######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022653 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: جامع الرسائل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022653 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22653 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22653 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. محمد رشاد سالم #META# 041.EdNUMBER :: الأولى 1422هـ - 2001م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار العطاء - الرياض #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | رسالة في قنوت الأشياء كلها لله تعالى # PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين وبه القوة # الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين وسلم تسليما ### | فصل # في قنوت الأشياء لله عز وجل وإسلامها وسجودها له وتسبحها له ### | القنوت في القرآن # فإن هذه الأربعة قد ذكرها الله تعالى في القرآن قال تعالى {وقالوا اتخذ ~~الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون بديع السموات ~~والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [سورة البقرة 116، 117] وقال ~~تعالى في سورة الروم {وله من في السموات والأرض كل له قانتون وهو الذي يبدأ ~~الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [سورة الروم 26، 27] ### | الإسلام # وأما الإسلام فقال تعالى {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات ~~والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون} [سورة آل عمران 83] ### | السجود # وأما السجود فقال تعالى {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال} [سورة الرعد 15] وقال {أولم يروا إلى ما خلق الله ~~من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل # PageV01P003 # سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ~~والملائكة وهم لا يستكبرون} [سورة النحل 48، 49] وقال تعالى ألم تر أن الله ~~يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر ~~والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب [سورة الحج 18] ### | التسبيح # وأما التسبيح فقال تعالى تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا [سورة ~~الإسراء 44] وقال تعالى سبح لله ما في السموات وما في الأرض [سورة الصف 1] ~~[سورة الحشر 1] في موضعين وسبح لله ما في السموات والأرض [سورة الحديد 1] ~~ويسبح لله ما في السموات وما في الأرض [سورة الجمعة 1] [سورة التغابن 1] في ~~موضعين فخمس سور افتتحت بذكر تسبح ما في السموات وما في الأرض له وقال ألم ~~تر أن الله يسبح له من فى السموات والأرض والطير صافات كل ms001 قد علم صلاته ~~وتسبيحه [سورة النور 41] # فأما قوله تعالى وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه [سورة البقرة 116] فهو ~~نظير قوله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن ~~منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن ~~يتخذ ولدا إن كل من السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم ~~عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا [سورة مريم 88 - 95] وقد قال تعالى قالوا ~~اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من ~~سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون [سورة يونس 68] # PageV01P004 # وقال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون إلى قوله وهم ~~من خشيته مشفقون [سورة الأنبياء 26 - 29] ### | القنوت في اللغة # والقنوت في اللغة دوام الطاعة والمصلى إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده ~~فهو قانت في ذلك كله قال تعالى أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر ~~الآخرة ويرجو رحمة ربه [سورة الزمر 9] فجعله قانتا في حال السجود والقيام # وفي الحديث الصحيح سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل فقال ~~طول القنوت ولم يرد به طول القيام فقط بل طول القيام والركوع والسجود كما ~~كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت معتدلة إذا أطال القيام أطال ~~الركوع والسجود # وقال تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا [سورة النحل 120] وقال ~~تعالى فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حظف الله [سورة النساء 34] وقال ~~تعالى عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات ~~[سورة التحريم 5] وقال تعالى إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ~~والقانتين والقانتات [سورة الأحزاب 35] وسمى إطالة القيام في الصلاة قنوتا ~~لأنه يطيل فيه الطاعة ولو صلى قاعدا لقنت وهو قاعد وكذلك إذا صلى على جنب ~~قنت وهو على جنب والقيام قبل الركوع يسمى أيضا قنوتا # PageV01P005 # قال ابن قتيبة لا أرى أصل القنوت إلا الطاعة لأن جميع الخلال من الصلاة ~~والقيام فيها والدعاء وغير ms002 ذلك يكون عنها # وقال أبو الفرج قال الزجاج القنوت هو في اللغة بمعنيين أحدهما القيام ~~والثاني الطاعة والمشهور في اللغة والإستعمال أن القنوت الدعاء في القيام ~~فالقانت القائم بأمر الله ويجوز أن يقع في جميع الطاعات لأنه وإن لم يكن ~~قياما على الرجلين فهو قيام بالنية # قلت هذا ضعيف لا يعرف في اللغة أن مجرد القيام يسمى قنوتا والرجل يقوم ~~ماشيا وقائما في أمور ولا يسمى قانتا وهو في الصلاة يسمى قانتا لكونه مطيعا ~~عابدا ولو قنت قاعدا ونائما سمي قانتا وقوله تعالى وقوموا لله قانتين [سورة ~~البقرة 238] يدل على أنه ليس هو القيام وإنما هو صفة في القيام يكون بها ~~القائم قانتا وهذه الصفة تكون في السجود أيضا كما قال أمن هو قانت آناء ~~الليل ساجدا وقائما # PageV01P006 ### | القنوت عند ابن تيمية هو الطاعة # فقول القائل إن المشهور في اللغة أنه الدعاء في القيام إنما اخذه من كون ~~هذا المعنى شاع في اصطلاح الفقهاء إذا تكلموا في القنوت والصلاة وهذا عرف ~~خاص ومع هذا فالفقهاء يذكرون القنوت سواء صلى قائما أو قاعدا أو مضطجعا لكن ~~لما كان الفرض ليس يصح أن يصليه إلا قائما وصلاة القاعد على النصف من صلاة ~~القائم صار القنوت في القيام أكثر وأشهر وإلا فلفظ القنوت في القرآن واللغة ~~ليس مشهورا في هذا المعنى بل ولا أريد به هذا المعنى ولا هو أيضا مشتركا بل ~~اللفظ بمعنى الطاعة أو الطاعة الدائمة ولهذا يفسره المفسرون بذلك # وقد روي في ذلك حديث مرفوع رواه ابن أبي حاتم من النسخة المصرية التي ~~يروى منها الترمذي وغيره من حديث ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا ~~أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة # PageV01P007 # وفي تفسير ابن أبي طلحة عن ابن عباس فالصالحات قانتات [سورة النساء 34] ~~مطيعات # قال ابن أبي حاتم وروى عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك وعطاء وقتادة السدي ms003 مثل ~~ذلك # وروى عن مقاتل بن حيان قال مطيعات لله ولأزواجهن في المعروف # وروى عن سعيد بن جبير في قوله والقانتين والقانتات قال يعني المطيعين ~~والمطيعات # قال وروى عن قتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم مثل ذلك وروى ~~بإسناده عن أبي العالية في قوله يا مريم اقنتي لربك [سورة آل عمران 43] قال ~~اركدي لربك وعن الأوزاعي قال ركدت في محرابها قائمة وراكعة وساجدة حتى نزل ~~ماء الأصفر في قدميها # وعن الحسن أنه سئل عن قوله اقنتي لربك واسجدي قال يقول اعبدي لربك # وعن ليث عن مجاهد قال كانت تقوم حتى تتورم قدماها # وقوله تعالى أمن هو قانت آناء الليل قال ابن أبي حاتم تقدم تفسير القانت ~~في غير موضع القانت الذي يطيع الله ورسوله # وروى عن أحمد بن سنان عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن فراس عن الشعبي ~~عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال القانت الذي يطيع الله ورسوله # PageV01P008 # فهذا تفسير السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم لألفاظ القنوت في ~~القرآن ### | فصل # وكذلك فسروا القنوت في قوله بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون ~~[سورة البقرة 116] لكن تنوع كلامهم في طاعة المخلوقات كلها لما رأوا أن من ~~الجن والإنس من يعصي أمر الله الذي بعث به رسله فذكر كل واحد نوعا من ~~القنوت الذي يعم المخلوقات ### | رواية ابن أبي حاتم أوجه تفسير لفظ القنوت # قال ابن أبي حاتم اختلف في قوله كل له قانتون على أوجه وروى بإسناده ~~الحديث المرفوع كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة ### | الوجه الأول الطاعة # وروى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قانتون قال مطيعون يقول طاعة الكافر في ~~سجوده سجود ظله وهو كاره # وأيضا عن شريك عن خصيف عن مجاهد كل له قانتون قال مطيعون كن إنسانا فكان ~~وقال كن حمارا فكان ففسرها مجاهد بالسجود طوعا وكرها وفسر الكره بسجوده ظله ~~وفسرها أيضا بطاعة أمره الكوني وهو قوله إنما أمره إذا أراد شيئا أن ms004 يقول ~~له كن فيكون [سورة يس 82] وهذا الأمر الكوني لا يخرج عنه أحد # PageV01P009 # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول أعوذ بكلمات الله ~~التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر # وهذان الوجهان ذكرهما ابن الأنباري مع ذكره وجها آخر أنها خاصة قال أبو ~~الفرج فإن قيل كيف عم بهذا القول وكثير من الخلق ليس له بمطيع ففيه ثلاثة ~~أجوبه # أحدها أن يكون ظاهرها العموم ومعناها معنى الخصوص والمعنى كل أهل الطاعة ~~له قانتون والثاني أن الكفار تسجد ظلالهم لله بالغدو والآصال والعشيات فنسب ~~القنوت إليهم بذلك والثالث أن كل مخلوق قانت له بأثر صنعه فيه وجرى أحكامه ~~عليه فذلك دليل على إله كونه ذكرهن ابن الأنباري ### | الوجه الثاني الصلاة # قال ابن أبي حاتم الوجه الثاني حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا أسباط عن مطرف ~~عن عطية عن ابن عباس قال قانتون مصلون # PageV01P010 # قلت وهذا من جنس وصفها بالسجود له والتسبيح قال تعالى ألم تر أن الله ~~يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه [سورة ~~النور 41] لكن قد يقال فالصلاة صلاة المخلوقات والمؤمنين ولم يرد أن ~~الكافرين يصلون فتكون الآية خاصة ولهذا حكى عن ابن عباس أنه قال هي خاصة ### | الوجه الثالث الإقرار بالعبودية # قال والوجه الثالث ثم روى بالإسناد المروي عن الحسين بن واقد عن أبيه عن ~~يزيد النحوي عن عكرمة كل له قانتون قال مقرون بالعبودية قال وروى عن أبي ~~مالك نحوه # قلت وهذا إخبار عما فطروا عليه من الإقرار بأن الله ربهم كما قال وإذ أخذ ~~ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ~~الآية [سورة الأعراف 172] فإن هذه الآية بينه في إقرارهم وشهادتهم على ~~أنفسهم بالمعرفة التي فطروا عليها أن الله ربهم وقال صلى الله عليه وسلم كل ~~مولولد مولد على الفطرة # وطائفة من العلماء جعلوا هذا الإقرار لما استخرجوا من صلب آدم وأنه ~~أنطقهم وأشهدهم لكن هذا لم يثبت به خبر ms005 صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والآية لا تدل عليه # PageV01P011 # وإنما الذي جاءت به الأحاديث المعروفة أنه استخرجهم وأراهم لآدم وميز بين ~~أهل الجنة وأهل النار منهم فعرفوا من يومئذ هذا فيه مأثور من حديث أبي ~~هريرة رواه الترمذي وغيره بإسناد جيد وهو أيضا من حديث عمر بن الخطاب الذي ~~رواه أهل السنن ومالك في الموطأ وهو يصلح للإعتضاد # وأما إنطاقهم وإشهادهم فروى عن بعض السلف وقد روى عن أبي وابن عباس ~~وبعضهم رواه مرفوعا من طريق ابن عباس وغيره وروى ذلك الحاكم في صحيحه لكن ~~هذا ضعيف وللحاكم مثل هذا يروى أحاديث # PageV01P012 # موضوعة في صحيحه مثل حديث زريب بن برثملي وهامة بن الهيم وغير ذلك وبسط ~~هذا له موضع آخر # PageV01P013 # لكن كون الخلق مفطورين على الإقرار بالخالق أمر دل عليه الكتاب والسنة ~~وهو معروف بدلائل العقول كما قد بسط في مواضع وبين أن الإقرار بالخالق فطري ~~ضروري في جبلات الناس لكن من الناس من فسدت فطرته فاحتاج إلى دواء بمنزلة ~~السفسطة التي تعرض لكثير من الناس في كثير من المعارف الضرورية كما قد بسط ~~في غير هذا الموضع # وهؤلاء يحتاجون إلى النظر وهذا الذي عليه جمهور الناس أن أصل المعرفة قد ~~يقع ضروريا فطريا وقد يحتاج فيه إلى النظر والإستدلال # وكثير من أهل الكلام يقول إنه لا يجوز أن تقع المعرفة ضرورية بل لا تقع ~~إلا بنظر وكسب قالوا لأنها لو وقعت ضرورة لارتفع التكليف والإمتحان ومنهم ~~من ادعى انتفاء ذلك في الواقع وهذا ضعيف لأن الإمتحان والتكليف الذي جاءت ~~به الرسل كان بأن يعبدوا الله وحده لا يشركون به إلى هذا دعا عامة الرسل ~~ومن كان من الناس جاحدا دعوه إلى الإعتراف # PageV01P014 # بالصانع كفرعون ونحوه مع أنه كان في الباطن عارفا وإنما جحد ظلما وعلوا ~~كما قال تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [سورة النمل 14] ~~وقال له موسى لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر [سورة ~~الإسراء 102] # وخاتم الرسل دعا الناس إلى الشهادتين ms006 فقال أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وقال لمعاذ في الحديث الصحيح إنك تأتي قوما أهل كتاب ~~فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم ~~والليلة فإن هم أطاعوا لك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من ~~أغنيائهم فترد في فقرائهم # ولهذا قالت الرسل لقومهم ما أخبر الله تعالى به في قوله عز وجل ألم يأتكم ~~نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم إلى قوله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون [سورة إبراهيم 9 - 11] # PageV01P015 # وأيضا فإن المعارف لا بد أن تنتهي إلى مقدمات ضرورية وهم لا يؤمرون ~~بتحصيل الحاصل بل يؤمرون بالعمل بموجبها وبعلوم أخرى يكتسبونها بها # وأيضا فإن أكثر الناس غافلون عما فطروا عليه من العلم فيذكرون بالعلم ~~الذي فطروا عليه وأصل الإقرار من هذا الباب ولهذا توصف الرسل بأنهم يذكرون ~~ويصف الله تعالى آياته بأنها تذكرة وتبصرة كما في قوله تبصرة وذكرى لكل عبد ~~منيب [سورة ق 8] # فإذا كان من المعارف ما هو ضروري بالاتفاق ولم يكن ذلك مانعا من الأمر ~~والنهي إما بتذكرة وإما بالإستدلال فيؤمر الناس تارة بالتذكرة وتارة ~~بالتبصرة ثم يؤمر الناس أن يقروا بما علموه ويشهدوا به فلا يعاندوه ولا ~~يجحدوه وأكثر الكفار جحدوا ما علموه # والإعتراف بالحق الذي يعلم والشهادة به والخضوع لصاحبه لا بد منه في ~~الإيمان وإبليس وفرعون وغيرهما كفروا للعناد والإستكبار كما ذكر الله تعالى ~~ذلك في كتابه # ولكن الجهمية لما ظنت أن مجرد معرفة القلب هي الإيمان أرادوا أن يجعلوا ~~ذلك مكتسبا وزعموا أن من كفره الشرع كإبليس وفرعون لم يكن في قلبه من ~~الإقرار شيء كما زعموا أنه يمكن أن يقوم بقلب العبد إيمان تام مع كونه ms007 ~~يعادي الله ورسوله ويسب الله ورسوله في الظاهر من غير إكراه # PageV01P016 # ولهذا كفر وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة من قال بقولهم ~~كما هو مبسوط في مواضعه # والمقصود هنا بيان قول من قال من السلف كعكرمة وأبي مالك كل له قانتون أي ~~مقرون له بالعبودية ### | الوجه الرابع القيام يوم القيامة # قال ابن أبي حاتم والوجه الرابع ثم روى بإسناده المعروف عن الربيع بن أنس ~~كل له قانتون قال كل له قائم يوم القيامة ### | الوجه الخامس قول الإخلاص # والخامس ثم روى بإسناده من حديث عبد الله بن المبارك عن شريك عن سالم عن ~~سعيد بن جبير كل له قانتون بقول الإخلاص # قلت وهذا إن أراد به اعترافهم بأنه ربهم وأنهم إذا اضطروا دعوا الله # PageV01P017 # مخلصين له الدين فهو من جنس قول عكرمة وإلا فالإخلاص الذي أمروا به وهو ~~أن يعبدوا الله مخلصين له الدين إنما قام به المؤمنون وهذا إنما يكون على ~~قول من يزعم أن الآية خاصة ولم يذكر ابن أبي حاتم هذا صريحا عن أحد من ~~السلف إلا أن يتأول على ذلك قول ابن عباس أو قول سعيد ### | أقوال المفسرين # هذا ولم يذكر أبو الفرج هذا عن أحد من السلف لم يذكره إلا فيما تقدم عن ~~ابن الأنباري بل قال وللمفسرين في المراد بالقنوت ههنا ثلاثة أقوال أحدها ~~أنه الطاعة قاله ابن عباس وابن جبير ومجاهد وقتادة والثاني الإقرار ~~بالعبادة قاله عكرمة والسدي والثالث القيام قاله الحسن والربيع # قال وفي معنى القيام قولان أحدهما أنه القيام له بالشهادة بالعبودية ~~والثاني أنه القيام بين يديه يوم القيامة # لكن طائفة من المفسرين ذكروا عن المفسرين قولين كالثعلبي والبغوي وغيرهما ~~قالوا واللفظ للبغوي كل له قانتون قال مجاهد وعطاء والسدي مطيعون وقال ~~عكرمة ومقاتل مقرون بالعبودية وقال ابن كيسان قائمون بالشهادة وأصل القنوت ~~القيام قال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة طول القنوت ### | هل القنوت خاص أم عام؟ # قال واختلفوا في حكم الآية فذهب جماعة إلى أن حكم ms008 الآية خاص قال مقاتل هو ~~راجع إلى عزير والمسيح والملائكة وعن ابن عباس أنه قال هو راجع إلى أهل ~~طاعته دون سائر الناس # قال وذهب جماعة إلى أن حكم الآية عام في جميع الخلق لأن لفظ الكل يقتضي ~~الإحاطة بالشيء بحيث لا يشذمنه شيء ثم سلكوا في الكفار طريقين قال مجاهد ~~تسجد ظلالهم لله عز وجل على كره منهم قال تعالى وظلالهم بالغدو # PageV01P018 # والآصال [سورة الرعد 15] وقال السدي هذا يوم القيامة دليله وعنت الوجوه ~~للحي القيوم [سورة طه 111] وقيل قانتون مذللون مسخرون لما خلقوا له ### | تعليق ابن تيمية # قلت من قال بالخصوص فإنه قد ينظر إلى سبب الآية وهو أنهم قالوا اتخذ الله ~~ولدا وهذا إنما قالوه في الملائكة والأنبياء كالمسيح والعزير فبين سبحانه ~~أن الذين قيل فيهم إنه اتخذهم أولادا هم عباد قانتون له كما ذكر في ~~الأنبياء وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول ~~وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ~~وهم من خشيته مشفقون [سورة الأنبياء 26 - 28] فإن الضمير في قوله وقالوا ~~عائد على المشركين وهم إنما قالوا ذلك في الملائكة وأما المسيح وعزير فإنما ~~قال ذلك فيهما أهل الكتاب وسياق الآية يبين ذلك فإنه قال وما خلقنا السماء ~~والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا ~~فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق إلى قوله سبحانه بل ~~عباد مكرمون [سورة الأنبياء 16 - 26] # وقوله تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين وقوله لهوا قد ~~فسر بالولد والمرأة وفسر باللعب فإن هذه الآية نظير قوله وما خلقنا السموات ~~والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق الآية الدخان 38 39 ونظير ~~قوله وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا الآية ~~[سورة ص 27] ونظير قوله وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن ~~الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل [سورة الحجر 85] ومثله قوله تعالى ms009 أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا الآية [سورة المؤمنون 115] # فقوله وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين [سورة الأنبياء 16] # PageV01P019 # فنزه نفسه أن يكون فعله كفعل اللاعب العابث الذي لا يقصد غاية محمودة ~~يريد سوق الوسائل إليها فإن هذا فعل الجاد الذي يجيء بالحق كما قال إبراهيم ~~لما آتاه الله رشده من قبل التوراة والقرآن إذ قال لأبيه وقومه ما هذه ~~التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين إلى قوله أم ~~أنت من اللاعبين قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم ~~من الشاهدين [سورة الأنبياء 52 - 56] فهو لما قال ما قال قالوا جئتنا بالحق ~~أم أنت من اللاعبين الآية 55 فالذي يأتي بالحق خلاف اللاعب فإنه يقصد أن ~~يخبر بصدق ويأمر بما ينفع وهو العدل بخلاف اللاعب العابث فإنه ليس مقصوده ~~هذا بل اللهو واللعب # ولهذا قد يشتم الإنسان على وجه اللعب ويفعل به أفعال منكرة فلا ينكر ذلك ~~كما ينكره من الجاد المحق ولهذا كان عامة اللهو باطلا ليس له منفعة كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم كل لهو يلهو به الرجل لهو باطل إلا رميه بقوسه ~~وتأديبه فرسه وملاعبة امرأته فإنه من الحق فالحق ضد الباطل واللهو باطل ~~ولهذا تنزه سبحانه عن أن يخلقهما باطلا # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين فاللاعب صاحب باطل لا صاحب حق ~~ولهذا لما دخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده الأسود بن سريع ~~ينشده فأسكته مرتين أو ثلاثا قال من هذا الذي تسكتني له قال هذا رجل لا يحب ~~الباطل فإن عمر كان لا يحبه ولا يصبر على صاحبه والنبي # PageV01P020 # صلى الله عليه وسلم كان أحلم وأصبر من عمر فهو أيضا لا يحب الباطل لكنه ~~يصبر ويحتمل منه ما لم يكن محرما ولكن هو لا منفعة فيه لفاعله فإذا فعله ~~احتمله عليه فهذا بيان قول من فسر اللاعب بالعابث وله نظائر # والذين فسروا بالولد والزوجة قالوا ذلك لأن من المشركين من جعل لله ولدا ms010 ~~وصاحبة وقالوا إنه ضاهى الحق وهم يسمون المرأة لهوا والولد لهوا وقال ابن ~~قتيبة أصل اللهو الجماع وكنى عنه باللهو كما كنى عنه بالسر # والنبي صلى الله عليه وسلم قد يجعل ملاعبة الرجل امرأته من اللهو الذي ~~ليس بباطل والرب تعالى منزه عن اللعب مطلقا فإن الذي يلاعب امرأته إنما ~~يفعل ذلك لحاجته إلى المرأة وحكمة ذلك بقاء النسل والله تعالى منزه عن ~~الولادة فتضمنت هذه الآية تنزيهه عن الخلق عبثا لا لحكمة فإن ذلك لعب وعبث ~~وتضمنت تنزيهه عن أن يتخذ ما يلهى به كالمرأة والولد ولهذا بين بعد ذلك أنه ~~إنما خلق ذلك بالحق وأنه منزه عن الأولاد وقال بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه واللهو كله باطل في حق الله تعالى وإن كان بعضه من الحق في حق ~~العباد # وهو سبحانه وتعالى قال لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا فإن ما ~~يلهو به اللاهي يكون عنده لا يكون بعيدا عنه ونحن # PageV01P021 # خلقنا السماوات والأرض وما بينهما فكيف يكون هذا لعبا بل نقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ثم قال وله من في السموات ~~والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار ~~لا يفترون [سورة الأنبياءي 19 - 20] ثم رد على من أشرك به ثم حكى قول ~~المشركين الذين قالوا اتخذ الرحمن ولدا قال سبحانه بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين [سورة الأنبياء 26 - 29] فهذه صفة الملائكة ~~والمسيح والعزير ونحوهما أيضا هم بهذه الصفة فإنهم عباد مكرمون قال تعالى ~~عن المسيح إن هو إلا عبد أنعمنا عليه [سورة الزخرف 59] وقال لن يستنكف ~~المسيح أن يكن عبدا لله ولا الملائكة المقربون [سورة النساء 172] # فلما قال تعالى في البقرة وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في ms011 ~~السموات والأرض كل له قانتون والذين قالوا اتخذ الله ولدا جعله إما من ~~الملائكة وإما من الآدميين كالمسيح والعزير فقوله تعالى كل له قانتون يبين ~~أن هؤلاء الذين قيل فيهم إنهم أولاد هم عباد له مطيعون كما ذكر في الأنبياء ~~وغيرها وكما قال قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا [سورة الإسراء 56 - 57] فبين ~~أن هؤلاء المعبودين هم يعبدون الله تعالى ومثله قوله قل لو كان معه # PageV01P022 # آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا [سورة الإسراء 42] على ~~أصح القولين ### | القنوت عند ابن تيمية عام # فهذا مأخذ من جعل الآية خاصة لكن يقال الآية لفظها عام والعموم مقصود ~~منها كما هو مقصود من قوله سبحانه بل له ما في السموات والأرض ثم قال كل له ~~قانتون فلما كان قوله ما في السموات وما في الأرض عاما تبين أن الجميع ~~مملوك له والمملوك لا يكون ولدا وتبين أيضا أن كلهم له قانتون مطيعون ~~عابدون والعابد المطيع لا يكون إلا مملوكا لا يكون ولدا # وأيضا فإنه قد ذكر القنوت في سورة الروم مجردا عن الولد فقال تعالى ومن ~~آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم ~~تخرجون [سورة الروم 25] ثم قال وله من في السموات والأرض كل له قانتون وهو ~~الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم [سورة الروم 26 - 27] فبين أن له ما في السماوات ~~والأرض وأن كلا له قانتون وتخصيص هذا بمن قيل إنه ولد فاسد ظاهر الفساد ~~وكذلك تخصيصه بالمؤمنين فإن هذا مذكور لبيان عموم الملك والاقتداء وخضوع ~~المخلوقات كلها له فلو خص به المؤمنون لكان ذلك عكس المقصود # وهو مثل قوله أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا ~~وكرها [سورة آل عمران 83] فهو ms012 سبحانه # PageV01P023 # يدعوهم إلى دين الإسلام ويبين أن كل ما في السماوات والأرض مسلم لله إما ~~طوعا وإما كرها وإذا كان لا بد من أحدهما فالإسلام له طوعا هو الذي ينفع ~~العبد فلا يجوز أن يتخذ غير هذا الدين دينا فإنه ذكر هذا في تقرير أن كل ~~دين سوى الإسلام باطل فقال أفغير دين الله يبغون وذكر بعد ذلك ما يصير به ~~العبد مسلما مؤمنا فقال قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين [سورة آل عمران 84 - 85] ذكر عبادة الله وحده ~~والإيمان برسله كلهم كما ذكر في سورة البقرة قال أبو العالية قوله فوربك ~~لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون [سورة الحجر 92 - 93] قال خصلتان يسأل ~~عنهما كل أحد ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين وكذلك ذكر سجود من في ~~السماوات والأرض له طوعا وكرها والسجود هو الخضوع وهو القنوت # وأيضا فإذا كانت الصيغة عامة لم يجز أن يراد بها الخصوص إلا مع ما يبين ~~ذلك فأما إذا جردت عن المخصصات فإنها لا تكون إلا عامة والآية عامة عموما ~~مجردا بل مؤكدا بما يدل على العموم وأما تخصيص المؤمنين فهذا يكون إذا ~~مدحوا بذلك أو ذكر جزاء الآخرة وليس المقصود هنا مدح المؤمنين بطاعته وإنما ~~المقصود بيان قدرته وملكه وخضوع كل شيء له وأنه مع هذا وهذا يمتنع أن يكون ~~له ولد مع خضوع كل شيء له وقنوته له ويقال في الركوع من التسبيح المأثور ~~فيه سبحان من تواضع كل شيء لعظمته سبحان من ذل كل شيء لعزته سبحان من ~~استسلم كل شيء لقدرته # PageV01P024 ### | أنواع القنوت الذي يعم المخلوقات # وعلى هذا فالقنوت الذي يعم المخلوقات أنواع ### | الأول # أحدها طاعة كل شيء لمشيئته وقدرته وخلقه فإنه لا يخرج شيء عن مشيئته ~~وقدرته وملكه بل هو مدبر معبد مربوب ms013 مقهور ولو تخيل إليه في نفسه أنه لا رب ~~له وأنه يقدر أن يخرج عن ملك الرب فهذا من جنس ما يتخيل للسكران والنائم ~~المأسور المقهور والمجنون المربوط بالأقياد والسلاسل بل نفوذ مشيئته الرب ~~وقدرته في المستكبرين عن عبادته أعظم من فوذ أمر الآسر في أسيره والسيد في ~~مملوكه وقيم المارستان في المجنون بكثير كثير # وهذا متوجه على قول أهل السنة الذين يقولون لا يكون في ملكه إلا ما يشاء ~~فليس لأحد خروج عن القدر المقدور ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور ~~بخلاف قول القدرية فإن العصاة على قولهم خرجوا عن مشيئة وقدرته وحكمه ~~وسلطانه وخلقه فليسوا قانتين لا لأمره الشرعي ولا لأمره القدري الكوني وأما ~~أهل السنة فيقولون إنهم قانتون لمشيئته وحكمه وأمره الكوني كما تقدم # وعلى هذا الوجه فالقانت قد لا يشعر بقنوته فإن المراد بقنوته كونه مدبرا ~~مصرفا تحت مشيئة الرب من غير امتناع منه بوجه من الوجوه وهذا شامل للجمادات ~~والحيوانات وكل شيء قال تعالى ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها [سورة هود ~~56] وقال تعالى فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون [سورة يس 83] ### | الثاني # النوع الثاني من القنوت هو ما يشعر به القانت وهو اعترافهم كلهم بأنهم ~~مخلوقون مربوبون وأنه ربهم كما تقدم ### | الثالث # الثالث أنهم يضطرون إليه وقت حوائجهم فيسألونه ويخضعون له وإن كانوا إذا ~~أجابهم أعرضوا عنه قال الله تعالى وإذا مس الإنسان الضر # PageV01P025 # دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه صره مر كأن لم يدعنا إلى ~~ضر مسه [سورة يونس 12] وقال تعالى وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا [سورة الإسراء 67] وهو ~~أخبر أنهم كلهم قانتون فإذا قنتوا له فدعوه وتضرعوا إليه عند حاجتهم كانوا ~~قانتين له وإن كان إذا كشف الضر عنهم نسوا ما كانوا يدعون إليه وجعلوا له ~~أندادا ### | الرابع # الرابع أنهم كلهم لا بد لهم من القنوت والطاعة في كثير من أوامره ms014 وإن ~~عصوه في البعض وإن كانوا لا يقصدون بذلك طاعته بل يسلمون له ويسجدون طوعا ~~وكرها وذلك أنه أرسل الرسل وأنزل الكتب بالعدل فلا صلاح لأهل الأرض في شيء ~~من أمورهم إلا به ولا يستطيع أحد أن يعيش في العالم مع خروجه عن جميع ~~أنواعه بل لا بد من دخوله في شيء من أنواع العدل حتى قطاع الطريق لا بد لهم ~~فيما بينهم من قانون يتفقون عليه ولو أراد واحد منهم أن يأخذ المال كله لم ~~يمكنوه وأظلم الناس وأقدرهم لا يمكنه فعل كل ما يريد بل لا بد من أعوان ~~يريد أرضاءهم ومن أعداء يخاف تسلطهم ففي قلبه رغبة ورهبة تلجئه إلى أن ~~يلتزم من العدل الذي أمر الله تعالى به ما لا يريده فيسلم لله ويقنت له وإن ~~كان كارها وهو سبحانه قال كل له قانتون والقنوت العام يراد به الخضوع ~~والإستسلام والإنقياد وإن كان في الابطن كارها كطاعة المنافقين هم خاضعون ~~للمؤمنين مطيعون لهم في الظاهر وإن كانوا يكرهون هذه الطاعة ### | الخامس # الخامس خضوعهم لجزائه لهم في الدنيا والآخرة كما ذكر من ذكر أنهم قانتون ~~يوم القيامة وهو سبحانه قد يجزي الناس في الدنيا فيهلكهم وينتقم منهم # PageV01P026 # كما أهلك قوم نوح وعادا وثمود وفرعون فكانوا خاضعين منقادين لجزائه ~~وعقابه قانتين له كرها # والجزاء يكون في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة وهو سبحانه قائم على كل ~~نفس بما كسبت وهو قائم بالقسط والجميع مستسلمون لحكمه قانتون له في جزائهم ~~على أعمالهم والمصائب التي يصيبهم في الدنيا جزاء لهم قال تعالى وما أصابكم ~~من مصيبة فبما كسبت أيديكم [سورة الشورى 30] وقال تعالى ما أصابك من حسن ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك [سورة النساء 79] # فهذه خمسة أنواع قنوتهم لخلقه وحكمه وأمره قدرا واعترافهم بربوبيته ~~واضطراهم إلى مسألته والرغبة إليه ودخولهم فيما يأمر به وإن كانوا كارهين ~~وجزاؤهم على أعماله ودخولهم فيما يأمر به مع الكراهة يدخل فيه المنافق ~~والمعطي للجزية عن يد وهو ساغر والذي يسلم أولا ms015 رغبة ورهبة فالقنوت شامل ~~داخل للجميع لكن المؤمن يقنت له طوعا وغيره يقنت له كرها قال الله تعالى ~~ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها [سورة الرعد 15] ### | فصل ### | الكلام عن السجود # والسجود من جنس القنوت فإن السجود الشامل لجميع المخلوقات هو المتضمن ~~لغاية الخضوع والذل وكل مخلوق فقد تواضع لعظمته وذل لعزته واستسلم لقدرته ~~ولا يجب أن يكون سجود كل شيء مثل سجود الإنسان على سبعة أعضاء ووضع جبهة في ~~رأس مدور على التراب فإن هذا سجود مخصوص من الإنسان ومن الأمم من يركع ولا ~~يسجد وذلك سجودها # PageV01P027 # كما قال تعالى ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة [سورة البقرة 58] وإنما قيل ~~ادخلوه ركعا ومنهم من يسجد على جنب كاليهود فالسجود اسم جنس ولكن لما شاع ~~سجود الآدميين المسلمين صار كثير من الناس يظن أن هذا هو سجود كل أحد كما ~~في لفظ القنوت # وكذلك لفظ الصلاة لما كان المسلمون يصلون الصلاة المعروفة صار يظن من يظن ~~أن كل من صلى فهكذا يصلي حتى صار بعض أهل الكتاب ينفرون من قولنا إن الله ~~يصلي وينزهونه عن ذلك فإنهم لم يعرفوا من لفظ الصلاة إلا دعاء المصلي لغيره ~~وخضوعه له ولا ريب أن الله منزه عن ذلك لكن ليست هذه صلاته سبحانه وقد قال ~~الله تعالى ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل ~~قد علم صلاته وتسبيحه [سورة النور 41] # وهو سبحانه قد ذكر سجود الظل في غير موضع كقوله أولم يروا إلى ما خلق ~~الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون [سورة ~~النحل 48] وقال تعالى ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم ~~بالغدو والآصال [سورة الرعد 15] ومعلوم أن الظل إذا سجد لم يسجد على سبعة ~~أعضاء يضع رأسه ويديه ثم يرفع رأسه ويديه بل سجوده ذله وخضوعه ### | تفسير قوله تعالى: {وادخلوا الباب سجدا} الآية # وقد سمى الله تعالى المنحني ساجدا وإن لم يصل إلى الأرض في قوله وإذ قلنا ms016 ~~ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ~~نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين [سورة البقرة 58] وفي الأعراف وإذ قيل ~~لهم اسكنوا هذه # PageV01P028 # القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم ~~خطيئاتكم سنزيد المحسنين [سورة الأعراف 161] فهنا لما أمرهم بالسكنى وهي ~~المقام قال وكلوا منها حيث شئتم ولم يحتج أن يقال رغدا فإن الساكن المقيم ~~مطمئن وهناك قال ادخلوا هذه القرية قال فكلوا منها حيث شئتم رغدا فبين أنهم ~~يأكلون رغدا فيتهنون لا يخافون الخروج وبسط الكلام في البقرة وذكر الدخول ~~لأنه قبل السكنى ولهذا قال رغدا وقال وسنزيد وقال فبدل الذين ظلموا قولا ~~غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ~~[سورة البقرة 59] # وقدم السجود لأنه أهم وقد اختلفوا في هذا السجود فقيل هو الركوع كما روى ~~ابن أبي حاتم من وجهين ثابتين عن سفيان الثوري عن الأعمش عن المنهال عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ادخلوا الباب سجدا قال ركعا من باب صغير ~~فدخلوا من قبل أستاههم وقالوا حنطة وقيل بل هو السجود بالأرض ثم قيل ما ~~رواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال سجدا قال كان سجود أحدهم على خده ~~وروى عن وهب بن منبه قال إذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله فكأن صاحب هذا القول ~~جعل السجود بعد الدخول ومن قال بهذا أو قال بأنهم أمروا بالركوع فهو يقول ~~دخولهم وهم سجد بالأرض فيه # PageV01P029 # صعوبة وقد يؤذي أحدهم ولكن هو ممكن فإن الإنسان يمكنه حال السجود أن يزحف ~~إذا كانت الأرض لا تؤذيه # وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم ادخلوا ~~الباب سجدا وقولوا حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم ويقولون حبة في شعرة # فهذا هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال ابن عباس وابن مسعود ~~وغيرهما في ذلك أقوالا تخالف هذا فقال خصيف عن عكرمة عن ابن عباس ms017 فدخلوا ~~على شق وروى السدي عن أبي سعد الأزدي عن أبي الكنود عن ابن مسعود فدخلوا ~~مقنعي رؤوسهم # قال ابن أبي حاتم اختلف التابعون فروى عن مجاهد نحو قول عكرمة عن ابن ~~عباس وروى عن السدي نحو ما روى عن ابن مسعود وعن مقاتل أنهم دخلوا منكفئين ~~وأما القول فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا حبة في شعره ~~وإذا ثقبت الحبة وأدخلت فيها الشعرة فإنه يقال حبة في # PageV01P030 # شعرة ويقال شعرة في حبة وهذا معنى ما رواه السدي عن مرة عن ابن مسعود أنه ~~قال إنهم قالوا هطى سمقاثا أزبه مزبا وهي بالعربية حبة حنطة حمراء مثقوبة ~~فيها شعرة سوداء فذلك قوله تعالى فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ~~وكذلك رواه السدي عن أبي سعد الأزدي عن أبي الكنود عن ابن مسعود وهذا موافق ~~لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~تكلم بالعربية وهذا اللفظ أخذه ابن مسعود عن أهل الكتاب وهذا أصح من قول ~~ابن عباس أنهم قالوا حنطة مع أن هذا مروي عن غير واحد # قال ابن أبي حاتم وروى عن مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة والضحاك والحسن ~~والربيع ويحيى بن رافع نحو ذلك لكن قد يقال الحبة هي الحنطة وهم لم يقولوا ~~بالعربية بل بلسانهم وهم إذا قالوا بلسانهم ما معناه حبة حنطة جاز أن يقال ~~حنطة وحديث ابن مسعود وقد ذكر أنهم قالوا حبة حنطة فلا يكون في القول خلاف # وأبو الفرج ذكر خمسة أقوال وهي ترجع إلى هذا ذكر الحديث المرفوع والثاني ~~حنطة والثالث أنهم قالوا حبة حنطة حمراء فيها شعرة سوداء قاله ابن مسعود ~~والرابع كذلك إلا أنهم قالوا مثقوبة قاله السدي عن أشياخه # قلت كلاهما رواه السدي عن ابن مسعود وهما قول واحد # قال والخامس أنهم قالوا استقلابا قاله أبو صالح # PageV01P031 # قلت هذا الذي ذكره ابن مسعود بلسانهم سمقاثا وقد فسره بذلك # قال الأقوال كلها واحدة بخلاف صفة الدخول فإن ms018 الثابت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم وفي لفظ على أوراكهم والمعنى واحد ~~وما نقل خلاف هذا فإنما أخذ عن أهل الكتاب وقد كان يؤخذ عنهم الحق والباطل ~~وقول ابن مسعود مقنعي رؤوسهم لا يناقض الزحف على أستاههم وابن عباس قال ~~يزحفون على أستاههم كالمرفوع وقال قيل ادخلوا ركعا فلو جزمنا أن هذا مأخوذ ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم لجزمنا بأن الله أمرهم بالركوع لكن ظاهر ~~القرآن هو السجود والسجود المطلق هو السجود المعروف وكون الباب جعل صغيرا ~~إنما يكون لمن يكره على الدخول منه ليحتاج أن ينحني وهؤلاء قصدت طاعتهم ~~فأمروا بالخضوع لله والإستغفار فدخولهم سجدا هو خضوع لله وقولهم حطه أي ~~احطط عنا خطايانا هو استغفارهم كما أخبر الله تعالى أن داود خر راكعا وأناب ~~وكما شرع للمسلمين أن يستغفروا في سجودهم # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده اللهم ~~اغفر لي ذنبي كله دقه وجله أوله وآخره علانيته وسره وكان أيضا يقول اللهم ~~إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء ~~عليك أنت كما اثنيت على نفسك وكان يقول في # PageV01P032 # ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن وثبت ~~في الصحيح لمسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أقرب ما ~~يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء وفي الصحيح أيضا لمسلم عن ابن ~~عباس قال كشف النبي صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر ~~فقال يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها ~~المسلم أو ترى له ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع ~~فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم # ففي هذين الحديثن أنه خص السجود بالأمر بالدعاء فيه ولهذا كان من أهل ~~العلم من يكره الدعا ءفي الركوع دون السجود # وحنيئذ ms019 فأمرهم بالإستغفار وقولهم حطة في السجود أشبه فلم يثبت لنا إلى ~~الآن أن الركوع يسمى سجودا بخلاف العكس فإنه قال في حق داود وخر راكعا ~~وأناب [سورة ص 24] وقد ثبت بالنص الصحيح واتفاق الناس أن داود سجد كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا وفي صحيح مسلم ~~عنه عن ابن عباس قال نبيكم ممن أمر أن يقتدى به سجدها داود فسجدها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفي صحيح # PageV01P033 # مسلم عنه أيضا قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها وفي ~~الترمذي وغيره عن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت الشجرة ~~لسجودي فسمعتها وهي تقول اللهم اكتب لي بها عندك أجرا وضع عني بها وزرا ~~واجعلها لي عندك ذخرا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود فقرأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم سجدة ص ثم سجد فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل من قول ~~الشجرة # والآثار عن السلف متواترة بأن داود سجد فكل ساجد راكع وليس كل راكع ساجد ~~فإنه إذا سجد من قيام انحنى انحناء الراكع وزاد فإنه يصير ساجدا ولو صلى ~~قاعدا أيضا انحنى انحناء الركوع وزاد فإنه يصير ساجدا فالساجد راكع وزيادة ~~فلهذا جاز أن يسمى راكعا وأن يجعل الركوع نوعين ركوعا خفيفا وركوعا تاما ~~فالقيام هو السجود بخلاف لفظ السجود فإنه إنما يستعمل في غاية الذل والخضوع ~~وهذه حال الساجد لا الراكع # PageV01P034 # لكن ليس من شرط السجود مطلقا أن يصل إلى الأرض فقد ثبت في الأحاديث أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت به ويوتر ~~عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة # وقد اتفق المسلمون على أن المسافر الراكب يتطوع على راحلته ويجعل سجوده ~~أخفض من ركوعه وإن كان لا يسجد على مستقر وكذلك الخائف قال تعالى وإن خفتم ~~فرجالا أو ms020 ركبانا [سورة البقرة 239] يصلي إلى القبلة وإلى غير القبلة ~~ويومىء بالركوع والسجود ولا يصل إلى الأرض # فعلم أن الهيئة المأمور بها في السجود على الأرض وعلى سبعة أعضاء هي أكمل ~~سجود ابن آدم وله سجود لا يسجد فيه على الأرض ولا على سبعة بل يخفض فيه ~~رأسه أكثر من خفض الركوع ولهذا كان عند جمهور العلماء لو ركع في سجود ~~التلاوة بدلا عن السجود لم يجزه ولكن إذا كانت السجدة في آخر السورة فله أن ~~يفعل كما ذكره ابن مسعود أنه يكتفي بسجود الصلاة فإنه ليس بينه وبينه إلا ~~الركوع وهذا ظاهر مذهب أحمد ومذهب أبي حنيفة وغيرهما لكن قيل إنه جعل ~~الركوع مكان السجود والصحيح أنه إنما جعل سجود الصلاة هو المجزىء كما لو ~~قرأ فإن الركوع عمل فيه فلم يجعل فصلا لا سيما وهو مقدمة للسجود ومن الناس ~~من قال في قصة داود إنه خر ساجدا بعد ما كان راكعا وذكر أن الحسين بن الفضل ~~قال لأبي عبد الله بن طاهر عن قوله وخر راكعا [سورة ص 24] هل يقال للراكع ~~خر قال لا ومعناه فخر بعد ما كان راكعا أي سجد # PageV01P035 # وهذا قول ضعيف والقرآن إنما فيه وخر راكعا لم يقل خر بعد ما كان راكعا ~~ولا كان داود حين تحاكموا إليه راكعا بل كان قاعدا معتدلا أو قائما فخر ~~ساجدا وسؤال ابن طاهر إنما يتوجه إذا أريد بالركوع انحناء القائم كركوع ~~الصلاة وهذا لا يقال فيه خر # والمراد هنا السجود بالسنة واتفاق العلماء فالمراد خر ساجدا وسماه ركوعا ~~لأن كل ساجد راكع لا سيما إذا كان قائما وسجود التلاوة من قيام أفضل ولعل ~~داود سجد من قيام وقيل خر راكعا ليبين أن سجوده كان من قيام وهو أكمل ولفظ ~~خر يدل على أنه وصل إلى الأرض فجمع له معنى السجود والركوع والسجود عبادة ~~تفعل مجردة عن الصلاة وكسجود الشجرة وسجود داود وسجود التلاوة والشكر وسجود ~~الآيات وغير ذلك وهل يشترط له شروط الصلاة على قولين كما قد ms021 بسط في غير هذا ~~الموضع # وقد ثبت في الصحيحين عن أبي ذر أنه قال كنت في المسجد حين وجبت الشمس ~~فقال يا أبا ذر تدري أين تذهب الشمس قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب ~~حتى تسجد بين يدي الله عز وجل فتستأذن في الرجوع فليؤذن لها وكأنها قد قيل ~~لها ارجعي من حيث جئت فترجع إلى مطلعها فذلك مستقرها ثم قرأ والشمس تجري ~~لمستقر لها [سورة يس 38] # PageV01P036 # فقد أخبر في هذا الحديث الصحيح بسجود الشمس إذا غربت واستئذانها وكذلك ~~قال أبو العالية وغيره قال أبو العالية ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر ~~إلا يقع ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حت يرجع ~~إلى مطلعه ومعلوم أن الشمس لا تزال في الفلك كما اخبر الله تعالى بقوله وهو ~~الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون [سورة الأنبياء 33] ~~فهي لا تزال تسبح في الفلك وهي تسجد لله وتستأذنه كل ليلة كما أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فهي تسجد سجودا يناسبها وتخضع له وتخشع كما يخضع ويخشع ~~كل ساجد من الملائكة والجن والإنس # وكذلك قوله فما بكت عليهم السماء والأرض [سورة الدخان 29] بكاء كل شيء ~~بحسبه قد يكون خشية لله وقد يكون حزنا على فراق المؤمن # روى ابن أبي حاتم عن ابن وهب أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال قال ~~عمرو يعني ابن دينار إني ليلة أطوف بالبيت إذ سمعت حنين رجل بين الأستار ~~والكعبة وبكاءه وتضرعه فوقفت لأعرفه فذهب ليل وجاء ليل وهو كذلك حتى كاد ~~يسفر فانكشف الستور عنه فإذا هو طاووس رضي الله عنه فقال من هذا عمرو قلت ~~نعم أمتع الله بك قال متى وقفت ههنا قال قلت منذ طويل قال ما أوقفك قلت ~~سمعت بكاءك فقال أعجبك بكائي قلت نعم قال وطلع القمر في حرف أبي قبيس قال ~~ورب هذه البنية إن هذا القمر ليبكي من # PageV01P037 # خشية الله ولا ذنب له ولا يسأل ms022 عما عمل ولا يجازى به فعجبت أن بكيت من ~~خشية الله وأنا صاحب الذنوب وهذا القمر يبكي من خشية الله وقرأ ابن زيد ألم ~~تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم ~~والجبال والشجر والدواب [سورة الحج 18] قال فلم يستثن من هؤلاء أحدا حتى ~~جاء ابن آدم استثناه فقال وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب [سورة الحج ~~18] قال والذي كان هو أحق بالشكر هو أكفرهم ثم قرأ ومن الجبال جدد بيض وحمر ~~مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء [سورة فاطر 27 - 29] قال وكذلك اختلفوا في ~~دينهم كما اختلف الأولون ### | السجود في اللغة # ولفظ السجود يتسعمل في اللغة لخضوع الجامدات وغيرها كالبيت المعروف # بجيش تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجدا للحوافر # PageV01P038 # قال ابن قتيبة حجراته جوانبه يريد أن حوافر الخيل قد بلغت الأكم ووطئتها ~~حتى خشعت وانخفضت # قال ابن عطية في قوله يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل [سورة النحل 48] ~~وقالت فرقة منهم الطبري عبر عن الخضوع والطاعة وميلان الظلال ودورانها ~~بالسجود كما يقال للمشير برأسه نحو الأرض على وجه الخضوع ساجد ومنه قول ~~الشاعر # وكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما سجدت نصرانة لم تحنف ### | ### | فصل # # وإذا كان كذلك فالله سبحانه ذكر في الرعد قوله ولله يسجد من في السموات ~~والأرض طوعا وكرها [سورة الرعد 15] فعم في هذه الآية ولم يستثن وقسم السجود ~~إلى طوع وكره وقال في الحج ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في ~~الأرض والشمس والقمر والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ~~[سورة الحج 18] # وفي هذا الكثير قولان أحدهما أنه لم يسجد فلهذا حق عليه العذاب كما تقدم ~~عن طاووس وهو قول الفراء وغيره والثاني أنه سجد وحق عليه العذاب فإنه ليس ~~هو السجود المأمور به # PageV01P039 # قال أبو الفرج وفي قوله وكثير حق عليه العذاب قولان أحدهما أنهم الكفار ~~وهم يسجدون وسجودهم ms023 سجود ظلهم قاله مقاتل والثاني أنهم لا يسجدون والمعنى ~~وكثير من الناس أبى السجود ويحق عليه العذاب لتركه السجود هذا قول الفراء # قلت ذا قول الأكثرين وقد ذكر البغوي في قوله ألم تر أن الله يسجد له من ~~في السموات ومن في الأرض الآية قال قال مجاهد سجودها تحول ظلالها وقال أبو ~~العالية ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع ساجدا حين يغيب ثم لا ~~ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه قال وقيل سجودها ~~بمعنى الطاعة فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله خاشع له مسبح له كما أخبر ~~الله عز وجل عن السماوات والأرض قالتا أتينا طائعين [سورة فصلت 11] وقال في ~~وصف الحجارة وإن منها لما يهبط من خشية الله [سورة البقرة 74] وإن من شيء ~~إلا يسبح بحمده ولكن لا يتفقهون تسبيحهم [سورة الإسراء 44] # قال وهذا مذهب حسن موافق لقول أهل السنة # قلت قد تقدم قول الطبري وغيره بهذا القول فإذا كان السجود في هذه الآية ~~لس عاما وهو هناك عام كان السجود المطلق هو سجود الطوع فهذه المذكورات تسجد ~~تطوعا هي وكثير من الناس والكثير الذي حق عليه العذاب إنما يسجد كرها ~~وحينئذ فالكثير الذي حق عليه العذاب لم يقل فيه إنه يسجد ولا نفى عنه كل ~~سجود بل تخصيص من سواه بالذكر يدل # PageV01P040 # على أنه ليس مثله وحينئذ فإذا لم يسجد طائعا حصل فائدة التخصيص وهو مع ~~ذلك يسجد كارها فكلا القولين صحيح وكذلك قال طائفة من المفسرين واللفظ ~~للبغوي قالوا وكثير حق عليه العذاب بكفرهم وتركهم السجود وهم مع كفرهم تسجد ~~ظلالهم لله تعالى # وقال في [سورة النحل أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن ~~اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض ~~من دابة والملائكة وهم لا يستكبرن يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ~~سورة النحل 48 - 50] قال فلفظ دابة إن لم يتناول بني آدم ms024 فالإبل تسجد طوعا ~~وإن تناول بني آدم فسجودهم طوعا وكرها ### | فصل # والذين فسروا السجود بالخضوع والإنقياد لهم في سجودها قولان أحدهما أنه ~~كونها مصنوعة مخلوقة منقادة لمشيئة الله واختياره كما قالوا في تسبيحها مثل ~~ذلك وأنه شهادتها ودلالتها على الخالق قال أبو الفرج في قوله ولله يسجد من ~~في السموات والأرض [سورة الرعد 15] الساجدون على ضربين أحدهما من يعقل ~~فسجوده عبادة والثاني من لا يعقل فسجوده بيان أثر الصنعة فيه والخضوع الذي ~~يدل على أنه مخلوق هذا قول جماعة من العلماء واحتجوا بالبيت المتقدم # * ترى الأكم فيه سجدا للحوافر * # قال وأما الشمس والقمر والكواكب فألحقها جماعة بمن يعقل قال # PageV01P041 # أبو العالية سجودها حقيقة ما منها غارب إلا خر ساجدا بين يدي الله عز وجل ~~ثم لا ينصرف حتى يؤذن له قال ويشهد لقول أبي العاليه حديث أبي ذر وذكره قال ~~وأما النبات والشجر فلا يخلو سجوده من أربعة أشياء أحدها أن يكون سجودا لا ~~نعلمه وهذا إذا قلنا بردعه فيهما والثاني أنه تفيؤ ظلاله والثالث بيان ~~الصنعة فيه والرابع الإنقياد لما سخر له # قلت الثالث والرابع من نمط واحد وهو كالمتقدم وأما السجود الذي لا نعلمه ~~فهو كما ذكره البغوي وقال البغوي أيضا في قوله وإن منها لما يهبط من خشية ~~الله [سورة البقرة 74] فإن قيل الحجر لا يفهم فكيف يخشى قيل الله يفهمها ~~ويلهمها فتخشى بإلهامه قال ومذهب أهل السنة أن لله علما في الجمادات وسائر ~~الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره ولها صلاة وتسبيح وخشية كما قال عز ~~وجل وإن من شيء إلا يسبح بحمده وقال تعالى والطير صافات كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه وقال ألم ترأن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم الآية فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله تعالى ~~وذكر الحديث الصحيح عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني ~~لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن ms025 وذكر حديث حنين ~~الجذع وطرقه صحاح مشهورة وروى عن السدي # PageV01P042 # عن أبي عباد بن أبي يزيد عن علي قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمكة فخرجنا في نواحيها خارجا من مكة بين الجبال والشجر فلم يمر بشجرة ولا ~~جبل إلا قال السلام عليك يا رسول الله وقال قال مجاهد لا ينزل حجر من أعلى ~~إلى أسفل إلا من خشية الله ويشهد لما قلنا قوله تعالى لو أنزلنا هذا القرآن ~~على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله [سورة الحشر 21] # قلت وأما تفسير سجودها وتسبيحها بنفوذ مشيئة الرب وقدرته فيهما ودلالتها ~~على الصانع فقط فالإقتصار على هذا باطل فإن هذا وصف لازم دائم لها لا يكون ~~في وقت دون وقت وهو مثل كونها مخلوقة محتاجة فقيرة إلى الله تعالى وعلى هذا ~~فالمخلوقات كلها لا تزال ساجدة مسبحة وليس المراد هذا فإنه قال تعالى إنا ~~سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق [سورة ص 18] وقال والطير محشورة كل ~~له أواب [سورة ص 19] وقال كل قد علم صلاته وتسبيحه [سورة النور 41] فقد ~~أخبر سبحانه وتعالى عنه أنه يعلم ذلك ودلالتها على الرب يعلمه عموم الناس # وأيضا فقد أخبر الله تعالى في القرآن من كلام الهدهد والنمل وأن سليمان # PageV01P043 # علم منطق الطير بما يدل على الإختصاص وهذا في الحيوان # وأيضا فإنه جعل الجميع يسجد ثم قال وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ~~[سورة الحج 18] وهذا المعنى يشترك فيه جميع المخلوقات دائما وهو وصف لازم ~~لكل مخلوق لا يزال مفتقرا إلى الخالق ولا يزال دالا عليه ولا يزال منقادا ~~لما يشاء الرب # وأيضا فإنه قسم السجود إلى طوع وكره وانفعالها لمشيئة الرب وقدرته لا ~~ينقسم إلى طوع وكره ولا يوصف ذلك بطوع منها ولا كره فإن دليل فعل الرب فيها ~~ليس هو فعل منها ألبتة # والقرآن يدل على أن السجود والتسبيح أفعال لهذه المخلوقات وكون الرب ~~خالقا لها إنما هو كونها مخلوقة للرب ليس فيه نسبة أمر إليها يبين ذلك أنه ~~خص ms026 الظل بالسجود بالغدو والآصال والظل متى كان وحيث كان مخلوق مربوب والله ~~تعالى جعل الظلمات والنور والقول الذي ذكره البغوي أقرب من القول الذي ذكره ~~أبو الفرج وهو سبحانه تارة يجعلها آيات له وتارة يجعلها ساجدة مسبحة وهذا ~~نوع غير هذا # وعلى هذا القول الجميع واحد ليس في كونها ساجدة مسبحة إلا كونها آية دالة ~~وشاهدة للخالق تعالى بصفاته لكونها مفعولة له وهذا معنى ثابت في المخلوقات ~~كلها لازم لها وهي آيات للرب بهذا الإعتبار وهي شواهد ودلائل وآيات بهذا ~~الإعتبار لكن ذاك معنى آخر كما يفرق بين كون الإنسان مخلوقا وبين كونه ~~عابدا لله فهذا غير هذا هذا يتعلق بربوبية الرب له وهذا يتعلق بتألهه ~~وعبادته للرب # والبيت الذي استشهدوا به وهو قوله # * ترى الأكم فيها سجدا للحوافر * # PageV01P044 # فإنما ذكر سجود الأكم للحوافر وذلك خضوعها وانخفاضها لها فهذا خضوع جماد ~~لجماد ولا يلزم أن يكون سائر أنواع الخضوع مثل هذا وإنما يشترك في نوع ~~الخضوع وليس خضوع المخلوقات للخالق مثل هذا وإن قيل هو انفعالها لمشيئته ~~وقدرته بل ذاك نوع أبلغ من هذا فلا يجب أن يكون سجودها بغير خضوع منها ~~وطاعة ولكن هذا البيت يقتضي أنه لا يجب أن يكون سجود كل شيء وضعه رأسه ~~بالأرض وهذا حق بل هو خضوع للرب يناسب حاله وقد قيل لسهل بن عبد الله أيسجد ~~القلب قال نعم سجدة لا يرفع رأسه منها أبدا وأهل الجنة في الجنة قد ألهموا ~~التسبيح كما ألهموا النفس في الدنيا وكما يلهم أهل الدنيا النفس وهم خاضعون ~~للرب مطيعون له وليس هناك سجود بوضع رأس في الأرض فهذا أمر به في الدنيا ~~لحاجة النفس إليه في خضوعها لله تعالى فلا تكون خاضعة إلا به بخلاف حالها ~~في الجنة فإنها قد زكت وصلحت # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما # PageV01P045 ### | رسالة في لفظ السنة في القرآن # PageV01P047 # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين وعليه التكلان # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ms027 محمد وآله أجمعين وسلم ~~تسليما أما بعد فهذا ### | فصل ### | لفظ السنن في مواضع من القرآن # اعلم أنه قد ذكر الله تعالى لفظ سننه في مواضع من كتابه فقال تعالى سنة ~~من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا [سورة الإسراء 77] وقال ~~تعالى ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا [سورة الأحزاب 38] وقال تعالى في آخر السورة ~~ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ~~ولن تجد لسنة الله تبديلا [سورة الأحزاب 61 - 62] # وقال فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة ~~الله تحويلا [سورة فاطر 43] # وقال سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون [سورة غافر 85] # وقال ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ~~سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [سورة الفتح 22 - ~~23] # PageV01P049 # وقال تعالى قد خلت من قبلكم سنن [سورة آل عمران 137] # وقال تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا ~~أن تأتيهم سنة الأولين [سورة الكهف 55] ### | سنته نصرة أوليائه وإهانة أعدائه # فهذه كلها تتعلق بأوليائه كمطيعيه وعصاته كالمؤمنين والكافرين فسنته في ~~هؤلاء إكرامهم وسنته في هؤلاء إهانتهم وعقوبتهم ### | الآية ### | الأولى # # فأما الأولى فإنها تتعلق بالرسل لأنه لا حرج عليهم فيما فرض الله تعالى ~~لهم وهذا كقوله تعالى قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [سورة التحريم 2] ~~والمفروض هنا مباح مقدر محدود مثل إباحة زوجة المتبنى بعد أن قضى منها وطرا ~~وطلقها لا بأن تؤخذ منه بغير اختياره وقد قال تعالى وقد علمنا ما فرضنا ~~عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم [سورة الأحزاب 50] أي أوحينا وحرمنا قبل # وهنا المراد به سنته في رسله أنه أباح لهم الأزواج وغيرها كما قال ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية [سورة الرعد 38] وأنه لا حرج ~~عليهم ms028 في ذلك فلم يكن محمد صلى الله عليه وسلم بدعا من الرسل ولم يقل هنا ~~ولن تجد لسنتنا تبديلا فإنه لا نبي بعد محمد ### | الأربعة البواقي: # والأربعة البواقي تتضمن عقوبة الكفار والمنافقين فالأولى قوله # PageV01P050 ### | الأولى # إنهم لو استفزوه فأخرجوه لم يلبثوا خلفه إلا قليلا كسنة من أرسل قبله من ~~الرسل فإما أن يقال وقع هذا الإخراج بالهجرة ولم يلبثوا خلفه إلا قليلا وهو ~~ما أصابهم يوم بدر وإما أن يقال لم يقع ### | الثانية # والثانية قوله لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض الآية [سورة ~~الأحزاب 60] كما أصاب من قبلهم من أهل الكتاب فإن الله أخرجهم فإن لم ينته ~~غي هؤلاء بل أظهروا الكفر كما أظهره أولئك أخرجناهم كما أخرجناهم بخلاف ما ~~إذا كتموه # وهذه السنه تتضمن أن كل من جاور الرسول صلى الله عليه وسلم متى أظهر ~~مخالفته مكن الله الرسول من إخراجه وهذه في أهل العمد والمنافقين وقد يقال ~~هي لهم مع المؤمنين أبدا ### | الثالثة # والثالثة في أهل المكر السيء وأن سنة الله أن ينصر رسله والذين آمنوا على ~~أعدائهم وينتقم منهم وقال هنا فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله ~~تحويلا ### | الرابعة # والرابعة في حال الكفار مع المؤمنين # PageV01P051 ### | السنن المتعلقة بالأمور الطبيعية ينقضها الله إذا شاء # وهذه السنن كلها سنن تتعلق بدينه وأمره ونهيه ووعده ووعيده وليست هي ~~السنن المتعلقة بالأمور الطبيعية كسنته في الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك ~~من العادات فإن هذه السنة ينقضها إذا شاء بما شاءه من الحكم كما حبس الشمس ~~على يوشع وكما شق القمر لمحمد صلى الله عليه وسلم وكما ملأ السماء بالشهب ~~وكما أحيا الموتى غير مرة وكما جعل العصا حية وكما أنبع الماء من الصخرة ~~بعصا وكما أنبع الماء من بين أصابع الرسول صلى الله عليه وسلم # وقد ذكر بعض هذه الآيات السهروردي في المنقول في الألواح العمادية وفي ~~المبدأ والمعاد محتجا بها على ما يقوله هو أمثاله من المتفلسفة أن العالم ~~لم يزل ولا يزال هكذا بناء ms029 على أن هذه سنة الرب عز وجل وعادته وهي لا تبديل ~~لها إذ كان عندهم ليس فاعلا بمشيئته واختياره بل موجب بذاته # فيقال لهم احتجاجكم على هذا بالقرآن في غاية الفساد فإن القرآن يصرح ~~بنقيض مذهبكم في جميع المواضع وقد علم بالإضطرار أن ما يقولونه مخالف لما ~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فاحتجاجكم بهذا أفسد من احتجاج النصارى ~~على أن محمدا شهد بأن دينهم بعد النسخ والتبديل حق بآيات من القرآن حرفوها ~~عن مواضعها قد تكلمنا عليها في الجواب الصحيح لمن بدل # PageV01P052 # دين المسيح فإن النصارى وإن كانوا كفارا بتبديل الكتاب ### | الأول # وتكذيب الثاني فهم خير منكم من وجوه كثيرة فإنهم يقولون بالأصول الكلية ~~التي اتفقت عليها الرسل وإن كانوا حرفوا بعض ذلك كالإيمان بأن الله خالق كل ~~شيء وأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير والإيمان بملائكته ورسله واليوم ~~الآخر والجنة والنار وغير ذلك مما تكذبون أنتم به ### | الأدلة على ذلك # وأما بيان الدلالة فمن وجوه # الأول # أحدها أن يقال العادات الطبيعية ليس للرب فيها سنة لازمة فإنه قد عرف ~~بالدلائل اليقينية أن الشمس والقمر والكواكب مخلوقة بعد أن لم تكن فهذا ~~تبديل وقع وقد قال تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات [سورة إبراهيم ~~48] ### | الثاني # وأيضا فقد عرف انتقاض عامة العادات فالعادة في بني آدم ألا يخلقوا إلا من ~~أبوين وقد خلق المسيح من أم وحواء من أب وآدم من غير أم ولا أب وإحياء ~~الموتى متواتر مرات متعددة وكذلك تكثير الطعام والشراب لغير واحد من ~~الأنبياء والصالحين عليهم السلام ### | الثالث # وأيضا فعندكم تغيرات وقعت في العالم كالطوفانات الكبار فيها تغيير العادة # وهذا خلاف عادته التي وعد بها وأخبر أنها لا تتغير لنصرة أوليائه وإهانة ~~أعدائه فإن هذا علم بخبره وحكمته # أما خبره فإنه أخبر بذلك ووعد به وهو الصادق الذي لا يخلف الميعاد # PageV01P053 # وهذا يوافق طرق جميع طوائف أهل الملل ويقولون مقتضى حكمته أن يكون ~~العاقبة والنصر لأوليائه دون أعدائه كما قد بسط ذلك ms030 في مواضع # وأما الأمور الطبيعية فإما أن تقع بمحض المشيئة على قول وإما أن تقع بحسب ~~الحكمة والمصلحة على قول وعلى كلا التقديرين فتبديلها وتحويلها ليس ممتنعا ~~كما في نسخ الشرائع وتبديل آية بآية فإنه إن علق الآية بمحض المشيئة فهو ~~يفعل ما يشاء وإن علقها بالحكمة مع المشيئة فالحكمة تقتضي تبديل بعض ما في ~~العالم كما وقع كثير من ذلك في الماضي وسيقع في المستقبل فعلم أن هذه السنن ~~دينيات لا طبيعيات # ولكن في قوله تعالى ولن تجد لسنة الله تبديلا حجة للجمهور القائلين ~~بالحكمة فإن أصحاب المشيئة المجردة يجوزون نقض كل عادة ولكن يقولون إنما ~~نعلم ما يكون بالخبر ### | سنته تعالى مطردة في الدينيات والطبيعيات # وقوله تعالى فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا دليل على ~~أن هذا من مقتضى حكمته وأنه يقضي في الأمور المتماثلة بقضاء متماثل لا ~~بقضاء مخالف فإذا كان قد نصر المؤمنين لأنهم مؤمنون كان هذا موجبا لنصرهم ~~حيث وجد هذا الوصف بخلاف ما إذا عصوا ونقضوا إيمانهم كيوم أحد فإن الذنب ~~كان لهم ولهذا قال ولن تجد لسنة الله تبديلا فعم كل سنة له وهو يعم سنته في ~~خلقه وأمره في الطبيعيات والدينيات ### | نقض العادة لاختصاص معين # لكن الشأن أن تعرف سنته وحقيقة هذا أنه إذا نقض العادة فإنما ينقضها ~~لاختصاص تلك الحال بوصف امتازت به عن غيره فلم تكن سنته # PageV01P054 # مع ذلك والإختصاص بسنته مع عدمه كما نقول إذا خصت العلة لفوات شرط أو ~~وجود مانع وكما نقول في الإستحسان الصحيح وهو تخصيص بعض أفراد العام بحكم ~~يختص به لامتيازه عن نظائره بوصف يختص به ### | السنة هي العادة # والسنة هي العادة في الأشياء المتماثلة وسنة هنا تجري على سنه هذا في ~~الإشتقاق الأكبر والسنة من هذا الباب سواء كان أصله سنوة أو سنهة وهما ~~لغتان في السنة # والسنن وأسنان المشط ونحو ذلك بلفظ السنة يدل على التماثل فإنه سبحانه ~~إذا حكم في الأمور المتماثلة بحكم فإن ذلك لا ينتقض ms031 ولا يتبدل ولا يتحول بل ~~هو سبحانه لا يفوت بين المتماثلين وإذا وقع تغيير فذلك لعدم التماثل وهذا ~~القول أشبه بأصول الجمهور القائلين بالحكمة في الخلق والأمر وأنه سبحانه ~~يسوي بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين كما دل القرآن على هذا في مواضع ~~كقوله تعالى أفنجعل المسلمين كالمجرمين [سورة القلم 35] # ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا ولولا القياس واطراد فعله ~~وسنته لم يصح الإعتبار بها والإعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم ~~نظيره كالأمثال المضروبة في القرآن وهي كثيرة # وذكر لفظ التبديل والتحويل كقوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا [سورة الإسراء 56] فالتبديل أن تبدل ~~بخلافه والتحويل أن تحول من محل إلى محل # PageV01P055 # مثل استفزازه من الأرض ليخرجوه فإنهم لا يلبثون خلفه إلا قليلا ولا تتحول ~~هذه السنة بأن يكون هو المخرج وهم اللابثون بل متى أخرجوه خرجوا خلفه ولو ~~مكث لكان هذا استصحاب حال بخلاف ظهور الكفار فإنه كان تبديلا لظهور ~~المؤمنين وظهور الكفار إذ كان لا بد من أحدهما # وأما أهل المكر السيء والكفار فهي سنة تبديل لا بد لهم من العقوبة لا ~~يبدلون بها غيرها ولا نتحول عنهم إلى المؤمنين وهو عيد لأهل المكر السيء ~~أنه لا يحيق إلا بأهله ولن يتبدلوا به خيرا بتضمن نفيا وإثباتا فلهذا نفى ~~عنه التبديل والتحويل ### | ### | فصل # # والقرآن قد دل على هذا الأصل في مواضع كقوله قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب ~~الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون [سورة الأنعام 47] وقوله ~~وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد [سورة هود 102] ~~وقوله أكفار كم خير من أولئكم [سورة القمر 43] ومنه قوله لقد كان في قصصهم ~~عبرة لأولي الألباب [سورة يوسف 111] وقوله قد كان لكم آية في فئتين التقتا ~~[سورة آل عمران 13] إلى قوله إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار [سورة آل عمران ~~13] # فصل # وقد أخبر سبحانه أنه تارة يعاقبهم عقب السراء وتارة يعاقبهم عقب ms032 # PageV01P056 # الضراء إذا لم يتضرعوا فقال تعالى ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا ~~لربهم وما يتضرعون إلى قوله مبلسون [سورة المؤمنون 76 - 77] فهنا أخبر أنه ~~بالعذاب الأدنى ما استكانوا وما تضرعوا حتى أخذهم بالإهلاك كما قال ~~ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون [سورة السجدة ~~21] وقال أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا ~~هم يذكرون [سورة التوبة 126] والضمير يكون عائدا على الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة # وقال في [سورة الأنعام ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ~~والضراء إلى قوله والحمد لله رب العالمين سورة الأنعام 42 - 45] فهذه ~~نظيرها في الأعراف في قوله وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها ~~بالبأساء والضراء إلى قوله وهم لا يشعرون الآيات [سورة الأعراف 94 - 95] ~~فقد ذمهم أنهم لم يتضرعوا لما أخذهم بالبأساء والضراء فإنه بعد هذا بدل ~~الحالة السيئة بالحالة الحسنة فلم يطيعوا فأخذهم بالعذاب بغتة فهنا أخذهم ~~أولا بالضراء ليضرعوا فلم يتضرعوا فابتلاهم الله بالسراء ليطيعوا فلم ~~يطيعوا فأخذهم بالعذاب وهذا كقوله تعالى وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون [سورة الأعراف 168] فهؤلاء ابتلوا بالضراء أولا ثم بالسراء ثانيا ~~وقد أخبر أنه ما أرسل في قرية من نبي إلا كانوا هكذا # PageV01P057 # وهذا كما ذكره سبحانه في حال قوم فرعون وغيرهم وهذا ذم لمن لم يستقم لا ~~في الضراء ولا في السراء لا دعا بالضراء ولا بالسراء ولا تضرع في الضراء ~~ولا شكر ولا آمن في السراء ابتلاهم بالحسنات وهي النعم والسيئات وهي ~~المصائب فما أطاعوا لا في هذا ولا في هذا # وأما آية المؤمنين فأمراؤهم لم يستكينوا ولم يتضرعوا حتى فتح عليهم بابا ~~ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون وهؤلاء قد يكون تقدم لهم ابتلاء بالحسنات ~~أولا فإنه قال في أول الكلام يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم [سورة المؤمنون 51] إلى قوله أيحسبون أنما نمدهم به من ~~مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون إلى قوله ms033 حتى إذا اخذنا ~~مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون الآية 64 إلى قوله ولو رحمناهم وكشفنا ما ~~بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا ~~لربهم الآيتان 75 76 # فهؤلاء كانوا في حالة حسنة فلما لم يتقوه أخذ مترفيهم بالعذاب ثم أخذهم ~~بالعذاب ليتضرعوا فلما لم يتضرعوا ابتلاهم بالحسنات أولا فلما لم يتقوه ~~استحقوا العذاب فيعتبر الفرق بين هؤلاء وهؤلاء # آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين وسلم ~~تسليما # PageV01P058 ### | رسالة في قصة شعيب عليه السلام # PageV01P059 # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # أما بعد فقد ذكر الله سبحانه وتعالى قصة شعيب النبي صلى الله عليه وسلم ~~في غير موضع من كتابه وإرساله إلى أهل مدين وقال في موضع آخر كذب أصحاب ~~الأيكة المرسلين [سورة الشعراء 176] فأكثر الناس يقولون إنهم أهل مدين ومن ~~الناس من يجعلها قصتين ### | شيخ مدين لم يكن شعيبا # وذكر في قصة موسى أنه ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ~~ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما الآية [سورة القصص 23] إلى آخر ~~القصة فموسى عليه السلام قضى أكمل الأجلين ولم يذكر عن هذا الشيخ أنه كان ~~شعيبا ولا أنه كان نبيا ولا عند أهل الكتابين أنه كان نبيا ولا نقل عن أحد ~~من الصحابة أن هذا الشيخ الذي صاهر موسى كان شعيبا النبي لا عن ابن عباس ~~ولا غيره بل المنقول عن الصحابة أنه لم يكن هو شعيب # قال سنيد بن داود شيخ البخاري في تفسيره بإسناده عن ابن عباس # PageV01P061 # قال اسمه يثرى قال حجاج وقال غيره يثرون وعن شعيب الجبائي أنه قال اسم ~~الجاريتين ليا وصغوره وامرأة موسى صغوره ابنة يثرون كاهن مدين والكاهن ~~الحبر وفي رواية عن ابن عباس أن اسمه يثرون أو يثرى # وقال ابن جرير اسم إحدى الجاريتين ليا ويقال شرفا والأخرى صغورة وقال ~~أيضا وأما أبوهما فمختلف في اسمه فقال بعضهم اسمه يثرون وقال ابن مسعود ~~الذي استأجر موسى ابن أخي ms034 شعيب يثرون وقال أبو عبيدة هو يثرون ابن أخي شعيب ~~النبي صلى الله عليه وسلم # وقال آخرون اسمه يثرى وهو منقول عن ابن عباس # وقال الحسن يقولون هو شعيب النبي لا ولكنه سيد أهل الماء يومئذ # قال ابن جرير وهذا لا يدرك علمه إلا بخبر عن معصوم ولا خبر في ذلك # PageV01P062 # وقيل اسمه أثرون # فهذه كتب التفسير التي تروي بالأسانيد المعروفة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم والتابعين لم يذكر فيها عن أحد أنه شعيب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولكن نقلوا بالأسانيد الثابتة عن الحسن البصري أنه قال يقولون إنه شعيب ~~وليس بشعيب ولكنه سيد الماء يومئذ # فالحسن يذكر أنه شعيب عمن لا يعرف ويرد عليهم ذلك ويقول ليس هو شعيب # وإن كان الثعلبي قد ذكر أنه شعيب فلا يلتفت إلى قوله فإنه ينقل الغث ~~والسمين فمن جزم بأنه شعيب النبي فقد قال ما ليس له به علم وما لم ينقل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عمن يحتج بقوله من علماء ~~المسلمين وخالف في ذلك ما ثبت عن ابن عباس والحسن البصري مع مخالفته أيضا ~~لأهل الكتابين فإنهم متفقون على أنه ليس هو شعيب النبي فإن ما في التوراة ~~التي عند اليهود والإنجيل الذي عند النصارى أن اسمه يثرون وليس لشعيب النبي ~~عندهم ذكر في التوراة ### | كان شعيب عربيا وموسى عبرانيا # وقد ذكر غير واحد من العلماء أن شعيبا كان عربيا بل قد روي عن أبي ذر ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو حاتم وغيره أن شعيبا كان ~~عربيا وكذلك هود وصالح وموسى كان عبرانيا فلم يكن يعرف لسانه # PageV01P063 # وظاهر القرآن يدل على مخاطبة موسى للمرأتين وأبيهما بغير ترجمان # وإنما شبهة من ظن ذلك أنه وجد في القرآن قصة شعيب وإرساله إلى أهل مدين ~~ووجد في القرآن مجيء موسى إلى مدين ومصاهرته لهذا فظن أنه هو # والقرآن يدل أن الله أهلك قوم شعيب بالظلة فحينئذ لم يبق في مدين من قوم ms035 ~~شعيب أحد وشعيب لا يقيم بقريه ليس بها أحد وقد ذكروا أن الأنبياء كانوا إذا ~~هلكت أممهم ذهبوا إلى مكة فأقامة بها إلى الموت كما ذكر أن قبر شعيب بمكة ~~وقبر هود بمكة وكذلك غيرهما # وموسى لما جاء إلى مدين كانت معمورة بهذا الشيخ الذي صاهره ولم يكن هؤلاء ~~قوم شعيب المذكورين في القرآن بل ومن قال إنه كان ابن أخي شعيب أو ابن عمه ~~لم ينقل ذلك عن ثبت والنقل الثابت عن ابن عباس لا يعارض بمثل قول هؤلاء # وما يذكرونه في عصا موسى وأن شعيبا أعطاه إياها وقيل أعطاه إياها هذا ~~الشيخ وقيل جبريل وكل ذلك لا يثبت # وعن أبي بكر أظنه الهذلي قال سألت عكرمة عن عصا موسى قال هي عصا خرج بها ~~آدم من الجنة ثم قبضها بعد ذلك جبريل فلقي بها موسى ليلا فدفعها إليه # وقال السدي في تفسيره المعروف أمر أبو المرأتين ابنته أن يأتي موسى بعصا ~~وكانت تلك العصا عصا استودعها ملك في صورة رجل إلى آخر القصة استودعه إياها ~~ملك في سورة رجل وأن حماه خاصمه وحكما بينهما رجلا # PageV01P064 # وأن موسى أطاق حملها دون حميه وذكر عن موسى أنه أحق بالوفاء من حميه # ولو كان هذا هو شعيبا النبي لم ينازع موسى ولم يندم على إعطائه إياها ولم ~~يحاكمه ولم يكن موسى قبل أن ينبأ أحق بالوفاء منه فإن شعيبا كان نبيا وموسى ~~لم يكن نبيا فلم يكن موسى قبل أن ينبأ أكمل من نبي وما ذكره زيد من أنه كان ~~يعرف أن موسى نبي إن كان ثابتا فالأحبار والرهبان كانت عندهم علامات ~~الأنبياء وكانوا يخبرون بأخبارهم قبل أن يبعثوا والله سبحانه أعلم ### | فصل # وأما شياع كون حمى موسى شعيبا النبي عند كثير من الناس الذين لا خبرة لهم ~~بحقائق العلم ودلائله وطرقه السمعية والعقلية فهذا مما لا يغتر به عاقل فإن ~~غاية مثل ذلك أن يكون منقولا عن بعض المنتسبين إلى العلم وقد خالفه غيره من ~~أهل العلم وقول العالم الذي ms036 يخالفه نظيره ليس حجة بل يجب رد ما تنازعا فيه ~~إلى الأدلة # ومثال ذلك ما ذكره بعضهم أو كثير منهم من أن الرسل المذكورين في [سورة يس ~~هم من حواريي المسيح عليه السلام وأن حبيب النجار آمن بهم وهذا أمر باطل ~~عند أجلاء علماء المسلمين وعند أهل الكتاب فإن الله قد أخبر عن هذه القرية ~~التي جاءها المرسلون أنه قد أهلك أهلها فقال تعالى إن كانت إلا صيحة واحدة ~~فإذا هم خامدون الآية 29] # PageV01P065 # وأنطاكية لما جاءها اثنان من الحواريين بعد رفع المسيح آمنوا بهما وهي ~~أول مدينة اتبعت المسيح ولم يهلكهم الله بعد المسيح باتفاق المسلمين وأهل ~~الكتاب فكيف يجوز أن يقال هؤلاء هم رسل المسيح # وأيضا فإن الذين أتوهم كانا اثنين من الحواريين وأهل الكتاب معترفون بذلك ~~ولم يكن حبيب النجار موجودا حينئذ بل هؤلاء رسل أرسلهم الله قبل المسيح ~~وأهلك أهل تلك القرية وقد قيل إنها أنطاكية وآمن حبيب بأولئك الرسل ثم بعد ~~هذا عمرت أنطاكية وجاءتهم رسل المسيح بعد ذلك # والحواريون ليسوا رسل الله عند المسلمين بل هم رسل المسيح كالصحابة الذين ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسلهم إلى الملوك ومن زعم أن هؤلاء حواريون ~~فقد جعل للنصارى حجة لا يحسن أن يجيب عنها وقد بسطنا ذلك في الرد على ~~النصارى وبينا أن الحواريين لم يكونوا رسلا فإن النصارى يزعمون أن ~~الحواريين رسل الله مثل إبراهيم وموسى وقد يفضلونهم على إبراهيم وموسى وهذا ~~كفر عند المسلمين وقد بينا ضلال النصارى في ذلك # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه # PageV01P066 ### | رسالة في المعاني المستنبطة من سورة الإنسان # PageV01P067 # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين ### | فصل ### | تفسير السورة إجمالا # اعلم أن سورة هل أتى على الإنسان سورة عجيبة الشأن من سور القرآن على ~~اختصارها ### | [الآيتان: 1، 2] # فإن الله سبحانه ابتدأها بذكر كيفية خلق الإنسان من النطفة ذات الأمشاج ~~والأخلاط التي لم يزل بقدرته ولطفه وحكمته يصرفه عليها أطوارا وينقله من ~~حال إلى حال إلى أن تمت ms037 خلقته وكملت صورته فأخرجه إنسانا سويا سميعا بصيرا ~~ثم لما تكامل تمييزه وإدراكه هداه طريقي الخير والشر والهدى والضلال ### | الآية الثالثة # وأنه بعد هذه الهداية إما أن يشكر ربه وإما أن يكفره ثم ذكر مآل أهل ~~الشكر والكفر وما أعد لهؤلاء وهؤلاء وبدأ أولا بذكر عاقبة أهل الكفر ثم ~~عاقبة أهل الشكر وفي آخر السورة ذكر أولا أهل الرحمة ثم أهل العذاب فبدأ ~~السورة بأول أحوال الإنسان وهي النطفة وختمها بآخر أحواله وهي كونه من # PageV01P069 ### | الآية الرابعة # أهل الرحمة أو العذاب ووسطها بأعمال الفريقين فذكر أعمال أهل العذاب ~~مجملة في قوله إنا اعتدنا للكافرين [سورة الإنسان 4] وأعمال أهل الرحمة ~~مفصلة وجزاءهم مفصلا # فتضمنت السورة خلق الإنسان وهدايته ومبدأه وتوسطه ونهايته وتضمنت المبدأ ~~والمعاد والخلق والأمر وهما القدرة والشرع وتضمنت إثبات السبب وكون العبد ~~فاعلا مريدا حقيقة وأن فاعليته ومشيئته إنما هي بمشيئة الله ففيها الرد على ~~طائفتين القدرية والجبرية وفيها ذكر أقسام بني آدم كلهم فإنهم إما أهل شمال ~~وهم الكفار أو أهل يمين وهم نوعان أبرار ومقربون ### | الآية الخامسة # وذكر سبحانه أن شراب الأبرار يمزج من شراب عباده المقربين لأنهم مزجوا ~~أعمالهم ويشربه المقربون صرفا خالصا كما أخلصوا أعمالهم وجعل سبحانه شراب ~~المقربين من الكافور الذي فيه من التبريد والقوة ما يناسب برد اليقين وقوته ~~لما حصل لقلوبهم ووصل إليها في الدنيا مع ما في ذلك من مقابلته للسعير # وأخبر سبحانه أن لهم شرابا آخر ممزوجا من الزنجبيل لما فيه من طيب ~~الرائحة ولذة الطعم والحرارة التي توجب تغير برد الكافور وإذابة الفضلات ~~وتطهير الأجواف ولهذا وصفه سبحانه بكونه شرابا طهورا أي مطرها لبطونهم # فوصفهم سبحانه بجمال الظاهر والباطن كما قال ولقاهم نضرة وسرورا [الآية ~~11] فالنضرة جمال وجوههم والسرور جمال قلوبهم كما قال تعرف في وجوههم نضرة ~~النعيم [سورة المطففين 24] # PageV01P070 # وقريب من هذا قول امرأة العزيز في يوسف فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد ~~راودته عن نفسه فاستعصم [سورة يوسف 32] فأخبرت بجمال ظاهره حين أشارت إليه ~~بالخروج عليهن ثم ضمت ms038 إلى ذلك إخبارها بأن باطنه أجمل من ظاهره بأني راودته ~~فأبى إلا العفة والحياء والإستعصام # ثم ذكر سبحانه من أعمال الأبرار ما ينبه سامعه على جمعهم لأعمال البر ~~كلها فذكر سبحانه وفاءهم بالنذر وخوفهم من ربهم وإطعامهم الطعام على محبتهم ~~له وإخلاصهم لربهم في طاعتهم ### | الآية السابعة # وذكر سبحانه الوفاء بالنذر وهو أضعف الواجبات فإن العبد هو الذي أوجبه ~~على نفسه بالتزامه فهو دون ما أوجبه الله سبحانه عليه فإذا وفى لله بأضعف ~~الواجبين الذي التزمه هو فهو بأن يوفى بالواجب الأعظم الذي أوجبه الله عليه ~~أولى وأخرى # ومن ههنا قال من قال من الفسرين المقربون يوفون بطاعة الله ويقومون بحقه ~~عليهم وذلك أن العبد إذا نذر لله طاعة فوفى بها فإنما يفعل ذلك لكونها صارت ~~حقا لله يجب الوفاء بها وهذا موجود في حقوقه كلها فهي في ذلك سواء # ثم أخبر عنهم بأنهم يخافون اليوم العسير القمطرير وهو يوم القيامة # PageV01P071 # ففي ضمن هذا الخوف إيمانهم باليوم الآخر وكفهم عن المعاصي التي تضرهم في ~~ذلك اليوم وقيامهم بالطاعات التي ينفعهم فعلها ويضرهم تركها في ذلك اليوم ### | ### | الآية # الثامنة # ثم أخبر عنهم بإطعام الطعام على محبتهم له وذلك يدل على نفاسته عندهم ~~وحاجتهم إليه وما كان كذلك فالنفوس به أشح والقلوب به أعلق واليد له أمسك ~~فإذا بذلوه في هذه الحال فهم لما سواه من حقوق العباد أبذل # فذكر من حقوق العباد بذل قوت النفس على نفاسته وشدة الحاجة منبها على ~~الوفاء بما دونه كما ذكر من حقوقه الوفاء بالنذر منبها على الوفاء بما هو ~~فوقه وأوجب منه ونبه بقوله على حبه الآية 8 أنه لولا أن الله سبحانه أحب ~~إليهم منه لما آثروه على ما يحبونه فآثروا المحبوب الأعلى على الأدنى ### | الآية التاسعة # ثم ذكر أن مصرف طعامهم إلى المسكين واليتيم والأسير الذين لا قوة لهم ~~ينصرونهم بها ولا مال لهم يكافئونهم به ولا أهل ولا عشيرة يتوقعون منهم ~~مكافأتهم كما يقصده أهل الدنيا والمعاوضون بإنفاقهم وإطعامهم # ثم أخبر عنهم ms039 أنهم إنما فعلوا ذلك لوجه الله وأنهم لا يريدون ممن أطعموه ~~عوضا من أموالهم ولا ثناء عليهم بألسنتهم كما يريده من لا إخلاص له بإحسانه ~~إلى الناس من معاوضتهم أو الشكور منهم فتضمن ذلك المحبة والإخلاص والإحسان ### | الآية العاشرة # ثم أخبر سبحانه عنهم بما صدقهم عليه قبل أن يقولوه حيث قالوا إنا نخاف من ~~ربنا يوما عبوسا قمطريرا الآية 10 فصدقهم قبل قولهم # PageV01P072 # إذ يقول تعالى يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا الآية 7 ### | ### | الآية: # 11 # ثم أخبر سبحانه بأنه وقاهم شر ما يخافونه ولقاهم فوق ما كانوا يأملونه ### | الآيات: 12-20 # وذكر سبحانه أصناف النعيم الذي حياهم به من المساكن والملابس والمجالس ~~والثمار والشراب والخدم والنعيم والملك الكبير # ولما كان في الصبر من حبس النفس والخشونة التي تلحق الظاهر والباطن من ~~التعب والنصب والحرارة ما فيه كان الجزاء عليه بالجنة التي فيها السعة ~~والحرير الذي فيه اللين والنعومة والإتكاء الذي يتضمن الراحة والظلال ~~المنافية للحر ### | الآية: 21 # ثم ذكر سبحانه لون ملابس الأبرار وأنها ثياب سندس خضر وإستبرق وحليتهم ~~وأنها أساور من فضة فهذه زينة ظواهرهم ثم ذكر زينة بواطنهم وهو الشراب ~~الطهور وهو بمعنى التطهير # فإن قيل فلم اقتصر من آنيتهم وحليتهم على الفضة دون الذهب ومعلوم أن ~~الجنان جنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما ~~وحليتهما وما فيهما # قيل سياق هذه الآيات إنما هو في وصف الأبرار ونعيمهم مفصلا دون تفصيل ~~جزاء المقربين فإنه سبحانه إنما أشار إليه أشارة تنبه على ما سكت عنه وهو ~~أن شارب الأبرار يمزج من شرابهم # فالسورة مسوقة بصفة الأبرار وجزائهم على التفصيل وذلك والله أعلم # PageV01P073 # لأنهم أعم من المقربين وأكثر منهم ولهذا يخبر سبحانه عنهم بأنهم ثلة من ~~الأولين وثلة من الآخرين وعن المقربين السابقين بأنهم ثلة من الأولين وقليل ~~من الآخرين # وأيضا فإن في ذكر جزاء الأبرار تنبيها على أن جزاء المقربين ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر # وأيضا فإنه ms040 سبحانه ذكر أهل الكفر وأهل الشكر وأهل الشكر نوعان أبرار أهل ~~يمين ومقربون سابقون وكل مقرب سابق فهو من الأبرار ولا ينعكس فاسم الأبرار ~~والمقربين كاسم الإسلام والإيمان أحدهما أعم من الآخر ### | الآية: 22 # وأيضا فإنه سبحانه أخبر أن هذا جزاء سعيهم المشكور وكل من الأبرار ~~والمقربين سعيهم مشكور فذكر سبحانه السعي المشكور والسعي المسخوط ### | ### | الآيتان: # 23، 24 # ثم ذكر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بما أنعم عليه من تنزيل القرآن ~~عليه وأمره بأن يصبر لحكمه وهو يعم الحكم الديني الذي أمره به في نفسه ~~وأمره بتبليغه والحكم الكوني الذي يجري عليه من ربه فإنه سبحانه امتحن ~~عباده وابتلاهم بأمره ونهيه وهو حكمه الديني وابتلاهم بقضائه وقدره وهوحكمه ~~الكوني وفرض عليهم الصبر على كل واحد من الحكمين وإن # PageV01P074 # كان الحكم الديني في هذه ### | الآية # أظهر إرادة وأنه أمر بالصبر على تبليغه والقيام بحقوقه # ولما كان صبره عليه لا يتم إلا بمخالفته لمن دعاه إلى خلافه من كل آثم أو ~~كفور نهاه عن طاعة هذا وهذا وأتى بحرف أو دون الواو ليدل على أنه منهي عن ~~طاعة أيهما كان إما هذا وإما هذا فكأنه قيل له لا تطع أحدهما وهو أعم في ~~النهي من كونه منهيا عن طاعتهما فإنه لو قيل له لا تطعهما أو لا تطع آثما ~~وكفورا لم يكن صريحا في النهي عن طاعة كل منهما بمفرده ### | الآيتان: 25، 26 # ولما كان لا سبيل إلى الصبر إلا بتعويض القلب بشيء هو أحب إليه من فوات ~~ما يصبر على فوته أمره بأن يذكر ربه سبحانه بكرة وأصيلا فإن ذكره أعظم ~~العون على تحمل مشاق الصبر وأن يصبر لربه بالليل فيكون قيامه بالليل عونا ~~على ما هو بصدده بالنهار ومادة لقوته ظاهرا وباطنا ولنعيمه عاجلا وآجلا ### | الآية: 27 # ثم أخبر سبحانه عما يمنع العبد من إيثار ما فيه سعادته في الدنيا والآخرة ~~وهو حب العاجلة وإيثارها على الآخرة تقديما لداعي الحس على داعي العقل ### | الآية: 28 # ثم ذكر سبحانه خلقهم وإحكامه وإتقانه ms041 بما شد من أسرهم وهو ائتلاف الأعضاء ~~والمفاصل والأوصال وما بينها من الرباطات وشد بعضها # PageV01P075 # ببعض وحقيقته القوة ومنه قول الشاعر # من كل مجتنب شديد أسره ... سلس القياد تخاله مختالا # ولا يكون ذلك إلا فيما له شد ورباط ومنه الإسار وهو الحبل الذي يشد به ~~الأسير # ثم أخبر سبحانه أنه قادر على أن يبدل أمثالهم بعد موتهم وأنه إذا شاء ذلك ~~فعله وإذا للمحقق فهذا التبديل واقع لا محالة فهو الإعادة التي هي مثل ~~البداءة # هذا هو معنى الآية ومن قال غير ذلك لم يصب معناها ولا توحشك لفظة المثل ~~فإن المعاد مثل للمبدوء وإن كان هو بعينه فهو معاد أو هو مثله من جهة ~~المغايدة بين كونه مبدءا ومعادا وهذا كالدار إذا تهدمت وأعيدت بعينها فهي ~~الأولى وكذلك الصلاة المعادة هي الأولى وهي مثلها # PageV01P076 # وقد نطق القرآن بأنه سبحانه يعيدهم ويعيد أمثالهم إذ شاء وكلاهما واحد ~~فقال كما بدأكم تعودون [سورة الأعراف 29] وقال تعالى وإلينا ترجعون [سورة ~~الأنبياء 35] وقال وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده [سورة الروم 27] وقال ~~أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق ~~العليم [سورة يس 81] وقال إنا لقادرون على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما ~~لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون [سورة الواقعة 61 - 62] # فهذا كله معاد الأبدان وقد صرح سبحانه بأنه خلق جديد في موضعين من كتابه ~~وهذا الخلق الجديد هو المثل ### | الآية: 29 # ثم ختم سبحانه السورة بالشرع والقدر كما افتتحها بالخلق والهداية فقال ~~فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا [الآية 29] فهذا شرعه ومحل أمره ونهيه ### | الآية الثلاثون # ثم قال وما تشاءون إلا أن يشاء الله الآية 30 فهذا قضاؤه وقدره ثم ذكر ~~الإسمين الموجبين للتخصيص وهما اسم العليم الحكيم # وقوله وما تشاءون إلا أن يشاء الله فأخبر أن مشيئتهم موقوفة على مشيئته ~~ومع هذا فلا يوجب ذلك حصول الفعل منهم إذ أكثر ما فيه أنه جعلهم شائين ولا ~~يقع الفعل إلا حين يشاؤه منهم كما ms042 قال تعالى فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا ~~أن يشاء الله [سورة المدثر 55 - 56] وقال لمن شاء منكم أن يستقيم وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله [سورة التكوير 28 - 29] ومع هذا فلا يقع الفعل ~~منهم حتى يريد من نفسه إعانتهم وتوفيقهم # فهنا أربع إرادات إرادة البيان وإرادة المشيئة وإرادة الفعل وإرادة ~~الإعانة والله أعلم # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم ~~تسليما # PageV01P077 ### | رسالة في قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة # PageV01P079 # فصل # قال الله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة [سورة البقرة 75] # قال علي بن أبي طالب الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا انقطع ~~الرأس بار الجسد ألا لا إيمان لمن لا صبر له # فالصبر على أداء الواجبات واجب ولهذا قرنه بالصلاة في أكثر من خمسين ~~موضعا فمن كان لا يصلي من جميع الناس رجالهم ونسائهم فإنه يؤمر فإن امتنع ~~عوقب بإجماع المسلمين ثم أكثرهم يوجبون قتل تارك الصلاة وهل يقتل كافرا ~~مرتدا أو فاسقا على قولين في مذهب أحمد وغيره والمنقول عن أكثر السلف يقتضي ~~كفره وهذا مع الإقرار بالوجوب فأما مع جحود الوجوب فهو كافر بالاتفاق # ومن ذلك تعاهد مساجد المسلمين وأئمتهم وأمرهم بأن يصلوا بهم صلاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم حيث قال صلوا كما رأيتموني أصلي رواه البخاري وصلى مرة ~~بأصحابه على طرف المنبر وقال إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي # فعلى إمام الصلاة أن يصلي بالناس صلاة كاملة لا يقتصر على ما يجوز ~~للمنفرد # PageV01P081 # الإقتصار عليه إلا لعذر وكذلك على إمامهم في الحج وأميرهم في الحرب ألا ~~ترى الوكيل والولي في البيع والشراء عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على ~~الوجه الأصلح له في ماله وهو في مال نفسه يفوت على نفسه ما شاء فأمر الدين ~~أهم ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس صلح الدين للطائفتين والدنيا وإلا ~~اضطربت الأمور عليهم جميعا # وملاك ذلك حسن النية للرعية وإخلاص الدين كله لله عز وجل والتوكل عليه ~~فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة ms043 والعامة كما أمرنا أن نقول في صلاتنا ~~إياك نعبد وإياك نستعين فهاتان الكلمتان قد قيل إنهما تجمعان معاني الكتب ~~المنزلة من السماء # وروى أنه صلى الله عليه وسلم كان مرة في غزاة فقال يا مالك يوم الدين ~~إياك نعبد وإياك نستعين فجعلت الرءوس تندر عن كواهلها # وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله عز وجل فاعبده وتوكل عليه [سورة ~~هود 123] وقوله عليه توكلت وإليه أنيب [سورة هود 88] [سورة الشورى 10] وكان ~~صلى الله عليه وسلم إذا ذبح أضحيته قال منك وإليك # PageV01P082 # وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن والإحسان إلى الناس بالنفع ~~والمال الذي هو الزكاة والصبر على أذى الخلق وغيره من النوائب فبالقيام ~~بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية وإذا عرف الإنسان ما يدخل ~~في هذه الأسماء الجامعة عرف ما يدخل في الصلاة من ذكر الله تعالى ودعائه ~~وتلاوة كتابه وإخلاص الدين له والتوكل عليه وفي الزكاة من الإحسان إلى ~~الخلق بالمال والنفع من نصر المظلوم وإغاثة الملهوف وقضاء حاجة المحتاج وفي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل معروف صدقة فيدخل فيه كل إحسان ~~ولو ببسط الوجه والكلمة الطيبة # ففي الصحيح عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم ~~من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب فينظر أيمن منه فلا ~~يرى إلا شيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أمامه ~~فيستقبل النار فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم ~~يجد فبكلمة طيبة # وفي السنن لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه # PageV01P083 # طلق وفي رواية ووجهك إليه منبسط ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي # وفي الصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ والعفو عن الناس ومخالفة الهوى وترك ~~الأشر والبطر كما قال تعالى ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه ~~إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات ms044 عني ~~إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات الآية [سورة هود 9 - 11] # وقال الحسن البصري إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش ألا ~~ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا وأصلح # وليس من حسن النية للرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما ~~يكرهونه قال تعالى ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ~~[سورة المؤمنون 71] وقال لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم واعلموا أن فيكم ~~رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم [سورة الحجرات 7] # PageV01P084 ### | رسالة في تحقيق التوكل # PageV01P085 # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين # الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم ~~تسليما أما بعد فهذا ### | فصل في التوكل ### | التوكل عند طائفة مجرد عبادة لا يحصل به جلب منفعة ولا دفع مضرة # قد ظن طائفة ممن تكلم في أعمال القلوب أن التوكل لا يحصل به جلب منفعة ~~ولا دفع مضرة بل ما كان مقدرا بدون التوكل فهو مقدر مع التوكل ولكن التوكل ~~عبادة يثاب عليها من جنس الرضا بالقضاء وذكر ذلك أبو عبد الله بن بطة فيما ~~صنفه في هذا الباب وقول هؤلاء يشبه قول من قال إن الدعاء لا يحصل به جلب ~~منفعة ولا دفع مضرة بل هو عبادة يثاب عليها كرمي الجمار وآخرون يقولون بل ~~الدعاء علامة وأمارة ويقولون ذلك في جميع العبادات وهذا قول من ينفي ~~الأسباب في الخلق والأمر ويقول إن الله يفعل عندها لا بها وهو قول من طائفة ~~من متكلمي أهل الإثبات للقدر كالأشعري وغيره وهو قول طائفة من الفقهاء ~~والصوفية # PageV01P087 # وأصل هذه البدعة من قول جهم فإنه كان غاليا في نفي الصفات وفي الجبر فجعل ~~من تمام توحيد الذات نفي الصفات ومن تمام توحيد الأفعال نفى الأسباب حتى ~~أنكر تأثير قدرة العبد بل نفى كونه قادرا وأنكر الحكمة والرحمة وكان يخرج ~~إلى الجذمي فيقول أرحم الراحمين يفعل كل هذا يعني أنه يفعل بمحض المشيئة ~~بلا رحمة وقوله ms045 في القدر قد يقرب إليه الأشعري ومن وافقه من الطوائف # والذي عليه السلف والأئمة والفقهاء والجمهور وكثير من أهل الكلام إثبات ~~الأسباب كما دل على ذلك الكتاب والسنة مع دلالة الحس والعقل والكلام على ~~هؤلاء مبسوط في مواضع أخر ### | التوكل عند الجمهور يجلب المنفعة ويدفع المضرة وهو سبب عند الأكثرين # والمقصود هنا الكلام على التوكل فإن الذي عليه الجمهور أن المتوكل يحصل ~~له بتوكله من جلب المنفعة ودفع المضرة ما لا يحصل لغيره وكذلك الداعي ~~والقرآن يدل على ذلك في مواضع كثيرة ثم هو سبب عند الأكثرين وعلامة عند من ~~ينفي الأسباب قال تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ~~[سورة الطلاق 2 - 3] والحسب الكافي فبين أنه كاف من توكل عليه وفي الدعاء ~~يا حسب المتوكل فلا يقال هو حسب غير المتوكل كما هو حسب المتوكل لأنه علق ~~هذه الجملة على الأولى تعليق الجزاء على الشرط فيمتنع في مثل ذلك أن يكون ~~وجود الشرط كعدمه ولأنه رتب الحكم على الوصف المناسب له ### | توكل المؤمن على الله هو سبب كونه حسبا له # فعلم أن توكله هو سبب كونه حسبا له ولأنه ذكر ذلك في سياق الترغيب في ~~التوكل كما رغب في التقوى فلو لم يحصل للمتوكل من الكفاية # PageV01P088 # ما لا يحصل لغيره لم يكن ذلك مرغبا في التوكل كما جعل التقوى سببا للخروج ~~من الشدة وحصول الرزق من حيث لا يحتسب وقد قال تعالى الذين قال لهم الناس ~~إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل [سورة آل عمران 173] فمدحوه سبحانه بأنه نعم الوكيل لما توكلوا عليه ~~بقولهم حسبنا الله أي كافينا الله لا يستحق المدح إن لم يجلب لمن توكل عليه ~~منفعة ويدفع عنه مضرة والله خير من توكل العباد عليه فهو نعم الوكيل يجلب ~~لهم كل خير ويدفع عنهم كل شر # وقال تعالى ms046 واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله ~~إلا هو فاتخذه وكيلا [سورة المزمل 8 - 9] وقال تعالى وآتينا موسى الكتاب ~~وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا [سورة الإسراء 2] فأمر ~~أن يتخذ وكيلا ونهى أن يتخذ من دونه وكيلا لأن المخلوق لا يستقل بجميع ~~حاجات العبد والوكالة الجائزة أن يوكل الإنسان في فعل يقدر عليه فيحصل ~~للموكل بذلك بعض مطلوبه فأما مطالبه كلها فلا يقدر عليها إلا الله وذلك ~~الذي يوكله لا يفعل شيئا إلا بمشيئة الله عز وجل وقدرته فليس له أن يتوكل ~~عليه وإن وكله بل يعتمد على الله في تيسير ما وكله فيه فلو كان الذي يحصل ~~للمتوكل على الله يحصل وإن توكل على غيره أو يحصل بلا توكل لكان اتخاذ بعض ~~المخلوقين وكيلا أنفع من اتخاذ الخالق وكيلا وهذا من أقبح لوازم هذا القول ~~الفاسد قال تعالى يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين [سورة ~~الأنفال 64] أي الله كافيك وكافي من اتبعك من # PageV01P089 # المؤمنين فلو كانت كفايته للمؤمنين المتبعين للرسول سواء اتبعوه أو لم ~~يتبعوه لم يكن للإيمان واتباع الرسول ثم أثر في هذه الكفاية ولا كان ~~لتخصصهم بذلك معنى وكان هذا نظير أن يقال هو خالقك وخالق من اتبعك من ~~المؤمنين ومعلوم أن المراد خلاف ذلك # وإذا كان الحسب معنى يختص به بعض الناس علم أن قول المتوكل حسبي الله ~~وقوله تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه [سورة الطلاق 3] أمر مختص لا ~~مشترك وأن التوكل سبب ذلك الإختصاص والله تعالى إذا وعد على العمل بوعد أو ~~خص أهله بكرامة فلا بد أن يكون بين وجود ذلك العمل وعدمه فرق في حصول تلك ~~الكرامة وإن كان قد يحصل نظيرها بسبب آخر فقد يكفي الله بعض من لم يتوكل ~~عليه كالأطفال لكن لا بد أن يكون للمتوكل أثر في حصول الكفاية الحاصلة ~~للمتوكلين فلا يكون ما يحصل من الكفاية بالتوكل حاصلا مطلقا وإن عدم التوكل ### | التوكل سبب نعمة الله ms047 وفضله # وقد قال تعالى وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله ~~وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم [سورة آل عمران ~~173 - 174] فمعقب هذا الجزاء والحكم لذلك الوصف والعمل بحرف الفاء وهي تفيد ~~السبب فدل ذلك على أن ذلك التوكل هو سبب هذا الإنقلاب بنعمة من الله وفضل ~~وأن هذا الجزاء جزاء على ذلك العمل # وفي الأثر من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله فلو كان التوكل لا ~~يجلب منفعة ولا يدفع مضرة لم يكن المتوكل أقوى من غيره # PageV01P090 # قال تعالى يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله ~~كان عليما حكيما واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا [سورة الأحزاب 1 - 3] # وقال في أثناء السورة ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على ~~الله وكفى بالله وكيلا [الآية 48] # فأمره سبحانه بتقواه واتباع ما يوحى إليه وأمره بالتوكل كما جمع بين هذين ~~الأصلين في غير موضع كقوله فاعبده وتوكل عليه [سورة هود 123] وقوله وتبتل ~~إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [سورة المزمل 8 ~~- 9] وقوله تعالى ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير [سورة ~~الممتحنة 4] وقوله تعالى هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب [سورة ~~الرعد 30] وقوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه [سورة الطلاق 2 - 3] # وقوله تعالى في الفاتحة إياك نعبد وإياك نستعين وعلم القرآن جمع في ~~الفاتحة وعلم الفاتحة في هذين الأصلين عبادة الله والتوكل عليه # وإذا أفرد لفظ العبادة دخل فيه التوكل فإنه من عبادة الله تعالى كقوله ~~تعالى يا أيها الناس ابعدوا ربكم [سورة البقرة 21] وقوله تعالى وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون [سورة الذاريات 56] وإذا قرن به التوكل كان مأمورا ~~به بخصوصه # وهذا كلفظ الإسلام والإيمان والعمل ولفظ الصلاة مع العبادة ومع اتباع # PageV01P091 # الكتاب ms048 ولفظ الفحشاء والبغي مع المنكر ونظائر ذلك متعددة # فكون اللفظ عند تجرده وإفراده يتناول أنواعا وقد يعطف بعض تلك الأنواع ~~عليه فيكون مأمورا به بخصوصه ثم قد يقال إذا عطف لم يدخل في المعطوف عليه ~~وقد يقال بل أمر به خاصا وعاما كما في قوله تعالى وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال وإذا كان الله أمره بالتوكل على الله ثم قال وكفى بالله وكيلا [سورة ~~الأحزاب 3] علم أن الله وكيل كاف لمن توكل عليه كما يقال في الخطبة والدعاء ~~الحمد لله كافي من توكل عليه # وإذا كان كفى به وكيلا فهذا مختص به سبحانه ليس غيره من الموجودات كفى به ~~وكيلا فإن من يتخذ وكيلا من المخلوقين غايته أن يفعل بعض المأمور وهو لا ~~يفعلها إلا بإعانة الله له وهو عاجز عن أكثر المطالب # فإذا كان سبحانه وصف نفسه بأنه كفى به وكيلا علم أنه يفعل بالمتوكل عليه ~~ما لا يحتاج معه إلى غيره في جلب المنافع ودفع المضار إذ لو تبقى شر لم يكن ~~كفى به وكيلا وهذا يقتضي بطلان ظن من ظن أن المتوكل عليه لا يحصل له بتوكله ~~عليه جلب منفعة ولا دفع مضرة بل يجري عليه من القضايا ما كان يجري لو لم ~~يتوكل عليه # والذين ظنوا هذا أصل شبهتهم أنهم لما أثبتوا أن الله إذا قضى شيئا فلا بد ~~أن يكون وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن ما سبق به علمه فهو ~~كائن لا محالة صاروا يظنون ما يوجد بسبب يوجد بدونه وما يوجد مع عدم المانع ~~يوجد مع المانع # PageV01P092 # وهذا غلط عظيم ضل فيه طوائف طائفة قالت لا حاجة إلى الأعمال المأمور بها ~~فإن من خلق للجنة فهو يدخلها وإن لم يؤمن ومن خلق للنار فهو يدخلها وإن آمن # وهذه الشبهة سئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ما منكم من أحد ~~إلا وقد علم مقعده من الجنة والنار قالوا أولا ندع العمل ونتكل على الكتاب ~~فقال لا اعملوا ms049 فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل ~~أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاء فسييسر إلى عمل أهل الشقاء ### | الأسباب -ومنها التوكل- من قدر الله # وهذا المعنى قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح في مواضع ~~تبيين أن ما سبق به الكتاب سبق بالأسباب التي تفضي إليه فالسعادة سبقت بأن ~~صاحبها يستعمل فيما يصير به سعيدا والشقاوة سبقت بأن صاحبها يستعمل فيما ~~يصير به شقيا فالقدر يتضمن الغاية وسببها لم يتضمن غاية بلا سبب كما تضمن ~~أن هذا ويلد له بأن يتزوج ويطأ المرأة وهذا ينبت أرضه بأن يزرع ويسقى الزرع ~~وأمثال ذلك # وكذلك في السنن أنه قيل له يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى ~~نسترقيها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله # PageV01P093 # بين أن الأسباب التي تدفع بها المكاره هي من قدر الله ليس القدر مجرد دفع ~~المكروه بلا سبب # وكذلك قول من قال إن الدعاء لا يؤثر شيئا والتوكل لا يؤثر شيئا هو من هذا ~~الجنس لكن إنكار ما أمر به من الأعمال كفر ظاهر بخلاف تأثير التوكل ولكن ~~الأصل واحد وهو النظر إلى المقدرو مجردا عن أسبابه ولوازمه ومن هذا الباب ~~أن المقتول يموت بأجله عند عامة المسلمين إلا فرقة من القدرية قالوا إن ~~القاتل قطع أجله ثم تكلم الجمهور لو لم يقتل فقال بعضهم كان يموت لأن الأجل ~~قد فرغ وقال بعضهم لا يموت لانتفاء السبب # وكلاء القولين قد قاله من ينتسب إلى السنة وكلاهما خطأ فإن القدر سبق ~~بأنه يموت فبهذا السبب لا بغيره فإذا قدر انتفاء هذا السبب كان فرض خلاف ما ~~في المقدور ولو كان المقدور أنه لا يموت بهذا السبب أمكن أن يكون المقدر ~~أنه يموت بغيره وأمكن أن يكون المقدر أنه لا يموت فالجزم بأحدهما جهل فما ~~تعددت أسبابه لم يجزم بعدمه عند عدم بعضها ولو لم يجزم بثبوته إن لم يعرف ~~له سبب ms050 آخر بخلاف ما ليس له إلا سبب واحد مثل دخول النار فإنه لا يدخلها ~~إلا من عصى فإذا قدر أنه لم يعص لم يدخلها ### | نصر الله مع التوكل عليه # قال تعالى فاعف عنهم واستغفر لهم وشاروهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على ~~الله إن الله يحب المتوكلين إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا ~~الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون [سورة آل عمران 159 - 160] ~~فأمره إذا عزم أن # PageV01P094 # يتوكل على الله فلو كان المتوكل لا يعينه على مثل ما عزم عليه لم يكن به ~~عند العزم فائدة يبين سبحانه أنه هو الناصر دون غيره فقال وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون فنهى عن التوكل على غيره وأمر بالتوكل عليه ليحصل للمتوكل ~~عليه النصر الذي لا يقدر عليه غيره وإلا فالمتوكل على غيره يطلب منه النصر ~~فإن كان ذلك المطلوب لا يحصل منه لم يكن لذكر انفراده بالنصر معنى فإنه على ~~هذا القول نصره لمن توكل عليه كنصره لمن لم يتوكل عليه وهذا يناقض مقصود ~~الآية بل عند هؤلاء قد ينصر من يتوكل على غيره ولا ينصر من توكل عليه فكيف ~~يأمر بالتوكل عليه دون غيره مقرونا بقوله إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن ~~يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون # وكذلك قوله تعالى أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل ~~الله فما له من هاد [سورة الزمر 36] إلى قوله قل حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون [سورة الزمر 38] فبين أن الله يكفي عبده الذي يعبده الذي هو من ~~عباده الذين ليس للشيطان عليهم سلطان الذين هم من عباده المخلصين الذين هم ~~من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا الذين هم من عباد الله الذين ~~يشربون من عين يفجرونها تفجيرا # ومثل هذا قوله سبحان الذي أسرى بعبده ليلا [سورة الإسراء 1] وقوله تعالى ~~وأنه لما قام عبد الله يدعوه [سورة الجن 19] وقوله تعالى وإن كنتم في ريب ~~مما نزلنا على عبدنا ms051 [سورة البقرة 23] ونظائر ذلك متعددة ثم أمره بقوله ~~حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون # PageV01P095 ### | توكل المرسلين يدفع عنهم شر أعدائهم # وقال تعالى واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه إن كان كبر عليكم مقامي ~~وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة ثم اقتضوا إلي ولا تنظرون [سورة يونس 71] # وكذلك قال عن هود لما قال لقومه إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال ~~إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا ~~تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ~~ربي على صراط مستقيم [سورة هود 54 - 56] فهذا من كلام المرسلين مما يبين ~~أنه بتوكله على الله يدفع شرهم عنه # فنوح يقول إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت ~~فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ~~فدعاهم إذا استعظموا ما يفعله كارهين له أن يجتمعوا ثم يفعلوا به ما ~~يريدونه من الإهلاك وقال تعالى فعلى الله توكلت فلولا أن تحقيقه هذه الكلمة ~~وهو توكله على الله يدفع ما تحداهم به ودعاهم إليه تعجيزا لهم من مناجزته ~~لكان قد طلب منهم أن يهلكوه وهذا لا يجوز وهذا طلب تعجيز لهم فدل على أنه ~~بتوكله على الله يعجزهم عما تحداهم به # وكذلك هو يشهد الله وإياهم أنه بريء مما يشركونه بالله ثم يتحداهم ~~ويعجزهم بقوله فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على # PageV01P096 # الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها بين أنه توكل على من أخذ ~~بنواصي الأنفس وبسائر الدواب فهو يدفعكم عني لأني متوكل عليه ولو كان وجود ~~التوكل كعدمه في هذا لكان قد أغراهم بالإيقاع به ولم يكن لذكر توكله فائدة ~~إذ كان حقيقة الأمر عند هؤلاء أنه لا فرق بين من توكل ومن لم يتوكل في وصول ~~العذاب عليه وهم كانوا أكثر وأقوى منه فكانوا يهلكونه ms052 لولا قوته بتوكله ~~عليه فإن التوكل إن لم يعطه قوة فهم أقوى منه وهو لو قال بأن الله مولاي ~~وناصري ونحو ذلك لعلم أنه قاله مخبرا فالله يدفعهم عنه وإنما يدفعهم ~~لإيمانه وتقواه ولأنه عبده ورسوله # والله تعالى مع رسله وأوليائه فإذا كان بسبب الإيمان والتقوى يدفع الله ~~عن المؤمنين التقين كما قال تعالى إن الله يدافع عن الذين آمنوا [سورة الحج ~~38] علم أن العبد تقوم به أعمال باطنة وظاهرة يجلب بها المنفعة ويدفع بها ~~المضرة فالتوكل من أعظم ذلك وعلم أن من ظن أن المقدور من المنافع والمضار ~~ليس معلقا بالأسباب بل يحصل بدونها فهو غلط ### | غلط من أنكر الأسباب أو جعلها مجرد أمارة أو علامة # وكذلك قول من جعل ذلك مجرد أمارة وعلامة لاقتران هذا بهذا في غير موضع من ~~القرآن في خلقه وأمره كقوله تعالى فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل ~~الثمرات [سورة الأعراف 57] وقوله تعالى كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في ~~الأيام الخالية [سورة الحاقة 24] وقوله تعالى جزاء بما كانوا يعملون [سورة ~~السجدة 17] # PageV01P097 # وأنكر تعالى على من ظن وجود الأسباب كعدمها في قوله تعالى أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين [سورة القلم 35] وقوله تعالى أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار [سورة ص 28] ~~وأمثال ذلك # وهؤلاء الذين يقولون بالجبد رقالوا بالأمر والنهي حقيقته أنه إعلام بوقوع ~~العذاب بالمعاصي بمحض المشيئة لا لسبب ولا لحكمة فقلبوا حقيقة الأمر والنهي ~~إلى الجبر كما أبطلوا الأسباب والحكم وأبطلوا قدر العباد وهم وإن كانوا ~~يردون على القدرية ويذكرون من تناقضهم ما يبين به فساد قول القدرية فردوا ~~باطلا بباطل وقابلوا بدعة ببدعة كرد اليهود على النصارى والنصارى على ~~اليهود مقاتلهم في المسيح وكلا المقالتين باطلة وكذلك تقابل الخوارج ~~والشيعة في علي كلاهما باطل على باطل ونظائر متعددة ### | فصل ### | فرض الله الدعاء على العباد لافتقارهم إلى هدايته # وإن ما فرض عليه من الدعاء الراتب الذي يتكرر في الصلوات بل الركعات ~~فرضها ونفلها هو الدعاء الذي تضمنته أم ms053 القرآن وهو قوله تعالى اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين لأن كل عبد ~~فهو مضطر دائما إلى مقصود هذاالدعاء وهو هداية الصراط المستقيم فإنه لا ~~نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية ولا وصول # PageV01P098 # إلى السعادة إلا به فمن فاته هذا الهدى فهو إما من المغضوب عليهم وإما من ~~الضالين # وهذا الإهتداء لا يحصل إلا بهدى الله فمن يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا [سورة الكهف 17] وهذه الآية مما يتبين بها فساد مذهب ~~القدرية الذين يزعمون أن العبد لا يفتقر في حصول هذا الإهتداء إلى الله بل ~~كل عبد عندهم معه ما يحصل به الإهتداء والكلام عليهم مبسوط في موضع آخر # والمقصود هنا أن كل عبد فهو مفتقر دائما إلى حصول هذه الهداية وأما سؤال ~~من يقول فقد هداهم إلى الإيمان فلا حاجة إلى الهدى وجواب من يجيب بأن ~~المطلوب دوام الهدى فكلام من لم يعرف حقيقة حال الأسباب وما أمر به فإن ~~الصراط المستقيم أن تفعل في كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل ~~ولا تفعل ما نهيت عنه وهذا يحتاج إليه في كل وقت إلى أن يعلم ما أمر به في ~~ذلك الوقت وما نهى عنه وإلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور وكراهة ~~جازمة لترك المحظور وهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن تحصل ~~للعبد في وقت واحد بل في كل وقت يحتاج أن يجعل الله في قلبه من العلوم ~~والإرادات ما يهدى به في ذلك الوقت نعم حصل له هدى مجمل فإن القرآن حق ودين ~~الإسلام حق والرسول ونحو ذلك ولكن هذا الهدى المجمل لا يعينه إن لم يحصل له ~~هدى مفصل في كل ما يأتيه ويدبره من الجزئيات التي يحار في كثير منها أكثر ~~عقول الخلق ويغلب الهوى أكثر الخلق لغلبة الشبهات والشهوات على النفوس # PageV01P099 # والإنسان خلق ظلوما جهولا فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من ~~الشر ms054 فيحتاج دائما إلى علم مفصل يزول به جهله وعدل في محبته وبغضه ورضاه ~~وغضبه وفعله وتركه وإعطائه ومنعه وكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى عدل ~~ينافي ظلمه فإن لم يمن الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل وإلا كان فيه ~~من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم وقد قال تعالى لنبيه بعد ~~صلح الحديبية وبيعة الرضوان إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا ~~عزيزا [سورة الفتح 1 - 3] فأخبر أنه فعل هذا ليهديه صراطا مستقيما فإذا كان ~~هذا حاله فكيف حال غيره # والصراط المستقيم قد فسر بالقرآن والإسلام وطريق العبودية وكل هذا حق فهو ~~موصوف بهذا وبغيره فحاجته إلى هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجاته بخلاف ~~الحاجة إلى الرزق والنصر فإن الله يرزقه وإذا انقطع رزقه مات والموت لا بد ~~منه فإن كان من أهل الهداية كان سعيدا وإن كان بعد الموت وكان الموت موصلا ~~له إلى السعادة الدائمة الأبدية فيكون رحمة في حقه وكذلك النصر إذا قدر أنه ~~قهر وغلب حتى قتل فإذا كان من أهل الهداية إلى الإستقامة مات شهيدا وكان ~~القتل من تمام نعمة الله عليه فتبين أن حاجة العباد إلى الهدي أعظم من ~~حاجتهم إلى الرزق بل لا نسبة بينهما فلهذا كان هذا الدعاء هو المفروض عليهم # وأيضا فإن الدعاء يتضمن الرزق والنصر لأنه إذا هدي الصراط المستقيم كان ~~من المتقين ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وكان ممن ~~ينصر الله ورسوله ومن نصر الله نصره وكان من جند الله وجند الله هم ~~الغالبون فالهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر # PageV01P100 ### | رسالة في تحقيق الشكر # PageV01P101 # فصل # يتعلق بالشكر ### | المجبرة والقدرية والملاحدة لا يحمدون الله ولا يشكرونه # اعلم أن أهل البدع القدرية من الجهمية المجبرة والقدرية النافية لا ~~يحمدون الله ولا يشكرونه كما أنهم لا يعبدونه وأما أهل الإلحاد من ~~المتفلسفة والباطنية ms055 فهم أبعد عن حمده وشكره ### | مقالة المجبرة # وذلك أن المجبرة حقيقة قولهم أنه ليس برحيم ولا منعم بل ولا إله يستحق أن ~~يعبد ويحب بل صدور الإحسان عنه كصدور الإساءة وإنما هو يفعل بمحض مشيئة ~~ترجح الشيء على مثله لا لمرجح وكل الممكنات عندهم متماثلة فلا فرق بين أن ~~يريد رحمة الخلق ونفعهم والإحسان إليهم أو يريد فسادهم وهلاكهم وضرارهم ~~يقولون هذا كله عنده سواء # ومعلوم أن الإنعام إنما يكون إنعاما إذا قصد به المنعم نفع المنعم عليه ~~دون إضراره وأما إذا قصد الأمرين فهذا ليس جعله منمعما مصلحا بأولى من جعله ~~معتديا مفسدا كمن بيده سيف يضرب به صديق الإنسان تارة وعدوه أخرى أو معه ~~دراهم يقوى بها تارة ويقويه بها تارة فهذا ليس كونه محسنا إليه بأولى من ~~كونه ضارا له ومحسنا إلى عدوه ### | مقالة القدرية النافية # وأما النافية فعندهم أن هذا كله واجب عليه البيان وخلق القدرة وإزاحة ~~العلل والجزاء ومن فعل الواجب الذي يستحقه غيره عليه لم يستحق الشكر المطلق # PageV01P103 # وأيضا إنعامه بالهدى على المؤمنين والكفار سواء فشكر المؤمنين له على ~~الهدى كشكر الكفار عليه إذ لم ينعم على المؤمنين بنفس الهدى بل هم اهتدوا ~~بقدرتهم ومشيئتهم وإذن كان إنعامه على النوعين سواء ولكن هؤلاء هم الذين ~~فعلوا ما يسعدون به ### | مقالة المتفلسفة # والمتفلسفة أرسطو وأتباعه عندهم أنه لا يفعل شيئا ولا يريد شيئا ولا يعلم ~~شيئا ولا يخلق شيئا فعلى أي شيء يشكر أم على أي شيء يحمد ويعبد ### | مقالة باطنية الشيعة والمتصوفة # والباطنية باطنية الشيعة والمتصوفة كابن سبعين وابن عربي هم في الباطن ~~كذلك بل يقولون الوجود واحد وجود المخلوق هو وجود الخالق فيجب عندهم أن ~~يكون كل موجود عابدا لنفسه شاكرا لنفسه حامدا لنفسه ### | مقالة ابن عربي # وابن عربي يجعل الأعيان ثابتة في العدم وقد صرح بأن الله لم يعط أحدا ~~شيئا وأن جميع ما للعباد فهو منهم لا منه وهو مفتقر إليهم لظهور وجوده في ~~أعيانهم وهم مفتقرون إليه لكون أعيانهم ظهرت ms056 في وجوده فالرب إن ظهر # PageV01P104 # فهو العبد والعبد إن بطن فهو الرب ولهذا قال لا تحمد ولا تشكر إلا نفسك ~~فما في أحد من الله شيء ولا في أحد من نفسه شيء ولهذا قال إنه يستحيل من ~~العبد أن يدعوه لأنه يشهد أحدية العين فالداعي هو المدعو فكيف يدعو نفسه ~~وزعم أن هذا هو خلاصة غاية الغاية فما بعد هذا شيء وقال فلا تطمع أن ترقى ~~في أعلى من هذه الدرج فما ثم شيء أصلا وإن هذا إنما يعرفه خلاصة خلاصة ~~الخاصة من أهل الله # فصرح بأنه ليس بعد وجود المخلوقات وجود يخلق ويرزق ويعبد ولهذا كان صاحبه ~~القاضي يقول # ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من حمد ولا ذم # وإنما العادة قد خصصت ... والطبع والشارع بالحكم # وقد قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر # PageV01P105 # فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم الآية [سورة النحل 53 - 54] إلى قوله ~~سبحانه ولهم ما يشتهون الآية 57 ### | كفر باطنية المتصوفة أعظم من كفر الفلاسفة # وهذه الآيات كما تناولت ذم الذين جعلوا له شريكا وولدا فتناولها لذم ~~هؤلاء الملاحدة أعظم فإن القائلين بقدم العالم وأنه معلول جعلوه كله ~~والدلالة قديما أزليا معه وهذا أعظم من قول أولئك والذين لم يجعلوه معلولا ~~له قالوا إنه قديم معه واجب الوجود مماثل له بل وجعلوا الفلك هو الذي تحدث ~~عنه الحوادث لكن حركته للشبه به وهذا أعظم من كل شرك في العالم ومن شرك ~~المجوس والحرنانيين فإن أولئك وإن جعلوا معه قديما إما الظلمة وهي إبليس ~~عند المجوس وإما النفس والهيولي عند الحرنانيين فهم يقولون إنه أحدث العالم ~~وأنه ركبه من النفس والهيولي القدمين ورحبه من أجزاء النور والظلمة # ولهذا ذكر محمد بن كعب وغيره عن المجوس والصابئة أنهم قالوا عن الله لولا ~~أولياؤه لذل فأنزل الله تعالى ولم يكن له ولي من الذل [سورة الإسراء 111] ~~فإنهم يجعلونه محتاجا إلى من يعاونه إذ كان # PageV01P106 # مغلوبا من وجه مع القدماء معه كما ms057 هو غالب من وجه # وكفر أولئك أعظم فإنهم لم يجعلوا له تأثيرا في الفلك ولا تصرفا بوجه من ~~الوجوه فهؤلاء تنقصوه وسلبوه الربوبية والإلهية أعظم من أولئك وجعلوه مع ~~الفلك مغلوبا من كل وجه لا بقدر أن يفعل فيه شيئا وكقول عبدة الأوثان هو ~~أجل من أن نعبده بل نعبد الوسائط وهو أجل من أن يبعث بشرا رسولا فجحدوا ~~توحيده ورسالته على وجه التعظيم له وكذلك المجوس الثنوية أثبتوا الظلمة ~~تنزيها له عن فعل الشر والحرنانيون أثبتوا معه النفس والهبلوي قديمين ~~تنزيها له عن إحداث العالم بلا سبب فالأمم كلهم يعظمونه لكن تعظيما يستلزم ~~شبهة وسبة ### | كل ما بالخلق من نعمة فمن الله # والمقصود هنا قوله تعالى وما بكم من نعمة فمن الله [سورة النحل 53] وقوله ~~عز وجل وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه [سورة الجاثية 13] ~~فالأمر ضد ما قاله هؤلاء الملاحدة ابن عربي ونحوه حيث قالوا ما في أحد من ~~الله شيء فيقال لهم بل كل ما بالخلق من نعمة فمن الله وحده # قال النبي صلى الله عليه وسلم من قال إذا أصبح اللهم ما أصبح بي من نعمة ~~أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر ذلك ~~اليوم ومن قال إذا أمسى اللهم ما أمسى بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك ~~وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر تلك الليلة رواه أبو داود ~~وغيره # PageV01P107 # فكل ما بالخلق من النعم فمنه وحده لا شريك له ولهذا هو سبحانه يجمع بين ~~الشكر والتوحيد ففي الصلاة أول الفاتحة الحمد لله رب العالمين وأوسطها إياك ~~نعبد وإياك نستعين والخطب وكل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم ~~وعن ابن عباس إذا قلت لا إله إلا الله فقل الحمد لله فإن الله يقول فادعوه ~~مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين [سورة غافر 65] # وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ms058 من قال حين يصبح الحمد لله ربي ~~لا أشرك به شيئا أشهد أن لا إله إلا الله ظل تغفر له ذنوبه حتى يمسي ومن ~~قالها حين يمسي غفرت له ذنوبه حتى يصبح رواه أبان المحاربي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما ذكره ابن عبد البر وغيره # فالحمد أول الأمر كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم ~~والتوحيد نهايته ولهذا كان النصف من الفاتحة الذي هو لله أوله حمد وآخره ~~توحيد إياك نعبد # والحمد رأس الشكر فالحامد يشكره أولا على نعمه ثم يعبده وحده فإن العبد ~~أول ما يعرف ما يحصل له من النعمة مثل خلقه حيا وخلق طرق العلم السمع ~~والبصر والعقل # PageV01P108 # وقد تنازع الناس في أول ما أنعم الله على العبد فقيل هو خلقه حيا أو خلق ~~الحياة كما قال ذلك من قاله من المعتزلة وقيل بل إدراك اللذات ونيل الشهوات ~~كما يقوله الأشعري ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره كالقاضي أبي ~~يعلى في أحد قوليه ومن أصحاب أحمد وغيرهم من قال بل أولها هو الإيمان ولم ~~يجعل ما قبل الإيمان نعمة بناء على أن تلك لا تصير نعما إلا بالإيمان وأن ~~الكافر ليس عليه نعمة وهذا أحد قولي الأشعري وأحد القولين لمتأخري أصحاب ~~أحمد وغيرهم كأبي الفرج ### | نعمة الله على الكفار وغيرهم ولكن نعمته المطلقة على المؤمنين # والصحيح أن نعمة الله على كل أحد على الكفار وغيرهم لكن النعمة المطلقة ~~التامة هي على الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين الذين أمرنا أن نقول في صلاتنا اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم فإن جعلت غير صفة لا استثناء فيها لم يدخل المغضوب عليهم ولا ~~الضالون في المنعم عليهم وإن جعلت استثناء فقد دخلوا في المنعم عليهم لكن ~~رجحوا الأول فقالوا واللفظ للبغوي غير ههنا بمعنى لا ولا بمعنى غير ولذلك ~~جاز العطف عليها كما يقال فلان يغر محسن ولا مجمل فإذا كان غير بمعنى سوى ~~فلا يجوز العطف ms059 عليها بلا لا يجوز في الكلام عندي سوى عبد الله ولا زيد وقد ~~روى عن عمر أنه قرأ صراط من أنعمت عليهم غير # PageV01P109 # المغضوب عليهم وغير الضالين # وهذا قد ذكره غير واحد من أهل العربية ومثلوه بقول القائل إنى لأقر ~~بالصادق غير الكاذب قالوا وغير هنا صفة ليست للإستثناء وأصل غير أن تكون ~~صفة وهي في الآية صفة ولهذا خفضت كأنه قيل صراط المنعم عليهم المغايرين ~~لهؤلاء وهؤلاء # هذه هي النعمة المطلقة التامة والقرآن مملوء من ذكر نعمه على الكفار وقد ~~قال تعالى كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم [سورة البقرة 28] فالحياة ~~نعمة وإدراك اللذات نعمة وأما الإيمان فهو أعظم النعم وبه تتم النعم # فالإنسان بجبلته يطلب ما يوافقه ويتنعم به من الغذاء وغيره على هذا فطر ~~فيعرف النعمة فيعرف المنعم فيشكره فلهذا كان الحمد هو الإبتداء فإن شعوره ~~بنفسه وبما يحتاج إليه ويتنعم به قبل شعوره بكل شيء وهو من حين خرج من بطن ~~أمه شعر باللبن الذي يحتاج إليه ويتنعم به وبما يخرج منه وهو الثدي فلهذا ~~تعرف الله إليه بالنعم ليشكره وشكره ابتداء معرفته بالله فإذا عرف الله ~~أحبه فعبده وتنعم بعبادته وحده لا شريك له وعرف ما في التأله له من اللذة ~~العظيمة التي لا يعد لها لذة فلهذا كان التوحيد نهايته أوله الحمد وآخره ~~إياك نعبد # وكذلك في الجنة كما في صحيح مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P110 # أنه قال إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله ~~موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ~~ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم ~~من النظر إليه وهي الزياده فالنظر إليه أكمل اللذات وآخرها كما قال فما ~~أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولهذا قيل أطيب ما في الدنيا معرفته ~~وأطيب ما في الآخرة مشاهدته # وعبادته وحده بمحبته وقصد رؤيته هو لأهل السنة الذين يقرون بإلاهيته ms060 ~~وحكمته وأنه يستحق المحبة وأن يكون هو أحب إلى العبد من كل شيء ### | الجهمية والمعتزلة ينكرون محبته تعالى ويقرون بوجوب الشكر # وأما الجهمية والمعتزلة فينكرون محبته وحقيقة إلاهيته وعلى قولهم تمتنع ~~عبادته لكن المعتزلة تقر بالنعمة ووجوب الشكر وعلى هذا بنوا دينهم وغاية ~~الواجبات هي الشكر ولهذا قالوا الشكر يجب عقلا وأما العبادة والمحبة فلم ~~يعرفوها ولم يصلوا إليها بل أنكروها # وأما الجهمية المجبرة لا هذا ولا هذا لكن يعترفون بقدرته وأنه يفعل ما ~~يشاء ولهذا كانوا في الواجبات وترك المحرمات أبعد من المعتزلة فإنهم مرجئة ~~مجبرة فلا يجزمون بالوعيد وهذا نصف الحرف الباعث على العمل ويقلون بالجبر ~~وهذا نصف الإعتراف بحق الله على العبد ووجوب شكره فتضعف دواعيهم من جهة ~~الخوف ومن جهة الشكر لا يشكرون نعمه الماضية # PageV01P111 ### | الجهمية المجبرة يضعف شكرهم وخوفهم ويقوى رجاؤهم # ولا يخافون عقوبته المستقبلة ولكن لما آمن من آمن منهم بالرسل صار عندهم ~~خوف ما ورجاء وصاروا يوجبون الشكر شرعا وعندهم داعي الرجاء فالرجاء عندهم ~~أغلب من الخوف وهو أحد المعنيين في تسميتهم مرجئة قيل إنه من الرجاء أي ~~يجعلون الناس راجين فهم مرجية لا مخيفة لكن الصحيح أنهم مرجئة بالهمز من ~~الإرجاء لكن يشارك الرجاء في الإشتقاق الأكبر ### | المؤمن يخاف الله ويرجوه ويحبه # ولهذا قيل من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجىء ومن عبده بالخوف وحده فهو ~~حروري ومن عبده بالحب فهو زنديق ومن عبده بالخوف والرجاء والحب فهو مؤمن ~~موحد ### | القائلون بوحدة الوجود يحبون بدون خوف أو رجاء # وذلك أن الحب الذي ليس معه رجاء ولا خوف يبعث النفس على اتباع هواها ~~وصاحبه إنما يحب في الحقيقة نفسه وقد اتخذ إلاهه هواه فلهذا كان زنديقا ومن ~~هنا دخلت الملاحدة الباطنية كالقائلين بوحدة الوجود فإن هؤلاء سلوكهم عن ~~هوى ومحبة فقط ليس معه رجاء ولا خوف ولهذا يتنوعون # PageV01P112 # فهم من الذين قال الله فيهم أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [سورة الجاثية 23] ~~ولهذا يجوزون الشرك كما قال تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ms061 التي ~~فطر الناس عليها الآية وما بعدها إلى قوله كل حزب بما لديهم فرحون [سورة ~~الروم 30 - 32] # وهم في الحقيقة ينكرون محبة الله ولكن يقولون الحكمة هي التشبه به ولهذا ~~كان ابن عربي يجعل الولي هو المتشبه به في التخلق بأسمائه وينكر اللذة ~~بالمشاهدة والخطاب ويقول ما التذ عارف قط بالمشاهدة لأنها على أصله مشاهدة ~~وجود مطلق ولا لذة فيها # ووقع بينه وبين شهاب الدين السهروردي منازعة هل حين يتجلى لهم يخاطبهم ~~فأثبت شهاب الدين ذلك كما جائت به الآثار وأنكر ذلك ابن عربي وقال مسكين ~~هذا السهروردي نحن نقول له عن تجلي الذات وهو يقول عن تجلي الصفات # PageV01P113 # وهذا بناء على أصله الفاسد وهو أن الذات وجود مطلق لا تقوم به صفات لا ~~كلام ولا غيره فيستحيل عند تجليها خطاب # وشهاب الدين كان أتبع للسنة والشرع منه ولهذا كان صاحبهما ابن حمويه يقول ~~ابن عربي بحر لا تكدره الدلاء ولكن نور المتابعة المحمدية على وجه الشيخ ~~شهاب الدين شيء آخر لكنه كان ضعيف الإثبات للصفات والعلو لما فيه من التجهم ~~الأشعري وكان يقول عن الرب لا إشارة ولا تعيين # وهؤلاء مخانيث الجهمية وابن عربي من ذكورهم فهم يستطيلون على من دخل معهم ~~في التجهم وإنما يقهرهم أهل السنة المثبتون العارفون بما جاء به الرسول ~~وبمخالفتهم له وببطلان ما يناقصن السنة من المعقولات الفاسدة ولم يكن ~~السهروردي من هؤلاء وكذلك الحريري قال كنت أثبت المحبة أولا ثم رأيت أن ~~المحبة ما تكون إلا من غير لغير وما ثم غير # PageV01P114 # فهؤلاء منتهاهم إنكار المحبة التي يستحقها الرب ولهذا لا يتابعون رسوله ~~ولا يجاهدون في سبيله والله وصف المؤمنين بهذا وبهذا فمحبة هؤلاء تجر إلى ~~الزندقة # وأيضا فقد يقولون إن المحب لا تضره الذنوب وصنف ابن حمويه في ذلك مصنفا ~~بناه على ما يقال إذا أحب الله عبدا لا تضره الذنوب وهذا إذا قاله المحق ~~فقصده أنه لا يتركه مصرا عليها بل يتوب عليه منها فلا تضره فأخذه هؤلاء ~~وقالوا إن الذنوب ms062 لا تضر المحبوبين وأحدهم يقول عن نفسه إنه محجوب فلا تضره ~~الذنوب فصاروا مثل اليهود والنصارى الذين قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه ~~[سورة المائدة 18] فصار فيهم زندقة من هذا الوجه ومن غيره ### | بيان مقالة أهل السنة # وقد قال تعالى عن يوسف كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين [سورة يوسف 24] وقال تعالى ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به [سورة النساء 123] وسيد المحبين المحبوبين خاتم الرسل وقد ~~قال إني أعلمكم بالله واشدكم خشية له # وهو سبحانه لا يحب إلا الحسنات ولا يحب السيئات وهو يحب المتقين ~~والمحسنين والصابرين والتوابين والمتطهرين ولا يحب كل مختال فخور ولا يحب # PageV01P115 # الفساد ولا يرضى لعباده الكفر فإذا أحب عبدا وأذنب كان من التوابين ~~المتطهرين # وبعض الناس يقول الشاب التائب حبيب الله والشيخ التائب عتيقه وليس كذلك ~~بل كل من تاب فهو حبيب الله سواء كان شيخا أو شابا وقد روى أهل ذكرى أهل ~~مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أويسهم ~~من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب ~~لأطهرهم من المعايب # وهذا فعله مع عباده إذا أذنبوا إما أن يتوب عليهم وإما أن يبتليهم بما ~~يطهرهم إذا لم يجعل السيئات تخفص درجتهم وإن لم يكن هذا ولا هذا انخفضت ~~درجتهم بحسب سيئاتهم عن درجات من ساواهم في الحسنات وسلم من تلك السيئات ~~كما قال سبحانه ولكل درجات مما عملوا [سورة الأنعام 132] لأهل الجنة ولأهل ~~النار درجات من أعمالهم بحسبها كما قد بسط في غير هذا الموضع # والعبد هو فقير دائما إلى الله من كل وجه من جهة أنه معبوده وأنه مستعانه ~~فلا يأتي بالنعم إلا هو ولا يصلح حال العبد إلا بعبادته وهو مذنب أيضا لا ~~بد له من الذنوب فهو دائما فقير مذنب فيحتاج دائما وإلى الغفور الرحيم ~~الغفور الذي يغفر ذنوبه والرحيم الذي يرحمه فينعم عليه ويحسن إليه فهو ~~دائما بين إنعام الرب وذنوب نفسه ms063 كما قال أبو إسماعيل الأنصاري إنه يسير ~~بين مطالعة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل وكما قال ذلك العارف للحسن ~~البصري إني أصبح بين نعمة وذنب فأريد أن أحدث للنعمة شكرا وللذنب استغفارا # PageV01P116 # وفي سيد الإستغفار أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي وفي الحديث الإلهي فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وكان يقول في ~~خطبته الحمد لله نستعينه ونستغفره وفي القنوت اللهم إنا نستعينك ونستهديك ~~ونستغفرك إلى آخره وكان صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع يحمد ~~الله ثم يستغفره فيقول ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما ~~بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا ~~لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي ما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ~~اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد اللهم نقني من خطاياي كما ~~ينقى الثوب الأبيض من الدنس # PageV01P117 # والإستغفار مقرون بالحمد كما قرن بالتوحيد وكما قرن الحمد بالتحميد وقد ~~جمعت الثلاثة في مثل كفارة المجلس سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا ~~أنت أستغفرك وأتوب إليك # وكان المقصود أن الجهمية المجبرة لما آمن منهم من آمن بالرسل صار عندهم ~~خوف ما ورجاء ما وصاروا يوجبون الشكر شرعا فالداعي عندهم جزء من الشرع وأما ~~داعي المعتزلة فهو أقوى من داعيهم فهم أحسن أعمالا وأعبد وأطوع وأورع كأهل ~~السنة والمعرفة فهم يعبدونه مع الخوف والرجاء والشكر بداعي المحبة ومعرفة ~~الحكمة والإلهية وهذه ملة إبراهيم الخليل فهم فوق هؤلاء كلهم والله تعالى ~~أعلم # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وسلم # PageV01P118 ### | رسالة في معنى كون الرب عادلا وفي تنزهه عن الظلم # PageV01P119 # قاعدة # في معنى كون الرب عادلا وفي تنزهه عن الظلم # وفي إثبات عدله وإحسانه # تأليف شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية مما ألفه في محبسه الأخير بالقلعة ~~بدمشق قدس الله روحه # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين # الحمد لله رب العالمين ms064 وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجميعن وسلم تسليما ### | فصل # اتفق المسلمون وسائر أهل الملل على أن الله تعالى عدل قائم بالقسط لا ~~يظلم شيئا بل هو منزه عن الظلم ### | تنازع طوائف المسلمين في معنى الظلم الذي ينزه الله عنه # ثم لما خاضوا في القدر تنازعوا في معنى كونه عدلا في الظلم الذي هو منزه ~~عنه ### | مقالة الجهمية والأشاعرة # فقالت طائفة الظلم ليس بممكن الوجود بل كل ممكن إذا قدر وجوده منه فإنه ~~عدل والظلم هو الممتنع مثل الجمع بين الضدين وكون الشيء موجودا معدوما فإن ~~الظلم إما التصرف في ملك الغير وكل ما سواه ملكه وإما مخالفة الآمر الذي ~~تجب طاعته وليس فوق الله تعالى آمر تجب عليه طاعته # وهؤلاء يقولون مهما تصور وجوده وقدر وجوده فهو عدل وإذا قالوا كل نعمة ~~منه فضل وكل نقمة منه عدل فهذا أمر أوهم # PageV01P121 # وهذا قول المجبرة مثل جهم ومن اتبعه وهو قول الأشعري وأمثاله من أهل ~~الكلام وقول من وافقهم من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية # وقد روى عن بعض المتقدمين كلمات مطلقة تشبه هذا المذهب مثل قول إياس بن ~~معاوية ما ناظرت بعقلي كله إلا القدرية قلت لهم ما الظلم قالوا أن تأخذ ما ~~ليس لك قلت فلله كل شيء ومثل قول أبي الأسود لعمران بن حصين لما سأله فقال ~~عمران أرأيت ما يكدح الناس اليوم ويعملون فيه أشيء قضى عليهم ومضى من قدر ~~قد سبق أو فيما يستقبلون فيما أتاهم به نبيهم فاتخذت به عليهم الحجة قال ~~قلت بل شيء قد قضى عليهم ومضى عليهم قال فهل يكون ذلك ظلما قال ففزعت من ~~ذلك فزعا شديدا وقلت له إنه ليس شيء إلا وهو خلق الله وملك يده ولا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون فقال سددك الله إني والله ما سألتك إلا لأحرز عقلك # وهذا قول كثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كالقاضي أبي يعلى # PageV01P122 # وأتباعه وأبي المعالي الجويني وأتباعه وأبي الوليد الباجي وأتباعه وغيرهم ### | مقالة المعتزلة # والقول الثاني أنه عدل ms065 لا يظلم لأنه لم يرد وجود شيء من الذنوب لا الكفر ~~ولا الفسوق ولا العصيان بل العباد فعلوا ذلك بغير مشيئته كما فعلوه عاصين ~~لأمره وهو لم يخلق شيئا من أفعال العباد لا خيرا ولا شرا بل هم أحدثوا ~~أفعالهم فلما أحدثوا معاصيهم استحقوا العقوبة عليها فعاقبهم بأفعالهم لم ~~يظلمهم # هذا قول القدرية من المعتزلة وغيرهم وهؤلاء عندهم لا يتم تنزيهه عن الظلم ~~إن لم يجعل غير خالق لشيء من أفعال العباد بل ولا قادر على ذلك وإن لم يجعل ~~غير شاء لجميع الكائنات بل يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء إذ المشيئة ~~عندهم بمعنى الأمر # وهؤلاء والذين قبلهم يتناقضون تناقضا عظيما ولكن من الطائفتين مباحث ~~ومصنفات في الرد على الأخرى وكل من الطائفتين تسمى الأخرى القدرية وقد روى ~~عن طائفة من التابعين موافقة هؤلاء ### | مقالة أهل السنة # والقول الثالث أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه والعدل وضع كل شيء في ~~موضعه وهو سبحانه حكم عدل يضع الأشياء مواضعها ولا # PageV01P123 # يضع شيئا إلا في موضعه الذي يناسبه وتقتضيه الحكمة والعدل ولا يفرق بين ~~متماثلين ولا يسوي بين مختلفين ولا يعاقب إلا من يتسحق العقوبة فيضعها ~~موضعها لما في ذلك من الحكمة والعدل # وأما أهل البر والتقوى فلا يعاقبهم ألبتة قال تعالى أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون [سورة القلم 35 - 36] وقال تعالى أم نجعل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ~~[سورة ص 28] وقال تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات الآية [سورة الجاثية 21] # قال أبو بكر بن الأنباري الظلم وضع الشيء في غير موضعه يقال ظلم الرجل ~~سقاءه إذا سقا منه قبل أن يخرج زبده قال الشاعر # وصاحب صدق لم تنلني شكاته ... ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر # أراد بالصاحب وطب اللبن وظلمه إياه أن يسقيه قبل أن يخرج زبده والعرب ~~تقول هو أظلم من حية لأنها تأتي الحفر الذي لم تحفره فتسكنه ويقال قد ظلم ms066 ~~الماء الوادي إذا وصل منه إلى مكان لم يكن يصل إليه فيما مضى ذكر ذلك أبو ~~الفرج وكذلك قال البغوي أصل الظلم وضع # PageV01P124 # الشيء في غير موضعه وكذلك ذكر غير واحد قالوا والعرب تقول من أشبه أباه ~~فما ظلم أي ما وضع الشبه في غير موضعه # وهذا الأصل وهو عدل الرب يتعلق بجميع أنواع العلم والدين فإن جميع أفعال ~~الرب ومخلوقاته داخلة في ذلك وكذلك أقواله وشرائعه كتبه المنزلة وما يدخل ~~في ذلك من مسائل المبدأ والمعاد ومسائل النبوات وآياتهم والنواب والعقاب ~~ومسائل التعديل والتجوير وغير ذلك وهذه الأمور مما خاض فيه جميع الأمم كما ~~قد بسط في مواضع # وأهل الملل كلهم يقرون بعدله لأن الكتب الإلهية نطقت بعدله وأنه قائم ~~بالقسط وأنه لا يظلم الناس مثقال ذرة لكن كثير من الناس في نفسه ضغن من ذلك ~~وقد يقوله بلسانه ويعرض به في نظمه ونثره وهؤلاء أكثر رما يكونون في ~~المجبرة الذين لا يجعلون العدل قسيما لظلم ممكن لا يفعله بل يقولون الظلم ~~ممتنع ويجوزون تعذيب الأطفال وغير الأطفال بلا ذنب أصلا وأن يخلق خلقا ~~يعذبهم بالنار أبدا لا لحكمة أصلا ويرى أحدهم أنه خلق فيه الذنوب وعذب ~~بالنار لا لحكمة ولا لرعاية عدل فتفيض نفوسهم إذا وقعت منهم الذنوب وأصيبوا ~~بعقوباتها بأقوال يكونون فيها خصماء الله تعالى وقد وقع من هذا قطعة في ~~كلام طائفة من الشيوخ وأهل الكلام ليس هذا موضع حكاية أعيانهم # وما ذكرناه من الأقوال الثلاثة نضبط أصول الناس فيه ونبين أن القول ~~الثالث هو الصواب وبه يتبين أن كل ما يفعله الرب فهو عدل وأنه لا يضع # PageV01P125 # الأشياء في غير رموضعها فلا يظلم مثقال ذرة ولا يجزى أحدا إلا بذنبه ولا ~~يخاف أحد ظلما ولا هضما لا يهضم من حسناته ولا يظلم فيزاد عليه في سيئاته ~~لا من سيئات غيره ولا من غيرها بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان ms067 إلا ما سعى ~~أي لا يملك ذلك ولا يستحقه وإن كان قد يحصل له نفع بفضل الله ورحمته وبدعاء ~~غيره وعمله فذاك قد عرف أن الله يرحم كثيرا من الناس من غير جهة عمله لكنه ~~ليس له إلا ما سعى قال الله تعالى أمل لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم ~~الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف ~~يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى [سورة النجم 36 - 41] وقوله أم لم ينبأ بما في ~~صحف موسى يقتضي أن المنبأ بذلك يجب عليه تصديق ذلك والإيمان به فكان هذا ~~مما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا لإبراهيم وموسى كما قال في آخر ~~سبح إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى [سورة الأعلى 18 - 19] ### | فصل # ومما يتبين عدل الرب وإحسانه وأن الخير بيديه والشر ليس إليه كما كان ~~عليه السلام يثني على ربه بذلك في مناجاته له في دعاء الإستفتاح # PageV01P126 # وأنه سبحانه لا يظلم مثقال ذرة بل مع غاية عدله فهو أرحم الراحمين وهو ~~أرحم من الوالدة بولدها كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح وهو سبحانه أحكم الحاكمين كما قال نوح في مناجاته وأنت أحكم ~~الحاكمين [سورة هود 45] وأن الظلم قد ذكرنا في غير موضع أن للناس في تفسيره ~~ثلاثة أقوال قيل هو التصرف في ملك الغير بغير إذنه أو مخالفة الآمر الذي ~~تجب طاعته وكلاهما منتف في حق الله تعالى وهذا تفسير المجبرة القدرية من ~~الجهمية وغيرهم وكثير ممن ينتسب إلى السنة وهو تفسير الأشعري وأصحابه ومن ~~وافقهم كالقاضي أبي يعلى وأتباعه وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهم # والثاني أنه إضرار غير مستحق وهذا أيضا منتف عن الله تعالى وهذا تفسير ~~المعتزلة وغيرهم # وهؤلاء يقولون لو قدر الذنوب وعذب عليها لكان إضرار غير مستحق والله منزه ~~عنه وأولئك يقولون الظلم ممتنع لذاته غير ممكن ولا مقدور بل كل ما يمكن فهو ~~عدل غير ظلم وإذا عذب جميع ms068 الخلق بلا # PageV01P127 # ذنب أصلا لم يكن ظلما عند هؤلاء وإذا فعل ما يشاء بمقتضى حكمته وقدرته ~~كان ظلما عند أولئك فإنهم يجعلون ظلمه من جنس ظلم العباد وعدله من جنس ~~عدلهم وهم مشبهة الأفعال # والسيد إذا ترك مماليكه يظلمون ويفسدون مع قدرته على منعهم كان ظالما ~~وإذا كان قد أمرهم ونهاهم وهو يعلم أنهم يعصونه وهو قادر على منعهم كان ~~ظالما وإذا قال مقصودي أن أعرضهم لثواب الطاعة ولذلك اقتنيتهم وقد علم أنهم ~~لا يطيعونه كان سفيها ظالما وهم يقولون إن الرب خلق الخلق وليس مراده إلا ~~أن ينفعهم وأمرهم وليس مراده إلا نفعهم بالثواب مع علمه أنهم يعصونه ولا ~~ينتفعون # ولهذا طائفة منهم نفت علمه وآخرون قالوا ما يمكنه أن يجعلهم مطيعين وهو ~~قول جمهورهم فنفوا قدرته وإن أثبتوه عالما قادرا ولم يفعل ما أراده من ~~الخير جعلوه غير حكيم ولا رحيم بل ولا عادل # وأما الطائفة الأخرى فهم معطلة في الأفعال كما أن أولئك مشبهة الأفعال ~~فإنهم يعطلون فعل العبد ويقولون ليس بفاعل ولا قادر على الفعل ولا له قدرة ~~مؤثرة في المقدور وأما الرب فيقولون خلق ما خلق لا لحكمة أصلا فعطلوا حكمته ~~وقال إنه يجوز أن يعذب جميع الخلق بلا ذنب فعطلوا عدله والعدل هو فعله وهو ~~سبحانه قائم بالقسط فمن نفى عدله وحكمته فإما أن ينفي فعله وإما أن يصفه ~~بضد ذلك من الظلم والسفه كما أن الكلام على الطائفتين في غير هذا الموضع # PageV01P128 # والصواب القول الثالث وهو أن الظلم وضع الأشياء في غير مواضعها وكذلك ~~ذكره أبو بكر بن الأنباري وغيره من أهل اللغة وذكروا على ذلك عدة شواهد كما ~~قد بسط في غير هذا الموضع # وحينئذ فليس في الوجود ظلم من الله سبحانه بل قد وضع كل شيء موضعه مع ~~قدرته على أن يفعل خلاف ذلك فهو سبحانه يفعل باختياره ومشيئته ويستحق الحمد ~~والثناء على أن يعدل ولا يظلم خلاف قول المجبرة الذين يقولون لا يقدر على ~~الظلم وقد وافقهم بعض المعتزلة كالنظام ms069 لكن الظلم عنده غير الظلم عندهم ~~فأولئك يقولون الظلم هو الممتنع لذاته وهذا يقول هو ممكن لكن لا يقدر عليه ~~والقدرية النفاة يقولون ليس في الوجود ظلم من الله لأنه عندهم لم يخلق شيئا ~~من أفعال العباد ولا يقدر على ذلك فما نزهوه عن الظلم إلا بسلبه القدرة ~~وخلق كل شيء كما أن أولئك ما أثبتوا قدرته وخلقه كل شيء حتى قالوا إنه لا ~~ينزه أن يفعل ما يمكن كتعذيب البراء بلا ذنب فأولئك أثبتوا له حمدا بلا ملك ~~وهؤلاء أثبتوا له ملكا بلا حمد وأهل السنة أثبتوا ما أثبته لنفسه له الملك ~~والحمد فهو على كل شيء قدير وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو خالق كل شيء ~~وهو عادل في كل ما خلقه واضع للأشياء مواضعها وهو قادر على أن يظلم لكنه ~~سبحانه منزه عن ذلك لا يفعله لأنه السلام القدوس المستحق للتنزيه عن السوء ~~وهو سبحانه سبوح قدوس يسبح له ما في السماوات والأرض وسبحان الله كلمة كما ~~قال ميمون بن مهران هي كلمة يعظم بها الرب ويحاشى بها من السوء # PageV01P129 # وكذلك قال ابن عباس وغير واحد من السلف إنها تنزيه الله من السوء وقال ~~قتادة في اسمه المتكبر إنه الذي تكبر عن السوء وعنه أيضا إنه الذي تكبر عن ~~السيئات # فهو سبحانه منزه عن فعل القبائح لا يفعل السوء ولا السيئات مع أنه سبحانه ~~خالق كل شيء أفعال العباد وغيرها والعبد إذا فعل القبيح المنهي عنه كان قد ~~فعل سوءا وظلما وقبيحا وشرا والرب قد جعله فاعلا لذلك وذلك منه سبحانه عدل ~~وحكمة صواب ووضع للأشياء مواضعها فخلقه سبحانه لما فيه نقص أو عيب للحكمة ~~التي خلقه لها هو محمود عليه وهو منه عدل وحكمة وصواب وإن كان في المخلوق ~~عيبا ومثل هذا مفعول في الفاعلين المخلوقين فإن الصانع إذا أخذ الخشبة ~~المعوجة والحجر الردى واللبنة الناقصة فوضعها في موضع يليق بها ويناسبها ~~كان ذلك منه عدلا واستقامة وصوابا وهو محمود وإن كان في ms070 تلك عوج وعيب هي به ~~مذمومه مذمومة ومن أخذ الخبائث فجعلها في المحل الذي يليق بها كان ذلك حكمة ~~وعدلا وإنما السفه والظلم أن يضعها في غير موضعها ومن وضع العمامة على ~~الرأس والنعلين في الرجلين فقد وضع كل شيء موضعه ولم يظلم النعلين إذ هذا ~~محلهما المناسب لهما فهو سبحانه لا يضع شيئا إلا موضعه فلا يكون إلا عدلا ~~ولا يفعل إلا خيرا فلا يكون إلا محسنا جوادا رحيما وهو سبحانه له الخلق ~~والأمر فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين ويأمر بتحصيل المصالح ~~وتكميلها وبتعطيل المفاسد وتقليلها وإذا تعارض امران رجح أحسنهما وليس في ~~الشريعة أمر بفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه ولا نهي عن فعل إلا وعدمه ~~خير من وجوده وهو فيما يأمر به قد أراده إرادة دينية شرعية وأحبه ورضيه فلا ~~يحب ويرضى شيئا إلا ووجوده خير من عدمه ولهذا أمر عباده أن يأخذوا # PageV01P130 # بأحسن ما أنزل إليهم من ربهم فإن الأحسن هو المأمور به وهو خير من المنهي ~~عنه ### | الخير بيديه سبحانه والشر ليس إليه # كذلك هو سبحانه في خلقه وفعله فما أراد أن يخلقه وبفعله كان أن يخلقه ~~ويفعله خيرا من أن لا يخلقه ويفعله وما لم يرد أن يخلقه ويفعله كان أن لا ~~يخلقه ويفعله خيرا من أن يخلقه ويفعله فهو لا يفعل إلا الخير وهو ما وجوده ~~خير من عدمه فكل ما كان عدمه خيرا من وجوده فوجوده شر فهو لا يفعله بل هو ~~منزه عنه والشر ليس إليه فالشر وهو ما كان وجوده شرا من عدمه ليس إليه إذ ~~كان هذا مستحقا للعدم لا يشاؤه ولا يخلقه والمعدوم لا يضاف إلى فاعل فليس ~~إليه ولكن الخير بيديه وهو ما كان وجوده خيرا من عدمه ### | التعليق على قول بعضهم: الخير كله في الوجود والشر كله في العدم # ومن الناس من يقول الخير كله في الوجود والشر كله في العدم والوجود خير ~~روالشر المحض لا يكون إلا معدوما وهذا لفظ ms071 مجمل فإذا أريد بذلك أن كل ما ~~خلقه الله وأوجده ففيه الخير ووجوده خير من عدمه فهذا صحيح وكذلك ما لم ~~يخلقه ولم يشأه وهو المعدوم الباقي على عدمه لا خير فيه إذ لو كان فيه خير ~~لفعله سبحانه فإنه سبحانه بيده الخير فالشر العدمي هو عدم الخير لا أن في ~~العدم شرا وجوديا وأما إذا أريد أن كل ما يقدر وجوده فوجوده خير وكل ما ~~يقدر عدمه فعدمه شر فليس بصحيح بل من الأشياء ما وجوده شر من عدمه ولكن هذا ~~لا يخلقه الرب فيبقى معدوما وعدمه خير فهذا خير من هذا العدم بمعنى أن عدمه ~~خير رمن وجوده إذ كان وجوده فيه ضرر راجح وعدم الضرر الراجح خير فهو خير ~~عدمي في العدم # PageV01P131 # إذ العدم لا يكون فيه وجود فالشر ليس إليه وهو ما كان وجوده شرا من عدمه ~~فإنه لا يخلق هذا وما لم يخلقه فإنه ليس إليه وكل ما خلقه فوجوده خير من ~~عدمه وهو سبحانه بيده الخير وذلك الذي وجوده شر من عدمه فإنه سبحانه يدفعه ~~ويمنعه أن يكون مع القيام المقتضي له كما قال تعالى إن الله يدافع عن الذين ~~آمنوا [سورة الحج 38] والله يعصمك من الناس [سورة المائدة 67] له معقبات من ~~بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [سورة الرعد 11] وهو يجير ولا يجار ~~عليه [سورة المؤمنون 88] # فدفعه الشر الذي تريده النفوس الشريرة هو من الخير وهو بيديه ولو مكن تلك ~~النفوس لفعلته فهو سبحانه لا يمكنها بل يمنعها إذا أرادته مع أنها لو خليت ~~لفعلته فهو تارة بمنع الشر بإزالة سببه ومقتضيه وتارة يخلق ما يضاده ~~وينافيه وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون [سورة ~~النحل 53] # وقول القائل خير وشر أي هذا خير من هذا وهذا شر من هذا ولهذا غالب ~~استعمال هذين الإسمين كذلك كقوله آلله خير أما يشركون [سورة النمل 59] ~~أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا [سورة الفرقان 24] وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم ms072 [سورة الجمعة 9] # PageV01P132 # وقالت السحرة والله خير وأبقى [سورة طه 73] وقال قل هل أنبئكم بشر من ذلك ~~مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد ~~الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل [سورة المائدة 60] وقال يوسف ~~أنتم شر مكانا [سورة يوسف 77] # وقال حسان # * فشركما لخيركما الفداء * ### | الخير والشر درجات # فالخير ما كان خيرا من غيره والشر ما كان شرا من غيره والخير والشر درجات ~~ولهذا قال تعالى لما ذكر أهل الجنة وأهل النار قال ولكل درجات مما عملوا ~~[سورة الأنعام 132] وقال تعالى أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير هم درجات عند الله [سورة آل عمران 162 - 163] ~~وكذلك ذكر تعالى في الأنعام والأحقاف بعد ذكر الطائفتين # ولهذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم درجات الجنة تذهب علوا ودرجات النار ~~تذهب سفولا فدرجات الجنة كلها فيها النعيم وبعضها خير من بعض ودرجات النار ~~كلها فيها العذاب وبعضها شر من بعض # PageV01P133 # وإذا قيل إن الله سبحانه هو خالق الخير والشر فالمراد ما هو شر من غيره ~~وفيه أذى لبعض الناس ولكن خلقه لحكمة وما خلق لحكمة مطلوبة محبوبة فوجوده ~~خير من عدمه فلم يخلق شيئا يكون شرا أي يكون وجوده شرا من عدمه لكن يخلق ما ~~هو شر من غيره وغيره خير منه للحكمة المطلوبة وما فيه أذى لبعض الناس ~~للحكمة المطلوبة ### | لا يعذب الله أحدا إلا بذنبه # وهو سبحانه لا يعذب أحدا إلا بذنبه بمقتضى الحكمة والعدل وفي تعذيبه ~~أنواع الحكمة والرحمة وهذا ظاهر فيما يبتلى به المؤمنين في الدنيا من ~~المصائب التي هي جزاء سيئاتهم فإن في ذلك من الحكمة والرحمة والعدل ما هو ~~بين لمن تأمله ولا يعاقب أحدا إلا بذنبه # قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [سورة ~~الشورى 30] وما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك [سورة ~~النساء 79] ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ms073 على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم [سورة الأنفال 53] فلا يسلبهم إلا إذا غيروا ما في أنفسهم بالمعاصي ~~والذنوب فلا يجزى بالسيئات إلا من فعل السيئات ولا يوقع النقم ويسلب النعم ~~إلا من أتى بالسيئات المقتضية لذلك كما فعل بمن خالف رسله من جميع الأمم ~~كما قال في العذاب كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم ~~الله # PageV01P134 # بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب [سورة الأنفال 52] ثم قال ذلك بأن الله ~~لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم الآية وما بعدها إلى قوله وكل كانوا ~~ظالمين [سورة الأنفال 53 - 54] فذكر تمثيلا لزوال النعم عليهم لما كذبوا ~~بآياته # ولهذا قال فأهلكناهم بذنوبهم [سورة الأنفال 54] وذكر الأول تمثيلا ~~لعذابهم بعد الموت كما قال ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون ~~وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله ~~بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب [سورة الأنفال 50 - 52] فقال هنا فأخذهم ~~الله بذنوبهم فإن أخذه يتضمن أخذهم ليصلوا بعد الموت إلى العذاب ولفظ ~~الهلاك يقتضي هلاكهم في الدنيا وزوال النعمة عنهم فذكر هلاكهم بزوال النعم ~~وذكروا أخذهم بالنقم كما قال وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن ~~أخذه أليم شديد [سورة هود 102] # ولفظ المؤاخذة من الأخذ ومنه قوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا [سورة البقرة 286] وقوله إن أخذه أليم شديد كقوله إن بطش ربك لشديد ~~[سورة البروج 12] وقال تعالى ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم ~~بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون الآية [سورة الأنعام 42] وقال تعالى ولقد ~~أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون [سورة المؤمنون 76] فهذا ~~تعذيب لهم في الدنيا ليتضرعوا إليه وليتوبوا وذكر هنا أنه أخذهم # PageV01P135 # بالعذاب ولم يقل بالذنوب كأنه والله أعلم ضمن ذلك معنى جذبانهم إلينا ~~لينيبوا وليتوبوا وإذا قال فأخذهم الله بذنوبهم يكون قد أهلكهم فأخذهم إليه ~~بالهلاك وبسط هذا له موضح آخر ### | الله يفعل ms074 الخير والأحسن # والمقصود هنا أن كل ما يفعله الرب ويخلقه فوجوده خير من عدمه وهو أيضا ~~خير من غيره أي من موجود غيره يقدر موجودا بدله فكما أن وجوده خير من عدمه ~~فهو أيضا خير من موجود آخر يقدر مخلوقا بدله كما ذكرنا فيما يأمر به أن ~~فعله خير من تركه وأنه خير من أفعال غيره يشتغل بها عنه كما في قوله تعالى ~~إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون [سورة الجمعة 9] # وقولنا فعله خير من تركه سواء جعل الترك وجوديا أو عدميا والرب تعالى له ~~المثل الأعلى وهو أعلى من غيره وأحق بالمدح والثناء من كل ما سواه وأولى ~~بصفات الكمال وأبعد عن صفات النقص فمن الممتنع أن يكون المخلوق متصفا بكمال ~~لا نقص فيه والرب لا يتصف إلا بالكمال الذي لا نقص فيه وإذا كان يأمر عبده ~~أن يفعل الأحسن والخير فيمتنع أن لا يفعل هو إلا ما هو الأحسن والخير فإن ~~فعل الأحسن والخير مدح وكمال لا نقص فيه فهو أحق بالمدح والكمال الذي لا ~~نقص فيه من غيره # قال تعالى وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها ~~بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين [سورة الأعراف 145] ~~وقال الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [سورة الزمر 18] واتبعوا أحسن # PageV01P136 # ما أنزل إليكم من ربكم [سورة الزمر 55] وقال وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ~~[سورة الحج 77] # وقد قال تعالى في مدح نفسه قل اللهم مالك الملك إلى قوله بيدك الخير إنك ~~على كل شيء قدير [سورة آل عمران 26] وقال تعالى الله نزل أحسن الحديث [سورة ~~الزمر 23] فكلامه أحسن الكلام وقال تعالى الذي أحسن كل شيء خلقه الآية ~~[سورة السجدة 7] فقد أحسن كل شيء خلقه وقال صنع الله الذي أتقن كل شيء ~~[سورة النمل 88] # وهو سبحانه الرحمن الرحيم الغفور الودود الجواد الماجد وهو سبحانه الأكرم ~~الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وهو أرحم الراحمين ms075 وخير الراحمين ~~كما قال أيوب مسني الضر وأنت أرحمن الراحمين [سورة الأنبياء 83] وقال لنبيه ~~وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين [سورة المؤمنون 118] فهو أحق بالرحمة ~~والجود والإحسان من كل أحد # وقد قال سبحانه وربك يخلق ما يشاء ويختار ثم قال ما كان لهم الخيرة [سورة ~~القصص 68] فأخبر أنه يخلق ما يشاء ويختار # والإختيار في لغة القرآن يراد به التفضيل والإنتقاء والإصطفاء كما قال ~~فلما أتاها نودي يا موسى إلى قوله وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى [سورة طه 11 ~~- 13] وقال تعالى ولقد نجينا # PageV01P137 # بني إسرائيل من العذاب المهين [سورة الدخان 30] إلى قوله ولقد اخترناهم ~~على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين [سورة الدخان 32 ~~- 33] وقال في الآية الأخرى ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ~~الآية [سورة الجاثية 16] ومنه قوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا [سورة الأعراف 155] ومنه في الحديث إن الله اختار من الأيام يوم ~~الجمعة ومن الشهور شهر رمضان واختار الليالي فاختار ليلة القدر واختار ~~الساعاة فاختار ساعات الصلوات رواه ابن عساكر في كتاب تشريف يوم الجمعة ~~وتعظيمه عن كعب الأحبار ### | فصل مختصر # قال الشيخ رحمه الله في آخر هذا الفصل من هذه القاعدة ### | بيان حقيقة إرادة الله # إذا أراد سبحانه أن يخلق كان الخلق عقب الإرادة والمخلوق عقب التكوين ~~والخلق كما قال تعالى إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [سورة ~~يس 82] # والجهمية والمعتزلة لا يقولون بذلك في الفعل بل يقولون يفعل مع جواز أن ~~لا يفعل إلى أن قال # PageV01P138 # وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا ذلك وبينوه للناس وعرفوا أن ~~حدوث الحوادث اليومية المشهودة تدل على أن العالم مخلوق وأن له ربا خلقه ~~ويحدث فيه الحوادث وقد ذكر ذلك الحسن البصري كما رواه أبو بكر بن أبي ~~الدنيا في كتاب المطر ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة وذكره أبو ~~الفرج بن الجوزي في تفسيره # قال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني هارون حدثني عفان ms076 عن مبارك بن فضالة قال ~~سمعت الحسن يقول كانوا يقولون يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الحمد لله الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقا دائما لا يتصرف لقال الشاك في ~~الله لو كان لهذا الخلق رب لحادثه وإن الله قد حادثه بما ترون من الآيات ~~إنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين وجعل فيها معاشا وسراجا وهاجا ثم إذا شاء ~~ذهب بذلك الخلق وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين وجعل فيها سكنا ونجوما ~~وقمرا منيرا وإذا شاء بنى بناء جعل فيه # PageV01P139 # من المطر والبرق والرعد والصواعق ما شاء وإذا شاء صرف ذلك وإذا شاء جاء ~~ببرد يقرقف الناس وإذا شاء ذهب بذلك وجاء بحر يأخذ بأنفاس الناس ليعلم ~~الناس أن لهذا الخلق ربا يحادثه بما يرون من الآيات كذلك إذا شاء ذهب ~~بالدنيا وجاء بالآخرة # فقد ذكر الحسن عن الصحابة الإستدلال بهذه الحوادث المشهودة على وجود الرب ~~سبحانه المحدث الفاعل بمشيئته وقدرته وبطلان أن يكون موجبا يقارنه موجبه ~~فإن ذلك يمتنع محادثته أي إحداث الحوادث فيه # وقولهم لو كان هذا الخلق خلقا دائما لا يتصرف لقال الشاك في الله لو كان ~~لهذا الخلق رب لحادثه يقتضي أن هذه الحوادث آيات الله وأنه رب هذا الخلق ~~وأن هذا الخلق محدث لكون غيره يحادثه أي يحدث فيه الحوادث وما صرفه غيره ~~وأحدث فيه الحوادث كان مقهورا مدبرا لم يكن واجبا بنفسه ممتنعا عن غيره # وقوله لو كان له رب لحادثه قد يقال إنهم أنكروا هذا القول لقولهم لقال ~~الشاك في الله وقد يقال بل هم مصدقون بهذه القضية الشرطية ولكن لو لم تكن ~~الحوادث لكان الله يعرف دون هذه الحوادث فإن معرفته حاصلة بالفطرة والضرورة ~~ونفس وجود الإنسان مستلزم لوجود الرب فكان الصانع يعلم من غير هذه الطريق ~~فلهذا يعاب الشاك ويمكن أنهم لم يقصدوا عيبه على هذا التقدير بل على هذا ~~التقدير كان الشك موجودا في الناس إذ لا دليل على وجوده فكانت هذه الآيات ~~مزيلة للشك وموجبة ms077 لليقين # PageV01P140 # والأول أشبه بمرادهم وأولى بالحق فإنهم قالوا لقال الشاك في الله فدل على ~~أن هناك من ليس بشاك في الله ولم يقولوا لشك الناس في الله وبسط هذا القول ~~في إثبات الصانع له موضع غير هذا # والمقصود أنه سبحانه وتعالى يخلق بمشيئته واختياره وأنه يختار الأحسن وأن ~~إرادته ترجح الراجح الأحسن وهذا حقيقة الإرادة ولا تعقل إرادة ترجح مثلا ~~على مثل ولو قدر وجود مثل هذه الإرادة فتلك أكمل وأفضل والخلق متصفون بها ~~ويمتنع أن يكون المخلوق أكمل من الخالق والمحدث الممكن أكمل من الواجب ~~القديم فوجب أن يكون ما توصف به إرادته أكمل مما توصف به إرادة غيره فيجب ~~أن يريد بها ما هو الأولى والأحسن والأفضل وهو سبحانه يفعل بمشيئته وقدرته ~~فالممتنع لا تتعلق به قدرة فلا يراد والممكن لذي يمكن أن يفعل ويكون مقدورا ~~ترجح الإرادة الأفضل الأرجح منه # وما يحكي عن الغزالي أنه قال ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم فإنه لو ~~كان كذلك ولم يخلقه لكان بخلا يناقض الجود أو عجزا يناقض القدرة # PageV01P141 # وقد أنرك عليه طائفة هذا الكلام وتفصيله أن الممكن يراد به القدور ولا ~~ريب أن الله سبحانه يقدر على غير هذا العالم وعلى إبداع غيره إلى ما لا ~~يتناهى كثرة ويقدر على غير ما فعله كما قد بينا ذلك في غير هذا الموضع وبين ~~ذلك في غير موضع من القرآن # وقد يراد به إنه ما يمكن أحسن منه ولا أكمل منه فهذا ليس قدحا في القدرة ~~بل قد أثبت قدرته على غير ما فعله لكن قال ما فعله أحسن وأكمل مما لم يفعله ~~وهذا وصف له سبحانه بالكرم والجود والإحسان وهو سبحانه الأكرم فلا يتصور ~~أكرم منه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا # آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم ~~تسليما # PageV01P142 ### | رسالة في دخول الجنة # هل يدخل أحد الجنة بعمله # أم ينقضه قوله صلى الله عليه وسلم # لا يدخل أحد الجنة بعمله # PageV01P143 # بسم ms078 الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم # سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية عن قوله تعالى ونودوا أن تلكم ~~الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون [سورة الأعراف 43] هل يدخل أحد الجنة ~~بعمله أم ينقضه قوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل أحد الجنة بعمله قيل ولا ~~أنت قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته # الجواب # الحمد لله ### | المثبت في القرآن ليس هو المنفي في السنة # لا مناقضة بين ما جاء به القرآن وما جاءت به السنة إذ المثبت في القرآن ~~ليس هو المنفي في السنة والتناقض إنما يكون إذا كان المثبت هو المنفي وذلك ~~أن الله تعالى قال تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون وقال كلوا واشربوا ~~هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية [سورة الحاقة 24] وقال أما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون [سورة السجدة 19] ~~وقال وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون [سورة الواقعة ~~22 - 24] ### | العمل سبب للثواب # فبين بهذه النصوص أن العمل سبب للثواب والباء للسبب كما في مثل قوله ~~تعالى فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات [سورة الأعراف 57] وقوله ~~وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها [سورة البقرة ~~164] ونحو ذلك مما يبين به الأسباب # PageV01P145 # ولا ريب أن العمل الصالح سبب لدخول الجنة والله قدر لعبده المؤمن وجوب ~~الجنة بما ييسره له من العمل الصالح كما قدر دخول النار لمن يدخلها بعمله ~~السيء كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما منكم من أحد إلا ~~وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار قالوا يا رسول الله أفلا نتكل على ~~الكتاب وندع العمل قال لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل ~~السعادة فسييسره لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسره لعمل ~~أهل الشقاوة وقال إن الله خلق للجنة أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم ms079 ~~وبعمل أهل الجنة يعملون وخلق للنار أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم ~~وبعمل أهل النار يعملون ### | السبب لا يستقل بالحكم # وإذا عرف أن الباء هنا للسبب فمعلوم أن السبب لا يستقل بالحكم فمجرد نزول ~~المطر ليس موجبا للنبات بل لا بد من أن يخلق الله أمورا أخرى ويدفع عنه ~~الآفات المانعة فيربيه بالتراب والشمس والريح ويدفع عنه ما يفسده فالنبات ~~محتاج مع هذا السبب إلى فضل من الله أكبر منه # وأما قوله صلى الله عليه وسلم لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا ~~أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل # PageV01P146 # فإنه ذكره في سياق أمره لهم بالإقتصاد قال سددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا ~~منكم لن يدخل الجنة بعمله # وقال إن هذا الدين متين وإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا ~~واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدجلة والقصد تبلغوا ### | ليس جزاء الله على سبيل المعاوضة # فنفى بهذا الحديث ما قد تتوهمه النفوس من أن الجزاء من الله عز وجل على ~~سبيل المعاوضة والمقابلة كالمعاوضات التي تكون بين الناس في الدنيا # PageV01P147 # فإن الأجير يعمل لمن استأجره فيعطيه أجره بقدر عمله على طريق المعاوضة إن ~~زاد أجرته وإن نقص نقص أجرته وله عليه أجرة يستحقها كما يستحق البائع الثمن ~~فنفى صلى الله عليه وسلم أن يكون جزاء الله وثوابه على سبيل المعاوضة ~~والمقابلة والمعادلة # والباء هنا كالباء الداخلة في المعاوضات كما يقال استأجرت هذا بكذا وأخذت ~~أجرتي بعملي ### | غلط من توهم ذلك من وجوه # وكثير من الناس قد يتوهم ما يشبه هذا وهذا غلط من وجوه ### | الأول # أحدها أن الله تعالى ليس محتاجا إلى عمل العباد كما يحتاج المخلوق إلى ~~عمل من يستأجره بل هو سبحانه كما قال في الحديث الصحيح إنكم لن تبلغوا نفعي ~~فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني # والعباد إنما يعملون لأنفسهم كما قال تعالى لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ~~[سورة البقرة 286] وقال تعالى من عمل صالحا فلنفسه ومن ms080 أساء فعليها [سورة ~~فصلت 46] وقال إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن ~~تشكروا يرضه لكم [سورة الزمر 7] وقال تعالى ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن ~~كفر فإن ربي غني كريم [سورة النمل 40] # PageV01P148 # وقال تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن ~~الله غني عن العالمين [سورة آل عمران 97] # وأما العباد فإنهم محتاجون إلى من يستعملون لجلب منفعة أو دفع مضرة ~~ويعطونه أجرة نفعه لهم ### | الثاني # الثاني أن الله هو الذي من على العامل بأن خلقه أولا وأحياه ورزقه ثم بأن ~~أرسل إليه الرسل وأنزل إليه الكتب ثم بأن يسر له العمل وحبب إليه الإيمان ~~وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان # والمخلوق إذا عمل لغيره لم يكن المستعمل هو الخالق لعمل أجيره فكيف يتصور ~~أن يكون للعبد على الله عوض وهو خلقه وأحدثه وأنعم على العبد به وهل تكون ~~إحدى نعمتيه عوضا عن نعمته الأخرى وهو ينعم بكلتيهما ### | الثالث # الوجه الثالث أن عمل العبد لو بلغ ما بلغ ليس هو مما يكون ثواب الله ~~مقابلا له ومعادلا حتى يكون عوضا بل أقل أجزاء الثواب يستوجب أضعاف ذلك ~~العمل ### | الرابع # الرابع أن العبد قد ينعم ويمتع في الدنيا بما أنعم الله به عليه مما ~~يستحق بإزائه أضعاف ذلك العمل إذا طلبت المعادلة والمقابلة وإذا كان كذلك ~~لم يبالغوا في الاجتهاد مبالغة من يضره الاجتهاد كالمنبت الذي لا أرضا قطع ~~ولا ظهرا أبقى وزال عنهم العجب وشهدوا إحسان الله بالعمل # PageV01P149 ### | الخامس # الخامس أن العباد لا بد لهم من سيئات ولا بد في حياتهم من تقصير فلولا ~~عفو الله لهم عن السيئات وتقبله أحسن ما عملوا لما استحقوا ثوابا ولهذا قال ~~صلى الله عليه وسلم من نوقش الحساب عذب قالت عائشة يا رسول الله أليس الله ~~يقول فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا سور الإنشقاق 7 8 ~~قال ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب # ولهذا جاء في حديث الشفاعة الصحيح ms081 إذا طلبت الشفاعة من أفضل الخلق آدم ~~ونوح وإبراهيم وموسى واعتذر كل منهم بما فعل قال لهم عيسى اذهبوا إلى محمد ~~عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر # ولهذا قال في الحديث لما قيل له ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن ~~يتغمدني الله بعفوه فتبين بهذا الحديث أنه لا بد من عفو الله وتجاوزه عن ~~العبد وإلا فلو ناقشه على عمله لما استحق به الجزاء قال الله تعالى أولئك ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة [سورة ~~الأحقاف 16] وقال تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون إلى ~~قوله ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا ~~يعملون [سورة الزمر 33 - 35] # PageV01P150 # وإذا تبين ذلك أفاد هذا الحديث ألا يعجب العبد بعمله بل يشهد نعم الله ~~عليه وإحسانه إليه في العمل وأنه لا يستكثر العمل فإن عمله لو بلغ ما بلغ ~~إن لم يرحمه الله ويعف عنه ويتفضل عليه لم يستحق به شيئا وأنه لا يكلف من ~~العمل ما لا يطيق ظانا أنه يزداد بذلك أجره كما يزداد أجر الأجير الذي يعمل ~~فوق طاقته فإن ذلك يضره إذ المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى # وأحب العمل ما داوم عليه صاحبه فإن الأعمال بالخواتيم بخلاف عمل الأجراء ~~في الدنيا فإن الأجرة تتقسط على المنفعة فإذا عمل بعض العمل استحق من ~~الأجرة بقدر ما عمل ولو لم يعمل إلا قليلا فمن ختم له بخير استحق الثواب ~~وكفر الله بتوبته سيئاته ومن ختم له بكفر أحبطت ردته حسناته فلهذا كان ~~العمل الذي داوم عليه صاحبه إلى الموت خيرا ممن أعطى قليلا ثم أكدى وكلف ~~نفسه ما لا يطيق كما يفعله كثير من العمال # فقوله صلى الله عليه وسلم سددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخل ~~الجنة بعمله ينفي المعاوضة والمقابلة التي يولد اعتقادها هذه المفاسد # وقوله بما كنتم تعملون يثبت السبب الموجب لأن يفعله العبد ولهذا ms082 قال ~~بعضهم اعمل وقدر أنك لم تعمل وقال آخر لا بد منك وبك وحدك لا يجيء شيء ### | لا بد من العمل ومن رجاء رحمة الله # فلا بد من العمل المأمور به ولا بد من رجاء رحمة الله وعفوه وفضله وشهود ~~العبد لتقصيره ولفقره إلى فضل ربه وإحسان ربه إليه # وقد قال سفيان بن عيينة كانوا يقولون ينجون من النار بالعفو ويدخلون ~~الجنة بالرحمة ويتقاسمون المنازل بالأعمال # PageV01P151 # فنبه على أن مقادير الدرجات في الجنه تكون بالأعمال وأن نفس الدخول هو ~~بالرحمة فإن الله قد يدخل الجنة من ينشئه لها في الدار الآخرة بخلاف النا ~~رفإنه أقسم أن يملأها من إبليس وأتباعه ### | الله يدخل الجنة بالعمل وبغيره من الأسباب # لكن مع هذا فالعمل الصالح في الدنيا سبب للدخول والدرجة وإن كان الله ~~يدخل الجنة بدون هذا السبب كما يدخل الأبناء تبعا لآبائهم وليس كل ما يحصل ~~بسبب لا يحصل بدونه كالموت الذي يكون بالقتل ويكون بدون القتل ومن فهم أن ~~السبب لا يوجب المسبب بل لا بد أن يضم الله إليه أمورا أخرى وأن يدفع عنه ~~آفات كثيرة وأنه قد يخلق المسبب بدون السبب انفتح له حقيقة الأمر من هذا ~~وغيره والله تعالى أعلم # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليم ~~كثيرا # PageV01P152 ### | رسالة في الجواب عمن يقول إن صفات الرب نسب وإضافات وغير ذلك # PageV01P153 # سؤال عمن يقول إن صفات الرب نسب وإضافات وغير ذلك # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما # أما بعد فهذا فصل مختصر من سؤال سئل عنه شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن ~~تيمية رحمه الله تعالى ### | نص السؤال # ما يقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين فيمن قال إن ~~صفات الرب لا تتعدد ولا ينفصل بعضها عن بعض إلا في مراتب العبارات وموارد ~~الإشارات فإذا أضيف علمه إلى الإطلاع على ضمير الصغير والكبير يقال بصير ~~وإذا ابتدر منه الرزق يقال رزاق وإذا ms083 أفاض من مكنونات علمه على قلب أحد من ~~الناس بأسرار إلاهيته ودقائق جبروت ربوبيته يقال متكلم وليس بعضه آلة السمع ~~وبعضه آلة البصر وبعضه آلة الكلام بل كله بكلية ذاته لا يشغله شيء عن شيء # فهل هذا القول صواب أم لا أفتونا مأجورين # الجواب ### | هذه مقالة المتفلسفة والقرامطة والاتحادية # الحمد لله رب العالمين ليس هذا القول صوابا وإن كان بعضه صوابا بل هذا ~~القول قرع باب الإلحاد وتوطئه سبيل الإتحاد فإن هذا القول هو قول غلاة نفاة ~~الصفات الجهمية من متفلسف وقرمطي واتحادي ونحوهم وليس # PageV01P155 # هو قول المعتزلة والنجارية والضرارية والشيعة ونحوهم ممن يقول القرآن ~~مخلوق بل هو شر من قول هؤلاء فإن هؤلاء متفقون على أنه خلق في غيره كلاما ~~وأنه متكلم بذلك الذي خلقه في غيره وأن موسى والملائكة يسمعون ذلك الكلام ~~المخلوق الذي هو كلام الله عند هؤلاء المبتدعة # قالوا إنه لا يكون متكلما إلا بكلام يقوم به وإن الكلام إذا قام بمحل كان ~~صفة لذلك المحل لا لغيره كسائر الصفات من الحياة والعلم والقدرة والسمع ~~والبصر ونحوه فيقال عالم وقادر وسميع وبصير ونحو ذلك ### | رد السلف عليهم # ولهذا قال من قال من السلف من قال إنني أنا الله لا إله إلا أنا [سورة طه ~~14] مخلوق فهو بمنزلة من صدق فرعون في قوله # PageV01P156 # أنا ربكم الأعلى [سورة النازعات 24] لأنه لو كان قوله إنني أنا الله لا ~~إله إلا أنا مخلوقا لكان كلاما للمحل الذي خلق فيه إما الشجرة وإما الهواء ~~فيكون الشجرة أو الهواء هو القائل إنني أنا الله ومن جعل هذا ربا فهو ~~بمنزلة من جعل فرعون ربا وإن كان الله خالق ذلك الكلام في الشجرة والهواء ~~فقد ثبت بالحجة أنه خالق أفعال العباد وأنه أنطق كل شيء فكل ناطق في الوجود ~~هو أنطقه وخلق نطقه فيجب أن يكون كل نطق في الوجود كلامه حتى قول فرعون أنا ~~ربكم الأعلى وحينئذ فلا فرق بين قوله إنني أنا الله وبين خلقه على لسان ~~فرعون أنا ربكم الأعلى ms084 # وهذا اللازم تفر منه المعتزلة وغيرهم إذ هم لا يقرون بأن الله خالق أفعال ~~العباد لكن يلزمهم بالحجة ما يخلقه الله من الكلام مثل إنطاق الجلود وتسبيح ~~الحصى وتسليم الحجر عليه السلام وشهادة الألسنة والأيدي والأرجل فإن هذا ~~ليس من أفعال العباد بل ذلك خلق الله فيلزمهم أن يقولوا ذلك كله كلام الله ~~وهو باطل وهم لا يلتزمونه # وإنما التزم مثل هذا الإتحادية والحلولية الذين يقولون إنه وجود ~~المخلوقات أو هو سار في جميع المخلوقات كما قال قائلهم وكل كلام في الوجود ~~كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه # PageV01P157 # ومن هؤلاء من يفرق بين قول الحلاج وأمثاله أنا الحق وبين قول فرعون أنا ~~ربكم الأعلى بأن الحلاج وأمثاله قالوا ذلك وهم فانون فالحق نطق على ألسنتهم ~~لغيبتهم عن شهود أنفسهم وأما فرعون وأمثاله ممن هم في شهود أنفسهم فقالوه ~~مع رؤيتهم أنفسهم وحاصله أن الله تعالى هو الذي نطق على لسان الحلاج ~~وأمثاله # وهذا شر من قول من يقول القرآن مخلوق خلقه الله في الهواء ونحوه لأن ~~الجماد ليس له نطق يضاف إليه فوجود الكلام فيه شبهة توجب جعله كلاما لغيره ~~أما الإنسان الحي إذا وجد منه مثل هذا الكلام مضافا إلى نفسه وجعل المتكلم ~~به هو الله فهذا صريح بحلول الحق فيه واتحاده به كما تقوله النصارى في ~~المسيح # ومعلوم أن النصارى أكفر من المعتزلة ومعلوم بالإضطرار من العقل والدين أن ~~الله لم يتكلم على لسان بشر كما يتكلم الجنى على لسان المصروع ولكن يبعث ~~الرسل فيبلغون كلامه والمرسل يقول لرسوله قل على لساني كذا ويقول كلامي على ~~لسان رسولي فلان أي كلامي الذي بلغه عني # ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قال على لسان نبيه سمع ~~الله لمن حمده أي هذا من الكلام الذي بلغه الرسول عن الله كما قال تعالى # PageV01P158 # فإنما يسرناه بلسانك [سورة الدخان 57] كما يقول المرسل قد قلت لكم على ~~لسان رسولي فلان كذا وكذا # وهذا كما أن القول يضاف إلى الرسول لأنه ms085 بلغه وأداه فيضاف إلى جبريل تارة ~~وإلى محمد صلى الله عليه وسلم أخرى كما قال في آية إنه لقول رسول كريم وما ~~هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون [سورة المائدة ~~40 - 42] فهذا محمد وقال في الآية الأخرى إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين مطاع ثم أمين [سورة التكوير 19 - 21] فهذا جبريل # وأما جمهور العلماء من أهل الفقه والحديث والتصوف والكلام فطردوا الدليل ~~وأثبتوا لله صفات فعلية تقوم بذاته وهذا هو المعلوم الذي دل عليه العقل ~~واللغة والشرع ### | الناس في الصفات ثلاث مراتب # فالناس ثلاث مراتب منهم من نفى قيام الصفات والأفعال به كالمعتزلة ومنهم ~~من أثبت قيام الصفات به دون الأفعال كالكلابية ومنهم من أقر بقيام الصفات ~~والأفعال وهم جمهور الأمة كما ذكرته الحنفية في كتبهم وكما ذكره # PageV01P159 # البغوي وغيره من أصحاب الشافعي عن أهل السنة وكما ذكره أبو إسحاق ابن ~~شاقلا وأبو عبد الله بن حامد والقاضي أبو يعلى في آخره قوليه وابنه أبو ~~الحسين وغيرهم من أصحاب أحمد وذكره أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي عن ~~الصوفية في كتاب التعرف في مذاهب التصوف وذكره من ذكره من أئمة المالكية ~~وذهب إليه طوائف من أهل الكلام من المرجئة # PageV01P160 # والشيعة والكرامية وذهب إليه جمهول أهل الحديث ### | مقالة أهل السنة في كلام الله # والمقصود هنا أن الجهمية من المعتزلة ونحوهم الذين قالوا القرآن مخلوق ~~وقد عرف مقالات السلف في تكفيرهم وتضليلهم هم خير قولا من أصحاب هذا القول ~~المذكور في السؤال القائلين إذا فاض من مكنونات علمه على قلب أحد من الناس ~~بأسرار إلاهيته ودقائق جبروت ربوبيته يقال متكلم فإن هذا قول من لا يجعل ~~لله كلاما قائما به كما يقوله الذين يقولون إنه خلق كلاما بائنا منه وقد ~~قال الإمام أحمد كلام الله من الله ليس بائنا منه والقرآن الذي أنزله هو ~~كلامه لا كلام غيره إذ الكلام كلام من قاله مبتدئا لا كلام من قاله مبلغا ~~مؤديا # PageV01P161 # ولهذا قال ms086 السلف والأئمة القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه ~~يعود فقولهم منه بدأ نبهوا به على مخالفة الجهمية الذين قالوا إنه خلقه في ~~غيره منفصلا عنه فقال أهل السنة منه بدأ لم يبتدىء من غيره من الموجودات ~~كما قال تعالى وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم [سورة النمل 6] وقال ~~ولكن حق القول مني [سورة السجدة 13] وقال كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير [سورة هود 1] ولا نجعل لله كلاما مخلوقا في غيره منفصلا عنه كما ~~قالته المعتزلة ونحوهم من الجهمية # فإن هؤلاء وإن كان قولهم من أعظم القول فريةوظلالا فهو أقل كفرا وضلالا ~~من قول أهل القول المسئول عنه القائلين إذا فاض من مكنون علمه على قلب أحد ~~من الناس فإن هؤلاء لم يجعلوه متكلما إلا بما جعله في القلوب من العلم ### | مقالة الفلاسفة في كلام الله # وهذا في الأصل قول المتفلسفة والصابئة ونحوهم الذين لا يجعلون لله كلاما ~~إلا ما أفاضه على قلوب العباد من العلوم والمعارف ويجعلون تكليمه للعباد ~~نوع تعريف يعرفهم به الأمور ويقولون إنه تتشكل في نفس الشيء أشكال نورانية ~~هي ملائكة الله عندهم وأصوات قائمة بنفسه هي كلام الله عندهم ويزعمون أن ~~تكليم الله لموسى هو من هذا الباب إنما هو فيض فاض عليه من العقل الفعال أو ~~من غيره وقد يجعلون العقل الفعال هو جبريل وليس التكليم عندهم مختصا بأحد ~~ولكنه يفيض بحسب استعداد النفوس # PageV01P162 # وعلى قولهم فجميع الخلق يكلمهم تكليما كما كلم موسى وكل كلام صادق تكلم ~~به ذو نفس صافية فهو كلام الله كما أن القرآن كلام الله فيلزمه أن كل ما ~~تكلم به الأنبياء فمن دونهم من الخبر الصادق والأمر بالخير هو كلام الله ~~وأن ذلك كله من نوع القرآن وأن يكون القرآن كلام البشر ولا فرق عندهم بين ~~قول البشر وقول الله بل يلزمهم أن جميع ما يتكلم به البشر كلام الله من أجل ~~أن ذلك يفيض على قلوب البشر حتى الكذب والكفر فإن جهة ms087 الإفاضة واحدة في ~~الجميع وكل ما يلزم القائلين بأن القرآن مخلوق يلزم هؤلاء وزيادة فإن أولئك ~~يجعلونه مخلوقا خارجا عن نفس النبي وهؤلاء لا يجعلون له محلا إلا نفس النبي ### | متابعة الغزالي للفلاسفة # وهذا القول هو قول المتفلسفة ووقع فيه طوائف من المنتسبين إلى الملل من ~~اليهود والنصارى ومن المنتسبين إلى المسلمين ممن خلط الفلسفة بالتصوف مثل ~~أهل الكلام المسئول عنه وأمثاله ومثل ما وقع لأبي حامد في كتاب المضنون به ~~على غير أهله الأول والثاني ونحو ذلك من المصنفات مثل مشكاة الأنوار ومسائل ~~النفخ والتسوية وكيمياء السعادة وجواهر القرآن # PageV01P163 # وما يشير إليه أحيانا في الإحياء وغيره فإنه كثيرا ما يقع في كلامه ما هو ~~مأخوذ من كلام الفلاسفة ويخلطه بكلام الصوفية أو عباراتهم فيقع فيه كثير من ~~المتصوفة الذين لا يميزون بين حقيقة دين الإسلام وبين ما يخالفه من الفلسفة ~~الفاسدة وغيرها لا سيما إذا بني على ذلك واتبعت لوازمه فإنه يفضي إلى قول ~~ابن سبعين وابن عربي صاحب الفصوص وأمثالهما ممن يقول بمثل هذا الكلام ~~وحقيقة مذهبهم يؤول إلى التعطيل المحض وأنه ليس للعالم رب مباين له بل ~~الخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق ### | مقالة ابن عربي في الفصوص # كما قال صاحب الفصوص ومن أسمائه الحسنى العلي على من وما تم إلا هو أو عن ~~ماذا وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى ~~محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو # إلى أن قال فهو الأول والآخر والظاهر والباطن فهو عين ما ظهر وهو عين ما ~~بطن في حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم يبطن عنه سواه فهو ظاهر لنفسه ~~باطن عنه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات # إلى أن قال ومن عرف ما قررناه في الأعداد وأن نفيها عين # PageV01P164 # إثباتها علم أن الأمر الخالق المخلوق وأن الأمر المخلوق الخالق كل ذلك من ~~عين واحدة لا بل هو العين الواحدة وهوالعيون الكثيرة فانظر ماذا ترى قال ms088 يا ~~أبت افعل ما تؤمر [سورة الصافات 102] فالولد عين أبيه فما رأى يذبح سوى ~~نفسه وفداه بذبح عظيم فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان وظهر بصورة ولد من ~~هو عين الوالد وخلق منها زوجها [سورة النساء 1] فما نكح سوى نفسه # إلى أن قال فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع ~~الأمور الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو ~~مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك لأحد إلا لمسمى الله خاصة # وقال ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص ~~والذم ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق من أولها إلى آخرها فكلها حق له كما ~~هي صفات المحدثات حق للحق # PageV01P165 # وقال أيضا ومكروا مكرا كبارا [سورة نوح 22] لأن الدعوة إلى الله مكر ~~بالمدعو لأنه ما عدم إلى البداية فيدعى إلى الغاية ادعوا إلى الله فهذا عين ~~المكر # إلى أن قال فقالوا في مكرهم لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا [سورة نوح 23] ~~فإنهم لو تركوهم تركوا من الحق على قدر ما تركوا من صفات هؤلاء فإن للحق في ~~كل معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله كما قال في المحمدين وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه [سورة الإسراء 23] أي حكم فالعالم يعلم من عبد وفي أي ~~صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى ~~المعنوية في الصورة الروحانية فما عبد غير الله في كل معبود # وقال أيضا فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل ~~لعلمنه بأن الله قد قضى ألا يعبد إلا إياه وما حكم الله بشيء إلا وقع فكان ~~عيب موسى أخاه هارون لما وقع من إنكاره # PageV01P166 # وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء # وقال أيضا ولما كان فرعون في مرتبة التحكم وأنه الخليفة بالسيف وإن جار ~~في العرف الناموسي لذلك قال أنا ربكم الأعلى [سورة النازعات 24] أي وإن كان ~~الكل أربابا ms089 بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم ~~ولما علمت السحرة صدقه فيما قال لم ينكروه وأقروا له بذلك وقالوا له إنما ~~تقضي هذه الحياة الدنيا فاقض ما أنت قاض فالدولة لك فصح قوله أنا ربكم ~~الأعلى # إلى أمثال ذلك من هذا الكلام الذي يسميه أصحاب مذهب الوحدة ويقولون إن ~~الوجود واحدكما يقوله ابن عربي صاحب الفتوحات وابن سبعين وابن الفارض ~~والتلمساني وأمثالهم عليهم من الله ما يستحقونه فإنهم لا يجعلون للخالق ~~سبحانه وجودا مباينا لوجود المخلوق وهو جامع كل شر في العالم ومبدأ ضلالهم ~~من حيث لم يثبتوا للخالق وجودا مباينا لوجود المخلوق وهم يأخذون من كلام ~~الفلاسفة شيئا ومن الكلام الفساد من كلام المتصوفة والمتكلمين شيئا ومن ~~كلام القرامطة والباطنية شيئا فيطوفون على أبواب المذاهب ويفوزون بأخس ~~المطالب ويثنون على ما يذكر من # PageV01P167 ### | تأثر الغزالي بإخوان الصفا وأمثالهم # التصوف المخلوط بالفسلفة كما يوجد في كلام أبي حامد ونحوه مما هو مأخوذ ~~من رسائل إخوان الصفا وأمثالهم ممن يريد أن يجمع بين ما جاءت به الكتب ~~الإلهية والرسل المبلغون عن الله عز وجل وما تقوله الصابئة المتفلسفون في ~~العلم الإلهي فيذكرون أحاديث موضوعة وربما حرفوا لفظها كما يذكرون عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل فقال ~~له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك فبك آخذ وبك ~~أعطي وبك الثواب وبك العقاب # وهذا الحديث موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة ~~بالحديث ولفظة أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل وروى لما خلق الله ~~العقل قال له أقبل فأقبل فمعناه أنه خاطبه في أول أوقات خلقه فغيروا لفظه ~~وقالوا أول ما خلق الله العقل ليوافق ذلك مذهب المشائين من المتفلسفين ~~أتباع أرسطو القائلين أول الصادرات عنه العقل # PageV01P168 # وقد بسطنا الكلام في بيان فساد ذلك شرعا وعقلا وبينا أن بين هؤلاء وبين ~~الرسل من المباينة أعظم مما ms090 بين اليهود والنصارى وبين المسلمين وأن اليهود ~~والنصارى إذا لم يتفلسفوا كانوا أقرب إلى الحق من هؤلاء فإن تفلسف اليهودي ~~والنصراني كان كفره من جهتين # وهذه الكتب المضافة إلى أبي حامد مثل الكتابين المضنون بهما على غير ~~أهلهما وأمثالهما ما زال أئمة الدين ينكرون ما فيهما من الباطل المخالف ~~للكتاب والسنة ثم من الناس من يكذب نسبة هذه الكتب إليه ومنهم من يقول وهو ~~أشبه رجع عن ذلك كما ذكر في كتب أخرى ذم الفلاسفة وتكفيرهم وذكر عبد الغافر ~~الفارسي في تاريخ نيسابور أنه استقر أمره على مطالعة البخاري ومسلم فكان ~~آخر أمره الرجوع إلى الحديث والسنة والله أعلم ### | كلام الغزالي في كتاب المضنون # فهذا الكلام المذكور في السؤال يوجد نحوه في مثل هذه الكتب التي يجعلها ~~أهلها من كتب الحقائق والأسرار كما قال صاحب كتاب المضنون فصل يتخيل بعض ~~الناس كثرة في ذات الله تعالى من طريق تعدد الصفات وقد صح قول من قال في ~~الصفات لا هي هو ولا غيره # PageV01P169 # وهذا التخيل يقع من توهم التغاير ولا تغاير في الصفات مثال ذلك أن إنسانا ~~تعلم صورة الكتابة وله علم بصورة بسم الله التي تظهر تلك الصورة على ~~القرطاس وهذه صفة واحدة وكمالها أن يكون المعلوم تبعا لها فإنه إذا حصل ~~العلم بتلك الكتابة ظهرت الصورة على القرطاس بلا حركة يد وواسطة قلم ومداد # فهذه الصفة من حيث إن المعلوم انكشف بها يقال له علم ومن حيث إن الألفاظ ~~تدل عليها يقال لها كلام فإن الكلام عبارة عن مدلول العبارات ومن حيث إن ~~وجود المعلوم تبع لها يقال لها القدرة ولا تغاير ههنا بين العلم والقدرة ~~والكلام فإن هذه صفة واحدة في نفسها ولا تكون هذه الإعتبارات الثلاث واحدة # وكل من كان أعور لا ينظر إلا بالعين العوراء ولا يرى إلا مطلق الصفة ~~فيقول هو هو وإذا التفت إلى الإعتبارات الثلاث يقال هي غيره ومن اعتبر مطلق ~~الصفة مع الإعتبارات فقد نظر بعينين صحيحتين اعتقد أنها لا هو ولا ms091 غيره # والكلام في صفات الله تعالى وإن كان مناسبا لهذا المثال فإنه مباين له ~~بوجه آخر وتفهيم هذه المعاني بالكتابة غير يسير # فهذا الكلام من جنس الكلام المذكور في السؤال وكلاهما يرجع إلى ما تزعمه ~~المتفلسفة من أن الصفات ترجع إلى العلم إذا أثبتوه ### | مقالة ابن حزم # وقد يقرب من هؤلاء ابن حزم حيث رد الكلام والسمع والبصر وغير # PageV01P170 # ذلك إلى العلم مع أنه لا يثبت صفة لله هي العلم ويجعل أسماءه الحسنى إنما ~~هي أعلام محضة فالحي والعالم والقادر والسميع والبصير ونحوه كلها أسماء ~~أعلام لا تدل على الحياة والعلم والقدرة ### | الرد على النفاة # وهذا يؤول إلى قول القرامطة الباطنية ونحوهم نفاة أسماء الله تعالى الذين ~~يقولون لا يقال حي ولا عالم ولا قادر وهذا كله من الإلحاد في أسماء الله ~~وآياته قال تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه [سورة الأعراف 180] # وإذا كان من الإلحاد إنكار اسمه الرحمن كما قال تعالى وإذا قيل لهم ~~اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن [سورة الفرقان 60] وقال قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى [سورة الإسراء 110] وقال ~~تعالى وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ~~[سورة الرعد 30] إلى غير ذلك # PageV01P171 # فإذا كان اسمه الرحمن قد أنزل فيه ما انزل فكيف إنكار سائر الأسماء ~~ومعلوم أن اللفظ إذا كان علما محضا لم ينكره أحد ولو كانت أعلاما لم يفرق ~~بين الرحمن والعليم والقدير ### | الرد على الغزالي # وما ذكره صاحب كتاب المضنون مع المتفلسفة من أن العلم بالممكنات هو ~~المقتضى لوجودها معلوم البطلان بأدنى تأمل فإن العلم نوعان علم نظري وعلم ~~عملي فأما النظري وهو العلم بما لا يفعله العالم كعلم الله بنفسه وكعلمنا ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فهذا ليس مقتضيا لوجود المعلوم ~~بالضرورة واتفاق العقلاء وإن كان قد يكون سببا لبعض الأعمال # وأما العلم العملي كعلم الله بمخلوقاته وكعلمنا بمفعولاتنا فهذا العلم ~~وحده ليس موجبا لوجود المعلوم ms092 بلا قدرة ولا إرادة وعمل فإنا إذا تصورنا ما ~~نريد فعله لم يكن مجرد تصورنا ما نريد ولم نقدر عليه لم يكن وإذا كنا ~~قادرين على ما نتصوره ولا نريده لم يكن بل لا بد علمنا به وإرادتنا له ~~وقدرتنا عليه # فلو قال قائل علم الله ليس كعلمنا # قيل له وذات الله ليست كذاتنا ولا قدرته وإرادته كقدرتنا وإرادتنا # وهذا السؤال قد بسط الشيخ الكلام عليه وقد اختصر منه وقال في وسط الكلام ~~على هذا السؤال ### | إثبات ابن تيمية وأهل السنة الماهية لله تعالى # بل لكل موجود حقيقة تخصه يتميز بها عما سواء ويباين بها غيره وهذه ~~الحقيقة هي حقيقة الربوبية وبنفيها ضل الجهمية من المعتزلة والفلاسفة # PageV01P172 # والقرامطة والإتحادية وأمثالهم وهي الماهية التي أثبتها ضرار وأبو حنيفة ~~وغيرهما من الكوفيين وخالفهم في ذلك معتزلة البصرة وعلى إثباتها أئمة السنة ~~والجماعة من السلف والخلف ولهذا ينفون العلم بماهيه الله وكيفيته فيقولون ~~لا تجري ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال ومن نفاها من المنتسبين إلى ~~السنة وغيرهم قال ليس له ماهية فتجري في مقال ولا له كيفيه فتخطر ببال # والأول هو المأثور عن السلف والأئمة كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا ~~الموضع ويدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول والله سبحانه أعلم # PageV01P173 ### | رسالة في تحقيق مسألة علم الله # PageV01P174 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله # فصل في مسألة العلم ### | في هذه المسألة ثلاثة أقوال: # الناس المنتسبون إلى الإسلام في علم الله باعتبار تعلقه بالمستقبل على ~~ثلاثة أقوال ### | الأول # أحدها أنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته ولا يتجدد له عند وجود ~~المعلومات نعت ولا صفة وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم وهذا ~~قول طائفة من الصفاتية من الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء ~~والصوفية وأهل الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وهو قول ~~طوائف من المعتزلة وغيرهم من نفاة الصفات لكن هؤلاء يقولون يعلم المستقبلات ~~ويتجدد التعلق بين العالم والمعلوم لا بين العلم والمعلوم # وقد تنازع الأولون هل ms093 له علم واحد أو علوم متعددة على قولين والأول قول ~~الأشعري وأكثر أصحابه والقاضي أبي يعلى وأتباعه ونحو هؤلاء والثاني قول أبي ~~سهل الصعلوكي ### | الثاني # والقول الثاني أنه لا يعلم المحدثات إلا بعد حدوثها وهذا أصل قول القدرية ~~الذين يقولون لم يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وأن الأمر أنف # PageV01P177 # لم يسبق القدر بشقاوة ولا سعادة وهم غلاة القدرية الذين حدثوا في زمان ~~ابن عمر وتبرأ منهم وقد نص الأئمة كمالك والشافعي وأحمد على تكفير قائل هذه ~~المقالة # لكن القدرية صرحوا بنفي العلم السابق والقدر الماضي في أفعال العباد ~~المأمور بها والمنهي عنها وما يتعلق بذلك من الشقاوة والسعادة ثم منهم من ~~اقتصر على نفي العلم بذلك خاصة وقال إنه قدر الحوادث وعلمها إلا هذا لأن ~~الأمر والنهي مع هذا العلم يتناقض عنده بخلاف ما لا أمر فيه ولا نهي # ومنهم من قال ذلك في عموم المقدرات وقد حكى نحو هذا القول عن عمرو بن ~~عبيد وأمثاله وقد قيل إنه رجع عن ذلك قبل إنكاره لأن كون تبت يدا أبي لهب ~~وتب [سورة المسد 1] وذرني ومن خلقت # PageV01P178 # وحيدا [سورة المدثر 11] ونحو ذلك في اللوح المحفوظ وأمثال ذلك ### | الثالث # والقول الثالث أنه يعلمها قبل حدوثها ويعلمها بعلم آخر حين وجودها وهذا ~~قد حكاه المتكلمون كأبي المعالي عن جهم فقالوا إنه ذهب إلى إثبات علوم ~~حادثة لله تعالى وقال البارىء عالم لنفسه وقد كان في الأزل عالما بنفسه ~~وبما سيكون فإذا خلق العالم وتجددت المعلومات أحدث لنفسه علوما بها يعلم ~~المعلومات الحادثة ثم العلوم تتعاقب حسب تعاقب المعلومات في وقوعها متقدمة ~~عليها أي العلوم متقدمة على الحوادث وذكروا أنه قال إنها في غير محل نظير ~~ما قالت المعتزلة البصرية في الإرادة # وهذا القول وإن كان قد احتج عليه بما في القرآن من قوله ليعلم فتلك ~~النصوص لا تدل على هذا القول # فإن هذا القول مضمونة تجدد علم قبل الحدوث والذي في القرآن إنما ذكروا ~~دلالته على ما بعد الوجود وهذا قولان متغايران ms094 وإنما يحتج عليه بمثل قوله ~~في حديث أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم وليس # PageV01P179 # هذا بداء يخالف العلم القديم كما قاله بعض غلاة الرافضة وكذلك أبو الحسين ~~البصري قال بإثبات علوم متجددة في ذات الله بحسب تجدد المعلومات وكذلك أبو ~~البركات صاحب المعتبر الإمام في الفلسفة # PageV01P180 # قال بتجدد علوم وإرادات له وذكر أن إلهيته لهذا العالم لا تصح إلا مع هذا ~~القول وكذلك أبو عبد الله الرازي يميل إلى هذا القول في المطالب العالية ~~وغيرها # وأما السمع والبصر والكلام فقد ذكر الحارث المحاسبي عن أهل السنة في تجدد ~~ذلك عند وجود المسموع المرئي قولين # والقول بسمع وبصر قديم يتعلق بها عند وجودها قول ابن كلاب وأتباعه ~~والأشعري والقول بتجدد الإدراك مع قدم الصفة قول طوائف كثيرة كالكرامية ~~وطوائف سواهم والقول بثبوت الإدراك قبل حدوثها وبعد وجودها قول السالمية ~~كأبي الحسن بن سالم وأبي طالب المكي # PageV01P181 # والطوائف الثلاثة تنتسب إلى أئمة السنة كالإمام أحمد وفي أصحابه من قال ~~بالأول ومنهم من قال بالثاني والسالمية تنتسب إليه # وكذلك الإرادة والمشيئة فيها للصفاتية ثلاثة أقوال # أحدها أنها ليست إلا قديمة وهو قول ابن كلاب والأشعري وأتباعهما # الثاني أنها ليست إلا حادثة والفرق بين هذا وبين قول المعتزلة البصرية أن ~~المعتزلة يقولون بحدوثها لا في محل لامتناع كونه محلا للحوادث عندهم وهؤلاء ~~يقولون تقوم بذاته كما يقوم الكلام بذاته # والثالث أنها قديمة وحادثة وهو قول طوائف من الكرامية وأهل الحديث ~~والصوفية وغيرهم وكذلك يقول هؤلاء إنه يوصف بأنه متكلم في الأزل وأنه يتكلم ~~إذا شاء كما صرح بذلك الأئمة كالإمام أحمد وغيره # لكن في تحقيق ذلك نزاع بين المتأخرين فقيل القديم هو القدرة على الكلام ~~كما قالت الكرامية وقيل بل القولان متضادان كما ذكر أبو بكر عبد العزيز ~~وعبد الله بن حامد عن أصحاب أحمد # PageV01P182 # فأما إثبات علمه وتقديره للحوادث قبل كونها ففي القرآن والحديث والآثار ~~ما لا يكاد يحصر بل كل ما أخبر الله به قبل كونه فقد علمه قبل كونه وهو ms095 ~~سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون وقد أخبر بذلك ~~والنزاع في هذا مع غلاة القدرية ونحوهم # وأما المستقبل فمثل قوله وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من ~~يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه [سورةالبقرة 242] وقوله أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة الآية [سورة البقرة 214] آل عمران 142 وقوله أم حسبتم أن ~~تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم الآية [سورة التوبة 16] وقوله ~~فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين [سورة العنكبوت 3] وقوله ~~فليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين [سورة العنكبوت 11] وقوله ~~ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم [سورة محمد 31] # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم # PageV01P183 ### | رسالة في الجواب عن سؤال عن الحلاج هل كان صديقا أو زنديقا # PageV01P185 ### | نص السؤال: # ما يقول السادة العلماء رضي الله عنهم في الحلاج الحسين بن منصور: هل كان ~~صديقا أو زنديقا؟ وهل كان وليا لله متقيا له، أم كان له حال رحماني، أو من ~~أهل السحر والخزعبلات؟ وهل قتل على الزندقة بمحضر من علماء المسلمين، أو ~~قتل مظلوما؟ أفتونا مأجورين. ### | الجواب: # فأجاب شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد ~~السلام بن تيمية، قدس الله روحه. # الحمد لله رب العالمين. ### | الحلاج كان زنديقا: # الحلاج قتل على الزندقة، التي ثبتت عليه بإقراره وبغير إقراره، والأمر ~~الذي ثبت عليه مما يوجب القتل باتفاق المسلمين، ومن قال: إنه قتل بغير حق ~~فهو إما منافق ملحد، وإما جاهل ضال. # والذي قتل به ما استفاض عنه من أنواع الكفر، وبعضه يوجب قتله، فضلا عن ~~جميعه. ولم يكن من أولياء الله المتقين، بل كان له عبادات ورياضات ~~ومجاهدات، بعضها شيطاني، وبعضها نفساني، وبعضها موافق للشريعة من وجه دون ~~وجه، فلبس الحق بالباطل. ### | بعض أخبار الحلاج: # وكان قد ذهب إلى بلاد الهند، وتعلم أنواعا من السحر، وصنف كتابا # PageV01P187 # في السحر معروفا، وهو موجود إلى اليوم، وكانت له أقوال شيطانية، ومخاريق ~~بهتانية. # وقد جمع العلماء ms096 أخباره في كتب كثيرة أرخوها، الذين كانوا في زمنه، ~~والذين نقلوا عنهم مثل ابن علي الخطبي ذكره في "تاريخ بغداد"، والحافظ أبو ~~بكر الخطيب ذكر له ترجمة كبيرة في "تاريخ بغداد"، وأبو يوسف القزويني صنف ~~مجلدا في أخباره، وأبو الفرج بن الجوزي له فيه مصنف سماه "رفع اللجاج في ~~أخبار الحلاج"، وبسط ذكره في تاريخه. # وذكر أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقات الصوفية" أن كثيرا من المشايخ ذموه ~~وأنكروا عليه ولم يعدوه من مشايخ الطريق وأكثرهم حط عليه، # PageV01P188 # وممن ذمه وحط عليه أبو القاسم الجنيد، ولم يقتل في حياة الجنيد، بل قتل ~~بعد موت الجنيد، فإن الجنيد توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين والحلاج قتل سنة ~~بضع وثلاثمائة. # وقدموا به إلى بغداد راكبا علي جمل ينادى عليه: هذا داعي القرامطة، وأقام ~~في الحبس مدة حتى وجد من كلامه الكفر والزندقة واعترف به، مثل أنه ذكر في ~~كتاب له: من فاته الحج فإنه يبني في داره بيتا ويطوف به، كما يتطوف بالبيت، ~~ويتصدق على ثلاثين يتيما بصدقة ذكرها، وقد أجزأه ذلك عن الحج. فقالوا له: ~~أنت قلت هذا؟ قال: نعم. فقالوا له: ومن أين لك هذا؟ قال: ذكره الحسن البصري ~~في كتاب "الصلاة". فقال له القاضي أبو عمر: تكذب يازنديق، أنا قرأت هذا ~~الكتاب وليس هذا فيه. فطلب منهم الوزير أن يشهدوا بما سمعوه، ويفتوا بما ~~يجب عليه، فاتفقوا على وجوب قتله. # PageV01P189 # لكن العلماء لهم قولان في الزنديق إذا أظهر التوبة، هل تقبل توبته فلا ~~يقتل، أم يقتل لأنه لا يعلم صدقه، فإنه مازال يظهر ذلك؟ فأفتى طائفة بأنه ~~يستتاب فلا يقتل، وأفتى الأكثرون بأنه يقتل وإن أظهر التوبة، فإن كان صادقا ~~في توبته نفعه ذلك عند الله وقتل في الدنيا، وكان الحد تطهيرا له، كما لو ~~تاب الزاني والسارق ونحوهما بعد أن يرفعوا إلى الإمام، فإنه لابد من إقامة ~~الحد عليهم، فإنهم إن كانوا صادقين كان قتلهم كفارة لهم، ومن كان كاذبا في ~~التوبة كان قتله عقوبة له. # فإن كان الحلاج ms097 وقت قتله تاب في الباطن فإن الله ينفعه بتلك التوبة، وإن ~~كان كاذبا فإنه قتل كافرا، ولما قتل لم يظهر له وقت القتل شيء من الكرامات، ~~وكل من ذكر أن دمه كتب على الأرض اسم الله، أو أن دجلة انقطع ماؤها، أو غير ~~ذلك، فإنه كاذب، وهذه الأمور لا يحكيها إلا جاهل أو منافق، وإنما وضعها ~~الزنادقة وأعداء الإسلام، حتى يقول قائلهم: إن شرع محمد بن عبد الله يقتل ~~أولياء الله حين يسمعون أمثال هذه الهذيانات، وإلا فقد قتل أنبياء كثيرون ~~وقتل من أصحابهم وأصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم والتابعين وغيرهم من ~~الصالحين من لا يحصي عددهم إلا الله، قتلوا بسيوف الفجار والكفار والظلمة ~~وغيرهم ولم يكتب دم أحدهم اسم الله، والدم أيضا نجس فلا يجوز أن يكتب اسم ~~الله تعالى؛ فهل الحلاج خير من هؤلاء، ودمه أطهر من دمائهم؟! # PageV01P190 # وقد جزع وقت القتل، وأظهر التوبة والسنة فلم يقبل ذلك منه، ولو عاش افتتن ~~به كثير من الجهال، لأنه كان صاحب خزعبلات بهتانية، وأحوال شيطانية، ولهذا ~~إنما يعظمه من يعظم الأحوال الشيطانية، والنفسانية، والبهتانية. # وأما أولياء الله العالمون بحال الحلاج فليس منهم واحد يعظمه، ولهذا لم ~~يذكره القشيري في مشايخ رسالته، وإن كان قد ذكر من كلامه كلمات استحسنها. # وكان الشيخ أبو يعقوب النهرجوري قد زوجه بابنته فلما اطلع على زندقته ~~نزعها منه. وكان عمرو بن عثمان يذكر أنه كافر، ويقول: كنت معه فسمع قارئا ~~يقرأ القرآن، فقال: أقدر أن أصنف مثل هذا القرآن، أو نحو هذا الكلام. # PageV01P191 # وكان يظهر عند كل قوم ما يستجلبهم به إلى تعظيمه، فيظهر عند أهل السنة ~~أنه سني، وعند أهل الشيعة أنه شيعي، ويلبس لباس الزهاد تارة، ولباس الأجناد ~~تارة. # وكان من مخاريقه أنه يبعث بعض أصحابه إلى مكان في البرية يخبأ فيه شيئا ~~من الفاكهة والحلوى، ثم يجيء بجماعة من أهل الدنيا إلى قريب من ذلك المكان ~~فيقول لهم: ما تشتهون أن آتيكم به من هذه البرية؟ فيشتهي أحدهم فاكهة أو ~~حلاوة، ms098 فيقول: امكثوا. ثم يذهب إلى ذلك المكان ويأتي بما خبئ أو ببعضه، ~~فيظن الحاضرون أن هذه كرامة له. # وكان صاحب سيمياء وشياطين تخدمه أحيانا، كانوا معه على جبل أبي قبيس ~~فطلبوا منه حلاوة، فذهب إلى مكان قريب منهم وجاء بصحن حلوى، فكشفوا الأمر ~~فوجدوا ذلك قد سرق من دكان حلاوي باليمن، حمله شيطان من تلك البقعة. ### | أخبار أخرى عن بعض أصحاب الأحوال الشيطانية: # ومثل هذا يحدث كثيرا لغير الحلاج ممن له حال شيطاني، ونحن نعرف كثيرا من ~~هؤلاء في زماننا وغير زماننا، مثل شخص هو الآن بدمشق كان الشيطان يحمله من ~~جبل الصالحية إلى قرية حول دمشق، فيجيء من الهواء إلى طاقة البيت الذي فيه ~~الناس فيدخل وهم يرونه، ويجيء بالليل إلى (باب الصغير) فيعبر منه هو ~~ورفيقه، وهو من أفجر الناس. # PageV01P192 # وآخر كان بالشوبك من قرية يقال لها (الشاهدة) يطير في الهواء إلى رأس ~~الجبل والناس يرونه، وكان شيطانه يحمله، وكان يقطع الطريق؛ وأكثرهم شيوخ ~~الشر، يقال لأحدهم البوشي أبي المجيب ينصبون له خركاه في ليلة مظلمة ~~ويصنعون خبزا على سبيل القربات، فلا يذكرون الله ولا يكون عندهم من يذكر ~~الله ولا كتاب فيه ذكر الله، ثم يصعد ذلك البوشي في الهواء وهم يرونه ~~ويسمعون خطابه للشيطان وخطاب الشيطان له، ومن ضحك أو سرق من الخبز ضربه ~~الدف ولا يرون من يضرب به. ثم إن الشيطان يخبرهم ببعض ما يسألونه عنه، ~~ويأمرهم بأن يقربوا له بقرا وخيلا وغير ذلك، وأن يخنقوها خنقا ولا يذكرون ~~اسم الله عليها، فإذا فعلوا قضى حاجتهم. # وشيخ آخر أخبرني نفسه أنه كان يزني بالنساء ويتلوط بالصبيان الذين يقال ~~لهم "الحوارات"، وكان يقول: يأتيني كلب أسود بين عينيه نكتتان بيضاوان، ~~فيقول لي: فلان ابن فلان نذر لك نذرا وغدا نأتيك به، وأنا قضيت حاجته ~~لأجلك، فيصبح ذلك الشخص يأتيه بذلك النذر، ويكاشفه هذا الشيخ الكافر. # قال: وكنت إذا طلب مني تغيير مثل اللاذن أقول حتى أغيب عن عقلي وإذ ~~باللاذن في يدي أو في فمي، ms099 وأنا لا أدري من وضعه. قال: وكنت أمشي وبين يدي ~~عمود أسود عليه نور. # PageV01P193 # فلما تاب هذا الشيخ وصار يصلي ويصوم ويجتنب المحارم ذهب الكلب الأسود ~~وذهب التغيير فلا يأتي بلاذن ولا غيره. # وشيخ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون بعض الناس، فيأتي أهل ذلك المصروع ~~إلى الشيخ يطلبون منه إبراءه، فيرسل إلى أتباعه فيفارقون ذلك المصروع، ~~ويعطون ذلك الشيخ دراهم كثيرة. وكان أحيانا تأتيه الجن بدراهم وطعام تسرقه ~~من الناس، حتى أن بعض الناس كان له تين في كوارة فيطلب الشيخ من شياطينه ~~تينا فيحضرونه له، فيطلب أصحاب الكوارة التين فوجدوه قد ذهب. # وآخر كان مشتغلا بالعلم والقراءة فجاءته الشياطين أغوته وقالوا له: نحن ~~نسقط عنك الصلاة ونحضر لك ما تريد. فكانوا يأتونه بالحلوى أو الفاكهة، حتى ~~حضر عند بعض الشيوخ العارفين بالسنة فاستتابه، وأعطى أهل الحلاوة ثمن ~~حلاوتهم التي أكلها ذلك المفتون بالشيطان. # فكل من خرج عن الكتاب والسنة وكان له حال من مكاشفة أو تأثير فإنه صاحب ~~حال نفساني أو شيطاني، وإن لم يكن له حال بل هو يتشبه بأصحاب الأحوال فهو ~~صاحب حال بهتاني. وعامة أصحاب الأحوال الشيطانية يجمعون بين الحال الشيطاني ~~والحال البهتاني، كما قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على ~~كل أفاك أثيم} [سورة الشعراء: 221] ، 222] . # والحلاج كان من أئمة هؤلاء، أهل الحال الشيطاني والحال البهتاني، وهؤلاء ~~طوائف كثيرة. فأئمة هؤلاء هم شيوخ المشركين الذين يعبدون الأصنام، مثل ~~الكهان والسحرة الذين كانوا للعرب المشركين، ومثل الكهان والسحرة الذين هم ~~بأرض الهند والترك وغيرهم. ومن هؤلاء من إذا مات لهم ميت يعتقدون أنه يجيء ~~بعد الموت يكلمهم ويقضي ديونه ويرد ودائعه ويوصيهم بوصايا، فإنهم # PageV01P194 # تأتيهم تلك الصورة التي كانت في الحياة، وهو شيطان تمثل في صورته فيظنونه ~~إياه. # وكثير ممن يستغيث بالمشائخ فيقول: يا سيدي فلان، أو: يا شيخ فلان اقض ~~حاجتي، فيرى صورة ذلك الشيخ يخاطبه ويقول: أنا أقضي حاجتك، أو أطيب قلبك، ~~فيقضي حاجته أو يدفع عنه عدوه، ويكون ذلك شيطانا ms100 قد تمثل في صورته لما أشرك ~~بالله فدعى غيره. # وأنا أعرف من هذا وقائع متعددة، حتى أن طائفة من أصحابي ذكروا أنهم ~~استغاثوا بي في شدائد أصابتهم، أحدهم كان خائفا من الأرمن، والآخر كان ~~خائفا من التتر، فذكر كل منهم أنه لما استغاث بي رآني في الهواء وقد دفعت ~~عنه عدوه، فأخبرتهم أني لم أشعر بهذا، ولا دفعت عنكم شيئا، وإنما هذا شيطان ~~تمثل لأحدهم فأغواه لما أشرك بالله تعالى. # وهكذا جرى لغير واحد من أصحابنا المشايخ مع أصحابهم، يستغيث أحدهم ~~بالشيخ، فيرى الشيخ قد جاء وقضى حاجته، ويقول ذلك الشيخ: إني لم أعلم بهذا، ~~فيتبين أن ذلك كان شيطانا. # وقد قلت لبعض أصحابنا لما ذكر لي أنه استغاث باثنين كان يعتقدهما وأنهما ~~أتياه في الهواء وقالا له: طيب قلبك نحن ندفع عنك هؤلاء ونفعل ونصنع. قلت ~~له: فهل كان من ذلك شيء؟ فقال: لا. فكان هذا مما دله على أنهما شيطانان، ~~فإن الشياطين وإن كانوا يخبرون الإنسان بقضية أو قصة فيها صدق فإنهم يكذبون ~~أضعاف ذلك، كما كانت الجن يخبرون الكهان. # ولهذا من اعتمد على مكاشفته التي هي من أخبار الجن كان كذبه أكثر من ~~صدقه؛ كشيخ كان يقال له الشياح توبناه وجددنا إسلامه، كان له قرين # PageV01P195 # من الجن يقال له "عنتر" يخبره بأشياء فيصدق تارة ويكذب تارة، فلما ذكرت ~~له: إنك تعبد شيطانا من دون الله، اعترف بأنه يقول له: يا عنتر لا سبحانك ~~إنك إله قذر، وتاب من ذلك في قصة مشهورة. # وقد قتل سيف الشرع من قتل من هؤلاء مثل الشخص الذي قتلناه سنة خمس عشرة، ~~وكان له قرين يأتيه ويكاشفه فيصدق تارة ويكذب تارة، وكان قد انقاد له طائفة ~~من المنسوبين إلى أهل العلم والرئاسة فيكاشفهم حتى كشف الله أمره، وذلك أن ~~القرين كان تارة يقول: أنا رسول الله، ويذكر أشياء تنافي حال الرسول، فشهد ~~عليه أنه قال: إن الرسول يأتيني ويقول لي كذا وكذا، من الأمور التي يكفر من ~~أضافها إلى الرسول. فذكرت لولاة ms101 الأمور أن هذا من جنس الكهان، وأن الذي ~~يراه شيطان، ولهذا لا يأتيه في الصورة المعروفة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بل يأتيه في صورة منكرة، ويذكر عنه أنه يخضع له ويبيح له أن يتناول المنكر ~~وأمورا أخرى، وكان كثيرا من الناس يظنون أنه كاذب فيما يخبر به من الرؤية، ~~ولم يكن كاذبا في أنه رأى تلك الصورة، لكن كان كافرا في اعتقاده أن ذلك ~~رسول الله، ومثل هذا كثير. # ولهذا تحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب ما فعلوه من مراد الشيطان، فكلما ~~بعدوا عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وطريق المؤمنين قربوا من الشيطان، ~~فيطيرون في الهواء والشيطان طار بهم، ومنهم من يصرع الحاضرين وشياطينه ~~صرعتهم، ومنهم من يحضر طعاما وإداما ويملأ الإبريق ماء من الهواء، ~~والشياطين فعلت ذلك، فيحسب الجاهلون أن هذه كرامات أولياء الله المتقين، ~~وإنما هي من جنس أحوال السحرة والكهنة وأمثالهم. # PageV01P196 # ومن لم يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية اشتبه عليه الحق بالباطل، ~~ومن لم ينور الله قلبه بحقائق الإيمان واتباع القرآن لم يعرف طريق المحق من ~~المبطل، والتبس عليه الأمر والحال، كما التبس على الناس حال مسيلمة صاحب ~~اليمامة وغيره من الكذابين في زعمهم أنهم أنبياء وإنما هم كذابون. ### | إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجالين والدجال الكبير: # وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يكون فيكم ثلاثون ~~دجالون كذابون كلهم يزعم أنه رسول الله". # وأعظم الدجاجلة فتنة الدجال الكبير الذي يقتله عيسي بن مريم، فإنه ما خلق ~~الله من لدن آدم إلى قيام الساعة أعظم من فتنته، وأمر المسلمين أن يستعيذوا ~~من فتنته في صلاتهم. وقد ثبت أنه يقول للسماء: أمطري، # PageV01P197 # فتمطر، وللأرض: أنبتي فتنبت، وأنه يقتل رجلا مؤمنا ثم يقول: قم، فيقوم، ~~فيقول: أنا ربك، فيقول له: كذبت بل أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا عنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والله ما ازددت فيك إلا بصيرة. فيقتله مرتين ~~ويريد أن يقتله في الثالثة فلا يسلط عليه، وهو يدعي ms102 الإلهية. # وقد بين له النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث علامات تنافي ما يدعيه، أحدها: ~~أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور. والثانية: أنه مكتوب بين عينيه "كافر" يقرؤه ~~كل مؤمن قارئ وغير قارئ. والثالثة: قوله: "واعلموا أن أحدكم لا يرى ربه حتى ~~يموت". # فهذا هو الدجال الكبير، ودونه دجاجلة: منهم من يدعي النبوة، ومنهم من ~~يكذب بغير ادعاء النبوة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "يكون في آخر الزمان # PageV01P198 # دجالون كذابون يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم". ### | كان الحلاج دجالا ووجب قتله: # فالحلاج كان من الدجاجلة بلا ريب، ولكن إذا قيل: هل تاب قبل الموت، أم ~~لا؟ قال: الله أعلم، فلا يقول ما ليس له به علم؛ ولكن ظهر عنه من الأقوال ~~والأعمال ما أوجب كفره وقتله باتفاق المسلمين، والله أعلم. # PageV01P199 ### | رسالة في الرد على ابن عربي في دعوى إيمان فرعون # PageV01P201 # هذا سؤال أجاب عنه الشيخ الإمام العلامة الأوحد، شيخ الإسلام، تقي الدين ~~أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن ~~محمد بن تيمية الحراني. # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه التوفيق # الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. ### | نص السؤال: # ما تقول السادة العلماء رضي الله عنهم في قول فرعون عند الغرق: {آمنت أنه ~~لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [سورة يونس: 90] هل ~~فيه دليل على إيمانه وإسلامه؟ أو هل يوجد في القرآن أو السنة أو القياس ~~دليل على إيمانه أو إسلامه؟ وما يجب على من يقول: إنه مات مؤمنا، والحالة ~~هذه؟ ### | {الجواب} # الحمد لله. ### | فرعون من أعظم الخلق كفرا: # كفر فرعون، وموته كافرا، وكونه من أهل النار هو مما علم بالاضطرار من دين ~~المسلمين، بل ومن دين اليهود والنصارى، فإن أهل الملل الثلاثة متفقون على ~~أنه من أعظم الخلق كفرا، ولهذا لم يذكر الله تعالى في القرآن قصة كافر كما ~~ذكر قصته في بسطها وتثنيتها، ولا ذكر عن كافر ms103 من الكفر أعظم مما ذكر من ~~كفره واجترائه وكونه أشد الناس عذابا يوم القيامة. # ولهذا كان المسلمون متفقين على أن من توقف في كفره وكونه من # PageV01P203 # أهل النار فإنه يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرا مرتدا، فضلا عمن ~~يقول إنه مات مؤمنا. ### | لا يصرح بموته مؤمنا إلا من فيه نفاق وزندقة كالاتحادية: # والشك في كفره أو نفيه أعظم منه في كفر أبي لهب ونحوه، وأعظم من ذلك في ~~أبي جهل وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ونحوهم ممن تواتر كفرهم ولم ~~يذكر باسمه في القرآن، وإنما ذكر ما ذكر من أعمالهم، ولهذا لم يظهر عن أحد ~~بالتصريح بأنه مات مؤمنا إلا عمن فيه من النفاق والزندقة أو التقليد ~~للزنادقة والمنافقين ما هو أعظم من ذلك، كالإتحادية الذين يقولون: إن وجود ~~الخالق هو وجود الخلق، حتى يصرحون بأن يغوث ويعوق ونسرا وغيرها من الأصنام ~~هي وجودها وجود الله، وأنها عبدت بحق، وكذلك العجل عبد بحق، وأن موسى أنكر ~~على هارون من نهيه عن عبادة العجل، وأن فرعون كان صادقا في قوله: أنا ربكم ~~الأعلى، وأنه عين الحق، وأن العبد إذا دعا الله تعالى فعين الداعي عين ~~المجيب، وأن العالم هويته، ليس وراء العالم وجود أصلا. # ومعلوم أن هذا بعينه هو حقيقة قول فرعون الذي قال: {يا هامان # PageV01P204 # ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني ~~لأظنه كاذبا} [سورة غافر: 35]-36] . # ولقد خاطبت بعض الفضلاء مرة بحقيقة مذهبهم، وأنه حقيقة قول فرعون فذكر لي ~~رئيس من رؤسائهم أنه لما دعاه إلى هذا القول وبينه قال: قلت له: هذا قول ~~فرعون. فقال له: ونحن على قول فرعون؛ وما كنت أظن أنهم يقرون أو يعترفون ~~بأنهم على قول فرعون. قال: إنما قلت ذلك استدلالا، فلما قال ذلك، قلت له: ~~مع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة. ### | تفضيل الاتحادية الولي على النبي والرسول: # وهم مع هذا الكفر والتعطيل الذي هو شر من قول اليهود والنصارى، يدعون أن ms104 ~~هذا العلم ليس إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء الذي يدعونه، وأن خاتم ~~الأنبياء إنما يرى هذا العلم من مشكاة خاتم الأولياء، وأن خاتم الأولياء ~~يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى خاتم الأنبياء، وهو ~~في الشرع مع موافقته له في الظاهر مشكاة له في الباطن، ولا يحتاج أن يكون ~~متبعا للرسول لا في الظاهر ولا في الباطن. # وهذا -مع أنه من أقبح الكفر وأخبثه- فهو من أفسد الأشياء في العقل، كما ~~يقال لمن قال: "فخر عليهم السقف من تحتهم": لا عقل ولا قرآن؛ # PageV01P205 # لأن الخرور لا يكون من أسفل، وكذلك الاستفادة، إنما يستفيد المتأخر من ~~المتقدم. # ثم خاتم الأولياء الذين يدعونهم، ضلالهم فيه من وجوه، حيث ظنوا أن ~~للأولياء خاتما، وأن يكون أفضلهم قياسا على خاتم الأنبياء، ولم يعلموا أن ~~أفضل الأولياء من هذه الأمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم السالفون من ~~الأولياء لا الآخرون، إذ فضل الأولياء على قدر اتباعهم للأنبياء واستفادتهم ~~منهم علما وعملا. # وهؤلاء الملاحدة يدعون أن الولي يأخذ من الله بلا واسطة، والنبي يأخذ ~~بواسطة، وهذا جهل منهم، فإن الولي عليه أن يتبع النبي، ويعرض كل ما له من ~~محادثة وإلهام على ما جاء به النبي، فإن وافقه وإلا رده، إذ ليس هو بمعصوم ~~فيما يقضي له. # وقد يلبسون على بعض الناس بدعواهم أن ولاية النبي أفضل من نبوته، وهذا مع ~~أنه ضلال فليس هو مقصودهم، فهم مع ضلالهم فيما ظنوه من خاتم الأولياء ~~ومرتبته يختلفون في عينه بحسب الظن وما تهوى الأنفس، # PageV01P206 # لتنازعهم في تعيين القطب الفرد الغوث الجامع، ونحو ذلك من المراتب التي ~~يدعونها، وهي معلومة البطلان بالشرع والعقل. ثم يتنازعون في عين الموصوف ~~بها، وهذا باب واسع. # والمقصود هنا أن هؤلاء الاتحادية من أتباع صاحب "فصوص الحكم" وصاحب ~~"الفتوحات المكية" ونحوهم، هم الذين يعظمون فرعون، ويدعون أنه مات مؤمنا، ~~وأن تغريقه كان بمنزلة غسل الكافر إذا أسلم، ويقولون: ليس في القرآن ما يدل ~~على كفره، ويحتجون على إيمانه بقوله: ms105 {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [سورة يونس: 90] . ### | بطلان حجتهم على إيمان فرعون: # وتمام القصة تبين ضلالهم، فإنه قال سبحانه: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين} [سورة يونس: 91] ، وهذا استفهام إنكار وذم، ولو كان إيمانه صحيحا ~~مقبولا لما قيل له ذلك. # وقد قال موسى عليه السلام: {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في ~~الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [سورة يونس: 88] . # PageV01P207 # قال الله تعالى: {قد أجيبت دعوتكما} [سورة يونس: 89] ، فاستجاب الله دعوة ~~موسى وهارون، فإن موسى كان يدعو وهارون يؤمن أن فرعون وملأه لا يؤمنون حتى ~~يروا العذاب الأليم. # وقد قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون * فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا ~~به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون} [سورة غافر: 82]- 85] ، فأخبر سبحانه وتعالى أن ~~الكفار لم يك ينفعهم إيمانهم حين رأوا البأس، وأخبر أن هذه سنته التي قد ~~خلت في عباده، ليبين أن هذه عادته سبحانه في المستقدمين والمستأخرين، كما ~~قال سبحانه وتعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار} [سورة النساء: 18] . # ثم إنه سبحانه وتعالى قال بعد قوله: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ~~* فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية} [سورة يونس: 91]- 92] ، فجعله ~~الله تعالى عبرة وعلامة لمن يكون بعده من الأمم لينظروا عاقبة من كفر بالله ~~تعالى، ولهذا ذكر الله تعالى الاعتبار بقصة فرعون وقومه في غير موضع. # وقد قال سبحانه وتعالى: {كذبت قبلهم ms106 قوم نوح وأصحاب الرس وثمود * وعاد ~~وفرعون وإخوان لوط * وأصحاب الأيكة وقوم # PageV01P208 # تبع كل كذب الرسل فحق وعيد} [سورة ق: 12]- 14] ، فأخبر سبحانه أن كل واحد ~~من هؤلاء المذكورين، فرعون وغيره، كذب الرسل كلهم، إذ لم يؤمنوا ببعض ~~ويكفروا ببعض كاليهود والنصارى، بل كذبوا الجميع، وهذا أعظم أنواع الكفر، ~~فكل من كذب رسولا فقد كفر، ومن لم يصدقه ولم يكذبه فقد كفر؛ فكل مكذب ~~للرسول كافر به، وليس كل كافر مكذبا به، إذ قد يكون شاكا في رسالته، أو ~~عالما بصدقه لكنه يحمله الحسد أو الكبر على ألا يصدقه، وقد يكون مشتغلا ~~بهواه عن استماع رسالته والإصغاء إليه؛ فمن وصف بالكفر الخاص الأشد، كيف لا ~~يدخل في الكفر؟! # ولكن ضلالهم في هذا نظير ضلالهم في قوله: # مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي # وقد علم أن كل رسول نبي، وكل نبي ولي، ولا ينعكس. # وقال سبحانه وتعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد * وثمود ~~وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب * إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} ~~[سورة ص: 12]- 14] . وقال تعالى: {وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة ~~* فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية} [سورة الحاقة: 9]- 10] . # PageV01P209 # ثم إن الله تعالى أخبر عن فرعون بأعظم أنواع الكفر: من جحود الخالق، ~~ودعواه الإلهية، وتكذيب من يقر بالخالق سبحانه، ومن تكذيب الرسول ووصفه ~~بالجنون والسحر وغير ذلك. ومن المعلوم بالاضطرار أن الكفار العرب الذين ~~قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم -مثل أبي جهل وذريته- لم يكونوا يجحدون ~~الصانع، ولا يدعون لأنفسهم الإلهية، بل كانوا يشركون بالله ويكذبون رسوله. # وفرعون كان أعظم كفرا من هؤلاء؛ قال الله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب * فلما ~~جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم ~~وما كيد الكافرين إلا في ضلال * وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني ~~أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد * وقال موسى إني عذت بربي ~~وربكم ms107 من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب * وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ~~إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم} [سورة ~~غافر: 23]-28] ، إلى قوله: {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ ~~الأسباب * أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين ~~لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب} [سورة غافر: ~~36]- 37] . # أخبر الله سبحانه وتعالى أن فرعون ومن ذكر معه قال إن موسى ساحر كذاب، ~~وهذا من أعظم أنواع الكفر. # ثم أخبر الله أنه أمر بقتل أولاد الذين آمنوا معه لينفروا عن # PageV01P210 # الإيمان معه كيدا لموسى. قال تعالى: {وما كيد الكافرين إلا في تباب} ~~[سورة غافر: 37] ، فدل على أنهم من الكافرين الذين كيدهم في تباب، فوصفهم ~~بالتكذيب وبالكفر جميعا، وإن كان التكذيب مشتملا مستلزما للكفر، كما أن ~~الرسالة مستلزمة للنبوة، والنبوة مستلزمة للولاية. # ثم أخبر عن فرعون أنه طلب قتل موسى وقال: {وليدع ربه} ، وهذا تنبيه على ~~أنه لم يكن مقرا بربه، ولهذا قال في تمام الكلام: {ما علمت لكم من إله ~~غيري} [سورة القصص: 38] ، وهذا جحد صريح لإله العالمين، وهي الكلمة الأولى. # ثم قال بعد ذلك لما ذكره الله تعالى بقوله: {فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * ~~فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى} [سورة النازعات: 21]- 24] ، قال الله ~~تعالى: {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى * إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} [سورة ~~النازعات: 25]- 26] . قال كثير من العلماء: أي نكال الكلمة الآخرة، ونكال ~~الكلمة الأولى، فنكل الله تعالى به على الكلمتين باعترافه، وجعل ذلك عبرة ~~لمن يخشى. ولو كان هذا ممن لم يعاقب على ما تقدم من كفره، ولم يكن عقابه ~~عبرة، بل من آمن غفر الله له ما سلف، ولم يذكره بكفر ولا بذم أصلا، بل ~~يمدحه على إيمانه، ويثني عليه كما أثنى على من آمن بالرسل، وأخبر أنه ~~نجاهم. # وفرعون هو أكثر الكفار ذكرا في القرآن، وهو لا يذكره سبحانه إلا # PageV01P211 # بالذم والتقبيح واللعن، ولم يذكره ms108 بخير قط. # وهؤلاء الملاحدة المنافقون يزعمون أنه مات طاهرا مطهرا ليس فيه شيء من ~~الخبث، بل يزعمون أن السحرة صدقوه في قوله: ما علمت لكم من إله غيري، وأنه ~~صح قوله: أنا ربكم الأعلى، وأنه كان عين الحق. # وقد أخبر سبحانه وتعالى عن جحوده لرب العالمين. قال لما قال له موسى عليه ~~السلام: {إني رسول من رب العالمين * حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ~~قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل} [سورة الأعراف: 104]- 105] ~~، {قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم ~~موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب إن كنتم تعقلون * ~~قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} [سورة الشعراء: 23]- 29] ، ~~فتوعد موسى بالسجن إن اتخذ إلها غيره. # وهؤلاء مع تنظيمهم لفرعون يشاركون في حقيقة كفره، وإن كانوا مفارقين له ~~من جهة أخرى، فإن عندهم: ما ثم موجود غير الله أصلا، ولا يمكن أحد أن يتخذ ~~إلها غيره، لأنه أي شيء عبد العابد من الأوثان والأصنام والشياطين، فليست ~~عندهم غير الله أصلا. وهل يقال هي الله؟ لهم في ذلك قولان. # PageV01P212 ### | إخبار الله عن عذاب فرعون في الآخرة: # وإخباره سبحانه وتعالى عن تكذيب فرعون وغير ذلك من أنواع كفره كثير في ~~القرآن، وكذلك إخباره عن عذابه في الآخرة. فإن هؤلاء الملاحدة يزعمون أنه ~~ليس في القرآن آية تدل على عذابه، ويقولون إنما قال سبحانه: {يقدم قومه يوم ~~القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود} [سورة هود: 98] ، قالوا: فأخبر ~~أنه يوردهم، ولم يذكر أنه دخل معهم. قالوا: وقد قال: {أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب} [سورة غافر: 46] ، فإنما يدخل النار آل فرعون لا فرعون. # وهذا من أعظم جهلهم وضلالهم، فإنه حيث ذكر في الكتاب والسنة آل فلان كان ~~فلان داخلا فيهم، كقوله: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران ~~على العالمين} [سورة آل عمران: 33] ، وقوله: {إلا آل ms109 لوط نجيناهم بسحر} ~~[سورة القمر: 34] ، وقوله: {سلام على إل ياسين} [سورة الصافات: 130] . وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم صل على آل أبي أوفى"، وقوله: "لقد أوتي ~~هذا مزمارا من مزامير آل داود". # PageV01P213 # ومنه قوله تعالى: {وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} [سورة ~~البقرة: 49] ، {كدأب آل فرعون} [سورة آل عمران: 11] ، {ولقد جاء آل فرعون ~~النذر * كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر} [سورة القمر: 41]- ~~42] . # وقوله: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [سورة غافر: 46] متناول له ولهم ~~باتفاق المسلمين، وبالعلم الضروري من دين المسلمين. # وهذا بعد قوله تعالى حكاية عن مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه: {أتقتلون ~~رجلا أن يقول ربي الله} [سورة غافر: 28] ، والذي طلب قتله هو فرعون، فقال ~~المؤمن بعد ذلك: {مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار * تدعونني ~~لأكفر بالله وأشرك به} [سورة غافر: 41]- 42] ، والداعي إلى الكفر هو كافر ~~كفرا مغلظا، فهذا فيه. # ووصفهم أيضا بالكفر إلى قوله: {فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون ~~سوء العذاب * النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب} [سورة غافر: 45]- 46] ، فأخبر أنه حاق بآل فرعون سوء ~~العذاب، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. ثم قال: {وإذ ~~يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم ~~مغنون عنا نصيبا من النار * قال الذين استكبروا إنا # PageV01P214 # كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} [سورة غافر: 47]- 48] ومعلوم أن ~~فرعون هو أعظم الذين استكبروا، ثم هامان وقارون، وأن قومهم كانوا لهم تبعا، ~~وفرعون هو متبوعهم الأعظم الذي قال: ما علمت لكم من إله غيري، وقال: أنا ~~ربكم الأعلى. # وقد قال: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} [سورة القصص: 39]- 42] . # وهذا تصريح بأنه نبذه وقومه في اليم عقوبة ms110 الذي هو الكفر، وأنه أتبعه ~~وقومه في الدنيا لعنة، ويوم القيامة هم من المقبوحين هو وقومه جميعا، وهذا ~~موافق لقوله: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملئه ~~فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد * يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم ~~النار وبئس الورد المورود * وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد ~~المرفود} [سورة هود: 96]- 99] . # فأخبر سبحانه أنهم اتبعوا أمره، وأنه يقدمهم لأنه إمامهم، فيكون قادما ~~لهم لا سائقا لهم، وأنه يوردهم النار. فإذا كان التابع قد ورد النار فمعلوم ~~أن القادم الذي يقدمه وهو متبوعه ورد قبله، ولهذا قال بعد ذلك: {وأتبعناهم ~~في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} [سورة القصص: 42] . # PageV01P215 # والتابع والمتبوع كما قال الله تعالى في تلك السورة عن فرعون وقومه: ~~{وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود} [سورة هود: 99] . # والكلام في هذا مبسوط، لم تحتمل هذه الورقة إلا هذا، والله أعلم. # والحمد لله وحده، وصلوات الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل. # تم وكمل. # PageV01P216 ### | رسالة في التوبة # PageV01P217 ### | فصل # قال الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ~~ابن تيمية رحمه الله # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما ### | بعض آيات التوبة في القرآن # قال الله تعالى آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا ~~تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف ~~عليكم عذب يوم كبير [سورة هود 1 - 3] # وقال تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ms111 لا تقنطوا من رحمة الله ~~إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا ~~له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم من قبل أن # PageV01P219 # يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون الآيات [سورة الزمر 53 - 55] # وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن ~~يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله ~~النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم الآية [سورة ~~التحريم 8] # وقال تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون [سورة ~~النور 31] # وقال تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف ~~رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت ~~عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن ~~الله هو التواب الرحيم [سورة التوبة 117 - 118] # وقال تعالى وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ~~ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما ~~مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى ~~حين فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم [سورة البقرة ~~35 - 37] # PageV01P220 # وقال تعالى في السورة الأخرى وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ~~وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر ~~لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [سورة الأعراف 22 - 23] # وقال تعالى وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [سورة طه 121 ~~- 122] # وقال تعالى عن نوح أنه قال لقومه استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل ~~السماء عليكم مدرارا الآية [سورة نوح 10 - 11] # وقال عن نوح رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر ms112 لي ~~وترحمني أكن من الخاسرين [سورة هود 47] وعن هود ويا قوم استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا ~~مجرمين [سورة هود 52] وعن صالح فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ~~[سورة هود 61] وكذلك قال شعيب واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ~~ودود [سورة هود 90] وقال إبراهيم عليه السلام ربنا اغفر لي ولوالدي ~~وللمؤمنين يوم يقوم الحساب [سورة إبراهيم 41] وقال والذي أطمع أن يغفر لي ~~خطيئتي يوم الدين [سورة الشعراء 82] وقال وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت # PageV01P221 # التواب الرحيم [سورة البقرة 128] وقال عن موسى عليه السلام فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي ~~فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم [سورة القصص 15 - 16] وقال موسى رب ~~اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين [سورة الأعراف 151] ~~وقال موسى سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين [سورة الأعراف 143] # وقال تعالى لموسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل ~~حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم [سورة النمل 10 - 11] وقال موسى أتهلكنا بما ~~فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء ~~فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل الآية ~~[سورة الأعراف 155 - 157] # وقال لخاتم الرسل فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات [سورة محمد 19] وقال إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر [سورة الفتح 1 - 2] # PageV01P222 # وقال تعالى إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين [سورة البقرة 222] # وقال حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب ms113 شديد ~~العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير [سورة غافر 1 - 3] # وقال تعالى وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما ~~تفعلون ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله [سورة الشورى ~~25 - 26] # وقال تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله ~~أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ~~وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم وقل اعملوا فسيرى ~~الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما ~~كنتم تعملون وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم ~~حكيم [سورة التوبة 102 - 106] ### | بعض الأحاديث في التوبة # وفي صحيح مسلم عن أبي بردة عن الأغر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم # PageV01P223 # مائة مرة وعن أبي بردة عن الأغر المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة وقال إني ~~لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة وقال إن الله تعالى ~~يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى ~~تطلع الشمس من مغربها وقال من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله ~~عليه وقال لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته ~~بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ~~ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده # PageV01P224 # فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة ~~الفرح # وهذا الحديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن مسعود والبراء ~~بن عازب والنعمان بن بشير ms114 وأبو هريرة وأنس بن مالك ففي الصحيحين عن ابن ~~معسود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لله أفرح بتوبة أحدكم من رجل ~~خرج بأرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه وزاده وما يصلحه فأضلها ~~فخرج في طلبها حتى إذا أدركه الموت ولم يجدها قال أرجع إلى مكاني الذي ~~أضللتها فيه فأموت فيه فأتى مكانه فغلبته عينه فاستيقظ فإذا راحلته عند ~~رأسه عليها طعامه وشرابه وزاده وما يصلحه وفي السنن أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون وقال إن العبد إذا أذنب # PageV01P225 # نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زيد فيها ~~حتى تعلو قلبه فذلكم الران الذي ذكر الله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون [سورة المطففين 14] # وعن ابن عباس في قوله إلا اللمم [سورة النجم 32] قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما " # وعن ابن عمر قال إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس ~~الواحد يقول رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة رواه أحمد ~~والترمذي وقال حديث صحيح # PageV01P226 ### | فصل ### | التوبة نوعان واجبة ومستحبة # التوبة نوعان واجبة ومستحبة ### | الواجبة من ترك مأمور أو فعل محظور # فالواجبة هي التوبة من ترك مأمور أو فعل محظور وهذه واجبة على جميع ~~المكلفين كما أمرهم الله بذلك في كتابه وعلى ألسنة رسله ### | والمستحبة من ترك المستحبات وفعل المكروهات # والمستحبة هي التوبة من ترك المستحبات وفعل المكروهات فمن اقتصر على ~~التوبة الأولى كان من الأبرار المقتصدين ومن تاب التوبتين كان من السابقين ~~المقربين ومن لم يأت بالأولى كان من الظالمين إما الكافرين وإما الفاسقين ~~قال الله تعالى وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب ~~المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات ~~النعيم [سورة الواقعة 7 - 12] وقال تعالى فأما إن كان من المقربين فروح ~~وريحان وجنة نعيم ms115 وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ~~وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم [سورة الواقعة ~~88 - 94] وقال تعالى فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ~~بإذن الله [سورة فاطر 32] وقال تعالى إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما ~~كفورا إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا إن الأبرار يشربون من كأس ~~كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا [سورة الإنسان ~~3 - 6] وقال كلا إن كتاب الفجار لفي سجين إلى قوله كلا إن # PageV01P227 # كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون إلى قوله ومزاجه من تسنيم ~~عينا يشرب بها المقربون [سورة المطففين 7 - 28] قال ابن عباس تمزج لأصحاب ~~اليمين مزجا ويشرب بها المقربون صرفا ### | التوبة من ترك الحسنات أهم من التوبة من فعل السيئات # والتوبة رجوع عما تاب منه إلى ما تاب إليه فالتوبة المشروعة هي الرجوع ~~إلى الله وإلى فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وليست التوبة من فعل السيئات ~~فقط كما يظن كثير من الجهال لا يتصورون التوبة إلا عما يفعله العبد من ~~القبائح كالفواحش والمظالم بل التوبة من ترك الحسنات المأمور بها أهم من ~~التوبة من فعل السيئات المنهي عنها فأكثر الخلق يتركون كثيرا مما أمرهم ~~الله به من أقوال القلوب وأعمالها وأقوال البدن وأعماله وقد لا يعلمون أن ~~ذلك مما أمروا به أو يعلمون الحق ولا يتبعونه فيكونون إما ضالين بعدم العلم ~~النافع وإما مغضوبا عليهم بمعاندة الحق بعد معرفته # وقد أمر الله عباده المؤمنين أن يدعوه في كل صلاة بقوله اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ولهذا نزه ~~الله نبيه عن هذين فقال تعالى والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [سورة النجم 1 - 4] فالضال الذي لا يعلم ~~الحق بل يظن أنه على الحق وهو جاهل به كما عليه النصارى قال تعالى ولا ~~تتبعوا أهواء قوم قد ms116 ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل [سورة ~~المائدة 77] # والغاوي الذي يتبع هواه وشهواته مع علمه بأن ذلك خلاف الحق كما # PageV01P228 # عليه اليهود قال تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ~~وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ~~[سورة الأعراف 146] وقال تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ ~~منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى ~~الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث الآية ~~[سورة الأعراف 175 - 176] ### | الغي والضلال يجمعان جميع السيئات # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات ~~الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن فإن الغي والضلال يجمع جميع سيئات بني ~~آدم فإن الإنسان كما قال تعالى وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا [سورة ~~الأحزاب 72] فبظلمه يكون غاويا وبجهله يكون ضالا وكثيرا ما يجمع بين ~~الأمرين فيكون ضالا في شيء غاويا في شيء آخر إذ هو ظلوم جهول ويعاقب على كل ~~من الذنبين بالآخر كما قال في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا [سورة البقرة ~~10] وكما قال فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [سورة الصف 5] # كما يثاب المؤمن على الحسنة بحسنة أخرى فإذا عمل بعلمه ورثه الله علم ما ~~لم يعلم وإذ عمل بحسنة دعته إلى حسنة أخرى قال تعالى والذين # PageV01P229 # اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم [سورة محمد 17] وقال تعالى ويزيد الله ~~الذين اهتدوا هدى [سورة مريم 76] وقال والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ~~[سورة العنكبوت 69] وقال ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما [سورة ~~النساء 66 - 68] وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله ~~يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم ~~لئلا يعلم أهل الكتاب ms117 ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [سورة الحديد 28 - 29] # وهو صلى الله عليه وسلم ذكر شهوات الغي في البطون والفروج كما في الصحيح ~~أنه قال من تكفل لي بما بين لحييه وما بين رجليه تكفلت له بالجنة فإن هذا ~~يعلم عامة الناس أنه من الذنوب لكن يفعلونه اتباعا لشهواتهم # PageV01P230 # وأما مضلات الفتن فأن يفتن العبد فيضل عن سبيل الله وهو يحسب أنه مهتد ~~كما قال ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم ~~عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون [سورة الزخرف 36 - 37] وقال أفمن زين له سوء ~~عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء [سورة فاطر 8] وقال ~~وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب [سورة ~~غافر 37] وقال قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [سورة الكهف 103 - 104] # ولهذا تأول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فيمن يتعبد بغير ~~شريعة الله التي بعث بها رسوله من المشركين وأهل الكتاب كالرهبان وفي أهل ~~الأهواء من هذه الأمة كالخوارج الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم ~~وقال فيهم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ~~يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم ~~القيامة وذلك لأن هؤلاء خرجوا عن سنة رسول # PageV01P231 # الله صلى الله عليه وسلم وجماعة المسلمين حتى كفروا من خالفهم مثل عثمان ~~وعلي وسائر من تولاهما من المؤمنين واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان # وإذا اجتمع شهوات الغي ومضلات الفتن قوى البلاء وصار صاحبه مغضوبا عليه ~~ضالا وهذا يكون كثيرا بسبب حب الرئاسة والعلو في الأرض كحال فرعون قال ms118 ~~تعالى إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ~~أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين [سورة القصص 4] فوصفه بالعلو ~~في الأرض والفساد وقال في آخر السورة تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين [سورة القصص 83] ولهذا ~~قال في حق فرعون وكذلك زين لفرعون سوء عمله [سورة غافر 37] # وذلك أن حب الرئاسة شهوة خفية كما قال شداد بن أوس رضي الله # PageV01P232 # عنه يا بغايا العرب يا بغايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة ~~الخفية قيل لأبي داود السجستاني ما الشهوة الخفية قال حب الرئاسة وحبك ~~الشيء يعمى ويصم فيبقى حب ذلك يزين له ما يهواه مما فيه علو نفسه ويبغض ~~إليه ضد ذلك حتى يجتمع فيه الإستكبار والإختيال والحسد الذي فيه بغض نعمة ~~الله على عباده لا سيما من مناظره # والكبر والحسد هما داءان أهلكا الأولين والآخرين وهما أعظم الذنوب التي ~~بها عصى الله أولا فإن إبليس استكبر وحسد آدم وكذلك ابن آدم الذي قتل أخاه ~~حسد أخاه ولهذا كان الكبر ينافي الإسلام كما أن الشرك نافي الإسلام فإن ~~الإسلام هو الإستسلام وحده فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك به ومن لم يستسلم ~~فهو مستكبر كحال فرعون وملإه ولذلك # PageV01P233 # قال لهم موسى وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين [سورة الدخان ~~19] وقال تعالى عن فرعون واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم ~~إلينا لا يرجعون [سورة القصص 39] وقال تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ~~ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين [سورة النمل 14] # ومن أسلم وجهه لله حنيفا فهو المسلم الذي على ملة إبراهيم الذي قال له ~~ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين # وهذا الإسلام هو دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم كما وصف الله ~~به في كتابه نوحا وإبراهيم وموسى ويوسف وسليمان وغيرهم من النبيين مثل قول ~~موسى لقومه إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين [سورة يونس ~~84] وقال تعالى إنا ms119 أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا [سورة المائدة 44] وقال نوح عليه السلام فإن توليتم فما ~~سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين [سورة يونس ~~72] # وقال يوسف توفني مسلما وألحقني بالصالحين [سورة يوسف 101] وقالت بلقيس ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين [سورة النمل 44] ### | الغي في شهوات الرئاسة والكبر والعلو # وليس الغي مختصا بشهوات البطون والفروج فقط بل هو في شهوات البطون ~~والفروج وشهوات الرئاسة والكبر والعلو وغير ذلك فهو اتباع # PageV01P234 # الهوى وإن لم يعتقد أنه هوى بخلاف الضال فإنه يحسب أنه يحسن صنعا ولهذا ~~كان إبليس أول الغاوين كما قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم ~~شاكرين [سورة الأعراف 16 - 17] وقال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [سورة الحجر 39 - 40] # وقال تعالى ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون قال الذين ~~حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما ~~كانوا إيانا يعبدون [سورة القصص 62 - 63] # وقد قال تعالى فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون [سورة ~~الشعراء 94 - 95] # وإنما في الحديث ما يخاف على هذه الأمة من الغي وهو شهوات الغي في البطون ~~والفروج فأما الغي الذي هو الإستكبار عن ابتاع الحق فذاك أصل الكفر فصاحبه ~~ليس من هذه الأمة كإبليس وفرعون وغيرها وأما غي شهوات البطون والفروج فذاك ~~يكون لأهل الإيمان ثم يتوبون كما قال وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب ~~عليه وهدى [سورة طه 121 - 122] # وفي السنن والمسند من حديث ليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن عمرو عن أبي ~~سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # PageV01P235 # إن إبليس قال لربه عز وجل بعزتك وجلالك لا أبرح أغوى بني آدم ما دامت ~~الأرواح فيهم فقال له ربه عز وجل فبعزتي وجلالي لا أبرح ms120 أغفر لهم ما ~~استغفروني ### | فصل ### | العصيان يقع مع ضعف العلم # وجميع ما يتوب العبد منه سواء كان فعلا أو تركا قد لا يكون كان عالما ~~بأنه ينبغي التوبة منه وقد يكون كان عالما بذلك فإن الإنسان كثيرا ما يكون ~~غير عالم بوجوب الشيء أو قبحه ثم يتبين له فيما بعد وجوبه أو قبحه وقد يكون ~~عالما بوجوبه أو قبحه ويتركه أو يفعله لضعف المقتضى لفعل الواجب أو قوة ~~المقتضى لفعل القبيح لكن هذا لا يكاد يقع إلا مع ضعف العلم بوجوبه وقبحه ~~وإلا فإذا كمل العلم استلزم الإرادة الجازمة في الطرفين ولهذا قال سبحانه ~~إنما التوبة للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله ~~عليهم وكان الله عليما حكيما [سورة النساء 17] قال أبو العالية قال أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد ~~تاب من قريب # PageV01P236 # وقال تعالى وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور ~~رحيم [سورة الأنعام 54] # والمؤمن لا يزال يخرج من الظلمات إلى النور ويزداد هدى فيتجدد له من ~~العلم والإيمان ما لم يكن قبل ذلك فيتوب مما تركه وفعله والتوبة تصقل القلب ~~وتجليه مما عرض له من رين الذنوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~العبد إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن ~~زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي قال الله كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون [سورة المطففين 14] # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إنه ليغان على قلبي ~~وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ### | التوبة من الاعتقادات أعظم من التوبة من الإرادات # والتوبة من الاعتقادات أعظم من التوبة من الإرادات فإن من ترك واجبا أو ~~فعل قبيحا يعتقد وجوبه وقبحه كان ذلك الاعتقاد داعيا له ms121 إلى فعل الواجب ~~ومانعا من فعل القبيح فلا يكون في فعله وتركه ثابت الدواعي والصوارف بل ~~تكون دواعيه وصوارفه متعارضة ولهذا يكون الغالب على هذا التلوم وتكون نفسهم ~~لوامة تارة يؤدون الواجب وتارة يتركونه وتارة يتركون القبيح وتارة يفعلونه ~~كما تجده في كثير من فساق القبلة الذين يؤدون الحقوق تارة ويمنعونها أخرى ~~ويفعلون السيئات تارة ويتركونها # PageV01P237 # أخرى لتعارض الإرادات في قلوبهم إذ معهم أصل الإيمان الذي يأمر بفعل ~~الواجب وينهى عن فعل القبيح ومعهم من الشبهات والشهوات ما يدعوهم إلى خلاف ~~ذلك # وأما ما فعله الإنسان مع اعتقاد وجوبه وتركه مع اعتقاد تحريمه فهذا يكون ~~ثابت الدواعي والصوارف أعظم من الأول بكثير وهذا تحتاج توبته إلى صلاح ~~اعتقاده أولا وبيان الحق وهذا قد يكون أصعب من الأول إذ ليس معه داع إلى أن ~~يترك اعتقاده كما كان مع الأول داع إلى أن يترك مراده وقد يكون أسهل إذا ~~كان له غرض فيما يخالف موجب الاعتقاد مثل الآصار والأغلال التي على أهل ~~الكتاب وإذلال المسلمين لهم وأخذ الجزية منهم مع مخالفة المسلمين له فهذا ~~قد يكون داعيا إلى أن ينظر في اعتقاده هل هو حق أو باطل حتى يتبين له الحق ~~وقد يكون أيضا مرغبا له في اعتقاد يخرج به من هذا البلاء ### | الاعتقاد والإرادة يتعاونان # وكذلك قهر المسلمين لعدوهم بالأسر يدعوهم إلى النظر في محاسن الإسلام ~~فللرغبة والرهبة تأثير عظيم في معاونة الاعتقاد كما للاعتقاد تأثير عظيم في ~~الفعل والترك فكل واحد من العلم والعمل من الاعتقاد والإرادة يتعاونان ~~فالعلم والاعتقاد يدعو إلى العمل بموجبه والإرادة رغبة ورهبة والعمل ~~بموجبها يؤيد النظر والعلم الموافق لتلك الإرادة والعمل كما قال من عمل بما ~~علم أورثه الله علم ما لم يعلم # وفي القرآن شواهد هذا متعددة في مثل قوله ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ~~لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم ~~صراطا مستقيما [سورة النساء 66 - 68] # PageV01P238 # وفي قوله اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ms122 ويجعل لكم نورا ~~تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم [سورة الحديد 28] وغير ذلك # فإذا كان الإنسان معاقبا على الاعتقاد كما يعاقب الكفار على كفرهم كانت ~~التوبة منه ظاهرة كما قال تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ~~وما من إليه إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم ~~عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم [سورة المائدة ~~73 - 74] وقال تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم [سورة التوبة 5] # فأما الإعقتاد المغفور كالخطأ والنسيان الذي لا يؤاخذ الله به هذه الأمة ~~كما في قوله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [سورة البقرة 286] وقد ثبت ~~في الصحيح أن الله قد فعل ذلك وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر فهذا # PageV01P239 # قد يقال في مثله إن قيل إنه يتاب منه فكيف يتاب مما لا ذم فيه ولا عقاب ~~وإن قيل لا يتاب منه فكيف لا يرجع الإنسان إلى الحق إذا تبين له # وجواب ذلك أنه يتاب منه كما يتاب من غيره لأن صاحبه قد ترك ما هو مأمور ~~به في نفس الأمر من العلم وما يتبعه من أعمال القلوب والجوارح إما لعجزه عن ~~بلوغه وإما لتقصيره في طلبه # وأيضا فإنه قد فعل من الاعتقاد وما يتبعه من أعمال القلوب والجوارح ما هو ~~منهي عنه في نفس الأمر لكن سقط عنه النهي لعدم قدرته على معرفة قبحه ~~والتكليف مشروط بالتمكن من العلم والقدرة فلا يكلف العاجز عن العلم ما هو ~~عاجز عنه والناسي والمخطىء كذلك لكن إذا تجدد له قدرة على العلم صار مأمورا ~~بطلبه وإذا تجدد له العلم صار مأمورا حينئذ باتباعه وصار في هذه الحال ~~مذموما على ترك ما يقدر عليه من طلب العلم الواجب وعلى ترك اتباع ما تبين ~~له من العلم # وأيضا ms123 فما دام غير مستيقن للحق فهو مأمور بطلب العلم الذي يبين له الحق ~~والمعتقد المخطىء لا يكون مستيقنا قط فإن العلم واليقين يجده الإنسان من ~~نفسه كما يجد سائر إدراكاته وحركاته مثلما يجد سمعه وبصره وشمه وذوقه فهو ~~إذا رأى الشيء يقينا يعلم أنه رآه وإذا علمه يقينا يعلم أنه علمه وأما إذا ~~لم يكن مستيقنا فإنه لا يجد ما يجده العالم كما إذا لم يستيقن رؤيته لم يجد ~~ما يجده الرائي وإنما يكون عنده ظن ونوع إرادة توجب اعتقاده # PageV01P240 # هذا هو الذي يجده بنو آدم في نفوسهم كما قال سبحانه إن يتبعون إلا الظن ~~وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [سورة النجم 23] وإذا كان ~~الإنسان مأمورا بطلب العلم الذي يحتاج إليه بحسب إمكانه وهو إذا لم يجد ~~العلم اليقيني يعلم أنه لم يجد العلم فهو مأمور بالطلب والاجتهاد فإن ترك ~~ما أمر به كان مستحقا للذم والعقاب على ذلك فإذا تبين له الحق وعلمه وعلم ~~أنه كان جاهلا به معتقدا غير الحق كان تائبا بمعنى أنه رجع من الباطل إلى ~~الحق وإن كان الله قد عفى عنه ما رجع عنه لعجزه إذ ذاك وكان أيضا تائبا مما ~~حصل فيه أولا من تفريط في طلب الحق فكثير من خطأ بني آدم من تفريطهم في طلب ~~الحق لا من العجز التام وكان أيضا تائبا من اتباع هواه أولا بغير هدى من ~~الله فإن أكثر ما يحمل الإنسان على اتباع الظن المخطىء هو هواه كما قال ~~تعالى إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس وليس توبة هذا وحاله كحال من كان ~~عاجزا عن الفعل ثم قدر عليه كالمريض الذي لا يطيق القيام إذا قدر عليه بعد ~~ذلك وكالخائف إذا أمن وكالمصلي بتيمم ونحو هؤلاء # وذلك أن هؤلاء إذا كانت إرادتهم للفعل المأمور به على وجهة الكمال ثابتة ~~في قلوبهم وقد عملوا ما يقدرون عليه من المراد وإنما تركوا تمامه لعجزهم ~~كان لهم مثل ثواب الفاعل كما قال النبي صلى الله ms124 عليه وسلم في الحديث ~~المتفق عليه عن أبي موسى إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان ~~يعمل وهو صحيح مقيم وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P241 # قال إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ~~حبسهم العذر # وقد قال تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون ~~في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم [سورة النساء 95] فهؤلاء لهم علم بالمأمور ~~به الكامل واعتقاد الأمر به وإرادة فعله بحسب الإمكان وهذا كله من أدائهم ~~للمأمور به فإذا تجددت لهم قدرة لم يتجدد رغبة في الفعل الكامل وإنما يتجدد ~~العمل بتلك الرغبة المتقدمة وإن كان لا بد لهذا الفعل من إرادة تخصه ولم ~~يكن هؤلاء مأمورين بذلك إلا في هذه الحال فقط كما تؤمر المرأة بالصلاة عند ~~انقضاء الحيض وكما يؤمر الصبي بما يجب عليه عند بلوغه وكما يؤمر المزكى ~~بالزكاة بعد ملك النصاب والحول والمصلي بالصلاة بعد دخول الوقت # وأما الناسي والمخطىء فإنه لم يكن قد أتى بالعلم والاعتقاد والإرادة فلا ~~يثاب على هذه الأمور التي لم تكن له بل يكون الذي حصل له ذلك أفضل منه بها ~~كما قال تعالى هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [سورة الزمر 9] فنفى ~~المساواة بين الذي يعلم والذي لا يعلم مطلقا لم يستثن المعذور كما استثنى ~~في تفضيل المجاهد على القاعد المعذور # وكذلك سائر ما في القرآن من نحو هذا كقوله وما يستوي # PageV01P242 # الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي ~~الأحياء ولا الأموات [سورة فاطر 19 - 22] وقوله مثل الفريقين كالأعمى ~~والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا [سورة هود 24] وقوله أو من كان ~~ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس ~~بخارج منها [سورة الأنعام 122] # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر لم يجعل أجر العاجز على ~~إصابة ms125 الصواب مع اجتهاده كأجر القادر عليه كما جعل للمريض والمسافر مثل ~~ثواب الصحيح المقيم كما جعل المعذور من القاعدين عن الجهاد الذي تمت رغبته ~~بمنزلة المجاهد فإن الأصل هو القلب والبدن تابع فالمستويان في عمل القلب ~~إذا فعل كل منهما بقدر بدنه متماثلان بخلاف المتفاضلين في عمل القلب علمه ~~وإرادته وما يتبع ذلك فإنهما لا يتماثلان ولهذا يعاقب العبد على ما تركه من ~~الإيمان بقلبه # وإن قيل إن ذلك تكليف ما لا يطاق ولا يعاقب على ما عجز عنه بدنه باتفاق ~~المسلمين فهو يعاقب على ترك ما أمر بإرادته وفعله وإن كانت نفسه لا تريده ~~ولا تحبه وليس هو معاقبا على ترك ما عجز عنه بدنه كجهاد المقعد والأعمى ~~ونحوهما ونفسه إنما لا تعلم الحق الذي بعث الله به رسله ولا تريده لتفريطه ~~وتعديه إذ آيات ذلك الحق ظاهره وهو محبوب وقد خلق الله كل مولود على الفطرة ~~التي تتضمن القوة على معرفة # PageV01P243 # هذا الحق وعلى محبته ولكن غير فطرته بما يقلده عن غيره كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه كل مولود يولد على الفطرة فأبوه ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من ~~جدعاء وإذا كان قد خلق على الصحة والسلامة فهو يستحق العقوبة على ما غيره ~~من خلق الله بتفريطه وعدوانه لاتباعه الظن وما تهوى الأنفس # وقد بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين وقال سبحانه وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا [سورة الإسراء 15] وهذا مما يظهر به الفرق بين المجتهد المخطىء ~~والناسي من هذه الأمة في المسائل الخبرية والعملية وبين المخطىء من الكفار ~~والمشركين وأهل الكتاب الذي بلغته الرسالة إذا قيل إنه غير معاند للحق فإن ~~ذاك لا يكون خطؤه إلا لتفريطه وعدوانه لا يتصور أن يجتهد فيكون مخطئا في ~~الإيمان بالرسول بل متى اجتهد والاجتهاد استفراغ الوسع في طلب العلم بذلك ~~كان مصيبا للعلم به بلا ريب # فإن دلائل ما جاء به الرسول ودواعيه في نهاية الكمال والتمام الذي ms126 يشمل ~~كل من بلغته ولا يترك أحد قط اتباع الرسول إلا لتفريط وعدوان فيستحق العقاب ~~بخلاف كثير من تفصيل ما جاء به فإنه قد يعزب علمه عن كثير # PageV01P244 # من خواص الأمة وعوامها بحيث لا يكونون في ترك معرفته لا مقصرين ولا ~~مفرطين فلا يعاقبون بتركه مع أنهم قد آمنوا به إيمانا محملا في إيمانهم بما ~~جاء به الرسل فهم آمنوا به مجملا ومعهم أصول الإيمان به كما أن الفاسق معه ~~الدواعي لفعل المأمور وترك المحظور # فلهذا كان المخطىء بالتأويل من هذه الأمة والفاسق بالفعل مع صحة الاعتقاد ~~كل منهما محسنا من وجه مسيئا من وجه وليس واحد منهما كالكفار من المشركين ~~وأهل الكتاب وإن كانوا في ذلك على درجات متفاوتة بل كل منهما ليس تاركا لما ~~أمر به من الاعتقاد والعمل مطلقا ولا فاعلا لضده مطلقا بل المتأول قد آمن ~~إيمانا عاما بكل ما جاء به الرسول واستسلم لكل ما أمره به وهذا الإيمان ~~والإسلام يتناول ما جهله ويدعوه إلى الإيمان والإسلام المفصل إذا علمه لكن ~~عارض ذلك من جهله وظلمه لنفسه ما قد يكون مغفورا له وقد يكون معذبا به # ولذلك الفاجر بالعمل معه من الإيمان بقبح الفعل وبغضه ما هو داع له إلى ~~فعل الأصل المأمور به وداع له إلى تركه لكن عارض ذلك من هواه ما منع كمال ~~طاعته بخلاف المكذب للرسول صلى الله عليه وسلم والكافر به فإنه لم يصدق ~~بالحق ولم يستسلم له لا جملة ولا تفصيلا لكن قد يكون ما اتبعه من ظنه وهواه ~~موجبا لبعض ما جاء به الرسول ومانعا له من النظر فيه بحيث لا يستطيع مع ذلك ~~أن يسمع به فهذا واقع كما قال سبحانه وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ~~الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا [سورة الكهف ~~100 - 101] # PageV01P245 # وقال تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ~~ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ~~الذين يصدون ms127 عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون أولئك لم ~~يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم ~~العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون [سورة هود 18 - 20] # لكن عدم هذه الإستطاعة كان بتفريطه وعدوانه ومن كان تركه للمأمور بذنب ~~منه أو ضرورته إلى المحظور بذنب منه لم يكن ذلك مانعا من ذمه وعقابه ومن ~~هذا قوله سبحانه ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة [سورة ~~الأنعام 11] وقال تعالى وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما ~~يؤمنون [سورة البقرة 88] وقال وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم ~~فلا يؤمنون إلا قليلا [سورة النساء 155] # وبهذا يظهر ضعف قول طائفة من المتكلمين الذين يقولون الخطأ والإثم ~~يتلازمان ثم منهم من يقول كل مجتهد في المسائل العملية مصيب كما يقوله كثير ~~من المعتزلة والأشعرية ومنهم من يقول بل فيها مخطىء والمخطىء آثم كما يقوله ~~المريسي وغيره وذلك أنهم اعتقدوا أنه حيث يكون مخطئا يكون تاركا لما وجب ~~عليه # PageV01P246 # ثم قال الأولون فإذا لم يكن تاركا للمأمور به فلا يكون لله في المسألة ~~حكم معين أو لا يكون الحكم المنصوص حكما في حقه إذا لم يتمكن من معرفته # وقال الآخرون بل إذا كان مخطئا يكون تاركا للمأمور به فيكون آثما # والتحقيق أنه مأمور به أمرا مطلقا لكن شرط الإثم بمنزلة التمكن من معرفته ~~فإذا لم يتمكن من معرفته لا يكون شرط الإثم موجودا فيه ولكن ذلك لا ينفى أن ~~يكون هو المأمور به وهو الذي يحبه الله ويرضاه ويثيب فاعله إذا فعله وإنما ~~سقط عن بعض العباد لفوات الشرط في حقه خاصة وحينئذ فيكون النزاع في بعض ~~المواضع نزاعا لفظيا # ولهذا اختلف العلماء هل هو مصيب في اجتهاده وإن كان مخطئا في نفس الأمر ~~أو هو مخطىء في اجتهاده وفي نفس الأمر على قولين ذكرهما القاضي روايتين عن ~~أحمد وذلك أن الخطأ في الاجتهاد قد يعني به القصور والتقصير وقد لا ms128 يعني به ~~إلا التقصير إذ العاجز عن معرفة الحكم الذي لله عاجز قاصر ليس بمقصر ولا ~~مفرط فيما بعد عليه فإذا قال أخطأ في اجتهاده أراد أخطأ في استدلاله بمعنى ~~أنه لم يستدل بالدليل الذي يوصله إلى نفس الحق ولا ريب أنه أخطأ هذا ~~الإستدلال الموصل له إلى الحق إذ لو أصابه لأصاب الحق لكنه لم يكن قادرا ~~على هذا الإستدلال فلا يعاقب على تركه # ومن قال لم يخطىء في اجتهاده أراد أنه لم يخطىء فيما قدر عليه من ~~الاجتهاد بل فعله على وجهه لكن لم يكن مقدوره من الاجتهاد كافيا في إدراك ~~المطلوب في نفس الأمر # PageV01P247 # ومثل هذا النزاع أن يقال هل فعل ما أمر به أو لم يفعل ما أمر به فالمأمور ~~به في نفس الأمر لم يفعله وأما المأمور به في حقه من العمل الممكن فقد فعله ~~ولذلك إذا اشتبهت اخته بأجنبية هل يقال الحرام في نفس الأمر واحدة أم ~~الإثنتان محرمتان على القولين بهذا الإعتبار ### | فصل ### | التوبة من الحسنات لا تجوز عند أحد من المسلمين # فأما التوبة من الحسنات فلا تجوز عند أحد من المسلمين بل من تاب من ~~الحسنات مع علمه بأنه تاب من الحسنات فهو إما كافر وإما فاسق وإن لم يعلم ~~أنه تاب من الحسنات فهو جاهل ضال وذلك أن الحسنات هي الإيمان والعمل الصالح ~~فالتوبة من الإيمان هي الرجوع عنه والرجوع عنه ردة وذلك كفر والتوبة من ~~الأعمال الصالحة رجوع عما أمر الله به وذلك فسوق أو معصية # والله تعالى حبب إلى المؤمنين الإيمان وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان ~~فكل حسنة يفعلها العبد إما واجبة وإما مستحبة والتوبة تتضمن الندم على ما ~~مضى والعزم على أن لا يعود إلى مثله في المستقبل والندم يتضمن ثلاثة أشياء ~~اعتقاد قبح ما ندم عليه وبغضه وكراهته وألم يلحقه عليه فمن اعتقد قبح ما ~~أمر الله به أمر إيحاب أو استحباب أو أبغض ذلك وكرهه بحيث يتألم على فعله ~~ويتأذى بوجوده ففيه من النفاق بحسب ذلك ms129 وهو إما نفاق أكب ريخرجه من أصل ~~الإيمان وإما نفاق أصغر يخرجه من كماله الواجب عليه قال تعالى ذلك بأنهم ~~اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم [سورة محمد 28] وقال ~~تعالى وإذا # PageV01P248 # ما أنزلت [سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم وماتوا وهم كافرون سورة التوبة 124 - 125] وقال تعالى وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا [سورة ~~الإسراء 82] # بل إذا علم العبد أن هذا الفعل قد أمره الله به وأحبه فاعتقد هو أن ذلك ~~ليس مما أمر الله به وأبغضه وكرهه فهو كافر بلا ريب فمثل هذه التوبة عن ~~الحسنات هي ردة محضة عن الإيمان وكفر بالإيمان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط ~~عمله وهو في الآخرة من الخاسرين [سورة المائدة 5] # فإطلاق القول بأن الحسنات يتاب منها هو كفر يجب أن يستتاب صاحبه إذ معناه ~~أنه يؤمر بالرجوع عن الحسنات واعتقاد أن الرجوع عن الحسنات يقرب إلى الله ~~وهذا كفر بلا ريب ثم إن هذه التوبة متناقضة ممتنعة في نفسها فإن التائب من ~~الحسنات إن اعتقد أن هذه التوبة حسنة فعليه أن يتوب منها فتكون باطلة فلا ~~يكون قد تاب من الحسنات وإن اعتقد أنها سيئة كان مقرا بأن هذه التوبة محرمة ~~فقد التزم أحد أمرين إما أنه لم يتب من الحسنات أو تاب توبة محرمة وهذا ~~اشتبه عليه حال السابقين المقربين الذين يتوبون من ترك المستحبات أو فعل ~~المكروهات غير المحرمات فظن أنهم تابوا مما فعلوه من الحسنات وتركوه من ~~المحرمات فإنهم لو تابوا من ذلك لكانوا مرتدين إما عن أصل الإيمان وإما عن ~~كماله وإنما هي كوبة عما تركوه من مستحب وفعلوه من مكروه مثل أن يكو العبد ~~يصلي صلاة مجزئة غير كاملة فتبلغه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم المستحبة ~~فيصلي كصلاته ويندم على ما كان يفعله من الصلاة الناقصة # PageV01P249 # فهو لا يتوب مما ms130 فعله من الحسن وإنما يتوب مما تركه من الحسن ولهذا ينسب ~~نفسه إلى التفريط بما أضاعه من الحسنات وكذلك إذا سمع فضائل الأعمال ~~المستحبة وما وعد الله لأصحابها من علو الدرجات فيندم على ما فرط من ذلك ~~ويعزم على فعلها فهو توبة مما تركه من الحسنات # وكذلك لو كان يصبر على المكاره مثل الفقر والمرض وخوف العدو من غير رضى ~~بذلك فبلغه مقام أهل الرضا وأنه أعلى من الصبر الذي لا رضا معه وأن هؤلاء ~~يستحقون رضوان الله عليهم وأن أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون ~~الله على السراء والضراء وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن ~~عباس إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل وإن لم تستطع فإن في ~~الصبر على ما يكره خيرا كثيرا # فهذا يتوب من ترك الرضا لا من نفس ما أمر به من الصبر فإن الصبر يبقى مع ~~الرضا لا بد من الصبر في الحالتين لكن تذهب مرارة الكراهة بالرضا وتلك ~~المرارة ليست من الحسنات المأمور بها ولا هي داخلة أيضا في حد الصبر ~~المأمور به بل الصبر قد تكون معه مرارة وقد لا تكون # ومن اعتقد أن الصبر لا يكون إلا مع مرارة وأنه ضد الرضا فقد تكلم بعرف ~~بعض المتأخرين وليس ذاك عرف الكتاب والسنة فإن الله تعالى أمرنا بالصبر ~~وأثنى على أصحابه في أكثر من تسعين موضعا من كتابه # PageV01P250 # والله تعالى لا يأمر بما هو مكروه أو ترك الأفضل ولا يكون ذلك إلا بفعل ~~الحسن لا بترك الأحسن # وبهذا يعرف قول من قال حسنات الأبرار سيئات المقربين مع أن هذا اللفظ ليس ~~محفوظا عمن قوله حجة لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من سلف ~~الأمة وأئمتها وإنما هو كلام وله معنى صحيح وقد يحمل على معنى فاسد ### | المعنى الصحيح لعبارة: حسنات الأبرار سيئات المقربين # أما معناه الصحيح فوجهان # أحدهما أن الأبرار يقتصرون على أداء الواجبات وترك المحرمات وهذا ~~الإقتصار سيئة ms131 في طريق المقربين ومعنى كونه سيئة أن يخرج صاحبه عن مقام ~~المقربين فيحرم درجاتهم وذلك مما يسوء من يريد أن يكون من المقربين فكل من ~~أحب شيئا وطلبه إذا فاته محبوبه ومطلوبه ساءه ذلك فالمقربون يتوبون من ~~الإقتصار على الواجبات لا يتوبون من نفس الحسنات التي يعمل مثلها الأبرار ~~بل يتوبون من الإقتصار عليها وفرق بين التوبة من فعل الحسن وبين التوبة من ~~ترك الأحسن والإقتصار على الحسن # الثاني أن العبد قد يؤمر بفعل يكون حسنا منه إما واجبا وإما مستحبا لأن ~~ذلك مبلغ علمه وقدرته ومن يكون أعلم منه وأقدر لا يؤمر بذلك بل يؤمر بما هو ~~أعلى منه فلو فعل هذا ما فعله الأول كان ذلك سيئة # مثال ذلك أن العامي يؤمر بمسألة العلماء المأمونين على الإسلام والرجوع ~~إليهم بحسب قوة إدراكه وإن كان في ذلك تقليد لهم إذا لا يؤمر العبد إلا بما ~~يقدر عليه وأما العلماء القادرون على معرفة الكتاب والسنة والإستدلال # PageV01P251 # بهما فلو تركوا ذلك وأتوا بما يؤمر به العامي لكانوا مسيئين بذلك # وهذا كما يؤمر المريض أن يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع ~~فعلى جنب وكما يؤمر المسافر أن يصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين في السفر # وهذا لو فعله المقيم لكان مسيئا تاركا للفرض بل فرضه أربع ركعات فإن ~~المرض والسفر لا ينقص العبد عن كونه مقربا إذا كان ذلك حاله في الإقامة فقد ~~ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا مرض العبد أو ~~سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم # بخلاف العلم والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال والمسابقة إلى الخيرات ~~فإن الله يقول يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [سورة ~~المجادلة 11] ويقول لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى [سورة النساء 95] ويقول في ~~كتابه لا يستوي منكم من ms132 أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى [سورة الحديد 10] ويقول أجعلتم ~~سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في ~~سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك ~~هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم # PageV01P252 # خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم [سورة التوبة 19 - 22] # وكذلك في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم سئل أحد ذهبا ما بلغ ~~مد أحدهم ولا نصيفه وقال خير القورن القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ~~ثم الذين يلونهم # فالعلم والجهاد كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يدخل في ذلك هو ~~واجب على الكفاية من المؤمنين فمن قام به كان أفضل ممن لم يقم به وإذا ترك ~~ذلك من تعين عليه كان مذنبا مسيئا فيكون ذلك سيئة له إذا تركه وحسنة مفضلة ~~له على غيره إذا فعله وإن كان القيام بالواجبات بدون ذلك من حسنات من لم ~~يكن قادرا على ذلك فحسنات هؤلاء الأبرار وهي الإقتصار على ذلك سيئات أولئك ~~المقربين # PageV01P253 # وكذلك السابقون الأولون من هذه الأمة فيما فعلوه من الجهاد والهجرة لو ~~تركوا ذلك واقتصروا على ما دون كان ذلك من أعظم سيئاتهم قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا كان ~~الإقتصار على مجرد ذلك من حسنات الأبرار الذين ليسوا من أولئك السابقين # وكذلك المرسلون لهم مأمورات لو تركوها كان ذلك سيئات وإن كان فعل ما ~~دونها حسنات لغيرهم ممن لم يؤمر بذلك إلى نظائر ذلك مما يؤمر فيه العبد ~~بفعل لم ؤمر به من هو دونه فيكون ترك ذلك سيئة في حقهه وهو من المقربين إذا ~~فعله ويكون فعل ما ms133 دون ذلك حسنات لمن دونه # وذلك أن الإنسان يفضل على غيره إما بفعل مستحب في حقهما وإما بما يؤمر به ~~أحدهما دون الآخر فيفعله وتخصيصه بفعله قد يكون لقدرته وقد يكون لامتحانه ~~بسببه كمن له والدان فإنه يؤمر ببرهما ويكون بذلك أفضل ممن لم يعمل مثل ~~عمله كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في حق المتصدقين بفضول أموالهم ~~المشاركين لغيرهم في الأعمال البدينة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فهؤلاء ~~المفضلون الإقتصار على ما دون هذه الأمور سيئات في حقهم وحسنات لمن ليس ~~مثلهم في ذلك # PageV01P254 # فهذان الوجهان كلاهما معنى صحيح لقول القائل حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين ### | المعنى الفاسد للعبارة # وأما المعنى الفاسد فأن يظن الضان أن الحسنات التي أمر الله بها أمرا ~~عاما يدخل فيه الأبرار ويكون سيئات للمقربين مثل من يظن أن الصلوات الخمس ~~ومحبة الله ورسوله والتوكل على الله وإخلاص الدين لله ونحو ذلك هي سيئات في ~~حق المقربين فهذا قول فاسد غلا فيه قوم من الزنادقة المنافقين المنتسبين ~~إلى العلماء والعباد فزعموا أنهم يصلون إلى مقام المقربين الذي لا يؤمرون ~~فيه بما يؤمر به عموم المؤمنين من الواجبات ولا يحرم عليهم ما يحرم على ~~عموم المؤمنين من المحرمات كالزنا والخمر والميسر # وكذلك زعم قوم في أحوال القلوب التي يؤمر بها جميع المؤمنين أن المقربين ~~لا تكون هذه حسنات في حقهم # وكلا هذين من أخبث الأقوال وأفسدها # وإنما قلنا إن التائب من الحسنات إن علم أنها حسنات وتاب منها فقد أذنب ~~إما بكفر أو فسوق أو معصية وإن لم يعلم أنها حسنات فهو ضال جاهل لأنه إذا ~~تاب مما يسمى حسنة وكان حسنة في الشريعة حقيقة قد أمر الله بها فهو ارجع عن ~~طاعة الله التي هي طاعته وهي حسنة والرجوع عن طاعة الله ودينه لا يخرج عن ~~أن يكون ردة عن أصل الدين فيكون كفرا مغلظا وإما عن كماله هذا لو كان ~~الرجوع بنفس الترك فإن ترك الإيمان كفر وترك الواجبات إما فسق وإما ms134 معصية ~~وترك المستحبات المتطوعة يؤخر درجته