######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000377 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: جامع الرسائل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الفقه الإسلامي :: مسائل فقهية :: مسائل فقهية وأصولية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: جامع الرسائل #META# 030.LibURI :: JK_000377 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد رشاد رفيق سالم #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: مصر #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | جامع الرسائل # رسالة في قنوت الأشياء كلها لله تعالى PageV01P001 بسم الله الرحمن ~~الرحيم وبه نستعين وبه القوة الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله أجمعين وسلم تسليما $ فصل # في قنوت الأشياء لله عز وجل وإسلامها وسجودها له وتسبحها له # فإن هذه الأربعة قد ذكرها الله تعالى في القرآن قال تعالى @QB@ وقالوا ~~اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون بديع ~~السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون @QE@ سورة البقرة ~~116 117 وقال تعالى في سورة الروم @QB@ وله من في السماوات والأرض كل له ~~قانتون وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه @QE@ سورة الروم 26 27 # وأما الإسلام فقال تعالى @QB@ أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون @QE@ سورة آل عمران 83 # وأما السجود فقال تعالى @QB@ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال @QE@ سورة الرعد 15 وقال @QB@ أو لم يروا إلى ما ~~خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله ~~يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون @QE@ ~~PageV01P003 سورة النحل 48 49 وقال تعالى @QB@ ألم تر أن الله يسجد له من ~~في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ~~وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب @QE@ سورة الحج 18 # وأما التسبيح فقال تعالى @QB@ تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ~~@QE@ سورة الإسراء 44 وقال تعالى @QB@ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ~~@QE@ سورة الصف 1 سورة الحشر 1 في موضعين و @QB@ سبح لله ما في السماوات ~~والأرض @QE@ سورة الحديد 1 و @QB@ يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض ~~@QE@ سورة الجمعة 1 سورة التغابن 1 في موضعين فخمس سور افتتحت بذكر تسبح ما ~~في السموات وما في الأرض له ms001 وقال @QB@ ألم تر أن الله يسبح له من في ~~السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه @QE@ سورة النور 41 # فأما قوله تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه @QE@ سورة البقرة 116 ~~فهو نظير قوله @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا @QE@ سورة مريم 88 ~~95 وقد قال تعالى @QB@ قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في ~~السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون @QE@ سورة يونس 68 PageV01P004 وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه بل عباد مكرمون @QE@ إلى قوله @QB@ وهم من خشيته مشفقون @QE@ ~~سورة الأنبياء 26 29 # والقنوت في اللغة دوام الطاعة والمصلى إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده ~~فهو قانت في ذلك كله قال تعالى @QB@ أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ~~يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه @QE@ ( سورة الزمر 9 ) فجعله قانتا في حال ~~السجود والقيام # وفي الحديث الصحيح سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل فقال ~~طول القنوت ولم يرد به طول القيام فقط بل طول القيام والركوع والسجود كما ~~كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت معتدلة إذا أطال القيام أطال ~~الركوع والسجود # وقال تعالى @QB@ إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا @QE@ سورة النحل 120 ~~وقال تعالى @QB@ فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله @QE@ ( سورة ~~النساء 34 ) وقال تعالى @QB@ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ~~مسلمات مؤمنات قانتات @QE@ سورة التحريم 5 وقال تعالى @QB@ إن المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات @QE@ سورة الأحزاب 35 ~~وسمى إطالة القيام في الصلاة قنوتا لأنه يطيل فيه الطاعة ولو صلى قاعدا ~~لقنت وهو قاعد وكذلك إذا صلى على جنب قنت وهو على جنب والقيام ms002 قبل الركوع ~~يسمى أيضا قنوتا PageV01P005 # قال ابن قتيبة لا أرى أصل القنوت إلا الطاعة لأن جميع الخلال من الصلاة ~~والقيام فيها والدعاء وغير ذلك يكون عنها # وقال أبو الفرج قال الزجاج القنوت هو في اللغة بمعنيين أحدهما القيام ~~والثاني الطاعة والمشهور في اللغة والإستعمال أن القنوت الدعاء في القيام ~~فالقانت القائم بأمر الله ويجوز أن يقع في جميع الطاعات لأنه وإن لم يكن ~~قياما على الرجلين فهو قيام بالنية # قلت هذا ضعيف لا يعرف في اللغة أن مجرد القيام يسمى قنوتا والرجل يقوم ~~ماشيا وقائما في أمور ولا يسمى قانتا وهو في الصلاة يسمى قانتا لكونه مطيعا ~~عابدا ولو قنت قاعدا ونائما سمي قانتا وقوله تعالى @QB@ وقوموا لله قانتين ~~@QE@ سورة البقرة 238 يدل على أنه ليس هو القيام وإنما هو صفة في القيام ~~يكون بها القائم قانتا وهذه الصفة تكون في السجود أيضا كما قال @QB@ أم من ~~هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما @QE@ PageV01P006 # فقول القائل إن المشهور في اللغة أنه الدعاء في القيام إنما اخذه من كون ~~هذا المعنى شاع في اصطلاح الفقهاء إذا تكلموا في القنوت والصلاة وهذا عرف ~~خاص ومع هذا فالفقهاء يذكرون القنوت سواء صلى قائما أو قاعدا أو مضطجعا لكن ~~لما كان الفرض ليس يصح أن يصليه إلا قائما وصلاة القاعد على النصف من صلاة ~~القائم صار القنوت في القيام أكثر وأشهر وإلا فلفظ القنوت في القرآن واللغة ~~ليس مشهورا في هذا المعنى بل ولا أريد به هذا المعنى ولا هو أيضا مشتركا بل ~~اللفظ بمعنى الطاعة أو الطاعة الدائمة ولهذا يفسره المفسرون بذلك # وقد روى في ذلك حديث مرفوع رواه ابن أبي حاتم من النسخة المصرية التي ~~يروى منها الترمذي وغيره من حديث ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا ~~أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة PageV01P007 # وفي تفسير ابن أبي طلحة عن ابن ms003 عباس @QB@ فالصالحات قانتات @QE@ سورة ~~النساء 34 مطيعات # قال ابن أبي حاتم وروى عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك وعطاء وقتادة السدي مثل ~~ذلك # وروى عن مقاتل بن حيان قال مطيعات لله ولأزواجهن في المعروف # وروى عن سعيد بن جبير في قوله @QB@ والقانتين والقانتات @QE@ قال يعني ~~المطيعين والمطيعات # قال وروى عن قتادة والسدي وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم مثل ذلك وروى ~~بإسناده عن أبي العالية في قوله @QB@ يا مريم اقنتي لربك @QE@ سورة آل ~~عمران 43 قال اركدي لربك وعن الأوزاعي قال ركدت في محرابها قائمة وراكعة ~~وساجدة حتى نزل ماء الأصفر في قدميها # وعن الحسن أنه سئل عن قوله @QB@ اقنتي لربك واسجدي @QE@ قال يقول اعبدي ~~لربك # وعن ليث عن مجاهد قال كانت تقوم حتى تتورم قدماها # وقوله تعالى @QB@ أم من هو قانت آناء الليل @QE@ قال ابن أبي حاتم تقدم ~~تفسير القانت في غير موضع القانت الذي يطيع الله ورسوله # وروى عن أحمد بن سنان عن عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان عن فراس عن الشعبي ~~عن مسروق عن عبدالله بن مسعود قال القانت الذي يطيع الله ورسوله ~~PageV01P008 # فهذا تفسير السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم لألفاظ القنوت في ~~القرآن $ فصل # وكذلك فسروا القنوت في قوله @QB@ بل له ما في السماوات والأرض كل له ~~قانتون @QE@ سورة البقرة 116 لكن تنوع كلامهم في طاعة المخلوقات كلها لما ~~رأوا أن من الجن والإنس من يعصي أمر الله الذي بعث به رسله فذكر كل واحد ~~نوعا من القنوت الذي يعم المخلوقات # قال ابن أبي حاتم اختلف في قوله @QB@ كل له قانتون @QE@ على أوجه وروى ~~بإسناده الحديث المرفوع كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة # وروى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قانتون قال مطيعون يقول طاعة الكافر في ~~سجوده سجود ظله وهو كاره # وأيضا عن شريك عن خصيف عن مجاهد @QB@ كل له قانتون @QE@ قال مطيعون كن ~~إنسانا فكان وقال كن حمارا فكان ففسرها مجاهد بالسجود طوعا وكرها وفسر ~~الكره بسجوده ظله وفسرها أيضا بطاعة أمره ms004 الكوني وهو قوله @QB@ إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ سورة يس 82 وهذا الأمر الكوني لا ~~يخرج عنه أحد PageV01P009 # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول أعوذ بكلمات الله ~~التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر # وهذان الوجهان ذكرهما ابن الأنباري مع ذكره وجها آخر أنها خاصة قال أبو ~~الفرج فإن قيل كيف عم بهذا القول وكثير من الخلق ليس له بمطيع ففيه ثلاثة ~~أجوبه # أحدها أن يكون ظاهرها العموم ومعناها معنى الخصوص والمعنى كل أهل الطاعة ~~له قانتون والثاني أن الكفار تسجد ظلالهم لله بالغدو والآصال والعشيات فنسب ~~القنوت إليهم بذلك والثالث أن كل مخلوق قانت له بأثر صنعه فيه وجرى أحكامه ~~عليه فذلك دليل على إله كونه ذكرهن ابن الأنباري # قال ابن أبي حاتم الوجه الثاني حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا أسباط عن مطرف ~~عن عطية عن ابن عباس قال قانتون مصلون PageV01P010 # قلت وهذا من جنس وصفها بالسجود له والتسبيح قال تعالى @QB@ ألم تر أن ~~الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه ~~@QE@ سورة النور 41 لكن قد يقال فالصلاة صلاة المخلوقات والمؤمنين ولم يرد ~~أن الكافرين يصلون فتكون الآية خاصة ولهذا حكى عن ابن عباس أنه قال هي خاصة # قال والوجه الثالث ثم روى بالإسناد المروي عن الحسين بن واقد عن أبيه عن ~~يزيد النحوي عن عكرمة كل له قانتون قال مقرون بالعبودية قال وروى عن أبي ~~مالك نحوه # قلت وهذا إخبار عما فطروا عليه من الإقرار بأن الله ربهم كما قال @QB@ ~~وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى @QE@ الآية ( سورة الأعراف 172 ) فإن هذه الآية بينه في إقرارهم ~~وشهادتهم على أنفسهم بالمعرفة التي فطروا عليها أن الله ربهم وقال صلى الله ~~عليه وسلم كل مولولد مولد على الفطرة # وطائفة من العلماء جعلوا هذا الإقرار لما استخرجوا من صلب آدم وأنه ~~أنطقهم وأشهدهم لكن ms005 هذا لم يثبت به خبر صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والآية لا تدل عليه PageV01P011 # وإنما الذي جاءت به الأحاديث المعروفة أنه استخرجهم وأراهم لآدم وميز بين ~~أهل الجنة وأهل النار منهم فعرفوا من يومئذ هذا فيه مأثور من حديث أبي ~~هريرة رواه الترمذي وغيره بإسناد جيد وهو أيضا من حديث عمر بن الخطاب الذي ~~رواه أهل السنن ومالك في الموطأ وهو يصلح للإعتضاد # وأما إنطاقهم وإشهادهم فروى عن بعض السلف وقد روى عن أبي وابن عباس ~~وبعضهم رواه مرفوعا من طريق ابن عباس وغيره وروى ذلك الحاكم في صحيحه لكن ~~هذا ضعيف وللحاكم مثل هذا يروى أحاديث PageV01P012 موضوعة في صحيحه مثل ~~حديث زريب بن برثملي وهامة بن الهيم وغير ذلك وبسط هذا له موضع آخر ~~PageV01P013 # لكن كون الخلق مفطورين على الإقرار بالخالق أمر دل عليه الكتاب والسنة ~~وهو معروف بدلائل العقول كما قد بسط في مواضع وبين أن الإقرار بالخالق فطري ~~ضروري في جبلات الناس لكن من الناس من فسدت فطرته فاحتاج إلى دواء بمنزلة ~~السفسطة التي تعرض لكثير من الناس في كثير من المعارف الضرورية كما قد بسط ~~في غير هذا الموضع # وهؤلاء يحتاجون إلى النظر وهذا الذي عليه جمهور الناس أن أصل المعرفة قد ~~يقع ضروريا فطريا وقد يحتاج فيه إلى النظر والإستدلال # وكثير من أهل الكلام يقول إنه لا يجوز أن تقع المعرفة ضرورية بل لا تقع ~~إلا بنظر وكسب قالوا لأنها لو وقعت ضرورة لارتفع التكليف والإمتحان ومنهم ~~من ادعى انتفاء ذلك في الواقع وهذا ضعيف لأن الإمتحان والتكليف الذي جاءت ~~به الرسل كان بأن يعبدوا الله وحده لا يشركون به إلى هذا دعا عامة الرسل ~~ومن كان من الناس جاحدا دعوه إلى الإعتراف PageV01P014 بالصانع كفرعون ~~ونحوه مع أنه كان في الباطن عارفا وإنما جحد ظلما وعلوا كما قال تعالى @QB@ ~~وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ سورة النمل 14 وقال له موسى ~~@QB@ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر @QE@ سورة ~~الإسراء ms006 102 # وخاتم الرسل دعا الناس إلى الشهادتين فقال أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وقال لمعاذ في الحديث الصحيح إنك تأتي قوما أهل كتاب ~~فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم ~~والليلة فإن هم أطاعوا لك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من ~~أغنيائهم فترد في فقرائهم # ولهذا قالت الرسل لقومهم ما أخبر الله تعالى به في قوله عز وجل @QB@ ألم ~~يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم ~~إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم @QE@ إلى قوله ~~@QB@ وعلى الله فليتوكل المؤمنون @QE@ سورة إبراهيم 9 11 PageV01P015 # وأيضا فإن المعارف لا بد أن تنتهي إلى مقدمات ضرورية وهم لا يؤمرون ~~بتحصيل الحاصل بل يؤمرون بالعمل بموجبها وبعلوم أخرى يكتسبونها بها # وأيضا فإن أكثر الناس غافلون عما فطروا عليه من العلم فيذكرون بالعلم ~~الذي فطروا عليه وأصل الإقرار من هذا الباب ولهذا توصف الرسل بأنهم يذكرون ~~ويصف الله تعالى آياته بأنها تذكرة وتبصرة كما في قوله @QB@ تبصرة وذكرى ~~لكل عبد منيب @QE@ سورة ق 8 # فإذا كان من المعارف ما هو ضروري بالإتفاق ولم يكن ذلك مانعا من الأمر ~~والنهي إما بتذكرة وإما بالإستدلال فيؤمر الناس تارة بالتذكرة وتارة ~~بالتبصرة ثم يؤمر الناس أن يقروا بما علموه ويشهدوا به فلا يعاندوه ولا ~~يجحدوه وأكثر الكفار جحدوا ما علموه # والإعتراف بالحق الذي يعلم والشهادة به والخضوع لصاحبه لا بد منه في ~~الإيمان وإبليس وفرعون وغيرهما كفروا للعناد والإستكبار كما ذكر الله تعالى ~~ذلك في كتابه # ولكن الجهمية لما ظنت أن مجرد معرفة القلب هي الإيمان أرادوا أن يجعلوا ~~ذلك مكتسبا وزعموا أن من كفره الشرع كإبليس وفرعون لم يكن في قلبه من ~~الإقرار شيء كما زعموا أنه ms007 يمكن أن يقوم بقلب العبد إيمان تام مع كونه ~~يعادي الله ورسوله ويسب الله ورسوله في الظاهر من غير إكراه PageV01P016 # ولهذا كفر وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة من قال بقولهم ~~كما هو مبسوط في مواضعه # والمقصود هنا بيان قول من قال من السلف كعكرمة وأبي مالك @QB@ كل له ~~قانتون @QE@ أي مقرون له بالعبودية # قال ابن أبي حاتم والوجه الرابع ثم روى بإسناده المعروف عن الربيع بن أنس ~~@QB@ كل له قانتون @QE@ قال كل له قائم يوم القيامة # والخامس ثم روى بإسناده من حديث عبدالله بن المبارك عن شريك عن سالم عن ~~سعيد بن جبير @QB@ كل له قانتون @QE@ بقول الإخلاص # قلت وهذا إن أراد به اعترافهم بأنه ربهم وأنهم إذا اضطروا دعوا الله ~~PageV01P017 مخلصين له الدين فهو من جنس قول عكرمة وإلا فالإخلاص الذي ~~أمروا به وهو أن يعبدوا الله مخلصين له الدين إنما قام به المؤمنون وهذا ~~إنما يكون على قول من يزعم أن الآية خاصة ولم يذكر ابن أبي حاتم هذا صريحا ~~عن أحد من السلف إلا أن يتأول على ذلك قول ابن عباس أو قول سعيد # هذا ولم يذكر أبو الفرج هذا عن أحد من السلف لم يذكره إلا فيما تقدم عن ~~ابن الأنباري بل قال وللمفسرين في المراد بالقنوت ههنا ثلاثة أقوال أحدها ~~أنه الطاعة قاله ابن عباس وابن جبير ومجاهد وقتادة والثاني الإقرار ~~بالعبادة قاله عكرمة والسدي والثالث القيام قاله الحسن والربيع # قال وفي معنى القيام قولان أحدهما أنه القيام له بالشهادة بالعبودية ~~والثاني أنه القيام بين يديه يوم القيامة # لكن طائفة من المفسرين ذكروا عن المفسرين قولين كالثعلبي والبغوي وغيرهما ~~قالوا واللفظ للبغوي @QB@ كل له قانتون @QE@ قال مجاهد وعطاء والسدي مطيعون ~~وقال عكرمة ومقاتل مقرون بالعبودية وقال ابن كيسان قائمون بالشهادة وأصل ~~القنوت القيام قال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة طول القنوت # قال واختلفوا في حكم الآية فذهب جماعة إلى أن حكم الآية خاص قال مقاتل هو ~~راجع إلى عزير ms008 والمسيح والملائكة وعن ابن عباس أنه قال هو راجع إلى أهل ~~طاعته دون سائر الناس # قال وذهب جماعة إلى أن حكم الآية عام في جميع الخلق لأن لفظ الكل يقتضي ~~الإحاطة بالشيء بحيث لا يشذمنه شيء ثم سلكوا في الكفار طريقين قال مجاهد ~~تسجد ظلالهم لله عز وجل على كره منهم قال تعالى @QB@ وظلالهم بالغدو ~~والآصال @QE@ PageV01P018 سورة الرعد 15 وقال السدي هذا يوم القيامة دليله ~~@QB@ وعنت الوجوه للحي القيوم @QE@ سورة طه 111 وقيل قانتون مذللون مسخرون ~~لما خلقوا له # قلت من قال بالخصوص فإنه قد ينظر إلى سبب الآية وهو أنهم قالوا اتخذ الله ~~ولدا وهذا إنما قالوه في الملائكة والأنبياء كالمسيح والعزير فبين سبحانه ~~أن الذين قيل فيهم إنه اتخذهم أولادا هم عباد قانتون له كما ذكر في ~~الأنبياء @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى وهم من خشيته مشفقون @QE@ سورة الأنبياء 26 28 فإن الضمير في قوله ~~@QB@ وقالوا @QE@ عائد على المشركين وهم إنما قالوا ذلك في الملائكة وأما ~~المسيح وعزير فإنما قال ذلك فيهما أهل الكتاب وسياق الآية يبين ذلك فإنه ~~قال @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا ~~لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق @QE@ إلى قوله سبحانه @QB@ بل عباد مكرمون @QE@ سورة الأنبياء 16 26 # وقوله تعالى @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين @QE@ وقوله ~~@QB@ لهوا @QE@ قد فسر بالولد والمرأة وفسر باللعب فإن هذه الآية نظير قوله ~~@QB@ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ~~@QE@ الآية ( الدخان 38 39 ) ونظير قوله @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا @QE@ الآية ( سورة ص 27 ) ونظير قوله @QB@ ~~وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح ~~الصفح الجميل @QE@ سورة الحجر 85 ومثله قوله تعالى @QB@ أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا @QE@ الآية ms009 ( سورة المؤمنون 115 ) # فقوله @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين @QE@ سورة ~~الأنبياء 16 PageV01P019 فنزه نفسه أن يكون فعله كفعل اللاعب العابث الذي ~~لا يقصد غاية محمودة يريد سوق الوسائل إليها فإن هذا فعل الجاد الذي يجيء ~~بالحق كما قال إبراهيم لما آتاه الله رشده من قبل التوراة والقرآن @QB@ إذ ~~قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا ~~لها عابدين @QE@ إلى قوله @QB@ أم أنت من اللاعبين قال بل ربكم رب السماوات ~~والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين @QE@ سورة الأنبياء 52 56 فهو ~~لما قال ما قال @QB@ قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين @QE@ الآية 55 ~~فالذي يأتي بالحق خلاف اللاعب فإنه يقصد أن يخبر بصدق ويأمر بما ينفع وهو ~~العدل بخلاف اللاعب العابث فإنه ليس مقصوده هذا بل اللهو واللعب # ولهذا قد يشتم الإنسان على وجه اللعب ويفعل به أفعال منكرة فلا ينكر ذلك ~~كما ينكره من الجاد المحق ولهذا كان عامة اللهو باطلا ليس له منفعة كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم كل لهو يلهو به الرجل لهو باطل إلا رميه بقوسه ~~وتأديبه فرسه وملاعبة امرأته فإنه من الحق فالحق ضد الباطل واللهو باطل ~~ولهذا تنزه سبحانه عن أن يخلقهما باطلا # @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين @QE@ فاللاعب صاحب باطل ~~لا صاحب حق ولهذا لما دخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده الأسود ~~بن سريع ينشده فأسكته مرتين أو ثلاثا قال من هذا الذي تسكتني له قال هذا ~~رجل لا يحب الباطل فإن عمر كان لا يحبه ولا يصبر على صاحبه والنبي ~~PageV01P020 صلى الله عليه وسلم كان أحلم وأصبر من عمر فهو أيضا لا يحب ~~الباطل لكنه يصبر ويحتمل منه ما لم يكن محرما ولكن هو لا منفعة فيه لفاعله ~~فإذا فعله احتمله عليه فهذا بيان قول من فسر اللاعب بالعابث وله نظائر # والذين فسروا بالولد والزوجة قالوا ذلك لأن من المشركين من جعل لله ولدا ~~وصاحبة وقالوا ms010 إنه ضاهى الحق وهم يسمون المرأة لهوا والولد لهوا وقال ابن ~~قتيبة أصل اللهو الجماع وكنى عنه باللهو كما كنى عنه بالسر # والنبي صلى الله عليه وسلم قد يجعل ملاعبة الرجل امرأته من اللهو الذي ~~ليس بباطل والرب تعالى منزه عن اللعب مطلقا فإن الذي يلاعب امرأته إنما ~~يفعل ذلك لحاجته إلى المرأة وحكمة ذلك بقاء النسل والله تعالى منزه عن ~~الولادة فتضمنت هذه الآية تنزيهه عن الخلق عبثا لا لحكمة فإن ذلك لعب وعبث ~~وتضمنت تنزيهه عن أن يتخذ ما يلهى به كالمرأة والولد ولهذا بين بعد ذلك أنه ~~إنما خلق ذلك بالحق وأنه منزه عن الأولاد وقال @QB@ بل نقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه @QE@ واللهو كله باطل في حق الله تعالى وإن كان بعضه من الحق ~~في حق العباد # وهو سبحانه وتعالى قال @QB@ لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا @QE@ ~~فإن ما يلهو به اللاهي يكون عنده لا يكون بعيدا عنه ونحن PageV01P021 خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما فكيف يكون هذا لعبا @QB@ بل نقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون @QE@ ثم قال @QB@ وله من ~~في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون @QE@ سورة الأنبياءي 19 20 ثم رد على من أشرك به ~~ثم حكى قول المشركين الذين قالوا اتخذ الرحمن ولدا قال سبحانه @QB@ بل عباد ~~مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين @QE@ سورة الأنبياء 26 29 فهذه ~~صفة الملائكة والمسيح والعزير ونحوهما أيضا هم بهذه الصفة فإنهم عباد ~~مكرمون قال تعالى عن المسيح @QB@ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه @QE@ سورة ~~الزخرف 59 وقال @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون @QE@ سورة النساء 172 # فلما قال تعالى في البقرة @QB@ وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ms011 ما في ~~السماوات والأرض كل له قانتون @QE@ والذين قالوا اتخذ الله ولدا جعله إما ~~من الملائكة وإما من الآدميين كالمسيح والعزير فقوله تعالى @QB@ كل له ~~قانتون @QE@ يبين أن هؤلاء الذين قيل فيهم إنهم أولاد هم عباد له مطيعون ~~كما ذكر في الأنبياء وغيرها وكما قال @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ~~فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ ~~سورة الإسراء 56 57 فبين أن هؤلاء المعبودين هم يعبدون الله تعالى ومثله ~~قوله @QB@ قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ~~@QE@ PageV01P022 سورة الإسراء 42 على أصح القولين # فهذا مأخذ من جعل الآية خاصة لكن يقال الآية لفظها عام والعموم مقصود ~~منها كما هو مقصود من قوله سبحانه @QB@ بل له ما في السماوات والأرض @QE@ ~~ثم قال @QB@ كل له قانتون @QE@ فلما كان قوله @QB@ ما في السماوات وما في ~~الأرض @QE@ عاما تبين أن الجميع مملوك له والمملوك لا يكون ولدا وتبين أيضا ~~أن كلهم له قانتون مطيعون عابدون والعابد المطيع لا يكون إلا مملوكا لا ~~يكون ولدا # وأيضا فإنه قد ذكر القنوت في سورة الروم مجردا عن الولد فقال تعالى @QB@ ~~ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا ~~أنتم تخرجون @QE@ سورة الروم 25 ثم قال @QB@ وله من في السماوات والأرض كل ~~له قانتون وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ سورة الروم 26 27 فبين أن @QB@ له ~~ما في السماوات والأرض كل له قانتون @QE@ وتخصيص هذا بمن قيل إنه ولد فاسد ~~ظاهر الفساد وكذلك تخصيصه بالمؤمنين فإن هذا مذكور لبيان عموم الملك ~~والإقتداء وخضوع المخلوقات كلها له فلو خص به المؤمنون لكان ذلك عكس ~~المقصود # وهو مثل قوله @QB@ أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها @QE@ سورة آل عمران 83 ms012 فهو سبحانه يدعوهم إلي PageV01P023 دين ~~الإسلام ويبين أن كل ما في السماوات والأرض مسلم لله إما طوعا وإما كرها ~~وإذا كان لا بد من أحدهما فالإسلام له طوعا هو الذي ينفع العبد فلا يجوز أن ~~يتخذ غير هذا الدين دينا فإنه ذكر هذا في تقرير أن كل دين سوى الإسلام باطل ~~فقال @QB@ أفغير دين الله يبغون @QE@ وذكر بعد ذلك ما يصير به العبد مسلما ~~مؤمنا فقال @QB@ قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ سورة آل عمران 84 85 ذكر عبادة الله وحده ~~والإيمان برسله كلهم كما ذكر في سورة البقرة قال أبو العالية قوله @QB@ ~~فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون @QE@ سورة الحجر 92 93 قال خصلتان ~~يسأل عنهما كل أحد ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين وكذلك ذكر سجود ~~من في السماوات والأرض له طوعا وكرها والسجود هو الخضوع وهو القنوت # وأيضا فإذا كانت الصيغة عامة لم يجز أن يراد بها الخصوص إلا مع ما يبين ~~ذلك فأما إذا جردت عن المخصصات فإنها لا تكون إلا عامة والآية عامة عموما ~~مجردا بل مؤكدا بما يدل على العموم وأما تخصيص المؤمنين فهذا يكون إذا ~~مدحوا بذلك أو ذكر جزاء الآخرة وليس المقصود هنا مدح المؤمنين بطاعته وإنما ~~المقصود بيان قدرته وملكه وخضوع كل شيء له وأنه مع هذا وهذا يمتنع أن يكون ~~له ولد مع خضوع كل شيء له وقنوته له ويقال في الركوع من التسبيح المأثور ~~فيه سبحان من تواضع كل شيء لعظمته سبحان من ذل كل شيء لعزته سبحان من ~~استسلم كل شيء لقدرته PageV01P024 # وعلى هذا فالقنوت الذي يعم المخلوقات أنواع # أحدها طاعة كل شيء لمشيئته وقدرته وخلقه فإنه لا يخرج شيء عن مشيئته ~~وقدرته وملكه بل هو مدبر معبد مربوب مقهور ولو تخيل ms013 إليه في نفسه أنه لا رب ~~له وأنه يقدر أن يخرج عن ملك الرب فهذا من جنس ما يتخيل للسكران والنائم ~~المأسور المقهور والمجنون المربوط بالأقياد والسلاسل بل نفوذ مشيئته الرب ~~وقدرته في المستكبرين عن عبادته أعظم من فوذ أمر الآسر في أسيره والسيد في ~~مملوكه وقيم المارستان في المجنون بكثير كثير # وهذا متوجه على قول أهل السنة الذين يقولون لا يكون في ملكه إلا ما يشاء ~~فليس لأحد خروج عن القدر المقدور ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور ~~بخلاف قول القدرية فإن العصاة على قولهم خرجوا عن مشيئة وقدرته وحكمه ~~وسلطانه وخلقه فليسوا قانتين لا لأمره الشرعي ولا لأمره القدري الكوني وأما ~~أهل السنة فيقولون إنهم قانتون لمشيئته وحكمه وأمره الكوني كما تقدم # وعلى هذا الوجه فالقانت قد لا يشعر بقنوته فإن المراد بقنوته كونه مدبرا ~~مصرفا تحت مشيئة الرب من غير امتناع منه بوجه من الوجوه وهذا شامل للجمادات ~~والحيوانات وكل شيء قال تعالى @QB@ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها @QE@ ~~سورة هود 56 وقال تعالى @QB@ فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ~~@QE@ سورة يس 83 # النوع الثاني من القنوت هو ما يشعر به القانت وهو اعترافهم كلهم بأنهم ~~مخلوقون مربوبون وأنه ربهم كما تقدم # الثالث أنهم يضطرون إليه وقت حوائجهم فيسألونه ويخضعون له وإن كانوا إذا ~~أجابهم أعرضوا عنه قال الله تعالى @QB@ وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه ~~أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه @QE@ ~~PageV01P025 سورة يونس 12 وقال تعالى @QB@ وإذا مسكم الضر في البحر ضل من ~~تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا @QE@ سورة ~~الإسراء 67 وهو أخبر أنهم كلهم قانتون فإذا قنتوا له فدعوه وتضرعوا إليه ~~عند حاجتهم كانوا قانتين له وإن كان إذا كشف الضر عنهم نسوا ما كانوا يدعون ~~إليه وجعلوا له أندادا # الرابع أنهم كلهم لا بد لهم من القنوت والطاعة في كثير من أوامره وإن ~~عصوه ms014 في البعض وإن كانوا لا يقصدون بذلك طاعته بل يسلمون له ويسجدون طوعا ~~وكرها وذلك أنه أرسل الرسل وأنزل الكتب بالعدل فلا صلاح لأهل الأرض في شيء ~~من أمورهم إلا به ولا يستطيع أحد أن يعيش في العالم مع خروجه عن جميع ~~أنواعه بل لا بد من دخوله في شيء من أنواع العدل حتى قطاع الطريق لا بد لهم ~~فيما بينهم من قانون يتفقون عليه ولو أراد واحد منهم أن يأخذ المال كله لم ~~يمكنوه وأظلم الناس وأقدرهم لا يمكنه فعل كل ما يريد بل لا بد من أعوان ~~يريد أرضاءهم ومن أعداء يخاف تسلطهم ففي قلبه رغبة ورهبة تلجئه إلى أن ~~يلتزم من العدل الذي أمر الله تعالى به ما لا يريده فيسلم لله ويقنت له وإن ~~كان كارها وهو سبحانه قال @QB@ كل له قانتون @QE@ والقنوت العام يراد به ~~الخضوع والإستسلام والإنقياد وإن كان في الابطن كارها كطاعة المنافقين هم ~~خاضعون للمؤمنين مطيعون لهم في الظاهر وإن كانوا يكرهون هذه الطاعة # الخامس خضوعهم لجزائه لهم في الدنيا والآخرة كما ذكر من ذكر أنهم قانتون ~~يوم القيامة وهو سبحانه قد يجزي الناس في الدنيا فيهلكهم وينتقم منهم ~~PageV01P026 كما أهلك قوم نوح وعادا وثمود وفرعون فكانوا خاضعين منقادين ~~لجزائه وعقابه قانتين له كرها # والجزاء يكون في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة وهو سبحانه قائم على كل ~~نفس بما كسبت وهو قائم بالقسط والجميع مستسلمون لحكمه قانتون له في جزائهم ~~على أعمالهم والمصائب التي يصيبهم في الدنيا جزاء لهم قال تعالى @QB@ وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم @QE@ سورة الشورى 30 وقال تعالى @QB@ ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ سورة النساء 79 # فهذه خمسة أنواع قنوتهم لخلقه وحكمه وأمره قدرا واعترافهم بربوبيته ~~واضطراهم إلى مسألته والرغبة إليه ودخولهم فيما يأمر به وإن كانوا كارهين ~~وجزاؤهم على أعماله ودخولهم فيما يأمر به مع الكراهة يدخل فيه المنافق ~~والمعطي للجزية عن يد وهو ساغر والذي يسلم أولا رغبة ms015 ورهبة فالقنوت شامل ~~داخل للجميع لكن المؤمن يقنت له طوعا وغيره يقنت له كرها قال الله تعالى ~~@QB@ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ ( سورة الرعد 15 ) $ ~~فصل # والسجود من جنس القنوت فإن السجود الشامل لجميع المخلوقات هو المتضمن ~~لغاية الخضوع والذل وكل مخلوق فقد تواضع لعظمته وذل لعزته واستسلم لقدرته ~~ولا يجب أن يكون سجود كل شيء مثل سجود الإنسان على سبعة أعضاء ووضع جبهة في ~~رأس مدور على التراب فإن هذا سجود مخصوص من الإنسان ومن الأمم من يركع ولا ~~يسجد وذلك سجودها PageV01P027 كما قال تعالى @QB@ وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة @QE@ سورة البقرة 58 وإنما قيل ادخلوه ركعا ومنهم من يسجد على ~~جنب كاليهود فالسجود اسم جنس ولكن لما شاع سجود الآدميين المسلمين صار كثير ~~من الناس يظن أن هذا هو سجود كل أحد كما في لفظ القنوت # وكذلك لفظ الصلاة لما كان المسلمون يصلون الصلاة المعروفة صار يظن من يظن ~~أن كل من صلى فهكذا يصلي حتى صار بعض أهل الكتاب ينفرون من قولنا إن الله ~~يصلي وينزهونه عن ذلك فإنهم لم يعرفوا من لفظ الصلاة إلا دعاء المصلي لغيره ~~وخضوعه له ولا ريب أن الله منزه عن ذلك لكن ليست هذه صلاته سبحانه وقد قال ~~الله تعالى @QB@ ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير ~~صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه @QE@ سورة النور 41 # وهو سبحانه قد ذكر سجود الظل في غير موضع كقوله @QB@ لم يروا إلى ما خلق ~~الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون @QE@ سورة ~~النحل 48 وقال تعالى @QB@ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال @QE@ سورة الرعد 15 ومعلوم أن الظل إذا سجد لم يسجد ~~على سبعة أعضاء يضع رأسه ويديه ثم يرفع رأسه ويديه بل سجوده ذله وخضوعه # وقد سمى الله تعالى المنحني ساجدا وإن لم يصل إلى الأرض في قوله @QB@ وإذ ~~قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث ms016 شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين @QE@ سورة البقرة 58 وفي ~~الأعراف @QB@ وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا ~~حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين @QE@ PageV01P028 ~~سورة الأعراف 161 فهنا لما أمرهم بالسكنى وهي المقام قال @QB@ وكلوا منها ~~حيث شئتم @QE@ ولم يحتج أن يقال رغدا فإن الساكن المقيم مطمئن وهناك قال ~~@QB@ ادخلوا هذه القرية @QE@ قال @QB@ فكلوا منها حيث شئتم رغدا @QE@ فبين ~~أنهم يأكلون رغدا فيتهنون لا يخافون الخروج وبسط الكلام في البقرة وذكر ~~الدخول لأنه قبل السكنى ولهذا قال @QB@ رغدا @QE@ وقال @QB@ وسنزيد @QE@ ~~وقال @QB@ فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا ~~رجزا من السماء بما كانوا يفسقون @QE@ سورة البقرة 59 # وقدم السجود لأنه أهم وقد اختلفوا في هذا السجود فقيل هو الركوع كما روى ~~ابن أبي حاتم من وجهين ثابتين عن سفيان الثوري عن الأعمش عن المنهال عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله @QB@ ادخلوا الباب سجدا @QE@ قال ركعا من ~~باب صغير فدخلوا من قبل أستاههم وقالوا حنطة وقيل بل هو السجود بالأرض ثم ~~قيل ما رواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال سجدا قال كان سجود أحدهم ~~على خده وروى عن وهب بن منبه قال إذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله فكأن صاحب ~~هذا القول جعل السجود بعد الدخول ومن قال بهذا أو قال بأنهم أمروا بالركوع ~~فهو يقول دخولهم وهم سجد بالأرض فيه PageV01P029 صعوبة وقد يؤذي أحدهم ولكن ~~هو ممكن فإن الإنسان يمكنه حال السجود أن يزحف إذا كانت الأرض لا تؤذيه # وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم ادخلوا ~~الباب سجدا وقولوا حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم ويقولون حبة في شعرة # فهذا هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال ابن عباس وابن مسعود ~~وغيرهما في ذلك أقوالا تخالف هذا فقال خصيف عن عكرمة عن ابن عباس فدخلوا ~~على شق ms017 وروى السدي عن أبي سعد الأزدي عن أبي الكنود عن ابن مسعود فدخلوا ~~مقنعي رؤوسهم # قال ابن أبي حاتم اختلف التابعون فروى عن مجاهد نحو قول عكرمة عن ابن ~~عباس وروى عن السدي نحو ما روى عن ابن مسعود وعن مقاتل أنهم دخلوا منكفئين ~~وأما القول فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا حبة في شعره ~~وإذا ثقبت الحبة وأدخلت فيها الشعرة فإنه يقال حبة في PageV01P030 شعرة ~~ويقال شعرة في حبة وهذا معنى ما رواه السدي عن مرة عن ابن مسعود أنه قال ~~إنهم قالوا هطى سمقاثا أزبه مزبا وهي بالعربية حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها ~~شعرة سوداء فذلك قوله تعالى @QB@ فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ~~@QE@ وكذلك رواه السدي عن أبي سعد الأزدي عن أبي الكنود عن ابن مسعود وهذا ~~موافق لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما تكلم بالعربية وهذا اللفظ أخذه ابن مسعود عن أهل الكتاب وهذا أصح من ~~قول ابن عباس أنهم قالوا حنطة مع أن هذا مروي عن غير واحد # قال ابن أبي حاتم وروى عن مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة والضحاك والحسن ~~والربيع ويحيى بن رافع نحو ذلك لكن قد يقال الحبة هي الحنطة وهم لم يقولوا ~~بالعربية بل بلسانهم وهم إذا قالوا بلسانهم ما معناه حبة حنطة جاز أن يقال ~~حنطة وحديث ابن مسعود وقد ذكر أنهم قالوا حبة حنطة فلا يكون في القول خلاف # وأبو الفرج ذكر خمسة