######OpenITI# #META# comp: 1 #META# الكتاب: جواب الإعتراضات المصرية علي الفتيا الحموية #META# digitization_comments: ((نسخة محولة بواسطة القارئ الآلي، وتم مراجعتها مراجعة مبدئية، وليست نهائية؛ ولذا وجب التنبيه وبخاصة في الآيات القرآنية والأرقام والجداول!)) #META# الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع #META# authinf: ابن تيمية، تقي الدين (661 - 728 ه، 1263 - 1328 م). ¶ تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي. ¶ • شيخ الإسلام في زمانه وأبرز علمائه، فقيه أصولي ومفتي الدين الحصيف وصاحب الآثار الكبرى في علوم الدين والفكر الإسلامي. ولد بحران بتركيا، ورحل إلى دمشق مع أسرته هربا من غزو التتار. وتلقى العلم على والده وعلى مشايخ دمشق وظهرت عليه علامات النجابة منذ نعومة أظفاره، فكان قوي الذاكرة سريع الحفظ. نهل من منهج النبوة، حتى آلت إليه الإمامة في العلم والعمل سنة 720 ه. ¶ • كان من أشد مفكري الإسلام نقدا للفلسفة وعلم الكلام، ودعا إلى وضع العقل بعد النقل وليس قبله. وقد صنف كتابا ضخما سماه درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول رد فيه على شطحات الفلاسفة، وفند فيه دعاوى أهل الفرق الضالة حسب رأيه واجتهاده، ودافع فيه عن المنطق الفطري، وهو المنطق السليم، منطق القرآن الكريم. وفي كتابه الرد على المنطقيين حمل على دعوى أتباع أرسطو من المنطقيين الذين ذهبوا إلى أن المفاهيم التي ليست بديهية لاتدرك إلا بالحد (الدليل) بحجة أنها لما كانت غير بديهية كان لابد لها من دليل، وإلا كانت دعوتهم باطلة، وبين ابن تيمية أن تحديد المفاهيم تكتنفه الصعاب، وحتى من دافع عن المنطق من أهل الفلسفة وعلم الكلام، اضطر إلى التسليم بصعوبة تحديد الجنس أو الفصل الخاص، الذي يقوم عليه التعريف، ونسبه ابن تيمية إلى اختلاف الناس في سرعة إدراك الحد الأوسط في القياس مثل حيوان يمشي على أربع، والكلب حيوان، الكلب يمشي على أربع، فالحد الأوسط هنا وهو الكلب حيوان لا يحتاج إليه الذكي، ولا يستفيد منه الغبي. والنتيجة تحصيل حاصل. وانتقد كذلك نظريات البرهان عند أرسطو باعتبار أن البرهان يتناول الكليات الذهنية، في حين أن الكائنات موجودات جزئية، ولذلك فالبرهان لايؤدي إلى معرفة إيجابيته بالكائنات بشكل عام وبالله بشكل خاص. ¶ • ذهب ابن تيمية إلى مصر فسجن بها، ورجع إلى دمشق، وجاهد ضد التتار وحبسه السلطان لفتواه عن طلاق الثلاث، وتحرش به علماء دمشق عند السلطات ليوقعوا به، فحبس ثانية في قلعة دمشق ومات فيها. وخرجت البلدة على بكرة أبيها تشيع جنازته. ¶ • كان ابن تيمية صالحا مصلحا، داعيا إلى الإصلاح والعودة إلى القرآن والسنة، وكان ذا باع طويل في اللغة العربية وعلومها، وفي مختلف العلوم. تربو مصنفاته على ثلاثمائة مجلد في علوم الإسلام المختلفة من أهمها: اقتضاء الصراط المستقيم في الرد على أهل الجحيم؛ السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية؛ الصارم المسلول على شاتم الرسول؛ الواسطة بين الخلق والحق؛ العقيدة التدمرية؛ الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان؛ العقيدة الواسطية؛ بيان الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن؛ تفسير سورة البقرة؛ درء تعارض العقل والنقل؛ منهاج السنة النبوية؛ مجموعة الفتاوى. ¶ • خالف بعض الأئمة والعلماء بعض آراء ابن تيمية وفتاويه وردوا عليه. ومن هؤلاء العلماء: صفي الدين الهندي وتقي الدين السبكي وشمس الدين الذهبي وابن حجر العسقلاني والعز بن جماعة وبدر الدين محمد بن إبرهيم بن جماعة وغيرهم. ¶ نقلا عن ¶ الموسوعة العربية العالمية http://www.mawsoah.net #META# ad: 728 #META# bkord: 12314 #META# المؤلف: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (661 - 728 ه) #META# تحقيق: محمد عزير شمس #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: جواب الإعتراضات المصرية علي الفتيا الحموية ¶ منظمة المؤتمر الإسلامي - مجمع الفقه الإسلامي - جدة ¶ مطبوعات المجمع ¶ آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (16) ¶ المؤلف: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (661 - 728 ه) ¶ تحقيق: محمد عزير شمس ¶ عدد المجلدات: 1 ¶ إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد ¶ تمويل: مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية ¶ الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع ¶ __________ ¶ ((نسخة محولة بواسطة القارئ الآلي، وتم مراجعتها مراجعة مبدئية، وليست نهائية؛ ولذا وجب التنبيه وبخاصة في الآيات القرآنية والأرقام والجداول!)) #META# bkid: 38455 #META# عدد المجلدات: 1 #META# higrid: 728 #META# iso: جواب الاعتراضات المصريه علي الفتيا الحمويه ت شمس ط عالم الفوائد #META# archive: 19 #META# max: 227 #META# تمويل: مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية #META# cat: كتب ابن تيمية #META# authno: 54 #META# إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد #META# idx: 1 #META# auth: ابن تيمية #META# bk: جواب الإعتراضات المصرية علي الفتيا الحموية - ت شمس - ط عالم الفوائد #META# Lng: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# PageV01P002 ~~بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ### | AUTO فصل # قال المعترض: وأما الجواب (1) عن الاحاديث بعد المطالبة # بصحتها فمن وجوه: # أحدها: أنها أخبار احاد، لا تفيد العلم بل تفيد الظن، لما عرف في # ا لأصول. # والثاني: أنها ليست نصوصا في ذلك، بل هي ظاهرة قابلة للتاويل. # والوجه الثالث: قد تاول السلف كثيرا منها ومن الآيات، وذن لنا # في التأويل ابن عباس - وهو حبر هذه الأمة وترجمان القرآن - في غير ما # ابة، وقال (2): اذا خفي عليكم شيء من القران فابتغوه في الشعر، فانه # ديوان العرب. قال في قوله: < يوم يكشف عت ساق) [القلم/ 42]: أما # سمعتم قول العرب: قامت الحرب [بنا] على ساق (3). PageV01P003 # والوجه الرابع: عارضتها الادلة العقلية فيجب تأويلها، والله لا # يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا يحل فيه حادث ولا يحل هو في حادث، # وعند ذلك يستحيل وصفه بالتحيز والاتصال بالمحدودات. وقال تعالى: # # [اخر/ 4]، وقال: < هذا بيان للناس) [ال عمران / 138]. ولو خاطبهم # بلفظ لم يفهموا معناه لم يكن ذلك بيانا. وقد امتن عليهم في غير موضع # بكونه أرسله بلسان عربي وأنه يسره (1) عليهم بذلك، فقال: < إنا انزلته # قرءانا عربيا لعلي تعقلون *> [يوسف/ 2]، فهل يعقلونه إذا لم يعرفوا # اللفظ؟ وكذلك: < فانما لمئزنه بلسانك لعفهم يتذ! رون!) [الدخان/ # 58]، فكيف يتذكر من لا يفهم الكلام؟ قال: < ولؤ جعلته قرءانا أتجمئ! تقالو # لولا فصلت ءايط- ء لمجى وعربئ) [فصلت/ 44] أي أقرآن اعجمي ونبي # عربي أو مخاطب عربي! فدل على أنه فصل اياته، والتفصيل التبيين # المنافي للاجمال، فلو كانت اياته مجملة لم يفهم معناها لم تكن آياته قد # فصلت، والتفصيل إنما يكون للبيان والتمييز الذي يزول معه الاشتباه # والاشتراك والاجمال ms005 المنافي لفهم المراد بالخطاب، وإن كان المعني # المفهوم قد يحصل بينه وبين معنى آخر مشابهة ومشاركة تمنع إدراك # حقيقته التي لا تفهم بمجرد اللفط. وقد قال الله تعالى: < وماعلى ألرسوه # إلا اكبلغ البرن *> [العنكبوت/ 18]، واذا كان المخاطبون لم يفهموا # معنى كلامه لم يكن قد بلغهم بلاغا مبينا، ومن قال ذلك فلم يشهد له # بالبلاغ. # وهذا حال هؤلاء الذين يزعمون أنه لم يعرف من جهته معاني # القران، فإنهم يقولون: لم يبين ولم يبلغ، وان كانوا يقولون ما يستلزم PageV01P011 ~~ذلك ولم يفهموه، ففيهم من يعرف أنه حقيقة قولهم ويقول: إن معاني # هذه الالفاظ لم يبينها، إما لان المصلحة كانت كتمانها، واما لانه هو لا # يعرفها. فمن الزنادقة من يقول هذا، ومنهم من يقول هذا. # وأما الذين شاهدوه فقد شهدوا له بالبلاع، ونحن نشهد بما شهد به # إخواننا الذين سبقونا بالايمان، فانه بلغ البلاع المبين، وعبد الله حتى أتاه # اليقين، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين. ولهذا قال أبو عبدالرحمن # الشلمي أحد أكابر التابعين: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن من # أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - - عثمان بن عفان وعبدالله بن مسعود ~~وغيرهما - أنهم # كانوا إذا تعلموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر اياب لم يجاوزوها ~~حتى يتعلموا ماقيها # من العلم والعمل (1). # وإذا علم أن الصحابة أخذوا عن الرسول لفط القران ومعناه، بل # كانوا ياخذون عنه المعاني مجردة عن ألفاظه بألفاظ أخر، كما قال # جندب بن عبدالله البجلي وعبدالله بن عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا # القران، فازددنا إيمائا (2). فكان يعلمهم الايمان، وهو المعاني التي نزل # بها القران من المأمور به والمخبر عنه المتلمى بالطاعة والتصديق، وهذا # حق، فان حفاظ القران كانوا أقل من عموم المؤمنين، فعلم أن بيان # معانيه لهم كان أعم من بيان ألفاظه. # ومن هذا الباب صاروا يروون عنه الاحاديث التي ليست ألفاظها PageV01P012 ~~ألفاظ القرآن، لانه قد كان يبين لهم معاني كثيرة بغير ألفاظ القران، # وذلك هو حديثه. فإذا كان الصحابة قد تلموا عن نبيهم لفظ القرآن ومعناه # لم يحتاجوا ms006 بعد ذلك إلى لغة أحد، فالمنقول عن الصحابة من معاني # القران كان في ذلك كالمنقول عنهم من حروقه سواء بسواء، وإن تنازع # بعضهم في بعض معانيه فذلك كما قد يتنازعون في بعض حروفه، وكما # قد تنازعوا في بعض السنة لخفائها عن بعضهم، إذ لم يكن كل منهم تلقى # من نفس الرسول جميع القرآن وجميع السنة، بل كان بعضهم يبلغ بعضا # القرآن لفظه ومعناه، والسنة، كما قال البراء بن عازب: ليس كل ما # نحدثكم سمعناه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن كان لا يكذب بعضنا # بعضا (1). ولهذا ما يذكره ابن عباس من الحديث في القرآن والسنة تارة # يذكر من سمعه من الصحابة، وتارة يرسله، لكثرة من سمعه منه، وبعض # ذلك قد سمعه منه، فاما ما كان قبل الهجرة من أمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه # وما نزل فيه من القرآن من ذلك فلم يشهده، فان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- توفي وابن # عباس مراهق، وكان عند الهجرة صغيرا جدا. # الوجه الثاني: أن الله تعالى أنزل على نبيه الحكمة كما أنزل عليه # القرآن، وامتن بذلك على المؤمنين، ومر أزواجه بذكر ذلك، وقد بلغ # ذلك الصحابة كما بلغهم القرآن، فلا يحتاجون في ذلك إلى أحد. # والحكمة هي السنة كما قال ذلك غير واحد من السلف، وذلك أنه قال: # < واذ! رت ما يتك فى بيوبجن من ءايخت الله والخ! مة) [الاحزاب / # 34]، فما يحلى غير القران في بيوتهن هو السنة، إذ المراد بالسنة هنا هو ما # أخذ عن الرسول سوى القرآن، كما قال في غير حديث: " ألا إني أوتيت PageV01P013 ~~الكتاب ومثله معه " (1) وفي لفظ: "ألا إنه مثل القران وأكثر". ولهذا ذم # المتخلف عن طلب السنة المكتفي بالقران فقال: " لا ألفين أحدكم متكئا # على أريكته ياتيه الامر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا # وبينكم هذا القران، فما وجدنا من حلال أحللناه، وما وجدنا من حرام # حرمناه، ألا واني أوتيت الكتاب ومثله معه" (2). وهذا المعنى قد # استفاض عنه من وجوه ms007 متعددة من حديث المقدام بن معدي كرب وأبي # ثعلبة الخشني وبي هريرة وبي رافع وغيرهم، وهو من مشاهير أحاديث # السنن والمساند المتلقاة بالقبول عند أهل العلم. # الوجه الثالث: أن بعض الناس لو قرأ مصنفات الناس [في] الطب # والنحو والفقه والأصول، أو لو قرأ بعض قصائد الشعر، لكان من # أحرص الناس على فهم معنى ذلك، ولكان من أثقل الامور عليه قراءة # كلام لا يفهمه. فاذا كان السابقون يعلمون أن هذا كلام الله وكتابه الذي # أنزل إليهم وهداهم به ومرهم باتباعه، أفلا يكونون من أحرص الناس # على فهمه ومعرفة معناه، من جهة العادة العامة وعادتهم الخاصة، ومن # جهة دينهم وما مرهم الله به من ذلك؟ ولم يكن للصحابة كتاب يدرسونه # وكلالم محفوظ يتفهمون فيه يكتبونه إلا القران. لم يكن الامر عندهم مثل PageV01P014 ~~ماهو في المتأخرين أن قوما يقرأون القرآن ولا يفهمونه، وآخرون # يتفهمون في كلام آخرين، وآخرون يشتغلون بعلوم أخر، بل كان القراء # عندهم أهل العلم المحفوظ، وذلك اسم معروف لهم. وهذا مما يوجب # العلم بحرصهم على فهم معناه، واذا كانوا حراصا والرسول بين أظهرهم # فمن الممتنع أن يكونوا يرجعون إلى غيره في بيان معانيه وتفصيل مجمله # وبيان متشابهه، فعلم أنهم أخذوا عن الرسول بيان معاني آيات القران # التي يقال: إنها مشكلة أو مجملة. # الوجه الرابع: أن أصحابه المعروفين هم الذين نزل القران بلغتهم، # فان لغات العرب وان اشتركت في جنس العربية فبينها افتراق في مواضع # كثيرة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما خاطب أهل اليمن كتب إليهم بلغة ~~هي غريبة # بالنسبة إلى لغة قريش، والقران نزل بلغة قريش ونحوهم من أهل # الحاضرة والبادية، وأولئك هم خواصق أصحابه، فلا يحتاجون في معرفة # لغتهم وعادتهم في خطابهم إلى شعر شاعر غيرهم، فصلا عمن يكون # حدث بعدهم. # الوجه الخامس: أن الصحابة سمعوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~الاحاديث # الكثيرة، ورأوا منه من الاحوال، وعلموا بقلوبهم من الامور ما يوجب # لهم من فهم ما أراد بكلامه ما يتعذر على من بعدهم. فليس من ms008 سمع # ورأى وعلم حال المتكلم كمن كان غائبا، ولم ير ولم يسمع منه، ولكن # علم بعض أحواله وسمع بواسطة. وإذا كان الصحابة سمعوا لفظه وفهموا # معناه كان الرجوع إليهم في ذلك واجبا متعينا، ولم يحتج مع ذلك إلى # غيرهم. ولهذا قال الامام أحمد (1): أصول السنة عندنا التمسك بما كان PageV01P015 ~~عليه أصحاب رسول الله! لجؤ. ولهذا كان اعتقاد الفرقة الناجية هو ما كان # عليه وصحابه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفة الفرقة ~~الناجية: "هو ما كان # على مثل ما أنا عليه وأصحابي "، أو قال: "ما أنا عليه اليوم # وأصحابي " (1). # فثبت بهذه الوجوه القاطعة أن الرجوع في تفسير القران (2) - الذي # هو تاويله الصحيح المبين لمراد الله تعالى به - إلى الصحابة هو الطريق # الصحيح المستقيم، ون ما سواه إما ن يخطىء بصاحبه، وإما أن يكون # دونه في الإصابة. ولهذا نص الامام أحمد على أنه يرجع إلى الواحد من # الصحابة في تفسير القران إذا لم يخالفه منهم أحد (3). ثم من أصحابه من # يقول: هذا قول واحد، وان كان في الرجوع في الفتيا في الاحكام إليه # روايتان. ومنهم من يقول: الخلاف في الموضعين واحد (4). # ثم نعلم أن الصحابة إذا كانوا حفظوا فالتابعون لهم بإحسان الذين # أخذوا عنهم وتلقوا منهم لا يجوز أن يكونوا عدلوا في ذلك عما بلغهم # إياه الصحابة، لا يجوز ذلك في العادة العامة، ولا في عادة القوم وما # عرف من عقلهم ودينهم، مع ما علموه من وجوب ذلك عليهم في # دينهم. فإذا كان هذا يوجب الرجوع إلى الصحابة والتابعين فكيف PageV01P016 ~~بالاحاديث الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # وأما] لطريق الثاني فمن وجوه: # أحدها: أن نقول: [من] لم يرجع إلى الصحابة والتابعين في نقل # معاني القران وما [يراد] بها كما رجع إليهم في نقل حروفه وإلى لغتهم # وعادتهم في خطابهم، فلابد أن يرجع في ذلك إلى لغة مأخوذة عن # غيرهم، لان فهم الكلام موقوف على معرفة اللغة، وغايته أن يباشر عربا # غيرهم، فيسمع لغتهم ويعرف مقاصدهم، ويقيس معاني ms009 ألفاظ القران # على معاني تلك الالفاظ. وهذا إنما يصح إذا سلم اللفط من كلام العربي # هذا ويسلم في القران أيضا من احتمال المعاني المختلفة لمجاذي # واشتراك، والا فمتى كان اللفط من أحدهما دون الاخر دالا على معنى # اخر بطريق الاشتراك والمجاز لم يكن المراد من أحد المتكلمين به مثل # المراد به من المتكلم الاخر، فغايته فيه القياس، وهو موقوف على اتحاد # معنى اللفظين. # ثم من المعلوم أن جنس ما دل على القران ليس من جنس ما # يتخاطب به الناس في عادتهم، وإن كان بينهما قدر مشترك، فان الرسول # جاءهم بمعان غيبية لم يكونوا يعرفونها، ومرهم بأفعال لم يكونوا # يعرفونها، فاذا عبر عنها بلغتهم كان بين ماعناه وبين معاني تلك الالفاظ # قدر مشترك، ولم تكن مساوية لها، بل تلك الزيادة التي هي من # خصائص النبوة لا تعرف إلا منه. فعلم أن عامة من ياخذ معاني القران # من اللغة التي سمعها من العرب العرباء وباشرهم فيها أن يكون قائسا # قياسا يحتمل الضد، ون يكون ما فاته من الفارق أعظم مما أدركه # بالجامع، وهذا برهان واضح، ولهذا كانوا يقولون ماذكره عبدالرزاق في # 17 PageV01P017 ~~تفسيره (1) عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه # العرب من كلامها، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعذر أحد بجهله، # وتفسير لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه فقد كذب. # الوجه الثاني: أن الدرجة الثانية أن يسمع اللغة ممن نقل الالفاظ عن # العرب نظما ونثرا، وكل ما تعتري نقل الحديث من الافات فهو هنا أكثر، # وهذا أمر معلوم لمن كان خبيرا بالواقع، فيكون نقل ألفاظ اللغة ثم معرفة # مرادهم من تلك الالفاظ يرد عليه أكثر مما يرد على معرفة مراد الرسول، # لان معرفة مراد الرسول توفرت عليها الهمم