأنه لا بد لجميع الإرادات والحركات الاختيارية من مراد ~~لنفسه ينقطع به الدور القبلي في العلل، فإذن كل متحرك بالإرادة من ~~المخلوقات، بل كل مريد فلا بد له من مراد لنفسه هي الغاية. والمراد لنفسه ~~أكمل من المراد لغيره، فكل مريد من المخلوقات مفتقر إلى مراد لنفسه يكون ~~أكمل منه، فلو كان شيء محبوبا مرادا لذاته لكان المحب له يحب محبوبه، لأن ~~محبوب المحبوب محبوب، ومراد المراد مراد بطريق اللزوم. فإن استلزام الحب ~~الأول للأول كاستلزام الحب الثاني للثاني، فكما أن المحب لا تتم مصلحته إلا ~~بمحبوبه، فالمحبوب كذلك لا تتم مصلحته إلا بمحبوبه، ولا تتم مصلحة محبوبه ~~إلا بحصول مصلحته، لأنه إذا فسد حال المحبوب فسد حال محبه، فإذا PageV06P120 # قدر أن من المخلوقات ما يحب لنفسه، وذلك مستلزم لمحبته محبوبه الذي هو ~~أكمل منه، كان الاكمل محبوبا مرادا بطريق اللزوم والقصد الثاني، وكان ~~الأنقص محبوبا مرادا بطريق الأصالة والقصد الأول. ومعلوم أن هذا فساد ينافي ~~الصلاح، فإن الحب والإرادة إن لم يتعلق بالأشياء على ما تستحقه الأشياء، ~~لزم حال الحب الفاسد. # وأيضا فالفطرة السليمة تنافي ذلك، ولا يقع مثل هذا إلا عند فساد الفطرة ~~وتغيرها. وإلا فمن كان تلذذه بالماكل الرديئة دون تلذذه بالمآكل التي هي ~~أطيب منها، دل على نوع فساد فيه، وذلك يستلزم الفساد، كما يحصل للمريض من ~~تلذذه بالماكل الرديئة الضارة دون الجيدة النافعة. # وكذلك القلوب فطرت على الصحة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كل ~~مولود يولد على الفطرة" (1)، فهي مع السلامة لا تطمئن إلا بذكر الله، ولا ~~تسكن إلا إليه، ولا تتأله إلا إياه، وافتقارها إلى معرفته وذكره وعبادته لا ~~يشبهه شيء من الأشياء. فماذا قلنا: كافتقار الجائع إلى الطعام، والعطشان ~~إلى الماء، والمغتلم إلى الجماع، كان ذلك ms1042 كله تمثيلا ناقصا. # وكما أن هذه المفتقرات إلى هذه الأمور تفسد إذا لم يحصل ما يصلحها، ففساد ~~النفوس إذا لم تعرف الله وتحبه وتعبده أعظم بكثير كثير، وهذا حال كل من في ~~السموات والأرض من الملائكة والجن PageV06P121 # والإنس، لا يجوز أن يصلح حالهم إلا بأن يكون الله إلههم ومعبودهم، وتكون ~~حركاتهم لأجله عبادة له تجمع كمال محبته وكمال الذل له، فإن العبادة تجمع ~~كمال الحب وكمال الذل، وهذا شأن المراد لذاته المقصود لذاته، وكل ما سواه ~~فمفتقر إلى هذا المراد المحبوب المعبود لذاته، فلا يكون هو مرادا محبوبا ~~لذاته، فإن محبته مستلزمة محبة محبوبه ومعبوده الذي هو أكمل منه، بل هو ~~معبود له. والفساد أن يكون كل من الشيئين محبوبا، والتابع لغيره محبوب ~~لذاته، والمتبوع محبوب لغيره. # وهذا الأصل هو أصل أصول الشرائع والملك، فإن الرسل جميعهم إنما بعثوا لأن ~~يعبدوا الله وحده لا شريك له، وكما أنه مبرهن بالمعقول والقياس والنظر، فهو ~~أيضا معروف بالوجد والإحساس والذوق، فإن العبد يحس من قلبه فقرا ذاتيا إلى ~~ذكره وعبادته، غير فقره إليه من جهة إعطائه سؤله، وجلب المنافع له، ودفع ~~المضار عنه، فإن الفقر إليه من هذا الوجه هو أظهر في الابتداء، ولكن ~~الإنسان يجد نفسه إلى أي موجود توجه بقلبه وذكره، لا يجد الطمأنينة ولا ~~السكينة حتى يذكر الله ويوجه قلبه إليه، فإنه يجد الطمأنينة والسكينة فلا ~~يبقى عنده منازعة إلى شيءآخر. # فكما أن السائل الداعي الراغب في قضاء حاجته إذا توجه إلى الله بصدق ~~اطمأن طمأنينة من وصل إلى من نال منه المطالب والحاجات، فكذلك المريد المحب ~~[السائل] (1) لما يطمئن إليه إذا توجه إلى الله PageV06P122 ### || CHECK - الرد على الفلاسفة في جعلهم غاية سعادة النفوس نيل العلم فقط، وكمال الإنسان التشبه بالخالق # بصدق، اطمأن طمأنينة من حصل بغيته ووجد محبوبه ومألوهه وطلبته، وهذا ~~الأصل إنما يستقر لأهل الملل أتباع ملة إبراهيم، أهل الحنيفية، فأما غيرهم ~~فلا، حتى المتفلسفة الإلهيون ومن سلك سبيلهم من أهل الملل مع دعواهم أنهم ~~حققوا المعارف ms1043 اليقينية والحكمة الحقيقية، وقالوا: سعادة النفوس كمالها ~~علما وعملا، هم من أبعد الناس عن هذا، وذلك أن عندهم غاية سعادة النفوس نيل ~~العلم فقط، وحقيقة العلم بالكليات التي لا وجود لها في الخارج كليات، ~~والوجود الذي يثبتونه لواجب الوجود هو من هذا النمط. # ويقولون: غاية الإنسان أن يصير عاقلا معقولا موازيا للعالم الموجود. # ويقولون: كمال الإنسان أن يتشبه بالخالق بحسب الإمكان. # وقد سلك نحوا من سبيلهم أبو حامد في "المقصد الأسنى (1) في شرح الأسماء ~~الحسنى"، وهم يزعمون أن الأفلاك إنما تتحرك للتشبيه في قوتها، وهم في هذا ~~ضالون من وجوه: # أحدها: جعلهم غاية العبادة مجرد العلم، والنفس لها قوة العلم وقوة الحب ~~والإرادة، فإذا حصل مجرد العلم من غير معلوم محبوب مراب لذاته فسدت النفس، ~~فكيف يكمل مجرد ذلك؟ PageV06P123 ### || CHECK - الكلام على حديث "تخلقوا بأخلاق الله" # ومن هنا تجدهم معرضين عن العبادات، بل مستخفين بأهلها، وقد يظنون أن ~~الرسل إنما أمروا بحفظ قانون يستعان به على نيل الحكمة النظرية (1) فقط، ~~كما ذكر ذلك من ذكره من متفلسفة المسلمين واليهود وغيرهم. وأما الرسل فأول ~~دعوتهم الأمر بعبادة الله، ولهذا كان نهاية المتفلسف أول قدم يدخل به ~~الإنسان في الإسلام. # الوجه الثاني: أنهم جعلوا المعلوم الذي تكمل به النفوس هو العلم ~~بالمجردات التي عند التحقيق لا وجود لها إلا في الأذهان لا في الأعيان، كما ~~قد بسطناه في غير هذا الموضع. فاما الموجودات الخارجية فهم لا يعلمونها ~~بأنفسها، ولا يعترفون بالله ولا ملائكته، وإنما يقرون بوجود مطلق بشرط ~~الإطلاق لا حقيقة له في الخارج. # الثالث: جعلهم غاية كمال الإنسان التشبه بالإله، وأن المتحركات العلوية ~~إنما تتحرك للتشبه بمن فوقها، مع أنهم أشد الناس إنكار، للتشبيه، وأدخلهم ~~في التعطيل، [فينكرون] (2) من التشبيه ما يخلقه الله، ويدعون من التشبيه ما ~~يفعلونه بكسبهم. # وقد استدل أبو حامد (3) بحديث ذكره مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "تخلقوا بأخلاق الله " (4). PageV06P124 # وأنكر أبو عبد الله المازري وغيره ذلك، وقالوا: ليس للرب خلق يتخلق به ~~العبد. وتحقيق ms1044 هذا في موضع آخر. # وذكر هذا أبو طالب المكي، وأنكره عليه الشيخ أبو البيان الدمشقي، فيما ~~أنكر عليه. # الرابع: أن هذا القدر في ثبوته نزاع مذكور في غير هذا الموضع، كما قرره ~~أبو حامد وغيره، فليس الكمال والسعادة في أن يقصد العبد التشبه بالرب فقط، ~~بل أن يقصد عبادته، فإنه بدون أن يكون معبودا له مقصودا، يفسد حاله، فلا ~~تكون له سعادة بحال، وإذا عبده مع نقيض اتصافه بصفات الكمال حصل له من ~~السعادة بقدر ما عبده، فإذا اتصف مع ذلك بما يحبه الرب كانت سعادته أكمل، ~~وجميع ما في العباد من صفات المدح والكمال التي يوصف الرب بالكمال المطلق ~~فيها كالعلم والرحمة والقدرة ونحو ذلك، إنما يصير صاحبها سعيدا كاملا نائلا ~~سعادته إذا قصد المقصود المعبود لذاته، فأما بدون ذلك فلا سعادة له أصلا. ~~فمثل هذه الصفات من توابع الكمال والسعادة ومكملات ذلك، وأما عبادة المعبود ~~المقصود لذاته فإنه من لوازم السعادة والفلاح، لايتصور وجود السعادة ~~والفلاح بدون ذلك. # فالمتحركات العلوية جميعها حركاتها عبادة لله، كما وصف الله بذلك ~~الملائكة وغيرهم، وقال: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في ~~الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس) ثم ~~قال (وكثير حق عليه العذاب) (1)، فبين بذلك أنه ليس PageV06P125 # المراد بالسجود مجرد دلالتها على الخالق وشهادتها، بل إن الحال له فإن ~~هذا يشترك فيه جميع الناس (فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا ~~يسأمون (38)) (1)، وقال تعالى: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق (18) والطير محشورة كل له أواب (19)) (2). # ولهذا عدل أبو الحكم بن برجان في شرحه للأسماء الحسنى من لفظ التخلق ~~والتشبه إلى لفظ التعبد، فصار يذكر معنى الاسم واشتقاقه، ثم الاعتبار إثبات ~~مقتضاه في المخلوقات، ثم تعبد العبد بما شرع له من مقتضاه. # فقد تبين بذلك أنه لا يصلح أن يكون شيء من المخلوقات مقصودا لنفسه، لا ~~مقصودا له ولا مقصودا لغيره، وأن ذلك مستلزم لكون شيء من المخلوقات لا يكون ~~ربا ms1045 بنفسه، لا ربا لنفسه ولا ربا لغيره. # لكن هذا ممتنع الوقوع كما اعترف به المشركون. # وأما الأول فهو محرم الوقوع، بمعنى أنه إذا وقع كان فيه فساد، لكون ~~الحركات إلى غير غاية نافعة، بل إلى غاية ضارة، كما قال تعالى: (لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (3)، ولم يقل: عدمتا، إذ لو جاز أن يشرع أن ~~تكون المخلوقات آلهة مقصودة معبودة لذواتها لزم من PageV06P126 ### || CHECK - الاستدلال بالحركات السماوية على وجود الرب وعلى أنه الإله المعبود # ذلك تجويز عبادة كل شيء، وتجويز كل فعل وكل قصد، وذلك مستلزم فساد ~~السموات والأرض، قال الله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~لله) (1)، فإذا لم يكن الدين لله فتكون حركات العباد لغير الله، كانت ~~الفتنة والفساد، فالصلاح أن تكون الحركات لله، والفساد أن تكون لغير الله، ~~وهذا- والله أعلم- من أحسن الأمور، لكنه يحتاج إلى بسط وإكمال. # ولهذا يستدل بالحركات السماوية على وجود الرب وعلى أنه هو الإله المعبود، ~~فإن الحركة تستلزم وجود مبدأ هو السبب الفاعل، وغاية هي المنتهى المقصود، ~~والمقصود بتلك الحركات لو كانت المتحركات يقصد بها غير الله لزم الفساد في ~~المتحركات. # كما بيناه في أنه متى قدر أن يكون المخلوق مقصودا لذاته لزم الفساد، ~~ومعلوم أن الحركات السماوية جارية على انتظام لا فساد فيها، فعلم أنها ~~عائدة بهذه الحركات لله قاصدة له، كما دل على [ذلك] الكتاب والسنة، لا كما ~~يقوله المشاؤون من الفلاسفة أن ذلك لاستخراج الأيون والأوضاع، فإن ذلك من ~~أفسد الكلام. # وأما المبدأ فقد علم أن الحركة ليست طبيعية، لأن تلك إنما تكون إذا خرج ~~المتحرك عن مستقره، وذلك إنما يكون في الحركات المستقيمة، فأما إذا كان ~~المطلوب من جنس المتروك امتنع أن يكون تاركا لأحدهما طالبا للاخر، فعلم أن ~~الحركة إرادية. PageV06P127 # والحركة الصادرة عن إرادة إما أن تكون الإرادة أحدثها ذلك المتحرك أو ~~غيره من المخلوقات، لا يجوز أن يكون هو المحدث لها، ولا غيره من المخلوقات، ~~لأن إحداثه لها يجب أن يكون بإرادة، فيلزم الدور ms1046 والتسلسل، فوجب أن تكون ~~تلك الإرادة المقتضية للحركة حدثت بإرادة من الله، وهذا هو المقصود. # وأيضا فمن المعلوم أن كل واحد من ذوي الحركات المختلفة السماوية له حركة ~~تخصه، فلا يجوز أن تكون حركة أحدهما بحركة الآخر، كحركة الشمس والقمر ~~الخاصتين بهما، فتبين أنه ليس بعضها خالقا لبعض ومحدثا لحركته، فيكون ~~المحدث لذلك غيرها، وهو المقصود. # ولا يجوز أيضا أن يكون المحدث لذلك هو الفلك الأعلى وحركته، لأنها حركة ~~واحدة بسيطة متشابهة الأجزاء، ولو كانت هي المحدثة لما سواها لوجب أن تكون ~~جميع الحركات من جنس واحد بسيطة، ومعلوم أن الأمر ليس كذلك، وهذا يبين أن ~~حركات الأفلاك والكواكب الحركات المختلفة ليست صادرة عن الفلك، فعلم أن ~~المحرك لها غير الفلك، وإذا ثبت أن المحرك لها غير الفلك التاسع، ثبت وجود ~~موجود غير الفلك التاسع يكون مبدأ الحركات. # ومعلوم أن حركة الفلك التاسع من جنس هذه الحركات، بل الفلك من جنس هذه ~~الأفلاك، فإذا كانت هذه محدثة مخلوقة امتنع أن لا يكون الفلك التاسع وحركته ~~محدثة مخلوقة، لأن القديم الواجب الوجود لا يكون مثل المخلوق المحدث، ولأن ~~الفلك التاسع لو كان PageV06P128 # وحده قديما واجبا- وهو أيضا محرك للأفلاك، ولهذا أيضا حركته من غيره- ~~لكان في الأفلاك محركان كل منهما قديم واجب الوجود، فإن اختلفا في الإرادة ~~لزم تضاد الحركات والتمانع، وهو خلاف الواقع. وإن اتفقا في الإرادة لزم ~~اتفاقهما في الفعل، والاتفاق في الفعل يوجب أن لا يكون أحدهما فاعلا له ~~مستقلا به، لا هذا ولا هذا، وإذا كان ذلك يوجب عجز كل منهما عن أن يكون ~~فاعلا- والعاجز يمتنع أن يكون قديما واجب الوجود خالقا- امتنع أن يكون ~~الفلك كذلك. PageV06P129 ### | CHECK (5) فصل في أن التوحيد الذي هو إخلاص الدين لله أصل كل خير # فصل # في أن التوحيد الذي هو إخلاص الدين لله أصل كل خير # من علم نافع وعمل صالح PageV06P131 ### || CHECK - الكلام على حديث "من أخلص لله أربعين صباحا ... " # فصل # في أن التوحيد الذي هو إخلاص الدين لله أصل كل خير من علم ms1047 نافع وعمل صالح. # وهذا المعنى قد تكلمنا عليه مرارا في القواعد المتقدمة وغيرها، وفي ~~مراسيل مكحول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من أخلص لله ~~أربعين صباحا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " (1)، هكذا رواه ~~الإمام أحمد فيما رواه عنه المروذي في الإخلاص ونحوه من أعمال القلوب. وقد ~~روي هذا- فيما أظن- من حديث يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس، ويوسف ضعيف ساقط. # ولهذا ذكر أبو الفرج ابن الجوزي هذا الحديث في "الموضوعات" (2)، وطعن على ~~الصوفية الذين جعلوه عمدتهم فيما يفعلونه من الخلوة أربعين يوما، وأبو ~~الفرج فيما ينكره على الصوفية في مثل "تلبيس إبليس" ونحوه، قد شاركه طوائف ~~في إنكار ما أنكره، وكل من المنكرين والمنكر عليهم مجتهدون، لهم علم ودين، ~~والصواب تارة يكون مع هذا الطرف، وتارة يكون كل منهما مصيبا من وجه مخطئا ~~من وجه، فيقتسمان الصواب والخطأ، ويكون الصواب PageV06P133 # تارة في غير ما عليه الطائفتان المتقابلتان، وهذا في مواضع كثيرة، ولعل ~~هذا منها. # فأما الطعن في الإخلاص لله أربعين صباحا فهذا ليس بسديد، فإن نفس الإخلاص ~~وكونه أصل كل خير قد دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه الأمة، وسنذكر من ~~ذلك ما شاء الله. # وأما توقيته بأربعين ففيه هذا الحديث المرسل، ولكن لم يذكره أبو الفرج، ~~فما أظنه بلغه، ورآهم اعتمدوا حديثا ضعيفا، فكثيرا ما يعتمدون على أحاديث واهية. # ثم مراسيل مكحول فيها نظر، وفي الاستدلال بالمرسل نزاع، لكن يقال: المرسل ~~إذا عضدته أدلة أخرى استدل به. # والأربعين فيها يتحول الإنسان من حال إلى حال، كما ثبت في الصحيحين (1) ~~من حديث [ابن مسعود]، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يجمع خلق ~~أحدكم في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ~~ذلك، ثم ينفخ فيه الروح ". # ولهذا جاء في الحديث الذي في السنن (2): "من شرب الخمر لم تقبل له صلاة ~~أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها لم PageV06P134 ### || CHECK - المشروع لنا هو الاعتكاف الشرير ms1048 لا ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بحراء قبل البعث ### || CHECK - شروط الخلوة عند الصوفية ### || CHECK - وجه التوقيت بالأربعين في الحديث # تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها لم ~~تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها كان حقا ~~على الله أن يسقيه من طينة الخبال ". # وفي صحيح مسلم (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من أتى عرافا فسأله ~~عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما". # ومثل هذا كثير، وقد جمع الحافظ عبد القادر الرهاوي في أول كتابه في ~~الأربعين حديثا أربعين بابا، في كل باب حديث فيه ذكر الأربعين. # فإخلاص أربعين يوما له شواهد في أصول الشريعة، لكن الخلوة المعينة قد ~~يشترطون فيها شروطا مبتدعة خارجة عن المشروع، بل منهيا عنها، مثل اشتراط ~~الصمت الدائم، والجوع الدائم، أو السهر الدائم، أو طعاما معين القدر ~~والوصف، واشتراط شيخ يدخله الخلوة، وتسمية ذلك خلوة، ومثل ترك الصلاة في ~~جماعة، وبعضهم قد يترك الجمعة. # وبالجملة فالمشروع من هذا الباب هو الاعتكاف الشرعي الذي كان يفعله رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وأما ما كان يفعله بحراء قبل ~~المبعث، فلسنا مأمورين باتباع ذلك، فإنه من حين بعث إلى الخلق وجب على ~~الخلق كلهم طاعته واتباعه، والعبادة بما شرعه بعد المبعث دون العبادة التي ~~لم يشرعها هو، ولو أراد أحد أن يفعل بغار حراء ما PageV06P135 ### || CHECK - الواجب أن يكون الله هو المقصود والمراد بالقصد الأول ### || CHECK - إخلاص الدين لله هو أصل كل علم وهدى # كانوا يفعلونه فى الجاهلية من المجاورة فيه، وترإو الجمعة والجماعة، لنهي ~~عن ذلك. # وقد كانوا في الجاهلية، كما قال أبو طالب في قصيدته الطويلة (1): # وراق ليرقى في حراء ونازل # والمقصود هنا بيان ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع من أن إخلاص الدين ~~لله هو أصل كل علم وهدى. # وفي الحديث حكاية بلغتنا لا أعلم إسنادها هو ثابت أم لا، لكن المعنى ~~المقصود منها صحيح، وهو ms1049 أن أبا حامد الغزالي قال: لما بلغني هذا الخبر ~~أخلصت أربعين صباحا، فلم أجد شيئا، فذكرت ذلك لبعض شيوخ أهل المعرفة، فقال ~~لي: يابني، إنك لم تخلص لله، وإنما أخلصت للحكمة. # فإن هذا المعنى حق، وهو أن الواجب أن يكون الله هو المقصود والمراد ~~بالقصد الأول، ثم الحكمة وغير ذلك يتبع ذلك، لا أن يكون غيره هو المقصود ~~بالقصد الأول، ويجعل قصد الله وسيلة إلى ذلك. # وإن كان الناس قد يؤمرون بما يؤمرون به من الطاعة والعبادة لأمور أخرى ~~تكون هي، مطلوبهم ومقصودهم، بل قد ينازع الناس في PageV06P136 ### || CHECK - الرد على من أنكر حقيقة المحبة لله # أنه هل يمكن أن يكون الله سبحانه هو المقصود المراد بالقصد الأول، بحيث ~~يراد لذاته فيحب لذاته؟ فذهب طوائف كثيرون من أصناف المتفقهة والمتكلمة ~~وغيرهم إلى امتناع ذلك، وأنكروا أن يكون الله محبوبا لذاته، وهذا هو ~~المشهور من قول المعتزلة ومن اتبعهم من المتكلمة والجهمية والفقهاء وغيرهم، ~~ولم يجعلوا المقصود بالقصد الأول- وهو الغاية التي يطلبها العباد- إلا ما ~~يحصل من تنعمهم بالأكل والشرب واللباس ونحو ذلك، مما وعدوا به في الجنة، ~~وجعلوا جميع ما أمروا به من العبادات والطاعات تكاليف إنما تفعل لتحصيل هذه ~~الغاية المطلوبة. # وهؤلاء ينكرون أن يتنعم في الدنيا بعبادته وفي الاخرة بالنظر إليه، بل قد ~~ينكرون أن يتنعم بذكره ورحمته، اللهم إلا من جهة لذة جنس العلم الذي لا ~~يمكن أن ينكرها من وجدها. # وقد وافقهم على إنكار حقيقة المحبة لله وتوابعها طوائف من أصحاب الأئمة ~~الأربعة. وأول من أنكر حقيقة المحبة لله الجعد بن درهم، الذي ضحى به خالد ~~بن عبد الله القسري بواسط في خطبة يوم الأضحى، وقال: "أيها الناس ضحوا تقبل ~~الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم ~~خليلا، ولم يكلم موسى تكليما". ثم نزل من المنبر فذبحه (1). # فإنكار حقيقة الخلة هو إنكار حقيقة المحبة. وهؤلاء ينكرون أن PageV06P137 ### || CHECK - الرد على الفلاسفة الذين يعترفون بلذة العلم فقط ### || CHECK - من أثبت الرؤية ms1050 وأنكر التمتع بها # يحب وأن يحب، ويتأولون ما ورد في ذلك على أنه يحب طاعته وعبادته، وهو ~~يريد الإحسان إلى عبده. # وأما من وافقهم وأثبت الرؤية، فقد ينكر- إن صحت الرؤية- التمتع (1) بها، ~~كما ذكر ذلك أبو المعالي في "الرسالة النظامية"، وذكر أنه من أسرار ~~التوحيد، وزعم أن المحدث لا يتمتع بالقديم، ولكن يخلق الله مع الرؤية لذة ~~بشيءآخر. # وكذلك قال ابن عقيل لرجل سمعه يقول: اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، ~~فقال: ويحك! هب أن له وجها، أتتلذذ بالنظر إليه؟ # ومعلوم أن الدعاء النبوي قد ورد بهذا اللفظ في حديث عمار بن ياسر، وكذلك ~~غيره- فيما أظن- والحديث في المسند والنسائي وغيرهما (2)، وفيه: "اللهم ~~بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحينى ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما ~~كانت الوفاة خيرا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك ~~كلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لاينفد، ~~وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، ~~وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة ~~مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين ". PageV06P138 # وأما المتفلسفة فالذي يعترفون به هو لذة العلم أيضا فقط، إذ رؤيته عندهم ~~بالعين ممتنعة، وكل من تكلم في لذة النظر والمشاهدة والتجلي ونحو ذلك من ~~متصوفة المتفلسفة، فكلامه يعود إلى ذلك، وهو دونه، فإنه لا يثبت قدرا زائدا ~~على ما أثبته المعتزلة، بل لا يكاد يصل إليهم، ولكن يموهون بالتعبير على ~~المعاني الفلسفية بالعبارات الإسلامية، وإلا فهم في الرؤية والمشاهدة لا ~~يجاوزون قول المعتزلة حيث يفسرونها بنوع من العلم. وفي كلام أبي حامد ~~وأمثاله من ذلك أصناف، والفارابي. # ومن تدبر كلام الفلاسفة كابن سينا ونحوه، وجد ما يثبتونه من اللذات ~~العقلية إنما هو لذة العلم بالموجود من حيث هو موجود، لا اختصاص للرب بذلك، ~~اللهم إلا من حيث يولد وجوده، وغايته تلذذ بامور كلية حاصلة في ذهن العالم ~~لا وجود لها في الخارج، لا سيما ms1051 إذا قالوا: إن النفس الناطقة لا تدرك ~~المغيبات التي يسمونها الجزئيات، وإنما تدرك الكليات، لا سيما بعد ~~المفارقة. والكليات لا تكون كليات إلا في الذهن، فلا تكون لذة النفس عندهم ~~إلا بأمور مقيدة فيها متصلة بها، لا بعلم شيء موجود في الخارج عنها. # وهذا في غاية البعد عن الحق، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع، وإنما هو ~~إثبات النعيم بأمور مقدرة في الذهن، ولهذا كان الاتحادية وهم من خلاصة جهم، ~~لا ينكرون اللذة بالمشاهدة، كما ذكر ذلك ابن العربي الطائي في بعض كلامه ~~(1) أن المشاهدة ما التذ بها PageV06P139 ### || CHECK - معرفة الله فطرية ضرورية ### || CHECK - مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك # عارف قط. # وأما أهل السنة والجماعة من سلف الأمة وأئمتها، ومشايخ أهل التصوف ~~والحديث، فلا ينكرون حقيقة محبة الله أصلا، وهؤلاء هم الباقون على ملة ~~إبراهيم خليل الرحمن الذي قال الله تعالى فيه: (ومن أحسن دينا ممن أسلم ~~وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ~~(125)) (1)، وعلى أصل هؤلاء فيظهر أن يكون الله هو المقصود بالقصد الأول، ~~المحبوب المطلوب لذاته. # يبقى أن يقال: فالحب والإرادة فرع (2) الشعور، فكيف يكون هذا هو الأصل، ~~وهو مسبوق بطلب وإرادة، وذلك مستلزم لحب؟ فلا بد أن يكون قد أحب شيئا ما ~~حتى أداه ذلك إلى هذه المعرفة المستلزمة محبة الله وقصده لذاته؟ فيجاب عن ~~ذلك بوجهين: # أحدهما: أن كون الإقرار بالله لا يكون إلا نظريا، إنما قاله طوائف من أهل ~~الكلام كالمعتزلة ومن سلك سبيلهم، وليس هذا قول سلف الأمة وأئمتها، ولا قول ~~مشايخ التصوف ومشايخ أهل الحديث، ولا قول جميع أهل الكلام، بل طوائف كثيرة ~~من أهل الكلام والنظر قد يقولون: إنها لا تكون نظرية بحال، بل لا تكون إلا ~~ضرورية. # والتحقيق أنها فطرية ضرورية، ولكن قد يحصل لبعض الفطر ما يفسدها، فيحيلنا ~~إلى نظر، كما يقرن النظر بالضرورة، كما قال النبي PageV06P140 ### || CHECK - الحب يتبع الشعور # - صلى الله عليه وسلم -: "كل مولود يولد على الفطرة- وفي لفظ: على هذه ms1052 ~~الملة، وفي لفظ: على فطرة الإسلام- فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما ~~تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها جدعاء"، ثم يقول أبو هريرة: ~~اقرؤوا إن شئتم: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك ~~الدين القيم) (1). # وذلك قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) منيبين ~~إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32)) (2). # الوجه الثاني: أن الحب يتبع الشعور، فإذا شعر بالحق مجملا أحبه مجملا، ~~وإذا شعر به مفصلا أحبه مفصلا، لا بد من الشعور به ومحبته ولو مجملا، وإن ~~لم يكن ذلك أصل مقصوده كان معلولا، فإن من كان مطلوبه الحق من حيث هو حق، ~~غير متبع لهواه المخالف للحق، فإنما مقصوده في الحقيقة هو الله، فإنه الحق ~~المحض، إذ كل مخلوق فإنما قوامه به، وبه صار موجودا، ثم إنه قد يشعر أولا ~~بموجود قديم، أو موجود واجب، إذ الوجود شاهد بأنه لا بد فيه من قديم واجب، ~~إذ يمتنع أن يكون الوجود كله محدثا ممكنا، فإن ذلك لا يكون بنفسه، وهذا من ~~أوضح المعارف الضرورية، فالإقرار بموجود PageV06P141 ### || CHECK - معنى قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) # قديم واجب أمر ضروري فطري في النفوس كلها. # ولهذا تجد جميع الأمم معرفة بالله فطرية، فإن أخطأ بعضهم عينه فاعتقده ~~غير ما هو، فالمقصود الأول هو الله، والقلب مفطور على الحنيفية التي هي ~~الإقرار بالله وعبادته المتضمنة معرفته ومحبته. ولكن قد يعرض للفطرة ما ~~يغيرها، وإذا كان كذلك، فقد دل الكتاب والسنة- في غير موضع- على أن من كان ~~هذا مقصوده، وكان مجتهدا في ذلك، فإنه يحصل له الهدى، وأن من اتبع هواه فلم ~~يكن الحق مقصوده، ضل عن سبيله، قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا) (1)، فإن المجاهد في الله لا بد له من شيئين: # أحدهما: محبة الله وإرادته المستلزمة بغض عدوه. # والثاني: ms1053 الاجتهاد في دفع ما يبغضه الحق ويكرهه، بقهر عدوه، ليحصل ما ~~يحبه الحق ويرضاه بعلو كلمته، وأن يكون الدين كله لله. # فالمجتهد في تحصيل محبوبه ودفع مكروهه، هو المجاهد في سبيله، وهو الذي ~~استفرغ وسعه في ذلك حتى جاهد أعداءه الظاهرين والباطنيين، فيجتمع في ~~المجاهد في سبيله شيئان: كمال القصد، وكمال العمل. # فالأول: أن مقصوده هو الله، فهو معبوده ومحبوبه. # والثاني؟ أنه يستفرغ مقدوره في تحصيل هذا المقصود. PageV06P142 ### || CHECK - الرد على قول الاتحادية: إن الرب هو العالم نفسه # فهذا يهدى سبل الله. # وهذا مجرب في سائر المحبوبات، فكل من أحب شيئا محبة شديدة ولد له شدة ~~المحبة طرق تحصيل المحبوب، وطرق المعرفة به. وكذلك من أبغض شيئا بغضا ~~شديدا، ولد له شدة البغض طرق دفعه وإزالته، ولهذا يقال: الحب يفتق الحيلة، ~~كما يقال: الحاجة تفتق الحيلة. فإن المحتاج محب لما احتاج إليه محبة شديدة. # وإنما يوقع النفوس في القبائح الجهل والحاجة، فأما العالم بقبح القبيح ~~الغني عنه فلا يفعله، قال الله تعالى: (الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه ~~من ينيب (13)) (1)، وقد قال في ضد هؤلاء: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ~~الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26)) ~~(2)، فبين أن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله، فمن اتبع ما تهواه نفسه أضل عن ~~سبيل الله، فإنه لا يكون الله هو المقصود، ولا المقصود الحق الذي يوصل إلى ~~الله، فلا قصد الحق، ولا ما يوصل إلى الحق، بل قصد ما يهواه من حيث هو ~~يهواه، فتكون نفسه في الحقيقة هي مقصوده، فيكون كأنه يعبد نفسه، ومن يعبد ~~نفسه فقد ضل عن سبيل الله قطعا، فإن الله ليس هو نفسه. # ولهذا لما كان حقيقة قول الاتحادية: إن الرب تعالى هو العالم نفسه، لا ~~يميزون بين الرب الخالق وبين المخلوق المربوب، بل كل PageV06P143 # موجود فهو عندهم الرب العبد، كان حقيقة قولهم إنكار محبة الله ومعرفته ~~وعبادته. فجعلوا المعبود بذاته إنما هو الهوى، كما قال صاحب ms1054 الفصوص "فصوص ~~الحكم" ابن عربي: "وكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل ~~بالتسليط على العجل، كما سلط موسى عليه، حكمة من الله ظاهرة في الوجود، ~~ليعبد في كل صورة، وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك فما ذهبت إلا بعد أما، ~~تلبست عند عابدها بالألوهية، ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا عبد، إما ~~عبادة تأله، وإما عبادة تسخير- إلى أن قال- وأعظم محل فيه عبد وأعلاه ~~الهوى، كما قال: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) (1) فهو أعظم معبود، فإنه لا ~~يعبد شيء إلا به، ولا يعبد هو إلا بذاته " (2). # وهذا جهل منه حيث قال: "لا يعبد إلا بذاته"، فإن الهوى نفسه إن عني به ~~المهوي، فكل ما هوي فهو هوى، فإذن كل ما هوي فقد هوي لذاته، فيبطل التخصيص. # وإن عني به نفس المصدر الذي هو نفس إرادة النفس مثلا، فذاك هو القصد ~~والإرادة التي تكون عبادة، فكيف تكون العبادة هي المعبود؟ # وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق ~~هواه، ويخالفه إذا خالف هواه. # فإذن هو لايثاب على ما اتبعه من الحق، ويعاقب على ما اتبعه من PageV06P144 # الباطل، وذلك لأنه يكون إنما اتبع هواه في الموضعين، لم يتبع الحق لأنه حق. # فلما كان اتباع الهوى يضل عن سبيل الله أخبر بأن الضلال مع اتباع الهوى ~~في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله) (1)، وقوله: (وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم) (2) وقوله: (ولا ~~تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77)) ~~(3) وقال: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه ~~وقلبه وجعل على بصره غشاوة) (4). # كما أخبر أن الهدى مع السنة التي هي اتباع سبيله، كقوله: (ولو أنهم فعلوا ~~ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا ~~عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68)) (5)، وقال تعالى: (وإن تطيعوه ~~تهتدوا) (6)، وقوله: (ويهدي إليه ms1055 من ينيب (13)) (7)، وقوله: (والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا) (8). PageV06P145 ### || CHECK - وجه تسمية أهل البدع أهل الأهواء # ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء، فإنهم على ضلال، والضلال ~~مستلزم لاتباع الهوى، كما أن الهدى لازم لاتباع سبيله، وهذا الهدى الثاني ~~كما في قوله: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82)) (1)، قال ~~طائفة من التابعين: لزم السنة والجماعة. # ومنهم [من قال:] من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم. ومن أخلص لله ~~أربعين صباحا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه. # وذلك أن مخلص الدين لله محفوظ من الشيطان الذي يأمر باتباع الهوى، كما ~~قال تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42)) ~~(2)، والغي: اتباع الهوى. # وقال عنه: (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين ~~(83)) (3)، فالمخلص لا يغويه، فلا يتبع هواه، كما قال: (لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24)) (4)، فصرف عنه الغي لأجل إخلاصه. # ولما كان الإخلاص أن يكون الدين كله لله، وعلى هذا أمر بالجهاد، وهذا ~~يوجب الاجتماع والألفة، إذ ذلك هو دين الأنبياء الذي PageV06P146 ### || CHECK - الفعل الاختياري له مبدأ ومنتهى ### || CHECK - الإنسان له فعل باختياره وإرادته # أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب، كما قال - صلى الله عليه وسلم -:"إنا ~~معاشر الأنبياء ديننا واحد" (1). # قال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) (2)، وقال ~~في الاية الأخرى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) (3). # فصل # وإيضاح هذا الكلام أن يقال: الإنسان له فعل باختياره وإرادته، وهذا ضروري ~~له، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:" أصدق الأسماء الحارث وهمام " ~~(4)، بل وكل حي فهو كذلك. # والفعل الاختياري له مبدأ، وهو الإحسالس والشعور المحرك للمحبة والإرادة ~~والقدرة عليه، وله منتهى، وهو المقصود المراد المحبوب بذلك الفعل. # وقد بينا- فيما تقدم- أن مبادئ الفعل لا يجوز أن تكون من ms1056 العبد، لأن فعله ~~لها حادث من الحوادث، فلا يجوز أن يحدث بنفسه، ولا يجوز أن يحدث فعله ~~بمبادئ فعله، لأنه يلزم أن تكون تلك PageV06P147 # المبادئ علة فعله ومعلولة فعله، وذلك ممتنع إن كانت هي إياها، وإن كانت ~~غيرها لزم أن يكون فاعلا لفعله بفعل. وكذلك الفعل بفعل آخر، وكذلك الفعل ~~بفعل آخر، فتحدث تلك الإرادة بإرادة، وتلك الإرادة بإرادة، وهلم جرا. وهذا ~~يفضي إلى وجود حوادث لا تتناهى في الإنسان، والإنسان متناهي، ويمتنع وجود ~~ما لا يتناهى فيما يتناهى، فلا بد أن تنتهي تلك الأفعال إلى أسباب خارجة من ~~العبد، وهذا خارج من قولنا، لأنه يفضي إلى التسلسل، فإن التسلسل إن أريد به ~~تسلسل العلل التامة التي يجب وجودها في زمن واحد، لم يجب ذلك. وإن توقف ~~الفعل الثاني على الأول جاز أن يكون من باب الشروط التي يجوز تقدمها، فتكون ~~كوجود حوادث لا تتناهى. وهذا فيه نزاع، فمن جوزه في القديم أو المحدث لم ~~يصح أن يبطل التسلسل فيه. ومن لم يجوزه يرد عليه سؤالات مذكورة في غير هذا ~~الموضع. # وإن شئت أن تقول: لأن الفعل القريب إما أن يكون مفعولا عن الفعل الذي ~~قبله بحيث يكون كل فعل علة لما بعده أو شرطا، فإن كان علة لزم وجود إرادات ~~وأفعال لا تتناهى في زمان واحد، والإنسان يعلم بحسه وعقله أن الأمر بخلاف ~~ذلك علما ضروريا. وإن كان شرطا لزم ما لا يتناهى على التعاقب، وهو إما أن ~~يكون ممتنعا فيما يتناهى، وإن شئت أن تقول: التسلسل في الإنسان ممتنع، لأنه ~~مستلزلم وجود ما لا يتناهى في زمن واحد، أو في أزمنة لا تتناهى في حق ~~الإنسان، وذلك ممتنع في الوجهين. # وهذا السؤال يرد على أبي عبد الله الرازي، فإنه يقرر خلق فعل PageV06P148 # العبد بشبيه هذا، لكن لا يبين امتناع التسلسل اكتفاء منه بما قرر في حدوث ~~العالم، وذلك متنازع فيه بين المسلمين وغيرهم، أو لظهور ذلك في حق العبد، ~~وهو يقرره بالإمكان، وتقريره بالحدوث أظهر. # وقد ذكرنا غير ms1057 مرة أن ما دل على حدوث الحوادث المشهودة وأنها خلق لله، ~~يدل على ذلك في أفعال العبد، لا فرق بين أفعاله وسائر صفاته. # والمقصود هنا الطرف الثاني، وهو أن ذلك الفعل لا بد له من منتهى هو ~~المحبوب المقصود المطلوب به. فنقول: كما أن العبد يوجد فعله تارة ويعدم ~~أخرى، ففعله الموجود بإرادته قد يريد به ما يصلحه وينفعه تارة، وقد يريد به ~~ما يفسده ويضره أخرى، وذلك لأنه إما أن يصلح له أن يفعل كل ما يهواه ويحبه ~~ويريده من الأفعال، فيقصد ويعبد ويطلب كل ما يهواه، أو لا يصلح ذلك إلا في ~~بعض الأمور دون بعض. # والأول باطل، لأنه إذا فعل كل شيء يهواه ويحبه لزم وقوع الفساد المستلزم ~~لنقيض ما يحبه ويهواه، بل لو وقع في الوجود كل ما يهواه كل إنسان لزم فساد ~~العالم، كما قال تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن ~~فيهن) (1)، وذلك أن أهواء النفوس ليس لها حد تقف عنده إذا أعطيت القدرة، بل ~~هذا يهوى أن يغلب هذا فيقتله أو يأخذ ماله أو رئاسته، وهذا كذلك، وهذا يهوى ~~أن ينال ما PageV06P149 ### || CHECK - الدين والشرع ضروري لبني آدم # اشتهاه من الفروج والصور، وهذا يهوى ذلك، فيلزم فساد الحرث والنسل، والله ~~لا يحب الفساد. وهذا يهوى أن يعظم ويعبد من دون الله حتى لا يفعل أحد ~~مصلحته، بل لا يفعل إلا ما يهواه، وهذا كذلك. وأمثال هذا مما يطول عده. وما ~~من عاقل إلا ويعرف ذلك. # ولهذا اتفق العقلاء على أن بني آدم لا يعيشون جميعا إلا بشرع يستلزمونه ~~ولو بوضع بعض رؤسائهم، يفعلون ما يأمر به، ويتركون ما ينهى عنه، فإن تركهم ~~بدون " ذلك مستلزم أن يفعل كل قادر منهم ما يهواه، وذلك يمنع بقاءهم، ويوجب ~~فسادهم وهلاكهم، لأن أهواءهم وإراداتهم إذا لم تتعاون وتتناصر فإنها تتهاون ~~تارة، وتتمانع تارة، وتتخاذل تارة، فإذا تهاونت فلم يعن هذا هذا، ولا هذا ~~هذا، عجزوا عن مصالحهم التي لا بد لهم منها، فوقع الفساد، ms1058 وإن تخاذلت فلم ~~ينصر هذا هذا، ولا هذا هذا، لزم أن يستولي عليهم الحيوان الناطق والبهيم، ~~بل ومن المؤذيات الجامدة ما يفسدهم ويهلكهم. وإذا تمانعت فلم يمكن هذا هذا ~~من فعل ما يصلحه، ولم يمكن هذا هذا من فعل ما يصلحه، لزم عجزهم عن جلب ~~المنافع ودفع المضار. وإذا تغالبت فغلب هؤلاء هؤلاء تارة، وهؤلاء هؤلاء ~~تارة، لزم فساد كل فريق إذا غلبوا، بل وإذا غلبوا أيضا، إذا لم يكن لهم شرع ~~يعتصمون به في تقاسم نفوس الأعداء وأموالهم، وأمثال ذلك. # وبهذا وأمثاله يتبين أن الدين والشرع ضروري لبني آدم، لا يعيشون بدونه، ~~وقد بسطناه في غير موضع، لكن ينقسم إلى شرع غايته نوع من الحياة الدنيا ~~وشرع فيه صلاح الدنيا فقط، وشرع فيه صلاح PageV06P150 ### || CHECK - اتباع الهوى يستلزم الفساد والضرر # الدنيا والاخرة، ولا يتصور شرع فيه صلاح الاخرة دون الدنيا، فإن الاخرة ~~لا تقوم إلا بأعمال في الدنيا مستلزمة لصلاح الدنيا، وصلاحها غير التناول ~~لفضولها. # وإذا تبين أن الإنسان لو فعل ما يريده ويهواه لزم الفساد والضرر المنافي ~~لما يحبه ويرضاه، فإن المحبوب بالقصد الأول هو ما يصلحه وينفعه، فإذا كان ~~فعله ما يهواه يستلزم وقوع ما يضره وخلاف ما يهواه، كان وجود هذا مستلزما ~~لضده ونقيضه في العاقبة، فلا يصلح أن يكون ذلك مقصودا، لما فيه من الضرر ~~والفساد المخالف للمقصود بالقصد الأول، ولأن كونه مقصودا ينافي كونه ~~مقصودا، فإنه إذا فعل ما يحبه لمقصوده حصل المحبوب، فإذا كان حصول هذا ~~المحبوب يستلزم نفي المحبوب ووقوع المكروه صار وجود هذه الغاية المقصودة ~~مستلزما نقيض هذه الغاية وضدها، وما استلزم وجوده عدمه ووجود ضده امتنع أن ~~يكون علة غائية أو علة فاعلية أو غير ذلك. # كما أن في العلة الفاعلية لو كانت إرادته حادثة بلا فاعل للزم جواز حدوث ~~حادث بلا فاعل، ولو جاز ذلك لجاز أن لا يكون لفعله وغيره من الحوادث فاعل، ~~فيلزم حينئذ جواز حدوث فعله بلا فاعل، فلا يجب أن يكون هو الفاعل له. # ومن ms1059 قال: إرادته حادثة بلا فاعل، قصد بذلك أن يكون هو المحدث لفعله، فإنه ~~إذا جعل لها فاعلا، صار ذلك هو الخالق لفعله، فصار ما جعله هو المحدث ~~يستلزم أن لا يكون هو المحدث، فلا يكون صحيحا. PageV06P151 ### || CHECK - وجود الأفعال التي لا تحصل غاياتها بمنزلة وجود العقائد التي لا تطابق معتقداتها # وهنا يصير ما جعل هو الغاية مستلزما أن لا يكون هو الغاية، بل تكون ~~الغاية تقتضيه وضده، فلا يجوز أن يكون هو الغاية. # وقولنا: لا يجوز أن يكون هو الغاية، يتضمن شيئين: # أحدهما: لا يصلح للعبد أن يعتقد ذلك ويقصده. # والثاني: أنه في نفسه لا يقع غاية، أي ما تهواه النفوس وتحبه إذا جعلته ~~النفوس هو غايتها، لم تحصل محبوباتها وما تهواه. # فهذا بيان أن هذه الغاية لا تحصل ولا تقع، وهي حصول المحبوب المطلوب. وإن ~~كانت النفوس تفعل لأجلها، فالفعل إذا لم يحصل غايته كان باطلا، وهي أعمال ~~الكفار. وإن حصل ضدها كان فاسدا. # ولهذا قال الفقهاء: العقد والعبادة الباطلة ما لم يحصل به مقصوده، ولم ~~يترتب عليه أثره شرعا (1). ولهم في الفرق بين الباطل والفاسد كلام ليس هذا موضعه. # فوجود الأفعال التي لا تحصل غاياتها بمنزلة وجود العقائد التي لا تطابق ~~معتقداتها، فهذا في الأفعال بالنسبة إلى الغاية، فاعتقاد من اعتقد أنه خالق ~~فعله بالنسبة إلى الفاعل، ووجود هذا الاعتقاد لا يمنع أن يكون الخالق غيره، ~~وأنه ليس هو الخالق، وإن أخطأ في اعتقاده. كذلك عمله لهذه الغاية الفاسدة ~~المتناقضة، لا يمنع أن تكون الغاية PageV06P152 # الصحيحة غير هذه، وإن ضل هو في قصد هذه والعمل لها. # وإذا تبين أنه لا يمكن أن يكون ما تهواه النفوس هو الذي ينبغي أن يكون ~~مقصودها ومرادها، بل ذلك يستلزم نقيض ما تهواه وتحبه، علم بهذا أنه لا يصلح ~~أن تكون الغاية من قصد الفعل وإرادته ومحبته هو كون النفس تحبه وتهواه ~~وتقصده. # كما تبين أنه لا يجوز أن يكون ذلك القصد حادثا عن مجرد النفس، فكما أن ~~مبدأ الفعل والفاعل ليس ms1060 من الإنسان، فغايته ومقصوده لا يصلح أن يكون في ~~الإنسان، فكما أنه ليس هو المباع لفعله، ليس هو الغاية لفعله، بل لا بد من ~~غاية تكون معبوده، كما أنه لا بد من مبدأ يكون مستعانه، كما قال: (إياك ~~نعبد وإياك نستعين (5)) فلا يصلح أن يفعل الإنسان لأجل نفسه بمعنى أنها هي ~~المعبود المقصود لذاته بذلك الفعل، فيفعل ما تحبه وترضاه مطلقا، لكن يفعل ~~لأجلها بمعنى أن يفعل ما يصلحها وينفعها، ويجلب لها الخير، ويدفع عنها ~~الشر، وذلك أن يكون مقصوده بالفعل ما يحصل مصلحتها بقصده. # وكما أن الإنسان ليس محدثا لفعله بمعنى أنه هو الخالق المباع له ولمبادئه ~~المستقل به، ولكن هو المحدث لفعله بمعنى أنه فعله بقدرته ومشيئته واعتقاده، ~~وذلك أنه كله مخلوق لله، فربه هو الرب الخالق لفعله وإن كان هو فاعله، ~~وإلهه هو المقصود المعبود بفعله، وإن كان العبد يقصد نفع نفسه. # وكون الرب خالقا وربا للفعل لا يمنع أن يكون العبد فاعلا كاسبا PageV06P153 ### || CHECK - كون الرب خالقا وربا للفعل لا يمنع أن يكون العبد فاعلا كاسبا له، وكون الرب هو الإله المقصود لا يمنع أن يكون للعبد فيه غاية من المنفعة والصلاح # له، وكذلك كون الرب هو الإله المقصود الذي يستحق ذلك العمل ويحبه ويرضاه ~~ويفرح به، وهو غايته ومنتهاه، لا يمنع أن يكون للعبد فيه غاية من المنفعة ~~والصلاح والخير واللذة. # فتدبر هذا كله، فإنه جامع نافع، يتبين لك من هذا كون العبد إنما يعمل ~~لنفسه مع كون الرب يستحق ذلك عليه ويطلبه منه طلب المستحق المحب المريد لما ~~يستحقه ويحبه، كما تبين لك كون العبد فاعلا حقيقة بقدرته ومشيئته، مع كون ~~الرب هو الخالق لذلك، وهو ربه ومليكه. # ويتبين لك أن قوله: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) (1)، وقوله: (ومن شكر ~~فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40)) (2)، وقوله: (إن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) (3) ونحو ذلك لا ينافي قوله: (وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون) (4)، وقوله: (أفتتخذونه وذريته أولياء من ms1061 دوني ~~وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (50)) (5)، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لمعاذ: "أتدري ما حق الله على العباد؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ~~"حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا" (6). PageV06P154 ### || CHECK - بيان غلط الصوفية والمتكلمين في هذا الباب # وتبين لك من غضب الله وعقابه على من أشرك به وكفر، ومحبته ورضاه وفرحه ~~لمن أطاعه وأناب إليه وتاب إليه ونحو ذلك. # كما تبين لك أن آيات الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والآيات المخبرة بأن ~~العباد فاعلون، لا تنافي آيات القدر المتضمنة أن الله خلق أفعال العباد، ~~فإن كثيرا من الناس تاهوا في الغايات المقصودة، كما تاه كثير من الناس في ~~الأسباب الفاعلة، ولا بد من توحيد الربوبية بأن يكون الله خالق كل شيء وبأن ~~يكون الله هو المعبود المقصود بذاته بالأفعال لا سواه. ولا يدفع ذلك من ~~إثبات فعل العبد وقدرته ومشيئته واعتقاده، كما أنه لا بد من إثبات انتفاع ~~العبد بالفعل، وأنه يعمل مصلحته ومنفعته، وأنه وإن قصد غيره فمقصده هذا، ~~لأن في كون ذلك مقصودا معبودا صلاحه وانتفاعه. # فإن الناس يغلطون في هذا، فكثير من الصوفية لا يلحظون هنا إلا (1) غاية ~~الألوهية، ولا يستشعرون أن ذلك منفعة للنفس وصلاحها. # وكثير من أهل الكلام كالمعتزلة وغيرهم لا يستشعرون أن لله في ذلك محبة ~~ورضى وفرحا، بل لا غاية له إلا ما يعود على العبد. # كما أنهم كذلك يتنازعون (2) في السبب الفاعل ما بين قدرية مجوس وجبرية ~~نفاة، ومنحرفو الصوفية يغلب عليهم في الموضعين نفي ما في العبد من سبب ~~وغاية، كما أن منحرفي المتكلمين من PageV06P155 ### || CHECK - الرد على المرجئة والقدرية في حسن الفعل وقبحه # المعتزلة والرافضة يغلب عليهم نفي ما للرب من مبدأ ومنتهى من ربوبيته ~~وإلهيته. # وأما المثبتة من الأشعرية ونحوهم، ففي جانب القدر يوافقون الصوفية، وأما ~~في جانب الغاية فقد يوافقون المعتزلة، فتدبر هذا فإنه أصل عظيم. # وهذا المعنى يستقر في فطر الناس، كما أنه مستقر في فطرهم افتقار العبد في ~~فعله إلى الله، ولهذا يحتملون ms1062 المكاره طلبا للمنافع، ويتقون الشهوات طلبا ~~لما هو أحب منها، ودفعا لما هو أضر من تركها، ويقولون: فعل ما تهوى يمنعك ~~ما تهوى، وأمثال هذا الكلام. # وإنكار من أنكر من المرجئة لمعرفة حسن الفعل وقبحه بالفعل يتضمن إنكار ~~هذه الغاية، كما أن إنكار القدرية لكون الله خالق أفعال العباد يتضمن إنكار ~~السبب الفاعل. والفطرة والشريعة ترد على الطائفتين، أولئك منعوا غايات ~~الأفعال وعواقبها ومصالحها، وأنه يجب عقلا الفرق بين فعل وفعل، ويجب عقلا ~~كون هذا الفعل مقتضيا للمنفعة والصلاح، وهو حسنه، وكون هذا الفعل مقتضيا ~~للمضرة والفساد، وهو قبحه، لكن ظن الأولون أن الحسن والقبح في حق الخالق ~~والمخلوق قد يكون لذات الفعل، أو لصفة فيه، لا لغاية محبوبة أو مسخوطة، ~~وهذا الظن الفاسد أوقع هؤلاء في نفي التفريق بين الحسن والقبيح، وسلموا ~~الغاية الملائمة والمنافرة، لكن ظنوا أن الحسن والقبح في الشرع بغير ~~المعنى، أو أن له حقيقة وراء هذه، وليس الأمر كذلك، بل الحسن مطلقا هو ~~الملائم النافع المحبوب PageV06P156 ### || CHECK - فساد حال من اتخذ إلهه هواه # المرضي، والقبيح ضد ذلك، وصفات الكمال تعود إلى ذلك. فالحسن والقبح ~~متعلقان بالعلة الغائية مطلقا، وقد بسطنا هذا في غير موضع، كقاعدة مفردة في ~~غير ذلك. # والقدرية لم ينبتوا الغاية كما ينبغي، بل تخبطوا فيها، وإن كانوا من ~~الحسن والقبح بأصله دون تفصيله الصحيح، ثم عدلوا الله بخلقه تشبيها باطلا ~~مع غلوهم في إنكار التشبيه في الصفات، وإن كانوا أثبتوه هنا أصلا، كما له ~~أصل في الصفات، ولكن جهلوا التفصيل هنا، كما جهلوا هناك الأصل، وأنكروا أن ~~يكون الله نفسه هو الغاية المقصودة، وأنكروا السبب، فأنكروا كونه خالقا ~~لأفعال العباد (1). # وإذا لم يصلح أن يكون هوى العبد هو الغاية المقصودة لذاتها مطلقا، تبين ~~فساد حال من اتخذ إلهه هواه، ومن عبد ما استحسن من دون الله، وهؤلاء ~~المشركون المتبعون لأهوائهم المتخذون آلهتهم أهواءهم. ويحكى ذلك عن ~~البراهمة منكري النبوات، كما حكاه أبو الحسن الربعي في كتاب "اتباع ~~المرسلين في الاحتياط للدين "، قال: ms1063 وقال قوم يقال لهم البرهمية بقول عبدة ~~الأصنام: ما استحسنه العبد فهو معبوده. # وهذا أيضا حقيقة قول الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، إذ عندهم كل ما ~~كان موجودا يصلح أن يكون لكل عابد معبودا، وإن كان عندهم كل عابد فهو أيضا ~~معبود، كما قال شيخهم صاحب الفصوص: PageV06P157 ### || CHECK - بدون الرب يمتنع الفعل، وبدون الإله لا يصلح الفعل # "فليعبدني وأعبده" (1). وقال: "أعظم معبود عبد فيه الهوى" (2). # وإذا تبين أنه لا يصلح أن يكون كل ما يهواه العبد ويريده مقصودا ... (3) ~~تبين من ذلك أنه لا يصلح أن يكون ما يوجد من اللذة هي الغاية المقصودة ~~بفعله، لأن اللذة تتبع الشهوة، فإذا حصل ما يشتهيه وجد اللذة، فإذا امتنع ~~أن يكون المنتهى مطلقا مقصودا، امتنع أن تكون اللذة مطلقا غاية مقصودة، لما ~~بيناه من أن وجود ذلك يمنع وجوده، لما فيه من الفساد، ولكن لا بد في فعله ~~من حب، ولا بد له من لذة، فالشهوة واللذة سببان في فعله، ذلك سبب فاعلي، ~~وهذا سبب غالي، بهما كان الإنسان من وجه فاعلا لفعله، ومن وجه غاية لفعله، ~~كما تقدم بيانه. # لكن كما بينا أن هذا السبب فيه لم يحصل به مستقلا، بل بالرب الذي خلقه ~~وأعانه، فكذلك هذه اللذة لم يحصل الفعل لأجلها فقط، بل للغاية التي هي الرب ~~الذي هو إلهه. # وكما أنه بدون الرب يمتنع الفعل، فبدون الإله لا يصلح الفعل، بل لا يكون ~~إلا فساد، فإن ما في العبد من القوة والإرادة محدث من جهة الله، كذلك كون ~~لذته العاجلة غاية إنما كان لغاية أخرى من جهة الله، وذلك أنه كما كان ~~المحدث عن عدم فلا بد له من محدث، فهذه الغاية منقطعة يتعقبها العدم ~~والزوال، فلا بد له من غاية أخرى باقية PageV06P158 ### || CHECK - الشيء لا يوجد من معدوم، ولا يوجد لمعدوم # دائمة، إذ كل ما يمنع أن تكون الحوادث مستغنية عن الفاعل يمنع أن تكون ~~المنقطعة مقصودة بالذات، فجعله نفسه الغاية مثل جعله نفسه السبب، فكما أنه ~~لا يجوز أن ms1064 يكون معينه وممده لحصول قوته وقصده وعمله هو نفسه، بل من توكل ~~على [نفسه] خذل، كذلك لا يجوز أن يكون ما يطلبه ويقصده ويحبه ويعمله هو ~~نفسه، بل من عبد نفسه واتبع هواه ضل وخسر، وما أكثر ما يتخذ العبد إلهه ~~هواه، فيكون ما يهواه إلهه، وهو يهوى نفسه كثيرا، فيعبد نفسه. كما يستعين ~~بنفسه إذا أعجب بها. # وكذلك لو أدخل واسطة، مثل الذي يستعين بغيره، وهو الذي يعين ذلك الغير، ~~وذلك الغير يستعين به، فهو في الحقيقة إنما يستعين بنفسه. وكذلك إذا عمل ~~لذلك الغير، وهو يقصد أن يكون عمل ذلك له، فهو إنما عمل لنفسه. # ونبين ذلك، فإن هذا لم يتقدم بعد الكلام فيه، بل قد تكلمنا في بيان ~~الغاية الإلهية بكلام ثم كلام، ولم يتحقق ذلك على الوجه إلى الآن، فنقول في ~~هذا الكلام الثالث: # كما أن الشيء لا يوجد من معدوم، فلا يوجد لمعدوم، إذ إيجاد الشيء للعدم ~~كوجوده من العدم، فمن قصد الشيء لنفيه كان بمنزلة من لم يقصده، ولذا لا ~~يفعل هذا عاقل بل سفيه، لأنه إذا قصد وجوده ليعدمه كان عدمه هو المقصود ~~بالقصد الأول، والعدم (1) لا يصلح أن يكون مقصودا، كما لا يصلح أن يكون ~~فاعلا، لأنه لا شيء، وما ليس PageV06P159 ### || CHECK - من كان قصده العدم لم يفعل شيئا # بشيء لا يكون سببا فاعليا ولا غاليا للموجود، فإن الموجود لا تكون أسبابه ~~عدمية، كيف والأسباب الفاعلية والغائية أكمل من المسبب المفعول لغيره. وهذا ظاهر. # وأيضا فمن كان قصده العدم لم يفعل شيئا، بل يترك الأمر على ما هو عليه من ~~العدم المستمر، فاما أن يقصد أن يفعل لأن يعدم فهذا إما سفيه جاهل قد تناقض ~~في فعله، وإما مكار مخادع يظهر قصد شيء وغرضه غيره. # وبالجملة فهذا القصد إما أن لا يكون، وإن ادعى كونه كان كاذبا، ~~كالمخادعين في الحيل المحرمة، وإن كان من الفقهاء من يظن أن القصود غير ~~معتبرة في ذلك، فهذا مخالف لما اقتضته الشريعة والفطرة من كون الأعمال ms1065 لا ~~تكون إلا بالنيات، مع قول الشارع: "إنما الأعمال بالنيات" (1)، وهي من أجمع ~~الكلمات وأجلها وأعظمها قدرا. # وإما أن يكون هذا القصد من جاهل سفيه يقصد النقيضين ولا يشعر تناقضهما، ~~فتناقض الادميين في المقاصد والنيات كتناقضهم في الاراء والاعتقادات، كثيرا ~~ما يريدون النقيضين في وقت أو وقتين. # وإذا تبين أنه لا يقصد بالوجود العدم، تبين بذلك دلالة القرآن على هذا ~~المجنى في مثل قوله: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن ~~الذين كفروا) (2)، وفي قوله: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36)) (3)، PageV06P160 # وقوله: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما ~~إلا بالحق) (1)، وقوله: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل (85)) (2). # وإن كان قوله: (بالحق) أي بقوله الحق، فهذا إشارة إلى شيء من السبب ~~الفاعل، والآية أعم من هذا، فإن الباء باء السبب، والسبب يتناول الفاعل ~~والغاية، فإن الغاية سبب فاعل للسبب الفاعل، ولهذا يقال: جئت بسبب زيد، ~~وبسبب تخليص هذا المال، وبسبب دفع العدو، ونحو ذلك. # والحق يعم الحق المقصود والحق الموجود، فالحق المقصود هو الغاية، وهو ~~نقيض الباطل الذي في قوله - صلى الله عليه وسلم -:"كل لهو يلهو به الرجل ~~فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وملاعبته امرأته، وتأديبه فرسه، فإنهن من الحق" ~~(3). وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع. # ويتبين أن النظر والاعتبار قد يعلم به المعاد، كما يعلم به مبدأ العباد، ~~كما علم بالنظر والاعتبار ابتداء خلق العباد، بل الفطرة تقضي بذلك كما تقضي ~~بالابتداء، وأن الذين أنكروا هذا من متكلمة أهل الإثبات، وقالوا لا نعلم ~~ذلك إلا بالسمع، فذلك كقولهم: لا نعلم PageV06P161 ### || CHECK - رأي الفلاسفة في إثبات الشريعة والمعاد، والرد عليهم # الأحكام إلا بالسمع، وهم في ذلك قصدوا مناقضة القدرية الذين أوجبوا ~~المعاد والجزاء بالعقل، كما أثبتوا الأحكام بالعقل. # والفلاسفة أيضا يثبتون شريعة عقلية بآرائهم، كما يثبتون معاذا عقليا ~~بارائهم، إذ الجزاء في المعاد مبنى على حسن الأفعال وقبحها، والأمر بها ~~والنهي عنها، زيادة على ما في ذلك ms1066 من صلاح الدنيا. # ولهذا أوجب الفلاسفة النبوة لصلاح العباد في الدنيا بقانون العدل المشروع ~~لهم، ثم إنهم مع ذلك عموا- أو من عمي منهم- عما في الشريعة من مصالح ~~العباد، وإن كانوا يقولون: الشريعة قصدت ذلك أيضا للعامة. # لكن آفتهم من دعوى الاختصاص بما يتسلون به في الباطن من أخبار الرسل ~~وأوامرها، فهم في الحقيقة يوجبون اتباع الشرائع على الجمهور، ويدعون أنهم ~~أجل من ذلك، وهذا لما بهرهم من منفعة الشرائع وحاجة العباد إليها، ثم عموا ~~مع ذلك عن حاجتهم هم بخصوصهم إليها، ووجود منفعتهم بكمالها فيها، فظنوا ~~أنها لا تقوم بجميع مطالبهم وحاجاتهم ومصالحهم من العلم والعمل، فابتدعوا ~~وبدلوا وحرفوا واعتدوا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # وإذا تبين أنه لا يقصد بالوجود العدم، كما لا يصدر الوجود عن العدم، علم ~~أن ما يوجد في النفوس من لذات منصرفة لا يجوز أن تكون هي الغاية، كما أن ما ~~فيها من قصد محدث لا يجوز أن يكون هو الخالق، وذلك أن ما وجد ثم عدم من غير ~~أن يترتب على وجوده PageV06P162 # مقصود آخر كان وجوده ثم عدمه بمنزلة عدم وجوده، إذ قد بينا أن العدم لا ~~يكون مقصودا، وعلم القاصد بأن هذا يعدم بعد وجوده يمنعه أن يكون هو المقصود ~~بالقصد الأول له، لأنه إذا علم أنه سيعدم، علم أنه حال عدمه لا يكون فيه ما ~~يقصده، بل يكون تلك الحال كحاله قبل وجوده، فلا يقصد أن يفعل ما يكون حاله ~~بعد وجوده وعدمه كحاله قبل وجوده، إذ هذا أيضا عبث وسفه، فكما أنه لا يقصد ~~بالوجود العدم، فإذا علم أن الوجود يتعقبه العدم لم يقصده، إذ كان حاله بعد ~~عدمه كحاله بعد وجوده، فإنه يكون قد قصد ما لا يفيد قصده فائدة، وإنما يقصد ~~ذلك لأنه يحصل بوجوده مقصود يبقى بعد عدمه، فإذا كان المقصود يحصل بعد عدمه ~~أمكن أن يقصد وجوده وإن عدم، ويكون هذا الوجود مقصودا بالقصد الثاني، ~~والمقصود بالقصد الأول هو ما يبقى بعد العدم. # وهذا أمر بين ms1067 يجده الإنسان ويعلمه بعقله وفطرته، ولهذا اتفق عقلاء الناس ~~على أن الأمور المنقضية المنصرفة لا تكون هي غاية مقصود العامل ومنتهى ~~مراده، لأنها إذا كانت منتهى قصده وإرادته كان حاله بعد عدمها كحاله قبل ~~وجودها، وإنما يقصدونها ليستعينوا بها على أمور غيرها. # ثم إن الزهاد منهم يذمون المحبوبات والملذوذات المنصرفة وإن لم تكن نهاية ~~المقصود، لما فيها من شغل النفوس بها عما تحتاج إليه، ومن ألم الترك وغير ~~ذلك، لكن الحال حال الكافرين بالمعاد، فإنه إذا لم يكن الموت ما يقصدونه ~~ويرجونه كحال الذين لا يرجون لقاء الله، ويظن أحدهم أن لن يحور، فهم يجعلون ~~المنصرفات نهاية مقصودهم، PageV06P163 ### || CHECK - معنى "الأول" و "الآخر" من أسماء الله تعالى # وهؤلاء الذين قال الله فيهم: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة ~~إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون (16)) (1)، وقال ~~تعالى: (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك ~~مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30)) ~~(2)، فهذا حال من لم يحقق الإيمان بالله واليوم الآخر، فأعرض عن ذكر ربه ~~والعمل لمعاده، كما قال تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا (28)) (3)، فاتباع هواه هو اتباع متاع الحياة الدنيا. # وقد يقال هذا معنى الأول والاخر، فالأول ليس قبله شيء، إذ هو خالق كل ~~شيء، والاخر ليس بعده شى، أي إليه يصير العباد وتنتهي الحركات، كما قال: ~~(وأن إلى ربك المنتهى (42)) (4)، أي الغاية، لا يراد بذلك أن الأشياء تعدم، ~~ويكون هو بعد وجودها، وإنما هو آخرها كما كان أولها، فمنه ابتدأت واليه ~~تعود، كما يقال: ما بعد هذا غاية. # فالاخر قد يعنى به في الوجود، وقد يعنى به في الغايات المقصودة، فإذا عني ~~به أنت الآخر بعد كل موجود، لم يدل على الغاية، وإذا قيل: أنت الآخر أي ~~الغاية والمنتهى لكل موجود، ms1068 فليس بعدك ما يوجد ويطلب، كان هذا المعنى أبلغ، ~~مع أن قوله "الآخر" يعم PageV06P164 ### || CHECK - الأفعال إنما تتفاضل وتحمد وتذم باعتبار غاياتها # القسمين، كما أن قوله "الأول " ظاهر في كونه موجودا أولا، وقد تضمن أنت ~~الأول في المقصود، كما قال: (إياك نعبد) وغيرك إنما يقصد بالقصد الثاني لا ~~بالقصد الأول، لكن هذا المعنى ليس وحده ظاهر الحديث (1)، لكن يقال: الحديث ~~أشار إليه مع المعنى الظاهر. # وأما قوله: "وأنت الآخر فليس بعدك شيء"، فظهور الاخرية في كونه الغاية ~~المقصودة أظهر من ظهور الأولية في كونه أولا في القصد والإرادة. # ومما يبين هذا أن الأفعال إنما تتفاضل وتحمد وتذم ويؤمر بها وينهى عنها ~~باعتبار غاياتها وعواقبها المقصودة منها، فما كانت عاقبته وغايته أكمل كان ~~أعلى وأفضل عند الشارع. # ولهذا ذكرنا فيما تقدم من القواعد أنه أي العملين كان لله أطوع ولصاحبه ~~أنفع فهو أفضل، فإن منفعته لصاحبه تكون مصلحة وخيرا، وبامر الشارع به يكون ~~طاعة ودينا وقربة، وهما متلازمان، فالله تعالى إنما أمر العبد بما إذا فعله ~~العبد كان مصلحة له، ونهاه عما إذا فعله كان مضرة له، كما قال قتادة: إن ~~الله لم يأمر العباد بما أمرهم حاجة إليه، ولا نهاهم عما نهاهم بخلا به ~~عليهم، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم. # ولهذا إذا وقع التنازع في كون العمل هو طاعة وقربة أم لا؟ إذ كان PageV06P165 # المجتهدون قد تنازعوا فيه، فإنه يستدل على ذلك تارة بالأدلة السمعية ~~الدالة على كونه طاعة أو ليس كذلك، وتارة بالأدلة النظرية، وهو ما ترتب على ~~ذلك العمل من المصلحة والمفسدة، كما قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق ~~وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ~~(53)) (1)، فأخبر أنه سيري الآيات الأفقية والنفسية التي بين فيها أن ~~القرآن حق، وهو ما فيه من الخبر والأمر والوعد والوعيد. وذلك لما يحدثه ~~الله من نصر المؤمنين وجعل العاقبة لهم وعقوبة الكافرين، فجعل سبحانه ما ~~يشهد ويرى من عواقب الأعمال ms1069 والكمال مما يتبين به الحق من الباطل. # ثم قال: (أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53))،وهو شهادته بذلك في ~~كلامه المسموع. فهذه الأدلة السمعية الشرعية، ولهذا قال تعالى: (وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص (36) إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37)) (2)، وقال: (أفلم ~~يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46)) (3)، وكما أنه يستدل ~~بالأدلة السمعية والبصرية على الفرق بين المؤمن والكافر، فيستدل بها أيضا ~~على البر والفاجر من المسلمين، وعلى المطيع والعاصي، وعلى المصيب في ~~اجتهاده PageV06P166 # والمخطئ، والفاضل والمفضول. # كما يستدل مع الأدلة السمعية الشرعية على فضيلة أبي بكر وعمر بما أراه ~~الله في الافاق وفي الأنفس، من صلاح أعمالهما وجميل سيرتهما، وفضل علمهما ~~وقصدهما وعملهما وقدرتهما، فإن ظهور رجحان ذلك على سيرة عثمان وعلي رضي ~~الله عنهم أجمعين بين واضح. # وكما يستدل على [أن] القتال في الفتنة الكبرى وغيرها لم يكن في نفس الأمر ~~مصلحة ولا مامورا به، وإن اجتهد فيه من اجتهد من المغفور لهم، فيستدل على ~~ذلك مع الأدلة الشرعية، وهو ما ورد من الأحاديث الصحيحة في النهي عن القتال ~~في الفتنة، وأن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي ~~خير من الساعي، والساعي خير من الموضع (1)، وأنه ليس في الشريعة أمر بذلك، ~~كما فيها أمر بقتال الخوارج ... (2) وأن من ظن أن قتال البغاة المأمور به ~~في القرآن يتناولها، فقد وضع النص في غير موضعه، فإن القرآن لم يأمر ~~بالقتال ابتداء، لكن إذا اقتتلت الطائفتان فإنه أمر بالإصلاح، ثم أمر عند ~~ذلك بقتال الباغية، فكان البغي في الاقتتال. وعلى ذلك ما ورد من أن عمارا ~~تقتله الفئة الباغية (3)، فأما أن يكون قبل القتال من بغى يقاتل ابتداء ~~فهذا لم يأمر الله به ولا رسوله، بل هذا على إطلاقه خلاف PageV06P167 ### || CHECK - الأهواء في ms1070 الدين والآراء أعظم من الأهواء في الدنيا # الإجماع. # والفرق بين البغي بلا قتال والبغي في القتال واضح، وعلى هذا فإذا قيل: ~~كان مأمورا بالقتال بعد البغي فيه أمكن ذلك، ولكن تلك الحال عصت الطائفة ~~العراقية فنكلت عن القتال، فحال القتال لم يكن أمر، وحال الأمر لم تكن طاعة ~~الأمر، وذلك يستدل به على حكم الشارع في نحو ذلك، نعوذ بالله من الفتن ما ~~ظهر منها وما بطن. # والمقصود هنا أن عواقب الأفعال وغايتها تبين ما كان منها محمودا وأحمد، ~~فمن وفق لذلك في الابتداء فليحمد الله، وإلا فعليه بالتوبة والاستغفار، فإن ~~الله يقول: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ~~إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53)) (1)، وهذا يستقيم ~~لمن لم يتبع هواه، فقد تقدم بالبرهان العقلي المعلوم من الآيات المرئية في ~~الأنفس والافاق ما يوافق ما شهد الله به في كتابه، أن اتباع الهوى بغير هدى ~~من الله ضلال عما ينفع العبد، وسمي ضلالا لأن متبع هواه إنما يقصد لذته ~~بنيل ما يهواه، لكن ينبغي أن يعرف أن لذته ومنفعته ليست في نيل ما يهواه، ~~إلا أن يكون بهدى من الله، وهو ما أمر به أو أباحه، دون ما نهى عنه وحظره، ~~فإذا خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى. # والأهواء في الدين والآراء والاعتقادات والأذواق والعبادات أعظم من ~~الأهواء في الدنيا. وأكثر ما ذكر في القرآن من ذم اتباع PageV06P168 # الأهواء يتعلق بالقسم الأول، وإن كان أيضا يتناول القسم الثاني، كما قال ~~الله تعالى: (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ~~ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله...) (1). # وإذا تبين ذلك علم أن الإرادة لا بد أن يكون لها مقصود لذاته، خارج عن ~~اللذة المنقضية، إذ اللذة المنقضية لا يجوز أن تكون مقصودة لذاتها، كما لا ~~يجوز أن يكون القصد الحادث حادثا بذاته، كما تقدم من أن ما ms1071 يعقبه عدم لا ~~يجوز أن يحدث بذاته، ومن المعلوم أن كل مقصود فإما أن يقصد لنفسه أو لغيره، ~~وعلى التقديرين يلزم وجود الموجود بنفسه، وذلك أنه إذا قصد المقصود لغيره، ~~فذلك الغير إما أن يكون مقصودا لنفسه، فثبت المقصود لنفسه، وإما أن يكون ~~مقصودا لغيره، فإن كان الغير هو الأول لزم الدور، وهو أن يكون هذا مقصوذا ~~لأجل هذا، وهذا مقصودا لأجل هذا، وقد تقدم بيان استحالة أن يكون كل شيء من ~~الشيئين علة للآخر علة فاعلية أو غائية. وإن كان غير الأول لزم أن يكون ~~لذلك المقصود مقصود، ولذلك المقصود مقصود، ويلزم تسلسل العلل الغائية. ومن ~~المعلوم أن المقصود يتقدم في العلم والقصد، فيلزم أن يجتمع في علم الإنسان ~~وقصده مقصود لا يتناهى في آن واحد. # وأيضا فالمقصود يتعقب الفعل الذي هو السبب التام، ثم المقصود يتعقب ~~الآخر، كما أن السبب التام يتعقبه المسبب، فيلزم PageV06P169 ### || CHECK - جميع الحركات صادرة عن إرادة ### || CHECK - أنواع الحركات ثلاثة: قسري وطبعي وإرادي # اجتماع معلولات لا تتناهى في ان واحد، وهذا محال كاستحالة اجتماع علل لا ~~تتناهى. # ثم إن ثبوت هذا فطري، كثبوت الواجب الوجود بنفسه. وإذا كان وجود المقصود ~~لنفسه- وهو المعبود- ضروريا (1) في وجود الحركات كلها، إذ جميع الحركات ~~إنما تصدر عن إرادة، فإنها ثلاثة: قسري، وطبعي، وإرادي. أما القسري فتابع ~~للقاسر، وأما الطبعي فإنما يتحرك إذا خرج عن مركزه، فهو فرع على غيره. وإذا ~~كان كل من الحركتين الطبعية والقسرية تابعا للغير وفرعا عليه ومستلزمة له، ~~فلا بد من الحركة الإرادية، فتكون هي الأصل. # وإذا ثبت أن جميع الحركات صادرة عن الإرادة، وثبت أنه لا بد في الإرادة ~~من مقصود معبود، وتبين أن ما يتعقبه عدم من اللذات الموجودات لا يجوز أن ~~يكون مقصودا لذاته، ثبت أن المقصود المعبود لذاته يجب أن يكون باقيا أبديا، ~~كما ثبت أن الموجود بنفسه يجب أن يكون قديما أزليا. كما قال الخليل عليه ~~السلام: (لا أحب الأفلين) (2). # ثم إنه كما امتنع أن يكون المخلوق ربا خالقا، يمتنع ms1072 أن يكون إلها معبودا ~~من جهة كونه لا يستقل بجلب المنافع ودفع المضار، ومن جهة أنه في نفسه يمتنع ~~أن يكون هو الغاية المقصودة لغيره بالأفعال، وذلك لأنه هو في نفسه ليس ~~الغاية المقصودة لفاعله، ولا هو أيضا الغاية المقصودة لفعله، فإنه يمتنع أن ~~تكون ذاته هي الغاية المقصودة له. PageV06P170 # أما أولا فلأن ذاته ليست فعله ولا نتيجة فعله، فيمتنع أن تكون هي الغاية ~~المقصودة بفعله. # وأما ثانيا فلأنه يمتنع أن يكون الشيء الواحد علة معلولا، فاعلا مفعولا، ~~وقاصدا ومقصودا كما تقدم بيان ذلك. # وإذا امتنع أن تكون ذاته هي العلة الغائية لذاته ولفاعله، امتنع أن تكون ~~هي العلة الغائية لغيره بطريق الأولى، وهو وإن كان قد يفعل للذة التي تحصل ~~فتكون لذاته غاية له، كما يكون قصده سببا لفعله، فيمتنع أن تكون نفس لذته ~~غاية مقصودة لغيره. كما يمتنع أن يكون مجرد قصده قصدا لغيره، إذ الشهوة ~~واللذة القائمة بالشيء، وهي القصد والغاية، لا تكون بعينها شهوة لغيره ولذة ~~له وقصدا له وغاية، ولكن يكون له نظيرها، وذلك لا يوجب أن يكون هو المقصود. # ويمكن أيضا أن يكون في ذاته ما يكون مقصودا بقصد لأمر آخر، كما هو ~~الموجود في كل المحبوبات من المخلوقات، فإنها تحب لأمر آخر لا يصلح أن تكون ~~هي منتهى المراد المقصود، ومن أحب مخلوقا جعله غاية المطلوب المراد، فهذا ~~هو الفساد الذي بينته. # كما أن من جعله هو الرب المحدث، فهذا فساد أيضا، ولكن كما أنه يكون محدثا ~~بفاعل غيره خلقه، كذلك يكون مقصودا لمقصود آخر هو المعبود، كما يحب ~~الأنبياء أو المؤمنون لله، وكما يطاعون لطاعة الله. # وما تحبه النفوس من المطاعم والمشارب والمناكح فانه مقصود لغيره، وهو ~~صلاح الأجساد، ومثل الذات التي يستعان بها على PageV06P171 # المقصود لذاته. # ولهذا كان الإنسان إذا أحسن إلى غيره، فإما أن يقصد به معاوضته، فيكون ~~العوض هو المقصود الأول، وإما أن يقصد به غير ذلك، إما طلب عوض من غير ذلك ~~الشخص، وإما لما في قلبه من ms1073 الرحمة والرقة، فيقصد بذلك تسكين قلبه ولذة ~~نفسه بالإحسان إليه، وزوال الألم عن نفسه، كما يقصد ما هو نحو ذلك، وإما أن ~~يقصد به التقرب إلى الله. # والإنسان في لذته مثل ما هو في إرادته وشهوته، فإن هذا سبب، وهذا غاية، ~~لكن تقدم أن اللذات المنصرمة لا يجوز أن تكون هي المقصود لذاته، فكل ما ~~يقصده الإنسان بالإحسان إلى غيره هو أمر منصرم إلا إرادة وجه الله، فإن لم ~~يقصد ذلك أو يقصد ما يستعين به على ذلك حتى يكون مقصودا لذلك، كان من ~~الأعمال الباطلة الفاسدة، كما تقدم. # ومما يبين أن المخلوق لا يكون مقصودا بالقصد الأول لذاته لا لنفسه ولا ~~لغيره ولا لفاعله، كما لا يكون فاعلا مستقلا لا لنفسه ولا لغيره ولا ~~لمعبوده الذي هو مقصوده= أن نفسه أقرب إلى نفسه من غيره إلى نفسه، فلو كان ~~يستحق أن يكون محبوبا لذاته مرادا لذاته لكانت ذاته أحق بأن تكون هي المحبة ~~المريدة له، لأنها أقرب وأعلم، فلما تبرهن امتناع ذلك فيه كان في غيره أعظم ~~امتناعا. # وقد تبين لنا أيضا أنه كما أن الحادث المنصرم لا يجوز أن يكون PageV06P172 # مطلوبا لذاته، فالحادث مطلقا لا يجوز أن يكون هو العلة الغائية، وإن كان ~~يحدث ما يتعلق بها مما هو مقصود الفاعل، بل العلة الغائية يجب أن تكون ~~متقدمة، وإن كان ما يقصد بالفعل لها يكون بعد الفعل، لكن لا بد من مقصود ~~مراد متقدم بالذات على الفعل، وذلك لأن العلة الغائية هي علة ماهيتها ~~وحقيقتها لفاعلية العلة الفاعلية، فإنما صار الفعل فاعلا لأجلها، والعلة ~~يجب تقديمها على المفعول. # فإن قيل: الفاعل فعلها ويتصورها، فهي متقدمة في ذلك على الفعل، وإن كانت ~~في الوجود تتأخر عن الفعل. # قيل: هذا يكون في المقصود من الغاية لا في ذاتها، وهذا كما أن الإنسان ~~يحب المحبوب مثلا، فيقصد الاتصال به، كما يحب المرأة فيريد مباشرتها، ~~فالذات المحبوبة هي الغاية متقدمة على الفعل، وأما المقصود منها كلذة ~~المباشرة فهي تتأخر عن الفعل، وليس ms1074 إذا كانت اللذة الحادثة للفاعل حادثة ~~بعد فعله يجب أن تكون نفس الغاية حادثة، كما أن فعل العلة الفاعلية إذا كان ~~حادثا لم يجب أن تكون هي حادثة. # يبين هذا أن العلة الغائية إذا كانت سابقة في العلم والتصوير والقصد ~~والإرادة، فلا بد أن يكون لها حقيقة يجب أن تراد لأجلها، إذ العدم المحض لا ~~يتصور هذا فيه، ولا يجوز أن يكون إنما صارت مطلوبة لإرادة الفاعل، لأن هذا ~~يستلزم الدور، فإنه إنما أرادها لأنها تستحق أن تراد، فعلم أنه لا بد من ~~ثبوت حقيقة موجودة قبل الفعل تكون هي التي يفعل الفعل لأجلها، وتكون مرادة ~~لذاتها، واللذة تحصل عقيب الفعل. PageV06P173 ### || CHECK - بيان تقصير المتكلمين في فهم معنى الآية (لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا) # فقد تبين أن من عبد المخلوقات عبادة العبد لربه الذي يسأله ويرغب إليه في ~~تحصيل ماربه، أو عبادته لإلهه الذي هو مع ذلك يعبده لذاته ويحبه لذاته، كان ~~ذلك موجبا لفساده. والمعبود إذا رضي أيضا بذلك لزم أيضا فساده، بمنزلة من ~~جعل المعدوم مقصودا لذاته، فإن الحركة الإرادية تطلب مرادا يكون به صلاح ~~المريد ونفعه، فإذا لم يكن فيه لزم الفساد، وإن وجد في ذلك لذة فإنه ~~يستعقبه ألما وضررا، بمنزلة من أكل ما يظنه عسلا وكان فيه حلاوة، وكان سما، ~~فإنه يهلكه ويقتله. # فقد تبين بالقياس العقلي امتناع أن يكون معبود إلا الله، كما امتنع أن ~~يكون رب إلا الله، وهذا قصد بقوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) ~~(1) قصد نفي إله سواه. ولهذا قيل: (لفسدتا) وهذا يتضمن نفي رب غيره. # والمتكلمون قصروا في معنى الاية من وجهين: # أحدهما: من جهة ظنهم أنه إنما معناها نفي تعدد الأرباب فقط، كما أقاموا ~~هم الدليل على ذلك. # والثاني: ظنهم أن دليل ذلك هو ما ذكروه من التمانع، وليس كذلك، فإن ~~التمانع يوجب عدم الفعل، والتقدير أن الفعل قد وجد، ثم الاشتراك في الفعل ~~يوجب العجز فيهما، والقرآن إنما أخبر بفسادهما، لم يخبر بعدمهما، والفساد ms1075 ~~يكون عن الإرادات الفاسدة، PageV06P174 # وهو ضد الصلاح الذي يكون عن الإرادات الصالحة، والله قد أمر بالصلاح ونهى ~~عن الفساد في غير آية. # قال الله تعالى: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ~~والله لا يحب الفساد (205)) (1)، وقالت الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء) (2)، وقال تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من ~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) (3)، وقال: ~~(إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ~~ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4)) (4)، وقال: (وقضينا إلى بني ~~إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين) (5)،وقال: (وإذا قيل لهم لا ~~تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا ~~يشعرون) (6)، وقال (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك ~~هم الخاسرون (27)) (7)، وقال: (ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب ~~المفسدين (77)) (8). PageV06P175 ### || CHECK - الفعل الواحد والقصد الواحد لا يكون لمقصودين مستقلين، وهذا هو الإشراك بالله # فسبب الفساد هو معصية الله، كما أن سبب الصلاح هو طاعة الله، ورأس الفساد ~~والمعصية هو أن تعبد غير الله، وذلك هو الفساد الناشئ من أن يكون فيهما ~~آلهة إلا الله، فإنه كما تكون حركات المتحركين صادرة عن الارادة والمحبة ~~صارت بالقصد الأول لعبادة تلك الأمور التي لا تصلح لأن تكون هي المقصودة، ~~بمنزلة من لا يتقوت إلا بالزجاج، ولا يشرب إلا الماء الزعاق، أو لا يدفع ~~البرد في الأرض الباردة إلا بالثياب الرقاق، أو لا يدفع عدوه عنة من القتال ~~إلا بالأيدي، ونحو ذلك من الأفعال التي يقصد بها جلب منفعة يحتاج إليها، ~~ودفع مضرة لا تكون محصلة لذلك، فهذا يوجب الفساد. وقصد غير الله بالعبادة ~~يتضمن هذا كله وأضعافه، ولهذا قيل: (إن الشرك لظلم عظيم (13)) (1). # فصل # وإذا كان قد تبين أن الفعل الواحد ألا، يكون من فاعلين مستقلين، ولا يكون ~~مقدور واحد من قادرين على ذلك المقدور حال الاشتراك، ms1076 فكذلك الفعل الواحد ~~والقصد الواحد لا يكون لمقصودين مستقلين، بل كما تبين أن الحكم الواحد ~~بالعين لا يكون لعلتين مستقلتين، فسواء في ذلك العلة الفاعلية والعلة ~~الغائية، فمتى قصد بالفعل اثنين لم يكن الفعل لا لهذا ولا لهذا. # وهذا هو الإشراك الذي تبرأ الله منه، كما في الحديث PageV06P176 # الصحيح (1) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يقول ~~الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا ~~منه بريء، وهو كله للذي أشرك " أي أشركه، فإنه سبحانه لا شريك له، فكما لا ~~يجوز أن يكون معه شريك في فعله لا يصلح أن يجعل له شريك في قصده وعبادته، ~~قال الله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22)) ~~(2)، وقال تعالى: (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل ~~هل يستويان مثلا) (3)، وهذا كثير في القرآن، بل هو المقصود الأعظم بتنزيل ~~القرآن. # والمقصود هنا أن الفعل الواحد كما لا يتصور أن يكون من اثنين لا يتصور أن ~~يكون لاثنين، فمن عمل لله ولغيره فما عبد الله ولا عمل له عملا، كما أن ما ~~تعاون عليه اثنان فما فعله أحدهما، ولا هو ربه، فكما أنه لو قدر أن معه ~~شريكا في الفعل لم يكن هو رب ذلك المفعول ومليكه، فكذلك إذا جعل له شريك في ~~القصد والعمل، لم يكن هو إله ذلك العابد ولا معبوده، فلا يتقبل ذلك العمل، ~~وإنما يتقبل ما كان خالصا لوجهه. # يوضح هذا أنه هو الرب المليك الخالق، فلو قدر في الذهن أن معه شريكا في ~~الفعل امتنع أن يكون هو ربه ومليكه وخالقه، واذا امتنع PageV06P177 # ذلك بطل وجود الفعل، لأنه قد علم أن غيره لم يفعل شيئا، فإذا كان على هذا ~~التقدير هو أيضا ليس برب فاعل لم يكن للفعل وجود، كذلك إذا كان هو الإله ~~المعبود المقصود، فإذا ms1077 جعل معه من يشرك به، وعبادة ذلك فاسدة باطلة، لم يصر ~~هو معبودا بذلك العمل، وما عمل لذلك الغير باطل فاسد، فلا يكون الفعل عبادة ~~ولا عملا صالحا، فلا يتقبل. ولا يمكن أن يقال: لم لا أخذ نصيبه منه؟ لأنه ~~مع تقدير الاشراك يمتنع أن يكون له منه شيء، كما أنه بتقدير الإشراك في ~~الربوبية يمتنع أن يصدر عنه شيء، فإن الغير لا وجود له، وهو لم يستقل ~~بالفعل، كذلك هنا هو لم يستقل بالقصد، والغير لا ينفع قصده. ولهذا نظائر ~~كثيرة في الشرعيات والحسيات إذا خلط بالنافع الضار أفسده، كما يخلط الماء ~~بالخمر، بخلاف الشركة الصحيحة، كاشتراك الناس فيما يصلح اشتراكهم فيه، فإن ~~هذا لا يضر. # يبين هذا أنه لو سأل الله شيئا فقال: اللهم افعل كذا أنت وغيرك، أو دعا ~~الله وغيره فقال: افعلا كذا= لكان هذا طلبا ممتنعا (1)، فإن غيره لا يشركه، ~~وهو على هذا التقدير لا يكون فاعلا له، لأن تقدير وجود الشريك يمنع أن يكون ~~هو أيضا فاعلا، فإذا كان يمتنع هذا في الدعاء والسؤال، فكذلك يمتنع في ~~العبادة والعمل أن يكون له ولغيره. وقد مر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بسعد وهو يدعو ويشير بإصبعين، فقال: "أحد أحد" (2). PageV06P178 ### || CHECK - يمتنع أن يكون الشيء جزء علته أو شرط علته # ولهذا سن الإشارة بالسباحة في الدعاء. # وكذلك إذا كان قد تبين أن الشيئين لا يكون كل منهما للاخر علة فاعلية، ~~فكذلك ألا يكون، كل منهما للاخر علة غائية، كما تقدم بيانه. وكذلك الشيء ~~الواحد لا يكون علة لنفسه، ولا معلولا لنفسه، فلا يكون لنفسه علة فاعلية ~~ولا علة غائية، فإن الأول يقتضي تقدمه على نفسه وتأخره عن نفسه، فيلزم أن ~~يكون موجودا معدوما إذا قدر فاعلا، وإذا قدر مفعولا، فيلزم اجتماع النقيضين ~~مرتين. والعلة الغائية يجب تأخرها عن المعلول، فإذا كانت نفسه هي معلول ~~نفسه لزم تاخرها وتقدمها، فيلزم أن يكون متاخرا عن وجود نفسه ومتقدما على ~~وجود نفسه، فيلزم أيضا اجتماع النقيضين مرتين. # وأيضا فالعلة ms1078 الغائية متقدمة في التصور والقصد، فيلزم أن يكون تصور ~~الفاعل وقصده له قبل ما يكون متصورا مقصودا له، ويكون تصوره وقصده له بعد ~~تصوره وقصده، لأنه يتصور أولا ويقصد الغاية، ثم يتصور المفعول ويقصده، فإذا ~~كان هو المفعول وهو الغاية، فيلزم اجتماع النقيضين أيضا في التصور والقصد ~~مرتين، وقد تقدم هذا. # وإنما المقصود هنا شيء آخر، وهو أنه كما يمتنع أن يكون الشيء علة لنفسه ~~معلولا له، أو أن يكون الشيئان كذلك، فيمتنع أيضا أن يكون جزء علة أو شرط ~~علة، فإن جزء العلة وشرطها يجب أيضا أن يتقدم المعلول، كما يجب تقدم ذات ~~العلة، فيلزم ما تقدم من الدور PageV06P179 # الممتنع، لكن لا يمتنع أن يكون كل منهما شرطا للاخر، وتكون العلة أمرا ~~غيرهما، فيجوز أن يكون وجود أحد الشيئين مشروطا بالاخر، وهو الدور المعي. ~~ولا يجوز أن يكون شرطا في علته لا الفاعلة ولا الغائية، وهو الدور القبلي. # فالفاعلان المتعاونان يجوز أن يكون فعل أكل، واحد لما يفعله مشروطا ~~بالاخر، بحيث يكون لا يحصل إلا باجتماع الفعلين، كالأمور التي يعجز عنها ~~الواحد في الادميين، وإنما يقدر عليها عدد، ولكن لا يجوز أن يكون أحد ~~المتعاونين مستفيدا لا يحتاج فيه إليه من الآخر المحتاج إلى مشاركته، فإذا ~~كان كل منهما محتاجا إلى معاونة الآخر لم يجز أن يكون الآخر هو الفاعل لما ~~يحتاج إليه، لاستلزامه أن يكون كل منهما معلولا لذلك، فإنه إذا قدر أن ~~أحدهما محتاج إلى شيء من المعونة، وأنه يستعين بالاخر على حصولها، فلو كان ~~ذلك الآخر يستفيدها من الأول لم يكن هو قادرا عليها، فلا يعين، ولكان الأول ~~قادرا عليها فلا يحتاج إليها، ولا يدخل في هذا ما يعين به أحدهما الآخر من ~~الأسباب، مثل الالات ونحوها، فذاك ليس من هذا. # وكذلك ما يحصل لأحدهما معاونة الآخر من القوة، فتلك القوة تأثير الاجتماع ~~والتعاون، ليس أحدهما مستقلا بها، ولكن هو من الفعل المشترك، لكل منهما، أو ~~في بعضه. # وكذلك كما لا يصلح أن يكون كل منهما ms1079 الغاية المقصودة، فلا يكون بعض ~~الغاية المقصودة، لما تقدم في ذلك من الدور الممتنع أربع مرات. PageV06P180 # وإذا قدر فاعلان متعاوضان أو متعاونان كل منهما يفعل ما يحبه الآخر ~~ويرضاه، فلا بد أن يكون مقصود كل منهما غاية غير محبة الآخر ورضاه، فإنه ~~إذا كان نهاية مقصود كل منهما غاية محبة الآخر ورضاه ولذته ونحو ذلك، لزم ~~أن تكون هذه علة مقصودة لهذه ومعلولة لها، وهذه مقصودة لهذه ومعلولة لها، ~~ويمتنع كون كل من الشيئين معلولا للاخر، ولو كان كذلك لزم أن لا تحصل واحدة ~~من المحبتين واللذتين، وإنما يكون كل منهما مع قصده ومحبته الآخر ولذته له ~~هو مقصود آخر، هو منتهى قصده، يكون هو محبوبه وفيه لذته، كالزوجين ~~المتناكحين. # وإن فرض أن كلا منهما يقصد إنالته الآخر لذته، فهو لا يقصد ذلك إلا لعوض، ~~إما أن يقصد بذلك الأجر، أو أن يقصد نيل لذته بهذا الطريق، فيجعل ما ينيله ~~لذاك من اللذة وسيلة إلى ما يناله هو، كما هو الواقع في جميع المعاوضات ~~والمشاركات التي بني عليها صلاح العالم، فإن أحد المتعاوضين والمتشاركين ~~مقصوده بالقصد الأول ما يحصل له هو من المحبوب المطلوب الذي يلتذ هو ~~بوجوده، ولكن يقصد ما هو للاخر كذلك من باب الوسيلة والطريق، وبهذا ~~يتعاوضان ويتشاركان، وكل منهما محتاج إلى الآخر لا حاجة العلل إلى المعلول، ~~لكن حاجة الشروط إلى المشروطات، والعلة الفاعلة والغائية لكل منهما غير ~~الآخر. فهذا له قوة وشعور وقصد وله مقصود، وهذا له قوة وشعور وقصد وله ~~مقصود، وليس ما لهذا من هذين مستفادا من هذا، ولا بالعكس، ولكن لا يحصل ~~مقصود كل منهما إلا باجتماع هذين القصدين والعملين. PageV06P181 ### || CHECK - الله إله كل شيء، وغاية جميع المخلوقات ### || CHECK - امتناع الدور في العلل الفاعلة والغائية من اثنين # واعلم أنه كما يعقل امتناع الدور في العلل الفاعلة التي هي الأسباب، ~~والغائية التي هي الحكم والمقاصد، من اثنين، فكذلك يعقل امتناع الدور فيهما ~~من واحد، وذلك أن الفاعل الواحد قد يفعل. الشيء بسبب آخر، ms1080 كما يخلق الله ~~سبحانه النبات بالمطر، والمطر بالسحاب، وكما يخلق الولد بالوالدين، وكما ~~يخلق سبحانه الشيء لحكمة وهي عامة مقصودة ... (1) فيمتنع أن يكون كل من ~~الشيئين سببا للاخر، ويمتنع أن يكون كل من الشيئين حكمة وغاية للاخر. ولا ~~يمتنع أن يكونا جميعا عن سبب واحد غيرهما، ولا أن يكونا جميعا لحكمة واحدة ~~غيرهما، ولا أن يكون أحدهما شرطا للاخر بحيث لا يكون هذا السبب إلا مع ذلك ~~السبب لا به، وأن تكون هذه الحكمة والغاية مع تلك لا لأجلها. # فليتدبر اللبيب هذه الحقائق، ينتفع بها في معرفة أن الله هو إله كل شيء، ~~وأن جميع المخلوقات غايته له، مسبحة بحمده، قانتة له، وأن الحركات الموجودة ~~في العلو والسفل إنما أصلها عبادة الله وقصده. كما دل القرآن على ذلك في ~~غير موضع، وهذا شيء اخر غير كونها مربوبة له ومقدورة ومقهورة، وغير ذلك من ~~معاني ربوبيته وقدرته التي هي منتهى نظر أكثر المتكلمين والمتفلسفة، حتى ~~يظنوا أن هذا هو تسبيحها، وأن دلالتها على وجود الرب وقدرته هو تسبيحها ~~بلسان الحال فقط، وإن كان ما أثبتوه حقا، فليس الأمر كما زعموه، بل على ما ~~أخبرت به الرسل ودلت عليه، كما نطقت به الكتب الإلهية، ودلت PageV06P182 ### || CHECK - حقيقة الحب والعشق # عليه البراهين العقلية، كالأمثال المضروبة التي بينها الله تعالى في ~~كتابه، وعرف ذلك أهل العلم والإيمان الذين قال الله فيهم: (ويرى الذين ~~أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق) (1)، وقال: (أفمن يعلم أنما ~~أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى) (2)، وقال: (وتلك الأمثال نضربها للناس ~~وما يعقلها إلا العالمون (43)) (3). # فإن قيل: فقد ذكرتم أن الموجودين كما لا يكون أحدهما فاعلا للاخر ولا ~~سببا له، فلا يكون كل منهما معلولا للآخر ومقصودا له هو منتهى إرادته، ولا ~~يكون كل منهما هو المقصود بالاخر من فاعل واحد، وأنتم تعلمون أن التحاب من ~~الجانبين موجود في نفوس الحيوان، كما أن الزوجين الذكر والأنثى من الناس ~~والبهائم يحب كل واحد منهما الاخر، كما قال ms1081 تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم ~~من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) (4)، بل كل من ~~الزوجين قد يكون الآخر محبوبا له معشوقا لذاته، وهو غاية مقصودة، لا يحبه ~~ويقصده لشيء آخر غير نفسه والاتصال به، ويوجد مثل ذلك في أنواع التحاب ~~والتعاشق الذي هو محرم ومكروه في العقل والدين، إذ المقصود هنا ذكر الواقع. # قيل: المحب والعاشق لزوجه لا يجوز أن يحبه ويعشقه لذاته PageV06P183 # ونفسه، فإن الله إنما جعل المودة بين الزوجين لتتم مصلحتهما من المعاشرة ~~والمناكحة، فيحصل لكل واحد منهما من اللذة ما هو موجود في نفسه، وما يمكن ~~تحصيله من غير هذا المحل، كما يحصل للاكل مطلوبه في الطعام المعين والشراب ~~المعين، فإرادته إنما هو لما يحصل في نفسه من اللذة، سواء حصل بهذا المعين ~~أو بغيره. # ثم هذه اللذة لا ريب أن الحيوان يقصدها لوجود اللذة، لأن كل ما يتنعم به ~~الحي يقصد وجود اللذة به، إذ اللذة غاية مطلوب الحي، ومن حكمة هذا ... (1) ~~أراها الله سبحانه بخلق هذا وجود التناسل الذي به يدوم نسل الحيوان، كما أن ~~من حكمة الأكل أن يستخلف بدن الحيوان بدل ما تحلل منه، إذ كانت الحرارة ~~تحلل الرطوبة دائما، فإن لم يحدث بدل المتحلل وإلا فسد بدن الحيوان، فهذه ~~الحكمة موجودة في الدنيا. # ومن هنا جهل من جهل من الكفار والمنافقين من المتفلسفة الصابئة، ومن ~~اليهود والنصارى، الذين أنكروا وجود الأكل والشرب والنكاح في الجنة، مع أن ~~اليهود والنصارى يثبتون معاد الأبدان، وأما أولئك المتفلسفة فإنهم منافقون ~~لأهل الملل مع دعواهم التحقيق، يقولون: إن الذي أخبرت به الرسل من أنواع ~~هذا النعيم إنما هو أمثال مضروبة لتفهيم المعاد الروحاني، وهذه من شبههم، ~~وهو أن الأكل والشرب والنكاح علتها الغائية وجود النسل وثبات الأبدان، وهذا PageV06P184 # مفقود في الأخرة، وهذا جهل منهم، وهم يقولون: إن هذه اللذات البدنية ليست ~~لذات حقيقية، وإنما هي مجرد دفع آلام، فإن الاكل يدفع ألم الجوع، والنكاح ~~يدفع ألم الشبق، ولا ريب أن هذه مكابرة ms1082 لما هو من أظهر الحسيات الذوقيات ~~الموجودات، فإن إحساس الحيوان باللذة من أعظم الإحساس، وإحساسه لذة الأكل ~~والنكاح أمر هو أظهر عند الحيوان من أكثر الأشياء، فقول المتحذلق: إن هذه ~~ليست لذة وإنما هي دفع الام، كلام فاسد، فإنه لا ريب أن هنا لذة، وهنا فقد ~~ألم، فالأمران موجودان. # وإن قال: لولا ذاك الألم لم تحصل هذه اللذة. # فإن أراد أن الموجود في الدنيا كذلك، فهذا صحيح، لكن كون هذه اللذة في ~~الدنيا إنما توجد بعد ألم، لا يمنع وجودها في دار الحيوان التي لا ألم فيها ~~بلا ألم، فإن الألم سبب هذه اللذة في الدنيا، وكمال البدن والنسل هو العلة ~~الغائية لهذه اللذة، ولكن كونها في الدنيا لا توجد إلا بسبب قبلها هو ~~الألم، وحكمة بعدها هي النسل وثبات الجسد، لا يمنع أن يوجد في الآخرة بدون ~~هذا السبب ودون هذه الحكمة، كما أن كل موجودات الدار الاخرة ومن يوجد فيها ~~بدون ما اقترن بها في الدنيا من أسبابها وغاياتها، وعدم وجود الشيء شيء، ~~والعلم بامتناعه شيء اخر، ولا ريب أن الموعود به في الجنة ليست حقائقه ~~وغاياته وأسبابه مماثلا لما هو في الدنيا، كما قال ابن عباس: "ليس في ~~الدنيا شيء مما في الاخرة إلا الأسماء" (1). وإنما أخبرنا منها PageV06P185 # بما له في الدنيا ما يشبهه من بعض الوجوه، ثم قيل: (فلا تعلم نفس ما أخفي ~~لهم من قرة أعين) (1). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"يقول الله: ~~أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". (2) # ولهذا أخبر الله بوجود هذا النعيم واللذات في الجنة مع نفيه لما يقترن به ~~في الدنيا من سبب وغاية، كما نفى عن الأشربة واللباس وغير ذلك آفاته، إذ هي ~~دار نعيم لا آفة فيها بحال، فالتحاب بين الزوجين ونحوهما في الدنيا وإن ~~أعقب لذة مطلوبة لنفسها، فليس أحدهما محبا للآخر لذاته، بل لقضاء الوطر ~~منه، كما تقدم، وهو نوع من المعاوضة كالتعاوض بالأموال، ولهذا كان عقد ms1083 ~~النكاح يوجب المعاوضة من الطرفين، كما قال تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف وللرجال عليهن درجة) (3) # فإن قيل: فالعشق الموجود، وهو محبة المعشوق لنفسه، وكما قد يتحاب الشخصان ~~لذواتهما لا لأجل نكاح وتناسل، فيحب كل منهما الآخر لنفسه. # قيل: هذا قصد فاسد، وحب فاسد، وإرادة فاسدة، فإن كل من أحب مخلوقا لنفسه ~~لا لأمر آخر وراء ذلك، فحبه فاسد، وقصده PageV06P186 # فاسد، ونحن إنما ذكرنا امتناع الدور الغائي لبيان فساد هذا ونحوه، ~~وامتناع أن يكون لله ند يحب كحب الله الذي تجب محبته لذاته، ونحن إذا قلنا: ~~إن الدور في العلل الغائية ممتنع، كان المراد به أنه يمتنع أن يكون كل ~~منهما مرادا مطلوبا للاخر محبوبا للاخر بإرادة صحيحة، وقصد صحيح، ومحبة ~~صحيحة، فأما الفاسد من الإرادة فهو نظير من يعتقد جواز كون كل من الشيئين ~~علة للاخر، وقد منعنا أن يكون علة في نفس الأمر أو فاعلا له في نفس الأمر، ~~وإن كان من الناس من يعتقد أنه فاعل له ورب له، لكن هذا اعتقاد فاسد، فكذلك ~~من ظن في شيء غير الله أنه مقصود لنفسه، معبود لنفسه، محبوب لنفسه، حتى ~~أحبه وعبده وعشقه، فهذا أيضا جاهل في ذلك ضال فيه، كما أن الأول جاهل في ~~ظنه أن غير الله رب. ولهذا لما تكلم الناس في العشق [هل] هو لفساد الإدراك، ~~وهو تخيل المعشوق على خلاف ما هو به، أو لفساد في الإرادة، وهو المحبة ~~المفرطة الزائدة على الحق= كان الصواب أن العشق يتناول النوعين، وهو فساد ~~في الإدراك والتصور، وفساد في الإرادة والقصد، ولهذا كان سكرا وجنونا ونحو ~~ذلك مما يتضمن فساد الإدراك والإرادة، حتى قيل (1): # قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم العشق أعظم مما بالمجانين # ولهذا سماه الله مرضا في قوله: (فيطمع الذي في قلبه مرض) (2)، ولهذا إنما ~~يوجد كثيرا في أهل الشرك الذين ليس في قلوبهم ما تسكن PageV06P187 # إليه من إخلاص العبادة لله والطمأنينة بذكره، كما ذكر الله ذلك في كتابه ~~عن امرأة العزيز والنسوة اللاتي كن ms1084 مشركات، وأخبر عن نوع هؤلاء بالسكر ~~والجهل كما في قوله تعالى: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) (1). # وبهذا الفرقان يتبين أن القول الحق أنه لا إله إلا الله، مع كون ~~المخلوقات فيها ما اتخذ آلهة من دون الله، فإن الإله يجب أن يكون معبودا، ~~وهو المعبود لذاته الذي يحب غاية الحب بغاية الذل، وهذا لا يصلح إلا لله، ~~ومن عبد غيره واتخذه إلها فهو لفساد عمله وقصده، حيثما اتخذ إلها فأحبه ~~لذاته، وبذل له غاية الحب بغاية الذل لجهله وضلاله، ولهذا سموا جاهلية إذ ~~كان أصل قصدهم جهلا لا علما. # وكون الشيء مقصودا ومحبوبا ومعبودا ولذيذا ونحو ذلك لا يثبت له في ~~الحقيقة بحال من فسد إدراكه كالمطعومات، فإنه إذا قيل في الحلاوة واللحم ~~ونحو ذلك: إنه طيب ولذيذ ومحبوب ونافع ونحو ذلك، كان ذلك حقا، لأن الأبدان ~~الصحيحة تجده كذلك، ولا يندفع ذلك ببغض المريض ووجده إياه مرا لما خالطه من ~~المرة الصفراء. # وكذلك من تلذذ بأكل الطين وغيره من الخبائث لفساد مزاجه، لم يمنع ذلك أن ~~يقال: هذا غير طيب ولا لذيذ ولا مطلوب ولا مراد ولا محبوب، ولأجل هذا إنما ~~حمد من ذلك ما كان لله. # وجاء في الأحاديث من مدح المتحابين لله والتحاب في الله ما هو PageV06P188 # كثير مشهور، كقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه ~~تعالى: "حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي ~~للمتجالسين في، وحقت محبتي للمتباذلين في " (1). # وكقوله: "إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء ~~والشهداء بقربهم من الله "، فقيل: من هم يا رسول الله؟ صفهم لنا، جلهم لنا، ~~لعلنا نحبهم! قال: "هم قوم تحابوا بروح الله على غير أموال تباذلوها ولا ~~أرحام تواصلوها، هم نور، ووجوههم نور، على كراسي من نور، لا يحزنون إذا حزن ~~الناس، ولا يخافون إذا خاف الناس "، ثم قرأ قوله: (ألا إن أولياء الله لا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)) (2). # وكقوله في صحيح مسلم (3) فيما رواه أبو هريرة عن النبي ms1085 - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن عبدا زار أخا له في الله، فأرصد الله على مدرجته ملكا، قال: ~~أين تريد؟ قال: أزور أخا لي في الله، قال: هل لك عنده من نعمة تربها؟ قال: ~~لا، قال: فهل بينك وبينه رحم؟ قال: لا، ولكني أحبه في الله، فقال: إني رسول ~~الله إليك أن الله قد أحبك ". # وفي الترمذي (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحب لله، ~~وأبغض لله، PageV06P189 # وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان ". # وفي الحديث في الترمذي (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أوثق عرى ~~الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله ". # وفي الصحيحين (2) عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ثلاث ~~من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ~~وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه ~~الله منه، كما يكره أن يلقى في النار". # فإن هذه المحبة أصلها محبة الله، والمحبوب لغيره ليس محبوبا لذاته، وإنما ~~هو محبوب لذلك الغير، فمن أحب شيئا لله فإنما أحب الله، وحبه لذلك الشيء ~~تبع لحبه لله، لا أنه محبوب لذاته. # لكن قد يظن كثير من الناس في أشياء مما يهواها أنه يحبها لله، وإنما يكون ~~محبا لما يهواه، ولهذا كان أعظم ما تجب محبته من المخلوقات هو الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه ~~(3) عن أنس: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من PageV06P190 ### || CHECK - محبة الله هي أصل التوحيد العملي # ولده ووالده والناس أجمعين ". # وفي صحيح البخاري (1) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: يا رسول ~~الله! فلأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: "لا يا عمر، حتى أكون ~~أحب إليك من نفسك "، فقال: فلأنت أحب إلي من نفسي، قال: "الان يا عمر". # ومحبته رضي الله عنه إنما هي تابعة لمحبة الله، كما قال تعالى: ms1086 (قل إن ~~كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) (2). # وأما محبة الله فهي الأصل، فإنه يجب أن يحب لذاته، وليس هذا لغيره، وهي ~~أصل التوحيد العملي، كما قال تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله) (3)، وقال: (فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم) (4). # ونحن بينا بما ذكرناه من البرهان امتناع الدور، وأنه لا يجوز أن يكون كل ~~من الشيئين سببا للاخر وعلة له ولا حكمة له ومعلولا له، PageV06P191 # سواء كان هذا من فاعلين أو من فاعل واحد. # فأما كون بعض بني آدم قد يجعلون ما ليس سببا سببا، وما ليس مقصودا ~~مقصودا، فهذا هو الشرك الذي ضل به بنو آدم من الأولين والاخرين، حيث جعلوا ~~بعض المخلوقات علة تامة لبعض، إما فاعلا ربا، وإما إلها معبودا. وهذا هو ~~الباطل، أعني هذا باطل في نفسه، والجاعلون لذلك مفسدون في اعتقادهم ~~وإرادتهم، فإن من قصد وأراد بالقصد التام ما لا يصلح أن يقصد ويراد فإن ~~عمله فاسد، كمن أحب الأشياء التي تضره وتفسده دون الأشياء التي تصلحه ~~وتنفعه، فإنه وإن أحبها وقصدها وعمل لها فهذا هو الفساد. وإذا ضرب مثل ذلك ~~بمحب العسل المسموم وآكله، كان في هذا المثل بعض الشبه، وإلا فالأمر فوق ~~ذلك. ولو قيل: هو مثل محبة الفراش للنار التي تحرقه، كان الأمر فوق ذلك. # ونحن في هذا الموضع إنما أصل كلامنا في الدور، وهو أنه يمتنع أن يكون كل ~~من الشيئين سببا للاخر أو مقصودا له، ولا يمتنع أن يكون الشيئان متعاونين ~~على مقصودهما، فيكونان مشتركين فيما هو سبب لهما وفيما هو مقصود لهما، ثم ~~أحدهما يقصد الآخر لذلك، كمحبة الشيء لغيره، كما أن أحدهما يعين الآخر، ~~فهذا تعاون وتشارك في المحبوب وفي سببه. # وبهذا البرهان ms1087 يتبين أنه لا بد في الوجود من إله يجب أن يكون هو منتهى ~~قصد القاصدين، وعبادة العابدين، وإرادة المريدين، ومحبة المحبين، كما أنه ~~منتهى سؤال السائلين، وطلب الطالبين، لأنه الخالق PageV06P192 # القديم الواجب بنفسه، الذي هو فاعل للممكنات والمحدثات وربها وخالقها. إذ ~~الوجود فيه أشياء محدثة، ولا بد لها من محدث، وفيه حركات موجودة، ولا بد ~~لها من غاية، فإن الحركات إما إرادية وإما طبعية وإما قسرية، لأنها إن كان ~~المتحرك شاعرا فهي الإرادية، وإن لم يكن شاعرا، فإن كانت بلا شعور على خلاف ~~طبعها فهي القسرية، كحركة الحجر إلى فوق، وإلا فهي الطبعية، كحركته إلى ~~أسفل، لكن القسرية تابعة للقاسر. وأما الطبعية فلا تكون إلا إذا خرج ~~المطبوع عن مركزه ومستقره، كخروج التراب والحجارة عن مركزها إلى فوق، وكذلك ~~الماء. فبطلت بطبعها أن تعود إلى مركزها ومستقرها، فلو لم تحرك أولا عنه ~~لما خرجت، فتبين أن الطبعية والقسرية تابعتان، فعلم أن كل حركة في العالم ~~عن إرادة، وتلك حركات الملائكة الذين أخبر الله عنهم في كتابه عما يدبرونه ~~بإذنه وأمره من أمر السموات والأرض، كما قال تعالى: (والذاريات ذروا (1) ~~فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) فالمقسمات أمرا (4)) (1)، فأقسم ~~بالمخلوقات طبقا بعد طبق، بالرياح ثم بالسحاب ثم بالنجوم وأفلاكها، ثم ~~بالملائكة المقسمات أمرا. وكذلك قوله: (والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا ~~(2) والسابحات سبحا (3) فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5)) (2). # ونصوص الكتاب والسنة في ذلك أكثر من أن يمكن ذكرها هنا، فإذا كانت جميع ~~الحركات هي عن إرادات، ولا بد للمريد من غاية هي PageV06P193 # مراده ومقصوده الذي هو معبوده، فلا بد للموجودات من إله هو إلهها ~~ومعبودها سبحانه وتعالى. # ومن المعلوم بالبديهة أن الشيء لا يكون فاعلا لنفسه، ولا يكون حادثا من ~~غير محدث، وكذلك من المعلوم بالبديهة أن المتحرك لا يكون متحركا إلى نفسه، ~~ولا يكون متحركا بإرادته إلى غير شيء، فكما أن الكائن بعد أن لم يكن لا ~~يكون موجودا بنفسه ولا من غير شيء، كما قال تعالى: (أم خلقوا من غير شيء أم ~~هم الخالقون ms1088 (35)) (1)، فالمتحرك بإرادته بعد أن لم يكن متحركا لا يجوز أن ~~يكون متحركا مريدا لنفسه، ولا يجوز أن تكون حركته وإرادته لغير شيء، لأن ~~ونفسه كانت موجودة قبل حركته، وكونها هي المراد بما أحدثه يقتضي حدوثها بعد ~~حركته، فيقتضي أن تكون موجودة معدومة معا. # كما أنه إذا قدر أنه فاعل نفسه لزم أن يكون متقدما على نفسه، لكونه ~~فاعلا، ومتأخرا عن نفسه، لكونه مفعولا، فهذا الذي ذكر من (2) كون الإنسان ~~يمتنع أن يكون فاعلا مفعولا يقتضي امتناع كونه عابدا معبودا. وكذلك يقال في ~~كل ممكن ومحدث، وهذا أيضا يدخل في الدور الممتنع، وما ذكر أولا هو دور بين ~~اثنين من فاعلين أو من فاعل واحد. وكل ذلك يستدل به على إثبات الإله ~~المعبود الخالق للممكنات والمحدثات. PageV06P194 ### || CHECK - يمتنع أن يكون الشخص الواحد جزء علته أو شرط علته # فصل # وكذلك كما يمتنع أن يكون في الشخص الواحد أن يكون علة لنفسه ومعلولا لها ~~في الفاعل والغاية، يمتنع أن يكون جزء علته أو شرط علته، فلا يكون فعل ~~فاعله محتاجا إلى وجود شيء منه، ولا يكون في المقصود شيء منه، وكذلك ~~أفعاله، كما لا يجوز أن يكون حدوث اعتقاده وقصده وقدرته منه، فلا يجوز أن ~~يكون علة كل فعله حادثا بفعله الذي حدث بفعله، ولا يجوز أن يكون حادثا بعلة ~~فعله جزؤها أو شرطها المتقدم على المعلول، لكن يجوز أن يكون هو فعلا في ~~حدوث المعلول بحيث لا يحدث هذا الفعل إلا مع هذا الفعل أو نحو ذلك، فإن ~~الشرط إنما يجب أن يقارن المشروط، لا يجب أن يتقدم عليه. وأما العلة فيجب ~~تقدمها عليه، فلو كان الفعل علة أو جزء علة لزم تقدم كل منهما على الآخر. # وأما كون أحد الفعلين مشروطا بالآخر فهذا لا محذور فيه، وكذلك لا محذور ~~في كون الفعل يحدث بأسباب بعضها من الإنسان، ويكون ذاك السبب متقدما على ~~الفعل، فكذلك لا يجوز أن تكون لذته المنقضية هي العلة الغائية مطلقا، لوجود ~~قصده وعمله، ولا جزءا من العلة، ms1089 وإن كانت شرطا في وجود المعلول الذي هو ~~المقصود لذاته. # ولهذا يوجد بعد حصول اللذة نفسه تطلب أمورا أخرى وتقصدها، ولا تطمئن ~~القلوب وتسكن إلا إلى الله، كما قال: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28)) ~~(1)، وذلك لأن ما يتعقبه العدم لا يصلح أن يكون PageV06P195 # مقصودا لذاته، فإنه لو كان هو المقصود بالذات، لكان حال القاصد له بعد ~~عدمه كحاله قبل وجوده، فيمتنع أن يكون مقصودا، لأن ذلك عبث وسفه، كما تقدم ~~بيانه، وإنما يقصد لأنه بعد عدمه يبقى أمر موجود يصلح أن يكون مقصودا، كما ~~أن الأكل والشرب ولذة ذلك وإن كانت منقضية، ولذة الوقاع وإن أكانت، منقضية، ~~فليست هي المقصودة من هذا الفعل بالذات، بل وإن قصدها الحيوان لما فيها من ~~اللذة، فالمقصود مع ذلك ثبات جسمه وبقاؤه ووجود النسل، وهذه الغاية فإن لم ~~يقصدها الحيوان الفاعل، فهي مقصودة لخالق الفعل وغيره، وذلك أن الحيوان لما ~~لم يكن مستقلا بالفعل، لم يجب أن يكون مستقلا بالقصد الذي هو مبدأ الفعل، ~~بل كما أن فعله لغيره فيه تأثير، فلغيره مقصود، فالسبب الفاعل كالسبب ~~الغائي، ثم الإنسان إذا لم يقصدها، لا يمتنع وجود الفعل، بل يقتضي ذلك فساد ~~حاله، فإنه من لم يقصد بأفعاله إلا نيل اللذة العاجلة فهذا أفعاله فاسدة ~~باطلة، وهي حال من اتبع هواه، ومن كان لا يريد إلا العاجلة. # ونحن إنما قصدنا تبيين فساد مثل هذا القصد والعمل، وأنه لا يصلح حال ~~صاحبه، لا تبيين امتناع الفعل بدونه، فإن امتناع الفعل ووجوده يتعلق بخلق ~~الله وما ييسره من الأسباب، فهناك يتبين أنه لو كان هو الغاية أو جزؤها ~~لامتنع أن يكون موجودا مخلوقا. # وأما في قصد الإنسان فتبين أنه يكون فسادا وضررا وشرا كما تقدم، فإن ~~الموجودات لا توجد بدون أسبابها الفاعلة، ولا تكون موجودة من الله بدون ~~غاياتها المقصودة، وهو الحكيم في تلك PageV06P196 ### || CHECK - الإرادة بالنسبة إلى المراد كالفعل بالنسبة إلى الفاعل # الغايات. # وأما الحيوان فلا بد له من مقصود بفعله، لكن لا يجب أن يكون ذلك ms1090 الذي ~~قصده مصلحة له ونافعا له، كما أنه لا بد له من قصد وقوة، لكن لا يجب أن ~~يكون مقرا بأن ذلك بإعانة الله وقدرته. # وإذا تبين أنها ليست مقصودة بالذات، فالمقصود بالذات لا بد أن يكون باقيا ~~أبديا، كما بينا أن ما يتعقبه العدم لا يكون مقصودا بالذات، وكذلك أيضا لا ~~بد أن تكون ذات العلة الغائية متقدمة على الفعل، وإن كان ما يطلب بالحركة ~~إليها يكون لذة حادثة، وإن كانت متواصلة، وهذا مما نبينه هنا، وإن لم يكن ~~مبينا فيما مضى، وذلك أن العلة الغائية هي علة بماهيتها وحقيقتها المقصودة ~~لفاعلية العلة الفاعلية، إذ لولا كون تلك الحقيقة تستحق أن تطلب وتقصد ~~لامتنع أن يقصدها الفاعل، فامتنع فعلها، ولا يجوز أن يكون الفاعل بإرادته ~~وفعله جعلها مقصودة مرادة، لأن إرادته متوقفة على كون المراد يجب أن يكون ~~مرادا، فلو كان كون المراد مرادا حاصلا بإرادته لزم الدور، وإذا كانت ~~إرادته هي [التي] جعلت المراد مرادا، والمراد هو الذي جعل الإرادة مريدة، ~~بل لابد من حقيقة تكون هي بنفسها تستحق أن تكون مرادة مقصودة، وحينئذ يراد ~~ويقع الفعل، كما أنه لا بد من حقيقة ... (1) فاعلة، وحينئذ فيفعل أفعالا، ~~فلا يجوز أن يكون مفعولها أحدثها وفعلها. # والإرادة بالنسبة إلى المراد كالفعل بالنسبة إلى الفاعل، فإن المراد PageV06P197 ### || CHECK - غلط من قال: إن المعدوم شيء # هو الذي يوجب الإرادة، يوضح ذلك أن العلة الغائية إذا كانت لا بد من ~~تقدمها في العلم والقصد، فالعلم والقصد لا يتعلق بالعدم المحض ابتداء، بل ~~المقصود إنما يعلم بطريق التمثيل بالموجود، ولذلك إنما يقصد بالغرض، فيكون ~~الغرض من عدم أحد الضد وثبوت الضد الآخر، كما يقصد عدم المانع. أما أن يكون ~~العدم مقصودا بالقصد الأول أو معلوما بالعلم الأول، فهذا محال. # وإذا كان كذلك، فالغاية التي لا توجد إلا بعد الفعل تكون حال العلم ~~والقصد معدومة، فإنما يعلم بالقياس إلى غيرها، وإنما يقصد لقصد أمر وجودي، ~~وإلا فالعدم المحض إذا قصد إيجاده لا لقصد أمر موجود، ms1091 لزم أن يكون في العدم ~~المحض ما يتميز فيه مقصود عن مقصود، وهذا ممتنع. # ومن هنا غلط الغالطون القائلون بأن المعدوم شيء، وأهل الإثبات وإن قالوا: ~~هو ثابت في العلم، فالقصد يتوجه إلى المعلوم، لكن يقال: العلم يتعلق ~~بالمعلوم على ما هو عليه، فكذلك المعلوم لم كان مقصودا دون غيره، وليس في ~~العدم المحض تميز، بل لا بد أن يكون المقصود أمرا وجوديا، ثم أريد حصول فعل ~~وغاية قريبة لحصول ما يطلب من العمل للغاية المقصودة لذاتها. # ولهذا مكة موجودة قبل سعي الحاج إليها، فهي الغاية، وإن كان وصوله إليها، ~~وأعمال المناسك هي غاية عمله لها، وهذه هي الغاية التي تتأخر عن العمل، لكن ~~نفس الغاية المقصودة لذاتها لا بد أن تتقدم الفعل. PageV06P198 # وهذا أصل عظيم، يسر الله بيانه بعد كثرة تحويم القلوب عليه، وهو نافع في ~~أصلين عظيمين: # أحدهما: أن الله هو الإله المعبود لذاته. # والثاني: أنه هو المحبوب لذاته، فإليه تصير الأمور، وإليه المنتهى في ~~أفعاله وأفعال عباده، كما أنه رب ذلك كله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. PageV06P199 ### | CHECK (6) قاعدة في العدم والإعدام واستطاعته وفعله # قاعدة # في إرادة العدم والإعدام واستطاعته وفعله PageV06P201 ### || CHECK - صفة العلم ### || CHECK - الصفات المتعلقة بالوجود كيف تتعلق بالعدم؟ # الحمد لله رب العالمين. قال الشيخ الإمام العالم المحقق أبو العباس أحمد ~~بن عبد الحليم ابن تيمية رحمه الله: # فصل # قاعدة في إرادة العدم والإعدام واستطاعته وفعله # وطلبه والتعليل به ونحو ذلك # قد ذكرت بعض ما يتعلق بذلك عند الكلام في العلم بالمعدوم، ومسألة النهي ~~هل هو طلب العدم أو الوجود، وعند الكلام في إحسان الله لخلق كل شيء، وأنه ~~إنما لا يصرف إليه المعدوم ونحو ذلك. ونحن نذكر هنا قاعدة، فنقول: # الصفات المتعلقة بالوجود مثل: العلم والإرادة والأمر والقدرة والفعل ~~والسبب الفاعل كيف يتعلق بالعدم؟ أما العلم فقد قررنا في غير هذا الموضع ~~أنه إنما يعلم المعدوم بطريق التبع للعلم بالوجود، وكذلك قررنا أنه إنما ~~يراد المعدوم بطريق التبع للموجود، فإن الشاعر منا لا ms1092 يدرك بنفسه ابتداء ~~عدم شيء، وإنما يدرك الوجود، ثم يقدر في نفسه ما يركبه أو يفرعه من أجزاء ~~الوجود، مثل تقدير إله آخر، أو نبى بعد محمد، أو جبل ياقوت، أو بحر زئبق، ~~فحينئذ يعلم أنه لا إله إلا الله، وأنه لا نبي بعد محمد، وأنه ليس هنا جبل ~~ياقوت وبحر زئبق، وإنما يعلم ذلك بعد أن يكون علم إلها موجودا ونبيا موجودا ~~وبحرا وجبلا وياقوتا وزئبقا، وأما ما لم يتصور مفرداته من الموجود فإدراك ~~عدمه مثل عدم إدراكه، كما قال تعالى: (قل أتنبئون الله بما لا يعلم في PageV06P203 ### || CHECK - صفة الإرادة واختلاف الناس في القدرة على العدم # السماوات ولا في الأرض) (1)، فعدم علمه بوجود ذلك مثل علمه بعدمه. وهذا ~~في حق الله تعالى، لأنه بكل شيء عليم، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ~~ولا في الأرض، فما لم يعلمه من الأشياء يعلم أنه ليس في الأشياء. # وكذلك الإرادة، فإن الحي إنما يريد بالقصد الأول ويحب ما يناسبه أو .... ~~(2)، فلا يحب ويريد بذاته إلا ما يطلب وجوده، ثم قد تعارضه أشياء فيكرهها ~~ويبغضها ويريد أن لا تكون. ثم إذا كره هذه الأشياء قبل كونها أو بعد كونها ~~فإنه يسعى في إبطالها، وقد يكون قادرا على ذلك وينهى عنها غيره. فاختلف ~~النالس في هذا المقام: # منهم من قال: القدرة لا تكون قدرة على العدم، ولا الفعل يكون فعلا للعدم، ~~ولا الإرادة تكون إرادة للعدم، لأن العدم لا شيء، والقدرة على ما هو لا شيء ~~لا شيء، فتكون القدرة على العدم كعدم القدرة، وكذلك فعل ما هو لا شيء ~~وإرادة ما هو لا شيء بمنزلة وجوده، فإن هذا مما لا يستريب الناس فيه أنه لا ~~يحتاج إلى فاعل وقادر، بل يكفي في عدمه عدم مقتضيه وموجبه، ولهذا نقول: ما ~~شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فنضيف عدم الكون إلى عدم المشيئة. لا ~~يحتاج أن يقال: وما شاء أن لا يكون لم يكن. # وهذا قول كثير من المتكلمة والمتفقهة من ms1093 المعتزلة والأشعرية PageV06P204 ### || CHECK - معنى إرادة الله لإعدام الشيء، واختلافهم فيه # والحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم. ثم اختلف هؤلاء فيما إذا ~~أراد الله أن يفني شيئا ويعدمه: # فقال البصريون من المعتزلة: يحدث فناء لا في محل، فيفنى به. # كما يقولون في الإيجاد: إنه أحدث لا في محل، فحدث به. # وهذا عند العقلاء معلوم الفساد بالضرورة والنظر من وجوه كثيرة، كما ذلك ~~معلوم الفساد في الإرادة، فإن قيام الصفات بغير محل وحدوث شيء بلا إرادة ~~ومنافاة شيء سموه الفناء لجميع الكائنات= كل هذا مما يعلم فساده عند ~~تصورحقيقته. # وقال كثير من متكلمة الإثبات من الأشعرية والحنبلية: عدمه وفناؤه بأن لا ~~يحدث سبب بقائه، إما أن لا يحدث البقاء عند من يقول منهم: إن الباقي باق ~~ببقاء، وإما أن لا يحدث الأعراض عند من يقول منهم: إن العرض لا يبقى ~~زمانين. فإن هؤلاء يقولون: إنما بقاء الأعيان التي هي الجواهر بما يحدثه له ~~من الأعراض، أو بما يحدثه من البقاء، فإذا انتفى شرط بقائها انتفت وعدمت، ~~وانتفاء شرط البقاء يكفي فيه أنه لا يفعله ولا يريده. # وحقيقة قولهم أن العدم الطارئ المتجدد بمنزلة العدم الدائم المستمر، يكفي ~~فيه عدم الإرادة للإيجاد والإبقاء وعدم إيجاده وإبقائه. فالمعتزلة قالوا: ~~يفني الأشياء ويعدمها بإحداث ضد ينافيها هو الفناء، وهؤلاء يقولون بفوات ~~شرطها ومقتضاها، فالنزاع بينهم هل الإعدام والإفناء لإيجاد مانع أو لعدم ~~شرط، وكلهم فروا من كون نفس المعدوم مفعولا بنفسه أو مرادا بنفسه. PageV06P205 ### || CHECK - المذهب الثاني أن العدم نوعان كما أن الوجود نوعان # فهذا أحد القولين، وهؤلاء يقولون: المطلوب بالنهي أو المراد بالنهي ليس ~~عدم المنهي عنه، وإنما هو فعل ضد من أضداد المنهي عنه: إما الامتناع من ~~الفعل، وإما البغض له والكراهة ونحو ذلك، حتى يصح أن يكون مطلوبا مرادا ~~للناهي، ويصح أن يكون مقدورا مفعولا مرادا للمنهي. فعلى قول هؤلاء كما أن ~~العلة الفاعلية للأمر الموجود لا تكون عدما بالاتفاق، وإلا لصح [نسبة] ~~الحوادث إلى معدوم، فيبطل الاستدلال بها على الخالق البارئ المصور. ms1094 كذلك ~~يقولون: العلة الغائية لا يصح أن تكون عدما أيضا، إذ هي مطلوب الفاعل ~~ومراده، والمعدوم لا يكون مطلوبا ولا مرادا. # والقول الثاني في أصل المسألة: إن العدم نوعان كما أن الوجود نوعان، فكما ~~أن الوجود بنفسه هو غني عن الفاعل، وهو الله سبحانه، والممكن بنفسه مفتقر ~~إلى الفاعل محتاج إليه. فكذلك العدم نوعان: # أحدهما: ما انعقد سبب وجوده التام أو المقتضي، وجد أو لم يوجد. # والثاني: ما لم ينعقد سبب وجوده. # فما لم ينعقد سبب وجوده يكفي في عدمه عدم سببه، لا يحتاج إلى فاعل ولا ~~مريد لعدمه. # وأما ما انعقد سببه التام فوجد، أو انعقد سببه المقتضي فهو معترض للوجود، ~~فهذا إن لم يوجد ما يعارضه وينافيه لم يعدم. # فالعدم الحادث الطارئ كالوجود الحادث الطارئ، كل منهما لا PageV06P206 ### || CHECK - التقسيم الأول للعلة: إلى تامة موجبة وإلى مقتضية قاصرة ### || CHECK - العلة والسبب ونحو ذلك من الأسماء تكون مترادفة من وجه ومتباينة من وجه # بد له من سبب، لكن الوجود يتوقف على وجود السبب وانتفاء المانع، والعدم ~~يكفي فيه كل واحد من عدم المقتضي ووجود المانع، فالوجود مفتقر إلى الأمرين ~~كليهما، والعدم يكفي فيه أحدهما إذا عني بالسبب العلة المقتضية دون التامة، ~~وأما إذا عني به العلة التامة فهذه العلة يلزم من وجودها وجود المعلول، ومن ~~عدمها عدم المعلول، فالوجود لا يقف إلا على وجودها، والعدم لا يقف إلا على عدمها. # وبهذا التفسير تزول الشبهة الواقعة بين كثير من الناس في مثل هذه ~~المحارات والمضطربات التي يكثر فيها النزاع والجدال، وينتشر فيها القيل ~~والقال، ويحصل فيها التفرق والاختلاف، ويزول بها الاجتماع والائتلاف، فإذا ~~فسرت الأسماء المشتركة وفصل الحق من الباطل وحكم بالعدل بين الفرق ~~والمقالات ظهر الكتاب والسنة والجماعة، وزال الضلال والبدعة والفرقة. # فنقول: العلة والموجب والمقتضي والباعث والسبب والمناط والمحرك والداعي ~~ونحو ذلك من الأسماء هي أسماء متقاربة، تكون مترادفة من وجه ومتباينة من ~~وجه، وفيها تقسيمان: # أحدهما: أن العلة تنقسم إلى تامة موجبة يوجد بها المعلول لا محالة، ms1095 وإلى ~~مقتضية قاصرة تقف على شروط وانتفاء موانع. ولفظ العلة يعبر به عن كل من ~~المعنيين في أصول الدين وأصول الفقه وفي الكلام والفلسفة وغير ذلك. # فأما الأولى فلا توجد إلا مجموع أمور، وما ثم سبب واحد يوجب مسببه لا ~~محالة وينتفي مسببه عند انتفائه إلا مشيئة الله، فإنه ما شاء كان PageV06P207 # وما لم يشأ لم يكن. وهو سبحانه فعال لما يشاء، (وإن يمسسك الله بضر فلا ~~كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله) (1)، (قل أفرأيتم ما تدعون من ~~دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ~~ممسكات رحمته) (2)، وقال تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا ~~قوة إلا بالله) (3). وهذا كثير في الكتاب والسنة وعلى اتفاق الملل وأهل ~~الفطرة السليمة، لم يخالف فيه إلا القدرية من جميع الطوائف الذين يزعمون: ~~قد يريد ما لا يكون، ولا يفرقون بين الإرادة الكونية والإرادة الدينية. ~~فإرادته سبحانه ومشيئته هي السبب والعلة الكاملة التامة وجودها، ومحبوبه ~~ومرضيه هي الحكمة والغاية التامة الكاملة. # هذا في العلة السببية، وأما الغائية فهو كذلك أيضا، غالب التام منها ~~مركب، وما ثم ما هو العلة الغائية على الإطلاق إلا محبوب الله ومرضيه، وإن ~~كان الحب والرضا يستلزم ... (4)، فإن عبادته وطاعته وطاعة رسله هي غاية ~~الأعمال في الدنيا، والتلذذ بالنظر إليه هو غاية المطلوب في الاخرة. وأما ~~ما فى حق الرب وأمره فإن محبوبه ومرضيه هو الغاية المرادة من ذلك كله، وإن ~~كان من الأسباب والوسائل ما هو مراد غير محبوب ولا مرضى، فإن الشيء المحبوب ~~المشتهى قد PageV06P208 ### || CHECK - معنى قولهم: العلة العقلية توجب معلولها، بخلاف العلة الشرعية # يتوقف حبه على وجود شرط وانتفاء موانع غير محبة الله تعالى، مثل اقتضاء ~~النار الإحراق والماء الإغراق، والطعام والشراب للشبع والري، والشعاع ~~للتسخين، والأعمال الصالحة للثواب، والأعمال السيئة للعقاب، ونحو ذلك. فكل ~~هذه الأمور قد يتخلف مقتضاها لفوات شرط أو وجود مانع. وكذلك في الغائيات، ~~فإن جعلت العلة ms1096 مجموع الأمور التي يجب عندها الحكم فهي العلة التامة، وإن ~~جعلتها الأمر المقتضي للحكم لولا المعارض المقاوم فهي العلة المقتضية ~~الناقصة. # وبهذا التقسيم يعرف اختلاف العلماء من أصحابنا وغيرهم في العلة هل يجوز ~~تخصيصها، فإن عني بالعلة التامة فتلك لا تقبل التخصيص، وإن عني بها ~~المقتضية فإنها تقبل التخصيص. وهذا عام في العلل الكونية والدينية، الطبعية ~~والشرعية، العقلية والسمعية. # فإن قلت: فإن كثيرا من أصحابنا وغيرهم يقولون: العلة العقلية توجب ~~معلولها، لا يتخلف عنها، ولا يقف على شرط، ولا لها مانع، بخلاف العلة ~~الشرعية. # قلت لك: هؤلاء مرادهم بالعلة الصفات التي توجب الأحوال، مثل أن العلم علة ~~كون العالم عالما، والحركة علة كون المتحرك متحركا، مبنية على ثبوت الأحوال ~~في الخارج معاني غير الصفات. فمن أثبت الأحوال من متكلمة المعتزلة ومتكلمة ~~الصفاتية من أصحابنا وغيرهم فإنه يفرق بين العلم والعالمية والقدرة ~~والقادرية، ويجعل الصفات توجب الأحوال. ومن نفى الأحوال فإن عنده العلم نفس ~~كون PageV06P209 ### || CHECK - جمهور العقلاء لا ينكرون ثبوت الأسباب وأن الله يخلق الأشياء بها ### || CHECK - الكلام على العلل الطبيعية الموجودة في الخارج # العالم عالما، والحركة نفس كون المتحرك متحركا، ليس عندهم هنا شيئان ~~أحدهما علة والآخر معلول. # وأما العلل الطبعية الموجودة في الخارج، مثل كون الأكل والشرب علة للشبع ~~والري، والإحراق والإغراق علة للحرق والغرق، فكثير من متكلمة أهل الإثبات ~~من أصحابنا وغيرهم لما ناظروا أهل الطبع وأهل القدر في أن الله خالق كل شيء ~~أنكروا أن يكون في العلم علة أو سبب، وقالوا: إن الله يخلق هذه الآثار عند ~~هذه الحوادث، فهؤلاء إذا تكلموا في العلة والسبب لم يدخل هذا في كلامهم، ~~وهذه طريقة كثير من الفقهاء الحنبلية والمالكية والشافعية ومتكلمة أهل ~~الإثبات من الأشعرية وغيرهم. فإذا وجدت في كلام القاضي أبي بكر ابن ~~الباقلاني أوالقاضي أبي يعلى أو القاضي أبي الطيب أو أبي إسحاق ~~الفيروزابادي أو أبي الخطاب أو ابن عقيل أو نحو هؤلاء الفرق بين العلل ~~العقلية والشرعية فهذا مرادهم. # وأما جمهور العقلاء من أهل ms1097 الإسلام وسائر الملل وإن كانوا يردون على أهل ~~الطبيعة الذين يضيفون الحوادث إلى ما دون الله من جسم أو طبع أو فلك أو نجم ~~أو عقل أو نفس، وعلى القدرية الذين يزعمون أن أفعال الحيوان لم يخلقها الله ~~ولا يقدر على خلقها، ويعلمون (1) أن الله خالق كل شيء = فلا ينكرون ثبوت ~~الأسباب وأن الله يخلق الأشياء بها، كما نطق بذلك الكتاب والسنة، وكما اتفق ~~عليه PageV06P210 # سلف الأمة والسالمو الفطرة من أهل الملة. قال الله تعالى: (وهو الذي يرسل ~~الرياح) إلى قوله: (فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات) (1)، وقال ~~تعالى: (وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها) (2)، ~~وقال: (فأنبتنا به حدائق ذات بهجة) (3)، وقال تعالى: (فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد (9)) (4)، وقال تعالى: (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) ~~(5)، وقال تعالى: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) (6). وهذا كثير في الكتاب ~~والسنة. فمن قال: لا يقال: إن الله يفعل بها، وإنما يفعل عندها لا بها، فقد ~~خالف الكتاب والسنة وفطر العقلاء. # فإن قلت: قد ذكرت أنه ليس في الوجود علة تامة وحدها إلا مشيئة الله، فكيف ~~تصنع بالإحراق والإغراق والإزهاق والتكسير والتعليم ونحو هذه الأفعال التي ~~لها أفعال مطاوعة، فإن الكسر مستلزم للانكسار، والإحراق مستلزم للاحتراق، ~~والإزهاق مستلزم للزهوق، ونحو ذلك. # قلت: الإحراق ونحوه إما أن يعنى به فعل المحرق فقط، أويعنى PageV06P211 ### || CHECK - التقسيم الثاني للعلة: إلى علة فاعلة وعلة غائية ### || CHECK - ليس في الوجود علة تامة إلا مركبة سوى مشيئة الله تعالى # به فعله وقبول المحترق، فإن عني به فعل الفاعل فقط فهو من العلل المقتضية ~~لا الموجبة، يقال: أحرقته فلم يحترق، وعلمته فلم يتعلم، وكسرته فلم ينكسر، ~~وإن عني به فعل الفاعل وقبول القابل فهما أمران مركبان. # وهذا طرد قولنا: ليس في الوجود علة تامة إلا مركبة سوى مشيئة الله تعالى، ~~وقد تقدم الكلام على الصفات والأحوال هل تدخل في العلل أم لا. فهذا أحد ~~القسمين. # التقسيم الثاني: أن الشيء ليس ms1098 له خارج عن نفسه علتان: علة فاعلة وعلة ~~غائية، ويسمي الفقهاء الفاعلة السبب والموجب، ويسمون الغائية الحكمة ~~والمراد والمقصود. أما المادة والصورة فذلك علتان للمركب في نفسه، فالمركب ~~كالخاتم مثلا مركب من الفضة التي هي المادة، والصورة التي هي القالب (1)، ~~وتسمية هذا عللا ليس من اللغة المعروفة ولا من المعروف في الفعل، وإنما هو ~~اصطلاح لطائفة من النظار من المتفلسفة وغيرهم، وإنما العلة المعروفة ما كان ~~مغايرا للمعلول، فالإنسان بعقل يفعل فعلا لمقصود، فهو الفاعل له، والمقصود ~~هو الغاية المقصودة به، والعلة الغائية علة العلم وفاعلية العلة الفاعلية، ~~فإنه لولا المقصود والفاعل لما فعل الفاعل، وهي [أول] في القصد آخر في ~~الوجود والفعل. ولهذا قال تعالى: في أم الكتاب: (إياك نعبد وإياك نستعين ~~(5))، فإن الله سبحانه هو PageV06P212 ### || CHECK - العلل في اصطلاح الفقهاء قد يراد بها الأسباب، وقد يراد بها الحكمة المقصودة التي هي الغاية # الإله المعبود بجميع الأعمال الصالحة، وهو الخالق الرب المعين عليها، فله ~~الدعاء وحده لا شريك له دعاء العبادة والتأله لألوهيته، ودعاء السؤال ~~والطلب لربوبيته الداخلة في ألوهيته. وهو رب العالمين وخالق كل شيء، ولهذا ~~قال: (فاعبده وتوكل عليه) (1)، وقال: (عليه توكلت وإليه أنيب (10)) (2)، ~~وقال: (عليه توكلت وإليه متاب (30)) (3). # إذا عرف ذلك فالعلل في اصطلاح الفقهاء في الدين والشريعة قد يراد بها ~~الأسباب التي هي بمنزلة الفاعل، كما يقال: ملك النصاب سبب لوجوب الزكاة، ~~والزنا سبب لوجوب الحد، والقتل العمد سبب لوجوب القود. وقد يراد بها الحكمة ~~المقصودة التي هي الغاية، كما يقال: شرعت العقوبات للكف عن المحظورات، ~~وشرعت الضمانات لإقامة العدل في النفوس والأموال، وشرعت العبادات لأن يعبد ~~الله وحده لا شريك له، وشرع الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين ~~كله لله. # وهذه الحكم والمصالح التي هي الغايات تكون مقصودة مرادة للشارع الامر ~~وللفاعل المطيع، ولكن تحصل بدون قصده، كما يحصل ثواب كثير من الأعمال ~~الصالحة في الدنيا والآخرة لمن أطاع الله ورسوله في أفعال كثيرة، وإن كان ~~لم يعلم ذلك فضلا عن أن ms1099 PageV06P213 ### || CHECK - هل يكون العدم شرطا أو جزءا من العلة؟ ### || CHECK - اختلاف الفقهاء في جواز تعليل الوجود بالعدم # يقصده. # وقد تنازع الفقهاء هل يجوز تعليل الوجود بالعدم، فذهب طوائف من أصحابنا ~~وغيرهم إلى جواز ذلك، وذهب طوائف إلى أنه لا يجوز. ثم منهم من يقول: يجوز ~~أن يكون العدم جزءا من العلة أو شرطا، ومنهم من يمنع ذلك، ومنهم من يمنع ~~الجزء دون الشروط. وفصل أبو الخطاب أن ذلك يجوز في قياس الدلالة بلا ريب، ~~فإن قياس الدلالة المشترك بين الأصل والفرع دليل على العلة وإن لم يذكر نفس ~~العلة، والدليل يجوز أن يكون وجودا وعدما، سواء كان المدلول وجودا أو عدما. ~~ومن جعل علل الشرع كلها أمارات ومعرفات من أصحابنا وغيرهم فجميع الأقيسة ~~عندهم قياس دلالة، وجميع العلل عندهم مجرد أدلة. لكن هذا قول ضعيف. # وأما في قياس العلة فيمتنع أن يكون العدم فاعلا للوجود، وهذا معلوم ~~ببديهة العقل، ولو جاز ذلك لجاز إسناد الحوادث إلى معدوم، فامتنع بهذا أن ~~تكون العلة العدمية بمعنى الفاعل علة لوجود. # لكن هل يكون العدم شرطا أو جزءا؟ فهذا ينبني على ما تقدم أن العلة إذا ~~عني بها الموجبة التامة لم يمتنع أن يكون العدم جزءا منها، وإن عني بها ~~المقتضي لم يمتنع أن يكون العدم شرطا في تأثيرها، فإن تأثير السبب المقتضي ~~لأثره قد يقف على انتفاء الضد المعارض. ثم إنه كثيرا ما يكون قد انعقد سبب ~~الشيء، وإنما تخلف الحكم لمانع [أو] لمعارض، فإذا انتفى ذلك المانع أضيف ~~الحكم إلى انتفاء المانع، وهو في الحقيقة جزء العلة أو شرطها، ويجعل علة في ~~اللفظ عند النزاع، PageV06P214 ### || CHECK - هل تكون العلة الغائية علة الوجود؟ # لأن الجزء الآخر قد علم وجوده واتفق عليه، مثل أن يقال: يباح دمه لأنه ~~ليس بمسلم ولا معاهد، أو تجب عليه الزكاة لأنه ليس بمدين، أو يعزر لأنه ليس ~~بمحصن، ونحو ذلك. # وأما العلة التي هي الحكمة الغائية فهل يجوز أن تكون علة الوجود، بمعنى ~~أن يكون مقصود الفاعل ومراده ms1100 العدم، فهذا يتعلق بالقاعدة التي تكلمنا فيها، ~~وبينا أن العدم لا يكون مقصودا لنا ومرادا ابتداء، لأنه ليس فيه لنا فائدة ~~ولا مناسبة، وإنما نقصده ونريده إذا كان في الوجود ضرر، فنريد زوال الضرر ~~وعدمه، فيكون أعدم، الضرر علة غائية مقصودة بهذا الاعتبار. PageV06P215 ### | CHECK (7) فصل في الإسلام وضده # فصل # في الإسلام وضده PageV06P217 ### || CHECK - استعماله لازما ومتعديا ### || CHECK - الإسلام يجمع معنيين: الاستسلام وإخلاص ذلك لله # فصل # في الإسلام وضده # قد كتبنا في غير هذا الموضع في مواضع أن الإسلام هو الاستسلام لله وحده، ~~فهو يجمع معنيين: الانقياد والاستسلام، والثاني إخلاص ذلك لله، كما قال ~~تعالى: (ورجلا سلما لرجل) (1) أي خالصا له، ليس لأحد فيه شيء. وإنه يستعمل ~~لازما ومتعديا، فالأول كقوله: (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~~(131)) (2)، وقوله: (وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66)) (3)، وقوله: (أفغير ~~دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها) إلى قوله: (ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) (4). وهو هذا الإسلام الذي هو ~~الاستسلام لرب العالمين. # وقد يستعمل متعديا في مثل قوله: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو ~~محسن) (5)، وفي قوله: (بلى من أسلم وجهه لله) (6). فهنا لما كان مقيدا ~~بإسلام الوجه قرن به الإحسان، لأن إسلام الوجه له هو يتضمن إخلاص القصد له، ~~فلا بد مع ذلك من الإحسان، ليكون PageV06P219 ### || CHECK - لفظ الإسلام المطلق قد يكون لله وقد يكون لغير الله # عمله صالحا خالصا لله. # وهذا الإسلام الذي هو الإسلام لله- إذ إسلام الوجه لله وهو محسن يستلزم ~~أصل الإيمان- لا يمكن أن يكون صاحبه منافقا محضا، فإن المنافق المحض لا ~~يكون مسلما لرب العالمين ولا مسلما وجهه لله، لكن قد شارك أصحابه في ~~الإيمان، لأن الإسلام قد يتضمن القصد والعمل، والإيمان يتضمن العلم والحب، ~~ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أحمد في المسند (1): ~~"الإسلام علانية، والإيمان في القلب ". وكذلك حديث جبريل (2). فصاحبه قد ~~يكون معه أصله لا كماله. وأما مطلق لفظ المسلم فقد يكون أسلم ms1101 رغبة أو رهبة ~~من الخلق ولم يسلم لله، وهذا قد يكون منافقا محضا. # وأما لفظ الإسلام المطلق فقد يكون لله، وقد يكون لغير الله، وقد يظهر ~~صاحبه أنه أسلم لله، قال تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا) الاية (3)، وكذلك قال في قصة لوط: (فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين (35) فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) (4). وكذلك حديث سعد بن ~~أبي وقاص الصحيح (5): لما أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجالا ولم يعط ~~رجالا كان أعجب إلى سعد مما أعطى، فقلت: ما لك PageV06P220 ### || CHECK - قد يكون مع كثير من الناس شيء من الإيمان ولم يصل إلى الإيمان الواجب # عن فلان عن فلان، إني لأراه مؤمنا، فقال: "أو مسلما" مرتين أو ثلاثا، ثم ~~قال: "إني لأعطي الرجل وأدع من هو أحب إلي منه، أعطيه لما في قلبه من الهلع ~~والجزع " أو كما قال. # فامرأة لوط كانت منافقة كافرة في الباطن، وكانت مسلمة في الظاهر مع ~~زوجها، ولهذا عذبت بعذاب قومها. فهذه حال المنافقين الذين كانوا مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مستسلمين له في الظاهر، وهم في الباطن غير مؤمنين. ~~والأعراب قد نفى الله عنهم الإيمان بقوله (لم تؤمنوا)، وأمرهم أن يقولوا: ~~أسلمنا، ثم قال: (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم). و"لما" ينفى بها ما يفوت ~~وجوده وينتظر وجوده، فيكون دخول الإيمان في قلوبهم منتظرا مرجوا، وقد قال ~~لهم: (وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا) وظاهره أنهم إذا ~~أطاعوه في هذه الحال أثيبوا على الأعمال. ثم قال: (إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون (15)) (1). # وهذا هو الإيمان الواجب، وقد يكون مع كثير من الناس شيء من الإيمان ولم ~~يصل إلى هذا، كالذين قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: " يخرج من ~~النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن ذرة، أو من كان في ~~قلبه مثقال ذرة من إيمان ms1102 " (2). فسلب الإيمان عنهم لا يقتضي سلب هذا ~~المقدار من الإيمان، بل هذه الأجزاء اليسيرة من الإيمان قد يكون في العبد ~~ولا يصل بها إلى الإيمان الواجب، فإنه إذا انتفت عنه جميع PageV06P221 ### || CHECK - معنى كلام بعض السلف في مرتكب الكبيرة: أنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام # آجزاء الإيمان كان كافرا. # وقد روي عن حذيفة قال (1): "القلوب أربعة: قلب أغلف، فذاك قلب الكافر؟ ~~وقلب مصفح، فذاك قلب المنافق؟ وقلب أجرد فيه سراج يزهر، فذاك قلب المؤمن؟ ~~وقلب فيه نفاق وإيمان، فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة يمدها ماء طيب، ومثل ~~النفاق فيه كمثل القرحة يمدها قيح ودم ". وفي رواية: "فأي المادين غلب كان ~~الحكم له ". وفي رواية: "وقلب فيه مادتان: مادة إيمان ومادة نفاق، فأولئك ~~قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا". # وهذا- والله أعلم- معنى كلام قاله بعض السلف والأئمة في الزاني والسارق ~~والشارب: أنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام، وأن الإيمان يصير على رأسه مثل ~~الظلة. فإنهم لم يريدوا بذلك الإسلام الظاهر المحض الذي يكون للمنافق ~~المحض، لأن الكلام فيمن هو مقر في باطنه بما جاء من عند الله، لكن ارتكب ~~هذه الكبائر، فعلم أنه يخرج إلى الإسلام الذي يكون معه أصل الإيمان وبعضه، ~~ولكن لا تكون معه حقيقته الواجبة. ويشبه أن يكون إسلام الأعراب من هذا ~~الباب، فإن الإنسان قد يسلم لله حقيقة فينقاد ويستسلم، ومع هذا لا يكون في ~~قلبه من الهدى والعلم ما يمنع ورود الذنب عليه، ولا يكون في قلبه من المحبة ~~ما يوجب صبره على الجهاد، إذ الإسلام هو الدين، والدين هو العمل والخلق، ~~ومثل هذا قد يكون عن علم ويقين وحب، وقد يكون PageV06P222 ### || CHECK - كل من الشرك والكبر يضاد الإيمان والإسلام ### || CHECK - الإسلام له ضدان: الإشراك والاستكبار # عن نوع اعتقاد ونوع إرادة. وليس المقصود هنا بسط الكلام في هذا، وإنما ~~الغرض ما يأتي بعد. # فصل # المقصود هنا أنا قد نبهنا عليه غير مرة أن الإسلام له ضدان: الإشراك ~~والاستكبار، لأنه الاستسلام لله وحده كما يترجم فيه شهادة أن ms1103 لا إله إلا ~~الله وشهادة أن محمدا عبده ورسوله، فمن استسلم لله ولغير الله فقد أشرك ~~بالله وجعل له عدلا وندا وشريكا، ومن لم يستسلم بحال فقد استكبر كحال فرعون ~~وغيره. ولهذا قال: (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17)) إلى ~~قوله: (إني آتيكم بسلطان مبين (19)) (1). وقال تعالى: (إن الذين يستكبرون ~~عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (60)) (2). # وكل من الشرك والكبر كفر يضاد الإيمان والإسلام، كما ثبت في الحديث ~~الصحيح (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يدخل النار من في ~~قلبه مثقال ذرة من إيمان، ولا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر"، ~~فقال رجل: يا رسول الله! إني أحب أن يكون قولي حسنا وفعلي حسنا، أذلك من ~~الكبر؟ فقال: "لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس ". ~~ولهذا قرن هذا في شعار الإسلام الذي هو PageV06P223 ### || CHECK - المستكبر لابد أن يكون فيه شرك ### || CHECK - قد يقال: الشرك أعم، ولهذا كان هو المقابل للتوحيد # الأذان بين التكبير والتهليل، فإن التكبير- وهو قول "الله أكبر"- يمنع ~~كبر غير الله، وقول لا إله إلا الله يوجب التوحيد، وهاتان الكلمتان ~~قرينتان، كما قد بينا ذلك في غير هذا الموضع، وبتنا اقتران التهليل ~~والتكبير كاقتران التسبيح والتحميد. # وقد يقال: الشرك أعم، ولهذا كان هو المقابل للتوحيد، فإن المشرك قد يكون ~~متكبرا وقد لا يكون، وأما المستكبر فلا بد أن يكون فيه شرك، فذم المشرك ~~يدخل فيه ذم المستكبر من أهل الكتاب، وذم المستكبر لا يدخل فيه ذم المشرك ~~الذي ليس مستكبرا، ولهذا يكتفى بكلمة التوحيد التي هي لا إله إلا الله عن ~~كلمة التكبير، من غير عكس، كما قال تعالى عن النصارى: (ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (82)) (1)، وقال في وصفهم: (وجعلنا في قلوب ~~الذين اتبعوه رأفة ورحمة) (2)، وقال فيهم: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا ~~هو سبحانه عما يشركون (31)) (3)، فوصفهم بالشرك وترك الكبر، ms1104 وهذا ظاهر من ~~حال كثير منهم أن فيهم شركا وتواضعا، لكن الشرك من أعظم الفساد لصاحبه، إن ~~لم يرد علوا في الأرض فقد أراد فسادا. # لكن هذا في مشركي أهل الكتاب، إذ الشرك مبتدع في دينهم لا PageV06P224 # أصل له، فأما المشركون من غيرهم فقد قال تعالى: (إنهم كانوا إذا قيل لهم ~~لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون) (1). # وأما اليهود فقد وصفهم بالاستكبار والعلو في الأرض في مثل قوله: (وقضينا ~~إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4)) ~~(2)، كما وصف فرعون بذلك في قوله: (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها) إلى ~~قوله: (إنه كان من المفسدين (4)) (3)، فوصفه بالعلو والفساد كما وصفهم. ~~وقال في اخر السورة: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في ~~الأرض ولا فسادا) الاية (4)، وقال تعالى في خطابه لبني إسرائيل: (وإذ أخذنا ~~ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) إلى قوله تعالى: (أفكلما جاءكم رسول ~~بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87)) (5)، فهم ~~استكبروا عما جاءت به الرسل، فقتلوا فريقا من الرسل وكذبوا فريقا. والنصارى ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم. # وقد قال تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا ~~سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا PageV06P225 # عنها غافلين (146)) (1)، فوصف الله المستكبرين بالتكذيب بآياته والغفلة ~~عنها، لأن الكبر- كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - - بطر الحق وغمط ~~الناس (2)، وبطر الحق جحده ودفعه، وهذا هو التكذيب، وأعظم من ذلك التكذيب ~~بآيات الله، قال تعالى عن قوم فرعون: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (14)) (3)، وقال عن المشركين: (ولا ~~تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله) ~~الاية (4)، وقال: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (33)) (5) # وإنما يقال: إن المستكبر لا بد أن ms1105 يكون مشركا، لأن الإنسان حارث همام، ~~فلا بد له من حرث هو عمله وحركته، ولا بد لذلك من هم هو قصده ونيته وحبه، ~~فإذا استكبر عن أن يكون الله هو مقصوده الذي ينتهي إليه قصده وإرادته، ~~فيسلم وجهه لله، فلابد أن يكون له مقصود آخر ينتهي إليه قصده، وذاك هو إلهه ~~الذي أشرك. ولهذا كان قوم فرعون الذين وصفهم بالاستكبار والعلو في الأرض ~~وهم الذين استعبدوا بني إسرائيل، كانوا مع ذلك مشركين بفرعون اتخذوه إلها ~~وربا، كما قال لهم: (ما علمت لكم من إله غيري) (6)، وقال لهم: PageV06P226 # (أنا ربكم الأعلى (24)) (1)، وقال: (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين (54)) (2). وفرعون نفسه الذي كان هو المستكبر الأعظم على قومه ~~وغيرهم، كان مع هذا مشركا، كما ذكر ذلك تعالى عنه في قوله: (وقال الملأ من ~~قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك) (3)، قيل: كان ~~له آلهة يعبدها سرا. وقد وصفهم جميعا بالإشراك في قول الرجل المؤمن: (ويا ~~قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) تدعونني لأكفر بالله ~~وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42) لا جرم أنما ~~تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن ~~المسرفين هم أصحاب النار (43)) (4). وقال قبل هذا: (ولقد جاءكم يوسف من قبل ~~بالبينات) الاية (5)، وقد ذكر الله قول يوسف: (السجن أأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار (39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم) الاية (6). وهذا إخبار عن جميعهم بالشرك واتخاذ آلهة يدعونها من ~~دون الله. وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت) الاية (7)، وهذا يبين PageV06P227 # أن جميع الرسل بعثوا بالتوحيد والدعوة إلى عبادة الله وحده، كما قال ~~تعالى في سورة هود بعد أن ذكر الأنبياء وأممهم ثم قال: (ذلك من أنباء القرى ~~نقصه عليك منها قائم وحصيد (100)) الايات (1)، يخبر تعالى فيها عن جميعهم ~~بالشرك واتخاذ آلهة. # ولو لم يكن المستكبر يعبد غير ms1106 الله فإنه يعبد نفسه ولا بد، فيكون مختالا ~~فخورا متكبرا، فيكون قد أشرك بنفسه إن لم يشرك بغيره. وإبليس هو أول ~~المستكبرين، قال تعالى: (إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (34)) (2). # ومن بطر الحق فجحده فإنه يضطر إلى أن يقر بالباطل، ومن غمط الناس ~~فاحتقرهم وازدراهم بغير حق فإنه يضطر إلى أن يعظم آخرين بالباطل، وهذا من ~~الشرك. فمن غمط الناس جحد حقهم ليعظم نفسه بذلك، وهذا هو الاستكثار ~~والاختيال، فلا بد له ممن يعينه على استكباره واختياله للشرك به، وهو يفرح ~~بمن يحمده ويثني عليه ويعظمه، ويشنأ من يذمه ويبغضه ويعيبه، فيكون من أعظم ~~رياء وسمعة، والرياء والسمعة من الشرك، فالمستكبر من أعظم الناس شركا ورياء ~~وسمعة. وإبليس هو الذي يزين كل شرك وكل كبر لبني آدم، وينفخ في أحدهم حتى ~~يتعاظم، ويدعوهم إلى الإشراك بالله ويأمرهم بذلك، كما قال تعالى: (ولا ~~تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم PageV06P228 # بطرا ورئاء الناس) (1). وهذا من أعظم الشرك بغير الله، وإن كان قد يشرك ~~به أيضا، فهو يجمع الإشراك بالله وبغيره ممن أطاع الخلق وعظمهم، فمن أطاعهم ~~اقتدى بهم، ومن أطاع الرسل اقتدى بهم في توحيدهم وطاعتهم لربهم، ومن عصاهم ~~ضل، فجميع من عصى الرسل ولم يقتد بهم فهو مشرك. # وقد استقرت الشريعة على أن كل من ليس من أهل الكتاب فهو مشرك يعبد ما ~~يستحسن، كما يذكر الفقهاء ذلك في باب أخذ الجزية، فليس لأحد أن يخرج أحدا ~~من هؤلاء عن الإشراك، وذلك لأن العبد هو حارث وهمام حساس متحرك بالإرادة، ~~وليس كل مراد مرادا لغيره، بل لا بد أن تنتهي الإرادة إلى مراد لذاته هو ~~المطاع المحبوب المعظم، وذلك هو إله العبد الذي يعبده. فكل من لم يكن الله ~~إلهه الذي يعبده الذي هو منتهى قصده وإرادته، فلا بد أن يكون مشركا ينتهى ~~قصده وإرادته إلى غيره، سواء كان ملكا له أو وثنا أو غيره. # ومن هذا الباب قول فرعون: (ما علمت لكم من إله غيري) (2)، وقوله: (أنا ~~ربكم الأعلى (24)) (3). ويشبهه ms1107 في ذلك من بعض الوجوه النمروذ وجنكزخان ملك ~~المغل من الترك وأمثاله، فهؤلاء قومهم مشركون بهم، وقد قال تعالى في ~~النصارى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم) PageV06P229 ### || CHECK - الشرك ظلم عظيم، والاستكبار أيضا من أعظم الظلم # الآية (1)، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في عبادتهم إياهم: ~~"إنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت تلك ~~عبادتهم إياهم " (2). فكيف بمن يكون هو المطاع المطلق في أمره ونهيه ~~وتحليله وتحريمه؟ ويكون قومه يقاتلون الناس على أن يكون الدين والطاعة لله ~~وحده بحيث يستبيحون دم كل من خرج عن طاعته! # فصل # ومن المعلوم أن الشرك ظلم عظيم، بل هو أعظم الظلم، كما قد ذكر الله ذلك ~~في كتابه، وتكلمنا على ذلك في مواضع متعددة. والإسلام هو التوحيد لله، وهو ~~أصل العدل والقسط، والاستكبار أيضا من أعظم الظلم، ولو لم يكن فيه إلا ~~الاستكبار على بعض الناس، فإن أدنى ما فيه تفضيل نفسه على نظيره بغير حق، ~~ولقصده العلو على غيره يجحد الحق ويغمط الخلق، فلهذا يوجد في الناس احادهم ~~وأممهم أن كل من كان أعظم تحقيقا للإسلام كان أبعد عن الشرك والكبر، وكل من ~~كان أبعد عن الإسلام كان أقرب إلى الشرك والكبر، فإن الإسلام هو أن يستسلم ~~العبد لله رب العالمين، فلا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستكبر عن ~~عبادته وطاعته وطاعة رسله التي جماعها العدل، كما قال تعالى: (لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب PageV06P230 ### || CHECK - الإسلام يتضمن العدل # والميزان ليقوم الناس بالقسط) (1)، وقال: (قل أمر ربي بالقسط وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد) (2). ولهذا أمر الله رسوله أن يقول لأهل الكتاب: ~~(تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله) الاية (3). # فالإسلام يتضمن العدل، وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين ~~المتفاضلين من المخلوقات، إذ ذلك من الإسلام لله رب العالمين وحده، فإنه ~~إذا كان الدين كله لله وكانت كلمة الله هي العليا كان الله يأمر بالعدل ~~وينهى عن الظلم. وأصل ms1108 العدل هو القسط، والقسط هو الإقساط في حق الله تعالى ~~بان لا يعدل به غيره ولا يجعل له شريك، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لمعاذ: "حق الله على عباده أن يعبدوه لا يشركون به شيئا" (4). فإذا لم ~~يسلموا له بل عدلوا به غيره كان ذلك ظلما عظيما، وإذا فعلوا هذا الظلم في ~~حق الله فهم في حقوق العباد أظلم، والتسوية بين المتفاضلين ظلم، كما أن ~~التفضيل بين المتماثلين ظلم، والشرك من نوع الأول كما قال تعالى: (إذ ~~نسويكم برب العالمين (98)) (5)، والاستكبار قد يكون من نوع الثاني، ~~والإسلام يتضمن العدل كله، كما أنه ينافي الشرك والكبر. PageV06P231 ### || CHECK - على المؤمن أن يعرف حال الناس ويعمل معهم ما أمر الله به # فصل # والمقصود هنا أن يعرف المؤمن حال الناس الذين يحتاج إلى معرفة حالهم، ~~ويعمل معهم ما أمر الله به، ويكون فيمن مضى عبرة له، فآل فرعون لما كانوا ~~أبعد الخلق عن الإسلام الذي هو دين الله جعلهم الله في أشد العذاب، كما قال ~~تعالى: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (46)) (1)، لأنهم كانوا من أعظم الخلق ~~استكبارا وإشراكا، حيث جعلوا واحدا من جنسهم إلههم وربهم، فأطاعوه واتبعوا ~~أمره الذي ليس برشيد، واستكبروا قبل مجيئ الرسول إليهم على من هو من جنسهم، ~~فاستعبدوهم بغير حق وكانوا خولهم، وبعد مجيئ الرسول علوا على ربهم وعلى رسوله. # وكذلك بنو إسرائيل لما بعث إليهم المسيح كان من استكبارهم على رسولهم ~~سؤالهم المائدة وعبادتهم الطاغوت كما ذكره الله عنهم في كتابه، ولما كانوا ~~أبعد الناس عن الإسلام إذ ذاك قال الله لهم: (قال الله إني منزلها عليكم ~~فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين (115)) (2). # وكذلك الذين بعث إليهم محمد - صلى الله عليه وسلم - كان فيهم من الشرك ~~والكبر ما هو معروف، وقد دل كتاب الله من ذلك على ما فيه عبرة. والمنافق ~~أسوأ حالا في الآخرة من الكافر، كما قال: (إن المنافقين في الدرك PageV06P232 # الأسفل من النار) الاية (1). وقد روي في الحديث ms1109 عن عبد الله بن عمرو: "إن ~~أشد الناس عذابا يوم القيامة آل فرعون ومن كفر من أهل المائدة والمنافقون ~~من هذه الأمة" (2). فإن هؤلاء عاندوا الرسل الثلاثة الكبار أهل الشرائع ~~موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام في وجوههم، وباشروهم بذلك. # والمشركون الذين خرجوا على ديار الإسلام عبيد جنكسخان، وهو الذي استخف ~~قومه فأطاعوه من الترك وأشركوا به، حتى اعتقدوا فيه أن أمه أحبلتها الشمس، ~~إذ لا يعرف له أب بينهم، وإنما كانت أمه بغيا فجرت ببعض الترك، ثم كتمت ذلك ~~وأظهرت غيره، وكانت ذات مكر وكيد. وقد ذكر الله في كتابه قول العزيز: (إنه ~~من كيدكن إن كيدكن عظيم (28)) (3). ولهذا لما علا ابنها وقهر الأمم ~~المجاورة له كان من سنتهم تعظيم النساء وطاعتهن. ولما كانوا من أبعد الخلق ~~عن الإسلام كانوا من أعظم الأمم كبرا وشركا، فهم مطيعون لمن قهرهم وأذلهم ~~واستعبدهم كطاغوتهم الأعظم جنكسخان طاعة وعبادة وتألها، فهم بذلك من أعظم ~~المشركين، وهم مع ذلك مستكبرون على من قهروه من جنسهم وغير جنسهم استكبارا ~~وعلوا. PageV06P233 ### || CHECK - وجه كون الشرك من الظلم ### || CHECK - كل مشرك مكذب بالآخرة # فصل # كل مشرك فإنه مكذب بالاخرة، إذ لو كان مؤمنا بها لما أشرك بالله شيئا، ~~وهذا الشرك يدخل في العلم والعمل. ومن فضائل توحيد الإلهية أنه ليس لغير ~~الله مطلقا ولا مقيدا، وأما توحيد الربوبية فهو لغيره مقيدا، كقول الذين ~~جعلوا لله أندادا، وقد أخبر عن الكفار أنهم لم يشركوا به في توحيد ~~الربوبية. # فصل # ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا من الناس لا يعلمون كون الشرك من الظلم، ~~وأنه لا ظلم إلا ظلم الحكام أو ظلم العبد نفسه، وإن علموا ذلك من جهة ~~الاتباع والتقليد للكتاب والسنة والإجماع لم يفهموا وجه ذلك، ولذلك لم يسبق ~~ذلك إلى فهم جماعة من الصحابة لما سمعوا قوله: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم) (1)، كما ثبت ذلك في الصحيحين (2) من حديث ابن مسعود أنهم ~~قالوا: أينا لم يظلم نفسه؟! فقال رسول الله: "ألم تسمعوا إلى قول ms1110 العبد ~~الصالح: (إن الشرك لظلم عظيم) (3)؟ ". وذلك أنهم ظنوا أن الظلم- كما حده ~~طائفة من المتكلمين- هو إضرار غير مستحق، ولا يرون الظلم إلا ما فيه إضرار ~~بالمظلوم، إن كان المراد أنهم لن يضروا دين الله وعباده المؤمنين، فإن PageV06P234 # ضرر دين الله وضرر المؤمنين بالشرك والمعاصي أبلغ وأبلغ. ومعلوم أن الله ~~سبحانه لا يضره عباده ولا ينفعونه، وإنما يضرون أنفسهم، ولهذا قال: (ولا ~~يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل ~~لهم حظا في الآخرة) (1)، فأخبر أن الكافر الذي كفر بربه وترك حقه وأشرك به ~~وعبد غيره وتعدى حدوده وانتهك محارمه لا يضره شيئا، كما يضر المخلوق من ~~السادة ونحوهم من يجحد حقوقهم ويكفر نعمهم ويعتدي عليهم، فالله سبحانه ~~وتعالى ليس كمثله شيء ولا تضرب له الأمثال. # ولهذا قال تعالى في الحديث الصحيح (2) عن أبي ذر- وهو أشرف حديث رواه أهل ~~الشام-: "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما، فلا ~~تظالموا" الحديث إلى قوله: "يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن ~~تبلغوا نفعي فتنفعوني " إلى قوله: "فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن إلا نفسه ". وكذلك أخبر في القرآن أنه غنى عن خلقه، لن ~~يبلغوا نفعه فينفعوه، كما يبلغ بعضهم نفع بعض، كما قال: (ومن كفر فإن الله ~~غني عن العالمين (97)) (3)، وقال (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى ~~لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم) (4)، وقال موسى: (إن تكفروا أنتم PageV06P235 # ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8)) (1) بعد أن أخبرهم أن ربهم ~~تأذن (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7)) (2) وقال سليمان: ~~(هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر ~~فإن ربي غني كريم (40)) (3). وقال: (من عمل صالحا فلنفسه) الاية (4). وقال: ~~(إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم) الآية (5). وقال: (لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت) (6). وقال عن بني إسرائيل: (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ~~(57)) (7)، فهذا نص في أنهم لم يظلموا ms1111 الله وإنما ظلموا أنفسهم. وقال ~~تعالى: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23)) (8). # ولكن عبادته وحده حق استحقه عليهم لذاته، كما قال: (وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين (58)) (9)، فأخبر أنه إنما خلق الخلق لعبادته، ~~وأخبر أن الذي خلقه لهم وأمره بهم ورضيه وأحبه وأراده بأمره PageV06P236 ### || CHECK - ذكر الشرك والكفر في القرآن وبيان أنه ظلم أو من أعظم الظلم # منهم هو عبادته، لم يرد منهم رزقا ولا أن يطعموه، والرزق يعم كل ما ينتفع ~~به الحي ظاهرا وباطنا، فلم يرد منهم ما يريده السادة والمخلوقون من عبادهم، ~~من جلب المنفعة إليهم التي هي الرزق. # وقال تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ~~ونزعنا من كل أمة شهيدا) الاية (1) فأخبر تعالى أنهم علموا يومئذ أن الحق ~~لله، وأن أولئك الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله لم يكن لهم في ذلك الحق ~~شي، بل كان دعواهم أن لهم حقا افتراء افتروه، فضل عنهم وقت الحقيقة ما ~~افتروه. # وفي الصحيحين (2) عن معاذ بن جبل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~له: "هل تدري ما حق الله على العباد؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حقه ~~عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" وذكر الحديث. # ولهذا يكثر من ذكر الشرك والكفر وأنواعه في القرآن، ويخبر بأنه ظلم، وأنه ~~من أعظم الظلم، كقوله: (والكافرون هم الظالمون (254)) " (3)، وقوله: (ويوم ~~يعض الظالم على يديه) إلى قوله: (وكان الشيطان للإنسان خذولا (29)) (4). ~~وقد أخبر المسيح أن العبادة ليست بحق للمخلوق، وإنما هي حق للخالق تعالى، ~~في قوله: (قال سبحانك ما PageV06P237 # يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق) (1). وفي الحديث الصحيح (2): "ومن أظلم ~~ممن ذهب يخلق كخلقي ". وقال تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~قال أوحي إلي) الاية (3). وقوله: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ~~إنا من المجرمين منتقمون ms1112 (22)) (4). وقال: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ~~فأعرض عنها ونسي ما قدمت) الآيات (5). وقال: (ومن أظلم ممن افترى على الله ~~الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين (6)). # وقوله في الذي آتاه الله الملك: (فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم ~~الظالمين) (7). وقوله: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله والذين آمنوا أشد حبا لله) الآية (8). وقوله: (ولن ينفعكم اليوم إذ ~~ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39)) (9). وقوله: (وقوم نوح من قبل إنهم ~~كانوا هم أظلم وأطغى (52)) (10). وقال: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا) (11). وقوله: (ونذر الظالمين فيها PageV06P238 # جثيا (72)) (1)، (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا) (2). وقال: (إنا أعتدنا ~~للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها) (3)، (وقد خاب من حمل ظلما (111)) (4). ~~وقال: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38)) ~~(5)، (وأسروا النجوى الذين ظلموا) (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة) (ولئن ~~مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46)) (6). وقوله: ~~(فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم ~~الظالمين (28)) (7). وقوله: (قل رب إما تريني ما يوعدون (93) رب فلا تجعلني ~~في القوم الظالمين (94)) (8). وقول أهل الأعراف: (ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين (47)) (9). وقوله: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227)) ~~(10). وقوله: (وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (37)) (11) (فتلك بيوتهم ~~خاوية بما ظلموا) (12) (ووقع القول PageV06P239 ### || CHECK - معنى الظلم في حق الله تعالى، واختلاف الناس في ذلك # عليهم بما ظلموا) (1). وقوله: (فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (40) (2). ~~والآيات في هذا كثيرة. # وهؤلاء الذين قالوا: إن الظلم إضرار غير مستحق، قصدوا بذلك الظلم المعروف ~~بينهم، وهو ظلم العباد الذين يتضررون بالظلم في حقوقهم. وأما الظلم في حق ~~الله تعالى فلم يستشعروه ولم يقصدوه، ولعلهم لا يعدونه ظلما، كما هو في ~~أكثر النفوس العامية، بناء على أن الله غني لا يلحقه ضرر، لكن أكثر هؤلاء ~~مع هذا يوجبون شكره على إحسانه إليهم بالعقل المجرد قبل ورود شرع إذا فرض ~~خلو العباد عن شرع يجعلون العقل معرفا ms1113 لوجوب ذلك مع الشرع، كما تعرف بالعقل ~~أمور كثيرة تعرف بالشرع أيضا، مع علمهم بأنه سبحانه لا ينتفع بشكر ~~الشاكرين، ولا يتضرر بكفر الكافرين. ومعلوم أن ترك الحق الواجب ظلم، فيناسب ~~أصولهم أن لا يكون الظلم مجردا لإضرار غير المستحق، بل يدخل فيه ترك ما يحب ~~لذاته وفعل ما يقبح لذاته عندهم. ولهذا يقولون: إنه عرف بالعقل أن الظلم من ~~الله قبيح وإن كان لا يتضرر بفعله. وهذا فيه حق، لكنهم يعنون بذلك أن الظلم ~~منه نظير الظلم من العباد بعضهم بعضا، فيجعلون لله أندادا، ويمثلونه بخلقه، ~~ويضربون له الأمثال، ومن هنا وقعوا في الضلال، وصاروا من القدرية المجوسية ~~المنكرين لمشيئته النافذة وقدرته الكاملة وخلقه للأفعال. ومنهم من ينكر ~~علمه القديم وكتابه المحيط بجميع الأحوال. PageV06P240 # وقد عارضهم آخرون من المنتسبين إلى السنة في إثبات القدر، وهم فيما ~~أثبتوه "من علم الله ومشيئته وقدرته وخلقه على الصواب الموافق للكتاب ~~والسنة وإجماع الأمة، لكن نازعوهم فيما تنزه الله عنه من الظلم، وفيما يجب ~~له على خلقه من الحق، نزاعا فيه نوع من الباطل في الجدال، وقالوا: إذا كان ~~الله لا يتضرر بما يفعله ولا ينتفع به ولا يأمر به، فلا معنى لتنزيهه عن ~~فعل قبيح أوتسمية شيء مما يقدر عليه قبيحا أو ظلما أو سفها، لأنه لا يتضرر ~~بهذه الأشياء ولو نسبت إليه، إذ هذه الأسماء لا تكون إلا لمن ينتفع بفعله ~~ويتضرر به، أو لمن فوقه آمر مطاع أمره يخافه، وإذا كان لا ينتفع بشيء من ~~معرفة عباده وعبادتهم وشكرهم فلا معنى لإيجاب شيء عليهم له. وإذا كان لم ~~يأمرهم ولم ينههم فلا معنى لقبح شيء منهم، ولا معنى لقبح فعل العبد إلا ~~كونه منهيا عنه، ولا معنى لحبه إلا كونه مأمورا به. # وهؤلاء وإن كان في كلامهم نوع من المردود المخالف للكتاب والسنة وإجماع ~~السلف، فالحق الذي معهم أضعاف الحق الذي مع الأولين، وهم الذين يجعلون ~~العقل معرفا، وهم الذين قالوا: إضرار غير مستحق. فإن مخالفة أولئك للكتاب ~~والسنة وإجماع ms1114 سلف الأئمة أوقعهم في أمور عظيمة، وعظم الذم لهم بسبب ذلك. ~~وأما هؤلاء فقصروا نوع تقصير لدقة الأمر وغموضه، وحصل منهم نوع تعد باجتهاد ~~قل أن يسلم منه في هذه المضايق إلا من شاء الله، ولهذا كانوا مضافين إلى ~~السنة والجماعة، وكان الأولون داخلين في الفرقة والخروج. PageV06P241 # وقد تكلمت على مسألة التحسين والتقبيح العقلي وعلى مسألة تنزيه الرب عن ~~الظلم في غير هذا الموضع بما يوقف مريد الحق على حقيقة الأمر إن شاء الله، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولم يكن الغرض هنا ذكر هذا، وإنما بينا ذلك ~~لاتصال الكلام به، لأنه بسبب كون الظلم في النفوس عامة مستلزما لاحتراز ~~المظلوم من الظلم، وكون الحق مستلزما لنفع المستحق، ولم يهتد أكثرهم إلى ~~كون عبادة الله وحده حقا له، وكون الشرك ظلما في حقه. # ثم اضطربوا في وجه التكليف وجنسه، فزعمت المعتزلة ونحوهم ممن يتكلم في ~~التعديل والتجويز (1) أن ذلك لما فيه من تعريض المكلف للنفع الذي لا يحصل ~~بدونه، وكان هذا الكلام من اللغو بين الناس بطلانه من وجوه كثيرة. هذا مع ~~أنهم يوجبون شكره بدون التكليف الشرعي، وهذا تناقض بين. # وقال آخرون من المنتسبين إلى السنة: إن ذلك محض المشيئة وصدق الإرادة، ~~وهذا الإطلاق غالب على أهل السنة الظاهرين من فقهاء أهل السنة ومتكلميهم، ~~ومعلوم أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لكن لا ينكر العاقل ما في خلقه ~~وأمره من أنواع الحكمة والمصالح لخلقه، بل إخلاء الوجود من الوجوه التي ~~فيها المناسبة لأحكامها من الظلم، فقد سلمت الشريعة لبابها وحرر الفقه في ~~الدين صاحبه، ولم يفهم المعارض كون السنة التي سنها الرسول هي PageV06P242 # الحكمة، وأن الله أنزل عليه الكتاب والحكمة. # ثم من تدبر قوله: (إن الله لا يأمر بالفحشاء) (1) وقوله: (إن الشرك لظلم ~~عظيم (13)) (2) وقوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56)) (3) وقوله: ~~"أتدري ما حق الله على عباده " (4) = علم أنه يستحق أن يعبد، وأن في الشرك ~~والفواحش ما يوجب قبحها وقبحه وتحريمه، وظهر له الفرق بين ms1115 ما اتفقت عليه ~~الرسل من الأمر الذي لا يقبل النسخ، مثل الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل ~~الصالح الذي أصله عبادة الله وحده لا شريك له، وما فيه من تحريم قتل النفس ~~بغير حق والزنا والكذب والظلم وغير ذلك مما أنزل الله فيه السور المكية ~~المشتملة على أصول الدين، وما شرعت فيه شرائع الرسل مثل صفة العبادات ~~وأقدارها ومقادير العقوبات وأنواعها وغير ذلك مما أنزله الله في السور ~~المدنية، وأنزل فيها ما جعله لأهل القرآن من الوجهة والشرعة والمنهاج ~~والمنسك، وفضلهم بذلك على سائر الأمم. والحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتم ~~علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينا. PageV06P243 ### || CHECK - من قال: الظلم وضع الشيء في غير محله # فصل # ولهذا قال اخرون من المتسننة: إن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، كما يقول ~~العرب (1): "من أشبه أباه فما ظلم " أي ما وضع الشبه في غير موضعه. وهذا ~~الحد أسلم من الأول الذي تكلمنا عليه في الفصل قبله، لكن فيه إجمال، فإنه ~~يحتاج إلى بيان موضع الشيء، وهو يرجع إلى معرفة الحق، فكأنه قال: الظلم ترك ~~الحق. ولكن هذا الإجمال لا يمنع أن يكون كلاما سديدا، وأن هذا الأمر العام ~~لا يعبر عنه إلا بمثل هذه العبارة الجامعة، وأما التفصيل ففي كل موضع بحسبه. # ولهذا كان الحد الأول فيه هذا، وهو قوله في الفصل قبله: "إضرار غير مستحق ~~"، فإن قول القائل: "إضرار غير مستحق " فيه من الإجمال نحو هذا، فلا بد من ~~معرفة المستحق، فيحتاج إلى بيان الحق والعدل المضاد للظلم. فإذا كان كل من ~~الحدين موقوفا على معرفة الحق، وكان الأول هو الجامع للمعنيين، كان أحكم، ~~ولذلك قال بعضهم: الظلم نقص الحق أو النقص عن الواجب أو نحو ذلك، مستشهدين ~~بقوله: (ولم تظلم منه شيئا) (2) أي لم تنقص منه شيئا. وهذا وإن كان صحيحا ~~فظاهره إنما يتناول أحد نوعي الظلم، وهو ترك PageV06P244 ### || CHECK - معنى"الحق" # الواجب، وقد يستلزم الآخر، وهو تعدي الحد، فإن من تعدى الحد لا بد أن ~~ينقص حق المتعدى عليه، ms1116 فنقص الحق ملازم لمسمى الظلم، وهو فساد الحد الثاني ~~في العموم، فإن وضع الشيء في غير موضعه نقص وخلو لموضعه منه. وربما يقال: ~~هو أعم منه (1) لأن نقص الحق قد يكون تركا له بالكلية، وقد يكون نقلا له ~~إلى موضع آخر، وقد يقال: لا يكون إلا أمرا موجودا ثابتا، وإن استلزم عدم ~~أمور أخرى، فلا بد له من محل، فإذا لم يوضع في موضعه وضع في غيره، وهو ~~الظلم. أما العدم المحض الذي لا يستلزم حقا مرتبا وأمرا وجوديا فليس بشيء ~~أصلا، فلا يقال فيه: إنه ظلم ولا إنه غير ظلم. # وهذه معان فيها دقة، قد تكلمت على أصلها في "قاعدة العلم والإرادة ~~وتعلقهما بالموجود والمعدوم "، فقد عاد معرفة الظلم مفتقرا إلى معرفة الحق. ~~وقد تكلمت على معنى الحق في غير هذا الموضع، وأنه يعنى به الموجود تارة وما ~~يستحق الوجود، أي أن يوجد منا فعل الطاعة، وهو المانع أخرى. ففي الكلام ~~الخبري الحق هو الثابت والعلم به والخبر عنه. وفي الكلام الطلبي الحق هو ما ~~يبتغى وجوده أو ما يستحق الوجود كالنافع للعبد، وهو الخير وهو الحق وإرادته ~~والأمر به، الباطل يضاده، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كل لهو ~~يلهو به الرجل فهو باطل إلأ رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته، ~~فإنهن من الحق" (2)، أي أن اللهو لا منفعة فيه ولا فائدة له إلا في هذه ~~الأمور. وكذلك قوله: PageV06P245 ### || CHECK - العدل والحق والظلم والجور يكون مع النفع للمستحق والضرر للمستحق # "الوتر حق " (1) ونحو ذلك مما يصف فيه الأفعال بأنها حق أو باطل، كما وصف ~~الله أعمال الكفار بانها باطل، ولهذا يقول الفقهاء: عمل وعقد صالح وصحيح، ~~وبإزائه الباطل، فما حصل به مقصوده وترتب عليه أثره فهو الصحيح وهو الصالح، ~~وما لم يحصل به مقصوده ولا ترتب عليه أثر فهو باطل. # إذا تقررت هذه الأمور فاعلم أن العدل والحق والظلم والجور يكون مع النفع ~~للمستحق والضرر للمستحق، ويكون بدون ذلك في الجمادات والحيوانات في كل يابس ~~ورطب، فليس كل ms1117 من وقع الظلم في حقه يكون متضررا به، وإنما حصل الضرر لغيره ~~لعدم العدل فيه. وتدبر هذا في الانية والأطعمة والملابس والأشجار والثمار ~~والزروع ونحو ذلك، فإن البيت المبني إذا نقص أحد الحائطين المتناظرين عن ~~الآخر أو جعل السقف أو بعض جذوعه أقصر مما بين الحائطين كان هذا تركا للعدل ~~والحق الذي يقوم به ذلك البناء، وكان هذا ظلما لأحد الحائطين ولأحد ~~الجذعين، ويقال فيه: هذا لا يصلح، ويقال: هذا الجذع يستحق أن يوضع هنا، ~~وهذا الحائط يستحق أن يجعل بقدر هذا، ونحو ذلك من المعاني التي يذكر فيها ~~الاستحقاق والمراد، ويجعل ذلك من العدل بينها، ويجعل بعضها يطلق إذا ما نقص ~~عما يستحقه أو وضع في غير موضعه. وذلك كله مستلزم ضرر الساكن في PageV06P246 # ذلك المسكن أو فوات الانتفاع المقصود، لأنه لم يفعل الشيء الذي ينتفع به، ~~فنقص منفعته ظلم. # وكذلك في اللباس، لو نقص أحد جانبي الثوب عن الآخر، أو نقص ما يتم به من ~~خياطة وقدر، أو نقص الثوب عما يستحقه من النسج أو الغزل أو نحوه= قيل فيه: ~~لم يعط حقه، وكان حقه أن يفعل به كذا وكذا، وكان الواجب أن يسوى بين هذا ~~وهذا، وهذا عدل وهذا ظلم، وقد ظلم هذا الجانب هذا الموضع ونحوه. # وكذلك في الأطعمة، في أجزاء الطعام ومقدار طبخه ونحو ذلك، لها حقوق ~~مبناها على العدل. وكذلك في الزروع إذا أثيرت الأرض وبذرت وسقي الزرع ونظف ~~على الوجه الذي يستحقه، وإلا قيل: هذا كان يستحق كذا وكذا، وهذا الزرع لم ~~يعط حقه، ونحو ذلك. فإذا عمل كما يستحقه وأخرج الثمر قيل: أخرج ثمره ولم ~~يظلم منه شيئا، كما قال تعالى: (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين ~~من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ~~ولم تظلم منه شيئا) (1)، فهنا جعل الظلم من نفس الجماد، لأنه لما أعطي حقه ~~من عمل العبد فيه لم يظلم عامله شيئا، كما قد يجعل لها فتكون ظالمة تارة ~~ومظلومة أخرى، كما قال ms1118 النابغة (2): # وقفت فيها أصيلالا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد PageV06P247 ### || CHECK - كل ما كانت المنفعة به أعظم كان له من الحق بقدر ذلك # إلا الأواري لأيا ما أبينها والنوي كالحوض بالمظلومة الجلد # وما كان أشرف في ذاته مثل الخبز إذا أنتن ألقي في النتن وأكرمت العذرة ~~ونحوها وفضلت عليه في المكان وغيره= كان هذا ظلما له وتركا لحقه، وإن لم ~~يكن هو متضررا في ذلك، وإنما المتضرر الظالم. ولهذا قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لعائشة لما رأى لقمة ملقاة: "يا عائشة، أحسني جوار نعم الله ~~عندك، فإنها قل نعمة فارقت قوما (1) فعادت إليهم " (2). # وقد ذم الله قوما بدلوا نعمه كفرا، وإن لم تكن بعض النعم متضررة، ولهذا ~~ينهى عن الاستنجاء بما له حرمة، حتى الروث والعظام التي هي طعام الجن وطعام ~~دوابهم، فكيف طعام الإنس وطعام دوابهم؟ وذلك وإن كان لما فيه من تفويت ~~منفعتها على الجن فلها شرف بذلك، حتى لو فوتها الإنسان بغير الاستنجاء- مثل ~~الكسر والتفتيت- لم يكن في ذلك بمنزلة المستنجي بها. # فكل ما كانت المنفعة به أعظم كان له من الحق بقدر ذلك، واستحق ما لم ~~يستحقه ما هو دونه، وإن كان هو في نفسه لا يتضرر بتفويت حقه، سواء كانت ~~ذاته ينتفع بها أو كانت المنفعة منه، وإن كان هو لا يتضرر بتفويت حقه، وقد ~~قالت عائشة: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننزل الناس ~~منازلهم، رواه أبو داود وغيره (3). وكان قد وقف على بابها PageV06P248 # سائلان أحدهما أشرف من الآخر، ففضلته في العطاء. # وقد قال تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل ~~هو خير لكم) (1)، فأخبر أن الإفك عليهم- وهو من أعظم الظلم- هو خير لهم لا ~~شر. لكن هذا قد يقال فيه: إنه وإن تضرر الإنسان بالكذب عليه، لكن لما كانت ~~عاقبته منفعة زائدة كان خيرا لا شرا. وقد قال تعالى: (ولو آمن أهل الكتاب ~~لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) لن يضروكم إلا أذى) ~~الاية (2)، فأخبر ms1119 أنهم لن يضروا المؤمنين إلا أذى، وإن كانوا مع هذا ظالمين ~~للمؤمنين بالكذب والفجور. # وقالي تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم) (3)، فأخبر سبحانه أن الضالين لا يضرون المهتدين، وإن كانوا قد ~~يؤذونهم، فالأذى ليس هو الضرر، وإن كانوا مع هذا ظالمين لهم بأنواع من ~~الظلم، كما يظلم الكفار المحاربون والمنافقون المؤمنين، وقد قال تعالى: (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا) إلى قوله ~~تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا) (4). فأخبر عن هؤلاء ~~المنافقين الظالمين للمؤمنين بما PageV06P249 # ذكر، وأن المؤمنين إذا صبروا واتقوا لا يضرهم كيدهم شيئا. # فعلم أنه ليس كل ظالم يضر المظلوم البتة، بل قد لا يضره ظلمه شيئا وإن ~~قصد الظالم إضراره، ومنه قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت ~~طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء) الاية (1). ~~ومعلوم أن ذلك من ظلمهم، ومع هذا فلا يضرونه. # وفي صحيح مسلم (2) عن سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أكل ~~سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى يمسي ". والسم قد يكون ~~من شقي ظالم. # وفي الصحيح (3): "من قال إذا نزل منزلا: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ~~ما خلق، لم يضره شيء في ذلك المنزل حتى يرتحل منه ". وقد يعرض له ظالم من ~~الإنس أو الجن بظلم أو أذى ولا ... (4) وقد أمر الله بالاستعاذة من شر ما ~~خلق، وشر النفاثات في العقد، وشر حاسد إذا حسد، ومن أعاذه الله لم يضره ~~ذلك، وهو كله ظلم. # وكذلك قوله في الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة: "لا يضرهم من خذلهم ولا ~~من خالفهم " (5)، فهم يضرون ويخالفون، وذلك ظلم، PageV06P250 ### || CHECK - الظلم في حق المخلوق مما يتضرر به وما لا يتضرر به، وليس من شرطه إضرار المظلوم # ولكن لا يضرهم ذلك. # فإذا كان الظلم في حق المخلوق مما يتضرر به وما لا يتضرر به، وليس من ~~شرطه إضرار ms1120 المظلوم، ولا أن يكون مما يضر المظلوم، أو يكون المظلوم ممن ~~يتضرر به، فالظلم في حق الله تعالى أولى أن يكون كذلك، فإن الله لا يضر ~~العباد أو يظلمهم، وإنما العباد يتضررون بترك الحق الذي استحقه لذاته، ~~ويتضرر العبد بتركه، فإن ترك حق من يحتاج إليه العبد يضر العبد، والعبد لا ~~صلاح له ولا قيام إلا بعبادة الله الجامعة لمعرفته ومحبته والذل له، ~~فتفويته هذا ظلم عظيم فيه عليه الضرر العظيم الذي لا ينجبر. # ويشبهه من بعض الوجوه من كان عنده ما يحتاج إليه من الطعام والشراب ~~فأتلفه، واعتاض عنه بما ظن أنه يقوم مقامه من العذرة والبول، فهذا ظلم في ~~حق القوت ضر صاحبه، والمستحق إذا ظلم حقه فقد فوت ما هو بالنسبة إليه كمال ~~مطلوب له ومحبوب من جهته، فإن الجامدات إذا ترك ما تستحمه بقيت ناقصة عن ~~كمالها الذي لها، والإنسان إذا ظلم حقه وإن لم يضره فلابد أن يكون قد فوت ~~ما هو محبوب له وصلاح له. # والله سبحانه يحب ما أمر به من الحسنات ويرضاه، وهو سبحانه يفرح بتوبة ~~عبده إذا تاب إليه أعظم مما يفرح من أضل راحلته التي عليها طعامه وشرابه في ~~مفازة مهلكة ثم وجدها، وهذا أمر عظيم حيث كانت محبته ورضاه بإيمان العبد ~~وطاعته أعظم من محبة العبد الفاقد الواجد لما لا بد له منه ولا قوام له إلا ~~به من القوت والشراب والمركب PageV06P251 # والسلامة. ولهذا يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل ~~الجنة، ونظائره كثيرة متعددة. وكذلك (1) PageV06P252 ### | CHECK (8) مسألة في مقتل الحسين وحكم يزيد # مسألة # في مقتل الحسين وحكم يزيد PageV06P253 ### || CHECK - فضائل الصديق ### || CHECK - عثمان وعلي والحسن قتلوا مظلومين شهداء # سئل- رحمه الله ورضي عنه- # عن مقتل الحسين- رضي الله عنه- وما حكمه وحكم قاتله؟ وما حكم يزيد؟ وما ~~صح من صفة مقتل الحسين وسبي أهله وحملهم إلى دمشق والرأس معهم؟ وما حكم ~~معاوية في أمر الحسن والحسين وعلي وقتل عثمان ونحو ذلك؟ # فأجاب- رضي الله عنه- # الحمد لله. أما عثمان وعلي والحسين- رضي الله ms1121 عنهم- فقتلوا مظلومين شهداء ~~باتفاق أهل السنة والجماعة، وقد ورد في عثمان وعلي أحاديث صحيحة في أنهم ~~شهداء وأنهم من أهل الجنة، بل وفي طلحة والزبير أيضا، كما في الحديث الصحيح ~~(1) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للجبل لما اهتز ومعه أبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلي: "اثبت حراء- أو أحد- فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ". بل قد ~~شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة للعشرة (2)، وهم: الخلفاء الأربعة ~~وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو ~~عبيدة بن الجراح. # أما فضائل الصديق فكثيرة مستفيضة، وقد ثبت من غير وجه عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال (3): "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت PageV06P255 # أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله " يعني نفسه. وقال: "إن أمن الناس ~~علينا في صحبته وذات يده أبو بكر". وقال: "لا يبقين في المسجد خوخة إلأ سدت ~~إلأ خوخة أبي بكر". وقال لعائشة (1): "ادعي لي أباك وأخاك، حتى أكتب لأبي ~~بكر كتابا لا يختلف عليه الناس من بعدي ". ثم قال: "يأبي الله والمؤمنون ~~إلا أبا بكر". وجاءته امرأة فسألته شيئا، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: ~~أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ - كأنها تعني الموت- قال: "إن لم تجديني فائتي أبا ~~بكر" (2). وقال: "أيها الناس، إني جئت إليكم فقلت: إني رسول الله إليكم، ~~فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي ~~صاحبي؟ " (3). # وهذه الأحاديث كلها في الصحاح ثابتة عند أهل العلم بالنقل. وقد تواتر أنه ~~أمره أن يصلي بالناس في مرض موته، فصلى بالناس أياما متعددة بأمره، وأصحابه ~~كلهم حاضرون- عمر وعثمان وعلي وغيرهم- فقدمه عليهم كلهم. وثبت في الصحيح ~~(4) أن عمر قال له بمحضر من المهاجرين والأنصار: "أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا ~~إلى PageV06P256 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". وثبت في الصحيح (1): أن عمرو بن ~~العاصي سأله عن أحب الرجال إليه، فقال: "أبو بكر". # وفضائل عمر وعثمان وعلي كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها، وإنما المقصود أن ~~من هو دون ms1122 هؤلاء- مثل طلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف- قد توفي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض، كما ثبت ذلك في الصحيح (2) ~~عن عمر أنه جعل الأمر شورى في سته: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد ~~الرحمن، وقال: هؤلاء الذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم ~~راض. بل قد ثبت في الصحيح (3) من حديث علي بن أبي طالب أن حاطب بن أبي ~~بلتعة قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنه شهد بدرا، وما يدريك ~~أن الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". وكانوا ~~ثلاث مئة وثلاثة عشر. # وثبت في صحيح مسلم (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا ~~يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة". وكان أهل الشجرة ألفا وأربعمئة كلهم رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وهم ~~الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، فهم أعظم درجة ممن أنفق من بعد الفتح ~~وقاتل. وثبت في الصحيح (5) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه PageV06P257 ### || CHECK - فضائل الحسن والحسين # قال: "لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه ". وثبت في الصحيح (1) أن غلام حاطب قال: والله يا رسول الله، ليدخلن ~~حاطب النار، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - له: "كذبت، إنه قد شهد بدرا ~~والحديبية". وهذا وقد كان حاطب سيئ الملكة، وقد كاتب المشركين باخبار رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الفتح، ومع هذه الذنوب أخبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه ممن يدخل الجنة ولا يدخل النار، فكيف بمن هو أفضل ~~منه بكثير؟ كعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف. # وأما الحسين فهو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة (2)، وهما ريحانة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - من الدنيا، كما ثبت ذلك في الصحيح (3). وثبت في ~~الصحيح (4) أنه أدار كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين، وقال: "اللهم ~~هؤلاء أهل بيتي، أذهب عنهم الرجس ms1123 وطهرهم تطهيرا". وإن كان الحسن الاكبر هو ~~الأفضل، لكونه كان أعظم حلما وأرغب في الإصلاح بين المسلمين وحقن دماء ~~المسلمين، كما ثبت في صحيح البخاري (5) عن أبي بكرة قال: رأيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - على المنبر PageV06P258 ### || CHECK - الحسين قتل مظلوما شهيدا # والحسن بن علي إلى جانبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: "إن ~~ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". وفي ~~صحيح البخاري (1) عن أسامة قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذني ~~فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ويقول: "اللهم إني أحبهما، ~~فأحبهما، وأحب من يحبهما". وكانا من أكره الناس للدخول في اقتتال الأمة. # والحسين- رضي الله عنه- قتل مظلوما شهيدا، وقتلته ظالمون متعدون، وإن كان ~~بعض الناس يقول: إنه قتل بحق، ويحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق بين جماعتكم فاضربوا عنقه ~~بالسيف، كائنا من كان ". رواه مسلم (2). فزعم هؤلاء أن الحسين أتى الأمة ~~وهم مجتمعون، فأراد أن يفرق الأمة، فوجب قتله. وهذا بخلاف من يتخلف عن بيعة ~~الإمام ولم يخرج عليه، فإنه لا يجب قتله، كما لم يقتل الصحابة سعد بن عبادة ~~مع تخلفه عن بيعة أبي بكر وعمر. # وهذا كذب وجهل، فإن الحسين رضي الله عنه لم يقتل حتى أقام الحجة على من ~~قتله، وطلب أن يذهب إلى يزيد أو يرجع إلى المدينة أو يذهب إلى الثغر. وهذا ~~لو طلبه آحاد الناس لوجب إجابته، فكيف لا يجب إجابة الحسين رضي الله عنه ~~إلى ذلك وهو يطلب الكف والإمساك؟ PageV06P259 ### || CHECK - موقف يزيد من قتل الحسين ونقد الروايات الواردة فيه ### || CHECK - سبب خروجه إلى العراق # وأما أصل مجيئه فإنما كان لأن قوما من أهل العراق من الشيعة كتبوا إليه ~~كتبا كثيرة يشتكون فيها من تغير الشريعة وظهور الظلم، وطلبوا منه أن يقدم ~~ليبايعوه ويعاونوه على إقامة الشرع والعدل، وأشار عليه أهل الدين والعلم- ~~كابن عباس وابن عمر وابي بكر بن عبد ms1124 الرحمن بن الحارث بن هشام- بأن لا يذهب ~~إليهم، وذكروا له أن هؤلاء يغزونه، وأنهم لا يوفون بقولهم، ولا يقدر على ~~مطلوبه، وأن أباه كان أعظم حرمة منه وأتباعا ولم يتمكن من مراده. فظن ~~الحسين أنه يبلغ مراده، فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل، فاووه أولا ثم قتلوه ~~ثانيا، فلما بلغ الحسين ذلك طلب الرجوع، فأدركته السرية الظالمة، فلم تمكنه ~~من طاعة الله ورسوله، لا من ذهابه إلى يزيد، ولا من رجوعه إلى بلده ولا إلى ~~الثغر. وكان يزيد لو يجتمع بالحسين من أحرص الناس على إكرامه وتعظيمه ~~ورعاية حقه، ولم يكن في المسلمين عنده أجل من الحسين، فلما قتله أولئك ~~الظلمة حملوا رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد، فنكت بالقضيب على ثناياه، ~~وكان في المجلس أنس بن مالك فقال: إنك تنكت بالقضيب حيث كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقبل. هكذا ثبت في الصحيح (1)، وفي المسند (2) أن أبا ~~برزة الأسلمي كان أيضا شاهدا. فهذا كان بالعراق عند ابن زياد. # وأما حمل الرأس إلى الشام أو غيرها والطواف به فهو كذب، والروايات التي ~~تروى أنه حمل إلى قدام يزيد ونكت بالقضيب= PageV06P260 ### || CHECK - يزيد أحد ملوك المسلمين له حسنات وسيئات # روايات ضعيفة لا يثبت شيء منها، بل الثابت أنه لما حمل علي بن الحسين ~~وأهل بيته إلى يزيد وقع البكاء في بيت يزيد، لأجل القرابة التي كانت بينهم، ~~لأجل المصيبة. وروي أن يزيد قال: لعن الله ابن مرجانة- يعني ابن زياد-، لو ~~كان بينه وبين الحسين قرابة لما قتله. وقال: قد كنت أرضى من طاعة أهل ~~العراق بدون قتل الحسين. وأنه خير علي بن الحسين بين مقامه عنده وبين ~~الرجوع إلى المدينة، فاختار الرجوع، فجهزه أحسن جهاز. # ويزيد لم يأمر بقتل الحسين، ولكن أمر بدفعه عن منازعته في الملك، ولكن لم ~~يقتل قتلة الحسين ولم ينتقم منهم، فهذا مما أنكر على يزيد، كما أنكر عليه ~~ما فعل بأهل الحرة لما نكثوا بيعته، فإنه أمر بعد القدرة عليهم بماباحة ~~المدينة ثلاثا. ولهذا ms1125 قيل لأحمد بن حنبل: أيؤخذ الحديث عن يزيد؟ فقال: لا، ~~ولا كرامة، أو ليس هو الذي فعل باهل المدينة ما فعل؟ وقيل له: إن قوما ~~يقولون: إنا نحب يزيد، فقال: وهل يحب يزيد من يؤمن بالله واليوم الآخر؟ ~~فقيل له: أو لا تلعنه؟ فقال: متى رأيت أباك يلعن أحدا؟ # ومع هذا فيزيد أحد ملوك المسلمين، له حسنات وسيئات كما لغيره من الملوك، ~~وقد روى البخاري في صحيحه (1) عن عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له ". وأول جيش غزاها كان ~~أميرهم يزيد، غزاها في خلافة أبيه معاوية، ومعه أبو PageV06P261 ### || CHECK - الأحداث بعد شهادة عثمان، وموقف معاوية وعلي منها ### || CHECK - لم يسب قط في الإسلام أحد من بني هاشم ### || CHECK - يزيد ليس من الصحابة، وعمه يزيد بن أبي سفيان صحابي # أيوب الأنصاري ومات ودفن هناك. # ويزيد هذا ليس هو من الصحابة، بل ولد في خلافة عثمان، وأما عفه يزيد بن ~~أبي سفيان فهو من الصحابة، وهو رجل صالح، أمره أبو بكر في فتوح الشام ومشى ~~في ركابه، ووصاه بوصايا معروفة عند الفقهاء يعملون بها، ولما مات في خلافة ~~عمر ولى عمر أخاه معاوية مكانه، ثم ولي عثمان فأقره وولاه إلى أن قتل ~~عثمان، وولد له يزيد ابنه في خلافة عثمان. # ولم يسب قط في الإسلام أحد من بني هاشم، لا علوي ولا غير علوي، لا في ~~خلافة يزيد ولا غيرها، وإنما سبى بعض الهاشميات الكفار من المشركين وأهل ~~الكتاب، كما سبى الترك المشركون من سبوه لما قدموا بغداد، وكان من أعظم ~~[أسباب] سبي الهاشميات معاونة الرافضة لهم كابن العلقمي وغيره. بل ولا قتل ~~أحد من بني مروان أحدا من بني هاشم- لا علوي ولا عباسي ولا غيرهما- إلا زيد ~~ابن علي، قتل في خلافة هشام. وكان عبد الملك قد أرسل إلى الحجاج: إياي ~~ودماء بني هاشم، فلم يقتل الحجاج أحدا من بني هاشم لا علوي ولا عباسي. بل ~~لما تزوج بنت عبد الله بن ms1126 جعفر فأمره عبد الملك أن يفارقها، لأنه ليس بكفؤ ~~لها، فلم يروه كفوا أن يتزوج بهاشمية .. # وأما معاوية لما قتل عثمان مظلوما شهيدا، وكان عثمان قد أمر الناس بأن لا ~~يقاتلوا معه، وكره أن يقتل أحد من المسلمين بسببه، PageV06P262 # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بشره بالجنة على بلوى تصيبه (1)، ~~فأحب أن يلقى الله سالما من دماء المسلمين، وأن يكون مظلوما لا ظالما، كخير ~~ابني ادم الذي قال: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ~~لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (28)) (2). وعلي بن أبي طالب بريء من دمه ~~لم يقتله ولم يعن عليه ولم يرض، بل كان يحلف وهو الصادق المصدوق أني ما ~~قتلت عثمان ولا أعنت على قتله ولا رضيت بقتله. ولكن لما قتل عثمان وكان ~~عامة المسلمين يحبون عثمان لحلمه وكرمه وحسن سيرته، وكان أهل الشام أعظم ~~محبة له، فصارت شيعة عثمان إلى أهل الشام، وكثر القيل والقال كما جرت ~~العادة بمثل ذلك من الفتن، فشهد قوم بالزور على علي أنه أعان على دم عثمان، ~~فكان هذا مما أوغر قلوب شيعة عثمان على علي، فلم يبايعوه، وآخرون يقولون: ~~إنه خذله وترك ما يجب من نصره، وقوى هذا عندهم أن القتلة تحيزت إلى عسكر ~~علي، وكان علي وطلحة والزبير قد اتفقوا في الباطن على إمساك قتلة عثمان، ~~فسعوا بذلك، فأقاموا الفتنة عام الجمل، حتى اقتتلوا من غير أن يكون علي ~~أراد القتال ولا طلحة ولا الزبير، بل كان المحرك للقتال الذين أقاموا ~~الفتنة على عثمان. # فلما طلب علي من معاوية ورعيته أن يبايعوه امتنعوا عن بيعته، ولم يبايعوا ~~معاوية، ولا قال أحد قط: إن معاوية مثل علي، أو إنه أحق من علي بالبيعة، بل ~~الناس كانوا متفقين على أن عليا أفضل وأحق، PageV06P263 ### || CHECK - متى تقاتل الفئة الباغية؟ ### || CHECK - علي وعسكره أولى من معاوية وعسكره # ولكن طلبوا من علي أن يقيم الحد على قتلة عثمان، وكان علي غير متمكن من ~~ذلك لتفرق الكلمة وانتشار الرعية وقوة ms1127 المعركة لأولئك، فامتنع هؤلاء عن ~~بيعته، إما لاعتقادهم أنه عاجز عن أخذ حقهم، وإما لتوهمهم محاباة أولئك، ~~فقاتلهم علي لامتناعهم من بيعته، لا لأجل تأمير معاوية. # وعلي وعسكره أولى من معاوية وعسكره، كما ثبت في الصحيح (1) عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، ~~تقتلهم أولى الطائفتين بالحق ". فهذا نص صريح أن علي ابن أبي طالب وأتباعه ~~أولى بالحق من معاوية وأصحابه. وفي صحيح مسلم (2) وغيره أنه قال: "يقتل ~~عمارا الفئة الباغية". # لكن الفئة الباغية هل يجب قتالها ابتداء قبل أن تبدأ الإمام بالقتال، أم ~~لا تقاتل حتى تبدأ بالقتال؟ هذا مما تنازع فيه العلماء، وأكثرهم على القول ~~الثاني، فلهذا كان مذهب أكابر الصحابة والتابعين والعلماء أن ترك على ~~القتال كان أكمل وأفضل وأتم في سياسة الدين والدنيا. ولكن علي إمام هدى من ~~الخلفاء الراشدين، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " تكون خلافة ~~النبوة ثلاثين سنة، ثم تصير ملكا". رواه أهل السنن (3)، واحتج به أحمد ~~وغيره على خلافة علي والرد على من طعن فيها، وقال أحمد: من لم يربع بعلي في ~~خلافته فهو أضل من حمار أهله. PageV06P264 # والقران لم يأمر بقتال البغاة ابتداء، بل قال تعالى: (وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ~~الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله ~~لعلكم ترحمون (10)) (1). # وما حرمه الله تعالى من البغي والقتل وغير ذلك إذا فعله الرجل متأولا ~~مجتهدا معتقدا أنه ليس بحرام لم يكن بذلك كافرا ولا فاسقا، بل ولا قود في ~~ذلك ولا دية ولا كفارة، كما قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - متوافرون، فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب ~~بتأويل القرآن فهو هدر. وقد ثبت في الصحيح (2) أن أسامة بن زيد قتل رجلا من ~~الكفار بعد ما قال "لا إله ms1128 إلا الله "، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟! " قال؟ فقلت: يا رسول ~~الله، إنما قالها تعوذا، فقال: "هلا شققت عن قلبه". وكرر عليه قوله: ~~"أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ ". ومع هذا فلم يحكم عليه بقود ولا ~~دية ولا كفارة، لأنه كان متأولا اعتقد جواز قتله بهذا. مع ما روي عنه أن ~~رجلا قال له: أرأيت إن قطع رجل من الكفار يدي ثم أسلم، فلما أردت أن أقتله ~~لاذ مني بشجرة، أأقتله؟ فقال: "إن قتلته كنت بمنزلته قبل أن يقول ما قال، ~~وكان بمنزلتك قبل أن تقتله " (3). فبين أنك تكون PageV06P265 # مباح الدم كما كان مباح الدم، ومع هذا فلما كان أسامة متأولا لم يبح دمه. # وأيضا فقد ثبت (1) أنه أرسل خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فلم يحسنوا أن ~~يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فلم يجعل خالد ذلك إسلاما، بل أمر ~~بقتلهم، فلما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك رفع يديه إلى السماء ~~وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد"، وأرسل عليا فوداهم بنصف دياتهم. ~~ومع هذا فلم يعاقب خالدا ولم يعزله عن الإمارة، لأنه كان متأولا. وكذلك فعل ~~به أبو بكر لما قتل مالك بن نويرة، كان متأولا في قتله فلم يعاقبه ولم ~~يعزله، لأن خالدا كان سيفا قد سله الله تعالى على المشركين، فكان نفعه ~~للإسلام عظيما، وإن كان قد يخطئ أحيانا. ومعلوم أن عليا وطلحة والزبير أفضل ~~من خالد وأسامة وغيرهما. # ولما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحسن: "إن ابني هذا سيد، ~~وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين "، فمدح الحسن على الإصلاح، ~~ولم يمدح على القتال في الفتنة= علمنا أن الله ورسوله كان يحب الإصلاح بين ~~الطائفتين دون الاقتتال. ولما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث ~~الصحيح (2) في الخوارج: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم، ~~يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام PageV06P266 ### || CHECK ms1129 - ترك القتال في الفتنة أفضل # كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا ~~عند الله لمن قتلهم يوم القيامة"، وقال (1): "يقتلهم أدنى الطائفتين إلى ~~الحق " وروي (2): "أولى الطائفتين بالحق " من معاوية وأصحابه- أعلم أن قتال ~~الخوارج المارقة أهل النهروان الذين قاتلهم علي بن أبي طالب، كان قتالهم ~~مما أمر الله به ورسوله، وكان علي محمودا مأجورا مثابا على قتاله إياهم. ~~وقد اتفق الصحابة والأئمة على قتالهم، بخلاف قتال الفتنة، فإن النص قد دل ~~على أن ترك القتال فيها كان أفضل، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" ستكون ~~فتنة القاعد فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي " (3) ومثل قوله ~~لمحمد بن مسلمة: "هذا لا تضره الفتنة" (4)، فاعتزل محمد بن مسلمة الفتنة، ~~وهو من خيار الأنصار، فلم يقاتل لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. وكذلك أكثر ~~السابقين لم يقاتلوا، بل مثل سعد بن أبي وقاص ومثل أسامة وزيد وعبد الله بن ~~عمر وعمران بن الحصين، ولم يكن في العسكرين بعد علي أفضل من سعد بن أبي ~~وقاص ولم يقاتل، وزيد بن ثابت، ولا أبو هريرة ولا أبو بكرة ولا غيرهما من ~~أعيان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لأهبان بن صيفي: "خذ هذا السيف فقاتل به المشركين، فإذا اقتتل ~~المسلمون فاكسره"، ففعل ذلك ولم يقاتل في الفتنة (5). PageV06P267 # وفي الصحيحين (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يوشك أن ~~يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من ~~الفتن ". وفي الصحيح (2) عن أسامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إني لأرى الفتنة تقع خلال بيوتكم كمواقع القطر". والأحاديث عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كثيرة في إخباره بما سيكون في الفتنة بين أمته، وأمره ~~بترك القتال في الفتنة، وأن الإمساك عن الدخول فيها خير من القتال. # وقد ثبت عنه في الصحيح (3) أنه قال: "سألت ربي لأمتي ثلاثا، فأعطاني ~~اثنين ومنعني واحدا، سالته أن لا يسلط عليهم عدوا ms1130 من غيرهم، فأعطانيها، ~~وسالته أن لا يهلكهم بسنة عامة، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، ~~فمنعنيها". # وكان هذا من دلائل نبوته - صلى الله عليه وسلم - وفضائل هذه الأمة، إذ ~~كانت النشأة الإنسانية لا بد فيها من تفرق واختلاف وسفك دماء، كما قالت ~~الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) (4). ولما كانت هذه ~~الأمة أفضل الأمم وآخر الأمم عصمها الله أن تجتمع على ضلالة، وأن يسلط عدو ~~عليها كلها كما سلط على بني إسرائيل، بل إن غلب PageV06P268 # طائفة منها كان فيها طائفة قائمة ظاهرة بأمر الله إلى يوم القيامة، وأخبر ~~أنه "لا تزال فيها طائفة ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله " (1)، وجعل ما ~~يستلزم من نشأة الإنسانية من التفرق والقتال هو لبعضها مع بعض، ليس بتسليط ~~غيرهم على جميعهم، كما سلط على بني إسرائيل عدوا قهرهم كلهم. فهذه الأمة- ~~ولله الحمد- لا تقهر كلها، بل لا بد فيها من طائفة ظاهرة على الحق منصورة ~~إلى قيام الساعة إن شاء الله تعالى. والله أعلم. PageV06P269 ### | CHECK (9) مسألة في الاستغفار # مسألة في الاستغفار PageV06P271 ### || CHECK - تكرير الاستغفار # قال (1) الوليد: قلت للأوزاعي: ما الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله ~~أستغفر الله. # فهذا حديث صحيح في تكرير الاستغفار ثلاثا دبر الصلاة، فتكرير الاستغفار ~~في الصلاة أوكد، كما أنه [لما] سن تكرير التسبيح في الصلوات كان تكرير ~~التسبيح في الركوع والسجود أوكد. وفي صحيح مسلم (2) من حديث الأغر المزني- ~~وكانت له صحبة- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنه ليغان على ~~قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة". وفيه (3) من حديث عمرو بن مرة ~~عن أبي بردة قال: سمعت الأغر- وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~- يحدث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيها الناس! توبوا ~~إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مئة". قال الحميدي (4): وقد أخرجه ~~البخاري في تاريخه من هذين الوجهين، ولم يخرجه في الجامع، وهو لاحق بشرطه ~~فيه. وفي الصحيح (5) أيضا: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه أكثر من سبعين ms1131 مرة". # وقد أمر أن يختم عمله الخاص والعام بالاستغفار، فكان الاستغفار نهاية ~~أمره. وتارة يجمع بين التوحيد والاستغفار، فقال تعالى: (فاعلم أنه لا إله ~~إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) (6)، وقال: (أنما PageV06P273 ### || CHECK - الاستغفار يمحو الذنوب فيزيل العذاب ### || CHECK - التوحيد جماع الدين وهو الخير كله، والاستغفار يزيل الشر كله # إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه) (1). # فهذان الأمران جماع الدين، كما يروى أن الشيطان قال: أهلكت بني آدم ~~بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم ~~الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون، لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وقد قال ~~تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (2). # فالتوحيد هو جماع الدين الذي هو أصله وفرعه ولبه، وهو الخير كله، ~~والاستغفار يزيل الشر كله، فيحصل من هذين جميع الخير وزوال جميع الشر. وكل ~~ما يصيب المؤمن من الشر فإنما هو بذنوبه. # والاستغفار يمحو الذنوب فيزيل العذاب، كما قال تعالى: (وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون (33)) (3). وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلب ~~من الله المغفرة في أول الصلاة في الاستفتاح، كما في حديث أبي هريرة الصحيح ~~(4) وحديث علي الصحيح (5) في أول ما يكبر، ثم يطلب الاستغفار بعد التحميد ~~إذا رفع رأسه، ويطلب الاستغفار في دعاء التشهد كما في حديث علي (6) وغيره، ~~ويطلب الاستغفار في الركوع PageV06P274 ### || CHECK - المغفرة مشروطة بالإيمان، بخلاف العافية والرزق والهداية العامة ### || CHECK - كان اهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاستغفار أكثر # والسجود كما في حديث عائشة الصحيح (1)، ورواه أبو داود والنسائي وابن ~~ماجه. وروى مسلم وأبو داود (2) عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله وأوله وآخره ~~وعلانيته وسره". # فلم يبق حال من أحوال الصلاة ولا ركن من أركانها إلا استغفر الله فيه، ~~فعلم أنه كان اهتمامه به أكثر من اهتمامه بسائر الأدعية. ويميز ذلك أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استغفر لرجل كان ذلك ms1132 سببا لوجوب ~~الجنة له، مثل أن يستشهد، كما في حديث سلمة بن الأكوع (3). وكان استغفاره ~~للرجل أعظم عندهم من جميع الأدعية له، كما في صحيح مسلم (4) عن عبد الله بن ~~سرجس قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأكلت معه خبزا ولحما -أو ~~قال: ثريدا- فقلت: يا رسول الله! غفر الله لك، قال: ولك. قال: فقلت له: ~~أستغفر لك رسول الله؟ قال: نعم ولك، ثم تلا هذه الآية: (واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات) (5). # وهذا أيضا توكيد له، حيث أمره الله بالاستغفار للمؤمنين، وخص ذلك بسائر ~~الأدعية. وكذلك أخبر عن ملائكته أنهم يستغفرون للمؤمنين، وذلك أن المغفرة ~~مشروطة بالإيمان، فلا تكون إلا لأهل PageV06P275 # الإيمان، بخلاف العافية والرزق والهداية العامة، فإنها تحصل بدون ~~الإيمان، فإن الكافر قد يهديه الله فيصير مؤمنا، وقد يعافيه ويرزقه مع ~~كفره، وقد يجاب دعاؤه. والمغفرة إنما هي للمؤمنين، فهي النهاية. ولهذا قال ~~في المنافقين (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم) (1)، وقال فيهم: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) ~~(2)، وقال: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى) (3)، وقال: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله) الآية (4). فأمرهم ~~الله بالاقتداء بهم إلا في الاستغفار للمشركين. # وفي الصحيح (5) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "استأذنت ربي في ~~الاستغفار لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي". وفي ~~الصحيح (6) أنه قال لأبي طالب: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"، فأنزل الله: ~~(ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) (7). وفي PageV06P276 ### || CHECK - استغفار الإنسان أهم من جميع الأدعية لوجهين # الصحيح (1) أنه صلى على ابن أبي وألبسه قميصه وتفل في فيه واستغفر له، ثم ~~قال: "وماذا يغني عنه ذلك من الله؟ ". # وكذلك استغفر للذين اعتذروا إليه لما رجع من غزوة ms1133 تبوك، ثم أنزل الله ~~فيهم بعد ذلك ما أنزل، فلم ينفعهم ذلك (2). # فإذا كان استغفار الإنسان لغيره لا ينفعه إلا مع الإيمان، بخلاف الأدعية ~~المروية في هذا الحديث من العافية والرزق والهداية والرحمة، إذا أريد بها ~~رحمة الدنيا أو الرحمة من الدين تصيب الكافر، وأما إذا أريد بها أنه لا ~~يعذب أو يدخل الجنة فهذا لا يصلح. بل استغفار الإنسان أهم من جميع الأدعية ~~لوجهين: # أحدهما: أن استغفاره لنفسه يغفر له به جميع الذنوب إذا كان على وجه ~~التوبة، حتى إن الكفار إذا استغفروا لأنفسهم نفعهم ذلك، وكان سبب نجاتهم من ~~عذاب الدنيا. وعذاب الآخرة إنما ينجي منه الاستغفار مع الإيمان. وهذا أيضا ~~من خصائص التوحيد، فإن المكلف لا ينفعه توحيد غيره عنه، ولا ينجيه ذلك من ~~عذاب الله عز وجل، بل لا ينجيه إلا توحيد نفسه، ولا ينفعه مع عدم التوحيد ~~الاستغفار عنه، بل لا ينفعه إلا استغفاره الذي تضمن توحيده وتوبته من ~~الشرك. فصار الاستغفار مقرونا بالتوحيد من بداية، لا تقبل النيابة فيه ولا ~~يهدى إلى الغير إلا إذا أتى هو به، فإذا كان هو من أهل ذلك نفعه حينئذ ما ~~يريده PageV06P277 # غيره من ذلك، بخلاف الأعمال والأدعية التي تفعل عن الغير وتهدى له وإن لم ~~يأت بأصلها. # وإنما كان الاستغفار هو النهاية من العبد لأن الذنب لازم لجميع بني آدم، ~~وإنما كمال المؤمنين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في التوبة من ~~الذنب والاستغفار، كما قال تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الأنسان إنه كان ظلوما جهولا) ~~إلى آخر السورة (1). وقد أخبر تعالى أنه يبدل سيئات التائب حسنات، وأنه ~~يفرح بتوبة العبد أشد فرح يقدر. # فالذنوب إذا كانت مغمورة بالحسنات لم يعاقب صاحبها بالنار، لكن يكون ~~تأثيرها في تفاوت الدرجات، فأعلى الخلق منزلة العبد الذي غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر، وبذلك وصفه الرسول الذي قبله (2) الذي دل عليه والطالبون ~~للشفاعة منه، وجعل ذلك هو السبب في كونه ms1134 يكون شفيع الخلائق، لأنه لما غفر ~~له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لم يبق يحتاج إلى أن يشفع لنفسه ويستغفر، ~~فأمكنه أن يشفع لغيره، بخلاف من يقول: نفسي نفسي، فإنه يكون محتاجا إلى ~~الشفاعة حينئذ لنفسه ويستغفر لنفسه، فلا يشفع لغيره في هذا المقام، وإن كان ~~يشفع بعد ذلك، فإن الله سبحانه لا بد أن يغفر جميع هذه الذنوب وما هو أعظم ~~منها، لكن يتأخر ذلك عن مقام الشفاعة، بخلاف الذي غفر له ما PageV06P278 # تقدم من ذنبه وما تأخر قبل هذا المقام، فإنه سائر في مقام المغفرة. ولهذا ~~قال الخليل -وهو أحد الرسل الكبار المطلوب منهم الشفاعة يومئذ-: (والذي ~~أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) (1)، فالمغفرة التي رجاها تكون يوم ~~الدين، وهي واقعة بعد شفاعة سيد ولد آدم، فإنه قبل ذلك يقول (2): إن ربي قد ~~غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ويذكر خطيئته: نفسي ~~نفسي نفسي اذهبوا إلى موسى. # وهذا كله مما يؤكد أمر الاستغفار ويبين أنه نهاية الأمر، وأن السائر فيه ~~هو من سائر السابقين، فتكريره يوجب من ذلك ما لا يوجبه غيره. والله أعلم. PageV06P279 ### | CHECK (10) مسائل في الصلاة # مسائل في الصلاة PageV06P281 ### || CHECK - سنة الاستفتاح المخافتة إلا لعارض ### || CHECK - حكم الجهر والمخافتة في الصلوات، هل هما واجبان أم سنة؟ # ذكر (1) إلا في فعل من أفعالها، وليس فيها فعل خال من ذكر إلا جلسة ~~الاستراحة حيث تفعل، فإنها فعل لا ذكر فيه لقصره، ومثل تكبيرات الانتقال، ~~فإنها ليست في فعل مستقر. # وقد تنازعوا في الجهر والمخافتة في الصلوات هل هما واجبان تبطل الصلاة ~~بتعمد مخالفتهما أم هما سنة؟ وفي ذلك خلاف مشهور في مذهب مالك وأحمد ~~وغيرهما، والمشهور أنهما سنة، وكذلك دعاء الاستفتاح سنة. ومن السنن الراتبة ~~المتفق عليها: المخافتة بالذكر والدعاء في الركوع والسجود، والاعتدال فيهما ~~وفي التشهدين، ومخافتة المأموم بقراءته ودعائه، وأما المنفرد فقد تنازعوا ~~هل الأفضل له المخافتة بالقراءة أو الجهر بها؟ والاستعاذة السنة المخافتة ~~بها عند الجمهور، وقيل: يتعوذ ms1135 بين المخافتة والجهر. والبسملة عند الذين ~~يقرؤونها -وهم الجمهور- سنتها الراتبة المخافتة، وقيل: الجهر، وقيل: يخير ~~بين الأمرين. وكذلك التأمين سنته الجهر به عند أحمد والشافعي، وأصح قوليه ~~للإمام والمأموم، وقيل: المخافتة به لهما، وقيل: يخافت به المأموم دون ~~الإمام تبعا لقراءته. # والدليل على أن سنة الاستفتاح المخافتة ما في الصحيحين (2) عن أبي هريرة ~~قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: ~~"أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب..." إلى ~~آخره، وظاهره أنه لم يكن PageV06P283 # يجهر بالاستعاذة أيضا، لقوله "بين القراءة والتكبير". وكذلك سائر ~~الأحاديث الصحاح التي فيها المخافتة بالبسملة، مثل حديث عائشة (1) وأنس (2) ~~وأبي هريرة (3) وغيرها، تدك على ذلك. وكذلك حديث سمرة بن جندب وأبي بن كعب، ~~قال سحمرة: حفظت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكتتين، وهو في السنن (4). # وأما لعارض فقد ثبت في الصحيح (5) أن عمر كان يجهر بدعاء الاستفتاح مرات ~~كثيرة، فكان يقول: الله أكبر، "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى ~~جدك، ولا إله غيرك". وكان طائفة من الصحابة يجهرون بالبسملة، كابن الزبير ~~وغيره. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجهر بها بمكة، ~~وروي في جهره بها بالمدينة أحاديث ضعيفة ضعفها أهل الحديث (6). وثبت في ~~الصحيح (7) عن أبي قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسمعهم الآية ~~أحيانا من صلاة الظهر والعصر، وثبت في صحيح البخاري (8) أن ابن عباس جهر ~~بالقراءة على الجنازة بفاتحة PageV06P284 # الكتاب وقال: لتعلموا أنها السنة. # فمثل هذا الجهر إذا كان لتعليم المأمومين يحسن، ولو كان لمصلحة أخرى فهو ~~حسن أيضا، فإنه قد يكون الجهر أعون على القراءة، كما قال عمر: أوقظ الوسنان ~~وأرضي الرحمن وأطرد الشيطان (1). فقد يكون الجهر أبلغ في تعليمه، وقد يكون ~~عليه في المخافتة مشقة، ومهما استجلب به الخشوع والبكاء من خشية الله وكان ~~أنفع للمأمومين جاز، ولا يداوم على ذلك في أكل، وقت، كما يداوم على قراءة ~~الفاتحة وعلى الركوع. # ومما يدل على جواز ms1136 الجهر بالاستفتاح وغيره أحيانا ما في الصحيح (2) عن ~~أنس أن رجلا جاء إلى الصلاة وقد حفزه النفس، فقال: الله أكبر، الحمد لله ~~حمدا كثيرا طبيا مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى، فلما قضى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته قال: "أيكم المتكلم بالكلمات؟ لقد رأيت ~~اثني عشر ملكا يبتدرونها أيهم يرفعها". فهذا مأموم جهر بهذا الذكر بعد ~~التكبير، وقد أثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه بذلك، وهذا دليل على ~~جواز الجهر أحيانا في المواضع التي يخافت فيها، وأن الرجل إذا ذكر الله في ~~الصلاة بما هو من جنسها كان حسنا وإن لم يؤمر به. وهذا موافق لجهر عمر ~~بالاستفتاح. PageV06P285 ### || CHECK - ما يقوله في ركوعه وسجوده واعتداله، أحيانا كان يجهر به # وكذلك ما رواه البخاري (1) من حديث رفاعة بن رافع قال: كنا نصلي وراء ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله ~~لمن حمده، فقال رجل وراءه: ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما ~~قضى صلاته قال: "من المتكلم؟ رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم ~~يكتبها". فهذا أيضا جهر من المأموم بالتحميد الذي هو ليس المأمور به، ولكنه ~~من جنس المأمور به، فإن النبي لم ينقل عنه مثله. # وأيضا فالذين ذكروا أنهم صلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلموا ما ~~كان يفتتح به، وما كان يقوله في ركوعه وسجوده واعتداله، مثل حديث جبير بن ~~مطعم أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي فقال: "الله أكبر ~~كبيرا، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه". رواه أهل السنن (2)، وهو ~~حديث حسن. فلولا أنه جهر بذلك لما سمعه يقول ذلك، إلا أن يخبره به بعد ~~الصلاة، ولو أخبره كما أخبر أبا هريرة لبين ذلك، ولأنه لم يكن ليخبره من ~~غير استخبار عن الاستفتاح وحده دون بقية أذكار الصلاة، إذ لا موجب للتخصيص. # وكذلك حديث حذيفة (3) أنه صلى ms1137 مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان ~~يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم"، وفي سجوده: "سبحان ربي الأعلى"، PageV06P286 # وما أتى على آية رحمة إلا سأل، ولا على آية عذاب إلا تعوذ، وهذا كان في ~~قيام الليل. وهو حديث صحيح. وكان يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي، رب اغفر ~~لي" (1)، وهذا بين أنه كان يسمع منه ما قاله في ركوعه وسجوده وبين ~~السجدتين، وكذلك دعاؤه عند آية الرحمة والعذاب. فهذا يقتضي جواز الجهر بذلك. # وكذلك حديث ابن أبي أوفى (2) أنه كان إذا رفع ظهره من الركوع قال: "سمع ~~الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت ~~من شيء بعد"، وفي حديث أبي سعيد (3): "أهل الثناء والمجد، أحق ما قال ~~العبد" إلى آخره. وهذا يدل ظاهره على أنهم سمعوا ذلك منه يقوله في الصلاة ~~من غير إخبار منه لهم. # وكذلك حديث عائشة الذي في الصحيح (4) أنه كان يكثر أن يقول في ركوعه ~~وسجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي" يتأول القرآن. وقولها في ~~الصحيح (5): كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح". ~~وأصرح من ذلك ما رواه PageV06P287 ### || CHECK - جهر الإمام بالتكبير # مسلم (1) عنها قالت: فقدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة على ~~الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في السجود وهما منصوبتان، ~~وهو يقول: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك" إلى آخره. فهذا صريح في أنه جهر ~~بهذا الدعاء في سجوده، حتى سمعت ذلك عائشة. # فإن كان الإمام ضعيفا أو صوته لا يبلغ المأمومين جاز أن يبلغ بعضهم بعضا ~~بالتكبير، كما كان أبو بكر يبلغ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التكبير ~~في مرضه لما خرج وأبو بكر يصلي بالناس، وبنى على صلاة أبي بكر. # وأما الإمام فالسنة في حقه الجهر بالتكبير باتفاق العلماء، وفي حديث أبي ~~هريرة الصحيح (2): كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام [إلى] ~~الصلاة يكبر حين يقوم وحين يركع، ثم يقول: "سمع الله لمن حمده" ms1138 حين يرفع ~~صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: "ربنا ولك الحمد"، ثم يكبر حين يهوي ~~وحين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه. وكذلك ذكره أبو ~~حميد الساعدي (3). وكذلك حديث أبي موسى في صحيح مسلم (4) يبين هذا: "إذا ~~صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: (ولا ~~الضالين) فقولوا "آمين" يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإذا ~~قال PageV06P288 ### || CHECK - مقدار القراءة في الصلوات # "سمع الله لمن حمده" فقولوا "ربنا ولك الحمد" يسمع الله لكم". ففي هذه ~~الأحاديث بيان جهر الإمام بالتكبير حتى يسمعوه. # فصل # وأما مقدار الكلم والعمل فإن السنة التي اتفق عليها العلماء في صلاة ~~المغرب أن قراءتها أقصر من قراءة غيرها، كما اتفقوا على أن سنتها التعجيل ~~من أول الوقت، وإن كان تأخيرها إلى وقت العشاء جائزا، كما دلت على ذلك ~~الأحاديث الصحيحة في إمامة جبريل النبي صلى الله عليهما وسلم، ويكره ~~تأخيرها عن أول وقتها من غير عذر، بخلاف غيرها من الصلوات. وقد روى الإمام ~~أحمد (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "المغرب وتر النهار، ~~فأوتروا صلاة الليل". فإذا كانت وتر صلاة النهار كان تعجيلها مع عمل النهار ~~هو السنة، ومع هذا فقد ثبت في الصحيح (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه كان يقرأ فيها بطولى الطوليين، وفي الصحيح عنه أنه كان يقرأ فيها ~~بالمرسلات (3) وبالطور (4). # وأما صلاة الفجر فالسنة فيها التي استفاضت بها الأحاديث واتفق عليها ~~العلماء إطالة القراءة فيها زيادة على غيرها، حتى قيل: إنها إنما جعلت ~~ركعتين لأجل طول القراءة فيها. وفي PageV06P289 # الصحيح (1) من حديث أبي برزة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ~~يقرأ فيها ما بين الستين إلى المئة، وتارة بقاف، وهو في الصحيح أيضا عن ~~جابر بن سمرة (2). وتارة بالمؤمنين (3)، وتارة بغيرها. وفي مسند أحمد (4) ~~أنه قرأ فيها بالروم، وكان يأمرهم بالتخفيف، ويؤمهم بالصافات. فالتخفيف ~~الذي أراده منهم هو أن يقرأ بقدر الصافات. وقرأ فيها في السفر ب ms1139 (قل أعوذ ~~برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس)، كما رواه أهل السنن (5) عن عقبة بن عامر ~~قال: كنت أقود برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناقته في السفر، فقال لي: ~~"يا عقبة، إلا أعلمك خير سورتين قرئتا؟ "، فعلمني "قل أعوذ برب الفلق" و"قل ~~أعوذ برب الناس"، فلما نزل إلى صلاة الصبح صلى بهما. والسفر قد وضع فيه عن ~~المسافر شطر الصلاة، فكذلك يوضع عنه إطالة القراءة فيه في الفجر. # وكان يخفف الصلاة لأمر عارض كبكاء الصبي (6)، فإن تخفيف الصلاة لئلا يشق ~~على المأمومين من السنة. وفي حديث عائشة (7) أنه كان يصلي من الليل إحدى ~~عشرة ركعة، وفي حديث ابن PageV06P290 ### || CHECK - قيام الليل أفضل التطوعات، وأفضل الرواتب الوتر وركعتا الفجر # عباس (1): ثلاث عشرة ركعة، وكان يفتتح قيام الليل بركعتين خفيفتين (2)، ~~فلعل هذه هي محل الاختلاف، وكان يصلي بعد وتره سجدتين وهو جالس. # قال: وقد أطلق بعض العلماء أن التطوعات قبل الصلوات وبعدها أفضل التطوع. # قال الشيخ: وليس كذلك، بل قيام الليل أفضل التطوعات، كما ثبت في الصحيح ~~(3) عنه أنه سئل أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ فقال: "صلاة الليل". وأفضل ~~الرواتب الوتر وركعتا الفجر، وهذا هو الذي لم يكن يتركه سفرا ولا حضرا، بل ~~كان في السفر يوتر على راحلته، وكان يصلي ركعتي الفجر، حتى قضاهما لما نام ~~عنهما، حين نام هو [و] أصحابه عن صلاة الفجر لما قفل عن خيبر، وقال عنهما: ~~"لا تدعوهما ولو طردتكم الخيل " (4). وقد كان مالك لا يسمي سنة إلا هما ~~خاصة، فهما أول العمل، والوتر آخره. و [لم] يحفظ أحد عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه صلى مع الظهر والعصر والمغرب والعشاء شيئا من الرواتب في ~~السفر، وكان يصلي صلاة الليل على راحلته، بل ثبت عنه في غير حديث صحيح أنه ~~كان يصلي المغرب والعشاء ولا يصلي معهما شيئا، وأنه لم يكن في السفر يزيد ~~على ركعتين. وأقصى ما في PageV06P291 ### || CHECK - وصف النبيين والصالحين بأنهم إذا سمعوا الآيات خروا سجدا وبكيا # الأحاديث الصحيحة أن ms1140 تطوع النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ركعات الفرض ~~أربع وأربعون ركعة، وعائشة كانت أعلم بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالليل من غيرها. # فصل # وصف الله سبحانه أنبياءه ورسله والعلماء من عباده بأنهم إذا سمعوا آيات ~~الله خروا سجدا وبكيا، كما قال تعالى لما ذكر الأنبياء في سورة مريم: ~~(أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ~~ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا (58)) (1). وصف جميع هؤلاء الذين هم صفوة خلقه وخيرهم ~~بأنهم إذا سمعوا آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا، وهذا نظير ما وصف به علماء ~~أهل الكتاب بقوله: (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا (107)) إلى قوله: (ويزيدهم خشوعا (109)) (2)، أي إذا سمعوا ~~القرآن سجدوا وبكوا. # وهذا مما أمر الله به الناس عموما، وذم من لم يفعل ذلك في قوله: (فما لهم ~~لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21)) (3). # فذم من إذا قرئ عليه القرآن لا يسجد، كما مدح النبيين وغيرهم من المؤمنين ~~بالسجود إذا سمعوه. والسجود وإن كان مشروعا عند استماع هذه الآيات السجدات ~~وواجب عند بعض العلماء، فلا يجوز أن يكون PageV06P292 # المراد بهذه الآيات ونحوها مجرد سجود التلاوة، لأنه تعالى وصفهم بأنهم ~~إذا تليت عليهم خروا سجدا، وأخبر أنه لا يؤمن بآياته إلا الذين إذا ذكروا ~~بها خروا سجدا، وهذا يعم الآيات التي شرع فيها سجود التلاوة وغيرها، ولا ~~يجوز حمله على تلك الآيات فقط، لأنها قليلة يسيرة من حيث آيات الله عز وجل. # وكذلك ما وصف به أهل العلم وكذلك ما حض عليه الناس بقوله: (فما لهم لا ~~يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) (1)، فيه من العموم والتحضيض ~~ما لا يجوز حمله على مجرد سجود التلاوة، يوضح ذلك أنه لما أثنى على النبيين ~~وأهل العلم وصفهم بالسجود والبكاء، ولما أخبر عما لا بد منه من الإيمان وما ~~يذم من تركه ذكر السجود فقط، فقال: (إنما ms1141 يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها ~~خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (15)) (2)، وقال: (وإذا قرئ ~~عليهم القرآن لا يسجدون (21)) (3). بل هذا- والله أعلم- كما شرعه لمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - بقوله: (اقرأ باسم ربك الذي خلق (1)) إلى أن قال: ~~(كلا لا تطعه واسجد واقترب (19)) (4)، فأمره بالقراءة والسجود، وعلى ذلك ~~بنيت الصلوات، فاعظم أركانها القولية القراءة، وأعظم أركانها الفعلية ~~السجود، وهما أفضل أعمال الصلاة. وقد تنازع [العلماء] أيما PageV06P293 ### || CHECK - اشتمال الصلوات على استماع الآيات وعلى السجود # أفضل: طول القراءة أو كثرة الركوع والسجود أو هما سواء؟ على ثلاثة أقوال، ~~أصحها التسوية، كما كانت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما بسطنا ~~القول في ذلك في غير هذا الموضع. # فصل # والصلوات المشروعة مشتملة على ذلك، على استماع لقراءة آيات الله وعلى ~~السجود، ويدل على ذلك أنه قال بعد ذلك: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ~~واتبعوا الشهوات) (1)، فعلم أن ما وصف به الذين أنعم عليهم قبل ذلك ضد ~~الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فنعت النبيين وأتباعهم بإقام الصلاة ~~والمحافظة عليها. # ولهذا لما احتج بهذه الآيات ونحوها من أوجب سجود التلاوة أجاب عن ذلك من ~~لم يوجبه بأن المراد بها سجود الصلب المفروض في الصلوات والقعود للثناء ما ~~يتضمن الجمع بين القراءة والسجود، كما تضمن ذلك أول سورة أنزلت. ومما يشبه ~~هذه الآيات الثلاث قوله في آخر النجم: (أفمن هذا الحديث تعجبون (59) ~~وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم سامدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62)) (2). ~~يذم تعالى من يعجب من القرآن، ويضحك ولا يبكي بل يلهو، وأمر بالسجود لله ~~والعبادة له. # وهذا متضمن (3) للسجود عند سماع هذا الحديث، كما وضعت الصلاة على ذلك. PageV06P294 ### || CHECK - معنى الركوع والسجود عند الجمع والانفراد # وقد أخبر تعالى في قوله أنه لا يكون مؤمنا بآياته إلا من يسجد عند ما ~~يذكر بها، فقال: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا ~~بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (15)) (1). وهذه الآية يستدل بها على أن من لم ~~يسجد لله فليس بمؤمن، وهذا يقتضي كفر ms1142 تارك الصلاة، وقوله: (وسبحوا بحمد ~~ربهم) يقتضي أن التسبيح واجب، وذلك يقتضي وجوب التسبيح مع السجود، والركوع ~~يدخل في مسمى السجود عند الانفراد، فيقتضي وجوب التسبيح في الركوع والسجود. # وأما قوله: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) (2) فإنه داخل في حيز "الذين" ~~أيضا، وذلك يجعل للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع لصلاة الصبح وصلاة العشاء، ~~وكلما أخرت هذه وقدمت هذه كان أشد للتجافي عن المضاجع. # فصل # وقد وضعت الصلاة على السجود بعد القراءة، فإن الركوع والسجود- كما قدمنا- ~~كلاهما يدخل في اسم الآخر [عند] الانفراد، وإن ميز بينهما عند الجمع، كما ~~في لفظ الفقير والمسكين، كما قال تعالى: (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) ~~(3)، قيل: المراد به الركوع، لأن الساجد على الأرض لا يمكنه الدخول لذلك، ~~ومنه قول PageV06P295 # العرب: سجدت النخلة، إذا مالت، فهذا إدخال الركوع في مسمى السجود، فإنه ~~مبدؤه وأوله. وأما الآخر فكقوله في قصة داود: (وخر راكعا وأناب) (1)، وإنما ~~هو سجود بالأرض، كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح (2) ~~أنه قال: "سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرا"، فإن الركوع يحصل بالانحناء، ~~والزيادة على ذلك إلى حد الأرض زيادة فيه. # ويعبر عن الصلاة تارة بلفظ الركوع، كما في قوله: (واركعوا مع الراكعين) ~~(3)، وقوله: (اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) (4). # ولهذا إذا كانت السجدة في آخر السورة أجزأ ما في الصلاة من السجود ~~والركوع عن سجود التلاوة، كما يروى ذلك عن ابن مسعود، وهذا هو المنصوص عن ~~أحمد، وهو قول من قال من فقهاء العراق وغيرهم، لكن هل المجزئ عن سجود ~~التلاوة هو الركوع أو سجود الصلب أو كلاهما؟ فيه نزاع ليس هذا موضعه. # ومما يبين أصل الكلام أن ما في القرآن من الأمر بالسجود- كقوله: (اركعوا ~~واسجدوا) (5) - هو أمر بركوع الصلاة وسجودها، والله سبحانه وتعالى كما يقرن ~~بعض أركان الصلاة ببعض- كما قرن بين PageV06P296 ### || CHECK - هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -: عدم القنوت دائما في صلاة الفجر وغيرها # القراءة والسجود، وبين الركوع والسجود- فإنه يقرن بين الصلاة وبين غيرها ~~من الشرائع، كما قرن بينها ms1143 وبين الزكاة، وبينها وبين الصبر الداخل في ~~الجهاد والصوم وغيرهما، وأكثر الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الصلاة والجهاد، وقد قرن بينهما فى قوله: (اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ~~وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (77) وجاهدوا في الله حق جهاده) هو الآية (1)، ~~وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا ~~في سبيله) الآية (2)، وقال تعالى: (على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا) (3)، وقال في القرآن: (وجاهدهم به جهادا ~~كبيرا) (4). # فصل # الذي تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واتفقت عليه الأحاديث ~~الصحيحة أنه لم يكن يقنت دائما في صلاة الفجر ولا غيرها، لكن كان يطيل ~~الفجر بالقراءة أكثر من غيرها، وقد ثبت في الصحيح (5) عن أنس أنه لم يقنت ~~بعد الركوع إلا شهرا، والعلم بعدم قنوت راتب كالعلم بعدم قنوته في العشاء ~~والمغرب دائما، إذ لم ينقل عنه مسلم كلمة تقال في القنوت الراتب، وقد نقلوا ~~عنه قنوت الوتر. PageV06P297 ### || CHECK - اختلاف العلماء في قنوت الفجر # وقد تنازع الناس هل كان قنوته راتبا أو منسوخا أو كان لسبب عارض ثم تركه ~~لزواله؟ على ثلاثة أقوال، والثالث قول أهل الحديث، وهو الصواب، وهو قنوت ~~النوازل، كقنوته على الذين قتلوا القراء يوم بئر معونة، فقنت شهرا بعد ~~الركوع يدعو عليهم، وكقنوته يدعو للمستضعفين بمكة، فكان يدعو في قنوته ~~لقوم، ويدعو على قوم من الكفار لينصر عليهم. وكذلك عمر بن الخطاب كان يقنت ~~إذا أرسل جيشا إلى الشام بالقنوت الذي فيه الدعاء على أهل الكتاب، وهو من ~~قنوته موقوف عليه ليس مرفوعا. وكذلك علي قنت في حروبه. وقد سأل أبو ثور ~~الإمام أحمد عن القنوت فقال: في النوازل، فقال: وأي نازلة أعظم من نازلتنا؟ ~~قال: فاقنتوا إذا، أو كما قال، يريد بذلك امتحان الجهمية للمسلمين. # فإذا نزل بالمسلمين أمر عام قنتوا فيه، كما إذا ظهر قوم من المبتدعة ~~والمنافقين قنت المؤمنون، وكذلك في الفتن التي تقع بين المسلمين من ~~الافتراق والاختلاف. لكن لما وقعت الفرقة في ms1144 زمن علي هل قنت الناس للجماعة ~~والائتلاف كما قنت الطائفتان المقتتلتان؟ أو قنتت كل طائفة تطلب النصر على ~~الأخرى؟ وفي حروب النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الأحزاب ونحوه لم لم ~~يقنت أو لم لم ينقل قنوته؟ فإن المأثور عنه القنوت حيث لم يمكنه النصرة ~~بالقتال، كقنوته على الذين قتلوا القراء، وللمستضعفين الذين بمكة من ~~المؤمنين بخلاصهم. # وكذلك عمر كان يقنت لجنوده، ويدعو لهم بالنصر، ويدعو علي الكفار بالخذلان ~~والنكال، وهذا عوض عن مباشرته القتال بنفسه. PageV06P298 ### | CHECK (11) فصل في الصلاة الوسطى # فصل # في الصلاة الوسطى PageV06P299 ### || CHECK - الصلاة الوسطى هي العصر # فصل # في الصلاة الوسطى # قد ثبت في النصوص الصحيحة المستفيضة أن الصلاة الوسطى هي العصر، كما صرح ~~به في حديث علي المتفق على صحته (1)، وحديث ابن مسعود: "الصلاة الوسطى هي ~~العصر" (2). والعصر ثبت لها خصائص، كقوله في الحديث الصحيح (3): "من ترك ~~صلاة العصر حبط عمله"، وكذلك في الصحيح (4): "الذي تفوته صلاة العصر كأنما ~~وتر أهله وماله"، وقوله (5): "إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم ~~فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له الأجر مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع ~~الشاهد". والشاهد: النجم. ولهذا قال علي: هي الصلاة التي شغل عنها سليمان ~~حتى توارت بالحجاب (6). وقال - صلى الله عليه وسلم -: "تلك صلاة المنافق، ~~تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا اصفرت وكانت بين ~~قرني شيطان، قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" (7). وهي الصلاة ~~التي قال الله فيها في القرآن: PageV06P301 ### || CHECK - سبب تعظيمها # (تحبسونهما من بعد الصلاة) (1). وقد ثبت في الصحيح (2) عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل حلف على سلعة بعد العصر كاذبا ~~لقد أعطي بها أكثر مما أعطي. ورجل على فضل ماء يمنعه من ابن السبيل، فيقول ~~الله له: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك. ورجل بايع إماما ~~لا يبايعه إلا للدنيا، إن أعطاه رضي، ms1145 وإن منعه سخط". فذكر اليمين الفاجرة ~~بعد العصر. # ويقال: إن وقتها وقمت تعظمه الأمم كلها، ولذلك أمر الله بالاستحلاف فيه ~~لغير المسلمين. والمحافظة على الصلاة توجب تعظيمه وحفظ وقتها حتى لا يضيع ~~حتى يخرج الوقت، وليس في مواقيت الصلوات ما لا يتميز أوله بفصل يحس إلا وقت ~~العصر، فإن الفجر يتميز أول وقتها وآخره بطلوع الفجر وطلوع الشمس، والظهر ~~يتميز أول وقتها بالزوال، وآخر وقتها وإن لم يكن متميزا فيجوز تأخيرها إلى ~~وقت العصر للعذر، فلا يفوت إلا بفوات وقت العصر. والمغرب يتميز أول وقتها ~~وآخره بغروب الشمس وغروب الشفق. وعشاء الآخرة يتميز أول وقتها بمغيب الشفق، ~~وآخر وقتها وإن لم يتميز تميزا في الحس لكنه يمد للعذر إلى طلوع الفجر ~~كالظهر. والصلاة التي يمكن تأخيرها إلى ما بعد الوقت الخاص للعذر، لا يخاف ~~من فوتها ما يخاف من فوت الصلاة التي لا يمكن تأخيرها، PageV06P302 ### || CHECK - هل يجوز تأخير الصلاة عن وقتها في حال شدة الخوف؟ # فالظهر والعشاء يجوز تأخيرهما عن وقت الاختيار، وإن جاز تقديم العشاء، ~~بخلاف العصر فإنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها بحال من الأحوال، وأول وقتها ~~ليس يميز، مع أنه أقصر من وقت العشاء والظهر، ووقتها يكون الناس فيه ~~مشتغلين بالأعمال في العادة، لا يكونون في وقت صلاة أشغل منهم في وقتها، ~~وإن كان ذلك يختلف باختلاف الأحوال والآحاد في بعض الصلوات، لكن هذا هو ~~الغالب. فالمحافظة عليها بسبب الوقت وقصره ووجود الشغل فيه. # ولهذا لم يشتغل نبينا عليه السلام عن صلاة من الصلوات حتى نسيها إلا صلاة ~~العصر يوم الخندق، كما أنه لم ينم عن صلاة إلا عن صلاة الفجر، وقال (1): ~~"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك"، وهو - ~~صلى الله عليه وسلم - نام عن الصلاة مرة ونسيها أخرى. ولهذا قال لأصحابه: ~~"لا يصلين أحد العصر [إلا] في بني قريظة"، فأدركتهم العصر في الطريق، فمنهم ~~من صلى في الوقت، ومنهم من أخرها حتى صلاها بعد المغرب هناك، فلم ms1146 يعنف ~~واحدة من الطائفتين (2). # ولهذا تنازع العلماء هل يجوز في حال شدة الخوف تأخير الصلاة عن وقتها أو ~~يجب فعلها في وقتها بحسب الحال؟ على قولين هما روايتان عن أحمد. PageV06P303 ### || CHECK - المجمع بين الصلاتين # إحداهما: أنه يخير بين تعجيلها بحسب الحال وبين تأخيرها، كما أن الصحابة ~~منهم من صلى في الوقت ومنهم من صلى بعد الوقت، لكن أولئك صلوا صلاة كاملة، ~~لكونهم لم يمنعوا عن ذلك. # والثاني: أنه يجب فعلها في الوقت بحسب الحال، وأن ذلك التأخير كان منسوخا ~~بقوله بعد ذلك: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) (1)، فأمرهم بالمحافظة ~~التي هي فعلها في الوقت. ولأنه بذلك يجمع بين الواجبين: الصلاة والجهاد ~~بحسب حاله، وإتيانه بالواجبين أولى من تفويت أحدهما، ووقت الصلاة أعظم ~~فروضها، ولا تسقط بحال، ولهذا تفعل على أي حال أمكن في الوقت، ولا تؤخر ~~صلاة النهار إلى الليل، ولا صلاة الليل إلى النهار، لا لاشتغال مفرط ولا ~~غير ذلك. # وأما الجمع بين الصلاتين فهو فعل لها في وقتهما، إذ الوقت ينقسم إلى وقت ~~اختيار ووقت اضطرار، ولهذا قلنا في المحرم إذا خاف إن صلى العشاء أن يفوته ~~الوقوف بعرفة، وإن بادر إلى إدراك الوقوف قبل صلاة الفجر فاتته العشاء= إنه ~~يجمع بين الواجبين الصلاة والحج، فيصلي بحسب حاله ويدرك الوقوف. وهذا القول ~~خير من قول من قدم الصلاة وفوت الحج، أو قدم الحج وفوت الصلاة، إذ كل من ~~الوقوف والصلاة له وقت لا يجوز تأخيره عنه. وبعد هذا القول قول من سوغ ~~تأخير الصلاة لإدراك الحج، فهو شبيه بقول من سوغ تأخير PageV06P304 ### || CHECK - قول من قال: الصلاة الوسطى هي الفجر # الصلاة لأجل الجهاد. وأما من أمر بفعل الصلاة وتفويت الحج فهو يقول: لا ~~يخرج عن الإحرام بذلك، بل ينتقل عن الحج إلى العمرة. # وهذا ضعيف، فإن ذلك لا يجوز مع القدرة بحال. # ومن العلماء من جعل فعل الصلاة يوم بني قريظة من الصحابة فعل اجتهاد، وأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسوغ الفعلين جميعا حتى جعلهم مخيرين، ms1147 ~~ولكن لما اجتهدوا أقر كلا منهما على اجتهاده. وجعلوا هذا الحديث أصلا في ~~تقرير المجتهدين على اجتهادهم. وهذا وإن كنت قد ذكرته في بعض كلامي قبل هذا ~~ففيه نظر، لأن المجتهدين إنما يقرون إذا عدمت النصوص، فلو كان هذا من باب ~~الاجتهاد لكان أحدهما هو المصيب دون الآخر، فكان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يصوب فعل إحدى الطائفتين ويعذر الأخرى، لا يسوي بين الطائفتين التي ~~اختصت إحداهما بالإصابة في موارد الاجتهاد. # والمقصود الكلام على "الوسطى"، وأنها مما قد يشتغل عنها الأنبياء ~~والصالحون، كما نسيها النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن نسيها من أصحابه ~~يوم الخندق، وكما نسيها سليمان يوم عرضت عليه الخيل. فتخصيصها بالأمر ~~بالمحافظة عليها مناسب، كما هو قول أهل الحديث والسلف. # ويليه قول من قال: إنها الفجر، فإنه أيضا قول طائفة من الصحابة والعلماء ~~المتبوعين. والفجر أحق الصلوات بذلك بعد العصر، فإن هاتين الصلاتين بينهما ~~من الاشتراك الذي اختصا به ما ليس لغيرهما من الصلوات، كما قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (1): "لن يلج النار PageV06P305 ### || CHECK - خصائص صلاتي الفجر والعصر # أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" يعني الفجر والعصر. وقال في الحديث ~~الصحيح (1): "من صلى البردين دخل الجنة". وقال (2): "إنكم سترون ربكم كما ~~ترون القمر ليلة البدر، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) ~~(3). وقال في الحديث الصحيح (4): "من أدرك [ركعة] من الفجر قبل أن تطلع ~~الشمس فقد أدرك، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك". # وذلك أن الله أمر بالصلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، وهذا يتناول هاتين ~~الصلاتين قطعا، وإن كانت صلاة الظهر قد تدخل في ذلك. وكذلك قوله: (وسبح ~~بحمد ربك بالعشي والإبكار) (5)، (وأقم الصلاة طرفي النهار) (6) و (بالغدو ~~والآصال) (7)، ونحو ذلك يتناول الفجر والعصر قطعا، والظهر وإن دخلت في ذلك ~~فوقتها وقت العصر حين العذر، كما أن وقت العصر هو ms1148 وقتها حال العذر فوقت ~~هاتين الصلاتين واحد من وجه. # ومن خصائص هاتين الصلاتين أن كلا منهما لا يجوز تأخيرها عن PageV06P306 # وقتها بحال ولا لسبب من الأسباب، كما تؤخر الظهر [إلى العصر]، والمغرب ~~إلى العشاء للعذر، ولهذا خصهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "من ~~أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك، ومن أدرك ركعة من العصر ~~قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك"، إذ سائر الصلوات لا تحتاج إلى مثل هذا. فهذه ~~صلاة النهار لا تؤخر إلى الليل، وتلك صلاة ليل من بعض الوجوه لأجل الجهر ~~فيها، وصلاة نهار من بعض الوجوه لكونها بعد طلوع الفجر، وإن كانت معدودة من ~~صلوات النهار كما قد نص عليه أحمد وغيره، لكن فيها شبه من صلاة الليل. وذلك ~~أن لفظ "الليل" "والنهار" فيهما اشتراك، فقد يراد في الشريعة بالنهار ما ~~أوله طلوع الفجر، كقوله: (وأقم الصلاة طرفي النهار) (1) الطرف الأول فيه ~~صلاة الفجر، وهذا هو المعروف في باب الصيام، إذ [إنا] نصوم النهار ونقوم ~~الليل، فصيام النهار أوله طلوع الفجر، وقيام الليل ينتهى بطلوع الفجر. وقد ~~يراد بالنهار ما أوله طلوع الشمس، كما يجيئ في الحديث: فعل كذا نصف النهار، ~~ولما انتصف النهار، وقبل نصف النهار، فأراد نصف النهار الذي أوله طلوع ~~الشمس، إذ زوال الشمس منتصف هذا النهار، لا منتصف النهار الذي أوله طلوع الفجر. # فلهذا كان وقت الفجر فيه اشتراك بين الليل والنهار، وإن كانت الفجر ~~معدودة من صلوات النهار، وهذا مما قيل في معنى توسطها، قالوا: لأنها بين ~~صلاتي الليل وصلاتي نهار، وهو معنى مناسب، لكن العصر أحق بالتوسط كما دل ~~عليه الأحاديث، وكما قال من قال من PageV06P307 # السلف لمن سأله عن ذلك وقيل له، فأومأ بأصابعه، فأشار بالخنصر وقال: هذه ~~الفجر، وأشار إلى البنصر وقال: هذه الظهر، وأشار بالوسطى إلى العصر وقال: ~~هذه العصر، وأشار إلى المغرب وقال: هذه السباحة، ولأنها وتر، والسباحة تشير ~~بالتوحيد، وأشار إلى الإبهام وقال: هذه العشاء. وهذا صحيح، فإن أول الصلوات ~~هي ms1149 الفجر، وهي ركعتان، لتنتقل النفس منها على التدريج إلى ما هو أكثر منها، ~~ولهذا قدمها في الترتيب بعض المصنفين، وذلك أحسن ممن قدم الظهر، فإن الذين ~~قدموا الظهر اتبعوا ما فعله جبريل والنبي - صلى الله عليه وسلم - حين أمه ~~وأقام له مواقيت الصلوات. والذين قدموا الفجر تبعوا فيها الأحاديث الثابتة ~~الصحيحة، مثل حديث بريدة (1) وأبي موسى (2) وحديث ابن عمرو (3) وأبي هريرة ~~(4) -إن ثبت-، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ فيها بالفجر في قوله وفعله. # وأما تسمية الظهر الأولى فليس هو تسمية سنة عنه عليه السلام، وإنما هو ~~قول بعض السلف، كما في الصحيح (5) عن أبي برزة أنه قال: PageV06P308 # "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الهجير التي تدعونها الأولى". ~~فجعل دعاءها بهذا الاسم من قول المخاطبين، لا من قول الشارع، كما قال: ~~"وكان يصلي العشاء التي تدعونها العتمة"، مع أن تسمية هذه الصلاة بالعتمة ~~وإن ورد النهي عن ذلك (1) لئلا يغلب عليه، فقد ورد فيه أحاديث صحيحة لم يرد ~~مثلها في تسمية الظهر بالأولى. # وأما فعل جبريل فعنه جوابان: # أحدهما: أن ذلك كان ليلة المعراج حين فرضت الصلوات الخمس، ولم يكن ~~المسلمون قد علموا بهذا الفرض حتى طلع النهار، فلما طلع أقام لهم الصلوات، ~~فكان ابتدأ حينئذ بالظهر. # والثاني: أن ذلك كان متقدما قبل تكميل عدد الصلوات وأوصافها، وكانت ~~الصلاة ركعتين ركعتين، ثم إن الله بعد ذلك أكمل عدد الصلوات، وإنما أخذ ~~بالآخر من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال: "المغرب وتر النهار، ~~فأوتروا صلاة الليل"، رواه أحمد (2). ولو كانت الظهر أول الصلوات لم تكن ~~الفجر داخلة لا في وتر الليل ولا في وتر النهار. # وأيضا فمعلوم أن أول النهار طلوع الفجر، فصلاة ذلك الوقت تكون أول ~~الصلوات، والإنسان حينئذ يكون كالميت. ولهذا كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا استيقظ يقول (3): "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه PageV06P309 # النشور". فكان أول الصلوات هي الفجر، وإذا كانت الفجر أولها كانت العصر ~~أوسطها، فالمحافظة عليهما في أول ms1150 وقتهما أولى من غيرهما، لأن وقتهما ليس ~~بالطويل الممتد كالظهر والمغرب والعشاء، فلا يجوز. تأخيرهما عنه، فلهذا كان ~~توكيد المحافظة عليهما متعينا، فإن المحافظة تتعلق بالوقت. # والفجر لها خصائص تتميز بها عن العصر، مثل كون القراءة فيها طويلة، كما ~~قال تعالى: (إن قرآن الفجر كان مشهودا (78)) (1). وفي السنن (2) عن أبي ~~هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تشهده ملائكة الليل وملائكة ~~النهار"، وفي رواية: "يشهده الله وملائكته". ومن خصائصها أنها لا تجمع إلى غيرها. # ومن خصائصهما أنه يجتمع فيهما ملائكة الليل وملائكة النهار، كما في ~~الصحيح (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يتعاقبون فيكم ~~ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيعرج ~~الذين باتوا فيكم، فيسألهم -وهو أعلم منهم- كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: ~~أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون". ومن خصائصهما ترك الصلاة بعدهما، ~~كما في حديث ابن عباس (4) وأبي سعيد (5) وغيرهما من النهي عن ذلك. والله ~~سبحانه أعلم. PageV06P310 ### || CHECK - فصل في اجتماع الصلاة والجهاد # فصل # يتعلق بما قبله من اجتماع الصلاة والجهاد # وذلك أن الله أمر بالمحافظة على الصلاة، والمحافظة عليها فعلها في أول ~~وقتها. والوقت وقتان: وقت يتقدر بالزمان، فلا يجوز تأخرها عنه بحال، والوقت ~~الثاني يتقدر بالفعل، وذلك نوعان: أحدهما أنه إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة ~~إلا التي أقيمت، لأن الإقامة مختصة بها بعينها، فصار ذلك الوقت وقتها ~~المقدر لا يسع لغيرها، فلا يفعل فيه غيرها لا تطوع ولا غيره. ولهذا تنازع ~~العلماء فيما إذا ذكر العبد فائتة بعد أن أقيمت الحاضرة، لأن كلاهما واجب، ~~وقد ضاق الوقت عنهما، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكر، فإن ذلك وقتها، لا وقت لها إلا ذلك" (1). ~~فأوجب فعلها وقضاءها على الفور، وهذا مما يحتج به على الترتيب في قضاء ~~الفوائت، كما هو مذهب أكثر الفقهاء في الفوائت القليلة، ومذهب بعضهم في ~~الفوائت القليلة والكثيرة. كما إذا ذكرها بعد ضيق الوقت المقدر بالزمن، هل ~~يقدم الفائتة ms1151 لتقدم وجوبها، أو يقدم الحاضرة خوف فواتها وخروجها عن وقتها ~~فتصير فائتتين، أو يصلي الحاضرة مرتين، فيفعلها مرة لأنه وقتها، ثم يصليها ~~بعد أن يصلي الفائتة لأجل مراعاة الترتيب؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد ~~وغيره. وقد رأى أبو هريرة رجلا خرج من المسجد بعد النداء فقال: "أما هذا ~~فقد عصى أبا PageV06P311 ### || CHECK - لا تؤخر الصلاة عن الوقت الموسع، والمحافظة عليها فيه واجب # القاسم" (1). لأن النداء إليها عين وقتها، ولهذا نهوا يوم الجمعة عن ~~البيع بعد النداء، لأن ذلك وقت الصلاة المعين المقدر. # فصل # وإذا كانت الصلاة على ما ذكر من توسيع الوقت تارة وتقديره أخرى، فلا تؤخر ~~عن الوقت الموسع، بل المحافظة عليها في الوقت أمر واجب على كل حال، كما أمر ~~به القرآن فقال: (حافظوا على الصلوات) (2)، وقال: (فويل للمصلين (4) الذين ~~هم عن صلاتهم ساهون (5)) (3)، وقال: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ~~واتبعوا الشهوات) (4)، وقال: (الذين هم على صلاتهم دائمون (23)) (5)، ~~(والذين هم على صلواتهم يحافظون (9)) (6)، مستثنيا هؤلاء ممن خلف هؤلاء، ~~وعاد ذاكرا لهم في "الوارثين الذين يرثون الفردوس". وكما قال: (أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس إلى غسق الليل) (7)، وقال: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل) (8)، وقال: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل PageV06P312 # غروبها) الآية (1). ومثلها في (ق) (2)، وقال: (وسبح بحمد ربك حين تقوم ~~(48) ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (49)) (3)، وقال: (وسبح بحمد ربك ~~بالعشي والإبكار (55)) (4)، وقال: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا (103)) (5). فأمر بفعل الصلوات في مواقيتها مطلقا وعموما، وأمر به ~~مفصلا وخصوصا في الآيات التي عينتها. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنه سيكون عليكم أمراء يؤخرون ~~الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة" (6). # وقال: "من نام عن صلاة أو نسيها" الحديث (7). وقال: "ليس في النوم تفريط، ~~إنما التفريط في اليقظة، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت التي تليها" (8). وقال: ~~"من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله" (9)، و"من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر ~~أهله وماله" (10)، وقال: "الوقت ما بين PageV06P313 ### || CHECK - أكثر الأحاديث ms1152 وآكدها في الصلاة والجهاد # هذين" (1)، إلى أمثال ذلك. # فالجهاد واجب على الفور تارة وعلى التراخي أخرى، وعلى الأعيان تارة وعلى ~~الكفاية أخرى، وهو سنام الدين، كما أن الصلاة عمود الدين، والإسلام رأسه. ~~ولهذا كانت غاية أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وأكثرها وآكدها في ~~الصلاة والجهاد، وكان إذا عاد مريضا قال: "اللهم اشف عبدك هذا يشهد صلاة ~~وينكأ لك عدوا" (2). # وكانت السنة أن الإمام هو الذي يقيم للناس الصلاة ويجاهد بهم العدو، ~~فأمير الحرب والصلاة واحد، كما قال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ~~(25)) (3)، فاخبر أنه أنزل الكتاب والميزان والحديد، ولهذا كان قوام الدين ~~كتاب يهدي وعدل يعمل به وحديد ينصر، (وكفى بربك هاديا ونصيرا (31)) (4). # والجهاد يلزم بالشروع، كما أن الكتاب يلزم بالشروع، كما قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم" (5)، فقد ~~قال: "من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا"، وفي رواية: "فقد عصى"، وهو PageV06P314 ### || CHECK - الجمع بين الأمر بالصلاة والأمر بالصبر (الذي هو حقيقة الجهاد) # في الصحيح (1). وإذا كانت الصلاة التي يتلى فيها الكتاب يتعين وقتها ~~بالفعل، فتلزم بالشروع، فكذلك الجهاد، فإذا صار المسلمون حذوهم أو حاصروا ~~حصنهم لم يكن لهم الانصراف حتى يقضى الجهاد، كما قال تعالى: (إذا لقيتم ~~الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15)) الآية (2). وقد أمر سبحانه ~~بالأمرين في حال القتال، فقال: (إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا) ~~(3)، فأمر بالثبات الذي هو مقصود الجهاد، وبذكره الذي هو مقصود الصلاة، كما ~~قال ابن مسعود: ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة ولو كنت في السوق. # ولهذا يقرن سبحانه كثيرا بين الأمر بالصلاة والأمر بالصبر الذي هو حقيقة ~~الجهاد، كقوله: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) ~~(4)، (استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153)) (5)، وقال: ~~(وأقم الصلاة طرفي النهار) إلى قوله: (واصبر فإن الله لا ms1153 يضيع أجر ~~المحسنين) (6)، وقال: (فأصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها) (7)، وكذلك في (ق) (8) والطور (9) PageV06P315 ### || CHECK - إذا اجتمع الواجبان في وقت واحد كيف يفعل؟ # وغافر (1)، وقوله: (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8)) إلى قوله: ~~(واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10)) (2)، وقال تعالى: (إنا نحن ~~نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا ~~(24) واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) (3). # فأمر سبحانه بهذا وبهذا، وكلاهما وإن كان ينقسم بحسب فعله ووقته إلى موسع ~~ومقدر، وبحسب فعله إلى معين ومخير، وبحسب فاعله إلى واجب على الأعيان وواجب ~~على الكفاية، فهما مشتركان في أن ما كان كذلك يلزم بالشروع فيه إتمامه، فما ~~كان وقته موسعا يتعين بالدخول فيه، وما كان واجبا على الكفاية يتعين على من باشره. # والمقصود ههنا أنه قد يجتمع الواجبان في وقت واحد، وله صورتان: # إحداهما: أن لا يكون مباشرا للجهاد، بل مصابرا للعدو، فهذا يصلي صلاة ~~الخوف إذ كان ... (4) له، كما صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - غير مرة ~~على وجوه خلاف الوجوه المعتادة في الأمن، فيسوغ فيها استدبار القبلة، ~~والعمل الكثير في نفس الصلاة، ومفارقة الإمام قبل السلام، واقتداء المفترض ~~فيها بالمتنفل، والتخلف عن متابعة الإمام حتى يصلي ركعة. وهذه الأمور فيها ~~ما لا يفعل إلا لعذر بالاتفاق، وفيها ما PageV06P316 ### || CHECK - المؤمن له ثلاثة أعداء: شياطين الإنس والجن والدواب، ووردت السنة بجهاد الثلاثة في الصلاة # لا يسوغ فعله أكثر العلماء. # والثاني: أن يكون محتاجا إلى مباشرة القتال في حال الصلاة، وهو الذي ~~قصدناه بهذا الفصل، فهذه تسمى صلاة المسايفة، لأن المسايفة هي أحوال ~~المقاتلين، وإلا فالمطاعنة والمداناة والمضاربة بالمثقلات من الحجارة ~~والدبابيس ونحو ذلك، سواء كان القتال بمحدد أو مثقل أو ما يجمعهما، فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها -وهو المشهور من مذهب أحمد، وهو مذهب الشافعي- أنه يأتي بالواجبين ~~جميعا، وأن تأخير الصلاة منسوخ بآية المحافظة. # والثاني -وهو الرواية الأخرى عن أحمد- أنه يخير بين ms1154 تقديم الصلاة ~~وتأخيرها، لحديث بني قريظة. # والثالث -وهو قول طائفة- أنه يؤخر الصلاة على ظاهر الأمر، وهذا قول جماعة ~~من أهل الرأي وأهل الظاهر. # فصل # والمؤمن له ثلاثة أعداء: شياطين الإنس والجن والدواب، وقد وردت السنة ~~بجهاد الثلاثة في الصلاة، فيجمع بين مناجاة ربه وبين دفع عدوه من جميع ~~الحيوان. أما قتال الإنس فقوله تعالى: # (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) فإن خفتم PageV06P317 # فرجالا أو ركبانا) (1). وفي حديث ابن عمر: فإن كان خوفا شديدا صلوا (2). PageV06P318 ### | CHECK (12) فصل في المواقيت والجمع بين الصلاتين # فصل # في المواقيت والجمع بين الصلاتين PageV06P319 ### || CHECK - الفرض على المسافر ركعتان ### || CHECK - الأمر بالصلاة في مواقيتها # فصل # في المواقيت والجمع بين الصلاتين # أصل ذلك أن الله أمر بالصلاة في مواقيتها، كما ثبت ذلك بالكتاب والسنة، ~~وجعل الصلوات خمس صلوات كما فرضها سبحانه على المؤمنين ليلة المعراج، ~~وجعلها خمسا في العمل وخمسين في الأجر. # وقد ثبت في الصحيحين (1) عن عائشة رضي الله عنها أن الصلاة فرضت أول ما ~~فرضت ركعتين، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر. # وروي فيه في الصحيح (2) أن صلاة الحضر جعلت أربعا لما هاجر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة. وفي السنن (3) عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ~~ركعتان، وصلاة النحر ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم. # ولهذا كان أصح قولي العلماء أن الفرض على المسافر ركعتان، وأن صلاته ~~ركعتين لا يحتاج إلى النية، بل لو نوى أربعا كان السنة في حقه أن يصلي ~~ركعتين. وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد على مقتضى نصوصه، ~~وهو قول أكثر قدماء أصحابه كأبي بكر عبد العزيز وغيره. وقال طائفة منهم ~~كالخرقي والقاضي أبي يعلى وغيرهما: إنه يفتقر إلى النية، موافقة للشافعي، ~~إذ كان أصله أن PageV06P321 ### || CHECK - ليس القصر كالجمع # فرض السفر أربع، وإنما تصير ثنتين بالنية، وهؤلاء [لا] يكرهون الأربع، بل ~~للشافعي قول: إن الأربع أفضل، وحكي عنه قول إنه ms1155 لا يجوز القصر إلا مع الخوف ~~كقول بعض الخوارج. لكن الأظهر أن هذا كذب على الشافعي، فإن الشافعي أجل ~~قدرا من أن يقول مثل هذا. # وظاهر مذهبه أن القصر أفضل، وهو مذهب أحمد بلا خلاف عنه، بل قد نص أحمد ~~على أن الأربع مكروهة، كما نقل ذلك عنه الأثرم، وتوقف أيضا في بعض أجوبته ~~هل تجزئه الأربع. وما توقف فيه من المسائل يخرجه أصحابه على وجهين أيضا. ~~ومذهبه في هذا كمذهب مالك، قيل: إن الإتمام لا يجوز، وقيل: يكره، وقيل: هو ~~ترك الأولى. # وبالجملة فعامة العلماء على أنه ليس القصر كالجمع، كما تواترت بذلك سنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه قد تواترت السنة على أنه إنما كان ~~يصلي في السفر ركعتين في جميع أسفاره، وما روى عنه أحد من علماء الحديث أنه ~~صلى في السفر أربعا قط. والحديث الذي يروى عن عائشة (1) أنه كان يصوم ويفطر ~~ويقصر ويتم ضعيف، ولفظه أنها قالت: قلت له: أفطرت وصمت وقصرت وأتممت، فقال: ~~"أحسنت يا عائشة". فأخبرته أنها هي التي أتمت وصامت، مع أن هذا ضعيف بل كذب ~~على عائشة، كما ذكر في موضعه. # بل من تتبع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علم أنه من روى عنه أنه ~~صلى أربعا في السفر فقد كذب عليه. ولما حج كان يصلي بمكة وبمنى ركعتين، PageV06P322 ### || CHECK - أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة ومزدلفة # ولما فتح مكة كان يصلي ركعتين، وأقام بها تسعة عشر يوما يصلي بها ركعتين، ~~وقال لأهل مكة: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر (1). # وأما في حجة الوداع فكان يصلي بعرفة ومزدلفة ومنى ركعتين، ويصلي وراءه ~~الحجاج من أهل مكة وغيرهم، ولم يقل لهم: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ولا ~~روى ذلك أحد من أهل الحديث، ولكن ذكر ذلك بعض المصنفين في الرأي، واشتبه ~~عليه قوله لهم بمكة في غزوة الفتح، فظن أنه قال في سفره بهم إلى عرفة ~~ومزدلفة ومنى. # وكذلك ذكر بعضهم أن عمر بن الخطاب قال ذلك ms1156 بمنى في حجه، وهذا خطأ رواه ~~بعض العراقيين، والصواب الثابت الذي رواه مالك وغيره أن عمر إنما قال ذلك ~~بمكة (2). # ولهذا كان أصح أقوال العلماء أن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة ومزدلفة، ~~كما هو مذهب أكثر فقهاء مكة والمدينة، وهو مذهب مالك وغيره وقول طائفة من ~~أصحاب أحمد كأبي الخطاب في "العبادات الخمس". # وقيل: يجمعون ولا يقصرون، كقول أبي حنيفة، وهو المنقول عن أحمد، وقد أجاب ~~بأنهم لا يقصرون، ولم ينههم عن الجمع. ولهذا جزم أبو محمد وغيره من أصحاب ~~أحمد أنهم يجمعون، وخطأ PageV06P323 ### || CHECK - سبب الجمع والقصر لهم # من قال: لا يجمعون، كما يقوله كثير من أصحاب الشافعي. # والقول الثالث: إنهم لا يقصرون ولا يجمعون، كما يقوله كثير من أصحاب ~~الشافعي وبعض أصحاب أحمد. وهو أضعف الأقوال المخالفة للسنة المعلومة من وجهين. # والذين قالوا: يقصرون، منهم من قال ذلك لأجل النسك، كما قال مالك وبعض ~~أصحاب أحمد. ومنهم من قال ذلك لأجل السفر، كما قال ذلك كثير من السلف ~~والخلف، وهو قول بعض أصحاب أحمد، وهو أصح الأقوال. # وكذلك جمعهم، فإن من العلماء من قال: جمعهم لأجل النسك، # كما يقوله أبو حنيفة وغيره فلم يجوز الجمع إلا بعرفة ومزدلفة خاصة. # والجمهور قالوا: بل الجمع كان لغير النسك، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد. ~~وهؤلاء منهم من قال: الجمع كان لأجل السفر، ومن قال: الجمع يجوز لأهل مكة، ~~[ومن] قال: يجوز الجمع في السفر الطويل والقصير، ومن قال: لا يجوز الجمع ~~إلا في الطويل. # وهما وجهان في مذهب الشافعي وأحمد. # والصواب أن كل واحد من القصر والجمع لم يكن لأجل النسك، بل كان القصر ~~لأجل السفر فقط، وأما الجمع فلأجل الحاجة أو المصلحة الشرعية، وذلك أن ~~القصر يدور مع السفر وجودا وعدما، والقصر معلق به بالنص لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة". وهو حديث ~~حسن ثابت من رواية أنس بن PageV06P324 ### || CHECK - المسائل التي ظن بعض الناس أن السنة خالفت فيها ظاهر الكتاب، وليس ms1157 الأمر كذلك # مالك الكعبي (1)، وكذلك أخبر عنه أصحابه، كقول عمر بن الخطاب: "صلاة ~~السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان تمام غير قصر على ~~لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - " (2). وكذلك قال ابن عمر: "صلاة السفر ~~ركعتان، من خالف السنة كفر" رواه مسلم وغيره (3). ومعناه: من اعتقد أن ~~الركعتين لا تجزئ فقد كفر، لأنه خالف السنة المعلومة، كما لو قال: إن الفجر ~~لا تجزئ فيه ركعتان، وإن الجمعة والعيد لا تجزئ فيه ركعتان. وهذا يحكى عن ~~بعض الخوارج الذين زعموا أنهم يتبعون ظاهر القرآن وإن خالفته السنة ~~المتواترة. وهؤلاء ضالون في فهمهم للقرآن وضالون في مخالفة السنة. # وقوله: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا) (4) لم يذكر فيها أنه قصر للعدد، والصحابة عمر وغيره جعلوا صلاة ~~المسافر ركعتين تماما غير قصر. وهذا قاله عمر بعد سؤال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، كما ثبت في الصحيح (5) عن يعلى بن أمية سأل عمر عن هذه الآية ~~(فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)، ~~فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ~~"صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته". فكأن المتعجب ظن أن القصر PageV06P325 # قصر العدد [و] أنه معلق بالسفر مع الخوف، كما ظن بعضهم أن الجنب لا ~~يتيمم، وظن عمار أنه يتيمم عن الجنابة بالتمرغ في التراب كما تتمرغ الدابة، ~~وظن عمار وغيره من الصحابة أن التيمم يمسح فيه اليدين إلى الآباط، فلما ~~سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بين لهم أنه يجزئ المسح إلى الكوعين ~~وأن الجنب يتيمم كذلك (1)، وكان ما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~موافقا لما دل عليه القرآن، لا يخالفه لا لباطنه ولا لظاهره، ولكن كل أحد ~~منهم يفهم ما دل عليه القرآن، فقد يظهر له معنى يظن أن ظاهر القرآن دل ~~عليه، ويكون من نقص فهمه لا من نقص دلالة القرآن. # كمن ظن أن قوله: (وأتموا الحج والعمرة ms1158 لله) (2) يمنع الفسخ الذي أمر [به] ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أطوع ~~الخلق لربه وأتبعهم لهذه الآية، فكيف يأمرهم بأن لا يتموا الحج والعمرة ~~لله؟ والذي لا يتم هو الذي يحل بعمرة لا يتمتع بها أو بلا عمرة، وهذا لا ~~يجوز بالإجماع. # وأما من أحل بعمرة وتمتع بها فعمرته جزء من الحج، وهو ...... (3) بصوم ~~الأيام الثلاثة التي قيل فيها: (فصيام ثلاثة أيام في الحج) (4)، وعمرته قد ~~دخلت في حجته، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "دخلت العمرة في الحج ~~إلى يوم القيامة" (5)، كما دخل الوضوء في الغسل غسل الجنابة وغسل PageV06P326 # الميت، وتحلله في أثناء الإحرام تحلل من يقصد أنه يحل ثم يحرم بالحج بعد ~~ذلك، لا يجوز له التحلل بدون ذلك، فدخل الحل رحمة من الله. والحاج يتحلل ~~التحلل الأول وقد بقي عليه الطواف والرمي، وإن فعل ذلك بلا إحرام فهو من ~~الحج، لكن من تحلل [بعمرة] لم يبق عليه بعض الحج، بل المتمتع يتحلل أولا ~~حلا تاما، ثم عليه أن يحرم بعد ذلك التحلل الثاني بعد رمي جمرة العقبة، ثم ~~عليه الطواف والرمي وهما من الحج. # وكذلك من ظن أن ظاهر القرآن يخالفه قوله للمبتوتة: "لا نفقة لك ولا سكنى" ~~(1)، والقرآن لا يدل على إيجاب نفقة وسكنى للمبتوتة أصلا، وإنما المطلقة ~~المذكورة في قوله: (إذا طلقتم) (2) هي الرجعية كما يدل عليه سياق الكلام، ~~والإنفاق على ذوات الحمل إنما كان لأجل الحمل. ولهذا كان أصح قولي العلماء ~~أن النفقة للحمل نفقة والد على ولده، لا نفقة زوج على زوجته، كما هو مذهب ~~مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه التي اختارها أصحابه، وهو أحد قولي ~~الشافعي. ومن أوجبه للزوجات فإنه لم يخص به الحامل، كما قال من يوجب النفقة ~~للمبتوتة، لم يكن للحمل عنده تأثير. ومن قال: نفقة زوج لأجل الحمل فقوله ~~متناقض غير معقول، والقرآن علق النفقة بالحمل والإرضاع، والمعلق بالإرضاع ~~نفقة والد على ولده باتفاق المسلمين، فكذلك نفقة الحمل، ومن علقها بالزوجية ms1159 ~~فهو مخالف PageV06P327 # للكتاب والسنة. # ونظائر هذا كثيرة مما يظنه بعض الناس أن السنة خالفت فيه ظاهر الكتاب، ~~ولا يكون الأمر كما قاله، بل تكون السنة موافقة لظاهر القرآن. والمقصود هنا ~~ذكر الجمع وذكر القصر تبعا. # فقوله تعالى: (أن تقصروا) (1) مطلق مجمل قد يراد به قصر العمل والأركان، ~~وذلك لا يجوز إلا في الخوف، فإن المسافر ليس له لأجل سفره أن يقصر عمل ~~الصلاة كما يقصره الخائف، وأما الخائف فيجوز له القصر كما قال تعالى: (وإذا ~~كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك) إلى قوله تعالى: (فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة) (2). # فالصلاة مع الأمن صلاة مقامة إقامة مطلقة وهي التامة، ومع الخوف مقصور، ~~وإذا ضربوا في الأرض وكانوا خائفين قصروا لأجل الخوف مع صلاة ركعتين، فإن ~~كانت الركعتان لا تسمى في السفر قصرا، فإنه بين حال الخوف في السفر، كما ~~بين التيمم عند عدم الماء في السفر، لأن ذلك هو الذي يحتاج إلى بيانه في ~~العادة العامة، فأما عدم الماء في الحضر فنادر، واحتياج المقاتل لصلاة ~~الخوف نادر. # ودل القرآن على أن مجرد الضرب في الأرض ليس نسخا للقصر المذكور في ~~القرآن، وليس في القرآن أنه لا قصر إلا قصر المسافر، بل قصر الخائف قصر، ~~وصلاته ناقصة بالكتاب والسنة والإجماع. وأما PageV06P328 # المسافر ففي تسمية صلاته قصرا نزاع وتفصيل، ومن لم يفرض عليه إلا ركعتان ~~مع قدريه على الأربع وتيسر ذلك عليه لم يكن قد نقص مما أمر به شيئا، كمن ~~صلى الفجر والعيد ركعتين والجمعة ركعتين، بخلاف الخائف والمريض ونحوهما، ~~فإنه إنما أبيح لهما نقص الصلاة لأجل العجز عن إكمالها، والمسافر يباح له ~~ذلك مع القدرة، كما أبيح له الفطر، واستحب له أو وجب عليه ذلك عند طائفة. ~~وإن كان المسافر إنما وضع عنه الصوم وشطر الصلاة لكون السفر مظنة الحاجة ~~إلى التخفيف فهذا حكم عام لكل مسافر معلق بجنس السفر، إما لكون السفر قطعة ~~من العذاب فتكون الحكمة عامة، أو لكونه مظنة كما يظنه بعض الناس، وإن تخلفت ~~الحكمة ms1160 في آحاد الصور. وهذا بمنزلة المسافر ليس عليه جمعة، وأن عرفة ومنى ~~لا جمعة فيهما، وأن المسافر يمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن والمقيم ~~يمسح يوما وليلة، ونحو ذلك من الأحكام التي فرق الله فيها بين حكم المقيم ~~والمسافر. # وإذا كان قصر العدد أمرا معلقا بالسفر يثبت به ولا يثبت بدونه كان السفر ~~هو المؤثر في قصر العدد، فأما النسك فلا تأثير له في قصر العدد، بل كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يقصر قبل أن يحرم بالحج هو وأصحابه، ولم يزل ~~يقصر إلى أن رجع إلى المدينة، فقصر قبل إحرامه وبعد تحلله، وقصر معه أهل ~~مكة، كما قصر معه سائر من حج معه. فعلم أن ذلك كان لأجل سفرهم من مكة إلى ~~عرفة، لا لكونهم حجاجا. ولهذا لو أحرموا بالحج وهم مقيمون بمكة لم يجز لهم ~~القصر عند أحد من العلماء، فعلم أن ذلك لم يكن لأجل النسك. فمن جعل قصر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفة ومزدلفة ومنى إنما كان لأجل النسك لا ~~السفر فقد علق الحكم PageV06P329 ### || CHECK - الجمع بين الصلاتين لم يعلق بمجرد السفر # بوصف عديم التأثير فيه، ولم يعلقه بالوصف المؤثر فيه بالنص والإجماع. # ولهذا نظائر يغلط فيها من يعلق الحكم بالوصف الذي لم يؤثر فيه، دون الوصف ~~المؤثر فيه، كمن علق على استئذان الصغيرة في النكاح بالبكارة دون الصغر، ~~وهذا خلاف النصوص والأصول، فإنها إنما علقت ذلك بالصغر، فأما البكارة فإنما ~~علقت بها صفة الاستئذان فقط، وهو كون سكوتها إقرارها. وكذلك من علق بعض ~~الأحكام في الطلاق والخلع والكناية أو غير ذلك بكونه تعليقا بشرط، وفرق بين ~~أن يكون العقد بصيغة تعليق أو بغير صيغة تعليق. وهذا ربط الحكم بوصف عديم ~~التأثير في الكتاب والسنة، وإنما ربط الله الأحكام بمعاني الأسماء المذكورة ~~في النص، مثل كونها طلاقا وخلعا وكناية ويمينا وغير ذلك، فما كان من هذا ~~النوع علق حكم ذلك به، سواء كان بصيغة الشرط، وإن لم يكن من هذا النوع لم ~~يدخل فيه بأي ms1161 صيغة كان. # فصل # وأما الجمع بين الصلاتين فلم يعلق بمجرد السفر في شيء من النصوص، بل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجمع في حجته إلا بعرفة والمزدلفة، وكان ~~بمنى يقصر ولا يجمع، وكذلك في سائر سفر حجته، ولا يجمع لمجرد النسك، فإن ~~الناسك هو في النسك، وإنما جمع بعرفة لما كان مشتغلا بالوقوف، وجمع بجمع ~~لما كان جادا في السير من عرفة إلى مزدلفة. وهكذا ثبت عنه في الصحاح (1) من ~~حديث ابن عمر أنه كان إذا PageV06P330 ### || CHECK - الجمع في المطربين المغرب والعشاء # جد به السير أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل يجمع بينهما، وكذلك إذا جد ~~به السير جمع بين المغرب والعشاء، وكذلك يجمع في سفره إذا جد به السير، كما ~~فعل بمزدلفة. وكذلك ثبت في الصحيح (1) من حديث أنس عنه أنه كان إذا ارتحل ~~قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فصلاهما جميعا. وثبت في ~~الصحيح (2) عن ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى بالمدينة سبعا جميعا وثمانيا ~~جميعا، أراد بذلك أن لا يحرج أمته. وثبت في الصحيح (3) من حديث معاذ أنه ~~جمع في غزوة تبوك جمع التأخير. وروى أبو داود (4) وغيره بإسناد حسن جمع ~~التقديم من غير طريق، فنبه الذي أنكر عليه، وكان هذا موافقا لجمعه بعرفة، ~~وجمع التأخير أشهر، وقد روي عنه أنه كان يجمع بالمدينة بالمطر، كما استدل ~~بذلك من حديث ابن عباس (5). # وكان سلف أهل المدينة يجمعون في المطر بين المغرب والعشاء، ويجمع معهم ~~ابن عمر وغيره من الصحابة مقرين لهم على ذلك، مع أن الأمراء كانوا إذا ~~خالفوا السنة أنكروا ذلك عليهم، [كما أنكروا عليهم] لما أذنوا للعيد، ~~وأنكروا عليهم لما قدموا الخطبة في العيد ولما أخرجوا المنبر لصلاة العيد، ~~بل وأنكر ابن عمر قنوتهم في الفجر وغير PageV06P331 ### || CHECK - جمع المستحاضة بين الصلاتين بغسل # ذلك، ولم ينكروا جمعهم للمطر، فدل ذلك على أنه كان من السنن الموروثة ~~عندهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وفي السنن (1) أنه قال ms1162 للمستحاضة: "سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من ~~الآخر"، فخيرها بين أن تصلي كل صلاة في وقتها بوضوء، وبين أن تؤخر الظهر ~~وتعجل العصر وتجمع بينهما بغسل، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتجمع بينهما ~~بغسل، قال: "وهذا أحب الأمرين إلي". فاختار الجمع بين الصلاتين بغسل على ~~التفريق بالوضوء، وكان هذا مما يستدل به على أن الجمع مع إكمال الصلاة أولى ~~من التفريق مع نقصها، فإنه لا سبب هنا للجمع إلا الاغتسال الذي هو أكمل ~~للمستحاضة من الوضوء، مع أن الاغتسال ليس بواجب عليها، والغسل مع تيقن ~~الحيض واجب، وأما في هذه الصورة فيستحب احتياطا، لإمكان أن يكون دم الحيض ~~قد انقطع حينئذ، ولهذا يستحب لها أن تغتسل لكل صلاة. # وهذا بمنزلة الشاك هل أحدث أم لا؟ بعد تيقن الطهارة، فإن الوضوء أفضل له، ~~وإن استصحب الحال أجزأه عند الجمهور، وهو الصواب، كما أجزأ المستحاضة أن ~~تصلي إذا اغتسلت، وإن جاز أن يكون الدم الخارج بعد ذلك دم حيض. # ومعلوم أن كل ما أمر الله به في الصلاة وإنما رخص في تركه للعذر PageV06P332 ### || CHECK - غلط من قال: يجوز للصحيح أن يتطوع مضطجعا # فالصلاة معه أكمل، كما ثبت في الصحيح (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وصلاة المضطجع على ~~النصف من صلاة القاعد". وهذا قيل: إنه المتطوع غير المعذور، وجوز من قال: ~~إن الصحيح يتطوع مضطجعا، وهو قول لبعض أصحاب الشافعي وأحمد، وهو غلط مخالف ~~لما عليه سلف الأمة وأئمتها وما عليه عمل المسلمين دائما أن أحدا لا يتطوع ~~مضطجعا مع قدرته على القيام والقعود. وهذا الحديث إنما كان في المعذور، ~~وكذلك جاء مصرحا به أنه خرج عليهم وهم يصلون قعودا بسبب مرض عرض لهم، فذكر ~~هذا القول. # وأما قوله: "إذا مرض العبد أو سافر فإنه يكتب له من العمل ما كان يعمل ~~وهو صحيح مقيم" فهو حديث صحيح متفق عليه (2)، لكن فيه أن العبد إذا كان ~~عادته أن يعمل عملا وتركه لأجل السفر ms1163 أو المرض كتب له عمله لأجل نيته ~~وعادته، ليس فيه أن كل مسافر أو مريض يكتب له كعمل الصحيح. ولهذا إذا مرض ~~أو سافر ولم يكن عادته أن يقوم الليل لم يكتب له قيام، وإذا لم يكن عادته ~~أن يصلي في الجماعة لم يكتب له صلاة الجماعة. فإن كان عادته [أن] يصلي ~~قائما وصلى قاعدا لأجل المرض كتب له مثل أجر صلاة القائم، كما أنه لو عجز ~~عن PageV06P333 # الصلاة بالكلية كتب له مثل ما كان يصلي وإن لم يوجد منه صلاة. # وكما يكتب لمن خرج ليصلي في جماعة وإذا أدركهم سلموا مثل أجر من شهد ~~الجماعة وإن كان لم يصل في جماعة. وهكذا من لم يدرك ركعة من الجماعة فإنه ~~لا يكون مدركا لها إلا بركعة، لا في الجمعة ولا في الجماعة، في أصح أقوال ~~العلماء الذي دل عليه النص وأقوال الصحابة، وهو مذهب مالك وإحدى الروايتين ~~عن أحمد، والرواية الأخرى عنه الفرق بين الجمعة وغيرها، كظاهر مذهب ~~الشافعي، وفي مذهبه قول ثالث: إنه يكون مدركا للجمعة بتكبيرة، كقول أبي حنيفة. # والذي دل عليه النص وآثار الصحابة والقياس هو القول الأول. ومع هذا فيكتب ~~له أجر من شهد إذا جاء بعد الفوات لأجل نيته، فإن القاصد للخير الذي لو قدر ~~عليه لفعله وإنما يتركه عجزا يكتب له مثل أجر فاعله، كما قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا ~~كانوا معكم"، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: "وهم بالمدينة، حبسهم العذر" (1). # وفي حديث كبشة الأنماري الذي صححه الترمذي (2) عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "إنما الدنيا لأربعة: رجل آتاه الله مالا وعلما، فهو يتقي في ~~ذلك المال ربه ويصل فيه رحمه، فهذا بأشرف المنازل؛ ورجل آتاه الله علما ولم ~~يؤته مالا، فيقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان. قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: فهما في الأجر سواء؛ ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما، PageV06P334 ### || CHECK - الثواب الذي يكتب بالنية غير ms1164 الثواب المستحق بنفس الفعل # فهو لا يتقي في ذلك المال ربه ولا يصل فيه رحمه، فهذا بأخبث المنازل؛ ~~ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما، فيقول: لو أن لي مالا لعملت مثل عمل ~~فلان. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فوزرهما سواء". # فالثواب الذي يكتب بالنية غير الثواب المستحق بنفس العمل، فقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وصلاة ~~المضطجع على النصف من صلاة القاعد" كلام مطلق، وقد علم بأدلة أخرى أن هذا ~~لا يجوز في الفرض إلا مع العذر، كما قال لعمران بن حصين: "صل قائما، فإن لم ~~تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب" (1). وعلم أن تطوع الجالس يجوز مع ~~القدرة بدليل آخر، كما علم أن صلاة النافلة في السفر تجوز على الراحلة، ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي التطوع على راحلته قبل أي وجه توجهت، ~~غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة، وكان يوتر عليها. # ونظير هذا قوله: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين ~~درجة" (2)، فإن هذا مطلق، لم يدل على صلاة الرجل وحده، [كما] يعلم بدليل ~~آخر، فإذا دل دليل آخر على أن المنفرد لا يجزئه صلاته إلا مع العذر، كقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "من سمع النداء ثم لم يجب بغير عذر فلا صلاة له" ~~(3)، ولأن الجماعة إذا كانت واجبة، فمن ترك PageV06P335 ### || CHECK - الجمع بين الصلاتين بعرفة # الواجب لم تبرأ ذمته إلا بأدائه، كما يقول كثير من السلف والخلف من أصحاب ~~أحمد وغيرهم= لم يكن في ذلك تناقض بين أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~بل ذلك لمن فهمه يدله على أن ذلك كله جاء من عند الله، ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. # وكذلك الصلاة بالوضوء والغسل أكمل من الصلاة بالتيمم، والصلاة في الأماكن ~~التي لم ينه عنها أكمل من الصلاة في مواضع النهي، كالحمام والمقبرة وأعطان ~~الإبل. والصلاة في الجماعة أكمل من صلاة الرجل وحده، وفضل الفاضل هنا على ~~المفضول ms1165 أبلغ من فضل صلاة المستحاضة بغسل على صلاتها بغير غسل، لأن الكمال ~~هنا لاحتمال وجوب الغسل لا للعجز عنه، ولما شك في وجوبه جاز تركه مع ~~القدرة، وما لا يجوز تركه مع القدرة أولى مما يجوز تركه مع القدرة، ~~والمستحب المحض دون ذلك. # والنبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الصلاتين بعرفة في وقت الأولى، ~~وهذا الجمع ثابت بالسنة المتواترة وباتفاق المسلمين عليه، ومعلوم أنه قد ~~كان يمكنه أن يترك العصر فيصليها في وقتها المختص، لكن عدل عن ذلك إلى أن ~~قدمها مع الظهر لمصلحة تكميل الوقوف، لعلمه - صلى الله عليه وسلم - بأن ~~اتصال الوقوف إلى المغرب بغير قطع له بصلاة العصر في أثنائه أحب إلى الله ~~من أن يصلي العصر في وقتها الخاص، ولو أخر مؤخر العصر وصلاها في الوقت ~~الخاص وقطع الوقوف لأجزأه ذلك فيما ذكره العلماء من غير نزاع أعلمه، ولكن ~~ترك ما هو أحب إلى الله ورسوله، فإنه لو قطع الدعاء والذكر لبعض أعماله ~~المباحة ووقف إلى المغرب PageV06P336 ### || CHECK - مذاهب العلماء في الجمع بين الصلاتين # لم يبطل بذلك حجه، فأن لا يبطل بترك ذلك لصلاة العصر أولى وأحرى. ودلت ~~هذه السنة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن الجمع يكون ~~للحاجة والمصلحة الشرعية، فلما لم يكن لمجرد السفر فلم يكن لمجرد النسك. # وقد أخذ جمهور العلماء بالسنن الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في الجمع، وأحمد أعظمهم أخذا بما ورد كله، فإنه يجوز الجمع للمسافر في وقت ~~الثانية، كما ثبت في الصحيح. وأما الجمع للنازل في وقت الأولى كما روي في ~~السنن ففيه عنه روايتان: إحداهما الجواز كقول الشافعي، والثانية المنع كقول ~~مالك. وهل المباح للسفر مختص للطويل؟ فيه وجهان في مذهب الشافعي وأحمد، ~~ومذهب مالك أنه لا يختص بالطويل، وهو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة الشرعية. ~~"وثلاثتهم يجوزون الجمع بين المغرب والعشاء، وأما صلاتا الظهر والعصر ~~ففيهما نزاع بينهم، وعن أحمد فيها روايتان. ومالك وأحمد يجوزان الجمع ~~للمريض، وهو قول طائفة من ms1166 أصحاب الشافعي. # وجوز أحمد الجمع للمستحاضة، كما في الحديث الذي في السنن سنن أبي داود ~~وابن ماجه والترمذي وصححه ورواه أحمد من حديث حمنة بنت جحش (1)، قالت: كنت ~~أستحاض حيضة شديدة، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أستفتيه، فقلت: إني ~~أستحاض حيضة كثيرة فما تأمرني فيها؟ فقد منعتني الصيام والصلاة، قال: أنعت ~~لك الكرسف، قالت: PageV06P337 ### || CHECK - وقت الصلاة وقتان: وقت الرفاهية والاختيار، ووقت الحاجة والعذر # هو أكثر، قال: فاتخذي ثوبا، قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجا، قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سآمرك بأمرين أيهما صنعت أجزأ عنك، فإن ~~قويت عليهما فأنت أعلم"، فقال: "إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام ~~أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي، فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ~~أربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي وصلي، فإن ذلك ~~يجزئك، وكذلك فاغتسلي كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن، فإن ~~قويت على أن تؤخرين الظهر وتعجلين العصر ثم تغتسلي حتى تطهرين، فتصلين ~~الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين ~~بين الصلاتين بغسل، وتغتسلين مع الصبح وتصلين، فكذلك فافعلي وصومي إن قدرت ~~على ذلك، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وهو أعجب الأمرين إلي". # وعن عائشة رضي الله عنها أن سهلة بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن ~~تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وأن تغتسل للصبح. رواه ~~أحمد والنسائي وأبو داود (1)، وهذا لفظه. # وأصل هذا الباب أن تعلم أن وقت الصلاة وقتان: وقت الرفاهية والاختيار، ~~ووقت الحاجة والعذر. فالوقت في حال الرفاهية خمسة أوقات، كما ثبت في صحيح ~~مسلم (2) عن عبد الله بن عمرو عن النبي PageV06P338 ### || CHECK - اختلاف العلماء في أوقات بعض الصلوات # - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله، ~~ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما ms1167 لم يغب نور الشفق، ووقت ~~العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس". # وقد روي هذا الحديث من حديث أبي هريرة في السنن (1)، ولم يرو عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - حديث في المواقيت من قوله إلا هذا، وسائر ما روي فعل ~~منه، والأحاديث الصحيحة المتأخرة من فعله توافق هذا الحديث. # ولهذا ما في هذا الحديث من المواقيت هو الصحيح عند الفقهاء العارفين ~~بالحديث، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بل أصحهما. # والنزاع بين العلماء في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر وآخره، وآخر وقت ~~المغرب، وآخر وقت العشاء، وآخر وقت الفجر. # فالجماهير من السلف والخلف من فقهاء الحديث وأهل الحجاز وقت الظهر عندهم ~~من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله سوى الفيء الذي زالت عليه الشمس. ~~وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: إلى أن ~~يصير ظل كل شيء مثليه. ثم يدخل وقت العصر عند الجمهور، وعند أبي حنيفة إنما ~~يدخل إذا صار ظل كل شيء مثليه. ونقل عنه أن ما بين المثل إلى المثلين ليس ~~وقتا لا للظهر ولا للعصر. وعلى قول الجمهور هل هذا آخر هذا أو بينهما قدر ~~أربع ركعات مشترك؟ فيه نزاع، فالجمهور على الأول، والثاني منقول عن مالك. ~~وإذا صار ظل كل شيء مثليه خرج وقت العصر في إحدى الروايتين عن أحمد، وهو ~~منقول عن مالك والشافعي مع خلاف في PageV06P339 ### || CHECK - أوقات الحاجة والعذر ثلاثة، وكيفية الصلاة فيها # مذهبهما، والصحيح أن وقتها ممتد بلا كراهة إلى اصفرار الشمس، وهو الرواية ~~الثانية عن أحمد، كما نطق به حديث عبد الله بن عمرو (1) بما عمل به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بالمدينة بعد عمله بمكة، وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن ~~الحسن. فلم يكن للعصر وقت متفق عليه، ولكن الصواب المقطوع به الذي تواترت ~~به السنن واتفق عليه الجماهير أن وقتها يدخل إذا صار [ظل] كل شيء مثله، ~~وليس مع القول الآخر نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم ms1168 - لا صحيح ولا ~~ضعيف، ولكن الأمراء الذين كانوا يؤخرون الصلاة لما اعتادوا تأخير الصلاة ~~[و] اشتهر ذلك صار يظن من ظن أنه السنة، وقد احتج له بالمثل المضروب ~~للمسلمين وأهل الكتاب (2)، ولا حجة فيه باتفاق أهل الحساب على أن وقت الظهر ~~أطول من وقت العصر الذي أوله إذا صار ظل كل شيء مثله. # وأما أوقات الحاجة والعذر فهي ثلاثة: من الزوال إلى الغروب، ومن المغرب ~~إلى الفجر، ومن الفجر إلى طلوع الشمس. فالأول وقت الظهر والعصر -عند العذر- ~~واسع فيهما من وجهين: # أحدهما: تقديم العصر إلى وقت الظهر، كما قدمها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم عرفة، وكما كان يقدمها في سفرة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ ~~الشمس، أو تقديم العشاء إلى المغرب في المطر. فهذا جمع تقديم. # والثاني: جمع تأخير العصر فيها إلى المغرب، لقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~في PageV06P340 # الحديث الصحيح (1): "من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك ~~الفجر، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر". هذا مع ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (2): "وقت العصر ما لم تصفر ~~الشمس". وأنه لم يؤخر الصلاة قط إلى الاصفرار، ويوم الخندق كان التأخير إلى ~~بعد الغروب، وهو منسوخ في أشهر قولي العلماء بقوله تعالى: (حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى) (3). # وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه. وقيل: يخير حال ~~القتال في التأخير والصلاة في الوقت بحسب الإمكان، وهو الرواية الأخرى عنه. ~~وقيل: بل يؤخرها، وهو قول أبي حنيفة أيضا، ففي الحديث الصحيح (4) عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب ~~الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام، فنقر أربعا لا يذكر الله فيها ~~إلا قليلا". فوصف صلاة المنافق بالتأخير إلى حين الغروب والنقر، فدل على ~~المنع من هذا وهذا، فلما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا وهذا علم أن ~~الوقت وقتان، فمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب ms1169 الشمس فقد أدرك مطلقا، ~~وليس له أن يؤخر إلى ذلك الوقت مع إمكان الصلاة قبله، بخلاف من لا يمكنه ~~الصلاة قبل ذلك، كالحائض إذا طهرت، والمجنون يفيق، والنائم يستيقظ، والناسي ~~يذكر. فدل تقديمه للعصر يوم عرفة على أنها تفعل في موضع مع الظهر عقيب PageV06P341 # الزوال، ودل هذا الحديث على أنها يدرك وقتها بإدراك ركعة منها قبل ~~الغروب، مع أنه جائز (1) بقوله وفعله أن وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله ما ~~لم تصفر الشمس، فدل على أن هذا الوقت المختص بها وقت مع التمكن والرفاهية، ~~ليس لأحد أن يؤخرها عنه ولا يقدمها عليه. # وقد عرف عن الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس رضي الله ~~عنهم أنهم قالوا في الحائض: إذا طهرت قبل غروب الشمس تصلي الظهر والعصر، ~~وإذا طهرت قبل طلوع الشمس (2) صلت المغرب والعشاء. ولم يعرف عن صحابي خلاف ~~ذلك، وبذلك أخذ الجمهور كمالك والشافعي وأحمد. وهذا مما يدل على أنه كان ~~الصحابة [يرون] أن الليل عند العذر مشترك بين المغرب والعشاء وإلى الفجر، ~~والنصف الثاني من النهار مشترك عند العذر بين الظهر والعصر من الزوال إلى ~~الغروب، كما دل على ذلك السنة، والقرآن يدل على ذلك، قال الله تعالى: (وأقم ~~الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل) (3)، فالطرف الأول صلاة الفجر، فإن ~~صلاة الفجر من النهار، كما قد نص على ذلك أحمد، فإن الصائم يصوم النهار، ~~وهو يصوم من طلوع الفجر، والوتر يصلى بالليل. وقد قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة" (4). ~~فليس لأحد أن يتعمد تأخير PageV06P342 # الوقت إلى ما بعد طلوع الفجر عند جماهير العلماء، كأبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد في ظاهر مذهبه. # وإذا قيل: "نصف النهار" فالمراد به النهار المبتدئ من طلوع الشمس، فهذا ~~في هذا الموضع، ولفظ "النهار" يراد به من طلوع الفجر، ويراد به من طلوع ~~الشمس، لكن قوله (وأقم الصلاة طرفي النهار) أريد به من طلوع الفجر بلا ريب، ~~لأن ما بعد طلوع [الشمس] ms1170 ليس على المسلمين فيه صلاة واجبة بل ولا مستحبة، ~~بل الصلاة في أول الطلوع منهي عنها حتى ترتفع الشمس. وهل تستحب الصلاة لوقت ~~الضحى أو لا تستحب إلا لأمر عارض؟ فيه نزاع ليس هذا موضعه. # فعلم أنه أراد بالطرف الأول من طلوع الفجر، وأما الطرف الثاني فمن الزوال ~~إلى الغروب، فجعل الصلاة وأشرك بينهما فيه، ثم قال: (وزلفا من الليل) وهي ~~ساعات من الليل. فالوقت هنا ثلاثة، وكذلك في قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (78)) (1). ~~فالدلوك: الزوال عند أكثر السلف، وهو الصواب، يقال: دلكت وهي الشمس إذا ~~زالت. وغسق الليل: اجتماع الليل وظلمته. فالأول يتناول الظهر والعصر تناولا ~~واحدا، والثاني [يتناول المغرب والعشاء] تناولا واحد، ثم قال: (وقرآن ~~الفجر) وهي صلاة مفردة لا تجمع ولا تقصر. PageV06P343 # وقال تعالى: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ~~ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة ~~العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح) (1). فذكر الفجر وذكر ~~الظهر وذكر صلاة العشاء، فمن الظهيرة إلى ما بعد صلاة العشاء وقتان للصلاة. ~~وقد ذكر الأول من هذا الوقت والآخر من هذا الوقت. # وقد دل على المواقيت في آيات أخرى، كقوله: (فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون (17) وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18)) (2)، ~~فبين أن له التسبيح والحمد في السموات والأرض حين الصباح وحين المساء وعشيا ~~وحين الإظهار، فالمساء يتناول المغرب والعشاء، والصباح يتناول الفجر، ~~والعشي يتناول العصر، والإظهار يتناول الظهر. # وقال تعالى: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل ~~فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) (3)، وفي الآية الأخرى: (قبل طلوع الشمس ~~وقبل الغروب (39) ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40)) (4). # فقبل طلوع الشمس هي صلاة الفجر، وقبل غروبها هي العصر، وكذلك فسرها النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق على صحته (5) من حديث PageV06P344 ### || CHECK - مناقشة من يخالف الجمهور في الوقت المشترك # جرير ms1171 بن عبد الله قال: كنا جلوسا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة ~~البدر، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها ~~فافعلوا"، ثم قرأ قوله: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) (1). ~~و"من آناء الليل" مطلق في آناء الليل يتناول المغرب والعشاء. # والذين ينازعون الجمهور في الوقت المشترك ويقولون: ليس لكل منهما إلا وقت ~~يخصها، يقولون: الفرض إنما ثبت بالقرآن، والقرآن أوجب مطلق الذكر في قوله: ~~(قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى (15)) (2)، فلا موجب لخصوص ~~التكبير عندهم، بل مطلق الذكر. # فمان كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل قط إلا بتكبير، ولا أحد من ~~خلفائه ولا أحد من أئمة المسلمين ولا آحادهم المعروفين يعرف أنه صلى إلا ~~بتكبير، ومع هذا فيجوزونه بمطلق الذكر لأن القرآن مطلق في الذكر= فيقال ~~لهم: القرآن مطلق في آناء الليل وفي غسق الليل، ومطلق في الأول وفي الطرف ~~الثاني، فدل على جواز الصلاة في هذا وهذا لو قدر أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - داوم على التفريق، فكيف إذا ثبت عنه أنه جمع بينهما في الوقت الأول ~~غير مرة، وفي الوقت الثاني غير مرة؟ وكذلك يقولون: قوله تعالى: (اركعوا ~~واسجدوا) (3) مطلق، PageV06P345 # فهو الفرض، والطمأنينة إنما جاء بها خبر واحد، فيفيد الوجوب دون الفريضة. ~~وكذلك يقولون في الفاتحة: إن القرآن مطلق في إيجاب قراءة ما تيسر منه، مع ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين من بعده لم يصلوا إلا بالفاتحة، ~~ومع قوله: "لا صلاة إلا بأم القرآن" (1) وأن "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم ~~القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج" (2)، ويقولون: هذا يفيد الوجوب دون ~~الفريضة، وهذا خبر واحد لا يقيد به مطلق القرآن. # ومعلوم أن القرآن مطلق في الوقت المشترك أعظم من هذا، وليس معهم عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ما يوجب فعل كل واحدة من الأربع في ms1172 الوقت الخاص إلا ~~فعله المتواتر، وقوله الذي هو من أخبار الآحاد، مع ما فيه من الإجمال، ~~كقوله لما بين المواقيت الخمسة: "الوقت ما بين هذين" (3)، وقوله: "ما بين ~~هذين وقت" (4)، دلالته على وجوب الصلاة في هذا الوقت دون دلالة قوله: "لا ~~صلاة إلا بأم القرآن" وقوله: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج". # وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (5): "سيكون بعدي ~~أمراء PageV06P346 # يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم ~~نافلة"، وهو الوقت الذي بينه لهم. والأمراء إنما كانوا يؤخرون الظهر إلى ~~وقت العصر، أو العصر إلى آخر النهار. ودل هذا على أن من فعل هذا لم يقاتل، ~~لأنهم سألوه عن الأمراء نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا"، وهذه كانت صلاتهم. ~~ودل على أن هذه الصلاة صحيحة، وإن كان فاعلها آثما. بخلاف صلاة النهار بعد ~~الغروب، فإن من قال: لا يصليها إلا بعد الغروب قد قوتل بلا ريب. وكذلك من ~~قال: لا يصلي المغرب والعشاء إلا بعد طلوع الفجر فإنه يقاتل بلا ريب. وقد ~~قال ابن مسعود وغيره في قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ~~واتبعوا الشهوات) (1)، قالوا: إضاعتها تأخيرها عن وقتها، ولو تركوها لكانوا ~~كفارا، وأرادوا بذلك تأخيرها إلى الوقت المشترك أو وقت الاضطرار، ولم ~~يريدوا بذلك تأخير صلاة النهار إلى الليل ولا صلاة الليل إلى صلاة النهار، ~~فإن الخلف الذين كان ابن مسعود يسميهم الخلف -كالوليد بن عقبة بن أبي معيط ~~وغيره- لم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل، ولا صلاة الليل إلى ~~النهار، بل كان التأخير كما تقدم، مع أن ابن مسعود كان يسميهم "خلف"، ~~ويقول: "ما فعل خلفكم؟ "، فالخلف لم يكونوا يصلون بغير الفاتحة، ولا بغير ~~التكبير، ولا يقرأون القرآن بغير العربية، بل كانوا يصلون في الوقت المطلق ~~في كتاب الله في الطرف الثاني وقبل الغروب. ثم لما دل الشرع على وجوب ~~الصلاة في الوقت المختص ذموا لأجل ترك هذا الواجب، مع PageV06P347 # أن في القرآن مع النصوص ms1173 المطلقة في آناء الليل والطرف الثاني أكثر مما ~~فيه من إطلاق قوله: (واذكر اسم ربك) (1)، وقوله: (فاقرءوا ما تيسر منه) ~~(2). والسنة والآثار دلت على الوقت المشترك، ولم تدل سنة على الصلاة بغير ~~فاتحة، فعلم أن الكتاب والسنة وآثار الصحابة تدل على أن الأوقات في حق ~~المعذور ثلاثة، وأن ذلك لم يعارضه دليل شرعي أصلا، وما قدر معارضا له ~~فالإيجاب به أضعف من الإيجاب بما دل على الفاتحة والتكبير. # وقوله تعالى: (ومن آناء الليل) (3) وقوله: (وزلفا من الليل) (4) كان ~~مطلقا، دل على أن جميع الليل وقت في الجملة للصلاة، كما كان الطرف الثاني ~~وقتا للصلاة، وأن النصف الثاني من الليل كما بعد الاصفرار، ليس لأحد أن ~~يؤخر إليه العشاء مع الاختيار. وأما الحائض إذا طهرت والمجنون إذا أفاق ~~والكافر إذا أسلم والنائم إذا استيقظ والناسي إذا ذكر فيصلون المغرب ~~والعشاء، كما كانوا يصلون الظهر والعصر قبل الغروب، كما قال أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وأبو هريرة رضي ~~الله عنهم، وهو قول الجمهور. PageV06P348 # فصل # وهذا الذي ذكرناه من أن الوقت مشترك عند العذر إلى آخر وقت العصر فقد صلى ~~في وقتها، فهو كما لو أخرها إلى آخر الوقت المختص، فلو قدر أن الحائض طهرت ~~والنائم استيقظ والكافر أسلم بعد دخول وقت العصر المختص فإنهم يصلون الظهر ~~والعصر في وقتها، ولا يقال: إن الظهر صلوها بعد خروج الوقت. وكذلك من قدم ~~العصر إلى وقت الظهر، وصلى العشاء وقت المغرب جمعا للمطر لم يحتج أن ينوي ~~الجمع، سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا. وهذا قول جمهور العلماء كمالك ~~وأبي حنيفة حيث يجوز الجمع، وهو المعروف عن أحمد بن حنبل في أجوبته، لم ~~يوجب النية في ذلك ولا جمهور قدماء أصحابه كأبي بكر وغيره، لكن الخرقي ~~ومتبعوه كالقاضي أبي يعلى وغيره أوجبوا في الجمع النية، وهذا قول الشافعي. ~~وأما أحمد فلا أصل لهذا في كلامه ولا في كلام جمهور الفقهاء من أصحابه، كما ~~هو مذهب مالك ms1174 وأبي حنيفة وغيرهما، وهذا هو الصواب، فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما جمع بأصحابه بعرفة لم يكونوا يعرفون أنه يصلي العصر بعد ~~الظهر، ولا قال حين صلو الظهر: إنكم تجمعون إليها العصر. وكذلك لما جمع بهم ~~بالمدينة فصلى سبعا جمعا وثمانيا جمعا لم يقل لهم: انووا الجمع. وكذلك لما ~~كان يقصر بهم لا يأمرهم بنية القصر، بل قد لا يعرفون ذلك حتى يقصر. # ولهذا قد ثبت في حديث ذي اليدين (1) أنه لما صلى بهم الظهر أو PageV06P349 # العصر ركعتين قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ ~~وقال: "لم أنس ولم تقصر الصلاة"، قال: بل نسيت يا رسول الله، قال: "أكما ~~يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، الحديث. فلما أقره على قوله: أقصرت الصلاة ~~أم نسيت، وقال: لم أنس ولم تقصر، ولم يقل: كيف تقصر ولم آمركم بنية القصر= ~~دل على أنه كان ممكنا أن يقصر من غير أن ينوي القصر. # وأيضا فيقال: الجامع إن كان مصليا للصلاة في وقتها الذي يجوز فعلها فيه ~~فقد جاز، سواء نوى الجمع أو لم ينوه، وإن لم يكن وقتها فمجرد النية لا يبيح ~~الصلاة في غير وقتها، ولهذا لو نوى الجمع حيث لا يجوز لم تفده النية شيئا، ~~فإذا قدر أن المصلي بعرفة صلى الظهر، ولم يخطر بقلبه إذ ذاك أنه يصلي معها ~~العصر، فمعلوم أن ما بعد صلاة الظهر هو وقت العصر في حقه، فلا فرق بين أن ~~يصليها في ذلك الوقت مع نيته ذلك عند صلاة الظهر أو لا، وأي تأثير للجواز ~~إذا نوى ذلك عند صلاة الظهر؟ وكذلك من يجوز له أن يصلي العشاء مع المغرب ~~للمطر فأي تأثير لنيته في ذلك عند صلاة المغرب؟ # ثم هذا الشرط يكدر مقصود الرخصة، فإن الناس متلاحقون بعد شروع الإمام، ~~ولا يعرفون أنه نوى الجمع، فلو لم يجز الجمع إلا لمن نواه فات كثيرا منهم ~~رخصة الجمع، أو لزم أن يوكل الإمام من يقول لكل من يدخل: انو الجمع. وهذا ~~مع ms1175 ما فيه من البدعة والحرج المتيقن بالشرع ففيه إبطال الصلاة في الجماعة ~~على ذلك المعلم. # وكذلك الموالاة بين الصلاتين، وقد أوجبها الشافعي ومن وافقه PageV06P350 # من أصحاب أحمد، وقد نص أحمد على أن المسافر إذا صلى العشاء قبل غروب ~~الشفق في السفر جاز، وجعله بذلك جامعا. وليس مراده الأبيض، فإن الوقت يدخل ~~في حق المسافر بغروب الشفق الأحمر عنده بلا ريب، وكذلك الحاضر، وإنما اختار ~~للحاضر أن يؤخرها إلى مغيب الأبيض ليتيقن مغيب الشفق الأحمر عنده بلا ريب، ~~لأن الجدران تواري الحمرة في الحضر دون السفر، وإن جوز أن يصلي قبل مغيب ~~الأحمر في السفر، لأن المسافر يجوز له الجمع، فلو أراد أن يصليها عقيب ~~المغرب جاز، فإذا أخرها كان أولى بالجواز، لأنه أقرب إلى الوقت المختص، ~~فكيف يسوغ أن يقال: يصلي في الوقت البعيد عن وقتها المختص دون المشترك. # وإذا قال قائل: إن ذلك لا يسمى جمعا إلا مع الاقتران. # قيل: هذا لا يجوز الاحتجاج به لوجهين: # أحدهما: أن الشارع لم يعلق الحكم بهذا اللفظ ولا معناه، ولكن دل الشرع ~~على جوازه. # الثاني: أن الجمع سمي بذلك، لأنه جمع بينهما في وقت إحداهما المختص، لا ~~لاقتران الفصل، بدليل أنه لو جمع في وقت الثانية لم يجز (1) الاقتران بلا ~~ريب، بل له أن يصلي الأولى في أول الوقت والثانية في آخره. وقد صلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ليلة جمع المغرب قبل إناخة الرحال، ثم أناخوها، ثم ~~صلى العشاء بعد ذلك بفصل بينهما. PageV06P351 ### || CHECK - جنس الجهاد أفضل من جنس الحج ### || CHECK - العذر نوعان # فصل # وإذا عرف أن الأوقات في حال العذر ثلاثة أوقات، فنقول: العذر نوعان: # أحدهما: ما فيه حرج المسلم، كجمع المريض والمسافر إذا جد به السير. # والثاني: أن يشتغل بعبادة أفضل من الصلاة في الوقت المختص، مثل اتصال ~~الوقوف بعرفة، فإن هذه العبادة أولى بالسنة المتواترة وإجماع المسلمين من ~~أن يصلي العصر في وقتها المختص. كما أن الفطر لأجل الدعاء والذكر في هذا ~~اليوم أفضل من صوم يوم عرفة ms1176 الذي يكفر سنتين، مع أن هذا فيه نزاع بين ~~العلماء، فإنهم تنازعوا (1). # وإذا كان هذا في الوقت فمعلوم أن جنس الجهاد أفضل من جنس الحج، ومن ~~الجهاد ما يكون أفضل من وقوف عرفة إذا كان المسلمون بإزائهم عدو يتصل قتاله ~~لهم إلى الغروب مصافة أو محاصرة أو غير ذلك= كان أن يجمعوا بين الصلاتين ثم ~~يدخلوا في الجهاد المتصل خيرا من أن يؤخروا الصلاة إلى بعد الغروب، كما ~~يقوله من لا يجوز الجمع ولا الصلاة مع القتال ويجوز تأخير الصلاة، وكان ~~خيرا من أن يصلوا في حال القتال. فإنه لا يستريب مسلم أن فعل الصلاتين في ~~وقت الظهر خير من فعلهما أو فعل إحداهما بعد الغروب، فإن هذا فعل صلاة ~~النهار في النهار وجمع في الوقت الذي يجوز جنسه بالنص والإجماع. PageV06P352 # وأما تفويت الصلاة إلى الغروب مع إمكان فعلها في الوقت فهذا لم يرد به ~~سنة قط، فإن غاية ما يحتج به تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ~~يوم الخندق، وقد روي أنه أخر الظهر والعصر جميعا وأخر المغرب أيضا، فلم ~~يصلهن إلا بعد مضي طائفة من الليل. وهذا إن كان نسيانا فليس هو مما نحن ~~فيه، فإنه من نام عن صلاة أو نسيها كان مأمورا بأن يصليها إذا ذكرها. وإن ~~لم يكن نسيانا بل اشتغالا بالقتال كما يقوله الجمهور فعنه جوابان: # أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مشغولا بقتالهم في النهار، ~~ولم يعلم أنه يفرغ للصلاة بعد الزوال دون ما بعد العصر فإذا كان كذلك لم ~~يكن هذا مما نحن فيه، فإن الكلام إنما هو فيمن تفرغ للجمع في أول وقت ~~الظهر، كما تفرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك يوم عرفة. # الثاني: أن هذا التأخير منسوخ بقوله: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وقوموا لله قانتين (238)) (1)، فإنها نزلت في ذلك، والوسطى هي العصر، ولهذا ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق: "ملأ الله أجوافهم وقبورهم ~~نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" (2). وأيضا فقد ms1177 ثبت عنه في ~~الصحيح أنه قال: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" (3). وعلق ~~إدراكها بإدراك ركعة منها فقال: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ~~فقد أدرك" (4). PageV06P353 ### || CHECK - الجمع للاشتغال بالجهاد # وأما صلاتها مع الظهر فقد سنه في الجملة، ومعلوم أن جنس ما توعد عليه ~~محرم، وجنس ما فعله مشروع، فعلم أن الجمع بينهما في وقت الظهر خير من ~~التأخير إلى أن تفوت. وهذا مذهب جماهير العلماء كمالك والشافعي وأحمد في ~~المشهور عنه، بل لا يجوزون التأخير ولا غيره، ويجوزون الجمع لما هو دون ~~القتال. وأحمد وإن قال في رواية عنه: إن المقاتل يخير بين الصلاة في الوقت ~~والتأخير، فلا يختلف قوله: إن الجمع أولى من التفويت، وإنما يقول -على تلك ~~الرواية-: إذا لم يمكنه أن يصلي بالنهار لأجل القتال خير بين الصلاة حال ~~القتال في الوقت وبين الصلاة بعد المغرب. وأما على ظاهر مذهبه فلا يجوز ~~تفويتها إلى الغروب بحال. # والمقصود هنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان قد صلاهما ~~بالمسلمين في وقت الظهر لاشتغاله عن فعلهما في الوقت المختص باتصال الدعاء ~~والذكر، فالجمع للاشتغال بالجهاد أولى وأحرى. هذا إذا أمكنه أن يصلي مع ~~الجهاد صلاة تامة، لكن يتعطل عن بعض مصلحة الجهاد. # وأما إذا قدر أنه لا يمكنه أن يصلي إلا على دابته إلى غير القبلة لأجل ~~القتال، فلا ريب أن صلاته بالأرض صلاة تامة جمعا بين الصلاتين خير من أن ~~يصلي العصر في وقتها المختص صلاة ناقصة، لما فعله النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في حجته، ولحديث المستحاضة، ولأن تكميل العبادة بفعل واجباتها أمر ~~مقصود في نفسه، والجامع مصل لها في وقتها لا في غير وقتها، لكن صلاها في ~~وقت المعذور، وهو الوقت المشترك، وما حصله بالتكميل المأمور به في الصلاة ~~أكمل مما فاته من الوقت المختص. فإذا كان تكميل الدعاء والذكر بعرفة أفضل ~~من الصلاة في PageV06P354 # الوقت المختص، فتكميل نفس الصلاة أفضل من الوقت المختص. # ولهذا لا يجوز التكميل (1) المأمور ms1178 به في الصلاة لأجل تكميل اتصال ~~الدعاء، لأن ذلك واجب وهذا مستحب. ولو كان عادما للماء والسترة ولم يمكنه ~~تحصيل ذلك إلا بتفويت بعض الدعاء والذكر كان مأمورا أن يصلي بالماء ~~والسترة، وإن كان ذلك في أثناء الدعاء. # ولهذا كان الجمع بين الصلاتين بطهارة كاملة أولى من الصلاة في الوقت ~~المختص بطهارة ناقصة، فالمستحاضة التي تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، هو ~~أفضل من الصلاة في الوقت المختص بوضوء. # ومثل ذلك من جمع بين الصلاتين بوضوء، فإنه أكمل ممن صلى في الوقت المختص ~~بتيمم، ومن جمع بين الصلاتين قائما فهو أكمل ممن صلى في الوقت المختص ~~قاعدا، ومن جمع بين الصلاتين في جماعة فهو أكمل ممن صلى في الوقت المختص ~~منفردا. # ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه يجمعون بين المغرب ~~والعشاء للمطر ونحوه، مع إمكان أن يصليها وحده في بيته، لكن لما كان الجمع ~~لمصلحة الجماعة وكان صلاته معهم أكمل من الانفراد= كان صلاته معهم جمعا ~~أكمل من صلاته منفردا في الوقت المختص. وهكذا في صلاة الخوف الصلاة في ~~جماعة مع استدبار القبلة في أثناء الصلاة -مع العمل الكثير ومع مفارقة ~~الإمام قبل السلام وغير ذلك- أكمل من أن يصلي كل واحد منفردا مع عدم هذه ~~المحاذير. PageV06P355 # وإذا صلى بالتيمم في الوقت المشترك هل هو أكمل من الصلاة في الموضع ~~المنهي عنه في الوقت المختص؟ فإن هذا حصل فيه نقصان: نقص التيمم والوقت ~~المشترك، وهناك حصل نقص المكان المنهي عنه فقط. وسيأتي الكلام على هذه ~~المسألة، ونبين أن الصلاة بالتيمم في الوقت المشترك خير من الصلاة المنهي ~~عنها في الوقت المختص، لأن الصلاة في الوقت المشترك بالتيمم أصلا يؤم فيها ~~المتيمم للمتوضئ بخلاف الصلاة في المكان المنهي عنه، فإنها لا تفعل إلا ~~لضرورة. # ونظير ذلك من كان في مكان قد نهي عن الصلاة فيه -كالحمام والمكان النجس ~~وغير ذلك- فإنه إذا لم يمكنه أن يصلي في الوقت إلا فيه صلى فيه، فإن فعل ~~الصلاة في وقتها واجب، أعني الوقت المطلق، فلا ms1179 يجوز له أن يؤخر صلاة النهار ~~إلى الليل ولا صلاة الليل إلى النهار أصلا، بل يصلي في الوقت المطلق: إما ~~المختص وإما المشترك بحسب الإمكان. فإذا كان قد دخل إلى الحمام، وإن لم يصل ~~فيه خرج الوقت، صلى فيه. وكذلك من حبس في موضع نجس لا يخرج منه إلا بعد فوت ~~الوقت صلى فيه، ولا إعادة عليه، كما نص على ذلك أحمد وغيره. وهذا بين، لكن ~~إن أمكنه أن يجمع بين الصلاتين خارجا عن الموضع المنهي عنه، فالجمع خارجا ~~عن الموضع المنهي عنه خير من الصلاة فيه، والصلاة فيه خير من التفويت. # وذلك مثل المرأة إذا كان عليها غسل جنابة أو حيض، ولا يمكنها الاغتسال في ~~الوقت، فعليها أن تصلي بالتيمم، فإذا صلت الفجر بالتيمم ثم لم يمكن الحمام ~~إلا بعد الظهر، وإذا دخلت الحمام لم PageV06P356 # يمكنها الخروج منه إلا بعد الغروب، فالصلاة في الحمام بعد التطهر مع ستر ~~رأسها وبدنها خير من التفويت بلا ريب، إذ التفويت إلى الغروب لا يجوز بحال، ~~بل المصلي للعصر بعد الغروب كالصائم لرمضان في شوال باتفاق العلماء، فإنهم ~~متفقون على أنه لا يجوز تفويت رمضان إلى شوال لمن يجب عليه، والصلاة في ~~وقتها أوكد من الصوم في وقته كما بيناه. وهذه المرأة إذا صلت الظهر والعصر ~~جمعا بينهما بالتيمم كان خيرا من صلاتها في الحمام مغتسلة، والصلاة في ~~الحمام مغتسلة خير من التفويت، لأن الصلاة في الحمام منهي عنها كالصلاة في ~~المقبرة وأعطان الإبل والمكان النجس والثوب النجس وصلاة العريان، ففي ~~صلاتها جمعا تكميل الصلاة من هذا الوجه، كما تقدم. # والصلاة بالتيمم إذا لم يمكن الصلاة في الوقت بالماء جائزة أيضا، بل هي ~~الواجبة، فقد ثبت بالنص والإجماع أن المتيمم العادم للماء في سفره يجب عليه ~~أن يصلي في الوقت بالتيمم، ولا يجوز له أن يؤخرها ليصلي بعد الوقت بوضوء. ~~وكذلك العريان عليه أن يصلي في الوقت عريانا مع إمكان الصلاة بعد الوقت ~~بالثياب. # وكذلك المريض يجب عليه أن يصلي في الوقت قاعدا ms1180 أو مضطجعا، وإن أمكنه أن ~~يصلي بعد الوقت قائما. وكذلك الخائف يصلي في الوقت صلاة الخائف، وإن أمكنه ~~أن يصلي بعد الوقت صلاة أمن. كما دل على أمثال هذه المسائل الكتاب والسنة ~~والإجماع، إذ ليس في واجبات الصلاة أوكد من وجوب الوقت، وهذا مجمع عليه PageV06P357 ### || CHECK - الجمع بين الصلاتين بالتيمم خير من الصلاة المنهي عنه # في عامة المسائل، كما دل عليه الكتاب والسنة، وهذا مذهب مالك وأصحابه ~~وأحمد بن حنبل وأصحابه، وكذلك مذهب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما في أكثر ~~الصور، لكن اختلف مذهب أبي حنيفة والشافعي في أكثر الصور، وتابعهم بعض ~~أصحاب أحمد. # كما اختلفوا فيما إذا وجد المسافر بئرا، ولم يمكنه أن يصنع الحبل حتى ~~يخرج الوقت. أو وجد العراة ثوبا، ولم يمكنهم أن يصلوا فيه واحدا بعد واحد ~~حتى يخرج الوقت. أو كانوا جماعة في سفينة، وليس هناك موضع يقومون فيه إلا ~~موضعا واحدا، ولا يمكنه الصلاة في الوقت إلا مع القعود، أو أمكنه تعلم ~~دلائل القبلة، ولكنه لا يتعلم ذلك حتى يخرج الوقت، أو أمكنه أن يخيط ثوبه ~~ولا يتم ذلك حتى يخرج الوقت. ففي هذه المسائل نزاع في مذهب الشافعي، ونصوصه ~~اختلفت في ذلك، فمن أصحابه من خرج، ومنهم من أقر، ووافقه بعض أصحاب أحمد. ~~وأما أحمد وسائر أصحابه وكذلك مالك وغيره ما علمتهم اختلفوا في تقديم الوقت ~~في هذه المواضع، كما اتفق المسلمون كلهم على تقديم الوقت في المتيمم إذا ~~عدم الماء في السفر، وفي العريان، وفي المريض والخائف، فإنهم متفقون على أن ~~هؤلاء يصلون في الوقت بحسب حالهم، ولا يفوتون الصلاة. ولم يتنازعوا إلا في ~~حال القتال كما تقدم، وكذلك الآمن الذي لا يمكنه التعلم حتى يخرج الوقت. # والمقصود هنا ذكر الجمع، وأن الجمع بين الصلاتين بالتيمم خير من الصلاة ~~في المكان المنهي عنه، كما أنها خير من الصلاة عريانا، PageV06P358 # ومن الصلاة إلى غير القبلة ونحو ذلك، فإن الصلاة في الوقت المشترك صلاة ~~في الوقت يفعل فيه للمصلحة الشرعية، بخلاف الصلاة بدون شروطها، فإنه ms1181 يحرم، ~~[و] لا يجوز إلا لضرورة. # ولهذا كانت الصلاة بالغسل وبالوضوء في الوقت المشترك خيرا من الصلاة ~~بطهارة ناقصة في الوقت المختص. ومن ذلك الأجير والمملوك إذا أدخله سيده ~~الحمام والمكان النجس، ولم يخرجه منه إلى المغرب، فصلاته فيه خير من ~~التفويت، وذلك واجب عليه، والجمع بين الصلاتين خير له من الصلاة في ذلك ~~المكان المنهي عنه، وهذا الجمع بطهارة الماء، وتلك بطهارة التيمم. # فإن قيل: هذه المرأة تفوت الوقت المختص وطهارة الماء، فهذان نقصان، ~~والصلاة في الحمام ليس فيها إلا نقص واحد، فلم كان هذا أولى؟ # قيل: الصلاة في الحمام منهي عن جنسها، ليس لأحد أن يفعلها لغير ضرورة، ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" ~~(1). وأما الجمع فيجوز للحاجة والمصلحة الراجحة كما تقدم، وأما التيمم فإن ~~الصلاة بتيمم خير من الصلاة في الحمام، لأن التيمم طهارة مأمور بها، وهي ~~تقوم مقام الماء عند عدم الماء وخوف PageV06P359 # الضرر باستعماله، ومن لم يمكنه أن يصلي بالماء إلا في المكان المنهي عنه ~~لم يمكنه الصلاة بالماء، كما لو لم يمكنه أن يصلي بالماء إلا عريانا أو إلى ~~غير القبلة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الصعيد الطيب طهور ~~المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك، فإن ذلك ~~خير" (1). فكل ما يباح بالماء يباح بالتيمم، من صلاة الفرض والنفل ومس ~~المصحف وقراءة القرآن. # والتيمم يجوز عند الحدث الأكبر في مذهب أحمد وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة، ~~[و] الذي يقوم عليه الدليل الشرعي أنه كل ما يجوز قبل الوقت ويبقى بعده، ~~سواء نوى به فرضا أو نفلا أو غير ذلك مما يستباح بالتيمم، فيجوز لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: "الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر ~~سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك، فإن ذلك خير". # ويجوز أن يؤم المتيمم المتطهرين بالماء، كما أم عمرو بن العاص أصحابه في ~~غزوة ذات السلاسل، وكما أم ابن عباس أصحابه بالتيمم وكان قد ms1182 أجنب من وطء ~~أمته. وهذا جائز عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وأبي ~~يوسف وغيرهم، وإن كان أكثر هؤلاء يجوز اقتداء القارئ بالأمي خلف العريان ونحوه. # فعلم أن طهارة التيمم حيث أمر بها خير من الصلاة في المكان PageV06P360 ### || CHECK - الجمع بين الصلاتين صلاة في الوقت، لكنه لا يجوز إلا لحاجة أو مصلحة راجحة # النجس، وصلاة العريان والصلاة إلى غير القبلة وكذلك بسترة جمعا خير من ~~صلاة العريان مع التفريق، والصلاة قائما مع الجمع خير من الصلاة وحده مع ~~التفريق. # ولهذا يجوز للمسلمين في المطر مع إمكان صلاة الرجل وحده في بيته، وما ذاك ~~إلا لأجل الجماعة، فعلم أن الجماعة في وقت إحداهما خير من كل صلاة في الوقت ~~المختص مع الانفراد، وكذلك الجمع مع الخوف في الجماعة خير من الصلاة فرادى ~~في الوقت. بل صلاة الخوف في جماعة كما مضت به السنة، مع مفارقة بحضهم ~~الإمام قبل السلام، ومع العمل الكثير إذا صلى بطائفة ركعة ثم ذهب إلى ~~العدو، مع استدبارهم القبلة، ومع اقتداء المفترض بالمتنفل، ومع الصلاة ~~أربعا في السفر، وأمثال ذلك كما جاءت به السنة= خير من صلاة كل منهم وحده. ~~فالشارع يأمر بالجماعة ويحض عليها، ويحتمل لأجلها ترك واجبات وفعل محظورات. # والوقت أوكد من الجماعة باتفاق المسلمين، فإذا لم يمكنه أن يصلي جماعة ~~إلا بعد الوقت صلى منفردا في الوقت باتفاق العلماء. # والجمع بين الصلاتين صلاة في الوقت، لكنه لا يجوز إلا لحاجة أو مصلحة ~~راجحة. والصلاة بالماء جمعا خير من الصلاة بالتيمم مفرقا. # فمن علم أنه لا يجد الماء إلا في وقت العصر كان صلاته الظهر والعصر ~~بالماء جمعا وقت العصر خيرا من أن يصلي الظهر بالتيمم، وكذلك من وجده وقت ~~الظهر وعلم أنه لا يجده إلا وقت المغرب كان جمعه بالماء أفضل، كما تكون ~~صلاته في آخر الوقت المختص بالماء أفضل من PageV06P361 ### || CHECK - الجواب عنه ### || CHECK - اعتراض من ينهى عن الجمع # صلاته في أوله بالتيمم. # فإن قيل: إنما جمع لأنه بمنزلة المسافر الذي ms1183 لا ينزل قبل الغروب، وكذلك ~~المريض الذي لا يمكنه الوضوء إلا في أحد الوقتين، وصلاته في أحد الوقتين ~~جمعا بالوضوء خير من صلاته مفرقة بالتيمم، كما ذكرنا في المستحاضة أن ~~صلاتها بالاغتسال جمعا خير من صلاتها بالوضوء في الوقت المختص، والواقف ~~بعرفة صلاته العصر جمعا مع الظهر لإتمام الوقوف خير من فعلها في وقتها مع ~~نقصه. وهذا الذي فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفة أصل عظيم في هذا ~~الباب، فإنه ليس الجمع هنا لحاجة ولا تحصيل واجب ولا مشكوك في وجوبه، بل ~~لتحصيل مستحب، وهو كمال الوقوف، فدل على أن الجمع جائز حيث تكون المصلحة ~~الشرعية معه أكمل من المصلحة الشرعية مع التفريق، بحيث كانت العبادة مع ~~الجمع أكمل في الشرع من التفريق فالجمع أولى، لأنه حين وقف يريد أن يفيض ~~بعد الغروب إلى مزدلفة كان كما روي عنه أنه كان إذا ارتحل بعد أن تزيغ ~~الشمس قدم العصر إلى الظهر، فصلاهما جمعا. # قيل: إن كان جمعه كذلك دل على جواز الجمع لمثل هذا مع إمكان النزول، فإنه ~~لو نزل قبل الغروب لم يكن عليه في ذلك مشقة عظيمة. فإذا جاز الجمع لمواصلة ~~السير فالجمع لتكميل العبادات الشرعية أولى، ولم يكن جمعه لمجرد السفر، ~~فإنه لم يجمع في حجته إلا بعرفة والمزدلفة، وقد كان يصلي قصرا بلا جمع، ولم ~~يقل أحد قط أنه جمع بمنى ولا صلى أربعا، بل كلهم متفقون على أنه قصر ولم PageV06P362 # يجمع، فعلم أن ذلك لم يكن لمجرد السفر بل للسير، كما قال ابن عمر وغيره: ~~كان إذا جد به السير فعل ذلك، مع أن النزول ممكن ليس فيه إلا تفويت الإسراع ~~الذي لا يفوت به الحج إلا أمر مستحب لا يفوت به واجب، فإنه لو نزل وصلى ~~العصر ثم ركب وأتم الوقوف كان ممكنا، لكن يفوت بذلك كمال مقصود الوقوف ~~والإفاضة. فعلم أن الجمع كان لتحصيل مصلحة شرعية راجحة، لا لمجرد مشقة ~~دنيوية. # وإذا كان قد جمع لتحصيل عبادة هي أفضل من التفريق من ms1184 غير أن يكون ذلك ~~واجبا ولا ضرر فيه= علم أن الجمع يجوز للحاجة والمصلحة الشرعية الراجحة. ~~وقد نص أحمد على جواز الجمع للشغل، وفسره القاضي بما يبيح ترك الجمعة ~~والجماعة. ونص على جمع المستحاضة بالغسل، وليس فيه إلا مصلحة شرعية راجحة. # ومما يبين ذلك أن الجمع لو كان معلقا بسبب محدود يدور معه وجودا وعدما ~~كالقصر والفطر، لكان الشارع يعلقه به، كما علق الفطر بالمرض والسفر بقوله: ~~(فمن كان منكم مريضا أو على سفر) (1)، وكما علق القصر بالسفر دون المرض ~~بقوله: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" (2). # وأما الجمع فإنما وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - بافعال فعلها في ~~أول الوقت، وتارة يؤخرها، وكان التأخير أحب إليه إلا إذا شق عليه، فإذا ~~اجتمعوا PageV06P363 # قدمها لمشقة التأخير عليهم، فتقديم الصلاة في أول الوقت وإن كان هو ~~الأفضل في الأصل، فإذا كان في التأخير مصلحة راجحة كان أفضل، كالإبراد ~~بالظهر وتأخير العشاء. وكما إذا رجا المتيمم الماء في آخر الوقت، أو رجا أن ~~يصلي مستور العورة في آخر الوقت أو إلى القبلة أو في جماعة ونحو ذلك، وهكذا ~~الجمع. فالأصل وجوب كل صلاة في وقتها الخاص، ثم يجوز أو يستحب فعلها في ~~الوقت المشترك لدفع الحرج. # وأما الجمع لمصلحة راجحة مع إمكان الفعل في الوقت فهذا قد جاء فيه حديث ~~المستحاضة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحب لها أن تجمع بين صلاتي ~~النهار بغسل وبين صلاتي الليل بغسل، وكان هذا أحب إليه من أن تصلي في الوقت ~~المختص بوضوء، لأن طهارة الغسل متيقنة وطهارة الوضوء محتملة، لإمكان انقطاع ~~وجوب الغسل، مع أن الغسل ليس بواجب عليها، وعلى هذا فالجمع بوضوء أو غسل ~~أفضل من التفريق عريانا، والجمع إلى القبلة المتيقنة أفضل من التفريق ~~بالاجتهاد، والجمع في جماعة أفضل من التفريق وحده. # ولهذا كان الصحابة والتابعون يجمعون للمطر، مع إمكان صلاة كل واحد وحده ~~في بيته، لكن ذلك لمصلحة الجماعة، فصلاته مع الجماعة جمعا أفضل من صلاته في ~~الوقتين. ms1185 ولهذا لو كان مقيما في المسجد لكان جمعه معهم على الصحيح أفضل من ~~صلاته وحده في الوقتين. # وهكذا القول فيما يجب في الصلاة إذا أمكن فعله في الجمع فهو PageV06P364 ### || CHECK - الوقت يكون خمسة في حال الاختيار، وثلاثة في حق المعذور # أفضل من تركه مع التفريق، وإن كان ذلك جائزا، فإن الجامع للمصلحة الراجحة ~~قد صلى الصلاة في وقتها، وإنما يجب عليه في الوقت المختص إذا أمكن فعلها ~~فيه كاملة، فلا يجوز له تفويت الوقت المختص بلا موجب. فأما إذا كان فعلها ~~في الوقتين فيه نقص عفي عنه للحاجة وأمكن فعلها في المشترك بلا نقص كان أفضل. # والقرآن والسنة دلا على أن الوقت يكون، خمسة في حال الاختيار، ويكون ~~ثلاثة في حق المعذور، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من الكبائر ~~الجمع بين الصلاتين إلا من عذر. وقد أباح أحمد الجمع إذا كان له شغل. قال ~~القاضي أبو يعلى: المراد العذر الذي يبيح ترك الجمعة والجماعة، فالعذر الذي ~~يبيح ترك ذاك يبيح الجمع. وهذا بين، فإنه إذا سقطت الجمعة مع توكيدها ~~والجماعة مع وجوبها، فاختصاص الوقت أولى، لأن فعلها في الوقت المشترك جماعة ~~أفضل من فعلها في الوقت المختص فرادى. # فإذا سقطت الجماعة بالعذر فاختصاص الوقت أولى، ينبغي أن يكون الجمع أوسع. ~~من ذلك (1) أن الجمعة والجماعة آكد من اختصاص الوقت، وقد ترك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في صلاة الخوف لأجل الجماعة ما كان يمكن أن يفعل مع ~~الانفراد مما لا يجوز إلا لعذر، إنما احتمل لأجل الجماعة مع الخوف. # وهذا الذي ذكرنا من أن الوقت يكون ثلاثة في حق المعذور مما PageV06P365 ### || CHECK - الجمع بين الصلاتين في الوقت المشترك ثابت بالسنة في مواضع # ثبت بالسنة المتواترة وباتفاق المسلمين في الجمع بعرفة ومزدلفة، وهو مذهب ~~مالك والشافعي وأحمد في أمور أخرى، وأحمد أوسع قولا به من غيره، وأما تفويت ~~الصلاة فلا يجوز بحال في ظاهر مذهب أحمد، ولكن في مذهبه قول بجواز التفويت ~~في بعض الصور، ولكن في مذهبه ms1186 في مثل عدم الماء والتراب يجوز التفويت. وأما ~~أبو حنيفة فيوجب التفويت في مواضع، ولا يجوز الجمع إلا بعرفة ومزدلفة. وقول ~~الأكثرين الذين يسوغون الجمع بين الصلاتين ويمنعون التفويت مطلقا هو ~~الصحيح، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، فإن الله تعالى قال: (حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى) (1)، وثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" (2)، وقال: "من فاتته ~~صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" (3). فالتفويت لا يجوز بحال، وتفويت ~~الخندق منسوخ. # وأما الجمع بينهما في الوقت المشترك فهو ثابت بالسنة في مواضع متعددة، ~~وبعضها مما أجمع عليه المسلمون، والآثار المشهورة عن الصحابة تبين أن الوقت ~~المشترك وقت في حال العذر، كقول عمر بن الخطاب: الجمع بين الصلاتين من غير ~~عذر من الكبائر. فدل على أن الجمع بينهما للعذر جائز. وقال عبد الرحمن بن ~~عوف وابن عباس وأبو هريرة فيمن طهرت في آخر النهار: إنها تصلي الظهر ~~والعصر، PageV06P366 ### || CHECK - من أوجب التفويت ومنع الجمع فقد جمع بين أصلين ضعيفين ### || CHECK - تفويت الصلاة لا يجوز بحال # وفيمن طهرت في آخر الليل: إنها تصلي المغرب والعشاء. وهو قول الثلاثة ~~مالك والشافعي وأحمد. # وأما التفويت فلا يجوز بحال، فمن جوز التفويت في بعض الصور فقوله ضعيف ~~وإن جوز الجمع. وأما من أوجب التفويت ومنع الجمع فقد جمع في قوله بين أصلين ~~ضعيفين: بين إباحة ما حرم الله ورسوله وتحريم ما شرعه الله ورسوله، فإنه قد ~~ثبت أن الجمع خير من التفويت. # فبهذا الأصل ينتظم كثير من مسائل المواقيت. وتفويت العصر إلى حين ~~الاصفرار وتفويت العشاء إلى النصف الثاني أيضا لا يجوز إلا لضرورة، والجمع ~~بين الصلاتين خير من الصلاة في هذا الوقت، بل الصلاة بالتيمم قبل دخول وقت ~~الضرورة خير من الصلاة بالوضوء في وقت الضرورة. وقد نص على ذلك الفقهاء من ~~أصحاب أحمد وغيره، وقالوا: لا يجوز تأخيرها إلى الاصفرار، بل إذا لم يجد ~~الماء إلا فيه فإنه يصلي بالتيمم قبل الاصفرار، ولا ms1187 يصليها حين الاصفرار ~~بالوضوء. والله أعلم. PageV06P367 ### | CHECK (13) مسألة في رجل فقير وعليه دين، هل لأخيه الغني دفع الزكاة إليه؟ # مسألة # في رجل فقير وعليه دين، هل لأخيه الغني دفع الزكاة إليه؟ PageV06P369 ### || CHECK - بيان وجوه ضعف قول من منع من إعطاء الزكاة له ### || CHECK - نعم يجوز ذلك، ويجوز تعجيل الزكاة # مسألة # في رجل فقير وعليه دين، وله أخ لأبويه وهو غني، هل للغني دفع الزكاة ~~لأخيه الفقير دون الأجانب؟ وهل يجوز له تعجيل الزكاة له سنة أو سنتين؟ # جواب الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية # نعم، يجوز أن يدفع إليه من زكاته ما يستحقه مثله من الزكاة، وهو أولى من ~~أجنبي ليس مثله في الحاجة، ويجوز تعجيل الزكاة. وذلك لأن نصوص الكتاب ~~والسنة تتناول القريب والبعيد في الإعطاء من الزكاة، وامتاز إعطاء القريب ~~بما فيه من الصلة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صدقتك على ~~المسكين صدقة، وصدقتك على ذي الرحم صدقة وصلة" (1). والصدقة في الصلة أفضل ~~من الصدقة المجردة. # والذين منعوا من إعطاء الزكاة له قالوا: نفقته واجبة على الأخ، فيكون ~~مستغنيا بها، فلا يعطيه ما يقوم مقام النفقة الواجبة. وهذا القول ضعيف لوجوه: # أحدها: أنه قد لا تكون النفقة واجبة عليه، بأن لا يكون للمزكي فضل ينفقه ~~على أخيه، وهذا حال كثير من الناس. فإذا حرم الصدقة مع النفقة كان هذا ضد ~~مقصود الشارع. PageV06P371 # الثاني: أن يقال: هب أن نفقته واجبة عليه، فإنما ذلك بشرط أن لا يكون ~~قادرا على الكسب وأن يطالب بها، فإذا كان متمكنا من أخذ الزكاة واختار ذلك ~~لم تجب النفقة في هذا الحال. كما لو اختار أخذ الزكاة من أجنبي، فإن النفقة ~~لا تجب في هذا الحال إجماعا. وليس أن يمنع من الزكاة لأجل وجوب النفقة ~~بأولى من أن يمنع من النفقة لأجل وجوب الزكاة، بل هذا أولى، لأن الصدقة مال ~~أباحه الله له ولأمثاله، فإذا كان قادرا عليه لم يكن به حاجة إلى النفقة، ~~والنفقة إنما وجبت عند العجز عن الاكتساب، وأخذ ms1188 الزكاة من جملة وجوه ~~الاكتساب. # وكما أن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي، فهو أيضا لا يستحق النفقة. # الوجه الثالث: لو وجبت نفقته على غيره، وامتنع ذلك الغير من إعطائها، كان ~~له أخذ الزكاة بالاتفاق. فهذا القريب لو قدر امتناعه من الإنفاق لم يحرم ~~على هذا أخذ زكاته. ولا يقال: الزكاة لم تسقط عن ذلك، بل غاية ما يقال: إنه ~~عاص بترك النفقة. # الرابع: أن يقال: لا ريب أنه يجب إغناء هذا الفقير، فإما أن يغنيه قريبه ~~من ماله وإما من الزكاة، فالواجب إما الإنفاق عينا وإما الزكاة عينا وإما ~~أحدهما، وإيجاب الإنفاق عينا مع تمكن المحتاج من أخذ الزكاة ومع اختياره ~~لذلك لا يقول به أحد، وأما إيجاب إعطاء الزكاة عينا مع اختيار رب المال أن ~~يصل رحمه من ماله فلا يقول به أحد، فمتى اختار الفقير أخذ الزكاة فله ذلك، ~~ومتى اختار الغني صلته من ماله فله ذلك إذا اختار الفقير، ولو أراد الفقير ~~أن لا يقبل الصلة وقال: لا آخذ إلا من PageV06P372 # الزكاة فله ذلك. وإن أراد المطالبة بالنفقة وقال: لا أريد إلا النفقة دون ~~الزكاة، فهذا فيه نظر ونزاع، وأما إذا اتفقا على الصلة جاز بالاتفاق، فكذلك ~~إذا اتفقا على الإعطاء من الزكاة هو جائز أيضا. كما لو كان الغني يعطيه من ~~صدقة موقوفة، أو من صدقة هو وكيل فيها أو ولي عليها. # فإن قيل: إذا أعطاه وقى بها ماله، وقد ذكر الإمام أحمد عن سفيان ابن ~~عيينة قال: كان العلماء يقولون: لا يقي بها ماله، ولا يحابي بها قريبا، ولا ~~يدفع بها مذمة. # قيل: هذا إنما يكون إذا كان القريب من عياله، فيعطيه ما يستغني به عن ~~النفقة المعتادة، ففي مثل هذه الصورة لا يجزئه على الصحيح، وهو المنقول عن ~~ابن عباس وغيره، أفتوا بأنه إذا كان من عياله لم يعطه ما يدفع به الإنفاق ~~عليه. حتى لو كان متبرعا بالإنفاق على رجل لم يكن له أن يعطيه ما يقي به ~~ماله، لأنه ms1189 هنا دفع عن نفسه بالزكاة، فأخرجها لغرضه لا لله، والزكاة عليه ~~أن يخرجها لله، وإن لم يكن هذا واجبا بالشرع، لكن العادات لازمة لأصحابها. ~~والمحاباة أن يعطي القريب وهناك من هو أحق منه، وأما إذا استويا في الحاجة ~~وأعطاه لم يكن هذا محاباة. وهذا بخلاف ما إذا لم تكن عادته الإنفاق على ~~الأخ، فإن وجوب الإنفاق عليه مشروط بعدم قدرته على الأخذ من الزكاة واختيار ~~ذلك، فمتى كان قادرا على الأخذ مريدا له لم يستحق في هذه الحال نفقة. كما ~~لو حصل ذلك مع غنى أجنبي، فإنه إذا اختار الأخذ من زكاته لم يجب على أخيه ~~في هذه الحال الإنفاق عليه. PageV06P373 # الوجه الخامس: أن يقال: لو أعطى الزكاة للإمام، فأعطى الإمام أخاه من ~~ذلك، جاز، وكذلك لو أعطاها لمن يقسمها بين المستحقين، فأعطاه أخاه، فكذلك ~~إذا قسمها هو. وسبب ذلك أن الزكاة يجب صرفها إلى الله تعالى، الذي يثيب ~~صاحبها، والفقراء يأخذونها من الله، لا يستحق أرباب الأموال عليهم معاوضة. ~~فهو كما أعطى الإمام من بيت المال، وناظر الوقف من الوقف، وإذا كان كذلك ~~فأخذه من زكاة قريبه وغيره سواء، كأخذه من مال ينظر عليه قريبه، سواء كان ~~سلطانيا أو وقفا أو نذرا. # يدل على ذلك أن أبا طلحة لما قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أحب ~~أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا ~~رسول الله حيث شئت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني أرى أن تجعلها ~~في الأقربين" (1). فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بجعلها في الأقربين ~~بعد أن جعلها لله وخرج عنها. والله سبحانه أعلم. PageV06P374 ### | CHECK (14) مسألة في التسمية على ذكاة الذبيحة وذكاة الصيد # مسألة # في التسمية على ذكاة الذبيحة وذكاة الصيد PageV06P375 ### || CHECK - الصواب أن متروك التسمية لا يحل أكله ### || CHECK - اختلاف العلماء في ذلك # مسألة # في التسمية على ذكاة الذبيحة وذكاة الصيد، والنزاع فيها مشهور بين السلف ~~والخلف، وقد ذكروا عن أحمد رحمه الله فيها خمس روايات، ذكرها أبو ms1190 الخطاب في ~~"رؤوس مسائله ". قال أبو الخطاب: متروك التسمية لا يحل أكله، سواء ترك ~~التسمية عامدا أو ناسيا. وعنه إن تركها عامدا لم يحل، وإن تركها ناسيا حلت. ~~وهو قول أبي حنيفة والثوري ومالك. وعنه إن سها على الذبيحة حل، فأما على ~~الصيد فلا. # (قال تقي الدين:) قلت: وأكثر الروايات عن أحمد على هذا، وهي اختيار أكثر ~~أصحابه، كالخرقي والقاضي وأكثر أصحابه والشيخ الموفق. # قال: وعنه إن سها على السهم حل، وأما على الكلب والفهد فلا. # وقال الشافعي: يحل أكله سواء تركها عامدا أو ساهيا، وعن أحمد بنحوه. # ونصر أبو الخطاب التحريم مطلقا. (قال الشيخ تقي الدين:) وهذا هو الصواب، ~~فإني تدبرت نصوص الكتاب والسنة فوجدتها متظاهرة على إيجاب التسمية ~~واشتراطها في الحل، وتحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، وكل نص منها يوافق ~~الآخر، مع كثرة النصوص وصراحتها في الدلالة، ولم أجد شيئا يصلح أن يقارب ~~معارضة هذه النصوص، فضلا عن أن يكافئها أو يرجح عليها. ولو لم يكن إلا نص ~~سالم عن المعارض المقاوم لوجب العمل به، فكيف مع كثرتها وقوة دلالتها وعدم ~~معارضها. PageV06P377 ### || CHECK - الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة # قال الله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ~~(118) اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين (119) وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما ~~كانوا يقترفون (120) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121)) ~~(1). فقد أمر سبحانه بالأكل مما ذكر اسم الله عليه، وعلق ذلك بالإيمان، ~~وأنكر على من لم يأكل مما ذكر اسم الله عليه، ونهى عن أكل ما لم يذكر اسم ~~الله عليه، وقال: (وإنه لفسق) كما قال فيما أهل به لغير الله في قوله ~~تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ~~أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا ms1191 أهل لغير الله به) (2). فقد ~~ذكر تحريم ما أهل لغير الله به في أربعة مواضع كما ذكر تحريم الميتة والدم ~~ولحم الخنزير. # وقال تعالى فيما ذم به المشركين: (وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها ~~إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ~~افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون) (3). وقال تعالى في المائدة (4): ~~(حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به) إلى قوله: ~~(وما ذبح على النصب) إلى قوله: (يسألونك ماذا PageV06P378 # أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما ~~علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه). # فهذه خمس آيات في التسمية. وفي الصحاح والمساند حديث عدي بن حاتم الذي ~~اتفق العلماء على صحته، وتلقته بالقبول تصديقا وعملا به، ففي الصحيحين (1) ~~عن إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث عن عدي قال: قلت: يا رسول الله، إني ~~أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي وأذكر اسم الله، فقال: "إذا أرسلت كلبك ~~المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك "، قلت: وإن قتلن؟، قال: "وإن ~~قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها". قلت: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، ~~فقال: "إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله ". # وفي الصحيحين (2) عن شعبة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي سمعت عدي ~~بن حاتم قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المعراض، فقال: ~~"إذا أصاب بحده فكل، وإذا أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل "، قال: قلت: ~~إني أرسل كلبي، قال: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل "، قال: قلت: فإن ~~أكل منه؟ قال: "فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه ولم يمسك عليك ". قال: قلت: ~~أرسل كلبي وأجد معه كلبا آخر، قال: "لا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم ~~على الآخر". PageV06P379 ### || CHECK - وجوه الدلالة من حديث عدي بن حاتم # وفي الصحيحين (1) أيضا عن عدي قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا أرسلت ms1192 كلبك فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركته حيا ~~فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكل، فإن وجدت مع كلبك كلبا غيره ~~وقد قتل فلا تأكله، فإنك لا تدري أيهما قتله. وإن رميت بسهمك فاذكر اسم ~~الله، فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته ~~غريقا في الماء فلا تأكله ". # وفي لفظ البخاري (2): قلت: يا رسول الله، أرسل كلبي وأسمي، فأجد معه على ~~الصيد كلبا آخر لم أسم عليه، ولا أدري أيهما أخذ، قال: "لا تأكل، إنما سميت ~~على كلبك، ولم تسم على الآخر". # قوله: "فأدركته حيا فاذبحه" من أفراد مسلم، وزاد غيره بإسناده الصحيح: ~~"فإن أدركته ولم يقتل فاذبح واذكر اسم الله". # فهذا فيه الدلالة من وجوه عديدة: # أحدها: قول عدي أولا: "إني أرسل كلابي المعلمة فيمسكن علي وأذكر اسم ~~الله"، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت ~~اسم الله عليه"، وقوله: "إنما سميت على كلبك" دليل على أن عديا فهم من قوله ~~تعالى: (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما ~~أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) (3) أنه أمر من الله بذكر اسمه PageV06P380 # على الصيد، لم يرد به مجرد ذكر اسمه عند الأكل، كما ظن ذلك بعض الناس. # (ثم قال:) فيقال: حديث عدي بن حاتم سؤاله وجواب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يدل على التسمية عليه على الصيد حين الاصطياد، وإن كانت التسمية عند ~~الأكل مأمورا بها أيضا وجوبا أو استحبابا، على قولين معروفين لأصحابنا ~~وغيرهم. لكن التسمية حين الاصطياد مأمور بها في الآية قطعا، كما دلى عليه ~~حديث عدي، مع أن ظاهر القرآن يدل على ذلك أيضا، وهذه من أدلة القرآن، فإن ~~الضمير في قوله: (واذكروا اسم الله عليه) ضمير عائد على "ما" في قوله: (مما ~~أمسكن عليكم)، أي: واذكروا اسم الله على ما أمسكن. وذكر اسم الله على ما ~~أمسكن هو ذكره على الصيد حين الاصطياد، كما يقال: ذكر ms1193 اسم الله على الذبيحة ~~أي حين الذبح، وهو ذكر اسمه على الكلب حين الإرسال، كما في الحديث: "فإنك ~~إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره ". وأما إذا سمى على الكلب وأرسله، ~~فعند إرسال الكلب له يكون صاحبه بعيدا عنه، وقد لا يراه، فلا يؤمر حينئذ ~~بالتسمية. ولم يقل أحد من أهل العلم أن ذكر اسم الله على ما أمسكن هو مخصوص ~~بهذه الحال. # وأيضا فإنه لم يتقدم اسم يصلح أن يعود الضمير إليه إلا "ما أمسكن "، وأما ~~الأكل فلم يتقدم اسمه، وإنما تقدم قوله: (فكلوا مما أمسكن). وقد يعود ~~الضمير إلى الاسم الذي دل عليه الفعل، كما في قوله: (ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم) (1)، PageV06P381 # لكن ذاك يكون إذا لم يكن هناك ما يعود الضمير إليه إلا ما دل عليه الفعل ~~من الاسم لعدم اللبس، وأما إذا كان الاسم هو القريب إلى الضمير فهذا يترجح ~~عوده إليه دون الاسم الأبعد، فكيف إذا كان الأبعد فعلا؟ # وأيضا فالقرآن حيث أمر فيه بذكر اسم الله على ما ذكي فإنما هو حين ~~التذكية، كسائر الآيات، وإنما ذم من ترك ذكر اسمه عليها حينئذ، كما قال: ~~(وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها) (1)، فالذي ذم به المشركين على تركه أمر ~~المؤمنين بفعله. وهذه الدلالة من حديث عدي هي دلالة القرآن، لكن حديث عدي ~~قررها وطابقها. # الثاني: أنه قال في بعض طرقه: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه "، ~~فأمر بذلك، وأمره للوجوب. # الثالث: أنه قال أيضا: "إذا رميت بقوسك فاذكر اسم الله ". # الرابع: أنه قال: "إن أدركته ولم يقتل فاذبحه واذكر اسم الله ". # الخامس: أنه قال: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك ~~عليك ". فشرط في الأكل أن يذكر اسم الله، كما اشترط أن يكون الكلب معلما، ~~وأن يمسك عليه. وهذه الشروط الثلاثة المذكورة في القرآن. # السادس: أنه قال: قلت: يا رسول الله، أرسل كلبي وأسمي، PageV06P382 # فأجد معه على الصيد كلبا اخر لم أسم عليه، ms1194 ولا أدري أيهما أخذ. # قال: "لا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على الآخر". # فنهاه عن أكل ما شك في تذكيته، وعلل ذلك بأنك إنما سميت على كلبك ولم تسم ~~على الآخر، فجعل المانع من حل صيد الكلب الآخر ترك التسمية، كما جعل فعل ~~التسمية علة لحل صيد كلبه. وهذا من أصرح الدلالات وأبينها في جعله وجود ~~التسمية شرطا في الحل، وعدم التسمية مانعا من الحل، ولم يفرق بين أن يتركها ~~ناسيا أو غير ناس، مع أن حال الاصطياد حال قد يدهش الإنسان ويذهل عن ~~التسمية فيها، وإذا لم يعذره في هذه الحال بترك التسمية فأن لا يعذره بذلك ~~في حال الذبح وهو أحضر عقلا= أولى وأحرى. # السابع: أنه كرر علية ذكر التسمية حين إرساله الكلب، وحين إرساله السهم، ~~وعند منعه من أكل ما خالط كلبه كلب لم يسم عليه، وعند ذبحه. وهذا كله يدل ~~على اعتناء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتسمية على الذكاة بالذبح ~~والسهم والجارح، وأنه لا بد منها في الحل، وأن انتفاءها يوجب انتفاء الحل. ~~وهذا في غاية البيان من الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي ليس عليه إلا ~~البلاغ المبين، وبدون هذا يحصل البيان الذي تقوم به الحجة على الناس. # وأيضا حديث أبي ثعلبة الخشني (1) - وهو في الصحاح والسنن PageV06P383 # والمساند أيضا، وعلى حديثه وحديث عدي يدور باب الصيد، وعليهما اعتمد ~~الفقهاء كلهم- قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: إنا بأرض ~~قوم من أهل الكتاب نأكل في آنيتهم، وأرض صيد، أصيد بقوسي، أصيد بكلبي ~~المعلم وبكلبي الذي ليس بمعلم، فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك؟ فقال: "أما ~~ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل الكتاب تأكلون في آنيتهم، فإن وجدتم غير ~~آنيتهم فلا تأكلوا فيها، فإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها. وأما ما ذكرت ~~أنكم بأرض صيد، فما أصبت بقوسك فاذكر اسم الله ثم كل، وما أصبت بكلبك ~~المعلم فذكرت اسم الله فكل، وما أصبت بكلبك الذي ليس بمعلم وأدركت ms1195 ذكاته ~~فكل ". وفي لفظ البخاري: "ما صدت بقوسك وذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك ~~المعلم وذكرت اسم الله فكل ". # فهذا أبو ثعلبة يسأله، يقول له: أخبرني ما الذي يحل من ذلك؟ فلم يحل له ~~إلا ما ذكر اسم الله عليه في الاصطياد بقوسه وفي الاصطياد بكلبه، ولم يستثن ~~حالة نسيان ولا غيرها، وهذا من أبين الدلالة على أنه لا يحل له إلا ذلك، إذ ~~لو كان يحل ما ترك التسمية عليه خطأ أو عمدا لم يكن ما ذكره جوابه، بل كان ~~الجواب إذن إحلال ذلك كله أو إحلال ما سمي عليه وما نسي التسمية عليه، كما ~~أن المستفتي لمن يحل هذا من الفقهاء يجيبه بجواب يخالف جواب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لأبي ثعلبة، وهذا دليل على خطأ ذلك الجواب. # وبهذين الحديثين ونحوهما احتج من أوجب التسمية على الصيد دون الذبيحة في ~~حال الخطأ من أصحابنا، قال: لأن هذه النصوص PageV06P384 # صريحة في اشتراط ذلك، ولم يرد مثل ذلك في الذبيحة. وقالوا: لأن تذكية ~~الذبيحة تذكية اختيار، فلم تحتج إلى اقترانها بالتسمية كتذكية الصيد، فإنها ~~تذكية ضرورية وقعت رخصة، فلا بد أن تكمل بالتسمية، ولهذا لا يجوز تذكية ~~المقدور عليه من الصيد والأهلي إلا في الحلق واللبة. وبهذا فرق من اشترطها ~~في الكلب دون السهم، لأن التذكية بالسهم يحصل بفعل الادمي، بخلاف التذكية ~~بالجارح، فإنها تحصل بفعل الجارح، فكانت أضعف. # لكن ما ذكروه يعارضه أنكم توجبونها على الذبيحة، ولكن عذرتم الناسي بعذر ~~النسيان، والصائد أولى بالعذر من الذابح، لما يحصل له من العذر والدهش الذي ~~يوجب له النسيان. # (ثم قال:) وذكاة السهم والكلب ذكاة تامة يحصل بها الحل التام، كما أن ~~صلاة الخائف والمريض تبرأ بها ذمته، فإن الله إنما أوجب على الناس ما ~~يستطيعون، ولما كان المعجوز عنه من الحيوان لا يمكن تذكيته إلا على هذا ~~الوجه لم يوجب الله ما يعجزون عنه. # ولهذا كانت ذكاة الجنين عندنا ذكاة أمه كما مضت به السنة، وإن لم يكن في ~~ذلك ms1196 سفح دمه، إذ لا يمكن تذكيته إلا على هذا الوجه، ولا يكفف الله نفسا إلا ~~وسعها. ولهذا قلنا: إذا أدرك الصيد مجروحا ولم يتسع الزمان لتذكيته أبيح، ~~ونظائر ذلك. # وأيضا ففي الصحاح والسنن والمساند عن رافع بن خديج (1) قال: PageV06P385 # كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بذي الحليفة من تهامة، فأصاب القوم ~~جوع، فأصابوا إبلا وغنما، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في أخريات ~~القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالقدور فأكفئت، ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير، فند منها بعير، فطلبوه ~~فأعياهم، وكان في القوم خيل يسيرة، فأهوى رجل منهم بسهم، فحبسه الله، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما ~~غلبكم فاصنعوا به هكذا". قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدا وليست ~~معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ~~ليس السن والظفر. وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى ~~الحبشة". # وهذا الحديث أيضا تلقا [ه]، العلماء بالقبول، وقد علق الحل فيه بشرطين: ~~بإنهار الدم وذكر اسم الله على المذكى. فكما أن إنهار الدم شرط فكذلك ذكر ~~اسم الله عليه، وكما أن الذكاة بما لا ينهر الدم لا يباح بحال، بل قد يعفى ~~عما لا يمكن إنهار دمه، كالجنين في بطن أمه، فيكون ذكاته ذكاة أمه التي ~~أنهر دمها، وأما ما لم يذكر اسم الله عليه فلم يعف عنه. # وأيضا فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد ثبت عنه أنه قال للجن: "لكم كل عظم ~~ذكر اسم الله عليه، تجدونه أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم" (1)، PageV06P386 # [و]، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تستنتجوا بهما، فإنهما زاد ~~إخوانكم من الجن " (1). فماذا كان لم يبح للجن المؤمنين من الطعام الذي ~~يصلح للجن- وهو ما يكون على العظام- إلا الطعام الذي ذكر اسم الله عليه، ~~فكيف بالإنس الذين هم أكمل وأعقل، وهم الذين يتولون تذكية الحيوان، كيف ~~يباح لهم ما ms1197 لم يذكر اسم الله عليه؟ وهذا كما أنه لما نهى عن الاستنجاء ~~بطعام الجن وعلف دوابهم، كان النهي عن الاستنجاء بطعام الإنس وعلف دوابهم ~~أولى وأحرى. # وأيضا ففي صحيح البخاري (2) وغيره عن عائشة أن ناسا قالوا: يا رسول الله، ~~إن قوما يأتونا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا، فقال: "سموا ~~عليه اسم الله وكلوا". قال: وكانوا حديثي عهد بكفر. # وهذا يدل على أنه كان قد استقر عند المسلمين أنه لا بد من ذكر اسم الله ~~على الذبح، كما بين الله ذلك لهم هو ورسوله في غير موضع، فلما كان هؤلاء ~~حديثي عهد بالكفر خافوا أن لا يكونوا سموا، فاستفتوا عن ذلك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فأمرهم أن يسموا هم ويأكلوا. وذلك لأن من أباح الله ~~ذبيحته من مسلم وكتابي لا يشترط في حل ذبيحته أن أعلم أنه بعينه قد سمى، إذ ~~العلم بهذ الشرط متعذر في غالب الأمر، ولو كان هذا العلم شرطا لما أكل ~~اللحم غالب الناس، فأجريت أعمال الناس على الصحة، كما أن من اشتريت منه ~~الطعام حملت أمره على الصحة، وأنه إنما باع ما له بيعه بملك أو ولاية أو ~~وكاله، مع أن كثيرا من الناس PageV06P387 # يبيعون ما لا يجوز لهم بيعه. # (ثم قال:) ولو لم تكن التسمية شرطا لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول لهم: سواء سموا أو لم يسموا فإنهم مسلمون، أو يقال: لعل أحدهم نسي ~~التسمية. فلما أعرض عن هذا كله علم أن أحدا لا يعذر بترك التسمية، وإنما ~~يعذر من لم يعلم حال المذكي، والفرق بينهما ظاهر جدا، كما أن المذكي عليه ~~أن لا يذكي إلا في الحلق واللبة، ومن لم يعلم حاله له أن يأكل ما ذكي حملا ~~لفعله على الصحة والسلامة. # ثم إن وجوب تذكية المقدور عليه في الحلق واللبة مما يقول به عامة ~~العلماء، وليس في إيجاب ذلك نص مشهور صريح، بل فيه آثار عن بعض الصحابة، ~~وفيه من الحديث ما ليس بمشهور. ثم ms1198 إن ذلك جعل شرطا على كل قادر، لا يسقط ~~إلا بالعجز، فالتسمية التي دل على وجوبها النصوص الصحيحة الصريحة أولى ~~بالإيجاب والاشتراط، فإن التذكية في غير الحلق واللبة يحصل بها إنهار الدم، ~~لكن هو عدول عن أحسن القتلتين، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن ~~الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم ~~فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " (1). فإذا كان بترك أولى ~~الذبحتين تحرم الذبيحة، فترك ذكر اسم الله أولى بذلك، لأن هذا هو الفرق بين ~~ذكاة أهل الإيمان وأهل الكفر، أن هؤلاء يذكرون اسم الله على الذكاة، وأولئك ~~لا يذكرون اسم الله. PageV06P388 ### || CHECK - أدلة إيجاب التسمية على الذكاة أظهر بكثير من أدلة وجوب قراءة التسمية في الصلاة # وأدلة إيجاب التسمية على الذكاة أظهر بكثير من أدلة وجوب قراءة التسمية ~~في الصلاة، بل من إيجاب قراءة فاتحة الكتاب. # (ثم أشار إلى حجة من لم يوجب التسمية على الذكاة، وضعفها الشيخ تقي ~~الدين، وأجاب عنها بأجوبة، ثم قال:) # التاسع: أن ما لم يذكر اسم الله عليه كان للشيطان فيه نصيب، وذكر اسم ~~الله يدفع الشيطان، كما في الصحيحين (1) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو أن أحدهم إذا أتى إلى أهله قال: ~~"بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا"، فرزق ولدا، لم ~~يضره الشيطان ولم يسلط عليه ". # (واستشهد بغير ذلك حذفته اختصارا، لضيق الوقت)، والله سبحانه أعلم. PageV06P389 ### | CHECK (15) مسألة في أكل لحم الضبع والثعلب وسنور البر وابن آوى وجلودهم # مسألة # في أكل لحم الضبع والثعلب وسنور البر وابن آوى وجلودهم PageV06P391 # مسألة # في أكل لحم الضبع والثعلب وسنور البر وابن آوى وجلودهم، هل يحل لبس جلود ~~الجميع وأكل لحم الجميع أم البعض؟ وهل تطهر جلودهم بالدباغ؟ # الجواب # أما لحم الضبع فإنه مباح عند مالك والشافعي وأحمد، وجلده يطهر بالدباغ في ~~مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك في رواية وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو ~~أصح قولي العلماء. ms1199 هذا إذا دبغ بعد موته، وأما إن ذكي ودبغ كان طاهرا في ~~مذهب الأئمة. # وأما سنور البر والثعلب ففي حلهما قولان هما روايتان عن أحمد، أحدهما: ~~يحل، فيكون جلده طاهرا إذا ذكي، وهذا مذهب مالك والشافعي، وعلى هذا القول ~~فإذا مات ودبغ كان طاهرا في مذهب الشافعي وأحد القولين في مذهب مالك. # والقول الثاني: إنهما محرمان، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه. وعلى هذا فإذا ذكي كان جلده طاهرا عند أبي حنيفة دون أحمد، ~~وجلده يطهر بالدباغ إذا مات عند أبي حنيفة ووجه في مذهب أحمد، وظاهر مذهبه ~~أنه لا يطهر. # وأما ابن آوى فإنه حرام عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وجلده يطهر ~~بالدباغ عند أبي حنيفة والشافعي ووجه في مذهب أحمد، وظاهر مذهبه أنه لا ~~يطهر بالدباغ. PageV06P393 ### || CHECK - في الثعلب والسنور نزاع ### || CHECK - ما ثبت أنه من السباع - كالنمر وابن آوى وابن عرس - فلا يحل لحمه، ولا تلبس الفراء من جلده، وما لم يكن من السباع - كالضبع - فإنه يؤكل لحمه ويلبس جلده # وأما القول الذي يقوم عليه الدليل فإنه قد روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في السنن (1) من وجوه أنه نهى عن جلود السباع كما ثبت أنه حرم ~~لحمها، فما ثبت أنه من السباع- كالنمر وابن آوى وابن عرس - فلا يحل لحمه ~~ولا تلبس الفراء من جلده، وما لم يكن من السباع المحرمة- كالضبع- فإنه يؤكل ~~لحمه ويلبس جلده. وأما الثعلب وسنور البر ففيه نزاع. والله أعلم. PageV06P394 ### | CHECK (16) مسألة في الشاة المذبوحة ونحوها، هل يجوز بيعها دون الجلد؟ # مسألة # في الشاة المذبوحة ونحوها، هل يجوز بيعها دون الجلد؟ PageV06P395 ### || CHECK - نعم يجوز بيعها # مسألة # في الشاة المذبوحة ونحوها، هل يجوز بيعها دون الجلد أو الجلد وحده؟ # جواب # الشيخ تقي الدين ابن تيمية ورأيه فيه نعم، يجوز بيعها جميعا، كما يجوز ~~بيع ذلك قبل الذبح. وإلى هذا ذهب جماعة علماء المسلمين من المتقدمين ~~والمتأخرين، وما زال المسلمون يبيعون المذبوح من الطيور والبهائم في كل عصر ومصر. # وإنما حرم ذلك ms1200 بعض متأخري الفقهاء، ظانا أن هذا من باب بيع الغائب بدون ~~صفة ولا رؤية، وليس كذلك، بل المشتري يعلم ما يشتريه برؤية ما يراه كما ~~يعلم نظائره، وكما يعلم إذا رأى الجلد منفردا وإذا رأى اللحم منفردا، كما ~~يعلمه إذا رآه حيا. # (ثم قال:) ومن فرق بين الحيوان الحي والمذبوح بأن الحي في صوانه بخلاف ~~الميت، كما يفرق في الباقلا ونحوه بين بيعه في القشر الأعلى والصوان. لكن ~~هذا الفرق ضعيف مخالف للسنة ولإجماع السلف والاعتبار. # (ثم قال:) ولما فتح المسلمون الأمصار كان أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يشرون الباقلا الأخضر ونحو ذلك، ولم ينكر ذلك منكر. وكذلك يجوز ~~بيع اللحم وحده والجلد وحده. وأبلغ من ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما سافر هو وأبو بكر في سفر الهجرة اشتريا من رجل شاة، واشترطا له PageV06P397 # رأسها وجلدها وسواقطها (1). وكذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كانوا يتبايعون الشاة أو البقرة أو البعير ويستثنون للبائع سواقطها، حكاه ~~الشعبي عن الصحابة مطلقا، وأفتى به زيد بن ثابت وغيره من الصحابة، وجوزه ~~مالك وأحمد وغيرهما. فإذا كان الصحابة جوزوا هذا فهذا أجوز. والله أعلم. PageV06P398 ### | CHECK (17) مسألة في إجارة الإقطاع # مسألة # في إجارة الإقطاع PageV06P399 ### || CHECK - ليس لأحد أن يحدث مقالة في الإسلام في مثل هذا الأمر ### || CHECK - من أفتى بأنه لا يصح ليس معهم بذلك نقل عن أحد من الأئمة ### || CHECK - إيجار الإقطاع صحيح # سئل- رحمه الله تعالى ورضي عنه- # عن إجارة الإقطاع هل هي صحيحة أم باطلة؟ وقد ذكر في مذهب الشافعي قولان، ~~وفيهم من حكم به. # فأجاب # الحمد لله. إيجار الإقطاع صحيح، كما نص على ذلك غير واحد من العلماء، وما ~~علمت أحدا من علماء المسلمين قال: إنه لا يصح، لا من أصحاب الأئمة الأربعة ~~ولا غيرهم، ومن أفتى بأنه لا يصح من أهل زماننا فليس معهم بذلك نقل، لا عن ~~أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من المسلمين، وإنما عمدتهم في ذلك أن بعض ~~شيوخهم كان يفتي بأنه ms1201 لا يصح. وحجتهم أن المقطع لم يملك المنفعة، فبقي ~~المستأجر لم يملك المنفعة، فتكون الإجارة مزلزلة، فلا تجوز، كما لو آجر ~~المستعير العين المعارة. # والكلام في مقامين: أحدهما أنه ليس لأحد أن يحدث مقالة في الإسلام في مثل ~~هذا الأمر العام الذي ما زال المسلمون عليه خلفا عن سلف، بل إذا عرضت له ~~شبهة في ذلك كانت من جنس شبهة أهل الضلال القادحين في الشرع، وكثير منها ~~أقوى من هذه الشبهة. # والجواب عنها من وجهين: # أحدهما: أن العين المعارة في إجارتها نزاع، وإذا أذن المالك في إجارتها ~~جاز، والسلطان المقطع قد أذن لهم أن ينتفعوا بالقطع بالاستغلال والإجارة ~~والمزارعة. PageV06P401 # الثاني: أن هذه المنافع ليست كالعارية، فإن السلطان لا يملك هذه المنافع، ~~بل هي حق للمسلمين وملك لهم، وإنما السلطان قاسم يقسم بينهم تلك المنافع، ~~فيستحقونها بحكم الملك لها والاستحقاق لا بحكم الإباحة، كما يستوفي أهل ~~الوقف منفعة وقفهم. والموقوف عليه إذا آجر الموقف جاز، وإن كانت الإجارة ~~تنفسخ بموت الموقوف عليه عند جمهور العلماء، فإن البطن الثاني يتلقى الوقف ~~عن الواقف لا عن البطن الأول، بخلاف الميراث. فلهذا كان جمهور العلماء على ~~أن الإجارة لا تنفسخ بموت الميت الذي تنتقل العين إلى وارثه، وهو مذهب مالك ~~والشافعي وأحمد، وأما أبو حنيفة فيقول بانفساخها، لأن من أصله أن المستأجر ~~لم يملك المنفعة، وإنما ملك أن يملكها بالاستيفاء، فيقول: إن المنفعة لم ~~تخرج عن ملك الميت، بل تحدث على ملك الوارث، ومع هذا فهو يقول: لو باع ~~العين المؤجرة لم يجز، لأن المنفعة للمستأجر، لأن المؤجر لا يملك فسخ ~~الإجارة. وأما جمهور العلماء فعندهم لا تنفسخ بالموت، سواء قيل: إن ~~المستأجر ملك المنفعة أو ملك أن يملكها، وأن الوارث لم ينتقل إليه منفعة ~~العين المؤجرة. # وأما إذا كان المؤجر هو الموقوف عليه فهنا تنفسخ في أظهر قولي العلماء، ~~وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، لأن البطن الأول ليس له ~~ولاية التصرف في حق البطن الثاني إلا أن يكون المؤجر ناظرا ms1202 له الولاية على ~~البطنين. فكذلك الإقطاع، إذا قدر أن المقطع مات أو أخذ منه الإقطاع كان ~~كالموقوف عليه تنفسخ الإجارة عند الجمهور، ويبقى زرع المستأجر محترما، ~~يبقيه بأجرة المثل إلى PageV06P402 ### || CHECK - الإجارة جائزة بالنص والإجماع في مواضع متعددة # كمال بلوغه، كما يقال مثل ذلك في الوقف، وليست إجارة المقطع الأول لازمة ~~للثاني كالبطن الأول مع الثاني. # وليس في الأدلة الشرعية ما يوجب أن الإجارة لا تصح إلا في منفعة تمنع ~~انفساخ الإجارة فيها، بل يجوز إجارة الظئر للرضاع بالكتاب والسنة والإجماع، ~~مع جواز أن تموت المرأة فتنفسخ الإجارة بالإجماع، وكذلك إذا مات الطفل ~~انفسخت عند الأكثرين، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد، وقد قيل: لا تنفسخ، بل ~~يؤتى بطفل اخر مكانه. والأول أصح، لأن الإجارة على عينه، ولو تلفت العين ~~المؤجرة كالعبد والبعير انفسخت الإجارة بالإجماع. وأمثال ذلك كثيرة. # فالإجارة جائزة بالنص والإجماع في مواضع متعددة، مع إمكان انفساخ الإجارة ~~في أثناء المدة، فمن اشترط فيها امتناع الانفساخ فقد خالف النص والإجماع. ~~وليس مع من يقول: لا تصح إجارة الإقطاع نقل عن أحد من العلماء الذين يفتي ~~الناس بأقوالهم، لا من أتباع الأئمة الأربعة ولا غيرهم، فكيف يسوغ لأحد أن ~~يقول قولا لم يستق إليه؟ سواء كان مجتهدا أو مقلدا. وغاية حجته قياس ذلك ~~بالعارية لكونها بعرض الانفساخ، والحكم في العارية بتقدير تسليمه ليست علته ~~كونه بعرض الانفساخ، ولكن العلة فيه أن المستعير لا يملك المنفعة إلا ~~بالقبض والاستيفاء، ليس له أن يعاوض عليها، كما لا يعاوض على ما لم يملكه، ~~لأن التبرعات لا تملك إلا بالقبض عند من قال ذلك. ولهذا يجوز إجارة ~~المستأجر وإن جاز أن تنفسخ الإجارة، والمقطع PageV06P403 # بالمستأجر والموقوف عليه أشبه منه بالمستعير، لأنه يأخذ حقه وعوض عمله. # فإن قلت: كيف يدعى الإجماع وفي أصل الإجارة نزاع؟ # قلت: النزاع المحكي فيها عن بعض السلف في إجارة الأرض، وأما إجارة الظئر ~~والحيوان للركوب ونحو ذلك فلم يخالف في ذلك أحد من سلف المسلمين، فإن خالف ~~في ذلك أحد ms1203 من الملاحدة فهو مسبوق بالإجماع المستند إلى النص. والله أعلم. PageV06P404 ### | CHECK (18) مسألة في ضمان البساتين والأرض # مسألة # في ضمان البساتين والأرض PageV06P405 ### || CHECK - فيها ثلاثة أقوال ### ||| CHECK - (1) لا يجوز بحال، بناء على أن هذا داخل في النهي عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه # مسألة # في ضمان البساتين والأرض التي فيها الشجر أو النخيل قبل أن يبدو صلاحه، ~~هل يجوز ضمانه السنة والسنتين أم لا؟ # جواب الشيخ تقي الدين ابن تيمية # هذه المسألة فيها للعلماء ثلاثة أقوال: # أحدها: أن ذلك لا يجوز بحال، بناء على أن هذا داخل فيما نهى عنه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه (1)، فاعتقد من قال ~~ذلك أن هذا بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، فلا يجوز، كما لا يجوز في غير ~~الضمان، مثل أن يشتري ثمرة مجردة بعد ظهورها وقبل بدو صلاحها، بحيث يكون ~~على البائع مؤونة سقيها وخدمتها إلى كمال الصلاح. وهذا هو القول المعروف في ~~مذهب الشافعي وأحمد، وهو منقول عن نصه. ومذهب أبي حنيفة في ذلك أشد منعا. # وتنازع أصحاب هذا القول: هل يجوز الاحتيال على ذلك بأن يؤجر الأرض ويساقي ~~على الشجر بجزء يسير؟ على قولين، فالمنصوص عن أحمد أنه لا يجوز، وذكر ~~القاضي أبو يعلى في كتاب "إبطال الحيل" أنه يجوز، وهو المعروف عند أصحاب ~~الشافعي. # (وتكلم الشيخ تقي الدين على فسادها من وجوه، ثم قال:) فمن PageV06P407 ### ||| CHECK - (3) يجوز ضمان الأرض والشجر جميعا، وإن كان الشجر أكثر ### ||| CHECK - (2) إن كانت منفعة الأرض هي المقصودة، والشجر تبع، جاز أن يؤجر الأرض، ويدخل في ذلك الشجر تبعا # فعل ذلك وجب على ولاة الأمر الحجر عليه، فضلا عن إمضاء فعله والحكم بصحته. # (ثم قال:) والأدلة على فساد مثل هذه المعاملة كثيرة. # (ثم قال بعد استدلال وتنفير عن هذا الفعل وتقبيحه:) # القول الثاني في أصل المسألة: إنه إن كان منفعة الأرض هي المقصود، والشجر ~~تبع، جاز أن يؤجر الأرض، ويدخل في ذلك الشجر تبعا. وهذا مذهب مالك، وهو ~~يقدر ms1204 التابع بقدر الثلث. # وصاحب هذا القول يجوز من بيع الثمر قبل بدو الصلاح ما يدخل ضمنا وتبعا، ~~كما جاز إذا ابتاع نخلة بعد أن تؤبر أن يشترط المبتاع ثمرتها، كما ثبت ذلك ~~في الصحيحين (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. والمبتاع هنا قد اشترى ~~الثمر قبل بدو صلاحه لكن تبعا للأصل، وهذا جائز باتفاق العلماء، فيقيس ما ~~كان تبعا في الإجارة على ما كان تبعا في البيع. # والقول الثالث: إنه يجوز ضمان الأرض والشجر جميعا، وإن كان الشجر أكثر. ~~وهذا قول ابن عقيل، وهو المأثور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، فإنه قبل حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين، وأخذ القبالة فوفى بها دينه. ~~روى ذلك حرب الكرماني صاحب الإمام أحمد في "مسائله " المشهورة عن أحمد، ~~ورواه أبو زرعة الدمشقي وغيرهما، وهو معروف عن عمر. والحدائق التي بالمدينة ~~يغلب عليها الشجر. PageV06P408 ### || CHECK - بيان أن هذا الضمان ليس فيما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - # قال حرب الكرماني: ثنا سعيد بن منصور، ثنا عباد بن عباد، عن هشام بن ~~عروة، عن أبيه أن أسيد بن حضير توفي وعليه ستة آلاف درهم دين، فدعا عمر بن ~~الخطاب غرماءه، فقبلهم أرضه سنين، وفيها الشجر والنخل. # وقد ذكر هذا الأثر عن عمر بعض المصنفين من فقهاء ظاهرية المغرب، وزعم أنه ~~خلاف الأجماع. وليس بشيء، بل ادعاء الإجماع على جواز ذلك أقرب، فإن عمر فعل ~~ذلك بالمدينة النبوية بمشهد من المهاجرين والأنصار، وهذه القضية في مظنة ~~الاشتهار، ولم ينقل عن أحد أنه أنكرها، وقد كانوا ينكرون ما هو دونها وإن ~~فعله عمر، كما أنكر عليه عمران بن حصين وغيره ما فعله في متعة الحج. وإنما ~~هذه القضية بمنزلة توريث عثمان بن عفان لامرأة عبد الرحمن بن عوف التي بتها ~~في مرض موته، وأمثال هذه القضية. # والذي فعله عمر بن الخطاب هو الصواب، أو، إذا تدبر الفقيه أصول الشريعة، ~~تبين له أن مثل هذا الضمان ليس داخلا فيما نهى عنه النبي - صلى ms1205 الله عليه ~~وسلم -، وهذا يظهر بأمور: # أحدها أن يقال: معلوم أن الأرض يمكن فيها الإجارة، ويمكن فيها بيع حبها ~~قبل أن يشتد، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نهى عن بيع الحب حتى ~~يشتد (1) لم يكن ذلك نهيا عن إجارة الأرض، فإن كان مقصود PageV06P409 # المستأجر هو الحب فإن المستأجر هو الذي يعمل في الأرض حتى يحصل له الحب، ~~بخلاف المشتري، فإنه يشتري حبا مجردا، وعلى البائع تمام خدمته حتى يستحصد. # وكذلك نهيه عن بيع العنب حتى يسود (1)، ليس نهيا عن أن يأخذ الشجر، فيقوم ~~عليها ويسقيها حتى تثمر، وإنما النهي لمن اشترى عنبا مجردا، وعلى البائع ~~خدمته حتى يكتمل صلاحه، كما يفعله المشترون للأعناب التي تسمى الكروم. ~~ولهذا كان هؤلاء لا يبيعونها حتى يبدو صلاحها، بخلاف التضمين. # الوجه الثاني: أن المزارعة على الأرض كالمساقاة على الشجر، وكلاهما جائز ~~عند فقهاء الحديث، كأحمد وغيره مثل ابن خزيمة وابن المنذر، وهي أيضا عند ~~ابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد وعند الليث ابن سعد وغيرهم من الأئمة جائز، ~~كما دل على جواز المزارعة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع ~~الصحابة من بعده. # والذين نهوا عنها ظنوا أنها من باب الإجارة، فتكون إجارة بعوض مجهول، ~~وذلك لا يجوز. وأبو حنيفة طرد قياسه، فلم يجوزها بحال. # وأما الشافعي فاستثنى ما تدعو إليه الحاجة، كالبياض إذا دخل تبعا للشجر ~~في المساقاة. وكذلك مالك، لكن راعى القلة والكثرة على أصله. # وهؤلاء جعلوا المضاربة أيضا خارجة عن القياس، ظنا أنها من PageV06P410 # باب الإجارة بعوض مجهول، وأنها جوزت للحاجة لأن صاحب النقد لا يمكن ~~إجارته. # والتحقيق أن هذه المعاملات هي من باب المشاركات لا من باب المؤاجرات، ~~فالمضاربة والمساقاة والمزارعة مشاركة، هذا يشارك بنفع بدنه، وهذا بنفع ~~ماله، وما قسم الله من ربح كان بينهما كشريكي العنان. ولهذا ليس العمل فيها ~~مقصودا ولا معلوما كما يقصد ويعلم في الإجارة، ولو كانت إجارة لوجب أن يكون ~~العمل فيها معلوما. # لكن إذا قيل: هي جعالة كان أشبه، ms1206 فإن الجعالة لا يكون العمل فيها معلوما، ~~وكذلك في كل عقد جائز غير لازم، لكن هي جعالة شرط فيها للعامل جزءا مما ~~يحصل بعمله. كما إذا قال الأمير في الغزو: من دل على مال للعدو فله الربع ~~بعد الخمس، أو الثلث بعد الخمس، فإن هذا جائز. # (ومثل بغير هذا في جوابه، ثم قال:) والذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من بيع الثمرة ليس للمشتري في حصوله عمل أصلا، بل العمل كفه على ~~البائع، فإذا استأجر الأرض والشجر حتى حصل له ثمر وزرع كان كما إذا استأجر ~~الأرض حتى يحصل له الزرع. # الوجه الثالث: أن الثمرة تجري مجرى المنافع والفوائد في الوقف والعارية ~~ونحوهما، فيجوز أن يقف الشجر لينتفع أهل الوقف بممرها، كما يقف الأرض ~~لينتفع أهل الوقف بغلتها. # (ثم تكلم كلاما طويلا في المعنى وضرب أمثلة، ثم قال:) PageV06P411 # فإن قيل: ابن عقيل جوز إجارة الأرض والشجر جميعا لأجل الحاجة، وسلك مسلك ~~مالك، لكن مالك اعتبر القلة في الشجر، وابن عقيل عمم، فإن الحاجة داعية إلى ~~إجارة الأرض التي فيها شجر، وإفراده عنها بالإجارة متعذر أو متعسر لما فيه ~~من الضرر، فجوز دخولها في الإجارة، كما جوز الشافعي دخول الأرض مع الشجر ~~تبعا في باب المساقاة. ومن حجة ابن عقيل أن غاية ما في ذلك جواز بيع ثمر ~~قبل بدو صلاحه تبعا لغيره لأجل الحاجة، وهذا يجوز بالنص والإجماع فيما إذا ~~باع شجرا وعليها ثمر باد، كالنخل المؤبر إذا اشترط المبتاع، فإنه اشترى ~~شجرا وثمرا قبل بدو صلاحه. وما ذكرتموه يقتضي أن جواز هذا هو القياس، وأنه ~~جائز بدون الحاجة حتى مع الانفراد. # قيل: هذا زيادة توكيد، فإن هذه المسألة لها مأخذان: # أحدهما: أن يسلم أن الأصل يقتضي المنع، لكن يجوز ذلك لأجل الحاجة، كما في ~~نظائره. # والثاني: أن يمنع هذا، ويقال: لا نسلم أن الأصل يقتضي المنع، بل نهى ~~النبي في عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، فإنه إنما نهى عن بيع لا عن إجارة، ~~فنهيه لا يتناول ms1207 مثل هذه الصورة وأمثالها من أنواع إلاجارة، لا لفظا ولا معنى. # أما اللفظ فإن هذا لم يبع ثمرة قبل بدو صلاحها، ولو كان قد باع ثمرة لكان ~~عليه مؤونة التوفية، كما لو باعها بعد بدو صلاحها، فإن مؤونة التوفية عليه، ~~وهنا المستأجر للبستان كالمستأجر للأرض سواء PageV06P412 # بسواء إنما يتسلم الأصول، وهو الذي يقوم عليها حتى يشتد الزرع ويبدو صلاح ~~الثمر، كما يقوم على ذلك العامل في المساقاة والمزارعة، فإن جاز أن يقال: ~~إن هذا مشتر للثمر فلنقل: إن المستأجر مشتر للزرع، وإن العامل في المساقاة ~~والمزارعة والمضاربة مشتر لما يحصل من النماء. فإذا كان هذا لا يدخل في ~~مسمى البيع امتنع شمول العموم له لفظا. # ويمتنع إلحاقه بذلك من جهة القياس وشمول العموم المعنوي له، لأن الفرق ~~بينهما في غاية الظهور، فإن إلحاق هذه الإجارة بإجارة الأرض لاشتراكهما في ~~المساقاة والمزارعة وفي العارية والوقف وغير ذلك مما يجعل حكم أحدهما حكم ~~الآخر= أولى من إلحاقها بالبيع كما تقدم. فكل من نظر في هذا نظرا صحيحا ~~سليما تبين له أن هذا من باب الإجارات والقبالات التي تسمى الضمانات، كما ~~تسميه العامة ضمانا، وكما سماه السلف قبالة، وليس هو من باب المبايعات، ~~وأحكام البيع منتفية في مثل هذا، مثل كون مؤونة التوفية على البائع، ومثل ~~أنه لو باع الحب بعد اشتداده وفرط في سقي الحنطة حتى لم يكمل صلاحها، كان ~~ذلك من ضمانه ولم يستحق الثمن. ولو قصر المستأجر للأرض في السقي وغيره حتى ~~لم ينبت الزرع كان ذلك من ضمانه، لا من ضمان المؤجر. وكذلك بائع الثمرة إذا ~~لم يقم بما يجب عليه من خدمتها حتى لم يكمل صلاحها كان النقص من ضمانه. # ومستأجر الشجر إذا قصر في خدمتها حتى لم تثمر، أو أثمرت ثمرا ناقصا، كان ~~ذلك من ضمانه. PageV06P413 ### || CHECK - مسألة النزاع من باب الإجارات ### || CHECK - ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيع المعدومات # وكل ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيع المعدومات- مثل نهيه ms1208 ~~عن بيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة (1)، وهو بيع ما في أصلاب الفحول أو ~~أرحام الإناث ونتاج النتاج، ونهيه عن بيع المعاومة وهو بيع السنين (2)، ~~وأمثال ذلك- إنما هو أن يشتري المشتري تلك الأعيان التي لم تخلق بعد، ~~وأصولها يقوم عليها البائع، فهو الذي يستنتجها ويستثمرها، ويسلم إلى ~~المشتري ما يحصل من النتاج والثمرة. وهذا هو الذي كان أهل الجاهلية ~~يفعلونه. وهذا على تفسير الجمهور في حبل الحبلة أنه بيع نتاج النتاج، ومن ~~فسره بتفسير الشافعي أنه البيع إلى نتاج النتاج فإنه يكون إبطاله لجهالة الأجل. # وهذه البيوع التي نهى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - هي من باب ~~القمار الذي هو ميسر، وذلك أكل مال بالباطل، وأصحاب هذه الأصول يمكنهم ~~تأخير البيع إلى أن يخلق الله ما يخلقه من هذه الثمار والأولاد، وإنما ~~يفعلون هذا مخاطرة مباختة كفعل المقامرين من أهل الميسر. # وأما مسألة النزاع فهي من باب الإجارات، فضمان البساتين لمن يقوم عليها ~~كضمان الأرض لمن يقوم عليها فيزدرعها، واحتكار الأرض لمن يبني فيها ويغرس ~~فيها ونحو ذلك. # وأيضا فإن المسلمين اتفقوا على ما فعله أمير المؤمنين عمر بن PageV06P414 # الخطاب رضي الله عنه، من ضرب الخراج على السواد وغيره من الأرض التي فتحت ~~عنوة، سواء قيل. إنه يجب في الأرض التي فتحت عنوة أن تجعل فيئا- كما قاله ~~مالك وهو رواية عن أحمد-؛ أو قيل: إنه يجب قسمتها بين الغانمين- كما قال ~~الشافعي، وهو رواية عن أحمد-؛ أو قيل: يخير الإمام فيها بين هذا وهذا- كما ~~هو مذهب أبي حنيفة والثوري وأبي عبيد وغيرهم، وهو ظاهر مذهب أحمد-. فإن ~~الشافعي يقول: إن عمر استطاب أنفس الغانمين، حتى جعلها فيئا وضرب الخراج عليها. # فاتفق المسلمون في الجملة على أن وضع الخراج على أرض العنوة جائز إذا لم ~~يكن فيه ظلم للغانمين. ثم الخراج عند أكثرهم أجرة الأرض، وإنه لم يقدر مدة ~~الإجارة لعموم مصلحتها، والخراج ضربه على الأرض التي فيها شجر والأرض ~~البيضاء، وضرب على جريب النخل مقدارا وعلى جريب الكرم مقدارا، وهذا بعينه ms1209 ~~إجارة للأرض مع الشجر، فإن كان جواز ذلك على وفى القياس فهو المطلوب، وإن ~~كان جواز ذلك للحاجة فالحاجة داعية إلى ذلك، فإن الناس لهم بساتين فيها ~~مساكن، ولها أجور وافرة، فإن دفعوها إلى من يعملها مساقاة ومزارعة تعطلت ~~منفعة المساكن عليهم، كما في أرض دمشق ونحوها. # ثم قد يكون وقفا أو ليتيم ونحو ذلك، فكيف يجوز تعطيل منفعة المساكن ~~المبنية في الحدائق، وقد تكون منفعة المسكن هي أكثر المنفعة، ومنفعة الزرع ~~والشجر تابعة، فيحتاجون إلى إجارة تلك المساكن، ولا يمكن أن تؤجر دون منفعة ~~الأرض والشجر، فإن العامل إذا كان غير الساكن تضرر هذا وهذا تضررا، الساكن ~~يبقى ممنوعا من PageV06P415 ### || CHECK - الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها # الانتفاع بالثمر والزرع هو وعياله مع كونها عندهم، ويتضررون بدخول العامل ~~عليهم في دارهم. والعامل أيضا لا يبقى مطمئنا إلى سلامة ثمره وزرعه، بل ~~يخاف عليها في مغيبه، وما كل ساكن أمينا، ولو كان أمينا لم يؤمن الضيفان ~~والصبيان والنسوان، وهذا كله معلوم. # فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزابنة (1) - وهي بيع ~~الرطب بالتمر- لما في ذلك من بيع الربا بجنسه مجازفة، وباب الربا أشر من ~~باب الميسر، ثم إنه أرخص في العرايا أن تباع بخرصها لأجل الحاجة، وأمر رجلا ~~أن يبيع شجرة له في ملك الغير- لتضرره بدخوله عليه- أو يهبها له، فلما لم ~~يفعل أمر بقلعها (2)، فأوجب عليه المعاوضة لرفع الضرر عن مالك العقار، كما ~~أوجب للشريك أن يأخذ الشقص بثمنه رفعا لضرر المشاركة والمقاسمة- فكيف إذا ~~كان الضرر ما ذكر؟ # ومعلوم أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد ~~وتقليلها، وأنها تقدر خير الخيرين بتفويت أدناهما، وتدفع شر الشرين باحتمال ~~أدناهما، والفساد في ذلك أعظم مما يظن من حصول ضرر ما لأحد المتعاوضين، فإن ~~هذا ضرر كبير محقق. وذاك إن حصل فيه ضرر فهو يسير قليل مشكوك فيه. # وأيضا فالمساقاة والمزارعة يعتمد فيها أمانة العامل، وقد يتعذر ذلك كثيرا ~~فيحتاج الناس إلى المؤاجرة التي فيها مال مضمون في ms1210 PageV06P416 ### ||| CHECK - إذا تلفت المنفعة في الإجارة قبل التمكن من استيفائها، وبعد التمكن # الذمة. # (ثم قال:) فهذا وجه من وجوه جواز المؤاجرة. # (ثم قال:) وقد اتفق العلماء على أن المنفعة في الإجارة إذا تلفت قبل ~~التمكن من استيفائها، فإنه لا يجب أجرة ذلك، مثل أن يستأجر حيوانا فيموت ~~قبل التمكن من الانتفاع به. وكذلك المبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه، مثل ~~أن يشتري قفيزا من صبرة، فتتلف الصبرة قبل القبض والتمييز، فإن ذلك من ضمان ~~البائع بلا نزاع. # ولكن تنازعوا في تلفه بعد التمكن من القبض وقبل القبض، كمن اشترى معيبا ~~وتمكن من قبضه، وفيه قولان مشهوران: أحدهما أنه لا يضمنه، كقول مالك وأحمد ~~في المشهور عنه، لقول ابن عمر: مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حبا مجموعا ~~فهو من مال المشتري. # والثاني: يضمنه، كقول أبي حنيفة والشافعي، لكن أبو حنيفة يستثني العقار، ~~ومع هذا فمذهبه أن التخلية قبض، كقول أحمد في إحدى الروايتين، فيتقارب ~~مذهبه ومذهب مالك وأحمد في المعين ونحوه. # وكذلك تنازعوا في الثمر إذا اشتري بعد بدو صلاحه، فتلف قبل كمال صلاحه، ~~فمذهب مالك وأحمد أنه يتلف من ضمان البائع، لما ثبت في الصحيح (1) عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة، فلا ~~يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئا، لم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ ". ~~ومذهب الشافعي المشهور عنه: يكون PageV06P417 ### || CHECK - أصل مسالة ضمان البساتين هو الفرق بين البيع والإجارة # في ضمان المشتري، لأنه تلف بعد القبض. وأما أبو حنيفة فمذهبه أن التبقية ~~ليست من مقتضى العقد، ولا يجوز اشتراطها. والأولون يقولون: قبض هذا بمنزلة ~~قبض المنفعة في الإجارة، وذلك ليس بقبض تام ينقل الضمان، لأن القابض لم ~~يتمكن من استيفاء المعقود عليه. وهذا طرد أصلهم في أن المعتبر هو القدرة ~~على الاستيفاء المقصود بالعقد، ولهذا يقولون: لو أن المشتري فرط في قبض ~~الثمرة بعد كمال صلاحها حتى تلفت كانت من ضمانه، كما لو فرط في قبض ms1211 المعين ~~حتى تلف، وهذا ظاهر في المناسبة والتأثير، فإن البائع إذا لم يكن منه تفريط ~~فما يجب عليه. # (ثم قال:) ولهذا اتفقوا على مثل ذلك في الإجارة، فإن المستأجر لو فرط في ~~استيفاء المنافع حتى تلفت كانت من ضمانه، ولو تلفت من غير تفريط كانت من ~~ضمان المؤجر، وفي الإجارة إذا لم يتمكن المستأجر من ازدراع الأرض لافة حصلت ~~لم يكن عليه الأجرة، وإن نبت الزرع ثم حصلت آفة سماوية أتلفته قبل التمكن ~~من حصاده ففيه نزاع. # (ثم قال:) وأصل مسألة ضمان البساتين هو الفرق بين البيع والإجارة، فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، ونهى ~~عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد، ولم ينه عن الإجارة ولا عن ~~المساقاة والمزارعة. فالمساقاة والمزارعة نوع من المشاركة، وهي جائزة بسنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وباتفاق أصحابه وبالقياس، ويجوز ذلك على ~~جميع الشجر، ويجوز على الأرض البيضاء والأرض PageV06P418 # التي فيها شجر، ويجوز سواء كان البذر من رب الأرض أو من العامل أو منهما، ~~بل إذا كان البذر من العامل فهو أولى بالجواز، وهذا الذي عامل عليه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لأهل خيبر، عاملهم بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على ~~أن يعملوها من أموالهم. رواه البخاري في صحيحه (1). # وكذلك الصحابة جوزوها على هذا الوجه. # ومن قال من الفقهاء أن يكون البذر فيها من رب الأرض قاسها على المضاربة، ~~إذ كان المال فيها من واحد والعمل من آخر. وهو قياس فاسد من وجهين: # أحدهما: أن المال في المضاربة يعود إلى المالك، ويقتسمان الربح، والبذر ~~هنا لا يعود إلى العامل، فلو كان يجري مجرى المال لوجب أن يعود نظيره إلى ~~صاحبه، فعلم أنهم جعلوه من باب الأعيان التي تجري مجرى المنافع، كالماء ~~الذي تسقى به الأرض والعلف الذي تعلف به البقر. # الوجه الثاني: أنه في المضاربة لو كان من هذا مال والعمل، ومن هذا مال ~~والعمل من أحدهما لجاز ذلك ms1212 في أصح قولي العلماء. فيجوز ببدنين ومال، ومال ~~وبدنين، فكذلك يجوز نظيره في المساقاة والمزارعة. وكذلك المؤاجرة، لم ينه ~~عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل ما نهى عنه من كراء الأرض ومن ~~المخابرة فهو ما كانوا يفعلونه، وهو أن يشترط رب الأرض زرع بقعة بعينها، ~~فهذا لا يجوز. وإذا كانت الإجارة PageV06P419 # صحيحة فإنها تصح، سواء كانت الأرض تبعا ليس فيها شجر ولا بناء، أو كان ~~فيها بناء أو بناء وشجر، أو كان فيها بياض أو شجر، أو فيها بناء وبياض، فكل ~~هذا من باب الإجارة لا من باب بيع الثمر قبل بدو صلاحها. كما أن الإجارة في ~~الأرض البيضاء لمن يزدرعها ليس من باب بيع الحب قبل أن يشتد، وذلك أن ~~المبيع هو عين يجب على البائع تسليمها، فإذا باع الثمرة أو الحب كان على ~~البائع السقي والخدمة وشق الأرض وغير ذلك، حتى تكمل الثمرة والزرع. وإذا ~~آجر أرضا بيضاء أو أرضا فيها شجر وبياض أو شجر محض كان المستأجر هو الذي ~~يسقي ويخدم ويشق الأرض، حتى يحصل الثمر والزرع بعمله، كما يحصل في المساقاة ~~والمزارعة، لكن في المساقاة والمزارعة يستحق جزءا شائعا من الثمر والزرع، ~~وفي الإجارة يستحق جميع الثمر والزرع، وعليه الأجرة المسماة في ذمته. # وإذا استأجر العبد أو الأمة سواء كانت ظئرا أو غير ظئر، فهذا على وجهين: ~~تارة يستأجرها بأجرة مسماة، وتارة يستأجرها بطعامها وكسوتها بالمعروف، وذلك ~~جائز في أظهر قولي العلماء. # وعلى هذا فإذا استأجر بقرا أو نوقا أو غنما أيام اللبن بأجرة مسماة ~~وعلفها على المالك، أو بأجرة مسماة مع علفها على أن يأخذ اللبن- جاز ذلك في ~~أظهر قولي العلماء، كما في الظئر. وهذا يشبه البيع ويشبه الإجارة، ولهذا ~~يذكره بعض الفقهاء في البيع وبعضهم في الإجارة. لكن إذا كان اللبن يحصل ~~بعلف المستأجر وقيامه على الغنم فإنه يشبه استئجار الشجر، وإن كان المالك ~~هو الذي يعلفها، وإنما PageV06P420 # يأخذ المشتري لبنا مقدرا، فهذا بيع محض، وإن كان يأخذ اللبن مطلقا فهو ~~بيع أيضا، ms1213 فإن صاحب الغنم يوفيه اللبن، بخلاف الظئر فإنها هي تسقي الطفل. ~~وليس هذا داخلا فيما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيع الغرر ~~(1)، لأن الغرر ما يتردد بين الوجود والعدم، فنهى عن بيعه لأنه من جنس ~~القمار الذي هو الميسر، والله حرم ذلك لما فيه من أكل المال بالباطل، وذلك ~~من الظلم الذي حرمه الله تعالى. # (ثم قال:) فأما إذا كان شيئا معروفا بالعادة، كمنافع الأعيان في الإجارة، ~~مثل منفعة الأرض والدابة، ومثل لبن الظئر المعتاد، ولبن البهائم المعتاد، ~~ومثل الثمر والزرع المعتاد- فهذا كله من باب واحد، وهو جائز. ثم إن حصل على ~~الوجه المعتاد، وإلا حط عن المستأجر بقدر ما فات من المنفعة المقصودة. وهو ~~مثل وضع الجائحة في البيع، ومثل ما إذا تلف بعض المبيع قبل التمكن من القبض ~~في سائر البيوع. # وهذا الذي ذكرناه من ضمان البساتين هو فيما إذا ضمنه على أن يعمل الضامن ~~حتى يحصل الثمر والزرع، فأما إذا كان الخدمة والعمل على البائع فهذا بيع، ~~كما يباع العنب بعد بدو صلاحه، وكما يضمن البستان زمن الصيف لمن يسكنه ~~ويأكل فاكهته، وإذا كان بيعا محضا لم يجز إلا بعد بدو صلاحه، لكن إذا بدا ~~صلاح بعض الشجر جاز بيع جميعها بلا نزاع، وكذلك يجوز بيع سائر ذلك النوع في ~~ذلك البستان في سائر البساتين في أشهر قولي العلماء. PageV06P421 ### || CHECK - إذا كان البستان أجناسا، فبدا الصلاح في جنس من ذلك # وإذا كان البستان أجناسا، كالعنب والرطب والتفاح والمشمش والتوت، فبدا ~~الصلاح في جنس من ذلك، جاز بيع جميع ما في البستان من ذلك في أحد قوليهم ~~أيضا، لأن الشرط في المبيع أن يبدو صلاح بعضه لا صلاح كل جزء منه، إذا كان ~~مما يباع جملة في العادة. # ومعلوم أنه إذا كان فيه نخيل وأعناب كان بيع بعض النخيل دون بعض فيه ~~مشقة، فجوز بيع الجميع. وهكذا إذا كان عنبا ورمانا وجوزا ونحو ذلك فبيع بعض ~~هذه الأجناس دون بعض فيه مشقة، كما في بيع ms1214 بعض النخيل دون بعض فإن المشتري ~~إن لم يشتر الجميع لم يرض بشراء البعض، إذ لا يمكن أن يدخل عليه غيره في ~~البستان من المشتري، ففي بيع بعض البستان دون بعض ضرر على البائع والمشتري، ~~ولا فساد في بيع الجميع. # بل إن قيل: قد تصيبه جائحة فلا يثمر الباقي، قيل: هذا بمنزلة الجائحة ~~فيما بدا صلاحه، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بوضع الجائحة (1). # والشارع بعث بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فنهى عن ~~بيع الثمار قبل بدو صلاحها لما فيه من المخاطرة من غير حاجة، وأما بعد بدو ~~صلاحها فهم محتاجون إلى بيعها في هذه الحال وإن كان فيه نوع مخاطرة، لأن ~~المنع من ذلك أشد ضررا على الناس من المخاطرة، كما في الإجارة، لأن المنع ~~منها أشد ضررا من إباحتها مع المخاطرة، ثم إنه جبر هذا الضرر بوضع الجوائح، ~~فما تلف PageV06P422 # قبل التكمن من قبضه كان من مال البائع كالمؤجر، وأما إذا تمكن من الجداد ~~والحصاد ففرط حتى تلفت العين، أو أخر ذلك لطلب ارتفاع السعر فإن الضمان هنا ~~يكون من ماله. والله سبحانه أعلم (1). PageV06P423 ### | CHECK (1) مسائل أهل الرحبة # مسائل أهل الرحبة # لشيخ الإسلام ابن تيمية PageV07P003 # وسئل [شيخ الإسلام] رحمه الله ورضي عنه عن مسائل سألها أهل الرحبة خطيب ~~قرية عشارا، وهي: # * الرجل يأمر زوجته بالصلاة ويضربها فلا تصلي، ولا يقدر عل طلاقها لأجل ~~الصداق وغيره؟ # * وفي الرجل يشرب الشراب ويأكل الحرام ويعتقد أنه حرام، هل هو مسلم أم لا؟ # * والرجل يصيبه الجنابة والوقت بارد يؤذيه الغسل بالماء البارد، ويعدم ~~الحمام أو الماء الحار، هل يتيمم ولا إعادة عليه؟ # * وإذا عدم الماء وبينه نحو الميل، فإن أخر الصلاة إلى الماء فات الوقت، ~~وإن تيمم أدركه، هل يتيمم ولا إعادة عليه؟ # * وفي الرجل يحلف بالطلاق الثلاث على شيء أنه لا يفعله ثم يفعله، هل ~~يلزمه الطلاق الثلاث؟ # * وفي المؤمن هل يكفر بالمعصية؟ # * وما في المصحف هل هو نفس القرآن أم كتابته؟ وما في صدور المقرئين هل هو ~~نفس ms1215 القرآن أم لا؟ PageV07P005 # * والرجل يصلي وقتا ويتركها أكثر زمانه، والرجل لا يصلي عمره من غير عذر، ~~هل يغسل ويصلى عليه؟ # * وفي الكفار هل يحاسبون يوم القيامة أم لا؟ # * وما شجر بين الصحابة: علي ومعاوية وطلحة وعائشة، هل يطالبون به أم لا؟ # * وفي أهل الكبائر والشفاعة فيهم، وهل يدخلون الجنة إذا لم يتوبوا أم لا؟ # * وفي الصالحين من أمة محمد هل هم أفضل من الملائكة؟ # * وفي الميزان الذي في القيامة هل له كفتان، أم هو عبارة عن العدل؟ # * وفي المعاصي هل أرادها الله من خلقه؟ # * وفي الباري تعالى هل يضل عباده ويهديهم أم لا؟ # * وفي المقتول هل مات بأجله أم قطع القاتل أجله؟ # * والغلاء والرخص هل هو من الله؟ # * وفي الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم لما عرج به هل كان في اليقظة أم ~~في النوم؟ # * وفي المبتدعة هل هم كفار أم فساق؟ # * وفي ملك الموت هل يذبح يوم القيامة أم لا؟ PageV07P006 # * وفي الرجل يعتقد الإيمان بقلبه ولم يتلفظ بلسانه هل يصير بذلك مؤمنا؟ # * وغسل الجنابة هل هو فرض أم لا؟ وهل يجوز أن يصلي الجنب ويعيد؟ # * وعن الحرام من المال والخمر، هل هو رزق الله لمن أكله؟ # * وفي الإيمان هل هو مخلوق أم لا؟ # * وفي القراءة إذا أهديت إلى الأموات هل يصل ثوبها من بعد وقرب؟ # * وفي البئر إذا وقعت فيها ميتة أو نجاسة هل تنجس؟ وإذا نجست هل ينزع ~~منها شيء أم لا؟ # * وفي هلال شهر رمضان هل يصام برؤيته أم بالحساب؟ وإذا حال دونه غيم هل ~~يصام بالحساب؟ # * [وعن الصبي إذا مات وهو غير مطهر هل يقطع ختانه بالحديد عند غسله أم ~~يخلى على حاله؟] # * وفي رجل يصيبه رشاش البول وهو في الصلاة أو غيرها ويغفل عن نفسه، أو لم ~~يتمكن من غسلها، هل يصلي بالنجاسة أو يترك الصلاة؟ PageV07P007 # * وفي الرجل إذا قتل وفيه جراح يخرج منها دم، هل يغسل ويصلى عليه؟ # * والرجل يسرق الأسيرة من بلاد العدو -ولم يعرف لها أهل- وينهزم بها ~~ويسافر ليلا ونهارا، فيريد التزويج ms1216 بها كما يزوجه القاضي خوف الفتك، فيقول: ~~أشهد الله وملائكته أن صداقها علي كذا. وترضى هي بالزوج والصداق، هل يجوز ~~ذلك للضرورة وخوف الفتك، كونها معه ليلا ونهارا، يطلع عليها على ما يخفى في السفر؟ # * وفي الرجل يقرأ القرآن وما عنده أحد يسأل عن اللحن، وإذا وقف على شيء ~~نظر في المصحف، هل يأثم أم لا؟ # * وفي صلاة الجمعة إذا لم تتم الجماعة أربعون رجلا ويصعب تركها، هل له ~~رخصة عند أحد أن يصلي بدون الأربعين وذلك في قرى عديدة؟ PageV07P008 # * وهل يجوز التقدم بين يدي الإمام أم لا؟ وهل تبطل صلاة من تقدم؟ # * وفي القاتل عمدا أو خطأ، هل تدفع الكفارة المذكورة في القرآن ذنبه، أم ~~يطالب بالقتل؟ # * والمصلي إذا رأى هوام الأرض هل يجوز قتله، ولو مشى إليه ثلاث خطوات وهو ~~في الصلاة؟ # * وفي السماع بالدف والشبابة هل هو حرام؟ # * ودخول النار وإخراج اللاذن ومؤاخاة النساء الأجانب، هل هو حرام؟ # * وفي البقر الحلابة تأكل النجاسة، هل ينجس لبنها ويحرم؟ # * وفي الذبيحة إذا كانت الغلصمة مما يلي البدن هل تحرم أم لا؟ # * وفي البهيمة تذبح في الماء وتموت فيه، هل تؤكل أم لا؟ # * وفي المسجد والجامع وصلاة قوم برا المسجد وفي طريقه هل تجوز صلاتهم؟ # * وفي الرجل يشتري الدابة ويزن الثمن ويقبضها، واشترط له الخيار مدة ~~يومين، فتموت الدابة ليلة قبضها، هل يكون من البائع أم من المشتري؟ PageV07P009 ### || CHECK وأما الذي يشرب الشراب، ويأكل الحرام ويقر بالشهادتين هل هو مسلم أم لا؟ ### || CHECK الرجل يأمر زوجته بالصلاة ويضربها فلا تصلي، ولا يقدر عل طلاقها لأجل الصداق وغيره؟ # * [وتارك الصلاة من غير عذر هل هو مسلم في تلك الحال؟] # # # # # فأجاب رحمه الله ورضي عنه: # * أما المرأة فإنه يجب أمرها بالصلاة مرة بعد مرة، وإلزامها بذلك بالرغبة ~~والرهبة، وإذا كان عاجزا إذا طلقها عن مهرها وأمكنه أن يرغبها بزيادة في ~~النفقة فعل إذا صلت، وكذلك يعاقبها بالهجر مرة بعد مرة، فإن عجز عن كل سبب ~~تصلي به لم يجب عليه مع عجزه ms1217 عن المهر أن يطلقها، فيحبس ويطلب منه ما ~~يعجز عنه. # فصل # * وأما الذي يشرب الشراب، ويأكل الحرام، ويقر بالشهادتين هل هو مسلم أم لا؟ # الجواب: إذا كان مقرا بالشهادتين باطنا وظاهرا، لم يكن معصيته بشرب الخمر ~~وأكل الحرام مخرجا له عن الإسلام بالكلية، ولا مخرجا له عن جميع الإيمان، ~~بل مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين الأربعة ~~وغيرهم: أن من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان لم يخلد في النار، ومن أقر ~~بالشهادتين لم يكن كافرا بمجرد معصيته. PageV07P010 # ولكن الخوارج والمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبائر ليس معه من الإيمان ~~والإسلام شيء، وهذا القول مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف من الأمة. # لكن هؤلاء إذا كانوا طائفة ممتنعة، قوتلوا حتى يلزموا شرائع الإسلام، ~~وأما الواحد فيقام عليه الحدود الشرعية إذا أمكن ذلك، وإلا فيفعل المؤمن ما ~~يقدر عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «من رأى ~~منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ~~وذلك أضعف الإيمان». # فصل # * ### || AUTO في الرجل وقعت عليه جنابة، والوقت بارد، إذا اغتسل فيه يؤذيه، وتعذر عليه الحمام أو تسخين الماء، فيجوز أن يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه؟ # والجواب: أنه لا يجوز لأحد قط أن يؤخر الصلاة عن وقتها، لا لعذر ولا لغير ~~عذر، بل يجوز عند العذر الجمع بين الصلاتين صلاتي الظهر والعصر، وصلاتي ~~المغرب والعشاء وأما تأخير المغرب حتى تطلع الشمس فلا يجوز بحال، وكذلك ~~تأخير صلاة الظهر والعصر حتى تغرب الشمس. بل إذا كان عادما للماء أو خاف ~~الضرر باستعماله، فعليه PageV07P011 # أن يتيمم ويصلي في الوقت، سواء كان جنبا أو محدثا. وله أن يقرأ القرآن في ~~الصلاة وخارج الصلاة. # ويتيمم إذا عدم الماء في السفر، وكذلك إذا خاف إن اغتسل بالماء البارد ~~يضره، والتسخين يتعذر، ولتعذر الحمام أو التسخين فإنه يتيمم ويصلي. # ولا إعادة على أحد صلى في الوقت كما أمره الله تعالى، فإن الله لم يوجب ~~على أحد أن يصلي ms1218 مرة في الوقت ومرة بعد الخروج من الوقت، بل إذا نسي وصلى ~~بلا وضوء فإنه يؤمر بالقضاء؛ لأنه لم يفعل ما أمره الله به، فمن نسي الصلاة ~~أو بعض فرائضها صلى إذا ذكرها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام ~~عن صلاة أن نسيها فليصلها إذا ذكرها». # وأمر من صلى وفي قدمه لمعة لم يصبها الماء أن يعيد الوضوء والصلاة. # وأما من ترك بعض الواجبات جهلا لا يؤاخذ، فإن علم في الوقت أعاد، وإن لم ~~يعلم إلا بعد الوقت، فلا إعادة عليه، كالأعرابي الذي صلى بلا طمأنينة، فإنه ~~أمره بإعادة تلك الصلاة، ولم يأمره بإعادة ما صلى قبل PageV07P012 # ذلك مع قوله: «والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا». وكذلك لم يأمر ~~المستحاضة بإعادة ما تركته. ولم يأمر عمر وعمارا بإعادة ما تركا مع الجنابة ~~حيث لم يعلما التيمم الشرعي. ولم يأمر أبا ذر بالإعادة. ولم يأمر الذين ~~اعتقدوا أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هو الحبل الأبيض والأسود لما أكلوا ~~إلى أن تبينت الحال، لم يأمرهم بالإعادة. ولم يأمر الصحابة الذين صلوا بلا ~~ماء ولا تيمم بالإعادة لما صلوا بلا ماء قبل أن يشرع التيمم. ونظائر هذه ~~متعددة. PageV07P013 # فصل # * ### || AUTO والذي إذا عدم الماء وبينه نحو الميل، إذا أخر الصلاة خرج الوقت وإن تيمم أدركه؟ # فالجواب: إذا دخل الوقت والماء بعيد أو في بئر مجبب لا يصلون إليه إلا ~~بعد الوقت، يصلون بالتيمم في الوقت مع البعد باتفاق المسلمين، وفي مسألة ~~البئر عند جمهورهم. # وكذلك المسافر إذا وصل إلى مكان فإن ذهب إلى الماء خرج الوقت صلى ~~بالتيمم، فإن فرضه أن يصلي في الوقت بالتيمم، ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة ~~حتى يخرج الوقت، وإن صلى بالوضوء بعد الوقت. # وكذلك العريان فرضه أن يصلي في الوقت وإن كان عريانا، ولا يؤخر الصلاة، ~~وإن صلى بعد الوقت مكتسيا. # وكذلك من اشتبهت عليه القبلة أو كان مربوطا فإنه يصلي في الوقت ولو صلى ~~إلى غير القبلة، ولا يجوز له أن يؤخر ms1219 الصلاة وإن صلى إلى القبلة بعد الوقت. # وكذلك إذا كان عليه نجاسة في بدنه أو ثيابه لا يمكنه إزالتها إلا بعد ~~الوقت، فعليه أن يصلي في الوقت، وإن كان عليه نجاسة فلا يؤخرها ليصلي بعد ~~الوقت بالطهارة. PageV07P014 # وكذلك المريض عليه أن يصلي في الوقت بحسب الإمكان، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعمران بن حصين: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا أو مضجعا» ~~ولا يؤخر ليصلي بعد الوقت. # وكذلك في حال الخوف يصلي في الوقت صلاة الخوف ولا يؤخر الصلاة ليصلي بعد ~~الوقت صلاة آمن. # والأصل الجامع في هذا: أنه لا بد من الصلاة في وقتها لا تؤخر عن الوقت ~~بوجه من الوجوه، لكن يجوز في حال العذر أن يجمع بين الظهر والعصر وبين ~~المغرب والعشاء، وإذا عجز [عن بعض] واجبات الصلاة صلى في الوقت بحسب حاله، ~~والله أعلم. # فصل # * ### || AUTO وأما الذي يحلف بالطلاق أنه لا يفعل شيئا ثم يفعله هل يلزمه الطلاق؟ # فالجواب: أن كل من حلف يمينا من أيمان المسلمين فإنه يجزئه كفارة يمين ~~إذا حلف، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، قال تعالى: {لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان PageV07P015 # فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89]. # وقال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] وثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في «الصحيح» من غير وجه أنه قال: «من حلف على يمين فرأى ~~غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير». وهذا يتناول جميع ~~أيمان المسلمين. # والأيمان نوعان: أيمان المسلمين، وأيمان غير المسلمين فالحلف بالمخلوقات ~~كالحلف بالملائكة والمشايخ والكعبة وغيرها= من أيمان أهل الشرك لا من أيمان ~~المسلمين. # وفي «السنن» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف بغير الله فقد ~~أشرك»، وصححه الترمذي. # وفي «الصحيحين»: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». PageV07P016 # وكذلك النذر للمخلوقات كالنذر ms1220 لقبور الأنبياء وقبور المشايخ هو من دين ~~أهل الشرك، فالحلف بالمخلوقات لا ينعقد، ولا كفارة فيها إذا حنث. # والنوع الثاني: أيمان المسلمين كالحلف باسم الله، أو النذر أو الطلاق أو ~~العتاق أو الحرام أو الظهار، كقوله: والله لا أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني ~~لا أفعل كذا، أو الحرام يلزمني لا أفعل كذا، أو العتق يلزمني لا أفعل كذا، ~~أو إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من دين الإسلام، أو فعلي الحج ~~أو صيام سنة، أو فمالي صدقة ونحو ذلك، فهذا كله يجزئ فيه الكفارة في أظهر ~~أقوال العلماء، وفيها أقوال أخر. # وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في مجلدات، هذا والمجلدات منتشرات. PageV07P017 # فصل # * ### || AUTO العبد هل يكفر بالمعصية أم لا؟ # الجواب: أنه لا يكفر بمجرد الذنب؛ فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع ~~السلف أن الزاني غير المحصن يجلد ولا يقتل، والشارب يجلد، والقاذف يجلد، ~~والسارق يقطع، ولو كفارا لكانوا مرتدين ووجب قتلهم، وهذا خلاف الكتاب ~~والسنة وإجماع السلف. # فصل # * ### || AUTO ما في المصحف هل هو نفس القرآن أو كتابته، وما في صدور القراء هل هو نفس القرآن أو حفظه؟ # الجواب: أن الواجب أن نطلق ما أطلقه الكتاب والسنة، كقوله تعالى: {بل هو ~~قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ} [البروج: 22]، وقوله: {إنه لقرآن كريم (77) ~~في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79]، وقوله: {وكتاب ~~مسطور (2) في رق منشور} [الطور: 3]، وقوله: {يتلو صحفا مطهرة} [البينة: 2]، ~~وقوله: {كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة (13) مرفوعة ~~مطهرة (14) بأيدي سفرة (15) كرام بررة} [عبس: 16]. PageV07P018 # وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو». ~~وقوله: «استذكروا القرآن [فلهو أشد تفصيا] من صدور الرجال من النعم في ~~عقلها»، وقوله: «[الجوف] الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب». وقد ~~صححه الترمذي. # فمن قال: القرآن في المصحف والصدور؛ فقد صدق. ومن قال: فيهما حفظه ~~وكتابته؛ فقد صدق. ومن قال: القرآن مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور؛ فقد صدق. # ومن قال: إن ms1221 المداد والورق أو صفة العبد أو فعله أو صوته قديم أو غير ~~مخلوق؛ فهو مخطئ ضال. ومن قال: إن ما في المصحف ليس هو كلام الله، أو: ما ~~في صدور القراء ليس هوكلام الله، أو قال: إن القرآن العربي لم يتكلم به ~~الله ولكن هو مخلوق أو صفة جبريل أو محمد، PageV07P019 # أو قال إن القرآن في المصاحف كما أن محمدا في التوراة والإنجيل؛ فهذا ~~أيضا مخطئ ضال، فإن القرآن كلام الله، والكلام نفسه يكتب في المصحف بخلاف ~~الأعيان، فإنه إنما يكتب اسمها وذكرها، فالرسول مكتوب في التوراة والإنجيل ~~ذكره ونعته وكتابة المسميات، كما أن القرآن في زبر الأولين، [وكما أن ~~أعمالنا في الزبر، قال تعالى: {وإنه لفي زبر الأولين} [الشعراء: 196]]، ~~وقال: {وكل شيء فعلوه في الزبر} [القمر: 52]. # فمحمد مكتوب في التوراة والإنجيل، كما أن القرآن في تلك الكتب، وكما أن ~~أعمالنا في الكتب، وأما القرآن فهو نفسه مكتوب في المصاحف، ليس المكتوب ~~ذكره والخبر عنه، كما يكتب اسم الله في الورق، ومن لم يفرق بين كتابة ~~الأسماء والكلام وكتابة المسميات والأعيان كما جرى لطائفة من الناس فقد ~~غلط غلطا سوى فيه بين الحقائق المختلفة، كما قد يجعل مثل هؤلاء الحقائق ~~المختلفة شيئا واحدا كما قد جعلوا جميع أنواع الكلام معنى واحدا. # وكلام المتكلم يسمع تارة منه وتارة من المبلغ عنه، فالنبي صلى الله عليه ~~وسلم لما PageV07P020 # قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى ~~الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو ~~امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». # فهذا الكلام قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظه ومعناه، فلفظه لفظ ~~الرسول، ومعناه معنى الرسول، فإذا بلغه المبلغ عنه بلغ كلام الرسول بلفظه ~~ومعناه، ولكن صوت الصحابي المبلغ ليس هو صوت الرسول صلى الله عليه وسلم. # فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه، سمعه منه جبريل، وبلغه عن الله إلى محمد، ~~ومحمد سمعه من جبريل، وبلغه إلى أمته، فهو كلام الله ms1222 حيث سمع وكتب وقرئ، ~~كما قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه} [التوبة: 6]. وكلام الله تكلم الله به بنفسه، تكلم به ~~باختياره وقدرته، ليس مخلوقا بائنا عنه، بل هو قائم بذاته، مع أنه تكلم به ~~بقدرته ومشيئته، ليس قائما به بدون قدرته ومشيئته، والسلف قالوا: لم يزل ~~الله متكلما إذا شاء. # فإذا قيل: كلام الله قديم، بمعنى أنه لم يصر متكلما بعد أن لم يكن ~~متكلما، ولا كلامه مخلوق، ولا معنى واحد قديم [قائم] بذاته، بل لم يزل ~~متكلما إذا شاء، فهذا كلام صحيح. ولم يقل أحد من السلف: إن نفس الكلام ~~المعين قديم، وكانوا يقولون: القرآن كلام الله منزل غير PageV07P021 # مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. ولم يقل أحد منهم: إن القرآن قديم، ولا ~~قالوا: إن كلامه معنى واحد قائم بذاته، ولا قالوا: إن القرآن أو حروفه ~~وأصواته قديمة أزلية قائمة بذات الله، [وإن كان جنس الحروف لم يزل الله ~~متكلما بها إذا شاء] بل قالوا: إن حروف القرآن غير مخلوقة، وأنكروا على من ~~قال: إن الله خلق الحروف. # وكان أحمد وغيره من السلف ينكرون على من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير ~~مخلوق. ويقولون: من قال: هو مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. ~~فإن اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا، ويراد باللفظ الملفوظ به، وهو نفس ~~الحروف المنطوقة. # وأما أصوات العباد ومداد المصاحف فلم يتوقف أحد من السلف في أن ذلك ~~مخلوق، وقد نص أحمد على أن أصوات القارئ صوت العبد، وكذلك غير أحمد من ~~الأئمة، وقال أحمد: «من قال: لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي». # والإنسان وجميع حركاته وأفعاله وأصواته مخلوقة، وجميع صفاته مخلوقة، فمن ~~قال عن شيء من صفاته: إنها [غير] مخلوقة أو قديمة فهو مخظئ ضال. # ومن قال عن شيء من كلام الله أو صفاته: إنه مخلوق فهو مخطئ PageV07P022 # ضال. وأما أصوات العباد بالقرآن والمداد الذي في المصحف، فلم يكن أحد من ms1223 ~~السلف يتوقف في ذلك، بل كلهم متفقون على أن أصوات العباد مخلوقة، وكلام ~~الله الذي كتب بالمداد غير مخلوق، قال الله تعالى: {قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} [الكهف: 109]. # وهذه المسائل قد بسط الكلام عليها، وذكر أقوال العلماء واضطرابهم فيها في ~~مواضع أخر. # فصل # * ### || AUTO والذي يصلي وقتا ويترك الصلاة كثيرا أو لا يصلي؟ # فالجواب: إن مثل هذا ما زال المسلمون يصلون عليه، بل المنافقون الذين ~~يكتمون النفاق يصلي المسلمون عليهم ويغسلون وتجرى عليهم أحكام المسلمين، ~~كما كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن كان من قد ~~علم نفاق شخص لم يجز له أن يصلي عليه؛ كما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة على من علم نفاقه، وأما من شك في حاله فيجوز الصلاة عليه إذا كان ~~ظاهره الإسلام، كما صلى PageV07P023 # النبي صلى الله عليه وسلم على من لم ينه عنه، وكان فيهم من لم يعلم ~~نفاقه، كما قال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة ~~مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} [التوبة: 101]. ومثل هؤلاء يجوز ~~النهي عنهم، ولكن صلاة النبي والمؤمنين على المنافقين لا تنفعه؛ كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما ألبس ابن أبي قميصه: «وما يغني عنه قميصي من ~~الله». وقال تعالى: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله ~~لهم} [المنافقون: 6]. # وتارك الصلاة أحيانا وأمثاله من المتظاهرين بالفسق، فأهل العلم والدين ~~إذا كان في هجر هذا وترك الصلاة عليه منفعة للمسلمين، بحيث يكون ذلك باعثا ~~لهم على المحافظة على الصلاة؛ تركوا الصلاة عليه، كما ترك النبي صلى الله ~~عليه وسلم الصلاة على قاتل نفسه، والغال، والمدين الذي لا وفاء له، وهذا شر ~~منهم. PageV07P024 # فصل # * ### || AUTO وأما الكفار هل يحاسبون يوم القيامة أم لا؟ # فالجواب: أن هذه المسألة تنازع فيها المتأخرون من أصحاب أحمد وغيرهم، ~~فممن قال: إنهم لا يحاسبون: أبو بكر ms1224 عبد العزيز، وأبو الحسن، والقاضي أبو ~~يعلى وغيرهم. وممن قال: إنهم يحاسبون: أبو حفص البرمكي من أصحاب أحمد ، ~~وأبو سليمان الدمشقي، وأبو طالب المكي. # وفصل الخطاب: أن الحساب يراد به عرض أعمالهم عليهم وتوبيخهم عليها، أو ~~يراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيئات. فإن أريد بالحساب المعنى الأول فلا ~~ريب أنهم يحاسبون بهذا الاعتبار. وإن أريد المعنى الثاني، فإن قصد بذلك أن ~~الكفار يبقى لهم حسنات يستحقون بها الجنة، فهذا خطأ ظاهر، وإن أريد أنهم ~~يتفاوتون في العقاب، فعقاب من كثرت سيئاته أعظم من عقاب من قلت سيئاته، ومن ~~كان له حسنات خفف عنه العذاب، كما أن أبا طالب أخف عذابا من أبي لهب. PageV07P025 ### || CHECK وما شجر بين الصحابة: علي ومعاوية وطلحة وعائشة، هل يطالبون به أم لا؟ # وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} [محمد: 1]. ~~وقال تعالى: {زدناهم عذابا فوق العذاب} [النحل: 88]. {إنما النسيء زيادة في ~~الكفر} [التوبة: 37]. والنار دركات، فإذا كان بعض الكفار عذابه أشد من بعض ~~لكثرة سيئاته وقلة حسناته كان الحساب لبيان مراتب العذاب، لا لأجل دخول الجنة. # فصل # * وأما ما شجر بين الصحابة، فقد ثبت بالنصوص الصحيحة أن عثمان وعليا ~~وطلحة والزبير وعائشة من أهل الجنة، بل ثبت في «الصحيح» أنه «لا يدخل النار ~~أحد بايع تحت الشجرة». # وأبو موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، هم من الصحابة ~~ولهم فضائل ومحاسن. # وما يحكى عنهم فكثير منه كذب، والصدق منه إن كانوا فيه مجتهدين، فالمجتهد ~~إذا أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وخطؤه مغفور له. PageV07P026 # وإن قدر أن لهم ذنوبا فالذنوب لا توجب دخول النار مطلقا إلا إذا انتفت ~~الأسباب المانعة من ذلك، وهي عشرة: منها التوبة، ومنها الاستغفار، ومنها ~~الحسنات الماحية، ومنها المصائب المكفرة، ومنها شفاعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومنها شفاعة غيره، ومنها دعاء المؤمنين، ومنها ما يهدى للميت من ~~الثواب، كالصدقة والعتق عنهم، ومنها فتنة القبر، ومنها أهوال القيامة. # وقد ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله ms1225 عليه وسلم أنه قال: «خير القرون ~~القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». وحينئذ فمن جزم ~~في أحد من هؤلاء أن له ذنوبا يدخل بها النار قطعا فهو كاذب مفتر، فإنه لو ~~قال ما لا علم له به لكان مبطلا، فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على ~~نقيضه؟ فمن تكلم فيما شجر بينهم بما نهى الله عنه من ذمهم أو التعصب لبعضهم ~~بالباطل فهو ظالم معتد. PageV07P027 # قد ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يمرق مارقة ~~على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق». وثبت في «الصحيح» ~~عنه أنه قال عن الحسن: «إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين ~~[من المسلمين]». وفي «الصحيحين» عن عمار أنه قال: «تقتله الفئة الباغية». # وقد قال الله في القرآن: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} ~~[الحجرات: 9]. # فثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف ما يدل على أنهم مؤمنون مسلمون، وأن ~~علي بن أبي طالب والذين معه كانوا أولى بالحق من الطائفة المقابلة، والله ~~أعلم. PageV07P028 # فصل # * ### || AUTO وأما الشفاعة في أهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهل يدخلون الجنة؟ # فالجواب: أن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة ~~المسلمين، وإنما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم. ولا ~~يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، بل كلهم يخرجون من النار إلى ~~الجنة ويدخلون الجنة، ويبقى في الجنة فضل، ينشئ الله لها خلقا آخر يدخلهم ~~الجنة، كما ثبت ذلك في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم. # فصل # * ### || AUTO وأما المطيعون من أمة محمد هل هم أفضل من الملائكة؟ # فالجواب: أنه قد ثبت عن عبد الله بن عمرو أنه ms1226 قال: «إن PageV07P029 # الملائكة قالت: يا رب جعلت بني آدم يأكون في الدنيا ويشربون ويتمتعون، ~~فاجعل لنا الآخرة، كما جعلت لهم الدنيا. قال: لا أفعل. ثم أعادوا عليه: ~~فقال: لا أفعل. ثم أعادوا عليه مرتين أو ثلاثا، فقال: وعزتي لا أجعل صالح ~~ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان». ذكره عثمان بن سعيد الدارمي. # وروى هذا عبد الله بن أحمد في كتاب «السنة» عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. # وثبت عن عبد الله بن سلام أنه قال: «ما خلق الله خلقا عليه أكرم من محمد، ~~فقيل له: ولا جبريل ولا ميكائيل؟ فقال للسائل: أتدري ما جبريل وميكائيل، ~~إنما جبريل وميكائيل خلق مسخر كالشمس والقمر، وما خلق الله خلقا أكرم عليه ~~من محمد». # وما علمت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك، وهذا هو المشهور عن المنتسبين ~~إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، PageV07P030 # وهو أن الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة. # ولنا في هذه المسألة مصنف مفرد، ذكرنا فيه الأدلة من الجانبين. # فصل # * ### || AUTO وأما الميزان هل هو عبارة عن العدل أم له كفتان؟ # فالجواب: أن الميزان ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل، كما دل على ذلك ~~الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: {فمن ثقلت موازينه} [الأعراف: 8] [{ومن خفت ~~موازينه} [الأعراف: 9]]، وقوله: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} ~~[الأنبياء: 47]. # وفي «الصحيحين» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلمتان خفيفتان ~~على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، ~~سبحان الله العظيم». PageV07P031 # وقال عن ساقي عبد الله بن مسعود: «لهما في الميزان أثقل من أحد». وفي ~~الترمذي وغيره حديث البطاقة، وصححه الترمذي والحاكم وغيرهما، في الرجل الذي ~~يؤتى به، وينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر، فتوضع في كفة، ~~ويؤتى له ببطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة». # وهذا وأمثاله مما يبين أن الأعمال توزن بموازين يتبين بها رجحان الحسنات ~~على السيئات وبالعكس، ms1227 فهو ما يتبين به [العدل]، والمقصود بالوزن العدل ~~كموازين الدنيا. # وأما كيفية تلك الموازين، فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب. PageV07P032 # فصل # * ### || AUTO وأما السؤال عن الله تعالى هل أراد المعصية من خلقه أم لا؟ # فالجواب: أن لفظ «الإرادة» مجمل له معنيان: فيقصد به المشيئة لما خلقه، ~~ويقصد به المحبة والرضى لما أمر به. فإن كان مقصود السائل أنه أحب المعاصي ~~ورضيها أو أمر بها، فلم يردها بهذا المعنى؛ فإن الله لا يحب الفساد، ولا ~~يرضى لعباده الكفر ولا يأمر بالفحشاء، بل قد قال لما نهى عنه: {كل ذلك كان ~~سيئه عند ربك مكروها} [الإسراء: 38]. # وإن أراد أنها من جملة ما شاء الله خلقه، فالله خالق كل شيء، وما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في الوجود إلا ما شاءه. وقد ذكر الله في موضع ~~أنه يريدها، وفي موضع أنه لا يريدها، والمراد بالأول أنه شاءها خلقا، ~~والثاني أنه لا يحبها ولا يرضاها ولا أمر بها، قال الله تعالى: {فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} ~~[الأنعام: 125]. وقال نوح: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان ~~الله يريد أن يغويكم} [هود: 34]. PageV07P033 # وقال في الثاني: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: ~~185]. وقال: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ~~والله عليم حكيم (26) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات ~~أن تميلوا ميلا عظيما (27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} ~~[النساء: 28]. # وقال: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته ~~عليكم} [المائدة: 6]. # وقال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} ~~[الأحزاب: 23]. # فصل # * ### || AUTO وأما الباري سبحانه هل يضل ويهدي # ؟ # فالجواب: أن كل ما في الوجود فهو مخلوق له، خلقه بمشيئته وقدرته، وما شاء ~~كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ms1228 ~~ويغني ويفقر، ويضل ويهدي، ويسعد ويشقي، ويؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن ~~يشاء، ويشرح PageV07P034 # صدر من يشاء إلى الإسلام، ويجعل صدر من يشاء ضيقا حرجا كأنما يصعد في ~~السماء، وهو مقلب القلوب، ما من قلب من قلوب العباد إلا وهو بين إصبعين من ~~أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، وهو الذي حبب ~~إلى المؤمنين الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ~~أولئك هو الراشدون. # وهو الذي جعل المسلم مسلما، والمصلي مصليا. قال الخليل: {ربنا واجعلنا ~~مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128]. وقال: {رب اجعلني مقيم ~~الصلاة ومن ذريتي} [إبراهيم: 40]. وقال: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ~~لما صبروا} [السجدة: 24]. # وقال عن آل فرعون: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} [القصص: 41]. # وقال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا ~~مسه الخير منوعا} [المعارج: 21]. # وقال: {اصنع الفلك بأعيننا ووحينا} [المؤمنون: 27]. # وقال: {ويصنع الفلك} [هود: 38]، والفلك مصنوعة لبني آدم، وقد أخبر الله ~~أنه خلقها بقوله: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42]. # وقال: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ~~تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها PageV07P035 # وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين} [النحل: 80]، وهذه كلها مصنوعات ~~لبني آدم. # وقال: {أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96] ف ~~«ما» بمعنى «الذي» أي: والذي تنحتونه، ومن جعلها مصدرية فقد غلط، لكن إذا ~~خلق المنحوت كما خلق المصنوع والملبوس والمبني الذي دل على أنه خالق كل ~~صانع وصنعته، كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله خالق كل ~~صانع وصنعته». # وقال: {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف: 18]. # وقال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا} [الأنعام: 125]. PageV07P036 # وهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وله فيما خلقه حكمة بالغة، ونعمة ~~سابغة، ورحمة عامة وخاصة، وهو لا يسأل عما يفعل وهم ms1229 يسألون، لا لمجرد قدرته ~~وقهره، بل لكمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته؛ فإنه سبحانه أحكم الحاكمين، ~~وأرحم الراحمين، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وقد أحسن كل شيء خلقه، ~~وقال تعالى: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} [النمل: 88]. # وقد خلق الأشياء بأسباب كما قال تعالى: {وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها} [البقرة: 164]، وقال: {فأنزلنا به الماء فأخرجنا ~~به من كل الثمرات} [الأعراف: 75]، وقال: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل ~~السلام} [المائدة: 16]. # فصل # * ### || AUTO وأما المقتول هل مات بأجله أو قطع القاتل أجله؟ # فالجواب: أن المقتول كغيره من الموتى، لا يموت أحد قبل أجله، ولا يتأخر ~~أحد عن أجله، بل سائر الحيوان والأشجار لها آجال لا تتقدم ولا تتأخر؛ فإن ~~أجل الشيء هو نهاية مدته، وعمره مدة بقائه، فالعمر مدة البقاء، والأجل ~~نهاية العمر بالانقضاء. PageV07P037 # وقد ثبت في «صحيح مسلم» وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قدر ~~الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه ~~على الماء». # وثبت في «صحيح البخاري» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان الله ولم ~~يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات ~~والأرض»، وفي لفظ: «ثم خلق السموات والأرض». وقد قال تعالى: {فإذا جاء ~~أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [الأعراف: 34]. # والله يعلم ما كان قبل أن يكون، وقد كتب ذلك، فهو يعلم أن هذا يموت ~~بالبطن، أو ذات الجنب، أو الهدم أو الغرق أو غير ذلك من الأسباب، وهذا يموت ~~مقتولا إما بالسم وإما بالسيف وإما بالحجر وإما بغير ذلك من أسباب القتل. ~~وعلم الله ذلك وكتابته له، بل مشيئته لكل شيء، وخلقه لكل شيء، لا يمنع ~~المدح والذم والثواب والعقاب، بل القاتل إن قتل قتلا مما أمر الله به ~~ورسوله كالمجاهد في سبيل الله، أثابه الله على ذلك، وإن قتل قتلا حرمه الله ~~ورسوله كفعل القطاع PageV07P038 # والمتعدين، عاقبه الله على ذلك، وإن ms1230 قتل قتلا مباحا كقتل المقتص، لم يثب ~~ولم يعاقب، إلا أن يكون له نية حسنة أو سيئة في أحدهما. # والأجل أجلان: أجل مطلق يعلمه الله، وأجل مقيد، وبهذا تبين قوله صلى الله ~~عليه وسلم: «من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه»، فإن ~~الله أمر الملك أن يكتب له أجلا وقال: إن وصل رحمه كتب له كذا وكذا. والملك ~~لا يعلم أيزاد أم لا، ولكن الله يعلم ما يستقر الأمر عليه، فإذا جاء ذلك لا ~~يتقدم ولا يتأخر. # ولو لم يقتل المقتول فقد قال بعض القدرية: إنه كان يعيش، وقال بعض نفاة ~~الأسباب: إنه كان يموت، وكلاهما خطأ، فإن الله علم أنه يموت بالقتل، فإذا ~~قدر خلاف معلومه كان تقديرا لما لا يكون لو كان كيف كان يكون. وهذا قد ~~يعلمه بعض الناس وقد لا يعلمه. # فلو فرضنا أن الله علم أنه لا يقتل أمكن أن يكون قدر موته في هذا الوقت، ~~وأمكن أن يكون قدر حياته إلى وقت آخر، فالجزم بأحد هذين على التقدير الذي ~~لا يكون جهل. وهذا كمن قال: لو لم يأكل هذا ما قدر له من الرزق قد كان يموت ~~أو يرزق شيئا آخر. وبمنزلة من قال: لو لم يحبل هذا الرجل لهذه المرأة هل ~~كانت عقيما أم يحبلها رجل PageV07P039 # آخر. ولم لم يزدرع هذه الأرض هل كان يزدرعها غيره أم كانت تكون مواتا لا ~~زرع بها؟ وهذا الذي تعلم القرآن من هذا لو لم يتعلمه هل كان يتعلمه من هذا، ~~أم لم يكن يتعلم القرآن البتة؟ ومثل هذا كثير. # فصل # * ### || AUTO وأما الغلاء والرخص هل هما من الله تعالى أم لا؟ # فالجواب: أن جميع ما سوى الله من الأعيان وصفاتها وأحوالها مخلوقة لله، ~~مملوكة لله، وهو ربها وخالقها ومليكها ومدبرها، لا رب لها غيره، ولا إله ~~سواه لها، له الخلق والأمر، ولا شريك له في شيء من ذلك ولا معين، بل هو كما ~~قال سبحانه: {قل ادعوا الذين زعمتم من ms1231 دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 23]. # أخبر سبحانه أن ما يدعى من دونه ليس له مثقال ذرة في السموات ولا في ~~الأرض، ولا شرك في ملك، ولا إعانة على شيء، وهذه الوجوه الثلاثة هي التي ~~يثبت بها حق، فإنه إما أن يكون مالكا للشيء PageV07P040 # مستقلا بملكه، أو يكون مشاركا فيه له فيه نظير، أو لا ذا ولا ذاك، فيكون ~~معينا لصاحبه كالوزير والمشير والمعلم والمنجد والناصر، فبين سبحانه أنه ~~ليس لغيره ملك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا لغيره شرك في ذلك لا ~~قليل ولا كثير، فلا يملكون شيئا، ولا لهم شرك في شيء، ولا له سبحانه ظهير، ~~وهو المظاهر المعاون، فليس له وزير ولا معين ولا مشير ونظير، وهو كما قال ~~سبحانه: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم ~~يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} [الإسراء: 111]. # فإن المخلوق يوالي المخلوق لذله؛ فإذا كان له من يواليه [عز بوليه]، ~~والرب تعالى لا يوالي أحدا لذلته تعالى عن ذلك، بل هو العزيز بنفسه، و {من ~~كان يريد العزة فلله العزة جميعا} [فاطر: 10]، وإنما يوالي عباده المؤمنين ~~لرحمته ونعمته وحكمته، وإحسانه وجوده، وتفضله وإنعامه. PageV07P041 # وحينئذ فالغلاء بارتفاع الأسعار والرخص بانخفاضها، هما من جملة الحوادث ~~التي لا خالق لها إلا الله وحده، ولا يكون شيء منها إلا بمشيئته وقدرته، ~~لكن هو سبحانه قد جعل بعض أفعال العباد سببا في بعض الحوادث، كما جعل [قتل] ~~القاتل سببا في موت المقتول، وجعل ارتفاع الأسعار قد يكون بسبب ظلم بعض ~~العباد، وانخفاضها قد يكون بسبب إحسان بعض الناس، ولهذا أضاف من أضاف من ~~القدرية المعتزلة وغيرهم الغلاء والرخص إلى بعض الناس، وبنوا ذلك على أصول فاسدة. # أحدها: أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله. # والثاني: أن ما يكون فعل العبد سببا له، يكون ms1232 العبد هو الذي أحدثه. # والثالث: أن الغلاء والرخص إنما يكون بهذا السبب. # وهذا أصول باطلة، فإنه قد ثبت أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد ~~وغيرها، ودلت على ذلك الدلائل الكثيرة السمعية [والعقلية]، وهذا متفق عليه ~~من السلف والأئمة، وهم مع ذلك يقولون: إن العباد لهم قدرة ومشيئة، وأنهم ~~فاعلون لأفعالهم، ويثبتون ما خلقه الله من الأسباب، وما خلق له من الحكم. PageV07P042 # ومسألة القدر مسألة عظيمة ضل فيها طائفتان من الناس: # طائفة أنكرت أن الله تعالى خالق كل شيء، أو أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم ~~يكن، كما أنكرت ذلك المعتزلة. وطائفة أنكرت أن يكون العبد فاعلا لأفعاله، ~~أو أن يكون له قدرة لها تأثير في مقدورها، أو أن يكون في المخلوقات ما هو ~~سبب لغيره، أو أن يكون الله خلق شيئا لحكمة، كما أنكر ذلك الجهم بن صفوان ~~ومن اتبعه من المجبرة الذين ينتسب كثير منهم إلى السنة. فالكلام على هذه ~~المسألة مبسوط في مواضع أخر. # وأما الثاني: وهو أن ما كان فعل العبد أحد أسبابه، كالشبع والري الذي ~~يكون بسبب الأكل، وزهوق النفس الذي يكون بسبب القتل، فهذا قد جعله أكثر ~~المعتزلة فعلا للعبد، والجبرية لم يجعلوا لفعل العبد فيه [تأثيرا، بل ما] ~~تيقنوا أنه سبب، قالوا: إنه عنده لا به. وأما السلف والأئمة فلا يجعلون ~~للعبد فعلا لذلك كفعله لما قام به من الحركات، ولا يمنعون أن يكون مشاركا ~~أسبابه، وأن يكون الله جعل فعل العبد مع غيره أسبابا في حصول مثل ذلك. PageV07P043 # وقد ذكر الله في كتابه النوعين بقوله: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ~~ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو ~~نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ~~ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله ~~أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 120 - 121]. # والإنفاق والسير هو نفس أعمالهم القائمة بهم فقال فيها: {إلا ms1233 كتب لهم} ~~ولم يقل: «إلا كتب لهم به عمل صالح» فإنها بنفسها عمل، بنفس كتابتها يتحصل ~~بها المقصود، بخلاف الظمأ والنصب والجوع الحاصل بغير الجهاد، وبخلاف غيظ ~~الكفار وبما نيل منهم؛ فإن هذه ليست نفس أفعالهم، وإنما هي حادثة عن أسباب ~~منها أفعالهم، فلهذا قال تعالى: {إلا كتب لهم به عمل صالح}. فبين أن ما ~~يحدث من الآثار عن أفعال العبد يكتب لهم بها عمل؛ لأن أفعالهم كانت سببا ~~فيها، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل ~~أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه ~~من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص PageV07P044 # من أوزارهم شيء». # والأصل الثالث: أن الغلاء والرخص لا تنحصر أسبابه في ظلم بعض الناس، بل ~~قد يكون سببه قلة ما يخلق أو يجلب من ذلك المال المطلوب، فإذا كثرت الرغبات ~~في الشيء وقل المرغب فيه ارتفع سعره، وإذا كثر وقلت الرغبات فيه انخفض ~~سعره. والقلة والكثرة قد لا تكون سببا من العباد، وقد يكون لسبب لا ظلم ~~فيه، وقد يكون بسبب [فيه] ظلم، والله يجعل الرغبات في القلوب، فهو سبحانه ~~كما جاء في الأثر: «قد تغلى الأسعار والأهواء غزار، وقد ترخص الأسعار ~~والأهواء قفار». # فصل # * ### || AUTO وأما السؤال عن المعراج، هل عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة أو مناما؟ # فالجواب: أن الذي عليه جماهير السلف والخلف أنه كان يقظة، ويدل على ذلك ~~قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى الذي باركنا حوله} [الإسراء: 1]، وقوله: {ولقد رآه نزلة أخرى (13) ~~عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة PageV07P045 # المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد ~~رأى من آيات ربه الكبرى} [النجم: 13 - 18]. # ومعلوم أن قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده} تعظيم لهذه الآية وتسبيح ~~الرب الذي فعلها، والتسبيح يكون عند الأمور العجيبة العظيمة الخارجة عن ~~العادة. ومعلوم أن عامة الخلق يرى ms1234 أحدهم في منامه الذهاب من مكة إلى الشام، ~~وليس هذا مما يذكر على هذا الوجه من التعظيم، وهو سبحانه ذكر في تلك السورة ~~ما يتمكن الرسول من ذكر الشواهد ودلائله، فإنهم لما أنكروا الإسراء، وقد ~~علموا أنه لم يكن رأى بيت المقدس، فسألوه عن صفته ليبين لهم هل هو صادق، ~~فأخبرهم عن صفته خبر من عاينه، وأخبرهم عن عير كانت لهم بالطريق، ولو كان ~~مناما لما اشتد إنكارهم له، ولا سألوه عن صفته، فإن الرائي قد يرى الشيء في ~~المنام على خلاف صفته. # {ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) ~~إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ~~ربه الكبرى} [النجم: 13 - 18] صريح في أن بصره رأى ما رآه في الملأ الأعلى، ~~وأنه ما زاغ بصره وما طغى. وقد ثبت أن جنة المأوى وسدرة المنتهى في السماء ~~لا في الأرض، فإذا رأى بعينه ما هنالك امتنع أن PageV07P046 # يكون ذلك مناما، ودل ذلك على أن جسده كان هنالك، ولكنه سبحانه ذكر في ~~سورة {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} ~~لأنه مما ذكر له دلائله وشواهده [و] ذلك تمهيدا لما أخبر به عن رؤية ما رآه ~~عند سدرة المنتهى، والقرآن يدل على ذلك حيث قال: {علمه شديد القوى (5) ذو ~~مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى} [النجم: 5 - 7]، كما قال في الآية ~~الأخرى: {ولقد رآه بالأفق المبين} [التكوير: 23]، ثم قال في النجم: {ولقد ~~رآه} أي رأى الذي رآه بالأفق الأعلى مرة أخرى {عند سدرة المنتهى (14) عندها ~~جنة المأوى}. # وهذا قول أكثر السلف كابن مسعود وعائشة وغيرهما. وقالت طائفة منهم ابن ~~عباس: إن محمدا رأى ربه بفؤاده مرتين. ولم يقل أحد من الصحابة ولا من ~~الأئمة المعروفين كأحمد بن حنبل وغيره: إنه رآه بعينه، ولا في أحاديث ~~المعراج الثابتة شيء من ذلك، وقد نقل بعضهم ذلك عن ابن عباس، وقد نقلوه ~~رواية عن أحمد بن حنبل، وهو غلط على ابن عباس ms1235 وعلى أحمد، كما بسط الكلام ~~على هذا في غير هذا الموضع، ولكن جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث ~~أنه رأى ربه في المنام PageV07P047 # بالمدينة، ولم يكن ذلك ليلة المعراج؛ فإن المعراج كان بمكة. # وقد اتفق السلف والأئمة على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، ~~وفي عرصات القيامة، وفي الجنة. واتفقوا على أن أحدا من البشر لا يرى الله ~~بعينه في الدنيا، لم يتنازعوا إلا في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. والذي ~~عليه الأئمة والأكابر من السلف أنه لم يره بعينه في الدنيا أحد، وقد ثبت في ~~«صحيح مسلم» وغيره عن أبي ذر أنه قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنى أراه؟». وما يذكره بعض الناس من أنه قال لأبي ~~بكر: «رأيته»، وقال لعائشة: «لم أره» = فهو من الأكاذيب التي لم يروها أحد ~~من علماء الحديث، بل اتفقوا على أن ذلك كذب. وثبت في «صحيح مسلم» وغيره عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت». # وأما رؤية جبريل بعينه منفصلا عنه يقظة؛ فهذا مما نطق به الكتاب والسنة ~~واتفق عليه المسلمون، وإنما ينازع في ذلك المتفلسفة القائلون بأن جبريل هو ~~خيال يتخيل في نفسه، أو أنه العقل الفعال، ويقولون: إن هذا لا يمكن رؤيته ~~بالعين، وهذا القول كفر بالأنبياء، PageV07P048 # وإن ما جاء به مخالف لدين المسلمين واليهود والنصارى. # وقد أخبر الله عن الملائكة وصفاتهم، وتصورهم في صورة البشر في القرآن ~~وغيره مما يخالف قول هؤلاء الملاحدة، وإثبات رؤيته لجبريل، وأن جبريل ملك ~~عظيم ليس هو خيالا في النفس، ولا هو مما يذكره المتفلسفة من العقول التي ~~لا حقيقة لها إلا أمورا مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان هو من ~~أعظم أصول الإسلام والإيمان، وذلك واجب، بخلاف رؤية محمد ربه بعينه؛ فإن ~~هذا ليس يجب اعتقاده عند أحد من أئمة المسلمين، ولا نطق به كتاب ولا سنة ~~صحيحة، ولا قاله ms1236 أحد من الصحابة، ولا من الأئمة المشهورين، كالأئمة الأربعة ~~وأمثالهم من أئمة المسلمين. # وقد حكى غير واحد من [العلماء] إجماع المسلمين كعثمان بن سعيد الدرامي ~~وغيره على أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعينه. # وأما من يدعي إجماع أهل السنة، أو إجماع المسلمين المثبتين للرؤية في ~~الآخرة، على أن محمدا رأى ربه بعينه ليلة المعراج، كما يذكر PageV07P049 # ذلك بعض الناس، مثل ابن شكر المصري ونحوه، فهذا كلام جاهل بالكتاب والسنة ~~وكلام السلف. # وقد زعم طائفة أن المعراج كان مرتين: مرة مناما، ومرة يقظة. ومنهم من ~~جعله ثلاث مرات، والصواب أنه كان مرة واحدة، وتلك الليلة فرضت الصلوات ~~الخمس، ولم يكن هذا إلا مرة واحدة لم تفرض مرتين، ولكن بعض الناس غلط في ~~بعض ما نقله؛ فقيل: إنه كان قبل النبوة مناما، وأن تلك الليلة فرضت الصلوات ~~الخمس قبل فرضها بعد النبوة، وهذا غلط. # فصل # * ### || AUTO وأما المبتدعة هل هم كفار أو فساق؟ # والجواب: أن المبتدعة جنس تحته أنواع كثيرة، وليس حكم جميع المبتدعة ~~سواء، ولا كل البدع سواء، ولا من ابتدع بدعة تخالف القرآن والحديث مخالفة ~~بينة ظاهرة، كمن ابتدع بدعة خفية لا يعلم خطؤه فيها PageV07P050 # إلا بعد نظر طويل، ولا من كثر اتباعه السنة إذا غلط في مواضع كثيرة، كمن ~~كثر مخالفته للسنة وقل متابعته لها، ولا من كان مقصوده اتباع الرسول باطنا ~~وظاهرا، وهو مجتهد في ذلك، لكنه يخفى عليه بعض السنة أحيانا، كمن هو معرض ~~عن الكتاب والسنة، طالب الهدى في طرق الملحدين في آيات الله وأسمائه، ~~المتبعين لطواغيتهم من أئمة الزندقة والإلحاد وشيوخ الضلال والأهواء. فقد ~~جعل الله لكل شيء قدرا. # فمن كان من أهل البدع والتحريف للكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله ~~وآياته {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115]. # ومن كان مفرطا في طلب ما يجب عليه من العلم والسنة، متعصبا لطائفة دون ~~طائفة، لهواه ورياسته، ms1237 قد ترك ما يجب عليه من طلب العلم النبوي وحسن القصد، ~~ولكنه مع ذلك مؤمن بما جاء به الرسول، إذا تبين له ما جاء به الرسول لم ~~يكذبه، ولا يرضى أن يكون مشاقا للرسول متبعا لغير سبيل المؤمنين، لكنه يتبع ~~هواه ويتكلم بغير علم، فهذا قد يكون من أهل الذنوب والمعاصي وفساقهم، الذين ~~حكمهم حكم أمثالهم من المسلمين أهل الفتن والفرقة والأهواء والذنوب. PageV07P051 # ومن كان قصده متابعة الرسول باطنا وظاهرا، يقدم رضا الله على هواه، ~~مجتهدا في طلب العلم الذي بعث الله به رسوله باطنا وظاهرا، لا يقدم طاعة ~~أحد على طاعة الرسول، ولا يوافق أحدا على تكذيب ما قاله الرسول، ولو كان من ~~أهل قرابته أو مدينته أو مذهبه أو حرفته، لكنه قد خفي عليه بعض السنة، إما ~~لعدم سماعه للنصوص النبوية أو لعدم فهمه لما أراده الرسول، أو لسماع أحاديث ~~ظنها صدقا وهي كذب، أو لشبهات ظنها حقا وهي باطل، كما قد وقع في بعض ذلك ~~كثير من علماء المسلمين وعبادهم. وأكثر المتأخرين من العلماء والعباد لم ~~يخلصوا من أكثر ذلك، فهؤلاء ليسوا كفارا ولا فساقا، بل مخطئون خطأ يغفره ~~الله لهم، كما قال تعالى على لسان المؤمنين: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا} [البقرة: 286]. وقد ثبت في «الصحيح» أن الله استجاب هذا الدعاء. # وثبت في «الصحيح» من غير وجه أن الله تعالى غفر للذي قال: PageV07P052 # «إذا أنا مت فأحرقوني واسحقوني واذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ~~ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين». فهذا مؤمن ظن أن الله لا يقدر ~~على إعادته، وأنه لا يعيده إذا فعل ذلك، وقد غفر الله له هذا الخطأ بخشيته ~~منه وإيمانه. # وقد أنكر كثير من السلف أشياء خالفوا بها السنة، ولم يكفرهم أحد من أئمة ~~الدين، فقد كان غير واحد يكذب بأحاديث ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويغلط رواتها؛ لما ظنه معارضا لها من ظاهر القرآن، أو أنكر خبرا كما أنكرت ~~عائشة عدة أخبار، وأبو بكر ms1238 وعمر وعلي وزيد وغيرهم بعض الأخبار، وأنكر غير ~~واحد بعض الآيات التي لم يعلم أنها من القرآن، وهؤلاء من سادات المسلمين، ~~وخيار أهل الجنة وأفضل هذه الأمة، وقد اختلفوا اختلافا آل بهم إلى الاقتتال ~~بالسيف والتلاعن باللسان، ومع هذا فالطائفتان من أهل العلم والإيمان، ~~مبرؤون عند أهل السنة من الكفر والفسوق. # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث في الخوارج من وجوه كثيرة، ~~قال أحمد بن حنبل: صح فيهم الحديث من عشرة أوجه. PageV07P053 # وقد رواها مسلم صاحب أحمد في «صحيحه»، وروى البخاري قطعة منها، فثبت ~~بالنص وإجماع الصحابة أن الخوارج مارقون ومبتدعون مستحقون القتال، فقد قال ~~فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع ~~صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، فيقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من ~~الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم ~~أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة». ومع هذا فلم يكفرهم الصحابة، بل ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي قاتلهم حكم فيهم بحكمه في المسلمين ~~الجاهلين الظالمين، لا بحكمه في الكافرين المشركين وأهل الكتاب، وكذلك ~~الصحابة كسعد بن أبي وقاص ذكروا أنهم من المسلمين، هذا مع أن الخوارج كفروا ~~عثمان وعليا ومن والاهما، وكانوا يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، ~~وقد قتلوا من المسلمين ما شاء الله. PageV07P054 # فصل # * ### || AUTO في الدابة كالجاموس وغيره يقع في الماء فيذبح ويموت وهو في الماء، هل يؤكل؟ # والجواب: أنه إذا كان الجرح غير موح وغاب رأس الحيوان في الماء، لم يحل ~~أكله، فإنه اشترك في أجله السبب الحاظر والمبيح، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعدي بن حاتم: «إن خالط كلبك كلاب أخر فلا تأكل؛ فإنك إنما سميت ~~على كلبك، ولم تسم على غيره». وإن كان بدنه في الماء ورأسه خارج الماء لم ~~يضر ذلك شيئا. وإن كان الجرح موحيا ففيه نزاع معروف. # فصل # * ### || AUTO وأما السؤال عن غسل الجنابة هل هو فرض؟ وهل يجوز لأحد الصلاة جنبا؟ ms1239 # فالجواب: أن الطهارة من الجنابة فرض، ليس لأحد أن يصلي جنبا ولا محدثا ~~حتى يتطهر، ومن صلى بغير طهارة شرعية مستحلا لذلك PageV07P055 # فهو كافر، وإن لم يستحل ذلك فقد اختلف في كفره، وهو مستحق للعقوبة ~~الغليظة، لكن إن كان قادرا على الاغتسال بالماء اغتسل، وإن كان عادما ~~للماء، أو يخاف الضرر باستعماله لمرض أو خوف برد تيمم. وإن تعذر الغسل ~~والتيمم صلى بلا غسل ولا تيمم في أظهر أقوال العلماء ولا إعادة عليه. # فصل # * ### || AUTO وأما السؤال عن ملك الموت، هل يؤتى به يوم القيامة ويذبح أم لا؟ # الجواب: أنه قد ثبت في الصحاح: «أنه يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش ~~أملح فيقال: يا أهل الجنة. فيشرئبون وينظرون، ويا أهل النار. فيشرئبون ~~وينظرون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت. فيذبح بين الجنة ~~والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ~~وذلك قوله تعالى: {وأنذرهم يوم PageV07P056 # الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} [مريم: 39]. # ولكن هذا مما استشكله كثير من الناس، وقالوا: الموت عرض، والأعراض لا ~~تنقلب أجساما، قالوا: لأن الأجناس لا تنقلب، فلا تنقلب الحركة طعما، والطعم ~~لونا، ولكن الأجسام في قولهم جنس واحد، فلهذا ينقلب بعضها إلى بعض، كانقلاب ~~الماء ملحا ورمادا، قالوا: وإنما تتبدل الأعراض، وأما الأجسام فهي مركبة ~~عندهم من جواهر منفردة متماثلة. # وأنكر ذلك على هؤلاء غيرهم، وقال: ما ذكرتموه خطأ في المعقول والمنقول، ~~فإن الصواب أن الأجسام أجناس مختلفة كالأعراض، وليس حقيقة الذوات كحقيقة ~~الماء، وأن الله سبحانه يقلب الجنس إلى الجنس الآخر؛ كما يقلب الهواء ماء، ~~والماء هواء، والنار هواء، والهواء نارا، والتراب ماء، والماء ترابا، وكما ~~يقلب المني علقة، والعلقة مضغة، والمضغة عظاما، وكما يقلب الحبة شجرة، وكما ~~يقلب ما يخرج من الشجر ثمرا. فهو سبحانه يخلق من الأعراض أجساما كما ورد ~~بذلك النصوص في مواضع، كقوله عليه السلام: «اقرؤوا القرآن، اقرؤوا البقرة ~~وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما ms1240 غمامتان أو PageV07P057 # غيايتان أو فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما». # وقال: «إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، دويا ~~عند العرش تذكر صاحبها». # وقال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى ~~الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». # وقد قال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10]. # وهذا باب متسع، يتسع الكلام فيه، قد بسط في موضع آخر. PageV07P058 # فصل # * ### || AUTO وأما من سأل عمن اعتقد الإيمان بقلبه ولم يقر بلسانه، هل يصير مؤمنا؟ # الجواب: أما مع القدرة على الإقرار باللسان، فإنه لا يكون مؤمنا لا باطنا ~~ولا ظاهرا عند السلف والأئمة وعامة طوائف القبلة، إلا جهما ومن قال بقوله، ~~كالصالحي وطائفة من المتأخرين كأبي الحسن وأتباعه، وبعض متأخر [ي أصحاب] ~~أبي حنيفة: زعموا أن الإيمان مجرد تصديق القلب، وأن قول اللسان إنما يعتبر ~~في أحكام الدنيا والآخرة، فيجوزون أن يكون الرجل مؤمنا بقلبه وهو يسب ~~الأنبياء والقرآن، ويتكلم بالشرك والكفر من غير إكراه ولا تأويل. وهذا ~~القول قد كفر قائله غير واحد من الأئمة، كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل ~~وغيرهما. # وألزم المسلمون قائل هذا القول أن يكون إبليس مؤمنا، وفرعون PageV07P059 # مؤمنا، واليهود مؤمنين، وأبو طالب وأبو جهل وغيرهما ممن عرف أن محمدا حق ~~مؤمنين. وأن يكون من قاتل الأنبياء مؤمنا، ومن ألقى المصاحف في الحشوش ~~وأهانها غاية الإهانة مؤمنا، وأمثال هؤلاء ممن لا يشك مسلم في كفره. # فأجابوا بأنه كل من دل النص أو الإجماع على كفره، [علمنا] أنه كان في ~~الباطن غير مقر بالصانع، وألزموا أن يكون إبليس وفرعون وقومه واليهود ~~ومعاندو الفرق غير مقرين بالصانع. # قال لهم أئمة المسلمين وجمهورهم: هذه مكابرة ظاهرة وبهتان بين؛ فإن الله ~~قد قال عن قوم فرعون: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} [النمل: 14]. وقال ~~موسى لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} ~~[الإسراء: 102]، وقال تعالى عن اليهود: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146]، وقال عن قوم من المشركين: ms1241 {فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33]. PageV07P060 # وإبليس لم يرسل إليه رسول فيكذبه، ولكن الله أمره فاستكبر وأبى وكان من ~~الكافرين، فعلم أن الكفر قد يكون من غير تكذيب بل عن كبر وامتناع من قول ~~الحق والعمل به، وعلم أنه قد يعلم الحق بقلبه من لا يقر به ولا يتبعه، ~~ويكون كافرا. # ومتى استقر في القلب التصديق والمحبة والطاعة، فلا بد أن يظهر ذلك على ~~البدن في اللسان والجوارح؛ فإنه ما أسر أحد سريرة خير أو شر إلا أظهرها ~~الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وقال تعالى عن المنافقين: {ولو نشاء ~~لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول} [محمد: 30]، فإذا كان ~~المنافق الذي يجتهد في كتمان نفاقه لا بد أن يظهر في لحن قوله، والمؤمن ~~الذي يجتهد في كتمان إيمانه كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون يظهر إيمانه ~~على لسانه عند المخالفين الذين يخالفهم، فكيف يكون مؤمن قد حصل في قلبه ~~الإيمان التام بالله تعالى ورسوله، ولا ينطق بذلك من غير مانع يمنعه من ~~النطق؟ بل هذا مما يعلم بصريح العقل امتناعه، كما قد بسط ما يتعلق بهذه ~~المسألة في غير هذا الموضع. # وأما الأخرس فليس من شرط إيمانه نطق لسانه، والخائف لا يجب PageV07P061 # عليه النطق عند من يخافه، بل لا بد من النطق فيما بينه وبين الله. # فصل # * ### || AUTO وأما السؤال عن القرآن إذا قرأه الأحياء للأموات فأهدوه إليهم، هل يصل ثوابه سواء كان بعيدا أو قريبا؟ # والجواب: أن العبادات المالية كالصدقة تصل إلى الميت باتفاق الأئمة؛ لأنه ~~تدخلها النيابة بالاتفاق، وأما العبادات البدنية كالصلاة والصيام والقراءة ~~ففيها قولان للعلماء: # أحدهما: يصل ثوابها للميت، وهذا مذهب أحمد بن حنبل وأصحابه، وهو الذي ~~ذكره الحنفية مذهبا لأبي حنيفة، واختاره طائفة من أصحاب مالك والشافعي، وقد ~~ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات وعليه صيام ~~صام عنه وليه». فجعل الصيام يقبل النيابة. # ومنهم من قال: إنه لا يصل، وهو المشهور من مذهب مالك والشافعي. ms1242 # ومن احتج على ذلك بقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] ~~فحجته داحضة؛ فإنه قد ثبت بالنص والإجماع أنه ينتفع بالدعاء له والاستغفار ~~والصدقة والعتق وغير ذلك، فالقول في مواقع النزاع كالقول في موارد الإجماع. # وقد ذكر الناس في الآية أقاويل، أصحها أن الآية لم تنف انتفاع PageV07P062 # الإنسان بعمل غيره، وإنما نفت أن يستحق غير سعيه بقوله: {وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى} وهذا حق، لا يستحق إلا سعي نفسه لا سعي غيره، لكن لا يمنع ذلك ~~أن الله تعالى يرحمه وينفعه بغير سعيه، كما يدخل أطفال المؤمنين الجنة بغير ~~سعيهم، وكما ينشئ في الآخرة خلقا يسكنهم الجنة بغير سعيهم، وكما ينتفع ~~الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، وكما ينتفع بصدقة غيره، فكذلك بصيامه وقراءته ~~وصلاته. # فصل # * ### || AUTO وأما السؤال عن البئر إذا وقع بها نجاسة هل تنجس أم لا، وإن تنجست كم ينزح منها؟ # والجواب: إذا كان الماء قلتين وهو نحو قنطار بالدمشقي لم ينجس إلا ~~بالتغيير عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وكذلك لو كانت ~~أقل من قلتين لم ينجس إلا بالتغير في أظهر قولي العلماء، وهو قول أكثر ~~السلف، وهو مذهب أهل المدينة وروايتهم عن كأبي المحاسن الروياني، وحكي قولا ~~للشافعي PageV07P063 # ومالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه، كابن عقيل ~~وأبي محمد بن المني وغيرهما، وهو قول طائفة من أصحاب الشافعي. # فإذا لم يتغير الماء لم ينزح من البئر شيء، سواء تمعط فيها شعر الفأرة أو ~~الهر أو غيرهما، أو لم يتمعط، فإن شعر الميتة طاهر عند أكثر العلماء، وهو ~~مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه. # وإن تغير الماء بالنجاسة نزح مقدار ما يطيب به الماء ويزول تغيره ~~بالنجاسة، وليس لذلك حد مقدر، والله أعلم. # فصل # * ### || AUTO عن شهر رمضان هل يصام بالهلال أو بالحساب والقياس إذا حال دونه غيم أو غيره؟ # والجواب: إذا رأى الناس الهلال ليلة الثلاثين من شعبان أو أكملوا عدة PageV07P064 # شعبان ثلاثين، وجب عليهم الصوم باتفاق ms1243 الصوم باتفاق العلماء أئمة ~~الإسلام، ولا يجب الصيام قبل ذلك عند عامة السلف والخلف، لا في الغيم ولا ~~في الصحو. # والإمام أحمد لم يكن يوجب الصيام ليلة الغيم، ولكن استحب ذلك اتباعا لابن ~~عمر وغيره من الصحابة، ولكن أوجب صيامه طائفة من أصحابه، وهذا القول لم ~~ينقل عن أحد من السلف. وآخرون من أصحابه نهوا عن صيامه نهي تحريم أو تنزيه، ~~كأبي الخطاب وابن عقيل وأبي القاسم بن منده وغيرهم، وهذه رواية ثانية عنه. ~~وهذا قول مالك والشافعي. # وكثير من الصحابة والتابعين والعلماء كانوا يصومون يوم الغيم على طريق ~~الاحتياط لا على طريق الإيجاب. ومذهب مالك وأبي حنيفة: يجوز صوم يوم الشك ~~مع الصحو والغيم. وكثير منهم ينهى عن صومه في الصحو والغيم، وكثير منهم كان ~~يصومه في الغيم دون الصحو، وهو المشهور عن أحمد، وعنه رواية أخرى: أنه لا ~~يصوم إلا مع الناس، وقال: لا يصوم وحده لكن يصوم مع الجماعة، يد الله على ~~الجماعة. وهذه الرواية أظهر؛ لما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون». PageV07P065 # والشهر اسم لما يشتهر، والهلال اسم لما يستهل به الناس، فما لم يشتهر ولا ~~يستهل لا يكون شهرا ولا هلالا، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. # وقد ثبت في السنة وآثار السلف أنه لو انفرد برؤية هلال ذي الحجة لم يقف ~~بعرفات وحده، ولكن يقف مع الناس، فكذلك الصوم والفطر على هذه الرواية، فإذا ~~رأى الهلال وحده لم يصم، ولم يستحب له الصوم وحده بل يكره، وهذه رواية ~~منصوصة عن أحمد بن حنبل، وهي أرجح في الدليل. # والعلماء لهم فيمن انفرد برؤية هلال الصوم والفطر ثلاثة أقوال في مذهب ~~أحمد وغيره. # أحدها: أنه يصوم وحده ويفطر وحده سرا، كقول الشافعي. # والثاني: أنه يصوم وحده ولا يفطر إلا مع الناس، وهو المشهور عن أحمد ~~ومالك وأبي حنيفة. PageV07P066 # والثالث: أنه لا يصوم إلا مع الناس ولا يفطر إلا مع الناس، ms1244 وهذا أرجح ~~الأقوال. ومن رجح الاستحباب زعم أن هذا القول أقيس الأقوال، فإن ما شك في ~~وجوبه لم يجب، لكن يستحب فيه الاحتياط، كما لو شك في وجوب الزكاة أو الحج ~~أو الكفارات أو الطهارة أو غير ذلك؛ فإن الاحتياط فيما شك في وجوبه مشروع ~~وليس بواجب، ولكن مالك يوجب الطهارة إذا شك هل أحدث، والجمهور يستحبون ~~الطهارة ولا يوجبونها. # لكن من هؤلاء من يجزم بنية رمضان، كإحدى الروايتين عن أحمد، ومنهم من ~~يجزم بنية شعبان، فإن صادف رمضان أجزأه، وهو قول أبي حنيفة، ومنهم من يصومه ~~بنية فيقول: إنه إن كان من رمضان فهو من رمضان، وإلا فهو تطوع، وهذا هو ~~الذي نقله المروذي عن أحمد، وهو اختيار الخرقي في «شرح المختصر»، ذكره عنه ~~أبو يعلى في تعليقه، وهو أحد الأقوال لمن يختار صيامه. # والجمهور الذين ينهون عن صومه يجيبون عن هذا بأن النبي PageV07P067 # صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا». # وقال: «لا تقدموا رمضان بيوم ولا بيومين». # وقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة». # قالوا: فقد نهى عن الصيام قبل الرؤية أو إكمال العدة، ونهى عن استقباله ~~باليوم، والذي من فعله أن الاحتياط في ذلك غير مشروع؛ لأن في ذلك مفسدة، ~~وهي الزيادة على المشروع، والاحتياط الواجب يغير وتفرق واختلافها، وهذه ~~المفاسد راجحة على المصلحة بالاحتياط، قالوا: لأن الاحتياط إنما يكون مع ~~الشك في الوجوب، ونحن نجزم أن الله لم يوجب علينا أن نصوم إلا شهرا، والشهر ~~متعلق برؤية الهلال، فما لم يشتهر ولم يستهل به لم يوجب الله صومه، فلا ~~احتياط مع الجزم بانتفاء الوجوب. والله أعلم. PageV07P068 # فصل # * ### || AUTO وأما السؤال عن الصبي إذا مات وهو غير مطهر هل يقطع ختانه بالحديد عند غسله أم يخلى على حاله؟ # والجواب: أن الصبي وغيره إذا مات مختون، لم يختن بعد الموت عند عامة أئمة ~~المسلمين الأربعة وغيرهم، ولكن فيه قول شاذ أنه يختن، وليس بشيء، فإن هذا ~~مثلة بعد الموت، والنبي صلى الله ms1245 عليه وسلم نهى عن المثلة؛ ولأن المقصود من ~~الختان منع احتباس البول في القلفة، وهو بعد الموت لا يبول. # ولكن تنازع العلماء في قص أظفاره، وأخذ عانته وإبطه، وجز شاربه، منهم من ~~استحب ذلك كأحمد وغيره؛ لأنه نظافة، وسعد بن أبي وقاص غسل ميتا فدعا ~~بالموسى. ومنهم من لم يستحب كالشافعي كالختان، والله أعلم. # فصل # * ### || AUTO وأما السؤال عن رشاش البول وهو في الصلاة أو في غيرها ويغفل عن نفسه وعن ثيابه، ولم يتمكن من غسلها في الصلاة هل يصلي بالنجاسة أو غيرها؟ PageV07P069 # والجواب: أنه إن كان به سلس البول فهو كالمستحاضة ونحوها، فمن به الحدث ~~الدائم الذي لم ينقطع مقدار الطهارة والصلاة، فهذا يتوضأ ويصلي بحسب ~~الإمكان، ولو جرى البول في أثناء الصلاة لم يضره، لكن يتخذ حفاظا يمنع وصول ~~البول إلى بدنه وثيابه، فإن عجز عن ذلك فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وأما ~~إن لم يكن به سلس، فعليه أن يغسل البول من بدنه وثيابه، فإن لم يجد ماء ~~يغسل به ذلك صلى والنجاسة في بدنه وثيابه، ولا يؤخر الصلاة حتى يفوت الوقت ~~ويجد الماء، ولا إعادة عليه. والله أعلم. # فصل # * ### || AUTO أما السؤال عن المقتول إذا مات وبه جراح فخرج منها الدم، فهل يغسل ويصلى عليه أم لا؟ # والجواب: أنه إذا كان شهيدا في معركة الكفار لم يغسل بل يدفن في ثيابه، ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد: «زملوهم بكلومهم ودمائهم؛ ~~فإن أحدهم يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون الدم والريح ريح ~~المسك». وفي الصلاة عليه نزاع مشهور، ومن قتله المسلمون ظلما ففيه نزاع، ~~وأكثر العلماء يرون غسله والصلاة عليه، وأما من قتل قصاصا فهذا يغسل ويصلى ~~عليه باتفاقهم، وكذلك إذا PageV07P070 ### || CHECK وأما السؤال عن رجل يسرق الأسيرة من المغل أو غيرهم وما لها أحد وهو يريد أن ينهزم بها ويخبؤها ليلا ونهارا ويختلي بها ويخفيها خوفا من المغل فأراد الرجل أن يتزوجها وقال الرجل إني أشهد الله وملائكته إني ms1246 رضيت بها زوجة وأن صداقها علي كذا وكذا وقالت المرأة أ # جرح وبعد الجرح أكل أو شرب -كما جرى لعمر بن الخطاب- فإن هذا يغسل ويصلى عليه. # فصل # * وأما السؤال عن رجل يسرق الأسيرة من المغل أو غيرهم، وما لها أحد، وهو ~~يريد أن ينهزم بها، ويخبؤها ليلا ونهارا ويختلي بها، ويخفيها خوفا من ~~المغل، فأراد الرجل أن يتزوجها، وقال الرجل: إني أشهد الله وملائكته إني ~~رضيت بها زوجة، وأن صداقها علي كذا وكذا. وقالت المرأة: أشهد الله وملائكته ~~أني رضيت بالصداق المعين. وأن يكون زوجها، فهل يجوز ذلك مع الضرورة والخوف ~~من الفتك والوقوع في الزنا، لخلوته بها في طول مسافة الطريق، وانكشافه ~~عليها ليلا ونهارا أم لا؟ # والجواب: أنه إن أمكنه أن يذهب بها إلى مكان يزوجها به ولي ذلك المكان ~~ذهب أو وكل، وإن كان قاضي المكان لا يزوجها زوجها غيره ممن له سلطان، كوالي ~~الحرب، أو رئيس القرية، أو أمير الأعراب أو التركمان أو الأكراد، فمتى ~~زوجها ذو سلطان -وهو المطاع- جاز النكاح. نص عليه أحمد بن حنبل وغيره، نص ~~أحمد على أن والي الحرب يزوج إذا كان القاضي جهميا، وعلى أن دهقان القرية ~~يزوج إذا لم يكن هناك حاكم، وكذلك إذا وكلت عالما مشهورا أو خطيب القرية ~~ونحو ذلك، جاز أن يزوجها إذا وكلته. وإن تعذر هذا كله PageV07P071 # وكلت رجلا من المسلمين يزوجها بهذا الرجل، فلا تباشر هي العقد، وإن تعذر ~~هذا كله واحتاجا إلى النكاح زوجته نفسها؛ فإن ما أمر الله به في العقود ~~وغيرها يجب مع القدرة، وأما مع العجز فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فلا ~~يحرم ما يحتاج إليه الناس من النكاح لعجزهم عن بعض ما أمر به من ذلك، بل ما ~~عجزوا عنه سقط وجوبه، والله أعلم. # فصل # * ### || AUTO وأما السؤال عن رجل يقرأ القرآن للجهورة ما عنده أحد يسأله عن اللحن، وإذا وقف عليه شيء يطلع في المصحف، فهل يلحقه إثم؟ # والجواب: أنه إذا احتاج الناس إلى قراءة القرآن عليهم قرأه ms1247 بحسب الإمكان، ~~ويرجع إلى المصحف فيما يشكل عليه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا يترك ~~ما يحتاج إليه وينتفع به من القراءة لأجل ما قد يعرض من الغلط أحيانا، إذا ~~لم يكن في ذلك مفسدة راجحة، والله أعلم. # فصل # * ### || AUTO وأما السؤال عن القاتل خطأ أو عمدا هل ترفع الكفارة المذكورة في القرآن ذنبه، أم يطالب بالقتل أو الدية؟ # والجواب: [قتل الخطأ لا يجب فيه إلا الدية والكفارة ولا إثم فيه، PageV07P072 # وأما القاتل عمدا فعليه الإثم، فإذا عفا عنه أولياء المقتول أو أخذوا ~~الدية، لم يسقط بذلك حق المقتول في الآخرة. وإذا قتلوه، ففيه نزاع في مذهب ~~أحمد، والأظهر أن لا يسقط، لكن القاتل إذا كثرت حسناته أخذ منه بعضها ما ~~يرضى به المقتول، أو يعوضه الله من عنده إذا تاب القاتل توبة نصوحا. # وقاتل الخطأ تجب] عليه الدية مع الكفارة بنص القرآن واتفاق الأئمة، ~~والدية تجب للمسلم والمعاهد كما دل عليه القرآن، وهو قول السلف والأئمة، لا ~~يعرف فيه خلاف متقدم، لكن بعض متأخري الظاهرية زعم أن الذمي لا دية له. # وأما القاتل عمدا ففيه القود، فإن اصطلحوا على الدية جاز ذلك بالنص ~~والإجماع، وكانت الدية في مال القاتل، بخلاف الخطأ، فإن ديته على عاقلته. # وأما الكفارة فجهمور العلماء يقولون: قتل العمد أعظم من أن يكفر، وكذلك ~~قالوا في اليمين الغموس، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، ~~كما اتفقوا كلهم على أن الزنا أعظم من PageV07P073 # أن يكفر، وإن وجبت الكفارة بوطء المظاهر، والوطء في رمضان، [وقال الشافعي ~~وأحمد في الرواية الأخرى: بل تجب الكفارة في العمد] واليمين الغموس. ~~واتفقوا على أن الإثم لا يسقط بمجرد الكفارة. # فصل # * ### || AUTO وأما الخمر والحرام هل هو رزق الله للجهال، أم يأكلون ما قدر لهم؟ # والجواب: أن لفظ الرزق يراد به ما أباحه الله للعبد أو ملكه إياه، ويراد ~~به ما يتقوى به العبد. # فالأول: كقوله تعالى: {وأنفقوا من ما رزقناكم} [المنافقون: 10]، وقوله: ~~{ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3]، فهذا الرزق ms1248 هو الحلال والمملوك، لا ~~يدخل فيه الخمر ولا الحرام. # والثاني: كقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: ~~6]، والله تعالى يرزق البهائم ولا توصف بأنها تملك، ولا بأنه أباح الله لها ~~ذلك إباحة شرعية، فإنه لا تكليف على البهائم وكذلك PageV07P074 # الأطفال والمجانين، لكن كما أنه ليس بملك فليس بمحرم عليها، وإنما المحرم ~~الذي يغتذي به العبد فهو من الذي علم الله أن العبد يغتذي به، وقدر ذلك، ~~ليس هو مما أباحه وملكه، كما في «الصحيح» عن ابن مسعود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة ~~مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، ~~فيقال: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح. ثم قال: ~~فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها ~~إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه ~~الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». # فالرزق الحرام هو مما قدره الله وكتبته الملائكة، وهو مما دخل تحت مشيئة ~~الله وخلقه، وهو مع ذلك قد حرمه ونهى عنه، ولفاعله من غضبه وذمه وعقوبته ما ~~هو له أهل، والله أعلم. PageV07P075 # فصل # * ### || AUTO الإيمان هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ # والجواب: أن هذه المسألة نشأ النزاع فيها لما ظهرت محنة الجهمية في ~~القرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ وهي محنة الإمام أحمد وغيره من علماء ~~المسلمين، فقد جرت فيها أمور يطول وصفها هنا. لكن لما ظهر القول بأن القرآن ~~كلام الله غير مخلوق، وأطفأ الله نار الجهمية المعطلة، صارت طائفة يقولون: ~~إن كلام الله الذي أنزله مخلوق، ويعبرون عن ذلك ب «اللفظ»، فصاروا يقولون: ~~ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، أو تلاوتنا أو قراءتنا له مخلوقة. وليس مقصودهم ~~مجرد أصواتهم وحركاتهم، بل يدرجون في كلامهم نفس ms1249 كلام الله الذي نقرؤه ~~بأصواتنا وحركاتنا. وعارضهم طائفة أخرى قالوا: ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة. ~~ورد الإمام أحمد على الطائفتين، وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو ~~جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. # وتكلم الناس حينئذ في الإيمان فقالت طائفة: الإيمان مخلوق، وأدخلوا في ~~ذلك ما تكلم الله به من الإيمان، مثل قوله: «لا إله إلا الله»، فصار مقتضى ~~قولهم أن نفس هذه الكلمة مخلوقة لم يتكلم الله بها؛ فبدع PageV07P076 # الإمام أحمد هؤلاء، وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع ~~وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله»، أفيكون قول «لا إله إلا الله» ~~مخلوقا! # ومراده أن من قال: هي مخلوقة مطلقا، كان مقتضى قوله أن الله لم يتكلم ~~بهذه الكلمة، كما أن من قال: ألفاظنا وتلاوتنا وقراءتنا القرآن مخلوقة، كان ~~مقتضى كلامه أن الله لم يتكلم بالقرآن الذي أنزله، وأن القرآن المنزل ليس ~~هو كلام الله، وأن يكون جبريل نزل بمخلوق ليس هو كلام الله، والمسلمون ~~يقرؤون قرآنا [مخلوقا] ليس هو كلام الله. # وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام ~~الله تعالى، وإن كان مسموعا عن المبلغ عنه، فإن الكلام قد يسمع من المتكلم ~~به، كما سمعه موسى بلا واسطة هذا سماع مطلق، كما يرى الشيء رؤية مطلقة. وقد ~~يسمعه من المبلغ عنه، فيكون قد سمعه سماعا مقيدا، كما يرى الشيء [في] الماء ~~والمرآة رؤية مقيدة لا مطلقة، ولما قال تعالى: {وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 62] كان معلوما عند جميع من ~~خوطب بالقرآن أنه يسمع سماعا مقيدا من المبلغ، ليس المراد به أنه يسمع من ~~الله كما سمعه موسى بن عمران، فهذا المعنى هو الذي عليه السلف والأئمة. PageV07P077 # ثم بعد ذلك حدث أقوال أخر، فظن طائفة أنه سمع من الله. ثم من هؤلاء من ~~قال: إنه يسمع صوت القارئ من الله، ومنه من قال: إن صوت الرب حل في العبد، ~~ومنهم من يقول: ظهر فيه ولم ms1250 يحل فيه، ومنهم من يقول: لا نقول ظهر ولا حل، ~~ثم منهم من يقول: الصوت المسموع غير مخلوق أو قديم، ومنهم من يقول: يسمع ~~منه صوتان: مخلوق وغير مخلوق. ومن القائلين بأنه مسموع من الله من يقول: ~~بأنه يسمع المعنى القديم القائم بذات الله مع سماع الصوت المحدث، قال ~~هؤلاء: يسمع القديم والمحدث، كما قال أولئك: يسمع صوتين قديما ومحدثا. ~~وطائفة أخرى قالت: لم يسمع الناس كلام الله، لا من الله ولا من غيره، ~~قالوا: لأن الكلام لا يسمع إلا من المتكلم. ثم من هؤلاء من قال: يسمع ~~حكايته، ومنهم من قال: يسمع عبارته لا حكايته، ومن القائلين بأنه مخلوق من ~~قال: يسمع شيئان الكلام المخلوق الذي خلقه، والصوت الذي للعبد. # وهذه الأقوال كلها مبتدعة؛ لم يقل السلف شيئا منها، وكلها باطلة شرعا ~~وعقلا، ولكن ألجأ أصحابها إليها اشتراك في الألفاظ واشتباه في المعاني، ~~فإنه إذا قيل: سمعت [كلام] زيد، أو قيل: هذا كلام زيد، فإن هذا يقال على ~~كلامه الذي تكلم هو به بلفظه ومعناه، سواء كان مسموعا PageV07P078 # منه أو من المبلغ عنه، مع العلم بالفرق بين الحالين، وأنه إذا سمع منه ~~سمع بصوته، وإذا سمع من غيره سمع من ذلك المبلغ لا بصوت المتكلم، وإن كان ~~اللفظ لفظ المتلكم. # وقد يقال مع القرينة: هذا كلام فلان، وإن ترجم عنه بلفظ آخر، كما حكى ~~الله كلام من يحكي قوله من الأمم باللسان العربي، وإن كانوا إنما قالوا ~~بلفظ عبري أو سرياني أو قبطي أو غير ذلك. وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر. # والمقصود أنه نشأ بين أهل السنة والحديث نزاع في مسألتي الإيمان والقرآن ~~بسبب ألفاظ مجملة ومعاني متشابهة. وطائفة من أهل العلم والسنة كالبخاري ~~صاحب «الصحيح»، ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما قالوا: الإيمان مخلوق. وليس ~~مرادهم شيئا من صفات الله تعالى، وإنما مرادهم بذلك أفعال العباد. وقد اتفق ~~أئمة السنة على أن أفعال العباد مخلوقة، وأصوات العباد مخلوقة، وقال يحيى ~~بن سعيد القطان: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: ms1251 أفعال العباد مخلوقة. PageV07P079 # وصار بعض الناس يظن أن البخاري وهؤلاء خالفوا أحمد بن حنبل وغيره من أئمة ~~السنة، وجرى للبخاري محنة بسبب ذلك، حتى زعم بعض الكذابين أن البخاري لما ~~مات أمر أحمد بن حنبل أن لا يصلى عليه، وهذا كذب ظاهر؛ فإن البخاري -رحمه ~~الله- مات بعد أحمد بن حنبل -رحمه الله- بنحو خمس عشرة سنة، توفي أحمد بن ~~حنبل سنة إحدى وأربعين ومائتين، وتوفي البخاري سنة ست وخمسين ومائتين، وكان ~~أحمد بن حنبل يحب البخاري ويبجله ويعظمه، وأما تعظيم البخاري وأمثاله ~~الإمام أحمد فهو أمر مشهور. # ولما صنف البخاري كتابه في «خلق أفعال العباد» -وذكر في آخر كتابه ~~«الصحيح» أبوابا في هذا المعنى- ذكر أن كلا من الطائفتين القائلين بأن ~~لفظنا بالقرآن مخلوق، والقائلين بأنه غير مخلوق ينتسبون إلى الإمام أحمد بن ~~حنبل، ويدعون أنهم على قوله، وكلام الطائفتين كلام من لم يفهم [دقة] كلام ~~أحمد رضوان الله عليه. PageV07P080 # وطائفة أخرى كأبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر بن الطيب، والقاضي أبي ~~يعلى -وغيرهم ممن يقولون: إنهم على اعتقاد أحمد بن حنبل وأئمة أهل السنة ~~والحديث- قالوا: أحمد وغيره إنما كرهوا أن يقال: لفظت بالقرآن؛ لأن اللفظ ~~هو الطرح والنبذ. # وطائفة أخرى كأبي محمد بن حزم وغيره ممن يقول: إنه متبع لأحمد بن حنبل ~~وغيره من أئمة السنة [إلى غير هؤلاء ممن ينتسب إلى السنة ومذهب] أئمة ~~الحديث، ويقولون: إنهم على اعتقاد أحمد بن حنبل ونحوه من أهل السنة، وهم لم ~~يعرفوا حقيقة ما كان يقوله أهل السنة كأحمد بن حنبل. وقد بسطنا أقوال السلف ~~والأئمة كأحمد بن حنبل وغيره في غير هذا الموضع. # خلا البخاري وأمثاله، فإن هؤلاء من أعرف الناس بقول أحمد بن حنبل وغيره ~~من أئمة السنة. # وقد رأيت طائفة تنتسب إلى السنة والحديث كأبي نصر السجزي وأمثاله ممن ~~يردون على أبي عبد الله البخاري يقولون: إن أحمد بن حنبل كان يقول: لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق. وذكروا روايات كاذبة لا PageV07P081 # ريب فيها، والقول المتواتر عن أحمد بن حنبل من رواية ms1252 ابنيه صالح وعبد ~~الله، وحنبل، والمروذي، وفوران، ومن لا يحصى= يبين أن أحمد كان ينكر على ~~هؤلاء [وهؤلاء]، وقد صنف أبو بكر المروذي في ذلك مصنفا، ذكر فيه قول أحمد ~~بن حنبل وغيره من أئمة العلم، وقد ذكر ذلك الخلال في كتاب «السنة»، وذكر ~~بعضه أبو عبد الله بن بطة في كتاب «الإبانة» وغيره، وقد ذكر كثيرا من ذلك ~~أبو عبد الله بن منده فيما صنفه في مسألة اللفظ. # وقال أبو محمد بن قتيبة الدينوري: لم يختلف أهل الحديث في شيء من ~~اعتقادهم إلا في مسألة اللفظ. ثم ذكر ابن قتيبة -رحمه الله- أن اللفظ يراد ~~به مصدر لفظ يلفظ، فاللفظ الذي هو فعل العبد يراد به نفس الكلام الذي هو ~~فعل العبد وصوته وهو مخلوق، وأما نفس كلام الله الذي يتكلم به العباد فليس ~~مخلوقا. # وكذلك مسألة الإيمان لم يقل قط أحمد بن حنبل: إن الإيمان غير PageV07P082 # مخلوق، ولا قال: إنه قديم، بل ولا قال أحمد ولا غيره من السلف: إن القرآن ~~قديم، وإنما قالوا: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. ولا قال قط أحمد بن ~~حنبل ولا أحد من السلف: إن شيئا من صفات العبد وأفعاله غير مخلوقة، لا صوته ~~بالقرآن، ولا لفظه بالقرآن، ولا إيمانه ولا صلاته، ولا شيء من ذلك. # ولكن المتأخرون انقسموا في هذا الباب انقساما كثيرا، فالذين كانوا ~~يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، منهم من أطلق القول بأن الإيمان غير ~~مخلوق، ومنهم من يقول: قديم في هذا وهذا، ومنهم من يفرق بين الأقوال ~~الإيمانية والأفعال، فيقولون: الأقوال غير مخلوقة أو قديمة، وأفعال الإيمان ~~مخلوقة. ومنهم من يقول في أفعال الإيمان: إن المحرم منها مخلوق، وأما ~~الطاعة كالصلاة وغيرها، فمنهم من يقول: هي غير مخلوقة، ومنهم من يمسك [فلا ~~يقول هي مخلوقة ولا غير مخلوقة، ومنهم من يمسك] عن الأفعال المحرمة، ومنهم ~~من يقول: بل أفعال العباد كلها غير مخلوقة أو قديمة، ويقول: ليس مرادي ~~بالأفعال الحركات، بل مرادي الثواب الذي يجيء يوم القيامة، ويحتج هذا ms1253 بأن ~~القدر غير مخلوق، والشرع غير مخلوق، ويجعل أفعال PageV07P083 # العباد هي القدر والشرع، ولا يفرق بين القدر والمقدور، والشرع والمشرع، ~~فإن الشرع الذي هو أمر الله ونهيه غير مخلوق، وأما الأفعال المأمور بها ~~والمنهي عنها فلا ريب أنها مخلوقة، وكذلك قدر الله الذي هو علمه ومشيئته ~~وكلامه غير مخلوق، وأما المقدرات والآجال والأرزاق والأعمال فكلها مخلوقة. ~~وقد بسط الكلام على هذه الأقوال وقائليها في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أن نبين أن الإمام أحمد ومن قبله من أئمة السنة ومن اتبعه ~~كلهم بريئون من الأقوال المتبدعة المخالفة للشرع والعقل، فلم يقل أحد منهم ~~إن القرآن قديم، لا معنى قائم بالذات، ولا أنه تكلم به في القدم بحرف وصوت ~~قديمين، ولا تكلم به قي القدم بحرف قديم. لم يقل أحد منهم لا هذا ولا هذا، ~~وإنما الذي اتفقوا عليه: أن كلام الله منزل غير مخلوق، وأن الله لم يزل ~~متكلما إذا شاء، فكلام الله لا نهاية له، وهو بمعنى أنه لم يزل متكلما ~~بمشيئته، لا بمعنى أن الصوت المعين قديم، كما قال تعالى: {قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} [الكهف: 109] الآية، ~~كما قد بسطت الكلام على PageV07P084 # اختلاف أهل الأرض في كلام الله. # فمنهم من يجعله فيضا من العقل الفعال في النفوس، كقول طائفة من الصابئة ~~والفلاسفة، وهو أفسد الأقوال. ومنهم من يقول: هو مخلوق خلقه بائنا عنه، ~~كقول الجهمية والنجارية والمعتزلة. ومنهم من يقول: هو معنى قديم قائم ~~بالذات، كقول ابن كلاب الأشعري*. ومنهم من يقول: هو حروف وأصوات قديمة كقول ~~ابن سالم [وطائفة. ومنهم من يقول: تكلم بعد أن لم يكن متكلما، كقول ابن ~~كرام وطائفة]. # والصواب من هذه الأقوال قول السلف والأئمة كما قد بسطت ألفاظهم في غير ~~هذا الموضع. # ولما ظهرت المحنة كان أهل السنة يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. ~~وكانت الجهمية من المعتزلة وغيرهم يقولون: إنه مخلوق. # وكان أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان له ms1254 فضيلة ومعرفة رد [بها] ~~على الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات، وبين أن الله نفسه فوق PageV07P085 # العرش، وبسط الكلام في ذلك، ولم يتخلص من شبهة الجهمية كل التخليص، بل ظن ~~أن الرب لا يتصف بالأمور الاختيارية التي تتعلق [بقدرته ومشيئته، فلا ~~يتكلم] بمشيئته وقدرته، ولا يحب العبد ويرضى عنه بعد إيمانه وطاعته، ولا ~~يغضب عليه ويسخط بعد كفره ومعصيته، بل ما زال محبا راضيا أو غضبان ساخطا ~~على من علم أنه يموت مؤمنا أو كافرا، ولا يتكلم بكلام بعد كلام، وقد قال ~~تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ~~(59) الحق من ربك} [آل عمران: 59 - 60]، وقال تعالى: {ولقد خلقناكم ثم ~~صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} [الأعراف: 11]، وقال تعالى: {قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] وقال تعالى: {فلما ~~آسفونا انتقمنا منهم} [الزخرف: 55]، وقال تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ~~الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} [محمد: 28]، وقال تعالى: {هو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} [الحديد: 4]، وهذا أصل ~~كبير قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. # وإنما المقصود هنا التنبيه على مآخذ اختلاف المسلمين في مثل PageV07P086 # هذه المسائل، وإذا عرف ذلك فالواجب أن نثبت ما أثبته الكتاب والسنة، ~~وننفي ما نفاه الكتاب والسنة، واللفظ المجمل الذي لم يرد به الكتاب والسنة ~~لا يطلق في النفي الإثبات حتى يبين المراد به. # كما إذا قال القائل: الرب متحيز، أو غير متحيز، أو هو في جهة، أو هو في ~~غير جهة. # قيل: هذا ألفاظ مجملة لم يرد بها الكتاب والسنة لا نفيا ولا إثباتا، ولا ~~نطق أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان بإثباتها ولا نفيها. فإن كان ~~مرادك بقولك: إنه متحيز، أنه محيط به شيء من المخلوقات أو يفتقر إليها، ~~فالله تعالى غني عن كل شيء لا يفتقر إلى العرش ولا إلى غيره من الخلوقات، ~~بل هو بقدرته يحمل العرش وحملته، وكذلك هو العلي الأعلى الكبير العظيم ms1255 الذي ~~لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو سبحانه أكبر من كل شيء، وليس ~~متحيزا بهذا الاعتبار. # وإن كان مرادك بأنه بائن عن مخلوقاته، علي عليها فوق سمواته على عرشه، ~~فهو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، كما ذكر ذلك أئمة السنة، مثل ~~عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، PageV07P087 # وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أعلام الإسلام، وكما دل على ذلك صحيح ~~المنقول وصريح المعقول، كما هو مبسوط في موضع آخر. # وكذلك لفظ «الجهة» إن أراد بالجهة أمرا موجودا يحيط بالخالق أو يفتقر ~~إليه، فكل موجود سوى الله فهو مخلوق لله، [و] الله خالق كل شيء، وكل ما ~~سواه مفتقر إليه، وهو غني عن كل ما سواه. # وإن كان مراده أن الله -سبحانه- فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، فهذا ~~معنى صحيح، سواء عبر عنه بلفظ الجهة أو بغير لفظ الجهة. # وكذلك لفظ «الجبر» إذا قال: هذا العبد مجبور، أو غير مجبور؟ قيل له: إن ~~أردت بالجبر أنه ليس له مشيئة، أو ليس له قدرة، أو ليس له فعل= فهذا باطل، ~~فإن العبد فاعل لأفعاله الاختيارية، وهو يفعلها بقدرته ومشيئته. وإن أراد ~~بالجبر أن الله خالق مشيئته وقدرته وفعله، فالله خالق ذلك كله. # وكذلك إذا قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد بالإيمان؟ ~~أتريد به شيئا من صفات الله وكلامه كقوله: {لا إله إلا الله} [محمد: 16] ~~وإيمانه الذي دل عليه اسمه «المؤمن»، فهذا غير مخلوق، أو PageV07P088 # تريد به شيئا من أفعال العباد وصفاتهم؟ فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع ~~أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير ~~مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصور ما يقول. فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر ~~الهدى وبان السبيل، وقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء. # ومثل هذه المسألة وأمثالها مما كثر فيه نزاع الناس بالنفي والإثبات إذا ~~فصل فيها الخطاب ظهر فيها الخطأ من الصواب. والواجب على الخلق: أن ما أثبته ~~الكتاب والسنة النبوية أثبتوه، وما نفاه ms1256 الكتاب والسنة نفوه، وما لم ينطق ~~به الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات فصلوا القول فيه، واستثبتوا القائل، ~~فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله فقد أصاب، ومن نفى ما نفاه الله ورسوله فقد ~~أصاب، ومن أثبت ما نفاه أونفى ما أثبته فقد لبس الحق بالباطل، فيجب أن يفصل ~~ما في كلامه من حق وباطل، فيتبع الحق ويترك الباطل. PageV07P089 # وكل ما خالف الكتاب والسنة فإنه مخالف أيضا لصريح المعقول، فإن العقل ~~الصريح لا يخالف شيئا من النقل الصحيح، كما أن المنقول الثابت عن الأنبياء ~~لا يخالف بعض ذلك بعضا، ولكن كثير من الناس يظن تناقض ذلك، وهؤلاء من الذين ~~اختلفوا في الكتاب {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} [محمد: 16]. # ونسأل الله العظيم أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. # فصل # * ### || AUTO وأما السؤال عن الإمام إذا استقبل القبلة في الصلاة هل يجوز لأحد أن يتقدم عليه؟ وهل تبطل صلاة الذين يتقدمون إمامهم؟ # والجواب: إن السنة للمؤتمين أن يقفوا خلف الإمام مع الإمكان، كما كان ~~المسلمون يصلون خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا صلى الإمام بواحد أقامه ~~عن يمينه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بابن عباس لما قام يصلي معه ~~بالليل، فوقف عن يساره، فأداره عن يمينه، وحديثه في «الصحيحين». وكذلك في ~~الصحيح -مسلم- من حديث جابر: أنه أوقفه عن يمينه، PageV07P090 # فلما جاء جبار بن صخر أوقفهما جميعا خلفه، فلهذا كانت السنة إذا كان ~~المأمومون اثنين فصاعدا يقفوا خلفه. وإن وقف بين الاثنين جاز؛ كما وقف ابن ~~مسعود بين علقمة والأسود وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك. # وقد قيل: إنما ذاك لأن أحدهما كان صبيا. # وأما الوقوف قدام الإمام [ففي صلاة المأموم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها تصح مطلقا، وإن قيل إنها تكره] فهذا هو المشهور في مذهب ~~مالك، والقول القديم للشافعي. # والثاني: لا تصح الصلاة مطلقا، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي في الجديد، ~~وهو ms1257 المشهور من مذهب أحمد عند كثير من أصحابنا، على ما نقل عنه من إطلاق ~~القول، ولكن نصوصه تدل على الفرق كما سنذكره. # والثالث: أنه إن تقدم لحاجة صحت الصلاة وإلا فلا، وهذا مذهب كثير من أهل ~~العلم، وهو قول في مذهب أحمد. وأهل هذا القول يقولون: إذا لم يمكن الصلاة ~~خلفه لزحمة أو غيرها -كما قد يحصل في PageV07P091 # الجمع في بعض الأوقات، وكما قد يحصل في الجامع أحيانا- فالصلاة أمامه ~~جائزة، وقد نص أحمد على ما مضت به السنة في حديث أم ورقة الأنصارية: أن ~~المرأة تؤم الرجال عند الحاجة، كقيام رمضان إذا كانت تقرأ وهم لا يقرؤون، ~~وتقف خلفهم لأن المرأة لا تقف في صف الرجال ولا تكون أمامهم، فنص على أن ~~المأمومين في هذا الموضع يكونون قدام الإمام كما جاء في الحديث، وذلك لئلا ~~تكون المرأة في صف الرجال أو تكون أمامهم، فهنا كان تقدم المأموم على ~~الإمام أولى في الشرع من تقدم النساء على الرجال أو مصافة المرأة للرجال. # مع أنه سئل عن المرأة إذا وقفت في صف الرجال هل تبطل صلاة الرجال الذين ~~يحاذونها؟ فتوقف في ذلك. ومسائل التوقف تخرج على وجهين. PageV07P092 # وتنازع أصحابه في ذلك فقالت طائفة ببطلان الصلاة كمذهب أبي حنيفة، وهو ~~قول أبي بكر وأبي حفص، وقالت طائفة: لا تبطل، كمذهب الشافعي، وهو قول أبي ~~حامد والقاضي وأتباعه. وهذا التفريق بين حال وحال. # وجواز التقدم على الإمام للحاجة هو أظهر الأقوال، فإن جميع واجبات الصلاة ~~تسقط عند العجز وتصلى بدونها، وكذلك ما يشترط للجماعة يسقط بالعجز ويصلى ~~بدونه، كصلاة الخوف التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في جماعة، والتزم ~~لأجل الجماعة أمورا لا تجوز لغير الحاجة، مثل تخلف الصف الثاني عن متابعته ~~كما في صلاة عسفان. ومثل مفارقة الطائفة الأولى له قبل سلامه، وانتظار ~~الطائفة الثانية القعود، كما في صلاة ذات الرقاع. ومثل استدبار القبلة ~~والعمل الكثير، كما في حديث ابن عمر إلى أمثال ذلك. PageV07P093 # ومن ذلك المسبوق يقعد لأجل متابعة الإمام مما ms1258 لو فعله منفردا بطلت صلاته، ~~مثل كونه إذا رآه ساجدا أو منتصبا دخل معه، ومثل كونه يتشهد في أول صلاته ~~دخل معه، فدل على أنه يجوز لأجل الجماعة ما لا يجوز بدون ذلك، ومع هذا ~~فوقوف المأموم عن يسار الإمام للحاجة، ووقوفه وحده خلف الصف للحاجة أحق ~~بالجواز من تقدمه على الإمام للحاجة. # وبهذا تأتلف النصوص جميعها، وعلى ذلك تدل أصول الشريعة، فإن جميع واجبات ~~الصلاة من الطهارة بالماء، واستقبال القبلة، وستر العورة، واجتناب النجاسة، ~~وقراءة القرآن، وتكميل الركوع والسجود، وغير ذلك= إذا عجز عنه المصلي سقط، ~~وكانت صلاته بدون هذا الواجب خيرا من تأخير الصلاة عن وقتها فضلا عن تركها، ~~فكذلك الجماعة متى لم تكن إلا بترك واجباتها سقط ذلك الواجب، وكانت الجماعة ~~مع ترك ذلك الواجب خيرا من تفويتها وصلاة الرجل وحده. # ولهذا كان مذهب أحمد وغيره أنهم مع قولهم بالمنع من [الصلاة] خلف الفاسق ~~والمبتدع، يأمرون بأن يصلى خلفه ما يتعذر صلاته خلف غيره كالجمعة والعيدين ~~وطواف الحج، ونحو ذلك من الجمع والجماعات، التي أن تصلى خلف ذلك الفاسق ~~والمبتدع PageV07P094 # خير من أن يصلي الرجل وحده. # وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يؤمر الأمير ثم يتبين له فيما بعد أنه كان مذنبا ~~فيعزله، ولا يأمر المسلمين أن يعيدوا ما صلوه خلفه، كما أمر أميرا فلم ينفذ ~~أمره فقال: «ما منعكم أن تنفذوا أمري أو أن تولوا من ينفذ أمري». وإصراره ~~على ترك تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم يقدح في دينه، ولم يأمرهم ~~بإعادة ما صلوه خلفه، وقد أمر الذي أمر أصحابه بدخول النار فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «لو دخلوها لما خرجوا منها» ولم يأمرهم بإعادة ما صلوا. ~~والوليد بن عقبة بن أبي معيط ولاه فأنزل الله: {إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا} [الحجرات: 6] لما أخبره بمنع الذين أرسله إليهم بمنع الصدقة. هذا ~~إن كان معه جماعة يصلي بهم. # وقد أخبر عن الأمراء ms1259 الذين يكونون بعده أنهم يستأثرون ويظلمون الناس، ~~وأنهم يمنعون الناس حقوقهم ويطلبون حقهم، ومع هذا فنهى PageV07P095 # عن قتالهم وأمر بالصلاة خلفهم من غير إعادة، حتى إن من كان منهم يؤخر ~~الصلاة عن وقتها أمر المسلمين أن يصلوا الصلاة لوقتها، ويصلوا خلفهم ~~ويجعلوها نافلة. فلم يأمر بالثانية لنقض الأولى لكن لتحصيل الجماعة والنهي ~~عن الفرقة. # وقد صلى أصحابه -كابن عمر وغيره- خلف الحجاج بن يوسف، وخلف الخوارج، وخلف ~~المختار بن أبي عبيد، وأمثال هؤلاء من أهل البدع والفجور، ولم يعد أحد من ~~الصحابة خلفهم، مع أنه قد ثبت في «صحيح مسلم» عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير». فالكذاب هو المختار، والمبير هو ~~الحجاج، وقد صلى الصحابة خلف هذا وهذا، ولم يأمر أحد من الصحابة بالإعادة. # وقد سن النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين الاصطفاف في الصلاة وأمر ~~بإقامة الصف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن خلف الصف»، ~~ورأى رجلا يصلي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة، ومع هذا PageV07P096 # فصلى بأنس مرة والصبي اليتيم والمرأة خلفهما، فجعل المرأة وحدها صفا لأجل ~~الحاجة، إذ كانت السنة في حقها أن لا تقف مع الرجال، والإمام يقف وحده لأجل ~~الإمامة؛ فمن سوى بين الإمام والمرأة، وبين الرجل المؤتم في الانفراد فقد ~~خالف السنة، ومن جعل وقوف الفذ لا يجوز بحال فقد خالف السنة، فعلم أن ~~الاصطفاف مأمور به، ونهيه عن وقوف الرجل وحده مأمور به مع القدرة، وأما مع ~~الحاجة فوقوف الإنسان وحده خير له من أن يدع الجماعة، ونظائر هذا كثيرة، ~~والله أعلم. # فصل # * ### || AUTO في قتل الهوام في الصلاة؟ # فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة: ~~الحية والعقرب. PageV07P097 # وقد قال أحمد وغيره: يجوز له أن يذهب إلى النعل فيأخذه ويقتل به الحية ~~والعقرب، ثم يعيده إلى مكانه. وكذلك سائر ما يحتاج إليه المصلي من الأفعال، ~~مثل ما ثبت في «الصحيحين»: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ms1260 على منبره ~~بالناس، فكان يقوم عليه ويركع، ثم ينزل يسجد بالأرض، ثم يصعد يقوم عليه ~~ليراه الناس ليتعلموا صلاته. # ومثل ما ثبت في «الصحيح»: أنه كان يصلي وهو حامل أمامة. ومثل ما ثبت عنه ~~أنه تقهقر في صلاة الكسوف وتقهقرت الصفوف معه، وأنه مد يده يتناول شيئا. ~~ومثل ما ثبت عنه في «الصحيح»: أنه أمر برد المار في الصلاة، وقال: «فإن أبى ~~فليقاتله؛ فإن معه القرين». ومثل ما ثبت عنه أنه قال: «إن الشيطان تغلب علي ~~البارحة ليقطع علي صلاتي، فأخذته فذعته حتى سال لعابه على يدي، وأردت أن ~~أربطه إلى سارية المسجد، فذكرت دعوة أخي سليمان». ومثل ما مشى حتى فتح PageV07P098 # الباب لعائشة. # ومثل ما قال لابن مسعود: «إذنك علي أن يرفع الحجاب وأن تسمع لسوادي حتى ~~أنهاك» رواية مسلم. # فهذه السنن تدل على جواز ما يحتاج إليه المصلي من الأفعال التي ليست من ~~جنس عمل الصلاة، لكن أبيحت في الصلاة للحاجة، ولا تقطع الصلاة. وكان أبو ~~برزة معه فرسه -وهو يصلي- كلما خطا يخطو معه خشية أن يتقدمه. وقال أحمد: إن ~~فعل كما فعل أبو برزة فلا بأس. وظاهر مذهب أحمد وغيره أن هذا لا يقدر بثلاث ~~خطوات ولا ثلاث فعلات، كما مضت به السنة. ومن قيده بثلاث -كما يقوله من ~~يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد- فإنما ذاك إذا كانت متصلة، فإذا كانت متفرقة ~~فيجوز وإن كانت زائدة على ثلاث، إذا لم يتصل أكثر من ثلاث، والله أعلم. PageV07P099 # فصل # * ### || AUTO وأما السؤال عن سماع الغناء؟ # فالجواب: أن سماع الغناء والدفوف والشبابات وما يذكر معه، كإخراج اللاذن ~~ودخول النار ومؤاخاة النساء يسأل عنه على وجهين: # أحدهما: هل هو قربة وطاعة وطريق إلى الله شرع سلوكه لأولياء الله المتقين ~~وعباده الصالحين وجنده الغالبين أم لا؟ # والثاني: إذا لم يكن قربة فهل هو حلال أم حرام؟ # والمسألة الأولى أهم وأنفع وأظهر من الثانية؛ فإن الذين يجتمعون على ذلك ~~من المشايخ وأتباعهم المنتسبين إلى الدين والفقر والزهد وسلوك طريق الله، ~~لا يعدون ذلك من ms1261 باب اللعب واللهو وتضييع الزمان فيما لا ينفع، كما يلهو ~~بعض العامة في الأفراح والغناء وغيره، بل هو عندهم طريق للقوم المشار إليهم ~~بالدين، ومنهاج لأهل الزهد والعبادة وأهل السلوك والإرادة، وذوي القلوب من ~~الرجال أهل المقامات والأحوال، فإنما يفعلونه قاصدين به صلاح القلوب، ~~والدخول في زمرة أهل الوجد والرزق والمشروب، وتحريك وجد أهل المحبة ~~بالمحبوب، إلى أمثال ذلك مما يطول وصفه. ويحصل لهم فيه أنواع PageV07P100 # من الأحوال العجيبة والموارد الغريبة، ما يعرفه من الرجال أهل المعرفة ~~بهذا الحال. # فمنهم من يصعد في الهواء، ومنهم من يبقى راقصا في الهواء، ومنهم من يصير ~~ذاهبا وجائيا على الماء، ومنهم من يؤتى بشراب يسقيه للفتى أو غيره من ~~الجلساء، أو بزيت فيوقد به المصباح بعد مقاربة الانطفاء. ومنهم من يخاطب ~~بعض الحاضرين بلسان الأعجمي، ويكاشفه السر الخفي، وإذا أفاق لم يدر ما قال ~~كالمصروع بالجني. ومنهم من يشير إليه، ومنهم من يسلب بعض المنكرين عليه ~~قلبه ولسانه حتى لا يستطيع قراءة ولا دعاء ولا ذكرا، وقد يمسك لسانه فلا ~~يستطيع أن يقول لا عرفا ولا نكرا. ومنهم من يباشر النار بلا دهن ولا حجر ~~طلق ولا غير ذلك من أمور الطبيعة، بل يبقى بالنار تتأجج في يديه وثيابه. ~~ومنهم من يأتيه زعفران ولاذن من حيث لا يدري، وقد يأخذ بيده حصاة فتسلت من ~~يده ويجعل مكانها سكرة، إلى أمثال هذه العجائب التي يطول وصفها، التي يظنها ~~من لا يعرف حقيقة وأنها من كرامات الأولياء الصالحين، وأنها دالة على ولاية ~~صاحبها من الأدلة والبراهين. # وقد بسط الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع، لكن نذكر PageV07P101 # هنا ما يليق بهذا الجواب، فنقول: يجب أن يعرف أصلان عظيمان: # أحدهما: أنه لا طريق إلى الله يوصل إلى ولايته وكرامته ومحبته ورضوانه ~~إلا بمتابعته رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} [آل عمران: 31] الآية. ~~وفي «صحيح البخاري» عن أبي هريرة عن النبي صلى ms1262 الله عليه وسلم: «[إن الله ~~قال]: من عادى لي وليا فقد آذنته بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ~~ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته ~~كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله ~~التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني ~~لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس ~~عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه». # فالطرق التي بعث الله بها رسوله هي التقرب إلى الله بالفرائض، PageV07P102 # وبعد الفرائض بالنوافل، لا يتقرب إليه إلا بفعل واجب أو مستحب، و [يستوي] ~~في ذلك الأمور الباطنة في القلوب والظاهرة للعيان، فحقائق الإيمان الباطنة ~~في القلوب موافقة لشرائع الإسلام الظاهرة على الأبدان. وما ليس بواجب ولا ~~مستحب عند أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا عند أئمة المسلمين ~~المعروفين ولا مشايخ الدين المتقدمين، كالفضيل بي عياض، وإبراهيم بن أدهم، ~~وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي وغيرهم، فليس في هؤلاء من حضر هذا ~~السماع المحدث ولا أمر به، بل هذا ظهر في الإسلام في أواخر المائة الثانية، ~~فأنكره أئمة الدين، حتى قال فيه الشافعي: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة ~~يسمونه التغبير، يصدون به الناس عن القرآن. # والتغبير الذي ذكره الشافعي هو إنما كان أن يضربوا بقضيب على جلدة ~~كالمخدة ونحوها، لم يكن بعد قد أظهروا الشبابات الموصولة، والدفوف ~~المصلصلة. ولما سئل الإمام أحمد عن هذا التغبير قال: إنه بدعة، ونهى عن ~~الجلوس مع أهله فيه. وكذلك يزيد بن هارون وغيرهم من الأئمة. PageV07P103 # وحضره طائفة من المشايخ، لكن كان من الذين حضره من رجعوا عنه وتابوا منه، ~~وأما الجنيد فلم ينقل أحد قط أنه رقص في السماع ولا حضر سماع دفوف وشبابات، ~~بل قد قيل: إنه حضر التغبير في أول عمره، ولم يكن يقوم فيه، وأنه في آخر ~~عمره تركه. وكان يقول: من تكلف السماع فتن به، ومن صادفه ms1263 استراح به. يعني: ~~أنه يسمع آيات تناسب حاله من محبة أو حزن أو خوف، وما سمعه الإنسان بغير ~~اقتصاد منه فهذا لا يدخل تحت الأمر والنهي، كنظر الفجأة، وشم الرائحة بغير ~~اشتمام، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر أن يسد أذنه لما ~~سمع زمارة راع، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قام بسد أذنيه، فإن السد ~~لم يكن واجبا إذ ذاك؛ لأنه سماع لا استماع، وإنما فعل ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم بطريق الاستحباب، هذا على قول من يثبت الحديث، فإن من أهل الحديث ~~من قال: هو منكر كأبي داود وغيره. # والكلام في مسألة السماع كثير منتشر، وقد كتب فيه في غير هذا الموضع مما ~~لا يتسع هذا الموضع لإعادته، وذكر فيه الكلام على من حضره منا ومن أهل ~~الخير والدين والصدق، وأن لهم في ذلك من التأويلات ما لأمثالهم، فإن ~~المجتهد المخطئ يغفر الله له خطأه، ويثيبه PageV07P104 # على حسن قصده وما يفعله من الطاعة. ومن استفرغ وسعه في طلب رضا الله ~~فاتقى الله ما استطاع كان من عباد الله الصالحين، وإن كان قد أخطأ في بعض ~~ما اجتهد فيه، كالذين استحلوا الدرهم بالدرهمين من السلف، والذين استحلوا ~~متعة النساء منهم، والذين استحلوا بعض الأنواع المسكرة، والذين استحلوا ~~القتال في «الجمل» و «صفين» و «الحرة» وفتنة ابن الأشعث وغير ذلك. ولما سئل ~~الإمام أحمد عن التغبير فقال: إنه محدث، ونهى عن حضوره، فقيل له عن أهله: ~~أيهجرون؟ فقال: لا يبلغ بهم هذا كله. # فيجب بيان الحق الذي بعث الله به رسوله، وبيان أنه لا حرام إلا ما حرمه ~~ولا دين إلا ما شرعه الله، وأن من اجتهد من أهل العلم والدين فحرم أشياء ~~بتأويله واجتهاده وهي مما حرمه الله، أو اتخذ دينا باجتهاده ظن أنه من دين ~~الله، ولم يكن في نفس الأمر من دين الله، فله حكم أمثاله من أهل الاجتهاد، ~~ويعطى حقه ويثنى عليه بما فيه من العلم والدين، وإن لم يجز ms1264 اتباعه فيما ~~أخطأ فيه وخالف فيه سنة الرسول مع اجتهاده وتأويله، فهذا أصل. # والأصل الثاني: أن كرامات أولياء الله يكون سببها فعل ما أمر الله به ~~ورسوله من الواجب والمستحب، ثم السابقون المقربون من الأولياء PageV07P105 # المتبعون يستعملونها فيما يقرب إما حجة للدين، وإما حاجة للمسلمين، ~~والمقتصدون يستعملونها في أمور مباحة، وأما استعمالها فيما حرم الله ورسوله ~~كالظلم والعدوان فمحرم. # وأما ما كان سببه بدعة، كالأحوال التي تحصل لأهل السماع البدعي، فهي أمور ~~شيطانية يضل بها الشيطان أهل الجهل، ويغوي بها أهل الغي، وهذا وهذا يبطل ~~بحقائق الإيمان، كقراءة آية الكرسي وغيره مما يطرد الشيطان، والله أعلم. # فصل # * ### || AUTO وأما الدابة إذا ذبحت والغلصمة مما يلي البدن هل يحل أكلها؟ # فالجواب: أن العلماء قد تنازعوا هل شرط التذكية قطع الودجين والحلقوم ~~والمريء، أو قطع ثلاثة منها، أو قطع اثنين فقط، وهل تجزئ التذكية إذا كان ~~الحلقوم مع البدن وقطعت العنق من فوقه؟ # والأظهر أنه لا يشترط شيء من ذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط ~~شيئا من ذلك ولا أوجبه، بل قال في الحديث المتفق على صحته: «ما أنهر PageV07P106 # الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر». فإذا جرى الدم من العنق ~~ومات الحيوان بذلك، وقد سمى عليه الله أبيح، سواء كان القطع فوق الغلصمة أو ~~دونها، وسواء قطع اثنين أو ثلاثة أو أربعة. # وتنازعوا أيضا فيما أصابه سبب الموت كأكيلة السبع، هل يشترط أن لا يتبين ~~موتها بذلك السبب، أو أن تبقى معظم اليوم، أو أن تبقى فيها حياة مستقرة ~~بقدر حياة المذبوح، أو أزيد من حياته، أو يمكن أن يزيد؟ # والأظهر أنه لا يشترط شيء من ذلك، بل متى خرج منها الدم الذي لا يخرج إلا ~~من الحي أبيحت، وهو الدم الأحمر، بخلاف الميت فإن دمه يجمد ويسود، وأما ~~الأحمر الجاري فلا يخرج إلا من مذبوح كانت فيه حياة، لا يخرج من ميت قبل ~~الذبح، بل الميت إذا مات وذبح لم يخرج منه دم أحمر، فهذا ms1265 فرق معروف بين ~~الحي والميت، وقد دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنهر الدم ~~وذكر اسم الله عليه» فاعتبر الأداة التي تنهر الدم، فعلم أن المناط إنهار ~~الدم، وهو تفسير قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} [المائدة: 3] ولم يقل: ما فرى ~~الأوداج، وما قطع PageV07P107 # الحلقوم أو المريء، ولا غير ذلك، بل قال: «ما أنهر الدم»، ولو كان مع ~~إنهار الدم يكون ميتا لم يحل بذلك حتى يعلم أنه حي بدليل آخر. # والفروق التي ذكرها من تقدمت أقواله، ليس على شيء منها دليل شرعي، ولا هو ~~أيضا وصف ثابت في نفس الأمر معلوم للناس، فإن في المذبوحات ما يتحرك بعد ~~الموت حركة عظيمة ويقوم ويمشي، وقد يقوم البدن بعد قطع الرأس يمسك قاتله، ~~وقد يطير البدن بعد قطع رأسه إلى مكان آخر، فهذه حركات قوية، وهي من ميت ~~مذبوح، وقد يذبح النائم في منامه فتتغير حركته حتى يموت، وكذلك المغمى عليه ~~والسكران، فعلم أن الحركة لا تدل على الحياة الشرعية لا طردا ولا عكسا. # فصل # * ### || AUTO وأما الصلاة في طريق الجامع والناس يصلون برا وهو طريق مسلوك خارجه هل تجوز؟ # الجواب: أن الطريق المسلوك إذا اتصلت فيه الصفوف بالجامع صحت صلاتهم ~~باتفاق العلماء، وأما إذا لم تتصل الصفوف بل كان بينهم وبين الجامع طريق ~~نافذ أو نهر تجري فيه السفن، فهذا فيه نزاع مشهور بين العلماء، والأظهر أن ~~الطريق إذا لم يكن مسلوكا وقت الصلاة أن الصلاة صحيحة؛ فإنه ليس في هذا إلا ~~تباعد ما بين الصفين من غير اجتياز أحد بينهما وقت الصلاة. PageV07P108 # فصل # * ### || AUTO وأما تارك الصلاة من غير عذر هل هو مسلم في تلك الحال؟ # الجواب: أما تارك الصلاة، فهذا إذا لم يكن معتقدا وجوبها فهو كافر بالنص ~~والإجماع، لكن إذا أسلم ولم يعلم أن الله أوجب عليه الصلاة، أو أوجب بعض ~~أركانها، مثل أن يصلي بلا وضوء، ولا يعلم أن الله أوجب الوضوء، أو يصلي مع ~~الجنابة ولا يعلم أن الله أوجب عليه غسل الجنابة، ms1266 فهذا ليس بكافر إذا لم ~~تقم عليه الحجة، لكن إذا علم الوجوب هل يجب عليه القضاء؟ فيه قولان للعلماء ~~في مذهب أحمد ومالك وغيرهما، قيل: يجب عليه القضاء، وهو المشهور عن أصحاب ~~الشافعي، وكثير من أصحاب أحمد. # وقيل: لا يجب عليه القضاء، وهذا هو الظاهر. [و] عن أحمد في هذا الأصل ~~روايتان منصوصتان، فيمن صلى في معاطن الإبل، ولم يكن علم النهي ثم علم. # ومن صلى ولم يتوضأ من لحوم الإبل، ولم يكن علم النهي ثم علم، هل يعيد؟ ~~على روايتين منصوصتين. PageV07P109 # وقيل: يجب عليه الإعادة إذا ترك الصلاة جاهلا بوجوبها في دار الإسلام دون ~~دار الحرب، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة. # والصائم إذا فعل ما يفطره جاهلا بتحريم ذلك، فهل عليه الإعادة؟ على قولين ~~هما وجهان في مذهب أحمد، وكذلك من فعل محظور الحج جاهلا. # وأصل هذا أن حكم الخطاب هل يثبت في حق الملكف قبل أن يبلغه؟ فيه ثلاثة ~~أقوال في مذهب أحمد وغيره، قيل: يثبت، وقيل: لا يثبت، وقيل: يثبت المبتدأ ~~دون الناسخ. # والأظهر أنه لا يجب قضاء شيء من ذلك، ولا يثبت الخطاب إلا بعد البلاغ؛ ~~لقوله تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19]، وقوله: {وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]، وقوله: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل} [النساء: 165]، ومثل هذا في القرآن متعدد، بين سبحانه أنه لا يعاقب ~~أحدا حتى تبلغه الرسل. # ومن علم أن محمدا رسول الله، فآمن بذلك، ولم يعلم كثيرا مما جاء به، لم ~~يعذبه الله على ما لم يبلغه، فإنه إذا لم يعذبه على ترك الإيمان إلا بعد ~~البلاغ، فأن لا يعذبه على بعض شرائعه إلا بعد البلاغ أولى وأحرى. PageV07P110 # وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المستفيضة عنه في أمثال ذلك؛ فإنه ~~قد ثبت في «الصحيح» أن طائفة من أصحابه ظنوا أن قوله تعالى: {الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود} [البقرة: 187] هو الحبل الأبيض من الحبل الأسود، فكان ~~أحدهم يربط في رجله حبلا ثم يأكل حتى يتبين ms1267 هذا من هذا، فبين النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن المراد بياض النهار وسواد الليل، ولم يأمرهم بالإعادة. # وكذلك عمر بن الخطاب وعمار أجنبا، فلم يصل عمر حتى أدرك الماء، وظن عمار ~~أن التراب يصل إلى حيث يصل الماء، فتمرغ كما تتمرغ الدابة، ولم يأمر أحدا ~~منهما بالقضاء. # وكذلك أبو ذر بقي جنبا مدة لم يصل، ولم يأمره بالقضاء بل أمر بالتيمم في ~~المستقبل. # وكذلك المستحاضة قالت له: إني أستحاض حيضة شديدة منعتني الصلاة والصوم. ~~فأمرها بالصلاة من دم الاستحاضة، ولم يأمرها بقضاء ما تركت قبل ذلك. # والله لما أمر باستقبال الكعبة كان من غاب من المسلمين يصلون PageV07P111 # إلى بيت المقدس حتى بلغهم الخبر، ولم يأمرهم بالقضاء. # ولما حرم الكلام في الصلاة تكلم معاوية بن الحكم السلمي في الصلاة بعد ~~التحريم جاهلا وقال له: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام ~~الآدميين»، ولم يأمره بإعادة الصلاة. # ولما زيد في صلاة الحضر حين هاجر إلى المدينة كان من كان بعيدا عنه -مثل ~~من كان بمكة وبأرض الحبشة- يصلون ركعتين، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة. # ولما فرض شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، ولم يبلغ الخبر إلى من ~~كان في الحبشة من المسلمين حتى فات ذلك الشهر، ولم يأمرهم بإعادة الصيام. # وكان بعض الأنصار لما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى ~~مكة قبل الهجرة، قد صلى إلى الكعبة معتقدا جواز ذلك، قبل أن يؤمروا ~~باستقبال الكعبة -وكانوا حينئذ يستقبلون الشام- فلما ذكر ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، أمر باستقبال الشام، ولم يأمر بإعادة ما كان صلى. # وثبت عنه في «الصحيحين»: أنه سئل -وهو بالجعرانة- عن PageV07P112 # رجل أحرم بالعمرة عليه جبة وهو متضمخ بالخلوق، فلما نزل عليه الوحي قال ~~له: «انزع عنك الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما كنت صانعا ~~في حجك». وهذا قد فعل محظور الحج جاهلا، وهو لبس الجبة، ولم يأمره النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك بدم، ولو فعل ذلك مع العلم ms1268 لزمه دم. # وثبت عنه في «الصحيحين» أنه قال للأعرابي المسيء في صلاته: «ارجع فصل ~~فإنك لم تصل» مرتين أو ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا ~~فعلمني ما يجزيني في الصلاة. فعلمه الصلاة المجزئة، ولم يأمره [بإعادة ما ~~صلى قبل ذلك، مع قوله: «ما أحسن غير هذا». وإنما أمره] أن يعيد تلك الصلاة؛ ~~لأن وقتها باق، [فهو مخاطب بها، والتي صلاها لم تبرأ بها الذمة ووقت الصلاة باق]. # ومعلوم أنه لو بلغ صبي أو أسلم كافر أو طهرت حائض أو أفاق مجنون والوقت ~~باق؛ لزمتهم الصلاة أداء لا قضاء، وإن كان بعد خروج الوقت فلا إعادة عليهم، ~~فهذا المسيء الجاهل إذا علم وجوب PageV07P113 # الطمأنينة في أثناء الوقت، فوجبت عليه الطمأنينة حينئذ، ولم تجب عليه قبل ~~ذلك، فلهذا أمره بالطمأنينة في الصلاة ذلك الوقت دون ما قبلها. # وكذلك أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد، ولمن ترك لمعة من قدمه أن يعيد ~~الوضوء والصلاة. # وقوله له أولا: «صل فإنك لم تصل» بين أن ما فعله لم يكن صلاة، ولكن لم ~~يعرف أنه كان جاهلا بوجوب الطمأنينة، فلهذا أمره بالإعادة ابتداء، ثم علمه ~~إياها لما قال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا. # فهذه نصوصه صلى الله عليه وسلم في محظورت الصلاة والصيام والحج مع الجهل، ~~وفي ترك واجباتها مع الجهل. # وأما أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد؛ فذلك لأنه لم يأت بالواجب مع بقاء ~~الوقت. فثبت الوجوب في حقه حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم لبقاء وقت ~~الوجوب، لم يأمره بذلك بعد مضي الوقت. # وأما أمره لمن ترك لمعة من رجله لم يصبها الماء بالإعادة؛ فلأنه كان ~~ناسيا، فلم يفعل الواجب، كمن نسي الصلاة وكان الوقت باقيا، فإنها قضية ~~معينة لشخص بعينه، لا يمكن أن تكون قي الوقت وبعد الوقت، بمعنى أنه رأى في ~~رجل رجل لمعة لم يصبها الماء، فأمره أن PageV07P114 # يعيد الوضوء والصلاة. # وأما قوله: «ويل للأعقاب من النار» ونحوه، فإنما يدل على وجوب تكميل ms1269 ~~الوضوء، ليس في ذلك أمر بإعادة شيء. # ومن كان يعتقد أن الصلاة تسقط عن العارفين، أو المشايخ الواصلين، أو عن ~~بعض أتباعهم، أو أن الشيخ يصلي عنهم، أو أن لله عبادا سقطت عنهم الصلاة، ~~كما يوجد كثير من ذلك في كثير من المنتسبين إلى الفقر والزهد، وأتباع بعض ~~المشايخ، ودعوى المعرفة، فهؤلاء يستتابون باتفاق الأئمة، فإن أقروا بالوجوب ~~وإلا قتلوا، وإذا أصروا على جحد الوجوب حتى قتلوا، كانوا مرتدين، ومن تاب ~~منهم وصلى لم يكن عليه إعادة ما ترك قبل ذلك في أظهر قولي العلماء، فإن ~~هؤلاء إما أن يكونوا مرتدين وإما [أن] يكونوا مسلمين جاهلين بالوجوب. PageV07P115 # فإن قيل: [إنهم مرتدون عن الإسلام، فالمرتد إذا أسلم لا يقضي ما تركه حال ~~الردة عند جمهور العلماء، كما لا يقضي الكافر إذا أسلم ما ترك حال الكفر ~~باتفاق العلماء، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه، ~~والأخرى يقضي المرتد، كقول الشافعي، والأول أظهر. # فإن الذين ارتدوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كالحارث بن قيس، ~~وطائفة معه أنزله الله فيهم: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} [آل ~~عمران: 86] الآية، والتي بعدها، وكعبد الله بن أبي سرح، والذين خرجوا مع ~~الكفار يوم بدر، وأنزل فيهم: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم ~~جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل: 110] فهؤلاء عادوا إلى ~~الإسلام. # وعبد الله بن أبي سرح عاد إلى الإسلام عام الفتح، وبايعه النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ولم يأمر أحدا منهم بإعادة ما ترك حال الكفر في الردة، كما لم ~~يكن يأمر سائر الكفار إذا أسلموا. وقد ارتد في حياته خلق كثير اتبعوا ~~الأسود PageV07P116 # العنسي الذي تنبأ بصنعاء اليمن، ثم قتله الله، وعاد أولئك إلى الإسلام، ~~ولم يؤمروا بالإعادة. وتنبأ مسيلمة الكذاب، واتبعه خلق كثير، قاتلهم الصديق ~~والصحابة بعد موته حتى أعادوا من بقي منهم إلى الإسلام، ولم يأمر أحدا منهم ~~بالقضاء، وكذلك سائر المرتدين بعد موته. # وكان أكثر البوادي قد ms1270 ارتدوا ثم عادوا إلى الإسلام، ولم يأمر أحدا منهم ~~بقضاء ما ترك من الصلاة. وقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ~~ما قد سلف} [الأنفال: 38] يتناول كل كافر. # وإن قيل: إن هؤلاء لم يكونوا مرتدين، بل جهالا بالوجوب، وقد تقدم أن ~~الأظهر في حق هؤلاء أنهم يستأنفون الصلاة على الوجه المأمور، ولا قضاء ~~عليهم. فهذا حكم من تركها غير معتقد لوجوبها. # وأما من اعتقد وجوبها مع إصراره على الترك: فقد ذكر عليه المفرعون من ~~الفقهاء فروعا: # أحدها: هذا يقتل عند جمهورهم -مالك والشافعي وأحمد- وإذا صبر حتى يقتل ~~فهل يقتل كافرا مرتدا، أو فاسقا كفساق المسلمين؟ على قولين مشهورين، حكيا ~~روايتين عن أحمد. # وهذه الفروع لم تنقل عن الصحابة، وهي فروع فاسدة، فإن كان مقرا بالصلاة ~~في الباطن، معتقدا لوجوبها، يمتنع أن يصر على تركها PageV07P117 # حتى يقتل وهو لا يصلي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم؛ ولهذا لم يقع هذا ~~قط في الإسلام، ولا يعرف أن أحدا يعتقد وجوبها، ويقال له: إن لم تصل وإلا ~~قتلناك، وهو يصر على تركها، مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام. # ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل، لم يكن في الباطن مقرا بوجوبها، ~~ولا ملتزما بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن ~~الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة» رواه مسلم. وقوله: «العهد الذي ~~بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر». # وقول عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب محمد لا يرون شيئا من الأعمال تركه ~~كفر إلا الصلاة». فمن كان مصرا على تركها حتى PageV07P118 # يموت لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلما مقرا بوجوبها، فإن ~~اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داع تام إلى فعلها، ~~والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرا ولم يفعل قط، علم أن ~~الداعي في حقه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث ms1271 على الفعل، لكن ~~هذا قد يعارضه أحيانا أمور توجب تأخيرها وترك بعض واجباتها، وتفويتها ~~أحيانا. # فأما من كان مصرا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك، ~~فهذا لا يكون مسلما؛ لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ~~ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي ~~في «السنن»: حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خمس صلوات ~~كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن كان له عهد عند ~~الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله، إن شاء ~~عذبه وإن شاء غفر له». # فالمحافظ عليها: الذي يصليها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى. والذي ~~يؤخرها أحيانا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة PageV07P119 # الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه، كما جاء في الحديث]. # الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # # # # PageV07P120 ### | CHECK (2) القرمانية: جواب فتيا في لبس النبي صلى الله عليه وسلم # القرمانية # جواب فتيا في لبس النبي صلى الله عليه وسلم PageV07P121 # بسم الله الرحمن الرحيم # رب أعن يا كريم # ما يقول أئمة الدين علماء المسلمين في رجلين تكلما في لبس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وفي آلته، وفي آلة حربه، مثل: الحياصة التي تحزم في الوسط، ~~والسيف، والتركاش -وهي الكنانة- والقوس، والنشاب، والجمال، والبغال، ~~والخيل، والغنم. # وملابسه من القماش مثل: الجوشن، والخف، والمهماز، وغيره من آلة الحرب، هل ~~كان يتخذ ذلك؟ وهل كان يجمع من ذلك شيئا كثيرا؟ وفي لباسه أصحابه أيضا، وما ~~يباح ويحرم من ذلك، من الذهب والفضة والحرير؟ # الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # الحمد لله رب العالمين. # كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخذ السيف، والرمح، والقوس، والكنانة التي ~~هي الجعبة للنشاب، وهي من جلود. # وكان يلبس على رأسه البيضة -التي هي الخوذة-، والمغفر. وعلى بدنه الدرع، ~~التي يقال لها: السردية والزردية. PageV07P123 # ويلبس ms1272 القميص، والجبة، والفروج، الذي هو نحو القباء، والفرجية، ولبس ~~القباء أيضا. # ولبس في السفر جبة ضيقة الكمين، ولبس الإزار والرداء، واشترى رجل سروايل، ~~وكانوا يلبسون السراويلات أيضا بإذنه. # وكان يلبس الخفين، ويمسح عليهما، ويلبس النعال التي تسمى: التواسم. # وكان يركب الخيل والإبل والحمير، وركب البغلة أيضا، وكان يركب الفرس تارة ~~عريا، وتارة مسرجا، ويطرده، وكان يردف خلفه، وتارة يردف خلفة وقدامه، ~~فيكونون ثلاثة على دابة. # وكان يتخذ الغنم أيضا. # وكان له الرقيق أيضا. # ولم يكن يجتمع في ملكه في الوقت الواحد من هذه الأمور شيء كثير، بل لما ~~مات لم يكن عنده من ذلك إلا شيء يسير. خلف درعه وكانت مرهونة عند يهودي على ~~ثلاثين وسقا من شعير ابتاعها لأهله. # وفي «صحيح البخاري» عن عمرو بن الحارث -ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أخي جويرية بنت الحارث- قال: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV07P124 # عند موته دينارا ولا درهما، ولا عبدا ولا أمة، ولا شيئا إلا بغلته ~~البيضاء، وسلاحه، وأرضا جعلها صدقة». # وفي «صحيح مسلم» عن عائشة قالت: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دينارا ولا درهما، ولا شاة، ولا بعيرا، ولا أوصى بشيء». # وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ودرعه رهن عند يهودي ~~بثلاثين -وروي: بعشرين- صاعا من شعير، أخذه لأهله. # رواه أهل السنن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. # وفي «الصحيحين» عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من ~~يهودي طعاما إلى أجل، ورهنه درعا له من حديد. # وكذلك في «البخاري» عن أنس بن مالك قال: قد رهن النبي صلى الله عليه وسلم ~~درعه بشعير. # فهذه الأحاديث تبين أنه حين الموت لم يكن عنده خيل، ولا إبل، ولا غنم، ~~ولا رقيق، وإنما ترك البغلة والسلاح، وبعض السلاح مرهون، ولكن ملك هذه ~~الأمور في أوقات متفرقة. PageV07P125 # والمعروف أنه كان يكون عنده الواحد من ذلك، فيكون له فرس واحد، وناقة واحدة. # ولم يملك من البغال إلا بغلة واحدة، أهداها له ms1273 بعض الملوك. ولم تكن ~~البغال مشهورة بأرض العرب. بل لما أهديت له البغلة، قيل له: ألا ننزي الخيل ~~على الحمر؟ فقال: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون». # وكذلك آلات السلاح، كالسيف والرمح والقوس، لم يذكر عنه أنه كان يقتني ~~لنفسه أكثر من واحد. # وأما الغنم؛ فقد روي أنه اقتنى مئة شاة، وقال: «إن لنا مئة شاة، لا نريد ~~أن تزيد، فلكما ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها أخرى». # وقد ذكر الله تعالى آلات الحرب في كتابه، فقال في «السيف»: {سألقي في ~~قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} ~~[الأنفال: 12]. وقال: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} [العنكبوت: ~~61]. وهذا الضرب للأعناق وبنان الأصابع هو بالسيف. PageV07P126 # وقال في القوس والنشاب: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} ~~[العنكبوت: 61]. وفي «صحيح مسلم» عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قرأ على المنبر: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} ثم ~~قال: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي». # وفي «صحيح مسلم» عنه أيضا أنه قال: «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من ~~أن تركبوا، ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا». وفي رواية: «فهي نعمة ~~جحدها». PageV07P127 # وكذلك الرماح، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء ~~من الصيد تناله أيديكم ورماحكم} [العنكبوت: 61]. قد فسرت بالرماح المتصلة ~~باليد، وفسرت بالنشاب أيضا. # وكذلك الدرع، قال تعالى في قصة داود: {وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم} [الأنبياء: 80]. # وقال: {ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له ~~الحديد (10) أن اعمل سابغات وقدر في السرد} [سبأ: 10 - 11]. فكان الحديد في ~~يده بمنزلة العجين. # والسابغات: هي الدروع الكاملة التي تكون لها أيدي وأفخاذ. # وقال تعالى: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا ~~وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم ~~لعلكم تسلمون} [النحل: 81]. # وقد جاء ذكر هذه الأمور في ms1274 الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مفرقا. # فأما السيف؛ ففي «الصحيحين» عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم PageV07P128 # أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس. ولقد فزع أهل المدينة فزعا، ~~فخرجوا نحو الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استبرأ الخبر، ~~وهو على فرس لأبي طلحة عري، وفي عنقه السيف، وهو يقول: «لم تراعوا، لم ~~تراعو». ثم قال: «إن وجدناه لبحرا». أو قال: «إنه لبحر». # وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفل سيفه «ذا الفقار» ~~يوم بدر. رواه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي. وقال: «حديث حسن». # وأما ما يذكره بعض الناس أن «ذا الفقار» كان سيفا منزلا من السماء، وأنه ~~كان لعلي، وكان يطول إذا قاتل به= فكل هذا كذب باتفاق أهل المعرفة بهذه ~~الأمور. # وكذلك ما يذكره بعض الناس من أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم سبعة ~~أسياف= لا أصل له. PageV07P129 # وأما الرمح؛ فقال البخاري في «صحيحه»: ويذكر عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري». # رواه الإمام أحمد في «مسنده» عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تبارك وتعالى وحده ~~لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ~~ومن تشبه بقوم فهو منهم». # روى أبو داود بعضه. # وقد روى الطبراني في «معجمه» حديثا جامعا في أسماء آلاته عن PageV07P130 # ابن عباس قال: «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيف قائمته فضة، ~~وقبيعته من فضة، وكان يسمى: ذا الفقار، وكان له قوس يسمى: السداد، وكانت له ~~كنانة تسمى: الجمع، وكانت له درع موشحة بالنحاس تسمى: ذات الفضول، وكانت له ~~حربة تسمى: النبعاء، وكان له مجن يسمى: الدقن، وكان له ترس أبيض يسمى: ~~الموجز، وكان له فرس أدهم يسمى: السكب، وكان له سرج يسمى: الراح، وكانت له ~~بغلة شهباء يقال ms1275 لها: دلدل، وكانت له ناقة تسمى: القصواء، وكان له حمار ~~يسمى: يعفور، وكان له بساط يسمى: الكرد، وكانت له عنزة تسمى: النمر، وكانت ~~له ركوة تسمى: الصادر، وكانت له مرآة تسمى: المرآة، وكان له مقراض يسمى: ~~الجامع، وكان له قضيب شوحط يسمى: الموت». PageV07P131 # وفي «صحيح البخاري» عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم بدر وهو في قبة: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد ~~بعد اليوم». # فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك، وهو في ~~الدرع، فخرج وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) بل الساعة موعدهم ~~والساعة أدهى وأمر} [القمر: 45 - 46]. # وروى أهل السنن: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر يوم أحد بين درعين». # وفي «الصحيحين» عن سهل بن سعد: أنه سئل عن جرح النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم أحد؟ فقال: جرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، ~~وهشمت البيضة على رأسه. فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل ~~الدم، وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن. فلما رأت فاطمة أن الماء لا ~~يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير، فأحرقته حتى صار PageV07P132 # رمادا، ألصقته بالجرح فاستمسك الدم». أخرجاه في «الصحيحين». # وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح وعلى ~~رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: ~~«اقتلوه». أخرجاه في «الصحيحين». # وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم القميص. رواه أهل السنن، وقال الترمذي: «حديث حسن». # وروى أهل السنن أيضا عن أسماء بنت يزيد قالت: كان يد كم قميص رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ. قال الترمذي: «حديث حسن». # وفي «الصحيحين» وغيرهما عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أنه قال: «قسم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبية، ولم يعط مخرمة شيئا. ms1276 قال PageV07P133 # مخرمة: يا بني انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت معه. ~~قال: ادخل فادعه لي. قال: فدعوته، فخرج إليه وعليه قباء منها. فقال: «خبأت ~~هذا لك». قال: فنظر إليه. قال: رضي مخرمة». # وذكر الإزار والرداء له في أحاديث كثيرة مشهورة. وكذلك ذكر القميص. # مثل ما في «الصحيحين» عن جابر بن عبد الله قال: «أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عبد الله بن أبي بعدما أدخل قبره، فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه، ~~ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه»، والله أعلم. # وفيهما عن عبد الله بن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه، ~~وصل عليه واستغفر له. فأعطاه قميصه، وقال: «إذا فرغت فآذنا» فلما فرغ آذنه ~~به، فجاء ليصلي عليه. فجذبه عمر فقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على ~~المنافقين؟ فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة ~~فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80]، فنزلت: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ~~ولا تقم على قبره} [التوبة: 84]، فترك الصلاة عليهم. PageV07P134 # وأما الجبة الضيقة الكمين؛ ففي «الصحيحين» عن المغيرة بن شعبة قال: كنت ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في سفر. فقال: «أمعك ماء؟» قلت: نعم. ~~فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عني في سواد الليل. ثم جاء، فأفرغت عليه ~~الإداوة، فغسل وجهه ويديه وعليه جبة من صوف، فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها ~~-وفي رواية: جبة شامية، فذهب يخرج يديه من كميه فكانا ضيقين- فأخرج يديه من ~~أسفل الجبة، فغسل ذراعيه ثم مسح برأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه. فقال: «دعهما ~~فإني أدخلتهما طاهرتين»، فمسح عليهما. # وأما الفروج؛ ففي «الصحيحين» عن عقبة بن عامر أنه قال: أهدي لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فروج حرير، فلبسه ثم صلى فيه، ثم انصرف، فنزعه نزعا ~~شديدا كالكاره له، ثم قال: «لا ينبغي هذا للمتقين». وإنما نزعه لكونه ms1277 حريرا. # قال البخاري: الفروج هو القباء، ويقال: هو الذي له شق من خلفه. # وأما السراويل وغيره؛ ففي «الصحيحين» عن ابن عمر قال: سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: «لا يلبس القميص، PageV07P135 # ولا العمائم، ولا البرانس، ولا السراويلات، ولا الخفاف». # وفي «سنن أبي داود»: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى رجل سروايل وهناك ~~وزان يزن بالأجر، فقال: «زن وأرجح، فإن خير الناس أحسنهم قضاء». وفي لفظ: ~~«أنه اشترى سراويل». # وقد قال العلماء: الأفضل أن يلبس مع القميص السراويل، ومع الرداء الذي ~~يكون على المنكبين يلبس الإزار؛ لأن السراويل تبدي حجم الأعضاء، والقميص ~~يستر ذلك، ولا يستره الرداء. # وكان أغلب ما يلبسه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما ينسج من القطن، ~~وربما لبسوا ما ينسج من الصوف وغيره. كما روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناد ~~صحيح عن جليس لأيوب قال: دخل الصلت بن راشد على PageV07P136 # محمد بن سيرين وعليه جبة صوف وإزار صوف وعمامة صوف، فاشمأز منه محمد بن ~~[سيرين] وقال: أظن أن أقواما يلبسون الصوف يقولون: قد لبسه عيسى بن مريم، ~~وقد حدثني من لا أتهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لبس الكتان ~~والقطن واليمنية، وسنة نبينا أحق أن تتبع. # ومقصود ابن سيرين بهذا: أن أقواما يرون أن لبس الصوف دائما أفضل من غيره، ~~فيتحرون ذلك تزهدا وتعبدا، كما أن أقواما يرون أن ترك أكل اللحم وغيره من ~~الطيبات دائما أفضل من غيره، فيتحرون ذلك، ويحرمون على أنفسهم طيبات ما أحل ~~الله لهم، حتى يروا التبتل أفضل من التأهل، ونحو ذلك. # وهذا خطأ وضلال، بل يجب أن يعلم أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي ~~محمد. كما ثبت في «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم ~~الجمعة بهذا فيقول: «إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر ~~الأمور محدثاتها، وكل بدعة [ضلالة]». # وفي مثل هؤلاء أنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ms1278 طيبات ما ~~أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (87) وكلوا مما رزقكم ~~الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} [المائدة: 87 - 88]. PageV07P137 # وفي «الصحيحين» عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا ~~كأنهم تقالوها. فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله ~~له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! # فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. # وقال الآخر: أنا أصوم الدهر أبدا. # وقال الآخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدا. # فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما ~~والله إني أخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج ~~النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». # رواه البخاري وهذا لفظه. # ومسلم أيضا ولفظه: عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ # فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا ~~أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه وقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، ~~لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». PageV07P138 # وفي «الصحيحين» عن سعد بن أبي وقاص قال: «رد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا». # والراغب عن سنته هو الذي يعدل عنها إلى غيرها تفضيلا لذلك الغير عليها، ~~ولهذا تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال: «من غشنا فليس منا، ومن ~~حمل علينا السلاح فليس منا». # وأما إذا لم يرغب عنها، بل فعل المفضول مع كونه مفضلا لهدي النبي صلى ~~الله عليه وسلم باعتقاده ومحبته، فهذا لا يأثم إلا أن يترك واجبا أو يفعل محرما. # وقد ثبت عنه في «الصحيح» أنه قال: «أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف ~~الليل، ms1279 ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يوما ~~ويفطر يوما». # وكذلك ثبت عنه في «الصحيح» أنه نهى عبد الله بن عمرو عن سرد الصيام، ~~والمداومة على قيام الليل كله، وأخبره أن أفضل الصوم وأعدله صيام يوم وفطر ~~يوم. PageV07P139 # فيجب أن يعلم أن هذا أفضل مما فعله كثير من السلف والخلف بصلاة الصبح ~~بوضوء العشاء الآخرة كذا كذا سنة، ومن صيام الدهر حتى لا يفطروا إلا الأيام ~~الخمسة، ومن التبتل ونحو ذلك. وإن كان كثير من فقهائنا وعبادنا يرون هذا ~~أفضل من غيره، فهذا غلط منهم. # والصواب أن أفضل الطريق طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سنها ~~وأمر بها ورغب فيها، وأمر بها، والتي داوم عليها. # وكان هديه في اللباس: أن يلبس ما تيسر من اللباس، من قطن، أو صوف، أو ~~غيرهما. # فالذي رغب عما أباحه الله من لباس القطن والكتان وغيرهما تزهدا وتعبدا، ~~هم نظير الذين يمتنعون أيضا عن لباس الصوف ونحوه، ولا يلبسون إلا أعلى ~~الثياب ترفها وتكبرا، كلاهما مذموم. PageV07P140 # ولهذا قال بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب: العالي والمنخفض. # وقد روى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر يرفعه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوبا مثله». # وفي رواية: «ثوب مذلة ثم تلتهب فيه النار». # وهذا لأنه قصد به الاختيال والفخر، فعاقبه الله بنقيض ذلك فأذله. كما ~~يعاقب الذي يطيل ثوبه خيلاء بأن خسف به الأرض ونحو ذلك، كما فعل بقارون. # وفي «الصحيحين» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يجر إزاره ~~خيلاء خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة». # وفي «الصحيحين» عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: PageV07P141 # «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة». # وقد روى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «الإسبال في القميص والإزار والعمامة، ms1280 من جر منها شيئا خيلاء لم ~~ينظر الله إليه يوم القيامة». # وروى أبو داود عن ابن عمر قال: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الإزار فهو في القميص». # وكذلك لبس الدنيء من الثياب مكروه، ولبسه تواضعا محمود، كما أن لبس ~~الرفيع تكبرا مذموم، ولبسه إظهارا لنعمة الله وتجملا محمود. ففي «صحيح ~~مسلم» عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان ~~في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان». فقال رجل: يارسول الله! إني أحب أن يكون ~~ثوبي حسنا، ونعلي حسنا، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: «لا، إن الله جميل يحب ~~الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس». PageV07P142 # وقد ذكرنا الحديث الصحيح الذي في البخاري وغيره: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لبس في السفر جبة من صوف. # وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال أبي: يا بني! لو رأيتنا ونحن ~~مع نبينا وقد أصابتنا السماء، حسبت أن ريحنا ريح الضأن. رواه أبو داود وابن ~~ماجة والترمذي وقال: «صحيح». # وكذلك الشعر، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعليه مرط مرحل من شعر أسود. رواه مسلم وغيره. # وفي «الصحيحين» عن أبي بردة قال: دخلت على عائشة فأخرجت إلينا إزارا ~~غليظا مما يصنع باليمن، وكساء من التي يسمونها الملبدة. فأقسمت بالله أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض في هذين الثوبين. # لكن كان المنسوج من القطن ونحوه أحب إليه من الصوف، كما PageV07P143 # أخرجاه في «الصحيحين» عن قتادة قال: قلنا لأنس: أي اللباس كان أحب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أعجب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~قال: الحبرة. # والحبرة: برود اليمن، فإن غالب لباسهم كان من نسج اليمن؛ لأنها قريبة منهم. # وربما لبسوا ما جلب من الشام ومصر، كالقباطي المنسوجة من الكتان التي ~~ينسجها القبط، وقد روي ms1281 ذلك في «السنن». # وكذلك كانت سيرته في الطعام: لا يرد موجودا، ولا يتكلف مفقودا، فما قرب ~~إليه شيء من الطيبات إلا أكله، إلا أن تعافه نفسه. وما عاب طعاما قط، إن ~~اشتهاه أكله وإلا تركه، كما ترك الضب؛ لأنه لم يكن قد اعتاد أكله ولم يحرمه ~~على الناس، بل أكل على مائدته وقال: «ليس بحرام، ولكن لم يكن بأرض قومي ~~فأجدني أعافه». # وكان يحب الحلواء والعسل، ويأكل القثاء بالرطب، ويأكل لحم الدجاج وغيره. PageV07P144 # وكان أحيانا يربط على بطنه الحجر من الجوع، ويرى الهلال فالهلال فالهلال ~~لا يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. # وكان أيضا يلبس العمامة على القلنسوة، وكذلك أصحابه، وكانوا مع ذلك ~~يركبون الخيل ويطردونها، ويقاتلون في سبيل الله، ولهذا كانوا يديرون ~~العمائم تحت أذقانهم، ويسمى ذلك: التلحي. # وفي «غريب أبي عبيد»: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتلحي ونهى عن ~~الاقتعاط. # وفسر أبو عبيد «الاقتعاط» عن أبي نعيم: ولا يدير عمامته تحت ذقنه. # وقد روي عن غير واحد من الصحابة والتابعين كراهة هذه العمة، وكان أهل ~~الشام لمحاربتهم للعدو ومقاتلتهم إياه محافظين على هذه السنة، كما ذكر ذلك ~~الإمام أحمد وغيره. # والتلحي ليس هو التلثم على الفم والأنف، فإن ذلك مكروه في الصلاة، ولكن ~~التلحي: أن يشد العمامة ويربطها على الحنك بحيث تثبت العمامة على الرأس، ~~وهي نظير الكلاليب والخيوط التي تتخذها الأجناد في زمننا لشد عمائمهم على ~~رؤوسهم. PageV07P145 # وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مسح على ~~عمامته، ورخص في المسح على العمامة، حتى قال عمر بن الخطاب: من لم يطهره ~~المسح على العمامة فلا طهره الله. # فظن طائفة من العلماء أن ذلك كان مع مسح الناصية، ولكن قد جاءت الأحاديث ~~الصحيحة بمسح العمامة بلا ناصية. # وقال طائفة منهم الإمام أحمد: إن ذلك في العمائم التي على السنة، وهي ~~العمائم التي تدار تحت الذقن؛ لأنها السنة، ولأنه يشق خلعها. وفي ذات ~~الذؤابة بلا تلحي خلاف. وقال طائفة منهم ms1282 إسحاق بن راهويه: إن ذلك في ~~العمائم مطلقا. # وإرخاء الذؤابة بين الكتفين معروف في السنة، كما روى مسلم في «صحيحه» ~~وأهل السنن الأربعة عن عمرو بن حريث قال: رأيت PageV07P146 # النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها ~~بين كتفيه. # ورووا -أيضا- عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عام ~~الفتح مكة وعليه عمامة سوداء. ولم يذكر في هذا الحديث ذؤابة، وذلك أنه يوم ~~الفتح كان قد دخل وعليه أهبة القتال، والمغفر على رأسه، فلبس في كل موطن ما ~~يناسبه. # وأما شد الوسط؛ فقد كان من الصحابة من يشد وسطه بطرف عمامته، ومنهم من ~~كان يقاتل بلا شد وسط. # وقد جاء ذكر المنطقة في آثار، والمنطقة: هي الحياصة، ولكن لم يبلغنا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يشد وسطه بمنطقة. # وأما المهاميز؛ فما كانوا يحتاجون إليها، فإن الخيل العربية مع الراكب ~~الخبير بالركوب لا يحتاج إلى مهماز، ولهذا لم ينقل في الحديث أنهم كانوا ~~يركبون بمهاميز، وإنما اتخذها من اتخذها للحاجة إليها. # وكذلك -أيضا- لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتخذون الأكمام ~~الطوال ولا الواسعة سعة كبيرة، بل قد تقدم أن كم قميص النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان PageV07P147 # إلى الرسغ، وهذه الزيادة سرف. وأيضا فالمقاتل لا يتمكن من القتال بذلك. # وبعض الناس يقول: إنما اتخذها بعض المنتمين إلى العلم لأجل حمل الكتب ~~فيها، وما يروى عن بعض الأئمة أن أحد كميه كان واسعا، والآخر ضيقا فهو كذب. # وكذلك إطالة الذؤابة كثيرا، فهو من الإسبال المنهي عنه. # واعتياد لبس الطيالسة على العمائم لا أصل له في السنة، ولم يكن من فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة. بل قد ثبت في «صحيح مسلم» عن النواس بن ~~سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الدجال أنه يخرج معه سبعون ألف ~~مطيلس من يهود أصبهان. # وكذلك جاء في غير هذا الحديث أن الطيالسة من شعار اليهود، PageV07P148 # ولهذا كره من كره ms1283 لبسها، لما رواه أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم». # وفي الترمذي أنه قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا». # وأما التقنع الذي جاء ذكره في حديث الهجرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~جاء إلى أبي بكر متقنعا بالهاجرة؛ فذاك فعله النبي صلى الله عليه وسلم تلك ~~الساعة ليختفي بذلك، ففعله [إذن] للحاجة، ولم تكن عادته التقنع. # وليس التقنع هو التطيلس، بل التقنع لغير حاجة ينهى عنه الرجال؛ لأنه تشبه ~~بالنساء، وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه: أنه ~~لعن الرجال المتشبهين بالنساء، ولعن النساء المتشبهات بالرجال. # فصل # وأما الحلية بالذهب والفضة ولبس الحرير، ففي «الصحيحين» عن حذيفة بن ~~اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ~~ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». PageV07P149 # وفي «الصحيحين» عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». # وفي «الصحيحين» عن البراء بن عازب قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت ~~العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء ~~السلام. ونهانا عن خواتيم أو تختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، ~~وعن القسي، وعن لبس الحرير والاستبرق والديباج». # وفي «الصحيحين» عن عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «لا تلبسوا الحرير، فإنه من يلبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». # وعن حذيفة بن اليمان قال: «نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشرب في ~~آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس ~~عليه». رواه البخاري. PageV07P150 # وعن علي -عليه السلام- قال: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جلوس ~~على المياثر، والمياثر شيء كانت تجعله النساء لبعولتهن على الرحل ms1284 كالقطائف ~~الأرجوان». رواه مسلم. # وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله في ~~يمينه، وأخذ ذهبا فجعله في شماله ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي». ~~رواه أبو داود والنسائي وغيرهما. # وعن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحل الذهب والحرير ~~لإناث أمتي وحرم على ذكورها». رواه النسائي والترمذي وقال: PageV07P151 # حديث حسن صحيح. # وقد ثبت في «الصحيح» عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن ~~الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع. # فلهذا رخص العلماء في مقدار أربع أصابع مضمومة، كالسجاف ولبنة الجيب ~~والأزرار والخيوط ونحوهما. # وثبت -أيضا- في «الصحيح» أنه أرخص للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف ~~لبس الحرير من حكة كانت بهما. فلهذا رخصوا في أصح القولين لبسه للحاجة ~~كالتداوي به ونحو ذلك، وثبت عن جماعة من الصحابة. # وروي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرخصة في لبس الخز، وهو صوف ~~ينسج بالحرير. فلهذا قال العلماء: إذا نسج مع الحرير غيره، وكان ذلك الغير ~~أظهر وأكثر جاز، وإن كان الحرير أقل وأظهر ففيه نزاع بين العلماء. # وتنازع العلماء في لبس الحرير حين القتال، ومن رخص به احتج بأن عمر بن ~~الخطاب أذن في ذلك. قالوا: ولأنه في حال الحرب يحب الله الاختيال. كما في ~~«سنن أبي داود» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن من PageV07P152 # الخيلاء ما يحبها الله، ومن الخيلاء ما يبغضها الله، فأما الخيلاء التي ~~يحبها الله، فاختيال الرجل نفسه في الحرب والصدقة. وأما الخيلاء التي ~~يبغضها الله، فالخيلاء في الفخر والبغي». # واختال أبو دجانة يوم أحد بين الصفين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا المقام». # وأما الحلية؛ فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اتخذ خاتما من ~~فضة. وعن عرفجة بن أسعد أنه قطع أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفا من ورق فأنتن ~~عليه، فأمره رسول الله صلى ms1285 الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب. # وعن أنس بن مالك قال: كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة. ~~رواهما أبو داود والنسائي والترمذي، وقال عن كل منهما: PageV07P153 # «حديث حسن». # وفي «السنن» -أيضا- عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى عن الذهب إلا ~~مقطعا». # وعن أنس بن مالك: أن قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان ~~الشعب سلسلة من فضة. رواه البخاري هكذا. # ثم رواه عن عاصم قال: رأيت قدح النبي صلى الله عليه وسلم عند أنس بن ~~مالك، وكان قد انصدع فسلسله بفضة، فقيل: إن الذي سلسله أنس بن مالك. # فلهذه الآثار قال العلماء: يباح من الذهب ما تدعو إليه الضرورة، كاتخاذ ~~أنف منه، ويباح خاتم الفضة، وتباح حلية السيف بفضة. # وأما حلية المنطقة بفضة والخوذة والجوشن والخودة والران ونحو ذلك من لباس ~~الحرب، ففيه قولان للعلماء بخلاف لباس الخيل PageV07P154 # كالسرج واللجام. # وكذلك تنازعوا في حلية الذهب، فقيل: لا يباح منه شيء، وقيل: يباح يسير ~~الذهب مطلقا، وقيل: يباح في السلاح، وقيل: في السيف خاصة. وهذه الأقوال ~~الأربعة في مذهب أحمد وغيره. # وفي الترمذي حديث غريب عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان في سيفه ذهب وفضة. # وكذلك عثمان بن حنيف أحد أجلاء الصحابة كان في سيفه مسمار من ذهب. # ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الذهب إلا مقطعا يدل على جواز ذلك، ~~فلذلك جوزه كثير من العلماء كأحمد في الأرجح عنه وغيره. والله سبحانه أعلم. # # # # PageV07P155 ### | CHECK (3) قاعدة في الفناء والبقاء # قاعدة في الفناء والبقاء PageV07P157 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. # ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم. # أما بعد، فإنا قد كتبنا في مواضع قبل هذه في تحقيق التوحيد الذي أرسل ~~الله به رسله، وأنزل به ms1286 كتبه، والتمييز بينه وبين ما سماه كثير من الناس ~~توحيدا، كما تسمي الجهمية الفلاسفة، والمعتزلة، ومن وافقهم نفي الصفات: ~~توحيدا، ويجعلون من أثبتها ليس بموحد. # ويجعل غالية هؤلاء القائلين بأن الوجود واحد -كابن عربي وابن سبعين- ~~التوحيد عبارة عن هذا الاتحاد الذي هو جامع للإلحاد، ويسمون نفوسهم أهل ~~التحقيق والتوحيد. # وذكرنا [توحيد الربو] بية الذي أقر به المشركون الذين يقرون بأن الله ~~[خالق كل شيء وربه ومليكه ...] لذة بلا تمييز، وهذا قلبه يلتذ بما PageV07P159 # فيه من الذكر والشهود، ولكن ليس له تمييز بين نفسه وغيره، بل قد لا يبقى ~~له تمييز بين نفسه ومعبوده، فإذا لم يبق له تمييز بين هذا وهذا فقد يظن أنه ~~هو هو، كما يحكون أن رجلا كان يحب آخر، فألقى المحبوب نفسه في اليم، فألقى ~~المحب نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت، فما الذي أوقعك؟ قال: غبت بك عني، فظننت ~~أنك أني. # وهذا إذا عاد إليه عقله يعلم أنه كان غالطا في ذلك، وأن الحقائق متميزة ~~في ذاتها، فالرب رب، والعبد عبد، والخالق بائن عن المخلوقات، ليس في ~~مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. # ولكن في حال السكر والفناء والاصطلام لم يكن له شعور بسوى الحق عن تمييز ~~ذلك السوى أنه عبد أو مخلوق. # وفي مثل هذا ما يحكى عن أبي يزيد أنه كان يقول: «سبحاني»، أو: «ما في ~~الجبة إلا الله». وأمثال ذلك من الكلمات التي هي في نفسها كفر، ولو قالها ~~وعقله معه كان كافرا، ولكن مع سقوط التمييز يبقى PageV07P160 # كالمجنون الذي رفع القلم عنه، [والنائم]، والسكران الذي لا ذنب له في السكر. # ومن الناس من يظن أن الحلاج كان في هذا المقام، وأن ما كان يتكلم به من ~~الاتحاد كان في هذا الحال، حتى يحكي الكذابون: أنه لما قتل كتب دمه على ~~الأرض: (الله الله)؛ لقوة المحبة والفناء في المحبوب. # ويحكون أن زليخا فصدت، فكتب دمها على الأرض: (يوسف، يوسف). # وكل هذا باطل محض، ما كتب دم محب قط على ms1287 الأرض اسم محبوبه، ولا غير ~~محبوبه. # والحلاج كان يصنف الكتب في السحر وغيره، ويتكلم بما يتكلم وهو حاضر ~~العقل، ليس هو من باب أبي يزيد وأمثاله. PageV07P161 # وهذا الحال يحمد منه ما كان من النوع الأول وهو حب الله دون ما سواه، ~~والفناء عن محبة غيره ورجاؤه، وخوفه والتعلق به، حتى يبقى دين العبد باطنا ~~وظاهرا لله عز وجل من الأقوال: وقد يكون سببه نقص العلم؛ فإن كان الأول كان ~~صاحبه أكمل وأصح إيمانا وأعلى منزلة، ولم يكن عليه ذم، فإن القلب إذا انصرف ~~إلى شيء انصرف عما سواه، بحسب قوة انجذابه إلى هذا وإعراضه عن هذا. # وأما الثاني: فمثل من يشهد توحيد الربوبية، فيرى الله خالق كل شيء ~~ومليكه، ليس في الوجود إلا ما يشاء كونه. فيشهد ما اشترك فيه المخلوقات، من ~~خلق الله إياها، ومشيئته لها، وقدرته عليها، وشمول القيومية والربوبية ~~عليها. ولا يشهد ما افترقت فيه، من محبة الله لهذا وبغضه لهذا، وأمره بهذا ~~ونهيه عن هذا، وموالاته لهذا ومعاداته لهذا، وهو توحيد الإلهية الذي بعث ~~الله به الرسل، وأنزل به الكتب، فلا يشهد التفرقة في الجمع، ولا الكثرة في ~~الوحدة. # وهذا الفناء قد يكون مع الصحو وحضور العقل، وقد يكون مع السكر، فإن كان ~~مع الفناء والسكر كان ناقصا من وجهين، لكن قد يكون أعذر ممن قام فيه مع الصحو. # وقد يظن مع ذلك أنه في حال الجمع والفناء في التوحيد، الذي PageV07P162 # هو أعلى المقامات، ويظن أن من كان هذا المشهد مقامه يسقط عنه الأمر ~~والنهي. ويقول أحدهم: إنما يسقط عنه الأمر لأنه شهد الإرادة. ولا يعلم أن ~~مجرد توحيد الربوبية قد أقر به المشركون، كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} [العنكبوت: 61]. # وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل ~~أفلا تذكرون (85) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون ~~لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا ms1288 يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون} [المؤمنون: 84 - 89]. # وقال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106]. # قال ابن عباس: «إذا سألتهم من خلق السموات والأرض، فيقولون: الله، وهم ~~يعبدون غيره». # فمن كان هذا التوحيد هو غاية توحيده انسلخ من دين الله وجميع رسله، ولم ~~يتميز عنده أولياء الله من أعادائه، ولا أنبياؤه المرسلون من PageV07P163 # المشركين به المكذبين، ولا أهل الجنة من أهل النار، ولا المعروف من ~~المنكر، وسوى بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين في الأرض، وبين ~~المتقين والفجار. # ورأس الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، فتعبد الله لا تعبد معه غيره، ~~وتحب ما أحبه الله ورسوله، وتبغض ما أبغضه الله ورسوله. وتفرق فيما شاءه ~~وقضاه، بين ما يسخطه الله ويكرهه، وبين ما يحبه ويرضاه. # قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} [الزمر: 7]. وقال: {والله لا يحب ~~الفساد} [البقرة: 205]. وقال: {إذ يبيتون ما لا يرضى من القول} [النساء: 108]. # ثم هؤلاء الذين يقولون: إنهم في توحيد الربوبية ظانين أنهم في الجمع، ~~وأنهم وصلوا إلى عين الحقيقة، لا بد لهم من شهود التفرقة والتمييز حسا، ~~فضلا عن العقل والشرع. # فإن أحدهم لا بد ما يميز بين ما يؤلمه ويلذه، وينفعه ويضره، [وبين ما] ~~يكرهه ويضر به، وبين الخبز والماء، والتراب والحجر، ونحو ذلك. # ولا بد أن يميل إلى ما يجلب له المنفعة، ويفر عما يدفع إليه المضرة، ~~فيكون جسدي التفرقة، يحب هذا ويبغض هذا، ويأمر بهذا وينهى عن PageV07P164 # هذا. فإن لم تكن التفرقة بين الخير والشر بالتفريق الشرعي النبوي المحمدي ~~القرآني، وإلا فلا بد من قانون آخر يفرق، إما سياسة بعض الملوك، أو ذوق بعض ~~الشيوخ، أو رأي بعض الفقهاء، أو أغراض ذوي الأغراض، بحسب تنوعها واختلافها، ~~ولزوم مجرد ظنه وهواه. # فلهذا تجد هؤلاء أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور ~~العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن. وهم يفرقون بين ما يفعل وبين ما لا يفعل، وما ~~يؤمر به وما لا يؤمر به، ms1289 وما ينبغي فعله، وما ينبغي تركه= بهذه الوجوه ~~وأمثالها. # وربما أضافوا ذلك إلى الله من جهة الحقيقة الكونية، وشمول الربوبية. ~~ومعلوم أن جميع الأشياء مضافة إلى الله من هذه الجهة، فلا فرق بين ما ~~يأمرون به وينهون عنه حينئذ. # وهذه حال المشركين الذين أخبر الله عنهم في كتابه، أنهم يأمرون وينهون ~~بغير كتاب نزل من الله، وأنهم يحتجون في ذلك بقدر الله، فقال تعالى: {وإذا ~~فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 28]. PageV07P165 # وقال: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي ~~للذين آمنوا ...} الآية [الأعراف: 32]. # وقال تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء} الآية [الأنعام: 148]. # وأصحاب هذا النوع لا يكونون مع النوع الأول، بل يضادونهم من وجوه كثيرة، ~~ويفوتهم ما خص الله به أولئك من تحقيق التوحيد، وكمال التحقيق، وبابه: ~~المعرفة والإيمان، فإن أولئك صاروا مخلصين لله الدين، فيعبدونه ولا يعبدون غيره. # وهؤلاء لا فرق عندهم بين ما يوجد من عبادته ومن عبادة غيره، ولا بين ~~الإيمان به والكفر به، ولا بين ما يحبه ويأمر به، وبين ما يبغضه وينهى عنه. # فلا بد لهم من الفرق ضرورة وحسا، فإذا لم يكن تفريقهم هو الفرق التوحيدي ~~الإيماني صار فرقا آخر، فيسألون غير الله، PageV07P166 # ويتوكلون على غير الله، بل يعبدون غير الله، ويقعون في المحرمات من ~~الفواحش والمظالم، ويعرضون عن الواجبات، حتى عن الفرائض؛ لأن قلوبهم ليست ~~مخلصة لله الدين، فليسوا من أهل التوحيد الأول. وأولئك هم الذين قال الله ~~تعالى فيهم: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 42]. وقال: {إنه ليس له ~~سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 99]. وقال الشيطان: ~~{فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82 - 83]. ~~وقال: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [العنكبوت: 61]. # وهؤلاء يرون حالهم مرتفعة عن حال الذين يشهدون جمعهم وتوحيدهم، وهم ms1290 ~~العامة الذين تفرقت قلوبهم في المخلوقات، وهم أهل الفرق الأول، ومع هذا فهم ~~في الحقيقة راجعون إلى فرق أولئك؛ إذ لا بد لهم من الفرق، فإن لم يكونوا في ~~الفرق الإلهي النبوي الشرعي كانوا في فرق آخر، وهذا حال العامة، بل العامة ~~خير منهم من وجه، وذلك أنهم يؤمنون بالجمع والفرق، بأن الله رب كل شيء ~~ومليكه، وبأنه يأمر بالحسنات، وينهى عن القبائح. # وإذا تفرقة العامة بحسب أهوائها، لم تجعل ذلك دينا، بل تعرف أنه ذنب ~~وقبح، ولا يقولون: إنه يسقط عنهم الأمر والنهي. PageV07P167 # وهؤلاء قد يرون سقوط الأمر والنهي عنهم، فتكون العامة خيرا منهم، لكن ~~يميزون عن العامة بأن الجمع لهم حالا وشهودا، بخلاف العامة، فإن لهم إيمانا ~~وإقرارا، وهذا لا يقع لوجهين: # أحدهما: أنهم كاذبون في دوام شهودهم الجمع والعمل به؛ إذ لا بد من الفرق ~~حسا وعقلا، وذوقا وشرعا. # الثاني: أن صحة الإيمان مع الغفلة والسهو خير من ذكر وشهود يصحبه فساد ~~الإيمان. # وقد يقول أحدهم: إن المحبة والتوكل ونحو ذلك من مقامات العامة السائرين ~~في منازل الشرع إلى عين الحقيقة، وهذه الحقيقة التي انتهوا إليها هي ~~الربوبية العامة المطلقة التي أقر بها المشركون. # لكن كثير من هؤلاء لا يقولون بالجمع إلا مع تمييز بعض الواجبات من بعض، ~~فيميز بين ما يأمر به هو وينهى عنه من نفسه، لكن لا يميز في شهوده ذلك. # وربما تأولوا قوله تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر: 99]. ~~وظنوا أن المقصود من العبادة أن يحصل له يقين بالربوبية العامة ونحو ذلك، ~~فلا يحتاج حينئذ إلى العبادة. # وهذا ضلال باتفاق أهل العلم والإيمان، فإن اليقين هو الموت وما بعده، كما ~~قال الحسن البصري: «لم يجعل الله لأجل المؤمن غاية دون PageV07P168 # الموت». # كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا ~~اليقين} [المدثر: 47 - 48]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما عثمان بن ~~مظعون فقد أتاه اليقين من ربه». واتفق المسلمون على أن الأمر والنهي لازم ~~لكل عبد حتى يموت. ms1291 # ومن أكابر هؤلاء من يكون فيه نوع من التجهم والجبر، كالسالكين طريق ابن ~~التومرت وأمثاله ممن ينفي الصفات أو بعضها [كالجهمية] وأمثالهم من الأشعرية ~~ممن لا يقول: إن فوق العالم ربا مباينا، ويكون مبالغا في إثبات القدر حتى ~~يجعل المحبة والرجاء بمعنى الإرادة، ويجعل الكفر والفسوق والعصيان محبوبا ~~مرضيا كالإيمان والطاعة؛ إذ الجميع عنده مراد الله. # فهؤلاء إذا انتهوا إلى ما يظنونه الفناء في حقائق التوحيد كان مضمونه ~~سقوط الأمر والنهي، لا يفرقون بين الحسنات والسيئات، ويشهدون ربا مطلقا، ~~ويقرون مجملا أنه ليس هو المخلوقات، لكن PageV07P169 # ليس في أصل عقدهم وعلمهم وإيمانهم إقرار بمباينته للمخلوقات وامتيازه ~~عنها، فيقعون في نوع من الإشراك والجمع بين الخالق والمخلوق، وبين المأمرو ~~به والمنهي عنه. # ومن هنا ضل من ضل من الاتحادية -كابن عربي وأمثاله- كأن يقول أحدهم: نشهد ~~أولا الطاعة والمعصية، ثم يشهدون طاعة بلا معصية، ثم لا طاعة ولا معصية. # فإنهم لما كانوا مع المسلمين مقرين بالأمر والنهي الشرعيين، كانوا يشهدون ~~الطاعة والمعصية، فلما دخلوا في جمع القدر من غير شهود لتفريق الشرع، شهدوا ~~طاعة بلا معصية، كما قال بعض شيوخهم: «أنا كافر برب يعصى». # وقال آخر: # أصبحت منفعلا لما تختاره ... مني، ففعلي كله طاعات PageV07P170 # وقال آخر لبعض الظلمة الذين يتناول من أموالهم -لما قيل: إنه مكاس- فقال: ~~إن كان عصى الأمر فقد أطاع الإرادة. # وأمثال ذلك. # ثم إذا صاروا عينا لم يفرقوا بين الرب والعبد، ولم يشهدوا لا طاعة ولا ~~معصية، بل كما قال بعضهم: # ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من حمد ولا ذم # وإنما العادة قد خصصت ... والطبع والشارع بالحكم # وهذا هو النوع الثالث من أنواع الفناء، وهو الفناء عن وجود السوى، بحيث ~~يجعل وجود المخلوقات عين وجود الحق، فلا يكون ثم غير يكون له وجود أصلا. ~~فيتكلم هؤلاء فيما يسمونه مفتاح غيب الجمع والوجود. # ومضمون أمرهم: أن الوجود كله واحد، وهو واجب الوجود بنفسه، ولا يفرقون ~~بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع، ولا بين كون وجود المخلوقات بالله وبين ~~كونها ms1292 هي لله، كمن لا يفرق بين الشمس وبين شعاعها، ولا يميزون بين ~~العالمين، وبين رب العالمين. PageV07P171 # ويجعلون الأمر والنهي للمحجوبين عن شهودهم، وهم في هذا من أعبد الناس ~~للمخلوق، وأخوفهم من المخلوق، وأرجاهم للمخلوق، وأعظم الناس إلحادا في ~~أسماء الله وآياته. # وتفصيل هذا الجمع يطول، وإنما هذا تنبيه على جوامع يحتاج إليها الناس في ~~هذه المسالك. # وقد رأيت في ذلك ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وتشهد النفوس ما بين هذا ~~وهذا من المشترك الجامع، ولا يشهدون ما بينهما من المميز الفارق، وهذا هو ~~القياس الفاسد، وأول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. # وذو البصر يشهد الجمع المشترك والمميز والجامع مع الفارق والكثرة في ~~الوحدة، ويعطي كل ذي حق حقه، كما شهد به القرآن والإيمان والبرهان. # قال الشيخ الإمام أبو العباس أحمد ابن تيمية -رضي الله عنه-: # وما يسمى بالفناء والاصطلام والمحق والطمس والسكر، ونحو PageV07P172 # ذلك من العبارات التي تشعر إما بعدم العلم ونوعه، وإما بعدم القصد ونوعه، ~~وإما بعدم الوجود ونوعه، وما يتعلق بذلك، فإن للناس في هذه الأمور أربعة أقوال: # أحدها: قول من يجعل ذلك غاية السالكين، ونهاية الواصلين إلى الله، ~~ويقولون: الإرادة، والزهد، والتوكل، والصبر، والخوف، والرجاء، والسكر، ~~والمحبة= منازل أهل الشرع السائرين إلى عين الحقيقة، فإذا شهدوا عين ~~الحقيقة اضمحلت فيها أحوال السائرين، حتى يفنى ما لم يكن، ويبقى ما لم يزل. # والغاية عندهم: هو الجمع والوجود والفناء فيه. # القول الثاني: قول من يجعل هذا من لوازم سبيل الله الذي سلكه القاصدون ~~له. ويقولون: لا بد لكل واصل إلى الله متقرب إليه مخصوص بولاية الله ~~الخاصة، من أن ينزل هذه المنازل، ويقوم بهذه المقامات، لكن ليست هي الغاية، ~~بل الغاية بعدها في حال الصحو والبقاء والشهود، ونحو ذلك من العبارات. # القول الثالث: قول من يجعل هذه الأمور مذمومة معصية، ويجعلها من عيوب ~~القاصدين وذنوبهم، إما لكونها بدعة في الدين، وإما لكون PageV07P173 # أصحابها مفرطين بترك مأمور أو فعل محذور. # القول الرابع: قول من يجعلها ms1293 من عوارض الطريق التي قد تعرض لبعض ~~السالكين، فليست من لوازم كل سالك، ولا كل من عرضت له يكون مبتدعا مذموما، ~~أو عاصيا ملوما، بل قد تعرض لبعض السالكين دون بعض، لقوة ما يرد على قلبه، ~~وضعفه عن التمييز في حال ورودها. # وقد يكون صاحبها ملوما، وقد لازمه في حق ... لا يمكنه الوصول بها، وقد ~~يكون منتهى بعض ضعفاء السالكين. # والقول في هذا كالقول في الذي يعرض عند سماع القرآن من الصعق والصياح ~~والاضطراب، فإن هذا لم يكن في الصحابة، بل كانوا عند السماع يبكون، وتوجل ~~قلوبهم، وتقشعر جلودهم. وهذه الأمور هي التي أثنى الله على أهلها في ~~القرآن. # فلما كان في زمن التابعين، كان في أهل البصرة ونحوهم من يصعق عند سماع ~~القرآن ويموت. فمن السلف من أنكر ذلك، إما لكون صاحبه متصنعا، أو لكونه ~~مبتدعا. # ويروى هذا عن عبد الله بن الزبير، وأسماء بنت أبي بكر، ومحمد ابن سيرين. PageV07P174 # وأما جمهور العلماء فسوغوا ذلك إذا كان صاحبه مغلوبا، حتى قال الإمام ~~أحمد: «قرئ على يحيى بن سعيد، فغشي عليه. فلو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه ~~لدفعه يحيى بن سعيد، لكمال عقله». وهذا هو الصحيح؛ فإن زرارة بن أوفى قرأ ~~في صلاة الفجر: {فإذا نقر في الناقور} [المدثر: 8] فخر ميتا. وكان قاضي ~~البصرة، ومن خيار المسلمين. # وقرأ صالح المري على أبي جهير الضرير، فمات. # ومات طائفة بوعظ عبد الواحد بن زياد. # ومات علي بن الفضيل بسماع القرآن. # ومن قتله القرآن كثير، والموت لا حيلة فيه. PageV07P175 # فالتحقيق: أن السبب الذي فعلوه إذا لم يكن منهيا عنه، لم يكن على صاحبه ~~إثم فيما يتولد عنه من موت، أو سكر، أو غشي، أو نحو ذلك. # وأما إذا كان السبب محظورا، لم يكن صاحبه معذورا، كما في زوال العقل ~~بالسكر، ونحوه. # فمن شرب محرما يزيل عقله، كان مذموما على زوال عقله. # ومن أوجر الخمر، أو أسقي ما ظنه مباحا، فتبين محظورا، ونحو ذلك، لم يكن ~~مذموما على زوال العقل. # فكما يعرض ms1294 مغيب العقل عند السماع لما يرد على القلب، فكذلك يعرض مغيبه ~~عند مشاهدة أمور، وعند ورود أمور عليه من غير سماع ظاهر؛ إذ السماع يورث ~~معارف وأحوالا، وكذلك تحصل هذه في غير السماع. # وإذا كان زوال العقل غير مقدور وصاحبه في الشرع معذور، لم يجز أن يجعل ~~آثما بذلك، ولا معاقبا عليه، بل ولا منهيا عنه، ولا مذموما عليه. # بخلاف من يكون قد حصل له ذلك بسبب محظور، كمن يسمع السماع المنهي عنه، ~~سماع المكاء والتصدية، فيورثه هذه الأحوال التي يزول فيها عقله. فهذا مذموم ~~على ذلك. # لكن إن كان متأولا معتقدا جواز ذلك، لاجتهاد أو تقليد، أو غير PageV07P176 # عالم بما في ذلك من النهي الشرعي، كان له حكم أمثاله من أهل التأويل وعدم العلم. # وإذا كان مخطئا معفوا له عن خطئه، عفي له عما يترتب على خطئه، لكن قد ~~يضمن ما تلف بخطئه من حقوق العباد في أنفسهم وأموالهم، كما أوجب الله الدية ~~في القتل خطأ. # وأما إذا كان الإتلاف بتأويل من جهتين، فله حكم قتال الفئة من أهل ~~التأويل، كالجمل وصفين. والصحيح: أنه هدر من الجانبين. # وهذا حكم ما يعتري أهل الأحوال في حال سكر السماع، من عدوان بعضهم على ~~بعض، كما هو مذكور في غير هذا الموضع. # وجماع ذلك: أن الأمر والنهي مشروطان بالتمكين من العلم والعمل، فإذا كان ~~العبد عاجزا عن أحدهما، لم يكلف الكف عما هو عاجز عنه. # وإذا عجز عن حفظ عقله، أو عن حمل ما يرد عليه، أو عن العلم بحاله -عجزا ~~يعذر فيه شرعا- لم يكن معاتبا بما يترتب على زوال العقل، بحسب المزيل ~~للعقل، هل هو معفو عنه، أو محظور. وقد يظن صاحبه أنه مأمور به أو مباح ~~لاجتهاد أو تقليد، ولكن في نفس الأمر لا يأمر الله عز وجل بما يزيل العقل، ~~ولا يبيح ذلك. PageV07P177 # ولهذا تنازع الفقهاء في المؤدب المأذون له في أدب غير مقدر، إذا تلف ~~بأدبه، كالزوج إذا ضرب امرأته، والرائض إذا ضرب دابته، فقيل: يضمن ذلك كقول ms1295 ~~الشافعي؛ لأنه يتبين بالإتلاف أنه زاد على المأذون. # وقيل: لا يضمن كقول مالك وأحمد؛ لأن القدر المأذون فيه ليس محدودا، بل هو ~~موكل في اجتهاده، فإذا فعل ما اجتهد فيه لم يكن عليه درك، كالمقتص. # فقد تبين ضعف قول من يذم هذه الأمور مطلقا، ويسوغها مطلقا، ويعلم أن ~~الاعتبار في ذلك بأسبابها المأمور بها والمنهي عنها. # ثم نقول في سائغها: ليس هذا لازما من لوازم الطريق، كفعل المأمور، وترك ~~المحظور، فضلا عن [أن] تكون هي الغاية التي تناقض هذه الأمور وتضادها ~~مأمورا به أمر إيجاب ولا أمر استحباب. فلا يكون من لوازم طريق الله، فإن ~~اللازم لهم إما أن يكون واجبا أو مستحبا. والأحوال التي تكون من لوازم ~~أعمالهم تكون نتيجة واجب أو مستحب، فما ليس بواجب ولا مستحب ولا نتيجة واجب ~~ولا مستحب لا يلزمهم أن يفعلوه، ولا يلزمهم وجوده، فلا يكون من لوازم طريق ~~الله وسبيله، ومنهاج القاصدين إليه، ومنازل السائرين إليه. # وإن عرض لبعضهم وكان له منزلا ومقاما لخصوص حاله؛ لم يقتض أن يكون لكل ~~سائر؛ بل ولا هو لازما لكل أحد أن يفعله. PageV07P178 # ولا يجب على أحد في الشريعة أن يفعل ما يغيب به عقله، أو ينقص به قوته، ~~ولكن قد يفعل أمورا يلزم [منها] ضعف عقله ونقص قوة قلبه، فتكون هذه لوازم ~~وجود تلك الأمور؛ لا أنه يلزمه تحصيل ذلك. # فوجوب تحصيل ذلك لا يثبت في حق أحد، وأما وجوب وجوده فقد يعرض لبعض ~~السالكين دون بعض، ولا يعرض إلا مقرونا بصعق وعجز، والصعق العاجز هو معذور ~~على ما تركه، ليس مأمورا بما تركه. # واعتبر هذا بالأحوال العارضة للناس في سائر ما يحبونه ويطلبونه، منهم من ~~يعرض له في حب الصور والرياسة أو المال ما يذهل لبه ويزيل عقله. # وكذلك قد يعرض له في المخاوف ما يذهل لبه ويزيل عقله، بحيث يبقى مستغرقا ~~في مشهوده وموجوده. # كما يذكرون أن رجلا كان يحب آخر، فألقى المحبوب نفسه في اليم، فألقى ~~المحب نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت، ms1296 فما الذي أوقعك معي؟ فقال: غبت بك عني، ~~فظننت أنك أني. وقد ذكرت قبل. # والحكايات في مثل هذا كثيرة. لكن لا يقول عاقل: إن مثل هذا كمال ممدوح ~~مأمور به، لا في حق الممدوح ولا في المذموم. PageV07P179 # وأعظم الخلق محبة لله إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، هذا خليل ~~الله، وهذا خليل الله، ولم يعرض لأحدهما شيء من ذلك. # والمحبون الذين ينالون مقاصدهم مع حفظ عقولهم وبقاء تمييزهم أكمل عند ~~العقلاء من الذين يغلب عليهم الحال حتى يصطلمهم، ويسكرهم، ويفنيهم. # وما أشبه مدح هؤلاء لعدم التمييز والعقل بمدح طائفة يمدحون من لم يفهم ~~معاني القرآن، ولم يتدبره، بل قد أقر بظاهر لفظه، وجهل ما يزيد إفهامهم ~~إياه من معناه، وقد يجعلون ذلك طريق السلف. # وهذا أيضا غلط، فعدم صفات الكمال الممدوحة في القرآن لا يكون مدحا ولا ~~ذما مأمورا به، بل غاية صاحبه أن يكون معذورا. # ولهذا قال عمر بن الخطاب: «لست بخب، ولا يخدعني الخب». # فسلامة القلب المحمودة هي سلامته عن إرادة الشر وقصده، لا عن علمه ~~ومعرفته، بل من عرف الشر وأبغضه وذمه ونهى عنه، فهو أكمل ممن لم يعرفه، ولا ~~أبغضه، ولا نهى عنه، ولا ذمه. PageV07P180 # ومن أعظم كمال الرسول وأمته: أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كما ~~قال في صفته: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم ~~عليهم الخبائث} [الأعراف: 157]. # وقال في صفة أمته: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر} [آل عمران: 110]. # والأمر بالمعروف متضمن لمعرفته ومحبته، والنهي عن المنكر متضمن للعلم به وبغضه. # وأمة محمد هم الشهداء، كما قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143]. وقال: {ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} [العنكبوت: 78]. # والشهادة تتضمن العلم بالمشهود به، وإلا فليس لأحد أن يشهد بما لا يعلم. # وقد أخبر عن العارفين من أمة عيسى عليه السلام أنهم: {وإذا سمعوا ما أنزل ~~إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا ms1297 من الحق يقولون ربنا آمنا ~~فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 83]. PageV07P181 # قال ابن عباس: «مع محمد وأمته». # وهذا كما قال الحواريون: {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع ~~الشاهدين} [آل عمران: 110]. # فهؤلاء المؤمنون هم طلبوا ما طلبه قبلهم المؤمنون، بخلاف من كان منهم ~~متبعا للدين المبدل المنسوخ، فإن أولئك فيهم رأفة ورحمة ورهبانية، فلهم ~~عبادة وأخلاق، وليس لهم شهادة، فلهذا كانوا في الضلال، فإن الضلال: عدم ~~العلم، وهو نعتهم، كما قال عنهم: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير ~~الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء ~~السبيل} [المائدة: 77]. # فإن الضلال يورثه اتباع الهوى؛ لأنه إذا لم يكن معه علم بما يفعله وما ~~يقصده، ومعه حب وإرادة تدعو إلى العمل، كان المحرك له حبه وهواه، سواء كان ~~صادف الحق الذي يرضاه الله، أو كان بخلاف ذلك. # وهذا الموضع غلط فيه من سالكي الطريق من لا يحصي عددهم إلا الله، فإن أول ~~الطريق هو إرادة وحب وطلب، وذلك يثمر من أنواع العبادات والأخلاق والأعمال ~~والأحوال والمقامات ما لا يعلمه إلا الله. PageV07P182 # وقد لا يصحب هذا السالك معرفة المحبوب المعبود المراد، ولا يصحبه معرفة ~~ما يحبه ويرضاه من طاعة رسوله، فيجهل إما المعبود المقصود، وإما العبادة ~~المأمور بها، أو كلاهما. # وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «المؤمن القوي خير وأحب ~~إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير». # فالخير عند الله هو الأفضل. # ومن هنا يظهر الوجه الثاني: وهو أن العلم والعقل والشهود، ونحو ذلك، صفات ~~كمال، كما أن القدرة والقوة صفات كمال. # قال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9]. ~~وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ~~ولا الظل ولا الحرور} [فاطر: 19 - 21]. وقال تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم ~~وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} [ص: 45]. # وقد مدح الله جبريل بأنه شديد القوى، وقال: {ذي قوة عند ذي العرش مكين} ~~[التكوير: 20]. وذم سبحانه من ذمه بقوله: {ما كانوا ms1298 يستطيعون السمع وما ~~كانوا يبصرون} [هود: 20]. # وقوله: {وكانوا لا يستطيعون سمعا} [الكهف: 101]. PageV07P183 # وقال تعالى: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} ~~[الفرقان: 73]. # وقال: {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} [الإسراء: 72]. # وقال تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم ~~السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} [النحل: 78]. # وقال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل} [الأعراف: 179]. # وقال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} ~~[العنكبوت: 43]. # وقال: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} ~~[ص: 29]. # وقال: {هل في ذلك قسم لذي حجر} [الفجر: 5]. # وقال: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} [يوسف: 2]. # وقال: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الرعد: 3]. PageV07P184 # ومثل هذا كثير في كتاب الله. # فالسمع والبصر والعقل والعلم، وما كان من جنس ذلك ولوازمه، هو من الصفات ~~المحمودة، والتذكر والتدبر ونحو ذلك، وكذلك القوة. قال تعالى: {وأعدوا لهم ~~ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} [الأنفال: 61]. # وفي حديث الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك ~~من فضلك». # وقد أمر الله بالصبر المتضمن لمعنى القوة والثبات، وقرنه بالصلاة في غير ~~موضع، كقوله: {واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45]. بل ذكره في كتابه ~~في أكثر من تسعين موضعا. # والله تعالى موصوف بصفات الكمال؛ من العلم، والسمع، والبصر والكلام، ~~والقدرة، ونحو ذلك. # والمتصف بهذه أحب إليه ممن لا يتصف بها، إنما مدح وأحب المتصفين بها، كما ~~تقدم التنبيه عليه. # وإذا كان كذلك، لم يكن الغيبة عنها مما ينتهي إليه القاصدون، وذلك ~~لوجهين: PageV07P185 # أحدهما: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم أفضل القرون، وفاضلهم هو ~~أفضل الأمة، كما ثبت في الصحاح أنه قال: «خير القرون الذي بعثت فيهم، ثم ~~الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». # ولا ينازع في هذا الأصل إلا أهل البدع المضلة. # فمن ظن أن من بعد الصحابة من ms1299 يكون أكمل في علم، أو دين، أو خلق، من أكمل ~~الصحابة في ذلك، فقد غلط وضل، بل هو فوق من بعدهم في كل الفضائل الدينية. # وإن كان قد يكون لمن بعدهم من الخصائص والفضائل ما ليس لبعضهم، فلا يكون ~~من بعدهم أفضل من فاضلهم بلا ريب. # وإذا كان كذلك، فمن المعلوم أن الأحوال الدينية المتضمنة لغيب العقل، ~~وعزوف العلم، لم يكن في الأحوال الدينية التي كانت للصحابة، فلم يكن فيهم ~~من مات عن وجد أو سماع. # ولا كان فيهم من صعق وغشي عليه. # ولا كان فيهم من فني عن معرفة الأشياء وشهودها. # ولا كان فيهم من اصطلم بحيث لا يشهد بقلبه شيئا من الكائنات أو ~~المخلوقات. PageV07P186 # بل كان حدوث هذه الأمور في الأمة بحسب ما حدث من النقص، فكان التابعون ~~أنقص من الصحابة، فظهر فيهم من الصعق والموت ما ظهر. # كما أن بني إسرائيل أنقص من هذه الأمة، فلهذا لم يذكر عنهم من ذلك أمور. # ونبينا صلى الله عليه وسلم أكمل من موسى، وقد عرج به صلى الله عليه وسلم ~~إلى الملكوت الأعلى، وأراه الله من آياته الكبرى ما أراه، وأصبح كبائت. ~~وموسى صلى الله عليه وسلم لما صار الجبل دكا خر صعقا. # وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم لما رأى جبرائيل أول مرة أصابه ما ~~أصابه، ولما رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى لم يصبه ما أصابه أول مرة. # وأما ما كان يعتريه عند نزول الوحي، فلم يكن في ذلك تغيب عقله، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، ولهذا لم يكن يتوضأ من ~~النوم، ولم يكن يغتسل ويتوضأ بعد نزول الوحي. # ولما غشي عليه في مرضه اغتسل مرة بعد مرة، فكان يغتسل في إغمائه الذي ~~أصابه بالمرض، ولا يغتسل من هذه الأمور؛ إذ لم يكن فيها إغماء ولا مغيب ~~عقل. بل هو عند تلقي الوحي أكمل ما يكون عقلا، وإن كان ضعيفا منهوك البدن. # وإذا كان في منامه لا ينام قلبه مع أن ms1300 غيبه الظاهر هو فيه كغيره في ~~المنام، فكيف ينام قلبه عند نزول الوحي عليه، وبه يتلقى الوحي النازل عليه. PageV07P187 # والكلام ليس فيه حسه لحسن الظاهر؛ فإن هذا مع شهود القلب لا يضر، وإنما ~~الكلام في مغيب القلب بحيث [يذهب] بعض عقله وتمييزه، أو ضعف قوته وقدرته، ~~فإن العلم والقدرة صفة كمال. # والنوع الثاني: الفناء عن شهود السوى، فهذا هو الذي يقارنه الاصطلام، ~~والسكر، والطمس، والمحق، فيغيب بموجوده عن وجوده، وبمعبوده عن عبادته، ~~وبمعروفه عن عرفانه، وبمشهوده عن شهادته، حتى لا يشعر بالسوى. # فهذا هو الذي تنازع فيه الناس، هل هو غاية السالكين، أو مقام لازم لهم، ~~أو حال يعاين صاحبه، أو أمر عارض لهم؟ # ومن جعل هذا غاية فقد ضل ضلالا مبينا، وإن كان قد وقع في ذلك طوائف من ~~الشيوخ. ولهذا شاركهم في ذلك طوائف من المتفلسفة، كابن سينا البخاري، وابن ~~الطفيل القرطبي صاحب رسالة حي بن يقظان، وأمثالهم ممن يتكلم في التصوف على ~~طريقة الفلاسفة. # وقد علم أن تصوف الفلاسفة من أبعد الأمور عن دين الإسلام، وخير منه تصوف ~~أهل الكلام المحدث، مع ما فيه من البدع. PageV07P188 # وخير الصوفية صوفية أهل الحديث. # وكل من كان منهم بالسنة أعلم وبها أعمل، كان أفضل من غيره، كالفضيل بن ~~عياض، وسهل بن عبد الله التستري، والجنيد بن محمد، وعمرو بن عثمان المكي. ~~وأبو عثمان النيسابوري وأمثالهم فوق ذي النون المصري، وصاحبه يوسف بن ~~الحسين الرازي، وأبي بكر الشبلي، وأمثالهم. # وكذلك أبو طالب المكي وأمثاله، كلامه في المقامات خير من كلام أبي حامد ~~في «الإحياء»، وإن كان عامة كلامه مأخوذا [منه]. بل كلام أبي طالب خير من ~~كلام أبي القاسم القشيري صاحب «الرسالة». # وأصحاب هذا النوع من الفناء، تارة يشهدون توحيد الربوبية، فلا يفرقون بين ~~المأمور والمحظور، ومنهم من يجعل هذا غاية، ويجعل السلوك إليها. # ومنهم من يقول: من شهد الإرادة سقط عنه التكليف. وهذا PageV07P189 # [كفر] بالدين، بخلاف من أفناه شهود الإلهية حتى غاب بمعبوده عن عبادته، ~~وبمشهوده عن شهادته، فإن هذا ms1301 لم يفسد إيمانه واعتقاده، وإنما ضعف عن حمل ما ~~شهده. فهذا إذا أفاق عاد إلى الأمر والنهي، كما يذكر عن أبي يزيد. # ففرق بين فناء يفسد الاعتقاد، وفناء يغيب الاعتقاد ولا يزيله ولا يفسده. # وقدماء الصوفية الأصحاء إذا تكلموا في هذا الفناء، إنما يريدون ما يغيب ~~العبد عن شهود السوى، لا يريدون له أنك تسوي بين المأمور والمحظور. # لكن إذا لم يكن عند العبد فرق بين الحقيقة الكونية القدرية، والحقيقة ~~الدينية الشرعية، لم يميز بين هذا وهذا. # فسووا بين الإرادة الدينية والكونية، فقالوا: ما ثم إلا طاعة بلا معصية، ~~فإن الكائنات كلها جارية على وفق المشيئة العامة. ثم أخذوا عن الجهيمة نفي ~~الصفات، وأن الصانع ليس مباينا للعالم خارجا عنه. فقالوا: الوجود واحد، وما ~~ثم لا طاعة ولا معصية. # ولهذا صار هؤلاء يصنف أحدهم في مفتاح غيب الجمع والوجود، PageV07P190 # ومن انتهى إليه صاحب «منازل السائرين». وشيخ الإسلام أبو إسماعيل من أعظم ~~الخلق إثباتا للصفات ومباينة الرب للمخلوقات، وأبعد الخلق عن الحلول ~~والاتحاد، لكن جاء مثل القونوي والتلمساني ونحوهما، أخذوا ما وجدوه يناسبهم ~~من كلامه في الفناء، والجمع، والوجود، وانتقلوا منه إلى ما يقولونه من وحدة ~~الوجود. كما أخذوا من كلام أبي حامد الغزالي من «مشكاة الأنوار»، و ~~«المظنون به على غير أهله»، ونحو ذلك مما فيه مشابهة لكلام الفلاسفة في نفي ~~الصفات، مباينا بهم في هذا النفي. وانتقلوا منه إلى الحلول والاتحاد. وأبو ~~حامد يكفر من يقول بالحلول والاتحاد، ويصرح بأنه ليس في مخلوقاته شيء من ~~ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. # ولم يكن في كلامه في الأمر والنهي والأعمال مما يتعلق به [في] الفناء، ~~كما لم يكن لهم في كلام شيخ الإسلام في الصفات ما يتعلقون به في النفي. ~~ولكن من في قلبه مرض يأخذ من كل كلام ما يناسب مرضه. # ولهذا كان كلام الشيخ عبد القادر في الأمر والنهي ومعاني الفناء والبقاء ~~خيرا من كلام شيخ الإسلام، كما أن شيخ الإسلام أعلم PageV07P191 # بالحديث والصفات من الشيخ عبد ms1302 القادر. # ولقد كتبنا فيما مضى قبل هذا أن الفناء يراد به في كلامهم ثلاثة أنواع: # أحدها: الفناء عن إرادة ما سوى الحق، أو التوكل عليه، أو رجائه، أو خوفه، ~~أو حبه. ويدخل في ذلك الفناء عن إرادة ما تهوى الأنفس، وعن تعلق الرجاء ~~بأعمالها، والثقة بها، حيث يكون عمله لله وبالله، فهو يعبده ويتوكل عليه، ~~لا للخلق ولا بهم. # وهذا الفناء يجامع البقاء، فإنه فناء عن إرادة ما سواه بحبه، وعن رجاء ما ~~سواه برجائه، وعن التوكل على ما سواه بالتوكل عليه، وعن الثقة بما سواه ~~بالثقة به. # وبالجملة فتحقيق قول: «لا إله إلا الله» فناء عن تأله ما سواه بتألهه. ~~فهذا أو نحوه هو الذي يذكره الشيخ عبد القادر في الفناء. # وهذه طريقة الأنبياء ومن اتبعهم، وهو حقيقة دين إبراهيم، وهو تحقيق ~~التوحيد وإخلاص [الدين] أو بعض ما يجب منها. وهذه جملة يطول تفصيلها. ولهذا ~~قال عمر بن عبد العزيز: «من عبد الله بغير PageV07P192 # علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه». # ومن أسباب وقوعهم في ذلك: أنهم قد لا يجدون من يعلم أعمال القلوب ~~وأحوالها على الوجه المشروع الذي جاء به الرسول، وكان عليه أصحابه، بل إن ~~وجدوا من يتكلم في العلم وجدوا من [يتكلم] في علم الأعمال الظاهرة، وقد ~~يكون في كثير من كلامه من الظن واتباع الهوى ما ينقص حال من يتابعه، أو ~~يضره فيما يطلبه من صلاح قلبه. # فإن كثيرا ممن يتكلم في فقه الأعمال الظاهرة، لم يكن له خبرة ولا رعاية ~~لأعمال القلوب. كما أن كثيرا ممن يتكلم في أعمال القلوب، لم تكن له خبرة ~~ولا رعاية للأعمال الظاهرة. [و] كثير مما يقع من هؤلاء وهؤلاء -كأنهم أهل ~~ملتين- نظير ما يقع من اليهود والنصاري. وشواهد هذا وتفصيله يطول، وهي ~~مبسوطة في غير هذا الموضع. # والحاكم على الطريق كلها الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، فعلى كل من انتسب ~~إلى الدين بقول أو عمل أن يكون متبعا للصحابة، مقتديا بهم. # قال عبد الله بن مسعود: «إن الله نظر ms1303 في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير ~~قلوب العباد، فابتعثه برسالته، واختصه بوحيه. ثم نظر في قلوب العباد بعد ~~قلب محمد فوجد قلب أصحابه خير قلوب العباد، فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند ~~الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحا فهو PageV07P193 # عند الله قبيح». # وقال أيضا: «من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا يؤمن عليه ~~الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا». # وقال حذيفة: «يا معشر القراء، استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله ~~لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ~~ضلالا بعيدا». # وقال جندب بن عبد الله: «يا أخابث خلق الله! في خلافنا تبغون PageV07P194 # الهدى». # وقد قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} [التوبة: 100]. # والله سبحانه أمرنا أن نقول في كتابه: {اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 6 - 7]. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ~~ضالون». # وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه، فكانو في الغي. والنصارى عملوا ~~بغير علم، فكانوا في الضلال. # ولهذا كان السلف يحذرون من العالم الفاجر، والعابد الجاهل، ويقولون: في ~~الأول شبه من اليهود، وفي الثاني شبه من النصارى. # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم ~~حذو PageV07P195 # القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: اليهود والنصارى؟ ~~قال: «فمن»؟! # ولهذا يؤخذ ما يعرض لهؤلاء بإزاء ما يعرض لهؤلاء. # فأهل النظر والعلم والكلام المحدث قد يقعون في نفي ما أثبته الرسول من ~~الأمور التي وصفها، كما يقع أهل الإرادة والعبادة والتصوف المحدث في الفناء ~~عما أمر به الرسول من الأعمال التي شرعها. # ثم أولئك منهم من يجعل النفي لما أثبته الرسول من الصفات والكلام وغير ~~ذلك، هو غاية المعرفة والتحقيق والتوحيد، كما فعلت الجهمية المحضة. # ومنهم من يجعل كثيرا مما أحدث من الكلام لازما لسالك الطريق، ms1304 حتى يعرف ~~مطلوبه بالدليل النظري، وبعدة أمور أخرى. # وبعضهم يجعل من وقع في شيء من ذلك ملحدا خارجا عن الدين. # والتحقيق: أن هذا أمر يعرض لبعض الناس، فقد يحتاج بعض الناس لشبهة عرضت ~~له إلى ما يلزيلها عنه، وقد يحتاج في بعض الأمور إلى دليل معين، وقد يقع ~~كثير منهم في بعض البدع المحدثة. PageV07P196 # فهذه عوارض تعرض للسالكين، واللازم للناس طاعة الرسول بما أخبر، وطاعته ~~فيما أمر، وأخذ ذلك من الطرق التي شرعها وبينها، كما كان عليه الصحابة. فلا ~~أحد أعلم بالدين ولا أتبع له منهم، وليس من القرون أعلم بالله من قرنهم، ~~وبما يستحقه من الأسماء والصفات له نفيا وإثباتا. # ثم إنه قد يعرض لبعض من اتبع الكلام المحدث والتصوف المحدث= أن صار إلى ~~طريق أهل الإلحاد، وقال بالحلول والوحدة والاتحاد. # فإنهم أخذوا نفي الجهمية في الصفات والفناء الذي أخذته بعض الصوفية من ~~العبادات، فكانوا فيه حائرين، وإلى اتباع شهوات أنفسهم صائرين. PageV07P197 ### | CHECK (4) الرسالة في أحكام الولاية # الرسالة في أحكام الولاية PageV07P199 # بسم الله الرحمن الرحيم # ولا حول ولا قوة إلا بالله # سأل بعض ولاة الأمور -وفقه الله تعالى لمعالى الأمور، وجنبه بفضل رحمته ~~مواقع الشرور، وجمع بينه وبين أوليائه في دار الحبور- شيخ الإسلام ومفتي ~~الأنام، ومن عمت بركته أهل العراقين والشام: تقي الدين أبا العباس أحمد بن ~~الشيخ العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، أعاد الله ~~من بركته على الطالبين، وأعلى درجته في عليين= أن يبين له سبيل حكم الولاية ~~على قواعد بناء الشرع المطهر، بسبب تهمة وقعت في سرقة، ليكتب شيئا في ذلك. # فكتب له الجواب مختصرا، وبالله التوفيق. # الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. # ولاية أمور الإسلام من أعظم واجبات الدين، وأفضل أعمال الصالحين، وأعلى ~~القربات إلى رب العالمين، إذا اجتهد ولي أمرهم في PageV07P201 # اتباع الكتاب والسنة، وتحري العدل والإنصاف، وتجنب طرق ms1305 الجهل والظلم، ولا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ~~ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمسجد ~~إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا ~~عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه بالدموع، ورجل دعته امرأة ذات منصب ~~وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا ~~تعلم شماله ما تنفق يمينه». أخرجاه في «الصحيحين». # فانظر كيف قدم النبي صلى الله عليه وسلم الإمام العادل. # وفي الحديث: «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين أو سبعين سنة». PageV07P202 # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المقسطون عند ~~الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن -وكلتا يديه يمين- الذين ~~يعدلون في حكمهم وما ولوا عليه». # وولاية الشرطة والحرب من الولايات الدينية والمناصب الشرعية، المبنية على ~~الكتاب والسنة، والعدل والإنصاف، ولها قوانين صنف العلماء فيها مصنفات كما ~~صنفوا في ولاية القضاء. # فإن والي الحرب يقيم الحدود الشرعية على الزاني والسارق والشارب ونحوهم. ~~ويقيم التعزيرات الشرعية على من تعدى حدود الله. ويحكم بين الناس في ~~المخاصمات والمضاربات، ويعاقب في التهم المعلقة بالنفس والأموال، وينصب ~~العرفاء الذين يرفعون إليه أمر الأسواق، والحراس الذين يرفعون أمور ~~المساكن، وغير ذلك من مصالح المسلمين. # وكل هذه الأمور من الأمور الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة. قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «حد يقام في الأرض خير من أن تمطروا أربعين صباحا». PageV07P203 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ~~ضاد الله في أمره، ومن قال في مسلم ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج ~~مما قال، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع». رواه ~~أبو داود. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون -رضي الله عنهم- يقيمون ms1306 ~~العقوبات الشرعية، ويعرفون العرفاء، وينقبون النقباء، ويحكمون بين الناس في ~~الحدود والحقوق، وقد جعل الله لكل شيء قدرا. # فإذا ادعى الرجل على آخر أنه باعه أو أقرضه، أو نحو ذلك من العقود؛ لم ~~يكن في ذلك عقوبة، بل إن أقام المدعي بينة وإلا حلف المدعى عليه. وإذا حلف ~~برئ في الظاهر وكان المدعي هو المفرط حيث لم يشهد عليه. # وقد جرت العادة: أن ما فيه شهادات وتعديل وإثبات وأيمان فمرجعه إلى ~~القضاء. PageV07P204 # وأما التهم، وهو إذا ما قتل قتيل لا يعرف قاتله، أو سرق مال لا يعرف ~~سارقه؛ فالحكم في هذا على وجه آخر. فإنه لو حلف المتهم وسيب، ضاعت الدماء ~~والأموال، وكذلك لو كلف المدعي بالبينة، فإن القاتل لا يفعل ذلك غالبا قدام أحد. # ولو كان كل من اتهمه صاحب الدم والمال يضرب، لكان يضرب الصالحون، وأهل ~~البر والتقوى، والعلماء والمشايخ، والقضاة، والأمراء، وكل أحد بمجرد دعوى ~~المتهم. وهذا ظلم وعدوان، فإن الظلم لا يزال بالظلم. # بل الاعتدال في ذلك: أن يحبس المتهم الذي لم تعلم براءته، فقد روى بهز بن ~~حكيم عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة. # وهذا حديث ثابت، وقد عمل به الأئمة وأتباعهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك ~~والشافعي وأحمد وغيرهم -رضي الله عنهم-. PageV07P205 # ثم ينظر في المتهم، فإن عرف قبل ذلك بسرقة، أو قامت أمارات تقتضي أنه قد ~~سرق= فقد رخص كثير من العلماء في ضربه حتى يعترف بالسرقة. # وقد روى البخاري في «صحيحه» أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم إلى الزبير ~~بن العوام رجلا ليعاقبه على مال اتهم بكتمانه، حتى اعترف بمكانه. # وإن شهد الناس لذلك المتهم أنه من أهل الثقة والأمانة، لم يجز أن تباح ~~عقوبته بلا سبب يبيح ذلك. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادرأوا ~~الحدود بالشبهات، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة». PageV07P206 # وأكثر ما يفعل بمن يكون هكذا أن يضمن عليه، ويحلف الأيمان الشرعية ms1307 على ~~نفي ما ادعي به عليه. # وقد روى أبو داود في «سننه» أن قوما جاؤوا إلى النعمان بن بشير فقالوا: ~~إن هذا سرق لنا مالا فاضربه حتى يعترف به، فقال: إن شئتم ضربته، فإن ظهر ~~مالكم عنده وإلا أخذت من ظهوركم مثل ما أخذت من ظهره. فقالوا: هذا قضاؤك؟ ~~قال: هذا قضاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. # وإذا عرف أن الرجل عنده مال يجب عليه أداؤه، إما دين يقدر على وفائه وقد ~~امتنع من الوفاء، وإما وديعة أو عارية، وإما مال سرقه، أو اغتصبه، أو خانه ~~من مال السلطان الذي يجب عليه دفعه، أو من مال اليتيم، أو من مال موكله أو ~~شريكه، أو نحو ذلك= فإذا عرف أنه قادر على أداء المال، وهو ممتنع، فإنه ~~يضرب مرة بعد مرة حتى يؤديه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لي الواجد يحل ~~عرضه وعقوبته». PageV07P207 # اللي: المطل، والواجد: القادر. # وقال ......... # ... {[للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من ~~الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك] هم الصادقون} [الحشر: 8] وهؤلاء ~~المهاجرون. # ثم قال تعالى: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر ~~إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] وهؤلاء الأنصار. # ثم قال تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف ~~رحيم} [الحشر: 10]. PageV07P208 # وهذا الصنف الثالث إلى يوم القيامة، وصفهم بالاستغفار للسلف وسؤال الله ~~ألا يجعل في قلوبهم غلا لهم، وهؤلاء يلعنون السلف ولا يستغفرون لهم، ولا ~~يطلبون من الله منع الغل، بل يسعون في قوة الغل والبغض والعداوة لخيار أهل ~~الإيمان. # ثم إن هؤلاء يخونون ولاة أمور المسلمين في الجهاد وحفظ البلاد، وهم ~~أعداؤهم عداوة دينية؛ إذ كانوا يعادون خيار الأمة، وخيار ولاة أمورها ~~الخلفاء الراشدين، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. # والذي ابتدع الرفض كان منافقا زنديقا أظهر ms1308 موالاة أهل البيت؛ ليتوسل بذلك ~~إلى إفساد دين الإسلام، كما فعل بولص مع النصارى. ولهذا كانت الرافضة ملجأ ~~لعامة الزنادقة القرامطة، والإسماعيلية، والنصيرية، ونحوهم. # فلا يصلح لولاة الأمور أن يولوهم على المسلمين، ولا استخدامهم في عسكر ~~المسلمين، بل إذا استبدل بهم من هو من أهل السنة والجماعة= كان أصلح ~~للمسلمين في دينهم ودنياهم. # [و] إذا أظهروا التوبة والبراءة من الرفض، لم يوثق بمجرد ذلك، بل يحتاط ~~في أمرهم، فيفرق جموعهم، ويسكنون في مواضع متفرقة PageV07P209 # بين أهل السنة، بحيث لو أظهروا ما في أنفسهم عرفوا، ولا يتمكنون من ~~التعاون على الإثم والعدوان. فإنهم إذا كان لهم قوة وعدد في مكان، كانوا ~~عدوا للمسلمين مجتمعين، يعادونهم أعظم من عداوة التتر بكثير. # ولهذا يخبر أهل الشرق القادمون من تلك البلاد: أن الرافضة أضر على ~~المسلمين من التتر، وقد أفسدوا ملك التتر وميلوه إليهم، وهم يختارون دولته ~~وظهوره، فكيف يجوز أن يكون في عسكر المسلمين من هو أشد عداوة وضررا على ~~المسلمين من التتر؟! # والتتري إذا عرف الإسلام ودعي إليه أحبه واستجاب إليه، إذ ليس له دين ~~يقاتل عليه ينافي الإسلام، وإنما يقاتل على الملك. # وأما الرافضة فإن من دينهم السعي في إفساد جماعة المسلمين وولاة أمورهم، ~~ومعاونة الكفار عليهم؛ لأنهم يرون أهل الجماعة كفارا مرتدين، والكافر ~~المرتد أسوأ حالا من الكافر الأصلي، ولأنهم يرجون في دولة الكفار ظهور ~~كلمتهم وقيام دعوتهم ما لا يرجونه في دولة المسلمين، فهم أبدا يختارون ظهور ~~كلمة الكفار على كلمة أهل السنة والجماعة، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الخوارج: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان». PageV07P210 # وهذه سواحل المسلمين كانت مع المسلمين أكثر من ثلاثمائة سنة، وإنما ~~تسلمها النصارى والفرنج من الرافضة، وصارت بقايا الرافضة فيها مع النصارى. # وأما دولة التتر؛ فقد علم الله أن الذي دخل مع هولاكو ملك التتر، وعاونه ~~على سفك دماء المسلمين، وزوال دولتهم، وسبي حريمهم، وخراب ديارهم، وأخذ ~~أموالهم= فهم الرافضة، وهم دائما مع اليهود والنصارى أو المشركين. # فكيف مثل هؤلاء ms1309 ولاة على المسلمين أو أجنادا، لهم مقدم منهم في عسكر ~~المسلمين، يأكلون أموال بيت المال، منفردين في بلاد عن جماعة المسلمين؟! # فمن أعظم النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم= دفع ضرر هؤلاء ~~عنهم. والله تعالى أعلم. # تمت. # # # # PageV07P211 ### | CHECK (5) كتاب الشيخ إلى بعض أهل البلاد الإسلامية # كتاب الشيخ إلى بعض أهل البلاد الإسلامية PageV07P213 # بسم الله الرحمن الرحيم # وما توفيقي إلا بالله # جزء فيه: كتاب الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية، إلى بعض أهل ~~البلاد الإسلامية، فيما تقتضيه الشريعة المحمدية، في قضية سئل عنها من ~~الأمور الدينية. # بسم الله الرحمن الرحيم # رب اختم لي بخير # لما كان بتاريخ يوم الأحد رابع عشر جمادى الأولى سنة أربع وسبعمائة، حضر ~~إلى مجلس شيخ الإسلام وقدوة الأنام، الإمام العلامة، مفتي الفرق، ناصر ~~السنة، محيي الشريعة، قامع أهل البدع، تقي الدين أبي العباس أحمد ابن الشيخ ~~الإمام العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، غفر الله ~~له ولجميع المسلمين وأثابهم الجنة بمنه وكرمه= الشيخ أحمد السراج الفقيه ~~يومئذ بقرية كفرقوق الفستق من إقليم داريا من أعمال دمشق المحروسة. # وذكر أن بقريته ومن حولها أناسا منهم فقراء من أصحاب الشيخ حسن القطني، ~~وعلي القطني الرفاعية وغيرهم مولهين مكشوفي PageV07P215 # الرؤوس وغير مولهين، وبعضهم يصلي، وبعضهم تارك الصلاة. # فأما الذي يصلي إذا قاموا خلف الإمام في الصلاة إذا سمعوا حسا، كصرير باب ~~أو مشي بقبقاب قوي أو حركة قوية= فمنهم من يزعق، ومنهم من يقول: آه آه! ~~ومنهم من يقول: آخ آخ! وأنه نهاهم عن ذلك فقالوا: نحن فقراء وهذه طريقنا ~~وطريق شيخنا! # وأما الذين لم يصلوا منهم فأمرهم بالصلاة، فمنهم من اعتذر أن ثوبه نجس، ~~ومنهم من يقول: أنا بردان، ومنهم من يقول: أشغال الدنيا تقطعنا عن الصلاة، ~~ومنهم من يقول: يا فقيه إن الصلاة ما هي فرض إلا على من هو فارغ من عمل ~~الفلاحة وأشغال الدنيا! # وسأل الشيخ أن يكتب له كتابا إليهم، فكتب له الشيخ كتابا إليهم وإلى ~~غيرهم بما ms1310 تقتضيه الشريعة الإسلامية، والسنة النبوية المحمدية، وهذه صورة ~~الكتاب: PageV07P216 # بسم الله الرحمن الرحيم # من الداعي أحمد ابن تيمية إلى من يصل إليه كتابه من أمراء المسلمين ~~وولاتهم وقضاتهم ورؤسائهم، جمع الله لهم خير الدنيا والآخرة، وأسبغ عليهم ~~نعمه باطنة وظاهرة، وتولاهم في جميع الأمور، وصرف عنهم كل محذور. # سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا ~~هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلي على إمام المتقين ~~وخاتم النبيين: محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # أما بعد؛ فإن الله تعالى بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله وكفى بالله شهيدا، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، وأنزل عليه أفضل ~~الكتب، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة. # وقد أمر الله -سبحانه- عباده المؤمنين بجهاد من خرج عن دينه من الكافرين ~~والمنافقين، وأمر بجهاد من خرج عن شريعة الإسلام، حتى يكون الدين كله لله، ~~وتكون كلمة الله هي العليا. # وفرض على المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعرف المعروف، ~~وعماد الدين، وأفضل الأعمال، وأول ما أوجبه الله من الفرائض، وآخر ما يبقى ~~من الدين: هي الصلوات الخمس في مواقيتها PageV07P217 # كما أمر الله ورسوله. فإنه يجب قتال الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة، كما أمر الله ورسوله. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، ~~وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله». # وقال صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات فرضهن الله على العبيد في اليوم ~~والليلة، فمن حافظ عليهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة». PageV07P218 # وقال: «ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة». وقال: «العهد الذي ~~بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». # فعلى المسلمين أن يقيموا الصلوات الخمس في مواقيتها كما أمر الله ورسوله، ~~وعليهم أن يأمر بعضهم بعضا بذلك من الرجال والنساء، كما قال تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} ~~[التحريم: 6]. # وقال علي -عليه ms1311 السلام-: «علموهم وأدبوهم». # ومن امتنع من الصلوات الخمس من الرجال والنساء؛ فعليه العقوبة PageV07P219 # البليغة بإجماع المسلمين، وحكمه أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. # وهذا الكتاب كتب إنذارا وإعذارا، فمن أطاع الله ورسوله فله سعادة الدنيا ~~والآخرة، ومن امتنع من ذلك عوقب بما حكم الله به ورسوله. # وليس للمسلم أن يؤخر الصلاة عن وقتها إلا إذا كان له عذر، فإنه يجمع بين ~~صلاتي النهار: الظهر والعصر، وصلاتي الليل: المغرب والعشاء. ولا يؤخر صلاة ~~الليل إلى النهار، ولا صلاة النهار إلى الليل باتفاق المسلمين. # ومن كان جنبا أو محدثا وقد عدم الماء أو تضرر باستعماله لبرد أو مرض= ~~فإنه يتيمم الصعيد الطيب ويصلي، وإذا لم يجد إلا ثوبا صلى فيه لو كان نجسا ~~إذا لم يقدر أن يصلي إلا على تلك الحال، فإن الله تعالى يقول: {فاتقوا الله ~~ما استطعتم} [التغابن: 16]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم». # وعلى المسلمين ملازمة السنن النبوية المحمدية، ومجانبة البدع المحدثة ~~الجاهلية؛ فيقوموا في الصلاة لله قانتين كما أمر الله ورسوله. # ومن تكلم في صلاته بكلام الآدميين، أو صاح في صلاته لصرير باب أو حس شيء ~~من الأشياء ونحو ذلك، فقد عصى الله ورسوله، وبطلت صلاته. وإنما الصلاة هي ~~القراءة والتسبيح والتحميد والتكبير والدعاء لله، كما علمه النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمته. PageV07P220 # وليس لأحد خروج عما أمر الله ورسوله به المسلمين، ولا عما شرعه الله ~~ورسوله لعباده المؤمنين، بل جميع الأولياء والصالحين من الأولين والآخرين ~~داخلون في ذلك، ملتزمون لذلك. # ومن خرج عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقته، وهو الشرعة ~~والمنهاج الذي بعثه به، فلم يلتزم أداء الواجبات ولا اجتناب المحرمات؛ فإنه ~~يجب قتله وقتاله كائنا من كان، كما يجب قتال التتار، وبعض هؤلاء شر منهم، ~~سواء كان منتسبا إلى العلماء أو الفقهاء، أو العباد والفقراء، أو الملوك ~~والرؤساء، ولو طار في الهواء أو مشى على الماء!! # ليس لأحد خروج عما أمر الله به ورسوله، ولا ms1312 هو أحد مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما كان الخضر مع موسى -عليه السلام-، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة». فموسى ~~-عليه السلام- لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولا كان الخضر مأمورا بطاعته، بل ~~قال له: «إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من ~~علم الله علمكه الله لا أعلمه». PageV07P221 # وأما خاتم الرسل وسيد ولد آدم، فهو مبعوث إلى جميع الثقلين الجن والإنس. ~~ولو قال أحد له مثل ما قال الخضر لموسى لكان كافرا يجب قتله، فعلى المسلمين ~~أن يعرفوا هذا الأصل، الذي هو عصمتهم في دينهم. # ولا يمكن أحدا من الابتداع في الدين لما لم يأذن به الله، فإن الله تعالى ~~يقول: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21]. # ومن انتسب إلى شيخ من شيوخ المسلمين، وابتدع في الدين ما لم يأذن به ~~الله، ونسب بدعته إلى ذلك؛ فهو كاذب عليه مفتر إن كان الشيخ مهتديا في ذلك، ~~وإلا كان الشيخ قد أخطأ وضل إن ثبت أنه خالف السنة النبوية. # وليس لأحد أن يطيع أحدا في خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو ~~كان من أكابر مشايخ الدين وأئمة المسلمين. قال الله تعالى: {فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} [النساء: 65]. [و] قال تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا ~~دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} [النور: 51]. PageV07P222 # وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ~~وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} [النساء: 60 - 61]. # فكل من دعي إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله ms1313 عليه وسلم، فصد عن ~~ذلك وأعرض عنه، طاعة لبعض السادة والكبراء في الدين أو في الدنيا= فهو ~~منافق أخذ بنصيب من حال الذين {تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا ~~الله وأطعنا الرسولا (66) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا (67) ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} [الأحزاب: 66 - 68]. # وهؤلاء الذين يبتدعون في الدين كشف الرؤوس، وتفتيل الشعور، وإظهار ~~الخزعبلات، مثل اللعب بالحيات والنار واللاذن والزعفران والسكر والدم= هم ~~متبدعون في ذلك ضالون مضلون. # وكل من كان صالحا وليا، فهو بريء من هذه البدع والضلالات والأكاذيب ~~والتلبيسات. # وأما أولياء الله تعالى فهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: {ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا PageV07P223 # وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 61 - ~~63]. فقد وصف الأولياء بالإيمان والتقوى. # وقد فسر الله -سبحانه وتعالى- التقوى في قوله: {ليس البر أن تولوا وجوهكم ~~قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ~~والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون} [البقرة: 177]. # والله هو المسؤول أن يجمع لكم ولسائر المسلمين خير الدنيا والآخرة، ~~والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على ~~محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا. # علقه لنفسه محمد بن أحمد بن علي الخطيب، من أصل حسين بن إبراهيم بن أحمد ~~بن سونج، وعليه خط الشيخ -رضي الله عنه-. وذلك في سابع عشر شهر رمضان سنة ~~ست وثلاثين وسبعمائة. # # # # PageV07P224 ### | CHECK (6) كتاب الشيخ إلى الأمير شمس الدين سنقرجاه # كتاب الشيخ إلى الأمير شمس الدين سنقرچاه PageV07P225 # كتاب كتبه شيخ الإسلام وقدوة الأنام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية ~~-رضي الله عنه- إلى الأمير شمس الدين سنقرچاه (1) المنصوري لما تولى صفد ~~المحروسة في شهر شوال من سنة أربع وسبعمائة. وهذه نسخته: # بسم ms1314 الله الرحمن الرحيم # من الداعي أحمد ابن تيمية إلى أمير الأمراء شمس الدين ناصر الإسلام، أعز ~~الله به الدين وأصلح به أمور المسلمين، وأقام له وبه أمر الدنيا والدين، ~~وأعانه على إقامة العدل في العالمين، ودفع أهل البدع والفجور المعتدين. # سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا ~~هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين ~~وإمام المتقين: محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # أما بعد؛ فإن الله تعالى قد أنعم على الأمير وأنعم به، حيث جعل فيه من ~~الصفات المحمودة والأخلاق الرضية ما قد انتشر عنه وسمعه المسلمون، ولهذا ~~فرحوا بولايته فرحا شديدا عظيما، فالله تعالى يتم نعمته عليه وعلى إخوانه ~~المؤمنين. PageV07P227 # فقد ثبت في «الصحيحين» أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة ~~فأثنوا عليها خيرا، فقال: «وجبت وجبت». ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا، ~~فقال: «وجبت وجبت». قالوا: يا رسول الله ما قولك: «وجبت وجبت»؟ قال: «هذه ~~الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم ~~عليها شرا فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض». # فأي ولي أمر من أمور المسلمين أنعم الله عليه بحسن القصد، وابتغاء وجه ~~الله، والنصح لرعيته، وإقامة العدل بينهم، فإن الله تعالى يجعل له من ~~الدعاء المستجاب، والثناء المستطاب، وجميل الأجر والثواب= ما هو من أنفع ~~الذخائر له في الدنيا والمآب. # وإذا أراد المسلم أن يتدبر ذلك، فلينظر كيف شهرة عمر بن عبد العزيز، ~~والسلطان نور الدين الشهيد، وغير هؤلاء من ولاة الأمور، أهل الصدق والعدل، ~~والهدى والرشاد. # ولينظر كيف شهرة قوم آخرين، أقدمهم الحجاج بن يوسف الثقفي، وأمثاله من ~~أهل الظلم والعدوان، الذين لهم سمعة سوء في محياهم ومماتهم؛ ما بين ذاكر ~~لمساويهم، وما بين داع عليهم، وما بين مبغض لهم. وأولئك لهم الدعاء ~~والثناء، وهم في الآخرة في {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} [القمر: 55]. PageV07P228 # وقد روى الإمام أحمد ms1315 في «مسنده» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله إمام ظالم». # وقد روي: «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين أو سبعين سنة». # وفي «الصحيحين» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سبعة يظلهم الله ~~في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه ~~معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ~~ذلك وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات ~~منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى ~~لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». # وكان عمر بن عبد العزيز يقول عن ذي السلطان: هو كالسوق فما نفق فيه جلب ~~إليه. فإذا نفق عنده الصدق والبر والعدل وطاعة الله PageV07P229 # ورسوله= جلب إليه ذلك. وإن نفق فيه ضد ذلك، جلب إليه ضد ذلك. # والله -سبحانه- قد جعل قيام أمر الملة والدولة بالمصحف والسيف، فقال في ~~كتابه: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ~~ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} [الحديد: 25]. فجعل سبحانه المقصود ~~بإرسال الرسل وإنزال الكتب هو أن يقوم الناس بالقسط، وجعل قيام ذلك بكتاب ~~يهدي وسيف ينصر، وكفى بربك هاديا ونصيرا. # ولهذا روي عن جابر بن عبد الله قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن نضرب بهذا -يعني السيف- من خرج عن هذا -يعني المصحف-. PageV07P230 # وكان بعض الملوك العادلين يضع المصحف، ويضع «سنن أبي داود»، ويضع السيف، ~~ثم يقول: هذا كتاب الله وهذه سنة رسوله، وهذا سيف الله. فمن خرج عن كتاب ~~الله وسنة رسول الله ضربناه بسيف الله. # وقد بين الله في كتابه آية ولاة الأمور، فقال تعالى: {إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله ~~نعما يعظكم به ms1316 إن الله كان سميعا بصيرا} [النساء: 58]. # وأداء الأمانات هو في الولايات وفي الأموال. # فأما الولايات؛ فإن الله أمر ولي الأمر أن يولي في كل جهة أصلح من يقدر ~~عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قلد رجلا عملا على عصابة وهو ~~يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان ~~المؤمنين» رواه الحاكم في «صحيحه». PageV07P231 # وأما الأموال السلطانية؛ فإن الله تعالى جعلها لمن يجلب للمسلمين المنفعة ~~في دينهم ودنياهم، ويدفع عنهم المضرة في دينهم ودنياهم، ولذوي السوابق ~~والحاجات من المسلمين. # فأهل المنفعة مثل: ولاة الأمور، [و] ولاة الحرب، وولاة الحكم، وولاة ~~الديوان، والمشايخ والعلماء، وأئمة المساجد والمؤذنين، وكل من تولى في ~~مصلحة المسلمين. ومثل الجند المقاتلة الذين ينصرون الله ورسوله، ويجاهدون ~~في سبيل الله بسيوفهم. # وذوو السوابق مثل: بني هاشم، وبني المطلب من أقارب النبي صلى الله عليه وسلم. # ومثل أولاد الجند الصغار الذين مات آباؤهم [أ] وقتلوا، فإنه يجب أن يرزق ~~أولاد الجندية حتى يبلغوا ويصيروا من المقاتلة، أو يخرجوا عن ذلك، وينفق ~~على النساء حتى يتزوجن. # وذوو الحاجات هم: فقراء المسلمين، فإذا كان الرجل فيه الحاجة والمنفعة ~~للمسلمين كان استحقاقه أوكد. PageV07P232 # وأما الحكم بين الناس فهو في الحدود والحقوق: # فالحدود؛ كل من تعدى حدود الله فإنه يعاقب بما شرعه الله ورسوله، مثل ~~إقامة الحدود على قطاع الطريق، وشراب الخمور، والمعلنين بالفواحش المحرمة، ~~والمظهرين للبدع المخالفة للكتاب والسنة. # والحقوق؛ مثل ما بين الناس من الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحو ذلك. # والمقصود بذلك كله أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، ~~فإن الله تعالى يقول في كتابه: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله} [الأنفال: 39]. # ولهذا أوجب على المسلمين أن يقاتلوا من خرج عن شريعة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وإن ادعى الإسلام، كما قاتل أبوبكر الصديق وأصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مانعي الزكاة. # وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لأبي بكر الصديق ms1317 -رضي الله عنه-: كيف ~~تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ~~ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ~~وحسابهم على الله». فقال له أبوبكر: فإن الزكاة من حقها. قال PageV07P233 # عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق. # واتفق الصحابة على قتال أقوام كانوا يصلون ويصومون شهر رمضان إذا خرجوا ~~عن بعض شرائع الإسلام، وقد تواتر في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه ذكر الخوارج فقال: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه من صيامهم، ~~وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام ~~كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم قاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن ~~قتلهم عند الله يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». وهؤلاء قاتلهم ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع الصحابة. # فإذا كان هؤلاء مع كثرة صومهم وصلاتهم وقراءتهم قد أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقتالهم، لخروجهم عن شرائع المسلمين ...... # ... {[ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه] لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125]. وقال PageV07P234 # تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا} [الكهف: 110]. # فالمسلم يفعل ذلك إيمانا واحتسابا؛ إيمانا بأن الله تعالى أمره بذلك، ~~واحتسابا بالأجر على الله، كما قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «لا عمل ~~لمن لا نية له، ولا أجر لم لا حسبة له». # فإن الإنسان إذا أطاع ذا سلطان أو نصح الأمة؛ للرغبة إلى الخلق والرهبة ~~منهم= كان عبد السوط والدرهم. كما ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد ~~القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط». # والخميصة: كساء يلبس. والقطيفة: ms1318 ما يجلس عليه. # فدعا على من يكون عبد النفقة والكسوة، وإنما المؤمن عبد الله، PageV07P235 # يعبد الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وإذا كان ذا ولاية عد ما ~~يفعله من العدل والإحسان عبادة لله تعالى يتقرب بها إليه. وإن كان من ~~الرعية عد طاعته في طاعة الله، ونصيحته عبادة لله يتقرب بها إلى الله، وذلك ~~كله داخل في قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} [المائدة: 2]. # وإذا كان الله تعالى قد أمر ولاة الأمور بأداء الأمانات والحكم بالعدل؛ ~~والأمانات هي: الولايات والأموال، فالأصل في الولايات القوة والأمانة، وإذا ~~تعذر ذلك عمل الممكن، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، قال الله تعالى: ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». # وأصل ذلك أن يولي الرجل أصلح من يقدر عليه، وإن لم يوجد الأصلح إلا وفيه ~~نوع من العجز أو الفجور؛ فهذا هو الواجب، بخلاف من قدم المفضول لجهل أو ~~هوى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قلد رجلا عملا على عصابة وهو يجد ~~في تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان ~~المؤمنين» رواه الحاكم في «صحيحه». PageV07P236 # وأما الأموال المشتركة كلها؛ من مال الفيء، والصدقات المفروضة، والصدقات ~~الموقوفة، والأموال التي يقبضها الولاة لبيت المال من أموال الرعية بتأويل ~~أو ظلم وتعذر ردها إلى مستحقيها. # فمال الفيء الذي أفاء الله على رسوله من أهل القرى، مثل أكثر الأرض ~~السلطانية الداخلة في الإقطاعات وما لها من خراج قديم أو جديد هو مثل ~~الحكر، ومثل مال الجزية، وما يقبض من أموال أهل الحرب بصلح أو بتجارة. # والصدقات مثل عشور الغلات، وزكاة الماشية التي قد كتبها العداد، وزكاة ~~أموال التجار التي تؤخذ من المسافرين بدور الزكاة. # وسائر الأموال السلطانية معروفة، والأموال الموقوفة التي يتقلدها غالبا ~~الحاكم أو ناظر حاضر، كأوقاف المساجد والمدارس، والربط والزوايا، وما يطلق ~~أيضا من بيت ms1319 المال لهذه الجهات. # كل هذه الأموال المشتركة تستحق بأحد ثلاثة أسباب: منفعة الرجل للمسلمين، ~~أو حاجته، أو سابقته. PageV07P237 # وقد ذكر عمر بن الخطاب أمير المؤمنين -رضي الله عنه- ذلك فقال: «إنه ليس ~~أحد بأحق بهذا المال من أحد، إنما هو الرجل وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجل ~~وفاقته، والرجل وسابقته». فهذا ذكره في مال الفيء ونحوه من الأموال ~~السلطانية. # فالرجل وبلاؤه؛ هم المقاتلة في سبيل الله حمال السلاح، يرزقون من مال ~~الله تعالى -مال الفيء وغيره- ما أعطاهم الله ورسوله. # والرجل وغناؤه؛ مثل ولاة الأمور، [و] ولاة الحرب، مثل نواب السلطان، ~~ووالي الشرطة، الذين يقيمون الحدود، ويخلصون الحقوق، ويحفظون الطرقات، ~~ويدفعون ظلم الظالم عن المظلوم، وهم الشادون لأمر الله ورسوله الذي جاء به ~~الكتاب والسنة. # ومثل ولاة الأموال الكتاب والجباة وغيرهم من العمال، كما ذكرهم الله ~~تعالى في كتابه. # ومثل ولاة الحكم والقضاة الذين يفصلون الخصومات، ويتولون ما يتولونه من ~~العقود والفسوخ، وحفظ أموال اليتامى والغائبين، والنظر في الأوقاف وإجرائها ~~على شروط واقفيها، وغير ذلك من مصالح المسلمين. PageV07P238 # وكذلك أمر المساجد والمؤذنين، والمفتون والمعلمون، ومقرئو القرآن، ومبلغو ~~الأحاديث النبوية، والمشايخ الذين يؤدبون الناس، ويأمرونهم بما أمر الله به ~~ورسوله= كل هؤلاء لهم غناء عن المسلمين، لقيامهم في مصالح دينهم ودنياهم. # والقسم الثاني: الفقراء والمحاويج، والغارمون، وأبناء السبيل، وغيرهم، ~~فيعطون لحاجتهم وفقرهم. # والثالث: ذوو السابقة الذين استحقوا بالنسب، كاستحقاق ذوي القربى، قربى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخمس والفيء. واستحقاق ذرية الأجناد إذا ~~مات آباؤهم، فإنه ينفق على صغار ولده، حتى يبلغ ذكرهم وتتزوج أنثاهم، وعلى ~~امرأته حتى تتزوج. # ومثل الوقف الموقوف على بني فلان، إما رجل وقف على ذريته أو ذرية غيره، ~~كرجل صالح أو صاحب له أو غير ذلك. # فأهل الزكوات إما من يأخذ لحاجته كالفقراء والغارمين وابن السبيل، أو ~~لمنفعته كالعامل والغازي. # وكذلك أهل الأوقاف الحكمية، مستحقها إما صاحب منفعة كالإمام والمؤذن ~~والمدرس، وإما محتاج كالموقف على الفقراء والمساكين، وكذلك أموال الفيء ~~وغيره من المصالح. PageV07P239 # هذا هو الأصل الذي دل ms1320 عليه الكتاب والسنة، وهو الذي يعتمده ولاة الأمور ~~في أداء الأمانات إلى أهلها. وبذلك تنتظم مصلحتهم في الدنيا والآخرة، وما ~~لا يدرك كله لا يترك كله. # فهذه قاعدة كلية جامعة لولاة أمور المسلمين، فإن جميع هذه الأمور داخلة ~~في حكم الكتاب والسنة، وسنة الخلفاء الراشدين. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى بنفسه في المدينة المصالح ~~العامة؛ من تعليم العلم، والقضاء والجهاد، واستيفاء الحساب على العمال، حتى ~~ثبت عنه في «الصحيح» أنه استعمل رجلا على الصدقة، فلما رجع حاسبه، وهو ~~استيفاء الحساب. # وكان له من هو بمنزلة صاحب الشرطة؛ ففي «الصحيح» عن أنس بن مالك -رضي ~~الله عنه- قال: كان قيس بن سعد بن عبادة من النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. # وكان له الكتاب بكتبون الوحي والعلم، ويكتبون العهود والشروط، ويكتبون ~~الرسائل والعطايا والولايات. كتب له أبو بكر رضي الله عنه، وعمر رضي الله ~~عنه، وعثمان وعلي رضي الله عنهما، وزيد بن ثابت، PageV07P240 # ومعاوية وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. # فكتاب الوحي يشبههم من بعض الوجوه كتاب العلم في هذا الزمان. وكتاب ~~العهود والشروط يشبههم كتاب الشروط التي بين الناس عند الحكام وغيرهم. ~~وكتاب الرسائل والعطايا والولايات يشبههم كتاب الإنشاء. # وكان يؤمر الأمراء على البلاد، فلما انتشرت الرعية في زمن أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وضع الديوان ديوان العطايا والنفقات، وديوان ~~الخراج الأول مثل ديوان المجاهدين، وديوان الذرية الذين ليسوا بمجاهدين من ~~النساء والصبيان، وديوان الخراج الذي يجمع الأموال المستخرجة. # وجعل له على المصر ثلاثة ولاة: والي الحرب، ووالي المال، ووالي الحكم. ~~كما استعمل على الكوفة ثلاثة؛ فولى عمار بن ياسر على الحرب. وأمير الحرب هو ~~الذي كان يصلي بالناس. وعبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمان ~~بن حنيف على الخراج، وهو المال. وكان زيد بن ثابت على ديوان الجيش والعطاء. # وهذه الولايات الثلاثة هي قوام الأمة، لكن دخل في ذلك زيادة ونقصان ~~وتغيير، تارة بحسب الرأي والمصلحة، وتارة بحسب الهوى والشهوة، ms1321 وتارة ~~بمجموعهما. # فالله تعالى يوفق ولاة أمور المسلمين وعامتهم لما يحبه ويرضاه PageV07P241 # من القول والعمل، ويعينهم على مصالح الدنيا والآخرة. # وحامل هذه التحية الشيخ القدوة تقي الدين ابن الشيخ محمد بن الشيخ الكبير ~~الشيخ عثمان ... هو وإخوته أهل بيت خير ودين ومنفعة للناس في دينهم ~~ودنياهم، وقد لزمهم بسبب حاجتهم وبسبب خدمتهم للناس ديون، ولهم حق في ~~الأموال المشتركة الثلاثة، تارة من جهة حاجتهم، وتارة من جهة منفعتهم، ~~وتارة من جهة سابقتهم. فإذا عومل هؤلاء بما لهم وأوصل إليهم ما يستحقونه= ~~كان ذلك مما يجلب لصاحبه الدعاء المستجاب، والثناء المستطاب، وجزيل الأجر ~~والثواب، فخير المعروف ما وافق محله. # والله هو المسؤول أن يعين ولاة الأمور وسائر المسلمين على مصالح الدنيا ~~والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # كتبه لنفسه محمد بن أحمد بن علي الخطيب في رابع عشري شهر رمضان سنة ست ~~وثلاثين وسبعمائة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله ~~وسلم تسليما. # # # # PageV07P242 ### | CHECK (7) صورة كتاب عن ابن عربي والاعتقاد فيه # صورة كتاب عن ابن عربي والاعتقاد فيه PageV07P243 # بسم الله الرحمن الرحيم # وما توفيقي إلا بالله # صورة كتاب كتبه شيخ الإسلام وقدوة الأنام، فريد عصره، وإمام وقته، أنموذج ~~الطراز الأول، ومن عليه في زمانه المعول، الإمام العلامة، مفتي الفرق، تقي ~~الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن ~~عبد السلام ابن تيمية، فسح الله في مدته للمسلمين، ونفع ببركته الطالبين، ~~وجمع بيننا وبينه في دار كرامته آمين. # وذلك بسبب كلام وقع في الاعتقاد بين جماعة من الفقراء من أهل مدينة بعلبك ~~في الاتحاد الذي أشار إليه ابن العربي في كلامه، وابن سبعين، وابن الفارض، ~~وغيرهم ممن يعتقد مذهبهم ويوافقهم عليه، وذلك بحضرة جماعة من مشايخ دمشق، ~~في مجلس الشيخ تقي الدين بدمشق. # واجتمع رأيهم جميعهم على أن القول بهذا الاتحاد إلحاد وكفر. وسألوا الشيخ ~~-رضي الله عنه- أن يكتب بذلك كتابا إلى أهل بعلبك، ليعرفوا الحق فيتبعوه، ~~والباطل ويجتنبوه. PageV07P245 # بسم الله الرحمن الرحيم # من ms1322 الداعي أحمد ابن تيمية إلى السادة الأجلاء الأكابر من أهل بعلبك ومن ~~حولها، جمع الله قلوبهم على الهدى والرشاد، وأعانها على الصلاح والسداد، ~~وجعلهم معتصمين بحبله المتين، متبعين لشريعة نبيهم خاتم المرسلين، وأصلح ~~لهم أمر الدنيا والدين. # سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا ~~هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين ~~وإمام المتقين، محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد؛ فإنه حضر إلى دمشق المشايخ السادة: الشيخ الكبير أبو القاسم، ~~وأخوه الشيخ محمد، والشيخ هارون المقدسي، واجتمعوا بمجلس فيه أعيان المشايخ ~~السادة الذين يقتدى بهم، مثل سيدنا الشيخ عماد الدين الحزامي، والشيخ ~~القدوة الشيخ محمد بن قوام البالسي، والشيخ العارف عبد الله الجزري، والشيخ ~~تاج الدين الفارقي، والشيخ شهاب الدين ابن جبارة، وغيرهم من المشايخ. # وجرى الكلام فيما وقع الخوض فيه من أمر الاتحادية، كابن PageV07P246 # العربي والتلمساني وابن سبعين ونحوهم، وأحضر كتاب «فصوص الحكم» لابن ~~العربي، وقرئ منه فصول متعددة، وقرئ أيضا بعض ما كتب من بيان حقيقة أمرهم، ~~وكشف سر مذهبهم. # وظهر للجماعة حقيقة أمره، وأن حقيقة مذهبه: أن وجود الكائنات -حتى وجود ~~الكلاب والخنازير، والأنتان والعذرات، والكفار والشياطين- هي عين وجود ~~الحق، وأن أعيان الكائنات ثابتة في القدم، لم يخلقها الله ولم يبدعها، بل ~~ظهر وجوده فيها، ولا يمكن أن يظهر وجوده إلا فيها، فهي غذاؤه بالأحكام، وهو ~~غذاؤها بالوجود، وهو يعبدها وهي تعبده. # وأن عين الخالق هو عين المخلوق، وعين الحق المنزه هو عين الخلق المشبه، ~~وأن الناكح هو المنكوح، والشاتم هو المشتوم، وأن عباد الأصنام ما عبدوا إلا ~~الله، ولا يمكن أن يعبد إلا الله. # وأن قوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] أي: حكم وقدر، ~~وما حكم الله بشيء إلا وقع، فما عبد غير الله في كل معبود، وأن عباد ~~الأصنام وقع تقصيرهم من حيث عبدوا بعض المجالي الإلهية، ولو عبدوا كل شيء ~~لكانوا عارفين ms1323 كاملين، وأن العارف الكامل يعلم ما عبد وفي أي صورة ظهر حتى ~~عبد، وأن نوحا -عليه السلام- أثنى على قومه بلسان الذم، وأن أعيان ~~المخلوقات هي نفس الخالق. PageV07P247 # وأن الشخص الذي ادعاه أنه خاتم الأولياء هو أكمل من خاتم الأنبياء محمد ~~من بعض الوجوه؛ فخاتم الأنبياء موضع لبنة، وخاتم الأولياء موضع لبنتين، ~~وأنه أعلم من خاتم الأنبياء، وهو يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي ~~يوحي إلى خاتم الأنبياء، وأن موسى ما عتب على هارون لما ذم قومه على عبادة ~~العجل إلا لضيق هارون حيث لم يعرف أنهم إنما عبدوا الله! # وأن السحرة عرفوا صدق قول فرعون: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24]، و ~~{ما علمت لكم من إله غيري} [القصص: 38]. إلى أنواع من هذه المقالات التي لا ~~يعتقدها المسلمون ولا اليهود ولا النصارى ولا الصابئون ولا المشركون، وإنما ~~هي قول المعطلة الذين ينكرون وجود الصانع، وينكرون أن الله رب العالمين، ~~وأنه خالق الخلق، وهو حقيقة قول فرعون والقرامطة الباطنية الجاحدين لرب ~~العالمين. # وكذلك يقر أعيان هؤلاء أن قولهم هو قول فرعون، ووقفوا على قوله: إن عبد ~~الله ما له حقيقة، وأن أهل النار لا يتألمون فيها، بل يتنعمون في النار كما ~~يتنعم أهل الجنة في الجنة! # فلما وقفوا على ذلك، اجتمعت كلمتهم واتفقت قلوبهم على أن هذا كفر وإلحاد، ~~وأنهم برآء إلى الله تعالى من أهل الحلول والاتحاد، سواء PageV07P248 # قالوا بالحلول أو الاتحاد في شيء معين، كما تقوله النصارى في المسيح، ~~والمغالية في علي وبعض أهل البيت، وكما تقوله طائفة في الحلاج، أو الحاكم ~~بمصر، أو يونس، أو غير هؤلاء. أو قالوا: إن ذات الله حالة في كل مكان، كما ~~تقوله طوائف من الجهمية. أو قالوا بمقالة هؤلاء الذين يقولون: إنه عين ~~الموجودات، وليس للعالم خالق متميز عنه، ولا رب له وجود غير وجود الخلق، بل ~~ينكرون الصانع ويعطلون الخالق. # واتفقت كلمتهم على أن ثناء من يثني على بعض هؤلاء ممن سمع عنه أنه رجل ~~صالح أو أنه عارف، أو وقف ms1324 على بعض كلامه الذي هو حسن؛ مثل بعض كلام ابن ~~العربي في «الفتوحات»، وبعض كلامه في «مطالع النجوم»، وبعض حكاياته في ~~«الدرة الفاخرة» ونحو ذلك. فإن من سمع ذلك أو رآه، ولم يقف على حقيقة قوله ~~في «الفصوص»، ولم يعرف سر مذهبه= فإنه لم يوافقه على قوله، بل لما تبين له ~~كلامه بالباطل تبرأ إلى الله من هذه المقالات الكفرية التي في «الفصوص» ~~ونحوه، وممن يعتقدها. # كما قال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو PageV07P249 # عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا ~~إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22]. # وأما نفس المتكلم بهذا الكلام مثل ابن العربي وغيره، فيمكن أنه قد تاب ~~منه، ويمكن أن ما تاب منه. فإن كان مات مؤمنا بالله ورسوله فهو من ~~المؤمنين، وإن كان على غير ذلك فهو من المنافقين، والله أعلم بسريرته، وإلى ~~الله إيابهم وعلى الله حسابهم. # ثم إنه بعد ذلك حصل بينهم من الاتفاق والائتلاف، والطيب ومكارم الأخلاق، ~~والتواصي بالحق والصبر، والتعاون على البر والتقوى، كما أمرهم الله تعالى ~~به في قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون (102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم ~~إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة ~~من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [آل عمران: ~~102 - 103]. # وقد كتب هذا الكتاب بحضرة المشايخ وبأمرهم، وهم جميعا يأمرون بما أمر ~~الله به ورسوله، من الاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم الجماعة، والنهي عن ~~التفرق والاختلاف، قال الله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من ~~بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (105) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ~~فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد PageV07P250 # إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم ms1325 تكفرون (106) وأما الذين ابيضت وجوههم ~~ففي رحمة الله هم فيها خالدون} [آل عمران: 105 - 107]. # قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة ~~والفرقة. # وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما ~~أمرهم إلى الله} [الأنعام: 159]. # وقال تعالى: {ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} [الروم: 31 - 32]. # وقال تعالى: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم} [آل عمران: 19]، فأخبر سبحانه أن مبدأ التفرق هو البغي. وقد ~~قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون ~~إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} [الحجرات: 9 - 10]. PageV07P251 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالجماعة فإن يد الله على ~~الجماعة». # وقال: «ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «صلاح ذات البين، فإن ~~فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين». # وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك ~~بين أصابعه». PageV07P252 # وقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا ~~اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». # وقد قال الله تعالى في كتابه: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا ~~على الإثم والعدوان} [المائدة: 2]. # وقال تعالى: {والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 1 - 3]. # فهذا الذي أمر الله به ورسوله، وما كان من الأهواء المفرقة والأغراض ~~الفاسدة؛ فهي مما حرمه الله ورسوله، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~مرة في بعض مغازيه فتنازع رجلان فقال أحدهما: يا للمهاجرين، وقال الآخر: يا ~~للأنصار! فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين ms1326 ~~أظهركم، دعوها فإنها منتنة». # وقال: «من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا». ~~فسمع أبي بن كعب -الذي قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم سورة (لم PageV07P253 # يكن) - سمع رجلا يقول: يا آل فلان، فقال: اعضض أير أبيك! فقالوا: يا أبا ~~المنذر! ما كنت فحاشا، فقال: بهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على ~~من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم». وقال: «المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا ~~يظلمه». وقال: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» قيل: يا رسول الله، أنصره ~~مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال: «تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه». # فالواجب على المسلمين أن يكونوا مجتمعين على طاعة الله ورسوله، واتباع ~~كتابه وسنة رسوله، واتباع سبيل السابقين الأولين، وأن يكونوا مع المحق على ~~المبطل، ومع المهتدي على الضال، ومع الراشد على الغاوي؛ يعظمون ما عظمه ~~الله ورسوله، ويوجبون ما أوجبه الله ورسوله، ويحرمون ما حرم الله ورسوله، ~~ويحبون ما أحبه الله ورسوله، ويبغضون ما أبغضه الله ورسوله، ويكرمون من ~~أكرمه الله ورسوله. PageV07P254 # وقد قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]. # وقد وصف الله أولياءه بذلك فقال: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة} [يونس: 62 - 63]. # فأخبر -سبحانه- أن نعت الإيمان: الإيمان والتقوى، والتقوى هي ما سنه ~~بقوله: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177]. # جمع الله لكم ولسائر المسلمين خير الدنيا والآخرة، وأسبغ عليكم نعمه ~~الباطنة والظاهرة، وتولاكم في جميع الأمور، وصرف عنكم كل محذور، ms1327 والسلام ~~عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما. PageV07P255 # وكتب الشيخ تقي الدين -رضي الله عنه- صورة المجلس الذي حضر فيه المشايخ ~~عنده في دار الحديث السكرية التي بالقصاعين بدمشق، وهي سكن الشيخ تقي الدين ~~-أدام الله علو قدره- يومئذ في نسختين، أحدهما أخذها الشيخ أبو القاسم ابن ~~الشيخ الشهيد عبد الله بن محمد ابن الشيخ عبد الله اليونيني. والأخرى أخذها ~~الشيخ هارون المقدسي، وهو المنكور عليه في الاعتقاد. # وهذه صورة المحضر وصورة خطوط المشايخ مرقومة فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم # يقول أحمد ابن تيمية: إني حضرت بمجلس اجتمع فيه جماعة من الشيوخ وغيرهم، ~~بسبب النظر في قضية جرت لكلام ابن العربي، فلما قرئ كلامه المذكور في «فصوص ~~الحكم»، وعرف معناه وما انطوى عليه من اعتقاده: أن الله هو وجود الكائنات، ~~وأن أعيانها ثابتة في القدم، وأن الخالق هو المخلوق، والناكح هو المنكوح، ~~والمتكلم هو المستمع. # وتفضيله خاتم الأولياء الذي ادعاه على خاتم الرسل من بعض الوجوه، وإنكاره ~~حقيقة العذاب في الآخرة، وما يلزم قوله من أن الله لم يخلق شيئا، وليس هو ~~رب العالمين. PageV07P256 # وأنه نفس الكلاب والخنازير، وتصريحه بأن عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، ~~ولا يمكن أن يعبد إلا الله، وغير ذلك من أنواع الكفر. # = اجتمعوا على أن هذه المقالات وما أشبهها كفر وإلحاد، وتبرأوا إلى الله ~~تعالى من أنواع الحلول والاتحاد. وامتحى بذلك ما كان يظنه من يظن أن ابن ~~العربي من أولياء الله، حيث تبين لهم أن كلامه شر من كثير من كلام اليهود ~~والنصارى. # وجمع الله قلوبهم على ذلك، وأنا موافق لهم على ذلك. في يوم الأربعاء تاسع ~~عشر ربيع الآخر سنة أربع وسبعمئة. # ... # صورة خطوط المشايخ تحت خط الشيخ -رضي الله عنهم أجمعين- # - كذلك يقول أبو القاسم بن عبد الله اليونيني، وكتب في التاريخ المذكور. # - كذلك يقول هارون بن إبراهيم المقدسي، وكتب في التاريخ. # - كذلك يقول الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن سونج عفا الله عنه في تاريخه. # - كذلك ms1328 يقول محمد بن عوض اللخمي. PageV07P257 # - كذلك يقول أحمد بن محمد بن جبارة. # - كذلك يقول محمد بن قوام، وكتبه في التاريخ، والحمد لله وحده. # - كذلك يقول أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي، كتبه في التاريخ ~~المذكور. # - وكذلك يقول عبد الله بن موسى الجزري، وكتب عنه بإذنه وحضوره. # - وكذا أقول، وكتبه محمود بن عبد الكريم الفارقي. # - كذلك أقول، كتبه محمد بن الشهيد عبد الله اليونيني. # - أشهد أن قائل هذه المقالة كفر بها وافترى على الله عز وجل، وحاد عن ~~سواء السبيل، وأبرأ إلى الله تعالى منها ومن معتقدها. كتبه أحمد بن محمد ~~الدشتي في التاريخ المذكور. PageV07P258 # تم الكتاب والمحضر والخطوط، وذلك يوم الأربعاء عاشر جمادي الأولى من شهور ~~سنة أربع وسبعمئة. والحمد لله وحده وصلواته وسلامه على محمد النبي وآله ~~وصحبه أجمعين. # # # # PageV07P259 ### | CHECK (8) مسألة فيمن يقول: إن علي بن أبي طالب أولى بالأمر من أبي بكر وعمر # مسألة فيمن يقول: إن علي بن أبي طالب أولى بالأمر من أبي بكر وعمر PageV07P261 # بسم الله الرحمن الرحيم # ولا حول ولا قوة إلا بالله # مسألة سئل عنها شيخ الإسلام ومفتي الأنام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن ~~تيمية -رضي الله عنه- فيمن يقول: إن علي بن أبي طالب أولى بالأمر من أبي ~~بكر وعمر -رضي الله عنهما- وأنهما لم يلياه إلا مغالبة. هل هو مصيب أم ~~مخطئ؟ وماذا يجب على من يعتقد ذلك؟ # الجواب: الحمد لله رب العالمين، بل هذا القائل مخطئ مبتدع ضال، مخالف ~~لكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع السابقين الأولين ~~من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، بل هو مفتر افتراء ظاهرا، ~~يعرف كذبه فيه علما ضروريا بالنقل المتواتر، وبغير ذلك من الأدلة. # بل إذا قال مثل هذا القول في عثمان وعلي كان مفتريا ضالا زاريا على ~~المهاجرين والأنصار، بل على أمة محمد مطلقا. # قال أيوب السختياني، وأحمد بن حنبل، والدارقطني، وغيرهم: من قدم عليا على ~~عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. فكيف من PageV07P263 # قدمه على أبي بكر وعمر؟ فكيف بمن ms1329 طعن في خلافة عثمان؟ فكيف بمن طعن في ~~خلافة أبي بكر وعمر؟! # ولم يكن أحد من سلف الأمة -لا من شيعة علي ولا غيرهم- يطعنون في خلافة ~~أحد من الثلاثة، لكن أنكر بعضهم على عثمان بعض الأشياء في آخر خلافته؛ فأما ~~السنة الأولى من خلافته فلم ينكروا عليه شيئا. # ولم يكن بين الشيعة الأولى نزاع في تقديم أبي بكر وعمر على علي وعثمان، ~~وإنما كان يتنازع بعضهم في عثمان وعلي. # وقد روي [من] أكثر من ثمانين وجها عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه ~~قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر». PageV07P264 # وقد رواه البخاري في «صحيحه» من حديث محمد بن الحنفية أنه قال لأبيه علي ~~بن أبي طالب: يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال: عمر. # وهذا روته همدان -وهم من شيعة علي- عن ابنه محمد بن الحنفية: أن أباه ~~قاله له. فامتنع أن يكون قال ذلك تقية لابنه، مع أن الله قد نزهه عن الكذب ~~والنفاق الذي تسميه الرافضة: تقية! # بل قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري. ولا ~~يجلد ظهر المسلم إذا قال الصدق، وأسماه مفتريا. # وظهور فضيلة أبي بكر وعمر على غيرهما في العلم والدين، والشجاعة والكرم ~~أظهر من أن تحتاج إلى بسط عند من كان له أدنى خبرة بأحوال القوم. ولهذا ~~اتفق العلماء المعتبرون على أن أبا بكر أعلم الأمة وأدينها وأشجعها ~~وأكرمها، لكن وقعت لبعضهم شبهة في عثمان وعلي لتقاربهما. # وقد أجمع السلف على تقديم عثمان. فإنه قد ثبت في «صحيح البخاري» وغيره ~~خبر مقتل عمر، وجعله الأمر شورى في ستة PageV07P265 # وتقديمهم عثمان. وهذا مما تواتر عند الخاصة والعامة. وقد رواه البخاري ~~وغيره مفصلا. # وملخصه: أن عمر جعل الخلافة شورى في ستة؛ عثمان وعلي، وطلحة والزبير، ~~وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، ولم يدخل فيها ابنه عبد الله ولا ابن ~~عمه سعيد بن ms1330 زيد، مع أنه من العشرة المشهود لهم بالجنة. فلما دفن عمر اجتمع ~~الستة في المسجد، فقال طلحة: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعثمان. وقال ~~الزبير: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعلي. وقال سعد: ما كان لي من هذا ~~الأمر فهو لعبد الرحمن بن عوف، يخرج أحدنا ويولي أحد الرجلين، وعليه عهد ~~الله وميثاقه أن يولي أفضلهما، فسكت عثمان وعلي، فقال عبد الرحمن: أنا أخرج ~~وعلي عهد الله وميثاقه أن أولي أفضلهما، فرضيا بذلك وبقي عبد الرحمن ثلاثة ~~أيام بلياليهما يشاور الأمة. وكان بالمدينة خيار الأمة من المهاجرين ~~والأنصار وأمراء الأمصار. # قال المسور بن مخرمة: طرقني عبد الرحمن بعد ثلاث فقال: وإنك لنائم! إن لي ~~ثلاثا ما اغتمضت بنوم، ثم قال: ادع لي عليا، فدعوته فناجاه طويلا، ثم قال: ~~ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه طويلا، ثم لما صلوا الفجر بعد ثلاث حلف صهيب ~~قال عبد الرحمن: إني قد شاورت الناس حتى الأعراب والعذارى في خدورهن، ~~فرأيتهم لا يعدلون PageV07P266 # بعثمان، فبايعه علي وعبد الرحمن وسائر الصحابة بيعة طوع واختيار، بعد ~~مشاورة واتفاق، لا بسوط ولا نوط ولا بذل عطاء. # فإن لم يكن عثمان هو الأولى بالخلافة وقدموا غيره، كانوا إما جاهلين بحق ~~الأفضل، وإما ظالمين بتولية من غيره أولى بالخلافة، كيف وفي الحديث الذي ~~رواه الحاكم في «صحيحه»: «أنه من قلد رجلا عملا على عصابة وهو يجد في تلك ~~العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين». # وقد ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير ~~القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». # وهذه القصة كانت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ببضع عشرة سنة، فذلك ~~القرن الأول الذي هو أفضل قرون هذه الأمة، وقدموا عثمان، فإن كانوا مخطئين ~~أو ظالمين كان خيار هذه الأمة مخطئين في الإمامة أو ظالمين فيها. # والرافضة تقول: إنما قدموا غيره لأحقاد جاهلية وأضغان كانت في القلوب ~~عليه لأجل ms1331 جهاده في سبيل الله. فإن كانوا كذلك فهم من PageV07P267 # [شر] الخلق، وإذا كان خير هذه الأمة كذلك لم تكن هذه الأمة خير أمة أخرجت ~~للناس، بل تكون هذه الأمة من شرار الأمم! وهذا حقيقة قول الرافضة، وهذا ~~خلاف ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع. # وقد قال العلماء: إن الذي ابتدع الرفض كان زنديقا قصده إفساد دين الأمة، ~~قالوا: وكان يهوديا فأسلم اسمه عبد الله بن سبأ، وإليه تنسب السبئية. # وقد روي أن عليا طلب قتله وهرب منه. فإن عليا -عليه السلام- مذهبه عقوبة ~~أصناف الشيعة الغالية: بالقتل، والمفضلة: بالجلد، والسبابة: قد روي عنه ~~فيهم القتل. وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع. # وأما خلافة أبي بكر وعمر وثبوت فضلهما على عثمان وعلي وغيرهما؛ فدلائله ~~أكثر من أن تحصر، فقد ثبت في «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لعائشة: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه الناس ~~من بعدي». ثم قال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر». # وهذا الحديث المفسر يبين مراده بالحديث الآخر الصحيح PageV07P268 # وهو قوله: «ائتوني بدواة وقرطاس حتى أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا». # وفي «الصحيح» أن امرأة جاءته فقالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ كأنها تعنى ~~الموت. قال: «ائتي أبابكر». # وفي «السنن» أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي» يعني أبا بكر وعمر. PageV07P269 # وفي «الصحيح» أنه قال: «رأيت كأني أنزع على قليب فجاء ابن أبي قحافة فنزع ~~ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم أخذها ابن الخطاب ~~فاستحالت غربا، فلم أر عبقريا يفري فريه حتى صدر الناس بعطن». # قال الشافعي: أراد بضعف نزعه: قصر مدته لا ضعف همته. # وقد ثبت في الصحاح من غير وجه أنه قال: «لو كنت متخذا من أهل الأرض ~~[خليلا] لاتخذت أبا بكر خليلا». # وفي لفظ: «ولكن أخوة الإسلام، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة ~~أبي بكر». # فقد ثبت بهذا النص المتواتر عند الخاصة أنه لم يكن عنده من أهل الأرض ~~أرفع ms1332 درجة من أبي بكر. # وثبت في «الصحيح» عن علي أنه قال لما مات عمر: والله إني لأرجو أن يحشرك ~~الله مع صاحبيك، فإني كنت كثيرا ما أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«دخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر». PageV07P270 # وقال الرشيد لمالك: يا أبا عبد الله أخبرني عن منزلة أبي بكر وعمر من ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: منزلتها منه في حياته كمنزلتهما منه بعد ~~مماته. فقال: شفيتني يا مالك. # والواجب على من قال القول المذكور أن يعاقب عقوبة بليغة بعد الاستتابة، ~~إما بالقتل في أحد قولي العلماء، وإما بما دونه في القول الآخر. والله ~~تعالى أعلم. # تمت بحمد الله وعونه، والحمد لله رب العالمين. # # # # PageV07P271 ### | CHECK (9) مسألة في تفسير قوله تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت ...}، وتفسير آيات أخرى # مسألة في تفسير قوله تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت ...} # وتفسير آيات أخرى PageV07P273 # بسم الله الرحمن الرحيم # مسألة من كلام شيخ الإسلام وقدوة الأنام، تقي الدين -عرف بابن تيمية- ### || AUTO في قول الله تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة # } [النساء: 78]. # الجواب: # الحمد لله. # قوله تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} نزلت في ~~سياق الأمر بالجهاد والترغيب فيه، قال تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم ~~كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق ~~منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ~~لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا ~~تظلمون فتيلا (77) أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} ~~الآية [النساء: 77 - 78]. # فأخبر -سبحانه- أن كل أحد لا بد أن يموت، ولو كان في بروج مشيدة، ولا ~~ينفع الفرار من الموت والجهاد. # ثم قال: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا ~~هذه من عندك قل كل من عند الله} [النساء: 78]. كان المنافقون إذا PageV07P275 # أصابهم نصر ورزق يقولوا: هذا من عند ms1333 الله، وإن أصابتهم محنة تنقص في ~~الرزق أو تخوف من العدو قالوا: هذه من عندك يا محمد بشؤم الذي جئت به، فإنك ~~أمرتنا بمعاداة الناس وغير ذلك مما يوجب الضرر؛ فقال الله تعالى: {فما ~~لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} أي: لا يفقهون القرآن الذي أرسلت به، ~~وما فيه من الخير والهدى والشفاء والبيان، وأنه لا شر فيه. # ثم قال تعالى: {ما أصابك من حسنة} أي: من نصر ورزق ونحو ذلك {فمن الله} ~~نعمة أنعم بها عليك. {وما أصابك من سيئة} من خوف ونقص رزق واستيلاء عدو ~~{فمن نفسك} أي: بذنبك، كما قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30]. وقال تعالى: {وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33]. وقال تعالى: ~~{أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} ~~[الأنفال: 33] ونحو ذلك. # فالمراد بالسيئات والحسنات هنا: النعم والمصائب، كما قال PageV07P276 # تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} [الأنفال: 33]. وكما قال: {إن ~~تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} [آل عمران: 120]، والله أعلم. # ... # مسألة من كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية ### || AUTO في قوله تعالى عن سليمان عليه السلام: {قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب} # [ص: 35]. وسليمان كان منزها عن الدنيا لم يتناول منها شيئا، فلم تمنى الملك؟ # الجواب: الحمد لله. # قد قيل: إن سليمان -عليه السلام- إنما سأل ذلك معجزة وآية لنبوته، كما أن ~~من الأنبياء من كانت آيته الناقة، ومنهم من كانت آيته العصا، والحية، وفلق ~~البحر، وغير ذلك. ومنهم من كانت آيته إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ~~وغير ذلك. فكذلك آية سليمان هي الملك. # وقيل: إن سليمان سأل ذلك ليتمكن به من طاعة الله تعالى. # وقيل: إن ذلك من باب المباح إذا لم يكن فيه معصية، كما أن نبينا PageV07P277 # صلى الله عليه وسلم خير بين أن يكون عبدا رسولا، وبين أن يكون ملكا نبيا، ~~فاختار ms1334 أن يكون عبدا نبيا، وهذا أعلى. وسليمان اختار أن يكون نبيا ملكا، ~~قيل له فيه: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} [ص: 39]. فهذا جائز ~~والأول أفضل، وهي حال نبينا صلى الله عليه وسلم، والله أعلم. # ... # مسألة من كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية ### || AUTO في تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} # [التحريم: 8]. هل هذا اسم رجل كان على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ وما معنى قوله: (نصوحا)؟ # الجواب: # الحمد لله. # قال عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة والتابعين: التوبة النصوح: أن يتوب ~~العبد من الذنب ثم لا يعود إليه. PageV07P278 # ونصوح: هو صفة للتوبة، وهو مشتق من النصح والنصيحة. # وأصل ذلك هو الخلوص، يقال: فلان ينصح لفلان، إذا كان يريد له الخير إرادة ~~خالصة لا غش فيها. وفلان يغشه إذا كان باطنه يريد السوء، وهو يظهر إرادة ~~الخير، كالدرهم المغشوش. # ومنه قوله تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا ~~يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة: 91]. أي: أخلصوا لله ~~ورسوله قصدهم وحبهم. # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «الدين النصيحة، الدين ~~النصيحة»، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة ~~المسلمين وعامتهم». # فإن أصل الدين هو حسن النية وإخلاص القصد؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ~~«ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم ~~جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم». أي هذه الخصال الثلاث لا يحقد ~~عليها قلب المسلم، بل PageV07P279 # يحبها ويرضاها. # فالتوبة النصوح هي الخالصة من كل غش. وإذا كانت كذلك كانت ثابتة، فإن ~~العبد إنما يعود إلى الذنب لبقايا في نفسه، فمتى خرج من قلبه الشبهة ~~والشهوة لم يعد إلى الذنب. فهذه التوبة النصوح. وهي واجبة كما أمر الله تعالى. # ولو تاب العبد ثم عاد إلى الذنب قبل الله توبته الأولى، ثم إذا عاد استحق ~~العقوبة، فإن تاب تاب الله عليه أيضا. ولا ms1335 يجوز للمسلم إذا تاب ثم عاد أن ~~يصر، بل يتوب ولو عاد في اليوم مائة مرة. فقد روى الإمام أحمد في «مسنده» ~~عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يحب العبد PageV07P280 # المفتن التواب»، وفي حديث آخر: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع ~~استغفار». وفي حديث آخر: «ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم مائة مرة». # ومن قال من الجهال: إن (نصوحا) اسم رجل كان على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمر الناس أن يتوبوا كتوبته، فهذا رجل مفتر كذاب جاهل بالحديث ~~والتفسير، جاهل باللغة ومعاني القرآن، فإن هذا امرؤ لم يخلقه الله تعالى، ~~ولا كان من المتقدمين أحد اسمه (نصوح)، ولا ذكر هذه القصة أحد من أهل ~~العلم. ولو كان كما زعم الجاهل لقيل: توبوا إلى الله توبة نصوح، وإنما قال: ~~{توبة نصوحا}. فالنصوح هي التوبة لا التائب. PageV07P281 # ومن قال: إن المراد بهذه الآية رجل أو امرأة اسمه (نصوح)، وأنه كان على ~~عهد عيسى عليه السلام أو غيره؛ فإنه كاذب يجب عليه أن يتوب من هذا، فإن لم ~~يتب وجب عقوبته بإجماع المسلمين، والله أعلم. # تمت. # ... # مسألة من كلام شيخ الإسلام وعلامة الزمان تقي الدين ابن تيمية الحراني ### || AUTO في قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان} # [المائدة: 90]. # الجواب: # الحمد لله. # الخمر: هي المسكر، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام»، وقال: «كل مسكر خمر وكل مسكر حرام». ~~وقال: «كل شراب أسكر فهو حرام». # فكل ما أسكر كثيره فقليله حرام وهو خمر، سواء كان من العنب أو التمر أو ~~الحنطة أو الشعير أو العسل أو لبن الخيل أو غير ذلك. PageV07P282 # وأما الميسر: فهو القمار، وهو يجمع معنيين: # أحدهما: أكل المال بالباطل، كبيع الغرر، فإنه من الميسر. # والثاني: الأعمال التي فيها مغالبة بلا منفعة، تصد عن ذكر الله وعن ~~الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء، سواء كانت بعوض أو ms1336 بغير عوض؛ كاللعب ~~بالنرد والشطرنج ونحوهما، فإن ذلك كله من الميسر، كما فسر الآية بذلك علماء ~~السلف من الصحابة والتابعين. # وأما الأنصاب: فهي ما ينصب من التماثيل التي تعبد من دون الله. # وأما الأزلام: فهي ما يستقسم به، أي يطلب العبد علم ما قسم الله له به، ~~كما كانت العرب تستقسم بالحصى وبالقداح، وهي نشاب لا نصل له ولا ريش. وكما ~~يستقسم ناس بالقرعة المأمونية المكتوب عليها (أب ج د) فإن خرج الفرد غالبا ~~قالوا: (سعد)، وإن خرج الزوج غالبا قالوا: (نحس). # وهذا من فروع النجوم، فإن الكواكب إذا اتصلت على شكل مثلث أو مسدس، بأن ~~يكون بين الكوكبين ستون درجة أو مئة وعشرون درجة= جعلوا ذلك علامة على ~~السعادة. # وإن كان على شفع، مثل أن يكون بينهما تسعون درجة= فيقولون: PageV07P283 # «ربعة»، أو مئة وثمانون درجة، فيقولون: «قابلة». # أو يكونان على درجة واحدة، فيقولون: «قارنة»، جعلوا ذلك بخلاف الوتر، حتى ~~إذا كتب أحدهم: (ورنة) قطع حرفها لتصير مثلثة، فهذا من الاستقسام بالأزلام. # وكذلك الضرب بالشعير والحصى لطلب علم ما يكون. وكذلك النظر في الألواح. ~~فهذا وشبهه من الاستقسام بالأزلام. وهذه الأربعة كما قال تعالى: {رجس من ~~عمل الشيطان}. وقد أمرنا تعالى باجتناب هذا الرجس بقوله: {فاجتنبوه لعلكم ~~تفلحون} [المائدة: 90] والله أعلم. # ... # مسألة من كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية ### || AUTO في قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} إلى قوله: {وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق} # [المائدة: 3]. # الجواب: # الحمد لله. PageV07P284 # الميتة: ما مات حتف أنفه. # والدم: هو الدم المسفوح يحرم أكله. # ولحم الخنزير: أريد به تحريم أكل الخنزير، ولهذا ذكر اللحم، فإنه لو قيل: ~~(والخنزير) لظن أنه أريد تحريم قتله وأكله، كما في قوله: {وحرم عليكم صيد ~~البر} [المائدة: 96]. # والمنخنقة: وهي الشاة والعنز ونحوهما تنخنق بالحبل وغيره. # والموقوذة: وهي البهيمة والطائر يضرب بمثقل، كالحجر والطومار ونحو ذلك ~~مما يقتل بثقله لا بحده. # والمتردية: هي الدابة تتردى من مكان عال، كرأس الجبل والسطح. # والنطيحة: الدابة تنطحها أخرى، فتموت من النطح. # وما ms1337 أكل السبع: هي الدابة يأكلها ذئب ونحوه، فلا يباح ما بقي منها إذا ~~ماتت بأكله. # فإن كان في شيء من ذلك حياة مستقرة، فذكي، فجرى دمه وتحرك بعض أعضائه ~~أبيح. PageV07P285 # والأزلام: قد فسرت في جواب الآية الأخرى، والله أعلم. # # # # PageV07P286 ### | CHECK (10) مسألة في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا عدوى ولا طيرة ...))، وتسع مسائل أخرى # مسألة في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة ...» # وتسع* مسائل أخرى PageV07P287 # بسم الله الرحمن الرحيم # * سئل الشيخ الإمام العالم العلامة، الورع الزاهد أبو العباس أحمد ابن ~~تيمية عن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر» ~~مع ضبطهما. # * وهل حديث: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» متواتر اللفظ ~~والمعنى؟ # * وهل القرآن متواتر بأحرفه؟ # * وهل قراءة هؤلاء القراء المشهورين متواترة أم لا؟ # * وهل قراءة أبي جعفر ويعقوب متواترة؟ # * وهل تبطل الصلاة القراءة بالشاذ؟ # * وهل لو حلف رجل بالطلاق أن مذهب الشافعي خير من المذاهب الأربعة، وكذا ~~المالكي والحنفي والحنبلي، كل منهم حلف أن مذهبه خير من المذاهب الأربعة، ~~فهل يحنث واحد من هؤلاء أم يحنثوا جميعا؟ وما الحكم فيهم؟ PageV07P289 ### || CHECK لفظ الحديث: ((ولا هامة ولا صفر)) # * وهل النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه سبحانه وتعالى ليلة أسري به ~~بعيني رأسه أم بعين قلبه، ومع ذلك جمع اختلاف العلماء فيه بمذاهبهم؟ # * وهل تجوز اللعنة على اليهود والنصارى والرافضة وأهل البدع؟ وهل تجوز ~~لعنة كل شخص من هؤلاء بعينه واسمه؟ # أجاب: # الحمد لله. # * لفظ الحديث: «ولا هامة ولا صفر». ويجوز في إعرابه ما يجوز في إعراب: ~~«ولا طيرة». إن شئت قلت: «ولا هامة ولا صفر»، وإن شئت قلت «ولا هامة ولا صفر». # والهامة: ما كان بعض الجاهلية يعتقده من أن الميت إذا لم يؤخذ ثأره من ~~قاتله يخرج من قبره هامة. فنفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في بيان ما ~~نفاه من اعتقادات الجاهلية، وهو العدوى والطيرة. وكذلك قوله: «ولا صفر ولا غول». # وفي «الصفر» وجهان: # أحدهما: ms1338 أنه الشيء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فيؤخرون PageV07P290 ### || CHECK وأما قوله: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) # المحرم إلى صفر. # والثاني: أنه داء من الأدواء يصيب بطن الإنسان. # * وأما قوله: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» فمتواتر لفظا ~~ومعنى، لكنه متواتر عند الخاصة، وهم أهل العلم بالحديث، كما تواتر عندهم ~~سجود السهو، وفرائض الصلوات ونصبها، ونحو ذلك. # بخلاف الصلوات الخمس وعدد ركعاتها، وتعين البيت المحجوج إليه، والشهر ~~المفروض صومه، ونحو ذلك= فإن هذا من التواتر العام. كما تواتر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان بمكة، وهاجر إلى المدينة، ومات بها، ونحو ذلك. # * ### || AUTO فصل: والقرآن الذي بين لوحي المصحف متواتر # ، فإن هذه المصاحف المكتوبة اتفق عليها الصحابة، ونقلوها قرآنا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهي متواترة من عهد الصحابة، فعلم علما ضروريا أنها ما ~~غيرت. PageV07P291 ### || AUTO والقراءة المعروفة عن السلف الموافقة للمصحف تجوز القراءة بها # بلا نزاع بين الأئمة، ولا فرق عند الأئمة بين قراءة أبي جعفر ويعقوب ~~وخلف، وبين قراءة حمزة والكسائي وأبي عمرو و [ابن أبي] نعيم. # ولم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها: إن القراءة مختصة بالقراء السبعة، فإن ~~هؤلاء إنما جمع قراءاتهم أبو بكر بن مجاهد بعد ثلاثمئة سنة من الهجرة، ~~واتبعه الناس على ذلك، وقصد أن ينتخب قراءة سبعة من قراء الأمصار. ولم يقل ~~هو ولا أحد من الأئمة: إن ما خرج عن هذه السبعة فهو باطل، ولا إن قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» أريد به قراءة هؤلاء ~~السبعة. ولكن هذه السبعة اشتهرت في أمصار لا يعرفون غيرها كأرض المغرب، ~~فأولئك لا يقرؤون بغيرها لعدم معرفتهم باشتهار غيرها. PageV07P292 # فأما من اشتهرت عندهم هذه كما اشتهر غيرها، مثل أرض العراق وغيرها، فلهم ~~أن يقرؤوا بهذا وهذا. # * ### || AUTO والقراءة الشاذة # ، مثل ما خرج عن مصحف عثمان، كقراءة من قرأ (الحي القيام) [البقرة: 255]، ~~و (صراط من أنعمت عليهم) [الفاتحة: 7]، و (إن كانت إلا زقية واحدة) [يس: ms1339 ~~29]، (والليل إذا يغشى • والنهار إذا تجلى • والذكر والأنثى) [الليل: 1 - ~~3]، وأمثال ذلك= فهذه إذا قرئ بها في الصلاة ففيها قولان مشهوران للعلماء، ~~هما روايتان عن الإمام أحمد: # أحدهما: تصح الصلاة بها؛ لأن الصحابة الذين قرؤوا بها كانوا يقرؤونها في ~~الصلاة ولا ينكر عليهم. # والثاني: لا؛ لأنها لم تتواتر إلينا. وعلى هذا القول، فهل يقال: إنها ~~كانت قرآنا فنسخ، ولم يعرف الذي قرأ بها الناسخ. أو لم تنسخ ولكن كانت ~~القراءة بها جائزة لمن ثبتت عنده دون من لم تثبت، أو لغير ذلك؟ PageV07P293 # هذا فيه نزاع مبسوط في غير هذا الموضع. # * ### || AUTO وأما من قرأ بقراءة أبي جعفر ويعقوب ونحوهما # ، فلا تبطل الصلاة بها باتفاق الأئمة، ولكن بعض المتأخرين من المغاربة ~~ذكر في ذلك كلاما وافقه عليه بعض من لم يعرف أصل هذه المسألة. # * ### || AUTO فصل: وأما حلف كل واحد أن أفضل المذاهب مذهب فلان # ، فهذا إن كان كل منهم يعتقد أن الأمر كما حلف عليه؛ ففيها قولان، ~~أظهرهما: لا يحنث واحد منهم، والثاني: يحنثون إلا واحدا منهم، فإن حنثه ~~مشكوك فيه، لجواز أن يكون صادقا، ولجواز كونهم سواء فيحنثون كلهم. # وإذا حنثوا إلا واحدا منهم وقد وقع الشك في عينه؛ فهل هو كما لو قال أحد ~~الرجلين: إن كان غرابا فزوجته طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غرابا فزوجته ~~طالق، وهذه فيها قولان في مذهب أحمد وغيره: # أحدهما: لا يقع بواحد منهما طلاق، وهو مذهب الشافعي وغيره، لكن يكف كل ~~منهما عن وطء زوجته، قيل: حتما، قيل: ردعا. PageV07P294 # والقول الثاني: أنه يقع بأحدهما، كما لو كان الحالف واحدا وأوقعه بإحدى ~~زوجتيه، وعلى هذا فهل تخرج المطلقة بالقرعة، أو يقف الأمر؟ على قولين أيضا ~~في مذهب أحمد، والوقف قول الشافعي. والصحيح: أن من حلف على شيء يعتقده كما ~~حلف عليه فتبين بخلافه؛ فلا طلاق عليه. # وأما مالك فإنه يحنث الجميع ولو تبين صدق الحالف، بناء على أصله فيمن حلف ~~على ما لا يعلم صحته، كما لو حلف أنه يدخل الجنه. والنزاع ms1340 فيها كالنزاع في ~~أصل تلك المسألة. # وجمهور العلماء لا يوقعون الطلاق لأجل الشك، ومالك يوقعه لعدم علم الحالف ~~بما حلف عليه، فهذه كما لو حلف واحد على ما لا يعلمه ولم يناقضه غيره، مثل ~~أن يحلف أن مذهب فلان أفضل، وهو غير عالم بذلك. # * ### || AUTO فصل: وأما الرؤية # ؛ فالذي ثبت في «الصحيح» عن ابن عباس أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده ~~مرتين. وعائشة أنكرت الرؤية، PageV07P295 # فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت ~~رؤية الفؤاد. والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد، ~~تارة يقول: رأى محمد ربه، وتارة يقول: رأى محمد. ولم يثبت عن ابن عباس لفظ ~~صريح بأنه رآه بعينه. # وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل ~~أحد إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه ~~المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم ~~منه رؤية العين. # وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ~~ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما ~~في «صحيح مسلم» عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ~~ربك؟ فقال: «نور أنى أراه». # وقد قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} [الإسراء: ~~1]. ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. PageV07P296 ### || CHECK واللعنة تجوز مطلقا لمن لعنه الله ورسوله، وأما لعنة المعين ... # وكذلك قوله: {أفتمارونه على ما يرى} [النجم: 12]، {لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى} ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. # وفي «الصحيحين» عن ابن عباس في قوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا ~~فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن} [الإسراء: 60] قال: هي رؤيا عين ~~أريها رسول الله صلى الله عليه ms1341 وسلم ليلة أسري به. # وهذه رؤيا الآيات؛ لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك ~~فتنة لهم حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه، وليس في ~~شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ~~ما هو دونه. # وقد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاق سلف الأمة: أنه لا يرى الله أحد في ~~الدنيا بعينه، إلا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبينا صلى الله عليه وسلم ~~خاصة. واتفقوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عيانا كما يرون الشمس ~~والقمر. # * واللعنة تجوز مطلقا لمن لعنه الله ورسوله، وأما لعنة المعين فإن PageV07P297 # علم أنه مات كافرا، جازت لعنته. # وأما الفاسق المعين فلا تنبغي لعنته؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يلعن عبد الله حمار الذي كان يشرب الخمر، مع أنه قد لعن شارب الخمر عموما. ~~مع أن في لعنة المعين إذا كان فاسقا أو داعيا إلى بدعة نزاعا. وهذه المسألة ~~قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع، ولكن هذا ما وسعته الورقة، والله أعلم. # # # # PageV07P298 ### | CHECK (11) مسألة في الرمي بالنشاب # مسألة في الرمي بالنشاب PageV07P299 # قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية تغمده الله برحمته: # مسألة في الرمي بالنشاب والبندق، وما اصطلحوا عليه من الرسوم في ~~الأستاذية: # الجواب: الحمد لله رب العالمين. # الرمي بالنشاب من الأعمال الصالحة التي أمر الله بها ورسوله، قال الله ~~تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم} [الأنفال: 60]. # وثبت في «صحيح مسلم» عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ~~قرأ هذه الآية على المنبر وقال: «ألا إن القوة الرمي»، وفي «الصحيح» أيضا ~~أنه قال: «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي [من] أن تركبوا، ومن تعلم ~~الرمي ثم نسية فهي نعمة جحدها»، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل لهو يلهو به ~~الرجل باطل إلا رميه بقوسه، أو تأديبه فرسه، أوملاعبته امرأته، فإنهن PageV07P301 # من الحق». وكان النبي ms1342 صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرمون بالنشاب. # فصل: ويجوز فيه الرهان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا سبق إلا ~~في ثلاث: خف أو حافر أو نصل». # وأما الرمي بالبندق، ويسمى الرمي بالجلاهق، فلم يكن السلف يفعلونه، ولكن ~~أحدثه بعض الناس في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فنهى عنه أمير ~~المؤمنين. # وذكر بعض العلماء أنه من أعمال قوم لوط. # وما قتله البندق فهو وقيذ، وقيل: لا يحل أكله باتفاق الأئمة الأربعة، PageV07P302 # بخلاف ما قتله النشاب، فإنه إذا سمى الله وقتل به حل أكله باتفاق علماء ~~المسلمين. # والأمور التي ابتدعها رماة البندق من الأيمان التي يسمونها أيمان البندق= ~~من البدع التي لا أصل لها في الشريعة، لا سيما ما يذكر عنهم أنهم يحلفون ~~بالله ويكذبون، ويحلفون بأيمان البندق ويصدقون، فإن هذا ليس من فعل من يؤمن ~~بالله واليوم الآخر. لا سيما إذا حكم حاكمهم -حاكم الجاهلية الذين يحكمون ~~بغير ما أنزل الله- إذا حلف بالله يمينا فاجرة لا يهددونه، وإذا حلف ~~بالبندق يمينا كاذبة يهددونه. وهذا حكم من لا يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر. # وكذلك القوانين التي وضعوها بمنزلة الشريعة، ويقدمون فيها أكابرهم، ~~يسألونهم فيفتوهم، ويحكمون بينهم بغير ما أنزل الله، بل يحكم بجهالته، من ~~جنس يساق التتر، وسوالف الأعراب، وشر من ذلك. وقد قال تعالى: {ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]. # وحكامهم يحكمون بالجهل وبغير ما أنزل الله، يرفعون من لم يأمر الله ~~ورسوله برفعه، ويخفضون من لم يأمر الله ورسوله بخفضه، PageV07P303 # ويسقطون ويجرمون من خالف بعض قوانينهم المبتدعة. # ولم يكن السلف يرمون بالبندق، ولا يفعلون شيئا من هذه البدع؛ لأن ~~الاجتماع على رمي البندق كثير الشر والضرر، قليل الخير والمنفعة؛ فإنه لم ~~يهزم عدو برمي البندق، ولا فتحت به مدينة، ولا قام به دين، وقتيله لا يحل ~~أكله، لا سيما وأكثر ما يرمونه من الطير لا يحل أكله. # والمقصود بالرمي عدو يقتله أو صيد يأكله، وهذا لا يقصد به عدو يقتله ولا ~~صيد ms1343 يأكله، بل الافتخار بالباطل الذي [لا] ينفع. # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى أن يتخذ شيء فيه الروح ~~غرضا، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم من يفعل ذلك، فنهى أن يجعل الطير ~~والبهيمة غرضا يقصد برمي الأغراض التي تنصب للرمي، فإن ذلك تعذيب للحيوان PageV07P304 # بغير مصلحة راجحة، وهذا لا يجوز، فإن الله تبارك وتعالى إنما أباح تعذيب ~~الحيوان بالذبح والركوب، لما في ذلك من مصلحة بني آدم، فإذا جعل الطير هدفا ~~يرمى إليه، كان ذلك تعذيبا له بغير مصلحة راجحة. # ورماة البندق لا يقصدون بالرمي ذكاة الطير ليؤكل، وإنما يقصدون الإصابة، ~~من جنس ما [يتخذ] لرمي الأغراض والأهداف، وهذا لا يجوز. بل لو قصد قوم أن ~~يرموا الطير بالنشاب لمجرد إصابة الطير من غير قصد الذكاة لم يجز ذلك. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قتل عصفورا بغير حقه ~~جاء يوم القيامة وأوداجه تشخب دما». ولفظه: «من قتل عصفورا عبثا جاء يوم ~~القيامة وله جؤار إلى الله يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني»، وفي لفظ: «من ~~قتل عصفورا بغير حقه سأله الله عنه يوم القيامة». رواه أحمد، PageV07P305 # وروي عنه صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى عن قتل الحيوان لغير مأكلة». ~~وهؤلاء يقتلون الطير لغير مأكلة وبغير حقه، بل عبثا ولعبا بالباطل. # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في «الصحيح»: أنه نهى عن الخذف وقال: «إنه ~~لا يصيد صيدا ولا ينكأ عدوا، ولكن يفقؤ العين ويكسر السن»، فدل ذلك على أن ~~ما كان من الرمي لا يقصد به الصيد ولا ينكأ به عدو= فهو ينهى عنه. ورمي ~~البندق لا يقصد به نكاية عدو، فإن غالب ما يقتلونه بالبندق لا يحل أكله، ~~ولا يعرف أنه فتح مدينة برمي البندق، ولا هزم به عدو، ولا قام به دين، ~~وإنما يقصد أصحابه التقدم بأمر لا منفعة فيه للمسلمين لا في دينهم ولا ~~دنياهم. # وأيضا فرمي البندق تنفق فيه الأموال لا في مصلحة دين ولا ms1344 دنيا، PageV07P306 # ويصدهم ذلك عما ينفعهم في الدين والدنيا، ويوقع بينهم الشر، ويجرهم إلى ~~الاختلاء لفعل الفواحش وفساد الأولاد المسلمين، قل من يصحبهم من الأحداث ~~إلا كان عند المسلمين معيبا ناقص الحرمة، من جنس المجتمعين بقاعات العلاج، ~~فإن سيرة الطائفتين مذمومة عند عامة المسلمين، والله أعلم. # # # # PageV07P307 ### | CHECK (12) مسألة في قوله تعالى: {فإن استقر مكانه فسوف تراني}، ومسائل أخرى مختلفة # مسألة في قوله تعالى: {فإن استقر مكانه فسوف تراني} # ومسائل أخرى مختلفة PageV07P309 # مسألة: # * قوله تعالى: {فإن استقر مكانه فسوف تراني} [الأعراف: 143]، هل استقرار ~~الجبل ممكن أم لا؟ # * وهل هذا الكلام محظور أم لا؟ ومن قال: إن استقرار الجبل ممكن، هل تلزمه ~~عقوبة أم لا؟ # * وعلى من قال: السماع بالدف والشبابة وما هو الغالب على الناس، هو على ~~الناس حرام وعلي حلال، هل يفسق أم لا؟ وهل يكون قليل المروءة ساقط العدالة أم لا؟ # * وصلاة الرغائب والمعراج وألفية نصف شعبان وغيرها من صلوات الأيام ~~والليالي، هل ورد فيها حديث صحيح أو ضعيف، وهل هي سنة أو بدعة؟ # * وهل يسن تخصيص الجمعة بقيام أم لا؟ # * وهل إذا مات ضفدع في مائع كالعسل والدبس ونحوه أم هو مما لا نفس له ~~سائلة؟ PageV07P311 # * ومن قال: أنت طالق إن دخل زيد الدار، فدخل زيد ناسيا، هل تطلق أم لا؟ # * وإذا باعه غرارة حنطة بثمن نسيئة، فعند حلول الأجل هل له أن يأخذ حنطة ~~بالثمن أكثر مما أعطى أم لا؟ # * وهل قبل الجمعة سنة أم لا؟ فإنا نرى الروياني ذكر في «الحلية» أن قبل ~~الجمعة سنة، وذكرها صاحب «المنهاج» في منهاجه، رواها أبو محمد البغوي في ~~«تفسيره»: أن ابن عمر كان يصلي قبل الجمعة ركعتين. ورفع الحديث. أفتونا ~~مأجورين رضي الله عنكم. # فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه فقال: # الحمد لله رب العالمين. # * ### || AUTO إن كان مراد القائل: على أن يجعل الجبل مستقرا، وأن يري نفسه لموسى # ، فالله قادر على ذلك. وإن كان مراده أن الجبل استقر وأن موسى رأى ربه، ~~فهذا كاذب مفتر، مخالف الكتاب ms1345 والسنة والإجماع، يستتاب فإن تاب وإلا قتل. # وقد أجمع سلف الأمة على أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة، وقد أجمعوا على ~~أنهم لا يرونه في الدنيا بعيونهم، وثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «واعلموا أن أحدا منكم لن يرى PageV07P312 # ربه حتى يموت». # * ### || AUTO ومن ادعى أن المحرمات تحريما عاما كالفواحش والظلم والملاهي، حرام على الناس حلال له # ، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وإن ادعى في الدفوف أنها حرام على بعض ~~الناس دون بعض، فهذا مخالف للسنة والإجماع ولأئمة الدين، وهو ضال من ~~الضلال، وإن أصر على اتباع هواه كان فاسقا. # * ### || AUTO وصلاة الرغائب بدعة # باتفاق أئمة الدين، لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من ~~خلفائه الراشدين، ولا استحبها أحد من أئمة الدين كمالك والشافعي وأحمد وأبي ~~حنيفة والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم، والحديث المروي فيها كذب ~~بإجماع أهل المعرفة بالحديث. # وكذلك الصلاة التي تذكر أول ليلة الجمعة من رجب، وفي ليلة المعراج، ~~وألفية نصف شعبان، وكذلك الصلوات التي تذكر في يوم الأحد والاثنين وغيرهن ~~أيام الأسبوع. وإن كان قد ذكر هذه الصلاة PageV07P313 ### || CHECK وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام ...)) # طائفة من المصنفين في الرقائق والفضائل والفقه، فلا نزاع بين أهل المعرفة ~~بالحديث أن أحاديثها موضوعة، ولا نزاع بين أهل المعرفة بالفقه أن هذه لم ~~يستحبها أحد من أئمة الدين، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام ولا يوم ~~الجمعة بصيام». والأحاديث التي تذكر في إحياء ليلة الجمعة وليلة العيدين ~~كذب على النبي صلى الله عليه وسلم. # * ### || AUTO والضفدع إذا مات في ماء قليل # ، فإن كان لها دم يسيل، ففي نجاسته نزاع بين العلماء، فمذهب أبي حنيفة: ~~لا ينجس، ومذهب الشافعي وأحمد: ينجس. # وليس هذه مسألة ما لا نفس ms1346 له سائلة لم ينجس عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ~~ومالك وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي، فإن كان هذا في العسل ونحوه لم ينجسه، ~~وأما الأول إذا كان في العسل فإن كان جامدا ألقي وما حوله، وإن كان مائعا ~~ففيه قولان للعلماء وإحدى الروايتين عن PageV07P314 # أحمد ومالك، فإن حكم المائعات حكم الماء، وهذا هو الأظهر في الدليل. # * ### || AUTO وإذا قال لامرأته: إن دخلت الحجرة فأنت طالق، ودخلت ناسية # ، لم يقع الطلاق في أظهر قولي العلماء، وهو مذهب أهل المدينة، كعمرو بن ~~دينار وابن جريج وغيرهما، وهو أظهر قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد. # * ### || AUTO فأما إذا باع حنطة إلى أجل واعتاض عن ثمنها بحنطة # ، فهذا فيه نزاع، فمذهب مالك وأحمد أنه يجوز، والأظهر أنه إذا كان في ذلك ~~رفق بالمشتري، مثل أن لا يكون عنده إلا حنطة يحتاج أن يبيعها ويوفي ثمنها، ~~وإعطاء الحنطة أرفق به جاز، وإن لم يكن أرفق وإلا فلا. # * ### || AUTO وليس قبل الجمعة سنة راتبة # عن النبي صلى الله عليه وسلم ركعتان معدودة في وقت مخصوص، بل الذي جاءت ~~به السنة: أن يصلي قبلها ما تيسر من حين يدخل المسجد. ومذهب مالك لا سنة ~~لها، وكذلك الذي عليه الشافعي وجمهور أصحابه، وكذلك المشهور عن أحمد، ولكن ~~القول PageV07P315 # عن أبي حنيفة وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد: أن قبلها سنة، قيل: ركعتان، ~~وقيل: أربع. # ومن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي يوم الجمعة بعد الزوال ~~وقبل الصلاة سنة فقد كذب عليه. فإن الثابت الصحيح أنه كان لا يؤذن على عهده ~~إلا أذانه على المنبر، وقبل ذلك لا أذان، ولم يصل سنة قبل الخروج. والله أعلم. # # # # PageV07P316 ### ||| CHECK مسألة: في أهل الذمة إذا أظهر أحد منهم الأكل في رمضان، وأكل بين المسلمين، هل ينهون عن ذلك أم لا؟ ### || AUTO [مسائل فقهية مختلفة] # مسألة في أهل الذمة إذا أظهر أحد منهم الأكل في رمضان، وأكل بين ~~المسلمين، هل ينهون عن ذلك أم لا؟ # الجواب: بل ينهون عن ذلك، ms1347 فإن هذا من المنكرات في دين الإسلام، كما ينهون ~~عن إظهار شرب الخمر وأكل الخنزير، والله أعلم. # ... ### ||| AUTO مسألة: في الدعاء بعد الصلوات الخمس للإمام والمأمومين جميعا هل هو مشروع أم لا؟ # الجواب: الحمد لله. # دعاء الإمام والمأمومين جميعا بعد الصلوات الخمس ليس مأمورا به في الكتاب ~~والسنة، ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، ولا استحبه أحد من الأئمة ~~الأربعة. لكن لو دعا الإنسان في نفسه عقيب الصلاة جاز ذلك، سواء كان إماما ~~أو مأموما أو منفردا. # والدعاء قبل السلام في الصلاة هو الأفضل، كما جاءت بذلك الأحاديث ~~الصحيحة، فإن المصلي يناجي ربه، فإذا دعا حال إقباله كان خيرا من دعائه بعد ~~انصرافه. PageV07P317 # والسنة بعد السلام أن يذكر الله تعالى، كما جاءت به الأحاديث، مثل أن ~~يسبح ثلاثا وثلاثين ويختم بالتوحيد، والله أعلم. # ... ### ||| AUTO مسألة: في وقوع الفأرة في اللبن الحليب واللبن المجمد والزيت وغيره من المائعات هل ينجس أم لا؟ # الجواب: الحمد لله. # إذا وقع الفأر الميت أو غيره من النجاسات في الأطعمة والأشربة ونحو ذلك ~~غير الماء، فإن كان جامدا ألقاه وما حوله -باتفاق الأئمة- وأكل الباقي، وإن ~~كان مائعا ففيه قولان، أحدهما: أنه ينجس جميعه، والثاني: أنه كالماء، فإن ~~كان كثيرا ألقاه وما حوله وأكل الباقي. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وإحدى ~~الروايتين عن مالك، وهذا هو الذي دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فإنه ثبت عنه في «الصحيح»: أنه سئل عن فارة وقعت في سمن؟ فقال: ~~«ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم». ولم يفرق بين أن يكون جامدا أو مائعا. # والحديث الذي ورد فيه حديث ضعيف، كما بسط في PageV07P318 # موضعه، وإن كان المائع قليلا فقد قيل: إنه طاهر أيضا، وقيل: إنه يضم إليه ~~كثيرا، فإذا كان الكل قنطارا فالجميع طاهر. والله أعلم. # ... ### ||| AUTO مسألة: في الكلب إذا ولغ في اللبن أو غيره ما الذي يجب في ذلك؟ # الجواب: الحمد لله. # الكلب تنازع فيه العلماء على ثلاثة أقوال: # أحدهما: أنه طاهر حتى ريقه، وهذا ms1348 مذهب مالك. # والثاني: نجس حتى شعره، وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد. # والثالث: أن شعره طاهر وريقه نجس، وهذا هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى ~~الروايتين، وهذا أصح الأقوال. # فإذا أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك، وإذا ولغ في الماء ~~أريق الماء. وإن ولغ في اللبن ونحوه: فمن العلماء من يقول: يؤكل ذلك الطعام ~~كقول مالك وغيره. ومنهم من يقول: يراق، كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. ~~فأما إن كان اللبن كثيرا فالصحيح أنه لا ينجس، كما تقدم، والله أعلم. # *** PageV07P319 ### ||| AUTO مسألة: في الحية والعقرب وذوات السموم إذا وقعت في المجمدات والمائعات، هل تنجس أم لا؟ # الجواب: الحمد لله. # إذا وقعت هذه الحيوانات في ماء أو مائع وخرجت حية لم تنجس ذلك، في ~~المشهور من مذاهب الأئمة. وقد قال بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره: إنه ~~ينجس لملاقاة أدبارها لذلك، وهذا ضعيف، فإن الحيوان إذا وقع في الماء ضم ~~دبره، لكن قال الأطباء: إن في ذلك سما يضر، ترك لأجل الضرر، وإلا فلا نجاسة ~~فيه، والله أعلم. # ... ### ||| AUTO مسألة: في لحوم الخيل هل فيها كراهية أم لا؟ # الجواب: الحمد لله. # لحوم الخيل حلال عند جمهور العلماء كالشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد، وقد ~~ثبت في «الصحيح»: أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح عام خيبر لحوم الخيل، ~~وحرم لحوم الحمر الأهلية. وثبت أن الصحابة نحروا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرسا وأكلوا لحمه. PageV07P320 # وأما الوضوء من لحمها كالوضوء مما مسته النار، وهذا ليس بواجب عند الأئمة ~~الأربعة لكنه مستحب في أصح القولين، والله أعلم. # ... ### ||| AUTO مسألة: في التوضؤ من لحوم الإبل هل يجب أم لا؟ وما العلة في ذلك؟ # الجواب: الحمد لله. # في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: أنتوضأ من لحوم ~~الإبل؟ قال: «نعم»، قيل: أنصلي في أعطان الإبل؟ قال: «لا»، قيل: أنتوضأ من ~~لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ»، قيل: أنصلي في مرابض ~~الغنم؟ ms1349 قال: «نعم». # فأمر بالوضوء من لحمانها ونهى عن الصلاة في أعطانها؛ لأنها شياطين ~~الأنعام، وعلى كل ذروة بعير شيطان، فأعطانها مأوى الشياطين أو الشيطان، ومن ~~أكل لحمها ولم يتوضأ يبقى فيه قوة شيطانية تورثه الحقد وغير ذلك من مساوئ ~~الأخلاق، فإذا توضأ زال شرها، والله أعلم. # *** PageV07P321 ### ||| AUTO مسألة: هل تفعل تحية المسجد في أوقات النهي أم لا؟ # الجواب: الحمد لله. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ~~ركعتين»، فإذا دخل [وقت] نهي فهل يصلي؟ # على قولين للعلماء، لكن أظهرها أنه يصلي؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن الصلاة بعد الفجر، وبعد العصر قد خص منه صور كثيرة، وخص من نظيره، ~~وهو وقت الخطبة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أحدكم المسجد ~~والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي». فإذا أمر بالتحية في وقت الخطبة ففي هذه ~~الأوقات أولى. والله أعلم. # ... ### ||| AUTO مسألة: في مباشرة المصلي بجبهته هل يجب أم لا؟ # الجواب: الحمد لله. PageV07P322 ### ||| CHECK قال شيخ الإسلام بحر العلوم تقي الدين ابن تيمية رحمه الله في ((القاعدة الشرعية)) # إن كان له عذر كبرد الأرض أو حرها أو غدد بجبهته يحتاج معه إلى العصابة ~~ونحو ذلك= كان له أن لا يباشر المصلى، ولا ينبغي تركه، والله أعلم. # ... # قال شيخ الإسلام بحر العلوم تقي الدين ابن تيمية رحمه الله في «القاعدة ~~الشرعية»: # - لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجهر بالبسملة، وليس في ~~الصحاح ولا في السنن حديث صحيح صريح، والأحاديث الصريحة كلها ضعيفة بل ~~موضوعة. # - وقال أيضا: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على صلاة الضحى ~~باتفاق أهل العلم بسنته، ومن زعم من الفقهاء أن ركعتي الضحى كانتا واجبتين ~~عليه، فقد غلط، والحديث الذي يذكرونه: «ثلاث هن علي فريضة وهن لكم تطوع: ~~الوتر والتحية وركعتا الضحى». حديث موضوع. # - العارية مضمونة في حال: وهو أن الشخص إذا اكترى بهيمة PageV07P323 # وأعارها، ثم تلفت أنه يضمن، حكاه بعضهم. ms1350 # - حديث: «الحمية رأس الدواء، وعودوا كل جسد بما اعتاد». هذا حديث موضوع ~~وليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام بعض أطباء ~~العرب، وهو الحارث بن كلدة. بفتح [اللام] والدال. # - وقد روى عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأيت أحدا أنزع للآية من كتاب الله ~~عز وجل من مالك، سأله رجل عن اللعب بالشطرنج؟ فقال: أمن الحق هو؟ قال: لا. ~~قال: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس: 32]. وعن علي رضي الله عنه: ~~الشطرنج ميسر العجم. وأن ابن عباس رضي الله عنه ولي مال يتيم فأحرقها. PageV07P324 # - وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: رجل صالح ولا يأخذ بالحديث! فقال أبي: لا ~~يقال لهذا صالح ولا كرامة. # - ذكر إسحاق بن منصور أنه قال لأبي عبد الله: نمر على قوم وهم يلعبون ~~بالنرد والشطرنج نسلم عليهم؟ قال: ما هؤلاء بأهل أن يسلم عليهم. # # # # PageV07P325 ### | CHECK (13) مسألة في باب الصفات، هل فيها ناسخ ومنسوخ أم لا؟ # مسألة في باب الصفات # هل فيها ناسخ ومنسوخ أم لا؟ PageV07P327 # مسألة: في آيات الصفات هل فيها ناسخ ومنسوخ أم لا؟ وإذا تكلم فيها ~~الإنسان عليه إثم أم لا؟ # الجواب: الحمد لله رب العالمين. # ليس فيها ناسخ ولا منسوخ باتفاق المسلمين، وفي سائر ما أخبر الله به عن ~~مخلوقاته، كقصص الأنبياء، ومن آمن بهم واتبعهم، وأمثال ذلك من الأخبار. فإن ~~الخبر عن ذلك لو دخله نسخ لكان كذبا، والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # ولكن النسخ يدخل في الأمر والنهي، والخبر الذي في معنى الأمر والنهي، ~~كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228]، ونحو ذلك. # وأما الخبر الذي هو بمعنى الوعيد كقوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] فقد تنازع الناس هل يدخل فيه النسخ ~~كما نضقل عن كثير من السلف والخلف أو لا يدخله كما قاله طائفة من الناس؟ ~~على قولين. # ولكن آيات الصفات فيها ما قد يفهم بعض الجهال منه خلاف ms1351 مراد الله ورسوله، ~~مثل من يفهم من قوله: {وهو معكم} [الحديد: 4] أن الله PageV07P329 # ممتزج بالخلق، أو يفهم من: {أأمنتم من في السماء} [الملك: 16] أن الله في ~~جوف الأفلاك، أو يفهم من قوله: {ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54] أنه ~~مفتقر إلى العرش لحمله، أو يفهم من صفاته ما هو مماثل لصفات المخلوقين، مثل ~~أن يفهم من قوله: {وهو السميع البصير} [الشورى: 11] أنه كسمع المخلوق ~~وبصره، أو في قوله: {غضب الله عليهم} [المجادلة: 14]، أنه غليان دم القلب ~~لطلب الانتقام. وأمثال ذلك مما قد يظن بعض الناس أن هذا هو مدلول الخطاب ~~وظاهره. # فيجب أن ينسخ من قلب هذا الجاهل ما ألقى الشيطان في نفسه من القول الباطل ~~الذي ظن أنه مدلول كتاب الله، ثم يبين له أن هذا ليس هو مراد الله من ~~كتابه، ولا هو مدلول خطابه، ولا مدلول هداه وبيانه. قال الله تعالى: {فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته} [الحج: 52]. # فمن كان في نفسه اعتقاد باطل من آيات الصفات، وجب أن ينسخ من قلبه ذلك ~~الاعتقاد الفاسد، ويبين له أن كتاب الله هدى وشفاء ونور وبيان، لم يدل على ~~ذلك المعنى الفاسد. PageV07P330 # ومن تكلم بآيات الصفات كما جاءت على طريقة سلف الأمة وأئمتها فلا شيء ~~عليه، ومن تكلم فيها بالباطل؛ إما بالتحريف والتعطيل، وإما بالتكييف ~~والتمثيل، فإنه ينهى عن ذلك، فإن لم ينته وإلا عوقب على ذلك حتى ينتهي. إذ ~~الواجب في ذلك أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، من غير ~~تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. # قال نعيم بن حماد الخزاعي: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف ~~الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها. # فمذهب السلف بين مذهب الجهمية المعطلة النافية للصفات، وبين مذهب الممثلة ~~التي تمثل الخالق بالمخلوقات. # والله تعالى بعث رسله يخبرون عنه بإثبات مفصل ونفي مجمل، وأعداء الرسل من ~~المتفلسفة ونحوهم يصفونه بنفي مفصل وإثبات ms1352 مجمل. # كما أخبر الله في كتابه: أنه {بكل شيء عليم}، {وهو على كل شيء قدير}، PageV07P331 # وأنه {غفور رحيم}، وأنه {عزيز حكيم}، وأنه {سميع بصير}، وأنه {خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام}، وأنه كلم موسى تكليما، وأنه يحب المتقين، ~~ويغضب على الكافرين، وأمثال ذلك من آيات الإثبات. # وقال تعالى في النفي: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، {هل تعلم له سميا} ~~[مريم: 65]، {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] {فلا تجعلوا لله أندادا} ~~[البقرة: 22] وأمثال ذلك. # وأما أعداء الرسل فيقولون: ليس بكذا ولا كذا ولا كذا، ثم يقولون في ~~الإثبات: إنه موجود مطلق لا يتميز عن غيره بصفة ولا نعت، أو ذات بلا صفات. # والعقل الصريح يعلم أن الوجود المطلق أو الذات المجردة عن الصفات لا ~~حقيقة لها في الخارج عن الذهن، ولا يتصور وجود شيء مطلق، لا آدمي ولا فرس ~~مطلق ولا حيوان مطلق! فمن قال: إن الرب سبحانه وتعالى هو وجود مطلق، فقد ~~عطله وأبطل أن يكون سبحانه وتعالى موجودا، وكان في الحقيقة موافقا لفرعون ~~الذي قال: {وما رب العالمين} [الشعراء: 23]. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع، ~~والله أعلم. # # # # PageV07P332 ### | CHECK (14) مسألة: في قول أبي حنيفة في ((الفقه الأكبر)) في الاستواء # مسألة: في قول أبي حنيفة # في «الفقه الأكبر» في الاستواء PageV07P333 # مسألة: فيمن أورد مسألة من «الفقه الأكبر» لأبي حنيفة رحمه الله، أن قوله ~~تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ينفي أن الله فوق السموات فوق ~~العرش، وأن الاستواء على العرش دل على أنه نفسه فوق العرش. فأنكروا عليه ~~وقالوا: هذا كفر. وأيضا: لا يجوز أن يقال عن الله «نفسه» فيكون تشبيها، فهل ~~هو كفر أم لا؟ # الجواب: الحمد لله. # من كفر أبا حنيفة ونحوه من أئمة الإسلام الذين قالوا: إن [الله] فوق ~~العرش، فهو أحق بالتكفير؛ فإن أئمة الإسلام الذين أجمع المسلمون على ~~هدايتهم ودرايتهم، ولهم في الأمة لسان صدق من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ~~كالخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر [وعثمان] وعلي، وابن مسعود وابن عباس ~~ونحوهم، ومثل سعيد بن PageV07P335 # المسيب والحسن البصري ms1353 وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح، ومثل مالك ~~والثوري والليث بن سعد والأوزاعي وأبي حنيفة، ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد، وأمثال هؤلاء= من كفرهم فقد خالف إجماع الأمة ~~وفارق دينها، فإن المؤمنين كلهم يعظمون هؤلاء ويحسنون القول فيهم، وتكفيرهم ~~هو من جنس قول الرافضة الذين يكفرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا نفرا قليلا، ومن جنس الخوارج الذين يكفرون عثمان وعلي بن أبي طالب ومن ~~والاهما من المسلمين، فيقتلون أهل الإسلام ويدعون عبدة الأوثان. # وهؤلاء قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فيهم من غير وجه، قال ~~فيهم: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا ~~يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما ~~لقيتموهم [فاقتلوهم] فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة». # وهذا القول المذكور عن أبي حنيفة هو قول سائر أئمة المسلمين من الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم ممن سميناهم ومن لم نسمهم، كلهم متفقون على أن الله فوق ~~سماواته على عرشه. لم يقل أحد منهم: إن الله بذاته في الأرض، ولا أنه ليس ~~فوق العرش. PageV07P336 # والقرآن والسنة المتواترة قد دلت على مثل ما أجمع عليه هؤلاء الأئمة رضي ~~الله عنهم، والعقول والفطرة تشهد بذلك؛ فإن الله سبحانه كان قبل أن يخلق ~~السموات والأرض ثم خلقهما، ولا يجوز أن يكون خلقهما ثم دخل فيهما؛ فإنه ~~سبحانه مقدس عن ذلك. فعلم أنه خلق الخلق ولم يدخل فيهم، بل هو بائن عن ~~الخلق، وهو عليم بأحوالهم، كما قال: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من ~~السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4]. # قال ابن عبد البر: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين أخذ عنهم تفسير ~~القرآن على أن معنى الآية: أنه مع الخلق بعلم وهو فوق العرش، وما خالفهم في ~~ذلك أحد يحتج بقوله. # وأما قول ms1354 القائل: لا يجوز أن يقال عن الله: «نفسه» فيكون تشبيها. # فهذا ضال مفتر، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ فإن الله تعالى قال: ~~{كتب ربكم على نفسه} [الأنعام: 54]، وقال لموسى: {واصطنعتك لنفسي} [طه: ~~41]، وقال تعالى: {ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: 30]، وقال المسيح عليه ~~السلام: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} [المائدة: 116]. PageV07P337 # وقد ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «سبحان ~~الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه». وفي «الصحيح» ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أحد أحب إليه المدح من الله، من ~~أجل ذلك مدح نفسه». # وفي «صحيح مسلم» أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده: ~~«اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا ~~أحصي ثناء عليك، أنت كما اثنيت على نفسك». # وفي «الصحيحين» أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله: ~~أنا عند ظن عبدي المؤمن، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في ~~نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت ~~إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته ~~هرولة». # وفي «صحيح مسلم» عن أبي ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ~~وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا». PageV07P338 # وفي «الصحيحين» عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لما خلق الله الخلق كتب ~~كتابا على نفسه فهو موضوع عنده فوق العرش: أن رحمتي تغلب غضبي». وجاء هذا ~~من أحاديث لا تحصى. [وأمثال ذلك مما لا يحصى وهذا مما اتفق عليه المسلمون]. # وقد ذهب طائفة من المنتسبين إلى السنة: أن النفس لله كسائر الصفات ~~الخبرية، والمشهور عند أهل السنة وجمهور الناس: [أن] نفسه هو سبحانه، فإذا ~~قال: (الاستواء) دل على أنه نفسه فوق ms1355 العرش، فلم يرد بهذا اللفظ معنى آخر ~~بل هو سبحانه نفسه، والعرب تقول: رأيت فلانا نفسه، وفلانا عينه، فيكون ذلك ~~توكيدا له، أي رأيته هو ولم أر غيره. فإذا قال: «على أنه نفسه فوق العرش» ~~كان توكيدا للكلام، أي هو فوق العرش ليس الذي فوق العرش غيره. # وهذا لا ينازع فيه مسلم، فمتى قال: «إن الله فوق العرش» [أراد] أنه نفسه ~~فوق العرش، لم يقل: إن الذي فوق العرش شيء غيره. وقد قال سبحانه وتعالى: ~~{إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم PageV07P339 # استوى على العرش} [يونس: 3]، والذي خلق السموات هو الذي استوى على العرش، ~~والذي خلق هو نفسه، والذي استوى هو نفسه. # وقد ذكر غير واحد إجماع أهل السنة والجماعة على أن الله نفسه استوى على ~~عرشه موافقا لما قاله أبو حنيفة. ومن ينازع في ذلك وزعم أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم لم يعرج به إلى ربه، وزعم أنه ليس فوق السموات رب يعبد، ولا إله ~~يصلى له ويسجد، وأنه ليس هناك إلا العدم المحض والنفي الصرف. وهذا قول ~~الجهمية الضالة الذين يؤول قولهم إلى جحد الصانع وإنكار الخالق. تعالى الله ~~عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وأما قول الجاهل: إن هذا تشبيه. فيقال له: التشبيه المنفي عن الله ليس هو ~~بالموافقة في الأسماء، فإن الله تعالى قد سمى نفسه وسمى بعض عباده فقال: ~~{الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255]، ~~وقال: {لينذر من كان حيا} [يس: 70]، وسمى نفسه: سميعا بصيرا، وقال: {إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} إلى قوله: {إن الله كان سميعا ~~بصيرا} [النساء: 58]، وسمى الإنسان: سميعا بصيرا فقال: {إنا خلقنا الإنسان ~~من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا} [الإنسان: 2]. وسمى نفسه PageV07P340 # بالرؤوف الرحيم فقال: {إن الله بالناس لرءوف رحيم} [الحج: 65]، وسمى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بالرؤوف الرحيم فقال: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز ~~عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128]، [وكذلك ms1356 سمى ~~نفسه عليما حليما] وسمى بعض [عباده] بالعليم وبالحليم كما قال: {فبشرناه ~~بغلام حليم} [الصافات: 101]، وفي موضع: {بغلام عليم} [الحجر: 53]، وسمى ~~نفسه الملك فقال: {الملك القدوس السلام} [الحشر: 23]، وسمى بعض خلقه بالملك ~~فقال: {وقال الملك ائتوني به} [يوسف: 50]، وسمى نفسه ب {العزيز الجبار ~~المتكبر} [الحشر: 23]، وسمى بعض خلقه العزيز: {قالت امرأة العزيز} [يوسف: ~~51]، وسمى نفسه ب (المؤمن)، وسمى بعض خلقه بالمؤمن، فقال تعالى: {وقال رجل ~~مؤمن} [غافر: 28]، وأمثال هذا. # ومعلوم أن هذا باتفاق المسلمين لا يقتضي أن يكون مثل خلقه؛ لأن الله ليس ~~كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، {لم يلد ولم يولد (3) ~~ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 3 - 4]، PageV07P341 # {فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} [مريم: 65]. # فإذا كانت هذه الأسماء دالة على الصفات لا توجب ما ينفى عنه من التشبيه ~~بخلقه، فكيف اسم «النفس» يوجب التشبيه المنفي عنه!؟ # وليس في هذا الإسم من الدلالة على الصفات ما في تلك الأسماء؛ فإن هذا ~~الإسم يقال لكل موجود، لو قال: هذا الكون نفسه، وهذا الكوكب نفسه، وهذا ~~الإنسان نفسه، فهو بمنزلة الذات والشيء ونحو ذلك من الأسماء العامة. # ومعلوم أن التشبيه بالأسماء التي تكون لبعض الأحياء أولى منه بالأسماء ~~العامة التي تطلق على كل شيء، فإذا كانت الأسماء الخاصة لا يقع بالموافقه ~~فيها من التشبيه ما يجب نفيه عن الله تعالى، فكيف بالأسماء العامة؟ ~~والمسلمون نفوا التشبيه عن الله، مثل الشيء يجوز عليه [ما يجوز عليه]، ويجب ~~له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه؛ فلو كان لله مثل للزم أن يجب لكل ~~منهما القدم والحدوث والإمكان والوجوب والعدم، وذلك جمع بين النقيضين وهو محال. # فوجب نفي التشبيه عن الله لأنه محال في العقل، والله سبحانه وتعالى قد ~~تنزه عنه بقوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]. PageV07P342 # وأما التشبيه بأسمائه التي سمى بها نفسه، وإن تسمى بها بعض المخلوقين، ~~فهذا ليس بمحال في شرع ولا عقل. ومن قال: إن هذا تشبيه يجب نفيه عن الله؛ ~~فهو ms1357 كاذب مفتر ضال باتفاق سلف الأمة وأئمتها. والله أعلم. # # # # PageV07P343 ### | CHECK (15) مسألة في العلو # مسألة في العلو PageV07P345 # مسألة: في رجلين تكلما في مسألة العلو، فقال أحدهما: إن الله سبحانه ~~وتعالى فوق العرش. وقال الآخر: من قال: إن الله فوق السماء فقد كفر. بينوا ~~لنا الصواب؟ # الجواب: الحمد لله. # أما القائل الأول فقد أصاب فيما قال، ولا إنكار عليه باتفاق سلف الأمة ~~وأئمتها، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري والأوزاعي ~~والليث بن سعد، وشيوخ المسلمين، كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ~~والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم. # اللهم إلا أن يقترن بذلك من الاعتقاد أو القول ما لا يجوز؛ مثل أن يعتقد ~~أن الله مفتقر إلى العرش ومحتاج إليه، أو يمثل استواءه باستواء المخلوقين، ~~فمن قال ما يوجب افتقار الله إلى شيء من المخلوقات، فهو ضال مخطئ مخالف ~~للشرع والعقل. # والله سبحانه وتعالى خلق المخلوقات وجعل بعضها فوق بعض ولم يجعل عاليها ~~سافلها، فإنه سبحانه -وله الحمد- خلق السماء فوق الأرض وليست السماء مفتقرة ~~إلى الأرض، وخلق العرش فوق السموات وليس هو مفتقرا إلى السموات، بل جعل ~~العرش PageV07P347 # فوق الجنة كما ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«إذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، وسقفها عرش ~~الرحمن». فكيف يكون رب السموات ورب الأرض [و] رب العرش مفتقرا إلى العرش أو ~~إلى السموات؟ # بل جاء في الحديث: إن الله لما خلق العرش وأمر الملائكة بحمله، قالوا: ~~ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك؟ فأمرهم أن يقولوا: لا حول ولا قوة إلا ~~بالله، فأطاقوا حمل العرش. # فالملائكة الذين أخبر الله عنهم أنهم يحملون العرش، كما قال سبحانه ~~وتعالى: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ~~ويستغفرون للذين آمنوا} [غافر: 7]، وهم لا يطيقون حمله إلا بقوة الله ~~سبحانه وتعالى، فهو سبحانه رب كل شيء ومليكه وخالقه، وكل ما سواه -العرش ~~فما دونه- مفتقر إليه. وهو سبحانه القيوم الصمد، القيوم عن كل ms1358 ما سواه مع ~~أنه بائن عن مخلوقاته، ليس هو في مخلوقاته بل هو فوق سماواته على العرش ~~بائن من خلقه. PageV07P348 # وكذلك من قال: إن استواءه على العرش كاستواء المخلوق على المخلوق، فإنه ~~بمنزلة من يقول: إن سمعه كسمع المخلوق، وبصره كبصر المخلوق، وكلامه مثل ~~كلام المخلوق، ويده مثل يد المخلوق. وهذا كلام أهل التشبيه والتمثيل، وهم ~~من أهل الأباطيل. # وأما الذي قال: «من قال: إن الله في السماء فقد كفر». فقد أخطأ بإجماع ~~سلف الأمة وأئمتها؛ فإنهم متفقون على أنه لا يكفر أحد بإطلاق هذا القول. ~~فإن هذا قد ثبت إطلاقه في الكتاب والسنة، واتفق على ذلك سلف الأمة، قال ~~الله تعالى: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) أم ~~أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} [الملك: 16 - ~~17]. وقد ثبت في الصحيح والسنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجارية: ~~«أين الله»؟ قالت: في السماء، قال: «من أنا»؟ قالت: رسول الله. قال: ~~«أعتقها فإنها مؤمنة». # فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قالت الجارية: إن الله في السماء، شهد لها ~~بالإيمان؛ فمن شهد لقائل ذلك بالكفر، فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، كما قال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ~~ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم PageV07P349 # وساءت مصيرا} [النساء: 115]. وثبت في «الصحيح» أنه قال: «ألا تأمنوني ~~وأنا أمين من في السماء». وصح عنه أنه قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ~~ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». ونظائر هذا كثير. # ولكن إن قال من قال: إن الله في السماء ويقرن بذلك اعتقادا فاسدا وقولا ~~باطلا، مثل أن يظن أن معنى ذلك أن الله في السماء كما أن الشمس والقمر في ~~السماء والأفلاك محيطة به ونحوه، فمن اعتقد أن في قول الله ورسوله ~~والمؤمنين: «إن الله في السماء» أنه في جوف الأفلاك= فهو ضال مخطئ؛ فإنه قد ~~ثبت بالمنصوص ms1359 والمعقول أن الله فوق العرش، فكيف تكون السماء التي تحت العرش ~~تحيط به وتحويه؟ # وقد قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: 67]، ثم يهزهن ويقول: «أنا الملك أنا ~~الملك أين ملوك الأرض؟». وفي رواية: PageV07P350 # «يدحوها كما تدحى الكرة». # وقال ابن عباس: ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في ~~يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم. وقد قال تعالى: {وسع كرسيه السماوات ~~والأرض ولا يئوده حفظهما} [البقرة: 255] أي: لا يثقله ولا يكرثه. # فإذا كان الكرسي قد وسع السموات والأرض -وقد جاء في الحديث: أن الكرسي في ~~العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والله فوق العرش- فكيف تحويه السموات وتحصره ~~وتحوزه!؟ # وقد قال تعالى: {فسيروا في الأرض} [آل عمران: 137]، وقال: {ولأصلبنكم في ~~جذوع النخل} [طه: 71]، وقال: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في ~~الأرض} [المائدة: 26]، ومع هذا فهؤلاء ليسوا في جوف الأرض ولا جوف الجذوع، ~~بل هم عليها وفوقها. # ولفظ «السماء» يراد به العلو مطلقا، ويراد به الأجسام المخلوقة، PageV07P351 # والله تعالى فوق المخلوقات. يقول المسلمون: «إن الله في السماء»، أي فوق ~~العلو فوق العرش، ليس معناه أن المخلوقات تحوزه وتحيط به، بل هو العلي ~~الأعلى، وهو العلي العظيم، وهو أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، سبحانه ~~وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # ومن كفر من قال: «إن الله في السماء» من غير أن يقترن هذا القائل بقوله ~~كفر؛ فهذا المكفر أحق بالتكفير؛ فقد نص الأئمة الكبار على كفر من أنكر ذلك، ~~كما نص على ذلك أبو حنيفة في كتاب «الفقه الأكبر»، وقال: «من أنكر أن الله ~~في السماء فقد كفر». # وقال الإمام أبو بكر بن خزيمة -وهو أجل من يعتمد عليه من أصحاب الشافعي ~~في السنة والحديث- قال: من لم يقل: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من ~~خلقه، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وألقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ~~ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة. # وكلام السلف والأئمة ms1360 في تكفير من ينكر أن الله فوق العرش ونحو ذلك، كثير ~~مشهور منتشر، ولم ينكر أحد منهم ذلك فضلا عن تكفير قائله. PageV07P352 # لكن إذا كان المنكر لذلك والمكفر لقائله ممن يعذر بالجهل لعدم علمه لما ~~في ذلك من النصوص والإجماع وكلام السلف والأئمة، كونه ظن أن ذلك يقتضي نقصا ~~في حق الله لاحتياجه إلى المخلوقات، وكونها أعظم منه وأكبر ونحو ذلك، فلا ~~يكفر مثل هذا حتى تبين له الحجة التي يكفر مخالفها، فإن المسلم قد يخطئ ~~ويغلط في فهم القرآن والسنة، أو في إنكار ما لم يبلغه من ذلك، وليس كل من ~~أخطأ وغلط بكافر. والله أعلم. # # # # PageV07P353 ### | CHECK (16) معنى حديث: ((من تقرب إلي شبرا ...)) # معنى حديث: «من تقرب إلي شبرا ...» PageV07P355 # وأما قوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه: «من تقرب إلي شبرا تقربت ~~إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته ~~هرولة». # فجوابه من وجوه: # أحدها: أن يعلم أولا أن هذا الحديث ليس فيه إخبار مطلق عن الله بمشي ~~وهرولة، وإنما هو معلق بفعل العبد، مذكور على سبيل الجزاء والمقابلة، فقال: ~~«من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ~~ومن أتاني يمشي أتيته هرولة». # فتقرب العبد إلى ربه [لو كان] مقدرا بالمساحة متضمنا للمشي، أمكن أن يقول ~~القائل: فظاهر هذا الحديث أن تقرب الرب كذلك، وإن كان العبد يعلم أن تقربه ~~إنما هو [بإيمانه]، وعمله الصالح، فكيف يظن في تقرب الرب ما لا يظنه في ~~تقربه بنفسه؟! # والغرض اقتراب أحد المتقربين بالآخر، أو ذكره لأحدهما على PageV07P357 # سبيل الجزاء على الآخر والثواب له، وأن الأول شرط لغوي، وهو سبب معنوي، ~~والمسبب من جنس السبب. # فهذا التركيب والتأليف يوجب أن لا يدل الثاني ولا يفهم ما يعلم أن الأول ~~لم يدل عليه ولم يفهمه. فكيف يظن أن يكون ظاهر ما حكاه عن ربه هو ما ينزه ~~نفسه عنه؟! # الوجه الثاني: أنا نحن فقد قدمنا تقرب الله من عبده وقربه ms1361 منه، وأن ذلك ~~جائز عند السلف وأكثر الخلف من أهل الحديث والفقهاء ومتكلميهم، والأشعري ~~وغيرهم، وذكرنا بعض الألفاظ في ذلك، وإتيانه ومجيئه ونزوله ودنوه وغير ذلك، ~~فلم يكن القرب عليه ممتنعا، [وهو] عندهم في الجملة حق. # وإذا كان كذلك سلكوا الجواب المركب، فقالوا: أي نص فرض، فإما أن يكون ~~ظاهره يدل على القرب، أو لا يكون ظاهره يدل على PageV07P358 # القرب، فإن كان الأول، لم يكن حمله على ظاهره ممتنعا، ولم يكن صرفه ~~واجبا. وإن كان ظاهره لا يدل على قربه بنفسه، لم يكن أيضا محتاجا إلى الصرف ~~عن الظاهر الذي يسمونه: التأويل، فلا يرد عليهم نقض على التقديرين. # فيقال: هذا الحديث إن كان ظاهره قرب الرب بنفسه، فذاك ممكن، فإن لم يكن ~~هذا ظاهره، فلا حاجة إلى صرفه عن ظاهره. # ثم كثير منهم يقولون: ليس ظاهره القرب بنفسه، وإنما هو مثل ضربه؛ لأن ~~جزاءه أعظم من عمل العبد. وأخرج ذلك على وجه المقابلة فقال: «من تقرب إلي ~~شبرا تقربت إليه ذراعا» والذراع ضعف الشبر. «ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه ~~باعا» والباع ضعف الذراع. «ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» والهرولة ضعف المشي. # قالوا: ومعلوم أن إتيان العبد ربه وتقربه إليه لا يحتاج إلى مشيه، فقد ~~يكون بإيمان وعلم. وهذا قول كثير ممن يفر عن هذا الحديث، ويقول: هذا الحديث ~~معناه ظاهر ليس من أحاديث الصفات. # ومنهم من يخالف هؤلاء*. PageV07P359 # ومن أهل العلم والكلام الناصرين للسنة من يقول في هذا الحديث ونحوه: إنه ~~مصروف عن ظاهره، كما ذكره عبد العزيز المكي في «الرد على الجهمية ~~الزنادقة». # قال عبد العزيز: باب الأحاديث التي نزعوها من القرآن وجهلوا معناها. فمن ~~ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما حمل على أليق المعاني به، ولم ~~يحمل على ظاهره: قوله صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، ~~قال: فلم يحمل على ظاهره؛ لأن العرب تعقل أن الفراش لا ولد له ولا والد، ~~لكن المعنى فيه عندنا: أن الولد لصاحب الفراش، لا يشك ms1362 فيه أحد. # ومثله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: لو ~~أتاني عبدي بقراب الأرض خطيئة أتيته بقرابها -أي ملئها- مغفرة ما لم يشرك ~~بي شيئا، ومن دنى مني شبرا دنوت منه ذراعا، ومن دنا مني ذراعا دنوت منها ~~باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة». فعقلوا ما خاطبهم به النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أن العبد لا يمشي إلى ربه، وربه لا يهرول إليه، وإنما أريد ~~بذلك: PageV07P360 # من دنا مني بالعمل الصالح بقدر شبر أتيته بالثواب قدر ذراع، والذراع أكثر ~~من الشبر وكذلك من الباع. وقال: «من أتاني يمشي»، يقول: يسارع إلي بالعمل ~~الصالح، أسرعت إليه بالثواب. يريد بالهرولة الثواب، لا أن الهرولة أسرع من ~~المشي، يقول: ثوابي أكثر من عمله. # فهذا مما لا يحمل على ظاهره وما كان مثله؛ فمن الحديث ما يكون معناه في ~~باطنه، ومنه ما يكون معناه في ظاهره. # فهذا الذي قاله في معناه تقوله طائفة من الناس وتنازعهم فيه طوائف، ~~فيجعلون معنى الحديث قدرا زائدا على الثواب، كما تقدم في القرب. # وأما كون ذلك وفق الظاهر أو خلاف الظاهر ففيه أيضا نزاع، كما تنازعوا في ~~أن ما ظهر معناه في العقل هل يقال: إنه خلاف الظاهر؟ كما في قوله: {وأوتيت ~~من كل شيء} [النمل: 23]، كما ظهر معناه بالتركيب والسياق. # كذلك ما ذكره من حديث الفراش، فإنه قد ثبت في «الصحيح»: «الولد لصاحب ~~الفراش»، وأحد اللفظين يفسر الآخر، والمعنى من الحديث ظاهر، بل نص لا يحتمل ~~معنيين، ولكن بعض الفقهاء اعتقد أن الفراش اسم للزوج خاصة، حتى أخرج السيد ~~المتسري، وجمهور PageV07P361 # الفقهاء على العموم لهما، كما جاء ذلك منصوصا في تنازع سعد بن أبي وقاص ~~وعبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة، فأشهر الأحاديث وأصحها التي قال فيها ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش»، كان في سيد واطئ وليدة لا في ~~زوج، فلا يجوز إخراج ذلك من الحديث. # ولكن وجه دلالة اللفظ على المعنى هل هو من باب حذف المضاف ms1363 أو من باب ~~الاستعارة وتسمية صاحب الفراش: فراشا، كما تسمى المرأة: إزارا، ويسمى كل من ~~الزوجين لباسا للآخر؟ # أو أن تكون الإضافة على ظاهره، وإضافته إلى الفراش تقتضي أن يكون ~~لصاحبها؟ هذه الأمور مما تكلم الناس فيها من غير أن يكون ظاهر الحديث الذي ~~يظهر للمستمعين: أن الفراش ولدت الولد. # وفي الجملة فتنازع الناس في مثل هذه المعاني هل هو مخالف للظاهر أو ~~موافقه معروف؟ فإن كانت مخالفة للظاهر، فلا بد أن يكون في الأدلة الشرعية ~~ما يدل على المعنى الصحيح. # وقد قدمنا غير مرة: أن ما ترك ظاهره من القرآن والحديث بقرآن أو حديث، ~~فهذا مما لا نزاع فيه، وهو مما تسميه السلف: الناسخ والمنسوخ، فهذا هذا. ~~والله أعلم. # *** PageV07P362 # قال الناسخ: نقل من خط الشيخ الإمام شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين أحمد ~~ابن تيمية بحضور ترجمانه ولسان قلمه: الشيخ شمس الدين أبي عبد الله بن ~~رشيق، والمقابلة عليه وهو ممسك بأصل الشيخ رحمه الله، والشيخ سليمان يقرأ، ~~وذلك في ثالث شهر جمادى الأولى من شهور سنة ست وثلاثين وسبعمائة. # # # # PageV07P363 ### | CHECK (17) مسألة في إثبات التوحيد والنبوات بالنقل الصحيح والعقل الصريح # مسألة في إثبات التوحيد والنبوات بالنقل الصحيح والعقل الصريح PageV07P365 # بسم الله الرحمن الرحيم # سئل الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ~~بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني رحمه الله ورضي عنه عن ~~العقل قبل ورود الشرائع، هل هو حجة أم لا؟ وإذا لم يكن حجة فبم تثبت ~~النبوات؟ وبم استدل إبراهيم عليه السلام حين قال: {هذا ربي}؟ # فأجاب عنه: الحمد لله رب العالمين. # العقل يراد به الغريزة التي جعلها الله في الإنسان، ويراد به العلوم ~~والأعمال التي تستفاد بهذه الغريزة. والعقل شرط في الإيمان بالله ومعرفة ~~كتبه ورسله، لا يحصل العلم والإيمان بدون العقل، ولكن الحجة التي يعذب الله ~~من خالفها تثبت بالرسل، كما قال تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل} [النساء: 165]، وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ms1364 ~~[الإسراء: 15]، وقال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم ~~نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم ~~إلا في ضلال كبير} [الملك: 8 - 9]. فقد أخبر تعالى أن كل من ألقي في النار ~~جاءه نذير. PageV07P367 # والرسل صلوات الله عليهم وسلامه إذا بلغوا الناس رسالات ربهم، فإنه بما ~~جعل الله في الناس من العقول، وبما أتوا به من الآيات يعرف صدق الرسل ويحصل ~~الإيمان بهم، وبمجرد العقل قد يعرف الإنسان أن له خالقا، ويعرف بعض صفاته، ~~وأما التفاصيل التي جاءت بها الرسل فلا تعرف إلا من جهتهم، كما قال تعالى: ~~{وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: 52]، وقال تعالى: {قل إن ~~ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} [سبأ: 50]. # ومحمد صلوات الله عليه وسلامه كان أكمل الناس عقلا، وكان مقرا بربه عز ~~وجل قبل النبوة، ومع هذا فقد قال: {وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} [سبأ: ~~50]، وقال الله تعالى له: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورى: ~~52] وهو الإيمان بالغيب الذي جاء به جبريل عليه السلام، الذي لم يكن يعرفه ~~قبل هذا. # وتعريف الرسل على وجهين: تارة تنبه القلوب وترشدها وتذكرها بما فيها، ~~فيعلم الإنسان بعقله ونظره واستدلاله الذي دله عليه الرسول وأرشده إليه ما ~~أخبره به الرسول، ولا يكون في هذا مقلدا للمخبر ولا PageV07P368 # مستفيدا له بمجرد خبره، بل بالنظر والاستدلال العقلي الذي أرشده إليه ~~الرسول، كما بين الله تعالى في القرآن الدلائل الدالة على وحدانيته، وصدق ~~رسله، وإمكان المعاد، وإثبات صفاته. # والرسل صلوات الله عليهم وسلامه لما جاءوا بالآيات والبراهين عرف صدقهم ~~بالنظر والاستدلال بالعقل. # والتعريف الثاني: أن تخبرهم الرسل بما لا تهتدي إليه عقولهم، بهذا ~~يعرفونه بإخبار الرسول؛ لكونهم استدلوا بالعقل على صدق الرسول بالآيات ~~الدالة على صدقه. وإبراهيم عليه الصلاة والسلام وغيره من الأنبياء والرسل ~~استدلوا بالدلائل العقلية ms1365 والبراهين اليقينية، وكانوا مرشدين للناس إلى ~~الاستدلال بها، وهو الطريق الأول من طريق تعريف الرسل عليهم السلام. # فقول القائل في العقل: هل هو حجة؟ إن أراد به هل يعرف بالعقل شيء من ~~العلوم الإلهية وغيرها بدون الرسل، فلا ريب أن العقول يعرف بها كثير من ~~العلوم مع قطع النظر عن الشرائع. # وإن أراد به هل تقوم الحجة على العباد بمجرد عقولهم، فيعاقبهم الله على ~~كفرهم لمخالفتهم مجرد العقل، من غير أن يبعث الله إليهم رسولا؟ فالذي عليه ~~جمهور المسلمين: أن الله تعالى لا يعذب أحدا PageV07P369 # حتى يبعث إليه رسولا، كما نطق بذلك الكتاب والسنة. وإذا جاء الرسول ~~بالآيات ثبت الوجوب، ولزم العباد أن يؤمنوا به، واستحقوا الذم والعقاب إذا ~~لم يؤمنوا، سواء نظروا أو لم ينظروا، فالوجوب لا يتوقف على النظر باتفاق ~~الناس، وشرط العقاب التمكن من العلم والعمل. والعبد متمكن من معرفة صدق ~~الرسول، فإذا لم ينظر ولم يعلم كان مفرطا مستحقا للعقاب. # وقول السائل: بم تثبت النبوات؟ # فثبوتها في نفس الأمر بإنباء الله للأنبياء وإرساله الرسل. وأما ثبوتها ~~في أنفسنا وعلمنا بها بالآيات والبراهين التي جاءت بها الأنبياء عليهم ~~السلام، فاستدللنا بعقولنا بتلك الأدلة والآيات على صدقهم، كما يستدل بكل ~~دليل صحيح على مدلوله. # وقوله: بم استدل به إبراهيم عليه السلام؟ # فيقال: استدل بالأدلة العقيلة، لكنه استدل بالأفول -الذي هو الاحتجاب ~~والمغيب- على أن من كان كذلك لا يصلح أن يتخذ ربا، فإن قومه كانوا يعبدون ~~الكواكب والأصنام لظنهم أن ذلك ينفعهم، وكانوا يشركون بالله، ولم يكونوا ~~منكرين للصانع. # ولا أراد إبراهيم بقوله: {هذا ربي} أن هذا خالق السموات والأرض؛ فإن هذا ~~لا يقوله عاقل، ولم يقله أحد من بني آدم، ولا استدل بالحركة والانتقال على ~~انتفاء هذا المطلوب، بل ما زال الكوكب من PageV07P370 # حين رآه إلى أن أفل سائرا وهو لا يستدل بحركته على شيء، وإنما استدل ~~بالأفول والاحتجاب. # وكان الواحد منهم يتخذ له كوكبا يعبده يستجلب بذلك نفعه، وكانت الشياطين ~~تتنزل عليهم وتخاطبهم، كما يحصل لأهل دعوة ms1366 الكواكب. فبين الخليل عليه ~~السلام أن المعبود الذي يستحق العبادة هو الذي يكون حيا قيوما عالما قادرا ~~مدبرا لعباده في كل وقت، فإنه لا يستغنى عنه في وقت من الأوقات، والآفل ~~المحتجب الذي ليس بشهيد على عابده، ولا بسميع لأقواله، ولا قادر على ~~تدبيره= لا يصلح لذلك. فهذا ونحوه وجه حجة إبراهيم. # ولهذا لما حاجه قومه قال: {قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) ~~وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 80 - 82]، وقال ~~تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك ~~حكيم عليم} [الأنعام: 83]، وقال تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ~~ربه أن آتاه الله الملك} [البقرة: 258]. PageV07P371 # وإنما حاجه إبراهيم بالدليل والنظر والعقل لا بمجرد الخبر السمعي، ولا ~~يقول عاقل: إنه يعلم بخبر المخبر ما يخبر به قبل أن يعلم أنه صادق في خبره، ~~ولكن كثير من النظار يظنون أن الاستدلال بالكتاب والسنة، والاستدلال بسائر ~~كلام الأنبياء إنما هو بمجرد خبرهم، قالوا: فلا بد أن نثبت بالأدلة العقلية ~~قبل ذلك أنهم صادقون، وهذا كلام صحيح، لكنهم غلطوا من وجهين: # أحدهما: ظنهم أن الرسل لم تبين للناس من الأدلة العقلية ما يعرفون به ~~إثبات الصانع، وصدق رسله. وهذا غلط عظيم، فإن الرسول إذا دعا قوما إلى ~~الله، فلا تتم دعوته إلا بأن يبين ما يعرف به صدقه، ولا يعرف صدقه إلا بأن ~~يعرف الصانع، وتقوم الآيات على صدق رسله، فكيف يتوهم أن الرسل إنما قادوا ~~الناس بمجرد أخبار لا دليل على صدقها! وهل يظن هذا بالرسل إلا من هو مفرط ~~في الجهل، بل الرسل بينوا للناس ما يعرف صدقهم، والقرآن مملوء من البراهين ~~والآيات الدالة على صدق الرسل، بل وعلى إثبات ms1367 الصانع، وقدرته وعلمه ~~ووحدانيته وسائر المقدمات التي يظن أن العلم بصدق الرسول موقوف عليها. # الوجه الثاني: أن هؤلاء سلكوا في إثبات الصانع وتصديق الرسول طرقا متبدعة ~~ليست هي الطرق التي جاءت بها الأنبياء، فكانت تلك الطرق مبتدعة في الدين ~~ليست هي طرق المرسلين التي علموها للناس ودعوهم بها. PageV07P372 # ثم إن تلك الطرق البدعية لها لوازم، فاحتاج من استدل بها أن يلتزم ~~لوازمها، فإن ثبوت الملزوم بدون اللازم ممتنع. وكانت لها لوازم تناقض كثيرا ~~مما جاء به الرسول، فصار هؤلاء يريدون إثبات صدق الرسول بما يستلزم تكذيب ~~الرسول. وصار كثير من الناس الذين عرفوا أن طرقهم طرق مبتدعة في الشرع، ~~يعتقدون أنها مع ذلك طرق صحيحة تعرف صحتها بالعقل، وإن لم تكن طرقا شرعية. ~~ورأوا معارضتها لكثير مما أخبر به الرسول، فصاروا حائرين إن أبطلوا تلك ~~الطرق ظنوا أنهم أبطلوا الأصول العقلية التي ثبت بها صدق الرسول، وإن ~~صححوها لزمهم تكذيب كثير مما جاء به الرسول. # فمن صحح تلك الطرق التزم إما تحريف ما جاء به الرسول، وإما الإعراض عن ~~تدبره وفهمه. # وأما من كان له خبرة بحقائق تلك الطرق المبتدعة، فإنه علم أنها -كما هي ~~بدعة في الشرع فهي باطلة- ليست أصولا للعلم بما جاء به الرسول، بل هي ~~مناقضة لما جاء به الرسول، مع مناقضتها لصريح المعقول، وهم زعموا أنهم ~~أثبتوا بها أن الله خالق لهذا العالم، وأنه قادر عالم، وأنه متكلم، فيكون ~~إرساله للرسول ممكنا مقدورا. # ومن كان له خبرة بحقائق الصفات علم أن العلم بكون الرب خالقا PageV07P373 # لهذا العالم، وأنه قادر عالم متكلم منزل للقرآن مرسل للرسول، إما ثبت ~~بإبطال هذه الأصول المبتدعة، وإما بإبطال اعتقاد صحتها، فإنه مناقض للعلم ~~الذي هو أصول الدين، التي بها يعلم صدق الرسول. # وهذه الجملة لها تفصيل مبسوط في غير هذا الموضع. والله أعلم. # # # # PageV07P374 ### | CHECK (18) قاعدة مختصرة في الحسن والقبح العقليين # قاعدة مختصرة # في الحسن والقبح العقليين PageV07P375 # بسم الله الرحمن الرحيم # وهو حسبي # الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ms1368 ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده لله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تسليما. # فصل في الحكم العقلي # فالأفعال إما شرعية وإما عقلية، لكن العقل كاشف لحكمها لا مثبت له، ~~والشارع مثبت وكاشف. ومن الناس من يقول: بل هو مثبت فقط، ومنهم من يقول: بل ~~هو كاشف فقط. # وأحكام الأفعال هي المعروفة بمسألة الحسن والقبح العقليين، فإنها من أصول ~~المسائل التي يفرعون عليها أمورا كثيرة. وقد اضطرب الناس فيها، فلكل من ~~أصحاب أحمد ومالك والشافعي فيها قولان، والحنفية يقولون بها، وذكوا ذلك ~~أيضا عن أبي حنيفة، ولأهل الحديث فيها قولان، وقد ذكر أبو نصر السجزي، وأبو ~~القاسم سعد بن علي الزنجاني: أن نفيهما مما أحدثه الأشعري. وذكر أبو الخطاب ~~أن PageV07P377 # إثبات ذلك قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو قول كثير من النظار المثبتة ~~للقدر كالكرامية وغيرهم، وهو قول المعتزلة وغيرهم من نفاة القدر ومن وافقهم ~~من الشيعة. # وتحقيق الكلام فيها يتضمن فصولا: # أحدها: اتصاف الأفعال بصفات لأجلها كانت حسنة أو قبيحة سيئة. # والثاني: أن تلك الصفات هل تدرك بالعقل أم لا؟ # والثالث: أن ذلك هل يوجب العذاب بدون الشرع أم لا؟ # وأصل المسألة الذي به تنكشف حقيقتها: معنى كون الشيء حسنا وسيئا، هل له ~~حقيقة غير كونه ملائما للفاعل ومنافرا له؟ # فإنهم قد اتفقوا على أن كون الفعل حسنا [أ] وقبيحا سيئا، بمعنى كونه ~~ملائما للفاعل بحيث يحصل له به فرح ولذة، أو منافيا للفاعل بحيث يحصل له به ~~غم وألم، وهو مما قد يعرف بالعقل. وزاد بعضهم: كون الفعل صفة كمال وصفة ~~نقص. فجعل ذلك مما يعلم بالعقل اتفاقا، وجعلوا مورد النزاع في كون الفعل هل ~~يكون سببا للذم والعقاب عاجلا وآجلا؟ PageV07P378 # وإذا كان كذلك فيقال: كون الفعل يكون سببا للذم والعقاب هو من أنواع كونه ~~ملائما للفاعل ومنافرا له، فإن حمد الفاعل وثوابه يلائمه، وذمه وعقابه ~~ينافره. ms1369 # فإذا قيل: الملائمة الطبيعية والمنافرة الطبيعية قد تعلم بالعقل باتفاق ~~العقلاء. # فيقال: كل ملاءمة ومنافاة للإنسان إنما تعود إلى الملاءمة الطبيعية ~~والمنافرة الطبيعية، لكن من الأفعال ما تكون فيه ملاءمة ولذة، ويكون فيها ~~منافرة وألم أرجح من ذلك. فيكون ملائما من وجه منافرا من وجه، محبوبا لذيذا ~~من وجه بغيضا مؤلما من وجه. # وقد تكون اللذة عاجلة والألم آجلا، فعقل الإنسان يأمره بترجيح أحب ~~الأمرين إليه وهو أصلحهما وأنفعهما وأكملهما لذة، ويأمره بترجيح اللذة ~~الكاملة الآجلة على اللذة القليلة العاجلة؛ ولهذا كان جميع العقلاء يحتملون ~~ألما قليلا للذة كثيرة، ويمتنعون عن لذة قليلة لتحصيل لذة جليلة، ويقولون: ~~هذا مقتضى الهوى والطبع، وهذا مقتضى العقل والشرع. # فمن ادعى حسنا أو قبحا عقليا أو شرعيا بلا فرح ولذة ولا غم وألم، فقد قال ~~ما لا يعرف، ولم يتصور ما يقول، وهو مطالب بتحقيق ما يقوله، فإن كثيرا من ~~نزاع العقلاء يكون لكونهم لم يتصوروا تصورا تاما PageV07P379 # ما تنازعوا فيه، ولو تصوروه تصورا تاما لارتفع النزاع. # وكذلك قول القائل: أن يكون الفعل صفة كمال أو صفة نقص، مما يعرف بالعقل، ~~هو يعود إلى الملاءمة، فإن الفعل الذي يكمل به الفاعل، هو الذي يلائمه ~~ويحصل به كمال الفرح والسرور والنعيم. # وأما الفصول المذكورة: # فالأول: أن الأفعال هل هي مشتملة على صفات لأجلها كانت حسنة وسيئة أم لا؟ # فأكثر الناس على أنها اشتملت على صفات لأجلها كانت حسنة وسيئة، وإلا كان ~~أمر النزاع بأحد المتماثلين ترجيحا بلا مرجح. # ونفاة الحسن والقبح العقليين على قولين: # منهم من يقول: لم يختص شيء من الأفعال بما لأجله كان مأمورا به ومنهيا ~~عنه، بل الرب يرجح مثلا عن مثل بمجرد المشيئة. # وهؤلاء يقولون: علل الشرع أمارات محضة، كما يقول ذلك الأشعري ومن وافقه ~~من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، ومن قال من هؤلاء بالمناسبة قال: لأنا ~~اعتبرنا الشرع فوجدناه يثبت الحكم عند الوصف المناسب لا به. PageV07P380 # ومنهم من يقول: بل الشارع لم يخص فعلا على فعل، فالأمر والنهي لا لاختصاص ms1370 ~~ذلك الفعل بما يقتضي ذلك، لكن كون ذلك الفعل حسنا مأمورا به وقبيحا منهيا ~~عنه لا يثبت إلا بالشرع، فالشارع جعل ذلك الوصف المناسب موجبا لكون الفعل ~~حسنا وقبيحا، لا أنه كان حسنا وسيئا. # وهذا يقوله من نفى الحسن والقبح العقليين، ويقول: إن الشارع جعل الصفات ~~عللا، كما يقوله الغزالي وموافقوه، كأبي محمد بن المني وأبي محمد المقدسي ~~وغيرهما. # وأما الأكثرون فيقولون: بل تلك الصفات توجب كون الفعل حسنا وسيئا، فتوجب ~~كون العدل حسنا وكون الظلم سيئا، وأنه سبب لمدح صاحبه وذمه، ولكن هل يستحق ~~صاحبه العقاب قبل إرسال الرسل؟ على قولين: # فمنهم من يقول: إن صاحبه يستحق العقاب في الدنيا والآخرة بدون الإرسال، ~~كما يقول ذلك كثير من المعتزلة والحنفية وأبو الخطاب وغيره. PageV07P381 # ومنهم من يقول: بل العذاب لا يستحق إلا بعد إرسال الرسل، كما دل عليه ~~الكتاب والسنة، وإن كان الفعل في نفسه سيئا قبيحا، وهو سبب لذم صاحبه ~~وعقابه، لكن شرط حصول العقاب هو إقامة الحجة بالرسل كما دلت عليه النصوص. ~~وهذا أعدل الأقوال وعليه تدل نصوص الكتاب والسنة. # وقد ذكروا عن القائلين بالحسن والقبح العقلي، هل هذا الحكم ثابت لذات ~~الفعل، أو لصفة قائمة به، أو في الحسن لذاته وفي القبح لصفة قامت به؟ ثلاثة أقوال. # ولم يقل أحد: إن الحسن والقبح هو وصف لازم لذات الفعل، كما تظنه طائفة ~~نقلت قولهم، بل يقولون: تختلف صفات الفعل باختلاف أحواله وأنواعه، فكونه ~~حسنا من جنس كونه محبوبا، وكونه قبيحا من جنس كونه بغيضا، ويقولون: قد يقوم ~~به المقتضي لحسنه أو قبحه، ولكن يختلف عنه مقتضاه لفوات شرط أو وجود مانع. # وهو مبني على مسألة تخصيص العلة، فمن جعل العلة الأمر المستلزم للحكم لم ~~يخصصها، ومن جعلها المقتضي خصصها. وهو نزاع لفظي. PageV07P382 # وليس لنفاة الحسن والقبح العقليين دليل أصلا، بل جميع أدلتهم باطلة، وليس ~~لمثبتيه دليل يدل على حسن وقبح بغير اعتبار الملاءمة للفاعل والمنافرة له، ~~بل كل ما يذكرونه على إثبات حسن وقبح بدون ذلك فهو باطل. ms1371 # كما أن أولئك ليس لهم دليل على أن الفاعل المختار يفعل بلا داع، وليس ~~لهؤلاء دليل على أنه يفعل بداع لا يعود إلا إلى غيره؛ ولهذا لما عاد معنى ~~الحسن والقبح إلى هذا أثبتت طائفة الحسن والقبح العقلي في أفعال العباد دون ~~أفعال الله. وهو اختيار الرازي في آخر عمره. # وهو مبني على أصل، وهو مشيئة الله، وهل هي نفس محبته ورضاه وسخطه وبغضه، ~~أو بينهما فرق؟ # فذهب المعتزلة، والجهمية والقدرية الجبرية، والقدرية النافية إلى أن جميع ~~ذلك بمعنى واحد، ثم قالت النفاة: قد ثبت بالنصوص المتواترة إجماع الأمة: أن ~~الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، فلا يريده ولا يشاؤه، فيكون في ملكه ~~ما لا يشاء. # وقالت المجبرة: بل ثبت بالنص والإجماع أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم ~~يكن، فكل كائن فهو بمشيئته. وجهم بن صفوان [لا] يثبت PageV07P383 # لله صفة قائمة به لا إرادة ولا محبة، بل محبة عبده ثوابه، وبغضه عقابه، ~~فلم يحتج أن يقول: إنه يحب كل شيء. # وأما الأشعري ومن وافقه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد فقالوا: لله إرادة ~~واحدة تقوم به، وقالوا -في أظهر قوليهم-: إن إرادته هي حبه ورضاه، وكل ما ~~في الوجود فهو مراد له فيكون محبوبا له مرضيا. # وذكر أبو المعالي أن أول من قال هذا هو الأشعري وأصحابه، وقالوا: إن بغضه ~~وغضبه هو إرادته لعقاب المذنب، وهو محبته لعقاب المذنب مع كونه محبا لفعله. ~~ويقولون في قوله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} [الزمر: 7] أي: عباده ~~المؤمنين. وقد يقولون: لا يرضاه دينا، كما يقولون: لا يشاؤه دينا. أي: لا ~~يشاء أن يكون صاحبه مثابا. PageV07P384 # وأما السلف والأئمة وعامة الفقهاء وأكثر طوائف النظار، من الكرامية ~~وغيرهم، والحنفية وأئمة المالكية والشافعية والحنبلية، وأهل الحديث، وأئمة ~~الصوفية، وابن كلاب، وطائفة من أصحاب الأشعري، فيقولون: إنه خلق كل شيء ~~بمشيئته، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يحب الكفر والفسوق ~~والعصيان، بل يحب ما أمر به. # وعلى هذا فهو إذا خلق ms1372 شيئا لحكمة فهو يحب تلك الحكمة التي خلقه لأجلها، ~~وإن كان هو في نفسه مكروها له لا يحبه. # وعلى هذا فالحسن في حقه هو ما يحبه والقبيح ما يبغضه. والفعل -ويراد به ~~نفس الفعل، ويراد به المفعول المخلوق- فهذا قد يكون محبوبا له، وقد يكون ~~مكروها له، وأما الأول فلا يكون محبوبا، وهو لا يفعل إلا ما يحبه، فلا يفعل ~~إلا الحسن، والحسن يقر به وينبهج به ويرضاه ويرضى عن صاحبه. والسيئ يبغضه ~~ويمقته ويمقت صاحبه، وهو منزه سبحانه أن يفعل شيئا هو قبيح مطلقا، بل لا ~~يفعل إلا ما له فيه حكمة لأجلها كان مرادا له، وإن كان يبغضه من بعض ~~الوجوه. فالخير بيديه والشر ليس إليه. # وعلى هذا القول: فيجب تنزيهه عن كل فعل يناقض كماله، كما يجب تنزيهه عن ~~كل وصف يناقض كماله، وهو منزه عن الظلم، PageV07P385 # والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. # وعلى قول الجهمية القدرية المجبرة ومن وافقهم: لا ينزه عن فعل شيء ممكن، ~~والظلم هو الممتنع لذاته، وهو غير مقدور له، فإنه إما التصرف في غير ملكه، ~~وإما معصية من فوقه، وكلاهما ممتنع في حقه. # وعلى قول القدرية النفاة من المعتزلة ومن وافقهم فما حسن منه حسن من ~~عباده، وما قبح من عباده قبح منه، وما كان ظلما منهم كان ظلما منه، وهم ~~مشبهة الأفعال. # وقد ألزمهم الناس بأنه يفعل ما يقبح في العقل، كتمكينه عباده وإمائه من ~~الظلم والفواحش مع قدرته على المنع، واعتذروا عن ذلك بأنه عرضهم للثواب ~~بالتكليف. # فأجاب الناس عن ذلك بأنه إذا علم أنه إذا أمرهم ونهاهم لم ينتفعوا بذلك ~~ولم يطيعوا، لم يكن الأمر حسنا من العبد، بل يجب منعهم بالقهر، أو أنه لا ~~يتملك من هذا سبيله. # فكان قياس قولهم يقتضي أن الله يقبح منه خلقهم وتكليفهم؛ ولهذا قال من ~~قال من الأئمة: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن PageV07P386 # جحدوه كفروا. # وهذا من جهة العلم بعاقبة أفعال العباد يناقض خلقهم وأمرهم إذا قيل ~~بالمخلوق. # وقد زعم ms1373 طائفة: أنه من جهة أن العلم يوجب امتناع وقوع بخلاف المعلوم، ~~وامتناع قدرة العبد على خلاف ذلك، كما يذكره الرازي، وليس كذلك، فإن العلم ~~بما يفعله المختار لا يناقض كونه محتاطا، فإنه يعلم أنه يفعل باختياره. # وأما العلم بالعاقبة فيناقض أنه أراد خلاف ما علم من العاقبة أنه لا ~~يكون. فالعلم يناقض أن يراد بالخلق ما علم أنه لا يكون، لا يناقض القدرة. # وعلى القول الأول -قول السلف والأئمة والجهمور- فإذا خلق ما خلق لحكمة ~~يحبها ويرضاها، وخلق ما خلقه من الشر فلما له في ذلك من الحكمة= لم يمتنع ~~أن يكون فيما خلقه ضرر ما على بعض PageV07P387 # المخلوقات، إذ كان ذلك من لوازم الحكمة المرادة، وامتنع وجود الحكمة ~~المرادة بدون ذلك. وإذا كان العبد لا يقبح منه إيلام الحيوان لحكمة راجحة، ~~فالخالق أولى أن لا يقبح منه ذلك. # وإذا قيل: فقد كان يمكن وجود الحكمة بدون ذلك. # قيل: هذا قول بلا علم، فمن أين لكم ذلك؟ وهو سبحانه وتعالى على كل شيء ~~قدير، والممتنع ليس بشيء باتفاق العقلاء، فمن أين علمتم أن ذلك ممكن غير ~~ممتنع حين تناوله القدرة؟ وعدم العلم بالامتناع غير العلم بعدم الامتناع، ~~وكذلك عدم العلم بالإمكان غير العلم بعدم الإمكان، وعدم العلم بالوجوب غير ~~العلم بعدم الوجوب. ونظائر هذا متعددة. # ولكن كثير من الناس يشتبه عليهم هذا، فإذا لم يعلم أحدهم أن الشيء موجود، ~~أو واجب، أو ممكن، أو ممتنع، ظن أنه غير موجود، أو غير واجب ممكن، أو غير ~~ممتنع؛ فيجعلون عدم العلم علما بالعدم! وهذا مما نهى الله عنه بقوله تعالى: ~~{ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]. # ولهذا كان النافي عليه الدليل، وأما المانع المطالب بالدليل؛ فليس عليه ~~دليل، لأن النافي نفى وأخبر بالنفي، فليس له أن ينفي بلا علم، كما ليس له ~~أن يثبت بلا علم، بخلاف المانع المطالب، فإنه لم ينف ولم يثبت، بل طالب ~~المثبت بدليل الإثبات. # والإنسان ليس له أن يتكلم بلا علم، لا في النفي ولا في ms1374 الإثبات، PageV07P388 # ولو سكت من لا يدري قل الخلاف. فهذا هذا، والله أعلم. # وإذا قيل: خلق فعل العبد ثم جازاه عليه، فإنه ظلم. # قيل: هذا غلط، فإنه علم بصريح العقل واتفاق العقلاء أن مجازاة الإنسان ~~بنظير عمله من الحكمة والعدل، وأنه لا يجوز التسوية بين العادل والظالم، ~~والجاهل والمحسن والمسيء، بل هذا من الأمور المنزهة المستقبحة عند العقلاء. # ولهذا قال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28]، وقال تعالى: {أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون} [الجاثية: 21]، وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون} [القلم: 35 - 36]، وقال تعالى: {وما ~~يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا الحرور ~~(21) وما يستوي الأحياء ولا الأموات} [فاطر: 19 - 22]، وقال تعالى: {أمن هو ~~قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9]، وقال تعالى: {أفمن كان مؤمنا ~~كمن كان فاسقا لا يستوون} [السجدة: 18]. PageV07P389 # وسواء قدر أن أفعال العباد مخلوقة لله أو لم تكن، فإن كون العادل يستحق ~~الإكرام، والظالم يستحق الذم والإهانة= أمر فطر عليه بنو آدم، مع كونهم ~~مفطورين على أن الله خالق كل شيء؛ ولهذا كان جماهير الأمم من العرب وغيرهم ~~مقرين بهذا وهذا، وليس في فطرة أحد رفع الذم والعقاب عن الظالم مطلقا، لكن ~~فعله مخلوق لله، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. فوضع العقاب على من لم ~~يسئ ظلم، والحكمة: وضع الشيء في موضعه، والله لا يظلم أحدا شيئا، ولا يجزي ~~أحدا بظلم إلا بعمله. # وكونه خالقا لأعمال العباد من كمال قدرته ومشيئته وربوبيته، وجزاؤه بعلمه ~~من كمال حكمته وعدله وربوبيته، وهو سبحانه له الملك وله الحمد، وله في ذلك ~~من الحكمة البالغة ما لو جمعت عقول جميع العقلاء لم يدركوا غاية حكمته. ~~وتوهم المتوهم إمكان حصول كمال الحكمة بدون ذلك ظن منه، وكلام بلا علم {إن ~~يتبعون إلا ms1375 الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} [السجدة:18]. # ... # في آخر النسخة ما نصه: «قال كاتبه: إلى هاهنا وجدت في نسخة الأصل، فاعلم ~~ذلك، والله أعلم». PageV07P390 ### | CHECK (19) مسألة في عقيدة أهل كيلان # مسألة # في عقيدة أهل گيلان PageV07P391 # ذكر من شاهد بخط الشيخ الإمام المحدث عبد الله الإسكندري ما صورته -وقد ~~حدثني به غير مرة-: # حضر الشيخ شمس الدين محمد بن الرضي خطيب گيلان* يوم الأربعاء رابع عشر ~~صفر سنة خمس عشرة وسبعمائة بدمشق المحروسة، بعد قضاء نسكه في عوده إلى ~~بلده، إلى بين يدي الشيخ -يعني تقي الدين أحمد ابن تيمية- فسلم عليه، ~~وفاتحه الشيخ فيما يقولون عن أهل كيلان في نزول الرب عز وجل إلى الارض ~~والطرقات؟ # فقال: والله الذي لا إله غيره هذا شيء ما سمعته لا من خواص الناس ولا من ~~عامتهم. # ثم سأله عن النزول إلى السماء الدنيا؟ # فقال: سمعنا عن شيخ الإسلام الأنصاري أنه قيل له: ما تقول في النزول؟ ~~فقال: نزول لا يعرفه الكروبيون، أعرفه؟ وهذا جوابنا عن النزول. PageV07P393 # فسأله الشيخ عن القول في المصحف؟ # فقال: الورق مخلوق وكلام الله غير مخلوق. # فقال الشيخ: هكذا تقول؟ # فقال: هذا اعتقادنا، نعم هكذا نقول. # فقال الشيخ: الصوت، ما تقولون فيه؟ # فقال: نحن نقول: صوت القرآن غير صوت الناس. # فقال الشيخ: أنا إذا قلت: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2]، ما هو؟ # فقال: كلام الله. # فقال الشيخ: بصوتي أم بصوت الله القائم بذاته سمعت ذلك في هذه الساعة؟ # فقال: سمعت القرآن بصوت القرآن. # فقال الشيخ: بل سمعت القرآن بصوتي، الكلام كلام الباري، والصوت صوت ~~القاري. هذا هو الحق، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن ~~بأصواتكم». PageV07P394 # صورة خط الشيخ عبد الله الإسكندري: نعم الأمر على ما ذكره شيخنا أبو ~~العباس أحمد ابن تيمية رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأواه. كتب عبد ~~الله الإسكندري. # ... # كتب بعده بخط الأصل: قال الشيخ تقي الدين أحمد ابن تيمية شيخنا رضي الله ~~عنه: ليس لأحد أن يتكلم في أحد بلا ms1376 علم، ولا بهوى النفس، فإن الإنسان مسؤول ~~عن ذنوب نفسه لا عن ذنوب غيره. # # # # PageV07P395 ### | CHECK مجموعة فتاوى من ((الدرة المضية في فتاوى ابن تيمية)) انتقاها ابن عبد الهادي # مجموعة فتاوى من: # الدرة المضية في فتاوى ابن تيمية # انتقاها ابن عبد الهادي PageV07P397 # قال الشيخ الإمام العالم العلامة ابن عبد الهادي رحمه الله ورضي عنه: لما ~~رأيت فتاوى الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام وناصر السنة فريد ~~الوقت، وحيد الدهر، بحر العلوم، بقية المجتهدين، حجة المحققين، تاج ~~العارفين، ولسان المتكلمين، رحلة الطالبين، إمام الزاهدين، ومنار ~~المجاهدين، الإمام الحجة النوراني، والعالم الرباني، تقي الدين أبو العباس ~~أحمد ابن تيمية الحراني= غاية المقاصد، كثيرة الفوائد، سارعت فيما سهل الله ~~علي به منها لتكون لي عمدة أعتمد عليها، وحجة أستند إليها، ورتبتها أبوابا ~~على أبواب الفقه، وسميتها: «الدرة المضية في فتاوى ابن تيمية» رحمه الله، ~~وختم لنا وله بخير بمحمد وآله*، إنه على كل شيء قدير. PageV07P399 ### || CHECK (20) مسألة: في الجهر بالنية والتكبير والدعاء، ومسائل أخرى # [مسألة: في الجهر بالنية والتكبير والدعاء، ومسائل أخرى] # مسألة: في جماعة يصلون بمسجد من بعض المساجد، هل على الإمام الجهر ~~بالتكبير أو النية؟ # أو على الإمام الجهر بالدعاء، أم السر أفضل؟ # وهل المصافحة بعد العصر والصبح مستحبة، أم لا؟ # وهل يجوز التبليغ خلف الإمام إذا كانوا صغيرا وثلاثة؟ # وهل تعليم الصبيان جائز في المسجد أم لا؟ أفتونا. # الجواب: الحمد لله. # ليس على الإمام الجهر بتكبير ولا لفظ نية باتفاق المسلمين، ولا يستحب له ~~ذلك أيضا، لكن التكبير عليه أن ينطق به، وأما النية ليس عليه أن ينطق بها ~~أيضا باتفاق الأئمة، وليس في ذلك نزاع إلا وجه ضعيف لبعض المتأخرين، بل ~~أئمة الدين متفقون على أن المأموم ليس عليه أن ينطق بالنية، لا في طهارة، ~~ولا في صلاة، ولا صيام، ولا يجوز ذلك، بل تنازع العلماء في استحباب التلفظ ~~بالنية، فمن أصحاب أبي حنيفة PageV07P400 # والشافعي وأحمد من استحب ذلك، قالوا: بأنه أوكد. ومن أصحاب مالك وأحمد ~~وغيرهما من كره التلفظ ms1377 بالنية؛ لأنه بدعة لم يفعلها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا أصحابه، ولأن النية من أعمال القلوب فقط، ولأن ذلك من جنس ~~العبث، وهذا أصح. # وبكل حال فأكثرهم ينهى عنه. والمصر على ذلك يستحق التعزير، والله أعلم. # * مسألة: وأما الدعاء في الصلاة، فالسنة المخافتة به إلا ما كان في ضمن ~~القراءة في صلاة الجهر، ودعاء القنوت -حيث يجهر به- والتأمين. # وأما بعد الصلاة، فالسنة هو الذكر المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعا، فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~لكن من العلماء من استحبه، ومنهم من لم يستحبه بعد الفجر والعصر، كما أن ~~منهم من كره للإمام القعود بعد الصلاة، ولم يستحب القعود [و] لا الذكر، ولا ~~الدعاء، وكلا القولين مخالف للسنة، فإن السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~هي الدعاء في صلب الصلاة، والذكر بعد الصلاة، والداعي يناجي ربه، فدعاؤه ~~وهو يناجي ربه أحب من دعائه بعد انصرافه من مناجاته. PageV07P401 # ودعاء الرجل بعد الصلاة سرا جائز، والذين استحبوا للإمام أن يدعو بعد ~~الصلاة قالوا: يدعو سرا إلا أن يكون في الجهر مصلحة لتعليم بعض المأمومين، ~~وذلك أن الأصل في الدعاء أن يكون سرا، كما قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية} [الأعراف: 55]. وقال تعالى: {إذ نادى ربه نداء خفيا} [مريم: 3]. ~~ولهذا قال من قال من السلف: رفع الصوت بالدعاء بدعة. # وأما الذكر فتارة يسن الجهر به، كالأذان والتلبية، وتارة لا يسن. # * مسألة: وأما المصافحة عقيب الصلاة فبدعة لم يفعلها رسول الله ولم ~~يستحبها أحد من العلماء. # * وأما التبليغ خلف الإمام لغير حاجة فبدعة مكروهة باتفاق الأئمة، فإنه ~~لم يكن بلال يبلغ خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان الخلفاء الراشدون ~~يبلغ أحد خلفهم. ولهذا اتفق الأئمة على أن الإمام هو الذي يسن له الجهر ~~بالتكبير. # كما ذكروا في كتب المذهب، قالوا: إن المأموم يبلغ للحاجة، [و] استدلوا ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته لما خرج فصلى جالسا كان ms1378 PageV07P402 # أبو بكر يسمع الناس التكبير؛ لأجل مرض النبي صلى الله عليه وسلم، وخفاء ~~صوته، وهذا أصل في تبليغ بعض المأمومين لحاجة. # وأما إذا أمكن الإمام أن يجهر بحيث يبلغ صوته المأمومين، فهذا هو السنة، ~~وتبليغ المأمومين حينئذ مكروه. # وتنازع العلماء هل تبطل صلاة المبلغ؟ على قولين في مذهب مالك وأحمد ~~وغيرهما، لا سيما إذا كان المبلغ لأجل ذلك يرفع صوته قبل الإمام، ويمد صوته ~~بحيث لا يسبح في الركوع ولا في السجود، ولا يطمئن في الركوع والسجود ~~والاعتدال لأجل اشتغاله بمد صوته، [فمن جهر] لأجل هذه البدعة، فقد ترك ما ~~أمر به من الطمأنينة المفروضة، ومن التسبيح الواجب في أحد القولين، ودخل في ~~المسابقة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل ~~الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار». # وهذا مما لا يشك في أن فاعله عاص آثم، بل وصلاته باطلة على أصح القولين ~~عند العلماء. PageV07P403 # وأما تعليم الإمام للمأمومين وغيرهم ما أمر الله به ونهاهم، فإنه فرض على ~~الإمام باتفاق المسلمين. وإذا غلب على ظن الإمام أن غيره لا يقوم بهذا ~~الفرض صار فرض عين عليه يأثم بتركه. وقد نص الأئمة على مثل ذلك في الصلاة، ~~حتى قالوا أيضا: إذا رأى من يسابق الإمام، أو من نسي في صلاته ولم يأمر ~~بالمعروف، وينهى عن المنكر صار شريكا له في الإثم. # ولهذا جاء في الحديث: «ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم، ~~فويل للعالم إذا سكت عن تعليم الجاهل، وويل للجاهل إذا لم يقبل من العالم». # والحديث: «إن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت الخطيئة ~~فلم تنكر ضرت العامة». # فإذا لم يأمر بالصلاة التي هي عمود الدين، وإقامة واجباتها، PageV07P404 # استحق العذاب بذلك، فإن تضييع الصلاة من أعظم المنكرات، كما قال تعالى: ~~{فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا}. وقال ~~تعالى: {فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون} [الماعون: 4 - 5]. # فهؤلاء كانوا يصلون، لكن أضاعوا واجبها، ولهوا عنها، ms1379 كالوقت والطمأنينة، ~~ومتابعة الإمام وغير ذلك، كما ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «تلك صلاة المنافقين، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، ~~قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا». فجعله منافقا مع كونه يصلي؛ ~~لكونه ضيع الوقت والطمأنينة. # * فصل: وأما تعليم الصبيان في المسجد بحيث يؤذي المسجد؛ فيلوثونه ويرفعون ~~أصواتهم فيه، ويشغلون المصلي فيه، ويضيقون عليه، فهذا مما يجب النهي عنه، ~~والمنع منه، والله أعلم. # # # # PageV07P405 ### || CHECK (21) مسألة في شرائط الصلاة، وصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والسنن الرواتب # [مسألة في شرائط الصلاة، وصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والسنن ~~الرواتب] # مسألة: ما تقول أئمة الدين فيما يتعلق بالنية في شروط الصلاة، والشرط ~~السابع، وما كان يصلي مع المكتوبات. # الجواب: الحمد لله. # أما شروط الصلاة، فهي الطهارة، والستارة، واستقبال القبلة. والطهارة ~~نوعان: طهارة الحدث، وهي الوضوء والاغتسال إن كان جنبا، أو كانت امرأة ~~حائضا. وطهارة الخبث اجتناب النجاسة في بدنه وثيابه وموضع صلاته، فإن كان ~~معذورا مثل أن يكون قد نسيها أو جهلها فلا إعادة عليه في أصح القولين ~~للعلماء، وأما طهارة الحدث إذا نسيها فعليه الإعادة. # والنية محلها القلب، ولا يحتاج الإنسان أن يتكلم بها باتفاق العلماء، وكل ~~من علم ما يريد فعله فلا بد له من أن ينويه. # ومن العلماء من استحب التكلم بالنية، والصحيح أن ذلك لا يستحب، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يتكلمون بالنية، لا في طهارة، ولا في ~~صيام، ولا نحو ذلك. PageV07P406 # والشرط السابع: هو الوقت للمكتوبات، ولا يصلي المكتوبة إلا بعد دخول الوقت. # ووقت الفجر: من طلوعه إلى طلوع الشمس. # ووقت الظهر: من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله سوى ظل الزوال عند ~~جماهير الأئمة، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، ومالك، وغيرهم ~~من العلماء، وبذلك جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ووقت العصر: [إلى] أن تصفر الشمس في أصح قولي العلماء، وإذا صلاها ms1380 قبل ~~الغروب صلاها أداء، وليس له أن يؤخرها إليه -يعني الغروب-. # ووقت المغرب: إلى غروب الشفق، في أحد القولين. # ووقت العشاء: إلى ثلث الليل أو نصفه. # وأما أركان الصلاة: فالقيام، والركوع، والسجود، والذكر في أولها، كما ~~يفتتح بالتكبير. وهذه أركان باتفاق الائمة. # وكذلك قراءة الفاتحة، لكن عند أكثرهم، فمن تركها أعاد، وعند بعضهم هي ~~واجبة إن تركها أساء ولا يعيد، وهذا مذهب أبي حنيفة، والأول مذهب الثلاثة: ~~مالك والشافعي وأحمد. PageV07P407 # وكذلك الاعتدال إذا قام من الركوع، والقعدة بين السجدتين، والطمأنينة في ~~جميع ذلك ركن عند الشافعي وأحمد وغيرهما، وهو واجب عند أبي حنيفة. # والقعود في آخر الصلاة، والتشهد والسلام ركن أيضا عند الشافعي وأحمد ~~وغيرهما. # فصل # وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: فإنه كان يقرأ في الفجر بطوال ~~المفصل، مثل ق، والطور، والذاريات، ونحو ذلك. ويقرأ في الظهر بمثل سورة ~~تبارك، والسجدة، وأقل من ذلك، ويقرأ في العصر بأقل من ذلك، ويقرأ في المغرب ~~بأقل من ذلك، ويقرأ في العشاء بنحو صلاة العصر. وكانت صلاته معتدلة، يتم ~~الركوع والسجود. # وكان إذا رفع رأسه من الركوع يقوم حتى يقول القائل: قد نسي. وإذا قعد بين ~~السجدتين يقعد حتى يقول القائل: قد نسي. ويسبح بنحو عشر تسبيحات، وقد ينقص ~~من ذلك أحيانا، ويزيد على ذلك أحيانا، بحسب المصلحة. # ويقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم». يكرر ذلك. ويقول في سجوده: «سبحان ~~ربي الأعلى». يكرر ذلك. ويقول بين السجدتين: «رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب ~~اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وعافني وارزقني». PageV07P408 # وكان يقول إذا رفع رأسه من الركوع: «ربنا ولك الحمد، ملء السموات وملء ~~الارض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما ~~قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ~~ذا الجد منك الجد». # ويدعو في آخر صلاته فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من ~~عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ms1381 وأعوذ بك من فتنة المسيح ~~الدجال». وكان لا يدعو دعاء إلا ختمه بقوله: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، ~~وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». # مسألة: وكان يصلي مع المكتوبات عشر ركعات، أو اثنتي عشرة ركعة؛ يصلي قبل ~~الظهر إما ركعتين وإما أربعا، وبعد الظهر ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد ~~العشاء ركعتين، وقبل الفجر ركعتين، وهما أوكد هذه الصلاة، فإنه كان يأمر ~~بذلك، ويأمر بالوتر، وكان وتره وصلاته بالليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ~~ركعة، وكان مجموع ما يصليه من الفرض والنفل بالليل والنهار نحو أربعين ~~ركعة. PageV07P409 # ولم يكن يصلي قبل العصر والمغرب والعشاء شيئا، لكنه كان يقول: «بين كل ~~أذانين صلاة» ثم قال في الثالثة: «لمن شاء» كراهية أن يتخذها الناس سنة، ~~وكان أصحابه يصلون قبل المغرب بين الأذان والإقامة ركعتين، وهو يراهم ولا ~~ينهاهم. فمن صلى قبل العصر أو المغرب أو العشاء، فقد أحسن، ولكنه ليس ذلك ~~بسنة راتبة. # وكان إذا نام عن صلاة الليل صلى بالنهار بدل ذلك، فإنه كان إذا عمل عملا ~~أثبته، وكان عمله ديمة. # # # # PageV07P410 ### || CHECK (22) مسألة في زيارة القدس أوقات التعريف # مسألة # في زيارة القدس أوقات التعريف PageV07P411 # مسألة جليلة كثيرة الفوائد، مبتلى بها كثير من الناس فيمن ينوي زيارة ~~القدس أوقات التعريف. # * مسألة: # بسم الله الرحمن الرحيم # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وعلماء المسلمين رضي الله عنهم ~~أجمعين، فيمن ينوي زيارة بيت المقدس في أوقات التعريف، ونيته أنها قربة وطاعة؟ # وفي أقوام يطوفون بصخرة بيت المقدس ويصلون في أماكن مشهورة هناك، مثل مهد ~~عيسى، وقبة المعراج، وقبة السلسلة، وزيارة قبر الخليل، وغير ذلك؟ # وما يستحب للزائر وما يحرم عليه من ذلك ونحوه؟ # وهل يستحب للنساء أن يزرن في أوقات التعريف مظهرات لزينتهن متطيبات، وهل ~~على أوليائهن منعهن؟ أفتونا مأجورين رحمكم الله ورضي عنكم. PageV07P413 # الجواب: الحمد لله رب العالمين. # أصل السفر إلى بيت المقدس للصلاة فيه، والإعتكاف فيه، وقراءة القرآن ~~والدعاء والذكر ونحو ذلك، هو مستحب مشروع باتفاق المسلمين. # وقد ثبت عن النبي صلى ms1382 الله عليه وسلم في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ~~وأبي سعيد أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ~~والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». # وفي حديث سليمان لما بنى البيت -أي: بيت المقدس- سأل الله ثلاثا، سأله ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وسأله حكما يوافق حكمه، وسأله أنه لا يأتي أحد ~~هذا البيت لا يريد إلا الصلاة إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه. PageV07P414 # ولهذا كان عبد الله بن عمر يأتي بيت المقدس، فيدخل فيصلي ركعتين، ثم يخرج ~~ولا يشرب فيه؛ كأنه يطلب دعوة سليمان. وكان لا يأتي الصخرة ولا يزورها. # وكذلك غيره من سلف من الأمة؛ كعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وسفيان ~~وأمثالهم، لم يكونوا يأتون شيئا من تلك المواضع التي تزار في المسجد لا ~~الصخرة ولا غيرها. # ولما فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس قال لكعب: أين ترى أن ~~أبني مصلى للمسلمين أمام الصخرة أو خلفها؟ قال: خلفها. فقال: يا ابن اليهود ~~خالطتك يهودية، بل أبنيه أمامها، إن لنا صدور المساجد. # ولم يكن على عهد عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان على الصخرة هذه ~~[القبة]؛ لكن بنى تلك القبة عبد الملك بن مروان لما كان بينه وبين ابن ~~الزبير ما كان، وكانوا إذا حجوا بايعوا ابن الزبير، PageV07P415 # فيقال: إن عبد الملك [لو] منعهم الحج فضحوا، فبنى القبة على الصخرة، وعظم ~~أمرها، فجعل الناس يعتانون بها. # ولو نذر إتيان بيت المقدس لزمه الوفاء بما ينذره في مذهب مالك والشافعي، ~~[و] في قوله الآخر لا يلزم، قالوا: لأنه لا يلزم بالنذر إلا ما كان واجبا ~~بالشرع، وهو إتيان مكة خاصة؛ فإن إتيان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبيت ~~المقدس مستحب ليس بواجب. والصحيح الأول، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي ~~الله فلا يعصه». # فصل: إذا عرف هذا فليس في بيت المقدس بل ولا في مسجد النبي ms1383 صلى الله عليه ~~وسلم عبادة يختص بها، بل العبادات المشروعة فيهما مشروعة في سائر المساجد، ~~كالصلاة والاعتكاف والذكر والدعاء والقراءة ونحو ذلك. وهذا بخلاف المسجد ~~الحرام، فإنه مشروع فيه ما لا يشرع في غيره؛ وهو الطواف به، واستلام ركنيه ~~اليمانيين، وتقبيل الحجر الأسود الذي فيه. فإن ذلك عبادة تختص بالمسجد ~~الحرام باتفاق المسلمين، ولا يشرع في غيره من المساجد لا طواف ولا استلام ~~شيء من الأشياء. PageV07P416 # فليس في بيت المقدس ما يطاف به لا الصخرة ولا غيرها، بل وكذلك مسجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليس فيه ما يقبل ويستلم، لا الحجرة النبوية -على ساكنها ~~أفضل الصلاة والسلام- ولا غير ذلك. # وهذا كله متفق عليه بين أئمة المسلمين، ليس منهم من استحب ببيت المقدس أو ~~بغير المسجد الحرام من المساجد لا طوافا ولا تقبيلا ولا استلاما ونحو ذلك، ~~ولا فعل شيئا من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أئمة الأمة، ولا من ~~يقتدى به من السلف. بل من اتخذ الطواف بالصخرة عبادة أو بغير البيت فإنه ~~يستتاب فإن تاب وإلا قتل. # والتعبد بها بالطواف أعظم من التعبد بالصلاة؛ مع أنها كانت قبلة في أول ~~الإسلام، فمن طاف بها كان شرا من الصلاة إليها. وكذلك تقبيلها أو تقبيل شيء ~~منها، أو التمسح بشيء من ذلك. كل ذلك بدعة وضلالة. # ولا فرق بين الموضع [المسمى] قدم النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، وليس ~~في الصلاة عندها [فضيلة]، فإن خيار السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، وإن كانت ~~قبلة في أول الإسلام فقد نسخت كما نسخ السبت، فتخصيصها بالتعظيم مع أنها ~~قبلة اليهود فيه تخصيص يوم السبت بالتعظيم، ولهذا كره عمر رضي الله عنه ~~والمسلمون أن تكون صلاة PageV07P417 # المسلمين خلفها؛ لئلا يكون في ذلك تشبه باليهود. # وليس بالمسجد الأقصى مكان يقصد بعينه إلا المصلى الذي بناه عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه، وهو الذي تسميه العامة «الأقصى»، وما سوى ذلك مثل الذي يقال ~~له: قبة المعراج، والسلسلة، ومهد عيسى، وأمثال ذلك، فلا يستحب ms1384 قصد شيء من ~~هذه البقاع ولا تخصيصه بعبادة، وعامة ما يذكر في ذلك كذب، مثل الحجر الذي ~~يقال: إنه مهد عيسى؛ فإن هذا كذب واضح. ولكن هذا قيل إنه كان يكون فيه ماء ~~المعمودية للنصارى لما ستولوا على بيت المقدس، فإنه بقي في أيديهم مدة. # وأما ما يفعله بعض الناس من السفر إلى بيت المقدس في عيد النحر، فيعرفون ~~هناك، ومنهم من يذبح هناك، ومنهم من يحلق رأسه، ومنهم من يطوف بها؛ فهذا ~~كله بدعة منهي عنه، ليس شيء من ذلك مشروعا، ولم يستحب أحد من أئمة المسلمين ~~قصدها زمن الوقوف للتعريف بها، ولا فعل ذلك من يقتدى به من المسلمين في دينهم. # وكذلك السفر وقت التعريف إلى غير عرفات، مثل الذين يسافرون للتعريف عند ~~قبر المسيح، والذين يعرفون عند قبر محمد بن التومرت، وأمثال هذه الأسفار، ~~فإن هذه أسفار غير مشروعة، بل منهي عنها، بل PageV07P418 # محرمة. [و] كان ذلك تعبدا بدين لم يشرعه الله، بمنزلة من يحرم ويلبي إذا ~~سافر إلى بيت المقدس! ومن تعبد بمثل هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. # وإذا كان السفر للتعريف بها منهيا عنه، فالسفر إليها في مواسم الكفار، ~~مثل خميس النصارى ونحوه أعظم من ذلك؛ فإنه لو عظم الأزمان التي يعظمها ~~الكفار، كعيد الميلاد وعيد الخميس، لكان ذلك من المنكرات التي يجب النهي ~~عنها، ولو فعل ذلك في بيته. فإنه ليس للمسلم أن يعظم شيئا من الأيام التي ~~يعظمها الكفار، وليس لتعظيمها أصل في دين الإسلام. ولا تعظيم البقاع التي ~~يعظمها الكفار. وهذا أعظم من المواسم المبتدعة في دين الإسلام، كالرغائب ~~ونحوها. # فإذا سافر إلى القدس في أعياد الكفار، فقد جمع عدة منكرات، بل لو خص ~~الأيام التي يعظمها الكفار بأمر فيه مزية لها لنهي عن ذلك، حتى كره غير ~~واحد من السلف صومها، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟! # ولا يسمى بيت المقدس حرما؛ وإنما الحرم الذي حرم الله صيده PageV07P419 # ونباته. والحرم الذي اتفق عليه المسلمون حرم مكة، وأما المدينة فلها ms1385 حرم ~~محرم عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد؛ كما استفاضت بذلك الأحاديث ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. وما سوى ذلك فليس بحرم باتفاق المسلمين، إلا ~~وادي وج الذي بالطائف، فإن الشافعي قال: إنه حرم بحديث روي في ذلك رواه ~~أحمد في «المسند»، وأما جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد فليس ذلك ~~بحرم عندهم، وضعفوا الحديث المروي في ذلك. وما سوى هذه البقاع الثلاثة فليس ~~حرما باتفاق المسلمين. # والعلماء قد تنازعوا في تعريف الإنسان بمصره، مثل من يذهب عشية عرفة إلى ~~مسجد بلده يدعو فيه ويذكر الله تعالى، فكره ذلك مالك وأبو حنيفة وغيرهما، ~~ورخص [فيه] أحمد بن حنبل، ولكنه لم يكن يفعله ولا يأمر به، ولم ينقل عن ~~الشافعي فيه شيء. وأحمد إنما رخص فيه قال: لأنه رخص فيه ابن عباس بالبصرة، PageV07P420 # وعمرو بن حريث بالكوفة. فهذا من تعريف الإنسان ببلده. # فأما السفر إلى مدينة أخرى ليعرف بها، مثل أن يسافر إلى بيت المقدس أو ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهما من المساجد ليعرف بها= فهذا حرام ~~ليس مشروعا باتفاق المسلمين؛ فإنه من جنس بيت يحج غير البيت العتيق. # وأما السفر للتعريف عند بعض القبور، فهذا أعظم من ذلك، فإن هذا بدعة ~~وشرك؛ فإن أصل السفر لزيارة القبور ليس مشروعا ولا استحبه أحد من العلماء، ~~ولهذا لو نذر ذلك لم يجب عليه الوفاء بلا نزاع بين الأئمة؛ بخلاف من نذر ~~إتيان بيت المقدس، فإنه يجب إتيانه في أحد القولين ويستحب في الآخر. # ولكن تنازع المتأخرون في السفر لزيارة القبور، فرخص فيه بعضهم، وكرهه ~~آخرون، كابن بطة وابن عقيل وغيرهما، حتى قالوا: إنه سفر معصية فلا يجوز قصر ~~الصلاة فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد». فلا يشرع شد الرحال لزيارة القبور؛ PageV07P421 # ولهذا لم يكن أحد من الصحابة والتابعين -لا بعد أن فتحوا الشام ولا قبل ~~ذلك- يسافرون إلى زيارة قبر الخليل عليه السلام ولا غيره من قبور الأنبياء ~~التي بالشام، ولا ms1386 زار النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من ذلك ليلة أسري به. ~~بل الذي ثبت في «الصحيح»: أنه صلى ليلة الإسراء، صلى ركعتين ببيت المقدس. # والحديث الذي قيل فيه: «هذا قبر أبيك إبراهيم فانزل فصل فيه، وهذا بيت ~~لحم مولد أخيك عيسى انزل فصل فيه» كذب لا حقيقة له. # وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يسكنون الشام، أو دخلوا إليه ~~ولم يسكنوه مع عمر بن الخطاب رضي الله وغيره، لم يكونوا يرون شيئا من هذه ~~البقاع والآثار المضافة إلى الأنبياء، بل ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أنه كان في سفر فرأى قوما يتخذون مكانا يصلون فيه، فقال: ما هذا؟ ~~فقالوا: هذا مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن نريد الصلاة ~~فيه. فقال: ومكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم! أتريدون أن تتخذوا ~~آثار أنبيائكم مساجد! إنما هلك من كان قبلكم بهذا، من PageV07P422 # أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا فليمض. # ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق، ولم يتخذ الصحابة شيئا من ~~آثاره مسجدا، ولا يزار غير ما بناه من المساجد. ولم يكونوا يزورون غار حراء ~~الذي نزل عليه فيه الوحي، ولا غار ثور المذكور في قوله تعالى: {ثاني اثنين ~~إذ هما في الغار} [التوبة: 40]. ولا مكان ولادته، ولا الشعب الذي حوصر فيه، ~~وأمثال ذلك. # وكذلك إبراهيم الخليل عليه السلام؛ إنما اتخذوا من آثاره ما شرعه الله ~~لهم من المناسك، ومقامه الذي قال الله فيه: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ~~[البقرة: 125]. مع أنهم لم يكونوا يقبلون المقام ولا يتمسحون به. # والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع، كما قال ~~تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: ~~21]. ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما استلم الحجر الأسود: والله ~~إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. PageV07P423 # هذا، والحديث والزيارة ms1387 المنسوبة إلى علي رضي الله عنه ليست ثابتة. # وقد أنكر السلف على من سافر لزيارة الطور الذي كلم الله عليه موسى، وهو ~~الوادي المقدس والبقعة المباركة. فكيف بغيره من مقامات الأنبياء؟ حتى إن ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ ~~بزيارته؛ وإنما صح عنه الصلاة عليه والسلام موافقة لقوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56]. ولقوله صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الذي في «سنن أبي داود»: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله ~~علي روحي حتى أرد عليه السلام». وفي «سنن أبي داود» عنه عليه السلام أنه ~~قال: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة PageV07P424 # الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي». قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا ~~عليك وقد أرمت؟ أي: بليت، قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد ~~الأنبياء». # وأما الأحاديث التي يرويها بعض الناس، مثل ما يروون أنه قال: «من زارني ~~وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة». و «من زارني وزار اليسع ~~...» ونحو ذلك= فهي أحديث مكذوبة موضوعة، وكذلك اللفظ فيه: «من زارني بعد ~~مماتي فكأنما زارني في حياتي، ومن زارني بعد مماتي ضمنت له على الله الجنة، ~~ومن حج ولم يزرني فقد جفاني». وكل هذه الأحاديث ضعيفة بل موضوعة. # وقد كره مالك وغيره من أهل العلم أن يقول القائل: زرت قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ وذلك يبين أن هذا اللفظ كان بدعة عند أهل المدينة، الذين هم ~~أعلم الناس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشدهم تعظيما لقدره. ولهذا ~~لم يكن PageV07P425 # على عهد الصحابة والتابعين مشهد يزار، لا على قبر نبي ولا غير نبي، فضلا ~~عن أن يسافر إليه؛ لا بالحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا مصر ولا ~~المشرق، وإنما حدثت هذه الأمور بعد انقراض خيار القرون. وذلك لأنه قد ثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن هذه الأمور، كما في ms1388 «الصحيحين» عن ~~[عائشة] عنه أنه قال في مرضه الذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا». قالت عائشة: لولا ذلك لأبرز ~~قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. # وفي «صحيح مسلم» عن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت ~~بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد؛ ألا فلا تتخذوها مساجد ~~فإني أنهاكم عن ذلك». # وفي «المسند» و «صحيح أبي حاتم» عنه أنه قال: «إن من شرار الناس من ~~تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». PageV07P426 # ولهذا لم يذكر الله تعالى في كتابه إلا المساجد دون المشاهد فقال: {وأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18]. ولم يقل: المشاهد. وقال: ~~{إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} [التوبة: 18]. وقال: ~~{ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم} [البقرة: 114]، وأمثال ذلك. # وأصل دين الإسلام: أنهم ليس لهم بقعة يقصدونها بالعبادة فيها؛ إلا أن ~~يكون مسجدا. فليس من دينهم قصد مغارة بجبل ولا أثر نبي ولا غير ذلك، ولكن ~~جعلت الأرض كلها لهم مسجدا. وبحكم العموم والإباحة فلهم أن يصلوا حيث شاءوا ~~من غير قصد تخصيص بقعة إلا المواضع المنهي عنها كأعطان الإبل والمقبرة ~~والحمام. # ثم المساجد قد حرم الله عليهم أن يبتنوها على قبر، وأن يتخذوا القبر ~~مسجدا؛ فإن ذلك من أصول الشرك، كما قال تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد ~~الظالمين إلا ضلالا} [التوبة: 18]. قال طائفة من السلف: هؤلاء كانوا PageV07P427 # قوما في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم وصوروا تماثيلهم، ثم طال ~~عليهم الأمد فعبدوهم. # ولهذا كانت زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية. # فالزيارة ms1389 الشرعية: مقصودها السلام على الميت والدعاء إن كان الميت مؤمنا، ~~وتذكر الموت سواء كان مؤمنا أو كافرا، كما قال صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح: «استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في ~~أن أزور أمي فأذن لي؛ فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة». # وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: «السلام عليكم أهل ~~الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله ~~المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية». # والزيارة لقبر المؤمن -نبيا كان أو غير نبي- من جنس الصلاة على جنازته، ~~يدعى له إذا صلي على جنازته. PageV07P428 # وأما الزيارة البدعية: فمن جنس زيارة النصارى المشركين، مقصودها الإشراك ~~بالميت؛ مثل طلب الحوائج منه، أو التمسح بقبره وتقبيله، أو السجود له ونحو ~~ذلك. وهذا ونحوه لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا استحبه أحد من أئمة ~~المسلمين، ولا كان أحد من السلف يفعله لا عند قبره صلى الله عليه وسلم ولا ~~عند غيره. # بل قد أجدبوا واستسقوا، ولم يكونوا يأتون إلى قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم يدعون عنده لا في ذلك الوقت ولا غيره. بل ثبت في «الصحيح» أنهم لما ~~أجدبوا على عهد عمر رضي الله عنه استسقى بهم فقال: اللهم إنا إذا كنا ~~أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليه بعم نبينا فاسقنا، ~~فيسقون. # فكانوا في حياته يتوسلون إلى الله عز وجل بدعائه وشفاعته، فلما مات صلى ~~الله عليه وسلم بقوا يتوسلون بدعاء العباس. # ولم يكونوا يقسمون على الله بأحد من خلقه لا نبي ولا غيره، ولا يسألون ~~ميتا ولا غائبا، ولا يستعينون بميت ولا غائب، سواء كان نبيا أو غير نبي. بل ~~كان فضلاؤهم لا يسألون غير الله شيئا؛ تحقيقا لقوله: {فإذا فرغت فانصب (7) ~~وإلى ربك فارغب} [الشرح: 7 - 8]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن PageV07P429 # عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». # وفي «المسند» أن أبا بكر الصديق كان يسقط السوط من يده فلا ms1390 يقول لأحد: ~~ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئا. وكذلك كان عوف ~~الأشجعي وغيره ممن وصاهم النبي صلى الله عليه وسلم: أن لا تسأل الناس شيئا. # وهذا لأن جماع الدين أن لا يعبد الناس إلا الله، وأن يعبدوه بما شرع، لا ~~يعبدوه بالبدع، كما قال الفضيل بن عياض في قوله عز وجل: {ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا} [الملك: 2] قال الفضيل: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي ما أخلصه ~~وما أصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان ~~صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: أن يكون لله، ~~والصواب: أن PageV07P430 # يكون على السنة. # وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع. # وأما خروج النساء إلى المساجد مظهرات الزينة، فإن ذلك منهي عنه باتفاق ~~الأئمة؛ إذا كانت خارجة إلى صلاة الجماعة. وأما خروجهن في المجامع ~~المبتدعة، مثل التعريف ببيت المقدس وأمثال ذلك مع إظهار الزينة والطيب؛ ~~فهذا منكر من وجوه عدة، وليس لزوجها ولا أبيها ولا نحوهما تمكينها من ذلك، ~~بل عليهم أن يمنعوها من ذلك فضلا عن إعانتها على ذلك. # وأما زيارة المرأة لبيت المقدس في غير موسم من غير سفر فلا بأس بذلك. # # # # PageV07P431 ### || CHECK (23) مسألة في عسكر المنصور المتوجه إلى الثغور الحلبية سنة 715 ه # مسألة في عسكر المنصور المتوجه إلى الثغور الحلبية سنة 715 ه PageV07P433 # مسألة في العسكر # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين، ما النية في ~~هذه الغزوة التي يخرج فيها عسكر المنصور إلى الثغور الحلبية سنة خمس عشرة، ~~وذكر ولي الأمر أنها غزوة شرعية، فهل تكون النية سفر طاعة، فهل يستحب القصر ~~فيه، أم لا؟ وهل يجوز الجمع في أوقات جد السير، بينوا لنا ذلك والحالة هذه؟ # الجواب: الحمد لله. # نعم هو سفر طاعة يجوز فيه القصر، والقصر للمسافر سنة راتبة، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي في سفره إلا قصرا، لم يصل الظهر والعصر ~~والعشاء في السفر ms1391 أربعا قط. فأما الجمع فهو رخصة عارضة، فإنه لم يكن يجمع ~~في غالب الأوقات، وإنما يجمع عند الحاجة، كما جمع بعرفة ومزدلفة، وكما كان ~~يجمع إذا جد به السير، وكان إذا سافر قبل أن ترتفع الشمس أخر الظهر إلى وقت ~~العصر، ثم نزل فصلاهما جمعا. وأما في حال نزوله في السفر فما نقل عنه الجمع ~~إلا مرة واحدة. # وكان يصلي في السفر الوتر، وركعتي الفجر، وكان يصلي التطوع PageV07P435 # وغيره على راحلته قبل أي وجه توجهت به، سواء جهة سيره جهة الكعبة أو غيرها. # وإنما جاز القصر في السفر لأنه ليس سفرا محرما، بل من كان له فيه نية ~~صالحة، وأراد به وجه الله، وقصد الجهاد الشرعي= كان ذلك من أفضل أعماله، ~~وذلك لأن جهاد العدو الخارجين عن شريعة الإسلام ليكون الدين كله لله، وحتى ~~تكون كلمة الله هي العليا= من أفضل الأعمال الشرعية. # وسعي المسلمين في قهر التتار والنصارى والروافض من أعظم الطاعات ~~والعبادات، فإن هؤلاء محاربون لله ورسوله، خارجون عن شريعة الله وسبيله، ~~وإن كان التتر والروافض يتكلمون بالشهادتين ويتظاهرون ببعض الإسلام، فقد ~~أمر الله ورسوله بجهاد من هو خير منهم. قال الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم ~~تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 278 - 279]. والربا أحرم ما ~~حرم الله في القرآن، وكان أهل الطائف قد أسلموا والتزموا الصيام والصلاة ~~وسائر الشريعة، إلا أنهم قالوا: لا ندع الربا، فأمر الله بجهادهم، وأخبر ~~أنهم يحاربون الله ورسوله. PageV07P436 # فإن كانوا هؤلاء الذين لم ينتهوا عن الربا، قد أمر الله بمحاربتهم، مع أن ~~الربا مال يؤخذ برضا المتعاقدين، فكيف بمن يستحل دماء المسلمين وأموالهم، ~~وإفساد دينهم ودنياهم؟ فطاعتهم ودين الإسلام لا يجتمعان. # ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم [و] ارتد من ارتد قال عمر بن الخطاب ~~لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله ms1392 إلا الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» فقال له أبو بكر: ~~ألم يقل: «إلا بحقها» فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقا كانوا ~~يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: ~~فما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق. # فقد قاتل الصحابة من كان مسلما لكونه لا يؤدي الزكاة، وقد ثبت في الصحاح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه ذكر الخوارج فقال: «يحقر أحدكم ~~صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا ~~يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق PageV07P437 # السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند الله ~~لمن قتلهم يوم القيامة». # فهؤلاء مع كثرة صيامهم وصلاتهم وقراءتهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتالهم؛ لكونهم خرجوا عن جماعة المسلمين، واستحلوا دماء المسلمين ~~وأموالهم، ولا يكفرون أبا بكر وعمر، وإنما يطعنون في عثمان وعلي. والرافضة ~~شر من هؤلاء؛ فإنهم يعاونون اليهود والنصارى، وعاونوهم مع هلاوون لما قدم ~~إلى بغداد، فأعانوه على قتل بيت النبوة العباسيين وغيرهم من المؤمنين، ~~وأعانوا اليهود والنصارى بالشام نوبة هلاوون وقازان، وغير ذلك، ولا ريب أن ~~ضررهم على المسلمين أعظم من ضرر التتر. # وأما التتار فإنهم وإن أسلموا لم يلتزموا بسائر الشريعة، والله قد أمر ~~بالجهاد حتى يكون الدين كله لله، فإذا كانت الطائفة الممتنعة تتشهد ولا ~~تصلي، قوتلوا حتى يصلوا، ولو قالوا: نصلي ولا نصوم، PageV07P438 # قوتلوا حتى يصوموا. ولو قالوا: نصوم ولا نحج، قوتلوا حتى يحجوا البيت، ~~ولو قالوا: نؤدي الفرائض ولا نحرم ما حرم الله ورسوله، ولا نحرم الربا أو ~~الخمر أو الفواحش، ونحو ذلك، قوتلوا على ذلك، ولو قالوا: يحكم بيننا ~~بالياساق ولا يحكم بيننا الله ورسوله، قوتلوا على ذلك. ولو قالوا: نوالي ~~جنسنا من الكفار، ونعادي المسلمين الذين لا يطيعونا، قوتلوا على ذلك. # والتتار فيهم من الخروج عن ms1393 شريعة الإسلام أمور كثيرة، حتى إن ملكهم قد ~~أظهر الرفض وتزوج ببنت أخيه، ومثل هذا يوجب قتل مستحله باتفاق الأئمة، بل ~~من تزوج امرأة أبيه قتل، كما في «السنن»: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ~~أبا بردة بن نيار إلى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمره PageV07P439 # بقتله، وأن يأخذ خمس ماله. فكيف بمن تزوج بنت أخيه؟! # ولكن الواجب في جهادهم أن تعصم دماء المسلمين وأموالهم وحريمهم الذين في ~~بلادهم، ولا يقاتل إلا من كان معاونا لهم. # ولا تجوز الإغارة على بلاد الشرق فإنهم مسلمون، كما أن أهل الشام مسلمون، ~~ولكن يشهدهم العدو، كما قهروا أهل الشام لما دخلوا عليهم، فالواجب إنقاذهم ~~من الدولة الخارجة عن الشريعة حتى يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي ~~العليا، ويعمل بالكتاب والسنة بحسب الإمكان، كما خرج العسكر من مصر لإنقاذ ~~بلاد الشام منهم لما استولوا عليها. # ومن أغار على المسلمين وتعرض لدمائهم وأموالهم بغير حقها، فهو ظالم معتد، ~~ولا طاعة لمن يأمر بذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # # # # PageV07P440 ### || CHECK (24) صورة مكاتبة الشيخ تقي الدين للسلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين سنة ثمان وتسعين وستمائة # صورة مكاتبة الشيخ تقي الدين # للسلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين # سنة ثمان وتسعين وستمائة PageV07P441 # بسم الله الرحمن الرحيم # من الداعي أحمد ابن تيمية إلى سلطان المسلمين وولي أمر المؤمنين، نائب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بإقامة فرض الدين وسنته، أيده الله ~~تأييدا يصلح به له وللمسلمين أمر الدنيا والآخرة، ويقيم به جميع الأمور ~~الباطنة والظاهرة، حتى يدخل في قول الله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة ~~الأمور} [الحج: 41]. # وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل ~~إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق ~~بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله ms1394 اجتمعا عليه ~~وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب ~~وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا ~~تعلم شماله ما تنفق يمينه». # وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور ~~من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء». PageV07P443 # وقد استجاب الله دعاء الأمة في السلطان، فجعل فيه من الخير الذي شهدت به ~~قلوب الأمة ما فضله به على غيره، والله المسؤول أن يعينه، فإنه أفقر خلق ~~الله إلى معونة الله وتأييده، حتى يدفع عنه كل ضر، ويجلب إليه كل خير، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وصلاح أمر السلطان في إقامة سلطان الله، وإنفاذ مرسوم رب العالمين الذي ~~هو كتابه، فإنه سبحانه جعل صلاح أهل التمكين في أربعة أشياء: إقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. # فإذا أقام الصلاة في مواقيتها جميعه هو وحاشيته وأهل طاعته، وأمر بذلك ~~جميع الرعية، وعاقب من تهاون في ذلك بالعقوبة التي شرعها الله، فقد تم هذا الأصل. # ثم إنه مضطر إلى الله تعالى، فإذا ناجى ربه في السحر واستغاث به، وقال: ~~«يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث» أعطاه الله من المكنة ما لا ~~يعلمه إلا الله. # ثم كل نفع وخير يوصله إلى الخلق هو من جنس الزكاة، فمن أعظم العبادات: سد ~~الفاقات، وقضاء الحاجات، ونصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، والأمر بالمعروف، ~~وهو: الأمر بما أمر الله به ورسوله من العدل والإحسان، وأمر نواب البلاد ~~وولاة الأمور باتباع حكم الكتاب والسنة، PageV07P444 # وتعظيم حرمات الله. والنهي عن المنكر: النهي عما نهى الله عنه ورسوله. # ومما نهى الله عنه ورسوله: إتيان العراف والكهان والمنجم، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم يقبل الله له صلاة أربعين ~~يوما». رواه مسلم في «صحيحه». # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس [علما من النجوم اقتبس] شعبة ms1395 ~~من السحر، زاد ما زاد». رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح. # وقد تقدم إلى ولي الأمر بالشام بما يشكره الله وعباده المؤمنون من إبطال ~~هؤلاء ومنعهم من الجلوس بالحوانيت والطرقات، ومن منع الخمر والحشيشة ~~المسكرة، حتى يعبد الخلق ربهم ويتكلوا عليه ويستعينوه. # فإذا تقدم السلطان أيده الله بذلك في عامة بلاد الإسلام، كان فيه من صلاح ~~الدنيا والآخرة له وللمسلمين ما لا يعلمه إلا الله، والله يوفقه بما يحبه ~~ويرضاه. PageV07P445 ### || CHECK (25) مسألة في الداء والدواء # [مسألة في الداء والدواء] # الحمد لله. # سئل شيخ الإسلام رضي الله عنه وأثابه الجنة: ما دواء من تحكم فيه الداء، ~~وما الاحتيال فيمن تسلط عليه الخبال، وما العمل فيمن غلب عليه الكسل، وما ~~الطريق إلى التوفيق، وما الحيلة فيمن سطت عليه الحيرة؟ إن قصد التوجه إلى ~~الله منعه هواه، وإن رام الادكار غلب عليه الافتكار، وإن أراد يشتغل لم ~~يطاوعه الفشل. # غلب الهوى فتراه في أوقاته ... حيران صاحي بل هو السكران # إن رام قربا للحبيب تفرقت ... أسبابه وتواصل الهجران # هجر الأقارب والمعارف عله ... يجد الغنى وعلى الغناء يعان # ما ازداد إلا حيرة وتوانيا ... أكذا بهم من يستجير يهان PageV07P446 # فأجاب رضي الله عنه: # دواؤه الالتجاء إلى الله تعالى، ودوام التضرع إلى الله سبحانه، والدعاء ~~بأن يتعلم الأدعية المأثورة، ويتوخى الدعاء في مظان الإجابة؛ مثل آخر ~~الليل، وأوقات الأذان والإقامة، وفي سجوده، وفي أدبار الصلوات. # ويضم إلى ذلك الاستغفار؛ فإنه من استغفر الله ثم تاب إليه متعه متاعا ~~حسنا إلى أجل مسمى. # وليتخذ وردا من الأذكار طرفي النهار ووقت النوم، وليصبر على ما يعرض له ~~من الموانع والصوارف، فإنه لا يلبث أن يؤيده الله بروح منه، ويكتب الإيمان ~~في قلبه. وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس بباطنه وظاهره، فإنها ~~عمود الدين. ولتكن هجيراه: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، فإنه ~~بها يحمل الأثقال، ويكابد PageV07P447 # الأهوال، وينال رفيع الأحوال. # ولا يسأم من الدعاء والطلب، فإن العبد يستجاب له ما لم يعجل فيقول: قد ~~دعوت فلم ms1396 يستجب لي. وليعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع ~~العسر يسرا، ولم ينل أحد شيئا من جسيم الخير -نبي فمن دونه- إلا بالصبر. # والحمد لله رب العالمين. # # # # PageV07P448 ### || CHECK (26) رسالة في الكلام في الحلاج # رسالة في الكلام في الحلاج PageV07P449 # تكلم في الحلاج وأمثاله شيخ الإسلام -بحر العلوم، بقية السلف الكرام، آخر ~~المجتهدين وقدوة المتأخرين، تاج العارفين ولسان المتكلمين، تقي الدين أبو ~~العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني رحمه الله ورضي ~~عنه وأثابه الجنة بفضل رحمته وإيانا أجمعين إنه على كل شيء قدير، وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم-[و] على الفرق ~~من الطوائف المختلفة كلاما طويلا، ثم قال في أثناء كلامه -والسياق أصله في ~~الحلاج-: # فصل # وأما حكم الله في حق هذا المعين، فلا ريب أن الأقوال التي ذكر أنه قتل ~~عليها؛ من الاتحاد، ودعوى الإلهية كفر باتفاق المسلمين. فمن اعتقد في نفسه ~~ما يعتقد النصارى في المسيح، فهو كافر بالله باطنا وظاهرا، ولو كان أعبد ~~الناس وأزهد الناس؛ فإن أنواع العبادات والزهادات، وأنواع الرياضات ~~والمجاهدات لا تقبل إلا مع الإيمان بالله ورسوله. # وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن اليهود والنصارى كفار وإن كانوا من ~~أعبد الناس. وأن رهبان النصارى لا يقبل الله عباداتهم وزهاداتهم؛ لأنهم ~~خارجون عن دين الإسلام، مع أن معهم من العبادات والزهد ما هو أبلغ. PageV07P451 # وكذلك المشركون في عبادة الأصنام؛ كعباد الهند الذين يعبدون الأبداد ~~وغيرهم كفار بإجماع المسلمين وإن كانوا عبادا زهادا. # وقد قال الله تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين ~~كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} ~~[الكهف: 103 - 105]. # وقد سئل عن هؤلاء سعد بن أبي وقاص فقال: هم أهل الصوامع والزيارات. وسئل ~~عنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: هم أهل حروراء. يعني الخوارج. # وقد ثبت في «الصحيح» في الخوارج: ms1397 «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع ~~صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من ~~الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم ~~أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة». # وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأمر PageV07P452 # النبي صلى الله عليه وسلم، وقتلهم مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، فإذا ~~كان هؤلاء يخرجونهم عن السنة والجماعة، فكيف بمن خرج عن أهل الدين بما ~~ينافي التوحيد والرسالة، ودخل فيما عليه النصارى ونحوهم من الضلالة؟ # ولو كان لمثل هذا من خوارق العادات ماذا عسى أن يكون، فإنه [إن] لم يلتزم ~~طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا فإنه ضال مفتون. وقد اتفق أهل طريق الله على ~~أن خوارق العادات مع الخروج عن الكتاب والسنة لا تغني عن صاحبها شيئا، وأن ~~الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء، فلا تغتر به حتى تنظر وقوفه عند ~~الأمر والنهي. # وقد ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قعد ~~أحدكم في التشهد فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن ~~فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال». # والدجال يدعي أنه الله ويقول للسماء: أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت، ~~وللخربة أخرجي كنوزك فيخرج معه كنوز الذهب والفضة، ويقتل الميت ثم يعيش. ~~ومع هذا كله فهو كافر بالله العظيم. فمن اتبع أحدا في ضلالة لأجل ما يظهر ~~عنه من خارق؛ فقد أصابته فتنة الدجال. PageV07P453 # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد: «إني قد خبأت لك خبيئا» ~~فقال: الدخ، فقال: «اخسأ فلن تعدو قدرك» أي: أنت كاهن. وهذه قاعدة مبسوطة ~~في غير هذا الموضع. # وعامة هؤلاء الخارجين عن شريعة الإسلام؛ كالسهروردي المقتول الحلبي، وابن ~~سبعين وأمثالهم كانوا يتعاطون السيمياء التي هي من السحر، وحكاياتهم في ذلك ~~مشهورة، وهي من أنواع التخييل. وكانوا فلاسفة يميلون إلى طريقة الحلاج ~~وأمثاله. ولابن سبعين خرقة مجهولة الرجال متصلة بالحلاج. # وقد استفاض من ms1398 نقل العلماء ونصوصهم أن الحلاج كانت له مخاريق، فلا يجوز ~~لأحد أن يستدل بمخارقه على أنه ولي لله، وأنه قتل مظلوما. فإن كثيرا من ~~الجهال من يفعل هذا، ويبني عليه ثلاث مقدمات باطلة: # أحدها: أنه كانت له كرامات. # والثانية: أن صاحب الكرامات التي هي خرق العادات ولي لله. # والثالثة: ولي الله لا يقول إلا حقا ولا يعمل إلا خيرا. فهذه الثلاثة PageV07P454 # باطلة في حقه وحق أمثاله. # أما الأولى، أنه كانت له كرامات، فأكثر ما يحكى يكون كذبا من باب الحيل ~~والمخاريق، كما ذكر الناس في أخبار الحلاج أنه كان صاحب مخاريق، فيكون ما ~~يدعيه من خرق العادات كذبا، وما كان منه صدقا كان له من الأسباب، كالسحر ~~والعين والأحوال الفاسدة، ما يخرجه عن أن يكون من جنس كرامات أولياء الله. # وبهذا يظهر فساد المقدمة الثانية، وهو أنه ليس كل من كان له خرق عادة ~~يكون وليا لله، كالدجال وأمثاله. # وأما الثالثة، فليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما، بل يجوز عليه ~~الخطايا والذنوب، وكل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأولياء الله هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى: {ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون} [يونس: 62 ~~- 63]. والتقوى هي: أداء الواجبات وترك المحرمات، وقد يكون معها صغيرة بلا ~~إصرار وكبيرة مع توبة واستغفار. PageV07P455 # وإذا عرف ذلك، فمن اعتقد ذلك، أو قال قولا يخالف دين الإسلام؛ من الاتحاد ~~الذي قتل عليه الحلاج وأمثاله، مثل قوله: إني أنا الله، ونحو ذلك، إن عاقلا ~~يعلم ما يقول، وإن كان مخالفا لدين الإسلام= فلا ريب أنه كافر باطنا ~~وظاهرا. وإن كان قد غلب على عقله لفساد مزاجه أو حال ورد عليه، فجعل ~~كالسكران وأوقعه في الفتن والاصطلام= فهذا ارتفع عقله بسبب يعذر فيه [و] لم ~~يكن مأثوما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن المجنون حتى يفيق». # فإذا كان زوال عقله لسماع القرآن ونحوه، كان ms1399 معذورا، كما يكون المغمى ~~عليه بالمرض معذورا. # وإن كان زوال عقله بسبب محظور، كالسماع المنهي عنه؛ كمن زال عقله بشرب ~~محرم كالخمر والحشيش. وهذا إذا تكلم بالكفر في تلك الحال فهل يكفر؟ على ~~قولين مشهورين للعلماء في السكران، لكن الأظهر أنه لا يكفر. PageV07P456 # ثم منهم من فرق بين من يزول عقله بسبب يشتهى كالخمر، وسبب لا يشتهى ~~كالبنج، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة، وهو المنصوص عن أحمد، [ومنهم من لم ~~يفرق] كالشافعي، وهو قول طائفة من أصحاب أحمد كأبي الخطاب. وبكل حال فإذا ~~صحا من سكره وتاب مما قال تاب الله عليه باتفاق العلماء. # فمن خرج في سكره إلى شطح هو كفر، وكان زوال عقله بسبب يعذر فيه فلا إثم ~~عليه. وإن كان بسبب محظور ثم تاب تاب الله عليه. وأما من أصر على ذلك في ~~حال صحوه وحضور عقله، فهذا كافر زنديق باطنا وظاهرا، وهذا هو الذي ثبت في ~~حال الحلاج وأمثاله. وقد علم أنه قتل على الزندقة، فإذا تاب قبل أن يموت ~~فيما بينه وبين الله [تاب الله عليه] باتفاق المسلمين، وهذا مما يشك فيه في ~~حال الحلاج، فإنه يمكن أن يكون قبل الموت تاب فيما بينه وبين الله، ويمكن ~~أنه لم يتب، فإن تاب قبل الله توبته على صالح عمله. # وأيضا فالزندقة ليست صفة لازمة للعبد، فقد يكون في حال مؤمنا وفي حال ~~منافقا، ففي حال نفاقه متكلم بالكفر وفي حال إيمانه يتوب منه. وهذا الحال ~~يشبه حال أبي العلاء المعري وأمثاله ممن ثبت عنه أنه PageV07P457 # تكلم بكلمات كفرية، مع تكلمه بكلمات إيمانية تنافي ذلك. # والواحد من هؤلاء قد تكون عاقبته باعتبار أحوال إيمانه، ومن ذمه فباعتبار ~~نفاقه واستصحاب لحال نفاقه إلى الموت، وتفاصيل أحوالهم المعينة إلى الله، ~~لكن يجب الجزم بكفر الكلام المنقول عنهم الذي يخالف دين الإسلام من مقالات ~~أهل الاتحاد ونحوها. # فإذا تبين هذا فالذي لا ريب فيه أن الحلاج بدا منه من الأقوال ما هي ~~محرمة في دين الإسلام، موجبة للقتل باطنا وظاهرا، ms1400 وأن الرجل لم يكن على ~~الصراط المستقيم، ولا ملازما لطريقة الكتاب والسنة، ولا هو ممن يجوز ~~الاقتداء به ولا اتخاذه إماما، ولا يجوز التعصب له والانتصار له بدعوى ضد ~~ذلك بكون كان له عبادات وزهادات، فيمكن أنه تاب فيما بينه وبين الله مما هو ~~كفر، فيكون قد مات على الإيمان وهو من أهل الكبائر، ويمكن أنه لم يتب من ~~ذلك فيكون منافقا، ويمكن أنه تاب من الكفر والبدعة والفسوق فمات تائبا لا ~~ذنب له، ويمكن أنه لم يتب من ذلك فيكون حكمه حكم فساق أهل الملة إن PageV07P458 # شاء الله عذبه وإن شاء غفر له. ويمكن أنه بقي مصرا على خطأ هو ذنب أو خطأ ~~هو مغفور.= فهذه كلها أقسام ممكنة، والجزم بواحد منها بلا دليل قول بغير ~~علم، [و] هو كلام فيما لا يعنينا. فإن الذي يجب علينا أن نثبت ما أثبته ~~الكتاب والسنة وننكر ما أنكره الكتاب والسنة، وهذا يظهر بذكر الحكم فيما ~~ينقل عنه من الأقوال نظما ونثرا. # فنقول: إنه قد نقل عن الحلاج من المقالات أنواع كثيرة لا ريب أن كثيرا ~~منها كذب عليه، فإنه قد صار له شهرة، فمن الناس من قد يبالغ في ذمه حتى ~~ينقل عنه ما لم يقله، ومن الناس من يريد ينفق المقالات الباطلة فيحكيها عنه ~~ليقبلها من يحسن الظن. # وهذا قد فعل بغير الحلاج من علماء الدين وأئمة الهدى، نقل عنهم من ~~الكلمات المكذوبة أنواع، تارة بغرض الذم وتارة بغرض المدح، وتارة بغرض ~~القبول لقول سيد ولد آدم رسول الله صلى الله عليه وسلم! وكذلك نقل عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه من الأكاذيب ما الله به عليم، وعن جعفر بن محمد ~~الصادق، وغير هؤلاء من أئمة الهدى. # وينقل عن يزيد والحجاج وأمثالهما من الأكاذيب في الذم ما لم PageV07P459 # يقولوه ولم يفعلوه، وإن كان لهما ما لهما فما الشر ما يقع مثل هذا. # وكذلك الحلاج نقل عنه نظما ونثرا من مقالات الاتحاد ومقالات أهل الاتحاد ~~ما الله به عليم، ms1401 وصار ذلك فتنة لمن يظنه من أولياء الله المتقين، وعلوم ~~الأسرار والحقائق، بمنزلة ما نقل عن علي رضي الله عنه من هذه الأحاديث، ~~وبمنزلة ما نقل عن أبي يزيد إما كذبا عليه وإما غلطا منه. # لكن إذا نقل عن رجل له قبول في الإسلام، كان الضلال به أكثر بخلاف ما ~~ينقل عن الحلاج وأمثاله، فإن القائل قد قتل على الزندقة، ومن قتل على ~~الزندقة سقطت حرمة أقواله. # وينبغي أن يكون عند المسلم من هذا قاعدة عامة، وهو أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم معصوم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، لا يقول على الله ~~إلا الحق، ولا يخرج من بين شفتيه إلا حق، وهو حجة الله على عباده. هذا قول ~~مالك بن أنس الإمام رضي الله عنه: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وأنه ليس لأحد من المشايخ والعلماء أو PageV07P460 # الملوك أو الأمراء أو غيرهم طريق إلى الله غير اتباعه [ومن ظن أن لأحد من ~~أولياء الله طريقا إلى الله غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم باطنا ~~وظاهرا فلم يتابعه] فهو كافر. # ومن زعم أن من أولياء الله من يخرج عن اتباعه وطاعته كما خرج الخضر عن ~~اتباع موسى وطاعته فإنه كافر. فإن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر بل كان ~~نبيا إلى بني إسرائيل، ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى جميع ~~العالمين عربهم وعجمهم، وجنهم وإنسهم. مع أن الذي فعله الخضر لم يكن خارجا ~~عن الشريعة، بل كان له أسباب إذا علمها العبد تبين له أنه جائز في الشريعة، ~~ولهذا لما بين الخضر تلك الأسباب لموسى علم موسى أن تلك الأفعال جائزة في ~~الشريعة. # ومن زعم أن من [أهل] الصفة من خرج عن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~قاتله أو سمع ما ألقي إليه ليلة المعراج؛ فهو ضال مفتر. # ولا يكون العبد مؤمنا حتى يكون كما قال الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى ms1402 يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم PageV07P461 # حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65]. # وقد قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن ~~يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36]، وقال تعالى: {إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} ~~[النور: 51]. # وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} ~~[النساء: 64]. وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم} [آل عمران: 31]. ومثل هذا في القرآن كثير في نحو أربعين موضعا. # فالإسلام أصلان: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله. ~~وإذا أقر بذلك فليعلم أن القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هي الحق وما خالفها باطل، فإن هذا نقل مصدق عن قائل معصوم، وما يخالف ~~هذا من أقوال أو أفعال تحكى عن بعض المشايخ أو العلماء وغيرهم فقد يكون ~~الناقل غير مصدق، وإن كان الناقل صادقا فالقائل غير معصوم في مخالفة الناقل ~~المصدق عن القائل المعصوم. # فهذا القول يجب على المؤمن أن يعتصم به، ويزن جميع ما يرد عليه على هذا ~~الأصل. فما يجده من التنازع في بعض المشايخ PageV07P462 # والعلماء والملوك أو غيرهم في حمده وذمه، فلا يخلو إما أن يكون المراد به ~~معرفة حقيقة ذلك الرجل عند الله، فهذا لا حاجة بنا إلى معرفته، وقد لا يمكن ~~معرفته. وإما أن يكون المراد حكم ما يذكر عنه من أقوال وفعال. فهذا كله ~~معروض على الكتاب والسنة، فما وافقه فهو الحق، وإن كان ذلك القائل فاسقا أو ~~زنديقا، وما خالفه فهو الباطل وإن كان ذلك القائل صالحا بل صديقا، كما كان ~~معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول في وصيته: «اقبلو الحق من كل من جاء به وإن ~~كان كافرا واحذروا زيغة الحكيم» فقالوا: كيف نعرف أن الكافر يقول الحق؟ وأن ms1403 ~~الحكيم يزيغ؟ فقال: «إن على الحق نورا». يريد: أن الحق معه من البرهان ما ~~يتبين أنه حق، فهذا مقبول من كل قائل. # وكثير من الناس يزن الأقوال بالرجال، فإذا اعتقد في الرجل أنه معظم قبل ~~أقواله وإن كانت باطلة مخالفة للكتاب والسنة، بل لا يصغي حينئذ إلى من يرد ~~ذلك القول بالكتاب والسنة. بل يجعل صاحبه كأنه PageV07P463 # معصوم. وإذا ما اعتقد في الرجل أنه غير معظم رد أقواله وإن كانت حقا، ~~فيجعل قائل القول سببا للقبول والرد من غير وزن بالكتاب والسنة. # وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للحارث بن حوط لما قال له: يا علي ~~أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل وأنت على حق؟ [فقال]: لا [يا] حار إنه ~~ملبوس عليك، اعرف الحق تعرف أهله، إن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما الرجال ~~يعرفون بالحق. # وكل من اتخذ شيخا أو عالما متبوعا في كل ما يقوله ويفعله، يوالي على ~~موافقته ويعادي على مخالفته غير رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو مبتدع ~~ضال خارج عن الكتاب والسنة، سواء كان من أهل العلم والدين؛ PageV07P464 # كالمشايخ والعلماء [أ] وكان من أهل الحرب والديوان؛ كالملوك والوزراء. # بل الواجب على جميع الأمة طاعة الله ورسوله، وموالاة المؤمنين على قدر ~~إيمانهم، ومعاداة الكافرين على قدر كفرهم، كما قال تعالى: {إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) ~~ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة: 55 ~~- 56]، وقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71]. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ~~وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو واحد تداعى له سائر الجسد ~~بالحمى والسهر». وقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين ~~أصابعه». # وفي «الصحيح» عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثا: ~~أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا PageV07P465 # تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله ms1404 أمركم». {ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (105) يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب ~~بما كنتم تكفرون (106) وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها ~~خالدون} [آل عمران: 105 - 107]. # قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة ~~والفرقة. # وهذا هو الأصل الفارق بين أهل السنة والجماعة، وبين أهل البدعة والفرقة. ~~فإن أهل السنة والجماعة يجعلون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام ~~المطلق، الذي يتبعونه في كل شيء ويوالون من والاه ويعادون من عاداه. ~~ويجعلون كتاب الله هو الكلام الذي يتبعونه كله ويصدقون خبره كله، ويطيعون ~~أمره كله. ويجعلون خير الهدي والطريق والسنن والمناهج هي سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # وأما أهل البدعة فينصبون لهم إماما يتبعونه، أو طريقا يسلكونه، يوالون ~~عليه ويعادون عليه، وإن كان فيه ما يخالف السنة، حتى يوالوا من PageV07P466 # وافقهم مع بعده عن السنة، ويعادون من خالفهم مع قربه من السنة. # فإذا عرف الصراط المستقيم لم يكن بنا حاجة إلى معرفة حقيقة هؤلاء الرجال ~~الذين اشتهوا عنهم. وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز ~~الحكيم. # آخر الفصل، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # # # # PageV07P467 ### || CHECK (27) فصل: فيما يجمع كليات المقاصد # فصل # فيما يجمع كليات المقاصد PageV07P469 # فصل فيما يجمع كليات المقاصد، لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد ابن تيمية ~~الحراني رحمه الله ورضي عنه وأثابه الجنة بفضل رحمته، إنه على كل شيء قدير. # قال الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان} [المائدة: 2]. # والبر: ما حض الله به من واجب ومستحب. # والتقوى: حفظ حدود الله بأن لا يتعدى الواجب والمستحب والجائز. فالبر في ~~الجنس، والتقوى في المقدار. # وضد ذلك: الإثم، وهو: جنس ما نهى الله عنه، والعدوان هو ما تعدى الحدود ~~في الواجب والجائز والمستحب. فالعدوان ضد التقوى، كما أن الإثم ضد البر. # وفي «صحيح مسلم» ms1405 عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن البر والإثم فقال: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت ~~أن يطلع عليه الناس». PageV07P471 # وقد بسطنا القول في هذا في غير هذا الموضع، والمقصود هنا أن الله أمر ~~بالتعاون على هذا، ونهى عن التعاون على هذا. فالإنسان فيما أمر به ونهي عنه ~~لا يخلو من أربعة أقسام: # * إما أن يفعل المأمور والمحظور جميعا، فيعين على هذا وهذا، كمن يعاون ~~الذين يفعلون الظلم والفجور على هذا وعلى هذا، ويدخل في ذلك أعوان الظلمة ~~من الأئمة والأمة إذا أعانوهم على البر وعلى الإثم. # * وإما أن يترك المأمور والمحظور جميعا، فلا يعين على بر ولا على إثم، ~~كحال كثير ممن يتخلى عن الناس إما كسلا وإما بخلا وإما زهدا وورعا فاسدا، ~~وإما لغير ذلك. # * وإما أن يعين على الإثم والعدوان دون البر والتقوى؛ كحال من يعين ~~الظالمين والفاسقين على ظلمهم وفسقهم، ولا يعين على البر. # * وإما أن يعين على البر والتقوى ولا يعين على الإثم والعدوان. فهذا هو ~~المؤمن التقي الذي أطاع الله ورسوله. # وهذا حال الناس في كل جنس أمر الله بأحد نوعيه وحرم الآخر، بل حكمهم في ~~أمر الله ونهيه؛ فمنهم من يأتي بالمأمور والمحظور، PageV07P472 # ومنهم من يأتي بالمأمور دون المحظور. # وهذه الأقسام تعرض للإنسان الواحد بحسب أحواله، بل تعرض له في اليوم ~~الواحد فيأتي بالأنواع الأربعة. # فأما الذي يأتي بطاعة الله دون معصيته، أو يأتي بمعصيته دون طاعته؛ ~~فحكمهما ظاهر، وإن كان في بعض أنواعهما وأعيانهما تنازع واشتباه. لكن ~~الجامع بين الطاعة والمعصية والتارك لهما كثيرا ما يضطرب الناس في أمرهما. ~~والتحقيق: أنه يوزن ثواب طاعة الله هنا مع عقاب معصيته. # وأما التارك لهما فننظر فيما تركه من طاعة، هل كان واجبا يستحق على تركه ~~عقابا؟ [و] فيما تركه من المعصية، هل قصد تركه على وجه يكون فيه ثواب؟ فإن ~~كان كذلك له ثواب وعقاب كالأول. وإن لم يكن المتروك من الطاعة واجبا ولا ~~المتروك ms1406 من المعصية بقصد يثاب عليه، فهما لا له ولا عليه. فإن رجحت حسنات ~~الأولين فهما خير منه، وإن رجحت سيئاته فهو خير منهما. PageV07P473 # والمقصود أن الله إذ أوجب الإعانة على البر والتقوى، فقد دخل في ذلك فعل ~~كل مأمور فإنه من البر، وحفظ حدود الله في كل شيء فهو التقوى. # وجماع ذلك القسط والعدل في كل شيء، فتجب الإعانة على حسن الخلق. وكما أمر ~~الله بالإعانة على ذلك فأمر بالتناجي به فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى ~~واتقوا الله الذي إليه تحشرون} [المجادلة: 9]. # والإثم والعدوان جماعه الظلم؛ ظلم النفس أو ظلم العبد لنفسه أو لغيره مع ~~نفسه، والظلم في حق الله. وقد قال تعالى: {إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 32]. # فالإعانة على هذه المحرمات هي الإعانة على الإثم والعدوان، والإعانة على ~~الفواحش يدخل فيه الذي تسميه الناس: قيادة، مثلما كانت امرأة لوط -العجوز ~~التي تركت في الغابرين- تعين قومها قوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث، ~~وكانت تدلهم على الأضياف الذين يأتون إلى لوط عليه السلام. # فالدال على الفواحش من الرجال والنساء، والجامع بين PageV07P474 # الناس على الفواحش بكلامه أو عمله أو مكانه أو غير ذلك له نصيب من هذا، ~~حتى من يبيع ما يستعين به على المعصية، كما لعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الخمر عشرة، لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومشتريها، وحاملها، ~~والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها. حتى قال الإمام أحمد: إن ~~بيع الخبز واللحم والفاكهة لمن يستعين به على الفاحشة والإثم من هذا الباب. # والإعانة على الإثم والعدوان أعظم من السكوت عن تغيير ذلك، فإن السكوت عن ~~تغيير ذلك هو ترك لإنكار المنكر، والإعانة على المنكر أعظم من السكوت عن ~~إنكاره. والله سبحانه وتعالى قد أوجب على الرجل أن يغار على أهله ويصونهم ~~عن الفواحش، ms1407 فإذا سكت عن تغيير ذلك كان ديوثا، وهو الذي جاء فيه الحديث: ~~«لا يدخل الجنة ديوث». وهو ضد الغيور. والغيرة التي يحبها الله هي الغيرة ~~في PageV07P475 # الريبة، فإذا لم يغر من فعل الفاحشة كان ذلك دياثة. لكن الغيرة على أهل ~~الرجل أوجب من الغيرة على غير أهله. وكذلك الدياثة في حق أهله أعظم جرما. ~~وذلك أنه منع لمشاركة غيره له في أهله، وذلك أمر يختص به ويعود ضرره عليه ~~ونفعه له بخلاف فعل غيره الفاحشة. # ولهذا جعل الله [في] بني آدم وغيرهم من الحيوان النفرة من أن يشارك الرجل ~~في محل استمتاعه بخلاف نفورهم عن فاحشة غير أهله، حتى يزني الرجل الفاجر ~~بنساء الناس وأبناء الناس ومماليكهم، ويعظم عليه أن يرى مثل ذلك في نسائه ~~وأولاده ومماليكه؛ لما في النفوس من الغيرة وكراهة المشاركة في محل المتعة، ~~وإن كانت النفوس عن ذلك قد محرومة. والله أعلم. # # # # PageV07P476 ### || CHECK (28) مسائل فقهية مختلفة ### ||| CHECK مسألة في الصلاة: هل تجب أن تكون النية مقارنة للتكبير؟ والسؤال أن يوضح لنا كيفية مقارنتها التكبير، كما ذكر في الشافعي؟ # [مسائل فقهية مختلفة] ### ||| AUTO مسألة: فيمن ينوي الغسل، فتوضأ، ثم اغتسل هل يجزيه، أم يتوضأ ثانيا بعد فراغه من الغسل؟ # الجواب: الحمد لله. # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا اغتسل من الجنابة يتوضأ ~~أولا، فتارة يكمل الوضوء بغسل رجليه، ثم يغسل سائر بدنه. وتارة يؤخر غسل ~~رجليه إلى آخر الغسل. ولم يكن يعيد وضوءا آخر بعد الغسل، بل ولا يعيد الماء ~~على أعضاء الوضوء، بل يكفي مروره عليها أولا. فإذا نوى الجنب بالغسل أن ~~يرفع الحدثين: الأصغر والأكبر، وتوضأ أولا، لم يحتج إلى وضوء ثاني باتفاق ~~الأئمة رضي الله عنهم أجمعين. والله أعلم. # ... # مسألة في الصلاة: هل تجب أن تكون [النية] مقارنة للتكبير؟ والسؤال أن ~~يوضح لنا كيفية مقارنتها التكبير، كما ذكر في الشافعي؟ PageV07P477 # وأنه لا تصح الصلاة إلا بمقارنتها مع التكبير، وهذا يعسر على الناس. # الجواب: الحمد لله، أما مقارنة النية للتكبير، ms1408 فللعلماء فيه قولان ~~مشهوران: # أحدهما: لا يجب، كما هو مذهب أحمد وغيره. # الثاني: تجب، كما هو مذهب الشافعي وغيره. # والنية الواجبة محلها القلب باتفاق الأئمة، إلا خلافا شاذا، وأما بعض ~~المتأخرين [ف]أوجب اللفظ بها، وهو مسبوق بالإجماع قبله. ولكن تنازع العلماء ~~هل يستحب اللفظ بها؟ كمن استحبه من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، ولم ~~يستحبه آخرون من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما، وهذا أقوى؛ فإن ذلك بدعة لم ~~يفعلها رسول الله وأصحابه، ولو كان من تمام الصلاة لفعلوه. # والمقارنة المشروطة قد تفسر بوقوع التكبير عقيب النية، وهذا ممكن لا ~~صعوبة فيه، بل عامة الناس إنما يصلون هكذا، بل هذا أمر ضروري، لو كلفوا ~~تركه لعجزوا عنه. # وقد تفسر بانبساط آخر النية على آخر التكبير، بحيث يكون أولها PageV07P478 # مع أوله وآخرها مع آخره، وهذا لا يصح؛ لأنه يقتضي عزوب كمال النية في أول ~~الصلاة، وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة. # وقد تفسر بحضور جميع النية مع جميع أجزاء التكبير، وهذا تنوزع في إمكانه؛ ~~فمن العلماء من قال: إن هذا غير ممكن ولا مقدور للبشر، فضلا عن وجوبه، ولو ~~قيل بإمكانه فهو متعسر، فيسقط بالحرج. # وأيضا فما يبطل هذا والذي قبله: أن المكبر ينبغي له أن يتدبر التكبير ~~ويتصوره، فيكون قلبه مشغولا بمعنى التكبير، لا بما يشغله عن ذلك من استحضار ~~المنوي، ولأن النية من الشروط، والشروط تتقدم العبادة، ويستمر حكمها إلى ~~آخرها؛ كالطهارة وغيرها. والله أعلم. # ... ### ||| AUTO مسألة: في رجل إذا صلى بالليل ينوي ويقول: أصلي لله نصيب الليل. فهذا ما سمعناه من العلماء، ولا سمعنا إذا صلى الرجل الفرائض والسنن، كقيام الليل وغيره ينوي ويقول: أصلي لله تطوعا. فقال له PageV07P479 ### ||| CHECK مسألة: ما تقول السادة سيدنا شيخ الإسلام رضي الله عنه أحمد ابن تيمية في قوله إنما التفريط على من لم يصل فإذا كان العبد نائما عن صلاة فريضة صلى حين يستيقظ بعد خروج الوقت ينوي الأداء أو القضاء. مراده الذي فاتته يعيدها أم حط على الصلاة المستقبلة في وقتها # الرجل: ms1409 لا، ما سمعنا من الفقراء والمشايخ: «نصيب الليل»، فإنهم على ~~الصواب. # الجواب: الحمد لله. # هذه العبارة: «أصلي نصيب الليل» لم ينقل عن أئمة الدين وأئمتها، والمشروع ~~أن ينوي الصلاة لله، سواء كانت بالليل أو بالنهار، وليس عليه أن يتلفظ ~~بالنية، فإن تلفظ قال: «أصلي لله صلاة الليل» و «أصلي قيام الليل» ونحو ذلك ~~جائز. ولم يستحب ذلك، بل الإقتداء بالسنة أولى. والله أعلم. # ... # مسألة: ما تقول السادة سيدنا شيخ الإسلام رضي الله عنه أحمد ابن تيمية في ~~قوله: إنما التفريط على من لم يصل، فإذا كان العبد نائما عن صلاة فريضة صلى ~~حين يستيقظ بعد خروج الوقت، ينوي الأداء أو القضاء. مراده: الذي فاتته ~~يعيدها، أم حط على الصلاة المستقبلة في وقتها؟ PageV07P480 # الجواب: فقال: الحمد لله رب العالمين. # قوله صلى الله عليه وسلم: «[من نام عن صلاة] فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك ~~وقتها، لا كفارة لها إلا ذلك». ومعنى ذلك: أنه الوقت الذي عليه أن يفعلها ~~فيه، ولهذا ذهب الجمهور كأحمد ومالك وأبي حنيفة إلى أن قضاء الفوائت على ~~الفور، ولم يكن عليه أن يفعلها في حال النوم والنسيان. بل تنازع العلماء هل ~~وجبت في ذمته، بمعنى أنه وجب عليه أن يفعلها إذا استيقظ [كما] يجب على ~~المدين أن يقضي الدين إذا حل، أن يقال: لم يجب في ذمته، ولكن انعقد سبب ~~وجوبها؟ على قولين مشهورين. # والنزاع في ذلك بين أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم، وجمهور العلماء على أنها ~~قضاء، ومنهم من يقول: هي أداء، والنزاع لفظي، فإن القضاء إن جعل اسما ~~للعبادة المفعولة بعد خروج وقتها المقدور PageV07P481 # يقدى إماما جاز تأخيرها، والله أعلم. # ... ### ||| AUTO مسألة: فيمن نيته الذكر، هل رفع الصوت أو خفضه مستحب به، أم لا؟ # الجواب: الحمد لله. # لا يستحب رفع الصوت بذلك، بل خفض الصوت أفضل، [و] في الحديث: «خير الذكر ~~الخفي، وخير الرزق ما يكفي». وقد قال تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا ~~وخيفة ودون الجهر من القول} [الأعراف: 205]. وكذلك الدعاء خفض الصوت به ~~أفضل كما ms1410 قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف: 55]. وقال تعالى ~~عن زكريا: {إذ نادى ربه نداء خفيا} [مريم: 3]. وقال الحسن البصري: «رفع ~~الصوت بالدعاء بدعة». PageV07P482 # وكذلك قراءة القرآن؛ ففي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«جاهر بالقرآن كجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة». وقد قال ~~تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير ~~لكم} [البقرة: 271]. # ولا يستحب رفع الصوت بالذكر إلا في الأذان، والتلبية بالحج، وأما إذا قعد ~~جماعة أو وحده يهللون ويسبحون ويكبرون ويذكرون ويحمدون، فلا يشرع لهم رفع ~~الأصوات، لا سيما إن كان رفع الصوت يشق على الإنسان، فإن فعله لذلك حينئذ ~~يكون مكروها، ومن أمره بذلك كان مخطئا، والله تعالى يسمع السر وأخفى. قال ~~بعضهم: «وأخفى» هو حديث النفس للنفس. وقيل: ما يخطر في النفس من غير ~~الكلام. والله أعلم. # وفي «الصحيح» أن الصحابة كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، ~~وكانوا PageV07P483 # يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، ~~أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، وإنما تدعون سميعا ~~قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». والله أعلم. # ... ### ||| AUTO مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين فيمن يدعو الله بقلبه وبنيته الخير والصواب بدعاء ملحون، فقال له قائل: الدعاء الملحون لا يجوز، والقرآن الملحون لا يجوز. أفتونا مأجورين مثابين. # الجواب: نعم يجوز الدعاء وإن كان الداعي يلحن في لفظه، فإن الله يعلم ~~قصده ونيته، وإنما الأعمال بالنيات. وقول بعض الناس: إن الله لا يقبل دعاء ~~ملحونا، لا أصل له. والله أعلم. # ... ### ||| AUTO مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وعلماء المسلمين رضي الله عنهم أجمعين في إمام مسجد يصلي فيه دائما، وينوب في مسجد آخر، فصلاته الثانية تكون قضاء أم إعادة؟ وما نيته ونية من خلفه؟ وأيضا أن يصلي مشمرا ذؤابته وشعره؟ وهل يجوز أن يتنفل في المحراب؟ PageV07P484 ### ||| CHECK مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين في إمام مسجد نسي ms1411 سجدة من الركعة الأولى من صلاة الصبح، فمن الجماعة من نوى ... # الجواب: نسخة ما أجاب عليها شيخ الإسلام البحر مفتي الفرق، الحبر العلامة ~~أحمد ابن تيمية رضي الله عنه فقال: # الحمد لله. # أما صلاته الثانية فهي معادة نافلة، وفي صلاة المفترضين نزاع معروف بين ~~العلماء. وأما كف الذؤابة والشعر في حال السجود فمنهي عنه. ونهى عنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم في «الصحيح»، وقال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء، ولا ~~أكف شعرا ولا ثوبا». # وأما تنفل الإمام في موضع الفرض بغير حاجة كرهه كثير من أهل العلم بحديث ~~المغيرة، وهو في «السنن»، وفي إسناده كلام ليس هذا موضعه. والله أعلم. # ... # مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين في إمام مسجد نسي سجدة من ~~الركعة الأولى من صلاة الصبح، فمن الجماعة من نوى PageV07P485 # المفارقة، و [منهم من] أتى بالسجدة وأتم الصلاة معه، وسجد معه بسجود ~~السهو، فأيهما المصيب والمخطئ؟ أفتونا. # الجواب: فقال: الحمد لله. # أما من أتى بالسجدة وتابع الإمام في الركعة الثانية فقد صحت صلاته، وأما ~~الإمام نفسه فلا تسقط عنه السجدة بسجدتي السهو باتفاق الأئمة، لكن منهم من ~~يقول: لغت تلك الركعة التي نسي سجدتها، وقامت الثانية مقامها، فعليه أن ~~يأتي بعدها بثانية مكان الأولى. وهذا مذهب مالك وأحمد. # ومنهم من يقول: يلغو ما فعله إلى أن يسجد في الثانية، فيتم الأولى ~~بالسجدة الأولى من الركعة الثانية، ثم عليه أن يأتي بركعة ثانية، وهو قول ~~الشافعي. # ومنهم من يقول: بل يسجد سجدة قبل السلام غير سجود السهو، وتصح صلاته، ~~وهذا مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه. # وأما الذين نووا مفارقة الإمام فتصح أيضا صلاتهم في مذهب الشافعي وأحمد ~~في إحدى الروايتين. # وأما الذين لم يسجدوا كما لم يسجد الإمام، فهؤلاء حكمهم حكمه يعيدون ~~الصلاة إذا لم يفعلوا ما ذكروا. والله أعلم. PageV07P486 ### ||| AUTO [سؤال عن حراسة المكان وقت صلاة الجمعة] # سئل رضي الله عنه عن جماعة من الفقراء مقيمون في زاوية عليها طريق ~~اللصوص، وقد اعتادوا في يوم الجمعة ms1412 أن يجعلوا منهم شخصا يحرس المكان، حيث ~~دخل عليهم اللصوص مرة في يوم الجمعة، والمكان له أبواب جوانية، لكن يغلب ~~على الظن إذا صاروا في ساحة المكان، واستتروا بحيطان الساحة عن العيون أن ~~لا يعسر عليهم فك الأقفال وقلع الأبواب وغير ذلك. فهل هذا العذر من غلبة ~~الظن كاف في جواز ترك الجمعة لذلك الحارس أم لا؟ # وهل يحصل للحارس احتسابا ما يحصل للحارس بحاضري الجمعة من الفضل العظيم، ~~ولا يفوت من ذلك عليه شيء أم لا؟ # وكيف الحكم إذا لم يتبرع أحد بالحراسة وهناك حوائج للمكان وحوائج مشتركة ~~لا بد من حراستها، هل يجعل لكل شخص نوبة أم يقرع بينهم؟ # وإذا سامحوا شخصا بأن لا حراسة عليه، هل يجوز له أن يؤثر إخوانه بفضيلة ~~الجمعة ويتبرع هو بالحراسة، قصده بذلك أن لا يوافقهم إذا جاءتهم النوبة مع ~~شدة اعتنائه بفضيلة الجمعة والاغتباط بها؟ ثم هل يحصل له أجر الجمعة ~~بكمالها أم لا؟ أفتونا مأجورين. PageV07P487 # أجاب رضي الله عنه: # نعم ذلك عذر في حراسة بعضهم وترك الجمعة إذا لم يمكن أن يحرسه من لا تجب ~~عليه الجمعة، وإن كان الحارس ونحوه ممن ترك الجمعة لعذر، نيته أن يحضرها ~~لولا العذر فله ما نواه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة ~~لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم» قالوا: وهم ~~بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة حبسهم العذر». # والسنة في مثل هذا أن يتناوب الجماعة الحراسة كما كان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يتناوبون رعية الإبل، مع أن راعيها قد يفوته الجماعة ~~والجمعة. # والأفضل لكل منهم -والحال هذه- أن يحرس ولا يتخير على أصحابه، وأجره على ~~قدر نيته. والله سبحانه أعلم. # ... ### ||| AUTO مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وعلماء المسلمين في رجل نوى في نفسه أن يطلق زوجته، وطلقها في نفسه ولم يتلفظ بلسانه PageV07P488 # بطلاق، فهل يقع طلاق أم لا؟ وهل إذا تلفظ وقال لمن يفتيه في ذلك: أنا ~~طلقت زوجتي في نفسي. إذا أراد به ms1413 أنه يلفظ بالطلاق، فهل يقع عليه أم لا؟ ~~وما حكم الله في ذلك؟ أفتونا مأجورين مثابين. # الجواب: الحمد لله. لا يقع به طلاق في مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد ~~وجمهور العلماء، وهو أحد القولين في مذهب مالك، والمشهور في مذهبه خلاف ~~ذلك، ولا يقع أيضا بإقراره بما فعل، حيث قال: أنا طلقت امرأتي في نفسي. ولم ~~يتلفظ بلسانه بالطلاق، فإن هذا الإقرار بما فعل، والمقر به لا يقع به شيء، ~~فلا يقع بإقراره. والله أعلم. # ... ### ||| AUTO مسألة: ما يقول السادة العلماء أئمة الدين في رجل حلف بالطلاق ثلاثا: إن لفلان على امرأتي خسمة دراهم، وعاد غير الحلفان، ونوى غير ذلك: أنها ما تدخل لي بمنزل ولا تكون لي بمرة. أفتونا مأجورين. # الجواب: الحمد لله. إن كان أراد بحلفه أنها ما تكون له بمرأة يطلقها مرة ~~واحدة، أو طلقها مطلقا ولم يرد الثلاث؛ لأن المحلوف به غير المحلوف عليه، ~~لم يقع به إلا ما نوى. والله أعلم. # *** PageV07P489 ### ||| CHECK مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين في رجل حلف بالطلاق ثلاثا من زوجته أن لا تسكن بحمائه في بيته بهذه النية، فهل يجوز له أن يزورها في بستان يومين أو ثلاثة؟ أفتونا مأجورين. # مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين في رجل حلف بالطلاق ثلاثا من ~~زوجته أن لا تسكن بحمائه في بيته بهذه النية، فهل يجوز له أن يزورها في ~~بستان يومين [أو] ثلاثة. أفتونا مأجورين. # الجواب: فقال: الحمد لله. # نعم يجوز أن يزورها ولو أقام أياما لم يضر ذلك، إذا لم تكن نيته دوام ~~الإقامة. # ... ### ||| AUTO سئل رضي الله عنه: جميع ما يحدثه الناس في أعياد الكفار، مثل الميلاد والخميس الذي في آخر صوم النصارى، وعيد الصليب، والنيروز، والمهرجان، وغير ذلك من أعياد اليهود والنصارى والمجوس ... # [فأجاب رضي الله عنه: الحمد لله. # ما يفعله اليهود والنصارى والمجوس] أو غيرهم من أنواع العادات التي فيها ~~تخصيص لذلك اليوم على غيره، فإنها من الأمور المنكرة بل المحرمة، إذا كان ~~ذلك من جنس ms1414 ما يعظمونه به. وسواء خص بإحداث أنواع من الأطعمة أو الملابس أو ~~إيقاد النيران، أو توسع النفقات أو غير ذلك. PageV07P490 ### ||| CHECK سئل رضي الله عنه: في رجل تعرض إلى مكان في ملك بيت المال المعمور وأخذ أجرة المكان المذكور وصرفه على مسجد منسوب إليه إلى نفسه بغير مستند شرعي ثم توفي المذكور بعد مدة وأخذ أجرة المكان المذكور شخص من ألزامه وصرف الأجرة على مصالح المسجد المذكور على عادته # ودلائل ذلك من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، وكلام علماء ~~الإسلام من جميع الطوائف كثير، ذكرنا منه جانبا جيدا في كتاب أفردناه في ~~«بيان اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم». وذكرنا فيه من دلائل ~~هذه المخالفة وأسرارها ما يقف به البصير على بعض حقيقة دين الإسلام، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # ... # سئل رضي الله عنه: في رجل تعرض إلى مكان في ملك بيت المال المعمور، وأخذ ~~أجرة المكان المذكور، وصرفه على مسجد منسوب إليه إلى نفسه بغير مستند شرعي، ~~ثم توفي المذكور بعد مدة وأخذ أجرة المكان المذكور شخص من ألزامه وصرف ~~الأجرة على مصالح المسجد المذكور على عادته القديمة، فهل يجوز ذلك أم لا؟ # وهل يجب استعادة ما أخذه من أجرة المكان الذي في ملك بيت المال، بحكم أنه ~~يتناوله بغير مستند شرعي ممن هو الآن متحدث فيه، وقد رسم الإمام ببيع هذا ~~المكان المذكور، فهل يجوز لوكيل بيت المال أن يمتنع من بيعه أم لا؟ وهل يجب ~~إجباره على ذلك إذا امتنع أم لا؟ PageV07P491 # وهل يلزم وكيل بيت المال المذكور أن يستعيد أجرة المكان المذكور ممن هو ~~الآن متحدث فيه أم لا؟ # أجاب رضي الله عنه: # إذا كان أمر بيت المال مستقيما بحيث لا يوضع ماله إلا في حقه ولا يمنع من ~~مستحقه، فمن صرف بعض أعيانه أو منافعه في جهة من الجهات التي هي مصارف لبيت ~~المال، كعمارة طريق ونحو ذلك بغير إذن الإمام، فقد تعدى بذلك؛ إذ ولايته ~~إلى الإمام، ثم الإمام يفعل الأصلح، فإن ms1415 كان الأصلح للمسلمين نقض ذلك ~~التصرف نقضه، وإن كان الأصلح إقراره أقره. وكذلك إن تصرف في ملك الوقف أو ~~اليتيم بغير إذن الناظر تصرفا من جنس التصرف المشروع، بأن يعمر بأعيان ماله ~~حانوتا أو دارا في عرصة الوقف أو اليتيم. # وأما إذا كان أمر بيت المال مضطربا فقال الفقهاء: من صرف بعض أعيانه أو ~~منافعه في جهة بعض مصالحه من غير أن يكون متهما في ذلك التصرف، بل كان ~~التصرف واقعا على جهة المصلحة، فإنه لا ينبغي للإمام نقض ذلك التصرف، ولا ~~تضمين المتصرف، مع أنه لا يجوز معصية الإمام برا كان أو فاجرا إلا أن يأمره ~~بمعصية الله، حكمه وقسمه إذا وافق الحق نافذ برا كان فاجرا. # فالحكم في عقد هذه الإجارة وقبض المال وصرفه في مصالح المسجد مرتب على ~~هذا الأصل. PageV07P492 ### ||| CHECK فصل: والتفضيل في الأشخاص والقبائل والأعمال والطرائق والأئمة قد يكون من مورد الاجتهاد # وأما إذا تصرف الرجل تصرفا يتهم فيه، مثل أن يقبض المال لنفسه متأولا أن ~~لي حقا في بيت المال، وأني لا أعطى حقي فهذا ... # ... # مسألة: قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه: # فصل # والتفضيل في الأشخاص والقبائل والأعمال والطرائق والأئمة قد يكون من مورد ~~الاجتهاد، كالتنازع في الوجوب والتحريم بطريق الأولى. فإذا كان التنازع في ~~الأمر والنهي قد يكون مجتهدا فيه، فلأن يكون التنازع في التفضيل من موارد ~~الاجتهاد أولى وأحرى. # وعلى [كل] واحد من المتنازعين أن ينصف ما يعتقده أنه مفضول، فأما أن يكون ~~مع التفضيل يترك ما يجب للمفضول من الحق فهذا ظلم وتفرق واختلاف، وإنما ~~نشأت الفتنة لأن النفوس مجبولة على طلب الأعلى والأفضل. وقد كتبت قبل هذا ~~مواضع من القواعد: أن أكثر التفضيل الذي في ذوي الديانات العادية إنما هو ~~من عداوة PageV07P493 # وهوى، لا عن علم وعدل، وأن ذلك يخرجهم إلى أنواع من الظلم والتفرق ~~والاختلاف. # وإن كثيرا مما يتنازع الناس فيه من التفضيل قد يكون الحق فيه استواء ~~الأمرين من غير رجحان لأحدهما على صاحبه. وأن حكم الشريعة ms1416 في ذلك جواز ~~اتباع ذلك كله، وأن لا ينهى أحد عن شيء. # من ذلك: حروف القرآن والذكر والدعاء المشروع، وهذا هو الذي أنكره النبي ~~صلى الله عليه وسلم من تنازعهم في حروف القرآن، وقال: «اقرآ فكلاكما محسن» ~~كما ثبت في «الصحيحين» عن ابن مسعود قال: سمعت رجلا قرأ وسمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ خلافه فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، ~~فعرفت في وجهه الكراهة فقال: «كلاكما محسن فلا تختلفوا، فإن من كان قبلكم ~~اختلفوا فهلكوا». # # # # PageV07P494 ### | CHECK (29) مجموعة فتاوى مختلفة # مجموعة فتاوى مختلفة PageV07P495 ### || CHECK مسألة: في جماعة من النساء قد تظاهرن بسلوك طريق الفقراء وصار منهن شيخات يجتمع عندهن الفقراء الرجال والنساء ويقمن السماع ويحضر سماعهن الرجال والنساء ويرفعن أصواتهن ويقطعن ثيابهن ويظهرن التوله بين الناس ويزورهن الرجال والنساء ومن سائر البلاد فهل هن آ # بسم الله الرحمن الرحيم # مسألة: في جماعة من النساء قد تظاهرن بسلوك طريق الفقراء، وصار منهن ~~شيخات يجتمع عندهن الفقراء: الرجال والنساء، ويقمن السماع، ويحضر سماعهن ~~الرجال والنساء، ويرفعن أصواتهن ويقطعن ثيابهن، ويظهرن التوله بين الناس، ~~ويزورهن الرجال والنساء، ومن سائر البلاد، فهل هن آثمات بذلك ومخطئات أم ~~لا؟ وما يجب عليهن وعلى من يحضر سماعهن؟ # ومن الناس من يعتقد زيارتهن والحضور معهن قربة إلى الله تعالى، فهل يأثم ~~بذلك؟ وماذا يجب عليه؟ # وهل كانت هذه طريقة أحد من السلف الصالحين أم لا؟ وهل يجب على ولي الأمر ~~ردعهن وردع من يسعى إليهن أم لا؟ # أجاب بحر العلوم وبدر النجوم، سيد الحفاظ، وفارس المعاني والألفاظ، علامة ~~الزمان وترجمان القرآن، البحر الزاخر والصارم الباتر، مفتي الأمم ومستخرج ~~المعاني والحكم، بقية السلف وقدوة الخلف، مفتي الأنام وشيخ الإسلام، أبو ~~العباس، تقي الدين، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني. ~~قدس الله روحه ونور ضريحه، وتغمده برضوانه ورحمته، وأسكنه بحبوحة جنته، ~~وأقر أعيننا في الآخرة برؤيته: PageV07P497 # الحمد لله. # كل من خرج عن موجب الكتاب والسنة من الرجال والنساء والمشايخ وغيرهم، ~~فإنه ينهى ms1417 عن ذلك ويؤمر بمتابعة الكتاب والسنة، ولو كان من حاله ما كان، ~~فإن الأحوال منها ما هو شيطاني، كما قال الله تعالى: {هل أنبئكم على من ~~تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم} [الشعراء: 221 - 222]، وهذه ~~أحوال أهل الكذب والفجور، الذين تختلط رجالهم ونساؤهم في الرقص والغناء، ~~والشخير والنخير، والتوله، وفتل الشعور، وكشف الرؤوس، والصياح والمنكر، ~~والرغاء والإزباد، وإظهار الإشارات؛ كالمسك والماورد واللاذن والجبة ~~والنار، فهؤلاء من شرار الخلق وأبعدهم عن طاعة الله ورسوله، وليس فيهم ولي ~~لله، ولا كرامة من كرامات أولياء الله، بل هم بين حال شيطاني وحال بهتاني. # وأرباب الأحوال النفسانية: قوم لهم جوع وسهر وخلوة، فيحصل لهم نوع من ~~الكشف والتأثير، وإن كانوا كفارا، كما يحصل للرهبان. # وأما الأحوال الرحمانية، فهي لأولياء الله المتقين، الذين يتقربون إلى ~~الله بأداء الفرائض واجتناب المحارم، ثم يتقربون إليه بالنوافل حتى يحبهم، ~~كما ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله ~~تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي PageV07P498 # بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، ~~فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش ~~بها، ورجله التي يمشي بها؛ فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يمشي، وبي يبطش، ولئن ~~سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي ~~عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، لا بد له منه». # فهؤلاء النساء اللواتي يجتمع عندهن الرجال والنساء على سماع الغناء، ورفع ~~الأصوات، وإظهار التوله، وغيره من المنكرات= يجب على ولاة الأمور وغيرهم ~~منعهن من ذلك، وعقوبة من لم يمتنع عقوبة بليغة تردعهن وأمثالهن من أهل ~~الغواية والضلالة. والله تعالى أعلم. # # # # PageV07P499 ### || CHECK مسألة: في بلدة ليس فيها حمام والمغتسل خارج البلد، وإذا طلع الرجل وقت صلاة الصبح يجد مشقة من البرد وإن اغتسل بالماء البارد يخاف الضرر على نفسه، فهل له أن يتيمم ويصلي إلى حين ms1418 يدفأ الوقت أو لا، وله ورد من الليل؟ وإن جاز له الصلاة بالتيمم فهل عليه إعادة؟ ### || CHECK مسألة: وأما عادم الماء إذا لم يجد ترابا، فإنه يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه # [مسألة] # وأما عادم الماء إذا لم يجد ترابا، فإنه يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه عند ~~جمهور العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «جعلت الأرض لي مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي ~~أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره». # وكثير من الطرق التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يسافرون فيها قد لا ~~يجدون بها إلا الرمال، وحمل التراب بدعة لم يفعله أحد من السلف، فعلم أنه ~~كان عندهم مسجدهم وطهورهم. # ... # مسألة # في بلدة ليس فيها حمام والمغتسل خارج البلد، وإذا طلع الرجل وقت صلاة ~~الصبح يجد مشقة من البرد، وإن اغتسل بالماء البارد يخاف الضرر على نفسه، ~~فهل له أن يتيمم ويصلي إلى حين يدفأ الوقت أو لا، وله ورد من الليل؟ وإن ~~جاز له الصلاة بالتيمم، فهل عليه إعادة؟ PageV07P500 ### || CHECK فصل: السفر الذي يقصر فيه ويفطر فيه # الجواب: الحمد لله. # إذا كان الإغتسال في البيت يضره، وإذا أخر ورده إلى فتح الباب، فإنه مثل ~~أن يكون له قيام بالليل، والباب لا يفتح إلى طلوع الفجر، فإنه يتيمم ويصلي ~~ورده بالتيمم. # وإذا لم يمكنه الاغتسال للفريضة من خشية البرد، فإنه يتيمم ويصلي ولا ~~إعادة عليه في الصحيح من قول العلماء. # وإذا كان خروجه للاغتسال خارج البلد يضره؛ لقوة البرد، فإنه يتيمم ويصلي ~~ولا إعادة في الصحيح، ولا يشترط في الضرر خوف الموت، بل متى خاف مرضا جاز ~~له التيمم، والله أعلم. # ... # فصل # السفر الذي يقصر فيه ويفطر فيه، فيه قولان: # أحدهما: أنه محدد. # والثاني: أنه ليس بمحدد. # والذين حددوه منهم من حده بثلاثة أيام، ومنهم من حده بيومين، ومنهم من ~~حده بيوم، ومنهم من حده بميل بثلث فرسخ. # وليس على شيء من هذه الأقوال حجة، ولم يحد النبي صلى الله عليه ms1419 وسلم له ~~حدا، بل ثبت أن أهل مكة كانوا يسافرون من مكة إلى عرفة ومزدلفة ومنى، PageV07P501 # ويقصرون الصلاة خلفه وخلف أبي بكر وعمر، وكان يقرهم على ذلك، ولم يقل ~~لهم: أتموا صلاتكم إنا قوم سفر. [و] لا خليفتاه من بعده. # وإنما روي أنه قال ذلك لما صلى بهم بمكة عام الفتح. وكذلك عمر قال ذلك ~~لأهل مكة في نفس مكة. # وأما بعرفة ومزدلفة فلم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~ذلك، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، مع توفر الهمم والدواعي على نقل مثل ذلك لو ~~وقع. ولو كان أهل مكة يقومون حين السلام يصلون ركعتين آخرتين لكان هذا مما ~~يظهر لكل الناس، وكان مثل هذا مما يمتنع في الشريعة والعادة أن لا ينقله أحد. # فهذه سنة معلومة قطعا: أن المسافر يقصر في مقدار بريد، وهو أقل من يوم، ~~والكتاب والسنة مطلق، فما كان في العادة سفرا أفطر فيه وقصر، وإن أقام ~~بالبلد أياما، فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد الفتح عشرة أيام ~~يفطر وهو في نفس مكة، وأقام نحو تسعة عشر يوما يقصر، وأقام بتبوك عشرين ~~يوما يقصر، وبسط هذا له موضع آخر. والله أعلم. # وقال أيضا: ### || AUTO وأما رفع اليدين في الصلاة مع كل تكبيرة حتى في السجود، فليست هي السنة # التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها، ولكن الأئمة متفقة على أنه ~~يرفع اليدين مع تكبيرة الافتتاح. # وأما رفعها عند الركوع والاعتدال من الركوع، فلم يعرفه أكثر فقهاء PageV07P502 # الكوفة، كإبراهيم النخعي، وأبي حنيفة، والثوري، وغيرهم. # وأما أكثر فقهاء الأمصار وعلماء الآثار، فإنهم عرفوا ذلك؛ لما استفاضت به ~~السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كالأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأحمد بن ~~حنبل، وأبي عبيد، وهو إحدى الروايتين عن مالك. فإنه قد ثبت في «الصحيحين» ~~من حديث ابن عمر وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا ~~افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك بين ms1420 ~~السجدتين. # وثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في «الصحيح» من حديث مالك بن ~~الحويرث، وأبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أحدهم أبو قتادة، وهو معروف من حديث علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وعدد ~~كثير من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وكان ابن عمر إذا رأى من يصلي ولا يرفع يديه في الصلاة حصبه. PageV07P503 ### || CHECK مسألة: في إجبار البكر البالغ # وقال عقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات. # ... # [مسألة في إجبار البكر البالغ] # من كلام الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية -أيضا- رحمه الله: # قال: البكر البالغ في إجبار الأب لها على النكاح قولان للعلماء، هما ~~روايتان عن أحمد: # أحدهما: تجبر، وهو قول مالك والشافعي. # والثاني: لا تجبر، وهو قول أبي حنيفة، وهو الراجح في الدليل. # وعلى الأول إذا عينت كفوا وعين الأب كفوا آخر، فالاعتبار بتعيينها في ~~أظهر الوجهين من مذهب الشافعي وأحمد. فعلى هذا إذا طلبت من الأب أن يزوجها ~~بكفؤ، واختار الأب أن يزوجها بكفؤ آخر، وجب على الأب أن يزوجها بالكفؤ الذي ~~تختار عند أكثر العلماء، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم. # فإن امتنع الأب من تزويجها زوجها إما الحاكم، وإما الولي الأبعد. ففي ~~مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين يزوجها الحاكم. وفي PageV07P504 # مذهب أبي حنيفة وأحمد -في الرواية المشهورة عنه- يزوجها الولي الأبعد. # وإذا زوجها الحاكم بالكفؤ الذي اختارته ثم زوجها الأب الآخر بغير إذنها، ~~فنكاح الأب باطل عند عامة العلماء، ونكاح الحاكم نافذ، ليس لحاكم آخر ولا ~~للأب نقضه، بل يجب تسليم المرأة إلى زوجها بمقتضى تزويج الحاكم لها من ~~الكفؤ الذي عينته. # أما على مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين فظاهر؛ لأن الولاية ~~للحاكم. وأما على قول من يجعل الولاية لغيره، فلأن الحاكم إذا فعل ما يسوغ ~~فيه الاجتهاد، كان فعله حكما منه في محل الاجتهاد في أظهر قولي العلماء، ~~وهو مذهب أبي حنيفة، وأظهر الوجهين في مذهب أحمد وغيره. # وفيه وجه ms1421 آخر في مذهب أحمد والشافعي: أنه إذا فعل مختلفا [فيه] فهو كفعل ~~غيره حتى يحكم هو أو حاكم غيره بصحته، فلا يسوغ نقضه حينئذ بالاتفاق. فإذا ~~قال الحاكم في مثل هذا: حكمت بصحة هذا النكاح، نفذ حكمه باتفاق الأئمة، ~~وكذلك إن لم يقل ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في الراجح من مذهبه. ~~والله أعلم. PageV07P504 ### | AUTO فصول وقواعد # (من مسودات شيخ الإسلام ابن تيمية) PageV08P003 ### || CHECK 1 - فصل في ذكر الله ودعائه # فصل # في ذكر الله ودعائه # الفاتحة نصفها ثناء وذكر، ونصفها دعاء ومسألة. # {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} [البقرة:114]. # قال الله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) فاذكروني أذكركم ~~واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة:151 - 152]. # وفي ذكر إبراهيم وإسماعيل: {ربنا تقبل منا} الآيات [البقرة:127]. # وقال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي} [البقرة:186] أي ليستجيبوا لي إذا أمرتهم، ~~وليؤمنوا أني استجبت لهم إذا دعوني. ولهذا قيل: الإجابة تحصل من كمال ~~الطاعة أكثر من الاستجابة، أو كمال المعرفة أكثر من الإيمان. # وقال تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ~~واذكروه كما هداكم} إلى قوله: {فإذا PageV08P005 # قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} [البقرة:198 - ~~200]. قال عطاء: كقول الصبي أبه أمه. إلى آخر الكلام. # وقال تعالى: {آمن الرسول} [البقرة:285] إلى آخر السورة. # وقال: {رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء} إلى قوله: {وسبح ~~بالعشي والإبكار} [آل عمران:38 - 41]. # وقال: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا} [آل عمران:147] ~~الآيتين. # وقال: {إن في خلق السماوات والأرض} [آل عمران:190] إلى آخر السورة. # وقال: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم} الآية ~~[النساء:103]. # {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} الآية [النساء:142]. # وقال: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} [المائدة:4]. PageV08P006 # وقال تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ms1422 يريدون وجهه} ~~[الأنعام:52]. # وقال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف:55]. # وقال: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} الآية [الأعراف:180]. # وقال تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو ~~والآصال ولا تكن من الغافلين} [الأعراف:205]. # وقال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا} [الأنفال:2]. # وقال تعالى: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم} الآية ~~[الأنفال:9]. # وقال: {التائبون العابدون الحامدون} الآية [التوبة:112]. # وقال: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا ~~عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} [يونس:12]. # وقال: {ألا تعبدوا إلا الله} إلى قوله: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه} [هود:2 - 3]. PageV08P007 # وقال: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} ~~[الرعد:28]. # وقال: {مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة} الآية [إبراهيم:24]. # وقال: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا} إلى قوله: {لسميع ~~الدعاء} [إبراهيم:35 - 39] وما بعده. # وقال: {فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين} [الحجر:98]. # وقال: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل:98]. # وقال: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} إلى قوله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ~~ولوا على أدبارهم نفورا} [الإسراء:46]. # وقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه} الآية [الإسراء:56]. # وقال: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} [الإسراء:67]. # وقال: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} الآية [الإسراء:110]. # {وكبره تكبيرا} [الإسراء:111]. PageV08P008 # وقال: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله واذكر ربك ~~إذا نسيت} [الكهف:23 - 24]. # وقال: {واصبر نفسك} إلى قوله: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} ~~[الكهف:28]. # وقال: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} ~~[الكهف:39]. # وقال: {والباقيات الصالحات} [الكهف:46]. # وقال: {إذ نادى ربه نداء خفيا} إلى قوله: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} ~~[مريم:3 - 4]. # وقال: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن ms1423 لن نقدر عليه فنادى في الظلمات} ~~الآية [الأنبياء:87]. # {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} الآية [الحج:28]. # وقال: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة} ~~إلى قوله: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الحج:35]. # وقال: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} [الحج:36]. PageV08P009 # {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} [المؤمنون:97]. # {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا} إلى قوله: ~~{وقل رب اغفر وارحم} الآية [المؤمنون:109 - 118]. # {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} [النور:36]. # {وعباد الرحمن} إلى قوله: {والذين يقولون} [الفرقان:60 - 65] في موضعين. # {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت:45]. # {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} [السجدة:16]. # {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} [الأحزاب:35]. # {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا} ~~[الأحزاب:41 - 42]. # {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما} [الأحزاب:56]. # {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} [الصافات:35]. # {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون} [الصافات:75]. PageV08P010 # {رب هب لي من الصالحين} [الصافات:100]. # {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر:23]. # {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت} الآية [الزمر:45]. # {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} ~~[غافر:55]. # {فاستعذ بالله} [الأعراف:200]. # {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر:60]. # {فاستقيموا إليه واستغفروه} [فصلت:6]. # {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الشورى:26]. # {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا} [الزخرف:36]. # {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} [ق:39]. # {تبارك اسم ربك} [الرحمن:78]. # {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة:9]. # {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل:8]. # {وربك فكبر} [المدثر:3]. # {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت:45]. PageV08P011 # فصل # كل واحد من اسمي الذكر والدعاء يتناول الآخر، فالداعي لله ذاكر له، وهذا ~~ظاهر، والذاكر لله داع له أيضا، كما يقال: «أفضل الدعاء يوم عرفة: لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»، ~~ودعاء الكرب: «لا إله إلا ms1424 الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش ~~العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم». وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوة ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت ~~من الظالمين، ما قالها مؤمن إلا فرج الله عنه». # وكتاب «الدعاء» للطبراني مشتمل على أنواع الأذكار، والفقهاء يسمون ~~الأذكار التي في الصلاة أدعية، فيقولون -كابن بطة-: ما كان من الدعاء ثناء ~~على الله، وما كان مسألة للعبد. PageV08P012 # وهذا كما أن لفظ «الصلاة» في اللغة بمعنى الدعاء. وقال ابن مسعود: ما دمت ~~تذكر الله فأنت في صلاة، ولو كنت في السوق. فلفظ الصلاة يتضمن الثناء ~~والدعاء، كما قال الله: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين». # فأما الذكر فهو مصدر ذكر يذكر ذكرا، وهذا يقال في الخبر الذي هو الثناء، ~~وأما الطلب والسؤال فلأن فيه ذكر المسؤول المدعو فيطلق عليه الذكر. # وأما إطلاق لفظ الدعاء على الثناء وذكر الله فلوجوه: # أحدها: أن المثني يتعرض لرحمة الله من جلب المنفعة ودفع المضرة، فصار ~~سائلا بحاله وإن كان مثنيا بقاله. وهذا جواب سفيان بن عيينة، واستشهد بحديث ~~مالك بن الحويرث وشعر أمية بن أبي PageV08P013 # الصلت. # وتحقيق ذلك أن الثناء المتضمن لمعرفة المسؤول وجوده ورحمته، يورث اللجأ ~~إليه والافتقار إليه والرغبة إليه، أعظم بكثير مما يوجبه مجرد السؤال ~~الخالي عن تلك المعرفة والحال. وهكذا الأمر من جانب المعطي، فإن معرفته ~~بحال المعطى وصفات استحقاقه توجب إعطاءه أعظم مما يكون بمجرد السؤال ~~باللسان. ولهذا يكون إظهار الفاقة والفقر إلى الله والحاجة والضرورة فقط ~~أبلغ من سؤال شيء معين. # فهذا في إخبار العبد بحال نفسه وإقراره بذلك واعترافه نظير إخباره بصفات ~~ربه وثنائه عليه ومدحه له، وكلاهما خبر يتضمن الطلب. وهذا نوع واسع من ~~الكلام، وهو الخبر المتضمن للطلب، كما أن الطلب يتضمن الخبر. # وهذا الوجه يتضمن وجهين: # أحدهما: أن الثناء والإخبار كله لفظه لفظ الخبر ومعناه الطلب والسؤال ~~حقيقة عرفية، كما يقول الابن لأبيه: أنا جائع، ويقول السائل PageV08P014 # للمسؤول: ms1425 {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} [آل عمران:115]، كما قد قيل: إن ~~لفظ الخبر يكون أمرا، وهو كثير. # الثاني: أن المثني بنفس ثنائه سائل بحاله، فهو جامع بين الثناء القولي ~~والسؤال الحالي، فهو يقصد الثناء والطلب، بخلاف الأول فقصده الطلب فقط بلفظ ~~الثناء. # الوجه الثالث: أن الدعاء يراد به دعاء العبادة ودعاء المسألة، كما قد ~~قررته في غير هذا الموضع وبسطته. فالمثني والذاكر داع دعاء الصلاة وإن لم ~~يكن سائلا، ثم يعطى أفضل مما يعطاه غيره. # فالناطق بلفظ الثناء والذكر له ثلاثة أحوال: إما أن يقصد المسألة فقط، ~~وإما أن يقصد الله فقط، وإما أن يقصدهما. ثم إنه وإن قصد أحدهما فلا بد أن ~~يحصل الآخر، كما أن السائل بلفظ السؤال لا بد أن يحصل له أيضا تعظيم القلب ~~ومعرفته وخشوعه، لكن الذي قصد الله وعبده جعل ما سواه وسيلة إليه، والذي لا ~~يريد إلا قضاء حاجته جعل الله وسيلة إلى مقصوده، وهو عابد لله، حيث علم أن ~~الله هو النافع والضار، لا إله غيره ولا رب سواه. PageV08P015 ### || CHECK 2 - فصل: قرن الله بين الكتاب والصلاة في مواضع # فصل # قرن الله بين الكتاب والصلاة في مواضع: # كقوله في أول ما أنزل: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق:1]، وذكر في ~~أثنائها الصلاة، وختمها بقوله: {واسجد واقترب} [العلق:19]. # وقوله: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين} ~~[الأعراف:170]. # وقوله: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة} [العنكبوت:45]. # وقوله: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة} [فاطر:29]. # وقرن بين ذكر الله والقرآن في مواضع: # كقوله: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا} [الأنفال:2]. # وقوله: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} ~~[الحديد:16]. PageV08P016 ### || CHECK 3 - فصل: قال الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا ...} # فصل # قال الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا} [البقرة:143]، وقال تعالى: {ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس} ms1426 [الحج:78] في سورة، وقال عن مسلمة النصارى: {ربنا ~~آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} [آل عمران:53]. قال ~~ابن عباس: مع محمد وأمته. فلما ثبت لهم وصف الشهادة بالتوسط الذي هو العدل ~~كانوا شهداء مقبولي القول على أهل ملتهم وغير أهل ملتهم، بخلاف غيرهم من ~~الملل، فإنه لا تقبل شهادتهم على من سواهم، لأن الله جعل الشهادة على الناس ~~مختصة بهذه الأمة، وجعل الشهادة على الناس كرامة لهم وفضيلة امتازوا بها. # ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أصحابنا وغيرهم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «لا تجوز شهادة ملة على من سواهم إلا أمتي، فإنه تجوز ~~شهادتهم على من سواهم». PageV08P017 # وأهل الإسلام المحض هم أهل السنة والحديث، وهم ... PageV08P018 ### || CHECK 4 - فصل: حديث حكيم بن حزام: ((إن هذا المال خضرة ...)) # فصل # حديث حكيم بن حزام المتفق عليه لما قال له: «يا حكيم، إن هذا المال خضرة ~~حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له ~~فيه، وكان الذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى»، قال ~~حكيم: فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى ~~أفارق الدنيا. فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء، فيأبى أن يقبل منه ~~شيئا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه، فيأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين -وفي ~~رواية: إني أشهدكم يا معشر المسلمين- إني أعرض على حكيم حقه الذي قسم الله ~~له في هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ أحدا من الناس بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قلت: هذا نص في جواز عدم الأخذ إذا عرض على الرجل المال وإن كان حقه، ~~كمال الفيء. وقد سئل أحمد مرة عن الحجة في الرد، فلم يحضره إذ ذاك من ~~السنة، مع كثرة رده. # وقوله: «لا أرزأ» معناه: لا أنقص أحدا، وهو تنبيه على أن الأخذ ينقص ~~الناس ما في أيديهم، فيتركه كاملا لهم. ولا ريب أن أخذ المال وصرفه في ~~مواضعه ms1427 خير من تركه حيث لا ينفع، لما في الأول من PageV08P019 # الصدقة والزكاة التي هي من أفضل العمل ونفع الناس التي لا تقوم مصلحتهم ~~بدونه، وتطهيرهم والأخذ من أموالهم، كما قال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها} [التوبة:103]. بل هذا عمل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، ~~فإنهم كانوا يأخذون الصدقة من الأغنياء، فيدفعونها إلى الفقراء، وما كان ~~مشروعا لم يختص بالأئمة كله، إلا إذا كانوا منهم، لكن يشرع لغيرهم حيث يشرع ~~لهم بشروطه. # ثم قد يكون في الأخذ مفسدة يكون تركه أفضل، وأما أخذه للنفس فليس أفضل ~~إلا عند الحاجة إذا لم يكن فيه مفسدة، وإلا فالغنى عن المال خير من أخذ ~~الإنسان لنفسه. # فنقول: إذا بذل للإنسان مال لنفسه فقد يتركه استعلاء على المعطي ~~وارتفاعا، وقد يتركه لئلا يستعلي المعطي عليه ويرتفع، فإن اليد العليا خير ~~من اليد السفلى، فالأول مذموم، فإن التكبر على الناس وإرادة العلو عليهم ~~مذمومة. وأما الثاني فلا بأس به، فإن الإنسان لا يذم بأن يحب أن يعلو عليه ~~غيره ولا بأن يحب أن لا يعلو عليه غيره، بل هذا يحمد، فإن علو الغير عليه ~~فيه ذل لدينه، ونقص له، واستعباد غير الله له. وهذه هي العزة التي قصدها من ~~لم يقبل المال، كقول أحمد: دعنا نعيش في عز الغنى عن الناس. فإنه كما قال ~~القائل: ما وضعت يدي في قصعة أحد، إلا ذللت له. # ولا ريب أن من نصرك أو رزقك كان له سلطان عليك، فالمؤمن PageV08P020 # يؤثر أن لا يكون عليه سلطان إلا لله ولرسوله ولمن أطاع الله ورسوله، ~~وقبول مال الناس فيه سلطان لهم عليه، فإذا قصد دفع هذا السلطان وهذا القهر ~~عن نفسه كان حسنا محمودا، يصح له دينه بذلك، وإن قصد الترفع عليهم والترؤس ~~والمراآة بالحال الأولى كان مذموما. وقد يقصد بترك الأخذ غنى نفسه عنهم ~~وترك أموالهم لهم. # فهذه أربع مقاصد صالحة: غنى نفسه وعزتها، حتى لا يفتقر إلى الخلق ولا يذل ~~لهم، وسلامة مالهم ودينهم، [فكما] يتألفون بالعطاء ms1428 لهم، فكذلك في إبقاء ~~أموالهم، وقد يكون في ذلك أيضا حفظ دينهم، فإنهم إذا قبل منهم المال قد ~~يطمعون هم أيضا في أنواع من المعاصي ويتركون أنواعا من الطاعات، فلا يقبل ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي ذلك منافع ومقاصد أخرى صالحة، حتى لا ~~ينقص عليهم أموالهم، فلا يذهبها عنهم ولا يوقعهم بأخذها منهم فيما يكره لهم ~~من الاستيلاء عليه، ففي ذلك منفعة له أن لا يذل ولا يفتقر إليهم، ومنفعة ~~لهم أن يبقى لهم مالهم ودينهم. وقد يكون في ذلك منفعة تأليف قلوبهم بإبقاء ~~أموالهم هم حتى يقبلوا. # وأما إذا كان الأخذ يفضي إلى طمع فيه حتى يعاونه في معصية أو يمنع من ~~طاعة، فتلك مفاسد أخرى، وهي كثيرة ترجع إلى ذله وفقره لهم، فإنهم لا ~~يتمكنون من منعه من طاعة إلا إذا كان ذليلا لهم أو فقيرا PageV08P021 # إليهم، ولا يتمكنون من استعماله في المعصية إلا مع ذله أو فقره، فإن ~~العطاء يحتاج إلى جزاء ومقابلة، فإذا لم يجعل مكافأة دنيوية من مال أو نفع ~~لم يبق إلا ما ينتظر من المنفعة الصادرة منه إليهم. # وللرد وجوه مكروهة مذمومة: # منها: الرد مراآة بالتشبه بمن يرد غنى وعزة ورحمة للناس في دينهم ~~ودنياهم. # ومنها: التكبر عليهم والاستعلاء، حتى يستعبدهم ويستعلي عليهم بذلك، فهذا ~~مذموم أيضا. # ومنها: البخل عليهم، فإنه إذا أخذ منهم احتاج أن ينفعهم ويقضي حوائجهم، ~~فقد يترك الأخذ بخلا عليهم بالمنافع. # ومنها: الكسل عن الإحسان إليهم. # فهذه أربع مقاصد فاسدة في الرد للعطاء: الكبر والرياء والبخل والكسل. # فالحاصل أنه قد يترك قبول المال لجلب المنفعة لنفسه، أو لدفع المضرة ~~عنها، أو لجلب المنفعة للناس، أو دفع المضرة عنهم، فإن في ترك أخذه غنى ~~نفسه وعزها، وهو منفعة لها، وسلامة دينه ودنياه مما يترتب على القبول من ~~أنواع المفاسد، وفيه نفع الناس بإبقاء أموالهم ودينهم له، ودفع الضرر ~~المتولد عليهم إذا بذلوا بذلا قد يضرهم. وقد PageV08P022 # يتركه لمضرة الناس أو لترك منفعتهم، فهذا مذموم كما تقدم، وقد يكون في ms1429 ~~الترك أيضا مضرة نفسه أو ترك منفعتها، إما بأن يكون محتاجا إليه فيضره ~~تركه، أو يكون في أخذه وصرفه منفعة له في الدين والدنيا، فيتركها من غير ~~معارض مقاوم. ولهذا فصلت هذه المسألة، فإنها مسألة عظيمة، وبإزائها مسألة ~~القبول أيضا، وفيها التفصيل، لكن الأحسن أن ترك الأخذ أجود من القبول، ~~ولهذا يعظم الناس هذا الجنس النزر، وإذا صح الأخذ كان أفضل، أعني الأخذ ~~والصرف إلى الناس. PageV08P023 ### || CHECK 5 - فصل: احتج بعض المبطلين في جواز السجود لغير الله # فصل # احتج بعض المبطلين في جواز السجود لغير الله من الملوك والشيوخ والوالدين ~~بثلاث حجج: # أحدها: أنه سجود تحية وذلة ومسكنة، لا سجود عبادة، ولهذا يسمونه تقبيل ~~الأرض، فإن ذلك يشترط له شروط الصلاة. # الثاني: أنه وإن كان في الصورة سجودا للبشر فهو في المعنى سجود لله الذي ~~خلقه وأحياه وأقامه، كما قد قيل في قوله: {والشمس وضحاها} [الشمس:1]: إنه ~~قسم برب الشمس. وهو بمنزلة السجود إلى الكعبة. # الثالث: أن العبد فقير يحتاج إلى الله، والكائنات قائمة بالله، أو هي ~~الله على زعم هذا المبطل، فإنه من الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، فينبغي ~~له أن يخضع لكل شيء مستعينا به مستمدا منه. # فانظر إلى هؤلاء الكفار الضالين، بينما أحدهم يزعم أنه هو الله وأنه ما ~~ثم غيره، ويصعد فوق الأنبياء والصديقين، إذ جعل يخضع لكل موجود من الكفار ~~والمنافقين والكلاب والخنازير وغير ذلك إذا صحح دليله وطرد علته، وإلا ~~بطلت، وتمسك بسجود الملائكة لآدم ويعقوب وبنيه PageV08P024 # ليوسف، وزعم على زندقته أن الملائكة هي القوى الروحانية، وإبليس ~~والشياطين هي الأحكام الطبيعية، والإنسان هو الجامع الذي سجدت له القوى ~~جميعها. # وبطلان هذا الكلام ظاهر، بل كفر صاحبه ظاهر، فإن نصوص السنة وإجماع الأمة ~~تحرم السجود لغير الله في شريعتنا تحية أو عبادة، كنهيه لمعاذ بن جبل أن ~~يسجد لما قدم من الشام وسجد له سجود تحية، وأخبر بها عن رؤساء النصارى، ~~وقوله: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن يسجد لزوجها». بل ~~قد ms1430 نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام أصحابه في الصلاة خلفه، وقال: «لا ~~تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضها بعضا»، رواه مسلم. ونهى عن الانحناء وقت ~~التحية؛ لأنه ركوع، وهو دون السجود. PageV08P025 # وأما تفريقه بينه وبين سجود الصلاة فلا يفيده، لأن الجنس المأمور به ~~يشترط له شروط، وأما المنهي عنه فينهى عنه بكل حال، فإن عبادة الله وطاعته ~~تفعل على وجه ... ألا ترى أنه يحرم السجود للشمس والقمر والطواغيت إلى ~~الكعبة وغيرها بوضوء وغير وضوء؛ لأن النهي يعم كل ما يسمى سجودا. ثم السجود ~~الواجب لله يشترط له شروط يكون بها أخص، بل العبادة الواجبة لله يشترط لها ~~شروط شرعية، والعبادة لغيره محرمة على كل حال. # وهذا باب واسع، فإن الجنس المنقسم إلى مأمور به ومنهي عنه يختص المأمور ~~به بقيود وشروط، ويعم المنهي عنه كل ما دخل في اللفظ أو المعنى. ولهذا ~~اعتبرنا ذلك في كتاب الأيمان أيضا، ففرقنا بين الفعل إذا حلف ليفعلنه أو ~~إذا حلف لا يفعله. # وأما الثاني والثالث فهذيان، بل كفر صريح مخالف للعقل والدين. وقصة آدم ~~ويعقوب منسوخ بشرعنا، وتفسير الملائكة والشياطين بما ذكر قرمطة وزندقة ~~معروفة من الفلاسفة. PageV08P026 ### || CHECK 6 - فصل: حركات العباد بقلوبهم وأبدانهم لا بد لها من غاية ووسيلة # فصل # حركات العباد بقلوبهم وأبدانهم لا بد لها من غاية هي المقصود، ولا بد لها ~~من وسيلة إلى ذلك المقصود. فالمقصود هو الله، والوسيلة رسول الله، فجماع ~~الأمر في شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا عبده ورسوله. # أما الأول فقال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ~~[الذاريات:56]، فلا معبود إلا هو، لا إله إلا هو، والمعبود الإله هو الذي ~~يقصد لنفسه، فتبتغي إليه الوسيلة؛ أو تقصده لنفسك، فترجوه وتخافه، كما قال ~~تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء:57]. فالرجاء لجلب المنفعة ~~ودفع المضرة رزقا ونصرا، والخوف من حصول المضرة وزوال المنفعة. وهذا لا بد ms1431 ~~للبشر منه، وإذا عبدته لنفسه وأحببت ذاته فتلك منفعة تصل إليك، وأنت ترجوه ~~أن يعطيكها وتخاف أن يسلبكها، وذلك مجتمع في قوله: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} [الفاتحة:5]. # وقد ذكرت في غير هذا الموضع أن العبادة متضمنة للخوف، وأن الاستعانة ~~متضمنة للرجاء. وهذا صحيح باعتبار، وأما باعتبار [آخر] فالعبادة هي ابتغاء ~~الوسيلة إليه والتقرب إليه، وأما الاستعانة ففيها رجاء PageV08P027 # رحمته وخوف عذابه، لأن الراجي يأمل إعانة الله له على نيل مطلوبه ودفع ~~مرهوبه. والخوف متضمن للرجاء، لأن الخائف إن لم يرج السلامة لم يكن خائفا، ~~بل آيسا قانطا، وكذلك الراجي إن لم يخف الفوت لم يكن راجيا بل آمنا. ولهذا ~~قال: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} [الحجر:56]، وقال: {إنه لا ييأس ~~من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف:87]، وقال: {فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون} [الأعراف:99]. # فثبت أن كل خوف فإنه مستلزم للرجاء، وكل رجاء فإنه مستلزم للخوف، لكن قد ~~يغلب أحدهما، والكمال هو الاعتدال. قال أحمد بن حنبل: ينبغي أن يكون خوف ~~العبد ورجاؤه سواء، فإذا زاد أحدهما على صاحبه هلك. لكن الرجاء يتعلق ~~بالحبيب المطلوب، والخوف يتعلق بالمكروه، بمنزلة الأمر والنهي، وإن كان كل ~~منهما مستلزما للآخر، إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بما ~~لا بد لخلقه من أضداده. فكل راج أو خائف يجب أن يكون مستعينا. # وهذه العبادات القلبية هي مما يجب فيها الإخلاص لله، فلا يجوز أن يفعل لا ~~للملائكة ولا للبشر، لا للنبيين ولا للصالحين، خلاف ما عليه المشركون ومن ~~ضاهاهم من النصارى، وما عليه هذه الأمة من الرافضة وبعض المتصوفة والمتفقرة ~~والمتفقهة، والله أعلم. PageV08P028 ### || CHECK 7 - فصل: شبه الإباحية # فصل # شبه الإباحية: اعتقادهم أن لا فائدة في الحسنات ولا مضرة في السيئات؛ لأن ~~الله لا ينتفع ولا يتضرر. # والثانية: أنها وإن كانت منفعة أو مضرة فرحمة الله واسعة، فلا حساب، ~~وينعم بلا عمل. # والثالثة: اعتقادهم أن الذي جاءت به الرسل فوق قوى البشر، لاعتقادهم أنهم ~~طلبوا ترك الشهوات ms1432 مطلقا فعسروا الاعتقاد فرجعوا عنه. # الرابعة: اعتقادهم أن القدر يسوق إلى السعادة والشقاء بلا عمل، فهو حلال ~~بالقدر العلمي. # الخامسة: اعتقادهم أن ما شاء الله وقضاه فإنه أمر به ويرضاه كما ضلت ~~قريش، وهذا القدر العملي. # السادسة: اعتقاد من تعبد وتزهد ونال أحوالا من الكشوف والتأثير إما صحيحة ~~أو فاسدة أن .............. لا يضر مثله، وإن ضرت العامة فلا يضرهم ترك ~~واجب ولا فعل محرم. PageV08P029 # السابعة: اعتقادهم أن المقصود من الشرائع قد حصل لهم لوصولهم إلى عين ~~الحقيقة، فما بقيت الأعمال تنفعهم بل ضرتهم. والفرق بين هؤلاء وأولئك أن ~~الأول قد يرى في فعل الحسنات وترك السيئات فائدة لهم، لكن لا يرى ذلك ~~واجبا، وهؤلاء لا يرون في ذلك فائدة، بل يرون فعل الواجب وترك المحرم مضرة ~~أو عناء. # الثامنة: إنكار ما جاءت به الرسل من الوعيد، وظن أن ذلك تلبيس أو ربط ~~للعامة. # التاسعة: ظن أن العلم والعمل حجاب ووقوف مع السبب، والفقير لا يقف مع شيء. # العاشرة: اعتقاد كثير من الفلاسفة أن الشرائع لمصحلة الدنيا، إذ الإنسان ~~مدني بالطبع، فلا بد من قانون يقوم ...... في معاوضته ومفاوضته، فيجعلونها ~~بمنزلة السياسة الملكية، لكن سياسة الملك المقترنة بزمان ومكان مسلمة ~~كولاية القاضي، وسياسة النبي أعم من ذلك بمنزلة فتوى الفقيه وقواعد أئمة ~~المذاهب. وإذا كانت لمصلحة الدنيا فقط، فالمتخلي عن الدنيا لا يكثر منها، ~~والداخل فيها إذا كان فاضلا أمكنه أن يختص بما لا يضر غيره. وعلى ذلك ~~يتناولون يسير الخمر أو كثيرها أحيانا، ويرتكبون بعض الفواحش سرا. # فجماعهم في السمعيات على باطن يخالف الظاهر، أو خصوص من العموم، ولهذا ~~يسمون الممتثلين للشريعة متمسكين بالظاهر PageV08P030 # وحافظين لمرتبة العموم. # وعمدتهم إما شبه قياسية أو ذوقية، وربما قد يتأولون قياس بعض الظواهر، ~~وحجتهم تقليد كبير في أنفسهم ذي فضل علم أو ذي حال أو ذي سلطان. وقد صنف ~~الغزالي في مخاطرهم كتابا، لكن أمرهم أكبر من أن يكتفى فيه بمثل ذلك ~~الكتاب، فإن الرسل إنما بعثت إلى الخلق بعد حال هؤلاء، إذ هم ms1433 أعداء الرسل، ~~فإن الرسل بعثت بخبر وطلب، فالخبر له التصديق، والأمر له الطاعة، وهؤلاء ~~انحلوا عن طاعة الرسل، وانحلوا أيضا عن تصديقهم في كثير مما أخبروا به أو ~~أكثره، فهم الكفار المعادون للرسل، وأولهم إبليس، ومنهم قوم نوح وعاد وثمود ~~وسائر أعداء الرسل، لكن كفر أكثرهم كفر المنافقين، إذ أقاموا في دولة ~~المسلمين فيبطنون خلاف ما يظهرون. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على ~~محمد وآله. PageV08P031 ### || CHECK 8 - فصل: تقول طائفة من أهل الكلام: إن الحركة وأنواعها لا تصح إلا على الأجسام دون الأعراض، فإن العرض لا يقوم بنفسه # فصل # تقول طائفة من أهل الكلام: إن الحركة وأنواعها كالمجيء والإتيان، ~~وكالنزول والهبوط، وكالصعود والعروج، لا تصح إلا على الأجسام دون الأعراض، ~~فإن العرض لا يقوم بنفسه، فلو انتقل لفارق محله وقام بنفسه. # قلت: ليس الأمر كذلك، بل حركة كل شيء بحسبه، وكذلك إتيانه ونزوله. فكما ~~أن الطعم واللون والريح والقدرة والصحة وغير ذلك إنما وجودها بغيرها، ~~وذاتها لا تكون إلا متعلقة بغيرها، فكذلك ما يعرض لها من الأحوال والحركات ~~هو مشروط بمحلها، فإذا قيل: «جاءته العافية والصحة» فهو مجيء الأجزاء ~~البدنية الحاملة للصحة، وتلك الأجزاء هي الحاملة للصحة، ومجيئها فيه حركة ~~وانتقال. وكذلك «جاء النصر والظفر» هو مجيء الأعيان الحاملة للقوة والظهور ~~التي بها اندفع العدو وضرره. فلا بد من حركة فيها زوال أحد الضدين حتى يجيء الآخر. # ثم هذه الحركة والمجيء متضمنة للظهور والوضوح والتجلي، لا كما قال بعضهم: ~~إنها مجرد الظهور. # وكذلك إذا قيل: «جاء الشتاء» و «جاء الصيف» و «جاء الليل PageV08P032 # والنهار» فهي مجيء أعراض وصفات هي الحرارة والبرودة والضياء والظلمة، وهي ~~حركتها وانتقالها. لكن قد يكون ذلك بانتقالها من موضع آخر، وقد يكون ~~بحدوثها وبكونها في موضعها، وهذان النوعان في الأجسام. كما يقال: جاءني ~~الولد وجاءت الثمار وقد أتت الفاكهة، لا يعنى بذلك أنها كانت موجودة في ~~مكان آخر فانتقلت عنه، وإنما يعنى حدوثها ووجودها، وهو بحركة، لكنها حركة ~~ابتدائية. # فالمقصود أن كل ما يقال في ms1434 مجيء الأعيان والأجسام من الأنواع يقال في ~~مجيء الصفات والأعراض، لكن لما كان لا بد لهذه من محل في ذاتها، فكذلك في ~~أحوالها، بخلاف الأجسام، نعم الحيز للجسم كالمحل للعرض، فالجسم لا يجيء إلا ~~بحيز، والعرض لا يجيء إلا بمحل. والله أعلم. PageV08P033 ### || CHECK 9 - فصل: قال الله تعالى: {أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} # فصل # قال الله تعالى: {أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} ~~[المؤمنون:68]، كما قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء:82]، وقال: {أفلا يتدبرون القرآن ~~أم على قلوب أقفالها} [محمد:24]. وقال تعالى: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن ~~يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب} [الزمر:17 - ~~18]، كما قال: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} ~~[الأعراف:204]، وقال: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما ~~حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين} [الأحقاف:29]، وقال: ~~{قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي ~~إلى الرشد} [الجن:1 - 2]. # فحض سبحانه على تدبر القول كما حض على استماع القول، فإن قوله: {أفلم ~~يدبروا} استفهام، وأداة الاستفهام إذا دخلت على حرف النفي كان للتقرير، ~~كقوله: {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح:1]، وقوله: {ألم يجدك يتيما فآوى} ~~[الضحى:6]. لكن هذا في الجمل الخبرية. فقوله: PageV08P034 # {أفلم يدبروا القول}، إن أجري على هذا كان المعنى أنهم قد تدبروا القول ~~فوجدوه حقا، وإلا كان هذا استفهام إنكار بمعنى الأمر والتحضيض، كقوله: ~~{أفلا يتدبرون القرآن}، وهذا أشبه بالمعنى. لكن ... # ثم القول الذي أمر بتدبره وأمر باستماعه هو القرآن، فانحرف قوم من ~~المتكلمة فيما يتدبرونه إلى أقوال محدثة، وانحرف قوم من المتعبدة فيما ~~يستمعونه متبعين له إلى سماع أقوال محدثة، وجعل بعضهم قوله تعالى: {يستمعون ~~القول} عاما لكل قول من الآيات والأبيات، فاستمعوا هذين، وربما رجحوا سماع ~~الأبيات ترجيحا حاليا أو ms1435 اعتقاديا أيضا، كما أن الأولين يتدبرون وينظرون ~~نظر انتفاع في الأقوال المشروعة والأقوال غير المشروعة، وربما رجحوا أقوال ~~المتكلمين على قول الله ورسوله اعتقادا أو حالا. # والقرآن مملوء من الأمر بتدبر القرآن والتفكر فيه والتذكر له وعقله، ومن ~~الأمر باستماعه وتلاوته والبكاء والوجل واقشعرار الجلد منه. وقد وصف سماع ~~الأنبياء وأهل العلم وأهل المعرفة وعموم المؤمنين أنه سماع آيات الله، فقال ~~تعالى لما ذكر الأنبياء عيسى ويحيى وإبراهيم وبنيه وموسى وهارون وإسماعيل ~~وإدريس فقال: {أولئك الذين أنعم الله PageV08P035 # عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم ~~وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} ~~[مريم:58]. فتلاوة آيات الرحمن عليهم يعم التوراة والإنجيل والقرآن ~~والزبور، فإن آيات الله نزلت بالعربي وغير العربي مع تنوع المعاني فيها. # وقال تعالى: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان ~~سجدا (107) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (108) ويخرون ~~للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} [الإسراء:107 - 109]. فهذا إخبار عن الذين ~~أوتوا العلم قبل القرآن إذا تلي عليهم القرآن سجدوا وبكوا وسبحوه على إنجاز ~~وعده الذي تقدم أن يبعث هذا الرسول وينزل هذا الكتاب. فهذا سماع الذين ~~أوتوا العلم، وكان سبب ذلك من آمن من علماء اليهود. # وقال في أهل المعرفة: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا ~~نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (82) وإذا سمعوا ما ~~أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا ~~آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة:82 - 83]. فهذا سماع أهل المعرفة ممن ~~آمن من النصارى، أخبر أنهم سمعوا وبكوا وطلبوا أن يكونوا مع الشاهدين. ~~والشاهدون كما قال ابن عباس: محمد وأمته، فإن لهم وصف PageV08P036 # الشهادة، كما قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس} [البقرة:143]، وقال: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} [الحج:78]. ولهذا كان رأس ~~دينهم شهادة أن لا إله ms1436 إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله. وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أنتم شهداء الله في الأرض، هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا ~~فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت: وجبت لها ~~النار». # وهذا تأييد لما اصطلح عليه الناس من تسمية العلماء الناظرين في الكتب ~~المنزلة «أهل العلم»، وتسمية المشايخ العابدين المتألهين السامعين هنا «أهل ~~المعرفة»، لما في الأولين من الموسوية المشروعة وفي الآخرين من العيسوية ~~المشروعة، فمدح كلا الفريقين بالانقياد للمحمدية الجامعة للأمرين. ولهذا ~~وصف الأولين بالتسبيح المتضمن تصديقهم بما جاء به الرسول لما كانوا ~~يعلمونه، ووصف الآخرين بالدعاء والطلب لأن يكونوا مع محمد وأمته. فظهر في ~~الأولين نعت العلم النافع، وهو الخبر الصادق والتصديق بالحق، وفي الآخرين ~~نعت العمل الصالح، وهو الدعاء المشروع والعبادة المأمور بها، فإن العباد ~~يطلب منهم الدعاء، والعلماء يطلب منهم الثناء، فظهر في الأولين الثناء وفي ~~الآخرين الدعاء. PageV08P037 # ولذلك ذكر أن هذا سماع المؤمنين، فقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} [الأنفال:2]، ~~وقال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق} [الحديد:16]، وقال: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} ~~[الزمر:23]. # وأمر بتلاوته، والتلاوة تجمع معنى التدبر والاتباع ومعنى السماع، فقال ~~تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق:1]، فهذا أول ما نزل، أمر فيه ~~بالقراءة والصلاة. وقال: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة} ~~[العنكبوت:45]، وقال: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة} ~~[الأعراف:170]، وقال تعالى: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة ~~وأنفقوا مما رزقناهم} [فاطر:29]، [وقال]: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء:78]، وقال تعالى: ~~{يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا} [المزمل:1 - 2] إلى قوله: {واذكر ~~اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل:8] إلى قوله: {إن ربك يعلم أنك تقوم ~~أدنى من ثلثي الليل ونصفه ms1437 وثلثه} [المزمل:20] إلى قوله: {فاقرءوا ما تيسر ~~من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه PageV08P038 # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا} [المزمل:20]. وقال ~~تعالى ... # وذم الذين يعرضون عن سماعه وتدبره إلى سماع غيره، فقال تعالى: {وقال ~~الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت:26]، ~~وقال تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ~~ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا ~~كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم} [لقمان:6 - 7]. هذا في ~~لقمان، وفي الجاثية: {فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) ويل لكل أفاك ~~أثيم (7) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره ~~بعذاب أليم (8) وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين} ~~[الجاثية:6 - 9]. # وقد روي عن طائفة من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وجابر أنهم تأولوا ~~آية لقمان في سماع الغناء. وروي في ذلك حديث مرفوع، رواه الترمذي من حيدث ~~أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تعم PageV08P039 # ذلك وغيره على ما هو مقرر في موضع آخر. # ثم ذم الذين يعرضون عن سماعه ... # وقال تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما} إلى قوله: {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} ~~[الفرقان:63 - 73]. وقد روي في ذلك آثار تنص أن الغناء من ذلك، وكذلك ~~الأقوال المزخرفة، كقوله: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} ~~[الأنعام:112]. فنزه عباد الرحمن عن حال السماعية والكلامية المبطلين، ثم ~~قال: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} ~~[الفرقان:73]، فوصفهم بالبصر والسمع، ليسوا صما كالمعرضين عن سماع الآيات، ~~ولا عميا كالمعرضين عن البصر فيها. فإن أهل السمع والإصغاء الذين لا يسمعون ~~كلام الله ويصغون ms1438 إليه وينتفعون به وإن كانوا مصغين إلى سماع شيء آخر، وأهل ~~النظر والذكاء الذين لا ينظرون في كلام الله ويبصرونه وينتفعون به= أهل عمى ~~وإن كان لهم نظر وبصر في كلام آخر. # فتدبر كيف وصفهم بالإقبال علىكلام الله سمعا وبصرا، والإعراض عن الزور ~~واللغو سمعا وقولا، فمن وافقهم في النعتين فهو PageV08P040 # المؤمن المستقيم، ومن خالفهم فيهما فهو المنافق والكافر، ومن شركهم في ~~الحق الذي فعلوه وفعل الباطل الذي تركوه، كحال كثير من الفقهاء والمتكلمين ~~والعباد والصوفية، فهو محمود بما فيه من الحق مذموم بما فيه من الباطل، وإن ~~كان قد يغفر له لاجتهاد أو تقليد. # ولما كان جماع الخير في القرآن والإيمان، كما قال الله تعالى: {وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى:52]. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجاه في الصحيحين عن أبي ~~موسى: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ~~ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل ~~المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب ولا طعم لها، ومثل ~~المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها». # وضد ذلك النفاق والشعر والكذب، كما قال تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث} [لقمان:6]، وقال عبد الله بن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب ~~كما ينبت الماء البقل ... PageV08P041 ### || CHECK 10 - قاعدة: بعث الله محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله # فصل # قاعدة: بعث الله محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى ~~بالله شهيدا، إلى جميع الخلق: أهل العلم والعبادة، وأهل الولاية والإمارة ~~من الخاصة، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة، ورضي لهم الإسلام ~~دينا. فالهدى يدخل فيه العلم النافع، ودين الحق يدخل فيه العمل الصالح، ~~فعاش السلف في ذلك الهدى ودين الحق. ثم ظهرت البدع والفجور، فصار ms1439 من الأمة ~~من استمسك بالهدى ودين الحق، ومنهم من عدل عن بعض ذلك، فاستمتعوا بخلاقهم ~~كما استمتع الذي من قبلهم بخلاقهم، وخاضوا كالذي خاضوا. # فالمنحرف إما المبتدع في دينه، وإما الفاجر في دنياه، كما قال الحسن ~~البصري وسفيان الثوري وجماعات من السلف: إن من سلم من فتنة البدعة وفتنة ~~الدنيا فقد سلم. وإن كانت البدع أحب إلى إبليس من المعصية. ففتنة البدعة في ~~أهل العلم والدين، وفتنة الدنيا في ذوي السلطان والمال. ولهذا قال بعض ~~السلف: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء. وقد قال أبو محمد ~~الرملي عن أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: بالماضين ما كان أشبهه، وعن الدنيا ~~ما كان أصبره، أتته البدعة فنفاها، والدينا فأباها. PageV08P042 # وقد قال الله تعالى: {إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة:34]. # وقال ابن المبارك: # وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها # فالأمراء من الملوك وأتباعهم يقولون لما أحدثوه: سياسة، ويقولون: «شرع ~~وسياسة». والعلماء المتكلمون يقولون: عقليات وكلام، ويقولون: «العقل ~~والشرع». والعباد والفقراء والصوفية يقولون: «حقيقة وشريعة». وسياسة هؤلاء ~~وعقليات هؤلاة وحقيقة هؤلاء أعظم قدرا في صدورهم من كتاب الله وسنة رسوله ~~حالا أو حالا واعتقادا. # وبإزائهم قوم من الفقهاء والمحدثين والعباد والعامة ينتسبون إلى الكتاب ~~والسنة والشرع، وهم لا يعلمون من ذلك ما يحتاج إليه، بل فيهم من الجهل ~~بحقائق ذلك أو التقليد لبعض رؤسائهم ما أوجب نقص الكتاب والسنة والشريعة في ~~قلوب أولئك. فتقصير هؤلاء وعدوان أولئك كان سببا لذهاب ما ذهب من الدين، ~~وظهور ما ظهر من البدع، والله أعلم. PageV08P043 ### || CHECK 11 - فصل جامع: أن جماع الحسنات العدل، وجماع السيئات الظلم # فصل جامع # قد كتبت فيما تقدم في مواضع مثل بعض القواعد وآخر مسودة الفقه أن جماع ~~الحسنات العدل، وجماع السيئات الظلم، وهذا أصل جامع عظيم. # وتفصيل ذلك أن الله خلق الخلق لعبادته، فهذا هو المقصود المطلوب بجميع ~~الحسنات، ms1440 وهو إخلاص الدين كله لله، وما لم يحصل فيه هذا المقصود فليس حسنة ~~مطلقة مستوجبة لثواب الله في الآخرة، وإن كان حسنة من بعض الوجوه له ثواب ~~في الدنيا، وكل ما نهي عنه فهو زيغ وانحراف عن الاستقامة، ووضع للشيء في ~~غير موضعه، فهو ظلم، ولهذا جمع بينهما سبحانه في قوله: {قل أمر ربي بالقسط ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} [الأعراف:29]. # فهذه الآية في سورة الأعراف المشتملة على أصول الدين والاعتصام بالكتاب، ~~وذم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله كالشرك وتحريم الطيبات، أو ~~خالفوا ما شرعه الله من أمره ونهيه، كإبليس ومخالفي الرسل من قوم نوح إلى ~~قوم فرعون والذين بدلوا الكتاب من أهل الكتاب. فاشتملت السورة على ذم من ~~أتى بدين باطل ككفار العرب، ومن خالف الدين الحق كله كالكفار بالأنبياء، أو ~~بعضه PageV08P044 # ككفار أهل الكتاب. # وقد جمع سبحانه في هذه السورة وفي الأنعام وفي غيرهما ذنوب المشركين في ~~نوعين: أمر بما لم يأمر الله به كالشرك، ونهي عما لم ينه الله عنه كتحريم ~~الطيبات. فالأول شرع من الدين لما لم يأذن الله به، والثاني تحريم لما لم ~~يحرمه الله. # وكذلك في الحديث الصحيح حديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الله تعالى: «إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، فحرمت عليهم ما ~~أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا». # ولهذا كان ابتداع العبادات الباطلة من الشرك ونحوه هو الغالب على النصارى ~~ومن ضاهاهم من منحرفة المتعبدة والمتصوفة، وابتداع التحريمات الباطلة هو ~~الغالب على اليهود ومن ضاهاهم من منحرفة المتفقهة، بل أصل دين اليهود فيه ~~آصار وأغلال من التحريمات. ولهذا قال لهم المسيح: {ولأحل لكم بعض الذي حرم ~~عليكم} [آل عمران:50]. وأصل دين النصارى فيه تأله بألفاظ متشابهة وبأفعال ~~مجملة. فالذين في قلوبهم زيغ اتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله. # وما قررت في غير هذا الموضع -من أن توحيد الله الذي هو إخلاص ms1441 الدين له، ~~والعدل الذي نفعله نحن هو جماع الدين- يرجع إلى PageV08P045 # ذلك، فإن إخلاص الدين لله أصل العدل، كما أن الشرك بالله ظلم عظيم، وأصل ~~ذلك العلم، فإنه لا يعلم العدل والظلم إلا بالعلم، فصار الدين كله: العلم ~~والعدل. وضد ذلك: الظلم والجهل، قال الله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ~~ظلوما جهولا} [الأحزاب:72]. ولما كان ظلوما جهولا، وذلك يقع من الرعاة ~~تارة، ومن الرعية تارة، ومن غيرهم تارة= كان العلم والعدل المأمور به: ~~الصبر على ظلم الأئمة وجورهم، كما هو من أصول أهل السنة والجماعة، وكما أمر ~~به النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المشهورة عنه، كما قال: «إنكم ~~ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». وقال: «من رأى من أميره ~~شيئا يكرهه فليصبر عليه». إلى أمثال ذلك. وقال: «أدوا لهم الذي لهم، ~~واسألوا الله الذي لكم»، ونهى عن قتالهم ما صلوا؛ وذلك لأن معهم أصل الدين ~~المقصود، وهو توحيد الله وعبادته، ومعهم حسنات وترك لسيئات كثيرة. # وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ أو غير سائغ فلا يجوز أن يزال ~~بما فيه ظلم وجور، كما هو عادة أكثر النفوس، يزيل الشر بما هو شر منه، ~~ويزيل العدوان بما هو أعدى منه. فالخروج عليهم PageV08P046 # يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم، فيصبر عليه، كما يصبر عند الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور المنهي في مواضع كثيرة، كقوله: ~~{وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} [لقمان:17]، وقوله: ~~{فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} [الأحقاف:35]، وقوله: {واصبر لحكم ربك ~~فإنك بأعيننا} [الطور:48]. # وهذا عام في ولاة الأمور وفي الرعية، إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ~~فعليهم أن يصبروا على ما أصيبوا به في ذات الله، كما يصبر المجاهدون على ما ~~يصاب من أنفسهم وأموالهم. فالصبر على الأذى في العرض أولى وأولى؛ وذلك لأن ~~مصلحة الأمر والنهي لا تتم إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. # ويندرج في ذلك ولاة الأمور، فإن عليهم ms1442 من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم، ~~كما أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم؛ لأن مصلحة الإمارة لا ~~تتم إلا بذلك. فكما وجب على الأئمة الصبر على أذى الرعية وظلمها إذا لم تتم ~~المصلحة إلا بذلك، أو كان تركه يفضي إلى فساد أكثر منه، فكذلك يجب على ~~الرعية الصبر على جور الأئمة وظلمهم إذا كان في ترك الصبر مفسدة راجحة. # فعلى كل من الراعي والرعية للآخر حقوقا عليه أداؤها، كما PageV08P047 # ذكرت بعضه في «كتاب الجهاد والقضاء»، وعليه أن يصبر للآخر ويحلم عنه في ~~أمور. فلا بد من السماحة والصبر في كل منهما، كما قال تعالى: {وتواصوا ~~بالصبر وتواصوا بالمرحمة} [البلد:17]، وفي الحديث: «أفضل الإيمان: السماحة ~~والصبر». وفي أسماء الله: الغفور الرحيم، فبالحلم يعفو على سيئاتهم، ~~وبالسماحة يوصل إليهم المنافع، فيجمع جلب المنفعة ودفع المضرة. فأما ~~الإمساك عن ظلمهم والعدل عليهم فوجوب ذلك أظهر من هذا، فلا حاجة إلى بيانه. ~~والله أعلم. PageV08P048 ### || CHECK 12 - قاعدة في الإجبار على المعاوضات إذا لم يكن فيه ضرر، وعلى الغير بتركه ضرر # فصل # قاعدة في الإجبار على المعاوضات إذا لم يكن فيه ضرر، وعلى الغير بتركه ضرر # عن سمرة بن جندب أنه كان له نخل في حائط رجل من الأنصار، ومع الرجل أهله، ~~فكان سمرة يدخل إلى النخل، فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعها منه ~~فأبى، فطلب أن يناقله فأبى، قال: «فهبها لي ولك كذا وكذا» أمرا رغبه فيه، ~~فأبى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت مضار»، ثم قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم للأنصاري: «اذهب فاقلع نخله». رواه أبو داود. # فيه من الفقه أن تلك النخلة كانت ملكا لرجل، وكان بقاؤه في أرض الغير يضر ~~به، فوجب عليه أن يزيل ضرر رب الأرض، إما بمعاوضة وإما بتبرع، فلما امتنع ~~جوز القلع؛ لأن ترك ذلك ضرار، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنت ~~مضار»، ثم قال للأنصاري: «اذهب فاقلع نخله». وهذا موافق للحديث الذي رواه ~~ابن ماجة ms1443 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا PageV08P049 # ضرار». # فصار هذا الحديث أصلا في أن المعصوم إذا أصابه ضرر لا يندفع إلا بمعاوضة ~~من غيره وجبت المعاوضة على ذلك الغير إذا لم يكن عليه فيها ضرر زائد؛ لأن ~~المعاوضة على هذا الوجه إنما فيها تبديل المال بمثله، وهذا لا يضره فيه، ~~وإزالة الضرر عن المسلم واجبة. # وهذا نظير إيجاب الشفعة، فإن الشريك عليه بالشركة ضرر الشركة والقسمة، ~~والبائع إذا أراد البيع فهو يأخذ الثمن، فسيان أخذه من هذا أو من هذا، ~~فتبديل مشترى بمشترى سواء عليه. # ومن هذا الباب إجبار الشريك على القسمة وإن كان فيها شوب معاوضة، لما في ~~ذلك من زوال ضرر الشركة بنوع معاوضة لا ضرر فيها، فإن كان في قسمة العين ~~ضرر أجبر الممتنع على البيع وقسم الثمن، فإنه إجبار على معاوضة لا ضرر ~~فيها، لدفع ضرر الشريك بالشركة. وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. # ونظيره إيجاب الشريك الممتنع على العمارة في ظاهر المذهب، لأن العمارة من ~~نوع المعاوضة، فإنه يبذل ماله ليحصل له البناء، فإجباره على العمارة نظير ~~إجباره على البيع معه. PageV08P050 # ويشبه ذلك من بعض الوجوه السراية في العتق، فإن فيها معاوضة، ويدخل في ~~ذلك العرق الذي بحق، كالبناء والغراس الذي للمشتري والمستأجر والمستعير ~~والبائع ولو وجد من العذاب فإنه لا يقلع مجانا؛ لأنه ليس بعرق ظالم، ولكن ~~يجبر ربه على المعاوضة، فلرب الأرض أن يبتاعه بقيمته كحديث النخلة سواء، ~~فإن امتنع مالك الغراس من المعاوضة قلع مجانا، كما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم الأنصاري بقلع النخلة. # ويستدل بالحديث على تحريم المضارة مطلقا؛ حيث قال: «إنما أنت مضار»، وهو ~~كل من كان عمله مضرا بغيره من غير منفعة له فيه. ويدل عليه قوله: «لا ضرر ~~ولا ضرار»، وقوله في الحديث الذي في الصحيح: «من ضار أضر الله به، ومن شاق ~~شق الله عليه». PageV08P051 ### || CHECK 13 - فصل في ثواب الحسنات والسيئات # فصل # في ثواب الحسنات والسيئات # والكلام في نوعين: أحدهما في ترجيح جانب الحسنات، ms1444 والثاني في مقادير ~~الحسنات ومقادير السيئات. # أما الأول فإن الله سبحانه وتعالى كما أخبر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «سبقت رحمتي غضبي -وفي رواية: غلبت رحمتي غضبي- وقد كتب ذلك في ~~كتاب، فهو موضوع عنده فوق العرش». وأخبر عن نفسه في كتابه أنه قال: {كتب ~~على نفسه الرحمة} [الأنعام:12]، كما أخبر عنه رسوله أنه حرم الظلم على ~~نفسه، وجعله محرما بين عباده. # وقد دل القرآن على ذلك في مثل قوله: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ~~(49) وأن عذابي هو العذاب الأليم} [الحجر:49 - 50]، وفي مثله قوله: {اعلموا ~~أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة:98]، فجعل المغفرة ~~والرحمة داخلة في أسمائه التي وصف بها نفسه، وأما شدة العقاب وألم العذاب ~~فإنما هو من عوارض مفعولاته، ولهذا ليس في أسماء الله الحسنى اسم يتضمن صفة ~~الغضب والعذاب، ولا PageV08P052 # في صفاته صفة تقتضي ذلك، لكن إذا أخبر عن ذلك أتى بالقول العام الشامل له ~~ولغيره، أو حذف فاعله، أو أضيف إلى المخلوق. وأما الرحمن والرحيم والغفور ~~والحليم والكريم ونحو ذلك فكثير في أسمائه. # وإنما جاء في القرآن: {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله ~~عزيز ذو انتقام} [آل عمران:4]، ولم يقل: «منتقم» كما تقوله طائفة ممن تكلم ~~في الأسماء الحسنى، واستدلوا بحديث الترمذي الذي رواه الوليد بن مسلم، فإن ~~المحققين من الحفاظ يعلمون أن ذلك العدد ليس من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وإنما هو مما أدرجه الوليد بن مسلم في روايته عن شعيب. كما أن ابن ~~ماجه لما روى الحديث أيضا من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة، ذكر فيه من ~~حديث عبد الرحمن PageV08P053 # الأعرج عن أبي هريرة عدد الأسماء على خلاف ذكر الوليد بن مسلم. # وإذا جاء في أسمائه الضار والنافع، والخافض والرافع، والمعز والمذل، ~~والمعطي والمانع، فإنما تقال مقترنة مزدوجة، لا يفرد الضار عن النافع، ولا ~~المانع عن المعطي؛ إذ المقصود بيان عموم فعله وشمول عدله وفضله. # وجاء في القرآن: {بيدك الخير} [آل ms1445 عمران:26]، وفي القرآن: {أحسن كل شيء ~~خلقه} [السجدة:7]، وفي القرآن: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} [النمل:88]، ~~وفي حديث الاستفتاح الصحيح: «والخير بيديك، والشر ليس إليك»، فالشر في ~~القرآن إما أن يضاف إلى الرب أو لا، فإن أضيف إليه كان بطريق العموم فقط، ~~وإن لم يضف إليه فإما أن يحذف فاعله أو يضاف إلى السبب. # فالأول كقوله: {خالق كل شيء} [الأنعام:102]، وقوله: {فمن يرد الله أن ~~يهديه} {ومن يرد أن يضله} [الأنعام:125]، وقوله: {رب العالمين} ~~[الفاتحة:2]، وقوله: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} [البقرة:26]، وقوله: ~~{أني أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو PageV08P054 # العذاب الأليم} [الحجر:49 - 50]، وقوله: {ومن يطع الله ورسوله يدخله ...} ~~الآية [النساء:13]، {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ...} الآية ~~[النساء:14]، وقوله: {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما} ~~[الكهف:82]. وهذا كثير، إما أن يجمع الاسم والقول العام للنوعين، وإما أن ~~يفصل نوعي الخير والشر من الآلام وأسبابها. # وأما إضافته إلى السبب فكقوله: {من شر ما خلق} [الفلق:2]، وقوله: {وإذا ~~مرضت فهو يشفين} [الشعراء:80]، وقوله: {فأردت أن أعيبها} [الكهف:79]، ~~وقوله: {إن النفس لأمارة بالسوء} [يوسف:53]، وقوله: {هذا من عمل الشيطان} ~~[القصص:15] ونظائره. # وأما حذف الفاعل فكقوله: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة:7]، ~~وقول الجن: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} ~~[الجن:10]. وهذا مثل قول الصحابة كأبي بكر وعمر وابن مسعود وغيرهم: «فإن ~~يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، PageV08P055 # والله ورسوله بريئان منه». وكذلك قول الخضر: {فأردت أن أعيبها}، {فأردنا ~~أن يبدلهما ربهما}، {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما}. وهذا باب واسع ليس هذا موضعه. # وإنما المقصود هنا أن جانب الحسنات هو الراجح في خلقه وأمره، أما في خلقه ~~فقد نبه عليه. وأما في أمره وشرعه وثوابه وعقابه فمن وجوه: # أحدهما: أن الحسنات يضاعف قدرها، والسيئة لا يضاعف قدرها، قال تعالى: {من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} ~~[الأنعام:160]، وقال تعالى في موضع آخر: ms1446 {[من جاء بالحسنة] فله خير منها ~~ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون} ~~[القصص:84]، وقال تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ...} ~~[البقرة:261]. # والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك متواترة، مثل قوله: «من صام ~~رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر». وقوله: «صيام ثلاثة أيام من ~~كل شهر يعدل صوم الدهر». وقوله في الصلاة: «هي PageV08P056 # خمس، وهي خمسون». وقال: «كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها». ~~وفي حديث أبي هريرة مرفوعا: «أنه يجزي على الحسنة بألفي ألف حسنة». وقال: ~~«من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يربيها ~~له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تكون مثل الجبل العظيم». وهذا باب واسع. # الثاني: أن الجزاء في الحسنات بأفضل أنواعها وصفاتها، بخلاف السيئات، قال ~~تعالى: {ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا ~~يعملون} [الزمر:35]، وقال تعالى: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من ~~فضله} [النور:38]، وقال تعالى: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة} [الأحقاف:16]. # الثالث: أن الهم بالحسنة يثاب عليه، والهم بالسيئة لا يعاقب عليه، كما في ~~الصحيح من حديث أبي هريرة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: PageV08P057 # «إذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة واحدة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات ~~إلى أضعاف مضاعفة، وإذا هم بسيئة لم تكتب عليه، فإن تركها لله كتبت له ~~حسنة، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة». # وهذا في الهم الذي لا يكون إرادة جازمة، فإنه هم قادر لا هم عاجز، فلو ~~صار إرادة مع القدرة لوجد الفعل. قال أحمد بن حنبل: الهم همان: هم خطرات ~~وهم إصرار. فأما إذا أراد الفعل إرادة جازمة وإنما منعه العجز فهذا فيه ~~حديث أبي كبشة الأنماري، يقتضي أنه والفاعل سواء، رواه أحمد والترمذي ~~وصححه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأربعة الذين أعطي أحدهم علما ms1447 ~~ومالا، فهو يعمل فيه بطاعة الله، وآخر أعطي علما ولم يعط مالا، فقال: لو أن ~~لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، قال: «فهما في الأجر سواء». ~~وآخر أعطي مالا لا علما، فهو يعمل فيه بمعصية الله، وآخر لم يعط علما ولا ~~مالا، فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، قال: «فهما ~~في الوزر سواء». # فهذا في المريد الجازم العاجز عن الفعل، كما في الحديث الصحيح: «إن ~~بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم»، قالوا: ~~وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبسهم PageV08P058 # العذر». ومثل هذا قوله: «المرء مع من أحب». # فإن قيل: فقد قالوا في المعصية أن لا يقدر، فإذا كان يعذب على الإرادة ~~الجازمة فسواء قدر أو لم يقدر، ولأن الرجل لو عزم أن يعمل مثل عمل النبيين ~~والصديقين من الصحابة لم يجز مثلهم. # قلت: الإرادة الجازمة مشروطة بالعلم المفصل، فما لم يتصوره الإنسان كما ~~ينبغي لا يريده إرادة جازمة مع عدم القدرة، ونحن لا يمكننا أن نتصور أحوال ~~الأنبياء والسابقين من المهاجرين والأنصار. # وأيضا فالإرادة تقوى وتضعف بحسب القدرة والعجز، فالنفس لا تطمع من ~~المعاصي غالبا إلا فيما هو من جنس مقدورها، فإذا لم تقدر على المعصية فهي ~~في الغالب لا تريدها إرادة جازمة. مع أن هذا الحديث فيه القول مع النية، ~~وبهذا قد يجاب أيضا عن قوله الذي في الصحيح: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت ~~به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به». # ومن الناس من يقول: التسوية في أصل الأجر لا في قدره. وقد احتج بعضهم على ~~الإرادة بقوله: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، ~~قيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ PageV08P059 # قال: «إنه أراد قتل صاحبه». وروي: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه». فهذا ~~في مريد إرادة جازمة لم يمنعه إلا العجز، وقد حاول أسباب القتل. فهو يوافق ~~حديث أبي كبشة من وجه. # وأما الإرادة الجازمة من ms1448 القادر فلا توجد إلا ويوجد الفعل، فإنه متى وجدت ~~الإرادة التامة والقدرة التامة وجب وجود الفعل، فإن ذلك هو سببه التام، ~~فيمتنع عدم الفعل بعد وجود سببه التام. وحيث تعذر فلخلل في القدرة أو في ~~الإرادة. # الوجه الرابع: أن الحسنات يتعدى ثوابها فاعلها، وأما السيئة فلا يعاقب ~~عليها إلا فاعلها، فإن المؤمن ينفعه الله بصلاة المؤمنين عليه ودعائهم له ~~واستغفارهم، وبما يفعل عنه من العبادات المالية كالصدقة والعتق والحج، ~~وكذلك العبادات البدنية عندنا وعند الجمهور، كالصلاة والقراءة والصيام ~~والحج وغير ذلك، كما جاء في ذلك أحاديث معروفة، قطعة منها في الصحيح. ~~وتنفعهم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أطفال المؤمنين تبع ~~لآبائهم. # وأما العقاب فقال تعالى: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} [ص: ~~85]، وقال: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} [النمل:90]. وقد قررت في غير هذا ~~الموضع أن النار لا يدخلها طفل ولا مجنون إلا بعد أن يعصي الله ولو في ~~عرصات القيامة، كما جاء في PageV08P060 # الأحاديث. # ومن هذا الباب أن الجنة يبقى فيها فضل، فينشئ الله لها أقواما يدخلهم ~~الجنة بفضل رحمته، وأما النار فإنه يضيقها على من فيها من الجنة والناس ~~أجمعين. # الوجه الخامس ... # وأما المقادير فإن التفاوت في الحسنات والسيئات يقع من ثلاثة أوجه: # أحدها: العمل المباشر، وإن لم يرتب عليه في الظاهر أمر مصلحة ولا مفسدة، ~~بل كان أثره في نفس صاحبه. # الثاني: ما تولد عن العمل من المصالح والمفاسد، وإن كان العمل قليلا. # الثالث: من مجموع الأمرين. # فالأول كما ذكرناه من تأثير النيات والعزائم الصادقة. # والثاني كقوله سبحانه: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب PageV08P061 # ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو ~~نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ~~ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله ~~أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة:120 - 121]. فذكر في الآية الأولى أنه يكتب ~~لهم بما تولد عن عملهم عمل ms1449 صالح، وذكر في الثانية أن نفس العمل والإنفاق ~~يكتب لهم. ولهذا كان الصواب أن العمل المتولد ليس هو خارجا عن فعل العبد ~~وقدرته بكل حال، كما يقوله طائفة من متكلمي أهل الإثبات، ولا هو أيضا فعلا ~~للعبد محضا، كما يقوله المعتزلة، بل هو مشترك بين العبد الذي فعل سببه وبين ~~السبب الخارج المعين على تمامه. فالعبد فاعل بعضه، ولهذا استحق الثواب ~~والعقاب، قال تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين ~~يضلونهم بغير علم} [النحل:25]، وقال تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم} [العنكبوت:13]. # وقال صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من ~~اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر ~~مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل من ذنبها؛ لأنه أول PageV08P062 # من سن القتل». وقال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من ~~رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم ~~يلقاه. وإن البعد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب ~~الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه». قال زيد بن أسلم: كانوا يرون ذلك في ~~الكلمة عند الأمراء، وذلك لعموم نفع الكلمة وعموم مضرتها. # فهذا الباب كله إنما الجزاء فيه على عمل الإنسان، وذلك المتولد من عمله ~~وعمل غيره، أو من سبب غير عمل غيره، هو بمنزلة الولد المتولد من الأبوين، ~~هو مشترك بينهما ويضاف إلى كل منهما إضافة كاملة، فإنه لا يمكن وقوعها إلا ~~كذلك، لا يمكن أن تنفرد به قدرة العمل وعمله، فإن قدرته لا تؤثر تأثيرا ~~مستقلا إلا في محلها، فلما كان هذا هو الممكن منه في مثل هذا العمل كان ~~عاملا كاملا كالعازم العاجز وأولى. # فصارت المراتب الثلاثة: العازم العاجز، والعازم المعين العاجز عن ~~الانفراد، والفاعل المستقل، ms1450 وللثلاثة جزاء كامل. والحمد لله وحده، وصلى ~~الله على محمد وآله وسلم تسليما. PageV08P063 ### || CHECK 14 - فصل: قال تعالى: {إن الله لا يحب كل مختال فخور} # فصل # قال الله تعالى في سورة النساء بعد الآية التي أمر فيها بقواعد الشريعة ~~{واعبدوا الله ولا تشركوا به}: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) ~~الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} ~~[النساء:36 - 37]، وقال في سورة الحديد: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} إلى قوله: {والله لا يحب كل مختال ~~فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} [الحديد:21 - 24]. ففي كلا ~~الموضعين وصف المختال الفخور بأنه يبخل ويأمر الناس بالبخل، وهذا -والله ~~أعلم- يوافق ما رواه أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«من الخيلاء ما يحبها الله، ومن الخيلاء ما يبغضها الله، فأما الخيلاء التي ~~يحبها الله فاختيال الرجل نفسه في الحرب، واختياله نفسه عند الصدقة -أو كما ~~قال-، وأما الخيلاء التي يبغضها الله فالخيلاء في البغي والفخر». PageV08P064 # فإنه أخبر أن من الخيلاء ما يحبها الله، وهي الخيلاء في السماحة ~~والشجاعة، ولذلك قال لأبي دجانة يوم أحد لما اختال بين الصفين، فقال: «إنها ~~لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن». ولهذا جوزنا في أحد القولين ما ~~رويناه عن عمر من لبس الحرير في الحرب، لأن الخيلاء التي فيه محبوبة في ~~الحرب، كما دل عليه الحديثان. وذلك -والله أعلم- لأن الاختيال من التخيل، ~~والتخيل من باب التصور الذي قد يكون تصورا للموجود، وقد يكون تصورا ~~للمقصود، فإن كان مطابقا للموجود ومحمودا في القصد فهو تخيل حق نافع، وإن ~~كان مخالفا للموجود ومذموما في القصد فهو الباطل الضار. والشجاعة والسماحة ~~لا بد فيها من قوة للنفس لا تتم إلا بتصور محبوب يحضه على الشجاعة ~~والسماحة، وإلا ففي هذا بذل النفس وفي هذا بذل المال الذي هو مادة النفس، ~~فإن لم تتصور النفس أمرا محبوبا يعتاض به عما يبذله من النفس ms1451 والمال لم يأت ~~بالشجاعة والسماحة. فيحب الله تخيل المقاصد الرفيعة والمطالب العالية التي ~~تحض على الشجاعة والسماحة، فإن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها، ويحب ~~معالي الأمور. PageV08P065 # فهذا إذا كان تخيل مقصود، وأما إذا كان تخيل موجود فلأن الشجاعة التي ~~مضمونها النصرة ودفع الباطل والضرر، والسماحة التي مضمونها الرزق وإقامة ~~الحق والنفع، هما عظيمان في أنفسهما، وإليهما ترجع صفات الكمال من جلب ~~المنفعة ودفع المضرة، فإذا كان تخيل الفاعل نفسه عظيما عند صدور ذلك منه ~~كان مطابقا، فكان اعتقادا صحيحا نافعا، ولهذا لم يذكر أن الله يحبه إلا في ~~الحرب والصدقة، لأنه في هذا الموطن هو صحيح نافع، لأنه يحض على المحبوب، ~~وما أعان على المحبوب محبوب، فأما بعد صدور ذلك منه فإنه فخر أو من، والله ~~لا يحب الفخور ولا المنان. وصار في هذه المنزلة بمنزلة شهوة الطعام عند ~~الأكل، وشهوة النكاح عند مباضعة الرجل أهله، فإن ذلك نافع، به تحصل ~~المصلحة، بخلاف الشهوة في حال الزنا وأكل مال الغير. # فلما قال سبحانه: {والله لا يحب كل مختال فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل} [الحديد:23 - 24]، والبخل منع النافع، قيد هذا بهذا. # وقد كتبت فيما قبل هذا من التعاليق الكلام في التواضع والإحسان والكلام ~~في التكبر والبخل. PageV08P066 ### || CHECK 15 - فصل ثبت في الصحيح: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ...)) # فصل # ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أم كلثوم أنه قال: ~~«ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرا ويقول خيرا». وثبت عنه أنه ~~قال: «الحرب خدعة»، وكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها. وثبت عنه أنه قال: «بئس ~~أخو العشيرة»، فلما دخل ألان له القول وقال: «يا عائشة، إن شر الناس من ~~ودعه الناس اتقاء فحشه». # قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص فيما يقول الناس إنه كذب إلا في الحرب ~~والإصلاح بين الناس والرجل يحدث امرأته ... # فهذه المعاني التي جاءت بها النصوص يجمعها نوعان: المسالمة لمن أمر الله ~~بمسالمته، والمحاربة لمن أمر الله بمحاربته. فالإصلاح بين ms1452 الاثنين هو من ~~نوع المسالمة الشرعية، وإصلاح الرجل بينه وبين امرأته من أعظم الإصلاح ~~والمسالمة الشرعية، وكذلك إصلاح الرجل بينه وبين من يؤمر بمسالمته من ~~إخوانه ورعيته وأئمته. فإذا كان هو مأمورا بأن يصلح بين فئتين من المؤمنين ~~غيره، فلأن يؤمر أن يصلح بينه وبين PageV08P067 # إخوانه من المؤمنين أولى، فإنه إلى هذا أحوج، وهو عليه أوكد إيحابا أو ~~استحبابا، إذ التأليف بين الناس والإصلاح بينهم فرع مؤالفته لهم وصلاح حاله ~~معهم. قال الله تعالى: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} [الأنفال:1]، وقال: ~~{ادفع بالتي هي أحسن السيئة} [المؤمنون:96]، وقال: {وقولوا للناس حسنا} ~~[البقرة:83]، وقال: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء:19]، وقال: {فأصلحوا بين ~~أخويكم} [الحجرات:10]، وقال: {إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين ~~الناس} [النساء:114]. # والمحاربة الشرعية أصلها ظاهرا لأهل الحرب من الكفار، وفي الباطن وبعض ~~الظاهر للمنافقين، والمرخص فيه هو المعاريض بالاتفاق، وقد يسمى كذبا، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات ~~الله». وهذا الثلاث هي من باب المعاريض. # وأما الكذب الصريح ففيه قولان، أظهرهما أنه لا يباح، ولهذا قالت: ولم ~~أسمعه يرخص فيما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث. # ومن الحرب المباحة دفع المظالم عن النفوس والأموال والابضاع المعصومة ... PageV08P068 # وإنما جاءت الرخصة في السلم والحرب خاصة؛ لأن هذين الموطنين مبناهما على ~~تأليف القلوب وتنفيرها، فإذا تألفت فهي المسالمة، وإذا تنفرت فهي المحاربة، ~~والتأليف والتنفير يحصل بالتوهمات كما يحصل بالحقائق، ولهذ يؤثر قول الشعر ~~في التأليف والتنفير، بحيث يحرك النفوس شهوة ونفرة تحريكا عظيما وإن لم يكن ~~الكلام منطبقا على الحق، لكن لأجل تخييل أو تمثيل. فلما كانت المسالمة ~~والمحاربة الشرعية يقوم فيها التوهم لما لا حقيقة له، والباطن لم يعن إلا ~~الحق= صار ذلك صفاء وصدقا عند المتكلم، وموهما للمستمع توهما يؤلفه تأليفا ~~يحبه الله ورسوله، أو ينفره تنفيرا يحبه الله ورسوله، بمنزلة تأليفه ~~وتنفيره بالأشعار التي فيها تخييل وتمثيل، وبمنزلة الحكايات التي فيها ~~أمثال مضروبة، فإن الأمثال المنظومة والمنثورة إذا ms1453 كانت حقا مطابقا فهي من ~~الشعر الذي هو حكمة، وإن كان فيها تشبيهات شديدة وتخيلات عظيمة أفادت ~~تأليفا وتنفيرا. PageV08P069 ### || CHECK 16 - فصل أثبت أئمة من أهل السنة ((الحد)) # فصل # أثبت أئمة من أهل السنة «الحد»، كما قيل لعبد الله بن المبارك: بماذا ~~نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، قيل له: بحد؟ ~~قال: بحد. # وكذلك أحمد في أشهر الروايتين عنه، وكثير من أصحابه كالقاضي وابن ~~الزاغوني وغيرهما، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن سعيد الدارمي في رده على ~~المريسي وحكاه عن أهل السنة، وشيخ الإسلام الهروي، وخلق كثيرين. # وأنكر ذلك آخرون من المتكلمين، كأبي المعالي الجويني وطوائف من المعتزلة ~~والأشعرية، وبعض الحنبلية. # وفصل الخطاب: أن «الحد» له عدة معان ترجع إلى أصلين: PageV08P070 # منها ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنها ما هو متفق عليه بين أهل ~~السنة، ومنها ما هو متنازع فيه؛ فإن «الحد» يكون لحقيقة الشيء النوعية، وهو ~~حد الماهية. ويكون لعينه الذاتية، وهو حد لوجوده. # فالأول هو الحد الذي يتكلم فيه المتكلمون من المنطقيين وغيرهم. # والثاني كالحد الذي ينعته الشروطيون في حدود العقار وفي حلى الأشخاص. # فإذا انحصر نوعه في شخصه كالشمس مثلا كان له حد بالاعتبارين، وهو ~~بالاعتبار الأول كلي، لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه. وهو ~~بالاعتبار الثاني عيني، يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. # وإن قيل: إن وجود كل شيء عين ماهيته، أو قيل بذلك في حق الله تعالى فقط، ~~كان الحد الذي هو حقيقته العينية الوجودية هو الحد الذي هو الماهية النوعية ~~إذا عني به حقيقة المحدود. وإن عني بالحد القول الدال على ماهية الشيء لم ~~يكن لذلك وجود إلا في الذهن لا في الخارج. والله أعلم. # فأما الأول فقد يعنى بالحد حقيقة الشيء، وقد يعنى به القول الدال على ~~ماهيته. PageV08P071 # فأما الحد بمعنى حقيقة الشيء التي هو بها يتميز عن غيره، فلا ريب بين ~~المسلمين أن الله له حقيقة وذات؛ فذلك حده الذي لا يعلمه غيره، كما ms1454 جاء في ~~الأثر: «يا من لا يعلم ما هو إلا [هو]، ولا يبلغ قدرته غيره». # وهل يقال: له ماهية لا يعلمها غيره، ولا تجري ماهيته في مقال؟ أو يقال: ~~لا ماهية له؟ على قولين لأصحابنا وغيرهم. والأول قول أكثرهم. # وأما الحد بمعنى القول، فله أسماء تميزه عن غيره، وله حدود بخواصه التي ~~تميزه عن [غيره]، كقولنا: رب العالمين، وخالق السماوات والأرض، والأول ~~الآخر، والظاهر الباطن. # وأما الحد المركب من الجنس والفصل فلا يجوز في حق الله تعالى. # فأما حد عينه الذاتية فيراد به: حد بذاته، وحد بصفاته، وحد بمقداره. # فأما الأول فهو بمعنى انفصاله عن غيره وتميزه عنه، بحيث لا يختلط به. ~~وهذا داخل فيما قصده ابن المبارك وغيره، خلافا للجهمية الذين يجعلونه ~~مختلطا بالمخلوقات. ولهذا قال: بائن من خلقه بحد؛ فإن الحد هو الفصل ~~والتمييز بينه وبين غيره. والحد بهذا المعنى متفق PageV08P072 # عليه بين أهل السنة القائلين بأن الله فوق العرش، بل وعند الذين يقولون: ~~لا داخل العالم ولا خارجه أيضا؛ فإن الأعراض المختلفة كالطعم واللون والريح ~~إذا قامت بجسم واحد كانت متميزة بخصائصها وحدودها، وليست متميزة بأعيانها ~~وذواتها. # وأما الثاني فهو بمعنى صفاته القائمة به المميزة له عن غيره، كما يقال في ~~حلية الموصوف ونعوته، فله حد بهذا الاعتبار. # وأما الحد بمعنى المقدار والنهاية فهذا مورد النزاع، فقيل: لا حد له ولا ~~غاية ولا مقدار. وقيل: له حد من جانب العرش فقط. وقيل: له حد ونهاية لا ~~يعلمها غيره؛ إذ لا يعقل موجود بدون ذلك. وقد يقال: إن ابن المبارك وغيره ~~قصدوه؛ إذ لو لم يريدوا ذلك لم يكن حاجة إلى قولهم: على عرشه، بل يكفي أن ~~يقال: هو منفصل عن خلقه متميز عنهم. PageV08P073 ### || CHECK 17 - فصل الهجرة المشروعة # فصل # الهجرة المشروعة كقوله تعالى: {والرجز فاهجر} [المدثر:5]، وقوله: {وإذا ~~رأيت الذين يخوضون} [الأنعام:68]، وقوله: {وتول عنهم} [الصافات:178]، ~~وقوله: {واهجرهم هجرا جميلا} [المزمل:10]، وهجرة الصحابة إلى الحبشة ثم إلى ~~المدينة، وهجرة المسلم من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهجرة ms1455 الناس من دار ~~الفجور والبدعة إلى دار البر والسنة، وهجران المعلنين بالمعاصي والمظهرين ~~للبدع، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرة الثلاثة الذين خلفوا، وأمر ~~عمر بهجر صبيغ بن عسل، وأمر الأئمة بهجران الدعاة إلى البدع بحيث لا يتخذون ~~حكاما ولا شهودا ولا أئمة ولا مفتين ولا محدثين، ولا يجالسون ولا يخاطبون ~~ونحو ذلك. كل هذا له مقصودان: # أحدهما: اشتمال ذلك على أداء الواجبات وترك المحرمات، فإن هجران الذنوب ~~تركها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه». ~~والهجرة من دار الحرب ليتمكن المسلم من إقامة دينه ولوئه الجهاد. ولئلا يقع ~~فيما هم فيه. وكذلك هجران قرناء السوء، لئلا يرى القبيح ويسمعه فيكون شريكا ~~لهم، كما قال تعالى: {إنكم إذا مثلهم} PageV08P074 # [النساء:140]، ولئلا يوقعوه في بعض ذنوبهم، فإن «المرء على دين خليله ~~فلينظر أحدكم من يخالل». فالأول يكون بترك مخالطتهم وقت الذنوب، وإن خولطوا ~~في غيرها للضرورة. والثاني يكون بترك عشرتهم مطلقا، فإن المعاشرة قد تجر ~~إلى القبيح، فمن كان مضطرا إلى معاشرتهم أو كان هو الحاكم عليهم دينا ودنيا ~~فهذا لا ينهى عن المعاشرة، بخلاف ........ الذين قد يفسدون عقله أو دينه أو ~~نحو ذلك. # المقصود الثاني: تضمنها نهي المهجور وتعزيره وعقوبته فيكون جزاء له ~~....... له ولغيره من ضربائه، كسائر أنواع التعزير والعقوبات المشروعة. ~~فهذه الهجرة من جنس العقوبات والتعزيرات لتنكيل المهجور وغيره على ذلك ~~الذنب، وتلك الهجرة من جنس التقوى والاحتراز عن مواقعة المحظور [ات] ~~البدعية والفجورية، فالأولى تحقيق التقوى، والثانية تحقيق الجهاد، فالأولى ~~من فعل الذين هاجروا، والثانية من فعل الذين جاهدوا. {إن الذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك ~~بعضهم أولياء بعض} [الأنفال:72]. PageV08P075 # ولهذا لا يصلح ...... إلا مع المكنة والقدرة، كما لا تصلح المعاقبة إلا ~~للقادر المتمكن، بخلاف الأولى. ولهذا كانت الأولى مشروعة بمكة، والثانية ~~إنما شرعت بالمدينة بعد تبوك لما كان الإسلام في غاية القوة، فإن الثانية ~~تتضمن ترك السلام عليه وترك عيادته وتقديمه ms1456 في شيء من المراتب الدينية، ~~كالإمامة والحكم والشهادة والحديث والفتوى. # وهذا إذا كان ممن يؤثر في المهجور حصول المنفعة، وربما كان فيه منفعة ~~ومضرة فيراعى ما غلب منهما، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأوقات، ~~وتختلف فيه الاجتهادات، وقد يستغنى عن الهجرة بالتأليف. فالغرض النهي عن ~~المنكر بأقرب الطرق، وتحصيل المعروف على أكمل الوجه. والله أعلم. # وأهل السنة والحديث يهجرون الداعية إلى البدع من الكلام أو الرأي أو ~~العيادة، ولهذا كان أهل السنة قد تجنبوا فيها الرواية عن الدعاة إلى البدع ~~عندهم من أهل الكلام كعمرو بن عبيد وغيره، ومن أهل الرأي كأهل الرأي من أهل ~~الكوفة، وهو فعل أحمد بن حنبل معهم، وهذا تفصيله مذكور في غير هذا الموضع. PageV08P076 ### || CHECK 18 - قاعدة في جماع الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده لا شريك له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # قاعدة في جماع الدين # قال الله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} [الحديد:25]، أخبر سبحانه أنه أنزل ~~معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزل الحديد فيه بأس شديد ~~ومنافع للناس، فالكتاب يهدي والحديد ينصر، وكفى بربك هاديا ونصيرا. # فأول ما أنزل على الرسول الأمر بقراءة الكتاب بقوله: {اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق} [العلق:1]، فلما هاجر إلى دار النصر أذن له أن يقاتل بالحديد، فالكتاب ~~هو العلم، والحديد هو القدرة، وكلاهما سلطان، والكتاب قيام الصلاة، والحديد ~~قيام الجهاد، ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصلاة والجهاد، وكان الأمير يتولاهما جميعا، أمير الحرب هو إمام الصلاة، ~~وكلاهما فيه الصف الذي يحبه الله، وكلاهما فيه الطاعة والجماعة. ولهذا كان ~~أول ما نزل من القرآن: {اقرأ باسم ربك PageV08P077 # الذي خلق}، فأول هذه السورة الأمر بالقراءة، وآخرها الأمر بالسجود {واسجد ~~واقترب} [العلق:19]. # والصلاة أقوال وأعمال، فأفضل أقوالها القراءة، ms1457 وهو أوكد أركانها القولية، ~~وأفضل أعمالها السجود، وهو أوكد أركانها الفعلية. وقد اختلف العلماء أيهما ~~أفضل؟ كثرة الركوع والسجود أو طول القيام؟ على ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات ~~عن أحمد، أصحها أنهما سواء، فإن فضل الركوع والسجود يعادله فضل القراءة. ~~ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسوي بينهما، فإذا أطال أحدهما أطال ~~الآخر، كما في قيام الليل وصلاة الكسوف، وبالعكس. # وهذان الركنان مشروعان على سبيل الاستقلال، فإن القرآن يقرأ خارج الصلاة، ~~والسجود يفعل مفردا في سجود التلاوة والشكر والسهو، وآخر السور {إذا جاء ~~نصر الله والفتح} [النصر:1]، وهو تمام مقصود الجهاد. # ولهذا كان خواص الأمة صنفين: العلماء أهل القرآن، والأمراء أهل السيف، ~~وهم أولو الأمر الذين قال الله فيهم: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم} [النساء:59]، فهؤلاء أولو الأمر. # وأما أقسام الأمة فقد ذكرهم في سورة المزمل لما نسخ ما كان افترضه من ~~قيام الليل، فقال: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه PageV08P078 # وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه ~~فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} ~~[المزمل:20]، فأمرهم بقراءة ما تيسر من القرآن، فإن من المسلمين المعذور ~~بالمرض، ومنهم التاجر الضارب في الأرض يطلب فضل الله، ومنهم المقاتل في ~~سبيل الله. # ولهذا كانت أصناف الأمة ثلاثة: أهل القرآن، وأهل المال، وأهل السيف، ~~وكانوا يسمون أهل القرآن «القراء»، وهم اسم يجمع عندهم لأهل العلم والدين، ~~فإن العلماء إنما كانوا يتفقهون في القرآن، والعباد إنما كانوا يتعبدون ~~بالقرآن، فأهل العلم والكلام لهم ما أنزله الله من العلم والكلام، وأهل ~~السماع والوجد لهم سماع القرآن والوجد به، وكان هذا الصنف في السلف شيئا ~~واحدا قبل تفرق الأمة. # ويؤخذ من الآية أن المريض والمسافر والمجاهد يكتب له مثل ما كان يعمل، ~~كما ثبت في الصحيح عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ms1458 أنه قال: «إذا ~~مرض العبد أو سافر كتب له من العمل مثل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم». فهذا ~~نص في المسافر والمريض، وأما المجاهد فأمره أبلغ من هذا، فإن في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل المجاهد PageV08P079 # في سبيل الله مثل الصائم القائم القانت الذي لا يفتر في صلاة ولا صيام». ~~وقال له رجل: أخبرني بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله، قال: «لا تستطيع»، ~~قال: أخبرني به، قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر وتقوم لا ~~تفتر؟» قال: لا، قال: «فذلك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله». إلى أمثال هذه ~~النصوص. # ولما تفرقت الأمة صار من جنس أهل القرآن سائر أنواع أهل العلم والدين، ~~حتى إنه لما انتشر الأمر صار من جنسهم أهل التكلم في العلم والتعبد من أهل ~~البدع وغيرهم. ولما ظهرت الدولة الجاهلية دولة المغل جعلوا العالم كذلك ~~ثلاثة أقسام: أهل السيف وهم المقاتلة، وأهل المال والصناعات، ويسمونهم ~~«الصاط»، وأهل العلم والدين، ويسمونهم «دانشمند»، ويدخل في هذا عندهم ~~الفقيه والزاهد، والقسيس والراهب وعلماء اليهود، والأطباء والحساب، وعلماء ~~الصابئة والمشركين من المنجمين والنجسية وغير ذلك. # وكذلك صار من جنس أهل الجهاد كل حامل سلاح وأعوانهم، سواء كانوا يقاتلون ~~في سبيل الله أو في سبيل الملوك أو القبائل أو غير ذلك. وكذلك صار من جنس ~~التجار ولاة الأموال الخاصة والمشتركة من الكتاب والوزراء. PageV08P080 ### || CHECK 20 - فصل: قال الله تعالى فيما ذكره من موعظة لقمان لابنه: {واقصد في مشيك واغضض من صوتك} # فصل # قد ذكرت في غير هذا الموضع أن الناس اختلفوا في مسمى الإنسان: هل هو ~~الجسد وهو الجملة المشاهدة، كما يقوله أكثر أهل الكلام من أصحابنا وغيرهم، ~~أو هو اسم لمعنى وراء هذه الجملة وهو الروح، كما يقوله كثير من أهل الفلسفة ~~وطائفة من أهل الكلام، أو هو اسم للمجموع؟ على ثلاثة أقوال. # والثالث هو الصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة، وعليه عامة أهل السنة ~~وجمهور الناس، وإن كان الاسم عند ms1459 التقييد يتناول الجسد فقط، أو الروح فقط، ~~أو أحدهما بشرط الآخر، فيكون الآخر شرطا تارة، كما كان شطرا في الأصل. # وكذلك اختلفوا في وصفه الظاهر، وهو النطق المذكور في قوله: {فورب السماء ~~والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} [الذاريات:23]، هل هو اسم للحروف ~~والأصوات فقط؟ كما هو قول المعتزلة وطائفة من أهل السنة من أصحابنا وغيرهم، ~~أو هو اسم لمعنى قائم بالنفس وراء الحروف والأصوات؟ كما هو قول الكلابية ~~والأشعرية وبعض أهل الحديث والسنة، أو هو اسم لمجموع اللفظ والمعنى؟ على ~~ثلاثة أقوال. # والثالث هو الصواب الذي عليه الأئمة، وهو منصوص أحمد PageV08P081 # وغيره، حيث قد نص على أن كل واحد من المعاني والحروف داخلة في مسمى ~~الكلام، وهو قول جمهور الخلق، وهو مدلول الكتاب والسنة، وإن كان الكلام يقع ~~[على اللفظ] تارة وعلى المعنى تارة، إما مجردا وإما بشرط الآخر، وهذا في ~~الحروف كثير، فإن إضافة الكلام والمنطق والقول إلى اللسان ووضع ذلك على ~~الحروف والأصوات كثير. # وأما إضافة ذلك إلى النفس والقلب ووضع ذلك على المعاني فمثل قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم ~~به أو تعمل به»، ومثل قول أبي الدرداء: ليحذر أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين ~~وهو لا يشعر، وقول: إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم. فأضاف ~~اللعنة إلى القلوب، واللعنة من الدعاء الذي هو أحد نوعي الكلام. ومثل قول ~~الحسن البصري: ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على ~~التذكر، ويناطقون القلوب حتى نطقت، فإذا لها أسماع وأبصار، فأورثت العلم ~~ونطقت بالحكمة. ومثل قول الجنيد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب. PageV08P082 # فصل # قال الله تعالى فيما ذكره من موعظة لقمان لابنه: {واقصد في مشيك واغضض من ~~صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} [لقمان:19]، ويشبهها قوله: {وعباد ~~الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} ~~[الفرقان:63]. # وذلك أن فعل الإنسان وسائر الحيوان إما حركة وإما صوت، وإن كان يدخل ms1460 في ~~مسمى الحركات والأصوات أمور كثيرة، فأمر لقمان بالقصد في المشي الذي هو ~~الحركة والعمل، وبأن يغض من الصوت، فكان في هذا دلالة على كراهة ما خرج عن ~~القصد والغض، مثل الصوتين الأحمقين الفاجرين عند النعمة: صوت الفرح بالغناء ~~والزمر، وعند المصيبة بالندب والنوح. وقال للشيطان: {واستفزز من استطعت ~~منهم بصوتك} [الإسراء:64]، وصوت الشيطان ما يحبه ويأمر به وإن كان قائما ~~بإنسان أو جماد كأصوات الملاهي وغيرها، فصوت الشيطان يستفز الناس أي يحركهم ~~ويزعجهم ويثيرهم. وهذا أثر الصوت وهو التحريك كما أنه صادر عن الحركة، ~~فسببه الحركة وغايته الحركة. # والأصوات تؤثر في الحيوان بحسبها، فإذا كان الحيوان له قوتان: قوة الشهوة ~~والجذب، وقوة الغضب والدفع، كان الصوت منقسما إلى هذين القسمين: صوت ~~للمحبوب وصوت للمكروه. كما أن الحركة PageV08P083 # تنقسم إلى هذين القسمين. ثم إما أن يكون الصوت والحركة لطلب المحبوب أو ~~دفع المكروه أو لحصول المحبوب أو لحصول المكروه، فصارت الأصوات أربعة: صوت ~~شوق، وصوت غضب، وصوت فرح، وصوت حزن. فالشوق والفرح من باب، والغضب والحزن ~~من باب. # ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصوتين الأحمقين الفاجرين: صوت ~~الحزن وصوت الفرح، ولهذا استحب خفض الصوت في المواطن الثلاث: موطن الغضب ~~والحزن وموطن الذكر، قال قيس بن عباد: كانوا يستحبون خفض الصوت عند الذكر ~~وعند الجنائز وعند التحام الحرب. # وقد ابتدع الناس عند الذكر رفع أصوات وعند الجنائز أيضا، وعند الحرب ~~بوقات ودبادب، وابتدعوا المكاء والتصدية المضارع للذكر، وحصل عنده أصوات ~~وحركات. ورخص في الصوت عند الفرح الشرعي، واستحب عند النكاح لإعلانه. # فالذي يحصل من الرقص والحركات هو خلاف القصد في المشي، والذي يحصل من ~~الغناء والمزامير خلاف غض الصوت ولهذا PageV08P084 # يحصل بهذا خلاف ما ذكر الله في قوله: {وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) ~~والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} [الفرقان:72 - ~~73]، فإنهم يصغون إلى اللغو ويخرون عند آيات الله صما وعميانا، والصوت ~~المطلق أو المتضمن لنوع تشويق أو تحزين أو تفريح أو تغضيب يوجب حركة ms1461 مطلقة، ~~لا إلى معبود معين ولا لعبادة معينة، فلذا تجد غالب المتنغمين للصوت المطلق ~~أرباب حركة مطلقة ضالين، لا يعرفون من يعبدون ولا بماذا يعبدون. لكن قد ~~يحصل لهم تأثيرات شيطانية لاستفزاز الشيطان. فظهر بالانحراف اليهودي صوت ~~الغضب بالحاجات العلمية، وبالانحراف النصاري صوت بالمطربات الجالبة الخطأ ~~لمعترض. # وأما سببه فقد يكون حركة حيوان، وقد يكون حركة غير حيوان، إما طبعية وإما ~~قسرية، ولكن القسرية الطبعية فرع الاختيارية، فإن الحيوان ....... إلا عن حيوان. # يبين ذلك أنه لما حصل في المنحرفين إلى شبه من النصرانية التحرك عن الصوت ~~المطلق، سواء كان بالآيات أو بأبيات، بل منهم من يرجح السماع لصوت الأبيات، ~~لما تتضمنه من مطلق وصف الشوق والوصل والهجر وأحوال الحب المطلق أو الحزن ~~المطلق، بل قد PageV08P085 # يرجح سماع الصوت المحض الذي لا حروف معه، سواء كان صوت إنسان بمجرده أو ~~مقترنا بالأبواق والصفارات والدفوف المصلصلة والأوتار وغير ذلك، لما في ~~الصوت من تحريكه وتهييجه والتذاذه به بحسب حاله، كما يصيب المتحرك عن ~~الشراب والطعام الجسماني من الخمر والحشيشة، أو عن العيان النفساني في ~~الشاهد ونحوه. # وهذا الإنحراف إنما وقع في النصارى من الصابئة الفلاسفة الذين هم أئمة ~~صناعة الصوت التي يسمونها الموسيقى، دخل بسبب هذا القدر المشترك بينهم وبين ~~الصائبة قوم من الصابئة في اسم التصوف ونحوه، وقرروا الانحرافات الصابئية. ~~قال الشافعي رضي الله عنه: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه ~~التغبير، يصدون به الناس عن القرآن. فإن إحداث التغبير إنما هو من ~~المتفلسفة الزنادقة، ولهذا قال أبو عبد الرحمن السلمي في «مسألة السماع» عن ~~ابن الراوندي أنه قال: اختلف الفقهاء في السماع هل هو حلال أو حرام؟ وأنا ~~أقول: هو واجب. وهذا قول الزنادقة كما ذكره الشافعي. # ولهذا قرر ابن سينا في الإشارات وغيره من المتفلسفة أمر سماع الألحان ~~وعشق الصور، وجعلوه من جملة الطريق التي توصل إلى الله PageV08P086 # وتزكي النفوس، وهاتان الآفتان هي التي دخل بها الشيطان في المتصوفة، كما ~~قال: رأيت إبليس فقلت: يا عدو الله، نجونا منك، ms1462 فإنا تركنا الدنيا التي ~~تصطاد بها الناس، أو كلاما هذا معناه. فقال: ولكن بقي لي فيكم لطيفة السماع ~~وصحبة الأحداث. # لكن العقلاء إذا وقعوا في ذلك علموا أنه من هوى النفوس، وأنه من الذنوب ~~التي يجب على صاحبها التوبة والاستغفار. وأما الضالون فاتخذوه دينا، كما ~~قال تعالى: {اتخذوا دينهم لهوا ولعبا} [الأعراف:51]، فلهوا عن الحق ولعبوا ~~بالباطل. وهذا شأن هذه السيئات المنهي عنها من الأغاني ونحوه كالخمر، فإنها ~~تصد عن الحسنات المأمور بها من الذكر والصلاة والعلم النافع والعمل الصالح، ~~وتوقع في مفاسد بحسبها، كما توقع الخمر في العداوة والبغضاء، إما في زنا ~~وإما في نفاق، كما قال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت ~~الماء البقل. # فخمر الجسم هي الشراب وتسكر صاحبها، وخمر النفس هي الصور والعشق، وهي ~~تسكر صاحبها، وخمر الأرواح الصوت المطرب PageV08P087 # وسماعه، وهو يسكر صاحبه. ولهذا قد يحصل لأهله مع الأحوال من العداوة ~~والبغضاء والعربدة، من جنس ما يحصل للشرب المجتمعين على الحميا. # وكما دخلت الصابئة بسبب انحراف بعض أصحابنا الصوفية إلى القدر المشترك في ~~الصوت والصور، دخلوا أيضا في الشرك من تعظيم القبور وغير ذلك، كما فعله ابن ~~سينا وابن الخطيب وقاضي حماة ابن واصل وغيرهم في تقرير الاستغاثة بالموتى، ~~بناء على أن الروح المفارقة تعضد الأرواح المستغيثة بها، وهذا مبدأ الشرك ~~وعبادة الأوثان، وتعدت العامة ذلك إلى رسم عبادة الأصنام والأوثان، كما فعل ~~ابن الخطيب في كتاب الطلاسم والسحر، وقصدوا أصل الشرك الذي بعث الله الرسل ~~بتحريمه وجعله أصل الشرك، وغيروا بذلك ملة التوحيد التي هي أصل الدين، كما ~~فعله قدماء المتفلسفة الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. # ومن أسباب ذلك الخروج عن الشريعة الخاصة التي بعث الله بها محمدا صلى ~~الله عليه وسلم إلى القدر المشترك الذي فيه مشابهة الصابئين أو النصارى أو ~~اليهود، وهو القياس الفاسد المشابه لقياس الذين قالوا: إنما البيع مثل ~~الربا، فيريدون أن يجعلوا السماع جنسا واحدا، والتأله جنسا واحدا، ولا ~~يميزون بين مشروعه ms1463 ومبتدعه، ولا بين المأمور به والمنهي عنه. PageV08P088 # فالسماع الشرعي الديني سماع كتاب الله وتزيين الصوت به وتحبيره، كما قال ~~صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم»، وقال أبو موسى: لو علمت أنك ~~تسمع لحبرته لك تحبيرا. # والصور: الأزواج والسراري التي أباحها الله تعالى، والعبادة: عبادة الله ~~وحده لا شريك له {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال (36) رجال} [النور:36 - 37]. # وهذا المعنى يقرر قاعدة اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، ~~وينهى أن يشبه الأمر الديني الشرعي بالطبعي البدعي لما بينهما من القدر ~~المشترك، بل يعلم أن القدر المشترك كالصوت الحسن ليس هو لوحده مشروعا، حتى ~~ينضم إليه القدر المميز كحروف القرآن، فيصير المجموع من المشترك والمميز هو ~~اللين النافع. PageV08P089 ### || CHECK 21 - قاعدة: أن النفس بل وكل حي له قوتان: قوة الحب وقوة البغض # فصل # قاعدة: قد عرف أن النفس بل وكل حي له قوتان: قوة الحب وقوة البغض، وهاتان ~~القوتان جنسان عاليان تحتهما أنواع، ولهما توابع تختلف أسماؤها وأحكامها، ~~مثل الشهوة والغضب اللذين للحيوان مطلقا، ومثل الطمع والرجاء والرغبة ~~التابع للحب، والخوف والفرق والرهبة التابع للبغض، فإن الحي لا يرغب ويرجو ~~إلا ما يحبه ويشتهيه، ولا يخاف ولا يرهب إلا ما يبغضه وينفر عنه. # قال الله تعالى: {ويرجون رحمته ويخافون عذابه} [الإسراء:57]، وقال: ~~{تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} [السجدة:16]، وقال: ~~{ويدعوننا رغبا ورهبا} [الأنبياء:90] # وكل وعد ووعيد في القرآن فهو ترغيب وترهيب وتخويف وترجية، فإن النعيم ~~محبوب للحي، والعذاب مكروه له. والرجاء والخوف يتعلق بالمحبوب والمكروه قبل ~~وقوعه، وكل منهما مركب من قوة علمية وهو تجويز الوقوع، وعملية وهو الحب ~~والبغض. # ومن ذلك اللذة والفرح والسرور والنعيم، فإنه متعلق بحصول المحبوب واندفاع ~~المكروه، والألم والغم والحزن والعذاب فإنه متعلق PageV08P090 # بحصول المكروه واندفاع المحبوب. فالحب والشهوة كالسبب الفاعل في ~~المطلوبات، والفرح واللذة كالعلة الغائية. # ومن ذلك أن الإرادة والرحمة والصلاة على الشيء من جنس المحبة، والكراهة ~~والغضب واللعنة من جنس البغض. وكذلك ms1464 الحسد -الذي هو كراهة النعمة وتمني ~~زوالها- من جنس البغض، يخالف الغبطة التي قد تسمى حسدا، وهي محبة لمثل نعمة ~~الغير، فإنها من جنس المحبة، ولهذا حرم الأول دون الثاني، وشرع الثاني في ~~العلم والمال المنفقين في سبيل الله. # ومن ذلك أن المغفرة ودفع المكروه والرحمة فعل لمحبوب، ومن ذلك أن المولاة ~~والمصادقة والمؤانسة والمعاشرة ونحو ذلك هي من توابع المحبة، والمعاداة ~~والمجانبة والمواحشة والمهاجرة هي من توابع البغض. ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان»؛ لأن ~~هاتين القوتين في القلب الذي هو يملك الحسد والعطاء والمنع في المال، فإذا ~~كان جميع الأفعال في النفس والمال لله صار العبد كله لله، وذلك هو كمال ~~الإيمان. # واعلم أن المقصود بالقصد الأول هو فعل المحبوب، وهو عبادة PageV08P091 # الله وحده لا شريك له، فإن الجن والإنس خلقوا لذلك، لكن لا يتم ذلك إلا ~~بدفع المكروه، والأول قوة الرزق والثاني قوة النصر، ولا غنى لأحدهما عن ~~الآخر، فإن اندفاع المكروه بدون حصول المحبوب عدم، إذ لا محبوب ولا مكروه، ~~وحصول المحبوب والمكروه وجود فاسد، إذ قد حصلا معا، وهما متقابلان في ~~الترجيح، فربما تختار بعض النفوس هذا وتختار بعضها هذا، وهذا عند التكافؤ. # وأما المكروه اليسير مع المحبوب الكثير فيترجح فيه الوجود، كما أن ~~المكروه الكثير مع المحبوب اليسير يترجح فيه العدم. لكن لما كان المقتضي ~~لكل واحد من المحبوب والمكروه الذي هو الخير والشر موجودا، وبتقدير وجودهما ~~يحصل الضر كالرزق مع الخوف، صار يعظم في الشرع والطبع دفع المكروه، أما في ~~الشرع فبالتقوى، فإن اسمها في الكتاب والسنة والإجماع عظيم، والعاقبة ~~لأهلها والثواب لهم. وأما في الطبع فتعظيم النفوس لمن نصرهم بدفع الضرر ~~عنهم من عدو أو غيره، فإن أهل الرزق معظمون لأهل النصر أكثر من تعظيم أهل ~~النصر لأهل الرزق. وذلك -والله أعلم- لأن النصر بلا رزق ينفع، فإن الأسباب ~~الجالبة للرزق موجودة تعمل عملها، وأما الرزق بلا نصر فلا ينفع، فإن ~~الأسباب ms1465 الناصرة تابعة. # وفي هذا نظر، فقد يقال: هما متقابلان، فإن أهل النصر يحبون أهل PageV08P092 # الرزق أكثر مما يحب أهل الرزق لأهل النصر، فإن الرزق محبوب والنصر معظم. # وقد يقال: بل النصر أعظم كما تقدم، فإن اندفاع المكروه محبوب أيضا، وهو ~~لا يحصل إلا بقوة الدفع التي هي أقوى من قوة الجذب، فاختص الناصر بالتعظيم ~~لدفعه المعارض، وأما الرازق فلا معارض له، بل له موافق، فالناصر محبوب معظم. # وقد يقابل هذا بأن يقال: وثواب المحبوب مكروه أيضا، والمحبوب لا يحصل إلا ~~بقوة الجذب، ولا يسلم أن قوة الدفع أقوى، بل قد يكون الجذب أقوى، بل الجذب ~~في الأصل أقوى؛ لأنه المقصود بالقصد الأول، والدفع خادم تابع له. وكما أن ~~الدافع دفع المعارض فالجاذب حصل المقتضي، وترجيح المانع على المقتضي غير ~~حق، بل المقتضي أقوى بالقول المطلق، فإنه لا بد منه في الوجود. وأما المانع ~~فإنما يحتاج إليه عند ثبوت المعارض، وقد لا يكون معارض. فالمقتضي والمحبة ~~هو الأصل والعمدة في الحق الموجود والحق المقصود، وأما المانع والبغضة فهو ~~الفرع والتابع. # ولهذا كتب الله في الكتاب الموضوع عنده فوق العرش: «إن رحمتي تغلب غضبي». ~~ولهذا كان الخير في أسماء الله وصفاته، وأما الشر ففي الأفعال كقوله: {نبئ ~~عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) وأن PageV08P093 # عذابي هو العذاب الأليم} [الحجر:49 - 50]، وقوله: {اعلموا أن الله شديد ~~العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة:98]. # يبقى أن يقال: فلم عظمت التقوى؟ # فيقال: لأنها هي تحفظ الفطرة وتمنع فسادها، واحتاج العبد إلى رعايتها، ~~لأن المحبة الفطرية لا تحتاج إلى تحريك. ولهذا كان أعظم ما دعت إليه الرسل ~~الإخلاص والنهي عن الإشراك، لأن الإقرار الفطري حاصل، لوجود مقتضيه، وإنما ~~يحتاج إلى إخلاصه ودفع الشرك عنه. ولهذا كانت حاجة الناس إلى السياسة ~~الدافعة لظلم بعضهم عن بعض، والجالبة لمنفعة بعضهم بعضا، كما أوجب الله ~~الزكاة النافعة وحرم الربا الضار. # وأصل الدين هو عبادة الله، الذي أصله الحب والإنابة والإعراض عما سواه، ~~وهو الفطرة التي فطر عليها الناس، وهذه المحبة التي هي ms1466 أصل الدين انحرف ~~فيها فريق من منحرفة الموسوية من الفقهاء والمتكلمين، حتى أنكروها وزعموا ~~أن محبة الله ليست إلا إرادة عبادته. ثم كثير منهم تاركون للعمل بما أمروا ~~به، فيأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهذا فاش فيهم، وهو عدم المحبة ~~والعمل. وفريق من منحرفة العيسوية من الصوفية والمتعبدين، حتى خلطوها بمحبة ~~ما يكرهه، وأنكروا البغض والكراهية، فلم ينكروا شيئا ولم يكرهوه، أو قصروا ~~في الكراهة والإنكار، وأدخلو فيها الصور والأصوات ومحبة الأنداد. PageV08P094 # ولهذا كان لغواة الأولين وصف الغضب واللعنة الناشئ عن البغض، لأن فيهم ~~البغض دون الحب، وكان لضلال الآخرين وصف الضلال والغلو، لأن فيهم محبة لغير ~~معبود صحيح، ففيهم طلب وإرادة ومحبة، لكن لا إلى مطلوب صحيح ولا مراد صحيح ~~ولا محبوب صحيح، بل قد خلطوا وغلوا وأشركوا، ففيهم محبة الحق والباطل، وهو ~~وجود المحبوب والمكروه، كما في الآخرين بغض الحق والباطل، وهو دفع المحبوب ~~والمكروه. # والله سبحانه يهدينا صراطه المستقيم، فنحمد من هؤلاء محبة الحق والاعتراف ~~به، ومن هؤلاء بغض الباطل وإنكاره. PageV08P095 ### || CHECK 22 - فصل: باعتبار القوى الثلاث انقسمت الأمم (العرب والروم والفرس) # فصل* # وباعتبار القوى الثلاث انقسمت الأمم التي هي أفضل الجنس الإنساني، وهم ~~العرب والروم والفرس، فإن هذه الأمم هي التي ظهرت فيها الفضائل الإنسانية، ~~وهم سكان وسط الأرض طولا وعرضا، فأما من سواهم كالسودان والترك ونحوهم فتبع. # فغلب على العرب القوة العقلية النطقية، واشتق اسمها من وصفها، فقيل لهم ~~«عرب» من الإعراب، وهو البيان والإظهار، وذلك خاصة القوة المنطقية. # وغلب على الروم القوة الشهوية من الطعام والنكاح ونحوهما، واشتق اسمها من ~~ذلك، فقيل لهم «الروم»، فإنه يقال: رمت هذا أرومه، إذا طلبته واشتهيته. # وغلب على الفرس القوة الغضبية من الدفع والمنع والاستعلاء والرئاسة، ~~واشتق اسمها من ذلك فقيل «فرس»، كما يقال: فرسه يفرسه إذا قهره وغلبه. # ولهذا توجد هذه الصفات الثلاثة غالبة على الأمم الثلاث حاضرتها وباديتها، ~~ولهذا كانت العرب أفضل الأمم، ويليها الفرس؛ لأن القوة الدفعية أرفع، ~~ويليها الروم. PageV08P096 # فصل # وباعتبار هذه القوى كانت ms1467 الفضائل ثلاثا: # فضيلة العقل والعلم والإيمان التي هي كمال القوة المنطقية. # وفضيلة الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية، وكمال الشجاعة هو الحلم كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي ~~يملك نفسه عند الغضب». والحلم والكرم ملزوزان في قرن، كما أن كمال القوة ~~الشهوية العفة. فإذا كان الكريم عفيفا والشجاع حليما اعتدل الأمر. # وفضيلة السخاء والجود التي هي كمال القوة الطلبية الحبية، فإن السخاء ~~يصدر عن اللين والسهولة ورطوبة الخلق، كما تصدر الشجاعة عن القوة والصعوبة ~~ويبس الخلق. # فالقوة الغضبية هي قوة النصر، والقوة الشهوية هي قوة الرزق، وهما ~~المذكوران في قوله: {أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} [قريش:4]. والرزق والنصر ~~مفسران في الكتاب والسنة وكلام الناس كثيرا. # وأما الفضيلة الرابعة التي يقال لها العدالة فهي صفة منتظمة للثلاث، وهو ~~الاعتدال فيها. وهذه الثلاث الأخيرات هي الأخلاق PageV08P097 # العملية، كما جاء في حديث سعد لما قال فيه العبسي: إنه لا يقسم بالسوية، ~~ولا يعدل في القضية، ولا يخرج في الشهادة. # فصل # وباعتبار القوى الثلاث كانت الأمم الثلاث المسلمون واليهود والنصارى، فإن ~~المسلمين فيهم العقل والعلم والاعتدال في الأمور، فإن معجزة نبيهم هي علم ~~الله وكلامه، وهم الأمة الوسط. # وأما اليهود فأضعفت القوة الشهوية فيهم، حتى حرم عليهم من المطاعم ~~والملابس ما لم يحرم على غيرهم، وأمروا من الشدة والقوة بما أمروا به، ~~ومعاصيهم غالبها من باب القسوة والشدة لا من باب الشهوات. # والنصارى أضعفت فيهم القوة الغضبية، فنهوا عن الانتقام والانتصار، ولم ~~تضعف فيهم القوة الشهوية، فلم يحرم عليهم من المطاعم ما حرم على من قبلهم، ~~بل أحل لهم بعض الذي حرم عليهم، وظهر فيهم من الأكل والشرب والشهوات ما لم ~~يظهر في اليهود، وفيهم من الرقة والرأفة والرحمة ما ليس في اليهود. فغالب ~~معاصيهم من باب الشهوات لا من باب الغضب، وغالب طاعاتهم من باب النصر لا من ~~باب الرزق. PageV08P098 # ولما كان في الصوفية والفقراء عيسوية مشروعة أو منحرفة، كان فيهم من ~~الشهوات ووقع فيهم ms1468 من الميل إلى النساء والصبيان والأصوات المطربة ما يذمون به. # ولما كان في الفقهاء موسوية مشروعة أو منحرفة، كان فيهم من الغضب ووقع ~~فيهم من القسوة والكبر ونحو ذلك ما يذمون به. # فصل # جنس القوة الشهوية: الحب، وجنس القوة الغضبية: البغض، والغضب والبغض ~~متفقان في الاشتقاق الأكبر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوثق عرى ~~الإيمان: الحب في الله والبغض في الله». فإن هاتين القوتين هي الأصل، وقال: ~~«من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان». # فالحب والبغض هما الأصل، والعطاء عن الحب، وهو السخاء، والمنع عن البغض، ~~وهو الشجاعة. فأما الغضب فقد يقال: هو خصوص في البغض، وهو الشدة التي تقوم ~~في النفس التي يقترن بها غليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذا هو الغضب ~~الخاص ولهذا تعدل طائفة من PageV08P099 # المتكلمين عن مقابلة الشهوة بالغضب إلى مقابلتها بالنفرة، ومن قابل ~~الشهوة بالغضب فيجب أن لا يريد الغضب الخاص، فإن نسبة هذا إلى النفرة نسبة ~~الطمع إلى الشهوة، فأما الغضب العام فهو القوة الدافعة البغضية المقابلة ~~للقوة الجاذبة الحبية. # فصل # فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية الحبية الشهوية، وترك المنهي عنه ~~صادر عن القوة الكراهية البغضية الغضبية النفرية، والأمر بالمعروف صادر عن ~~المحبة والإرادة، والنهي عن المنكر صادر عن البغض والكراهة، وكذلك الترغيب ~~في المعروف والترهيب من المنكر والحض على هذا والزجر عن هذا. ولهذا لا تكف ~~النفوس عن الظلم إلا بالقوة الغضبية الدفعية، وبذلك يقوم العدل والقسط في ~~الحكم والقسم وغير ذلك، كما أن الإحسان يقوم بالقوة الجذبية الشهوية. # فصل # قد عرف ... PageV08P100 ### || CHECK 23 - فصل: المشهور عند أهل السنة أنه لا يحبط العمل إلا الكفر # فصل # المشهور عند أهل السنة القائلين بعدم تخليد الفاسق ورجاء الشفاعة له ~~والرحمة: أنه لا يحبط العمل إلا الكفر؛ فإن نصوص القرآن تقتضي حبوط العمل ~~بالكفر في مثل البقرة والمائدة والأنعام والزمر وق وغير ذلك. وهذا لأن ما ~~سوى الكفر من المعاصي يثبت معه أصل الإيمان، ولا بد أن ms1469 يخرج من النار من ~~كان في قلبه ذرة من إيمان. وأما الكفر فينتفي معه الإيمان الذي لا يقبل ~~العمل إلا به، كما قال: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} ~~[النساء:124]، {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن} [الإسراء:19]، ~~إلى نصوص متعددة يصف فيها بطلان عمل الكافر وتحريم الجنة عليه. # وأما المعتزلة فإنهم يقولون بتخليد الفاسق الملي، وأنه لا ينعم أبدا، وأن ~~من استحق العقاب لا يستحق ثوابا بحال، ومن استحق الثواب لا يستحق العقاب؛ ~~فالتزموا لذلك أن تحبط جميع الأعمال الصالحة بالفسق، كما تحبط الأعمال ~~بالكفر. ثم أكثرهم يفسقون بالكبيرة، فيقولون: تحبط الأعمال بالكبيرة، ومنهم ~~من لا يفسق إلا برجحان السيئات، وهي التي تحبط الأعمال. وهذا أقرب. # قلت: الذي ينفى من الإحباط على أصول أهل السنة هو حبوط جميع الأعمال؛ ~~فإنه لا يحبط جميعها إلا بالكفر. وأما الفسق فلا يحبط PageV08P101 # جميعها، سواء فسر بالكبيرة أو برجحان السيئات؛ لأنه لا بد أن يثاب على ~~إيمانه فلم يحبط. # وأما حبوط بعضها وبطلانه إما بما يفسده بعد فراغه، وإما بسيئات يقوم ~~عقابها بثوابه، فهذا حق دل عليه الكتاب والسنة، كقوله: {لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى} [البقرة:264]، فأخبر أن المن والأذى يبطل الصدقة، كما أن ~~الرياء المقترن بها يبطلها، وإن كان كل منهما لا يبطل الإيمان، بل يبطله ~~ورود الكفر عليه أو اقتران النفاق به. # وقوله في الحديث الصحيح: «إن الذي تفوته صلاة العصر فقد حبط عمله». وقول ~~.......... : «الحسد يأكل الحسنات كما يأكل الماء البقل». وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «من كانت عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال فليأته، فليستحل ~~منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار، وإنما فيه الحسنات والسيئات». ~~وقوله: «ما تعدون المفلس PageV08P102 # فيكم؟»، قالوا: المفلس من ليس له درهم ولا دينار. قال: «ليس ذلك بالمفلس، ~~وإنما المفلس الذي يأتي بحسنات أمثال الجبال، قد أخذ مال هذا، وأخذ عرض ~~هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم يبق له حسنة ms1470 أخذ من ~~سيئاتهم، فألقي في النار». PageV08P103 ### || CHECK 24 - فصل قوله: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} # فصل # قوله: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد ~~أيمانهم} [المائدة:108]، وهو -والله أعلم- من الرد بمعنى الترديد والتكرير، ~~كقول النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن: «لا يخلق عن كثرة الرد». أي تردد ~~أيمان بعد أيمانهم، ليس هو من الرد الذي هو رد اليمين، كرد النبي صلى الله ~~عليه وسلم اليمين على المدعى عليهم في القسامة لما امتنع المدعون من ~~الأنصار، وكالرد المختلف فيه، لأنه هنا لم يحلف الأول فردت اليمين على ~~الثاني، فهو رجع لليمين الأول إلى الثاني، وفي مسألة المحايدة قد حلف ~~الأولون عند ظهور اللوث وحلف المدعون يمينا ثانية، فهنا تكرير وهناك تحويل، ~~لكن يشتركان في معنى الرد الأصل. # فإنه كما أن الاشتقاق بحسب الحروف ينقسم إلى أكبر وأوسط وأصغر، وهو ما ~~اتحد فيه الحروف ......... ، فكذلك ينقسم بحسب المعاني إلى ما يتحد فيه ~~المعنيان من كل وجه، أعني في القدر المشترك، كما في ضرب وضارب، وإلى ما ~~يتحدان في الأصل دون PageV08P104 # الوصف، وإلى ما يتحدان في الجنس دون النوع. وهذا كثير لمن تأمله، وعليه ~~تنبني مسائل «الخصائص» و «ألفاظ القرآن» للراغب وغير ذلك ممن يحوم على أن ~~يجعل أصل معنى الحروف شيئا واحدا ثم يفصله في تصاريفه. # فأصل «الرد» الرجع، والرجع يقتضي تصييره إلى حال ثانية كان عليها، فصار ~~فيه معنى التثنية، وصار الترديد والترجيع يعبر به عن التثنية، كما في قوله: ~~{ارجع البصر كرتين} [الملك:4]. فصارت الرجوع تارة يعتبر في ذات فقط وإن ~~اختلفت محاله، كرد اليمين ورد الفاضل عن الفروض. وتارة يعتبر فيه المحل وهو ~~الأصل والأول إنما يسمى ردا بالتقييد، كقوله: رده على هذا. ثم تارة يكون ~~رده ثانيا مع بقاء الحال الأولى، وتارة يكون مع بطلان الحال الأولى، إما ~~الموجودة وإما المقدرة، فيكون الرد الذي هو خلاف القول من هذا الوجه؛ لأن ~~العمل ms1471 كان قد ذهب إلى محل، فرد عن ذلك المحل إلى صاحبه، فمن يفهم هذا الباب ~~يكون قد فهم ارتباط المعاني والحقائق التي هي مدلول الألفاظ وتناسبها، كما ~~أن فهم الأول يكون من معرفة ارتباط الحروف بعضها ببعض. PageV08P105 ### || CHECK 25 - فصل: في حديث الكرب: ((... أن تجعل القرآن ربيع قلبي ...)) # [فصل] # قوله في حديث الكرب الذي رواه أحمد من حديث ابن مسعود: «اللهم إني عبدك ~~ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو ~~أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، ~~أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب غمي، إلا أذهب الله ~~همه وغمه، وأبدله به فرحا». # الربيع هو المطر المنبت للربيع، ومنه قوله في دعاء الاستسقاء: «اللهم ~~اسقنا غيثا مغيثا ربيعا مريعا». وهو المطر الوسمي الذي يسم الأرض بالنبات، ~~ومنه قول [مالك بن دينار]: القرآن ربيع المؤمن. # فسأل الله أن يجعله ماء يحيا به قلبه كما تحيا الأرض بالربيع، ونورا ~~لصدره، والحياة والنور جماع الكمال، كما قال: {أومن كان ميتا PageV08P106 # فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} [الأنعام:122]. وفي خطبة أحمد ~~بن جنبل: «يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى»، لأنه ~~بالحياة يخرج عن الموت، وبالنور يخرج عن ظلمة الجهل، فيصير حيا عالما ~~ناطقا، وهو كمال الصفات في المخلوق، وكذلك قد قيل في الخالق. حتى النصارى ~~فسروا الأب والابن وروح القدس بالموجود الحي العالم. والغزالي رد صفات الله ~~إلى الحي العالم، وهو موافق في المعنى لقول الفلاسفة: عاقل ومعقول وعقل. ~~لأن العلم يستتبع الكلام الخبري، ويستلزم الإرادة والكلام الطلبي، لأن كل ~~حي عالم فله إرادة وكلام، ويستلزم السمع والبصر. # لكن هذا ليس بجيد، لأنه يقال: فالحي نفسه مستلزم لجميع الصفات، وهو ~~أصلها، ولهذا كان أعظم آية في القرآن: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ~~[البقرة:255]، وهو الاسم الأعظم، لأنه ما من حي إلا وهو شاعر مريد، فاستلزم ~~جميع الصفات. فلو ms1472 اكتفي في الصفات بالتلازم لاكتفي بالحي. وهذا ينفع في ~~الدلالة والوجود، لكن لا يصح أن يجعل معنى العالم هو معنى المريد، فإن ~~الملزوم ليس هو عين اللازم، وإلا فالذات المقدسة مستلزمة لجميع الصفات. PageV08P107 # فإن قيل: فلم جمع في المطلوب لنا بين ما يوجب الحياة والنور فقط، دون ~~الاقتصار على الحياة أو الازدياد من القدرة وغيرها؟ # قيل: لأن الأحياء الآدميين فيهم من يهتدي إلى الحق، وفيهم من لا يهتدي، ~~فالهداية كمال الحياة، وأما القدرة فشرط في التكليف لا في السعادة، ولا يضر ~~فقدها، ونور الصدر يمنع أن يريد سواه. # ثم قوله: «ربيع قلبي ونور صدري» لأنه -والله أعلم- الحيا لا يتعدى محله، ~~بل إذا نزل الربيع بأرض أحياها، أما النور فإنه ينتشر ضوؤه عن محله. فلما ~~كان الصدر حاويا للقلب جعل الربيع في القلب والنور في الصدر لانتشاره، كما ~~قوته المشكاة في قوله: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة} ~~[النور:35]، وهو القلب. PageV08P108 ### || CHECK 26 - فصل: أن طريقة أتباع الأنبياء هي الموصلة إلى الحق دون طريقة من خالفهم # فصل # مما يبين أن طريقة أتباع الأنبياء من أهل السنة هي الموصلة إلى الحق دون ~~طريقة من خالفهم من الفلاسفة والمتكلمين: أن المقصود هو العلم، وطريقه هو ~~الدليل، والأنبياء جاءوا بالإثبات المفصل والنفي المجمل، كإثبات الصفات لله ~~مفصلة، ونفي الكفؤ عنه. # والفلاسفة يجيئون بالنفي المفصل: ليس بكذا ولا كذا، فإذا جاء الإثبات ~~أثبتوا وجودا مجملا، واضطربوا في أول مقامات ثبوته، وهو أن وجوده هو عين ~~ذاته أو صفة ذاتية لها أو عرضية؟ ونحو ذلك من النزاعات الذهنية اللفظية. # ومعلوم أن النفي لا وجود له، ولا يعلم النفي والعدم إلا بعد العلم ~~بالثبوت والوجود، حتى إن طائفة من المتكلمين نفوا العلم بالمعدوم إلا إذا ~~جعل شيئا، لأن العلم -زعموا- لا بد أن يتعلق بشيء. والتحقيق أن العلم ~~بالعدم يحصل بواسطة العلم بالموجود، فإذا علمنا أنه لا إله إلا الله تصورنا ~~إلها موجودا، وعلمنا عدم ما تصورناه إلا عن الله. # وكذلك سائر ما ننفيه لا بد ms1473 أن نتصوره أولا ثم ننفيه، ولا نتصوره إلا بعد ~~تصور شيء موجود، ثم نتصور ما يشابهه، أو ما يتركب من أجزائه، كتصور بحر ~~زئبق وجبل ياقوت وآلهة متعددة ونحو ذلك، ثم ننفيه، وإلا فتصور معدوم مبتدع ~~لا يناسب الموجودات بوجه لا يمكن العقل PageV08P109 # إبداعه، سواء كان من العلوم النظرية أو العملية، كتصور الفاعل ما يفعله ~~قبل فعله، فإنه في الحقيقة تصور معدوم ليوجد، كما أن غيره تصور معدوم ممكن ~~أو ممتنع، يوجد أو لا يوجد، فالمعدوم الفعلي وغير الفعلي لا يبدعه عقل ~~الإنسان من غير مادة وجودية، كما لا تبدع قدرته شيئا من غير مادة وجودية، ~~وإنما الإبداع من خصائص الربوبية، وكيف يعلم؟ وكيف يفعل؟ باب آخر. # فثبت بهذا أن العلم بالموجود وصفاته هو الأصل، وأن العلم بالعدم المطلق ~~والمقيد تبع له وفرع عليه، وأيضا فالعلم بالعدم لا فائدة للعالم به، إلا ~~لتمام العلم بالموجود، وتمام الموجود في نفسه، إذ تصور «لا شيء» لا يستفيد ~~به العالم صفة كمال، لكن علمه بانتفاء النقائص مثلا عن الوجود علم بكماله. # وكذلك العلم بنفي الشركاء عنه علم بوحدانيته التي هي من الكمال، وكذلك ~~تصور ما يراد فعله مفض إلى وجود الفعل، وتصور ما يراد تركه مفض إلى الترك ~~الذي هو عدم الشر، الذي يكمل الموجود بعدمه. # وذلك أن هذا الذي ذكرته في العلم والقول يقوم مثله في الإرادة والعمل؛ ~~فإن الإرادة متوجهة إلى الوجود بنفسه الذي هو الفعل، ومتوجهة إلى العدم ~~الذي هو الترك على طريق التبع، لدفع الفساد عن المقصود الموجود. وإلا ~~فإرادة «لا شيء» لا يستفيد به العبد المريد فائدة، ولا تحصل له كمالا ولا ~~لذة. PageV08P110 # ولهذا سألني بعض الأمراء مرة: أيما أفضل: إيصال الحق إلى ربه أو دفع غير ~~ربه عنه؟ فقلت: أفضله هو المقصود لنفسه بالقصد الأول، وهذا مقصود لغيره ~~بالقصد الثاني. وكذلك الورع ونفي البدع وكل ما ينفى في الاعتقاد والأقوال ~~أو في الإرادات والأفعال، إنما يطلب به تحقيق الموجود والمقصود من ذلك ونفي ~~الفساد عنه. ولذلك كان ms1474 أهل السنة والورع أصلح اعتقادا وعملا من غيرهم لنفي ~~الفساد، مع ما يستلزم ترك الباطل من الحق الموجود والمقصود. # وأما الدليل فلا بد في كل دليل عقلي -وهو القياس الشمولي المشتمل على ~~المقدمتين- من إيجاب وعموم، إما مجموعا في مقدمة وإما مفرقا في المقدمتين، ~~ولذلك كان لا قياس عن سالبتين ولا جزئيتين. فعلم أنه لا بد في كل دليل من ~~علم وجودي إحاطي، وإلا فالعلم العدمي لا ينتج وحده، ولو اجتمع منه مقدمات، ~~فلا يكون وسيلة إلى مطلوب بحال. # فثبت أن العلم بالسلوب لا يستقل في المسائل والأحكام، ولا في الوسائل ~~والأدلة، بل هو مفتقر إلى العلم بالوجود فيهما، فمن كان الغالب على علمه ~~وكلامه النفي والسلب كان الغالب ما لا يفيد، لا مقصودا ولا وسيلة، ومن غلب ~~على كلامه الإثبات والإيجاب كان الغالب عليه هو المفيد مقصودا ووسيلة. وهذا ~~كلام شريف برهاني، والذوق يصدقه والوجود يحققه. PageV08P111 # وهذا الذي قررناه في العلم والقول في الأحكام والأدلة يجيء مثله في القصد ~~والعمل في المقاصد والوسائل، فمن غلب عليه في ذلك الوجود في المقاصد ~~والأعمال كانت طريقته أنفع ممن غلب عليه العدم فيهما، فالوجود راجح على ~~العدم في نفسه وفي علمه وذكره وقصده والسعي إليه. # وكذلك أيضا في القدرة والسمع والبصر وسائر الصفات، لكن لا بد من نفي وعدم ~~يدفع عن الوجود ما يضره ويفسده، وإلا فسد. فهذا هذا، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولهذا إذا ترك المؤمن شيئا من المكروهات فلا بد أن يكون تركه لإرادة أمر ~~موجود، فيتركه لوجه الله وإرادة ثوابه، أو للخوف من العقاب الذي يضره. ~~ولهذا اختلف الناس في المطلوب بالنهي: هل هو نفس العدم أو الامتناع الذي هو ~~أمر وجودي؟ والتحقيق أن كلاهما مطلوب للناهي، لكن فائدة الوجود وجودية، ~~وفائدة العدم عدمية. # وقد اتفق الفقهاء على تعليل النفي بالنفي كتعليل الإثبات بالإثبات وتعليل ~~النفي بالإثبات، فإن الوجود قد يقتضي عدم أشياء. أما تعليل الوجود بالعدم ~~ففيه خلاف، وأصحابنا جوزوه، لأن النفي يتضمن الوجود .... .... وقد يقال: ~~إرادة العدم تقتضي ms1475 وجودا ..... والله أعلم. PageV08P112 ### || CHECK 27 - فصل عظيم المنفعة في أمر المعاد # فصل عظيم المنفعة # في أمر المعاد # وذلك أن مذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه ~~سلف الأمة وأئمتها: الإيمان بالقيامة العامة التي يقوم الناس فيها من ~~قبورهم لرب العالمين، ويجزي العباد حينئذ ويحاسبهم، ويدخل فريقا الجنة ~~وفريقا النار، كما هو مبين في الكتاب والسنة. # والإيمان مع ذلك بنعيم القبر وعذابه، وبما يكون في البرزخ من حين الموت ~~إلى حين القيامة من نعيم وعذاب، فالإنسان منذ تفارق روحه بدنه هو إما في ~~نعيم وإما في عذاب؛ فلا يتأخر النعيم والعذاب عن النفوس إلى حين القيامة ~~العامة، وإن كان كماله حينئذ، ولا تبقى النفوس المفارقة لأبدانها خارجة عن ~~النعيم والعذاب ألوفا من السنين إلى أن تقوم القيامة الكبرى. ولهذا قال ~~المغيرة بن شعبة: أيها الناس! إنكم تقولون: القيامة، القيامة، وإنه من مات ~~فقد قامت قيامته. # واسم «الساعة» في السنة قد يرد ويراد به انقراض القرن وهلاك أهله، كما ~~ذكر ذلك البغوي وغيره، وهو مذكور في أحاديث PageV08P113 # صحيحة: «حتى تقوم الساعة» يريد به انخرام ذلك القرن؛ فلهذا هو مفسر في ~~نفس الحديث الصحيح. # وكذلك مذهب أهل السنة والجماعة: الإقرار بمعاد الأرواح والأبدان جميعا، ~~وأن الروح باقية بعد مفارقة البدن منعمة ومعذبة. # وأما أهل الأهواء فكان كثير من الجهمية والمعتزلة ونحوهم يكذب بما في ~~البرزخ من النعيم والعذاب، ولا يقر بما يكون في القبر، كما ينكرون أيضا ~~وجود الجنة والنار، ولا يعتقدون نعيما ولا عذابا ولا ثوابا ولا عقابا إلا ~~عند القيامة الكبرى. # ثم منهم من يقول: ليست الروح شيئا باقيا بدون البدن. وبعض هؤلاء يقر ~~بعذاب القبر ونعيمه للجسد فقط دون روح باقية دونه. وهذا كثير في مقالات ~~طوائف من أهل الكلام، وهم يتكلمون في إحداث العالم وإفنائه. وقد يزعمون أن ~~العالم يفنى بجملته ثم يعاد. ومنهم من يزعم أنه يفنى بعد دخول الجنة ~~والنار، وأنهما يفنيان، كما يذكر ذلك عن الجهم بن صفوان. وزعم أبو الهذيل ~~أن ms1476 حركاتهم تفنى، وأمثال هذه المقالات. # وفي مقابلة هؤلاء طوائف من الفلاسفة المشائين وغيرهم ومن قد يتبعهم من ~~المليين يكذبون بالقيامة العامة، وإنما يقرون بالقيامة التي هي انقراض ~~القرون، والطوفانات العامة، وبأن من مات فقد قامت قيامته. PageV08P114 # ويقرون بمعاد الأرواح دون الأبدان، ولا يقرون بتغيير هذا العالم، ولا بشق ~~السماوات وانفطارها، وتكوير الشمس والقمر، واستحالة الأجسام العلوية، كما ~~جاءت به النصوص. بل يحرفون الكلم عن مواضعه، ويتأولون ذلك على أنه أمثال ~~مضروبة لحال المعاد الجزئي، وهو حال النفس عند مفارقة البدن. ولا يقرون ~~بإحداث ولا إفناء. # وقد تكلمنا من الرد على الطائفتين في غير هذا الموضع بما ليس هذا موضعه، ~~لكن المقصود هنا أن القرآن لما كان هو كتاب الله الذي أنزله وهدى به عباده، ~~وجعله تفصيلا لكل شيء، وبين فيه ما كان وما سيكون، وأخبر فيه من أمر المبدأ ~~والمعاد والخلق والبعث بما فيه بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين= كان من ~~بليغ ذلك أنه سبحانه يذكر في السورة الواحدة أمر المعادين جميعا، والقيامة ~~الكبرى مع الصغرى التي هي الموت، كما ذكر ذلك في سورة الواقعة، فإنه سبحانه ~~في أولها ذكر القيامة الكبرى، وذكر انقسام الناس إلى ثلاثة أصناف، ثم في ~~آخرها ذكر ذلك عند الموت، فقال في أولها: {إذا وقعت الواقعة (1) ليس ~~لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3) إذا رجت الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا ~~(5) فكانت هباء منبثا (6) وكنتم أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب ~~الميمنة (8) وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة (9) والسابقون السابقون (10) ~~أولئك المقربون (11) في جنات النعيم} إلى قوله: {وكانوا يقولون أئذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (47) أوآباؤنا الأولون (48) قل إن الأولين PageV08P115 # والآخرين (49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} [الواقعة:1 - 50]. ثم ذكر ~~من آيات المعاد ما ذكر، ثم قال في آخر السورة: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ~~(81) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82) فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم ~~حينئذ تنظرون (84) ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (85) فلولا إن كنتم ~~غير مدينين (86) ترجعونها إن كنتم صادقين (87) فأما إن كان من المقربين ~~(88) فروح وريحان وجنت ms1477 نعيم (89) وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام ~~لك من أصحاب اليمين (91) وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من ~~حميم (93) وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح باسم ربك ~~العظيم} [الواقعة:81 - 96]. وهذا حال الإنسان عند الموت كما قال: فهلا ~~تردونها، أي تردون النفس عند قبضها. # وكذلك قال سبحانه في سورة الأنعام: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} ~~[الأنعام:2]، فالأجل المسمى هذا المحدود المقدر هو الذي يشترك فيه العباد، ~~وهو أجل القيامة الكبرى، والأجل الأول هو الموت، ولهذا قيل: قد ينقص من هذا ~~الأجل فتزاد هذه الروح، وقد يزاد فيه فتنقص هذه الروح، والأجل المسمى لا ~~يزاد ولا ينقص، وهو وقت القيامة الذي لا يعلمه إلا الله. # ومن ذلك أنه ذكر هذين أيضا في سورة القيامة، فقال: {لا أقسم بيوم القيامة ~~(1) ولا أقسم بالنفس اللوامة} [القيامة:1 - 2]، فأقسم بالأمرين جميعا: PageV08P116 # بيوم القيامة وهو يوم الجمع ويوم القيامة الجامعة، وأقسم بالنفس وهي التي ~~أصل القيامة الصغرى، فإن الصابئة الفلاسفة ونحوهم مدار أمرهم في هذا المعاد ~~على إثبات النفس. وقرر أولا سبحانه القيامة الكبرى فقال: {أيحسب الإنسان ~~ألن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) بل يريد الإنسان ~~ليفجر أمامه (5) يسأل أيان يوم القيامة} [القيامة:3 - 6]. والإنسان إنما ~~ينكر وينتظر القيامة الكبرى، وأما الموت فكل أحد يعلم به. ولهذا كره ~~للخطباء أن يقتصروا في خطب الجمع والأعياد على التذكير بالموت ونحوه من ~~الأمور التي لا يختص بها المؤمنون، وأحبوا أن يكون التذكير بما في اليوم ~~الآخر مما أخبرت به الرسل. # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العدد من خطبه {ق والقرآن ~~المجيد} [ق:1] لتضمنها ذلك، ويقرأ يوم الجمعة {الم (1) تنزيل} [السجدة:1 - ~~2]، و {هل أتى} [الإنسان:1]؛ إذ في هاتين السورتين ما يكون في الجمعة من ~~الخلق والبعث؛ إذ فيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة. وهاتان السورتان تضمنتا ذلك. # ثم إنه لما ذكر القيامة قال: {كلا إذا بلغت التراقي (26) وقيل من راق PageV08P117 # وظن أنه الفراق (28) والتفت الساق بالساق (29) إلى ربك يومئذ ms1478 المساق} ~~[القيامة:26 - 30]. وهذا ذكر لحال الموت. روى أبو بكر ابن المنذر في تفسيره ~~وغيره من حديث هشام الدستوائي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس: ~~حتى إذا بلغت التراقي، قال: تنتزع نفسه حتى إذا كانت في تراقيه قالوا: من ~~يصعد بنفسه؟ ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟ فذلك قوله: {وقيل من راق}. # وروى أيضا عن معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه قال: بلغني عن أبي العالية ~~قال: يختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب أيهم يرقى به. # وذكر طائفة أن الراقي: الطبيب، والطبيب أيضا إنما يطلب في الدنيا لا في ~~القيامة، فروى عن سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن شبيب عن أبي قلابة: ~~{وقيل من راق} قال: من طبيب شاف؟ # وروى أيضا عن ابن ثور عن ابن جريج وعن معمر عن قتادة في PageV08P118 # قوله: {وقيل من راق}، قال: الطبيب. # وعن سهيل عن أبي صالح: {وقيل من راق} قال: من طبيب. # وعن الضحاك بن مزاحم: {وقيل من راق} قال: هو الطبيب. # وعن أبي عبيدة {وقيل من راق}: من يرقي. # وعلى القولين فالضمير في «بلغت» للنفس، قال ابن ثور عن ابن جريج في قوله: ~~{كلا إذا بلغت التراقي} قال: الحلقوم. # وعن أبي عبيدة {بلغت التراقي}: صارت النفس بين تراقيه. # ولهذا قال: {وظن أنه الفراق}؛ لفراق النفس البدن، وقد روي أيضا عن سفيان ~~عن عمرو بن دينار أنه كان يقرأ: «وأيقن أنه الفراق». # وعن أبي سعيد عن قتادة {وظن أنه الفراق}: استيقن أنه الفراق. # وقوله: {من راق} يجوز أن يراد به الطبيب الراقي، والراقي الذي PageV08P119 # يصعد بالنفس ويرقى بها، إذ كلا القولين يقال، وهذا إما على أن اللفظ ~~المشترك يجوز أن يراد به معنياه، أو على أن الكلمة نزلت مرتين، فأريد بها ~~هذا المعنى في مرة، وهذا المعنى في مرة. مع أن الراقي الذي هو الطبيب أظهر، ~~لقوله: {وقيل من راق}، وهذا ذكر لفاعل مخلوق واستفهام عن راق منكر. وهذا ~~ظاهر من حال أهل المريض، والملائكة معلومون لله، والله هو الذي يأمرهم ms1479 بقبض ~~الروح ويعين فاعل ذلك، فلا يكون هناك من يقول: هل من راق؟ ولا اختصام في ذلك. # وذكر سبحانه الراقي دون الطبيب الذي يسقي الدواء ونحوه؛ لأن تعلق النفوس ~~بالرقى أعظم، ولهذا قال في صفة المتوكلين: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ~~ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». والروح إذا بلغت التراقي قد يتعذر عليها ~~الطعام والشراب، فلا يبقى إلا ما تتعلق به من الاسترقاء والدعاء ونحوه، ~~وكان ذلك أعظم الأسباب. # قال تعالى: {والتفت الساق بالساق}، قال الوالبي في تفسيره عن ابن عباس في ~~قوله: {والتفت الساق بالساق} يقول: آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، ~~فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحم الله. # وروى ابن المنذر من حديث سلمة بن سابور عن عطية عن ابن PageV08P120 # عباس: {والتفت الساق بالساق}، قال: الدنيا بالآخرة، وكذلك قال الضحاك. # وعن ابن جريج عن مجاهد في قوله: {والتفت الساق بالساق} أمر الدنيا بأمر ~~الآخرة، وإنما لزوم الأمر عند الموت. # ومن حديث حماد بن سلمة عن كثير بن زياد عن الحسن في قول الله: {والتفت ~~الساق بالساق} قال: ساق الآخرة وساق الدنيا، أما سمعتم الشاعر يقول: # قد قامت الحرب بنا على ساق # قد تبين الفتح لمن هو؟ # وعن معمر عن قتادة في قوله: {والتفت الساق بالساق} قال: الساق للدنيا ~~بساق الآخرة. # وعن أبي عبيدة: {والتفت الساق بالساق} قال: مثل شمرت عن ساقها. PageV08P121 # وفيها قول ثان عن بشير قال سألت الحسن، قلت: أرأيت قول الله: {والتفت ~~الساق بالساق} الآية، قال: هما ساقك إذا التفتا. # ومن حديث سعيد عن قتادة: {والتفت الساق بالساق} قال: أما رأيت إذا حضر ~~ضرب برجله رجله الأخرى. # ومن حديث شيبان عن قتادة: {والتفت الساق بالساق}: ماتت ساقاه فلم تحملاه، ~~وقد كان عليهما جوالا. # وعن داود بن أبي هند عن الشعبي في قول الله: {والتفت الساق بالساق}، قال: ~~ساقا الميت. # وقد يقال: الآية تعم المعنيين جميعا. # {إلى ربك يومئذ المساق} قال ابن ثور عن ابن جريج في قوله: {إلى ربك يومئذ ~~المساق} قال: في ms1480 الآخرة. # وقوله: «في الآخرة» لا يمنع أن يكون عند الرب، كما قال من قال: التفت ساق ~~الدينا بساق الآخرة، وهو بالموت. كما قال تعالى: {حتى إذا PageV08P122 # جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله مولاهم ~~الحق} [الأنعام:61 - 62]. وقد دخل عثمان على ابن مسعود في مرضه، فقال: كيف ~~تجدك؟ فقال: أجدني مردودا إلى الله مولاي الحق. # وقال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} ~~[السجدة:11]، وقال تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية (28) فادخلي في عبادي (29) وادخلي جنتي} [الفجر:27 - 30]. وهذا ~~الرد والرجوع مساقها إلى الله، وهو هذا المعاد الذي يكون عند الموت. وقول ~~المسترجع: «إنا لله وإنا إليه راجعون» يعم هذا وغيره. وهذا هو التوفي، كما ~~قال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك ~~التي قضى عليها الموت} [الزمر:42]، وقال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي ~~وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} [السجدة:11]. # وقوله تعالى: {إن إلى ربك الرجعى} [العلق:8]، و {إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه} [الإنشقاق:6] ونحو ذلك يتناول هذا وهذا. # وأول ما أنزل الله على رسوله سورة «اقرأ»، ذكر فيها الإيمان بالله واليوم ~~الآخر، وذكر فيها حال الإنسان بين مبدئه ومعاده المذموم وحاله الممدوح، ~~فذكر حال الأشقياء والسعداء، إذ قوله: {اقرأ باسم ربك الذي PageV08P123 # خلق} إلى قوله: {الأكرم} [العلق:1 - 3] تقرير للخلق والربوبية، كما بيناه ~~في غير هذا الموضع. وقوله: {إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى} [العلق:6 ~~- 7]، وهو لحاله المذموم، وقوله: {إن إلى ربك الرجعى} ذكر للمعاد، وما بعد ~~ذلك ذكر حال المؤمن وحاله مع الكافر. # وقد ذكرنا أنه ذكر من أول السورة: القيامة والنفس جميعا، وقد أقسم بهما، ~~كما روى ابن المنذر عن الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير، وفي رواية عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس قال: {لا أقسم بيوم القيامة} قال: يقسم ربكم بما شاء ~~من خلقه. # وعن الحسن البصري وسعيد أيضا: {لا أقسم بيوم القيامة} قال: ms1481 أقسم. # وكذلك عن أبي عبيدة، قال: مجازه: أقسم بيوم القيامة وأقسم بالنفس ~~اللوامة. # وأما النفس اللوامة فقد فسرت بأنها التي تلام وأنها التي تلوم، PageV08P124 # وذلك أن صيغة «فعال» قد تكون للنسبة والإضافة، كما يقال: حداد ونجار ~~وخباز وتمار ولبان وخياط، أي صاحب كذا، فإذا قيل: «لوام» بهذا الاعتبار كان ~~معناه صاحب لوم كثير، واللوم مصدر يضاف إلى الفاعل تارة وإلى المفعول أخرى. # وقد تكون صيغة «فعال» توكيد فاعل، كعلام وضراب وأكال ونحو ذلك، ومنه ~~النفس الأمارة. # ولفظ «الفاعل» أيضا يكون للنسبة، كتامر ولابن، وعلى هذا فما يقال: إن ~~«فاعل» يكون بمعنى المفعول، مثل {ماء دافق} [الطارق:6] ونحوه، قد يقال: إنه ~~من هذا الباب بمعنى النسبة والإضافة. # ففي تفسير ابن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قوله: {اللوامة} يقول: ~~مذمومة. # ومن حديث شيبان عن قتادة: {لا أقسم بيوم القيامة} قال: يقسم الله بما شاء ~~من خلقه، {ولا أقسم بالنفس اللوامة} الفاجرة، قال: يقسم بها. # وروى ابن المنذر من حديث سماك عن عكرمة عن ابن عباس: النفس اللوامة التي ~~تلوم على الخير، تقول: لو فعلت كذا وكذا. PageV08P125 # وعن قرة بن خالد عن الحسن: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} قال: إن المؤمن لا ~~تراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي، ما أردت [بأكلتي]، ما أردت بحديثي ~~نفسي، ولا تراه إلا يعاتبها، وإن الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه. # وعن ابن ثور عن ابن جريج عن مجاهد في قوله: {بالنفس اللوامة} قال: تندم ~~على ما فات وتلوم عليه. # وبه عن ابن جريج عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل ذلك. وهذا صحيح متصل ~~عنه موافق لرواية عكرمة، وكل منهما أصح من رواية الوالبي، فإنها منقطعة، إذ ~~الوالبي لم يسمع من ابن عباس. # قلت: وعلى هذا فاللوامة نحو الندامة والتوابة، والله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين، وهذا لا ينافي القول الأول، فإنها مذمومة قبل الندم بذمها ~~وندمها، ملومة على ذلك، وهي ممدوحة بعد توبتها ولومها لنفسها. وفي مسند ~~الإمام أحمد عن علي عن النبي صلى الله ms1482 عليه وسلم قال: «إن الله يحب العبد ~~المفتن التواب». PageV08P126 # وقد قيل: اللوم في الآخرة. روى ابن المنذر عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي ~~صالح في قوله: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} قال: ما من أحد إلا وهو لائم نفسه ~~يوم القيامة، محسن لا يكون زاد في إحسانه، ومسيء لا يكون أقلع عن سيئاته، ~~مما يرى من عظم عقوبة الله. # والآية قد تتناول هذا المعنى، وهذه صفة لازمة للنفس، فإنها لا بد أن تأتي ~~ما تلام عليه، ولا بد أن تلوم نفسها، فإن لم يتب وإلا لام نفسه في الآخرة، ~~مع أن كل امرئ لا بد أن يلوم نفسه في الدنيا ولو لم يكن تائبا إلى الله، ~~إذا قد يفعل ما يندم عليه كما ندم ابن آدم القاتل على ترك دفن أخيه وإن لم ~~يندم على قتله. # وكونها لوامة قبل كونها أمارة، وكثير من المتصوفة ونحوهم يجعل هذا في حال ~~وهذا في حال، ويجعل الحال الثالثة أنها مطمئنة، ويقول: النفوس ثلاثة بهذا ~~الاعتبار: أمارة ولوامة ومطمئنة، فالنفس المنتقلة إلى الحال الثالثة تتصف ~~بالأوصاف الثلاثة، وأما غيرها فقد لا تكون مطمئنة. # والتحقيق: أن كونها أمارة ليس بملام لها، فإن الله إنما أخبر عمن أخبر ~~عنه أنه قال: {إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} [يوسف:53]، فالنفس ~~التي رحمها ربي ليست أمارة بالسوء، فالأمارة خاص، PageV08P127 # وكذلك المطمئنة خاص. وأما اللوامة فعند هؤلاء هي أيضا خاص ببعض النفوس. ~~والتحقيق: أن اللوامة إذا كانت بمعنى التوابة فكل أحد تواب إلى الممات، ~~فتكون النفس أبدا لوامة، وإذا لم تكن لوامة فهي تلام وتلوم في الآخرة وفي ~~الدنيا أو الدين، فكل نفس لوامة، ولهذا جاءت معرفة بقوله: {ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة}. PageV08P128 ### || CHECK 28 - فصل: قول من يقول: ((إن لله عبادا يرضى لرضاهم ويغضب لغضبهم)) حق # فصل # قول من يقول: «إن لله عبادا يرضى لرضاهم ويغضب لغضبهم» حق، لكن هذا لا ~~يستمر في جميع أنواع رضاهم وغضبهم، فإن ذلك إنما يكون لمن لا ذنب له أصلا، ~~لكن ms1483 قد يكون في غالب رضاهم وغضبهم. وذلك لأن من كان رضاه وغضبه موافقا لرضى ~~الله وغضبه فإن الله يرضى لرضاه ويغضب لغضبه، وهذا يقع من الطرفين، تارة ~~يرضون لرضى الله ويغضبون لغضبه، وتارة يرضى الله لرضاهم ويغضب لغضبهم. # ودليل ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما يروي عن ربه قال: «من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما ~~تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ~~حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده ~~التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني ~~لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره ~~الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه». # فقد أخبر أنه من عادى وليه فقد بارزه بالمحاربة، وفي المعاداة PageV08P129 # مغاضبة ومباغضة، ثم قال: «فإذا أحببته كنت سمعه» إلى آخره، إلى أن قال: ~~«وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت ~~وأكره مساءته، ولا بد له منه». فأخبر أنه يكره ما يكره عبده الموت، حتى ~~يكره مساءته بالموت، مع أنه لا بد له منه، ويحب ما يحب. والحب والكراهة أصل ~~الرضى والغضب. # وأيضا ففي صحيح مسلم عن معاوية بن قرة عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى ~~على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله ~~مأخذها. فقال أبو بكر: تقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره، فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد ~~أغضبت ربك»، فأتاهم، فقال: يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا ~~أخي أبا بكر. # فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أنه إن كان أغضب أولئك ~~المؤمنين الذين قالوا لأبي سفيان ما قالوا، وهم بلال وصهيب وسلمان ومن معهم ~~من أهل الإيمان ms1484 والتقوى، الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه ~~معهم وإن كانوا مستضعفين، وأن لا يطيع من أغفل قلبه عن ذكر الله واتبع هواه ~~وإن PageV08P130 # كان من الرؤساء= فقد أغضب الله. ولا ريب أنه لو أغضبهم فإنه كان يكون ذلك ~~انتصارا لأبي سفيان لرئاسته في قومه، وأولئك هم أولياء الله الذين يغضبون ~~لله ويرضون له، فإغضابهم إغضاب لله. PageV08P131 ### || CHECK 29 - فصل: الحروف والأصوات المكتوبة والمسموعة ثلاثة أقسام # فصل # الحروف والأصوات المكتوبة والمسموعة -سواء جمع الوصفين كالحرف المسموع، ~~أو أحدهما كالحرف المكتوب والصوت الذي ليس بحرف- إذا كانت متعلقة بالدين ~~فلا تخلو عن ثلاثة أقسام: # إما أن تكون سببا للإيمان. # وإما أن تكون سببا للكفر. # وإما أن تكون مجملة تصلح لهذا ولهذا. # فالأول كلام الله وكلام رسله وأنبيائه وخلفائهم بلفظه ومعناه، فإن السامع ~~إذا سمع القرآن كان سماعه سببا للهدى، فيوجب الهدى إذا لم يكن مانع. وإذا ~~نظر فيه وتدبره كان ناظرا في دليل هاد يوصله إلى العلم والمعرفة إذا كان ~~النظر صحيحا. فأهل النظر من أهل العلم والكلام إذا كان نظرهم فيه وكلامهم ~~منه اهتدوا، وأهل السماع والوجد إذا كان سماعهم له ووجدهم به رشدوا؛ ولهذا ~~حض سبحانه على تدبره وعلى سماعه، فهو أحسن الحديث وخير الكلام، وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم»، وقال: (لله أشد أذنا إلى ~~الرجل الحسن الصوت PageV08P132 # بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته». # وأما النوع الثاني فالكلام المتضمن للكفر والنفاق، لا سيما إذا زخرف ~~بالعبارات والشبهات، وحسن باللحون والأصوات، من نظم ونثر، مثل كلام ~~القرامطة والإسماعيلية، وكلام التلمساني نظمه ونثره، وكلام ابن سبعين ~~والبلياني وغيرهم من الملاحدة؛ فإن حروفهم سبب لاعتقاد الضلال، وهو اعتقاد ~~أن الله هو المخلوقات، وأنه ليس وراء المخلوق خالق خلقه متميز عنه، كحقيقة ~~قول فرعون والقرامطة من جحود خالق الخلق؛ لكن فرعون نفاه بقوله ظاهرا ~~وباطنا، فهو أكفر من هذا الوجه، ومن جهة أنه كان معاندا جاحدا. وهؤلاء قد ~~يكون أحدهم ضالا يعتقد أنه على هدى. ففرعون أكفر ms1485 منهم من جهة أنه نفاه ~~مطلقا، وأنه كان معاندا في نفيه وجحوده مستكبرا عليه. # وهؤلاء قد يكون أحدهم مقرا بوجوده ومعتقدا أنه هو الذي يثبته، ويحسب أنه ~~مهتد في ذلك وأن هذا هو دين الأنبياء، لكن هؤلاء أضر على الأمة من فرعون؛ ~~لأنهم يرون أن هذا دين الأنبياء. وفرعون كان PageV08P133 # أعلم منهم، لكن علمه ضار، فإنه كان مستيقنا بأن للعالمين رب، كما قال له ~~موسى: {قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني ~~لأظنك يا فرعون مثبورا} [الإسراء:102]، لكن كان مع علمه معاندا، فهو أصح ~~منهم علما وأعظم كفرا وعنادا. وهؤلاء أضر منه على الأمة لكن فيهم نوع من ~~الإيمان والإقرار. وقد يكون لما جحد فرعون فهم ضالون لا جاحدون. # وهؤلاء أقروا باسمه وبالتعبد له، وجعلوه هو المخلوقات، وهي إياه، وصرحوا ~~بأن من عبد الشمس والقمر والطواغيت فما عبد إلا الله، ولا يتصور أن يعبد ~~إلا الله، وأن العابد هو المعبود ولكن دار على نفسه. وزعموا أنه هو الذي ~~جاءت به الرسل والأنبياء وكبار العارفين، فهم من هذا الوجه أضر على الناس ~~من فرعون. كما يذكره ابن العربي في «فصوص الحكم»، ويذكره القونوي في «مفتاح ~~غيب الجمع والوجود»، وكما يذكره العفيف في «شرح الأسماء الحسنى» وفي «شرح ~~قصيدة ابن الفارض» وفي أشعاره. وإن كان ابن العربي يرى أن المعدوم شيء ثابت ~~في العدم، كقول من يقول ذلك من المعتزلة والرافضة، ويرى أن عين وجود الحق ~~فاض عليهم، فيرى أن وجود الكائنات عين وجود الحق، وأن الناكح هو المنكوح، ~~والشاتم هو المشتوم. وكما قال بعضهم: من قال لك إن في الكون سوى الله فقد ~~كذب، فقال له صاحبه: من الذي كذب؟ PageV08P134 # وقد يبتلى ببعض ذلك حالا بعض جهال المتصوفة والمتعبدة، فإنهم لما توجهوا ~~بقلوبهم إلى الله وذكروه وأحبوه شهدت قلوبهم الوجود العام بالمخلوقات ~~الصادر عن الحق الذي خلق السموات والأرض، فاعتقدوا أن هذا الحق المخلوق هو ~~الحق الخالق، فأشبهوا من بعض الوجوه من رأى شعاع الشمس فظن ms1486 أنها هي الشمس، ~~أو رأى الظل فظن أنه الشخص. # وأما صاحبه الصدر الرومي فيرى أن الله هو الوجود المطلق الساري في ~~الكائنات، لا يفرق بين الوجود والماهية، ولا الفائض والمفيض عنه، لكن ليس ~~هو عين كل موجود، فإن المطلق ليس هو المعين. وهذا تعطيل محض، وهو حقيقة ~~مذهب فرعون والقرامطة. وأما الأول ففيه قسط من ذلك. # وصاحبه التلمساني ونحوه لا يفرق بين مطلق ومعين، ولا بين وجود وماهية، بل ~~عنده أن نفس الأكوان هي الله، وهي أجزاء منه وأبعاض له، بمنزلة أمواج البحر ~~مع البحر، وأجزاء البيت من البيت. # فما البحر إلا الموج لا شيء غيره ... وإن فرقته كثرة المتعدد # فهؤلاء في الكفر الصريح، وهم أهل الإلحاد والاتحاد العام، بخلاف من قال ~~بالاتحاد الخاص المقيد في نبي أو غير نبي، كالنصارى وغالية الرافضة وغالية ~~جهال المتعبدة من الحلاجية واليونسية وبعض العدوية PageV08P135 # والحاكمية وغيرهم؛ فإن هؤلاء يقولون بالاتحاد المعين المقيد. # ثم مع كل فريق من أهل الاتحاد المطلق والمعين فريقا ثانيا يقولون ~~بالحلول، أما الحلول المطلق -وهو قول من يقول: إن الحق حال في الأماكن ~~كلها- فهذا كفر قديم في الأمة من كفر الجهمية الذين كان السلف ينكرون ~~قولهم، وهم الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان؛ فإن هؤلاء الحلولية ~~إخوان هؤلاء الاتحادية. أولئك قالوا: هو في جميع المصنوعات، وهؤلاء قالوا: ~~هو نفس المصنوعات. # وهؤلاء الاتحادية المطلقة والحلولية المطلقة إنما أوقعهم في ذلك عدم ~~إثباتهم لما جاءت به الرسل من رب العالمين، الذي فوق الخلق، الذي استوى على ~~العرش، فإنهم تجهموا في أنه ليس فوق العالم ولا داخله ولا خارجه ونحو ذلك ~~من الصفات السلبية التي رأوها منطبقة على الوجود المطلق، وهم عباد لا بد ~~لقلوبهم من شيء تعبده، فلم يجدوا ما يطابق هذه السلوب إلا وجود المخلوقات. # وأما المتكلمة الجهمية فإنهم في العلم والكلام ...... ، والعلم يتناول ~~الموجود والمعدوم، فإذا وصفوه بهذه السلوب وكانت إنما تطابق المعدوم لم ~~يضرهم إذا كان الذي أثبتوه معدوما، فإنهم لا يعبدون شيئا، كما أخبر السلف ms1487 ~~بذلك عنهم. فمتكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، PageV08P136 # ومتعبدتهم يعبدون كل شيء. # ولقد كان في مبدأ دولة التتار: ابن الخطيب متكلم المعطلة والجهمية ~~والزنادقة، وابن العربي متصوفهم وعارفهم، فاتفقا على جحد رب العالمين الذي ~~أنزل الكتاب وأرسل الرسل، وإن كانوا قد أقروا بما ظنوا أنه هو، وحاروا فيه، ~~فإن الحيرة ظاهرة عليهم، لما هم فيه من التناقض. واختلفا بعد ذلك. فالأول ~~أثبت العالم لكن بالكلام الباطل، والثاني لم يثبت العالم لكن بالعقل ~~الفاسد. # فتدبر هذا واجمعه مع ما قدمته من القواعد يتبين لك الأمر. والله أعلم. # وكذلك أهل الحلول الخاص إخوان أهل الاتحاد الخاص، كما افترقت النصارى في ~~المسيح، فإن النسطورية قالوا بحلول اللاهوت في الناسوت، واليعقوبية قالوا ~~باتحاد اللاهوت والناسوت، والملكانية قالوا بالاتحاد من وجه دون وجه. ~~الأولون شبهوه بالماء في الإناء، والآخرون شبهوه بالماء واللبن، والملكانية ~~شبهوه بالنار في الحديد، فقالوا: هما جوهر واحد وأقنومان. # ثم هؤلاء أهل الاتحاد المخصوص يحتاجون أن يقولوا: إن الرب والعبد اتحدا ~~بعد أن كانا اثنين، وأن اللاهوت اتحد أو امتزج أو اختلط أو اتصل بالناسوت ~~بعد أن لم يكن كذلك. # وأما أهل الاتحاد المطلق فإن لفظة الاتحاد عندهم ليست مطابقة PageV08P137 # لمذهبهم؛ فإنه عندهم ما زال واحدا ولا يزال، لم يكن شيئان فصار واحدا، ~~ولكن كانت الكثرة والتفرق في قلب الإنسان لما كان محجوبا عن شهود هذه ~~الحقيقة، فلما انكشف الحجاب عن قلبه شهد الأمر، فالمراتب في اعتقاده ~~وخياله، وأما الكثرة والتفرق الموجود في الخارج فهو عندهم بمنزلة أجزاء ~~الكل أو جزئيات الكلي، كما تقدم. # وهؤلاء إذا أنشد شعر بعضهم بصوت ملحن كشعر التلمساني وبعض شعر ابن ~~إسرائيل، مثل قوله: # وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هذا السر من هو ذائق # وقوله: # وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ... لأني في التحقيق لست سواكم # كان هذا من سماع الذي هو سبب الكفر. # وأما المجمل من الحروف والأصوات فمثل كثير من المنطق والكلام، ومثل ~~الأشعار التي فيها ذكر الحب مطلقا بتوابعه من الهجر والوصل ms1488 والصدود والشوق، ~~مثل كثير من شعر ابن الفارض؛ فإن تلك القصيدة يتقبلها الزنديق التلمساني ~~ونحوه ممن يقول: إن الله هو وجود PageV08P138 # المخلوقات. وقد نقلها قوم صحيحو الاعتقاد من الصوفية، وأخذوا ما فيها من ~~وصف الحب وأهله، وتنازع الفريقان قوله: # ولي من أتم النظرتين إشارة ... تنزه عن رأي الحلول عقيدتي # فأولئك المنافقون يقولون: إنه صعد عن الحلول إلى الاتحاد، بل إلى وحدة ~~الوجود، فإن الحلول فيه حال ومحل، وهذا يثبته، وإنما الوجود شيء واحد، فهذا ~~أراد. وهؤلاء المؤمنون يقولون: بل أراد إثبات عبوديته لله، وأنه لا يحل ~~مخلوقاته، بل هو بائن من خلقه، كما هو مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة. # لكن من تأمل بقية هذه القصيدة، وتأمل هذه الأبيات وما بعدها وجدها صريحة ~~في مذهب الاتحادية المنافقين الفرعونية القرامطة، وعلم أن نفسه ونفس ~~التلمساني هو نفس ابن العربي، وأن هؤلاء كلهم قولهم كفر صريح معلوم فساده ~~بالاضطرار العقلي والشرعي والاضطرار الذوقي أيضا، ولكن لكثرة ما يصفون جنس ~~الحب يبقى في كلامهم إبهام. # وكذلك الأصوات المثيرة للوجد والطرب تحرك كل قلب إلى مطلوبه، فيشترك ~~فيها: محب الرحمن، ومحب الأوثان، ومحب الصلبان، ومحب النسوان، ومحب ~~المردان، ومحب الأوطان، ومحب الإخوان. ولهذا لم تجئ الشريعة بهذا السماع، ~~ولا فعلها القرون الثلاثة PageV08P139 # الفاضلة، بل هو محدث في حدود أواخر المائة الثانية، ولهذا امتنع عن حضوره ~~أكابر العارفين وأئمة العلم وأهل الاتباع للشريعة، ونهوا عنه. # وقد حضره جماعات من المشايخ الصالحين وأهل الأحوال، لما تثير فيهم من ~~وجدهم الكامن، فيثير العزم الساكن، ويهيج الوجد القاطن. وكانوا في حضوره ~~على درجات، وشاركهم فيه جماعات من أهل البدع والضلالات، وإن كان لهم أحوال ~~فيها كشوف وتأثيرات، تنتج لهم أحوالا غير مرضية للرحمن، مثل تحضير أهل ~~الكفر والفسوق والعصيان، ومثل مغالبة بعضهم بعضا، والسعي في سلب إيمانه أو ~~حال إيمانه، أو غير ذلك من أنواع البغي والعدوان، فدخلوا بذلك في الإعانة ~~على الإثم والعدوان، وفرطوا فيما أمروا به من الإعانة على البر والتقوى. # وصار بسبب كونه مشتركا يشترك فيه ms1489 المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصديق ~~والزنديق، بمنزلة من بنى معبدا مطلقا يتعبد فيه كل أهل ملة ونحلة، فيجتمع ~~فيه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس والمشركون والصابئون، كل يصلي إلى ~~قبلته، ولا ينهى بعضهم بعضا، وجعل لهم فيه مطاعم وملابس. فقد يتفقون لما ~~فيه من القدر المشترك من المطعم والملبس والمسكن، ويتفاوتون لما فيه من ~~اختلاف مقاصدهم ونياتهم ووجههم، فإن وجه القلوب أعظم تفاوتا من وجه ~~الأجساد. PageV08P140 # ولهذا اتفقت الأنبياء والمرسلون على أن وجهة قلوبهم إلى الله وحده لا ~~شريك [له]، كما قال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ~~وادعوه مخلصين له الدين} [الأعراف:29]، وقال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن ~~أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا، واتخذ الله إبراهيم ~~خليلا} [النساء:125]، وقال تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ~~أو نصارى، تلك أمانيهم، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم ~~وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ~~[البقرة:111 - 112]. # وأما وجهة الأبدان فقد قال: {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة:148]، وقد عمم ~~حيث قال: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة:115]. # ثم الدخول في الحروف والأصوات المجملة والاشتراك فيها يوجب فسادين: # أحدهما: سقوط خاصية الحروف والأصوات المشروعة لنا المختصة بنا، التي وجبت ~~علينا أو استحبت لنا، وفضلنا بها على غيرنا. # الثاني: الخروج من المجمل المشترك إلى المفصل المختص بأهل الكفر والنفاق، ~~كما وقع في ذلك خلائق كثيرون، حتى إنه في المجمع PageV08P141 # الواحد ينشد البيت المجمل والبيت الكفري. والله سبحانه أعلم وأحكم. # ومما يتعلق بهذا أن أصل الصابئة الحروف والأصوات المجملة المشتركة، كما ~~فعله ابن سينا متكلم الصابئة في الإسلام في كتبه الصابئية «كالإشارات»، ~~فإنه افتتحها بالكلام في المجمل والمشترك وهو المنطق، وختمه بالعبادة ~~والسماع للصوت المطلق المشترك. كما يتكلمون في علم الموسيقى، وهو الصوت ~~المجمل المشترك، فالحروف المنطقية المجملة والأصوات النغمية المجملة هي دين ~~الصابئة، لا توجب الإسلام ولا تحرمه، ولا تأمر به ولا ms1490 تنهى عنه، وقد تنفع ~~تارة وتضر أخرى. والأصل فيها أنها غير مشروعة ولا مأمور بها. والله أعلم. PageV08P142 ### || CHECK 30 - فصل: في بعض الشرح والتقرير لقاعدة السنة والجماعة # فصل # في بعض الشرح والتقرير لقاعدة السنة والجماعة وقوله: {يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا} [النساء:59]، فإن هذه الآية تتضمن الأمر بالسنة والجماعة، فإن ~~قوله: {وأولي الأمر منكم} هو الجماعة، وقوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول} هو السنة. # قد قررت في غير هذا الموضع أن الدين أمر ضروري لبني آدم، لا يمكن أن ~~يعيشوا في الدنيا إلا بدين يتضمن أمرا ونهيا؛ لأن الإنسان لا بد أن يجتلب ~~إلى نفسه المنفعة ويدفع عنها المضرة، وهذا هو الأمر والنهي، وهو الدين ~~العقلي الذي لا ينكره أحد. # ثم إن كثيرا من جلب منافعه ودفع مضاره لا يتم به وحده، بل لا بد من ~~التعاون على ذلك من بني آدم، فإن أصل جلب المنفعة له: الطعام، وأصل دفع ~~المضرة عنه: اللباس المتصل، وهو الثياب والجنة، والمنفصل وهو السكن. ولهذا ~~امتن الله في سورة النحل بنعمه المتضمنة للمطاعم والملابس من النوعين، فقال ~~تعالى: {والأنعام خلقها، لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) ولكم فيها} ~~إلى قوله: {هو الذي PageV08P143 # أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون} [النحل:5 - 10]. # فذكر في أول السورة أصول النعم، كما قال: {وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها، إن الله لغفور رحيم} [النحل:18]، وذكر في أثنائها من اللبن والعسل ~~والأكنان والظلال والخيام ووقاية البأس والحر ما هو كمال النعم وتمامها، ~~ولذلك قال: {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} [النحل:81]. ولهذا -والله ~~أعلم- ذكر في أول السورة ما يدفئ فيدفع البرد، وذكر في أثنائها ما يدفع ~~الحر والبأس، فإن البرد يقتل والحر يؤذي، وقد يمكن الإنسان أن يعيش في ~~البلاد الحارة بلا لباس عيشا ناقصا، كما قد يسلم في ms1491 الحرب بلا سرابيل، وأما ~~البلاد الباردة فلا يعيش فيها الإنسان إلا بما يدفئه. وكذلك سكن البيوت ~~وبيوت الأنعام كل ذلك من تمام النعمة. # وإذا كان ابن آدم مضطرا إلى الطعام واللباس، والواحد لا يقدر أن يصطنع ~~جميع حاجته من الطعام واللباس، كان حاجته إلى مثله ضرورية، فيكون اجتماعهم ~~ضروريا، وإذا اجتمعوا فلا بد من واحد يكون هو مبدأ حركتهم فيما يأتونه ~~ويذرونه من جلب المنافع ودفع المضار، فكانت الإمارة فيهم ضرورية. ولهذا ~~أوجب النبي صلى الله عليه وسلم في PageV08P144 # السفر أن يؤمروا أحدهم، وهو أقل جماعة في أدنى اجتماع، فصارت الجماعة في ~~حقهم رحمة والفرقة عذابا. # وإذا كانت الجماعة والإمارة فيهم ضرورية لجلب المنفعة ودفع المضرة، ~~والمنفعة لا تجتلب إلا بأموال، والمضرة لا تندفع إلا بقوة، ومن المضرة ما ~~يعادي بني آدم من السباع وغيرها، وفي طباع بعضهم من البغي والعدوان ما يوجب ~~أنه إن لم يدفع وإلا ضر الباقين= كانوا مضطرين إلى رعاية الأموال ودفع ~~الأعداء، وكانوا أيضا في بقاء جنسهم مضطرين إلى النكاح، وإذا مات الميت ~~منهم وكلهم محتاج إلى ماله فلا بد من سبب يوجب تخصيص أحدهم. # ولا بد لهم أيضا من دين وإله تعبده قلوبهم، يجتلبون منه المنفعة ~~ويستدفعون به المضرة، فإن هذا من الضروريات اللازمة لهم، فإن أحدهم يحتاج ~~إلى ما هو خارج عن قدرته، فلا بد له من إله يطلب ذلك منه. # فهذه الأمور وأمثالها لو وكل فيها كل واحد إلى رأيه. PageV08P145 # وكذلك هم متحركون بأرواحهم حركة دائمة، فلا بد لهم من إله صمد هو إلههم ~~الذي هو معبودهم ومنتهى حركاتهم وإراداتهم. # فثبت بذلك أنهم محتاجون إلى الاجتماع، وبعضهم محتاج إلى بعض لجلب المنفعة ~~ودفع المضرة، ومحتاجون إلى ما يطلبون منه الحوائج الخارجة عن قدرتهم، وهو ~~ربهم، وإلى إله هو الغاية والنهاية التي لها يعبدون، ولها يصلون ويسجدون، ~~وإليها يصمدون ويقصدون، وهو إلههم. # وذلك كله لا يقوم إلا برأس يعلمهم ويأمرهم، ويقيمهم على سنة وقانون في ~~أنواع الحاجات ومقاديرها، وأنواع المنافع ومقاديرها، فإن ذلك ms1492 إن لم يضبط ~~لهم وإلا انتشر الأمر وفسدت أحوالهم. وهذا الأمر لما كان ضرورة في جميع بني ~~آدم ألهموه كما ألهموا الأكل والشرب والنكاح. فلا بد لكل طائفة من سيد مطاع ~~ورئيس وإمام، وإن تنوعت أسماؤه ومراتبه، إما ملك وإما أمير وإما شيخ وإما ~~مفت وإما قاض وإما مقدم وإما رئيس قرية، إلى غير ذلك من الأسماء. وكل طائفة ~~فلا بد لها من أن توالي أولياءها وتعادي أعداءها. # فمعلوم بالعلم اليقين أن السيد المطاع الذي بعثه الله وأنزل إليه من ~~الهداية والعلم والكلام ما يصلح به الناس أحق بأن يتبع ويطاع ويوالى وليه ~~ويعادى عدوه، وهم رسل الله المبعوثون إلينا لوجوه: # أحدها: أن هدايتهم وإرشادهم وأمرهم ونهيهم هو هداية الله PageV08P146 # وإرشاده وأمره ونهيه، والله أعلم العالمين وأرحم الراحمين وأحكم ~~الحاكمين. فالإسلام له وإسلام الوجه إليه أولى من الإسلام لغيره وإسلام ~~الوجه إليه. # الثاني: أن هذه الهداية والرئاسة كاملة العلم، ليس فيها نقص علمي، كما ~~يدخل النقص في سائر الرئاسات التي ..... الناس بآرائهم. # الثالث: أنها كاملة الرحمة، لا تدع منفعة إلا جلبتها بحسب الإمكان، ولا ~~مضرة إلا دفعتها بحسب الإمكان، بخلاف الرئاسات التي لا تكمل فيها رحمة ~~الخلق ومحبة الخير، بل يكون فيها كبر وقسوة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «ستكون نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة نبوة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم ~~ملك وجبرية، ثم ملك عضوض». # الرابع: أنها كاملة الغنى، {قل لا أسألكم عليه أجرا} [الأنعام:90]، فليس ~~فيها هوى نفس، بخلاف الرئاسة التي فيها هوى، إما هوى السلطان وإما هوى المال. # الخامس: أنها كاملة القدرة والسلطان، فإن ناصرها ومؤيدها هو الله، كما ~~قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا PageV08P147 # ويوم يقوم الأشهاد} [غافر:51]، {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} ~~[المجادلة:21]. # فهذا بعض ما يبين أن العاقل عليه أن يجعل كل رئاسة وإمامة، سواء كانت ~~علمية كالفقه والكلام وغيرهما، أو دينية كالفقر والتصوف والتعبد وغيرها، أو ~~حربية كالملك والإمرة، أو مالية كالوزارة والخراج، إلى غير ذلك، ms1493 يجعلها ~~جميعها تابعة للكتاب والسنة، ولا يتقدم بين يدي الله ورسوله في شيء من ~~المراتب، فذلك خير وأحسن تأويلا. # ولهذا أمر ولاة الأمر -وهم أرباب المراتب والرئاسات كائنة ما كانت- بالرد ~~إلى ذلك، وبين أن ذلك خير وأحسن عاقبة في قوله: {يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}. # وهذا الذي ذكرناه تقرير لبعض مضمون هذه الآية. PageV08P148 ### || CHECK 31 - فصل: قال تعالى: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ...} # [فصل] # قال تعالى: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن ~~حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى ~~عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} [مريم:58]، وقال تعالى: {آمن الرسول ~~بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق ~~بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} ~~[البقرة:285]. # وفي الحديث الصحيح أنه لما أنزل الله {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} ~~[البقرة:284]، شق ذلك عليهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أتريدون ~~أن تقولوا كما قال اليهود أو أهل الكتاب: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا ~~وأطعنا»، فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما ذلت بها ~~ألسنتهم أنزل الله الآية الأخرى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} إلى قوله: {ربنا لا تؤاخذنا ~~إن نسينا أو أخطأنا} قال: قد فعلت. {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا} قال: قد فعلت. {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ~~كذلك إلى آخرها. PageV08P149 # فهؤلاء المؤمنون لما سمعوا وأطاعوا خفف عنهم وحط عنهم الإصر الذي حمل على ~~من كان قبلهم، وأولئك لما عصوا واعتدوا وقالوا: قلوبنا غلف، قال تعالى: ~~{فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [النساء:160]، وقال ~~تعالى: {ذلك جزيناهم ببغيهم ms1494 وإنا لصادقون} [الأنعام:146]، ثم قال: {لكن ~~الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} ~~[النساء:162]. إذ قد أخبر أن منهم من لا يعلم الكتاب إلا أماني، ومنهم من ~~يحرفه من بعد ما عقله، ومنهم من يكذب ويكتم ويلوي لسانه ويكتب بيده، وأنهم ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وهؤلاء وإن ذكر لهم علم فليسوا براسخين في ~~العلم، إذ الرسوخ في العلم يقتضي الثبات والاستقرار فيه، وذلك مستلزم ~~لاتباعه والعمل به، كما قيل: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. # وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا تلازم العلم التام والعمل، وأنهما ~~حيث لم يتلازما فلضعف العلم، مثل علم الرواية باللسان. وفي مراسيل الحسن: ~~«العلم علمان، علم في القلب وعلم على اللسان، فعلم القلب العلم النافع، ~~وعلم اللسان حجة الله على عباده». PageV08P150 # وقال تعالى: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا، وما ~~يذكر إلا أولو الألباب} [آل عمران:7]. وقد يحتج من يقف عند قوله: ~~{والراسخون في العلم} كمجاهد وابن قتيبة، ويذكر رواية عن ابن عباس، على ذلك ~~بأنه سبحانه لم يقل هنا: «والمؤمنون والراسخون في العلم يقولون آمنا به» ~~كما قال في تلك الآية: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما ~~أنزل إليك} الآية. فلو لم يكن المقصود بالآية إلا الخبر عنهم بأنهم قالوا: ~~آمنا به، لأخبر بذلك عن جميع المؤمنين كما في نظائره، مثل قوله: {وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الإسراء:82]، وقوله: {فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم} [التوبة:124 - 125]. # وقد يجيب الجمهور الذين يقفون عند قوله: {إلا الله} وقد نقل هذا المعنى ~~عن أبي وابن مسعود وابن عباس وعائشة والجمهور، بأن هذا الموضع كقوله في ~~سورة الحج: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته، والله عليم ~~حكيم (52) ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ~~قلوبهم، وإن الظالمين لفي شقاق PageV08P151 # بعيد (53) وليعلم الذين أوتوا العلم ms1495 أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له ~~قلوبهم، وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} [الحج:52 - 54]، فإنه ~~ذكر الذين أوتوا العلم هنا فقط، كما قال هناك: {والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به كل من عند ربنا}. # وإنما ذكر أهل العلم في هذين الموضعين لما فيه من الشبهة بما ألقاه ~~الشيطان في أمنيته وما نزل [من] المتشابهات، فكأن الخبر بالإيمان وأن ~~الجميع من عند الله عن أهل العلم دليل على بطلان الشبهة والعلم بأنه لا ~~حقيقة له، ولا مانع أن يكون إذا قال هذا من هو راسخ في العلم أن لا يقوله ~~غيره. يبين ذلك أنه على الوقفين إنما أخبر بقولهم فقط مهنئا بهم اختصوا ~~بعلم تأويل القرآن، وأخبر بقول: {آمنا به كل من عند ربنا} عنهم وحدهم، مع ~~أنه قول كل مؤمن، إذ المقصود أن العلم يوجب هذا القول، ومن لم يقله وإن كان ~~له نصيب من العلم فليس براسخ فيه. فاليهود الذين أوتوا العلم فلم يؤمنوا ~~بمحمد إيمانهم ليسوا راسخين في العلم. # وأما تلك الآية فإنما قال: {لكن الراسخون في العلم منهم} أي من أهل ~~الكتاب {والمؤمنون} هم المؤمنون من العرب وغيرهم الذين ليسوا أهل كتاب، فإن ~~هؤلاء وإن كانوا بعد مبعث محمد صاروا أو بعضهم أرسخ في العلم من أولئك، ~~فإنهم لم يكونوا قبل سماع القرآن أهل علم بالكتاب، كما كان عند أولئك علم ~~علموه من غير القرآن. PageV08P152 # وقد يقال: الوقفان كالقراءتين، وقد يقرأ في المكان الواحد بالنفي ~~والإثبات باعتبارين، كقراءة من قرأ {لتزول} و {لتزول منه الجبال}، وكالتي ~~فيها الخبر والأمر. وعلى هذا فيكون هنا تأويلان: فتأويل يعلمه الراسخون، ~~وتأويل لا يعلمه إلا الله، وهذا فيه جمع بين أقوال الصحابة والتابعين ~~والأئمة رضي الله عنهم. # وقد تكلمنا على هذه الآية في غير هذا الموضع وذكرنا أن معنى لفظ التأويل ~~الذي جاء به القرآن غير معناه في عرف المتأخرين، وذكرنا الاصطلاحات فيه ~~والفرق بينه وبين التفسير. وللإمام أحمد كتاب «الرد على الزنادقة والجهمية ~~مما تأولت فيه ms1496 من متشابه القرآن»، تكلم على الآيات كلها وبين معناها، فمعنى ~~الخطاب وتفسيره يعلمه العلماء، وهذا يسمى تأويلا، وأما الحقائق الموجودة في ~~الخارج مما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، كما قال: {هل ينظرون إلا ~~تأويله يوم يأتي تأويله} [الأعراف:53]، فتلك لا تعلم إلا بمشاهدتها ~~......... وليس لها في هذا العلم ما يناظرها من كل وجه، فلا يعلم حينئذ إلا ~~من بعض الوجوه، فيجوز أن يكون لا يعلمه، قال تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي ~~لهم من قرة أعين} [السجدة:17]، وإن علم أنها قرة أعين فإنها لا تعلم في ~~الدنيا. PageV08P153 # فنفي العلم من وجه وإثباته من وجه حق، وعلى هذا فيصح إثبات علم التأويل ~~للراسخين من وجه ونفيه من وجه، فيصح الوقفان. # وقال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} [التوبة:101]، ومعلوم أنه قد أعلمهم بنوعهم ~~ووصفهم وأنهم من أهل المدينة والأعراب، لكن لا تعلم أعيانهم. وقال تعالى: ~~{قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب} [الأنعام:50]، نفى قوله ~~أنه يعلم الغيب المطلق، وإن كان الله قد أعلمه مما غاب عن غيره شيئا كثيرا. ~~وقال تعالى: {فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول} [الجن:26 ~~- 27]، وكذلك قوله: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} ~~[النمل:65]، وقوله: {تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في ~~العذاب المهين} [سبأ:14]. # وقد قال يعقوب ليوسف: {وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث} ~~[يوسف:6]، وقال: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما ذلكما مما علمني ربي} [يوسف:37]، أي قبل أن يأتي التأويل، وقال ~~أولئك: {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} [يوسف:44]، ومعلوم التأويل قبل ~~مجيئه، وإنما علمه بالوصف كما يعلم بالوصف PageV08P154 # تأويل القرآن المذكور في قوله: {هل ينظرون إلا تأويله}، ألا ترى أن كيفية ~~الحدث المدركة بالعيان لم تكن معلومة بمجرد الخبر، فإن المخبر ليس ..... . # والتأويل في خبر ابن عباس المراد به تأويل الأمر والنهي، ms1497 كما قال ابن ~~عباس: السنة تأويل الأمر والنهي. فإن الخطاب نوعان: إخبار وإنشاء، فالإنشاء ~~كالأمر والنهي والتحليل والتحريم يعلم العلماء تأويله وتفسيره، إذ لا بد من ~~فعل المأمور به وترك المنهي عنه، وذلك لا يكون إلا بعد علمه، بل لا بد من ~~علم المأمور به مفصلا. # ومن هذا قول عائشة: كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم وبحمدك» ~~يتأول القرآن. فقد يقال: اللام في التأويل للتأويل المعهود، وهو تأويل ~~الأمر، وعلى هذا أيضا قد يحمل قول جابر في حديث صفة الحج الذي في مسلم، ~~قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف ~~تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهل بالتوحيد: «لبيك الله لبيك، لبيك ~~لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك»، وأهل الناس بهذا ~~الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا منه، ولزم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تلبيته. PageV08P155 # فقوله: «وهو يعرف تأويله» يشبه قوله: «وعلمه التأويل»، إذ قد يقال: ~~ظاهرهما العموم وقد يدعى الاختصاص بالأمر والنهي وقد خالفه التأويل. وهو ~~مثل حديث سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {قل هو القادر ~~على أن يبعث عليكم عذابا} الآية [الأنعام:65]، قال: «إنها كائنة، ولم يأت ~~تأويلها بعد». لكن ليس فيه أنه كان يعلم هذا التأويل. # لكن يقال: الخبر عما كان في الدنيا مثل قصص الأنبياء ومن آمن بهم ممن ~~لديهم علم تأويلها العلماء، إذ لم يبق لها مخبر آخر يجيء فينتظر، وإن لم ~~يعلم معاينة فله نظير علم منتظر، وكذلك ما سيكون في الدنيا من حوادث فإن ~~علم تأويلها قبل كونه مثل علم تأويل تلك بعد كونه ..... الأمور الحاضرة، ~~والخبر عن الملائكة والجن والنار، فهذا من الخبر عما سيكون. # ومما ينبغي أن يعرف أن نفس علم التأويل ليس عاما في الدنيا والآخرة، فإنه ~~ما من شيء أخبرنا به في القرآن إلا ولا بد [أن] نعلمه. فقوله: {وما يعلم ms1498 ~~تأويله إلا الله} إذا وقف هنا لا يراد به: لا نعلمه مطلقا؛ لأن الناس لا بد ~~أن يعلموه في الآخرة، حتى أن يروا ربهم في الدار الآخرة، وهذا أكمل طرق ~~العلم. PageV08P156 # وأيضا فالملائكة تعلم من أحوال أنفسها وما وكلت من أمر الجنة والنار وغير ~~ذلك ما هو من الأمور المخبر بها مما هو من تأويله كذلك، فصار علم تأويله ~~حاصلا لبعض الأصناف وفي بعض الأزمنة ....... لا يعلم به، وهذا يقوي أن ~~للمخلوق شيئا من علم تأويله في الجملة، وإن عدم علم بعضهم أو العلم في بعض ~~الأوقات فلا ينفيه مطلقا. # وأيضا فإن الله ذم متبعي المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فالذم ~~حصل بهذين الوصفين، ولو كان علم التأويل مما قد أيس منه الخلق كلهم لكان ~~طالبه مذموما وإن لم يبتغ الفتنة، وكان في قلبه زيغ أو لم يكن. والذم إذا ~~وقع على من يتبعه يبتغي هذا ويبتغي هذا، ولا ريب أن هذا مذموم، وذمه في ~~ابتغاء تأويله لكونه متعذرا من غير جهة الراسخين في العلم، وقد لا يجد ~~الراسخين أو لا يكون منهم فلا يرى علمه. # وأيضا فهم يتبعون المتشابه أي يتحرونه، كما في الحديث المتفق عليه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه ~~فأولئك الذين سمى الله فاحذريهم». وهذا صبيغ بن عسل الذي ضربه عمر ونفاه ~~وأمر بهجره حتى مات بعد حول. وقد روي أنه سأل عن PageV08P157 # الذاريات ونحوها. وهذا قوي إذا جعل المتشابه من الأمور النسبية، أو قد ~~يتشابه على هذا ما لا يتشابه على غيره. وكلام الإمام أحمد في الرد على من ~~تأول المتشابه على غير تأويله يوافق هذا، فإن الآيات المذكورة إنما تشابهت ~~على بعض الناس، ولما تبين وجهها زال التشابه، ومن فسر فقوله لآية بأنه من ~~المتشابه قوبل هذا بأن القرآن كله محكم، كما قال: {أحكمت آياته ثم فصلت} ~~[هود:1]، وهنا قد وصف بالإحكام بعضه، كما أنه قد وصف كله بأنه متشابه، وهنا ~~وصف بالمتشابه بعضه، فعلم ms1499 أن لفظ المتشابه فيه نوع اشتراك وإجمال، وكذلك ~~لفظ الإحكام، وقد قال في الآية الأخرى: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم ~~يحكم الله آياته}. PageV08P158 ### || CHECK 32 - فصل: في المثل والكفو في الكتاب والسنة ولغة العرب # [فصل] # في المثل والكفو في الكتاب والسنة ولغة العرب # قال تعالى: {يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد:38]، وقال: ~~{أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} [يس:81]، وقال ~~تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة:95]، وقال: {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها} [الشورى:40]، وقال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ~~[النحل:126]، وقال: {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة:194]. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ~~ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل» وذكر الحديث. # وقال عمر بن الخطاب: لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا في الأكفاء. # وذكر الفقهاء المكافأة في النكاح وفي القصاص وفي محلل الرمي، فهناك يعتبر ~~كون الزوج كفؤا، وفي القصاص أن يكون المقتول كفؤا، PageV08P159 # وفي السباق أن يكون المحلل يكافئ فرسه فرسهما ورميه رميهما. # وذكروا المماثلة في ضمان الأموال بالغصب والإتلاف، فإذا كان المال مثلها ~~وهو المكيل والموزون ضمن بمثله، وفي غيره خلاف. وكذلك في الربا العلة ~~التماثل في المشهور عندنا، فلا تباع المثليات وهي المكيل والموزون إلا مثلا بمثل. # وقالت عائشة: مثلي يغار على مثلك يا رسول الله! # وقال حسان بن ثابت: # أتهجوه ولست له بمثل ... فشركما لخيركما فداء # [كل] هذا يدل على أن الأجسام ليست متماثلة في الكتاب والسنة ولغة العرب، ~~وأن الهواء ليس مثل النار، ولا النبات مثل الحيوان، وأن ما اصطلح عليه بعض ~~المتكلمين إما أن يكون فاسدا في المعنى، وإما أن يكون اصطلاحا ليس هو لغة ~~العرب، فلا يجوز حمل نصوص الكتاب والسنة وكلام السلف على اصطلاح حادث مخالف ~~لاصطلاحهم. # ويعرف بهذا أن تسميتهم مثبتة الصفات مشبهة أو ممثلة إنما على ما حدوا به ~~التماثل و ...... في الحدود التي خرجوا بها عن حدودها PageV08P160 # في الكتاب والسنة وكلام ms1500 السلف والعرب. وحينئذ فلا بد ....... في نصوص ~~الكتاب والسنة، فلا يصف [الله إلا] باسم ليس في الشرع ما يذمه، فإن الذي ~~حمده زين وذمه شين هو الله ........ # وقوله في حديث الصورة: «لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه ~~وجهك» يدل على أنه ليس ممتنعا من كل وجه كما هو قول ......... PageV08P161 ### || CHECK 33 - أصل كلي جامع [في الشهادتين] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا [إله إلا الله وحده لا شريك] له، ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله [عليه وعلى آله وسلم]. # أصل كلي جامع أول آخر، قال الله تعالى لرسوله: {قل يا أيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ~~ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه ~~لعلكم تهتدون} [الأعراف:158]. أمره أن يخبر في هذه الآية أنه رسول الله ملك ~~العالمين إلى الناس جميعا، الذي لا إله إلا هو، وأمر بالإيمان به وبرسوله ~~الذي يؤمن بالله وبكلماته، وذلك يعم الكلمات الكونية والشرعية. # وقد تضمنت هذه الآية أصلي الإسلام، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة ~~أن محمدا رسول الله، وقد قال تعالى: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه} [الحديد:7]، وقال: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) ~~لتؤمنوا بالله ورسوله}، ثم قال: {وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا} ~~[الفتح:8 - 9]. وقال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين ~~من قبلكم} [البقرة: PageV08P162 # 21]، فأمر بعبادة الله تعالى، ثم قال: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا} [البقرة:23]، فأمر بالإيمان بالرسول، وقال تعالى: {فإلم يستجيبوا ~~لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو} [هود:14]، فبين أن ~~عجزهم عن معارضة القرآن يقرر العلم بالرسالة وبالوحدانية. # وهذان العلمان هما أصل الدين: العلم بأن ما أنزل بعلم الله، والعلم بأن ~~لا إله إلا هو. ثم قال: {فهل أنتم مسلمون} إذ الإسلام نتيجة ذلك، وهو ~~الشهادة بأن لا إله إلا الله، وأن ms1501 الذي جاء به محمد هو منزل بعلم الله، ~~وهذا استفهام إنكار يقال لما ...... حجته من طلب وخبر. # وهذا مما تواترت به السنة تواترا أبلغ من جميع التواترات، وانعقد عليه ~~إجماع الأمة المعلوم بالاضطرار بين عامها وخاصها، ففي الصحيحين عن معاذ بن ~~[جبل أن] رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال له: «إنك ~~تأتي قوما أهل كتاب [فليكن أو] ل ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم ~~خمس صلوات» الحديث. # وفيهما عن أبي هريرة وابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، PageV08P163 # وفي حديث ابن عمر: «ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». وفي حديث أنس: «حتى ~~يؤمنوا بالله وبما جئت به». # وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن عن معاذ: ~~«رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله». ~~وهذا اللفظ أجود من اللفظ الذي يقال فيه: «رأس الأمر وعموده وذروة سنامه ~~الجهاد». # وفي حديث عكرمة بن أبي جهل لما أسلم أنه قال له: علمني ما أقوله، فقال: ~~«يا عكرمة، قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، فقال، ~~فأعادها عليه. # ولهذا كانت الشهادتان ركنا في شعار الإسلام الذي هو الأذان والإقامة، وفي ~~تشهد الصلاة التي هي عماد الدين، وفي الخطب جميعها. قال صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة PageV08P164 # قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل خطبة ليس فيها تشهد فهي ~~كاليد الجذماء» قال الترمذي: حديث حسن غريب. # وفي المسند في حديث الأسود أن الله قال له: «[{ورفعنا لك] ذكرك}، فلا ~~أذكر إلا ذكرت معي، ولا يصح لأمتك الخطبة و [الصلاة إلا بشهادة] أنك عبدي ms1502 ~~ورسولي». # وهي مشروعة عند انقضاء الطهارة، فمن قالها [فتحت له] أبواب الجنة ~~الثمانية يدخل من أيهما شاء. # والخطبة تعم خطب الجمع التي هي أعياد أهل الإسلام الأسبوعية، وتعم خطب ~~الأعياد الح[ولية] كعيد الفطر والأضحى، وخطب الحج، والخطب العارضة، مقرونة ~~بالصلاة كخطبة الاستسقاء، أو مفردة عن الصلاة كخطب الأئمة والعلماء وذوي ~~الحاجات في مخاطبة بعضهم بعضا في أمور الدين والدنيا، كما قال ابن مسعود في ~~الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا [تشهد] قال: PageV08P165 # «الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله ~~فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ~~ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا». # وروى أحمد وأهل السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة: ~~«الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله ~~فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني ~~محمدا عبده ورسوله» ويقرأ ثلاث آيات {اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون} [آل عمران:102]. # وهذه خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان يخطب بها في الجمعة، ~~وخطب بها لما جاءه المتطبب ضماد الأزدي، فروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أن ~~ضمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء [من ~~أهل] مكة يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا [الرجل] لعل الله ~~يشفيه على PageV08P166 # يدي، قال: فلقيه وقال: يا محمد، إني أرقي من هذه [الريح، وإن الله يشفي ~~على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الحمد ~~لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ~~وأشهد ms1503 أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أما ~~بعد». فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم [ثلاث مرات، قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول ~~الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر. قال: فقال: ~~هات يدك أبايعك على الإسلام. قال: فبايعه]، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «وعلى قومك»، قال: وعلى قومي، قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سرية فمروا بقومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئا؟ ~~فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة. فقال: ردوها، فإن هؤلاء قوم ضماد. # ولهذا رجحت أن الشهادة ركن في الخطب الواجبة، كما دلت عليه هذه النصوص ~~وغيرها، ومن العلماء من أصحابنا وغيرهم من يقول: الواجب الصلاة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من خير بين التشهد والصلاة. وكلا القولين ~~ضعيف، فإن النصوص المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا تبين ~~وجوب اشتمال الخطبة على الشهادتين، وأن الاكتفاء عن ذلك بمجرد الصلاة عليه ~~لا يجزئ. # وأيضا فإن الأذكار الواجبة كالأذان والتحية يجب اشتمالها على الشهادتين، ~~ولو عوض عن ذلك بالصلاة عليه لم يجز، فكذلك هذا PageV08P167 # الذكر. # وأيضا فإن الشهادتين أصل الإيمان وفرعه، وأول واجبات الدين وأعظمها، وأما ~~الصلاة عليه فمن فروع الشريعة التي هي زيادة في حقه، فكيف يجزئ الاقتصار ~~على هذا الفرع أو يكون هو الواجب في أمر الرسول دون الأصل الذي لا يتم ~~الإيمان إلا به ....... ؟ ولو صلى الرجل عليه ولم يشهد له بالرسالة لم يكن ~~مؤمنا، ولو شهد له بالرسالة [ولم يصل عليه كان] مؤمنا. # وأيضا فالصلاة عليه من جنس الدعاء والأعمال، لا من جنس العقائد والأصول ~~الخبرية، ولهذا كان شرعها مقرونا بالدعاء، كما في الصلاة عليه أمام الدعاء ~~في الصلاة وفي صلاة الجنازة ونحو ذلك. فأما أصول الكلام وقواعد الخطاب ~~فإنما تشرع معها الشهادتان التي هي الفارقة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، ~~وأهل ms1504 الجنة وأهل النار، وبين السعداء والأشقياء. # ثم هل تجب الصلاة عليه في الخطبة كما تجب في الصلاة عند من يقول بذلك؟ ~~هذا محل اجتهاد، فيحتمل أن يقال به قياسا على الصلاة، ويحتمل أن لا يقال به ~~قياسا على الأذان. مع أن الخطب المنقولة عنه لم تشتمل إلا على الشهادتين، ~~وكذلك الخطبة التي علمها لأصحابه خطبة ابن مسعود، وكذلك قوله: «كل خطبة ليس ~~فيها تشهد فهي كاليد الجذماء». PageV08P168 # وهذا القول أقوى إن شاء الله، فإن الخطبة هي مخاطبة الخطيب للمخطوبين، ~~ومقام المخاطبة للخلق لا يجب فيه الدعاء، وإنما يجب الدعاء في مقام مخاطبة ~~الخالق ومناجاته، ولهذا شرعت الصلاة عليه في الصلاة دون الأذان. نعم إذا ~~دعا الخطيب في خطبته فينبغي له أن يقرن دعاءه بالصلاة عليه، كما قيل بمثل ~~ذلك في الجنازة، فتكون الصلاة عليه واجبة مع الدعاء لا دونه. # ولم يحضرني الساعة أثر فيه اقتران الحمد بالصلاة عليه فقط إلا في كتب ~~المراسلات التي هي مأثورة عن الإمام أحمد وغيره، ففيها: «من فلان إلى فلان، ~~فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل وهو على كل شيء ~~قدير، ونسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما». # ...... ففي هذه الرسائل ذكر الحمد لله والصلاة على رسول الله ...... ~~وشهادة [أن لا إله إلا الله وأن] محمدا عبده ورسوله، .... للشهادة ~~بالرسالة، ويوافقه الحديث المرفوع في السنن: «ما اجتمع قوم مجلسا ثم تفرقوا ~~عنه، ولم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم، PageV08P169 # إلا كان عليهم ترة» ففيه الجمع بين ذكر الله والصلاة على رسوله. # كما جاء في الحديث العمري موقوفا ومرفوعا وعن علي، ولفظه: «الدعاء موقوف ~~بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك». ولو قيل مثل ذلك في الصلاة المكتوبة ~~لكان حسنا، الحديث المأثور يؤيد ذلك. # وأصل هذا أن مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه لا بد في الخطبة من ذكر الله ~~وذكر رسوله، ثم تكلموا في معنى ذكر الرسول بما فصلته. وكذلك يقال في ذكر ~~الله ms1505 أنه معنى الحمد الله، لما رواه أبو داود في السنن عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل كلام لا يبدأ فيه PageV08P170 # بحمد الله فهو أجذم». ورواه أحمد وغيره، وفي رواية: «كل أمر ذي بال لا ~~يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم». وكذلك خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المنقولة عنه مفتتحة بحمد الله، كما افتتح الله كتابه بذلك، وجعل ذلك فاتحة ~~الكتاب التي هي السبع المثاني. # فصل # والشهادة المذكورة هي أول الواجبات في دين الإسلام، كما دلت عليه السنن ~~المتواترة، وكما أجمع المسلمون على أن من قال ذلك صار مسلما، وإذا ....... ~~بقلبه صار مؤمنا، وأنه بدون ذلك لا يقبل منه عمل، وأنه ...... إلى ذلك، ~~وعليه يقاتلون. # وهذا الأمر المتواتر المع[روف] من دين المسلمين الذي أجمعوا عليه خلفا ~~بعد سلف يبين لك خطأ من أوجب قبل ذلك شيئا غيره من المتكلمة، سواء سموا ذلك ~~النظر أو القصد إليه أو الشك أو معرفة الله، إلى غير ذلك من المقالات ~~المبتدعة، بل الأمر هو ما عليه الفقهاء وأهل المعرفة وعلماء الحديث وعوام ~~المسلمين، وهو الذي توارثوه عن نبيهم الذي تلقي الوجوب من جهته توارثا ~~معلوما بالاضطرار، وذلك PageV08P171 # عندهم أظهر وأشهر من جميع الأمور الموروثة عنه. # وإنما نشأ هذا الغلط من المعتزلة الذين أحدثوا الكلام الباطل في الدين، ~~وبنوا ذلك على أن العقل بمجرده يوجب، وأنه يوجب معرفة الله المنعم أولا، ~~وأنه لا طريق إلى ذلك إلا النظر، فقالوا بوجوبه، وقد بسطت القول في هذه ~~المسألة في غير هذا الموضع، وبينت أن المعرفة المجملة داخلة في أول ~~الواجبات، لا أنها بنفسها وحدها وجبت، وأنها وحدها لا بقيد. # والشهادة وإن كانت هي أول الواجبات فهي أفضل العبادات، وأرفع العلوم ~~والمعارف، وأجل القرب والطاعات، وهي قوت المؤمن في كل وقت وحال، وهي ~~للإيمان كالنية للعبادات، وإن اكتفي باستصحاب حكمها فاستصحاب ذكرها هو ~~الأصل، ويجب أن يستصحب ذكره في المواطن التي يستزل الشيطان الناس عن ~~حقيقتها، إما بتأله غير الله أو إخراج ms1506 الرسول عن حقيقة الرسالة، ومزاحمة ~~غيره له، من ملك أو أمير أو عالم أو شيخ أو إمام أو صاحب، فإن هذا يقع فيه ~~خلائق لا يحصون ممن مضى ومن غبر، وهو يخرج عن حقيقة الإيمان وإن كان قد لا ~~يخرج عن أصله. # فصل # وخصائص الشهادتين وعلو قدرها وفضلها كثير جدا، وكذلك فضل التوحيد ~~والتهليل كثير جدا في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، PageV08P172 # كقوله: {مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة} [إبراهيم:24]، وقوله: {لنسألنهم ~~أجمعين (92) عما كانوا يعملون} [الحجر:92 - 93]، وقوله: {من جاء بالحسنة} ~~[الأنعام:160]، وقوله: {وألزمهم كلمة التقوى} [الفتح:26]، وقوله: {وكلمة ~~الله هي العليا} [التوبة:40] إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتب التفسير وكتب ~~الحديث والفقه والرقاق والأذكار والأدعية، كالدعاء للطبراني وغير ذلك. # والمقصود هنا أن هذه الكلمة الطيبة العليا هي لا إله إلا الله، ففيها نفي ~~الإلهية عما سواه وإثباتها له. والإله من يوله رجاء وخشية وإجلالا وإكراما ~~وعبادة واستعانة وغير ذلك من معاني الإلهية، وإن كان طائفة من المتكلمين ~~يعتقدون أن الإله هو الخالق، أو هو الرب، أو هو القديم، وأن الإلهية هي ~~القدرة على الاختراع أو صنع العالم أو نحو ذلك، فهذه كلها صفات لله سبحانه، ~~بها وجب أن يكون الإله. # والإله هو المعبود الصمد المقصود الذي إليه المنتهى، والشرك الذي حرمه ~~الله على ألسن رسله، وحكم بكفر أصحابه عبادة إله سواه، وإن كان العابد له ~~يعتقد ذلك خلقا من مخلوقاته، فإن هذا قول جميع المشركين من جميع الأمم، لم ~~يكن من المشركين من يقول: إن مع الله إلها مساويا له في صفاته أو أفعاله، ~~أو أنه شاركه في خلق جميع المخلوقات، بل جمهور من أشرك به يقر بأن شريكه ~~مملوكه، سواء أشركوا به الملائكة أو الكواكب أو الأنبياء أو الصالحين أو ~~الجن أو PageV08P173 # الأوثان أو الأصنام أو غير ذلك. ومما كانوا يقولون في تلبيتهم: «لبيك لا ~~شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك». ولهذا قال تعالى: {ضرب لكم مثلا ~~من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم ms1507 من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه ~~سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} [الروم:28]. ومن لم يقر بأن شريكه مملوكه ~~-كطائفة من المجوس- يزعم أن الظلمة قديمة مع النور، فهم يقولون إنها ليست ~~مثله ولا تفعل كفعله، بل يجعلون ذلك قديما شريرا ملعونا. # وكذلك الصابئة والمتفلسفة الذين يقولون بتولد الأرواح التي هي العقول ~~والنفوس، والعرب الذين كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، والنصارى واليهود ~~الذين يجعلون المسيح وعزيرا ابن الله، كل هؤلاء يقرون بأنه هو الرب الأعلى ~~الفاعل المدبر لما جعلوه ولده وابنه. # والقرآن قد اشتمل على ذم المشركين به والذين جعلوا له ولدا كقوله: ~~{وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} ~~[الأنعام:100]، وقوله: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك ~~في الملك} [الإسراء:111]، وقوله: {الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ~~ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان:2]، ~~وقوله: {لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد} PageV08P174 # [الإخلاص:3 - 4]. # وكل هؤلاء الذين وجدوا في العالم وكفرهم القرآن ممن جعل له ولدا أو شريكا ~~لم يثبتوا من يساويه من جميع الجهات ....... وقد يعبدون ويعتقدون في هؤلاء ~~الشركاء أنهم شفعاء إليه، أو أنهم يقربونهم إليه زلفى، أو أنهم ينفعونهم ~~ويضرونهم لمعان فيهم، أو يهوون عبادتهم، كالذي قال الله فيه: {أرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه} [الفرقان:43]. # وهذا الاعتقاد الذي اعتقدوه والهوى الذي أحبوه كما قال الله فيهم: {إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} [النجم:23]، ~~فكانوا جاهلين باعتقادهم ظالمين بهواهم، أفسدوا قوتي النفس العلمية النظرية ~~والعملية الإرادية. # وإذا كان المقصود بالشهادة سلب ألوهية ما سوى الله عن القلب حتى لا يعبد ~~الإنسان إلا الله وحده لا شريك له، فمن أشرك به شيئا من مخلوقاته من كوكب ~~أو قمر أو شمس أو ملك أو نبي أو وثن فهو مشرك شركا خاصا، ولهذا تنوع الشرك، ~~فكل قوم من المشركين لهم إله أو آلهة أشركوها به غير إله الآخرين، مثل ms1508 ود ~~وسواع ويغوث ويعوق ونسر واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى والكوكب ~~والشعرى والشمس والقمر والمسيح وعزير وغير ذلك مما ذكره القرآن بعينه أو ~~بنوعه. PageV08P175 # ومن عبد هذه الآلهة كلها أو جوز عبادتها فشركه أعظم، ومن أنكر الله وعبد ~~ما سواه فهو أكفر وأكفر، فهؤلاء الاتحادية الذين يزعمون أن الله هو الوجود ~~هم يشركون به جميع خليقته إن أقروا بوجوده وزعموا أن وجوده فاض عليها، وإن ~~زعموا أنه هو الوجود المطلق، أو أنه هو عين الموجودات فهم مشركة معطلة شركا ~~عاما ....... ، فإن من هؤلاء من يقصد عبادة الله وحده .... في معرفته، ~~ويقصد اتباع الرسول، وإن غلط في معرفة دينه، فهم من جهة ما وافقوا فيه ~~الرسول خير من الكفار، ومن جهة ما خرجوا به عن دينه قد يكون بعضهم شرا من ~~بعض الكفار. # ولهذا يذكر عن ابن العربي أن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا، وقال في ~~«الفصوص» في فص نوح: لما عظم قومه وذكر أنهم كانوا عارفين فقالوا: {لا تذرن ~~آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} [نوح:23]، فإنهم إذا ~~تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود ~~وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله. وفي المحمديين: {وقضى ربك ألا تعبدوا ~~إلا إياه} [الإسراء:23] أي حكم، فالعالم يعلم من عبد وفي أي صورة ظهر حتى ~~عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية PageV08P176 # في الصورة الروحانية. فما عبد غير الله في كل معبود. فالأدنى من تخيل فيه ~~الألوهية، والأعلى ما تخيل بل قال: هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه، فلا يقتصر. ~~وله من هذا الجنس كلام كثير. # وحدثني ابن سالار عن ابن إسرائيل أن الحريري قال له: مذهب من نفى الصانع ~~مذهب صحيح، فأنكرت ذلك، فأشار إلى أن الصانع هو الصنع، فوافقه على ذلك، وأن ~~ابن سالار حكى ذلك للأيكي فاستحسن ذلك جدا، وقال له: يا ناصر الدين! من أين ~~لك هذه الفوائد الدقيقة؟ أو كلاما هذا معناه. # ولهذا كلاهما ms1509 وطائفتهم تستحسن الغناء الذي ينبت النفاق قي القلب، حتى ~~إنهم يشتغلون به عن الصلوات في مواقيتها، مع أن هذا قد يفعله من عقيدته في ~~التوحيد صحيحة. فأما هؤلاء فاتحادية في اعتقادهم إباحية في أفعالهم، أخبث ~~من شرار النصارى الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق. بل هؤلاء القوم أعظم شركا بالله من ~~النصارى وعباد الأصنام، فإن أولئك أشركوا به شيئا معينا من مخلوقاته، ~~وهؤلاء أشركوا به كل المخلوقات. وإذا عبدوا الوجود المطلق فهو القدر ~~المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وعبادة القدر المشترك هو عين الإشراك ~~به، لكن زادوا على إشراك وجود كل ما سواه به أنهم أنكروا حقيقته التي هي ~~هو، فجمعوا بين نفيه وجحوده وبين الشرك به كما بينا. PageV08P177 # وهذا قول القونوي والتلمساني وابن سبعين وغيرهم ممن لا يجعل له وجودا ~~متميزا عن وجود مخلوقاته، بخلاف قول ابن العربي الذي يجعل له وجودا متميزا، ~~ويقول: إن ذلك الوجود فاض على الممكنات. فهذا القول أمثل، ولهذا هو عند ~~الاتحادية أبعد عن التحقيق. هذا إذا اقتصروا على عبادة الوجود المطلق، وأما ~~إن عبدوا الوجود كله المطلق والمعين كما هو قول التلمساني والبلياني وابن ~~سبعين فقد أشركوا به جميع الكائنات المطلق والمعين. وهذا القول الثالث أخس ~~أقوالهم، وهو عند غالبهم عين التحقيق. # ومن بدع ضلالهم وكفرهم أنهم يسمون هذا توحيدا وحقيقة، ويزعمون أن كبار ~~العارفين إنما أشاروا في توحيدهم وتحقيقهم إلى ذلك، ومعلوم أن هذا جامع لكل ~~شرك، فهو أعظم شركا وأكفر كفرا من كل شرك وكفر. # ومنشأ التلبيس أن المشرك بين شيئين لا بد أن يسوي بينهما في شيء يشركهما ~~فيه، فيتحدان فيه، كما قال الكفار: {إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم ~~برب العالمين} [الشعراء:97 - 98]. فمن أشرك بالله شمسا أو قمرا أو كوكبا ~~جعله شريك الله في العبادة والإلهية، فاتحدا في الألوهية والعبادة فهو موحد ~~للقدر المشترك بينهما عنده. ولذلك كل من قاس شيئا بشيء وشبه شيئا بشيء، فلا ~~بد ms1510 أن يتحد الفرع والأصل المشبه والمشبه به في معنى يجمعهما، فهو يشرك فيه ~~توحيد المشترك، ليس فيه PageV08P178 # توحيد الواحد الذي أشرك به غيره. # وهؤلاء الفرعونية القرامطة لما أشركوا بالله سائر المخلوقات في الألوهية، ~~وقالوا: إن ذلك الوجود المشترك هو الله وهو المعبود، صاروا موحدين الوجود ~~المشترك قائلين بأن وحدة الوجود المشترك هي وحدة الله، وليس هذا توحيد الله ~~الذي أشركوا به خلقه، وإنما هو توحيد للمشترك بينه وبين خلقه. وكل مشرك في ~~العالم فهو موحد هذا التوحيد الشركي الكفري، لكن هؤلاء جمعوا كل شرك. # وأما توحيد الله الذي يستحقه على عباده والذي بعث به رسله وأنزل به كتبه، ~~فهو توحيده نفسه وإخلاص الدين له، لا توحيد المشترك بينه وبين خلقه. ولهذا ~~كان هذا التوحيد جامعا لكل تلحيد، فإن المسلمين سموا القرامطة ملاحدة، ~~وهؤلاء حقيقة قولهم هو قول الملاحدة الإسماعيلية النصيرية القرامطة ~~الفرعونية النمرودية، وأما مشركو العرب والصابئة الفلاسفة ونحوهم فأحسن ~~حالا من هؤلاء، ولا حسن في شيء من الشرك، وإنما الغرض أن هؤلاء أكفر من ~~ثلاثة أوجه: # من جهة أنهم أشركوا به جميع الموجودات. # ومن جهة أنهم جعلوا المخلوقات هي إياه، وأولئك اعترفوا بأن شركاءهم ملكه ~~وأنهم ليسوا إياه، وهؤلاء جعلوها إياه وجزءا منه. # ومن جهة أنهم أنكروه وكذبوا بوجوده، حيث جعلوه الوجود المطلق أو وجود ~~المخلوقات. PageV08P179 # وهذا الثالث: لا يجيء على قول ابن عربي، فإنه يقول: إن له وجودا وإنه فاض ~~على الممكنات. وإنما يجيء على قول القونوي الذي يقول: هو الوجود المطلق، ~~وعلى قول التلمساني [والبلياني] وابن سبعين الذين يقولون: هو عين ~~الموجودات، فإن التلمساني والبلياني وابن سبعين ما عندهم وجود إلا عين ~~الحق، فلم يفرقوا بين الوجود المطلق والمعين، ولا بين الوجود والماهيات. # وأما القونوي فيقرق بين المطلق والمعين، وعنده أن الله هو الوجود المطلق ~~لا المعين. # وأما ابن عربي فعنده أن وجود الحق قائم بنفسه، وأن ماهيات الممكنات ~~أزلية، كقول من يقول من المعتزلة وغيرهم والشيعة: إن المعدوم الممكن شيء. ~~وزاد عليهم بأنه فاض عليها وجود ms1511 الحق، فوجودها وجوده، لا أن ماهيتها ~~ماهيته. PageV08P180 ### | AUTO حكاية المناظرة في الواسطية PageV08P181 # [حكاية المناظرة في الواسطية] # الحمد لله رب العالمين. لما كان يوم الاثنين ثامن رجب طلبني نائب السلطان ~~-أيده الله وسدده- بمحضر من القضاة والمفتين والمشايخ، وسألني عن اعتقادي، ~~فقلت له: الاعتقاد لا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني، ولكن عن كتاب الله ~~وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة. فقال: أمل علينا اعتقادك. فأمللت جوامع من ~~الاعتقاد، ثم قلت: إن بعض الناس قد بلغني أنه يكذب في هذا الباب علي ويقول: ~~إنه يكتم بعض الأمر، فنحن نطلب العقيدة التي كتبتها من نحو سبع سنين قبل ~~مجيء التتر، كتبتها لقاض قدم علينا من واسط، وكان قد ألح علي في ذلك، ~~فأحلته على ما كتبه الأئمة من العقائد. فقال: أحب أن تكتب أنت، فكتبت له ~~هذه في قعدة بعد العصر. # وأرسلت من أحضرها، وقرئت من أولها إلى آخرها، قرأها غيري كلمة كلمة، ووقع ~~البحث والسؤال في مواضع منها. # وسألني نائب السلطان هل كتبت إلى مصر أو غيرها بعقيدة؟ فقلت له: لم أكتب ~~قط إلى أحد بعقيدة، ولم أكاتب أحدا بها، إلا أن ثم مسائل أسأل عنها فأجيب، ~~والنسخ منها موجودة في دمشق ومصر وغيرها، لئلا PageV08P183 # يستطيع أحد أن يغير بعض النسخ. # وكان مما وقع سؤال بعض الجماعة عنه أني لما قلت في أولها: «إن أهل السنة ~~يؤمنون بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ~~ولا تكييف ولا تمثيل». قال بعضهم: ما التحريف؟ فقلت: تحريف الكلم عن ~~مواضعه، كما فعل بعض الجهمية في قوله: {وكلم الله موسى تكليما} ~~[النساء:164]، قال: أي جرحه تجريحا بينابيع الحكمة، ونحو ذلك من تحريفات ~~القرامطة والباطنية وغيرهم من أهل الأهواء. # ولما جاء الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد: «أن الله يقول يوم ~~القيامة: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت»، جرى كلام في مسألة ~~الحرف والصوت. فقلت: هذا الذي يحكيه بعض الناس عن أصحاب الإمام أحمد من ~~أنهم يقولون: إن ms1512 القرآن هو الحرف والصوت، وهو أصوات التالين ومداد الصحف، ~~وهو القديم= هذا باطل، لم يقله أحمد ولا أحد من علماء أصحابه، ولا يقوله ~~عاقل. وأحضرت كلام الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة أنهم ينكرون على من ~~يقول: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق، كما ينكرون على من يقول: اللفظ بالقرآن ~~مخلوق. فكيف بمن يقول: إن لفظه بالقرآن قديم، أو يقول: صوته بالقرآن قديم، ~~أو المداد قديم؟ وفساد هذا معلوم بالحس. PageV08P184 # وأنكرت على من ينقل هذا عن العلماء المشهورين في القرآن. # وقرئ ما ذكر في العقيدة في مسألة القرآن من «أن القرآن كلام الله منزل ~~غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود»، كما اتفق عليه السلف، وذكرت لفظا أن الجمع ~~في قولهم: القرآن هو الحرف والصوت أو ليس بحرف ولا صوت كلاهما بدعة حدثت ~~بعد المئة الثالثة، لم يتكلم الإمام أحمد ولا غيره من الأئمة بهذا التركيب ~~نفيا ولا إثباتا. وذكرت أن لي جوابا من سنين عن هذه المسألة ....... ~~وأحضرته في المجلس الثاني: أن الله تكلم بالقرآن حقيقة، وهذا لا خلاف فيه ~~بين المسلمين، وأن هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله حقيقة؛ لأن ~~الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا. ~~وذكر بعض الحاضرين أن هذا أول شبهة كانت عندهم، وأن هذا تخليص لهذا الموضع. # وفي الاعتقاد: «أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل ~~القلب واللسان والجوارح». فقال بعض الحاضرين: إذا ذكر أن هذا اعتقاد الفرقة ~~الناجية كان فيه دلالة أن من لم يعتقد هذا يكون من الهالكين، وكثير من ~~العلماء يقول: إن الإيمان هو التصديق. # فقلت: مع أن هذا السؤال لا يرد؛ لأني إنما قلت: إن الدين والإيمان PageV08P185 # قول وعمل، وهذا متفق عليه لا خلاف أن مجموع الدين والإيمان قول وعمل، ~~لكني قلت: أنا ذكرت اعتقاد السلف المنقول عن الصحابة والتابعين، ومذهبهم ~~الثابت عنهم أن الإيمان قول وعمل. وليس من خالف القول الصحيح الذي يعتقده ~~أهل العلم باجتهاد أو تأويل يكون هالكا، ms1513 كسائر من يخالف بعض الأحاديث ~~الصحيحة لاجتهاد سائغ، فإن المجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له ~~أجر. وقد ذكرت في الاعتقاد أن أهل السنة لا يكفرون أهل الذنوب الكبائر مع ~~شمول نصوص الوعيد لهم، لجواز أن يغفر الله لهم ويتوبوا، أو يكون لهم حسنات ~~ماحية، أو لشفاعة فيهم، أو رحمة الله لهم، وإن كنا نطلق بأن أهل النجاة هم ~~أهل طاعة الله. # وكان في الاعتقاد أن ما ذكر في القرآن من أنه استوى على عرشه، وأنه مع ~~عباده، كلاهما حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون ~~الكاذبة، وأن ما ذكر في الكتاب والسنة وحكم من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر ~~من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو علي في ~~دنوه قريب في علوه. # فأنكر بعض الجماعة لفظ الحقيقة، فقلت: قد حكى أبو عمر ابن عبد البر في ~~«التمهيد» إجماع أهل السنة على أن هذه الآيات والأحاديث تجرى على الحقيقة ~~لا على المجاز. وذكرت أيضا ما حكاه PageV08P186 # الخطابي وأبو بكر الخطيب وغيرهما أن مذهب السلف إجراء آيات الصفات ~~وأحاديث الصفات على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها. وذلك أن الكلام ~~في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا ~~كان معلوما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات ~~إثبات وجود لا إثبات كيفية. فلا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا أن معنى ~~السمع العلم، ولا نشبهها بأيدي المخلوقين وأسماعهم ونجعلها جوارح وأدوات للفعل. # وفي الاعتقاد: أنه «فوق سماواته على عرشه، علي على خلقه». # فسأل بعض الحاضرين عن لفظ الفوق، فقلت: هذا اللفظ في كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وذكرت حديث العباس بن عبد المطلب وهو في الاعتقاد، وفيه: ~~«والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه». # فقال بعضهم: نقول: «فوق العرش» ولا نقول: «فوق السماوات». فقلت: المعنى ~~واحد، مع أن في الحديث أيضا «فوق السماوات». # فانقضى المجلس على ms1514 أن أكتب جواب هذه الأسولة، ثم طلب تأخير ذلك إلى يوم ~~الجمعة. PageV08P187 # قلت: كل من نقل مذهب السلف من أهل الحديث والمالكية والشافعية والحنبلية ~~وغيرهم، مثل أبي سليمان الخطابي وأبي بكر الخطيب وأبي بكر الإسماعيلي وأبي ~~عثمان الصابوني والقاضي أبي يعلى وأبي عمر ابن عبد البر وأبي محمد البغوي ~~صاحب «شرح السنة» وأبي القاسم التيمي صاحب «الترغيب والترهيب» وخلق كثير، ~~نقلوا نحو ذلك. فلفظ بعضهم: أن مذهب السلف إجراؤها على ظاهرها، ولفظ بعضهم: ~~حملها على ظاهرها، ولفظ بعضهم: إمرارها على ظاهرها. وبعضهم يقول: حملها على ~~الحقيقة دون المجاز. وبعضهم يصرح عنهم بإثبات ما دلت عليه من الصفات، كما ~~نقله الأشعري وابن خزيمة والبيهقي وسيف PageV08P188 # الدين الآمدي. وقد نقل لفظ الحقيقة عن السلف وأهل السنة أبو عمر ابن عبد ~~البر وأبو القاسم التيمي الأصفهاني وأبو عبد الله القرطبي في تفسيره، وقال: ~~لم ينكر أحد من السلف الصالح أن الله استوى على عرشه حقيقة. # وكلهم يقول: «مع نفي الكيفية والتشبيه عنها»، ويقولون: إذا كانت ذات الله ~~ثابتة حقيقة وأسماؤه على ظاهرها مع أنا لا نعلم كيفية ذاته وصفاته، فكذلك ~~صفاته، إذ العلم بكيفية الصفة فرع على العلم بكيفية الموصوف، فإذا قال ~~السائل: كيف صفاته؟ فقل: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال: لا أعلم كيفية ذاته، ~~فقل: لا أعلم كيفية صفاته. # ونقل طائفة منهم القاضي عياض وغيره أن مذهب السلف إمرارها كما جاءت مع ~~العلم أن الظاهر غير مراد. # قلت: يجمع بين النقلين بأن «الظاهر» لفظ مشترك، فالذي نقل نفيه نفى ما ~~يظهر لبعض الناس من التشبيه بصفات المخلوقين، وما يقتضي نقص الخالق تعالى، ~~مثل أن يقال: ظاهر قوله «في السماء» أن السماء تحويه أو تحمله. ولا ريب أن ~~هذا الظاهر لهذا غير مراد، فإن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى مخلوقاته ~~ولا يحصره شيء، سبحانه وتعالى. بل PageV08P189 # قد {وسع كرسيه السماوات والأرض} [البقرة:255]، وهو الذي {يمسك السماوات ~~والأرض أن تزولا} [فاطر:41]، {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة والسماوات ms1515 مطويات بيمينه} [الزمر:67]. فمن قال: إنه محتاج إلى ~~ما يحمله ويقله، أو أنه في شيء يحيط به ويظله، فهو ضال مضل. # والذين نقلوا إثباته أرادوا به ما هو الظاهر اللائق بجلال الله تعالى ~~الذي لا يقتضي نقصا ولا حدوثا. كما أنهم اتفقوا على أن هذا هو الظاهر في ~~حياته وعلمه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته، واتفقوا على أنه موجود حقيقة حي ~~حقيقة عليم حقيقة قدير حقيقة متكلم حقيقة، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته ~~وجرت بحوث فيها. # وقد قيل: إن هذه الأسماء مثل لفظ الوجود وغيره هل هو يطلق على الواجب ~~والممكن بطريق الاشتراك اللفظي أو التشكيك أو التواطي؟ # فقلت: إن المقصود يحصل على كل قول. # وقيل: لفظ العلو والفوقية لا يفهم منه إلا الفوقية المختصة بالمخلوق، ~~كفوقية السلطان على السرير. # فقلت: بل لفظ العلو والفوقية كلفظ الحياة والعلم والسمع والبصر ونحو ذلك ~~من الصفات، فإنه وإن وصف الله بها ووصف بها العبد وهي PageV08P190 # على ظاهرها وحقيقتها في الموضعين= فالمفهوم منها في حق الله تعالى ليس هو ~~ما يختص به المخلوق. # فقيل: العلو من الأمور الإضافية بخلاف السمع والبصر ونحوهما. # فقلت: إذا كان الاشتراك في الصفة الثبوتية كالحياة أو في الصفة الثبوتية ~~الإضافية كالسمع والبصر لا يقتضي تشبيها ونقصا، فالاشتراك في الإضافة ~~المحضة أولى أن لا يقتضي تشبيها ونقصا، فإن الاشتراك في الصفات الثبوتية ~~أولى بالمشابهة من الصفات الإضافية. # وقيل: إن ........ تعالى ذلك هل هو معلوم أو غير معلوم؟ # فقلت: هو معلوم من حيث الجملة غير معلوم من حيث التفصيل، معلوم من وجه ~~دون وجه، كما قال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وهكذا سائر ما يعلم ~~من معاني أسماء الله وصفاته إنما يعلمه الناس من بعض الوجوه، وأما الإحاطة ~~بحقيقته فليست إلا لله وحده. # قلت: وكذلك ما أخبرت به الرسل مما في الجنة والنار، بل ونفس الإنسان إنما ~~يعلم ذلك من بعض الوجوه دون الإحاطة بحقيقته. # وقيل: إن صفة العلو هل هي صفة كمال؟ # فذكرت أن فيها قولين: # من الناس من ms1516 يقول: ليست بصفة نقص ولا كمال، كما يقوله كثير PageV08P191 # من المتكلمين من الأشعرية وغيرهم في صفات الفعل مثل الخلق والرزق، إذ لو ~~كانت صفة كمال لوجب اتصافه بها في الأزل، وهو منزه عن النقائص سبحانه ~~وتعالى. # ومنهم من يقول: بل هي صفة كمال. ثم منهم من يقول: هي قديمة وإن تأخر ~~أثرها، كما يقولونه في الصفات الفعلية من الربوبية وغيرها، وصفة العلو ~~استحقاقه للعلو عند وجود المخلوق. ومنهم من يقول: هذه من الأمور النسبية ~~الإضافية، وتجدد النسب والإضافات جائز باتفاق العقلاء، وهي صفة كمال لا ~~يستحق لذلك إلا حين وجود المخلوق، وقبل وجود المخلوق يمتنع ثبوتها، فلا ~~يقال صفة نقص ولا كمال. # وقال لي نائب السلطان -أيده الله وسدده- في ضمن الكلام: هذا الذي كتبته ~~تقوله من عندك؟ # فقلت: ليس في هذا لفظ واحد من عندي، وإنما هو من كتاب الله وسنة رسوله ~~وألفاظ سلف الأمة أو ألفاظ من نقل مذاهب سلف الأمة وأهل السنة من الأئمة ~~الموثوق بهم. # وقلت أيضا: أنا أمهل من خالفني ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد ثابت عن ~~القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم يناقض حرفا مما قلته وذكرته ~~عنهم رجعت عن ذلك. # وقال بعضهم: هذا اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل. PageV08P192 # فقلت: هذا اعتقاد جميع سلف الأمة وأهل الحديث ومن سلك سبيلهم من أتباع ~~الأئمة الأربعة ومشايخ الصوفية وعلماء المتكلمين، وإنما الإمام أحمد بلغ ~~العلم الذي جاء به الرسول، واتبع سبيل من سبقه من الأئمة، ولو جاء أحد بشيء ~~مخالف لذلك لم يقبل. وأما المتأخرون فمنهم من يوافق السلف، ومنهم من يخالف السلف. # وقلت: من أنكر من ذلك شيئا فليكتب خطه بما ينكره، ولينقل ذلك عن سلف ~~الأمة، ويذكر مستنده، أو ليكتب عقيدة تناقض هذه، وتعرض الثنتان على سلطان ~~المسلمين. # وقال لي بعض الحاضرين -وقد أحضر كتاب الأسماء والصفات للحافظ أبي بكر ~~البيهقي-: هذا قد ذكر فيه عن بعض السلف تأويل صفة الوجه. # فقلت: لعلك تعني قوله: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} ~~[البقرة:115]. # فقال: ms1517 نعم، قد ذكر عن مجاهد والشافعي أنها قبلة الله. # فقلت: هذا صحيح، وليست هذه من آيات الصفات، بل سياق الكلام يدل على ~~المقصود حيث قال: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله}، أي فثم ~~جهة الله، فإن الوجه والجهة والوجهة في مثل PageV08P193 # هذا بمعنى واحد، كما قال: {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة:148] أي ~~يستقبلها. ويقال: أي وجه تريد؟ أي أي ناحية تريد. فقوله: أينما تولوا، أي ~~أينما تتولوا أي تتوجهوا وتستقبلوا فثم جهة الله أي قبلة الله. وهذا ظاهر ~~الكلام الذي يدل عليه سياقه، وقد يغلط بعض الناس فيدخل في الصفات ما ليس ~~منها، كما يغلط بعض الناس فيجعل من التأويل المخالف للظاهر ما هو ظاهر ~~اللفظ، كما في هذه الآية ونحوها. ومثل ذلك قوله: «الحجر الأسود يمين الله ~~في الأرض، فمن صافحه واستلمه فكأنما صافح الله وقبل يمينه». # فقال لي بعض الحاضرين: فقد روي عن مالك أنه قال في حديث النزول: ينزل أمره. # فقلت: هذا رواه حبيب كاتبه، وهو كذاب. PageV08P194 # فقال: قد روي من غير طريق حبيب، من طريق مطرف. # وجواب هذه الرواية المنقولة عن مالك كجواب الرواية المنقولة عن الإمام ~~أحمد في مثل ذلك، فإنه نقل عنه يوم مناظرته للجهمية أمام الخليفة أنه قال ~~في قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} [البقرة:210] أنه أمره. فقيل: ~~الراوي غلط عليه، وقيل: إنه قاله على سبيل الإلزام لهم لما احتجوا بمجيء ~~القرآن على [أنه] مخلوق، فقال لهم: إنما مجيء ثوابه كما قلتم في قوله: ~~{وجاء ربك} [الفجر:22]: إنه أمره. # وقيل: بل هذه رواية عنه أنه يتأول صفات المجيء والإتيان والنزول ونحو ذلك ~~بمعنى القصد، ولا يتأول غيرها. وبعضهم [جعلها] رواية مخرجة عنه في بعض ~~أحديث الصفات التي يجب تأويلها عند هذا القائل، وهو ابن ...... ، فالكلام ~~في المنقول عن مالك وأحمد سواء. # وهذا إذا كان قولا صحيحا ثابتا عن السلف لم يضرني، لأني لم أذكر في ~~العقيدة لفظ التأويل نفيا ولا إثباتا، وإنما قلت: «من غير تحريف» والتفسير ~~الصحيح المأثور ms1518 عن السلف الذي تقوم عليه الحجة الموجبة لقبوله ليس بتحريف، ~~بل هو مثل ما ينقل عنهم من تفسير القرآن والحديث. فهذا إذا ثبت ليس مخالفا ~~لما ذكرته. # وقلت للسادة الحاضرين: هل في شيء من هذه الأقوال والكلام PageV08P195 # كفر أو فسق؟ فصرح أكثرهم بأنه ليس فيه كفر ولا فسق، حتى من كان يكثر ~~النزاع قبل ذلك المجلس ويدعي الكفر اعترف بأنه ليس فيه كفر ولا فسق. # وقال بعضهم: هذا بدعة. فأنكر جمهور الحاضرين عليه هذا القول، وطلب ...... ~~الجمع بدعة أو أنه من البدع المستحسنة، وغلظ بعضهم الإنكار لهذا القول. # فقلت: الكتاب والسنة لا يكون بدعة، إنما البدعة مثل اعتقاد ابن التومرت ~~ونحوه، والسلف إنما كرهوا الكلام المخالف للكتاب والسنة، كما قال الشافعي ~~رضي الله عنه: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل ~~والعشائر، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. فإنما ~~عابوا على من ترك الكتاب والسنة. # فقال بعضهم: قد كره مالك رواية مثل هذا. # قلت: المنقول عن مالك أنه كره لمحمد بن عجلان رواية حديث الصورة، وقد ~~تكون كراهته مخصوصة خشية ضلال بعض الناس به، PageV08P196 # كما قال [عبد الله بن مسعود]: ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم ~~إلا كان فتنة لبعضهم. وإلا فقد حدث به سائر الأئمة، وهو في الصحاح. وهذا ~~الحديث ليس في هذا الاعتقاد، وقد روى مالك في [الموطأ] حديث النزول والضحك. # قلت: وأنا لم أخاطب عامة ولا دعوت أحدا إلى اعتقاد، وإنما كتبت لبعض ~~القضاة. # وبلغني أنه بعد المجلس أخرج بعضهم حديث عائشة وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله ~~فاحذروهم». # وجوابه أن الله ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، لم ~~يذم أهل العلم الذين يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، فالذم يقع [على] ~~المنازع الذي يسأل عن الكيفية، ويطلب التأويل كما يعلمه المتأولون ~~المخالفون للنص والإجماع، ويطلب الفتنة بالتشكيك. PageV08P197 # قال لي بعضهم: أتؤمن ms1519 أن الله ينادي يوم القيامة بصوت؟ # فقلت: هذا قاله نبيك إن كنت مؤمنا به، وهكذا قال الرسول الذي أرسل إليك ~~إن كنت مصدقا بأنه رسول الله. # فقال آخر: الحديث «ينادى». # فقلت: أما غالب الرواة فإنهم قالوا: «ينادي»، وقد رواه بعضهم «ينادى» كما ~~حكاه القاضي عياض، ولا منافاة، فإن الروايتين الصحيحتين في الحديث ~~كالقراءتين الصحيحتين في القراءات، فذلك مثل قوله: {ويوم نسير الجبال} ~~[الكهف:47]، وتسير الجبال (3). PageV08P198 ### | CHECK فصل: أصل الإيمان والهدى ودين الحق هو الإيمان بالله ورسوله # فصل # أصل الإيمان والهدى ودين الحق هو الإيمان بالله ورسوله PageV08P199 # فصل # أصل الإيمان والهدى ودين الحق وما يدخل في ذلك من العلم النافع والعمل ~~الصالح هو الإيمان بالله ورسوله، وهو أول ما أوجبه الله على عباده وأمرهم ~~به، وقد قررت ذلك فيما تقدم من القواعد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». وكما قال لمعاذ بن ~~جبل لما أرسله إلى اليمن: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم ~~إليهم شهادة أن لا إله إلا الله». # وكما تواتر بالنقل العام، وعلم بالاضطرار من دين الرسول، واتفقت عليه ~~الأمة أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله ~~وشهادة أن محمدا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلما، والعدو وليا، والمباح ~~دمه وماله معصوم الدم والمال. ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان، ~~وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان، كما قال ~~تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات:14]. PageV08P201 # وكما أن هذين أصلا الدين فهما أيضا جماع الدين وكماله وتمام فروعه، فهما ~~الفارقان بين أهل الجنة وأهل النار، والسعداء والأشقياء، كما قال تعالى: ~~{سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا ~~بالله ورسله} [الحديد:21]. ولما ذكر النبي صلى الله ms1520 عليه وسلم درجات في ~~الجنة عالية فقالوا: تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم، فقال: «بلى والذي ~~نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين». # وقال تعالى: {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن ~~اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (35) والذين كذبوا بآياتنا ~~واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [الأعراف:35 - 36]. # وقال: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا} [الأنعام:31]. # وقال تعالى: {وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى} [الزمر:71]. # وقال تعالى: {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض PageV08P202 # عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ~~تنسى} [طه:123 - 126]. # وقال في الآية الأخرى: {قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن ~~تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة:38 - 39]. # وقد أخبر في غير موضع من كتابه أن المعذبين في الدنيا والآخرة هم ~~المعرضون عن اتباع رسل الله، كقوله: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم ~~يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ~~إن أنتم إلا في ضلال كبير} [الملك:8 - 9]. وقال تعالى: {وسيق الذين كفروا ~~إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل ~~منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت ~~كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر:71]، وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا} [الإسراء:15]. وقال تعالى: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ~~لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} ~~[طه:134]. وقال تعالى: {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما ms1521 قدمت أيديهم فيقولوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين} [القصص:47]، ~~وقال تعالى: {لئلا يكون للناس على الله PageV08P203 # حجة بعد الرسل} [النساء:165]. وقال تعالى: {وما كان ربك مهلك القرى حتى ~~يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا} الآية [القصص:59]. # وأخبر تعالى بأنه أرسل إلى جميع خلقه الرسل، فقال تعالى: {ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله} ~~[النحل:36]، وقال تعالى: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا ~~خلا فيها نذير} [فاطر:24]. وقال: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ~~يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا} [الأنعام:130]. # وذكر الإيمان بالله ورسله في القرآن كثير جدا في أنواع من الأصول، كقوله: ~~{والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ~~ونورهم} [الحديد:19]. وقوله: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه} [الحديد:7]، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد:28]. وقوله: {لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد:25]، ~~وسورة الحديد قد ثنى فيها هذا الأصل مرة بعد مرة. # وقال تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا PageV08P204 # بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه} [الفتح:8 - 9]. وقال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي ~~أنزل من قبل} [النساء:136]. وقال تعالى في خطابه لبني إسرائيل: {لئن أقمتم ~~الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا} ~~الآية [المائدة:12]. وقال تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما ~~أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) فإن آمنوا ~~بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق} [البقرة:136 - ~~137]. وقال في آخر السورة: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ~~آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة:285]. وقال في أول السورة: {الم ~~(1) ذلك ms1522 الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة:1 - 4]. # فسورة البقرة جماعها في تقرير الرسالة، فإن تقرير الرسالة متضمنة للإيمان ~~بجميع الكتب والملائكة الذين هم رسل أيضا، كما قال: {الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا ومن الناس} [الحج:75]. ولفظ «الملك» يقتضي الرسالة، فإنه من ~~الألوكة، والألوكة هي الرسالة، والمألك: الرسالة. وهذه المادة (أل ك) و (ل ~~أك) تقتضي الرسالة، وقد PageV08P205 # قال فيهم: {والمرسلات عرفا} [المرسلات:1]، وهو الملائكة في أشهر القولين، ~~وهم رسل الله في تنفيذ أوامره الكونية والدينية، والعالم كله قائم بأمر ~~الله الكوني، كما أن الديانات كلها قائمة بأمر الله الديني. # وهذا الأصل وإن كانت سورة البقرة تضمنته فكذلك كثير من السور بل أكثرها، ~~مثل سورة آل عمران التي قال في أولها: {الم (1) الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة ~~والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان، إن الذين كفروا بآيات الله ~~لهم عذاب شديد} [آل عمران:1 - 4]. وذكر في أثنائها ما ذكر من الإيمان بالله ~~ورسله، ثم ختمها بمثل ذلك في قوله: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما ~~أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، ~~أولئك لهم أجرهم عند ربهم، إن الله سريع الحساب} [آل عمران:199]. # والفرق بين سورتي البقرة وآل عمران أن البقرة جامعة لتقرير جنس الرسالة ~~على الكافرين، ولتقرير رسالة محمد وأصول شريعته على من كفر به من أهل ~~الكتاب. وأما آل عمران فالمقصود الأكبر فيها تقرير رسالته على أهل الكتاب ~~من اليهود والنصارى، وكذلك سورة الأعراف أيضا، مقصودها الأكبر تقرير الكتاب ~~والرسالة، جنس ذلك وعينه، وذلك بين فيها، وكذلك سورة يونس وهود والرعد ~~وإبراهيم والحجر وسبحان والأنبياء وآل طسم وآل حم ويونس والحديد وغير ذلك ~~من السور. PageV08P206 # وذلك لأن المقصود الذي خلق له هو عبادة الله الجامعة لمعرفته بأسمائه ~~وصفاته، ومحبته ms1523 والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والطريق إلى ذلك هم رسل ~~الله تعالى، فالإيمان بالله ورسوله هما المقصود والوسيلة، وبدون أحدهما لا ~~يحصل ذلك، فمن أقر بالخالق ولم يؤمن بالرسل لم يعلم ما يحبه الله ويرضاه ~~ويأمر به، ولا ما يكرهه ويسخطه وينهى عنه، ولم يعرف أيضا من أسمائه وصفاته ~~ما لا يعرف إلا من الرسل، سواء في ذلك العلوم والأعمال التي قد يعلمها ~~الإنسان بعقله، فإن هذا القسم ليس بينا في العقول ولا ظاهرا للناس، ولا هو ~~متفق عليه بين أرباب العقل العام، بل من لم يهتد بنور الرسالة واكتفى فيه ~~برأيه ورأي بني جنسه فإنه يقع في الشبهات والإشكالات والاختلاف والتفرق ~~الذي لا يحيط به إلا الله تعالى، كما نجده في الخارجين عن اتباع حقيقة ~~الرسالة من المشركين والمجوس، والمبدلين المبتدعين من الصابئين واليهود ~~والنصارى والمسلمين، وهم الذين تفرقوا على الأنبياء والرسل، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: «ذروني ما تركتكم، ~~فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم ~~عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». # وقد قال سبحانه في كتابه: {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق، وإن الذين ~~اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} [البقرة:176]. وقال تعالى: {كان PageV08P207 # الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة:213]. # وقال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض. منهم من كلم الله ورفع ~~بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس، ولو شاء ~~الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم ~~من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} ~~[البقرة:253]. # وقال تعالى: ms1524 {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم (51) وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا ~~أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون:51 - 53]. # وقال بعد أن ذكر قصص الأنبياء: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاعبدون (92) وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون} [الأنبياء:92 - 93]. # وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) ~~وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة PageV08P208 # سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ~~لفي شك منه مريب} [الشورى:13 - 14]. # وهذا المعنى قد ثناه الله في كتابه يبين فيه أن دينه واحد، وهو الإسلام ~~العام والإيمان العام، وأنه أمر رسله بالاجتماع فيه والائتلاف، ونهاهم عن ~~التفرق فيه والاختلاف، وأمر جميع عباده بالاجتماع فيه والائتلاف، ونهاهم عن ~~التفرق فيه والاختلاف. وهو دين الله الذي أمر به الأولين والآخرين من ~~عباده، فمن خرج عنه فكفر بجميع الرسالة، وهو الكفر بجميع الكتب والرسل، أو ~~آمن ببعض الرسالة دون بعض، وهو الإيمان ببعض الكتب والرسل دون بعض، كما ~~يدعيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أو ببعض ما في الكتب والرسل كما عليه ~~الصابئة والمبتدعون من الفلاسفة الذين في المسلمين وغيرهم، ومن سلك سبيلهم ~~من المبتدعة أهل التحريف والتبديل في المسلمين واليهود والنصارى، ويدخل في ~~هؤلاء السبعون فرقة الذين في اليهود، والإحدى والسبعون الذين في النصارى، ~~والثنتان والسبعون الذين في المسلمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أحاديث متعددة: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ~~ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون ~~في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة». وفي رواية: «هو من كان على مثل ما ~~أنا عليه PageV08P209 # وأصحابي». فوصفهم بالاجتماع واتباع ms1525 أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وهذا هو السنة والجماعة. # فكل من خرج عن الدين العام الجامع من الأولين والآخرين فهو من أهل التفرق ~~والاختلاف، الذين اختلفوا في الكتاب، واختلفوا على الأنبياء، وخرجوا عن بعض ~~ما جاءت به الرسل عن الله، وهو دين الله العام، وهو دين واحد. والله سبحانه ~~هو الإله الواحد، له ما في السموات وما في الأرض، وهو أحد صمد لم يلد ولم ~~يولد، ولم يكن له كفوا أحد. # والإيمان بالله ورسله يتضمن ما أخبرت به الرسل من الخبر وما أمرت به من ~~العمل، فإن ذلك أيضا وسيلة ومقصود، والإيمان بما أمرت به هو الإيمان بالعمل ~~الصالح، وهو الوسيلة. والإيمان بالله وباليوم الآخر غايتان، والإيمان ~~بالرسل والعمل الصالح وسيلتان. ولما ذكر PageV08P210 # الملل التي فيها خير قال: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة:62]. ومثل ذلك في المائدة. فعلم أن هذه ~~الأصول الثلاثة هي جماع ما يجب في الملل كلها، وإنما أمر بقتال أهل الكتاب ~~لخروجهم عن الأصول الثلاثة في قوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين ~~أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة:29]، فذكر خروجهم ~~عن حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر وعن العمل الصالح الذي هو فعل ما أمر ~~به من الحق وتحريم ما حرم الله ورسوله. وقد بسطت ذلك في غير هذا الموضع. # فصل # ومحمد بن عبد الله هو خاتم الرسل وأفضلهم وأكملهم، صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تسليما، ودين الله هو ما بعثه الله به من الكتاب والحكمة، وهو ~~الإسلام الخاص والإيمان الخاص، المتضمن للإيمان العام والإسلام العام. وقد ~~أوجب الله على جميع أهل الأرض عربهم وعجمهم وإنسهم وجنهم الإيمان به وطاعته ~~واتباعه، وتعزيره ونصره وتوقيره وغير ذلك من حقوقه، وأوجب على الخلق اتباع ~~الكتاب PageV08P211 # والسنة، وحرم اتباع ms1526 ما سوى ذلك، فقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون ~~أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ~~وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) وإذا قيل ~~لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} ~~[النساء:60 - 61]. وقال تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} ~~[النور:51]. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء:59]. وقال تعالى: ~~{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء:65]. # وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ~~خطبته: «إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد». وكان عبد الله بن ~~مسعود يقول أيضا في خطبته كل خميس: «إنما هما اثنتان: الكلام والهدي، فخير ~~الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد». وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يعلم أصحابه أن يقولوا في خطبة الحاجة: «من يطع الله ورسوله فقد ~~رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن PageV08P212 # يضر الله شيئا». # وذكره لهذه الأصول في خطبة يوم الجمعة وغيرها من قواعد الإسلام وأصول ~~الإيمان، بل ذكره لهذا الكلام بعد قوله: «أما بعد» -كما رواه جابر وغيره- ~~دليل على أن هذا هو جماع الدين كما قررناه أولا، فإنه بعد الحمد والشهادتين ~~يقول: «أما بعد، فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر ~~الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». فعلم بذلك كمال موقع هذا الكلام من ~~الدين، وذلك لأنه مشتمل على أصلي الإيمان: شهادة أن لا إله إلا الله، ~~وشهادة أن محمدا رسول الله، على الإيمان بالله ورسله. ولكن بين فيه جماع ~~أمور الدين، ms1527 فإنها نوعان: قول وعمل، كما قال عبد الله بن مسعود: إنما هما ~~شيئان: الكلام والهدي. # والهدي: القصد والعمل، يقال: هدى يهدي هديا، كما يقال: مشى يمشي مشيا، ~~وسعى سعيا، ويقال: هدى غيره يهديه هدى. ومن الأول قوله: {ومن قوم موسى أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف:159]، وقوله: {وممن خلقنا أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون} [الأعراف:181]. ومنه قوله: {أمن لا يهدي إلا أن يهدى} ~~[يونس:35] على قراءة من قرأ PageV08P213 # «يهدي» على أحد القولين. والهدي من هدى يهدي مثل الدل من دل يدل، ومنه ~~الحديث المأثور في السنن: «الهدي الصالح والاقتصاد والسمت جزء من خمسة ~~وعشرين جزءا من النبوة». ومنه قول حذيفة: كان عبد الله بن مسعود يشبه ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله وسمته. وكان علقمة يشبه بعبد الله ~~في هديه ودله وسمته، وكان إبراهيم يشبه بعلقمة في هديه ودله وسمته، وكان ~~منصور يشبه بإبراهيم في هديه ودله وسمته، وكان سفيان يشبه بمنصور في هديه ~~ودله وسمته، وكان وكيع يشبه بسفيان في هديه ودله وسمته، وكان أحمد بن حنبل ~~يشبه بوكيع في هديه ودله وسمته. # وذلك لأن المهتدي لا بد له من شيئين: من غاية يقصدها، ومن عمل إلى تلك ~~الغاية. وكل إنسان فله قصد وعمل، فإن أصدق الأسماء الحارث وهمام، سواء كان ~~قصده صوابا أو خطا، وسواء سعى إليه أو لم يسع. فمن لم يقصد الحق أو قصده ~~ولم يعمل لمقصوده فليس بمهتد، بخلاف من قصده وعمل له فإنه مهتد بالحق. # وإذا كان ذلك فالواجب أن ينظر في كل كلام، فما وافق كتاب الله PageV08P214 # فهو حق، وما خالفه فهو باطل، والموافق له وإن كان حقا فيعلم أن كلام الله ~~أصدق الكلام وأحسن الحديث. وكذلك ينظر في كل عمل وحركة باطنة وظاهرة، ويعلم ~~أن خير ذلك وأفضله هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم نيته وعمله، فأفضل ~~النيات نيته، وأفضل الأعمال عمله، فيكون هديه أحسن الهدي، كما قال الفضيل ~~بن عياض في قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} ms1528 [الملك:2]، قال: أخلصه ~~وأصوبه، قيل: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصا ~~ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون ~~خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. # فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخلص الأعمال، لا يعبد إلا الله وحده ~~لا شريك له، كما علم ذلك من دينه الخاص والعام. كان يقول في دبر صلاته: «لا ~~إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. لا ~~إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن». ~~بل هو إمام الموحدين المخلصين، لم يقم أحد من الخلائق دين الله وتوحيده ~~باطنا وظاهرا كما أقامه، ولم يدع أحد إلى سبيل ربه كما دعا إليه، ولم يجاهد ~~في سبيل الله كما جاهد في سبيل ربه. وعمله أصوب الأعمال، كما قال تعالى: ~~{إن هذا القرآن يهدي للتي PageV08P215 # هي أقوم} [الإسراء:9]، وكان خلقه القرآن. # وهو لم يفعل من العبادة ولم يشرع منها إلا ما أمره به ربه، ولم يدع إلى ~~سبيل إلا بإذن ربه، كما قال: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} [الأحزاب:45 - 46]، وقال ~~عنه: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [الأنعام:50]. وقال عنه: {إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم} [الأنعام:15]. # ويتفرع على هذا الأصل أن المتكلمين الخائضين في العلوم الإلهية والمعارف ~~الدينية والحقائق العلمية، من جميع الطوائف المتكلمة والمتصوفة والمتفقهة ~~والمتفلسفة وغيرهم أهل الخطاب وأهل الكتاب، فإن المهتدي منهم هو المتبع ~~لكتاب الله. والسالكين طرق العبادات والزهادات والأحوال القلبية والتألهات ~~من جميع الطوائف المتقرئة والمتصوفة والمتفقرة والمتعبدة والمتفقهة وغيرهم، ~~فإن المستقيم منهم هو المتبع لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك أهل ~~النظر في الأمور العامة من الأمراء والعلماء، فإن المصيب منهم هو المتبع ~~لكتاب الله وسنة رسوله. # وهذا الأصل يقر به المؤمنون جملة وابتداء، ولكن قد يغيب ms1529 عنهم تفصيله ~~عندما تبهر عقولهم من أقوال ذوي الأقوال وأحوال ذوي الأحوال وأوامر ذوي ~~العلم والإمارة، وقد لا يكون عندهم أصل من PageV08P216 # السنة يعتصمون به في موارد الاشتباه ومواقع النزاع. والغالب أن أكثر ما ~~تنازع فيه الناس يكون قد لبس فيه الحق بالباطل. # والمتأخرون قد أحدثوا كلاما وأقوالا وأفعالا وأحوالا فيه اشتباه وإجمال، ~~فينبغي التبين فيه وتفصيله، كما هو الواقع من أهل الحروف والكلام وأهل ~~الأصوات والعمل، وتجد هؤلاء ينفرون عن بعض ما مع هؤلاء من الحق، والعكس. ~~حتى أهل الحروف والكلام يبغضون المواجيد والأذواق والعبادات، وأهل الأصوات ~~والأعمال يبغضون النظر والعقل والكلام والفقه. وفي كل ذلك أمور يحبها الله ~~ورسوله، ويرضاها الله ورسوله، ويأمر بها الله ورسوله، وذلك لأن أهل الحروف ~~أحدثوا حروفا وكلاما لا يحبه الله ورسوله وإن كانوا متأولين، وأهل الأصوات ~~والعمل أحدثوا أصواتا وأعمالا لا يحبها الله ورسوله وإن كانوا متأولين، ~~فيجب رد جميع ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ذلك خير وأحسن تأويلا. PageV08P217 ### | CHECK فصل: وصف الله أفضل أهل السعادة بالإيمان والهجرة والجهاد # فصل # وصف الله أفضل أهل السعادة بالإيمان والهجرة والجهاد PageV08P219 # فصل # وصف الله أفضل أهل السعادة بالإيمان والهجرة والجهاد، فقال: {أجعلتم ~~سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في ~~سبيل الله لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين (19) الذين ~~آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ~~وأولئك هم الفائزون (20) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم ~~مقيم (21) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم} [التوبة:19 - 22]. ~~وقال: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون ~~رحمت الله والله غفور رحيم} [البقرة:218]. # وهذا الوصف باعتبار يختص بالمهاجرين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وباعتبار آخر يعم الأنصار، وباعتبار ثالث يعم كل من اتصف بمعنى ذلك إلى يوم ~~القيامة. وذلك أن لفظ «الهجرة» يراد بها هجرة الوطن، لكن المقصود بها هجرة ~~ما نهى الله عنه، كما ثبت في ms1530 الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». ~~وهذا مروي من عدة طرق، وفي بعضها: PageV08P221 # «المهاجر من هجر السيئات». وهذا المعنى يثبت للأنصار ولكل مؤمن هجر ما ~~نهى الله عنه إلى يوم القيامة، وهجرة الوطن بدون هذه لا تنفع، وهذه الهجرة ~~بدون هجرة الوطن تنفع. لكن من هجر مع السيئات المباحات لأجل الله كهجرة ~~داره وماله وأهله، فهذا أكمل. فالهجرة الأولى للمقتصدين، وهذه للمقربين. # ولهذا كان المهاجرون أكمل في هذا الوصف، فخصوا بهذا الإسم، وقدموا على ~~الأنصار. والأنصار خصوا باسم الأنصار، والمهاجرون أنصارهم أيضا، قال تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من ~~أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله} [الصف:14]. وهذا بعد قوله: ~~{يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} [الصف:10]. ~~وكل المؤمنين مخاطبون بأن يكونوا أنصار الله. # وقد قال في صفة المهاجرين: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون} [الحشر:8]، فوصف المهاجرين بأنهم ينصرون الله ورسوله. لكن ~~الأنصار كانوا في ديارهم وأموالهم، وهم مجتمعون متناصرون، فكانوا أكمل في ~~وصف النصر، إذ كانوا أقدر عليه. والمهاجرون ما قدروا على النصر إلا بهم. ~~ويوم بدر كان ثلاثة أرباع البدريين من PageV08P222 # الأنصار، ويوم أحد أكثر القتلى كانوا من الأنصار، والقراء السبعون الذين ~~قنت لأجلهم أكثرهم من الأنصار، ويوم السقيفة، ويوم مسيلمة أكثر القتلى من ~~الأنصار، وكانوا أكمل بهذا الوصف فخصوا به. وإلا فالنصرة هي الجهاد، ~~والمهاجرون مجاهدون، ومقصود الهجرة هجر السيئات، والأنصار هجروا السيئات. ~~فلهذا كان قوله: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم} [التوبة:20] يتناول الطائفتين، ويتناول كل من اتصف بذلك إلى يوم ~~القيامة. # وهذا كنظائره إذا ذكر الاسم مفردا يتناول النوعين، وإذا ذكر مقرونا عطف ~~أحدهما على الآخر، كلفظ الإيمان والعمل، والإيمان والإسلام، ولفظ البر ~~والتقوى، والمنكر والفحشاء، وأمثال ذلك ms1531 كما بسط في مواضع. فلما ذكر لفظ ~~الأنصار مفردا في قوله: {كونوا أنصار الله} يتناول الطائفتين، ولما ذكر ~~الهجرة والجهاد مقرونا تناول الطائفتين، وإذا جمع بينهما في مثل قوله: ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان} ~~[التوبة:100] ميز بينهما. وكذلك في قوله: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} ~~[الأنفال:72]. ألا ترى أن الذين آووا ونصروا هم أيضا آمنوا وجاهدوا في سبيل ~~الله بأموالهم PageV08P223 # وأنفسهم، لكن ذكروا بأخص أوصافهم، وهما الإيواء والنصر، فإن هذا امتازوا ~~به. ثم قال: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ~~ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم} [الأنفال:74]، ثم قال: ~~{والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} [الأنفال:75]. ~~قالت طائفة من السلف: هذه تتناول المؤمنين إلى يوم القيامة، كما في سورة ~~الحشر: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان} [الحشر:10]. # وهؤلاء التابعون وصفهم بالإيمان والهجرة والجهاد، لأن الناس يكثرون ~~والأنصار يقلون، وما بقي بالنسبة إلى أولئك دار يؤوون إليها الرسول ~~وأصحابه. لكن هذا المعنى ثابت لكل من هوجر إليه من المؤمنين فآووا من هاجر ~~إليهم ونصروه، كما أنه قد قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية»، أي من ~~أرض مكة وأرض العرب، لأنها صارت دار إسلام. وقد قال: «لا تنقطع الهجرة ما ~~قوتل العدو» أي من دار الكفر، وكذلك النصرة والجهاد لا يزال مأمورا به إلى ~~يوم PageV08P224 # القيامة. وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أن لفظ «الهجرة» يتناول هجر ما نهى الله عنه، وقد قال أيضا: ~~«المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله». ومجاهدة العدو الظاهر والباطن لا بد ~~فيه من احتمال المكروه، وهو ما يحصل للمجاهد من الإيلام، كالظمأ والمخمصة ~~والنصب، وكاحتمال أذى العدو بالقول والفعل. قال تعالى: {لتبلون في أموالكم ~~وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ms1532 ذلك من عزم الأمور} [آل عمران:186]. بل لا بد ~~فيه من احتمال المكروه وبذل المحبوب: النفس والمال والأهل، قال تعالى: {قل ~~إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} [التوبة:24]. والسيئات المنهي عنها ~~تشتهيها النفس وتحبها، فهجرها هجر محبوب النفس. # والمقصود أنه لا بد أن يترك المؤمن ما تحبه نفسه لله تعالى، ويحتمل ما ~~تكرهه نفسه لله، فبهجر ما تحبه نفسه لله مما نهي عنه يكون من المهاجرين، ~~وباحتمال ما تكرهه نفسه لله مما أمر باحتماله يكون PageV08P225 # مجاهدا لنفسه ولعدوه. ولا بد أن يقع العبد في الذنوب التي تفتنه، بل قد ~~يقع فيما يفتنه عن الدين، قال تعالى: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما ~~فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل:110]. وقال ~~تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران:92]. وقال تعالى: ~~{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ~~ألا إن نصر الله قريب} [البقرة:214]. وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} [آل عمران:142]. ~~وقال: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} ~~[محمد:31]. # وأمرهم بهذا هو من أعظم نعمه عليهم، وإذا يسرهم لهذا فقد أتم النعمة ~~عليهم، فإن كل ما يحبه الإنسان يفارقه بالموت، كما في الحديث: «أحبب من شئت ~~فإنك مفارقه». فهو يفارقه بغير اختياره، فإذا فارقه باختياره لله كان أنفع ~~له في الدنيا والآخرة. والمكاره التي PageV08P226 # تحصل لأهل الإيمان والجهاد يحصل مثلها وأعظم منها لغيرهم، فإنه لا تتم ~~مصلحة أحد إن لم ينب عن نفسه وأرضه، فلا بد لكل إما أن يقاتل وإما أن يذل ~~لمن يقاتل، فمن لم يقاتل في سبيل الرحمن قاتل في سبيل الشيطان، أو كان ~~متهورا مع هؤلاء أو هؤلاء، ms1533 ومعلوم أن كونه عزيزا خير من كونه ذليلا، ولا بد ~~من موت الخلق كلهم، وخير الموت القتل في سبيل الله. فلهذا قال: {قل هل ~~تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا} [التوبة:52]، كسنته فيمن كذب الرسل، فإنه ينتقم منهم بعذاب من ~~عنده، أو يسلط عليهم عباده المؤمنين، فهو معذبهم في الدنيا والآخرة كما ~~يذكر الله، وهنا إنما ذكر عذاب الدنيا، فكان ما أمروا به من هجر المحبوبات ~~المنهي عنها لله، ومن الجهاد واحتمال المكاره فيها، وبذل المحبوب لله، هو ~~غاية السعادة في الدنيا والآخرة. # ولهذا كان الجهاد سنام العمل، وفي الأثر: «من ترك أن ينفق دراهم في سبيل ~~الله أنفق مثلها في طاعة الشيطان، ومن ترك أن يمشي مع أخيه خطوات لله مشى ~~مثلها في طاعة الشيطان، ومن ترك الحج لحاجة حج الناس ورجعوا وحاجته لم ~~تقض». وذلك أن الله تعالى خلق الخلق PageV08P227 # لعبادته، فمن لم يستعمل نفسه وماله في عبادة الله استعملها بغير اختياره ~~في طاعة الشيطان، إذ كان لا بد لها من عمل، ولا بد للمال من مصرف، ولو حفظه ~~مات عنه، فمال البخيل لحادث أو لوارث، لا ينتفع به صاحبه، كما قال تعالى: ~~{فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة:55]، فهم يعذبون بها، فتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون، فإن النفس المعلقة بها لا تفارق باختيارها، بل تزهق وهي ~~كافرة، لم يؤمنوا ويعملوا صالحا. # وأيضا فالصبر على ما يحصل باختيار العبد، كصبر الداعي إلى الله والآمر ~~بالمعروف والناهي عن المنكر على ما يصيبه في ذلك من المكروه، ولو تركه لم ~~يصبه، وصبر المطيع والممتنع عن المعصية إذا أوذي حتى يعصي، فصبر على الأذى ~~ولم يعص، وصبر المؤمن على مفارقة محبوبه باختياره وعلى احتمال المكروه ~~باختياره= هذا الصبر أفضل من الصبر على المصائب التي لا حيلة له في دفعها، ~~كالمرض وموت الأقارب، والجائحة التي تذهب بالمال، فإن هذا إن يصبر ms1534 وإلا فلا ~~فائدة له في الجزع، وهو لم يمكنه دفعها، ولهذا يشترك الناس في هذه المصائب، ~~المؤمن والكافر. وأما تلك فإنما حصلت بسبب إيمانه وطاعته لله ورسوله، فعلى ~~ذلك أوذي، فبإرادته واختياره حصل الأمر المكروه الذي يريد أن يصبر عليه. ~~فهذا أزكى نفسا وأعظم محبة وصبرا على طاعته، وأعظم تركا لمحبوباته وفعلا ~~لمكروهاته لله. ولهذا كان من PageV08P228 # كمل بهذه الطريق أكمل ممن كمل بتلك من الأنبياء والصالحين، فإن هذا حصل ~~المقصود باختياره، وذلك ابتلاه الله بما يحصل المقصود بغير اختياره. # وللنوعين أمثلة، فصبر المصيبة مثل صبر يوسف على فراق أبيه وأهله، ~~واسترقاق الغير له، وصبر الاختيار مثل صبره على الحبس لئلا يفعل الفاحشة، ~~فهذا الثاني كان أفضل له، ولهذا نقل من الأول إليه، فلما كمل بالثاني مكنه الله. # ومثال الأول صبر يعقوب عن ابنه يوسف، ومثال الثاني صبر الخليل على أن ~~يذبح ابن، فإن الخليل كان يذبح بكره، لم يكن له غيره، وأراد أن يذبحه ~~باختياره، فأسلم الأب والابن لله. وهذا أعظم من حال إسرائيل، فإنه فرق بينه ~~وبين يوسف بغير اختياره، وصبر حتى رده الله عليه. والله تعالى يبتلي كل ~~واحد بحسب حاله، فالخليل أعظم وأفضل، فاحتمل هذا البلاء الذي لا يحتمله ~~غيره لو ابتلي به، بخلاف صبر المصيبة، فإن الصبر عليه موجود كثيرا. وكذلك ~~صبر نوح وهود وصالح وموسى على تكذيب الكفار وأذاهم لهم هو من أعظم النوعين، ~~وكذلك صبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه على أذى الكفار لهم ~~بأنواع الأذى، ثم صبرهم لما هاجروا على الجهاد. # هذا الصبر أفضل النوعين، فلا جرم كان أهله أفضل الخلق عند الله، وهذا لا ~~يحتمله كثير من أولياء الله، فيبتليه الله بمصائب يصبر عليها ليبلغ PageV08P229 # بذلك منزلته، مثل ما ابتلي عثمان، وبشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ~~على بلوى تصيبه. فبهذه البلوى نال منزلته، إذ لم يكن معه من القوة ما يصبر ~~صبر أبي بكر وعمر. وأبو بكر كان أصبر من عمر وأعظم يقينا، فلهذا لم ms1535 يحتج ~~إلى مثل الشهادة التي حصلت لعمر، وكذلك علي ثالث الشهداء، أكمل الله ~~بالشهادة أمره، وكذلك الحسين وغيره، كانت المصائب والشهادة في حقهم وحق ~~أمثالهم مما أنعم الله به عليهم، وبلغهم به من المنازل التي تناسب حالهم، ~~إذ كان الحسن والحسين لم يحصل لهما من الابتلاء ما حصل لأبيهما، لأنهما ~~ربيا في عز الإسلام، فابتليا بما رفع الله به درجاتهم بحسب حالهم. # وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {واصبر لحكم ربك فإنك ~~بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم} ~~[الطور:48 - 49]. وقال: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو ~~مكظوم (48) لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) ~~فاجتباه ربه فجعله من الصالحين} [القلم:48 - 50]. وقال: {فاصبر كما صبر ~~أولو العزم من الرسل} [الأحقاف:35]. فأمره أن يصبر الصبر الاختياري كما صبر ~~أولو العزم، فيصبر لحكم ربه: الحكم الأمري بامتثال أمر ربه في تبليغ ~~الرسالة ودعوة الخلق وبيان ما بعث به، والحكم المقدر بأن يصبر على تكذيب ~~المكذبين وافترائهم عليه وعداوتهم له. قال PageV08P230 # تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين} [الفرقان:31]، وقال: ~~{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا} [الأنعام:112]، فلا يجزع ولا يغاضب، فيحتاج أن يبتلى بما يصبر ~~عليه صبر المصائب. فإن ذا النون: {ذهب مغاضبا} [الأنبياء:87]، و {أبق إلى ~~الفلك المشحون (140) فساهم فكان من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم ~~(142) فلولا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} ~~[الصافات:40 - 44]. والمسبح يتناول من كان مسبحا قبل ذلك، ومن كان مسبحا في ~~بطن الحوت. {فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ~~(146) وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) فآمنوا فمتعناهم إلى حين} ~~[الصافات:145 - 148]. وهذا من أعظم البلوى، وهو صلى الله عليه وسلم صبر على ~~ما أصابه لما ألقي في بطن الحوت، ودعا ربه واعترف بذنبه فقال: {لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [الأنبياء:87]، قال الله تعالى: ms1536 {فاستجبنا ~~له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} [الأنبياء:88]. وقد ثبت في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ينبغي لعبد أن يقول: ~~أنا خير من يونس بن متى»، و «من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب». PageV08P231 # وأما أولو العزم الذين أمر الله نبيه أن يتأسى بهم ولا يتشبه بذي النون، ~~فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أوذي يقول: «قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر». # وأهل المصائب إنما يكونون صابرين إذا صبروا عند الصدمة الأولى، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». وإلا فمن لم ~~يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم. والعاقل يفعل في أول يوم ما يفعله الأحمق ~~بعد ثلاثة أيام. # فالإنسان إذا أوذي على إيمانه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وتبليغ ~~رسالات الله وإظهار دين الله، وذم من يخالف دين الله، كما أوذي الرسل ~~وأتباعهم، كان صبره من القسم الأعلى، مثل صبر الرسل وصبر المهاجرين ~~والأنصار. وكثير من الناس إذا أوذي على الحق تركه، قال تعالى: {ومن الناس ~~من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} ~~[العنكبوت:10]، وقال تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير ~~اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو ~~الخسران المبين (11) يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو ~~الضلال البعيد (12) يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير} ~~[الحج:11 - 13]. PageV08P232 # ثم هؤلاء إذا أوذوا على الحق فرجعوا عنه، ثم تابوا وجاهدوا في سبيل الله ~~قبل الله ذلك منهم، قال تعالى لما ذكر المرتدين طوعا وكرها: {ثم إن ربك ~~للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم} [النحل:110]. # فمن حصل له إيمان وطاعة، ففتنه شياطين الإنس والجن حتى رجع عن ذلك، ثم ~~إنه هاجر فهجر تلك السيئات، ثم جاهد العدو، وصبر على الإيمان والطاعة فلم ms1537 ~~يرجع، وصبر على ظلم الظالم له، ثم إنه هجر ما له من المباحات لله ليتم ~~إيمانه، فهذا أعلى. قال تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ~~لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) الذين ~~صبروا وعلى ربهم يتوكلون} [النحل:41 - 42]. # فهجر السيئات فرض على كل أحد، وهجر المباحات من الوطن والأهل والمال إن ~~لم يتم الواجب إلا به كان واجبا، وإن لم يتم المستحب إلا به كان مستحبا. ~~ولهذا تجب الهجرة على من يمنع من الواجبات وتستحب لغيره. وفي الصحيحين أن ~~أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الهجرة فقال: «ويحك! إن الهجرة ~~شأنها شديد، فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئا». PageV08P233 # وقال تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى ~~يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق} [الأنفال:72]. وفي حديث بريدة الذي في صحيح مسلم: «وإذا حاصرت أهل ~~حصن فادعهم إلى الإيمان، ثم ادعهم إلى التحول إلى دار المهاجرين، وإلا ~~كانوا كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على أعراب المسلمين، ~~وليس لهم في الفيء نصيب». # وهذه الأمور لبسطها موضع آخر، والمقصود أن معنى الهجرة العامة هي هجر ~~السيئات، وهجرها بعد الدخول فيها هو التوبة، فهذا المعنى يلحظ في هذا ~~اللفظ. ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب ~~الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء ~~فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا» = جعل طائفة من ~~العلماء مما يدخل في تقدم الهجرة تقدم التوبة وتقدم الإسلام، فإذا كان ~~الرجلان قد أسلم أحدهما قبل صاحبه، أو تاب من السيئات قبل صاحبه، فهذا أقدم ~~هجرة وأركانا في وطنيهما، فإن المقدم أسبقهما إلى الطاعة باختياره، ثم ~~أسبقهما إلى الطاعة بفعل الله تعالى، وهو كبر السن. والله أعلم. PageV08P234 ### | CHECK فصل: في الكلام على النعم، وهل هي للكفار أيضا؟ # فصل # في الكلام ms1538 على النعم، وهل هي للكفار أيضا PageV08P235 # يقولون: ما نعم به الكافر فهو نعمة تامة كما نعم به المؤمن سواء؛ إذ ليس ~~عندهم لله نعمة خص بها المؤمن دون الكافر أصلا، بل هما في النعم الدينية ~~سواء، وهو ما بينه من أدلة الشرع والعقل، وما خلقه من القدرة والألطاف، ~~ولكن أحدهما اهتدى بنفسه بغير نعمة أخرى خاصة من الله، والآخر ضل بنفسه ~~بغير خذلان يخصه من الله. وكذلك النعم الدنيوية هي في حقهما على السواء. # والذين ناظروا هؤلاء من أهل الإثبات ربما زادوا في المناظرة نوعا من ~~الباطل، وإن كانوا في الأكثر على الحق، فكثيرا ما يرد مناظر المبتدع باطلا ~~عظيما بباطل دونه، ولهذا كان أئمة السنة ينهون عن ذلك، ويأمرون بالاقتصاد ~~ولزوم السنة المحضة، وأن لا يرد باطل بباطل دونه، فقال كثير من هؤلاء: ليس ~~لله على الكافر نعمة دنيوية، كما ليس له عليه نعمة دينية محضة، إذ اللذة ~~المتعقبة ألما أعظم منها ليست بنعمة، كالطعام المسموم، وكمن أعطى غيره ~~أموالا ليطمئن ثم يقتله أو يعذبه. # قالوا: والكافر كانت هذه النعم سببا لعذابه وعقابه، كما قال تعالى: {إنما ~~نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران:178]، وقال تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم ~~به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} [المؤمنون:55 - ~~56]، وقال: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء PageV08P237 # حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} [الأنعام:44]. ~~وقال تعالى: {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) ~~وأملي لهم إن كيدي متين} [القلم:44 - 45]. # وخالفهم آخرون من أهل الإثبات والقدر أيضا، وقالوا: بل لله على الكافر ~~نعم دنيوية. والقولان في عامة أهل الإثبات من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. # قال هؤلاء: والقرآن قد دل على امتنانه على الكفار بنعمه، ومطالبته إياهم ~~بشكرها، فكيف يقال: ليست نعما؟ قال تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت ~~الله كفرا} [إبراهم:28] إلى قوله: {الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من ~~السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ms1539 وسخر لكم الفلك لتجري في البحر ~~بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل ~~والنهار (33) وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها، إن ~~الإنسان لظلوم كفار} [إبراهم:32 - 34]. وقال تعالى: {إنا هديناه السبيل إما ~~شاكرا وإما كفورا} [الإنسان:3]. وكيف يكون كفورا من لم ينعم عليه؟! # قالوا: ولازم قول هؤلاء أن الكفار لم يجب عليهم شكر الله؛ إذ لم يكن قد ~~أنعم عليهم عندهم. وهذا القول يعلم فساده بالاضطرار من دين PageV08P238 # الإسلام، فإن الله قد ذم الإنسان بكونه كفارا غير شكور، إذ يقول: {إن ~~الإنسان لربه لكنود} [العاديات:6]، وقال: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم ~~نزعناها منه إنه ليئوس كفور (9) ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ~~ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور} [هود:9 - 10]، وقد قال هود عليه السلام ~~لقومه: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة ~~فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون} [الأعراف:69]، وقال صالح لقومه: {واذكروا ~~إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون ~~الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [الأعراف:74]. ~~وقال في الآية الأخرى: {كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا ~~تتقون} إلى قوله: {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعام وبنين ~~(133) وجنات وعيون} [الشعراء:123 - 134]. وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين ~~بدلوا نعمت الله كفرا} [إبراهيم:28]. وقال: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة ~~مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله} [النحل:112]، وقال: ~~{والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} إلى قوله: {كذلك ~~يتم نعمته عليكم} إلى قوله: {يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم ~~الكافرون} PageV08P239 # [النحل:80 - 83]. # قال الأولون: وقد قال تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة:7]، ~~والكفار لم يدخلوا في هذا العموم، فعلم أنهم خارجون من النعمة. وقد قال في ~~خطابه للمؤمنين: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة:57]، وقال ms1540 تعالى: ~~{واذكروا نعمة الله عليكم} في آيات كثيرة، وقال: {واذكروا نعمة الله عليكم ~~وميثاقه الذي واثقكم به} [المائدة:7]. وقال: {كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~واشكروا لله} [البقرة:172]. # وأما الكفار فخوطبوا بها من جهة ما هي تنعم ولذة وسرور، ولم تسم في حقهم ~~نعمة على الخصوص، وإنما تسمى نعمة باعتبار أنها نعمة في حق عموم بني آدم، ~~لأن المؤمن سعد بها في الدنيا والآخرة، والكافر تنعم بها في الدنيا. # وذلك أن كفر الكافر نعمة في حق المؤمنين، فإنه لولا وجود الكفر والفسوق ~~والعصيان، ولولا وجود شياطين الإنس والجن، لم يحصل للمؤمنين من بغض هذه ~~الأمور ومعاداتها ومجاهدة أهلها ومخالفة الهوى فيها، ما ينالون به علي ~~الدرجات وعظيم الثواب. والإنسان فيه قوة الحب وقوة البغض، وسعادته في أن ~~يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله، فإن لم يكن في العالم ما يبغضه ~~ويجاهد أصحابه لم يتم إيمانه وجهاده، وقد قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا PageV08P240 # بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات:15]. # قالوا: ولو كانت هذه اللذات نعما مطلقا لكانت نعمة الله على أعدائه في ~~الدنيا أعظم من نعمته على أوليائه، ونعمة الله التي بدلوها كفرا هي إنزال ~~الكتاب وإرسال الرسول، حيث كفروا بها وجحدوا أنها حق، كما قال علي رضي الله ~~عنه: هما الأفجران من قريش. # وكذلك قوله: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من ~~كل مكان فكفرت بأنعم الله} [النحل:112]، هم الذين كفروا بما أنزله الله من ~~الكتاب وبالرسل، وتلك نعمة الله العظيمة، كما قال تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ~~ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا، أليس الله بأعلم بالشاكرين} ~~[الأنعام:53]، وقال تعالى: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب ~~على عقبيه فلن يضر الله شيئا، وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران:144]. # وحقيقة الأمر أن هذه الأمور فيها من النعم باللذة والسرور في الدنيا ما ~~لا نزاع فيه، ولهذا قال تعالى: {ذلكم بما كنتم تفرحون ms1541 في الأرض بغير الحق ~~وبما كنتم تمرحون} [غافر:75]، وقال: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا PageV08P241 # واستمتعتم بها} [الأحقاف:20]، وقال: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم ~~قليلا} [المزمل:11]، وقال: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون} [الحجر:3]، وقال: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل ~~عمران:185]. # وهذا أمر محسوس، لكن الكلام في أمرين: # أحدهما: هل هي نعمة أم لا؟ # والثاني: أن جنس تنعم المؤمن في الدنيا بالإيمان وما يتبعه هل هو مثل ~~تنعم الكافر أو دونه أو فوقه؟ وهذه المسألة المتقدمة. # فأما الأول فيقال: اللذات في أنفسها ليست نفس فعل العبد، بل قد تحدث عن ~~فعله مع سبب آخر، كسائر المتولدات التي يخلقها الله تعالى بأسباب، منها فعل ~~العبد. لكن هذه اللذات تارة تكون بمعصية من ترك مأمور أو فعل محظور، كاللذة ~~الحاصلة بالزنا وتوابعه، وبظلم الناس، وبالشرك، والقول على الله بغير علم. ~~فهنا المعصية هي سبب العذاب الزائد على لذة العقل، لكن ألم العذاب قد يتقدم ~~ويتأخر، وهي تشبه أكل الطعام الطيب، الذي فيه من السموم ما يمرض أو يقتل. ~~ثم ذلك العذاب يمكن دفعه بالتوبة وفعل حسنات أخر. # لكن يقال: تلك اللذة الحاصلة بالمعصية لا يكون مقاوما لها ما في التوبة ~~عنها والأعمال الصالحة من المشقة والألم، ولهذا قيل: ترك PageV08P242 # الذنب أيسر من التماس التوبة، وقيل: رب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا. ولكن ~~فعل التوبة والحسنات الماحية قد توجب من الثواب أعظم من ثواب ترك الذنب ~~أولا، فيكون ألم التائب أشد من ألم التارك إذا استويا من جميع الوجوه، ~~وثوابه أكثر. وكذلك ما يكفر الله به الخطايا من المصائب مرارته تزيد على ~~حلاوة المعاصي. وتارة تكون اللذات بغير معصية من العبد، لكن عليه أن يطيع ~~الله فيها فيعصيه فيها بترك مأموره وفعل محظوره فيما يؤتاه العبد من المال ~~والسلطان، ومن المآكل والمناكح التي ليست بمحرمة. # والله سبحانه أمر مع أكل الطيبات بالشكر، فقال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} ~~[البقرة:172]، وفي ms1542 صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ~~ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها». ~~وفي الأثر: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر». رواه ابن ماجه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقد قال تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن PageV08P243 # النعيم} [التكاثر:8] لما أضاف النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر ~~أبو الهيثم ابن التيهان، وجلسوا في الظل، وأطعمهم الفاكهة واللحم، وسقاهم ~~الماء البارد، قال: «هذا من النعيم الذي تسألون عنه». # والسؤال عنه لطلب شكره، لا إثم فيه، فالله تعالى يطلب من عباده شكر نعمه، ~~وعليه أن لا يستعين بطاعته على معصيته، فإذا ترك ما وجب عليه في نعمته من ~~حق، واستعان بها على محرم كان فعله بها وتركه لما فيها سببا للعذاب أيضا. ~~فالعذاب استحقه بترك المأمور وفعل المحظور، لا على النعمة التي هي من فعل ~~الله تعالى، وإن كان فعله وتركه بقضاء الله وقدره، بعلمه ومشيئته وقدرته ~~وخلقه. فإن حقيقة الأمر أنه نعم العبد تنعيما، وكان ذلك التنعيم سببا ~~لتعذيبه أيضا، فقد اجتمع في حقه تنعيم وتعذيب، ولكن التعذيب إنما كان بسبب ~~معصيته، حيث لم يؤد حق النعمة، ولم يتق الله فيها. # وعلى هذا فهذه التنعيمات هي نعمة من وجه دون وجه، فليست من النعم ~~المطلقة، ولا هي خارجة عن جنس النعم مطلقها ومقيدها، فباعتبار ما فيها من ~~التنعيم يصلح أن يطلب حقها من الشكر وغيره، وينهى عن استعمالها في المعصية، ~~فتكون نعمة في باب الأمر والنهي والوعد والوعيد، وباعتبار أن صاحبها يترك ~~فيها المأمور ويفعل بها PageV08P244 # المحظور الذي يربي عذابه على نعيمها، كانت وبالا عليه، وكاد أن لا يكون ~~ذلك في حقه خيرا له من أن يكون، فليست نعمة في حقه في باب القضاء والقدر ~~والخلق والمشيئة العامة، وإن كان ذلك يكون نعمة في حق عموم الخلق ~~والمؤمنين. وعلى هذا يظهر ما تقدم من خبر الله بأن ذلك استدراج ومكر ~~وإملاء. # وهذا الذي ذكرناه من ثبوت الإنعام بها من وجه ms1543 وسلبه من وجه آخر مثل ما ~~ذكره الله في قوله: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ~~ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) ~~كلا} [الفجر:15 - 17]، فأخبر أنه أكرمه وأنكر قول المبتلى «أكرمني»، واللفظ ~~الذي أخبر الله به مثل اللفظ الذي أنكره الله من كلام المبتلى، لكن المعنى ~~مختلف، فإن المبتلى اعتقد أن هذا كرامة مطلقة، وهي النعمة التي يقصد بها ~~المنعم إكرام المنعم عليه، والإنعام بنعمة لا يكون سببا لعذاب أعظم منها. ~~وليس الأمر كذلك، بل الله تعالى ابتلى بها ابتلاء ليتبين هل يطيعه فيها أم ~~يعصيه، مع علمه بما سيكون من الأمرين، ولكن العلم بما سيكون شيء، وكون ~~الشيء والعلم به شيء. وأما قوله: {فأكرمه ونعمه} فإنه تكريم بما فيه من ~~اللذات، ولهذا قرنه بقوله: {ونعمه}. # ولهذا كانت خوارق العادات التي تسميها العامة كرامة ليست عند أهل التحقيق ~~كرامة مطلقة، بل في الحقيقة الكرامة هي لزوم الاستقامة، PageV08P245 # وهي طاعة الله، وإنما هي مما يبتلي الله بها عبده، فإن أطاعه بها رفعه، ~~وإن عصاه بها خفضه، وإن كانت من آثار طاعة أخرى، كما قال تعالى: {وألو ~~استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ~~ربه يسلكه عذابا صعدا} [الجن:16 - 17]. # وإذا كان في النعمة والكرامة هذان الوجهان فهي في باب الأمر والشرع نعمة ~~يجب الشكر عليها، وفي باب الحقيقة القدرية لم يكن لهذا الفاجر بها إلا فتنة ~~ومحنة استوجب بمعصية الله فيها العذاب، وهي في ظاهر الأمر قبل أن تعرف ~~حقيقة الباطن ابتلاء وامتحان، يمكن أن تكون من أسباب سعادته، ويمكن أن تكون ~~من أسباب شقاوته. # وظهر بهذا جانب الابتلاء بالمر، فإن الله يبتلي بالحلو والمر، كما قال: ~~{ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} [الأنبياء:35]، وقال تعالى: ~~{وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} [الأعراف:168]، فمن ابتلاه الله ~~بالمر بالبأساء والضراء والبأس وقدر عليه رزقه، فليس ذلك إهانة له، بل هو ~~ابتلاء، فإن أطاع الله في ذلك كان سعيدا، وإن عصاه ms1544 في ذلك كان شقيا، كما ~~كان مثل ذلك سببا للسعادة في حق الأنبياء والمؤمنين، وكان شقاء وسببا ~~للشقاء في حق الكفار والفجار، قال تعالى: {والصابرين في البأساء والضراء ~~وحين البأس، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة:177]. PageV08P246 # وقال: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} [البقرة:214]، وقال تعالى: {وممن حولكم من ~~الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ~~سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم} [التوبة:101]. وقال تعالى: ~~{ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} [السجدة:21]. ~~وقال تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} ~~[المؤمنون:76]. # وكما أن الحسنات وهي المسار الظاهرة التي يبتلى بها العبد تكون عن طاعات ~~فعلها العبد، كما قال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك} [النساء:79]. وقال: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم ~~أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران:165]، وقال: {وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى:30]، وقال: {فكيف إذا أصابتهم ~~مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} ~~[النساء:62]، وقال: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور} ~~[الشورى:48]. # ثم تلك المسار التي هي ثواب طاعته إذا عصى الله فيها كانت سببا لعذابه، ~~فالمكاره التي هي عقوبة معصيته إذا أطاع الله فيها كانت سببا لسعادته. PageV08P247 # فتدبر هذا لتعلم أن الأعمال بخواتيمها، وأن ما ظاهره نعمة وهو لذة عاجلة ~~قد يكون سببا للعذاب، وما ظاهره عذاب وهو ألم عاجل قد يكون سببا للنعيم، ~~وما هو طاعة فيما يرى الناس قد يكون سببا لهلاك العبد برجوعه عن الطاعة إذا ~~ابتلي في ثمرة الطاعة، وما هو معصية فيما يرى الناس قد يكون سببا لسعادته ~~بتوبة العبد منه وتصبره على المصيبة التي هي عقوبة ذلك الذنب. # فالأمر والنهي يتعلق بالشيء الحاصل، فيؤمر العبد بالطاعة مطلقا، وينهى عن ~~المعصية مطلقا، ويؤمر بالشكر ms1545 على كل ما يتنعم به. وأما القضاء والقدر -وهو ~~علم الله وكتابه وما طابق ذلك من مشيئته وخلقه- فهو باعتبار الحقيقة ~~الآجلة، فالأعمال بخواتيمها. والمنعم عليهم في الحقيقة هم الذين يموتون على ~~الإيمان. # وقد يكثر تنازع الناس في هذا الباب، فالمثبتة للقضاء والقدر من متكلمة ~~أهل الإثبات وغيرهم يلاحظون القدر من علم الله وكتابه ومشيئته وخلقه، وقد ~~يعرضون عما جاء به الأمر والنهي والوعد والوعيد، وعن الحكمة العامة وما في ~~تفصيل ذلك من الحكم الخاصة. وأما من لم يلاحظ إلا الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد فقط من القدرية ومن ضاهاهم في حاله، فقد كفر بما وجب عليه الإيمان ~~به من خلق الله وكتابته ومشيئته، وتدبيره لعباده المؤمنين الذين سبقت لهم ~~منه الحسنى بتدبير خاص، ومن قضائه على الكفار بما هو سبحانه فيه عدل، كما ~~في PageV08P248 # الحديث المرفوع: «ماض في حكمك، عدل في قضاؤك»، {ولا يظلم ربك أحدا} ~~[الكهف:49]. # وإذا عرف أن كل واحد من الابتلاء بالسراء والضراء قد يكون في باطن الأمر ~~مصلحة للعبد أو مفسدة له، وأنه إن أطاع الله فذلك كان مصلحة له، وإن عصاه ~~كان مفسدة له= تبين أن الناس أربعة أقسام: منهم من يكون صلاحه على السراء، ~~ومنهم من يكون صلاحه على الضراء، ومنه من يصلح على هذا وهذا، ومنهم من لا ~~يصلح على أحد منها. والإنسان الواحد قد يجتمع له هذه الأحوال الأربعة في ~~أوقات أو وقت واحد، باعتبار أنواع يبتلى بها. # وقد جاء في الحديث المرفوع: «إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ~~ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو ~~أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أسقمته ~~لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا السقم، ولو أصححته لأفسده ~~ذلك، إني أدبر عبادي، إني بهم خبير PageV08P249 # بصير». # فكما أن التنعم العاجل ليس بنعمة في الحقيقة، بل قد يكون في الحقيقة بلاء ~~وشرا باعتبار المعصية فيه، والطاعة المتقدمة قد ms1546 تكون حابطة وسببا للشر ~~باعتبار ما يتعقبها من ردة وفتنة، فكذلك التألم العاجل قد يكون في الحقيقة ~~خيرا ونعمة، والمعصية المتقدمة قد تكون سببا للخير باعتبار التوبة والصبر ~~على ما يعقبه من محنة، لكن تبدل الطاعة والمعصية. # وهذا يقتضي أن العبد محتاج في كل وقت إلى الاستعانة بالله على طاعته ~~وتثبيت قلبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وذلك أن الإنسان هو كما وصفه الله ~~بقوله: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور (9) ~~ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور} ~~[هود:9 - 10]، ثم قال: {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات} [هود:11]، فأخبر ~~أنه عند الضراء بعد السراء ييأس من زوالها في المستقبل، ويكفر بما أنعم ~~الله به عليه قبلها، وعند النعماء بعد الضراء يأمن عود المكروه في ~~المستقبل، وينسى ما كان فيه بقوله: PageV08P250 # {ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور} [هود:10] على غيره، يفخر عليهم بنعمة الله. # وقال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا ~~مسه الخير منوعا} [المعارج:19 - 21]، فأخبر أنه جزوع عند الشر لا يصبر ~~عليه، منوع عند الخير يبخل به. # وقال تعالى: {إن الإنسان لظلوم كفار} [إبراهيم:34]، وقال: {إن الإنسان ~~لربه لكنود} [العاديات:6]، والكنود: الجحود الذي يعدد المصائب وينسى النعم. # وقال: {إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب:72]، وقال: {وكان الإنسان قتورا} ~~[الإسراء:100]، وقال: {وإن مسه الشر فيئوس قنوط} [فصلت:49]، وقال: {فلما ~~نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} [الإسراء:67]. # وقد وصف المؤمنين بأنهم صابرون في البأساء والضراء وحين البأس، والصابرون ~~في النعماء أيضا، بقوله: {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات} [هود:11]. ~~والصبر على السراء قد يكون أشد، ولهذا قال من قال من الصحابة رضي الله ~~عنهم: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر. وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يستعيذ بالله من شر فتنة الغنى، ومن شر PageV08P251 # فتنة الفقر، وقال لأصحابه: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم ~~أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها ms1547 كما تنافسوها، ~~فتهلككم كما أهلكتهم». وفي رواية: «فتلهيكم». # فمن لم يتصف بحقيقة الإيمان هو إما قادر وإما عاجز، فإن كان قادرا أظهر ~~ما في نفسه بحسب قدرته من الفواحش والإثم والبغي والإشراك بالله، تكون ~~الدنيا جنته بالنسبة إلى ذلك، وذلك أن الكافر صاحب الإرادة الفاسدة إما ~~قادر وإما عاجز، فإن كان قادرا تعارضت إرادته حتى لا يمكنه الجمع بينها ~~وبينها، ومل حتى يقل التذاذه بها أو يعدم، ولا يمكنه تركها. ولهذا تجد ~~الملوك من الظالمين أعظم الناس ضجرا ومللا وطلبا لما يروحون به أنفسهم من ~~مسموع ومنظور ومشموم ومأكول ومشروب، ومع هذا فلا تطمئن قلوبهم بشيء من ذلك. ~~هذا فيما ينالون به اللذة، وأما ما يخافونه من الأعداء فهم أعظم الناس ~~خوفا، ولا عيشة لخائف. وأما العاجز منهم فهو في عذاب عظيم، لا يزال في أسف ~~على ما نابه وعلى ما أصابه. # وأما المؤمن فهو مع قدرته له من الإرادة الصالحة والعلوم النافعة PageV08P252 # ما يوجب طمأنينة قلبه وانشراح صدره، بما يفعله من الأعمال الصالحة، وله ~~من الطمأنينة وقرة العين ما لا يمكن وصفه. وهو مع عجزه أيضا له من أنواع ~~الإرادات الصالحة والعلوم النافعة التي يتنعم بها ما لا يمكن وصفه، وكل هذا ~~محسوس مجرب. وإنما يقع غلط أكثر الناس لأنه قد أحس بظاهر من لذات أهل ~~الفجور وذاقها، ولم يذق لذات أهل البر ولم يحسها، ولكن أكثر الناس جهال لا ~~يسمعون ولا يعقلون. # وهذا الجهل لعدم شهود حقيقة الإيمان ووجود حلاوته وذوق طعمه انضم إليه ~~أيضا جهل كثير من المتكلمين في العلم بحقيقة ما في أمر الله من المصلحة ~~والمنفعة، وما في خلقه أيضا لعبده المؤمن من المنفعة والمصلحة، فاجتمع ~~الجهل بما أخبر الله به من خلقه وأمره، وبما أشهده الله عباده من موجوده، ~~فكان هذا الجهل مع ما في النفوس من الظلم مانعا للنفوس عن عظيم نعمة الله ~~وكرامته ورضوانه، موقعا لها في بأسه وعذابه وسخطه. # وذلك أن الناس لما خاضوا في مسألة القدر، ولم يخلق الله ولم ms1548 يأمر؟ ونحو ~~ذلك، بغير هدى من الله الذي أنزله إليهم، فرقوا دينهم وكانوا شيعا: # فزعم فريق منهم أنه لا يخلق أحدا من الأشخاص إلا لأجل مصلحة المخلوق، ولا ~~يأمره إلا لأن أمره مصلحة له أيضا، وإنما العبد PageV08P253 # هو صرف عن نفسه مصلحة نفسه، وفعل مفسدة نفسه، بغير قدرة الرب وبغير ~~مشيئته. وهم إنما قصدوا بها تنزيه الرب سبحانه وتعالى عن الظلم والعبث، ~~ووصفه بالحكمة والعدل والإحسان، لكن سلبوه علمه وقدرته وكتابه وخلقه ونفوذ ~~مشيئته وعمومها، فقال قوم منهم: إنه لم يعلم فلم يكتب ما يكون من العباد ~~حتى فعلوه. وقال آخرون: بل علم ذلك، وعلم أنهم لا يطيعونه ولا يفعلون إلا ~~ما يضرهم، ومع هذا فقصد تعريفهم بالخلق والأمر للمنفعة الخالصة الدائمة. # فقال لهم الناس: من علم أن مقصوده من الخير لا يكون، وقد سعى في حصوله ~~بمنتهى قدرته، كان من أجهل الفاعلين وأسفههم، فنزهوه عن قليل من السفه ~~بالتزام ما هو أكبر منه، وزعموا أنه لا يقدر إلا على ما فعل بهم، فسلبوه قدرته. # فرد على هؤلاء طائفة من أهل الإثبات، فأثبتوا عموم قدرته وعموم مشيئته ~~وخلقه وعلمه القديم، وكل هذا خير موافق للكتاب والسنة، وهذا من تمام ~~الإيمان بالقدر، بعلم الله القديم ومشيئته وخلقه لكل شيء وقدرته. لكن ضموا ~~إلى ذلك أشياء ليست من السنة، فإنه من السنة أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد، وأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأنه يأمر العباد بطاعته، ومع هذا ~~فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال: {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم} [يونس:25]. PageV08P254 # فزعموا مع ذلك أنه يخلق الخلق لا لحكمة في خلقهم، ولا لرحمة لهم، بل قد ~~يكون خلقهم ليضرهم كلهم. وهذا عندهم حكمة، فلم ينزهوه عما نزه نفسه عنه من ~~الظلم، حيث أخبر أنه إنما يجزي الناس بأعمالهم، وأنه {لا تزر وازرة وزر ~~أخرى} [الأنعام:164]. وأنه {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ~~ولا هضما} [طه:112]. # بل زعموا ms1549 أن كل مقدور عليه فليس بظلم، مثل تعذيب الأنبياء والرسل وتكريم ~~الكفار والمنافقين، وغير ذلك مما نزه الله نفسه عنه، فلم يكن الظلم الذي ~~نزه الله عنه نفسه حقيقة عند هؤلاء، إذ كل ما يمكن ويقدر عليه فليس بظلم. ~~فقوله تعالى: {وما الله يريد ظلما للعباد} [غافر:31] عندهم بمنزلة قوله: لا ~~يريد ما لا يكون ممكنا مقدورا عليه، وهو عندهم لا يقدر على الظلم حتى يكون ~~تاركا له. # وزعموا أنه قد يأمر العباد بما لا يكون مصلحة لهم ولا لواحد منهم، لا ~~يكون الأمر مصلحة، ولا يكون فعل المأمور به مصلحة، بل قد يأمرهم بما إن ~~فعلوه كان مضرة لهم، وإن لم يفعلوه عاقبهم، فيكون العبد فيما يأمره به بين ~~ضررين: ضرر إن أطاع، وضرر إن عصى، ومن كان كذلك كان أمر العباد مضرة لهم لا ~~مصلحة لهم. # وقالوا: يأمر بما يشاء، وأنكروا أن يكون في الأحكام الشرعية من العلل ~~المناسبة للأحكام، من جلب المنافع ودفع المضار ما هي الشريعة ممتلئة به، ~~حتى كان منهم من دفع علل الأحكام بالكلية، ومنهم من قال: PageV08P255 # العلل مجرد علامات ودلالات على الحكم، لا أنها أمور تناسب الحكم وتلائمه. # وهم يجوزون مع هذا أن لا يكون للعبد ثواب ومنفعة في فعل المأمور به، لكن ~~لما جاءت الشريعة بالوعد قالوا: هو موعود بالثواب الذي وعد به، وربما ~~قالوا: إنه في الآخرة فقط، وأما الفعل المأمور به فقد لا يكون مصلحة للعباد ~~ولا منفعة لهم بحال، فلا يكون فيه تنعم لهم ولا لذة بحال، بل قد تكون مضرة ~~لهم ومفسدة في حقهم، ليس فيه إلا ما يؤلمهم. # ومعلوم أنه إذا اعتقد المرء أن طاعة الله ورسوله فيما أمر به قد لا تكون ~~مصلحة له ولا منفعة، ولا فيها نعيم ولذة ولا راحة، بل تكون مفسدة له ومضرة ~~عليه، ليس فيها إلا ألمه وعذابه= كان هذا من أعظم الصوارف له عن فعل ما أمر ~~الله به ورسوله. ثم إن كان ضعيف الإيمان بالوعد والوعيد ترك الدين كله، ms1550 وإن ~~كان مؤمنا بالوعيد صارت دواعيه مترددة بين هذا العذاب وذلك العذاب، وإن كان ~~مؤمنا بوعد الآخرة فقط لم يرج أن يكون له في الدنيا مصلحة ولامنفعة، بل لا ~~تكون المصلحة والمنفعة في الدنيا إلا لمن كفر وفسق وعصى. # وهذا أيضا وإن كان هو غاية حال هؤلاء فهو مما يصرف النفوس عن طاعة الله ~~ورسوله، ويبقى العبد المؤمن متردد الدواعي بين هذا وهذا، وهو لا يخلو من ~~أمرين: PageV08P256 # إما أن يرجح جانب الطاعة التي يستشعر أنه ليس فيها طول عمره له مصلحة ولا ~~منفعة ولا لذة، بل عذاب وألم ومفسدة ومضرة. وهذا لا يكاد يصبر عليه أحد. # وإما أن يرجح جانب المعصية تارة أو تارات أو غالبا، ثم إن أحسن أحواله مع ~~ذلك أن ينوي التوبة قبيل موته. ولا ريب أنه إن كان ما قاله هؤلاء حقا فصاحب ~~هذه الحال أكيس وأعقل ممن محض طاعة الله طول عمره، إذ هذا سلم من عذاب ذلك ~~المطيع في الدنيا. ثم إنه بالتوبة أحبط عنه العذاب، وبدل الله سيئاته ~~بالحسنات، فصارت جميع سيئاته حسنات. فكان ثوابه في الآخرة قد يكون أعظم من ~~ثواب ذلك المطيع الذي محض الطاعة. ولو كان ثوابه دون ذلك لم يكن التفاضل ~~بينهم إلا كتفاضل أهل الدرجات في الجنة. # وهذا مما يختاره أكثر الناس على مكابدة العذاب والشقاء والبلاء طول ~~العمر، إذ هو أمر لا يصبر عليه أحد، فإن مصابرة العذاب ستين أو سبعين سنة ~~بلا مصلحة ولا منفعة ولا لذة أمر ليس هو في جبلة الأحياء، إذا جوزوا أن لا ~~يكون في شيء من طاعة الله له مصلحة ولا منفعة طول عمره. وهؤلاء يجعلون ~~العباد مع الله بمنزلة الأجراء مع المتسأجرين، كأن الله سبحانه وتعالى ~~استأجرهم طول مقامهم في الدنيا ليعملوا ما لا ينتفعون به، ولا فيه لربهم ~~منفعة ليعوضهم عن ذلك بعد الموت بأجرتهم، وفي هذا من التشبيه لله بالعاجز ~~الجاهل السفيه ما يجب تنزيه الله عنه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا. PageV08P257 # والحق الذي يجب ms1551 اعتقاده أن الله سبحانه إنما أرسل رسوله رحمة للعالمين، ~~وأن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة عامة للخلق [أعم] من إنزال المطر وإطلاع ~~الشمس، وإن حصل بهذه الرحمة تضرر بعض النفوس. # ثم إنه سبحانه وتعالى كما قال قتادة وغيره من السلف: لم يأمر العباد بما ~~أمرهم به لحاجته إليه، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا به، بل أمرهم بما فيه ~~صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم. وفي الحديث الصحيح حديث أبي ذر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، ~~وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، ~~فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا ~~عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! ~~لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ~~ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على ~~أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان منهم ~~مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط غمسة ~~واحدة، يا عبادي! إنما PageV08P258 # هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن ~~وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». # وقد قال تعالى في وصف النبي الأمي: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ~~ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم} [الأعراف:157]. وقال تعالى لما ذكر الوضوء: {ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} ~~[المائدة:6]. فأخبر أنه لا يريد أن يجعل علينا من حرج فيما أمرنا به، وهذا ~~نكرة مؤكدة بحرف «من»، فهي تنفي كل حرج، وأخبر أنه إنما يريد تطهيرنا ~~وإتمام نعمته علينا. # وقال في الآية الأخرى: {وجاهدوا في ms1552 الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم} [الحج:78]. فقد أخبر أنه ما جعل ~~علينا في الدنيا من حرج نفيا عاما مؤكدا. # فمن اعتقد أن فيما أمر الله به مثقال ذرة من حرج فقد كذب الله ورسوله، ~~فكيف بمن اعتقد أن المأمور به قد يكون فسادا وضررا لا منفعة فيه ولا مصلحة ~~لنا. ولهذا لما لم يكن فيما أمر الله به ورسوله حرج علينا لم يكن الحرج في ~~ذلك إلا من النفاق، كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم ثم لا يجدوا PageV08P259 # في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء:65]. وقال فيما أمر به ~~من الصيام: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة:185]. فإذا ~~كان لا يريد فيما أمرنا به ما يعسر علينا، فكيف يريد ما يكون ضررا وفسادا ~~لنا بما أمرنا به إذا أطعناه فيه؟ # ثم إنه قد أخبر أن الإيمان والطاعة خير من الكفر والمعصية للعبد في ~~الدنيا والآخرة، وإن كان لجهله يظن أن ذلك خير له في الدنيا، كما يقوله ~~هؤلاء الذين فيهم شعبة وهل ونفاق، الذين يقولون: إن المأمور به قد لا يكون ~~فيه للعبد مصلحة ولا منفعة طول عمره، بل يكون ذلك في المنهي عنه، فقال ~~تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة:216]. # وقال عن الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، الذين طلبوا ما ~~في ذلك من نعيم الدنيا: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ~~ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة:102]. فأخبر أنهم يعلمون ~~أن هذه الأمور لا تنفع بعد الموت، بل لا يكون لصاحبها نصيب في الآخرة، ~~وإنما طلبوا بها منفعة الدنيا، وقد يسمون ذلك العقل المعيشي، أي العقل الذي ~~يعيش به الإنسان في الدنيا عيشة طيبة. PageV08P260 # فقال تعالى: {ولو أنهم ms1553 آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا ~~يعلمون} [البقرة:103]. أخبر أن أولياءه: {الذين آمنوا وكانوا يتقون} ~~[يونس:63]، يثيبهم على ذلك ما هو خير لهم مما طلبوه في الدنيا لو كانوا ~~يعلمون، فيحصل لهم في الدنيا من الخير الذي هو المنفعة ودفع المضرة ما هو ~~أعظم مما يحصلونه بذلك من خير الدنيا، كما قال تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين} ~~[يوسف:56]، ثم قال: {ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} ~~[يوسف:57]. # وقال تعالى: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا ~~في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) فآتاهم الله ثواب ~~الدنيا وحسن ثواب الآخرة، والله يحب المحسنين} [آل عمران:147 - 148]. وقال ~~عن إبراهيم: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} ~~[العنكبوت:27]. # وقد قال تعالى ما يبين به أن فعل المكروه من المأمور به خير من تركه في ~~الدنيا أيضا، فقال: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ~~دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ~~وأشد تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا ~~مستقيما} [النساء:66 - 68]. وهذا في سياق حال: {الذين يزعمون PageV08P261 # أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى ~~الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) ~~وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون ~~عنك صدودا} [النساء:60 - 61]. # وهؤلاء منافقون من أهل الكتاب والمشركين، وحالهم أيضا شبيه بحال الذين ~~نبذوا {كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) واتبعوا ما تتلو ~~الشياطين على ملك سليمان} [البقرة:101 - 102]، فإن أولئك عدلوا عما في كتاب ~~الله إلى اتباع الجبت والطاغوت: السحر والشيطان، وهذه حال الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب، الذين يؤمنون بالجبت والطاغوت. وحال الذين يتحاكمون إلى ~~الطاغوت من المظهرين للإيمان بالله ورسله، فيها من حال هؤلاء بقدر ذلك. ms1554 ~~والطاغوت: كل معظم ومتعظم بغير طاعة الله ورسوله من إنسان أو شيطان أو شيء ~~من الأوثان. # وهذه حال كثير ممن يشبه اليهود من المتفقهة والمتكلمة وغيرهم ممن فيه نوع ~~نفاق من هذه الأمة، الذين يؤمنون بما خالف كتاب الله وسنة رسوله من أنواع ~~الجبت والطاغوت، والذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير كتاب الله وسنة رسوله. ~~قال تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا (61) فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم ~~جاءوك يحلفون PageV08P262 # بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} [النساء:61 - 62]. أي هؤلاء لم ~~يقصدوا ما فعلوه من العدول عن طاعة الله ورسوله إلى اتباع ما اتبعوه من ~~الطاغوت، إلا لما ظنوه من جلب المنفعة لهم ودفع المضرة عنهم، مثل طلب علم ~~وتحقيق كما يوجد في صنف المتكلمين، ومثل طلب أذواق ومواجيد كما يوجد في صنف ~~المتعبدين، ومثل طلب شهوات ظاهرة وباطنة كما يوجد في صنف الذين يريدون ~~العلو والذين يتبعون شهوات الغي. قال تعالى: {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا ~~بعيدا} [النساء:60]. أي ضلوا عن مطلوبهم الذي هو جلب المنفعة ودفع المضرة، ~~فإن ذلك إنما هو في طاعة الله ورسوله دون اتباع الطاغوت. فإذا عاقبهم الله ~~بنقيض مقصودهم في الدنيا، فأصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم قالوا: ما أردنا ~~بما فعلنا إلا إحسانا وتوفيقا. أي أردنا الإحسان إلى نفوسنا لا ظلمها، ~~وتوفيقا أي جمعا بين هذا وهذا، لنجمع الحقائق والمصالح. قال تعالى: {أولئك ~~الذين يعلم الله ما في قلوبهم} [النساء:] من الاعتقادات الفاسدة والإرادات ~~الفاسدة: الظن وما تهوى الأنفس {فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا ~~بليغا} [النساء:63]. ثم قال: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله ~~توابا رحيما} [النساء:64]. # فدعاهم سبحانه بعد ما فعلوه من النفاق من النفاق إلى التوبة، وهذا من PageV08P263 # رحمته بعباده، يأمرهم قبل المعصية بالطاعة وبعد المعصية بالاستغفار، وهو ~~رحيم بهم في كلا الأمرين، ms1555 وأمره لهم بالطاعة أولا من رحمته، وأمرهم ثانيا ~~بالاستغفار من رحمته، فهو سبحانه رحيم بالمؤمنين الذين أطاعوه أولا، والذين ~~استغفروه ثانيا. فإذا كان رحيما بمن يطيعه، والرحمة توجب إيصال ما ينفعهم ~~إليهم ودفع ما يضرهم عنهم، كيف يكون المأمور به مشتملا على ضررهم دون ~~منفعتهم؟ # وقوله: {جاءوك} المجيء إليه في حضوره معلوم كالدعاء إليه، وأما في مغيبه ~~ومماته فالمجيء إليه كالدعاء إليه والرد إليه، قال تعالى: {وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} [النساء:61]، وقال: {فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء:59]، وهو الرد والمجيء إلى ما بعث به ~~من الكتاب والحكمة. وكذلك المجيء إليه لمن ظلم نفسه هو الرجوع إلى ما أمره ~~به، فإذا رجع إلى ما أمره به فإن الجائي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حياته ممن ظلم نفسه يجيء إليه داخلا في طاعته راجعا عن معصيته، كذلك في ~~مغيبه ومماته. واستغفار الله موجود في كل مكان وزمان، وأما استغفار الرسول ~~فإنه أيضا يتناول الناس في مغيبه وبعد مماته، فإنه أمر أن يستغفر للمؤمنين ~~والمؤمنات، وهو مطيع لله فيما أمره به. والتائب داخل في الإيمان، إذ ~~المعصية تنقص الإيمان، والتوبة من المعصية تزيد في الإيمان بقدرها، فيكون ~~له من استغفار النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ذلك. # فأما مجيء الإنسان إلى عند قبره، وقوله: استغفر لي أو ادع لي، أو PageV08P264 # قوله في مغيبه: يا رسول الله ادع لي أو استغفر لي أو سل لي ربك كذا وكذا، ~~فهذا لا أصل له، ولم يأمر الله بذلك، ولا فعله أحد من الصحابة ولا سلف هذه ~~الأمة المعروفين في القرون الثلاثة، ولا كان ذلك معروفا بينهم، ولو كان هذا ~~مما يستحب لكان السلف يفعلون ذلك، ولكان ذلك معروفا عنهم بل مشهورا بينهم ~~ومنقولا عنهم، فإن مثل هذا -إذا كان طريقا إلى غفران السيئات وقضاء ~~الحاجات- مما تتوفر الهمم والدواعي على فعله وعلى نقله، لا سيما فيمن كانوا ~~أحرص الناس على الخير، فإذا لم يعرف أنهم ms1556 كانوا يفعلون ذلك ولا نقله أحد ~~عنهم علم أنه لم يكن مما يستحب ويؤمر به. بل المنقول الثابت عنهم ما أمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم من نهيه عن اتخاذ قبره عيدا ووثنا، وعن اتخاذ ~~القبور مساجد. # وأما ما ذكره بعض الفقهاء من حكاية العتبي عن الأعرابي الذي أتى قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا خير البرية! إن الله يقول: {ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم} الآية [النساء:64]، وإني قد جئتك. وأنه رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم في PageV08P265 # المنام وأمره أن يبشر الأعرابي= فهذه الحكاية ونحوها مما يذكر في قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقبر غيره من الصالحين، فيقع مثلها لمن في إيمانه ~~ضعف، وهو جاهل بقدر الرسول وبما أمر به، فإن لم يسعف مثل هذا بحاجته، وإلا ~~اضطرب إيمانه وعظم نفاقه، فيكون في ذلك بمنزلة المؤلفة قلوبهم بالعطاء في ~~حياة النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال: «إني لأتألف رجالا لما في قلوبهم ~~من الهلع والجزع، وأكل رجالا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير». ~~مع أن أخذ ذلك المال مكروه لهم، فهذا أيضا مثل هذه الحاجات. # وإنما المشروع الذي وردت به سنته فهو دعاء المسلم ربه متوسلا به [في ~~حياته]، لا دعاؤه في مماته ومغيبه أن يفعل، ولا دعاؤه في مماته ومغيبه أن ~~يسأل، كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~علم رجلا أن يقول: «اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا ~~محمد! يا نبي الله! إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي، اللهم فشفعه ~~في». PageV08P266 # وذلك أن الله تعالى يقول: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ~~[البقرة:255]، وقال: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} [السجدة:4]، ثم قال: ~~{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء:65]. فأقسم بنفسه على نفي إيمان من لم ~~يجمع أمرين: تحكيمه ms1557 فيما شجر بينهم وأن لا يجد في نفسه حرجا، وهذا يوجب أنه ~~ليس في أمره ونهيه ما يوجب الحرج ..... امتثل ذلك ...... حكمه لا بد فيه من ~~أمر ونهي، وإن كان فيه ....... أيضا. فلو كان المأمور به والمنهي عنه ~~....... ومفسدة وألما بلا لذة راجحة، لم يكن العبد ملوما على وجود الحرج ~~فيما هو مضرة له ومفسدة. # ولهذا لم يتنازع العلماء أن الرضا بما أمر الله ورسوله واجب، بحيث لا ~~يحبون كراهة ذلك ولا سخطه، وأن محبة ذلك واجبة، بحيث يبغض ما أبغضه الله، ~~ويسخط ما سخطه الله من المحظور، ويحب ما أحبه الله، ويرضى ما رضيه الله من ~~المأمور. وإن تنازعوا في الرضا بما قدره الحق من الألم كالمرض والفقر، ~~فقيل: هو واجب، وقيل: مستحب، وهو أرجح. والقولان في أصحاب أحمد وغيرهم. ~~وأما الصبر على ذلك فلا نزاع أنه واجب. # وقد قال في الأول: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن ~~لم يعطوا منها إذا هم يسخطون (58) ولو أنهم رضوا ما آتاهم PageV08P267 # الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله ~~راغبون} [التوبة:58 - 59]. فجعل من المنافقين من سخط فيما منعه الله إياه ~~ورسوله وحضهم بأن يرضوا بما آتاهم ورسوله. والذي آتاه الله ورسوله يتناول ~~ما أباحه دون ما حظره، ويدخل في المباح العام ما أوجبه وما أحبه. # وإذا كان الصبر على الضراء ونحو ذلك مما أوجبه الله وأحبه، كما أوجبه ~~الشكر على النعماء وأحبه، كان كل من الصبر والشكر مما تجب محبته وعمله، ~~فيكون ما قدر للمؤمنين من سراء معها شكر وضراء معها صبر خيرا له، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، ~~وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وإن أصابته ~~ضراء فصبر كان خيرا له». # وإذا كان ذلك خيرا فالخير هو المنفعة والمصلحة، الذي فيه النعيم واللذة ~~كما تقدم، فيكون كل مقدور قدر للعبد إذا عمل فيه بطاعة ms1558 الله ورسوله خيرا ~~له، وإنما يكون شرا لمن عمل بمعصية الله ورسوله، وقبل ذلك فهو محنة وفتنة ~~وبلاء، قد يعمل فيه بطاعة الله، وقد يعمل فيه بمعصية الله، فلا يوصف بواحد ~~من الأمرين. # آخره، والحمد لله. PageV08P268 ### | AUTO فصل في آية الربا PageV08P269 # فصل في آية الربا # قال الله تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع ~~وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن ~~عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} إلى قوله: {يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا ~~تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم} ~~[البقرة:275 - 280]. # قوله: {فله ما سلف} أي: مما كان قبضه من الربا جعله له. {وأمره إلى الله} ~~قد قيل: الضمير يعود إلى الشخص، وقيل: إلى «ما»، وبكل حال فالآية تقتضي أن ~~أمره إلى الله، لا إلى الغريم الذي عليه الدين، بخلاف الباقي فإن للغريم أن ~~يطلب إسقاطه، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي ~~من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ~~وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم}، أي: ذروا ما بقي من الربا في ذمم الغرماء، ~~{وإن تبتم فلكم رءوس PageV08P271 # أموالكم} أي: رأس المال من غير زيادة. فقد أمرهم بترك الزيادة وهي الربا، ~~فيسقط عن ذمة الغريم ولا يطالب بها، وهذه للغريم فيها حق الامتناع من ~~أدائها والمخاصمة على ذلك وإبطال الحجة المكتتبة بها. # وأما ما كان قبضه فقد قال: {فله ما سلف وأمره إلى الله}، فاقتضى أن ~~السالف له للقابض، وأن أمره إلى الله وحده لا شريك له، ليس للغريم فيه أمر. ~~وذلك أنه لما جاءه موعظة من ربه فانتهى كان مغفرة ذلك ms1559 الذنب والعقوبة عليه ~~إلى الله، وهذا قد انتهى في الظاهر، فله ما سلف، وأمره إلى الله، إن علم من ~~قلبه صحة التوبة غفر له، وإلا عاقبه. # ثم قال: {اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين}، فأمر بترك ~~الباقي، ولم يأمر برد المقبوض. # وقال: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم}، لا يشترط منها ما قبض. وهذا الحكم ~~ثابت في حق الكافر إذا عامل كافرا بالربا، وأسلما بعد القبض وتحاكما إلينا، ~~فإن ما قبضه يحكم له به كسائر ما قبضه الكفار بالعقود التي يعتقدون حلها، ~~كما لو باع خمرا وقبض ثمنها، ثم أسلم، فإن ذلك يحل له، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «من أسلم على شيء فهو له». PageV08P272 # وأما [المسلم] فله ثلاثة أحوال: # تارة يعتقد حل بعض الأنواع باجتهاد أو تقليد. # وتارة يعامل بجهل، ولا يعلم أن ذلك ربا محرم. # وتارة يقبض مع علمه بأن ذلك محرم. # أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبين له فيما بعد أن ذلك ربا محرم، ~~قيل: يرد ما قبض كالغاصب، وقيل: لا يرده، وهو الأصح؛ لأنه كان يعتقد أن ذلك ~~حلال، والكلام فيما إذا كان مختلفا فيه مثل الحيل الربوية، فإذا كان الكافر ~~إذا تاب يغفر له ما استحله ويباح له ما قبضه، فالمسلم المتأول إذا تاب يغفر ~~له ما استحله ويباح له ما قبضه؛ لأن المسلم إذا تاب أولى أن يغفر له إن كان ~~قد أخذ بأحد قولي العلماء في حل ذلك، فهو في تأويله أعذر من الكافر في ~~تأويله. # وأما المسلم الجاهل فهو أبعد، لكن ينبغي أن يكون كذلك، فليس هو شرا من ~~الكافر. وقد ذكر فيما يتركه المسلم الجاهل من الواجبات التي لم يعرف وجوبها ~~هل عليه قضاء؟ قولان، أظهرهما أنه لا قضاء عليه. # وأصل ذلك أن حكم الخطاب هل يثبت في حق المسلم قبل بلوغ الخطاب؟ فيه قولان ~~في مذهب أحمد وغيره. ولأحمد روايتان فيما إذا صلى في معاطن الإبل، أو صلى ~~وقد أكل لحم الجزور، ثم تبين ms1560 له PageV08P273 # النص، هل يعيد؟ على روايتين. وقد نصرت في موضع أنه لا يعيد، وذكرت على ~~ذلك أدلة متعددة: # منها: قصة عمر وعمار لما كانا جنبين، ولم يصل عمر، ولم يأمره النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالإعادة. # ومنها: أبو ذر لم يأمره أيضا بالإعادة. # ومنها: المستحاضة التي قالت: منعتني الصوم والصلاة. # ومنها: الأعرابي المسيء في صلاته، الذي قال: والله ما أحسن غير هذا. ~~فأمره أن يعيد الصلاة الحاضرة؛ لأن وقتها باق وهو مأمور بها، ولم يأمره ~~بإعادة ما صلى قبل ذلك. # ومنها: الذين أكلوا حتى تبين لهم الخيط الأبيض والأسود، ولم يؤمروا ~~بالإعادة. PageV08P274 # والشريعة أمر ونهي، فإذا كان حكم الأمر لا يثبت إلا بعد بلوغ الخطاب ~~وكذلك النهي، فمن فعل شيئا لم يعلم أنه محرم، ثم علم لم يعاقب. وإذا عامل ~~معاملات ربوية يعتقدها جائزة وقبض منها ما قبض، ثم جاءه موعظة من ربه ~~فانتهى فله ما سلف، ولا يكون شرا من الكافر، ولو كان قد باع خمرا أو حشيشة ~~أوكلبا لم يعلم أنها حرام وقبض ثمنها. وسمرة لما باع وقبض ثمنها قال عمر: ~~قاتل الله سمرة! ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ~~إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه؟». # وكانوا يقبضون الخمر جزية عن أهل الذمة ثم يبيعونهم إياها، فقال عمر: ~~ولوهم بيعها ثم خذوا ثمنها. وما قبضه سمرة لم يذكر أن عمر أمر برده، وكيف ~~يرده وقد أخذوا الخمر، ولا نهاه عن الانتفاع به؟ وذلك أن هذا الذي قبضه قبل ~~أن يعلم أنه محرم لا إثم عليه في قبضه، فإنه لم يكن يعلم أنه محرم، والكافر ~~إذا غفر له قبضه لكونه قد تاب، فالمسلم أولى بطريق الأولى. # والقرآن يدل على هذا بقوله: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} ~~[البقرة:275]، وهذا عام في كل من جاءه موعظة من ربه، فقد PageV08P275 # جعل الله له ما سلف. ويدل على أن ذلك ثابت في حق المسلم ما بعد هذا: {يا ~~أيها الذين ms1561 آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا}، فأمرهم بترك ما بقي، ~~ولم يأمرهم برد ما قبضوه، فدل على أنه لهم مع قوله: {فله ما سلف وأمره إلى ~~الله}، والله يقبل التوبة عن عباده. # فإذا قيل: هذا مختص بالكافرين. # قيل: ليس في القرآن ما يدل على ذلك، إنما قال: {فمن جاءه موعظة من ربه ~~فانتهى فله ما سلف}، وهذا يتناول المسلم بطريق الأولى. وعائشة قد أدخلت فيه ~~المسلم في قصة زيد بن أرقم لما قالت لأم ولده: بئس ما شريت، وبئس ما ~~اشتريت، أخبري زيدا أنه قد حبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ~~أن يتوب. فقالت: يا أم المؤمنين، أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فقالت ~~عائشة: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله}. # بل قد يقال: إن هذا يتناول من كان يعلم التحريم إذا جاءته موعظة من ربه ~~فانتهى، فإن الله يغفر لمن تاب بتوبته، فيكون ما مضى من الفعل وجوده كعدمه، ~~والآية تتناوله: {فله ما سلف وأمره إلى الله}، ويدل على ذلك قوله بعد هذا: ~~{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن PageV08P276 # كنتم مؤمنين} إلى قوله: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم}. والتوبة تتناول ~~المسلم العاصي كما تتناول الكافر، ولا خلاف أنه لو عامله بربا يحرم ~~بالإجماع لم يقبض منه شيئا، ثم تاب، أن له رأس ماله، فالآية تناولته، وقد ~~قال فيها: {اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا}، ولم يأمر برد المقبوض، بل ~~قال قبل ذلك: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف}. # وهذا وإن كان ملعونا على ما أكله وأوكله، فإذا تاب غفر له. ثم المقبوض قد ~~يكون اتجر فيه وتقلب، وقد يكون أكله ولم يبق منه شيء، وقد يكون باقيا، فإن ~~كان قد ذهب وجعل دينا عليه كان في ذلك ضرر عظيم، وكان هذا منفرا عن التوبة، ~~وهذا الغريم يكفيه إحسانا إليه إسقاطه ما بقي في ذمته وهو برضاه ms1562 أعطاه، ~~وكلاهما ملعون. # ولو فرض أن رجلا أمر رجلا بإتلاف ماله وأتلفه لم يضمنه وإن كانا ظالمين، ~~وكذلك إذا قال: اقتل عبدي. هذا هو الصحيح، وهو المنصوص عن أحمد وغيره. ~~فكذلك هذا هو سلط ذاك على أكل هذا المال برضاه، فلا وجه لتضمينه وإن كانا ~~آثمين، كما لو أتلفه بفعله، إذ لا فرق بين أن يتلفه بأكله أو بإحراقه، بل ~~أكله خير من إحراقه، فإن لم يضمنه في هذا بطريق الأولى. # وأيضا فكثير من العلماء يقولون: إن السارق لا يغرم؛ لئلا يجتمع عليه ~~عقوبتان من أن الحد حق لله والمال حق لآدمي. وهذا أولى، لئلا PageV08P277 # يجتمع على المربي عقوبتان: إسقاط ما بقي، والمطالبة بما أكل. وإن كان عين ~~المال باقيا فهو لم يقبضه بغير اختيار صاحبه كالسارق الغاصب، بل قبضه ~~باتفاقهما ورضاهما بعقد من العقود، وهو لو كان كافرا ثم أسلم لم يرده، وقد ~~قال تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله}. # وقد يقال: لا يكون لواحد منهما، كما لو كان ثمن خمر أو مهر بغي أو حلوان ~~كاهن، فإن هذا إذا تاب لا يعيده إلى صاحبه، بل يتصدق به في أظهر قولي ~~العلماء. # وكذلك لو استأجر رجلا لحمل خمر، نص أحمد على أنه يقضى له بالكراء ولا ~~يأكله، لأن الحمل عمل مباح فيستحق أجرته، ولكن لقصد المستأجر لا يأكله. ~~وكذلك لو باع عنبا أو عصيرا ممن يتخذه خمرا، فإنه يقضى له بالثمن بلا ريب ~~إذا تعذر رد العنب والعصير، ولا يقول عاقل: إن الذي أخذ العنب وعصره خمرا ~~يعطى مع ذلك الثمن، لكن غاية ما يقال: إن هذا يتصدق بالثمن. # فإن قيل مثل هذا في الربا قياسا على هذا، فقد يقال: هنا التحريم لحق ~~الله، لأن نفس عوض الخمر محرم، وهناك التحريم لما فيه من ظلم الآدمي، وإن ~~كان لو رضي به لم يجز؛ لأنه سفيه في ذلك. # وأيضا ففي رده عليه تسليط لمن يحتال على الناس بأن يأخذها بعقود ربوية ~~فينتفع بها، ms1563 ثم يطالبهم بما قبضوه، وقد انتفع برأس ماله مدة PageV08P278 # بغير رضاهم، فإنهم لم يعطوه قرضا. # وهذه المسألة تحتاج إلى نظر وتحقيق، وأما الذي لا ريب فيه عندي فهو ما ~~قبضه بتأويل أو جهل فهنا له ما سلف بلا ريب، كما دل عليه الكتاب والسنة ~~والاعتبار، وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر، فإنه قد يقال: طرد هذا ~~أن من اكتسب مالا من ثمن خمر مع علمه بالتحريم فله ما سلف. وكذلك كل من كسب ~~مالا محرما ثم تاب، إذا كان برضا الدافع، ويلزم مثل ذلك في مهر البغي ~~وحلوان الكاهن. # وهذا ليس ببعيد عن أصول الشريعة، فإنها تفرق بين التائب وغير التائب، كما ~~في قوله: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف}، وقال تعالى: {قل ~~للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال:38]. وهذا في الكفار ~~ظاهر متواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، متفق عليه بين المسلمين، فإن ~~الكافر إذا أسلم لم يجب عليه قضاء ما تركه من صيام وصلاة وزكاة، ولا يحرم ~~ما اكتسبه من الأموال التي كان يعتقدها حلالا، ولا ضمان عليه فيما أتلفه، ~~لأنه كان يعتقد حل ذلك. # وأما المسلم إذا تاب ففي قضاء الصلاة والصيام نزاع، ومما يقوي هذا أن هذا ~~المال لا يتلف بلا نزاع، بل إما أن يتصدق به، وإما أن يدفع إلى الزاني ~~والشارب الذي أخذ منه مع كونه مصرا، وإما أن يجعل لهذا القابض التائب. # فإذا دفعه إلى الزاني والشارب فلا يقوله من يتصور ما يقول، وإن PageV08P279 # كان من الفقهاء من يقوله، فإن في هذا فسادا مضاعفا، فإن ذلك كان ممنوعا ~~من الشرب والزنا ولو بذل العوض، فإذا كان قد فعله بعوض وأعيد إليه العوض ~~كان ذلك زيادة إعانة له وإغراء له بالسيئات. # وأما الصدقة فهي أوجه، لكن يقال: هذا الباب أحق به من غيره، ولا ريب إن ~~كان صاحب هذا الباب فقيرا فهو أحق به من غيره من الفقراء، وبهذا أفتيت غير ~~مرة، وإذا كان التائب ms1564 فقيرا يأخذ منه حاجته، فإنه أحق به من غيره، وهو ~~إعانة له على التوبة، وإن كلف إخراجه تضرر غاية التضرر ولم يتب. وأيضا فلا ~~مفسدة في أخذه، فإن المال قد أخذه وخرج عن حكم صاحبه، وعينه ليست محرمة، ~~وإنما حرم لكونه استعين به على محرم، وهذا قد غفر بالتوبة فيحل له مع الفقر ~~بلا ريب، وأخذ ذلك له مع الغنى وجه، وفيه تيسير التوبة على من كسب مثل هذه ~~الأموال. # وأما الربا فإنه قبض برضا صاحبه، والله سبحانه يقول: {فمن جاءه موعظة من ~~ربه فانتهى فله ما سلف}، ولم يقل: فمن أسلم، ولا من تبين له التحريم، بل ~~قال: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى}، والموعظة تكون لمن علم التحريم أعظم ~~مما تكون لمن لم يعلمه، قال الله تعالى: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ~~إن كنتم مؤمنين} [النور:17]، وقال: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ~~فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} [النساء:63]. PageV08P280 # وأيضا فهذا وسط بين الغريمين، فإن الغريم المدين ينهى أن يسقط عنه ~~الزيادة، وهذا عنده غاية السعادة، وذلك لا ينهى أن يبقى له ما قبض، وقد عفا ~~الله عما مضى. وأما تكليف هذا إعادة القرض فذلك مثل مطالبة الغريم بما بقي، ~~وكلاهما فيه شطط وشدة عظيمة، فهذا هذا. والله أعلم. # فصل في الربا # قد تدبرت [الربا] * مرات عودا على بدء، وما فيه من النصوص والمعاني ~~والآثار، فتبين لي -ولا حول ولا قوة إلا بالله- بعد استخارة الله أن أصل ~~الربا هو الإنساء، مثل أن يبيع الدراهم إلى أجل بأكثر منها، ومنها أن يؤخر ~~دينه ويزيد في المال. وهذا هو الربا الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية. وقد ~~سئل أحمد بن حنبل عن الربا الذي لا شك فيه، فذكر هذا، وهو أن يكون له دين ~~فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقضه زاده في المال، وزاده هذا في الأجل، ~~فيربو المال على المحتاج من غير نفع حصل له، ويزيد مال المربي من غير نفع ~~حصل ms1565 منه للمسلمين. فهذا حرمه الله تعالى؛ لأن فيه ضررا على المحاويج، وفيه ~~أكل المال بالباطل. # وقد كان من العلماء المشهورين في زماننا غير واحد يقولون: لا نعرف حكم ~~تحريم الربا، وذلك أنهم نظروا في جملة ما يحرم، فلم يروا فيه مفسدة ظاهرة. ~~والتحقيق أن الربا نوعان: جلي وخفي، فالجلي حرم لما فيه من الضرر والظلم، ~~والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي. PageV08P281 # فربا النساء من الجلي، فإنه يضر بالمحاويج ضررا عظيما ظاهرا، وهذا مجرب، ~~والغني يأكل أموال الناس بالباطل؛ لأن ماله ربا من غير نفع حصل للخلق، ~~ولهذا جعل الله الربا ضد الصدقات، فقال: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} ~~[البقرة:276]. وقال: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند ~~الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} [الروم:39]. ~~وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم في أول ما أنزل عليه: {ولا تمنن تستكثر} ~~[المدثر:6]. وقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} ~~الآيات إلى قوله تعالى: {والله يحب المحسنين} [آل عمران:130 - 134]. فنهى ~~عن الربا الذي فيه ظلم الناس، وأمر بالإحسان إلى الناس المضاد للربا. # وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إنما الربا في النسيئة». وهذا الحصر يراد به حصول الكمال، فإن الربا ~~الكامل هو في النسيئة، كما قال ابن مسعود: إنما العالم الذي يخشى الله. ~~وكما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ~~[الأنفال:2]، ومثل ذلك كثير. # فأما ربا الفضل فإنما نهي عنه لسد الذريعة، كما في المسند مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سعد: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني* PageV08P282 # أخاف عليكم الرماء. والرماء هو الربا». # وقد تنازع السلف والخلف في ربا الفضل، فطائفة من السلف أباحته ولم تحرم ~~منه شيئا، وهذا مشهور عن ابن عباس، وهو مروي عن ابن مسعود ومعاوية، بل قد ~~روي عنه أنه باع المصوغ إلى أجل، وبسبب ذلك فارقه عبادة بن الصامت، وذهب ~~إلى عمر ms1566 رضي الله عنه شاكيا منه. # ويروي عبادة حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الأصناف الستة، وقد قيل: ~~كانوا في غزوة قبرص، وليس كذلك، فإن قبرص إنما غزاها معاوية في خلافة عثمان ~~باتفاق الناس، وكانوا قد استأذنوا عمر فيها، فنهى لأجل ركوب البحر، ثم ~~استأذنوا عثمان فأذن لهم. وفيها توفيت أم حرام بنت ملحان، وقد ذكر النبي ~~صلى الله عليه وسلم هذه الغزاة، وبها احتجوا على جواز الغزو في البحر، مع ~~ذكره غزو البحر في حديث. # لكن شكوى عبادة إلى عمر قد كان قبل ذلك في بعض المغازي، PageV08P283 # فإن معاوية فتح قيسارية، وكانت مدينة بالساحل عظيمة، ولعل النزاع كان ~~فيها، وقد غنم المسلمون آنية من ذهب وفضة، فصار في الخمس منها ما صار، ~~فباعهم معاوية ذلك إلى العطاء. فصار بيع الإناء الذي وزنه عشرون درهما ~~بثلاثين درهما لأجل صيغته، والناس رغبوا في ذلك؛ لأنه إلى العطاء مؤخر ~~عنهم، ويأخذون ذلك الساعة وينتفعون بها، فأنكر ذلك عبادة، وتقاول هو ~~ومعاوية في ذلك، والقصة مشهورة. # ولما أنكر أبو سعيد الخدري وغيره من الصحابة ذلك على ابن عباس، روى أبو ~~سعيد حديث خيبر لما قال له وكيله: إنما نبتاع الصاع من التمر الجنيب وهو ~~جيد التمر، بالصاعين من الجمع وهو المخلوط، فقال: «إنه عين الربا، ولكن بع ~~الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا»، وقال في الميزان مثل ذلك. # ثم اتفق الناس على تحريم ربا الفضل في الأعيان الستة التي جاءت بها ~~الأحاديث، وهي من أفراد مسلم من حديث عبادة وغيره عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، ~~والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت ~~هذه الأصناف فبيعوا حيث شئتم إذا كان يدا بيد». PageV08P284 # وتنازعوا فيما سوى ذلك على أقوال: # فطائفة لم تحرم ربا الفضل في غيرها، وهذا مأثور عن قتادة، وهو قول أهل ~~الظاهر، وابن عقيل في آخر مصنفاته رجح هذا القول مع كونه يقول بالقياس، ~~قال: لأن علل القياس ms1567 في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم يظهر فيه علة امتنع ~~القياس. # وطائفة حرمته في كل مكيل وموزون، كما روي عن عمار بن ياسر، وبه أخذ أحمد ~~بن حنبل في المشهور عنه، وهو قول أبي حنيفة وغيره. # وطائفة حرمته في الطعام وإن لم يكن مكيلا وموزونا، كقول الشافعي وأحمد في رواية. # وطائفة لم تحرمه إلا في المطعوم إذا كان مكيلا أو موزونا، وهذا قول سعيد ~~بن المسيب والشافعي في قول وأحمد في الرواية الثالثة، اختارها الشيخ أبو ~~محمد، وهو قريب من قول مالك: القوت وما يصلح القوت. وهذا القول أرجح ~~الأقوال. # وقد حكي عن بعض المتأخرين أنه يحرم في جميع الأموال، لكن هذا ما علمت به ~~قائلا من المتقدمين. # فنقول: أما الدراهم والدنانير فالعلة فيهما الثمن، بدليل أنه يجوز PageV08P285 # إسلافها في الموزونات من النحاس وغيره، ولو كان الربا جاريا في النحاس لم ~~يبع موزون بموزون إلى أجل، كما لا يباع تمر بحنطة ودراهم بدنانير إلى أجل، ~~وهم يسلمون أن هذا خلاف القياس، والعلة إذا انتقضت من غير فرق علم أنها علة ~~باطلة. وأيضا فالتعليل بكونه موزونا أو مطعوما علل ليس فيها ما يوجب الحكم، ~~بل طرد محض، كما بسط في غير هذا الموضع. # ولكن الدراهم والدنانير هي أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به ~~يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا، لا ترفع قيمته ولا تنخفض؛ ~~إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل ~~الجميع سلع، والحاجة إلى أن يكون للناس ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة عامة، ~~فإنه قد يحتاج إلى بيع ثمن بغير إذن صاحبه، فلا يباع إلا بثمن المثل، ~~كتقويم الشقص على من أعتق نصيبه. والناس يشترون بالسعر شراء عاما، فإن لم ~~يكن سعر لم يعرف ما لبعضهم عند بعض، وقد يقومون بينهم عروضا وغيرها ممن لا ~~تعدل فيه الأنصباء إلا بالقيمة. # ففي الجملة الحاجة إلى التقويم في الأموال حاجة عامة، وذلك لا يمكن إلا ~~بسعر تعرف به القيمة، وذلك ms1568 لا يكون إلا إذا كان هناك ثمن تقوم به الأشياء ~~وتعتبر، وذلك إنما يكون إذا كان ذلك الثمن باقيا على حال واحدة لا تزداد ~~فيه القيمة ولا تنقص. PageV08P286 # وقد حرم فيهما ربا النساء لما فيه من الضرر كما تقدم، ولو أبيح ربا ~~الفضل، مثل أن يبيعوا دراهم بدارهم أكثر منها، مثل أن يكون محتاجا إلى ~~دراهم خفافا وأنصافا ومكسرة فيشتريها، فلا يبيعه الصيرفي إلا بفضل باق يأخذ ~~منه من الصحاح أكثر من وزنها= صار ذلك تجارة في الثمن، ومتى اتجروا فيها ~~نقدا تذرعوا إلى التجارة فيها نسيئة. ولو أبيحت التجارة في الأثمان مثل أن ~~يبيع دراهم بدارهم إلى أجل، لصارت الدراهم سلعة من السلع، وخرجت عن أن تكون ~~أثمانا، فحرم فيها ربا الفضل، لأنه يفضي إلى ربا النساء، وربا النساء فيها ~~يضر وإن اختلفت بالصفات، لأنه يخرجها عن أن تكون أثمانا. # وإذا وقعت فيها التجارة قصدت صفاتها، فيقصد كل واحد ادخار ما يرتفع ثمنه ~~في وقت، كما يصنعون بالدراهم إذا كانت نقودا ينقون خيارها، وكما يصنعون ~~بالفلوس أحيانا. وهذا كله مما نهي عنه في الأثمان، فالأثمان المتساوية متى ~~جعل بعضها أفضل من بعض حصل الفساد، بل لا بد أن لا تقصد لأعيانها، بل يقصد ~~التوسل بها إلى السلع. والناس كلهم يشتركون في التوسل بها، وهي دائرة بين ~~الناس بمنزلة العلامة، ولهذا في بعض البلاد يتخذون أثمانا من نوع آخر، وهذا ~~معنى معقول في الأثمان مختص بها، فلا يتعدى إلى النحاس والحديد والقطن ~~والكتان؛ فإنه لا فرق بين تلك وبين غيرها، بل المطعومات أشرف منها. # وأما الأصناف الأربعة فالناس محتاجون إلى القوت، كالأصناف PageV08P287 # الأربعة وكما يشابهها من المكيلات، فمن تمام مصلحة الناس أن لا يتجر في ~~بيع بعضها ببعض؛ لأنه متى اتجر في ذلك خزنها الناس، ومنعوا المحتاج منها، ~~فيفضي إلى أن يعز الطعام على الناس، ويتضررون بتقليل الانتفاع به، وهذا هو ~~في بيع بعضها ببعض إلى أجل. فإنه متى بيعت الحنطة بالحنطة إلى أجل، أو ~~التمر بالتمر، أو الشعير بالشعير ms1569 أو نحوه، سمحت الأنفس ببيعها حالة طمعا في ~~الربح إذا بيعت إلى أجل، وإذا لم تبع حالة تضرر الناس، بل حينئذ لا تباع ~~إلا بزيادة فيها، فيضر الناس. بخلاف بيعها بالدراهم، فإن من عنده صنف منها ~~هو محتاج إلى الصنف الآخر، فيحتاج أن يبيعه بالدراهم ليشتري به الصنف ~~الآخر، أو يبيعه بذلك الصنف بلا ربح. وعلى التقديرين يحتاج إلى بيعه حالا، ~~بخلاف ما لو أمكنه التأخر، فإنه يمكنه أن يبيعه بفضل ويحتاج أن يشتري الصنف ~~الآخر بفضل؛ لأن صاحب ذلك الصنف يربي عليه كما أربى هو على غيره، فيتضرر ~~هذا ويتضرر هذا من تأخر هذا ومن تأخر هذا. فكان في التجارة فيها ضررا عاما، ~~فنهي عن بيع بعضها ببعض نساء وهذا من ربا النسيئة، وهو أصل الربا. # لكن هنا النسيئة في صنفين معللين، وهو كبيع الدراهم بالدنانير نساء، وهذا ~~من ربا النسيئة، وهو ما ثبت تحريمه بالنص والإجماع. فربا النسيئة يكون في ~~الصنف الواحد، وفي الصنفين اللذين مقصودهما PageV08P288 # واحد، كالدراهم مع الدنانير، وكالأصناف الأربعة التي هي قوت الناس. # وأما ربا الفضل فإذا باع حنطة بحنطة خير منها مد بمدين، كان هذا تجارة ~~فيها، ومن سوغ التجارة فيها نقدا طلبت النفوس التجارة فيها نساء كما تقدم ~~في النقدين، وإن لم يشترطوا ذلك بل قد يتعاقدان على الحلول. # والعادة جارية بأنك تصبر علي كما هو الواقع في كثير من السلع، وكما يفعل ~~أرباب الحيل، يطلقون العقد وقد تواطأوا على أمر آخر، كما يطلقون عقد نكاح ~~التحليل وقد اتفقوا على أنه يطلق، ويطلقون البيع على بيع الفضة بالفضة وقد ~~اتفقوا على أنه باذل عنها ذهبا، واتفقوا على أنه يبيعه السلعة إلى أجل وقد ~~اتفقوا على أنه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن، ومثل ذلك كثير. # كذلك يطلقون بيع الدراهم بالدارهم على أنها حالة، ويؤخر الطلب لأجل ~~الربح. فكان يحرم ربا الفضل؛ لأنه ذريعة إلى ربا النساء، كما جاءت هذه ~~العلة منصوصة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، ~~فإني أخاف عليكم ms1570 الرماء، والرماء هو الربا»، وإلا فمعلوم أنه مع استواء ~~الصفات لا يبيع أحد مد حنطة أو تمر مدا بمد يدا بيد، هذا لا يفعله أحد. ~~وإنما يفعل هذا عند اختلاف الصفات، مثل أن يكون هذا جيدا وهذا رديئا، أو ~~هذا جديدا وهذا عتيقا، وإذا اختلفت الصفات فهي PageV08P289 # مقصودة، ولهذا يجب له في القرض مثل ما أقرضه على صفته، وكذلك في الإتلاف، ~~لأنه في القرض لم يقصد البيع، وإنما قصد نفعه، فهو بمنزلة العارية. ولهذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «منيحة الورق»، ويقال فيه: أعرني دراهمك، ~~فهو يستعير تلك الدراهم ينتفع بها مدة ثم يردها، وعينها ليست مقصودة، ويرد ~~جنسها، كما في القراض يرد رأس المال، ثم يقتسمان الربح، وعين ما أعطاه ليس ~~مقصودا، بل المقصود الجنس. فهذه أمور معقولة جاءت بها الشريعة في مصالح الناس. # ولما خفيت علة تحريم الربا أباحه مثل ابن عباس حبر الأمة ومثل ابن مسعود، ~~فإن الحنطة الجيدة والتمر الجيد يقال لصاحبه: ألغ صفات مالك الجيدة، لكن ~~لما كان المقصود أنك لا تتجر فيها لجنسها، بل إن بعتها لجنسها فلتكن بلا ~~ربح ولا إلى أجل ظهرت الحكمة، فإن التجارة في بيعها لجنسها تفسد مقصود ~~الأقوات على الناس. وهذا المعنى ظاهر في بيع الدراهم بالدراهم، وفي بيع ~~التبر بالدراهم، لأن التبر ليس فيه صنعة تقصد لأجلها، فهو بمنزلة الدراهم ~~التي قصد أن لا تفضل على جنسها، ولهذا جاء في الحديث: «تبره وعينه سواء». PageV08P290 # فصل # وأما المصوغ من الدراهم والدنانير، فإن كانت صياغة محرمة كالآنية، فهذه ~~يحرم بيع المصاغة لجنسها وغير جنسها، وبيع هذه هو الذي أنكره عبادة على ~~معاوية. # وأما إن كانت الصياغة مباحة، كخواتيم الفضة، وكحلية النساء، وما أبيح من ~~حلية السلاح وغيرها من الفضة، وما أبيح من الذهب عند من يرى ذلك= فهذه لا ~~يبيعها عاقل بوزنها، فإن هذا سفه وتضييع للصنعة، والشارع أجل من أن يأمر ~~بذلك، ولا يفعل ذلك أحد البتة إلا إذا كان متبرعا بدون القيمة. وحاجة الناس ~~ماسة إلى بيعها ms1571 وشرائها، فإن لم يجوز بيعها بالدراهم والدنانير فسدت مصلحة الناس. # والنصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها ما هو صريح في ~~هذا، فإن أكثرها إنما فيه الدراهم والدنانير، وفي بعضها لفظ الذهب والفضة. ~~وجمهور العلماء يقولون: لم يدخل في ذلك الحلية المباحة، بل لا زكاة فيها، ~~فكذلك الحلية المباحة لم تدخل في نصوص الربا، فإنه بالصيغة المباحة صارت من ~~جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان، فلهذا لم يجب فيها زكاة الدنانير ~~والدراهم، ولا يحرم بيعها بالدنانير والدراهم. # ومما يبين ذلك أن الناس كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يتخذون ~~الحلية، وكن النساء يلبسن الحلية، وقد أمرهن النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~العيد أن PageV08P291 # يتصدقن، وقال: «إنكن أكثر أهل النار»، فجعلت المرأة تلقي حليها، وذلك مثل ~~الخواتيم والقلائد. ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي ذلك ~~الفقراء والمساكين، وكانوا يبيعون، ومعلوم بالضرورة أن مثل هذا لا بد أن ~~يباع ويشترى، ومعلوم بالضرورة أن أحدا لا يبيع هذا بوزنه، ومن فعل هذا فهو ~~سفيه يسحق أن يحجر عليه. كيف وقد كان بالمدينة صواغون، والصائغ قد أخذ ~~أجرته، فكيف يبيعه صاحبه ويخسر أجرة الصائغ؟ هذا لا يفعله أحد، ولا يأمر به ~~صاحب شرع، بل هو منزه عن مثل هذا. # ولا يعرف عن الصحابة أنهم أمروا في مثل هذا أن يباع بوزنه، وإنما كان ~~النزاع في الصرف والدرهم بالدرهمين، فكان ابن عباس يبيح ذلك، وأنكره عليه ~~أبو سعيد وغيره. والمنقول عن عمر إنما هو في الصرف. # وأيضا فتحريم ربا الفضل إنما كان لسد الذريعة، وما حرم لسد الذريعة أبيح ~~للمصلحة الراحجة، كالصلاة بعد الفجر والعصر، لما نهي عنها لئلا يتشبه ~~بالكفار الذين يعبدون الشمس ويسجدون للشيطان، أبيح للمصلحة الراجحة، فأبيح ~~صلاة الجنازة، والإعادة مع الإمام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~صلى الفجر ورأى رجلين لم يصليا وقالا: صلينا في رحالنا، فقال: «إذا صليتما ~~في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا PageV08P292 # معهم، فإنها ms1572 لكما نافلة». وكذلك ركعتا الطواف، وكذلك على الصحيح ذوات ~~الأسباب مثل تحية المسجد وصلاة الكسوف وغير ذلك. # وكذلك النظر للأجنبية لما حرم سدا للذريعة، أبيح للمصلحة الراجحة، كما ~~أبيح للخطاب وغيره. وكذلك بيع الربوي بجنسه، لما أمر فيه بالكيل والوزن لسد ~~الحاجة أبيح بالخرص عند الحاجة، وغير ذلك كثير في الشريعة. # كذلك هنا، بيع الفضة بالفضة متفاضلا لما نهي عنه في الأثمان لئلا يفضي ~~إلى ربا النساء الذي هو الربا، فنهي عنه لسد الذريعة، كان مباحا إذا احتيج ~~إليه للمصلحة الراجحة. وبيع المصوغ مما يحتاج إليه، ولا يمكن بيعه بوزنه من ~~الأثمان، فوجب أن يجوز بيعه بما يقوم به من الأثمان، وإن كان الثمن أكثر ~~منه تكون الزيادة في مقابل الصيغة. والزيادة هنا تعقل، إذ من يأخذ لها أجرة ~~بخلاف الزيادة في الأصناف الأربعة، فإنها من نعم الله المخلوقة، فجاز أن ~~يؤمر ببذلها إذا بيعت بجنسها أحيانا، وأما هنا فهو ظلم لمن أعطى أجرة ~~الصياغة أن يقال: بعها واخسر الأجرة. PageV08P293 # والدراهم والدنانير لا تتقوم فيها الصنعة، وأما النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخلفاؤه فلم يضربوا درهما ولا دينارا، بل كانوا يتعاملون بضرب غيرهم، وأول ~~من ضربهما في الإسلام عبد الملك بن مروان. والسلطان إذا ضربهما ضربهما ~~لمصلحة الناس، وإذا ضربهما ضارب بأجر، والضارب الآخر ضربهما بأجر. # والمقصود أن كل معار للناس لا يتجرون فيها كما تقدم، فلا يشبه بيع بعضها ~~ببعض متساويا ببيع المصوغ. ولهذا ما زال الناس يقايض بعضهم بعضا الدراهم، ~~مثل أن يكون عند هذا دراهم كاملة ثقيلة، وهو يطلب خفافا وأنصافا، فيطلب من ~~يقايضه، فيقايضه الناس ولا يرون أنهم خسروا شيئا، بخلاف ما لو طلب أن ~~يبيعوه المصوغ بوزنه دراهم، فإنهم يرونه ظالما لهم معتديا، ولا يجيبه إلى ~~ذلك أحد. # وبالجملة فلا بد من أربعة أمور: # إما أن يقال: هذه لا تباع بحال، فهو ممتنع في الشرع. # أو يقال: لا تباع إلا بوزنها، ولا يحتال في بيعها بغير الوزن، وأيضا لا ~~يفعله أحد. # أو يقال: لا تباع ms1573 إلا بوزنها، ولكن احتالوا في ذلك حتى يبيعوها بوزنها، ~~فهذا مما لا فائدة فيه، بل هو أيضا إتعاب للناس وتضييع للزمان به، وعيب ~~ومكر وخداع لا يأمر الله به. # وإما أن يقال: بل تباع بسعرها بالدراهم والدنانير، وهذا هو PageV08P294 # الصواب، وهذا القسم حاضر. ثم إذا بيعت بالسعر فإنها تباع بالنقد، وأما ~~بيعها بالنساء فلا يحتاج إليه، وهو محتمل، وقد يحتاج إليه. وهكذا سائر ما ~~يدخل من الذهب والفضة في لباس، كلباس النساء الذي فيه ذهب وفضة، فإنه يباع ~~بالذهب أو الفضة بسعره. # وأواني الذهب والفضة وصيغتها محرمة، وأجرة ذلك محرمة، فإذا بيعت لم تحرم ~~الزيادة لكونها ربا، بل لكونها غير متقومة، وهو كبيع الأصنام وآلات اللهو. ~~وهنا يتصدق بهذه الزيادة ولا تعاد إلى المشتري؛ لأنه قد اعتاض عنها، فلو ~~جمع له بين العوض والمعوض لكان ذلك أبلغ في إعانته على المعصية. وهكذا من ~~باع خمرا، أو باع عصيرا لمن يتخذه خمرا، فهذا يتصدق بالثمن. وهكذا من كسب ~~مالا من غناء أو فجور، فإنه يتصدق به. # وكل موضع استوفى الآخر العوض المحرم، وهو قاصد له غير مغرور، فإنه يتصدق ~~بالعوض، ولا يجمع له بين هذا وهذا، فإنه إذا حرم أن يعطاه بثمن يؤخذ منه، ~~فلأن يحرم أن يعطاه ويعطى الثمن أولى وأحرى، اللهم إلا إذا تاب، أو كان في ~~إعطائه مصلحة فيجوز لأجله. # وعلى هذا فتجوز التجارة في الحلي المباح، بل ويجوز الأجل فيه إذا لم يقصد ~~إلا الانتفاع بالحلية، لم يقصد كونها ثمنا، كما يجوز بيع سائر السلع إلى ~~أجل، فإن هذه سلعة من السلع التي ليست ربوية. PageV08P295 # فصل # والذي يصنع من الأصناف الأربعة إن خرج عن كونه قوتا كالنشا ونحوه لم يكن ~~من الربويات، وإن كان قوتا كان جنسا قائما بنفسه، فلم يحرم بيع الخبز ~~بالهريسة، ولا بيع الناطف بالحب، فإن هذه الصنعة لها قيمة، فلا تضيع على ~~صاحبها كالحلية، ولم يحرم بيع بعض ذلك ببعض لا نص ولا إجماع ولا قياس، بل ~~هذه الأجناس المختلفة يباع بعضها ببعض ms1574 متفاضلا. # والنزاع في مسألة بيع اللحم بالحيوان مشهور، وحديثه من مراسيل سعيد بن ~~المسيب، وهو -إذا ثبت- فيما إذا كان الحيوان مقصودا للحم، كشاة يريدون ~~ذبحها يبيعونها بلحم، يكون قد باعوا لحما بلحم أكثر منه من جنس واحد، ~~واللحم قوت مطعوم يوزن، فما كان مثله ألحق به. # ولا يلزم إذا حرم البيع لما فيه من الضرر أن يحرم ذلك في الاستيفاء، مع ~~أنه منفعة بلا ضرر. مثال ذلك مسألة «عجل لي وأضع عنك»، مثل أن يكون له عند ~~رجل مائة درهم مؤجلة، فيقول له: عجل لي تسعين وأضع عنك عشرة. فقد قيل: إن ~~هذا لا يجوز، لأنه بيع مائة مؤجلة بتسعين حالة. وقيل: يجوز كما نقل عن ابن ~~عباس وغيره، ورواية عن أحمد. وهذا أقوى، فإنه روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه أذن في ذلك PageV08P296 # لما أراد إجلاء يهود، فقالوا: لنا ديون على الناس، فقال: «ضعوا عنهم، ~~وليعجلوا لكم ذلك». # وذلك أنه هناك حرم لما فيه من ضرر المحتاج، وهو الذي يأخذ التسعين، فإنه ~~يأخذها، ويبقى عليه مئة، فيتضرر ببقاء الزيادة في ذمته، وهنا المئة له فهو ~~غني، وهو يضع منها عشرة عن المدين، والمدين هو المحتاج في العادة، ففي هذا ~~رفق بالمدين بالوضع عنه، وفيه منفعة للآخذ لحاجته إلى التعجيل، والآخذ هنا ~~هو صاحب المئة، فكأنه استأجر من المئة بعشرة دراهم من عجلها له، بخلاف ما ~~إذا بقيت المائة في ذمة المحتاج. # فيجب أن يفرق بين العوض الساقط من الذمة والعوض الواجب في الذمة، فالعوض ~~هنا ساقط من ذمة المدين لا واجب في ذمته. # ومما يشبه ذلك أنه روي حديث أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، أي المؤخر ~~بالمؤخر. وإسناده ضعيف، لكن العمل عليه، مثل أنه يسلم مئة مؤجلة في غرارة ~~قمح، فلا هذا قبض شيئا ولا هذا قبض شيئا، بل اشتغلت ذمة كل منهما بما عليه ~~من غير منفعة، والمقصود هنا بالبيع PageV08P297 # قبض المبيع. # وأما بيع التأجيل إذا كان فيه قبض أحد العوضين بمصلحة القابض في ذلك، ms1575 ~~فاحتمل بقاء العوض الآخر في الذمة لمصلحة هذا، وإلا فالواجب تفريغ الذمم ~~بحسب الإمكان، وهنا اشتغلت ذمة كل منهما بغير منفعة، فهذا متفق على المنع منه. # وقد اشتهر أنه نهى عن بيع الدين بالدين، لكن هذا اللفظ لا يعرف عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ولكن الدين المطلق هو المؤخر، فيكون هو بيع الكالئ ~~بالكالئ. # وأما بيع دين موصوف حال بموصوف وقبضهما قبل التفرق، مثل بيع مئة مد بمئة ~~درهم، فهذا جائز بلا خلاف، وإذا تفرقا قبل التقابض لم يجز في الربويات عند ~~الجمهور ولو عين، وعند أبي حنيفة التعيين كالمقبوض. # وإذا بيع ساقط بساقط، مثل أن يكون لهذا على هذا دراهم ولهذا على هذا ~~دنانير، فيقول: بعت هذا بهذا، وتبرأ الذمتان= فهذا فيه قولان، والأظهر جواز ~~هذا؛ لأنه برئت ذمة كل منهما، فهو خلاف ما يشغل ذمة كل منهما. وكونه يشمله ~~لفظ بيع دين بدين، ولو كان هذا لفظ صاحب الشرع لم يتناول هذا، فإنه إنما ~~يراد بذلك إذا جعل على هذا دين بدين يجعل على هذا، وهنا لم يبق على هذا دين ~~ولا على هذا دين، فأي محذور في هذا؟ PageV08P298 # بل هذا خير من أن يؤمر كل واحد منهما بإعطاء ما عليه، ثم استيفاء ما له ~~على الآخر، فإن في هذا ضررا على هذا وعلى هذا [في] مالهما لو كان معهما ما ~~يوفيان، فكيف إذا لم يكن معهما ذلك؟ ينزه الشارع عن تحريمه، فإن الشارع لا ~~يحرم ما ينفع ولا يضر. # والشارع يحرم أشياء لما فيها من المفاسد، فيغلط كثير من الناس فيدخلون في ~~لفظه ما لم يقصده، أو يقولونه أحاديث باطلة لم يقلها، مثل نقل بعضهم أنه ~~نهى عن بيع وشرط، ونقل بعضهم أنه نهى عن قفيز الطحان، ونحو ذلك من الأحاديث ~~الموضوعة. وقد يفهمون من كلامه معنى عاما يحرمون به، فيفضي ذلك إلى تحريم ~~أشياء لم يحرمها الله ورسوله، كما يفضي ذلك فيما ذكره من نصوص تحريم ~~الأعيان وتنجيسها. # وهذا قد دخل فيه على الأمة، يحرمون ms1576 شيئا من الأعيان والعقود والأعمال لم ~~يحرمها الشارع، وقد ظن كثير من الناس أنه حرمها، ثم إما PageV08P299 # أن يستحلوها بنوع من الحيل، أو يقولون بألسنتهم: هي حرام، وعملهم وعمل ~~الناس بخلافه، أو يلزمون ويلزمون أحيانا ما فيه ضرر عظيم. # فصل # قد ثبت في الصحاح بل تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام ~~قبل أن يقبض، وقال: «من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه». وكانوا ~~يتبايعون الطعام صبرة، فنهوا بأن يبيعوه في موضعه حتى ينقلوه، كما رواه ~~البخاري عن ابن عمر. # واضطرب العلماء هنا في تعليل هذا النهي ثم في تعميمه وتخصيصه، وإذا خص ~~بماذا يخص؟ ثم هل حكم سائر المعاوضات كالبيع أم لا؟ # فمنهم من قال: العلة في ذلك توالي الضمانين؛ لأنه قبل القبض من ضمان ~~البائع، فإذا باعه صار مضمونا على البائع الثاني وهو المشتري، فإذا تلف قبل ~~القبض ضمن البائع الأول للمشتري الأول قيمته، والمشتري وهو البائع الثاني ~~للمشتري الثاني قيمته، وقد يكون أقل أو أكثر. وهذا يعلل به من يقول به من ~~أصحاب أبي حنيفة والشافعي، وتنازعو في العقار. PageV08P300 # وأصحاب مالك وأحمد وغيرهما يبطلون هذا التعليل من وجهين: من جهة منع ~~الوصف، ومنع التأثير. # أما الوصف فيقولون: لا نسلم أن كل مبيع قبل قبضه يكون مضمونا على البائع، ~~بل هذا خلاف السنة الثابتة، فقد قال ابن عمر: مضت السنة أن ما أدركته ~~الصفقة حيا مجموعا فضمانه على المشتري. وهذا هو الحق، فإن المشتري قد ملكه ~~وزيادته له، والخراج بالضمان، فإذا كان خراجه له كان ضمانه عليه، لكن إذا ~~أمكنه البائع من قبضه ولم يقبضه. فإذا لم يمكنه كان البائع غير فاعل ما ~~أوجبه العقد، إما لظلمه وإما لكونه لم يتمكن من قبض الثمن، فيكون العقد لم ~~يتم بعد، فيكون من ضمان البائع. # وأما منع التأثير فهب أنه يتوالى فيه الضمانان، فأي محذور في هذا حتى ~~يكون موجبا للنهي؟ ولو اشتراه مئة واحد من واحد رجع كل واحد على الآخر بما ~~قبضه إياه من ms1577 الثمن، ولو ظهر المبيع مستحقا لرجعوا بذلك. وفي الشقص المشفوع ~~لو تابعه عشرة ثم أخذه الشفيع من المشتري الأول رجع كل واحد بما أعطاه. # ومن علل بوصف فعليه أن يبين تأثير ذلك الوصف، إما لكون الشرع جعل مثله ~~مقتضيا للحكم، وإما لمناسبة تقتضي ترتيب الحكم PageV08P301 # على الوصف، فإن لم يظهر التأثير لا شرعيا ولا عقليا كان الوصف طرديا عديم ~~التأثير. # وآخرون قالوا: المنع يختص بالطعام لشرفه، كما اختص به الربا. وقيل: هو ~~مختص بما يقدر بالكيل أو الوزن. وقيل أو العدد أو الذرع، لكونه لا يدخل في ~~ضمان المشتري حتى يقدر بذلك، وهو يعود إلى توالي الضمانين. وهذه الأقوال ~~وغيرها في مذهب أحمد وغيره. # ولقائل أن يقول: إنما نهي عن ذلك لأن المبيع قبل القبض غرر، قد يسلمه ~~البائع وقد لا يسلمه، لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح فيه، فيختار أن يكون ~~الربح له. وهذا واقع كثير، يبيع الرجل البيع، فإذا رأى السعر قد ارتفع سعى ~~في رد المبيع، إما بجحده، وإما باحتيال في الفسخ، بأن يطلب فيه عيبا أو ~~يدعي عيبا أو غرورا. # ومن اعتبر أحوال الناس وجد كثيرا منهم يندم على المبيع، وكثيرا ما يكون ~~لارتفاع السعر، فيسعى في الفسخ إن لم يتمكن من المنع بيده، وإلا فإذا تمكن ~~من ذلك فهنا إذا باع قبل القبض فإنه كثيرا ما يفضي إلى ندم البائع، فيكون ~~قد باع ما ليس عنده، ويحصل الضرر للمشتري الثاني، بأن يشتري ما يظن أنه ~~يتمكن من قبضه، فيحال بينه وبينه، وهذا من بيع الغرر. وهذا بخلاف ما لو كان ~~بيده ودفعه له، فإنه لا يطمع أن يكون الربح له. وكذلك الموروث لا حق فيه ~~لغير الوارث. # وعلى هذا فالأقوى أنه يجوز فيه التولية والشركة، كما قال مالك PageV08P302 # وغيره؛ لأن المحذور إنما يقع إذا كان هناك ربح، ولا ربح في التولية ~~والشركة. وكذلك يجوز بيعه من بائعه؛ لأنه لا محذور فيه، وقد قال ابن عباس: ~~لا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام، وروى أنه ms1578 نهي عن بيع ما لم يقبض. ولا ~~ريب أن الضرر يقع في الطعام أكثر، ويقع أيضا في غيره، فلا ينبغي أن يباع ~~شيء حتى يقبض، وإن كان مضمونا على المشتري كالصبرة من الطعام، وقد يكون ~~مضمونا على البائع ويجوز بيعه، كالتمر إذا بدا صلاحه ولم يتم، فكونه مضمونا ~~على هذا أو على هذا غير ملازم لجواز بيعه والتصرف فيه. # وهذه طريقة الخرقي وغيره، وهي أصح الطرق، فالصبرة من الطعام قد ثبت عن ~~ابن عمر أنه من ضمان المشتري، وأنهم كانوا ينهون عن بيعها حتى ينقلوها، ~~والثمر على الشجر قد ثبت أنه من ضمان البائع حتى يكمل صلاحه، لأن المشتري ~~لم يتمكن من جداده. ومع هذا فالصحيح أنه يجوز بيعه؛ لأن قبضه غير ممكن إلا ~~بالتخلية، وقد خلي بينه وبينه، كالعقار إذا خلي بينه وبينه، وكمال الصلاح ~~إلى الله لا إلى الناس. ولأنه في هذه الحالة كالمنفعة في الإجارة قبضت من ~~وجه دون وجه، قبضت العين وما استوفيت المنفعة. كذلك هنا خلي بينه وبينه ~~بحيث لو أراد المشتري أن يأخذه حصرما وبلحا كان له ذلك. PageV08P303 # وليست الهبة وغيرها كالبيع، فإنه لا ربح هناك، فيجوز فيه. وما ملك بغير ~~البيع فلا يقصد به الربح، فيجوز التصرف فيه قبل قبضه؛ إذ ليس ذلك بمنصوص ~~ولا في معنى المنصوص، فلا يجوز منع الإنسان من التصرف في ملكه بغير حجة ~~شرعية. فهذا هذا، والله أعلم. # فصل # والربا البين الذي لا ريب فيه هو ربا النسيئة في الجنس الواحد، وكذلك قال ~~الإمام أحمد لما سئل عن الربا الذي لا شك فيه، فقال: مثل ربا الجاهلية، ~~يقول له عند محل الأجل: تقضي أو تربي؟ فإن قضاه وإلا زاده في الأجل وزاده ~~الآخر في الدين. # فإذا بيع دارهم معينة أو في الذمة بأكثر منها إلى أجل، فهذا من الربا ~~العاصر المتفق عليه الذي نزل القرآن بسببه، فإنه ضرر محض بالمحتاج، وزيادة ~~المال من غير عمل من صاحبه ولا نفع للناس. فإن المعاوضة ثلاثة أنواع: # أحدها: أن يشتري السلعة ms1579 لينتفع بها بالأكل والشرب واللباس والركوب ~~والسكنى، فهذا هو البيع الذي أحله الله، ولا بد منه لأهل الأرض. # والثاني: التجارة، وهو أن يشتريها لينقلها إلى مكان آخر، ويحبسها إلى وقت ~~فيبيعها بربح. وهذه التجارة التي أحلها الله بقوله تعالى: {إلا PageV08P304 # أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29]، فإن المشتري من صاحب التجارة ~~يعلم أنه قد ربح عليه، وأن رأس المال مثلا كان مائة، وقد باعها بمائة وعشرة ~~أو أقل أو أكثر، ولهذا يطلب المشتري من التاجر إخباره برأس المال لينظر كم ~~يربح عليه، وهذا بخلاف البائع الذي ليس بتاجر، كالذي حدثت على ملكه أو ~~ورثها أو وهبت له أو نحو ذلك. # وقد ثبت في الصحيح أنهم كانوا إذا اشتروا الصبرة من الطعام نهوا أن ~~يبيعوها في موضعها حتى ينقلوها؛ لأن هذا المشتري تاجر إنما اشتراها ليربح ~~فيها، فلا بد أن يعمل فيها عمل التاجر، من نقلها من مكان إلى مكان، أو ~~حبسها إلى حين يرتفع السعر، وأن يشتري جملة ويبيع مفرقا، ونحو ذلك. فأما ~~إذا اشتراها وباعها في مكانها بربح من غير أن يعمل فيها شيئا فليس هذا ~~بتاجر، وإن كانت صارت في ضمانه بتخلية البائع بينه وبينها. # فليس كل مضمون يباح ربحه، ولكن ما ليس بمضمون لا يباح ربحه، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن، والبائع قبل التمكن من القبض هو ~~ضامن للمبيع، ولا يحل له ربحه ونماؤه، بل ذلك للمشتري، وكذلك المشتري قبل ~~كمال القبض وبعد التمكن منه هو ضامن، ولا يباح له ربحه. PageV08P305 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه» هو ~~نهي للتاجر الذي يشتري الطعام ثم يبيعه، فهذا ليس له أن يبيعه حتى يستوفيه، ~~وإن كان معينا مضمونا عليه بالتعيين. وابن عمر روى هذا، وروى هذا. قال ابن ~~عمر: مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ضمان المشتري. وهذا ~~احتج به مالك وأحمد وغيرهما أن ما كان معينا ولم يمنعه البائع فهو ms1580 يكون ~~مضمونا على المشتري وإن لم يقبضه. # وروى ابن عمر أنهم كانوا يضربون إذا اشتروا الصبرة جزافا أن يبيعوها في ~~موضعها حتى ينقلوها. وإذا اشترى الصبرة جزافا دخلت في ضمانه أيضا، ومتى خلي ~~بينه وبينها كانت مضمونة على المشتري، لكن نهي أن يبيعوها في موضعها، وقد ~~قال ابن عباس: لا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام. وفي السنن أنه نهى عن بيع ~~ما لم يقبض، وهذا خطاب للتجار، فإنهم إذا اشتروا شيئا باعوه بربح، فلا ~~يبيعوه حتى يقبضوه. # وأيضا فإذا باعوه قبل القبض بربح فقد يندم البائع أو يستقيل أو يسعى في ~~فسخ العقد، فإذا صار في قبضة التاجر أمن من ذلك، ولم يكتف في الصبرة إلا ~~بنقلها إلى رحالهم. وأما غير التاجر فإنه إنما PageV08P306 # يشتري الشيء لينتفع به، لا يشتريه للتجارة، وإن بدا له فيما بعد أن يبيعه ~~لم يقصد أن يبيعه بربح، وإن قصد ذلك فهو تاجر. والنهي إنما كان لمن يربح في ~~السلعة، وهو التاجر في أحد القولين. # ولهذا جوز مالك فيه الشركة والتولية قبل القبض، فإنه لا ربح فيه، بل هو ~~يبيعه بمثل الثمن، كأخذ الشفيع الشفعة بمثل الثمن، وكذلك جوز بيعه من صاحبه ~~بمثل الثمن قبل القبض. # وهذا هو الصحيح، فإن النهي إنما كان للتاجر الذي يربح، فلا يبيع بربح حتى ~~يصير في حوزته، ويعمل فيها عملا من أعمال التجارة، إما بنقلها إلى مكان ~~آخر، كالذي يشتري في بلد ويبيع في آخر، وإما حبسها إلى وقت آخر. وأقل ما ~~يكون قبضها، فإن القبض عمل، فأما مجرد التخلية في المنقول فليس فيها عمل. ~~وهل تكون التخلية قبضا في المنقول؟ فيه روايتان عن أحمد، إحداهما: [تكون] ~~قبضا، كقول أبي حنيفة. # وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن، ولا تبع ما ليس ~~عندك. قال الترمذي: حديث صحيح. ولما سأله ابن عمر أنهم يبيعون بالبقيع ~~بالذهب ويقبضون الورق، ويبيعون بالورق ويقبضون الذهب، فقال: «لا بأس إذا ~~كان بسعر يومه». فلم يجوز بيع الدين ممن ms1581 هو عليه بربح، PageV08P307 # فإنه يربح فيما لم يضمن، فإنه لم يقبضه ولم يصر في ضمانه، والربح إنما ~~يكون للتاجر الذي نفع الناس بتجارته، فأخذ الربح بإزاء نفعه، فلم يأكل ~~أموال الناس بالباطل. ولهذا لما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29]، وهذا ~~استثناء منقطع، فإن ربح التجارة ليس أكلا بالباطل، بل بحق، وهو نفع التاجر ~~للناس، فإذا كان له دين وباعه من المدين بربح فقد أكل هذا الربح بالباطل، ~~إذا كان لم يضمن الدين ولم يعمل فيه عملا. # ولما جوز النبي صلى الله عليه وسلم اقتضاء الذهب من الورق والورق من ~~الذهب بالسعر، مع أن الثمن دين في الذمة لم يقبض، دل على جواز بيع الدين ~~ممن هو عليه بالسعر، فجوز ذلك في جميع الديون دين السلم وغيره، كما جوزه ~~ابن عباس وأحمد في إحدى الروايتين ومالك على تفصيل له. # والذين قالوا: لا يجوز، كأبي حنيفة والشافعي والمشهور عن أحمد عند ~~أصحابه، قالوا: لأنه بيع غير مقبوض، فلا يجوز بيعه قبل القبض وإن باعه ممن ~~هو عليه، كما قالوا مثل ذلك في بيع الأعيان. PageV08P308 # وقد تقدم أن المحذور هو الربح، فإذا باعه ممن هو عليه بلا ربح جاز ذلك، ~~كما قاله مالك وغيره، وجوز التولية فيه. وإن كان أحمد في إحدى الروايتين ~~يجوز بيع دين السلم ممن هو عليه بالسعر، فكذلك يقال في بيع الأعيان قبل ~~القبض ممن هو عليه بطريق الأولى. وابن عباس جوزه بالسعر، وقال: لا يربح مرتين. # كذلك يخرج في التولية والشركة، إذ لا ربح هناك، وأي فرق بين دين السلم ~~والثمن وكلاهما عوض في الذمة؟ وقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم الاعتياض ~~عنه بسعر يومه. وأحمد يعتبر هذا الشرط هو ومالك وغيرهما، وأبو حنيفة لا ~~يعتبره. والحديث يدل على الأصلين: على بيع الدين ممن هو عليه وإن كان عوضا، ~~وعلى أنه لا يبيعه بربح. وكذلك سائر الديون، كبدل القرض وغيره. # وقد اضطرب الناس ms1582 في بيع ما لم يقبض في حكم النهي في مورده، وما يقاس ~~بالطعام، وعن أحمد فيه عدة روايات. # من يجعل العلة توالي الضمانين، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد في قول، ~~يقولون: إن السلعة مضمونة على البائع قبل القبض، فإذا باعها المشتري صارت ~~مضمونة للمشتري الثاني على المشتري الأول، فتوالى الضمانان. وهذه علة ~~ضعيفة، فإنه إذا تلف انفسخ العقدان، ورجع كل واحد بثمنه. PageV08P309 # وأبو حنيفة استثنى العقار؛ لأنه مضمون عنده بالعقد إذا كان لا ينقل ~~ويحول، ولو باع الشقص المشفوع من شخص، ثم باعه من شخص جاز، وإن أخذه الشريك ~~بالشفعة انفسخت تلك العقود. وهذا فيه توالي ضمانات متعددة. # ومالك وأحمد في رواية يخص النهي بالطعام لشرفه، لكن إذا كانت العلة أنه ~~ربح من غير تجارة فجميع السلع سواء. # وأحمد في المشهور عنه يقول: إن المعين يدخل في ضمان المشتري بتمكينه من ~~قبضه، سواء قبضه أو لم يقبضه، ومع هذا يقول في إحدى الروايتين -وهي التي ~~اختارها الخرقي-: إنه لا يبيعه حتى ينقله. فالقبض عنده قبضان: قبض ينقل ~~الضمان، وقبض يبيح البيع، فالصبرة إذا لم ينقلها هي من ضمانه لأنها معينة، ~~ولا يربح فيها حتى ينقلها. وغلة الثمار هي مضمونة على البائع إذا أصابتها ~~جائحة، ويجوز للمشتري أن يبيعها على الشجر في ظاهر مذهبه إذا خلي بينه ~~وبينها. فهنا قبضان: قبض لا يبيح البيع والربح، وقبض ينقل الضمان. # وهذا كالمنافع في الإجارة، هي مضمونة على المؤجر حتى يستوفي، خلي بين ~~المؤجر وبين المستأجر، فإذا قبض المستأجر العين كان كقبض الشجرة التي عليها ~~ثمرة، ثم كلاهما إذا تلف قبل التمكن من الانتفاع فهي من ضمان البائع ~~والمؤجر، فالموجب لانتقال الضمان هو تمكن المشتري من الانتفاع، وأما البيع ~~فيجوز إذا أخذها، لأنه عمل PageV08P310 # على التاجر بقبضها، وحفظها كما يحفظ التاجر سلعته. فهذا المعنى إذا فهم ~~انكشف به مقصود هذا الباب، فإنه قد أشكل على كثير من الفقهاء أولي الألباب. # وبهذا يتبين أن أظهر القولين أنه يجوز أن يقول: «عجل لي وأضع عنك»، كما ~~نقل ms1583 عن ابن عباس وغيره. وقد روي أن اليهود لما أراد النبي صلى الله عليه ~~وسلم إجلاءهم من المدينة قالوا: إن لنا ديونا، فقال: «يعجلونها لكم، وضعوا ~~عنهم البعض». وهذا لأن صاحب المال هنا لم يربح، كما إذا قال: أجعل المئة ~~بمئة وعشرين إلى سنة، بل نقص ماله لأجل تعجيل القبض، والمدين ما ربح شيئا، ~~سقط عن ذمته. فهذا مقصوده استيفاء الدين لا بيع الدين، ولهذا جازت الحوالة ~~لأنها إيفاء. # ولهذا جوز مالك وأبو حنيفة وغيرهما بيع الدين الساقط بالساقط، إذا كان ~~لهذا على هذا دراهم، وللآخر ذهب، فقال: أسقط هذا بهذا، فهذا يجوز في أظهر ~~القولين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهه عن بيع الدين بالدين، ولكن ~~روي أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، مع ضعف الحديث. لكن بيع المؤخر بالمؤخر ~~-مثل أن يسلم شيئا مؤخرا في الذمة في شيء في الذمة- لا يجوز باتفاقهم إذا ~~كان كل منهما شغل ذمته بما للآخر، من غير منفعة حصلت لأحدهما. والمقصود ~~بالبيع النفع، فهذا يكون أحدهما قد أكل مال الآخر بالباطل إذا قال: أسلمت ~~إليك PageV08P311 # مئة درهم إلى سنة في وسق حنطة ولم يعطه شيئا، فإن هذه المعاملة ليس فيها ~~منفعة بل مضرة، هذا يطلب هذا بالحنطة، وهذا يطلب هذا بالدراهم، ولم ينتفع ~~واحد منهما، بل أكل مال الآخر بالباطل من غير نفع نفعه به، وهذا بخلاف بيع ~~الساقط بالساقط، فإن براءة ذمة كل منهما منفعة له. # وكذلك إذا قال: عجل لي وأضع عنك، فالمعجل برئت ذمته بإقباض البعض، فأبرأه ~~من الباقي، وهذا منفعة له، بخلاف ما إذا زيد عليه في الدين، فذاك يضره. ~~وصاحب الدين انتفع بتعجيل القبض، وكل منهما انتفع. وهنا المؤجل صار حالا بل ~~ساقطا، ليس مثله أن يبيعه دراهم إلى أجل بدراهم معجلة، فإنه هنا أجل عليه ~~ما لم يكن مؤجلا، فشغل ذمته بغير منفعة، وهذا ضرر، وأمر الشارع عدل وحكمة ~~ورحمة، وهو إنما ينهى الناس عما يضرهم، لا عما ينفعهم. # ولما نهى عن بعض الرقى نهى ms1584 عما فيه شرك، وقال: «من استطاع أن ينفع أخاه ~~فليفعل»، وقال: «لا بأس بالرقى ما لم يكن شركا». وأكل المال بالباطل إضرار ~~وظلم، وذلك نوعان: ربا وميسر، والقرآن حرم هذا وهذا، فالربا فيه زيادة قبض ~~بلا معنى، والميسر فيه أخذ المال على باطل، ومخاطرة يتضمن أكل المال بلا ~~منفعة. PageV08P312 # فهذان نوعان مباحان: اشتراء السلعة لينتفع بها، أو ليتجر فيها يقصد فيها ~~الربح، وكلاهما مباح بنص القرآن والسنة وإجماع الأمة. # والثالث: الربا، وهو أخذ مال زائد بلا عوض يقابله، بل أكل له بالباطل، ~~مثل مئة بمئة وعشرين إلى أجل، وهذا بين في النساء في الجنس، وهو متفق على ~~تحريمه في النقدين وفي الصنف الربوي كالأعيان الستة، لا يبيع حنطة بأكثر ~~منها إلى أجل، ولا شعيرا ولا تمرا ولا زبيبا ولا ملحا. وهو أيضا متفق عليه ~~بين المسلمين في القرض من سائر الأجناس، فإذا أقرض ما يكال وما يوزن وشرط ~~أكثر منه، لا يجوز ذلك باتفاقهم. ولو أقرضه ما يوزن، كالقطن والكتان ~~والحديد وغيره، وشرط أكثر، لم يجز بالاتفاق. وكذلك لو أقرضه ما يكال ولا ~~يؤكل، كالسدر والخطمي والأشنان وغير ذلك، وشرط أكثر، لم يجز باتفاقهم. # وهذا من أقوى الحجج على أن الجنس الواحد إذا اجتمع فيه نوعا الربا ~~التفاضل والنساء، لم يجز ذلك، وإن كان لا يجري فيه ربا الفضل، فإنهم متفقون ~~على هذا في القرض، لو أقرضه ما يوزن لم تجز الزيادة. # وإن قيل: ليس فيه ربا الفضل، فيجب أن يكون إذا قال: بعتك هذا الرطل ~~برطلين من جنسه إلى شهر، وهذا الكيل بكيلين إلى شهر، لم يجز، وهذا مذهب ~~مالك وأحمد في رواية، لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يجعل ذلك قرضا بزيادة؛ إذ ~~الاعتبار بالمقاصد لا بالألفاظ. # ولو قال: أقرضتك هذا الرطل على أن ترد رطلين لم يجز، سواء PageV08P313 # أجل القرض أو أطلقه وكان حالا، فيجب إذا قال: بعتك هذا الرطل برطلين إلى ~~أجل أن لا يجوز؛ لأن هذا هو معنى القرض بزيادة. وكل قرض جر زيادة بالشرط ms1585 لم ~~يجز باتفاقهم، وهو الربا الذي يجمع فيه الفضل والنساء، كبيع دراهم بدراهم ~~أكثر منها إلى أجل، فهذا الذي لا ريب في تحريمه، وإن احتال عليه بأي حيلة ~~كانت، متى كان المقصود أخذ الدراهم بأكثر منها إلى أجل فهو ربا. # ولهذا قال ابن عباس، وهو لا يحرم ربا الفضل يدا بيد، قال: إذا استقمت ~~بنقد ثم بعت بنقد فلا بأس، وإذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم ~~بدراهم. واستقمت بمعنى قومت، بمعنى قوم السلعة بنقد وابتاعها بأكثر إلى ~~أجل، كان مقصوده القيمة، وهو بيع دراهم بدراهم. # فإن قيل: فلو باع رطلا برطلين جاز، ولا يجوز مثل هذا في القرض. # قيل: القرض لا يكون قط مع تعجيل الوفاء، بل لا بد فيه من تأخير الوفاء، ~~وإلا فلا يقول: أقرضني هذه الدراهم وأعطيك مثلها الساعة، فإن هذا لا يفعله ~~عاقل؛ إذ لا فائدة فيه، بل هو كبيع الشيء بنفسه. # فإن قيل: تلك الدارهم تقوم مقامها، فلا تباع بمثلها إلا مع التأخير، ولا ~~تباع بدراهم معجلة إلا لاختلاف الصفة. والقرض إنما يجب فيه المثل، فلا يبيع ~~أحد رطلين برطلين كل منهما مثل ذلك الرطل، هذا لا يفعله أحد عاقل، ولا يقع ~~مثل هذا في القرض؛ إذ كان القرض لا بد فيه PageV08P314 # من تأخير الإيفاء، وذلك واجب فيه في أحد قولي العلماء، ولو أجله بأجل، ~~كمذهب مالك وقول في مذهب أحمد. # ومن قال: إن له المطالبة في الحال ولا يتأجل، قالوا: لأن هذا تبرع، ~~والتبرع لا يلزم بالعقد، كما قالوا مثل ذلك في الهبة والعارية. وهذا مذهب ~~أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. وأما أهل المدينة فعندهم يلزم ~~بالعقد، وعليه تدل نصوص الكتاب والسنة. # فالقرض من أقوى الحجج على أنه إذا اجتمع ربا الفضل والنساء في جنس واحد ~~حرم، وإن لم يكن مما يجري فيه ربا الفضل وحده. وهذا حجة لمالك وأحمد في ~~إحدى الروايتين، وهو حجة على الشافعي وأحمد في رواية؛ إذ كانوا يجوزون بيع ~~غير الربوي كالموزون غير النقدين بجنسه ms1586 متفاضلا، ويحرمون ذلك بلفظ القرض. ~~وهؤلاء يجعلون الأحكام تختلف بمجرد اللفظ مع اتحاد المقصود، وهذا يقوله من ~~يقوله من أصحاب الشافعي وبعض أصحاب أحمد، يقولون هذا في مواضع، كما جوز ~~القاضي أبو يعلى وغيره السلم الحال بلفظ البيع دون السلم، وكما جوز أن يكون ~~البذر من العامل إذا كان بلفظ الإجارة دون لفظ المزارعة. وأبو محمد المقدسي ~~عكس ذلك، فجوزه بلفظ المزارعة دون الإجارة، وأبو الخطاب جوزه بلفظهما، وهو ~~الصواب، وعليه تدل نصوص أحمد، فإنه جوز أن تؤجر الأرض بجزء من الخارج منها، ~~واحتج على ذلك بمزارعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر. ولو كان الحكم ~~يختلف باللفظ لم تصح هذه الحجة، وإنما تصح هذه PageV08P315 # الحجة إذا كان البذر من أهل خيبر، فإن المستأجر للأرض هو الذي يبذر فيها، ~~لا يبذر رب الأرض. ولهذا قال أبو الخطاب: هذه النصوص الكثيرة عن أحمد تدل ~~على أنه جوز المزارعة ببذر من العامل، كما ثبت في الصحيح أنه عاملهم على أن ~~يعمروها من أموالهم. وحينئذ فكيف يجوز إلحاق فرع بهذا الأصل مع مخالفته؟ # ودل ذلك على أن الرواية التي اشترط فيها أن يكون البذر من المالك قياسا ~~على المضاربة قالها موافقة لمن قال ذلك، وهي مخالفة لهذه السنة التي قاس ~~عليها. وأحمد أصوله توجب اعتبار المقاصد والمعاني دون مجرد اللفظ، كما ~~يعتبرها مالك رحمه الله وغير مالك من أهل المدينة. وفقهاء الحديث وفقهاء ~~المدينة متفقون على هذا الأصل، وهو رعاية المقاصد في العقود. # وأبو حنيفة يقول: الجنس بانفراده يحرم فيه النساء، وهو الرواية الأخرى عن ~~أحمد واختياره، فلا يجوز بيع الشيء بمثله نساء. والقرض حجة على هذا القول، ~~فإنه يجوز القرض، قرض الشيء بمثله مع التأخير. لكن أبو حنيفة يقول: أنا لا ~~أجيز القرض إلا في المثليات، لا أجيزه إلا في المكيل والموزون. ومالك ليس ~~عنده ربا الفضل، بل فيها ربا النساء، فهذا يجيب عن القرض. # لكن الأكثرون يجوزون قرض الحيوان استدلالا بالسنة، وأن النبي PageV08P316 # صلى الله عليه وسلم اقترض بعيرا ورد ms1587 خيرا منه، فقد ثبت أخذ الحيوان بمثله ~~مع التأخير، وذلك مبطل لقول من يقول: الجنس بانفراده يحرم النساء، فإنه لو ~~جاز ذلك لم يجز قرض بعير ببعير مع التأخير. # لكن أبو حنيفة لا يجوز قرض غير المكيل والموزون، فلا يجوز بعير ببعير إلى ~~أجل، لا قرضا ولا بيعا. وأحمد يجوزه قرضا بخلاف البيع. وهل الواجب في الرد ~~الجنس أو القيمة؟ على وجهين، والجنس هو المنصوص. ولا يجوزه بيعا في إحدى ~~الروايات؛ لأن البيع يجب فيه الأجل، وأما القرض فإنه بذل المنفعة بلا عوض، ~~ولهذا لا يجوز فيه التأجيل عنده. # وكذلك أبو حنيفة لا يجوز التأجيل في القرض، فإنه إذا جاز التأجيل فيه كان ~~معنى بيع الشيء بجنسه نساء، وذلك لا يجوز عند أبي حنيفة وأحمد في رواية. بل ~~كلما يجب وفاء القرض وحده يحرم ربا النساء وحده. # والشافعي وأحمد في رواية ومن وافقهما يجوزون في غير الشيء الربوي ~~كالحيوان يبيع بعضه بجنسه حالا وإلى أجل متماثلا ومتفاضلا، ولا يجوزون أن ~~يقرضه ويشترط أكثر منه. وهذا تناقض، فإنه إذا جاز معاوضة بعضه ببعض حالا ~~ومؤجلا فالقرض لا يخرج عن هذا وهذا كما تقدم. وإذا أراد أن يقرضه بعيرا ~~ويشترط بعيرين قال: بعني بعيرا PageV08P317 # ببعيرين، ولكن هنا يشترط يعني الحلول أو التأجيل بخلاف القرض، وليس هذا ~~فرقا، فإن الناس مع القرض قد يتفقون على أنه يوفيه في وقت معين، فلا يخرج ~~هذا عما يقصده الناس بالقرض. # فتبين أن أظهر الأقوال قول مالك وأحمد في رواية، أنه إذا جمع النوعان ~~حرم، فإذا باع الشيء بجنسه متفاضلا إلى أجل لم يجز، كما لا يجوز مثل ذلك في ~~القرض، وإن تباعدت المقاصد ففيه نزاع. # فقد تبين أنه إذا اجتمع ربا الفضل والنساء حرم بالإجماع، مما فيه ربا ~~الفضل، وفي غير ذلك عند أكثر العلماء، وأما إذا لم يكن إلا النساء فقط في ~~غير الربوي فهذا يباح عند أكثر العلماء، كالبعير بالبعيرين إلى أجل. # فصل # وأما ربا الفضل بلا نساء فقد أشكل على السلف والخلف، فروي ms1588 عن ابن عباس ~~وابن مسعود ومعاوية أنه لا ربا إلا في النساء، كما ثبت في الحديث الصحيح عن ~~أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ربا إلا في النسيئة». # وبإزاء هؤلاء بعض المتأخرين الذي قال: إنه يجري في كل مال. وهذا خلاف ~~إجماع السلف، ولا معنى فيه. يحكى هذا عن أبي طاهر الرياشي. PageV08P318 # وقالت طائفة: إنما يحرم في الأصناف المنصوصة الستة، وهو قول قتادة وداود ~~وأصحابه. وابن عقيل قد رجح في آخر عمره في كتابه في الخلاف هذا، وضعف ما ~~عللت به الأصناف الستة كلها، وقد بسط القول عليه، وبين أنه إنما حرم لسد ~~الذريعة فقط، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين ~~فإني أخاف عليكم الرماء». فربا النسيئة حرم لما فيه من الفساد والظلم، وأما ~~ربا الفضل فإنما حرم لسد الذريعة. # وأقرب الأقوال قول من قال: لا يحرم إلا في المطعوم المماثل المكيل ~~والموزون، وهو قول سعيد بن المسيب والشافعي في قول وأحمد في إحدى الروايات ~~اختارها أبو محمد. ومذهب مالك قريب من ذلك، بل هو أرجح في ربا الفضل وربا ~~النسيئة في اعتبار المقاصد، لكنه بالغ في سد الذريعة، حتى حرمها مع صحة ~~القصد ورجحان المصلحة. وأحمد يوافقه على بطلان الحيل وعلى سد الذرائع إلا ~~إذا ترجحت المصلحة. وهذا أعدل الأقوال. # والفرق بين الحيل وسد الذرائع أن الحيلة تكون مع قصد صاحبها ما هو محرم ~~في الشرع، فهذا يجب أن يمنع من قصده الفاسد. وأما سد الذرائع فيكون مع صحة ~~القصد خوفا أن يفضي ذلك إلى الحيلة. والشارع قد سد الذرائع في مواضع، كما ~~بسطت ذلك في كتاب: «بيان الدليل على بطلان التحليل»، ولكن يشترط أن لا تفوت ~~مصلحة PageV08P319 # راجحة، فيكون النهي عما فيه مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة، فأما إذا كان ~~فيه مصلحة راجحة كان ذلك مباحا، فإن هذه المصلحة راجحة على ما قد يخاف من ~~المفسدة. ولهذا يجوز النظر إلى الأجنبية للخطبة لرجحان المصلحة، وإن كان ~~النظر لغير حاجة لم ms1589 يجز. # وكذلك سفر المرأة مع غير ذي محرم منهي عنه، ويجوز لرجحان المصلحة، كسفر ~~عائشة مع صفوان بن المعطل لما كانت وحدها، وكان سفرها معه خيرا من أن تبقى ضائعة. # وكذلك هجرتها بلا محرم، كهجرة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بلا محرم، ~~وزينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسل لها رجالا جاءوا بها. # وقد تنازع الفقهاء في الحج، والأقوى أنه إذا تعذر حجها مع المحرم أن تحج ~~إذا أمنت، لأن حجها مع من تأمنه أرجح من تفويت الحج. وقوله: «حج مع امرأتك» ~~دليل على أنه إذا أمكن سفرها مع محرم لم تخرج وحدها جمعا بين المصلحتين، ~~وأما إذا دار الأمر بين تفويت الحج وبين سفرها بلا محرم سفرا آمنا كان حصول ~~الحج أصلح لها، فإن حصول الفساد في دينها إذا سافرت وحدها، وهذا في طريق ~~الحج نادر، ومع من تأمنه معدوم، بخلاف سفرها بلا محرم لتجارة PageV08P320 # وزيارة، فإن هذه مظنة فساد دينها، كخلوة الأجنبي بها، وخلوته بها لرجحان ~~المصلحة جائز. وأحمد في رواية المروذي قد جوز السفر للكبيرة التي لا محرم ~~لها وقد يئست من الزواج، فإنها من القواعد. # وكذلك سفرها إلى المساجد الثلاثة هو طاعة وقربة تفوتها، فإذا أمنت لم ~~يبعد جوازه، بخلاف السفر الذي ليس بواجب ولا مستحب، فإن هذا ليس فيه مصلحة ~~راجحة في دينها، وفيه مفسدة في دينها، فإن انفرادها عن الزوج والمحرم مظنة ~~حصول الشر في دينها، فإذا فوت السفر الذي هو في نفسه طاعة، والسفر غير ~~الطاعة، واعتبر في سفر الطاعة أن تكون آمنة، فهذا قول متوجه كما قال كثير ~~من العلماء. # وهم متفقون على أن قوله: «لا تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم» ليس ~~على عمومه، فإنه يجوز لها سفر الضرورة، كسفر الهجرة، وكسفر زينب وأم كلثوم ~~بلا زوج ولا ذي محرم. # والنظر إلى الأجنبية منع منه لأنه داعية للمحرم، يجوز للخاطب بالنص ~~والإجماع للحاجة، وجوز للشاهد والعامل، وجوزه أصحابنا وغيرهم بشرط عدم ~~الشهوة، وجوزه أصحاب أبي حنيفة ms1590 مع الشهوة، وإذا كان بلا شهوة يجوز عندهم ~~مطلقا إلى الوجه واليدين، وهو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي. # ومن ذلك: الصلاة وقت الطلوع والغروب، نهي عنه لسد الذريعة PageV08P321 # لئلا يشبه عباد الشمس، فيجوز للمصلحة الراجحة، مثل قضاء الفوائت وغيرها. ~~والصحيح أنه يجوز في ذوات الأسباب مطلقا، كقول الشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايتين. # فصل # قال النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك»، لما ~~قال له: يأتيني الرجل فيطلب مني البيع ليس عندي فأبيعه منه، ثم أذهب إلى ~~السوق فأبتاعه، فقال: «لا تبع ما ليس عندك». وفي حديث عبد الله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما ~~لم يضمن، ولا تبع ما ليس عندك». # وللناس في هذا الحديث أقوال: # قيل: المراد بذلك أن يبيع السلعة المعينة التي هي مال الغير، يبيعها إن ~~ملكها، فقال: «لا تبع ما ليس عندك»، أي لا تبع ما لا تملكه من الأعيان. ~~ونقل هذا التفسير عن الشافعي أنه يجوز السلم الحال، وقد لا يكون عند ~~المستسلف ما باعه. فحمله على الأعيان، ليكون بيع ما في الذمة جائزا، سواء ~~كان حالا أو مؤجلا. PageV08P322 # وقال آخرون: هذا ضعيف جدا، فإن حكيم بن حزام ما كان يبيع شيئا معينا هو ~~ملك لغيره، ثم ينطلق فيشتريه منه، ولا كان الذين يأتونه يقولون: نطلب عبد ~~فلان أو دار فلان، وإنما الذي يفعله الناس أن يأتيه الطالب فيقول: أريد ~~طعاما كذا وكذا، أو ثوبا كذا وكذا، وغير ذلك. فيقول: نعم أعطيك، فيبيعه ~~منه، ثم يذهب فيحصله من عند غيره إذا لم يكن عنده. هذا هو الذي يفعله من ~~يفعله من الناس، ولهذا قال: «يأتيني فيطلب مني البيع ليس عندي»، لم يقل: ~~يطلب مني ما هو مملوك لغيري. فالطالب طلب الجنس لم يطلب شيئا معينا، كما ~~جرت عادة الطالب لما يؤكل ويلبس ويركب، إنما يطلب جنس ذلك ليس له غرض في ~~ملك شخص بعينه، ms1591 دون ما سواه مما هو مثله أو خير منه. # ولهذا صار أحمد بن حنبل وطائفة إلى القول الثاني، فقالوا: الحديث على ~~عمومه يقتضي النهي عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي ~~عن السلم إذا لم يكن عنده، لكن جاءت الأحاديث في جواز السلم المؤجل، فبقي ~~هذا في السلم الحال. # والقول الثالث -وهو أظهر الأقوال-: إن الحديث لم يرد به النهي عن السلم ~~المؤجل ولا الحال مطلقا، وإنما أريد به أن يبيع في الذمة ما ليس هو مملوكا ~~له ولا يقدر على تسليمه، ويربح فيه قبل أن يملكه ويقدر على تسليمه وتضمنه. ~~فهو نهي عن السلم الحال إذا لم يكن عند المستسلف ما باعه، فيلزم ذمته بشيء ~~حال ويربح فيه، وليس هو قادرا على إعطائه. وإذا ذهب يشتريه قد يحصل وقد لا ~~يحصل، فهو من نوع PageV08P323 # الغرور والمخاطرة، وهو إذا كان السلم حالا وجب تسليمه عليه في الحال، ~~وليس هو بقادر على ذلك، ويربح فيه على أن يملكه فيضمنه. وربما أحاله على ~~الذي ابتاع منه، فلا يكون قد عمل شيئا، بل أكل المال بالباطل. وعلى هذا ~~فالسلم الحال إذا كان المسلم إليه قادرا على الإعطاء هو جائز، وهو كما قال ~~الشافعي: إذا جاز المؤجل فالحال أولى بالجواز. # ومما يبين أن هذا مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن السائل إنما سأله عن ~~بيع شيء مطلق في الذمة كما تقدم، لكن إذا لم يجوز بيع ذلك فبيع المعين الذي ~~لم يملكه أولى بالمنع. وإذا كان إنما سأله عن بيع شيء في الذمة، وإنما سأله ~~عن بيعه حالا، فإنه قال: أبيعه ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: «لا تبع ما ليس ~~عندك»، فلو كان السلف الحال لا يجوز مطلقا لقال ابتداء: «لا تبع هذا» سواء ~~كان عنده أو ليس عنده، فإن صاحب هذا القول يقول: بيع ما في الذمة حالا لا ~~يجوز ولو كان عنده ما يسلمه، بل إذا كان عنده فإنه لا يبيع إلا معينا، لا ~~يبيع شيئا ms1592 في الذمة. فلما لم ينهه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مطلقا، ~~بل قال: «لا تبع ما ليس عندك» = علم أنه فرق بين ما هو عنده ويملكه ويقدر ~~على تسليمه، وما ليس كذلك، وإن كان كلاهما في الذمة. # ومن تدبر هذا تبين له أن القول الثالث هو الصواب. # وإذا قيل: المؤخر جائز للضرورة، وهو بيع المفاليس، لأن البائع PageV08P324 # احتاج إلى أن يبيع إلى أجل، وليس عنده ما يبيعه الآن، وأما الحال فيمكنه ~~أن يحضر المبيع فيراه، فلا حاجة لبيع موصوف في الذمة، أو يبيع عينا موصوفة ~~غائبة، لا يبيع شيئا مطلقا، بل هذا ممنوع، فلا نسلم على خلاف الأصل، بل ~~تأجيل المبيع كتأجيل الثمن، كلاهما من مصالح العالم. # والناس لهم في المبيع الحال والغائب ثلاثة أقوال: # منهم من يجوزه مطلقا، ولا يجوزه معينا موصوفا، كالشافعي في المشهور عنه. # والأظهر جواز هذا وهذا، ويقال للشافعي مثل ما قال هو لغيره: إذا جاز بيع ~~المطلق الموصوف فالمعين الموصوف أولى بالجواز، فإن المطلق فيه غرر وخطر ~~وجهل أكثر من المعين. فإذا باع حنطة مطلقة فبالصفة أولى، بل ولو بيع المعين ~~بلا صفة، وللمشتري الخيار إذا رآه، جاز أيضا، كما نقل مثل ذلك عن الصحابة، ~~وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. # وقد جوز القاضي وغيره من أصحاب أحمد السلم الحال بلفظ البيع. # والتحقيق أنه لا فرق بين لفظ ولفظ، ونفس بيع الأعيان الحاضرة التي يتأخر ~~قبضها يسمى سلفا إذا عجل له الثمن، كما في «المسند» PageV08P325 # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يسلم في حائط بعينه إلا أن يكون ~~قد بدا صلاحه. فهو إذا بدا صلاحه وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا ~~الحائط جاز. كما يجوز أن يقول: ابتعت عشرة أوسق من هذه الصبرة، ولكن التمر ~~يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه، فإذا عجل له الثمن قيل له سلف، لأن السلف هو ~~الذي تقدم، والسالف: المتقدم، قال الله تعالى: {فجعلناهم سلفا ومثلا ~~للآخرين} [الزخرف:56]. والعرب تسمي أول ms1593 الرواحل: السالفة، ومنه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «الحقي سلفنا الخير عثمان بن مظعون»، وقوله: «حتى ~~تنفرد سالفتي» وهي العنق. # ولفظ «السلف» يتناول القرض والسلم، لأن المقرض أيضا سلف القرض، أي قدمه ~~وعجله، لكن هذا تبرع بالمنفعة، وفيه حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «لا يحل سلف وبيع، وشرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ~~ولا بيع ما ليس عندك». ومنه الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف بكرا ~~وقضى جملا رباعيا. # والذي يبيع ما ليس عنده لا يقصد إلا الربح، وهو تاجر، فيسلف PageV08P326 # بسعر، ثم يذهب فيشتري بأرخص منه بمثل ذلك الثمن، فإنه قد يكون أتعب نفسه ~~لغيره بلا فائدة. وإنما يفعل هذا من يتوكل لغيره، فيقول: أعطني فأنا أشتري ~~لك هذه السلعة، فيكون أمينا. أما أنه يبيعها بثمن معين يقبضه، ثم يذهب ~~فيشتريها بمثل ذلك الثمن من غير فائدة في الحال، فهذا لا يفعله عاقل. # نعم إذا كان هناك تأخير، فقد يكون محتاجا إلى الثمن فيستسلفه، وينتفع به ~~مدة إلى أن تحصل تلك السلعة، فهذا يقع في السلم المؤجل، وهو الذي يسمى بيع ~~المفاليس، فإنه يكون محتاجا إلى الثمن وهو مفلس، وليس عنده في الحال ما ~~يبيعه، ولكن له مال يأتي من بعده من تمر أو مغل أو غير ذلك، فيبيعه في ~~الذمة، فهذا يفعله مع الحاجة، ولا يفعله بدون الحاجة إلا أن يقصد أن يتجر ~~بالثمن في الحال، ويرى أنه يحصل به من الربح أكثر مما يفوت بالسلم. فإن ~~المستسلف يبيع السلعة في الحال بدون ما يساوي نقدا، والمسلف يرى أنه يشتري ~~بها إلى أجل بأرخص مما يكون عند حصولها، وإلا فلو علم أنها عند الأجل كحصول ~~الحنطة في البيدر تباع بالسلم لم يسلم فيها، فيذهب نفع ماله بلا فائدة، ~~وإذا قصد الآخر قرضه ذلك قرضا، ولا يجعل ذلك سلما إلا إذا ظن أنه أرخص في ~~الحال وقت الأجل. # فالسلم المؤجل في الغالب لا يكون إلا مع حاجة ms1594 المستسلف إلى الثمن. وأما ~~الحال إن كان عنده فقد يكون محتاجا إلى الثمن، فيبيع ما عنده معينا تارة ~~وموصوفا أخرى، وأما إذا لم يكن عنده فإنه لا يفعله إلا PageV08P327 # إذا قصد التجارة والربح، فيبيعه بسعر ويشتري بأرخص منه، ثم يذهب. هذا ~~الذي قدره قد يحصل كما قدره، وقد لا يحصل، بل قد لا تحصل له تلك السلعة ~~التي تسلف فيها، وقد لا تحصل إلا بثمن أعلى مما تسلفه، فيندم. وإن حصل بسعر ~~أرخص من ذلك ندم المسلف إذا كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الرخص. فصار هذا ~~من نوع الميسر والقمار والمخاطرة، كبيع العبد الآبق والبعير الشارد يباع ~~بدون ثمنه، فإن حصل ندم البائع، وإن لم يحصل ندم المشتري. وكذلك بيع حبل ~~الحبلة، وبيع الملاقيح والمضامين، ونحو ذلك مما هو قد يحصل وقد لا يحصل، ~~وهو من جنس صاحب القمار والميسر. # والخطر خطران: # خطر التجارة: وهو أن يشتري السلعة يقصد أن يبيعها بربح، ويتوكل على الله ~~في ذلك، فهذا لا بد منه للتجار، والتاجر يتوكل على الله يطلب منه أن يأتي ~~من يشتري السلعة، وأن يبيعها بربح، وإن كان قد يخسر أحيانا، فالتجارة لا ~~تكون إلا كذلك. # والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكل المال بالباطل، فهذا الذي حرمه ~~الله ورسوله، مثل بيع الملامسة، والمنابذة، وحبل الحبلة، والملاقيح، ~~والمضامين، وبيع الثمار قبل بدو صلاحها. وفي هذا يكون أحد الرجلين قد قمر ~~الآخر وظلمه، وفي هذا يذم المظلوم للظالم، بخلاف التاجر الذي اشترى السلعة، ~~ثم بعد هذا نقص سعرها، فهذا من PageV08P328 # الله ليس لأحد فيه حيلة، ولا يتظلم مثل هذا من البائع، وبيع ما ليس عنده. ~~والمشتري لا يعلم أنه يبيعه ثم يشتري من غيره، وأكثر الناس لو علموا لم ~~يشتروا منه، بل يذهبون هم فيشترون من حيث اشترى هو، وإن قدر أن منهم من ~~يعلم ويشتري كما لو كانت عنده، لكونه يشتريها من مكان بعيد، أو يشتري جملة، ~~ونحو ذلك مما قد يتعسر على المشتري منه، وإنما يفعل ذلك من ظن ms1595 أن هذا الربح ~~هو الربح لو كانت عنده. فلو قدر أن السلعة رخيصة أرخص من العادة، وأن هذا ~~قد أربحه ما لا يصلح في مثلها ندم، فهو يشتمل كثيرا على ندم هذا وهذا، كما ~~يشتمل على مثل ذلك سائر أنواع بيع الغرر. # وليس هذه المخاطرة مخاطرة التجارة، بل مخاطرة المستعجل بالبيع قبل القدرة ~~على التسليم، كبيع الثمار قبل بدو صلاحها، وبيع حبل الحبلة، وبيع الملاقيح، ~~وبيع المضامين، وبيع البعد الآبق والبعير الشارد، ونحو ذلك. فإذا اشترى ~~التاجر السلعة وصارت عنده ملكا وقبضا، فحينئذ دخل في خطر التجارة، وباع بيع ~~التجارة كما أحلها الله تعالى بقوله: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا ~~أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29]. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا شرطان في بيع» هو كنية عن بيعتين في ~~بيعة، PageV08P329 # مثل أن يتفقا على أن يبيعه بمئة نسيئة ويبتاعه بثمانين نقدا، وهو بيع ~~العينة. وأما من فسره بأنهما شرطان في العقد الواحد أكثر من شرط واحد، ثم ~~منهم من نهى عن هذا مطلقا، كما نقل عن أحمد، ومنهم من قال: هذا في نوع من ~~الشروط، وهو ما ليس من مصلحة العقد= فهي أقوال مرجوحة، وليس في ذلك ما ~~يقتضي النهي. والله سبحانه وتعالى أعلم. PageV08P330 ### | AUTO فصل # في أنه ليس في القرآن لفظة زائدة لا تفيد معنى PageV08P331 # قال الشيخ الإمام العلامة أوحد العصر وفريد الدهر أبو العباس أحمد ابن ~~تيمية رحمه الله تعالى آمين: # الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ~~والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على رسوله محمد وآله وأصحابه والمؤمنين ~~والتابعين أجمعين. # أما بعد، فاعلم أنه ليس في القرآن لفظة زائدة لا تفيد معنى، ولا كلمة قد ~~فهم معناها [مما] قبلها فأعيدت لا لمعنى، أو لمجرد التأكيد المحض دون فائدة ~~جديدة، وهذا في اللفظ المستقل بنفسه، بخلاف الحروف التي لا تستقل كالباء ~~واللام. # فإن قيل: فما تصنع في هذه الألفاظ التي وردت يوهم ظاهرها خلاف هذا: # منها قوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في ms1596 الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة ~~كاملة} [البقرة:196]. # ومنها قوله: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة} [الأعراف:142]. # ومنها قوله: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم} [الأنعام:38]. PageV08P333 # ومنها قوله تعالى: {يقولون بألسنتهم} [الفتح:11]. # و {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} [الكهف:5]. # ومنها قوله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور} [الحج:46]. # ومنها قوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة} [الحاقة:13 - 14]. # [ومنها قوله تعالى: {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا ~~صفا} [الفجر:21 - 22]. # ومنها قوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} [الزلزلة:1]. # ومنها قوله تعالى: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} ~~[التحريم:6]. # ومنها قوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس:99]. # ومنها قوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} [الحجر:30]. # ومنها قوله تعالى: {وكفى بالله وكيلا} [النساء:81]، {وكفى بالله حسيبا} ~~[النساء:6]، {وكفى بربك هاديا ونصيرا} [الفرقان:31]، {وكفى PageV08P334 # بنا حاسبين} [الأنبياء:47]. فإن الباء هنا زائدة. # ومنها قوله تعالى: {وما من إله إلا الله} [آل عمران:62]. # وقوله تعالى: {هل من خالق غير الله} [فاطر:3]. # وقوله تعالى: {هو الله الخالق البارئ} [الحشر:24]، والخالق هو البارئ. # وقوله تعالى: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين} [النحل:51]. # وقوله تعالى: {وإن الله لهو العزيز الحكيم} [آل عمران:62]. # و {إنك لأنت الحليم الرشيد} [هود:87]. # وقوله تعالى: {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون} ~~[المؤمنون:35]. # وقوله تعالى: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا} [آل ~~عمران:147]. # وقوله: {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} [الروم:49]. # وقوله تعالى: {أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى} [القيامة:34 - 35]. PageV08P335 # وقوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب} [المسد:1]. # وقوله تعالى: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن:13] في كل آية. # وقوله تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين} [المرسلات:15]. # وقوله تعالى: {ولى مدبرا} [النمل:10] والتولي لا يكون إلا مدبرا. # وكذلك قوله تعالى: {ثم وليتم مدبرين} ms1597 [التوبة:25]. # فالجواب: أنه [ليس] بحمد الله في شيء من هذه الآيات ما يخالف ما ذكرناه، ~~وليس فيها لفظ إلا و [هو] يفيد معنى زائدا، ونحن نبين ذلك بعون الله تعالى ~~وتأييده آية آية. # أما قوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة ~~كاملة} [البقرة:196]. # فقد قيل في جوابه: إنه سيق لدفع توهم احتمال التخيير، فإن الواو قد تأتي ~~بمعنى أو، فلما قال: {تلك عشرة} زال هذا الاحتمال. # وأحسن من هذا أن يقال: إن [عطف] السبعة على الثلاثة يحتمل معنيين: # أحدهما: أن تكون سبعة خارجة عن الثلاثة. PageV08P336 # والآخر: أن تكون سبعة بالثلاثة التي قبلها، كما قال تعالى: {قل أئنكم ~~لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين (9) ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء ~~للسائلين} [فصلت:9 - 10]. فهذه أربعة أيام باليومين اللذين قبلهما، ولو كان ~~ذلك لكانت أيام الخلق ثمانية؛ لأنه قال بعد ذلك: {ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) فقضاهن ~~سبع سماوات في يومين} [فصلت:11 - 12]. فاقتضى أن يكون مجموع ما تقدم أربعة. # فلما قال تعالى: {تلك عشرة كاملة}، علمنا أن السبعة مستقلة لا تدخل فيها ~~الثلاثة المتقدمة، وقوله: {كاملة}، أي: كاملة في ثوابها [كما هي كاملة في ~~حسابها]. # وأحسن منه أن يقال: لا يعتبر إلا كاملة لا نقص فيها، ولا يقوم الأكثر ~~فيها مقام الجميع، بل لا بد من كمالها. والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأما قوله تعالى: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} [الأعراف:142]، ففيه فائدة ~~زائدة، وهو أن قوله: {وأتممناها بعشر}، المراد به دخول العشر في أيام ~~الموعد، فقوله: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} رافع PageV08P337 # لتوهم أن تكون العشر لغير مواعدة، فلما أدخلها في الميقات علم أن ~~المواعدة تناولتها كما تناولت الثلاثين، والتمام وإن أشعر بها فليس في ~~الصراحة كقوله: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة}. # وأحسن من هذا أن يقال: إن الله سبحانه وتعالى واعده ووقت ms1598 له للميعاد ~~ثلاثين ليلة، ثم أخبر أنه أتمها بعشر، فلا يدرى انقضى أجل الميقات عند ~~انتهاء الثلاثين، وكانت العشر تماما، أي زيادة بعد انقضاء أجل الميقات، ~~[أو] إنما كان انقضاؤه عند تمام الأربعين، وأن الإتمام بعشرة هو زيادة في ~~الأجل. فلما قال: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} علمنا أن العشر دخلت في ~~الأجل، فصارت جزءا منه. # وهذا كما تقول: اشتريت هذه السلعة من فلان بتسعين، وأتممتها له مائة، فلا ~~يدرى هل أتممت الثمن بالعشرة، أو أتممتها بعد استيفاء الثمن، فإذا قلت: فتم ~~له ثمن المبيع مائة، علمنا أن العشرة صارت جزءا من الثمن، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # وأما قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} ~~[الأنعام:38]، ففيه فائدة زائدة، وهي أن الطيران قد يستعمل في الخفة وشدة ~~الإسراع في الشيء، منه قول الشاعر: # فطرنا إلى الهامات بالبيض والقنا PageV08P338 # ومنه بيت الحماسية: # طاروا إليه زرافات ووحدانا # فقوله تعالى: {يطير بجناحيه} رافع لاحتمال هذا المعنى، وإرادته بلفظ ~~الطائر ويطير. # وأحسن من هذا أن يقال: إنه لو اقتصر على ذكر الطائر فقال: {وما من دابة ~~في الأرض ولا طائر}، لكان ظاهر العطف يوهم «ولا طائر في الأرض»؛ لأن ~~المعطوف عليه إذا قيد بظرف أو حال تقيد به المعطوف، فكان ذلك يوهم اختصاصه ~~بطير الأرض الذي لا يطير بجناحيه، كالدجاج والإوز والبط ونحوها. فلما قال: ~~{يطير بجناحيه} زال هذا التوهم، وعلم أنه ليس الطائر مقيدا بما تقيدت به ~~الدابة. # وأيضا ففيه تحقيق معنى الطيران وأن المراد به هذا الجنس الذي يرونه يطير ~~بجناحيه على اختلاف أنواعه وأجناسه أمم أمثالكم. # وهذا استعمال مطروق للعرب، كما يقال: ما خلق الله إنسانا يمشي على رجليه ~~إلا وهو يعلم بأن له خالقا وفاطرا. # ونحوه قول أبي ذر رضي الله تعالى عنه: «لقد توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV08P339 # وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه [علما]». # وبالجملة فليست اللفظة خالية عن معنى زائد. # وأما قوله تعالى: {يقولون بألسنتهم} [الفتح:11]، و {كبرت ms1599 كلمة تخرج من ~~أفواههم} [الكهف:5]. # فقد قيل: إنه رافع لتوهم إرادة حديث النفس، كما في قوله تعالى: {ويقولون ~~في أنفسهم} [المجادلة:8]. # وأحسن منه أن يقال: حيث ذكر الله سبحانه ويقولون بألسنتهم ويقولون ~~بأفواههم، فالمراد به أنه قول باللسان مجرد لا معنى تحته، فإنه باطل، ~~والباطل لا حقيقة تحته، وإنما غايته وقصاراه أنه حركة لسان مجرد عن معنى، ~~فليس وراء حركة اللسان به شيء. PageV08P340 # وهذا استعمال مطرد في القرآن، فتأمله تجده كما ذكرت لك. # وأما قوله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور} [الحج:46]، فإنه سبحانه لما دعاهم إلى التفكر والتعبير وسمع أخبار ~~من مضى من الأمم، وكيف أهلكهم الله تعالى بتكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره، ~~فقال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها} [الحج:46]. # قال ابن قتيبة: وهل شيء أبلغ في العظة والعبرة من هذه الآية؛ لأن الله ~~تعالى أراد أفلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم الله تعالى ~~بالكفر والعتو، فيروا بيوتا خاوية قد سقطت على عروشها، وبئرا يشرب أهلها ~~منها قد عطلت، وقصرا بناه ملكهم بالشيد قد خلا من السكن وتداعى بالخراب، ~~فيتعظوا بذلك ويخافوا من عقوبة الله التي نزلت بهم. # ثم ذكر تعالى أن أبصارهم الظاهرة لم تعم عن الذكر والرؤية، وإنما عميت ~~قلوبهم التي في صدورهم. # قيل: لما كانت العين قد يعنى بها القلب في قوله تعالى: {الذين كانت ~~أعينهم في غطاء عن ذكري} [الكهف:101]، جاز أن يعنى بالقلب العين، فإن الشيء ~~إذا أشبه الشيء وأطلق عليه اسمه، جاز إطلاق اسم مشبهه عليه PageV08P341 # أيضا، لا سيما مع شدة اتصال العين بالقلب، فقيد القلوب بذكر محلها دفعا ~~لتوهم إرادة غيرها. # وأحسن من هذا أن يقال: إنه ذكر محل العمى الحقيقي الذي هو أولى باسم ~~العمى من عمى البصر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد ~~بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، أي: هذا أولى بأن يكون ~~شديدا منه. # وقوله: «ليس المسكين ms1600 بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، إنما ~~المسكين الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه»، أي: هذا أولى ~~باسم المسكين من الذي تسمونه أنتم مسكينا، ونظائر ذلك كثيرة. # أي: فعمى القلب هو العمى الحقيقي، لا عمى البصر، فأعمى القلب أولى أن ~~يكون أعمى من أعمى العين، فنبه سبحانه بقوله: {التي في الصدور}، على أن ~~العمى هو العمى الباطن في العضو الذي محله الصدر، لا العمى الظاهر في العضو ~~الذي محله الوجه. والله أعلم بما أراد من كلامه. PageV08P342 # وأما قوله سبحانه وتعالى: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت ~~الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} [الحاقة:13 - 14]، فليس على وجه التأكيد ~~المجرد، بل [المراد] التقييد بالمرة الواحدة، ولما كانت النفخة قد يراد بها ~~الواحدة من الجنس، وقد يراد بها مطلقة، كما [في] البقلة، وحبة الحنطة، ~~واللعنة، والهمة، ونحوها، وكان المراد التقييد بالمرة الواحدة من هذا ~~الجنس، أتى بالواحدة ليدل على هذا المعنى، أي: أن النفخ لم يكن نفختين، ولم ~~يك [دك] الأرض والجبال بعد حملهما دكتين، بل واحدة فقط، فعل المقتدر على ~~الشيء المتمكن منه، ونظيره قوله تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم ~~جميع لدينا محضرون} [يس:53]. # ونظيره قوله تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} [يس:29]، ~~أي: لم يتابع عليهم الصيحة، بل أهلكناهم من صيحة واحدة. # وأما قوله سبحانه وتعالى: {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك ~~والملك صفا صفا} [الفجر:21 - 22]، فليس للتأكيد كما يظنه طائفة من الناس، ~~وإنما المراد الدك المتتابع، أي: دكا بعد دك. # وهذا لا يفهم من قوله سبحانه: {دكت الأرض دكا}، فقوله: {دكا دكا} فيه قدر ~~زائد على مجرد الدك، وكذلك قوله تعالى: {صفا صفا}، ليس للتأكيد إذ المراد ~~صفا بعد صف، أي: صفا يتلوه صف، وهو لا يفهم من قوله تعالى: {وجاء ربك ~~والملك صفا}؛ لاحتمال أن يكونوا PageV08P343 # صفا واحدا، بل هذا يكون ظاهر الكلام. # ونظير هذا الحديث في صفة جماع أهل الجنة: «دحما دحما»، أي: وطأ بعد وطء. ms1601 # وأما قوله سبحانه وتعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} [الزلزلة:1]، فليس ~~من التكرار من شيء، فإن إضافة الزلزال يفيد معنى زائدا، وهو زلزالها المختص ~~بها المعروف منها المتوقع منها، كما تقول: غضب زيد غضبه، وقاتل قتاله، أي: ~~غضبه الذي يعهد منه، وقتاله المختص به الذي يعرف منه، ومنه: # أنا أبو النجم وشعري شعري # وأما قوله سبحانه وتعالى: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} ~~[التحريم:6]، فهما جملتان مفيدتان معنيين: # أحدهما: أن الله سبحانه إذا أمرهم بالأمر لا يعصونه في أمره. # والثانية: أنهم لا يفعلون شيئا من عند أنفسهم إنما فعلهم ما أمرهم به ~~ربهم، فهم يفعلون ما يؤمرون لا ما لا يؤمرون، بل أفعالهم كلهم PageV08P344 # ائتمار وطاعة [لأمر] ربهم. # وأما قوله سبحانه وتعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} ~~[يونس:99]، فكلهم يفيد الإحاطة والعموم، ولا يلزم من قوله: {لآمن من في ~~الأرض} أن يكونوا كلهم، قال وذلك على الأكثر منهم، فكلهم رافع لهذا التوهم. # وأما قوله سبحانه: {جميعا}، فليس بتأكيد، ولو كان تأكيدا لقال: أجمعون، ~~ولم يكن منصوبا، وإنما هو حال، أي: مجتمعون على الهدى، كما قال تعالى: {ولو ~~شاء الله لجمعهم على الهدى} [الأنعام:35]. # ومثله قوله تعالى: {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس ~~جميعا} [الرعد:31]، ولو كان «جميعا» هنا تأكيدا لقال: أجمعين. # وأما قوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} [الحجر:30، وص:73]، ~~فالكلام في كلهم كما في {لآمن من في الأرض كلهم} [يونس:99]. # وأما أجمعون فقد قالت طائفة منهم الزمخشري وغيره: أنه يفيد معنى زائدا ~~غير ما يفيده كلهم، وهو أن سجودهم وقع في وقت واحد، فاجتمعوا في السجود ولم ~~يتخلف منهم أحد، فهما فائدتان. PageV08P345 # قال الزمخشري: «كل للإحاطة، وأجمعون للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن ~~آخرهم، وأنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات». # وهذه فائدة زائدة حسنة، إلا أنه يقال: لو أريد هذا المعنى لكان منصوبا ~~على الحال، وكان وجه الكلام أن يقال: مجتمعين أو أجمعين، فلما رفعهم جعلهم ms1602 ~~إتباعا مجردا لكلهم يفيد فائدته، ولهذا تقول: جاء القوم أجمعون، وإن تفرقوا ~~في مجيئهم بعد أن يجتمعوا ولا يتخلف منهم أحد، قال تعالى: {فكبكبوا فيها هم ~~والغاوون (94) وجنود إبليس أجمعون} [الشعراء:94 - 95]، أي اجتمعوا كلهم في ~~النار، ولا يدل ذلك على أنهم دخلوها وكبكبوا فيها مجتمعون في آن واحد. # وبالجملة فلفظ أجمعين وإعرابها يأبى هذا المعنى، ولا شك أنه يصدق قولك: ~~جاء القوم أجمعون، وإن تفرقوا في المجيء، كما تقول: قتل بنو فلان أو ماتوا ~~كلهم [أجمعون]، وإن تباينت أوقات قتلهم وموتهم، وتأمل قوله تعالى: {فوربك ~~لنسألنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون} [الحجر:92 - 93]، هل يدل على أنه ~~سبحانه يسألهم كلهم في آن واحد مجتمعين؟ أو يدل على أنه لا ينفك أحد عن ~~السؤال وإن تعددت أوقات سؤالهم؟ PageV08P346 # وقوله سبحانه وتعالى: {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} ~~[الأنعام:149]، هل يدل على أنه كان يحصل لهم الهدى في آن واحد؟ أو يجتمعون ~~على الهدى وإن تعددت أوقات هدايتهم؟ # وقد يقال: أجمعون يستعمل في هذا وهذا بدليل قوله تعالى: {وأنجينا موسى ~~ومن معه أجمعين} [الشعراء:65]، وقوله تعالى في أصحاب الصيحة: {أنا دمرناهم ~~وقومهم أجمعين} [النمل:51] ولا ريب أنهم اجتمعوا في الهلاك، وأن قوم موسى ~~اجتمعوا في النجاة. # ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه [الصلاة و] السلام: {وأتوني بأهلكم ~~أجمعين} [يوسف:93]، فلم يرد بهذا أن يجتمعوا عنده وإن جاؤوا واحدا بعد ~~واحد، وإنما أراد اجتماعهم في المجيء إليه وأن لا يتخلف منهم أحد، وهذا ~~يعلم بالسياق والقرينة. # ومن القرينة الدالة على ذلك في قصة الملائكة لفظا ومعنى أن قوله تعالى: ~~{كلهم}، يفيد الشمول والإحاطة، فلا بد أن يفيد أجمعون قدرا زائدا على ذلك، ~~وهو اجتماعهم في السجود. # وأما المعنى، فلأن الملائكة لا يتخلف أحد منهم عن امتثال الأمر ولا يتأخر ~~عنه، ولا سيما وقد وقت لهم بوقت وحد لهم بحد، وهو التسوية ونفخ الروح، فلما ~~حصل ذلك سجدوا كلهم عن آخرهم في آن واحد، ولم يتخلف منهم أحد، بل أتوا ~~بالسجود على الفور، ms1603 فلزم PageV08P347 # اجتماعهم فيه، فعلى هذا يخرج كلام هؤلاء الفضلاء، والله أعلم. # وأما قوله سبحانه وتعالى: {وكفى بالله وكيلا} [النساء:81]، {وكفى بالله ~~حسيبا} [النساء:6] ونظائره، فهذا ليس بزائد، بل هو متضمن فائدة بديعة، وذلك ~~أن العرب تقول: كفيته الشيء، فعل متعد، ولم يجئ عنهم: كفيت به، ويقولون: ~~اكتفيت به، فهذا لازم، ولم يقولوا: اكتفيته. # ثم قالوا: كفى بزيد رجلا، فتضمن معنى فعلين، أي: كفى زيدا ما يشتمل عليه ~~ويحوطه فاكتفى به، فأتى بكفى المتعدي، وأتى بالباء الدالة على الفعل ~~اللازم، فأفاد هذا التركيب معنى الفعلين معا، أي: كفى واكتفى، فاكتفى به ~~أحدهما بصريحه والآخر بالحرف الدال عليه؛ ولهذا المعنى انتصب وكيلا، ~~وحسيبا، وهاديا، ونصيرا، على التمييز أو الحال، والتمييز أحسن، وهذا من ~~أسرار لغتهم التي لا يهتدي [إليها] إلا كل روحاني الذهن، لطيف الفهم، سلس ~~القياد، يفهم المسائل [على تعدد أنواعها] في قوالب ألفاظها. # ونظير هذا: {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} [الإنسان:6]، في ~~تشبيه معنى فعلين؛ أحدهما: بصريحه، والثاني: بحرفه المقتضي له، فكأنه في ~~معنى يشرب ويروي بها، وهذا كثير في القرآن والكلام الفصيح. # وأما قوله تعالى: {وما من إله إلا الله} [آل عمران:62]، وقوله تعالى: PageV08P348 # {هل من خالق غير الله} [فاطر:3]، ففيه فائدة، وهي استغراق النفي؛ لأن حرف ~~«من» للجنس، فإذا سلط النفي عليه مع مجروره أفاد استغراق النفي للجنس ~~صريحا؛ ولهذا لا يجوز أن يقابله بثبوت أكثر من واحد. # فلو قلت: [ما] من درهم عندي بل درهمان، كنت [مبطلا] لاغيا. # ولو قلت: ما عندي درهم بل دراهم، لم يكن ذلك محالا وكان كلاما عربيا. # فبدخول «من» يتعين استغراق النفي صريحا فلا يحتمل تأويلا، وبدونها غايته ~~أن يكون ظاهرا لا يناقضه إثبات المتعدد، ولا ريب أن هذه فائدة جليلة زائدة ~~على النفي الخالي من هذا الحرف. # وأيضا فقد قال سيبويه: ما من رجل في الدار، كأنه جواب لقول من قال: هل من ~~رجل في الدار؟ فدخول «من» هنا يتطابق الجواب والسؤال، والله [سبحانه] ~~وتعالى أعلم. # وأما قوله سبحانه ms1604 وتعالى: {هو الله الخالق البارئ المصور} [الحشر:24]، ~~فليس بتكرار، بل هي معان متغايرة بينهما قدر مشترك، وبيانه أن الإيجاد ~~يتعلق بالمادة وبالصورة وبمجموعهما، فإن تعلق بالمادة فهو برؤه، ولا يقال ~~للمصور: إنه بارئ باعتبار تصويره، وإنما البارئ من برأ الشيء من العدم إلى ~~الوجود، وإن تعلق بالصورة فهو تصوير، ويقال PageV08P349 # لفاعله: المصور، والخالق ينظمهما معا، فالبارئ للمادة، والمصور للصور، ~~والخالق لهما جميعا، فأين التكرار؟ # وأما قوله سبحانه وتعالى: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين} [النحل:51]، ~~فليس للتكرار والتأكيد المحض، وليس الموضع موضع تأكيد، بل لما كان النهي ~~واقعا على التعديد والاثنينية دون الواحد أتى بلفظ الاثنين. # لأن قولك: لا تتخذ ثوبين، يحتمل النهي عنهما جميعا، ويحتمل النهي عن ~~الاقتصار عليهما. فإذا قلت: ثوبين اثنين، علم المخاطب أنك نهيته عن التعدد ~~والاثنينية دون الواحد، وأنك إنما أردت منه الاقتصار على ثوب واحد. # فتوجه النهي إلى نفس التعدد والعدد، فأتى باللفظ الموضوع له الدال عليه، ~~فكأنه قال: لا تعدد الآلهة ولا تتخذ عددا تعبد، إنما هو إله واحد فلا تضم ~~إليه غيره وتجعلهما اثنين، فلا تكرار إذن. # وفيه معنى آخر، وهو أن تكون «اتخذ» هذه هي التي تتعدى إلى مفعولين، ويكون ~~اثنين مفعولها الأول، وإلهين مفعولها الثاني، وأصل الكلام: لا تتخذوا ~~[اثنين] إلهين، ثم قدم المفعول الثاني على الأول، ويدل على التقديم ~~والتأخير أن إلهين أخص من اثنين، واتخاذ اثنين يقع على ما يجوز وما لا ~~يجوز، وأما اتخاذ اثنين إلهين فلا يقع إلا على ما لا يجوز، وقدم إلهين على ~~اثنين إذ المقصود بالنهي اتخاذهما إلهين، PageV08P350 # فالنهي وقع على نفس الإلهية المتخذة، وعلى هذا فلا بد من ذكر الاثنين ~~والإلهين إذ هما مفعولا الاتخاذ، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأما قوله سبحانه وتعالى: {وإن الله لهو العزيز الحكيم} [آل عمران:62]، و ~~{إنك لأنت الحليم الرشيد} [هود:87]، فهذه فائدة ظاهرة، وله فائدتان لفظية ~~ومعنوية: # أما اللفظية: فصيانة الخبر عن التباسه بالتابع الصفة وعطف البيان، هذا ~~عند جمهور النحاة، ونازعهم في ذلك بعض المتأخرين. ms1605 # وأما المعنوية: فهي إفادة انحصار الخبر في المبتدأ، فإذا قلت: زيد هو ~~القائم، كان في قولك: هو القائم، وحده لا غيره؛ ولهذا يقع في جواب من يقول: ~~زيد وعمرو فاضلان، فتقول: زيد هو الفاضل. # وتأمل قول قوم شعيب له عليه الصلاة والسلام: {إنك لأنت الحليم الرشيد}، ~~تجده مفهما إنك لأنت الحليم الرشيد وحدك دوننا، ولسنا نحن بحلماء ولا ~~راشدين. # وكذا قوله تعالى: {وإن الله لهو العزيز الحكيم}، وقوله تعالى: {وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة:118]. # وفيه فائدة ثالثة: وهي تحقيق نسبة الخبر إلى ذلك المبتدأ بعينه، كقول ~~إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام له لما عرفهم نفسه: {أإنك لأنت يوسف} حقا؟ ~~فذاك الذي فعلنا به ما فعلنا أنت هو يقينا؟ {قال أنا PageV08P351 # يوسف} [يوسف:90]. # ونظير هذا: إنك أنت فلان؟ فيقول: نعم أنا فلان. # وهذه فوائد لم تكن تحصل بدون إدخال هذا الفصل، والله سبحانه وتبارك ~~وتعالى أعلم. # وأما قوله تبارك وتعالى: {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم ~~مخرجون} [المؤمنون:35]، فأعاد أنكم. # فقد قيل: أصل الكلام: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم وكنتم ترابا وعظاما. # فإنه لو قال: أيعدكم أنكم إذا كنتم ترابا وعظاما، لطال الفصل بين أن ~~واسمها وخبرها، فأعاد أن لتقع على الخبر. # ونظير هذا قوله سبحانه وتعالى: {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن ~~له نار جهنم خالدا فيها} [التوبة:63]، لما طال الكلام أعاد أن، هذا قول ~~الزجاج وطائفة. # وأحسن من هذا أن يقال: إن كل واحد من هاتين الجملتين جملة شرطية مركبة من ~~جملتين خبريتين، فأكدت الجملة الشرطية بأن، PageV08P352 # على حد تأكيدها في قول الشاعر: # إن من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباءا # ثم أكدت الجملة الخبرية بأن إذ هي المقصودة، على حد تأكيدها في قوله ~~سبحانه وتعالى: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين} [الأعراف:170]. # ونظير الجمع بين تأكيد الجملة الكبرى المركبة من الشرط والجزاء قوله ~~تبارك وتعالى: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} ~~[يوسف:90]، ms1606 ولا يقال في هذا: «إن» أعيدت لطول الكلام. # ونظيره قوله سبحانه وتعالى: {إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت ~~فيها ولا يحيى} [طه:74]. # ونظيره قوله تبارك وتعالى: {أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده ~~وأصلح فأنه غفور رحيم} [الأنعام:54]، فهما تأكيدان PageV08P353 # مقصودان لمعنيين مختلفين، ألا ترى أن تأكيد قوله تعالى: {غفور رحيم} بأن، ~~غير تأكيد «من عمل سوءا بجهالة فأنه غفور رحيم» له بأن، وهذا ظاهر لا خفاء ~~به، وهو كثير في القرآن وكلام العرب. # وأما قوله سبحانه وتعالى: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} [آل ~~عمران:147]. # فهذا ليس من التكرار في شيء، فإن «قولهم» خبر كان قدم على اسمها، و «أن ~~قالوا» في تأويل المصدر، وهو الاسم، فهما اسم كان وخبرها، والمعنى: وما كان ~~لهم قول إلا قول: ربنا اغفر لنا ذنوبنا. # ونظير هذا قوله سبحانه وتعالى: {وما كان جواب قومه إلا أن قالوا} ~~[الأعراف:82]، والجواب قول، وتقول: ما لفلان قول إلا قول: لا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم، فلا تكرار أصلا. # وأما قوله سبحانه وتعالى: {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله ~~لمبلسين} [الروم:49]، فهي من أشكل ما أورد، ومما أعضل على الناس فهمها. # فقال كثير من أهل الإعراب والتفسير: إنه على التكرير المحض والتأكيد. PageV08P354 # قال الزمخشري: «{من قبله} من باب التكرير والتأكيد، كقوله تعالى: {فكان ~~عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين} [الحشر:17]، ~~ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد، فاستحكم ~~يأسهم وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك». # هذا كلامه، وقد اشتمل على دعويين باطلتين: # إحداهما: قوله: إنه من باب التكرير. # والثانية: تمثيله ذلك بقوله سبحانه وتعالى: {فكان عاقبتهما أنهما في ~~النار خالدين فيها}. # فإن «في» الأولى هي على حد قولك: أزيد في الدار؟ أي: حاصل أو كائن. # وأما «في» [الثانية] فمعمولة للخلود، وهو معنى آخر ms1607 غير معنى مجرد الكون، ~~فلما اختلف العاملان ذكر الحرفان، فلو اقتصر على أحدهما كان من باب الحذف ~~لدلالة الآخر عليه، ومثل هذا لا يقال له تكرار. # ونظير هذا أن تقول: زيد في الدار نائم فيها، أو ساكن فيها، ونحوه مما هو ~~جملتان مفيدتان لمعنيين. PageV08P355 # وأما قوله تعالى: {من قبل أن ينزل عليهم من قبله}، فليس من التكرار، بل ~~تحته معنى دقيق، والمعنى فيه: وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم الودق من قبل ~~هذا النزول لمبلسين، فهاهنا قبليتان: قبلية لنزوله مطلقا، وقبلية لذلك ~~النزول المعين أن لا يكون متقدما على ذلك الوقت، فيئسوا قبل نزوله يأسين: ~~يأسا لعدمه، ويأسا لتأخره عن وقته، فقبل الأولى ظرف لليأس، وقبل الثانية ~~ظرف للمجيء والإنزال. # ففي هذه الآية ظرفان معمولان وفعلان مختلفان عاملان فيهما، وهما الإنزال ~~والإبلاس، فأحد الظرفين متعلق بالإبلاس، والثاني متعلق بالنزول. # وتمثيل هذا أن تقول إذا كنت مؤملا للعطاء من شخص في وقت، فتأخر عن ذلك ~~الوقت، ثم أتاك به: قد كنت يائسا من قبل أن تجيئني بهذا من قبل، أي: أيست ~~من قبل مجيئك بهذا قبل هذا الوقت. # فقبل الأولى ظرف لليأس، وقبل الثانية ظرف للوقت، كما أنك لو وضعت موضع ~~قبل الثانية غيرها وجدتها غير متكرر، فإذا قلت: قد كنت آيسا قبل أن تأتيني ~~بهذا أمس، أكان تكرارا؟ فمن قبله كان كأمس. ولو قلت: وإن كانوا من قبل أن ~~ينزل عليهم قبل وقت نزوله لمبلسين، لما كان تكرارا؛ لاختلاف الآية. والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # وأما قوله سبحانه وتعالى: {أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى} ~~[القيامة:34 - 35]، فهذا ليس من باب التكرار، بل هو وعيد ودعاء، يعني: قرب PageV08P356 # منك ما يهلك قربا بعد قرب، كما تقول: غفر الله ثم غفر الله لك، أي: غفر ~~لك مغفرة بعد مغفرة، فليس هذا بتكرار محض، ولا من باب التأكيد اللفظي، بل ~~هو تعدد الطلب لتعدد المطلوب، ونظيره: اضربه ثم اضربه. # وأما قوله سبحانه وتعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب} [المسد:1]، [فليس] من ~~التكرار؛ ms1608 لاختلاف مقصود الفعلين، فإن الأول منهما دعاء يراد به الإنشاء، ~~والثاني خبر، أي: تبت يدا أبي لهب وقد تب. # قال الفراء: «كما تقول: أهلكه الله وقد هلك». # وقال مقاتل: «خسرت يداه بترك الإيمان وخسر هو». # وأما قوله سبحانه وتعالى: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن:13]، فتعديد ~~ذلك في مقابلة تعديد الآلاء. # وكذلك قوله سبحانه وتعالى: {ويل يومئذ للمكذبين} [المرسلات:15]، فهي مع ~~كل آية كأنها مع سورة مفردة، فلا تكرار، والله تعالى أعلم. # وأما قوله تعالى: {ولى مدبرا} [النمل:10]، وقوله تعالى: {ثم وليتم PageV08P357 # مدبرين} [التوبة:25]، فكثير من النحاة يعتقدون أن هذه حال مؤكدة، ويقسم ~~الحال إلى ثلاثة أقسام: مؤكدة، ومثنية، ومقدرة، ويجعل «ولى مدبرا» من الحال ~~المؤكدة. # وهذا غلط، فإن الحال المؤكدة مفهومها مفهوم عاملها، وليس كذلك التولية ~~والإدبار، فإنهما بمعنيين مختلفين، فالتولية أن يولي الشيء ظهره، والإدبار ~~أن يهرب منه، فما كل مول مدبرا، وكل مدبر مول، ألا ترى أنك إذا قلت: ولى ~~ظهره وأدبر، لم يكن من باب قوله: «كذبا ومينا». # ونظيره قوله سبحانه وتعالى: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ~~إذا ولوا مدبرين} [النمل:80]، فلو كان أصم مقبلا لم يسمع، فإذا ولى ظهره ~~كان أبعد من السماع، فإذا أدبر مع ذلك كان أشد لبعده عن السماع. # وقوله تعالى: {ولم يعقب} [النمل:10]، إشارة إلى استقراره في الهرب وعدم ~~رجوعه يقال: عقب فلان، إذا رجع، وكل راجع معقب، وأهل التفسير يقولون: لم ~~يقف ولم يلتفت، وعلى كل حال فليس هنا PageV08P358 # تكرار أصلا، بل لكل لفظ فائدة. والله سبحانه وتبارك وتعالى أعلم، وصلى ~~الله تعالى على سيدنا محمد وآله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا كثيرا. # (آخر الفائدة الجليلة رحم الله مصنفها وكاتبها ومالكها، والحمد لله رب ~~العالمين، تم بحول الله وإحسانه). PageV08P359 ### | AUTO فصل # في توبة قوم يونس PageV08P361 # فصل # في توبة قوم يونس # هل هي مختصة بالقبول دون سائر من يتوب كما تابوا؟ # وفي ذلك للناس قولان: # قال كثير من المفسرين -وربما قيل: قال أكثر المفسرين-: إن الله تاب عليهم ~~بعد معاينة ms1609 بأسه، وخصهم بقبول التوبة في هذه الحال دون سائر الأمم، ~~واستثناهم من الأمم بقوله: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم ~~يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} ~~[يونس:98]، قالوا: وكشف العذاب لا يكون إلا بعد معاينته، وذكروا قولين: هل ~~رأوا العذاب أو دليل العذاب؟ # قالوا: قال أكثر المفسرين: رأوا نفس العذاب بدليل قوله: {لما آمنوا كشفنا ~~عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا}. # وقالت طائفة: رأوا دليل العذاب؛ لأن التوبة بعد معاينته لا تقبل، ولا فرق ~~في ذلك بين أمة وأمة، بل هذا حكم عام. PageV08P363 # وهذا القول يوافق قول من يقول: ليسوا مخصوصين بقبول التوبة، بل كل من تاب ~~كما تابوا قبل الله توبته. وهو القول الثاني، وهو الصواب؛ لأن الله سبحانه ~~قال: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ~~(84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده} ~~[غافر:84 - 85]، فأخبر سبحانه أن هذه سنته، وسنته سبحانه لن تجد لها تبديلا ~~ولن تجد لها تحويلا، كما قال: {فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله ~~تحويلا} [فاطر:43]. # وأيضا فإنه قال: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار} [النساء:18]. وهذا نفي ~~عام، ولو كان أحد مستثنى من هذا العموم لكانت أمة محمد أحق بالاستثناء من ~~قوم يونس، فإنهم أكرم الأمم على الله، ونبيهم نبي الرحمة ونبي التوبة، وقد ~~وسع الله لهم في التوبة ما لم يوسعه لبني إسرائيل مع كرامة أولئك على الله. ~~وهاتان الأمتان قد فضلهما الله على العالمين، فإذا لم يقبل توبة أحدهم إذا ~~حضره الموت فكيف يقبل توبة قوم يونس؟ # وأيضا فإن الله حكيم عدل، لا يفرق بين المتماثلات ولا يسوي بين ~~المختلفات، فلا يفرق بين توبة قوم يونس وغيرهم إلا لافتراق العملين، وإلا ~~فمن تاب مثل ما تابوا فحكمه حكمهم، وهم إذا تابوا بعد رؤية البأس فهم ms1610 ~~كغيرهم. PageV08P364 # وأيضا فقد قال موسى في دعائه على قوم فرعون: {ربنا اطمس على أموالهم ~~واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس:88] قال الله ~~تعالى: {قد أجيبت دعوتكما} [يونس:89]. ولم يؤمن فرعون حتى أدركه الغرق ~~فقال: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} ~~[يونس:90]، قال الله تعالى: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} ~~[يونس:91]. فدعاء موسى هذا الدعاء دليل على أنه قد علم حينئذ أن التوبة لا ~~تنفع، ولو جاز أن يخص من هذا أحد جوز موسى أن تقبل توبة فرعون حينئذ كما ~~قبلت توبة قوم يونس، فعلم أنه كان مستقرا عند موسى أن هذا حكم عام. # وأما ما احتجوا به من أن الله كشف عنهم العذاب لما تابوا فهو حق كما أخبر ~~الله، وسواء كانوا قد رأوا العذاب أو لم يروه، فإن العذاب نوعان: عذاب ~~يتيقن معه الموت، وعذاب لا يتيقن معه الموت، فهذا الثاني عذاب أيضا، ومن ~~تاب كشف الله عنه العذاب، بدليل قوله تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ~~ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (130) فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه، ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون (131) وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ~~(132) فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133) ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ~~ادع لنا ربك بما عهد PageV08P365 # عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) فلما ~~كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا منهم ~~فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} [الأعراف:130 - ~~136]. وقال تعالى: {وقالوا يا أيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا ~~لمهتدون (49) فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون} [الزخرف:49 - 50]. # فقد أخبر أنه كشف العذاب عن قوم فرعون. # وعذاب الله ثلاثة أنواع: # نوع يكون في الدنيا قبل الموت، فهذا ms1611 يقبل الله توبة من تاب بعد معاينته، ~~ويكشفه عنه. # وعذاب يكون بالهلاك عند المعاينة، فهذا لا كرة فيه، ولا تقبل توبته بعد ~~معاينته. # وكذلك عذاب يوم القيامة، فإن الموت هو القيامة الصغرى، قال المغيرة بن ~~شعبة: إنكم تقولون: القيامة القيامة، وإنه من مات فقد قامت قيامته. وشهد ~~علقمة بن قيس صاحب ابن مسعود جنازة، فلما دفن قال: أما هذا فقد قامت ~~قيامته. # وهذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين PageV08P366 # وأهل السنة، الذين يثبتون في البرزخ بعد الموت وقبل قيام الناس من قبورهم ~~عذابا ونعيما. وطائفة من أهل البدع تنكر هذا وينكرون عذاب القبر، فهؤلاء ~~ليس عندهم جزاء إلا في القيامة الكبرى. وبإزاء هؤلاء كثير من المتفلسفة ~~والملاحدة الباطنية ومن وافقهم يثبتون القيامة الصغرى، وهو معاد النفس إذا ~~فارقت البدن، وليس عندهم قيامة كبرى يقوم الناس عنها من قبورهم، وإنما ~~يثبتون تغير العالم السفلي من حال إلى حال. وهذه القيامة الوسطى التي ذكرها ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «إن يستنفد هذا الغلام أجله لن يدركه ~~الهرم حتى تقوم الساعة». يريد به انخرام ذلك القرن، هكذا جاء مبينا في ~~الأحاديث الصحيحة. # وعذاب الله هو في هذه القيامات الثلاث، يعذب من يشاء بعد الموت ويعذب ~~كثيرا من الأمم بهلاكهم جميعا، كما أهلك قوم نوح وعادا وثمود وغيرهم. وكذلك ~~يزيل الدول، وقد قال: «إذا رأيت الحفاة العراة العالة رعاء البهم يتطاولون ~~في البنيان، فذلك من أشراطها». # والقيامة الكبرى إذا قام الناس من القبور، وانشقت السماء وبست الجبال، ~~وكان ما أخبر الله به في كتابه. والوعيد في القرآن يتناول هذا وهذا وهذا، ~~والمفسرون يذكرون الأمور الثلاثة. # ومما يبين ذلك قوله: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما PageV08P367 # يتضرعون} [المؤمنون:76]. فدل ذلك على أنه بعد أن يصيب الإنسان العذاب ~~تقبل منه الاستكانة والتضرع، كما قال: {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا ~~أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون} [الأعراف:94]، وقال تعالى: {قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون ms1612 إن كنتم ~~صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} ~~[الأنعام:40 - 41]. فهذا يبين أنه قد يكشف العذاب الذي دعوا الله إليه، كما ~~قال: {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما ~~كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا ~~إنك من أصحاب النار} [الزمر:8]. # ومما يبين ذلك قوله تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر لعلهم يرجعون} [السجدة:21]، فأخبر أنه يذيق الناس العذاب الأدنى في ~~الدنيا لعلهم يتوبون، وذلك أن التوبة ترفع العذاب الأدنى عن جميع الناس. ~~وقال تعالى: {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ~~ولا هم يذكرون} [التوبة:126]، وقال تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما ~~كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم:41]. # وإذا كان القرآن قد فرق بين العذاب الذي يستعقبه الموت وبين PageV08P368 # غيره وجب الفرق، والمريض تقبل توبته ما لم يغرغر ويعاين ملك الموت، وإن ~~كان مرضه مخوفا. فقوم يونس إنما أخبر الله عنهم أنهم لما آمنوا كشف عنهم ~~عذاب الخزي في الحياة الدنيا، فبين أن العذاب المكشوف كان مما يعذب به في ~~الحياة الدنيا لم يكن هو العذاب الموجب للهلاك، ولو لم يفسر ذلك فلفظ ~~العذاب مجمل، والقرآن قد فرق بين النوعين، فلا يجوز حمل هذا العذاب على ~~العذاب الموجب للموت الذي لا يقبل معه توبة، فإن في هذا مخالفة لسائر آيات ~~القرآن ولحكمة الرب وعدله بلا دليل؛ إذ كان اللفظ المجمل لا يعين أحد ~~النوعين، فكيف إذا كان معه ما يقتضي التعيين أنه كان العذاب الأدنى، وإن ~~كانوا قد عاينوه وأصابهم، فالتوبة بعد هذا العذاب مقبولة، فقد أصاب قوم ~~فرعون من أنواع العذاب ما ذكره الله، ومع هذا فقد كان يقبل توبتهم لو تابوا ~~ووعدوا بالإرسال، فلما كشف عنهم العذاب نقضوا عهدهم. # وما روي أنه غشيهم العذاب كالغمام الأسود واسودت أسطحتهم ونحو ذلك الله ~~أعلم ms1613 بثبوته، فإن هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر ذلك إنما ~~يأخذه المسلمون عن أهل الكتاب، وقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~نصدقهم أو نكذبهم. لكن مثل هذا العذاب قد يكون تهديدا: إن PageV08P369 # تبتم وإلا أصابكم كنتق الجبل فوق بني إسرائيل، وهذا من أعظم الآيات. قيل ~~لهم: إن أخذتم التوراة وإلا أطبقناه. # ومما يبين ذلك أن القوم لم يطل مقام يونس عندهم، بل حين كذبوه وعدهم ~~بالعذاب كما نقله هؤلاء، ومثل هذا يكون عذاب تهديد، كما قد يصيب الناس من ~~الجدب والجوع ما هو أعظم من ذلك، ويصيبهم من الوباء والطاعون ما يصيبهم، ~~والذين عبدوا العجل أمرهم الله بقتل بعضهم بعضا وقبل توبتهم، ثم بعثهم من ~~بعد موتهم لعلهم يشكرون. وإنما الذي لا يقبل معه توبة ما يقترن به الموت ~~كغرق فرعون ونحوه. # وأما استثناء الله قوم يونس فهو حجة في المسألة، فإن الله قال: {فلولا ~~كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب ~~الخزي} [يونس:98]، وقوله: {إلا قوم يونس} استثناء منقطع، وهم قد سلموا أنه ~~منقطع، ودليل ذلك أنه منصوب، ولو كان مثبتا لكان مرفوعا في اللغة المشهورة، ~~كما في قوله: {ما فعلوه إلا قليل منهم} [النساء:66]، فلما قال: {إلا قوم ~~يونس} كان منقطعا، كالاستثناء في قوله: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو ~~بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم} [هود:116]، فإنه ~~منقطع. وكذلك أهل العربية والتفسير قالوا: هو استثناء منقطع، والمعنى: لكن ~~قليل ممن أنجينا PageV08P370 # منهم من نهى عن الفساد. وقال مقاتل: لم يكن من القرون من ينهى عن المعاصي ~~والشرك، إلا قليلا ممن أنجينا من العذاب مع الرسل. # ومما يبين ذلك أن قوله: {فلولا} بمعنى فهلا، وهي كلمة تحضيض على المذكور ~~وذم لمن لم يفعله، والمعنى: فهلا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها؟ كما قال: ~~{فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض} ~~[هود:116]، أي لم لا كان ms1614 فيهم من ينهى وفي القرى من آمن فنفعه إيمانه؟ وهذا ~~يقتضي أن أهل القرى لو آمنوا لنفعهم إيمانهم كما نفع قوم يونس، لكن لم ~~يؤمنوا. وعلى ما قاله المنازعون يكون معنى الآية: ما آمنت قرية فنفعها ~~إيمانها إلا قوم يونس، أو ما آمن أحد عند رؤية العذاب فنفعه إيمانه إلا قوم ~~يونس. فبهذا فسروا القرآن، وليس هذا مراد الله، فإن الله لم يخبرنا أن غير ~~قوم يونس آمنوا وما نفعهم إيمانهم، وأن الإيمان لم ينفع إلا قوم يونس. بل ~~مقصوده أنه لم يؤمن وينتفع بإيمانه من أهل القرى إلا قوم يونس. # وأيضا فإن هذا المعنى يقال فيه: فما قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم ~~يونس بصيغة النفي والسلب، لا يقال: فهلا كانت قرية آمنت بصيغة التحضيض ~~والطلب والاستدعاء والتوبيخ والملام على ترك الإيمان، PageV08P371 # فإن هذه الصيغة أصل وضعها هو للتحضيض لا للنفي، ولهذا قد يفعل المحضوض ~~عليه بعد التحضيض، كما يفعل بعد الأمر، كما قال تعالى: {ويقول الذين آمنوا ~~لولا نزلت} [محمد:20]، ثم قال: {فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم} ~~[محمد:20]، فأين هذا من هذا؟ أين إخباره بأنهم آمنوا ولم ينفعهم إيمانهم من ~~كونه وبخهم وذمهم على أنهم لم يؤمنوا فينتفعوا بالإيمان؟ # ولهذا كان الاستثناء بعده منقطعا، ولو كان نفيا وسلبا لكان الاستثناء معه ~~متصلا، كقوله: {ما فعلوه إلا قليل منهم} [النساء:66]، فلما قطع الاستثناء ~~ونصب المستثنى علم أنه استثناء من نفي وسلب، لكن الكلام تحضيض، فلو اتصل ~~الاستثناء لكان المعنى تحضيضهم على الإيمان إلا قوم يونس، وتحضيضهم على ~~النهي عن الفساد إلا القليل. وهذا يوجب قلب المعنى، فإن الله يحض الجميع ~~على الإيمان وعلى النهي عن الفساد، لكن لما ذكر صيغة للحض العام بين أن ~~هؤلاء وهؤلاء فعلوا ما حضوا عليه، فلا يتناولهم الذم، فإن الاستثناء ~~المنقطع قد يكون من الجنس المشترك بين المستثنى والمستثنى منه، كما في ~~قوله: {ما لهم به من علم ms1615 إلا اتباع الظن} [النساء:157]، فاتباع الظن مستثنى ~~من المعنى العام المشترك بين العلم والظن، وهو الاعتقاد، فإنه لما قال: {ما ~~لهم به من علم} بقيت النفس تطلب: فهل عندهم شيء من الاعتقاد؟ PageV08P372 # فيقال: ما عندهم إلا اتباع الظن. # وكذلك قوله: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان:56]، فإنه ~~استثناء من المعنى المشترك بين الجنة والدنيا، فلما قال: {لا يذوقون فيها ~~الموت} بقيت النفس تطلب: هل ذاقوه في غيرها؟ فقال: لم يذوقوا إلا الموتة ~~الأولى. وكذلك نظائره. # وقد يكون أخص من المستثنى منه، فلما قال: {فلولا كان من القرون من قبلكم ~~أولو بقية} [هود:116]، و {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها} [يونس:98]، ~~كان هذا تحضيضا للجمع، والتحضيض أمر مؤكد يقتضي ذم من لم يفعل المأمور ~~وعقابه، ونفس الحض والأمر لا يستلزم الخبر، فإن المأمور لم يفعل ما أمر به، ~~بل قد يفعله وقد لا يفعله، وإذا لم يفعله استحق الذم والتوبيخ. وقد يكون في ~~المحضوضين من فعل، فلما ذكر التحضيض والفاعل مستثنى من التوبيخ لا مستثنى ~~من الحض، فلو قال: {إلا قليل} و {إلا قوم يونس} لكان هذا استثناء من ~~التحضيض، وليس كذلك، وإنما هو استثناء من أخص منه وهو التوبيخ ونفي الفعل، ~~فإنه لما حض الجميع كأنه قيل: فكلهم لم ينه، وكلهم يستحقون الذم والتوبيخ، ~~فيقال: نعم إلا قوم يونس، وإلا قليلا. # ومما يبين أن مثل هذا التحضيض لا يستلزم النفي عن الجميع قوله: {ولولا إذ ~~سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان PageV08P373 # عظيم} [النور:16]، وقوله: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين} [النور:12]. وقد كان من المؤمنين من قال ~~لما سمعه: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم. وكثير منهم ~~أو أكثرهم ظن بعائشة خيرا، مثل أسامة بن زيد وجاريتها وغيرهما ممن زكاها ~~وبرأها. فعلم أن التحضيض لا يستلزم النفي العام. # فلهذا كان قوله: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية} [هود:116]، ~~التحضيض فيه عام ms1616 لم يستثن منه أحد، فلم يكن الاستثناء متصلا، ولكن ~~الاستثناء وقع من ترك المحضوض عليه ولوازم الترك، من الذم والتوبيخ، وهذا ~~الترك قد كان في أكثر المحضوضين، وقد صار يفهم منه أن هذه الصيغة لم تستعمل ~~إلا إذا حصل ترك من جميع المحضوضين أو من بعضهم. فإذا فر الجيش مثلا قيل: ~~هلا ثبتم؟! وإذا فر الأكثر قيل: يستحقون العقوبة إلا فلانا، ولا يقال: هلا ~~ثبتم إلا فلان؟! فإن تحضيض على الثبات إلا لفلان، وهذا ليس بمراد، بل هو ~~مستثنى من الترك وسلب الفعل والذم والعقاب، لا من شمول الطلب والحض له. ~~والله أعلم. # ثم يقال: هو مستثنى من القدر المشترك بين أنواع الحض والأمر، حض وأمر لمن ~~فعل ولمن ترك. وقد يقال مستثنى مما هو أخص من الحض، وهو الترك والذم، وكلا ~~الأمرين واحد. والله أعلم. # ومثل هذا قوله: {ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك} [هود:81] PageV08P374 # فمن رفع جعلها مستثناة من النهي، فلم تنه عن الالتفات لأنها من المعذبين. ~~ومن نصبه جعله منقطعا، فإنه لما نهاهم عن الالتفات، والالتفات موجب ~~للعقوبة، فقد يكون منهم من لا يطيع فيعاقب، ومنهم من لا يعاقب، فكأنه قال: ~~فهل تطيع وتسلم؟ فقال: نعم إلا امرأتك. وقيل: إنها استثناء من قوله: {فأسر ~~بأهلك}، وقد ذكروا الوجهين في قراءة النصب، وهي قراءة نافع وغيره. # قال ابن الأنباري: على قراءة نافع يكون الاستثناء منقطعا، معناه: لكن ~~امرأتك فإنها تلتفت، فيصيبها ما أصابهم. فإذا كان الاستثناء منقطعا كان ~~التفاتها معصية لربها؛ لأنه ندب إلى ترك الالتفات. # وقال الزجاج: من قرأ بالنصب فالمعنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك. ومن قرأ ~~بالرفع حمله: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، وإنما أمروا بترك الالتفات ~~لئلا يروا عظيم ما نزل بهم من العذاب. # فإن قيل: فإذا جعل الاستثناء منقطعا تكون منهية عن الالتفات، وعلى قراءة ~~نافع ليست منهية، والقراءتان لا تتناقضان. # قيل: الالتفات نوعان: نوع يكون مع محبة المعذبين، كالتفاتها. ونوع يكون ~~مع بغضهم، كالتفات لوط لو التفت. PageV08P375 # فنهوا عن الالتفات لئلا يروا ms1617 عظيم العذاب، فيحصل لهم روع وفزع. فكلهم ~~منهيون عن النوع الأول، وهي عاصية التفتت التفات محبة، فكان الاستثناء في ~~حقها منقطعا. وأما الثاني فهم نهوا عنه، وهي لم تنه عن هذا الالتفات الذي ~~هو مع البغض، ليسلم صاحبه من الفزع والروع، بل لو التفتت مع البغض لم تكن ~~عاصية وإن حصل لها روع، ولكن لما التفتت وهي محبة لهم على دينهم -والمرء ~~على دين خليله- أصابها ما أصابهم، لمشاركتها لهم في الذنب، لا لمجرد ~~الالتفات لو خلا عن دين القوم. ولهذا لو التفت لوط أو إحدى ابنتيه لم يصبه ~~ما أصابهم. فهذا من دقائق معاني القرآن. # وقد ذكر ابن الجوزي القولين، قال: # فإن قيل: [كيف] كشف العذاب عن قوم يونس بعد إتيانه إليهم، ولم يكشف عن ~~فرعون حين آمن؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن ذلك كان خاصا لهم، كما ذكرنا في أول الآية. # والثاني: أن فرعون باشره العذاب، وهؤلاء دنا منهم ولم يباشرهم، فكانوا ~~كالمريض يخاف الموت ويرجو العافية، فأما الذي يعاين فلا توبة له. ذكره ~~الزجاج. # والثالث: أن الله علم فيهم صدق النيات، بخلاف من تقدمهم من PageV08P376 # الهالكين. ذكره ابن الأنباري. # قلت: هذا القول معناه: أن هؤلاء تابوا، وغيرهم لم يتب، ولو تاب قبلت ~~توبته. وهذا إنما يكون قبل المعاينة. # وقد ذكر في الكلام هل هو نفي أو تحضيض قولين، فقال: # وفي {لولا} قولان: # أحدهما: أنها بمعنى لم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها -أي قبل منها- إلا ~~قوم يونس. قاله ابن عباس. # وقال قتادة: لم يكن هذا لأمة آمنت عند نزول العذاب إلا لقوم يونس. # والثاني: أنها بمعنى هلا. قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. قال ~~الزجاج: المعنى: فهلا كانت قرية آمنت في وقت ينفعها إيمانها إلا قوم يونس. ~~و {إلا} ههنا استثناء ليس من الأول، كأنه قال: لكن قوم يونس. PageV08P377 # وقال الفراء: نصب القوم على الانقطاع مما قبله، ألا ترى أن ما بعد {إلا} ~~في الجحد يتبع ما قبلها. ما قام أحد إلا أخوك، فإذا قلت: ما فيها أحد إلا ms1618 ~~كلبا أو حمارا نصبت؛ لانقطاعهم من الجنس. كذلك كان قوم يونس منقطعين من ~~غيرهم من أمم الأنبياء، ولو كان الاستثناء وقع على طائفة منهم لكان رفعا. # قلت: هذا قول أئمة العربية، وهذا مما يعلم بالاضطرار من لغة العرب التي ~~بها نزل القرآن. {ولولا} تارة يليها الاسم، كقوله {ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته}، فيكون حرف امتناع. وتارة يليها الفعل، كقوله: {لولا جاءوا عليه ~~بأربعة شهداء}. فيكون حرف تحضيض، وهو يتضمن النفي. فالنفي لازم لها، لا ~~أنها بمعنى «لم تكن». # والمفسرون من السلف يفسرون المعنى، لا يتكلمون في دلالة العربية؛ لأن ~~العربية عادتهم وطبعهم، لا يحتاجون فيها إلى مقاييس النحاة. وابن عباس ذكر ~~أن الآية دلت على أنه لم تكن أمة آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس. وهذا ~~حق، والاستثناء المنقطع يدل عليه. لم يقل: إنها بمعنى: لم تكن. وكذا قتادة ~~ظن أن المراد أن الإيمان نفعهم ولم ينفع غيرهم. وليس كذلك، بل غيرهم لم ~~يؤمن إيمانا ينفعه، وهؤلاء آمنوا إيمانا ينفعهم، كانوا صادقين وآمنوا قبل ~~حضور الموت، وغيرهم PageV08P378 # إما أن يكون كاذبا في إيمانه كقوم فرعون، وإما أن يؤمن بعد حضور الموت، ~~كالذين قال تعالى فيهم: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} [غافر:85]، ~~والذين قال فيهم: {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ~~ظالمين} [الأعراف:5]، وقوله: {فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا ~~تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون (13) قالوا يا ~~ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين} ~~[الأنبياء:12 - 15]، فهؤلاء لم يؤمنوا. وكذلك قوله: {فلما نسوا ما ذكروا به ~~فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون} [الأنعام:44]، فهؤلاء إما أنهم لم يتوبوا أو حضر الموت الذي لا يندفع. # وقد ذكر ابن الأنباري في الآية قولين آخرين فاسدين: # أحدهما: أن {إلا} بمعنى الواو، فالمعنى: وقوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم ~~كذا وكذا. قال: وهذا مروي عن أبي عبيدة، والفراء ينكره. ms1619 # والثاني: أن الاستثناء من الآية التي قبلها، تقديره: حتى يروا العذاب ~~الأليم إلا قوم يونس. والاستثناء على هذا متصل غير منقطع. PageV08P379 # قلت: هذا في غاية الفساد، فإن ذاك من كلام موسى، قال: {ربنا اطمس على ~~أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس:88]، ~~وهو دعاء على آل فرعون، كما قال: {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا ~~في الحياة الدنيا} [يونس:88]. ولم يستثن موسى من هؤلاء أحدا، وقوم يونس ~~ليسوا من قوم فرعون، فأين هذا من هذا؟ # والأول أيضا في غاية الفساد، فإن جعل {إلا} المخرجة بمعنى الواو الجامعة ~~استعمال للفظ في نقيض معناه، وهذا فاسد. وأبو عبيدة له من هذا الجنس أقوال ~~فاسدة، وهذا مما يعلم أئمة النحاة أنه منكر، فالبصريون كلهم ينكرون ذلك، ~~وقد أنكره الفراء وغيره من الكوفيين. وقد ذكر نحو هذا في قوله: {لئلا يكون ~~للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة:150]، وهو فاسد من وجوه ~~متعددة، والله أعلم. # فصل # وقد دلت الآية على أن كل من آمن وتاب بعد نزول العذاب نفعه إيمانه، وأما ~~من لم يتب أو تاب توبة كاذبة فهذا لا ينفعه. وأما التوبة عند PageV08P380 # حضور الموت فهي كالتوبة يوم القيامة، قال تعالى: {وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون ~~وهم كفار} [النساء:18]، وقال: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ~~وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) ~~أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) خالدين فيها ~~لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا ~~كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون (90) إن الذين كفروا وماتوا وهم ~~كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به} [آل عمران:86 - 91]. ~~وقد فسروا ازديادهم كفرا بأنهم أصروا عليه إلى الموت، فلن تقبل توبتهم عند ~~الموت، وذلك -والله ms1620 أعلم- لأنه حين الموت وقع مبادئ الجزاء، فلم يكن ثم زمن ~~يتسع لأن يرجعوا عن السيئات، فتنقص أو تذهب، بل حصلت بالإصرار في زيادة بلا ~~نقصان. ولو تاب أحدهم قبل الموت لم يكونوا قد ازدادوا كفرا، بل ذهب الأصل ~~والزيادة، فإنهم بدلوا السيئات بالحسنات، وأما عند الموت فقد ازدادوا ~~بالإصرار، ولم يكن هناك وقت يذهب، لا هذا ولا هذا. # فقوله: {ثم ازدادوا} في معنى قوله: واستمروا على كفرهم وأصروا على كفرهم، ~~ونظيرها قوله: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم PageV08P381 # آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم ~~سبيلا} [النساء:137]، فهنا قال: {لم يكن الله ليغفر لهم}، وهناك قال: {لن ~~تقبل توبتهم}، فإنه لو آمن ثم كفر ثم آمن وتاب من ردته قبلت توبته كما ~~تقدم، فإن كفر وارتد مرة ثانية حبط الإيمان الذي غفر به ذلك الكفر، فيبقى ~~عليه إثم الكفر الأول والثاني، فإذا ازداد كفرا فأصر إلى الموت لم يغفر له. ~~وقد ذكر في أول السورة الذي ازداد كفرا بعد الكفر الأول، فذكر الكفر الأول ~~والمكرر إذا حصل معهما ازدياد، ولما قال هناك: لم تقبل توبتهم عند الموت ~~كان هذا تنبيها على أن الثاني لا تقبل توبته بطريق الأولى. ولما ذكر في ~~الثاني أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا، كان مفهومه أنهم لو تابوا ~~قبل الارتداد لقبلت توبتهم وإن كرروا الكفر. فدل على أن قوله في الأولى: ~~{ازدادوا} أراد به الإصرار، فإنه لو لم يرد به الإصرار لكان من كفر بعد ~~إيمانه وبقي مدة ثم تاب لم تقبل توبته، وهذا خلاف قوله قبل ذلك: {إلا الذين ~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} [آل عمران:89]، وخلاف مفهوم ~~آية التكرير، ولو كان كل مرتد بقي مدة لا تقبل توبته لم يحتج إلى التكرير. # فإن قيل: ازدياد الكفر أن يأتي مع الردة بزيادة في الكفر يغلظ به الكفر، ~~فتكون ردته مغلظة، كردة مقيس بن صبابة وعبد الله بن خطل PageV08P382 # اللذين أهدر دمهما يوم ms1621 الفتح. # قيل: هذا من مسائل الاجتهاد، والكلام فيه مبسوط في غير هذا الموضع. ~~والذين أتاهم العذاب وبقي زمنا حتى ماتوا، كقوم نوح لما شرع الماء يزيد لو ~~تابوا كما تاب قوم يونس لقبل الله توبتهم، لكن لم يتوبوا. وكذلك قوم عاد ~~لما رأوا السحاب فقالوا: {هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف:24]، فهبت الريح سبع ~~ليال وثمانية أيام حسوما، لم يتوبوا. وكذلك قوم صالح لما عقروا الناقة قال: ~~{تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب} [هود:65] لم يتوبوا. # فإن قيل: فقد قال: {فعقروها فأصبحوا نادمين (157) فأخذهم العذاب} ~~[الشعراء:157 - 158]. # قيل: وقد قال عن أحد ابني آدم: {فأصبح من النادمين} [المائدة:31]، ولم ~~يكن هذا ندم توبة، كذلك أولئك قالوا: وقد يقال: كانوا موعودين بالعذاب إذا ~~عقروها، وعذاب الدنيا لا يندفع بمثل هذه التوبة، فإن قوم موسى لما تابوا من ~~عبادة العجل كانت توبتهم بقتل خلق كثير منهم. وكذلك لما سألوا الرؤية جهرة ~~فأخذتهم الصاعقة وهم لم يتوبوا إلا خوفا من عذاب الدنيا. # أو يقال: كانت توبتهم من جنس توبة آل فرعون، إذا جاءهم العذاب PageV08P383 # تابوا، فإذا رفع نكثوا التوبة. فقوله: {نادمين} لا يدل على توبة صادقة ثابتة. # وكذلك قوله: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين ~~(11) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما ~~أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) ~~فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين} [الأنبياء:11 - 15]. فهو لم ~~يذكر عنهم توبة، ولكن إخبارهم بأنهم ظالمون، والكفار والعصاة معترفون أنهم ~~ظالمون مع الإصرار، وإبليس معترف أنه عاص لربه مع إصراره، وفرعون كان يعلم ~~أن موسى صادق مع إصراره، ومجرد العلم بأنه مذنب ليس توبة، إنما التوبة رجوع ~~القلب عن الذنب إلى الله تعالى وطاعته. # وكذلك قوم شعيب لما أخذتهم الظلة لم يتوبوا، وكذلك قوم لوط لما جاءهم ~~العذاب لم يتوبوا. والتوبة عند نزول العذاب كثيرا ما تكون غير صادقة، بل ~~يتوب إلى أن ينكشف، ثم يعود، كتوبة آل فرعون ms1622 باللسان من غير عمل بموجبها، ~~بل مع الكذب. # ولهذا لم يقبل أكثر العلماء توبة الزنديق في الظاهر؛ لأنه لا يعلم صدقه، ~~وهو ما زال يظهر الإيمان، فلم يجدد شيئا يعرف به صدقه، وهو منافق، ولم ينته ~~عن إظهار النفاق. وقال تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا PageV08P384 # يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ~~(61) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الأحزاب:60 ~~- 62]، ولو تاب قبل أن يؤخذ، وأظهر التوبة بحيث تغير حاله وهجر ما كان عليه ~~أولا، قبلت توبته. # وكذلك أرجح القولين أن كل من تاب قبل الرفع إلى الإمام لم يقم عليه ~~[الحد]، ولو جاء إلى الإمام تائبا فأقر لم تجب إقامة الحد عليه، فلا تجب ~~إقامته على تائب. لكن من جاء مقرا وطلب من الإمام أن يقيمه فله أن يقيمه، ~~لأنه من تمام تطهيره، وللإمام أن يدفع من جاء مقرا تائبا، بخلاف من أخذ ~~قهرا واعترف بهذا ولم تظهر منه توبة، فقوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل ~~أن تقدروا عليهم} [المائدة:34] نص عام، ومن جاء مقرا تائبا فقد تاب قبل ~~القدرة عليه، فإن هذا قد ظهر صدقه في توبته، بخلاف من قامت عليه البينة ثم ~~تاب، أو أقر بعد أن أخذوه، فإن هذا لا يعرف صحة توبته، ولو أسقط الحد عن ~~مثل هذا لأمكن كل مجرم أن يظهر مثل هذه التوبة. # وقد قال بعض العلماء عمن تاب عند رؤية السيف: {فلما رأوا بأسنا قالوا ~~آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا} [غافر:84 - 85]، وهذا لأن هؤلاء قد يتوبون مثل توبة آل فرعون، ~~وينقضون التوبة. أو يكون هذا العالم رأى معاينة القتل لم يتحتم مثل معاينة ~~الملك، ولكن هذا مثل من يطعن في جوفه ويجيئه PageV08P385 # الموت، وهذا تقبل توبته على الصحيح وتنفذ وصاياه، فإن عمر أوصى في هذه ~~الحال، وغايته أنه أيقن بالموت بعد ms1623 زمن، وكل أحد يوقن بالموت بعد زمن طويل ~~أو قصير، إلا أن يقال: من هؤلاء من يضطرب عقله، فلا يمكنه توبة صحيحة، فإن ~~التوبة لا بد فيها من رجوع القلب إلى الله عما فعله من السيئات، وهذا قد لا ~~يحصل في هذا الزمان مع تغير العقل. # ومن المذنبين من لا يتوب توبة صادقة بعد معاينة عذاب الآخرة، فكيف بعذاب ~~الدنيا، بل يعد بالتوبة، فإذا أطلق عاد. قال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على ~~النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} ~~[الأنعام:27]. قال الله تعالى: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام:28]. فهؤلاء قد عاينوا العذاب ~~وتمنوا الرد، وقالوا: إنهم لا يكذبون بآيات ربهم ويكونون من المؤمنين، وقد ~~كذبهم الله في ذلك فقال: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون}. # وهذا يبين أن قوله: {ولا نكذب} و {ونكون} إخبار منهم عن أنفسهم، وجواب ~~تمنيهم ليس هو مما تمنوه، كأنهم قالوا: يا ليتنا نرد فنكون حينئذ مؤمنين لا ~~مكذبين. وجواب النهي في لغة العرب يكون بالواو والفاء. فما كل من ذكر أنه ~~تائب عند معاينة العذاب يصدق في بقائه تائبا، كآل فرعون، وهذا موجود في ~~الناس كثيرا عند الشدائد يتوبون وينذرون، ثم إذا زالت الشدة منهم من يوفي ~~بتوبته ونذره، ومنهم PageV08P386 # من لا يوفي بذلك. قال تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم ~~معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما ~~وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة:75 - 77]. # فهذا النفاق الذي حصل في قلوب هؤلاء قد أخبر الله أنه باق إلى يوم ~~يلقونه، وهذا قد يكون لأنهم لم يتوبوا منه توبة صادقة. ومن الناس من يقول: ~~إن من الذنوب ما لا يزول بالتوبة، وقد روي أن منهم من جاء بصدقته فلم ~~يقبلها، كالذين قال فيهم: {فإن رجعك الله إلى طائفة ms1624 منهم فاستأذنوك للخروج ~~فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} [التوبة:83]. فهؤلاء لم يقبل ~~منهم الجهاد لما امتنعوا عام تبوك، وهذا لم تقبل منه الصدقة لما منعها أولا. # وقوله في الثلاثة الذين خلفوا: {وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما ~~يتوب عليهم} [التوبة:106] دليل على أن هؤلاء الذين عذبوا لم يتب الله ~~عليهم، إما لكونهم لم يأتوا بتوبة تمحو ذلك الذنب، هذا قول الأكثرين. ~~وحينئذ فيكون التقصير منهم، وهم ظلموا أنفسهم. وقوله: {إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا} [الزمر:53]، على أنه إذا تاب توبة صادقة، والشأن في تحقيق التوبة، ~~ولهذا أخر الثلاثة الذين خلفوا، وقد كانوا PageV08P387 # نادمين من حين رجع الرسول والمؤمنون. # وهذا كما قد قيل: إن الله حجر التوبة عن كل صاحب بدعة، بمعنى أنه لا يتوب ~~منها، لأنه يراها حسنة، والتوبة إنما تتيسر على من عرف أن عمله سيء قبيح، ~~فيكون عمله داعيا له إلى التوبة، أما إذا اعتقد أنه حسن فيحتاج ذلك ~~الاعتقاد إلى أن يزول، وزوال الاعتقاد لا يكون بالوعظ والتخويف، وإنما يكون ~~بعلم وهدى يبين الله له فساد اعتقاده، وصاحب الاعتقاد الفاسد جهله مركب، ~~وهو لا يصغي إلى أدلة مخالفيه وتفهمها لوجهين: # أحدهما: أنه لا يجتمع النقيضان في القلب، فلا يجتمع ذلك ودليل نقيضه، فإن ~~دليل النقيض يستلزمه، فلا يمكن أن يتصور دليل النقيض إلا مع عزوب ذلك ~~الاعتقاد عن القلب، لا مع حضوره، ولأن اعتقاده لذلك القول يدعوه إلى أن لا ~~ينظر نظرا تاما في دليل خلافه، فلا يعرف الحق. # ولهذا قال السلف: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. وقال أيوب ~~السختياني وغيره: إن المبتدع لا يرجع. واحتج بقوله في الخوارج: «يمرقون من ~~الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في نصله فلا يرى شيئا، وينظر في ~~رصافه فلا يرى شيئا، وينظر في قدحه فلا يرى شيئا، وينظر في نضيه فلا يرى ~~شيئا، ويتمارى في الفوق قد سبق الفرث والدم». PageV08P388 # وهذا الذي ذكره هو كحال من {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ms1625 يلقونه} ~~[التوبة:77]، والذين لو {ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام:28]. لكن ليس ~~هذا وصف جميع أهل البدع، فليست البدعة أعظم من الردة عن الإسلام والكفر، ~~وقد تاب خلق من المرتدين والكفار، لكن هو مظنة الخوف، كالذين أسلموا من ~~المرتدين كان الصحابة يحذرون منهم خوفا من بقايا الردة في قلوبهم. فهذا هو ~~العدل في هذا الموضع، وقد تاب خلق من رأي الخوارج والجهمية والرافضة ~~وغيرهم. لكن التوبة من الاعتقادات التي كثر ملازمة صاحبها لها ومعرفته ~~بحججها يحتاج إلى ما يقابل ذلك من المعرفة والعلم والأدلة. # ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتلوا شيوخ المشركين ~~واستبقوا شرخهم». قال أحمد وغيره: لأن الشيخ قد عسى في الكفر، فإسلامه ~~بعيد، بخلاف الشاب، لأن قلبه لين، فهو قريب إلى قبول الإسلام. PageV08P389 # ومما يناسب هذا قوله تعالى عن مسجد أهل الضرار: {لا يزال بنيانهم الذي ~~بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم} [التوبة:110]، هذا قرأه الجماعة، ~~وقرأ يعقوب «إلى أن تقطع»، وعلى هذا فالريبة باقية إلى حين التقطع. وأما ~~قراءة الجمهور فإنه استثنى فقال: {إلا أن تقطع قلوبهم}، فإذا قطعت قلوبهم ~~لم يبق ريبة في قلوبهم. وقد قال سفيان وغيره: هو التوبة. وقال كثير من ~~المفسرين: هو التقطع بالموت أو في القبر أو يوم القيامة. وقول هؤلاء يناسب ~~قراءة يعقوب، فإنه لا تزال ريبة إلى حين تقطع القلوب. وأما قراءة الاستثناء ~~فإن كانت توبتهم مقبولة كما قال سفيان وغيره فهي تحتاج إلى تقطع القلوب، ~~تتمزق بالتوبة، فتحتاج إلى مشقة وشدة. وهكذا كثير من ذنوب أهل الاعتقاد ~~والشبهات وأهل الشهوات القوية يحتاج صاحبها إلى معالجة قلبه ومجاهدة نفسه ~~وهواه. وتوبة الثلاثة قد قال الله فيها: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما ~~رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} [التوبة:118]، ~~فكيف غيرهم؟ وتوبة أبي لبابة وأصحابه كانت لما ربطوا أنفسهم في السواري، ~~وقوله: {والله عليم حكيم} يدل على أنه PageV08P390 # سبحانه يعلم من أحوال القلوب ما يناسب هذا، وهو حكيم ms1626 في حكمه بأنه {لا ~~يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم}. # وإذا أريد بتقطع القلوب تقطعها بالتعذيب فقط فيكون ذلك لأنه علم أن هؤلاء ~~المعينين لا يتوبون، وإن أريد تقطعها بالتوبة أو بالتعذيب فلا بد لهم من ~~أحد الأمرين: إما أن يقطعوها بالتوبة، وإلا قطعت بالعذاب، كما قال: {إما ~~يعذبهم وإما يتوب عليهم} [التوبة:106]. وأولئك المعينون إذا لم يقطعوها ~~بالتوبة قطعت بالتعذيب، فالعذاب مخرج ما في النفوس من الريبة والنفاق، لمن ~~لم يخرجه بالتوبة، والذنوب لا بد فيها من توبة أو تعذيب، ولو أنه ينقص ~~الحسنات لأجلها، كما قال: {إما يعذبهم وإما يتوب عليهم}، كما قد بسط في غير ~~هذا الموضع. والله أعلم. # فصل # وقوله: {عسى الله أن يتوب عليهم} [التوبة:102]، نقل عن ابن عباس وغيره ~~أنهم قالوا: عسى من الله واجب. وهذا الذي قالوه قد وجد بالاستقراء في ~~مواضع، كقوله: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله ~~قدير} [الممتحنة:7]. وجعل الله المودة بين المؤمنين وبين الذين كانوا ~~يعادونهم بعد أن نزلت هذه الآية لما فتحت مكة وآمن الطلقاء، كأبي سفيان، ~~وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن PageV08P391 # أبي جهل، والحارث بن هشام وغيره. # وقوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في ~~أنفسهم نادمين} [المائدة:52]، وأتى الله بالفتح وبأمر من عنده، فأصبحوا على ~~ما أسروا في أنفسهم نادمين. # وقوله: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن ~~يتوب عليهم} [التوبة:102]، وتاب عليهم. # وقوله: {قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم ~~فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون ~~متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51) يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} [الإسراء:50 ~~- 52]. وهذا يكون ذلك اليوم. # وقوله: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} ~~[محمد:22]، ومن تولى عن طاعة الله ms1627 والرسول أفسد في الأرض وقطع رحمه، كما ~~فعل المشركون {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} [التوبة:10]. PageV08P392 ### | AUTO مسألة # عن رجل يزعم أنه شيخ ويتوب الناس ويأمرهم بأكل الحية PageV08P393 # سئل الشيخ تقي الدين رحمة الله عليه # عن رجل يزعم أنه شيخ ومن أولاد المشايخ، ويجلس على سجادة ويتوب الناس، ثم ~~إنه يأمر الفقراء بأكل الحية وبمسكها، وإذا قصدوا أكلها أكلوها في حضرة ~~الشيخ، ويسيل دمها على لحاهم، ثم يأمرهم بالدخول في النار ويأكلوا منها، ~~ويأخذ الشيخ عصا يعصر منها دما أو سمنا، ويتوب النساء حتى يخرجن مولهين، ~~ويحاضر الشيخ النساء ويزعم أنه من السادات العلماء المتصلين بالله تعالى، ~~وأن ذلك كله من الكرامات الربانية، فهل ذلك كله أفعال ربانية أو شيطانية؟ ~~وهل السلف فعلوا ذلك أم لا؟ وهل يحل فعل ذلك أم لا؟ وهل يحل لمسلم إكرام من ~~كانت هذه أفعاله أو مجالسته أم لا؟ وكل ذلك بدعة محضة أو لا؟ أفتونا رحمكم ~~الله، وأوضح عن كل فصل، فإن هذه البدع قد فشت في البلاد، واستحوذ الشيطان ~~على قلوب جماعة كثيرة، أفتونا مأجورين مثابين. # فأجاب رحمه الله تعالى # الحمد لله رب العالمين. من أمر الناس بأكل الحيات أو العقارب أو الزنابير ~~أو غير ذلك من الخبائث التي حرمها الله ورسوله، وجعل كل ذلك من كرامات ~~الأولياء، فهو مبتدع ضال مستحق للعقوبة التي تزجره PageV08P395 # وأمثاله عن ذلك، فإن المسلمين متفقون على أن أكل الحيات ليس مما أمر الله ~~به ورسوله، ولا هو من كرامات الأولياء، بل ذلك محرم عند جمهور علماء ~~المسلمين. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خمس ~~فواسق يقتلن في الحل والحرم»، وذكر منها الحية والعقرب. وثبت عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه أمر بقتل الحيات، ولم يتقدم لأحد من أهل الخير أمر لأحد من ~~أتباعهم بأكل الحيات. # ومن أكل الحيات والعقارب والزنابير والميتة والعذرات وغير ذلك من هؤلاء ~~المنتسبين إلى الفقر والتوله، فإن الشيطان يدخل فيهم حتى يأكلوا ذلك، ثم ~~يفعلوا ما ms1628 حرمه الله ورسوله، فلا يأكلون طيبا ولا يعملون صالحا. وهؤلاء ~~خالفوا أمر الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى أمر ~~المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم} [البقرة:172]، وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا} [المؤمنون:51]. وهؤلاء خالفوا أمر الله، فلم يأكلوا ~~طيبا ولم يعملوا صالحا. # وكذلك من أمر مريديه بدخول النار فهو شيخ ضال مبتدع، غايته أن PageV08P396 # يكون معه شياطين تلبس المريد حتى يدخل النار، ولهذا إنما يدخلونها عند ~~أهل الجهل والضلال الذين ليس عندهم من الإيمان شيء واليقين ما يحضر معه ~~الملائكة الذين يطردون الشياطين، فإذا حضر هؤلاء عند أهل العلم والإيمان ~~بالله ورسوله، المتبعين لمحمد صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، فدخل أحدهم ~~النار احترق، لأن شياطينه التي كانت تلبسه تهرب حينئذ، وإذا قرأ عليهم ~~الصادق آية الكرسي مرات بقلب صادق هربت شياطينهم وأحرقتهم النار، كما قد ~~جرى مثل ذلك لغير واحد من الصالحين معهم. هذا إن كان أحدهم يأكل الحية ~~ويدخل النار بالحال الشيطاني. # وأما من يفعل ذلك بالمحال البهتاني، فهؤلاء يصنعون حيلا وأدوية كحجر ~~الطلق ودهن الضفادع وقشور النارنج وغير ذلك من الأدوية المعروفة عند من ~~يعاني ذلك. وكذلك ما يظهرونه من الدم والزعفران واللاذن والسمن من يكون عن ~~حال شيطاني، ومن يكون عن حال بهتاني. # وأما توليه النساء والصبيان والرجال بحيث يزول عقل أحدهم ويبقى مسلوب ~~العقل، فهذا من المحرمات التي يستحق فاعلها غليظ العقوبات. فكل من قصد أن ~~يزيل عقله بسبب من الأسباب فإنه آثم عاص معتد، حتى قد حرم الله ما يزيل ~~العقل بعض يوم كشراب الخمر، وحرم قليل الخمر وإن كان لا يسكر لأنه يدعو إلى ~~كثيرها، مع ما في PageV08P397 # الخمرة من اللذة والمنفعة، فكيف إذا أزيل العقل بلا منفعة؟ # ولهذا إنما يتوله أحدهم إذا لبسه الشيطان، وإن تمكن منه صار لا يعقل، وإن ~~كان يعتريه بعض الأوقات أو يعتريه في حال السماع كان بمنزلة ms1629 المجنون الذي ~~يصرع في بعض الأوقات. ولهذا يتكلم الشياطين على لسان أحدهم إذا أخذه الحال ~~الشيطاني وقت السماع، كما يتكلم الجني على لسان المصروع، ويتكلم أحدهم ~~بكلام لا يعرفه بلغات لا يحسنها كما يسمع من المصروع، وإذا فارقه الحال ~~الشيطاني لم يدر ما تكلم على لسانه، ولكن الحاضرون يقولون له: قلت كذا وقلت ~~كذا، وهو لا يعرف بشيء من ذلك، كما يقول للمصروع: قلت كذا وقلت كذا، ~~والمصروع لا يعرف شيئا مما تكلم به الشيطان على لسانه. # ولهذا لا تأتيهم الأحوال الشيطانية عند أمر الله به ورسوله، مثل الصلوات ~~الخمس وقيام الليل وقراءة القرآن بالتدبر والطواف بالبيت، بل تأتيهم عند ~~المنكرات التي لا يحبها الله ورسوله. وكلما كان الشر أعظم كان الحال ~~الشيطاني أقوى، فإذا سمعوا مزامير الشيطان، وحركوا الأردان، وتراقصو ~~كالدباب، ومزقوا الثياب، وارتفعت الأصوات كرغاء البعير وخوار الثيران، ~~وثارت الأرواح المنتنة وحضر النساء والمردان= تنزلت عليهم الشياطين وجند ~~إبليس اللعين، فسقاهم الشراب الشيطاني، وسلبهم الحال الإيماني، حتى لو أراد ~~أحدهم أن يذكر الله ويقرأ القرآن ويصلي بخشوع لما أطاق ذلك، بل كثير منهم ~~يعيطون في الصلوات بالشخير والنخير والصوت الذي يشبه نهيق الحمير، وإن PageV08P398 # صلوا صلوا بقلوب غافلة لاهية، صلاة لا يذكرون الله فيها إلا قليلا، ~~ينقرونها نقرا، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «تلك صلاة ~~المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين ~~قرني الشيطان قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا». # ثم من هؤلاء من يباشر النجاسات، ويأوي إلى القمامين والمراحيض والحمامات، ~~ومنهم من يعاشر الكلاب والحيات، وهم مقصرون فيما أمر الله به ورسوله من ~~الطهارة طهارة الحدث والخبث، ومن قراءة القرآن وتدبر معانيه، ومعرفة حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنته، وقد قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران:31]، فأمر من ادعى محبة الله باتباع ~~نبيه، وضمن لمن اتبع نبيه أن يحبه. وهؤلاء من أبعد الناس عن متابعة ms1630 الرسول، ~~وهم بأعداء الله الملحدين أشبه منهم بأوليائه المتقين، ووصف ما في هؤلاء من ~~العيوب والقبائح لا يتسع له هذا المكتوب. # فمن اعتقد في هؤلاء أنهم من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وجنده ~~الغالبين، فهو من أضل العالمين، وأبعدهم عن دين الإسلام، الذي بعث به محمد ~~عليه أفضل الصلاة والسلام، ولكن التبست أحوالهم على كثير من الناس لما ~~يرونه أحيانا من أحدهم من نوع مكاشفة وتصرف خارج عن العادة، وهم في ذلك من ~~جنس الكهان والسحرة التي كانت الشياطين تنزل عليهم. قال تعالى: {هل أنبئكم ~~على PageV08P399 # من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم} [الشعراء:221 - 222]. # ولهذا لا يوجد من هؤلاء إلا من هو خارج عن الكتاب والسنة، وإذا صدق مرة ~~في مكاشفته فلا بد أن يكذب مرة أخرى، وإن لم يتعمد هو الكذب لكن شيطانه ~~الذي يلقي في قلبه ما يلقي وهو يكذب، كما كان يجري لمثل عبد الله بن صياد ~~الذي ظن بعض الصحابة أنه الدجال ولم يكن هو الدجال، ولكن كان من جنس ~~الكهان، ولهذا لما خبأ له النبي صلى الله عليه وسلم سورة الدخان قال: «قد ~~خبأت لك خبيئا»، فقال: الدخ الدخ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اخسأ ~~فلن تعدو قدرك». يريد: أنك من جنس الكهان الذي يقترن بأحدهم شيطان. وقال: ~~«ما ترى؟» قال: أرى عرشا على الماء، وذلك عرش الشيطان. وقال له: «ما ~~يأتيك؟» قال: يأتيني صادق وكاذب. # وهؤلاء الذين يقترن بهم الجن في غير ما أمر الله به ورسوله ثلاثة أصناف ~~بحسب قرنائهم من الجن: # فمنهم: من هو كافر وشيطانه كافر، كاليونسية الذين ينشدون الكفريات، ~~كقولهم: # تعالوا نخرب الجامع ... ونجعل فيه خماره PageV08P400 # نخرب خشب المنبر ... ونجعل منه طنباره # ونحرق ورق المصحف ... ونجعل منه زماره # وننتف لحية القاضي ... ونجعل منه أوتاره # وقولهم: # وأنا حميت الحمى وأنت سكنت فيه ... وأنا تركت الخلائق في بحار التيه # موسى على الطور لما خر لي ناجى ... وصاحب يثرب أنا جبتوه حتى جا # وقولهم: # أنت إله وأنا في جانبك رب ... خلقك تعذب، ms1631 وخلقي ما عليهم ذنب # وأمثال هذه الكفريات. # ومنهم: من يكون جنه فساقا، كالذين يجتمعون اجتماعا محرما بالنسوان ~~والمردان، ويتواجدون في سماع المكاء والتصدية الذي يشبه سماع عباد الأوثان، ~~إذا كانوا مصدقين بتحريم ما حرمه الله ورسوله، وفعلوا الكبائر مع اعتقاد ~~تحريمها، فهم فساق. # وصنف ثالث: جهال مبتدعون، فيهم ديانة، فيهم زهد وعبادة PageV08P401 # وتعظيم لدين محمد صلى الله عليه وسلم، لا يختارون مخالفته ولا الخروج عن ~~دينه وشريعته، والتبست عليهم هذه الأحوال الشيطانية، فظنوها كرامات ~~الأوليات، وأن من يحصل له من هذه الأحوال يكون من أولياء الله المتقين. ولو ~~أنهم علموا أنها مخالفة لأمر الله ورسوله لم يدخلوا فيها، لكن جهلوا ذلك، ~~فهؤلاء ضلال. # ومن أكابر هؤلاء من تحمله الشياطين وتذهب به عشية عرفة إلى عرفات، وترجع ~~به في تلك الليلة، وهو لم يحرم ولم يلب ولم يطف بالبيت ولا بين الصفا ~~والمروة، ولم يفض إلى مزدلفة ولا رمى الجمار، بل ويقف بعرفات بثيابه. ~~ومعلوم أن هذا ليس من العبادات التي يحبها الله ورسوله، بل قد رأى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه بعرفة قوما عليهم الثياب فطلب عقوبتهم. وهذا بمنزلة من ~~حملته الشياطين إلى الجامع، فصلى مع الناس بلا وضوء أو إلى غير القبلة. # ولو كان هؤلاء عالمين بدين محمد صلى الله عليه وسلم متبعين له لعلموا أن ~~هذا الحمل إلى عرفات على هذا الوجه من أحوال الشياطين، لا من كرامات أولياء ~~الله المتقين. وبسط الكلام في هذا الباب وما فيه من الخطأ والصواب، والفرق ~~بين كرامات أولياء الله المتقين وبين أحوال أتباع الشياطين، لا يتسع له هذا ~~الجواب. # وإذا كان كذلك فهؤلاء تجب استتابتهم وعقوبة من لم يتب منهم، PageV08P402 # وأقل عقوباتهم أن يهجر أحدهم حتى يتوب، ومن أكرمهم لله تأليفا لقلوبهم ~~واستتابهم وبين لهم ضلالهم فقد أحسن، وأما من يكرمهم معتقدا أنهم من أولياء ~~الله المتقين فهذا مخالف لدين المسلمين، يجب عليه أن يتوب من ذلك، ويعرف ~~الحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن من ms1632 خالف أمر الله ~~ورسوله فهو ضال، وعليه أن يتبع أمر الله ورسوله، فإن الله بعث رسوله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا. وفي الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته: «خير الكلام كلام الله، وخير ~~الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». # تمت بحمد الله وعونه. PageV08P403 ### | AUTO مسألة # في النسبة إلى الخرقة PageV08P405 # سئل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية عن نسبته إلى الخرقة. # فأجاب، فقال: # الحمد لله، أما بعد، فإن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: ~~{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات:56]، وبعث إليهم رسلا ~~اصطفاهم يدعونهم إلى دينه الذي ارتضاه لنفسه، وهو دين الإسلام، وإن تنوعت ~~شرائعهم ومناهجهم، كما قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه} [الشورى:13]. # قال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} ~~[المؤمنون:51]. # قال: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون} [الزخرف:45]. # وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} [النحل:36]. # وختمهم بسيد ولد آدم خاتم النبيين وإمام المرسلين إذا اجتمعوا، وخطيبهم ~~إذا وفدوا، وشفيع الخلائق يوم القيامة محمد صلى الله عليه وسلم، بعثه PageV08P407 # بأفضل المناهج وأعلى الشرائع، وأتم عليه وعلى أمته النعمة، وأكمل لهم ~~الدين، فقال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة:48]. # وقال تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين ~~لا يعلمون} [الجاثية:18]. # وقال تعالى: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه} [الحج:67]، {ولكل وجهة هو ~~موليها} [البقرة:148]. # وفرض على أهل الأرض عربهم وعجمهم وإنسهم وجنهم الإيمان به وطاعته، فإن ~~النبي قبله كان يبعث إلى قومه خاصة، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم بعثه ~~الله إلى الناس عامة، كما قال تعالى: {وما ms1633 أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا} [سبأ:28]، وقال تعالى: {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} ~~[الأعراف:158]. وقال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء:80]. ~~وقال: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} ~~[النساء:69]. وقال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده يدخله نارا خالدا فيها} [النساء:13 - 14]. # وجعل من أمته أولي أمر يرجع الناس إليهم في صلاح دينهم PageV08P408 # ودنياهم، إذ لا يقوم الدين والدنيا إلا بولاة أمورها. قال تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} إلى قوله: {هم المفلحون} [آل ~~عمران:102 - 104]. # فولاة أمور الدين [الذين] أمر الله أن يكونوا ولاة أمورهم، الدعاة إلى ~~الخير، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق} [التوبة:33]، هو الذي أرسل الله به الرسل، وأنزل به الكتب، وجعل ~~نعت هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، كما جعلهم شهداء على الناس. ~~فلهم الشهادة في الخبر، والإمامة في الطلب والإنشاء. والكلام إما إنشاء ~~وإما إخبار، وذلك هو الذي وصف القرآن حين قال: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} [المائدة:48]، وقال: {إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل} [النساء:58]. # ثم إنه قرن طاعته بطاعة رسوله، فقال: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} ~~[النساء:59]. [فولي الأمر] منهم يطاع فيما أمر الله بطاعته، وهو الأمر الذي ~~يحتاج إليه فيه، وكان ذلك قد اجتمع في الخلفاء الراشدين الذين نص رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم PageV08P409 # على اتباع سنتهم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إنه من يعش منكم بعدي ~~فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة ms1634 الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها ~~وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل ~~بدعة ضلالة». # وأما بعد الخلفاء الراشدين فتفرق الأمر في أنواع من ولاة الأمور، ما بين ~~أمراء وعلماء وملوك ومشايخ ونحوهم، فأكرمهم عند الله أتقاهم، كما قال ~~تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات:13]. # وأولاهم بالله ورسوله أشدهم اتباعا لكتاب الله وسنة رسوله، ولكل محل تنفذ ~~فيه ولايته، وحق يجب فيه طاعته، وتصرف يجب فيه طاعته، كما تنفذ أمور الجهاد ~~فيما يتولونه من الجهاد في سبيل الله لمن خرج عن دين الله، وتنفذ أمور قضاة ~~الإسلام فيما شرع له من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الواقع على حدود ~~الكتاب والسنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا ~~فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف ~~الإيمان». # وتنفذ فتاوي العلماء فيما يخبرون به من الأحكام الشرعية، ويأمرون PageV08P410 # به من طاعة الله ورسوله. # وينفذ أمر مشايخ الدين فيما يدعون إليه من طريق الله، ويرشدون العباد ~~إليه من دين الله. # وأحقهم بالاتباع من كان بالإيمان والقرآن أولى بالاطلاع، إذ لا يجوز طاعة ~~مخلوق في معصية الخالق، والويل لمن اتبع الأكابر فيما خرج عن سنن المرسلين، ~~كما قال تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول ~~سبيلا (27) يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر ~~بعد إذ جاءني، وكان الشيطان للإنسان خذولا} [الفرقان:27 - 29]، وقال تعالى: ~~{يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا (66) ~~وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67) ربنا آتهم ~~ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} [الأحزاب:66 - 68]. # في أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وقد جعلهم الله صنفين: أهل سعادة ~~وأهل شقاوة، وجعل السعداء صنفين: سابقين ومقتصدين، فقال تعالى: {وأصحاب ~~اليمين ما أصحاب اليمين} [الواقعة:27]، {وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة} ~~[الواقعة:9]، {والسابقون السابقون (10) أولئك ms1635 المقربون} [الواقعة:10 - 11]. # وقال تعالى: {فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنت نعيم PageV08P411 # (89) وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) ~~وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم} ~~[الواقعة:88 - 94]، فهذا في الخلق جميعهم. # وقال تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن ~~الله} [فاطر:32]. # وقد ذكر الأصناف الثلاثة في الخلق في الإنسان والمطففين، وجعل صنفي ~~السعداء أربع درجات في قوله تعالى: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء:69]. فأفضل الخلق بعد ~~النبيين الصديقون. ووصف سبحانه أولياءه الذين هم أولياؤه بأن {لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون} [يونس:62]، والله سبحانه وتعالى أعلم. PageV08P412 ### | AUTO مسألة في الحضانة PageV08P413 # مسألة في الحضانة # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر # صورة كتاب كتبه الشيخ الإمام العلامة علم الأولياء تاج الأصفياء قامع ~~البدع محيي الشريعة ناصر السنة مفتي الفرق تقي الدين أبو العباس أحمد ابن ~~الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية -أعاد ~~الله من بركته على المسلمين- إلى بعض الأمراء المقدمين. وذلك في العشرين من ~~شهر رمضان من سنة ثلاث وسبعمئة بسبب ابنة يتيمة طلب عمها أخذها بالحضانة ~~بحكم الشرع المطهر، وطلب معاونته على أخذ ابنة أخيه، فكتب: # بسم الله الرحمن الرحيم # من الداعي أحمد ابن تيمية إلى الأمير الكبير أسد الدين أحسن الله إليه في ~~الدنيا والآخرة، وأسبغ نعمه عليه باطنة وظاهرة، وتولاه في جميع الأمور، ~~وصرف عنه كل محذور. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله ~~الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي ~~على إمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما. PageV08P415 # أما بعد، فإن الله قد من على الأمير ومن به لما جمعه فيه من العقل والدين ~~والخير والسياسة والمداراة وحسن البصيرة الذي يميز بها بين الحق والباطل، ~~والهدى والضلال، والرشاد والغي، وقد قدم الشيخ فلان بن فلان ms1636 وهو كثير ~~الدعاء للأمير كثير الثناء عليه، وأظهر له لسان صدق بين الدولة وأعيان ~~الناس لما رآه من إحسان الأمير ومساعدته على مصالح المسلمين، وإظهار شعائر ~~الإسلام التي بعث الله بها رسوله وأنزل بها كتابه بحسب الإمكان، فإن الأمير ~~أحسن الله إليه يعلم أن المسلمين كما اجتهدوا في طاعة الله ورسوله واتباع ~~كتابه المنزل ونبيه المرسل الذي أقام الله به الحجة على أهل الأرض عربهم ~~وعجمهم، وإنسهم وجنهم، وأوجب من طاعة غيره ما وافق طاعته، ولا طاعة لمخلوق ~~في معصية الخالق، والله هو المسؤول أن يجمع أمر هذه الأمة على ما يحبه ~~ويرضاه، ويؤلف بين قلوبها على البر والتقوى. # والمولى يعلم قاعدة كلية أن الذي أوجب الله تعالى والذي يمكن المؤمن أن ~~يعلمه هو طاعة الله بحسب الإمكان، قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} [التغابن:16]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما استطعتم». والله تعالى يوفق الأمير وأصحابه في هذا الشهر ~~المبارك وسائر الأوقات لما يحبه ويرضاه في خير وعافية. PageV08P416 # وقد قصد الداعي بعض الناس في امرأة لم تبلغ وقد تزوجت أمها، وأقرب ~~الأقارب إليها عمها مولاهم، ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ~~الحضانة للأم ما لم تتزوج، فإذا تزوجت بأجنبي فلا حضانة لها، بخلاف ما لو ~~تزوجت بقريب من البيت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما تحاكم إليه علي ~~وزيد وجعفر في ابنة حمزة بن عبد المطلب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~اعتمر عمرة القضية تعلقت بعلي، فقال علي لفاطمة: دونك ابنة عمك. فلما قدموا ~~إلى المدينة تحاكم فيها الثلاثة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال علي: ~~ابنة عمي، وأنا أحق بها، يعني لأني أنا أخذتها من مكة. وقال جعفر: ابنة ~~عمي، وخالتها تحتي، وكان جعفر مزوجا بخالتها. وقال زيد: ابنة أخي لأن ~~المؤاخاة كانت بين زيد وحمزة. فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر، ~~وقال: «الخالة أم»، ثم طيب أنفس الثلاثة، فقال لعلي: «أنت ms1637 مني وأنا منك»، ~~وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي». وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا». # فهذه الخالة لما كانت مزوجة بابن عم الجارية لم ينتزعها منها. وقال ~~لامرأة أخرى لما نازعت مطلقها في حضانة ولدها: «أنت أحق به ما لم تنكحي». ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عم الرجل صنو أبيه». وروي: PageV08P417 # «العم والد في كتاب الله». قال الله تعالى عن يعقوب: {إذ قال لبنيه ما ~~تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} ~~[البقرة:133]. وإسماعيل إنما كان عمه. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«الخالة أم» فكذلك العم أب، فالحضانة لهذا العم الذي هو بمنزلة الأب في ~~كتاب الله وسنة رسوله. والمسلمون متفقون على ذلك، وقد قال الله تعالى: ~~{وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال:75]. # وهم يطلبون مساعدة الأمير على إيصال الحق إلى مستحقيه وتسليم هذه الجارية ~~إلى من هو أحق بها في كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين. # هذا أمرها في الحضانة. وأما النكاح فإذا كانت تؤثر أن تتزوج ولها إذن ~~صحيح، فالأمير أحسن الله إليه يعلم حكم الله ورسوله، حيث قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها ~~وإذنها صماتها»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا ~~الأيم حتى تستأمر». وقال الله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} [البقرة:232] نزلت PageV08P418 # في معقل بن يسار لما منع أخته أن تتزوج بزوجها الذي كان طلقها واحدة. # وروى الترمذي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «يا علي! ثلاث لا تؤخرهن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا ~~حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤا». فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأيم ~~إذا وجد لها كفؤ أن لا تؤخر. ولهذا خطب إلى الحسين بن علي بعض بنات أخيه ~~وهو يتعرق لحما، فزوجه إياها قبل أن يأكل لحم العرق ms1638 طاعة للحديث الذي رواه ~~أبوه عن جده. # وإذا كان قد أمر بأن الأيم لا تؤخر عن وجود الكفؤ، وأمر أن لا تزوج إلا ~~بإذنها، فدلت النصوص على أنه يجب على الولي أن يزوج المرأة إذا طلبت منه أن ~~يزوجها بمن عينته إذا كان كفؤا، وألا يزوجها بغيره، والولي هو العم، وهو ~~موافق على ذلك. # ولهذا أجمع المسلمون على أن الولي لا يجوز له عضل المرأة إذا طلبت النكاح ~~من كفؤ، وأنها لا يجبرها من سوى الأب والجد إذا كان لها إذن، وفي الأب ~~والجد تفصيل ليس هذا موضعه. PageV08P419 # وهم قد طلبوا من الأمير المعاونة على ذلك باطنا وظاهرا، لما في ذلك من ~~البر والقربة الذي أمر الله به ورسوله. والله يوفق الأمير لصالح القول ~~والعمل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى من تحيط به عنايتكم، وعلى ~~سائر الإخوان. والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. # (كتبه محمد بن الحاج عبد الله، والحمد لله رب العالمين، من كلام شيخ ~~الإسلام تقي الدين ابن تيمية رضي الله عنه، في الحكم في تزويج البنت ~~اليتيمة وغيرها، واستشهاده على ذلك بالأحاديث النبوية): # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر برحمتك يا كريم يا عظيم # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن»، قالوا: يا رسول الله! ~~وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت». رواه البخاري ومسلم. # وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الأيم أحق بنفسها من ~~وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها». وفي رواية: «والبكر ~~يستأذنها أبوها في نفسها، وصمتها إقرارها». رواه مسلم في صحيحه. PageV08P420 # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الجارية ينكحها أهلها أتستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «نعم، تستأمر». قالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحي، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «فذلك إذنها إذا هي ms1639 سكتت». # وعن خنساء بنت خذام أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فرد نكاحه، رواه البخاري. # قال الشيخ الإمام المفتي تقي الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ للإمام ~~العالم شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية رضي الله عنه كاتب ~~الخط المنقول منه هذه الأحاديث: فالمرأة لا ينبغي لأحد أن يزوجها إلا ~~بإذنها كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كرهت ذلك لم تجبر على النكاح ~~إلا الصغيرة البكر، فإن أباها يزوجها ولا إذن. وأما البالغ الثيب فلا يجوز ~~تزويجها بغير إذنها، لا للأب ولا لغيره، بإجماع المسلمين. وكذلك البكر ~~البالغ ليس لغير الأب والجد تزويجها بدون إذنها بإجماع المسلمين. وأما الأب ~~والجد فينبغي لهما استئذانها. # واختلف العلماء في استئذانها هل هو واجب أو مستحب، والصحيح أنه واجب. ~~ويجب على ولي المرأة أن يتقي الله فيمن يزوجها به، وينظر في الزوج هل هو ~~كفؤ أم غير كفؤ، فإنه إنما يزوجها PageV08P421 # لمصلحتها لا لمصلحته، وليس له أن يزوجها بزوج ناقص لغرض له، مثل أن يزوج ~~وليه ذلك الزوج بدلها، فيكون من جنس الشغار الذي نهى عنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أو يزوجها بأقوام تخالفهم عن أغراض له فاسدة، أو يزوجها برجل ~~لمال يبذله له وقد خطبها من هو أصلح لها من ذلك الزوج، فيقدم الخاطب الذي ~~برطله على الخاطب الكفؤ الذي لم يبرطله. # وأصل ذلك أن تصرف الولي في بضع وليته كتصرفه في مالها، فكما لا يتصرف في ~~مالها إلا بما هو أصلح لها، فكذلك لا يتصرف في بعضها إلا بما هو أصلح لها. ~~إلا أن الأب له من التبسط في مال ولده ما ليس لغيره، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك»، بخلاف غير الأب، والله أعلم. # وعن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تستأمر اليتيمة ~~في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت لم تكره». رواه أحمد في مسنده. # وعن أبي ms1640 هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليتيمة تستأمر ~~في نفسها، PageV08P422 # فإن صمتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها». رواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي والترمذي. # فإن كانت المرأة لها تسع سنين ولا أب لها فقيل: يزوجها الولي بلا إذنها، ~~وقيل: لا تزوج حتى تبلغ، وقيل: يزوجها بإذنها كما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وهذا أصح الأقوال، وعليه دل الكتاب والسنة. # (نقله كما شاهده من خط الشيخ الإمام العالم المفتي تقي الدين ابن تيمية ~~رضي الله عنه، وأذن له الشيخ في نقله أيضا العبد الفقير إلى ...). PageV08P423 ### | AUTO مسائل مختلفة PageV08P425 ### || CHECK 1 - سئل عمن تصيبة جنابة والماء يضره، أو يكون مجروحا، هل يجوز له أن يصلي بالتيمم أو يقرأ القرآن؟ # سئل الشيخ أبو العباس أحمد ابن تيمية عمن تصيبه جنابة، والماء يضره، أو ~~يكون مجروحا، فهل يجوز له أن يصلي أو يقرأ القرآن؟ وما قدر المدة التي يصلي ~~فيها ويقرأ؟ وهل نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك أو عن السلف ~~الصالح؟ # فأجاب: # الحمد الله، إذا أصابته جنابة وكان عادما للماء، أو يخاف الضرر ~~باستعماله، بحيث يجوز له التيمم من الحدث الأصغر، فإنه يتيمم للحدث الأكبر ~~وهو الجنابة، كما يتيمم للحدث الأصغر، في مذهب الأئمة الأربعة وجماهير ~~الصحابة وسائر أئمة المسلمين. وقد دل على ذلك آيتان من كتاب الله: آية ~~النساء وآية المائدة، وعدة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # حديث عمار بن ياسر الذي في الصحيحين لما أجنب هو وعمر، فتمرغ عمار كما ~~تتمرغ الدابة ظانا أن التراب كالماء في الفعل فيعم البدن، فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «إنما كان يكفيك هكذا»، وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ~~فمسح بهما وجهه وكفيه. PageV08P427 # وحديث عمران بن الحصين الذي في الصحيح في نومهم عن صلاة الفجر في غزوة ~~خيبر، وكرامة النبي صلى الله عليه وسلم في تكثير ماء المزادة، وفيه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلا معتزلا من القوم لم ms1641 يصل قال: «يا ~~فلان! ما منعك أن تصلي معنا؟» فقال: إني كنت جنبا، فأخبره أن الصعيد الطيب ~~يكفيه. ثم لما أتي بالماء أعطاه قدحا فاغتسل. # وحديث أبي ذر في التيمم من الجنابة، وفيه: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، ~~ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك، فإن ذلك خير». # وحديث عمرو بن العاصي لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميرا في غزوة ~~ذات السلاسل، وأصابته الجنابة في ليلة باردة فخشي مضرة الاغتسال، فتيمم ~~وصلى بأصحابه وهو جنب، وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأقره عليه. # وحديث صاحب الشجة الذي أفتاه بعض الناس بالاغتسال حتى مات، فذكروا ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم ~~يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال». PageV08P428 # وقد روي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود منع الجنب من التيمم، ولكن خالفهما ~~جمهور الصحابة والتابعين. وإذا تنازع السلف في شيء رد ذلك إلى كتاب الله ~~وسنة رسوله، فوجد الأئمة الكتاب والسنة قد دل على مذهب الجمهور، فاستقرت ~~أقوال الأئمة على ذلك. # وإنما تنازعوا في حد الضرر الذي يبيح التيمم، فالجمهور يقولون: إذا خاف ~~مرضا، أو كان مريضا فخاف زيادة المرض بزيادة الألم، أو يضره البرد. هذا هو ~~الصواب، كما قالوا مثل ذلك في فطر المريض ونحو ذلك، وهو مذهب مالك وأحمد ~~وأبي حنيفة والشافعي في قول، وفي قول قال: هو أن يخاف هلاك نفسه أو بعض ~~أعضائه. # وتنازعوا أيضا فيمن يتيمم لخشية البرد، هل عليه إعادة؟ فقيل: يعيد في ~~الحضر والسفر، كقول الشافعي. وقيل: لا يعيد فيهما، كإحدى الروايتين عن أحمد ~~وقول غيره. وقيل: يعيد في الحضر دون السفر، كقول الشافعي وأحمد. والصحيح ~~قول الأكثرين أنه لا إعادة في الحضر ولا في السفر. # واتفقوا على أن من تيمم لعدم الماء في السفر أو للمرض أو الجرح أنه لا ~~يعيد، ولم يأمر الله ولا رسوله أحدا بفعل الصلاة مرتين مع كونه فعلها على ~~الوجه الذي أمر به أولا، بل ms1642 قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أينهاكم عن ~~الربا ويقبله منكم؟». PageV08P429 # وتفريق من فرق بين العذر النادر والمعتاد فرق ضعيف، وإنما قاسوه على ~~الحائض التي تؤمر بقضاء الصوم الذي لا يتكرر، ولم تؤمر بقضاء الصلاة التي ~~تتكرر، فقالوا: ما يتكرر من الأعذار كالصلاة، وما لم يتكرر كالصوم. وهذا ~~قياس ضعيف فإن الحائض لا تؤمر بالصوم أولا وبقضائه ثانيا، وإنما تؤمر بصوم ~~واحد كما يؤمر الطاهر بصوم واحد، ولكن أمرت بالصوم في غير وقت الحيض. وأما ~~الصلاة فإن كل يوم وليلة فيه صلوات خمس واجبة، فلو أمرت بالقضاء لكانت ~~مأمورة في أمر واحد بعشر صلوات، وهذا خلاف الواجب. # فهؤلاء إذا أمروا المعذور بالصلاة مرتين فقد أمروه بعشر صلوات في زمن ~~القضاء، وهو خلاف الأصل الذي قاسوا عليه. فعلم أن المشروع في الحائض حجة ~~عليهم لا أنه حجة لهم. وقد قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ~~[التغابن:16]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ~~ما استطعتم». # فمن فعل الصلاة كما يستطيع فلا إعادة عليه، ولم يأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أحدا من أهل الأعذار بصلاتين قط، فالأمر بذلك ذريعة إلى الترك، فإن ~~المعذور حسبه أن يفعلها مرة، فإذا أمر بها مرتين أفضى إلى الترك. وقد أمر ~~الله بالصلاة في شدة الخوف رجالا وركبانا، وهي من الأعذار PageV08P430 # النادرة، ولم يأمر بالإعادة، بل نفس صلاة الخوف الخفيف التي فعلها النبي ~~صلى الله عليه وسلم بإزاء العدو، وهي في غالب الأمور من الأعذار النادرة، ~~وفيها أمور تخالف صلاة الاختيار، مثل استدبار القبلة، والعمل الكبير في ~~الصلاة، ومفارقة الإمام قبل السلام، وغير ذلك، ولم يكن فيها إعادة. # وكل من جازت له الصلاة فرضا أو نفلا جازت له القراءة باتفاق المسلمين، ~~فإن الصلاة أكمل وأفضل وأوجب من مجرد القراءة، وشروطها أشد، فإذا جاز الأشد ~~فالأسهل أولى. ولهذا يقرأ القرآن طاهرا ومحدثا، إلى القبلة وغيرها، قائما ~~وقاعدا ومضطجعا، لابسا وعاريا، حاملا للنجاسة ومجتنبا لها، والصلاة بخلاف ~~ذلك. وإنما اشتركا في الجنابة، فإن ms1643 الجنب لا يقرأ القرآن عند الأئمة ~~الأربعة وجمهور العلماء، وأما إذا جازت له الصلاة بالتيمم فرضا ونفلا ~~فالقراءة أولى داخل الصلاة وخارج الصلاة. وليس لذلك زمن مقدر، بل لا يزال ~~يعبد الله بالتيمم، كما يعبده بالوضوء والغسل، حتى يزول العذر المبيح ~~للتيمم. والله أعلم. PageV08P431 ### || CHECK 2 - مسألة في رجل دخل في الصلاة وقد أحرم الإمام، ثم ركع الإمام وقد قرأ الرجل بعض الفاتحة، ولم يتبع الإمام في الركوع حتى قرأ بقية الفاتحة # مسألة # في رجل دخل في الصلاة وقد أحرم الإمام، ثم ركع الإمام، وقد قرأ الرجل بعض ~~الفاتحة، ولم يتبع الإمام في الركوع حتى قرأ بقية الفاتحة، فقام الإمام من ~~الركوع وسجد، فأتى الرجل بالركوع ولحق الإمام معتقدا أن الركعة لا تتم إلا ~~بإتمام الفاتحة. # الجواب: # أما المسبوق الذي دخل في الصلاة حين أمكنه، ولم يتسع وقت قيامه لقراءة ~~الفاتحة، فإنه يركع ولا يتم قراءة الفاتحة باتفاق الأئمة المتبوعين، وإن ~~كان فيه خلاف فهو شاذ. وأما إذا أخر الدخول في الصلاة مع إمكانه حتى قصر ~~القيام، [و] كان القيام متسعا لقراءة الفاتحة ولم يقرأها، فهذا تجوز صلاته ~~عند جماهير الأئمة. وأما الشافعي فعليه عنده أن يقرأ وإن تخلف عن الركوع، ~~وإنما تسقط قراءتها عنده عن المسبوق خاصة. فهذا كان حقه أن يرجع مع الإمام، ~~ولا يتم القراءة، لأنه مسبوق باتفاق الأئمة، فإذا تخلف عن الإمام متأولا ~~ظانا أن ذلك هو الواجب لم تبطل صلاته، كما يتخلف لنسيان [أو] لنوم أو زحمة. # ثم مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين في المتخلف المعذور مثل هذا إذا ~~أمكنه أن يأتي بما تخلف عنه ويلحق الإمام، وقد PageV08P432 # سبقه بركن أو اثنين أو ثلاثة، وهو مدرك للإمام في تلك الركعة= أن صلاته ~~تصح، فتصح صلاة هذا وهذا، كما أنه لو زاد في صلاته ركعة نسيانا لم تبطل، ~~وكذلك لو زادها متأولا جاهلا لم تبطل، فالمخطئ في هذا الباب كالناسي. والله ~~أعلم. PageV08P433 ### || CHECK 3 - مسألة في رجل أدرك الصلاة مع إمام، فلم يصل معه، وقال: ms1644 أنا لا أصلي إلا خلف من يكون من أهل مذهبي. وفي رجل سئل عن مذهبه فقال: مذهبي اتباع الكتاب والسنة. وفي رجل عرض عليه حديث صحيح فأنكره # مسألة # في رجل أدرك الصلاة مع [إمام] من المسلمين، لا يعلم فيه ما يمنع ~~الائتمام، فلم يصل معه، فقال له رجل: صل مع هذا، فقال: أنا لا أصلي إلا خلف ~~من يكون من أهل مذهبي. فما حكم هذا الرجل؟ # وفي رجل سئل عن مذهبه فقال: مذهبي اتباع الكتاب والسنة، فقال له قائل: لا ~~بد لكل أحد من التقليد بأحد هذه المذاهب الأربعة، فقال: أنا لا أتقيد بأحد ~~هذه المذاهب الأربعة، وإنما أتقيد بالكتاب والسنة. فقال له: أنت مارق. فما ~~يجب عليه؟ # وفي رجل عرض عليه حديث صحيح، فأنكره وقال: لو كان صحيحا لما أهمله أهل ~~مذهبنا، لم ينقلوه، فلو كان صحيحا لما خفي على إمامنا. فما حكم هذا الكلام؟ # الجواب # هذا الكلام محرم في دين المسلمين، وقائله يستحق العقوبة التي تزجره ~~وأمثاله، فإنه ليس من أئمة المسلمين من قال: إن صلاة المسلم لا تسوغ إلا ~~خلف من يوافقه في مذهبه المعين الذي انتسب إليه، إذ هؤلاء الأئمة الأربعة ~~ومن قبلهم وبعدهم من سلف الأمة كانوا يصلون خلف من يوافقهم على مذهبهم ومن ~~يخالفهم فيه. وإنما تنازع العلماء في PageV08P434 # مسائل: مثل إذا فعل الإمام ما يبطل الصلاة في مذهب المأموم دون مذهب ~~الإمام، مثل من يوجب البسملة إذا صلى خلف من لا يقرؤها، ومن يتوضأ من الدم ~~والرعاف والقيء، إذا صلى خلف من احتجم أو رعف ولم يتوضأ لأن ذلك مذهبه، ~~ونحو هذه المسائل. فهذه فيها قولان. # ومع هذا فالصحيح الذي عليه جمهور الفقهاء أن صلاة المأموم صحيحة، لأن ما ~~فعله الإمام إن كان صوابا فقد أحسن، وإن كان خطأ فقد غفر الله له خطأه، كما ~~قال: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة:286]. والمأموم يعلم ~~أنه متأول في ذلك، ليس هو متعمدا لذلك، فتكون صلاته صحيحة. # وفي صحيح البخاري عن النبي صلى ms1645 الله عليه وسلم أنه قال: «يصلون لكم، فإن ~~أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم». وما زال الصحابة والسلف يصلي ~~بعضهم خلف بعض مع تنازعهم في المذاهب. وتكلم العلماء أيضا في الإمام إذا ~~كان من أهل الفجور والبدع، وفيه تفصيل ونزاع لم يقله أحد من المسلمين. # ثم إن أراد بذلك أن يوافقه على مسائل الاجتهاد الخارجة عن الصلاة، فهذا ~~غاية الجهل. وإن أراد موافقته على مسائل الصلاة لم ينضبط أمره، وإن الطائفة ~~الواحدة من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد PageV08P435 # متنازعون في واجبات الصلاة ومبطلاتها. فمن التزم هذا القول لزمه أن لا ~~يصلي بعض أهل المذهب الواحد خلف بعض، حتى لا يصلي أبو يوسف ومحمد خلف أبي ~~حنيفة، ولا ابن القاسم وابن وهب ونحوهما خلف مالك، ولا بعض أصحاب الشافعي ~~وأحمد خلفهما. # وقد قال بعض المتأخرين: إنه لا بد أن ينوي المصلي أداء الواجب في تفاصيل ~~الصلاة، وإنه إذا فعل ما يوجبه المأموم دونه ولم ينو أنه واجب لم يصح ~~الاقتداء به. وهذا قول محدث في الإسلام، لا أصل له عن أحد من السلف. وما ~~زال المسلمون يصلون ولا يميزون هذا التمييز، لا اعتقادا ولا نية، وكيف يمكن ~~هذا والنزاع في واجباتها ومبطلاتها من أصعب مسائل الفقه، فكيف يكلف كل مصل ~~أن يحرم باعتقاد لا يعلم دليله؟ ومن احتاط، فإذا ما اشتبه عليه واجب هو أو ~~مستحب؟ وترك ما اشتبه أحرام هو أم لا؟ فقد استبرأ لعرضه ودينه. فكيف يذم ~~مثل هذا؟ # وأما إن كان هذا القائل أراد [بقوله] «مذهبي» مذهبا مبتدعا في الأصول ما ~~يخالف الكتاب والسنة، كمذهب الرافضة والمعتزلة والخوارج ونحوهم، فهذا ضال ~~من وجهين: من جهة اعتقاد الباطل، ومن جهة امتناعه عن الائتمام بمن يعتقد ~~الحق. وهكذا فعل أهل الأهواء بأئمة المسلمين، كما فعلت الخوارج بعلي رضي ~~الله عنه، ابتدعوا بدعا ما أنزل الله به من سلطان، وطعنوا مع هذا على من ~~خالفهم من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، حتى آل الأمر بهم PageV08P436 # إلى تكفير الجمهور وقتالهم، ms1646 فهؤلاء أهل التفرق والاختلاف والأهواء. قال ~~الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون} إلى قوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (105) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل ~~عمران:102 - 106]، قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه ~~أهل البدعة والفرقة. # ومثل هؤلاء قد ذمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية الذم، بل أمر ~~بقتالهم، مع وصفه لهم بالعبادة، حيث قال: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، ~~وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ~~يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن ~~في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة». # فمن اعتقد ما يخالف الكتاب والسنة، وذم الموافق للكتاب والسنة، ودخل في ~~الفرقة والاختلاف لأجل ذلك، فهو من جنس هؤلاء. # وإن كان هذا القائل التزم بعض مذاهب الأئمة المشهورين كمذهب PageV08P437 # أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فهذا إذا فعل ما يسوغ له لم يكن له أن ~~ينكر على غيره إذا فعل أيضا ما يسوغ له، فإنه لم يقل أحد من المسلمين: إنه ~~يجب على الأمة كلها اتباع واحد بعينه من هؤلاء الأربعة ولا من غيرهم، بل ~~اتفقوا على أنه لا يجب طاعة أحد في كل شيء إلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فهو الذي فرض الله على الخلق اتباعه وطاعته مطلقا، فعليهم تصديقه في ~~كل ما أخبر به عن الله، وطاعته في كل ما يأمر به. # وأما العلماء رضي الله عنهم فتجب طاعتهم فيما يأمرون به من طاعة [الله] ~~ورسوله. وعلى الجاهل أن يسألهم ويتعلم منهم ويرجع إليهم في دينه، وله أن ~~يسأل هذا العالم وهذا العالم، ليس عليه أن يقتصر في السؤال والاستفتاء في ~~جميع الدين على واحد بعينه. # لكن تنازع المتأخرون من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: هل على العامي أن ~~يلتزم مذهب واحد بعينه من الأئمة المشهورين، بحيث يأخذ بعزائمه ورخصه، على ~~وجهين، ms1647 والمشهور الذي عليه الأكثرون من [أصحاب] الشافعي وأحمد وجمهور أهل ~~العلم [أنه لا يجب] في كل شيء، كما أنه ليس له أن يقلد في كل مسألة بمن ~~يوافق غرضه، وليس له أن يقلد في المسألة الواحدة إذا كان الحق له من لا ~~يقلده إذا كان الحق عليه، بل عليه باتفاق الأئمة أن يعدل بين نفسه وغيره في ~~الأقوال، فإذا اعتقد وجوب شيء أو تحريمه اعتقد ذلك عليه وعلى من يماثله. PageV08P438 # مثال ذلك شفعة الجوار، فإن للعلماء فيها قولين مشهورين، فمن اعتقد أحد ~~القولين فقد قال بقول طائفة من علماء المسلمين، وليس لأحد ثبوت الشفعة إذا ~~كان هو الطالب، وانتفاؤها إذا [كان] هو المطلوب، كما يفعله الظالمون أهل ~~الأهواء، يتبعون في المسألة الواحدة هواهم، فيوافقون هذا القول تارة وهذا ~~أخرى متابعة للهوى لا مراعاة للتقوى. # وقد ذم الله من يتبع الحق إذا كان له، ولا يتبعه إذا كان عليه، كما في ~~قوله تعالى: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ~~(48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} إلى قوله: {ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون} [النور:48 - 52]. # وإذا كان جماهير العلماء لا يوجبون على أحد أن يلتزم قول شخص بعينه غير ~~الرسول في كل شيء، إذ في ذلك تنزيل ذلك الشخص منزلة الرسول، وليس لأحد أن ~~ينزل أحدا منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قد قال الصديق الذي هو ~~أفضل الخلق بعده: «أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي ~~عليكم». فالرجل إذا اتبع قول بعض الأئمة في مسألة، وقول آخر في مسألة أخرى، ~~إما لظهور دليل ذلك له، وإما لترجيح بعض العلماء الذين يسوغ له تقليدهم قول ~~هذا في هذه وقول PageV08P439 # هذا في هذه= لم يكن على فاعل ذلك ملام، ولم يكن ذلك الذي التزم قول واحد ~~بعينه أحسن حالا منه، بل هذا أحسن حالا من ذلك، لأن الأئمة الذين توفوا ~~كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم لا يمكن كثيرا من العامة بل ms1648 ولا ~~أكثرهم أن يعرفوا مراتبهم في العلم والدين، بل الخاصة من العلماء الذين لا ~~هوى لهم قد يتعذر عليهم كثير من ذلك، فكيف لمن يتبع الظن وما تهوى الأنفس؟ # وجمهور من اتبع الواحد من هؤلاء إنما اتبعه من جهة دين العادة، لا من جهة ~~دين العبادة، فإن الرجل ينشأ على مذهب أبيه أو مالكه أو أهل مدينته أو أهل ~~خطته ونحو ذلك، ثم يحب ذلك وينتصر له تارة بعلم وتارة بلا علم، وتارة مع ~~حسن النية وتارة مع فسادها. ومن المعلوم أن الله قد ذم في القرآن من يتبع ~~دين الآباء ويدع دين ما أنزل الله على الرسول، فقال تعالى: {وإذا قيل لهم ~~اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أولو كان آباؤهم ~~لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} [البقرة:170]. # وإذا كان كذلك فثقة المقلد بمن يثق بعلمه ودينه من أهل العلم في ترجيح ~~قول على قول أعظم من ثقته بترجيح ما يقوله [بعض القا] ئلين مطلقا على ما ~~يقوله الآخر، وكذلك ثقة المستدل [بما يقتضيه] الدليل أعظم من ثقته بذلك. ~~فمن كان قادرا على الاستدلال الذي يوصله إلى معرفة الحق في أعيان المسائل ~~كانت هذه الطريق خيرا له، [و] هي الواجبة عليه دون تقليد شخص واحد في كل ~~شيء، ومن يكن قادرا على PageV08P440 # التقليد، فالتقليد المفضل لمن يثق بعلمه ودينه أقوى من التقليد العام ~~المتضمن لفضل شخص مطلقا، مع أن هذا العالم ينفع إذا لم يكن أخص منه. فمن ~~علم أنه أعلم وأدين كانت الثقة بأقواله أقوى، إذا لم يعلم رجحان أحد ~~القولين. وتقليد الأعلم والأدين إما واجب وإما مستحب. # وجماع هذا الأصل أن الله تعالى يقول: {فاتقوا الله ما استطعتم} ~~[التغابن:16]، فمن كان من أهل الإيمان واجتهد في طاعة الله ورسوله علما ~~وعملا فلا ملام عليه، بل يغفر الله له خطأه، ويثيبه على صوابه. # وقد ظهر بما ذكرناه أن قول القائل: «لا بد لكل أحد من التقليد لأحد هذه ~~[المذاهب] الأربعة» هو قول طائفة من ms1649 أصحاب الشافعي وأحمد، لكن الجمهور على ~~خلافه، فإن هذا لا يجب على كل أحد. ومن قال: «أنا متقيد بالكتاب والسنة» لم ~~يجز لأحد أن يقول له: أنت مارق، ومن قال له ذلك أدب على ذلك؛ فإن المروق هو ~~الخروج، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الخوارج: «يمرقون من ~~الإسلام كما يمرق السهم من الرمية». وهؤلاء المارقون مرقوا من السنة ~~وخالفوا الجماعة، فمن تقيد بالكتاب والسنة كان متبعا لا مبتدعا، ومطيعا لا عاصيا. # ثم الكتاب والسنة يوجب عليه طاعة الله ورسوله في كل وقت وحين، ومن أطاع ~~الله ورسوله دائما بحسب استطاعته كان من أولياء الله المتقين. PageV08P441 # وقول القائل: «أنا لا أتقيد بأحد هذه المذاهب الأربعة» إذا أراد بذلك أي: ~~لا أتقيد بواحد بعينه دون الباقين، فقد أحسن في هذا الكلام، بل هذا هو ~~الصواب. وإذا أراد: أني لا أتقيد بها كلها بل أخالفها، فهذا هو مخطئ في ~~الغالب قطعا، إذ الحق لا يخرج عن هذه المذاهب الأربعة في عامة الشريعة، ~~ولكن تنازع العلماء: هل يخرج عنها في بعض المسائل؟ على قولين، كما قد بسط ~~ذلك في غير هذا الموضع. # وكثيرا ما يترجح قول من الأقوال، ويظن الظان أنه خارج عنها، ويكون داخلا ~~فيها، فيكون كل من القائلين معذورا باعتبار نظره. لكن لا ريب أن الله لم ~~يأمر الأمة باتباع أربعة أشخاص دون غيرهم، هذا لا يقوله عالم، وإنما هذا ~~كما يقال: أحاديث البخاري ومسلم، فإن الأحاديث التي رواها الشيخان وصححاها ~~قد صححها من الأئمة ما شاء الله، بل جمهورها اتفق أهل العلم بالحديث على ~~صحته، فإخراجها لذلك دليل على أنه قد صححه أئمة الحديث، لا أنه مجرد قول ~~شخص يفيد العلم بصحة الحديث. فهكذا عامة ما يوجد من أقوال الصحابة ~~والتابعين أو أكثر ذلك يوجد في مذاهب الأربعة. # وأما من عرض عليه فأنكره، وقال: «لو كان ... PageV08P442 ### || CHECK 4 - مسألة في جماعة حنفية لهم إمام شافعي، فهل تصح صلاتهم خلفه أم لا؟ # مسألة # في جماعة حنفية لهم إمام ms1650 شافعي يصلي بهم مدة، فهل تصح صلاتهم خلفه أم لا؟ ~~وهل يجب على فاعل ذلك التعزير؟ # الجواب # صلاة المسلمين بعضهم خلف بعض مع تنازعهم في موارد الاجتهاد هو الذي ~~[عليه] سلف الأمة وأئمتها، من غير خلاف بينهم في ذلك، فما زال الصحابة ~~والتابعون يصلي بعضهم خلف بعض، مع تنازعهم في كثير من مسائل الصلاة وغيرها. ~~فإذا فعل الإمام ما يسوغ فيه الاجتهاد اتبعه فيه المأموم، وإن كان هو لا ~~يراه، مثل أن يصلي من لا يرى القنوت خلف من يقنت، فإنه يصلي خلفه ويتبعه في ~~القنوت في أصح قولي العلماء. وكذلك من يصل الوتر خلف من يفصله، أو من يفصله ~~خلف من يصله، فإنه يصلي متبعا لإمامه. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، [و] قال: «لا تختلفوا على أئمتكم». # ولهذا مضت السنة واتفق المسلمون على أن المأموم يفعل لأجل PageV08P443 # الائتمام ما لا يسوغ له أن يفعله منفردا، كالمسبوق إذا أدرك الإمام راكعا ~~كبر وركع معه، واعتد له بالركعة، وإن أدركه ساجدا كبر وسجد معه، ولم يعتد ~~له بها، ثم إنه يتشهد عقيب الأوتار، ولو فعل ذلك منفردا عمدا سجد بالاتفاق. ~~وكذلك لو سها المأموم دون الإمام لم يسجد لسهوه، ولو سها إمامه دونه سجد ~~لسهوه لأجل المتابعة. # وقد تنازع العلماء فيما إذا صلى باجتهاده فترك ما هو واجب عند المأموم، ~~أو فعل ما هو محرم عند المأموم، كالشافعي والحنبلي على قول، فصلى خلف ~~المالكي الذي لا يقرأ البسملة، أو المالكي والشافعي إذا خرج منه دم ولم ~~يتوضأ، فصلى خلفه حنفي أو حنبلي يرى الوضوء من ذلك، [وأمثال] هذه المسائل. ~~فهذا إذا تيقنه المأموم ففي صلاته قولان مشهوران للعلماء، والنزاع في ذلك ~~في مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة. وأما مذهب مالك فما أعلم فيه نزاعا أنه ~~يصح الصلاة خلفه. وهذا هو الصحيح المشهور عن أحمد في مسائل الاجتهاد التي ~~تعارضت فيها النصوص. وكذلك الشافعي، وقد ثبت عنه أنه كان يصلي خلف ~~المالكية، ms1651 وهو يعلم أنهم لا يقرأون البسملة، وأبو يوسف صلى خلف هارون ~~الرشيد، وقد احتجم وأفتاه مالك أنه لا يتوضأ. # وقد دل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه PageV08P444 # قال: «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم». فصرح ~~أن الإمام إذا أخطأ كان خطؤه عليه دون المأموم. وغاية هذه المسائل أن يكون ~~الإمام فيها مخطئا، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن خطأه عليه دون ~~المأموم. # وبهذا يظهر الجواب عن قولهم: «إن المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام، فإذا ~~علم بطلان صلاته كانت صلاته خلفه كالصلاة خلف من لا صلاة له، كالمحدث ~~المتعمد الصلاة مع حدثه». فإن هذا القياس خطأ وذلك أن المأموم يعلم أن ~~الإمام مجتهد، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وخطؤه مغفور له، وإذا ~~كان يعلم أنه لا إثم عليه فممتنع أن يعتقد بطلان صلاته. وإن كان هو يرى ~~بطلان صلاة نفسه، كما أنه لو فعل ما يعلم تحريمه أو ما يرى وجوبه، قدح ذلك ~~في دينه وعدله، ولو فعل ذلك من هو مجتهد يسوغ له الاجتهاد لم يقدح ذلك في ~~دينه وعدله. # وأما أكثر من يترك واجبا في نفس الأمر أو يفعل محرما في نفس الأمر، ولم ~~تكن قد قامت عليه الحجة، فلا يثبت في حقه حكم الوجوب والتحريم؛ لأن الله ~~يقول: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء:15]. # ولو قيل لهذا المأموم: أنت تقول في هذا الإمام: «إن صلاته باطلة، بمنزلة ~~من صلى بغير وضوء وهو يعلم ذلك بخبثه وفسقه»، فيقول: لا. ويقال له: هو ~~مأجور على هذه الصلاة مثاب عليها، قد برئت ذمته من PageV08P445 # الطلب [بها] أو هي ثابتة في [ذمته] عليه إعادتها؟ فإن قال بالثاني فقد ~~خالف إجماع الفقهاء، وإن قال بالأول بطل قوله. # ويقال له: من صلى ... ... ولم يبسمل مثلا متأولا، يلقى الله لقاء من أقام ~~الصلاة أو لقاء من لم يصل صلاة أصلا؟ فإن قال بالثاني فقد كفر، وإن قال ms1652 ~~بالأول علم أن من فعل ذلك فهو مقيم الصلاة. # ويقال له: من لم يصل أصلا هل يكون وليا لله؟ فإن قال: نعم، كان ضالا، وإن ~~قال: لا، قيل له: فهل في هؤلاء أولياء الله؟ فإن قال: نعم، علم أن صلاتهم ~~صحيحة لأجل التأويل والاجتهاد. # وسر المسألة أن ما تركوه إن لم يكن واجبا في نفس الأمر فلم يتركوا واجبا، ~~وإن كان واجبا فقد سقط عنهم باجتهادهم الذي استفرغوا فيه وسعهم، وبلغوا فيه ~~إلى حد يعجزون معه عن معرفة الوجوب، فسقط عنهم ما عجزوا عن معرفته، كما ~~أسقطوا بالعجز عن فعله حينئذ، فيكونون قد فعلوا الواجب، فتكون صلاتهم ~~صحيحة. وقد قال الله تعالى في القرآن في الدعاء المستجاب: {ربنا لا تؤاخذنا ~~إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة:286]، إذ قد ثبت في الصحيح: أن الله استجاب ~~هذا الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وإذا كان الله قد رفع ~~المؤاخذة عن المخطئ لم تبطل صلاته، كما لا يؤاخذ به. PageV08P446 # وطرد هذا إن كان ناسيا بحدثه، ثم علمه بعد الصلاة، فإنه لا إعادة على ~~المأمومين عند مالك والشافعي وأحمد، كما روي عن عمر وعثمان وغيرهما. ونظير ~~هذا سقوط الوضوء عمن عجز عنه لعدم الماء أو لضرورة، إذا صلى بالتيمم فإنه ~~يصح أن يأتم به المتوضئ عند الجماهير، كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة ~~وأبي يوسف، لحديث عمرو بن العاص لما صلى بأصحابه في غزوة ذات السلاسل، ~~وفعله ابن عباس أيضا. والله أعلم. PageV08P447 ### || CHECK 5 - مسألة في إمام مدمن الخمر، هل تصح الصلاة خلفه أم لا؟ وما صفة مدمن الخمر؟ # مسألة # في إمام مدمن الخمر، هل تصح الصلاة خلفه أم لا؟ وما صفة مدمن الخمر؟ هل ~~هو الذي لا يتركه دائما، أو من يكون أكثر أوقاته مخمورا، أو من ينوي بقلبه ~~أنه متى حصل خمر شربه؟ # الجواب # من شرب الخمر يوما ثم لم يشربها إلى شهر، ومن نيته أنه إذا قدر عليها ~~شربها فهو مصر عليها ليس بتائب منها. وكذلك من اعتاد شربها كما يشرب أمثاله ms1653 ~~الشراب فهو مدمن عليها وإن لم يكن مخمورا أكثر أوقاته، فإن اعتياد الخمر ~~كاعتياد اللحم، من الناس من يأكله كل يوم، ومنهم من يأكله يوما ويوما، ~~ومنهم من يأكله في الاسبوع مرة أو مرتين. وكل هؤلاء مدمنون. # ولا يجوز أن يولى لا المصر ولا المدمن إمامة الصلاة، لكن إذا ولاه القادر ~~الذي لا يمكن منازعته الصلاة صلى خلفه ما يحتاج منه إلى الصلاة معه، ~~كالجمعة وكالجماعة التي لا يقوم بها غيره. وأما إذا أمكن الصلاة خلف البر ~~على الوجه المشروع فهو أولى من الصلاة خلف الفاجر. والله أعلم. PageV08P448 ### || CHECK 6 - مسألة عن امرأة لم تكن تعرف تصلي، أين تكون من زوجها في الآخرة؟ وهل العذاب على النفس والبدن والروح أم على واحد دون الآخر؟ # سئل شيخنا تقي الدين أحمد ابن تيمية رحمه الله # عن رجل اشترى جارية كافرة، فأسلمت، فأعتقها وتزوجها، فأنجبت منه ولدا، ثم ~~ماتت، ولم تكن تعرف تصلي، ولم تكن صلت في الإسلام. فأين تكون من زوجها إن ~~كان من أهل الجنة؟ وهل يتعارفون ويتساءلون؟ أو أن أحدهما يعذب والآخر في ~~راحة، وهل العذاب على النفس والبدن والروح أم على واحد دون الآخر؟ # فأجاب # الحمد لله. إن ماتت قبل أن تعرف الصلاة تجب عليها بحسب حالها، وكانت ~~مؤمنة بأن دين محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، ولو أمرها الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بالصلاة لصلت، فهذه حكمها حكم أمثالها ممن آمن وجهل بعض شرائع ~~الإسلام، وهذا ممن يرجى له الجنة. وإن دخل زوجها الجنة فهي زوجته في الجنة، ~~وإن لم يدخل أحدهما لم يغن عنه دخول الآخر الجنة، بل أهل الجنة في النعيم، ~~وأهل النار في الجحيم، ولو كانا أخوين شقيقين أو زوجين، أو كان بينهما غير ~~ذلك من الأسباب. # وإذا مات الميت وكان من أهل الجنة تلقاه أهل الجنة، ويسألونه عما يعرفونه ~~من الأحياء، ما فعل فلان؟ فيقول: على حال حسنة. وما فعل فلان؟ فيقول: قد ~~تزوج. وما فعل فلان؟ فيقول: ألم يأتكم؟ فيقولون: لا، فيقول: ms1654 ذهب به إلى أمه ~~الهاوية. والأعمال التي تعرض على أقاربهم من الأحياء. PageV08P449 # والنعيم والعذاب للروح والبدن جميعا، فالروح تنعم وتعذب مفردة، وينعم ~~ويعذب البدن بواسطة الروح إذا شاء الله، وتفصيل هذا مبسوط في موضع آخر. PageV08P450 ### || CHECK 7 - مسألة في عرب البادية الذين يكونون دائما في حل وترحال، هل يحل لهم القصر؟ # سئل الشيخ رحمه الله ما صورته: # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين -رحمهم الله أجمعين- في عرب البادية، ~~الذين كل سنة يقصدون إلى قرب الحجاز في أهلهم وبيوتهم وجميع مالهم، وقت ~~يجدون في السير، ووقت يقيمون، ووقت يكون سيرهم سهلا، فهل يحل لهم قصر في ~~جميع ذلك أو في شيء منه؟ أو قصر في وقت دون وقت فيما يحل؟ وهم كل عام يكون ~~هذا دأبهم، في كل سنة يكون مدة رحيلهم ثمانية شهور أو تسعة شهور، وجميع ~~مقامهم في الشام كل عام ثلاثة شهور، وإن كثر أربعة. أفتونا وبينوا رحمكم ~~الله تعالى. # فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى بما صورته: # الحمد لله. هؤلاء إذا سافروا من أهليهم في جهاد أو سفر إلى السلطان أو ~~لحمل حنطة أو غير ذلك قصروا الصلاة، وأما إذا كانوا مع أهليهم يطلبون الماء ~~والمرعى، أي موضع وجدوه أصلح لهم أقاموا به لم ينتقلوا منه إلى غيره، فهذا ~~هو مقامهم فلا يقصرون الصلاة. مثل ذلك مثل ما يكونون منتقلين بأرض الشام أو ~~أرض نجد، وإذا ارتحلوا من الشام إلى نجد سفرا مستمرا من غير إقامة كانوا ~~مسافرين أيضا. والله أعلم. PageV08P451 ### || CHECK 8 - مسائل متفرقة # سئل شيخنا رضي الله تعالى عنه في مسائل: # 1 - إحداها: ### ||| AUTO فيمن قتل النفس التي حرم الله بغير الحق، وتمكن أولياء المقتول من القود، ويعفو أولياء المقتول عنه، أو يصالحوه على شيء دون الدية الشرعية، هل يعود المقتول يطالب في الآخرة أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله. نعم يطالب المظلوم المقتول حقه من الظالم القاتل في أحد قولي ~~العلماء، والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية. # 2 - ومنها: ### ||| AUTO ما تقول برجل كثير الحسنات كثير ms1655 السيئات، فهل تكتب حسناته وسيئاته؟ أم يذهب بعضهن بعضا؟ # فأجاب: # تكتب حسناته وسيئاته، والله تعالى يزن هذه بهذه، فإن رجحت الحسنات دخل ~~الجنة، والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية. # 3 - ومنها: ### ||| AUTO ما يقول سيدنا في اليتيم والأرملة، هل هما من أهل الزكاة أم لا؟ # فأجاب: # إذا كانا من الفقراء والمساكين أعطوا من الزكاة، وهما أحق من غيرهما. PageV08P452 # 4 - ومنها: ### ||| AUTO ما يقول سيدنا بمن يستمني بيده، هل هو زنا أم لا؟ وماذا يجب عليه إذا فعل ذلك؟ # أجاب: # هذا حرام يعزر صاحبه، لكن إذا اضطر إلى ذلك وخشي العنت، مثل أن يخاف ~~المرض أو الزنا، ففيه قولان للعلماء. # 5 - مسألة: ### ||| AUTO وما يقول سيدنا في التين هل يجب عليه عشر أم لا؟ # فأجاب: # نعم، التين يعشر في أظهر قولي العلماء. كتبه أحمد ابن تيمية. # 6 - مسالة: ### ||| AUTO وما يقول سيدنا بمن يأكل الحرام ويترك الصلاة، هل يجوز أن يعطى الزكاة أم لا؟ # فأجاب: # يستتاب، فإن التزم أن يصلي أعطي من الزكاة، وإن امتنع من الصلاة لم يعط، ~~والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية. PageV08P453 ### ||| CHECK فصل: إذا أقر الأب في ملك كان له بأنه ملك لأولاده بناء على أنه وهبه لهم، فله أن يرجع في هذه الهبة # 7 - مسالة: ### ||| AUTO وما يقول سيدنا في المسافر إذا نزل في موضع وهو يعلم أنه يقيم فيه عشر ليال وأكثر، فهل يجوز له أن يقصر ويجمع؟ أو يتم؟ # فأجاب: # السنة للمسافر أن يقصر الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب، والجمع إذا ~~احتاج إليه، وإذا كان المسافر نازلا فالسنة أن يقصر ولا يجمع إلا إذا احتاج ~~إلى ذلك، وإذا كان لا يدري كم يقيم فإنه يقصر أبدا، وإن علم أنه يقيم عشرا ~~أو خمسة عشر ففيه قولان للعلماء، أظهرهما أنه يقصر أيضا، والله أعلم. كتبه ~~أحمد ابن تيمية. (صورة خطه في المواضع كلها). # فصل # إذا أقر الأب في ملك كان له بأنه ملك لأولاده بناء على أنه وهبه لهم، فله ~~أن يرجع في هذه الهبة. ms1656 وإذا كان الإقرار مطلقا، فادعى أنهم إنما ملكوه ~~بطريق الهبة لا بطريق المعاوضة، فالقول قوله مع يمينه في ذلك، وله أن يرجع ~~في الهبة، فإن الأصل عدم العوض، وقد جرت العادة بأن التمليك يكتب إقرارا، ~~والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية. PageV08P454 ### | CHECK الاعتقاد # فصل # في «الكلام» الذي ذمه الأئمة والسلف PageV09P003 # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني أيضا رضي الله عنه، ومن خطه المبارك ~~نقل الإمام شمس الدين محمد ابن المحب رحمه الله تعالى، ومنه نقلت: # فصل # «الكلام» الذي ذمه ونهى عنه الأئمة والسلف الصالح، كما هو مشهور متواتر ~~عنهم في كتب السنة والحديث والتصوف وكلام الفقهاء وغيرهم، وقد جمع فيه شيخ ~~الإسلام الأنصاري كتابه المشهور (¬1)، ولمالك والشافعي والإمام أحمد وغيرهم ~~في ذلك نصوص مشهورة = قد حصل فيه اضطراب؛ فإن من الناس من يعتقد أنهم نهوا ~~عن جنس الاستدلال والمجادلة في أصول الدين، ثم تحزبوا حزبين، بل ثلاثة: # * حزب رأوا ذلك عجزا وتفريطا، وإضاعة لواجب الدين أو مستحبه، بل إضاعة ~~لأصوله التي لا يتم إلا بها؛ فطعنوا في السلف ومن اتبعهم، ورأوا لنفوسهم ~~الفضل عليهم، مع ما هم فيه من الابتداع والضلال المشتمل على الجهل أو الظلم. # وهذه طريقة كثير من أهل الكلام المتفلسفة، لا سيما المتكلمون الذين لا ~~يعظمون أهل الفقه والحديث، مثل كثير من المعتزلة والمتفلسفة؛ فإن لهم في ~~هذا الضلال مجالا رحبا. # * وحزب رأوا أن ما فهموه من كلام الأئمة والسلف هو الصواب، لما علموه من ~~فضلهم؛ فأعرضوا عن جنس النظر والاستدلال في ذلك، وعن PageV09P005 # جنس المحاجة والمجادلة، ورأوا ذلك هو السلامة والورع والاتباع، فوقعوا في ~~التفريط في جنب الله، وإضاعة بعض العلم بدين الله وبعض الكلام فيه، ولزم من ~~ذلك استيلاء أهل التحريف والإلحاد عليهم وعلى المسلمين، فوقعوا هم في الجهل ~~البسيط، ووقع أولئك ومن اتبعهم في الجهل المركب (¬1). # وكان من سبب ذلك أنهم فهموا من كلام السلف أعم مما أرادوه، كما قررت نظير ~~ذلك في «قاعدة السنة والبدعة» (¬2). # وقد يؤول بهم الأمر إلى الإعراض عن آيات ms1657 الله تعالى، وترك اتباع هدى ~~الله، فإما أن يعرضوا عن ألفاظ النصوص فلا يقولونها ولا يسمعونها، وإما أن ~~يكتفوا بمجرد قول اللفظ وسماعه من غير تدبر له ولا فقه فيه، ويرون أن عدم ~~معرفة معاني الكتاب والسنة هي الطريقة التي سلكها السلف وأمروا بها وعنوها ~~في مواضع. # * وحزب ثالث اعتقدوا فضل الأئمة والسلف، واعتقدوا الحاجة والانتفاع ~~والاستحسان (¬3) لما خاضوا فيه من الكلام في أصول الدين؛ فقالوا: الذي نهى ~~عنه السلف رضي الله عنهم هو الكلام الذي انتحله أهل البدع من PageV09P006 # المعتزلة ونحوهم ممن يخالف السنة، لا الكلام الذي تنصر به السنة. وهذه ~~طريقة البيهقي (¬1). # أو قالوا: الكلام ينهى عنه في غير وقت الحاجة، ومع من يفسده الكلام، ~~ويؤمر به وقت الحاجة، ومع من ينفعه الكلام. وهذه الطريقة قد يشير إليها ابن ~~بطه (¬2)، والقاضي (¬3)، والغزالي (¬4)، وآخرون. # فصل # والتحقيق أن الذي نهى عنه السلف هو الكلام المبتدع الذي لم يشرعه الله ~~ولا رسوله، كما قد قررت في «قاعدة السنة والبدعة» أن البدعة هي ما لم يشرع ~~من الدين (¬5). # وغلبة اسم «الكلام» على الكلام المبتدع كغلبة اسم «السماع» على السماع ~~المبتدع؛ فإن ناسا لما أحدثوا سماع القصائد والتغبير، لتحريك قلوبهم ~~وصلاحها، وإثارة مقاصدها ومواجدها، وأحدث آخرون كلاما ونظرا، لعلم قلوبهم، ~~وصلاح عقائدهم، وتحقيق مقالهم = كان هؤلاء فيما PageV09P007 # أحدثوه من الأصوات المسموعة شبيها بهؤلاء فيما أحدثوه من الحروف ~~المنطوقة. # وعبروا هم والمسلمون عن ذلك بأعم صفاته، وهو السماع، والكلام، فإذا أطلق ~~اسم «السماع» عند كثير من الناس، أو قيل: فلان يحضر السماع، أو يقول به، ~~وفلان ينكر السماع وينهى عنه، انصرف الإطلاق إلى السماع المحدث الذي هو ~~مورد النزاع. # وإن [كان] (¬1) السماع المشروع المأمور به، الذي هو واجب تارة ومستحب ~~أخرى، هو سماعا أيضا، بل هو السماع المعروف في كلام من حمد السماع وأثنى ~~عليه من المحتذين طريقة السلف رضي الله عنهم. # وكذلك إذا أطلق لفظ «الكلام» الذي يذمه وينهى عنه قوم، ويمدحه ويأمر به ~~آخرون، فإنه عندهم هو الكلام المحدث. # وإن كان الكلام ms1658 الذي أنزله الله تعالى هو أصدق الكلام وخيره وأفضله، ~~وكلام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين والأئمة كلاما (¬2). # لكن خص المحدث من النوعين باسم «الكلام» و «السماع»؛ لأن هذا الاسم ~~بمجرده تعبير عنه، لا يدل على حمد ولا ذم، ولا أمر ولا نهي، واللام فيه ~~تنصرف إلى المعهود. # بخلاف ما كان من الكلام والسماع مشروعا، فإن ذاك يعبر عنه بأخص أسمائه، ~~مثل: علم، وقرآن، وسماع القرآن، ونحو ذلك؛ لأن من عادة العرب PageV09P008 # وغيرهم في الخطاب: إذا كان تحت الجنس نوعان عبروا عن أشرفهما باسمه ~~الخاص، وتركوا الاسم المشترك للنوع المرجوح، كما فعلوا ذلك في مثل لفظ: ~~دابة، وحيوان، وذوي الأرحام (¬1). # وقولنا: «كلام» أو «سماع» إنما هو تعبير عنه بالاسم المشترك بين الحق ~~والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، فإذا كان عندهم متميزا بما يدل ~~على أنه حق وهدى ورشاد عبروا عنه بالاختصاص، كما أنه إذا كان متميزا بما ~~يقتضي أنه باطل وضلال وغي عبروا عنه بالاختصاص. # ولا ريب أن المحدث من النوعين ليس حقا وهدى ورشادا من كل وجه، ولا باطلا ~~وضلالا وغيا من كل وجه. # وهذا باتفاق جميع الطوائف؛ فإن القائلين بالكلام والسماع المحدثين يسلمون ~~أن فيه (¬2) ما هو باطل وضلال، وأن كثيرا من أهل الكلام ضل، وكثيرا من أهل ~~السماع غوى، ويميز هؤلاء الكلام الصواب بصفات قد يكون في بعضها نزاع بينهم، ~~كما يميز أولئك السماع النافع بصفات يكون في بعضها نزاع عند بعضهم. # والمنكرين (¬3) للسماع والكلام المحدثين لا ينكرون أن في كلام المتكلمين ~~ما قد يكون حقا وصوابا، وأن السماع قد تحصل به رقة ومنفعة PageV09P009 # للقلب، وإن كان تحصل به أيضا مضرة، كالخمر والميسر التي قال الله فيهما: ~~{فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219]. # ولهذا يقولون: فلان صاحب علم، وفلان صاحب كلام. وهذا كثير في كلامهم، مثل ~~قول الإمام أحمد عن ابن أبي دؤاد: «لم يكن يعرف العلم ولا الكلام» (¬1)، ~~وقوله: «عليكم بالعلم» (¬2). # فصل # إذا عرف هذا، فالكلام المبتدع المذموم هو الذي ليس ms1659 بمشروع [ولا] مسنون، ~~وليس بحق ولا حسن، وهذان الوصفان متلازمان، فإن كل مشروع مسنون فهو حق حسن، ~~وكل ما هو حق حسن فهو مشروع مسنون، وكذلك بالعكس. # وذلك أن الكلام نوعان: إنشاء، وإخبار. # فأما الإنشاء، فمثل: الأمر والنهي، فكل أمر ونهي لا يكون موافقا لأمر ~~الله تعالى ونهيه فهو ضلال وغي. # وأما الإخبار، وهو الغالب على فن الكلام المتنازع فيه، فإنه إخبار عن ~~حقائق الأمور الموجودة والمعدومة، كالإخبار عن الله تعالى وصفاته PageV09P010 # وأفعاله، وعن المعاد وما يكون بعد الموت، وعما مضى قبلنا، وما سيكون ~~بعدنا (¬1). # والإخبار عن هذه الأمور إن كان مطلوبا فهو المسائل والأحكام، وإن كان ~~طريقا إلى المطلوب فهو الوسائل والأدلة. # فالكلام يشتمل على هذين الصنفين: المسائل، والدلائل، والذم والنهي واقع ~~في هذين الجنسين: # * أما المسائل، فكل جواب مسألة خالف الكتاب والسنة وما كان عليه السلف ~~فهو بدعة وضلالة، وهو من الكلام المذموم المنهي عنه، سواء كانت المسألة ~~نفيا أو إثباتا، مثل: إنكار صفات الله أو بعضها الذي جاء به الكتاب والسنة، ~~وإنكار قدر الله وقدرته ومشيئته، أو إنكار محبته ورضاه وخلته وتكليمه وعلوه ~~على عرشه، أو إنكار فتنة القبر وعذابه ونعيمه، والحوض والميزان والشفاعة ~~والصراط ونحو ذلك من عقود أهل السنة التي أثبتتها نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف. # ثم المنكر لذلك أو بعضه هو مفتر (¬2)، ولهذا كان السلف رضي الله عنهم ~~يسمونهم: «أهل الفرى» (¬3)، ويتأولون فيهم قوله تعالى: {إن الذين اتخذوا ~~العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين} PageV09P011 # [الأعراف: 152]، قال أبو قلابة رضي الله عنه: «هي لكل مفتر من هذه الأمة ~~إلى يوم القيامة» (¬1). # وهو مفتر من وجهين: # أحدهما: نفي ما أثبته الكتاب والسنة، أو إثبات ما نفاه. # والثاني: تحريف النصوص بما يوافق ظنه وهواه، ودعواه أن ذلك هو معناها. # فهو مخبر عن الأمور بخلاف ما هي عليه، ومخبر عن النصوص بخلاف ما دلت ~~عليه، فافترى في الوجودين: العيني، والعلمي. # * وأما الدلائل، فإنهم كثيرا ما يستدلون ويحتجون على الحق الذي جاء به ms1660 ~~الكتاب والسنة بحجج محدثة باطلة، ثم تلك توقعهم في البدع المخالفة للكتاب ~~والسنة، بمنزلة الذي يجاهد الكفار بقتال محرم في الشريعة، فيزيل باطلا ~~بباطل (¬2). # ولهذا كان السلف إذا قيل: فلان يرد على فلان، قالوا: بكتاب وسنة؟ فإن ~~قال: «نعم» صوبوه، وإن قال: «لا» قالوا: رد بدعة ببدعة (¬3). PageV09P012 # وكثيرا مما أوقعهم -أو أكثر ما أوقعهم- في البدع المخالفة للكتاب والسنة ~~احتجاجهم لنوع من الحق بحجة مبتدعة اعتقدوا أنها لا تسلم من المناقضة ~~والمعارضة إلا بما التزموه لتصحيحها من اللوازم التي قد يخالفون بها الكتاب ~~والسنة. # وكان مبدأ ذلك تكلمهم في «الجسم، والجوهر، والعرض»، وظنهم (¬1) أن بهذا ~~التقسيم والترتيب يثبت لهم وجود الصانع، وحدوث العالم، ونحو ذلك. # فلم ينكر السلف مجرد إطلاق لفظ له معنى صحيح، كما يعتقده قوم من الناس من ~~أهل الكلام وغيرهم؛ فإنا عند الحاجة إلى الخطاب نخاطب الرجل بالفارسية ~~والرومية والتركية. # والنبي صلى الله عليه وسلم لما كتب إلى أهل اليمن، كتب إليهم بلغتهم التي ~~يتخاطبون بها، وليست هي لغة قريش. # ولما قدمت أم خالد من أرض الحبشة، وكانت قد سمعت لغتهم، قال لها لما ~~أعطاها الخميصة: «يا أم خالد، هذا سنا» (¬2)، والسنا بلسان الحبشة: الحسن، ~~أراد مخاطبتها بذلك إفهاما لها وتطييبا لنفسها. # ولا بأس أن يخاطب المسلم كل قوم بلغتهم التي يعرفون؛ لقصد إفهامهم، إذا ~~لم يحصل المقصود بخطابهم بالعربية. PageV09P013 # لكن كره السلف والأئمة، كمالك والشافعي والإمام أحمد التخاطب بغير ~~العربية لغير حاجة (¬1)؛ لأنها شعار أهل القرآن والإسلام، وبها يعرفون ما ~~أمروا بمعرفته من أمر دينهم، ولمعاني أخر ذكرتها في «اقتضاء الصراط ~~المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» (¬2). # فلم تكن كراهة السلف لمجرد اللفظ. # ولا كرهوا أيضا معنى صحيحا يكون دليلا على حق، كما يتوهمه أيضا هؤلاء، ~~ويقولون: «إن كره اللفظ فهو اصطلاحي كاصطلاحات سائر العلماء من الفقهاء ~~والنحاة، وإن كره المعنى فلا يريد (¬3) إلا الدلالة على أصول الدين، مثل: ~~ثبوت الصانع، ووحدانيته، وصحة الرسالة والنبوة» (¬4)؛ فإن هذا المعنى لم ~~يكرهه السلف، ولا يكرهه مؤمن عليم. # كيف والقرآن من أوله ms1661 إلى آخره إنما هو في تقرير هذه المعاني التي هي ~~أعلام علوم الدين، وأشرف مقاصد الرسل؟ ! # وقد صرف الله في القرآن الدلالات بوجوه المقاييس (¬5)، وضرب الأمثال، ~~وأنواع القصص، وغير ذلك مما هو دليل ومرشد إلى الإيمان بهذه الأصول. PageV09P014 # وكيف وعلم الإيمان بهذه الأصول هو أفضل علم في الدين، والكاملون فيه هم ~~خلاصة الأمة؟ ! # وبمثله برز السابقون والمقربون، وقيل في الصديق رضي الله عنه صديق الأمة: ~~«ما سبقهم أبو بكر بفضل صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه» (¬1). # وقد مدح الله أهل العلم به في غير موضع، وقال فيهم: {شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو والملائكة وأولو العلم} [آل عمران: 18]، وقال فيهم: {ويرى الذين ~~أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي} [سبأ: 6]، إلى غير ذلك ~~مما ليس هذا موضعه. # فكيف يكره السلف رضي الله عنهم معان إما هي واجبة وإما مستحبة؟ ! # وكيف وهؤلاء السلف لهم من الدلائل والبراهين في مسائل السنة والرد على ~~أهل البدع ما ليس هو لمن ذموه من أهل الكلام؟ ! وإن أنكروا الطرق والدلائل ~~المحدثة المبتدعة؛ لما فيها من الفساد والتناقض، وأنها من جنس الكذب ~~والخطأ. PageV09P015 # فتدبر هذا؛ فإنه فرقان يفرق الله به بين الحق والباطل (¬1). # وإنما أضرب لك أمثلة من أدلتهم وحججهم الفاسدة، كما ضربت لك أمثلة من ~~مسائلهم الفاسدة. # وذلك أن أهل الكلام من أهل قبلتنا يأخذون كثيرا في (¬2) الرد على من خالف ~~المسلمين (¬3) من المشركين والمجرمين واليهود والنصارى، ويأخذ كثير منهم في ~~الرد على من خالف السنة في بعض المواضع، وإن كان الراد قد يخالف هو السنة ~~في موضع آخر (¬4). # فيريدون أن يثبتوا وحدانية الصانع وكماله، ويثبتون (¬5) نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ويسمون هذه المطالب «العقليات»؛ لاعتقادهم أنها لا تثبت ~~إلا بالعقل الذي ادعوه وكانوا مختلفين في طرقه! # وقد يعتقدون أن الكتاب والسنة لم تبين أدلة هذه المطالب الشريفة! والقرآن ~~مملوء منها. # ولم يعلموا أن [كون] (¬6) العقل قد يعلم صحتها لا يمنع أن يكون الشرع PageV09P016 # دل عليها وأرشد إليها، ms1662 فهي شرعية عقلية، بل ما يبينه الكتاب والسنة من ~~أدلة هذه المطالب فوق ما في قوى البشر، ولم يأت أهل الفلسفة والكلام من ذلك ~~إلا بحق قليل مخلوط بباطل كثير، فلبسوا الحق بالباطل. # آخر ما وجد من ذلك # - - - - PageV09P017 ### || AUTO مسألة # في مذهب الشافعي في القرآن وكلام الله PageV09P019 # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين، وصلى الله على سيد المرسلين # * ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في رجل قال له ~~شخص: يا فلان، ما مذهبك؟ قال: شافعي المذهب. فقال له ذلك الشخص: بل أنت ~~حنبلي. قال: ولم؟ قال: لأنك تعتقد اعتقاد الحنابلة، تزعم أن القرآن كلام ~~الله. فقال له: فكلام من هذا القرآن؟ فقال: يصلح أن يكون كلام جبريل. وقيل ~~له: أنت تقول: القرآن كلام جبريل؟ فقال: أي قرآن؟ فقيل له: وللناس قرآنان؟ ~~! فقال: نعم. وقال: من زعم أن هذا القرآن الذي يقرؤه الناس كلام الله فهو ~~حلولي يقول بقول النصارى الذين يقولون بحلول القديم بالمحدث! فهل أصاب في ~~هذه الإطلاقات أم أخطأ؟ وهل يستتاب منها أم لا؟ وهل يكفر إن دعا إليها وأصر ~~عليها بعد بيان الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع السلف أم لا؟ أفتونا ~~مأجورين، وابسطوا لنا القول. # فأجاب الشيخ أبو العباس أحمد ابن تيميه رحمه الله، فقال: # الحمد لله رب العالمين. # كلام هذا السائل فيه افتراء على الشافعي رضي الله عنه ومذهبه، يستحق به ~~التعزير البليغ بافترائه على أئمة المسلمين ومذاهبهم. # وفيه افتراء على الله عز وجل وكتابه، يستحق به أن يستتاب، فإن تاب وأقر ~~أن القرآن كلام الله وإلا ضربت عنقه. # * أما الأول، فإنه يقتضي أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن القرآن ليس ~~كلام الله. وهذا افتراء على الشافعي ومذهبه، وكل من عرف مذهب الشافعي PageV09P021 # علم بالاضطرار أن مذهبه أن القرآن كلام الله ليس شيء منه كلاما لغيره. # وإن كان بعض المنتسبين إليه قال قولا يخالف ذلك فالشافعي رحمه الله بريء ~~منه، كبراءة علي رضي الله عنه من الرافضة، وبراءة سائر الأئمة مالك ms1663 وأبي ~~حنيفة وأحمد من الرافضة والمعتزلة والحلولية ومن هذا القول المذكور، وإن ~~كان من المنتسبين إلى الأئمة من يقول ببعض أقوال هؤلاء. # وهذا القول إنما يضاف إلى بعض المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري، والشافعي ~~رضي الله عنه كان قبل الأشعري، ومات رحمة الله عليه قبله بأكثر من مئة سنة (¬1). # وأصحابه العارفون بمذهبه، كالشيخ أبي حامد الإسفراييني إمام الطريقة ~~العراقية، والشيخ أبي محمد الجويني شيخ الخراسانيين، وغيرهما، يذكرون أن ~~مذهب الشافعي في مسألة كلام الله تبارك وتعالى هو مذهب أحمد بن حنبل وسائر ~~أئمة المسلمين، وأنه ليس هو القول المضاف إلى الأشعري (¬2). # مع أن الأشعري لا يطلق القول بأن القرآن كلام جبريل، بل يقول: إن القرآن ~~كلام الله عز وجل، لكن هو صنف في الرد على الفلاسفة والمعتزلة والرافضة ~~وغيرهم، وانتصر لمذهب أهل الحديث والسنة، وانتسب إلى الإمام أحمد وسائر ~~أئمة السنة، وأثبت الصفات الواردة في القرآن، وأبطل PageV09P022 # تأويل النفاة لها، ولم يختلف كلامه في ذلك، بل جميع كتبه المصنفة بعد ~~رجوعه عن قول المعتزلة ليس فيها إلا هذا القول. # وكذلك أئمة أصحابه، كالقاضي أبي بكر (¬1) وأمثاله. # وقال في آخر مصنفاته (¬2): «فإن قال قائل: قد أنكرتم قول الجهمية ~~والقدرية والرافضة والحرورية والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، ~~وديانتكم التي بها تدينون. # قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا، ~~وبسنة نبينا، وبما روي عن الصحابة والتابعين وما كان يقول به أبو عبد الله ~~أحمد بن حنبل قائلون، ولما خالف قولهم مجانبون؛ فإنه الإمام الكامل، ~~والرئيس الفاضل، الذي أبان الله به الحق، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع ~~المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، ~~وكبير مفهم، وعلى جميع أئمة المسلمين»، وذكر جملة اعتقاده الذي حكاه عنه ~~الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر في كتاب الذب عنه (¬3). # وكان القاضي أبو بكر بن الطيب -من أجل أتباعه- يكتب أحيانا في أجوبته: ~~«محمد بن الطيب الحنبلي» (¬4). PageV09P023 # ومع هذا، فاعتقاد أهل السنة ليس لأحد من الأئمة به ms1664 اختصاص، لا لأحمد ولا ~~للشافعي ولا غيرهما، بل هو التصديق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من ربه تبارك وتعالى. # فأهل السنة يؤمنون بما أخبر الله به ورسوله، وهذا هو أصل اعتقادهم، وإنما ~~الأئمة مبلغون لذلك، ومثبتون له، و [منكرون] (¬1) لقول من خالفه. # فأبو الحسن الأشعري صنف في الرد على أهل البدع الكبار مصنفات، وسلك في ~~مسألة الكلام والصفات مسلك أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب. # وكان ابن كلاب قد صنف في إثبات الصفات والرد على المعتزلة مصنفات، لكنه ~~سلك في إثبات حدوث العالم طريقة المعتزلة المعروفة بطريقة الأعراض، المبنية ~~على امتناع دوام الحوادث. # وهذه الطريقة أنكرها أئمة السنة، وهي أصل الكلام الذي أنكره مالك ~~والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وهو المنقول إنكاره عن أبي حنيفة ~~وأئمة أصحابه (¬2). # وهي الطريقة التي استطالت بها عليهم الفلاسفة في مسألة حدوث العالم (¬3)؛ ~~فإنهم ظنوا أنهم يثبتون بها حدوث العالم، فعورضوا بأنها توجب PageV09P024 # قدم العالم، وبين أن القول بها نشأ من القول بحدوث العالم، بل وبإثبات ~~الصانع (¬1). # فلما سلك أبو محمد ابن كلاب هذا المسلك، اضطره التقسيم إلى أن جعل كلام ~~الله معنى واحدا قائما بذات الله، هو الأمر بكل ما أمر به، والخبر عن كل ما ~~أخبر به، إن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان ~~إنجيلا، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنا. # واتفق جمهور العقلاء من أهل السنة والبدعة على أن هذا القول معلوم الفساد ~~بالضرورة. # واضطره ذلك إلى أن جعل الكلام العربي مخلوقا، وأنه ليس هو كلام الله، وأن ~~القرآن العربي الذي نزل به جبريل على محمد ليس هو كلام الله، ولم يتكلم به، ~~وإنما كلامه ذلك المعنى الذي هو الأمر والنهي. # فوافق المعتزلة على القول بخلق القرآن الذي قالوا: إنه مخلوق، وأثبت ~~كلاما قديما. # فبين جمهور العقلاء أنه لا حقيقة له. # فصار بعض المنتسبين إليه يقول: إن القرآن العربي خلقه الله في بعض ~~الأجسام، كما قالته المعتزلة. PageV09P025 # وبعضهم يقول: بل هو تأليف ms1665 جبريل ونظمه، فهم عن الله معاني (¬1) مجردة، ثم ~~عبر عنها. # فقال له من أراد بيان فساد هذا: [هذا] تشبيه (¬2) للرب سبحانه بالأخرس ~~الذي في نفسه معنى [لا] يمكنه التعبير [عنه]، فيجيء من فهم مراده فيعبر عنه (¬3). # لكن الأخرس يفهم ما في نفسه بإشارته وإيمائه، وهذا عنده ممتنع على الرب ~~سبحانه، بل طريق ذلك أن يخلق في نفس جبريل علما بمراده، من جنس الإلهام. # وحينئذ فيكون جبريل ألهم شيئا عبر عنه وجاء به إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فيكون من ألهم مراده أن يرى (¬4) بمنزلة جبريل الذي أخذ عنه محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # ولهذا يقول من بنى على هذا الأصل، كابن عربي: أنا آخذ من المعدن الذي ~~يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول (¬5). # وقد فرق الله بين الوحي وبين التكليم الخاص في قوله تعالى: {إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم PageV09P026 # وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} إلى قوله تعالى: {وكلم الله موسى ~~تكليما} [النساء: 163 - 164]، ففرق بين إيحائه إلى سائر الأنبياء وتكليمه ~~لموسى (¬1). # وكذلك قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ~~أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} [الشورى: 51]، فجعل تكليمه للبشر ثلاثة ~~أصناف (¬2): # أحدها: الإيحاء إليهم. # والثاني: التكليم من وراء حجاب، كما كلم موسى. # والثالث: أن يرسل رسولا، فيوحي بإذنه ما يشاء. # فإن كان جبريل لم يأخذ القرآن عن الله إلا وحيا كان إيحاء الله بلا واسطة ~~جبريل أعظم، فتكون إلهامات عمر بن الخطاب أفضل من القرآن وأعلى بدرجتين؛ ~~لأن القرآن أخذه محمد عن جبريل، وجبريل عن إلهام الله، وعمر [أخذ] الإلهام ~~عن الله! # وقال بعضهم: إن جبريل أخذ القرآن عن اللوح المحفوظ. PageV09P027 # وعلى هذا تكون اليهود أعظم قدرا عند الله من محمد صلى الله عليه وسلم؛ ~~لأن الله كتب التوراة لموسى، وأنزلها مكتوبة، فتلقى بنو إسرائيل ما في ~~الألواح عن الله. فإن كان جبريل إنما أخذ القرآن عن اللوح، صار جبريل كبني ~~إسرائيل، ms1666 وصار محمد كمن أخذ كلام الله عن بني إسرائيل! وإذا كان هذا باطلا ~~وكفرا فما استلزم الباطل فهو باطل (¬1). # وأيضا، فتفريق الله بين «الإيحاء» و «التكليم» دليل على أن الله كلم موسى ~~بكلام سمعه موسى، كما قال تعالى: {فاستمع لما يوحى} [طه: 13]. # ومن قال: «الكلام مجرد معنى قائم بالنفس» يقول: تكليم موسى إنما هو خلق ~~لطبيعة فيه أدرك بها ذلك المعنى. # ثم إنهم يقولون: إن ذلك المعنى لا يتبعض، فقال لهم بعض أهل العلم: فموسى ~~أدرك جميع المعنى القائم بالذات أو بعضه؟ إن قلتم: الجميع، فيكون موسى قد ~~أدرك جميع كلام الله، وعلم جميع ما تكلم الله به، وكلامه متضمن (¬2) لكل ~~خبر أخبر الله به، فيكون موسى قد علم جميع ما أخبر به الأولين والآخرين! # وهذا معلوم الفساد بالضرورة، ولو لم يكن إلا ما أتاه الخضر، فإن موسى لم ~~يعلم ذلك، بل قال له الخضر لما نقر العصفور في البحر نقرة: «ما نقص علمي ~~وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا PageV09P028 # البحر (¬1)». # وهذا مبسوط في غير هذا الموضع (¬2). # وبالجملة، فنحن نعلم بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن القرآن ~~كلام الله، ليس كلاما لغير الله، لا لمحمد ولا جبريل ولا غيرهما، ولكن الله ~~يضيفه إلى هذا الرسول تارة، وإلى هذا الرسول تارة؛ لكونه بلغه وأداه، لا ~~لأنه أنشأه وابتداه. # ولهذا قال تعالى: {إنه لقول رسول كريم • ذي قوة عند ذي العرش مكين} ~~[التكوير: 19 - 20]، فالرسول هنا: جبريل. # وقال: {إنه لقول رسول كريم • وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} [الحاقة: ~~40 - 41]، فالرسول هنا: محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: لقول ملك ولا نبي. # بل كفر من قال: إنه قول البشر، كما في الوحيد الذي قال: {إن هذا إلا قول ~~البشر • سأصليه سقر} الآية (¬3) [المدثر: 25 - 26]. # وقول القائل: «إنه قول ملك أو نبي (¬4)» من جنس قوله: «إنه قول PageV09P029 # البشر»، كل ذلك كفر. # وقد قال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} [النحل: 102]، فأخبر ms1667 أن ~~جبريل نزله من الله، كما قال تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق} [الأنعام: 114]، وقال تعالى: {حم • تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز العليم} [غافر: 1 - 2]، {حم • تنزيل من الرحمن الرحيم} [فصلت: ~~1 - 2]، ونظائره كثيرة. # فصل # وأما قول القائل: «من زعم أن القرآن الذي يقرؤه الناس كلام الله فهو ~~حلولي يقول بقول النصارى الذين يقولون بحلول القديم في الحادث»، فهذا يدل ~~على جهله بدين المسلمين ودين النصارى! # * أما المسلمون، فإنهم إذا قالوا كما قال الله تعالى: {وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] لم يريدوا (¬1) ~~بذلك أن الكلام الذي تكلم به الرب وقام بذاته انتقل إلى القراء؛ فإن ~~الانتقال ممتنع على صفات المخلوقين، فكيف على صفات الخالق؟ ! # والمسلمون إذا سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وبلغوه عنه، وقالوا: ~~إنه قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬2)، كانوا ~~مبلغين لكلام PageV09P030 # النبي صلى الله عليه وسلم بحركاتهم وأصواتهم، لا بصوت النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولم يكن ما قام به من كلامه -حروفه ومعانيه- منتقلة عنه ولا ~~حالة فيهم. # فكيف يقال: إن جبريل سمع كلام الله من الله، وبلغه إلى رسوله محمد، فيكون ~~شيء (¬1) من كلام الله منتقلا عن ذات الله وحالا بجبريل، فضلا عن أن ينتقل ~~إلى البشر ويحل بهم؟ ! # بل الكلام كلام من قاله مبتدئا، لا كلام من قاله مبلغا مؤديا (¬2). # وموسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة، وأما المسلمون فإنما سمعوه من ~~المبلغين عنه، لم يسمعوه من الله عز وجل. # والفرق بين السماعين ظاهر، هذا سماع بواسطة وهذا سماع بلا واسطة، كما أن ~~الشمس والقمر والكواكب قد يراها بطريق المباشرة، وقد يراها بواسطة ماء أو ~~مرآة أو جسم صقيل؛ فهذه رؤية مقيدة بواسطة، لم يباشرها بالرؤية. وكذلك ~~السامع لكلام المتكلم من المبلغ عنه، هو سمع مقيد بواسطة، لم يباشره بالسمع (¬3). # وإذا قيل: «رسول الله بلغ عن ربه»، و «حكى عن ربه»، و «حدث عن ربه»، و ~~«روى عن ربه»، ms1668 كان صحيحا. # وإذا قيل: «هذا حكاية القرآن»، بمعنى أن أحدا يحاكي كلام الله، فيأتي PageV09P031 # بمثله (¬1)، فهذا باطل، قال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88]. # ومن قال: «إن المداد الذي في المصاحف، والأصوات المسموعة من القراء، ~~قديمة أزلية»، فهو ضال ضلالا مبينا، مخالف لصريح المعقول والمنقول، ولم يقل ~~هذا أحد من أئمة المسلمين، لا أبو حنيفة، ولا مالك، ولا الشافعي، ولا أحمد، ~~ولا جماهير أصحابهم (¬2). كما أن القول بأنه معنى واحد قائم بالذات قول ~~مخالف لصريح المعقول والمنقول، لم يقله أحد من أئمة المسلمين ولا جماهير ~~أصحابهم. # * وأما مذهب النصارى، فإن عندهم أن أقنوم الكلمة هو جوهر قائم بنفسه، ~~يخلق ويرزق، ويغفر ويرحم، وهو الإله المعبود، وهو المتحد بالمسيح. # فالكلمة عندهم ليست مجرد (¬3) صفة قائمة بالمتكلم، ولا الحلول عندهم حلول ~~صفة الله في غيره، بل نفس المسيح عندهم إله يغفر ويرحم، ويقيم القيامة. # فالحلول الذي تقوله النصارى يشبه قول من يقول في بعض البشر: إنه إله، كما ~~تقوله الغالية في الأئمة والشيوخ. PageV09P032 # فإن كان في المسلمين من يقول: إنه (¬1) من القرآن، فقد صار إلها، فهذا ~~يقول بقول النصارى. وإن لم يكن في المسلمين من يقول ذلك فهذا كذب (¬2) على ~~المسلمين (¬3). # وهذه نكتة مختصرة؛ إذ كان جواب هذه الورقة مبسوطا في غير هذا الموضع. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله. # وكان الفراغ على يد العبد الفقير الحقير المقر بالذنب والتقصير راجي عفو ~~ربه السميع البصير محمد بن حمد بن نصر الله، غفر الله له ولوالديه. # - - - - PageV09P033 ### || AUTO مسألة # في الأولياء والصالحين والأقطاب والأبدال ورجال الغيب PageV09P035 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين. # وسئل شيخ الإسلام ومفتي الأنام أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيميه ~~الحراني رضي الله عنه: # عن الحديث المروي على ألسنة الناس: «ما من جماعة اجتمعوا إلا وفيهم ولي ~~لله تعالى، لا هم يدرون به، ولا هو يدري بنفسه»، هل هو صحيح ms1669 أم لا؟ # ومن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ # ومن الصالح؟ # وهل لرجال الغيب حقيقة؟ وهل ينبت الشعر على أبدانهم، فيستغنوا به في جميع ~~أوقاتهم عن لبس الثياب، ويقيهم من الحر والبرد، ويستر عوراتهم، أم لا؟ # وما معنى الأبدال والقطب؟ وهل يكونون في البراري والجبال، أم في المدن ~~بين أظهر الناس؟ وهل لهم علامة يعرفون بها أم لا يعلمهم إلا الله عز وجل؟ # أجاب شيخ الإسلام رضي الله عنه: # الحمد لله رب العالمين. # * أما الحديث المذكور أنه «ما من جماعة اجتمعوا إلا وفيهم ولي لله»، فلا ~~أصل له (¬1)، وهو كلام باطل؛ فإن الجماعة قد يكونون كفارا مشركين PageV09P037 # وكتابيين، وقد يكونون فساقا يموتون على الفسق. # * وأما أولياء الله عز وجل، فهم الموصوفون في قوله تعالى: {ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون • الذين آمنوا وكانوا يتقون} [يونس: 62 - ~~63]، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون. # والتقوى هي المذكورة في قوله تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، ~~أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177]. # وهم قسمان: مقتصدون، ومقربون (¬1). # فالمقتصدون: الذين يتقربون إلى الله بالفرائض من أعمال القلوب والجوارح. # والسابقون: الذين يتقربون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، كما روى ~~البخاري في صحيحه (¬2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، ~~وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى PageV09P038 # أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي ~~يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يسعى، ~~ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي (¬1) لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا ~~فاعله ترددي عن قبض نفس ms1670 عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له ~~منه» (¬2). # والولي: خلاف العدو. وهو مشتق من الولاء، وهو الدنو والتقرب (¬3). PageV09P039 # فولي الله: هو من والى الله بموافقته في محبوباته، والتقرب إليه بمرضاته. # وهؤلاء كما قال الله تعالى فيهم: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا • ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2 - 3]، قال أبو ذر رضي الله عنه: لما نزلت هذه ~~الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، لو عمل الناس كلهم بهذه ~~الآية لكفتهم» (¬1). # فالمتقون يجعل الله لهم مخرجا مما ضاق على الناس، ويرزقهم من حيث لا ~~يحتسبون، فيدفع الله عنهم المضار، ويجلب لهم المنافع، ويعطيهم الله أشياء ~~يطول شرحها من المكاشفات والتأثيرات (¬2). # فصل # * وأما الصالح، فهو: المطيع لله ورسوله. # وهو أيضا: القائم بما وجب عليه لله ولخلقه. # وهو أيضا: المؤدي للواجبات، المجتنب للمحرمات. # وهو أيضا: البر. PageV09P040 # وهو أيضا: العدل. # وهو أيضا: ولي الله. # كل هذه أسماء متكافئة (¬1) في الكتاب والسنة أو متقاربة، وإن كان بعض ~~الناس قد يفرق بينهم في عرفه. # وهم قسمان، كما تقدم: المقتصدون أصحاب يمين، والسابقون المقربون، كما ذكر ~~الله تعالى هذين القسمين مع القسم الثالث في سورة فاطر، والواقعة، وسورة ~~الإنسان، وسورة المطففين (¬2)، وأخبر أن الأبرار -وهم عموم المؤمنين ~~والأولياء- يشربون من كأس ممزوجة بالشراب الذي يشرب به المقربون عباد الله، ~~وهم خصوص الصالحين، وخصوص أولياء الله تعالى. # فصل # * وأما رجال الغيب الذين يغيبون عن الناس، فلا يراهم إلا بعض الناس في ~~البراري والجبال والمغارات المنقطعة عن الناس، فهم من الجن لا من الإنس، ~~قال الله تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم ~~رهقا} [الجن: 6]. PageV09P041 # وقد يقول أحدهم لمن يراه: «أنا الخضر»، أو «أنا من الأبدال»، أو «أنا من ~~الأربعين التي في جبال لبنان»، وليس في جبل لبنان أحد من الإنس يغيب عن ~~الناس، والخضر عليه السلام مات، وإنما ذلك شيطان من الجن يقترن بمن خالف ~~الكتاب والسنة (¬1). # ومن الناس من يكون صالحا وليا لله، ويكون حاله غائبا عن ms1671 عامة الناس. # نعم، يكون نور قلبه وهدى فؤاده وما فيه من أسرار الله وأمانته وأنواره ~~ومعرفته غيبا عن الناس، ويكون صلاحه وولايته غيبا عن أكثر الناس، وأسرار ~~الله بينه وبين أوليائه، وأكثر الناس لا يعلمون، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «رب أشعث، أغبر، ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله ~~لأبره» (¬2). # فأما أن يكون رجل يغيب جسده عن أبصار الناس دائما، فهذا لا حقيقة له، وإن ~~كان قد يغيب عن أبصار الناس بعض الأحيان، إما لدفع عدو عنه، وإما لغير ذلك، ~~وذلك قد يكون لأولياء الله، وقد يكون للسحرة، لكن لا تدوم الغيبة (¬3). PageV09P042 # [فصل] # * وأما القطب، فهو مدار الأمر، كل من دار عليه تدبير أمر من أمور الدين ~~والدنيا فهو قطبه، قد يكون الرجل قطب داره ودربه وبلده، إما في أمر معين من ~~أمر الدين والدنيا، وإما في أمور كثيرة، كما يكون رئيس القرية ووالي البقعة ~~قطبا في الأمور التي يدبرها (¬1)؛ فإن للقلوب من التأثير أكثر مما للأجساد (¬2). # فصل # * وأما الأبدال، فقد جاء فيهم ما رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق ~~الشاميين، وإسناده منقطع، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لا ~~تسبوا أهل الشام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن فيهم الأبدال، ~~أربعون رجلا، كلما مات منهم رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلا» (¬3). PageV09P043 # وهذا ليس بصحيح. # وفي غير هذا الحديث عن طائفة أنهم يجعلون من الأبدال من هو في غير الشام. # وقد فسر الناطقون بهذا الاسم معنى «الأبدال» بمعان (¬1): # - فمن الناس من يقول: سموا أبدالا لأنهم أبدال الأنبياء. # - وقيل: كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا. # فكيف يعتقد أن الأبدال جميعهم في أهل الشام؟ ! هذا باطل قطعا. # - وقيل: لأنهم بدلوا سيئاتهم حسنات. # وفي الجملة فليس هذا الاسم من الدين الذي يجب الاعتناء به، ولا أصل له ~~معتمدا في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي ~~تعلق القلب به وبأمثاله من الأمور المجهولة التي ليس لها ms1672 أصل ثابت في العلم ~~الثابت المروي عن نبينا صلى الله عليه وسلم. # فإن الله تعالى يقول: {ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم} ~~[الأحقاف: 4]، فمن لم يأت على ما يقوله في الدين بكتاب من عند الله أو ~~أثارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فهو مبطل. # وقد قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به PageV09P044 # الله} [الشورى: 21]. # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59]؛ فكل شيء تنازع فيه ~~المسلمون من أمر دينهم الباطن والظاهر، فعليهم رده إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم. # فإن الله يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا} [المائدة: 3]، فإذا كان الله قد أكمل لهذه الأمة دينها على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فإنه يجب أن يؤخذ جميع الدين من الرسول. # والدين يتناول الأمور الباطنة في القلب، والظاهرة على الأجسام، فكل ما ~~يتقرب به إلى الله من الأمور الباطنة والظاهرة إن لم يكن مأخوذا عن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وإلا كان من البدع المضلة. # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تركتكم على البيضاء، ليلها ~~كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (¬1). # وكان يقول في خطبته: «إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد، ~~وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (¬2). PageV09P045 # فكل من أخذ دينه عن المجهولات صار في جاهلية وبدعة وضلالة. # قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: «من عبد الله بغير علم كان ما يفسد ~~أكثر مما يصلح» (¬1). # وقد قال الله في كتابه تعليما لنا: {اهدنا الصراط المستقيم • صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 6 - 7]. # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اليهود مغضوب عليهم، ~~والنصارى ضالون» (¬2). # قال سفيان بن عيينة: «كانوا ms1673 يقولون: من فسد من العلماء ففيه شبه من ~~اليهود، ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى» (¬3). PageV09P046 # وذلك أن اليهود كانوا يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولا يتبعونه. ~~والنصارى عبدوا الله بغير علم ولا شرع، بل كما قال الله تعالى: {ورهبانية ~~ابتدعوها} [الحديد: 27]. # فمن فعل ما ذمه الله من اليهود، مثل الكبر، والحسد، وكتمان العلم، واتباع ~~سبيل الغي، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وجحد الحق الذي يجيء به غير ~~أصحابهم، ونحو ذلك = ففيه من الشبه بهم بقدر ذلك. # ومن فعل ما ذمه الله من النصارى، مثل الغلو في الأنبياء والصالحين، ~~وابتداع العبادات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وترك دين الحق الذي شرعه ~~الله لعباده، وترك تحريم ما حرمه الله ورسوله، واتباع الأهواء بغير علم ولا ~~هدى، ووضع الشرائع بحكاية أو منام، ونحو ذلك من أمور الضلال = ففيه من شبه ~~النصارى بقدر ذلك. # وهذا باب يطول شرحه (¬1)، وإنما ذكرنا ما تحتمل هذه الفتوى (¬2). PageV09P047 # فصل # * وأما سكان البادية والجبال، فليس ذلك مشروعا لأهل الإسلام إلا عند حصول ~~الفتنة في المصر، مثل أن يقتتل المسلمون، فيهاجر المرء إلى حيث يأمن على ~~دينه حتى تسكن الفتنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المهاجر من هجر ~~ما نهى الله عنه» (¬1). # فأما أن يكون سكنى البادية والغيران مستحبا على الدوام، فليس ذلك من دين ~~الإسلام، فضلا عن أن يكون شعارا لأهل ولاية الله والصلاح (¬2). # وإن كان طائفة من الزهاد فعلوا ذلك: # - ففيهم من كان معذورا، لأجل السبب الذي أباح له ذلك. # - ومنهم من كان مجتهدا مخطئا، يثيبه الله على قصده الحسن وعمله الصالح، ~~ويغفر له خطأه. # - ومنهم من كان مذنبا ذنبا صغيرا، يغفر الله له باجتناب الكبائر. # - ومنهم من كان مذنبا ذنبا كبيرا، أمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن ~~شاء غفر له. PageV09P048 # - وفيهم من كان مارقا من الدين، خارجا عن شريعة سيد المرسلين. # - وفيهم من كان كافرا بالكلية، وإن كان له عبادة وزهد فعبادته كعبادة ~~النصارى والمشركين. # [فصل] # * وأما نبات ms1674 الشعر على أجسادهم، فهذا كذب ومحال (¬1). # وليس لأولياء الله وعباده الصالحين زي مخصوص يتميزون به على غيرهم في ~~الظاهر، لا حلق رأس، ولا لبس صوف أو شعر، ولا اعتزال في المنزل دائما، ولا ~~ترك مخالطة الناس دائما، ولا غير ذلك من الأمور التي هي غير مستحبة في ~~الشريعة (¬2). # بل ولا من خصائصهم أو لوازمهم لزوم شيء معين مستحب في الشريعة، ولا الزهد ~~في فضول المباح، ولا صوم الاثنين والخميس، ولا صلاة الضحى، ولا التسوك، ولا ~~غير ذلك (¬3). # بل أولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، من جميع أصناف الناس، وتقوى ~~كل شخص بحسب ما أمره الله تعالى به ونهاه. # فولاة الأمور تقواهم في العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، PageV09P049 # والحكم بالكتاب والسنة، بحسب الإمكان. # وتقوى التاجر أن يكون صدوقا أمينا، مع ما يلزمه من الواجبات في غير تجارة. # فكل من آمن الإيمان الذي أمره الله تعالى به، واتقى الله التقوى التي ~~(¬1) أمره الله تعالى بها، فهو من أولياء الله تعالى، سواء كان من العلماء، ~~أو الأجناد، أو الزهاد، أو التجار، أو الصناع (¬2). # فإن الله لما ذكر القراء في القرآن، الذين هم أهل الدين والعبادة، قال ~~تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20]. # ومعنى قول من قال: «إن لم يكن العلماء العاملون أولياء الله فما لله ~~تعالى ولي» (¬3)، أي: أنهم من أولياء الله، أو من خير أولياء الله، أو من ~~كبار أولياء الله. لا أن يكون أولياء الله مخصوصين بهم، كما ليسوا مخصوصين ~~بغيرهم. # ويكونون في الفقراء والأغنياء، وفي العبيد والملوك، وغيرهم، كما كان ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين فيهم سادة الأولياء، وعمدة ~~الأصفياء، من المهاجرين والأنصار: PageV09P050 # فيهم تجار، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن ~~بن عوف، وغيرهم. # وفيهم من له عقار، مثل سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وأبي أيوب الأنصاري، ~~وسعد بن عبادة، وغيرهم، رضي الله عنهم أجمعين. # وكان فيهم ms1675 فقراء، ليس لهم أهل ولا مال، كأهل الصفة في شمالي المسجد؛ فإن ~~تلك الصفة كان يأوي إليها من المسلمين من لم يكن له أهل ولا مال، وكان ~~يجتمع بها منهم تارة قليل، وتارة كثير نحو سبعين، ويقيم الرجل مدة ثم ينتقل ~~عنها، لم يكونوا ملازمين لها إلا بقدر حاجاتهم (¬1). وقد قيل: إن جملة من ~~أوى إليها نحو أربع مئة (¬2). # وأجل من ذكر فيها: سعد بن أبي وقاص أحد أهل الشورى والعشرة (¬3). # ولم يكن في أهل الصفة ولا غيرهم من يتخذ مسألة الناس والإلحاف PageV09P051 # بالكدية (¬1) والشحاذة -لا بالزنبيل ولا غيره- صناعته وحرفته، بحيث لا ~~يبتغي الرزق إلا بذلك (¬2). # وكانوا (¬3) أهل الصفة يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يصدهم عما هو ~~أحب إلى الله من الاكتساب (¬4). # ولم يكن أهل الصفة كلهم من فضلاء الصحابة، بل أكثر فضلاء الصحابة رضي ~~الله عنهم من غيرهم. # وقد أثنى الله على أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان. # وأهل بدر كانوا ثلاث مئة وبضعة عشر، وهم الذين قال الله فيهم: «اعملوا ما ~~شئتم فقد غفرت لكم» (¬5). # وأهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة بالحديبية كانوا أكثر من ألف ~~وأربع مئة، وأقل من ألف وخمس مئة، وهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم: PageV09P052 # «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» (¬1). # وفيهم من أهل الصفة، وغالبهم لم يكونوا من أهل الصفة؛ إذ الفضل عند الله ~~ورسوله بالإيمان والتقوى، لا بصنف معين من الأصناف المباحة، ولا بزي مخصوص. # لكن غالب الخلق إنما يسلمون من فتنة الفسوق والعصيان إذا لم يبتلوا بكثرة ~~المال وعزة السلطان، كما يقال: «من العصمة أن لا تقدر» (¬2). # والسلامة من الذنوب في الذين لم يبتلوا أكثر، مع أن الابتلاء بالمال ~~والسلطان إن سلم صاحبها فهو أفضل من هذا الوجه ممن ليس له مثله، وإن ابتلي ~~ببعض الذنوب وله حسنات لا يقدر عليها أولئك فالله تبارك وتعالى يزن حسناتهم ~~وسيئاتهم، فإن فضل له من الحسنات ما يزيد على حسنات PageV09P053 # غيره كان أفضل (¬1)، والله تعالى حكم مقسط {لا يظلم ms1676 مثقال ذرة وإن تك ~~حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40]. # فنسأل الله العظيم أن يوفقنا لطاعته من الأقوال والأفعال، والله أعلم. # - - - - PageV09P054 ### || AUTO مسألة # في حياة الخضر وادعاء لقائه PageV09P055 # مسألة في الخضر، هل هو حي الآن أم لا؟ ومن ادعى أنه لقيه واجتمع به في ~~غير النوم، إذا كذبه إنسان هل يأثم أم لا؟ # الجواب: الحمد لله. ليس في دعوى المدعي اجتماعه بالخضر فائدة في دين ~~المسلمين، سواء كان صادقا أو كاذبا. # بل اتفق المسلمون على أنه لا يرجع إلى الخضر ولا إلى من ينقل عن الخضر من ~~غير طريق النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من دينهم. # بل لو نقل ناقل عن نبي من الأنبياء، كموسى وعيسى، من غير أن يكون نبينا ~~صلى الله عليه وسلم واسطة في ذلك النقل، لم يرجع إليه المسلمون في دينهم. # بل في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بيد عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه ورقة من التوراة، فقال: «أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ ! لقد جئتكم بها ~~بيضاء نقية، لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم» (¬1)، وفي ~~رواية: «لما وسعه PageV09P057 # إلا اتباعي». # وثبت في الصحيح أن عيسى عليه الصلاة والسلام إذا نزل إلى الأرض، فإنما ~~يحكم في الأمة بكتاب ربها وسنة نبيها (¬1). # فالخضر لو كان موجودا بين الناس لم يرجع إليه المسلمون في شيء من دينهم. # فإن (¬2) لم يكن نبيا، كما قاله الجمهور، كالشريف أبي علي بن أبي موسى ~~وغيره، [فمن هذه الأمة من هو أفضل منه] (¬3)، كأبي بكر وعمر وغيرهما من ~~المهاجرين والأنصار. # وإن كان نبيا، كما قاله طائفة منهم أبو الفرج ابن الجوزي، وأبو عمرو ابن ~~الصلاح (¬4)، فمحمد وعيسى صلى الله عليهما وسلم أفضل منه. # وعيسى لا ينزل إلا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، لا بشريعته. # وإذا كان وجود الخضر وحياته لا يتعلق بدين المسلمين، ولا يرجعون إليه في ~~شيء من دينهم، كان كثرة الكلام في وجوده من باب الضلالات PageV09P058 # والجهالات، وتطريق الناس على الأكاذيب والأغاليط. ms1677 # وقد اتفق أئمة الدين على أن رجلا لو روى (¬1) حديثا في زماننا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن (¬2) غير الرجال المعروفين عند الأئمة لم يلتفت ~~إليه، مثل ما يرويه بعض الضلال عن شيخ اسمه «رتن» (¬3)، مثل ما ذكره أبو ~~طالب في إسناد المسبعات أن رقبة بن مصقلة رواها عن الخضر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم (¬4)، وأمثال ذلك. # والله قد بعث محمدا بدين بينه وبلغه، وهو محفوظ محروس لا يحتاج فيه ~~المسلمون إلى أحد غير نبيهم، وأمته قد أكمل الله لهم الدين، وأتم عليهم ~~النعمة، ورضي لهم الإسلام دينا. PageV09P059 # فهذا أصل يجب على كل مسلم معرفته. # وبعد هذا، فالصواب أن الخضر رضي الله عنه مات قبل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأنه لم يدرك زمنه، ولا رآه، ولا ذكر أحد من الصحابة أنه كان موجودا، ~~كما قد بسطت دلائل ذلك في مواضع كثيرة (¬1). # وكل من ذكر أنه حي، فإن كان صادقا فهو ملبس عليه؛ رأى رجلا ظن أنه الخضر ~~غلطا منه، أو قال له رجل: أنا الخضر -وكان كاذبا-، أو تخيل شيئا في نفسه ~~ظنه الخضر في الخارج (¬2). # وإن كان كاذبا كان من أهل الإفك والبهتان المستحقين التعزير، مثل كثير ~~ممن يتظاهر برؤيته ليحسن الناس به الظن ويجتمعوا عليه؛ فإن هؤلاء كلهم ~~كذابون دجالون يستحقون العقوبة البليغة. وقد رأينا من هؤلاء PageV09P060 # طوائف، منهم من عزر، ومنهم من تاب قبل أن يحتاج إلى التعزير. # ولهذا كان المثبتون لوجوده منهم من يجعله مغيبا، ومنهم من يجعل ذلك ~~مرتبة، كما يقولون ذلك في «الغوث»، وكل ذلك غلط كما قد بسط في موضعه (¬1). # وطائفة ثالثة تعبر بالخضر وإلياس عن حالين للقلب، وهما: القبض، والبسط، ~~كما فعل ابن عربي صاحب «الفصوص» (¬2)، وأمثاله من الملاحدة الباطنية، والله أعلم. # - - - - PageV09P061 ### || AUTO رسالة # إلى الشيخ قطب الدين ناظر الجيش في الكلام عن ابن عربي وطائفته PageV09P063 # الحمد لله # بسم الله الرحمن الرحيم # نقلت ما صورته: # من المملوك أحمد بن تيميه إلى الشيخ السيد الإمام الكبير، جلال الأعيان ~~الكبراء، وجمال ms1678 الصدور الرؤساء، قطب الدين (¬1)، أصلح الله له وبه أمر ~~الدنيا والآخرة، وأتم عليه نعمه الباطنة والظاهرة، وألف به بين القلوب ~~المتنافرة، وأطفأ به البدع وأحيا به السنن الزاهرة. # سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء ~~قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وسيد ولد آدم محمد عبده ورسوله، ~~وعلى آله وسلم تسليما. # أما بعد، فقد وصل مشرف الشيخ (¬2) أيده الله تعالى، وفهمت مضمونه، PageV09P065 # وتقبلته بالقبول والطاعة، والسعي في مصلحة الجماعة (¬1)؛ فإن هذا من أوجب ~~الواجبات على الناس عموما وعلى الخادم خصوصا، وهو من أقرب القربات إلى الله ~~تعالى، وأفضل الحسنات؛ لما في ذلك من رضا الرحمن، وسرور الإخوان، وقمع ~~الشيطان، وصلاح السر والإعلان، وفتح أبواب الجنان، وإغلاق أبواب النيران. # فإنه غير خاف على علم الشيخ أن الحسد والبغضاء هو داء الأمم قبلنا، وهو ~~لهذه الأمة من أعظم الأدواء، وكذلك اتباع الظنون والأهواء، وتفرق القلوب ~~وتشتت الآراء. وهذه الأمور السيئات، ينشأ غالبها من شبهات وشهوات. # وقد روي في الحديث: «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب ~~العقل الكامل عند ورود الشهوات، ويحب الشجاعة ولو على قتل PageV09P066 # الحيات، ويحب السماحة ولو بكف من تمرات» (¬1). # وهذه الأربعة هي الفضائل التي ترتفع بها الدرجات، ويتميز بها ذوو المراتب ~~العليات، وقد اتفق على فضلها جميع أنواع البريات، والشيطان فهمته مصروفة ~~إلى أصحابها، وسهامه مفوقة نحو أربابها؛ لأنهم إذا سلموا منه قطعوا عنه ~~مادة الفساد، وأصلحوا بأمر الله العباد والبلاد. # وقد قال الله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ~~فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201]. # وفي الحديث: «مثل المؤمن مثل الفرس في آخيته، يجول ثم يرجع إلى آخيته، ~~كذلك المؤمن يجول ثم يرجع إلى الإيمان» (¬2). PageV09P067 # و «لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه، لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق ~~عليه» (¬1). # وهذا هو الحكمة في ابتلاء الكبراء بالذنوب؛ لينقلوا منها إلى درجة ~~المحبوب المفروح به؛ فإن الله يحب التوابين، ويحب ms1679 المتطهرين، والله أشد ~~فرحا بتوبة عبده من فاقد الضالة التي عليها طعامه وشرابه إذا وجدها بعد ~~الفقدان (¬2). # وهكذا ما قد يقع بين الناس عموما، وأهل الطريق خصوصا، من المحاقات ~~والمنافرات؛ فإن ذلك قد ينتفعون به، كما يروون عن الجنيد قال: «الصوفية ~~بخير ما تنافروا» (¬3). # وكثيرا ما يقع الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لنوع هوى في النفوس، ~~فلا تخلص فيه النية. وكثيرا ما يقع ركوب المنكرات، ومدح ذي الضلالات، لعدم ~~العلم بحقيقة أمرهم. # وهذه الأمور -وهي: الجهل، والظلم- مبدأ الفتن والشرور، إذا لم يتداركها ~~الله تعالى بالعلم والهداية، قال الله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان PageV09P068 # ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72]. # وبهذين السببين يدخل أكثر الناس النار، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «القضاة ثلاثة، قاضيان في النار، وقاض في الجنة، رجل علم الحق فقضى ~~به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى ~~بخلافه فهو في النار» (¬1). # فهذا الحديث في القضاة، وكل من حكم بين اثنين أو طائفتين، في دين أو ~~دنيا، فهو قاض. وغير القاضي في معناه. بين النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الذي في الجنة من علم وعدل، دون من جهل أو ظلم. # ولما حضر المشايخ السادة: الشيخ قاسم (¬2)، والشيخ هارون (¬3)، والشيخ ~~محمد (¬4). PageV09P069 # وكان بحضور الشيخ السيد عماد الدين الحزامي (¬1)، والشيخ القدوة محمد بن ~~قوام (¬2)، والشيخ عبد الله الجزري (¬3)، والشيخ تاج الدين الفارقي (¬4)، ~~وغيرهم (¬5) من المشايخ الذين تحمد مقاصدهم، وتصفو عقائدهم، وتتطهر ~~سرائرهم. # وكان ذلك رحمة رحم بها الحاضر والسامع، وانتفع به القريب (¬6) والشاسع، ~~وقام عذر المعذور، وعفا الله عن الذنب المغفور، وأزال الله تعالى ما كان في ~~النفوس من الأهواء والجهل الذي يجعل المؤمنين أحزابا وألوانا، PageV09P070 # وألف الله بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا، ومن أسر خلاف ما أعلن فالله ~~يجعل السريرة إعلانا. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه» (¬1). # وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ~~كمثل ms1680 الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (¬2). # وقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا»، وشبك بين أصابعه (¬3). # وقال: «ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر (¬4)؟ » قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «صلاح ~~ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق ~~الدين» (¬5). PageV09P071 # وكان الأمر أخف مما شنع به وقيل، ولم يكن صدر قبل ذلك ما كثرت به ~~الأقاويل. # وإنما سالكو طريق الله، العارفون بحقيقة السير إلى الله، لا بد عند ~~سلوكهم الطريق، وملاحظتهم غاية التحقيق، أن يتأملوا دعاة الطريق وهداته، ~~وحفاظ سبيل الله وحماته، ويتأملوا مصنفاتهم ومسطوراتهم ومنثوراتهم. # وكان سيدنا العارف المحقق عماد الدين (¬1)، وغيره من السالكين، كالشيخ ~~العارف المرحوم إبراهيم الرقي (¬2)، والشيخ الإمام قاضي القضاة تقي الدين ~~ابن دقيق العيد (¬3)، وغيرهما ممن في عصرنا وقبل عصرنا، مشايخ PageV09P072 # كثيرون (¬1) = تجري بينهم المفاوضة في كلام ابن العربي وذويه، فيرون فيه ~~ما يقبل وهو من أحسن الكلام، وفيه ما يعزب فهمه عن أكبر المميزين فضلا عن ~~العوام. # ثم إنهم تأملوا حقيقة ما يقصده في «فصوص الحكم» ونحوها مما هو خلاصة ~~معارفه وحقائقه، وما يقصده من جرى على طرائقه، كابن سبعين المغربي في كتاب ~~«البد» و «الإحاطة»، والعفيف التلمساني في شروحه (¬2) وقصائده، ومثل أواخر ~~قصيدة ابن الفارض المسماة «نظم السلوك»، ومثل كلام الصدر القونوي في كتاب ~~«مفتتح غيب الجمع والوجود» ونحوه، ومثل كلام عبد الله (¬3) الشيرازي ~~البلياني، ونحو هذه الطائفة الحادثة في دولة التتار = فوجدوا حقيقة أمرهم ~~هو تعطيل الصانع، وجحد الخالق، وهو باطن مذهب الفرعونية والقرامطة ~~الباطنية. # وهم معترفون بأن قولهم هو حقيقة قول فرعون؛ إذ ليس عندهم للخلق رب خالق ~~متميز عن المخلوق، بل المخلوق عين الخالق، والمصنوع عين PageV09P073 # الصانع، والناكح عين المنكوح، والشاتم عين المشتوم؛ فما نكح سوى نفسه، ~~وما شتم سوى نفسه. # والذين عبدوا اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ما عبدوا إلا الله، ولا ~~يتصور عندهم أن يعبدوا إلا الله، وهو العابد والمعبود، والحامد ms1681 والمحمود، ~~وفرعون كان صادقا في قوله: «أنا ربكم الأعلى»، والله -سبحانه- عين ~~المحدثات، حتى الخبائث والنجاسات. # وليس عندهم على العارف منهم واجبات ولا محرمات، ولا أهل النار يذوقون ~~فيها أليم العقوبات، ويفضلون أنفسهم من كثير من الوجوه على الأنبياء ~~والرسل، حتى على خاتم الرسالات. # ويزعمون أن الله يعبدهم كما يعبدونه، ويفتقر إليهم كما يفتقرون إليه، وهو ~~غذاؤهم بالوجود، وهم غذاؤه بالأحكام، وأنه لولاهم لما كان الله تعالى. # إلى أمثال هذه العقائد التي تكاد السماوات يتفطرن منها، وتنشق الأرض، ~~وتخر الجبال هدا. # ولا يرتضون لأنفسهم أن يقولوا بأنه حال في جميع المخلوقات، كما تقوله ~~مثبتة الجهمية (¬1) الذين كفرهم سلف الأمة وأئمة الإسلام؛ لأن هذا PageV09P074 # عندهم تثنية وقول باثنين أحدهما حال والآخر محل، كما قال شاعرهم (¬1) ~~يدعو على نفسه بالعبادات: # متى حلت عن قولي: أنا هي، أو أقل ... -وحاشى لمثلي-: إنها في حلت # ولا يرتضون أيضا بالاتحاد في معين، أو الحلول فيه، كما تقوله النصارى في ~~المسيح، وغالية الرافضة في أمير المؤمنين علي وبعض أهل بيته، وكما يقوله ~~قوم من الضلال في الحاكم بمصر، أو الحلاج، أو يونس القنيي (¬2)، وكما يقوله ~~قوم في جميع المشايخ والأنبياء. # لا يرتضون قول من يقول بالاتحاد، أو الحلول في معين، بل النصارى عندهم ~~إنما كفروا للتخصيص، وإلا فلو أطلقوا وقالوا بالاتحاد في كل شيء لكانوا ~~عارفين محققين. # وكذلك عباد العجل والأصنام ما عبدوا إلا الله، لكن اقتصروا على بعض ~~المجالي (¬3)، والعارف عندهم من يعبد جميع الأشياء ويسجد لها. # وليس للرب عندهم حقيقة سوى حقيقة العبد، قال شاعرهم: PageV09P075 # ما بال عيسك لا يقر قرارها ... وإلام ظلك لا يني متنقلا # فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغت المنزلا (¬1) # وقال أيضا (¬2): # وتلتذ (¬3) إن مرت على جسدي يدي ... لأني في التحقيق لست سواكم # وقال أيضا (¬4): # وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هذا السر من هو ذائق # ووصف هؤلاء يطول ذكره هنا، وكان الشيخ عماد الدين -نفع الله ببركاته- قد ~~كتب في بيان حال هؤلاء ما نفع الله ms1682 به (¬5)، وكتب الخادم في ذلك PageV09P076 # لمن استدعى ذلك منه ما يسره الله تعالى (¬1)، ولولا مسيس الحاجة إلى ذلك، ~~والضرورة التي هي أهم عند من سلك الطريق وابتلي بهؤلاء من قتال التتار، لم ~~يكن بالمسلم حاجة إلى كشف الأسرار وهتك الأستار (¬2)، ولكن قد ابتلي ~~المسلمون بالتتار من جميع الأصناف. # وقد قال الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187]. # وكان الخادم لما ذهب إلى مصر -مع ضيق الوقت- تحدث معه في مذهب هؤلاء ~~جماعات من أعيان العلماء والمشايخ والكتاب، وكذلك قدم علينا من الشرق مشايخ ~~يقتدي بهم ألوف مؤلفة، سألوا عن حال هؤلاء. # فهذا ونحوه ما كان عندنا في هذا، وأما قصد أحد بعينه، لا سيما من PageV09P077 # يكرم (¬1) على إخوانه، فلا نقصد له إلا ما يقصده المؤمن لنفسه، إذ هذا ~~حقيقة الإيمان. # والشيخ العارف الجليل الشيخ هارون قد علم من جمل هذه الأمور وتفاصيلها، ~~ومعرفتنا بما للشيطان في النفوس من الأغراض، ما يخبر به الشيخ (¬2) أيده ~~الله تعالى. # فإن الله سبحانه قد أنعم عليكم وبكم، وأجرى على أيديكم من منافع أهل ~~البلد ما تجب معاونتكم عليه، وجعل فيكم من الحلم، والكرم، والسيادة، وصحة ~~الاعتقاد، وتعظيم الدين وأهله، والقيام بمصالح الإخوان وحقوق ذوي الحقوق، ~~وقضاء حوائج ذوي الحاجات = ما نرجو من الله تعالى أن يتم نعمته عليكم، ~~ويجعل ما أنعم به نعمة تامة في الدين والدنيا. # وقد تحدثت مع الشيخ هارون غير مرة فيما يتعلق بهذا، والخادم حريص على ~~خدمتكم وإعانتكم، وجلب المنفعة في الدين والدنيا لأهل البلد بسببكم. # ولا ريب أن الله إذا أقام بكم منار الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، والأمر بالصلوات والزكوات، والنهي عن الربا في المعاملات، والعدل ~~في القضايا، ودفع الظلم عن الرعايا = كان هذا من أكبر نعم الله عليكم وعلى ~~المسلمين، فأنتم الرأس وغيركم جسد من الأجساد، وأنتم إنسان العين وغيركم ~~السواد. PageV09P078 # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا ~~خير لك من حمر ms1683 النعم» (¬1). # وقال صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة» (¬2). # وإذا ألف الله بكم بين ذوي الأرحام والأصهار، كان هذا من نعم الله ~~الكبار. # والخادم خادم لخدمتكم، مسارع إلى قضاء ما يطلب من المصالح من جهتكم، ذاب ~~عن حماكم، وهو يرى ذلك من الواجبات في دين الإسلام، أعني به الإسلام ~~الحقيقي الذي بعث الله به رسوله، فإني دائما أجدد إسلامي (¬3)، وأعوذ بالله ~~من الخروج عنه في نقضي وإبرامي. # واتفق أنه لما أراد الخادم أن يكتب جوابكم، وهو والشيخ هارون في هذه ~~الهمة، قدم علاء الدين علي بن سبع من الديار المصرية، ومعه مراسيم سلطانية ~~ببعض الجهات المتعلقة بالبلد من نظر الحسبة وغيرها، واجتمع بالخادم، فقلت ~~له: هذا أمر لا يتكلم فيه إلا بمرسوم الشيخ قطب الدين PageV09P079 # وبأمره؛ فإني أحب أن يكون أمر البلد منتظما فيما يراه من المصلحة. # وحضر الشيخ هارون وعلاء الدين، فرأيت علاء الدين كثير الخدمة والخضوع ~~للشيخ (¬1)، وقال لي وللشيخ هارون ما أشهدنا به عليه أن مملوك الشيخ وعبده ~~وتحت أمره، ومنفذ ما يرسم به، مطيع لما يتقدم به، وأشياء كثيرة من هذا ~~النمط، والكلام فيه موقوف على ما يرسم به الشيخ ويتقدم به؛ فإنه قد ظهر ~~الخلل في أحواله، لفقره وكثرة عياله، وقد اعتنى به من المصريين مثل الوزير ~~والصاحب شمس الدين وغيرهما من أمرائهم. # والله يخير لكم وله ولأهل البلد ولسائر المسلمين ما هو الخيرة من الدنيا ~~والآخرة، ويصلح الأحوال الباطنة والظاهرة. # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. # آخر ما كتب قدس الله روحه، ونقلته من خط الإمام شمس الدين محمد ابن ~~المحب، وقال: نقلته من خط عمي أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن المحب. كتبه ~~محمد بن الحبال الحرابي سبط سبط الشيخ محمد بن قوام عفا الله عنهم. # - - - - PageV09P080 ### || AUTO ms1684 فصل # في الكلام على الاتحادية PageV09P081 # ومن كلام شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية الحراني رضي الله عنه، ~~ومن خطه نقل الإمام شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد ~~الله المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومنه نقلت: # قال رضي الله عنه: # الحمد لله رب العالمين. # فصل # هؤلاء الاتحادية القائلون بوحدة الوجود، وأنه الله تعالى، ينكرون أن يكون ~~لله غير أو سوى بوجه من الوجوه، إما مطلقا على رأي ابن سبعين والتلمساني، ~~وإما من جهة الوجود على رأي ابن عربي. # قال ابن سبعين في رده على الحشوية والمشبهة والمجسمة: «فما أجهل من يجهل ~~ما يجب له عز وجل، وما أبعده عنه! # ليت شعري، كيف حال من يقول بمثل هذا القول إذا سمع الكلام على توحيد ~~الأفعال، ثم توحيد الصفات، ثم توحيد الذات، ثم الكلام على وحدة الوجود، ~~والقوة الشائعة، والحياة السارية في الموجودات، والمعنى المحيط، والوجود ~~الحاضر مع كل موجود مشخص، ثم هو بالنظر إلى ذاته هو الحق، وغيره لا وجود له ~~البتة إلا بما يرى له من فضله. # ثم لا يجرد القول في التوحيد الذي يفهم بالسكينة فقط، ولا تنفع فيه صناعة ~~المنطق ولا العلوم الصناعية بالجملة، ويعود الأمر إلى فطرة ثانية (¬1) PageV09P083 # بها يتوجه إلى المعنى الغريب، ويظهر لمن قام به الفضل أن العالم -بل ~~مدلول الكليات الثلاثة، والكمية المنطقية، والوجود المعتد- لاحق كله، ويجد ~~من نفسه أن الواحد المحض لا هو إلا هو؛ لأنه لا غير له بالجملة. # ويفعل مع هذا ويدرك -أعني الواصل المحقق- ويقوم الفضل به، حتى إنه يجد ~~الانفعال، ويدرك النظام القديم، ويكون مع الموجودات على أي حال قدرت، حتى ~~إنه ذلك بعينه، ويكون كأنه حاسة مدركة على العموم، لا يرجع عن شيء، ويكون ~~المعلوم من حيث هو العالم، وغير ذلك مما لا يمكن ذكره» (¬1). # قلت: قولهم مع أنه جامع لكل كفر وإشراك في العالم (¬2)، ولفساد كل عقل ~~ودين، فالقرآن قد أثبت لله غيرا في غير موضع، كقوله تعالى: {قل أغير الله ~~أتخذ ms1685 وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم} [الأنعام: 14]، وقوله ~~تعالى: {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} ~~[الأنعام: 114]، وقوله تعالى: {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء} ~~[الأنعام: 164]، وقوله تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} ~~[الزمر: 64]. PageV09P084 # فقد أمره الله تعالى أن ينكر عليهم ما أمروه به من عبادة غير الله. وعلى ~~زعمهم ما ثم غير، ولا يتصور أن يعبد غير الله، كما لا يعبدون (¬1) أيضا غيره. # ولذلك (¬2) أنكر عليهم أن يتخذ غيره وليا أو ربا أو حكما؛ فإن هذا ~~استفهام إنكار، إنكار نهي وذم لمن أمره بإيجاد ولي أو حكم أو رب غيره، ونفي ~~لأن يتخذ غيره وليا أو حكما أو ربا. # فإذا لم يكن له غير (¬3) بوجه من الوجوه امتنع هذا الكلام، وصار المعنى: ~~«لا أتخذ وليا غير موجود، أو ربا غير موجود، أو حكما لا وجود له»، ومعلوم ~~أن هذا لم يأمروه به، ولم يفعلوه، ولا يقصده أحد حتى يتنزه عنه ويتبرأ منه (¬4). # وكذلك قوله: {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} [فاطر: 3]، ~~وقوله تعالى: {ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 59]. # ومن ذلك ما قص الله عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون • أنتم وآباؤكم الأقدمون • فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} ~~[الشعراء: 75 - 77]، وقول المكبكبين في النار: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين ~~• إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: 97 - 98]، وعلى زعمهم ما ثم إلا رب ~~العالمين، وما ثم PageV09P085 # عدو له، ولا فرق بين المسوي والمسوى به. # وكذلك قوله تعالى: {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} [الأعراف: ~~194]، وعندهم هي الله. # وقوله تعالى: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون • ولا يستطيعون لهم ~~نصرا ولا أنفسهم ينصرون} [الأعراف: 191 - 192]، وعندهم الخالق هو المخلوق. # وكذلك قوله: {أفمن يخلق كمن لا يخلق، أفلا تذكرون} إلى قوله {أموات غير ~~أحياء} [النحل: 17 - 21]، وعندهم الجميع واحد. # وكذلك قوله: {أفرأيتم اللات والعزى • ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 19 ms1686 - ~~20] الآيات، وعندهم ليست اللات والعزى ومناة شيئا غير الله تعالى. # وكذلك قوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا} [الإسراء: 56]، وعندهم ما ثم غيره حتى يدعى من دونه. # وقوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض} الآية [سبأ: 22]، وعندهم ما ثم غير فيكون مدعوا من دونه. # وقوله تعالى: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} [السجدة: 4]، وقوله ~~تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255]، وقوله تعالى: {لا PageV09P086 # تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26]، ~~وعندهم هو الشافع والمشفع، والمشفوع له وإليه. # والقرآن كله يكذب قولهم (¬1)، ولهذا قال التلمساني: «القرآن كله شرك» ~~(¬2)، ليس فيه توحيد على أصلهم الكفري الفرعوني القرمطي. # وعلى قولهم ليس للعبد رب يدعوه، أو يفتقر إليه، أو يستعين به، أو يتوكل ~~عليه؛ فإن الداعي هو المدعو، فلا فقر له إلى غيره. # وعلى أصل ابن عربي: وجود الرب مفتقر إلى ذات العبد، وذات العبد إلى وجود ~~الرب، فكل منهما فقير إلى الآخر خليل له (¬3). # وعلى أصل البقية: لا فرق بين الوجود والثبوت أصلا؛ فيصيرون في مقام ~~الاستغناء عن الله تعالى، والاستكبار عن عبادته ودعائه، مستشعرين أنهم هو. # فهم أكفر الخلق بالله، وأبعدهم عنه، معتقدين أنهم أعرف الخلق، وأعظم من ~~سائر الأولياء، بل ومن الأنبياء! # فمن تدبر حال هؤلاء علم أنهم جمعوا بين غايتي التناقض؛ فإنهم أجهل (¬4) PageV09P087 # الخلق وأكفرهم، معتقدين أنهم أعظم الخلق علما وإيمانا. # ومن هذا الوجه هم شر من فرعون؛ فإن فرعون لم يدع العلم والإيمان، وإنما ~~أظهر الجحود. وفرعون شر منهم من وجه آخر؛ من حيث إنه أنكر الرب بالكلية، ~~ودفع وجوده، ولم يعترف لا بعينه (¬1) ولا باسمه ولا نعته، وهؤلاء معترفون ~~بوجوده من حيث الجملة، وبأسمائه، لكن الذي يعينونه هو الذي كان فرعون يقر ~~بوجوده (¬2). # فصاروا هم وفرعون بمنزلة رجلين: # أحدهما أنكر وجود النبوة. # والآخر اعترف بها، وجعلها نبوة مسيلمة ms1687 الكذاب، أو جعلها الفلاحة أو ~~التجارة. # فأتى (¬3) ذلك المنكر يوافقه على وجود جنس مسيلمة الكذاب، ووجود الفلاحة ~~والتجارة، لكن يقول: هذا ليس بنبوة (¬4). وهو صادق في نفيها عن هؤلاء، كاذب ~~في نفيها مطلقا. # وأولئك يقولون: بل ثم نبوة، وهي هذه. وهم صادقون في إثباتها، كاذبون في ~~تعيينها، وهم موافقون للأول في إثبات ما يثبته وفي نفي ما ينفيه، لكن PageV09P088 # النزاع بينه وبينهم في وصف ما ثبتت بهذه الصفة فقط، وفي ثبوتها من حيث ~~الجملة. # آخره. ونقله من خط محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد الله المقدسي ~~الحنبلي رحمهم الله تعالى. # - - - - PageV09P089 ### || AUTO مسألة # في الأفعال الاختيارية من العباد PageV09P091 # بسم الله الرحمن الرحيم # مسألة (¬1) سئل عنها بالشام شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية ~~الحراني رضي الله عنه، قبل دخوله مصر، وسمعت من لفظه في رمضان سنة أربع ~~وتسعين وستمئة: # في الأفعال الاختيارية من العباد تحصل بخلق الله وبكسب العبد، فما حقيقة ~~كسب العبد؟ وهل هو مؤثر في وجود الفعل، فيصير مشاركا للحق في خلق الفعل، ~~فلا يكون العبد شريكا كاسبا، بل شريكا خالقا؟ وإن لم يكن مؤثرا في وجود ~~الفعل فقد وجد الفعل بكماله بالحق سبحانه، وليس للعبد في التأثير شيء، فلم ~~ينسب إلى العبد الطاعة والعصيان، والكفر والإيمان، حتى يستحق الغضب ~~والرضوان؟ فكيف السلوك أيها الهداة (¬2)؟ # [فأجاب]: # تلخيص الجواب: أن الكسب هو الفعل الذي يعود منه على فاعله نفع PageV09P093 # أو ضر (¬1)، كما قال سبحانه: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: ~~286]؛ فبين سبحانه أن كسب النفس لها وعليها، والناس يقولون: «فلان كسب مالا ~~أو حمدا أو شرفا»؛ لما (¬2) أنه ينتفع بذلك. # ولما كان العباد يكملون بأفعالهم، ويصلحون بها؛ إذ كانوا في أول الخلق ~~خلقوا ناقصين = صح إثبات الكسب لهم (¬3)، إذ كمالهم وصلاحهم عن أفعالهم، ~~والله سبحانه وتعالى فعله وصنعه عن كماله وجلاله، فأفعاله عن أسمائه ~~وصفاته، ومشتقة منها، كما قال: «أنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها من ~~اسمي» (¬4). والعبد أسماؤه وصفاته عن أفعاله، فيحدث [له] اسم «العالم» ~~«الكامل» ms1688 بعد حدوث العلم والكمال [فيه]. # ومن هنا ضلت القدرية؛ حيث شبهوا أفعاله -سبحانه وتعالى عما يقولون علوا ~~كبيرا- بأفعال العباد، وكانوا هم المشبهة في الأفعال؛ فاعتقدوا أن ما حسن ~~منهم حسن منه مطلقا، وما قبح منهم قبح منه مطلقا، بقدر عقلهم وعلمهم. PageV09P094 # أو لم يعلموا [أنها] إنما حسنت منهم لإفضائها إلى ما فيه صلاحهم (¬1)، ~~وقبحت لإفضائها إلى ما فيه فسادهم؟ ! والله سبحانه متعال عن أن يلحقه ما لا ~~يليق بسبحاته (¬2). # وأما قوله: «هل هو مؤثر في وجود الفعل أم غير مؤثر؟ »، فالكلام في ~~مقامين: # * أحدهما: أن هذا سؤال فاسد إن أخذ على ظاهره؛ لأن كسب العبد هو من فعله ~~(¬3) وصنعه، فكيف يقال: هل يؤثر كسبه في فعله؟ وهل (¬4) يكون الشيء مؤثرا ~~في نفسه؟ ! # وإن حسب حاسب أن الكسب هو التعاطي والمباشرة وقصد الشيء ومحاولته، فهذه ~~كلها أفعال يقال فيها ما يقال في أفعال البدن من قيام وقعود. وأظن السائل ~~فهم هذا، وتشبث بقول من يقول: إن فعل العبد يحصل بخلق الله وكسب العبد. # وتحقيق الكلام أن يقال: فعل العبد خلق لله وكسب للعبد، إلا أن يراد أن ~~أفعال بدنه تحصل بكسبه، أي بقصده وتأخيه (¬5)، وكأنه قال: أفعاله الظاهرة ~~تحصل بأفعاله الباطنة. PageV09P095 # وغير مستنكر عدم تجويد (¬1) هذا السؤال؛ فإنه مزلة أقدام ومضلة (¬2) ~~أفهام. وحسن المسألة نصف العلم إذا كان السائل قد تصور المسؤول (¬3)، وإنما ~~يطلب إثبات الشيء أو نفيه، ولو حصل التصور التام لعلم أحد الطرفين. # * والمقام الثاني: في تحرير السؤال وجوابه. # وهو أن يقال: هل قدرة العبد المخلوقة مؤثرة في وجود فعله؟ فإن كانت مؤثرة ~~لزم الشرك، وإلا لزم الجبر. # والمقام مقام معروف، وقف فيه خلق من الفاحصين، والباحثين، والبصراء، ~~والمكاشفين، وعامتهم فهموا صحيحا، لكن قل منهم من عبر فصيحا. # فنقول: التأثير اسم مشترك، قد يراد بالتأثير: الانفراد بالابتداع، ~~والتوحيد بالاختراع. # فإن أريد بتأثير قدرة العبد هذا القدر (¬4)، فحاشا لله، لم يقله سني، ~~وإنما هو المعزو إلى أهل الضلال. # وإن أريد بالتأثير نوع معاونة، إما في صفة من صفات الفعل، أو ms1689 في وجه من ~~وجوهه، كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات = فهو أيضا باطل؛ PageV09P096 # لما (¬1) به بطل التأثير في ذات الفعل؛ إذ لا فرق بين إضافة الانفراد ~~بالتأثير إلى غير الله سبحانه في ذرة أو فيل، وهل هو إلا شرك دون شرك؟ ! ~~وإن كان قائلو هذه المقالة ما نحوا إلا نحو الحق. # وإن أريد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسط القدرة ~~المحدثة، بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب وواسطة فيه (¬2)، خلق الله ~~سبحانه الفعل بهذه القدرة، كما خلق النبات بالماء، وكما خلق الغيث بالسحاب، ~~وكما خلق المسببات والمخلوقات بأواسط (¬3) وأسباب = فهذا حق، وهذا شأن جميع ~~الأسباب والمسببات. وليس إضافة التأثير بهذا التفسير إلى قدرة العبد شركا، ~~وإلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركا. # وقد قال الحكيم الخبير: {فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات} ~~[الأعراف: 57]، {فأنبتنا به حدائق ذات بهجة} [النمل: 90]، وقال سبحانه: ~~{قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} [التوبة: 14]؛ فبين أنه هو PageV09P097 # المعذب، وأن أيدينا أسباب وآلات وأوساط وأدوات في وصول (¬1) العذاب إليهم. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحد منكم إلا آذنتموني، حتى ~~أصلي عليه؛ فإن الله جاعل بصلاتي عليه بركة ورحمة» (¬2)؛ فالله سبحانه هو ~~الذي يجعل الرحمة والبركة (¬3)، وذلك إنما يجعله بصلاة نبينا صلى الله عليه وسلم. # وعلى هذا التحرير فنقول: خلق سبحانه أعمال الأبدان بأعمال القلوب، ويكون ~~لأحد الكسبين تأثير في الكسب [الآخر بهذا الاعتبار، ويكون ذلك الكسب من ~~جملة القدرة المعتبرة في الكسب] (¬4) الثاني. # فإن القدرة هنا ليست عبارة إلا عما يكون الفعل به لا محالة، من قصد ~~وإرادة وسلامة الأعضاء والقوى المخلوقة في الجوارح وغير ذلك، ولهذا وجب أن ~~تكون مقارنة للفعل، وامتنع تقديمها على الفعل بالزمان. # وأما القدرة التي هي مناط الأمر والنهي، فذاك حديث آخر ليس هذا موضعه ~~(¬5). PageV09P098 # وبالتمييز بين هاتين القدرتين يظهر لك قول من قال: القدرة مع الفعل، ومن ~~قال: قبله، ومن قال: الأفعال كلها تكليف ما لا يطاق، ومن منع ذلك، وتقف على ~~أسرار المقالات. ms1690 # وإذا أشكل عليك هذا البيان، فخذ مثلا من نفسك أنت، إذا كتبت بالقلم، ~~وضربت بالعصا، ونجرت بالقدوم، هل يكون القلم شريكك أو يضاف إليه شيء من نفس ~~الفعل وصفاته؟ أم هل يصلح أن يلغى أثره، ويقطع خبره، ويجعل وجوده كعدمه؟ أم ~~يقال: به فعل، وبه صنع؟ # ولله المثل الأعلى، فإن الأسباب بيد العبد ليست من فعله، وهو محتاج إليها ~~لا يتمكن إلا بها، والله سبحانه خلق الأسباب ومسبباتها، وجعل خلق البعض ~~شرطا وسببا في خلق غيره، وهو مع ذلك غني عن الاشتراط والتسبب ونظم (¬1) ~~بعضها ببعض، لكن لحكمة تتعلق بالأسباب وتعود إليها، والله عزيز حكيم. # وأما قوله: «إنا إذا نفينا التأثير لزم انفراد الله سبحانه بالفعل، ولزم ~~الجبر وطي بساط الأمر والنهي». # فنقول: إذا أردت بالتأثير المنفي التأثير على سبيل الانفراد في نفس الفعل ~~أو في شيء من صفاته، فلقد قلت الحق، وإن كان بعض أهل الاستنان يخالفك في ~~القسم الثاني (¬2). # وإن أردت به أن القدرة وجودها كعدمها، وأن الفعل لم يكن بها، ولم PageV09P099 # يصنع بها، فهذا باطل، كما تقدم بيانه. # وحينئذ لا يلزم الجبر، بل يبسط بساط الشرع، وينشر علم (¬1) الأمر والنهي، ~~ويكون لله الحجة البالغة. # فقد بان لك [أن] إطلاق القول بإثبات التأثير أو نفيه، دون الاستفصال ~~وتبيين معنى التأثير، ركوب جهالات واعتقاد ضلالات، ولقد صدق القائل: «أكثر ~~اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء» (¬2). # وبان لك أن ارتباط الفعل المخلوق بالقدرة المخلوقة ارتباط المسببات ~~بأسبابها (¬3)، ويدخل في عموم ذلك جميع ما خلقه الله في السموات والأرض ~~والدنيا والآخرة؛ فإن اعتقاد تأثير الأسباب على الاستقلال (¬4) دخول في ~~الضلال، واعتقاد نفي أثرها وإلغاءه ركوب المحال، وإن كان لقدرة الإنسان شأن ~~ليس لغيرها كما سنومئ إليه إن شاء الله. # فلعلك تقول بعد هذا البيان: أنا لا أفهم الأسباب، ولا أخرج عن دائرة ~~التقسيم والمطالبة بأحد القسمين، وما أنت إن قلت هذا إلا مسبوق بخلق PageV09P100 # من الضلال، {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم. تشابهت قلوبهم} [البقرة: ~~118]، وموقفك هذا مفرق طرق إما ms1691 إلى الجنة وإما إلى النار. # فيعاد عليك البيان بأن لها تأثيرا من حيث هي سبب كتأثير القلم، وليس لها ~~(¬1) تأثير من حيث الابتداع والاختراع، وتضرب لك الأمثال، لعلك تفهم صورة ~~الحال، ويتبين لك أن إثبات الأسباب مبتدعات هو الإشراك، وإثباتها أسبابا ~~موصلات (¬2) هو عين تحقيق التوحيد، عسى الله [أن] يقذف في قلبك نورا ترى به ~~هذا البيان، {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40]. # فإن قلت: إثبات القدرة سببا نفي التأثير في الحقيقة؛ فما بال الفعل يضاف ~~إلى العبد؟ وما باله يؤمر وينهى، ويثاب ويعاقب؟ وهل هذا إلا محض الجبر؟ ! ~~وإذا كنت مشبها لقدرة الإنسان بقلم الكاتب وعصا الضارب، فهل رأيت القلم ~~يثاب أو العصا تعاقب؟ ! # فأقول لك الآن -إن شاء الله- ما يوجب (¬3) هداك، بمعونة مولاك، وأن تطلع ~~من أسرار القدر، على مثل خرت الإبر (¬4)، فألق السمع وأنت شهيد، عسى الله ~~أن يمدك بالتأييد. # اعلم أن العبد فاعل على الحقيقة، وله مشيئة ثابتة، وإرادة جازمة، وقوة PageV09P101 # صالحة. # وقد نطق القرآن بإثبات مشيئة العباد في غير ما آية، كقوله: {لمن شاء منكم ~~أن يستقيم • وما تشاءون إلا أن يشاء الله} [التكوير: 28 - 29]، {فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا • وما تشاءون إلا أن يشاء الله} [الإنسان: 29 - 30]، ~~{فمن شاء ذكره • وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة} ~~[المدثر: 55 - 56]. # ونطق بإثبات فعله في عامة آيات القرآن: {يعملون}، {يفعلون}، {يؤمنون}، ~~{يكفرون}، {يتفكرون}، {يتذكرون}، {يجعلون} (¬1)، {يتقون}. # وكما أنا فارقنا مجوس الأمة بإثبات أنه [تعالى] خالق، فارقنا الجبرية ~~بإثبات أن العبد (¬2) كاسب فاعل صانع عامل. # والجبر المذموم (¬3) الذي أنكره سلف الأمة وعلماء السنة هو أن يكون الفعل ~~صادرا عن الحي (¬4) من غير إرادة ولا مشيئة ولا اختيار، مثل حركة الأشجار ~~بهبوب الرياح، وحركات الأبواب (¬5) بإطباق الأيدي، ومثله في PageV09P102 # الأناسي: حركة المحموم والمفلوج والمرتعش؛ فإن كل عاقل يجد تفرقة بديهته ~~(¬1) بين قيام الإنسان وقعوده، وصلاته وجهاده، وزناه وسرقته، وبين ارتعاش ~~المفلوج وانتفاض المحموم، ويعلم أن الأول قادر على ms1692 الفعل مريد له مختار، ~~وأن الثاني غير قادر عليه ولا مريد له ولا مختار. # والمحكي عن جهم وشيعته الجبرية أنهم زعموا أن جميع أفاعيل العباد قسم ~~واحد. وهو قول ظاهر الفساد. # ولما بين القسمين من الفرقان انقسمت الأفعال إلى: اختياري، واضطراري، ~~واختص المختار منها باعتقاب (¬2) الأمر والنهي عليه، ولم يجئ في الشرائع ~~ولا في كلام حكيم أمر للأعمى بنقط المصحف، أو للمقعد بالاشتداد (¬3)، أو ~~للمحموم بالسكون، وشبه ذلك، وإن اختلفوا في تجويزه عقلا أو سمعا، فإنها ~~(¬4) منعت وقوعه ووروده (¬5) بإجماع أولي العقل (¬6) من جميع الأصناف. # فإن قيل: هب أن فعلي الذي أردته واخترته هو واقع بمشيئتي وإرادتي، أليست ~~تلك الإرادة وتلك المشيئة من خلق الله؟ وإذا خلق الأمر الموجب للفعل، فهل ~~يتأتى ترك الفعل معه؟ أقصى ما في الباب أن الأول جبر بغير PageV09P103 # توسط الإرادة من العبد، وهذا جبر يتوسط الإرادة! # فنقول: الجبر المنفي هو الأول، كما فسرناه. # وأما إثبات القسم الثاني، فلا ريب فيه عند أهل الاستنان والآثار، وأولي ~~الألباب والأبصار، لكن لا يطلق عليه اسم «الجبر» خشية الالتباس بالأمر (¬1) ~~الأول، وفرارا من تبادر الأفهام إليه، وربما سمي [جبرا] إذا أمن اللبس وعلم القصد. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الدعاء المشهور عنه في الصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم داحي المدحوات، وباري المسموكات، جبار ~~القلوب على فطراتها شقيها وسعيدها (¬2)» (¬3). # فبين أنه سبحانه (¬4) جبر القلوب على ما فطرها عليه من شقاوة أو PageV09P104 # سعادة (¬1)، يعني (¬2) الفطرة الثانية، ليست الفطرة الأولى، وبكلا ~~الفطرتين فسر قوله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة» (¬3)، ~~وتفسيره بالأولى واضح. # وقال (¬4) محمد بن كعب القرظي -وهو من أفاضل تابعي أهل المدينة وأعيانهم، ~~وربما فضل على أكثرهم- في قوله: الجبار (¬5)، قال: «جبر العباد على ما ~~أراد» (¬6)، وروي ذلك عن غيره (¬7). # وشهادة القرآن والأحاديث، ورؤية أهل البصائر والاستدلال التام، لتقليب ~~الله سبحانه قلوب العباد، وتصريفه إياها، وإلهامه إياها فجورها وتقواها، ~~وتنزيل القضاء النافذ من عند العزيز الحكيم في أدنى من لمح البصر ms1693 على قلوب ~~العالمين (¬8) حتى تتحرك الجوارح بما قضي لها وعليها = بين غاية البيان إلا ~~لمن أعمى الله بصره وقلبه. PageV09P105 # فإن قلت: فأنا أسألك على هذا التقدير، بعد خروجي عن تقدير الجبر الذي ~~نفوه وأبطلوه، وثباتي على ما قالوه وبينوه، كيف انبنى الثواب والعقاب (¬1)، ~~وصح تسميته فاعلا حقيقة (¬2)، وانبنى فعله على قدرته؟ # فأقول -والله الهادي إلى سواء السبيل (¬3) -: اعلم أن الله جعل (¬4) فعل ~~العبد سببا مفضيا إلى آثار (¬5) محمودة أو مذمومة. # فالعمل الصالح -مثل صلاة أقبل عليها بقلبه ووجهه، وأخلص فيها، وراقب، ~~وفقه ما بنيت عليه من الكلمات الطيبات، والأعمال الصالحات- يعقبه في عاجل ~~الأمر نورا في قلبه، وانشرحا في صدره، وطمأنينة في نفسه، ومزيدا في علمه ~~(¬6)، وتثبيتا في يقينه، وقوة في عقله، إلى غير ذلك من قوة بدنه، وبهاء ~~وجهه، وانتهائه عن الفحشاء والمنكر، وإلقاء المحبة له في قلوب الخلق، ودفع ~~البلاء عنه، وغير ذلك مما يعلمه ولا يعلمه (¬7). # ثم هذه [الآثار] التي حصلت له من النور والعلم واليقين وغير ذلك أسباب ~~مفضية إلى آثار أخر من جنسها وغير جنسها أرفع منها، وهلم جرا. PageV09P106 # ولهذا قيل: «إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من عقوبة السيئة السيئة ~~بعدها» (¬1). # وكذلك العمل السيء -مثل الكذب، مثلا- يعقب صاحبه في الحال ظلمة (¬2) في ~~القلب، وقسوة، وضيقا في صدره، ونفاقا، واضطرابا، ونسيان علم كان يعلمه ~~(¬3)، وانسداد باب علم كان يطلبه، ونقصا في يقينه (¬4) وعقله، واسوداد ~~وجهه، وبغضة في قلوب الخلق، واجتراء على ذنب آخر من جنسه أو غير جنسه، وهلم ~~جرا، إلا أن يتداركه الله بلطفه (¬5). # فهذه الآثار التي (¬6) تورثها الأعمال هي الثواب والعقاب، وإفضاء العمل ~~إليها واقتضاؤه إياها كإفضاء جميع الأسباب التي جعلها الله أسبابا إلى ~~مسبباتها (¬7). # فالإنسان إذا أكل أو شرب حصل له الري والشبع، وقد ربط الله تعالى PageV09P107 # الشبع والري والشرب ربطا محكما. ولو شاء أن لا يشبعه [ويرويه] مع وجود ~~الأكل والشرب فعل، إما بأن لا يجعل في الطعام قوة مغذية (¬1)، أو يجعل في ~~المحل قوة مانعة، أو بما شاء سبحانه وتعالى، ms1694 ولو شاء أن يشبعه ويرويه بلا ~~أكل وشرب لفعل، أو بأكل شيء غير معتاد. # كذلك في اقتضاء (¬2) الأعمال المثوبات والعقوبات حذو القذة بالقذة؛ فإنه ~~إنما سمي «الثواب» لأنه يثوب إلى العامل من عمله، أي يرجع، و «العقاب» لأنه ~~يعقب العمل، أي يكون بعده. ولو شاء أن لا يثيبه على ذلك العمل إما بأن لا ~~يجعل في العمل خاصة تفضي إلى الثواب، أو بوجود أسباب تنفي ذلك الثواب، أو ~~غير ذلك = لفعل سبحانه (¬3). وكذلك في العقوبات. # وبيان ذلك: أن نفس الأكل والشرب باختيار العبد ومشيئته التي هي من فعل ~~الله أيضا، وحصول الشبع في عقب الأكل ليس للعبد فيه صنع البتة، حتى لو أراد ~~دفع الشبع بعد تعاطي الأسباب الموجبة له لم يطق. # وكذلك نفس العمل، هو بإرادته واختياره، فلو شاء أن يدفع أثر ذلك العمل ~~وثوابه بعد [وجود] موجبه لم يقدر. # وهذه حكمة الله وسنته (¬4) في جميع الأسباب في الدنيا والآخرة، لكن PageV09P108 # العلم بالأعمال النافعة في الدار الآخرة، والأعمال الضارة، أكثره غيب عن ~~عقول الخلق، وكذلك مصير العباد ومنقلبهم بعد فراق روحهم (¬1) هذه الدار؛ ~~فبعث الله رسله، وأنزل كتبه، مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل. # وحكمته في ذلك تضارع حكمته في خلق جميع الأسباب والمسببات، وما ذاك إلا ~~[أن] علمه الأزلي ومشيئته النافذة وقدرته القاهرة اقتضت ما اقتضته، وأوجبت ~~ما أوجبته، من مصير أقوام إلى جنته بالأعمال الموجبة لذلك؛ فخلقهم وخلق ~~أعمالهم (¬2)، وساقهم بتلك الأعمال إلى رضوانه. وكذلك أهل النار. # كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لما قيل له: ألا ندع العمل ~~ونتكل على الكتاب؟ فقال: «لا، اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له. أما من كان من ~~أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر ~~لعمل أهل الشقاوة» (¬3). # فبين صلى الله عليه وسلم أن العبد (¬4) قد ييسر للعمل الذي يسوقه الله به ~~إلى السعادة، وكذلك الشقي تيسيره له هو نفس إلهامه ذلك العمل وتهيئة ~~أسبابه. PageV09P109 # وهذا هو نفس (¬1) خلق ms1695 أفعال العباد؛ فنفس خلق ذلك العمل هو السبب المفضي ~~إلى السعادة أو الشقاوة، ولو شاء لفعله بلا عمل، بل هو فاعله؛ فإنه ينشئ ~~للجنة خلقا لما يبقى فيها من الفضل (¬2). # يبقى أن يقال: ما الحكمة (¬3) الكلية التي اقتضت ما اقتضته من الأسباب ~~الأول، وحقيقة ما الأمر صائر إليه في عواقب (¬4) العواقب، والتخصيصات ~~والتمييزات الواقعة في الأشخاص والأعيان، إلى غير ذلك من كليات القدر التي ~~لا تختص بمسألة خلق أفعال العباد؟ وليس هذا الاستفتاء معقودا لها، وتفسير ~~جمل ذلك لا يليق بهذا الموضع، فضلا عن بعض تفصيله. # ويكفي العاقل أن يعلم أن الله عليم حكيم رحيم، بهرت الألباب حكمته، ووسعت ~~كل شيء رحمته، وأحاط بكل شيء علمه، وأحصاه لوحه وقلمه، وأن لله في قدره سرا ~~مصونا، وعلما مخزونا، اختزنه (¬5) دون جميع خلقه، واستأثر به على جميع ~~بريته، وإنما يصل أهل العلم به (¬6)، وأرباب ولايته إلى جمل من ذلك وجوامع ~~وكليات، قد يؤذن لبعضهم في إفشاء شيء من جمل ذلك (¬7) وقد PageV09P110 # لا يؤذن، وربما [كلم] الناس في ذلك على قدر عقولهم. # وقد سأل موسى وعيسى وعزير ربنا تبارك وتعالى عن شيء من سر القدر، وأنه لو ~~شاء أن يطاع لأطيع، ولو شاء أن لا يعصى لما عصي، وأنه قد أمر أن يطاع (¬1)، ~~وأنه مع ذلك يعصى، فأخبرهم سبحانه أن هذا سره، وأنه لا يسأل عن سره (¬2). # وفي هذا المقام تاهت عقول كثير من الخلائق، وفيه ضل القائلون بقدم ~~العالم، وأن صانعه موجب بذاته، ومقتض بنفسه (¬3) اقتضاء العلة للمعلول، ~~وأنه ليس في الإمكان أبدع مما صنع. # ودب هذا الداء إلى بعض أهل الكتاب و [أتباع] الرسل؛ فزعم انحصار (¬4) ~~الممكن في الموجود، وكل ذلك طلبا للاستراحة من مؤونة (¬5) تعليل الأفعال ~~الإلهية، ووجود (¬6) الأسباب الحادثة للأمور الحادثة. # وعلله أهل القدر بعللهم العليلة (¬7) في التعديل والتجوير (¬8)، ووجوب PageV09P111 # رعاية الصالح (¬1) أو الأصلح. # ولم يستقم لواحد من الفريقين أصلهم، ولم تطرد عللهم (¬2). # ومن هنا ذهب أهل التثنية والتمجس إلى الأصلين، والقول بقدم النور ~~والظلمة. # وسلم بعض السلامة -وإن ms1696 كان فيه نوع من اليبوسة، وضرب من الجفاف (¬3) - ~~كثير [من] متكلمي أهل الإثبات، حيث ردوا الأمر إلى محض المشيئة وصرف ~~الإرادة، وأن انتسابها إلى (¬4) جميع الجائزات، واقتضاءها كل الممكنات، على ~~نحو واحد ووتيرة واحدة (¬5)، وأنها بذاتها تخصص وتميز. ولو خلط بهذا الكلام ~~ضرب من وجوه الرحمة وأنواع الحكمة -علمناها أو جهلناها- لكان أقرب إلى ~~القبول (¬6). # وبكل حال، فلام التعليل في فعله سبحانه ليست على ما يعقله (¬7) أكثر ~~الخلق من لام التعليل في أفعالهم. PageV09P112 # ووراء ما يعلمه هؤلاء ويقولونه ما أنار الله (¬1) به قلوب أوليائه، وقذفه ~~في أفئدة أصفيائه، ممن استمسك فيما يظهر من الكلام بسبيل أهل الآثار، ~~واعتصم فيما يبطن من الأفهام بحبل أهل الأبصار. # وفي هذا المقام يعرف أولو الألباب سر قوله عز وجل: «سبقت رحمتي غضبي» ~~(¬2)، وقوله: «والشر ليس إليك» (¬3)، وقوله: {بيدك الخير} [آل عمران: 26]، ~~وقوله: {من شر ما خلق} [الفلق: 2]، وقوله: {وإذا مرضت} [الشعراء: 80]، و ~~{أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} [الجن: 10]، وما شاكل ذلك = ~~من أن الشر إما أن يحذف فاعله، أو يضاف إلى الأسباب، أو يندرج في العموم. ~~وأما إفراده بالذكر، مضافا إلى خالق كل شيء، فلا يقع في (¬4) كلام حكيم؛ ~~لما توجبه الحقيقة المقتضية للأدب المؤسس [على الدين] (¬5)، لا لمحض الأدب ~~العري عن أصل متين (¬6). # وهنا يعرف سبب دخول خلق كثير الجنة بلا عمل، وإنشاء خلق لها، وأن النار ~~لا تدخل إلا بعمل، ولا يدخلها إلا أهل الدنيا (¬7). PageV09P113 # ويعرف حقيقة {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79]، {وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30]، مع أن السيئة من القدر، وقول الصديق ~~وغيره من الصحابة رضي الله عنهم: «إن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ~~ومن الشيطان» (¬1). # إلى غير ذلك مما يتسع القول فيه، مما قد لحظ (¬2) كل ناظر منه شعبة من ~~الحق، وتعلق بسبب من الصواب، ولم يجمع (¬3) وجوه الحق ويؤمن بالكتاب كله ~~إلا أولو الألباب، وقليل ما هم. # فهذه إشارة يسيرة إلى كلي التقدير. # وأما كون قدرة ms1697 العبد وكسبه له شأن من بين سائر الأسباب، فإن الله خص ~~الإنسان بأن عمله (¬4) يورثه في الدنيا أخلاقا وأحوالا وآثارا، وفي الآخرة ~~أيضا أمورا أخر، لم يجعل (¬5) هذا لغيره من مخلوقاته. # والوجوه التي خص بها الإنسان في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله شخصا ونوعا ~~أكثر من أن تحصى، وما من عاقل إلا وعنده منها طرف. # ولهذا حسن توجيه الأمر والنهي إليه، وصح إضافة الفعل إليه حقيقة PageV09P114 # وكسبا، مع أنه خلق لله؛ فإن الله خلق العبد وعمله، وجعل هذا العمل له ~~عملا قام به، وصدر عنه، وحدث بقدرته الحادثة. # وأدنى أحوال الفعل أن يكون بمنزلة الصفات والأخلاق المخلوقة في العبد إذا ~~جعلت مفضية إلى أمور أخر، فهل يصح تجريد العبد عنها؟ ! كلا (¬1). # وأما الأمر، فإنه في حق المطيعين من الأسباب التي بها يكون الفعل منهم؛ ~~فإنه يبعث داعيتهم، ثم إنه يوجب لهم اسم (¬2) الطاعة ومحض الانقياد ~~والاستسلام، فهو من جملة القدر السائق (¬3) لهم إلى السعادة. وفي حق ~~العاصين هو السبب الذي يستحقون به العصيان؛ إذ لولا هو لما تميز مطيع من ~~عاص، فهو أيضا (¬4) في حقهم من القدر السائق لهم إلى المعصية؛ ليضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا. # فلا تغفلن (¬5) عن إدخال الأمر والنهي في جملة المقادير؛ فإنه (¬6) يحل ~~عقدا كثيرة. # هذا في أمر الله (¬7) سبحانه؛ لعلمه بالعواقب. PageV09P115 # وأما أمر العباد فظاهر؛ لعدم تميز المطيع من العاصي (¬1) في علمهم، وأن ~~قصدهم نفس صدور الفعل من الجميع. # وهو -أيضا- كذلك (¬2) في ظاهر الأمر الشرعي على لسان المرسلين بالكتب ~~المنزلة. # ولله في كل مظهر أمر وحكمة تخصه (¬3)؛ فالإرادة والأمر كل منهما منقسم إلى: # * قدر نافذ (¬4)، عام الوقوع، جامع للقسمين. # * وإلى شرع ربما نفذ (¬5)، وربما وقف، بحسب معونة (¬6) القدر له، والخير ~~كل الخير لنا في نفوذه، وهو خاص الوقوع، مفرق بين (¬7) القسمين. # واضع الأشياء في مراتبها (¬8). # وصح إذا (¬9) نسبة الطاعة والمعصية إلى من خلقت فيه، ولو أنه PageV09P116 # كخلق (¬1) الصفات أفيحسن بالإنسان أن يقول: أسود، وأحمر، وطويل، وقصير، ~~وذكي، وبليد، وعربي، فيضيف جميع الصفات التي ليس للإنسان ms1698 فيها إرادة أصلا ~~إليه (¬2)؛ لقيامها به، وتأثيرها فيه، تارة بما يلائمه وتارة بما ينافره، ~~ثم يستبعد أن يضاف إليه ما خلق فيه من الفعل بواسطة قصده وإرادته المخلوقين ~~أيضا، ثم يقول: ليس للعبد في الاثنين (¬3) شيء؟ ! وهل الجميع إلا له، ليست ~~لأحد غيره؟ ! ؛ لكن الله سبحانه خلقها له، وإضافة الفعل إلى خالقه ومبدعه ~~لا تنافي إضافته إلى صاحبه ومحله الذي هو فاعله وكاسبه، وقد بينا الجبر ~~المذموم ما هو. # ونختم الكلام بكلام وجيز في سبب الفرق بين الخلق والكسب، فنقول: الخلق ~~يجمع معنيين: # أحدهما: الإبداع والبرء. # والثاني: التقدير والتصوير. # فإذا قيل: «خلق» فلا بد من أن يكون أبدع إبداعا مقدرا، ولما كان الله ~~سبحانه وتعالى أبدع جميع الأشياء من العدم، وجعل لكل شيء قدرا، صح إضافة ~~الخلق إليه بالقول المطلق. # والتقدير في المخلوق لازم؛ إذ هو عبارة عن تحديده والإحاطة به، وهذا PageV09P117 # لازم لجميع الكائنات، لا كما زعم من حسب أن الخلق يختص (¬1) ذوات ~~المساحة، وهي الأجسام، مفرقا بين الخلق والأمر بذلك (¬2)؛ فإنه قول باطل مبتدع. # والأمر هو كلامه، كما فسره الأولون (¬3). # والخلق مصنوعاته (¬4)، وقد (¬5) يجعل الخلق بإزاء إبداع الصور الذهنية ~~وتقديرها، ومنه تسمية الكذب «اختلاقا» (¬6)؛ إذ هو صور ذهنية ليس لها حقيقة ~~خارجة عن الذهن واللسان (¬7). # وربما (¬8) جعل الخلق بمعنى التقدير فقط، مقطوعا عنه النظر إلى الإبداع، ~~كما قال (¬9): PageV09P118 # * ولأنت تفري (¬1) ما خلقت * # وكما قال عيسى (¬2) في تمثال صنعه: «أنا خلقته»، ولو قيل: هو عائد إلى ~~الأول (¬3) من حيث إن تلك الصورة مبدعة لكان قولا. # فلما كان هذا المعنى (¬4) لا يكون إلا لله صح وصفه سبحانه بأنه خالق كل شيء. # وأما الكسب، فقد ذكرنا أنه إنما ينظر فيه إلى تأثيره في محله، ولو لم يكن ~~له عليه قدرة أصلا، فكيف بما له عليه قدرة (¬5)؟ ! # حتى يقال: الثوب قد اكتسب من ريح المسك، والمسجد قد اكتسب الحرمة من ~~أفعال العابدين، والجلد اكتسب الحرمة بمجاورة المصحف، والثمرة قد اكتسبت ~~لونا وريحا وطعما؛ فكل محل تأثر عن شيء تأثرا ملائما أو منافرا ms1699 (¬6) صح ~~وصفه بالاكتساب، بناء على تأثره وتغيره وتحوله من حال إلى حال. PageV09P119 # والإنسان يتأثر عن الأفعال الاختيارية ولا يتأثر عن الأفعال الاضطرارية، ~~وتورثه أخلاقا وأحوالا على أي حال كان، حتى على رأي من يطلق اسم «الجبر» ~~على مجموع أفعاله؛ فإنه يستيقن تأثير الأفعال الاختيارية في نفسه، بخلاف ~~الاضطرارية، [اللهم إلا من حيث قد توجب الأفعال الاضطرارية] (¬1) أمرا في ~~نفسه، فيكون ذلك اختيارا. # ثم اعلم أن الاضطرار إنما يكون في بدنه بدون قلبه، إما بفعل الله ~~كالأمراض والأسقام، وإما بفعل العباد، كالقيد والحبس. # وأما أفعال روحه المنفوخة فيه إذا حركت بدنه (¬2) فهي كلها اختيارية، ومن ~~وجه -قد بيناه- كلها اضطرارية؛ فاضطرارها هو عين الاختيار (¬3)، واختيارها ~~إنما هو بالاضطرار. # وحقيقة الاضطرار (¬4) هو أن يخلق فيها الاختيار (¬5)، وربما أحبت من وجه ~~وكرهت من وجه، لكن هذا كله لا يمنع ورود التكليف واقتضاء الثواب والعقاب، ~~كما قد أومأنا إليه (¬6). # هذا الذي تيسر كتابته (¬7) في هذه الحال، والله يقول الحق وهو يهدي إلى PageV09P120 # سواء السبيل، والحمد لله، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليما. # آخر ما وجد بخطه، ومنه نقل الإمام شمس الدين محمد ابن المحب المقدسي ~~الحنبلي تغمده الله تعالى برحمته، وقال: إنه وجده في درج، وفي ظهره مكتوب ~~ما صورته بخطه أيضا: # الحمد لله. # وضل بالأسباب خلق كالتراب، كما هدي إلى حقيقتها أولو الألباب، فمن هنا ضل ~~الطبائعيون القاصرون نظرهم على الطبائع المخلوقة في الأجسام؛ إذ نسبوا ~~إليها التأثير على الكمال والتمام، والمنجمون الناظرون إلى حركة الكواكب ~~والأفلاك، حين حسبوا أن لها في ذلك شركا من الأشراك، والصابئة الزائغون ~~أبصارهم إلى حقيقة (¬1) الأرواح، ولكن وقفوا عندها فحادوا عن سنن الفلاح. # وكان شيطان القدرية فيما رأوه من الحركات الاختيارية شيطانا مريدا، فضلوا ~~من حيث ظنوا الهدى ضلالا بعيدا. # وآخرون غلوا في مناقضة أهل البدع والضلال، فأفضى بهم الغلو إلى سوء ~~الحال، فسلبوا المخلوقات ما فيها من القوى والإرادات والطباع، حتى تجهموا ~~فصاروا جبرية من أهل الابتداع. # ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه. ms1700 # واعلم أنه ما من عاقل يقول مقالة إلا ولا بد أن تكون مشتملة على شيء PageV09P121 # من الحق، حتى يقبلها قلبه، وتقبل عنه، كما يقبل الدرهم الزائف بما فيه من ~~الفضة، واللبن المشوب بما فيه من المحض، وإلا فلو خلص الباطل وتمحض لما خفي ~~على من له أدنى مسكة من عقل (¬1)، ومن هنا سمت الأباطيل «شبهات»؛ لمشابهتها ~~الحق ببعض الصفات (¬2). # فالقول الحق أن الله سبحانه خلق الخلق كلهم، أولهم وآخرهم، وعاليهم ~~وسافلهم، وأنه أحاط علما بدقهم وجلهم، وخفيهم وجليهم، وأنهم متساوون في ~~الافتقار إليه، ومتكافئون في الاضطرار إليه، وأن رحمته وقدرته ومشيئته ~~وعلمه محيط بجميعهم، وأن الأسباب بيديه سبحانه وتعالى بمنزلة الآلات ~~والأدوات في أفعال العباد من بعض الوجوه، ولله المثل الأعلى. # فالكاتب والصانع يفعله بقلمه وقدومه وسيفه وسوطه وعصاه، فيقال: كتب ~~بقلمه، وضرب بعصاه، فلا يضاف الفعل إلى الأداة، ولا يجعل وجودها كعدمها، ~~لكن الله سبحانه لو شاء لفعل بلا آلة، لكن في الآلات أنواع من الحكمة، كما ~~أنه لو شاء لابتدع الإنسان العظيم في لمح البصر، وإن كان إنما يخلقه على ~~وجه التدريج. # وعلى هذا السياق جاء القرآن، قال سبحانه: {والله أنزل من السماء ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها} [النحل: 65]، {وأنزلنا من السماء ماء} ~~[المؤمنون: 18]، PageV09P122 # {فأنبتنا به حدائق ذات بهجة} [النمل: 60]، {حتى إذا أقلت سحابا ثقالا ~~سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات} [الأعراف: 57]، ~~إلى غير ذلك من الآيات؛ فبين سبحانه أنه ينزل الماء بالسحاب، وأنه ينبت ~~الأشجار بالماء. # قال الإمام شمس الدين محمد ابن المحب المقدسي الحنبلي: إلى هنا وجدت بخط ~~شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني رضي الله عنه. ومن خط الإمام شمس الدين محمد ~~ابن المحب المقدسي الحنبلي نقلت. علقه الفقير محمد بن موسى بن إبراهيم بن ~~عبد الرحيم بن علي بن حاتم بن عمر بن محمد بن يوسف بن أحمد بن محمد، من ولد ~~عبد الرحمن بن سعد بن عبادة سيد الخزرج، الأنصاري الحراني الشهير بابن ~~الحبال الحنبلي، سبط سبط الشيخ ms1701 محمد بن قوام الصالحي، لطف الله تعالى بهم ~~وعفا عنهم، في نهار السبت ثالث شهر رجب الفرد الأصب من شهور سنة ثلاث ~~وتسعين وسبعمئة أحسن الله تقضيها. # - - - - PageV09P123 ### || AUTO فصل # في الكلام على حديث «اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ... » PageV09P125 # قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس ابن تيمية رضي الله عنه: # فصل # الدعاء الذي رواه الإمام أحمد رضي الله عنه وغيره، ورواه ابن حبان في ~~صحيحه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ~~ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به ~~نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم ~~الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي ~~وغمي= إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحا»، قالوا: يا رسول الله، ~~أفلا نتعلمه؟ قال: «بلى، ينبغي لمن سمعه أن يتعلمه» (¬1). PageV09P127 # هذا الحديث فيه فوائد: # * منها: أن أسماء الله تعالى أكثر من تسعة وتسعين اسما؛ فإن قوله في ~~الحديث الصحيح: «إن لله تسعة وتسعين اسما، مئة إلا واحدا، من أحصاها دخل ~~الجنة» (¬1)، إنما أراد المحصى (¬2)؛ لقوله: «من أحصاها»، كما يقال: عندي ~~مئة غلام أعددتهم للجهاد. وهذا قول الأكثرين، كالخطابي وغيره (¬3). وقد ~~قيل: إنه ليس لله إلا تسعة وتسعون اسما. وهو قول ابن حزم (¬4). # * ومنها: أن في الحديث تنبيها على أصلي الصفات والقدر، والتوحيد والعدل. # فإن قوله: «بكل اسم هو لك، سميت به نفسك» دليل على أنه سبحانه يسمي نفسه ~~بأسماء ليست مخلوقة من صنع الآدميين. PageV09P128 # وكذلك قوله: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك» دليل على أن من أسمائه ما ~~لا يعلمه غيره. # وهذا يدل على تكلمه بأسمائه، واختصاصه بذلك. # وعند الجهمية القائلين بخلق القرآن لا يقوم به كلام، ولا يتكلم، بل إذا ~~خاطب غيره خلق في الهواء كلاما؛ فلا ms1702 يتصور عندهم أن يكون له كلام اختص به ~~عن أسماع المخلوقين. # ولهذا كان قوله أيضا: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي» (¬1) حجة عليهم أيضا. # * وقوله: «أو أنزلته» «أو علمته» «أو استأثرت به» هو تفصيل لما سمى به ~~نفسه؛ فإن ما سمى به نفسه إما أن يعلمه أحدا بخطاب أو كتاب، أو لا يعلمه ~~أحدا، بل يستأثر به في علم الغيب عنده. # وإن كان الحديث بلفظ «أو» فإن «أو» حرف عطف، والعطف قد يكون للخاص على ~~العام، كقوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} [النحل: ~~90]، وقوله تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ابن مريم} [الأحزاب: 7]، وقوله تعالى: {من كان عدوا لله ~~وملائكته ورسله وجبريل وميكال} [البقرة: 98]، وقوله تعالى: {ومن الناس من ~~يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} [الحج: 8]. # * وقوله: «ربيع قلبي»، الربيع هو: المطر الذي ينبت ربيع الأرض، PageV09P129 # فسأل أن يجعل القرآن ماء ونورا لقلبه، فيحيى به قلبه كما تحيى الأرض ~~بوابل السماء، وينور الله به قلبه (¬1). # والحياة والنور جماع الخير، كما قال تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه ~~وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} [الأنعام: 122]. # ولهذا ضرب الله مثل الإيمان بالماء والنار في قوله: {أنزل من السماء ماء ~~فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ~~ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل} الآية [الرعد: 17]. # وضرب مثل المنافقين بما انطفأ ضوؤه، وبالصيب الذي فيه رعد وبرق، فقال: ~~{مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون • صم بكم عمي فهم لا يرجعون • أو كصيب من السماء فيه ~~ظلمات ورعد وبرق} الآية [البقرة: 17 - 19]. # * ثم لما ذكر تحصيل الخير ذكر دفع الشر، فقال: «وجلاء حزني، وذهاب همي ~~وغمي»، والفرق بينهما: أن الحزن يتعلق بالماضي، والهم يتعلق بالمستقبل، ~~والغم يتعلق بالحاضر (¬2). # * وقوله: «ماض في حكمك، عدل في قضاؤك»، رد على طائفتي المعتزلة والجهمية، ms1703 ~~ويدخل في ذلك القدرية، ومن غلاة أهل الإثبات المجبرة ونحوهم؛ فإن القدرية ~~تنكر أن يقدر الله على تغيير أعمال عباده، أو PageV09P130 # هدايتهم أو إضلالهم، بل تنكر أن يقدر على ما به يهتدي العبد غير ما خلقه ~~فيه (¬1). # فقوله: «ماض في حكمك» اعتراف بنفاذ حكم الله فيه، وأنه ما شاء الله به ~~فعله، لا مخرج له عن حكمه. # ومعلوم أنه لم يرد مجرد الأمر والنهي الشرعيين؛ فإن العبد قد يطيع تارة ~~ويعصي أخرى، وإن كانت الطاعة واجبة عليه، بل أراد الحكم القدري الكوني الذي ~~هو كلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر. # فهذا يبين أن حكم الله القدري ماض في العباد، وهو رد على القدرية الذين ~~لا ينفذون له مشيئة، ولا يجعلون له على ذلك قدرة. # ثم قوله بعد ذلك: «عدل في قضاؤك» دليل على أن الله عادل فيما يفعله ~~بالعبد من القضاء كله، خيره وشره، حلوه ومره. # فجمع في الحديث الإيمان بالقدر، والإيمان بأن الله عادل فيما قضاه، وهذا ~~رد على الطائفتين: # أما القدرية، فعندهم لو كان حكمه فيه ماضيا لكان ظالما له بإضلاله ~~وعقوبته. # وأما أندادهم من الجبرية ونحوهم، فيقولون: الظلم لا حقيقة له، بل هو ~~الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، فلا يقدر الله عندهم على ما يسمى PageV09P131 # ظلما حتى يقال: ترك الظلم وفعل العدل؛ فيكون قوله: «عدل في قضاؤك» كلاما ~~لا فائدة فيه عندهم، بل هو بمنزلة «ماض في حكمك»، ولا يكون سبحانه ممدوحا ~~بفعل العدل! # والحديث دليل على الثناء على الله بأنه مع كمال قدرته فإنه عادل في ~~قضائه، كما قال: {له الملك وله الحمد} [التغابن: 1]، فهو له الملك، وله ~~الحمد، ولهذا كان مستحقا للحمد على كل حال. # ولو كان الظلم عبارة عما لا يقدر عليه لم يمدح ويثنى عليه بترك ما لا ~~يقدر عليه، كما لا يقال: لك الحمد إذ لم تخلق مثل نفسك، ولك الحمد إذ لم ~~تعدم ذاتك. والمجبرة عندهم تركه للظلم من هذا الباب، وعدله هو مجرد الخلق؛ ~~فيكون قوله: «عدل ms1704 في قضاؤك» عندهم: أي موجود في قضاؤك، أو ثابت في قضاؤك. ~~وهذا معنى قوله: «ماض في حكمك». # فعلم أن معنى حكمه يعود إلى قدرته ونفاذ مشيئته، وعدله في قضائه يعود إلى ~~أنه يشاء ويختار ما هو عدل لا ما هو ظلم، وأنه لا يشاء أن يظلم، ولا يريد ~~ذلك، ولا يختاره، وهو محمود على ذلك، وإن كان لو شاءه لكان قادرا عليه، كما ~~لا يشاء ما أخبر أنه لا يكون، وعلم أنه لا يكون، وإن كان قادرا عليه. # كما أخبر في غير موضع من كتابه أنه لو شاء لفعل غير ما فعل، فقال تعالى: ~~{بلى قادرين على أن نسوي بنانه} [القيامة: 4]، وقال تعالى: {وإنا على ذهاب ~~به لقادرون} [المؤمنون: 18]. # وقال تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت PageV09P132 # أرجلكم أو يلبسكم شيعا} [الأنعام: 65]، ومنها أمران لا يكونان، وهو ~~العذاب من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، كما ثبت في الصحيح (¬1) عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قرأ: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم}، ~~فقال: «أعوذ بوجهك»، {أو من تحت أرجلكم}، فقال: «أعوذ بوجهك»، {أو يلبسكم ~~شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض}، فقال: «هاتان أهون». # والحكم هو الأمر، وهو أمر التكوين، فمعناه هو بوجود المأمور به الذي قيل ~~له: «كن» فيكون. # وأما القضاء، فهو الإكمال والإتمام، كما قال تعالى: {فقضاهن سبع سموات في ~~يومين} [فصلت: 12]، وقال الشاعر (¬2): # وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع # وذلك هو كمال الوجود المخلوق، فلا بد من كونه واقعا على العدل، كما قال: ~~{خلقك فسواك فعدلك} [الانفطار: 7]. # وفرق صلى الله عليه وسلم بين لفظي «القضاء» و «الحكم»، ووصف الحكم ~~بالنفاذ، والقضاء بالعدل (¬3)؛ لأن القضاء هو الإكمال والإتمام لما يخلقه، ~~فوصفه PageV09P133 # بأنه بعد كماله وتمامه عدل لا ظلم (¬1) فيه. # وأما الحكم فهو مبدأ التكوين، مثل كونه يقول للشيء: «كن» فيكون، فهذا إذا ~~كان نافذا لا يرده شيء كان دالا على كمال القدرة. # فوصفه بكمال القدرة، وكمال العدل؛ فإن ms1705 العدل شامل لكل ما خلقه، والقدرة ~~متناولة لكل ما شاءه. # ووصف العدل بالتمام والكمال؛ لأن العدل المطلوب هو الغاية والنهاية. # وكلا الأمرين: القضاء، والعدل، يتعلق بالنهاية والعلة الغائية، وهما ~~متعلقان بإلهيته تعالى. # وأما الحكم فهو نفاذ مشيئته. # فهذا متعلق بقدرته، وهذا متعلق بربوبيته؛ فدل الحديث على كماله في ~~ربوبيته، وأنه له الملك كله، وعلى كماله في إلهيته، وأنه له الحمد كله، وأن ~~إلهيته متضمنة لربوبيته، كما أن ربوبيته مستلزمة لإلهيته، كما أن قضاءه ~~متضمن لحكمه، كما أن حكمه مستلزم لقضائه. # ولما كانت الإلهية متضمنة للربوبية كان اسمه الذي هو «الله» مقدما على ~~الاسم الذي هو «الرب»، وكان بذلك الاسم يذكر، ويثنى عليه، ويسبح، ويحمد، ~~ويكبر في الصلوات والأذان، وغير ذلك. # ولهذا كان سبحانه يقرن بين اسمي: القدرة، والحكمة، كقوله: {وهو PageV09P134 # العزيز الحكيم} [إبراهيم: 4] (¬1)، وقوله: {إنه عزيز حكيم} [الأنفال: ~~63]، وقوله: {فإن ربي غني كريم} [النمل: 40]، وقوله تعالى: {هو الغني ~~الحميد} [لقمان: 26]. # والعزة خصوص في القدرة، كما أن الحكمة خصوص في الإرادة ... (¬2) وهو ~~متضمن للعلم. # ولا يكون حكيما إلا من أراد ما ينبغي أن يراد، لا من كان يستوي عنده ~~إرادة كل شيء، ولا يكون حكيما إلا من أمر بما ينبغي أن يؤمر به، ونهى عما ~~ينبغي أن ينهى عنه، لا من كان يستوي عنده الأمر بكل شيء، والنهي عن كل شيء. ~~كما لا يوصف بأنه حكيم إلا من كان صادقا في خبره، لا من يستوي عنده الإخبار ~~بالصدق والكذب. # والعزيز من العزة، والعرب تقول: «عز يعز» -بالفتح- إذا صلب، و «عز يعز» ~~-بالكسر- إذا امتنع من غيره، و «عز يعز» -بالضم- إذا غلب غيره، كقوله: ~~{وعزني في الخطاب} [ص: 23]؛ فأقوى الحركات لأقوى المعاني، وهو الضم. ~~وأوسطها لأوسطها، وهو الكسر. وأخفها لأخفها، وهو الفتح (¬3). PageV09P135 # والأخف (¬1) -وهو قولهم: «عز يعز» بالفتح- يتضمن القدرة، فكيف بالثاني ~~والثالث؟ ! والله أعلم. # آخر ما وجد منها بخط الشيخ رحمه الله تعالى، والحمد لله رب العالمين، ~~وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه. # - - - - PageV09P136 ### || CHECK فصلان: في الإنذار ولوازمه، والخوف والرجاء والشفاعة ms1706 # فصلان # في الإنذار ولوازمه # والخوف والرجاء والشفاعة PageV09P137 # فصل # وإذا كان الإنذار لا بد فيه من شيئين: # * الإعلام بالمخوف. # * والإعلام بسبيل النجاة منه. # فمعلوم أن الأول هو الوعيد، وهو مستلزم للوعد الصريح (¬1) أو اللازم وهو ~~التبشير. والثاني هو الأمر والنهي؛ لأن النجاة من العذاب بأداء الواجبات ~~وترك المحرمات. # فصارت هذه الأصول الأربعة: الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، لازمة لا بد ~~منها في الإنذار الذي لا بد منه لبني آدم، وبذلك بعث الله الرسل جميعهم. # ولكن الأمر والنهي لا بد للناس من معرفته مفصلا؛ إذ قد يحتاج إلى العمل، ~~والعمل لا يكون إلا مفصلا، لكن إنما يحتاج إلى معرفة التفصيل فيما يجب ~~عليه، وأما ما يجب مطلقا فيكفي فيه العلم المجمل. # ولكن لا بد أن يكون في الأمة من يدعو إلى الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر، كما أوجب الله ذلك، وهذا لا يكون إلا إذا علموا ما يدعون إليه ~~ويأمرون به وينهون عنه مفصلا؛ إذ المجمل لا يكفي عند الحاجة إلى الامتثال. # ولهذا اتفق العلماء على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، PageV09P139 # وإنما تنازعوا في تأخيره من حين الخطاب إلى حين الحاجة (¬1). # وأما العلم بالوعد والوعيد فقد يكفي فيه المجمل؛ فإنه إذا علم أن هذا ~~الفعل يكون سببا للعذاب حصل ذلك، فأما العلم بالوجوب والتحريم بدون الإيمان ~~بأن المعصية سبب العذاب فلا يحصل النجاة، وهذا الأصل هو من الإيمان بالوعد ~~والوعيد، كما أن الأول من الإيمان بالأمر والنهي. # ومتى صدق العبد بذلك خاف عقوبة المعصية؛ فإن الحي مجبول على أنه يخاف ما ~~يجوز وجوده من الضرر، فإذا استشعر أن المعصية سبب للضرر خاف، وهو يرجو مع ~~ذلك السلامة من الضرر إذا أطاع، ولو لم يكن الرجاء مقرونا بما يجوز وجوده ~~من النفع. # وإذا لم يقترن بالخوف رجاء لم يكن خوفا، وإنما هو يأس (¬2) وقنوط، و {لا ~~ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: 87]، ولا {يقنط من رحمة ربه ~~إلا الضالون} [الحجر: 56]. # ومتى لم يقترن بالرجاء خوف لم يكن رجاء، ms1707 وإنما هو أمن، ولا {يأمن مكر ~~الله إلا القوم الخاسرون} [الأعراف: 99]. # ولهذا كان الرجاء والخوف واجبين، وهما موجب الوعد والوعيد، كما أن الطاعة ~~والامتثال موجب الأمر والنهي. PageV09P140 # وهما متلازمان؛ فكل خائف راج مطيع، وكل مطيع خائف راج (¬1)، كما أن كل ~~أمر ونهي فهو مستلزم للوعد والوعيد، وكل وعد ووعيد فهو مستلزم للأمر ~~والنهي. # فالمعرض عن الخشية والرجاء عاص، وقد يكون بعض ذلك ذنبا، وقد يكون فسقا، ~~وقد يكون كفرا، ولذلك أمر الله بهما، وأثنى على أهلهما، وذم المعرضين ~~عنهما، فقال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين • ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين} [الأعراف: 55 - 56]، فأمر بدعائه، وأن يكون الداعي خائفا طمعا. # وقال تعالى لما ذكر دعاء زكريا له، وإصلاحه زوجه له، قال: {إنهم كانوا ~~يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين} [الأنبياء: 90]. # وقال تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} [السجدة: ~~16]، وقال: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ~~ربه} [الزمر: 9]. # وقال عن الملائكة والنبيين، كالمسيح وعزير: {أولئك الذين يدعون يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه} الآية [الإسراء: ~~57]. PageV09P141 # وقال: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون ~~رحمت الله} [البقرة: 218]. # وقال الخليل: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: 82]. # وقال: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا ~~من الله ورضوانا} [الحشر: 8]، وابتغاء ذلك هو طلبه، وهو الرجاء في العمل. # فإن الرجاء قد يكون من باب المحبة والإرادة والطلب الذي يتبع اعتقاد جواز ~~[وقوع] (¬1) المحبوب، والخوف من باب النفرة والكراهة والبغض الذي يتبع ~~اعتقاد جواز وقوع المكروه. # ولهذا قيل: «من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه» (¬2)، أي: من ~~رجاه بقلبه طلبه بنفسه، ومن خافه بقلبه هرب منه. PageV09P142 # وقد يكونان من باب الاعتقاد والظن، كما يقال: أخاف أن لا يقبل، وأرجو أن ~~يتقبل مني، وأرجو أن لا يأمره ms1708 بهذا، وأرجو أن لا يكون فلان مؤمنا، وأخاف أن ~~يكون عدوا. # وفي الجملة، فالرجاء والخوف متضمن (¬1) للتجويز في الاعتقاد الذي يكون ~~ظنا وأقوى وأضعف، وللمحبة والبغض التابع لذلك الاعتقاد، فهو مشتمل على جنس ~~الظن والإرادة معا (¬2). # ولهذا قال: {ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} ~~[المائدة: 2]، وقال: {تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا} ~~[الفتح: 29]، وكذلك قوله تعالى: {يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} ~~[الكهف: 28]، وقوله تعالى: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا ~~شكورا} [الإنسان: 9]، وقوله تعالى: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى • إلا ~~ابتغاء وجه ربه الأعلى} [الليل: 19 - 20]، وقوله تعالى: {منكم من يريد ~~الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} [آل عمران: 152]. # وكذلك ما في القرآن من المسألة والدعاء، ومن التوكل على الله والاستعانة ~~به، وكل ذلك متضمن للرجاء. # وقد ذم الله تعالى من لا يرجو رحمة الله، فقال: {ولئن أذقنا الإنسان منا PageV09P143 # رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور} [هود: 9]، وقال تعالى: {لا يسأم ~~الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط} [فصلت: 49]. # وقال عن يعقوب: {يابني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح ~~الله} الآية [يوسف: 87]. # وقال تعالى عن إبراهيم: {قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} [الحجر: ~~56] لما قالت له الملائكة: {بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين} [الحجر: 55 - 56]. # وقال: {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك ~~في قلوبكم وظننتم ظن السوء} [الفتح: 12]، وقال: {وإذ زاغت الأبصار وبلغت ~~القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا} الآيتين [الأحزاب: 10 - 11]. # وكذلك ذم من لا يخشاه، وأمر بخشيته دون خشية الخلق، فقال: {إلا الذين ~~ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني} [البقرة: 150]، وقال تعالى: {فلا تخافوهم ~~وخافون} [آل عمران: 175]، وقال: {وإياي فاتقون} [البقرة: 41]، وقال: {إنما ~~ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} (¬1) [آل ~~عمران: 175]، وقال: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون} ~~[المائدة: 3]، [وقال: ] {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} إلى قوله: ms1709 PageV09P144 # {إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} [النساء: 77]، وقوله ~~تعالى: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} [الحشر: 13]. # وقال في التوراة: {يحكم بها النبيون} إلى قوله: {فلا تخشوا الناس واخشون} ~~الآية [المائدة: 44]. # وقال: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} ~~[الأحزاب: 39]، وقال: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى ~~أن تصيبنا دائرة} [المائدة: 52]، وقال: {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ~~وأقاموا الصلاة} [فاطر: 18]، وقال: {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم} [يس: 11]، وقال: {سيذكر من يخشى} (¬1) ~~[الأعلى: 10]، وقال: {إنما أنت منذر من يخشاها} [النازعات: 45]. # وقال عن أهل الجنة: {إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين} [الطور: 26]. # وقال: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: 60]، وقال: {وفي ~~نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} [الأعراف: 154]، وقال: {ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46]، وقال: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن ~~الهوى • فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 40 - 41]، وقال: {فقولا له قولا ~~لينا لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44]، وقال: {ذلك يخوف الله به عباده} ~~[الزمر: 16]، PageV09P145 # وقال: {يخافون ربهم من فوقهم} إلى قوله: {فإياي فارهبون} [النحل: 50 - ~~51]، وقال: {واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده} [لقمان: 33]، وقال: {من خشي ~~الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} [ق: 33]. # فصل # الرجاء والخوف قد يتعلقان بما بعد الموت من النعيم والعذاب، وقد يتعلقان ~~بما يكون في الدنيا من نعيم أو عذاب. وكذلك الوعد والوعيد، يتعلقان بما بعد ~~الموت، ويتعلقان بما في الدنيا. # ولهذا يجمع الله سبحانه بين قصص الأمم المتقدمين التي فيها عبرة [وبين ~~ذكر هذين الأمرين؛ فيذكر] (¬1) من الخوف والرجاء ما يتعلق بالدنيا، ويذكر ~~ما في الآخرة من الثواب والعقاب، كما فعل ذلك في غير سورة (¬2). # فكل منهما قد يتعلق بفعل، مثل أن يرجو الثواب ويخاف العقاب على حسناته ~~وسيئاته (¬3). # وقد يكون متعلقا بغير فعله، كما قال سبحانه: {هو الذي يريكم البرق خوفا ~~وطمعا} [الرعد: 12]، فقد قيل: «خوفا للمسافر، وطمعا للمقيم» (¬4). PageV09P146 # وكل من الرجاء ms1710 والخوف لا يجوز تعليقه إلا بالله. # وقد تقدمت آيات الخوف. # وكذلك آيات الرجاء، مثل قوله: {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا ~~له} [العنكبوت: 17]؛ فإن ابتغاء الرزق هو من الرجاء. # وكذلك قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5]؛ فإن المستعين راج. # وكذلك قوله تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123]، {وعلى الله فتوكلوا ~~إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23]، {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: ~~122]؛ فإن التوكل رجاء وزيادة. # وقال تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل ~~له من بعده} [فاطر: 2]. # وكذلك [ما ورد] (¬1) من أنه لا يدعى إلا الله، ولا يستعان إلا به. # وبينهما (¬2) فرق من وجه آخر (¬3)، كما قال علي عليه السلام: «لا يرجون ~~عبد إلا ربه، ولا يخافن عبد إلا ذنبه» (¬4). PageV09P147 # فإن الرجاء بفضل الله ورحمته، وإن كان العبد قد فعل عملا صالحا، فإن ~~العمل الصالح غايته أنه سبب للخير، ولو أقام الله سببا أكمل منه للخير لكان ~~(¬1) الواجب على العبد أن لا يرجو إلا رحمة الله، ولا يتوكل إلا عليه، لا ~~على الأسباب المخلوقة؛ فإنه سبحانه خالقها وخالق العمل الصالح وسائر ~~الأسباب، ومع هذا فليس من الأسباب ما هو موجب لا محالة إلا بمشيئة الله ~~تعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. # فما من سبب يلتفت إليه العبد [إلا] (¬2) وهو يقف على شروط ويتخلف عنه ~~لموانع، فالعمل الصالح قد يحبط، وقد يكون له من السيئات ما يعارضه، وقد لا ~~يكون في نفسه صالحا؛ لكون العبد لم يتق الله فيه. # وسائر ما ينظر إليه في أمر الرزق والنصر والهدى شأنه كذلك، فليس في ~~الأسباب ما هو مستقل، وهي جميعها من الله وحده لا شريك له، لا قيام لها إلا ~~بمشيئة الله وقدرته. # ف «لا حول» وهي الحركة والتحول من حال إلى حال، و «لا قوة» على ذلك الحول ~~إلا به، سواء في ذلك الحول والقوة الموجود (¬3) في السماء، والأرض، ~~والآدميين، والملائكة، والجن، وسائر الدواب، وغيرها. PageV09P148 # {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ms1711 يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير • ولا تنفع الشفاعة ~~عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 22 - 23]، فليس لغيره ملك ولا شرك في ملك، فلا ~~مليك غيره، ولا شريك له، وهذان (¬1) الصنفان هما اللذان لهما ملك إما كامل ~~وإما مشاع. ومن ليس له ملك فإما أن يكون عونا للمالك، كالوكلاء، والأجراء ~~(¬2)، والغلمان، والجند، والأولياء، وإما أن يكون سائلا طالبا منه؛ لأنه ~~إما أن ينفع المالك فيكون له عليه حق، وإما أن لا ينفع لكن يسأله، فأخبر ~~سبحانه أنه ليس له من المخلوقات ظهير. # وأما مسألة الشفاعة، فلم ينفها، لكن أخبر أنها لا تنفع إلا لمن أذن له في ~~الشفاعة له، فنفعته الشفاعة (¬3)، وإلا فلا. # وهذا بخلاف الشفعاء للمخلوقين، فإنهم قد يشفعون لمن لم يؤذن لهم في ~~الشفاعة له، وقبل استئذان المشفوع إليه. # وهذا كقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255]، وكقوله: ~~{وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن ~~يشاء ويرضى} [النجم: 26]، وقال: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: ~~28]، وقال: {ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم} [يونس: 3]. PageV09P149 # وهذا يوجب انقطاع تعلق القلوب بغيره، ولو كان ملكا أو نبيا، فكيف ~~بالمشايخ، والعلماء، والملوك، والأغنياء؟ ! فإن غاية الراجي لهم، المعتمد ~~عليهم، أن يقول: هم يشفعون لي. فقد أخبر أنه ما من شفيع إلا من بعد إذنه، ~~وأنكر أن يشفع أحد إلا بإذنه، وأخبر أن الشفاعة لا تنفع إلا لمن أذن له. # ولهذا إذا جاء سيد الشفعاء يوم القيامة إلى ربه، ورآه سجد وحمده بمحامد ~~يفتحها عليه، لا يبتدي بالشفاعة حتى يقال له: «أي محمد، ارفع رأسك، وقل ~~يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع» (¬1). # وبهذا تتبين الشفاعة المنفية يوم القيامة، كما قال تعالى: {واتقوا يوما ~~لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ~~ينصرون} [البقرة: 48]، وكذلك نظيره في الآية الأخرى [البقرة: ms1712 123]، وقال: ~~{من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} [البقرة: 254]، وقال: ~~{يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} [الانفطار: 19]. # وذلك أن الإنسان في الدنيا يحصل ما ينفعه إما بمعاوضة وإما بغير معاوضة، ~~فالمعاوضة هي البيع، [والعدل من المعاوضة] (¬2)؛ فإن عدل الشيء ما عادله من ~~[غير] (¬3) جنسه، وهي الفدية، كما قال: {أو عدل ذلك صياما} [المائدة: 95]. PageV09P150 # وهذا أجود من قول من قال في قوله: «لا يقبل منه صرف ولا عدل» (¬1): إن ~~الصرف هو [التطوع، والعدل: الفريضة. # بل الصرف هو] (¬2) التوبة، وهو صرفه وانصرافه عن الذنب، والعدل: النظير، ~~وهو الفداء والعوض من غير الجنس؛ فإن التوبة من جنس السيئة، والعدل من غير ~~جنسها، ولهذا لما كانت التوبة تبديل السيئة بجنسها جعل الله للتائب مكان كل ~~سيئة تاب منها حسنة (¬3)، فكأنه قال: لا يقبل منه البدل، لا بجنسه وهو ~~الصرف، ولا بغير الجنس وهو العدل. # ولهذا شرع الله ما يمحو السيئات تارة صرفا، وهو التوبة. وتارة عدلا، وهو ~~الحسنات الماحية، كالكفارات المشروعة لذنوب معينة، أو للذنوب المطلقة، فإن ~~الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تكفر فتنة ~~الرجل في أهله وماله وولده، كما نطق بذلك حديث حذيفة الذي في الصحيح (¬4). # فأخبر سبحانه أنه يوم القيامة لا يحصل ما ينفعه، ويدفع ما يضره، لا ~~بمعاوضة وهي البيع والعدل، ولا بغير معاوضة؛ لأن غير المعاوضة إما أن يكون ~~من عند الباذل (¬5)، وإما أن يكون سائلا لها من غيره. PageV09P151 # والتي من عنده أعلى مراتبها أن يكون خليلا له، وهو الكامل في محبته، التي ~~تخللت محبته كله (¬1)، كما قيل: # قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا (¬2) # فيبذل له ما ينفعه، ويدفع عنه ما يضره، بلا عوض. # فنفى سبحانه أن يكون هناك خلة (¬3)، وهو تنبيه على انتفاء مات سواها ~~بالعموم بالفحوى. # ونفى في الأخرى (¬4) بصيغة العموم اللفظي، فقال: {واتقوا يوما لا تجزي ~~نفس عن نفس شيئا}، وهو في معنى قوله: {ولا خلة}، فهذا الباذل من عنده. ~~والطالب من غيره ms1713 وهو الشفيع، فقال: {ولا يقبل منها شفاعة}، وقال: {ولا شفاعة} # فالآيتان سواء، وهما جامعتان للأنواع نوعا نوعا. PageV09P152 # وهذا من معنى كون القرآن متشابها مثاني، ومن معنى كونه من جوامع الكلم، ~~ومن معنى أنه أحكمت آياته ثم فصلت، ومن معنى كونه ضرب فيه من كل مثل. # وهو كما قال ابن عباس: «فيه الأقسام والأمثال» (¬1). # فالأمثال (¬2): الأمور المتشابهة المتماثلة. ويضرب لها المثل بقياس ~~الشبه، والتمثيل، وقياس الشمول. # والأقسام: هي الأصناف والأنواع المختلفة، وهي التي تثنى أي: تعدد وتقسم، ~~فتذكر كلمة بعد كلمة، واسم بعد اسم، بخلاف المتشابهة، فإنه يجمعها اسم واحد ~~وكلمة واحدة. ويضرب لها المثل بقياس التقسيم والتفصيل (¬3). # ومثل هؤلاء الآيات قوله تعالى: {وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من ~~دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها} [الأنعام: 70]. # فلما نفى سبحانه أن يقبل في الآخرة من النفس الشفاعة، وأخبر أنه لا شفاعة ~~في ذلك اليوم، [بين أنه في من قبلت شفاعته] (¬4) هو الآمر بالشفاعة، PageV09P153 # وأذن له فيها، ففي الحقيقة ليس هو شفيعا، وإنما هو عبد مطيع (¬1). # يبين ذلك أن «الشفاعة» سميت بذلك لأن الشفيع يصير شفعا للطالب، فإنه يكون ~~طالبا لأمر، فإن أعانه آخر صار شافعا (¬2)، والشفيع كالمعين والنصير، وهذا ~~في الدنيا يفعل ابتداء، وأما في الآخرة فلا معين ولا نصير إلا بأمر الله، ~~فلا فرق بين الذي هو يشفع بإذنه وبين سائر جنود الله الذين لا يفعلون إلا ~~بإذنه، والذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. # وهكذا قول المشركين: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين • إذ نسويكم برب ~~العالمين • وما أضلنا إلا المجرمون • فما لنا من شافعين • ولا صديق حميم} ~~[الشعراء: 97 - 101]، فإن الصديق الحميم هو مثل الخليل، ومثل قوله: {لا ~~تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة: 48]، ومثل قوله: {لا يجزي والد عن ولده ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا} [لقمان: 33]. # والله سبحانه بين [أن] ذلك يوم القيامة؛ لأنه في الدنيا قد خلق أسبابا ~~تعلق بها كثير من الناس، وأشركوا بها ms1714 خالقها، وأعرضوا عنه، واتخذوا عباده ~~من دونه أولياء، ونازعه المستكبرون الربوبية والإلهية، ونازعوه العظمة ~~والكبرياء، فوقع الاشتراك من الأتباع والمتبوعين. # فإذا كان يوم القيامة، ونادى: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} ~~[غافر: 16]، لم يبق أحد يدعي ذلك، فهو مالك يوم الدين، الذي كان يكذب به PageV09P154 # الكافرون، حيث يقول: {كلا بل تكذبون بالدين} [الانفطار: 9]. # والأمر يومئذ لله وحده، فلا أحد يظن أو يدعي أن له أمرا أو شركا في أمر، ~~بل باتفاق الخلق كلهم أن ذلك كله لله، وإن كان في الدنيا ينازعونه ويشركون به. # والمستحق للحق إذا نازعه المبطلون، ثم سلموا له حقه، فهو في الموضعين قد ~~(¬1) كان حقه، لكن حق مسلم، أو حق ينازع فيه المبطل أو يدعيه لنفسه. # فأما شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وشفاعة غيره يوم القيامة، فهي ~~بأمره وإذنه، وهي منه لا من الشافع، فلا يشفعون إلا بعد أن يأذن الله لمن ~~يشاء ويرضى، فلا يتوكل العبد إلا على الله، ولا يعبد إلا إياه؛ فإنه الذي ~~يسر له الشفعاء. # ولهذا لما سأل أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس ~~بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أحد أول منك؛ لما ~~رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله ~~إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» (¬2). # فقد أخبر أن أسعد الناس بشفاعته هم أهل التوحيد لله، الذي أخلصوا له ~~الدين، الذين لم يتألهوا غيره (¬3). PageV09P155 # فبين أن كل من كان بالأسباب أشد تعلقا ورجاء كان عن رحمة الله بشفاعة ~~الشفعاء وغيرها أبعد، وكل من كان لله أعظم إخلاصا وعليه أشد توكلا كان أولى ~~برحمة الله بشفاعة الشفعاء وغيرها؛ فإن الأسباب جميعها كالشفاعة ليست ~~مستقلة موجبة، ومع هذا فالله خالقها وربها. # وأعظم الأسباب التي يرجو بها العبد رحمة الله: العمل الصالح، والدعاء، ~~والشفاعة، ومع هذا فالثلاثة بمنزلة الأسباب التي ليست من فعل العباد، من ~~جهة أنها من جملة مخلوقات الله ومصنوعاته وما سببه من الأسباب، ومن ms1715 جهة ~~أنها غير موجبة ولا مستقلة. # فلذلك وجب أن لا يتوكل العبد إلا على ربه، ولا يتخذ من دونه وليا ولا شفيعا. # قال الله تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من ~~دونه ولي ولا شفيع} [الأنعام: 51]، وقال: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~أفلا تتذكرون} [السجدة: 4]. # فليس للعباد ولي يتولى أمورهم دونه، ولا شفيع يعينهم على أمورهم دونه. # ولهذا قال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ~~شيئا ولا يعقلون • قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات PageV09P156 # والأرض} [الزمر: 43 - 44]، وقال تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم ~~أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم ~~أنهم فيكم شركاء} [الأنعام: 94]، وقال: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ~~ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18]، وقال تعالى: {ويوم ~~تقوم الساعة يبلس المجرمون • ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء} [الروم: 12 - 13]. # ومعلوم أن الخلق إنما دعوا غيره لرجاء المنفعة به، أو خوف الضرر في ترك ~~ذلك، كما دعوا (¬1) الشمس والقمر أو شيئا من الكواكب، أو دعوا الملائكة أو ~~النبيين، أو دعوا غير ذلك من المخلوقات، كالفلك والسحاب والمطر وغير ذلك؛ ~~فإن جميع المخلوقات عبدت من دون الله سبحانه وتعالى (¬2). # - - - - PageV09P157 ### || AUTO مسائل عقدية PageV09P159 ### ||| CHECK وسئل أيضا عن من يعتقد أن كرامات الأولياء حق، وأن منهم من يكاشف ماضي ومستقبل، فهل هذا الاعتقاد صحيح أم لا؟ # * وسئل أيضا عن من يعتقد أن كرامات الأولياء حق، وأن منهم من يكاشف ماضي ~~ومستقبل (¬1)، فهل هذا الاعتقاد صحيح أم لا؟ # أجاب رضي الله عنه: كرامات الأولياء حق باتفاق أئمة أهل الإسلام والسنة ~~والجماعة، وقد دل عليه (¬2) القرآن في غير موضع، والأحاديث الصحيحة، ~~والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم. # وإنما أنكرها أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم. # وأما أئمة الإسلام وشيوخه المقبولون عند الله فلم ينكروها، لكن كثيرا ممن ~~يدعيها أو تدعى له يكون كذابا أو ملبوسا عليه. # وأيضا، ms1716 فإنها لا تدل على عصمة صاحبها، ولا على وجوب اتباعه في كل ما يقول. # بل قد تصدر بعض الخوارق من الكشف وغيره عن بعض الكفار من المشركين وأهل ~~الكتاب ومن هو شر منهم (¬3)، كما ثبت في الصحيح أن الدجال يقول للسماء: ~~أمطري، فتمطر، ويقول للأرض: أنبتي، فتنبت، وأنه يقتل واحدا ثم يحيا، وأنه ~~تخرج خلفه كنوز الذهب والفضة (¬4). PageV09P161 # ولهذا اتفق أئمة الدين على أن الرجل لو طار في الهواء، أو مشى على الماء، ~~لم يغتر به (¬1) حتى ينظر وقوفه عند الأمر والنهي الذي بعث الله به رسوله ~~صلى الله عليه وسلم. # وهذه جملة مختصرة مفصلة مبسوطة في غير هذا الموضع، والله أعلم، والحمد ~~لله رب العالمين (¬2). # قال الإمام شمس الدين بن المحب: نقلت هذه المسألة من خط الشيخ تقي الدين ~~أبي بكر الدريبي رحمه الله تعالى (¬3)، ونقلتها من خطه. # * * * PageV09P162 # * ### ||| AUTO مسألة: في من يعتقد أن الله يكلف العباد ما لا يطيقونه، هل هو اعتقاد صحيح أم لا؟ # الجواب: إن اعتقد أن الله يكلف العبد ما هو عاجز عنه، كتكليف المقعد أن ~~يقوم في الصلاة، وأن يحج ماشيا، وتكليف من لا يقدر على المال أن يؤدي مالا، ~~وتكليف الإنسان أن يطير في الهواء، ونحو ذلك = فعليه أن يرجع عن ذلك؛ فإن ~~الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. # وقد قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]، وقال تعالى: ~~{وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]، وقال: {يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]. # وإن اعتقد أن الله يكلف العبد ما قد سبق علمه أنه لا يفعله، فهذا صحيح. ~~وكذلك إن اعتقد أنه يكلفه (¬1) ما هو مشغول بضده، وهو لا يقدر على الجمع ~~بين الضدين، فلا يطيق فعل المأمور حتى يترك الضد المانع، فهذا صحيح. # وهذا الجواب مختصر تفصيل جواب هذه [المسألة]، وبسط هذا لا يحتمله هذا ~~الموضع، والله أعلم (¬2). PageV09P163 ### ||| CHECK مسألة: هل صلى أحد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه إلى المشرق أو المغرب أو إلى بيت المقدس؟ وهل ms1717 بعث الله نبيا بغير دين الإسلام؟ وما سبب صلاة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس؟ وهل صخرة بيت المقدس أفضل من غيرها من الحجارة؟ وهل يأجوج ومأجوج من # ومما سئل شيخ الإسلام رضي الله عنه، وهو: # مسألة: هل صلى أحد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه إلى المشرق، أو ~~المغرب، أو إلى بيت المقدس؟ # وهل بعث الله نبيا بغير دين الإسلام؟ # وما سبب صلاة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس؟ # وهل صخرة بيت المقدس أفضل من غيرها من الحجارة؟ # وهل يأجوج ومأجوج من ولد آدم صلى الله عليه وسلم؟ # والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أول الآيات طلوع الشمس من مغربها» ~~(¬1)، فهل ذلك قبل خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج أم ولا؟ # الجواب: الحمد لله. لم يصل أحد من الأنبياء إلى المشرق ولا إلى المغرب، ~~بحيث يتخذونه قبلة. # وكذلك بيت المقدس، إنما صلى إليه من صلى من الأنبياء لأجل قبة العهد (¬2) ~~التي جعلت عليها (¬3)، وإليها كان موسى صلى الله عليه وسلم يصلي في التيه ~~(¬4). PageV09P164 # ولم يكن لله عز وجل نبي ولا ولي إلا على دين الإسلام، وهو عبادة الله ~~وحده لا شريك له بما أمر به، فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره ~~في كل زمان ومكان. # والله أمر محمدا صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام أن يصلي إلى بيت ~~المقدس، فصلى إليها بعد الهجرة نحو سنة ونصف، ثم صرفت القبلة إلى الكعبة، ~~وكان من حكمة ذلك ما دل عليه قوله تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ~~إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143]، فأراد الله ~~تعالى أن يمتحن عباده بأن يصلوا إلى قبلة ثم يصرفوا (¬1) عنها؛ ليتبين من ~~يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى ~~الله} [البقرة: 143]. # وأما الصخرة، فهي كغيرها من أرض المسجد الأقصى، لا فضيلة لها بعد النسخ، ~~مثل يوم السبت ويوم الأحد (¬2). # ويأجوج ومأجوج من ms1718 ولد آدم، كما ثبت ذلك في الصحيحين (¬3) عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأخبارهم في الأحاديث الصحيحة لا تتسع لها هذه الورقة في ~~صحيح مسلم وغيره. # وأول الآيات السمائية (¬4) طلوع الشمس من مغربها، وأما الدجال ونحوه PageV09P165 # فليس هو من الآيات السمائية، وذلك يكون قبل طلوع الشمس من مغربها؛ فإن ~~طلوع الشمس من مغربها آية على انتقاض الفلك والعالم العلوي (¬1)، وهو آية ~~بينة على القيامة الكبرى، بخلاف الآيات الأرضية، فإنها لا تدل بمجردها على ~~ذلك، ولكن علم أنها من أشراط الساعة بإخبار الصادق المصدوق صلى الله عليه ~~وسلم، والله أعلم. # * * * PageV09P166 # * ### ||| AUTO مسألة: في رجلين قال أحدهما: المسلم أفضل من المؤمن، وقال الآخر: لا فرق، واستدل بقوله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين • فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} # [الذاريات: 35 - 36]. # الجواب: الذي عليه جمهور أئمة المسلمين أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم ~~مؤمنا. فالمؤمن أفضل. # قال الله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} ~~[الحجرات: 14]، وكما ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: ~~أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا ولم يعط رجالا، فقلت: يا رسول ~~الله، أعطيت فلانا وتركت فلانا وهو مؤمن، قال: «أو مسلم»، ثم قال: «إني ~~لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه» (¬1)، والله أعلم (¬2). # * * * PageV09P167 ### ||| CHECK مسألة: في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، أيتهن أفضل؟ وهل فاطمة مثلهن في الفضل؟ وما سبب حياء الملائكة من عثمان رضي الله عنه؟ # * مسألة: في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أيتهن أفضل؟ وهل فاطمة مثلهن ~~في الفضل؟ وما سبب حياء الملائكة من عثمان رضي الله عنه؟ # الجواب: أفضل نساء هذه الأمة: خديجة، وفاطمة، وعائشة (¬1). وقد تنازع ~~الناس في أفضلهن، وكثير من أهل العلم فضلوا عائشة (¬2)؛ لما ثبت في الصحيح ~~من حديث أبي موسى وحديث أنس رضي الله عنهما أنه [صلى الله عليه وسلم] قال: ~~«فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (¬3). # وأما عثمان، فكان في نفسه حييا، ms1719 فاستحيت منه الملائكة؛ لأن الجزاء من جنس ~~العمل (¬4). والله أعلم. # * * * PageV09P168 # * ### ||| AUTO مسألة: هل صح عن إدريس النبي عليه الصلاة والسلام أنه خط في الرمل، وتكلم فيه؟ وهل الاشتغال به حلال أم لا؟ # الجواب: هذا الخط الذي يخطه الناس في الرمل ونحوه لم يصح عن إدريس ولا ~~غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. # وليس الاشتغال به واستخراج المغيب منه (¬1) مما أذن فيه الله ورسوله، بل ~~هو من جنس الاستقسام بالأزلام، والله أعلم (¬2). # * * * PageV09P169 # * ### ||| AUTO مسألة: في رجل قال: إن أولياء الله الأبرار يقولون للشيء: كن، فيكون بإذن الله. فهل لهذا صحة؟ # الجواب: من قال: إن غير الله إذا أراد شيئا قال له: كن، فيكون، فإنه ~~يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. [وليس] أحد في الدنيا (¬1) يحصل له كل ما يريد، ~~ولو كان من كان. وأما في الآخرة فيعطى المؤمن كل ما يشتهي، وإذا اشتهى شيئا ~~حصل له ذلك بقدرة الله. # ويذكر في الإسرائيليات: «يقول الحق عز وجل: يا عبدي، إني أقول للشيء: كن، ~~فيكون. فإن أطعتني جعلتك تقول للشيء: كن، فيكون» (¬2)، وهذا ليس له إسناد ~~يعتمد عليه. وإن لم يرد به قائله إن الله يعطيه ما يريده في الآخرة وإلا ~~كان قوله مردودا عليه، والله أعلم. # - - - - PageV09P170 ### | CHECK التفسير ### || AUTO فصل # في تفسير قوله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في ~~الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} PageV09P171 # قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه في تفسير قوله ~~تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين}: # فصل في أن عبادة الله تعالى تمنع من معصيته، وأن إرادة هذا وهذا ضدان لا ~~يوجد أحدهما إلا لنقص الآخر. والإنسان إذا وقع منه ذنب كان لنقص عبادته لله ~~تعالى، وهذا كما قال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا ~~في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83]. # فأخبر سبحانه أنه جعل الآخرة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، ~~فوصفهم بأنهم لا يريدون ms1720 واحدا من هذين، فمن أراد أحد هذين لم يكن من هؤلاء ~~الذين أخبر أنه جعل لهم الدار الآخرة. # وهو تعالى لم يصفهم بهذا إلا بعدم الإرادة، والعدم المحض لا يستحق به ~~الثواب؛ لأن عدم هذه الإرادة لا يكون إلا إذا أرادوا ما أمرهم به من عبادته ~~وحده لا شريك له، ولذلك استحقوا الدار الآخرة. # وقال في المخالفين لهؤلاء: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا ~~يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} ~~[القصص: 4]، وقال تعالى: {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين • ~~وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} ~~[النمل: 13 - 14]، فوصفهم بالظلم والعلو. # وقوله تعالى سبحانه (¬1): {لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا} ذكر ~~الفساد PageV09P173 # مقرونا بالعلو، والفساد المطلق يتناول إرادة العلو؛ فإن هذا من الفساد ~~الذي هو خلاف الصلاح، وهذا قد يكون من عطف العام على الخاص، وقد يكون لما ~~قيد بالعطف صار عطف خاص على خاص، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن، مثل قوله ~~تعالى: {أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا} [المائدة: 32]، وقتل النفس أيضا فساد. # وقد قال تعالى في الفساد المطلق: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا ~~إنما نحن مصلحون • ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [البقرة: 11 - ~~12]، {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} ~~[الأعراف: 142]، وقال تعالى: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205]، وقال تعالى عن صالح: ~~{فاتقوا الله وأطيعون • ولا تطيعوا أمر المسرفين • الذين يفسدون في الأرض ~~ولا يصلحون} [الشعراء: 150 - 152]. # وقد ذكر الله المحرمات بقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33]، والجميع فساد. # وهن (¬1) إثم وعدوان، قال تعالى: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ms1721 العادون} ~~[المؤمنون: 7]، وقال تعالى: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} [الطلاق: ~~1]، PageV09P174 # وقال تعالى: {إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون} ~~[الأعراف: 81]. # والمدح بالأمور العدمية لا يكون إلا لأنها تستلزم أمورا وجودية، كما قد ~~بسط هذا في غير موضع (¬1)، فما ينفى من صفات النقص وما ينزه (¬2) عنه من ~~الأفعال المذمومة، فإن ما يمدح به من [نفي] صفات النقص يستلزم أمورا وجودية ~~من صفات الكمال، وما ينزه عنه من الأفعال المذمومة يستلزم وجود ما يمدح به ~~من الأفعال المحمودة. # فإن الإنسان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء الحارث ~~وهمام» (¬3)، لا يزال حارثا هماما، وهو حساس متحرك بالإرادة. # وفي الحديث: «للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا» (¬4)، PageV09P175 # و «مثل القلب مثل ريشة ملقاة في أرض فلاة» (¬1). # والنفس طبيعتها الحركة، ولهذا قال بعضهم: «نفسك إن لم تشغلها شغلتك» ~~(¬2)، إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. # فالإنسان لا يعدل عن فعل إلا لاشتغاله بفعل آخر، ولا يترك إرادة يهواها ~~إلا لإرادة أخرى، إما إرادة محبوب هو أحب إليه من الأول، فيتركه لأجلها؛ ~~لأن الضدين لا يجتمعان. وإما لمكروه يتحصل له من ذاك، فتكون إرادته للسلامة ~~من ذاك ولنجاته منه مانعا من إرادة ذلك المكروه. # فإذا كان الله تعالى أحب إلى العبد من كل شيء، وأخوف عنده من كل شيء، كان ~~ذلك باعثا له على طاعته، وزاجرا له عن معصيته. PageV09P176 # وقد قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} ~~[الحجر: 42]، وقال إبليس: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين • إلا عبادك منهم ~~المخلصين} [ص: 82 - 83]. # وقوله تعالى: {إلا من اتبعك من الغاوين} استثناء منقطع في أصح القولين ~~(¬1)؛ فإن المراد بالعباد هنا الذين عبدوه، وهم عباده المخلصون الذين قال ~~فيهم: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} [الفرقان: 63]، وقال ~~تعالى: {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} [الإنسان: 6]، وقال ~~تعالى: {يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} [الزخرف: 68]، وقال ~~تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة • ارجعي إلى ms1722 ربك راضية مرضية • فادخلي في ~~عبادي • وادخلي جنتي} [الفجر: 27 - 30]، وهؤلاء عباده الذين عبدوه. # والعبادة تجمع الحب والخضوع، فالحب بلا خضوع لا يكون عبادة، والخضوع بلا ~~محبة لا يكون عبادة، والله تعالى يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء، فلا ~~بد أن يكون أحب إلى العبد مما سواه، وأن يكون أعظم عند العبد من كل ما ~~سواه، بحيث يخضع له ولا يخضع لشيء كما يخضع له، وكذلك يحبه ولا يحب شيئا ~~كما يحبه. # فالرب تعالى يستحق غاية الحب وغاية الخضوع، ويستحق أن يكون ذلك خالصا لا ~~يشرك فيه غيره، فمن استكبر عن عبادته لم يكن عابدا له، ومتى عبد معه غيره ~~كان مشركا به، فلم يكن عابدا له وحده. PageV09P177 # وحب العبد له وخضوعه له ينافي إرادة العلو في الأرض والفساد؛ فإنه إذا ~~شهد أنه العلي الأعلى، وأن كل ما سواه مفتقر إليه، وشهد فقر نفسه وحاجته ~~إليه من جهة ربوبيته له، ومن جهة إلهيته له، فإنه لا بد له من أن يعبده، ~~ولا بد له من إعانة الرب له، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ما لا ~~يكون بالله لا يكون، فليس يوجد للعبد ولا لغيره شيء إلا به. # وهذا تحقيق «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فكل ما سواه فقير إليه دائما، ~~وهو غني عن كل ما سواه دائما، والعبد لا يصلح إن لم يكن الرب معبوده وهو ~~غاية محبوبه ومطلوبه، وإلا فكل عمل لا يراد به وجه الله فهو فاسد ضار لا ~~ينفع صاحبه. فكما أنه [ما] لا يكون به لا يكون، فما لا يكون له لا ينفع ولا ~~يدوم (¬1)، ولهذا أمرنا أن نقول في كل صلاة: {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~[الفاتحة: 5]. # فشهود العبد هذا ينفي أن يريد علوا في الأرض أو فسادا، ويستلزم أن يكون ~~من المتقين؛ فإن شهود العبد لحقيقة حاجته وفقره يمنع عنه العلو، وشهوده ~~لحاجته إلى ما ينفعه ينفي عنه إرادة ما يضره، ولكن هو جاهل ظالم، وقلبه ~~يغفل عن ms1723 الله فيتبع هواه، قال الله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ~~ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28]، وقال تعالى: {نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم} [الحشر: 19]، فهو بغفلته عن ذكر ربه، ونسيانه إياه، ينسى ~~نفسه وحاجتها ومصلحتها، فهو في غاية الفقرة والحاجة. # وقد ينفخ فيه الشيطان الكبر فينسى حاجته وفقره، ويطغى إذا استشعر PageV09P178 # غناه، قال الله تعالى: {إن الإنسان ليطغى • أن رآه استغنى} [العلق: 6 - ~~7]، فإذا رآه استغنى طغى، وهو لا يستغني في الحقيقة قط، لكن يرى نفسه ~~مستغنية رؤية كاذبة. # قال: {فأما من أعطى واتقى • وصدق بالحسنى • فسنيسره لليسرى • وأما من بخل ~~واستغنى • وكذب بالحسنى • فسنيسره للعسرى} [الليل: 5 - 10]، واستغناؤه هنا ~~كقوله: {أما من استغنى • فأنت له تصدى} [عبس: 5 - 6]، فالمستغني: الذي لم ~~ير نفسه محتاجا، فيخضع خضوع المحتاج، ويقصد قصد المحتاج. # قال سهل بن عبد الله: «ليس بين العبد وبين الله طريق أقرب إليه من ~~الافتقار، ولا حجاب أغلظ من الدعوى» (¬1). # وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله. # وهذا الافتقار هو من العبودية التي قال فيها: {إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان} [الحجر: 42]، وإلا فجميع المخلوقات هي في نفس الأمر مفتقرة إلى الله ~~تعالى، وهم عباد معبدون (¬2) له، يصرفهم بمشيئته وقهره، ولكنهم لا يشهدون ~~هذا ولا يشهدون (¬3) من أنفسهم الخضوع والعبودية والذل، بل PageV09P179 # الإنسان ضعيف جبار، ضعيف القدرة جبار الإرادة (¬1). # آخره. علقه محمد بن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحيم بن علي بن حاتم بن ~~الحبال الأنصاري الحراني الحنبلي، عفا الله عنهم، من خط العلامة شمس الدين ~~محمد بن محمد بن أحمد بن المحب المقدسي الحنبلي قدس الله روحه. # - - - - PageV09P180 ### || AUTO فصل # في الكلام على آيات من سورة الشورى PageV09P181 # فصل: قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني أيضا رضي الله عنه: # قال الله تعالى: {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله ~~خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون • والذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون • والذين استجابوا لربهم وأقاموا ms1724 الصلاة ~~وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون • والذين إذا أصابهم البغي هم ~~ينتصرون • وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب ~~الظالمين • ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل • إنما السبيل على ~~الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم • ولمن ~~صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} [الشورى: 36 - 43]. # فإنه -سبحانه- جمع في هذه الآيات أصول الدين الجامع للأخلاق الإسلامية، ~~فبدأ بذكر الإيمان، ثم بترك ما نهى عنه، ثم بفعل ما أمر به؛ فاجتمع فيه ~~الإيمان والعمل الصالح. # فبدأ بذكر الإيمان وأن توكلهم على ربهم؛ لما قدمنا غير مرة من الجمع بين ~~العبادة والاستعانة والتوكل والإنابة (¬1). # وهنا خص التوكل بالذكر لوجهين: # أحدهما: أنه السبب الموجب للإيمان وغيره من المطالب، كما قيل: {إياك نعبد ~~وإياك نستعين} [الفاتحة: 5]. PageV09P183 # الثاني: أنه كما قال سعيد بن جبير: «التوكل جماع الإيمان» (¬1)، كما قال ~~تعالى في الأنفال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: 2]، فهذا مثل ذاك. # ثم قال تعالى: {يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون}، ~~فإن السيئات لها سببان: إما الشهوة والحب والطمع، وإما النفرة والبغض، وذلك ~~هوى النفس والغضب. # والشهوة الظاهرة شهوة البطن والفرج، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: ~~ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال: «الأجوفان: الفم، والفرج»، وسئل: ما ~~أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: «تقوى الله، وحسن الخلق» رواه الترمذي ~~(¬2) وصححه. # وفي حديث ... (¬3): «من تكفل لي ما بين فقميه (¬4) ورجليه تكفلت له ~~بالجنة» (¬5). PageV09P184 # وفي رواية: «قبقبه وذبذبه» (¬1). # والفواحش ظاهرة في فواحش الفرج ومقدماتها من المباشرة والنظر، وكبائر ~~الإثم ظاهرة في المطاعم الخبيثة، كما قال في الخمر والميسر: {فيهما إثم ~~كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219]. # وجمع هنا بين الإثم والفواحش كما جمع بينهما في النجم في قوله: {الذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} [النجم: 32]، وفي قوله: {قل إنما ~~حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ms1725 بطن والإثم والبغي بغير الحق} [الأعراف: 33]. # وأما النفرة والغضب، فقال: {وإذا ما غضبوا هم يغفرون}، وهنا كان PageV09P185 # الكلام في سياق الحمد والثناء وأن الآخرة لهم. # وأما في سورة الأعراف فذكر أنه حرم البغي، ومبدأ البغي من البغض والنفرة ~~والغضب؛ إذ الإنسان لا يبغي على من يحبه، وإنما يبغي على من يبغضه، ولهذا ~~يقرن بالحسد كثيرا. # ثم ذكر فعل المأمور به، فقال: {استجابوا لربهم}، وهذا جامع لما أمر به، ~~كما أن الإيمان جامع للحسنات كلها. # {وأقاموا الصلاة} {ومما رزقناهم ينفقون} هما قرينان في كتاب الله، ووسط ~~ذلك بقوله: {وأمرهم شورى بينهم}؛ فإن ذلك يدفع طلب العلو في الأرض والفساد، ~~ويوجب العدل والصلاح؛ لأن في ذلك اجتماع الاعتقادات والإرادات، وفي تركه ~~اختلاف العقائد والإرادات. # - - - - PageV09P186 ### || AUTO فصل # في تفسير سورة المسد PageV09P187 # قال الشيخ الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: # فصل في تفسير سورة {تبت يدا أبي لهب} # هذه السورة أنزلها الله تعالى في هذا الرجل وامرأته، وهما من أشرف بطنين ~~في قريش: بني هاشم، وبني عبد مناف (¬1). # فهو أبو لهب (¬2) عبد العزى بن عبد المطلب، عم النبي صلى الله عليه وسلم. # وقد قيل: إن الله ذكره بكنيته دون اسمه لأن اسمه فيه تعبيد للصنم، ولأن ~~في كنيته تنبيها على حاله في الآخرة، كما يقال: «لكل أحد من اسمه نصيب» (¬3). # وأما امرأته فأم جميل بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. # وهذا عم علي، وهذه عمة معاوية، وهذان البطنان هما اللذان تداولا الخلافة ~~في الأمة: بنو هاشم، وبنو أمية، وتجمعهما: المنافية (¬4)؛ فإن عبد شمس أخو ~~هاشم، وكان عثمان بن عفان من بني أمية، وكان علي من PageV09P189 # بني هاشم. # وأما أبو بكر وعمر فمن قبيلتين أبعد من بني عبد مناف نسبا من النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أبو بكر من تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، وعمر من بني عدي بن ~~كعب بن لؤي، وهما اللذان قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا ~~باللذين من بعدي: أبي ms1726 بكر، وعمر» (¬1)، واتفقت الأمة عليهما وفي عهدهما ما ~~لم تتفق على من بعدهما وفي ولايته، وإن كانت في عهد عثمان كانت أعظم ~~اتفاقا. # ولما وقعت الفتنة بقتل عثمان تفرقت الأمة وصارت شيعا، قوم يميلون إلى ~~عثمان، وقوم يميلون إلى علي، وجرى بين الطائفتين قتال وحروب، وكان كثير ~~منهم يفعل ذلك تأخذه لهما أو لأحدهما حمية النسب المنافي؛ لقربه من النبي ~~صلى الله عليه وسلم. PageV09P190 # وإن كان بنو هاشم أقرب وأفضل من غيرهم، كما أن المذكور منهم في الآية ~~رجل، والرجل في الجملة أشرف من المرأة. # ولم ينزل الله في القرآن ذم أحد من الكفار بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~باسمه إلا هذا الرجل وامرأته، وفي هذا من العبرة والبيان أن الأنساب لا ~~عبرة بها، بل النسيب الشريف يكون ذمه وعقابه على تخلفه عما يجب عليه من ~~الإيمان والعمل الصالح أشد، كما قال تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم: {من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله ~~يسيرا} [الأحزاب: 30] (¬1). # وسب نزولها: ما أخرجاه في الصحيحين (¬2) عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن ~~سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: «لما نزلت {وأنذر عشيرتك ~~الأقربين} [الشعراء: 214] ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، ~~فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ ~~قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي (¬3) PageV09P191 # عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟ ! فأنزل الله: ~~{تبت يدا أبي لهب وقد تب} (¬1)، هكذا قرأها الأعمش (¬2). # فذكر سبحانه تباب يديه، وتبابه في نفسه، بقوله: {تبت يدا أبي لهب وتب}، ~~والتباب: الخسار، قال تعالى: {وما كيد فرعون إلا في تباب} [غافر: 37] (¬3). # وذكر أنه ما أغنى عنه ماله ولا ولده (¬4)؛ فإن قوله: {وما كسب} PageV09P192 # يتناول ولده، كما فسر ذلك من فسره من السلف (¬1)، وكما قال النبي صلى ~~الله عليه ms1727 وسلم: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» (¬2). # وبهذه الآية استدل طائفة من أصحابنا -كأبي حفص (¬3) وغيره- على أن ولد ~~الرجل من كسبه، فيجوز له الأكل منه (¬4). # ثم أخبر أنه {سيصلى نارا ذات لهب}؛ فأخبر بخسارته وبعذابه، بزوال الخير ~~وبحصول الشر. # والصلي: الدخول والاحتراق جميعا، فصالي النار: الداخل المحترق فيها. PageV09P193 # وقوله: {وامرأته حمالة (¬1) الحطب • في جيدها حبل من مسد} لا يخلو: # * إما أن يكون «امرأته» معطوفا على الضمير في قوله: {سيصلى} هو {وامرأته ~~حمالة الحطب}. # * أو يكون جملة مبتدأه. # لكن الأول أرجح؛ لانتظام الكلام بذلك. # والعطف على الضمير المرفوع مع الفصل عربي فصيح، كقوله: {هو الذي يصلي ~~عليكم وملائكته} [الأحزاب: 43]، وقوله تعالى: {أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله} [التوبة: 3]، وغير ذلك. # ويكون قوله: {حمالة الحطب} صفة، والأنسب بما تقدم أن يكون ذلك متصلا بما ~~قبله، أي: وامرأته حمالة الحطب الذي يكون وقودا لتلك النار، كما قال تعالى: ~~{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء: 98]، وقد قرئ: {حطب ~~جهنم} (¬2)، وقال تعالى: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي ~~وقودها الناس والحجارة أعدت PageV09P194 # للكافرين} [البقرة: 24]، وقال تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها ~~الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون} [التحريم: 6]. # {في جيدها حبل من مسد}، والجيد: العنق (¬1)، والمسد: الليف. وإذا كان في ~~الرقبة حبل من ليف لأجل الحطب الذي يحمله كان ذلك زيادة في العذاب؛ لأن ~~الليف خشن مؤذي. # وذكره في الآخرة {في جيدها حبل من مسد} نظير قوله: {خذوه فغلوه • ثم ~~الجحيم صلوه • ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه} [الحاقة: 30 - 32]، ~~وقوله تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون • في الحميم ثم في ~~النار يسجرون} [غافر: 71 - 72]. # فهذا الكلام (¬2): # * إما أن يكون وصفا لحملها الحطب الذي يوقد به في الدنيا، كما يظنه من ~~يظنه. PageV09P195 # فيقال: هي لم تكن كذلك، وليس في ذلك ذم لها (¬1)؛ فإن هذا عمل مباح، وقد ~~كان يفعله طائفة من خيار هذه الأمة، كعبد ms1728 الله بن سلام (¬2)، وأبي هريرة ~~(¬3)، وسلمان الفارسي (¬4)، مع كونهما كانا أميرين، وكذلك ثبت في الصحيح أن ~~أهل الصفة كانوا يحتطبون (¬5)، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لأن يأخذ أحدكم حبله على ظهره فيحتطب خير له من أن يسأل الناس، أعطوه ~~أو منعوه» (¬6). # * وإما أن يكون مثلا لنميمتها في الدنيا، فيكون وصفا لعملها السوء؛ فإن ~~كلام النمام يوقد القلوب، ويضرم النار فيها، كما يفعل الحطب في النار، ~~فتكون حمالة لحطب القلوب والنفوس. # وهذا قد يقال: إن غايته أن يكون نمامة، وذنبها أعظم من ذلك. وقد قال: {في ~~جيدها حبل من مسد}، وحمل النميمة لا يوصف بذلك. PageV09P196 # * وإما أن يكون وصفا لحالها في الآخرة، كما وصف حال بعلها (¬1)، فهو ~~سيصلى (¬2) نارا ذات لهب، وهذه تحمل (¬3) الحطب في عنقها بحبل (¬4) من مسد، ~~فتسجر به النار عليه؛ فإنها في الدنيا كانت هي المعينة له على الكفر وعداوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فتكون في الآخرة كذلك. # ويكون قوله: {حمالة الحطب} اللام لتعريف المعهوم؛ لأن (¬5) النار تستدعي ~~حطبا، فذكر صلي النار يقتضي حطبها، فقيل: امرأته حمالة الحطب. # ويكون هذا [كما] في قوله: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} [الصافات: 22]. # ويكون في هذا عبرة لكل متعاونين على الإثم والعداون، وإن كانا شريفي ~~النسب، قريبين في النسب إلى أفضل الخلق؛ أنهما خاسران لا يقدران مما كسبا ~~على شيء، وأنهما معذبان في الآخرة بما احتقباه من الإثم. # ويكون المذكور في القرآن من حال الزوجين قد عم الأقسام الممكنة، وهي أربعة: # 1 - فإن الزوجين إما أن يكونا سعيدين، كإبراهيم الخليل وأهل بيته، ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم وأهل بيته. PageV09P197 # 2 - وإما أن يكونا شقيين، كأبي لهب وامرأته حمالة الحطب. # 3 - وإما أن يكون الزوج سعيدا والمرأة شقية، كنوح ولوط عليهما الصلاة ~~والسلام. # 4 - وإما بالعكس، كفرعون وامرأته. # قال تعالى: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين • وضرب الله ms1729 مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ~~ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين} ~~[التحريم: 10 - 11]، ثم ذكر من لا زوج لها، فقال: {ومريم ابنت عمران التي ~~أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من ~~القانتين}. # فحمالة الحطب: المرأة التي أعانت زوجها على معاصي الله، وامرأة نوح ~~وامرأة لوط: المرأة التي عصت زوجها في طاعة الله، وامرأة فرعون ممن عصت ~~زوجها في معصية الله. # وهذا الوصف المذكور في امرأته مستقيم، سواء كان قوله: {وامرأته} معطوفا ~~أو مبتدأ. # وإذا كان معطوفا وقوله {حمالة الحطب} صفة لها = استقام أن يفسر حمل الحطب ~~بحمل النميمة والذنوب في الدنيا، وحمل الوقود في الآخرة؛ فإن جزاء الآخرة ~~من جنس عمل العبد في الدنيا، فمن كان له لسانان في الدنيا PageV09P198 # كان له لسانان من نار يوم القيامة (¬1)، ومن سأل الناس وله ما يغنيه جاءت ~~مسألته خدوشا أو خموشا أو كدوحا في وجهه يوم القيامة (¬2)، ولا تزال ~~المسألة بأحدهم حتى يلقى الله يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم (¬3). # وقوله تعالى: {في جيدها حبل من مسد} بيان لاستمكان الحطب على ظهرها، ~~ولزومه إياها؛ فإن كل عامل يلزمه عمله، كما قال: {وكل إنسان ألزمناه طائره ~~في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} [الإسراء: 13]، وقال ~~تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ~~ولو كان ذا قربى} [فاطر: 18]. # فلما كانت في الدنيا تحمل إلى زوجها ما تضرم به نار الفتنة في قلبه ~~وقلبها من الكلام حتى يعظم كفره، متقلدة ذلك في عنقها = كانت يوم القيامة ~~حاملة الوقود الذي تضرم به عليهما النار. PageV09P199 # قال ابن إسحاق في «السيرة» (¬1) لما ذكر مهاجر من هاجر من الصحابة إلى ~~الحبشة، قال: «فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~نزلوا بلدا أصابوا فيه أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، ~~وأن عمر قد أسلم، وكان ms1730 هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل = اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا ~~كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم، ولا ~~ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم. # فلما اجتمعوا لذلك كتبوا في صحيفة، ثم تعاهدوا واتفقوا على ذلك، ثم علقوا ~~الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم. # فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد ~~المطلب، فدخلوا معه في شعبه، واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد ~~العزى بن عبد المطلب إلى قريش، فظاهرهم (¬2)». # قال: «وحدثني حسين بن عبد الله (¬3) أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة بن ~~ربيعة حين فارق قومه وظاهر عليهم قريشا، فقال: يا ابنة عتبة، هل نصرت PageV09P200 # اللات والعزى، وفارقت من فارقهما وظاهر عليهما؟ فقالت: نعم، فجزاك الله ~~خيرا يا أبا عتبة (¬1)». # قال ابن إسحاق: «وحدثت أنه كان يقول في بعض ما يقول: يعدني محمد أشياء لا ~~أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع (¬2) في يدي بعد (¬3) ذلك؟ ! ~~ثم ينفخ في يديه، ويقول: تبا لكما، ما أرى فيكما شيئا مما يقول محمد! فأنزل ~~الله فيه: {تبت يدا أبي لهب}». # قال عبد الملك بن هشام (¬4): «{تبت}: خسرت. والتباب: الخسار (¬5). قال ~~حبيب بن خدرة الخارجي، أحد بني هلال بن عامر بن صعصعة: # يا طيب إنا في معشر ذهبت ... مسعاتهم في التبار والتبب (¬6) PageV09P201 # وذكر قصة الشعب، قال: «ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ~~ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، مباديا بأمر الله، لا يتقي فيه أحدا من الناس. # فجعلت قريش حين منعه الله تعالى منها، وقام عمه وقومه من بني هاشم وبني ~~المطلب دونه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به = يهمزونه، ~~ويستهزؤون به، ويخاصمونه. # وجعل القرآن ينزل في قريش بأحداثهم (¬1)، وفي من نصب لعداوته، منهم من ~~سمي لنا، ومنهم من نزل فيه القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار. ms1731 # فكان ممن سمي لنا من قريش ممن نزل فيه القرآن (¬2): عمه أبو لهب بن عبد ~~المطلب، وامرأته أم جميل بنت حرب بن أميه، حمالة الحطب، وإنما سماها الله: ~~«حمالة الحطب» لأنها كانت -فيما بلغني (¬3) - تحمل الشوك فتطرحه على طريق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يمر، فأنزل الله فيها: {تبت يدا أبي لهب ~~وتب • ما أغنى عنه ماله وما كسب • سيصلى نارا ذات لهب • وامرأته حمالة ~~الحطب • في جيدها حبل من مسد} (¬4). PageV09P202 # قال عبد الملك بن هشام: «الجيد: العنق. # قال أعشى بن قيس بن ثعلبة: # يوم تبدي لنا قتيلة عن جي ... د أسيل تزينه الأطواق (¬1) # وجمعه: أجياد. # والمسد: شجر يدق الكتان، فتفتل منه حبال. # قال النابغة الذبياني: # مقذوفة بدخيس النحض بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد (¬2) # وواحده (¬3): مسدة». # قال ابن إسحاق: «فذكر لي أن أم جميل «حمالة الحطب» حين سمعت ما نزل فيها ~~وفي زوجها من القرآن، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد ~~عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وفي يدها فهر من حجارة، ~~فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ~~ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني، ~~وتالله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة: PageV09P203 # مذمما عصينا # وأمره أبينا # ودينه قلينا # ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ ! فقال: ما ~~رأتني، لقد أخذ الله ببصرها عني» (¬1). # قال ابن هشام: «قولها: «ودينة قلينا» عن غير ابن إسحاق». # قال ابن إسحاق: «وكانت قريش إنما تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~مذمما، ثم يسبونه ويهجون مذمما. # فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا تعجبون لما صرف الله عني من ~~أذى PageV09P204 # قريش؟ ! يسبون ويهجون مذمما، وأنا محمد» (¬1). # انتهى ما ذكره شيخ الإسلام # - - - - PageV09P205 ### | CHECK الحديث ### || AUTO مسألة # في تفسير استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من الهم والحزن، والعجز ~~والكسل، والبخل ms1732 والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال PageV09P207 # مسألة في تفسير استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللهم إني أعوذ ~~بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة ~~الرجال» (¬1). # أجاب شيخ الإسلام رضي الله عنه: # الحمد لله، النبي صلى الله عليه وسلم جمع في هذا الحديث بين أصناف الشر ~~(¬2) التي يستعاذ منها في أحوال العبد، كل اثنين من صنف؛ فالهم والحزن من ~~صنف، والعجز والكسل من صنف، والجبن والبخل من صنف، وضلع الدين وغلبة الرجال ~~من صنف. # * فأول ذلك: «الهم والحزن»، فالهم يتعلق بالمستقبل، مثل أمور يحذر من ~~وقوعها، فيهتم لأجلها، أو يرجو حصولها، فيهتم أن لا تحصل. والحزن يتعلق ~~بالماضي والحاضر، مثل أمور كان يكرهها، فيحزن لحصولها، أو كان يطلبها، ~~ففاتت، فيحزن لفواتها، كما قال تعالى: {لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا ~~تفرحوا بما آتاكم} [الحديد: 23]. # * و «العجز والكسل» يتعلقان بالفعل الذي ينبغي له فعله، فتارة يعجز عنه، ~~وتارة لا يكون عاجزا، لكن يحصل له كسل وفتور في همته. # * و «البخل والجبن» قرينان، فالبخيل الذي منع معروفه خوفا على ماله، ~~والجبان الذي لا يدفع الشر خوفا على نفسه من عدوه. فالأول يخاف PageV09P209 # زوال النافع، والثاني يخاف حصول الضار. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «شر ما في المرء شح هالع، وجبن خالع» ~~(¬1)، وكلاهما يكون من ضعف النفس وهلعها. # * و «ضلع الدين وغلبة الرجال» من جنس واحد؛ فإن المقهور تارة يقهر بحق، ~~وهو المغلوب، وهو الذي ضلعه الدين، وتارة بباطل، كرجال اجتمعوا عليه ~~فغلبوه. # وهذان كلاهما عاجز مقهور، الأول عاجز مقهور بحق غلبه، عليه أن يؤديه، وهو ~~لا يقدر، والثاني هو عاجز مقهور برجال يعارضونه ويغلبونه حتى يمنعوه من ~~مصالحه وأشغاله. # وقد رتبه النبي صلى الله عليه وسلم ترتيبا محكما: # فالهم والحزن متعلقان بالمصائب، مثل فوات مطلوب وحصول مكروه. # والعجز والكسل متعلقان بالأفعال التي يؤثرها، وهي نافعة له، فإذا لم ~~يفعلها حصل له الضرر، ويكون تركها لعجز أو كسل. PageV09P210 # وهذه الأربعة تتعلق به في نفسه، فمحلها (¬1) نفس الإنسان. ms1733 # وأما البخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال، فإنها تتعلق بأمور منفصلة ~~عنه، الأولان يتعلقان بإرادته للأمور المتصلة، والآخران يتعلقان بقدرته على ~~الأمور المنفصلة. # كما أن الأربعة الأول: الأولان يتعلقان بالمحبوب والمكروه، والآخران ~~يتعلقان بالمقدور عليه والمعجوز عنه. # فالبخيل الذي لا يريد أن يبذل ما ينفع الناس؛ لعدم إرادته الإحسان إليهم، ~~أو لخوفه من إخراج النافع منه (¬2)، أو لبغضه (¬3) للخير وحسده للناس. # والجبان الذي لا يريد دفع المضرة؛ خوفا من حصول ما يضره، وزوال ما ينفعه، ~~فيقع في أعظم الضررين خوفا من أدناهما، إما جهلا بحقيقة ما ينفعه ويضره، ~~وإما ضعف نفس بهلع (¬4) يخلع قلبه. # والجبن والبخل متعلقان بما في النفس من إرادة وكراهة، وقوة وضعف. # وأما ضلع الدين وغلبة الرجال فكلاهما هو مما يكون في المرء مقهورا بغيره، ~~قد عجزته الأمور المنفصلة عنه، ليس من عجز حصل في نفسه ابتداء، PageV09P211 # فالدين: مطالبة (¬1) الغرماء به مع عجزه عن الوفاء له، وقهره: الرجال ~~الغالبون يعجزون القادر ويمنعونه ويقهرونه. # فهذه الأمور التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم فيها من الحكم ~~الجوامع التي تجمع أنواع الشر المستعاذ منه، المتعلقة بنفس الإنسان، ~~وأعماله الباطنة والظاهرة = ما هو مصدق لقوله صلى الله عليه وسلم «أوتيت ~~جوامع الكلم» (¬2)، والله أعلم (¬3). # تمت، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا إلى يوم الدين. # - - - - PageV09P212 ### || AUTO مسائل حديثية PageV09P213 ### ||| CHECK مسألة في قوله صلى الله عليه وسلم: «اتخذوا مع الفقراء أيادي؛ فإن لهم يوم القيامة دولة وأي دولة»، وما هم الفقراء؟ وقد قيل عنه: قال: «مكتوب على كل فرج ناكحه من حلال وحرام»، هل هو صحيح أم لا؟ # * مسألة في قوله صلى الله عليه وسلم: «اتخذوا مع الفقراء أيادي؛ فإن لهم ~~يوم القيامة دولة وأي دولة» (¬1)، وما هم الفقراء؟ وقد قيل عنه: قال: ~~«مكتوب على كل فرج ناكحه من حلال وحرام» (¬2)، هل هو صحيح أم لا؟ # الجواب: أما الحديث الأول فباطل (¬3). والدولة في الآخرة هي للمتقين ~~(¬4)، سواء كانوا من الأغنياء أو الفقراء. ومن أحسن ms1734 إلى الفقراء الله PageV09P215 # يأجره على ذلك، ومن أحسن إليهم يطلب الجزاء منهم، كما تؤخذ (¬1) اليد من ~~الشخص ليكافئه بها، فلا أجر له عند الله. # وأما الحديث الآخر فليس له صحة، وليس هو من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم (¬2)، لكن لا ريب أن الله كتب ما يفعل العباد قبل أن يفعلوه، وذلك ~~يكون عنده، وقد كتبت الملائكة ما يعمله العبد قبل أن يعمله (¬3)، والله ~~أعلم (¬4). # * * * # * ### ||| AUTO مسألة في من قال: «إن الصلاة بخاتم العقيق أفضل سبعين درجة بغير خاتم عقيق»، فهل هذا صحيح أم لا؟ # الجواب: ليس هذا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو كذب عليه ~~(¬5)، ومن قال هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان قوله مردودا عليه؛ فإن ~~هذا كلام مخالف لإجماع المسلمين، والله أعلم. PageV09P216 ### ||| CHECK مسألة: هل صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن حلويا، والكافر خمريا»، و «المؤمن يأكل معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء»؟ # * مسألة: هل صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن حلويا (¬1)، ~~والكافر خمريا»، و «المؤمن يأكل معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء»؟ # الجواب: الحمد لله، أما قوله: «المؤمن يأكل معى واحد، والكافر يأكل في ~~سبعة أمعاء» (¬2)، فهو حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ~~الأول فليس هو معروفا عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ (¬3)، لكن ~~معناه موافق لسنته؛ فإن PageV09P217 # النبي صلى الله عليه وسلم «كان يحب الحلواء والعسل» (¬1)، والخمر مما ~~حرمه الله ورسوله، فالخمر يستحلها الكفار، والحلو يستحبه إمام المؤمنين، ~~والله أعلم. # * * * # * ### ||| AUTO مسألة: في من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية من كتاب الله خير من محمد وآل محمد»، هل هو صحيح أم لا؟ # الجواب: هذا الحديث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (¬2)، لكن ~~القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو أفضل من كل مخلوق، والله أعلم (¬3). # * * * PageV09P218 # * وقال رضي الله عنه، وقد ### ||| AUTO سئل: هل قتل عمر أباه؟ # فقال: لم يصح هذا، والذي ms1735 صح أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه (¬1). # وصح أيضا أن عبد الرحمن بن أبي بكر قال لأبي بكر: رأيتك يوم بدر، فعدلت ~~عنك، فقال أبو بكر رضي الله عنه: لكني يا بني لو رأيتك ما عدلت عنك، ثم تلا ~~قوله: {لا تجد قوما يؤمنون} الآية [المجادلة: 22] (¬2). # * * * # * ### ||| AUTO وسئل: عن حديث ميمونة رضي الله عنها في إهداء الزيت إلى بيت المقدس # (¬3). PageV09P219 ### ||| CHECK وقال أيضا في حديث «الصلاة في أول الوقت رضوان من الله، وآخره ... # فقال: موضوع (¬1). # * * * # * وقال أيضا في حديث «الصلاة في أول الوقت رضوان من الله، وآخره PageV09P220 # عفو الله» (¬1): لا يصح، وضعفه الإمام أحمد وغيره (¬2). # - - - - PageV09P221 ### | CHECK الفقه ### || AUTO مسألة # في التوبة هل تسقط الفرائض؟ PageV09P223 # مسألة: في رجل أسرف على نفسه في الاعتقادات والعمليات، إذا تاب إلى الله ~~تقبل توبته؟ # وهل إذا تاب يسقط عنه قضاء ما فرط فيه من الفرائض، كالصلاة والصيام، كما ~~يسقط عن الكافر إذا أسلم؟ وتسقط عنه كفارات الفطر في رمضان بجماع وطعام؟ # وعليه صلوات لم يعرف عددها. # الجواب: نعم، يقبل الله توبته وتوبة كل تائب، ويغفر لكل تائب كل ذنب تاب ~~منه، قال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53]. # وأما ما تركه من الصلاة والصيام، فإن كل عن ردة في الباطن، مثل جحد ~~الوجوب، أو شك فيه، أو في رسالة الرسول، فهذا لا قضاء عليه عند جمهور ~~المسلمين، مالك، وأبي حنيفة، والإمام أحمد في ظاهر مذهبه (¬1). # ولو كان مرتدا مظهرا للردة، فإن الذين ارتدوا على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وعلى عهد أبي بكر رضي الله عنه، ثم عادوا إلى الإسلام، لم يؤمر ~~أحد منهم بقضاء ما تركه في زمن الردة، مثل عبد الله بن سعيد بن [أبي] سرح، ~~وغيره (¬2). PageV09P225 # وكذلك إذا كان هذا في نفسه لم يظهره لأحد؛ فإن غايته أن يكون منافقا، ثم ~~تاب وصار مؤمنا، والمنافقون الذين كانوا يتوبون لم يكونوا يؤمرون بقضاء ما ms1736 ~~تركوه في حال النفاق. # وذلك لقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ~~[الأنفال: 38]. # وقد أجمع المسلمون إجماعا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام أن الكافر ~~الأصلي إذا أسلم لا يجب عليه قضاء ما تركه في حال الكفر من صلاة وزكاة ~~وصيام، سواء قيل: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، أو قيل: إنهم غير ~~مخاطبين بها؛ فإن أثر النزاع يظهر في عقوبة الآخرة (¬1)، وأما في الدنيا ~~فلا تصح منهم هذه العبادات في حال الكفر، ولا يؤمرون بقضائها بعد الإسلام. # ومن ترك بعض الصلوات، أو بعض أركانها، جهلا بوجوبها، وكذلك الصيام، فلا ~~قضاء عليه أيضا في أظهر قولي العلماء (¬2)، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام ~~أحمد وغيره (¬3). # كما لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة أن تقضي ما تركته من ~~الصلاة زمن PageV09P226 # الاستحاضة (¬1). # ولم يأمر عمر وعمارا أن يقضيا ما تركاه من الصلاة لما أجنبا، فعمر لم ~~يصل، وأما عمار فتمرغ كما تمرغ الدابة (¬2). # ولم يأمر أبا ذر لما كان يجنب ولا يصلي بالقضاء (¬3). # ولم يأمر من كان يأكل حتى يتبين له الحبل الأبيض من الحبل الأسود [بقضاء ~~الصيام] (¬4). # إلى أمثال ذلك. # بل كان يأمرهم باستئناف العمل بما أمروا به، وما تركوه جاهلين بوجوبه لا ~~يقضونه؛ لأن حكم الخطاب إنما يثبت في حق المكلفين بعد بلوغ الخطاب. # وإذا تعمد تفويت الصلاة والصيام، مع علمه بالوجوب، فهذا فعله من الكبائر، ~~لا يسقط عنه العقاب ولو قضاه إلا بالتوبة. لكن هل يخف (¬5) عنه؟ فيه قولان، ~~والأظهر أن القضاء لا ينفعه، وإنما تنفعه التوبة، وإذا تاب تاب الله PageV09P227 # عليه، كما يتوب من سائر الكبائر، كالزنا والسرقة وشرب الخمر، وكما يتوب ~~من ترك الجمعة ونحوها مما لا يفعل إلا في وقته؛ فإن أدلة الشرع متطابقة على ~~أن العبادات المؤقتة لا يقبلها الله إلا كما أمر في الوقت الذي شرع فعلها ~~فيه (¬1). # وأما إذا جامع في رمضان، عالما بتحريم الوطء، فعليه الكفارة التي أمر بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم (¬2): عتق رقبة، فإن ms1737 لم يجد صام شهرين متتابعين، ~~فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا، والله تعالى أعلم. # - - - - PageV09P228 ### || AUTO مسألة # في حكم صوم الدهر PageV09P229 # * وسئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن تيمية رضي الله عنه عن قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «من صام الدهر فكأنه لا صام ولا أفطر» (¬1)، هل هو ~~لانتفاء المشقة، أو لا ثواب ولا عقاب؟ # * فأجاب: الحمد لله. هذا مبني على أصل، وهو أن صوم الدهر الذي ذكره النبي ~~صلى الله عليه وسلم، هل هو سرد الصوم وإن أفطر أيام النهي الخمسة: يومي ~~العيدين وأيام منى، أو هو الصوم المشتمل على صيام الأيام الخمسة؟ على قولين ~~مشهورين للعلماء: # * منهم من قال: إنما كره صوم الدهر لصوم الأيام الخمسة. قالوا: فإذا ~~أفطرهن لم يكن بذلك بأس. # وهذا قول كثير من الفقهاء والعباد، حتى إنه يروى ذلك عن مالك، والشافعي، ~~والإمام أحمد، وغيرهم (¬2). # ومن هؤلاء من قال: إن سرد الصوم أفضل من صوم يوم وفطر يوم (¬3). وروى ~~بعضهم هذا عن الشافعي. # * والقول الثاني: أن من سرد الصوم دائما فقد صام الدهر، وإن أفطر الأيام ~~الخمسة. PageV09P231 # وهذا قول طوائف -أيضا- من أهل العلم (¬1)، وهو الصواب (¬2)؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لو كان قصده مجرد صوم الخمسة لم يذكر الصوم المشتمل على ~~أكثر من ثلاثمئة وخمسين يوما ويريد به كراهة صوم خمسة فقط؛ فإن اللفظ لا ~~يحتمل هذا لا حقيقة ولا مجازا. # ولأن تلك الخمسة نهي عن صومها لمعنى يخصها، سواء صام غيرها أو أفطره؛ فلو ~~صامها شخص وأفطر ما سواها نهي عن ذلك وإن لم يصم الدهر، ولو أفطرها لم ينه ~~على هذا التقدير وإن صام سائر الدهر؛ فعلم أن صوم سائر الدهر لا تأثير له ~~في المنع. # وأيضا، فإن هذه حرم صومها لكونها أيام العيد، ولم يقل في من صامها: «لا ~~صام ولا أفطر»، وصوم الدهر قال فيه: «لا صام ولا أفطر». # وأيضا، فإن هذه قرنها بقيام الليل كله، وبقراءة القرآن على ثلاث، وقرنها ~~بصيام ثلثي الزمان وثلثه وشطره؛ فعلم أنه أراد ms1738 استيعاب الزمان بالصيام، لا ~~صوم خمسة منه. وهذا ظاهر في حديث عبد الله بن عمرو، وحديث أبي قتادة (¬3)، ~~ونحوهما. # وأما من استحب صوم الدهر على أفضل الصيام صيام داود، فهو مقابلة لصريح ~~السنة بالرأي؛ فلا يلتفت إليه. # وعلى هذا التقرير، فصوم الدهر هل هو ترك الأولى أو هو مكروه ينهى PageV09P232 # عنه؟ على وجهين في مذهب الإمام أحمد وغيره (¬1). # * فمن قال بالأول (¬2) قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه، ~~ولكن قال: من فعله فلا صام ولا أفطر. # وهذا يقتضي أن من فعله لا يحصل له فائدة الصوم؛ لاعتياده له، ولا هو أيضا ~~مفطر يلتذ التذاذ المفطرين. # وهذا يقتضي أنه لم ينتفع بذلك في دينه ولا دنياه، وعدم الانتفاع يقتضي أن ~~يكون تركه أولى. # وقد جاء في حديث في «المسند»: «من صام الدهر ضيقت عليه جهنم» (¬3)؛ لأنه ~~بسرد الصوم أغلق عنه أبواب النار. # * والوجه الثاني: كراهة ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ~~عبد الله بن عمرو، وقال: «إذا فعلت ذلك هجمت (¬4) له العين» أي: غارت، ~~«ونفهت له النفس» أي: سئمت، وقال: «إن لنفسك عليك حقا، ولزوجك عليك حقا، PageV09P233 # ولزورك عليك حقا؛ فآت كل ذي حق حقه» (¬1). # فبين صلى الله عليه وسلم أن ذلك يوجب ذلك، أو يفوت حقا واجبا، ومثل ذلك ~~نهي عنه، والأعمال المشروعة لا بد أن تكون مصلحتها راجحة على مفسدتها. # وعلى هذا، فقد يقال: صوم الدهر في حق بعض الناس يكون حراما، وهو من ترك ~~به واجبا، أو وقع به في محرم من ضرر النفس. # وفي حق بعضهم مكروها، وهو من أوقعه في أفعال مكروهة، أو أوجب أن يفعل ~~المأمور على وجه مكروه، مثل أن يسيء خلقه حتى يخاف عليه سوء العشرة لأهله، ~~وأن يصلي صلاة مكروهة، ونحو ذلك. # وقد يكون في حق بعض الناس لا له ولا عليه، وهو الذي «لا صام ولا أفطر»، ~~فلم يترك به واجبا ولا مستحبا، ولا فعل لأجله محرما ولا مكروها. وهذا الذي ~~يقال في حقه: ms1739 «لا ثواب ولا عقاب». # والذين فعلوه من السلف قد يثابون على حسن قصدهم واجتهادهم، وإن كانوا ~~أخطأوا المشروع. # أو لم يكونوا يسردونه دائما، ولكن فعلوا ذلك أحيانا. # أو يقال: انتفعوا به في ترك الآثام، وإن كانوا لم ينتفعوا به في حصول ~~الحسنات، بحيث لو أفطروا لأذنبوا؛ فإذا صاموا الدهر كانوا بحيث لم يذنبوا ~~ولم يحسنوا. والسلامة أحد المطلوبين. PageV09P234 # وعلى هذا فيقال: النهي عن صومه لم يرد عاما، وإنما ورد (¬1) في حق عبد ~~الله بن عمرو ونحوه، وإنما قيل في العموم: «لا صام ولا أفطر». # وأما قول السائل: هل ذلك لانتفاء المشقة أو لانتفاء الثواب والعقاب؟ ~~فيقال له: بل لانتفاء فائدة الصوم ومقصوده، وانتفاء الثواب تابع لانتفاء ~~المقصود؛ فإن العمل الذي لم يحصل مقصوده ينتفي ثوابه، كقوله: «من لم يدع ~~قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (¬2)، وجاء: ~~«رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش» (¬3). # مع أن هذا يدفع عنه بالصوم العقاب، فلو لم يصم لعوقب، ولو صام صوم ~~المتقين لحصل له الثواب. فإذا صام صوم الفجار اندفع عنه العقاب، ولم يحصل ~~له ثواب؛ لمقابلة ما عمله من الشر فيه بما عمله من الخير. # وصائم الدهر جعل نهاره ليلا، واعتادت النفس ذلك، فلم تحصل له بالصوم ~~التقوى التي هي مقصود الصوم، كما قال: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين ~~من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183]، والله أعلم. # - - - - PageV09P235 ### || AUTO رسالة # إلى ابن النقيب # في حديث «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» PageV09P237 # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني رضي الله عنه، وهي رسالة إلى ابن ~~النقيب (¬1): # الحمد لله رب العالمين. # السلام على الولد الفاضل اللبيب النجيب أبي عبد الله محمد بن النقيب أتم ~~الله عليه النعمة، ووهبه العلم والحكمة، وآتاه من لدنه الرحمة. # وبعد حمد الله، والصلاة على خاتم المرسلين محمد وآله وسلم تسليما، فقد ~~وصل ما أنعم الله تعالى على أبي عبد الله محمد، وحمدت الله وشكرته على ما ~~أنعم به عليه من تعليم هذه الأمور، ms1740 ومعرفة قدر العلم والإيمان؛ فإن ذلك ~~أعظم نعمة ينعم الله بها على الإنسان، والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. # والله سبحانه إذا أنعم على العبد بهذه النعمة فجميع الخيرات تبع لها، وما ~~أصابه بعد ذلك من سراء فشكر كان من تمام النعمة، وما أصابه بعد ذلك من ضراء ~~فصبر كان من تمام النعمة؛ فإن الله لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له. # وقد يسر الله تعالى في هذه القضية (¬2) من أنواع النعمة والحكمة والرحمة ~~ما يكون الذي رأيته قطرة من بحره، ولكني أخرجه بتدريج. PageV09P239 # وإذا كبر الطلب (¬1) عظم المبذول وكثر؛ فإن كثيرا منه لم تعرفه النفوس ~~فتشتاق إليه؛ فإن الشوق فرع الشعور، ومن لم يشعر لم يشتق إليه (¬2). # والحديث الذي ذكرته في مسلم هو كما وجدت، وهو في جميع النسخ، لا يختص ~~بنسخة، لكن مسلما ذكر هذا اللفظ (¬3) في أول المناسك عند ذكره قوله: «لا ~~تسافر امرأة إلا مع زوج أو ذي محرم» (¬4). # فحديث أبي سعيد تضمن هذا وتضمن قوله: «لا تسافروا إلا إلى ثلاثة مساجد»، ~~فذكره مسلم هناك لأجل ذاك، وشارحو مسلم يذكرونه هناك لأجل ذاك القصد (¬5). # ولما ذكر مسلم فضائل المدينة لم يذكر إلا حديث أبي هريرة: «لا تشد ~~الرحال» (¬6)، فشرحه من شرحه هناك، وإلا فلو تفطن من غلط في فهم معناه للفظ ~~أبي سعيد عرفوا غلطهم (¬7). PageV09P240 # ولفظ أبي سعيد هو في «الجمع بين الصحيحين» (¬1)، وغالب ظني أنه في ~~البخاري أيضا، فاكتشفوه (¬2). # ولم يخالف هذا الحديث أحد من السلف، بل الصحابة، كأبي سعيد، وابن عمر، ~~وبصرة بن أبي بصرة (¬3)، وغيرهم، متفقون على أن هذا نهي يوجب التحريم، وأنه ~~يتناول ما سوى المساجد الثلاثة (¬4). # والذين خالفوا هذا من المتأخرين حزبان: # * حزب ظنوا أن النهي لم يتناول إلا المساجد، لم يتناول آثار الأنبياء. # وهذا قول ابن حزم الظاهري، استحب السفر إلى آثار الأنبياء، ولم يذكر ~~المقابر؛ لكونه لا يقول بفحوى الخطاب وتنبيهه (¬5). PageV09P241 # * وحزب قالوا: إنه ليس بنهي، بل هو نفي للوجوب بالنذر، أو نفي للاستحباب (¬1). # وهذا قول طائفة ms1741 من أصحاب الشافعي، كالشيخ أبي حامد، وأبي المعالي، ومن ~~تبعهم (¬2). وهو قول أبي محمد المقدسي ونحوه من أصحاب الإمام أحمد (¬3)، ~~وقول ابن عبد البر وبعض متأخري المالكية (¬4). # وأما مالك وجمهور أصحابه، وقدماء أصحاب الإمام أحمد وجمهورهم، وطائفة من ~~أصحاب الشافعي، فيقولون: إنه نهي (¬5). وحديث أبي سعيد صريح في حجة هؤلاء. # وأنا في جواب الفتيا التي لم يتسع فيها الكلام ذكرت القولين جميعا، ولم ~~أستقص الكلام فيها، بل بحسب حال السائل، وقد رجحت النهي، ولم أستوعب حجج ~~ترجيحه (¬6). PageV09P242 # وأما القول باستحباب السفر إلى زيارة القبور، فما علمت به إذ ذاك قائلا ~~لأحكيه، وإلى الآن لم أعرف أحدا صرح به، لكن قد قيل: إن بعض أصحاب الشافعي ~~قال ذلك، ابن كج (¬1) أو غيره (¬2)، فيكشف (¬3) في لفظ (¬4) الرافعي في ~~النذور (¬5). # وقد ذكرت في مواضع فساد قول من لم يجعله نهيا ولو لم يرو حديث أبي سعيد، ~~فكيف مع لفظ أبي سعيد؟ ! # وقد ذكرت اتفاق السلف على ذلك، وذكرت أيضا اتفاق الصحابة PageV09P243 # والسلف على تناوله لغير المساجد، وأنه إذا نهي عن السفر إلى المساجد التي ~~هي أحب البقاع إلى الله، مع أن قصدها للعبادة والدعاء والذكر مشروع باتفاق ~~المسلمين، فالسفر إلى المقابر التي نهي عن اتخاذها مساجد، ولم يشرع قصدها ~~للصلاة والدعاء والذكر، بطريق الأولى والأحرى (¬1). # وابن عبد البر والشيخ الموفق وغيرهما من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ~~وغيرهم موافقون على أنه لا يجوز اتخاذ القبور مساجد (¬2). # وقال الشافعي رضي الله عنه (¬3): أكره أن يعظم مخلوق حتى يتخذ قبره ~~مسجدا؛ مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده (¬4). # وذكر الشيخ موفق الدين في مغنيه (¬5) أنه يحرم بناء المساجد على القبور، ~~وأنه لو نذر أن يذبح بمكان وعنده قبر أو شجرة أو عين أو غير ذلك مما يعظم ~~لم يجز الوفاء بنذره. # وقد بسطت هذه المسائل في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب ~~الجحيم» (¬6). PageV09P244 # والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وعلى سائر من تختارون تبليغه السلام. # نقله شمس الدين ابن المحب من خط عمه الإمام برهان الدين أبي إسحاق ms1742 ~~إبراهيم ابن المحب، وهو نقله عن خط المؤلف، رحمهم الله تعالى. # - - - - PageV09P245 ### || CHECK رسالة إلى القاضي محمد بن سليمان بن حمزة المقدسي في حاجة الناس إلى مذهب الإمام أحمد، ومسألة ضمان البساتين # رسالة # إلى القاضي محمد بن سليمان بن حمزة المقدسي # في حاجة الناس إلى مذهب الإمام أحمد # ومسألة ضمان البساتين PageV09P247 # بسم الله الرحمن الرحيم # نقلت من خط الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن ~~أحمد بن المحب المقدسي الحنبلي، قال: نقلت من خط الشيخ بدر الدين حسن بن ~~قاضي القضاة عز الدين محمد بن قاضي القضاة تقي الدين سليمان أعزه الله ~~تعالى، قال: نسخة رسالة أرسلت إلى والدي محمد بن سليمان بن حمزة (¬1) من ~~شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني قدس الله روحه، يسلم على قاضي القضاة عز ~~الدين -أعزه الله تعالى بطاعته، وأسبغ عليه جميل نعمته-، ويعرف خدمته: # إنا ولله الحمد في نعم عظيمة، ومنن جسيمة، لا يحصيها إلا الله، وهذه ~~القضية (¬2) كانت من أعظم نعم الله علينا وعلى سائر المسلمين، ولله فيها ~~حكمة بالغة، ورحمة سابغة؛ فإن السلطان (¬3) أراد أن يسعى في قطع أصول PageV09P249 # الإسلام والتوحيد وعبادة الله وحده وما بعث به رسوله، فمن الله في ذلك ~~بمنن لا يقدر قدرها. # وقد كتب الخادم في ذلك أمورا كثيرة (¬1)، وما كنت أرجو أن يتهيأ مثلها ~~بدون هذه القضية، وكثير من ذلك عند الشيخ أبي عبد الله (¬2)، وبعضه عند عبد ~~الله الإسكندراني (¬3)، فأيما طلبت هذا أو هذا فهو بوقف خدمتك. PageV09P250 # على ما في ذلك من فضل الله ورحمته، ولو أنفقت ملء القلعة ذهبا شكرا على ~~هذه النعمة كنت مقصرا في ذلك. # ولسلفكم الطيب (¬1) علينا من الحقوق المشكورة، والانتفاع بعلمهم ودينهم، ~~ما يوجب لكم ولهم من المودة والموالاة والمحبة ما الله به عليم، ولهذا كتبت ~~إليكم هذه الورقة. # فإنكم تعلمون أن مذهب الإمام أحمد مذهب عظيم القدر؛ لعلمه بما جاء به ~~الرسول، واتباعه له، ومعرفته بآثار الصحابة والتابعين، وفي كل مذاهب ~~المسلمين خير. # والناس محتاجون إلى مذهب ms1743 الإمام أحمد في مسائل متعددة؛ لكونه كان عنده ~~فيها من العلم ما ليس عند غيره، ولاحتياج المسلمين إليها. # * مثل: مسألة تغيير الوقف من حال إلى حال أحسن منها؛ للمصلحة الراجحة، ~~فإنه كان عنده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هدم الجامع الأول بالكوفة، ~~وبنى مكانه جامعا آخر، وصار الأول سوق التمارين (¬2)، مع تغيير PageV09P251 # عمر وعثمان رضي الله عنهما لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم (¬1)، ومع ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «لولا أن قومك حديثو ~~عهد بجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض، ولجعلت لها بابين» (¬2). # ولهذا كان الإمام أحمد يتوسع في هذا الباب ما لا يتوسع غيره، والناس ~~محتاجون إلى ذلك. # * ومن ذلك: مسألة (¬3) المساقاة والمزارعة، فإن الناس محتاجون إلى مذهبه ~~فيها، وهو أوسع من مذهب غيره. # والصحيح جواز المزارعة ببذر من العامل، كما اختاره موفق الدين (¬4)، ~~لحديث خيبر (¬5). # وكذلك: لو كانوا ثلاثة (¬6). # ويجوز أمثال ذلك مما لا يتسع له هذا الموضع. # * وكذلك: المناصبة (¬7)، نص عليها قدماء أصحابه، كأبي حفص وغيره، PageV09P252 # وذكرها القاضي في تعليقه (¬1)، ورجع عما نقله عنه في «المغني» (¬2) من ~~منعه منها، وذكر دلالة كلام أحمد عليها. # * ومن ذلك: أنه لا يلزم الزوج بالصداق المؤخر حتى يحصل بينهما فرقة بموت ~~أو طلاق. وبهذا قضى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (¬3). # * ومن ذلك: ما كان الوالد تقي الدين (¬4) قدس الله روحه يحكم به -وأحسن ~~في ذلك (¬5) - من إثبات الجائحة في المزارع إذا أكريت الأرض بألف، وكان ~~بالجائحة يساوي كراها تسعمئة. # وبعض الناس يظن أن هذا خلاف لما في «المغني» (¬6) من الإجماع، وهو غلط؛ ~~فإن الذي في «المغني» أن نفس الزرع إذا تلف يكون من ضمان المستأجر صاحب ~~الزرع، لا يكون كالثمرة المشتراة، وهذا ما فيه خلاف، PageV09P253 # وإنما الجائحة (¬1) في نفس أجرة الأرض ونقص قيمتها، كما لو انقطع الماء ~~عن الرحى (¬2)، ونحو ذلك. # * ومن ذلك: أمر ضمان البساتين (¬3)، فإن أحمد قد نص على أن الاحتيال ~~بإكراء الأرض والمساقاة على الشجر لا يجوز (¬4). # وابن عقيل اختار ms1744 ضمان الأرض والشجر جميعا (¬5)، كما يفعل الناس؛ لأن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه قبل (¬6) حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين، وتسلف ~~الأجرة، فقضى بها دينه، وكان قد قتل في قتال مسيلمة الكذاب. روى هذا حرب ~~الكرماني في مسائله عن أحمد، ورواه أبو زرعة الدمشقي، وغيرهما (¬7). PageV09P254 # وليس هذا داخلا فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من بيع الثمار قبل ~~بدو صلاحها (¬1)؛ فإن ذلك بيع الثمر بمنزلة أن يبيع الحب قبل اشتداده، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى ~~يشتد» (¬2)، فإذا كان له زرع فباعه قبل اشتداده لم يجز، ولو آجر الأرض لمن ~~يزرعها جاز ذلك، والضمان هو من جنس الإجارة، لا من جنس البيع. PageV09P255 # وفي البيع يكون سقي الثمرة وخدمتها على البائع، ولو تلفت بجائحة كانت من ~~ضمان البائع. وفي الإجارة يكون السقي والعمل على الضامن المستأجر، ولو تلفت ~~الثمرة كانت من ضمانه، لكن توضع عنه الجائحة لنقص منفعة الإجارة، كما لو ~~استأجر الأرض. # والناس كلهم محتاجون إلى مسألة الضمان، وإلى هذا القول الذي اختاره ابن عقيل. # ومالك يقول بذلك، لكن يشترط أن يكون بياض الأرض الثلثين (¬1)، وأما ابن ~~عقيل فيجوز ذلك مطلقا ولو كان الشجر هو الغالب، مثل كثير من البساتين، وعمر ~~ضمن حديقة نخل. # والنقيب جمال الدين (¬2) من خيار الناس، ومقاصده صالحة، وهو سليم القلب، ~~وهو قد اطمأن إلى خدمتك، وهو محب لك، وهو يطلب من إحسانك إحكام قضيته؛ لئلا ~~يمكر به، وهو قد وقف نصف الشجر، وصار هذا النصف معه بحكم الضمان، وإذا ~~انقضت هذه المدة فإنه يصير ضامنا لنصف الشجر، والأرض (¬3) بيضاء، فهو يطلب ~~أن يحكم له بذلك. # فإن شرح الله صدرك بأن تكتب ضمانا للأرض، والشجر داخلة في ذلك، وأنه هو ~~المستحق لثمرتها، وتحكم بصحة هذا الضمان، مع علمك باختلاف PageV09P256 # العلماء = فهذه رحمة لهذا ولجميع المسلمين، ولك إن شاء الله بهذا من ~~الدعاء والثناء ما الله به عليم. # وهذا أشبه بأصول أحمد، وأبعد عن المكر ms1745 والظلم، وهو الموافق لعقول الناس ~~وفطرتهم؛ فإن الضامن إنما يعطي الضمان لأجل الشجر، ولو كانت أرضا بيضاء لم ~~يستأجرها إلا بقليل. # وأيضا، فالمساقاة بجزء من ألف جزء لا تسوغ لناظر الوقف وولي اليتيم ~~ونحوهما، فإن عقد المساقاة مجردا لم يجز، وإن شرطها في إيجاره الأرض لم ~~يجز، والإمام أحمد قد نص على إبطال هذه الحيلة بعينها. # وهذا وأمثاله من محاسن مذهب أحمد؛ فإنه لا يسوغ المكر والخداع، كما قال ~~أيوب السختياني: «يخادعون الله كأنما يخادعون صبيا، لو كانوا يأتون الأمر ~~على وجهه كان أسهل» (¬1). # والناس لا بد لهم من ضمان البساتين، فإما على الوجه الذي فعله عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، وأجازه ابن عقيل، وإما على وجه الاحتيال، ومعلوم أن ~~الأول أحسن، وهو عدل باطنا وظاهرا. # والنقيب جمال الدين يبلغني خدمتكم ومحبتكم، والمملوك يسلم على من تحيط به ~~العناية، ويعرفهم عظيم نعم الله ومننه وآلائه وفضله. # وأنا ولله الحمد لست في شدة ولا ضيق أصلا، بل في جهاد في دين الله PageV09P257 # وسبيله ونصر دينه، مثل ما كنت أخرج إلى قازان، وأغزو الجبلية (¬1). # والجهاد لا بد فيه من اجتهاد، {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني ~~عن العالمين} [العنكبوت: 6]، {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله وكفى بالله شهيدا} [الفتح: 28]. # وتفاصيل الأمور المبشرة التي يسر بها خدمته (¬2)، وتسر بها قلوب الجماعة ~~رضي الله عنهم، كثيرة لا تتسع لها هذه الورقة لتفصيلها، والسلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته، والحمد لله وحده (*)، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وسلم تسليما. # علقها محمد بن موسى بن الحبال الأنصاري الحراني الحنبلي لطف الله تعالى ~~به وبهم. # - - - - PageV09P258 ### || CHECK فصل: إذا استأجر أرضا لينتفع بها فتعطلت منفعتها # فصل # إذا استأجر أرضا لينتفع بها فتعطلت منفعتها PageV09P259 # وقال رضي الله عنه -ومن خطه نقل الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله ~~محمد بن محمد بن المحب المقدسي، ومن خطه نقلت-: # الحمد لله رب العالمين # فصل # إذا استأجر أرضا لينتفع بها، فتعطلت منفعتها المستحقة بالعقد، ms1746 سقطت ~~الأجرة، مثل أن يستأجر أرضا فتغرق ولا يمكن الزرع فيها، وكذلك إذا أصابتها ~~آفة غير ذلك من الآفات منعت من الزرع، ففي مثل هذا تسقط الأجرة إذا لم ~~يتمكن المستأجر من الانتفاع بشيء منها باتفاق الأئمة (¬1). # وإن ازدرعها ثم حصلت آفة سماوية تلف بها الزرع، مثل الجراد الذي يأكل ~~جميع الزرع، فهنا يتلف (¬2) الزرع من مال المستأجر؛ فإنه ملكه، ولكن هل ~~عليه الأجرة فيه؟ قولان للعلماء، أصحهما: أنه إذا تعطلت المنفعة المستحقة ~~كلها سقطت الأجرة كلها؛ لأن هذه الآفة فوتت المنفعة المستحقة بالعقد، وتعذر ~~معها انتفاع المستأجر بشيء من الأرض؛ فإن المقصود بالعقد ليس مجرد البذر، ~~بل المقصود نبات الزرع، وكمال نباته حتى يمكن حصاده. # وإن كانت الآفة السماوية فوتت بعض المنفعة، بأن أكل الجراد بعض الزرع، ~~فإنه يقال: كم قيمة منفعة هذه الأرض لو سلمت من هذه الآفة؟ وكم قيمتها مع ~~حصوله هذه الآفة؟ فينظر تفاوت ما بينهما فيحط عن المستأجر PageV09P261 # من الأجرة المسماة بقسط ذلك. # وإن كانت الآفة عطلت المنفعة بالكلية، فإنه يحط عنه جميع الأجرة، ولا ~~يستحق المؤجر شيئا من الأجرة؛ فإن المنفعة المستحقة بالعقد لا بد فيها من ~~بقاء الزرع حتى يتمكن من حصاده، فإذا حصلت آفة منعت من بقاء الزرع فيه فهو ~~كما لو منعه من نباته وأبلغ؛ فإنه هنا تلف مال المستأجر أيضا، لكن من غير ~~تفريط من المؤجر، فلهذا قيل: «الزرع يتلف من ضمان المستأجر، والمنفعة تتلف ~~من ضمان المؤجر» (¬1)، فتسقط الأجرة التي آجر بها الأرض تعديلا بينهما. # ومن قال: إن المستأجر تجب عليه الأجرة مع ذهاب زرعه، فهو نظير أن يقال: ~~بل المؤجر يجب عليه ضمان زرع المستأجر، لأن تلف مال المستأجر في أرضه، كما ~~لو غره. وكلا القولين ظلم، والعدل ما تقدم. # ونظير هذا: لو استأجر خانا أو حماما، فجاء عدو منع الناس من سكني تلك ~~الأرض والانتفاع بذلك، فإنه لا أجرة مع ذلك (¬2). # وليس ذلك بمنزلة ما لو سرق بعض اللصوص ماله؛ فإن هذا لم تتعطل به ~~المنفعة، إذ ms1747 يمكن منع الأرض من اللص، فالمستأجر هنا مفرط في استيفاء ~~المنفعة، فهو كما لو نبت الزرع وجاء بعض اللصوص سرقه، وليس هو عذرا غالبا، ~~فهذا لا يمنع وجوب الأجرة. # وليس هذا كما لو تعذر على المستأجر وحده الانتفاع، كما لو احترق PageV09P262 # ماله؛ فإن المنفعة هنا باقية، ولكن تعذر على هذا المعين استيفاؤها، بخلاف ~~الآفة التي يتعذر معها الانتفاع على كل أحد، والله أعلم (¬1). # - - - - PageV09P263 ### || AUTO فصل # في انعقاد النكاح بأي لفظ يدل عليه PageV09P265 # عقد النكاح بأي لفظ دل عليه (¬1) # قال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني قدس الله روحه ونور ضريحه: # يجوز عقد النكاح، وكتابة الصداق، ليلا ونهارا. # فصل # * وأكثر العلماء على أن النكاح ينعقد بغير لفظ التزويج والإنكاح؛ فإذا ~~قال: «ملكتك ابنتي بألف» أو غير ذلك من الألفاظ التي يفهمان منها النكاح ~~انعقد النكاح. وما عده الناس نكاحا فهو نكاح، والصفاح (¬2) الذي تعده ~~الأعراب [نكاحا] هو نكاح (¬3). # وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، وعليه تدل نصوصه ونصوص قدماء ~~أصحابه (¬4)، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، لكنه يشترط ما فيه معنى التمليك ~~(¬5). PageV09P267 # * وإذا أعلنا النكاح، ولم يكتماه، فظهر بين الناس، صح النكاح، سواء حضر ~~العقد شاهدان أو لم يحضراه. # هذا قول أكثر السلف، وهو مذهب مالك، وداود، وغيرهما، وهو إحدى الروايتين ~~عن الإمام أحمد (¬1). # قال الإمام أحمد: «ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشهادة حديث ~~صحيح» (¬2). # ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين الدين وما يحتاج إليه ~~المسلمون، ولم يوجب على أمته الإشهاد على النكاح (¬3). # بل أمر الله بالإشهاد على الرجعة، وهو أمر إيجاب أو استحباب، وفي ذلك ~~قولان للشافعي والإمام أحمد. وأمر بالإشهاد على البيع، وهو أمر استحباب عند ~~أكثر العلماء (¬4). # قال يزيد بن هارون: «هؤلاء (¬5) يوجبون الإشهاد على النكاح، ولم يأمر ~~الله به، ويسقطون ما أمر الله به! » (¬6)، والله أعلم. # - - - - PageV09P268 ### || CHECK قاعدة: الاعتبار بموجب اللفظ والمعنى # قاعدة # الاعتبار بموجب اللفظ والمعنى PageV09P269 # قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه (¬1): # فصل # قاعدة: ms1748 إذا تكلم بلفظ العقد يظن أن معناه وموجبه في الشريعة شيئا، فتبين ~~بخلافه، فالأصل في مثل هذا أنه لا يثبت فيه حكم المعنى الذي لم يقصده؛ وذلك ~~لأن اللفظ يتبع المعنى، والمعنى هو المقصود. # ولهذا إذا عبر عن المعنى بأي لفظ دل على معناه انعقد به العقد، سواء كان ~~اللفظ عربيا أو عجميا معربا، أو ملحونا، ولا يفرق بين العربي وغيره في ذلك. # لكن قد فرق بعض أصحاب الشافعي والإمام أحمد في النكاح بين لفظ العربي ~~وغيره؛ لما فيه من شوب العبادة. ولكن هذا ضعيف، قد بسطنا الكلام على ضعفه ~~في القواعد الكبار الفقهية الدمشقية (¬2). # ومعنى اللفظ هو ما يعنيه (¬3) المتكلم، أي: يقصده ويريده. وذلك مشروط ~~بالعلم به؛ فإن قصد الشيء إنما يصح إذا كان مشعورا به، فما لا يشعر به ~~المتكلم لا يقصده، وكذلك الفاعل. PageV09P271 # لكن لو نوى باللفظ معناه عند أهله وهو لا يفهمه، كما لو تكلم بلفظ العجمي ~~وهو لا يفهمه ونوى موجبه عند أهله، أو نوى موجب العربية من لا يفهمه، أو ~~موجب الحساب من لا يفهمه = ففيه وجهان مشهوران، والأقوى في الحجة: أنه لا ~~يصح؛ لأنه قصد ما لا يعرفه، وذلك لا يصح. # ولهذا لو أقر بمثل هذا، أو شهد بمثل هذا، لم يلزمه إقرار ولا شهادة. # وهذا من باب المخاطرة والقمار في الألفاظ؛ فإن حقيقته أني قصدت ما يفهمه ~~غيري من هذا اللفظ كائنا ما كان. وهذا لا يصح. # وإذا كان المعنى هو المقصود المراد بلفظ العقد، فلفظ (¬1) «البيع» ونحو ~~ذلك معناه ومقصوده هو انتقال المبيع إلى المشتري، وانتقال الثمن إلى ~~البائع، وتحصيل المقصود المراد هو إلى الشارع، فالصحيح ما ترتب عليه مقصوده ~~وحصل به أثره، والباطل ما لم يترتب عليه مقصوده ولم يحصل به أثره. # فإذا كان قد عنى وقصد بلفظ العقد معنى، فرتبه عليه الشارع وحصله، كان ~~العقد صحيحا، وإلا كان فاسدا. # وإذا كان المقصود بلفظ «البيع» حصوله الملك من الطرفين، فإن حكم الشارع ~~بحصول المقصود [في بعض] (¬2) دون بعض، فيكون العقد ms1749 صحيحا من وجه دون وجه، ~~كما بيناه في غير هذا الموضع (¬3). PageV09P272 # فإذا كان هو لم يعرف أن ذلك المعنى هو المقصود المراد باللفظ لم يكن ~~قاصدا له، فلا يكون قد عناه، فيبقى في حقه لفظا لا معنى له، فلا ينعقد به ~~عقد، كما لو اعتقد أن لفظ «التحرير» المراد به العفاف دون العتق (¬1)، فهذا ~~لا يعتق به العبد في الباطن قطعا. ومتى شاع هذا العرف في العامة لم يكن ~~اللفظ صريحا في حقهم. # ولو اعتقد أن معنى «الإعتاق» إعتاقه من شغل أو عمل ألزمه إياه، ولم يكن ~~يفهم أن معناه التخليص من الرق مطلقا، لم يكن اللفظ في الباطن في حقه عتقا، ~~وأما قبوله في الظاهر ففيه تفصيل. # ولو اعتقد أن «الوقف» معناه تسبيل المنفعة فقط، دون إخراج الرقبة من ~~ملكه، لم ينعقد الوقف بمجرد لفظه في نفس الأمر. # ولو اعتقد أن لفظ «الطلاق» ليس معناه الفرقة الناجزة، ولكن معناه أنه إذا ~~أوقعه في الحيض فإن الأمر يتأخر إلى الطهر، فإن شاء وقع الطلاق وإن شاء لم ~~يقع، أو أنه إذا أوقعه في الطهر فإنه يتأخر إلى الحيض، فإن شاء وقع وإن شاء ~~لم يقع = [لم يقع] (¬2) بهذا اللفظ طلاق منجز أو مؤخر بدون مشيئته؛ لأنه ~~إذا لم يعلم أن هذا معنى اللفظ ومقصوده ومراده لم يقصد المعنى ولم يرده ولم ~~يعنه، وإذا لم يقصده ولم يرده ولم يعنه كان لفظا بدون معنى (¬3). PageV09P273 # وليس هذا كطلاق الهازل؛ فإن الهازل قصد اللفظ عارفا بمعناه، واللفظ من ~~آيات الله، فلم يكن له أن يستهزئ بآيات الله. # وقد بسطنا الكلام في ذلك، وبينا الفرق بين الهازل والمكره وخلع اليمين ~~والمحلل ونحوهما في «بيان بطلان التحليل» (¬1). # فإن المكره والمحلل قصدا (¬2) اللفظ لأمر آخر غير معناه، هذا قصد دفع ~~الضرر عن نفسه، [وهذا قصد إعادة المرأة إلى المطلق] (¬3)، بخلاف الهازل ~~فإنه لم يقصد معنى آخر غير حكم اللفظ. # وهذا الجاهل بمعنى اللفظ يشبه المكره، بل هو أقوى من المكره؛ فإن المكره ~~عرف معنى اللفظ، وقصد ms1750 اللفظ، لكن لمقصود آخر يعذر فيه، وهو دفع ضرر ~~الإكراه، ولم يقصد معنى اللفظ وحكمه. وأما الجاهل فإنه قصد معنى آخر، ولم ~~يقصد معنى اللفظ، ولا يمكن أن يقصده مع العلم به. ومن قال: يقع الطلاق بمثل ~~هذا، فرأيه من جنس رأي من يوقع طلاق المكره ويمين المكره؛ نظرا إلى أنه ~~قاصد للفظ مريد (¬4) له، فأشبه الهازل. # ثم كلهم متفقون على أنه لو سبق لسانه إلى اللفظ بغير قصد لم يقع به شيء، ~~ولو نوى باللفظ غير الطلاق، مثل أن ينوي: طالق من وثاق، أو من زوج كان ~~قبلي، أو من نكاح سابق = لم يقع شيء في الباطن. PageV09P274 # فإن قيل: ما ينويه باللفظ لا بد أن يكون اللفظ محتملا له، بخلاف ما إذا ~~نوى ما لا يحتمله اللفظ. # قيل: هذا صحيح، لكن هو إذا اعتقد أن اللفظ يحتمله، ونواه، كان كمن تكلم ~~بلفظ يعتقد له معنى، وكان له معنى آخر، فلا يلزمه المعنى الذي لم يعلم أن ~~اللفظ دال عليه، كما قد تقدم ذكره. # وهذه المسألة لها صورتان: # إحداهما: أن يقصد بلفظ «الطلاق» هذا المعنى الذي ليس هو معناه في العادة، ~~معتقدا أن ذلك هو معناه = فهذا ظاهر. # والثانية: أن يكون معتقدا أن ذلك هو معناه، ويتكلم به، غير مستحضر معنى ~~من المعاني؛ إما لفرط الغضب أو غيره = فهذا أيضا إنما يحمل كلامه على ما ~~يعتقده معناه؛ فإنه إنما يعني باللفظ ويقصد ما يعتقده معناه، لا يمكن أن ~~يقصد ويعني ما لا يعلمه ولا يقصده، فيكون المعنى المعتاد لم يقصده ولم ~~يعنه، فلا يكون قد أوقعه، فلا يقع. # - - - - PageV09P275 ### || CHECK فصل: الشروط في النكاح # فصل # الشروط في النكاح PageV09P277 # الشروط في النكاح (¬1) # قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني الإمام ~~الرباني رضي الله عنه: # فصل # إذا نكح نكاحا وشرط فيه شرطا: # فإن كان الشرط صحيحا، لزم الوفاء به. # وإن كان الشرط محرما، ففيه قولان للعلماء: # قيل: يلزم العقد، ويبطل الشرط. # وقيل: بل العقد غير لازم، ولا يلزم العقد ms1751 إلا إذا تراضي به المتعاقدان، ~~وكان موافقا للشرع. وهذا أظهر القولين. # فإذا شرط للمرأة زيادة على مهر المثل، كان هذا شرطا لازما باتفاق ~~العلماء. # وإن شرط أن لا يتزوج عليها، أو لا يتسرى، أو لا ينقلها من دارها؛ فهل هذا ~~شرط صحيح؟ فيه للعلماء قولان: # أحدهما: أنه شرط صحيح لازم. # وهو مذهب الإمام أحمد وغيره (¬2)؛ كما ثبت في الصحيحين عن النبي PageV09P279 # صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به ~~الفروج» (¬1). # والثاني: أنه شرط باطل. # وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي (¬2). # ولو تزوج المرأة مدة كان هذا نكاح متعة، وهو باطل عند عامة العلماء، وذهب ~~زفر إلى أنه يلزم العقد ويبطل التوقيت (¬3)، وخرج ذلك في مذهب الإمام أحمد ~~(¬4)، وهذا بناء على قولهم: إنه يصح العقد ويبطل الشرط. # وإذا تزوجها على أنه إن أحبلها إلى عام وإلا فلا نكاح بينهما؛ فهذا الشرط ~~إن قيل: إنه فاسد، فقيل: إن النكاح لازم، وقيل: ليس بلازم، بل المرأة أحق ~~بنفسها، وهذا أظهر القولين (¬5). # - - - - PageV09P280 ### || CHECK سؤال منظوم في تحريم نكاح المحلل وبطلانه، وفي حكم ساب أبي بكر رضي الله عنه ومبغضه، وجوابه # سؤال منظوم # في تحريم نكاح المحلل وبطلانه # [وفي حكم ساب أبي بكر رضي الله عنه ومبغضه] # وجوابه PageV09P281 # كتاب فيه سؤال نظم في تحريم نكاح المحلل وبطلانه، لشيخ الإسلام أبي ~~العباس أحمد بن تيمية الحراني رضي الله عنه وأرضاه وقدس روحه ونور ضريحه، ~~على التمام والكمال، وأجاب عنها رحمه الله تعالى: # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر # سؤال نظم في تحريم نكاح المحلل وبطلانه، وفي حكم ساب أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه ومبغضه، أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه. # أيها العالم الفقيه المؤيد ... أفتنا سيدي بمذهب أحمد # رجل يدعي الفضائل جمعا ... ويرى أنه بفقه مسدد # حرم البيع للعقار بنقد ... وبعقد إلى النسيئة يقصد # بعد بيع ومشترى ثم تسليم ... م وبعد الفراق والعرف يعقد # وأجاز النكاح في نية التح ... ليل من أعبد بقصد مجرد # ثم من ms1752 عابري سبيل ومملو ... ك صغير وفعل ذا قد تأكد # أي ما عندكم يكون جديرا ... تركه منهما حريا مقيد # أفأخطا وهذه الحال حقا ... أم أصاب الفقيه فيما تعمد؟ # أفتنا يا إمام كل إمام ... بعده والمقيم شرع محمد # بك يا أحمد الخليقة أضحت ... جلق (¬1) أحمد الأماكن أحمد # ثم ماذا تقول في مسلم قا ... م بشرط الإسلام ثم تجرد # لأبي بكر الخليفة بالبغضا ... ء والسب هل بنار يخلد؟ PageV09P283 # أم عليه العقاب يقطع حتى ... يأذن الله بالخروج ويسعد؟ # وإذا باح بالمسبة هل يق ... تل شرعا وبيننا قد يلحد؟ # أم بفرط النكال يمنع والتع ... زير أولى أم عن أذاه يفند؟ # فاشفنا بالجواب أيدك ال ... له وأولاك أنعما ثم أمجد # وحباك المزيد بالقرب منه ... ورضاه على الدوام مجدد # * * * # صفة جواب شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية الحراني رضي ~~الله عنه عن هذا الاستفتاء: # أيها السائل المريد بيانا ... بالهدى (¬1) والسداد كي يتأيد # إن فرضا على الأنام جميعا ... طاعة الله والرسول محمد # وأولي الأمر من ذوي العلم والسي ... ف في طاعة الرسول المؤيد # وإذا أجمعوا فهم لن يضلوا ... نهج المؤمنين نهج مسدد # وإذا ما تنازعوا فإلى الل ... ه والرسول المرد في كل مقصد # خير قول مقال رب البرايا ... وخيار السبيل سنة أحمد # وهدى الله بالكتاب وبالسن ... نة والإجماع من خير قرن وأرشد # قد أتى بالتحقيق فيما سألتم ... وأبان الهدى لمن كان يقصد # لعن الله تيس غي معارا ... ذا سفاح وللخداع تعمد # قاصدا للتحليل في صورة التز ... ويج شبيه السموم في جوف أسود # والذي طلق الثلاث جميعا ... شارك التيس لا بعقد مؤكد PageV09P284 # حيث باءا بلعنة الله طرا ... في حديث عن سيد الخلق أحمد (¬1) # أن يراجع ذات الطلاق بتحلي ... ل وذلك التيس الاسفد (¬2) # فالذي حرم السفاح وإن خا ... دع من أظهر النكاح المجدد # حرم الظلم مثل أكلك مال ال ... غير بالباطل الذي لا يسدد # كالربا والقمار ذما جميعا ... والترابي فوق القمار وأفسد # ولقد قال خاتم الرسل قولا ... فيه فصل في كل قول ومقصد # حيث رد الأعمال طرا ms1753 إلى الني ... يات (¬3) كي يتبع الرشاد ويقصد # فإذا ما قصدت قصد المرابي ... لعقود لغير ذلك تعقد # فلقد بؤت بالربا مع خداع ... لإله الخلق الذي هو يعبد # مثل بيعين يعقدان لبيع ... أو كقرض مع المحاباة يعمد # في بيوع أو في إجارة بيع ... أو قراض على الذي هو ينقد # وكذاك الشخص المحل حراما ... بين هذين أجل نيل (¬4) مزهد # ثالث القوم في الربا الحطا ... م (¬5) هو فيه شبه الذي يتقود # وكذا كاتب الوثيقة أيضا ... رابع القوم في كلام المؤيد # لعن المصطفى لآكل فضل ... ولمعطيه والشروطي يشهد (¬6) PageV09P285 # وإذا ما تواطؤوا قبل عقد ... أن يعاد المبيع بالبيع يعقد # فهما بائعان بيعين في بي ... ع وذا ظاهر لمن قد تعود # فلشاريه منهما أوكس البي ... عين وذاك للربا قد تعمد # هكذا قال صاحب الشرع والمن ... هاج خاتم المرسلين طرا محمد (¬1) # لكن الذم والعقاب جميعا ... من الشارع الإله الموحد (¬2) # هو في حق من يبوء بذنب ... بعد سمع الشرع العظيم المسدد # دون أهل الأعذار مثل إمام ... تابع للهدى وللحق يعمد # قال قولا عن اجتهاد مباح ... خفيت عنه بعض سنة أحمد # وكذاك الذي تقلد هذا ... مع ترك الهوى وعجز عن الرد # إذ وجوب المقال والفعل جمعا ... هو بالوسع في الكتاب مقيد # كل ما حرم الإله علينا ... فخبيث والظلم في ذاك أوكد # إذ لأجل الإقساط والعدل فينا ... أرسل الله صفوة الخلق أحمد # وكذا المرسلون من قبل جاؤوا ... ليقوم القسط القويم المسدد # ولهذا كان العقاب عظيما ... لمعادي رب العباد الموحد # ومعادي وليه بارز ال ... له تعالى بالحرب منه وأفسد # مثل ما آذن الإله لمرب ... بحراب وبالعذاب الموصد # فالشقي الذي يحارب من هم ... أفضل الأولياء طرا وأحمد # هو شر حالا وأعظم حربا ... ولحرب الإله أولى وأوكد PageV09P286 # فقتال المحاربين كهذا ... واجب باتفاق أمة أحمد # ثم قتل الفرد الذي يظهر القو ... ل برفض أو بالخروج المفند # هو قتل لأجل ترك فساد ... ومروق عن محض دين محمد # وهو أولى القولين من علماء الد ... دين وأدنى إلى الصواب وأرشد (¬1) # وبه جاءت الأثارة عن مث ... ل علي (¬2) وهو ms1754 الإمام المسدد # لكن القتل لا يجوز لمخف ... مستسر وبالهدى هو يشهد # ومقال الأقوام (¬3) شر مقال ... وهو كفر من شر كفر وأجحد # لكن الكفر في حقوق أناس ... دخلوا في عموم من يتشهد # ضل عنهم ما جاء عن خاتم الرس ... ل من الوحي والبيان المؤيد # خطأ منهم وزيغ عن الحق ... ق وجهل وسوء رأي مفند # فإذا لم تقم عليهم حجة الل ... ه فهم عن عقوبة الله بعد # إذ مضى حكم خالق الخلق جمعا ... في الكتاب الذي به جاء أحمد # أنه لا يعذب الخلق إلا ... بعد بعث الرسل الكرام ليعبد (¬4) # وله الحمد إذ هدانا إلى الدي ... ن دينه الكامل القويم المسدد # وعلى خاتم النبيين منا ... صلوات مع السلام المسرمد # وهذا آخر الاستفتاء والجواب، والحمد لله الملك الوهاب. PageV09P287 # قال ابن سونج (¬1): قابلته بنسخة مقروءة على المجيب، وعليها خطه، على يد ~~أحمد الزهري (¬2). # - - - - PageV09P288 ### || AUTO مسألة # في اللعب بالشطرنج PageV09P289 # الحمد لله. # قال الإمام شمس الدين ابن المحب المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى: رأيت ~~ما صورته سؤالا وجوابا: # ما قول السادة العلماء -نفع الله بهم- في اللعب بالشطرنج، هل هو حرام أم ~~لا؟ وهل يفسق اللاعب به إذا أصر عليه أم لا؟ وهل قال أحد من أصحاب الأئمة ~~الثلاثة القائلين بتحريمه بحله فيما تعلمون أم لا؟ ومن أفتى من أصحاب ~~القائلين بتحريمه بحله يكون منتسبا إلى مذهب ذلك الإمام أم لا؟ # أجاب: الحمد لله. اللعب بالشطرنج حرام في مذهب الأئمة الثلاثة، وجماهير ~~العلماء (¬1)، وطائفة من أصحاب الشافعي (¬2). # حتى قال مالك: «هي شر من النرد» (¬3). # وقال الإمام أحمد وغير واحد في من يلعب بالشطرنج: «ما هو بأهل أن يسلم ~~عليه» (¬4)، يعني في حال لعبه؛ لأنه متلبس بمعصية. # وقال أيضا في من يمر يقوم يلعبون بالشطرنج: «يقلبها عليهم، إلا أن PageV09P291 # يغطوها ويستروها» (¬1)، وذلك لأن المعصية إذا أعلنت وجب إنكارها، وإذا ~~سترت لم تضر إلا صاحبها. # وما علمت أحدا من أتباعهم أباحها. # ولفظ الشافعي رضي الله عنه فيها ممرض؛ فإنه قال: «النرد حرام، والشطرنج ~~أخف منه، ولا يتبين لي تحريمه» (¬2)، فلفظه ms1755 صريح في التوقف في التحريم، لا ~~في نفي التحريم، وبينهما فرق بين. # وأما الجماهير فجزموا بالتحريم؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: {إنما ~~الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان} إلى قوله: {إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} [المائدة: 90 - 91]. # والشطرنج من الميسر، إما لفظا ومعنى، وإما معنى؛ فإنه قد قال غير واحد من ~~السلف، منهم القاسم بن محمد: «الشطرنج من الميسر» (¬3). PageV09P292 # وهؤلاء أهل اللغة، وأعلم بها وبمعاني الكتاب ممن بعدهم، فإن كانوا أرادوا ~~أن اللفظ يشملها لغة فقولهم في ذلك مقبول (¬1)، وإن كانوا أرادوا أن الشرع ~~نقل اسم «الميسر» إلى أعم من معناه في اللغة فهم ثقات في ذلك. # وإن لم يثبت أن اللفظ يشملها ألحقت بالميسر من جهة المعنى، كما أن النبيذ ~~المختلف فيه أدرجناه في اسم «الخمر» تارة بالنقل وتارة بالقياس. # فنقول: الميسر قد بين الله علة (¬2) تحريمه بقوله: {إنما يريد الشيطان أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة فهل أنتم منتهون}، وهذه العلة موجودة فيه سواء اشتمل على بدل المال ~~أم لم يشتمل؛ فإن اللاعبين بالشطرنج إذا استكثروا منها صدتهم عن ذكر الله ~~وعن الصلاة، وألهت عقولهم حتى عن الأكل والشرب، وأوقعت بينهم عدواة وبغضاء، ~~كما يعلم ذلك من استقراء أحوال مدمنيها. والقليل من لعبها يدعو إلى الكثير، ~~كما يدعو قليل الخمر إلى كثيره، وقد يفعل في النفوس شرا من فعل الخمر. # وقد ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مر على قوم يلعبون ~~بالشطرنج، فقال: «ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ ! » (¬3)، فشبه PageV09P293 # عكوفهم عليها بالعكوف على الأوثان، كما قرن الله بين الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام، وكذلك ما روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «مدمن الخمر كعابد وثن» (¬1). # وروي المنع منها عن عبد الله بن عمر (¬2) وغيره من الصحابة (¬3)، ولا ~~يعرف عن صحابي خلافه. # وسعيد بن جبير إنما لعب بها ليدفع عن ms1756 نفسه ولاية القضاء (¬4)، خوفا من ~~الوقوع في المحرمات الكبائر، وإذا لم يندفع المحرم الكبير إلا بما هو أخف ~~منه تعين فعله. # وأما رد الشهادة، فأكثر أصحاب الإمام أحمد ومالك على أنه من أدام PageV09P294 # اللعب به ردت شهادته (¬1) وإن كان متأولا؛ بناء على أن المداومة عليه سفه ~~يذهب بالمروءة، فيصير مظنة للفسق، كما ترد الشهادة بسائر مظان الفسق وإن لم ~~تكن فسقا. # وقال القاضي في موضع من «التعليق»، وابن عقيل: إذا فعله متأولا لم ترد ~~شهادته، كمن شرب النبيذ المختلف فيه متأولا، على المشهور من المذهب (¬2). # وهذا هو المنصوص عن الشافعي (¬3)، أعني قبول شهادة المتأول، والله أعلم (¬4). # - - - - PageV09P295 ### || CHECK سؤال منظوم في حكم الرقص والسماع، وجوابه # سؤال منظوم # في حكم الرقص والسماع # وجوابه PageV09P297 # الحمد لله رب العالمين. # * سأل بعض الناس (¬1) شيخ الإسلام ابن تيمية (¬2): # يا معشر الفقهاء والسادات ... رفعت لكم في الجنة الدرجات # ماذا تقولوا في أناس يرقصوا ... وهم رجال خيرون ثقات # فأنا أخبركم على ما يرقصوا ... بالدف ثم الكف مع أصوات # يستفتحون سماعهم بقراءة ... بالذكر والتسبيح والزفرات # وإذا انتهوا في وجدهم وسماعهم ... ختموا السماع بفاضل الدعوات # يتجنبون المحدثات بأسرها ... ما فيه من حدث (¬3) ولا قينات # أيضرهم هذاك عند إلههم ... أم يوجب النيران واللفحات؟ # أم ينسبوا للكفر من بين الملا ... أم دينهم باق لهم بثبات؟ # أم ذلك الوجد المعين بدعة ... وردت في الأخبار (¬4) والآيات؟ # في أي آيات الكتاب سمعتم ... أن التواجد يذهب الحسنات؟ # أيما أحل: الوجد في مذهبكم ... أم أكل لحكم الناس بالغيبات؟ # بالله أفتونا بما أوليتم ... علما وبرهنة عن الشبهات # أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه: PageV09P299 # يا سائلين عن الطريق المرتضى ... السالكين طرائق الخيرات # القاصدين رضى الإله ودينه ... العابدين لمنزل الآيات # التابعين المصطفى خير الورى ... والمقتفين مسالك السادات # الطالبين سبيل أرباب الصفا ... أهل الهدى والصدق والإخبات # وذوي المحبة للإله مليكنا (¬1) ... أهل الإرادة في سبيل نجاة # قد قال خالقنا كلاما بينا ... بان الطريق به من الشبهات (¬2) # إن كنت يا عبدي محبا مخلصا ... فرسولي الهادي إلى مرضاتي # فأنا المحب لمن يتابع ms1757 أحمدا ... لست المحب طرائق البدعات # وسماعه وسماع أتباع له ... هو سمع قولي محكم الآيات # وهو السماع لكل عبد صالح ... وبه تنال جميع محبوباتي # وهو الذي كان النبي وصحبه ... والتابعون لهم على الخيرات # يجدون فيه مواجد الحب الذي ... يعلو علوا عالي الدرجات # فسماع قول الله في (¬3) تنزيله ... باب الهدى ومقدم الطاعات # وهو السماع سماع أرباب التقى ... وسماع أهل الدين والقربات (¬4) # وهو الذي من فاته حرم الهدى ... وغدا غويا تابعا لغواة # مستوجبا لعذاب نار جهنم ... مع حزب شيطان وجمع طغاة PageV09P300 # هذا السماع ينيل صاحبه الذي (¬1) ... يبغي الوصول لأكبر الحالات # مما أنال الرب أهل ولاية ... الواجدين مواجد السادات # أهل المحبة للإله ودينه ... ورسوله المبعوث بالآيات # أهل الصفاء المصطفين من الورى ... القائمين بواجب الطاعات # أما سماع العازفات فكلها ... والنفخ في المزمار والقصبات # والضرب بالكف المصفق والغنا ... والرقص عند مناكر الأصوات # فمن الأمور المبدعات بلا هدى ... قد جاء في هذا من الآيات # لم يأمر الرب الكريم بذلكم ... كلا ولا قد جاء في الطاعات # لا أمر فرض لا ولا فضل ولا ... شرع النبي لهذه الفعلات # والقرب من رب السماوات العلى ... لا ينبغي إلا بذي الطاعات # إما بفرض واجب تؤتى به ... أو مستحب يرفع الدرجات # فمتى يكن هذا السماع المبتغى ... من غير (¬2) دين جامع القربات # كان السلوك به ضلالا بينا ... عن طرق أهل الدين والخيرات # وسلوك صاحبه به نحو العلى ... يهوي به في ظلمة الدركات # مثل التقرب بالصلاة لمشرق (¬3) ... وبغيرها من سائر البدعات # فالرب جل جلاله لا يبتغى ... رضوانه إلا بسبل نجاة PageV09P301 # لا يبتغى رضوانه بعبادة ... لسواه كالآتي بقصد اللات # وكذاك لا إلا بطاعة رسله ... للمبتغي للفضل والمرضاة # فالله يهدينا جميعا للذي ... يختاره في سائر الحالات # والحمد لله الكريم الهاد ذي ... الفضل والإحسان والبركات # تمت، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. # - - - - PageV09P302 ### || AUTO فصل # في دفع صيال الحرامية PageV09P303 # الحمد لله رب العالمين، قال شيخ الإسلام أبو العباس رضي الله عنه: # فصل # من خرج من الحرامية (¬1) على الحجاج أو غيرهم، قبل الإحرام أو ms1758 بعد ~~الإحرام، فإنه صائل ظالم عاد، يجوز دفعهم باتفاق المسلمين، وإذا احتاجوا في ~~دفعهم إلى قتال أو رمي نشاب (¬2) قاتلوهم ورموهم بالنشاب، قبل الإحرام وبعد ~~الإحرام، باتفاق المسلمين. # وإذا قتل هذا الحرامي الذي لم يندفع إلا بالقتال، فدمه هدر لا يضمن بقود ~~ولا دية ولا كفارة (¬3). # وإن قتل الدافع كان شهيدا؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ~~ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن ~~قتل دون حرمته فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» (¬4). # ومن لم يندفع إلا بالقتال، كالرمي بالنشاب، جاز ذلك بالاتفاق. وإن PageV09P305 # جاء بسلاح، وخيف هجومه، جاز رميه أيضا. # فإذا كان يطمع في الحجاج إذا صيح به، وإنما يفزع من النشاب، رمي بالنشاب. ~~وإن أمكن دفعه بالصياح، فهل يجوز رميه قبل الصياح به؟ فيه نزاع بين ~~العلماء. # وكذلك إذا دخل الحرامي إلى داره، فهل يجوز دفعه بالسلاح قبل الصياح؟ فيه قولان: # قيل: يجوز، كما دخل لص على ابن عمر رضي الله عنهما، فقام إليه ابن عمر ~~بالسيف. قالوا: فلولا أنا نهيناه عنه لضربه (¬1). # وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن رجلا اطلع في ~~دارك بغير إذنك، فطعنته، ففقأت عينه، لم يكن عليك بأس» (¬2). # وثبت أيضا في الصحيح أن رجلا اطلع في دار النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل ~~يتبعه بمدرى (¬3)، ليفقأ عينه (¬4). # فالنبي صلى الله عليه وسلم أباح فقأ عين هذا المعتدي الناظر، بدون نهيه ~~والصياح عليه. # وهذا مذهب فقهاء الحديث، كالشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهما، PageV09P306 # في الناظر (¬1). # فكذلك قال من قال في كل صائل (¬2). # وقيل: يجب دفعه بالأسهل فالأسهل، ولا يرمى إلا إذا احتيج إلى ذلك. # ولو طلب من مال الحاج أو غيرهم مالا قليلا أو كثيرا، وأمكن دفعهم ~~بالقتال، لم يجب على الحاج بذل شيء من أموالهم، وجاز لهم قتاله (¬3). # وإذا أمسك الحرامي وقد قتل، قتل حتما وصلب. # وإن أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده اليمنى ms1759 ورجله اليسرى جميعا، وحسمتا ~~بالزيت المغلي. # وإن لم يقتل ولم يأخذ مالا، وأمكن نفيه بحبسه أو إخراجه من الأرض، فعل به ~~ذلك. ويجوز عند بعض العلماء إذا شهر السلاح على الحجاج قتله وإن لم يقتل ~~ولم يأخذ مالا. وإن كان بغير سلاح عزر بالحبس وغيره بعد أن يمسك، والنفي ~~(¬4) هو حبس في السفر، والله أعلم (¬5). PageV09P307 ### || AUTO مسائل فقهية PageV09P309 ### ||| AUTO [الطهارة] # * ### |||| AUTO مسألة: في الماء الجاري، إذا تغير أحد أوصافه بالزبل # . # الجواب: إن كان متغيرا بزبل طاهر، كزبل الخيل، جاز التوضؤ به في أظهر ~~قولي العلماء. # وإن كان متغيرا بزبل يعلم أنه نجس، لم يجز التوضؤ به. # وإن شك هل تغير بطاهر أو نجس ففيه وجهان، أظهرهما أنه طاهر (¬1). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: إذا كان على المرء خاتم فيه ذكر اسم الله، ولم يمكنه نزعه عند الخلاء # ، دخل به، لكن يجعل فصه مما يلي كفه (¬2). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: إذا كان المموه لا يجتمع من تمويهه شيء من الذهب # جاز استعماله (¬3). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: لا تستعمل الإبر الفضة # ، كما لا تستعمل سائر آنية الذهب PageV09P311 # والفضة؛ فإن الإبر والمراود ونحو ذلك من قسم الآنية المنقولة التي ينهى ~~عنها الرجال والنساء (¬1). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: مس فرج الصبي الرضيع وغيره، هل ينقض الوضوء؟ # [الجواب]: هذه المسألة أيضا فيها نزاع مشهور، والأظهر أن الوضوء من مس ~~الذكر مستحب ليس بواجب، فإن توضأ فهو أفضل، وإن لم يتوضأ جازت صلاته (¬2). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في زيت نجس، إذا صب عليه زيت آخر حتى كثر ولم يبق متغيرا بالنجاسة # ، فهو طاهر يجوز استعماله، وكذلك المائعات، كالخل والدبس وغيرهما (¬3). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: إذا كان المتنجس من الثياب مما يضره الغسل، كبعض ثياب الحرير، ونحو ذلك # ، أجزأ مسحها حتى تذهب النجاسة. PageV09P312 # ولو كان غير ذلك، وكان المسح منقيا لا يبقي شيئا من النجاسة، طهر المحل ~~أيضا بذلك، في الأظهر من الأقوال (¬1). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في حبل الغسيل # . # الجواب: حبل الغسيل طاهر، وإذا غسلت الثياب ونشرت عليه فالثياب طاهرة، ~~والبلة التي فيها طاهرة، والحبل طاهر. # وإن كانت البلة نجسة، فيبس ms1760 الحبل وزالت البلة عنه، فهو طاهر، نص على ذلك ~~الإمام أحمد وغيره؛ فإن النجاسة زالت بالشمس، والله أعلم (¬2). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في بول الفأر على الحصر # . # الجواب: اليسير من بول الفأر وبعره يعفى عنه في أظهر قولي العلماء، وهو ~~إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (¬3). # فإذا مسحت الحصر فبقي شيء يسير عفي عنه. # ولو كانت النجاسة على ما يضره الغسل، كثياب الحرير، والورق، وغير PageV09P313 ### |||| CHECK مسألة: في زبل الخيل والبغال والحمير، وما يلصق بالإنسان من ذلك في المنزل، وبدن الدابة، والفراش، وغير ذلك، هل يغسل أم لا؟ # ذلك، مسحت، ولا يحتاج إلى غسل، في أظهر قولي العلماء (¬1). # وأصل ذلك أن للعلماء في إزالة النجاسة بغير الماء ثلاثة أقوال في مذهب ~~الإمام أحمد وغيره (¬2): # قيل: يجوز بكل مزيل، كقول أبي حنيفة، وهو الأقوى (¬3). # وقيل: لا يجوز إلا بالماء، كقول الشافعي. # وقيل: يجوز عند الحاجة، كقول مالك. # وأما العفو عن يسير البول والعذرة من الحيوان الطاهر الذي لا يؤكل لحمه، ~~كالفأرة ونحوها، ففيه قولان هما روايتان عن الإمام أحمد (¬4). # * * * # * مسألة: في زبل الخيل والبغال والحمير، وما يلصق بالإنسان من ذلك في ~~المنزل، وبدن (¬5) الدابة، والفراش، وغير ذلك، هل يغسل أم لا؟ # الجواب: الحمد لله، أما زبل الخيل وبولها فإنه طاهر في أظهر قولي PageV09P314 # العلماء. وإذا شك في الزبل: هل هو زبل خيل أو غيره؟ لم يحكم بنجاسته، على ~~الصحيح (¬1). # وأما زبل البغال فيعفى عن يسيره للحاجة، على الصحيح، مثل ما يلصق بالمقود ~~وببدن الدابة إذا تمرغت، فلا حاجة إلى غسل ذلك. وكذلك ما يلصق بالبساط الذي ~~يحتاج إلى فرشه على الزبل، والله أعلم. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: روث دود القز، هل هو طاهر؟ # الجواب: نعم، هو طاهر عند أكثر العلماء (¬2). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في يسير النجاسة المعفو عنها في بدن المصلي وثيابه، ما مقدارها؟ # الجواب: اليسير من الدم والقيح والصديد معفو عنه عند عامة العلماء، وهو ~~ما لا يفحش في نفس الإنسان. # ويعفى أيضا عن اليسير من سائر النجاسات التي يشق الاحتراز منها، في أظهر ~~قولي العلماء، ms1761 وهو مذهب كثير من العلماء، كأبي حنيفة. PageV09P315 # وعلى القول الآخر (¬1) يعفى عن يسيره في أظهر القولين، وهو إحدى ~~الروايتين عن الإمام أحمد (¬2). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في رجل به دمل، وهو يسيل، وقد امتنع من الصلاة لأجل ذلك # . # الجواب: الحمد لله. يصلي، ولا يدع الصلاة لأجل ذلك، بل يجتنب النجاسة ~~بحسب الإمكان، فإذا لم تمكنه الصلاة إلا مع النجاسة صلى، ولا إعادة عليه، ~~والله تعالى أعلم (¬3). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: يجوز أكل الشواء والحلواء التي تباع في السوق، وتوضع على الأخشاب والبلاط البائت في السوق # ، وإن ظن أن الكلاب تمسها لم يلتفت إلى ذلك؛ لأن الأصل عدمه، ولأن غاية ~~ذلك أن يكون بعض ريق الكلب أصاب ذلك، فإنه يسير في العادة، والشواء واللحم ~~جامد، فلا يعرف أن فيه PageV09P316 # شيئا من ريق الكلب، ولو عرف كان يسيرا في الجامد، من جنس ما يصيب الصيد ~~من فم الكلب، وهذا ليس بنجس، والله أعلم (¬1). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في آنية الخمر الفخار، إذا وضع فيها دبس أو خل أو غير ذلك، هل ينجس؟ # الجواب: إذا كانت الخمر تخللت فيها بفعل الله طهرت وطهر الوعاء، ولم يحتج ~~إلى غسل. وإن لم تتخلل طهر الإناء بالماء، واستعمل. # فإن لم يغسل، فبقي فيه شيء يسير من الخمر، فاختلط بالدبس والخل والماء، ~~ولم يغيره، ولم يظهر فيه أثره، فهو طاهر في أظهر القولين؛ بناء على أن ~~المائعات والماء إذا وقعت فيه نجاسة، فاستهلكت، ولم يظهر لونها ولا طعمها ~~ولا ريحها، فإن المائعات والماء طاهر، والله أعلم (¬2). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في الزئبق، قيل: إنه يحمل في جلد خنزير أو كلب، هل ينجس أم لا؟ # الجواب: الزئبق طاهر، وإن لاقى نجاسة جلد خنزير أو غير ذلك لم ينجس في ~~أظهر قولي العلماء؛ فإنه لا يتغير بملاقاة النجاسة، ولا يظهر فيه طعمها ولا ~~لونها ولا ريحها (¬3)، ومتى كان كذلك لم ينجس عند جمهور PageV09P317 # السلف، وهو مذهب أهل المدينة وغيرهم، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، ~~والشافعي في قول محكي عنه اختاره طائفة من أصحابه في الماء (¬1). # وأما سائر ms1762 المائعات، فقد قيل: إنها كالماء، كقول أبي ثور، ورواية الإمام ~~أحمد (¬2). # وقيل: لا تنجس وإن نجس الماء، كقول بعض المدنيين (¬3). # وقيل: بل تنجس وإن لم ينجس الماء، كقول الشافعي (¬4). # والقولان الأولان أصح، كما قد بسط في موضعه (¬5). # ومن قال: إن الزئبق ينجس، فقد قيل: إنه يطهر بالغسل، كما ذكره ابن عقيل ~~وغيره (¬6). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في إناء فيه دبس، فولغ فيه كلب # . PageV09P318 ### |||| CHECK مسألة: في يد الإنسان إذا كانت قشبة، وانفركت في العجين والطبيخ والغسيل، هل تنجسه؟ # الجواب: إن كان جامدا ألقي ما ولغ فيه، وأكل الباقي (¬1). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في بول الفأر إذا بل الدقيق، هل ينجسه أم لا؟ # الجواب: يلقى ما فيه البول من الدقيق، وسائره طاهر بلا نزاع. وإذا شك هل ~~تنجس؟ فالأصل طهارته، فلا يزول اليقين بالشك. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في ظفر الإنسان # . # الجواب: ظفره طاهر في حال انفصاله في أظهر قولي العلماء، وكذلك شعره ~~المقطوع والمحلوق، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما حلق رأسه ~~أعطى بعض شعره لأبي طلحة، وبعضه قسمه بين المسلمين (¬2)، والله أعلم (¬3). # * * * # * مسألة: في يد الإنسان إذا كانت قشبة (¬4)، وانفركت في العجين والطبيخ ~~والغسيل، هل تنجسه؟ PageV09P319 # الجواب: الآدمي إذا مات فهو طاهر في أظهر قولي العلماء (¬1). # وكذلك لو قطعت يده فهي طاهرة على الصحيح. وشعره المقطوع، وقلامة ظفر ~~الإنسان، طاهرة على الصحيح. فقشبه أولى بالطهارة. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في الريش من الميتة، هل تصح الصلاة بحمله؟ # الجواب: ريش الميتة وصوفها ووبرها وشعرها طاهر تجوز فيه الصلاة عند ~~جماهير العلماء من السلف والخلف، وهو مذهب الإمام أحمد في ظاهر مذهبه، ~~ومالك، وأبي حنيفة (¬2). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في شعر الخيل، إذا أخذ بعد موته # . # الجواب: شعر الخيل إذا أخذ بعد موته فهو طاهر عند جماهير العلماء، وهو ~~مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في ظاهر مذهبه. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في عظم الميتة، هل يجوز استعماله؟ # الجواب: عظم الميتة التي يؤكل لحمها، والتي لا يؤكل كالفيل وغيره، PageV09P320 ### |||| CHECK مسألة: في مرارة الضبع ومنفحته، هل هو طاهر؟ # طاهر عند ms1763 كثير من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره، وهو قول في ~~مذهب الإمام أحمد (¬1)، وهو أظهر قولي العلماء. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في إنفحة الميتة، هل تنجس الجبن؟ # الجواب: إنفحة الميتة إذا صنع بها الجبن جاز أكل الجبن في أظهر قولي ~~العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين عنه (¬2)، وأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتحوا البلاد أكلوا من جبن المجوس (¬3)، ~~وذبائحهم محرمة (¬4). # * * * # * مسألة: في مرارة الضبع ومنفحته (¬5)، هل هو طاهر؟ # الجواب: إن ذكيت فمرارتها مباحة طاهرة عند أكثر العلماء، كمالك، ~~والشافعي، والإمام أحمد، وغيرهم. وأما أصحاب أبي حنيفة فلهم في PageV09P321 ### |||| CHECK مسألة: في حيوان مأكول رضع من كلبة مدة رضاعه، هل يؤكل؟ وكذلك بقل يسقى بماء المطاهر # طهارتها بالذكاة قولان. # وإنفحتها إن ذكيت طاهرة عند الأئمة الأربعة، وإن كانت ميتة فهي طاهرة عند ~~طائفة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. # * * * # * مسألة: في حيوان مأكول رضع [من] كلبة مدة رضاعه، هل يؤكل؟ وكذلك بقل ~~يسقى بماء المطاهر (¬1). # الجواب: [أما] الحيوان الذي شرب لبن الكلبة فإنه حلال (¬2)، فإذا اغتذى ~~(¬3) بعد هذا بطاهر حل أكله، وأكثر ما قيل فيه: أربعون يوما. # وأما البقل الذي يسقى بماء المطاهر ففيه نزاع (¬4)، وأكثر الفقهاء لا ~~يحرمونه، والله أعلم. # * * * PageV09P322 ### |||| CHECK مسألة: في اللاذن، هل هو طاهر؟ # * مسألة: في اللاذن (¬1)، هل هو طاهر؟ # الجواب: ما علمت فيه نجاسة (¬2)، والله أعلم. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في غسل المرأة الحائض، هل تحتاج إلى سدر ونقض لشعرها؟ # الجواب: الأفضل للحائض أن تنقض شعرها، وتغتسل بسدر. وإن اقتصرت على الماء ~~ولم تنقض شعرها، كما تغتسل من الجنابة، جاز ذلك عند جماهير العلماء (¬3). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: هل يجوز وطء النفساء إذا طهرت قبل أن تغتسل أم لا؟ # الجواب: لا يجوز وطء الحائض والنفساء إذا طهرت حتى تغتسل، فإن عدمت ~~الماء، أو خافت الضرر باستعماله، لمرض أو برد شديد، فإنها تتيمم PageV09P323 # وتوطأ (¬1) بعد ذلك، والله أعلم (¬2). # * * * PageV09P324 ### |||| CHECK مسألة: في أهل بلد لهم أشغال في ظاهرها، يأتي عليهم وقت ### ||| AUTO الصلاة # ولا ماء عندهم، وإن ms1764 ذهبوا إليه تعطلوا عن مصالحهم من الحراثة والحصاد ~~ونحو ذلك، فهل يجوز لهم التأخير؟ ### |||| CHECK مسألة: في تارك ### ||| AUTO الصلاة # -سوى الجمعة- تهاونا، وأنذر مرات، فلم يقبل، هل يكفر أو يقتل؟ وهل يشرع ~~رفع أمره إلى ولي الأمر؟ ### ||| AUTO [الصلاة] # * مسألة: في تارك ### ||| AUTO الصلاة # -سوى الجمعة- تهاونا، وأنذر مرات (¬1)، فلم يقبل، هل يكفر أو يقتل؟ وهل ~~يشرع رفع أمره إلى ولي الأمر؟ # الجواب: نعم، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. # وإذا أصر على تركها بعد الاستتابة، وصبر حتى قتل ولم يصل فهذا لا يكون ~~إلا كافرا، وإلا فالمؤمن المقر بوجوبها لا يختار القتل على ### ||| AUTO الصلاة # ، ولا يفعل هذا إلا من في قلبه الكفر. # وحينئذ لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين. وهو شر من ~~المرتدين مانعي الزكاة الذين قاتلهم الصديق. # ويشرع رفعه إلى ولاة الأمور؛ ليأمروه بما أمر الله به ورسوله، ويقيموا ~~عليه الحد، والله أعلم (¬2). # * * * # * مسألة: في أهل بلد لهم أشغال في ظاهرها (¬3)، يأتي عليهم وقت ### ||| AUTO الصلاة # ولا ماء عندهم، وإن ذهبوا إليه تعطلوا عن مصالحهم من الحراثة والحصاد ~~ونحو ذلك، فهل يجوز لهم التأخير؟ PageV09P325 ### |||| CHECK مسألة: في رجل كان يقرأ: {وما علمناه الشعر}، ويلحقها بالصلاة على محمد، يزيد في القرآن، فهل هذا مصيب أم لا؟ # الجواب: لا يجوز لهم تأخير الصلاة عن وقتها، بحيث تؤخر صلاة النهار إلى ~~غروب الشمس، باتفاق المسلمين، بل تأخير الصلاة إلى الغروب كتأخير صيام شهر ~~رمضان إلى شهر شوال. # وإذا كانوا يحرثون أو يحصدون، والماء بعيد إذا ذهبوا إليه تعطلت مصلحتهم، ~~فإنهم يتيممون ويصلون، وإن جمعوا بين الصلاتين بوضوء جاز، والله أعلم (¬1). # * * * # * ### |||| AUTO مسأل: في رجل قرأ في صلاة النفل قراءة لم تقرأ في السبع، وادعى أنها شاذة، فهل تبطل صلاته أم لا؟ والذي تلاه: (إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى وعيسى)، فزاد: وعيسى. # الجواب: الحمد لله، هذه القراءة لا أصل لها، فإن علم أنها ليست من القرآن ~~وتعمد قراءتها بطلت صلاته، وإن كان جاهلا وظن أنها في ms1765 القرآن ففي بطلان ~~صلاته نزاع، والأظهر أنها لا تبطل، والله أعلم. # * * * # * مسألة: في رجل كان يقرأ: {وما علمناه الشعر} [يس: 69]، ويلحقها بالصلاة ~~على محمد، يزيد في القرآن، فهل هذا مصيب أم لا؟ # الجواب: إن كان قد ذكر ذلك على سبيل الدعاء لا على سبيل التلاوة، PageV09P326 ### |||| CHECK مسألة: في المرأة، هل يجوز لها لباس شاش؟ # لم يكن قد زاد في القرآن شيئا، ولكن تلاوة القرآن على وجهه أحسن. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: إذا كان قيام المصلي على موضع، ويسجد على غيره # . # الجواب: نعم تصح صلاته والحالة هذه. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في صلاة المؤتم قدام الإمام من وراء البناء، هل تجوز أم لا؟ # الجواب: نعم، إذا كان لحاجة، مثل أن لا يمكنه الصلاة خلفه، صحت صلاته ~~أمامه للحاجة. وأما بدون الحاجة فلا يشرع ذلك (¬1). # * * * # * مسألة: في المرأة، هل يجوز لها لباس شاش (¬2)؟ # الجواب: لا يجوز للمرأة أن تتشبه بالرجال في شيء من لباسهم، لا PageV09P327 ### |||| CHECK مسألة: في المرأة، هل تلبس الخف والزربون أم لا؟ # لبس عمامة، ولا شاش، ولا غير ذلك، والله أعلم (¬1). # * * * # * مسألة: في المرأة، هل تلبس الخف والزربون (¬2) أم لا؟ # الجواب: لا تلبس الزربون التي تلبس فوق الخف، ولا التي يلبسها الرجال، ~~والله أعلم. # * * * PageV09P328 ### ||| AUTO [الجنائز] # * ### |||| AUTO مسألة: أيما أفضل للميت: أن يقرأ له الختم على هيئة ما يفعله الناس، أو صرف ذلك على الفقراء من أهل القرآن وغيرهم؟ وأيهما أفضل؟ # الجواب: الحمد لله، بل الصدقة على الفقراء وغيرهم أفضل من ذلك؛ فإن هذا ~~مشروع بالنص والإجماع، وهو واصل إلى الميت باتفاق الأئمة. # ثم تلك الصدقة إذا انتفع بها من يقرأ القرآن كان للميت أجر ما يقرؤونه من ~~القرآن؛ فإنه «من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا» (¬1)، ~~«ومن فطر صائما فله مثل أجره» (¬2)، فهكذا من أعان القارئ على قراءته ~~والمصلي على صلاته. # وأما إذا استأجر من يقرأ بالكراء، فالقارئ لا يقرأ لله، فلا يثاب على ~~ذلك، والمعطي ما أعطى لله، فلا يثاب على ذلك، فأي شيء يصل إلى ms1766 الميت؟ ! # ولم يكن أحد من السلف يفعل ذلك، ولا قال أحد من العلماء بأنه يستحب مثل ~~ذلك، وإنما النزاع فيمن قرأ لله وأهدى إلى الميت، والصحيح PageV09P329 ### |||| CHECK مسألة: في جامع في قرية بجبل نابلس، تقام فيه الجمعة، وفي المسجد قبر، قيل: إنه قبر نبي من أولاد يعقوب عليهم السلام، وثم أناس سامرة ينوروا الضريح كل ليلة، ويدخلون المسجد غالبا، وربما كانوا سكارى، فهل يجوز ذلك؟ وهل يثاب ولي الأمر # أنه يصل إليه، والله أعلم (¬1). # * * * # * مسألة: في جامع في قرية بجبل نابلس، تقام فيه الجمعة، وفي المسجد قبر، ~~قيل: إنه قبر نبي من أولاد يعقوب عليهم السلام، وثم أناس سامرة ينوروا (¬2) ~~الضريح كل ليلة، ويدخلون المسجد غالبا، وربما كانوا سكارى، فهل يجوز ذلك؟ ~~وهل يثاب ولي الأمر على منعهم من المسجد؟ # الجواب: الحمد لله، ليس لأهل الذمة (¬3) أن يدخلوا مسجدا للمسلمين، لخدمة ~~ضريح هناك، لا سيما مع ما ذكر، بل يجب منعهم من ذلك. # بل ولا يجوز اتخاذ القبور مساجد، ولا إيقاد السرج عليها؛ فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعن من يفعل ذلك (¬4). PageV09P330 # وقول القائل: إن هذا قبر نبي من أولاد يعقوب قول لا تعرف صحته (¬1)، بل ~~يجب أن يجعل هذا كسائر مساجد المسلمين، ويسوى ذلك المكان، فلا يترك فيه ~~صورة قبر، والله أعلم. # * * * # * ### |||| AUTO سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه: هل صح أن في جامع دمشق قبورا، كقبر هود؟ # فأجاب: ليس في جامع دمشق قبر أصلا، ومن قال: إن فيه قبر نبي من PageV09P331 # الأنبياء فقد كذب (¬1)، والله أعلم (¬2). # * * * PageV09P332 ### |||| CHECK مسألة: في رجل له أولاد خارجين عنه، وهم محتاجون، هل يجوز دفع زكاته إليهم؟ ### ||| AUTO [الزكاة] # * ### |||| AUTO مسألة: في من يخرج ### ||| AUTO الزكاة # ولم يجد أربابها، فتهلك، هل يضمنها؟ وإذا أخذ الفقراء ### ||| AUTO الزكاة # هل يجوز شراؤها له منهم؟ # الجواب: تكون في ضمانه إذا تلفت قبل وصولها إلى مستحقها أو وكيله. وليس ~~لصاحبها أن يشتريها بعد أن يخرجها (¬1). # * * * # * مسألة: في رجل له أولاد خارجين (¬2) عنه، وهم محتاجون، هل ms1767 يجوز دفع ~~زكاته إليهم؟ # الجواب: إذا كان قادرا على أن ينفق عليهم من غير ### ||| AUTO الزكاة # أنفق عليهم من غيرها، وإن كان عاجزا عن ذلك ففي إعطائه لهم ### ||| AUTO الزكاة # نزاع (¬3). # * * * PageV09P333 ### ||| AUTO [الصيام] # * ### |||| AUTO مسألة: هل الحجامة والفصاد يفطر؟ # الجواب: هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين العلماء، ولا ينبغي أن يفعل ذلك ~~إلا لحاجة، وإذا فعله لحاجة فالأحوط أن يصوم يوما مكانه إن كان من صوم واجب (¬1). # * * * PageV09P334 ### ||| AUTO [البيع] # * ### |||| AUTO مسألة في بيع البهيمة، الشاة أو البقرة، ويستثني الجلد، يجوز؟ # الجواب: بل ذلك جائز في أظهر قولي العلماء (¬1)، وهو مذهب مالك (¬2) ~~وأحمد (¬3)، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم (¬4) وأصحابه (¬5). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في من يشتري بهيمة بدراهم، ثم تقيم عنده، فيزيد ثمنها، ويعلم بعد ذلك أن أصلها حرام # . # الجواب: إذا كان أصلها حراما يأخذ رأس ماله، ويتصدق بالزيادة. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في بيع البقرة بالبقرة بزيادة، أو الصوف بزيادة # . PageV09P335 # الجواب: أما بيع البقرة بالبقرة بزيادة، فذلك جائز باتفاق الأئمة إذا كان ~~يدا بيد، وإن كان نسيئة ففيه نزاع (¬1). # وأما الصوف بالصوف متفاضلا ففيه قولان (¬2)، والأولى تركه. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في رجل فلاح عامله رجل، وكلما طالبه وهو معسر أباعه البقر واشتراهم منه بأقل # . # الجواب: هذه المعاملة محرمة (¬3)، لا سيما إن كان الفلاح معسرا، فإنه يجب ~~عليه إنظاره إلى ميسرة، وليس له أن يضر به، والله أعلم (¬4). # * * * PageV09P336 ### ||| AUTO [الشركة] # * ### |||| AUTO مسألة: في شريكين اشتريا سلعة بمال في الذمة، ولأحدهما مال يختص به، واتفقا على أن الربح بينهما، فاشترى صاحب المال منهما بماله المخصوص به، فهل يلزم شريكه الآخر شيء من التبعات والعلقة أم لا؟ # الجواب: إذا كان قد اشترى بما يختص به، ولا يدخل في عقد ### ||| AUTO الشركة # ، فهو مخصوص بغنمه وغرمه، والله أعلم. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في فرس بين شريكين، ولها مهر، فعزل أحد الشريكين المهر عن أمه من الرضاع، وأطلق عليها مهرا يختص به ترضعه، وجبر شريكه على بيع الفرس لشخص بعينه # . # الجواب: ليس له أن يمنع ولدها المشترك من ms1768 الرضاع المعتاد بغير إذن شريكه، ~~ولا أن يرضع منها مهرا يختص به. وإذا تلف المهر المشترك بهذا السبب لزمه ~~ضمان نصيب شريكه. # ولكن إن طلب أحدهما أن تباع عليهما جميعا، ويقتسما الثمن، أجبر الممتنع ~~على ذلك عند جماهير العلماء (¬1)، حتى ادعى بعض العلماء فيه الإجماع (¬2)، ~~ولكن لا يجبر على البيع لشخص معين، ولا على البيع بدون PageV09P337 # ثمن المثل، بل تباع عليهما في سوق المسلمين البيع المعروف في مثلها، ~~والله أعلم. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في رجل دفع إلى رجل مالا مضاربة مدة شهر، فغاب سنين، ثم حضر وأنكر، وأقيمت عليه بينة، وطلب رد الثمن # . # الجواب: إذا جحد، ثم ثبت كذبه، فهو خائن، حكمه حكم أمثاله من الخونة، لا ~~يقبل منه ما يقبل من الأمناء. لكن إن رد الثمن إلى المدعي فله ذلك، والله أعلم. # * * * PageV09P338 ### |||| CHECK مسألة: في من استأجر أرضا من أوقاف المساجد من ناظر الوقف وهي مغلقة بالزرع، ليغرسها، فغرسها، وبقيت في يده ست سنين أو أكثر، فهل ### ||| AUTO الإجارة # صحيحة؟ وإذا قلعت منه فهل يقلع غرسه؟ ### |||| CHECK مسألة: في من استأجر قرار أرض للبناء والعمارة والانتفاع كيف شاء من آجر مأذون له من الحاكم والقرار المأجور بذرع معين ثم إنه بنى في بعضه وترك بعضه ثم انقضت ### ||| AUTO الإجارة # وجدد إجارة أخرى فلم يعين الذرع بل عين الحدود واستأنف المستأجر إجارة ~~بدون إذن الحاكم وعين ### ||| AUTO [الإجارة] # * مسألة: في من استأجر قرار أرض للبناء والعمارة والانتفاع كيف شاء، من ~~آجر مأذون له من الحاكم، والقرار المأجور بذرع معين، ثم إنه بنى في بعضه ~~وترك بعضه، ثم انقضت ### ||| AUTO الإجارة # ، وجدد إجارة أخرى، فلم يعين الذرع، بل عين الحدود، واستأنف المستأجر ~~إجارة بدون إذن الحاكم، وعين الذرع، وحكم الحاكم بصحتها، ثم إن المؤجر ادعى ~~أن المستأجر ما يستحق إلا ما هو حامل للعمارة. فهل تفسخ ### ||| AUTO الإجارة # بمجرد دعواه، بعد ثبوتها عند الحاكم، أم لا؟ # الجواب: الحمد لله، لا تفتقر ### ||| AUTO الإجارة # إلى تحديد (¬1) الذرع، بل يكفي التمييز الحاصل بالحدود، بل ms1769 يكفي التمييز ~~الحاصل بمجرد الاسم، وليس لأحد فسخ ### ||| AUTO الإجارة # لما ذكر من عدم تعيين الذرع. وللمستأجر أن ينتفع بجميع ما دخل في العقد، ~~والله أعلم. # * * * # * مسألة: في من استأجر أرضا من أوقاف المساجد من ناظر الوقف وهي مغلقة ~~بالزرع (¬2)، ليغرسها، فغرسها، وبقيت في يده ست سنين أو أكثر، فهل ### ||| AUTO الإجارة # صحيحة؟ وإذا قلعت منه فهل يقلع غرسه؟ # الجواب: ليس لأحد قلع غراس المستأجر وزرعه، سواء كانت ### ||| AUTO الإجارة PageV09P339 # صحيحة أو فاسدة، بل إذا بقي فعليه أجرة المثل (¬1). وأما المستأجر فله ~~أخذ غرسه. والإجارة في صحتها نزاع، والأظهر صحتها، والله أعلم. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في الراعي إذا ضرب الشاة ضربا شديدا، فماتت. هل يضمن؟ # الجواب: نعم، إذا كان ضربها ضربا خارجا عن العادة فعليه ضمانها، وإن ~~ضربها الضرب المعتاد ففيه نزاع بين العلماء (¬2)، والله أعلم. # * * * PageV09P340 ### ||| AUTO [الغصب] # * ### |||| AUTO مسألة: في رجل من أهل الدين والصلاح، يطلب ولاية ببلده، مثل استيفاء أموال سلطانية، وفيها مكوس ونحو ذلك، وفيها خراج، وإذا تولى خفف الظلم وعدل، وإن تولى غيره زاد. فهل تجوز له الولاية أو لا؟ وإذا قبض مالا على هذه الصفة هل يضمنه لأربابه؟ # الجواب: بل إذا تولى مثل هذا الرجل، وأقام العدل بحسب اجتهاده، ودفع ~~الظلم بحسب اجتهاده، أثابه الله على ما فعله من العدل، ولم يطالبه بما يعجز عنه. # والوظائف السلطانية (¬1) التي لا يمكنه رفعها عن الناس، إذا اجتهد في أن ~~يعدل فيها بين الناس، وفي أن يخفف عنهم بحسب الإمكان، أثيب على الاجتهاد في ~~العدل فيها وفي تخفيفها، ولم يؤاخذ بما يعجز عنه. # وإذا قبض تلك الأموال من توليه، وحملها، لم يكن عليه إثم في ذلك ولا ضمان. # وكذلك لو احتاج إلى أن يكون هو القابض الدافع لها، بمنزلة وكيل المظلومين ~~الذي يقبض منهم ما يطالبون به من المظالم، ويدفعها إلى القاهر PageV09P341 # الظالم، فإنه لا إثم عليه في ذلك ولا ضمان، بل إذا أعان المظلوم كان ~~محسنا في إعانته له. # وهكذا ناظر الوقف، وولي اليتيم، والعامل في المضاربة، إذا ms1770 دفعوا إلى ~~الظلمة الكلف (¬1) التي يطالبون بها على العقار والمتاجر وغير ذلك، لم يكن ~~عليهم في ذلك إثم ولا ضمان، بل من كان قادرا على تخفيف الظلم، لا على رفعه ~~كله، وجب عليه أن يحققه، وهو آثم بما يتركه من الواجب عليه، فإذا قدر على ~~بعض العدل لم يجز ترك ذلك الواجب لعجزه عن تمامه؛ فإن الله يقول: {فاتقوا ~~الله ما استطعتم} [التغابن: 16]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ~~أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (¬2)، فلا يترك المقدور عليه من العدل ~~للعجز عن غيره، والله أعلم (¬3). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في الرجل إذا باع بضاعة، وأخذ منها ديوان السلطان بسببها شيئا، على جاري عادتهم بمرسوم السلطان، فهل يكون أجره للبائع أو المشتري؟ وإذا دفعها الرجل بنية الزكاة أو الصدقة، هل تكون زكاة أو صدقة؟ # الجواب: أجر ذلك للبائع. ولا يجوز أن يعتد بها المكلف من الزكاة؛ ~~والدواوين المولون على هذه الجهات لم يولوا لقبض مال الزكاة، فدفع PageV09P342 ### |||| CHECK مسألة: في أقوام مقيمين ببلاد التتر من العرب، يغيرون على المسلمين، ويقتلون النفس، وينهبون المال، إذا أخذت الأموال التي بأيديهم، هل تزكى أو ترد إليهم؟ # الزكاة إليهم كدفعها إلى من لا يستحق الزكاة ولا له ولاية قبضها، وذلك لا ~~يبرأ بالدفع إليه باتفاق الأئمة، كما لو دفعها إلى والي الشرط، والحاجب، ~~ونقيب العسكر، والله أعلم (¬1). # * * * # * مسألة: في أقوام مقيمين ببلاد التتر من العرب، يغيرون على المسلمين، ~~ويقتلون النفس، وينهبون المال، إذا أخذت الأموال التي بأيديهم، هل تزكى ~~(¬2) أو ترد إليهم؟ # الجواب: هؤلاء المعروفون بقتل النفوس، وأخذ أموال المسلمين بالباطل، ~~الذين كانوا قد أخذوا من أموال المسلمين وغيرهم أكثر من هذه الأموال (¬3) = ~~لا ترد إليهم هذه الأموال التي أخذت منهم، لكنها تصرف في مصالح المسلمين، ~~فتصرف جميعها في الزكاة وغيرها من مصالح المسلمين، فيطعم منها الفقراء، ~~والضيف، وأبناء السبيل، وأما الأغنياء فينبغي أن يستغنوا عنها، والله أعلم ~~(¬4). PageV09P343 ### |||| CHECK مسألة: في رجل حمل فحله على حجرة لغيره، فولدت حصانا، فلمن الحصان؟ # * مسألة: في رجل حمل ms1771 فحله على حجرة (¬1) لغيره، فولدت حصانا، فلمن ~~الحصان؟ # الجواب: الحمل لرب الحجرة، لكن إن نقصت قيمة الفحل ضمن صاحبها النقص لرب ~~الفحل، والله تعالى أعلم (¬2). # * * * PageV09P344 ### ||| AUTO [الوقف] # * ### |||| AUTO وسئل الإمام أبو العباس ابن تيمية رضي الله عنه: عن امرأة يهودية وقفت وقفا على أولاد أخيها يهودي ومسلم، من أبوين، فجعلته أولا على اليهودي، ومن بعده على المسلم، ثم أسلم اليهودي، فهل ### ||| AUTO الوقف # صحيح من أوله أم يشتركا فيه جميعا؟ # فأجاب: الحمد لله. شرط تقديم اليهودي على المسلم شرط فاسد، كما لو شرطت ~~تخصيص الكافر؛ فإن الكفر لا يجوز أن يجعل سببا للاستحقاق ولا للتقديم، لكن ~~غايته أن لا يكون مانعا، فإذا وقفت على معين كافر استحق، سواء كان مسلما أو كافرا. # فإن شرط في الاستحقاق كونه كافرا، أو شرط في تكثير نصيبه أو تقديمه كونه ~~كافرا = لم يصح. # وحينئذ فالمسلم واليهودي كانا سواء في الاستحقاق قبل إسلام اليهودي وبعد ~~ذلك، وللمسلم أن يشارك اليهودي فيما قبضه قبل إسلامه، والله أعلم (¬1). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في رجل وقف وقفا، وشرط أن يقرأ على ضريحه في كل يوم # ما PageV09P345 # تيسر من القرآن، فإذا قرأ القارئ في بيته وأهدى إليه، فهل تبرأ ذمته بذلك أم لا؟ # الجواب: الحمد لله، إذا كان له عذر مثل مرض أو مطر أو وحل ونحو ذلك مما ~~يسقط الجماعة = يسقط عنه حضوره في ذلك المكان، وكفاه القراءة في بيته. # وإن لم يكن له عذر ففي ذلك نزاع، وليس في الدلالة الشرعية ما يقتضي وجوب ~~ذلك؛ فإنه لم يقل أحد من المسلمين: إن قراءة القرآن على القبور أفضل من ~~قراءته في البيوت، بل تنازعوا في كراهة القراءة على القبور. # فإذا قرأ في بيته وأهدى إليه كان عند من يقول: إن القراءة تصل إلى الميت، ~~كأحمد وأبي حنيفة ومن وافقهما من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما = أفضل ممن ~~يقرأ على القبر ويهدي له، والله أعلم (¬1). # * * * PageV09P346 ### ||| AUTO [الهبة والعطية] # * ### |||| AUTO مسألة: في رجل له ابن وبنت، فأعطى البنت مالا وزوجها، وتوفي قبل أن ms1772 يعطي الابن مثلي ما أعطاها، فهل للابن أن يرجع على أخته بما يخصه من باقي عطيتها، وهل للحاكم الحكم له بذلك أم لا؟ # الجواب: الحمد لله، نعم له ذلك في أحد قولي العلماء، وهو إحدى الروايتين ~~عن أحمد (¬1). وللحاكم أن يحكم بذلك، وإذا حكم بذلك نفذ حكمه، والله أعلم (¬2). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في رجل أعطى ابنته عطية، وزوجها، ثم بعد ذلك ولد له أولاد، فهل له أن يعطيهم مثلها، وما بقي يكون ميراثا أم لا؟ # الجواب: نعم، له أن يعطي كل واحد مثل ما أعطاها، بل هذا هو الذي أمر الله ~~به ورسوله؛ فإنه قال: «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم» (¬3)، والأفضل له ~~أن يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وما بقي من المال يكون بينهم ميراثا، والله أعلم. # * * * PageV09P347 # * ### |||| AUTO مسألة: في امرأة ملكت أحد أولادها ملكا في مرضها، فلما تعافت استرجعته واستغلته مدة طويلة، وماتت وهو في ملكها، فاستغله من بعدها ورثتها، وباعوه، فهل يثبت الملك للأول أم لا؟ # الجواب: الحمد لله. إذا كان الأمر على ما ذكر من التمليك في المرض، الذي ~~يقصد به التمليك إن ماتت، وقد رجعت بعد ذلك، فالملك ينتقل إلى الورثة على ~~فرائض الله تعالى. # * * * PageV09P348 ### ||| AUTO [الفرائض] # * ### |||| AUTO مسألة: في امرأة ماتت ولها أب وزوج وابنة وأم، فما لكل منهم؟ وهل تستقر البنت عند أبيها وميراثها؟ # الجواب: للأب السدس، وللأم السدس، وللزوج الربع، وللبنت النصف، فتعول ~~الفريضة، وتقسم على ثلاثة عشر سهما، للأب سهمان، وللزوج ثلاثة، وللأم ~~سهمان، وللبنت ستة. # وأبو البنت أحق بحضانتها وبولاية مالها من غيره، إذا كان حافظا له (¬1)، ~~والله أعلم. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في رجل حلف بالطلاق ثلاثا، ومات ولم يوف بما حلف عليه، فهل ترثه امرأته أم لا؟ # الجواب: نعم، ترثه عند جماهير السلف والأئمة، وهذا مذهب مالك، وأبي ~~حنيفة، وأحمد، والشافعي في أحد قوليه، وهو قول السابقين الأولين، مثل عمر ~~وعثمان وأمثالهما من الصحابة رضي الله عنهم (¬2). # * * * PageV09P349 ### ||| AUTO [النكاح] # * ### |||| AUTO مسألة: في من تزوج امرأة بشرط أن يحج بها هذا العام، فجاء ms1773 أوانه، فماطلها # . # الجواب: عليه أن يحج بها كما شرط على نفسه، وإن لم يف لها بذلك فلها أن ~~تفارقه (¬1). # * * * # * ### |||| AUTO سؤال في نكاح التحليل # . # جواب شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني قدس الله روحه ونور ضريحه: # الحمد لله. # قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لعن الله المحلل ~~والمحلل له» (¬2). # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا ~~رجمتهما» (¬3). PageV09P350 ### |||| CHECK سؤال: هل يصح نكاح الشغار؟ # وما يفعله بعض الناس من أمره المطلقة ثلاثا بأن تتزوج من يحلها؛ لتعود ~~إليه، ويواطئها على ذلك = حرام بإجماع المسلمين؛ فإن المطلقة الثلاث (¬1) ~~لا يحل لأحد أن يصرح بخطبتها حتى تقضي العدة، فكيف إذا كانت لم تتزوج بعد ~~ولم يطلق الزوج الثاني؟ ! # وليس لأحد أن يكره المرأة على ذلك، لا أبوها ولا غيره، ومن أكرهها استحق ~~العقوبة باتفاق المسلمين. # ومتى تزوجها الرجل بنكاح المسلمين، النكاح ... (¬2). # * * * # * سؤال: هل يصح نكاح الشغار (¬3)؟ # أجاب شيخ الإسلام تقي [الدين] أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه: # الحمد لله. # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «نهى عن نكاح الشغار» (¬4)، وهو ~~نكاح باطل لا يصح، لا هذا ولا هذا، بل يفرق بينهما عند أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، كعمر، PageV09P351 # وزيد، وعبد الله بن عمر، وغيرهم رضي الله عنهم (¬1)، وهو قول جمهور ~~العلماء (¬2). # والصواب أنه نكاح باطل، وإن لم يقل: «وبضع (¬3) كل واحدة منهما مهر ~~الأخرى». هذا هو الذي عليه جمهور السلف والخلف. # ولو رضيت بنكاح الشغار لم يصح النكاح أيضا؛ فإن وجوب المهر في العقد حق الله. # ولو تزوجت المرأة على أنه لا مهر لها لم يجز ذلك بإجماع المسلمين، لكن هل ~~يبطل النكاح، أو يصح ويجب مهر المثل فيه؟ قولان في مذهب مالك (¬4). # أحدهما: صحة النكاح. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. # والثاني: بطلانه. وهذا قول أكثر السلف. وهو الأظهر (¬5). PageV09P352 # وأما إذا لم يقدر المهر، فيصح النكاح، ويجب لها مهر المثل بالاتفاق. # ولهذا تنازع العلماء في علة ms1774 [بطلان] (¬1) نكاح الشغار: # فقيل: هو التشريك في البضع. # وقيل: هو نفي المهر، وإشغار النكاح عنه. وهذا أصح. والله أعلم. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في رجل زوج ابنته لرجل، وعلم قبل الدخول أنه رافضي، هل له الفسخ؟ # الجواب: نعم، إذا تبين له أنه كان رافضيا فله الفسخ ولو رضي به أبوها؛ ~~فإن الرافضي ليس كفؤا للسنية، والله أعلم (¬2). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في امرأة تغني، فهل لوليها أن يمنعها أو يطلقها؟ # الجواب: الحمد لله. نعم لوليها أن يمنعها من هذه الأعمال المنهي عنها، ~~وإذا تزوجت برجل من أصحاب الملاهي ليس بكفؤ لها فللولي فسخ النكاح، والله أعلم. # * * * PageV09P353 ### |||| CHECK مسألة: في من تزوج امرأة، وسموها في العقد، والعاقد أبوها مقر بذلك، وهي مصدقة له، وعند دخوله بها جابوا غيرها، ولم يعلم إلى مدة، فما الحكم في ذلك؟ # * ### |||| AUTO مسألة: في رجل مملوك اشترى جارية، وقال لبائعها: «هي أختي»؛ ليبيعها، ولم تكن أخته، ثم أعتقها. هل يحرم نكاحها بهذا القول؟ # الجواب: إذا كان كاذبا لم تحرم عليه بذلك، بل يجوز له أن يتزوجها والحالة ~~هذه إذا كان حرا، فإن كان رقيقا لم تعتق إلا بإذن سيده، ولم يتزوج إلا بإذن ~~سيده، والله أعلم. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في رجل جاء ببنت من الزنا، هل يحل له أن يتزوجها أم لا؟ # الجواب: لا يجوز له أن يتزوج بها عند جماهير السلف والخلف (¬1)، وقد ذكر ~~طائفة من الأئمة (¬2) أن هذا إجماع من الصحابة رضي الله عنهم، وأفتوا بقتل ~~من يفعل ذلك، والله أعلم. # * * * # * مسألة: في من تزوج امرأة، وسموها في العقد، والعاقد أبوها مقر بذلك، ~~وهي مصدقة له، وعند دخوله بها جابوا (¬3) غيرها، ولم يعلم إلى مدة، فما ~~الحكم في ذلك؟ PageV09P354 # الجواب: إذا تزوج امرأة، وسمي له في العقد غيرها، فالنكاح باطل. فإن دخل ~~بها وهو لا يعلم، وهي تعلم، فهي غارة، وإنها لا تستحق عليه مهرا، بل ترد ما ~~أخذت منه، والله أعلم. # * * * PageV09P355 ### ||| AUTO [الطلاق] # * ### |||| AUTO مسألة: في من قال عن زوجته: «هذه حرام إن عدت إلى كذا»، فإذا عاد ms1775 هل تطلق؟ # الجواب: عليه الكفارة إذا حنث في هذه اليمين، في مذهب الإمام أحمد (¬1)، ~~وليس عليه طلاق وإن نواه، والله أعلم (¬2). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في من تزوج امرأة من أبيها، وعقد العقد، ثم توفي أبوها قبل الدخول، فمنعه الإخوة، وبقي يحلف ب ### ||| AUTO الطلاق # كاذبا وصادقا، هل يقع عليه شيء؟ # الجواب: إن شك هل طلق أم لا لم يقع عليه طلاق، ولا يكره له (¬3) على ~~الصحيح (¬4). # * * * PageV09P356 ### |||| CHECK مسألة: في من حلف بالطلاق أنه يجيب دراهم لشخص في ليلة معينة، فأرسلها مع وكيله، فعاقه عائق، هل يحنث؟ ### |||| CHECK مسألة: في من قال لامرأته: إن خالفتي أمري فأنت طالق، ثم قال: لا تخرجي، فخرجت، فهل يقع عليه طلاق أم لا؟ # * مسألة: في من قال لامرأته: إن خالفتي (¬1) أمري فأنت طالق، ثم قال: لا ~~تخرجي، فخرجت، فهل يقع عليه طلاق أم لا؟ # الجواب: هذه المسألة فيها قولان للعلماء، أصحهما: أنه لا يقع به الطلاق ~~(¬2)، بل تعزر المرأة على مخالفتها له. # * * * # * مسألة: في من حلف بالطلاق أنه يجيب (¬3) دراهم لشخص في ليلة معينة، ~~فأرسلها مع وكيله، فعاقه عائق، هل يحنث؟ # * الجواب: لا يقع به طلاق، ولا يحنث في يمينه (¬4). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في من عليه دين عجز عنه، فأكره على اليمين بالطلاق الثلاث أنه لا يسافر، فأرادت زوجته السفر، فطلقها واحدة حتى تسافر ولا تقع عليه الثلاث، ثم سافر، فما الحكم فيه؟ # الجواب: لا تقع به الثلاث إذا كان مكرها بغير حق على اليمين، أو إذا سافر ~~يعتقد أنه لا تقع عليه ثلاث لكونه طلقها قبل ذلك، والله أعلم (¬5). PageV09P357 # * ### |||| AUTO مسألة: في امرأة توفيت ابنتها، وخلفت ميراثا، فاستحيا زوجها من الناس أن تطلب زوجته الميراث، فحلف بالطلاق لا تأخذ منه شيئا، فهل يجوز له أخذ حقها؟ وهل يحنث؟ # الجواب: لها أن تأخذ حقها، وأما الطلاق ففيه نزاع؛ فإنه لم يكن مقصود ~~الزوج أن يطلقها، وإنما حلف رياء للناس، فلا طلاق عليه. # * * * PageV09P358 ### |||| CHECK مسألة: في صبي رضع من امرأة، ثم ولدت المرضعة بنتا أخرى، هل يجوز له ms1776 التزوج بها؟ ### ||| AUTO [ما يلحق من النسب] # * ### |||| AUTO مسألة: في رجل اشترى جارية ومعها ولد صغير، فأقامت مدة، ثم اعترفت أن الولد من البائع، هل يقبل قولها ويكون ولده أم لا؟ # الجواب: لا يقبل مجرد قولها على البائع، بل القول قوله مع يمينه أنه لم ~~يطأها وليس هو ولده، وإذا حلف كان للمشتري ليس قافة (¬1)، والله أعلم (¬2). # * * * ### ||| AUTO [الرضاع] # * مسألة: في صبي رضع من امرأة (¬3)، ثم ولدت المرضعة بنتا أخرى، هل يجوز ~~له التزوج بها؟ # الجواب: إذا أرضعته خمس رضعات لم يجز أن يتزوج أحدا من أولاد المرضعة، ~~والله أعلم (¬4). # * * * PageV09P359 ### ||| AUTO [النفقات] # * ### |||| AUTO مسألة: في امرأة أصابها جنون، فأخذها أهلها عندهم، هل تسقط نفقتها عن الزوج؟ # الجواب: إذا أخذها أهلها عندهم فلا نفقة عليه، والله أعلم (¬1). # * * * PageV09P360 ### |||| CHECK مسألة: في امرأة أخبرت أنها مصابة، وأن الجن يخبرونها بما يجري، وأنها تكاشف بما في الخاطر، بحيث إن الجن يعلمونها بذلك، والناس قد ارتبطوا على قولها ### ||| AUTO [الحدود] # * ### |||| AUTO مسألة: في امرأة اتهمها أهلها، فضربوها، وحبسوها، وأرادوا قتلها، فهل لهم ذلك؟ # الجواب: الحمد لله. لا يجوز لهم قتلها ولو تيقنوا أنها أتت الفاحشة؛ فإن ### ||| AUTO الحدود # لا يقيمها إلا الإمام أو نائبه، لكن يحفظونها ويحتاطون عليها، والله ~~أعلم (¬1). # * * * # * مسألة: في امرأة أخبرت أنها مصابة (¬2)، وأن الجن يخبرونها بما يجري، ~~وأنها تكاشف بما في الخاطر، بحيث إن الجن يعلمونها بذلك، والناس قد ارتبطوا ~~على قولها. # الجواب: هذه يجب أن تعزر على ذلك تعزيرا بليغا يردعها عن أن تخبر الناس ~~بمثل ذلك، سواء كان معها قرين أو لم يكن؛ فإنه إن كان معها قرين فالجن ~~كذابون، يكذبون كثيرا، لا يوثق بأخبارهم ولا بأخبار من يخبر عنهم. # وغاية هذه أن تكون من جنس الكهان الذين كان لهم من الجن من PageV09P361 # يخبرهم بخبر السماء، والكاهن يجب قتله عند أكثر العلماء (¬1)، وهكذا هذه ~~المرأة تستتاب من ذلك. # ولا يجوز لأحد أن يعتمد على ما تذكره من خبر الضائع؛ لوقوع الكذب في مثل ~~ذلك منها ومن القرين الذي معها ms1777 إن كان معها قرين. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أتى عرافا، ~~فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (¬2)، وثبت في الصحيح أنه قيل ~~له: إن قوما منا يأتون الكهان، قال: «فلا تأتوهم» (¬3). # فمن سأل مثل هذه عن المغيبات، واعتمد على خبرها، فقد عصى الله ورسوله، ~~والله أعلم (¬4). # * * * # * ### |||| AUTO وسئل الشيخ رضي الله عنه في السحر: هل هو موجود؟ وهل يجوز تعلمه أو تعليمه؟ وماذا يجب على فاعله ومعلمه ومتعلمه؟ وهل يجوز تعليمه وتعلمه بنية العمل به أو للرد على فاعله أو معلمه ومتعلمه؟ # أجاب رضي الله عنه: الحمد لله. نعم، السحر موجود، ولا يجوز تعلمه وتعليمه ~~والعمل به. PageV09P362 # وإن كان يجوز أو يجب ما يميز به بين السحر وغيره، كما أن المسلم يميز بين ~~الخمر والفاحشة وبين ما ليس كذلك من غير احتياج إلى مباشرة ذلك وذوقه. # فالكلام الذي هو محرم، والعمل الذي هو محرم، يعرف؛ ليميز به بينه وبين ~~غيره. وذلك بخلاف معرفته المفصلة لمن يعتقده أو يعمل به. # وذلك كما أن المسلم يعلم مقالات اليهود والنصارى والمشركين (¬1) معرفة ~~مقرونة بذمها، والنهي عنها، وبيان بطلانها. وذلك بخلاف تعلم ذلك وتعليمه ~~لمن يعتقده ويعمل به. # ومن دخل في السحر أو في غيره من المقالات الكفرية، متعلما أو معلما، على ~~وجه الاعتقاد أو العمل بها، فهو كافر؛ قال تعالى: {وما يعلمان من أحد حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} [البقرة: 102]. # ويجب قتل الساحر والكاهن (¬2)، كما قد نص على ذلك جماهير أئمة الإسلام ~~(¬3)، وذلك ثابت باتفاق الصحابة، كعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد ~~الله بن عمر، وحفصة بنت عمر، وجندب بن عبد الله البجلي (¬4). # ولم يختلف في ذلك الصحابة، بل ثبت أن عمر رضي الله عنه كتب إلى نوابه PageV09P363 ### |||| CHECK وسئل أيضا: ما تقول السادة العلماء رضي الله عنهم أجمعين ووفقهم للصواب في رجل زنى بامرأة والعياذ بالله ثم تاب لكن ترتب على زناه أذى لأهلها أو زوجها بحصول العار ms1778 وتنكس الرأس أذى لا يعبر عنه لعظمه فهل تسقط التوبة كل ذلك؟ أو يكون الزنا وحده ساقطا إثمه بالت # أن يقتلوا كل ساحر وساحرة (¬1). # وثبت أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جارية لها سحرتها، وأن ~~عثمان لما بلغه ذلك ذكر له عبد الله بن عمر أنها سحرتها، وأنها أقرت بذلك؛ ~~فأقر ذلك (¬2). # والآثار في ذلك متعددة، والله سبحانه أعلم. # صورة خطه: كتبه أحمد بن تيمية. # نقلتها من خط الإمام شمس الدين محمد ابن المحب، وقال: نقلتها من خط شيخ ~~الإسلام. كتبه محمد بن الحبال الحراني سبط سبط الشيخ محمد بن قوام. # * * * # * وسئل أيضا: ما تقول السادة العلماء رضي الله عنهم أجمعين، ووفقهم ~~للصواب، في رجل زنى بامرأة -والعياذ بالله-، ثم تاب، لكن ترتب على زناه أذى ~~لأهلها أو زوجها، بحصول العار، وتنكس الرأس، أذى لا يعبر عنه؛ لعظمه، فهل ~~تسقط التوبة كل ذلك؟ أو يكون الزنا وحده ساقطا إثمه بالتوبة، وإيذاء أهلها ~~وزوجها من مظالم العباد يحتاج في التوبة منه إلى ما يحتاج في سائر المظالم ~~أم لا؟ وهل بزناه تعلق في ذمته لأهلها أو زوجها حقوق يطالب بها في الدنيا ~~والآخرة أم لا؟ أفتونا مأجورين. # أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني رضي الله تعالى عنه: PageV09P364 # الحمد لله. إن كان الزنا قد خفي بحيث لم يلحق أحدا ضرر بذلك؛ إذ لم تحمل ~~منه، ولا عير أهلها بذلك أحد، لأنه لم يعلم بذلك أهلها ولا غيرهم، فهذا ~~يتوب الزاني منه. # وأما إن كان قد لحقهم ضرر، فهو ظالم لهم، فلا بد من أن يحسن إليهم ~~بالدعاء لهم ونحو ذلك بقدر ما ظلمهم، وإلا أخذوا من حسناته بقدر مظلمتهم، ~~والله أعلم. كتبه أحمد بن تيمية (¬1). # * * * PageV09P365 ### ||| AUTO [الصيد] # * ### |||| AUTO مسألة: في ### ||| AUTO الصيد # الذي يفعله الترك من صيد الوحش والطير، والصائد ليس محتاجا فقيرا، بل ~~قادرا على المؤونة من غيره، هل يكره أو يحرم؟ # الجواب: ### ||| AUTO الصيد # الذي فيه إيذاء الخيل، أو إفساد الزرع، أو غير ذلك من العدوان، يحرم. ms1779 # وإن لم يكن فيه عدوان، وصاحبه يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها، ويؤدي ~~الواجبات، لم يكن محرما، لكن الاشتغال عن مصالح الدين والدنيا مكروه. # وإن كان ينتفع به في رياضة الخيل والركاب للجهاد من غير ضرر، فهو حسن، ~~فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، والله أعلم (¬1). # * * * ### ||| AUTO [الذكاة] # * ### |||| AUTO مسألة: في بلد يذبح فيها اليهود والنصارى والمسلمون، فمن هو أولى بالذبيحة؟ # الجواب: الحمد لله. بل ذبح المسلمين أولى، وقد كره طائفة من أهل العلم أن ~~يترك أهل الذمة ذباحين للمسلمين (¬2)، وكرهوا أن يكونوا PageV09P366 # صيارف؛ لأنهم لا يؤمنون، بل قد يفعلون ما لا يحل في دين المسلمين، مثل أن ~~يسموا غير الله على الذبيحة؛ فتحرم عند جماهير العلماء. وليس أكلنا لما ~~ذبحوه لأنفسهم مثل أن يتركوا منتصبين لهذا الأمر. بل تفويض ذلك إلى ~~المسلمين هو الأولى، والله أعلم (¬1). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: تجوز ذبيحة المرأة أم لا؟ # الجواب: تجوز، كما مضت بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (¬2)، وهو ~~مذهب الأئمة الأربعة (¬3)، والله أعلم (¬4). # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في بقرة أو شاة يجرحها الذئب، ويخرج مصرانها، ويخلص، فيدركها صاحبها حية ويذبحها، هل تحل؟ وهل إذا ذبحت البهيمة وقامت ومشت مقدار رمية سهم، ثم وقعت، هل تحل؟ PageV09P367 ### |||| CHECK مسألة: في الحيوان المأكول يلزه سبع، أو يضرب، أو يتردى عن حائط، أو ينطحه حيوان آخر، فيبلغ ما لا يعيش معه، هل تنفع فيه الذكاة؟ # الجواب: إذا كان فيها حياة مستقرة وذكيت (¬1) أبيحت (¬2). # وتباح (¬3) الذبيحة وإن كان ... (¬4). # ولو قام وقعد، ثم مات من الذبح، جاز أكله. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في دابة أخرج الذئب حشوتها، وفيها حياة، هل تذكى وتحل؟ # الجواب: إذا خرج منها الدم وتحركت جاز أكلها، والله أعلم. # * * * # * مسألة: في الحيوان المأكول يلزه (¬5) سبع، أو يضرب، أو يتردى عن حائط، ~~أو ينطحه حيوان آخر، فيبلغ ما لا يعيش معه، هل تنفع فيه الذكاة؟ # الجواب: إذا تحرك منه شيء عند الذبح، كعينه، أو ذنبه (¬6)، أو رجله، وجرى ~~منه الدم، حل أكله في أظهر قولي العلماء، كما نقل ms1780 عن أصحاب PageV09P368 # رسول الله صلى الله عليه وسلم (¬1)، وهو داخل في قوله تعالى: {والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم} [المائدة: 3]. # فما جرى دمه، وتحرك، فقد ذكي. # وكونه يتيقن موته (¬2) أو لا يتيقن لا أصل له في كلام الشارع؛ فقد تيقن ~~الناس موت عمر لما جرح، وعاش ثلاثا، وأمر ونهى وأوصى، فإنه كان حيا وإن ~~تيقن أنه يموت من جرحه (¬3)، والله أعلم. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في صياد يصيد الطير في الماء، ويغوص الطير في الماء فلا يمكنه ذبحه إلا فيه، فهل يؤكل لكونه ذبح تحت الماء أم لا؟ # الجواب: الحمد لله، متى أعان الماء على موته لم يجز أكله، مثل أن يكون ~~رأسه غاطسا في الماء. وأما إن كان الغاطس رجليه، أو ذنبه، ونحو ذلك، لم ~~يضره، والله أعلم (¬4). # * * * PageV09P369 ### |||| CHECK مسألة: في رجل صال عليه جمل، فهرب منه، فأمسكه بفمه وربض عليه، ثم إن الراعي نحره، هل يؤكل أم لا؟ فإنه لما نحره قطع أكثر كل ودج، ومشى الجمل ومات # * مسألة: في رجل صال عليه جمل، فهرب منه، فأمسكه بفمه وربض (¬1) عليه، ثم ~~إن الراعي نحره، هل يؤكل أم لا؟ فإنه لما نحره قطع أكثر كل ودج (¬2)، ومشى ~~الجمل ومات. # الجواب: إذا كان نوى بنحره ذكاته جاز أكله، ولا ضمان عليه في نحره. وإن ~~كان إنما قتله لمجرد دفعه، لا قصد تذكيته، لم يؤكل (¬3)، ولا ضمان عليه ~~أيضا عند جمهور العلماء كمالك والشافعي والإمام أحمد، وهو الأصح، والله أعلم. # * * * # * ### |||| AUTO مسألة: في شاة وقعت، فذبحت، فلم تتحرك، لكن جرى دمها، هل تؤكل؟ # الجواب: نعم، تؤكل في أصح قولي العلماء، والله أعلم (¬4). # * * * PageV09P370 ### ||| AUTO [القضاء] # * ### |||| AUTO مسألة: في رجل مات ولرجل عليه دين بخط يده، فهل يقضى عليه بذلك أم لا؟ # الجواب: الحمد لله، نعم إذا كان الخط معروفا أنه خط المقر قضي له بذلك في ~~أظهر القولين من مذهب الإمام أحمد فيما نص عليه إذا وجدت وصيته مكتوبة ~~بخطه، وفيها إقرار وإنشاء، فإنه يعمل بذلك في المنصوص عنه (¬1)، وهذا ms1781 مذهب ~~مالك وغيره (¬2)، والله أعلم (¬3). # - - - - PageV09P371 ### | CHECK متفرقات ### || AUTO قاعدة # في الصبر والشكر PageV09P373 # .. (¬1) ويسمى الليل «كافرا»، كما قال ثعلبة بن [صعير] (¬2): # * حتى إذا [ألقت] يدا (¬3) في كافر (¬4) * # كما يسمى الزارع (¬5) «كافرا»؛ لأنه يغطي الزرع بالتراب. # فكان الأمر بالإخراج من الظلمات إلى النور أمرا بالإخراج من ظلمة الكفر ~~إلى نور الإيمان. # قال الله تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة} إلى قوله: ~~{يهدي الله لنوره من يشاء}، ثم قال: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} ~~إلى قوله: {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج} إلى قوله: {ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 35 - 40]. PageV09P375 # فذكر سبحانه مثلين (¬1): # * مثل الكفر المركب بالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء وليس كذلك. فهذا مثل ~~الاعتقاد الفاسد. # * والآخر الذي في الظلمات لا يرى شيئا. وهذا مثل الجهل البسيط، كالحيرة ~~والشك والريب الذي لا يعتقد صاحبها شيئا. # فالأول حال البدعة والدين الفاسد، كدين أهل الكتاب بعد التبديل والنسخ. # والثاني حال الزنادقة والمعطلة والمتفلسفة وأمثالهم ممن لم يحصل له علم ~~يعتقده، ومثل كثير من أهل الكلام والنظر الذين لم يحصل لهم إلا الحيرة والشك. # قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: 52]. # والكتاب والإيمان نور، وقد سمى الله ذلك نورا في قوله: {واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه} [الأعراف: 157]، وقوله: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} ~~الآية [المائدة: 15]، وقوله: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان PageV09P376 # من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا} [النساء: 174]، وقوله: {يريدون أن ~~يطفئوا نور الله بأفواههم} [التوبة: 32]. # وقال تعالى في حق المؤمن والكافر: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له ~~نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات} [الأنعام: 122]. # وقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به} [الحديد: 28]، وقال: {الله ولي الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور} الآية [البقرة: 257]، وقال تعالى: {هو ms1782 الذي ~~ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الحديد: 9]. # وذكر تعالى في سورة الحديد (¬1) نور النبي والذين آمنوا معه، وأن الله ~~يتم لهم نورهم حين يطفى (¬2) نور المنافقين. # وذكر أن نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، فيها (¬3)، وفي سورة التحريم. # وذكر أن المنافقين انطفى نورهم في الدنيا؛ فلهذا انطفى نورهم في الآخرة؛ ~~فإن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى في حق المنافقين: PageV09P377 # {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} الآية [البقرة: 17]. # وذكر لهم مثلا آخر بالمطر الذي فيه ظلمات ورعد وبرق (¬1)؛ لأن الله يضرب ~~مثل الإيمان والقرآن بالنار تارة، وبالماء أخرى؛ لأن الماء فيه الحياة ~~والرطوبة، والنار فيها الإشراق والحرارة، وبهذا وهذا يحصل الإيمان في ~~القلب، كما أنه بذلك ينبت الزرع في الأرض. والقلب مشبه بالأرض، قال الله ~~تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه} الآية [الأنعام: 122]، ولهذا ذكر المثلين ~~في قوله: {أنزل من السماء ماء} الآية [الرعد: 17] (¬2). # فهو سبحانه ذكر أنه أنزل الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأمر ~~موسى بإخراج قومه من الظلمات إلى النور، وأن يذكرهم بأيام الله، وقال: {إن ~~في ذلك لآيات لكل صبار شكور} [إبراهيم: 5]، فإن أيام الله الأزمنة التي ~~أحدث فيها ما أحدث من الآيات (¬3)، ولهذا قال: {إن في ذلك لآيات لكل صبار ~~شكور • وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون} ~~الآية [إبراهيم: 5 - 6]. # والبلاء أن يبلو الرب عز وجل عبده بالسراء والضراء، ليختبره ويمتحنه، كما ~~قال تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} [الأعراف: 168]، وقال: PageV09P378 # {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} [الأنبياء: 35]. # فهذا البلاء العظيم (¬1) تضمن بلواهم بالضراء أولا، وبالسراء ثانيا، وذلك ~~يستوجب الصبر والشكر، كما قال: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}. # وقد قال سليمان: {هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر} الآية [النمل: ~~40]، هذا بعد أن ذكر قوله: {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي وأن أعمل صالحا ترضاه} الآية [النمل: 19]، فلما رأى عرش بلقيس مستقرا ~~عنده قال: {هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم ms1783 أكفر} الآية. # وقال تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن • وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن} [الفجر: 15 - ~~16]، فأخبر أن ذلك ليس إكراما ولا إهانة، وإنما ابتلاه ليعلم المؤمن الصبور ~~والشكور من غيره. # كما قال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو ~~أخباركم} [محمد: 31]، وقال تعالى: {الذي (¬2) خلق الموت والحياة ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا} [الملك: 2]. # وذكر تعالى قول موسى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم PageV09P379 # لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} [إبراهيم: 7]، فبين أن الكفر ضد ~~الشكر، وأن من لم يشكر نعمته فقد كفر؛ فهو من أهل الظلمات، والشاكر من أهل ~~النور، وكذلك قال سليمان: {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني ~~كريم} [النمل: 40]. # وقال تعالى: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} ~~[إبراهيم: 34]، فذكر أن الإنسان ظلوم كفار، فلا يشكر نعمه التي لا تحصى. # فبين أن الشكر من النور والإيمان، وضده من الظلمة والكفر، وذلك لأن الشكر ~~أصله هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع، فمن لم يعرف النعمة بل كان ~~جاهلا لها فهو في ظلمة الجهل، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها كان كذلك، ومن ~~عرف النعمة والمنعم بها لكن جحدها كما يجحد المتكبر نعمة المنعم عليه فقد ~~كفرها، وإن أقر بها واعترف بها فهو أول الشكر. # فلا بد في ذلك من علم القلب وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ~~ومحبته والخضوع له، كما في الحديث الذي رواه البخاري عن شداد بن أوس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم ~~أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، ~~أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي» (¬1). PageV09P380 # فإن قوله: «أبوء لك بنعمتك علي» يتضمن الإقرار والإنابة إلى الله ~~بالعبودية؛ لأن المباءة هي ما يبوء إليها الشخص، أي يرجع إليها رجوع مستقر ~~(¬1)؛ فإن المباءة هي المستقر، ms1784 ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي ~~متعمدا فليبوأ مقعده من النار» (¬2)، أي ليتخذ مقعده مباءة، فيلزمه ويستقر ~~فيه، ليس بمنزلة المنزل الذي ينزل به ويرحل عنه. # فالعبد يبوء إلى الله عز وجل بنعمه عليه، ويبوء بذنبه، فرجع إليه ~~بالاعتراف بهذا وبهذا رجوع مطمئن إلى ربه منيب إليه، ليس رجوع من أقبل إليه ~~ثم أعرض عنه، بل رجوع من لا يعرض عن ربه، بل لا يزال مقبلا عليه؛ إذ (¬3) ~~كان لا بد له منه، فهو معبوده، وهو مستعانه، لا صلاح له إلا بعبادته، وإن ~~لم يكن معبوده هلك وفسد، ولا يمكن أن يعبده إلا بإعانته له، فلا مندوحة له ~~عن هذا وهذا البتة. # وفي الحديث: «مثل المؤمن مثل الفرس في آخيته، يجول ثم يرجع إلى آخيته، ~~كذلك المؤمن يجول ثم يرجع إلى الإيمان» (¬4). # فقوله: «أبوء» يتضمن أني وإن جلت كما يجول الفرس -إما بالذنب، وإما ~~بالتقصير في الشكر- فإني راجع منيب أواب، أبوء لك بنعمتك علي PageV09P381 # وأبوء بذنبي. # وذكر النعمة والذنب لأن العبد دائما بين نعمة من ربه، وذنب من نفسه، كما ~~في الحكاية المعروفة عن الرجل الذي كان في زمن الحسن البصري لما ذكر للحسن ~~أمره، فسأله الحسن: فقال له: إني أجدني بين نعمة وذنب، فأريد أن أحدث ~~للنعمة شكرا، وللذنب استغفارا، فقال الحسن: أنت عندي أفقه من الحسن (¬1). # وذلك أن الخير كله من الله، كما قال: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: ~~53]، وقال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} إلى قوله: ~~{فضلا من الله ونعمة} [الحجرات: 7 - 8]، وقال: {يمنون عليك أن أسلموا} ~~الآية [الحجرات: 17]. # وقال تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم • صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: ~~6 - 7]، والذين أنعم عليهم هم المذكورون في قوله: {ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} ~~الآية: [النساء: 69]. # فالخير كله، والنعم كلها -من نعم الدنيا، ونعم الدين من الإيمان والعمل ~~الصالح- وثواب ذلك = كله من نعم الله ومنه على عبده (¬2). PageV09P382 # فصل # وأما الشر، ms1785 فليس هو إلا الذنوب وعقوباتها. # ولهذا كان في خطبة الحاجة المشهورة: «الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ~~ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا» (¬1). # فاستعاذ من شر النفوس، ومن سيئات الأعمال، وهي عقوبات الأعمال، أو ~~السيئات من الأعمال، الأول كقول الملائكة: {وقهم السيئات ومن تق السيئات ~~يومئذ فقد رحمته} [غافر: 9] (¬2). # والمقصود أن كل ما سوى الذنوب وعقوباتها فهو نعمة؛ فإن المصائب إذا اقترن ~~بها طاعة الله كانت من أعظم النعم، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا ~~كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، ~~وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (¬3). # فإذا كان العبد صبارا شكورا فجميع ما يصيبه خير له، والخير هو PageV09P383 # النعمة، فالضراء مع الصبر نعمة، كما أن السراء مع الشكر نعمة، وذلك خير للعبد. # والذنب إذا حصل منه توبة نصوح كان المجموع من أعظم نعم الله على العبد؛ ~~فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وهو سبحانه أشد فرحا بتوبة عبده من ~~الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في أرض مهلكة إذا وجدها بعد اليأس ~~(¬1)، فالله أشد فرحا بتوبة عبده من فرح هذا براحلته. # وقد قال طائفة من السلف، كسعيد بن جبير: «إن العبد ليفعل الحسنة فيدخل ~~بها النار، ويفعل الذنب فيدخل به الجنة؛ يفعل الحسنة فيعجب بها، فلا يزال ~~إعجابه حتى يهلكه، ويفعل الذنوب فيتوب منها ويخشع ويخاف، فلا يزال خوفه ~~وخشوعه حتى يدخله الجنة» (¬2). # ولهذه الحكمة ابتلي بالذنب من ابتلي من كبار عباد الله، حتى قال بعض ~~الناس: «لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه ما ابتلى بالذنب أكرم الخلق ~~عليه» (¬3). PageV09P384 # وحينئذ، فالمذنب التائب الذي يبوء بنعمته، ويبوء بذنبه، يحمده حمدا مطلقا ~~على كل موجود من ذنوبه وغيرها. # وأيضا، فمن شهد ابتلاؤه بالذنب، فحمد الله على خلقه، مسلما لحكمته، مع ~~اعترافه بظلم نفسه، واحتياجه لرحمة ربه عز وجل ... (¬1). # فصل # وأما الطاعات، فهو محمود عليها ms1786 حمد مدح وحمد شكر، وهو ظاهر مستقيم على ~~مذهب أهل السنة الذين يقولون: إن الله خلقه مسلما مصليا، وهو الذي حبب إليه ~~الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان. # وأهل السنة يقولون: الحمد لله كله. # ويقولون: اللام في «الحمد» لاستغراق الجنس (¬2)؛ فإن الحمد كله لله، وكل ~~محمود غيره فالحمد لله على حمده وعلى ما حمد به (¬3). # وأيضا، فالحمد لله من وجهين: # * من وجه أنه المحمود. PageV09P385 # * ومن وجه أنه المستحق الحمد، المحمود، فلا محمود إلا من حمده. وهو كما ~~قال بعض الأعراب للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن حمدي زين وذمي شين»، قال: ~~«ذاك الله» (¬1)، فالمحمود من حمده الله، والمذموم من ذمه الله، فهو الذي ~~يستحق أن يحمد ويذم. # وبهذا الوجه فله أن يحمد وله أن يذم، أي: له حمد المحمود وذم المذموم، ~~حمد المؤمن وذم الكافر، كما أن له الثواب والعقاب. # والواجب ما يذم تاركه شرعا، والمحرم ما يذم فاعله، وهو الذي يذم تارك ~~الواجب وفاعل المحرم، كما أنه هو الذي يثيب هذا ويعاقب هذا. # فصل # وأما ما يحدثه من المصائب، إما بغير فعل الخلق، كالأمراض، وإما بفعلهم، ~~كإيذاء الإنسان، وظلمه باليد واللسان = فإنه سبحانه محمود عليه مشكور، حمد ~~المدح وحمد الشكر (¬2). PageV09P386 # * أما حمد المدح، فإنه محمود على كل ما خلق، إذ هو رب العالمين، و {الحمد ~~لله رب العالمين}. # * وأما حمد الشكر، فلأن هذه نعمة في حق المؤمن إذا وفق للصبر عليها، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا ~~له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن ~~أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (¬1). # وهي نفسها تكفر خطاياه، ويؤجر على الصبر عليها، ففيها له مغفرة من جهة ما ~~تكفره من الخطايا، وله فيها رحمة من جهة ما يؤجر على الصبر عليها، لاسيما ~~إذا اقترن بها توبة وإنابة إلى الله، وتوكل عليه، وتوحيد له، وإخلاص الدين ~~له؛ فإنها تكون من أعظم النعم. # ومصيبة تقبل ms1787 بك (¬2) على الله خير لك من نعمة تنسيك ذكر الله. # وقد قال بعض السلف: «يا ابن آدم، لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها قرع باب ~~سيدك» (¬3). # وفي الحديث: «إذا قالوا للمريض: اللهم ارحمه، يقول الله: كيف أرحمه PageV09P387 # من شيء به أرحمه؟ » (¬1). # وفي الأثر: «يا ابن آدم، البلاء يجمع بيني وبينك، والعافية تجمع بينك ~~وبين نفسك» (¬2). # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما يصيب المؤمن من وصب ~~ولا نصب ولا هم ولا حزن، ولا غم ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله ~~بها من خطاياه» (¬3). # فصل # وأما ما يحدثه من الكفر والفسوق والعصيان، فهو أيضا محمود عليه حمد المدح ~~وحمد الشكر. # * أما حمد المدح، فعام. # * وأما حمد الشكر، فلأن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن؛ لأنه مأمور ~~بإنكارها إذا وقعت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا ~~فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف ~~الإيمان»، PageV09P388 # رواه مسلم وغيره (¬1)، ومأمور أن يجاهد فيها بحسب الإمكان. # فإذا حصل له ثواب المجاهدين فيحمد الله على ما وفقه له من إنكارها ~~والجهاد عليها، وعلى أنه خلق ما يكون سببا للجهاد الذي يثاب العبد عليه. # فإن كان ذلك الكفر والفسوق والعصيان فيه ضرر على الإنسان، إما في دينه أو دنياه: # * أما في دينه، فمثل أن يكون ذلك مما يفتنه في قلبه، أو يمنعه أن يقوم ~~بواجب دينه أو مستحبه، فيجلب له في دينه ذنبا وترك حسنة، فهذا يكون حينئذ ~~ما حصل له من باب الذنوب التي يجب عليه أن يتوب منها، ويستعين الله على فعل ~~ما أمر وترك ما حظر. # كما إذا حصلت له الأسباب الداعية إلى الفواحش والظلم وغير ذلك، فإن عصمه ~~الله وأعانه ووفقه لطاعته في ذلك كان نعمة، وإلا كان ما أصابه من نفسه، كما ~~تقدم من الذنوب وعقوباتها. # وهذه الحال -حال المحنة- لا يثبت كونها نعمة أو ليست (¬2) بنعمة إلا ~~باعتبار العاقبة، فإن وفق فيها لما يحبه الله ms1788 ويرضاه فهي نعمة، وإن عمل ~~فيها بمعصيته كان حكمه حكم أمثاله. # * وأما الضرر في دنياه، مثل أن يجرح المجاهد ويؤخذ ماله، أو مثل أن يضرب ~~أو يشتم، ونحو ذلك، فهذا يكفر الله بهذه المصيبة خطاياه، ويؤجر PageV09P389 # على هذه المصائب؛ لأنها حصلت بسبب جهاده، فهي مما تولد عن عمله، وما ~~يتولد عن عمله الصالح أثيب عليه، بخلاف المصائب التي لم تتولد عن عمله (¬1). # قال تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا ~~يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح} ~~[التوبة: 121]، فأخبر تعالى أنه يكتب لهم عمل صالح بما يصيبهم من الظمأ ~~والجوع والتعب الذي يحصل بسبب الجهاد في سبيل الله عز وجل. # وأما الجوع والعطش والتعب الذي يحصل بدون ذلك، فلا يثاب إلا على الصبر ~~عليه؛ فإنه ليس من عمله، ولا تولد عن عمل صالح، لكن هو من المصائب التي ~~يكفر الله بها خطاياه (¬2). # وهذا هو الفرق بين المصائب التي يثاب عليها، والمصائب التي لا يثاب PageV09P390 # عليها، فإن بعض الناس يظن أنه يثاب على كل مصيبة، ومن (¬1) العلماء من ~~يطلق القول بأن المصائب لا يثاب عليها، وإنما يثاب على الصبر عليها؛ لأن ~~الثواب إنما يكون على فعل العبد، لا على فعل الله فيه (¬2)، وهكذا روي حديث ~~أبي عبيدة بن الجراح لما عادوه، وقالوا: له أجر، فقال: «ليس لي من الأجر ~~مثل هذه، ولكن المرض حطة يحط الله به الخطايا» (¬3). # وفصل الخطاب أن المصائب إن تولدت عن عمل صالح، كما تتولد عن الجهاد ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا يثاب عليه؛ فإن PageV09P391 # الإنسان يثيبه الله على عمله وعلى ما يتولد عن عمله إذا أقدم على ~~احتماله؛ فإن المجاهد قد أقدم على الجهاد وهو يعلم أنه يؤذي في الله عز وجل. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح ~~المسك» (¬1)، والخلوف يتولد عن صومه بغير اختياره. # وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من ms1789 كلم يكلم في سبيل الله -والله أعلم بمن ~~يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون الدم، ~~والريح ريح المسك» (¬2). # والدم الذي يخرج من جرح المريض ليس هكذا، ولا الخلوف الذي يحصل بجوع ~~الاضطرار ليس هكذا. # ولهذا رتب الله الجزاء على الأذى في سبيله، فقال: {فالذين هاجروا وأخرجوا ~~من ديارهم وأوذوا في سبيلي} الآية [آل عمران: 195]، فجعل كونهم أوذوا في ~~سبيله مقرونا بكونهم هاجروا، وكذلك كونهم أخرجوا، فالإخراج والأذى فعل ~~الكافرين بهم، فأثابهم الله على ذلك؛ أن ذلك حصل بسبب إيمانهم الذي كان ~~باختيارهم. # فمن فعل فعلا صالحا باختياره، وأذوي عليه، واحتسب ذلك الأذى، كان ذلك ~~الأذى من عمله الصالح الذي يثاب عليه، كالصائم إذا احتسب جوعه وعطشه، ~~والقائم بالليل إذا احتسب تعبه وسهره، فإن الأذى الذي PageV09P392 # يحصل باختيارك في طاعة الله أنت جلبته على نفسك باختيارك طاعة الله، فليس ~~هو كمن أوذي بغير اختياره، فإن ذلك [أذاه] (¬1) مصيبة محضة، ولكن هي حق له ~~على الظالم. # وأما الذي حصل له أذى باختياره، فإن كان من الله، كالجوع والعطش، فهذا ~~أجره فيه على الله. # وإن كان من عدوه، كشتمه، وضربه، وإخراجه من داره، وأخذ ماله، ولعنه، ~~وسبه، وكذبه عليه، ونحو ذلك، فهذا النوع أعظم الأذى أجرا؛ فإن هذا من الله، ~~وفي سبيل الله، وفيه حق الله والآدمي: # أما حق الله، فلكونهم فعلوا ذلك بسبب طاعته؛ فإن هذا فعل من يصد عن طاعة ~~الله ويأمر بمعصية الله. # وأما حق الآدمي، فلكونه أوذي بغير حق، كما قال تعالى: {أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير • الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ~~إلا أن يقولوا ربنا الله} [الحج: 39 - 40]. # وهذا أعظم ما يؤجر عليه المؤمن من المصائب. # وهي من أعظم النعم في حقه إذا رزق الصبر والشكر؛ فإن شكر مثل هذه يتوقف ~~على كونه يعرف الإيمان، ويعرف أنه نعمة، ويعرف أن الأمر به وجهاد مخالفه ~~نعمة، ويعرف أن اذاه في ذلك نعمة (¬2). PageV09P393 # ومعرفة هذه النعم والعمل بها إنما ms1790 هو لخواص العباد؛ فإن كثيرا من الناس ~~لا يعرف النعمة إلا ما يتلذذ به من دنياه، كما قال بعض السلف: «من لم يعرف ~~نعمة الله إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل علمه وحضر عذابه» (¬1). # وهؤلاء منهم من يرى النعمة في بدنه فقط، كالأكل (¬2)، والشرب، والنكاح. ~~ومنهم من يرى النعمة في الرياسة، والجاه، ونفاذ الأمر والنهي، وقهر ~~الأعداء. ومنهم من يرى النعمة في جمع الأموال والقناطير المقنطرة. # وهؤلاء من جنس الكفار، بل الكفار يرون هذه نعما، ويعلمون أن الله أنعم بها. # وأعلى من هؤلاء من يرى النعمة في الإيمان والعمل الصالح، لكن لا يرى ~~الأمر بذلك والجهاد عليه نعمة، بل يرى هذا فيه من المضار ما يوجب تركه. # والذين يرون هذا نعمة منهم من لا يراه نعمة إلا مع الغنيمة والسلامة، ~~فمتى كان غالبا لعدوه، غانما لماله، عد ذلك نعمة، وإن جرح، أو قتل بعض ~~أولاده، أو أخذ ماله، عد ذلك مصيبة لا نعمة. PageV09P394 # وهكذا في جهاد الكفار والمنافقين، فمن الناس من لا يعد جهاده نعمة إلا ~~إذا كانت الكلمة مطاعة، والخصم مقهورا، فمن أوذي، أو هضم حقه، أو ضرب، أو ~~حبس، أو كذب عليه عند الأئمة أو الأمة، وقيل: هذا فاجر أو جاهل، لم يكن هذا ~~نعمة عند هؤلاء؛ لأن هذا مما يؤلم النفس. # وحجة هؤلاء كلهم أن النعمة ما يتنعم به العبد، وهذه الأمور مؤلمة للنفوس، ~~فلا تكون من النعم، بل من المصائب. # ولا ريب أنها من المصائب باعتبار ما يحصل من الألم (¬1)، ولهذا أمر ~~بالصبر عليها، لكن لا منافاة بين كون الشيء مصيبة باعتبار ونعمة باعتبار؛ ~~فباعتبار ما حصل به من الأذى هو مصيبة، وباعتبار ما يحصل به من الرحمة نعمة. # وهذا لأنه إذا قيل: إن هذا يكفر به الخطايا، ويؤجر عليها، ويؤجر على ~~الصبر عليها، كانت النعمة هذه الأمور التي تحصل عن هذه، فيكون هذا بمنزلة ~~شرب المريض الدواء الكريه، فهو مصيبة باعتبار مرارته، وهو نعمة باعتبار ~~إزالته للمرض الذي هو أشد ضررا فيه، وأدنى الضررين (¬2) إذا ms1791 زال أعظمهما ~~كان نعمة، لا سيما إذا حصل مع ذلك خير آخر. # وهذا كما أن النعمة التي تستعمل في المعصية هي في الحقيقة ليست نعمة، فمن ~~استعمل النعم في المعاصي كانت شرا في حقه؛ لأنها جرته إلى العذاب الذي هو ~~أعظم من تلك اللذة، كمن أكل عسلا فيه سم، فإن ضرر PageV09P395 # السم أعظم من حلاوة العسل (¬1). # وتحرير (¬2) هذا يحتاج إلى أصول: # * الأول منها: أن نقول: إن الله تعالى قد مدح الصبار الشكور، فمدح المتصف ~~بالأمرين جميعا. # والشكر واجب بالكتاب والسنة والإجماع. # وكذلك الصبر على فعل الطاعات، وترك المعاصي، وعلى المصائب، واجب بالكتاب ~~والسنة والإجماع. # وقد ذكر الله تعالى الصبر قريبا من مئة موضع من القرآن. # وذكر الشكر أيضا في مواضع كثيرة جدا، كقوله: {أن اشكر لي ولوالديك} ~~[لقمان: 14] في غير موضع (¬3)، وقال تعالى: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ~~ولا تكفرون} [البقرة: 152]. # وقال عن الشيطان: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 17]. # وأثنى على نوح بأنه {كان عبدا شكورا} [الإسراء: 3]، وعلى إبراهيم بأنه ~~{شاكرا لأنعمه} [النحل: 121]، وقال عن موسى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم ~~لأزيدنكم} الآية [إبراهيم: 7]، وقال سليمان ولقمان: PageV09P396 # {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} [النمل: 40، لقمان: 12]. # وأمر بذكر نعمه في غير موضع من القرآن، كقوله: {واذكروا نعمة الله عليكم ~~وميثاقه الذي واثقكم به} [المائدة: 7]، {واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل ~~عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} [البقرة: 231]، {واذكروا نعمت الله ~~عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} [آل عمران: 103]. # وأمر بني إسرائيل بذكر نعمه، مثل قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ~~التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} الآية [البقرة: 40]. # وأيضا، فإنه ذكر أن ضد الشكر الكفر (¬1)، والكفر أكبر الكبائر، وهذا ~~يقتضي أن الشكر ... (¬2) الإيمان، فمن لم يشكر فهو كافر، وهكذا من لم يكن ~~عنده شيء من الشكر فهو كافر (¬3). # * الأصل الثاني: أن يعرف الإنسان أن الإيمان والعمل الصالح من نعم الله ~~عليه، بل ذلك أجل نعم الله عليه، وإنما حصل ذلك بسبب إرسال الرسل، وإنزال ~~الكتب، ونقل الأمة ذلك، فما كل أحد ms1792 يعرف هذا، وأما من (¬4) يشهد ما في ~~الإيمان من نعمة الدنيا، كجاهه وماله، فهذا لم يشكر على الإيمان، بل PageV09P397 # على دنيا حصلت بالإيمان. # قال الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} إلى قوله: ~~{وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 52 - 53]. # فأولئك المستضعفون عرفوا قدر النعمة بالإيمان والقرآن، وأما أولئك الملأ ~~فكان ذلك عندهم ضررا وشرا، يبغضونه ولا يحبونه، فكيف يتصور أن يشكروا على ~~ما هو عندهم من المكروهات المذمومات التي لا يدخل فيها إلا جاهل ضال؟ ! # ولهذا قال الله: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا} [إبراهيم: 28]، ~~قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «هم الأفجران (¬1) من قريش: بني عبد ~~مناف (¬2)، وبني مخزوم» (¬3). # والآية تتناول هؤلاء وغيرهم من الذين بدلوا نعمة الله -وهي محمد- والقرآن ~~كفرا، فجعلوا هذه النعمة التي هي من أعظم النعم مصيبة على من دخل فيها أعظم ~~المصائب، وكان شر الناس عندهم من تابع محمدا صلى الله عليه وسلم، يسعون في ~~قتله وحبسه، أو نفيه وهجره، أو منعه ما يحتاج إليه، يمنعون نفعه بكل طريق، ~~ويوصلون إليه الضرر بكل طريق؛ لظنهم أنه دخل فيما يضرهم PageV09P398 # ولا ينفعهم، إما بجهلهم بقدر ما جاء به الرسول، وإما بجحودهم وعنادهم، ~~حسدا وبغيا وكبرا، فرأوا أن في متابعته (¬1) زوال رياستهم التي هي أحب ~~الأشياء إليهم، ورأوا أن ترك ذلك المحبوب هو مفارقة النعمة لا الدخول فيها، ~~وقد قدمنا أن الشاكر هو النور، وأن كافر النعمة في الظلمة. # * الأصل الثالث: أن تعرف أن الثبات على العلم والإيمان عند وقوع الفتن ~~والشبهات هو من أعظم النعم؛ فإن من الناس من يؤمن في العافية، ثم إذا فتن ~~ارتد، فينبغي أن يعلم أن ثباته على الإيمان عند الفتنة والشبهة من أعظم النعم. # قال الله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو ~~قتل انقلبتم على أعقابكم} إلى قوله: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن ~~يرد ثواب ms1793 الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين} [آل عمران: 144 - 145]، وهم ~~الذين يثبتون على الإيمان إذا انقلب على عقبه من ينقلب عند قتل الرسل ~~وموتهم، قال تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} إلى قوله: ~~{الشاكرين} [آل عمران: 145]. # فذكر الشاكرين في هذه الآية والتي قبلها، ثم قال تعالى: {وكأين من نبي ~~قتل (¬2) معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا PageV09P399 # والله يحب الصابرين} [آل عمران: 146]، فذكر الصابرين. # ثم قال: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا} إلى قوله: ~~{والله يحب المحسنين} [آل عمران: 147 - 148]. # والربيون: الألوف الكثيرة. # وفي الآية قولان: # * قيل: وكأين من نبي قتل هو، وكان معه ربيون كثير. # * وقيل: وكأين من نبي قتل، وقتل (¬1) مع النبي ربيون كثير. # والقول الأول يناسب كون النبي مقتولا؛ لقوله: {أفإن مات أو قتل}. # والثاني يدل عليه ظاهر اللفظ؛ فإن المشهور لو أريد الأول لما قيل (¬2): ~~{معه ربيون كثير} (¬3). # فأنكر على من انقلب على عقبيه عند قتل النبي أو موته. # فالله تعالى ذكر الشاكرين الذين يثبون على الإيمان عند الفتن العظيمة، ~~مثل قتل النبي وموته؛ فإن هذا من أعظم الفتن، ولهذا لما قيل يوم أحد: «قتل PageV09P400 # محمد» انهزم أكثر الناس، ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم ارتد أكثر الناس. # وفي الحديث: «ثلاث من نجا منهن فقد نجا: موتي، وقتل خليفة مضطهد (¬1) ~~بغير حق، والدجال» (¬2). # فموت النبي صلى الله عليه وسلم كان من أعظم الفتن للناس؛ فإنه ارتد عامة ~~الناس إلا المدينة، ومكة، والطائف. # * أما المدينة، فهي دار المهاجرين والأنصار، وهم وإن لم يرتدوا لكن ضعفت ~~قلوبهم، وتغيرت أحوالهم، وجبن أكثرهم (¬3) عن قتال المرتدين، وشكوا في قتال ~~مانعي الزكاة، حتى قام الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، PageV09P401 # فعلمهم ما جهلوا، وذكرهم ما نسوا، وقوى قلوبهم، وأمرهم بالجهاد، فثبت ~~الله عز وجل به الإيمان، حتى أدخل أهل الردة من الباب الذي خرجوا منه (¬1). # * وأما أهل مكة، فأراد من أراد منهم أن يرتد، فقام ms1794 فيهم سهيل بن عمرو ~~خطيبا بنحو من خطبة أبي بكر الصديق بالمدينة، قال: «من كان يعبد محمدا فإن ~~محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»، ثم تلا: {وما محمد ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ~~ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} (¬2). # والشاكرون هو وأتباعه الذين ثبتوا على الإيمان، المجاهدون عليه إلى يوم ~~القيامة، كما قال تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} الآية ~~[المائدة: 54]، وهؤلاء هم الذين قاتل بهم الصديق المرتدين من الكفار، كأهل ~~اليمن، مثل أبي موسى الأشعري وقومه الأشعريين الذين قال فيهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «هم مني وأنا منهم» (¬3). # * وأما أهل الطائف، فأراد من أراد منهم الردة، فقام فيهم عثمان بن أبي ~~العاص -وهو إمامهم وأميرهم- فنهاهم عن ذلك، فقال: «كنتم آخر الناس إسلاما، ~~وتكونون أولهم ردة؟ ! اثبتوا، فإن أقام الله الإسلام كنتم على دينكم، PageV09P402 # وإلا لم تكونوا من أعداء الإسلام»، أو نحو هذا الكلام (¬1). # وبهذا ظهر لك بعض ما وصف الله به نوحا وإبراهيم من الشكر. # قال تعالى: {ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا} [الإسراء: 3]، مع ~~أنه مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم إلى التوحيد، ويصبر منهم ~~على الأذى، فكان من أعظم الناس شكرا على نعمة الله، لا سيما نعمة الإيمان. # وكذلك الخليل قال تعالى فيه: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك ~~من المشركين • شاكرا لأنعمه} الآية [النحل: 120 - 121]. # وقال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة ~~والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 26]. # * الأصل الرابع: أن تعلم أن المصائب نعمة، وذلك لأنها مكفرات للذنوب، ~~ولأنها تدعوه إلى الصبر، فيثاب عليها، ولأنها تقتضي الإنابة إلى الله، ~~والذل له، والإعراض عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة. # ولكن الخير بها نوعان: # أحدهما: يحصل بها نفسها. # والثاني: يحصل بما يفعله المؤمن معها من العمل الصالح. # * أما الأول، ففي ms1795 الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ~~يصيب المؤمن PageV09P403 # من وصب ولا نصب، ولا هم ولا حزن، ولا غم ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا ~~كفر الله بها من خطاياه» (¬1). # وفي المسند وغيره أنه لما نزلت هذه الآية {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: ~~123]، قال أبو بكر: يا رسول الله، قد جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل ~~سوءا؟ ! قال: «يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست يصيبك اللأواء (¬2)؟ ~~فذلك مما تجزون به» (¬3). # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل المؤمن مثل ~~الخامة من الزرع تفيئها الرياح، تقيمها (¬4) تارة، وتميلها أخرى. ومثل ~~المنافق مثل شجرة الأرز، لا تزال قائمة على أصلها، حتى يكون انجعافها مرة ~~واحدة» (¬5). # وفي المسند (¬6) والترمذي وغيرهما أنه قيل: يا رسول الله، أي الناس أشد ~~بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على PageV09P404 # حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رخاوة ~~خفف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة» (¬1). # وفي الحديث: «من يرد الله به خيرا يصب منه» (¬2). # وفي الحديث أن ابن مسعود قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك لتوعك وعكا ~~شديدا، قال: «أجل، أوعك كما يوعك رجلان منكم، لأن لي الأجر مرتين» (¬3). # فهذه النصوص وأمثالها تبين أن نفس البلاء يكفر الله به الخطايا، ومعلوم ~~أن هذا من أعظم النعم. # ولو كان الرجل من أفجر الناس فإنه لا بد أن يخفف الله عذابه بمصائبه، ولو ~~قدر كافرا، فإذا كان الكافران سواء في الكفر، وابتلي أحدهما في الدنيا ~~بمصائب، كان عقابه في الآخرة دون عقوبة الذي لم يعاقب في الدنيا، مثل ~~فرعون، فإنه من أشد الناس عذابا في الآخرة، إذ كان لم يبتل في الدنيا. # فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق، اللهم إلا أن يدخل صاحبها بسببها ~~في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك، فتكون شرا عليه من جهة ما أصابه في دينه. # فإن من ms1796 الناس من إذا ابتلي بفقر، أو مرض، أو جوع، حصل له من الجزع، ~~والسخط، والنفاق، ومرض القلب، أو الكفر الظاهر، أو ترك بعض PageV09P405 # الواجبات، وفعل بعض المحرمات = ما يوجب له ضررا في دينه بحسب ذلك. فهذا ~~كانت العافية خيرا له، من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة نفس المصيبة، ~~كما أن من أوجبت له المصيبة صبرا وطاعة كانت في حقه نعمة دينية. # فهي بعينها فعل الرب عز وجل رحمة للخلق، والله محمود عليها، فإن اقترن ~~بها طاعة كان ذلك نعمة ثانية على صاحبها، وإن اقترن بها معصية كان ذلك من ~~نفس صاحبها، وكان ذلك تحقيقا لما قدمناه أن ما ثم شر إلا الذنوب وعقوباتها. # * وأما الخير الذي يحصل للمؤمن بالمصيبة، فهذا مما تتنوع فيه أحوال ~~الناس، كما تتنوع أحوالهم في العافية. # وقد قال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} الآية [البقرة: 214]، وقال: ~~{والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} [البقرة: 177]، وقال تعالى: ~~{ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات} ~~[البقرة: 155 - 156]. # فقد أنكر سبحانه على من حسب أنهم يدخلون الجنة بدون الابتلاء بالبأساء ~~وهي الفقر في الأموال، والضراء وهي المرض في الأبدان، وحين البأس والزلزال ~~وهو الخوف من الأعداء (¬1). # قال تعالى: {والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس}، فجعل الصبر في PageV09P406 # هذه المواطن الثلاثة من تمام البر والتقوى الذي به يتم الإيمان، كقوله ~~(¬1) تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} الآية [البقرة: ~~177]، وكذلك قوله تعالى في الآية الأخرى: {وبشر الصابرين} [البقرة: 155]، ~~فالبشرى وقعت للصابرين. # فمن ابتلي، فرزق الصبر، كان الصبر نعمة عليه في دينه، وحصل له بعد ما كفر ~~من خطاياه رحمة، وحصل له بثنائه على ربه صلاة ربه عليه، حيث قال: {أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة} [البقرة: 157]، فحصل له غفران السيئات، ورفع ~~الدرجات، وهذا من أعظم النعم. # فالصبر واجب على كل مصاب، فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك. # وأما الرضا، فمستحب في ms1797 أصح القولين (¬2)، فمن قام به كان ممن رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه، وقد قال عبد الواحد بن زيد: «الرضا جنة الدنيا، وباب الله ~~الأعظم» (¬3). # * ومن الواجبات التي قد تحصل بالمصيبة: التوبة؛ فإن الله يبتلي العباد PageV09P407 # بعذاب الدنيا ليتوبوا من ذنوبهم. # قال تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} ~~[السجدة: 21]، وقال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير} [الشورى: 30]، وقال تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33]، وقال تعالى: {فما وهنوا لما ~~أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا} إلى قوله: {والله يحب ~~المحسنين} [آل عمران: 146 - 148]. # فمن رزقه الله التوبة بسبب المصيبة كان ذلك من أعظم نعم الله عليه. # * وأيضا، فمن الخير الذي يحصل بها: دعاء الله والتضرع إليه. # كما قال تعالى: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء ~~لعلهم يتضرعون} إلى قوله: {ما كانوا يعملون} [الأنعام: 42 - 43]، وقال ~~تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} [المؤمنون: 76]. # ودعاء الله والتضرع إليه من أعظم النعم. # فهذه النعمة والتي قبلها من أعظم صلاح الدين؛ فإن صلاح الدين في أن يعبد ~~الله، ويتوكل عليه، ولا يدع مع الله إله آخر، لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة. # فإذا حصلت لك التوبة التي مضمونها أن تعبد الله وحده، وتطيع رسله، بفعل ~~المأمور وترك المحظور، كنت ممن يعبد الله. PageV09P408 # وإذا حصل لك الدعاء الذي هو سؤال الله حاجاتك، فتسأله ما تنتفع به، ~~وتستعيذ به مما تستضر به، كان هذا من أعظم نعم الله عليك. # [وهذا] كثيرا ما يحصل بالمصائب؛ [لأمرين] (¬1): # * أما الأول، فإن المصيبة يرق معها القلب ويخشع، وتذل النفس، فتنقاد لفعل ~~المأمور وترك المحظور. # وأما مع حصول الرياسة، والمال، والعافية في النفس والأهل، فإن {الإنسان ~~ليطغى • أن رآه استغنى} [العلق: 6 - 7]، والنفس حينئذ لا تستجيب لفعل ~~المأمور وترك المحظور، بل تتعدى الحدود، وتنتهك المحارم، وتضيع الواجبات ~~الباطنة والظاهرة، من الإخلاص، والتوكل، والصبر، والشكر، وحقوق الرب عز ms1798 وجل ~~(¬2) وحقوق عباده، ويحصل لها من الاستكبار، والخيلاء، والإعجاب، والرياء، ~~ما هو من أضر الأمور بها. # * وأما الثاني، فلأن المصيبة توجب قطع تعلق قلبه بالمخلوق إذا أيس [من] ~~زوالها بالمخلوق، كالمرض الذي أعيا الأطباء، والفقر الذي لم يرج (¬3) معه ~~أحدا يزيله، والخوف الذي ليس فيه نصر لمخلوق (¬4). # والنفس تطلب جلب المنفعة ودفع المضرة من حيث ترجو ذلك، ولو PageV09P409 # كان بتوهم (¬1) وخيال، فبهذا (¬2) يغلب عليها الشرك أولا بتعلقها بمن ~~(¬3) ترجوه لجلب المنفعة كتحصيل (¬4) الرزق، أو لدفع المضرة كقهر العدو، ~~بمثل الإخوان والأصدقاء، ومثل الأقارب (¬5) والجيران، ومثل الملوك والولاة ~~والقضاة، ومثل المشايخ والعلماء، ومثل قبور الصالحين والأنبياء. فإذا أيست ~~من الخلق أقبلت على الله، فدعت الله مخلصة له الدين، قال تعالى: {وإذا مس ~~الإنسان الضر دعانا لجنبه} الآية [يونس: 12] (¬6). # * ومن الخير الذي قد يحصل بالمصائب: [أنه] إذا حصلت له التوبة، والإنابة ~~إلى الله، والاستكانة له، والتضرع = ذاق طعم الإيمان، ووجد حلاوة حب الله ~~ورسوله، فعظم إيمانه علما وعملا، وذاق من حلاوة ذلك ولذته ما لم يكن ذاقه ~~قبل ذلك؛ لأن هوى النفس وعاداتها (¬7) الفاسدة كانت حجابا له عن ذوق طعم ~~الإيمان ووجد (¬8) حلاوته، فلما حصل البلاء أزال هوى النفس، فارتفع الحجاب، ~~وذاق العبد حلاوة الإيمان. PageV09P410 # مثل رجل كان يدعى إلى أنواع من المآكل الطيبة، والصور الجميلة، فلا يجيب ~~إلى ذلك؛ اشتغالا بما اعتاده في بلده من المآكل الردية، والمناكح الردية، ~~فأسره عدوه أو حبسه، وجعل يطعمه في سجنه من تلك المآكل الطيبة، وأنكحه من ~~تلك المناكح التي كانت في بلده، وكان ينكرها أولا، فذاق ما لم يكن ذاقه، ~~فلما أخرجوه من السجن، وأطلقوه من الأسر، أقام عندهم في بلدهم ولم يرجع إلى ~~بلده؛ لما وجده من الطيب الذي لم يكن ذاقه، لا سيما إذا كان دينهم خيرا من ~~دينه، فيذوق حلاوة الدين والدنيا، كما يحصل لكثير من التتر إذا أسرهم ~~المسلمون أو استرقوهم، ثم نقلوهم إلى عسكر المسلمين، فيذوقون في الرق ~~والأسر من حلاوة الدين والدنيا ما لم يكونوا يذوقونه في أوطانهم ms1799 وهم أحرار طلقاء. # والمرض سجن الله، وكذلك سائر المصائب إذا رزق العبد فيها الإنابة حصل له ~~من ذوق طعم الإيمان ووجود (¬1) حلاوته ما لم يكن ذاقه، لا سيما إن حصل له ~~مع ذلك نعيم في بدنه ومسكنه، فيكون قد جمع نعيم الدين والدنيا هذا في نعمة ~~حاضرة محسوسة. # فعليه أن يشكر الله سبحانه وإن كان مأمورا بالصبر؛ فإن العبد في الحال ~~الواحدة مأمور بالصبر والشكر، فيصبر لما يجده من المرض، ويشكر لما يراه من ~~النعمة الظاهرة. # فعليه أن يصبر فيها على أداء الواجبات، وترك المحرمات؛ فإن النعم PageV09P411 # الظاهرة من المال والعافية والانتصار على العدو تبسط (¬1) هوى النفس، ~~فيحصل لها [من] العدوان والطغيان، والظلم والفواحش، والإعراض عما يجب عليها ~~لله من حقيقة العبودية، والإخلاص له، والتوكل عليه، والخوف منه، والإنابة ~~إليه = ما هو من أعظم الضرر في حقها. # فإن لم يصبر في السراء وإلا هلك. # والصبر في السراء أعظم الصبرين، كما قال عبد الرحمن بن عوف: «ابتلينا ~~بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر» (¬2). # وقال بعض العارفين: «البلاء يصبر عليه المؤمن، ولا يصبر على العافية إلا ~~كل صديق» (¬3). # وإذا ابتلي بمصيبة ظاهرة فعليه الشكر، كما قد بسطنا الكلام فيه، وهو أعظم ~~الشكرين. # والشكر في الضراء واجب، وأما الشكر في السراء والصبر في الضراء فوجوبه ~~ظاهر لعموم الناس. # وإنما المقصود أنه لا بد من الشكر والصبر في كل حال، وهذا يكون على وجهين: # * أحدهما: أنه في الحال الواحدة يبتلى بنعمة توجب شكرا، ومحنة PageV09P412 # توجب صبرا. # والعبد في كل حال هو في نعم الله التي توجب الشكر، وهو محتاج إلى الصبر ~~على فعل المأمور مع مخالفة هواه، وترك المحظور مع مخالفة هواه، والصبر على ~~المقدور مع جزع النفس. # وليس للعبد حال إلا وهو مأمور فيها بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر ~~على المقدور. # وهذه الثلاثة فرض على كل أحد، محتاج إليها في كل وقت، ولا يكون العبد من ~~المؤمنين المتقين إلا بها، والناس يتفاضلون في هذا بحسب تفاضلهم فيها، وبها ~~يصير العبد من أولياء الله ms1800 المتقين، وجنده المفلحين، وحزبه الغالبين. # * والثاني: أن نفس الأمر الواجب يتضمن نعمة توجب شكرا، أو يتضمن ألما ~~يوجب صبرا، فعليه أن يكون في ذلك الأمر الواحد صابرا شاكرا، كالذي يشرب ~~الدواء الكريه، فعليه أن يصبر على مرارته، ويشكر الله إذ يسر له ما يزيل ~~عنه مرضه. # والله تعالى محمود على كل حال، وفي الحديث: «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا أتاه الأمر الذي يسر به قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ~~وإذا أصابه الأمر الذي يكرهه قال: الحمد لله على كل حال» (¬1). PageV09P413 # والجمع بين الصبر والشكر يحتاج إلى كلام أبسط من هذا، والمقصود هنا ~~التنبيه على نعم الله التي تحصل بالمصائب، وبيان ما على العبد من الشكر في ~~مصائبه. # * الأصل الخامس: أن المصيبة التي تحصل بسبب العمل الصالح هي أعظم قدرا؛ ~~فإنها من العمل الصالح الذي يثاب عليه، كجوع الصائم وعطشه، وكتعب المسافر ~~في حج، أو جهاد، أو طلب علم، أو هجرة في سبيل الله، أو تجارة يستعين بها ~~على طاعة الله، فإنه ما يحصل له من تعب، وجوع، وعطش، وسهر، وخوف، وذهاب ~~مال، ونحو ذلك، حاصل بفعله الاختياري الذي يفعله لله، مبتغيا به وجه الله، ~~فهذا مع ما يحصل له من تكفير السيئات، يكتب له به عمل صالح، بخلاف المصيبة ~~التي لم تحصل عن طاعة الله، كما تقدم التنبيه على ذلك. # قال تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا ~~يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ~~إن الله لا يضيع أجر المحسنين}، ثم قال: {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ~~ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم} [التوبة: 120 - 121]، فالإنفاق وقطع المسافة ~~هي عملهم القائم بذاتهم، فقال فيه: PageV09P414 # {إلا كتب لهم}، ولم يقل: «به عمل صالح»؛ فإنه نفسه عمل صالح، وأما ما ~~تقدمه فإنه ليس هو عملهم القائم بذاتهم، ولكن تولد بسببه وسبب غيره. # ولهذا تنازع النظار في هذه الأعمال الحادثة بسبب ms1801 فعل اختياري من العبد، ~~كالجوع، والعطش، والتعب، وخروج السهم من كبد القوس، وقطع العنق وزهوق الروح ~~عند تحريك اليد بالسلاح، كالسيف والسكين، ونحو ذلك (¬1). # فقال من قال من القدرية والمعتزلة وغيرهم: إن هذا فعل للعبد. وجعلوا ~~أفعال العباد قسمين: مباشر، ومتولد. واحتجوا بأنه يثاب على ذلك، ويعاقب عليه. # فقال لهم الجمهور: قد يحصل الثواب والعقاب بما يحصل عن فعله، وإن لم يكن ~~من فعله بالاتفاق، مثل من دعا إلى هدى، فإن له من الأجر مثل أجور من اتبعه، ~~من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل ~~أوزار من اتبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا (¬2)، مع أن هدى هؤلاء ~~وضلال هؤلاء هو باختيارهم، وهم يثابون عليه، ويعاقبون عليه (¬3). PageV09P415 # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقتل نفس ظلما ~~إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل» (¬1)، مع أن ~~قابيل عليه إثم قتل نفس (¬2). # وقال نفاة الأسباب والحكمة من مثبتة القدر: بل هذه من أفعال الله تعالى ~~التي ليس لقدرة العبد فيها تعلق بوجه من الوجوه. # قالوا: لأن قدرة العبد إنما تؤثر في محلها، ومحل القدرة هو نفسه وبدنه، ~~فأما ما خرج عن ذلك فليس محلا لقدرته، فلا يكون محلا لتأثيرها. # ولهؤلاء كلام وتنازع في تأثير قدرة العبد ليس هذا موضعه. # وهذا قول أبي الحسن ومن وافقه من المتكلمين والفقهاء، كالقاضي أبي بكر ~~ونحوه، والقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي الجويني، وأتباعهما. # وحكي عن بعض أهل الكلام أنه قال: هذا حادث لا فاعل له (¬3). # والصواب -مع قولنا: إن الله خالق كل شيء، خلافا للقدرية- أن هذه الحوادث ~~حاصلة عن فعل العبد، وعن الأسباب الأخر التي بها حصل ذلك، ففعل العبد مشارك ~~في حصولها، ليس مستقلا بحصولها؛ فإن الشبع إنما يحصل مع بلع الأكل ومضغه، ~~مع ما في الطعام من قوة التغذية، وما في المعدة والبدن من القبول لذلك، ~~وهذا لا قدرة له عليه، فأكله ms1802 مشارك في حصول PageV09P416 # الشبع لا فاعل للشبع، ولم يحصل الشبع بدون أكله. # وكذلك هدى المهتدين، وضلال الضالين، حصل بسبب الدعاة، وبسبب استجابة ~~المدعوين (¬1)، وكلاهما أثر في حصول الهدى والضلال. # وهذا بناء على ثبوت الأسباب في المخلوقات، وأن الله سبحانه يخلق الأشياء ~~بالأسباب. وهذا مذهب السلف والأئمة، وسائر أنواع أهل العلم من الفقهاء ~~وغيرهم، والعامة. # ولهذا قال تعالى في هذا النوع المتولد بسبب فعلهم وغير فعلهم: {كتب لهم ~~به عمل صالح}، فلم يجعله نفس (¬2) عملهم كما قالت القدرية، ولم يجعله ~~أجنبيا عن عملهم كما قالت نفاة الأسباب المثبتة، بل أخبر أنه يكتب لهم به ~~عمل صالح؛ لمعاونتهم عليه. # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في ~~أهله بخير فقد غزا» (¬3)، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائما ~~فله مثل أجره» (¬4)؛ لأنه أعان على ذلك، فحصل الصوم بمال هذا وعمل هذا. # فإذا عرف هذا، فالأنبياء الذين بلغوا الرسالة، فحصل (¬5) لهم بذلك ظمأ ~~ونصب وأذى الخلق، يكتب لهم بذلك عمل صالح، لا يكون أذى PageV09P417 # الخلق مجرد مصيبة لهم، كمن أوذي بغير عمل صالح عمله (¬1). # وكذلك من أمر بمعروف ونهى عن منكر، فضرب أو شتم أو منع حقه، فإنه يكتب له ~~من عمله الصالح الذي يؤجر عليه. # وكذلك المجاهد الذي جرح أو قتل، يكتب له جرحه وقتله من عمله الصالح، وإن ~~لم يكن ذلك من فعله، بل بفعل العدو الكافر. # وليس هذا كمن قتل مظلوما غير مجاهد؛ فإن ذلك قتل بغير عمل صالح. # ولهذا كان الأول أعظم الشهداء، فلا يغسل باتفاق الأئمة، كما في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أتي بشهداء أحد قال: «زملوهم بكلومهم ~~ودمائهم؛ فإن أحدهم يأتي يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون الدم، ~~والريح ريح المسك» (¬2). # وليس هذا لكل مقتول ظلما؛ فإن هؤلاء قتلوا لما اختاروا الجهاد في سبيل الله. # قال تعالى: {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا PageV09P418 # وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم} [آل عمران: ms1803 195]، فأخبر أنه يكفر عنهم ~~السيئات، وأنه يدخلهم الجنات، ثوابا من عنده، والثواب على العمل. # وأطلق الثواب، ولم يقل: على بعض ما ذكر، بل الثواب مطلق، مع أنه ذكر مع ~~هجرتهم التي هي حركة اختيارية كونهم أخرجوا من ديارهم؛ فإن ذلك إكراه لهم ~~على الخروج، فهم اختاروا مفارقة الكفار ليقيموا دينهم، ولكن الكفار ~~بعداوتهم أكرهوهم على هذه المهاجرة، وإن لم يقصدوا هم إخراجهم، لكن عداوتهم ~~ألجأتهم إليها. # ثم قال تعالى: {وأوذوا في سبيلي}، وهذا من فعل غيرهم. ثم قال: {وقاتلوا} ~~وهذا فعلهم، {وقتلوا} وهذا من فعل غيرهم. # وقال تعالى: {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما} [النساء: 74]، فوعده بالأجر العظيم على كلا التقديرين. # وقال تعالى: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} [محمد: 4]، ~~وفيها قراءتان مشهورتان: {قتلوا} و {قاتلوا} (¬1). # وأيضا، فالشهيد يثنى عليه بالشهادة، ومعظم الشهادة إنما حصل بفعل الكافر، ~~وهو قتله للشهيد، فلو لم يكن للشهيد في كونه قتل عمل يثاب عليه لكان قتله ~~مصيبة من المصائب التي تكفر بها الخطايا ولا يثاب عليها، لكن [يثاب] على ~~الصبر عليها، مع أنه بعد الموت لا يؤمر بصبر. PageV09P419 # وليس الأمر كذلك؛ لأن الشهيد أقدم باختياره على القتال، صابرا على ~~الأهوال، محتسبا ذلك عند الله، لتكون كلمة الله هي العليا، ولهذا قيل: يا ~~رسول الله، أيفتن الشهيد في قبره؟ فقال: «كفى ببريق السيف فتنة» (¬1). # ولا بد أن يكون ممن يختار القتل إذا وقع به، لا يسخط ذلك. # ففعله لسببه الذي أمر به حصل له به عمل صالح، وكذلك كل ما يحصل من أنواع ~~المصائب بسبب طاعة الله ورسوله، في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، والجهاد باللسان واليد في سبيل الله عز وجل؛ فالمصيبة ~~الحاصلة بسبب ذلك في ذلك من نعم الله في سائر المصائب (¬2)، وتمتاز هذه ~~بأنها من أفضل أعماله الصالحة التي يثاب عليها، كما يثاب الشهيد على كونه يقتل. # وهذا الأصل يتناول كل ما يؤذى به العبد في سبيل الله، سواء كان جهادا ms1804 أو ~~لم يكن، وسواء كان الأذى بأفعال العباد أو لم يكن، كالجوع والنصب الحاصل في ~~سفر الجهاد والحج وصوم الصائم؛ فإن هذا الأذى من الله عز وجل يشارك المصائب ~~في كونه مصيبة، ويمتاز عنها بكونه له به عمل صالح. # * [الأصل] السادس: أن الأعمال الصالحة كلها من أعظم نعم الله على عبده ~~المؤمن، وهي مستوجبة لأعظم الشكر؛ إذ هي من الله، كما قال تعالى: {بل الله ~~يمن عليكم أن هداكم للإيمان} [الحجرات: 17]. PageV09P420 # وشهود هذا للقلب يدفع عنه العجب بها، والفخر، ونحو ذلك مما يحصل بإضافة ~~ذلك إلى النفس. # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أوحي إلي أن ~~تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» (¬1). # وقد قال تعالى: {إن الله لا يحب كل مختال فخور} [لقمان: 18]. # والناس في هذا المقام أربع طبقات (¬2): # * فخير الناس: أهل الإيمان المحض، الذين يشهدون نعمة الله في الطاعة، ~~ويشهدون ذنوبهم في المعصية، كما في الحديث الصحيح الإلهي: «يا عبادي، إنما ~~هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن ~~وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (¬3). # * وشر الناس: الذين يشهدون أنفسهم فاعلة للطاعات، ويشهدون المعاصي أنها ~~من القدر، فيضيفونها إلى الله، كما قال بعض العلماء: «أنت عند الطاعة قدري، ~~وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به» (¬4). # والأولون إذا عملوا طاعة لله عز وجل، أو أحسنوا إلى أحد من خلقه، PageV09P421 # شكروا الله الذي أعانهم على ذلك ويسرهم لليسرى، فلم يروا لهم أمرا يمنون ~~به على الخلق، ولا يدلون به على الخالق؛ إذ كان ذلك من نعمة الله عليهم ~~وعلى الناس. # وأما الآخرون، فهم إن فعلوا مع أحد خيرا منوا به عليه، وآذوه، وربما ~~اعتدوا عليه وظلموه. وإن فعلوا فاحشة قالوا: # ألقاه في البحر مكتوفا وقال له: ... إياك إياك أن تبتل (¬1) بالماء (¬2) # يحتجون على ربهم بحجة داحضة عند ربهم، تغلظ ذنوبهم، وتزيدهم شرا، من جنس ~~احتجاج المشركين الذي قالوا: {لو شاء الله ما ms1805 أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا ~~من شيء} [الأنعام: 148]. # وإن عمل أحد معهم ما يكرهونه لم يضيفوا ذلك إلا إليه، وقد يكون عادلا ~~عاملا (¬3) بحق، ولا يشهدون القدر في هذا الموضع، مع أن ذلك المؤذي إن كان ~~ظالما فالذي سلطه عليهم ليس بظالم، فكيف إذا كان هو عادلا فيهم، مطيعا ~~للشرع؟ ! # والرب عادل في خلقه وأمره، منزه عن الظلم، كما في الحديث الصحيح الإلهي: ~~«يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا PageV09P422 # تظالموا» (¬1). # فهذا الضرب لا هم مع قدر ولا شرع، بل هم مع هواهم، يمدحون من القدر ~~والشرع ما وافق هواهم، ويذمون ما خالف هواهم، وهؤلاء شرار الخلق، ومن سلك ~~طريقتهم فطردها قادته إلى الانسلاخ من دين الإسلام، بل إلى ما هو شر من حال ~~اليهود والنصارى. # * وأما الطبقة الثالثة (¬2): فهم الذين ينظرون إلى الشرع لهم وعليهم، ولا ~~ينظرون إلى القدر، يتحرون فعل الحسنات وترك السيئات، لكن يضيفون هذا وهذا ~~إلى أنفسهم، ومن آذاهم انتصفوا منه، ولم يجعلوا ذلك مما ابتلاهم الله به. # وهذا مذهب القدرية، وكثير من الناس حاله حالهم، وإن لم يكن اعتقاده ~~اعتقادهم. # وهؤلاء مطيعون لله عز وجل في امتثال أمره، لكنهم عاصون لله في ترك ~~الإيمان بقدره، والصبر على ما ابتلاهم به، فيفوتهم من طاعة الله التي أمرهم ~~بها، من الإيمان بالقدر، والصبر على أذى الخلق، ما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى، ويقعون في أنواع من الذنوب والمعاصي بهذا السبب. # * وأما الطبقة الرابعة (¬3): من (¬4) ينظر إلى القدر فيما يفعله هو ~~ويفعله PageV09P423 # غيره. # وهذا لو أمكن طرده لكان مذهبا يقال، وهو دون مذهب القدرية، لكنه لا يمكن ~~طرده، ولم يذهب إليه طائفة من بني آدم، وإنما هو في الإرادات والأعمال من ~~جنس السفسطة في الاعتقادات والأقوال، وهو أمر يعرض لكثير من الناس، بل ~~للإنسان (¬1) في كثير من أحواله، وليس هو مذهبا يصير إليه (¬2) طائفة من ~~بني آدم. # وذلك أن الإنسان مجبول على حب ما ينفعه وبغض ما يضره، فما يمكن أن يستوي ~~عنده جميع ms1806 الحوادث المقدرة، حتى يكون الخبز والتراب عنده سواء، والبول ~~والماء عنده سواء، ومن يعطيه ما يحتاج إليه و [من] يمنعه ما يحتاجه عنده ~~سواء؛ فإن هذا ممتنع عقلا وطبعا، كما هو مذموم عرفا وشرعا (¬3). # وإذا كانت الأعمال الصالحة من أعظم نعم الله، فكلما كان العمل أفضل كانت ~~النعمة به أتم. # والجهاد سنام العمل، كما في حديث معاذ المعروف عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل ~~الله» (¬4). PageV09P424 # .. (¬1) فيظن أن الجهاد هو الثلاثة، وهذا إن كان محفوظا فالمراد به أن ~~الجهاد يتضمن الثلاثة؛ فإن المجاهد لا بد أن يكون مسلما مقيما للصلاة، فمع ~~الجهاد تحصل له الثلاثة، وإلا فحقيقة الأمر ما في الرواية المفصلة: «رأس ~~الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد». # قال الإمام أحمد: «لا يعدل الجهاد عندي شيء» (¬2). # ونصوص الكتاب والسنة تدل على أنه أفضل من غيره، ولهذا قال الفقهاء (¬3): ~~إنه أفضل ما تطوع به. # والتحقيق أنه أفضل من جميع الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله؛ فإنه مكمل ~~لمقصود الإيمان بالله ورسوله. # فإذا كان فرض عين قدم على كل ما يزاحمه من فروض الأعيان، يقدم على إيتاء ~~الزكاة، وعلى الصيام، وعلى الحج، وعلى بر الوالدين، وعلى طاعة السيد والأب، ~~وعلى قضاء الدين. PageV09P425 # ولهذا قال الفقهاء: إذا حضر (¬1) العدو بلدا وجب الجهاد على كل أحد، حتى ~~يغزو العبد بدون إذن سيده، والولد بدون إذن والده، والمرأة بدون إذن زوجها، ~~والغريم بدون إذن غريمه. # وأما الصلوات الخمس، فإن أمكن الجمع بينها وبين الجهاد، كما في صلاة ~~الخوف في غير وقت القتال، فلا مزاحمة بينهما، فيجب فعلهما جميعا؛ فإن ~~الصلاة عمود الدين، وهذا ذروة سنامه، فلا يقوم أحدهما إلا بالآخر. # وإن ازدحما، كما في وقت المسايفة، ففيه ثلاثة أقوال للفقهاء (¬2): # أحدها: أنه يجمع بينهما، فيصلي صلاة خفيفة مع قتاله. وهذا قول أكثرهم، ~~كمالك، والشافعي، وأحمد في أشهر الروايتين عنه. # والثاني: أنه يخير بين تقديم الصلاة وتأخيرها بحسب المصلحة. وهذا هو ~~الرواية الثانية عن أحمد، وقول ms1807 طائفة من الفقهاء. # واحتج هؤلاء بما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لأصحابه: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» (¬3)، فأدركتهم الصلاة في ~~الطريق، فصلى بعضهم في الطريق، وقالوا: لم يرد منا تفويت الصلاة، وبعضهم ~~قال: لا نصلي إلا في بني قريظة، فأخروها حتى غربت الشمس، فبلغ النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فلم PageV09P426 # يعنف (¬1) واحدة من الطائفتين. # فقال هؤلاء: هذا دليل على جواز تقديمها في الوقت، وتأخيرها عنه، عند ~~الضرورة. # والقول الثالث: أنه يؤخرها عند المسايفة إلى أن تنقضي المسايفة، ثم ~~يصليها ولو بعد الوقت، كما هو مذهب أبي حنيفة. # واحتجوا بتأخير النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم الأحزاب، فصلى العصر ~~بعد ما غربت الشمس، وقال: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا، كما شغلونا عن ~~الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس» (¬2). # ومن نصر القول الأول قال: هذا منسوخ بقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات} ~~[البقرة: 238]، وأن هذه الآية نزلت بعد ذلك لما أخر صلاة العصر، ولهذا قال ~~عقيبها: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا}. # وبهذا يجيبون عن تأخير من أخرها إلى بني قريظة، يقولون: هذا كان قبل ~~الفتح والأمر بالمحافظة [على الصلاة] وقت الخوف. # وطائفة من الفقهاء أجابوا عن هذا بجواب آخر، وقالوا: إن التأخير كان ~~باجتهادهم، فلم يعنفهم؛ لأن المجتهد المخطئ لا إثم عليه. # وكذلك يقول من قال: كان فرضهم تأخيرها، يقول: لم يذم المتقدمين، لأنهم ~~كانوا مجتهدين. PageV09P427 # فحديث بني قريظة يجيب عنه أهل القول الأول بجوابين، وأهل الثالث بجواب واحد. # وأهل القول الثاني يجيبون عن حديث الخندق بأنه يدل على الجواز، ونحن نقول به. # وأما أهل القول الثالث، فيحتجون في جواز التأخير بخبر بني قريظة، يقولون: ~~إنما لم يذم المتقدمين، لأنهم كانوا مجتهدين مخطئين. # وأهل القول الأول يقولون: جواز التأخير منسوخ، كما دل عليه الكتاب ~~والسنة، ولهذا كان أكثر الفقهاء عليه. # وعلى كل قول، فمصلحة الجهاد الواجب مأمور به (¬1)، لا يجوز أن يفوت ~~الجهاد المتعين لا لصلاة ولا غيرها، بل إما أن تخفف الصلاة، وإما ms1808 أن تؤخر. # ولهذا قال عمر: «إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة» (¬2)؛ لأن ذلك كان من ~~باب الجهاد الواجب عليه، فلم يكن ليدعه لأجل الاشتغال بالصلاة، كحال المصلي ~~وقت المسايفة والخوف، فإنه لا يكون كحاله عند الأمن (¬3)، ولهذا قال تعالى: ~~{فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: 239]. PageV09P428 # وقال سبحانه وتعالى في الآية الأخرى: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} ~~[النساء: 103]، فدل على أن الصلاة وقت الخوف لم تكن مقامة على الوجه التام؛ ~~لأنه زاحمها في هذه الحال ما هو أوجب من إقامتها الكاملة، فكان ترك إقامتها ~~الكاملة في هذا الوقت للجهاد الذي هو أوجب، فهو المأمور به في هذه الحال. # وقد قال تعالى في فضل الجهاد: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام} ~~إلى قوله عز وجل: {إن الله عنده أجر عظيم} [التوبة: 19 - 22]. # وفي صحيح مسلم وغيره عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الجمعة، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد ~~الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال الآخر: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد ~~الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل ~~مما قلتم، فزجرهم عمر بن الخطاب، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت ~~فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله عز وجل: {أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام} الآية (¬1). # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: أي الأعمال أفضل؟ ~~قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله» (¬2). PageV09P429 # وفيهما عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: «لا أجده»، قال: «هل تستطيع إذا خرج ~~المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ »، فقال: من ~~يستطيع ذلك؟ فقال أبو هريرة: إن فرس المجاهد يستن في طوله، فتكتب له حسنات (¬1). # وفي الصحيحين عن أبي ms1809 هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل ~~المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم الذي لا يفتر من صلاة ولا قيام ~~حتى يرجعه الله إلى أهله بما يرجعه من غنيمة أو أجر، أو يتوفاه ليدخله (¬2) ~~الجنة» (¬3). # وإذا كان الجهاد أفضل الأعمال بعد الفرائض المتعينة، وهو أفضل الفرائض ~~المتعينة بعد الإيمان، كان نعمة الله عز وجل به أعظم، فيستحق من الشكر ما ~~لا يستحقه ما هو دونه من الأعمال. # ثم الجهاد هو في (¬4) نفسه أنواع (¬5)؛ فإنه يتناول الجهاد بالمال ~~والنفس. # والجهاد بالنفس: # * قد يكون بالقتال بالبدن. PageV09P430 # * وقد يكون بتدبير الحرب والرأي، وهو أعظم نفعا. # * وقد يكون بتبليغ رسالة الله تعالى، وإظهار حججه ودفع ما يعارضها، وهو ~~أفضل الأنواع الثلاثة. # * وقد يكون بالدعاء لله والتوجه إليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟ بدعائهم، وصلاتهم، وإخلاصهم» (¬1)، هذا ~~يقوى تارة، ويضعف أخرى، كالجهاد بالبدن. # ولهذا كان أبو بكر رضي الله عنه أفضل المجاهدين؛ لأنه قام بهذا قياما لم ~~يشركه فيه غيره بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مشاركا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم في النوع الأوسط (¬2) مشاركة لم يشاركه فيها أحد غيره، بخلاف ~~الثالث (¬3) فإنه كان يقوم به من شبان الصحابة رضي الله عنهم عدد كثير، ~~وكذلك كان مقدما في الجهاد بالقلب، والدعاء، واليد، مقدما بالمال على كل ~~الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين (¬4). # وإذا كان الجهاد أنواعا، فمن قام بأفضل أنواعه، أو بكثير من أنواعه، كان ~~نعمة الله عليه أعظم من نعمته على من لم يعط ما أعطي، كما أن نعمة الله على ~~أبي بكر في الجهاد أعظم من نعمته على عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة ~~رضوان الله عليهم أجمعين. PageV09P431 # * الأصل السابع: أن الأذى على الجهاد هو أفضل من الأذى على غيره من ~~الأعمال، وهو معدود من أفضل أعمال الصحابة الصالحة رضي الله عنهم. # فإذا كان الجهاد أعظم قدرا كان الأذى الحاصل به أفضل قدرا من الأذى بما ~~دونه، وكلما كان الجهاد أكثر ms1810 كان أفضل، والأذى فيه كلما كان أشد وأكبر كان ~~ذلك أفضل، وكان نعمة الله به أعظم وأكبر. # ولهذا كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأحوال، ونعمة الله عليه ~~أكمل من نعمته على غيره، كان جهاده من حين أمر بتبليغ الرسالة إلى أن مات ~~صلى الله عليه وسلم أفضل الجهاد؛ فإنه كان من قبل أن يفرض القتال أمر ~~بالجهاد باللسان، كما قال تعالى: {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا ~~كبيرا} [الفرقان: 52]، والآية في سورة الفرقان، وهي مكية باتفاق العلماء. # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ~~ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، فقلت: يا رب، إذا يثلغوا رأسي حتى يدعوه ~~خبزة (¬1)، فقال: إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء، ~~تقرؤه نائما ويقظانا، فابعث جندا أبعث مثليهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، ~~وأنفق أنفق عليك» (¬2). PageV09P432 # وهو صلى الله عليه وسلم بلغ الرسالة، وكان يؤذى هو وأصحابه، وهو أذى على ~~تبليغ الرسالة والإيمان بالله ورسوله، وهذا أفضل أنواع الأذى على الإطلاق؛ ~~فإن الجهاد باليد تبع لهذا. # وكان أذاه أنواعا متنوعة، وكان ذلك أفضل في حقه، وكان نعمة الله عليه ~~بذلك أعظم. # ولكن هذه النعمة لا يذوق المنعم عليه طعمها إلا بعد أن يصبر، وهكذا كل ~~نعمة بمصيبة لا يوجد فيها لذة يؤمر صاحبها بالصبر، والنعمة قد تعلم ولا ~~تذاق، وقد تذاق مع ذلك، والحمد لله على كل حال. # - - - - PageV09P433 ### || AUTO جزء فيه جواب سائل سأل عن حرف «لو» PageV09P435 # جزء فيه جواب سائل سأل عن حرف «لو» # لشيخنا وسيدنا الإمام، العلامة، الأوحد، الحافظ، المجتهد، الزاهد، ~~العابد، القدوة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء ~~الدين، بركة الإسلام (¬1)، حجة الأعلام، برهان المتكلمين، قامع المبتدعين، ~~ذي العلوم الرفيعة، والفنون البديعة، محيي السنة، ومن عظمت به لله علينا ~~المنة، وقامت به على أعدائه الحجة، واستبانت ببركته وهديه المحجة، تقي ~~الدين أبي العباس أحمد بن تيمية الحراني، أعلا الله مناره، وشيد من الدين ms1811 ~~أركانه. # ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلت عن الحصر # هو حجة لله قاهرة ... هو بيننا أعجوبة الدهر # هو آية في الخلق ظاهرة ... أنوارها أربت على الفجر # هذا صورة ما نقل من خط شيخ الإسلام، قاضي القضاة، أوحد علماء الدين، ابن ~~الزملكاني الشافعي (¬2)، أدام الله تعالى من بركته، ومد في عمره، إنه على ~~كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. PageV09P437 # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ~~بن تيمية الحراني -أمتع الله المسلمين بطول بقائه-: # الحمد لله الذي علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان، وأشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له باهر البرهان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~المبعوث إلى الإنس والجان، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا يرضى ~~به الرحمن. # سألت -وفقنا الله وإياك- عن معنى حرف «لو»، وكيف يتخرج قول عمر رضي الله ~~عنه: «نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه» (¬1) على PageV09P438 # معناها المعروف؟ وذكرت أن الناس يضطربون في ذلك، واقتضيت الجواب اقتضاء ~~أوجب أن أكتب في ذلك ما حضرني الساعة، مع بعد عهدي بما بلغني ما قاله الناس ~~في ذلك، وأن ليس يحضرني ما أراجعه (¬1) في ذلك. # فأقول، والله الهادي النصير: # الجواب مرتب على مقدمات: # إحداها (¬2): أن حرف «لو» المسؤول عنها من أدوات الشرط، وأن الشرط يقتضي ~~جملتين: إحداهما (¬3) شرط، والأخرى جزاء وجواب، وربما سمي المجموع شرطا، ~~وسمي أيضا جزاء. ويقال لهذه الأدوات: أدوات الشرط، وأدوات الجزاء. # والعلم بهذا كله ضروري لمن كان له عقل وعلم بلغة العرب، والاستعمال على ~~ذلك أكثر من أن يحصر، كقوله تعالى: {ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع ~~وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم} [النساء: 46]، {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله PageV09P439 # توابا رحيما} [النساء: 64]، {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم ~~لتولوا} [الأنفال: 23]، {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28]، {لو ~~خرجوا فيكم ما زادوكم ms1812 إلا خبالا} [التوبة: 47]، {ولو كانوا يؤمنون بالله ~~والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} [المائدة: 81]. # المقدمة الثانية: أن هذا [الذي] تسميه النحاة شرطا هو في المعنى سبب ~~لوجود الجزاء، وهو الذي تسميه الفقهاء علة ومقتضيا وموجبا ونحو ذلك؛ فالشرط ~~اللفظي سبب معنوي. # فتفطن لهذا؛ فإنه موضع غلط فيه كثير ممن يتكلم في الأصول والفقه، وذلك أن ~~الشرط في عرف الفقهاء ومن يجري مجراهم مثل (¬1) أهل الكلام والأصول وغيرهم ~~هو: ما يتوقف تأثير الشرط عليه بعد وجود السبب (¬2)، وعلامته أنه يلزم من ~~عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده [وجود] المشروط (¬3). # ثم هو منقسم إلى: # 1 - ما عرف كونه شرطا بالشرع، كقولهم: الطهارة والاستقبال واللباس شرط ~~لصحة الصلاة، والعقل والبلوغ [شرط لوجوب الصلاة؛ فإن وجوب الصلاة على العبد ~~يتوقف على العقل والبلوغ] (¬4)، كما تتوقف صحة الصلاة PageV09P440 # على الطهارة والستارة واستقبال القبلة، وإن كانت الطهارة والستارة أمورا ~~خارجة عن حقيقة الصلاة. # ولهذا يفرقون بين الشرط والركن بأن الركن جزء من حقيقة العبادة أو العقد، ~~كالركوع والسجود، وكالإيجاب والقبول، وبأن الشرط خارج عنه؛ فإن الطهارة ~~يلزم من عدمها عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجودها وجود الصلاة. # وتختلف الشروط في الأحكام باختلافها، كما يقولون في باب الجمعة: منها ما ~~هو شرط للوجوب بنفسه، ومنها ما هو شرط للوجوب بغيره، ومنها ما هو شرط ~~للإجزاء دون الصحة، ومنها ما هو شرط للصحة. # وكلام الفقهاء في الشروط كثير جدا، لكن الفرق بين السبب والشرط وعدم ~~المانع إنما يتم على قول من يجوز تخصيص العلة منهم، وأما من لا يسمي علة ~~إلا ما استلزم الحكم (¬1)، ولزم من وجودها وجوده على كل حال، فهؤلاء يجعلون ~~الشرط وعدم (¬2) المانع من جملة أجزاء العلة. # 2 - وإلى ما يعرف كونه شرطا بالعقل، وإن دل عليه دلائل أخرى، كقولهم: ~~الحياة شرط في العلم والإرادة والسمع والبصر والكلام، والعلم شرط في ~~الإرادة، ونحو ذلك. # وكذلك جميع صفات الأجسام وطباعها لها شروط تعرف بالعقل أو بالتجارب أو ~~بغير ذلك. PageV09P441 # وقد تسمى هذه شروطا ms1813 عقلية، والأولى شروطا شرعية. # وقد يكون من هذه الشروط ما يعرف اشتراطه بالعرف. # ومنه ما يعلم باللغة، كما يعرف أن شرط المفعول وجود فاعل، وإن لم يكن شرط ~~الفاعل وجود مفعول، فيلزم من وجود المفعول المنصوب وجود فاعل، ولا ينعكس، ~~بل يلزم من وجود اسم منصوب أو مخفوض وجود مرفوع، ولا يلزم من وجود المرفوع ~~لا منصوب ولا مخفوض؛ إذا الاسم المرفوع مظهرا أو مضمرا لا بد منه في كل ~~كلام عربي، سواء كانت الجملة اسمية أو فعلية. # فقد تبين أن لفظ «الشرط» في هذا الاصطلاح يدل عدمه على عدم المشروط ما لم ~~يخلفه شرط آخر، ولا يدل ثبوته من حيث هو شرط على ثبوت المشروط. # وأما الشرط في الاصطلاح الذي يتكلم به في باب أدوات الشروط اللفظية، سواء ~~كان المتكلم نحويا أو فقهيا، وما يتبعه من متكلم وأصولي ونحو ذلك = فإن ~~وجود الشرط يقتضي وجود المشروط الذي هو الجزاء والجواب، وعدم الشرط هل يدل ~~على عدم المشروط؟ مبني على أن عدم العلة هل يقتضي عدم المعلول؟ فيه خلاف ~~وتفصيل قد أومئ إليه (¬1) إن شاء الله تعالى. # فإذا قال الفقهاء: باب تعليق الطلاق بالشروط، وذكروا فيه ما إذا قال ~~الرجل لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو: إذا، أو: متى، فالشرط هنا PageV09P442 # ليس معنى الشرط في قولهم: الطهارة شرط في صحة الصلاة، بل معناه في الطلاق ~~وبابه: أنه إذا وجد الشرط الذي قد تسميه الفقهاء «صفة»، وهو الدخول مثلا، ~~وجد المشروط الذي هو الجزاء، وهو وقوع الطلاق. # وهذا التعليق يدخل فيه ألفاظ الوعد والوعيد، وألفاظ الجعالة، وألفاظ ~~الأدلة المسماة بالتلازم أو بالشرطي المتصل ونحو ذلك. # فمدلول هذه العبارات أن وجود الشرط سبب لوجود الجزاء، ولست أعني أنه مؤثر ~~في وجوده في الخارج، ولكن أعني أن وجود الشرط مستلزم لوجود الجزاء، سواء ~~كان علة له، أو معلولا لعلته، أو دليلا على وجوده، أو مضايفا له، أو ملازما ~~غير مضايف، أو غير ذلك. # فالأول كقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} ms1814 [الزلزلة: 7]، و {إن ~~تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29]، و {إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني} [آل عمران: 31]، و {إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا} [يونس: 84]. # والثاني أقل منه، كما يقال: إن كان هذا من أهل الجنة فهو مؤمن بالله، وإن ~~كان هنا دخان فهنا نار، وفي هذا بحث ليس هذا موضعه. # والثالث كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة هلال بن أمية ~~الملاعنة: «إن جاءت به على نعت كذا فهو لهلال، وإن جاءت [به] على نعت كذا ~~فهو للذي رميت به» (¬1)؛ فإن مشابهة الولد للرجل معلول لكونه هو أحبل أمه، ~~وإحبال PageV09P443 # الأم علة لكونه ابنه، فيستدل بالشبه الذي هو أحد معلولي الوطء على النسب ~~الذي هو المعلول الآخر. والقيافة والفراسة عامتها من (¬1) هذا الباب. # وأما الرابع فكما يقال: إن زكيت البينة حكم بها، وإن كان هذا الخبر قد ~~رواه البخاري فهو صحيح، وإن كانت الملامسة في لغة العرب تعم ما دون الوطء ~~فهو حجة في نقض الوضوء بمس النساء، ونحو ذلك. وهذا باب واسع. # والغرض أن يتفطن لكون لفظ الشرط قد صار بتعدد الاصطلاحات فيه اشتراك، ~~وأنا إذا قلنا: «لو» من أدوات الشرط أردنا به الشرط اللفظي الذي هو سبب في ~~المعنى ومستلزم، لا الشرط المعنوي الذي يقف تأثير السبب عليه. فبين ~~المعنيين فرق. # ولولا أني رأيت قوما من الفضلاء قد زلوا في هذا لكان (¬2) أوضح من أن ~~ننبه عليه؛ فإن منهم من يقسم الشروط إلى: لغوية، وعقلية، وشرعية، ويذكر باب ~~«إن وأخواتها» في القسم اللغوي. # ومورد التقسيم يجب أن يكون مشتركا بين الأقسام، فيشعر أن كل واحد من هذه ~~الشروط [ينتفي] بانتفائه، ولا يلزم (¬3) أن يوجد بوجوده، وربما أفصح بذلك. ~~وليس هذا بصحيح. PageV09P444 # والتحقيق أن التقسيم إن كان عائدا إلى اللفظ، كما يقال: «العين» تنقسم ~~إلى مبصرة ومضيئة ونابعة، فقريب، لكن هو خلاف المعروف. # وإن كان عائدا إلى المعنى فهو غلط واضح. # ومنهم من يحتج في كون مفهوم الشرط حجة بكون النحويين قد سموا هذه ~~الأدوات: «أدوات ms1815 الشرط»، والشرط ما ينتفي المشروط بانتفائه، فيلزم من ذلك ~~عدم الجزاء عند عدم الشرط. # وهذا غلط؛ فإن لفظ الشرط في المقدمة الأولى معناه مغاير لمعنى لفظ الشرط ~~في المقدمة الثانية، وإنما اشتركا في اللفظ، فالشرط الذي يجب انتفاء ~~المشروط بانتفائه هو الشرط المعنوي، وأما الذي يسميه النحويون شرطا في باب ~~«إن» و «لو» ونحوهما فهو سبب مستلزم. # وحكمه هو المقدمة الثالثة: وذلك أن العلة (¬1) والسبب قد يراد بها (¬2): # 1 - العلة التامة التي لا ينفك عنها المعلول، كمشيئة الله سبحانه؛ فإنها ~~مستلزمه لوجود المراد (¬3)، فإنه ما يشاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا ~~ينتقض هذا أبدا. # والعلة بهذا التفسير لا تتخصص، ولا يتخلف عنها معلولها، لا لفوات شرط ولا ~~لوجود مانع (¬4). PageV09P445 # 2 - وقد يراد بها: العلة المقتضية، وإن توقفت على شروط واندفعت بالمعارض، ~~كما يقال: الأكل والشرب علة للشبع، وإصابة النار علة للاحتراق، ويقال: ملك ~~النصاب علة لوجوب الزكاة، والزنا علة لوجوب الرجم. # وإذا صيغت هذه الأسباب بصيغ الشرط والجزاء، كقوله: {من يعمل سوءا يجز به} ~~[النساء: 123]، {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا} [النساء: 124]، {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما ~~فسوف نصليه نارا} [النساء: 30] = فإنه يعلم من ذلك أن هذا العمل سبب مقتض ~~للجزاء، ثم يجوز أن يتخلف الحكم عن سببه، لفوات شرط أو لوجود مانع. # ويجوز للمتكلم أن يبين مراده بهذا اللفظ المطلق تقييدا وتخصيصا إذا سوغه ~~اللسان الذي يتكلم به، ولذلك جاز أن ينتفي الجزاء لمعارض، من توبة، أو ~~حسنات ماحية، ونحو ذلك، وانتفاؤه بالتوبة مجمع عليه بين المسلمين، وفي ~~البواقي خلاف بين أهل السنة وبين الوعيدية من الخوارج والقدرية. # ومن فهم هذا انتفت عنه شبه الوعيدية، وعرف سر مسألة إخلاف الوعيد، ومسألة ~~الخصوص والعموم؛ فإن الله قد بين مراده بقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]، وبقوله تعالى: {وهو الذي ~~يقبل التوبة عن عباده} [الشورى: 25]، إلى أمثال ذلك. ms1816 # إذا عرف ذلك فنقول: أما العلة التامة فإن ثبوتها دليل يقيني على وجود PageV09P446 # المعلول، وأما العلة المقتضية فهي دليل ظاهر على وجود المعلول، وقد يصير ~~يقينيا إذا علم انتفاء المعارض بطريقه (¬1)، فإن ذلك ممكن في الجملة. # وأما عدم العلة فهو المتعلق بباب «لو» كما سنذكره. # فإن عدمت العلة مطلقا فهو دليل على عدم المعلول؛ فإن وجود المعلول بدون ~~العلة محال. # فإن عدمت العلة المعينة، سواء كانت تامة أو مقتضية، فإنه يدل على عدم ~~المعلول إذا لم تخلفها علة أخرى. # ثم عدم الخلف قد يعلم يقينا، ويعلم ظاهرا بدليل خاص من سائر دلائل النفي. ~~وقد ينفى؛ فإن الأصل عدم علة أخرى. # وقد يستقر في النفس أن لا علة إلا هذا الحكم، ثم تستشعر النفس انتفاء ~~العلة، فيحكم بانتفاء المعلول. مثل: أن يقال مثلا في بعض الأشربة المتنازع ~~فيها: هذا ليس بحرام؛ لأنه ليس بمسكر، أو لأنه ليس بخمر، فإنه قد علم أن لا ~~موجب لتحريمه إلا كونه خمرا أو مسكرا. # وهذا يكثر في الأنواع، مثل أن يقال في بيع الفضولي: لا يصح؛ لأنه ليس من ~~مالك ولا ولي ولا وكيل. فكأنه قال: من جملة العلة في صحة البيع الملك أو ~~الولاية أو الوكالة، والثلاثة منتفية. والنزاع في المقدمة الأولى. # ويقال لمن يعطي الفقراء أو الفقهاء: لم لا تعطي هذا؟ فيقول: لأنه ليس ~~بفقير وليس بفقيه. وهذا مضموم إلى مقدمة مستقرة، وهو أن العلة هي الفقر PageV09P447 # مثلا أو الفقه، لا علة غيرها، وهي منتفية. # ويقول الفقهاء: إذا قال لامرأته: إن كلمت أسودا فأنت طالق، فكلمت أبيض = ~~لم تطلق؛ أي: لانتفاء العلة، وهي مقتضيه لعدم المعلول، فإنا ما تكلمنا إلا ~~في انتفاء الطلاق الواقع بهذه العلة. # ثم هنا مسألة مفهوم الشرط، إذا قيل: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} ~~[الحجرات: 6]، هل يشعر عدم هذا الشرط اللفظي الذي هو سبب معنوي بعدم ~~المشروط؟ وفيه الخلاف المشهور، والجمهور على أنه يدل على عدمه (¬1). ولا ~~ريب أن عدم هذا الحكم المعلق بالشرط ينتفي؛ لأن بقاء عين الحكم ms1817 بدون علة محال. # لكن هل ينتفي النوع؟ فالذي يجب القطع به أن نوع الحكم لا يكون حاله بعد ~~انتفاء السبب المعين وقبل انتفائه سواء، ومتى فرض استواء الأمرين على مذهب ~~علم بطلانه، لكن يدل على نفي النوع دلالة ظاهرة، بشرط أن لا يخلفه (¬2) سبب آخر. # ثم إن كان السبب الخالف جزءا من المخلوف كان ضعيفا؛ فإن الأعم إذا كان ~~مستقلا بالحكم كان الأخص عديم التأثير، كما في قوله: {إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا}، فإن كونه واحدا جزء من كونه فاسقا، فلو كان التبين واجبا عند ~~مجيء الواحد سواء كان عدلا أو فاسقا لم يعلق التبين بكونه فاسقا الذي هو ~~الأخص من كونه واحدا. PageV09P448 # فهذا الاستدلال بعدم العلة لفظا أو معنى على عدم المعلول. # وقد يجعل عدم العلة المعينة دليلا على ثبوت المعلول بعلة أخرى أكمل منها ~~أو مثلها، وذلك إذا كانت العلتان متعاقبتين على محل، فعدم إحداهما مستلزم ~~لثبوت الأخرى، وثبوتها مستلزم للمعلول، فيصير عدم العلة المعينة مقتضيا ~~للمعلول، لكن بهذه الواسطة، وهي واسطة ثبوت العلة الأخرى. # ومن هنا يزول الإشكال في باب «لو» و «لولا» كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # وكذلك إذا كانت العلتان مجتمعتين في المحل. # فالأول كما لو وصى الميت لوارثه، فإنه يقال: لو لم يوص له لملكه بالإرث. ~~وكما لو ألقى رجلا من شاهق في بحر، فتلقاه آخر بسيف فقده، فإنه يقال: لو لم ~~يقده لمات. فيضاف الموت إلى عدم القد، لا مستلزما للغرق (¬1). # ومثل الثاني: إذا سئلت عن لحم خنزير ميت، فتقول: لو لم يكن خنزيرا لحرم. ~~فتجعل عدم كونه خنزيرا مستلزما للتحريم، لأنه ميت. # فهذا الكلام في دلالة ثبوت العلة وانتفائها. # وأما دلالة المعلول، فإن عدم المعلول مستلزم لعدم العلة التامة قطعا، ~~ويدل على عدم العلة المقتضية إذا علم أن الانتفاء لم يكن لوجود مانع ولا PageV09P449 # لفوات [شرط]. # فيعلم حينئذ أن الانتفاء إنما هو لانتفائها، وإلا فلو كانت موجودة، ~~والموانع زائلة، والشروط حاصلة، لوجب وجود المعلول. فانتفاء اللازم دليل ~~على انتفاء الملزوم، ms1818 ووجود المعلول يدل على وجود العلة التامة، فتدخل فيه ~~الشروط وضد (¬1) الموانع. # لكن إذا لم يكن للحكم إلا علة واحدة علم وجودها بعينها، وإن كان له علتان ~~فصاعدا دل على وجود إحداهن أو جميعهن. # وإن علم أن له علة (¬2)، وجاز أن يكون له علة أخرى، لم نقطع بوجود تلك ~~العلة المعدومة، لكن هل يحكم بوجودها ظاهرا؟ # وكذلك لو علم وجود العلة الواحدة، ووجد الحكم، وجاز أن يكون قد وجد ~~بغيرها، فهل يضيفه إلى ما علم وجوده أو يتوقف فيه؟ قولان للفقهاء، وأصحهما ~~أنا نضيفه إلى تلك العلة. ويستدل بوجود المعلول على وجودها؛ عملا بالأصل ~~الباقي الذي لم يعارضه ما يضعفه. # وعلى هذا ينبني: لو جرح صيدا غاب عنه ثم وجده ميتا، فهل يحال موته على ~~جرحه، فيباح إن كان حلالا ويجب الضمان إن كان محرما، أو يتوقف فيه؟ على ~~خلاف مشهور بين الفقهاء، وهي مسألة الإصماء والإنماء (¬3). PageV09P450 # فهذه بحوث عقلية معنوية نافعة. # المقدمة الرابعة: أن أدوات الشرط وغيره من معاني الكلام قسمان: # منها: ما يسميه النحويون: «أم الباب»، وهو ما دل على الشرط أو الاستفهام ~~ونحوهما دلالة مجردة من غير أن يدل [على] شيء آخر. # ومنها: ما يدل على الاستفهام أو الشرط ومعنى آخر. # فالأول في الشرط «إن»، فإنها تقتضي ربط الجزاء بالشرط، من غير أن تدل على ~~ثبوت الشرط وانتفائه، ولا على حال من أحوال الشرط، من مكان أو زمان أو فاعل ~~أو غير ذلك. فإذا قلت: إن قام زيد قام عمرو، لم (¬1) يدل على أكثر من ~~ارتباط هذا بهذا. # والثاني: سائر أدوات الشرط، فإن «متى» مثلا تدل على الاشتراط في الزمان، ~~و «أينما» في المكان، و «من» في أعيان من يعلم، و «ما» في ما لا يعلم وفي ~~صفات ما يعلم (¬2)، ونحو ذلك مما (¬3) هو معروف عند العالمين PageV09P451 # بتفاصيل لسان العرب. # فهذه الأدوات تدل على شيئين: على الشرط، وعلى حال في المشروط. وحرف «لو» ~~من هذا الباب، لكن من وجه آخر، وهو الجواب الحاصل بعد تلك المقدمات. # فنقول: ms1819 حرف «لو» المسؤول عنه، إذا قلت مثلا: «لو ردوا لعادوا»، يدل على شيئين: # أحدهما: أن الرد سبب مستلزم للعود. # وقولنا: «سبب»، و «ملزوم»، و «علة»، و «مقتضى»، عبارات متقاربة في هذا ~~الموضع. # كما لو قيل: «إن ردوا عادوا»؛ فإن الاشتراط ب «إن» يدل على أن الأول ~~مستلزم للثاني. # المدلول الثاني: عدم الرد الذي هو السبب المستلزم. # وهذه خاصة «لو» التي انفردت بها عن «إن»؛ فإن «لو» تدل على تعلق الجزاء ~~بالشرط، وعلى انتفاء الشرط، و «إن» تدل على التعلق فقط، من غير أن تدل على ~~الشرط بنفي أو إثبات. # وهذا أمر مستقر في جميع مواردها، كما في قوله تعالى: {لو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا} [التوبة: 47]، {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} ~~[الأنفال: 23]، {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} [آل عمران: 156]، {ولو ~~أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم} [النساء: 46]، ~~لو جاء زيد PageV09P452 # لجاء عمرو، لو زرتنا لأكرمناك، قول الشاعر (¬1): # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا # فإن «لو» مع ما ركبت معه تدل على الشرط والجزاء، وعلى انتفاء الشرط أيضا. # وهذا هو الذي قصده بعض النحويين حيث قال في حدها: «إنها حرف يدل على ~~امتناع ما (¬2) يلزم من وجوده وجود غيره»، وصدق في أن هذا من معناها؛ فإنها ~~تدل على عدم الشرط الملزوم الذي يلزم من ثبوته ثبوت الجزاء الذي هو الجواب (¬3). # لكن قد يقال: معناها [ليس] هو مجرد الامتناع، بل هو التعليق والامتناع ~~جميعا، وإنما هي دالة على الامتناع بالتضمن لا بالمطابقة. # وقد يقال: هي لا تدل على امتناع الشرط، وإنما تدل على عدمه، وليس كل ~~معدوم ممتنع الوجود. # فهذه مناقشات لفظية، وإذا ظهر المعنى فلا عليك في ترك المناقشة اللفظية. # وإذا قيل: هي حرف شرط يدل على عدم الشرط، كان هذا منطبقا عليها في جميع ~~مواردها. PageV09P453 # ثم من هذا ينحل الإشكال المشهور، وذلك أن الشرط اللفظي الذي هو سبب معنوي ~~إذا انتفى فإنه ينتفي ذلك المعلول ms1820 المعين قطعا، وينتفي أيضا نوع المعلول ~~إذا لم تخلفه علة أخرى، فإن خلفته علة أخرى لم ينتف النوع، بل قد يوجد منه ~~غير ما انتفى، وقد يكون عدم إحدى العلتين دليلا على ثبوت المعلول؛ لدلالة ~~عدمها على ثبوت العلة الأخرى، كما تقدم؛ لأن الحكم الواحد بالنوع قد تكون ~~له علتان باتفاق العقلاء من الفقهاء وغيرهم. # فإذا كان أهل اللسان يفهمون من قولهم: «لو زرتنا لأكرمناك» أن الزيارة ~~علة للإكرام، وأنها معدومة، فقد ينضم إلى هذه المقدمة السمعية مقدمة أخرى ~~عقلية، وهو أن عدم العلة يدل على عدم المعلول، كما فصلناه. # فيعقلون من ذلك انتفاء ذاك الإكرام المعين، وقد يفهمون انتفاء الإكرام ~~مطلقا إذا غلب على ظنهم أن لا سبب للإكرام إلا الزيارة، بالأصل النافي أو ~~القرائن ونحوها من الدلائل. # ثم لما كان الغالب أن العلة إذا انتفت انتفى معلولها؛ إذ غالب الكلام ~~يكون في نوع حكم ليس له إلا علة واحدة، وغيره من الأنواع قد علم أنه منتف ~~في ذلك المقام = صار هذا الغالب كأنه من جملة معناها، وليس هو من معناها في ~~أصل وضعها، ولا في جميع موارد استعمالها، وإنما هي دالة عليه بالالتزام ~~العقلي [الذي] أبديته لك. # ولهذا يستعمل كثيرا مع عدم الدلالة على انتفاء المعلول الذي هو الجزاء، ~~كما سيأتي، ومحال أن يوضع لنفي المعلول وثبوته معا. PageV09P454 # وكذلك على سبيل البدل على قول بعضهم (¬1) قد كثر استعمالها دالة على هذا ~~المعنى في عرف المتأخرين، حتى ظن أن انتفاء المعلول الذي هو الجزاء جزء من ~~معناها، وهذه حقيقة عرفية طارئة، إن لم يسم لحنا وتحريفا للغة! وإنما ~~معناها اللغوي هو ما أبديته. # ولكون انتفاء المعلول قد صار يفهم منها غالبا، إما باللزوم العقلي، أو ~~بالغلبة العرفية، قال من قال من النحاة: إن «لو» حرف يمتنع به الشيء ~~لامتناع غيره، وأرادوا بذلك أنه يمتنع بها الجزاء لامتناع الشرط، فجعلوا ~~عدم الجزاء من معناها التي هي دالة عليه بالوضع. # وينبغي لمن أحسن الظن بمن قال هذا أن يقال: هي دالة ms1821 على هذا غالبا، كما ~~بينا، أو هي دالة عليه في العرف والحادث (¬2) العامي، مع أن هذا فيه نظر، ~~وكون دلالتها على هذا المعنى وضعيا (¬3) أو عقليا لا تتعرض له النحاة ~~غالبا. فأما أن يقال: إن هذا هو معناها أبدا، فهذا غلط ممن يقوله أو ينصره: # أما أولا: فلعدم (¬4) الدليل عليه. # وأما ثانيا: فلورود (¬5) الدليل على خلافه. PageV09P455 # فإن قيل: هذا قد قاله بعض فضلاء النحاة. # فيقال: مفهوم تراكيب الكلام ونحو ذلك نسبته إلى لغة العرب نسبة طائفة ~~(¬1) من علم الفقه إلى كلام الشارع، وهو أمر يوجد بالاستدلال، تارة ~~بالاستعمال، وتارة بالقرائن، وغير ذلك. # ولهذا تختلف النحاة في مفهوم حروف ومقتضى تراكيب، كما يختلف الفقهاء في ~~مفهوم بعض كلام الشارع، ثم الدليل يقضي بين المختلفين. # وكما أن علم الشريعة نوعان: # * نوع يتلقى من المحدثين، وهو الرواية، فإذا كان الراوي ثقة ضابطا لم ترد ~~روايته إلا بحجة تدل على غلطه، وهو نادر. # * ونوع يتلقى من الفقهاء، وهو فهم كلام الشارع، وبناء بعضه على بعض، ~~والنظر في لوازم تلك المعاني وموجباتها. # كذلك علم العربية: # * منه المسموع، وهو ما يرويه الثقة كما سمعه من العرب، منظوما ومنثورا، ~~وما يرويه أيضا أنهم أفهموه ذلك المعنى عندما تكلموا بذلك اللفظ. وهذا هو ~~نقل اللغة، وهذا نقل لأشياء معينة. # * ومنه المعقول، وهو الحكم الكلي على لفظ مفرد أو مركب. وهو علم النحو ~~والتصريف والمعاني والبيان؛ فإن العرب وغيرهم من الأمم لم يسمع منهم حكم ~~كلي للفظ أو لدلالة لفظ، وإنما استقراء كلام الأمم يوجب PageV09P456 # للعقل حكما كليا، كما إذا استقرينا كل اسم بعد فعل على صيغة «فعل»، ~~فوجدناه مرفوعا، علمنا أن الفاعل مرفوع، وأن رفع الاسم على هذه الصفة دليل ~~على أنه فاعل. # كذلك «لو» مثلا إذا سمع الناقل العرب تقول: «لو زرتنا لأكرمناك»، وأفهموه ~~أن كل واحد من الأمرين ممتنع في هذا المعنى، أوجب ذلك الحكم على هذا المثال ~~بهذا الحكم، ثم رأينا هذا المعنى يفهم من سائر الأمثلة، حكمنا حكما عاما ~~بما حكموا به. # وإن وجدنا ms1822 الأمر ينتقض أحيانا من غير قرينة طارئة علمنا أن الموجب المفهم ~~(¬1) هناك معنى انفرد به. # وقد وجدناهم يقولون: «لو زرتنا لأكرمناك»، وكلاهما منتف، ونظائره كثيرة، ~~ووجدناهم يقولون مثلا: «هذا محسن إلى زيد ولو أساء إليه»، «ولو أسأت إلي ~~أحسنت إليك»، «ولو قلت لي ألف كلمة ما قلت لك كلمة»، «ولو عصيت الله تعالى ~~في لأطعت الله فيك»، «ولو شتمتني لما شتمتك»، كما يقال: إن رجلا من العرب ~~قال لآخر منهم: لو قلت لي كلمة لقلت لك ألف كلمة، فقال له الآخر: لكن لو ~~قلت لي ألف كلمة لما قلت لك كلمة. # ونحو هذا كثير، يقصدون بذلك إثبات الملازمة بين هذين الأمرين، ونفي ~~الملزوم لا نفي اللازم، أي: إن إساءتك مستلزمه لإحسانك، وسبب فيها، بمعنى ~~أنها مستلزمه لما هو علة للإحسان، لأنك إذا أسأت قارن إساءتك ما في خلقي من ~~الإحسان، فصارت هذه المقارنة سببا لوجود PageV09P457 # إحساني أو دليلا على وجود إحساني، كما قدمناه في مقدمة الشرط، وأنه ليس ~~يجب أن يكون هو المؤثر في الجزاء خارجا، وإنما المعتبر هو الملازمة ~~والارتباط والتعليق. # ثم مثل هذا الكلام لا يقصدون به عدم إحساني إليك، ولا عدم طاعة الله فيك ~~(¬1)، ونحو ذلك، بل إما أن يكون الجزاء مسكوتا، أو يكون مخبرا بوجوده (¬2)، ~~أي: أنا أحسن إليك ولو أسأت، فكيف إذا لم تسئ؟ ! فالمقصود أن الإحسان (¬3) ~~موجود على التقديرين. # فصار جواب «لو» له ثلاثة أحوال: # * تارة يدل الكلام على انتفائه بانتفاء الشرط، كما في قوله: «لو زرتني ~~لأكرمتك». # * وتارة يدل لا على ثبوته ولا على انتفائه، كما في قوله: «لو أسأت إلي ~~لأحسنت إليك»؛ إذ كان (¬4) عدم الإساءة قد يكون معه الإحسان في العادة، وقد ~~لا يكون إذا كان المحرك على الإحسان الإساءة. # * وتارة يدل على وجود الجواب مع انتفاء الشرط، وذلك إذا كان عدم العلة ~~أولى باقتضاء الجواب من حال ثبوتها، كما في قوله: «لو شتمتني لما شتمتك»؛ ~~فإن اقتضاء عدم الشتم لعدم الشتم أقوى من اقتضاء الثبوت PageV09P458 # للعدم، فإذا كانت الشتيمة تنتفي ms1823 مع وجود الشتم فمع العدم أولى. # فإذا كانت «لو» تستعمل على هذه الوجوه الثلاثة، فإن جعلناها حقيقة في ~~البعض فقط، أو في كل معنى بخصوصه، لزم الاشتراك اللفظي أو المجازي، وهما ~~على خلاف الأصل، فالواجب أن تجعل حقيقة في المعنى المشترك بين مواردها، وهو ~~تعليق أمر بأمر، مع الدلالة على انتفاء الشرط، ثم ثبوت الجزاء أو انتفاؤه ~~يعلم من خصوص الموارد (¬1)، ولا يدل اللفظ عليها، مع أن الغالب عليها في ~~الاستعمال انتفاء الجواب؛ لما قدمته من أن انتفاء العلة (¬2) يشعر بعدم ~~المعلول كثيرا أو غالبا. # إذا تحرر هذا، فنقول: «لولا» و «لو لم» هي «لو» مع حرف النفي، فلهذا ~~قالوا: المثبت ب «لو» منتف ب «لولا» و «لو لم»، والمنتفي ب «لو» منتف ب ~~«لولا» و «لو لم». # وهذا أجود من قول من قال: المثبت بعد «لو» منتف، والمنتفي بعدها مثبت، ~~والمثبت بعد «لولا» منتف، والمنتفي بعدها مثبت؛ فإن «لولا» كما قدمته تنفي ~~الشرط، ولا تنفي الجزاء إلا بتوسط الاستدلال على عدم العلة بعدم المعلول، ~~وهذه دلالة عقلية لا لفظية، ولها شروط، كما قدمته، و «لولا» و «لو لم» ~~تقتضي ثبوت الشرط بعدها، وإنما ينتفي الجزاء بتوسط ثبوت علته التي هي ~~المانع، كما سنبينه. # فإذا قيل: «لولا جاء زيد لجاء عمرو» أفاد تعلق الثاني بعدم الأول، PageV09P459 # وثبوت الأول. فلو قيل: «لولا زيد لجاء عمرو» أفاد تعلق عدم الثاني بعدم ~~الأول، وثبوت الأول. فأفاد شيئين: # أحدهما: أن عدم الأول سبب لوجود الثاني أو عدمه. # وثانيهما: أن ذلك العدم غير حاصل، فهو معنى «لو» بعينه، إلا أنك تجعل ~~المثبت هناك منتفيا هنا. # ومعلوم أن عدم الأول إذا كان سببا لوجود الثاني أو انتفائه، فانتفاء ~~العدم هو انتفاء العلة، وانتفاء العلة ينتفي معها المعلول إلا أن تخلفه علة أخرى. # فقول عمر رضي الله عنه: «لو لم يخف الله لم يعصه» موضوع هذا اللفظ أن عدم ~~الخوف في حقه لو فرض كان مستلزما لعدم المعصية، وأن هذا العدم منتف لوجود ~~ضده، وهو الخوف. # فيفيد ms1824 الكلام فائدتين: # أحدهما (¬1): أنه خائف لله؛ لأن ما انتفى ب «لو» ثبت بحرف النفي معها. # والثاني: أن هذا الثابت في حقه، وهو (¬2) الخوف، لو فرض عدمه لكان مع هذا ~~العدم لا يعصي الله؛ لأن ترك المعصية (¬3) قد يكون لخوف الله، وقد يكون ~~لأمر آخر؛ إما لنزاهة الطبع، أو إجلال الله، أو الحياء منه، أو لعدم ~~المقتضي إليها، كما كان يقال عن سليمان التيمي: «إنه كان لا يحسن أن PageV09P460 # يعصي الله عز وجل» (¬1). # فقد أخبرنا عنه (¬2) أن عدم خوفه لو فرض موجودا لكان مستلزما لعدم معصية ~~الله، لأن هذا العدم يضاف إلى أمور أخرى؛ إما عدم مقتض أو وجود مانع، مع أن ~~هذا الخوف حاصل. # وهذا المعنى يفهمه من الكلام كل أحد صحيح الفطرة، لكن لما وقع في بعض ~~القواعد اللفظية والعقلية نوع توسع إما في التعبير (¬3) وإما في الفهم، ~~اقتضى ذلك خللا إذا بني على تلك القواعد المحتاجة إلى تتميم. # فإذا كان للإنسان فهم صحيح رد الأشياء إلى أصولها، وقرر الفطر (¬4) على ~~معقولها، وبين حكم تلك القواعد وما وقع فيها من تجوز أو توسع، فإن الإحاطة ~~في الحدود والضوابط عسير عزيز (¬5). # ومنشأ الإشكال أخذ كلام بعض النحاة مسلما أن المنفي بعد «لو» مثبت، ~~والمثبت بعدها منفي، وأن جواب «لو» منتف (¬6) أبدا، [وجواب PageV09P461 # «لولا» ثابت أبدا] (¬1)، وأن «لو» حرف يمتنع به الشيء لامتناع غيره، و ~~«لولا» حرف يدل على امتناع الشيء لوجود غيره مطلقا. # فإن هذه العبارات إذا قرن بها «غالبا» كان الأمر قريبا، وأما أن يدعى أن ~~هذا مقتضى الحرف دائما فليس كذلك، بل الأمر كما ذكرناه من أن «لو» حرف شرط ~~يدل على انتفاء الشرط. # فإن كان الشرط ثبوتيا فهي «لو» محضة، وإن كان الشرط عدميا مثل «لولا» و ~~«لو لم» دلت على انتفاء هذا العدم بثبوت نقيضه، فيقتضي أن هذا الشرط العدمي ~~مستلزم لجزائه، إن وجودا وإن عدما، وأن هذا العدم منتف. # وإذا كان عدم شيء سببا في أمر فقد يكون وجوده سببا في عدمه، وقد يكون ~~وجوده ms1825 أيضا سببا في وجوده، بأن يكون الشيء لازما لوجود الملزوم ولعدمه، ~~والحكم ثابتا مع العلة المعينة ومع انتفائها لوجود علة أخرى. # وإذا عرفت أن مفهومها اللازم لها إنما هو انتفاء الشرط، وأن فهم نفي ~~الجزاء منها ليس أمرا لازما، وإنما يفهم باللزوم العقلي أو العادة الغالبة، ~~وعطفت على ما ذكرته من المقدمات = زال الإشكال بالكلية. # وقد كان يمكننا أن نقول: إن حرف «لو» دالة على انتفاء الجزاء، وقد تدل ~~أحيانا على ثبوته، إما بالمجاز المقرون بقرينة أو بالاشتراك، لكن جعل اللفظ ~~[حقيقة] في القدر المشترك أقرب إلى القياس. مع أن هذا إن قاله قائل كان ~~سائغا (¬2) في الجملة؛ فإن الناس ما زالوا يختلفون في كثير من معاني PageV09P462 # الحروف هل هي مقولة بالتواطؤ أو بالاشتراك أو بالحقيقة والمجاز؟ # وإنما (¬1) الذي يجب أن يعتقد بطلانه ظن ظان إن ظن (¬2) أن لا معنى ل ~~«لو» إلا عدم الجزاء والشرط؛ فإن هذا ليس بمستقيم البتة. # والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~تسليما كثيرا، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل. # - - - - PageV09P463 ### || AUTO مسألة # في الانتماء إلى الشيوخ PageV09P465 # مسألة: في من قال: من انتمى إلى شيخ رآه أو لم يره، ولم (¬1) يرث عنه ~~علما يصل به إلى طاعة الله وطاعة رسوله، كان كاذب الانتماء، متبع الهوى. ~~وأن هذا الانتماء المعتاد في هذه الأعصار، على ما جرت به العادة من أرباب ~~الحرف، محدث مردود. فهل هو كذلك أم لا؟ # أجاب شيخ الإسلام رضي الله عنه: # الحمد لله. الانتماء إلى شيخ لم يستفد منه ولا من اتباعه فائدة (¬2) ~~دينية، ليس مما أمر الله به ولا رسوله، بل هو من جنس أهواء الجاهلية، كقيس ~~ويمن (¬3). # فإن المراد من الشيوخ إنما هو الدعوة إلى الله، كما دعت إليه الرسل، قال ~~الله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} [يوسف: ~~108]، وقال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل: ~~125]، وقال تعالى: {وإنك لتهدي إلى ms1826 صراط مستقيم • صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض} [الشورى: 52 - 53]. PageV09P467 # فأما إن كان قد انتفع به في دينه، إما بما بلغه عنه من الأقوال التي ~~انتفع بها في دينه، أو بما بلغه من الأعمال الصالحة التي اقتدى به فيها = ~~فهو قدوة له وإمام في ذلك القدر الذي انتفع به فيه. # وقد يكون غيره قدوة له وإماما من غير ذلك. # وقد يكون ذلك القدوة -فيما اتبع فيه- جماعة، كمن يقرأ القرآن على جماعة، ~~أو يقرأ بعضه على شيخ وبعضه على شيخ آخر، ويصلي خلف إمام صلاة وخلف غيره ~~صلاة أخرى، ويستفيد من عالم (¬1) علما ومن آخر علما، فهؤلاء كلهم أشياخ له ~~فيما انتفع به منهم، لا يختص بذلك واحد دون واحد. # وهكذا كان السلف يجتمعون بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويستفيدون ~~منهم ما بلغوهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأهل العلم والدين إذا ~~اجتمعوا على شيء فاجتماعهم حجة قاطعة؛ فإن المؤمنين لا يجتمعون على ضلالة. # وقد يكون انتفاع الرجل ببعض شيوخه أكثر. # وأما تشيع الأمة وتفرقهم، بحيث يوالي الرجل من وافقه على نسبته حتى فيما ~~يخالف الشريعة، ويعرض عن غيرهم حتى فيما يوافق الشريعة = فهذا مما ينهى ~~الله عنه ورسوله؛ فإن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة ~~والاختلاف (¬2). PageV09P468 # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن ~~تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن ~~تناصحوا من ولاه الله أمركم» (¬1). # ولا ريب أن قص رؤوس التائبين (¬2)، وقول القائل لأحدهم: «أنت الشيخ فلان ~~في الدنيا والآخرة»، أو «شيخك الشيخ فلان في الدنيا والآخرة»، فهو من البدع ~~المحدثة، ومن العقود (¬3) الفاسدة؛ لأنه التزام اتباع شخص في الدين مطلقا، ~~مع أنه ممن يجوز عليه الخطأ. وقد لا يوثق بالنقل عنه؛ فإن كثيرا من النقل ~~عن الشيوخ يكون كذبا، والصحيح منه قد يكون صوابا وقد يكون خطأ. # والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم يجب على ms1827 كل مسلم ~~اتباعها؛ لأن الناقل لها مصدق، والقائل لها معصوم. # فمن عدل عن نقل مصدق عن قائل معصوم إلى نقل غير مصدق عن PageV09P469 # قائل غير معصوم كان من الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، ~~والله أعلم (¬1). # - - - - PageV09P470 ### || AUTO رسالة # إلى ابن ابن عمه عز الدين عبد العزيز بن عبد اللطيف # بسبب فتح جبل كسروان PageV09P471 # رسالة أخرى (¬1) بسبب جبل كسروان (¬2) أيضا # إلى ابن ابن عمه عز الدين عبد العزيز بن عبد اللطيف ابن تيمية (¬3)، وهو ~~بدمشق في أول سنة خمس وسبعمئة # قال رحمه الله: # بسم الله الرحمن الرحيم # من أحمد ابن تيمية إلى الشيخ الإمام عز الدين وسائر من يصل إليه هذا ~~الكتاب من الإخوان والأصحاب، جعلهم الله من أوليائه المتقين، وحزبه ~~المفلحين، وجنده الغالبين، وعباده الصالحين. # سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء ~~قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وسيد ولد آدم ورسول الله PageV09P473 # إلى جميع الثقلين، محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~تسليما. # أما بعد، فقد صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، ~~وحقق من قوله: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~وكفى بالله شهيدا} [الفتح: 28] ما أقر به عيون المؤمنين، وأعز به دينه الذي ~~هو خير دين، وأذل به الكفار والمنافقين، ونصر به عباده المعتصمين بحبله ~~المتين على المارقين من دينه، الخارجين عن شريعته وسبيله، المنسلخين من سنة ~~رسوله، المفارقين للسنة والجماعة، المعتاضين بشتات الجاهلية عن عصمة ~~الطاعة، المستبدلين قتال أهل الإسلام بقتال الكفار، الموالين على معاداة ~~أهل الإسلام للفرنج والتتار، المقدمين للذين كفروا وأهل الكتاب، على خواص ~~أمة محمد المتبعين لما جاء به من السنة والكتاب، المكفرين لجمهور المسلمين ~~كفرا أغلظ من كفر سائر الكفار (¬1)، المنجسين لهم ولما عندهم من المائعات ~~التي لامستها الأبشار، المرجحين لشعر أهل الإفك والبهتان، على أحاديث ~~الرسول التي اتفق على قبولها أهل العرفان، المستحلين لدماء المسلمين ~~وأموالهم ms1828 (¬2)، المتعبدين بقتلهم وقتالهم، المكذبين بحقائق أسماء الله ~~وصفاته، المنكرين أن يراه المؤمنون بأبصارهم في جناته، المكذبين بحقيقة ~~كلماته وآياته، المشبهين له بالمعدوم والموات، في أنه لم يتكلم بكلام قائم ~~به وإنما خلقه في المصنوعات، الجاحدين لأن يكون الله فوق السماوات، ~~المنكرين لقضائه وقدره في بلاده، PageV09P474 # الزاعمين أنه لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا ولا يقلب قلوب عباده، ~~بل يزعمون أنه يكون في ملكه ما لا يشاؤه ويشاء ما لا يكون، وهو عاجز عما ~~عليه العباد قادرون، المعادين لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصحابته، الطاعنين في أزواجه وأهل قرابته، السافكين لدماء عترته وأمته في ~~القديم والحديث، المعاونين عليهم لكل عدو خبيث، الذين تعجز القلوب والألسنة ~~عن الإدراك والصفة لمخازيهم، وما أحدثوا في هذه الأمة من مساويهم. # لا سيما هؤلاء المعتصمين بالجبال، التي اتفق على صعوبتها أصناف الرجال؛ ~~لاشتمالها من القلاع والأوعار (¬1)، والأودية والأنهار، وأصناف الملتف من ~~الأشجار، والأماكن المعطشة (¬2) الوعرة العالية، وما لم تسلكه الخيل في ~~العصر الخالية، وما لا تضبط الصفات من مباعث الطرقات، ما رجح أهل الخبرة ~~صعوبته على ما رأوه من الجبال الشامخات (¬3). # وكانوا كما قال الله تعالى في من ضاهوه في كثير من الوجوه: {ما ظننتم أن ~~يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ~~وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} [الحشر: 2] (¬4). # وكانت قلوبهم قوية بهذه الأماكن المضرة (¬5)، لا سيما وقد غزاهم PageV09P475 # الناس كما ذكر أهل الخبرة أكثر من عشرين مرة، ولا يرجعون عنهم إلا ~~بالخيبة والخسار (¬1)، حتى قصدهم المسلمون والإفرنج جميعا في سالف الأعصار، ~~فقتلوا من الفريقين من بقيت عظامهم عندهم في الديار. # وقد سفكوا من دماء الأمة المحمدية من لا يحصي عدده إلا الله، وفعلوا فيهم ~~ما لم يفعله أعظم الناس معاداة، وأخذوا من الأموال ما لا يقوم ببعضه أثمن ~~(¬2) ما في الجبال، واستحلوا من الفروج وقتل الأطفال، وفرط الانتقام ~~والاستحلال، ما يتبين به أنهم شر من التتار بطبقات وأطوار (¬3). # فأعز الله ms1829 دينه وجنده بفتح بلادهم، وإجلائهم منها بالدل والصغار، {ولولا ~~أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار • ~~ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب} [الحشر: ~~3 - 4]. # وذلك بعد أن قتل الله منهم من لم يحص عدده إلى الآن، وذل جماهيرهم وطلبوا ~~الدخول في الأمان، فأومنوا (¬4) على أن ينزلوا إلى بلاد الإسلام، ويقوموا ~~بالواجبات التي تجب على الأنام، ويلتزموا حكم الله ورسوله، الشاهد به كتابه ~~وسنة رسوله، ويكونوا من المسلمين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، ومن خرج عن ~~ذلك أو عن شيء منه فقد برئت منه الذمة PageV09P476 # التي حصلت من أهل السنة إليهم. # وفرقوا في البلاد بين أهل السنة والجماعة، بحيث لا يكون لأهل البدعة ~~اجتماع على خلاف الطاعة، وخربت وحرقت مساكنهم والديار، وقطعت زروعهم ~~والأشجار، من العنب الكثير، والتوت الغزير، والجوز واللوز، وغير ذلك، وكان ~~ذلك بإذن الله من أبلغ المسالك؛ آيسهم من سكنى الجبال، وأوجب استئمان من ~~كان تخلف منهم راجيا لحسن الحال (¬1)، وأخزى الله بذلك الفاسقين، وقطع دابر ~~القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. # واتبع في ذلك ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني النضير؛ إذ كان ~~بين هؤلاء وبينهم شبه كثير، حيث يقول الله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو ~~تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} [الحشر: 5]، ولهذا ~~ذكر الله في هذه السورة ما يبين ما هم به (¬2) من المارقين. # وقد ثبت في الصحاح أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير، وحرق (¬3). # وفي ذلك يقول حسان بن ثابت (¬4): # وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير # وسطر هذا الكتاب ليلة الاثنين، سلخ المحرم وغرة صفر، وعامة بلدهم PageV09P477 # قد دثر، واستأمن عامة من فيه من البشر، وخرب الجرد والكسروان (¬1)، ودخل ~~في خبر كان، وأظهر الله من أعلام الإسلام ما كان مستورا، وطوى من ألوية ~~الضلال ما كان منشورا، وأورث الله المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا ~~لم يطؤوها، وكان الله ms1830 على كل شيء قديرا. # وكان هذا فتحا أقام الله به عمود الدين، وقمع به طوائف أهل البدع ~~المنافقين، من جميع الأجناس والأصناف، في جميع النواحي والأطراف، سير فيه ~~بسيرة الخلفاء الراشدين (¬2)، الثابتة بالكتاب وسنة سيد المرسلين. # والحمد لله الذي {أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو ~~كره المشركون} [الصف: 9]، والله تعالى يوزعنا وسائر المؤمنين شكر هذه ~~النعمة التي لم تبلغها الظنون، ولم يطمع بها الطامعون، بل ظن المنافقون أن ~~لن ينقلب المؤمنون إلى أهليهم أبدا، وزين ذلك في قلوبهم، وظنوا ظن السوء، ~~وكانوا قوما بورا. # ففتح الله فتحا مبينا، ونصر نصرا عزيزا، ويسر من الأمور ما كان عسيرا، ~~وفتح من أبواب هدايته ونصره ورزقه ما يجل أن يقال: كان كثيرا. # والله هو المسؤول أن يتم النعمة على عباده المؤمنين، ويصلح لهم أمر ~~الدنيا والدين. # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى جميع الإخوان والأصحاب PageV09P478 # واحدا واحدا خصوصا، ووفد الله القادمين من بيت الله (¬1) فالسلام عليهم ~~جميعهم واحدا واحدا ورحمة الله وبركاته. # والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا. # كتبت هذا الكتاب عجلان بالليل؛ لكون حامله أراد السفر بليل. # - - - - PageV09P479 ### || AUTO مسائل متفرقة PageV09P481 ### ||| AUTO مسألة: هل يجوز لولي الأمر أن يستفتى؟ # فأجاب رضي الله عنه: لا يجوز أن يستفتى إلا من هو أهل للفتيا، وهو يفتي ~~بعلم وعدل (¬1). وأما من يفتي بلا علم، أو يفتي بما يعلم الحق بخلافه، فلا ~~يجوز استفتاؤه، كما لا يجوز استقضاؤه. # بل الحاكم قد تنازع الناس فيه: هل يجوز أن يولى العدل الذي لا يعلم، ثم ~~يستفتي العلماء، ويحكم بما يفتونه فيه؟ على قولين (¬2). # والعلماء لهم في شروط القاضي ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يشترط فيه أن يكون من أهل الشهادة فقط. وهذا قول أبي حنيفة (¬3). # والثاني: أنه يشترط فيه الاجتهاد. وهذا قول الشافعي وكثير من أصحاب ~~الإمام أحمد (¬4). # وقد جوز كثير من المتأخرين من أهل هذا القول أن يولى غير المجتهد للضرورة (¬5). # والقول الثالث، وعليه يدل كلام الإمام أحمد وغيره: أنه ms1831 يولى الأمثل PageV09P483 # فالأمثل بحسب الإمكان، وليس لذلك حد، حتى لو قدر أنه لم يوجد إلا فاسقان، ~~ولي أقلهما شرا وأكثرهما نفعا، وكذلك لو لم يوجد (¬1) إلا مقلدان، ولي ~~أعدلهما وأعرفهما بالتقليد (¬2). # ولو وجد مجتهدان ولي أفضلهما، إن لم يكن الأفضل مشغولا بما هو أفضل من ~~القضاء. # ولهذا لما أرسل الخليفة إلى الإمام أحمد وزيره يسأله عن قضاة الأمصار، ~~لمن يولي منهم ولمن يعزل، وكتب له أسماءهم، أمره بتولية ناس، وعزل ناس، ~~وأمسك عن آخرين وقال: لا أعرفهم (¬3). # وكان في من أمر بتوليته من فيه نقص في علمه، وقال: إن لم يولوا هذا ولوا ~~مكانه فلانا، وهذا خير منه (¬4). # وأما الإفتاء، فعامة الفقهاء يشترطون فيه العلم، لا يقتصرون فيه على مجرد ~~أهلية الشهادة، فكيف يجوز استفتاء من لا يعلم ما يفتي به؟ ! # * * * PageV09P484 ### ||| AUTO وسئل رضي الله عنه: أيما أفضل: العالم العامل، أو المجاهد المخلص؟ # فأجاب رضي الله عنه: إن الله تعالى قال في كتابه: {يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم} [الحجرات: 13]. # وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي الناس أكرم؟ ~~فقال: «أتقاهم» (¬1). # فأي الرجلين كان أتقى لله فهو أكرم على الله. # والله جعل عباده المنعم عليهم أربعة أصناف، فقال تعالى: {ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين} [النساء: 69]. # فالصديق أفضل من الشهيد الذي ليس بصديق، والشهيد أفضل من الصالح الذي ليس ~~بشهيد. PageV09P485 # وقد يكون الرجل صديقا وشهيدا وصالحا، كما يكون نبيا وصديقا وشهيدا ~~وصالحا، قال تعالى: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا} [مريم: ~~41]، وقال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين} ~~[الشعراء: 83]، وقال يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم: {توفني مسلما وألحقني ~~بالصالحين} [يوسف: 101]. # فإن كان العالم صديقا، والمجاهد ليس بصديق، فالصديق أفضل. وكذلك بالعكس، ~~إن كان المجاهد صديقا، وذاك ليس بصديق، فالصديق أفضل. # ولا يكون الرجل عالما عاملا بعلمه حتى ms1832 يكون مجاهدا مخلصا، ولا يكون الرجل ~~مجاهدا مخلصا حتى يكون معه علم بما أمر الله به وعمل بما أمر الله به. # والجهاد يكون باللسان، والدعوة إلى الله، واليد. والجهاد فيه علم وعمل. # فلا يتميز (¬1) شخصان ليس في أحدهما جهاد وإخلاص، ولا في الآخر علم وعمل، ~~حتى يفصل (¬2) بينهما. # لكن قد يكون جهاد هذا بالقتال وعمله في ذلك أظهر، وقد يكون علم هذا ~~الظاهر النافع للناس أكبر، وحينئذ فقد يكون هذا أفضل، وقد يكون هذا PageV09P486 # أفضل، أيهما كان أتقى لله فهو أفضل. # ومن جمع الجهاد باللسان، والدعوة، والسياسة، كما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم وخلفاؤه الراشدون، مع العلم والعمل به، فهو أفضل من هذا وهذا، ومن كان ~~أشبه بهم فهو أفضل من غيره، والله أعلم (¬1). # * * * # * ### ||| AUTO مسألة: في رجل قال: إن العلم أفضل من القرآن # . # الجواب: خير الكلام كلام الله، وأفضل العلوم العلم الذي في القرآن، وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من الناس»، قيل: من هم يا ~~رسول الله؟ قال: «أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته» (¬2). # لكن العلم الذي يجب طلبه على كل مسلم هو ما يحتاج إليه في دينه، فيجب على ~~الرجل أن يتعلم ما أمر الله به وما نهى عنه، وهذا العلم تعلمه أوجب عليه من ~~قراءة القرآن الذي لا يجب عليه، ويجب عليه أن يحفظ من PageV09P487 ### ||| CHECK مسألة: في جندي يريد أن يصير فقيرا يشتغل بالعبادة # القرآن ما يصلي به، والله أعلم (¬1). # * * * # * ### ||| AUTO مسألة: في رجلين تنازعا في الجهل، فقال أحدهما للآخر: أنت جاهل في الأحكام الشرعية، فقال هو: أنا جاهل # (¬2). # الجواب: إن كان هذا الرجل عالما بما أمر الله به ونهى عنه (¬3) فهو عالم ~~بالشريعة، وإن لم يكن عالما بهذا فهو جاهل بذلك. وإن لم يكن عالما بما أمره ~~الله به وما نهاه عنه فهو من أجهل الناس، والله تعالى أعلم (¬4). # * * * # * مسألة: في جندي يريد أن يصير فقيرا (¬5) يشتغل بالعبادة. # الجواب: الجندي إذا اتقى الله، وقصد أن ينصر الله ورسوله، ويعين ms1833 PageV09P488 # على طاعة الله، فهو أفضل من أن يصير فقيرا يأكل الفتوح (¬1)، ويترك ~~الجهاد، بلا منفعة للمسلمين، والله أعلم (¬2). # * * * # * ### ||| AUTO قال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني رضي الله عنه في كلامه على الكيمياء # : # الكيمياء غش، وهي تشبيه المصنوع من ذهب أو فضة أو غيره بالمخلوق، باطلة ~~في العقل، ومحرمة بلا نزاع بين علماء المسلمين (¬3)، ثبتت على الروباص (¬4) أم لا. # ويقترن بها كثيرا السيمياء التي هي من السحر. # والزجاج مصنوع لا مخلوق. # ومن طلب زيادة المال بما حرمه الله عوقب بنقيضه، كالمرابي. وهي أشد ~~تحريما منه. PageV09P489 # ولو كانت حقا مباحة لوجب فيها خمس أو زكاة، ولم يوجب عالم فيها شيئا. # والقول بأن قارون عملها باطل. # ولم يذكرها ويعملها إلا: # * فيلسوف، كمحمد بن زكريا الرازي. # * أو اتحادي، كابن عربي، وصاحبه المتكلم في الحروف (¬1)، وابن سبعين. # * أو ملك ظالم، كبني عبيد (¬2). # - - - - ms1834