أقوال وهي ترجع إلى هذا ذكر الحديث المرفوع والثاني ~~حنطة والثالث أنهم قالوا حبة حنطة حمراء فيها شعرة سوداء قاله ابن مسعود ~~والرابع كذلك إلا أنهم قالوا مثقوبة قاله السدي عن أشياخه # قلت كلاهما رواه السدي عن ابن مسعود وهما قول واحد # قال والخامس أنهم قالوا استقلابا قاله أبو صالح PageV01P031 # قلت هذا الذي ذكره ابن مسعود بلسانهم سمقاثا وقد فسره بذلك # قال الأقوال كلها واحدة بخلاف صفة الدخول فإن الثابت عن النبي ms018 صلى الله ~~عليه وسلم أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم وفي لفظ على أوراكهم والمعنى واحد ~~وما نقل خلاف هذا فإنما أخذ عن أهل الكتاب وقد كان يؤخذ عنهم الحق والباطل ~~وقول ابن مسعود مقنعي رؤوسهم لا يناقض الزحف على أستاههم وابن عباس قال ~~يزحفون على أستاههم كالمرفوع وقال قيل ادخلوا ركعا فلو جزمنا أن هذا مأخوذ ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم لجزمنا بأن الله أمرهم بالركوع لكن ظاهر ~~القرآن هو السجود والسجود المطلق هو السجود المعروف وكون الباب جعل صغيرا ~~إنما يكون لمن يكره على الدخول منه ليحتاج أن ينحني وهؤلاء قصدت طاعتهم ~~فأمروا بالخضوع لله والإستغفار فدخولهم سجدا هو خضوع لله وقولهم حطه أي ~~احطط عنا خطايانا هو استغفارهم كما أخبر الله تعالى أن داود خر راكعا وأناب ~~وكما شرع للمسلمين أن يستغفروا في سجودهم # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده اللهم ~~اغفر لي ذنبي كله دقه وجله أوله وآخره علانيته وسره وكان أيضا يقول اللهم ~~إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء ~~عليك أنت كما اثنيت على نفسك وكان يقول في PageV01P032 ركوعه وسجوده سبحانك ~~اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن وثبت في الصحيح لمسلم عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ~~ساجد فأكثروا الدعاء وفي الصحيح أيضا لمسلم عن ابن عباس قال كشف النبي صلى ~~الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال يا أيها الناس إنه لم ~~يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ألا وإني ~~نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما ~~السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم # ففي هذين الحديثن أنه خص السجود بالأمر بالدعاء فيه ولهذا كان من أهل ~~العلم من يكره الدعا ءفي الركوع دون السجود # وحنيئذ فأمرهم بالإستغفار وقولهم ms019 حطة في السجود أشبه فلم يثبت لنا إلى ~~الآن أن الركوع يسمى سجودا بخلاف العكس فإنه قال في حق داود @QB@ وخر راكعا ~~وأناب @QE@ سورة ص 24 وقد ثبت بالنص الصحيح واتفاق الناس أن داود سجد كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا وفي صحيح ~~مسلم عنه عن ابن عباس قال نبيكم ممن أمر أن يقتدى به سجدها داود فسجدها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صحيح PageV01P033 مسلم عنه أيضا قال رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها وفي الترمذي وغيره عن ابن عباس قال ~~جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني رأيتني الليلة ~~وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها وهي تقول اللهم ~~اكتب لي بها عندك أجرا وضع عني بها وزرا واجعلها لي عندك ذخرا وتقبلها مني ~~كما تقبلتها من عبدك داود فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سجدة ص ثم سجد ~~فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل من قول الشجرة # والآثار عن السلف متواترة بأن داود سجد فكل ساجد راكع وليس كل راكع ساجد ~~فإنه إذا سجد من قيام انحنى انحناء الراكع وزاد فإنه يصير ساجدا ولو صلى ~~قاعدا أيضا انحنى انحناء الركوع وزاد فإنه يصير ساجدا فالساجد راكع وزيادة ~~فلهذا جاز أن يسمى راكعا وأن يجعل الركوع نوعين ركوعا خفيفا وركوعا تاما ~~فالقيام هو السجود بخلاف لفظ السجود فإنه إنما يستعمل في غاية الذل والخضوع ~~وهذه حال الساجد لا الراكع PageV01P034 # لكن ليس من شرط السجود مطلقا أن يصل إلى الأرض فقد ثبت في الأحاديث أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت به ويوتر ~~عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة # وقد اتفق المسلمون على أن المسافر الراكب يتطوع على راحلته ويجعل سجوده ~~أخفض من ركوعه وإن كان لا يسجد على مستقر وكذلك الخائف قال تعالى @QB@ فإن ~~خفتم فرجالا أو ركبانا @QE@ سورة ms020 البقرة 239 يصلي إلى القبلة وإلى غير ~~القبلة ويومىء بالركوع والسجود ولا يصل إلى الأرض # فعلم أن الهيئة المأمور بها في السجود على الأرض وعلى سبعة أعضاء هي أكمل ~~سجود ابن آدم وله سجود لا يسجد فيه على الأرض ولا على سبعة بل يخفض فيه ~~رأسه أكثر من خفض الركوع ولهذا كان عند جمهور العلماء لو ركع في سجود ~~التلاوة بدلا عن السجود لم يجزه ولكن إذا كانت السجدة في آخر السورة فله أن ~~يفعل كما ذكره ابن مسعود أنه يكتفي بسجود الصلاة فإنه ليس بينه وبينه إلا ~~الركوع وهذا ظاهر مذهب أحمد ومذهب أبي حنيفة وغيرهما لكن قيل إنه جعل ~~الركوع مكان السجود والصحيح أنه إنما جعل سجود الصلاة هو المجزىء كما لو ~~قرأ فإن الركوع عمل فيه فلم يجعل فصلا لا سيما وهو مقدمة للسجود ومن الناس ~~من قال في قصة داود إنه خر ساجدا بعد ما كان راكعا وذكر أن الحسين بن الفضل ~~قال لأبي عبدالله بن طاهر عن قوله @QB@ وخر راكعا @QE@ سورة ص 24 هل يقال ~~للراكع خر قال لا ومعناه فخر بعد ما كان راكعا أي سجد PageV01P035 # وهذا قول ضعيف والقرآن إنما فيه @QB@ وخر راكعا @QE@ لم يقل خر بعد ما ~~كان راكعا ولا كان داود حين تحاكموا إليه راكعا بل كان قاعدا معتدلا أو ~~قائما فخر ساجدا وسؤال ابن طاهر إنما يتوجه إذا أريد بالركوع انحناء القائم ~~كركوع الصلاة وهذا لا يقال فيه خر # والمراد هنا السجود بالسنة واتفاق العلماء فالمراد خر ساجدا وسماه ركوعا ~~لأن كل ساجد راكع لا سيما إذا كان قائما وسجود التلاوة من قيام أفضل ولعل ~~داود سجد من قيام وقيل خر راكعا ليبين أن سجوده كان من قيام وهو أكمل ولفظ ~~خر يدل على أنه وصل إلى الأرض فجمع له معنى السجود والركوع والسجود عبادة ~~تفعل مجردة عن الصلاة وكسجود الشجرة وسجود داود وسجود التلاوة والشكر وسجود ~~الآيات وغير ذلك وهل يشترط له شروط الصلاة على قولين كما قد بسط ms021 في غير هذا ~~الموضع # وقد ثبت في الصحيحين عن أبي ذر أنه قال كنت في المسجد حين وجبت الشمس ~~فقال يا أبا ذر تدري أين تذهب الشمس قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب ~~حتى تسجد بين يدي الله عز وجل فتستأذن في الرجوع فليؤذن لها وكأنها قد قيل ~~لها ارجعي من حيث جئت فترجع إلى مطلعها فذلك مستقرها ثم قرأ @QB@ والشمس ~~تجري لمستقر لها @QE@ سورة يس 38 PageV01P036 فقد أخبر في هذا الحديث ~~الصحيح بسجود الشمس إذا غربت واستئذانها وكذلك قال أبو العالية وغيره قال ~~أبو العالية ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع ساجدا حين يغيب ثم ~~لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حت يرجع إلى مطلعه ومعلوم أن الشمس ~~لا تزال في الفلك كما اخبر الله تعالى بقوله @QB@ وهو الذي خلق الليل ~~والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون @QE@ سورة الأنبياء 33 فهي لا تزال ~~تسبح في الفلك وهي تسجد لله وتستأذنه كل ليلة كما أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فهي تسجد سجودا يناسبها وتخضع له وتخشع كما يخضع ويخشع كل ساجد من ~~الملائكة والجن والإنس # وكذلك قوله @QB@ فما بكت عليهم السماء والأرض @QE@ سورة الدخان 29 بكاء ~~كل شيء بحسبه قد يكون خشية لله وقد يكون حزنا على فراق المؤمن # روى ابن أبي حاتم عن ابن وهب أخبرني عبدالرحمن بن زيد بن أسلم قال قال ~~عمرو يعني ابن دينار إني ليلة أطوف بالبيت إذ سمعت حنين رجل بين الأستار ~~والكعبة وبكاءه وتضرعه فوقفت لأعرفه فذهب ليل وجاء ليل وهو كذلك حتى كاد ~~يسفر فانكشف الستور عنه فإذا هو طاووس رضي الله عنه فقال من هذا عمرو قلت ~~نعم أمتع الله بك قال متى وقفت ههنا قال قلت منذ طويل قال ما أوقفك قلت ~~سمعت بكاءك فقال أعجبك بكائي قلت نعم قال وطلع القمر في حرف أبي قبيس قال ~~ورب هذه البنية إن هذا القمر ليبكي من PageV01P037 خشية الله ولا ذنب له ~~ولا ms022 يسأل عما عمل ولا يجازى به فعجبت أن بكيت من خشية الله وأنا صاحب ~~الذنوب وهذا القمر يبكي من خشية الله وقرأ ابن زيد @QB@ ألم تر أن الله ~~يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر ~~والدواب @QE@ سورة الحج 18 قال فلم يستثن من هؤلاء أحدا حتى جاء ابن آدم ~~استثناه فقال @QB@ وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب @QE@ سورة الحج 18 ~~قال والذي كان هو أحق بالشكر هو أكفرهم ثم قرأ @QB@ ومن الجبال جدد بيض ~~وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه ~~كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ سورة فاطر 27 28 قال وكذلك ~~اختلفوا في دينهم كما اختلف الأولون # ولفظ السجود يتسعمل في اللغة لخضوع الجامدات وغيرها كالبيت المعروف % ~~بجيش تضل البلق في حجراته % ترى الأكم فيه سجدا للحوافر % $ PageV01P038 # قال ابن قتيبة حجراته جوانبه يريد أن حوافر الخيل قد بلغت الأكم ووطئتها ~~حتى خشعت وانخفضت # قال ابن عطية في قوله @QB@ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل @QE@ سورة ~~النحل 48 وقالت فرقة منهم الطبري عبر عن الخضوع والطاعة وميلان الظلال ~~ودورانها بالسجود كما يقال للمشير برأسه نحو الأرض على وجه الخضوع ساجد ~~ومنه قول الشاعر % وكلتاهما خرت وأسجد رأسها % كما سجدت نصرانة لم تحنف % # فصل # وإذا كان كذلك فالله سبحانه ذكر في الرعد قوله @QB@ ولله يسجد من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ سورة الرعد 15 فعم في هذه الآية ولم يستثن ~~وقسم السجود إلى طوع وكره وقال في الحج @QB@ ألم تر أن الله يسجد له من في ~~السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير ~~من الناس وكثير حق عليه العذاب @QE@ سورة الحج 18 # وفي هذا الكثير قولان أحدهما أنه لم يسجد فلهذا حق عليه العذاب كما تقدم ~~عن طاووس وهو قول الفراء وغيره والثاني أنه سجد وحق عليه العذاب فإنه ليس ~~هو السجود المأمور به PageV01P039 قال أبو الفرج وفي قوله @QB@ وكثير حق ~~عليه العذاب @QE@ قولان أحدهما ms023 أنهم الكفار وهم يسجدون وسجودهم سجود ظلهم ~~قاله مقاتل والثاني أنهم لا يسجدون والمعنى وكثير من الناس أبى السجود ويحق ~~عليه العذاب لتركه السجود هذا قول الفراء # قلت ذا قول الأكثرين وقد ذكر البغوي في قوله @QB@ ألم تر أن الله يسجد له ~~من في السماوات ومن في الأرض @QE@ الآية قال قال مجاهد سجودها تحول ظلالها ~~وقال أبو العالية ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع ساجدا حين يغيب ~~ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه قال وقيل ~~سجودها بمعنى الطاعة فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله خاشع له مسبح له كما ~~أخبر الله عز وجل عن السماوات والأرض @QB@ قالتا أتينا طائعين @QE@ سورة ~~فصلت 11 وقال في وصف الحجارة @QB@ وإن منها لما يهبط من خشية الله @QE@ ~~سورة البقرة 74 @QB@ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ~~@QE@ سورة الإسراء 44 # قال وهذا مذهب حسن موافق لقول أهل السنة # قلت قد تقدم قول الطبري وغيره بهذا القول فإذا كان السجود في هذه الآية ~~لس عاما وهو هناك عام كان السجود المطلق هو سجود الطوع فهذه المذكورات تسجد ~~تطوعا هي وكثير من الناس والكثير الذي حق عليه العذاب إنما يسجد كرها ~~وحينئذ فالكثير الذي حق عليه العذاب لم يقل فيه إنه يسجد ولا نفى عنه كل ~~سجود بل تخصيص من سواه بالذكر يدل PageV01P040 على أنه ليس مثله وحينئذ ~~فإذا لم يسجد طائعا حصل فائدة التخصيص وهو مع ذلك يسجد كارها فكلا القولين ~~صحيح وكذلك قال طائفة من المفسرين واللفظ للبغوي قالوا @QB@ وكثير حق عليه ~~العذاب @QE@ بكفرهم وتركهم السجود وهم مع كفرهم تسجد ظلالهم لله تعالى # وقال في سورة النحل @QB@ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله ~~عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السماوات وما في ~~الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما ~~يؤمرون @QE@ سورة النحل ms024 48 50 قال فلفظ دابة إن لم يتناول بني آدم فالإبل ~~تسجد طوعا وإن تناول بني آدم فسجودهم طوعا وكرها $ فصل # والذين فسروا السجود بالخضوع والإنقياد لهم في سجودها قولان أحدهما أنه ~~كونها مصنوعة مخلوقة منقادة لمشيئة الله واختياره كما قالوا في تسبيحها مثل ~~ذلك وأنه شهادتها ودلالتها على الخالق قال أبو الفرج في قوله @QB@ ولله ~~يسجد من في السماوات والأرض @QE@ سورة الرعد 15 الساجدون على ضربين أحدهما ~~من يعقل فسجوده عبادة والثاني من لا يعقل فسجوده بيان أثر الصنعة فيه ~~والخضوع الذي يدل على أنه مخلوق هذا قول جماعة من العلماء واحتجوا بالبيت ~~المتقدم % ترى الأكم فيه سجدا للحوافر % $ # قال وأما الشمس والقمر والكواكب فألحقها جماعة بمن يعقل قال PageV01P041 ~~أبو العالية سجودها حقيقة ما منها غارب إلا خر ساجدا بين يدي الله عز وجل ~~ثم لا ينصرف حتى يؤذن له قال ويشهد لقول أبي العاليه حديث أبي ذر وذكره قال ~~وأما النبات والشجر فلا يخلو سجوده من أربعة أشياء أحدها أن يكون سجودا لا ~~نعلمه وهذا إذا قلنا بردعه فيهما والثاني أنه تفيؤ ظلاله والثالث بيان ~~الصنعة فيه والرابع الإنقياد لما سخر له # قلت الثالث والرابع من نمط واحد وهو كالمتقدم وأما السجود الذي لا نعلمه ~~فهو كما ذكره البغوي وقال البغوي أيضا في قوله @QB@ وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله @QE@ سورة البقرة 74 فإن قيل الحجر لا يفهم فكيف يخشى قيل الله ~~يفهمها ويلهمها فتخشى بإلهامه قال ومذهب أهل السنة أن لله علما في الجمادات ~~وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره ولها صلاة وتسبيح وخشية كما ~~قال عز وجل @QB@ وإن من شيء إلا يسبح بحمده @QE@ وقال تعالى @QB@ والطير ~~صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه @QE@ وقال @QB@ ألم تر أن الله يسجد له من ~~في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم @QE@ الآية فيجب على المرء ~~الإيمان به ويكل علمه إلى الله تعالى وذكر الحديث الصحيح عن جابر بن سمرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ms025 إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن ~~أبعث وإني لأعرفه الآن وذكر حديث حنين الجذع وطرقه صحاح مشهورة وروى عن ~~السدي PageV01P042 عن أبي عباد بن أبي يزيد عن علي قال كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في نواحيها خارجا من مكة بين الجبال والشجر ~~فلم يمر بشجرة ولا جبل إلا قال السلام عليك يا رسول الله وقال قال مجاهد لا ~~ينزل حجر من أعلى إلى أسفل إلا من خشية الله ويشهد لما قلنا قوله تعالى ~~@QB@ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله @QE@ ~~سورة الحشر 21 # قلت وأما تفسير سجودها وتسبيحها بنفوذ مشيئة الرب وقدرته فيهما ودلالتها ~~على الصانع فقط فالإقتصار على هذا باطل فإن هذا وصف لازم دائم لها لا يكون ~~في وقت دون وقت وهو مثل كونها مخلوقة محتاجة فقيرة إلى الله تعالى وعلى هذا ~~فالمخلوقات كلها لا تزال ساجدة مسبحة وليس المراد هذا فإنه قال تعالى @QB@ ~~إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق @QE@ سورة ص 18 وقال @QB@ ~~والطير محشورة كل له أواب @QE@ سورة ص 19 وقال @QB@ كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه @QE@ سورة النور 41 فقد أخبر سبحانه وتعالى عنه أنه يعلم ذلك ~~ودلالتها على الرب يعلمه عموم الناس # وأيضا فقد أخبر الله تعالى في القرآن من كلام الهدهد والنمل وأن سليمان ~~PageV01P043 علم منطق الطير بما يدل على الإختصاص وهذا في الحيوان # وأيضا فإنه جعل الجميع يسجد ثم قال @QB@ وكثير من الناس وكثير حق عليه ~~العذاب @QE@ سورة الحج 18 وهذا المعنى يشترك فيه جميع المخلوقات دائما وهو ~~وصف لازم لكل مخلوق لا يزال مفتقرا إلى الخالق ولا يزال دالا عليه ولا يزال ~~منقادا لما يشاء الرب # وأيضا فإنه قسم السجود إلى طوع وكره وانفعالها لمشيئة الرب وقدرته لا ~~ينقسم إلى طوع وكره ولا يوصف ذلك بطوع منها ولا كره فإن دليل فعل الرب فيها ~~ليس هو فعل منها ألبتة # والقرآن يدل على أن السجود والتسبيح أفعال لهذه المخلوقات ms026 وكون الرب ~~خالقا لها إنما هو كونها مخلوقة للرب ليس فيه نسبة أمر إليها يبين ذلك أنه ~~خص الظل بالسجود بالغدو والآصال والظل متى كان وحيث كان مخلوق مربوب والله ~~تعالى جعل الظلمات والنور والقول الذي ذكره البغوي أقرب من القول الذي ذكره ~~أبو الفرج وهو سبحانه تارة يجعلها آيات له وتارة يجعلها ساجدة مسبحة وهذا ~~نوع غير هذا # وعلى هذا القول الجميع واحد ليس في كونها ساجدة مسبحة إلا كونها آية دالة ~~وشاهدة للخالق تعالى بصفاته لكونها مفعولة له وهذا معنى ثابت في المخلوقات ~~كلها لازم لها وهي آيات للرب بهذا الإعتبار وهي شواهد ودلائل وآيات بهذا ~~الإعتبار لكن ذاك معنى آخر كما يفرق بين كون الإنسان مخلوقا وبين كونه ~~عابدا لله فهذا غير هذا هذا يتعلق بربوبية الرب له وهذا يتعلق بتألهه ~~وعبادته للرب # والبيت الذي استشهدوا به وهو قوله % ترى الأكم فيها سجدا للحوافر % ~~PageV01P044 # فإنما ذكر سجود الأكم للحوافر وذلك خضوعها وانخفاضها لها فهذا خضوع جماد ~~لجماد ولا يلزم أن يكون سائر أنواع الخضوع مثل هذا وإنما يشترك في نوع ~~الخضوع وليس خضوع المخلوقات للخالق مثل هذا وإن قيل هو انفعالها لمشيئته ~~وقدرته بل ذاك نوع أبلغ من هذا فلا يجب أن يكون سجودها بغير خضوع منها ~~وطاعة ولكن هذا البيت يقتضي أنه لا يجب أن يكون سجود كل شيء وضعه رأسه ~~بالأرض وهذا حق بل هو خضوع للرب يناسب حاله وقد قيل لسهل بن عبدالله أيسجد ~~القلب قال نعم سجدة لا يرفع رأسه منها أبدا وأهل الجنة في الجنة قد ألهموا ~~التسبيح كما ألهموا النفس في الدنيا وكما يلهم أهل الدنيا النفس وهم خاضعون ~~للرب مطيعون له وليس هناك سجود بوضع رأس في الأرض فهذا أمر به في الدنيا ~~لحاجة النفس إليه في خضوعها لله تعالى فلا تكون خاضعة إلا به بخلاف حالها ~~في الجنة فإنها قد زكت وصلحت # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما ~~PageV01P045 # | رسالة في لفظ السنة في ms027 القرآن PageV01P048 بسم الله الرحمن الرحيم وبه ~~نستعين وعليه التكلان والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله أجمعين وسلم تسليما أما بعد فهذا # فصل # اعلم أنه قد ذكر الله تعالى لفظ سننه في مواضع من كتابه فقال تعالى @QB@ ~~سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا @QE@ سورة الإسراء ~~77 وقال تعالى @QB@ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في ~~الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا @QE@ ( سورة الأحزاب 38 ) ~~وقال تعالى في آخر السورة @QB@ ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ~~سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا @QE@ سورة الأحزاب ~~61 62 # وقال @QB@ فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد ~~لسنة الله تحويلا @QE@ سورة فاطر 43 # وقال @QB@ سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون @QE@ سورة ~~غافر 85 # وقال @QB@ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا @QE@ سورة ~~الفتح 22 23 PageV01P049 # وقال تعالى @QB@ قد خلت من قبلكم سنن @QE@ سورة آل عمران 137 # وقال تعالى @QB@ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم ~~إلا أن تأتيهم سنة الأولين @QE@ سورة الكهف 55 # فهذه كلها تتعلق بأوليائه كمطيعيه وعصاته كالمؤمنين والكافرين فسنته في ~~هؤلاء إكرامهم وسنته في هؤلاء إهانتهم وعقوبتهم # فأما الأولى فإنها تتعلق بالرسل لأنه لا حرج عليهم فيما فرض الله تعالى ~~لهم وهذا كقوله تعالى @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ سورة التحريم ~~2 والمفروض هنا مباح مقدر محدود مثل إباحة زوجة المتبنى بعد أن قضى منها ~~وطرا وطلقها لا بأن تؤخذ منه بغير اختياره وقد قال تعالى @QB@ قد علمنا ما ~~فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم @QE@ سورة الأحزاب 50 أي أوحينا ~~وحرمنا قبل # وهنا المراد به سنته في رسله أنه أباح لهم الأزواج وغيرها كما قال @QB@ ~~ولقد أرسلنا ms028 رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية @QE@ سورة الرعد 38 وأنه ~~لا حرج عليهم في ذلك فلم يكن محمد صلى الله عليه وسلم بدعا من الرسل ولم ~~يقل هنا ولن تجد لسنتنا تبديلا فإنه لا نبي بعد محمد # والأربعة البواقي تتضمن عقوبة الكفار والمنافقين فالأولى قوله ~~PageV01P050 إنهم لو استفزوه فأخرجوه لم يلبثوا خلفه إلا قليلا كسنة من ~~أرسل قبله من الرسل فإما أن يقال وقع هذا الإخراج بالهجرة ولم يلبثوا خلفه ~~إلا قليلا وهو ما أصابهم يوم بدر وإما أن يقال لم يقع # والثانية قوله @QB@ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض @QE@ ~~الآية ( سورة الأحزاب 60 ) كما أصاب من قبلهم من أهل الكتاب فإن الله ~~أخرجهم فإن لم ينته غي هؤلاء بل أظهروا الكفر كما أظهره أولئك أخرجناهم كما ~~أخرجناهم بخلاف ما إذا كتموه # وهذه السنه تتضمن أن كل من جاور الرسول صلى الله عليه وسلم متى أظهر ~~مخالفته مكن الله الرسول من إخراجه وهذه في أهل العمد والمنافقين وقد يقال ~~هي لهم مع المؤمنين أبدا # والثالثة في أهل المكر السيء وأن سنة الله أن ينصر رسله والذين آمنوا على ~~أعدائهم وينتقم منهم وقال هنا @QB@ فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة ~~الله تحويلا @QE@ # والرابعة في حال الكفار مع المؤمنين PageV01P051 وهذه السنن كلها سنن ~~تتعلق بدينه وأمره ونهيه ووعده ووعيده وليست هي السنن المتعلقة بالأمور ~~الطبيعية كسنته في الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك من العادات فإن هذه ~~السنة ينقضها إذا شاء بما شاءه من الحكم كما حبس الشمس على يوشع وكما شق ~~القمر لمحمد صلى الله عليه وسلم وكما ملأ السماء بالشهب وكما أحيا الموتى ~~غير مرة وكما جعل العصا حية وكما أنبع الماء من الصخرة بعصا وكما أنبع ~~الماء من بين أصابع الرسول صلى الله عليه وسلم # وقد ذكر بعض هذه الآيات السهروردي في المنقول في الألواح العمادية وفي ~~المبدأ والمعاد محتجا بها على ما يقوله هو أمثاله من المتفلسفة أن العالم ~~لم يزل ولا يزال هكذا ms029 بناء على أن هذه سنة الرب عز وجل وعادته وهي لا تبديل ~~لها إذ كان عندهم ليس فاعلا بمشيئته واختياره بل موجب بذاته # فيقال لهم احتجاجكم على هذا بالقرآن في غاية الفساد فإن القرآن يصرح ~~بنقيض مذهبكم في جميع المواضع وقد علم بالإضطرار أن ما يقولونه مخالف لما ~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فاحتجاجكم بهذا أفسد من احتجاج النصارى ~~على أن محمدا شهد بأن دينهم بعد النسخ والتبديل حق بآيات من القرآن حرفوها ~~عن مواضعها قد تكلمنا عليها في الجواب الصحيح لمن بدل PageV01P052 دين ~~المسيح فإن النصارى وإن كانوا كفارا بتبديل الكتاب الأول وتكذيب الثاني فهم ~~خير منكم من وجوه كثيرة فإنهم يقولون بالأصول الكلية التي اتفقت عليها ~~الرسل وإن كانوا حرفوا بعض ذلك كالإيمان بأن الله خالق كل شيء وأنه بكل شيء ~~عليم وعلى كل شيء قدير والإيمان بملائكته ورسله واليوم الآخر والجنة والنار ~~وغير ذلك مما تكذبون أنتم به # وأما بيان الدلالة فمن وجوه # أحدها أن يقال العادات الطبيعية ليس للرب فيها سنة لازمة فإنه قد عرف ~~بالدلائل اليقينية أن الشمس والقمر والكواكب مخلوقة بعد أن لم تكن فهذا ~~تبديل وقع وقد قال تعالى @QB@ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات @QE@ ~~سورة إبراهيم 48 # وأيضا فقد عرف انتقاض عامة العادات فالعادة في بني آدم ألا يخلقوا إلا من ~~أبوين وقد خلق المسيح من أم وحواء من أب وآدم من غير أم ولا أب وإحياء ~~الموتى متواتر مرات متعددة وكذلك تكثير الطعام والشراب لغير واحد من ~~الأنبياء والصالحين عليهم السلام # وأيضا فعندكم تغيرات وقعت في العالم كالطوفانات الكبار فيها تغيير العادة # وهذا خلاف عادته التي وعد بها وأخبر أنها لا تتغير لنصرة أوليائه وإهانة ~~أعدائه فإن هذا علم بخبره وحكمته # أما خبره فإنه أخبر بذلك ووعد به وهو الصادق الذي لا يخلف الميعاد ~~PageV01P053 وهذا يوافق طرق جميع طوائف أهل الملل ويقولون مقتضى حكمته أن ~~يكون العاقبة والنصر لأوليائه دون أعدائه كما قد بسط ذلك في مواضع # وأما الأمور ms030 الطبيعية فإما أن تقع بمحض المشيئة على قول وإما أن تقع بحسب ~~الحكمة والمصلحة على قول وعلى كلا التقديرين فتبديلها وتحويلها ليس ممتنعا ~~كما في نسخ الشرائع وتبديل آية بآية فإنه إن علق الآية بمحض المشيئة فهو ~~يفعل ما يشاء وإن علقها بالحكمة مع المشيئة فالحكمة تقتضي تبديل بعض ما في ~~العالم كما وقع كثير من ذلك في الماضي وسيقع في المستقبل فعلم أن هذه السنن ~~دينيات لا طبيعيات # ولكن في قوله تعالى @QB@ ولن تجد لسنة الله تبديلا @QE@ حجة للجمهور ~~القائلين بالحكمة فإن أصحاب المشيئة المجردة يجوزون نقض كل عادة ولكن ~~يقولون إنما نعلم ما يكون بالخبر # وقوله تعالى @QB@ فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ~~@QE@ دليل على أن هذا من مقتضى حكمته وأنه يقضي في الأمور المتماثلة بقضاء ~~متماثل لا بقضاء مخالف فإذا كان قد نصر المؤمنين لأنهم مؤمنون كان هذا ~~موجبا لنصرهم حيث وجد هذا الوصف بخلاف ما إذا عصوا ونقضوا إيمانهم كيوم أحد ~~فإن الذنب كان لهم ولهذا قال @QB@ ولن تجد لسنة الله تبديلا @QE@ فعم كل ~~سنة له وهو يعم سنته في خلقه وأمره في الطبيعيات والدينيات # لكن الشأن أن تعرف سنته وحقيقة هذا أنه إذا نقض العادة فإنما ينقضها ~~لاختصاص تلك الحال بوصف امتازت به عن غيره فلم تكن سنته PageV01P054 مع ذلك ~~والإختصاص بسنته مع عدمه كما نقول إذا خصت العلة لفوات شرط أو وجود مانع ~~وكما نقول في الإستحسان الصحيح وهو تخصيص بعض أفراد العام بحكم يختص به ~~لامتيازه عن نظائره بوصف يختص به # والسنة هي العادة في الأشياء المتماثلة وسنة هنا تجري على سنه هذا في ~~الإشتقاق الأكبر والسنة من هذا الباب سواء كان أصله سنوة أو سنهة وهما ~~لغتان في السنة # والسنن و أسنان المشط ونحو ذلك بلفظ السنة يدل على التماثل فإنه سبحانه ~~إذا حكم في الأمور المتماثلة بحكم فإن ذلك لا ينتقض ولا يتبدل ولا يتحول بل ~~هو سبحانه لا يفوت بين المتماثلين وإذا وقع تغيير فذلك لعدم ms031 التماثل وهذا ~~القول أشبه بأصول الجمهور القائلين بالحكمة في الخلق والأمر وأنه سبحانه ~~يسوي بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين كما دل القرآن على هذا في مواضع ~~كقوله تعالى @QB@ أفنجعل المسلمين كالمجرمين @QE@ سورة القلم 35 # ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا ولولا القياس واطراد فعله ~~وسنته لم يصح الإعتبار بها والإعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم ~~نظيره كالأمثال المضروبة في القرآن وهي كثيرة # وذكر لفظ التبديل والتحويل كقوله تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا @QE@ سورة الإسراء 56 فالتبديل ~~أن تبدل بخلافه والتحويل أن تحول من محل إلى محل PageV01P055 مثل استفزازه ~~من الأرض ليخرجوه فإنهم لا يلبثون خلفه إلا قليلا ولا تتحول هذه السنة بأن ~~يكون هو المخرج وهم اللابثون بل متى أخرجوه خرجوا خلفه ولو مكث لكان هذا ~~استصحاب حال بخلاف ظهور الكفار فإنه كان تبديلا لظهور المؤمنين وظهور ~~الكفار إذ كان لا بد من أحدهما # وأما أهل المكر السيء والكفار فهي سنة تبديل لا بد لهم من العقوبة لا ~~يبدلون بها غيرها ولا نتحول عنهم إلى المؤمنين وهو عيد لأهل المكر السيء ~~أنه لا يحيق إلا بأهله ولن يتبدلوا به خيرا بتضمن نفيا وإثباتا فلهذا نفى ~~عنه التبديل والتحويل $ فصل # والقرآن قد دل على هذا الأصل في مواضع كقوله @QB@ قل أرأيتكم إن أتاكم ~~عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون @QE@ سورة الأنعام 47 ~~وقوله @QB@ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد @QE@ ~~سورة هود 102 وقوله @QB@ أكفاركم خير من أولئكم @QE@ سورة القمر 43 ومنه ~~قوله @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ سورة يوسف 111 وقوله ~~@QB@ قد كان لكم آية في فئتين التقتا @QE@ سورة آل عمران 13 إلى قوله @QB@ ~~إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار @QE@ سورة آل عمران 13 $ فصل # وقد أخبر سبحانه أنه تارة يعاقبهم عقب السراء وتارة يعاقبهم عقب ~~PageV01P056 الضراء إذا لم يتضرعوا فقال تعالى @QB@ ولقد أخذناهم بالعذاب ~~فما ms032 استكانوا لربهم وما يتضرعون @QE@ إلى قوله @QB@ مبلسون @QE@ سورة ~~المؤمنون 76 77 فهنا أخبر أنه بالعذاب الأدنى ما استكانوا وما تضرعوا حتى ~~أخذهم بالإهلاك كما قال @QB@ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ~~لعلهم يرجعون @QE@ سورة السجدة 21 وقال @QB@ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل ~~عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون @QE@ سورة التوبة 126 والضمير ~~يكون عائدا على الذين لا يؤمنون بالآخرة # وقال في سورة الأنعام @QB@ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم ~~بالبأساء والضراء @QE@ إلى قوله @QB@ والحمد لله رب العالمين @QE@ سورة ~~الأنعام 42 45 فهذه نظيرها في الأعراف في قوله @QB@ وما أرسلنا في قرية من ~~نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء @QE@ إلى قوله @QB@ وهم لا يشعرون ~~@QE@ الآيات ( سورة الأعراف 94 95 ) فقد ذمهم أنهم لم يتضرعوا لما أخذهم ~~بالبأساء والضراء فإنه بعد هذا بدل الحالة السيئة بالحالة الحسنة فلم ~~يطيعوا فأخذهم بالعذاب بغتة فهنا أخذهم أولا بالضراء ليضرعوا فلم يتضرعوا ~~فابتلاهم الله بالسراء ليطيعوا فلم يطيعوا فأخذهم بالعذاب وهذا كقوله تعالى ~~@QB@ وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون @QE@ سورة الأعراف 168 ~~فهؤلاء ابتلوا بالضراء أولا ثم بالسراء ثانيا وقد أخبر أنه ما أرسل في قرية ~~من نبي إلا كانوا هكذا PageV01P057 # وهذا كما ذكره سبحانه في حال قوم فرعون وغيرهم وهذا ذم لمن لم يستقم لا ~~في الضراء ولا في السراء لا دعا بالضراء ولا بالسراء ولا تضرع في الضراء ~~ولا شكر ولا آمن في السراء ابتلاهم بالحسنات وهي النعم والسيئات وهي ~~المصائب فما أطاعوا لا في هذا ولا في هذا # وأما آية المؤمنين فأمراؤهم لم يستكينوا ولم يتضرعوا حتى فتح عليهم بابا ~~ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون وهؤلاء قد يكون تقدم لهم ابتلاء بالحسنات ~~أولا فإنه قال في أول الكلام @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا ~~صالحا إني بما تعملون عليم @QE@ سورة المؤمنون 51 إلى قوله @QB@ أيحسبون ~~أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون @QE@ إلى ~~قوله @QB@ حتى إذا ms033 أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون @QE@ الآية 64 إلى ~~قوله @QB@ ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ولقد ~~أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم @QE@ الآيتان 75 76 # فهؤلاء كانوا في حالة حسنة فلما لم يتقوه أخذ مترفيهم بالعذاب ثم أخذهم ~~بالعذاب ليتضرعوا فلما لم يتضرعوا ابتلاهم بالحسنات أولا فلما لم يتقوه ~~استحقوا العذاب فيعتبر الفرق بين هؤلاء وهؤلاء # آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين وسلم ~~تسليما PageV01P058 $ رسالة في قصة شعيب عليه السلام PageV01P060 بسم الله ~~الرحمن الرحيم وبه نستعين # أما بعد فقد ذكر الله سبحانه وتعالى قصة شعيب النبي صلى الله عليه وسلم ~~في غير موضع من كتابه وإرساله إلى أهل مدين وقال في موضع آخر @QB@ كذب ~~أصحاب الأيكة المرسلين @QE@ سورة الشعراء 176 فأكثر الناس يقولون إنهم أهل ~~مدين ومن الناس من يجعلها قصتين # وذكر في قصة موسى أنه @QB@ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما @QE@ الآية ( سورة القصص ~~23 ) إلى آخر القصة فموسى عليه السلام قضى أكمل الأجلين ولم يذكر عن هذا ~~الشيخ أنه كان شعيبا ولا أنه كان نبيا ولا عند أهل الكتابين أنه كان نبيا ~~ولا نقل عن أحد من الصحابة أن هذا الشيخ الذي صاهر موسى كان شعيبا النبي لا ~~عن ابن عباس ولا غيره بل المنقول عن الصحابة أنه لم يكن هو شعيب # قال سنيد بن داود شيخ البخاري في تفسيره بإسناده عن ابن عباس PageV01P061 ~~قال اسمه يثرى قال حجاج وقال غيره يثرون وعن شعيب الجبائي أنه قال اسم ~~الجاريتين ليا وصغوره وامرأة موسى صغوره ابنة يثرون كاهن مدين والكاهن ~~الحبر وفي رواية عن ابن عباس أن اسمه يثرون أو يثرى # وقال ابن جرير اسم إحدى الجاريتين ليا ويقال شرفا والأخرى صغورة وقال ~~أيضا وأما أبوهما فمختلف في اسمه فقال بعضهم اسمه يثرون وقال ابن مسعود ~~الذي استأجر موسى ابن أخي شعيب يثرون وقال أبو عبيدة ms034 هو يثرون ابن أخي شعيب ~~النبي صلى الله عليه وسلم # وقال آخرون اسمه يثرى وهو منقول عن ابن عباس # وقال الحسن يقولون هو شعيب النبي لا ولكنه سيد أهل الماء يومئذ # قال ابن جرير وهذا لا يدرك علمه إلا بخبر عن معصوم ولا خبر في ذلك ~~PageV01P062 # وقيل اسمه أثرون # فهذه كتب التفسير التي تروي بالأسانيد المعروفة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم والتابعين لم يذكر فيها عن أحد أنه شعيب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولكن نقلوا بالأسانيد الثابتة عن الحسن البصري أنه قال يقولون إنه شعيب ~~وليس بشعيب ولكنه سيد الماء يومئذ # فالحسن يذكر أنه شعيب عمن لا يعرف ويرد عليهم ذلك ويقول ليس هو شعيب # وإن كان الثعلبي قد ذكر أنه شعيب فلا يلتفت إلى قوله فإنه ينقل الغث ~~والسمين فمن جزم بأنه شعيب النبي فقد قال ما ليس له به علم وما لم ينقل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عمن يحتج بقوله من علماء ~~المسلمين وخالف في ذلك ما ثبت عن ابن عباس والحسن البصري مع مخالفته أيضا ~~لأهل الكتابين فإنهم متفقون على أنه ليس هو شعيب النبي فإن ما في التوراة ~~التي عند اليهود والإنجيل الذي عند النصارى أن اسمه يثرون وليس لشعيب النبي ~~عندهم ذكر في التوراة # وقد ذكر غير واحد من العلماء أن شعيبا كان عربيا بل قد روي عن أبي ذر ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو حاتم وغيره أن شعيبا كان ~~عربيا وكذلك هود وصالح وموسى كان عبرانيا فلم يكن يعرف لسانه PageV01P063 ~~وظاهر القرآن يدل على مخاطبة موسى للمرأتين وأبيهما بغير ترجمان # وإنما شبهة من ظن ذلك أنه وجد في القرآن قصة شعيب وإرساله إلى أهل مدين ~~ووجد في القرآن مجيء موسى إلى مدين ومصاهرته لهذا فظن أنه هو # والقرآن يدل أن الله أهلك قوم شعيب بالظلة فحينئذ لم يبق في مدين من قوم ~~شعيب أحد وشعيب لا يقيم بقريه ليس بها أحد وقد ms035 ذكروا أن الأنبياء كانوا إذا ~~هلكت أممهم ذهبوا إلى مكة فأقامة بها إلى الموت كما ذكر أن قبر شعيب بمكة ~~وقبر هود بمكة وكذلك غيرهما # وموسى لما جاء إلى مدين كانت معمورة بهذا الشيخ الذي صاهره ولم يكن هؤلاء ~~قوم شعيب المذكورين في القرآن بل ومن قال إنه كان ابن أخي شعيب أو ابن عمه ~~لم ينقل ذلك عن ثبت والنقل الثابت عن ابن عباس لا يعارض بمثل قول هؤلاء # وما يذكرونه في عصا موسى وأن شعيبا أعطاه إياها وقيل أعطاه إياها هذا ~~الشيخ وقيل جبريل وكل ذلك لا يثبت # وعن أبي بكر أظنه الهذلي قال سألت عكرمة عن عصا موسى قال هي عصا خرج بها ~~آدم من الجنة ثم قبضها بعد ذلك جبريل فلقي بها موسى ليلا فدفعها إليه # وقال السدي في تفسيره المعروف أمر أبو المرأتين ابنته أن يأتي موسى بعصا ~~وكانت تلك العصا عصا استودعها ملك في صورة رجل إلى آخر القصة استودعه إياها ~~ملك في سورة رجل وأن حماه خاصمه