والدواعي، وصانه الله فهو # محفوظ بحفظ الله ئم بالعادة العامة والخاصة، أكثر من معرفة مراد شاعير # مادح أو راث أو هاج أو مشبب أو واصف ناقة أو امرأة أو فلاة أو مفتخر. # الوجه الثالث: أن الدرجة الثالثة أن يسمع ms010 اللغة ممن سمع الالفاظ، # وذكر أنه فهم معناها من العرب، كالاصمعي فيما سمعه من الاعراب # وذكر أنه فهم معناه. ومن هذا الباب كتب اللغة التي (2) يذكرون فيها # معاني كلام العرب بألفاظ المصنفين، ومعلوم أن هذا يرد عليه (3) أكثر # مما يرد على من سمع الكلام النبوي من صاحبه وقال: إنه فهم معناه، # وبينه لنا بعبارته. # الوجه الرابع: أن ينقل له كلام هؤلاء الذين ذكروا أنهم سمعوا كلام # العرب، ومن المعلوم أنه يرد على هذا من الاسولة أكثر مما يرد على نقل PageV01P018 ~~الحديث. # الوجه الخامس: ان الدرجة الخامسة أن يعلم اللغة بقياس نحوي أو # تصريفيئ قد يدخله تخصيص! لمعارض راجح، وقد يكون فيه فرو لم # يتفطن له واضع القياس القانوني. ومن المعلوم أن هذا يرد عليه أكثر مما # يرد على من تعلم المعاني الشرعية من القواعد الكلية التي وضعها # الفقهاء. # واذا كان الامر كذلك فمن لم يأخذ معاني الكتاب والسنة من # الصحابة والتابعين ومن أخذ عنهم لم يكن له طريق أصلا إلا ما يرد عليه # من الافات أضعاف ما يرد على هذه الطريق، فلا يجوز له ترجيح غيرها # عليها، فيكون أحد الامرين لازما له: # إما أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويعدل عن الطريق # التي فيها من العلوم اليقينية والامور الايمانية والاعتقادات الراجحة # والظنون الغالبة ما لا يوجد في غيرها إلى ماهو دونها في ذلك كله، بل # يستبدل باليقين شكا وبالظن الراجح وهما، ويستبدل بالايمان كفرا # وبالهدى ضلالة، وبالعلم جهلا، وبالبيان عيا، وبالعدل ظلما، # وبالصدق كذبا، وبالايمان بكتب الله وبكلماته تحريفا عن مواضعها. # واما أن يعرض عن ذلك كفه، ولا يجعل للقرآن معنى مفهوما، وقد # قال الله تعالى: < إنا أنزلانة قرانا عربيا لعلي تعقلون! > 1 يوسف/ 2] فلا # يعقله، وقال: < أفلا يتدف! ون القران > 1 النساء/ 82] قلا يتدبره، وقال: # <ئذجمومءايخته ولشذكرأولوا لالبنى!) [ص/ 29]. فلا يتدبر ولا يتذكر، # وقال: < وطك لأمثل نضربها لذاسعلى وما يعقلها إلا آلعلموبن!) # 1 العنكبوت/ 43] فلا يكون من العالمين العاقلين لها. واذا سلك هذا # 19 PageV01P019 ~~المسللش استطار شرره ms011 وتعدى ضرره، فيلزم تعطيل معاني الكتاب والسنة # وفتور الرسالة، إذ الرسول الذي لم يبين بمنزلة عدم الرسول، والكلام # الذي بلغه الرسول ولم يعقل معناه يدخل في حد الاصوات المسموعة # التي ليس فيها حروف مبينة للمعاني. # وقد ذم الله تعالى من كان حاله في كتابه هكذا، وجعلهم كفارا # بمنزلة الاموات، وحمد من سمع كلامه فعقله ووعاه، وجعل ذلك صفة # المؤمن الحي، فقال: < ومثل لذين صفرواكمثل الذى يخق بما لا ي! مئمع لا # دعآ ونداج! م لبهئم عئى فهم لا ينقلون! > [البقرة/ 171]، وقال تعالى: # < والذيف ذاذئحروا ئايت ربهؤ لؤيخزوا لخهاصضاوعضياصنا!) [الفرقان / # 73] وقال تعالى: < أفلا يدئرون لمرةان أ! على قلوب أقفالها > 1 محمد/ # 24]، وقال تعالى: [1 لبقرة / 78]، < وما لهم بذ لك من عفو) [الجاثية / 4 2]. # ومما يجب أن يعلم أن من أعظم أبواب الصد عن سبيل الله واطفاء # نور الله والالحاد في ايات الله وإبطال رسالة الله دعوى كون القرآن لا يفهم # معناه، ولا طريق لنا إلى العلم بمعناه، أو لا سبيل إلى ذلك إلا الطرق # الظنية. ولهذا يسلك هذا الطريق من نافق هنا من المتكلمة والمتفلسفة # ونحوهم، فانهم إذا انسد عليهم باب الرسالة والاخذ منها رجع كل منهم # إلى ما يوحيه الشيطان إليه، <وإن لنظ ليوصن الى+ أوليايهز # ليخدلوكئم وإن أطعتموهم ئكخ لمشركون!) [الاتعام/ 1 2 1]. # ثم القرآن إما أن يحرفوه، فيكونون في معناه منافقين يظهرون # الإيمان بلفظه وهم بمعناه كافرون، واما أن يعرضوا عن معناه فيكونوا به # كافرين، كما قال تعالى: < هاما ياتينيم متي هدى فمن آتبع هداى فلا # يضل ولا لمجثئقئ! ومق أغرض عن ذتحري فان ل! معيشة ضن! ص ونخمرلم يوم # لقيمة أغمح! قال رب لم حمثرتنى أعمى والد كنت بص! ا! قال كذلك [نتك # ءايختنا فنسينها وكذلك أئيوم ننسى!) [طه/ 123 - 126]. والنسيان تركها # والاعراض عنها، وكذلك ترك استماعها وترك تدبرها وفهمها، وترك # الايمان بها والعمل بها، كل ذلك من نسيانها. وقراءة مجرد حروقها # وحفظه أو استماع مجرد صوت القارىء بها لا يمنع النسيان المذموم، # فلابد من الايمان الذين يتضمن معرفتها والعمل بها، وهذا وإن لم يكن # واجبا على ms015 كل أحد قي كل اية على سبيل التفصيل، لكن الايمان بالله # 24 PageV01P024 ~~أوجب مجموع هذا على مجموع الامة. # فمن كان يرى أن الذي أمر الله به [إما] ن تكون الامة كلها أمية لا # تعقل معاني الكتاب، واما أن يكون فيها من يحرفه بالتأويلات المبتدعة، # فهو ممن يدعو إلى الاعراض عن معاني كتاب الله ونسيانها. ولهذا صار # هؤلاء ينسون معانيه حقيقة كما ينسى اللفظ، فلا يخطر بقلوبهم المعنى # الذي أراده الله ولا يتفكرونه، وهذا نسيان حقيقي لمعاني كتاب الله، وإن # كان فيهم من يحفط حروفه. # ولهذا قال النبي! ييه في الحديث الذي رواه الترمذي والدارمي (1) # وغيرهما: "هذا أوان يقبض العلم "، فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله! # كيف يقبض وقد قرأنا القران، فوالله لنقرأله ولنقرئنه أبناءنا ونساءنا، # فقال: "إن كنت لاحسبك من أفقه أهل المدينة، أو ليست التوراة # والانجيل عند اليهود والنصارى فما أغنت عنهم؟ إ". بين! ي! أن وجود # الكتب المسطورة والحروف المسموعة المقروءة بالاصوات المسموعة # لا تغني من العلم شيئا إذا لم يقترن بها فهمه وفقهه ومعرفته. # ولهذا قال عبدالله بن مسعود: "إنكم في زمان كثير فقهاوه قليل # قراوه - وفي رواية: كثير فقهاوه قليل خطباوه -كثير معطوه قليل سائلوه، # وسيأتي عليكم زمان كثير قراوه وخطباوه قليل فقهاوه قليل معطوه كثير # سائلوه " (2). فبين أن الزمان المحمود هو الذي يكون [فيه] فقهاء يفقهون # معاني القراءة والخطاب، أما كثرة من يقرأ القول ويتكلم بالخطاب بلا PageV01P025 ~~فقه فان ذلك مذموم، ذكر هذا في نعت أبناء الدين، ثم قال في نعت أبناء # الدنيا: إن المحمود كثرة المعطي وقلة السائل، لا كثرة السائل وقلة # المعطي. فعلم أن ما أوجب ترك فقه القران فهو مذموم، فكيف بما # أوجب تحريفه وتبديله! # واعلم أنه لما حرف من حرف من المنتسبين إلى العلم كثيرا من # معاني القرآن، وجعلوا ذلك هو فقهه وفهمه ومعرفة معانيه في أصول # دينهم وفروعه، ووضعوا من الكلام الذي ابتدعوه والكتب التي (1) كتبوها # بأيديهم، وجعلوها مأمورا بها من عند الله أو مأثورة من عندالله، وكثر # هؤلاء ms016 وكبر أمرهم = صار آخرون من المؤمنين الذين علموا بطلان ما # ابتدعوه وتحريم ما قالوه وكتبوه ينهون عن ذلك كما أمر الله ورسوله، # وينهونهم عما ابتدعوه من التأويل الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه، # ويقولون: هذا بدعة وضلالة، ولسلف لم يتأولوا هذه التأويلات، ورأى # أولئك أن في هذه التأويلات من الفساد، ما لا تقبله العقول والقلوب، # [و] من الاختلاق ما يوجب الافتراق والشقاق. وضعف أولئك المؤمنون # عن تحقيق الإيمان بمعاني القران، إما في بواطنهم لما عارضوهم يه من # الشبهات، واما في ظواهرهم لما قاموا به من المجادلات والمجالدات، # أحلد الفريقان إلى الطريقة الامية المتضمنة الإعراض عن معاني كثير من # القران، وصار ممن يرى هذه الفتن والافتراق يصد قلبه عن تدتر القران # وفهمه ومعرفة الحديث وعلمه، < واذا قيل لهخ تعالؤ المت ما أنزل ألله # ولى الرسول رأيت المتفقين يصدون عنث صدو؟ ا! > [النساء/ 61] # خوفا من شبهات المنافقين التي يوحيها شياطين إنسهم وجنهم لى قلبه، PageV01P026 ~~أو خوفا منهم في الظاهر. # وهذا الثاني يعذر، وما الاول فلا يعذر، إذ يجب على المومن # الايمان في قلبه في كل حال، ويكون في المنكر كما قال النبي لمجيم: " من # رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع # فبقلبه، وذلك أضعف الايمان " (1). وكيف ينكر المنكر بقلبه من لا يعرف # أنه منكر، فالعلم قبل الحب والبغض، والايمان بالقران لفظه ومعناه # واجب، ومحبة لفظه ومعناه واجب، وانكار ما خالفه ولو بالقلب # واجب، لكن يعذر المومن بعجزه. فالقلب كالبدن، فمن عجز عن # معرفته فهو كالعاجز عن حفط حروفه، ويسقط عنه خطاب الايمان # بذلك، ويخاطب به القادرون، لكن لا يكاد يعجز مثل هذا أن يعلم أي # القولين أو القائلين أولى بالايمان بالده ورسولي، فعليه أن يكون مع أهل # الايمان بحسب إيمانهم، وان ابتلي بمخالفة الفاجر خالفه. # وهذا الذي ذكرته بين لمن تدبره، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فان الله # تعالى إنما أنزل كتابه ليعقل و! يحدبر، وتتبع المعاني أشرف من الالفاظ # والكمال المقصود بالالفاظ، وهي معها كالارواح ms017 مع الأجساد، فاللفظ # بلا معنى جسم بلا روع، ومن لم يعلم من الكلام إلا لفظه فهو مثل من # لم يعلم من الرسول إلا جسمه، ومن لم [يعلم] من الصلاة إلا حركة البدن # بالقيام والقعود والركوع والسجود. ولهذا قال تعالى: ا لاية [البقرة / 177]، وقد روي في حديث ان # النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "انما هلك بنو إسرائيل حين شهدت ~~اجسادهم وغابت PageV01P027 ~~-، () 1 # بهم ". ولهذا قال الله تعالى: < ان فى ذلك لذتحرى لمن كان لو ققمث او # القى المئقع وهو شهعد!) [ق/ 37]، قالوا: شاهد القلب غير غائبه. # ولهذا ذم العلماء الراسخون والمؤمنون الصادقون من اقتصر في # إعجاز القران على مافيه من الاعجاز من جهة لفظه أو تأليفه أو أسلويه، # وقالوا: هذا وان كان معجزا فنسبته الى ما في معانيه من الاعجاز نسبة # الجسد إلى الروج، ومحاسن الخلق الى محاسن الخلق، وهو يشبه من # عظم النبي ع! يم بمحاسن خلقه وبدنه، ولم يعلم ما شرف الله به قلبه الذي # هو أشرف القلوب ونفسه التي هي أزكى النفوس، من الامور التي تعجز # القلوب والالسنة عن كمال معرفتها وصفتها، كما قال ابن مسعود (2): # "إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير القلوب، فاصطفاه # لرسالته، ثم نظر في قلوب أصحابه بعد قلبه، فوجد قلوبهم خير # القلوب، فاختارهم لصحبة نبيه واقامة ديبه ". وأظنه فيه أو قي غيره (3): # " فما راه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما راه المسلمون سيئا فهو # عند الله سيء". وقال (4): "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، PageV01P028 ~~فان الحي لا تومن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد! ي! أبر هذه الامة # قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبئه واقامة # دلنه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي # المستقيم ". # وهذا القدر الذي ذكرناه - من أن المقصود بالقران معانيه ومن ذ م # المعرض عن معناه - هو أجل في نفسه وأظهر معرفة من أن يحتاج إلى # بسط، فاذا كان كذلك فمن ms018 أعرض عن معناه بالكلية فهو معرض عن البر # المقصود منه، ومن أعرض عن معاني كثير منها فهو معرض عن كثير # منه، فاذا كان يامر بذلك الاعراض ويرغب فيه فهو أمر بالاعراض عن # القران وأمر بنسيانه وتركه، ومعلوم أن هذا كفر صريح. واذا كان يقول: # إنه ليس بمعرض عن معناه، ويتأوله على غير تأويله، ويقول: هذه # معانيه، ويأتي بمعان تضاد معانيه، فهو منافق كاذب، بمنزلة من يقول: # أنا ؤمن بحروفه، وأتى بكلام ليس هو القران وقال: هذا هو القران، فهو # منافق كاذب، ولهذا كان أضر وأخبث، فان الاول بمنزلة الكافر المعرض # عن المسلمين، والثاني بمنزلة المنافق الذي أظهر الايمان وفعل في # المسلمين ما ينافي الايمان. # ولهذا كان مبدأ هذه البدع الكبار -مثل الرفض والتجهم ونحو # ذلك - من منافقين زنادقة أبطنوا الكفر وأظهروا الاسلام، وجاء في # الحديث من غير وجه: "إن أخوف ما خاف عليكم زكة عالم، وجدال # منافق بالقران، وأئمة مضلون " (1). وهذه الثلاثة تتفق في الامور الخبرية PageV01P029 ~~والعلمية جميعا، فان الامور الخبرية قد يزذ بعض العلماء فيها بالتأويل # الذي هو تفسير اية أو حديث، أو في الحكم على مضمون ذلك باثبات أو # نفي يخالف مضمون النمن، وهذا كثير. وقد كان كثير من أهل البدع # منافقين حقيقة، يجادلون الناس بالقران ويفسدونه بالتأويلات التي # ابتدعوها، ويؤيدون مقاييسهم الفاسدة بشواهد ذلك من غريب اللغة # ونادرها. # والأئمة المضفون من الأمراء ولعلماء والمشايخ والملوك، الامرون # بخلاف ما أمر الله به ورسوله، والناهون (1) عما أمر الله به ورسوله، # والمخبرون (2) بخلاف ما أخبر الله به ورسوله، ففيهم الكذب في خبرهم # والظلم في امرهم وعلمهم، ولهذا قال فيهم النبي ع! يم في الحديث الذي # رواه أهل السنن (3) أنه قال لكعب بن عجرة: "أعيذك بالثه من إمارة # السفهاء"، قال: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: " أمراء يكونون من بعدي، # من دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وعانهم على ظلمهم فليسوا مني # ولست منهم، ولن يردوا علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم # يصذقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني، ويردون علي ms019 # الحوض ". PageV01P030 # وما رووه عن النبي جم! يه في ذلك - إما سالكا [طريفا] أخرى إلى فهم # القران أو معرضا عن الجميع - فلابد له من الجهل والصلال ولافك # والمحال، وهو على شفا جرف هار يؤديه إلى الكفر والنفاق، فان انهار # به وفي نار جهنم، وصار من أهل الحراب والشقاق، < ومن يثماقق لله # ورسوله- صفإن الله شديد العقاب *> [الانفاد/ 13]، و< نما جز ؤ الذين # يحاربرن لله ورسوله-ولمجمتعون فى الأرضق قسادا ان يقتلوا أؤيصلبو او ققطع # أتديهم وأرجلهم من خذف أو ينفوأ مرن ا لأرض ذ لاث لهؤ خز 3 في # الذيخا ولهؤفي لاخرة عذاب عطؤ!) [المائدة/ 33]. # ولهذا مازال كل ذي عقل ودين يردون علم معاني الكتاب والسنة # إلى العلماء والفقهاء فيه، الذي تلفوه طبقة بعد طبقة ميراثا محفوخما، كما # فال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في خطبته التي رويناها عنه # لكميل بن زياد (1): " احفط ما أفول لك، القلوب أوعية فخيرها أوعاها، # الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع # كل ناعق يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا # إلى ركن وثيق. ياكميل! العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت # تحرس المال، العلم يزكو على العمل والمال ينقصه النفقة، العلم حاكم # والمال محكوم عليه، مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء بافون # مابقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة. 51 51! إ ن # ههنا - وأشار بيده إلى صدره - علما لو أصبت له حملة، بلى أصبت لقنا # غير مأمون عليه، يستعمل الة الدين في طلب الدنيا، يستطهر لنعم الله PageV01P031 ~~على عباده وبحججه على كتابه، أو منقادا لأهل الحق لا بصيرة له في # احنائه، ينقدح الشك في قلبه باول عارض من شبهة، لا ذا ولا ذاك، # فمنهوم باللذات سلس القياد للشهوات، أو مغرى بجمع المال # والادخار، قرب [شيء] شبها بهما الاتعام السائمة، كذلك يموت العلم # بموت حامليه ". ثم قال: "اللهم بلى! لن تخلو الارض من قائم لله # بحجته ". # هذا لفط الحديث الذي رواه أهل العلم بذلك، وأما قولهم "إما # ظاهر ms020 مشهور واما غائب مستور" فمن أكاذيب الرافضة الذين يزعمون أنه # أشار به إلى ما لا حقيقة له. وليست هذه الزيادات في شيء من الروايات # إلا في مثل "نهج البلاغة " (1) الذي أكثره موضوع، وضعه واخترعه # الشاعر المعروف بالرضي. وتمام الحديث: "أولئك الاقلون عددا، # الاعظمون عند الله قدرا، هجم بهم العلم على حقيقة الامر، فاستلانوا ما # استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا # بأبدان أرواجها معلقة بالمحل الاعلى. آه آه! شوقا إلى رويتهم ". # ففي هذا الحديث أن أمير المومنين قسم حملة العلم المذمومين # ثلاثة أصناف: # المبتدع الفاجر الذي ليس عنده مانة وايمان، يبطر الحق الذي جاء # به الكتاب ويغمط ا لخلق، يجادل في آياته بغير سلطان أتاه، ن في صدره # إلا كبر ما هو ببالغه. وهؤلاء مثل المتفلسفة والمتكلمة الذين يعارضون # القرآن ويعتدون على أهل الايمان. PageV01P032 # والصنف الثاني: المقلد المنقاد بلا بصيرة ويقين، مثل ما يوجد في # كثير من العلماء والفقهاء الذين لهم ذكاء وصحة إيمان. وانما ذكر الثالث # لان النفس يكون ذنبها تارة بالجهل، وتارة بالظلم، إما بالقوة الشهوانية، # وإما بالقوة الغضبية، فهؤلاء أهل الاعتداء في القوة الغضبية بالكبر # والطعن هم القسم الاول، والجهال هم المقلدون وهم القسم الثاني، # وهل الشهوة هم القسم الثالث. # ثم ذكر خلفاء الرسل القائمين بحجح الله وبئناته، فقال: "لن تخلو # الارض من قائم لله بحجته، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته ". ومعلوم أن # الله تعالى إنما أقابم الحجة على حلقه برسله، فقال: < لملاليهون للناس عل # الله حجتما بعد الرسل) [الانساء/ 165]، فلم يبق لهم بعد الرسل حجة، وانما # تقوم الحجة في مغيبهم ومماتهم بمن يبلغ عنهم، كما قال: " لكيلا تبطل # حجج الله وبيناته "، ولا تقوم الحجة حتى يبلغ اللفط والمعنى جميعا، إ ذ # تبليغ اللفط المجرد الذي لا يدل على المعنى المقصود لا تقوم به حجة، # بل وجوده كعدمه. فالقائمون بحجة الله