هذا إذا كان تركا محضا فأما إذا اعقتد ~~مع ذلك أن الحسنات التي يحبها الله ورسوله مما يتاب منها بحيث يندم العبد ~~عليها فيعتقد أن تركها خير من فعلها أو أنها ليست أمورا بها أو أنها لا ~~تقرب إلى الله أو لا تنفع # PageV01P255 # عنده أو أبغضها وكرهها ورجع عنها وتألم من فعلها مندينا بذلك فهذا كافر ~~مرتد تجب استتابته بلا نزاع بين العلماء وهذا هو مسمى التوبة فعلم أن القول ~~بأن الحسنات يتاب منها كفر محض # وأما إن لم يعلم أنها حسنات بل تاب مما كان يسميه أو غيره حسنات أو كان ~~حسنة في الشريعة ولم يعلم العبد أنه حسنة بل ظن أنه سيئة أو كان سيئة منهيا ~~عنها واعتقد المرء أنه حسنة مأمور بها فهو ضال جاهل وهذا عليه أن يتوب من ~~هذا الاعتقاد والعمل الذي كان يعتقد أنه حسنة كما يتوب كل ضال من الكفار ~~وأهل الأهواء المشركين وأهل الكتاب والمبتدعة كالخوارج والروافض والقدرية ~~والجهمية وغيرهم فإن هؤلاء يتوبون مما كانوا يظنونه حسنات لا يتوبون مما هو ~~في الشريعة حسنات ولا يطلقون القول إنا نتوب من الحسنات ولا أن التوبة من ~~الحسنات فعل المقربين ولا أن التوبة من الحسنات مشروع للسابقين ولا أن الذي ~~تبنا منه كان حسنات ولكن يقولون نتوب مما كنا نظن أنه حسنات وليس بحسنات ~~كما قيل # إذا محاسني اللاتي أدل بها ... كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر # وكذلك يتوب المرء مما يعده حسنات له وهو مقصر في فعله أو خائف من تقصيره ~~في فعله كما قال تعالى والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم # PageV01P256 # وجلة أنهم إلى ربهم راجعون [سورة المؤمنون 60] وقد روى عن عائشة أنها ~~قالت يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف فقال لا يا بنت ~~الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه # وهذا لأن الله تعالى يقول في كتابه إنما يتقبل الله من المتقين [سورة ~~المائدة 27] أي من الذين يتقونه في ms135 العمل # والتقوى في العمل بشيئين أحدهما إخلاصه لله وهو أن يريد به وجه الله لا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا والثاني أن يكون مما أمره الله به وأحبه فيكون موافقا ~~للشريعة لا من الدين الذي شرعه من لم يأذن الله له وهذا كما قال الفضيل بن ~~عياض في قوله ليبلوكم أيكم أحسن عملا [سورة هود 7] قال اخلصه وأصوبه وذلك ~~أن العلم إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن ~~خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون ~~على السنة # فالسعيد يخاف في أعماله أن لا يكون صادقا في إخلاصه الدين لله أو أن لا ~~تكون موافقة لما أمر الله به على لسان رسوله ولهذا كان السلف يخافون النفاق ~~على أنفسهم فذكر البخاري عن أبي عالية قال أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ولهذا كانوا يستثنون فيقول أحدهم ~~أنا مؤمن إن شاء الله ومثل هؤلاء يستغفرون الله مما علموه أو لم يعلموه من ~~التقصير والتعدي ويتوبون من ذلك # PageV01P257 # وهذا مشروع للأنبياء والمؤمنين كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر بعد ~~الصلاة ثلاثا وقال تعالى والمستغفرين بالأسحار [سورة آل عمران 17] قالوا ~~كانوا يحيون الليل صلاة ثم يقعدون في السحر يستغفرون فيختمون قيام الليل ~~بالإستغفار وقال تعالى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ~~واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم [سورة البقرة 198 - 199] وقال ~~تعالى إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح ~~بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا # فإن قيل قد قال تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ~~[سورة النور 31] وفي المؤمنين من لا ذنب له فيكون أمره بالتوبة أمرا ~~بالتوبة من الحسنات وكذلك توبة الأنبياء وهم معصومون ### | لم تأت الشريعة بالتوبة من الحسنات # قيل هذا من أعظم الفرية ms136 لم تأت الشريعة بالتوبة من الحسنات وهي ما أمر به ~~من طاعته وطاعة أنبيائه وليس في المؤمنين إلا من له ذنب من ترك مأمور أو ~~فعل محظور كما قال صلى الله عليه وسلم كل بني آدم خطاء وخير الخطائين ~~التوابون # وقد قال تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم # PageV01P258 # المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ ~~الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون [سورة الزمر 33 - 35] # وقال تعالى أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في ~~أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون [سورة الأحقاف 16] ### | أصل هذه المقالة هو دعوى العصمة في المؤمنين # وأصل هذه المقالة وهو دعوى العصمة في المؤمنين وما يشبه ذلك هو من أقوال ~~الغالية من النصارى وغالية هذه الأمة وابتدعها في الملتين منافقوها ### | غلو النصارى في هذه الدعوى # قال الله تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~[سورة النساء 171] وقال تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ~~ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ~~[سورة المائدة 77] وقال تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ~~والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما ~~كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [سورة آل عمران 79 - ~~80] # وقال تعالى وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم # PageV01P259 # أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ~~لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون [سورة التوبة 30 - 31] # وقد روى في حديث عدي بن حاتم عن النبي صلى الله ms137 عليه وسلم قال قلت يا ~~رسول الله ما عبدوهم قال أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال ~~فأطاعوهم فتلك عبادتهم إياهم # وهذا الغلو الذي في النصارى حتى اتخذوا المسيح وأمه إلهين من دون الله ~~واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قد ذكروا أن أول من ابتدعه ~~لهم بولص الذي كان يهوديا فأسلم واتبع المسيح نفاقا ليلبس على النصارى ~~دينهم فأحدث لهم مقالات غالية وكثرت البدع في النصارى في اعتقاداتهم ~~وعباداتهم كما قال تعالى ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء ~~رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم ~~فاسقون [سورة الحديد 27] ### | غلو الشيعة في دعوى العصمة # وكذلك أول ما ابتدعت مقالة الغالية في الإسلام من جهة بعض من كان قد دخل ~~في الإسلام وانتحل التشيع وقيل أول من أظهر ذلك عبد الله بن سبأ الذي كان ~~يهوديا فأسلم وكان ممن أقام الفتنة على عثمان ثم أظهر موالاة علي وهو من ~~ابتدع الغلو في علي حتى ظهر في زمانه من ادعى فيه الإلهية # PageV01P260 # وسجدوا له لما خرج من باب مسجد كندة فأمر علي رضي الله عنه بتحريقهم ~~بالنار بعد أن أجلهم ثلاثة أيام وفي الصحيح أن ابن عباس بلغه أن عليا حرق ~~زنادقة فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب ~~بعذاب الله ولضربت رقابهم بالسيف لقول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل ~~دينه فاقتلوه قالوا وهم هؤلاء وقد رووا قصتهم مستوفاة وروا أنه أظهر أيضا ~~سب أبي بكر وعمر حتى طلب علي أن يقتله فهرب منه ولما بلغ عليا أن أقواما ~~يفضلونه على أبي بكر وعمر قال لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ~~جلدته حد المفتري تحقيقا لما رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن الحنفية أنه ~~سأل أباه من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر قال ~~ثم من قال ثم عمر وقد روى ذلك عن على من ms138 نحو ثمانين طريقا وهو متواتر عنه ~~وروى هذا المعنى عنه من # PageV01P261 # وجوه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه الترمذي ورواه ~~الدارقطني في كتاب ثناء الصحابة على القرابة وثناء القرابة وثناء القرابة ~~على الصحابة # وحينئذ ابتدع القول بأن عليا إمام منصوص على إمامته وابتدع أيضا القول ~~بأنه معصوم أعظم مما يعتقده المؤمنون في عصمة الأنبياء بل ابتدع القول ~~بنبوته وحدث بإزاء هؤلاء من اعتقد كفره وردته واستحل قتله على ذلك من ~~الخوارج ومن اعتقد فسقه أو ظلمه من الأموية وبعض أهل الكلام من المعتزلة ~~وغيرهم ومن لم يعتقد إمامته ولا إمامة غيره في زمانه أو جعل إمامته وإمامة ~~غيره سواء مع اعتقاده فضله وسابقته فهؤلاء الثلاثة حدثت بإزاء تلك الثلاثة ~~فالغالية والرافضة والمفضلة بإزاء المكفرة والمفسقة والمتوقفة عن اختصاصه ~~بالإمامة إذ ذاك # PageV01P262 # ثم القائلون بأنه إمام منصوص عليه معصوم تفرقوا في الإمامة بعده تفرقا ~~كثيرا مشهورا في كتب المقالات منهم الإثنا عشرية الذين يقولون بأن الإمامة ~~انتقلت بالنص من واحد إلى واحد إلى المنتظر محمد بن الحسن الذي يزعمون أنه ~~دخل سرداب سامراء سنة ستين ومائتين وهو طفل له سنتان أو ثلاث وأكثر ما قيل ~~خمس ويزعمون مع ذلك أنه إمام معصوم يعلم كل شيء من أمر الدين ويجب الإيمان ~~به على كل أحد ولا يصح إيمان أحد إلا بالإيمان به ومع هذا فله اليوم أكثر ~~من أربعمئة وأربعين سنة لم يعرف له عين ولا أثر ولا سمع له أحد بما يعتمد ~~عليه من الخبر # وأهل المعرفة بالنسب يقولون إن الحسن بن علي العسكري والده لم يكن له نسل ~~ولا عقب واتفق العقلاء على أنه لم يدخل السرداب أحد وأجمع أهل العلم ~~بالشريعة على ما دل عليه الكتاب والسنة أن هذا لو كان موجودا لكان من أطفال ~~المسلمين الذين يجب الحجر عليهم في أنفسهم وأموالهم حتى يبلغ ويؤنس منه ~~الرشد كما قال تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها ms139 إسرافا وبدارا أن يكبروا [سورة ~~النساء 6] # وقد بسطنا القول في بيان فساد هذا في ذكر ما خاطبنا به الشيعة قبل هذا ثم ~~في كتابنا الكبير المسمى بمنهاج أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيع ~~والقدرية # ومن الرافضة من يزعم أن الإمام بعد علي أو بعد الحسين هو ابن علي محمد # PageV01P263 # ابن الحنفية وهم الكيساينة ومنهم طوائف كثيرة ليس هذا موضعها إذ ليس في ~~نحل الأمة أكثر تفرقا واختلافا منهم فإن أول من ابتدع مقالتهم كان منافقا ~~زنديقا لم يك مؤمنا ثم انتشرت في أقوام لم يعرفوا أخبار المسلمين الأوائل ~~ولم يقصدوا الزندقة # والمقصود هنا أن هؤلاء هم أول من أظهر القول بأن في المؤمنين من لا ذنب ~~له كما قال هذا السائل وادعوا عصمة الأئمة الإثنى عشر حتى عن الخطأ في ~~الاجتهاد وعن نسيان العلم وعن عدم معرفة شيء من العلم فقالوا إنهم يعلمون ~~كل شيء وادعوا عصمتهم من صغير الذنوب وكبيرها وغير ذلك وادعوا ذلك في ~~الأنبياء أيضا لأنهم أفضل من الأئمة ### | غلو الصوفية # ولم يقل هذا في الأمة غيرهم على هذا الوجه لكن ظهر في صنفين من الأمة بعض ~~بدعتهم طائفة من النساك والعباد يزعمون في بعض المشايخ أو فيمن يقولون إنه ~~ولي الله أنه لا يذنب وبما عينوا بعض المشايخ وزعموا أنه لم يكن لأحدهم ذنب ~~وربما قال بعضهم النبي معصوم والولي محفوظ # ومن غالية هؤلاء من يعتقد في بعض المشايخ من الإلهية والنبوة ما اعتقدته # PageV01P264 # الغالية في علي ويزعم أن الشيخ يخلق ويرزق ويدخل من يشاء الجنة ومن يشاء ~~النار ويعبده ويدعوه كما يعبد الله ويقول كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ~~فإني لا أريده ويذبح الذبائح باسمه ويصلي ويسجد إلى جهة قبره ويستغيث به في ~~الحاجات كما يستغاث بالله تعالى # فأما ضلال هذه الغالية فشرك واضح قد بيناه في غير هذا الموضع فإنه لا ~~تجوز عبادة أحد دون الله ولا التوكل عليه والإستعانة به ودعاؤه ومسألته كما ~~يدعى الله ويسأل الله # قال تعالى قل ادعوا ms140 الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا [سورة الإسراء 56 - 57] وقال تعالى ~~قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا ~~لمن أذن له [سورة سبأ 22 - 23] وقال تعالى من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ~~[سورة البقرة 255] وقال تعالى أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا ~~لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض ~~[سورة الزمر 43 - 44] وقال تعالى فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من ~~المعذبين [سورة الشعراء 213] وقال تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من ~~يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ~~[سورة المائدة 72] # PageV01P265 ### | لا عصمة لأحد بعد الرسول # والمقصود هنا ذكر العصمة فقد أجمع جميع سلف المسلمين وأئمة الدين من جميع ~~الطوائف أنه ليس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد معصوم ولا محفوظ لا ~~من الذنوب ولا من الخطايا بل من الناس من إذا أذنب استغفر وتاب وإذا أخطأ ~~تبين له الحق فرجع إليه وليس هذا واجبا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بل يجوز أن يموت أفضل الناس بعد الأنبياء وله ذنب يغفره الله وقد خفى ~~عليه من دقيق العلم ما لم يعرفه ولهذا اتفقوا على أنه ما من الناس أحد إلا ~~يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم # وذهب بعض الناس إلى أن قول أبي بكر وحده حجة وإن خالفه عمر ثم قول عمر ~~حجة وإن خالفه عثمان وعلي وأما أئمة الإسلام فلا يقولون بهذا بل تنازعوا ~~فيما إذا اتفق أبو بكر ms141 وعمر على قول هل يكون حجة على قولين هما روايتان عن ~~أحمد والأظهر في الموضعين أن ذلك حجة لقوله صلى الله عليه وسلم اقتدوا ~~باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وقوله إن يطع # PageV01P266 # القوم أبا بكر وعمر يرشدوا وقوله لو اتفقتما على شيء لم أخالفكما ولقوله ~~عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وقد قال الخلافة بعدي ~~ثلاثون سنة ثم تصير ملكا وقد كانت خلافة على تمام الثلاثين مع الأشهر التي ~~تولاها الحسن رضي الله عنه # واتفقوا على أنه ليس من شرط ولي الله أن لا يكون له ذنب أصلا بل أولياء ~~الله تعالى هم الذين قال الله فيهم ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون [سورة يونس 62 - 63] # PageV01P267 # ولا يخرجون عن التقوى بإتيان ذنب صغير لم يصروا عليه ولا بإتيان ذنب كبير ~~أو صغير إذا تابوا منه # قال تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ~~ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذي كانوا يعملون [سورة الزمر 33 - 35] # وقال تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وتدخلك ~~مدخلا كريما [سورة النساء 301] # وقال تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه رءوف رحيم ~~وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه [سورة التوبة 117 - 118] # والفريق الثاني قوم من أهل الكلام من المعتزلة ومن اتبعهم زعموا أن # PageV01P268 # الأنبياء عليهم السلام معصومون مما يتاب منه وأن أحدا منهم لم يتب عن ذنب ~~وحرفوا نصوص الكتاب والسنة كعادة أهل الأهواء في تحريف الكلم عن مواضعه ~~والإلحاد في أسماء الله وآياته ### | مذهب السلف وأهل السنة هو القول بتوبة الأنبياء ms142 # وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها ومن اتبعهم على ما أخبر الله به في كتابه وما ~~ثبت عن رسوله من توبة الأنبياء عليهم السلام من الذنوب التي تابوا منها ~~وهذه التوبة رفع الله بها درجاتهم فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ~~وعصمتهم هي من أن يقروا على الذنوب والخطأ فإن من سوى الأنبياء يجوز عليهم ~~الذنب الخطأ من غير توبة والأنبياء عليهم السلام يستدركهم الله فيتوب عليهم ~~ويبين لهم كما قال تعالى {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ~~ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ~~والله عليم حكيم * ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ~~والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد [سورة} الحج 52 - 53] # وقد ذكر الله تعالى قصة آدم ونوح وداود وسليمان وموسى وغيرهم كما تلونا ~~بعض ذلك فيما ذكرناه من توبة الأنبياء واستغفارهم كقوله {فتلقى آدم من ربه ~~كلمات فتاب عليه} [سورة البقرة 37] # وقول نوح {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي ~~وترحمني أكن من الخاسرين} [سورة هود 47] # وقول إبراهيم {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} [سورة ~~إبراهيم 41] # PageV01P269 # وقوله والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين [سورة الشعراء 82] # وقوله سبحانه فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات [سورة محمد 19] # وقال تعالى وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه ~~من الغم وكذلك ننجي المؤمنين [سورة الأنبياء 87 - 88] # وقال تعالى واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشي والإشراق إلى قوله ظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا ~~وأناب فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب إلى قوله ولقد فتنا ~~سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ~~ينبغي لأحد ms143 من بعدي إنك أنت الوهاب الآية [سورة ص 17 - 35] ### | اليهود فرطوا في حق الأنبياء # ولما كان اليهود ضد النصارى حيث قتلوا الأنبياء وكذبوهم جحدوا نبوة داود ~~وهم لنبوة سليمان أجحد وزعموا أنهما كانا حكيمين وأن داود كان مسيحا وقد ~~نزه الله سليمان مما تلته الشياطين على ملكه مما اتبعه السحرة من الصابئة ~~والمشركين ومن اتبعهم من أهل الكتاب والمنتسبين إلى هذه الملة والسامرة ~~أعظم جحودا لا يقرون إلا بنبوه موسى خاصة ويوشع بعده # PageV01P270 ### | الإسلام هو الصراط المستقيم # والله سبحانه قد هدى الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم كما اختلفت الأمتان في المسح فقال تعالى ذلك ~~عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه ~~إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون [سورة مريم 34 - 35] # وكذلك المنحرفون من هذه الأمة قد اختلفوا في علي وغيره كما تقدم فتجد ~~أحدهم يغلو في الرجل العالم والعابد حتى يعتقد عصمته أو يجعله كالأنبياء أو ~~فوقهم أو يجعل لهم حظا في الإلهية وتجد الآخر يقدح في ذلك فربما كفره أو ~~فسقه أو أخرجه عن أن يكون من أولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون فالأول ~~يجعل ما صدر منه من اجتهاد وعمل صوابا وإن كان خطأ وذنبا والآخر يجعل صدور ~~الذنب والخطأ منه مانعا من ولايته ووجوب موالاته # وكلا القولين خطأ موروث عن أهل الكتابين كما قال صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث المتفق عليه لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا ~~جحر ضب لدخلتموه قالوا اليهود والنصارى وقال فمن # PageV01P271 # وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أم ~~القرآن أنها أفضل [سورة في القرآن وأنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ~~ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها وأنها السبع المثاني والقرآن العظيم ~~الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى ولقد آتيناك سبعا من ms144 ~~المثاني والقرآن العظيم سورة الحجر 87] # وثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى يقول قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ~~فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب ~~العالمين قال الله حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي ~~فإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين ~~قال هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم قال فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل # وهذه البدع هي وغيرها من البدع لا بد أن تنافي كمال الإيمان وتقدح في بعض ~~حقائقه فإن رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده # PageV01P272 # ورسوله فلا بد من إخلاص الدين لله حتى لا يكون في القلب تأله لغير الله ~~فمتى كان في القلب تأله لغير الله فذاك شرك يقدح في تحقيق شهادة أن لا إله ~~إلا الله ولا بد من الشهادة بأن محمدا رسول الله وذلك يتضمن تصديقه في كل ~~ما أخبر وطاعته فيما أمر به ومن ذلك الإيمان بأنه خاتم النبيين وأنه لا نبي ~~بعده فمتى جعل لغيره نصيبا من خصائص الرسالة والنبوة كان في ذلك نصيب من ~~الإيمان بنبي بعده ورسول بعده كالمؤمنين بنبوة مسيلمة والعنسي وغيرهما من ~~المتنبئين الكذابين كما قال صلى الله عليه وسلم إن بين يدي الساعة ثلاثين ~~دجالين كذابين كلهم يزعم أنه رسول الله ### | عصمة الأئمة تعني مضاهاتهم للرسول # فمن أوجب طاعة أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به ~~وأوجب تصديقه في كل ما يخبر به وأثبت عصمته أو حفظه في كل ما يأمر به ويخبر ~~من الدين فقد جعل فيه من المكافأة لرسول الله والمضاهأة له في خصائص ~~الرسالة بحسب ذلك سواء جعل ذلك المضاهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ~~الصحابة أو بعض القرابة أو بعض الأئمة والمشايخ أو الأمراء من الملوك ~~وغيرهم # وقد قال الله في ms145 كتابه يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~والأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [سورة النساء 59] # فغاية المطاع بإذن الله أن يكون من أولى الأمر الذين أمر الله بطاعتهم من ~~العلماء والأمراء ومن يدخل في ذلك من المشايخ والملوك وكل متبوع فإن الله ~~تعالى أمر بطاعتهم مع طاعة رسوله كما قال أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فلم يقل وأطيعوا أولي الأمر ليبين أن طاعتهم فيما # PageV01P273 # كان طاعة للرسول أيضا إذ اندراج الرسول في طاعة الله أمر معلوم فلم يكن ~~تكرير لفظ الطاعة فيه مؤذنا بالفرق بخلاف ما لو قيل أطيعوا الرسول وأطيعوا ~~أولى الأمر منكم فإنه قد يوهم طاعة كل منهما على حياله # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال إنما الطاعة في ~~المعروف وقال لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقال على المرء المسلم الطاعة ~~فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة # ولهذا قال سبحانه بعد ذلك فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا فلم يأمر عند التنازع ~~إلا بالرد إلى الله والرسول دون الرد # PageV01P274 # إلى أولى الأمر ولهذا كان أولو الأمر إذا اجتمعوا لا يجتمعون على ضلالة ~~فإذا تنازعوا فالرد إلى كتاب الله وسنة رسوله لا إلى غير ذلك من عالم أو ~~أمير ومن يدخل في ذلك من المشايخ والملوك وغيرهم ولو كان غير الرسول معصوما ~~أو محفوظا فيما يأمر به ويخبر به لكان ممن يرد إليه مواقع النزاع كما يرده ~~القائلون بإمام معصوم إليه وكما جرت عادة كثير من الأتباع أن يردوا ما ~~تنازعوا فيه إلى الإمام والقدوة الذي يقلدونه # ومعلوم أن علماء الطوائف ومقتصديهم لا يرون هذا الرد واجبا على الإطلاق ~~لكن قد يفعلون ذلك لأنه لا طريق لهم إلى معرفة الحق واتباعه إلا ذلك ms146 لعجزهم ~~عما سوى ذلك فيكونون معذورين وقد يفعلون ذلك اتباعا لهواهم في محبتهم لذلك ~~الشخص وبغضهم لنظرائه فيكونون غير معذورين ولكن من اعتقد من هؤلاء في ~~متبوعه أنه معصوم أو أنه محفوظ عن الذنوب والخطأ في الاجتهاد فذلك مردود ~~عليه بلا نزاع بين أهل العلم والإيمان ### | الغلو في البشر يؤدي إلى الشرك # ولهذا إنما يقول ذلك غلاة الطوائف الذين يغلب عليهم اتباع الظن وما تهوى ~~الأنفس وقد غلب على أحدهم جهله وظلمه وكما أن الغلو في غير الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فيه قدح في منصب الرسول وما خصه الله به وهو أحد أصلي الإسلام ~~فكذلك الغلو في غير الله فيه قدح فيما يجب لله من الألوهية وفيما يستحقه من ~~صفاته فمن غلا في البشر أو غيرهم فجعلهم شركاء في الألوهية أو الربوبية فقد ~~عدل بربه وأشرك به وجعل له ندا ومن زعم أن الله ذم أحدا من البشر أو عاقبه ~~على ما فعله ولم يكن ذلك ذنبا فقد قدح فيما أخبر الله به وما وجب له من ~~حكمته وعدله فالجاهل يريد تنزيه الصحابة # PageV01P275 # أو العلماء أو المشايخ من شيء لا يضيرهم ولا يضرهم ثبوته فيقدح في الرسول ~~أو في الله تعالى ويريد تنزيه الأنبياء عما لا يضرهم ثبوته بل هو رفع درجة ~~لهم فيقدح في الربوبية فتدبر هذا فإنه نافع ### | بطلان القول بعصمة الأنبياء من التوبة من الذنوب # والقائلون بعصمة الأنبياء من التوبة من الذنوب ليس لهم حجة من كتاب الله ~~وسنة رسوله ولا لهم إمام من سلف الأمة وأئمتها وإنما مبدأ قولهم من أهل ~~الأهواء كالروافض والمعتزلة وحجتهم آراء ضعيفة من جنس قول الذين في قلوبهم ~~مرض والقاسية قلوبهم الذين قال الله فيهم ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين ~~في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد [سورة الحج 53] # وعمدة من وافقهم من الفقهاء أن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ~~أفعاله مشروع ولولا ذلك ما جاز الاقتداء به وهذا ضعيف فإنه قد تقدم أنهم ms147 لا ~~يقرون بل لا بد من التوبة والبيان والاقتداء إنما يكون بما استقر عليه ~~الأمر فأما المنسوخ والمنهي عنه والمتوب منه فلا قدوة فيه بالاتفاق فإذا ~~كانت الأقوال المنسوخة لا قدوة فيها فالأفعال التي لم يقر عليها أولى بذلك ### | تفصيل مذهب أهل السنة في ذلك # وأما مذهب السلف والأئمة وأهل السنة والجماعة القائلين بما دل عليه ~~الكتاب والسنة من توبة الأنبياء من الذنوب فقد ذكرنا من آيات القرآن ما فيه ~~دلالات على ذلك # وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يدعو اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به منى ~~اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت ~~وما أخرت وما أسررت وما أعلنت # PageV01P276 # وأما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في استفتاح الصلاة ~~اللهم أنت الملك لا شريك لك أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي ~~فاغفر لي ذنوبي جميعا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق ~~فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف عني سيئها إلا ~~أنت قال ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد التشهد والتسليم اللهم اغفر لي ~~ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت ~~المؤخر لا إله إلا أنت # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت ~~بين التكبير والقراءة إسكاتة فقلت بأبي وأمي يا رسول الله إسكاتك بين ~~التكبير والقراءة ما تقول قال أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت ~~بين المشرق والمغرب اللهم نقني من الخطايا كما # PageV01P277 # ينقي الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد # وفي الصحيحين عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن ms148 ~~يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن # وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~في سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره ~~وقليله وكثيره # وقد تقدم قوله في الحديث الصحيح إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم ~~أكثر من سبعين مرة وقوله يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في ~~اليوم مائة مرة وقوله إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة ~~مرة وتقدم أيضا أنهم كانوا يعدون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس ~~الواحد يقول رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة # وفي الصحيحين عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل ~~من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث # PageV01P278 # تكبيرات ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده ~~وهزم الأحزاب وحده # وفي السنن عن علي أنه أتى بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال بسم ~~الله فلما استوى على ظهرها قال الحمد لله سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا ~~له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم قال الحمد لله ثلاثا سبحانك إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقيل من أي شيء ضحكت يا ~~أمير المؤمنين قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت ثم ضحك ~~فقلت من أي شيء ضحكت يا رسول الله فقال إن ربك ليعجب من عبده إذا قال رب ~~اغفر لي ذنوبي يقول يعلم أن الذنوب لا يغفرها أحد غيري # PageV01P279 ### | فصل في أن دين الأنبياء واحد # PageV01P281 # فصل # قوله صلى الله عليه وسلم إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد # قال تعالى يا أيها الرسل كلوا ms149 من الطيبات إلى قوله وإن هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم فاتقون [سورة المؤمنون 51 - 52] أي ملتكم ملة واحدة كقوله ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة [سورة الزخرف 22 - 23] أي على ملة وقال شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك الآية [سورة الشورى 13] # فدين الأنبياء واحد وهو دين الإسلام لأن بعض الشرائع تتنوع فقد يشرع في ~~وقت أمرا لحكمة ثم يشرع في وقت آخر أمرا آخر لحكمة كما شرع في أول الإسلام ~~الصلاة إلى بيت المقدس ثم نسخ ذلك وأمر بالصلاة إلى الكعبة فتنوعت الشريعة ~~والدين واحد وكان استقبال الشام من ذلك # PageV01P283 # الوقت من دين الإسلام وكذلك السبت لموسى من دين الإسلام ثم لما صار دين ~~الإسلام هو الناسخ وهو الصلاة إلى الكعبة فمن تمسك بالمنسوخ فليس على دين ~~الإسلام ولا هو من الأنبياء # ومن ترك شرع الأنبياء وابتدع شرعا فشرعه باطل لا يجوز اتباعه كما قال أم ~~لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله [سورة الشورى 21] ولهذا ~~كفرت اليهود والنصارى لأنهم تمسكوا بشرع منسوخ # والله أوجب على جميع الخلق أن يؤمنوا بجميع كتبه ورسله ومحمد خاتم الرسل ~~فعلى جميع الخلق اتباعه واتباع ما شرعه من الدين هو ما أتى به من الكتاب ~~والسنة # PageV01P284 ### | فصل في الدليل على فضل العرب # PageV01P285 # فصل # الدليل على فضل العرب ما رواه الترمذي عن العباس بن عبد المطلب قال قلت ~~يا رسول الله إن قريشا جلسوا يتذاكرون أحسابهم بينهم فجعلوا مثلك كمثل نخلة ~~في كبوة من الأرض فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق الخلق فجعلني ~~في خير فرقهم ثم خير القبائل فجعلني في خير قبيلة ثم خير البيوت فجعلني في ~~خير بيوتهم فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا قال الترمذي هذا حديث حسن # والكبا بالكسر والقصر والكبة الكناسة والمعنى أن النخلة طيبة في نفسها ~~وإن كان أصلها ليس بذاك # وعن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سلمان لا تبغضني ~~فتفارق دينك قلت ms150 يا رسول الله وكيف أبغضك وبك هداني الله قال تبغض العرب ~~فتبغضني قال الترمذي هذا حديث حسن غريب # وروى أبو جعفر الحافظ الكوفي عن ابن عباس قال قال رسول الله # PageV01P287 # صلى الله عليه وسلم أحبوا العرب لثلاث لأني عربي والقرآن عربي ولسان أهل ~~الجنة عربي قال الحافظ السلفي هذا حديث حسن فما أدري أراد حسن إسناده على ~~طريقة المحدثين أو حسن متنه على الإصطلاح العام وأبو الفرج بن الجوزي ذكره ~~في الموضوعات # وقال سلمان يا معشر العرب لتفضيل رسول الله إياكم لا ننكح نساءكم ولا ~~نؤمكم في الصلاة وإسناده جيد رواه محمد بن أبي عمر العدني وسعيد في سننه # PageV01P288 # ولما وضع عمر الديوان للعطاء كتب الناس على قدر أنسابهم فبدأ بالأقرب ~~فالأقرب إلى رسول الله فلما انقضت العرب ذكر العجم هكذا كان الديوان على ~~عهد الخلفاء الراشدين وخلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس إلى أن تغير الأمر ~~بعد ذلك والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة أصحها ما ذكرناه ### | سبب ما اختص به العرب من الفضل # وسبب ما اختصوا به من الفضل والله أعلم ما جعل الله لهم من العقول ~~والألسنة والأخلاق والأعمال وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع أو العمل ~~الصالح والعلم له مبدأ وهو قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ وتمام وهو قوة ~~المنطق الذي هو البيان والعبارة فالعرب هم أفهم وأحفظ وأقدر على البيان ~~والعبارة ولسانهم أتم الألسنة بيانا وتمييزا للمعاني # وأما العمل فإن مبناه على الأخلاق وهي الغرائز المخلوقة في النفس ~~فغرائزهم أطوع من غرائز غيرهم فهم أقرب إلى السخاء والحلم والشجاعة والوفاء ~~من غيرهم ولكن حازوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير معطلة عن فعله ليس ~~عندهم علم منزل ولا شريعة مأثورة ولا اشتغلوا ببعض العلوم بخلاف غيرهم ~~فإنهم كانت بين أظهرهم الكتب المنزلة وأقوال الأنبياء فضلوا لضعف عقولهم ~~وخبث غرائزهم # وإنما كان علم العرب ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب أو ما حفظوه من ~~أنسابهم وأيامهم أو ما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم والحروب ms151 ~~فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى تلقفوه عنه بعد مجاهدة ~~شديدة ونقلهم الله عن تلك العادات الجاهلية التي كانت قد أحالت قلوبهم عن ~~فطرتها فلما تلقوا عنه ذلك الهدى زالت تلك الريون عن قلوبهم فقبلوا هذا ~~الهدى العظيم وأخذوه بتلك الفطرة الجيدة فاجتمع لهم الكمال بالقوة # PageV01P289 # المخلوقة فيهم والكمال الذي أنزله الله إليهم بمنزلة أرض طيبة في نفسها ~~لكن هي معطلة عن الحرث أو قد نبت فيها شجر العضاء والعوسج وصارت مأوى ~~الخنازير والسباع فإذا طهرت عن ذلك المؤذي من الشجر وغيره من الدواب وازدرع ~~فيها أفضل الحبوب أو الثمار جاء فيها من الحب والثمر ما لا يوصف مثله # فصار السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل خلق الله سوى الأنبياء ~~وصار أفضل الناس بعدهم من اتبعهم بإحسان رضي الله عنهم إلى يوم القيامة من ~~العرب والعجم # والله سبحانه أعلم والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين ~~وسلم تسليما # PageV01P290 # جامع الرسائل # لشيخ الإسلام # أبي العباس أحمد بن عبد الحليم # ابن تيمية # المتوفى سنة (728) ه # تحقيق # الدكتور محمد رشاد سالم ### | المجموعة الثانية # PageV00P000 ### | الرسالة الأولى # رسالة في الصفات الاختيارية # PageV02P001 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات ~~أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله ~~وسلم تسليما. # قال شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين بن تيمية، قدس الله روحه، ونور ~~ضريحه. ### | فصل # في الصفات الاختيارية: وهي الأمور التي يتصف بها الرب عز وجل فتقوم بذاته ~~بمشيئته وقدرته؛ مثل كلامه وسمعه وبصره وإرادته ومحبته ورضاه ورحمته وغضبه ~~وسخطه؛ ومثل خلقه وإحسانه وعدله؛ ومثل استوائه ومجيئه وإتيانه ونزوله ونحو ~~ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز والسنة. ### | مقالة الجهمية والمعتزلة: # " فالجهمية " ومن وافقهم من " المعتزلة " وغيرهم يقولون: لا يقوم بذاته ~~شيء من هذه الصفات ولا غيرها. # PageV02P003 ### | مقالة الكلابية والسالمية: ms152 # و" الكلابية " ومن وافقهم من " السالمية " وغيرهم يقولون: " تقوم به صفات ~~بغير مشيئته وقدرته؛ فأما ما يكون بمشيئته وقدرته: فلا يكون إلا مخلوقا ~~منفصلا عنه لا يقوم بذات الرب ". ### | مقالة السلف وأهل السنة: # وأما " السلف وأئمة السنة والحديث " فيقولون: إنه متصف بذلك؛ كما نطق به ~~الكتاب والسنة؛ وهو قول كثير من " أهل الكلام والفلسفة " أو أكثرهم كما قد ~~ذكرنا أقوالهم بألفاظها في غير هذا الموضع. ### | صفة الكلام: # ومثل هذا: " الكلام ". فإن السلف وأئمة السنة والحديث يقولون: إنه يتكلم ~~بمشيئته وقدرته؛ وكلامه ليس بمخلوق؛ بل كلامه صفة له قائمة بذاته. # وممن ذكر أن ذلك قول أئمة السنة: أبو عبد الله ابن منده وأبو عبد الله ~~ابن حامد وأبو بكر عبد العزيز وأبو إسماعيل الأنصاري وغيرهم؛ وكذلك ذكر أبو ~~عمر بن عبد البر نظير هذا في " الاستواء ". # وأئمة السنة - كعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل والبخاري وعثمان بن ~~سعيد الدارمي ومن لا يحصى من الأئمة وذكره حرب بن إسماعيل الكرماني عن سعيد ~~بن منصور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وسائر # PageV02P004 # أهل السنة والحديث - متفقون على أنه يتكلم بمشيئته وأنه لم يزل متكلما ~~إذا شاء وكيف شاء. # وقد سمى الله القرآن العزيز حديثا، وقال: {الله نزل أحسن الحديث} وقال: ~~{ومن أصدق من الله حديثا} . وقال {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله يحدث من أمره ما يشاء " وهذا ~~مما احتج به البخاري في صحيحه وفي غير صحيحه؛ واحتج به أيضا غير البخاري ~~كنعيم بن حماد وحماد بن زيد. # ومن المشهور عن السلف: أن القرآن العزيز كلام الله غير مخلوق منه بدأ ~~وإليه يعود. ### | مقالة الجهمية والمعتزلة في صفة الكلام: # وأما " الجهمية " و " المعتزلة " فيقولون: ليس له كلام قائم بذاته؛ بل ~~كلامه مخلوق منفصل عنه. و " المعتزلة " يطلقون القول: بأنه يتكلم بمشيئته؛ ~~ولكن مرادهم بذلك أنه يخلق كلاما منفصلا عنه. # PageV02P005 ### | مقالة الكلابية والسالمية فيها: # و" الكلابية والسالمية " يقولون: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته؛ بل ms153 كلامه ~~قائم بذاته بدون قدرته ومشيئته مثل حياته؛ وهم يقولون: الكلام صفة ذات؛ لا ~~صفة فعل يتعلق بمشيئته وقدرته؛ وأولئك يقولون: هو صفة فعل؛ لكن الفعل ~~عندهم: هو المفعول المخلوق بمشيئته وقدرته. # وأما " السلف وأئمة السنة " وكثير من أهل الكلام كالهشامية والكرامية ~~وأصحاب أبي معاذ التومني وزهير الأثري وطوائف غير هؤلاء فقولون: إنه " صفة ~~ذات وفعل " هو يتكلم بمشيئته وقدرته كلاما # PageV02P006 # قائما بذاته. وهذا هو المعقول من صفة الكلام لكل متكلم فكل حي وصف ~~بالكلام كالملائكة والبشر والجن وغيرهم: فكلامهم لا بد أن يقوم بأنفسهم وهم ~~يتكلمون بمشيئتهم وقدرتهم. # والكلام صفة كمال؛ لا صفة نقص ومن تكلم بمشيئته أكمل ممن لا يتكلم ~~بمشيئته؛ فكيف يتصف المخلوق بصفات الكمال دون الخالق ولكن " الجهمية ~~والمعتزلة " بنوا على " أصلهم ": أن الرب لا يقوم به صفة؛ لأن ذلك بزعمهم ~~يستلزم التجسيم والتشبيه الممتنع؛ إذ الصفة عرض والعرض لا يقوم إلا بجسم. # و" الكلابية " يقولون: هو متصف بالصفات التي ليس له عليها قدرة ولا تكون ~~بمشيئته؛ فأما ما يكون بمشيئته فإنه حادث والرب - تعالى - لا تقوم به ~~الحوادث. ويترجمون " الصفات الاختيارية " بمسألة " حلول الحوادث " فإنه إذا ~~كلم موسى بن عمران بمشيئته وقدرته وناداه حين أتاه بقدرته ومشيئته كان ذلك ~~النداء والكلام حادثا. # قالوا: فلو اتصف الرب به لقامت به الحوادث قالوا: ولو قامت به الحوادث لم ~~يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث؛ قالوا: ولأن كونه قابلا لتلك ~~الصفة إن كان من لوازم ذاته كان قابلا لها في الأزل فيلزم جواز وجودها في ~~الأزل والحوادث لا تكون في الأزل؛ فإن ذلك يقتضي وجود حوادث لا أول لها ~~وذلك محال: " لوجوه " قد ذكرت في غير هذا الموضع. # PageV02P007 # قالوا: وبذلك استدللنا على حدوث الأجسام وبه عرفنا حدوث العالم وبذلك ~~أثبتنا وجود المانع وصدق رسله؛ فلو قدحنا في ذلك لزم القدح في أصول " ~~الإيمان " و " التوحيد ". # وإن لم يكن من لوازم ذاته صار قابلا لها بعد أن لم يكن قابلا فيكون قابلا ~~لتلك القابلية فيلزم التسلسل ms154 الممتنع. وقد بسطنا القول على عامة ما ذكروه ~~في هذا الباب وبينا فساده وتناقضه على وجه لا تبقى فيه شبهة لمن فهم هذا ~~الباب. ### | مقالة الرازي: # وفضلاؤهم المتأخرون: كالرازي والآمدي والطوسي والحلي وغيرهم - معترفون ~~بأنه ليس لهم حجة عقلية على نفي ذلك؛ بل ذكر الرازي وأتباعه أن هذا القول ~~يلزم جميع الطوائف ونصره في آخر كتبه: " كالمطالب العالية " - وهو من أكبر ~~كتبه الكلامية [وخالف بذلك قوله في أجل ما صنفه في # PageV02P008 # الكلام وهو كتابه] الذي سماه " نهاية العقول في دراية الأصول " - ولما ~~عرف فساد قول النفاة لم يعتمد على ذلك في " مسألة القرآن ". فإن عمدتهم في ~~" مسألة القرآن " إذا قالوا: لم يتكلم بمشيئته وقدرته - قالوا - لأن ذلك ~~يستلزم حلول الحوادث؛ فلما عرف فساد هذا الأصل لم يعتمد على ذلك في " مسألة ~~القرآن ". فإن عمدتهم عليه؛ بل استدل بإجماع مركب وهو دليل ضعيف إلى الغاية ~~لكن لم يكن عنده في نصر قول الكلابية غيره؛ وهذا مما يبين أنه وأمثاله تبين ~~لهم فساد قول الكلابية. ### | مقالة الآمدي: # وكذلك " الآمدي " ذكر في " أبكار الأفكار " ما يبطل قولهم وذكر أنه لا ~~جواب عنه وقد كشفت هذه الأمور في مواضع؛ وهذا معروف عند عامة العلماء حتى ~~الحلي بن المطهر ذكر في كتبه أن القول بنفي " حلول الحوادث " لا دليل عليه، ~~فالمنازع جاهل بالعقل والشرع. ### | مقالة الجويني: # وكذلك من قبل هؤلاء كأبي المعالي وذويه إنما عمدتهم أن " الكرامية " ~~قالوا ذلك وتناقضوا فيبينون تناقض الكرامية ويظنون أنهم إذا بينوا تناقض # PageV02P009 # الكرامية - وهم منازعوهم - فقد فلجوا؛ ولم يعلموا أن السلف وأئمة السنة ~~والحديث - بل من قبل الكرامية من الطوائف - لم يكن يلتفت إلى الكرامية ~~وأمثالهم؛ بل تكلموا بذلك قبل أن يخلق الكرامية: فإن ابن كرام كان متأخرا ~~بعد أحمد بن حنبل في زمن مسلم بن الحجاج وطبقته وأئمة السنة والمتكلمون ~~تكلموا بهذه قبل هؤلاء وما زال السلف يقولون بموجب ذلك. # لكن لما ظهرت " الجهمية النفاة " في أوائل المائة الثانية بين علماء ~~المسلمين ضلالهم وخطاؤهم؛ ثم ظهر محنة الجهمية ms155 في أوائل المائة الثالثة ~~وامتحن " العلماء ": الإمام أحمد وغيره فجردوا الرد على الجهمية وكشف ~~ضلالهم حتى جرد الإمام أحمد الآيات التي من القرآن تدل على بطلان قولهم وهي ~~كثيرة جدا. بل الآيات التي تدل على " الصفات الاختيارية " التي يسمونها " ~~حلول الحوادث " كثيرة جدا. ### | الآيات الدالة على صفة الكلام: # وهذا كقوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم فسجدوا} فهذا بين في أنه إنما أمر الملائكة بالسجود بعد خلق آدم؛ لم ~~يأمرهم في الأزل. # PageV02P010 # وكذلك قوله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون} فإنما قال له: " كن " بعد أن خلقه من تراب؛ لا في الأزل. # وكذلك قوله في " قصة موسى ": {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن ~~حولها} وقال تعالى: {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} فهذا بين في أنه ~~إنما ناداه حين جاء لم يكن النداء في الأزل كما يقوله " الكلابية " يقولون: ~~إن النداء قائم بذات الله في الأزل وهو لازم لذاته لم يزل ولا يزال مناديا ~~له لكنه لما أتى خلق فيه إدراكا لما كان موجودا في الأزل. # ثم من قال منهم إن الكلام معنى واحد: منهم من قال: سمع ذلك المعنى بأذنه ~~كما يقوله الأشعري ومنهم من يقول: بل أفهم منه ما أفهم؛ كما يقوله: القاضي ~~أبو بكر وغيره. # PageV02P011 # فقيل لهم: عندكم هو معنى واحد لا يتبعض ولا يتعدد فموسى فهم المعنى كله ~~أو بعضه؟ إن قلتم كله فقد علم علم الله كله وإن قلتم بعضه فقد تبعض وعندكم ~~لا يتبعض. # ومن قال من أتباع " الكلابية ": بأن النداء وغيره من الكلام القديم حروف ~~أو حروف وأصوات لازمة لذات الرب كما يقوله " السالمية " ومن وافقهم يقولون: ~~إنه يخلق له إدراكا لتلك الحروف والأصوات؛ والقرآن والسنة وكلام السلف ~~قاطبة يقتضي أنه إنما ناداه وناجاه حين أتى؛ لم يكن النداء موجودا قبل ذلك ~~فضلا ms156 عن أن يكون قديما أزليا. # وقال تعالى: {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان ~~لكما عدو مبين} ، وهذا يدل على أنه لما أكلا منها ناداهما، لم ينادهما قبل ~~ذلك. # PageV02P012 # وقال تعالى: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} . {ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} . فجعل النداء في يوم معين وذلك اليوم ~~حادث كائن بعد أن لم يكن وهو حينئذ يناديهم؛ لم ينادهم قبل ذلك. # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد} . فبين ~~أنه يحكم فيحلل ما يريد ويحرم ما يريد ويأمر بما يريد؛ فجعل التحليل ~~والتحريم والأمر والنهي متعلقا بإرادته. وهذه أنواع الكلام، فدل على أنه ~~يأمر بإرادته وينهى بإرادته، ويحلل بإرادته ويحرم بإرادته. # و" الكلابية " يقولون: ليس شيء من ذلك بإرادته؛ بل هو قديم لازم لذاته ~~غير مراد له ولا مقدور. و " المعتزلة مع الجهمية " يقولون: كل ذلك مخلوق ~~منفصل عنه ليس له كلام قائم به لا بإرادته ولا بغير إرادته ومثل هذا كثير ~~في القرآن العزيز. ### | فصل ### | صفة الإرادة: # وكذلك في " الإرادة " و " المحبة " كقوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون} . وقوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا ~~أن يشاء الله} وقوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} وقوله: ~~{وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول} ~~وقوله: {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له} وقوله: # PageV02P013 # {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا} وقوله: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا ~~إليك} وأمثال ذلك في القرآن العزيز. # فإن جوازم الفعل المضارع ونواصبه تخلصه للاستقبال مثل " إن " و " أن " ~~وكذلك " إذا " ظرف لما يستقبل من الزمان؛ فقوله: {إذا أراد} و {إن شاء ~~الله} ونحو ذلك يقتضي حصول إرادة مستقبلة ومشيئة مستقبلة. ### | صفتا المحبة والرضا: ms157 # وكذلك في المحبة والرضا قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله} فإن هذا يدل على أنهم إذا اتبعوه أحبهم الله؛ فإنه جزم قوله: ~~" يحببكم الله " فجزمه جوابا للأمر وهو في معنى الشرط فتقديره: إن تتبعوني ~~يحببكم الله. # ومعلوم أن جواب الشرط والأمر إنما يكون بعده لا قبله؛ فمحبة الله لهم ~~إنما تكون بعد اتباعهم للرسول؛ والمنازعون: منهم من يقول: ما ثم محبة بل ~~المراد ثوابا مخلوقا ومنهم من يقول: بل ثم محبة قديمة أزلية إما الإرادة ~~وإما غيرها والقرآن يدل على قول السلف وأئمة السنة المخالف للقولين. # PageV02P014 # وكذلك قوله: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه} فإنه يدل على ~~أن أعمالهم أسخطته فهي سبب لسخطه وسخطه عليهم بعد الأعمال؛ لا قبلها. # وكذلك قوله: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} وكذلك قوله: {إن تكفروا فإن الله ~~غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} علق الرضا بشكرهم ~~وجعله مجزوما جزاء له وجزاء الشرط لا يكون إلا بعده. # وكذلك قوله: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} و {يحب المتقين} و ~~{يحب المقسطين} و {يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} ونحو ذلك فإنه يدل على ~~أن المحبة بسبب هذه الأعمال وهي جزاء لها والجزاء إنما يكون بعد العمل ~~والسبب. ### | فصل ### | صفتا السمع والبصر: # وكذلك " السمع " و " البصر " " والنظر ". قال الله تعالى: {وقل اعملوا ~~فسيرى الله عملكم ورسوله} هذا في حق المنافقين وقال في حق التائبين: {وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} فقوله {فسيرى الله} دليل على ~~أنه يراها بعد نزول هذه الآية # PageV02P015 # الكريمة والمنازع إما أن ينفي الرؤية؛ وإما أن يثبت رؤية قديمة أزلية ~~فقط. # وكذلك قوله {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} ولام ~~" كي " تقتضي أن ما بعدها متأخر عن المعلول فنظره كيف يعملون هو بعد جعلهم ~~خلائف. # وكذلك {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما} أخبر أنه يسمع تحاورهما حين كانت تجادل وتشتكي إلى ms158 الله. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده ~~فقولوا ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم} " فجعل سمعه لنا جزاء وجوابا للحمد ~~فيكون ذلك بعد الحمد والسمع يتضمن مع سمع القول قبوله وإجابته. # ومنه قول الخليل {إن ربي لسميع الدعاء} . وكذلك قوله: {لقد سمع الله قول ~~الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} وقوله لموسى وهارون: {إنني معكما ~~أسمع وأرى} . # PageV02P016 # و " العقل الصريح " يدل على ذلك فإن المعدوم لا يرى ولا يسمع بصريح العقل ~~واتفاق العقلاء؛ لكن قال من قال من " السالمية ": إنه يسمع ويرى موجودا في ~~علمه لا موجودا بائنا عنه ولم يقل أحد: إنه يسمع ويرى بائنا عن الرب. فإذا ~~خلق العباد وعملوا وقالوا؛ فإما أن نقول: إنه يسمع أقوالهم ويرى أعمالهم؛ ~~وإما لا يرى ولا يسمع. فإن نفي ذلك تعطيل لهاتين الصفتين وتكذيب للقرآن ~~وهما صفتا كمال لا نقص فيه فمن يسمع ويبصر أكمل ممن لا يسمع ولا يبصر. # والمخلوق يتصف بأنه يسمع ويبصر فيمتنع اتصاف المخلوق بصفات الكمال دون # الخالق سبحانه وتعالى وقد عاب الله تعالى من يعبد من لا يسمع ولا يبصر في ~~غير موضع؛ ولأنه حي والحي إذا لم يتصف بالسمع والبصر اتصف بضد ذلك وهو ~~العمى والصمم وذلك ممتنع وبسط هذا له موضع آخر. # وإنما " المقصود هنا " أنه إذا كان يسمع ويبصر الأقوال والأعمال بعد أن ~~وجدت؛ فإما أن يقال: إنه تجدد شيء، وإما أن يقال: لم يتجدد شيء، فإن كان لم ~~يتجدد، وكان لا يسمعها ولا يبصرها، فهو بعد أن خلقها لا يسمعها # PageV02P017 # ولا يبصرها. وإن تجدد شيء: فإما أن يكون وجودا أو عدما؛ فإن كان عدما فلم ~~يتجدد شيء وإن كان وجودا: فإما أن يكون قائما بذات الله أو قائما بذات غيره ~~و " الثاني " يستلزم أن يكون ذلك الغير هو الذي يسمع ويرى فيتعين أن ذلك ~~السمع والرؤية الموجودين قائم بذات الله وهذا لا حيلة فيه. # و" الكلابية " يقولون في جميع هذا الباب: المتجدد هو تعلق ms159 تعلق بين الأمر ~~والمأمور وبين الإرادة والمراد وبين السمع والبصر والمسموع والمرئي. # فيقال لهم: هذا التعلق إما أن يكون وجودا وإما أن يكون عدما فإن كان عدما ~~فلم يتجدد شيء فإن العدم لا شيء وإن كان وجودا بطل قولهم. # وأيضا فحدوث " تعلق " هو نسبة وإضافة من غير حدوث ما يوجب ذلك ممتنع فلا ~~تحدث نسبة وإضافة إلا بحدوث أمر وجودي يقتضي ذلك. وطائفة منهم ابن عقيل ~~يسمون هذه النسب " أحوالا ". # و" الطوائف " متفقون على حدوث " نسب " و " إضافات " و " تعلقات " لكن ~~حدوث النسب بدون حدوث ما يوجبها ممتنع. فلا تكون نسبة وإضافة إلا تابعة ~~لصفة ثبوتية؛ كالأبوة والبنوة والفوقية والتحتية والتيامن والتياسر فإنها ~~لا بد أن تستلزم أمورا ثبوتية. # PageV02P018 ### | أفعال الرب الاختيارية: # وكذلك كونه " خالقا " و " رازقا " و " محسنا " و " عادلا " فإن هذه أفعال ~~فعلها بمشيئته وقدرته إذ كان يخلق بمشيئته ويرزق بمشيئته. ويعدل بمشيئته ~~ويحسن بمشيئته. والذي عليه " جماهير المسلمين " من السلف. والخلف أن الخلق ~~غير المخلوق؛ فالخلق فعل الخالق والمخلوق مفعوله. # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بأفعال الرب وصفاته كما في ~~قوله صلى الله عليه وسلم " {أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك ~~منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.} " فاستعاذ بمعافاته كما ~~استعاذ برضاه. # وقد استدل " أئمة السنة " كأحمد وغيره على أن " كلام الله غير مخلوق " ~~بأنه استعاذ به فقال: " {من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ~~ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل منه} . " فكذلك معافاته ورضاه غير مخلوق لأنه ~~استعاذ به والعافية القائمة ببدن العبد مخلوقة فإنها نتيجة معافاته. # PageV02P019 # وإذا كان " الخلق فعله " والمخلوق مفعوله " وقد خلق الخلق بمشيئته دل على ~~أن الخلق فعل يحصل بمشيئته ويمتنع قيامه بغيره فدل على أن أفعاله قائمة ~~بذاته مع كونها حاصلة بمشيئته وقدرته. # وقد حكى البخاري إجماع العلماء على الفرق بين الخلق والمخلوق وعلى هذا ~~يدل " صريح المعقول ". فإنه قد ثبت بالأدلة " العقلية والسمعية " أن كل ما ~~سوى ms160 الله تعالى مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن وأن الله انفرد بالقدم ~~والأزلية. # وقد قال تعالى: {الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام} فهو ~~حين خلق السموات ابتداء؛ إما أن يحصل منه فعل يكون هو خلقا للسموات والأرض ~~وإما أن لا يحصل منه فعل؛ بل وجدت المخلوقات بلا فعل ومعلوم أنه إذا كان ~~الخالق قبل خلقها ومع خلقها وبعده سواء لم يجز تخصيص خلقها بوقت دون وقت ~~بلا سبب يوجب التخصيص. # و" أيضا " فحدوث المخلوق بلا سبب حادث ممتنع في بدايه العقل وإذا قيل: ~~الإرادة والقدرة القديمة خصصت. قيل: نسبة الإرادة القديمة إلى جميع الأوقات ~~سواء. # وأيضا فلا تعقل إرادة تخصص أحد المتماثلين إلا بسبب يوجب التخصيص. # PageV02P020 # " وأيضا " فلا بد عند وجود المراد من سبب يقتضي حدوثه وإلا فلو كان مجرد ~~ما تقدم من الإرادة والقدرة كافيا؛ للزم وجوده قبل ذلك لأنه مع الإرادة ~~التامة والقدرة التامة يجب وجود المقدور. # وقد احتج من قال: " الخلق " هو المخلوق - كأبي الحسن ومن اتبعه مثل ابن ~~عقيل - بأن قالوا: لو كان غيره لكان إما قديما وإما حادثا فإن كان قديما ~~لزم قدم المخلوق لأنهما متضايفان؛ وإن كان حادثا لزم أن تقوم به الحوادث ثم ~~ذلك المخلوق يفتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل. # فأجابهم " الجمهور " - كل طائفة على أصلها - فطائفة قالت: الخلق قديم وإن ~~كان المخلوق حادثا كما يقول ذلك كثير من أهل المذاهب الأربعة وعليه أكثر ~~الحنفية؛ قال هؤلاء: أنتم تسلمون لنا أن الإرادة قديمة أزلية؛ والمراد محدث ~~فنحن نقول في الخلق ما قلتم في الإرادة. # وقالت " طائفة ": بل الخلق حادث في ذاته ولا يفتقر إلى خلق آخر؛ بل يحدث ~~بقدرته. وأنتم تقولون: إن المخلوق يحصل بقدرته بعد أن لم يكن فإن كان ~~المنفصل يحصل بمجرد القدرة فالمتصل به أولى وهذا جواب كثير من الكرامية ~~والهشامية وغيرهم. # PageV02P021 # و " طائفة " يقولون: هب أنه يفتقر إلى فعل قبله فلم قلتم: إن ذلك ممتنع؟ ~~وقولكم: هذا تسلسل. # فيقال: هذا ليس تسلسلا في الفاعلين ms161 والعلل الفاعلة؛ فإن هذا ممتنع باتفاق ~~العقلاء؛ بل هو تسلسل في الآثار والأفعال وهو حصول شيء بعد شيء. # وهذا محل النزاع. " فالسلف " يقولون: لم يزل متكلما إذا شاء وكما شاء؛ ~~وقد قال تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} . فكلمات الله لا نهاية لها وهذا تسلسل ~~جائز كالتسلسل في المستقبل فإن نعيم الجنة دائم لا نفاد له فما من شيء إلا ~~وبعده شيء بلا نهاية. ### | فصل # و" الأفعال نوعان ": متعد ولازم. فالمتعدي مثل: الخلق والإعطاء ونحو ذلك ~~واللازم: مثل الاستواء والنزول والمجيء والإتيان. # قال تعالى: {هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش} فذكر الفعلين: المتعدي واللازم وكلاهما حاصل بقدرته ~~ومشيئته وهو متصف به؛ وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. # PageV02P022 ### | الأدلة على هذا الأصل من السنة: # والمقصود هنا: أن القرآن يدل على " هذا الأصل " في أكثر من مائة موضع. ~~وأما " الأحاديث الصحيحة " فلا يمكن ضبطها في هذا الباب كما في الصحيحين: ~~عن زيد بن خالد الجهني {أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة ~~الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل ثم قال: أتدرون ماذا قال ربكم ~~الليلة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال مطرنا بفضل الله ~~ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا ونوء كذا ~~وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب} ". # وفي الصحاح في حديث الشفاعة " {يقول كل من الرسل إذا أتوا إليه: إن ربي ~~قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله} " وهو بيان أن ~~الغضب حصل في ذلك اليوم لا قبله. # PageV02P023 # وفي الصحيح: " {إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات كجر السلسلة على ~~الصفوان} " فقوله: إذا تكلم الله بالوحي سمع يدل على أنه يتكلم به حين ~~يسمعونه وذلك ينفي كونه أزليا وأيضا فما يكون كجر السلسلة على الصفا يكون ~~شيئا بعد شيء ms162 والمسبوق بغيره لا يكون أزليا. # وكذلك في الصحيح " {يقول الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها ~~لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال: {الحمد لله رب العالمين} قال ~~الله: حمدني عبدي فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال # PageV02P024 # الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال {مالك يوم الدين} قال الله: مجدني عبدي؛ ~~فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال الله هذه الآية بيني وبين عبدي ~~ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال الله: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل} فقد ~~أخبر أن العبد إذا قال {الحمد لله} قال الله: حمدني عبدي فإذا قال {الرحمن ~~الرحيم} قال الله: أثنى علي عبدي.. الحديث. # وفي الصحاح حديث النزول أنه " {ينزل ربنا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل ~~الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر ~~له؟} " فهذا قول وفعل في وقت معين وقد # PageV02P025 # اتفق السلف على أن " النزول " فعل يفعله الرب كما قال ذلك الأوزاعي وحماد ~~بن زيد والفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهم. # وأيضا فقد قال صلى الله عليه وسلم " {لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت ~~بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته} " وفي الحديث الصحيح الآخر " {ما أذن ~~الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به} " # أذن يأذن أذنا: أي استمع يستمع استماعا {وأذنت لربها وحقت} . فأخبر أنه ~~يستمع إلى هذا وهذا. # وفي الصحيح " {لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا # PageV02P026 # أحببته كنت سمعه الذي يسمع به؛ وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ~~ورجله التي يمشي بها} " فأخبر أنه لا يزال يتقرب بالنوافل بعد الفرائض حتى ~~يحبه، و "حتى " حرف غاية، يدل على أنه يحبه بعد تقربه بالنوافل والفرائض. # وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى قال: " {قال ~~الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني؛ إن ذكرني في نفسه ذكرته في ~~نفسي وإن ms163 ذكرني في ملأ ذكرته في ملإ خير منهم} " وحرف " إن " حرف الشرط؛ ~~والجزاء يكون بعد الشرط فهذا يبين أنه يذكر العبد بعد أن يذكره العبد، إن ~~ذكره في نفسه ذكره في نفسه وإن ذكره في ملإ ذكره # PageV02P027 # في ملإ خير منهم والمنازع يقول ما زال يذكره أزلا وأبدا ثم يقول: ذكره ~~وذكر غيره وسائر ما يتكلم الله به هو شيء واحد لا يتبعض ولا يتعدد فحقيقة ~~قوله إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا يذكر أحدا. # وفي صحيح مسلم في حديث تعليم الصلاة " {وإذا قال الإمام سمع الله لمن ~~حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد؛ يسمع الله لكم فإن الله قال على لسان ~~نبيه سمع الله لمن حمده} " فقوله: سمع الله لمن حمده؛ لأن الجزاء بعد الشرط ~~فقوله " يسمع الله لكم " مجزوم حرك بالكسر لالتقاء الساكنين وهذا يقتضي أنه ~~يسمع بعد أن تحمدوا. ### | فصل ### | مواقف النفاة من مسألة الصفات والرد عليهم: # والمنازعون " النفاة " كذلك. منهم من ينفي الصفات مطلقا فهذا يكون الكلام ~~معه في الصفات مطلقا؛ لا يختص " بالصفات الاختيارية ". ومنهم من يثبت ~~الصفات ويقول لا يقوم بذاته شيء بمشيئته وقدرته؛ فيقول: إنه لا يتكلم ~~بمشيئته واختياره ويقول: لا يرضى ويسخط ويحب ويبغض ويختار بمشيئته وقدرته ~~ويقول: إنه لا يفعل فعلا " هو الخلق " يخلق به المخلوق ولا يقدر عنده على ~~فعل يقوم بذاته بل مقدوره لا يكون إلا منفصلا منه وهذا موضع تنازع فيه ~~النفاة. # PageV02P028 # فقيل: لا يكون " مقدوره " إلا بائنا عنه؛ كما يقوله الجهمية والكلابية ~~والمعتزلة وقيل: لا يكون " مقدوره " إلا ما يقوم بذاته؛ كما يقوله: ~~السالمية والكرامية والصحيح: أن كليهما مقدور له. # أما " الفعل " فمثل قوله تعالى {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم أو من تحت أرجلكم} . # وقوله: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} . # وقول الحواريين: {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} . # وقوله: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} وقوله: ~~{أولم يروا أن الله الذي خلق ms164 السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن ~~يحيي الموتى} إلى أمثال ذلك مما يبين أنه يقدر على " الأفعال " كالإحياء ~~والبعث ونحو ذلك. # وأما " القدرة على الأعيان " ففي الصحيح عن أبي مسعود قال: " {كنت أضرب ~~غلاما فرآني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اعلم أبا مسعود اعلم # PageV02P029 # أبا مسعود: لله أقدر عليك منك على هذا} " فقوله: " لله أقدر عليك منك على ~~هذا " دليل على أن القدرة تتعلق بالأعيان المنفصلة: " قدرة الرب " و " قدرة ~~العبد ". # ومن الناس من يقول: كلاهما يتعلق بالفعل كالكرامية ومنهم من يقول: قدرة ~~الرب تتعلق بالمنفصل وأما قدرة العبد فلا تتعلق إلا بفعل في محلها ~~كالأشعرية. # و" النصوص " تدل على أن كلا القدرتين تتعلق بالمتصل والمنفصل فإن الله ~~تعالى أخبر أن العبد يقدر على أفعاله كقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} ~~وقوله: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم} فدل على أن منا من يستطيع ذلك ومنا من لم يستطع. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ~~فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء} ". أخرجاه في الصحيحين. # PageV02P030 # وقوله: " {إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فافعل} . # وقوله في الحديث الذي في الصحيح: " {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم} وقد أخبر أنه قادر على عبده وهؤلاء الذين يقولون: لا تقوم به " ~~الأمور الاختيارية " عمدتهم أنه لو قامت به الحوادث لم يخل منها وما لم يخل ~~من الحوادث فهو حادث. # وقد نازعهم الناس في كلا " المقدمتين " وأصحابهم المتأخرون كالرازي ~~والآمدي قدحوا في " المقدمة الأولى " في نفس هذه المسألة وقدح الرازي في " ~~المقدمة الثانية " في غير موضع من كتبه وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا ~~الموضع. # PageV02P031 # وقولهم: إنما عرفنا حدوث العالم بهذه الطريق وبه أثبتنا " الصانع " فيقال ~~لهم: لا جرم ابتدعتم طريقا لا يوافق السمع ولا العقل فالعالمون بالشرع ~~معترفون أنكم مبتدعون محدثون في الإسلام ما ليس منه والذين يعقلون ما ~~يقولون ms165 يعلمون أن العقل يناقض ما قلتم وأن ما جعلتموه دليلا على إثبات ~~الصانع لا يدل على إثباته بل هو استدلال على نفي " الصانع ". # وإثبات " الصانع " حق وهذا الحق يلزم من ثبوته إبطال استدلالكم بأن ما لم ~~يخل من الحوادث فهو حادث. # وأما كون " طريقكم مبتدعة " ما سلكها الأنبياء ولا أتباعهم ولا سلف ~~الأمة؛ فلأن كل من يعرف ما جاء به الرسول - وإن كانت معرفته متوسطة لم يصل ~~في ذلك إلى الغاية - يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس في ~~معرفة الصانع وتوحيده وصدق رسله إلى الاستدلال بثبوت الأعراض وأنها حادثة ~~ولازمة للأجسام؛ وما لم يخل من الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول ~~لها، بل يعلم بالاضطرار أن " هذه الطريق " لم يتكلم بها الرسول ولا دعا ~~إليها أصحابه، ولا أصحابه تكلموا بها ولا دعوا بها الناس. # وهذا يوجب العلم الضروري من دين الرسول بأنه عند الرسول # PageV02P032 # والمؤمنين به أن الله يعرف ويعرف توحيده وصدق رسله بغير هذه الطريق فدل ~~الشرع دلالة ضرورية على أنه لا حاجة إلى هذه الطريق ودل ما فيها من مخالفة ~~نصوص الكتاب والسنة على أنها طريق باطلة. فدل الشرع على أنه لا حاجة إليها ~~وأنها باطلة. # وأما العقل فقد بسط القول في جميع ما قيل فيها في غير هذه المواضع وبين ~~أن أئمة أصحابها قد يعترفون بفسادها من جهة العقل. كما يوجد في كلام أبي ~~حامد والرازي وغيرهما بيان فسادها. # ولما ظهر فسادها للعقل تسلط " الفلاسفة " على سالكيها وظنت الفلاسفة أنهم ~~إذا قدحوا فيها فقد قدحوا في دلالة الشرع ظنا منهم أن الشرع جاء بموجبها إذ ~~كانوا أجهل بالشرع والعقل من سالكيها فسالكوها لا للإسلام نصروا ولا ~~لأعدائه كسروا بل سلطوا الفلاسفة عليهم وعلى الإسلام. وهذا كله مبسوط في ~~مواضع. # وإنما " المقصود هنا ": أن يعرف أن نفيهم " للصفات الاختيارية " التي ~~يسمونها حلول الحوادث ليس لهم دليل عقلي عليه وحذاقهم يعترفون بذلك وأما ~~السمع فلا ريب أنه مملوء بما يناقضه والعقل أيضا يدل نقيضه ms166 من وجوه نبهنا ~~على بعضها. # ولما لم يمكن مع أصحابها حجة " لا عقلية ولا سمعية ": من الكتاب والسنة ~~احتال متأخروهم فسلكوا " طريقا سمعية " ظنوا أنها تنفعهم فقالوا: هذه # PageV02P033 # الصفات إن كانت صفات نقص وجب تنزيه الرب عنها وإن كانت صفات كمال فقد كان ~~فاقدا لها قبل حدوثها وعدم الكمال نقص؛ فيلزم أن يكون كان ناقصا وتنزيهه عن ~~النقص واجب بالإجماع. ### | الرد على حجة للنفاة من وجوه: # وهذه الحجة من أفسد الحجج وذلك من وجوه: ### | الأول # (أحدها) : أن هؤلاء يقولون: نفي النقص عنه لم يعلم بالعقل وإنما علم " ~~بالإجماع " - وعليه اعتمدوا في نفي النقص هنا - فيعود الأمر إلى احتجاجهم ~~بالإجماع ومعلوم أن الإجماع لا يحتج به في موارد النزاع؛ فإن المنازع لهم ~~يقول أنا لم أوافقكم على نفي هذا المعنى وإن وافقتكم على إطلاق القول بأن ~~الله منزه عن النقص؛ فهذا المعنى عندي ليس بنقص ولم يدخل فيما سلمته لكم ~~فإن بينتم بالعقل أو بالسمع انتفاءه وإلا فاحتجاجكم بقولي مع أني لم أرد ~~ذلك كذب علي؛ فإنكم تحتجون بالإجماع؛ والطائفة المثبتة من أهل الإجماع وهم ~~لم يسلموا هذا. ### | الثاني: # (الثاني) : أن يقال: لا نسلم أن عدم هذه الأمور قبل وجودها نقص؛ بل لو ~~وجدت قبل وجودها لكان نقصا؛ مثال ذلك تكليم الله لموسى عليه السلام ونداؤه ~~له فنداؤه حين ناداه صفة كمال؛ ولو ناداه قبل أن # PageV02P034 # يجيء لكان ذلك نقصا؛ فكل منها كمال حين وجوده؛ ليس بكمال قبل وجوده؛ بل ~~وجوده قبل الوقت الذي تقتضي الحكمة وجوده فيه نقص. ### | الثالث: # (الثالث) : أن يقال: لا نسلم أن عدم ذلك نقص فإن ما كان حادثا امتنع أن ~~يكون قديما وما كان ممتنعا لم يكن عدمه نقصا؛ لأن النقص فوات ما يمكن من ~~صفات الكمال. ### | الرابع: # (الرابع) : أن هذا يرد في كل ما فعله الرب وخلقه. فيقال: خلق هذا إن كان ~~نقصا فقد اتصف بالنقص وإن كان كمالا فقد كان فاقدا له؛ فإن قلتم: " صفات ~~الأفعال " عندنا ليست بنقص ولا كمال. قيل: إذا قلتم ms167 ذلك أمكن المنازع أن ~~يقول: هذه الحوادث ليست بنقص ولا كمال. ### | الخامس: # (الخامس) : أن يقال: إذا عرض على العقل الصريح ذات يمكنها أن تتكلم ~~بقدرتها وتفعل ما تشاء بنفسها وذات لا يمكنها أن تتكلم بمشيئتها ولا تتصرف ~~بنفسها ألبتة بل هي بمنزلة الزمن الذي لا يمكنه فعل يقوم به باختياره قضى ~~العقل الصريح بأن هذه الذات أكمل وحينئذ فأنتم الذين وصفتم الرب بصفة ~~النقص؛ والكمال في اتصافه بهذه الصفات؛ لا في نفي اتصافه بها. ### | السادس: # (السادس) : أن يقال: الحوادث التي يمتنع كون كل منها أزليا ولا يمكن ~~وجودها إلا شيئا فشيئا إذا قيل: أيما أكمل أن يقدر على # PageV02P035 # فعلها شيئا فشيئا أو لا يقدر على ذلك؟ كان معلوما - بصريح العقل - أن ~~القادر على فعلها شيئا فشيئا أكمل ممن لا يقدر على ذلك. وأنتم تقولون: إن ~~الرب لا يقدر على شيء من هذه الأمور؛ وتقولون إنه يقدر على أمور مباينة له. # ومعلوم أن قدرة القادر على فعله المتصل به قبل قدرته على أمور مباينة له؛ ~~فإذا قلتم لا يقدر على فعل متصل به لزم أن لا يقدر على المنفصل؛ فلزم على ~~قولكم أن لا يقدر على شيء ولا أن يفعل شيئا فلزم أن لا يكون خالقا لشيء؛ ~~وهذا لازم للنفاة لا محيد لهم عنه. # ولهذا قيل: الطريق التي سلكوها في حدوث العالم وإثبات الصانع: تناقض حدوث ~~العالم وإثبات الصانع ولا يصح القول بحدوث العالم وإثبات الصانع إلا ~~بإبطالها؛ لا بإثباتها. فكأن ما اعتمدوا عليه وجعلوه أصولا للدين ودليلا ~~عليه هو في نفسه باطل شرعا وعقلا وهو مناقض للدين ومناف له، كما أنه مناقض ~~للعقل ومناف له. # ولهذا كان " السلف والأئمة " يعيبون كلامهم هذا ويذمونه ويقولون: من طلب ~~العلم بالكلام تزندق؛ كما قال أبو يوسف. ويروى عن مالك. ويقول الشافعي: ~~حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر ويقال: ~~هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. # PageV02P036 # وقال الإمام أحمد بن حنبل: علماء الكلام زنادقة وما ارتدى ms168 أحد بالكلام ~~فأفلح. # وقد صدق الأئمة في ذلك فإنهم يبنون أمرهم على " كلام مجمل " يروج على من ~~لم يعرف حقيقته فإذا اعتقد أنه حق تبين أنه مناقض للكتاب والسنة فيبقى في ~~قلبه مرض ونفاق وريب وشك؛ بل طعن فيما جاء به الرسول. # وهذه هي الزندقة. وهو " كلام باطل من جهة العقل " كما قال بعض السلف: ~~العلم بالكلام هو الجهل فهم يظنون أن معهم عقليات وإنما معهم جهليات: ~~{كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه والله سريع الحساب} . هذا هو الجهل المركب؛ لأنهم كانوا في شك ~~وحيرة فهم في ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور. # أين هؤلاء من نور القرآن والإيمان؟ قال الله تعالى: {الله نور السماوات ~~والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة # PageV02P037 # الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} . # فإن قيل: أما كون الكلام والفعل يدخل في " الصفات الاختيارية " فظاهر. ~~فإنه يكون بمشيئة الرب وقدرته وأما " الإرادة " و " المحبة " و " الرضا " و ~~" الغضب " ففيه نظر فإن نفس " الإرادة " هي المشيئة وهو سبحانه إذا خلق من ~~يحبه كالخليل فإنه يحبه ويحب المؤمنين ويحبونه. # وكذلك إذا عمل الناس أعمالا يراها وهذا لازم لا بد من ذلك، فكيف يدخل في ~~الاختيار؟ # قيل: كل ما كان بعد عدمه فإنما يكون بمشيئة الله وقدرته وهو سبحانه ما ~~شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ فما شاءه وجب كونه وهو يجب بمشيئة الرب وقدرته ~~وما لم يشأه امتنع كونه مع قدرته عليه. كما قال تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل ~~نفس هداها} {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم} {ولو شاء ربك ما فعلوه} ~~. # PageV02P038 # فكون الشيء واجب الوقوع لكونه قد سبق ms169 به القضاء، وعلم أنه لا بد من كونه ~~لا يمتنع أن يكون واقعا بمشيئته وقدرته وإرادته وإن كانت من لوازم ذاته ~~كحياته وعلمه. فإن " إرادته للمستقبلات " هي مسبوقة " بإرادته للماضي " ~~{إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} وهو إنما أراد " هذا الثاني ~~" بعد أن أراد قبله ما يقتضي إرادته؛ فكان حصول الإرادة اللاحقة بالإرادة ~~السابقة. # والناس قد اضطربوا في " مسألة إرادة الله سبحانه وتعالى " على أقوال ~~متعددة. ومنهم من نفاها ورجح الرازي هذا في " مطالبه العالية " لكن - ولله ~~الحمد - نحن قد قررناها وبيناها وبينا فساد الشبه المانعة منها؛ وأن ما جاء ~~به الكتاب والسنة هو الحق المحض الذي تدل عليه المعقولات الصريحة وأن " ~~صريح المعقول موافق لصحيح المنقول ". # وكنا قد بينا " أولا " أنه يمتنع تعارض الأدلة القطعية فلا يجوز أن ~~يتعارض دليلان قطعيان سواء كانا عقليين أو سمعيين أو كان أحدهما عقليا ~~والآخر سمعيا؛ ثم بينا بعد ذلك: أنها متوافقة متناصرة متعاضدة. فالعقل يدل ~~على صحة # PageV02P039 # السمع والسمع يبين صحة العقل وأن من سلك أحدهما أفضى به إلى الآخر. وأن ~~الذين يستحقون العذاب هم الذين لا يسمعون ولا يعقلون. # كما قال الله تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا} . # وقال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} {قالوا ~~بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال ~~كبير} {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} . # وقال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} . # وقال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} . # فقد بين القرآن أن من كان يعقل أو كان يسمع: فإنه يكون ناجيا وسعيدا ~~ويكون مؤمنا بما جاءت به الرسل وقد بسطت هذه الأمور في غير موضع والله ~~أعلم. ms170 # PageV02P040 ### | فصل ### | فساد حجج النفاة لحلول الحوادث: # وفحول النظار " كأبي عبد الله الرازي وأبي الحسن الآمدي " وغيرهما ذكروا ~~حجج النفاة " لحلول الحوادث " وبينوا فسادها كلها. فذكروا لهم أربع حجج: ### | الحجة الأولى: ### | فساد هذه الحجة: # (إحداها) : " الحجة المشهورة " وهي أنها لو قامت به لم يخل منها ومن ~~أضدادها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. ومنعوا المقدمة الأولى؛ والمقدمة ~~الثانية؛ ذكر الرازي وغيره فسادها وقد بسط في غير هذا الموضع. ### | الحجة الثانية: # و (الثانية) : أنه لو كان قابلا لها في الأزل لكان القبول من لوازم ذاته ~~فكان القبول يستدعي إمكان المقبول ووجود الحوادث في الأزل محال وهذه ~~أبطلوها هم بالمعارضة بالقدرة: بأنه قادر على إحداث الحوادث والقدرة تستدعي ~~إمكان المقدور و " وجود المقدور " وهو الحوادث في الأزل محال. ### | بطلان هذه الحجة من وجوه: # و" هذه الحجة " باطلة من وجوه: ### | الوجه الأول: # (أحدها) أن يقال " وجود الحوادث دائما " إما أن يكون ممكنا وإما أن يكون ~~ممتنعا؛ فإن كان ممكنا أمكن قبولها والقدرة عليها دائما وحينئذ فلا يكون ~~وجود جنسها في الأزل ممتنعا؛ بل يمكن أن يكون جنسها مقدورا # PageV02P041 # مقبولا؛ وإن كان ممتنعا فقد امتنع وجود حوادث لا تتناهى؛ وحينئذ فلا تكون ~~في الأزل ممكنة؛ لا مقدورة ولا مقبولة؛ وحينئذ فلا يلزم من امتناعها في ~~الأزل امتناعها بعد ذلك. فإن الحوادث موجودة؛ فلا يجوز أن يقال بدوام ~~امتناعها؛ وهذا تقسيم حاصر يبين فساد " هذه الحجة ". ### | الوجه الثاني: # (الوجه الثاني) : أن يقال: لا ريب أن الرب تعالى قادر؛ فإما أن يقال إنه ~~لم يزل قادرا، وإما أن يقال بل صار قادرا بعد أن لم يكن. فإن قيل: لم يزل ~~قادرا - وهو الصواب - فيقال: إذا كان لم يزل قادرا فإن كان المقدور لم يزل ~~ممكنا أمكن دوام وجود الممكنات فأمكن دوام وجود الحوادث؛ وحينئذ فلا يمتنع ~~كونه قابلا لها في الأزل. # وإن قيل: بل كان الفعل ممتنعا ثم صار ممكنا. قيل: هذا جمع بين النقيضين، ~~فإن القادر لا يكون قادرا على ممتنع، فكيف يكون قادرا مع ms171 كون المقدور ~~ممتنعا؟ ثم يقال: بتقدير إمكان هذا كما قيل: هو قادر في الأزل على ما يمكن ~~فيما لا يزال، قيل: وكذلك في القبول، يقال: هو قابل في الأزل لما يمكن فيما ~~لا يزال. # PageV02P042 ### | الوجه الثالث: # (الوجه الثالث) : أنه سبحانه إذا قيل - هو قابل لما في الأزل فإنما هو ~~قابل لما هو قادر عليه يمكن وجوده فإن ما يكون ممتنعا لا يدخل تحت القدرة ~~فهذا ليس بقابل له. ### | الوجه الرابع: # (الرابع) : أن يقال - هو قادر على حدوث ما هو مباين له من المخلوقات ~~ومعلوم أن قدرة القادر على فعله القائم به أولى من قدرته على المباين له؛ ~~وإذا كان الفعل لا مانع منه إلا ما يمتنع مثله لوجود المقدور المباين ثم ~~ثبت أن المقدور المباين هو ممكن وهو قادر عليه فالفعل أن يكون ممكنا مقدورا ~~أولى. ### | الحجة الثالثة: ### | إثبات بطلان هذه الحجة: # (الحجة الثالثة) لهم: أنهم قالوا: لو قامت به الحوادث للزم " تغيره " ~~والتغير على الله محال وأبطلوا هم " هذه الحجة " الرازي وغيره؛ بأن قالوا: ~~ما تريدون بقولكم: لو قامت به للزم تغيره، أتريدون بالتغير نفس قيامها به ~~أم شيئا آخر؟ فإن أردتم الأول كان المقدم هو الثاني والملزوم هو اللازم ~~وهذا لا فائدة فيه فإنه يكون تقدير الكلام لو قامت به الحوادث لقامت به ~~الحوادث وهذا كلام لا يفيد. # وإن أردتم بالتغير معنى غير ذلك فهو ممنوع فلا نسلم أنها لو قامت به لزم ~~" تغير " غير حلول الحوادث فهذا جوابهم. # PageV02P043 ### | المعنى الصحيح للتغير: # وإيضاح ذلك: أن لفظ " التغير " لفظ مجمل فالتغير في اللغة المعروفة لا ~~يراد به مجرد كون المحل قامت به الحوادث فإن الناس لا يقولون للشمس والقمر ~~والكواكب إذا تحركت: إنها قد تغيرت ولا يقولون للإنسان إذا تكلم ومشى إنه ~~تغير ولا يقولون إذا طاف وصلى وأمر ونهى وركب إنه تغير إذا كان ذلك عادته ~~بل إنما يقولون تغير لمن استحال من صفة إلى صفة كالشمس ما زال نورها ظاهرا ~~لا يقال إنها تغيرت فإذا اصفرت قيل ms172 قد تغيرت. # وكذلك الإنسان إذا مرض أو تغير جسمه بجوع أو تعب قيل قد تغير وكذلك إذا ~~تغير خلقه ودينه مثل أن يكون فاجرا فيتوب ويصير برا أو يكون برا فينقلب ~~فاجرا فإنه يقال قد تغير. # ومنه الحديث: " رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم متغيرا "، وهو لما ~~رأى به أثر الجوع، ولم يزل يراه يركع ويسجد، فلم يسم حركته تغيرا. # PageV02P044 # وكذلك يقال: فلان قد تغير على فلان إذا صار يبغضه بعد المحبة فأما إذا ~~كان ثابتا على مودته لم يسم هشته إليه وخطابه له تغيرا. وإذا جرى على عادته ~~في أقواله وأفعاله فلا يقال إنه قد تغير. # قال الله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} . ~~ومعلوم أنهم إذا كانوا على عادتهم الموجودة يقولون ويفعلون ما هو خير لم ~~يكونوا قد غيروا ما بأنفسهم فإذا انتقلوا عن ذلك فاستبدلوا بقصد الخير قصد ~~الشر وباعتقادهم الحق اعتقاد الباطل قيل: قد غيروا ما بأنفسهم مثل من كان ~~يحب الله ورسوله والدار الآخرة فتغير قلبه وصار لا يحب الله ورسوله والدار ~~الآخرة فهذا قد غير ما في نفسه. # وإذا كان هذا " معنى التغير " فالرب تعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات ~~الكمال منعوتا بنعوت الجلال والإكرام وكماله من لوازم ذاته فيمتنع أن يزول ~~عنه شيء من صفات كماله ويمتنع أن يصير ناقصا بعد كماله. # و" هذا الأصل " عليه يدل قول السلف وأهل السنة: أنه لم يزل متكلما إذا ~~شاء ولم يزل قادرا ولم يزل موصوفا بصفات الكمال ولا يزال كذلك فلا يكون ~~متغيرا. # وهذا معنى قول من يقول: يا من يغير ولا يتغير، فإنه يحيل صفات المخلوقات ~~ويسلبها ما كانت متصفة به إذا شاء، ويعطيها من صفات الكمال ما لم يكن لها، ~~وكماله من لوازم ذاته؛ لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال. # PageV02P045 # قال تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} وقال تعالى: {كل من عليها فان} {ويبقى ~~وجه ربك ذو الجلال والإكرام} . # ولكن " هؤلاء النفاة " هم الذين ms173 يلزمهم أن يكون قد تغير؛ فإنهم يقولون: ~~كان في الأزل لا يمكنه أن يقول شيئا؛ ولا يتكلم بمشيئته وقدرته؛ وكان ذلك ~~ممتنعا عليه لا يتمكن منه ثم صار الفعل ممكنا يمكنه أن يفعل. # ولهم في " الكلام " قولان. فمن أثبت الكلام المعروف وقال: إنه يتكلم ~~بمشيئته وقدرته قال أيضا: إنه صار الكلام ممكنا له بعد أن كان ممتنعا عليه. # ومن لم يصفه بالكلام المعروف؛ بل قال: إنه يتكلم بلا مشيئته وقدرته كما ~~تقوله الكلابية فهؤلاء أثبتوا كلاما لا يعقل ولم يسبقهم إليه أحد من ~~المسلمين. # بل كان المسلمون قبلهم على " قولين ": فالسلف وأهل السنة يقولون: إنه ~~يتكلم بمشيئته وقدرته وكلامه غير مخلوق. و " الجهمية " يقولون: إنه مخلوق ~~بقدرته ومشيئته فقال هؤلاء بل يتكلم بلا مشيئته وقدرته وكلامه شيء واحد ~~لازم لذاته وهو حروف أو حروف وأصوات: أزلية لازمة لذاته كما قد بسط في غير ~~هذا الموضع. # PageV02P046 # و (المقصود) أن هؤلاء كلهم الذين يمنعون أن يكون الرب لم يزل يمكنه أن ~~يفعل ما يشاء ويقولون ذلك يستلزم وجود حوادث لا تتناهى وذلك محال فهؤلاء ~~يقولون صار الفعل ممكنا له بعد أن كان ممتنعا عليه. # وحقيقة قولهم إنه صار قادرا بعد أن لم يكن قادرا وهذا حقيقة التغير مع ~~أنه لم يحدث سبب يوجب كونه قادرا. # وإذا قالوا: هو في الأزل قادر على ما لا يزال. # قيل: هذا جمع بين النفي والإثبات فهو في الأزل كان قادرا. فكان القول ~~ممكنا له أو ممتنعا عليه؟ # إن قلتم: ممكن له فقد جوزتم دوام كونه فاعلا وأنه قادر على حوادث لا ~~نهاية لها. # وإن قلتم: بل كان ممتنعا. قيل: القدرة على الممتنع ممتنعة، فمع كون الفعل ~~ممتنعا غير ممكن - لا يكون مقدورا للقادر إنما المقدور هو الممكن لا ~~الممتنع. # فإذا قلتم: أمكنه بعد ذلك. فقد قلتم: إنه أمكنه أن يفعل بعد أن كان لا ~~يمكنه أن يفعل وهذا صريح في أنه صار قادرا بعد أن لم يكن وهو صريح في ~~التغير. # PageV02P047 # فهؤلاء النفاة الذين قالوا: إن ms174 المثبتة يلزمهم القول بأنه " تغير " قد ~~بان بطلان قولهم وأنهم هم الذين قالوا بما يوجب تغيره. # وإذا قال المنازع: أنا أريد بكونه تغير: أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وأنه ~~يحب من أطاعه، ويفرح بتوبة التائب، ويأتي يوم القيامة. # قيل: فهب أنك سميت هذا تغيرا، فلم قلت: إن هذا ممتنع؟ # فهذا محل النزاع، كما قال الرازي: فالمقدم هو التالي. # وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الله يوصف " بالغيرة "، وهي مشتقة من " ~~التغير ". فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " لا أحد أغير من ~~الله أن يزني عبده أو تزني أمته ". # PageV02P048 # وقال أيضا " {لا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه ولا أحد ~~أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الرسل وأنزل الكتب ولا أحد أغير من ~~الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن} ". # وفي الحديث الصحيح أيضا لما قال سعد بن عبادة: لو رأيت لكاع - يعني امرأة ~~سعد - قد تفخذها رجل لضربته بالسيف، فقال: " {أتعجبون من غيرة سعد لأنا ~~أغير منه والله أغير مني} ". # PageV02P049 ### | الحجة الرابعة: # (الحجة الرابعة) : قالوا: حلول الحوادث به أفول؛ والخليل قد قال: {لا أحب ~~الآفلين} و " الآفل " هو المتحرك الذي تقوم له الحوادث فيكون " الخليل " قد ~~نفى المحبة عمن تقوم به الحوادث فلا يكون إلها. ### | الرد عليها: # و (الجواب) : أن قصة الخليل حجة عليهم لا لهم؛ وهم المخالفون لإبراهيم ~~ولنبينا ولغيرهما من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وذلك أن الله تعالى ~~قال: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب ~~الآفلين} {فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين} {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما ~~أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون} {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} . # فقد أخبر الله في كتابه: أنه من حين بزغ الكوكب والقمر والشمس وإلى ms175 حين ~~أفولها لم يقل الخليل: لا أحب البازغين ولا المتحركين ولا المتحولين ولا ~~أحب من تقوم به الحركات ولا الحوادث ولا قال شيئا مما يقوله النفاة حتى أفل ~~الكوكب والشمس والقمر. # و" الأفول " باتفاق أهل اللغة والتفسير: هو المغيب والاحتجاب؛ بل هذا ~~معلوم بالاضطرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن وهو المراد باتفاق ~~العلماء. # PageV02P050 # فلم يقل إبراهيم: {لا أحب الآفلين} ، حتى أفل وغاب عن الأبصار، فلم يبق ~~مرئيا ولا مشهودا، فحينئذ قال: {لا أحب الآفلين} . وهذا يقتضي أن كونه ~~متحركا منتقلا تقوم به الحوادث؛ بل كونه جسما متحيزا تقوم به الحوادث لم ~~يكن دليلا عند إبراهيم على نفي محبته. # فإن كان إبراهيم إنما استدل " بالأفول " على أنه ليس رب العالمين - كما ~~زعموا -: لزم من ذلك أن يكون ما تقدم الأفول - من كونه متحركا منتقلا - ~~تحله الحوادث؛ بل ومن كونه جسما متحيزا: لم يكن دليلا عند إبراهيم على أنه ~~ليس برب العالمين وحينئذ فيلزم أن تكون قصة إبراهيم حجة على نقيض مطلوبهم؛ ~~لا على نفس مطلوبهم. وهكذا نجد أهل البدع لا يكادون يحتجون " بحجة " سمعية ~~ولا عقلية إلا وهي عند التأمل حجة عليهم؛ لا لهم. # ولكن " إبراهيم عليه السلام " لم يقصد بقوله {هذا ربي} إنه رب العالمين ~~ولا كان أحد من قومه يقول: إنه رب العالمين، حتى يرد ذلك عليهم؛ بل كانوا ~~مشركين مقرين بالصانع؛ وكانوا يتخذون الكواكب والشمس والقمر أربابا يدعونها ~~من دون الله ويبنون لها الهياكل وقد صنفت في مثل مذهبهم كتب، مثل كتاب # PageV02P051 # " السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم " وغيره من الكتب. # ولهذا قال الخليل: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} ~~{فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} . # وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} . # ولهذا قال الخليل في تمام الكلام: {إني بريء مما تشركون} {إني وجهت وجهي ~~للذي فطر ms176 السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} . فقوله: {إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} يبين أنه إنما ~~يعبد الله وحده، فله يوجه وجهه، فإنه إذا توجه قصده إليه تبع قصده وجهه، ~~فالوجه موجه حيث توجه القلب، فصار قلبه وقصده ووجهه متوجها إلى الله تعالى. # ولهذا قال: {وما أنا من المشركين} لم يذكر أنه أقر بوجود الصانع فإن هذا ~~كان معلوما عند قومه لم يكونوا ينازعونه في وجود فاطر السموات والأرض، # PageV02P052 # وإنما كان النزاع في عبادة غير الله واتخاذه ربا؛ فكانوا يعبدون الكواكب ~~السماوية ويتخذون لها أصناما أرضية. # وهذا " النوع الثاني من الشرك " فإن الشرك في قوم نوح كان أصله من عبادة ~~الصالحين - أهل القبور - ثم صوروا تماثيلهم فكان شركهم بأهل الأرض؛ إذ كان ~~الشيطان إنما يضل الناس بحسب الإمكان فكان تزيينه " أولا " الشرك بالصالحين ~~أيسر عليه. # ثم قوم إبراهيم انتقلوا إلى الشرك بالسماويات فالكواكب، وضعوا لها " ~~الأصنام " بحسب ما رأوه من طبائعها يصنعون لكل كوكب بيتا وطعاما وخاتما ~~وبخورا وأقوالا تناسبه. # وهذا كان قد اشتهر على عهد إبراهيم إمام الحنفاء؛ ولهذا قال الخليل: ~~{ماذا تعبدون} {أئفكا آلهة دون الله تريدون} {فما ظنكم برب العالمين} وقال ~~لهم: {أتعبدون ما تنحتون} {والله خلقكم وما تعملون} . # وقصة إبراهيم قد ذكرت في غير موضع من القرآن مع قومه: إنما فيها نهيهم عن ~~الشرك؛ خلاف قصة موسى مع فرعون فإنها ظاهرة في أن فرعون كان مظهرا الإنكار ~~للخالق وجحوده. # PageV02P053 # وقد ذكر الله عن إبراهيم أنه حاج الذي حاجه في ربه في قوله: {ألم تر إلى ~~الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت ~~بها من المغرب} فهذا قد يقال: إنه كان جاحدا للصانع ومع هذا فالقصة ليست ~~صريحة في ذلك؛ بل يدعو الإنسان إلى عبادة نفسه وإن كان لا يصرح بإنكار ~~الخالق مثل إنكار فرعون. # وبكل حال " فقصة ms177 إبراهيم " إلى أن تكون حجة عليهم أقرب منها إلى أن تكون ~~حجة لهم وهذا بين - ولله الحمد - بل ما ذكره الله عن إبراهيم يدل على أنه ~~كان يثبت ما ينفونه عن الله؛ فإن إبراهيم قال: {إن ربي لسميع الدعاء} ~~والمراد به: أنه يستجيب الدعاء كما يقول المصلي سمع الله لمن حمده وإنما ~~يسمع الدعاء ويستجيبه بعد وجوده؛ لا قبل وجوده. # كما قال الله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى ~~الله والله يسمع تحاوركما} . فهي تجادل وتشتكي حال سمع الله تحاورهما؛ وهذا ~~يدل على أن سمعه كرؤيته المذكورة في قوله: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون} وقال: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف ~~تعملون} فهذه رؤية مستقلة ونظر مستقل وقد تقدم أن المعدوم لا يرى ولا يسمع ~~منفصلا عن الرائي السامع باتفاق العقلاء فإذا وجدت الأقوال والأعمال سمعها ~~ورآها. # PageV02P054 # و " الرؤية " و " السمع " أمر وجودي لا بد له من موصوف يتصف به فإذا كان ~~هو الذي رآها وسمعها امتنع أن يكون غيره هو المتصف بهذا السمع وهذه الرؤية. ~~وأن تكون قائمة بغيره فتعين قيام هذا السمع وهذه الرؤية به بعد أن خلقت ~~الأعمال والأقوال وهذا قطعي لا حيلة فيه. # وقد بسط الكلام على " هذه المسألة " وما قاله فيها عامة الطوائف في غير ~~هذا الموضع وحكيت ألفاظ الناس وحججهم بحيث يتيقن الإنسان أن النافي ليس معه ~~حجة لا سمعية ولا عقلية؛ وأن الأدلة العقلية الصريحة موافقة لمذهب السلف ~~وأهل الحديث؛ وعلى ذلك يدل الكتاب والسنة مع " الكتب المتقدمة ": التوراة ~~والإنجيل والزبور فقد اتفق عليها نصوص الأنبياء وأقوال السلف وأئمة العلماء ~~ودلت عليها صرائح المعقولات. # فالمخالف فيها كالمخالف في أمثالها ممن ليس معه حجة لا سمعية ولا عقلية ~~بل هو شبيه بالذين قالوا: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} . ~~قال الله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ms178 تعمى القلوب التي في الصدور} . # PageV02P055 # ولكن " هذه المسألة " و " مسألة الزيارة " وغيرهما حدث من المتأخرين فيها ~~شبه. وأنا وغيري كنا على " مذهب الآباء " في ذلك نقول في " الأصلين " بقول ~~أهل البدع؛ فلما تبين لنا ما جاء به الرسول دار الأمر بين أن نتبع ما أنزل ~~الله أو نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فكان الواجب هو اتباع الرسول؛ وأن لا ~~نكون ممن قيل فيه: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~وجدنا عليه آباءنا} . # وقد قال تعالى: {قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} . # وقال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} . # فالواجب اتباع الكتاب المنزل والنبي المرسل وسبيل من أناب إلى الله ~~فاتبعنا الكتاب والسنة كالمهاجرين والأنصار؛ دون ما خالف ذلك من دين الآباء ~~وغير الآباء والله يهدينا وسائر إخواننا إلى الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # والله سبحانه أنزل القرآن وهدى به الخلق وأخرجهم به من الظلمات إلى ~~النور؛ وأم القرآن هي فاتحة الكتاب. قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح {يقول الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ~~ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} قال ~~الله: حمدني عبدي فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال الله: أثنى علي عبدي فإذا # PageV02P056 # قال: {مالك يوم الدين} قال الله: مجدني عبدي - وقال مرة: فوض إلي عبدي - ~~فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال الله: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ~~ما سأل فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل} ". # فهذه " السورة " فيها لله الحمد في الدنيا والآخرة، وفيها للعبد السؤال، ~~وفيها لله العبادة له وحده، وللعبد الاستعانة، فحق الرب حمده وعبادته وحده، ~~وهذان " حمد الرب وتوحيده " يدور عليهما جميع الدين. # و" مسألة الصفات ms179 الاختيارية " هي من تمام حمده فمن لم يقر بها لم يمكنه ~~الإقرار بأن الله محمود ألبتة ولا أنه رب العالمين فإن الحمد ضد الذم ~~والحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة له والذم هو الإخبار بمساوئ ~~المذموم مع البغض له. # PageV02P057 # وجماع المساوئ فعل الشر كما أن جماع المحاسن فعل الخير. فإذا كان يفعل ~~الخير - بمشيئته وقدرته استحق " الحمد ". فمن لم يكن له فعل اختياري يقوم ~~به؛ بل ولا يقدر على ذلك لا يكون خالقا ولا ربا للعالمين. # والله تعالى يحمد نفسه بأفعاله، لقوله: {الحمد لله رب العالمين} ، وقوله: ~~{الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} ، {الحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب} - ونحو ذلك - فإذا لم يكن له فعل يقوم به باختياره امتنع ذلك كله. ~~فإنه من المعلوم بصريح " العقل " أنه إذا خلق السموات والأرض فلا بد من فعل ~~يصير به خالقا لها؛ وإلا فلو استمر الأمر على حال واحدة ولم يحدث فعلا، ~~لكان الأمر على ما كان عليه قبل أن يخلق وحينئذ فلم يكن المخلوق موجودا ~~فكذلك يجب أن لا يكون المخلوق موجودا إن كان الحال في المستقبل مثل ما كان ~~في الماضي لم يحدث من الرب فعل هو خلق السموات والأرض. # وقد قال تعالى: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} . ~~ومعلوم أنهم قد شهدوا نفس المخلوق فدل على أن " الخلق " الذي لم يشهدوه وهو ~~تكوينه لهما وإحداثه لهما؛ غير المخلوق التالي. # PageV02P058 # وأيضا فإنه قال {خلق السماوات والأرض في ستة أيام} . فالخلق لها كان في ~~ستة أيام وهي موجودة بعد الستة فالذي اختص بالستة غير الموجود بعد الستة. # وكذلك قال {الرحمن الرحيم} فإن الرحمن الرحيم هو الذي يرحم العباد ~~بمشيئته وقدرته فإن لم يكن له رحمة إلا نفس الإرادة القديمة؛ أو صفة أخرى ~~قديمة: لم يكن موصوفا بأنه يرحم من يشاء ويعذب من يشاء. # قال الخليل: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ ~~النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير} {يعذب من يشاء ms180 ويرحم من يشاء وإليه ~~تقلبون} فالرحمة ضد التعذيب والتعذيب فعله وهو يكون بمشيئته؛ وكذلك الرحمة ~~تكون بمشيئته؛ كما قال: {ويرحم من يشاء} . والإرادة القديمة اللازمة لذاته ~~- أو صفة أخرى كذلك - ليست بمشيئته؛ فلا تكون الرحمة بمشيئته. # وإن قيل: ليس بمشيئته إلا المخلوقات المباينة لزم أن لا تكون الرحمة # PageV02P059 # صفة للرب بل تكون مخلوقة له وهو إنما يتصف بما يقوم به لا يتصف ~~بالمخلوقات فلا يكون هو الرحمن الرحيم. # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {لما قضى ~~الله الخلق كتب في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي} - ~~وفي رواية - تسبق غضبي ". وما كان سابقا لما يكون بعده لم يكن إلا بمشيئة ~~الرب وقدرته. ومن قال: ما ثم رحمة إلا إرادة قديمة أو ما يشبهها امتنع أن ~~يكون له غضب مسبوق بها فإن الغضب إن فسر بالإرادة فالإرادة لم تسبق نفسها ~~وكذلك إن فسر بصفة قديمة العين فالقديم لا يسبق بعضه بعضا وإن فسر ~~بالمخلوقات لم يتصف برحمة ولا غضب. # وهو قد فرق بين غضبه وعقابه بقوله: {فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} وقوله: {ويعذب المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله ~~عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} . # وفي الحديث الذي رواه [عبد الله بن عمرو بن العاص] عن النبي # PageV02P060 # صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " {أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه ~~وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون} ". # ويدل على ذلك قوله: {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم} فعلق ~~الرحمة بالمشيئة كما علق التعذيب بالمشيئة. وما تعلق بالمشيئة مما يتصف به ~~الرب فهو من " الصفات الاختيارية ". # وكذلك كونه مالكا ليوم الدين، يوم يدين العباد بأعمالهم: إن خيرا فخير، ~~وإن شرا فشر: {وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين * يوم لا ~~تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} ms181 . فإن " الملك " هو الذي يتصرف ~~بالأمر يأمر فيطاع ولهذا إنما يقال " ملك " للحي المطاع الأمر لا يقال في ~~الجمادات: لصاحبها " ملك "؛ إنما يقال له: " مالك " ويقال ليعسوب النحل: " ~~ملك النحل " لأنه يأمر فيطاع والمالك القادر على التصرف في المملوك. # PageV02P061 # وإذا كان " الملك " هو الآمر الناهي المطاع فإن كان يأمر وينهى بمشيئته ~~كان أمره ونهيه من " الصفات الاختيارية " وبهذا أخبر القرآن قال الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد} . # وإن كان لا يأمر وينهى بمشيئته - بل أمره لازم له حاصل بغير مشيئته ولا ~~قدرته - لم يكن هذا مالكا أيضا؛ بل هذا إلى أن يكون مملوكا أقرب، فإن الله ~~تعالى خلق الإنسان وجعل له صفات تلزمه - كاللون والطول والعرض والحياة ونحو ~~ذلك مما يحصل لذاته بغير اختياره - فكان باعتبار ذلك مملوكا مخلوقا للرب ~~فقط وإنما يكون " ملكا " إذا كان يأمر وينهى باختياره فيطاع - وإن كان الله ~~خالقا لفعله ولكل شيء. # ولكن المقصود أنه لا يكون " ملكا " إلا من يأمر وينهى بمشيئته وقدرته، ~~فمن نفى الصفات الاختيارية وقال: ليس للرب أمر ونهي يقوم به بمشيئته بل من ~~قال: إنه لازم له بغير مشيئته، أو قال: إنه مخلوق له، فكلاهما يلزمه أنه لا ~~يكون " ملكا ". # PageV02P062 # وإذا لم يمكنه أن يتصرف بمشيئته لم يكن " ملكا " أيضا. فمن قال إنه لا ~~يقوم به " فعل اختياري " لم يكن عنده في الحقيقة مالكا لشيء وإذا اعتبرت ~~سائر القرآن وجدت أنه من لم يقر " بالصفات الاختيارية " لم يقم بحقيقة ~~الإيمان ولا القرآن. # فهذا يبين أن الفاتحة وغيرها يدل على " الصفات الاختيارية " وقوله: {إياك ~~نعبد وإياك نستعين} فيه إخلاص العبادة لله والاستعانة به وأن المؤمنين لا ~~يعبدون إلا الله ولا يستعينون إلا بالله؛ فمن دعا غير الله من المخلوقين أو ~~استعان بهم: من أهل القبور أو غيرهم لم يحقق قوله: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} ولا يحقق ذلك إلا من فرق بين ms182 " الزيارة الشرعية " و " الزيارة ~~البدعية ". فإن " الزيارة الشرعية " عبادة لله وطاعة لرسوله وتوحيد لله ~~وإحسان إلى عباده وعمل صالح من الزائر يثاب عليه. و " الزيارة البدعية " ~~شرك بالخالق وظلم للمخلوقات وظلم للنفس. # فصاحب الزيارة الشرعية هو الذي يحقق قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} . ~~ألا ترى أن اثنين لو شهدا جنازة فقام أحدهما يدعو للميت ويقول: اللهم اغفر ~~له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماء وثلج وبرد ~~ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من # PageV02P063 # الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وجيرانا خيرا من جيرانه وأهلا خيرا من ~~أهله وأعذه من عذاب النار وعذاب القبر وأفسح له في قبره ونور له فيه ونحو ~~ذلك من الدعاء له. وقام الآخر فقال: يا سيدي أشكو لك ديوني وأعدائي وذنوبي، ~~وأنا مستغيث بك مستجير بك أجرني أغثني ونحو ذلك؛ لكان الأول عابدا لله ~~ومحسنا إلى خلقه محسنا إلى نفسه بعبادة الله ونفع عباده وهذا الثاني مشركا ~~بالله مؤذيا ظالما معتديا على هذا الميت ظالما لنفسه. # فهذا بعض ما بين " البدعية " و " الشرعية " من الفروق. والمقصود أن صاحب ~~" الزيارة الشرعية " إذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} كان صادقا؛ لأنه لم ~~يعبد إلا الله ولم يستعن إلا به وأما صاحب " الزيارة البدعية " فإنه عبد ~~غير الله واستعان بغيره. # فهذا بعض ما يبين أن " الفاتحة " أم القرآن: اشتملت على بيان المسألتين ~~المتنازع فيهما: " مسألة الصفات الاختيارية " ومسألة " الفرق بين الزيارة ~~الشرعية والزيارة البدعية ". والله تعالى هو المسئول أن يهدينا وسائر ~~إخواننا إلى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # PageV02P064 # ومما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا قال العبد: {الحمد ~~لله رب العالمين} قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال أثنى ~~علي عبدي. فإذا قال: {مالك يوم الدين} قال الله: مجدني عبدي فذكر الحمد ~~والثناء والمجد، ثم بعد ذلك يقول: {إياك نعبد وإياك نستعين} إلى آخرها. # هذا في أول القراءة ms183 في قيام الصلاة. ثم في آخر القيام بعد الركوع يقول: ~~ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض. إلى قوله: أهل الثناء والمجد أحق ما ~~قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا ~~الجد منك الجد} . # وقوله: أحق ما قال العبد. خبر مبتدأ محذوف: أي هذا الكلام أحق ما قال ~~العبد. فتبين أن حمد الله والثناء عليه [وتمجيده] أحق ما قاله العبد وفي ~~ضمنه توحيده، لأنه قال: ولك الحمد، أي لك لا لغيرك. وقال في # PageV02P065 # آخره: لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، وهذا يقتضي انفراده بالعطاء ~~والمنع فلا يستعان إلا به ولا يطلب إلا منه. ثم قال: ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد فبين أن الإنسان وإن أعطي الملك والغنى والرئاسة فهذا لا ينجيه منك؛ ~~إنما ينجيه الإيمان والتقوى وهذا تحقيق قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~وكان هذا الذكر آخر القيام مناسبا للذكر أول القيام. # وقوله: أحق ما قال العبد، يقتضي أن يكون حمد الله أحق الأقوال بأن يقوله ~~العبد؛ وما كان أحق الأقوال كان أفضلها وأوجبها على الإنسان. # ولهذا افترض الله على عباده في كل صلاة أن يفتتحوها بقولهم: {الحمد لله ~~رب العالمين} وأمرهم أيضا أن يفتتحوا كل خطبة " بالحمد لله " فأمرهم أن ~~يكون الحمد لله مقدما على كل كلام سواء كان خطابا للخالق أو خطابا للمخلوق. # ولهذا يقدم النبي صلى الله عليه وسلم الحمد أمام الشفاعة يوم القيامة. ~~ولهذا أمرنا # PageV02P066 # بتقديم الثناء على الله في التشهد قبل الدعاء وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم} ". # وأول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء. # PageV02P067 # وقوله {الرحمن الرحيم} جعله ثناء. وقوله {مالك يوم الدين} جعله تمجيدا. ~~وقوله: {الحمد لله} حمد مطلق. فإن " الحمد " اسم جنس له كمية وكيفية؛ ~~فالثناء تثنيته، وتكبيره تعظيم كميته المنفصلة، و " المجد " هو السعة ~~والعلو فهو تعظيم كيفيته وقدره وكميته المتصلة. # وذلك أن ms184 هذا وصف له بالملك، و " الملك " يتضمن القدرة وفعل ما يشاء و ~~{الرحمن الرحيم} وصف بالرحمة المتضمنة لإحسانه إلى العباد بمشيئته وقدرته ~~أيضا والخير يحصل بالقدرة والإرادة التي تتضمن الرحمة. فإذا كان قديرا ~~مريدا للإحسان: حصل كل خير وإنما يقع النقص لعدم القدرة أو لعدم إرادة ~~الخير " فالرحمن الرحيم الملك " قد اتصف بغاية إرادة الإحسان وغاية القدرة؛ ~~وذلك يحصل به كل خير خير الدنيا والآخرة. # وقوله: {مالك يوم الدين} مع أنه " ملك الدنيا " لأن يوم الدين لا يدعي ~~أحد فيه منازعة وهو اليوم الأعظم فما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم ~~إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع. # PageV02P068 # و " الدين " عاقبة أفعال العباد وقد يدل بطريق التنبيه أو بطريق العموم ~~عند بعضهم: على ملك الدنيا فيكون له الملك وله الحمد كما قال تعالى: {له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} وذلك يقتضي أنه قادر على أن يرحم ~~ورحمته وإحسانه وصف له يحصل بمشيئته وهو من " الصفات الاختيارية ". # وفي الصحيح " {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه الاستخارة في ~~الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ~~ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك ~~وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب ~~اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه باسمه - خيرا لي في ديني ودنياي ~~ومعاشي وعاقبة أمري: فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه؛ وإن كنت تعلم أن ~~هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر ~~لي الخير حيث كان} ". # فسأله بعلمه وقدرته ومن فضله وفضله يحصل برحمته وهذه الصفات هي جماع صفات ~~الكمال لكن " العلم " له عموم التعلق: يتعلق بالخالق والمخلوق، # PageV02P069 # والموجود والمعدوم. وأما " القدرة " فإنما تتعلق بالممكن، والإرادة إنما ~~تتعلق بالموجود المخلوق، والرحمة أخص منها فإنما تتعلق بالمخلوق، وكذلك " ~~الملك " إنما يكون ملكا على المخلوقات. # " فالفاتحة " اشتملت على الكمال في ms185 " الإرادة "، وهو: الرحمة، وعلى ~~الكمال في " القدرة "، وهو: مالك يوم الدين. وهذا وهذا إنما يتم " بالصفات ~~الاختيارية "، كما تقدم. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV02P070 ### | الرسالة الثانية # شرح كلمات من "فتوح الغيب" # PageV02P071 # هذا كتاب يشتمل على شرح كلمات رويت عن الشيخ الإمام العالم، الناسك ~~الزاهد، عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى، في كتابه المعروف " بفتوح ~~الغيب " وشرحها شيخ الإسلام، ومفتي الشام، الإمام العالم العامل، الزاهد ~~الورع، تقي الدين أبو العباس أحمد، بن عبد الحليم، بن عبد السلام، بن تيمية ~~الحراني، نفع الله به، وأثابه الجنة، وغفر له ولجميع المسلمين، آمين، ومتعه ~~الله بالثناء الجميل، والعطاء الجزيل. # بسم الله الرحمن الرحيم، توكلت على الله. # قال شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام، أبو العباس أحمد، بن عبد الحليم، ~~بن عبد السلام، العالم الرباني، والعامل النوراني بن تيمية، رضي الله عنه ~~وأرضاه. # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا # PageV02P073 # هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا. ### | قال الجيلاني: لابد لكل مؤمن من أمر يمتثله ونهي يجتنبه وقدر يرضى به: # فصل # قال الشيخ أبو محمد عبد القادر الكيلاني في كتاب " فتوح الغيب ": لا بد ~~لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء: أمر يمتثله. ونهي يجتنبه. وقدر ~~يرضى به. فأقل حالة لا يخلو المؤمن فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة فينبغي ~~له أن يلزم همها قلبه وليحدث بها نفسه ويأخذ بها الجوارح في سائر أحواله ". # PageV02P074 ### | تعليق ابن تيمية: # (قلت) : هذا كلام شريف جامع يحتاج إليه كل أحد، وهو تفصيل لما يحتاج إليه ~~العبد، وهي مطابقة لقوله تعالى {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين} ولقوله تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} ولقوله ~~تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} . # فإن " التقوى " تتضمن: فعل المأمور وترك المحظور ms186 و " الصبر " يتضمن: ~~الصبر على المقدور. " فالثلاثة " ترجع إلى هذين الأصلين، والثلاثة في ~~الحقيقة ترجع إلى امتثال الأمر وهو طاعة الله ورسوله. # فحقيقة الأمر أن كل عبد فإنه محتاج في كل وقت إلى طاعة الله ورسوله وهو: ~~أن يفعل في ذلك الوقت ما أمر به في ذلك الوقت. # وطاعة الله ورسوله هي عبادة الله التي خلق لها الجن والإنس. كما قال ~~تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وقال تعالى: {واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين} وقال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين ~~من قبلكم لعلكم تتقون} . # والرسل كلهم أمروا قومهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وقال # PageV02P075 # تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ~~وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون} . ### | الثلاثة ترجع إلى امتثال الأمر: # وإنما كانت " الثلاثة " ترجع إلى امتثال الأمر؛ لأنه في الوقت الذي يؤمر ~~فيه بفعل أمور من الفرائض كالصلوات الخمس والحج ونحو ذلك، يحتاج إلى فعل ~~ذلك المأمور. # وفي الوقت الذي تحدث أسباب المعصية يحتاج إلى الامتناع والكراهة والإمساك ~~عن ذلك وهذا فعل لما أمر به في هذا الوقت وأما من لم تخطر له المعصية ببال ~~فهذا لم يفعل شيئا يؤجر عليه ولكن عدم ذنبه مستلزم لسلامته من عقوبة الذنب، ~~والعدم المحض المستمر لا يؤمر به وإنما يؤمر بأمر يقدر عليه العبد وذاك لا ~~يكون إلا حادثا: سواء كان إحداث إيجاد أمر أو إعدام أمر. # وأما " القدر الذي يرضى به " فإنه إذا ابتلي بالمرض أو الفقر أو الخوف ~~فهو مأمور بالصبر أمر إيجاب، ومأمور بالرضا إما أمر إيجاب، وإما أمر ~~استحباب؛ وللعلماء من أصحابنا وغيرهم في ذلك قولان ونفس الصبر والرضا ~~بالمصائب هو طاعة لله ورسوله فهو من امتثال الأمر وهو عبادة لله. # لكن هذه " الثلاثة " وإن دخلت في امتثال الأمر عند الإطلاق فعند # PageV02P076 # التفصيل والاقتران: إما أن تخص بالذكر وإما أن يقال يراد بهذا ما لا يراد ms187 ~~بهذا كما في قوله: {فاعبده وتوكل عليه} وقوله: {فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} ~~فإن هذا داخل في العبادة إذا أطلق اسم العبادة، وعند " الاقتران " إما أن ~~يقال: ذكر عموما وخصوصا، وإما أن يقال: ذكره خصوصا يغني عن دخوله في العام. # ومثل هذا قوله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} وقوله: {واذكر اسم ربك ~~وتبتل إليه تبتيلا} {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} {واصبر ~~على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا} وقد يقال: لفظ " التبتل " لا يتناول هذه ~~الأمور المعطوفة كما يتناولها لفظ العبادة والطاعة. # و" بالجملة " فرق ما بين ما يؤمر به الإنسان ابتداء وبين ما يؤمر به عند ~~حاجته إلى جلب المنفعة ودفع المضرة أو عند حب الشيء وبغضه. # وكلام الشيخ - قدس الله روحه - يدور على هذا القطب وهو أن يفعل المأمور ~~ويترك المحظور ويخلو فيما سواهما عن إرادة؛ لئلا يكون له هو مراد غير فعل ~~ما أمره به ربه، وما لم يؤمر به العبد، بل فعله الرب # PageV02P077 # عز وجل بلا واسطة العبد أو فعله بالعبد بلا هوى من العبد. فهذا هو القدر ~~الذي عليه أن يرضى به. # وسيأتي من كلام الشيخ ما يبين مراده وأن العبد في كل حال عليه أن يفعل ما ~~أمر به ويترك ما نهي عنه. وأما إذا لم يكن هو أمرا للعبد بشيء من ذلك فما ~~فعله الرب كان علينا التسليم فيما فعله وهذه هي " الحقيقة " في كلام الشيخ ~~وأمثاله. # وتفصيل الحقيقة الشرعية في هذا المقام أن هذا " نوعان ": (أحدهما) : أن ~~يكون العبد مأمورا فيما فعله الرب. إما بحب له وإعانة عليه. وإما ببغض له ~~ودفع له. و (الثاني) : أن لا يكون العبد مأمورا بواحد منهما. # (فالأول) مثل البر والتقوى الذي يفعله غيره فهو مأمور بحبه وإعانته عليه: ~~كإعانة المجاهدين في سبيل الله على الجهاد وإعانة سائر الفاعلين للحسنات ~~على حسناتهم بحسب الإمكان وبمحبة ذلك والرضا به وكذلك هو مأمور عند مصيبة ~~الغير: إما بنصر مظلوم وإما بتعزية مصاب وإما بإغناء فقير ونحو ذلك. ms188 # وأما ما هو مأمور ببغضه ودفعه فمثل: ما إذا أظهر الكفر والفسوق والعصيان ~~فهو مأمور ببغض ذلك ودفعه وإنكاره بحسب الإمكان كما قال # PageV02P078 # النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " من رأى منكم منكرا فليغيره ~~بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ". ### | حكم المباحات وأنواعها: # وأما ما لا يؤمر العبد فيه بواحد منهما: فمثل ما يظهر له من فعل الإنسان ~~للمباحات التي لم يتبين له أنه يستعان بها على طاعة ولا معصية. فهذه لا ~~يؤمر بحبها ولا ببغضها وكذلك مباحات نفسه المحضة التي لم يقصد الاستعانة ~~بها على طاعة ولا معصية. مع أن هذا نقص منه فإن الذي ينبغي أنه لا يفعل من ~~المباحات إلا ما يستعين به على الطاعة ويقصد الاستعانة بها على الطاعة فهذا ~~سبيل المقربين السابقين الذين تقربوا إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض ~~ولم يزل أحدهم يتقرب إليه بذلك حتى أحبه فكان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها. # وأما من فعل المباحات مع الغفلة أو فعل فضول المباح التي لا يستعان بها ~~على طاعة مع أداء الفرائض واجتناب المحارم باطنا وظاهرا فهذا من المقتصدين ~~أصحاب اليمين. # وبالجملة الأفعال التي يمكن دخولها تحت الأمر والنهي لا تكون مستوية من ~~كل وجه بل إن فعلت على الوجه المحبوب كان وجودها خيرا للعبد، # PageV02P079 # وإلا كان تركها خيرا له وإن لم يعاقب عليها ففضول المباح التي لا تعين ~~على الطاعة عدمها خير من وجودها إذا كان مع عدمها يشتغل بطاعة الله فإنها ~~تكون شاغلة له عن ذلك وأما إذا قدر أنها تشغله عما دونها فهي خير له مما ~~دونها وإن شغلته عن معصية الله كانت رحمة في حقه وإن كان اشتغاله بطاعة ~~الله خيرا له من هذا وهذا. # وكذلك أفعال الغفلة والشهوة التي يمكن الاستعانة بها على الطاعة: كالنوم ~~الذي يقصد به الاستعانة على العبادة؛ والأكل والشرب واللباس والنكاح الذي ~~يمكن الاستعانة به على ms189 العبادة؛ إذا لم يقصد به ذلك كان ذلك نقصا من العبد ~~وفوات حسنة؛ وخير يحبه الله. # ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه قال لسعد: إنك لن تنفق ~~نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في ~~امرأتك} " وقال في الحديث الصحيح: {نفقة المسلم على أهله يحتسبها صدقة} ". # PageV02P080 # فما لا يحتاج إليه من المباحات أو يحتاج إليه ولم يصحبه إيمان يجعله حسنة ~~فعدمه خير من وجوده إذا كان مع عدمه يشتغل بما هو خير منه. وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم " {في بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله يأتي أحدنا ~~شهوته ويكون له أجر. قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أما كان عليه وزر؟ ~~قالوا: بلى قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له بها أجر. فلم تعتدون ~~بالحرام ولا تعتدون بالحلال} ". # وذلك أن المؤمن عند شهوة النكاح يقصد أن يعدل عما حرمه الله إلى ما أباحه ~~الله؛ ويقصد فعل المباح معتقدا أن الله أباحه " {والله يحب أن يؤخذ برخصه ~~كما يكره أن تؤتى معصيته} " كما روى ذلك الإمام أحمد في المسند ورواه غيره ~~ولهذا أحب القصر والفطر في السفر، فعدول المؤمن عن # PageV02P081 # الرهبانية والتشديد وتعذيب النفس الذي لا يحبه الله إلى ما يحبه الله من ~~الرخصة هو من الحسنات التي يثيبه الله عليها وإن فعل مباحا لما اقترن به من ~~الاعتقاد والقصد الذين كلاهما طاعة لله ورسوله. فإنما الأعمال بالنيات ~~وإنما لكل امرئ ما نوى. # وأيضا فالعبد هو مأمور بفعل ما يحتاج إليه من المباحات هو مأمور بالأكل ~~عند الجوع والشرب عند العطش ولهذا يجب على المضطر إلى الميتة أن يأكل منها ~~ولو لم يأكل حتى مات كان مستوجبا للوعيد كما هو قول جماهير العلماء من ~~الأئمة الأربعة وغيرهم وكذلك هو مأمور بالوطء عند حاجته إليه بل وهو مأمور ~~بنفس عقد النكاح إذا احتاج إليه وقدر عليه. # فقول النبي صلى الله عليه وسلم " {في بضع أحدكم صدقة} " فإن المباضعة ms190 ~~مأمور بها لحاجته ولحاجة المرأة إلى ذلك فإن قضاء حاجتها التي لا تنقضي إلا ~~به بالوجه المباح صدقة. ### | سلوك الأبرار وسلوك المقربين: # و" السلوك " سلوكان: سلوك الأبرار أهل اليمين وهو أداء الواجبات، وترك ~~المحرمات باطنا وظاهرا. و (الثاني) : سلوك المقربين السابقين وهو فعل ~~الواجب والمستحب بحسب الإمكان وترك المكروه والمحرم كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " {إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم} ". # PageV02P082 # وكلام الشيوخ الكبار: كالشيخ " عبد القادر " وغيره يشير إلى هذا السلوك؛ ~~ولهذا يأمرون بما هو مستحب غير واجب وينهون عما هو مكروه غير محرم فإنهم ~~يسلكون بالخاصة مسلك الخاصة وبالعامة مسلك العامة. # وطريق الخاصة طريق المقربين ألا يفعل العبد إلا ما أمر به ولا يريد إلا ~~ما أمر الله ورسوله بإرادته وهو ما يحبه الله ويرضاه ويريده إرادة دينية ~~شرعية وإلا فالحوادث كلها مرادة له خلقا وتكوينا. والوقوف مع الإرادة ~~الخلقية القدرية مطلقا غير مقدور عقلا ولا مأمور شرعا. # وذلك لأن من الحوادث ما يجب دفعه ولا تجوز إرادته كمن أراد تكفير الرجل ~~أو تكفير أهله أو الفجور به أو بأهله أو أراد قتل النبي وهو قادر على دفعه ~~أو أراد إضلال الخلق، وإفساد دينهم ودنياهم فهذه الأمور يجب دفعها ~~وكراهتها؛ لا تجوز إرادتها. # وأما الامتناع عقلا؛ فلأن الإنسان مجبول على حب ما يلائمه وبغض ما ينافره ~~فهو عند الجوع يحب ما يقيته كالطعام ولا يحب ما لا يقيته كالتراب فلا يمكن ~~أن تكون إرادته لهذين سواء. وكذلك يحب الإيمان والعمل الصالح الذي ينفعه ~~ويبغض الكفر والفسوق الذي يضره بل ويحب الله وعبادته وحده ويبغض عبادة ما ~~دونه. # PageV02P083 # كما قال الخليل: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} ~~{فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} . # وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} . # فقد أمرنا الله ms191 أن نتأسى بإبراهيم والذين معه إذ تبرءوا من المشركين ومما ~~يعبدونه من دون الله. # وقال الخليل: {إنني براء مما تعبدون} {إلا الذي فطرني فإنه سيهدين} ~~والبراءة ضد الولاية وأصل البراءة البغض وأصل الولاية الحب. # وهذا لأن حقيقة التوحيد ألا تحب إلا الله وتحب ما يحبه الله لله فلا تحب ~~إلا لله ولا تبغض إلا لله. قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} . # PageV02P084 # والفرق ثابت بين الحب لله والحب مع الله فأهل التوحيد والإخلاص يحبون غير ~~الله لله والمشركون يحبون غير الله مع الله كحب المشركين لآلهتهم وحب ~~النصارى للمسيح وحب أهل الأهواء رءوسهم. # فإذا عرف أن العبد مفطور على حب ما ينفعه وبغض ما يضره. لم يمكن أن تستوي ~~إرادته لجميع الحوادث فطرة وخلقا ولا هو مأمور من جهة الشرع أن يكون مريدا ~~لجميع الحوادث بل قد أمره الله بإرادة أمور وكراهة أخرى. # والرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا ~~بتحويل الفطرة وتغييرها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " {كل مولود ~~يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه} " قال تعالى: {فأقم ~~وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} . # PageV02P085 # وفي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " {يقول الله تعالى: ~~خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن ~~يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا} ". و " الحنيفية " هي الاستقامة بإخلاص ~~الدين لله وذلك يتضمن حبه تعالى والذل له لا يشرك به شيئا لا في الحب ولا ~~في الذل فإن العبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل وذلك لا يستحقه إلا الله ~~وحده وكذلك الخشية والتقوى لله وحده والتوكل على الله وحده. # والرسول يطاع ويحب فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه. قال ~~الله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} ~~وقال تعالى: ms192 {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} . # وهذا حقيقة دين الإسلام. والرسل بعثوا بذلك كما قال تعالى: {شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به # PageV02P086 # إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} وقال تعالى: {يا ~~أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} {وإن هذه ~~أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} . # فهذا هو الأصل الذي يجب على كل أحد أن يعتصم به فلا بد أن يكون مريدا ~~محبا لما أمره الله بإرادته ومحبته كارها مبغضا لما أمره الله بكراهته ~~وبغضه. # والناس في هذا الباب " أربعة أنواع ": أكملهم الذين يحبون ما أحبه الله ~~ورسوله، ويبغضون ما أبغضه الله ورسوله فيريدون ما أمرهم الله ورسوله ~~بإرادته ويكرهون ما أمرهم الله ورسوله بكراهته وليس عندهم حب ولا بغض لغير ~~ذلك. فيأمرون بما أمر الله ورسوله به ولا يأمرون بغير ذلك، وينهون عما نهى ~~الله عنه ورسوله ولا ينهون عن غير ذلك. # وهذه حال الخليلين أفضل البرية: محمد وإبراهيم صلى الله عليهما وسلم وقد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إن الله اتخذني ~~خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا} ". # PageV02P087 # وقال في الحديث الصحيح: " {إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا وإنما ~~أنا قاسم أضع حيث أمرت} ". # وذكر: أن ربه خيره بين أن يكون نبيا ملكا؛ وبين أن يكون عبدا رسولا ~~فاختار أن يكون عبدا رسولا. فإن " النبي الملك " مثل داود وسليمان. # قال تعالى: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} قالوا: معناه أعط من ~~شئت وامنع من شئت لا نحاسبك. # PageV02P088 # " فالنبي الملك " يعطي بإرادته لا يعاقب على ذلك كالذي يفعل المباحات ~~بإرادته. وأما " العبد الرسول " فلا يعطي ولا يمنع إلا بأمر ربه وهو محبته ~~ورضاه وإرادته الدينية والسابقون المقربون أتباع العبد الرسول والمقتصدون ~~أهل اليمين أتباع النبي الملك. # وقد تكون للإنسان حال هو فيها خال عن ms193 الإرادتين: وهو ألا تكون له إرادة ~~في عطاء ولا منع، لا إرادة دينية هو مأمور بها ولا إرادة نفسانية سواء كان ~~منهيا عنها أو غير منهي عنها بل ما وقع كان مرادا له ومهما فعل به كان ~~مرادا له من غير أن يعرف المأمور به شرعا في ذلك. # فهذا بمنزلة من له أموال يعطيها وليس له إرادة في إعطاء معين لا إرادة ~~شرعية ولا إرادة مذمومة؛ بل يعطي كل أحد. فهذا إذا قدر أنه قام بما يجب ~~عليه بحسب إمكانه ولكنه خفي عليه الإرادة الشرعية في تفصيل أفعاله. فإنه لا ~~يذم على ما فعل ولا يمدح مطلقا. بل يمدح لعدم هواه ولو علم تفصيل المأمور ~~به وأراده إرادة شرعية لكان أكمل. بل هذا مع القدرة إما واجب وإما مستحب. ~~وحال هذا خير من حال من يريد بحكم هواه ونفسه؛ وإن كان ذلك مباحا له وهو ~~دون من يريد بأمر ربه لا بهواه ولا بالقدر المحض. ### | الناس في المباحات على ثلاثة أقسام: # فمضمون هذا المقام أن الناس في المباحات من الملك والمال وغير ذلك على " ~~ثلاثة أقسام ": # PageV02P089 # (قوم لا يتصرفون فيها إلا بحكم الأمر الشرعي) . وهو حال نبينا صلى الله ~~عليه وسلم. وهو حال العبد الرسول ومن اتبعه في ذلك. # و (قوم يتصرفون فيها بحكم إرادتهم والشهوة التي ليست محرمة) . وهذا حال ~~النبي الملك. وهو حال الأبرار أهل اليمين. و (قوم لا يتصرفون بهذا ولا ~~بهذا) . أما " الأول " فلعدم علمهم به. وأما " الثاني " فلزهدهم فيه؛ بل ~~يتصرفون فيها بحكم القدر المحض اتباعا لإرادة الله الخلقية القدرية حين ~~تعذر معرفة الإرادة الشرعية الأمرية وهذا كالترجيح بالقرعة إذا تعذر ~~الترجيح بسبب شرعي معلوم وقد يتصرف هؤلاء في هذا المقام بإلهام يقع في ~~قلوبهم وخطاب. # وكلام " الشيخ عبد القادر " - قدس الله روحه - كثيرا ما يقع في هذا ~~المقام؛ فإنه يأمر بالزهد في إرادة النفس وهواها حتى لا يتصرف بحكم الإرادة ~~والنفس وهذا رفع له عن حال الأبرار أهل اليمين وعن طريق الملوك مطلقا ومن ms194 ~~حصل هذا وتصرف بالأمر الشرعي المحمدي القرآني فهو أكمل الخلق لكن هذا قد ~~يخفى عليه؛ فإن معرفة هذا على التفصيل قد يتعذر أو يتعسر في كثير من ~~المواضع. # ألا ترى {أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ~~فحكم بقتل مقاتلتهم، وبسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم. قال: لقد حكمت فيهم ~~بحكم الله # PageV02P090 # من فوق سبعة أرقعة} ". وذلك أن تخيير ولي الأمر بين القتل والاسترقاق، ~~والمن والفداء ليس تخيير شهوة بل تخيير رأي ومصلحة فعليه أن يختار الأصلح، ~~فإن اختار ذلك فقد وافق حكم الله وإلا فلا. # ولما كان هذا يخفى كثيرا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ~~لبريدة: " {إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم ~~على حكم الله فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم ولكن أنزلهم على حكمك، وحكم ~~أصحابك} ". # PageV02P091 # والحاكم الذي ينزل أهل الحصن على حكمه عليه أن يحكم باجتهاده فلما أمر ~~سعدا بما هو الأرضى لله والأحب إليه حكم بحكمه ولو حكم بغير ذلك لنفذ حكمه ~~فإنه حكم باجتهاده وإن لم يكن ذلك هو حكم الله في الباطن. ### | حكم الإلهام في الشريعة: # ففي مثل هذه الحال التي لا يتبين الأمر الشرعي في الواقعة المعينة يأمر ~~الشيخ عبد القادر وأمثاله من الشيوخ: " تارة " بالرجوع إلى الأمر الباطن ~~والإلهام إن أمكن ذلك و " تارة " بالرجوع إلى القدر المحض لتعذر الأسباب ~~المرجحة من جهة الشرع كما يرجح الشارع بالقرعة. فهم يأمرون ألا يرجح بمجرد ~~إرادته وهواه فإن هذا إما محرم وإما مكروه وإما منقص، فهم في هذا النهي ~~كنهيهم عن فضول المباحات. # ثم إن تبين لهم الأمر الشرعي وجب الترجيح به وإلا رجحوا: إما " بسبب باطن ~~" من الإلهام والذوق وإما " بالقضاء والقدر " الذي لا يضاف إليهم. # ومن يرجح في مثل هذه الحال " باستخارة الله " كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من ~~القرآن فقد أصاب. # وهذا كما أنه ms195 إذا تعارضت أدلة " المسألة الشرعية " عند الناظر المجتهد ~~وعند المقلد المستفتي فإنه لا يرجح شيئا. بل ما جرى به القدر أقروه ولم ~~ينكروه. وتارة يرجح أحدهم: إما بمنام وإما برأي مشير ناصح وإما برؤية ~~المصلحة في أحد الفعلين. # PageV02P092 # وأما الترجيح بمجرد الاختيار بحيث إذا تكافأت عنده الأدلة يرجح بمجرد ~~إرادته واختياره. فهذا ليس قول أحد من أئمة الإسلام وإنما هو قول طائفة من ~~أهل الكلام ولكن قاله طائفة من الفقهاء في العامي المستفتي: إنه يخير بين ~~المفتين المختلفين. # وهذا كما أن طائفة من السالكين إذا استوى عنده الأمران في الشريعة رجح ~~بمجرد ذوقه وإرادته فالترجيح بمجرد الإرادة التي لا تستند إلى أمر علمي ~~باطن ولا ظاهر لا يقول به أحد من أئمة العلم والزهد. فأئمة الفقهاء ~~والصوفية لا يقولون هذا. لكن من جوز لمجتهد أو مقلد الترجيح بمجرد اختياره ~~وإرادته فهو نظير من شرع للسالك الترجيح بمجرد إرادته وذوقه. # لكن قد يقال: القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بإرادته فهو ترجيح شرعي. ~~وعلى هذا التقدير ليس من هذا فمن غلب على قلبه إرادة ما يحبه الله وبغض ما ~~يكرهه إذا لم يدر في الأمر المعين هل هو محبوب لله أو مكروه ورأى قلبه يحبه ~~أو يكرهه كان هذا ترجيحا عنده. كما لو أخبره من صدقه أغلب من كذبه فإن ~~الترجيح بخبر هذا عند انسداد وجوه الترجيح ترجيح بدليل شرعي. # ففي " الجملة " متى حصل ما يظن معه أن أحد الأمرين أحب إلى الله # PageV02P093 # ورسوله كان هذا ترجيحا بدليل شرعي والذين أنكروا كون الإلهام طريقا شرعيا ~~على الإطلاق أخطئوا كما أخطأ الذين جعلوه طريقا شرعيا على الإطلاق. # ولكن إذا اجتهد السالك في الأدلة الشرعية الظاهرة فلم ير فيها ترجيحا ~~وألهم حينئذ رجحان أحد الفعلين مع حسن قصده وعمارته بالتقوى فإلهام مثل هذا ~~دليل في حقه؛ قد يكون أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة؛ والأحاديث الضعيفة ~~والظواهر الضعيفة والاستصحابات الضعيفة التي يحتج بها كثير من الخائضين في ~~المذهب والخلاف وأصول الفقه. # وفي الترمذي عن ms196 أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {اتقوا ~~فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ قوله تعالى {إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين} } ". # وقال عمر بن الخطاب: اقتربوا من أفواه المطيعين؛ واسمعوا منهم ما يقولون ~~فإنه تتجلى لهم أمور صادقة. # PageV02P094 # وقد ثبت في الصحيح قول الله تعالى: {ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ~~حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي ~~يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي} . # وفي مثل هذا يقال حديث وابصة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~البر ما اطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب، والإثم ما حاك في نفسك، وإن ~~أفتوك وأفتوك ". وفي صحيح مسلم حديث النواس بن سمعان عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن ~~يطلع عليه # PageV02P095 # الناس ". وقال ابن مسعود: الإثم حواز القلوب. # و (أيضا) فالله - تعالى - فطر عباده على الحنيفية: وهي حب المعروف وبغض ~~المنكر فإذا لم تستحل الفطرة فالقلوب مفطورة على الحق فإذا كانت الفطرة ~~مقومة بحقيقة الإيمان منورة بنور القرآن وخفي عليها دلالة الأدلة السمعية ~~الظاهرة ورأى قلبه يرجح أحد الأمرين كان هذا من أقوى الأمارات عند مثله. # وذلك أن الله علم القرآن والإيمان. قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} ثم قال: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا} . # PageV02P096 # وقال جندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا ~~القرآن فازددنا إيمانا. # وفي الصحيحين عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {إن الأمانة ~~نزلت في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة} ". # وفي الترمذي - بإسناد جيد - وغيره حديث النواس بن سمعان عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {ضرب الله ms197 مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي ~~الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع ~~يدعو على رأس الصراط، وداع يدعو من فوق الصراط. فالصراط المستقيم هو ~~الإسلام، والستور حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، فإذا أراد العبد ~~أن يفتح بابا من تلك الأبواب ناداه المنادي - أو كما قال -: يا عبد الله لا ~~تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق ~~الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن} ". # PageV02P097 # فقد بين أن في قلب كل مؤمن واعظا، والواعظ الأمر والنهي بترغيب وترهيب؛ ~~فهذا الأمر والنهي الذي يقع في قلب المؤمن مطابق لأمر القرآن ونهيه ولهذا ~~يقوى أحدهما بالآخر. # كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " {مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ~~ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها طيب، ومثل ~~المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق ~~الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح # PageV02P098 # وطعمها مر} ". # وقد قال بعض السلف في قوله: {نور على نور} قال: هو المؤمن ينطق بالحكمة ~~وإن لم يسمع فيها بأثر، فإذا سمع بالأثر كان نورا على نور. نور الإيمان ~~الذي في قلبه يطابق نور القرآن، كما أن الميزان العقلي يطابق الكتاب ~~المنزل؛ فإن الله أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. # والإلهام في القلب تارة يكون من جنس القول والعلم والظن والاعتقاد، وتارة ~~يكون من جنس العمل والحب والإرادة والطلب، فقد يقع في قلبه أن هذا القول ~~أرجح وأظهر وأصوب، وقد يميل قلبه إلى أحد الأمرين دون الآخر. # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {قد كان في الأمم ~~قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم} " والمحدث هو الملهم المخاطب. # PageV02P099 # و (أيضا) فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن يقينا أو ظنا ~~فالأمور الدينية كذلك بطريق الأولى فإنه إلى كشفها ms198 أحوج لكن هذا في الغالب ~~لا بد أن يكون كشفا بدليل وقد يكون بدليل ينقدح في قلب المؤمن ولا يمكنه ~~التعبير عنه وهذا أحد ما فسر به معنى " الاستحسان ". # وقد قال من طعن في ذلك - كأبي حامد وأبي محمد -: ما لا يعبر عنه فهو هوس ~~وليس كذلك؛ فإنه ليس كل أحد يمكنه إبانة المعاني القائمة بقلبه، وكثير من ~~الناس يبينها بيانا ناقصا وكثير من أهل الكشف يلقى في قلبه أن هذا الطعام ~~حرام أو أن هذا الرجل كافر أو فاسق من غير دليل ظاهر وبالعكس قد يلقى في ~~قلبه محبة شخص وأنه ولي لله أو أن هذا المال حلال. # وليس المقصود هنا بيان أن هذا وحده دليل على الأحكام الشرعية؛ لكن إن مثل ~~هذا يكون ترجيحا لطالب الحق إذا تكافأت عنده الأدلة السمعية الظاهرة. ~~فالترجيح بها خير من التسوية بين الأمرين المتناقضين قطعا فإن # PageV02P100 # التسوية بينهما باطلة قطعا. كما قلنا: إن العمل بالظن الناشئ عن ظاهر أو ~~قياس خير من العمل بنقيضه إذا احتيج إلى العمل بأحدهما. # والصواب الذي عليه السلف والجمهور أنه لا بد في كل حادثة من دليل شرعي ~~فلا يجوز تكافؤ الأدلة في نفس الأمر لكن قد تتكافأ عند الناظر لعدم ظهور ~~الترجيح له وأما من قال: أنه ليس في نفس الأمر حق معين بل كل مجتهد عالم ~~بالحق الباطن في المسألة وليس لأحدهما على الآخر مزية في علم ولا عمل ~~فهؤلاء قد يجوزون أو بعضهم تكافؤ الأدلة ويجعلون الواجب التخيير بين ~~القولين. # وهؤلاء يقولون ليس على الظن دليل في نفس الأمر؛ وإنما رجحان أحد القولين ~~هو من باب الرجحان بالميل والإرادة كترجيح النفس الغضبية للانتقام والنفس ~~الحليمة للعفو. # وهذا القول خطأ؛ فإنه لا بد في نفس الأمر من حق معين يصيبه المستدل تارة ~~ويخطئه أخرى. كالكعبة في حق من اشتبهت عليه القبلة والمجتهد إذا أداه ~~اجتهاده إلى جهة وسقط عنه الفرض بالصلاة إليها كالمجتهد إذا أداه اجتهاده ~~إلى قول فعمل بموجبه كلاهما مطيع لله وهو مصيب ms199 بمعنى أنه مطيع لله وله أجر ~~على ذلك؛ وليس مصيبا بمعنى أنه علم الحق المعين؛ فإن ذلك لا يكون إلا واحدا ~~ومصيبه له أجران. # PageV02P101 # وهذا في كشف الأنواع التي يكون عليها دليل شرعي لكن قد يخفى على العبد. ~~فإن الشارع بين (الأحكام الكلية) . وأما (أحكام المعينات) التي تسمى " ~~تنقيح المناط " مثل كون الشخص المعين عدلا أو فاسقا ومؤمنا أو منافقا أو ~~وليا لله أو عدوا له وكون هذا المعين عدوا للمسلمين يستحق القتل، وكون هذا ~~المال يخاف عليه من ظلم ظالم، فإذا زهد فيه الظالم انتفع به أهله. # فهذه الأمور لا يجب أن تعلم بالأدلة الشرعية العامة الكلية بل تعلم بأدلة ~~خاصة تدل عليها. ومن طرق ذلك " الإلهام " فقد يلهم الله بعض عباده حال هذا ~~المال المعين وحال هذا الشخص المعين وإن لم يكن هناك دليل ظاهر يشركه فيه ~~غيره. # وقصة الخضر مع موسى هي من هذا الباب ليس فيها مخالفة لشرع الله؛ فإنه لا ~~يجوز قط لأحد لا نبي ولا ولي أن يخالف شرع الله لكن فيها علم حال ذاك ~~المعين بسبب باطن يوجب فيه الشرع ما فعله الخضر، كمن دخل إلى دار وأخذ ما ~~فيها من المال لعلمه بأن صاحبها أذن # PageV02P102 # له وغيره لم يعلم، ومثل من رأى ضالة أخذها ولم يعرفها لعلمه بأنه أتى بها ~~هدية له ونحو ذلك. ومثل هذا كثير عند أهل الإلهام الصحيح. # و (النوع الثاني) عكس هذا. وهو أنهم يتبعون هواهم لا أمر الله؛ فهؤلاء لا ~~يفعلون ولا يأمرون إلا بما يحبونه بهواهم ولا يتركون وينهون إلا عن ما ~~يكرهونه بهواهم وهؤلاء شر الخلق. قال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه ~~أفأنت تكون عليه وكيلا} قال الحسن: هو المنافق لا يهوى شيئا إلا ركبه. # وقال تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} وقال عمر بن عبد ~~العزيز: لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه ويخالفه إذا خالف هواه فإذا ~~أنت لا تثاب على ما اتبعته من الحق وتعاقب على ms200 ما خالفته. وهو كما قال - ~~رضي الله عنه - لأنه في الموضعين إنما قصد اتباع هواه لم يعمل لله. # PageV02P103 # ألا ترى أن " أبا طالب " نصر النبي صلى الله عليه وسلم وذب عنه أكثر من ~~غيره؛ لكن فعل ذلك لأجل القرابة لا لأجل الله تعالى فلم يتقبل الله ذلك منه ~~ولم يثبه على ذلك وأبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أعانه بنفسه وماله لله؛ ~~فقال الله فيه: {وسيجنبها الأتقى} {الذي يؤتي ماله يتزكى} {وما لأحد عنده ~~من نعمة تجزى} {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} {ولسوف يرضى} . # (القسم الثالث) : الذي يريد تارة إرادة يحبها الله؛ وتارة إرادة يبغضها ~~الله. وهؤلاء أكثر المسلمين فإنهم يطيعون الله تارة ويريدون ما أحبه ~~ويعصونه تارة فيريدون ما يهوونه وإن كان يكرهه. # و (القسم الرابع) : أن يخلو عن الإرادتين فلا يريد لله ولا لهواه وهذا ~~يقع لكثير من الناس في بعض الأشياء ويقع لكثير من الزهاد والنساك في كثير ~~من الأمور. # وأما خلو الإنسان من الإرادة مطلقا فممتنع فإنه مفطور على إرادة ما لا بد ~~له منه وعلى كراهة ما يضره ويؤذيه والزاهد الناسك إذا كان مسلما # PageV02P104 # فلا بد أن يريد أشياء يحبها الله: مثل أداء الفرائض، وترك المحارم؛ بل ~~وكذلك عموم المؤمنين لا بد أن يريد أحدهم أشياء يحبها الله وإلا فمن لم يحب ~~الله ولا أحب شيئا لله فلم يحب شيئا من الطاعات لا الشهادتين ولا غيرهما، ~~ولا يريد ذلك فإنه لا يكون مؤمنا. # فلا بد لكل مؤمن من أن تكون له إرادة لبعض ما يحبه الله؛ وأما إرادة ~~العبد لما يهواه ولا يحبه الله فهذا لازم لكل من عصى الله فإنه أراد ~~المعصية والله لا يحبها ولا يرضاها. # وأما الخلو عن الإرادتين المحمودة والمذمومة فيقع على وجهين: (أحدهما) : ~~مع إعراض العبد عن عبادة الله تعالى وطاعته وإن علم بها فإنه قد يعلم كثيرا ~~من الأمور أنه مأمور بها وهو لا يريدها ولا يكره من غيره فعلها وإذا اقتتل ~~المسلمون والكفار لم يكن مريدا لانتصار هؤلاء ms201 الذي يحبه الله ولا لانتصار ~~هؤلاء الذي يبغضه الله. # و (الوجه الثاني) : يقع من كثير من الزهاد العباد الممتثلين لما يعلمون ~~أن الله أمر به المجتنبين لما يعلمون أن الله نهى عنه وأمور أخرى لا يعلمون ~~أنها مأمور بها ولا منهي عنها فلا يريدونها ولا يكرهونها لعدم العلم وقد ~~يرضونها من جهة كونها مخلوقة مقدرة وقد يعاونون عليها ويرون هذا موافقة لله ~~وأنهم لما خلوا عن هوى النفس كانوا مأمورين بالرضا بكل حادث؛ بل والمعاونة ~~عليه. # PageV02P105 # وهذا موضع يقع فيه الغلط فإن ما أحبه الله ورسوله علينا أن نحب ما أحبه ~~الله ورسوله وما أبغضه الله ورسوله فعلينا أن نبغض ما أبغضه الله ورسوله ~~وأما ما لا يحبه الله ورسوله ولا يبغضه الله ورسوله كالأفعال التي لا تكليف ~~فيها مثل أفعال النائم والمجنون فهذا إذا كان الله لا يحبها ويرضاها ولا ~~يكرهها ويذمها فالمؤمن أيضا لا ينبغي أن يحبها ويرضاها ولا يكرهها. ### | المؤمن والقدر: # وأما كونها مقدورة ومخلوقة لله فذاك لا يختص بها بل هو شامل لجميع ~~المخلوقات والله تعالى خلق ما خلقه لما شاء من حكمته وقد أحسن كل شيء خلقه. # والرضا بالقضاء " ثلاثة أقسام ": # (أحدها) : الرضا بالطاعات؛ فهذا طاعة مأمور بها. # و (الثاني) : الرضا بالمصائب فهذا مأمور بها: إما مستحب وإما واجب. # و (الثالث) : الكفر والفسوق والعصيان، فهذا لا يؤمر بالرضا به، بل يؤمر ~~ببغضه وسخطه، فإن الله لا يحبه ولا يرضاه. كما قال تعالى: {إذ يبيتون ما لا ~~يرضى من القول} ، وقال: {والله لا يحب الفساد} ، وقال: {ولا يرضى لعباده ~~الكفر} ، وقال: {فإن الله لا يحب الكافرين} ، وقال: {إن الله لا يحب ~~المعتدين} ، وقال: {والله لا يحب المفسدين} . # PageV02P106 # وهو وإن خلقه لما له في ذلك من الحكمة فلا يمتنع أن يخلق ما لا يحبه ~~لإفضائه إلى الحكمة التي يحبها كما خلق الشياطين. فنحن راضون عن الله في أن ~~يخلق ما يشاء وهو محمود على ذلك. # وأما نفس هذا الفعل المذموم وفاعله فلا نرضى به ولا نحمده. وفرق ms202 بين ما ~~يحب لنفسه وما يراد لإفضائه إلى المحبوب مع كونه مبغضا من جهة أخرى؛ فإن ~~الأمر الواحد يراد من وجه ويكره من وجه آخر. كالمريض الذي يتناول الدواء ~~الكريه؛ فإنه يبغض الدواء ويكرهه وهو مع هذا يريد استعماله لإفضائه إلى ~~المحبوب لا لأنه في نفسه محبوب. # وفي الحديث الصحيح: " يقول الله تعالى: وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي ~~عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه ". فهو ~~سبحانه لما كره مساءة عبده المؤمن الذي يكره الموت كان هذا مقتضيا أن يكره ~~إماتته مع أنه يريد إماتته؛ لما له في ذلك من الحكمة سبحانه وتعالى. # فالأمور التي يبغضها الله تعالى وينهى عنها لا تحب ولا ترضى؛ لكن # PageV02P107 # نرضى بما يرضى الله به حيث خلقها لما له في ذلك من الحكمة فكذلك الأفعال ~~التي لا يحبها ولا يبغضها لا ينبغي أن تحب ولا ترضى كما لا ينبغي أن تبغض. # والرضا الثابت بالنص هو أن يرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا. ~~وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {من رضي بالله ~~ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا كان حقا على الله أن يرضيه} ". # وأما بالنسبة إلى القدر فيرضى عن الله إذ له الحمد على كل حال ويرضى بما ~~يرضاه من الحكمة التي خلق لأجلها ما خلق وإن كنا نبغض ما يبغضه من ~~المخلوقات فحيث انتفى الأمر الشرعي أو خفي الأمر الشرعي لا يكون الامتثال ~~والرضا والمحبة كما يكون في الأمر الشرعي وإن كان ذلك مقدورا. # وهذا موضع يغلط فيه كثير من خاصة " السالكين " وشيوخهم فضلا عن عامتهم ~~ويتفاوتون في ذلك بحسب معرفتهم بالأمر الشرعي وطاعتهم له، # PageV02P108 # فمنهم من هو أعرف من غيره بالأمر الشرعي وأطوع له فهذا تكون حاله أحسن ~~ممن نقص عنه في المعرفة بالأمر الشرعي والطاعة له. ومنهم من يبعد عن الأمر ~~الشرعي ويسترسل حتى ينسلخ من الإسلام بالكلية ويبقى واقفا مع هواه والقدر. # ومن هؤلاء من يموت كافرا ms203 ومنهم من يتوب الله عليه ومنهم من يموت فاسقا ~~ومنهم من يتوب الله عليه. وهؤلاء ينظرون إلى الحقيقة القدرية معرضين عن ~~الأمر الشرعي ولا بد مع ذلك من اتباع أمر ونهي غير الأمر الشرعي إما من ~~أنفسهم وإما من غير الله ورسوله إذ الاسترسال مع القدر مطلقا ممتنع لذاته ~~لما تقدم من أن العبد مفطور على محبة أشياء وبغض أشياء. # وقول من قال: " إن العبد يكون مع الله كالميت مع الغاسل " لا يصح ولا ~~يسوغ على الإطلاق عند أحد من المسلمين وإنما يقال ذلك في بعض المواضع؛ ومع ~~هذا فإنما ذلك لخفاء أمر الله عليه وإلا فإذا علم ما أمر الله به وأحبه. ~~فلا بد أن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله. ### | ### | فصل # # وكما أن الطريقة العلمية بصحة النظر في الأدلة والأسباب هي الموجبة ~~للعلم: كتدبر القرآن والحديث فالطريقة العملية بصحة الإرادة والأسباب # PageV02P109 # هي الموجبة للعمل، كعمارة الباطن بالمراقبة، والخوف من الله على كل حال، ~~ولهذا يسمون السالك في ذلك " المريد " كما يسميه أولئك " الطالب ". # و" النظر " جنس تحته حق وباطل ومحمود ومذموم وكذلك " الإرادة " فكما أن ~~طريق العلم لا بد فيه من العلم النبوي الشرعي بحيث يكون معلومك المعلومات ~~الدينية النبوية ويكون علمك بها مطابقا لما أخبرت به الرسل وإلا فلا ينفعك ~~أي معلوم علمته ولا أي شيء اعتقدته فيما أخبرت به الرسل بل لا بد من ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فكذلك " الإرادة " لا بد ~~فيها من تعيين " المراد " وهو الله و " الطريق إليه " وهو ما أمرت به ~~الرسل. فلا بد أن تعبد الله، وتكون عبادتك إياه بما شرع على ألسنة رسله إذ ~~لا بد من تصديق الرسول فيما أخبر علما ولا بد من طاعته فيما أمر عملا. # ولهذا كان " الإيمان " قولا وعملا مع موافقة السنة فعلم الحق ما وافق علم ~~الله، والإرادة الصالحة ما وافقت محبة الله ورضاه وهو حكمه الشرعي والله ~~عليم حكيم. # فالأمور الخبرية لا بد أن تطابق علم الله ms204 وخبره؛ والأمور العملية لا بد ~~أن تطابق حب الله وأمره فهذا حكمه وذاك علمه. # وأما من جعل حكمه مجرد القدر كما فعل صاحب " منازل السائرين " وجعل ~~مشاهدة العارف الحكم يمنعه أن يستحسن حسنة أو يستقبح # PageV02P110 # سيئة فهذا فيه من الغلط العظيم ما قد نبهنا عليه في غير هذا الموضع. # فلا ينفع المريد القاصد أن يعبد أي معبود كان ولا أن يعبد الله بأي عبادة ~~كانت بل هذه طريقة المشركين المبتدعين الذين لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ~~ما لم يأذن به الله كالنصارى ومن أشبههم من أهل البدع الذين يعبدون غير ~~الله بغير أمر الله. # وأما أهل الإسلام والسنة فهم يعبدون الله وحده ويعبدونه بما شرع. لا ~~يعبدونه بالبدع إلا ما يقع من أحدهم خطأ. فالسالكون طريق الإرادة قد يغلطون ~~تارة في المراد؛ وتارة في الطريق إليه وتارة يتألهون غير الله بالخوف منه ~~والرجاء له والتعظيم والمحبة له وسؤاله والرغبة إليه فهذا حقيقة الشرك ~~المحرم فإن حقيقة التوحيد أن لا يعبد إلا الله. # و" العبادة " تتضمن كمال الحب وكمال التعظيم، وكمال الرجاء والخشية ~~والإجلال والإكرام. و " الفناء " في هذا التوحيد هو فناء المرسلين وأتباعهم ~~وهو أن تفنى بعبادته عن عبادة ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وبسؤاله عن ~~سؤال ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبحبه والحب ~~فيه عن محبة ما سواه والحب فيه. # PageV02P111 # وأما الغالطون في الطريق فقد يريدون الله؛ لكن لا يتبعون الأمر الشرعي في ~~إرادته. لكن " تارة " يعبده أحدهم بما يظنه يرضيه ولا يكون كذلك. و " تارة ~~" ينظرون إلى القدر لكونه مراده فيفنون في القدر الذي ليس لهم فيه غرض وأما ~~الفناء المطلق فيه فممتنع. وهؤلاء يبقى أحدهم متبعا لذوقه ووجده المخالف ~~للأمر الشرعي أو ناظرا إلى القدر. وهذا يبتلى به كثير من خواصهم. # و" الشيخ عبد القادر " ونحوه من أعظم مشايخ زمانهم، أمر بالتزام الشرع: ~~الأمر والنهي، وتقديمه على الذوق والقدر، ومن أعظم المشايخ أمرا بترك الهوى ~~والإرادة النفسية. ms205 فإن الخطأ في الإرادة من حيث هي إرادة إنما تقع من هذه ~~الجهة. # فهو يأمر السالك ألا تكون له إرادة من جهة هواه أصلا؛ بل يريد ما يريده ~~الرب عز وجل: إما إرادة شرعية أن تبين له ذلك؛ وإلا جرى مع الإرادة القدرية ~~فهو إما مع أمر الرب، وإما مع خلقه وهو سبحانه له الخلق والأمر. # وهذه " طريقة شريفة صحيحة " إنما يخاف على صاحبها من ترك إرادة شرعية لا ~~يعلم أنها شرعية أو من تقديم إرادة قدرية على الشرعية فإنه إذا لم # PageV02P112 # يعلم الشرعية فقد يتركها وقد يريد ضدها فيكون ترك مأمورا أو فعل محظورا ~~وهو لا يعلم. # فإن " طريقة الإرادة " يخاف على صاحبها من ضعف العلم؛ وما يقترن بالعلم ~~من العمل والوقوع في الضلال كما أن طريقة العلم يخاف على صاحبها من ضعف ~~العمل وضعف العلم الذي يقترن بالعمل. # لكن لا يكلف الله نفسا إلا وسعها من هذا وهذا. قال تعالى: {فاتقوا الله ~~ما استطعتم} فإذا تفقه السالك وتعلم الأمر والنهي بحسب اجتهاده وكان عمله ~~وإرادته بحسب ذاك فهذا مستطاعه. وإذا أدى الطالب ما أمر به وترك ما نهي عنه ~~وكان علمه مطابقا لعمله فهذا مستطاعه. ### | فصل ### | أمر الجيلاني بالفناء عن الخلق والهوى والإرادة: # قال الشيخ عبد القادر: " افن عن الخلق بحكم الله، وعن هواك بأمره، وعن ~~إرادتك بفعله، فحينئذ تصلح أن تكون وعاء لعلم الله تعالى ". # PageV02P113 ### | تعليق ابن تيمية: # قلت: فحكمه يتناول خلقه وأمره أي: افن عن عبادة الخلق والتوكل عليهم ~~بعبادة الله والتوكل عليه فلا تطعهم في معصية الله تعالى ولا تتعلق بهم في ~~جلب منفعة ولا دفع مضرة. # وأما الفناء عن الهوى بالأمر وعن الإرادة بالفعل بأن يكون فعله موافقا ~~للأمر الشرعي لا لهواه وأن تكون إرادته لما يخلق تابعة لفعل الله لا لإرادة ~~نفسه. فالإرادة تارة تتعلق بفعل نفسه وتارة بالمخلوقات. # " فالأول " يكون بالأمر و " الثاني " لا تكون له إرادة. ولا بد في هذا أن ~~يقيد بأن لا تكون له إرادة لم يؤمر بها وإلا ms206 فإذا أمر بأن يريد من ~~المقدورات شيئا دون شيء فليرد ما أمر بإرادته سواء كان موافقا للقدر أم لا. # وهذا الموضع قد يغلط فيه طائفة من السالكين والغالب على الصادقين منهم ~~أنهم لم يعرفوا الإرادة الشرعية في ذلك المعين وهم ليس لهم إرادة نفسانية ~~فتركوا إرادتهم لغير المقدور. ### | كلام الجيلاني عن علامات الفناء: # قال الشيخ: " فعلامة فنائك عن خلق الله انقطاعك عنهم، وعن التردد إليهم، ~~واليأس مما في أيديهم ". ### | تعليق ابن تيمية: # وهو كما قال. فإذا كان القلب لا يرجوهم ولا يخافهم لم يتردد إليهم لطلب ~~شيء منهم وهذا يشبه بما يكون مأمورا به من المشي إليهم لأمرهم بما أمر الله ~~به ونهيهم عما نهاهم الله عنه كذهاب الرسل وأتباع الرسل إلى من يبلغون ~~رسالات الله فإن التوكل إنما يصح مع القيام بما أمر به العبد. ليكون عابدا ~~لله # PageV02P114 # متوكلا عليه وإلا فمن توكل عليه ولم يفعل ما أمر به؛ فقد يكون ما أضاعه ~~من الأمر أولى به مما قام به من التوكل أو مثله أو دونه كما أن من قام بأمر ~~ولم يتوكل عليه ولم يستعن به فلم يقم بالواجب؛ بل قد يكون ما تركه من ~~التوكل والاستعانة أولى به مما فعله من الأمر أو مثله أو دونه. ### | تابع كلام الجيلاني: # قال الشيخ: " وعلامة فنائك عنك وعن هواك: ترك التكسب، والتعلق بالسبب في ~~جلب النفع، ودفع الضر فلا تتحرك فيك بك، ولا تعتمد عليك لك ولا تنصر نفسك ~~ولا تذب عنك لكن تكل ذلك كله إلى من تولاه أولا فيتولاه آخرا. كما كان ذلك ~~موكولا إليه في حال كونك مغيبا في الرحم وكونك رضيعا طفلا في مهدك ". ### | تعليق ابن تيمية: # قلت: وهذا لأن النفس تهوى وجود ما تحبه وينفعها، ودفع ما تبغضه ويضرها ~~فإذا فني عن ذاك بالأمر فعل ما يحبه الله، وترك ما يبغضه الله فاعتاض بفعل # PageV02P115 # محبوب الله عن محبوبه وبترك ما يبغضه الله عما يبغضه، وحينئذ فالنفس لا ~~بد لها من جلب المنفعة ودفع المضرة فيكون ms207 في ذلك متوكلا على الله. # و" الشيخ رحمه الله " ذكر هنا التوكل دون الطاعة؛ لأن النفس لا بد لها من ~~جلب المنفعة، ودفع المضرة فإن لم تكن متوكلة على الله في ذلك واثقة به لم ~~يمكن أن تنصرف عن ذلك فتمتثل الأمر مطلقا؛ بل لا بد أن تعصي الأمر في جلب ~~المنفعة ودفع المضرة فلا تصح العبادة لله، وطاعة أمره بدون التوكل عليه كما ~~أن التوكل عليه لا يصح بدون عبادته وطاعته. # قال تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} وقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} وقال تعالى: ~~{واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا} . # و (المقصود) أن امتثال الأمر على الإطلاق لا يصح بدون التوكل والاستعانة ~~ومن كان واثقا بالله أن يجلب له ما ينفعه ويدفع عنه ما يضره # PageV02P116 # أمكن أن يدع هواه ويطيع أمر مولاه وإلا فنفسه لا تدعه يترك ما يقول إنه ~~محتاج فيه إلى غيره. ### | كلام آخر للجيلاني عن علامة فناء إرادة العبد: # قال الشيخ: " وعلامة فناء إرادتك بفعل الله أنك لا تريد مرادا قط فلا يكن ~~لك غرض ولا تقف لك حاجة ولا مرام؛ لأنك لا تريد مع إرادة الله سواها بل ~~يجري فعله فيك فتكون أنت إرادة الله تعالى وفعله، ساكن الجوارح، مطمئن ~~الجنان، مشروح الصدر، منور الوجه، عامر الباطن، غنيا عن الأشياء بخالقها ~~تقلبك يد القدرة، ويدعوك لسان الأزل، ويعلمك رب الملل ويكسوك نورا منه ~~والحلل، وينزلك منازل من سلف من أولي العلم الأول فتكون منكسرا أبدا، فلا # PageV02P117 # تثبت فيك شهوة ولا إرادة، كالإناء المتثلم الذي لا يثبت فيه مائع ولا ~~كدر، فتنبو عن أخلاق البشرية فلن يقبل باطنك شيئا غير إرادة الله تعالى، ~~فحينئذ يضاف إليك التكوين وخرق العادات، فيرى ذلك منك في ظاهر الفعل والحكم ~~وهو فعل الله تبارك وتعالى حقا في العلم، فتدخل حينئذ في زمرة المنكسرة ~~قلوبهم الذين كسرت إرادتهم البشرية، ms208 وأزيلت شهواتهم الطبيعية، واستؤنفت لهم ~~إرادات ربانية وشهوات إضافية. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " حبب إلي ~~من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة " فأضيف ذلك إليه ~~بعد أن خرج منه وزال عنه، تحقيقا لما # PageV02P118 # أشرت إليه وتقدم، قال الله تعالى: " {أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي} " ~~وساق كلامه. وفيه: " {ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل} " الحديث. ### | تعليق ابن تيمية: # قلت: هذا المقام هو آخر ما يشير إليه الشيخ عبد القادر. وحقيقته أنه لا ~~يريد كون شيء إلا أن يكون مأمورا بإرادته فقوله: علامة فناء إرادتك بفعل ~~الله أنك لا تريد مرادا قط. أي لا تريد مرادا لم تؤمر بإرادته فأما ما أمرك ~~الله ورسوله بإرادتك إياه فإرادته إما واجب وإما مستحب وترك إرادة هذا إما ~~معصية وإما نقص. # وهذا الموضع يلتبس على كثير من السالكين، فيظنون أن الطريقة الكاملة # PageV02P119 # ألا يكون للعبد إرادة أصلا وأن قول أبي يزيد: " أريد ألا أريد " - لما ~~قيل له: ماذا تريد؟ - نقص وتناقض؛ لأنه قد أراد، ويحملون كلام المشايخ ~~الذين يمدحون بترك الإرادة على ترك الإرادة مطلقا. # وهذا غلط منهم على الشيوخ المستقيمين وإن كان من الشيوخ من يأمر بترك ~~الإرادة مطلقا فإن هذا غلط ممن قاله فإن ذلك ليس بمقدور ولا مأمور. # فإن الحي لا بد له من إرادة، فلا يكون حي من الناس إلا أن تكون له إرادة. ~~وأما الأمر فإن الإرادة التي يحبها الله ورسوله، ويأمر بها أمر إيجاب أو ~~أمر استحباب، لا يدعها إلا كافر أو فاسق أو عاص إن كانت واجبة، وإن كانت ~~مستحبة كان تاركها تاركا لما هو خير له. # PageV02P120 # والله تعالى قد وصف الأنبياء والصديقين بهذه " الإرادة " فقال تعالى: ~~{ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} وقال تعالى: {وما ~~لأحد عنده من نعمة تجزى} {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} وقال تعالى: {إنما ~~نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} وقال تعالى: {وإن كنتن تردن ~~الله ورسوله والدار الآخرة فإن ms209 الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} وقال ~~تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} ~~وقال تعالى: {فاعبد الله مخلصا له الدين} {ألا لله الدين الخالص} وقال ~~تعالى: {قل الله أعبد مخلصا له ديني} وقال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا ~~به شيئا} وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} . # ولا عبادة إلا بإرادة الله ولما أمر به. وقال تعالى: {بلى من أسلم وجهه ~~لله وهو محسن} أي أخلص قصده لله. وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين} وإخلاص الدين له هو إرادته وحده بالعبادة. # وقال تعالى: {يحبهم ويحبونه} وقال تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا لله} ~~وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} . وكل محب فهو ~~مريد. # PageV02P121 # وقال الخليل عليه السلام {لا أحب الآفلين} ثم قال: {إني وجهت وجهي للذي ~~فطر السماوات والأرض} . # ومثل هذا كثير في القرآن؛ يأمر الله بإرادته وإرادة ما يأمر به وينهى عن ~~إرادة غيره وإرادة ما نهى عنه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " {إنما ~~الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ~~فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه} ". # فهما " إرادتان ": إرادة يحبها الله ويرضاها وإرادة لا يحبها ولا يرضاها ~~بل إما نهى عنها وإما لم يأمر بها ولا ينهى عنها. # والناس في الإرادة " ثلاثة أقسام ": # قوم يريدون ما يهوونه فهؤلاء عبيد أنفسهم والشيطان. # وقوم يزعمون أنهم فرغوا من الإرادة مطلقا ولم يبق لهم مراد إلا ما يقدره ~~الرب وأن هذا المقام هو أكمل المقامات. ويزعمون أن من قام بهذا فقد # PageV02P122 # قام بالحقيقة وهي الحقيقة القدرية الكونية؛ وأنه شهد القيومية العامة ~~ويجعلون الفناء في شهود توحيد الربوبية هو الغاية؛ وقد يسمون هذا: الجمع ~~والفناء والاصطلام ونحو ذلك. وكثير من الشيوخ زلقوا في هذا الموضع. # وفي " هذا المقام " كان النزاع بين الجنيد بن محمد وبين طائفة من ms210 أصحابه ~~الصوفية؛ فإنهم اتفقوا على شهود توحيد الربوبية وأن الله خالق كل # PageV02P123 # شيء وربه ومليكه وهو شهود القدر؛ وسموا هذا " مقام الجمع " فإنه خرج به ~~عن الفرق الأول وهو الفرق الطبيعي بإرادة هذا وكراهة هذا، ورؤية فعل هذا ~~وترك هذا فإن الإنسان قبل أن يشهد هذا التوحيد يرى للخلق فعلا يتفرق به ~~قلبه في شهود أفعال المخلوقات؛ ويكون متبعا لهواه فيما يريده فإذا أراد ~~الحق خرج بإرادته عن إرادة الهوى والطبع ثم يشهد أنه خالق كل شيء فخرج ~~بشهود هذا الجمع عن ذاك الفرق فلما اتفقوا على هذا ذكر لهم الجنيد بن محمد ~~" الفرق الثاني " وهو بعد هذا الجمع وهو الفرق الشرعي. ألا ترى أنك تريد ما ~~أمرت به ولا تريد ما نهيت عنه وتشهد أن الله هو يستحق العبادة دون ما سواه ~~وأن عبادته هي بطاعة رسله فتفرق بين المأمور والمحظور وبين أوليائه ~~وأعدائه، وتشهد توحيد الألوهية؟ # فنازعوه في هذا " الفرق " منهم من أنكره. و (منهم من لم يفهمه. ومنهم من ~~ادعى أن المتكلم فيه لم يصل إليه. ثم إنك تجد كثيرا من الشيوخ إنما ينتهي ~~إلى # PageV02P124 # ذلك الجمع وهو " توحيد الربوبية " والفناء فيه. كما في كلام صاحب " منازل ~~السائرين " مع جلالة قدره مع أنه قطعا كان قائما بالأمر والنهي المعروفين. # لكن قد يدعون أن هذا لأجل العامة. و (منهم من يتناقض) . و (منهم من يقول: ~~الوقوف مع الأمر لأجل مصلحة العامة) وقد يعبر عنهم بأهل المارستان. # و (منهم من يسمي ذلك مقام التلبيس) . # ومنهم من يقول: إنما التكليف على الإنسان مادام عبدا، فإذا ترقى من منزلة ~~العبودية [إلى منزلة] الحرية سقط عنه التكليف، فلا يبقى عليه تكليف، لأن ~~الحر لا تكليف عليه لأحد. # و (منهم من يقول: التحقيق أن يكون الجمع في قلبك مشهودا والفرق على لسانك ~~موجودا) فيشهد بقلبه استواء المأمور والمحظور مع تفريقه بلسانه بينهما. # و (منهم من يرى أن هذه هي الحقيقة التي هي منتهى سلوك العارفين وغاية ~~منازل الأولياء الصديقين) . # و (منهم من يظن ms211 أن الوقوف مع إرادة الأمر والنهي يكون في السلوك والبداية ~~وأما في النهاية فلا تبقى إلا إرادة القدر) وهو في الحقيقة قول بسقوط ~~العبادة # PageV02P125 # والطاعة؛ فإن العبادة لله والطاعة له ولرسوله إنما تكون في امتثال الأمر ~~الشرعي لا في الجري مع المقدور وإن كان كفرا وفسوقا وعصيانا. # ومن هنا صار كثير من السالكين من أعوان الكفار والفجار وخفرائهم حيث ~~شهدوا القدر معهم؛ ولم يشهدوا الأمر والنهي الشرعيين. ومن هؤلاء من يقول: ~~من شهد القدر سقط عنه الملام. ويقول: إن الخضر إنما سقط عنه الملام لما شهد ~~القدر. # وأصحاب شهود القدر قد يؤتى أحدهم ملكا من جهة خرق العادة بالكشف والتصرف ~~فيظن ذلك كمالا في الولاية؛ وتكون تلك " الخوارق " إنما حصلت بأسباب ~~شيطانية وأهواء نفسانية؛ وإنما الكمال في الولاية أن يستعمل خرق العادات في ~~إقامة الأمر والنهي الشرعيين مع حصولهما بفعل المأمور وترك المحظور فإذا ~~حصلت بغير الأسباب الشرعية فهي مذمومة وإن حصلت بالأسباب الشرعية لكن ~~استعملت ليتوصل بها إلى محرم كانت مذمومة وإن توصل بها إلى مباح لا يستعان ~~بها على طاعة كانت للأبرار دون المقربين وأما إن حصلت بالسبب الشرعي ~~واستعين بها على فعل الأمر الشرعي: فهذه خوارق المقربين السابقين. # PageV02P126 # فلا بد أن ينظر في " الخوارق " في أسبابها وغاياتها: من أين حصلت وإلى ~~ماذا أوصلت - كما ينظر في الأموال في مستخرجها ومصروفها - ومن استعملها - ~~أعني الخوارق - في إرادته الطبيعية كان مذموما. # ومن كان خاليا عن الإرادتين الطبيعية والشرعية فهذا حسبه أن يعفى عنه ~~لكونه لم يعرف الإرادة الشرعية. وأما إن عرفها وأعرض عنها فإنه يكون مذموما ~~مستحقا للعقاب إن لم يعف عنه وهو يمدح بكون إرادته ليست بهواه؛ لكن يجب مع ~~ذلك أن تكون موافقة لأمر الله ورسوله لا يكفيه أن تكون لا من هذا ولا من ~~هذا مع أنه لا يمكن خلوه عن الإرادة مطلقا بل لا بد له من إرادة فإن لم يرد ~~ما يحبه الله ورسوله أراد ما لا يحبه الله ورسوله؛ لكن إذا جاهد نفسه ms212 على ~~ترك ما يهواه بقي مريدا لما يظن أنه مأمور به فيكون ضالا. # فإن هذا يشبه حال الضالين من النصارى. وقد قال تعالى: {اهدنا الصراط ~~المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم " {اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون} ". # PageV02P127 # فاليهود لهم إرادات فاسدة منهي عنها كما أخبر عنهم: بأنهم عصوا وكانوا ~~يعتدون. وهم يعرفون الحق ولا يعملون به فلهم علم لكن ليس لهم عمل بالعلم ~~وهم في الإرادة المذمومة المحرمة يتبعون أهواءهم ليسوا في الإرادة المحمودة ~~المأمور بها وهي إرادة ما يحبه الله ورسوله. # والنصارى لهم قصد وعبادة وزهد لكنهم ضلال يعملون بغير علم فلا يعرفون ~~الإرادة التي يحبها الله ورسوله بل غاية أحدهم تجريد نفسه عن الإرادات فلا ~~يبقى مريدا لما أمر الله به ورسوله كما لا يريد كثيرا مما نهى الله عنه ~~ورسوله. # وهؤلاء ضالون عن مقصودهم فإن مقصودهم إنما هو في طاعة الله ورسوله ولهذا ~~كانوا ملعونين: أي بعيدين عن الرحمة التي تنال بطاعة الله عز وجل. # و" العالم الفاجر " يشبه اليهود. و " العابد الجاهل " يشبه النصارى. ومن ~~أهل العلم من فيه شيء من الأول ومن أهل العبادة من فيه شيء من الثاني. وهذا ~~الموضع تفرق فيه بنو آدم وتباينوا تباينا عظيما لا يحيط به إلا الله. ففيهم ~~من لم يخلق الله خلقا أكرم عليه منه وهو خير البرية. ومنهم من هو شر ~~البرية. # PageV02P128 # وأفضل الأحوال فيه حال الخليلين: إبراهيم ومحمد - صلى الله عليهما وسلم - ~~ومحمد سيد ولد آدم وأفضل الأولين والآخرين، وخاتم النبيين وإمامهم إذا ~~اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا وهو المعروج به إلى ما فوق الأنبياء كلهم - ~~إبراهيم وموسى وغيرهما. # وأفضل الأنبياء بعده " إبراهيم " كما ثبت في الصحيح عن أنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {أن إبراهيم خير البرية} ". # وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ~~في خطبة يوم الجمعة: " {خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ms213 صلى الله ~~عليه وسلم} ". وكذلك كان عبد الله بن مسعود يخطب بذلك يوم الخميس كما رواه ~~البخاري في صحيحه. # PageV02P129 # وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " {ما ضرب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خادما له ولا امرأة ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن ~~يجاهد في سبيل الله وما نيل منه قط شيء فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم ~~الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله} ". # {وقال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي: أف ~~قط وما قال لي لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته؟ وكان ~~بعض أهله إذا عتبني على شيء قال: دعوه فلو قضي شيء لكان} ". # ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو أفضل الخلائق وسيد ولد آدم وله الوسيلة ~~في المقامات كلها ولم يكن حاله أنه لا يريد شيئا ولا أنه يريد كل واقع كما ~~أنه لم يكن حاله أنه يتبع الهوى بل هو منزه عن هذا وهذا. # قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى} {إن هو إلا وحي يوحى} ، # PageV02P130 # وقال تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} وقال: {وإن كنتم في ريب مما ~~نزلنا على عبدنا} وقال: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} . والمراد بعبده ~~عابده المطيع لأمره؛ وإلا فجميع المخلوقين عباد بمعنى أنهم معبدون مخلوقون ~~مدبرون. # وقد قال الله تعالى لنبيه: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} قال الحسن ~~البصري لم يجعل الله لعمل المؤمن أجلا دون الموت. # وقد قال الله تعالى له: {وإنك لعلى خلق عظيم} قال ابن عباس ومن وافقه ~~كابن عيينة وأحمد بن حنبل: على دين عظيم. و " الدين " فعل ما أمر به. # PageV02P131 # وقالت عائشة: {كان خلقه القرآن} " رواه مسلم. وقد أخبرت أنه لم يكن يعاقب ~~لنفسه ولا ينتقم لنفسه لكن يعاقب لله وينتقم لله وكذلك أخبر أنس أنه كان ~~يعفو عن حظوظه. # وأما حدود الله فقد قال: " {والذي نفسي بيده لو أن فاطمة ms214 بنت محمد سرقت ~~لقطعت يدها} " أخرجاه في الصحيحين. # وهذا هو كمال الإرادة؛ فإنه أراد ما يحبه الله ويرضاه من الإيمان والعمل ~~الصالح وأمر بذلك وكره ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان ونهى عن ~~ذلك كما وصفه الله تعالى بقوله: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ~~ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم # PageV02P132 # بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} . # وأما لحظ نفسه فلم يكن يعاقب ولا ينتقم بل يستوفي حق ربه، ويعفو عن حظ ~~نفسه وفي حظ نفسه ينظر إلى القدر. فيقول: " {لو قضي شيء لكان} " وفي حق ~~الله يقوم بالأمر فيفعل ما أمر الله به ويجاهد في سبيل الله أكمل الجهاد ~~الممكن فجاهدهم أولا بلسانه بالقرآن الذي أنزل عليه. # كما قال تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا} {فلا تطع الكافرين ~~وجاهدهم به جهادا كبيرا} . ثم لما هاجر إلى المدينة وأذن له في القتال ~~جاهدهم بيده. # وهذا مطابق لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة وهو معروف أيضا من حديث ~~عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث احتجاج آدم وموسى، # PageV02P133 # لما لام موسى آدم لكونه أخرج نفسه وذريته من الجنة بالذنب الذي فعله ~~فأجابه آدم بأن هذا كان مكتوبا علي قبل أن أخلق بمدة طويلة قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {فحج آدم موسى} ". # وذلك لأن ملام موسى لآدم لم يكن لحق الله وإنما كان لما لحقه وغيره من ~~الآدميين من المصيبة بسبب ذلك الفعل فذكر له آدم أن هذا كان أمرا مقدرا لا ~~بد من كونه والمصائب التي تصيب العباد يؤمرون فيها بالصبر؛ فإن هذا هو الذي ~~ينفعهم. وأما لومهم لمن كان سببا فيها فلا فائدة لهم في ذلك وكذلك ما فاتهم ~~من الأمور التي تنفعهم ms215 يؤمرون في ذلك بالنظر إلى القدر وأما التأسف والحزن ~~فلا فائدة فيه فما جرى به القدر من فوت منفعة لهم أو حصول مضرة لهم ~~فلينظروا في ذلك إلى القدر وأما ما كان بسبب أعمالهم فليجتهدوا في التوبة ~~من الماضي والإصلاح في المستقبل. فإن هذا الأمر ينفعهم وهو مقدور لهم ~~بمعونة الله لهم. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~{المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ~~ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا # PageV02P134 # وكذا؛ ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان} ". # أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحرص العبد على ما ينفعه والاستعانة بالله ~~ونهاه عن العجز وأنفع ما للعبد طاعة الله ورسوله وهي عبادة الله تعالى. ~~وهذان الأصلان هما حقيقة قوله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} ونهاه عن ~~العجز وهو الإضاعة والتفريط والتواني. كما قال في الحديث الآخر: " {الكيس ~~من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ~~الأماني} " رواه الترمذي. # وفي سنن أبي داود: " {أن رجلين تحاكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى ~~على أحدهما. فقال المقضي عليه: حسبي الله ونعم الوكيل فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل: ~~حسبي الله ونعم الوكيل} " فالكيس ضد العجز. وفي الحديث: " {كل شيء بقدر حتى ~~العجز والكيس} " رواه مسلم. # PageV02P135 # وليس المراد بالعجز في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما يضاد القدرة؛ ~~فإن من لا قدرة له بحال لا يلام ولا يؤمر بما لا يقدر عليه بحال. ثم لما ~~أمره بالاجتهاد والاستعانة بالله ونهاه عن العجز أمره إذا غلبه أمر أن ينظر ~~إلى القدر، ويقول: قدر الله وما شاء فعل ولا يتحسر ويتلهف ويحزن. ويقول: لو ~~أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا فإن لو ms216 تفتح عمل الشيطان. # وقد قال بعض الناس في هذا المعنى: الأمر أمران: أمر فيه حيلة وأمر لا ~~حيلة فيه. فما فيه حيلة لا تعجز عنه وما لا حيلة فيه لا تجزع منه. وهذا هو ~~الذي يذكره أئمة الدين. كما ذكر (الشيخ عبد القادر وغيره. فإنه لا بد من ~~فعل المأمور وترك المحظور والرضا أو الصبر على المقدور. # وقد قال تعالى حكاية عن يوسف: {أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه ~~من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} " فالتقوى " تتضمن فعل ~~المأمور وترك المحظور. و " الصبر " يتضمن الصبر على المقدور. # وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا} - إلى قوله - {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} # PageV02P136 # فبين سبحانه أنه مع التقوى والصبر لا يضر المؤمنين كيد أعدائهم ~~المنافقين. # وقال تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} فبين أنه مع الصبر والتقوى يمدهم ~~بالملائكة. وينصرهم على أعدائهم الذين يقاتلونهم. # وقال تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور} فأخبرهم أن أعداءهم من المشركين، وأهل الكتاب لا بد أن يؤذوهم ~~بألسنتهم وأخبر أنهم إن يصبروا ويتقوا فإن ذلك من عزم الأمور. فالصبر ~~والتقوى يدفع شر العدو المظهر للعداوة المؤذين بألسنتهم والمؤذين بأيديهم ~~وشر العدو المبطن للعداوة. وهم المنافقون. # وهذا الذي كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم وهديه هو أكمل الأمور. فأما ~~من أراد ما يحبه الله تارة وما لا يحبه تارة أو لم يرد لا هذا ولا هذا ~~فكلاهما دون خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن على واحد منهما ~~إثم كالذي يريد ما أبيح له من نيل الشهوة المباحة والغضب والانتقام المباح ~~كما هو خلق بعض الأنبياء والصالحين فهو وإن كان جائزا لا إثم فيه فخلق رسول ~~الله صلى الله ms217 عليه وسلم أكمل منه. # وكذلك من لم يرد الشهوات المباحة وإن كان # PageV02P137 # يستعان بها على أمر مستحب ولم يرد أن يغضب وينتقم ويجاهد إذا جاز العفو ~~وإن كان الانتقام لله أرضى لله. كما هو أيضا خلق بعض الأنبياء والصالحين ~~فهذا وإن كان جائزا لا إثم فيه فخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل ~~منه. # وهذا والذي قبله إذا كان شريعة لنبي فلا عيب على نبي فيما شرع الله له. ~~لكن قد فضل الله بعض النبيين على بعض، وفضل بعض الرسل على بعض. # والشريعة التي بعث بها محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الشرائع؛ إذ كان ~~محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والمرسلين وأمته خير أمة أخرجت ~~للناس. # قال أبو هريرة في قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} كنتم خير الناس ~~للناس تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة. يبذلون أموالهم ~~وأنفسهم في الجهاد لنفع الناس فهم خير الأمم للخلق. # والخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، وأما غير الأنبياء ~~فمنهم من يكون ذلك شرعة لاتباعه لذلك النبي وأما من كان من أهل شريعة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ومنهاجه فإن كان ما تركه واجبا عليه وما فعله محرما ~~عليه كان مستحقا للذم والعقاب إلا أن يكون متأولا مخطئا فالله قد وضع عن ~~هذه الأمة الخطأ والنسيان، وذنب أحدهم قد يعفو الله عنه بأسباب متعددة. # PageV02P138 # ومن أسباب هذا الانحراف أن من الناس من تغلب عليه " طريقة الزهد " في ~~إرادة نفسه فيزهد في موجب الشهوة والغضب كما يفعل ذلك من يفعله من عباد ~~المشركين وأهل الكتاب كالرهبان وأشباههم وهؤلاء يرون الجهاد نقصا لما فيه ~~من قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال ويرون أن الله لم يجعل عمارة بيت ~~المقدس على يد داود لأنه جرى على يديه سفك الدماء. ومنهم من لا يرى ذبح شيء ~~من الحيوان كما عليه البراهمة ومنهم من لا يحرم ذلك لكنه هو يتقرب إلى الله ~~بأنه لا يذبح حيوانا ولا يأكل لحمه بل ms218 ولا ينكح النساء ويقول في ممادحه: ~~فلان ما نكح ولا ذبح. # وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على هؤلاء كما في الصحيحين عن أنس: " ~~{أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا ~~آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا لكني أصلي ~~وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني} ". # وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله # PageV02P139 # لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} نزلت في عثمان بن مظعون وطائفة ~~معه كانوا قد عزموا على التبتل ونوع من الترهب. # وفي الصحيحين {عن سعد قال رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن ~~مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا} . # و" الزهد " النافع المشروع الذي يحبه الله ورسوله هو الزهد فيما لا ينفع ~~في الآخرة فأما ما ينفع في الآخرة وما يستعان به على ذلك فالزهد فيه زهد في ~~نوع من عبادة الله وطاعته والزهد إنما يراد لأنه زهد فيما يضر أو زهد فيما ~~لا ينفع فأما الزهد في النافع فجهل وضلال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~" {احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز} ". # والنافع للعبد هو عبادة الله وطاعته وطاعة رسوله وكلما صده عن ذلك فإنه ~~ضار لا نافع ثم الأنفع له أن تكون كل أعماله عبادة لله وطاعة له وإن أدى ~~الفرائض وفعل مباحا لا يعينه على الطاعة فقد فعل ما ينفعه وما لا ينفعه ولا ~~يضره. # PageV02P140 # وكذلك " الورع " المشروع هو الورع عما قد تخاف عاقبته وهو ما يعلم تحريمه ~~وما يشك في تحريمه وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله - مثل فعل محرم يتعين - ~~مثل من يترك أخذ الشبهة ورعا مع حاجته إليها ms219 ويأخذ بدل ذلك محرما بينا ~~تحريمه أو يترك واجبا تركه أعظم فسادا من فعله مع الشبهة كمن يكون على أبيه ~~أو عليه ديون هو مطالب بها وليس له وفاء إلا من مال فيه شبهة فيتورع عنها ~~ويدع ذمته أو ذمة أبيه مرتهنة. # وكذلك من " الورع " الاحتياط بفعل ما يشك في وجوبه لكن على هذا الوجه. ~~وتمام " الورع " أن يعم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة ~~مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإلا فمن لم ~~يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع ~~واجبات ويفعل محرمات. ويرى ذلك من الورع كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة ~~ويرى ذلك ورعا ويدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور ~~ويرى ذلك من الورع ويمتنع عن قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في ~~صاحبه من بدعة خفية ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع. # وكذلك " الزهد والرغبة " من لم يراع ما يحبه الله ورسوله من الرغبة ~~والزهد وما يكرهه من ذلك؛ وإلا فقد يدع واجبات ويفعل محرمات مثل من يدع ما ~~يحتاج إليه من الأكل أو أكل الدسم حتى يفسد عقله أو تضعف قوته عما # PageV02P141 # يجب عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده أو يدع الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر والجهاد في سبيل الله لما في فعل ذلك من أذى بعض الناس والانتقام ~~منهم حتى يستولي الكفار والفجار على الصالحين الأبرار فلا ينظر المصلحة ~~الراجحة في ذلك. # وقد قال تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد ~~عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~والفتنة أكبر من القتل} . يقول سبحانه وتعالى: وإن كان قتل النفوس فيه شر ~~فالفتنة الحاصلة بالكفر، وظهور أهله أعظم من ذلك فيدفع أعظم الفسادين ~~بالتزام أدناهما. # وكذلك الذي يدع ذبح الحيوان أو يرى أن في ذبحه ظلما له هو جاهل فإن هذا ~~الحيوان لا بد ms220 أن يموت فإذا قتل لمنفعة الآدميين وحاجتهم كان خيرا من أن ~~يموت موتا لا ينتفع به أحد والآدمي أكمل منه ولا تتم مصلحته إلا باستعمال ~~الحيوان في الأكل والركوب ونحو ذلك؛ لكن ما لا يحتاج إليه من تعذيبه نهى ~~الله عنه كصبر البهائم وذبحها في غير الحلق واللبة مع القدرة على ذلك وأوجب ~~الله الإحسان بحسب الإمكان فيما أباحه من القتل والذبح. كما في صحيح مسلم ~~عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إن الله كتب # PageV02P142 # الإحسان على كل شيء: فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا ~~الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته} ". # وهؤلاء الذين زهدوا في " الإرادات " حتى فيما يحبه الله ورسوله من ~~الإرادات بإزائهم " طائفتان ": (طائفة رغبت فيما كره الله ورسوله والرغبة ~~فيه من الكفر والفسوق والعصيان) . و (طائفة رغبت فيما أمر الله ورسوله لكن ~~لهوى أنفسهم لا لعبادة الله تعالى) وهؤلاء الذين يأتون بصور الطاعات مع ~~فساد النيات كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم " {أنه قيل له: ~~يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل ~~الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله} ". # قال الله تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} وهؤلاء أهل ~~إرادات فاسدة مذمومة فهم مع تركهم الواجب # PageV02P143 # فعلوا المحرم. وهم يشبهون اليهود كما يشبه أولئك النصارى. # قال تعالى: {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} . # وقال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا ~~كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل ~~الغي يتخذوه سبيلا} . # وقال تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ms221 فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين} {ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض ~~واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل ~~القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} . # فهؤلاء يتبعون أهواءهم غيا مع العلم بالحق وأولئك يتبعون أهواءهم مع ~~الضلال والجهل بالحق. كما قال تعالى: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ~~وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} وكلا الطائفتين تاركة ما أمر الله ~~ورسوله به من الإرادات والأعمال الصالحة مرتكبة لما نهى الله ورسوله عنه من ~~الإرادات والأعمال الفاسدة. ### | فصل # فأمر الشيخ عبد القادر وشيخه حماد الدباس وغيرهما من # PageV02P144 # المشايخ أهل الاستقامة - رضي الله عنهم -: بأنه لا يريد السالك مرادا قط ~~وأنه لا يريد مع إرادة الله عز وجل سواها بل يجري فعله فيه فيكون هو مراد ~~الحق. إنما قصدوا به فيما لم يعلم العبد أمر الله ورسوله فيه فأما ما علم ~~أن الله أمر به فعليه أن يريده ويعمل به وقد صرحوا بذلك في غير موضع. وإن ~~كان غيرهم من الغالطين يرى القيام بالإرادة الخلقية هو الكمال وهو " الفناء ~~في توحيد الربوبية " وأن السلوك إذا انتهى إلى هذا الحد فصاحبه إذا قام ~~بالأمر فلأجل غيره أو أنه لا يحتاج أن يقوم بالأمر فتلك أقوال وطرائق فاسدة ~~قد تكلم عليها في غير هذا الموضع. # فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشايخ السلف: مثل الفضيل بن عياض ~~وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والسري السقطي ~~والجنيد بن محمد وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر والشيخ حماد ~~والشيخ أبي البيان وغيرهم من المتأخرين. فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في ~~الهواء أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين بل عليه أن يفعل ~~المأمور ويدع المحظور إلى أن يموت وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة ~~وإجماع السلف. ### | تابع كلام الجيلاني: # وهذا كثير في كلامهم: كقول الشيخ عبد القادر في كتاب " فتوح الغيب ": " ~~اخرج من نفسك ms222 وتنح عنها وانعزل عن ملكك. وسلم الكل إلى الله - تبارك وتعالى ~~- وكن بوابه على باب قلبك، وامتثل أمره - تبارك وتعالى - في إدخال من يأمرك ~~بإدخاله وانته نهيه في صد من يأمرك # PageV02P145 # بصده. فلا تدخل الهوى قلبك بعد أن خرج منه فإخراج الهوى من القلب ~~بمخالفته، وترك متابعته في الأحوال كلها وإدخاله في القلب بمتابعته ~~وموافقته فلا ترد إرادة غير إرادته - تبارك وتعالى - وغير ذلك منك تمن وهو ~~وادي الحمقى وفيه حتفك وهلاكك وسقوطك من عينه - تبارك وتعالى - وحجابك عنه. # احفظ أبدا أمره وانته أبدا نهيه وسلم إليه أبدا مقدوره ولا تشركه بشيء من ~~خلقه فإرادتك وهواك وشهواتك كلها خلقه فلا ترد ولا تهو ولا تشته كيلا تكون ~~مشركا. قال الله تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا} ليس الشرك عبادة الأصنام فحسب؛ بل هو أيضا متابعتك ~~لهواك وأن تختار مع ربك شيئا سواه من الدنيا وما فيها والآخرة وما فيها فما ~~سواه - تبارك وتعالى - غيره فإذا ركنت إلى غيره فقد أشركت به عز وجل # PageV02P146 # غيره فاحذر ولا تركن وخف ولا تأمن وفتش ولا تغفل فتطمئن ولا تضف إلى نفسك ~~حالا ولا مقاما ولا تدع شيئا من ذلك ". # وقال الشيخ عبد القادر أيضا: " إنما هو الله ونفسك وأنت المخاطب والنفس ~~ضد الله وعدوته؛ والأشياء كلها تابعة لله فإذا وافقت الحق في مخالفة النفس ~~وعداوتها فكنت خصما له على نفسك ". # إلى أن قال: " فالعبادة في مخالفتك نفسك وهواك قال تعالى: {ولا تتبع ~~الهوى فيضلك عن سبيل الله} ". # إلى أن قال: " والحكاية المشهورة عن أبي يزيد البسطامي - رحمه الله - لما ~~رأى رب العزة في المنام فقال له: كيف الطريق إليك يا بارخذاه؟ فقال: # PageV02P147 # اترك نفسك وتعال قال أبو يزيد: فانسلخت من نفسي كما تنسلخ الحية من ~~جلدها. فإذا ثبت أن الخير كله في معاداتها في الجملة في الأحوال كلها فإن ~~كنت في حال التقوى فخالف النفس بأن تخرج من حرام الخلق وشبههم ومننهم ~~والاتكال عليهم والثقة ms223 بهم والخوف منهم؛ والرجاء لهم والطمع فيما عندهم من ~~حطام الدنيا فلا ترج عطاءهم على طريق الهدية أو الزكاة أو الصدقة أو ~~الكفارة أو النذر فاقطع همك منهم من سائر الوجوه والأسباب فاخرج من الخلق ~~جدا واجعلهم كالباب يرد ويفتح وكالشجرة يوجد فيها ثمرة تارة ونخيل أخرى كل ~~ذلك بفعل فاعل وتدبير مدبر، وهو الله تبارك وتعالى. فإذا اصح لك هذا كنت # PageV02P148 # موحدا له - تبارك وتعالى - ولا تنس مع ذلك كسبهم لتتخلص من مذهب الجبرية ~~وأعتقد أن الأفعال لا تتم لهم دون الله - تبارك وتعالى - لكيلا تعبدهم ~~وتنسى الله تعالى ولا تقل فعلهم دون الله فتكفر وتكون قدريا. لكن قل: هي ~~لله خلقا وللعباد كسبا. كما جاءت به الآثار لبيان موضع الجزاء من الثواب ~~والعقاب، وامتثل أمر الله فيهم وخلص قسمك منهم بأمره ولا تجاوزه فحكمه قائم ~~يحكم عليك وعليهم فلا تكن أنت الحاكم وكونك معهم قدر والقدر ظلمة فادخل في ~~الظلمة بالمصباح وهو " الحكم ": كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~لا تخرج عنهما. # فإن خطر خاطر أو وجد إلهام فاعرضهما على الكتاب والسنة فإن وجدت فيهما ~~تحريم ذلك مثل أن تلهم بالزنا أو الربا أو مخالطة أهل الفسوق والفجور وغير ~~ذلك من المعاصي فادفعه عنك واهجره ولا تقبله ولا تعمل به واقطع بأنه من ~~الشيطان اللعين وإن وجدت فيهما إباحته # PageV02P149 # كالشهوات المباحة من الأكل والشرب واللبس والنكاح فاهجره أيضا ولا تقبله ~~واعلم أنه من إلهام النفس وشهواتها وقد أمرت بمخالفتها وعداوتها ". # قلت: ومراده بهجر المباح إذا لم يكن مأمورا به كما قد بين مراده في غير ~~هذا الموضع. فإن المباح المأمور به إذا فعله بحكم الأمر كان ذلك من أعظم ~~نعم الله عليه وكان واجبا عليه وقد قدمت أنه يدعو إلى طريقة السابقين ~~المقربين؛ لا يقف عند طريقة الأبرار أصحاب اليمين. # قال: " وإن لم تجد في الكتاب والسنة تحريمه ولا إباحته بل هو أمر لا ~~تعقله مثل أن يقال لك ائت موضع كذا وكذا الق فلانا الصالح؛ ms224 ولا حاجة لك ~~هناك ولا في الصالح؛ لاستغنائك عنه بما أولاك الله تعالى من نعمه من العلم ~~والمعرفة فتوقف في ذلك ولا تبادر إليه. فتقول: هل هذا إلهام إلا من الحق ~~فاعمل به؟ بل انتظر الخير في ذلك وفعل الحق بأن يتكرر ذلك الإلهام، وتؤمر ~~بالسعي أو علامة تظهر لأهل العلم بالله تبارك وتعالى يعقلها العقلاء # PageV02P150 # من أولياء الله والمؤيدون من الأبدال. # وإنما لم تبادر إلى ذلك لأنك لا تعلم عاقبته وما يؤول الأمر إليه وربما ~~كان فيه فتنة وهلاك ومكر من الله وامتحان فاصبر حتى يكون هو عز وجل الفاعل ~~فيك فإذا تجرد الفعل وحملت إلى هناك واستقبلتك فتنة كنت محمولا محفوظا ~~منها؛ لأن الله تعالى لا يعاقبك على فعله وإنما تتطرق العقوبة نحوك لكونك ~~في الشيء ". ### | تعليق ابن تيمية: # قلت: فقد أمر - رحمه الله - بأن ما كان محظورا في الشرع يجب تركه ولا بد ~~وما كان معلوما أنه مباح بعينه لكونه يفعل بحكم الهوى لا بأمر الشارع فيترك ~~أيضا وأما ما لم يعلم هل هو بعينه مباح لا مضرة فيه أو فيه مضرة مثل السفر ~~إلى مكان معين أو شخص معين والذهاب إلى مكان معين أو شخص معين فإن جنس هذا ~~العمل ليس محرما ولا كل أفراده مباحة؛ بل يحرم على الإنسان أن يذهب إلى حيث ~~يحصل له ضرر في دينه فأمره بالكف عن الذهاب حتى يقهر أو يتبين له في الباطن ~~أن هذا مصلحة؛ لأنه إذا # PageV02P151 # لم يتبين له أن الذهاب واجب أو مستحب لم ينبغ له فعله وإذا خاف الضرر ~~انبغى له تركه فإذا أكره على الذهاب لم يكن عليه حرج فلا يؤاخذ بالفعل. ~~بخلاف ما إذا فعله باختياره وشهوته؛ وإذا تبين له أنه مصلحة راجحة كان ~~حسنا. # وقد جاءت شواهد السنة: بأن من ابتلي بغير تعرض منه أعين، ومن تعرض للبلاء ~~خيف عليه. مثل قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة " {لا تسأل ~~الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها ms225 عن غير مسألة ~~أعنت عليها} ". # ومنه قوله: " {لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم ~~فاصبروا} ". # PageV02P152 # وفي السنن " {من سأل القضاء واستعان عليه وكل إليه ومن لم يسأل القضاء ~~ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده} - وفي رواية - وإن أكره عليه ". # وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال في الطاعون: " {إذا سمعتم به ~~بأرض فلا تقدموا عليه؛ وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه} ". # ومنه أنه صلى الله عليه وسلم " {نهى عن النذر} ". # PageV02P153 # ومنه قوله: " {ذروني ما تركتم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ~~واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. وإذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما استطعتم} " ### | فصل ### | تابع كلام الجيلاني: # قال الشيخ عبد القادر: " وإن كنت في حالة الحقيقة وهي حالة الولاية: ~~فخالف هواك، واتبع الأمر في الجملة واتباع الأمر على " قسمين ": (أحدهما) : ~~أن تأخذ من الدنيا القوت الذي هو حق النفس وتترك الحظ، وتؤدي الفرض وتشتغل ~~بترك الذنوب ما ظهر منها وما بطن. # و (القسم الثاني) : ما كان بأمر باطن وهو أمر الحق تبارك وتعالى يأمر ~~عبده وينهاه وإنما يتحقق هذا الأمر في المباح الذي ليس حكما في الشرع على ~~معنى أنه ليس من قبيل النهي ولا من قبيل الأمر الواجب بل هو مهمل ترك العبد ~~يتصرف فيه باختياره فسمي مباحا فلا يحدث العبد فيه شيئا من عنده بل ينتظر ~~الأمر فيه فإذا أمر امتثل فتصير جميع حركاته # PageV02P154 # وسكناته بالله تعالى ما في الشرع حكمه فبالشرع وما ليس له حكم في الشرع ~~فبالأمر الباطن فحينئذ يصير محقا من أهل الحقيقة وما ليس فيه أمر باطن فهو ~~مجرد الفعل حالة التسليم. وإن كنت في حالة حق الحق وهي حالة المحو والفناء ~~وهي حالة الأبدال المنكسري القلوب لأجل الحق، الموحدين العارفين أرباب ~~العلوم والفعل، السادة الأمراء الشحن الخفراء للخلق، خلفاء الرحمن وأخلائه ~~وأعيانه وأحبابه عليهم السلام، فاتباع الأمر فيها بمخالفتك إياك، بالتبري ~~من الحول والقوة، وأن لا يكون لك إرادة وهمة في ms226 شيء ألبتة، دنيا وأخرى، عبد ~~الملك # PageV02P155 # لا عبد الملك، وعبد الأمر لا عبد الهوى، كالطفل مع الظئر، والميت الغسيل ~~مع الغاسل، والمريض المغلوب على جنبه مع الطبيب فيما سوى الأمر والنهي ". # وقال أيضا: " اتبع الشرع في جميع ما ينزل بك إن كنت في حالة التقوى، التي ~~هي القدم الأولى، واتبع الأمر في حالة الولاية وخمود وجود الهوى ولا ~~تتجاوزه، وهي القدم الثانية، وارض بالفعل، ووافق، وافن في حالة البدلية ~~والغوثية والقطبية والصديقية، وهي المنتهى. # PageV02P156 # تنح عن الطريق القدر خل عن سبيله رد نفسك وهواك كف لسانك عن الشكوى فإذا ~~فعلت ذلك إن كان خيرا زادك المولى طيبة ولذة وسرورا، وإن كان شرا حفظك في ~~طاعته فيه وأزال عنك الملامة وأفقدك فيه حتى يتجاوز ويرحل عند انقضاء أجله ~~كما ينقضي الليل فيسفر عن النهار، والبرد في الشتاء فيسفر عن الصيف. # ذلك أنموذج عندك فاعتبر به. ثم ذنوب وآثام وإجرام وتلويث بأنواع المعاصي ~~والخطيات ولا يصلح لمجالسة الكريم إلا طاهر عن أنجاس الذنوب والزلات، ولا ~~يقبل على سدته إلا طيب من دون الدعوى والهواشات كما لا يصلح لمجالسة الملوك ~~إلا الطاهر من الأنجاس وأنواع النتن والأوساخ فالبلايا مكفرات مطهرات. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم " {حمى يوم كفارة سنة} ". # PageV02P158 ### | تعليق ابن تيمية: # قلت: فقد بين الشيخ عبد القادر - رضي الله عنه - أن لزوم الأمر والنهي لا ~~بد منه في كل مقام، وذكر الأحوال الثلاث التي جعلها: حال صاحب التقوى وحال ~~الحقيقة، وحال حق الحق وقد فسر مقصوده بأنه لا بد للعبد في كل حال من أن ~~يريد فعل ما أمر به في الشرع، وترك ما نهي عنه في الشرع وأنه إذا أمر العبد ~~بترك إرادته فهو فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه وهذا حق. فإنه لم يؤمر به ~~فتكون له إرادة في وجوده ولا نهي عنه فتكون له إرادة في عدمه فيخلو في مثل ~~هذا عن إرادة النقيضين. # وقد بين أن صاحب الحقيقة عليه أن يلزم الأمر دائما الأمر الشرعي الظاهر ms227 ~~إن عرفه أو الأمر الباطن، وبين أن الأمر الباطن إنما يكون فيما ليس بواجب ~~في الشرع ولا محرم وأن مثل هذا ينتظر فيه الأمر الخاص حتى يفعله بحكم ~~الأمر. # فإن قلت: فما الفرق بين هذا وبين صاحب التقوى الذي قبله؟ وصاحب الحق الذي ~~بعده؟ # قيل: أما الذي بعده الذين سماهم " الأبدال " فهم الذين لا يفعلون إلا ~~بأمر الحق، ولا يفعلون إلا به فلا يشهدون لأنفسهم فعلا فيما فعلوه من ~~الطاعة؛ بل يشهدون أنه هو الفاعل بهم ما قام بهم من طاعة أمره. ولهذا قال: ~~" فاتباع الأمر فيها بمخالفتك إياك بالتبري من الحول والقوة ". # PageV02P159 # فهؤلاء يشهدون توحيد الربوبية مع توحيد الإلهية فيشهدون أن الله هو الذي ~~خلق ما قام بهم من أفعال البر والخير فلا يرون لأنفسهم حمدا ولا منة على ~~أحد، ويرون أن الله خالق أفعال العباد فلا يرون أحدا مسيئا إليهم ولا يرون ~~لهم حقا على أحد إذ قد شهدوا أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها ~~وهم يعلمون أن العباد لا يستحقون من أنفسهم ولا بأنفسهم على الله شيئا بل ~~هو الذي كتب على نفسه الرحمة. # ويشهدون أنه يستحق أن يعبد لا يشرك به شيء، وأنه يستحق أن يتقى حق تقاته، ~~وحق تقاته أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر فيرون أن ما ~~قام بهم من العمل الصالح فهو بفضله وجوده وكرمه له الحمد في ذلك. # ويشهدون: أنه لا حول ولا قوة إلا بالله. وأما ما قام بالعباد من أذاهم ~~فالله خالقه وهو من عدله، وما تركه الناس من حقوقهم التي يستحقونها على ~~الناس فهو الذي لم يخلقه وله الحمد على كل حال على ما فعل وما لم يفعل. # ولهذا كانوا منكسرة قلوبهم؛ لشهودهم وجوده الكامل، وعدمهم المحض، ولا ~~أعظم انكسارا ممن لم ير لنفسه إلا العدم لا يرى له شيئا ولا يرى به شيئا. # وصاحب الحقيقة الذي هو دون هذا قد شاركه في إخلاص الدين لله وأنه لا يفعل ~~إلا ما أمر ms228 به فلا يفعل إلا لله لكن قصر عنه في شهود # PageV02P160 # توحيد الربوبية ورؤيته وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله وأنه ليس له في ~~الحقيقة شيء. بل الرب هو الخالق الفاعل لكل ما قام به وأن كمال هذا الشهود ~~لا يبقي شيئا من العجب ولا الكبر ونحو ذلك. # فكلاهما قائم بالأمر مطيع لله لكن هذا يشهد أن الله هو الذي جعله مسلما ~~مصليا وأنه في الحقيقة لم يحدث شيئا، وذاك وإن كان يؤمن بهذا ويصدق به إذ ~~كان مقرا بأن الله خالق أفعال العباد؛ لكن قد لا يشهده شهودا يجعله فيه ~~بمنزلة المعدوم. # وأيضا بينهما فرق من جهة ثانية: وهي أن الأول تكون له إرادة وهمة في أمور ~~فيتركها فهو يميز في مراداته بين ما يؤمر به وما ينهى عنه وما لا يؤمر به ~~ولا ينهى عنه؛ ولهذا لم يبق له مراد أصلا إلا ما أراده الرب إما أمرا به ~~فيمتثله هو بالله وإما فعلا فيه فيفعله الله به ولهذا شبهه بالطفل مع الظئر ~~في غير الأمر والنهي. # وأما (الأول) : الذي هو في مقام التقوى العامة فإن له شهوات للمحرمات وله ~~التفات إلى الخلق وله رؤية نفسه فيحتاج إلى المجاهدة بالتقوى بأن يكف عن # PageV02P161 # المحرمات وعن تناول الشهوات بغير الأمر فهذا يحتاج أن يميز بين ما يفعله ~~وما لا يفعله وهو التقوى. # وصاحب الحقيقة لم يبق له ما يفعله إلا ما يؤمر به فقط فلا يفعل إلا ما ~~أمر به في الشرع وما كان مباحا لم يفعل إلا ما أمر به باطنا. # وأما (الثالث) : فقد تم شهوده في أنه لا يفعل إلا لله وبالله. فلا يفعل ~~إلا ما أمر الله به لله ويشهد أن الله هو الذي فعل ذاك في الحقيقة ولا تكون ~~له همة إرادة أن يفعل لنفسه ولا لغير الله ولا يفعل بنفسه ولا بغير الله. # و (الثلاثة) مشتركون في الطريق في أن كلا منهم لا يفعل إلا الطاعة لكن ~~يتفاوتون بكمال المعرفة والشهادة وبصفاء النية والإرادة. والله ms229 أعلم. # فإن قيل: كلام الشيخ كله يدور على أنه يتبع الأمر مهما أمكن معرفته باطنا ~~وظاهرا وما ليس فيه أمر باطن ولا ظاهر يكون فيه مسلما لفعل الرب بحيث لا ~~يكون له اختيار لا في هذا ولا في هذا بل إن عرف الأمر كان معه وإن لم يعرفه ~~كان مع القدر فهو مع أمر الرب إن عرف وإلا فمع خلقه، # PageV02P162 # فإنه سبحانه له الخلق والأمر وهذا يقتضي أن من الحوادث ما ليس فيه أمر ~~ولا نهي فلا يكون لله فيه حكم لا باستحباب ولا كراهة. # وقد صرح بذلك هو والشيخ حماد الدباس، وإن السالك يصل إلى أمور لا يكون ~~فيها حكم شرعي بأمر ولا نهي بل يقف العبد مع القدر. # وهذا الموضع هو الذي يكون السالك فيه عندهم مع " الحقيقة القدرية " ~~المحضة إذ ليس هنا حقيقة شرعية. # وهذا مما ينازعهم فيه أهل العلم بالشريعة. ويقولون: إن " الفعل " إما أن ~~يكون بالنسبة إلى الشرع وجوده راجحا على عدمه وهو الواجب والمستحب. وإما أن ~~يكون عدمه راجحا على وجوده. وهو المحرم والمكروه. وإما أن يستوي # PageV02P163 # الأمران وهو المباح. وهذا التقسيم بحسب الأمر المطلق. # ثم " الفعل المعين " الذي يقال هو مباح إما أن تكون مصلحته راجحة للعبد ~~لاستعانته به على طاعة ولحسن نيته فهذا يصير أيضا محبوبا راجح الوجود بهذا ~~الاعتبار وإما أن يكون مفوتا للعبد ما هو أفضل له كالمباح الذي يشغله عن ~~مستحب فهذا عدمه خير له. # والسالك المتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض لا يكون المباح المعين في ~~حقه مستوي الطرفين فإنه إذا لم يستعن به على طاعة كان تركه وفعل طاعة مكانه ~~خيرا له وإنما قدر وجوده وعدمه سواء إذا كان مع عدمه يشتغل بمباح مثله. # فيقال: لا فرق بين هذا وهذا، فهذا يصلح للأبرار أهل اليمين الذين يتقربون ~~إلى الله بالفرائض: أداء الواجبات وترك المحرمات، ويشتغلون مع ذلك بمباحات. ~~فهؤلاء قد يكون المباح المعين يستوي وجوده وعدمه في حقهم إذا كانوا عند ~~عدمه يشتغلون بمباح آخر ولا سبيل ms230 إلى أن تترك النفس فعلا إن لم تشتغل بفعل ~~آخر يضاد الأول؛ إذ لا تكون معطلة عن جميع الحركات والسكنات. # PageV02P164 # ومن هنا أنكر الكعبي " المباح " في الشريعة لأن كل مباح فهو يشتغل به عن ~~محرم، وترك المحرم واجب ولا يمكنه تركه إلا أن يشتغل بضده وهذا المباح ضده، ~~والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عنه أمر بضده المعين إن لم يكن له إلا ضد ~~واحد وإلا فهو أمر بأحد أضداده فأي ضد تلبس به كان واجبا من باب الواجب ~~المخير. # وسؤال الكعبي هذا أشكل على كثير من النظار فمنهم من اعترف بالعجز عن ~~جوابه: كأبي الحسن الآمدي، وقواه طائفة بناء على أن النهي عن الشيء أمر ~~بضده كأبي المعالي. # ومنهم من قال: هذا فيما كانت أضداده محصورة فأما ما ليست أضداده محصورة ~~فلا يكون النهي عنه أمرا بأحدهما كما يفرق بين الواجب المطلق، والواجب ~~المخير. فيقال في المخير: هو أمر بأحد الثلاثة ويقال في المطلق هو أمر ~~بالقدر المشترك. وجدي أبو البركات يميل إلى هذا. # PageV02P165 # وقد ألزموا " الكعبي " إذا ترك الحرام بحرام آخر وهو قد يقول: عليه ترك ~~المحرمات كلها إلى ما ليس بمحرم بل إما مباح وإما مستحب وإما واجب. # و" تحقيق الأمر " أن قولنا: الأمر بالشيء نهي عن ضده. وأضداده والنهي عنه ~~أمر بضده أو بأحد أضداده من جنس قولنا: الأمر بالشيء أمر بلوازمه وما لا ~~يتم الواجب إلا به فهو واجب، والنهي عن الشيء نهي عما لا يتم اجتنابه إلا ~~به. فإن وجود المأمور به يستلزم وجود لوازمه وانتفاء أضداده، بل وجود كل ~~شيء هو كذلك يستلزم وجوده وانتفاء أضداده وعدم المنهي عنه؛ بل وعدم كل شيء ~~يستلزم عدم ملزوماته وإذا كان لا يعدم إلا بضد يخلفه كالأكوان فلا بد عند ~~عدمه من وجود بعض أضداده. # فهذا حق في نفسه؛ لكن هذه اللوازم جاءت من ضرورة الوجود وإن لم تكن ~~مقصوده للأمر. والفرق ثابت بين ما يؤمر به قصدا ما يلزمه في الوجود. # PageV02P166 # (فالأول) هو الذي يذم ms231 ويعاقب على تركه بخلاف (الثاني) فإن من أمر بالحج ~~أو الجمعة وكان مكانه بعيدا فعليه أن يسعى من المكان البعيد، والقريب يسعى ~~من المكان القريب فقطع تلك المسافات من لوازم المأمور به ومع هذا فإذا ترك ~~هذان الجمعة والحج لم تكن عقوبة البعيد أعظم من عقوبة القريب بل ذاك بالعكس ~~أولى مع أن ثواب البعيد أعظم فلو كانت اللوازم مقصودة للأمر لكان يعاقب ~~بتركها فكأن تكون عقوبة البعيد أعظم وهذا باطل قطعا. # وهكذا إذا فعل المأمور به فإنه لا بد من ترك أضداده، لكن ترك الأضداد هو ~~من لوازم فعل المأمور به ليس مقصودا للأمر بحيث إنه إذا ترك المأمور به ~~عوقب على تركه لا على فعل الأضداد التي اشتغل بها وكذلك المنهي عنه مقصود ~~الناهي عدمه؛ ليس مقصوده فعل شيء من أضداده وإذا تركه متلبسا بضد له كان ~~ذلك من ضرورة الترك. # وعلى هذا إذا ترك حراما بحرام آخر فإنه يعاقب على الثاني ولا يقال فعل ~~واجبا وهو ترك الأول؛ لأن المقصود عدم الأول، فالمباح الذي اشتغل به عن ~~محرم لم يؤمر به ولا بأمثاله [كان] أمرا مقصودا؛ لكن نهي عن الحرام ومن ~~ضرورة ترك المنهي عنه الاشتغال بضد من أضداده فذاك يقع # PageV02P167 # لازما لترك المنهي عنه فليس هو الواجب المحدود بقولنا " الواجب ما يذم ~~تاركه ويعاقب تاركه " أو " يكون تركه سببا للذم والعقاب ". # فقولنا: " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " أو " يجب التوصل إلى ~~الواجب بما ليس بواجب " يتضمن إيجاب اللوازم. والفرق ثابت بين الواجب " ~~الأول " و " الثاني ". فإن الأول يذم تاركه ويعاقب، والثاني واجب وقوعا أي ~~لا يحصل الأول إلا به ويؤمر به أمرا بالوسائل ويثاب عليه لكن العقوبة ليست ~~على تركه. # ومن هذا الباب إذا اشتبهت الميتة بالمذكى فإن المحرم الذي يعاقب على فعله ~~أحدهما بحيث إذا أكلهما جميعا لم يعاقب عقوبة من أكل ميتتين بل عقوبة من ~~أكل ميتة واحدة، والأخرى وجب تركها وجوب الوسائل. # فقول من قال: كلاهما محرم صحيح بهذا الاعتبار؛ ms232 وقول من قال: المحرم في ~~نفس الأمر أحدهما صحيح أيضا بذلك الاعتبار وهذا نظير قول من قال: يجب ~~التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب. # وإنكار أبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي على من قال # PageV02P168 # هذا ومن قال المحرم أحدهما لا يناسب طريقة الفقهاء، وحاصله يرجع إلى " ~~نزاع لفظي ". فإن الوجوب والحرمة الثابتة لأحدهما ليست ثابتة للآخر بل هي ~~نوع آخر حتى لو اشتبهت مملوكته بأجنبية بالليل ووطئها يعتقد حل وطء إحداهما ~~وتحريم وطء الأخرى كان ولده من مملوكته ثابتا نسبه بخلاف الأخرى ولو قدرنا ~~أنه اشتبهت أخته بأجنبية وتزوج إحداهما فحد مثلا ثم تزوج الأخرى لم يحد ~~حدين مع أنه لا حد في ذلك لجواز أن تكون المنكوحة هي الأجنبية. # وبهذا تنحل " شبهة الكعبي ". فإن المحرم تركه مقصود، وأما الاشتغال بضد ~~من أضداده فهو وسيلة. # فإذا قيل: المباح واجب بمعنى وجوب الوسائل أي قد يتوسل به إلى فعل واجب ~~وترك محرم فهذا حق. # ثم إن هذا يعتبر فيه القصد؛ فإن كان الإنسان يقصد أن يشتغل بالمباح ليترك ~~المحرم مثل من يشتغل بالنظر إلى امرأته ووطئها ليدع بذلك النظر إلى # PageV02P169 # الأجنبية ووطئها أو يأكل طعاما حلالا ليشتغل به عن الطعام الحرام فهذا ~~يثاب على هذه النية والفعل. # كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " {وفي بضع أحدكم صدقة. ~~قالوا: يا رسول الله؛ أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر قال: أرأيتم لو وضعها ~~في حرام أما كان عليه وزر؟ قالوا: بلى. قال: فلم تعتدون بالحرام ولا تعتدون ~~بالحلال؟} ". # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " {إن الله يحب أن تؤخذ برخصه كما يكره أن ~~تؤتى معصيته} " رواه أحمد وابن خزيمة في صحيحه. # وقد يقال: المباح يصير واجبا بهذا الاعتبار وإن تعين طريقا صار واجبا ~~معينا وإلا كان واجبا مخيرا لكن مع هذا القصد وأما مع الذهول عن ذلك فلا ~~يكون واجبا أصلا إلا وجوب الوسائل إلى الترك. # PageV02P170 # وترك المحرم لا يشترط فيه القصد. فكذلك ما يتوسل به إليه فإذا قيل هو ms233 ~~مباح من جهة نفسه وأنه قد يجب وجوب المخيرات من جهة الوسيلة لم يمنع ذلك. ~~فالنزاع في هذا الباب نزاع لفظي اعتباري. وإلا فالمعاني الصحيحة لا ينازع ~~فيها من فهمها. # و (المقصود هنا) : أن الأبرار وأصحاب اليمين قد يشتغلون عن مباح بمباح ~~آخر فيكون كل من المباحين يستوي وجوده وعدمه في حقهم. أما السابقون ~~المقربون فهم إنما يستعملون المباحات إذا كانت طاعة لحسن القصد فيها؛ ~~والاستعانة على طاعة الله. وحينئذ فمباحاتهم طاعات. # وإذا كان كذلك لم تكن الأفعال في حقهم إلا ما يترجح وجوده فيؤمرون به ~~شرعا أمر استحباب أو ما يترجح عدمه فالأفضل لهم ألا يفعلوه وإن لم يكن فيه ~~إثم. # والشريعة قد بينت أحكام الأفعال كلها فهذا " سؤال ". و " سؤال ثان " وهو ~~أنه إذا قدر أن من الأفعال ما ليس فيه أمر ولا نهي كما في حق الأبرار فهذا ~~الفعل لا يحمد ولا يذم ولا يحب ولا يبغض ولا ينظر فيه إلى وجود # PageV02P171 # القدر وعدمه؛ بل إن فعلوه لم يحمدوا وإن لم يفعلوه لم يحمدوا، فلا يجعل ~~مما يحمدون عليه أنهم يكونون في هذا الفعل كالميت بين يدي الغاسل مع كون ~~هذا الفعل صدر باختيارهم وإرادتهم. إذ الكلام في ذلك. # وأما غير " الأفعال الاختيارية ": وهو ما فعل بالإنسان بغير اختياره، كما ~~يحمل الإنسان وهو لا يستطيع الامتناع، فهذا خارج عن التكليف مع أن العبد ~~مأمور في مثل هذا أن يحبه إن كان حسنة ويبغضه إن كان سيئة ويخلو عنهما إن ~~لم يكن حسنة ولا سيئة، فمن جعل الإنسان فيما يستعمله فيه القدر من الأفعال ~~الاختيارية - كالميت بين يدي الغاسل - فقد رفع الأمر والنهي عنه في الأفعال ~~الاختيارية وهذا باطل. # و" سؤال ثالث ": وهو أن حقيقة هذا القول طي بساط الأمر والنهي عن العبد ~~في هذه الأحوال مع كون أفعاله اختيارية، وهب أنه ليس له هوى فليس كل ما لا ~~هوى فيه يسقط عنه فيه الأمر والنهي بل عليه أن يحب ما أحبه الله ورسوله ~~ويبغض ما أبغضه الله ms234 ورسوله. # قيل: هذه الأسولة أسولة صحيحة. # وفصل الخطاب أن السالك قد يخفى عليه الأمر والنهي بحيث لا يدري هل ذلك ~~الفعل مأمور به شرعا أو منهي عنه شرعا؛ فيبقى هواه لئلا يكون # PageV02P172 # له هوى فيه ثم يسلم فيه للقدر، وهو فعل الرب لعدم معرفته برضا الرب وأمره ~~وحبه في ذلك الفعل. # وهذا يعرض لكثير من أئمة العباد وأئمة العلماء فإنه قد تكون عندهم أفعال ~~وأقوال لا يعرفون حكم الله الشرعي فيها بل قد تعارضت عندهم فيها الأدلة أو ~~خفيت الأدلة بالكلية فيكونون معذورين لخفاء الشرع عليهم. # وحكم الشرع إنما يثبت في حق العبد إذا تمكن من معرفته فأما ما لم يبلغه ~~ولم يتمكن من معرفته فلا يطالب به وإنما عليه أن يتقي الله ما استطاع. وهذا ~~خطأ في العلم وليس خطأ في العمل وهو كالمجتهد المخطئ له أجر على قصده ~~واجتهاده، وخطؤه مرفوع عنه. # فإن قيل: فإذا كان الأمر هكذا. فالواجب على العبد أن يتوقف في مثل هذه ~~الحال إذا لم يتبين له أن ذلك الفعل مأمور به أو منهي عنه وهو لا يريد أن ~~يفعل شيئا لا مدح فيه ولا ذم فيقف لا يستسلم للقدر ويصير محلا لما يستعمل ~~فيه من الأفعال اللهم إلا إذا فعل غيره فعلا فهو لا يمدحه ولا يذمه ولا ~~يرضاه ولا يسخطه؛ إذا لم يتبين له حكمه. # فأما كونه هو من أفعاله الاختيارية يصير مستسلما لما يستعمله القدر فيه: ~~كالطفل مع الظئر والميت مع الغاسل فهذا ما لم يأمر الله به ولا رسوله بل ~~هذا # PageV02P173 # محرم، وإن عفى عن صاحبه وحسب صاحبه أن يعفي عنه؛ لاجتهاده وحسن قصده. # أما كونه يحمد على ذلك ويجعل هذا أفضل المقامات فليس الأمر كذلك، وكونه ~~مجردا عن هواه ليس مسوغا له أن يستسلم لكل ما يفعل به. # ثم يقال الأمور مع هذا نوعان: (أحدهما) : أن يفعل به بغير اختياره كما ~~يحمل الإنسان ولا يمكنه الامتناع، وكما تضجع المرأة قهرا وتوطأ فهذا لا إثم ~~فيه باتفاق العلماء. وإما أن ms235 يكره بالإكراه الشرعي حتى يفعل، فهذا أيضا ~~معفو عنه في الأفعال عند الجمهور، وهو أصح الروايتين عن أحمد لقوله تعالى ~~{ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} . # وأما إذا لم يكره الإكراه الشرعي فاستسلامه للفعل المطلق الذي لا يعرف ~~أخير هو أم شر، ليس هو مأمورا به وإن جرى على يده خرق عادة أو لم يجر فليس ~~هو مأمورا أن يفعل إلا ما هو خير عند الله ورسوله. # قيل: هذا السؤال صحيح وحقيقة الأمر أن السالكين إذا وصلوا إلى هذا المقام ~~فبحسن قصدهم وتسليمهم وخضوعهم لربهم وطلبهم منه أن يختار لهم ما هو الأصلح ~~إذا استعملوا في أمر وهم لا يعرفون حكمه في الشرع رجوا أن يكون خيرا؛ لأن ~~معرفتهم بحكمه قد تتعذر عليهم، # PageV02P174 # والإنسان غير عالم في كل حال بما هو الأصلح له في دينه وبما هو رضا الله ~~ورسوله فيبقى حالهم حال المستخير لله فيما لم يعلم عاقبته إذا قال: " ~~{اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك ~~تقدر ولا أقدر؛ وتعلم ولا أعلم؛ وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن ~~هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك ~~لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ~~فأصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به} ". # فإذا استخار الله كان ما شرح له صدره وتيسر له من الأمور هو الذي اختاره ~~الله له. إذ لم يكن معه دليل شرعي على أن عين هذا الفعل هو مأمور به في هذه ~~الحال فإن الأدلة الشرعية إنما تأمر بأمر مطلق عام لا بعين كل فعل من كل ~~فاعل إذ كان هذا ممتنعا؛ وإن كان ذلك المعين يمكن إدراجه تحت بعض خطاب ~~الشارع العام؛ إذا كانت الأفراد المعينة داخلة تحت الأمر العام الكلي؛ لكن ~~لا يقدر كل أحد على استحضار هذا ولا على استحضار أنواع الخطاب. # PageV02P175 # ولهذا كان الفقهاء ms236 يعدلون إلى القياس عند خفاء ذلك عليهم. ثم " القياس ~~أيضا قد لا يحصل في كل واقعة فقد يخفى على الأئمة المجتهدين من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان دخول الواقعة المعينة تحت خطاب عام أو اعتبارها بنظير ~~لها فلا يعرف لها أصل ولا نظير. هذا مع كثرة نظرهم في خطاب الشارع ومعرفة ~~معانيه ودلالته على الأحكام. فكيف بمن لم يكن كذلك؟ # ثم السالك ليس قصده معرفة الحلال من الحرام؛ بل مقصوده أن هذا الفعل ~~المعين خير من هذا وهذا خير من هذا وأيهما أحب إلى الله في حقه في تلك ~~الحال. # وهذا باب واسع لا يحيط به إلا الله ولكل سالك حال تخصه قد يؤمر فيها بما ~~ينهى عنه غيره ويؤمر في حال بما ينهى عنه في حال آخر. # فقالوا: نحن نفعل الخير بحسب الإمكان وهو فعل ما علمنا أنا أمرنا به ~~ونترك أصل الشر وهو هوى النفس ونلجأ إلى الله فيما سوى ذلك أن يوفقنا لما ~~هو أحب إليه وأرضى له؛ فما استعملنا فيه رجونا أن يكون من هذا الباب؛ ثم إن ~~أصبنا فلنا أجران وإلا فلنا أجر وخطؤنا محطوط عنا فهذا هذا. # وحينئذ فمن قدر أنه علم المشروع وفعله فهو أفضل من هذا، ولكن # PageV02P176 # كثير ممن يعلم المشروع لا يفعله ولا يقصد أحب الأمور إلى الله، وكثير ~~منهم يفعله بشوب من الهوى فيبقى هذا يفعل المشروع بهوى، وهذا يترك ما لم ~~يعلم أنه مشروع بلا هوى. فهذا نقص في العلم، وذاك نقص في العمل؛ إذ العمل ~~بهوى النفس نقص في العمل ولو كان المفعول واجبا. # فيقال: إن تاب صاحب الهوى من هواه كان أرفع بعلمه وإن لم يتب فله نصيب من ~~عالم السوء. # ولهذا تشاجر رجلان من المتقدمين عام الحكمين في مثل هذا. فقال أحدهما ~~لصاحبه: إنما مثلك مثل الكلب؛ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. وقال ~~الآخر: أنت كالحمار يحمل أسفارا؛ فهذا أحسن قصدا وأقوى علما. # ولهذا تجد أصحاب حسن القصد إنما يعيبون على هؤلاء اتباع الهوى وحب ms237 الدنيا ~~والرئاسة، وأهل العلم يعيبون على أولئك نقص علمهم بالشرع، وعدولهم عن الأمر ~~والنهي فهذا هذا. # والله هو المسئول أن يهدينا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # وقد قال بعض (أهل الفقه والزهد) : من الناس من سلك " الشريعة " ومنهم من ~~سلك " الحقيقة ". ولعله أراد هؤلاء وهؤلاء؛ فإن هؤلاء يرجحون بما ييسره ~~الله، # PageV02P177 # مع حسن القصد واتباع الأمر والنهي المعلوم لهم مع خفاء الأدلة الشرعية في ~~ذلك المتيسر لهم وهؤلاء يرجحون بالأدلة الشرعية من الظواهر والأقيسة وأخبار ~~الآحاد وأقوال العلماء مع خفاء الأمر المتيسر لهم. # و (أيضا فهؤلاء) قد يشهدون ما في ذلك الفعل المقدور من المصلحة والخير ~~فيرجحونه بحكم الإيمان وإن لم يعرفوا دليلا من النص على حسنه وأولئك إنما ~~يرجحون بالنصوص وما استنبط منها. فهؤلاء لهم القرآن وهؤلاء لهم الإيمان. # وسبب هذا أن كلا من الطائفتين خفي عليه ما مع الأخرى من الحق، وكل من ~~الطائفتين في طريقها حق وباطل. فأما المدعون للحقيقة بدون مراعاة الأمر ~~والنهي الشرعيين فهم ضالون؛ كالذين يعرفون الأمر والنهي ولا يفعلون إلا ما ~~يهوونه من الكبائر فإنهم فساق. وهؤلاء وهؤلاء الذين قيل فيهم: " احذروا ~~فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ". # و" الحقيقة " قد تكون قدرية وقد تكون ذوقية وقد تكون شرعية ولفظ " الشرع ~~" يتناول المبدل والمؤول والمنزل. # PageV02P178 # و (المقصود هنا) ذكر أهل الاستقامة من الطائفتين، والكلام على حال أهل ~~العبادة والإرادة الذين خرجوا عن الهوى وهو الفرق الطبعي وقاموا بما علموه ~~من الفرق الشرعي. وبقي " قسم ثالث " ليس لهم فيه فرق طبعي ولا عندهم فيه ~~فرق شرعي فهو الذي جروا فيه مع الفعل والقدر. # وأما من جرى مع الفرق الطبعي إما عالما بأنه عاص وهو العالم الفاجر أو ~~محتجا بالقدر أو بذوقه ووجده معرضا عن الكتاب والسنة وهو العابد الجاهل ~~فهذا خارج عن الصراط المستقيم. # وهذا مما يبين حال كمال حال الصحابة وأنهم خير قرون هذه الأمة؛ إذ كانوا ~~في خلافة ms238 النبوة يقومون بالفروق الشرعية في جليل الأمور ودقيقها مع اتساع ~~الأمر والواحد من المتأخرين قد يعجز عن معرفة الفروق الشرعية فيما يخصه كما ~~أن الواحد من هؤلاء يتبع هواه في أمر قليل. فأولئك مع عظيم ما دخلوا فيه من ~~الأمر والنهي لهم العلم الذي يميزون به بين الحسنات والسيئات ولهم القصد ~~الحسن الذي يفعلون به الحسنات. والكثير من المتأخرين العالمين والعابدين ~~يفوت أحدهم العلم في كثير من الحسنات والسيئات حتى يظن السيئة حسنة ~~وبالعكس، أو يفوته القصد في كثير من الأعمال حتى يتبع هواه فيما وضح له من ~~الأمر والنهي. # فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين. # PageV02P179 # هذا لعمري إذا كان عند العالم ما هو أمر الشارع ونهيه حقيقة وعند العابد ~~حسن القصد الخالي عن الهوى حقيقة فأما من خلط الشرع المنزل بالمبدل ~~والمؤول، وخلط القصد الحسن باتباع الهوى فهؤلاء وهؤلاء مخلطون في علمهم ~~وعملهم. # وتخليط هؤلاء في العلم سوى تخليطهم وتخليط غيرهم في القصد، وتخليط هؤلاء ~~في القصد سوى تخليطهم وتخليط غيرهم في العلم فإنه من عمل بما علم ورثه الله ~~علم ما لم يعلم. و " حسن القصد " من أعون الأشياء على نيل العلم ودركه. و " ~~العلم الشرعي " من أعون الأشياء على حسن القصد والعمل الصالح فإن العلم ~~قائد والعمل سائق، والنفس حرون فإن ونى قائدها لم تستقم لسائقها وإن ونى ~~سائقها لم تستقم لقائدها فإذا ضعف العلم حار السالك ولم يدر أين يسلك ~~فغايته أن يستطرح للقدر وإذا ترك العمل حاد السالك عن الطريق فسلك غيره مع ~~علمه أنه تركه فهذا حائر لا يدري أين يسلك مع كثرة سيره وهذا حائد عن ~~الطريق زائغ عنه مع علمه به. # قال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} . هذا جاهل وهذا ظالم. قال ~~تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} . مع أن الجهل والظلم ~~متقاربان لكن الجاهل لا يدري أنه ظالم، # PageV02P180 # والظالم جهل الحقيقة المانعة له من العلم. قال تعالى {إنما التوبة على ms239 ~~الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} . # قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل وكل ~~من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب. # وقد روى الخلال عن أبي حيان التيمي قال: " العلماء ثلاثة " فعالم بالله ~~ليس عالما بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالما بالله، وعالم بالله وبأمر ~~الله. # فالعالم بالله الذي يخشاه والعالم بأمر الله الذي يعرف أمره ونهيه. # قلت: والخشية تمنع اتباع الهوى، قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى} {فإن الجنة هي المأوى} . # والكمال في عدم الهوى وفي العلم، وذلك هو لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم ~~الذي قال فيه: {والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم وما غوى} {وما ينطق عن ~~الهوى} {إن هو إلا وحي يوحى} فنفى عنه الضلال والغي ووصفه بأنه ما ينطق عن ~~الهوى إن هو إلا وحي يوحى فنفى الهوى وأثبت العلم الكامل وهو الوحي فهذا ~~كمال العلم وذاك كمال القصد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم ~~تسليما. # PageV02P181 # ووصف أعداءه بضد هذين فقال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى} فالكمال المطلق للإنسان هو تكميل العبودية لله ~~علما وقصدا. # قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} . # وقال تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} . # وقال تعالى فيما حكاه عن إبليس: {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} {إلا عبادك ~~منهم المخلصين} . وقال: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} وقال تعالى: {كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} وقال تعالى: {إنه ليس له ~~سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون} . و " عبادته " تعالى هي طاعة أمره، وأمره لنا ما ~~بلغه الرسول عنه؛ فالكمال في كمال طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا ومن كان ~~لم يعرف ما أمر الله به فترك هواه واستسلم للقدر أو اجتهد في الطاعة فأخطأ، ~~فعل المأمور به إلى ما اعتقده مأمورا به ms240 أو تعارضت عنده الأدلة فتوقف عما ~~هو طاعة في نفس الأمر، فهؤلاء # PageV02P182 # مطيعون لله يثابون على ما أحسنوه من القصد لله واستفرغوه من وسعهم في ~~طاعة الله وما عجزوا عن علمه فأخطئوه إلى غيره فمغفور لهم. # وهذا من أسباب فتن تقع بين الأمة فإن أقواما يقولون ويفعلون أمورا هم ~~مجتهدون فيها وقد أخطئوا فتبلغ أقواما يظنون أنهم تعمدوا فيها الذنب أو ~~يظنون أنهم لا يعذرون بالخطأ وهم أيضا مجتهدون مخطئون فيكون هذا مجتهدا ~~مخطئا في فعله وهذا مجتهدا مخطئا في إنكاره والكل مغفور لهم. وقد يكون ~~أحدهما مذنبا كما قد يكونان جميعا مذنبين. وخير الكلام كلام الله وخير ~~الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة. # والواحد من هؤلاء قد يعطى تصرفا بالأمر والنهي. فيولي ويعزل ويعطي ويمنع ~~فيظن الظان أن هذا كمال وإنما يكون كمالا إذا كان موافقا للأمر فيكون طاعة ~~لله وإلا فهو من جنس الملك وأفعال الملك: إما ذنب وإما عفو وإما طاعة. # فالخلفاء الراشدون أفعالهم طاعة وعبادة وهم أتباع العبد الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، وهي طريق السابقين المقربين. وأما طريق الملوك العادلين فإما # PageV02P183 # طاعة وإما عفو؛ وهي طريقة الأنبياء الملوك؛ وطريقة الأبرار أصحاب اليمين. # وأما طريقة الملوك الظالمين: فتتضمن المعاصي؛ وهي طريقة الظالمين ~~لأنفسهم. قال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} فلا ~~يخرج الواحد من المؤمنين عن أن يكون من أحد هذه الأصناف: إما ظالم لنفسه ~~وإما مقتصد وإما سابق بالخيرات. # و" خوارق العادات " إما مكاشفة وهي من جنس العلم الخارق وإما تصرف وهي من ~~جنس القدرة الخارقة؛ وأصحابها لا يخرجون عن الأقسام الثلاثة. ### | فصل # وقد تفرق الناس في هذا المقام الذي هو غاية مطالب العباد، فطائفة من ~~الفلاسفة ونحوهم يظنون أن كمال النفس في مجرد العلم، ويجعلون العلم الذي به ~~يكمل ما يعرفونه هم من علم ما بعد الطبيعة، ويجعلون العبادات رياضة لأخلاق ms241 ~~النفس حتى تستعد للعلم فتصير النفس عالما معقولا موازيا للعالم الموجود. ### | الفلاسفة ضالون كافرون من وجوه: # وهؤلاء ضالون، بل كافرون من وجوه: منها: ### | الأول # أنهم اعتقدوا الكمال في مجرد العلم، كما اعتقد جهم، والصالحي، # PageV02P184 # والأشعري في المشهور من قوله، وأكثر أتباعه: أن الإيمان مجرد العلم. # لكن المتفلسفة أسوأ حالا من الجهمية، فإن الجهمية يجعلون الإيمان هو ~~العلم بالله، وأولئك يجعلون كمال النفس في أن تعلم الوجود المطلق من حيث هو ~~وجود، والمطلق بشرط الإطلاق إنما يكون في الأذهان لا في الأعيان، والمطلق ~~لا بشرط لا يوجد أيضا في الخارج إلا معينا، وإن علموا الوجود الكلي المنقسم ~~إلى واجب وممكن، فليس لمعلوم علمهم وجود في الخارج. # وهكذا من تصوف وتأله على طريقتهم كابن عربي وابن سبعين ونحوهما. # وأيضا فإن الجهمية مقرون بالرسل وبما جاؤوا به من حيث الجملة، مقرون بأن ~~الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وغير ذلك مما جاءت به الرسل، بخلاف ~~المتفلسفة. # وبالجملة فكمال النفس ليس في مجرد العلم، بل لا بد مع العلم بالله من ~~محبته وعبادته والإنابة إليه، فهذا عمل النفس وإرادتها، وذاك علمها ~~ومعرفتها. ### | الثاني: # الوجه الثاني: أنهم ظنوا أن العلم الذي تكمل به النفس هو علمهم، وكثير ~~منه جهل لا علم. # PageV02P185 ### | الثالث: # الثالث: أنهم لم يعرفوا العلم الإلهي الذي جاءت به الرسل، وهو العلم ~~الأعلى الذي تكمل به النفس، مع العمل بموجبه. ### | الرابع: # الرابع: أنهم يرون أنه إذا حصل لهم ذاك العلم سقطت عنهم واجبات الشرع ~~وأبيحت لهم محرماته، وهذه طريقة الباطنية من الإسماعيلية وغيرهم، مثل أبي ~~يعقوب السجستاني صاحب " الأقاليد الملكوتية " وأمثاله، وطريقة من وافقهم من ~~ملاحدة الصوفية الذين يتأولون قوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} إنك تعمل ~~حتى يحصل لك العلم، فإذا حصل العلم سقط عنك العمل. # وقد قيل للجنيد: إن قوما يقولون: إنهم يصلون من طريق البر إلى أن تسقط ~~عنهم الفرائض وتباح لهم المحارم، أو نحو هذا الكلام. فقال: الذي يزني ويسرق ~~ويشرب الخمر أحسن حالا من هذا. # ومن هؤلاء ms242 من يكون طلبه للمكاشفة ونحوها من العلم أعظم من طلبه لما فرض ~~الله عليه، ويقول في دعائه: اللهم إني أسألك العصمة في الحركات # PageV02P186 # والسكنات، والخطرات والإرادات والكلمات، من الشكوك والظنون والأوهام ~~الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب. # وأصل المتفلسفة أن الفلسفة التي هي الكمال عندهم هي التشبه بالإله على ~~قدر الطاقة، وهم يقولون: إن حركات الأفلاك لأجل التشبه بالأول. # وعلى هذا بنى أبو حامد كتابه في " شرح الأسماء الحسنى "، وتخلق العبد ~~بأخلاق الله، وأنكر ذلك عليه المازري وغيره، وقالوا: ليس لله خلق يتخلق به ~~العبد. # وعدل أبو الحكم بن برجان عن لفظ التخلق إلى لفظ التعبد. # وعلى هذا الأصل الفلسفي بنى ابن عربي معنى ولي الله، وأنه المتشبه به ~~المتخلق بأخلاقه، كما يفسر أبو حامد التقرب من الله بالتشبه به، وابن عربي ~~ونحوه يجعلون الولي أفضل من النبي بناء على أصولهم الفلسفية الاتحادية. # PageV02P187 # وطائفة أخرى عندهم أن الكمال في القدرة والسلطان والتصرف في الوجود، ~~بنفاذ الأمر والنهي، إما بالملك والولاية الظاهرة، وإما بالباطن، وتكون ~~عبادتهم ومجاهدتهم كذلك. # وكثير من هؤلاء يدخل في الشرك والسحر، فيعبد الكواكب والأصنام لتعينه ~~الشياطين على مقاصده، وهؤلاء أضل وأجهل من الذين قبلهم. # وعامة من يعبد الله لطلب خوارق العادات يكون فيه نصيب من هذا. # ولهذا كان منهم من يموت فاسقا أو مسلوبا، وكلهم ضلال جهال. # وطائفة تجعل الكمال في مجموع الأمرين، فيدخلون في أقوال وأعمال من الشرك ~~والسحر، ليستعينوا بالشياطين على ما يطلبونه من الإخبار بالأمور الغائبة، ~~وعلى ما ينفذ به تصرفهم في العالم. # وأما الحق المبين فهو أن كمال الإنسان في أن يعبد الله علما وعملا، كما ~~أمره ربه. وهؤلاء هم عباد الله، وهم المؤمنون والمسلمون، وهم أولياء الله ~~المتقون، وحزب الله المفلحون، وجند الله الغالبون، وهم أهل العلم النافع، ~~والعمل الصالح، وهم الذين زكوا نفوسهم وكملوها. كملوا القوة النظرية ~~العلمية، والقوة الإرادية العملية. # كما قال تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي ~~والأبصار} . وقال تعالى: {والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى ms243 * وما ~~ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} . # PageV02P188 # وقال تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} ، وقال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى} . وقال تعالى: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون} ، وقال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ، ~~وقال تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر} . # هذا ما وجد في الأصل. # وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا. # كتبه محمد بن أحمد بن علي الخطيب بقرية بييلا في ثاني عشر جمادى الأول ~~سنة أربع وسبعمائة. # PageV02P189 ### | الرسالة الثالثة # قاعدة في المحبة # PageV02P191 # فصل في الحب والبغض # لأبي العباس أحمد بن تيمية # بسم الله الرحمن الرحيم على الله توكلي # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله ~~وعلى آله وصحبه وسلم تسليما # أما بعد فهذه قاعدة عظيمة في المحبة وما يتعلق بها من جمع الإمام العلامة ~~شيخ الإسلام بركة الأنام بقية السلف الكرام أبى العباس أحمد بن الشيخ شهاب ~~الدين عبد الحليم بن الشيح مجد الدين أبى البركات عبد السلام ابن تيميه رضي ~~الله عنه وأرضاه ### | الحب والإرادة أصل كل فعل وحركة في العالم والبغض والكراهة أصل كل ترك فيه # قال رضي الله عنه فصل في الحب والبغض والمحمود من ذلك والمذموم وأصل كل ~~فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة فهو أصل كل فعل ومبدؤه كما أن البغض ~~والكراهة مانع وصاد لكل ما انعقد بسببه ومادته فهو أصل كل ترك إذا فسر ~~الترك بالأمر الوجودي كما يفسره بذلك أكثر أهل النظر # وإذا عني بالترك مجرد عدم الفعل فعدم الفعل تارة يكون لعدم مقتضيه من ~~المحبة والإرادة ولوازمهما وقد يكون لوجود مانعه من البغض والكراهة وغيرهما # PageV02P193 # فأما ms244 وجود الفعل فلا يكون إلا عن محبة وإرادة حتى دفعه للأمور التي ~~يكرهها ويبغضها هو لما في ذلك من المحبوب أو اللذة يجدها بالدفع فيقال شفى ~~صدره وقلبه والشفاء والعافية بمحبوب # والمحبة والإرادة تكون إما بواسطة وإما بغير واسطة مثل فعله للأشياء التي ~~يكرهها كشرب الدواء والمكروه وفعل الأشياء المخالفة لهواه وصبره ونحو ذلك # فإن هذه الأمور وإن كانت مكروهة من بعض الوجوه فإنما يفعل أيضا لمحبة ~~وإرادة وإن لم تكن المحبة لنفسها بل المحبة لملازمها فإنه يحب العافية ~~والصحة المستلزمة لإرادة شرب الدواء ويحب رحمة الله ونجاته من عذابه ~~المستلزم لإرادة ترك ما يهواه كما قال تعالى وإما من خاف مقام ربه ونهي ~~النفس عن الهوي فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه لكن يترك ~~أضعفهما محبة لأقواهما محبة كما يفعل ما يكرهه لما محبته أقوي من كراهة ذلك ~~وكما يترك ما يحبه لما كراهته أقوي من محبة ذلك # ولهذا كانت المحبة والإرادة أصلا للبغض والكراهة وعلة لها ولازما مستلزما ~~لها من غير علة # وفعل البغض في العالم إنما هو لمنافاة المحبوب ولولا وجود المحبوب لم يكن ~~البغض بخلاف الحب للشيء فإنه قد يكون لنفسه لا لأجل منافاته للبغض وبغض ~~الإنسان وغضبه مما يضاد وجود محبوبه ومانع ومستلزم لا يكره عليه ونجد قوة ~~البغض للنافي أشد وأحوط # PageV02P194 # ولهذا كان رأس الإيمان الحب في الله والبغض في الله وكان من احب لله ~~وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان # فالمحبة والإرادة أصل في وجود البغض والكراهة والأصل في زوال البغيض ~~المكروه فلا يوجد البغض إلا لمحبة ولا يزول البغيض إلا لمحبة # فالمحبة أصل كل أمر موجود وأصل دفع كل ما يطلب الوجود ودفع ما يطلب ~~الوجود أمر موجود لكنه مانع من وجود ضده فهو أصل كل موجود من بغيض ومانع ~~ولوازمهما # وهذا القدر الذي ذكرناه من أن المحبة والإرادة اصل كل حركة في العالم فقد ~~بينا في القواعد وغيرها أن هذا يندرج فيه كل حركة ms245 وعمل فإن ما في الأجسام ~~من حركه طبعية فإنما أصلها السكون فإنه إذا خرجت عن مستقرها كانت بطبعها ~~تطلب مستقرها وما فيها من حركة قسرية فأصلها من القاسر القاهر فلم تبق حركة ~~اختيارية إلا عن الإرادة # والحركات إما إرادية وإما طبعية وإما قسرية لأن الفاعل المتحرك إن كان له ~~شعور بها فهي الإرادية وإن لم يكن له شعور فإن كانت على وفق طبع المتحرك ~~فهي الطبعية وإن كانت على خلاف ذلك فهي القسرية # وبينا أن ما السموات والأرض وما بينهما من حركة الأفلاك والشمس والقمر ~~والنجوم وحركة الرياح والسحاب والمطر والنبات وغير ذلك فإنما هو بملائكة ~~الله تعالى الموكلة بالسموات والأرض الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون # PageV02P195 # كما قال تعالى فالمدبرات أمرا فالمقسمات أمرا وكما دل الكتاب والسنة على ~~أصناف الملائكة وتوكلهم بأصناف المخلوقات # ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره فليس لهم من الأمر شئ بل كم من ~~ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضى ووما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما ~~كان ربك نسيا رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم ~~له سميا وإذا كان كذلك فجميع تلك المحبات والإرادات والأفعال والحركات هي ~~عبادة لله رب الأرض والسموات كما قد بيناه في غير هذا الموضع ### | المحبة التي أمر الله بها هي عبادته وحده لا شريك له # وإذا كان كذلك فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها وخلق خلقه لأجلها ~~هي ما في عبادته وحده لا شريك له إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل # والمحبة لما كانت جنسا لأنواع متفاوتة في القدر والوصف كان أغلب ما يذكر ~~منها في حق الله ما يختص به ويليق به مثل العبادة والإنابة ونحوهما فإن ~~العبادة لا تصلح إلا لله وحده وكذلك الإنابة # وقد تذكر المحبة المطلقة لكن تقع فيها الشركة كما قال تعالى ومن # PageV02P196 # الناس من يتخذ من دون ms246 الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله # ولهذا كان هذا الحب أعظم الأقسام المذمومة في المحبة كما أن حب الله أعظم ~~الأنواع المحمودة بل عبادة الله وحده لا شريك له هي أصل السعادة ورأسها ~~التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها وعبادة إله آخر من دونه هو أصل الشقاء ~~ورأسه الذي لا يبقي في العذاب إلا أهله # فأهل التوحيد الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يبقي منهم في ~~العذاب أحد والذين اتخذوا من دونه أندادا يحبونهم كحبه وعبدوا غيره هم أهل ~~الشرك الذين قال الله تعالى فيهم أن الله لا يغفر أن يشرك به # وجماع القرآن هو الأمر بتلك المحبة ولوازمها والنهي عن هذه المحبات ~~ولوازمها وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين وذكر قصص أهل النوعين # وأصل دعوة جميع المرسلين 0 قولهم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره وعلى ~~ذلك قاتل من قاتل منهم المشركين كما قال خاتم الرسل # أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لاإله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله قال ~~الله تعالى شرع لكم # PageV02P197 # من الدين ما وصي به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبرهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه # ولهذا قال في الحديث المتفق عليه في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وفي رواية في الصحيح لا يجد طعم ~~الإيمان إلا من كان فيه ثلاث أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن ~~يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله ~~كما يكره أن يلقي في النار # وفي الصحيح عن أنس أيضا عن النبي قال # والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس ~~أجمعين # وفي صحيح البخاري أن عمر قال يا رسول ms247 الله والله لأنت أحب إلى من كل شئ ~~إلا من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من # PageV02P198 # نفسك قال فوالذي بعثك بالحق لأنت أحب إلى من نفسي قال الآن يا عمر # ولهذا ورد في فضل هذه الكلمة شهادة أن لا إله إلا الله من الدلائل ما ~~يضيق هذا الموضع عن ذكره وهى أفضل الكلام وما فيها من العلم والمحبة أفضل ~~العلوم والمحبات كالحديث الذي في السنن أفضل الذكر لا إله ألا الله # والآية المتضمنة لها أعظم آية في القرآن كما في صحيح مسلم أن النبي قال ~~لأبى بن كعب يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله أعظم قال الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم قال فضرب بيده صدري وقال ليهنك العلم أبا المنذر # وإذا كانت كل حركة فأصلها الحب والإرادة من محبوب مراد لنفسه # PageV02P199 # لا يحب لغيره إذ لو كان كل شئ محبوبا لغيره لزم الدور أو التسلسل والشيء ~~قد يحب من وجه دون وجه وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده ولا ~~تصلح الإلهية إلا له ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # والإلهية المذكورة في كتاب الله هي العبادة والتأله ومن لوازم ذلك أن ~~يكون هو الرب الخالق وأما ما يظنه طوائف من أهل الكلام أن الألوهية هي نفس ~~الربوبية وأن ما ذكر في القرآن من نفي إله آخر والأمثال المضروبة البينة ~~فالمقصود به نفي رب يشركه في خلق العالم كما هو عادتهم في كتب الكلام فهذا ~~قصور وتقصير منهم في فهم القرآن وما فيه من الحجج والأمثال أتوا فيه من جهة ~~أن مبلغ علمهم هو ما سلكوه من الطريقة الكلامية فاعتقدوا أن المقصودين واحد ~~وليس كذلك بل القرآن ينفي أن يعبد غير الله أو أن يتخذه إلها فيحبه ويخضع ~~له محبة الإله وخضوعه كما بينت ذلك عامة آيات القرآن مثل قوله تعالى ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا ولهذا قال الخليل لا أحب الآفلين # ومن المعلوم ms248 أن كل حي فله إرادة وعمل بحسبه وكل متحرك فأصل حركته المحبة ~~والإرادة ولا صلاح للموجودات إلا أن يكون كمال محبتها وحركتها لله تعالى ~~كما لا وجود لها إلا أن يبدعها الله # PageV02P200 # ولهذا قال تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ولم يقل لعدمتا إذ هو ~~قادر على أن يبقيها على وجهة الفساد لكن لا يمكن أن تكون صالحة إلا أن يعبد ~~الله وحده لا شريك له فإن صلاح الحي إنما هو صلاح مقصوده ومراده وصلاح ~~الأعمال والحركات بصلاح إرادتها ونياتها # ولهذا كان من أجمع الكلام وأبلغه قوله إنما الإعمال بالنيات وإنما لكل ~~امرئ ما نوي وهذا يعم كل عمل وكل نية # فكل عمل في العالم هو بحسب نية صاحبه وليس للعامل إلا ما نواه وقصده ~~وأحبه وأراده بعمله ليس في ذلك تخصيص ولا تقييد كما يظنه طوائف من الناس ~~حيث يحسبون أن النية المراد به النية الشرعية المأمور بها فيحتاجون أن ~~يحصروا الأعمال بالأعمال الشرعية فإن النية موجودة لكل متحرك كما قال النبي ~~في الحديث الصحيح أصدق الأسماء الحارث وهمام فالحارث هو العامل الكاسب ~~والهمام هو القاصد المريد وكل إنسان متحرك بإرادته حارث همام # PageV02P201 # كما بينا أن المحبة والإرادة أصل كل عمل فكل عمل في العالم فعن إرادة ~~ومحبة صدر # ولهذا كانت المحبة والإرادة منقسمة إلى محبوب لله وغير محبوب كما أن ~~العمل والحركة منقسم كذلك # وإذا كان كذلك فالمحبة لها آثار وتوابع سواء كانت صالحة محمودة نافعة أو ~~كانت غير ذلك لها وجد وحلاوة وذوق ووصال وصدود ولها سرور وحزن وبكاء # والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو ~~السعادة والضارة هي التي تجلب لصاحبها ما يضره وهو الشقاء # ومعلوم أن الحي العالم لا يختار أن يحب ما يضره لكن يكون ذلك عن جهل وظلم ~~فإن النفس قد تهوي ما يضرها ولا ينفعها وذلك ظلم منها لها وقد تكون جاهلة ~~بحالها به بأن تهوي الشيء وتحبه بلا علم منها بما في محبته من ms249 المنفعة ~~والمضرة وتتبع هواها وهذا حال من اتبع هواه بغير علم # وقد يكون عن اعتقاد فاسد وهو حال من اتبع الظن وما تهوي نفسه وكل ذلك من ~~أمور الجاهلية وإن كان كل من جهلها وظلمها لا يكاد يخلو عن شبهة يشتبه بها ~~الحق وشهوه هي في الأصل محمودة إذا وضعت في محلها كحال الذي يحب لقاء قريبه ~~فإن هذا محمود وهو أصل صلة الرحم التي هي شجنة من الرحمن # PageV02P202 # لكن إذا اتبع هواه حتى خرج عن العدل بين ذوي القربى وغيرهم كان هذا ظلما ~~كما قال تعالى وإذا قلتم فاعدلوا ولوكان ذا قربي وقال تعالى كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين # وكذلك الذي يحب الطعام والشراب والنساء فإن هذا محمود وبه يصلح حال بني ~~آدم ولولا ذلك لما استقامت نفس الأنساب ولا وجدت الذرية ولكن يجب العدل ~~والقصد في ذلك كما قال تعالى وكلوا واشربوا ولا تسرفوا وكما قال تعالى إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغي وراء ذلك ~~فأولئك هم العادون # فإذا تجاوز حد العدل وهو المشروع صار ظالما عاديا بحسب ظلمه وعدوانه # وقد ذكرنا في مواضع أن المشروع والنافع والصالح والعدل والحق والحسن ~~أسماء متكافئة مسماها واحد بالذات وإن تنوعت صفاته بمنزلة أسماء الله ~~الحسني فأسماؤه تعالى وأسماء كتابه ودينه ونبيه مسمي كل صنف من ذلك واحد ~~وإن تنوعت صفاته فكل عمل صالح هو نافع لصاحبه وبالعكس وكل نافع صالح فهو ~~مشروع وبالعكس وكل ما كان صالحا مشروعا فهو حق وعدل وبالعكس # PageV02P203 # ولكن الناس قد يدركون أحد النعتين فيستدلون به على وجود الآخر مثل أن ~~يعلم أن الله أمر بهذا الفعل وشرعه فيعلم من هذا وجوب كونه طاعة لله ورسوله ~~وذلك الفعل بعينه يجب أن يكون عملا صالحا وهو النافع وأن يكون حقا وعدلا ~~وهذا استدلال بالنص وقد يعلم كون الشيء صالحا أو عدلا أو حسنا ثم يستدل ~~بذلك على كونه مشروعا وهو الاستدلال بالاسصلاح والاستحسان والقياس على ms250 كون ~~مشروعا # وهذه الطريقة فيها خطر عظيم والغلط فيها كثير ولخفاء صفات الأعمال ~~وأحوالها عنها وأن العالم بذلك كما ينبغي ليس هو إلا رسول الله # فالاستدلال بالمصالح التي قد يقال لها المصالح المرسلة هو الذي يري الشيء ~~مصلحة وليس في الشرع ما ينفيه فيستدل بالمصلحة على أنه من الشريعة # والاستحسان أن يري الشيء حسنا فيستدل بحسنه على أنه من الشرع # والعدل أن يري للشيء نظيرا وشبيها فيستدل على حكمه بحكم نظيره وشبيهه ~~وليس هذا موضع الكلام في ذلك # لكن أعلم الناس من كان رأيه واستصلاحه واستحسانه وقياسه موافقا للنصوص ~~كما قال مجاهد أفضل العبادة الرأي الحسن وهو اتباع السنة ولهذا قال تعالى ~~ويري الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق # PageV02P204 # ولهذا كان السلف يسمون أهل الآراء المخالفة للسنة والشريعة في مسائل ~~الاعتقاد الخبرية ومسائل الأحكام العملية أهل الأهواء لأن الرأي المخالف ~~للسنة جهل لا علم فصاحبه ممن اتبع هواه بغير علم # ولهذا يذكر الله في القرآن من يتبع هواه بغير علم ويذم من يتبع هواه بغير ~~هدي من الله كما قال تعالى ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدي من الله وقال ~~تعالى وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين # وكل من اتبع هواه اتبعه بغير علم إذ لا علم بذلك إلا بهدي الله الذي بعث ~~الله به رسله كما قال تعالى فأما يأتينكم مني هدي فمن اتبع هداي فلا يضل ~~ولا يشقي ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمي ~~ولهذا ذم الله الهوى في مواضع من كتابه # واتباع الهوى يكون في الحب والبغض كقوله تعالى يا داود إنا جعلناك خليفة ~~في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن ~~الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب فهنا يكون ~~اتباع الهوى هو ما يخالف الحق في الحكم قال تعالى يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ms251 ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن ~~يكن غنيا أو فقيرا فالله # PageV02P205 # أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا فهنا يكون اتباع الهوى فيما يخالف القسط من الشهادة ~~وغيرها والحق هو العدل واتباع الهوى في خلاف ذلك هو من الظلم # وقد نهى رسول الله عن اتباع أهواء الخلق وقال تعالى ولن ترضي عنك اليهود ~~ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدي الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم ~~بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير فنهاه عن اتباع أهواء ~~الذين أوتوا الكتاب بعد ما جاءه من العلم # وكذلك قال تعالى في الآية الأخرى ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من ~~العلم وقال تعالى فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض ما أنزل إليك فإن تولوا فاعلم إنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ~~ذنوبهم # وقال تعالى قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا ~~تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وهم بربهم يعدلون # فقد نهاه عن اتباع أهواء المشركين واتباع أهواء أهل الكتاب وحذره أن ~~يفتنوه عما أنزل الله إليه من الحق وذلك يتضمن النهي عن اتباع أهواء أحد في ~~خلاف شريعته وسنته وكذا أهل الأهواء من هذه الأمة # PageV02P206 # وقد بين ذلك في قوله تعالى ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا ~~تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين ~~بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين فقد أمره في هذه الآية باتباع الشريعة ~~التي جعله عليها ونهاه عن اتباع ما يخالفها وهي أهواء الذين لا يعلمون # ولهذا كان كل من خرج عن الشريعة والسنة من أهل الأهواء كما سماهم السلف # وقال تعالى ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن # وقال تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا ms252 تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل # وقال تعالى وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم # وقال تعالى قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى من قبل إلى قوله فأتوا ~~بكتاب من عند الله هو أهدي منهما أتبعه إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لك ~~فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدي من الله # PageV02P207 # وقال تعالى ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا ~~العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوائهم ~~والذين اهتدوا زادهم هدي وآتاهم تقواهم # فذكر الذين أوتوا العلم وهم الذين يعلمون أن ما أنزل إليه من ربه الحق ~~ويفقهون ما جاء به وذكر المطبوع على قلوبهم فلا يفقهون إلا قليلا الذين ~~اتبعوا أهوائهم يسألونهم ماذا قال الرسول آنفا وهذه حال من لم يفقه الكتاب ~~والسنة بل يستشكل ذلك فلا يفقهه أو قرأه متعارضا متناقضا وهي صفة المنافقين # ثم ذكر صفة المؤمنين فقال تعالى والذين اهتدوا زادهم زيادة الهدي وهو ضد ~~الطبع على قلوب أولئك وآتاهم تقواهم وهو ضد اتباع أولئك الأهواء # فصاحب التقوى ضد صاحب الأهواء كما قال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهي ~~النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وقال تعالى إذ جعل الذين كفروا في ~~قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها # ولما كانت كل حركة وعمل في العالم فأصلها المحبة والإرادة وكل محبة ~~وإرادة لا يكون أصلها محبة الله وإرادة وجهه فهي باطلة فاسدة كان كل عمل # PageV02P208 # لا يراد به وجهه باطلا فأعمال الثقلين الجن والإنس منقسمة منهم من يعبد ~~الله ومنهم من لا يعبده بل قد يجعل معه إلها آخر وأما الملائكة فهم عابدون ~~لله # وجميع الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم والجن ms253 والبهائم فهي من عمل ~~الملائكة وتحريكها لما في السماء والأرض وما بينهما فجميع تلك الحركات ~~والأعمال عبادات لله متضمنة لمحبته وإرادته وقصده وجميع المخلوقات عابدة ~~لخالقها إلا ما كان من مردة الثقلين وليست عبادتها إياه قبولها لتدبيره ~~وتصريفه وخلقه فإن هذا عام لجميع المخلوقات حتى كفار بني آدم فلا يخرج أحد ~~عن مشيئته وتدبيره وذلك بكلمات الله التي كان النبي يستعيذ بها فيقول # أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وهذا من عموم ربو ~~بيته وملكه # وهذا الوجه هو الذي أدركه كثير من أهل النظر والكلام حتى فسروا ما في ~~القرآن والحديث من عبادة الأشياء وسجودها وتسبيحها بذلك وهم غالطون في هذا ~~التخصيص شرعا وعقلا أيضا # فإن المعقول الذي لهم يعرفهم أن كل شيء وكل متحرك وأن كان له مبدأ فلا بد ~~له من غاية ومنتهى كما يقولون لها علتان فاعلية وغائية والذي # PageV02P209 # ذكروه إنما هو من جهة العلة الفاعلية وبعض المخلوقين كذلك يجعلونه من جهة ~~العلة الغائية وهذا غلط # فلا يصلح أن يكون شيء من المخلوقات علة فاعلية ولا غائية إذ لا يستقل ~~مخلوق بأن يكون علة تامة قط ولهذا لم يصدر عن مخلوق واحد شيء قط ولا يصدر ~~شيء في الآثار إلا عن اثنين من المخلوقات كما قد بينا هذا في غير هذا ~~الموضوع # وكذلك لا يصلح شيء من المخلوقات أن يكون علة غائية تامة إذ ليس في شيء من ~~المخلوقات كمال مقصود حتى من الأحياء فالمخلوقات بأسرها يجتمع فيها هذان ~~النقصان أحدهما أنه لا يصلح شيء منها أن تكون علة تامة لا فاعلية ولا غائية ~~والثاني أن ما كان فيها علة فله علة سواء كان علة فاعلية أو غائية # فالله سبحانه رب كل شيء ومليكه وهو رب العالمين لا رب لشيء من الأشياء ~~إلا هو وهو إله كل شيء وهو في السماء إله وفي الأرض إله وهو الله في ~~السموات وفي الأرض لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا وما من إله إلا الله ms254 ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا # فعبادة المخلوقات وتسبيحها هو من جهة إلاهيته سبحانه وتعالى وهو الغاية ~~المقصودة منها ولها # PageV02P210 # وأما في الشرع فإن الله فصل بين هذا وبين هذا فقال تعالى ألم تر أن الله ~~يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر ~~والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم ~~إن الله يفعل ما يشاء # فهذا السجود الذي فصل بين كثير من الناس الذي يفعلونه وكثير من الناس ~~الذين لا يفعلونه طوعا وهم الذين حق عليهم العذاب ليس هو ما يشترك فيه جميع ~~الناس من خلق الله وربوبيه الله تعالى إياهم وتدبيرهم # وكذلك فصل بين الصنفين في قوله تعالى أفغير دين الله يبغون وله أسلم من ~~في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون # وكذلك في قوله ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والآصال # وهو سبحانه ذكر في الآية الأخرى سجود المخلوقات إلا الكثير من الناس لأنه ~~ذكر الطوع فقط كما ذكر في التي قبلها أديان الناس فقال تعالى إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل ~~بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد فتضمنت هذه الآية حال المخلوقات ~~إلا الجن فإنهم لم يذكروا باللفظ الخاص # PageV02P211 # لكنهم يندرجون في الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين فإنهم كما ~~قالوا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا # وقد ذكر طائفة من أهل العربية أنهم يدخلون في لفظ الناس أيضا # وقال سبحانه أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيئوا ظلاله عن اليمين ~~والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من ~~دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون # وفي الصحيحين حديث أبي ذر في سجود الشمس تحت العرش إذا غابت # وقال تعالى ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل ms255 ~~قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون وقال تعالى سبح لله ما في ~~السموات والأرض وهو العزيز الحكيم سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو ~~العزيز الحكيم سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو # PageV02P212 # العزيز الحكيم يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز ~~الحكيم يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم # قال تعالى وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا ~~هم يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون # وقال تعالى إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون # وقال تعالى ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون فإن استكبروا فالذين عند ~~ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون # وقال تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن ~~يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا بالله ~~واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما # وقال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي ~~للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السموات والأرض # PageV02P213 # إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا # وقال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضي وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ~~كذلك نجزي الظالمين # وقال تعالى هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح ~~الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم ~~يجادلون في ms256 الله وهو شديد المحال # وقالت الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون # وقال تعالى إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل ~~له أواب ### | أهل الطبع المتفلسفة لا يشهدون الحكمة الغائية من المخلوقات # فأما كثير من الناس وأهل الطبع المتفلسفة وغيرهم فيعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا ويأخذون بظاهر من القول يرون ظاهر الحركات والأعمال التي للموجودات ~~ويرون بعض أسبابها القريبة وبعض حكمها وغاياتها القريبة أن ذلك هو العلة ~~لها فاعلا وغاية كما يذكرونه في تشريح الإنسان وأعضائه وحركاته # PageV02P214 # الباطنة والظاهرة وما يذكرونه من القوي التي في الأجسام التي هي تكون بها ~~الحركة وما يذكرونه من كل شيء # ومن ذلك ذكرهم الطبيعة التي في الإنسان والقوة الجاذبة والهاضمة الغاذية ~~والدافعة والمولدة وغير ذلك وأن الرئة تروح على القلب لفرط حرارته وأن ~~الدماغ أبرد من القلب إلى غير ذلك من الأسباب والحكم التي فيها من شهود ما ~~في مخلوقات الله من الأسباب والحكم ما هو عبرة لأولي الأبصار # لكن يقع الغلط من إضافة هذه الآثار العظيمة إلى مجرد قوة في جسم ولا ~~يشهدون الحكمة الغائية من هذه المخلوقات وأن ذلك هو عبادة ربها سبحانه ~~وتعالى ### | أهل الكلام ينكرون طبائع الموجودات وما فيها من القوي والأسباب # وقد يعارضهم كلهم طوائف من أهل الكلام فينكرون طبائع الموجودات وما فيها ~~من القوي والأسباب ويدفعون ما أرى الله عباده من آياته في الآفاق وفي ~~أنفسهم مما شهد به في كتابه من أنه خلق هذا بهذا كقوله فأنزلنا به الماء ~~فأخرجنا به من كل الثمرات وقوله فأحيا به الأرض بعد موتها # وكلا الطائفتين قد لا يعلمون ما فيها من الحكمة التي هي عبادة ربها وهذا ~~هو المقصود الذي بعث الله به الرسل وانزل به الكتب بل إنما يتنازعون في # PageV02P215 # فاعل هذه الأمور وما يتعلق بتوحيد الربوبية كما قدمناه وأما شهادة غاية ~~هذه الأمور وما يتعلق بتوحيد الإلهية فقد لا يهتدون له ولهذا كان ms257 في طرقهم ~~من الضلالات والجهالات ما هو مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول # لكن أهل العلم في إضافة جميع الحوادث إلى خلق الله ومشيئته وربوبيته أصح ~~عقلا ودينا ومن أدخل في ذلك كل شيء حتى أفعال الحيوان فهو المصيب الموافق ~~للسنة والعقل وهم متكلمة أهل الإثبات الذين يقررون أن الله خالق كل شيء ~~وربه ومليكه # بخلاف القدرية الذين أخرجوا عن ذلك أفعال الحيوان وبخلاف أهل الطبع ~~والفلسفة الذين يخرجون عن ذلك عامة الكائنات من العلل المولدات وكلاهما ~~باطل كما بين في غير هذا الموضع # ولهذا تجد هؤلاء إذا تكلموا في الحركات التي بين السماء والأرض مثل حركة ~~الرياح والسحاب والمطر وحدوث المطر من الهواء الذي بين السماء والأرض تارة ~~ومن البخار المتصاعد من الأرض تارة كما ذكر ذلك أيضا غير واحد من السلف وهو ~~حق مشهود بالأبصار كما يخلق الولد في بطن أمه من المني وكما يخلق الشجر من ~~الحب والنوى فشهدوا بعض الأسباب المرئية وجهلوا أكثر الأسباب وأعرضوا عن ~~الخالق المسبب لذلك كله وعما جاء في ذلك من عبادته وتسبيحه والسجود له الذي ~~هو غاية حكمته # فإن خلق الله سبحانه للسحاب بما فيه من المطر من هذا البحر وبخار الأرض ~~كخلقه للحيوان والنبات والمعدن من هذه الأمور # PageV02P216 # ومعلوم أن المني جسم صغير مشابه لهذا الذي في الحيوان من الأعضاء المكسوة ~~والمتنوعة في أقدارها وصفاتها وحكمها وغاياتها هل يقول عاقل إن هذا مضاف ~~إلى عرض وصفة حال في جسم صغير أو يضاف هذا إلى ذلك الجسم الصغير هذا من ~~أفسد الأمور في بديهة العقل # ومعلوم أنه لا نسبة إلى خلق هذا من هذا وإلى ما يصنعه بنو آدم من الصور ~~التي يصنعونها من المداد مثل الكتابة بالمداد ونسيج الثياب من الغزل وصنعة ~~الأطعمة والبنيان من موادها وهم مع ذلك لم يخلقوا المواد ولا يفنونها وإنما ~~غايتهم حركة خاصة تعين على تلك الصورة ثم لو أضاف مضيف هذه الكتابة إلى ~~المداد لكان الناس جميعا يستجهلونه ويستحمقونه فالذي يضيف خلق الحيوان ~~والنبات إلى ms258 مادتها أو ما في مادتها من الطبع أليس هو أحمق وأجهل وأظلم ~~وأكفر # وكذلك خلق السحاب والمطر من الهواء والبخار هو كذلك إضافة الزلزلة إلى ~~احتقان البخار وإضافة حركة الرعد إلى مجرد اصطكاك أجرام السحاب إلى غير ذلك ~~من الأسباب التي ضلوا فيها ضلالا مبينا حيث جعلوها هي العلة التامة فاعلا ~~ولم يعرفوا الغاية فجهلوا الوضعين ونازعهم طوائف من الناس فيما يوجد من ~~الأسباب والقوي التي في الطباع وذلك أيضا جهل # وإذا كانت المحبة والإرادة أصل كل عمل وحركة وأعظمها في الحق محبة الله ~~وإرادته بعبادته وحده لا شريك له وأعظمها في الباطل أن يتخذ الناس من # PageV02P217 ### | المحبة والإرادة أصل كل دين # دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ويجعلون له عدلا وشريكا علم أن المحبة ~~والإرادة أصل كل دين سواء كان دينا صالحا أو دينا فاسدا فإن الدين هو من ~~الأعمال الباطنة والظاهرة والمحبة والإرادة أصل ذلك كله والدين هو الطاعة ~~والعبادة والخلق فهو الطاعة الدائمة اللازمة التي قد ### | معاني كلمة الدين # صارت عادة وخلقا بخلاف الطاعة مرة واحدة ولهذا فسر الدين بالعادة والخلق ~~ويفسر الخلق بالدين أيضا كما في قوله تعالى وإنك لعلى خلق عظيم قال ابن ~~عباس على دين عظيم وذكره عنه سفيان بن عيينة وأخذه الإمام أحمد عن سفيان بن ~~عيينة وبذلك فسراه # وكذلك يفسر بالعادة كما قال الشاعر # أهذا دينه أبدا وديني # ومنه الديدن يقال هذا ديدنه أي عادته اللازمة فإن ديدن من دان بمنزلة ~~صلصل من صل وكبكب من كب هو تضعيف له والمضعف قد يكون مشددا وقد يكون حرف ~~لين وهم يعاقبون في كلامهم # PageV02P218 # كثيرا بين الحرف المشدد وحرف المثل كما يقال تقضي البازي وتقضض ويقال ~~تسرر وتسري # ودان يكون من الأعلى القاهر ويكون من المطيع يقال دنته فدان أي قهرته فذل ~~كما قال # هو دان الرباب إذ كرهوا الدي ... ن دراكا بعزة وصيال # ويقال في الأعلى كما تدين تدان وأما دين المطيع فيستعمل متعديا ودائما ~~ولازما يقال دنت الله ودنت لله ويقال فلان ms259 لا يدين الله دينا ولا يدين لله ~~لأن فيه معنى الطاعة والعبادة ومعنى الذل فإذا قيل دان الله فهو قولك أطاع ~~الله وأحبه وإذا قيل دان لله فهو كقولك ذل لله وخشع لله # وقد ذكرت أن أسم العبادة يتناول غاية الحب بغاية الذل وهكذا الدين # PageV02P219 # الذي يدين به الناس في الباطن والظاهر لا بد فيه من الحب والخضوع بخلاف ~~طاعتهم للملوك ونحوهم فإنها قد تكون خضوعا ظاهرا فقط # والله سبحانه وتعالى سمي يوم القيامة يوم الدين كما قال مالك يوم الدين ~~وهو كما روى عن ابن عباس وغيره من السلف يوم يدين الله العباد بأعمالهم إن ~~خيرا فخيرا وإن شرا فشرا وذلك يتضمن جزاءهم وحسابهم # فلهذا من قال هو يوم الحساب ويوم الجزاء فقد ذكر بعض صفات الدين قال ~~تعالى كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم ~~عنها بغائبين وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك ~~نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله # وقال تعالى فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين أي مقهورين ~~ومدبرين ومجزيين # PageV02P220 ### | لا بد لكل طائفة من بني آدم من دين يجمعهم # وإذا كان كل عمل عن محبة وإرادة والترك يكون عن بغض وكراهة وكل أحد همام ~~حارث له حب وبغض لا يخلو الحي عنهما وعمله يتبع حبه وبغضه ثم قد يكون ذلك ~~في أمور هي له عادة وخلق وقد يكون في أمور عارضة لازمة علم أن كل طائفة من ~~بني آدم لا بد لهم من دين يجمعهم إذ لا غني لبعضهم عن بعض وأحدهم لا يستقل ~~بجلب منفعته ودفع مضرته فلا بد من اجتماعهم وإذا اجتمعوا فلا بد أن يشتركوا ~~في اجتلاب ما ينفعهم كلهم مثل طلب نزول المطر وذلك محبتهم له وفي دفع ما ~~يضرهم مثل عدوهم وذلك بغضهم له فصار ولا بد أن يشتركوا في محبة شيء ms260 عام ~~وبغض شيء عام وهذا هو دينهم المشترك العام # وإما اختصاص كل منهم بمحبة ما يأكله ويشربه وينكحه وطلب ما يستره باللباس ~~فهذا يشتركون في نوعه لا في شخصه بل كل منهم يحب نظير ما يحبه الآخر لا ~~عينه بل كل منهم لا ينتفع في أكله وشربه ونكاحه ولباسه بعين ما ينتفع به ~~الآخر بل بنظيره # وهكذا هي الأمور السماوية في الحقيقة فإن عين المطر الذي ينزل في أرض هذا ~~ليس هو عين الذي ينزل في أرض هذا ولكن نظيره ولا عين الهواء البارد الذي ~~يصيب جسد أحدهم قد لا يكون نفس عين الهواء البارد الذي يصيب جسد الآخر بل ~~نظيره # PageV02P221 # لكن الأمور السماوية تقع مشتركة عامه ولهذا تعلق حبهم وبغضهم بها عامة ~~مشتركة بخلاف الأمور التي تتعلق بأفعالهم كالطعام واللباس فقد تقع مختصة ~~وقد تقع مشتركة ### | الدين هو التعاهد والتعاقد # وإذا كان كذلك فالأمور التي يحتاجون إليها يحتاجون أن يوجبوها على أنفسهم ~~والأمور التي تضرهم يحتاجون أن يحرموها على نفوسهم وذلك دينهم وذلك لا يكون ~~إلا باتفاقهم على ذلك وهو التعاهد والتعاقد # ولهذا جاء في الحديث لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له # فهذا هو من الدين المشترك بين جميع بني آدم من التزام واجبات ومحرمات وهو ~~الوفاء والعهد وهذا قد يكون باطلا فاسدا إذا كان فيه مضرة لهم راجحة على ~~منفعته وقد يكون دين حق إذا كانت منفعة خاصة أو راجحة # كما قال تعالى قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين # وقال تعالى ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك # PageV02P222 # وقال تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ### | الدين الحق هو طاعة الله وعبادته # والدين الحق هو طاعة الله وعبادته كما بينا أن الدين هو الطاعة المعتادة ms261 ~~التي صارت خلقا وبذلك يكون المطاع محبوبا مرادا إذ أصل ذلك المحبة والإرادة # ولا يستحق أحد أن يعبد ويطاع على الإطلاق إلا الله وحده لا شريك له ورسله ~~وأولو الأمر أطيعوا لأنهم يأمرون بطاعة الله كما قال النبي في الحديث ~~المتفق عليه من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني ~~فقد عصي الله ومن عصي أميري فقد عصاني # وأما العبادة فلله وحده ليس فيها واسطة فلا يعبد العبد إلا الله وحده كما ~~قد بينا ذلك في مواضع وبينا أن كل عمل لا يكون غايته إرادة الله وعبادته ~~فهو عمل فاسد غير صالح باطل غير حق أي لاينفع صاحبه # PageV02P223 # وقد قال سبحانه وما أمروا إلا ليعيدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة # وقال تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله # وقال تعالى ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم # وقال تعالى قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين # وقال تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا ~~قومهم إذا رجعوا إليهم # وفي الصحيحين عن النبي انه قال # من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين # وقال تعالى ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت # PageV02P224 # أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه # وهو الدين الحق الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له وطاعته وطاعة رسوله ~~هو الإسلام العام الذي لا يقبل الله دينا غيره # كما قال تعالى إن الدين عند الله الإسلام وقال تعالى ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين # وقال تعالى أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا ~~وكرها وإليه يرجعون # وقال ms262 تعالى شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسي أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ~~ما تدعوهم إليه # وقال تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ### | كل دين سوي الإسلام باطل # فإذا كان لا بد لكل آدمي من اجتماع ولا بد في كل اجتماع من طاعة ودين وكل ~~دين وطاعة لا يكون لله فهو باطل فكل دين سوي الإسلام فهو باطل # وأيضا فلا بد لكل حي من محبوب هو منتهى محبته وإرادته وإليه تكون حركة ~~باطنه وظاهره وذلك هو إلهه ولا يصلح ذلك إلا لله وحده لا شريك له فكل ما ~~سوي الإسلام فهو باطل # PageV02P225 # والمتفرقون أيضا فيه الذين أخذ كل منهم ببعضه وترك بعضه وافترقت أهواؤهم ~~قد بريء الله ورسوله منهم ### | لا بد في كل دين من شيئين العقيدة والشريعة أو المعبود والعبادة # ولا بد في كل دين وطاعة ومحبة من شيئين أحدهما الدين المحبوب المطاع وهو ~~المقصود المراد # والثاني نفس صورة العمل التي تطاع ويعبد بها وهو السبيل والطريق والشريعة ~~والمنهاج والوسيلة # كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا قال أخلصه ~~وأصوبه قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال إن العمل إذا كان خالصا ولم ~~يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا ~~صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة # فهكذا كان الدين يجمع هذين الأمرين المعبود والعبادة والمعبود اله واحد ~~والعبادة طاعته وطاعة رسوله فهذا هو دين الله الذي ارتضاه كما قال تعالى ~~ورضيت لكم الإسلام دينا وهو دين المؤمنين من الأولين والآخرين وهو الدين ~~الذي لا يقبل الله من أحد غيره لأنه دين فاسد باطل كمن عبد من لا تصلح ~~عبادته أو عبد بما لا يصلح أن يعبد به ### | تنوع الناس في المعبود وفي العبادة # ثم مع اشتراك الأولين والآخرين في هذا الدين فيتنازعون ms263 في كل منهما فإن ~~الله سبحانه له الأسماء الحسني وله المثل الأعلى فقد تعرف هذه الأمة من ~~أسمائه # PageV02P226 # وصفاته ما لا تعرف به الأمة الأخرى فهم مشتركون في عبادة نفسه وإن تنوعوا ~~فيما عرفوه وعبدوه به من أسمائه وصفاته # وقد رفع الله بعضهم فوق بعض درجات فهذا تنوعهم في المعبود وكذلك حالهم في ~~معرفة اليوم الآخر # وأما تنوعهم في العبادة والطاعة من الأقوال والأفعال فإنهم متنوعون في ~~ذلك أيضا # وقد قال تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # وقال تعالى ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين ~~لا يعلمون # وقال تعالى لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر # وقال تعالى ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام # وقال تعالى ولكل وجهة هو موليها # وهذان الأصلان قد جاءت شريعتنا فيهما بأنواع فجاءت في أسماء الله وصفاته ~~بأنواع وجاءت في صفات العبادات بأنواع والأصل الأول ينضم إليه اليوم الآخر ~~وما جاء في نعته من الأسماء والصفات والوعد والوعيد # PageV02P227 # وهذه الأصول الثلاثة وهي الإيمان بالله وباليوم الآخر والعمل الصالح هي ~~الموجبة للسعادة في كل ملة كما قال تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون والشرع ما جاءت به الرسل وهو الأصل ~~الرابع ### | ذم الله التفرق والاختلاف في الكتاب والسنة # فإن هذه الأصول الأربعة متلازمة والتفرق في ذلك بالأمر في بعضه والنهي عن ~~بعض هو من التفرق والاختلاف الذي ذمه الكتاب والسنة من المختلفين # وقال تعالى وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد # وقال تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء # وقال تعالى ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات # ولهذا غضب النبي لما اختلفوا في القراءة وقال كلاهما محسن # PageV02P228 # وقال إن القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرؤوا منه ما تيسر وكذلك غضب لما ~~تنازعوا في ms264 القدر وأخذوا يعارضون بين الآيات معارضة تفضي إلى الإيمان ببعض ~~دون بعض # وهذا التفرق والاختلاف يوجب الشرك وينافي حقيقة التوحيد الذي هو إخلاص ~~الدين كله لله كما قال تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونوا من المشركين ~~من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون # فإقامة وجهة الدين حنيفا وعبادة الله وحده لا شريك له وذلك يجمع الإيمان ~~بكل ما أمر الله به وأخبر به أن يكون الدين كله لله # PageV02P229 # ثم قال الله تعالى ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا وذلك أنه إذا كان الدين كله لله حصل الإيمان والطاعة لكل ما أنزله ~~وأرسل به رسله وهذا يجمع كل حق ويجمع عليه كل حق # وإذا لم يكن كذلك فلا بد أن يكون لكل قول ما يمتازون به مثل معظم مطاع أو ~~معبود لم يأمر الله بعبادته وطاعته ومثل قول ودين ابتدعوه لم يأذن الله به ~~ولم يشرعه فيكون كل من الفريقين مشركا من هذا الوجه # وأيضا ففي قلوب بني آدم محبة وإرادة لما يتألهونه ويعبدونه وذلك هو قوام ~~قلوبهم وصلاح نفوسهم كما أن فيهم محبة وإرادة لما يطعمونه وينكحونه وبذلك ~~تصلح حياتهم ويدوم شملهم وحاجتهم إلى التأله أعظم من حاجتهم إلى الغذاء فإن ~~الغذاء إذا فقد يفسد الجسم وبفقد التأله تفسد النفس ولن يصلحهم إلا تأله ~~الله وعبادته وحده لا شريك له وهي الفطرة التي فطروا عليها كما قال النبي ~~في الحديث المتفق عليه كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي فيما يروي عن ربه أنه قال إنني ~~خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن ~~يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا # لكن أكثر الشرك في بني آدم بإيجاد إله آخر مع الله ودان بذلك كثير منهم ~~في أنواع كثيرة # PageV02P230 # فصار كل طائفة من بني آدم لا بد لهم من دين لهذين الأمرين لحاجة نفوسهم ~~إلى الإله ms265 الذي هو محبوب مطلوب لذاته ولأنه ينفع ويضر ولحاجتهم إلى التزام ~~ما يحبونه من الحاجات ويدفعونه من المضرات # وهم مشركون في المحبة للأمور المنزلة أعيانها وأنواعها فهم مشركون في ~~محبة الإله الذي يعبدونه وتعظيمه ومحبة من يبلغ عنه ما يختص به ومحبة ~~أوامره ونواهيه مشركين في محبة غير ذلك ومشركون أيضا في محبة جنس ما ~~التزموه من الواجبات والمحرمات العامة التي هي جلب المنفعة لهم جميعا ودفع ~~المضرة عنهم جميعا # فهذه المحبة هي المحبة الدينية كحب الدين الذي هم عليه حقا كان أو باطلا ~~وكذلك محبة ما يعين على ذلك ويوصل إليه لأجل ذلك فهي أيضا محبة دينية ### | يقول بعض المتفلسفة إن المقصود بالدين مجرد المصلحة الدنيوية # وليس المقصود بالدين الحق مجرد المصلحة الدنيوية من إقامة العدل بين ~~الناس في الأمور الدنيوية كما يقوله طوائف من المتفلسفة في مقصود النواميس ~~والنبوات أن المراد بها مجرد وضع ما يحتاج إليه معاشهم في الدنيا من ~~القانون العدلي الذي ينتظم به معاشهم لكن هذا قد يكون المقصود في أديان من ~~لم يؤمن بالله ورسوله من اتباع الملوك المتفلسفة ونحوهم مثل قوم نوح ونمرود ~~وجنكيزخان وغيرهم # PageV02P231 # فإن كل طائفة من بني آدم محتاجون إلى التزام واجبات وترك محرمات يقوم بها ~~معاشهم وحياتهم الدنيوية وربما جعلوا مع ذلك ما به يستولون به على غيرهم من ~~الأصناف ويقهرونه كفعل الملوك الظالمين مثل جنكيزخان # فإذا لم يكن مقصود الدين والناموس الموضوع إلا جلب المنفعة في الحياة ~~الدنيا ودفع المضرة فيها فليس لهؤلاء في الآخرة من خلاق ثم إن كان مع ذلك ~~جعلوه ليستولوا به على غيرهم من بني آدم ويقهرونهم كفعل فرعون وجنكيزخان ~~ونحوهما فهؤلاء من أعظم الناس عذابا في الآخرة # كما قال تعالى نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن فرعون ~~علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي ~~نساءهم إنه كان من المفسدين # وقد قص الله سبحانه قصة فرعون في غير موضع من القرآن وكان هو وقومه على ms266 ~~دين لهم من دين الملوك كما قال تعالى في قصة يوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين ~~الملك إلا أن يشاء الله وهذا الملك كان فرعون يوسف وكان قبل فرعون موسى ~~وفرعون اسم لمن يملك مصر من القبط وهو اسم جنس كقيصر وكسري والنجاشي ونحو ~~ذلك # وهؤلاء المتفلسفة الصابئة المبتدعة من المشائين ومن سلك مسلكهم من ~~المنتسبين إلى الملل في المسلمين واليهود والنصارى يجعلون الشرائع ~~والنواميس # PageV02P232 # والديانات من هذا الجنس لوضع قانون تتم به مصلحة الحياة الدنيا ولهذا لا ~~يأمرون فيها بالتوحيد وهو عبادة الله وحده ولا بالعمل للدار الآخرة ولا ~~ينهون فيها عن الشرك بل يأمرون فيها بالعدل والصدق والوفاء بالعهد ونحو ذلك ~~من الأمور التي لا تتم مصلحة الحياة الدنيا إلا بها ويشرعون التأله ~~للمخلصين والمشركين # وقد تكلمت على أقسام الديانات في غير هذا الموضع وبينت الطبعي والملي ~~والشرعي وإنما جاء ذكر هذا هنا مطردا # ولهذا يقيمون النواميس بأنواع من الحيل والسحر والطلسمات كما وضعوه في ~~كتب ذلك ويقولون في بعض الطيالسم هذا يصلح لوضع النواميس كما تواصت ~~القرامطة والباطنية وكما كان يفعله سحرة فرعون وغيرهم وآثارهم موجودة بذلك ~~إلى اليوم وكما يفعله المشركون من الترك والهند في بلادهم # PageV02P233 # والمتفلسفة الصابئة تجعل ذلك جنسا لما بعثت به الرسل من الآيات ويجعلون ~~موسى والسحرة والذين عارضوه من جنس واحد # وهؤلاء كما قال تعالى فيهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ~~هم مقرون بأن منفعة ذلك لا تكون في الآخرة وإنما يرجون منفعته في الدنيا ~~وإن كان فيه بلوغ بعض الأعراض من رئاسة أو شهوة # فهو كما قال الله تعالى ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم إذ ما فيه من ~~المضرة يربو على ما فيه من الخير قال الله تعالى ولو أنهم آمنوا واتقوا ~~لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ولهذا كان ما نهي عنه من هذا الجنس ~~إنما هو لكون الضرر فيه أغلب من المنفعة فأما ما ينفع الناس فلم ينه الله ~~عنه # ولهذا لما ms267 عرض على النبي الرقى قال من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل وقال ~~لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك # PageV02P234 # وذكر البخاري في صحيحه في استخراج السحر عن قتادة قال قلت لسعيد بن ~~المسيب رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر قال لا بأس به إنما ~~يريدون الإصلاح فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه ### | فصل ### | الحب أصل كل عمل والتصديق بالمحبة هو أصل الإيمان # وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل وهو أصل الأعمال الدينية وغيرها ~~وأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله كما ان اصل الأقوال الدينية تصديق ~~الله ورسوله فالتصديق بالمحبة هو أصل الإيمان وهو قول وعمل كما قد بين في ~~غير هذا الموضع # ومعلوم أن قوة المحبة لكل محبوب يتفاوت الناس فيها تفاوتا عظيما # PageV02P235 # ويتفاوت حال الشخص الواحد في محبة الشيء الواحد بحيث يقوي الحب تارة ~~ويضعف تارة بل قد يتبدل أقوي الحب بأقوى البغض وبالعكس # قال تعالى لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا ~~بما جاءكم من الحق إلى قوله قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ~~إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا ~~بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده وإبراهيم هو ~~إمام الحنفاء الذين يحبهم الله ويحبونه وهو خليل الله # وقال تعالى أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي ~~إلا رب العالمين # وقال تعالى أيضا لا أحب الأفلين وقال بعد ذلك إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين # وقد قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله # ولا ريب أن محبة المؤمنين لربهم أعظم المحبات وكذلك محبة الله لهم هي ~~محبة عظيمة جدا كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي قال يقول الله ~~تعالى من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي ms268 عبدي # PageV02P236 # بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ~~فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ~~ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني ~~لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض ~~نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه ### | تأويل طوائف من المسلمين للمحبة تأويلات خاطئة # وقد تأول الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام محبة الله لعبده على أنها ~~الإحسان إليه فتكون من الأفعال # وطائفة أخري من الصفاتية قالوا هي إرادة الإحسان وربما قال كلا من ~~القولين بعض المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم # وسلف الأمة وأئمة السنة على إقرار المحبة على ما هي عليه # وكذلك محبة العبد لربه يفسرها كثير من هؤلاء بأنها إرادة العبادة له ~~وإرادة التقرب إليه لا يثبتون أن العبد يحب الله # وسلف الأمة وأئمة السنة ومشايخ المعرفة وعامة أهل الإيمان متفقون على ~~خلاف قول هؤلاء المعطلة لأصل الدين بل هم متفقون على أنه لا يكون شيء من ~~أنواع المحبة