وحكما بينهما رجلا PageV01P064 وأن موسى ~~أطاق حملها دون حميه وذكر عن موسى أنه أحق بالوفاء من حميه # ولو كان هذا هو شعيبا النبي لم ينازع موسى ولم يندم على إعطائه إياها ولم ~~يحاكمه ولم يكن موسى قبل أن ينبأ أحق بالوفاء منه فإن شعيبا كان نبيا وموسى ~~لم يكن نبيا فلم يكن موسى قبل أن ينبأ أكمل من نبي وما ذكره زيد من أنه كان ~~يعرف أن موسى نبي إن كان ثابتا فالأحبار والرهبان كانت عندهم علامات ~~الأنبياء وكانوا يخبرون بأخبارهم قبل أن يبعثوا والله سبحانه أعلم $ فصل # وأما شياع كون حمى موسى شعيبا النبي عند كثير من الناس الذين لا خبرة لهم ~~بحقائق العلم ودلائله وطرقه السمعية والعقلية فهذا مما لا يغتر به عاقل فإن ~~غاية مثل ذلك أن يكون منقولا عن بعض المنتسبين إلى العلم وقد خالفه غيره من ~~أهل العلم وقول العالم الذي يخالفه نظيره ليس حجة بل يجب رد ما تنازعا فيه ms036 ~~إلى الأدلة # ومثال ذلك ما ذكره بعضهم أو كثير منهم من أن الرسل المذكورين في سورة يس ~~هم من حواريي المسيح عليه السلام وأن حبيب النجار آمن بهم وهذا أمر باطل ~~عند أجلاء علماء المسلمين وعند أهل الكتاب فإن الله قد أخبر عن هذه القرية ~~التي جاءها المرسلون أنه قد أهلك أهلها فقال تعالى @QB@ إن كانت إلا صيحة ~~واحدة فإذا هم خامدون @QE@ الآية 29 PageV01P065 # وأنطاكية لما جاءها اثنان من الحواريين بعد رفع المسيح آمنوا بهما وهي ~~أول مدينة اتبعت المسيح ولم يهلكهم الله بعد المسيح باتفاق المسلمين وأهل ~~الكتاب فكيف يجوز أن يقال هؤلاء هم رسل المسيح # وأيضا فإن الذين أتوهم كانا اثنين من الحواريين وأهل الكتاب معترفون بذلك ~~ولم يكن حبيب النجار موجودا حينئذ بل هؤلاء رسل أرسلهم الله قبل المسيح ~~وأهلك أهل تلك القرية وقد قيل إنها أنطاكية وآمن حبيب بأولئك الرسل ثم بعد ~~هذا عمرت أنطاكية وجاءتهم رسل المسيح بعد ذلك # والحواريون ليسوا رسل الله عند المسلمين بل هم رسل المسيح كالصحابة الذين ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسلهم إلى الملوك ومن زعم أن هؤلاء حواريون ~~فقد جعل للنصارى حجة لا يحسن أن يجيب عنها وقد بسطنا ذلك في الرد على ~~النصارى وبينا أن الحواريين لم يكونوا رسلا فإن النصارى يزعمون أن ~~الحواريين رسل الله مثل إبراهيم وموسى وقد يفضلونهم على إبراهيم وموسى وهذا ~~كفر عند المسلمين وقد بينا ضلال النصارى في ذلك # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه PageV01P066 # | رسالة في المعاني المستنبطة من سورة الإنسان PageV01P068 بسم الله ~~الرحمن الرحيم وبه نستعين # فصل # اعلم أن سورة @QB@ هل أتى على الإنسان @QE@ سورة عجيبة الشأن من سور ~~القرآن على اختصارها فإن الله سبحانه ابتدأها بذكر كيفية خلق الإنسان من ~~النطفة ذات الأمشاج والأخلاط التي لم يزل بقدرته ولطفه وحكمته يصرفه عليها ~~أطوارا وينقله من حال إلى حال إلى أن تمت خلقته وكملت صورته فأخرجه إنسانا ~~سويا سميعا بصيرا ثم لما تكامل تمييزه وإدراكه ms037 هداه طريقي الخير والشر ~~والهدى والضلال وأنه بعد هذه الهداية إما أن يشكر ربه وإما أن يكفره ثم ذكر ~~مآل أهل الشكر والكفر وما أعد لهؤلاء وهؤلاء وبدأ أولا بذكر عاقبة أهل ~~الكفر ثم عاقبة أهل الشكر وفي آخر السورة ذكر أولا أهل الرحمة ثم أهل ~~العذاب فبدأ السورة بأول أحوال الإنسان وهي النطفة وختمها بآخر أحواله وهي ~~كونه من PageV01P069 أهل الرحمة أو العذاب ووسطها بأعمال الفريقين فذكر ~~أعمال أهل العذاب مجملة في قوله @QB@ إنا أعتدنا للكافرين @QE@ سورة ~~الإنسان 4 وأعمال أهل الرحمة مفصلة وجزاءهم مفصلا # فتضمنت السورة خلق الإنسان وهدايته ومبدأه وتوسطه ونهايته وتضمنت المبدأ ~~والمعاد والخلق والأمر وهما القدرة والشرع وتضمنت إثبات السبب وكون العبد ~~فاعلا مريدا حقيقة وأن فاعليته ومشيئته إنما هي بمشيئة الله ففيها الرد على ~~طائفتين القدرية والجبرية وفيها ذكر أقسام بني آدم كلهم فإنهم إما أهل شمال ~~وهم الكفار أو أهل يمين وهم نوعان أبرار ومقربون وذكر سبحانه أن شراب ~~الأبرار يمزج من شراب عباده المقربين لأنهم مزجوا أعمالهم ويشربه المقربون ~~صرفا خالصا كما أخلصوا أعمالهم وجعل سبحانه شراب المقربين من الكافور الذي ~~فيه من التبريد والقوة ما يناسب برد اليقين وقوته لما حصل لقلوبهم ووصل ~~إليها في الدنيا مع ما في ذلك من مقابلته للسعير # وأخبر سبحانه أن لهم شرابا آخر ممزوجا من الزنجبيل لما فيه من طيب ~~الرائحة ولذة الطعم والحرارة التي توجب تغير برد الكافور وإذابة الفضلات ~~وتطهير الأجواف ولهذا وصفه سبحانه بكونه شرابا طهورا أي مطرها لبطونهم # فوصفهم سبحانه بجمال الظاهر والباطن كما قال @QB@ ولقاهم نضرة وسرورا ~~@QE@ الآية 11 فالنضرة جمال وجوههم والسرور جمال قلوبهم كما قال @QB@ تعرف ~~في وجوههم نضرة النعيم @QE@ سورة المطففين 24 PageV01P070 # وقريب من هذا قول امرأة العزيز في يوسف @QB@ فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد ~~راودته عن نفسه فاستعصم @QE@ سورة يوسف 32 فأخبرت بجمال ظاهره حين أشارت ~~إليه بالخروج عليهن ثم ضمت إلى ذلك إخبارها بأن باطنه أجمل من ظاهره بأني ~~راودته فأبى إلا العفة والحياء والإستعصام ms038 # ثم ذكر سبحانه من أعمال الأبرار ما ينبه سامعه على جمعهم لأعمال البر ~~كلها فذكر سبحانه وفاءهم بالنذر وخوفهم من ربهم وإطعامهم الطعام على محبتهم ~~له وإخلاصهم لربهم في طاعتهم # وذكر سبحانه الوفاء بالنذر وهو أضعف الواجبات فإن العبد هو الذي أوجبه ~~على نفسه بالتزامه فهو دون ما أوجبه الله سبحانه عليه فإذا وفى لله بأضعف ~~الواجبين الذي التزمه هو فهو بأن يوفى بالواجب الأعظم الذي أوجبه الله عليه ~~أولى وأخرى # ومن ههنا قال من قال من الفسرين المقربون يوفون بطاعة الله ويقومون بحقه ~~عليهم وذلك أن العبد إذا نذر لله طاعة فوفى بها فإنما يفعل ذلك لكونها صارت ~~حقا لله يجب الوفاء بها وهذا موجود في حقوقه كلها فهي في ذلك سواء # ثم أخبر عنهم بأنهم يخافون اليوم العسير القمطرير وهو يوم القيامة ~~PageV01P071 ففي ضمن هذا الخوف إيمانهم باليوم الآخر وكفهم عن المعاصي التي ~~تضرهم في ذلك اليوم وقيامهم بالطاعات التي ينفعهم فعلها ويضرهم تركها في ~~ذلك اليوم # ثم أخبر عنهم بإطعام الطعام على محبتهم له وذلك يدل على نفاسته عندهم ~~وحاجتهم إليه وما كان كذلك فالنفوس به أشح والقلوب به أعلق واليد له أمسك ~~فإذا بذلوه في هذه الحال فهم لما سواه من حقوق العباد أبذل # فذكر من حقوق العباد بذل قوت النفس على نفاسته وشدة الحاجة منبها على ~~الوفاء بما دونه كما ذكر من حقوقه الوفاء بالنذر منبها على الوفاء بما هو ~~فوقه وأوجب منه ونبه بقوله @QB@ على حبه @QE@ الآية 8 أنه لولا أن الله ~~سبحانه أحب إليهم منه لما آثروه على ما يحبونه فآثروا المحبوب الأعلى على ~~الأدنى # ثم ذكر أن مصرف طعامهم إلى المسكين واليتيم والأسير الذين لا قوة لهم ~~ينصرونهم بها ولا مال لهم يكافئونهم به ولا أهل ولا عشيرة يتوقعون منهم ~~مكافأتهم كما يقصده أهل الدنيا والمعاوضون بإنفاقهم وإطعامهم # ثم أخبر عنهم أنهم إنما فعلوا ذلك لوجه الله وأنهم لا يريدون ممن أطعموه ~~عوضا من أموالهم ولا ثناء عليهم بألسنتهم كما يريده من ms039 لا إخلاص له بإحسانه ~~إلى الناس من معاوضتهم أو الشكور منهم فتضمن ذلك المحبة والإخلاص والإحسان # ثم أخبر سبحانه عنهم بما صدقهم عليه قبل أن يقولوه حيث قالوا @QB@ إنا ~~نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا @QE@ الآية 10 فصدقهم قبل قولهم ~~PageV01P072 إذ يقول تعالى @QB@ يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ~~@QE@ الآية 7 ثم أخبر سبحانه بأنه وقاهم شر ما يخافونه ولقاهم فوق ما كانوا ~~يأملونه # وذكر سبحانه أصناف النعيم الذي حياهم به من المساكن والملابس والمجالس ~~والثمار والشراب والخدم والنعيم والملك الكبير # ولما كان في الصبر من حبس النفس والخشونة التي تلحق الظاهر والباطن من ~~التعب والنصب والحرارة ما فيه كان الجزاء عليه بالجنة التي فيها السعة ~~والحرير الذي فيه اللين والنعومة والإتكاء الذي يتضمن الراحة والظلال ~~المنافية للحر # ثم ذكر سبحانه لون ملابس الأبرار وأنها ثياب سندس خضر وإستبرق وحليتهم ~~وأنها أساور من فضة فهذه زينة ظواهرهم ثم ذكر زينة بواطنهم وهو الشراب ~~الطهور وهو بمعنى التطهير # فإن قيل فلم اقتصر من آنيتهم وحليتهم على الفضة دون الذهب ومعلوم أن ~~الجنان جنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما ~~وحليتهما وما فيهما # قيل سياق هذه الآيات إنما هو في وصف الأبرار ونعيمهم مفصلا دون تفصيل ~~جزاء المقربين فإنه سبحانه إنما أشار إليه أشارة تنبه على ما سكت عنه وهو ~~أن شارب الأبرار يمزج من شرابهم # فالسورة مسوقة بصفة الأبرار وجزائهم على التفصيل وذلك والله أعلم ~~PageV01P073 لأنهم أعم من المقربين وأكثر منهم ولهذا يخبر سبحانه عنهم ~~بأنهم ثلة من الأولين وثلة من الآخرين وعن المقربين السابقين بأنهم ثلة من ~~الأولين وقليل من الآخرين # وأيضا فإن في ذكر جزاء الأبرار تنبيها على أن جزاء المقربين ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر # وأيضا فإنه سبحانه ذكر أهل الكفر وأهل الشكر وأهل الشكر نوعان أبرار أهل ~~يمين ومقربون سابقون وكل مقرب سابق فهو من الأبرار ولا ينعكس فاسم الأبرار ~~والمقربين كاسم الإسلام والإيمان أحدهما ms040 أعم من الآخر # وأيضا فإنه سبحانه أخبر أن هذا جزاء سعيهم المشكور وكل من الأبرار ~~والمقربين سعيهم مشكور فذكر سبحانه السعي المشكور والسعي المسخوط # ثم ذكر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بما أنعم عليه من تنزيل القرآن ~~عليه وأمره بأن يصبر لحكمه وهو يعم الحكم الديني الذي أمره به في نفسه ~~وأمره بتبليغه والحكم الكوني الذي يجري عليه من ربه فإنه سبحانه امتحن ~~عباده وابتلاهم بأمره ونهيه وهو حكمه الديني وابتلاهم بقضائه وقدره وهوحكمه ~~الكوني وفرض عليهم الصبر على كل واحد من الحكمين وإن PageV01P074 كان الحكم ~~الديني في هذه الآية أظهر إرادة وأنه أمر بالصبر على تبليغه والقيام بحقوقه # ولما كان صبره عليه لا يتم إلا بمخالفته لمن دعاه إلى خلافه من كل آثم أو ~~كفور نهاه عن طاعة هذا وهذا وأتى بحرف أو دون الواو ليدل على أنه منهي عن ~~طاعة أيهما كان إما هذا وإما هذا فكأنه قيل له لا تطع أحدهما وهو أعم في ~~النهي من كونه منهيا عن طاعتهما فإنه لو قيل له لا تطعهما أو لا تطع آثما ~~وكفورا لم يكن صريحا في النهي عن طاعة كل منهما بمفرده # ولما كان لا سبيل إلى الصبر إلا بتعويض القلب بشيء هو أحب إليه من فوات ~~ما يصبر على فوته أمره بأن يذكر ربه سبحانه بكرة وأصيلا فإن ذكره أعظم ~~العون على تحمل مشاق الصبر وأن يصبر لربه بالليل فيكون قيامه بالليل عونا ~~على ما هو بصدده بالنهار ومادة لقوته ظاهرا وباطنا ولنعيمه عاجلا وآجلا # ثم أخبر سبحانه عما يمنع العبد من إيثار ما فيه سعادته في الدنيا والآخرة ~~وهو حب العاجلة وإيثارها على الآخرة تقديما لداعي الحس على داعي العقل # ثم ذكر سبحانه خلقهم وإحكامه وإتقانه بما شد من أسرهم وهو ائتلاف الأعضاء ~~والمفاصل والأوصال وما بينها من الرباطات وشد بعضها PageV01P075 ببعض ~~وحقيقته القوة ومنه قول الشاعر % من كل مجتنب شديد أسره % سلس القياد تخاله ~~مختالا % $ # ولا يكون ذلك إلا فيما له شد ورباط ومنه ms041 الإسار وهو الحبل الذي يشد به ~~الأسير # ثم أخبر سبحانه أنه قادر على أن يبدل أمثالهم بعد موتهم وأنه إذا شاء ذلك ~~فعله وإذا للمحقق فهذا التبديل واقع لا محالة فهو الإعادة التي هي مثل ~~البداءة # هذا هو معنى الآية ومن قال غير ذلك لم يصب معناها ولا توحشك لفظة المثل ~~فإن المعاد مثل للمبدوء وإن كان هو بعينه فهو معاد أو هو مثله من جهة ~~المغايدة بين كونه مبدءا ومعادا وهذا كالدار إذا تهدمت وأعيدت بعينها فهي ~~الأولى وكذلك الصلاة المعادة هي الأولى وهي مثلها PageV01P076 # وقد نطق القرآن بأنه سبحانه يعيدهم ويعيد أمثالهم إذ شاء وكلاهما واحد ~~فقال @QB@ كما بدأكم تعودون @QE@ سورة الأعراف 29 وقال تعالى @QB@ وإلينا ~~ترجعون @QE@ سورة الأنبياء 35 وقال @QB@ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده @QE@ ~~سورة الروم 27 وقال @QB@ أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن ~~يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم @QE@ سورة يس 81 وقال @QB@ إنا لقادرون ~~@QE@ @QB@ على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة ~~الأولى فلولا تذكرون @QE@ سورة الواقعة 61 62 # فهذا كله معاد الأبدان وقد صرح سبحانه بأنه خلق جديد في موضعين من كتابه ~~وهذا الخلق الجديد هو المثل # ثم ختم سبحانه السورة بالشرع والقدر كما افتتحها بالخلق والهداية فقال ~~@QB@ فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا @QE@ الآية 29 فهذا شرعه ومحل أمره ونهيه ~~ثم قال @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ الآية 30 فهذا قضاؤه وقدره ~~ثم ذكر الإسمين الموجبين للتخصيص وهما اسم العليم الحكيم # وقوله @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ فأخبر أن مشيئتهم موقوفة ~~على مشيئته ومع هذا فلا يوجب ذلك حصول الفعل منهم إذ أكثر ما فيه أنه جعلهم ~~شائين ولا يقع الفعل إلا حين يشاؤه منهم كما قال تعالى @QB@ فمن شاء ذكره ~~وما يذكرون إلا أن يشاء الله @QE@ سورة المدثر 55 56 وقال @QB@ لمن شاء ~~منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ سورة التكوير 28 29 ومع ~~هذا فلا يقع الفعل ms042 منهم حتى يريد من نفسه إعانتهم وتوفيقهم # فهنا أربع إرادات إرادة البيان وإرادة المشيئة وإرادة الفعل وإرادة ~~الإعانة والله أعلم # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم ~~تسليما PageV01P077 # | رسالة في قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة PageV01P080 # فصل # قال الله تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة @QE@ سورة البقرة 75 # قال علي بن أبي طالب الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا انقطع ~~الرأس بار الجسد ألا لا إيمان لمن لا صبر له # فالصبر على أداء الواجبات واجب ولهذا قرنه بالصلاة في أكثر من خمسين ~~موضعا فمن كان لا يصلي من جميع الناس رجالهم ونسائهم فإنه يؤمر فإن امتنع ~~عوقب بإجماع المسلمين ثم أكثرهم يوجبون قتل تارك الصلاة وهل يقتل كافرا ~~مرتدا أو فاسقا على قولين في مذهب أحمد وغيره والمنقول عن أكثر السلف يقتضي ~~كفره وهذا مع الإقرار بالوجوب فأما مع جحود الوجوب فهو كافر بالإتفاق # ومن ذلك تعاهد مساجد المسلمين وأئمتهم وأمرهم بأن يصلوا بهم صلاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم حيث قال صلوا كما رأيتموني أصلي رواه البخاري وصلى مرة ~~بأصحابه على طرف المنبر وقال إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي # فعلى إمام الصلاة أن يصلي بالناس صلاة كاملة لا يقتصر على ما يجوز ~~للمنفرد PageV01P081 الإقتصار عليه إلا لعذر وكذلك على إمامهم في الحج ~~وأميرهم في الحرب ألا ترى الوكيل والولي في البيع والشراء عليه أن يتصرف ~~لموكله ولموليه على الوجه الأصلح له في ماله وهو في مال نفسه يفوت على نفسه ~~ما شاء فأمر الدين أهم ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس صلح الدين ~~للطائفتين والدنيا وإلا اضطربت الأمور عليهم جميعا # وملاك ذلك حسن النية للرعية وإخلاص الدين كله لله عز وجل والتوكل عليه ~~فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة كما أمرنا أن نقول في صلاتنا ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فهاتان الكلمتان قد قيل إنهما تجمعان ~~معاني الكتب المنزلة من السماء # وروى أنه صلى الله عليه وسلم كان مرة في غزاة فقال ms043 يا مالك يوم الدين ~~إياك نعبد وإياك نستعين فجعلت الرءوس تندر عن كواهلها # وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله عز وجل @QB@ فاعبده وتوكل عليه ~~@QE@ سورة هود 123 وقوله @QB@ عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ سورة هود 88 سورة ~~الشورى 10 وكان صلى الله عليه وسلم إذا ذبح أضحيته قال منك وإليك ~~PageV01P082 # وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن والإحسان إلى الناس بالنفع ~~والمال الذي هو الزكاة والصبر على أذى الخلق وغيره من النوائب فبالقيام ~~بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية وإذا عرف الإنسان ما يدخل ~~في هذه الأسماء الجامعة عرف ما يدخل في الصلاة من ذكر الله تعالى ودعائه ~~وتلاوة كتابه وإخلاص الدين له والتوكل عليه وفي الزكاة من الإحسان إلى ~~الخلق بالمال والنفع من نصر المظلوم وإغاثة الملهوف وقضاء حاجة المحتاج وفي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل معروف صدقة فيدخل فيه كل إحسان ~~ولو ببسط الوجه والكلمة الطيبة # ففي الصحيح عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم ~~من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب فينظر أيمن منه فلا ~~يرى إلا شيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أمامه ~~فيستقبل النار فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم ~~يجد فبكلمة طيبة # وفي السنن لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه PageV01P083 ~~طلق وفي رواية ووجهك إليه منبسط ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي # وفي الصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ والعفو عن الناس ومخالفة الهوى وترك ~~الأشر والبطر كما قال تعالى @QB@ ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها ~~منه إنه ليؤوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات ~~عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات @QE@ الآية ( سورة هود ~~9 11 ) # وقال الحسن البصري إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش ألا ~~ليقم من أجره ms044 على الله فلا يقوم إلا من عفا وأصلح # وليس من حسن النية للرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما ~~يكرهونه قال تعالى @QB@ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن ~~فيهن @QE@ سورة المؤمنون 71 وقال لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم @QB@ ~~واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم @QE@ سورة ~~الحجرات 7 PageV01P084 $ رسالة في تحقيق التوكل PageV01P086 بسم الله ~~الرحمن الرحيم وبه نستعين # الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم ~~تسليما أما بعد فهذا $ فصل في التوكل # قد ظن طائفة ممن تكلم في أعمال القلوب أن التوكل لا يحصل به جلب منفعة ~~ولا دفع مضرة بل ما كان مقدرا بدون التوكل فهو مقدر مع التوكل ولكن التوكل ~~عبادة يثاب عليها من جنس الرضا بالقضاء وذكر ذلك أبو عبدالله بن بطة فيما ~~صنفه في هذا الباب وقول هؤلاء يشبه قول من قال إن الدعاء لا يحصل به جلب ~~منفعة ولا دفع مضرة بل هو عبادة يثاب عليها كرمي الجمار وآخرون يقولون بل ~~الدعاء علامة وأمارة ويقولون ذلك في جميع العبادات وهذا قول من ينفي ~~الأسباب في الخلق والأمر ويقول إن الله يفعل عندها لا بها وهو قول من طائفة ~~من متكلمي أهل الإثبات للقدر كالأشعري وغيره وهو قول طائفة من الفقهاء ~~والصوفية PageV01P087 # وأصل هذه البدعة من قول جهم فإنه كان غاليا في نفي الصفات وفي الجبر فجعل ~~من تمام توحيد الذات نفي الصفات ومن تمام توحيد الأفعال نفى الأسباب حتى ~~أنكر تأثير قدرة العبد بل نفى كونه قادرا وأنكر الحكمة والرحمة وكان يخرج ~~إلى الجذمي فيقول أرحم الراحمين يفعل كل هذا يعني أنه يفعل بمحض المشيئة ~~بلا رحمة وقوله في القدر قد يقرب إليه الأشعري ومن وافقه من الطوائف # والذي عليه السلف والأئمة والفقهاء والجمهور وكثير من أهل الكلام إثبات ~~الأسباب كما دل على ذلك الكتاب والسنة مع دلالة الحس والعقل والكلام على ~~هؤلاء مبسوط في مواضع أخر # والمقصود هنا ms045 الكلام على التوكل فإن الذي عليه الجمهور أن المتوكل يحصل ~~له بتوكله من جلب المنفعة ودفع المضرة ما لا يحصل لغيره وكذلك الداعي ~~والقرآن يدل على ذلك في مواضع كثيرة ثم هو سبب عند الأكثرين وعلامة عند من ~~ينفي الأسباب قال تعالى @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء ~~قدرا @QE@ سورة الطلاق 2 3 والحسب الكافي فبين أنه كاف من توكل عليه وفي ~~الدعاء يا حسب المتوكل فلا يقال هو حسب غير المتوكل كما هو حسب المتوكل ~~لأنه علق هذه الجملة على الأولى تعليق الجزاء على الشرط فيمتنع في مثل ذلك ~~أن يكون وجود الشرط كعدمه ولأنه رتب الحكم على الوصف المناسب له فعلم أن ~~توكله هو سبب كونه حسبا له ولأنه ذكر ذلك في سياق الترغيب في التوكل كما ~~رغب في التقوى فلو لم يحصل للمتوكل من الكفاية PageV01P088 ما لا يحصل ~~لغيره لم يكن ذلك مرغبا في التوكل كما جعل التقوى سببا للخروج من الشدة ~~وحصول الرزق من حيث لا يحتسب وقد قال تعالى @QB@ الذين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ~~@QE@ سورة آل عمران 173 فمدحوه سبحانه بأنه نعم الوكيل لما توكلوا عليه ~~بقولهم حسبنا الله أي كافينا الله لا يستحق المدح إن لم يجلب لمن توكل عليه ~~منفعة ويدفع عنه مضرة والله خير من توكل العباد عليه فهو نعم الوكيل يجلب ~~لهم كل خير ويدفع عنهم كل شر # وقال تعالى @QB@ واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا ~~إله إلا هو فاتخذه وكيلا @QE@ سورة المزمل 8 9 وقال تعالى @QB@ وآتينا موسى ~~الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا @QE@ سورة ~~الإسراء 2 فأمر أن يتخذ وكيلا ونهى أن يتخذ من دونه وكيلا لأن المخلوق لا ~~يستقل بجميع حاجات العبد والوكالة الجائزة أن يوكل الإنسان في ms046 فعل يقدر ~~عليه فيحصل للموكل بذلك بعض مطلوبه فأما مطالبه كلها فلا يقدر عليها إلا ~~الله وذلك الذي يوكله لا يفعل شيئا إلا بمشيئة الله عز وجل وقدرته فليس له ~~أن يتوكل عليه وإن وكله بل يعتمد على الله في تيسير ما وكله فيه فلو كان ~~الذي يحصل للمتوكل على الله يحصل وإن توكل على غيره أو يحصل بلا توكل لكان ~~اتخاذ بعض المخلوقين وكيلا أنفع من اتخاذ الخالق وكيلا وهذا من أقبح لوازم ~~هذا القول الفاسد قال تعالى @QB@ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين @QE@ سورة الأنفال 64 أي الله كافيك وكافي من اتبعك من ~~PageV01P089 المؤمنين فلو كانت كفايته للمؤمنين المتبعين للرسول سواء ~~اتبعوه أو لم يتبعوه لم يكن للإيمان واتباع الرسول ثم أثر في هذه الكفاية ~~ولا كان لتخصصهم بذلك معنى وكان هذا نظير أن يقال هو خالقك وخالق من اتبعك ~~من المؤمنين ومعلوم أن المراد خلاف ذلك # وإذا كان الحسب معنى يختص به بعض الناس علم أن قول المتوكل حسبي الله ~~وقوله تعالى @QB@ ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ سورة الطلاق 3 أمر مختص ~~لا مشترك وأن التوكل سبب ذلك الإختصاص والله تعالى إذا وعد على العمل بوعد ~~أو خص أهله بكرامة فلا بد أن يكون بين وجود ذلك العمل وعدمه فرق في حصول ~~تلك الكرامة وإن كان قد يحصل نظيرها بسبب آخر فقد يكفي الله بعض من لم ~~يتوكل عليه كالأطفال لكن لا بد أن يكون للمتوكل أثر في حصول الكفاية ~~الحاصلة للمتوكلين فلا يكون ما يحصل من الكفاية بالتوكل حاصلا مطلقا وإن ~~عدم التوكل وقد قال تعالى @QB@ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا ~~بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ~~@QE@ سورة آل عمران 173 174 فمعقب هذا الجزاء والحكم لذلك الوصف والعمل ~~بحرف الفاء وهي تفيد السبب فدل ذلك على أن ذلك التوكل هو سبب هذا الإنقلاب ~~بنعمة من الله وفضل وأن هذا الجزاء جزاء على ms047 ذلك العمل # وفي الأثر من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله فلو كان التوكل لا ~~يجلب منفعة ولا يدفع مضرة لم يكن المتوكل أقوى من غيره PageV01P090 # قال تعالى @QB@ يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن ~~الله كان عليما حكيما واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا @QE@ سورة الأحزاب 1 3 # وقال في أثناء السورة @QB@ ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل ~~على الله وكفى بالله وكيلا @QE@ الآية 48 # فأمره سبحانه بتقواه واتباع ما يوحى إليه وأمره بالتوكل كما جمع بين هذين ~~الأصلين في غير موضع كقوله @QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ سورة هود 123 وقوله ~~@QB@ وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا @QE@ ~~سورة المزمل 8 9 وقوله تعالى @QB@ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك ~~المصير @QE@ سورة الممتحنة 4 وقوله تعالى @QB@ هو ربي لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وإليه متاب @QE@ سورة الرعد 30 وقوله تعالى @QB@ ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ سورة ~~الطلاق 2 3 # وقوله تعالى في الفاتحة @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وعلم القرآن ~~جمع في الفاتحة وعلم الفاتحة في هذين الأصلين عبادة الله والتوكل عليه # وإذا أفرد لفظ العبادة دخل فيه التوكل فإنه من عبادة الله تعالى كقوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم @QE@ سورة البقرة 21 وقوله تعالى ~~@QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ سورة الذاريات 56 وإذا قرن به ~~التوكل كان مأمورا به بخصوصه # وهذا كلفظ الإسلام والإيمان والعمل ولفظ الصلاة مع العبادة ومع اتباع ~~PageV01P091 الكتاب ولفظ الفحشاء والبغي مع المنكر ونظائر ذلك متعددة # فكون اللفظ عند تجرده وإفراده يتناول أنواعا وقد يعطف بعض تلك الأنواع ~~عليه فيكون مأمورا به بخصوصه ثم قد يقال إذا عطف لم يدخل في المعطوف عليه ~~وقد يقال بل أمر به خاصا وعاما كما في قوله تعالى @QB@ وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال ms048 @QE@ وإذا كان الله أمره بالتوكل على الله ثم قال @QB@ وكفى ~~بالله وكيلا @QE@ سورة الأحزاب 3 علم أن الله وكيل كاف لمن توكل عليه كما ~~يقال في الخطبة والدعاء الحمد لله كافي من توكل عليه # وإذا كان كفى به وكيلا فهذا مختص به سبحانه ليس غيره من الموجودات كفى به ~~وكيلا فإن من يتخذ وكيلا من المخلوقين غايته أن يفعل بعض المأمور وهو لا ~~يفعلها إلا بإعانة الله له وهو عاجز عن أكثر المطالب # فإذا كان سبحانه وصف نفسه بأنه كفى به وكيلا علم أنه يفعل بالمتوكل عليه ~~ما لا يحتاج معه إلى غيره في جلب المنافع ودفع المضار إذ لو تبقى شر لم يكن ~~كفى به وكيلا وهذا يقتضي بطلان ظن من ظن أن المتوكل عليه لا يحصل له بتوكله ~~عليه جلب منفعة ولا دفع مضرة بل يجري عليه من القضايا ما كان يجري لو لم ~~يتوكل عليه # والذين ظنوا هذا أصل شبهتهم أنهم لما أثبتوا أن الله إذا قضى شيئا فلا بد ~~أن يكون وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن ما سبق به علمه فهو ~~كائن لا محالة صاروا يظنون ما يوجد بسبب يوجد بدونه وما يوجد مع عدم المانع ~~يوجد مع المانع PageV01P092 # وهذا غلط عظيم ضل فيه طوائف طائفة قالت لا حاجة إلى الأعمال المأمور بها ~~فإن من خلق للجنة فهو يدخلها وإن لم يؤمن ومن خلق للنار فهو يدخلها وإن آمن # وهذه الشبهة سئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ما منكم من أحد ~~إلا وقد علم مقعده من الجنة والنار قالوا أولا ندع العمل ونتكل على الكتاب ~~فقال لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل ~~أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاء فسييسر إلى عمل أهل الشقاء # وهذا المعنى قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح في مواضع ~~تبيين أن ما سبق به الكتاب سبق بالأسباب التي ms049 تفضي إليه فالسعادة سبقت بأن ~~صاحبها يستعمل فيما يصير به سعيدا والشقاوة سبقت بأن صاحبها يستعمل فيما ~~يصير به شقيا فالقدر يتضمن الغاية وسببها لم يتضمن غاية بلا سبب كما تضمن ~~أن هذا ويلد له بأن يتزوج ويطأ المرأة وهذا ينبت أرضه بأن يزرع ويسقى الزرع ~~وأمثال ذلك # وكذلك في السنن أنه قيل له يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى ~~نسترقيها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله ~~PageV01P093 بين أن الأسباب التي تدفع بها المكاره هي من قدر الله ليس ~~القدر مجرد دفع المكروه بلا سبب # وكذلك قول من قال إن الدعاء لا يؤثر شيئا والتوكل لا يؤثر شيئا هو من هذا ~~الجنس لكن إنكار ما أمر به من الأعمال كفر ظاهر بخلاف تأثير التوكل ولكن ~~الأصل واحد وهو النظر إلى المقدرو مجردا عن أسبابه ولوازمه ومن هذا الباب ~~أن المقتول يموت بأجله عند عامة المسلمين إلا فرقة من القدرية قالوا إن ~~القاتل قطع أجله ثم تكلم الجمهور لو لم يقتل فقال بعضهم كان يموت لأن الأجل ~~قد فرغ وقال بعضهم لا يموت لانتفاء السبب # وكلاء القولين قد قاله من ينتسب إلى السنة وكلاهما خطأ فإن القدر سبق ~~بأنه يموت فبهذا السبب لا بغيره فإذا قدر انتفاء هذا السبب كان فرض خلاف ما ~~في المقدور ولو كان المقدور أنه لا يموت بهذا السبب أمكن أن يكون المقدر ~~أنه يموت بغيره وأمكن أن يكون المقدر أنه لا يموت فالجزم بأحدهما جهل فما ~~تعددت أسبابه لم يجزم بعدمه عند عدم بعضها ولو لم يجزم بثبوته إن لم يعرف ~~له سبب آخر بخلاف ما ليس له إلا سبب واحد مثل دخول النار فإنه لا يدخلها ~~إلا من عصى فإذا قدر أنه لم يعص لم يدخلها # قال تعالى @QB@ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل ~~على الله إن الله يحب المتوكلين إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم ~~فمن ذا الذي ينصركم ms050 من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون @QE@ سورة آل عمران ~~159 160 فأمره إذا عزم أن PageV01P094 يتوكل على الله فلو كان المتوكل لا ~~يعينه على مثل ما عزم عليه لم يكن به عند العزم فائدة يبين سبحانه أنه هو ~~الناصر دون غيره فقال @QB@ وعلى الله فليتوكل المؤمنون @QE@ فنهى عن التوكل ~~على غيره وأمر بالتوكل عليه ليحصل للمتوكل عليه النصر الذي لا يقدر عليه ~~غيره وإلا فالمتوكل على غيره يطلب منه النصر فإن كان ذلك المطلوب لا يحصل ~~منه لم يكن لذكر انفراده بالنصر معنى فإنه على هذا القول نصره لمن توكل ~~عليه كنصره لمن لم يتوكل عليه وهذا يناقض مقصود الآية بل عند هؤلاء قد ينصر ~~من يتوكل على غيره ولا ينصر من توكل عليه فكيف يأمر بالتوكل عليه دون غيره ~~مقرونا بقوله @QB@ إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ~~ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون @QE@ # وكذلك قوله تعالى @QB@ أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن ~~يضلل الله فما له من هاد @QE@ سورة الزمر 36 إلى قوله @QB@ قل حسبي الله ~~عليه يتوكل المتوكلون @QE@ سورة الزمر 38 فبين أن الله يكفي عبده الذي ~~يعبده الذي هو من عباده الذين ليس للشيطان عليهم سلطان الذين هم من عباده ~~المخلصين الذين هم من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا الذين هم من ~~عباد الله الذين يشربون من عين يفجرونها تفجيرا # ومثل هذا قوله سبحان @QB@ الذي أسرى بعبده ليلا @QE@ سورة الإسراء 1 ~~وقوله تعالى @QB@ وأنه لما قام عبد الله يدعوه @QE@ سورة الجن 19 وقوله ~~تعالى @QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا @QE@ سورة البقرة 23 ~~ونظائر ذلك متعددة ثم أمره بقوله @QB@ حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون @QE@ ~~PageV01P095 # وقال تعالى @QB@ واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر ~~عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم ~~لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون @QE@ سورة يونس 71 # وكذلك ms051 قال عن هود لما قال لقومه @QB@ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ~~قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم ~~لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ~~ربي على صراط مستقيم @QE@ سورة هود 54 56 فهذا من كلام المرسلين مما يبين ~~أنه بتوكله على الله يدفع شرهم عنه # فنوح يقول @QB@ إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله ~~توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا ~~تنظرون @QE@ فدعاهم إذا استعظموا ما يفعله كارهين له أن يجتمعوا ثم يفعلوا ~~به ما يريدونه من الإهلاك وقال تعالى @QB@ فعلى الله توكلت @QE@ فلولا أن ~~تحقيقه هذه الكلمة وهو توكله على الله يدفع ما تحداهم به ودعاهم إليه ~~تعجيزا لهم من مناجزته لكان قد طلب منهم أن يهلكوه وهذا لا يجوز وهذا طلب ~~تعجيز لهم فدل على أنه بتوكله على الله يعجزهم عما تحداهم به # وكذلك هو يشهد الله وإياهم أنه بريء مما يشركونه بالله ثم يتحداهم ~~ويعجزهم بقوله @QB@ فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي ~~وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها @QE@ PageV01P096 بين أنه توكل على ~~من أخذ بنواصي الأنفس وبسائر الدواب فهو يدفعكم عني لأني متوكل عليه ولو ~~كان وجود التوكل كعدمه في هذا لكان قد أغراهم بالإيقاع به ولم يكن لذكر ~~توكله فائدة إذ كان حقيقة الأمر عند هؤلاء أنه لا فرق بين من توكل ومن لم ~~يتوكل في وصول العذاب عليه وهم كانوا أكثر وأقوى منه فكانوا يهلكونه لولا ~~قوته بتوكله عليه فإن التوكل إن لم يعطه قوة فهم أقوى منه وهو لو قال بأن ~~الله مولاي وناصري ونحو ذلك لعلم أنه قاله مخبرا فالله يدفعهم عنه وإنما ~~يدفعهم لإيمانه وتقواه ولأنه عبده ورسوله # والله تعالى مع رسله وأوليائه فإذا كان بسبب الإيمان والتقوى يدفع الله ~~عن المؤمنين التقين كما قال تعالى @QB@ إن ms052 الله يدافع عن الذين آمنوا @QE@ ~~سورة الحج 38 علم أن العبد تقوم به أعمال باطنة وظاهرة يجلب بها المنفعة ~~ويدفع بها المضرة فالتوكل من أعظم ذلك وعلم أن من ظن أن المقدور من المنافع ~~والمضار ليس معلقا بالأسباب بل يحصل بدونها فلو غلط # وكذلك قول من جعل ذلك مجرد أمارة وعلامة لاقتران هذا بهذا في غير موضع من ~~القرآن في خلقه وأمره كقوله تعالى @QB@ فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل ~~الثمرات @QE@ سورة الأعراف 57 وقوله تعالى @QB@ كلوا واشربوا هنيئا بما ~~أسلفتم في الأيام الخالية @QE@ سورة الحاقة 24 وقوله تعالى @QB@ جزاء بما ~~كانوا يعملون @QE@ سورة السجدة 17 PageV01P097 # وأنكر تعالى على من ظن وجود الأسباب كعدمها في قوله تعالى @QB@ أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين @QE@ سورة القلم 35 وقوله تعالى @QB@ أم نجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار @QE@ ~~سورة ص 28 وأمثال ذلك # وهؤلاء الذين يقولون بالجبد رقالوا بالأمر والنهي حقيقته أنه إعلام بوقوع ~~العذاب بالمعاصي بمحض المشيئة لا لسبب ولا لحكمة فقلبوا حقيقة الأمر والنهي ~~إلى الجبر كما أبطلوا الأسباب والحكم وأبطلوا قدر العباد وهم وإن كانوا ~~يردون على القدرية ويذكرون من تناقضهم ما يبين به فساد قول القدرية فردوا ~~باطلا بباطل وقابلوا بدعة ببدعة كرد اليهود على النصارى والنصارى على ~~اليهود مقاتلهم في المسيح وكلا المقالتين باطلة وكذلك تقابل الخوارج ~~والشيعة في علي كلاهما باطل على باطل ونظائر متعددة $ فصل # وإن ما فرض عليه من الدعاء الراتب الذي يتكرر في الصلوات بل الركعات ~~فرضها ونفلها هو الدعاء الذي تضمنته أم القرآن وهو قوله تعالى @QB@ اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~@QE@ لأن كل عبد فهو مضطر دائما إلى مقصود هذاالدعاء وهو هداية الصراط ~~المستقيم فإنه لا نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية ولا وصول PageV01P098 ~~إلى السعادة إلا به فمن فاته هذا الهدى فهو إما من المغضوب عليهم وإما من ~~الضالين # وهذا الإهتداء لا يحصل إلا بهدى الله فمن يهده الله فهو المهتدي ms053 @QB@ ومن ~~يضلل فلن تجد له وليا مرشدا @QE@ سورة الكهف 17 وهذه الآية مما يتبين بها ~~فساد