هم المبلغون لما جاءت به # الرسل لفظا ومعنى، ولهذا قال: " وبيناته " وهي ما يبين الحق. # ثم وصفهم فقال: "هم الاقلون عددا، الأعظمون عند الله ms021 قدرا، # هجم بهم العلم على حقيقة الامر، فاستلانوا ما استوعره المترفون، # ونسوا بما استوحش منه الجاهلون ". فانه قد ذكر أن من سوى هؤلاء # جاهل أو مترف، والمرء عدو ما جهل، فيستوحش مما عداه وينفر عنه، # كما يصيب المكذبين ببعض ما جاءت به الرسل من استيحاشهم لكثير منه # لجهلهم به، وكما يصيب المؤمن بلفظ الجاهل بمعناه، وما العلماء # فكما قال الله تعالى: < ويرى ا ين وتوا العلم الذي أنزل قك من رفي هو # 33 PageV01P033 ~~الحق > 1 سبا/ 6]. والمترف هو الذي ترك العمل بعلمه واستحسن ذلك، # كما تقدم في وصف صاحب الاعتداء في كبره وشهوته. فأخبر أن هؤلاء # علموا ما جاءت به الرسل، فأنسوا به وعملوا بذلك واستلانوه، فقال: # "فاستلانوا ما استوعره [المترفون]، وأنسوا بما استوحش منه # الجاهلون ". # وهذه صفة أئمة الهدى من الصحابة والتابعين، كسعيد بن المسيب # والحسن البصري وعمر بن عبدالعزيز، ومن بعدهم مثل الثوري ومالك # وابراهيم بن أدهم وعبدالله بن المبارك وفضيل بن عياض ونحوهم، # وعبدالرحمن بن مهدي ويحتى بن سعيد وعبدالله بن وهب وبي سليمان # الداراني ومعروف الكرخي والشافعي ونحو هؤلاء. ثم كان من أقوم # هؤلاء بهذه المنزلة في وقته أحمد بن حنبل ومن يقاربه في ذلك، # كإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وبشر بن الحارث الحافي وغير هؤلاء. # فان الامام أحمد كما قال فيه أبو عمر النحاس الرملي (1) رحمه الله: " عن # الدنيا ما كان أصبره! وبالماضين ما كان أشبهه! أتته الدنيا فأباها، والبدع # فنفاها"، فهو من أعظم من أنس بما استوحش منه الجاهلون، واستلان ما # استوعره المترفون. # وهؤلاء ومثالهم من الائمة كما قال الله تعالى فيهم: < وجعقناضنهم # مة يهدون بأمرنا لضا صبروآ وكانوا ئايلنا يولمحنون!) [السجدة/ 24]. # فأيهم كان أعظم يقينا بايات الله وصبزا (2) على الحق فيها كان أعظم إمامة # عند الله من غيره، ومن مثل هؤلاء يؤخذ تفسير القران والحديث، كما PageV01P034 ~~قال أبو عبيد -وعلمه باللغة في الطبقة العليا، مع ما له من البراعة في # بقية العلوم - لما ذكر تنازع بعض أهل اللغة وعلماء الفقه والحديث في # تفسير ms022 نهي النبي! يم عن اشتمال الصماء، وأن بعض أهل الغريب فسره # بالتجليل، وأن علماء الدين فسروه بإبداء المنكب، قال أبو عبيد (1): # "والفقهاء أعلم بالتأويل"، والتأويل هو التفسير، وهو حقيقة المراد. # يعني أن الفقهاء يعلمون ما عني بالامر والنهي، لان ذلك مطلوبهم، # وأهل الغريب يتكلمون فيه من جهة اللفط فقط وما تريده به العرب كما # قدمناه. # وكذلك ذكر هلال بن العلاء الرقي - فيما أظن - أنهم لما سمعوا نهي # النبي! ي! عن العقر قال: سالنا فلانا وفلانا من أهل العلم باللغة فلم # يعرفوا معناه، وأظنه ذكر أبا عمرو الشيباني وطبقته، قال: فقلنا: ارجعوا # بنا لى اهله، فجاؤوا به إلى احمد بن حنبل، فسالوه فقال: كانوا في # الجاهلية إذا مات فيهم كبير ذبحوا عند قبره، فنهى النبي! ي! عنه، لما فيه # من تعظيم الميت الذي يشبه النياحة ويشبه الذبح لغير الله. ولهذا كره # أحمد الاكل مما يذبح على القبور. قال هلال: فقلنا: هذا والله العلم، # ثم أنشد لبعض عرب الجاهلية (2): # واذا مررت بقبره فاعقر به كوم الركاب وكل طرف سابح # فهذا بعض ما يتعلق بكون الاحاديث والاثار موافقة للقران ومفسرة PageV01P035 ~~وأما الطريق الثاني # وهو بيان وجوب قبول الاخبار الصحيحة، فنقول: # أما قوله: "هذه الاخبار احاد لا تفيد العلم بل تفيد الظن، كما عرف # في الاصول "، فنقول: الاخبار في هذا الباب - وهو باب الامور الخبرية # والعلمية - ثلاثة أقسام: # أحدها: متواتر لفظا ومعنىه # والثاني: مستفيض متلفى بالقبول. # والثالث: خبر الواحد العدل الذي يجب قبوله. # أما الاول فمثل الاحاديث الواردة في عذاب القبر وفتنته، وفي # الشفاعة، وفي الحوض، ونحو ذلك. فان هذه متواترة في باب الامور # الخبرية كتواتر الاحاديث الواردة في فرائض الزكاة والصوم والصلاة # والحج والمناسك، وفي رجم الزاني ونصاب السرقة ونحو ذلك. وبلغ # منها الاحاديث الواردة في روية الله تعالى في الاخرة، وعلوه على # العرش، واثبات الصفات له، فانه ما من باب من هذه الابواب إلا وقد # تواتر فيها المعنى المقصود عن النبي! يم تواترا معنويا، لنقل ذلك عنه # بعبارات متنوعة من وجوه كثيرة ms023 يمتنع بمثلها في العادة التواطؤ على # الكذب أو وقوع الغلط، والخبر لا تاتيه الافة إلا من كذب المخبر عمدا # أو من جهة خطئه، فاذا كانت [العادة] العامة البشرية والعادة الخاصة # المعروفة من حال سلف هذه الامة وخلفها تمنع التواطؤ والتشاعر (1) PageV01P036 ~~على الاتفاق على الكذب في هذه الاخبار، وتمنع في العادة وقوع الغلط # فيها، أفادت (1) العلم اليقيني بمخبرهاه # وللناس بمخبر التواتر طريقان: # منهم من يقول: هو ضروري، فنحن نستدل بحصول العلم # الضروري على حصول التواتر الموجب له، والامر هنا كذلك، فانه ما # من عالم بهذه الاحاديث وبطرقها ونقلتها سمعها كلها إلا أفادته علما # ضروريا لا يمكنه دفعه عن نفسه، أعظم من علم عموم الناس بسخاء # حاتم وشجاعة عنتر وعدل كسرى وحزب البسوس ونحو ذلك من الامور # المتواترة عندهم من جهة المعنى. بل هذا عند أهل الحديث أبلغ من # العلم بمشهور مذاهب الائمة عند أتباعهم، كما يعلم أصحاب أبي حنيفة # أن مذهبه أن اللمس لا ينقض الوضوء، ون المسلم يقتل بالذمي، ونه # لا يحلف المدعين، ونه يقول بالاستحسان في مواضع. ويعلم أصحاب # مالك أن مذهبه سد الذرائع واتباع مذهب أهل المدينة ونحو ذلك. # ويعلم أصحاب الشافعي أن مذهبه اتباع الخبر الصحيح وتقديمه على # القياس والعمل، وأنه لا يقتل المسلم بالذمي، وأنه أخذ عن مالدب # ونحوه. ويعلم أصحاب أحمد أنه كان معظفا لسنة رسول الله! يم # وللحديث في أصوله وفروعه، وأنه كان يقول بفقه أهل الحديث، # ويقدمه على القياس والعمل ونحو ذلك. # فتواتر العمل بما ذكرناه عن النبي لمجم! م عند أهل العلم بحديثه أعظم # من تواتر ما ذكرناه من أقوال المتبوعين عند أتباعهم، ومن سمع ما PageV01P037 ~~سمعوه وتدبر ما تدبروه حصل له من العلم ما يحصل لهم. ولكن أكثر # أهل الكلام وتباعهم في غاية قلة المعرفة بالحديث، وتجد فضلهم لا # يعتقد أنه روي في الباب الذي يتكلم فيه عن النبي! يم شيء، أو يطن # المروي فيه حديثما أو حديثين، كما تجده لاكابر شيوخ المعتزلة، مثل أبي # الحسين البصري يعتقد أنه ليس في ms024 الرؤية (1) إلا حديث واحد، وهو # (2) # يث جرير، ولا يعلم أن فيها ما شاء الله من الاحاديث الثابتة # المتلالاة بالقبول (3)، حتى إن البخاري ومسلما مع كونهما مختصرين قد # رويا فيه عددا جيدا من ذلك، والبخاري هو أكبر من مسلم، ومع هذا فقد # سماه "الجامع المسند المختصر من سنن رسول الله! يم وأيامه ". فإنكار # هؤلاء لما علمه أهل الوراثة النبوية مثل حكاية كثير من الفقهاء لمذاهب # الائمة المشهورين بخلاف المتواتر عند أصحابهم، وقد رأيت من ذلك # عجائب حين رأيت في الكتب المشهورة عند الحنفية أن مالكا يبيح نكاح # المتعة، وقد علم أن مذهب مالك يمنع توقيت الطلاق لئلا يشبه المتعة. # وكثير من الناس قد يطرق سمعه هذه الاحاديث، ولا يجمعها # وطرقها في قلبه، وان كان من سامعي الحديث وكتابه، ومعلوم أن # حصول العلم في القلب بموجب التواتر مثل حصول الشبع والرفي، وكل # واحد من الانباء يفيد قدرا من الاعتقاد، فاذا تعددت الأخبار وقويت # أفادت العلم، إما للكثرة واما للقوة واما لمجموعهما. PageV01P038 # والعلم بموجب الخبر لا يكون بمجرد سماع حروقه، بل بفهم معناه # مع سماع لفظه، فاذا اجتمع في القلب المستمع للأخبار المروية [العلم] # بطرقها والعلم بحال رواتها حصل له العلم الضروري الذي لا يمكنه # دفعه. ويدل على ذلك أن جميع أئمة الحديث المعروفين المشهورين # قاطعون (1) بمضمون هذه الاحاديث، شاهدون (2) على رسول الله لمجيم # بذلك، جازمون بأن من كذب بمضمويها فهو ضال أو كافر، مع علم كل # أحد بفرط علم القوم ودينهم، وأنهم أعلم أهل الارض علما بما يصدق # ويكذب باحوال المخبرين، ونهم يجردون الرواية والخبر تجريدا لا # يفعله أحد لا من المسلمين ولا من غير المسلمين فيما ياخذه بالنقل عن # الانبياء ولا عن غيرهم، والمرجع في العلم بخبر هذه الاخبار إلى ما # يجده الانسان في نفسه من العلم الضروري، ليس له إلا ذلك، كما يرجع # إلى ما يجده من العلوم الوجودية كاللذة والالم وما يحس، وكل من كان # من العلماء بالحديث من الاولين والاخرين يجد ذلك ويحلف عليه # ويباهل عليه، ومن. 0. (3) يباهلنا ms025 باهلناه، فان أتباع الانبياء تباهل على # ما جاءوا به، كما دعا الانبياء إلى المباهلة على ما تاهم من عند الله. # وقول القادح في النبوة: يجوز أن يكون الذي جاءه شيطان، ويجوز # أن يكون [كاذبا] عليه، مثل قول هؤلاء القادحين فيما أتاهم به ورثة # الانبياء: يجوز أن يكون رواة هذه الاخبار كاذبين أو غالطين، وكل أحد # يعلم أن المتدينين بالحديث أصدق الظوائف وأعدلها وأقلها كذبا PageV01P039 ~~وظلما، كما قال عبدالله بن المبارك: وجدت الدين لاهل الحديث # والكلام للمعتزلة والكذب للرافضة والحيل لاهل الرأي، وذكر كلمة # ء (1) # خرى. # ثم لو ساوينا بين أهل الحديث وبين أقل الطوائف فمن المعلوم أن # المناظرة إذا انتهت إلى العلم بالضرورة لم يكن لأحد الخصمين رد ذلك # على خصمه، فانه أعلم بنفسه، إلا أن يعلم كذب الخبر الذي يستدل به # على انتفاء العلم به، مثل علمنا بكذب الرافضة في دعوى النص وكذب # النصارى في دعوى صلب المسبح. # فان كان المناظر لنا يقول: إني أعلم كذب من قال إن رسول الله ءلمجي! # اثبت هذه المعاني، أو إني أعلم أن النبي ع! ير أتبت ذلك، سواء ادعى # ذلك ضرورة أو نظرا، ونحن نقول: إنا عالمون أن النبي ءلمجمط أثبت ذلك= # كان بيننا وبينه ماكان بين النبي ع! ي! وبين أهل نجران من المباهلة. قال الله # تعالى: < فمن حافك فيه من بعد ما! آء ك من الع! فقل تعالوأ ندخ أبئا بم ~~وإشاءكأ # وفسا لا ودنسإكئم وأنفسنا وأنفسكئم ئم تر فنخعذ لقنت الله على # الذبت *> [ال عمران / 61]، فإنا قد جاءنا من جهة نبينا! يم ما # نقول لمن حاجنا فيه من بعد ما جاءنا من العلم: تعالوا، فان المحاخة # التي هي المناظرة إذا انتهت إلى دعوى كل واحد من المناظرين علما ما # هو عليه، بدليل اختص به أو عجز عنه أو ترك الاستدلال وأعرض عنه أو # عجز عنه، أو علما ضروريا = لم يفصل بينهما إلا المباهلة أو انقياد من # لم يباهل لمن باهل، كما انقاد النجرانيون إلى رسول الله ءلج!. فإن PageV01P040 ~~المخاطب ms026 لنا المكذب بما (1) جاءنا عن نبينا إما أن يناظر بالعلم والعدل، # واما أن يباهل، إن ادعي أن عنده من العلم مالا يمكنه المناظرة به، فان # امتنع منهما فاما أن ينقاد، وإلا فقد بان ظلمه وكذبه، واستحق ما يستحفه # الكاذب الظالم في هذا الباب. # وأما القسم الثاني - وهو طريق يقرر إفادة التواتر للعلم بالنظر # والاستدلال - فنقول: التواتر يفيد العلم بكثرة العدد تارة وبصفات # المخبرين أخرى، فان الواحد والاثنين ممن علم كمال عدله وضبطه # - كأبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عمر - يفيد أخبارهم من العلم مالا # يفيده خبر عدد ليسوا مثلهم، وليعتبر كل واحد ذلك بما يعلم منه ذلك، # ولكن هذا إنما يوجد كثيرا في أهل السنة والعدل، وما أهل الأهواء # فالكذب فيهم كثير (2). وتارة بحال المخبر عنه، وتارة بقوة إدراك المخبر # وقطنته، فإن الذكاء وقوة الادراك يحصل بهما من العلم مالا يحصل لمن # ليس له ذلك. # وإذا كان كذلك فالمخبرون بهذه الاخبار يتعين معرفة أحوالهم، # ولهذا تجد حال من علم حال مالك بن أنس وابن عمر يعلمون من صدق # روايتهم مالا يحصل لهم من رواية شعبة وقتادة والثوري. وأما أهل # الحديث فيعلمون أن الثوري كان أحفظ وبعد عن الغلط من مالك، وأن # مالكا أكثر تنقية للشيوخ من الثوري، فالثوري يروي عمن لا يروي عنه # مالك، فشيوخ مالك ثقات عنده بخلاف محدثي الثوري، فليس كلهم # ثقة عنده، وكان يسمع من الكلبي وينهى عن السماع منه ويقول: أنا أعلم PageV01P041 ~~صدقه من كذبه. ويعلمون أن الزهري وقتادة ما كانا يغلطان، ويعلمون # أن ابن مسعود وابن عمر لا يسصور أن يتعمدا الكذب على النبي! سي!. # وكذلك أكثر أئمة أهل الحديث - مثل مالك وشعبة والثوري وأحمد بن # حنبل - من علم حالهم يعلم علما ضروريا نهم لم يعتقدوا الكذب قط في # حديث النبي ع! ي!، ويعلمون أن هؤلاء لم يغلطوا إن غلطوا إلا في لفظة أو # لفظتين، ومنهم من يعلمون أنه لم يغلط في الحديث النبوي، فإن # أحمد بن حنبل ما عرف أنه غلط فيه قط، ولا ms027 الثوري ولا الزهري، # وكذلك خلق كثير غيرهم. والذين يعلمون أنهم قد يغلطون (1) - مثل # حماد بن سلمة وجعفر بن محمد - يعلمون أن غلطهم إنما هو شيء يسير # وفي مواضع يعرفونها. # وبالجملة يجب أن يعلم أن حفظ الله تعالى لسنة نبيه من جنس # حفظه لكتابه الذي لا يروج فيه الغلط على صبيان المسلمين، وكذلك # الحديث لا يروج فيه الباطل على علماء الحديث، مع أنا لا ندعي هذا في # هذا المقام، فان ذلك من خواص أهل الحديث وخصائص الامة، وانما # يكفينا هنا الاكتفاء بالعادة المشتركة بين بني ادم، فان العلم بمخبر # الاخبار يكون من الاسباب الاربعة التي تقدمت: الكثرة وحال المخبر # وحال المخبر عنه وحال الاخبار أيضا. ومن قال من المتكلمين ومن # اتبعهم من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن لا اعتبار إلا بالعدد، ونه إذا # حصل [العلم] بخبر أربعة لقوم عن أمر وجب أن يحصل بخبر كل أربعة # لكل قوم في كل قضية = فهذا قد عرف غلطه، [و] قرر غلطه في PageV01P042 ~~فبهذين الطريقين الضروري والنظري يحصل العلم لأهل الحديث # بمخبر هذه الاخبار المتواترة تواترا لفظيا أو معنويا في الأمور العلمية في # باب الايمان بالله، والايمان باليوم الآخر. # والقسم التاني من الاخبار مالم يروه إلا الواحد العدل ونحوه، ولم # يتواتر لا لفظه ولا معناه، ولكن تلقته الامة بالقبول عملا به أو تصديقا # له، كخبر أبي هريرة: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" (1). # فهذا يفيد العلم اليقيني أيضا عند جماهير أمة محمد لمجي! من الاولين # والاخرين. أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع، وأما الخلف فهذا # مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الائمة الاربعة، والمسألة منقولة في # كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، مثل السرخسي (2)، ومثل # الشيخ أبي حامد وأبي الطيب وبي إسحاق (3) وغيرهم، ومثل القاضي # أبي يعلى (4) وأبي الخطاب () وابن الزاغوني وغيرهم، ومثل القاضي # عبد الوهاب وغيره. وكذلك أكثر المتكلمين من المعتزلة والاشعرية مثل # أبي إسحاق الاسفراييني وأبي بكر بن فورك وغيرهما. وإنما نازع في # ذلك طائفة كابن البافلاني، وتبعه مثل ابي المعالي ms028 والغزالي وابن عقيل # وابن الجوزي ونحوهم (6). PageV01P043 # وقد ذى أبو عمرو ابن الصلاح (1) القول الاول وصححه، ولكنه لم # يعرف مذاهب الناس فيه ليتقوى بها، وانما قاله بموجب الحجة. وظن # من اعترض عليه من المشايخ (2) الذين فيهم علم ودين وليس لهم بهذا # الباب خبرة تامة، لكنهم يرجعون الى ما يجدونه في مختصر أبي عمرو # ابن الحاجب ونحوه من مختصر أبي الحسن الامدي والمحصل ونحوه # من كلام أبي عبدالله الرازي وأمثاله، ظنوا أن الذي قاله الشيخ أبو عمرو # في جمهور أحاديث الصحيحين قول انفرد به عن الجمهور، وليس # كذلك، بل عامة أئمة الفقهاء وكثير من المتكلمين أو أكثرهم وجميع # علماء أهل الحديث على ما ذكره الشيخ أبو عمرو. وليس كل من وجد # العلم قدر على التعبير عنه والاحتجاج له، فالعلم شيء، وبيانه شيء # اخر، والمناظرة عنه واقامة دليله شيء ثالث، والجواب عن حجة مخالفه # شيء رابع. # والحجة على قول الجمهور أن تلقي الامة للخبر تصديقا وعملا # إجماع منهم، والامة لا تجتمع على ضلالة (3)، كما لو اجتمعت على # عموم أو أمر أو مطلق أو اسم حقيقة أو على موجب قياس، بل كما لو # اجتمعت على ترك ظاهر من القول، فإنها لا تجتمع على خطا، وان كان # ذلك لوجرد الواحد إليه نظره لم يأمن على الخطأ، فإن العصمة ثبتت # بالهيئة الاجتماعية، كما أن خبر التواتر كل من المخبرين يجؤز العقل PageV01P044 ~~عليه أن يكون كاذبا أو مخطئا، ولا يجوز ذلك إذا تواتر، فالامة في # روايتها ورأيها وروياها أيضا. كما قال النبي! شي!: " إني أرى روياكم قد # تواطأت على أنها في العشر الاواخر، فمن كان منكم متحريها فليتحرها # في السبع الاواخر" (1). فجعل تواطؤ (2) الرويا دليلا على صحتهاه # والواحد في الرواة قد يجوز عليه الغلط، وكذلك الواحد في رأيه # وفي روياه وكشفه، فإن المفردات في هذا الباب تكون طنونا بشروطها، # فإذا قويت تكون علوما، واذا ضعفت تكون أوهاما وخيالات فاسدة. # ويضا فلا يجوز أن تكون في نفس الامر كذبا على الله ورسولي، # وليس في الامة من ينكره، إذ ms029 هو خلاف ما وصفه الله. # فإن قيل: أما الجزم بصدقه فلا يمكن منهم إلا مجازفة، وأما العمل # به فهو الواجب عليهم أو] إن لم يكن صحيحا في الباطن. وهذا سؤال # ابن الباقلاني. # قلنا: أما الجزم بصدقه فلجزمهم بالاحكام التي يستندون فيها إلى # ظاهر أو قياس، كجزمهم بمعاني الايات والاخبار، وذلك انه قد يحتف # به عندهم من القرائن ما يوجب العلم، إذ القرائن المجردة قد تفيد العلم # بمضمونها، فكيف