أعظم من محبة العبد ربه # كما قال تعالى والذين آمنوا أشد حبا لله وقال # PageV02P237 # تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه وقال تعالى قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره فلم يرض إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليهم من ~~الأهلين والأموال حتى يكون الجهاد في سبيل الله الذي هو من كمال الإيمان # قال تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ولهذا وصف الله المحبين ~~له الذين يحبهم هو بالجهاد فقال تعالى من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ms269 ولا يخافون لومة لائم ### | تنازع الناس في لفظ العشق # واما تنازع الناس في لفظ العشق فمن الناس من أهل التصوف والكلام وغيرهم ~~من أطلق هذا اللفظ في حق الله كما روى عبد الواحد بن زيد فيما يؤثره عن أحد ~~أنبياء الله أنه قال عشقني وعشقته # PageV02P238 # وقال هؤلاء العشق هو المحبة الكاملة التامة وأولي الناس بذلك هو الله ~~فإنه هو الذي يجب أن يحب أكمل محبة وكذلك هو يحب عبده محبة كاملة # ولو قيل أن العشق هو منتهى المحبة أو أقصاها أو نحو ذلك فهذا المعنى حق ~~من العبد فإنه يحب ربه منتهي المحبة وأقصاها والله يحب عبده مثل إبراهيم ~~ومحمد صلي الله عليها وسلم تسليما أقصي محبة تكون لعباده ومنتهاها وهما ~~خليلا الله # كما ثبت في الصحيح عن النبي انه قال إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ ~~إبراهيم خليلا وقال # لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل ~~الله # وذهب طوائف من أهل العلم والدين إلى إنكار ذلك في حق الله ولا ريب أن هذا ~~اللفظ ليس مأثورا عن أئمة السلف ### | منكرو لفظ العشق لهم من جهة اللفظ مأخذان ومن جهة المعنى مأخذان # والذين أنكروه لهم من جهة اللفظ مأخذان ومن جهة المعنى مأخذان ### | المأخذ الأول من جهة اللفظ # أما من جهة اللفظ فإن هذا اللفظ ليس مأثورا عن السلف وباب الأسماء ~~والصفات يتبع فيها الألفاظ الشرعية فلا نطلق إلا ما يرد به الأثر # PageV02P239 # والأولون يستدلون بمثل قول عبد الواحد بن زيد ونحوه # وهؤلاء يقولون هذا من الإسرائيليات التي لا يجوز الاعتماد عليها في شرعنا ~~فإن ثبوت مثل هذا الكلام عن الله لا يعلم إلا من جهة نبينا صلي الله عليه ~~وسلم وذلك غير مأثور عنه ونحن لا نصدق بما ينقل عن الأنبياء المتقدمين إلا ~~أن يكون عندنا ما يصدقه كما لا نكذب إلا بما نعلم أنه كذب وقد قال النبي ~~إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بباطل ms270 ~~فتصدقوه وإما يحدثوكم بحق فتكذبوه وهذا الوجه يقتضي الامتناع من الإطلاق ~~إلا عند الجزم بتحريمه في جميع الشرائع ### | المأخذ الثاني # المأخذ الثاني أن المعروف من استعمال هذا اللفظ في اللغة إنما هو في محبة ~~جنس النكاح مثل حب الإنسان الآدمي مثله ممن يستمتع به من امرأة # PageV02P240 # أو صبي فلا يكاد يستعمل هذا اللفظ في محبة الإنسان لولده وأقاربه ووطنه ~~وماله ودينه وغير ذلك ولا في محبته لآدمي لغير صورته مثل محبة الآدمي لعلمه ~~ودينه وشجاعته وكرمه وإحسانه ونحو ذلك بل المشهور من لفظ العشق هو محبة ~~النكاح ومقدماته فالعاشق يريد الاستمتاع بالنظر إلى المعشوق وسماع كلامه أو ~~مباشرته بالقبلة والحس والمعانقة أو الوطء وإن كان كثير من العشاق لا يختار ~~الوطء بل يحب تقبيل ومعانقة موطوءته فهو يحب مقدمات الوطء وكم ممن اشتغل ~~بالوسيلة عن المقصود # ثم لفظ العشق قد يستعمل في غير ذلك إما على سبيل التواطؤ فيكون حقيقة في ~~القدر المشترك وإما على سبيل المجاز # لكن استعماله في محبة الله إما أن يفهم أو يوهم المعنى الفاسد وهو أن ~~الله يحب ويحب كما تحب صور الآدميين التي نستمتع بمعاشرتها ووطئها وكما تحب ~~الحور العين التي في الجنة # وهذا المعنى من أعظم الكفر وإن كان قد بلغ إلى هذا الكفر الاتحادية الذين ~~يقولون إنه عين الموجودات ويقولون ما نكح سوي نفسه وهو الناكح والمنكوح # PageV02P241 # وكذلك الذين يقولون بالحلول العام والذين يقولون بالاتحاد في صور معينة ~~أو بحلوله فيها كما يقوله الغالية من النصارى والرافضة وغالية النساك فإن ~~هؤلاء يصفونه بما يوصف به البشر من النكاح تعالى الله عما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولو يكن له كفوا أحد # ومن هؤلاء من يعشق الصور الجميلة ويزعم أنه يتجلي فيها وأنه إنما يحب ~~مظاهر جماله وقد بسطنا الكلام في كفرهم وضلالهم في غير هذا الموضع فمن زعم ~~أن الله يحب أو يعشق وأشار إلى هذا المعنى فهو أعظم كفرا من اليهود ~~والنصارى ### | المأخذ المعنوي ms271 قيل إن العشق فساد في الحب والإرادة # وأما المأخذ المعنوي فهو أن العشق هل هو فساد في الحب والإرادة أو فساد ~~في الإدراك والمعرفة قيل إن العشق هو الإفراط في الحب حتى يزيد على القصد ~~الواجب فإذا أفرط كان مذموما فاسدا مفسدا للقلب والجسم كما قال تعالى فيطمع ~~الذي في قلبه مرض فمن صار مفرطا صار مريضا كالإفراط في الغضب والإفراط في ~~الفرح وفي الحزن # وهذا الإفراط قد يكون في محبة الإنسان لصورته وقد يكون في محبته لغير ذلك ~~كالإفراط في حب الأهل والمال والإفراط في الأكل والشرب وسائر أحوال # PageV02P242 # الإنسان وهذا المعنى ممتنع في حق الله من الجهتين فإن الله لا يحب محبة ~~زيادة على العدل ومحبة عبادة المؤمنين له ليس لها حد تنتهي إليه حتى تكون ~~الزيادة إفراطا وإسرافا ومجاوزة للقصد بل الواجب أن يكون الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما # كما ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من ~~كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يجب المرء لا يحبه إلا لله ~~ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه منه كما يكره أن يلقي في النار ~~وفي رواية في الصحيح لا يجد عبد حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما إلى آخره وقال والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب ~~إليه من والده وولده والناس أجمعين # وفي الصحيح أن عمر قال له يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا ~~من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فلأنت أحب إلي من ~~نفسي قال الآن يا عمر # وقد تقدم دلالة القرآن على هذا الأصل بقوله تعالى قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره ### | وقيل إن العشق فساد في الإدراك والتخيل والمعرفة ms272 # وقيل أن العشق هو فساد في الإدراك والتخيل والمعرفة فإن العاشق يخيل # PageV02P243 # له المعشوق على خلاف ما هو به حتى يصيبه ما يصيبه من داء العشق ولو أدركه ~~على الوجه الصحيح لم يبلغ إلى حد العشق وإن حصل له محبة وعلاقة # ولهذا يقول الأطباء العشق مرض وسواسي شبيه بالمالنخوليا فيجعلونه من ~~الأمراض الدماغية التي تفسد التخيل كما يفسده المالنخوليا # وإذا كان الأمر كذلك امتنع في حق الله من الجانبين فإن الله بكل شيء عليم ~~وهو سميع بصير مقدس منزه عن نقص أو خلل في سمعه وبصره وعلمه والمحبون له ~~عباده المؤمنون الذين آمنوا به وعرفوه بما تعرف به إليهم من أسمائه وآياته ~~وما قذفه في قلوبهم من أنوار معرفته فليست محبتهم إياه عن اعتقاد فاسد # لكن قد يقال إن كثيرا ممن يكون فيه نوع محبة الله قد يكون معها اعتقاد ~~فاسد إذ الحب يستتبع الشعور لا يستلزم صريح المعرفة لا سيما من كان من ~~عقلاء المجانين الذين عندهم محبة لله وتأله وفيهم فساد عقل فهؤلاء قد يصيب ~~أحدهم ما يصيب العشاق في حق الله ومعهم حب شديد ونوع من الاعتقاد الفاسد # وكثيرا ما يعتري أهل المحبة من السكر والفناء أعظم ما يصيب السكران ~~بالخمر والسكران بالصور كما قال تعالى في قوم لوط إنهم لفي سكرتهم يعمهون ~~فالحب له سكر أعظم من سكر الشراب كما قيل # PageV02P244 # سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران # ومعلوم أنه في حال السكر والفناء تنقص المعرفة والتميز ويضطرب العقل ~~والعلم فيحصل في ضمن ذلك من الاعتقادات والتخيلات الفاسدة ما هو من جنس ~~العشق الذي فيه فساد الاعتقاد # وهؤلاء محمودون على ما معهم من محبة الله والأعمال الصالحة والإيمان به ~~وأما ما معهم من اعتقاد فاسد وعمل فاسد لم يشرعه الله ورسوله فلا يحمدون ~~على ذلك لكن إن كانوا مغلوبين على ذلك بغير تفريط منهم ولا عدوان كانوا ~~معذورين وإن كان ذلك لتفريطهم فيما أمروا به وتعديهم حدود الله فهم مذنبون ~~في ذلك مثل ms273 ما يصيب كثيرا ممن يهيج حبه عند سماع المكاء والتصدية والأشعار ~~الغزلية فتتولد لهم أنواع من الاعتقادات والإرادات التي فيها الحق والباطل ~~وقد يغلب هذا تارة وهذا تارة # فباب محبة الله ضل فيه فريقان من الناس فريق من أهل النظر والكلام ~~والمنتسبين إلى العلم جحدوها وكذبوا بحقيقتها # وفريق من أهل التعبد والتصوف والزهد أدخلوا فيها من الاعتقادات والإرادات ~~الفاسدة ما ضاهوا بها المشركين # فالأولون يشبهون المستكبرين وهؤلاء يشبهون المشركين # ولهذا يكون الأول في أشباه اليهود ويكون الثاني في أشباه النصارى # وقد أمرنا الله تعالى أن نقول اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين # PageV02P245 ### | فصل ### | كل محبة وبغضة يتبعها لذة وألم # ومن المعلوم أن كل محبة وبغضة فإنه يتبعها لذة وألم ففي نيل المحبوب لذة ~~وفراقه يكون فيه ألم وفي نيل المكروه ألم وفي العافية منه تكون فيه لذة ~~فاللذة تكون بعد إدراك المشتهى والمحبة تدعو إلى إدراكه # فالمحبة العلة الفاعلة لإدراك الملائم المحبوب المشتهي واللذة والسرور هي ~~الغاية ### | اللذات ثلاثة أجناس: ### | الأول: اللذة الحسية # واللذات الموجودة في الدنيا ثلاثة أجناس فجنس بالجسد تارة كالأكل والنكاح ~~ونحوهما مما يكون بإحساس الجسد فإن أنواع المأكول والملبوس يباشرها الجسد ### | الثاني: اللذة الوهمية # وجنس يكون مما يتخيله ويتوهمه بنفسه ونفس غيره كالمدح له والتعظيم له ~~والطاعة له فإن ذلك لذيذ محبوب له كما أن فوات الأكل والشرب يؤلمه وأكل ما ~~يضره يؤلمه وكذلك فوات الكرامة بحيث لا يكون له قدر عند أحد ولا منزلة ~~يؤلمه كما يؤلمه ترك الأكل والشرب ويؤلمه الذم والإهانة كما يؤلمه الأكل ~~والشرب الذي يضره # فالمأكول والمنكوح هي أجساد تنال بالجسد يتلذذ بوجودها ويتألم بفقدها ~~ولحصول ما يضر منها وأما الكرامة فهي في النفوس إذا كانت النفوس # PageV02P246 # ملائمة له وموافقة له بأن يعتقد فيه ما يسره ويوافقه بالمحبة والتعظيم ~~كان ذلك مما يوجب لذته ولذته بإدراكه ذلك الملائم من الناس ومدحهم المظهر ~~لاعتقادهم ومن طاعتهم وموافقتهم المظهرة لمحبتهم وتعظيمهم ### | الثالث: اللذة العقلية # والجنس الثالث أن ms274 يكون ما يعلمه بقلبه وروحه وبعقله كذلك كالتذاذه بذكر ~~الله ومعرفته ومعرفة الحق وتألمه بالجهل إما البسيط وهو عدم الكلام والذكر ~~وإما المركب وهو اعتقاد الباطل كما يتألم الجسد بعدم غذائه تارة وبالتغذي ~~بالمضار أخري # كذلك النفس تتألم بعدم غذائها وهو موافقة الناس وإكرامهم تارة وبالتغذي ~~بالضد وهو مخالفتهم وإهانتهم فكذلك القلب يتألم بعدم غذائه وهو العلم الحق ~~وذكر الله تارة والتغذي بالضد وهو ذكر الباطل واعتقاده أخري # قال النبي إن كل أحد يحب أن تؤتي مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن # PageV02P247 # وهذه اللذات الثلاث اللذات الحسية والوهمية والعقلية وقد علمت أن كل ما ~~خلقه الله في الحي من قوي الإدراك والحركة فإنما خلقه لحكمة وفي ذلك من جلب ~~المنفعة للحي ودفع المضرة عنه ما هو من عظيم نعم الله عليه # والله سبحانه بعث الرسل لتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويلها وتغييرها ~~وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط والله شرع من الدين ما فيه ~~استعمال هذه القوي على وجه العدل والاعتدال الذي فيه صلاح الدنيا والآخرة # ومن المعلوم أن قوي الحركة في الجسد التي هي حركات طبعية متي لم تكن على ~~وجه الاعتدال وإلا فسد الجسد وكذلك قوي الإدراك والحركة التي فيه وفي النفس ~~متي لم تكن على وجه الاعتدال وإلا فسد الجسد والحركة الطبعية ليس فيها حس ~~ولا إرادة وهذه لا تكون عن حركة إرادية كما تقدم لكن لا يكون ذلك في نفس ~~المتحرك بطبعه كحركة الغذاء قبل أن يصرفه الخارج من السبيلين وغير ذلك # PageV02P248 ### | شرع الله من اللذات ما فيه صلاح حال الإنسان وجعل اللذة التامة في الآخرة # والله سبحانه قد شرع من هذه اللذات ما فيه صلاح حال الإنسان في الدنيا ~~وجعل اللذة التامة بذلك في الدار الآخرة كما أخبر الله بذلك على ألسن رسله ~~بأنها هي دار القرار وإليها تنتهي حركة العباد # واللذة هي الغاية من الحركات الإرادية فتكون الغاية من اللذات عند الغاية ~~من الحركات ولا يخالف ما يوجد في الوسيلة والطريق فإن الموجود فيها ms275 من ~~اللذات بقدر ما يعين على الوصول إلى المقصود التام وكل لذة وإن جلت هي في ~~نفسها مقصودة لنفسها إذ المقصود لنفسه هو اللذة لكن من اللذات ما يكون عونا ~~على ما هو أكثر منه أيضا فيكون مقصودا لنفسه بقدره ويكون مقصودا لغيره بقدر ~~ذلك الغير وهذا من تمام نعمة الله على عباده وكل ما يتنعمون به إذا ~~استعملوه على وجه العدل الذي شرعه أوصلهم به إلى ما هو أعظم نعمة منه # ولذات الجنة أيضا تتضاعف وتتزايد كما يشاء الله تعالى فإن الله يقول كما ~~ذكره النبي في الحديث الصحيح أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر وقد قال الله تعالى في كتابه فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين # PageV02P249 # ولهذا بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين مبشرين بنعمة الله التامة في جنته ~~لمن أطاعهم فاتبع الذكر الذي أنزل عليهم واستعمل القسط الذي بعثوا به ~~ومنذرين بتعظيمهم عقاب الله لمن أعرض عن ذلك وعصاهم فكان من الظالمين # قال تعالى اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فأما يأتينكم مني هدي فمن ~~اتبع هداي فلا يضل ولا يشقي ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمي وقال تعالى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ### | غلط المتفلسفة ومن اتبعهم في أمر هذه اللذات # وقد غلطت المتفلسفة من الصابئة والمشركين ونحوهم ومن حذا حذوهم ممن صنف ~~في أصناف هذه اللذات كالرازي وغيره في أمر هذه اللذات في الدنيا والآخرة ~~حتى جرهم ذلك الغلط إلى الدين الفاسد في الدنيا بالاعتقادات الفاسدة ~~والعبادات والزهادات الفاسدة وإلى التكذيب بحقيقة ما أخبر الله به على ألسن ~~رسله من وعده ووعيده فصاروا تاركين لما ينفعهم من لذات الدنيا معرضين عما ~~خلقوا له من لذات الآخرة ومعتاضين عن ذلك بأخذ ما يضرهم مما يظنون أنه لذة ~~في الدنيا أو موصل للذة في الدنيا وهم ms276 في ذلك إن # PageV02P250 # يتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدي فجهلوا ~~المقاصد والوسائل فكانوا ضالين يقصدون ما ينفعهم ويلذهم وهم لا يعرفون عين ~~مقصودهم ولا الطريق إليه وصار عامتهم غواة منهمكين في اللذات التي تضرهم ### | ضل النصارى كذلك في أمر اللذات # والنصارى ضارعوهم في بعض ذلك حين كذبوا بكثير مما وعدوا به في الآخرة من ~~اللذات وضلوا بما ابتدعوه من العبادات فكانوا ضالين كما قال تعالى ولا ~~تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ولهذا ~~يغلب على عوامهم الغي واتباع شهوات الغي إذ لم يحرموا عليهم شيئا من ~~المطاعم والمشارب ### | اليهود أعلم لكنهم غواة قساة # وأما اليهود فهم أعلم بالمقصود وطريقه لكنهم غواة قساة مغضوب عليهم # ويتبين ذلك بأصلين أحدهما أنهم اعتقدوا أن اللذات الحسية والوهمية ليست ~~لذات في الحقيقة وإنما هي دفع آلام وربما حسنوا العبارة فقالوا ليس المقصود ~~بها التنعم وإنما المقصود بها دفع الألم بخلاف اللذات العقلية الروحانية ~~فإنها هي اللذات فقط وهي المقصودة لذاتها فقط وعن هذا يدفعون أن تكون ~~للنفوس بعد مفارقة الدنيا لذات حسية أو وهمية وإنما يكون لها لذات روحانية ~~فقط # PageV02P251 ### | تفصيل مقالة الفلاسفة في اللذة # ثم إن من دخل مع أهل الملل منهم وافق المؤمنين بإظهاره للإقرار بما جاءت ~~به الرسل وقال إن ما أخبرت به الرسل من الوعد والوعيد إنما هو أمثال مضروبة ~~لتفهم العامة المعاد الروحاني وما فيه من اللذة والألم الروحانيين وربما ~~يغرب بعضهم فأثبت اللذات الخيالية بناء على أن النفوس يمكن أن يحصل لها من ~~إشراق الأفلاك عليها ما يحصل لها به من اللذة ما هو من أعظم اللذات ~~الخيالية التي قد يقولون هي أعظم من الحسية # الأصل الثاني أن اللذات العقلية التي أقروا بها لم تحصل لهم ولم يعرفوا ~~الطريق إليها بل ظنوا أن ذلك إنما هو إدراك الوجود المطلق بأنواعه وأحكامه ~~وطلبوا اللذة العقلية في الدنيا بما هو من هذا النمط من الأمور العقلية ~~وتكلموا في ms277 الإلهيات بكلام حقه قليل وباطله كثير فكانوا طالبين للذة ~~العقلية التي أثبتوها بالأغذية الفاسدة التي تضر وتؤلم أكثر من طلبها ~~بالأغذية النافعة بل كانوا فاقدين لغذائها الذي لا صلاح لها إلا به وهو ~~إخلاص الدين لله بعبادته وحده لا شريك له فإن هذا هو خاصة النفس التي خلقت ~~له لا تصلح إلا به ولا تفسد فسادا مطلقا مع وجوده قط بل من بات وهو يعلم ~~أنه لا إله إلا الله دخل الجنة # كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال من وجوه ~~متعددة من # PageV02P252 # حديث عثمان بن عفان وأبي ذر ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وعتبان بن مالك ~~وعبادة بن الصامت وغيرهم ولا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد بل يخرج من ~~النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان أو مثقال شعيرة من إيمان أو ~~مثقال ذرة من إيمان # وقد تكلمت على رسالة المبدأ والمعاد التي صنفها أبو علي بن سينا وزعم أن ~~فيها من الأسرار المخزونة من فلسفتهم بما يناسب هذا مما ليس هذا موضعه ~~وبينت ما دخل عليهم من الجهل والكفر في ذلك من وجوه بينة من لغاتهم ~~ومعارفهم التي يفقهون بها ويعلمون صحة ما عليه أهل الإيمان بالله ورسوله ~~وبطلان ما هم عليه مما يخالف ذلك من الحقيقة وإن زعموا أنهم موافقون لأهل ~~الإيمان # نعم هم مؤمنون ببعض وكافرون ببعض كما قد بينت أيضا مراتب ما معهم ومع ~~غيرهم من الكفر والإيمان في غير هذا الموضع وذكرت ما كفروا به مما خالفوا ~~به الرسل وما آمنوا به مما وافقوهم فيه # PageV02P253 # فأن الله أمرنا بالعدل وأمرنا أن نعدل بين الأمم كما قال تعالى لرسوله ~~وأمرت لأعدل بينكم وقال تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~وقال تعالى وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ### | فصل ### | حب الله أصل التوحيد العملي # وإذا كان أصل الإيمان العملي هو حب ms278 الله تعالى ورسوله وحب الله أصل ~~التوحيد العملي وهو أصل التأليه الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له فإن ~~العبادة أصلها أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع وهذا هو الإسلام # وأعظم الذنوب عند الله الشرك به وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء والشرك منه جليل ودقيق وخفي وجلي # كما في الحديث الشرك في هذه الأمة أخفي من دبيب النمل فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه يا رسول الله إذا كان أخفي من دبيب النمل فكيف نصنع به أو كما قال ~~فقال ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من قليله وكثيره قل اللهم إني أعوذ بك ~~أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم # PageV02P254 ### | أصل الإشراك العملي بالله الإشراك في المحبة # فمعلوم أن أصل الإشراك العملي بالله الإشراك في المحبة قال تعالى ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله فأخبر أن من الناس من يشرك بالله فيتخذ أندادا يحبونهم كما يحبون الله ~~وأخبر أن الذين آمنوا أشد حبا لله من هؤلاء والمؤمنون أشد حبا لله من هؤلاء ~~لأندادهم ولله فإن هؤلاء أشركوا بالله في المحبة فجعل المحبة مشتركة بينه ~~وبين الأنداد والمؤمنون أخلصوا دينهم لله الذي أصله المحبة لله فلم يجعلوا ~~لله عدلا في المحبة بل كان الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما ومحبة الرسول ~~هي من محبة الله وكذلك كل حب في الله وهو الحب لله ### | المؤمنون يحبون لله ويبغضون لله # كما في الصحيحين عن النبي انه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وفي ~~رواية في الصحيح # لا يجد حلاوة الإيمان إلا من كان فيه ثلاث خصال أن يكون الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر ~~بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقي في النار # ولهذا في الحديث من أحب لله وأبغض لله وأعطي لله ms279 ومنع لله # PageV02P255 # فقد استكمل الإيمان وفي الأثر ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما ~~أشدهما حبا لصاحبه لأن هذه المحبة من محبة الله وكل من كانت محبته لله أشد ~~كان أفضل # وخير الخلق محمد رسول الله وخير البرية بعده إبراهيم كما ثبت ذلك في ~~الحديث الصحيح وكل منهما خليل الله # والخلة تتضمن كمال المحبة ونهايتها ولهذا لم يصلح لله شريك في الخلة بل ~~قال صلي الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا ~~لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله وفي لفظ أنا أبرأ إلى كل خليل ~~من خلته # فمحبة ما يحبه الله لله من الأعيان والأعمال من تمام محبة الله وهو الحب ~~في الله ولله وإن كان كثير من الناس يغلط في معرفة كثير من ذلك أو وجوده ~~فيظن في أنواع من المحبة أنها محبة الله ولا تكون لله ويظن وجود المحبة لله ~~في أمور ولا تكون المحبة لله موجودة بل قد يعتقد وجود المحبة لله وتكون ~~معدومة وقد يعتقد في بعض الحب أنه لله ولا يكون لله كما يعتقد وجود العلم ~~أو العبادة # PageV02P256 # أو غير ذلك من الصفات في بعض الأشخاص والأحوال ولا يكون ثابتا وقد يعتقد ~~في كثير من الأعمال أنه معمول لله ولا يكون لله # فمحبة ما يحبه الله من الأعمال الباطنة والظاهرة وهي الواجبات والمستحبات ~~إذا أحببت لله كان ذلك من محبة الله ولهذا يوجب ذلك محبة الله لعبده # وكما في الحديث الصحيح عن الله تعالى من عادي لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي ~~يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء ~~أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره ms280 مساءته ولا بد له ~~منه # وكذلك محبة كلام الله وأسمائه وصفاته كما في الحديث الصحيح في الذي كان ~~يصلي بأصحابه فيقرأ قل هو الله أحد إما أن يقرأها وحدها أو يقرأ بها مع ~~سورة أخري فأخبروا بذلك النبي صلي الله عليه وسلم فقال سلوه لم يفعل ذلك ~~فقال لأني أحبها فقال أن حبك إياها أدخلك الجنة # PageV02P257 # وكذلك محبة ملائكة الله وأنبيائه وعباده الصالحين كما كان عبد الله بن ~~عمر يدعو بالمواقف في حجه فيقول اللهم اجعلني أحبك وأحب ملائكتك وأنبياءك ~~وعبادك الصالحين اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وأنبيائك وعبادك الصالحين ### | محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات # بل محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات كما قال تعالى قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم فإن اتباع رسوله هو ~~من أعظم ما أوجبه الله تعالى على عباده وأحبه وهو سبحانه أعظم شيء بغضا لمن ~~لم يتبع رسوله فمن كان صادقا في دعوى محبة الله اتبع رسوله لا محالة وكان ~~الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ### | الذنوب تنقص من محبة الله # والذنوب تنقص من محبة الله تعالى بقدر ذلك لكن لا تزيل المحبة لله ورسوله ~~إذا كانت ثابتة في القلب ولم تكن الذنوب عن نفاق كما في صحيح البخاري عن ~~عمر بن الخطاب حديث حمار الذي كان يشرب الخمر وكان النبي يقيم عليه الحد ~~فلما كثر ذلك منه لعنه رجل فقال النبي # PageV02P258 # لا تلعنه فإنه يجب الله ورسوله وفيه دلالة على أنا منهيون عن لعنة أحد ~~بعينه وإن كان مذنبا إذا كان يحب الله ورسوله فكما أن المحبة الواجبة ~~تستلزم لفعل الواجبات وكمال المحبة المستحبة تستلزم لكمال فعل المستحبات ~~والمعاصي تنقض المحبة وهذا معنى قول الشبلى لما سئل عن المحبة فقال ما غنت ~~به جارية فلان # تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا محال في القياس شنيع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن أحب مطيع # وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني ms281 حين يزني وهو مؤمن ولا ~~يسرق السارق حيث يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وقد ~~تكلمنا على هذا في غير هذا الموضع # PageV02P259 # والمقصود هنا أن نفرق بين الحب في الله ولله الذي هو داخل في محبة الله ~~وهو من محبته وبين الحب لغير الله الذي فيه شرك في المحبة لله كما قال ~~تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله فإن هؤلاء ~~يشركون بربهم في الحب عادلون به جاعلون له أندادا وأولئك أخلصوا دينهم لله ~~فكان حبهم الذي هو أصل دينهم كله لله وهذا هو الذي بعث بالله الرسل وأنزل ~~به الكتب وأمر بالجهاد عليه # كما قال تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله وقال تعالى قل ~~إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا # وقد علم أن محبة المؤمنين لربهم أشد من محبة هؤلاء المشركين لربهم ~~ولأندادهم ثم إن اتخاذ الأنداد هو من أعظم الذنوب كما في الصحيح عن عبد ~~الله بن مسعود قال قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك قلت ثم أي قال ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك # PageV02P260 # قلت ثم أي قال ثم أن تزني بحليلة جارك فأنزل الله تصديق ذلك والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون فدعاء إله آخر مع الله هو اتخاذ ند من دون الله يحبه كحب الله إذ أصل ~~العبادة المحبة # والمحبة وإن كانت جنسا تحته أنواع فالمحبوبات المعظمة لغير الله قد أثبت ~~الشارع فيها اسم التعبد كقوله في الحديث الصحيح تعس عبد الدرهم تعس عبد ~~الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن ~~أعطي رضي وإن منع سخط # فسمي هؤلاء الأربعة الذين إن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا لأنها محبتهم ms282 ~~ومرادهم عبادا لها حيث قال عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد ~~الخميصة # PageV02P261 ### | مراتب العشق # فإذا كان الإنسان مشغوفا بمحبة بعض المخلوقات لغير الله الذي يرضيه وجوده ~~ويسخطه عدمه كان فيه من التعبد بقدر ذلك ولهذا يجعلون العشق مراتب مثل ~~العلاقة ثم الصبابة ثم الغرام ويجعلون آخره التتيم والتتيم التعبد وتيم ~~الله هو عبد الله فيصير العاشق لبعض الصور عبدا لمعشوقه ### | ذكر الله العشق في القرآن عن المشركين # والله سبحانه إنما ذكر هذا العشق في القرآن عن المشركين فإن العزيز ~~وامرأته وأهل مصر كانوا مشركين كما قال لهم يوسف عليه الصلاة والسلام إني ~~تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله ~~علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون ~~خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون # وقال تعالى ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به ~~حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف ~~مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند ~~الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار # وقال تعالى وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد ~~شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين # PageV02P262 # وأما يوسف عليه السلام فإن الله ذكر أنه عصمه بإخلاصه الدين لله وقال ~~تعالى ولقد همت به وهم بها لولا أن رأي برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء والفحشاء ~~ومن السوء عشقها ومحبتها ومن الفحشاء الزنا وقد يزني بفرجه من لا يكون ~~عاشقا ms283 وقد يعشق من لا يزني بفرجه والزنا بالفرج أعظم من الإلمام بصغيرة ~~كنظرة وقبلة # وأما الإصرار على العشق ولوازمه من النظر ونحوه فقد يكون أعظم من الزنا ~~الواحد بشيء كثير والمخلصون يصرف الله عنهم السوء والفحشاء ويوسف عليه ~~السلام كان من المخلصين حيث كان يعبد الله لا يشرك به شيئا وحيث توكل على ~~الله واستعان به كما قال تعالى وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم # وهذا تحقيق قوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ~~إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون ### | المتولون للشيطان هم الذين يحبون ما يحبه # فأخبر سبحانه أن المتوكلين على الله ليس للشيطان عليهم سلطان وإنما ~~سلطانه على المتولين له والمتولي من الولاية وأصله المحبة والموافقة كما أن ~~العداوة أصلها البغض والمخالفة فالمتولون له هم الذين يحبونه ما يحبه ~~الشيطان ويوافقه فهم مشركون به حيث أطاعوه وعبدوه بامتثال أمره كما قال ~~تعالى # PageV02P263 # ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن ~~اعبدوني هذا صراط مستقيم # والشياطين شياطين الإنس والجن والعبادة فيها الرغبة والرهبة قال تعالى ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلي ~~يوم الدين قال رب فأنظرنى إلي يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم ~~الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال ~~فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين فأقسم الشيطان ~~لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين # وقد أخبر الله أنه ليس له سلطان على هؤلاء فقال في الحجر فاخرج منها فإنك ~~رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في ~~الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ms284 المخلصين قال تعالى إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين # وقوله إلا من اتبعك من الغاوين استثناء منقطع في أقوي القولين إذ العباد ~~هم العابدون لا المعبودون كما قال تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على ~~الأرض هونا # PageV02P264 # وقال تعالى عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا # وقال تعالى الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين يا عباد لا خوف ~~عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين # وقال تعالى وأنه لما قام عبد الله يدعوه # وقال تعالى سبحان الذي أسري بعبده ليلا # وقال تعالى واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ### | عباد الله المخلصون ليس للشيطان عليهم سلطان # وإذا كان عباد الله المخلصون ليس له عليهم سلطان وأن سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون وقد أقسم أن يغويهم إلا عباد الله المخلصين ~~وأخبر الله أن سلطانه ليس على عباد الله بل على من اتبعه من الغاوين # والغي اتباع الأهواء والشهوات وأصل ذلك أن الحب لغير الله كحب الأنداد ~~وذلك هو الشرك قال الله تعالى فيه إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم ~~به مشركون فبين أن صاحب الإخلاص مادام صادقا في إخلاصه فإنه يعتصم من هذا ~~الغي وهذا الشرك وإن الغي هو يضعف الإخلاص ويقوي هواه الشرك فأصحاب # PageV02P265 ### | العشاق يتولون الشيطان ويشركون به # العشق الذي يحبه الشيطان فيهم من تولي الشيطان والإشراك به بقدر ذلك لما ~~فاتهم من إخلاص المحبة لله والإشراك بينه وبين غيره في المحبة حتى يكون فيه ~~نصيب من اتخاذ الأنداد وحتى يصيروا عبيدا لذلك المعشوق فيفنون فيه ويصرحون ~~بأنا عبيد له فيوجد في هذا الحب والهوي واقتراف ما يبغضه الله وما حرمه من ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن يشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا وأن يقولوا على الله ما لا يعلمون فيوجد فيه من الشرك ~~الأكبر والأصغر ومن قتل النفوس بغير حق ومن الزنا ومن الكذب ومن أكل المال ~~بالباطل ms285 إلى غير ذلك ما ينتظم هذه الأصناف التي يكرمها الله تعالى لأن أصله ~~أن يكون حبه كحب الله وهو من ترك إخلاص المحبة ومن الإشراك بينه وبين غيره ~~أو من جعل المحبة لغير الله فإذا عمل موجب ذلك كان ذلك هو اتباع الهوي بغير ~~هدي من الله # وفي الأثر ما تحت أديم السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوي متبع قال ~~تعالى أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم ~~يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا # ولهذا لا يبتلي بهذا العشق ألا من فيه نوع شرك في الدين وضعف إخلاص لله ~~وسبب هذا ما ذكره بعضهم فقال إنه ليس شيء من # PageV02P266 # المحبوبات يستوعب محبة القلب إلا محبة الله أو محبة بشر مثلك أما محبة ~~الله فهي التي خلق لها العباد وهي سعادتهم وقد تكلمنا عليها في غير هذا ~~الموضع # وأما البشر المتماثل من ذكر أو أنثي فإن فيه من المشاكلة والمناسبة ما ~~يوجب أن يكون لكل شيء من الحب نصيب من المحبوب يستوعبه حبه ولهذا لا يعرف ~~لشيء من المحبوبات التي تحب لغير الله من الاستيعاب ما يعرف لذلك حتى يزيل ~~العقل ويفقد الإدراك ويوجب انقطاع الإرادة لغير ذلك المحبوب ويوجب مرض ~~الموت وإنما يعرض هذا كله لضعف ما في القلب من حب الله وإخلاص الدين له ~~عبادة واستعانة فيكون فيه من الشرك ما يسلط الشيطان عليه حتى يغويه هذا ~~بهذا الغي الذي فيه من تولي الشيطان والإشراك به ما يتسلط به الشيطان # ولهذا قد يطيع هذا المحب لغير الله محبوبه أكثر مما يطيع الله حتى يطلب ~~القتل في سبيله كما يختار المؤمن القتل في سبيل الله وإذا كان محبوبه مطيعه ~~من وجه وعبدا له فهو أولي بأن يكون هو مطيعه وعبدا له من وجه آخر # وإذا كان النبي قال شارب الخمر كعابد وثن ومر علي # PageV02P267 # رضي الله عنه بقوم يلعبون بالشطرنج فقال ما هذه التماثيل التي أنتم لها ms286 ~~عاكفون وأظنه قلب الرقعة # وذلك أن الله جمع بين الخمر والميسر وبين الأنصاب والأزلام في قوله تعالى ~~يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون # مع أن الخمر إذا سكر بها الشارب كان سكره يوما أو قريبا من يوم أو بعض ~~يوم وأما سكر الشهوة والمحبة الفاسدة من العشق ونحوه فسكره قوي دائم قال ~~تعالى في قوم لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون # فكيف إذا خرج عن حد السكر إلى حد الجنون بل كان الجنون المطبق لا الحمق ~~كما أنشد محمد بن جعفر في كتاب اعتلال القلوب قال أنشدني الصيدلاني # قالت جننت على رأسي فقلت لها ... العشق أعظم مما بالمجانين # PageV02P268 # العشق ليس يفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين # وقال الآخر # سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران # فصاحبه أحق بأن يشبه بعابد الوثن والعاكفين على التماثيل يعملونها على ~~صورة آدمي # وقد قال سبحانه وتعالى وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن ~~نفسه قد شغفها حبا أي شغفها حبه أي وصل حبه إلى شغاف القلب وهي جلدة في ~~داخله فهذا يكون قد اتخذ ندا يحبه كحب الله ### | يوقع الشيطان العداوة والبغضاء بين المؤمنين بالعشق # وإذا كان الشيطان يريد أن يوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة فالعداوة والبغضاء التي يريد أن ~~يوقعها بالعشق وصده عن ذكر الله وعن الصلاة بذلك أضعاف غيره كما قد تكلمنا ~~عليه في غير هذا الموضع وبينا أن جميع المعاصي يجتمع فيها هذان الوصفان وأن ~~ذكر ذلك في الخمر والميسر اللذين هما من أواخر المحرمات ينبه على ما في ~~غيرهما من ذلك مما حرم قبلهما كقتل النفوس بغير حق والفواحش ونحو ذلك # ومما يبين هذا أن الفواحش التي أصلها المحبة لغير الله سواء كان المطلوب ms287 ~~المشاهدة أو المباشرة أو الإنزال أو غير ذلك هي في المشركين أكثر منها في # PageV02P269 # المخلصين ويوجد فيهم ما لا يوجد في المخلصين لله # قال الله تعالى يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ~~ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ~~إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على ~~الله ما لا تعلمون قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه ~~مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون فريقا هدي وفريقا حق عليهم الضلالة فاخبر ~~سبحانه أنه جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وهو قوله تعالى افتتخذونه ~~وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا وقال تعالى إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون # وإذا كان سلطانه على أوليائه الذين تولوه والذين هم به مشركون وهم الذين ~~لا يؤمنون بالله وقال تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين فيكون هؤلاء هم الغاوين وهم الذين قال الشيطان لأغوينهم أجمعين إلا ~~عبادك منهم المخلصين # ولهذا أخبر سبحانه عن أوليائه أنهم وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون فأخبر عن أولياء الشيطان وهم الذين يتولونه والذين هم به مشركون ~~أنهم إذا فعلوا فاحشة احتجوا بالتقليد # PageV02P270 # لأسلافهم وزعموا مع ذلك أن الله أمرهم بها فيتبعون الظن في قولهم إن الله ~~أمرهم بها وما تهوي الأنفس في تقليد أسلافهم وأتباعهم # وهذا الوصف فيه بسط كثير لكثير من المنتسبين إلى القبلة من الصوفية ~~والعباد والأمراء والأجناد والمتكلمة والمتفلسفة والعامة وغيرهم يستحلون من ~~الفواحش ما حرمه الله ورسوله وأصله العشق الذي يبغضه الله # وكثير منهم يجعل ذلك دينا ويري أنه يتقرب بذلك إلى الله إما لزعمه أنه ~~يزكي النفس ويهديها وإما لزعمه أنه يجمع بذلك قلبه ms288 على آدمي ثم ينتقل إلى ~~عبادة الله وحده وإما لزعمه أن الصور الجميلة مظاهر الحق ومشاهده وربما ~~اعتقد حلول الرب فيها واتحاده بها ومنهم من يخص ذلك بها ومنهم من يقول ~~بإطلاق وهؤلاء إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها # وكل هؤلاء فيهم من الإشراك بقدر ذلك ولهذا يظهر الافتتان بالصور وعشقها ~~فيمن فيهم شرك كالنصارى والرهبان والمتشبهين بهم من هذه الأمة من كثير من ~~المتفلسفة والمتصوفة الذين يفتنون بالأحداث وغيرهم فتجد فيهم قسطا عظيما من ~~اتخاذ الأنداد من دون الله يحبونهم كحب الله إما تدينا وإما شهوة وإما جمعا ~~بين الأمرين ولهذا تجد بين أغنيائهم وفقرائهم وبين ملوكهم وأمرائهم تحالفا ~~على اتخاذ أنداد من دون الله من هذين الوجهين # ولهذا تجدهم كثيرا ما يجتمعون على سماع الشعر والأصوات التي تهيج الحب ~~المشترك الذي يجتمع فيه محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الصلبان ومحب الأخوان ~~ومحب الأوطان ومحب المردان ومحب النسوان # PageV02P271 # وهذا السماع هو سماع المشركين كما قال تعالى وما كان صلاتهم عند البيت ~~إلا مكاء وتصدية # وسبب ما ذكرنا أن الله خلق عباده لعبادته التي تجمع محبته وتعظيمه فإذا ~~كان في القلب ما يجد حلاوته من الإيمان والتوحيد له احتاج إلى أن يستبدل ~~بذلك ما يهواه فيتخذ إلهه هواه فيتخذ الشيطان وذريته أولياء من دون الله ~~وهم لهم عدو بئس للظالمين بدلا # ولهذا كان هذا ونحوه من تبديل الدين وتغيير فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها قال تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم وقال تعالى ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا ~~بعيدا إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله ~~وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن ~~آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله # قال تعالى لا تبديل لخلق الله ونفس ما خلقه الله لا تبديل له لا يمكن أن ~~توجد المخلوقات على غير ما يخلقه الله عليها ms289 ولا أن تخلق على غير الفطرة ~~التي خلقها الله عليها لكن بعض الخلق قد يغير بعضها كما قال النبي كل مولود ~~يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة ~~جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء # PageV02P272 ### | أصل العبادة المحبة والشرك فيها أصل الشرك # ومما يبين ذلك أن أصل العبادة هي المحبة وأن الشرك فيها أصل الشرك كما ~~ذكره الله في قصة إمام الحنفاء إبراهيم الخليل حيث قال فلما جن عليه الليل ~~رأي كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين وقال في القمر لئن لم ~~يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما أفلت الشمس قال يا قوم إني بريء ~~مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين # ولهذا تبرأ إبراهيم من المشركين وممن أشركوا بالله قال أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فأنهم عدو لي إلا رب العالمين وقال تعالى قد ~~كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ~~ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ~~أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده # ومما يوضح ذلك أنه قال تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ~~فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين وقال تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير فأمر ~~بالجهاد حتى لا تكون فتنة وحتى يكون الدين كله لله فجعل المقصود عدم كون ~~الفتنة ووجود كون الدين كله لله وناقض بينهما فكون الفتنة ينافي كون الدين ~~لله وكون الدين لله ينافي كون # PageV02P273 # الفتنة والفتنة قد فسرت بالشرك فما حصلت به فتنة القلوب ففيه شرك وهو ~~ينافي كون الدين كله لله ### | الفتنة جنس تحته أنواع من الشبهات والشهوات # والفتنة جنس تحته أنواع من الشبهات والشهوات وفتنة الذين يتخذون من دون ~~الله أندادا يحبونهم كحب الله من أعظم الفتن ومنه فتنة أصحاب العجل كما قال ~~تعالى قال فإنا ms290 قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري قال موسى إن هي إلا ~~فتنك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء وقال تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل ~~بكفرهم # قيل لسفيان بن عيينه إن أهل الأهواء يحبون ما ابتدعوه من أهوائهم حبا ~~شديدا فقال أنسيت قوله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله وقوله تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم أو كلاما هذا معناه ~~وكل ما أحب لغير الله فقد يحصل به من الفتنة ما يمنع أن يكون الدين لله # وعشق الصور من أعظم الفتن وقد قال تعالى إنما أموالكم وأولادكم فتنة ~~ولهذا قال سبحانه وتعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا # وقد قال سبحانه آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين # PageV02P274 # ومما يبين ذلك أن رجلا قال للنبي ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله ندا ~~بل ما شاء الله وحده فأنكر عليه أن جعله ندا لله في هذه الكلمة التي جمع ~~فيها بينه وبين الله في المشيئة إذ مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله فلا يكون ~~شريكه لما يعلم أن كون الشيء ندا لله قد يكون بدون أن يعبد العبادة التامة ~~فإن ذلك الرجل ما كان يعبد رسول الله تلك العبادة ### | فصل ### | محبة الله توجب المجاهدة في سبيله # وبهذا يتبين أن محبة الله توجب المجاهدة في سبيله قطعا فإن من أحب الله ~~وأحبه الله أحب ما يحبه الله وأبغض ما يبغضه الله ووالي من يواليه الله ~~وعادي من يعاديه الله لا تكون محبة قط إلا وفيها ذلك بحسب قوتها وضعفها فإن ~~المحبة توجب الدنو من المحبوب والبعد عن مكروهاته ومتي كان مع المحبة نبذ ~~ما يبغضه المحبوب فإنها تكون تامة ### | موادة عدو الله تنافي المحبة # وأما موادة عدوه فإنها تنافي المحبة قال تعالى ms291 لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم # PageV02P275 # أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ~~فأخبر أن المؤمن الذي لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما ~~في الحديث المتفق عليه والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ~~ولده ووالده والناس أجمعين لا تجده موادا لمن حاد الله ورسوله فإن هذا جمع ~~بين الضدين لا يجتمعان ومحبوب الله ومحبوب معاديه لا يجتمعان # فالمحب له لو كان موادا لمحاده لكان محبا لاجتماع مراد المتحادين ~~المتعاديين وذلك ممتنع ولهذا لم تصلح هذه الحالة إلا لله ورسوله فإنه يجب ~~على العبد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ولا يكون مؤمنا إلا ~~بذلك ولا تكون هذه المحبة مع محبة من يحاد الله ورسوله ويعاديه أبدا فلا ~~ولاء لله إلا بالبراءة من عدو الله ورسوله # وأما المؤمنون الذين قد يقاتل بعضهم بعضا فأولئك ليسوا متحادين من كل وجه ~~فإن مع كل منهما من الإيمان ما يحب عليه الآخر وإن كان يبغضه أيضا فيجتمع ~~فيهما المحبة والبغضة وكذلك كل منهما لا يجب أن تكون جميع أفعاله موافقة ~~لمحبة الله وجميع أفعال الآخر موافقة لبغض الله بل لا بد أن يفعل أحدهما ما ~~لا يحبه الله وإن لم يبغضه ولا بد أن يكون في الآخر أيضا ما يحبه الله إذ ~~هو مؤمن فيجب أن يعطي كل واحد من المحبة بقدر إيمانه ولا يجب أن يحب من ~~أحدهما ما لا يحبه وإن كان لا يبغضه بل ولا يحب من واحدهما ما كان خطأ # PageV02P276 # أو ذنبا مغفورا وإن كان لا يبغض على ذلك فلا يحب إلا ما أحبه الله ورسوله ~~فيحب ما كان من اجتهاده من عمل صالح # وهذا الذي ذكرناه أمر يجده الأنسان من نفسه ويحسه أنه إذا أحب الشيء لم ~~يحب ضده بل يبغضه فلا يتصور اجتماع إرادتين تامتين للضدين لكن قد يكون في ms292 ~~القلب نوع محبة وإرادة لشيء ونوع محبة وإرادة لضده فهذا كثير بل هو غالب ~~على بني آدم لكن لا يكون واحد منهما تاما فإن المحبة والإرادة التامة توجب ~~وجود المحبوب المراد مع القدرة فإذا كانت القدرة حاصلة ولم يوجد المحبوب ~~المراد لم يكن الحب والإرادة تامة وكذلك البغض التام يمنع وجود البغيض مع ~~القدرة فمتي وجد مع إمكان الامتناع لم يكن البغض تاما # ومن هنا يعرف أن قول النبي لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن على بابه لو ~~كان بغضه لما أبغضه الله من هذه الأفعال تاما لما فعلها فإذا فعلها فإما أن ~~يكون تصديقه بأن الله يبغضها فيه ضعف أو نفس بغضه لما يبغضه الله فيه ضعف ~~وكلاهما يمنع تمام الإيمان الواجب ### | محبة الله ورسوله على درجتين: واجبة ومستحبة # ومحبة الله ورسوله على درجتين واجبة وهي درجة المقتصدين ومستحبة وهي درجة ~~السابقين # PageV02P277 ### | المحبة الواجبة وهي محبة المقتصدين # فالأولي تقتضي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما بحيث لا يحب شيئا ~~يبغضه كما قال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله وذلك يقتضي محبة جميع ما أوجبه الله تعالى وبغض ما حرمه الله ~~تعالى وذلك واجب فإن إرادة الواجبات إرادة تامة تقتضي وجود ما أوجبه كما ~~تقتضي عدم الأشياء التي نهي الله عنها وذلك مستلزم لبغضها التام # فيجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله قال تعالى ذلك ~~بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم # وقال تعالى وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما ~~الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم # وقال تعالى والذين آتينهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ~~ينكر بعضه ### | المحبة المستحبة وهي محبة السابقين # وأما محبة السابقين بأن يحب ما أحبه الله ms293 من النوافل والفضائل محبة تامة ~~وهذه حال المقربين الذين قربهم الله إليه فإذا كانت محبة الله ورسوله ~~الواجبة تقتضي بغض ما أبغضه الله ورسوله كما في سائر أنواع المحبة فإنها ~~توجب بغض # PageV02P278 # الضد علم أن الجهاد من موجب محبة الله ورسوله فإن مقصود الجهاد تحصيل ما ~~أحبه الله ودفع ما أبغضه الله ### | ترك الجهاد لعدم المحبة التامة وهو دليل النفاق # فمن لم يكن فيه داع إلى الجهاد فلم يأت بالمحبة الواجبة قطعا كان فيه ~~نفاق كما قال تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي أنه قال من مات ولم يغز ولم يحدث ~~نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق # وكذلك جمع بينهما في قوله تعالى أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ~~كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله ~~لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ~~فقرنه بالمحبة في الآيتين من # PageV02P279 # قوله قل إن كان أباؤكم وابناؤكم وإخوانكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره وفي قوله تعالى فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم فأخبر أن القوم الذين يحبهم الله ورسوله هم أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم كما ~~قال تعالى في الآية الأخرى أشداء على الكفار رحماء بينهم فوصفهم بالذلة ~~والرحمة لأوليائه إخوانهم والعزة والشدة على أعدائه أعدائهم وانهم يجاهدون ~~في سبيل الله # والجهاد من الجهد وهو الطاقة وهو أعظم من الجهد الذي هو المشقة فإن ms294 الضم ~~أقوي من الفتح وكلما كانت الحروف أو الحركات أقوي كان المعنى أقوي # ولهذا كان الجرح أقوي من الجرح فإن الجرح هو المجروح نفسه وهو غير الجرح ~~مصدر وهو فعل # وكذلك الكره والمكروه والمكره كما قال تعالى كتب عليكم القتال وهو كره ~~لكم وقال تعالى ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها # فالجهد نهاية الطاقة والقدرة قال تعالى والذين لا يجدون إلا جهدهم # PageV02P280 # وفي الحديث أفضل الصدقة جهد من مقل يسره إلى فقير ولهذا قال النبي الجهاد ~~سنام العمل فإنه أعلى الإرادات في نهاية القدرة وهذا هو أعلى ما يكون من ~~الإيمان كالسنام الذي هو أعلى ما في البعير وقد يكون بمشقة وقد لا يكون # وأما الجهد فهو المشقة وإن لم يكن تمام القدرة # فالجهاد في سبيل الله تعالى من الجهد وهي المغالبة في سبيل الله بكمال ~~القدرة والطاقة فيتضمن شيئين أحدهما استفراغ الوسع والطاقة والثاني أن يكون ~~ذلك في تحصيل محبوبات الله ودفع مكروهاته والقدرة والإرادة بهما يتم الأمر ### | انقسام الناس إلى أربعة أقسام: # وهنا انقسم الناس أربعة أقسام فقوم لهم قدرة ولهم إرادة ومحبة غير # PageV02P281 ### $ 1- قوم لهم قدرة وإرادة ومحبة غير مأمور بها # مأمور بها فهم يجاهدون ويستعملون جهدهم وطاقتهم لكن لا في سبيل الله بل ~~في سبيل آخر إما محرمة كالفواحش ما ظهر منها وما وبطن والإثم والبغي بغير ~~الحق والإشراك بالله ما لم ينزل به سلطانا والقول على الله بغير علم الحق # وإما في سبيل لا ينفع عند الله مما جنسه مباح لا ثواب فيه لكن الغالب أن ~~مثل هذا كثيرا ما يقترن به من الشبه ما يجعله في سبيل الله أو في سبيل ~~الشيطان ### $ 2- قوم لهم إرادة صالحة ومحبة كاملة لله وقدرة كاملة # وقوم لهم إرادة صالحة ومحبة كاملة لله ولهم أيضا قدرة كاملة فهؤلاء سادة ~~المحبين المحبوبين المجاهدين في سبيل الله لا يخافون لومة لائم كالسابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة ### $ 3- قوم فيهم إرادة صالحة ومحبة قوية لكن ms295 قدرتهم ناقصة # والقسم الثالث قوم فيهم إرادة صالحة ومحبة لله قوية تامة لكن قدرتهم ~~ناقصة فهم يأتون بمحبوبات الحق من مقدورهم ولا يتركون مما يقوون عليه شيئا ~~لكن قدرتهم قاصرة ومحبتهم كاملة فهو مع القسم الذي قبله # وما زال في المؤمنين على عهد النبي وبعده من هؤلاء خلق كثير وفي مثل ~~هؤلاء قال النبي أن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا سلكتم واديا # PageV02P282 # إلا كانوا معكم قالوا وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر وقال له ~~سعد بن أبي وقاص يا رسول الله الرجل يكون حامية القوم يسهم له مثلما يسهم ~~لأضعفهم فقال يا سعد وهل تنصرون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلواتهم واستغفارهم # وروي أن النبي كان يستفتح بصعاليك المهاجرين وقال رب أشعث أغبر ذي طمرين ~~مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره وهذا كثير # PageV02P283 ### $ 4- من قدرته وإرادته للحق قاصرة وفيه إرادة للباطل # والقسم الرابع من قدرته قاصرة وإرادته للحق قاصرة وفيه من إرادة الباطل ~~ما الله به عليم فهؤلاء ضعفاء المجرمين ولكن قد يكون لهم من التأثير ~~بقلوبهم نصيب وحظ مع أهل باطلهم كما يوجد في العلماء والعباد والزاهدين من ~~المشركين وأهل الكتاب ومنافقي هذه الأمة ما فيه مضاهاة لعلماء المؤمنين ~~وعبادهم وذلك أن الشيطان جعل لكل شيء من الخلق نظيرا في الباطل فإن أصل ~~الشر هو الإشراك بالله كما أن أصل الخير هو الإخلاص لله # فإن الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وحده لا يشركوا به شيئا وبذلك أرسل ~~الرسل وبه أنزل الكتب كما قال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ### | العبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذل # والعبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذل فالعابد محب خاضع بخلاف من يحب من ~~لا يخضع له بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه ~~كما يخضع للظالم فإن كلا من هذين ليس ms296 عبادة محضة وإن كل # PageV02P284 # محبوب لغير الله ومعظم لغير الله ففيه شوب من العبادة كما قال النبي في ~~الحديث الصحيح # تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس ~~وانتكس وإذا شيك فلا انتقش # وذلك كما جاء في الحديث إن الشرك في هذه الأمة أخفي من دبيب النمل مع أنه ~~ليس في الأمم أعظم تحقيقا للتوحيد من هذه الأمة ولهذا كان شداد بن أوس يقول ~~يا نعايا العرب يا نعايا العرب إن أخوف ما أخوف عليكم الرياء والشهوة ~~الخفية قال أبو داود الشهوة الخفية حب الرياسة # وفي حديث الترمذى عن كعب بن مالك أن النبي قال ما ذئبان جائعان أرسلا في ~~غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه قال الترمذي حديث حسن ~~صحيح والحرص يكون على قدر قوة الحب والبغض # وقد قال الله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون وروي أن أبا ~~بكر الصديق رضي الله عنه قال للنبي إذا كان # PageV02P285 # الشرك أخفي من دبيب النمل فكيف نتجنبه فقال النبي ألا أعلمك كلمة إذا ~~قلتها نجوت من قليله وكثيره قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ~~وأستغفرك لما لا أعلم فأمره مع الاستعاذة من الشرك المعلوم بالاستغفار فإن ~~الاستغفار والتوحيد بهما يكمل الدين # كما قال تعالى فاعلم انه لاإله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات وقال تعالى كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا ~~تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه # وفي الحديث # إن الشيطان قال أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله ~~والاستغفار فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون لأنهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا وهذا كذلك فإن من اتخذ إلهه هواه صار يعبد من ~~يهواه وقد زين له سوء عمله فرآه حسنا # قال تعالى أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا ~~جهنم للكافرين نزلا قل هل ننبئكم ms297 بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # وقال تعالى وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا ~~في تباب # PageV02P286 # وقال تعالى وإذا زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم ~~إني أري ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب إذ يقول المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز ~~حكيم # وقال تعالى وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم دينهم # وكمال الدين هو أداء الواجبات وترك المحرمات والفعل والترك أصلهما الحب ~~والبغض فإذا ترك مأمورا أو فعل محظورا فإنما هو لنقص الإيمان الذي هو ~~التصديق وحب ما يحبه الله وبغض ما يبغضه الله # والمحبوبات على قسمين قسم يحب لنفسه وقسم يحب لغيره إذ لا بد من محبوب ~~يحب لنفسه وليس شيء شرع أن يحب لذاته إلا الله تعالى وكذلك التعظيم لذاته ~~تارة يعظم الشيء لنفسه وتارة يعظم لغيره وليس شيء يستحق التعظيم لذاته إلا ~~الله تعالى # وكل ما أمر الله أن يحب ويعظم فإنما محبته لله وتعظيمه عبادة لله فالله ~~هو المحبوب المعظم في المحبة والتعظيم المقصود المستقر الذي إليه المنتهي ~~وأما ما سوي ذلك فيحب لأجل الله أي لأجل محبة العبد لله يحب ما أحبه الله # PageV02P287 # فمن تمام محبة الشيء محبة محبوب المحبوب وبغض بغيضه ويشهد لهذا الحديث ~~أوثق عري الإيمان الحب في الله والبغض في الله # وفي السنن من أحب لله وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان # فمن أحب شيئا لذاته أو عظمه لذاته غير الله فذاك شرك به وإن أحبه ليتوصل ~~به إلى محبوب آخر وتعظيم آخر سوي الله فهو من فروع هذا والله سبحانه لم ~~يشرع أن يعبد الإنسان شيئا من دونه أو يتخذ إلها ليتوصل بعبادته كما قال ~~تعالى واسأل من أرسلنا من ms298 قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ~~وقال تعالى سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل ~~به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ### | من أحب شيئا كما يحب الله أو عظمه كما يعظم الله فقد أشرك # فمن أحب شيئا كما يحب الله أو عظمه كما يعظم الله فقد جعله لله ندا وإن ~~كان يقول إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفي وأنهم شفعاؤنا عند الله # PageV02P288 # قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله أي يحبونهم كما يحبون الله والذين آمنوا أشد حبا لله ~~منهم لأنهم أخلصوا لله فلم يجعلوا المحبة مشتركة بينه وبين غيره فإن ~~الاشتراك فيها يوجب نقصها والله لا يتقبل ذلك كما في الحديث الصحيح يقول ~~الله تعالى أنا أغني الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه ~~بريء وهو كله للذي أشرك # فالمؤمن الذي يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما لا بد أن يكون ما ~~أحبه الله ورسوله أحب إليه مما لم يحبه الله ورسوله وأن يبغض ما يبغضه الله ~~ورسوله فلا يكون ذلك البغيض أحب إليه من محبوب الله ورسوله # والحب التام منا مستلزم للإرادة التامة الموجبة للفعل مع القدرة والبغض ~~التام منا مستلزم للكراهة التامة المانعة للقدرة فإذا كان العبد قادرا على ~~محبات الحق ولا يفعلها فلضعف محبتها في قلبه أو وجود ما يعارض الحق مثل ~~محبته لأهله وماله فإن ذلك قد يمنعه عن فعل محبوب الحق # كما قال تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا # وقال والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من # PageV02P289 # ولده ووالده والناس أجمعين وقال له عمر # والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال لا يا عمر ~~حتى أكون أحب إليك من ms299 نفسك قال فأنت أحب إلي من نفسي قال الآن يا عمر وهذان ~~الحديثان في الصحيح # فإن كانت واجبات نقص من درجة المقتصدين من أصحاب اليمين حتى يتوب أو ~~يمحوها بشيء آخر وإن كانت نوافل فإنها من القرب بحسب ذلك ### | الإنسان لا يفعل الحرام إلا لضعف إيمانه ومحبته # وإذا فعل مكروهات الحق فلضعف بعضها في قلبه أو لقوة محبتها التي تغلب ~~بعضها فالإنسان لا يأتي شيئا من المحرمات كالفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق والشرك بالله مالم ينزل به سلطانا والقول على الله ~~بغير علم إلا لضعف الإيمان في أصله أو كماله أو ضعف العلم والتصديق وإما ~~ضعف المحبة والبغض # لكن إذا كان أصل الإيمان صحيحا وهو التصديق فإن هذه المحرمات يفعلها ~~المؤمن مع كراهته وبغضه لها فهو إذا فعلها لغلبة الشهوة عليه فلا بد أن ~~يكون مع فعلها فيه بغض لها وفيه خوف من عقاب الله عليها وفيه رجاء لأن يخلص ~~من عقابها إما بتوبة وإما حسنات وإما عفو وإما دون ذلك وإلا فإذا لم يبغضها ~~ولم يخف الله فيها ولم يرج رحمته فهذا لا يكون مؤمنا بحال بل هو كافر أو ~~منافق # PageV02P290 # فكل سيئة يفعلها المؤمن لا بد أن تقترن بها حسنات له لكن قوة شهوته ~~للسيئة وما زين له فيها حتي ظن أنها مصلحة له أوجب وقوعها وهو اتباع الظن ~~وما تهوي الأنفس وهذا القدر عارض بعض إيمانه فترجح عليه حتي ما هو ضد لبعض ~~الإيمان فلم يبق مؤمنا الإيمان الواجب كما قال النبي # لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ~~يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وهو فيما يفعله متبع للشيطان فيما زينه له ~~حتى رآه حسنا وفيما أمره به فأطاعه وهذا من الشرك بالشيطان كما قال تعالى ~~أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا وقال تعالى ~~ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن ms300 ~~اعبدوني هذا صراط مستقيم # ولهذا لم يخلص من الشيطان إلا المخلصون لله كما قال تعالى عن ابليس ~~ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين وقال تعالى إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وقال تعالى إنه ليس له سلطان على ~~الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون # فإذا كان الشيطان ليس له سلطان إلا على من أشرك به فكل من أطاع الشيطان ~~في معصية الله فقد تسلط الشيطان عليه وصار فيه من الشرك بالشيطان بقدر ذلك # PageV02P291 # والشيطان يوالي الإنسان بحسب عدم إيمانه كما قال تعالى إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وقال تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا ~~جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين وقال تعالى في قصة ~~يوسف عليه السلام كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين # ويشهد لهذا ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي إن الشيطان ينتصب عرشه ~~على البحر ويبعث سراياه # فجميع ما نهي الله عنه هو من شعب الكفر وفروعه كما أن كل ما أمر الله به ~~هو من الإيمان والإخلاص لدين الله ولهذا قال تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله # لكن قد يكون ذلك شركا أكبر وقد يكون شركا أصغر بحسب ما يقترن به من ~~الإيمان فمتي اقترن بما نهي الله عنه الإيمان لتحريمه وبغضه وخوف # PageV02P292 # العقاب ورجاء الرحمة لم يكن شركا أكبر وأما إن اتخذ الإنسان ما يهواه ~~إلها من دون الله وأحبه كحب الله فهذا شرك اكبر والدرجات في ذلك متفاوتة # وكثير من الناس يكون معه من الإيمان بالله وتوحيده ما ينجيه من عذاب الله ~~وهو يقع في كثير من هذه الأنواع ولا يعلم أنها شرك بل لا يعلم أن الله ~~حرمها ولم تبلغه في ذلك رسالة من عند الله والله تعالى يقول وما ms301 كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا فهؤلاء يكثرون جدا في الأمكنة والأزمنة التي تظهر فيها فترة ~~الرسالة بقلة القائمين بحجة الله فهؤلاء قد يكون معهم من الإيمان ما يرحمون ~~به وقد لا يعذبون بكثير مما يعذب به غيرهم ممن كانت عليه حجة الرسالة # فينبغي أن يعرف أن استحقاق العباد للعذاب بالشرك فما دونه مشروط ببلاغ ~~الرسالة في أصل الدين وفروعه ولهذا لما كثر الجهل وانتشر ### | تزيين الشيطان لكثير من الناس أنواعا من الحرام ضاهوا بها الحلال # زين الشيطان لكثير من الناس نواعا من المحرمات ضاهوا بها حلال وقد لا ~~يعلمون أنها محرمة بغيضة إلى الله بل قد يظنون أن ذلك محبوب لله مأمور به ~~وقد يظنون أن فيها هذا وهذا وهم في ذلك يتبعون الظن وما تهوي الأنفس وقد ~~يعلمون تحريم ذلك ويظهرون عدم الوجه المحرم خداعا ونفاقا فهؤلاء غير المؤمن ~~الذي يحب الله ورسوله ويأتي بالمحرم معتقدا أنه محرم وهو مبغض له خائف راج # PageV02P293 # وهذه الأمور توجد في الأقسام الثلاثة ونحن نذكر أمثلة ذلك في المحرمات ~~التي ذكرها الله في قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون فالله سبحانه قد حرم الفواحش كما ذكر # وقد قال تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين فلم تبح إلا المرأة التي هي زوج أو ملك يمين وقد ~~ذكر ما اشترطه في الحلال بقوله غير مسافحات ولا متخذات اخدان وقوله غير ~~مسافحين ولا متخذي اخدان # كما في الصحيح عن عائشة قالت كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء ~~وذكرت أصحاب الرايات وهن المسافحات وأن إلحاق النسب في # PageV02P294 # وطئهن كان بالقافة وذكرت التي يطأها جماعة محصورة وأن الإلحاق كان بتعيين ~~المرأة وذكرت نكاح الاستبضاع وهو غير نكاح ذوات الأخدان وذكرت النكاح ~~الرابع وهو النكاح المعروف الذي أحله الله # فالشيطان جعل من الحرام ما ms302 فيه مضاهاة من للحلال وان سمي باسم آخر لكن ~~المعنى فيه اشتراك فالله أباح للرجل امرأته ومملوكته وكل من الرجل والمرأة ~~زوج الآخر فذوات الأخدان بينهن وبين أخدانهن نوع ازدواج واقتران كذلك ولهذا ~~ميز الله بين هذا وهذا # PageV02P295 # وأخفي من ذلك مؤاخاة كثير من الرجال لكثير من النساء أو لكثير من الصبيان ~~وقولهم إن هذه مؤاخاة لله إذا لم تكن المؤاخاة على فعل الفاحشة كذوات ~~الأخدان فهذا الذي يظهرونه للناس الذين يوافقونهم ويقرونهم على ذلك ويرون ~~كلهم أن من أحب صبيا أو امرأة لصورته وحسنه من غير فعل فاحشة فإن هذا محبة ~~لله # فهذا من الضلال والغي وتبديل الدين حيث جعل ما كرهه الله محبوبا لله وهو ~~نوع من الشرك والمحبوب المعظم بذلك طاغوت # وذلك أن اعتقاد أن التمتع بالمحبة والنظر أو نوع من المباشرة إلى المرأة ~~الأجنبية والصبيان هو لله وهو حب في الله كفر وشرك كاعتقاد أن محبة الأنداد ~~حب لله وأن الاجتماع على الفاحشة تعاون على البر والتقوى وأن الإقامة على ~~ذلك بالعبادة هي عبادة لله ونحو ذلك # فاعتقاد أن هذه الأمور التي حرمها الله ورسوله تحريما ظاهرا أنها دين ~~الله ومحبة الله نوع من الشرك والكفر # ثم قد يكون منها من خفيها أشياء تروج على من لم يبلغه العلم كما اشتبه ~~على كثير من العلماء والعباد أن استماع أصوات الملاهي تكون عبادة لله ~~واشتبه على من هو أضعف علما وإيمانا أن التمتع بمشاهدة هذه الصور يكون ~~عبادة لله # ثم بعد هذا الضلال وما فيه من الغي هم أربعة أقسام # PageV02P296 # قوم يعتقدون أن هذا لله ويقتصرون عليه كما يوجد مثل ذلك في كثير من ~~الأجناد والمتنسكة والعامة # وقوم يعلمون أن هذا ليس لله وإنما يظهرون هذا الكلام نفاقا وخداعا لئلا ~~ينكر عليهم وهؤلاء من وجه أمثل لما يرجي لهم من التوبة ومن جهة أخبث لأنهم ~~يعلمون التحريم ويأتون المحرم # وقوم مقصودهم ما وراء ذلك من الفاحشة الكبرى فتارة يكونون من أولئك ~~الظالمين الذين يعتقدون أن هذه المحبة ms303 التي لا وطء فيها لله فيفعلون شيئا ~~لله ويفعلون هذا لغير الله وتارة يكونون من أولئك الغاوين المنافقين الذين ~~يظهرون أن هذه المحبة لله وهم يعلمون أنها للشيطان فيجمع هؤلاء بين هذا ~~الكذب وبين الفاحشة الكبرى وهؤلاء في هذه المخادنة والمؤاخاة يضاهون النكاح ~~فإنه يحصل بين هذين من الاقتران والازدواج ما يشبه اقتران الزوجين ويزيد ~~عليه تارة وينقص عنه تارة وما يشبه اقتران المتحابين في الله والمتآخين في ~~الله لكن الذين آمنوا أشد حبا لله # فالمتحابان في الله يعظم تحابهما ويقوي ويثبت بخلاف هذه المؤاخاة ~~الشيطانية فإنه يترتب عليها أنواع من الفساد ثم هذا قد يظهر وينتشر حتى قد ~~يسمونه زواجا ويقولون تزوج هذا بهذا كما يفعل ذلك بعض المستهزئين # PageV02P297 # بآيات الله من فجار الفساق والمنافقين ويقره الحاضرون على ذلك ويضحكون ~~وربما أعجبهم مثل هذا المزاح # كما أن اعتقاد أن هذه المحبة لله أوجب لمن كان من فجار الفساق والمنافقين ~~أن يقول لهم الأمرد حبيب الله والملتحي عدو الله وذلك يعجبهم ويضحكون منه ~~وحتى اعتقد كثير من المردان أن هذا حق وهو داخل في قول النبي # إذا أحب الله العبد نادي في السماء يا جبريل إني أحب فلانا فيصير يعجبه ~~أن يحب ويعتقد الغاوي أنه محبوب # وذلك أن من فقهاء الكوفة من لا يوجب في اللوطية الحد بل التعزير إلا إذا ~~أسرف فيه فإنه يبيح قتله سياسة ومن الفقهاء من يوجب فيه حد الزني كأشهر ~~قولي الشافعي وإحدي الروايتين عن أحمد وقول أبي يوسف ومحمد وأكثر فقهاء ~~الحجاز وأهل الحديث يوجبون قتلهما جميعا كمذهب مالك وظاهر مذهب أحمد # وزعم بعض الفقهاء أن فجور الرجل بمملوكه شبهة في درء الحد وهو موجب ~~للتعزير كما هو أحد القولين في وطء أمته المحرمة عليه برضاع # PageV02P298 # أو محرمته وأيضا فالعقوبة بالقتل إنما تكون في حق البالغ وأما الصبي ~~وأمثاله فيجوز قتله إذا قاتل مع الكفار فأما بمجرد فعله هو بنفسه فلا يقتل ~~بل يعاقب بما يزجره # وكذلك النوع الثاني من الحلال وهو ملك اليمين ms304 فإن المرأة قد تملك الرجل ~~والرجل قد يملك الصبي وقد يكون في هذا الملك نوع من ملك الرجل الأمة فربما ~~استمتعت المرأة بمملوكها بمقدمات النكاح أو بالنكاح مضاهاة لاستمتاع الرجل ~~بمملوكته وربما تأولت القرآن على ذلك واعتقدت أن ذلك داخل في قوله تعالى أو ~~ما ملكت أيمانهم كما رفع إلى عمر ابن الخطاب امرأة تزوجت عبدها وتأولت هذه ~~الآية ففرق بينهما وأدبه وقال ويحك إنما هذه للرجال لا للنساء # وكذلك كثير من جهال الترك وغيرهم قد يملك من الذكران من يحبهم ويستمتع ~~بهم وقد يتأول بعضهم على ذلك إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ومن ~~المعلوم أن هذا كفر بإجماع المسلمين فالاعتقاد بأن الذكران حلال بملك أو ~~غير ملك باطل وكفر بإجماع المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم # PageV02P299 # ثم من هؤلاء من يتأول هذه الآية ومنهم من يتأول ولعبد مؤمن خير من مشرك ~~ولا يفرق بين المنكوح والناكح كما سألني مرة بعض الناس عن هذه الآية وكان ~~ممن يقرأ القرآن ويطلب العلم وقد ظن أن معناها إباحة ذكران المؤمنين # وآخرون قد يجتمع بهم من يقول لهم إن في هذه المسألة خلافا ويكذب أئمة ~~المسلمين الذين لا تكون مذاهبهم ظاهرة في بلاده مثل من يكون بأرض الروم ~~فيكذب على مذهب مالك ويقول هو مباح في مذهب مالك ومنهم من يقول هذا مباح ~~للضرورة مثل أن يبقي الرجل أربعين يوما إلى أمثال هذه الأمور التي خاطبني ~~فيها وسألني عنها طوائف من الجند والعامة والفقراء وكان عندهم من هذه ~~الاعتقادات الفاسدة ألوان مختلفة قد صدتهم عن سبيل الله # ومنهم من قد بلغه خلاف بعض العلماء في وجوب الحد في بعض الصور فيظن أن ~~ذلك خلاف في التحريم فربما قال ذلك أو اعتقده ولا يفرق بين الخلاف على الحد ~~المقدر والتحريم وأن الشيء قد يكون من أعظم المحرمات كالدم والميتة ولحم ~~الخنزير وليس فيه حد مقدر # ثم ذلك الخلاف قد يكون قولا ضعيفا فيتولد من ذلك القول الضعيف الذي هو ~~خطأ بعض المجتهدين وهذا الظن ms305 الفاسد الذي هو خطأ بعض الجاهلين ومن الكذب ~~الذي هو فرية بعض الظالمين تبديل # PageV02P300 # الدين وطاعة الشياطين وسخط رب العالمين حتى نقل أن كثيرا من المماليك ~~يتمدح بأنه لا يعرف إلا سيده كما تتمدح الأمة بأنها لا تعرف إلا سيدها ~~وزوجها وكذلك كثير من المردان الأحداث يتمدح بأنه لا يعرف إلا خدينه وصديقه ~~ومؤاخيه كما تتمدح المرأة بأنها لا تعرف إلا زوجها وكذلك كثير من الزناة ~~بالمماليك والأحداث من الصبيان قد يتمدح بأنه عفيف عما سوي خدنه الذي هو ~~قرينه كالزوجة أو عما سوي مملوكه الذي هو قرينه كما يتمدح المؤمن بأنه عفيف ~~إلا عن زوجته أو ما ملكت يمينه # ولا ريب أن الكفر والفسوق والعصيان درجات كما أن الإيمان والعمل الصالح ~~درجات هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون وقد قال تعالى إنما النسيء ~~زيادة في الكفر وقال تعالى فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ~~وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وقال تعالى فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم كما قال تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وقال ~~وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا كما قال تعالى والذين ~~آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل # فالمتخذ خدنا من الرجل والنساء أقل شرا من المسافح لأن الفساد في ذلك أقل ~~والمستخفي بما يأتيه أقل إثما من المجاهر المستعلن كما في الحديث عن # PageV02P301 # النبي أنه قال من ابتلي من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله فإنه من ~~يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله # وقد قال من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة # وفي الحديث إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم ~~تنكر ضرت الجماعة # وفي الحديث عن النبي أنه قال كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من ~~المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب وقد ستره الله فيصبح فيتحدث بذنبه ويقول ~~يا فلان فعلت الليلة كيت وكيت أو كما قال # PageV02P302 # فالإقلال والاستخفاء خير من هذه الوجوه ولكن قد ms306 يقترن بها ما يكون أعظم ~~من بعض المسافحة والمجاهرة وهي المحبة والتعظيم التي توجب محبة ما يحبه ~~الخدن وتعظيم ما يعظمه وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه والاستسرار ~~بذلك والنفاق فيه فقد تكون في هذه الموالاة والمعاداة والنفاق من العدوان ~~والضرر على المسلمين أعظم مما في المجاهرة والمسافحة ويكون ذلك بمنزلة ~~الكافر المعلن كفره وهذا بمنزلة المنافق فأما إذا لم يكن عدوان على الناس ~~وتضييع لحقوقهم لانتفاء المحبة أو لغير ذلك فالأول أخبث وأفحش وتفاوت ~~الشرور في القدر والصفة كثير كما يتفاضل الخير أيضا في القدر والوصف ~~والواجب استعمال الكتاب والسنة في جميع الأمور # ولا ريب أن هذه المخادنة وملك اليمين ونحو ذلك مما فيه اشتراك في محرم ~~مضاد للحلال لا بد أن يتضمن من المباح ما يصير فيه من الشبه بالحلال ومن ~~التمييز عن الحرام ما يكون فيه رواج له إذ الحرام المحض المحض من كل وجه لا ~~يشتبه بالحلال المحض من كل وجه بل بقتني الرجل المملوك لنوع من الاستخدام ~~ويضم إلى ذلك الاستمتاع وقد يكون هذا أغلب في نفسه من # PageV02P303 # الآخر وقد يكون بالعكس وذلك الاستخدام قد يكون مباحا في الشريعة وقد يكون ~~فيه نوع من الظلم والعدوان إما باسترقاق الأحرار وإما باشتراء المماليك ~~لنفسه بالمال المغصوب من بيت المال أو غيره وإما في استخدامهم على وجه ~~الكبرياء والعلو في الأرض بإذلاله لهم في غير طاعة الله وإذلال الناس بهم ~~في غير طاعة الله إلى أمثال ذلك من الوجوه التي يكون فيها من الظلم ~~والعدوان أمور عظيمة وينضم إلى ذلك الفاحشة # وكذلك في المخادنة التي صورتها مؤاخاة قد تكون لأجل الاستئجار لصناعة ~~ونحوها وقد تكون لتعلم صناعة أو كتابة أو قراءة أو علم أو تأديب وتنوير ~~وغير ذلك من الأمور المباحة والمستحبة والواجبة في الدين وقد تكون لكفالة ~~وتربية إما ليتم ذلك الصبي أو غربته أو لقرابة بينهما أو غير ذلك وقد يكون ~~اشتراكا محضا في صناعة أو تجارة أو بحمل مال أو مجاورة وصلة أو تعلم ms307 أو ~~تأدب أو غير ذلك مما يشترك الناس فيه لغير فاحشة بشركة مباحة أو مأمور بها ~~أو منهي عنها ويكون بينهم في ذلك من التعاقد والتحالف ما يكون بين ~~المشتركين في الأمور وقد يسمي ذلك صديقا ورفيقا وسمي بالتركية خوشداشا وغير ~~ذلك وهو من قسم التحالف فيكون بين المشتركين في الحلال والحرام من المعاوضة ~~والمشاركة إما على غير فاحشة وإما # PageV02P304 # معاوضة بتلك فتكون شبهة مع الشهوة فغالب وقوع المحرمات من هذا الباب وقد ~~لبس فبه الحق بالباطل وأشرك فيه الحق بالباطل ### | موقف المؤمن من الشرور والخيرات وما يجب عليه حيالها # والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة كما ~~يعرف الخيرات الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة فيفرق بين أحكام الأمور ~~الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسنة ليقدم ما هو أكثر ~~خيرا وأقل شرا على ما هو دونه ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما ويجتلب ~~أعظم الخيرين بفوات أدناهما فإن من لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في ~~الدين لم يعرف أحكام الله في عباده وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل ~~ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح # وإذا عرف ذلك فلا بد أن يقترن بعلمه العمل الذي أصله محبته لما يحبه الله ~~ورسوله وبغضه لما يبغضه الله ورسوله وما اجتمع فيه الحبيب والبغيض المأمور ~~به والمنهي عنه أو الحلال والمحظور أعطي كل ذي حق حقه ليقوم الناس بالقسط ~~فإن الله بذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل فالعلم بالعدل قبل فعل العدل # فإذا علم وأحب كان من تمامه الجهاد عليه كما قال تعالى لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد ~~فيه بأس شديد ومنافع للناس والعلم # PageV02P305 # هو طريق إلى العمل وسبب كما قيل في قوله تعالى وآتيناه من كل شيء سببا أي ~~علما # فالعلم بالخير سبب إلى فعله والعلم بالشر سبب إلى منعه هذا مع حسن النية ~~وإلا فالنفس الأمارة بالسوء قد يكون علمها بالسوء سبب ms308 لفعله وبالخير سبب ~~لمنعه وكذلك الإثم والبغي بغير الحق مثل الخمر الذي اتخذ منه أنواع من ~~المسكرات وقيل إنها حلال وسميت بغير أسماء الخمر وهي من الخمر # وكذلك ظلم العباد في النفوس والأموال والأعراض فيه ما قد سمي حقا وعدلا ~~وشرعا وسياسة وجهادا في سبيل الله وهو من الكفر والفسوق والعصيان ما لا ~~يحصيه إلا الله وكذلك الإشراك بالله بغير حق والقول بما لا يعلم مثل أنواع ~~الغلو في الدين واتخاذ العلماء والعباد أربابا من دون الله والقول بتحريم ~~الحلال وتحليل الحرام وأنواع الإشراك بالمخلوقات عبادة لها واستعانة بها ~~وغلوا فيها وقولا على الله في أسمائه وصفاته وأحكامه ما قد دخل في ذلك من ~~الباطل الذي سمي بأسماء محمودة أو غير مذمومة كالعبادة والزهادة والتحقيق ~~وأصول الدين والفقه والعلم والتوحيد والكلام والفقر والتصوف ما لا يحصيه ~~إلا الله # ومما ينبغي أن يعرف أن كل تبديل يقع في الأديان بل كل اجتماع في العالم ~~لا بد فيه من التحالف وهو الاتفاق والتعاقد على ذلك من اثنين فصاعدا # PageV02P306 ### | بنو آدم لا يمكن عيشهم إلا بالتعاقد والتحالف # فأن بني آدم لا يمكن عيشهم إلا بما يشتركون فيه من جلب منفعتهم ودفع ~~مضرتهم فاتفاقهم على ذلك هو التعاقد والتحالف # ولهذا كان الوفاء بالعهود من الأمور التي اتفق أهل الأرض على إيجابها ~~لبعضهم على بعض وإن كان منهم القادر الذي لا يوفي بذلك كما اتفقوا في إيجاب ~~العدل والصدق فإذا اتفقوا وتعاقدوا على اجتلاب الأمر الذي يحبونه ودفع ~~الأمر الذي يكرهونه أعان بعضهم بعضا على اجتلاب المحبوب ونصر بعضهم بعضا ~~على دفع المكروه ولو لم يتعاقدوا بالكلام فنفس اشتراكهم في أمر يوجب عليهم ~~اجتلاب ما يصلح ذلك الأمر المشترك ودفع ما يضره كأهل النسب الواحد وأهل ~~البلد الواحد فإن التناسب والتجاور يوجب التعاون على جلب المنفعة المشتركة ~~ودفع الضرر المشترك # فصار الاشتراك بينهم تارة يثبت بفعلهم وهو التعاقد على ما فيه خيرهم ~~وتارة يثبت بفعل الله تعالى وقد جمع الله عز وجل هذين الأصلين في ms309 قوله ~~تعالى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام وذكر في هذه السورة الأمور ~~التي بينهم من جهة الخلق وهي من جهة العقود كما قال تعالى وهو الذي خلق من ~~الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا # وقال تعالى الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما ~~أمر الله به أن يوصل # PageV02P307 # وقال تعالى وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ~~ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل # وإذا كان لا بد في كل ما يشتركون فيه من تحالف وغير تحالف من التعاون على ~~جلب المحبوب والتناصر لدفع المكروه فالمحبوب هو الموالي والمكروه هو ~~المعادي فلا بد لكل بني آدم من ولاية وعداوة ولهذا جميعهم يتمادحون ~~بالشجاعة والسماحة فإن السماحة إعانة على وجود المحبوب بالأموال والمنافع ~~وغير ذلك والشجاعة نصر لدفع المكروه بالقتال وغيره ولا قوام لشيء من أمور ~~بني آدم إلا بذلك ومبني ذلك بينهم على العدل في المشاركات والمعاوضات # فظهر أن جميع أمور بني آدم لا بد فيها من تعاون بينهم ودفع ومنع لغيرهم ~~فلا بد لهم من عقد وقدرة والعقد أصله الإرادة كما قال تعالى واتقوا الله ~~الذي تساءلون به أى يتعاهدون ويتعاقدون والقدرة القدرة # ومعلوم أنه لا بد في كل فعل من إرادة وقدرة والمشتركون لا بد من اتفاقهم ~~في إرادة وفي قدرة فالذي يناله بعضهم من جلب محبوب ودفع مكروه من بعض هو ~~بالإرادة والطوع والذي ينالونه من غيرهم من جلب محبوب ودفع مكروه وهو ~~بالقدرة على ذلك العدو المكروه منه كما أن الوطء بملك النكاح الذي هو عقد ~~أصله الإرادة والطوع وبملك اليمين الذي هو قهر بالقدرة على سبيل الكره ~~واشتراكهم في الجلب والدفع إما أن يكون تبعا لتعاقدهم وإما أن # PageV02P308 # يكون بأمر آمر مطاع فيهم فالأول هو التحالف والثاني ما يطاع بغير تحالف ~~سواء كانت طاعته بحق أو بغير حق # فالذي بحق ما أمر الله بطاعته من أنبياءه وأولي الأمر من المؤمنين وطاعة ~~الوالدين ونحو ذلك وما يجاب به ms310 بعضهم إلى مراد بعض بحق فإن ذلك هو معنى ~~الطاعة إذ المقصود بها موافقة المطلوب # وأما بغير حق فكطاعة الطواغيت وهو كل ما عظم بباطل ### | التحالف يكون وفقا الشريعة منزلة أو شريعة غير منزلة أو سياسة # وكل قوم لا تجمعهم طاعة مطاع في جميع أمورهم فلا بد لهم من التعاقد ~~والتحالف فيما لم يأمرهم به المطاع # ولهذا كانت الشريعة المنزلة من عند الله الأفعال فيها التي تجب لله وتجب ~~لبعض الناس على بعض تارة تجب بإيجاب الله وتارة تجب بالعقد كالنذر وكعقود ~~المفاوضات والمشاركات فلا واجب في الشريعة إلا بشرع أو عقد # وإذا لم يكونوا على شريعة منزلة من عند الله فإما أن يكونوا على شريعة ~~غير منزلة أو سياسة وضعها بعض المعظمين فيهم بنوع قدرة وعلم ونحو ذلك وما ~~بقدرة من هذه الأمور الجامعة أوجب التحالف بينهم فإنه لا ينتظم لهم أمر إلا ~~بطاعة آمر متحالفون عليه أو يأمرهم به من يطيعونه ولهذا أنكر التحالف في ~~الأمم الخارجة عن الشريعة وفي الخارجين عنها وفي الأمور التي لا ترد إلى ~~الشريعة وإنما يظهر ذلك حيث تدرس آثار النبوة المطاعة فيتحالف قوم على طاعة ~~ملك أو شيخ أو طاعة بعضهم لبعض في أمور # PageV02P309 # يتفقون عليها ويتحالفون كما كان العرب في جاهليتهم يتحالفون ومنه الحليف ~~الذي يكون في القبيلة فيصير منهم # قال الله تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل ~~شيء شهيدا # وقال تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ~~وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت ~~غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربي من ~~أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون # وكذلك ما يوجد من التحالف بالتآخي وغير التآخي للملوك والمشايخ وأهل ~~الفتوة ورماة البندق وسائر المتفقين على بعض الأمور هو داخل في هذا وأيمان ~~التعاقد والتحالف عام لبني آدم وهم في جاهليتهم ms311 تارة يتحالفون تحالفا يحبه ~~الله كما قال النبي لقد شهدت حلفا مع عمومتي في دار عبد الله بن جدعان ما ~~يسرني بمثله حمر النعم أو قال ما يسرني حمر النعم وأن أنقضه ولو دعيت إلى ~~مثله في الإسلام لأجبت # PageV02P310 # وفى مثل هذا ما رواه مسلم عن جبير بن مطعم عن النبى أنه قال # لا حلف فى الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة # PageV02P311 # وهذا الحلف يسمي حلف المطيبين كان يقدم إلى مكة من يظلمه بعض أكابرها ~~فيستصرخ فلا ينصره أحد حتى أنشد بعض القادمين # يا آل مكة مظلوم بضاعته ... ببطن مكة بين الركن والحجر # وكان عبد الله بن جدعان من خيارهم فاجتمعت قبائل من قريش في بيته على ~~التحالف للتعاون على العدل ونصر المظلوم ووضعوا أيديهم في قصعة فيها طيب ~~فسمى حلف المطيبين # PageV02P312 # فأما إذا كان القول على الشريعة التى بعث الله بها رسوله فى دينهم ~~ودنياهم فإن ذلك يغنيهم عن التحالف إلا عليها فعليها يكون تحالفهم وتعاقدهم ~~وتعاونهم وتناصرهم كما وصف الله به المحبين المحبوبين في قوله تعالى فسوف ~~يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون ~~في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم # وعلى ذلك يبايع المطاعون فيهم من الأمراء والعلماء وغيرهم كما قال أبو ~~بكر الصديق في خطبته للمسلمين أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ~~ورسوله فلا طاعة لى عليكم # PageV02P313 # وبذلك أمر الله ورسوله في طاعة أولى الأمر فقال النبى على المرء المسلم ~~السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه ما لم يؤمر بمعصية الله فإذا ~~أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة وقال النبى إنما الطاعة في المعروف ولا ~~طاعة لمخلوق فى معصية الخالق # وفى الصحيح أن عبد الله بن عمر كتب بيعته إلى عبد الملك بن مروان لما ~~اجتمع الناس عليه لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إنى قد أقررت لك ~~بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت وقد أقر بنى لما ms312 أقررت ~~به فأخبره أنه يعاقده على ما أمر الله به من الطاعة له في طاعة الله بحسب ~~قدرته وهذا واجب عليه بالشرع # PageV02P314 # فهو تعاقد على ما أمر الله بمنزلة نفس الدخول فى الإسلام وبيعة النبى كما ~~بايعه الأنصار وكما بايعه المسلمون تحت الشجرة وكما كان يبايع المسلمين على ~~السمع والطاعة ويلقنهم فيما استطعتم # وطاعة الرسول واجبة على الخلق بإيجاب الله بمعاقدتهم على ذلك معاقدة على ~~طاعة الله كما قال تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين # لكن هذا إنما كان ظاهرا فى أيام الخلفاء الراشدين وبعدهم كثرت العقود ~~الموافقة للشريعة تارة والمخالفة لها أخري فلا جرم كان الحكم العام في جميع ~~هذه العقود أنه يجب الوفاء فيها بما كان طاعة لله ولا يجوز الوفاء فيها بما ~~كان معصية لله كما قال النبي في الأحاديث الصحيحة ما بال أقوام يشترطون ~~شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان ~~مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق وقال من نذر أن # PageV02P315 # يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه وفي السنن المسلمون على ~~شرطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا # فأما أمر الدين وما يحبه الله ويقرب إليه فليس لعقود بنى آدم فيه أثر بل ~~المرجع في ذلك إلى أمر الله ورسوله فلا دين إلا ما أمر الله به ومن اتبع في ~~ذلك عقود بنى آدم فهم الذين اتبعوا شركاءهم الذين شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن الله به وهذه حال جميع ما ابتدع من الدين فإن الذي ابتدعه وافقه عليه ~~غيره وحالفه فاتخذوه دينا فتدين هذا فيه يظهر حال جميع أهل البدع المخالفة ~~للكتاب والسنة وأن الموافقة عليها هى من هذا الباب # PageV02P316 # وأكثر ما ينفق بين المسلمين ما فيه حق وباطل ms313 إذ الباطل المحض لا يبقى ~~بينهم وذلك يتضمن التحالف على غير ما أمر الله به والتبديل لدين الله بما ~~لبس من الحق بالباطل وهذه حال اليهود والنصارى وسائر أهل الضلال فإنهم ~~عدلوا عما أمرهم الله باتباعه فلبسوه بباطل ابتدعوه بدلوا به دين الله ~~وتحالفوا على ذلك الذى ابتدعوه # وأما المعاملات في الدنيا فالأصل فيها أنه لا يحرم منها إلا ما حرمه الله ~~ورسوله فلا حرام إلا ما حرم الله ولا دين إلا ما شرعه وإذا لم يحرم إلا ما ~~حرمه الله ورسوله فكأن ما كان بدله بدون التعاقد يجب بالتعاقد فإن العقد ~~يوجب على كل واحد من المتعاوضين والمتشاركين ما أوجبه الآخر على نفسه له ### | المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا # ولهذا قال النبي # المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا # وهذا الموضع كثر فيه غلط كثير من الفقهاء بتحريم عقود وشروط لم يحرمها ~~الله كما كثر فى الأول غلط كثير من العباد والعلماء بابتداع دين لم يشرعه ~~الله وإيجابه بالتعاقد عليه حتى يوجبون طاعة شخص معين ميت أو حى من العلماء ~~في كل شئ ويحرمون طاعة غيره في كل شئ نازعه فيه لمجرد عقد العامى الذي ~~انتسب إلى هذا دون هذا # وكذلك في المشايخ حتى قد يأمرونه بمخالفه ما تبين له من الشريعة لأجل ~~العقد الذى التزمه للمذهب والطريقة فيشترطون شروطا ليست في كتاب الله ~~ويأمرون بطاعة المخلوق في معصية الخالق وأكثر ذلك يدخله نوع من الاجتهاد # PageV02P317 # الظاهر الذي فيه نوع من اتباع الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى # والواجب في جميع هذه الأمور أن ما يتبين أنه طاعة لله ورسوله وجب اتباعه ~~وما اشتبه على الإنسان حاله سلك فيه مسلك الاجتهاد بحسب قدرته ولا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها واجتهاد العامة هو طلبهم للعلم من العلماء بالسؤال ~~والاستفتاء بحسب إمكانهم # فإذا كان جميع ما عليه بنو آدم لابد فيه من تعاون وتناصر وفيه ما هو شرك ~~بالله وفيه ms314 ما هو قول على الله بغير علم وفيه ما هو إثم وبغى وفيه ما هو من ~~الفواحش علم أنه لابد في الإيمان من التعاون والتناصر على فعل ما يحبه الله ~~تعالى ودفع ما يبغضه الله تعالى وهذا هو الجهاد في سبيله وأن أمر الإيمان ~~لا يتم بدون ذلك كما لا يتم غير الإيمان إلا بما هو من نوع ذلك # فكل المتعاونين المتناصرين يجاهدون ولكن في سبيل الله تارة وفي سبيل غير ~~الله تارة ولا صلاح لبنى آدم إلا بأن يكون الدين كله لله وتكون كلمة الله ~~هى العليا # قال تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وهؤلاء الذين ~~تولوا الله فتولاهم الله والذين يدينون لغير الله هم ظالمون بتولى بعضهم ~~بعضا كما قال تعالى ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء ~~بعض والله ولى المتقين # PageV02P318 # ولا يتم لمؤمن ذلك إلا بأن يجمع بين ما جمع الله بينه ويفرق بين ما فرق ~~الله بينه وهذه حقيقة الموالاة والمعاداة التي مبناها على المحبة والبغضة # فالموالاة تقتضى التحاب والجمع والمعاداة تقتضى التباغض والتفرق والله ~~سبحانه قد ذكر الموالاة والجمع بين المؤمنين فقولة تعالى إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون وذكر ~~العداوة بينهم وبين الكفار فقال يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا ~~يهدى القوم الظالمين ثم ذكر حال المستنصرين بهم فإن الموالاة موجبها ~~التعاون والتناصر # فلا يفرق بين المؤمنين لأجل ما يتميز به بعضهم عن بعض مثل الأنساب ~~والبلدان والتحالف على المذاهب والطرائق والمسالك والصداقات وغير ذلك بل ~~يعطى كل من ذلك حقه كما أمر الله ورسوله ولا يجمع بينهم وبين الكفار الذين ~~قطع الله الموالاة بينهم وبينه فإن دين الله هو الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ms315 والصالحين وحسن أولئك رفيقا # والله سبحانه أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط فيحتاج المؤمن إلى معرفة العدل وهو الصراط المستقيم وإلى العمل به ~~وإلا وقع إما في جهل وإما في ظلم # PageV02P319 # وذلك إنما وقع من التبديل والعقود الفاسدة كما ذكرنا من لبس الحق بالباطل ~~حيث صارت المحرمات من الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~والإشراك بالله ما لم ينزل به سلطانا والقول على الله بغير علم قد لبس بها ~~من الحق المأذون فيه ما صارت بسببه شبيهة للحق الحسن وإن كانت مشتملة مع ~~ذلك على الباطل السيئ وإن صار أصحابها بين عمل صالح وآخر سيئ فقوم ينكرون ~~ذلك كله لما علموا فيه من المنكر البغيض وأقوام يقرون ذلك كله لما فيه من ~~المحبوب # وهذه القاعدة قد ذكرناها غير مرة وهي اجتماع الحسنات والسيئات والثواب ~~والعقاب في حق الشخص الواحد كما عليه أهل جماعة المسلمين من جميع الطوائف ~~إلا من شذ عنهم من الخوارج والوعيدية من المعتزلة ونحوهم وغالب المرجئة # فإن هؤلاء ليس للشخص عندهم إلا أن يثاب أو يعاقب محمود من كل وجه أو ~~مذموم من كل وجه وقد بينا فساد هذا في غير هذا الموضع بدلائل كثيرة من ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة وذكرنا أيضا الكلام في الفعل الواحد نوعا وشخصا # والغرض هنا أن هؤلاء الذين لبسوا الحق والباطل حصل في مقابلتهم من أعرض ~~عن الحق والباطل جميعا فصار هؤلاء مذمومين على فعل السيئات # PageV02P320 # محمودين على فعل الحسنات وأولئك يذمون على ترك الحسنات الواجبات ويمدحون ~~على ما قصدوا تركه لله من السيئات # وسبب ذلك أن الإنسان فيه ظلم وجهل فإذا غلب عليه رأى أو خلق استعمله في ~~الحق والباطل جميعا لم يحفظ حدود الله ولهذا يأمر الله بحفظ حدوده # مثال ذلك أن من الناس من يكون في خلقه سماحة ولين ومحبة فيسمح بمحبته ~~وبتعظيمه ونفعه وماله للحسن الذي يحبه الله ويأمر به كمحبة الله ورسوله ~~وأوليائه المؤمنين والإنفاق في سبيله ونحو ذلك ms316 ويسمح أيضا بمحبة الفواحش ~~والإنفاق فيها فتجده يحب الحق والباطل جميعا ويصدق بهما ويعين عليهما # ومنهم من يكون في خلقه قوة فيمتنع من فعل الفواحش ويبغضها ويمتنع مع ذلك ~~من محبة نفع الناس والإحسان إليهم والحلم عن سيئاتهم فتجده يبغض الحق ~~والباطل جميعا ويكذب بهما ولا يعين على واحد منهما بل ربما صد عنهما # وذلك لأن النفس أمارة بالسوء والشيطان يزين للمرء سوء عمله فيراه حسنا ~~وهو متبع هواها وما فيها من العلم والإيمان يدعوه إلى الخير حتى تذهب ~~الحسنات بالسيئات وإنما يفعل من الحسنات ما أقبلت عليه إرادته ومحبته دون ~~ما أبغضته # PageV02P321 # وفي الإنسان قوتان قوة الحب وقوة البغض وإنما خلق ذلك فيه ليحب الحق الذي ~~يحبه الله ويبغض الباطل الذي يبغضه الله وهؤلاء هم الذين يحبهم الله ~~ويحبونه # والنفس تميل إلى الإشراك بحسب الإمكان فإذا غلب على النفوس قوة المحبة ~~لما يناسبها فأحبت الحق فقد تنجذب بسبب ذلك إلى محبة ما يقارنه من الباطل # ومن هنا مال كثير من النساك إلى محبة الأصوات والصور وغير ذلك بسبب ما ~~فيهم من المحبة التي فيها ما هو لله لكن لبسوا فيها الحق بالباطل وكذلك قد ~~يكون الشخص بالمحبة يميل إلى شهوات الغي في بطنه وفرجه وإنفاق الأموال فيها ~~ثم إنه بسبب ما فيه من الحب والدين يحب الحق وأهله ويعظمهم فتجد كثيرا من ~~أهل الشهوات وفيهم من المحبة لله ورسوله ما لا يوجد في كثير من النساك كما ~~قال النبي في خمار الذي كان يشرب الخمر كثيرا لا تلعنه فإنه يحب الله ~~ورسوله والحديث في صحيح البخاري وغيره ### | فصل ### | المقصود الأول من كل عمل هو التنعم واللذة # وإذا كان كل عمل أصله المحبة والإرادة والمقصود منه التنعم بالمراد ~~المحبوب فكل حى إنما يعمل لما فيه تنعمه ولذته فالتنعم هو المقصود الأول من ~~كل قصد كما أن التعذب والتألم هو المكروه أولا وهو سبب كل بغض وكل # PageV02P322 # حركة امتناع لكن وقع الجهل والظلم في بنى آدم فعمدوا إلى الدين الفاسد ~~والدنيا ms317 الفاجرة طلبوا بهما النعيم وفي الحقيقة فإنما فيهما ضده # وبيان ذلك أن الأعمال التي يعملها جميع بني آدم إما أن يتخذونها دينا أو ~~لا يتخذونها دينا والذين يتخذونها دينا إما أن يكون الدين بها دين حق أو ~~دين باطل فنقول النعيم التام هو في الدين الحق ### | النعيم التام هو في الدين الحق # فأهل الدين الحق هم الذين لهم النعيم الكامل كما أخبر الله بذلك في كتابه ~~في غير موضع كقوله الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين # وقوله عن المتقين المهتدين أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون # وقوله تعالى فأما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن ~~أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمي قال رب لم حشرتنى ~~أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى # وقوله تعالى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون # PageV02P323 # وقوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم # ووعد أهل الإيمان والعمل الصالح بالنعيم التام في الدار الآخرة ووعد ~~الكفار بالعذاب التام في الدار الآخرة أعظم من أن يذكر هنا وهذا مما لم ~~ينازع فيه أحد من أهل الإسلام ### | من الخطأ الظن بأن نعيم الدنيا لا يكون إلا لأهل الكفر والفجور # ولكن تذكر هنا نكتة نافعة وهو أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرا من ~~أهل الإيمان والإسلام في الدنيا من المصائب وما يصيب كثيرا من الكفار ~~والفجار في الدنيا من الرياسة والمال وغير ذلك فيعتقد أن النعيم في الدنيا ~~لا يكون إلا لأهل الكفر والفجور وأن المؤمنين ليس لهم في الدنيا ما يتنعمون ~~به إلا قليلا وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة قد تستقر للكفار والمنافقين ~~على المؤمنين وإذا سمع ما جاء في القرآن من أن العزة لله ورسوله وللمؤمنين ~~وأن العاقبة للتقوى وقول الله تعالى وإن جندنا لهم الغالبون وهو ممن يصدق ~~بالقرآن حمل هذه الآيات على الدار الآخرة فقط ms318 وقال أما الدنيا فما نري ~~بأعيننا إلا أن الكفار والمنافقين فيها يظهرون ويغلبون المؤمنين ولهم العزة ~~والنصرة والقرآن لا يرد بخلاف المحسوس ويعتمد على هذا فيما إذا أديل أديل ~~عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين أو الظالمين وهو عند نفسه من أهل ~~الإيمان والتقوى فيرى أن صاحب الباطل قد علا # PageV02P324 # على صاحب الحق فيقول أنا على الحق وأنا مغلوب وإذا ذكره إنسان بما وعده ~~الله من حسن العاقبة للمتقين قال هذا في الآخرة فقط وإذا قيل له كيف يفعل ~~الله بأوليائه مثل هذه الأمور قال يفعل ما يشاء وربما قال بقلبه أو لسانه ~~أو كان حاله يقتضى أن هذا نوع من الظلم وربما ذكر قول بعضهم ما على الخلق ~~أضر من الخالق لكن يقول يفعل الله ما يشاء وإذا ذكر برحمة الله وحكمته لم ~~يقل إلا أنه يفعل ما يشاء فلا يعتقدون أن صاحب الحق والتقوى منصور مؤيد بل ~~يعتقدون أن الله يفعل ما يشاء # وهذه الأقوال مبنية على مقدمتين إحداهما حسن ظنه بدين نفسه نوعا أو شخصا ~~واعتقاد أنه قائم بما يجب عليه وتارك ما نهي عنه في الدين الحق واعتقاده في ~~خصمه ونظيره خلاف ذلك أن دينه باطل نوعا أو شخصا لأنه ترك المأمور وفعل ~~المحظور # والمقدمة الثانية أن الله قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره وقد لا يجعل ~~له العاقبة في الدنيا فلا ينبغى الاغترار بهذا ### | المؤمن يطلب نعيم الدنيا والنعيم التام في الآخرة # PageV02P325 # ومن المعلوم أن العبد وإن أقر بالآخرة فهو يطلب حسن عاقبة الدنيا فقد ~~يطلب ما لا بد منه من دفع الضرر وجلب المنفعة وقد يطلب من زيادة النفع ودفع ~~الضرر ما يظن أنه مباح فإذا اعتقد أن الدين الحق قد ينافي ذلك لزم من ذلك ~~إعراض القلب عن الرغبة في كمال الدين الحق وفي حال السابقين والمقربين بل ~~قد يعرض عن حال المقتصدين أصحاب اليمين فيدخل مع الظالمين بل قد يكفر ويصير ~~من المرتدين المنافقين أو المعلنين بالكفر وإن لم يكن هذا ms319 في أصل الدين كان ~~في كثير من أصوله وفروعه كما قال النبى يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا أو ~~يمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا وذلك إذا اعتقد أن الدين ~~لا يحصل إلا بفساد دنياه ولذلك فإنه يفرح بحصول الضرر له ويرجو ثواب ضياع ~~ما لا بد له من المنفعة # وهذه الفتنة التى صدت أكثر بنى آدم عن تحقيق الدين وأصلها الجهل بحقيقة ~~الدين وبحقيقة النعيم الذي هو مطلوب النفوس في كل وقت إذ قد ذكرنا أن كل ~~عمل فلا بد فيه من إرادة به لطلب ما ينعم فهناك عمل يطلب به النعيم ولا بد ~~أن يكون المرء عارفا بالعمل الذى يعمله وبالنعيم الذي يطلبه # PageV02P326 # ثم إذا علم هذين الأصلين فلابد أن تكون فيه إرادة جازمة على العمل بذلك ~~وإلا فالعلم بالمطلوب وبطريقه لا يحصلان المقصود إلا مع الإرادة الجازمة ~~والارادةالجازمة لا تكون إلا مع الصبر ولهذا قال سبحانه وتعالى والعصر إن ~~الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر وقال تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون # فاليقين هو العلم الثابت المستقر والصبر لابد منه لتحقيق الإرادة الجازمة # والمقدمتان اللتان التي بنيت عليهما هذه البلية مبناهما على الجهل بأمر ~~الله ونهيه وبوعده ووعيده فإن صاحبهما إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق فقد ~~اعتقد أنه فاعل للمأمور تارك للمحظور وهو على العكس من ذلك وهذا يكون من ~~جهله بالدين الحق ### | من الخطأ الاعتقاد أن الله ينصر الكفار في الدنيا ولا ينصر المؤمنين # وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله في الدنيا بل قد تكون العاقبة في ~~الدنيا للكفار على المؤمنين ولأهل الفجور على أهل البر فهذا من جهله بوعد ~~الله تعالى # PageV02P327 # أما الأول فما أكثر من يترك واجبات لا يعلم بها ولا بوجوبها وما أكثر من ~~يفعل محرمات لا يعلم بتحريمها بل ما أكثر من يعبد الله بما حرم ويترك ما ~~أوجب وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم ms320 المحق من كل وجه وأنه خصمه هو ~~الظالم المبطل من كل وجه ولا يكون الأمر كذلك بل يكون معه نوع من الباطل ~~والظلم ومع خصمه نوع من الحق والعدل # وحبك الشيء يعمي ويصم والإنسان مجبول على محبة نفسه فهو لا يرى إلا ~~محاسنها ومبغض لخصمه فلا يرى إلا مساوئه وهذا الجهل غالبه مقرون بالهوى ~~والظلم فإن الإنسان ظلوم جهول # وأكثر ديانات الخلق إنما هي عادات أخذوها عن آبائهم وأسلافهم وتقليدهم في ~~التصديق والتكذيب والحب والبغض والموالاة والمعاداة # كما قال تعالى وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا ~~عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير وقال تعالى يوم تقلب ~~وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا ~~إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا # وقال تعالى وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة ~~سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفى ~~شك منه مريب # وأما الثاني فما أكثر من يظن أن أهل الدين الحق في الدنيا يكونون أذلاء ~~معذبين بما فيه بخلاف من فارقهم إلى طاعة أخري وسبيل آخر ويكذب بوعد الله ~~بنصرهم # PageV02P328 # والله سبحانه قد بين بكتابه كلا المقدمتين فقال تعالى إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # وقال تعالى في كتابه ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم ~~المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون # وقال تعالى في كتابه إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من ~~قبلهم # وقال تعالى إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز # وقال تعالى في كتابه إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون # وذم من يطلب النصرة بولاء غير هؤلاء فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ms321 بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين فتري الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ~~يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ~~فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهولاء الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين # وقال تعالى في كتابه بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا # PageV02P329 # وقال تعالى في كتابه يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون # وقال تعالى في كتابه من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك ~~هو يبور # وقال في كتابه هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~وكفى بالله شهيدا # وقال تعالى في كتابه يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها ~~الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخري تحبونها نصر من ~~الله وفتح قريب وبشر المؤمنين يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما ~~قال عيسي ابن مريم للحواريين من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله فآمنت طائفة من بنى إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين # وقال تعالى في كتابه يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين ~~كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة # PageV02P330 # وقال تعالى في كتابه ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا # وقال تعالى في كتابه هو الذي أخرج الذين كفروا ms322 من أهل الكتاب من ديارهم ~~لأول الحشر إلى قوله تعالى ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن ~~الله شديد العقاب # وقال تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # وقال تعالى لما قص قصة نوح وهى نصرة على قومه في الدنيا فقال تعالى تلك ~~من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ~~إن العاقبة للمتقين # وقال تعالى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك ~~والعاقبة للتقوى # وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا إلى قوله وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون ~~محيط # وقال تعالى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين # وقال يوسف وقد نصره الله في الدنيا لما دخل عليه إخوته قالوا أئنك لأنت ~~يوسف قال أنا يوسف وهذا أخى قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين # PageV02P331 # وقال تعالى في كتابه يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ~~ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم # وقال تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل ~~على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا # وقد روي عن أبى ذر عن النبي أنه قال # لو عمل الناس كلهم بهذه الآية لوسعتهم # رواه ابن ماجه وغيره # وأخبر أن ما يحصل له من مصيبة انتصار العدو وغيرها إنما هو بذنوبهم فقال ~~تعالى في يوم أحد أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو ~~من عند أنفسكم # وقال تعالى إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ~~ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم # وقال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير # PageV02P332 # وقال تعالى ما أصابك من حسنة ms323 فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك # وقال تعالى وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم # وقال تعالى أو يوبقهن بما كسبوا # وذم في كتابه من لا يثق بوعده لعباده المؤمنين وذكر ما يصيب الرسل ~~والمؤمنين فقال تعالى إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار ~~وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا ~~زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا واذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ~~ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعوره إن يريدون إلا ~~فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها ~~إلا يسيرا # وقال تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله ألا إن نصر الله قريب # وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل القرى أفلم ~~يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير ~~للذين يتقون أفلا تعقلون حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم ~~نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم # PageV02P333 # المجرمين لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن ~~تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون # ولهذا أمر الله رسوله والمؤمنين باتباع ما أنزل إليهم وهو طاعته وهو ~~المقدمة الأولى وأمرهم بانتظار وعده وهى المقدمة الثانية وأمرنا بالاستغفار ~~والصبر لأنهم لابد أن يحصل لهم تقصير وذنوب فيزيله الاستغفار ولابد مع ~~انتظار الوعد من الصبر فبالاستغفار تتم الطاعة وبالصبر يتم اليقين بالوعد ~~إن كان هذا كله يدخل فى مسمى الطاعة والإيمان # قال تعالى واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين # وقال تعالى ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم ~~نصرنا ms324 ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين # وقال تعالى فاصبر إن العاقبة للمتقين # وأمرهم أيضا بالصبر إذا أصابتهم مصيبة بذنوبهم مثل ظهور العدو وكما قال ~~تعالى فى قصة أحد ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن ~~يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم ~~الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب # PageV02P334 # الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين # وأيضا فقد قص سبحانه فى كتابه نصره لرسله ولعباده المؤمنين على الكفار فى ~~قصة نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وفرعون وغير ذلك وقال تعالى لقد كان فى ~~قصصهم عبرة لأولى الألباب وقال تعالى ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا ~~من الذين خلوا من قبلكم ### | ما سبق يتبين بأصلين: ### | الأصل الأول: حصول النصر وغيره من أنوع النعيم لا ينافي وقوع القتل أو الأذى # وهذا يتبين بأصلين أحدهما أن حصول النصر وغيره من أنواع النعيم لطائفة أو ~~شخص لا ينافي ما يقع في خلال ذلك من قتل بعضهم وجرحه ومن أنواع الأذى وذلك ~~أن الخلق كلهم يموتون فليس في قتل الشهداء مصيبة زائدة على ما هو معتاد ~~لبنى آدم فمن عد القتل في سبيل الله مصيبة مختصة بالجهاد كان من أجهل الناس ~~بل الفتن التي تكون بين الكفار وتكون بين المختلفين من أهل القبله ليس مما ~~يختص بالقتال فإن الموت يعرض لبني آدم بأسباب عامة وهي المصائب التي تعرض ~~لبني آدم من مرض بطاعون وغيره ومن جوع وغيره وبأسباب خاصة فالذين يعتادون ~~القتال لا يصيبهم أكثر مما يصيب من لا يقاتل بل الأمر بالعكس كما قد جربه ~~الناس # ثم موت الشهيد من أيسر الميتات ولهذا قال سبحانه وتعالى قل لن ينفعكم ~~الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي ~~يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا # PageV02P335 # فأخبر سبحانه أن الفرار من ms325 القتل أو الموت لا ينفع فلا فائدة فيه وأنه لو ~~نفع لم ينفع إلا قليلا إذ لا بد من الموت # وأخبر أن العبد لا يعصمه من الله أحد إن أراد به سوءا أو أراد به رحمة ~~وليس له من دون الله ولي ولا نصير فأين نفر من أمره وحكمه ولا ملجأ منه إلا ~~إليه قال تعالى ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين وهذا أمر يعرفه الناس ~~من أهل طاعة الله وأهل معصيته كما قال أبو حازم الحكيم لما يلقي الذي لا ~~يتقي الله من معالجه الخلق أعظم مما يلقاه الذي يتقي الله من معالجة التقوى # والله تعالى قد جعل أكمل المؤمنين إيمانا أعظمهم بلاء كما قيل للنبي أي ~~الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلي الرجل ~~على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف ~~عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة # ومن هذا أن الله شرع من عذاب الكفار بعد نزول التوراة بأيدي المؤمنين في ~~الجهاد ما لم يكن قبل ذلك حتى إنه قيل لم ينزل بعد التوراة عذاب عام من ~~السماء للأمم كما قال تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا # PageV02P336 # القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون # فإنه قبل ذلك قد أهلك قوم فرعون وشعيب لوط وعاد وثمود وغيرهم ولم يهلك ~~الكفار بجهاد المؤمنين ولما كان موسى أفضل من هؤلاء وكذلك محمد وهما ~~الرسولان المبعوثان بالكتابين العظيمين كما قال تعالى إنا أرسلنا إليكم ~~رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا وقال تعالى قالوا لولا أوتي ~~مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتى موسى من قبل إلى قوله قل فأتوا ~~بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه # وأمر الله هذين الرسولين بالجهاد على الدين وشريعة محمد أكمل فلهذا كان ~~الجهاد في أمته أعظم منه في غيرهم # قال تعالى كتب عليكم القتال وهو كره ms326 لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون # وقال تعالى ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض # وقال تعالى للمنافقين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو ~~بأيدينا # PageV02P337 # فالجهاد للكفار أصلح من هلاكهم بعذاب سماء من وجوه أحدها أن ذلك أعظم في ~~ثواب المؤمنين وأجرهم وعلو درجاتهم لما يفعلونه من الجهاد في سبيل الله لأن ~~تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله # الثاني أن ذلك أنفع للكفار أيضا فإنهم قد يؤمنون من الخوف ومن أسر منهم ~~وسيم من الصغار يسلم أيضا وهذا من معنى قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس قال أبو هريرة وكنتم خير الناس للناس تأتون بهم في الأقياد والسلاسل ~~حتى تدخلوهم الجنة فصارت الأمة بذلك خير أمة أخرجت للناس وأفلح بذلك ~~المقاتلون وهذا هو مقصود الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهذا من معنى كون ~~محمد ما أرسل إلا رحمة للعالمين فهو رحمة في حق كل أحد بحسبه حتى المكذبين ~~له هو في حقهم رحمة أعظم مما كان غيره # ولهذا لما أرسل الله إليه ملك الجبال وعرض عليه أن يقلب عليهم الأخشبين ~~قال لا استأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك ~~له # PageV02P338 # الوجه الثالث أن ذلك أعظم عزة للإيمان وأهله واكثر لهم فهو يوجب من علو ~~الإيمان وكثرة أهله ما لا يحصل بدون ذلك وأمر المنافقين والفجار بالمعروف ~~ونهيهم عن المنكر هو من تمام الجهاد وكذلك إقامة الحدود # ومعلوم أن في الجهاد وإقامة الحدود من إتلاف النفوس والأطراف والأموال ما ~~فيه فلو بلغت هذه النفوس النصر بالدعاء ونحوه من غير جهاد لكان ذلك من جنس ~~نصر الله للأنبياء المتقدمين من أممهم لما أهلك نفوسهم وأموالهم # وأما النصر بالجهاد وإقامة الحدود فذلك من جنس نصر الله لما يختص به ~~رسوله وإن كان محمد وأمته منصورين بالنوعين جميعا لكن يشرع في الجهاد باليد ms327 ~~ما لا يشرع في الدعاء ### | الأصل الثاني: التنعم إما بالأمور ### | الدنيوية # وإما بالأمور ### | الدينية: # # وأما الأصل الثاني فإن التنعم إما بالأمور الدنيوية وإما بالأمور الدينية ### | 1- # الدنيوية # فأما الدنيوية فهي الحسية مثل الأكل والشرب والنكاح واللباس وما يتبع ذلك ~~والنفسية وهي الرياسة والسلطان # فأما الأولي فالمؤمن والكافر والمنافق مشتركون في جنسها ثم يعلم أن # PageV02P339 # التنعيم بها ليس هو حقيقة واحدة مستوية في بنى آدم بل هم متفاوتون في ~~قدرها ووصفها تفاوتا عظيما # فإن من الناس من يتنعم بنوع من الأطعمة والأشربة الذي يتأذي بها غيره إما ~~لاعتياده ببلده وإما لموافقته مزاجه وإما لغير ذلك # ومن الناس من يتنعم بنوع من المناكح لا يحبها غيره كمن سكن البلاد ~~الجنوبية فإنه يتنعم بنكاح السمر ومن سكن البلاد الشمالية فإنه يتنعم بنكاح ~~البيض # وكذلك اللباس والمساكن فإن أقواما يتنعمون من البرد بما يتأذي به غيرهم ~~وأقواما يتنعمون من المساكن بما يتأذي به غيرهم بحسب العادة والطباع # وكذلك الأزمنة فإنه في الشتاء يتنعم الإنسان بالحر وفي الصيف يتنعم ~~بالبرد # وأصل ذلك أن التنعم في الدنيا بحسب الحاجة إليها والانتفاع بها فكل ما ~~كانت الحاجة أقوي والمنفعة أكثر كان التنعم واللذة أكمل والله قد أباح ~~للمؤمنين الطيبات # فالذين يقتصدون في المآكل نعيمهم بها أكثر من نعيم المسرفين فيها فإن ~~أولئك إذا أدمنوها وألفوها لا يبقي لهذا عندهم كبير لذة مع أنهم قد لا ~~يصبرون عنها وتكثر أمراضهم بسببها # PageV02P340 ### $ 2- الدينية # وأما الدين فجماعه شيئان تصديق الخبر وطاعة الأمر # ومعلوم أن التنعم بالخبر بحسب شرفه وصدقه والمؤمن معه من الخبر الصادق عن ~~الله وعن مخلوقاته ما ليس مع غيره فهو من أعظم الناس نعيما بذلك بخلاف من ~~يكثر في أخبارهم الكذب # وأما طاعة الأمر فإن من كان ما يؤمر به صلاحا وعدلا ونافعا يكون تنعمه به ~~أعظم من تنعم من يؤمر بما ليس بصلاح ولا عدل ولا نافع # وهذا من الفرق بين الحق والباطل فإن الله سبحانه يقول في كتابه الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل ms328 أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا ~~بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن ~~الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب ~~الله للناس أمثالهم # وقال والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم ~~يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # وتفصيل ذلك أن الحق نوعان حق موجود وحق مقصود وكل منهما ملازم للآخر # فالحق الموجود هو الثابت في نفسه فيكون العلم به حقا والخبر عنه حقا ~~والحق المقصود هو النافع الذي إذا قصده الحي انتفع به وحصل له النعيم # PageV02P341 ### | فصل # ومما يظهر الأمر ما ابتلى الله به عباده في الدنيا من السراء والضراء ~~وقال سبحانه فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكبر ~~من وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا # يقول الله سبحانه ليس الأمر كذلك ليس إذا ما ابتلاه فأكرمه ونعمه يكون ~~ذلك إكراما مطلقا وليس إذا ما قدر عليه رزقه يكون ذلك إهانة بل هو ابتلاء ~~في الموضعين وهو الاختبار والامتحان فإن شكر الله على الرخاء وصبر على ~~الشدة كان كل واحد من الحالين خيرا له كما قال النبي لا يقضى الله للمؤمن ~~قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء فشكر كان ~~خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له وإن لم يشكر ولم يصبر كان كل ~~واحد من الحالين شرا له # PageV02P342 ### | تنازع الناس فيما ينال الكافر في الدنيا من التنعم هل هو نعمة في حقه أم لا؟ # وقد تنازع الناس فيما ينال الكافر في الدنيا من التنعم هل هو نعمة في حقه ~~أم لا على قولين وكان أصل النزاع بينهم هو النزاع في القدرة # والقدرية الذين يقولون لم يرد الله لكل أحد إلا خيرا له بخلقه وأمره ~~وإنما العبد هو الذي أراد لنفسه الشر بمعصيته وبترك طاعته التي يستعملها ~~بدون مشيئة الله ms329 وقدرته أراد لنفسه الشر # وهؤلاء يقولون ما نعم به الكافر فهو نعمة تامة كما نعم به المؤمن سواء إذ ~~عندهم ليس لله نعمة خص بها المؤمن دون الكافر أصلا بل هما في النعم الدينيه ~~سواء وهو ما بينه من أدلة الشرع والعقل وما خلقه من القدرة والألطاف ولكن ~~أحدهما اهتدي بنفسه بغير نعمة أخري خاصة من الله والآخر ضل بنفسه من غير ~~خذلان يخصه من الله وكذلك النعم الدنيوية هي في حقهما على السواء # والذين ناظروا هؤلاء من أهل الإثبات ربما زادوا في المناظرة نوعا من ~~الباطل وإن كانوا في الأكثر على الحق فكثيرا ما يرد مناظر المبتدع باطلا ~~عظيما بباطل دونه # ولهذا كان أئمة السنة ينهون عن ذلك ويأمرون بالاقتصاد ولزوم السنة المحضة ~~وأن لا يرد باطل بباطل # PageV02P343 # فقال كثير من هؤلاء ليس لله على الكافر نعمة دنيوية كما ليس له عليه نعمة ~~دينية تخصه إذ اللذة المستعقبة ألما أعظم منها ليست بنعمة كالطعام المسموم ~~وكمن أعطي غيره أموالا ليطمئن ثم يقتله أو يعذبه # قالوا والكافر كانت هذه النعم سببا في عذابه وعقابه كما قال تعالى إنما ~~نملى لهم ليزدادوا إثما # وقال تعالى أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل ~~لا يشعرون # وقال تعالى فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون # وقال تعالى فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملى ~~لهم إن كيدي متين # وخالفهم آخرون من أهل الإثبات للقدر أيضا فقالوا بل لله على الكافر نعم ~~دنيوية # والقولان في عامة أهل الإثبات من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم # قال هؤلاء والقرآن قد دل على امتنانه على الكفار بنعمه ومطالبته إياهم ~~بشكرها فكيف يقال ليست نعما قال تعالى ألم تر إلى الذين بدلوا # PageV02P344 # نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها إلى قوله الله الذي ~~خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا ms330 لكم وسخر ~~لكم الفلك لتجرى في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار إلى قوله وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار وقال تعالى إنا هديناه السبيل إما ~~شاكرا وإما كفورا وكيف يكون كفورا من لم ينعم عليه بنعمه # فالمراد لازم قول هؤلاء أن الكفار لم يحب عليهم شكر الله إذ لم يكن قد ~~أنعم عليهم عندهم وهذا القول يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام فإن الله ~~ذم الإنسان بكونه كفورا غير شكور إذ يقول إن الإنسان لربه لكنود وقال تعالى ~~ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور ولئن أذقناه ~~نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عنى إنه لفرح فخور # وقد قال صالح عليه السلام لقومه واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ~~وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء ~~الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين # وقال تعالى ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا # وقال تعالى وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من ~~كل مكان فكفرت بأنعم الله # وقال الأولون قد قال تعالى صراط الذين أنعمت عليهم # PageV02P345 # والكفار لم يدخلوا في هذا العموم فعلم أنهم خارجون عن النعمة وقال تعالى ~~في خطابه للمؤمنين كلوا من طيبات ما رزقناكم وقال تعالى واذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ كنتم أعداء واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به وقال ~~تعالى كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله # وأما الكفار فخوطبوا بها من جهة ما هي تنعم ولذة وسرور ولم تسم في حقهم ~~نعمة على الخصوص وإنما تسمي نعمة باعتبار أنها نعمة في حق عموم بني آدم لأن ~~المؤمن سعد بها في الدنيا والآخرة والكافر ينعم بها في الدنيا # وذلك أن كفر الكافر نعمة في حق المؤمنين فإنه لولا وجود الكفر والفسوق ~~والعصيان لم يحصل جهاد المؤمنين للكفار وأمرهم الفساق والعصاة بالمعروف ~~ونهيهم إياهم عن المنكر ولولا وجود شياطين الإنس والجن لم يحصل للمؤمنين من ~~بعض هذه ms331 الأمور ومعاداتها ومجاهداتها ومخالفة الهوى فيها ما ينالون به أعلى ~~الدرجات وأعظم الثواب # والأنسان فيه قوة الحب والبغض وسعادته في أن يحب ما يحبه الله ويبغض ما ~~يبغضه الله فإن لم يكن في العالم ما يبغضه ويجاهد أصحابه لم يتم إيمانه ~~وجهاده وقد قال تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون # PageV02P346 # قالوا ولو كانت هذه اللذات نعما مطلقة لكانت نعمة الله على أعدائه في ~~الدنيا أعظم من نعمته على أوليائه قالوا ونعمة الله التي بدلوها كفرا هي ~~إنزال الكتاب وإرسال الرسول حيث كفروا بها وجحدوا أنها حق كما قال عليه ~~السلام ألا لا فخر إني من قريش # وكذلك قوله تعالى وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها ~~رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله هم الذين كفروا بما أنزل الله من الكتاب ~~والرسل وتلك نعمة الله المعظمة وقال تعالى أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين ### | رأي ابن تيمية # وحقيقة الأمر أن هذه الأمر فيها من التنعم باللذة والسرور في الدنيا ما ~~لا نزاع فيه ولهذا قال تعالى بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تمرحون وقال تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم # PageV02P347 # الدنيا واستمتعتم بها وقال تعالى وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم ~~قليلا وقال تعالى ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل وقال تعالى وما الحياة ~~الدنيا إلا متاع الغرور وهذا أمر محسوس # لكن الكلام في أمرين أحدهما هل هي نعمة أم لا والثاني أن جنس تنعم المؤمن ~~في الدنيا بالإيمان وما يتبعه هل هو مثل تنعم الكافر أو دونه أو فوقه وهذه ~~هي المسألة المقدمة # فأما الأول فيقال اللذات في أنفسها ليست نفس فعل العبد بل قد تحدث عن ~~فعله مع سبب آخر كسائر المتولدات التي يخلقها الله تعالى بأسباب منها فعل ~~العبد # لكن اللذات تارة تكون بمعصية من ترك مأمور أو فعل محظور ms332 كاللذة الحاصلة ~~بالزنا وبموافقة الفساق وبظلم الناس وبالشرك والقول على الله بغير علم فهنا ~~المعصية هي سبب للعذاب الزائد على لذة الفعل لكن ألم العذاب قد يتقدم وقد ~~يتأخر وهي تشبه أكل الطعام الطيب الذي فيه من السموم ما يمرض أو يقتل ثم ~~ذلك العذاب يمكن دفعه بالتوبة وفعل حسنات أخر لكن يقال تلك اللذة الحاصلة ~~بالمعصية لا تكون معادلة لها ما في التوبة عنها والأعمال الصالحة من المشقة ~~والألم ولهذا قيل ترك الذنب أمر من التماس التوبة وقيل رب شهوة ساعة أورثت ~~حزنا طويلا # PageV02P348 # لكن فعل التوبة والحسنات الماحية قد يوجب من الثواب أعظم من ثواب ترك ~~الذنب أولا فيكون ألم التائب أشد من التارك إذا استويا من جميع الوجوه ~~وثوابه أكثر وكذلك لما يكفر الله به الخطايا من المصائب مرارة تزيد على ~~حلاوة المعاصى # وتارة تكون اللذات بغير معصية من العبد لكن عليه أن يطيع الله فيها ~~فيتجنب فيها ترك مأموره وفعل محظوره كما يؤتاه العبد من المال والسلطان ومن ~~المآكل والمناكح التى ليست بمحرمة # والله سبحانه أمر مع أكل الطيبات بالشكر فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا ~~كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون وفي صحيح مسلم ~~عن النبي أنه قال إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ~~ويشرب الشربة فيحمده عليها وفي الأثر الطاعم الشاكر كالصائم الصابر رواه ~~ابن ماجة عن النبي # PageV02P349 # وقد قال تعالى ثم لتسألن يومئذ عن النعيم # ولما ضاف النبي أبا الهيثم بن التيهان وجلسوا في الظل وأطعمهم فاكهة ~~ولحما وسقاهم ماء باردا قال هذا من النعيم الذي تسألون عنه # والسؤال عنه لطلب شكره لا لإثم فيه فالله تعالى يطلب من عباده شكر نعمه ~~وعليه أن لا يستعين بطاعته على معصيته فإذا ترك ما وجب عليه في # PageV02P350 # نعمته من حق واستعان بها على محرم صار فعله بها وتركه لما فيها سببا ~~للعذاب أيضا فالعذاب أستحقه بترك المأمور وفعل المحظور على النعمة التي هي ~~من فعل الله ms333 تعالى وإن كان فعله وتركه بقضاء الله وقدره بعلمه ومشيئته ~~وقدرته وخلقه # فأن حقيقة الأمر أنه نعم العبد تنعيما وكان ذلك التنعيم سببا لتعذيبه ~~أيضا فقد اجتمع في حقه تنعيم وتعذيب ولكن التعذيب إنما كان بسبب معصيته حيث ~~لم يؤد حق النعمة ولم يتق الله فيها # وعلى هذا فهذه التنعمات هي نعمة من وجه دون وجه فليست من النعم المطلقة ~~ولا هي خارجة عن جنس النعم مطلقها ومقيدها فباعتبار ما فيها من التنعم يصلح ~~أن يطلب حقها من الشكر وغيرها وينهى عن استعمالها في المعصية فتكون نعمة في ~~باب الأمر والنهي والوعد والوعيد # وباعتبار أن صاحبها يترك فيها المأمور ويفعل فيها المحظور الذي يزيد ~~عذابه على نعمها كانت وبالا عليه وكان أن لا يكون ذلك من حقه خيرا له من أن ~~يكون فليست نعمة في حقه في باب القضاء والقدر والخلق والمشيئة العامة وإن ~~كان يكون نعمة في حق عموم الخلق والمؤمنين وعلى هذا يظهر ما تقدم من خيرات ~~الله فإن ذلك استدراج ومكر وإملاء # وهذا الذي ذكرناه من ثبوت الإنعام بها من وجه وسلبه من وجه آخر مثل ما ~~ذكر الله في قوله تعالى فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه # PageV02P351 # فيقول ربى أكرمن وأما إذا ما آبتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا ~~فإنه قد أخبر أنه أكرمه وأنكر قول المبتلى ربي أكرمن واللفظ الذي أخبر الله ~~به مثل اللفظ الذي أنكره الله من كلام المبتلى لكن المعنى مختلف فإن ~~المبتلي اعتقد أن هذه كرامة مطلقة وهي النعمة التي يقصد بها أن النعم إكرام ~~له والإنعام بنعمة لا يكون سببا لعذاب أعظم منها وليس الأمر كذلك بل الله ~~تعالى ابتلاه بها ابتلاء ليتبين هل يطيعه فيها أم يعصيه مع علمه بما سيكون ~~من الأمرين لكن العلم بما سيكون شيء وكون الشيء والعلم به شيء # وأما قوله تعالى فأكرمه ونعمه فإنه تكريم بما فيه من اللذات ولهذا قرنه ~~بقوله ونعمه ولهذا كانت خوارق العادات التي تسميها العامة ms334 كرامة ليست عند ~~أهل التحقيق كرامة مطلقا بل في الحقيقة الكرامة هي لزوم الاستقامة وهى طاعة ~~الله وإنما هي مما يبتلي الله به عبده فإن أطاعه بها رفعه وإن عصاه بها ~~خفضه وإن كانت من آثار طاعة أخري كما قال تعالى وألو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا # PageV02P352 # وإذا كان في النعمة والكرامة هذان الوجهان فهي من باب الأمر والشرع نعمة ~~يجب الشكر عليها وفي باب الحقيقة القدرية لم تكن لهذا الفاجر بها إلا فتنة ~~ومحنة استوجب بمعصية الله فيها العذاب وهي في ظاهر الأمر أن يعرف حقيقة ~~الباطن ابتلاء وامتحان يمكن أن تكون من أسباب سعادته ويمكن أن تكون من ~~أسباب شقاوته وظهر بها جانب الابتلاء بالمر فإن الله يبتلي بالحلو والمر ~~كما قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون وقال وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون # فمن ابتلاه الله بالمر بالبأساء والضراء والبأس وقدر عليه رزقه فليس ذلك ~~إهانة له بل هو ابتلاء فإن أطاع الله في ذلك كان سعيدا وإن عصاه في ذلك كان ~~شقيا كما كان مثل ذلك سببا للسعادة في حق الأنبياء والمؤمنين وكان شقاء ~~وسببا للشقاء في حق الكفار والفجار # وقال تعالى والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس وقال تعالى أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ~~وزلزلوا وقال تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا ~~على # PageV02P353 # النفاق لا تعلهم نحن تعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم وقال ~~تعالى ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون وقال ~~تعالى ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون # وكما أن الحسنات وهي المسار الظاهرة التي يبتلي بها العبد تكون عن طاعات ~~فعلها العبد فكذلك السيئات وهي المكاره التي يبتلي بها العبد تكون عن معاصي ~~فعلها العبد كما قال تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك ms335 # وقال تعالى أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني هذا قل هو من ~~عند أنفسكم # وقال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير # وقال تعالى فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون ~~بالله # وقال تعالى وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور # ثم تلك المسار التي هي من ثواب طاعته إذا عصي الله فيها كانت سببا لعذابه ~~والمكاره التي هي عقوبة معصيته إذا أطاع الله فيها كانت سببا # PageV02P354 # لسعادته فتدبر هذا لتعلم أن الأعمال بخواتيمها وأن ما ظاهره نعمة هو لذة ~~عاجلة قد تكون سببا للعذاب وما ظاهره عذاب وهو ألم عاجل قد يكون سببا ~~للنعيم وما هو طاعه فيما يري الناس قد يكون سببا لهلاك العبد برجوعه عن ~~الطاعة إذا ابتلي في هذه الطاعة وما هو معصية فيما يري الناس قد يكون سببا ~~لسعادة العبد بتوبته منه وتصبره على المصيبة التي هي عقوبة ذلك الذنب # فالأمر والنهي يتعلق بالشيء الحاصل فيؤمر العبد بالطاعة مطلقا وينهي عن ~~المعصية مطلقا ويؤمر بالشكر على كل ما يتنعم به # وأما القضاء والقدر وهو علم الله وكتابه وما طابق ذلك من مشيئته وخلقه ~~فهو باعتبار الحقيقة الآجلة فالأعمال بخواتيمها والمنعم عليهم في الحقيقة ~~هم الذين يموتون على الإيمان # وقد يذكر تنازع الناس في هذا الباب # فالمثبتة للقضاء والقدر من متكلمه أهل الإثبات وغيرهم يلاحظون القدر من ~~علم الله وكتابه ومشيئته وخلقه وقد يعرضون عما جاء به الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد وعن الحكمة العامة وما في تفصيل ذلك من الحكم الخاصة # PageV02P355 # وأما من لم يلاحظ إلا الأمر والنهي والوعد والوعيد فقط من القدرية ومن ~~ضاهاهم في حاله فقد كفر بما وجب عليه الإيمان به من خلق الله وكتابه ~~ومشيئته وتدبيره لعباده المؤمنين الذين سبقت لهم منه الحجة بتدبير خاص ومن ~~قضائه على الكفار بما هو فيه عدل سبحانه كما في الحديث المرفوع ماض فينا ~~أمرك عدل فينا قضاؤك ولا يظلم ربك أحدا # وإذا عرف أن ms336 كل واحد من الابتلاء بالسراء والضراء قد يكون في باطن الأمر ~~مصلحة للعبد أو مفسدة له وأنه إن أطاع الله بذلك كان مصلحة له وإن عصاه كان ~~مفسدة له تبين أن الناس أربعة أقسام منهم من يكون صلاحه على السراء ومنهم ~~من يكون صلاحه على الضراء ومنهم من يصلح على هذا وهذا ومنهم من لا يصلح على ~~واحد منهما # PageV02P356 # والإنسان الواحد قد تجتمع له هذه الأحوال الأربعة في أوقات متعددة أو في ~~وقت واحد باعتبارها أنواع يبتلي بها # وقد جاء في الحديث المرفوع أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغني ولو أفقرته ~~لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن ~~من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك وذلك أني أدبر عبادي ~~إني بهم خبير بصير # فكما أن التنعم العاجل ليس بنعمة قي الحقيقة قد يكون في الحقيقة بلاء ~~وشرا باعتبار المعصية فيه والطاعة المتقدمة قد تكون حابطة وسببا للشر ~~باعتبار ما يعقبها من ردة وفتنة فكذلك التألم العاجل قد يكون في الحقيقة ~~خيرا ونعمة والمعصية المتقدمة قد تكون سببا للخير باعتبار التوبة والصبر ~~على ما تعقبه من مصيبة لكن تتبدل الطاعة والمعصية # وهذا يقتضي أن العبد محتاج في كل وقت إلى الاستعانة بالله على طاعته ~~وتثبيت قلبه ولا حول ولا قوة إلا بالله # PageV02P357 ### | حال الإنسان عند السراء والضراء # وذلك أن الإنسان هو كما وصفه الله بقوله تعالى ولئن أذقنا الإنسان منا ~~رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤؤس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ~~ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور وقال تعالى إلا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير # فأخبر أنه عند الضراء بعد السراء ييأس من زوالها في المستقبل ويكفر بما ~~أنعم الله به عليه قبلها وعند النعماء بعد الضراء يأمن من عود الضراء في ~~المستقبل وينسي ما كان فيه بقوله ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور على غيره ~~يفخر عليهم بنعمة الله ms337 عليه # وقال تعالى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا فأخبر أنه جزوع عند الشر لا يصبر عليه منوع عند الخير يبخل به # وقال تعالى إن الإنسان لظلوم كفار وقال تعالى إن الإنسان لربه لكنود وقال ~~تعالى إنه كان ظلوما جهولا وقال تعالى وكان الإنسان قتورا وقال وإن مسه ~~الشر فيؤوس قنوط وقال تعالى فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا # PageV02P358 ### | حال المؤمن عندهما # وقد وصف المؤمنين بأنهم صابرون في البأساء والضراء وحين البأس والصابرون ~~في النعماء أيضا بقوله تعالى إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات والصبر في ~~السراء قد يكون أشد ولهذا قال من قال من الصحابة ابتلينا بالضراء فصبرنا ~~وابتلينا بالسراء فلم نصبر # وكان النبي يستعيذ بالله من فتنة القبر وشر فتنة الغني وقال لأصحابه ~~والله ما الفقر أخشي عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من ~~كان قبلكم فتتنافسوا فيها كما تنافسوا فيها وتهلككم كم أهلكتهم # PageV02P359 # فمن لم يتصف بحقيقة الإيمان هو إما قادر وإما عاجز فإن كان قادرا أظهر ما ~~في نفسه بحسب قدرته من الفواحش والإثم والبغي والإشراك بالله والقول عليه ~~بغير علم ومن ترك القسط وترك إقامة الوجه عند كل مسجد ودعاء الله مخلصا له ~~الدين ثم يكون شرهم بحسب كل منهم من حيث نفوسهم وقدرتهم فإن العبد لا يفعل ~~إلا بقدرة وإرادة فمن كان أقدر وأفجر كان أمره أشد كفرعون وأمثاله من ~~الجبارين المتكبرين لا يصبرون عن أهوائهم ولا يتقون الله # وأما المؤمن فإنه مع قدرته يفعل ما أمر الله به من البر والتقوى دون ما ~~نهي عنه من الإثم والعدوان # ثم أولئك الذين لم يتصفوا بحقيقة الإيمان بل فيهم من الفجور كفر أو نفاق ~~أو فسوق ما فيهم إذا كانوا عاجزين عن إرادتهم لا يقدرون على أهوائهم بنوع ~~من أنواع القدرة تجدهم أذل الناس وأطوع الناس لمن يستعملهم في أغراضهم ~~وأجزع الناس لما أصابهم ذلك أنه ليس في قلوبهم من الإيمان ما يعتاضون به ms338 ~~وتستغني به نفوسهم ويصبرون به عما لا يصلح لهم # وهذه حال الأمم البعيدة عن العلم والإيمان كالترك التتار والعرب في ~~جاهليتهم فإنهم أعز الناس إذا قدروا وأذل الناس إذا قهروا # PageV02P360 # وأما المؤمنون فكما قال تعالى لهم وقد غلبوا ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين فهم الأعلون إذا كانوا مؤمنين ولو غلبوا # وقال كعب بن زهير في صفة الصحابة # ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... يوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا # ولهذا كان المشروع في حق كل ذي إرادة فاسدة من الفواحش والظلم والشرك ~~والقول بلا علم أحد أمرين إما إصلاح إرادته وإما منع قدرته فإنه إذا اجتمعت ~~القدرة مع إرادته الفاسدة حصل الشر # وأما ذو الإرادة الصالحة فتؤيد قدرته حتى يتمكن من فعل الصالحات وذو ~~القدرة الذي لا يمكن سلب قدرته يسعي في إصلاح إرادته بحسب الإمكان # فالمقصود تقوية الإرادة الصالحة والقدرة عليها بحسب الإمكان وتضعيف ~~الإرادة الفاسدة والقدرة معها بحسب الإمكان ولا حول ولا قوة إلا بالله ### | المؤمن أرجح في النعيم واللذة من الكافر في الدنيا قبل الآخرة وإن كانت # الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر # وهذا مما يظهر به حسن حال المؤمن وترجحه في النعيم واللذة على الكافر في ~~الدنيا قبل الآخرة وإن كانت الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر # PageV02P361 # فأما ما وعد به المؤمن بعد الموت من كرامة الله فإنه تكون الدنيا بالنسبة ~~إليه سجنا وما للكافر بعد الموت من عذاب الله فإنه تكون الدنيا جنة بالنسبة ~~إلى ذلك # وذلك أن الكافر صاحب الإرادة الفاسدة إما عاجز وإما قادر فإن كان عاجزا ~~تعارضت إرادته وقدرته حتى لا يمكنه الجمع بينهما وإن كان قادرا أقبل على ~~الشهوات وأسرف في التذاذه بها ولا يمكنه تركها # ولهذا تجد القوم من الظالمين أعظم الناس فجورا وفسادا وطلبا لما يروحون ~~به أنفسهم من مسموع ومنظور ومشموم ومأكول ومشروب ومع هذا فلا تطمئن قلوبهم ~~بشيء من ذلك هذا فيما ينالونه من اللذة وأما # PageV02P362 # ما يخافونه من الأعداء فهو أعظم الناس خوفا ولا عيشة لخائف ms339 وأما العاجز ~~منهم فهو في عذاب عظيم لا يزال في أسف على ما فاته وعلى ما أصابه # وأما المؤمن فهو مع مقدرته له من الإرادة الصالحة والعلوم النافعة ما ~~يوجب طمأنينة قلبه وانشراح صدره بما يفعله من الأعمال الصالحة وله من ~~الطمأنينة وقرة العين ما لا يمكن وصفه وهو مع عجزه أيضا له من أنواع ~~الإرادات الصالحة والعلوم النافعة التي يتنعم بها ما لا يمكن وصفه ### | لذات أهل البر أعظم من لذات أهل الفجور # وكل هذا محسوس مجرب وإنما يقع غلط أكثر الناس أنه قد أحس بظاهر من لذات ~~أهل الفجور وذاقها ولم يذق لذات أهل البر ولم يخبرها ولكن أكثر الناس جهال ~~كما لا يسمعون ولا يعقلون وهذا الجهل لعدم شهود حقيقة الإيمان ووجود حلاوته ~~وذوق طعمه انضم إليه أيضا جهل كثير من المتكلمين في العلم بحقيقة ما في أمر ~~الله من المصلحة والمنفعة وما في خلقه أيضا لعبده المؤمن من المنفعة ~~والمصلحة فاجتمع الجهل بما أخبر الله به من خلقه وأمره وما أشهده عباده من ~~حقيقة الإيمان ووجود حلاوته مع ما في النفوس من الظلم مانعا للنفوس من عظيم ~~نعمة الله وكرامته ورضوانه موقعا لها في بأسه وعذابه وسخطه # PageV02P363 ### | لما خاض الناس في مسائل القدر ابتدع طوائف منهم مقالات مخالفة للكتاب والسنة: # وذلك أن الناس لما خاضوا في مسائل القدر ولم يخلق الله ويأمر ونحو ذلك ~~بغير هدي من الله فرقوا دينهم وكانوا شيعا ### | بدع القدرية # فزعم فريق أنه لا يخلق أحدا من الأشخاص إلا لأجل مصلحة المخلوق ولا يأمره ~~إلا لأن أمره مصلحة له أيضا وإنما العبد هو الذي صرف عن نفسه المصلحة وفعل ~~المفسدة بغير قدرة الرب وبغير مشيئته وهم إنما قصدوا بها تنزيه الرب عن ~~الظلم والعيب ووصفه بالحكمة والعدل والإحسان لكن سلبوه علمه وقدرته وكتابته ~~وخلقه ونفوا مشيئته وعمومها # فقال قوم منهم إنه لا يعلم ولا يكتب ما يكون من العباد حتى يفعلوه # وقال آخرون بل علم ذلك وعلم أنهم لا يطيعونه ولا يفعلون ms340 إلا ما يضرهم ومع ~~هذا فقصد تعريفهم بالخلق والأمر للمنفعة الخالصة الدائمة # فقال لهم الناس من علم أن مقصوده من الخير لا يكون وقد سعي في حصوله ~~بمنتهى قدرته كان من أجهل الفاعلين وأسفههم فنزهوه عن قليل من السفه ~~بالتزام ما هو أكثر منه وزعموا أنه لا يقدر إلا على ما فعل بهم فسلبوه ~~قدرته # PageV02P364 ### | بدع طائفة من أهل الإثبات # فرد على هؤلاء من أهل الإثبات فأثبتوا عموم قدرته وعموم مشيئته وخلقه ~~وعلمه القديم وكل هذا حسن موافق للكتاب والسنة وهو مع تمام الإيمان القدر ~~بعلم الله القديم ومشيئته وخلقه وقدرته على كل شيء لكن ضموا إلى ذلك أشياء ~~ليست من السنة # فإنه من السنة أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وألا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون وأنه يأمر العباد بطاعته ومع هذا يهدي من يشاء ويضل من يشاء كما قال ~~تعالى والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم # فزعموا مع ذلك أنه يخلق الخلق لا لحكمة في خلقهم ولا لرحمته لهم بل قد ~~يكون خلقهم ليضرهم كلهم وهذا عندهم حكمة فلم ينزهوه عما نزه عنه نفسه من ~~الظلم حيث أخبر أنه إنما يجزي الناس بأعمالهم وأنه لا يزر وازرة وزر أخري ~~وأنه من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما # بل زعما أن كل مقدور عليه فليس بظلم مثل تعذيب الأنبياء والمرسلين وتكريم ~~الكفار والمنافقين وغير ذلك مما نزه الله نفسه عنه فلم يكن الظلم الذي نزه ~~الله نفسه عنه حقيقة عند هؤلاء إذ كل ما يمكن ويقدر عليه فليس بظلم فقوله ~~تعالى وما الله يريد ظلما للعباد عندهم لا يريد ما لا يكون ممكنا مقدورا ~~عليه وهو عندهم لا يقدر # PageV02P365 # على الظلم حتي يكون تاركا له وزعموا أنه قد يأمر العباد بما لا يكون ~~مصلحة لهم ولا لواحد منهم لا يكون الأمر مصلحة ولا يكون فعل المأمور به ~~مصلحة بل قد يأمرهم بما إن فعلوه كان مضرة لهم وإن لم ms341 يفعلوه عاقبهم به ~~فيكون العبد فيما يأمره به بين ضررين ضرر إن أطاع وضرر إن عصي ومن كان كذلك ~~كان أمره للعباد مضرة لهم لا مصلحة لهم # وقالوا يأمر بما يشاء وأنكروا أن يكون في الأحكام الشرعية من العلل ~~المناسبة للأحكام من جلب المنافع ودفع المضار ما تبقي الأحكام الشرعية ~~ممكنة به حتي كان منهم من دفع علل الأحكام بالكلية ومنهم من قال العلل مجرد ~~علامات ودلالات على الحكم لأنها أمور تناسب الحكم وتلائمه وهو يجوزون مع ~~هذا ألا يكون للعبد ثواب ومنفعة في فعل المأمور به لكن لما جاءت الشريعة ~~بالوعد قالوا هو موعود بالثواب الذي وعد به وربما قالوا إنه في الآخرة فقط ~~فإن الفعل المأمور به قد لا يكون فيه مصلحة للعباد ولا منفعة لهم بحال ولا ~~يكون فيه تنعم لهم ولا لذة بحال بل قد يكون مضرة لهم ومفسدة في حظهم ليس ~~فيه ما ينفعهم ومعلوم أنه إذا اعتقد المرء # PageV02P366 # أن طاعة الله ورسوله فيها أمراه به قد لا يكون فيها مصلحة له ولا منفعة ~~ولا فيها تنعم ولا لذة ولا راحة بل يكون فيها مفسدة له ومضرة عليه وليس ~~فيها إلا ألمه وعذابه كان هذا من أعظم الصوارف له عن فعل ما أمر الله به ~~ورسوله ثم إن كان ضعيف الإيمان بالوعيد والوعد ترك الدين بالكلية وإن كان ~~مؤمنا بالوعيد صارت دواعيه مترددة بين هذا العذاب وذلك العذاب وإن كان ~~مؤمنا بوعد الآخرة فقط اعتقد أنه لا تكون له في الدنيا مصلحة ولا منفعة بل ~~لا تكون المصلحة والمنفعة في الدنيا إلا لمن كفر أو فسق وعصي ### | الرد عليهم # وهذا أيضا وإن كان هو غاية حال هؤلاء فهو مما يصرف النفوس عن طاعة الله ~~ورسوله ويبقي العبد المؤمن متردد الدواعي بين هذا وهذا وهو لا يخلو من ~~أمرين إما أن يرجح جانب الطاعة التي يستشعر أنه ليس فيها طول عمره له مصلحة ~~ولا منفعة ولا لذة بل عذاب وألم بل مفسدة ومضرة وهذا لا يكاد ms342 يصبر عليه أحد # PageV02P367 # وإما أن يرجح جانب المعصية تارة أو تارات أو غالبا ثم إن أحسن أحواله مع ~~ذلك أن ينوي التوبة قبيل موته # ولا ريب إن كان ما قاله هؤلاء حقا فصاحب هذه الحال أكيس وأعقل ممن محض ~~طاعة الله طول عمره إذ أن هذا سلم من عذاب ذلك المطيع في الدنيا ثم إنه ~~بالتوبة أحبط عنه العقاب وأبدل الله سيئاته بالحسنات فصارت جميع سيئاته ~~حسنات فصار ثوابه في الآخرة قد يكون أعظم وأعظم من ثواب ذلك المطيع الذي ~~محض الطاعة ولو كان ثوابه دون ثواب ذلك لم يكن التفاضل بينهم إلا كتفاضل ~~أهل الدرجات في الجنة وهذا مما يختاره أكثر الناس على مكابدة العذاب ~~والشقاء والبلاء بطول العمر إذ هو أمر لا يصبر عليه أحد فإن مصابرة العذاب ~~ستين أو سبعين سنة بلا مصلحة ولا منفعة ولا لذة ليس هو من جبلة الأحياء إذا ~~جوزوا أن لا يكون في شيء من طاعة الله مصلحة ولا منفعة طول عمره # وهؤلاء يجعلون العباد مع الله بمنزلة الأجراء مع المستأجرين كأن الله ~~أستأجرهم طول مقامهم في الدنيا ليعملوا ما لا ينتفعون به ولا فيه لربهم ~~منفعة ليعوضهم مع ذلك بعد الموت بأجرتهم وفي هذا من تشبيه الله بالعاجز ~~الجاهل السفيه ما يجب تنزيه الله عنه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا # PageV02P368 ### | المقالة الصحيحة لأهل السنة والجماعة # والحق الذي يجب اعتقاده أن الله سبحانه إنما أرسل رسوله رحمة للعالمين ~~وان إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة عامة للخلق أعظم من إنزال المطر وإطلاع ~~البذر وإن يحصل بهذه الرحمة ضرر لبعض النفوس # ثم إنه سبحانه كما قال قتادة وغيره من السلف لم يأمر العباد بما أمرهم به ~~لحاجته إليه ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه بل أمرهم بما فيه صلاحهم ~~ونهاهم عما فيه فسادهم # وفي الحديث الصحيح حديث أبي ذر عن النبي يا عبادي إني حرمت الظلم على ~~نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ~~فاستطعموني ms343 أطعمكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا ~~عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن ~~أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقي قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ~~ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب ~~رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد يسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ~~ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط غمسة واحدة يا ~~عبادي إنما هي أعمالكم ترد عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك ~~فلا يلومن إلا نفسه # PageV02P369 ### | رفع الله الحرج عن المؤمنين # وقال تعالى في وصف النبي الأمي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم # وقال تعالى لما ذكر الوضوء ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون فأخبر أنه لا يريد أن يجعل علينا ~~من حرج فيما أمرنا به وهذه نكرة مؤكدة بحرف من فهي تنفي كل حرج وأخبر أنه ~~إنما يريد تطهيرنا وإتمام نعمته علينا # وقال تعالى في الآية الأخرى وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم فقد أخبر أنه ما جعل علينا في ~~الدين من حرج نفيا عاما مؤكدا فمن اعتقد أن فيما أمر الله به مثقال ذرة من ~~حرج فقد كذب الله ورسوله فكيف بمن اعتقد أن المأمور به قد يكون فسادا وضررا ~~لا منفعة فيه ولا مصلحة لنا ولهذا لما لم يكن فيما أمر الله ورسوله حرج ~~علينا لم يكن الحرج من ذلك إلا من النفاق كما قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ms344 ~~تسليما # PageV02P370 # وقال الله تعالى فيما أمر به من الصيام يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر فإذا كان لا يريد فيما أمرنا به ما يعسر علينا فكيف يريد ما يكون ~~ضررا وفسادا لنا بما أمرنا به إذا أطعناه فيه ### | الإيمان والطاعة خير من الكفر والمعصية للعبد في الدنيا والآخرة # ثم إنه يكون قد أخبر أن الإيمان والطاعة خير من الكفر والمعصية للعبد في ~~الدنيا والآخرة وإن كان لجهله يظن أن ذلك خير له في الدنيا كما يقوله هؤلاء ~~الذين فيهم جهل ونفاق الذين قد يقولون إن المأمور به قد لا يكون فيه للعبد ~~مصلحة ولا منفعة طول عمره بل يكون ذلك في المنهي عنه فقال تعالى كتب عليكم ~~القتال وهو كره لكم وعسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسي أن تحبوا شيئا ~~وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون # وقال تعالى عن الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان إلى قوله ~~من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون فأخبر أنهم يعلمون أن هذه ~~الأمور لا تنفع بعد الموت بل لا يكون لصاحبها نصيب في الآخرة وإنما طلبوا ~~بها منفعة الدنيا وقد يسمون ذلك العقل المعيشي أي العقل الذي يعيش به ~~الإنسان في الدنيا عيشة طيبة فقال تعالى ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من ~~عند الله خير لو كانوا يعلمون فاخبر أن أولياءه الذين آمنوا وكانوا يتقون ~~ينبههم على # PageV02P371 # أن في ذلك ما هو خير لهم مما طلبوه في الدنيا لو كانوا يعلمون فيحصل لهم ~~في الآخرة من الخير الذي هو المنفعة ودفع المضرة ما هو أعظم مما يحصلوه ~~بذلك من خير الدنيا # كما قال تعالى وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب ~~برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ثم قال ولأجر الآخرة خير للذين ~~آمنوا وكانوا يتقون # وقال تعالى وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في ~~أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم ms345 الله ثواب الدنيا ~~وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين # وقال عن إبراهيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين # وقد قال تعالى ما يبين به أن فعل المكروه من المأمور خير من تركه في ~~الدنيا أيضا قال تعالى ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ~~دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ~~وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما # PageV02P372 # وهذا في سياق حال الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان ~~أن يضلهم ضلالا بعيدا وهؤلاء منافقون من أهل الكتاب # والمشركون حالهم أيضا شبيه بحال الذين نبذوا كتاب الله وراءهم ظهريا ~~كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان فإن أولئك عدلوا ~~عما في كتاب الله إلى اتباع الجبت والطاغوت والسحر والشيطان وهذه حال الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب الذين يؤمنون بالجبت والطاغوت وحال الذين يتحاكمون ~~إلى الطاغوت من المظهرين للإيمان بالله ورسله فيها من حال هؤلاء # والطاغوت كل معظم ومتعظم بغير طاعة الله ورسوله من إنسان أو شيطان أو شيء ~~من الأوثان # وهذه حال كثير ممن يشبه اليهود من المتفقهه والمتكلمة وغيرهم ممن فيه نوع ~~نفاق من هذه الأمة الذين يؤمنون بما خالف كتاب الله وسنة رسوله من أنواع ~~الجبت والطاغوت والذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير كتاب الله تعالى وسنة ~~رسوله # وقال تعالى وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم # PageV02P373 # ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أي هؤلاء لم يقصدوا ~~ما فعلوه من العدل عن طاعة الله ورسوله إلى اتباع ما اتبعوه من الطاغوت إلا ~~لما ظنوه من جلب منفعة لهم ودفع مضرة عنهم مثل طلب علم وتحقيق كما يوجد في ~~صنف المتكلمة ومثل طلب أذواق ms346 ومواجيد كما يوجد في صنف المتعبدة ومثل طلب ~~شهوات ظاهرة وباطنة كما يوجد في صنف الذين يريدون العلو والذين يتبعون ~~شهوات الغي # قال تعالى ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا أي ضلوا عن مطلوبهم الذي ~~هو جلب المنفعة ودفع المضرة فإن ذلك إنما هو في طاعة الله ورسوله دون اتباع ~~الطاغوت فإذا عاقبهم الله بنقيض مقصودهم في الدنيا فأصابتهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم قالوا ما أردنا بما فعلناه إلا إحسانا أي أردنا الإحسان إلى نفوسنا ~~لا ظلمها وتوفيقا أو جمعا بين هذا وهذا لتجتمع الحقائق والمصالح # قال تعالى أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم من الاعتقادات الفاسدة ~~والإرادات الفاسدة الظن وما تهوي الأنفس فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا # ثم قال تعالى وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا ~~انفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا # PageV02P374 # رحيما فدعاهم سبحانه بعد ما فعلوه من النفاق إلى التوبة وهذا من كمال ~~رحمته بعباده يأمرهم قبل المعصية بالطاعة وبعد المعصية بالاستغفار وهو رحيم ~~بهم في كلا الأمرين بأمره لهم بالطاعة أولا برحمته وأمرهم بالاستغفار من ~~رحمته فهو سبحانه رحيم بالمؤمنين الذين أطاعوه أولا والذين استغفروه ثانيا # فإذا كان رحيما بمن يطيعه والرحمة توجب إيصال ما ينفعهم إليهم ودفع ما ~~يضرهم عنهم فكيف يكون المأمور به مشتملا على ضررهم دون منفعتهم ### | معنى المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مماته # وقوله فجاؤوك المجيء إليه في حضوره معلوم كالدعاء إليه وأما في مغيبه ~~ومماته فالمجيء إليه كالدعاء إليه والرد إليه قال تعالى وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول وقال تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول وهو الرد والمجيء إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة وكذلك ~~المجيء إليه لمن ظلم نفسه هو الرجوع إلى ما أمره به فإذا رجع إلى ما أمره ~~به فإن الجائي إلى الشيء في حياته ممن ظلم نفسه يجيء إليه داخلا ms347 في طاعته ~~راجعا عن معصيته كذلك في مغيبه ومماته # واستغفار الله موجود في كل مكان وزمان وأما استغفار الرسول فإنه أيضا # PageV02P375 # يتناول الناس في مغيبه وبعد مماته فإنه أمر بأن يستغفر للمؤمنين ~~والمؤمنات وهو مطيع لله فيما أمره به والتائب داخل في الإيمان إذ المعصية ~~تنقص الإيمان والتوبة من المعصية تزيد في الإيمان بقدرها فيكون له من ~~استغفار النبي بقدر ذلك # فأما مجيء الإنسان إلى الرسول عند قبره وقوله استغفر لي أو سل لي ربك أو ~~ادعو لي أو قوله في مغيبه يا رسول الله ادع لي أو استغفر لي أو سل لي ربك ~~كذا وكذا فهذا لا أصل له ولم يأمر الله بذلك ولا فعله واحد من سلف الأمة ~~المعروفين في القرون الثلاثة ولا كان ذلك معروفا بينهم ولو كان هذا مما ~~يستحب لكان السلف يفعلون ذلك ولكان ذلك معروفا فيهم بل مشهورا بينهم ~~ومنقولا عنهم فإن مثل هذا إذا كان طريقا إلى غفران السيئات وقضاء الحاجات ~~لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على فعله وعلى نقله لا سيما فيمن كانوا أحرص ~~الناس على الخير فإذا لم يعرف أنهم كانوا يفعلون ذلك ولا نقله أحد عنهم علم ~~أنه لم يكن مما يستحب ويؤمر به # PageV02P376 # بل المنقول الثابت عنه ما أمر الله به النبي من نهيه عن اتخاذ قبره عيدا ~~ووثنا وعن اتخاذ القبور مساجد # وأما ما ذكره بعض الفقهاء من حكاية العتبي عن الأعرابي الذي أتي قبر ~~النبي وقال يا خير البرية إن الله يقول ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم وإني قد ~~جئت وأنه رأي النبي في المنام وأمره أن يبشر الأعرابي فهذه الحكاية ونحوها ~~مما يذكر في قبر النبي وقبر غيره # PageV02P377 # من الصالحين فيقع مثلهما لمن في إيمانه ضعف وهو جاهل بقدر الرسول وبما ~~امر به فإن لم يعف عن مثل هذا لحاجته وإلا اضطرب إيمانه وعظم نفاقه فيكون ~~في ذلك بمنزلة المؤلفة بالعطاء في حياة النبي كما قال إني لأتألف رجالا بما ~~في قلوبهم من الهلع والجزع وأكل ms348 رجالا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغني ~~والخير مع أن أخذ ذلك المال مكروه لهم فهذه أيضا مثل هذه الحاجات # وأما المشروع الذي وردت به سنته فهو دعاء المسلم ربه متوسلا به لا دعاؤه ~~في مماته ومغيبه وهو أن يفعل كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن ~~النبي علم رجلا أن يقول اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ~~يا محمد يا نبي الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي # PageV02P378 # ليقضيها اللهم شفعه في وذلك أن الله يقول من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ~~وقال تعالى ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ثم قال تعالى فلا وربك لا ~~يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما # فأقسم بنفسه على أنه نفى إيمان من لم يجمع أمرين تحكيمه فيما شجر بينهم ~~ثم أن لا يجد في نفسه حرجا وهذا يوجب أنه ليس في أمره ونهيه ما يوجب الحرج ~~لمن امتثل ذلك فإن حكمه لا بد فيه من أمر ونهي وإن كان فيه إباحة أيضا فلو ~~كان المأمور به والمنهي عنه مضرة للعبد ومفسدة وألما بلا لذة راجحة لم يكن ~~العبد ملوما على وجود الحرج فيما هو مضرة له ومفسدة ### | على المؤمن أن يحب ما أحب الله ويبغض ما أبغضه الله ويرضى بما قدره الله # ولهذا لم يتنازع العلماء أن الرضا بما أمر الله به ورسوله واجب محبب لا ~~يجوز كراهة ذلك وسخطه وأن محبة ذلك واجبة بحيث يبغض ما أبغضه الله # PageV02P379 # ويسخط ما أسخطه الله من المحظور ويحب ما أحبه ويرضى ما رضيه الله من ~~المأمور # وإنما تنازعوا في الرضا بما يقدره الحق من الألم بالمرض والفقر فقيل هو ~~واجب وقيل هو مستحب وهو أرجح والقولان في أصحاب الإمام احمد وغيرهم وأما ~~الصبر على ذلك فلا نزاع أنه واجب # وقد قال تعالى في الأول ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا ~~وإن ms349 لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون # فجعل من المنافقين من سخط فيما منعه الله إياه ورسوله وحضهم بأن يرضوا ~~بما آتاهم الله ورسوله والذي آتاه الله ورسوله يتناول ما أباحه دون ما حظره ~~ويدخل في المباح العام ما أوجبه وما أحبه # وإذا كان الصبر على الضراء ونحو ذلك مما أوجبه الله واحبه كما أوجب الشكر ~~على النعماء وأحبه كان كل من الصبر والشكر مما يجب محبته وعمله فيكون ما ~~قدر للمؤمن من سراء معها شكر وضراء معها صبرا خيرا له كما قال النبي لا ~~يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن أن أصابته ~~سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان # PageV02P380 # خيرا وإذا له وإذا كان خيرا فالخير هو المنفعة والمصلحة الذي فيه النيعم ~~وال كما تقدم # فيكون كل مقدور قدر للعبد إذا عمل فيه بطاعة الله ورسوله خيرا له وإنما ~~يكون شرا لمن عمل بمعصية الله ورسوله ومثل ذلك فهو بحسبه ونيته بلاء قد ~~يعمل فيه بطاعة الله وقد يعمل فيه بمعصية الله فلا يوصف بواحد من الأمرين ### | ### | فصل # ### | جميع الحركات ناشئة عن الإرادة والاختيار # وإذا كان كل حركة في الوجود فلا تخلو من أن تكون إرادية أو طبعية أو ~~قسرية وتبين أن الطبيعة والقسرية فرع وتبع للإرادية فثبت أن جميع الحركات ~~ناشئة عن الإرادة والاختيار وذلك يبطل أن يضاف خلق شيء من المخلوقات إلى ~~الطبع الذي في الأجسام مثل أن يكون الخالق للأجنة في الأرحام هو طبع أو ~~الخالق للنبات هو طبع لأن الطبع لا يكون مبدءا لحركة # PageV02P381 # الجسم وانتقال أصله إلا إذا أخرج عن طبعه بغير طبعه كما يجمع بين الأجسام ~~بالمزج والخلط فتنتقل عن مراكزها ومحالها المخالف لمقتضي طبعها وعند ~~التحقيق يعود الطبع إلى أنه ليس فيها سبب للحركة عن حالها وسكونها فيكون ~~الطبع بمنزلة السكون وعدم الحركة ms350 أو أمرا وجوديا منافيا للحركة فالحركة ~~الواردة عليها مخالفة له والطبع جمود وهي تنتقل عن إرادة وحركة فعلم بطلان ~~إصابة شيء من الحوادث العرضية عن مجرد الطبع الذي في الموات فكيف بالحوادث ~~الجوهرية # والإرادة والاختيار مستلزمة للحياة والعلم كما أن الحياة أيضا مستلزمة ~~للعلم وللإرادة بل وللإرادة والحركة كما قرر ذلك عثمان بن سعيد وغيره من ~~أئمة السنة # PageV02P382 # وكما أن الحركة مستلزمة للإرادة والحياة فالحياة أيضا مستلزمة للحركة ~~والإرادة ولهذا كان أعظم آية في القرآن الله لا إله إلا هو الحي القيوم ~~فالاسم الحي مستلزم لصفاته وأفعاله وهو من أعظم البراهين العقلية على ثبوت ~~صفات الكمال والمصحح لها والمستلزم ثبوتها ونفي نقيضها كالعلم والكلام ~~والسمع والبصر وغير ذلك كما هو مبين في موضعه ### | فصل # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصاري أولياء ~~بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين فتري الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشي أن تصيبنا ~~دائرة فعسي الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في ~~أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم ~~عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين # PageV02P383 # يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين ~~آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ### | أصل الموالاة الحب وأصل المعاداة البغض # وأصل الموالاة هي المحبة كما أن أصل المعاداة البغض فإن التحاب يوجب ~~التقارب والاتفاق والتباغض يوجب التباعد والاختلاف وقد قيل المولي من الولي ~~وهو القرب وهذا يلي هذا أي هو يقرب منه # والعدو من العدواء وهو البعد ومنه العدوة والشيء إذا ولي الشيء ودنا منه ~~وقرب إليه اتصل به ms351 كما أنه إذا عدي عنه ونأي عنه وبعد منه كان ماضيا عنه # فأولياء الله ضد أعدائه يقربهم منه ويدنيهم إليه ويتولاهم ويتولونه ~~ويحبهم ويرحمهم ويكون عليهم منه صلاة وأعداؤه يبعدهم ويلعنهم وهو إبعاد منه ~~ومن رحمته ويبغضهم ويغضب عليهم وهذا شأن المتوالين والمتعادين فالصلاة ضد ~~اللعنة والرحمة والرضوان ضد الغضب والسخط والعذاب ضد النعيم # قال تعالى في حق الصابرين أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون # PageV02P384 # وقال تعالى في حق المنافقين عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم ~~وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا # وقال تعالى في حق المجاهدين يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها ~~نعيم مقيم # وقال تعالى في قاتل المؤمن متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه وأعد له عذابا عظيما # والمتلاعنان يقول الرجل في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ~~وذلك يكون قاذفا وقد قال تعالى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ~~لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم وتقول المرأة في الخامسة أن غضب ~~الله عليها إن كان من الصادقين لأنه إذا كان صادقا كانت زانية فاستحقت ~~الغضب الذي هو ضد الرحمة ولهذا قال تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر فنهي عن الرأفة بهما في دين الله # والمؤمن يغار والله يغار وغيرة الله أعظم كما قد استفاض عن النبي في ~~الصحيح من غير وجه أنه قال لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن # PageV02P385 # وفي بعض الأحاديث الصحاح لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته ~~وفي بعضها إن الله يغار وغيرته أن يأتي العبد ما حرم عليه # والغيرة فيها من البغض والغضب ما يدفع به الإنسان ما غار منه فالزنا وإن ~~كان صادرا عن الشهوة والمحبة منهما أو من أحدهما فإن ذلك مقابل بضرورة ~~التنزه عن الفواحش والتورع عن المحرمات فأمر ms352 الله أن # PageV02P386 # لا تأخذنا بهما رأفة في دين الله فنهانا عن أن تكون منا رأفة تدفع العذاب ~~عنهما فضلا عن أن يكون محبة لذلك الفعل ولهذا أخبرنا به بأنه لا يحب ذلك ~~أصلا فقال تعالى إن الله لا يأمر بالفحشاء وما لا يأمر به لا أمر إيجاب ولا ~~أمر استحباب لا يحبه قال لوط عليه السلام إني لعملكم من القالين والقلي ~~بغضه وهجره والأنبياء أولياء الله يحبون ما يحب الله ويبغضون ما يبغض # وربما قيل القلي أشد البغض فالله سبحانه يبغض ذلك وهو سبحانه يبغض كل ما ~~نهي عنه كما أنه يحب كل ما أمر به بل الغيرة مستلزمة لقوة البغض إذ كل من ~~يغار يبغض ما غار منه وليس كل من يبغض شيئا يغار منه فالغيرة أحض وأقوي # ولا ريب أن المرأة المزوجة الزانية استحقت الغضب لشيئين لأجل ما في الزنا ~~من التحريم ولأنها اعتدت فيه على الزوج فأفسدت فراشة ولهذا كان للزوج إذا ~~قذف امرأته ولم يأت بأربعة شهداء أن يلاعنها لما له في ذلك من الحق ولأنه ~~مظلوم إذا كان صادقا وعليه في زناها من الضرر ما يحتاج إلى # PageV02P387 # دفعه بما شرعه الله كالمقذوف الذي له أن يستوفي حد القذف من القاذف الذي ~~ظلمه في عرضه فكذلك الزوج له أن يستوفي حد الفاحشة من البغي الظالمة له ~~المعتدية عليه كما قال النبي ص في حق الرجل على امرأته وأن لا يوطئن فرشكم ~~من تكرهونه فلهذا كان له أن يقذفها ابتداء وقذفها إما مباح له وأما واجب ~~عليه إذا احتاج إليه لنفي النسب ويضطرها بذلك إلى أحد أمرين إما أن تعترف ~~فيقام عليها الحد فيكون قد استوفي حقه وتطهرت هي أيضا من الجزاء لها ~~والنكال في الآخرة بما حصل وإما أن تبوء بغضب الله عليها وعقابه في الآخرة ~~الذي هو أعظم من عقاب الدنيا فإن الزوج مظلوم معها والمظلوم له استيفاء حقه ~~إما في الدنيا وإما في الآخرة قال الله تعالى # PageV02P388 # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ms353 إلا من ظلم بخلاف غير الزوج فإنه ليس ~~له حق الافتراش فليس له قذفها ولا أن يلاعن إذا قذفها لأنه غير محتاج إلى ~~ذلك مثل الزوج ولا هو مظلموم في فراشها لكن يحصل بالفاحشة من ظلم غير الزوج ~~ما لا يحتاج إلى اللعان فإن في الفاحشة إلحاق عار بالأهل والعار يحصل ~~بمقدمات الفاحشة # فإذا لم تكن الفاحشة معلومة بإقرار ولا بينة كان عقوبة ما ظهر منها كافيا ~~في استيفاء الحق مثل الخلوة والنظر ونحو ذلك من الأسباب التي نهي الله عنها ~~وهذا من محاسن الشريعة # وكذلك كثيرا ما يقترن بالفواحش من ظلم غير الزانيين فإن إذا حصل بينهما ~~محبة ومودة فاحشة كان ذلك موجبا لتعونهما على أغراضهما فيبقى كل منهما يعين ~~الآخر على أغراضه التي يكون فيها ظلم الناس فيحصل العدوان والظلم للناس ~~بسبب اشتراكهما في القبيح وتعاونهما بذلك على الظلم كما جرت العادة في ~~البغي من النساء والصبيان أن خدنه أو المسافح به يحصل له منه من الإكرام ~~والعطاء والنصر والمعاونة ما يوجب استطالة ذلك الفاجر بترك حقوق الخلق ~~والعدوان عليهم # PageV02P389 # وأيضا فإن محبته له قد تحمل الطالب الراغب على أخذ أموال الناس بغير حق ~~ليعطيه ذلك وتحمله أيضا على ترك حقوق الناس وقطيعة رحمه لأجل ذلك الشخص ~~فإنه لا يمكن الجمع بين الأمرين ويحمله أيضا على الانتصار له بالعدوان # ففي الجملة المحبة توجب موافقة المحب للمحبوب فإذا كانت المحبة فاسدة لا ~~يحبها الله ولا يرضاها إذا لم يتعد ضررها للاثنين تكون العقوبة لهما حقا ~~لله لكن هي في الغالب بل في اللازم يتعدى ضررها إلى الناس فإن كل واحد من ~~الشخصين عليه حقوق للناس وهو ينهى عن العدوان عليهم فإذا تحابا وتعاونا لم ~~يتمكن كل منهما من القيام بحقوق الناس واحتاج إلى أن يعتدي عليهم # ولا ينبغي للإنسان أن يعتبر بظاهر ما يقال إن الإنسان إذا فعل فاحشة فإن ~~الإثم عليه خاصة وليس ذلك بظلم للغير فإن ذلك إنما هو في الفاحشة المحضة ~~مثل الزنا المحض الذي لم ms354 يتعلق به حق الغير فإما زنا الزوجة ففيه ظلم ~~بالاتفاق كما بيناه # وكذلك المحبة والعشق الفاسد فإن هذا أعظم ضررا من الزنا مرة واحدة # PageV02P390 # فإن الرجل إذا زنا مرة أو مرتين حصل غرضه وكذلك المرأة ثم إنه قد يكون ~~بعوض من أحدهما للآخر وقد لا يكون فربما كان فيه ظلم للغير # وأما المحبة والعشق فإن ذلك مستلزم للعدوان على غيرهما في العادة فإن ~~المحبة توجب أن يعطي المحبوب من المنافع والأموال ما يوجب حرمان الغير ~~والعدوان عليه ويوجب من الانتصار للمحبوب والدفع عنه ما فيه أيضا ترك حق ~~الغير والعدوان عليه ألا تري أن الرجل إذا أحب غير امرأته أو المرأة إذا ~~أحبت غير زوجها قصر كل منهما في حقوق الآخر واعتدي عليه بل إذا أحب الرجل ~~امرأة أو صبيا قصر في حقوق أهله وأصدقائه ممن له عليه حق بل وظلمهم أيضا ~~كما يظلم غيرهم لأجله وهذا سوى ما في ذلك من حق الله الذي يوجب غليظ عقابه ~~وإن كان الرجل العاقل قد يقوم من الحقوق بما يمكن ويدع الظلم بحسب الإمكان ~~إلا أن هذا مظنة وسبب لذلك وهذا مما يوجب تحير الرجل وتردده وتلومه إلى ~~الحق تارة وإلى الباطل أخرى وهذا مرض عظيم كما ذكر الله تعالى ذلك في قوله ~~فيطمع الذي في قلبه مرض وأما ما في ذلك من ظلم كل منهما لنفسه ولخدنه فذاك ~~ظاهر لكنهما ظلما أنفسهما فهما الظالمان المظلومان وأما الغير فظلماه بغير ~~رضاه ولا اختياره # وكذلك ما تفضي إليه هذه المحبة الباطلة من ظلم كل منهما للآخر إما بقتله ~~وإما بتعذيبه بغير الحق وإما منعه من الاتصال بالناس وفعل ما يختار # PageV02P391 # من مصلحة وغيرها ففيها هذه المفاسد كلها وأكبر منها لكن ذلك ظلم منهما ~~لأنفسهما مبدؤه المحبه الفاسدة # ولهذا أمر سبحانه أن لا تأخذنا بهما رأفه في دين الله فإن الرأفة والرحمة ~~توجب أن توصل للمرحوم ما ينفعه وتدفع عنه ما يضره وإذا رأف بهما أحد لأجل ~~ما في قلوبهما من الشهوة والمحبة وغير ms355 ذلك وترك عذابهما كان ذلك جالبا لما ~~يضرهما ودافعا لما ينفعهما فإن ذلك مرض في قلوبهما والمريض الذي يشتهي ما ~~يضره ليس دواؤه إعطاءه المشتهي الضار بل دواؤه الحمية وإن آلمته وإعطاؤه ما ~~ينفعه وتعويضه عن ذلك الضار بما أمر مما لا يضر # فهكذا أهل الشهوات الفاسدة وإن أضرمت قلوبهم نار الشهوة ليس رحمتهم ~~والرأفة بهم تمكينهم من ذلك أو ترك عذابهم فإن ذلك يزيد # PageV02P392 # بلاءهم وعذابهم والحرارة التي في قلوبهم مثل حرارة المحموم متي مكن ~~المحموم مما يضره ازداد مرضه أو انتقل إلى مرض شر منه # فهذه حال أهل الشهوات بل تدفع تلك الشهوة الحلوة بضدها والمنع من ~~موجباتها ومقابلتها بالضد من العذاب المؤلم ونحوه الذي يخرج المحبة من ~~القلب كما قيل # فإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب # فإذا كان يحصل بالمحبة ونيل الشهوة أمر مما يزيد ألمه على لذتها انكفت ~~النفس وكذلك إذا حصل بدله أمر لذيذ أطيب منه اغتاظت النفس فاللذيذ يترك لما ~~يرجح عليه من لذيذ وأليم كما أن الأليم محتمل لما يرجح عليه من لذيذ وأليم ~~وإذا تكافئا تقابلا فلم يغلب أحدهما الآخر بل تبقي الأمور على ما هو عليه ~~إذا استوت الدواعي والصوارف واحتمال الأليم وفوت اللذيذ وإن كان فيه مرارة ~~فذلك يدفع به ما هو أمر منه ويجلب به ما هو أرجح منه من الحلو # ولكن هذا من محبة بني آدم وفتنتهم التي لا بد منها وهي محالفة الأهواء ~~فلا تقوم مصلحة أحد من بني آدم بدون ذلك أبدا لا مصلحة دنياه ولا مصلحة ~~دينه كما قال إبراهيم الحربي أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك ~~بالنعيم ولا بد من الصبر في جميع الأمور قال تعالى والعصر إن # PageV02P393 # الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر # فلا بد من التواصي بالحق والصبر إذ أن أهل الفساد والباطل لا يقوم باطلهم ~~إلا بصبر عليه أيضا لكن المؤمنون يتواصون بالحق والصبر وأولئك يتواصون ms356 ~~بالصبر على باطلهم كما قال قائلهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء ~~يراد # فالتواصي بالحق بدون الصبر كما يفعله الذين يقولون آمنا بالله فإذا أوذي ~~أحدهم في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله والذين يعبدون الله على حرف فإن ~~أصاب أحدهم خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا ~~والآخرة # والتواصي بالصبر بدون الحق كقول الذين قالوا أن امشوا واصبروا على آلهتكم ~~كلاهما موجب للخسران وإنما نجا من الخسران الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وهذا موجود في كل من خرج عن هؤلاء من أهل ~~الشهوات الفاسدة وأهل الشبهات الفاسدة أهل الفجور وأهل البدع # وما ذكرناه من أن المحبة الفاسدة توجب ظلم المتحابين لأنفسهما # PageV02P394 # ولغيرهما موجود في كل محبة يبغضها الله كمحبة الأنداد والشركاء من دونه ~~قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله وقال تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم وكمحبة أهل ~~الشهوات لجنس الفواحش ومحبة أهل الظلم والقائلين على الله ما لا يعلمون فإن ~~المحبة توجب تعاون المتحابين واتفاقهما فلا بد أن يبغضا ويعاديا من يبغض ~~ذلك منهما ويخالفهم فيه # ومعلوم أن كل مؤمن فإنه يبغض ما يبغضه الله ويحب ما يحبه الله فلا بد أن ~~يكون التحاب الذي يبغضه الله موجبا لنوع بغض المؤمنين بحسبه ### | فصل ### | تقسيم العلم إلى فعلي وانفعالي # قد كتبت في غير هذا الموضع أن الناس وإن تنازعوا في العلم هل هو صفة ~~إنفعالية تابعة للمعلوم كما قد يطلقه كثير من أهل الكلام أو هو صفة فعلية ~~مؤثرة في المعلوم كما يقوله طوائف من المتفلسفة # فإن الصواب أنه ينقسم إلى النوعين جميعا فمنه ما هو تابع للمعلوم غير ~~مؤثر فيه بحال وهو العلم النظري القولي الخبري المحض كعلمنا بما لا تأثير ~~لنا في وجوده كالعلم بالخالق سبحانه وتعالى وملائكته وكتبه وأنبيائه وسائر ~~مخلوقاته # ومنه ما هو فعلي له تأثير في المعلوم كعلمنا بأفعالنا الاختيارية وما ~~يترتب عليها ms357 من حصول منفعة ودفع مضرة # PageV02P395 # وهذا التقسيم ثابت في علم الله تعالى فإنه يعلم نفسه ويعلم مخلوقاته أيضا ~~والأول علم بموجود والثاني علم بمقصود # لكن العلم بالموجود المستغني عن أفعالنا يتبع العلم به حبه تارة وبغضه ~~أخري فيكون العلم به سببا لأفعال لنا متعلقة به فيكون هذا العلم الانفعالي ~~فعليا مؤثرا من هذا الوجه وعلمنا بالحسنات والسيئات التي في أفعال غيرنا من ~~هذا الوجه ### | علم الرب بأفعال عباده الصالحة والسيئة يستلزم حبه للحسنات وبغضه للسيئات # وعلم الرب سبحانه بأفعال عباده الصالحة والسيئة مستلزم أيضا حبه للحسنات ~~وبغضه للسيئات والعلم بالمقصود من أفعالنا وإن كان مؤثرا في المعلوم وهو ~~سبب في حصوله فلا يكون إلا بعد علم بأمور موجودة أوجب قصدا أو اختيارا لتلك ~~الأفعال فإن الفعل الاختياري يتبع الإرادة والإرادة تتبع المراد فلا بد أن ~~يتصور الفاعل المراد قبل قصد الفعل الذي هو سبب إليه كما يقال آخر الفكرة ~~أول العمل وتسمي العلة الغائية فلا بد من تصور ذلك المراد وأن يكون ما ~~يترتب على الفعل من لذة تجلب منفعة وتدفع مضرة فاللذة مشروطة بالإحساس ~~باللذيذ والإنسان لا يفعل ابتداء لطلب لذيذ إلا أن يكون قد أحسه قبل ذلك ~~فأحبه واشتهاه واشتاق إليه وذلك علم بأمر موجود تابع للمعلوم تبعه علم بأمر ~~مقصود تابع للعلم وإن كانت اللذة # PageV02P396 # قد تحصل ابتداء لا عن شوق كمن يذوق الشيء الطيب الذي لم يكن يعرفه فيحبه ~~بعد ذلك لكن هذا لم يتقدم منه طلب وفعل في حصول هذا المحبوب بخلاف من ذاقه ~~ابتداء فأحبه ثم سعي في تحصيل نظائر ما حصل له ابتداء # فقد تبين أن كلا العلمين الفعلي والانفعالي مستلزم للآخر وكذلك علم الرب ~~سبحانه وتعالى بنفسه مستلزم لعلمه بصفاته وافعاله ومفعولاته وهو سبحانه ~~يحمد نفسه ويثني عليها فلا نحصي ثناء عليه بل هو كما أثني على نفسه وعلمه ~~بأفعاله ومفعولا ته مستلزم لعلمه بنفسه وعلمه بالمخلوقات وأفعالها يتبعه ~~حبه وبغضه وأمره ونهيه وعلمه بما يفعله بعباده من ثواب وعقاب وغير ذلك ms358 تابع ~~لعلمه بما هي عليه وقد تكلمنا على نحو هذا في غير هذا الموضع # وإنما المقصود في هذا المكان أن هذا التقسيم الوارد في العلم يرد نحوه في ~~الإرادة والمحبة ونحو ذلك ### | الإرادة والمحبة ينقسمان أيضا إلى فعليتين وانفعاليتين # فإن الإرادة والمحبة تنقسم أيضا إلى فعلية مؤثرة في المراد المحبوب وهي ~~إرادة الفعل وحبه وإن كان المراد المحبوب تابعا مفعولا معدوما وقد ظن بعض ~~الناس أن الإرادة والمحبة ليست إلا هذا النوع حتي قال لا تتعلق الإرادة ~~والمحبة إلا بالمعدوم دون الموجود وبالمحدث دون القديم وهذا قول طوائف من ~~أهل الكلام وأكثر هؤلاء هم أكثر القائلين بأن العلم لا يكون إلا انفعاليا # PageV02P397 # فيجعلون العلم لا يتعلق في الحقيقة إلا بمعلوم متبوع كالموجود ويجعلون ~~الإرادة لاتتعلق إلا بمراد تابع كالمفعول المعدوم # وتنقسم إلى انفعاليه تابعه للمراد المحبوب ليست مؤثرة في وجوده أصلا بل ~~يكون المحبوب المراد موجودا بدون الإرادة وإنما يحب المحب ذلك الموجود ~~ويريده ويقال في كثير من أنواع ذلك يهواه ويعشقه ونحو ذلك من العبارات # وهذا القسم في الحقيقة هو الأصل في القسم الأول كما قد تكلمنا عليه في ~~بعض القواعد المتقدمة من سنين وذكرنا أن العلم والإرادة إنما يتعلق أولا ~~بالموجود وأن تعلقه بالمعدوم تابع لتعلقه بالموجود وذكرنا أن الإنسان لا ~~يحب الشيء ويريده حتى يكون له به شعور أو إحساس أو معرفة ونحو ذلك ويكون مع ~~ذلك بنفسه إليه ميل وفيها له حب وكل واحد من هاتين الفرقتين في فطرته ~~وجبلته المعرفة والمحبة ولهذا كان كل مولود يولد على الفطرة فطرة الإسلام ~~وهي عبادة الله وحده وأصل ذلك معرفته ومحبته والنفس لا تحس العدم المحض ~~وإنما تعرف العدم بنوع من القياس المقدر على الوجود كما يقدر في نفسه جبل ~~ياقوت وبحر زئبق فنزل ذلك مما علمه من الجبل ومن الياقوت ثم ينفي # PageV02P398 # ذلك المقدر في ذهنه أن يكون موجودا في الخارج وهو لم يحكم على نفيه حتى ~~صار موجودا في نفسه وجودا تقديريا ### | الحب يتبع الإحساس والإحساس ms359 يكون بموجود لا بمعدوم # فإذا كان الحب يتبع الإحساس والإحساس لا يكون إلا بموجود ما فإن ما يحب ~~لا يكون إلا بموجود وأيضا فإن الإحساس لا يكون أولا إلا لموجود فكذلك الحب ~~في نفسه لا يكون إلا لموجود أو محبوب وإن كان يحب وجود المعدوم فهو لاشيء ~~وما ليس بشيء لا يكون محبوبا وإن كان يحب وجود المعدوم ويريده فلا بد أن ~~يكون قبل ذلك قد ذاقه والتذ به موجودا حتى أحبه بعد ذلك أو ذاق والتذ ~~بنظيره أو بما يشبهه كما ذلك في العلم وهذا مذكور في غير هذا الموضع # ولا يرد على هذا ما يوجد من بكاء الصبي حين يولد قبل أن يذوق طعم اللبن ~~فإذا ذاق اللبن التذ به وسكن فإن الصبي قبل ذوقه اللبن لم يكن يحبه ويشتهيه ~~ولكن يجد ألم الجوع فيبكي من ذلك الألم فلما ذاق اللبن ووجد لذته وأنه أذهب ~~ألم الجوع أحبه من حينئذ صار يشتهيه ويحبه وهكذا كل # PageV02P399 # من جاع فإنه لا يشتهي شيئا معينا إلا أن يكون ذاقه قبل ذلك ولكن يجد طلبا ~~لما يزيل به ألم الجوع ولهذا إذا حضر عنده ماقد ذاقه قبل ذلك ومالم يذقه ~~قبل ذلك اشتاق إلى الأول وأحبه وكان شوقه إلى الثاني ومحبته إياه مشروطا ~~بذوقه إياه وسماع وصفه ممن يخبره فإن سماع الوصف يورث المحبة والشوق كما ~~يورث العلم كما قيل # والأذن تعشق قبل العين أحيانا # لكون النفس ذاقت طعم الحب لما هو من نظير لذلك أو شبيه به ولو من وجه ~~بعيد فكما أن الشيء لا يتصور إلا بعد الحس به أو بما فيه شبه به من بعض ~~الوجوه فكذلك لا يحب كذلك ### | الأمور الغائبة لا تعرف ولا تحب وتبغض إلا بنوع من القياس والتمثيل # ولهذا ضربت الأمثال للتعريف والترغيب والترهيب فإن الأمور الغائبة عن ~~المشاهدة والإحساس لا تعرف وتحب وتبغض إلا بنوع من التمثيل والقياس سواء ~~كان الغائب أكمل في الصفات المطلوبة المشتركة كالموعود به من أمر الجنة ~~والنار وكما يصف ms360 به الرب نفسه سبحانه وتعالى أو ما كان دون ذلك كما مثل من ~~الأمور بما هو أكمل منه # ومن هنا ضل من ضل من الصابئة المتفلسفة ومن أضلوه من أهل الملل حيث ظنوا ~~أن ما وصف الله به من الجنة والنار إنما هي أمثال مضروبة لتفهيم المعاد ~~الروحاني من غير أن تكون حقائق وضل من رد عليهم من نفاة أهل الكلام كما # PageV02P400 # أصاب الفريقين مثل ذلك في أمر النفس الناطقة حيث تقابلوا بالنفي والإثبات ~~وحيث اتفق الفريقان على مثل هذا الضلال في صفات ذي الجلال فخاضوا في باب ~~الإيمان بالله واليوم الآخر خوضا ليس هذا موضع بسط الكلام فيه وإن كان كل ~~ذي مقالة فلا بد أن تكون في مقالته شبهة من الحق ولولا ذلك لما راجت ~~واشتبهت # وإن كانت الإرادة والمحبة تنقسم إلى متبوعة للمراد تكون له كالسبب الفاعل ~~وإلى تابعة للمراد يكون هو لها كالسبب الفاعل وتكون عنه كالمسبب المفعول ~~وهذا هو الأصل # وإذا علم أن جميع حركات العالم صادرة عن محبة وإرادة ولا بد للمحبة ~~والإرادة من سبب فاعل يكون هو المحبوب المراد علم بذلك أنه لا بد لجميع ~~الحركات من إله يكون المعبود المقصود المراد المحبوب لها وأنها دالة على ~~الإله الحق من هذا الوجه وأنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وهذا غير ~~هذا الوجه الذي دلت منه على ربوبيته وقد بسطنا الكلام على ذلك في مواضع ~~متعددة إذ هو أجل العلم الإلاهي وأشرفه وإنما كان المقصود هنا التنبيه على ~~أن الإرادة نوعان كالعلم والله أعلم PageV02P401 ms361