مذهب القدرية الذين يزعمون أن العبد لا يفتقر في حصول هذا الإهتداء ~~إلى الله بل كل عبد عندهم معه ما يحصل به الإهتداء والكلام عليهم مبسوط في ~~موضع آخر # والمقصود هنا أن كل عبد فهو مفتقر دائما إلى حصول هذه الهداية وأما سؤال ~~من يقول فقد هداهم إلى الإيمان فلا حاجة إلى الهدى وجواب من يجيب بأن ~~المطلوب دوام الهدى فكلام من لم يعرف حقيقة حال الأسباب وما أمر به فإن ~~الصراط المستقيم أن تفعل في كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل ~~ولا تفعل ما نهيت عنه وهذا يحتاج إليه في كل وقت إلى أن يعلم ما أمر به في ~~ذلك الوقت وما نهى عنه وإلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور وكراهة ~~جازمة لترك المحظور وهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن تحصل ~~للعبد في وقت واحد بل في كل وقت يحتاج أن يجعل الله في قلبه من العلوم ~~والإرادات ما يهدى به في ذلك الوقت نعم حصل له هدى مجمل فإن القرآن حق ودين ~~الإسلام حق والرسول ونحو ذلك ولكن هذا الهدى المجمل لا يعينه إن لم يحصل له ~~هدى مفصل في كل ما يأتيه ويدبره من الجزئيات التي يحار في كثير منها أكثر ~~عقول الخلق ويغلب الهوى أكثر الخلق لغلبة الشبهات والشهوات على النفوس ~~PageV01P099 # والإنسان خلق ظلوما جهولا فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من ~~الشر فيحتاج دائما إلى علم مفصل يزول به جهله وعدل في محبته وبغضه ورضاه ~~وغضبه وفعله وتركه وإعطائه ومنعه وكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى عدل ~~ينافي ظلمه فإن لم يمن الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل وإلا كان فيه ~~من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم وقد قال تعالى لنبيه بعد ~~صلح الحديبية وبيعة الرضوان @QB@ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ms054 ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله ~~نصرا عزيزا @QE@ سورة الفتح 1 3 فأخبر أنه فعل هذا ليهديه صراطا مستقيما ~~فإذا كان هذا حاله فكيف حال غيره # والصراط المستقيم قد فسر بالقرآن والإسلام وطريق العبودية وكل هذا حق فهو ~~موصوف بهذا وبغيره فحاجته إلى هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجاته بخلاف ~~الحاجة إلى الرزق والنصر فإن الله يرزقه وإذا انقطع رزقه مات والموت لا بد ~~منه فإن كان من أهل الهداية كان سعيدا وإن كان بعد الموت وكان الموت موصلا ~~له إلى السعادة الدائمة الأبدية فيكون رحمة في حقه وكذلك النصر إذا قدر أنه ~~قهر وغلب حتى قتل فإذا كان من أهل الهداية إلى الإستقامة مات شهيدا وكان ~~القتل من تمام نعمة الله عليه فتبين أن حاجة العباد إلى الهدي أعظم من ~~حاجتهم إلى الرزق بل لا نسبة بينهما فلهذا كان هذا الدعاء هو المفروض عليهم # وأيضا فإن الدعاء يتضمن الرزق والنصر لأنه إذا هدي الصراط المستقيم كان ~~من المتقين @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ ~~وكان ممن ينصر الله ورسوله ومن نصر الله نصره وكان من جند الله وجند الله ~~هم الغالبون فالهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر ~~PageV01P100 # | رسالة في تحقيق الشكر PageV01P102 # فصل يتعلق بالشكر # اعلم أن أهل البدع القدرية من الجهمية المجبرة والقدرية النافية لا ~~يحمدون الله ولا يشكرونه كما أنهم لا يعبدونه وأما أهل الإلحاد من ~~المتفلسفة والباطنية فهم أبعد عن حمده وشكره # وذلك أن المجبرة حقيقة قولهم أنه ليس برحيم ولا منعم بل ولا إله يستحق أن ~~يعبد ويحب بل صدور الإحسان عنه كصدور الإساءة وإنما هو يفعل بمحض مشيئة ~~ترجح الشيء على مثله لا لمرجح وكل الممكنات عندهم متماثلة فلا فرق بين أن ~~يريد رحمة الخلق ونفعهم والإحسان إليهم أو يريد فسادهم وهلاكهم وضرارهم ~~يقولون هذا كله عنده سواء # ومعلوم أن الإنعام إنما يكون إنعاما إذا قصد به المنعم ms055 نفع المنعم عليه ~~دون إضراره وأما إذا قصد الأمرين فهذا ليس جعله منمعما مصلحا بأولى من جعله ~~معتديا مفسدا كمن بيده سيف يضرب به صديق الإنسان تارة وعدوه أخرى أو معه ~~دراهم يقوى بها تارة ويقويه بها تارة فهذا ليس كونه محسنا إليه بأولى من ~~كونه ضارا له ومحسنا إلى عدوه # وأما النافية فعندهم أن هذا كله واجب عليه البيان وخلق القدرة وإزاحة ~~العلل والجزاء ومن فعل الواجب الذي يستحقه غيره عليه لم يستحق الشكر المطلق ~~PageV01P103 # وأيضا إنعامه بالهدى على المؤمنين والكفار سواء فشكر المؤمنين له على ~~الهدى كشكر الكفار عليه إذ لم ينعم على المؤمنين بنفس الهدى بل هم اهتدوا ~~بقدرتهم ومشيئتهم وإذن كان إنعامه على النوعين سواء ولكن هؤلاء هم الذين ~~فعلوا ما يسعدون به # والمتفلسفة أرسطو وأتباعه عندهم أنه لا يفعل شيئا ولا يريد شيئا ولا يعلم ~~شيئا ولا يخلق شيئا فعلى أي شيء يشكر أم على أي شيء يحمد ويعبد # والباطنية باطنية الشيعة والمتصوفة كابن سبعين وابن عربي هم في الباطن ~~كذلك بل يقولون الوجود واحد وجود المخلوق هو وجود الخالق فيجب عندهم أن ~~يكون كل موجود عابدا لنفسه شاكرا لنفسه حامدا لنفسه # وابن عربي يجعل الأعيان ثابتة في العدم وقد صرح بأن الله لم يعط أحدا ~~شيئا وأن جميع ما للعباد فهو منهم لا منه وهو مفتقر إليهم لظهور وجوده في ~~أعيانهم وهم مفتقرون إليه لكون أعيانهم ظهرت في وجوده فالرب إن ظهر ~~PageV01P104 فهو العبد والعبد إن بطن فهو الرب ولهذا قال لا تحمد ولا تشكر ~~إلا نفسك فما في أحد من الله شيء ولا في أحد من نفسه شيء ولهذا قال إنه ~~يستحيل من العبد أن يدعوه لأنه يشهد أحدية العين فالداعي هو المدعو فكيف ~~يدعو نفسه وزعم أن هذا هو خلاصة غاية الغاية فما بعد هذا شيء وقال فلا تطمع ~~أن ترقى في أعلى من هذه الدرج فما ثم شيء أصلا وإن هذا إنما يعرفه خلاصة ~~خلاصة الخاصة من أهل الله # فصرح بأنه ms056 ليس بعد وجود المخلوقات وجود يخلق ويرزق ويعبد ولهذا كان صاحبه ~~القاضي يقول % ما الأمر إلا نسق واحد % ما فيه من حمد ولا ذم % % وإنما ~~العادة قد خصصت % والطبع والشارع بالحكم % $ # وقد قال تعالى @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه ~~تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم @QE@ PageV01P105 الآية ( سورة النحل 53 54 ) ~~إلى قوله سبحانه @QB@ ولهم ما يشتهون @QE@ الآية 57 وهذه الآيات كما تناولت ~~ذم الذين جعلوا له شريكا وولدا فتناولها لذم هؤلاء الملاحدة أعظم فإن ~~القائلين بقدم العالم وأنه معلول جعلوه كله والدلالة قديما أزليا معه وهذا ~~أعظم من قول أولئك والذين لم يجعلوه معلولا له قالوا إنه قديم معه واجب ~~الوجود مماثل له بل وجعلوا الفلك هو الذي تحدث عنه الحوادث لكن حركته للشبه ~~به وهذا أعظم من كل شرك في العالم ومن شرك المجوس والحرنانيين فإن أولئك ~~وإن جعلوا معه قديما إما الظلمة وهي إبليس عند المجوس وإما النفس والهيولي ~~عند الحرنانيين فهم يقولون إنه أحدث العالم وأنه ركبه من النفس والهيولي ~~القدمين ورحبه من أجزاء النور والظلمة # ولهذا ذكر محمد بن كعب وغيره عن المجوس والصابئة أنهم قالوا عن الله لولا ~~أولياؤه لذل فأنزل الله تعالى @QB@ ولم يكن له ولي من الذل @QE@ سورة ~~الإسراء 111 فإنهم يجعلونه محتاجا إلى من يعاونه إذ كان PageV01P106 مغلوبا ~~من وجه مع القدماء معه كما هو غالب من وجه # وكفر أولئك أعظم فإنهم لم يجعلوا له تأثيرا في الفلك ولا تصرفا بوجه من ~~الوجوه فهؤلاء تنقصوه وسلبوه الربوبية والإلهية أعظم من أولئك وجعلوه مع ~~الفلك مغلوبا من كل وجه لا بقدر أن يفعل فيه شيئا وكقول عبدة الأوثان هو ~~أجل من أن نعبده بل نعبد الوسائط وهو أجل من أن يبعث بشرا رسولا فجحدوا ~~توحيده ورسالته على وجه التعظيم له وكذلك المجوس الثنوية أثبتوا الظلمة ~~تنزيها له عن فعل الشر والحرنانيون أثبتوا معه النفس والهبلوي قديمين ~~تنزيها له عن إحداث العالم بلا سبب فالأمم كلهم يعظمونه لكن ms057 تعظيما يستلزم ~~شبهة وسبة # والمقصود هنا قوله تعالى @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ سورة النحل ~~53 وقوله عز وجل @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه @QE@ ~~سورة الجاثية 13 فالأمر ضد ما قاله هؤلاء الملاحدة ابن عربي ونحوه حيث ~~قالوا ما في أحد من الله شيء فيقال لهم بل كل ما بالخلق من نعمة فمن الله ~~وحده # قال النبي صلى الله عليه وسلم من قال إذا أصبح اللهم ما أصبح بي من نعمة ~~أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر ذلك ~~اليوم ومن قال إذا أمسى اللهم ما أمسى بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك ~~وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر تلك الليلة رواه أبو داود ~~وغيره PageV01P107 # فكل ما بالخلق من النعم فمنه وحده لا شريك له ولهذا هو سبحانه يجمع بين ~~الشكر والتوحيد ففي الصلاة أول الفاتحة @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ ~~وأوسطها @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ والخطب وكل أمر ذي بال لا يبدأ ~~فيه بالحمد لله فهو أجذم وعن ابن عباس إذا قلت لا إله إلا الله فقل الحمد ~~لله فإن الله يقول @QB@ فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين @QE@ ~~سورة غافر 65 # وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال حين يصبح الحمد لله ربي ~~لا أشرك به شيئا أشهد أن لا إله إلا الله ظل تغفر له ذنوبه حتى يمسي ومن ~~قالها حين يمسي غفرت له ذنوبه حتى يصبح رواه أبان المحاربي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما ذكره ابن عبدالبر وغيره # فالحمد أول الأمر كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم ~~والتوحيد نهايته ولهذا كان النصف من الفاتحة الذي هو لله أوله حمد وآخره ~~توحيد إياك نعبد # والحمد رأس الشكر فالحامد يشكره أولا على نعمه ثم يعبده وحده فإن العبد ~~أول ما يعرف ما يحصل له من ms058 النعمة مثل خلقه حيا وخلق طرق العلم السمع ~~والبصر والعقل PageV01P108 # وقد تنازع الناس في أول ما أنعم الله على العبد فقيل هو خلقه حيا أو خلق ~~الحياة كما قال ذلك من قاله من المعتزلة وقيل بل إدراك اللذات ونيل الشهوات ~~كما يقوله الأشعري ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره كالقاضي أبي ~~يعلى في أحد قوليه ومن أصحاب أحمد وغيرهم من قال بل أولها هو الإيمان ولم ~~يجعل ما قبل الإيمان نعمة بناء على أن تلك لا تصير نعما إلا بالإيمان وأن ~~الكافر ليس عليه نعمة وهذا أحد قولي الأشعري وأحد القولين لمتأخري أصحاب ~~أحمد وغيرهم كأبي الفرج # والصحيح أن نعمة الله على كل أحد على الكفار وغيرهم لكن النعمة المطلقة ~~التامة هي على الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين الذين أمرنا أن نقول في صلاتنا @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعمت عليهم @QE@ فإن جعلت غير صفة لا استثناء فيها لم يدخل المغضوب ~~عليهم ولا الضالون في المنعم عليهم وإن جعلت استثناء فقد دخلوا في المنعم ~~عليهم لكن رجحوا الأول فقالوا واللفظ للبغوي غير ههنا بمعنى لا ولا بمعنى ~~غير ولذلك جاز العطف عليها كما يقال فلان يغر محسن ولا مجمل فإذا كان غير ~~بمعنى سوى فلا يجوز العطف عليها بلا لا يجوز في الكلام عندي سوى عبدالله ~~ولا زيد وقد روى عن عمر أنه قرأ صراط من أنعمت عليهم غير PageV01P109 ~~المغضوب عليهم وغير الضالين # وهذا قد ذكره غير واحد من أهل العربية ومثلوه بقول القائل إنى لأقر ~~بالصادق غير الكاذب قالوا وغير هنا صفة ليست للإستثناء وأصل غير أن تكون ~~صفة وهي في الآية صفة ولهذا خفضت كأنه قيل صراط المنعم عليهم المغايرين ~~لهؤلاء وهؤلاء # هذه هي النعمة المطلقة التامة والقرآن مملوء من ذكر نعمه على الكفار وقد ~~قال تعالى @QB@ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم @QE@ سورة البقرة 28 ~~فالحياة نعمة وإدراك اللذات نعمة وأما الإيمان فهو أعظم النعم وبه تتم ~~النعم # فالإنسان بجبلته يطلب ms059 ما يوافقه ويتنعم به من الغذاء وغيره على هذا فطر ~~فيعرف النعمة فيعرف المنعم فيشكره فلهذا كان الحمد هو الإبتداء فإن شعوره ~~بنفسه وبما يحتاج إليه ويتنعم به قبل شعوره بكل شيء وهو من حين خرج من بطن ~~أمه شعر باللبن الذي يحتاج إليه ويتنعم به وبما يخرج منه وهو الثدي فلهذا ~~تعرف الله إليه بالنعم ليشكره وشكره ابتداء معرفته بالله فإذا عرف الله ~~أحبه فعبده وتنعم بعبادته وحده لا شريك له وعرف ما في التأله له من اللذة ~~العظيمة التي لا يعد لها لذة فلهذا كان التوحيد نهايته أوله الحمد وآخره ~~إياك نعبد # وكذلك في الجنة كما في صحيح مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P110 أنه قال إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن ~~لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ~~ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزياده فالنظر إليه أكمل اللذات وآخرها ~~كما قال فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولهذا قيل أطيب ما في ~~الدنيا معرفته وأطيب ما في الآخرة مشاهدته # وعبادته وحده بمحبته وقصد رؤيته هو لأهل السنة الذين يقرون بإلاهيته ~~وحكمته وأنه يستحق المحبة وأن يكون هو أحب إلى العبد من كل شيء # وأما الجهمية والمعتزلة فينكرون محبته وحقيقة إلاهيته وعلى قولهم تمتنع ~~عبادته لكن المعتزلة تقر بالنعمة ووجوب الشكر وعلى هذا بنوا دينهم وغاية ~~الواجبات هي الشكر ولهذا قالوا الشكر يجب عقلا وأما العبادة والمحبة فلم ~~يعرفوها ولم يصلوا إليها بل أنكروها # وأما الجهمية المجبرة لا هذا ولا هذا لكن يعترفون بقدرته وأنه يفعل ما ~~يشاء ولهذا كانوا في الواجبات وترك المحرمات أبعد من المعتزلة فإنهم مرجئة ~~مجبرة فلا يجزمون بالوعيد وهذا نصف الحرف الباعث على العمل ويقلون بالجبر ~~وهذا نصف الإعتراف بحق الله على العبد ووجوب شكره فتضعف دواعيهم من جهة ~~الخوف ومن جهة الشكر ms060 لا يشكرون نعمه الماضية PageV01P111 ولا يخافون عقوبته ~~المستقبلة ولكن لما آمن من آمن منهم بالرسل صار عندهم خوف ما ورجاء وصاروا ~~يوجبون الشكر شرعا وعندهم داعي الرجاء فالرجاء عندهم أغلب من الخوف وهو أحد ~~المعنيين في تسميتهم مرجئة قيل إنه من الرجاء أي يجعلون الناس راجين فهم ~~مرجية لا مخيفة لكن الصحيح أنهم مرجئة بالهمز من الإرجاء لكن يشارك الرجاء ~~في الإشتقاق الأكبر # ولهذا قيل من عبدالله بالرجاء وحده فهو مرجىء ومن عبده بالخوف وحده فهو ~~حروري ومن عبده بالحب فهو زنديق ومن عبده بالخوف والرجاء والحب فهو مؤمن ~~موحد # وذلك أن الحب الذي ليس معه رجاء ولا خوف يبعث النفس على اتباع هواها ~~وصاحبه إنما يحب في الحقيقة نفسه وقد اتخذ إلاهه هواه فلهذا كان زنديقا ومن ~~هنا دخلت الملاحدة الباطنية كالقائلين بوحدة الوجود فإن هؤلاء سلوكهم عن ~~هوى ومحبة فقط ليس معه رجاء ولا خوف ولهذا يتنوعون PageV01P112 فهم من ~~الذين قال الله فيهم @QB@ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه @QE@ سورة الجاثية 23 ~~ولهذا يجوزون الشرك كما قال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها @QE@ الآية وما بعدها إلى قوله @QB@ كل حزب بما لديهم ~~فرحون @QE@ سورة الروم 30 32 # وهم في الحقيقة ينكرون محبة الله ولكن يقولون الحكمة هي التشبه به ولهذا ~~كان ابن عربي يجعل الولي هو المتشبه به في التخلق بأسمائه وينكر اللذة ~~بالمشاهدة والخطاب ويقول ما التذ عارف قط بالمشاهدة لأنها على أصله مشاهدة ~~وجود مطلق ولا لذة فيها # ووقع بينه وبين شهاب الدين السهروردي منازعة هل حين يتجلى لهم يخاطبهم ~~فأثبت شهاب الدين ذلك كما جائت به الآثار وأنكر ذلك ابن عربي وقال مسكين ~~هذا السهروردي نحن نقول له عن تجلي الذات وهو يقول عن تجلي الصفات ~~PageV01P113 # وهذا بناء على أصله الفاسد وهو أن الذات وجود مطلق لا تقوم به صفات لا ~~كلام ولا غيره فيستحيل عند تجليها خطاب # وشهاب الدين كان أتبع للسنة والشرع منه ولهذا كان صاحبهما ابن حمويه يقول ms061 ~~ابن عربي بحر لا تكدره الدلاء ولكن نور المتابعة المحمدية على وجه الشيخ ~~شهاب الدين شيء آخر لكنه كان ضعيف الإثبات للصفات والعلو لما فيه من التجهم ~~الأشعري وكان يقول عن الرب لا إشارة ولا تعيين # وهؤلاء مخانيث الجهمية وابن عربي من ذكورهم فهم يستطيلون على من دخل معهم ~~في التجهم وإنما يقهرهم أهل السنة المثبتون العارفون بما جاء به الرسول ~~وبمخالفتهم له وببطلان ما يناقصن السنة من المعقولات الفاسدة ولم يكن ~~السهروردي من هؤلاء وكذلك الحريري قال كنت أثبت المحبة أولا ثم رأيت أن ~~المحبة ما تكون إلا من غير لغير وما ثم غير PageV01P114 # فهؤلاء منتهاهم إنكار المحبة التي يستحقها الرب ولهذا لا يتابعون رسوله ~~ولا يجاهدون في سبيله والله وصف المؤمنين بهذا وبهذا فمحبة هؤلاء تجر إلى ~~الزندقة # وأيضا فقد يقولون إن المحب لا تضره الذنوب وصنف ابن حمويه في ذلك مصنفا ~~بناه على ما يقال إذا أحب الله عبدا لا تضره الذنوب وهذا إذا قاله المحق ~~فقصده أنه لا يتركه مصرا عليها بل يتوب عليه منها فلا تضره فأخذه هؤلاء ~~وقالوا إن الذنوب لا تضر المحبوبين وأحدهم يقول عن نفسه إنه محجوب فلا تضره ~~الذنوب فصاروا مثل اليهود والنصارى الذين قالوا @QB@ نحن أبناء الله ~~وأحباؤه @QE@ سورة المائدة 18 فصار فيهم زندقة من هذا الوجه ومن غيره # وقد قال تعالى عن يوسف @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين @QE@ سورة يوسف 24 وقال تعالى @QB@ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب من يعمل سوءا يجز به @QE@ سورة النساء 123 وسيد المحبين المحبوبين ~~خاتم الرسل وقد قال إني أعلمكم بالله واشدكم خشية له # وهو سبحانه لا يحب إلا الحسنات ولا يحب السيئات وهو يحب المتقين ~~والمحسنين والصابرين والتوابين والمتطهرين ولا يحب كل مختال فخور ولا يحب ~~PageV01P115 الفساد ولا يرضى لعباده الكفر فإذا أحب عبدا وأذنب كان من ~~التوابين المتطهرين # وبعض الناس يقول الشاب التائب حبيب الله والشيخ التائب عتيقه وليس كذلك ~~بل كل من تاب فهو حبيب الله ms062 سواء كان شيخا أو شابا وقد روى أهل ذكرى أهل ~~مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أويسهم ~~من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب ~~لأطهرهم من المعايب # وهذا فعله مع عباده إذا أذنبوا إما أن يتوب عليهم وإما أن يبتليهم بما ~~يطهرهم إذا لم يجعل السيئات تخفص درجتهم وإن لم يكن هذا ولا هذا انخفضت ~~درجتهم بحسب سيئاتهم عن درجات من ساواهم في الحسنات وسلم من تلك السيئات ~~كما قال سبحانه @QB@ ولكل درجات مما عملوا @QE@ سورة الأنعام 132 لأهل ~~الجنة ولأهل النار درجات من أعمالهم بحسبها كما قد بسط في غير هذا الموضع # والعبد هو فقير دائما إلى الله من كل وجه من جهة أنه معبوده وأنه مستعانه ~~فلا يأتي بالنعم إلا هو ولا يصلح حال العبد إلا بعبادته وهو مذنب أيضا لا ~~بد له من الذنوب فهو دائما فقير مذنب فيحتاج دائما وإلى الغفور الرحيم ~~الغفور الذي يغفر ذنوبه والرحيم الذي يرحمه فينعم عليه ويحسن إليه فهو ~~دائما بين إنعام الرب وذنوب نفسه كما قال أبو إسماعيل الأنصاري إنه يسير ~~بين مطالعة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل وكما قال ذلك العارف للحسن ~~البصري إني أصبح بين نعمة وذنب فأريد أن أحدث للنعمة شكرا وللذنب استغفارا ~~PageV01P116 # وفي سيد الإستغفار أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي وفي الحديث الإلهي فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وكان يقول في ~~خطبته الحمد لله نستعينه ونستغفره وفي القنوت اللهم إنا نستعينك ونستهديك ~~ونستغفرك إلى آخره وكان صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع يحمد ~~الله ثم يستغفره فيقول ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما ~~بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا ~~لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي ما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ~~اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج ms063 والماء والبرد اللهم نقني من خطاياي كما ~~ينقى الثوب الأبيض من الدنس PageV01P117 # والإستغفار مقرون بالحمد كما قرن بالتوحيد وكما قرن الحمد بالتحميد وقد ~~جمعت الثلاثة في مثل كفارة المجلس سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا ~~أنت أستغفرك وأتوب إليك # وكان المقصود أن الجهمية المجبرة لما آمن منهم من آمن بالرسل صار عندهم ~~خوف ما ورجاء ما وصاروا يوجبون الشكر شرعا فالداعي عندهم جزء من الشرع وأما ~~داعي المعتزلة فهو أقوى من داعيهم فهم أحسن أعمالا وأعبد وأطوع وأورع كأهل ~~السنة والمعرفة فهم يعبدونه مع الخوف والرجاء والشكر بداعي المحبة ومعرفة ~~الحكمة والإلهية وهذه ملة إبراهيم الخليل فهم فوق هؤلاء كلهم والله تعالى ~~أعلم # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وسلم PageV01P118 # | رسالة في معنى كون الرب عادلا وفي تنزهه عن الظلم PageV01P120 # قاعدة في معنى كون الرب عادلا وفي تنزهه عن الظلم وفي إثبات عدله وإحسانه # تأليف شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية مما ألفه في محبسه الأخير بالقلعة ~~بدمشق قدس الله روحه بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله رب ~~العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجميعن وسلم تسليما $ فصل # اتفق المسلمون وسائر أهل الملل على أن الله تعالى عدل قائم بالقسط لا ~~يظلم شيئا بل هو منزه عن الظلم # ثم لما خاضوا في القدر تنازعوا في معنى كونه عدلا في الظلم الذي هو منزه ~~عنه # فقالت طائفة الظلم ليس بممكن الوجود بل كل ممكن إذا قدر وجوده منه فإنه ~~عدل والظلم هو الممتنع مثل الجمع بين الضدين وكون الشيء موجودا معدوما فإن ~~الظلم إما التصرف في ملك الغير وكل ما سواه ملكه وإما مخالفة الآمر الذي ~~تجب طاعته وليس فوق الله تعالى آمر تجب عليه طاعته # وهؤلاء يقولون مهما تصور وجوده وقدر وجوده فهو عدل وإذا قالوا كل نعمة ~~منه فضل وكل نقمة منه عدل فهذا أمر أوهم PageV01P121 # وهذا قول المجبرة مثل جهم ومن اتبعه وهو قول الأشعري وأمثاله من أهل ~~الكلام وقول ms064 من وافقهم من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية # وقد روى عن بعض المتقدمين كلمات مطلقة تشبه هذا المذهب مثل قول إياس بن ~~معاوية ما ناظرت بعقلي كله إلا القدرية قلت لهم ما الظلم قالوا أن تأخذ ما ~~ليس لك قلت فلله كل شيء ومثل قول أبي الأسود لعمران بن حصين لما سأله فقال ~~عمران أرأيت ما يكدح الناس اليوم ويعملون فيه أشيء قضى عليهم ومضى من قدر ~~قد سبق أو فيما يستقبلون فيما أتاهم به نبيهم فاتخذت به عليهم الحجة قال ~~قلت بل شيء قد قضى عليهم ومضى عليهم قال فهل يكون ذلك ظلما قال ففزعت من ~~ذلك فزعا شديدا وقلت له إنه ليس شيء إلا وهو خلق الله وملك يده ولا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون فقال سددك الله إني والله ما سألتك إلا لأحرز عقلك # وهذا قول كثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كالقاضي أبي يعلى ~~PageV01P122 وأتباعه وأبي المعالي الجويني وأتباعه وأبي الوليد الباجي ~~وأتباعه وغيرهم # والقول الثاني أنه عدل لا يظلم لأنه لم يرد وجود شيء من الذنوب لا الكفر ~~ولا الفسوق ولا العصيان بل العباد فعلوا ذلك بغير مشيئته كما فعلوه عاصين ~~لأمره وهو لم يخلق شيئا من أفعال العباد لا خيرا ولا شرا بل هم أحدثوا ~~أفعالهم فلما أحدثوا معاصيهم استحقوا العقوبة عليها فعاقبهم بأفعالهم لم ~~يظلمهم # هذا قول القدرية من المعتزلة وغيرهم وهؤلاء عندهم لا يتم تنزيهه عن الظلم ~~إن لم يجعل غير خالق لشيء من أفعال العباد بل ولا قادر على ذلك وإن لم يجعل ~~غير شاء لجميع الكائنات بل يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء إذ المشيئة ~~عندهم بمعنى الأمر # وهؤلاء والذين قبلهم يتناقضون تناقضا عظيما ولكن من الطائفتين مباحث ~~ومصنفات في الرد على الأخرى وكل من الطائفتين تسمى الأخرى القدرية وقد روى ~~عن طائفة من التابعين موافقة هؤلاء # والقول الثالث أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه والعدل وضع كل شيء في ~~موضعه وهو سبحانه حكم عدل يضع الأشياء مواضعها ms065 ولا PageV01P123 يضع شيئا ~~إلا في موضعه الذي يناسبه وتقتضيه الحكمة والعدل ولا يفرق بين متماثلين ولا ~~يسوي بين مختلفين ولا يعاقب إلا من يتسحق العقوبة فيضعها موضعها لما في ذلك ~~من الحكمة والعدل # وأما أهل البر والتقوى فلا يعاقبهم ألبتة قال تعالى @QB@ أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون @QE@ سورة القلم 35 36 وقال تعالى @QB@ أم ~~نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار @QE@ سورة ص 28 وقال تعالى @QB@ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن ~~نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ الآية ( سورة الجاثية 21 ) # قال أبو بكر بن الأنباري الظلم وضع الشيء في غير موضعه يقال ظلم الرجل ~~سقاءه إذا سقا منه قبل أن يخرج زبده قال الشاعر % وصاحب صدق لم تنلني شكاته ~~% ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر % $ # أراد بالصاحب وطب اللبن وظلمه إياه أن يسقيه قبل أن يخرج زبده والعرب ~~تقول هو أظلم من حية لأنها تأتي الحفر الذي لم تحفره فتسكنه ويقال قد ظلم ~~الماء الوادي إذا وصل منه إلى مكان لم يكن يصل إليه فيما مضى ذكر ذلك أبو ~~الفرج وكذلك قال البغوي أصل الظلم وضع PageV01P124 الشيء في غير موضعه ~~وكذلك ذكر غير واحد قالوا والعرب تقول من أشبه أباه فما ظلم أي ما وضع ~~الشبه في غير موضعه # وهذا الأصل وهو عدل الرب يتعلق بجميع أنواع العلم والدين فإن جميع أفعال ~~الرب ومخلوقاته داخلة في ذلك وكذلك أقواله وشرائعه كتبه المنزلة وما يدخل ~~في ذلك من مسائل المبدأ والمعاد ومسائل النبوات وآياتهم والنواب والعقاب ~~ومسائل التعديل والتجوير وغير ذلك وهذه الأمور مما خاض فيه جميع الأمم كما ~~قد بسط في مواضع # وأهل الملل كلهم يقرون بعدله لأن الكتب الإلهية نطقت بعدله وأنه قائم ~~بالقسط وأنه لا يظلم الناس مثقال ذرة لكن كثير من الناس في نفسه ضغن من ذلك ~~وقد يقوله بلسانه ويعرض به في نظمه ونثره وهؤلاء أكثر رما يكونون في ~~المجبرة الذين لا يجعلون العدل قسيما لظلم ممكن لا ms066 يفعله بل يقولون الظلم ~~ممتنع ويجوزون تعذيب الأطفال وغير الأطفال بلا ذنب أصلا وأن يخلق خلقا ~~يعذبهم بالنار أبدا لا لحكمة أصلا ويرى أحدهم أنه خلق فيه الذنوب وعذب ~~بالنار لا لحكمة ولا لرعاية عدل فتفيض نفوسهم إذا وقعت منهم الذنوب وأصيبوا ~~بعقوباتها بأقوال يكونون فيها خصماء الله تعالى وقد وقع من هذا قطعة في ~~كلام طائفة من الشيوخ وأهل الكلام ليس هذا موضع حكاية أعيانهم # وما ذكرناه من الأقوال الثلاثة نضبط أصول الناس فيه ونبين أن القول ~~الثالث هو الصواب وبه يتبين أن كل ما يفعله الرب فهو عدل وأنه لا يضع ~~PageV01P125 الأشياء في غير رموضعها فلا يظلم مثقال ذرة ولا يجزى أحدا إلا ~~بذنبه ولا يخاف أحد ظلما ولا هضما لا يهضم من حسناته ولا يظلم فيزاد عليه ~~في سيئاته لا من سيئات غيره ولا من غيرها بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى أي لا يملك ذلك ولا يستحقه وإن كان قد يحصل له نفع بفضل الله ~~ورحمته وبدعاء غيره وعمله فذاك قد عرف أن الله يرحم كثيرا من الناس من غير ~~جهة عمله لكنه ليس له إلا ما سعى قال الله تعالى @QB@ أم لم ينبأ بما في ~~صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى @QE@ سورة النجم 36 41 وقوله ~~@QB@ أم لم ينبأ بما في صحف موسى @QE@ يقتضي أن المنبأ بذلك يجب عليه تصديق ~~ذلك والإيمان به فكان هذا مما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا ~~لإبراهيم وموسى كما قال في آخر سبح @QB@ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف ~~إبراهيم وموسى @QE@ سورة الأعلى 18 19 $ فصل # ومما يتبين عدل الرب وإحسانه وأن الخير بيديه والشر ليس إليه كما كان ~~عليه السلام يثني على ربه بذلك في مناجاته له في دعاء ms067 الإستفتاح ~~PageV01P126 وأنه سبحانه لا يظلم مثقال ذرة بل مع غاية عدله فهو أرحم ~~الراحمين وهو أرحم من الوالدة بولدها كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح وهو سبحانه أحكم الحاكمين كما قال نوح في مناجاته ~~@QB@ وأنت أحكم الحاكمين @QE@ سورة هود 45 وأن الظلم قد ذكرنا في غير موضع ~~أن للناس في تفسيره ثلاثة أقوال قيل هو التصرف في ملك الغير بغير إذنه أو ~~مخالفة الآمر الذي تجب طاعته وكلاهما منتف في حق الله تعالى وهذا تفسير ~~المجبرة القدرية من الجهمية وغيرهم وكثير ممن ينتسب إلى السنة وهو تفسير ~~الأشعري وأصحابه ومن وافقهم كالقاضي أبي يعلى وأتباعه وأبي الفرج ابن ~~الجوزي وغيرهم # والثاني أنه إضرار غير مستحق وهذا أيضا منتف عن الله تعالى وهذا تفسير ~~المعتزلة وغيرهم # وهؤلاء يقولون لو قدر الذنوب وعذب عليها لكان إضرار غير مستحق والله منزه ~~عنه وأولئك يقولون الظلم ممتنع لذاته غير ممكن ولا مقدور بل كل ما يمكن فهو ~~عدل غير ظلم وإذا عذب جميع الخلق بلا PageV01P127 ذنب أصلا لم يكن ظلما عند ~~هؤلاء وإذا فعل ما يشاء بمقتضى حكمته وقدرته كان ظلما عند أولئك فإنهم ~~يجعلون ظلمه من جنس ظلم العباد وعدله من جنس عدلهم وهم مشبهة الأفعال # والسيد إذا ترك مماليكه يظلمون ويفسدون مع قدرته على منعهم كان ظالما ~~وإذا كان قد أمرهم ونهاهم وهو يعلم أنهم يعصونه وهو قادر على منعهم كان ~~ظالما وإذا قال مقصودي أن أعرضهم لثواب الطاعة ولذلك اقتنيتهم وقد علم أنهم ~~لا يطيعونه كان سفيها ظالما وهم يقولون إن الرب خلق الخلق وليس مراده إلا ~~أن ينفعهم وأمرهم وليس مراده إلا نفعهم بالثواب مع علمه أنهم يعصونه ولا ~~ينتفعون # ولهذا طائفة منهم نفت علمه وآخرون قالوا ما يمكنه أن يجعلهم مطيعين وهو ~~قول جمهورهم فنفوا قدرته وإن أثبتوه عالما قادرا ولم يفعل ما أراده من ~~الخير جعلوه غير حكيم ولا رحيم بل ولا عادل # وأما الطائفة الأخرى فهم معطلة في الأفعال كما أن أولئك ms068 مشبهة الأفعال ~~فإنهم يعطلون فعل العبد ويقولون ليس بفاعل ولا قادر على الفعل ولا له قدرة ~~مؤثرة في المقدور وأما الرب فيقولون خلق ما خلق لا لحكمة أصلا فعطلوا حكمته ~~وقال إنه يجوز أن يعذب جميع الخلق بلا ذنب فعطلوا عدله والعدل هو فعله وهو ~~سبحانه قائم بالقسط فمن نفى عدله وحكمته فإما أن ينفي فعله وإما أن يصفه ~~بضد ذلك من الظلم والسفه كما أن الكلام على الطائفتين في غير هذا الموضع ~~PageV01P128 # والصواب القول الثالث وهو أن الظلم وضع الأشياء في غير مواضعها وكذلك ~~ذكره أبو بكر بن الأنباري وغيره من أهل اللغة وذكروا على ذلك عدة شواهد كما ~~قد بسط في غير هذا الموضع # وحينئذ فليس في الوجود ظلم من الله سبحانه بل قد وضع كل شيء موضعه مع ~~قدرته على أن يفعل خلاف ذلك فهو سبحانه يفعل باختياره ومشيئته ويستحق الحمد ~~والثناء على أن يعدل ولا يظلم خلاف قول المجبرة الذين يقولون لا يقدر على ~~الظلم وقد وافقهم بعض المعتزلة كالنظام لكن الظلم عنده غير الظلم عندهم ~~فأولئك يقولون الظلم هو الممتنع لذاته وهذا يقول هو ممكن لكن لا يقدر عليه ~~والقدرية النفاة يقولون ليس في الوجود ظلم من الله لأنه عندهم لم يخلق شيئا ~~من أفعال العباد ولا يقدر على ذلك فما نزهوه عن الظلم إلا بسلبه القدرة ~~وخلق كل شيء كما أن أولئك ما أثبتوا قدرته وخلقه كل شيء حتى قالوا إنه لا ~~ينزه أن يفعل ما يمكن كتعذيب البراء بلا ذنب فأولئك أثبتوا له حمدا بلا ملك ~~وهؤلاء أثبتوا له ملكا بلا حمد وأهل السنة أثبتوا ما أثبته لنفسه له الملك ~~والحمد فهو على كل شيء قدير وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو خالق كل شيء ~~وهو عادل في كل ما خلقه واضع للأشياء مواضعها وهو قادر على أن يظلم لكنه ~~سبحانه منزه عن ذلك لا يفعله لأنه السلام القدوس المستحق للتنزيه عن السوء ~~وهو سبحانه سبوح قدوس يسبح له ما ms069 في السماوات والأرض وسبحان الله كلمة كما ~~قال ميمون بن مهران هي كلمة يعظم بها الرب ويحاشى بها من السوء PageV01P129 ~~وكذلك قال ابن عباس وغير واحد من السلف إنها تنزيه الله من السوء وقال ~~قتادة في اسمه المتكبر إنه الذي تكبر عن السوء وعنه أيضا إنه الذي تكبر عن ~~السيئات # فهو سبحانه منزه عن فعل القبائح لا يفعل السوء ولا السيئات مع أنه سبحانه ~~خالق كل شيء أفعال العباد وغيرها والعبد إذا فعل القبيح المنهي عنه كان قد ~~فعل سوءا وظلما وقبيحا وشرا والرب قد جعله فاعلا لذلك وذلك منه سبحانه عدل ~~وحكمة صواب ووضع للأشياء مواضعها فخلقه سبحانه لما فيه نقص أو عيب للحكمة ~~التي خلقه لها هو محمود عليه وهو منه عدل وحكمة وصواب وإن كان في المخلوق ~~عيبا ومثل هذا مفعول في الفاعلين المخلوقين فإن الصانع إذا أخذ الخشبة ~~المعوجة والحجر الردى واللبنة الناقصة فوضعها في موضع يليق بها ويناسبها ~~كان ذلك منه عدلا واستقامة وصوابا وهو محمود وإن كان في تلك عوج وعيب هي به ~~مذمومه مذمومة ومن أخذ الخبائث فجعلها في المحل الذي يليق بها كان ذلك حكمة ~~وعدلا وإنما السفه والظلم أن يضعها في غير موضعها ومن وضع العمامة على ~~الرأس والنعلين في الرجلين فقد وضع كل شيء موضعه ولم يظلم النعلين إذ هذا ~~محلهما المناسب لهما فهو سبحانه لا يضع شيئا إلا موضعه فلا يكون إلا عدلا ~~ولا يفعل إلا خيرا فلا يكون إلا محسنا جوادا رحيما وهو سبحانه له الخلق ~~والأمر فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين ويأمر بتحصيل المصالح ~~وتكميلها وبتعطيل المفاسد وتقليلها وإذا تعارض امران رجح أحسنهما وليس في ~~الشريعة أمر بفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه ولا نهي عن فعل إلا وعدمه ~~خير من وجوده وهو فيما يأمر به قد أراده إرادة دينية شرعية وأحبه ورضيه فلا ~~يحب ويرضى شيئا إلا ووجوده خير من عدمه ولهذا أمر عباده أن يأخذوا ~~PageV01P130 بأحسن ما أنزل إليهم من ms070 ربهم فإن الأحسن هو المأمور به وهو خير ~~من المنهي عنه # كذلك هو سبحانه في خلقه وفعله فما أراد أن يخلقه وبفعله كان أن يخلقه ~~ويفعله خيرا من أن لا يخلقه ويفعله وما لم يرد أن يخلقه ويفعله كان أن لا ~~يخلقه ويفعله خيرا من أن يخلقه ويفعله فهو لا يفعل إلا الخير وهو ما وجوده ~~خير من عدمه فكل ما كان عدمه خيرا من وجوده فوجوده شر فهو لا يفعله بل هو ~~منزه عنه والشر ليس إليه فالشر وهو ما كان وجوده شرا من عدمه ليس إليه إذ ~~كان هذا مستحقا للعدم لا يشاؤه ولا يخلقه والمعدوم لا يضاف إلى فاعل فليس ~~إليه ولكن الخير بيديه وهو ما كان وجوده خيرا من عدمه # ومن الناس من يقول الخير كله في الوجود والشر كله في العدم والوجود خير ~~روالشر المحض لا يكون إلا معدوما وهذا لفظ مجمل فإذا أريد بذلك أن كل ما ~~خلقه الله وأوجده ففيه الخير ووجوده خير من عدمه فهذا صحيح وكذلك ما لم ~~يخلقه ولم يشأه وهو المعدوم الباقي على عدمه لا خير فيه إذ لو كان فيه خير ~~لفعله سبحانه فإنه سبحانه بيده الخير فالشر العدمي هو عدم الخير لا أن في ~~العدم شرا وجوديا وأما إذا أريد أن كل ما يقدر وجوده فوجوده خير وكل ما ~~يقدر عدمه فعدمه شر فليس بصحيح بل من الأشياء ما وجوده شر من عدمه ولكن هذا ~~لا يخلقه الرب فيبقى معدوما وعدمه خير فهذا خير من هذا العدم بمعنى أن عدمه ~~خير رمن وجوده إذ كان وجوده فيه ضرر راجح وعدم الضرر الراجح خير فهو خير ~~عدمي في العدم PageV01P131 إذ العدم لا يكون فيه وجود فالشر ليس إليه وهو ~~ما كان وجوده شرا من عدمه فإنه لا يخلق هذا وما لم يخلقه فإنه ليس إليه وكل ~~ما خلقه فوجوده خير من عدمه وهو سبحانه بيده الخير وذلك الذي وجوده شر من ~~عدمه فإنه سبحانه يدفعه ويمنعه أن يكون ms071 مع القيام المقتضي له كما قال تعالى ~~@QB@ إن الله يدافع عن الذين آمنوا @QE@ سورة الحج 38 @QB@ والله يعصمك من ~~الناس @QE@ سورة المائدة 67 @QB@ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله @QE@ سورة الرعد 11 @QB@ وهو يجير ولا يجار عليه @QE@ سورة ~~المؤمنون 88 # فدفعه الشر الذي تريده النفوس