إذا احتف بالخبر. والمنازع بنى هذا على أصله # الواهي أن العلم بمخبر الاخبار لا يحصل إلا من جهة العدد، فلزمه أن # يقول: ما دون العدد لايفيد أصلا. وهذا غلط خالفه فيه حذاق أتباعه. # وأما العمل به فنقول: لو جاز أن يكون في الباطن كذبا، وقد وجب PageV01P045 ~~عليهم العمل بما هو كذب، فهذا هو الخطأ، ولا معنى لاجماع الامة # على خطا الا ذلك، فان المجوز لذلك لا يقول: إنهم عاصون أو فساو # بالخطا. # وان بنى ذلك على أصله الفاسد من أن الاثم والخطأ متلازمان فقد # دد على نفسه باب كون الاجماع حجة، فان المنازع يقول: أنا جؤز # عليهم الخطأ بلا إثم، فان كنت تقول: إن مالا إثم فيه لا خطا فيه، كان # قول أهل الاجماع عندك مثل قول الواحد من المجتهدين، إذ ليس عندك # لا خطأ ولا إثما، وليس مثل هذا القول حجة على منازعه بلا ريب، فيلزم # ان لا يكون قول أهل الاجماع حجة، بل هو كقول الواحد من # المجتهدين، وليس هذا مذهبه، وان لزم تناقضه. والمقصود هنا # الاحتجاج بالقواعد المقررة، والا قررنا كون الاجماع حجة. # وأيضا فالإجماع 0. . (1) واذا كان [تلقي] الامة له بالقبول يدل على # أنه صدق، لانه إجماع منهم على أنه صدو مقبول، فاجماع السلف # والصحابة على ذلك كان كاجماعهم على الاحكام أو معاني الايات، بل # لا يمكن أحدا أن يدعي إجماع الامة الا فيما أجمع عليه سلفها، وأما بعد # ذلك فقد انتشرت انتشارا لا يضبط معه أقوال جميعها. # واعلم أن جمهور أحاديث البخاري ومسلم من هذا الباب، كما ذكر ms030 # أبو عمرو ابن الصلاح ومن قبله من العلماء، كالحافط أبي طاهر السلفي # وغيره. # وأما إن تلفاه أهل الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق دون من لا PageV01P046 ~~يعرف الحديث من المتكلمة ونحوهم، فهو كذلك يكون إجماعهم على # ذلك حجة قطعية، لان الاعتبار في الاجماع على كل أمر من أمور الدين # بأهل العلم به دون غيرهم. فكما لا يعتبر في الاجماع على الاحكام # الشرعية إلا العلماء بها وبطرقها، وهم الفقهاء في الاحكام دون النحاة # والأطباء، فكذلك لا يعتد في الاجماع على صدق الحديث وعدم صدقه # إلا بأهل العلم بطرق ذلك، وهم علماء الحديث العالمون بأحوال رسول # الله! و، الضابطون لاقواله وفعاله، العالمون بأحوال حملة (1) الاخبار، # فان علمهم بحال المخبر والمخبر عنه مما يعلمون به صدق الاخبار، كما # أن العلم المتفق على صدقه والفقيه والمتكلم والصوفي بالنسبة إلى # علماء الحديث كالمحدث والمتكلم بالنسبة إلى الفقيه، والجمهور على # أن هولاء لا يعتد بخلافهم، وقد قيل: إنه يعتد بخلافهم. فهكذا إذا # خالف أهل الحديث متكلم أو فقيه. # وهذا في خبر الواحد المختص بالذي لم يتواتر لا لفظه ولا معناه، # وقد علمت أن التواتر لا يشترط فيه عدد معين على القول الصحيح، # فيتصل بعض هذا القسم بالقسم الاول إذا كان ما رواه الواحد والاثنان قد # يحصل به العلم، فيكون متواترا باعتبار صفاتهم وغيرها من القرائن # والضمائر، وكثير من الناس لا يسميه متواترا، بل يجعل ما رواه الاربعة # من أخبار الاحاد مطلقا، ويتوقف فيما رواه الخمسة، كما يقوله القاضي # أبو بكر والقاضي أبو يعلى في بعض كتبه. وللناس في العدد أقوال # كثيرة: سبعة، واثنا عشر، وأربعون، وثلاثمئة وبضعة عشر، وغير ذلك # مما حكيت، ولا علم بها قائلا معينا ولا حجة تذكر. PageV01P047 # والقسم الثالث: خبر الواحد العدل الضابط الذي يجب قبوله # والعمل به على المسلمين، ليس كل خبر من كل عدلي ضابط، بل الخبر # الذي أوجبت الشريعة تصديق مثله والعمل به، فهذا في إفادة العلم به # قولان هما روايتان [عن أحمد]: # إحداهما: أنه يفيد العلم أيضا، وهو إحدى الروايتين عن ms031 مالك، # وقول الحارث المحاسبي وغيره، وقول محمد بن خويز منداد، وقول # طوائف من أهل الحديث وأهل الظاهر، وطائفة من أصحاب أحمد. # والثانية: لا يوجب العلم ولا يحلف على مضمونه، وهذا قول # جمهور أهل الكلام وأكثر متأخري الفقهاء وطوائف من أهل الحديث، # لان ذلك العدل يجوز عليه الكذب عمدا أو خطأ، والعمد قد يعلم # انتفاوه، لكن الخطا لا يعلم انتفاوه، فان الانسان قد يخطىء سمعه، وقد # يخطىء فهمه لما سمعه، وقد يخطىء ضبطه له وحفظه، وقد يخطىء # لسانه في تبليغه. فمع هذه التجويزات لا يقطع بعدمها. # وللأولين حجج ليس هذا موضع استقصائها، إذ هم لا يجعلون # حصول العلم بهذا من جهة العادة المطردة في حق الكفار وغيرهم، كما # يقوله المتكلمون في التواتر الذي يحصل العلم فيه بخبر الكفار # والفساق، وإنما يقولون: هذا من باب حفظ الله تعالى للذكر الذي بعث # به رسوله وعصمته لحجته أن يوجب على الأمة اتباع ما يكون باطلأ، إ ذ # لو جاز ذلك ولم يبق بعد محمد نبي يبين الخطأ لم تقم حجة الله على أهل # الارض في ذلك، ولكان قد أوجب الله على الناس أن يقولوا على ماهو # في نفس الامر كذبا، ويقولون: متى كان المحدث قد كذب أو غلط # فلابد أن ينصب الله حجة يبين بها ذلك، كما قال بعض # 48 PageV01P048 ~~السلف (1): لو هم رجل في السحر أن يكذب على رسول الله ع! يو لاصيح # [و] الناس يقولون: هذا كذاب. # وفي ذلك من البسط ما لا يختص بهذا المكان، ولا يقف غرضنا # عليه، فان عامة الاحاديث التي يحتج بها في موارد النزاع لا يخرج عن # القسم الاول أو الثاني. وأحاديث الاصول الكبار التي بها يميز أهل السنة # والجماعة هي من القسم الاول المتواتر لفظا ومعنى، وفي لفظها يخالف # الخوارج والروافض والجهمية والقدرية من المعتزلة ونحوهم. # فصل # الطريق الثالث: أن يتكلم في الحديث الذي انتفت أسباب العلم # بصدقه من كل وجه، وهذا قد يكون عند شخصيى وطائفة دون شخص # وطائفة، فكثير من الاحاديث المعلوم صدقها عند ms032 علماء الحديث هي # عند غيرهم غير معلومة الصدق، بل يطن بها الصدق، كما ذكره # المعترض وذووه (2). # فنقول على هذا التقدير: علينا ن نقدر الحديث قدره، فاذا غلب # على الظن صدقه اعتقدنا اعتقاذا راجحا مضمونه، ولم نجزم به جزمنا # بالمتيقن صدقه، كما نقول في أدلة الاحكام الظواهر والاقيسة. وخبر # الواحد المجرد اذا لم يفدنا لا غلبة الظن اعتقدنا غلبة الظن بها، وهذا # هو الواجمط، بل هذا في الامور الخبرية اجود، لانه لا يترتب على ذلك # فساد ولا مضرة، إذ كنا لا نوجمط به عملا ولا نحرمه، وانما نظن PageV01P049 ~~مضمونها. # ولهذا جوز العلماء أن تروى الاحاديث في الوعد والوعيد إذا كانت # ضعيفة، ولم يعلم صدقها ولا كذبها، ولا يثبت بها استحباب، لكن # يثبت بها ظن يحرك القلب على فعل الخيرات أو ترك المنكرات. فان # كان هذا فيما يتعلق بالإيمان باليوم الاخر، فكذلك فيما يتعلق بالإيمان # بالله، ذا روي خبر في عطمة الله وبعض شؤوني التي لم يعلم بهذا الخبر # انتفاؤها ولا ثبوتها، ولخبر مما يغلب على الظن صدقه، اعتقدنا # بموجبه، وظننا ذلك ظنا غالبا، فان كان صادفا في نفس الامر والا # فعظمة الله أكبر. كما أن حديث الوعد والوعيد الذي لم يعلم انتفاء # مضمونجه، ن كان صادفا والا فثواب الله أعم مما علمناه مفصلا، إذ فيه # مالم يخطر على قلب بشر، فهذا هذا. # وهذا مما اتفق عليه سلف الامة وئمة الاسلام أن الخبر الصحيح # مقبول مصدو به في جميع أبواب العلم، لا يفرق بين المسائل العلمية # والخبرية، ولا يرد الخبر في باب من الابواب سواء كانت أصولا أو # فروعا بكوني خبر واحد، فان هذا من محدثات أهل البدع المخالفة للسنة # والجماعة. # فان قيل: هذا بشرط أن لا يعلم بالعقل ولا بالشرع انتفاء مضموني. # قلنا: نعم، لابد من هذا الشرط، وإلا فما قطعنا باستحالة مضمونه # يستحيل أن يغلب على ظننا صدقه، فان هذا جمع بين النقيضين ه لكن # دعوى المعترض قيام الادلة العقلية القطعية على انتفاء مضمون الايات # والأخبار هو السؤال الاخر، فلهذا ms033 أخرنا الجواب إلى هناك. والواقع أنه # ليس في الاخبار الصحيحة التي لا معارض لها من جنسها ما يخالف # 50 PageV01P050 ~~القران ولا العقل كما سنبين ذلك. # فان قيل: من الناس من يقول: هذه المسائل العلمية التي أمرنا ن # نقول فيها بالعلم متى لم يكن الدليل عليها علميا قطعنا ببطلانه، فلهذا # يجب رد كل خبر أو دليل لا يفيد علما في باب الخبر عن صفات الله، # ومنهم من يطرد ذلك في صفات المخلوقات كالأرضين والسماوات ه # قلنا: لا ريب أن هذا الكلام قد يطلقه كثير من أهل النظر، كالقاضي # أبي بكر وابن عقيل والمازري ونحوهم، وقد أطلقه قبلهم كثير من # متكلمة المعتزلة وغيرهم، وقد أنكر ذلك عليهم كثير من أرباب النظر # وقالوا: العلم بالعدم غير عدم العلم، وعدم الدليل غير دليل العدم، # وهذا قول أكثر الفقهاء وأهل الحديث وهل الكلام. # وفصل الخطاب أن نقول: لا يخلو إما أن يكون الموضع مما أوجب # الله علينا فيه العلم، أو وجبت مشيئته وسنته فيه العلم، وإما أن لا يكون # مما يجب فيه العلم لا شرعا ولا كونا. # فإن كان الأول مثل ما أوجب الله علينا ن نعلم ان لا إله هو، ون الله # شديد العقاب، ون الله غفور رحيم، ونه على كل شيء قدير، وأنه قد # أحاط بكل شيء علما، فلا بد ن ينصب سببا يفيد هذا العلم، لتلا يكون # موجبا علينا مالا نقدر على تحصيله، وأن لا يكلفنا مالا نطيقه له إذا أردنا # تحصيله. ففي مثل هذا إذا لم يكن الدليل موجبا للعلم لم يكن صحيحاه # وكذلك ما اقتضت مشيئته وسنته العلم به، مثل الامور التي جرت سنته # بتوفر الهمم والدواعي على نقلها نقلا شائعا، فاذا لم ينقل فيعلم انتفاوها # وكذب الواحد المنفرد بها. # وأما ما لم يجب فيه العلم لا وجوبا دينيا ولا وجوبا كونيا فلا يعلم # 51 PageV01P051 ~~بطلان ما أفاد فيه غلبة الظن، فان اليقين له أسباب، وللطن الغالب # أسبالب، والتكذيب بما لم يعلم أنه كذب مثل التصديق بما لا يعلم أنه ms034 # صدق، والنفي بلا علم بالنفي مثل الإثبات بلا علم بالاثبات، وكل من # هذين قو 4 بلا علم. ومن نفى مضمون خبر لم يعلم أنه كذب فهو مثل من # أثبت مضمون خبر لم يعلم أنه صدق، والواجب على الانسان فيما لم # يقم فيه دليل أحد الطرفين أن يسرحه إلى بقعة الإمكان الذهني، إلى أن # يحصل فيه مرجح أو موجب، والا يكون قد سكت عما لم يعلم، فهو # نصف العلم. فرحم الله امرأ تكلم فغنم أو سكت فسلم (1)، ومن كان # يؤمن بالده واليوم الاخر فليقل خيرا أو ليصمت (2)، واذا أخطأ العالم لا # أدري أصيبت مقاتله (3). # واذا كان كذلك فنحن لم يجب علينا قط أن نعلم جميع ما لده من # معاني أسمائه، ولا أن نعلم جميع صفاته، ولا أن نعلم صفات # مخلوقاته، ولا مقادير وعده ووعيده وصفات ذلك، ولا إحدى سننه، # فان سبب العلم بذلك [قدلا] يكون مشهورا، ولا قام دليل على نفي ما # نعلمه من ذلك، فاذا جاءنا خبر يغلب على الظن صدقه صدقناه في غالب # الظن، وإن غلب على الظن كذبه كذبناه، وان لم يعلم واحد منهما توففنا # فيه. # ويجوز لنا أن نرويه إذا لم نعلم أنه كذب، لكن متى علمنا أنه كذب PageV01P052 ~~لم يجز روايته إلا مع البيان، لقوله لمجير: "من حدث عني بحديث وهو # يعلم أنه كذب فهو أحد الكاذبين "، وهو في صحيح مسلم (1). # وأما من قال من ظاهري أهل العلم: إن مالم يقم على ثبوته من # الصفات دليل فإنه يجب نفيه = فإنه مبنيئ على هذا الاصل المتقدم، وقد # بينا حكمه. # وأما قولهم: هذا من المسائل العلمية، فلا نتكلم فيها بالظن = فهذا # لفط مشترك، قد يراد بالعلمية ماليس تحتها عمل، كما يقول بعضهم: # العلوم النظرية والمسائل الخبرية والاعتقادية، واذا كان المراد بها ذلك # لم يجب أن يكون مقطوعا بها. وقد يراد بالعلمية ما العلم فيها واجب أو # واقع، وهو ما يرد فيها مالم يفد العلم، ولهذا فصلنا ذلك إلى نوعين، # والله أعلم. PageV01P053 # فصل # وأما السوال] لثاني - وهو قوله: ليست ms035 الاحاديث نصوصا في ذلك، # بل هي ظاهرة قابلة للتأويل - فهذا كلام مجمل نقابله بجواب مجمل، # وهو أن نقول: كل موضع قطعنا بمضموني فالنصوص فيه قطعية، وما # [لم] نقطع بمضمونه فقد تكون الدلالة فيه ظاهرة وقد تكون قطعية، وما # لم يتبين لنا كونها قطعية يكون الدليل في نفسه موجبا للقطع والاعتقاد # الراجح غير حصول العلم، وذلك أن الادلة هي في نفسها على صفات # تفيد العلم باتفاق الناس، وأما إفادتها فهل هو لصفات هي عليها أم # بحسب الاتفاق؟ الجمهور على القول الاخر، وأما المؤثمة للمخطىء # والمعتقدون أن من لا إثم عليه لم يخطىء -كابن الباقلاني ونحوه - # فيقولون: ليس في الظنون تفاوت ولا عليها أمارات تقتضيها. وهذا غلط # عند جمهور الناس، بل للظن أسباب كما للعلم أسباب. # واذا كانت الادلة هي في نفسها على صفات تقتضي ذلك فان ذلك # يختلف أيضا باختلاف قوى الإدراك وباختلاف كمال النظر، فالحاذ # الذهن الصبور على استيفاء النظر يحصل له من العلم والظن بأنواع من # الادلة والامارات ما لا يحصل لمن [لم] يقو قوىله ولم يصبر صبره. وما # لم يكن قطعيا بل دلالته ظاهرة، ليس للانسان أن يصرفه عن ظاهره إلا # مع وجود المقتضي لذلك، السالم عن المعارض المقاوم، فالمقتضي # مثل قيام دليل يبين لنا مراد المتكلم من الأدلة الشرعية ونحوها، كالعام # الذي بين معناه الخاص. # وكذلك لو فرضنا وجود دليل عقلي قطعي يعارض ظاهر الادلة # الشرعية التي ليست قطعية لوجب تقديم القطعي على الظني، ولجزمنا # 54 PageV01P054 ~~بأن الرسول لم يرد بكلامه ما يعلم مثلنا ومثالنا انتفاءه، وعقولنا أقل من # أن يقال: هي دون عقله. # بل لو حكى أحد مسالة في الطب أو النحو مما يعلم ن أبقراط # وسيبويه لا يقولانها لبادرنا إلى التكذيب، مثل أن يحكي حاك عن أبقراط # أنه قال: طبائع الاجسام الارضية خمسة، والبلغم أحسن من المرة # الصفراء، أو الدم أيبس منها، أو هي أبرد من المرة السوداء، فانا نعلم أن # أبقراط ونحوه لا يقولون هذا، فاما أن الناقل قد كذب عمدا أو خطا، ويكون ms036 ~~للعبارة معنى غير الظاهر الباطل الذي لا يقوله ذلك الفاضل. # وكذلك لو نقل عن سيبويه أن الفاعل منصوب، والمصدر مجرور، # وخبر كان مرفوع، وخبر المبتدأ مجرور، ونحو هذا، لعلمنا ن هذا # كذب على سيبويه عمدا أو خطأ، أو يكون للعبارة معنى يليق به أن # يقوله. وكذلك لو نقل عن الائمة أمورا تنافي ما علمناه من أحوالهم # علمنا أنه مكذوب أو مصروف. # فمن نقل عن نبينا ع! يم أنه قال عن ربه: "إنه حلق نفسه من عرق # الخيل " (1)، أو أن النبي ع! يم كان موجودا بعينه نبيا قبل أن ينبمه ~~الله، أو ن # يعطى من دعا بهذا الدعاء مثل ثواب الانبياء ونحو ذلك = علمنا أنه # يكذب على رسول الله ع! يم. والكذب عليه كثير، قد صنف العلماء في # بيان الاحاديث الموضوعة مصنفات؟ وميزوا الصدق من الكذب تمييزا # معلوما عن أهله. PageV01P055 # ولكن هل في القران أو الاحاديث الثابتة عن النبي لمجيم ما ظاهره # ممتنع في العقل، ولم يتبين ذلك بالادلة الشرعية = هذا لا يعلم أنه واقع # أصلا. فمن قال: إن هذا واقع فليذكره، فانا رأينا الذي يدعى فيه ذلك: # إما أن يكون الحديث فيه موضوعا، أو الدلالة فيه ليست ظاهرة، أو أن # ظاهرها الذي لم يرد قد بين بأدلة الشرع انتفاؤه. فاذا كان النص ثابتا # والدلالة ظاهرة وليس في بيان الله ورسولي ودلالته ما يبين انتفاءها ومراده # بها، فانا وجدنا ما يذكرونه من المعقول له هو في نفسه معارض بمعقول # أقوى منه، ووجدناه من المجهول لا من المعقول، بل وجدنا المعقول # الصريح يدل على بطلان المعارض للمنقول الصحيح. < وادده يقول الحق # وهو يهدى السبيل!) [الاحزاب / 4]. # وهذه جملة يبينها التفصيل، إذ السؤال أيضا مجمل، وقد فصلنا # الجواب أكثر من تفصيل السؤال، وهذا يظهر بذكر فصل جليل القدر # عظيم في تصديق المرسلين ورعاية حق المؤمنين. # وذلك أنه مازال في الامة قديما وحديثما من يظهر له من اية أو حديث # معنى، ويعتقد أن ذلك المعنى باطل، إما لمعارضته لما يرى أنه علمه، # أو لمجرد عقله ms037 للأمور الموجودة، أو لما يرى أنه علمه لما عقله من # كتاب الله، فيحتاج عند ذلك إما إلى رد الخبر، واما إلى تأويله ورده بأن # يقول: غلط سمع الراوي، أو لم يفهم معناه، أو لم يحفظ ما فهمه، أو # أنه تعمد الكذب، فان الخبر لا ياتيه البطلان إلا من تعمد المخبر أو # خطئه، وخطؤه إما في نفس ما سمعه من اللفط، فقد يغلط السمع، وقد # يسمع البعض دون البعض، واما نه لم يفهم المعنى ورواه بالمعنى الذي # فهمه بلفظ اخر، أو باللفظ الاول مع قرائن تفيد غير المعنى الاول، أو # 56 PageV01P056 ~~كان مع اللفظ الاول قرائن تركها، بحيث يكون اللفظ مشتركا، والمتكلم # أراد به معنى مع قرائن، والراوي فهم معنى آخر، وخبر به مع قرائن تفيد # ذلك المعنى، فالجمع بين المتفرق في الدلالة والفرق بين المجتمع فيها # قد يحيل المعنى. # ولهذا قال العلماء كاحمد وغيره في حديث الطويل إذا أراد الرجل # أن يفرقه ويروي بعضه، قالوا: لا يفعل ذلك فيما يرتبط المذكور منه # بالمتروك ارتباطا يحيل المعنى تفريقه، وذلك أن المستمع للكلام لا # يروي مجرد صوت غير معلوم المعنى، بل يروي لفظا له معنى، فاذا # ضبط اللفظ الدال على المعنى فقد يحفظ ذلك وقد ينساه، فلا تأتيه الآفة # إلا من الغلط في العلم أولا، أو من زوال العلم بعد حصولي بالنسيان، # والا فمتى علم ما سمع وحفظه لم يبق فيه إلا أن يتعمد الكذب، فالذين # يروون الخبر على اشتمال أمر باطل تارة يردونه ولا يقبلون أن النبي لمجي! # قاله، وتارة يفسرونه ويتأولونه بامور أخرى وإن خالف الظاهر. # فهذا القدر قد ومن بعض الصحابة في مواضع، ومن التابعين # أكثر، وكلما تأخر الزمان كان وقوعه أكثر، لكن إذا تأمل العالم ما ومن ~~الصحابة والتابعين وجد الصواب والحق كان في الخبر الصحيح، # وأن الذي غلط راويه برأيه كان هو الغالط، وإن كان عظيم القدر مغفورا # غلطه مثابا على اجتهاده. فاذا