الشريرة هو من الخير وهو بيديه ولو مكن تلك ~~النفوس لفعلته فهو سبحانه لا يمكنها بل يمنعها إذا أرادته مع أنها لو خليت ~~لفعلته فهو تارة بمنع الشر بإزالة سببه ومقتضيه وتارة يخلق ما يضاده ~~وينافيه @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون @QE@ ~~سورة النحل 53 # وقول القائل خير وشر أي هذا خير من هذا وهذا شر من هذا ولهذا غالب ~~استعمال هذين الإسمين كذلك كقوله @QB@ آلله خير أما يشركون @QE@ سورة النمل ~~59 @QB@ أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا @QE@ سورة الفرقان 24 ~~@QB@ وذروا البيع ذلكم خير لكم @QE@ سورة الجمعة 9 PageV01P132 # وقالت السحرة @QB@ والله خير وأبقى @QE@ سورة طه 73 وقال @QB@ قل هل ~~أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل @QE@ سورة ~~المائدة 60 وقال يوسف @QB@ أنتم شر مكانا @QE@ سورة يوسف 77 # وقال حسان % فشركما لخيركما الفداء % $ # فالخير ما كان خيرا من غيره والشر ما كان شرا من غيره والخير والشر درجات ~~ولهذا قال تعالى لما ذكر أهل الجنة وأهل النار قال @QB@ ولكل درجات مما ~~عملوا @QE@ سورة الأنعام 132 وقال تعالى @QB@ أفمن اتبع رضوان الله كمن باء ~~بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير هم درجات عند الله @QE@ سورة آل ~~عمران 162 163 وكذلك ذكر تعالى في الأنعام والأحقاف بعد ذكر الطائفتين # ولهذا قال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم درجات الجنة تذهب علوا ودرجات النار ~~تذهب سفولا فدرجات الجنة كلها فيها النعيم وبعضها خير من بعض ودرجات النار ~~كلها فيها العذاب وبعضها شر من بعض PageV01P133 # وإذا قيل إن الله ms072 سبحانه هو خالق الخير والشر فالمراد ما هو شر من غيره ~~وفيه أذى لبعض الناس ولكن خلقه لحكمة وما خلق لحكمة مطلوبة محبوبة فوجوده ~~خير من عدمه فلم يخلق شيئا يكون شرا أي يكون وجوده شرا من عدمه لكن يخلق ما ~~هو شر من غيره وغيره خير منه للحكمة المطلوبة وما فيه أذى لبعض الناس ~~للحكمة المطلوبة # وهو سبحانه لا يعذب أحدا إلا بذنبه بمقتضى الحكمة والعدل وفي تعذيبه ~~أنواع الحكمة والرحمة وهذا ظاهر فيما يبتلى به المؤمنين في الدنيا من ~~المصائب التي هي جزاء سيئاتهم فإن في ذلك من الحكمة والرحمة والعدل ما هو ~~بين لمن تأمله ولا يعاقب أحدا إلا بذنبه # قال تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ ~~سورة الشورى 30 و @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك @QE@ سورة النساء 79 @QB@ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على ~~قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم @QE@ سورة الأنفال 53 فلا يسلبهم إلا إذا غيروا ~~ما في أنفسهم بالمعاصي والذنوب فلا يجزى بالسيئات إلا من فعل السيئات ولا ~~يوقع النقم ويسلب النعم إلا من أتى بالسيئات المقتضية لذلك كما فعل بمن ~~خالف رسله من جميع الأمم كما قال في العذاب @QB@ كدأب آل فرعون والذين من ~~قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب @QE@ ~~PageV01P134 سورة الأنفال 52 ثم قال @QB@ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة ~~أنعمها على قوم @QE@ الآية وما بعدها إلى قوله @QB@ وكل كانوا ظالمين @QE@ ~~سورة الأنفال 53 54 فذكر تمثيلا لزوال النعم عليهم لما كذبوا بآياته # ولهذا قال @QB@ فأهلكناهم بذنوبهم @QE@ سورة الأنفال 54 وذكر الأول ~~تمثيلا لعذابهم بعد الموت كما قال @QB@ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم ~~وأن الله ليس بظلام للعبيد كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله ~~فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب @QE@ سورة الأنفال 50 ms073 52 فقال ~~هنا فأخذهم الله بذنوبهم فإن أخذه يتضمن أخذهم ليصلوا بعد الموت إلى العذاب ~~ولفظ الهلاك يقتضي هلاكهم في الدنيا وزوال النعمة عنهم فذكر هلاكهم بزوال ~~النعم وذكروا أخذهم بالنقم كما قال @QB@ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ~~ظالمة إن أخذه أليم شديد @QE@ سورة هود 102 # ولفظ المؤاخذة من الأخذ ومنه قوله تعالى @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ~~أو أخطأنا @QE@ سورة البقرة 286 وقوله @QB@ إن أخذه أليم شديد @QE@ كقوله ~~@QB@ إن بطش ربك لشديد @QE@ سورة البروج 12 وقال تعالى @QB@ ولقد أرسلنا ~~إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون @QE@ الآية ( ~~سورة الأنعام 42 ) وقال تعالى @QB@ ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا ~~لربهم وما يتضرعون @QE@ سورة المؤمنون 76 فهذا تعذيب لهم في الدنيا ~~ليتضرعوا إليه وليتوبوا وذكر هنا أنه أخذهم PageV01P135 بالعذاب ولم يقل ~~بالذنوب كأنه والله أعلم ضمن ذلك معنى جذبانهم إلينا لينيبوا وليتوبوا وإذا ~~قال فأخذهم الله بذنوبهم يكون قد أهلكهم فأخذهم إليه بالهلاك وبسط هذا له ~~موضح آخر # والمقصود هنا أن كل ما يفعله الرب ويخلقه فوجوده خير من عدمه وهو أيضا ~~خير من غيره أي من موجود غيره يقدر موجودا بدله فكما أن وجوده خير من عدمه ~~فهو أيضا خير من موجود آخر يقدر مخلوقا بدله كما ذكرنا فيما يأمر به أن ~~فعله خير من تركه وأنه خير من أفعال غيره يشتغل بها عنه كما في قوله تعالى ~~@QB@ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم ~~خير لكم إن كنتم تعلمون @QE@ سورة الجمعة 9 # وقولنا فعله خير من تركه سواء جعل الترك وجوديا أو عدميا والرب تعالى له ~~المثل الأعلى وهو أعلى من غيره وأحق بالمدح والثناء من كل ما سواه وأولى ~~بصفات الكمال وأبعد عن صفات النقص فمن الممتنع أن يكون المخلوق متصفا بكمال ~~لا نقص فيه والرب لا يتصف إلا بالكمال الذي لا نقص فيه وإذا كان يأمر عبده ~~أن يفعل الأحسن والخير فيمتنع أن لا يفعل هو إلا ما ms074 هو الأحسن والخير فإن ~~فعل الأحسن والخير مدح وكمال لا نقص فيه فهو أحق بالمدح والكمال الذي لا ~~نقص فيه من غيره # قال تعالى @QB@ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء ~~فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين @QE@ سورة ~~الأعراف 145 وقال @QB@ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه @QE@ سورة الزمر ~~18 @QB@ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ PageV01P136 سورة الزمر ~~55 وقال @QB@ وافعلوا الخير لعلكم تفلحون @QE@ سورة الحج 77 # وقد قال تعالى في مدح نفسه @QB@ قل اللهم مالك الملك @QE@ إلى قوله @QB@ ~~بيدك الخير إنك على كل شيء قدير @QE@ سورة آل عمران 26 وقال تعالى @QB@ ~~الله نزل أحسن الحديث @QE@ سورة الزمر 23 فكلامه أحسن الكلام وقال تعالى ~~@QB@ الذي أحسن كل شيء خلقه @QE@ الآية ( سورة السجدة 7 ) فقد أحسن كل شيء ~~خلقه وقال @QB@ صنع الله الذي أتقن كل شيء @QE@ سورة النمل 88 # وهو سبحانه الرحمن الرحيم الغفور الودود الجواد الماجد وهو سبحانه الأكرم ~~الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وهو أرحم الراحمين وخير الراحمين ~~كما قال أيوب @QB@ مسني الضر وأنت أرحم الراحمين @QE@ سورة الأنبياء 83 ~~وقال لنبيه @QB@ وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين @QE@ سورة المؤمنون ~~118 فهو أحق بالرحمة والجود والإحسان من كل أحد # وقد قال سبحانه @QB@ وربك يخلق ما يشاء ويختار @QE@ ثم قال @QB@ ما كان ~~لهم الخيرة @QE@ سورة القصص 68 فأخبر أنه يخلق ما يشاء ويختار # والإختيار في لغة القرآن يراد به التفضيل والإنتقاء والإصطفاء كما قال ~~@QB@ فلما أتاها نودي يا موسى @QE@ إلى قوله @QB@ وأنا اخترتك فاستمع لما ~~يوحى @QE@ سورة طه 11 13 وقال تعالى @QB@ ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب ~~المهين @QE@ PageV01P137 سورة الدخان 30 إلى قوله @QB@ ولقد اخترناهم على ~~علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين @QE@ سورة الدخان 32 ~~33 وقال في الآية الأخرى @QB@ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم ~~والنبوة @QE@ الآية ( سورة الجاثية 16 ) ومنه قوله تعالى @QB@ واختار موسى ~~قومه سبعين رجلا لميقاتنا @QE@ سورة الأعراف 155 ومنه في ms075 الحديث إن الله ~~اختار من الأيام يوم الجمعة ومن الشهور شهر رمضان واختار الليالي فاختار ~~ليلة القدر واختار الساعاة فاختار ساعات الصلوات رواه ابن عساكر في كتاب ~~تشريف يوم الجمعة وتعظيمه عن كعب الأحبار $ فصل مختصر # قال الشيخ رحمه الله في آخر هذا الفصل من هذه القاعدة # إذا أراد سبحانه أن يخلق كان الخلق عقب الإرادة والمخلوق عقب التكوين ~~والخلق كما قال تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ~~@QE@ سورة يس 82 # والجهمية والمعتزلة لا يقولون بذلك في الفعل بل يقولون يفعل مع جواز أن ~~لا يفعل إلى أن قال PageV01P138 # وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا ذلك وبينوه للناس وعرفوا أن ~~حدوث الحوادث اليومية المشهودة تدل على أن العالم مخلوق وأن له ربا خلقه ~~ويحدث فيه الحوادث وقد ذكر ذلك الحسن البصري كما رواه أبو بكر بن أبي ~~الدنيا في كتاب المطر ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة وذكره أبو ~~الفرج بن الجوزي في تفسيره # قال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني هارون حدثني عفان عن مبارك بن فضالة قال ~~سمعت الحسن يقول كانوا يقولون يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الحمد لله الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقا دائما لا يتصرف لقال الشاك في ~~الله لو كان لهذا الخلق رب لحادثه وإن الله قد حادثه بما ترون من الآيات ~~إنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين وجعل فيها معاشا وسراجا وهاجا ثم إذا شاء ~~ذهب بذلك الخلق وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين وجعل فيها سكنا ونجوما ~~وقمرا منيرا وإذا شاء بنى بناء جعل فيه PageV01P139 من المطر والبرق والرعد ~~والصواعق ما شاء وإذا شاء صرف ذلك وإذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس وإذا شاء ~~ذهب بذلك وجاء بحر يأخذ بأنفاس الناس ليعلم الناس أن لهذا الخلق ربا يحادثه ~~بما يرون من الآيات كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة # فقد ذكر الحسن عن الصحابة الإستدلال بهذه الحوادث المشهودة على ms076 وجود الرب ~~سبحانه المحدث الفاعل بمشيئته وقدرته وبطلان أن يكون موجبا يقارنه موجبه ~~فإن ذلك يمتنع محادثته أي إحداث الحوادث فيه # وقولهم لو كان هذا الخلق خلقا دائما لا يتصرف لقال الشاك في الله لو كان ~~لهذا الخلق رب لحادثه يقتضي أن هذه الحوادث آيات الله وأنه رب هذا الخلق ~~وأن هذا الخلق محدث لكون غيره يحادثه أي يحدث فيه الحوادث وما صرفه غيره ~~وأحدث فيه الحوادث كان مقهورا مدبرا لم يكن واجبا بنفسه ممتنعا عن غيره # وقوله لو كان له رب لحادثه قد يقال إنهم أنكروا هذا القول لقولهم لقال ~~الشاك في الله وقد يقال بل هم مصدقون بهذه القضية الشرطية ولكن لو لم تكن ~~الحوادث لكان الله يعرف دون هذه الحوادث فإن معرفته حاصلة بالفطرة والضرورة ~~ونفس وجود الإنسان مستلزم لوجود الرب فكان الصانع يعلم من غير هذه الطريق ~~فلهذا يعاب الشاك ويمكن أنهم لم يقصدوا عيبه على هذا التقدير بل على هذا ~~التقدير كان الشك موجودا في الناس إذ لا دليل على وجوده فكانت هذه الآيات ~~مزيلة للشك وموجبة لليقين PageV01P140 # والأول أشبه بمرادهم وأولى بالحق فإنهم قالوا لقال الشاك في الله فدل على ~~أن هناك من ليس بشاك في الله ولم يقولوا لشك الناس في الله وبسط هذا القول ~~في إثبات الصانع له موضع غير هذا # والمقصود أنه سبحانه وتعالى يخلق بمشيئته واختياره وأنه يختار الأحسن وأن ~~إرادته ترجح الراجح الأحسن وهذا حقيقة الإرادة ولا تعقل إرادة ترجح مثلا ~~على مثل ولو قدر وجود مثل هذه الإرادة فتلك أكمل وأفضل والخلق متصفون بها ~~ويمتنع أن يكون المخلوق أكمل من الخالق والمحدث الممكن أكمل من الواجب ~~القديم فوجب أن يكون ما توصف به إرادته أكمل مما توصف به إرادة غيره فيجب ~~أن يريد بها ما هو الأولى والأحسن والأفضل وهو سبحانه يفعل بمشيئته وقدرته ~~فالممتنع لا تتعلق به قدرة فلا يراد والممكن لذي يمكن أن يفعل ويكون مقدورا ~~ترجح الإرادة الأفضل الأرجح منه # وما يحكي عن الغزالي أنه ms077 قال ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم فإنه لو ~~كان كذلك ولم يخلقه لكان بخلا يناقض الجود أو عجزا يناقض القدرة ~~PageV01P141 # وقد أنرك عليه طائفة هذا الكلام وتفصيله أن الممكن يراد به القدور ولا ~~ريب أن الله سبحانه يقدر على غير هذا العالم وعلى إبداع غيره إلى ما لا ~~يتناهى كثرة ويقدر على غير ما فعله كما قد بينا ذلك في غير هذا الموضع وبين ~~ذلك في غير موضع من القرآن # وقد يراد به إنه ما يمكن أحسن منه ولا أكمل منه فهذا ليس قدحا في القدرة ~~بل قد أثبت قدرته على غير ما فعله لكن قال ما فعله أحسن وأكمل مما لم يفعله ~~وهذا وصف له سبحانه بالكرم والجود والإحسان وهو سبحانه الأكرم فلا يتصور ~~أكرم منه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا # آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم ~~تسليما PageV01P142 $ رسالة في دخول الجنة هل يدخل أحد الجنة بعمله أم ~~ينقضه قوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل أحد الجنة بعمله PageV01P144 بسم ~~الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم # سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية عن قوله تعالى @QB@ ونودوا أن ~~تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون @QE@ سورة الأعراف 43 هل يدخل أحد ~~الجنة بعمله أم ينقضه قوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل أحد الجنة بعمله قيل ~~ولا أنت قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته # الجواب # الحمد لله # لا مناقضة بين ما جاء به القرآن وما جاءت به السنة إذ المثبت في القرآن ~~ليس هو المنفي في السنة والتناقض إنما يكون إذا كان المثبت هو المنفي وذلك ~~أن الله تعالى قال @QB@ تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون @QE@ وقال ~~@QB@ كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية @QE@ سورة الحاقة 24 ~~وقال @QB@ أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما ~~كانوا يعملون @QE@ سورة السجدة 19 وقال @QB@ وحور عين كأمثال اللؤلؤ ms078 ~~المكنون جزاء بما كانوا يعملون @QE@ سورة الواقعة 22 24 فبين بهذه النصوص ~~أن العمل سبب للثواب والباء للسبب كما في مثل قوله تعالى @QB@ فأنزلنا به ~~الماء فأخرجنا به من كل الثمرات @QE@ سورة الأعراف 57 وقوله @QB@ وما أنزل ~~الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها @QE@ سورة البقرة 164 ونحو ~~ذلك مما يبين به الأسباب PageV01P145 # ولا ريب أن العمل الصالح سبب لدخول الجنة والله قدر لعبده المؤمن وجوب ~~الجنة بما ييسره له من العمل الصالح كما قدر دخول النار لمن يدخلها بعمله ~~السيء كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما منكم من أحد إلا ~~وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار قالوا يا رسول الله أفلا نتكل على ~~الكتاب وندع العمل قال لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل ~~السعادة فسييسره لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسره لعمل ~~أهل الشقاوة وقال إن الله خلق للجنة أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم ~~وبعمل أهل الجنة يعملون وخلق للنار أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم ~~وبعمل أهل النار يعملون # وإذا عرف أن الباء هنا للسبب فمعلوم أن السبب لا يستقل بالحكم فمجرد نزول ~~المطر ليس موجبا للنبات بل لا بد من أن يخلق الله أمورا أخرى ويدفع عنه ~~الآفات المانعة فيربيه بالتراب والشمس والريح ويدفع عنه ما يفسده فالنبات ~~محتاج مع هذا السبب إلى فضل من الله أكبر منه # وأما قوله صلى الله عليه وسلم لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا ~~أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ~~PageV01P146 # فإنه ذكره في سياق أمره لهم بالإقتصاد قال سددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا ~~منكم لن يدخل الجنة بعمله # وقال إن هذا الدين متين وإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا ~~واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدجلة والقصد تبلغوا # فنفى بهذا الحديث ما قد تتوهمه النفوس من ms079 أن الجزاء من الله عز وجل على ~~سبيل المعاوضة والمقابلة كالمعاوضات التي تكون بين الناس في الدنيا ~~PageV01P147 فإن الأجير يعمل لمن استأجره فيعطيه أجره بقدر عمله على طريق ~~المعاوضة إن زاد أجرته وإن نقص نقص أجرته وله عليه أجرة يستحقها كما يستحق ~~البائع الثمن فنفى صلى الله عليه وسلم أن يكون جزاء الله وثوابه على سبيل ~~المعاوضة والمقابلة والمعادلة # والباء هنا كالباء الداخلة في المعاوضات كما يقال استأجرت هذا بكذا وأخذت ~~أجرتي بعملي # وكثير من الناس قد يتوهم ما يشبه هذا وهذا غلط من وجوه # أحدها أن الله تعالى ليس محتاجا إلى عمل العباد كما يحتاج المخلوق إلى ~~عمل من يستأجره بل هو سبحانه كما قال في الحديث الصحيح إنكم لن تبلغوا نفعي ~~فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني # والعباد إنما يعملون لأنفسهم كما قال تعالى @QB@ لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت @QE@ سورة البقرة 286 وقال تعالى @QB@ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء ~~فعليها @QE@ سورة فصلت 46 وقال @QB@ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى ~~لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم @QE@ سورة الزمر 7 وقال تعالى @QB@ ومن ~~شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم @QE@ سورة النمل 40 ~~PageV01P148 وقال تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ~~ومن كفر فإن الله غني عن العالمين @QE@ سورة آل عمران 97 # وأما العباد فإنهم محتاجون إلى من يستعملون لجلب منفعة أو دفع مضرة ~~ويعطونه أجرة نفعه لهم # الثاني أن الله هو الذي من على العامل بأن خلقه أولا وأحياه ورزقه ثم بأن ~~أرسل إليه الرسل وأنزل إليه الكتب ثم بأن يسر له العمل وحبب إليه الإيمان ~~وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان # والمخلوق إذا عمل لغيره لم يكن المستعمل هو الخالق لعمل أجيره فكيف يتصور ~~أن يكون للعبد على الله عوض وهو خلقه وأحدثه وأنعم على العبد به وهل تكون ~~إحدى نعمتيه عوضا عن نعمته الأخرى وهو ينعم بكلتيهما # الوجه الثالث أن عمل العبد لو بلغ ما ms080 بلغ ليس هو مما يكون ثواب الله ~~مقابلا له ومعادلا حتى يكون عوضا بل أقل أجزاء الثواب يستوجب أضعاف ذلك ~~العمل # الرابع أن العبد قد ينعم ويمتع في الدنيا بما أنعم الله به عليه مما ~~يستحق بإزائه أضعاف ذلك العمل إذا طلبت المعادلة والمقابلة وإذا كان كذلك ~~لم يبالغوا في الإجتهاد مبالغة من يضره الاجتهاد كالمنبت الذي لا أرضا قطع ~~ولا ظهرا أبقى وزال عنهم العجب وشهدوا إحسان الله بالعمل PageV01P149 # الخامس أن العباد لا بد لهم من سيئات ولا بد في حياتهم من تقصير فلولا ~~عفو الله لهم عن السيئات وتقبله أحسن ما عملوا لما استحقوا ثوابا ولهذا قال ~~صلى الله عليه وسلم من نوقش الحساب عذب قالت عائشة يا رسول الله أليس الله ~~يقول @QB@ فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا @QE@ سور ~~الإنشقاق 7 8 قال ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب # ولهذا جاء في حديث الشفاعة الصحيح إذا طلبت الشفاعة من أفضل الخلق آدم ~~ونوح وإبراهيم وموسى واعتذر كل منهم بما فعل قال لهم عيسى اذهبوا إلى محمد ~~عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر # ولهذا قال في الحديث لما قيل له ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن ~~يتغمدني الله بعفوه فتبين بهذا الحديث أنه لا بد من عفو الله وتجاوزه عن ~~العبد وإلا فلو ناقشه على عمله لما استحق به الجزاء قال الله تعالى @QB@ ~~أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ~~@QE@ سورة الأحقاف 16 ) وقال تعالى @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون @QE@ إلى قوله @QB@ ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذي كانوا يعملون @QE@ سورة الزمر 33 35 PageV01P150 # وإذا تبين ذلك أفاد هذا الحديث ألا يعجب العبد بعمله بل يشهد نعم الله ~~عليه وإحسانه إليه في العمل وأنه لا يستكثر العمل فإن عمله لو بلغ ما بلغ ~~إن لم يرحمه الله ويعف عنه ويتفضل عليه لم يستحق به ms081 شيئا وأنه لا يكلف من ~~العمل ما لا يطيق ظانا أنه يزداد بذلك أجره كما يزداد أجر الأجير الذي يعمل ~~فوق طاقته فإن ذلك يضره إذ المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى # وأحب العمل ما داوم عليه صاحبه فإن الأعمال بالخواتيم بخلاف عمل الأجراء ~~في الدنيا فإن الأجرة تتقسط على المنفعة فإذا عمل بعض العمل استحق من ~~الأجرة بقدر ما عمل ولو لم يعمل إلا قليلا فمن ختم له بخير استحق الثواب ~~وكفر الله بتوبته سيئاته ومن ختم له بكفر أحبطت ردته حسناته فلهذا كان ~~العمل الذي داوم عليه صاحبه إلى الموت خيرا ممن أعطى قليلا ثم أكدى وكلف ~~نفسه ما لا يطيق كما يفعله كثير من العمال # فقوله صلى الله عليه وسلم سددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخل ~~الجنة بعمله ينفي المعاوضة والمقابلة التي يولد اعتقادها هذه المفاسد # وقوله @QB@ بما كنتم تعملون @QE@ يثبت السبب الموجب لأن يفعله العبد ~~ولهذا قال بعضهم اعمل وقدر أنك لم تعمل وقال آخر لا بد منك وبك وحدك لا ~~يجيء شيء # فلا بد من العمل المأمور به ولا بد من رجاء رحمة الله وعفوه وفضله وشهود ~~العبد لتقصيره ولفقره إلى فضل ربه وإحسان ربه إليه # وقد قال سفيان بن عيينة كانوا يقولون ينجون من النار بالعفو ويدخلون ~~الجنة بالرحمة ويتقاسمون المنازل بالأعمال PageV01P151 # فنبه على أن مقادير الدرجات في الجنه تكون بالأعمال وأن نفس الدخول هو ~~بالرحمة فإن الله قد يدخل الجنة من ينشئه لها في الدار الآخرة بخلاف النا ~~رفإنه أقسم أن يملأها من إبليس وأتباعه # لكن مع هذا فالعمل الصالح في الدنيا سبب للدخول والدرجة وإن كان الله ~~يدخل الجنة بدون هذا السبب كما يدخل الأبناء تبعا لآبائهم وليس كل ما يحصل ~~بسبب لا يحصل بدونه كالموت الذي يكون بالقتل ويكون بدون القتل ومن فهم أن ~~السبب لا يوجب المسبب بل لا بد أن يضم الله إليه أمورا أخرى وأن يدفع عنه ~~آفات كثيرة وأنه قد يخلق المسبب بدون السبب ms082 انفتح له حقيقة الأمر من هذا ~~وغيره والله تعالى أعلم # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليم ~~كثيرا PageV01P152 $ سؤال عمن يقول إن صفات الرب نسب وإضافات وغير ذلك ~~PageV01P154 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~محمد وآله وسلم تسليما # أما بعد فهذا فصل مختصر من سؤال سئل عنه شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن ~~تيمية رحمه الله تعالى # ما يقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين فيمن قال إن ~~صفات الرب لا تتعددو لا ينفصل بعضها عن بعض إلا في مراتب العبارات وموارد ~~الإشارات فإذا أضيف علمه إلى الإطلاع على ضمير الصغير والكبير يقال بصير ~~وإذا ابتدر منه الرزق يقال رزاق وإذا أفاض من مكنونات علمه على قلب أحد من ~~الناس بأسرار إلاهيته ودقائق جبروت ربوبيته يقال متكلم وليس بعضه آلة السمع ~~وبعضه آلة البصر وبعضه آلة الكلام بل كله بكلية ذاته لا يشغله شيء عن شيء # فهل هذا القول صواب أم لا أفتونا مأجورين # الجواب # الحمد لله رب العالمين ليس هذا القول صوابا وإن كان بعضه صوابا بل هذا ~~القول قرع باب الإلحاد وتوطئه سبيل الإتحاد فإن هذا القول هو قول غلاة نفاة ~~الصفات الجهمية من متفلسف وقرمطي واتحادي ونحوهم وليس PageV01P155 هو قول ~~المعتزلة والنجارية والضرارية والشيعة ونحوهم ممن يقول القرآن مخلوق بل هو ~~شر من قول هؤلاء فإن هؤلاء متفقون على أنه خلق في غيره كلاما وأنه متكلم ~~بذلك الذي خلقه في غيره وأن موسى والملائكة يسمعون ذلك الكلام المخلوق الذي ~~هو كلام الله عند هؤلاء المبتدعة # قالوا إنه لا يكون متكلما إلا بكلام يقوم به وإن الكلام إذا قام بمحل كان ~~صفة لذلك المحل لا لغيره كسائر الصفات من الحياة والعلم والقدرة والسمع ~~والبصر ونحوه فيقال عالم وقادر وسميع وبصير ونحو ذلك # ولهذا قال من قال من السلف من قال @QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~@QE@ سورة طه 14 مخلوق فهو بمنزلة من صدق ms083 فرعون في قوله PageV01P156 @QB@ ~~أنا ربكم الأعلى @QE@ سورة النازعات 24 لأنه لو كان قوله @QB@ إنني أنا ~~الله لا إله إلا أنا @QE@ مخلوقا لكان كلاما للمحل الذي خلق فيه إما الشجرة ~~وإما الهواء فيكون الشجرة أو الهواء هو القائل إنني أنا الله ومن جعل هذا ~~ربا فهو بمنزلة من جعل فرعون ربا وإن كان الله خالق ذلك الكلام في الشجرة ~~والهواء فقد ثبت بالحجة أنه خالق أفعال العباد وأنه أنطق كل شيء فكل ناطق ~~في الوجود هو أنطقه وخلق نطقه فيجب أن يكون كل نطق في الوجود كلامه حتى قول ~~فرعون أنا ربكم الأعلى وحينئذ فلا فرق بين قوله @QB@ إنني أنا الله @QE@ ~~وبين خلقه على لسان فرعون @QB@ أنا ربكم الأعلى @QE@ # وهذا اللازم تفر منه المعتزلة وغيرهم إذ هم لا يقرون بأن الله خالق أفعال ~~العباد لكن يلزمهم بالحجة ما يخلقه الله من الكلام مثل إنطاق الجلود وتسبيح ~~الحصى وتسليم الحجر عليه السلام وشهادة الألسنة والأيدي والأرجل فإن هذا ~~ليس من أفعال العباد بل ذلك خلق الله فيلزمهم أن يقولوا ذلك كله كلام الله ~~وهو باطل وهم لا يلتزمونه # وإنما التزم مثل هذا الإتحادية والحلولية الذين يقولون إنه وجود ~~المخلوقات أو هو سار في جميع المخلوقات كما قال قائلهم % وكل كلام في ~~الوجود كلامه % سواء علينا نثره ونظامه % $ PageV01P157 # ومن هؤلاء من يفرق بين قول الحلاج وأمثاله أنا الحق وبين قول فرعون أنا ~~ربكم الأعلى بأن الحلاج وأمثاله قالوا ذلك وهم فانون فالحق نطق على ألسنتهم ~~لغيبتهم عن شهود أنفسهم وأما فرعون وأمثاله ممن هم في شهود أنفسهم فقالوه ~~مع رؤيتهم أنفسهم وحاصله أن الله تعالى هو الذي نطق على لسان الحلاج ~~وأمثاله # وهذا شر من قول من يقول القرآن مخلوق خلقه الله في الهواء ونحوه لأن ~~الجماد ليس له نطق يضاف فوجود الكلام فيه شبهة توجب جعله كلاما لغيره أما ~~الإنسان الحي إذا وجد منه مثل هذا الكلام مضافا إلى نفسه وجعل المتكلم به ~~هو الله فهذا صريح بحلول الحق فيه واتحاده به ms084 كما تقوله النصارى في المسيح # ومعلوم أن النصارى أكفر من المعتزلة ومعلوم بالإضطرار من العقل والدين أن ~~الله لم يتكلم على لسان بشر كما يتكلم الجنى على لسان المصروع ولكن يبعث ~~الرسل فيبلغون كلامه والمرسل يقول لرسوله قل على لساني كذا ويقول كلامي على ~~لسان رسولي فلان أي كلامي الذي بلغه عني # ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قال على لسان نبيه سمع ~~الله لمن حمده أي هذا من الكلام الذي بلغه الرسول عن الله كما قال تعالى ~~PageV01P158 @QB@ فإنما يسرناه بلسانك @QE@ سورة الدخان 57 كما يقول المرسل ~~قد قلت لكم على لسان رسولي فلان كذا وكذا # وهذا كما أن القول يضاف إلى الرسول لأنه بلغه وأداه فيضاف إلى جبريل تارة ~~وإلى محمد صلى الله عليه وسلم أخرى كما قال في آية @QB@ إنه لقول رسول كريم ~~وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون @QE@ سورة ~~المائدة 40 42 فهذا محمد وقال في الآية الأخرى @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي ~~قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين @QE@ سورة التكوير 19 21 فهذا جبريل # وأما جمهور العلماء من أهل الفقه والحديث والتصوف والكلام فطردوا الدليل ~~وأثبتوا لله صفات فعلية تقوم بذاته وهذا هو المعلوم الذي دل عليه العقل ~~واللغة والشرع # فالناس ثلاث مراتب منهم من نفى قيام الصفات والأفعال به كالمعتزلة ومنهم ~~من أثبت قيام الصفات به دون الأفعال كالكلابية ومنهم من أقر بقيام الصفات ~~والأفعال وهم جمهور الأمة كما ذكرته الحنفية في كتبهم وكما ذكره ~~PageV01P159 البغوي وغيره من أصحاب الشافعي عن أهل السنة وكما ذكره أبو ~~إسحاق ابن شاقلا وأبو عبدالله بن حامد والقاضي أبو يعلى في آخره قوليه ~~وابنه أبو الحسين وغيرهم من أصحاب أحمد وذكره أبو بكر محمد بن إسحاق ~~الكلاباذي عن الصوفية في كتاب التعرف في مذاهب التصوف وذكره من ذكره من ~~أئمة المالكية وذهب إليه طوائف من أهل الكلام من المرجئة PageV01P160 ~~والشيعة والكرامية وذهب إليه جمهول أهل الحديث ms085 # والمقصود هنا أن الجهمية من المعتزلة ونحوهم الذين قالوا القرآن مخلوق ~~وقد عرف مقالات السلف في تكفيرهم وتضليلهم هم خير قولا من أصحاب هذا القول ~~المذكور في السؤال القائلين إذا فاض من مكنونات علمه على قلب أحد من الناس ~~بأسرار إلاهيته ودقائق جبروت ربوبيته يقال متكلم فإن هذا قول من لا يجعل ~~لله كلاما قائما به كما يقوله الذين يقولون إنه خلق كلاما بائنا منه وقد ~~قال الإمام أحمد كلام الله من الله ليس بائنا منه والقرآن الذي أنزله هو ~~كلامه لا كلام غيره إذ الكلام كلام من قاله مبتدئا لا كلام من قاله مبلغا ~~مؤديا PageV01P161 # ولهذا قال السلف والأئمة القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه ~~يعود فقولهم منه بدأ نبهوا به على مخالفة الجهمية الذين قالوا إنه خلقه في ~~غيره منفصلا عنه فقال أهل السنة منه بدأ لم يبتدىء من غيره من الموجودات ~~كما قال تعالى @QB@ وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم @QE@ سورة النمل 6 ~~وقال @QB@ ولكن حق القول مني @QE@ سورة السجدة 13 وقال @QB@ كتاب أحكمت ~~آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير @QE@ سورة هود 1 ولا نجعل لله كلاما مخلوقا ~~في غيره منفصلا عنه كما قالته المعتزلة ونحوهم من الجهمية # فإن هؤلاء وإن كان قولهم من أعظم القول فرية وظلالا فهو أقل كفرا وضلالا ~~من قول أهل القول المسئول عنه القائلين إذا فاض من مكنون علمه على قلب أحد ~~من الناس فإن هؤلاء لم يجعلوه متكلما إلا بما جعله في القلوب من العلم # وهذا في الأصل قول المتفلسفة والصابئة ونحوهم الذين لا يجعلون لله كلاما ~~إلا ما أفاضه على قلوب العباد من العلوم والمعارف ويجعلون تكليمه للعباد ~~نوع تعريف يعرفهم به الأمور ويقولون إنه تتشكل في نفس الشيء أشكال نورانية ~~هي ملائكة الله عندهم وأصوات قائمة بنفسه هي كلام الله عندهم ويزعمون أن ~~تكليم الله لموسى هو من هذا الباب إنما هو فيض فاض عليه من العقل الفعال أو ~~من غيره وقد يجعلون العقل ms086 الفعال هو جبريل وليس التكليم عندهم مختصا بأحد ~~ولكنه يفيض بحسب استعداد النفوس PageV01P162 # وعلى قولهم فجميع الخلق يكلمهم تكليما كما كلم موسى وكل كلام صادق تكلم ~~به ذو نفس صافية فهو كلام الله كما أن القرآن كلام الله فيلزمه أن كل ما ~~تكلم به الأنبياء فمن دونهم من الخبر الصادق والأمر بالخير هو كلام الله ~~وأن ذلك كله من نوع القرآن وأن يكون القرآن كلام البشر ولا فرق عندهم بين ~~قول البشر وقول الله بل يلزمهم أن جميع ما يتكلم به البشر كلام الله من أجل ~~أن ذلك يفيض على قلوب البشر حتى الكذب والكفر فإن جهة الإفاضة واحدة في ~~الجميع وكل ما يلزم القائلين بأن القرآن مخلوق يلزم هؤلاء وزيادة فإن أولئك ~~يجعلونه مخلوقا خارجا عن نفس النبي وهؤلاء لا يجعلون له محلا إلا نفس النبي # وهذا القول هو قول المتفلسفة ووقع فيه طوائف من المنتسبين إلى الملل من ~~اليهود والنصارى ومن المنتسبين إلى المسلمين ممن خلط الفلسفة بالتصوف مثل ~~أهل الكلام المسئول عنه وأمثاله ومثل ما وقع لأبي حامد في كتاب المضنون به ~~على غير أهله الأول والثاني ونحو ذلك من المصنفات مثل مشكاة الأنوار ومسائل ~~النفخ والتسوية وكيمياء السعادة وجواهر القرآن PageV01P163 وما يشير إليه ~~أحيانا في الإحياء وغيره فإنه كثيرا ما يقع في كلامه ما هو مأخوذ من كلام ~~الفلاسفة ويخلطه بكلام الصوفية أو عباراتهم فيقع فيه كثير من المتصوفة ~~الذين لا يميزون بين حقيقة دين الإسلام وبين ما يخالفه من الفلسفة الفاسدة ~~وغيرها لا سيما إذا بني على ذلك واتبعت لوازمه فإنه يفضي إلى قول ابن سبعين ~~وابن عربي صاحب الفصوص وأمثالهما ممن يقول بمثل هذا الكلام وحقيقة مذهبهم ~~يؤول إلى التعطيل المحض وأنه ليس للعالم رب مباين له بل الخالق هو المخلوق ~~والمخلوق هو الخالق # كما قال صاحب الفصوص ومن أسمائه الحسنى العلي على من وما تم إلا هو أو عن ~~ماذا وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى ms087 ~~محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو # إلى أن قال فهو الأول والآخر والظاهر والباطن فهو عين ما ظهر وهو عين ما ~~بطن في حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم يبطن عنه سواه فهو ظاهر لنفسه ~~باطن عنه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات # إلى أن قال ومن عرف ما قررناه في الأعداد وأن نفيها عين PageV01P164 ~~إثباتها علم أن الأمر الخالق المخلوق وأن الأمر المخلوق الخالق كل ذلك من ~~عين واحدة لا بل هو العين الواحدة وهوالعيون الكثيرة @QB@ فانظر ماذا ترى ~~قال يا أبت افعل ما تؤمر @QE@ سورة الصافات 102 فالولد عين أبيه فما رأى ~~يذبح سوى نفسه وفداه بذبح عظيم فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان وظهر ~~بصورة ولد من هو عين الوالد @QB@ وخلق منها زوجها @QE@ سورة النساء 1 فما ~~نكح سوى نفسه # إلى أن قال فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع ~~الأمور الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو ~~مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك لأحد إلا لمسمى الله خاصة # وقال ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص ~~والذم ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق من أولها إلى آخرها فكلها حق له كما ~~هي صفات المحدثات حق للحق PageV01P165 # وقال أيضا @QB@ ومكروا مكرا كبارا @QE@ سورة نوح 22 لأن الدعوة إلى الله ~~مكر بالمدعو لأنه ما عدم إلى البداية فيدعى إلى الغاية ادعوا إلى الله فهذا ~~عين المكر # إلى أن قال فقالوا في مكرهم @QB@ لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا @QE@ سورة ~~نوح 23 فإنهم لو تركوهم تركوا من الحق على قدر ما تركوا من صفات هؤلاء فإن ~~للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله كما قال في المحمدين ~~@QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه @QE@ سورة الإسراء 23 أي حكم فالعالم ~~يعلم من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في ~~الصورة ms088 المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية فما عبد غير الله في ~~كل معبود # وقال أيضا فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل ~~لعلمنه بأن الله قد قضى ألا يعبد إلا إياه وما حكم الله بشيء إلا وقع فكان ~~عيب موسى أخاه هارون لما وقع من إنكاره PageV01P166 وعدم اتساعه فإن العارف ~~من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء # وقال أيضا ولما كان فرعون في مرتبة التحكم وأنه الخليفة بالسيف وإن جار ~~في العرف الناموسي لذلك قال @QB@ أنا ربكم الأعلى @QE@ سورة النازعات 24 أي ~~وإن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من ~~الحكم فيكم ولما علمت السحرة صدقه فيما قال لم ينكروه وأقروا له بذلك ~~وقالوا له إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فاقض ما أنت قاض فالدولة لك فصح ~~قوله @QB@ أنا ربكم الأعلى @QE@ # إلى أمثال ذلك من هذا الكلام الذي يسميه أصحاب مذهب الوحدة ويقولون إن ~~الوجود واحدكما يقوله ابن عربي صاحب الفتوحات وابن سبعين وابن الفارض ~~والتلمساني وأمثالهم عليهم من الله ما يستحقونه فإنهم لا يجعلون للخالق ~~سبحانه وجودا مباينا لوجود المخلوق وهو جامع كل شر في العالم ومبدأ ضلالهم ~~من حيث لم يثبتوا للخالق وجودا مباينا لوجود المخلوق وهم يأخذون من كلام ~~الفلاسفة شيئا ومن الكلام الفساد من كلام المتصوفة والمتكلمين شيئا ومن ~~كلام القرامطة والباطنية شيئا فيطوفون على أبواب المذاهب ويفوزون بأخس ~~المطالب ويثنون على ما يذكر من PageV01P167 التصوف المخلوط بالفسلفة كما ~~يوجد في كلام أبي حامد ونحوه مما هو مأخوذ من رسائل إخوان الصفا وأمثالهم ~~ممن يريد أن يجمع بين ما جاءت به الكتب الإلهية والرسل المبلغون عن الله عز ~~وجل وما تقوله الصابئة المتفلسفون في العلم الإلهي فيذكرون أحاديث موضوعة ~~وربما حرفوا لفظها كما يذكرون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول ما ~~خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل فقال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ~~ما خلقت خلقا ms089 أكرم علي منك فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب # وهذا الحديث موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة ~~بالحديث ولفظة أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل وروى لما خلق الله ~~العقل قال له أقبل فأقبل فمعناه أنه خاطبه في أول أوقات خلقه فغيروا لفظه ~~وقالوا أول ما خلق الله العقل ليوافق ذلك مذهب المشائين من المتفلسفين ~~أتباع أرسطو القائلين أول الصادرات عنه العقل PageV01P168 # وقد بسطنا الكلام في بيان فساد ذلك شرعا وعقلا وبينا أن بين هؤلاء وبين ~~الرسل من المباينة أعظم مما بين اليهود والنصارى وبين المسلمين وأن اليهود ~~والنصارى إذا لم يتفلسفوا كانوا أقرب إلى الحق من هؤلاء فإن تفلسف اليهودي ~~والنصراني كان كفره من جهتين # وهذه الكتب المضافة إلى أبي حامد مثل الكتابين المضنون بهما على غير ~~أهلهما وأمثالهما ما زال أئمة الدين ينكرون ما فيهما من الباطل المخالف ~~للكتاب والسنة ثم من الناس من يكذب نسبة هذه الكتب إليه ومنهم من يقول وهو ~~أشبه رجع عن ذلك كما ذكر في كتب أخرى ذم الفلاسفة وتكفيرهم وذكر عبدالغافر ~~الفارسي في تاريخ نيسابور أنه استقر أمره على مطالعة البخاري ومسلم فكان ~~آخر أمره الرجوع إلى الحديث والسنة والله أعلم # فهذا الكلام المذكور في السؤال يوجد نحوه في مثل هذه الكتب التي يجعلها ~~أهلها من كتب الحقائق والأسرار كما قال صاحب كتاب المضنون فصل يتخيل بعض ~~الناس كثرة في ذات الله تعالى من طريق تعدد الصفات وقد صح قول من قال في ~~الصفات لا هي هو ولا غيره PageV01P169 وهذا التخيل يقع من توهم التغاير ولا ~~تغاير في الصفات مثال ذلك أن إنسانا تعلم صورة الكتابة وله علم بصورة بسم ~~الله التي تظهر تلك الصورة على القرطاس وهذه صفة واحدة وكمالها أن يكون ~~المعلوم تبعا لها فإنه إذا حصل العلم بتلك الكتابة ظهرت الصورة على القرطاس ~~بلا حركة يد وواسطة قلم ومداد # فهذه الصفة من حيث إن المعلوم انكشف بها يقال له علم ms090 ومن حيث إن الألفاظ ~~تدل عليها يقال لها كلام فإن الكلام عبارة عن مدلول العبارات ومن حيث إن ~~وجود المعلوم تبع لها يقال لها القدرة ولا تغاير ههنا بين العلم والقدرة ~~والكلام فإن هذه صفة واحدة في نفسها ولا تكون هذه الإعتبارات الثلاث واحدة # وكل من كان أعور لا ينظر إلا بالعين العوراء ولا يرى إلا مطلق الصفة ~~فيقول هو هو وإذا التفت إلى الإعتبارات الثلاث يقال هي غيره ومن اعتبر مطلق ~~الصفة مع الإعتبارات فقد نظر بعينين صحيحتين اعتقد أنها لا هو ولا غيره # والكلام في صفات الله تعالى وإن كان مناسبا لهذا المثال فإنه مباين له ~~بوجه آخر وتفهيم هذه المعاني بالكتابة غير يسير # فهذا الكلام من جنس الكلام المذكور في السؤال وكلاهما يرجع إلى ما تزعمه ~~المتفلسفة من أن الصفات ترجع إلى العلم إذا أثبتوه # وقد يقرب من هؤلاء ابن حزم حيث رد الكلام والسمع والبصر وغير PageV01P170 ~~ذلك إلى العلم مع أنه لا يثبت صفة لله هي العلم ويجعل أسماءه الحسنى إنما ~~هي أعلام محضة فالحي والعالم والقادر والسميع والبصير ونحوه كلها أسماء ~~أعلام لا تدل على الحياة والعلم والقدرة # وهذا يؤول إلى قول القرامطة الباطنية ونحوهم نفاة أسماء الله تعالى الذين ~~يقولون لا يقال حي ولا عالم ولا قادر وهذا كله من الإلحاد في أسماء الله ~~وآياته قال تعالى @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون ~~في أسمائه @QE@ سورة الأعراف 180 # وإذا كان من الإلحاد إنكار اسمه الرحمن كما قال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم ~~اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن @QE@ سورة الفرقان 60 وقال @QB@ قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى @QE@ سورة الإسراء ~~110 وقال تعالى @QB@ وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وإليه متاب @QE@ سورة الرعد 30 إلى غير ذلك PageV01P171 # فإذا كان اسمه الرحمن قد أنزل فيه ما انزل فكيف إنكار سائر الأسماء ~~ومعلوم أن اللفظ إذا كان علما محضا لم ينكره أحد ولو كانت ms091 أعلاما لم يفرق ~~بين الرحمن والعليم والقدير # وما ذكره صاحب كتاب المضنون مع المتفلسفة من أن العلم بالممكنات هو ~~المقتضى لوجودها معلوم البطلان بأدنى تأمل فإن العلم نوعان علم نظري وعلم ~~عملي فأما النظري وهو العلم بما لا يفعله العالم كعلم الله بنفسه وكعلمنا ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فهذا ليس مقتضيا لوجود المعلوم ~~بالضرورة واتفاق العقلاء وإن كان قد يكون سببا لبعض الأعمال # وأما العلم العملي كعلم الله بمخلوقاته وكعلمنا بمفعولاتنا فهذا العلم ~~وحده ليس موجبا لوجود المعلوم بلا قدرة ولا إرادة وعمل فإنا إذا تصورنا ما ~~نريد فعله لم يكن مجرد تصورنا ما نريد ولم نقدر عليه لم يكن وإذا كنا ~~قادرين على ما نتصوره ولا نريده لم يكن بل لا بد علمنا به وإرادتنا له ~~وقدرتنا عليه # فلو قال قائل علم الله ليس كعلمنا # قيل له وذات الله ليست كذاتنا ولا قدرته وإرادته كقدرتنا وإرادتنا # وهذا السؤال قد بسط الشيخ الكلام عليه وقد اختصر منه وقال في وسط الكلام ~~على هذا السؤال # بل لكل موجود حقيقة تخصه يتميز بها عما سواء ويباين بها غيره وهذه ~~الحقيقة هي حقيقة الربوبية وبنفيها ضل الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ~~PageV01P172 والقرامطة والإتحادية وأمثالهم وهي الماهية التي أثبتها ضرار ~~وأبو حنيفة وغيرهما من الكوفيين وخالفهم في ذلك معتزلة البصرة وعلى إثباتها ~~أئمة السنة والجماعة من السلف والخلف ولهذا ينفون العلم بماهيه الله ~~وكيفيته فيقولون لا تجري ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال ومن نفاها من ~~المنتسبين إلى السنة وغيرهم قال ليس له ماهية فتجري في مقال ولا له كيفيه ~~فتخطر ببال # والأول هو المأثور عن السلف والأئمة كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا ~~الموضع ويدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول والله سبحانه أعلم ~~PageV01P173 # | رسالة في تحقيق مسألة علم الله PageV01P176 بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله # فصل في مسألة العلم # الناس المنتسبون إلى الإسلام في علم الله باعتبار تعلقه بالمستقبل على ~~ثلاثة أقوال # أحدها أنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم ms092 لذاته ولا يتجدد له عند وجود ~~المعلومات نعت ولا صفة وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم وهذا ~~قول طائفة من الصفاتية من الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء ~~والصوفية وأهل الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وهو قول ~~طوائف من المعتزلة وغيرهم من نفاة الصفات لكن هؤلاء يقولون يعلم المستقبلات ~~ويتجدد التعلق بين العالم والمعلوم لا بين العلم والمعلوم # وقد تنازع الأولون هل له علم واحد أو علوم متعددة على قولين والأول قول ~~الأشعري وأكثر أصحابه والقاضي أبي يعلى وأتباعه ونحو هؤلاء والثاني قول أبي ~~سهل الصعلوكي # والقول الثاني أنه لا يعلم المحدثات إلا بعد حدوثها وهذا أصل قول القدرية ~~الذين يقولون لم يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وأن الأمر أنف ~~PageV01P177 لم يسبق القد ربشقاوة ولا سعادة وهم غلاة القدرية الذين حدثوا ~~في زمان ابن عمر وتبرأ منهم وقد نص الأئمة كمالك والشافعي وأحمد على تكفير ~~قائل هذه المقالة # لكن القدرية صرحوا بنفي العلم السابق والقدر الماضي في أفعال العباد ~~المأمور بها والمنهي عنها وما يتعلق بذلك من الشقاوة والسعادة ثم منهم من ~~اقتصر على نفي العلم بذلك خاصة وقال إنه قدر الحوادث وعلمها إلا هذا لأن ~~الأمر والنهي مع هذا العلم يتناقض عنده بخلاف ما لا أمر فيه ولا نهي # ومنهم من قال ذلك في عموم المقدرات وقد حكى نحو هذا القول عن عمرو بن ~~عبيد وأمثاله وقد قيل إنه رجع عن ذلك قبل إنكاره لأن كون @QB@ تبت يدا أبي ~~لهب وتب @QE@ سورة المسد 1 و @QB@ ذرني ومن خلقت وحيدا @QE@ PageV01P178 ~~سورة المدثر 11 ونحو ذلك في اللوح المحفوظ وأمثال ذلك # والقول الثالث أنه يعلمها قبل حدوثها ويعلمها بعلم آخر حين وجودها وهذا ~~قد حكاه المتكلمون كأبي المعالي عن جهم فقالوا إنه ذهب إلى إثبات علوم ~~حادثة لله تعالى وقال البارىء عالم لنفسه وقد كان في الأزل عالما بنفسه ~~وبما سيكون فإذا خلق العالم وتجددت المعلومات أحدث لنفسه علوما بها يعلم ~~المعلومات الحادثة ثم العلوم تتعاقب ms093 حسب تعاقب المعلومات في وقوعها متقدمة ~~عليها أي العلوم متقدمة على الحوادث وذكروا أنه قال إنها في غير محل نظير ~~ما قالت المعتزلة البصرية في الإرادة # وهذا القول وإن كان قد احتج عليه بما في القرآن من قوله @QB@ ليعلم @QE@ ~~فتلك النصوص لا تدل على هذا القول # فإن هذا القول مضمونة تجدد علم قبل الحدوث والذي في القرآن إنما ذكروا ~~دلالته على ما بعد الوجود وهذا قولان متغايران وإنما يحتج عليه بمثل قوله ~~في حديث أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم وليس PageV01P179 هذا بداء ~~يخالف العلم القديم كما قاله بعض غلاة الرافضة وكذلك أبو الحسين البصري قال ~~بإثبات علوم متجددة في ذات الله بحسب تجدد المعلومات وكذلك أبو البركات ~~صاحب المعتبر الإمام في الفلسفة PageV01P180 قال بتجدد علوم وإرادات له ~~وذكر أن إلهيته لهذا العالم لا تصح إلا مع هذا القول وكذلك أبو عبدالله ~~الرازي يميل إلى هذا القول في المطالب العالية وغيرها # وأما السمع والبصر والكلام فقد ذكر الحارث المحاسبي عن أهل السنة في تجدد ~~ذلك عند وجود المسموع المرئي قولين # والقول بسمع وبصر قديم يتعلق بها عند وجودها قول ابن كلاب وأتباعه ~~والأشعري والقول بتجدد الإدراك مع قدم الصفة قول طوائف كثيرة كالكرامية ~~وطوائف سواهم والقول بثبوت الإدراك قبل حدوثها وبعد وجودها قول السالمية ~~كأبي الحسن بن سالم وأبي طالب المكي PageV01P181 # والطوائف الثلاثة تنتسب إلى أئمة السنة كالإمام أحمد وفي أصحابه من قال ~~بالأول ومنهم من قال بالثاني والسالمية تنتسب إليه # وكذلك الإرادة والمشيئة فيها للصفاتية ثلاثة أقوال # أحدها أنها ليست إلا قديمة وهو قول ابن كلاب والأشعري وأتباعهما # الثاني أنها ليست إلا حادثة والفرق بين هذا وبين قول المعتزلة البصرية أن ~~المعتزلة يقولون بحدوثها لا في محل لامتناع كونه محلا للحوادث عندهم وهؤلاء ~~يقولون تقوم بذاته كما يقوم الكلام بذاته # والثالث أنها قديمة وحادثة وهو قول طوائف من الكرامية وأهل الحديث ~~والصوفية وغيرهم وكذلك يقول هؤلاء إنه يوصف بأنه متكلم في الأزل وأنه يتكلم ~~إذا شاء كما صرح ms094 بذلك الأئمة كالإمام أحمد وغيره # لكن في تحقيق ذلك نزاع بين المتأخرين فقيل القديم هو القدرة على الكلام ~~كما قالت الكرامية وقيل بل القولان متضادان كما ذكر أبو بكر عبدالعزيز ~~وعبدالله بن حامد عن أصحاب أحمد PageV01P182 # فأما إثبات علمه وتقديره للحوادث قبل كونها ففي القرآن والحديث والآثار ~~ما لا يكاد يحصر بل كل ما أخبر الله به قبل كونه فقد علمه قبل كونه وهو ~~سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون وقد أخبر بذلك ~~والنزاع في هذا مع غلاة القدرية ونحوهم # وأما المستقبل فمثل قوله @QB@ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم ~~من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه @QE@ سورة البقرة 242 وقوله @QB@ أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة @QE@ الآية ( سورة البقرة 214 آل عمران 142 ) وقوله ~~@QB@ أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم @QE@ الآية ( ~~سورة التوبة 16 ) وقوله @QB@ فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ~~@QE@ سورة العنكبوت 3 وقوله @QB@ وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين @QE@ سورة العنكبوت 11 وقوله @QB@ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين ~~منكم والصابرين ونبلو أخباركم @QE@ سورة محمد 31 # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم PageV01P183 $ ~~رسالة في الرد على ابن عربي في دعوى إيمان فرعون PageV01P202 # هذا سؤال أجاب عنه الشيخ الإمام العلامة الأوحد شيخ الإسلام تقي الدين ~~أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله بن أبي القاسم بن ~~محمد بن تيمية الحراني $ بسم الله الرحمن الرحيم وبه التوفيق # الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم # ما تقول السادة العلماء رضي الله عنهم في قول فرعون عند الغرق @QB@ آمنت ~~أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين @QE@ سورة يونس ~~90 هل فيه دليل على إيمانه وإسلامه وما يجب على من يقول إنه مات مؤمنا ~~والحالة هذه # الجواب # الحمد لله # كفر فرعون وموته كافرا وكونه من أهل النار هو مما علم بالإضطرار من دين ~~المسلمين بل ومن ms095 دين اليهود والنصارى فإن أهل الملل الثلاثة متفقون على أنه ~~من أعظم الخلق كفرا ولهذا لم يذكر الله تعالى في القرآن قصة كافر كما ذكر ~~قصته في بسطها وتثنيتها ولا ذكر عن كافر من الكفر أعظم مما ذكر من كفره ~~واجترائه وكونه أشد الناس عذابا يوم القيامة # ولهذا كان المسلمون متفقين على أن من توقف في كفره وكونه من PageV01P203 ~~أهل النار فإنه يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا مرتدا فضلا عمن يقول ~~إنه مات مؤمنا # والشك في كفره أو نفيه أعظم منه في كفر أبي لهب ونحوه وأعظم من ذلك في ~~أبي جهل وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ونحوهم ممن تواتر كفرهم ولم ~~يذكر باسمه في القرآن وإنما ذكر ما ذكر من أعمالهم ولهذا لم يظهر عن أحد ~~بالتصريح بأنه مات مؤمنا إلا عمن فيه من النفاق والزندقة أو التقليد ~~للزنادقة والمنافقين ما هو أعظم من ذلك كالإتحادية الذين يقولون إن وجود ~~الخالق هو وجود الخلق حتى يصرحون بأن يغوث ويعوق ونسرا وغيرها من الأصنام ~~هي وجودها وجود الله وأنها عبدت بحق وكذلك العجل عبد بحق وأن موسى أنكر على ~~هارون من نهيه عن عبادة العجل وأن فرعون كان صادقا في قوله أنا ربكم الأعلى ~~وأنه عين الحق وأن العبد إذا دعا الله تعالى فعين الداعي عين المجيب وأن ~~العالم هويته ليس وراء العالم وجود أصلا # ومعلوم أن هذا بعينه هو حقيقة قول فرعون الذي قال @QB@ يا هامان ابن لي ~~صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه ~~كاذبا @QE@ PageV01P204 سورة غافر 35 36 # ولقد خاطبت بعض الفضلاء مرة بحقيقة مذهبهم وأنه حقيقة قول فرعون فذكر لي ~~رئيس من رؤسائهم أنه لما دعاه إلى هذا القول وبينه قال قلت له هذا قول ~~فرعون فقال له ونحن على قول فرعون وما كنت أظن أنهم يقرون أو يعترفون بأنهم ~~على قول فرعون قال إنما قلت ذلك استدلالا فلما قال ذلك قلت له مع إقرار ~~الخصم ms096 لا يحتاج إلى بينة # وهم مع هذا الكفر والتعطيل الذي هو شر من قول اليهود والنصارى يدعون أن ~~هذا العلم ليس إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء الذي يدعونه وأن خاتم ~~الأنبياء إنما يرى هذا العلم من مشكاة خاتم الأولياء وأن خاتم الأولياء ~~يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى خاتم الأنبياء وهو في ~~الشرع مع موافقته له في الظاهر مشكاة له في الباطن ولا يحتاج أن يكون متبعا ~~للرسول لا في الظاهر ولا في الباطن # وهذا مع أنه من أقبح الكفر وأخبثه فهو من أفسد الأشياء في العقل كما يقال ~~لمن قال فخر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن PageV01P205 لأن الخرور ~~لا يكون من أسفل وكذلك الإستفادة إنما يستفيد المتأخر من المتقدم # ثم خاتم الأولياء الذين يدعونهم ضلالهم فيه من وجوه حيث ظنوا أن للأولياء ~~خاتما وأن يكون أفضلهم قياسا على خاتم الأنبياء ولم يعلموا أن أفضل ~~الأولياء من هذه الأمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم السالفون من الأولياء ~~لا الآخرون إذ فضل الأولياء على قدر اتباعهم للأنبياء واستفادتهم منهم علما ~~وعملا # وهؤلاء الملاحدة يدعون أن الولي يأخذ من الله بلا واسطة والنبي يأخذ ~~بواسطة وهذا جهل منهم فإن الولي عليه أن يتبع النبي ويعرض كل ما له من ~~محادثة وإلهام على ما جاء به النبي فإن وافقه وإلا رده إذ ليس هو بمعصوم ~~فيما يقضي له # وقد يلبسون على بعض الناس بدعواهم أن ولاية النبي أفضل من نبوته وهذا مع ~~أنه ضلال فليس هو مقصودهم فهم مع ضلالهم فيما ظنوه من خاتم الأولياء ~~ومرتبته يختلفون في عينه بحسب الظن وما تهوى الأنفس PageV01P206 لتنازعهم ~~في تعيين القطب الفرد الغوث الجامع ونحو ذلك من المراتب التي يدعونها وهي ~~معلومة البطلان بالشرع والعقل ثم يتنازعون في عين الموصوف بها وهذا باب ~~واسع # والمقصود هنا أن هؤلاء الإتحادية من أتباع صاحب فصوص الحكم وصاحب ~~الفتوحات المكية ونحوهم هم الذين يعظمون فرعون ويدعون أنه مات مؤمنا وأن ms097 ~~تغريقه كان بمنزلة غسل الكافر إذا أسلم ويقولون ليس في القرآن ما يدل على ~~كفره ويحتجون على إيمانه بقوله @QB@ حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين @QE@ سورة يونس 90 # وتمام القصة تبين ضلالهم فإنه قال سبحانه @QB@ آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين @QE@ سورة يونس 91 وهذا استفهام إنكار وذم ولو كان إيمانه صحيحا ~~مقبولا لما قيل له ذلك # وقد قال موسى عليه السلام @QB@ ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا ~~في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم @QE@ سورة يونس 88 PageV01P207 # قال الله تعالى @QB@ قد أجيبت دعوتكما @QE@ سورة يونس 89 فاستجاب الله ~~دعوة موسى وهارون فإن موسى كان يدعو وهارون يؤمن أن فرعون وملأه لا يؤمنون ~~حتى يروا العذاب الأليم # وقد قال تعالى @QB@ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا ~~به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون @QE@ سورة غافر 82 85 فأخبر سبحانه وتعالى أن ~~الكفار لم يك ينفعهم إيمانهم حين رأوا البأس وأخبر أن هذه سنته التي قد خلت ~~في عباده ليبين أن هذه عادته سبحانه في المستقدمين والمستأخرين كما قال ~~سبحانه وتعالى @QB@ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار @QE@ سورة النساء 18 # ثم إنه سبحانه وتعالى قال بعد قوله @QB@ آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية @QE@ سورة يونس 91 92 ~~فجعله الله تعالى عبرة وعلامة لمن يكون بعده ن الأمم ms098 لينظروا عاقبة من كفر ~~بالله تعالى ولهذا ذكر الله تعالى الإعتبار بقصة فرعون وقومه في غير موضع # وقد قال سبحانه وتعالى @QB@ كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد ~~وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد @QE@ ~~PageV01P208 سورة ق 12 14 فأخبر سبحانه أن كل واحد من هؤلاء المذكورين ~~فرعون وغيره كذب الرسل كلهم إذ لم يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض كاليهود ~~والنصارى بل كذبوا الجميع وهذا أعظم أنواع الكفر فكل من كذب رسولا فقد كفر ~~ومن لم يصدقه ولم يكذبه فقد كفر فكل مكذب للرسول كافر به وليس كل كافر ~~مكذبا به إذ قد يكون شاكا في رسالته أو عالما بصدقه لكنه يحمله الحسد أو ~~الكبر على ألا يصدق وقد يكون مشتغلا بهواه عن استماع رسالته والإصغاء إليه ~~فمن وصف بالكفر الخاص الأشد كيف لا يدخل في الكفر # ولكن ضلالهم في هذا نظير ضلالهم في قوله % مقام النبوة في برزخ % فويق ~~الرسول ودون الولي % $ # وقد علم أن كل رسول نبي وكل نبي ولي ولا ينعكس # وقال سبحانه وتعالى @QB@ كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ~~وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب ~~@QE@ سورة ص 12 14 وقال تعالى @QB@ وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات ~~بالخاطئة فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية @QE@ سورة الحاقة 9 10 ~~PageV01P209 # ثم إن الله تعالى أخبر عن فرعون بأعظم أنواع الكفر من جحود الخالق ودعواه ~~الإلهية وتكذيب من يقر بالخالق سبحانه ومن تكذيب الرسول ووصفه بالجنون ~~والسحر وغير ذلك ومن المعلوم بالإضطرار أن الكفار العرب الذين قاتلهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم مثل أبي جهر وذريته لم يكونوا يجحدون الصانع ولا يدعون ~~لأنفسهم الإلهية بل كانوا يشركون بالله ويكذبون رسوله # وفرعون كان أعظم كفرا من هؤلاء قال الله تعالى @QB@ ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب فلما جاءهم ~~بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم ms099 وما ~~كيد الكافرين إلا في ضلال وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف ~~أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد وقال موسى إني عذت بربي وربكم من ~~كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ~~أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم @QE@ سورة غافر ~~23 28 إلى قوله @QB@ وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ~~أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء ~~عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب @QE@ سورة غافر 36 37 # أخبر الله سبحانه وتعالى أن فرعون ومن ذكر معه قال إن موسى ساحر كذاب ~~وهذا من أعظم أنواع الكفر # ثم أخبر الله أنه أمر بقتل أولاد الذين آمنوا معه لينفروا عن PageV01P210 ~~الإيمان معه كيدا لموسى قال تعالى @QB@ وما كيد فرعون إلا في تباب @QE@ ~~سورة غافر 37 فدل على أنهم من الكافرين الذين كيدهم في تباب فوصفهم ~~بالتكذيب وبالكفر جميعا وإن كان التكذيب مشتملا مستلزما للكفر كما أن ~~الرسالة مستلزمة للنبوة والنبوة مستلزمة للولاية # ثم أخبر عن فرعون أنه طلب بقتل موسى وقال @QB@ وليدع ربه @QE@ وهذا تنبيه ~~على أنه لم يكن مقرا بربه ولهذا قال في تمام الكلام @QB@ ما علمت لكم من ~~إله غيري @QE@ سورة القصص 38 وهذا جحد صريح لإله العالمين وهي الكلمة ~~الأولى # ثم قال بعد ذلك لما ذكره الله تعالى بقوله @QB@ فكذب وعصى ثم أدبر يسعى ~~فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى @QE@ سورة النازعات 21 24 قال الله تعالى ~~@QB@ فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى @QE@ سورة ~~النازعات 25 26 قال كثير من العلماء أي نكال الكلمة الآخرة ونكال الكلمة ~~الأولى فنكل الله تعالى به على الكلمتين باعترافه وجعل ذلك عبرة لمن يخشى ~~ولو كان هذا ممن لم يعاقب على ما تقدم من كفره ولم يكن عقابه عبرة بل من ~~آمن غفر الله له ما ms100 سلف ولم يذكره بكفر ولا بذم أصلا بل يمدحه على إيمانه ~~ويثني عليه كما أثنى على من آمن بالرسل وأخبر أنه نجاهم # وفرعون هو أكثر الكفار ذكرا في القرآن وهو لا يذكره سبحانه إلا ~~PageV01P211 بالذم والتقبيح واللعن ولم يذكره بخير قط # وهؤلاء الملاحدة المنافقون يزعمون أنه مات طاهرا مطهرا ليس فيه شيء من ~~الخبث بل يزعمون أن السحرة صدقوه في قوله ما علمت لكم من إله غيري وأنه صح ~~قوله أنا ربكم الأعلى وأنه كان عين الحق # وقد أخبر سبحانه وتعالى عن جحوده لرب العالمين قال لما قال له موسى عليه ~~السلام @QB@ إني رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا ~~الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل @QE@ سورة الأعراف 104 ~~105 @QB@ قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم ~~تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين @QE@ سورة الشعراء 23 ~~29 فتوعد موسى بالسجن إن اتخذ إلها غيره # وهؤلاء مع تنظيمهم لفرعون يشاركون في حقيقة كفره وإن كانوا مفارقين له من ~~جهة أخرى فإن عندهم ما ثم موجود غير الله أصلا ولا يمكن أحد أن يتخذ إلها ~~غيره لأنه أي شيء عبد العابد من الأوثان والأصنام والشياطين فليست عندهم ~~غير الله أصلا وهل يقال هي الله لهم في ذلك قولان PageV01P212 # وإخباره سبحانه وتعالى عن تكذيب فرعون وغير ذلك من أنواع كفره كثير في ~~القرآن وكذلك إخباره عن عذابه في الآخرة فإن هؤلاء الملاحدة يزعمون أنه ليس ~~في القرآن آية تدل على عذابه ويقولون إنما قال سبحانه @QB@ يقدم قومه يوم ~~القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود @QE@ سورة هود 98 قالوا فأخبر ~~أنه يوردهم ولم يذكر أنه دخل معهم قالوا وقد قال @QB@ أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب @QE@ سورة غافر 46 فإنما يدخل ms101 النار آل فرعون لا فرعون # وهذا من أعظم جهلهم وضلالهم فإنه حيث ذكر في الكتاب والسنة آل فلان كان ~~فلان داخلا فيهم كقوله @QB@ إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران ~~على العالمين @QE@ سورة آل عمران 33 وقوله @QB@ إلا آل لوط نجيناهم بسحر ~~@QE@ سورة القمر 34 وقوله @QB@ سلام على إل ياسين @QE@ سورة الصافات 130 ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم صل على آل أبي أوفى وقوله لقد أوتي ~~هذا مزمارا من مزامير آل داود PageV01P213 # ومنه قوله تعالى @QB@ وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب @QE@ ~~سورة البقرة 49 @QB@ كدأب آل فرعون @QE@ سورة آل عمران 11 @QB@ ولقد جاء آل ~~فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر @QE@ سورة القمر ~~41 42 # وقوله @QB@ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب @QE@ سورة غافر 46 متناول له ولهم ~~باتفاق المسلمين وبالعلم الضروري من دين المسلمين # وهذا بعد قوله تعالى حكاية عن مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه @QB@ أتقتلون ~~رجلا أن يقول ربي الله @QE@ سورة غافر 28 والذي طلب قتله هو فرعون فقال ~~المؤمن بعد ذلك @QB@ ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني ~~لأكفر بالله وأشرك به @QE@ سورة غافر 41 42 والداعي إلى الكفر هو كافر كفرا ~~مغلظا فهذا فيه # ووصفهم أيضا بالكفر إلى قوله @QB@ فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل ~~فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب @QE@ سورة غافر 45 46 فأخبر أنه حاق بآل فرعون سوء ~~العذاب ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ثم قال @QB@ وإذ ~~يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم ~~مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم ~~بين العباد @QE@ PageV01P214 سورة غافر 47 48 ومعلوم أن فرعون هو أعظم ~~الذين استكبروا ثم هامان وقارون وأن قومهم كانوا لهم تبعا وفرعون هو ~~متبوعهم الأعظم الذي قال ما علمت لكم من إله غيري وقال ms102 أنا ربكم الأعلى # وقد قال @QB@ واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين @QE@ سورة القصص 39 42 # وهذا تصريح بأنه نبذه وقومه في اليم عقوبة الذي هو الكفر وأنه أتبعه ~~وقومه في الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين هو وقومه جميعا وهذا ~~موافق لقوله @QB@ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه ~~فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم ~~النار وبئس الورد المورود وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد ~~المرفود @QE@ سورة هود 96 99 # فأخبر سبحانه أنهم اتبعوا أمره وأنه يقدمهم لأنه إمامهم فيكون قادما لهم ~~لا سائقا لهم وأنه يوردهم النار فإذا كان التابع قد ورد النار فمعلوم أن ~~القادم الذي يقدمه وهو متبوعه ورد قبله ولهذا قال بعد ذلك @QB@ وأتبعناهم ~~في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين @QE@ سورة القصص 42 ~~PageV01P215 والتابع والمتبوع كما قال الله تعالى في تلك السورة عن فرعون ~~وقومه @QB@ وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود @QE@ سورة ~~هود 99 # والكلام في هذا مبسوط لم تحتمل هذه الورقة إلا هذا والله أعلم # والحمد لله وحده وصلوات الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل تم وكمل PageV01P216 # | رسالة في التوبة PageV01P218 # فصل # قال الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم ~~ابن تيمية رحمه الله # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما # قال الله تعالى ms103 @QB@ الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا ~~تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف ~~عليكم عذاب يوم كبير @QE@ سورة هود 1 3 # وقال تعالى @QB@ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل ~~إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون @QE@ ~~PageV01P219 الآيات ( سورة الزمر 53 55 ) # وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم ~~أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله ~~النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم @QE@ الآية ( سورة ~~التحريم 8 ) # وقال تعالى @QB@ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون @QE@ ~~سورة النور 31 # وقال تعالى @QB@ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين ~~اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه ~~بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ~~وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم @QE@ سورة التوبة 117 118 # وقال تعالى @QB@ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث ~~شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها ~~فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم @QE@ ~~سورة البقرة 35 37 PageV01P220 # وقال تعالى في السورة الأخرى @QB@ وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما ~~الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا ms104 وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ سورة الأعراف 22 23 # وقال تعالى @QB@ وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى @QE@ ~~سورة طه 121 122 # وقال تعالى عن نوح أنه قال لقومه @QB@ استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل ~~السماء عليكم مدرارا @QE@ الآية ( سورة نوح 10 11 ) # وقال عن نوح @QB@ رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي ~~وترحمني أكن من الخاسرين @QE@ سورة هود 47 وعن هود @QB@ ويا قوم استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا ~~تتولوا مجرمين @QE@ سورة هود 52 وعن صالح @QB@ فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ~~ربي قريب مجيب @QE@ سورة هود 61 وكذلك قال شعيب @QB@ واستغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه إن ربي رحيم ودود @QE@ سورة هود 90 وقال إبراهيم عليه السلام ~~@QB@ ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب @QE@ سورة إبراهيم 41 ~~وقال @QB@ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين @QE@ سورة الشعراء 82 ~~وقال @QB@ وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم @QE@ PageV01P221 ~~سورة البقرة 128 وقال عن موسى عليه السلام @QB@ فوكزه موسى فقضى عليه قال ~~هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر ~~له إنه هو الغفور الرحيم @QE@ سورة القصص 15 16 وقال موسى @QB@ رب اغفر لي ~~ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين @QE@ سورة الأعراف 151 وقال ~~موسى @QB@ سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين @QE@ سورة الأعراف 143 # وقال تعالى لموسى @QB@ لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم ~~بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم @QE@ سورة النمل 10 11 وقال موسى @QB@ ~~أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من ~~تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي ~~وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون ms105 الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ~~الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل @QE@ الآية ( سورة الأعراف 155 157 ) # وقال لخاتم الرسل @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات @QE@ سورة محمد 19 وقال @QB@ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر @QE@ سورة الفتح 1 2 PageV01P222 # وقال تعالى @QB@ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ سورة البقرة ~~222 # وقال @QB@ حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب ~~شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير @QE@ سورة غافر 1 3 # وقال تعالى @QB@ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ~~ما تفعلون ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله @QE@ سورة ~~الشورى 25 26 # وقال تعالى @QB@ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى ~~الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم ألم يعلموا أن الله هو ~~يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم وقل اعملوا ~~فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب ~~عليهم والله عليم حكيم @QE@ سورة التوبة 102 106 # وفي صحيح مسلم عن أبي بردة عن الأغر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم ~~PageV01P223 مائة مرة وعن أبي بردة عن الأغر المزني قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ~~وقال إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة وقال إن الله ~~تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء ~~الليل حتى تطلع الشمس من مغربها وقال من تاب قبل أن تطلع الشمس ms106 من مغربها ~~تاب الله عليه وقال لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان ~~على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة ~~فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده ~~PageV01P224 فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك ~~أخطأ من شدة الفرح # وهذا الحديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن مسعود والبراء ~~بن عازب والنعمان بن بشير وأبو هريرة وأنس بن مالك ففي الصحيحين عن ابن ~~معسود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لله أفرح بتوبة أحدكم من رجل ~~خرج بأرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه وزاده وما يصلحه فأضلها ~~فخرج في طلبها حتى إذا أدركه الموت ولم يجدها قال أرجع إلى مكاني الذي ~~أضللتها فيه فأموت فيه فأتى مكانه فغلبته عينه فاستيقظ فإذا راحلته عند ~~رأسه عليها طعامه وشرابه وزاده وما يصلحه وفي السنن أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون وقال إن العبد إذا أذنب ~~PageV01P225 نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن ~~زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلكم الران الذي ذكر الله @QB@ كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون @QE@ سورة المطففين 14 # وعن ابن عباس في قوله @QB@ إلا اللمم @QE@ سورة النجم 32 قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم % إن تغفر اللهم تغفر جما % وأي عبد لك لا ألما % $ # وعن ابن عمر قال إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس ~~الواحد يقول رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة رواه أحمد ~~والترمذي وقال حديث صحيح PageV01P226 $ فصل # التوبة نوعان واجبة ومستحبة # فالواجبة هي التوبة من ترك مأمور أو فعل محظور وهذه واجبة على جميع ~~المكلفين كما أمرهم الله بذلك في كتابه وعلى ألسنة رسله # والمستحبة هي التوبة من ترك المستحبات وفعل المكروهات ms107 فمن اقتصر على ~~التوبة الأولى كان من الأبرار المقتصدين ومن تاب التوبتين كان من السابقين ~~المقربين ومن لم يأت بالأولى كان من الظالمين إما الكافرين وإما الفاسقين ~~قال الله تعالى @QB@ وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ~~وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في ~~جنات النعيم @QE@ سورة الواقعة 7 12 وقال تعالى @QB@ فأما إن كان من ~~المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من ~~أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم ~~@QE@ سورة الواقعة 88 94 وقال تعالى @QB@ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله @QE@ سورة فاطر 32 وقال تعالى @QB@ إنا ~~هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا ~~وسعيرا إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد ~~الله يفجرونها تفجيرا @QE@ سورة الإنسان 3 6 وقال @QB@ كلا إن كتاب الفجار ~~لفي سجين @QE@ إلى قوله @QB@ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما ~~عليون @QE@ PageV01P227 إلى قوله @QB@ ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها ~~المقربون @QE@ سورة المطففين 7 28 قال ابن عباس تمزج لأصحاب اليمين مزجا ~~ويشرب بها المقربون صرفا # والتوبة رجوع عما تاب منه إلى ما تاب إليه فالتوبة المشروعة هي الرجوع ~~إلى الله وإلى فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وليست التوبة من فعل السيئات ~~فقط كما يظن كثير من الجهال لا يتصورون التوبة إلا عما يفعله العبد من ~~القبائح كالفواحش والمظالم بل التوبة من ترك الحسنات المأمور بها أهم من ~~التوبة من فعل السيئات المنهي عنها فأكثر الخلق يتركون كثيرا مما أمرهم ~~الله به من أقوال القلوب وأعمالها وأقوال البدن وأعماله وقد لا يعلمون أن ~~ذلك مما أمروا به أو يعلمون الحق ولا يتبعونه فيكونون إما ضالين بعدم العلم ~~النافع وإما مغضوبا عليهم بمعاندة الحق بعد معرفته # وقد أمر الله عباده المؤمنين أن يدعوه في كل صلاة بقوله @QB@ اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط ms108 الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~@QE@ ولهذا نزه الله نبيه عن هذين فقال تعالى @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل ~~صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ سورة النجم 1 4 ~~فالضال الذي لا يعلم الحق بل يظن أنه على الحق وهو جاهل به كما عليه ~~النصارى قال تعالى @QB@ ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء السبيل @QE@ سورة المائدة 77 # والغاوي الذي يتبع هواه وشهواته مع علمه بأن ذلك خلاف الحق كما ~~PageV01P228 عليه اليهود قال تعالى @QB@ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في ~~الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا ~~يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا ~~وكانوا عنها غافلين @QE@ سورة الأعراف 146 وقال تعالى @QB@ واتل عليهم نبأ ~~الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا ~~لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل ~~عليه يلهث أو تتركه يلهث @QE@ الآية ( سورة الأعراف 175 176 ) # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات ~~الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن فإن الغي والضلال يجمع جميع سيئات بني ~~آدم فإن الإنسان كما قال تعالى @QB@ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ~~@QE@ سورة الأحزاب 72 فبظلمه يكون غاويا وبجهله يكون ضالا وكثيرا ما يجمع ~~بين الأمرين فيكون ضالا في شيء غاويا في شيء آخر إذ هو ظلوم جهول ويعاقب ~~على كل من الذنبين بالآخر كما قال @QB@ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ~~@QE@ سورة البقرة 10 وكما قال @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ سورة ~~الصف 5 # كما يثاب المؤمن على الحسنة بحسنة أخرى فإذا عمل بعلمه ورثه الله علم ما ~~لم يعلم وإذ عمل بحسنة دعته إلى حسنة أخرى قال تعالى @QB@ والذين اهتدوا ~~زادهم هدى وآتاهم تقواهم @QE@ PageV01P229 سورة محمد 17 وقال تعالى @QB@ ~~ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ms109 @QE@ سورة مريم 76 وقال @QB@ والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ سورة العنكبوت 69 وقال @QB@ ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ~~ولهديناهم صراطا مستقيما @QE@ سورة النساء 66 68 وقال تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا ~~تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على ~~شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~@QE@ سورة الحديد 28 29 # وهو صلى الله عليه وسلم ذكر شهوات الغي في البطون والفروج كما في الصحيح ~~أنه قال من تكفل لي بما بين لحييه وما بين رجليه تكفلت له بالجنة فإن هذا ~~يعلم عامة الناس أنه من الذنوب لكن يفعلونه اتباعا لشهواتهم PageV01P230 # وأما مضلات الفتن فأن يفتن العبد فيضل عن سبيل الله وهو يحسب أنه مهتد ~~كما قال @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون @QE@ سورة الزخرف 36 37 وقال @QB@ ~~أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء @QE@ ~~سورة فاطر 8 وقال @QB@ وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد ~~فرعون إلا في تباب @QE@ سورة غافر 37 وقال @QB@ قل هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا @QE@ ~~سورة الكهف 103 104 # ولهذا تأول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فيمن يتعبد بغير ~~شريعة الله التي بعث بها رسوله من المشركين وأهل الكتاب كالرهبان وفي أهل ~~الأهواء من هذه الأمة كالخوارج الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم ~~وقال فيهم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ~~يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم ms110 ~~القيامة وذلك لأن هؤلاء خرجوا عن سنة رسول PageV01P231 الله صلى الله عليه ~~وسلم وجماعة المسلمين حتى كفروا من خالفهم مثل عثمان وعلي وسائر من تولاهما ~~من المؤمنين واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان # وإذا اجتمع شهوات الغي ومضلات الفتن قوى البلاء وصار صاحبه مغضوبا عليه ~~ضالا وهذا يكون كثيرا بسبب حب الرئاسة والعلو في الأرض كحال فرعون قال ~~تعالى @QB@ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ~~أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين @QE@ سورة القصص 4 فوصفه ~~بالعلو في الأرض والفساد وقال في آخر السورة @QB@ تلك الدار الآخرة نجعلها ~~للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين @QE@ سورة القصص ~~83 ولهذا قال في حق فرعون @QB@ وكذلك زين لفرعون سوء عمله @QE@ سورة غافر ~~37 # وذلك أن حب الرئاسة شهوة خفية كما قال شداد بن أوس رضي الله PageV01P232 ~~عنه يا بغايا العرب يا بغايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة ~~الخفية قيل لأبي داود السجستاني ما الشهوة الخفية قال حب الرئاسة وحبك ~~الشيء يعمى ويصم فيبقى حب ذلك يزين له ما يهواه مما فيه علو نفسه ويبغض ~~إليه ضد ذلك حتى يجتمع فيه الإستكبار والإختيال والحسد الذي فيه بغض نعمة ~~الله على عباده لا سيما من مناظره # والكبر والحسد هما داءان أهلكا الأولين والآخرين وهما أعظم الذنوب التي ~~بها عصى الله أولا فإن إبليس استكبر وحسد آدم وكذلك ابن آدم الذي قتل أخاه ~~حسد أخاه ولهذا كان الكبر ينافي الإسلام كما أن الشرك نافي الإسلام فإن ~~الإسلام هو الإستسلام وحده فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك به ومن لم يستسلم ~~فهو مستكبر كحال فرعون وملإه ولذلك PageV01P233 قال لهم موسى @QB@ وأن لا ~~تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين @QE@ سورة الدخان 19 وقال تعالى عن ~~فرعون @QB@ واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون @QE@ سورة القصص 39 وقال ms111 تعالى @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ~~ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين @QE@ سورة النمل 14 # ومن أسلم وجهه لله حنيفا فهو المسلم الذي على ملة إبراهيم الذي قال له ~~ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين # وهذا الإسلام هو دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم كما وصف الله ~~به في كتابه نوحا وإبراهيم وموسى ويوسف وسليمان وغيرهم من النبيين مثل قول ~~موسى لقومه @QB@ إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين @QE@ ~~سورة يونس 84 وقال تعالى @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا @QE@ سورة المائدة 44 وقال نوح عليه ~~السلام @QB@ فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن ~~أكون من المسلمين @QE@ سورة يونس 72 # وقال يوسف @QB@ توفني مسلما وألحقني بالصالحين @QE@ سورة يوسف 101 وقالت ~~بلقيس @QB@ وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين @QE@ سورة النمل 44 # وليس الغي مختصا بشهوات البطون والفروج فقط بل هو في شهوات البطون ~~والفروج وشهوات الرئاسة والكبر والعلو وغير ذلك فهو اتباع PageV01P234 ~~الهوى وإن لم يعتقد أنه هوى بخلاف الضال فإنه يحسب أنه يحسن صنعا ولهذا كان ~~إبليس أول الغاوين كما قال @QB@ فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم ~~شاكرين @QE@ سورة الأعراف 16 17 وقال @QB@ رب بما أغويتني لأزينن لهم في ~~الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ سورة الحجر 39 40 # وقال تعالى @QB@ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون قال ~~الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا ~~إليك ما كانوا إيانا يعبدون @QE@ سورة القصص 62 63 # وقد قال تعالى @QB@ فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون @QE@ ~~سورة الشعراء 94 95 # وإنما في الحديث ما يخاف على هذه الأمة من الغي وهو شهوات الغي في البطون ~~والفروج فأما الغي الذي هو الإستكبار عن ابتاع الحق فذاك أصل الكفر فصاحبه ~~ليس من هذه الأمة كإبليس وفرعون وغيرها ms112 وأما غي شهوات البطون والفروج فذاك ~~يكون لأهل الإيمان ثم يتوبون كما قال @QB@ وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه ~~فتاب عليه وهدى @QE@ سورة طه 121 122 # وفي السنن والمسند من حديث ليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن عمرو عن أبي ~~سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول PageV01P235 إن ~~إبليس قال لربه عز وجل بعزتك وجلالك لا أبرح أغوى بني آدم ما دامت الأرواح ~~فيهم فقال له ربه عز وجل فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني $ ~~فصل # وجميع ما يتوب العبد منه سواء كان فعلا أو تركا قد لا يكون كان عالما ~~بأنه ينبغي التوبة منه وقد يكون كان عالما بذلك فإن الإنسان كثيرا ما يكون ~~غير عالم بوجوب الشيء أو قبحه ثم يتبين له فيما بعد وجوبه أو قبحه وقد يكون ~~عالما بوجوبه أو قبحه ويتركه أو يفعله لضعف المقتضى لفعل الواجب أو قوة ~~المقتضى لفعل القبيح لكن هذا لا يكاد يقع إلا مع ضعف العلم بوجوبه وقبحه ~~وإلا فإذا كمل العلم استلزم الإرادة الجازمة في الطرفين ولهذا قال سبحانه ~~@QB@ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما @QE@ سورة النساء 17 قال أبو ~~العالية قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كل من عصى الله فهو جاهل وكل من ~~تاب قبل الموت فقد تاب من قريب PageV01P236 # وقال تعالى @QB@ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~غفور رحيم @QE@ سورة الأنعام 54 # والمؤمن لا يزال يخرج من الظلمات إلى النور ويزداد هدى فيتجدد له من ~~العلم والإيمان ما لم يكن قبل ذلك فيتوب مما تركه وفعله والتوبة تصقل القلب ~~وتجليه مما عرض له من رين الذنوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~العبد إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن ms113 تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن ~~زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي قال الله @QB@ كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون @QE@ سورة المطففين 14 # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إنه ليغان على قلبي ~~وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة # والتوبة من الإعتقادات أعظم من التوبة من الإرادات فإن من ترك واجبا أو ~~فعل قبيحا يعتقد وجوبه وقبحه كان ذلك الإعتقاد داعيا له إلى فعل الواجب ~~ومانعا من فعل القبيح فلا يكون في فعله وتركه ثابت الدواعي والصوارف بل ~~تكون دواعيه وصوارفه متعارضة ولهذا يكون الغالب على هذا التلوم وتكون نفسهم ~~لوامة تارة يؤدون الواجب وتارة يتركونه وتارة يتركون القبيح وتارة يفعلونه ~~كما تجده في كثير من فساق القبلة الذين يؤدون الحقوق تارة ويمنعونها أخرى ~~ويفعلون السيئات تارة ويتركونها PageV01P237 أخرى لتعارض الإرادات في ~~قلوبهم إذ معهم أصل الإيمان الذي يأمر بفعل الواجب وينهى عن فعل القبيح ~~ومعهم من الشبهات والشهوات ما يدعوهم إلى خلاف ذلك # وأما ما فعله الإنسان مع اعتقاد وجوبه وتركه مع اعتقاد تحريمه فهذا يكون ~~ثابت الدواعي والصوارف أعظم من الأول بكثير وهذا تحتاج توبته إلى صلاح ~~اعتقاده أولا وبيان الحق وهذا قد يكون أصعب من الأول إذ ليس معه داع إلى أن ~~يترك اعتقاده كما كان مع الأول داع إلى أن يترك مراده وقد يكون أسهل إذا ~~كان له غرض فيما يخالف موجب الإعتقاد مثل الآصار والأغلال التي على أهل ~~الكتاب وإذلال المسلمين لهم وأخذ الجزية منهم مع مخالفة المسلمين له فهذا ~~قد يكون داعيا إلى أن ينظر في اعتقاده هل هو حق أو باطل حتى يتبين له الحق ~~وقد يكون أيضا مرغبا له في اعتقاد يخرج به من هذا البلاء # وكذلك قهر المسلمين لعدوهم بالأسر يدعوهم إلى النظر في محاسن الإسلام ~~فللرغبة والرهبة تأثير عظيم في معاونة الإعتقاد كما للإعتقاد تأثير عظيم في ~~الفعل والترك فكل واحد من العلم والعمل من الإعتقاد والإرادة يتعاونان ~~فالعلم والإعتقاد ms114 يدعو إلى العمل بموجبه والإرادة رغبة ورهبة والعمل ~~بموجبها يؤيد النظر والعلم الموافق لتلك الإرادة والعمل كما قال من عمل بما ~~علم أورثه الله علم ما لم يعلم # وفي القرآن شواهد هذا متعددة في مثل قوله @QB@ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون ~~به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم ~~صراطا مستقيما @QE@ سورة النساء 66 68 PageV01P238 # وفي قوله @QB@ اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم @QE@ سورة الحديد 28 وغير ذلك # فإذا كان الإنسان معاقبا على الإعتقاد كما يعاقب الكفار على كفرهم كانت ~~التوبة منه ظاهرة كما قال تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا ~~منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم @QE@ سورة ~~المائدة 73 74 وقال تعالى @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم @QE@ سورة التوبة 5 # فأما الإعقتاد المغفور كالخطأ والنسيان الذي لا يؤاخذ الله به هذه الأمة ~~كما في قوله @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ سورة البقرة 286 ~~وقد ثبت في الصحيح أن الله قد فعل ذلك وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر فهذا ~~PageV01P239 قد يقال في مثله إن قيل إنه يتاب منه فكيف يتاب مما لا ذم فيه ~~ولا عقاب وإن قيل لا يتاب منه فكيف لا يرجع الإنسان إلى الحق إذا تبين له # وجواب ذلك أنه يتاب منه كما يتاب من غيره لأن صاحبه قد ترك ما هو مأمور ~~به في نفس الأمر من العلم وما يتبعه من أعمال القلوب والجوارح إما لعجزه عن ~~بلوغه وإما لتقصيره في طلبه # وأيضا فإنه قد فعل من الإعتقاد وما يتبعه من أعمال القلوب والجوارح ما ms115 هو ~~منهي عنه في نفس الأمر لكن سقط عنه النهي لعدم قدرته على معرفة قبحه ~~والتكليف مشروط بالتمكن من العلم والقدرة فلا يكلف العاجز عن العلم ما هو ~~عاجز عنه والناسي والمخطىء كذلك لكن إذا تجدد له قدرة على العلم صار مأمورا ~~بطلبه وإذا تجدد له العلم صار مأمورا حينئذ باتباعه وصار في هذه الحال ~~مذموما على ترك ما يقدر عليه من طلب العلم الواجب وعلى ترك اتباع ما تبين ~~له من العلم # وأيضا فما دام غير مستيقن للحق فهو مأمور بطلب العلم الذي يبين له الحق ~~والمعتقد المخطىء لا يكون مستيقنا قط فإن العلم واليقين يجده الإنسان من ~~نفسه كما يجد سائر إدراكاته وحركاته مثلما يجد سمعه وبصره وشمه وذوقه فهو ~~إذا رأى الشيء يقينا يعلم أنه رآه وإذا علمه يقينا يعلم أنه علمه وأما إذا ~~لم يكن مستيقنا فإنه لا يجد ما يجده العالم كما إذا لم يستيقن رؤيته لم يجد ~~ما يجده الرائي وإنما يكون عنده ظن ونوع إرادة توجب إعتقاده PageV01P240 # هذا هو الذي يجده بنو آدم في نفوسهم كما قال سبحانه @QB@ إن يتبعون إلا ~~الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ سورة النجم 23 وإذا ~~كان الإنسان مأمورا بطلب العلم الذي يحتاج إليه بحسب إمكانه وهو إذا لم يجد ~~العلم اليقيني يعلم أنه لم يجد العلم فهو مأمور بالطلب والإجتهاد فإن ترك ~~ما أمر به كان مستحقا للذم والعقاب على ذلك فإذا تبين له الحق وعلمه وعلم ~~أنه كان جاهلا به معتقدا غير الحق كان تائبا بمعنى أنه رجع من الباطل إلى ~~الحق وإن كان الله قد عفى عنه ما رجع عنه لعجزه إذ ذاك وكان أيضا تائبا مما ~~حصل فيه أولا من تفريط في طلب الحق فكثير من خطأ بني آدم من تفريطهم في طلب ~~الحق لا من العجز التام وكان أيضا تائبا من اتباع هواه أولا بغير هدى من ~~الله فإن أكثر ما يحمل الإنسان على اتباع الظن المخطىء هو هواه كما ms116 قال ~~تعالى @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس @QE@ وليس توبة هذا وحاله ~~كحال من كان عاجزا عن الفعل ثم قدر عليه كالمريض الذي لا يطيق القيام إذا ~~قدر عليه بعد ذلك وكالخائف إذا أمن وكالمصلي بتيمم ونحو هؤلاء # وذلك أن هؤلاء إذا كانت إرادتهم للفعل المأمور به على وجهة الكمال ثابتة ~~في قلوبهم وقد عملوا ما يقدرون عليه من المراد وإنما تركوا تمامه لعجزهم ~~كان لهم مثل ثواب الفاعل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~المتفق عليه عن أبي موسى إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان ~~يعمل وهو صحيح مقيم وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P241 ~~قال إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ~~حبسهم العذر # وقد قال تعالى @QB@ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم @QE@ سورة النساء 95 فهؤلاء لهم ~~علم بالمأمور به الكامل واعتقاد الأمر به وإرادة فعله بحسب الإمكان وهذا ~~كله من أدائهم للمأمور به فإذا تجددت لهم قدرة لم يتجدد رغبة في الفعل ~~الكامل وإنما يتجدد العمل بتلك الرغبة المتقدمة وإن كان لا بد لهذا الفعل ~~من إرادة تخصه ولم يكن هؤلاء مأمورين بذلك إلا في هذه الحال فقط كما تؤمر ~~المرأة بالصلاة عند انقضاء الحيض وكما يؤمر الصبي بما يجب عليه عند بلوغه ~~وكما يؤمر المزكى بالزكاة بعد ملك النصاب والحول والمصلي بالصلاة بعد دخول ~~الوقت # وأما الناسي والمخطىء فإنه لم يكن قد أتى بالعلم والإعتقاد والإرادة فلا ~~يثاب على هذه الأمور التي لم تكن له بل يكون الذي حصل له ذلك أفضل منه بها ~~كما قال تعالى @QB@ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ سورة ~~الزمر 9 فنفى المساواة بين الذي يعلم والذي لا يعلم مطلقا لم يستثن المعذور ~~كما استثنى في تفضيل المجاهد على القاعد المعذور # وكذلك سائر ما في القرآن من نحو هذا كقوله @QB@ وما يستوي الأعمى والبصير ~~ولا ms117 الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات ~~@QE@ PageV01P242 ( سورة فاطر 19 22 ) وقوله @QB@ مثل الفريقين كالأعمى ~~والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا @QE@ سورة هود 24 وقوله @QB@ أو من ~~كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ~~ليس بخارج منها @QE@ سورة الأنعام 122 # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر لم يجعل أجر العاجز على ~~إصابة الصواب مع اجتهاده كأجر القادر عليه كما جعل للمريض والمسافر مثل ~~ثواب الصحيح المقيم كما جعل المعذور من القاعدين عن الجهاد الذي تمت رغبته ~~بمنزلة المجاهد فإن الأصل هو القلب والبدن تابع فالمستويان في عمل القلب ~~إذا فعل كل منهما بقدر بدنه متماثلان بخلاف المتفاضلين في عمل القلب علمه ~~وإرادته وما يتبع ذلك فإنهما لا يتماثلان ولهذا يعاقب العبد على ما تركه من ~~الإيمان بقلبه # وإن قيل إن ذلك تكليف ما لا يطاق ولا يعاقب على ما عجز عنه بدنه باتفاق ~~المسلمين فهو يعاقب على ترك ما أمر بإرادته وفعله وإن كانت نفسه لا تريده ~~ولا تحبه وليس هو معاقبا على ترك ما عجز عنه بدنه كجهاد المقعد والأعمى ~~ونحوهما ونفسه إنما لا تعلم الحق الذي بعث الله به رسله ولا تريده لتفريطه ~~وتعديه إذ آيات ذلك الحق ظاهره وهو محبوب وقد خلق الله كل مولود على الفطرة ~~التي تتضمن القوة على معرفة PageV01P243 هذا الحق وعلى محبته ولكن غير ~~فطرته بما يقلده عن غيره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~المتفق عليه كل مولود يولد على الفطرة فأبوه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما ~~تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء وإذا كان قد خلق على ~~الصحة والسلامة فهو يستحق العقوبة على ما غيره من خلق الله بتفريطه وعدوانه ~~لاتباعه الظن وما تهوى الأنفس # وقد بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين وقال سبحانه @QB@ وما كنا معذبين حتى ~~نبعث ms118 رسولا @QE@ سورة الإسراء 15 وهذا مما يظهر به الفرق بين المجتهد ~~المخطىء والناسي من هذه الأمة في المسائل الخبرية والعملية وبين المخطىء من ~~الكفار والمشركين وأهل الكتاب الذي بلغته الرسالة إذا قيل إنه غير معاند ~~للحق فإن ذاك لا يكون خطؤه إلا لتفريطه وعدوانه لا يتصور أن يجتهد فيكون ~~مخطئا في الإيمان بالرسول بل متى اجتهد والإجتهاد استفراغ الوسع في طلب ~~العلم بذلك كان مصيبا للعلم به بلا ريب # فإن دلائل ما جاء به الرسول ودواعيه في نهاية الكمال والتمام الذي يشمل ~~كل من بلغته ولا يترك أحد قط اتباع الرسول إلا لتفريط وعدوان فيستحق العقاب ~~بخلاف كثير من تفصيل ما جاء به فإنه قد يعزب علمه عن كثير PageV01P244 من ~~خواص الأمة وعوامها بحيث لا يكونون في ترك معرفته لا مقصرين ولا مفرطين فلا ~~يعاقبون بتركه مع أنهم قد آمنوا به إيمانا محملا في إيمانهم بما جاء به ~~الرسل فهم آمنوا به مجملا ومعهم أصول الإيمان به كما أن الفاسق معه الدواعي ~~لفعل المأمور وترك المحظور # فلهذا كان المخطىء بالتأويل من هذه الأمة والفاسق بالفعل مع صحة الإعتقاد ~~كل منهما محسنا من وجه مسيئا من وجه وليس واحد منهما كالكفار من المشركين ~~وأهل الكتاب وإن كانوا في ذلك على درجات متفاوتة بل كل منهما ليس تاركا لما ~~أمر به من الإعتقاد والعمل مطلقا ولا فاعلا لضده مطلقا بل المتأول قد آمن ~~إيمانا عاما بكل ما جاء به الرسول واستسلم لكل ما أمره به وهذا الإيمان ~~والإسلام يتناول ما جهله ويدعوه إلى الإيمان والإسلام المفصل إذا علمه لكن ~~عارض ذلك من جهله وظلمه لنفسه ما قد يكون مغفورا له وقد يكون معذبا به # ولذلك الفاجر بالعمل معه من الإيمان بقبح الفعل وبغضه ما هو داع له إلى ~~فعل الأصل المأمور به وداع له إلى تركه لكن عارض ذلك من هواه ما منع كمال ~~طاعته بخلاف المكذب للرسول صلى الله عليه وسلم والكافر به فإنه لم يصدق ~~بالحق ولم يستسلم له لا ms119 جملة ولا تفصيلا لكن قد يكون ما اتبعه من ظنه وهواه ~~موجبا لبعض ما جاء به الرسول ومانعا له من النظر فيه بحيث لا يستطيع مع ذلك ~~أن يسمع به فهذا واقع كما قال سبحانه @QB@ وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ~~الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا @QE@ سورة ~~الكهف 100 101 PageV01P245 وقال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا ~~لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم ~~بالآخرة هم كافرون أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون ~~الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ~~@QE@ سورة هود 18 20 # لكن عدم هذه الإستطاعة كان بتفريطه وعدوانه ومن كان تركه للمأمور بذنب ~~منه أو ضرورته إلى المحظور بذنب منه لم يكن ذلك مانعا من ذمه وعقابه ومن ~~هذا قوله سبحانه @QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~@QE@ سورة الأنعام 11 وقال تعالى @QB@ وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله ~~بكفرهم فقليلا ما يؤمنون @QE@ سورة البقرة 88 وقال @QB@ وقولهم قلوبنا غلف ~~بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا @QE@ سورة النساء 155 # وبهذا يظهر ضعف قول طائفة من المتكلمين الذين يقولون الخطأ والإثم ~~يتلازمان ثم منهم من يقول كل مجتهد في المسائل العملية مصيب كما يقوله كثير ~~من المعتزلة والأشعرية ومنهم من يقول بل فيها مخطىء والمخطىء آثم كما يقوله ~~المريسي وغيره وذلك أنهم اعتقدوا أنه حيث يكون مخطئا يكون تاركا لما وجب ~~عليه PageV01P246 # ثم قال الأولون فإذا لم يكن تاركا للمأمور به فلا يكون لله في المسألة ~~حكم معين أو لا يكون الحكم المنصوص حكما في حقه إذا لم يتمكن من معرفته # وقال الآخرون بل إذا كان مخطئا يكون تاركا للمأمور به فيكون آثما # والتحقيق أنه مأمور به أمرا مطلقا لكن شرط الإثم بمنزلة التمكن من معرفته ~~فإذا لم ms120 يتمكن من معرفته لا يكون شرط الإثم موجودا فيه ولكن ذلك لا ينفى أن ~~يكون هو المأمور به وهو الذي يحبه الله ويرضاه ويثيب فاعله إذا فعله وإنما ~~سقط عن بعض العباد لفوات الشرط في حقه خاصة وحينئذ فيكون النزاع في بعض ~~المواضع نزاعا لفظيا # ولهذا اختلف العلماء هل هو مصيب في اجتهاده وإن كان مخطئا في نفس الأمر ~~أو هو مخطىء في اجتهاده وفي نفس الأمر على قولين ذكرهما القاضي روايتين عن ~~أحمد وذلك أن الخطأ في الإجتهاد قد يعني به القصور والتقصير وقد لا يعني به ~~إلا التقصير إذ العاجز عن معرفة الحكم الذي لله عاجز قاصر ليس بمقصر ولا ~~مفرط فيما بعد عليه فإذا قال أخطأ في اجتهاده أراد أخطأ في استدلاله بمعنى ~~أنه لم يستدل بالدليل الذي يوصله إلى نفس الحق ولا ريب أنه أخطأ هذا ~~الإستدلال الموصل له إلى الحق إذ لو أصابه لأصاب الحق لكنه لم يكن قادرا ~~على هذا الإستدلال فلا يعاقب على تركه # ومن قال لم يخطىء في اجتهاده أراد أنه لم يخطىء فيما قدر عليه من ~~الإجتهاد بل فعله على وجهه لكن لم يكن مقدوره من الإجتهاد كافيا في إدراك ~~المطلوب في نفس الأمر PageV01P247 # ومثل هذا النزاع أن يقال هل فعل ما أمر به أو لم يفعل ما أمر به فالمأمور ~~به في نفس الأمر لم يفعله وأما المأمور به في حقه من العمل الممكن فقد فعله ~~ولذلك إذا اشتبهت اخته بأجنبية هل يقال الحرام في نفس الأمر واحدة أم ~~الإثنتان محرمتان على القولين بهذا الإعتبار $ فصل # فأما التوبة من الحسنات فلا تجوز عند أحد من المسلمين بل من تاب من ~~الحسنات مع علمه بأنه تاب من الحسنات فهو إما كافر وإما فاسق وإن لم يعلم ~~أنه تاب من الحسنات فهو جاهل ضال وذلك أن الحسنات هي الإيمان والعمل الصالح ~~فالتوبة من الإيمان هي الرجوع عنه والرجوع عنه ردة وذلك كفر والتوبة من ~~الأعمال الصالحة رجوع عما أمر الله به وذلك ms121 فسوق أو معصية # والله تعالى حبب إلى المؤمنين الإيمان وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان ~~فكل حسنة يفعلها العبد إما واجبة وإما مستحبة والتوبة تتضمن الندم على ما ~~مضى والعزم على أن لا يعود إلى مثله في المستقبل والندم يتضمن ثلاثة أشياء ~~اعتقاد قبح ما ندم عليه وبغضه وكراهته وألم يلحقه عليه فمن اعتقد قبح ما ~~أمر الله به أمر إيحاب أو استحباب أو أبغض ذلك وكرهه بحيث يتألم على فعله ~~ويتأذى بوجوده ففيه من النفاق بحسب ذلك وهو إما نفاق أكب ريخرجه من أصل ~~الإيمان وإما نفاق أصغر يخرجه من كماله الواجب عليه قال تعالى @QB@ ذلك ~~بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم @QE@ سورة محمد 28 ~~وقال تعالى @QB@ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ~~فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون @QE@ PageV01P248 سورة التوبة ~~124 125 وقال تعالى @QB@ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا ~~يزيد الظالمين إلا خسارا @QE@ سورة الإسراء 82 # بل إذا علم العبد أن هذا الفعل قد أمره الله به وأحبه فاعتقد هو أن ذلك ~~ليس مما أمر الله به وأبغضه وكرهه فهو كافر بلا ريب فمثل هذه التوبة عن ~~الحسنات هي ردة محضة عن الإيمان وكفر بالإيمان @QB@ ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ سورة المائدة 5 # فإطلاق القول بأن الحسنات يتاب منها هو كفر يجب أن يستتاب صاحبه إذ معناه ~~أنه يؤمر بالرجوع عن الحسنات واعتقاد أن الرجوع عن الحسنات يقرب إلى الله ~~وهذا كفر بلا ريب ثم إن هذه التوبة متناقضة ممتنعة في نفسها فإن التائب من ~~الحسنات إن اعتقد أن هذه التوبة حسنة فعليه أن يتوب منها فتكون باطلة فلا ~~يكون قد تاب من الحسنات وإن اعتقد أنها سيئة كان مقرا بأن هذه التوبة محرمة ~~فقد التزم أحد أمرين إما أنه لم يتب من الحسنات أو تاب توبة محرمة ms122 وهذا ~~اشتبه عليه حال السابقين المقربين الذين يتوبون من ترك المستحبات أو فعل ~~المكروهات غير المحرمات فظن أنهم تابوا مما فعلوه من الحسنات وتركوه من ~~المحرمات فإنهم لو تابوا من ذلك لكانوا مرتدين إما عن أصل الإيمان وإما عن ~~كماله وإنما هي كوبة عما تركوه من مستحب وفعلوه من مكروه مثل أن يكو العبد ~~يصلي صلاة مجزئة غير كاملة فتبلغه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم المستحبة ~~فيصلي كصلاته ويندم على ما كان يفعله من الصلاة الناقصة PageV01P249 # فهو لا يتوب مما فعله من الحسن وإنما يتوب مما تركه من الحسن ولهذا ينسب ~~نفسه إلى التفريط بما أضاعه من الحسنات وكذلك إذا سمع فضائل الأعمال ~~المستحبة وما وعد الله لأصحابها من علو الدرجات فيندم على ما فرط من ذلك ~~ويعزم على فعلها فهو توبة مما تركه من الحسنات # وكذلك لو كان يصبر على المكاره مثل الفقر والمرض وخوف العدو من غير رضى ~~بذلك فبلغه مقام أهل الرضا وأنه أعلى من الصبر الذي لا رضا معه وأن هؤلاء ~~يستحقون رضوان الله عليهم وأن أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون ~~الله على السراء والضراء وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن ~~عباس إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل وإن لم تستطع فإن في ~~الصبر على ما يكره خيرا كثيرا # فهذا يتوب من ترك الرضا لا من نفس ما أمر به من الصبر فإن الصبر يبقى مع ~~الرضا لا بد من الصبر في الحالتين لكن تذهب مرارة الكراهة بالرضا وتلك ~~المرارة ليست من الحسنات المأمور بها ولا هي داخلة أيضا في حد الصبر ~~المأمور به بل الصبر قد تكون معه مرارة وقد لا تكون # ومن اعتقد أن الصبر لا يكون إلا مع مرارة وأنه ضد الرضا فقد تكلم بعرف ~~بعض المتأخرين وليس ذاك عرف الكتاب والسنة فإن الله تعالى أمرنا بالصبر ~~وأثنى على أصحابه في أكثر من تسعين موضعا من كتابه PageV01P250 # والله تعالى لا يأمر ms123 بما هو مكروه أو ترك الأفضل ولا يكون ذلك إلا بفعل ~~الحسن لا بترك الأحسن # وبهذا يعرف قول من قال حسنات الأبرار سيئات المقربين مع أن هذا اللفظ ليس ~~محفوظا عمن قوله حجة لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من سلف ~~الأمة وأئمتها وإنما هو كلام وله معنى صحيح وقد يحمل على معنى فاسد # أما معناه الصحيح فوجهان # أحدهما أن الأبرار يقتصرون على أداء الواجبات وترك المحرمات وهذا ~~الإقتصار سيئة في طريق المقربين ومعنى كونه سيئة أن يخرج صاحبه عن مقام ~~المقربين فيحرم درجاتهم وذلك مما يسوء من يريد أن يكون من المقربين فكل من ~~أحب شيئا وطلبه إذا فاته محبوبه ومطلوبه ساءه ذلك فالمقربون يتوبون من ~~الإقتصار على الواجبات لا يتوبون من نفس الحسنات التي يعمل مثلها الأبرار ~~بل يتوبون من الإقتصار عليها وفرق بين التوبة من فعل الحسن وبين التوبة من ~~ترك الأحسن والإقتصار على الحسن # الثاني أن العبد قد يؤمر بفعل يكون حسنا منه إما واجبا وإما مستحبا لأن ~~ذلك مبلغ علمه وقدرته ومن يكون أعلم منه وأقدر لا يؤمر بذلك بل يؤمر بما هو ~~أعلى منه فلو فعل هذا ما فعله الأول كان ذلك سيئة # مثال ذلك أن العامي يؤمر بمسألة العلماء المأمونين على الإسلام والرجوع ~~إليهم بحسب قوة إدراكه وإن كان في ذلك تقليد لهم إذا لا يؤمر العبد إلا بما ~~يقدر عليه وأما العلماء القادرون على معرفة الكتاب والسنة والإستدلال ~~PageV01P251 بهما فلو تركوا ذلك وأتوا بما يؤمر به العامي لكانوا مسيئين ~~بذلك # وهذا كما يؤمر المريض أن يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع ~~فعلى جنب وكما يؤمر المسافر أن يصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين في السفر # وهذا لو فعله المقيم لكان مسيئا تاركا للفرض بل فرضه أربع ركعات فإن ~~المرض والسفر لا ينقص العبد عن كونه مقربا إذا كان ذلك حاله في الإقامة فقد ~~ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا مرض ms124 العبد أو ~~سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم # بخلاف العلم والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال والمسابقة إلى الخيرات ~~فإن الله يقول @QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ~~@QE@ سورة المجادلة 11 ويقول @QB@ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين ~~بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى @QE@ سورة النساء ~~95 ويقول في كتابه @QB@ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك ~~أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى @QE@ سورة ~~الحديد 10 @QB@ ويقول @QE@ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ~~آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا ~~يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم PageV01P252 @QB@ خالدين فيها أبدا إن ~~الله عنده أجر عظيم @QE@ سورة التوبة 19 22 # وكذلك في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم سئل أحد ذهبا ما بلغ ~~مد أحدهم ولا نصيفه وقال خير القورن القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ~~ثم الذين يلونهم # فالعلم والجهاد كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يدخل في ذلك هو ~~واجب على الكفاية من المؤمنين فمن قام به كان أفضل ممن لم يقم به وإذا ترك ~~ذلك من تعين عليه كان مذنبا مسيئا فيكون ذلك سيئة له إذا تركه وحسنة مفضلة ~~له على غيره إذا فعله وإن كان القيام بالواجبات بدون ذلك من حسنات من لم ~~يكن قادرا على ذلك فحسنات هؤلاء الأبرار وهي الإقتصار على ذلك سيئات أولئك ~~المقربين PageV01P253 # وكذلك السابقون الأولون من هذه الأمة فيما فعلوه من الجهاد والهجرة لو ~~تركوا ذلك واقتصروا على ما دون كان ذلك من أعظم ms125 سيئاتهم قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا كان ~~الإقتصار على مجرد ذلك من حسنات الأبرار الذين ليسوا من أولئك السابقين # وكذلك المرسلون لهم مأمورات لو تركوها كان ذلك سيئات وإن كان فعل ما ~~دونها حسنات لغيرهم ممن لم يؤمر بذلك إلى نظائر ذلك مما يؤمر فيه العبد ~~بفعل لم ؤمر به من هو دونه فيكون ترك ذلك سيئة في حقهه وهو من المقربين إذا ~~فعله ويكون فعل ما دون ذلك حسنات لمن دونه # وذلك أن الإنسان يفضل على غيره إما بفعل مستحب في حقهما وإما بما يؤمر به ~~أحدهما دون الآخر فيفعله وتخصيصه بفعله قد يكون لقدرته وقد يكون لامتحانه ~~بسببه كمن له والدان فإنه يؤمر ببرهما ويكون بذلك أفضل ممن لم يعمل مثل ~~عمله كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في حق المتصدقين بفضول أموالهم ~~المشاركين لغيرهم في الأعمال البدينة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فهؤلاء ~~المفضلون الإقتصار على ما دون هذه الأمور سيئات في حقهم وحسنات لمن ليس ~~مثلهم في ذلك PageV01P254 # فهذان الوجهان كلاهما معنى صحيح لقول القائل حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين # وأما المعنى الفاسد فأن يظن الضان أن الحسنات التي أمر الله بها أمرا ~~عاما يدخل فيه الأبرار ويكون سيئات للمقربين مثل من يظن أن الصلوات الخمس ~~ومحبة الله ورسوله والتوكل على الله وإخلاص الدين لله ونحو ذلك هي سيئات في ~~حق المقربين فهذا قول فاسد غلا فيه قوم من الزنادقة المنافقين المنتسبين ~~إلى العلماء والعباد فزعموا أنهم يصلون إلى مقام المقربين الذي لا يؤمرون ~~فيه بما يؤمر به عموم المؤمنين من الواجبات ولا يحرم عليهم ما يحرم على ~~عموم المؤمنين من المحرمات كالزنا والخمر والميسر # وكذلك زعم قوم في أحوال القلوب التي يؤمر بها جميع المؤمنين أن المقربين ~~لا تكون هذه حسنات في حقهم # وكلا هذين من أخبث الأقوال وأفسدها # وإنما قلنا إن التائب من الحسنات إن علم أنها حسنات وتاب منها فقد ms126 أذنب ~~إما بكفر أو فسوق أو معصية وإن لم يعلم أنها حسنات فهو ضال جاهل لأنه إذا ~~تاب مما يسمى حسنة وكان حسنة في الشريعة حقيقة قد أمر الله بها فهو ارجع عن ~~طاعة الله التي هي طاعته وهي حسنة والرجوع عن طاعة الله ودينه لا يخرج عن ~~أن يكون ردة عن أصل الدين فيكون كفرا مغلظا وإما عن كماله هذا لو كان ~~الرجوع بنفس الترك فإن ترك الإيمان كفر وترك الواجبات إما فسق وإما معصية ~~وترك المستحبات المتطوعة يؤخر درجته هذا إذا كان تركا محضا فأما إذا اعقتد ~~مع ذلك أن الحسنات التي يحبها الله ورسوله مما يتاب منها بحيث يندم العبد ~~عليها فيعتقد أن تركها خير من فعلها أو أنها ليست أمورا بها أو أنها لا ~~تقرب إلى الله أو لا تنفع PageV01P255 عنده أو أبغضها وكرهها ورجع عنها ~~وتألم من فعلها مندينا بذلك فهذا كافر مرتد تجب استتابته بلا نزاع بين ~~العلماء وهذا هو مسمى التوبة فعلم أن القول بأن الحسنات يتاب منها كفر محض # وأما إن لم يعلم أنها حسنات بل تاب مما كان يسميه أو غيره حسنات أو كان ~~حسنة في الشريعة ولم يعلم العبد أنه حسنة بل ظن أنه سيئة أو كان سيئة منهيا ~~عنها واعتقد المرء أنه حسنة مأمور بها فهو ضال جاهل وهذا عليه أن يتوب من ~~هذا الإعتقاد والعمل الذي كان يعتقد أنه حسنة كما يتوب كل ضال من الكفار ~~وأهل الأهواء المشركين وأهل الكتاب والمبتدعة كالخوارج والروافض والقدرية ~~والجهمية وغيرهم فإن هؤلاء يتوبون مما كانوا يظنونه حسنات لا يتوبون مما هو ~~في الشريعة حسنات ولا يطلقون القول إنا نتوب من الحسنات ولا أن التوبة من ~~الحسنات فعل المقربين ولا أن التوبة من الحسنات مشروع للسابقين ولا أن الذي ~~تبنا منه كان حسنات ولكن يقولون نتوب مما كنا نظن أنه حسنات وليس بحسنات ~~كما قيل % إذا محاسني اللاتي أدل بها % كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر % $ # وكذلك يتوب المرء مما يعده حسنات ms127 له وهو مقصر في فعله أو خائف من تقصيره ~~في فعله كما قال تعالى @QB@ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ~~ربهم راجعون @QE@ PageV01P256 سورة المؤمنون 60 وقد روى عن عائشة أنها قالت ~~يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف فقال لا يا بنت ~~الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه # وهذا لأن الله تعالى يقول في كتابه @QB@ إنما يتقبل الله من المتقين @QE@ ~~سورة المائدة 27 أي من الذين يتقونه في العمل # والتقوى في العمل بشيئين أحدهما إخلاصه لله وهو أن يريد به وجه الله لا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا والثاني أن يكون مما أمره الله به وأحبه فيكون موافقا ~~للشريعة لا من الدين الذي شرعه من لم يأذن الله له وهذا كما قال الفضيل بن ~~عياض في قوله @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ سورة هود 7 قال اخلصه ~~وأصوبه وذلك أن العلم إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ~~ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب ~~أن يكون على السنة # فالسعيد يخاف في أعماله أن لا يكون صادقا في إخلاصه الدين لله أو أن لا ~~تكون موافقة لما أمر الله به على لسان رسوله ولهذا كان السلف يخافون النفاق ~~على أنفسهم فذكر البخاري عن أبي عالية قال أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ولهذا كانوا يستثنون فيقول أحدهم ~~أنا مؤمن إن شاء الله ومثل هؤلاء يستغفرون الله مما علموه أو لم يعلموه من ~~التقصير والتعدي ويتوبون من ذلك PageV01P257 # وهذا مشروع للأنبياء والمؤمنين كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر بعد ~~الصلاة ثلاثا وقال تعالى @QB@ والمستغفرين بالأسحار @QE@ سورة آل عمران 17 ~~قالوا كانوا يحيون الليل صلاة ثم يقعدون في السحر يستغفرون فيختمون قيام ~~الليل بالإستغفار وقال تعالى @QB@ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم ms128 أفيضوا ~~من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم @QE@ سورة البقرة 198 ~~199 وقال تعالى @QB@ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين ~~الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا @QE@ # فإن قيل قد قال تعالى @QB@ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم ~~تفلحون @QE@ سورة النور 31 وفي المؤمنين من لا ذنب له فيكون أمره بالتوبة ~~أمرا بالتوبة من الحسنات وكذلك توبة الأنبياء وهم معصومون # قيل هذا من أعظم الفرية لم تأت الشريعة بالتوبة من الحسنات وهي ما أمر به ~~من طاعته وطاعة أنبيائه وليس في المؤمنين إلا من له ذنب من ترك مأمور أو ~~فعل محظور كما قال صلى الله عليه وسلم كل بني آدم خطاء وخير الخطائين ~~التوابون # وقد قال تعالى @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما ~~يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون @QE@ PageV01P258 سورة الزمر 33 35 # وقال تعالى @QB@ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن ~~سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون @QE@ سورة الأحقاف 16 # وأصل هذه المقالة وهو دعوى العصمة في المؤمنين وما يشبه ذلك هو من أقوال ~~الغالية من النصارى وغالية هذه الأمة وابتدعها في الملتين منافقوها # قال الله تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على ~~الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه @QE@ سورة النساء 171 وقال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن ~~سواء السبيل @QE@ سورة المائدة 77 وقال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه ~~الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن ~~كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ms129 @QE@ ~~سورة آل عمران 79 80 # وقال تعالى @QB@ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن ~~الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ ~~PageV01P259 سورة التوبة 30 31 # وقد روى في حديث عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قلت يا ~~رسول الله ما عبدوهم قال أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال ~~فأطاعوهم فتلك عبادتهم إياهم # وهذا الغلو الذي في النصارى حتى اتخذوا المسيح وأمه إلهين من دون الله ~~واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قد ذكروا أن أول من ابتدعه ~~لهم بولص الذي كان يهوديا فأسلم واتبع المسيح نفاقا ليلبس على النصارى ~~دينهم فأحدث لهم مقالات غالية وكثرت البدع في النصارى في اعتقاداتهم ~~وعباداتهم كما قال تعالى @QB@ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ~~ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ~~وكثير منهم فاسقون @QE@ سورة الحديد 27 # وكذلك أول ما ابتدعت مقالة الغالية في الإسلام من جهة بعض من كان قد دخل ~~في الإسلام وانتحل التشيع وقيل أول من أظهر ذلك عبدالله بن سبأ الذي كان ~~يهوديا فأسلم وكان ممن أقام الفتنة على عثمان ثم أظهر موالاة علي وهو من ~~ابتدع الغلو في علي حتى ظهر في زمانه من ادعى فيه الإلهية PageV01P260 ~~وسجدوا له لما خرج من باب مسجد كندة فأمر علي رضي الله عنه بتحريقهم بالنار ~~بعد أن أجلهم ثلاثة أيام وفي الصحيح أن ابن عباس بلغه أن عليا حرق زنادقة ~~فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب بعذاب ~~الله ولضربت رقابهم بالسيف لقول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه ~~فاقتلوه قالوا وهم هؤلاء وقد رووا قصتهم مستوفاة وروا أنه أظهر أيضا سب أبي ~~بكر وعمر حتى طلب علي أن يقتله ms130 فهرب منه ولما بلغ عليا أن أقواما يفضلونه ~~على أبي بكر وعمر قال لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد ~~المفتري تحقيقا لما رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن الحنفية أنه سأل أباه ~~من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر قال ثم من قال ~~ثم عمر وقد روى ذلك عن على من نحو ثمانين طريقا وهو متواتر عنه وروى هذا ~~المعنى عنه من PageV01P261 وجوه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما ~~رواه الترمذي ورواه الدارقطني في كتاب ثناء الصحابة على القرابة وثناء ~~القرابة وثناء القرابة على الصحابة # وحينئذ ابتدع القول بأن عليا إمام منصوص على إمامته وابتدع أيضا القول ~~بأنه معصوم أعظم مما يعتقده المؤمنون في عصمة الأنبياء بل ابتدع القول ~~بنبوته وحدث بإزاء هؤلاء من اعتقد كفره وردته واستحل قتله على ذلك من ~~الخوارج ومن اعتقد فسقه أو ظلمه من الأموية وبعض أهل الكلام من المعتزلة ~~وغيرهم ومن لم يعتقد إمامته ولا إمامة غيره في زمانه أو جعل إمامته وإمامة ~~غيره سواء مع اعتقاده فضله وسابقته فهؤلاء الثلاثة حدثت بإزاء تلك الثلاثة ~~فالغالية والرافضة والمفضلة بإزاء المكفرة والمفسقة والمتوقفة عن اختصاصه ~~بالإمامة إذ ذاك PageV01P262 # ثم القائلون بأنه إمام منصوص عليه معصوم تفرقوا في الإمامة بعده تفرقا ~~كثيرا مشهورا في كتب المقالات منهم الإثنا عشرية الذين يقولون بأن الإمامة ~~انتقلت بالنص من واحد إلى واحد إلى المنتظر محمد بن الحسن الذي يزعمون أنه ~~دخل سرداب سامراء سنة ستين ومائتين وهو طفل له سنتان أو ثلاث وأكث رما قيل ~~خمس ويزعمون مع ذلك أنه إمام معصوم يعلم كل شيء من أمر الدين ويجب الإيمان ~~به على كل أحد ولا يصح إيمان أحد إلا بالإيمان به ومع هذا فله اليوم أكثر ~~من أربعمئة وأربعين سنة لم يعرف له عين ولا أثر ولا سمع له أحد بما يعتمد ~~عليه من الخبر # وأهل المعرفة بالنسب يقولون إن الحسن بن علي العسكري والده ms131 لم يكن له نسل ~~ولا عقب واتفق العقلاء على أنه لم يدخل السرداب أحد وأجمع أهل العلم ~~بالشريعة على ما دل عليه الكتاب والسنة أن هذا لو كان موجودا لكان من أطفال ~~المسلمين الذين يجب الحجر عليهم في أنفسهم وأموالهم حتى يبلغ ويؤنس منه ~~الرشد كما قال تعالى @QB@ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم ~~منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا @QE@ ~~سورة النساء 6 # وقد بسطنا القول في بيان فساد هذا في ذكر ما خاطبنا به الشيعة قبل هذا ثم ~~في كتابنا الكبير المسمى بمنهاج أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيع ~~والقدرية # ومن الرافضة من يزعم أن الإمام بعد علي أو بعد الحسين هو ابن علي محمد ~~PageV01P263 ابن الحنفية وهم الكيساينة ومنهم طوائف كثيرة ليس هذا موضعها ~~إذ ليس في نحل الأمة أكثر تفرقا واختلافا منهم فإن أول من ابتدع مقالتهم ~~كان منافقا زنديقا لم يك مؤمنا ثم انتشرت في أقوام لم يعرفوا أخبار ~~المسلمين الأوائل ولم يقصدوا الزندقة # والمقصود هنا أن هؤلاء هم أول من أظهر القول بأن في المؤمنين من لا ذنب ~~له كما قال هذا السائل وادعوا عصمة الأئمة الإثنى عشر حتى عن الخطأ في ~~الإجتهاد وعن نسيان العلم وعن عدم معرفة شيء من العلم فقالوا إنهم يعلمون ~~كل شيء وادعوا عصمتهم من صغير الذنوب وكبيرها وغير ذلك وادعوا ذلك في ~~الأنبياء أيضا لأنهم أفضل من الأئمة # ولم يقل هذا في الأمة غيرهم على هذا الوجه لكن ظهر في صنفين من الأمة بعض ~~بدعتهم طائفة من النساك والعباد يزعمون في بعض المشايخ أو فيمن يقولون إنه ~~ولي الله أنه لا يذنب وبما عينوا بعض المشايخ وزعموا أنه لم يكن لأحدهم ذنب ~~وربما قال بعضهم النبي معصوم والولي محفوظ # ومن غالية هؤلاء من يعتقد في بعض المشايخ من الإلهية والنبوة ما اعتقدته ~~PageV01P264 الغالية في علي ويزعم أن الشيخ يخلق ويرزق ويدخل من يشاء الجنة ~~ومن يشاء النار ويعبده ويدعوه كما يعبد ms132 الله ويقول كل رزق لا يرزقنيه الشيخ ~~فلان فإني لا أريده ويذبح الذبائح باسمه ويصلي ويسجد إلى جهة قبره ويستغيث ~~به في الحاجات كما يستغاث بالله تعالى # فأما ضلال هذه الغالية فشرك واضح قد بيناه في غير هذا الموضع فإنه لا ~~تجوز عبادة أحد دون الله ولا التوكل عليه والإستعانة به ودعاؤه ومسألته كما ~~يدعى الله ويسأل الله # قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ سورة الإسراء 56 57 وقال ~~تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ سورة سبأ 22 23 وقال تعالى @QB@ من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ سورة البقرة 255 وقال تعالى @QB@ أم اتخذوا ~~من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة ~~جميعا له ملك السماوات والأرض @QE@ سورة الزمر 43 44 وقال تعالى @QB@ فلا ~~تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين @QE@ سورة الشعراء 213 وقال تعالى ~~@QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني ~~إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار وما للظالمين من أنصار @QE@ سورة المائدة 72 PageV01P265 # والمقصود هنا ذكر العصمة فقد أجمع جميع سلف المسلمين وأئمة الدين من جميع ~~الطوائف أنه ليس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد معصوم ولا محفوظ لا ~~من الذنوب ولا من الخطايا بل من الناس من إذا أذنب استغفر وتاب وإذا أخطأ ~~تبين له الحق فرجع إليه وليس هذا واجبا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بل يجوز أن يموت أفضل الناس بعد الأنبياء وله ذنب يغفره الله وقد ms133 خفى ~~عليه من دقيق العلم ما لم يعرفه ولهذا اتفقوا على أنه ما من الناس أحد إلا ~~يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم # وذهب بعض الناس إلى أن قول أبي بكر وحده حجة وإن خالفه عمر ثم قول عمر ~~حجة وإن خالفه عثمان وعلي وأما أئمة الإسلام فلا يقولون بهذا بل تنازعوا ~~فيما إذا اتفق أبو بكر وعمر على قول هل يكون حجة على قولين هما روايتان عن ~~أحمد والأظهر في الموضعين أن ذلك حجة لقوله صلى الله عليه وسلم اقتدوا ~~باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وقوله إن يطع PageV01P266 القوم أبا بكر وعمر ~~يرشدوا وقوله لو اتفقتما على شيء لم أخالفكما ولقوله عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات ~~الأمور فإن كل بدعة ضلالة وقد قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا ~~وقد كانت خلافة على تمام الثلاثين مع الأشهر التي تولاها الحسن رضي الله ~~عنه # واتفقوا على أنه ليس من شرط ولي الله أن لا يكون له ذنب أصلا بل أولياء ~~الله تعالى هم الذين قال الله فيهم @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ سورة يونس 62 63 PageV01P267 # ولا يخرجون عن التقوى بإتيان ذنب صغير لم يصروا عليه ولا بإتيان ذنب كبير ~~أو صغير إذا تابوا منه # قال تعالى @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون ~~عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذي كانوا يعملون @QE@ سورة الزمر 33 35 # وقال تعالى @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ~~وندخلكم مدخلا كريما @QE@ سورة النساء 301 # وقال تعالى @QB@ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين ~~اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه ~~بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما ms134 رحبت ~~وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه @QE@ سورة التوبة ~~117 118 # والفريق الثاني قوم من أهل الكلام من المعتزلة ومن اتبعهم زعموا أن ~~PageV01P268 الأنبياء عليهم السلام معصومون مما يتاب منه وأن أحدا منهم لم ~~يتب عن ذنب وحرفوا نصوص الكتاب والسنة كعادة أهل الأهواء في تحريف الكلم عن ~~مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته # وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها ومن اتبعهم على ما أخبر الله به في كتابه وما ~~ثبت عن رسوله من توبة الأنبياء عليهم السلام من الذنوب التي تابوا منها ~~وهذه التوبة رفع الله بها درجاتهم فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ~~وعصمتهم هي من أن يقروا على الذنوب والخطأ فإن من سوى الأنبياء يجوز عليهم ~~الذنب الخطأ من غير توبة والأنبياء عليهم السلام يستدركهم الله فيتوب عليهم ~~ويبين لهم كما قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ~~آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ~~والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد @QE@ سورة الحج 52 53 # وقد ذكر الله تعالى قصة آدم ونوح وداود وسليمان وموسى وغيرهم كما تلونا ~~بعض ذلك فيما ذكرناه من توبة الأنبياء واستغفارهم كقوله @QB@ فتلقى آدم من ~~ربه كلمات فتاب عليه @QE@ سورة البقرة 37 # وقول نوح @QB@ رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي ~~وترحمني أكن من الخاسرين @QE@ سورة هود 47 # وقول إبراهيم @QB@ ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب @QE@ ~~سورة إبراهيم 41 PageV01P269 # وقوله @QB@ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين @QE@ سورة الشعراء 82 # وقوله سبحانه @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات @QE@ سورة محمد 19 # وقال تعالى @QB@ وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه ms135 ~~من الغم وكذلك ننجي المؤمنين @QE@ سورة الأنبياء 87 88 # وقال تعالى @QB@ واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب إنا سخرنا الجبال ~~معه يسبحن بالعشي والإشراق @QE@ إلى قوله @QB@ وظن داود أنما فتناه فاستغفر ~~ربه وخر راكعا وأناب فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب @QE@ إلى ~~قوله @QB@ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب قال رب اغفر لي ~~وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب @QE@ الآية ( سورة ص 17 ~~35 ) # ولما كان اليهود ضد النصارى حيث قتلوا الأنبياء وكذبوهم جحدوا نبوة داود ~~وهم لنبوة سليمان أجحد وزعموا أنهما كانا حكيمين وأن داود كان مسيحا وقد ~~نزه الله سليمان مما تلته الشياطين على ملكه مما اتبعه السحرة من الصابئة ~~والمشركين ومن اتبعهم من أهل الكتاب والمنتسبين إلى هذه الملة والسامرة ~~أعظم جحودا لا يقرون إلا بنبوه موسى خاصة ويوشع بعده PageV01P270 # والله سبحانه قد هدى الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم كما اختلفت الأمتان في المسح فقال تعالى @QB@ ~~ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد ~~سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون @QE@ سورة مريم 34 35 # وكذلك المنحرفون من هذه الأمة قد اختلفوا في علي وغيره كما تقدم فتجد ~~أحدهم يغلو في الرجل العالم والعابد حتى يعتقد عصمته أو يجعله كالأنبياء أو ~~فوقهم أو يجعل لهم حظا في الإلهية وتجد الآخر يقدح في ذلك فربما كفره أو ~~فسقه أو أخرجه عن أن يكون من أولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون فالأول ~~يجعل ما صدر منه من اجتهاد وعمل صوابا وإن كان خطأ وذنبا والآخر يجعل صدور ~~الذنب والخطأ منه مانعا من ولايته ووجوب موالاته # وكلا القولين خطأ موروث عن أهل الكتابين كما قال صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث المتفق عليه لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا ~~جحر ضب لدخلتموه قالوا ms136 اليهود والنصارى وقال فمن PageV01P271 # وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أم ~~القرآن أنها أفضل سورة في القرآن وأنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ~~ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها وأنها السبع المثاني والقرآن العظيم ~~الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى @QB@ ولقد آتيناك سبعا ~~من المثاني والقرآن العظيم @QE@ سورة الحجر 87 # وثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى يقول قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ~~فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب ~~العالمين قال الله حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي ~~فإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين ~~قال هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم قال فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل # وهذه البدع هي وغيرها من البدع لا بد أن تنافي كمال الإيمان وتقدح في بعض ~~حقائقه فإن رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~PageV01P272 ورسوله فلا بد من إخلاص الدين لله حتى لا يكون في القلب تأله ~~لغير الله فمتى كان في القلب تأله لغير الله فذاك شرك يقدح في تحقيق شهادة ~~أن لا إله إلا الله ولا بد من الشهادة بأن محمدا رسول الله وذلك يتضمن ~~تصديقه في كل ما أخبر وطاعته فيما أمر به ومن ذلك الإيمان بأنه خاتم ~~النبيين وأنه لا نبي بعده فمتى جعل لغيره نصيبا من خصائص الرسالة والنبوة ~~كان في ذلك نصيب من الإيمان بنبي بعده ورسول بعده كالمؤمنين بنبوة مسيلمة ~~والعنسي وغيرهما من المتنبئين الكذابين كما قال صلى الله عليه وسلم إن بين ~~يدي الساعة ثلاثين دجالين كذابين كلهم يزعم أنه رسول الله # فمن أوجب طاعة أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به ~~وأوجب تصديقه في كل ما يخبر ms137 به وأثبت عصمته أو حفظه في كل ما يأمر به ويخبر ~~من الدين فقد جعل فيه من المكافأة لرسول الله والمضاهأة له في خصائص ~~الرسالة بحسب ذلك سواء جعل ذلك المضاهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ~~الصحابة أو بعض القرابة أو بعض الأئمة والمشايخ أو الأمراء من الملوك ~~وغيرهم # وقد قال الله في كتابه @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ سورة النساء 59 # فغاية المطاع بإذن الله أن يكون من أولى الأمر الذين أمر الله بطاعتهم من ~~العلماء والأمراء ومن يدخل في ذلك من المشايخ والملوك وكل متبوع فإن الله ~~تعالى أمر بطاعتهم مع طاعة رسوله كما قال @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم @QE@ فلم يقل وأطيعوا أولي الأمر ليبين أن طاعتهم فيما ~~PageV01P273 كان طاعة للرسول أيضا إذا اندراج الرسول في طاعة الله أمر ~~معلوم فلم يكن تكرير لفظ الطاعة فيه مؤذنا بالفرق بخلاف ما لو قيل أطيعوا ~~الرسول وأطيعوا أولى الأمر منكم فإنه قد يوهم طاعة كل منهما على حياله # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال إنما الطاعة في ~~المعروف وقال لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقال على المرء المسلم الطاعة ~~فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة # ولهذا قال سبحانه بعد ذلك @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ فلم ~~يأمر عند التنازع إلى بالرد إلى الله والرسول دون الرد PageV01P274 إلى ~~أولى الأمر ولهذا كان أولو الأمر إذا اجتمعوا لا يجتمعون على ضلالة فإذا ~~تنازعوا فالرد إلى كتاب الله وسنة رسوله لا إلى غير ذلك من عالم أو أمير ~~ومن يدخل في ذلك من المشايخ والملوك وغيرهم ولو كان غير الرسول معصوما أو ~~محفوظا فيما يأمر به ms138 ويخبر به لكان ممن يرد إليه مواقع النزاع كما يرده ~~القائلون بإمام معصوم إليه وكما جرت عادة كثير من الأتباع أن يردوا ما ~~تنازعوا فيه إلى الإمام والقدوة الذي يقلدونه # ومعلوم أن علماء الطوائف ومقتصديهم لا يرون هذا الرد واجبا على الإطلاق ~~لكن قد يفعلون ذلك لأنه لا طريق لهم إلى معرفة الحق واتباعه إلا ذلك لعجزهم ~~عما سوى ذلك فيكونون معذورين وقد يفعلون ذلك اتباعا لهواهم في محبتهم لذلك ~~الشخص وبغضهم لنظرائه فيكونون غير معذورين ولكن من اعتقد من هؤلاء في ~~متبوعه أنه معصوم أو أنه محفوظ عن الذنوب والخطأ في الإجتهاد فذلك مردود ~~عليه بلا نزاع بين أهل العلم والإيمان # ولهذا إنما يقول ذلك غلاة الطوائف الذين يغلب عليهم اتباع الظن وما تهوى ~~الأنفس وقد غلب على أحدهم جهله وظلمه وكما أن الغلو في غير الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فيه قدح في منصب الرسول وما خصه الله به وهو أحد أصلي الإسلام ~~فكذلك الغلو في غير الله فيه قدح فيما يجب لله من الألوهية وفيما يستحقه من ~~صفاته فمن غلا في البشر أو غيرهم فجعلهم شركاء في الألوهية أو الربوبية فقد ~~عدل بربه وأشرك به وجعل له ندا ومن زعم أن الله ذم أحدا من البشر أو عاقبه ~~على ما فعله ولم يكن ذلك ذنبا فقد قدح فيما أخب رالله به وما وجب له من ~~حكمته وعدله فالجاهل يريد تنزيه الصحابة PageV01P275 أو العلماء أو المشايخ ~~من شيء لا يضيرهم ولا يضرهم ثبوته فيقدح في الرسول أو في الله تعالى ويريد ~~تنزيه الأنبياء عما لا يضرهم ثبوته بل هو رفع درجة لهم فيقدح في الربوبية ~~فتدبر هذا فإنه نافع # والقائلون بعصمة الأنبياء من التوبة من الذنوب ليس لهم حجة من كتاب الله ~~وسنة رسوله ولا لهم إمام من سلف الأمة وأئمتها وإنما مبدأ قولهم من أهل ~~الأهواء كالروافض والمعتزلة وحجتهم آراء ضعيفة من جنس قول الذين في قلوبهم ~~مرض والقاسية قلوبهم الذين قال الله فيهم @QB@ ليجعل ما يلقي ms139 الشيطان فتنة ~~للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد @QE@ سورة ~~الحج 53 # وعمدة من وافقهم من الفقهاء أن الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ~~أفعاله مشروع ولولا ذلك ما جاز الإقتداء به وهذا ضعيف فإنه قد تقدم أنهم لا ~~يقرون بل لا بد من التوبة والبيان والإقتداء إنما يكون بما استقر عليه ~~الأمر فأما المنسوخ والمنهي عنه والمتوب منه فلا قدوة فيه بالإتفاق فإذا ~~كانت الأقوال المنسوخة لا قدوة فيها فالأفعال التي لم يقر عليها أولى بذلك # وأما مذهب السلف والأئمة وأهل السنة والجماعة القائلين بما دل عليه ~~الكتاب والسنة من توبة الأنبياء من الذنوب فقد ذكرنا من آيات القرآن ما فيه ~~دلالات على ذلك # وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يدعو اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به منى ~~اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت ~~وما أخرت وما أسررت وما أعلنت PageV01P276 وأما أنت أعلم به مني أنت المقدم ~~وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في استفتاح الصلاة ~~اللهم أنت الملك لا شريك لك أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي ~~فاغفر لي ذنوبي جميعا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق ~~فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف عني سيئها إلا ~~أنت قال ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد التشهد والتسليم اللهم اغفر لي ~~ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت ~~المؤخر لا إله إلا أنت # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت ~~بين التكبير والقراءة إسكاتة فقلت بأبي وأمي يا رسول الله إسكاتك بين ~~التكبير والقراءة ما تقول قال أقول اللهم باعد بيني ms140 وبين خطاياي كما باعدت ~~بين المشرق والمغرب اللهم نقني من الخطايا كما PageV01P277 ينقي الثوب ~~الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد # وفي الصحيحين عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن ~~يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن # وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~في سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره ~~وقليله وكثيره # وقد تقدم قوله في الحديث الصحيح إني لأسغفر الله وأتوب إليه في اليوم ~~أكثر من سبعين مرة وقوله يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في ~~اليوم مائة مرة وقوله إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة ~~مرة وتقدم أيضا أنهم كانوا يعدون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس ~~الواحد يقول رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة # وفي الصحيحين عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل ~~من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث PageV01P278 تكبيرات ~~ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم ~~الأحزاب وحده # وفي السنن عن علي أنه أتى بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال بسم ~~الله فلما استوى على ظهرها قال الحمد لله سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا ~~له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم قال الحمد لله ثلاثا سبحانك إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقيل من أي شيء ضحكت يا ~~أمير المؤمنين قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت ثم ضحك ~~فقلت من أي شيء ضحكت يا رسول الله فقال إن ربك ليعجب من عبده ms141 إذا قال رب ~~اغفر لي ذنوبي يقول يعلم أن الذنوب لا يغفرها أحد غيري PageV01P279 # | فصل في أن دين الأنبياء واحد وشرائعهم مختلفة PageV01P282 # فصل # قوله صلى الله عليه وسلم إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد # قال تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات @QE@ إلى قوله @QB@ وإن ~~هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون @QE@ سورة المؤمنون 51 52 أي ملتكم ~~ملة واحدة كقوله @QB@ إنا وجدنا آباءنا على أمة @QE@ ( سورة الزخرف 22 23 ) ~~أي على ملة وقال @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~@QE@ الآية ( سورة الشورى 13 ) # فدين الأنبياء واحد وهو دين الإسلام لأن بعض الشرائع تتنوع فقد يشرع في ~~وقت أمرا لحكمة ثم يشرع في وقت آخر أمرا آخر لحكمة كما شرع في أول الإسلام ~~الصلاة إلى بيت المقدس ثم نسخ ذلك وأمر بالصلاة إلى الكعبة فتنوعت الشريعة ~~والدين واحد وكان استقبال الشام من ذلك PageV01P283 الوقت من دين الإسلام ~~وكذلك السبت لموسى من دين الإسلام ثم لما صار دين الإسلام هو الناسخ وهو ~~الصلاة إلى الكعبة فمن تمسك بالمنسوخ فليس على دين الإسلام ولا هو من ~~الأنبياء # ومن ترك شرع الأنبياء وابتدع شرعا فشرعه باطل لا يجوز اتباعه كما قال ~~@QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ سورة الشورى ~~21 ولهذا كفرت اليهود والنصارى لأنهم تمسكوا بشرع منسوخ # والله أوجب على جميع الخلق أن يؤمنوا بجميع كتبه ورسله ومحمد خاتم الرسل ~~فعلى جميع الخلق اتباعه واتباع ما شرعه من الدين هو ما أتى به من الكتاب ~~والسنة PageV01P284 # | فصل في الدليل على فضل العرب PageV01P286 # فصل # الدليل على فضل العرب ما رواه الترمذي عن العباس بن عبدالمطلب قال قلت يا ~~رسول الله إن قريشا جلسوا يتذاكرون أحسابهم بينهم فجعلوا مثلك كمثل نخلة في ~~كبوة من الأرض فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق الخلق فجعلني في ~~خير فرقهم ثم خير القبائل فجعلني في خير قبيلة ثم خير البيوت فجعلني في خير ~~بيوتهم فأنا ms142 خيرهم نفسا وخيرهم بيتا قال الترمذي هذا حديث حسن # والكبا بالكسر والقصر والكبة الكناسة والمعنى أن النخلة طيبة في نفسها ~~وإن كان أصلها ليس بذاك # وعن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سلمان لا تبغضني ~~فتفارق دينك قلت يا رسول الله وكيف أبغضك وبك هداني الله قال تبغض العرب ~~فتبغضني قال الترمذي هذا حديث حسن غريب # وروى أبو جعفر الحافظ الكوفي عن ابن عباس قال قال رسول الله PageV01P287 ~~صلى الله عليه وسلم أحبوا العرب لثلاث لأني عربي والقرآن عربي ولسان أهل ~~الجنة عربي قال الحافظ السلفي هذا حديث حسن فما أدري أراد حسن إسناده على ~~طريقة المحدثين أو حسن متنه على الإصطلاح العام وأبو الفرج بن الجوزي ذكره ~~في الموضوعات # وقال سلمان يا معشر العرب لتفضيل رسول الله إياكم لا ننكح نساءكم ولا ~~نؤمكم في الصلاة وإسناده جيد رواه محمد بن أبي عمر العدني وسعيد في سننه ~~PageV01P288 # ولما وضع عمر الديوان للعطاء كتب الناس على قدر أنسابهم فبدأ بالأقرب ~~فالأقرب إلى رسول الله فلما انقضت العرب ذكر العجم هكذا كان الديوان على ~~عهد الخلفاء الراشدين وخلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس إلى أن تغير الأمر ~~بعد ذلك والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة أصحها ما ذكرناه # وسبب ما اختصوا به من الفضل والله أعلم ما جعل الله لهم من العقول ~~والألسنة والأخلاق والأعمال وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع أو العمل ~~الصالح والعلم له مبدأ وهو قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ وتمام وهو قوة ~~المنطق الذي هو البيان والعبارة فالعرب هم أفهم وأحفظ وأقدر على البيان ~~والعبارة ولسانهم أتم الألسنة بيانا وتمييزا للمعاني # وأما العمل فإن مبناه على الأخلاق وهي الغرائز المخلوقة في النفس ~~فغرائزهم أطوع من غرائز غيرهم فهم أقرب إلى السخاء والحلم والشجاعة والوفاء ~~من غيرهم ولكن حازوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير معطلة عن فعله ليس ~~عندهم علم منزل ولا شريعة مأثورة ولا اشتغلوا ببعض العلوم بخلاف غيرهم ~~فإنهم كانت بين أظهرهم الكتب ms143 المنزلة وأقوال الأنبياء فضلوا لضعف عقولهم ~~وخبث غرائزهم # وإنما كان علم العرب ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب أو ما حفظوه من ~~أنسابهم وأيامهم أو ما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم والحروب ~~فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى تلقفوه عنه بعد مجاهدة ~~شديدة ونقلهم الله عن تلك العادات الجاهلية التي كانت قد أحالت قلوبهم عن ~~فطرتها فلما تلقوا عنه ذلك الهدى زالت تلك الريون عن قلوبهم فقبلوا هذا ~~الهدى العظيم وأخذوه بتلك الفطرة الجيدة فاجتمع لهم الكمال بالقوة ~~PageV01P289 المخلوقة فيهم والكمال الذي أنزله الله إليهم بمنزلة أرض طيبة ~~في نفسها لكن هي معطلة عن الحرث أو قد نبت فيها شجر العضاء والعوسج وصارت ~~مأوى الخنازير والسباع فإذا طهرت عن ذلك المؤذي من الشجر وغيره من الدواب ~~وازدرع فيها أفضل الحبوب أو الثمار جاء فيها من الحب والثمر ما لا يوصف ~~مثله # فصار السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل خلق الله سوى الأنبياء ~~وصار أفضل الناس بعدهم من اتبعهم بإحسان رضي الله عنهم إلى يوم القيامة من ~~العرب والعجم # والله سبحانه أعلم والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين ~~وسلم تسليما PageV01P290 ms144