كان هذا حال أكابر الصحابة والتابعين # فكيف بمن يرد الاخبار بالتكذيب والتحريف من المتأخرين، ms038 أحسن # أحوال المؤمن العالم منهم أن يكون هو الغالط في تغليطه لما رواه # الثقات الأثبات عن رب السموات، ويكون هذا الغلط مغفوزا له # لاجتهاده، ويكون مثابا على ما فعله من حسن نيته وقصده وعلمه # 57 PageV01P057 ~~وسعيه، أما أن يرجج رأيه وتأويله على مقتضى النصوص فهذا ظلم # محرم، وفيه رذ ما جاء به الرسول لاجل رأي غيره وتأويله. # ولهذا قال الامام أحمد: أكثر ما يخطىء الناس من جهة التاويل # والقياس (1). ولقد حسن رضي الله عنه بهذه الكلمة الجامعة النافعة، # فاني تدبرت عامة من رد حديثما صحيحا بغير حديث صحيح يكون ناسخا # له برفع أو تفسيرا ومبينا غلط راويه، فلم أجد الغلط إلأ من الراد وان # كان قد تأول لرده ظاهر القران، ويكون غلطه من أحد وجهين: ما لانه # اعتقد ظاهر الحديث ماليس ظاهره ثم رده، ولا يكون ظاهر الحديث هو # المعنى المردود. أو لان ظاهره الذي اعتقده الظاهر حق، والدليل الذي # يعارضه ليست معارضته له حفا. # وهذا - والله أعلم - من حفظ الله لما بعث به نبيه من الحكمة التي هي # سنته، فانها من الذكر الذي أمر الله بذكره، حيث قال: < واذ! ربت ما # يتلى فى بيوبجن من ءايخت الله والحمة) [الاحزاب/ 34]، وقد قال # سبحانه وتعالى: < إنا نخن نزلنا ألذكر د! نا له لجفظون! > [الحجر/ 9]. # وسنته التي هي الحكمة منزلة بنص القران، فإن كانت داخلة في نفس # الذكر كما تقدم، والا كانت في معناه، فيكون حفظها بما حفظ به الذكر. # ولهذا يوجد من الايات الخارقة للعادة في حفظ السنة ما يوكد ذلك، كما # أن الله تعالى حفظ القران حفظا خرق به عادة حفظ الكتب السالفة، وكما # أن الله تعالى جعل اجماع هذه الامة حجة معصومة، وذلك أنه لا نبي بعد # محمد حتى يبين ما غير من دينه، وانما العلماء الذين هم ورثة الأنبياء PageV01P058 ~~الذين يحفط الله بهم حججه وبيناته. # ولهذا كان طائفة من علماء الامة وفقهائها الكبار يتحدثون دائما أنه # من قدر أن ياتي عن النبي! ي! بحديثين صحيحين متعارضين فلياتنا (1)، # ولن ms039 يجد أحد إلى ذلك سبيلا. وهذا القدر عام في الاحاديث الخبرية # المتعلقة بالعقائد والاصول الخبرية، وفي الأحاديث العملية المتعلقة # بالاعمال أصولها وفروعها، لا يستثنى من ذلك نوع واحد كما يفعل # طوائف من أهل الكلام الذين سلك المعترض سبيلهم. # ونا ذكر أمثلة وقعت في زمن الصحابة لتكون عبرة لما سواها، # ويستفيد الانسان بها إقرار الاحاديث الثابتة عند علماء الحديث، ويوسع # الاعتذار والاستغفار لمن تأول واجتهد في طلب الحق وان أخطأه، بل # يعطي حفه من المحبة والموالاة والتعظيم بحسب حسناته وإيمانه. # فمن ذلك قول النبي غ! يم: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ومن # نيح عليه يعذب بما نيح عليه ". وهذا رواه عن النبي ع! يم عمر وابن عمر # والمغيرة بن شعبة وخلق غير ذلك (2)، فطائفة من السلف والخلف ردته، # وطائفة تأولته على غير تأويله، وطائفة أقرته على المعنى لاالذي أحاله # ولئك الذي هو ظاهره. وسعد الناس به من فهم ظاهره وقره، ثم سكت # عن الامرين. وكثر ما دخل الامر من جهة اعتقاد فهم ظاهره، فإنهم # اعتقدوا أن الله تعالى يعاقب الميت على ذنب الحي، وظنوا أن العذاب لا # يكون إلا عقابا، ثم رأوا أن الله لا يعاقب الانسان بعمل غيره، لان ذلك PageV01P059 ~~مع منافاته العدل عندهم فهو مخالف لقوله: < ولاقروان! *وذر أخركلث) # 1 الأنعام/ 164، فاطر/18]. ثم تنوعوا ما بين رد وتاويل، فردته طائفة منهم # عائشة وابن عباس والشافعي في " مختلف الحديث "12) وغيرهم، وقالت # عائشة: إنكم لتحدئونا عن غير كاذبين، ولكن السمع قد يخطىء. # وأقسمت أن النبي ع! يو ما قال ذلك، ثم روت حديثين وأحدهما معناه # يوافق معنى ذلك الحديث. ولهذا قال الشافعي في "مختلف الحديث" # لما قال: ما قالته عائشة أشبه بكتاب الله، لكن روايتها الاخرى هي # الصحيحة. # قلت: فأما الحديث الأول ففي الصحيحين (2) عن ابن أبي مليكة # قال: توفيت لعثمان ابنة بمكة، وجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر وابن # عباس، واني لجالس بينهما، أو قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء # الاخر فجلس إلى جنبي، فقال عبدالله بن عمر لعمرو بن ms040 عثمان: ألا تنهى # عن البكاء؟ فإن رسول الله ع! يد قال: " ان الميت يعذب ببكاء أهله ". فقال # ابن عباس: كان عمر يقول بعض ذلك، ثم حدث قال: صدرت مع عمر # من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب قحت ظل سمرة، فقال: اذهب # فانظر من هؤلاء الركب، قال: فنظرت فإذا صهيب، فأخبرته، فقال: # ادعه لي، فرجعت لى صهيب فقلت: ارتحل فالحق امير المؤمنين. فلما # أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول: وا أخاه وا صاحباه! فقال عمر: يا # صهيب أتبكي علي وقد قال رسول الله ع! ير: " إن الميت يعذب ببعض بكاء # أهله عليه "؟! قال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، PageV01P060 ~~فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله لمجيم "إن الله ليعذب # المؤمن ببعض بكاء أهله علته "، وقالت: حسبكم القران < ولانرروان! # ؤررأخركى). قال ابن عباس عند ذلك: والله هو ضحك وأبكى. قال ابن # أبي مليكة: والله ما قال ابن عمر شيئا. # والحديث الاخر الذي روته عائشة في الصحيحين (1): عن عمرة أنها # سمعت عائشة زوج النبي لمجمم قالت: إنما مر رسول الله لمجيم على يهودية # يبكي عليها أهلها فقال: إنهم يبكون (2) عليها وانها لتعذب في قبرها) ". # ورواه أيضا البخاري (3) عن أبي موسى الاشعري قال: لما أصيب # عمر جعل صهيب يقول: وا أخاه! فقال عمر: أما علمت أن النبي لمجيم # قال: " إن الميت ليعذب ببكاء الحي "؟ # ورواه أيضا البخاري (4) عن سعيد بن المسيب عن عبدالله بن عمر # عن أبيه عن النبي! بقال: " إن الميت يعذب في قبره بما نيح عليه ". # وقد ذكره ابن عمر في حديث اخر، إما ن يكون من كلام النبي ط! # في تلك الواقعة، واما أن يكون قد قاله لعلمه بان النبي لمجير قاله. ففي # البخاري (5) عن سعيد بن الحارث عن عبدالله بن عمر قال: اشتكى # سعد بن عبادة شكوى له، فاتاه النبي لمجيم يعوده مع عبدالرحمن بن عوف # وسعد بن أبي وقاص وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم، فلما دخل عليه PageV01P061 ~~فوجده في غاشية ms041 أهله قالى: "قد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله، فبكى # النبي! يم، فلما رأى القوم بكى النبي! يم بكوه، فقالى: " ألا تسمعون؟ إ ن # الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وشار # إلى لسانه - أو يرحم، وان الميت يعذب ببكاء أهله عليه ". وكان عمر # يضرب فيه بالعصا ويرمي بالحجارة ويحثي أو يرمي بالتراب. # وقد أخبره يه أيضا المغيرة سماعا من النبي لمجيد، ففي الصحيحين (1) # عن المغيرة قالى: سمعت النبي ع! ي! يقول: " ن كذبا علي ليس ككذب # على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) "، وسمعت # النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " من نيح عليه يعذب بما نيح عليه ". # فهذا الحديث قبله أكابر الصحابة مثل عمر، وهو يحدث به حين # طعن، وقد دخل عليه المهاجرون والانصار، وينهى صهيبا عن النياحة، # ولا ينكر ذلك أحد، وكذلك في حالى إمرته يعاقب الحي الذي يعذب # الميت بفعله. وتلقاه أكابر التابعين مثل سعيد بن المسيب وغيره، ولم # يردوا لفظه ولا معناه. # وأما الذين ردوه تغليطا للراوي فهم الذين غلطوا، يغفر الله لهم. # كيف وقد سمعه مع الفاروق المغيرة وغيره؟ كيف والسابقون الاولون لم # ينكروه؟ ثم لو رواه بعض أكابر الصحابة لم يكن مردودا لما ذكر، فإن # أحد الحديثين اللذين روتهما عائشة يوافق معناه، وهو قوله: "إن الله # ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه ". وم المؤمنين هي الثقة المأمونة على # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الصديقة بنت الصديق، وهي من أعلم ~~الصحابة PageV01P062 ~~وحفظهم لحديث النبي! سم! م، وهي حجة في ذلك. والحديث الذي روته # "إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله " يدل على أن الكافر الميت يعذب # ببكاء أهله عليه، فلو كان ذلك من باب حمل الوزر أو الظلم لم يصخ في # حق كافر ولا مؤمن. وما إذا ر ت ر يا ورأى غيرها رأيا قالمرذ إلى الله # ورسويه. # وهي لم تحتح إلا بقولي تعالى: < ولاتزروازريروزر أخر! ث)، وهذه # الآية لا تخالف الحديث، فإن الميت لا يحمل من ms042 ذنب الحي شيئا، # وهذا هو حمل الوزر وأن يوضع من ذنب المرء على غيره ليخفف عنه، # بل النائح يعذب على نياحته، كما في الحديث الصحيح (1): "إن النائحة # إذا لم تتب قبل موتها فإنها تليس يوم القيامة وتقام وعليها سربال من # قظران ودرع من جرب ". # وكذلك الاحتجاج بقوله: <هو أضحك وأت!! > [الانجم/ 43]، # وجهه أن الله خالق الضحك والبكاء، وهو كائن بغير اختيار المرء، فلا # يعذب على فعل الله الذي ليس من فعله، كما لا يعذب على تمريضه # وتمويته. وهذه الحجة لا تخالف الحديث أيضا، فإن من الضحك # والبكاء ما يأمر الله به وينهى عنه، ولهذا قال الله تعالى: < فن هذا لحديث # تعجون *وتضحكون ولاتبيهون!) [النجم/ 59 - 60]، وقال: < ن لذلى # أتجرمو؟ نو) من الذين ء! وايضكون *> [المطففين/ 29]، فذمهم على ذلك. # وقال: < خروا سخرا ولبه! ا ه * > [مريم / 58]، وقال: < ويخ! ن للأذقان # يضكون! [1 لاسراء/ 109]، فجعل ذلك من أعمالهم الصالحة. بل الفرح # والحزن قد يدخل تحت الامر والنهي استحبابا وإيجابا، كقوله: PageV01P063 # < لكتلا تآسو على ما فاتكغ ولا تقرحو بضا ءاتنخ) [خد/ 23]. # وقد ذم الله الفرح بغير الحق، وأمر بالفرح بالايمان، ونهى عن الحزن # الذي يضز، وذلك أصل الضحك والبكاء، فقال: < قل بفضل ادله وبرخمتص # فبذلك فليفرحوا) [يونس/ 58]، وقال: < ذلنكم بماكتم تفرحون فى الأرض # بغبر احف وبما كنغ تمرحون!) [غانر/ 75]، وقال: < إد قال له قوم!! تفرح # إن الله لا! ب الفرحين *> 1 لقصص / 76]، وقال: < ولاتهنوأ ولا تحزنوا) # [ال عمران / 139]، وقال: < ولا تحزن علئهم > 1 النمل/ 70]، وقال: < ولا # ! زنث فولهؤ > [يونس/ 65]. فتهى عن الحزن الذي يضر، كالحزن # على الكفار المكذبين، والحزن إذا غلب المسلمون أو خافوا من عدوهم # والحزن من قولهم، فان هذا الموطن يؤمر فيه بالثبات والقوة والقيام # بالواجب من التبليغ والجهاد، والحزن يضعف عن هذا الواجب، وما # أفضى إلى ترك واجب نهي عته، وكذلك ما يشغل عن المستحب لم يكن # حسنا. # وأما الحزن على الميت ونحوه فيرخض مته في الحزن الذي لا # معصية فيه وفي الدمع، كما يستحب فيه رحمة الميت، إذ ليس ms043 في ذلك # ترك واجب ولا تعدي حا، كما قال النبي لمجيم: "إن الله لا يؤاخذ على # دمع العين ولا حزن القلب " (1)، وهذا هو الذي لا يملكه العبد، بل يكون # بغير اختياره على سبب غير محرم، فلهذا لم يؤاخذ الله عليه، كما قال: # "ما كان من العين والقلب فمن الله، وما كان من اليد واللسان فمن # الشيطان " (2). فالذي يخلقه الله وليس من مقدور العبد عفا عنه، وهو PageV01P064 ~~الذي يجب القول به من احتجاج ابن عباس، وهو قوله: " إن الله أضحك # وأبكى "، فهذا هو من الله، وأما ما كان من اليد واللسان فذلك مما يأمر به # الشيطان فيدخل تحت العقاب، وان كان الله هو خالق كل شيء. ولولا # هذا لم تعذب نائحة، والنصوص كلها تخالف ذلك، كما تقدم في # الحديث، وكقوله! يم: "ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا # بدعوى الجاهلية " (1). وقال أبو موسى: أنابرىء ممن برىء منه رسول # الله ع! ير، برىء من الصالقة والحالقة والشافة (2). وكلاهما في # الصحيحين. # وقال الله تعالى: < ولابغسذ فى مغىوف!) [الممتحنة/ 12]، وهي # النياحة، كما جاءت مفسرة، وهي مما أخذه النبي ع! ؤ على النساء في # البيعة، كما في الصحيح (3) عن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله ع! وفي ~~البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة. # ولهذا كانت النياحة محرمة على القول الصحيح الذي عليه جماهير # العلماء، وهو المنصوص عن أحمد وغيره، وإن كان بعض أصحابه # وبعض الناس جعل فيه تفصيلأ كالغناء عنده، فليس كذلك، بل جنس # النياحة أعظم من جنس الغناء للنساء، ولهذا كان الضرب بالدف في # الجنازة منكرا بلا ريب، حتى نص أحمد على وجوب إزالته في ذلك # بتخريق أو غيره، وان كان النساء يرخص لهن في الضرب بالد! في # الافراح، والنساء قد رخص لهن في الغناء في مواضع، ولم يرخص في # (1) أخرجه البخاري (1294،1297) ومسلم (103) عن ابن مسعود. PageV01P065 # النياحة قط، بل السنن الصحيحة تنهى عن النياحة مطلقا، والسلف فما # كان ينوج قي عهدهم النساء. # ولم يأمر الله تعالى ms044 بالجزع قط ولا أثنى عليه، كما مر بالفرح في # مواطن وأثنى عليه، فالصوتان المنكران الاحمقان اللذان نهى عنهما # النبي! ييه: صوت لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت لطم خدود وشق # جيوب ودعاء بدعوى الجافلية (1)، حدهما أنكر من الاخر. # نعم إذا كان البكاء رحمة للمبكي عليه فهذا حسن مستحب، كما قي # الصحيحين (2) عن أسامة بن زيد قال: أرسلت ابنة النبي! يم إليه أن ابنا # لي قبض فأتنا، فأرسل يقرىء السلام ويقول: "إن لله ما خذ وله ما # أعظى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب". فأرسلت إليه # تقسم عليه ليأتيئها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وبي بن # كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلى رسول الله غ! ي! الصبي ونفسه # تتقعقع كأنها شن، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ # فقال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وانما يرحم الله من عباده # الزحماء". وهذا يقتضي أن من لم يكن عنده رحمة للمتوجع بنزع أو # مرض أو فقر أو ظلم أو معصية أصيب بها ونحو ذلك، فانه لا يرحم. # ولهذا جمع الله تعالى بين الصبر والرحمة في قوله: < ثص كان من # الذين ءامنوا ونواصوا بالصبر وتواصؤا بالمرخمة!) [البدد/ 17]، ءفذكر ~~التواصي # بالصبر وبالرحمة جميعا، إذ المرحمة بلا صبر يكون معها الجزع، PageV01P066 ~~والصبر بلا مرحمة يكون معه القسوة. فهذه الرحمة حسنة مامور بها، # واذا كان معها حزن لم يكن به بأس، وان لم يؤمر به، فقد قال يعقوب: # < جمأسنى عك يوسف وا! ضت عتناه مف الحزن فهو كظيم!) [يوسف/ # 84]. # وفي البخاري (1) عن ثابت عن نس قال: دحلنا مع رسول الله جمييه # على بي سيف القين، وكان ظئرا لابراهيم، فاخذ رسول الله ع! يم إبراهيم # فقبله وشمه، ثم دحلنا بعد ذلك وابراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا # رسول الله جمييه تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف: ونت يا رسول # الله؟! فقال: " يا ابن عوف، إنها رحمة ". ثم أتبعها بأخرى، فقال: " إن # العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وانا ms045 بفراقك يا # إبراهيم لمحزونون ". # وفي هذا الحديث روي: يا رسول الله، أو لم تنه عن البكاء؟ فقال: # " إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين " كما تقدم. ميز جمييه ما لا إثم فيه # أو ما يستحب من الرحمة والحزن والدمع، وما ينهى عنه من النياحة برفع # الصوت والندب وما يتبع ذلك مما ليس هذا موضعه، إذ الغرض بيان # معنى الحديث، ون مافي حجة ابن عباس من رفع (2) التكليف عما ليس # مقدورا للعبد لا هو ولا سببه يخالف الحديث. # بل قد بين ع! يم الفرق بين النوعين، وما يؤاخذ الله عليه ومالم # يؤاخذ، ولفظ حديثه: "إنه يعذب ببكاء أهله " بالمد، أو "من نيح عليه PageV01P067 ~~يعذب بما نيح عليه "، والمعول عليه يعذب، والنياحة والعويل والبكاء # بالمد لا يكون إلا مع الصوت الذي هو الصلق، فأما الدمع (1) فهو بكى # بالقصر لا يمد، كما قال الشاعر (2): # بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل # فإن زيادة اللفظ لزيادة المعنى، والفعال من أمثلة الاصوات، # كالرغاء والثغاء والدعاء والخوار والجوار والنباح والصراخ، وكذلك # الفعيل كالضجيح والعجيح والهرير. # وأما القسم الثاني الذين تأولوا الحديث، فهؤلاء من المتاخرين # لامن الصحابة، فان الصحابة عرفوا المقصود برواية بعضهم لبعض، فلم # يستقم لهم التأويل، وهؤلاء جعلوا التعذيب على ذنب يفعله الميت، # فبعضهم جعله هو أمره بالنياحة، وقصر الحديث على هذا، كما يذكر عن # المزني. وبعضهم جعل ذلك إذا كانت النياحة عادتهم ولم ينه عنها، # فيعذب على ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا أمثل # التأويلات، وهو (3) تأويل البخاري صاصما الصحيح (4) وجذي أبي # البركات (5) وغيرهما. PageV01P068 # وهذا ايضا ضعيف، لانه خلاف مقتضى الحديث ومفهومه، # وخلاف ما فهمه الصحابة الذين رووه، وقصر لهذا اللفط العام على صور # قليلة، فان النياحة لم تكن من عادة المسلمين بعد نهي النبي لمجيم، بل # كانت قليلة. # ويضا فالاحياء الموجودون أحق بالتعذيب على إنكار المنكر من # الميت العاجز، ولا اختصاص لتعذيبه على مالم ينه من النياحة، بل ما # يتركونه من الواجبات ويفعلونه من المحرمات التي لم يامر ولم ينه ms046 عنها # أعظم من النياحة، فتخصيصها لهذا السبب بعيد. # ويضا فان الناهي ينهى فلا يسمع منه، وحسبك بنهي النبي ع! يو # ومبايعته للنساء، ونهيه نسوة جعفر، كما في الصحيحين (1) عن عائشة # قالت: لما جاء النبي ع! يو نعي ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس يعرف # فيه الحزن، ونا أنظر من صائر الباب، فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر، # وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن، فذهب ثم أتاه الثانية، فذكر أنهن لم # يطعنه، فقال: " انهض ". فاتاه الثالثة فقال: والله لقد غلبننا يا رسول الله، # فزعمت أنه قال: " فاحث في أفواههن التراب "، فقلت: أرغم الله أنفك، # لم تفعل ما مرك رسول الله ع! يو ولم تترك رسول الله لمجيم من العناء. # ولهذا كان عمر بن الخطاب يحثو فيه التراب، لامر النبي! # بذلك. هذا مع قوله: دعهن يبكين على [أبي] سليمان خالد بن الوليد # مالم يكن نقع أو لقلقة 2). PageV01P069 # وأيضا فان المحوج لهم إلى هذا التاويل ظنهم ظاهر هذا الحديث # عقوبة هذا بذنب هذا، وليس كذلك. # وأما الطائفة الثانية التي (1) اعتقدت هذا ظاهره فجوزت أن الله # يعاقب الانسان بعمل غيره، وهؤلاء يقولون: إن أطفال المشركين # يدخلون النار مع آبائهم، وهذا قول طائفة من أهل الحديث والفقه # والكلام من أصحاب أحمد وغيره، ويقولون: إن الله يفعل ما يشاء # ويحكم ما يريد، وإنه لا يتصور منه ظلم أصلا، فلا إشكال في الحديث # أصلا. ومن العجب أنه يستشكله كثير ممن يقول بهذا الاصل، وانما # المخالف للقرآن أن تحط سيئات غيره بلا معاوضة، وهذا ليس في # الحديث. # والذي عليه أكابر الصحابة والتابعين هو الصواب، فان النبي! ك! ي! # قال: "يعذب"، ولم يقل: "يعاقب". والعذاب أعم من العقاب، قال # ! ير: " السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فاذا # قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل بالرجوع إلى أهله " (2). وقد قال # أيوب عليه السلام: < أني مسنى السئطن نجب وعذاب!) [ص/ 41]، # فالعذاب هو الالام التي يحدثها الله تعالى، تارة يكون جزاء على عمل # فيكون عقابا، وتارة يكون تكفيرا للسيئات، فانه "ما ms047 يصيب المؤمن من # وصب ولا نصب ولا. هئم ولا حزن ولا غئم ولا ذى إلا كفر الله به من # خطاياه ". أخرجاه في الصحيحين (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV01P070 # فالعذاب الذي يعذب به الميت في قبره من جنس الالام التي تحصل # له في الدنيا، وقد يكون غير ذلك، ولهذا روي عن النبي! ير في الحديث # الذي في السنن (1) أنه قال لنسوة في جنازة: ارجعن مازورات غير # مأجورات، فإنكن تفتن الحي وتوذين الميت ". ولهذا في سنن أبى # (2) ء ( # د ود ان النبي! م! ر نهى أن تتبع الجنازة بصوت أو نار. وضرب عمر بن # الخطاب نائحة، فقيل له: قد بدا شعرها، فقال: إنه لا حرمة لها، إنها # تنهى عن الصبر وقد أمر الله به، وتامر بالجزع وقد نهى الله عنه، وتفتن # الحي وتؤذي الميت، وتبيع عبرتها وتبكي بشجو غيرها، إنها لا تبكي # على ميتكم، ولكن تبكي على أخذ دراهمكم. # وهذا الالم والعذاب الذي يحصل للميت بالنياحة موجود كما دلت # عليه أحاديث، مثل حديث عبدالله بن رواحة الذي رواه البخاري في # (3). # صحيحه عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبدالله بن # رواحة، فجعلت أخته تبكى واجبلاه واكذا! تعدد عليه، فقال حين أفاق: # ما قلت لي شيئا لا قيل لي: "أنت كذاك "؟ فلما مات لم تبك عليه. # ومثل هذا عرف عن غير عبدالله بن رواحة، فإنه يوجد الميت يشتكي # من تاالمه ببكاء الحي عليه، ويكشف في المنام وغيره في ذلك للمؤمن # أمور متعددة. وقد يحصل التأذي والالم للميت، وقد يتعذب الحيئ بما # يسمعه ويراه ويشمه من أحوال غيره. فهذا أمر موجود في الدنيا PageV01P071 ~~والاخرةه # ثم ذلك الالم الذي يحصل للميت في البرزخ إذا لم يكن له فيه # ذنب، من جنس الضغطة وانتهار منكر ونكير ومن جنس أهوال القيامة، # يكفر الله به خطايا المؤمن ويكون من عقوبة الكافر، ولا ينقطع التكليف # والعذاب إلا بدخول دار الجزاء وهي الجنة، فأما البرزخ وعرصة القيامة # فيكون فيها هذا كله. # ويضا فمن عقوبات الذنوب ما يصيب ms048 غير المعاقب ويكون مصيبة # في حقه، كما قي الصحيحين (1) عن عبدالله بن عمر عن النبي ع! يو قال: # "إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، وبعثوا على # نياتهم ". وقي الحديث الصحيح (2): " يغزو هذا البيت جيش، فبينما هم # ببيداء من الارض إذ خسف بهم"، فقيل: يا رسول الله، فيهم المكره، # قال: "يبعمون على نياتهم ". وكذلك الجدب ونحوه مما يصيب غير # المذنبين. # وكذلك ما ثبت في الصحيح (3) من مناداة أهل القليب وقولي عليه # السلام لهم: "هل وجدتم ما وعدكم ربكم حفا؟ " وقول بعض الصحابة: # يا رسول الله، أتدعو أقواما - أو قال: قوما - قد جيفوا؟ فقال: " ما أنتم # باسمع لما اقول منهم ". وما ثبت في الصحبح (4) من قول عائشة: " إنهم # ليعلمون الان أن ما كنت أقول لهم حق"، وقد قال الله تعالى: < إنك لا PageV01P072 ~~لتشمع الموزر) 1 النمل / 0 8]. # وفي الصحيحين (1) عن عروة بن الزبير قال: ذكر عند عائشة أن ابن # عمر يرفع إلى النبي! مم "إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه "، # فقالت: وهل، إنما قال رسول الله لمجي!: "إن الميت ليعذب بخطيئته أو # بذنبه وان أهله ليبكون عليه الان "، وذلك مثل قوله: إن رسول الله لمجمط # قال على القليب يوم بدر وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال: # " إنهم ليسمعون ما أقول "، وقد وهل، إنما قال: " إنهم ليعلمون الان أن # ما كنت أقول لهم حق "، ثم قرأت: < نك لادتشمع المؤزر)، 1 النمل/ 80]، # <وما أنت بم! مع نر فى القبور!) 1 فاطر/ 22]، يقول: حين تبوأوا # مقاعدهم من النار. # وفي لفظ البخاري (2) عن نافع أن ابن عمر أخبرهم اطلع النبيئ لمجي! # على أهل القليب فقال: " وجدتم ما وعدكم ربكم حفا؟ " فقيل له: تدعو # أمواتا! فقال: " ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون ". # ومن المعلوم أن سمع الموتى قد ثبت بنصو عمتواترة من حديث # أنس وغيره، مثل قوله في الحديث المتفق عليه (3): "إنه يسمع قرع # نعالهم حين يولون عنه مدبرين "، وقوله في حديث ثابت: "ما من رجل # يمز ms049 بقبز الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسفم عليه، إلا رد الله عليه روحه # حتى يرد عليه السلام " (4)، وقوله: "ما من رجل يسلم علي لا رد الله PageV01P073 ~~علي روحي حتى ارد عليه السلام " (1). ومثل الاحاديب المتواترة في # السلام على الموتى، وهذا باب واسع. # والحديب الذي روته يؤيهد ذلك، وهو " أنهم يعلمون "، فالذي يجوز # أن يعلم يجوز أن يسمع كائنا ما كان، فان الموت يناقي العلم كما ينافي # السمع والبصر، فلو كان مانعا لكان مانعا للجميع. ولهذا كان جماهير # المسلمين على مقتضى الحديث. # فهذا ونحوه من المسائل الخبرية العلمية التي هي من جنس مسائل # الاعتقاد والاصول العلمية، وأما في المسائل العملية فكثير ايضا، مثل ما # في الصحيحين (2) لما سئل ابن مسعوب عن تيمم الجنب فنهى عنه، فذكر # له أبو موسى حديث عفار، فقال: لم تر عمر لم يقنع به؟ وذكر له اية # التيمم، فلم يجب بشيء غير انه قال: لو رخصنا لهم في هذا لاوشك # أحدهم إذا وجد ألم البرد أن يتيمم. # ومعلوم ان حديث عمار مما لا يمكن رده، وعمر رضي الله عنه لم # يرده على عمار، ولكن نسيه وقال لعمار: أوليك من ذلك ما توليت. # يعني حدب به أنت. والآية لا يمكن تركها بهذا القياس، وهو أن تيمم # الجنب مستلزم للتيمم عند البرد، بل مثل هذا الذي يسميه الفقهاء # مصلحة مهدرة. # ثم يقال: إن كان هذا القياس صحيحا لزم جواز التيمم عند خوف PageV01P074 ~~التضرر بالبرد، وهذا اللازم حق، وقد سلك هذا طوائف من المفتين # والمشايخ والامراء وغيرهم. لكن من المعلوم أن الصواب الذي أمرنا به # اتباع النصوص، ون لا نردها بما نراه من مصلحة أو مفسدة. ولهذا اتفق # أئمة العلماء على تيمم الجنب لدلالة الكتاب والسنة على ذلك في عدة # أحاديث، كحديث عمار وعمران بن حصين، وهما في الصحيحين (1)، # وعمرو بن العاصي (2) وصاحب الشجة (3)، وهي أحاديث جيدة، ولم # يروا أن يتركوا ذلك لما يخاف (4) من المفسدة، بل يميز بين المأمور به # والمنهي عنه. # ثم التيمم مشروع عند عدم الماء وعند ms050 خشية الضرر باستعماله كما # في القران، فحديب عمار ونحوه للعادم، وحديب صاحب الشجة # وعمرو للمتضرر بمرض أو خوف مرض. فتأخير الصلاة مع الجنابة حتى # يجد الماء قد نهى عنه النبي لمجيم في غير حديث، وكذلك اغتسال # المريض، وقد قال في صاحب الشجة: " قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذا # لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال ". # ومع هذا فقد تأول خلاف ذلك من كان من أعيان الصحابة في حياة # النبي! يم وبعد وفاته، وأن الجنب لا يصلي، ونه يغتسل مع ضرورة. # وكذلك كان أبو هريرة يحدث بأحاديث فينكرها بعضهم، ثم PageV01P075 ~~يرجعون إلى الحق، مثل تودف ابن عمر عن قوله: إن المصلي على # الجنازة له قيراط، حتى سالوا عائشة فروت ذلك أيضا (1). وكذلك # حديث فاطمة بنت قيس (2) وحديث بروع بنت واشق (3) ومثال ذلك # كثيرة. ما علمنا حدا من الصحابة والتابعين مع فضل عقلهم وعلمهم # وايمانهم ردوا حديثما صحيحا وتأولوه على خلاف مقتضاه، لمخالفة # ظاهر القران في فهمهم أو لمخالفة المعقول أو القياس، إلا كان الصواب # مع الحديث ومن اتبعه، فكيف بمن بعدهم؟! وهذا من معجزات الرسول # وايات حفظ دلمحنه وشرعه وسننه. # وهذا خاصة الصديق مع سائر الصحابة، فإنه لم يعرف له فتوى ولا # كلالم يخالف شيئا من الاحاديث، بل كمل فيه التصديق حيا وميتا. # ولغيره من التأويل والاجتهاد ما هو مثاب فيه على حسنه، ومغفور له فيه # خطؤه. بل كان الصديق يبين لهم من معاني النصوص إذا اعتقدوا في # ظاهرها مالا يدل عليه ورأى عدمه، كما قال له عمر عام الحديبية (4): # ألم يحذثنا رسول الله ع! ي! أنا ناتي هذا البيت ونطوف به؟ قال: أقال لك # إنك تاتيه هذا العام؟ قال: لا، قال: فإنك اتيه ومطوف به. وكان عمر # لما سال النبي! ير أجابه بهذا الجواب. وهو جواب حق، فإن اللفظ # مطلق لم يوقت زمنا، فتخصيصه بذلك العام كان في ظن المستمع، لما PageV01P076 ~~رأى حركة النبي جميم والمسلمين إلى البيت ظن أن الوعد ينجز بهم في # ذلك العام، ولم يكن ذلك في ظاهر ms051 لفط الوعد. # وكذلك لما قال له عمر (1): كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله # لمجيم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فاذا قالوها عصموا # مني دماءهم وموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى "؟ فقال له # أبو بكر: ألم يقل "إلا بحقها"؟ فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني # عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله! ي! لقاتلتهم على منعها ه قال عمر: # فما هو إلا ن رأيت أن الله قد نهرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه # الحق. # وهذا المعنى الذي ذكره أبو بكر هو مصرح به في الحديث الاخر # الذي في الصحيحين (2) من رواية ابن عمر: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا # الله ون محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ". فذاك # الحديث إن جعل معارضا لهذا فقد بين به أبوبكر عدم المعارضة، وبين # أن الحجة فيه أيضا بقوله "إلا بحقها"، أي لا تحل دماؤهم وأموالهم إلا # بحقها، أي لا تباح لي بالباطل بل بحقها، والزكاة هي من الحق الذي # أوجبه الله عليهم، فأنا أقاتلهم على هذا الحق. ثم بين بأنهم لو تركوا من # الحق شيئا قليلا لقاتلهم عنه، فقال: والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها # إلى رسول الله! لخييه لقاتلتهم على منعها. # وكلا الحديثين حق، فان الكافر المحارب إذا نطق بالشهادتين حرم PageV01P077 ~~حينئذ قتاله، ثم بعد ذلك إن أقام الصلاة وآتى الزكاة والا! تل عليها، # كما بئنه في الحديث الاخر. ثم بعد ذلك إن تركوا شيئا من حقها مثل أن # يستحلوا الربا أو يمتنعوا من تركه أو نحو ذلك، كانوا قد حاربوا الله # ورسوله، وقوتلوا أيضا على ذلك. وانما هي مراتب، فالكلمتان رأس # الاسلام من الكلام، والصلاة والزكاة هما رأس العمل، فتارة يذكر # الاصل الذي هو الاعتقاد والكلام، وتارة يقرن به الاصل الاخر من # العمل والاقتصاد، ثم يدرج سائر الدين الذي مر الله تعالى بالقتال عليه # في قوله " إلا بحقها"، كما قال تعالى: < وقئلوهغ حتي لاتكون فتنة # ويون الذتر! ل! دله > [1 لانفال/ 39]. فقوله: " عصموا ms052 مني دماءهم # وأموالهم إلا بحقها" كقولي تعالى: < ولا ئقتلوا لنفس لتى حرم الله إلا # يالحق > [الاسراء/ 33]، وقولي: < ولا تا! طو أموبمكم بينكم بالنطل > ~~[لبقرة/ # 188]. # ونظائر هذه المقامات للصديق كثيرة، يفقههم فيما خفي عليهم أو # ذهلوا عنه من معاني الكتاب والسنة، كتلاوة قوله تعالى: < رمامحمد إلا # رسول قد ظت من قئله ألرسل) [ال عمران / 4 4 1] حين قبض النبي! شيم، وفي # روايته لهم أحاديث لم يعرفوها، كحديث دفن النبي ع! يم (1) وغيره، # وكجوابه لهم فيما يشكل عليهم من معاني القرآن والحديث، وبيان أن # ظاهره حق، وأن من ظن أن ظاهره ليس بحق فهو المخطىء في ذلك، # ونه لم يوجد له فتوى ولا مر ولا كلام يخالف شيئا من النصوص كما PageV01P078 ~~وجد لغيره. ولهذا حكى غير واحد من العلماء إجماع أهل السنة # والجماعة على أنه أعلم الصحابة، فهو أعلمهم وشجعهم وجودهم # وأدينهم باتفاق أهل المعرفة من المسلمين، وعظم علمه وايمانه # التصديق بالنصوص النبوية خبرا ومرا واتباعها، ونه لايعارضها بشيء # من تاويلاته وارائه. # وهذا وكثر منه يبين لك أن المتبعين للحديث هم صديقو هذه # الأمة، والصديقون هم أفصل الخلق بعد الانبياء، ومن كان منهم أعظم # اتباعا له كان أعظمهم تصديقا ه وما الخارجون (1) عن السنة والجماعة # فاما أن يكونوا (2) من جنس ذي الخويصرة ومثاله من الخوارج، واما أن # يكونوا من جنس عبدالله بن أبي وأمثاله من المنافقين، واما أن يكونوا من # جنس مسيلمة الكذاب وتباعه المرتدين الذين جعلوا مع الرسول نظيرا # له، واما أن يكونوا من جنس مانعي الزكاة ومثالهم ممن أقر ببعض # واجبات الدين وبعض ما جاء به الرسول دون بعض. وهذا أمر مطرد لا # يخرم، لا يخرج عن شريعة النبي! ي! وسنته وجماعة المسلمين المقرين # بالشهادتين إلا وهو إما منافق، واما مبتدع مارو كالذين كانوا على # عهده، وافا مرتد عن بعض دلمحنه، واما جاعل (3) معه نظيرا له، وهما # متلازمان، فان من جعل معه نظيرا له لابذ أن يرتد عن بعض دلنه، ومن # ارتد عن بعض دلنه فلابد ون يطيع في ترك ms053 ذلك البعض لغيره. # وهؤلاء من المرتدين الذين قاتلهم الصديق والصحابة اجمعون، PageV01P079 ~~والخوارج هم الحرورية الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب # وأصحاب رسول الله ع! ي! بامر النبي ع! ي! ونصوصه، لا بالاجتهاد والرأي # والتأويل. وما المنافقون فانهم وان لم يقاتلوا إذ لم يطهروا إلا الطاعة لله # ورسوله فهم في الاخرة في الدرك الاسفل من النار. # فهذا حال المحارب والمسالم من الخارجين عن شريعة رسول الله # ع! يم وجماعة المسلمين من المقرين بالشهادتين، فأما من لم يقر # بالشهادتين من المشركين وهل الكتاب فأمره ظاهر، وانما الغرض من # قد يشمله لفظ " مسلم "، لظهور إسلامه بالشهادتين وان كان الايمان لم # يدخل قلبه، أو كان في قلبه مرض، أو قد ارتد عن بعضه. فهذا هذا، # والله أعلم. # وقد تبين بذلك أن الاحاديث النبوية من الصحاح من رد منها شيئا، # وفهم من ظاهره معنى يعتقد أنه مخالف للقران أو للعقل، فمن نفسه # أتي، وأن المقررين للنصوص هم أرفع الخلق وعلاهم طبقة، إذ جمعوا # المعرفة والفهم، فان الصديق رضي الله عنه كان أعلمهم بما قال النبي # لمجو، وفهمهم لمعان زائدة من الخطاب، لا تستفاد بمجرد اللغة والعلم # باللسان، بل هي من الفهم الذي يوتيه الله عبده. كما في الصحيحين (1) # عن أبي سعيد قال: خطب رسول الله لمجيم فقال: "إن عبدا خيره الله بين # الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله "، فبكى أبو بكر وقال: # بل نفديك بأنفسنا، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ أن يكون الله # خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله؟ فكان # رسول الله ع! ذلك العبد، وكان أبو بكر أعلمنا به، فقال: " يا با بكر، لا PageV01P080 ~~تبك (1)، ان أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا # خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الاسلام ومودته. لا يبقين في # المسجد خوخة باب إلا سد إلا باب أبي بكر". # وكذلك رواه البخاري (2) عن عكرمة عن ابن عباس قال: خرج # رسول ms054 الله! يرر في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بخرلمحة، فقعد على # المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إنه ليس أحد من الناس أمن علي # في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذا من الناس # خليلا لاتخذت أبا بكر حليلا، ولكن حلة الاسلام أفضل. سدوا عني كل # خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر". # وقد كان هذا الجنس من الاستشكال والمعارضة يورد على النبي! يم # في حياته، فبين عدم وروده، مثل مافي الصحيحين (3) عن عائشة قالت: # قال النبي! يرر: " من نوقش الحساب عذب "، قلت: يا رسول الله، أوليس # يقول الله تعالى في كتابه: < فأما من وف كننه بعمينهء*فسوف طسب حسابا # يس! بم!! [الانشقاق/ 7 - 8]. فقال: " ذلك العرض ". # ولا ريب أن حديث النبي جم! ي! لا يعارض هذه الاية، فإنما قال: " من # نوقش الحساب عذب "، والاية إنما (4) فيها ذكر الحساب اليسير ليس فيها # المناقشة، لكن لما اثبت القران حسابا للسعيد ظن المستمع أن ذلك من # المناقشة في الحساب، وليس كذلك. فزاده النبي جيرر بيانا ن ذلك PageV01P081 ~~الحساب اليسير هو العرض، وهو ان تعرض عليه أعماله ليعلمها ويعلم # رحمة الله له بالعفو عنه، كما في الصحيحين (1) عن ابن عمر عن النبي ع! يم # أنه قال: "إن الله يلقي كنفه على عبده المؤمن، ثم يقرره بذنوبه: فعلت # يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول: نعم يا رب، فيقول: إني سترتها عليك # في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. وأما الكفار والمنافقون فينادى على # رووس الخلائق: <طؤلاء الذلى كذبرا عك ربهم لا لغنة الله على # الظد!) [هود/ 18]. # فحساب العرض والتعريف ليس هو المناقشة، وانما المناقشة تكون # عند الموازنة والمقابلة إذا وزنت حسناته بسيئاته من غير عفو ولا مغفرة ه # ومثل هذا حديث حفصة (2) لما قال النبي ع! يم: "لا يدخل النار أحد # بايع تحت الشجرة "، فقالت: أليس الله تعالى يقول: < ه ن منكم لا # واط ها)؟ فقال النبي ع! عم: < ثم شبم الذين اتقوا) [مريم / 72]. فبين أن هذا # الورود ليس ms055 هو من الدخول المنفي، إذ هو المرور على الصراط، فهو # إما ن لا يسمى دخولأ، وإما أن لا يدخل في مطلق دخول النار. # فإذا كانت الاحاديث الصحيحة الخبرية والظلبية في الاصول # والفروع لا يعلم منها حديث أصاب من عارضه أو خالف ظاهره بغير # حديمث اخر، فكيف يكون القران؟ # وهذا هو سز المسألة (3) التي يستشكلها كثير من الناس من كلام PageV01P082 ~~الشافعي، وهو أن القران لا ينسخ السنة، وقد وافقه على ذلك أصحاب # أحمد في أحد الق! ولين، وهو إحدى الروايتين عن أحمد وظهرهما في # قوله، وان كان كثير من أصحابه على الاخرى، حتى قال طائفة من # أصحاب الشافعي وحمد: إن القران لا يخصق عموم السنة، ولا يبين # القران السنة. وهذا معنى ما يروى عن غير واحد من السلف أنهم قالوا: # السنة تقضي على القران (1)، والقران لا يقضي على السنة. وسئل الإمام # حمد عن ذلك فقال: لا أجترىء هذا اللفط، ولكن السنة تفشر القران # وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه (2). فعدل عن لفط "تقضي عليه " لانها تشعر # المخاطبين في زمنه بأنها على منه، إلى لفط البيان والتفسير، وهذا هو # الذي قصده أولئك. # وقولهم: "تقضي على" بمنزلة قول الفقهاء: ترجح الخاص على # العام، وان كان الخاص دون العام في الحرمة. وكثير من أهل الكلام # والفقه ينكرون هذا ويقولون: كيف لا يكون الدليل الاقوى ناسخا # ومخصصا لما دونه؟ ولم يفهموا مراد من قال ذلك من الائمة، فإنهم # قالوا: إذا سن رسول الله! شيم سنة وجاء القران بنسخها، فلا بد أن يكون # من النبي! شيم من طاعة كتاب الله ما يخالف السنة الاولى، فلا تكون السنة # منسوخهي بالقران إلا ومع القران سنة توافقه، وهذا حق. # وكذلك قال من قال: السنة هي المفسرة للقران المبينة له، فكيف # يكون القران مفسزا لها مبيئا لها؟ ومقصودهم بهذا: الرد على من يعارض # سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الصريحة بما يظنه هو ناسخا لها ~~من ايات في PageV01P083 ~~القران. فقيل له: لو كانت منسوخة لكان في السنة ما (1) يبين ذلك، ms056 كما # قال يزيد بن عبدالله بن الشخير: حديث رسول الله ع! يم ينسخ بعضه بعضا # كما ينسخ القران بعضه بعضا (2). ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد وهو # مذهب الشافعي أن القران لا ينسخه إلا قران، لا ينسخه مجرد السنة # أيضا، وان كانت السنة مفشرة له مبينة له بلا نزاع. وقد خالفهم في ذلك # أكثر أهل الكلام وطوائف من الفقهاء، وهو الرواية الاخرى عن أحمد # التي يختارها أكثر أصحابه. # وهذا النزاع في جواز ذلك، وأما الوقوع [ف] لا أعلم إلى ساعتي # هذه حديثما صحيحا عن النبي ع! يم يجط تركه إلا لحديث صحيح يعارضه # ناسخا ومفسرا، لا أعلم ما يجب تركه من الحديث الصحيح لمخالفة # ظاهر القران أو العقل أو نص! للقران إلا ن يكون قد جاء حديث اخر # يخالفه، كما قاله الشافعي رضي الله عنه، فانه كان من أبصر الناس # بأصول الفقه وأعلمهم بالجمع بين النصوص المتعارضة، وناسخها # ومنسوخها، ومجملها ومفسرها، ولهذا تكلم على مختلف الحديث، # وكان يدعى ببغداد ناصر الحديث، وصرح بما ذكرته. # فروى شيخ الاسلام في كتاب ذم الكلام (3) عن الربيع قال: سئل # الشافعي باي شيء يهحبت الخبر؟ قال: إذا حدث الثقة عن الثقة حتى ينتهي # إلى رسول الله ع! يم، ولا يمرك له حديث إلا حديث واحد يخالفه حديث، PageV01P084 ~~،1 (.) ء # هب إلى اثبت الروايتين، أو يكون أحدهما منسوخا، فيعمل # بالناسخ. وإن تكافا ذهب إلى شبههما بكتاب الله وسنة نبيه فيما # سواهما، وحديث رسول الله! يم مستغن بنفسه، وإذا كان يروى عمن # دونه حديث 2 يخالفه لم ألتفت إليه، وحديث رسول الله! ك! يم أولى، ولو # علم من روي عنه خلاف سنة رسول الله! ك! يم اتبعها إن شاء الله. # وله وللامام أحمد وغيرهما من الائمة من الكلام مالا يفهم غوره # كثير من الناس، كما لائمة السلف قبلهم، فتجد من يفتي بطاهير من # القول ممن ألف طريقة بعض المتاخرين واصطلاجهم، لا يعرف # اصطلاجهم ولا يعرف مقصدهم ومغزاهم، بل فيه عجمة عن اللفط # والمعنى جميعا. ولهذا كان هؤلاء الائمة ms057 الذين اشتهروا بالإمامة في # الحديث - مثل الشافعي وحمد واسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة # الاثار- طريقتهم أنهم لا يردون شيئا من الحديث الصحيح، لا في # المسائل الخبرية ولا الشرعية، لافي الاصول ولا في الفروع، لا يردونه # لمخالفة ما يطن في قياس أو معقول أو مجرد ظاهر من القرآن، كما # بينا (3) أنه لا يوجد حديث صحيح مستحق الرد بلا حديث يعارضه، لكن # قد يفارق الرجل أصله أحيانا على وجه الغلط. # وكذلك أصول سائر الائمة وجميع السلف على أن الاخبار # الصحيحة مقبولة في جميع أبواب العلم الخبرية والعملية الاصول # والفروع، لم يكن في السلف ولا في الائمة من يرد الخبر في باب من PageV01P085 ~~أبواب العلم بأنه خبر واحد، ولم ينشا ذلك الا من أهل الباع. # ولهذا ما زال علماء السنة يقبلون الخبر الصحيح، ويبينون اتفاق # الاخبار المتعارضة عند بعض الناس، ووضع كل حديثا موضعه، وأن # الاحاديث كما جاءت لا ترد بتكذيب ولا بتحريف. ولم يكن في أئمة # المسلمين من يقول: هذا خبر واحد في المسائل العلمية فلا يقبل، أو # هذا خبر واحد مخالف للعقل فلا يقبل، ومن قال شيئا من هذا عدوه من # أهل الباع، لكوفي يعارض السنة الصحيحة بما لم يجىء عن الرسول، # وكلام الرسول لا يعارضه إلا كلام الرسول. # لكن قد كان بعضهم يعارض الخبر المنفرد إما بطاهر من القران وإما # بما يعتقده من الاجماع ونحو ذلك من الأدلة الشرعية، فهذا قد كان يقع # من بعض السلف، كقول عمر: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا # ندري هل حفظت أو نسيت (1). وقول مروان: فنأخذ بالعصمة التي # وجدنا عليها الناس (2). وما ذكر عن عائشة في مواضع من رد بعض # الحديث بظاهر من القران. وكذلك ما يوجد في مذهب أهل المدينة من # تقديم العمل الذي يجعلونه إجماغا على الخبر، ويستدلون بذلك على # نسخه. # فهذا ونحوه قد كان يقع من بعضهم، وما علمت أنه ومن ذلك # شيء لا والصواب خلافه، كما تقدم التنبيه عليه. ولهذا قال الإمام # أحمد: إذا ورد الخبر الصحيح ms058 عن النبي ع! ي! فهو سنة يجب اتباعها، ولا PageV01P086 ~~يلتفت إلى غيره من قياس أو عمل. وكان هو وغيره من الائمة يجعلون # من أكابر أهل البدع من يرد الاخبار الصحاح في الامور الخبرية أو # العملية في أصول أو قروع. ولهذا كان الشافعي يقول دائفا: إذا صخ # الحديث فاضربوا بقولي الحائط (1). وكان يقدم الخبر الصحيح على كل # ما يدعى من هذه المعارضات. # وهذا القدر إنما استقام لائمة الحديث لانهم أعرف به وبصحيحه، # فعندهم من اليقين بصحته ما ليس عند غيرهم ممن لم يعلم منه ما # علموه، وقد علموا من ضعف المعارض ما لم يعلمه غيرهم. ولهذا تجد # غيرهم يذكر أحاديث مستفيضة متلقاة بالقبول وحاديث ضعيفة أو # موضوعة، والجميع عنده من جنس واحد، وهو خبر واحد، فيقبل هذا # الجنس الذي فيه الحق والباطل مطلقا إذا وافق بعض أصوله، ويخالفه إذا # خالف بعض أصولي، وهؤلاء لا يدعون من أهل الحديث، بل هذا (2) من # فعل أهل الاهواء والبدع، كما قال وكيع بن الجراح: من طلب الحديث # كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلبه ليقوي به رأيه فهو صاحب # بدعة (3). ويروى عن وكيع وعبدالرحمن بن مهدي أو أحدهما قال: أهل # العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وهل الاهواء لا يكتبون لا مالهم (4). # وهذا حق، فإن الذي يقبل من الحديث ما وافق رأيه وهواه بمنزلة PageV01P087 ~~الذين < يقولون ءامنا بالده هبالرسول وأطغنا ثم يتول! فربو منهم من بعد ~~ذللث وفآ # أؤلمك بالمؤمنئن! وفي ا دعو إلى الله ورص! له- الحكم بئغ أا فتلق منهم # معرضون! وإن ياكن الم قئ ياتو% إلئه مذعنين! أفى قلوبهم مرضق أم ازتابو أئم # يخافون أن مجيف الله علئهم ورشويه- بل أولتك هم لطابو%! إنما كان قول # اثمؤضمين ذا دعو إلى الله ورشوله- ليحكم بين! أن يقولوا سمغانا وأطعنأ ~~واؤلحك هم # المقلحون! ومن يطع الله ورشولي! نحش لله وبيتقه مآؤلحك هم الفإدونن!! # 1 النور/ 47 - 52]، وبمنزلة < لذجمت قا لوا ءامنا بافوههض ولؤ تومن قلوبهم # وصت الذين هادوأ سئعوت للت+ سمعوت لقؤم ءاخرين لم # يانوك! كرفون الكلو ms059 مر؟ بغد مواضعيما يقولون إن أوتلتض هذا فخذوه در ن # لز تؤلؤه فاضذرو ومن يرد لله فتنته فلن تملف له- مف الله شئآ أولسث # الذين لم يرد الله أن يطهر ملوبه! لهخ في الدليا خزى ولهم في لاخرة # عذالب عظيم * سمعون للكذب أكنون للسحمت) الآية [المائدة/ # 41 - 42]. # ولهذا كان طائفة من أهل الحديث لا يحدثون بحديث النبي ع! يم # لاهل الأهواء، لأنهم لا يقبلونه على وجهه، بل يقبلون منه ما وافق # اراءهم وأهواءهم، لموافقته لآرائهم وأهوائهم لا لكونه في نفسه من # كلام النبي غ! يم، فيصيرون بمنزلة أهل الكتاب والمنافقين الذين يقولون: # < إن أوتيتض هذا فخذوه وان لز تؤلؤه فاضذروا). وهؤلاء قد خير الشارع # عليه السلام بين الحكم بيتهم وتركه، وقد يكون الترك أصلح، كما قد # يكون الحكم أصلح. # وهذا حال جميع أهل الاهواء في الحديث، وهو حال كثير منهم في # القران في المواضع التي يزعمون اذها لا تقبل إلا بعقلهم، مثل مسائل PageV01P088 ~~التوحيد والصفات والقدر ونحو ذلك مما يقع فيه خلائق من المتكلمة # والمتصوفة، لا يرون أن يحتجوا بالقرآن للاعتماد بل للاعتضاد، ولهذا # يقبلون الآيات الموافقة لظنونهم وهوائهم التي يسمونها معقولات، # ويجعلون الايات المخالفة لهم من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها، # ولهذا كان السلف يسمونهم أهل الاهواء. # وهو موجود أيضا في غالب الخلق من العلماء والامراء ومن دخل # فيهم من المشايخ والملوك ونحوهم في كثير من أمور الدين القولية # والعملية، وان كانت مما يسوغ فيه الاجتهاد. فإن من اعتقد قولا وعملا # وصار لا يحب من نصوص الكتاب والسنة ودلة الحق إلا ما وافق هواه # في ذلك القول والعمل، ويبغض الحق الذي يخالفه، فهو صاحب # هوى. وكذلك لو علم أن قوله وعمله أصح، ولم يعط منازعه ما يستحق # من الحق، بل زاد في ذمه على ما شرعه الله ورسوله، كان صاحب هوى. # وهذا هو أصل التفرق بين أهل الارض قديفا وحديثأ، فإن اتباع الهوى # بعد ظهور الحق بغي، قال الله تعالى: < وما ئفرق الذين أوتوا ا اد إلامن بعد ما # جأبهم ms060 البئنة *وقا مرؤا إ، لئعبدو افه نحلصين له لدين حنفا وبقممو الصلو ويؤنوأ # الزبهؤ وذ لك دين القيمؤ> [البينة/ 4 - 5]. وهذه اية عظيمة في سورة عظيمة أمر # الله رسوله أن يخص أبئا بتبليغها له وقراءتها عليه، ليستمعها ويتلقنها [و] # هو مختص من النبي ع! يم، وقال: " إن الله امرني أن اقرا عليك هذه السورة) "، # قال: أو سميت؟ قال: نعم، فبكى أبي (1). فأخبر بتفرقهم وبما أمروا به # بعد قوله: < لم يكن الذين كفرو من أهل الكئف والمثركين منفكين حتئ تأنيهم # ا ثئة! رسول من الله يئلو صفا فطفرة * فيها كئمب قيمة > [البينة / 1 - 3]. PageV01P089 # وينبغي أن يتدبر المؤمن قوله: < وما مرؤا إلا لئعبدو دده ئخلصين له الذبيئ # حنفا ويقتمو الصلو ويؤتو الزبهؤبم)، فإن الله أخبر أنه لم يأمر إلا بهذا، وأن # هذا هو دين القيمة، وهكذا في جميع الرسل، حتى إن خاتم الرسل أخبر # أنه أمر بقتال الناس على هذا، فقال في الحديث المتفق عليه في # الصحيحين (1): "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن # محمدا رسول الله، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة "، وفي رواية: " حتى # يعبدوا الله وحده ". هذا تحقيق قوله: < وقنلوهم حئئ لا تكون فننة وليهون # الدين لله > 1 البقرة / 93 1]. ولهذا قال سبحانه: < وشئل مق أرسلنا! ت قئك من # زسلنآ أجعفنا من دون لرخن ءالهة يغبدون *> 1 الزخرف/ 45]، وقال: # < ومآ أزسلنا من قبلث من رسول إلالؤحى إله انو لا إلة لا نا فاغبدون * > # [الانبياء/ 25]، وقال تعالى: < ولقد بعثنا في نيل أمم رسول! أت أعبدوا # الله واتجتنبوا الطغوت) 1 النحل/ 36]. وقال تعالى: < وما خلقت الجن # والإنسى إلا ليغإون!) 1 لذاريات/ 56]. فأخبر سبحانه أنه خلق الخلق # لعبادته، وأرسل جميع الرسل تأمر بعبادته وحده، وبذلك وصف # المؤمنون الذين ظلموا، كقول مؤمن ال فرعون: < أدقتلون رجلاإن يقول # رب لله > 1 غافر/ 28]، وقوله: < ذن للذين يقتلوت بانهم ظلموا! ن الله # عني نضرهم لقديز * الذين خرجوا من ديرهم بغتر حق إلا أت يقووا رنجا # لله> 1 الحج/ 39 - 0 4]. # وأمر خاتم ms061 الرسل مع دعوته جميع الناس إلى ذلك أن يقاتل جميع # الناس على ذلك، وباج له ممن امتنع عن عبادة الله وحده أن يسترفه # ويستعبده ويستفيء ماله، فان الله إنما حلقه لعبادته، وجعل المال عونا PageV01P090 ~~على عبادته وطاعته، فاذا امتنع من عبادة ربه أباج أن يفيء المال إلى # عباده المؤمنين الذين يعبدونه وحده، فإنهم (1) المستحقون لذلك في # دينه الذي هو عبادته وحده، ون يسترفوا تلك الانفس، فإن خدمتها لمن # يعبد الله خير من معاندتها لهم. # فسبب الر! الكفر (2)، وهو من العقوبات، والعقوبات لا تسقط # بمجرد التوبة بعد 1 لقدرة. ولهذا كان المحارب إذا أسلم قبل القدرة # عليه (3) عصم دمه وماهو في سلطانه من ولده الصغار وماله، [و] كان # حرا، كما قال النبي! لخيو للأسير العقيلي لما قال: إني مسلم: "أما إنك لو # قلتها ونت تملك امرك أفلحت كل الفلاح " (4). واذا اسلم بعد القدرة # عليه عصم دمه فقط، لان الاسلام هو المطلوب بالقتال، ولهذا من كانت # ردته مجردة فأسلم بعد القدرة عليه عصم أيضا دمه، لان الاسلام يجب # ما قبله من عقوبة الكفر. # ولهذا لما كان الله تعالى إنما خلق [الخلق] لعبادته وحده لا شريك # له، وبذلك بعث رسله ونزل كتبه، كان الخروج عن ذلك بالكلية - وهو # الشرك - غير مغفور، كما قد بين في غير هذا الموضع، و[من] كان معه # مثقال ذرة من إيمان يخرج من النار. # والعبادة أصلها عبادة القلب، وهي غاية الذل بغاية الحب، وذلك # إنما يكون بشعور في القلب وعلم واحساس وبإرادة وقصد واختيار، PageV01P091 ~~فالمستكبر عن عبادة الله تعالى ليس بمسلم، ولمشرك الذي يعبده ويعبد # غيره ليس بمسلم، والاسلام يضاذ الاستكبار ولاشراك جميعا. ومن # المعلوم أن كل من أعرض عن عبادة الله وحده فلابد أن يهوى قلبه ويحب # شيئا اخر، فان العبد كما قال النبي ع! يو: "أصدق الاسماء الحارث # وهمام " (1) هو همام، لابد له من نية، والهمة أول النية، فالهفة من " هم" # مثل النية من " نوى "، وهي الفعلة يراد بها نوع من الارادة، ويراد بها نفس # الشيء المراد، ms062 إذ المصدر يطلق على المفعول، فنفس المنوي المقصود # يقال له: نوى وقصد، كما يقال: هذه النوى، للجهة التي يقصدها # المسافر. وكل من لم يعبد دله وحده فانما يعبد هواه أي ما يهواه، فانه إذا # كان همافا مريدا ولم يرد الله فلابد أن يريد غيره، وذلك هو هواه، # والهوى يقال له المهوي المحبوب، كما يقال النوى والنية [و] القصد # للمنوي المقصود، كما تقدم. # فلما كان كل من لم يعبد الله فانما يعبد هواه وما يهواه ويحبه بنفسه # قال تعالى: < أر يف من اتخذ لهه- هوف أفاشا تكمن لخه وكيلأ! أم # تخسب أن أكزهغ لمجتمعون أؤ يعقلولث إن هم إلا كالألعم بل هتم أضل # سللا *> [1 لفرقان/ 43 - 4 4]، وقال: < أفرءيت من اتخذ لفه- هونه وأضته الله # عك عؤ وختم فى كعه- وقلبه - وجعل على بصره يخشنؤه فمن يهديه من بند الله) # 1 الجاثية/ 23]. فأخبر أنه جعل الهه الذي يعبده هو ما يهواه ويحبه. ولهذا # قال الفقهاء في صفة المشركين: يعبدون ما يستحسنون. وقد أشرنا إلى # هذا المعنى في قول إبراهيم: < لا أحمث الأظرن!) [الانعام/ 76]. PageV01P092 # ومن المعلوم أن الحي متى اتبع ما يهواه بلا علم كان ضالأ بمنزلة # الذي يتحرلن ويسير لا يدري إلى أين، ولهذا قال تعالى: < دمان كعيما # ثيضلون باهوايهص بغير علو) 1 الانعام/ 119]، وقاد: < ومن ضد ممن اتبع # هوله نجتر هدي مف الئه إن الله لا يهدي القوم الطالمين *> 1 القصص/ # 50]. فمن يرد الله بعلمه وقولي فهو صاحب هدى، ومن أراده ولم يسلك # الطريق التي شرعها فهو صاحب هوى، ولهذا كانت سيما هل البدع أنهم # أهل الاهواء. # ولهذا كان الواجب أن يكون العمل لله ون يكون على السنة، وهذا # مقصود الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله، # فان عبادة الله وحده لا شريك له هو إخلاص الدين له، واتباع رسوله فيما # بلغه عنه من الشريعة هو العمل بالسنة، وذلك هو العمل الصالح. ولهذا # كان عمر بن الخطاب يدعو فيقول: اللهم اجعل عملي كله صالخا ولا # تجعل لاحد ms063 فيه شيئا (1). وهذا تأويل قوله تعالى: < فن كان يرجوا لق! رئهء # ففيعمل عيلأ صنحا ولا يمثرك بعبادة ربم! حذا!) 1 الكهف/ 110]. وقال # الفضيل بن عياض في قوله: < ليئركئم أييهئم خسن عملأ) 1 هود/ 7]، # قال: أحلصه وأصوبه، قالوا: يا با علي، ما حلصه وصوبه؟ قال: إ ن # العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، واذا كان صوابا ولم يكن # خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص ن يكون لله، # والصواب أن يكون على السنة (2). يعني أن يكون مما شرعه الله، وهو PageV01P093 ~~ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، فان أراد غير الله لم يكن عابدا لله، # سواء عبدهما جميعا وعبد ما دونه فقط، كما ثبت في الصحيح (1) أن الله # تعالى يقول: "أنا أغنى الشركاء، فمن عمل عملا فأشرك فيه غيري فأنا # منه برىء، وهو كله للذي أشرك ". # ومن عبده بما ليس من الواجب والمستحب الذي يحبه لم يكن عمله # حسنا ولا صالحا ولا خيرا، فإن كل حسن وكل صالح وكل خير فالله # يحبه ويامر به ويشرعه، وهو من شرعته وسنته وسبيله ومنهاجه، فما لم # يكن من المشروع لم يكن من المحبوب ولا من الحسن، وان كان قد # يكون من المشروع ما يعتقد قوم أنه ليس منه، كما قد يكون في غير # المحبوب ما يعتقد قوم أنه منه. واذا كان كذلك فما جعله الله سبحانه في # الانسان من المحبة والبغضة لما يستعين به على المحبة المقصودة # لنفسها، وهي عبادة الله وحده، مثل محبة الاكل والشرب والنكاج # وبغض المؤذيات = إن فعله بنية الاستعانة على ما خلق له كان داخلا في # عبادته، وكان له عليه الأجر، كما قال! لخي! ر لسعد بن أبي وقاص: "إنك # لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللقمة # تضعها في في امرأتك " (2). وقال: "نفقة المسلم على أهله يحتسبها # "! (3) # ! ه". بل نفقة المرء على نفسه وعياله أفضل من نفقته على من # لاتلزمه نفقته، لان ذلك واجب، وما تقرب العباد لى الله ms064 بمثل أداء ما PageV01P094 ~~افترض عليهم. ولهذا قال! ي!: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من # ،، (1) # يموت ". وقال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابد بمن # ، (2) # تعول ". وقال أيضا: " يا ابن ادم، إنك إن تنفق الفضل خير لك، وان # تمسك الفضل شر لك، ولا تلام على كفاف " (3). و"اليد العليا خير من # اليد السفلى، وابد بمن تعول " (4). وكل هذه الأحاديث في الصحاح. # وقال: " دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أعطيته لمسكين، ودينار أنفقته # على أهلك، أعظمها أجزا الذي أنفقته على أهلك " (). وهذا حديث # ثابت أيضاه # ولكن أكثر الناس يفعلون ذلك طبعا وعادة لا يبتغون به وجه الله # تعالى، كما يفعلون في قضاء الديون من أثمان المبيعات والقروض وغير # ذلك من المعاوضات والحقوق، وهذه كلها واجبات، فمن فعلها ابتغاء # وجه الله كان له عليها من الأجر أعظم من أجر المتصدق نافلة. لكن # يتصدق أحدهم بالشيىء اليسير على المسكين وابن السبيل ونحو ذلك # لوجه الله تعالى، فيجد طعم الايمان والعبادة لله، ويعطي في هذه ألوفا # فلا يجد في ذلك طعم الإيمان والعبادة، لانه لم ينفقه ابتغاء وجه الله. # فمن هذا الوجه صار في عرفهم أن هذه النفقات التي لابد منها # ليست عبادة، وقد لا يستشعرون إيجاب الشارع لها، وانما يستشعر PageV01P095 ~~أحدهم مافي تركه من المضرة العاجلة، إما في نفسه واما من جهة # الخلق، فانهم لا يتركون حقوقهم، فهو يفعلها لرغبتهم ورهبتهم وللعادة # التي هو عليها، وقد يفعلها محبة للحق ورغبة فيه من غير أن يرجو أحدا # ولا يخافه، ومن غير أن يفعلها تعبدا. وهذا حسن لا بأس به، فان من # فعل الحسنات لانها حسنات نفعه ذلك، كما ينفع الحيوان أكله وشربه، # لكن لا يكون عبادة لله. بخلاف من لا يفعله إلا خوفا من الخلق، فإن هذا # مذموم. # ولهذا لما قيل للنبي! يم: الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل # ليري مكانه، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله # هي العليا فهو في سبيل الله " (1). وهذا يكون في القتال باليد واللسان # وإنفاق ms065 المال، وذلك كله يكون جهادا، لكن ماليس في سبيل الله: منه # مالا يعاقب عليه المرء، ومنه ما يعاقب عليه. # والمقصود هنا ن هذه الامور العادية المباحة تفعل لمحبة وهوى # وارادة، فإن كان ذلك يستعان بها على عبادة الله كانت طاعة وعبادة، وان # كان ذلك لمجرد العادة والطبع على الوجه الحق لم يكن ذلك معصية ولا # إثما، وإن لم يقصد بها صاحبها العبادة لله. فقولنا: "كل من لم يعبد الله # ويرده (2) بعمله فلابد أن يعبد غيره ويعبد هواه "، ليس هو في هذه الامور # التي تراد لمصلحة الجسد، وهي مشتركة بين المؤمن والكافر، وكلاهما # يستعين بها على دينه، وقد يقال لها الامور الدنيوية ومصالح الدنيا، وهي PageV01P096 ~~الدماء والاموال والاعراض التي خصها (1) النبي! شمم يوم الحج الأكبر # وفال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في # بلدكم هذا في شهركم هذا"، وقال: "ليبفغ الشاهد الغائب ". وهذا # الحديث من أشهر الأحاديث التي في الصحاج من حديث أبي بكرة وابن # عباس وابن عمر (2). ويتبع ذلك الابضاع ومنافع الاموال والابشار، فإن # هذه لا تخرج عن النفوس والاموال. # وإنما هو فيما يكون مراد القلب ومقصوده الذي ينتهي إليه قصده # وارادته، إذ هذه الامور تراد لغيرها، وهي تابعة لمريدها وخادمة له، # فذلك هو الدين، وقد أمر الله تعالى أن يكون الدين كله لله، ومر بقتال # الخلق حتى يكون الدين كله لله، وهو نوعان: أقوال من جنس # الاعتقادات العلمية، وأفعال تتضمن الارادات العملية (3)، فهذان # الصنفان يجحب أن يكونا لله وحده، ون يكونا ماخوذين عن رسول الله. # فإن الدين هو شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله، # فمن قصد بالاعتقادات الدينية والاعمال الدينية غير الله فهو مشرك في # ذلك. والشرك في هذه الامة أخفى من دبيب النمل، والناس كما قال الله # تعالى: < وما يؤمن ئحزهم بادله إلاوهم فمثركون!) [يوسف/ 6 0 1]، وإن # كان شرك دون شرك وكفر دون كفر، لكن نعلم من كان هكذا أنه ليس PageV01P097 ~~دينه كله لله، بل بعضه لغير الله وان زعم ms066 (1) أن يكون دينه كله لله، ون # مالم يكن من دلمحنه لله فهو فيه متبع هواه. # ولهذا كان أمر التوحيد واخلاص الدين لله هو مقصود القران، وهو # الذي يعظم أمره ويكثر ذكره، فان العبد محتاج إليه في كل وقمتب وقي كل # شىء. والرياء والسمعة وان كان فيه شرك كما جاء في الحديث: "من # صلى يرائي فقد شرك، ومن صام يرائي فقد شرك " (2). وجاء أيضا في # الصحيح (3): "من سمع سمع الله به، ومن را اى را اى الله به ". فلا ريب # أن المرائي يكون عمله حابطا، فلا جمحاب عليه، وشركه دون شرك الذي # يعتقد دينا ويقصده لغير الله، فان المرائي والمسمع يعلم من نفسه أنه إنما # فعل وتقول ليراه الناس ويسمعوا ذلك، فهو يفعل ذلك للرغبة إليهم # والرهبة، وليس ذلك عنده دينا ثابتا والها يطمئن إليه، إلا ن يكون ممن # يتأله بعض البشر، كعباد فرعون والدجال وعباد بعض المشايخ والملوك # وغيرهم، فهذا شرك عظيم، لكن لا يكون في مسلم صحيح الاسلام، # وان كان قد وقع منه شيء كثير من المنتسبين إلى الاسلام. ولا ريب أن # ذلك إذا وقع كان من أعظم الشرك، وهذا لا يفعله إلا لمعبوده لا يرائي به # غيره. وما الرياء الذي يقع من منافقي هذه الامة وذوي المرض في # قلوبهم، فهو الذي قصدنا نه لا يتخذ دينا قي الباطن وإن كان شركا، # وانما الذي يتخذ دينا ما يحئه المرء وما يهواه ويدين به سرا وعلانية، PageV01P098 ~~فهذا إذا لم يقصد يه وجه الله وطاعة رسوله كان ذلك اتباعا لهواه، وكان # خارجا عن موجب الاسلام في هذا الموضع، وإن كان في موضع آخر # داخلا فيه. # وبهذا يتبين أن كثيرا من الاحبار والرهبان والعلماء والعباد ياكلون # أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، ون العالم الذي يعتقد # الاعتقاد في المسائل الخبرية والعلمية والعابد الذي يتعبد لنفسه - إن لم # يسلكا السبيل المشروعة والا كان كل منهما متبعا لهواه، فان العالم يامر # وينهى ويخبر، والامر والنهي يتضمن الحمث والارادة والبغض والكراهة # في نفس الدين، ms067 فان لم يكن الحب لله والبغض لله في الدين والا كان # هوى وشركا. والاخبار يتضمن الامر باعتقاد الخبر. # ولهذا لما تنازع الناس: هل يسمى الفقهاء ونحوهم من أهل # الاهواء؟ فجعلهم منهم طائفة كأبي حامد الاسفراييني والقاضي أبي # يعلى، وسبت ذلك طائفة كابن عقيل = كان التحقيق أن غالبهم لهم هوى، # لكن ليسوا من أهل الاهواء المطلقة المفارقة للسنة والجماعة. # فلهذا على المسلم أن يتلقى ما جاءت به الرسل على وجهه، فيريد # الله بجميع ذلك، والا وقع في بدعة وشرك واتباع هوى بلا ريب، وان # كان مخالفوه (1) أعظم منه في ذلك، فانهم يكونون مفرقين، والله تعالى # إنما أمرهم أن يعبدوه مخلصين لله الدين، فكل ما دخل في الدين يجب # أن يخلص لله لا لغيره، فيكون دين المرء كله لله. # كما أن الدين في نفسه كامل لا نقص فيه ولا تناقض كما بيناه، وأن PageV01P099 ~~نصوص الكتاب والسنة لا تحتاج إلى غيرها أصلا كما ذكرناه ولا، فان # ذكر أحد قوله: < وأوتيت من كل شئ) [النمل / 23] وقوله: < تدمرص # شىءم> [الاحقاف/ 25] ونحو ذلك من العمومات والظواهر التي يعلم انتفاء # المعنى الذي لم يرد منها بالحس والعقل، فنقول: هذا فيه طريقان: # من الناس من يقول: هي على ظاهرها، وظاهرها عنده المعنى # الصحيح المتفق عليه، ولهؤلاء مأخذان: # أحدهما: أن القرينة المتصلة باللفظ إذا كانت لفظية بينت معناه، # وكان ظاهره مادلت عليه، قالوا: فكذلك القرينة المتصلة وان لم تكن # لفظية، فالحس والظاهر والعقل الذي يعلم! به أن المخاطب لم يرد # بكلامه ما يخالفه عندهم قرينة متصلة، إذ لا يظن المستمع بالمخاطب أنه # راد ذلك. ومن المعلوم أن فهم الخطاب لابذ فيه من علم المخاطب # والمخاطب جميعا، فكما أن علم المخاطب المستمع أن المخاطب # المتكلم لا يريد بلفظه إلا مفهومه ومعناه يوجب (1) أن لا يحمله على # غيره، فكذلك علم المخاطب المتكلم أن المخاطب المستمع لا يفهم أنه # أراد ما يخالف حسه وعقله قرينة وضميمة يضمها إلى كلامه. # والماخذ الثاني: أن لفظ "كل شيء" هو للعموم في كل موضع # بحسب سياقه، ms068 وهذه قرينة متصلة، ولهذا قالوا: هذا اللفظ ليس على # عمومه المطلق إ لآ في قوله: < أن الله في ثىءعليم!) [البقرة/ 231] مما # يصلح أن يعلم، و<خلق! ل لثىص) [الأنعام/ 102] مما يصلح أن # يخلق، و< تدمر ص شئ ئم! [الاحقاف/ 25] مما يصلج أن تدمر، < وأوتيت PageV01P100 ~~من! ل شىش) [النمل/ 23] مما يصلح أن يؤتاه مثلها. فهذه القيود عندهم # معلومة في هذا اللفظ بالسياق، وهذه (1) حقيقة عرفية فى هذا اللفط لم # تستعمل إلا فيه. قالوا: ولم نجده (2) مستعملا لمطلق قط إلا ن السياق # اقتضى ذلك. # وأما الطريق الثاني: أن يسلم أن ظاهر هذه الالفاظ هو المعنى الذي # يمتنع إرادته، لكن يقال: قد بين الله بخطاب آخر أنه لم يرد المعنى # الممتنع، فقد بين بما ذكره من قصة سليمان أئها لم تؤت ملك سليمان # ونحو ذلك، وبين في القصة أنها كانت ملكة سبأ، وللملوك حد لا # يتجاوزونه، فيعلم بهذا الخطاب أنها لم تملك السماوات ونحوهاه # وكذلك < تدمر ص شئءم > مع ما أخبر به. وإذا كان في القران ما يبين # عدم إرادة الطاهر كان هذا من بيان الله ورسوله، ولم يكن الله ورسوله # ترك بيان كلامه، فأما إذا كان الطاهر ممتنعا ولم يبين الله ورسوله عدم # إرادته، فهذا الذي (3) من ادعاه فليظهره لينظر فيه. # فصل # وما قوله: "قابلة للتأويل"، فيجب أن يعلم معنى التأويل الذي ليس # فيه نزاع بين أحد من عقلاء الادميين، لامن المسلمين ولا من غيرهم، # وهو أن تأويل كلام المتكلم الذي هو تفسيره وبيان المراد به، سواء كان # مصروفا عن ظاهره أو لم يكن، إنما هو بيان مراده ومقصوده واظهار # معناه ومغزاه، فإذا قيل: نتأول هذه الاية أو هذا الحديث أو غير ذلك من PageV01P101 ~~كلام سائر المتكلمين، فمعناه أنا نبين مراده بهذا الكلام وان كان مخالفا # للظاهر، لكن لا خلاف أنه بيان مراد المتكلم. فاذا علم أن المتكلم لم # يرد هذا المعنى، ونه يمتنع أن يريد هذا المعنى، أو ن في صفاته ما # علمنا معه أن هذا المعنى لا يليق به، ويستحيل عليه ms069 في العادة أو في # غيرها ن يريده = لم يصلح أن يكون ذلك تأويل كلامه، وان كان لنا أدلة # نعلم بها أن بعض المعاني الفاسدة التي تظهر لبعض (1) الناس غير مرادة # حتى نقول: ما ظهر لهذا المخطىء غير مراد، فلأن يكون لنا أدلة نعلم # بها ن ما تأوله عليه المتأول المخطىء غير مراد أولى وأحرى. فليس # للرجل كل ما ساغ في اللغة لبعض الشعراء والاعراب أو العامة أن يحمل # عليه كلام الله وكلام رسوله، إلا إذا كان ذلك غير مخالف لما علم من # نعت الله ورسوله، وكانت إرادة ذلك المعنى بذلك اللفظ مما يصلح أن # ينسب إلى الله ورسوله. # فهذا أصل عظيم تجب معرفته، ومن اعتنى به علم أن أكثر أو كثيرا # مما يدعيه المحرفون في التأويلات هو مما يعلم به أن الرسول لا يصلح # أن يريده بذلك الكلام، وإن كان ذلك مما يسوغ في اللغة لبعض العوام، # وفيما يدعى من التأويل مواضع كثيرة لا تسوغ في اللغة. فلابد ن يكون # المعنى الذي يصرف إليه المتأول الخطاب مما يسوغ في اللغة ويسوغ # إضافته إلى الشارع صاصط الخطاب عند أهل العلم وولي الالباب. # ولهذا كان المصنفون في إبطال التأويلات إذا كشفوها تبين بطلانها # بادنى نظر، وقد فصلنا بطلان التاويل الذي ذكره مثل علو العظمة، # وذكرنا يضا الاستيلاء. ومن نظر بافي التأويلات المخالفة للدلالة PageV01P102 ~~الظاهرة رأى من العجائب ما يضحك عجبا ويبكي خشية وهربا، فانظر # تأويلات القرامطة والفلاسفة والمعتزلة والرافضة ومن اتبعهم ومن اتبع # بعض هولاء المتكلمين من متكلمة الجماعة وأهل الحديث ومتصوفتهم # يرى ملحا أجاخا قبح من الاحاديث الموضوعة والمغازي المصنوعة، # مثل ما يحكيه السوال في سيرة عنترة والبطال من أنواع الكذب # والمحال، وما يدخلونه في مغازي علي رضي الله عنه مع رسول الله ع! يم # وغيره من أنواع الاحاديث التي هي عند من يعلم صفة الحال من # الاعاحب، فهؤلاء في الرواية. # وكذلك المتأولون إذا رأيت ما يصرفون إليه الكلام من المعاني، وما # يقدرونه لذلك من المباني، وما يحملون عليه أحسن الكلام ms070 المتشابه # المثاني - تجد من أنواع الهراء التي هي فوق مطلق الكذب والافتراء، ما # يليق أن يقرن بحكايات السوال، ولو ذكره المساخر لمن يضحك منه # لاخذوا به الأموال، لكن هو عند المؤمن بالله ورسوله مما يعذ صاحبه # من أهل الافتراء على الله ورسوله. وقد يكون العيب لهم والهجاء لهم من # نوع الجهاد في سبيله، كما مر النبي! حسان بن ثابت أن يهجو # المشركين، وقال: "هو أنكا فيهم من وخز الابر" (1)، وقال: "اهجهم # وهاجهم وجبريل معك" (2)، وقال: "اللهم أيده بروح القدس " (3)، # وقال: " ن روح القدس معك ما دمت تنا! ح عن رسول الله " (4). وفي PageV01P103 ~~ذلك حيث يقول: # فان أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء (1) # وأكثر هذه التأويلات المخالفة لمذهب السلف وأهل الحديث # تتضمن من عيب كلام الله ورسوله والطعن فيه ماهو من جنس الذين # يلمزون النبي من المنافقين، لما فيها من دعوى أن ظاهر كلامه إفك # ومحال وكفر وضلال، ثم صرفها الى معان يعلم أن إرادتها بتلك الالفاظ # من الفهاهة والعي وسبيل أهل الضلال والغي. فالمدافعة عن الله ورسوله # من سبيل المؤمنين والمجاهدين، كما قال: "جاهدوا المشركين # بألسنتكم وأيديكم وموالكم " (2). # ومن ذلك بيان سخافة عقول هؤلاء المحرفين وكونهم من أهل # الصلال المبين، كالذين ذمهم الله من الذين يحرفون الكلم عن # مواضعه (3)، والذين لا يفقهون (4) ولا يتدبرون القول (5)، وشبههم # بالاتعام (6) والحمر المستنفرة (7) والحمار الذي يحمل الاسفار (8). # ولهذا كان المسلمون يعيبون ويطعنون على أصحاب مسيلمة PageV01P104 ~~الكذاب بما قبلوه من قرانه المفترى من دون الله، وإن كان قد زعم أنه # شريك لرسول الله في الرسالة. وما من أحد خرج عن الكتاب والسنة إلا # وقد جعل مع الرسول كبيرا له يشركه معه في التصديق والطاعة، لاسيما # الغالية من الجهمية والاتحادية والباطنية ونحوهم عند [هم] كلام سادتهم # وكبرائهم مضاه لكلام الله ورسوله، وكثيرا ما يقدمونه عليه ذوقا ووجدا # وحالا واعتقادا ومقالا. ومنهم من يفضله على كلام الله، حتى يقول: # كلام الله يوصل إلى الجنة، وكلامنا يوصل إلى الله تعالى. والقران للعوام # وكلامنا للخواص. ويقول أحدهم: رأيت ms071 النبي! يم في المنام وقال لي: # هؤلاء غلمان ونت خشداش (1). وهذا بعينه قول مسيلمة الكذاب، إ ذ # ادعى أنه أوحي إليه وأنه نظير لمحمد جم! يه من هؤلاء. وما المقتصد منهم # فلا يعتقدون ذلك، لكنه لازنم لهم في مواضع كثيرة. # فليتدبر المؤمن هذا الموضع، فانه عظيم الفائدة، وذلك أن الذين # كانوا مقرين برسالة محمد! يو وفيهم نوع إيمان به كان فيهم من يجعل له # شريكا في الطاعة، مثل ما كانوا يطيعون عبدالله بن أبي رئيس المنافقين # وكبيرهم، وكان أهل المدينة قد عزموا على عقد الملك له قبل مجيء # رسول الله! مو ليها، فلما رد الله ذلك بالحق الذي بعث به رسوله شرق # بذلك. ولما خرج النبي لمجقه معسكرا إلى أحد رجع ابن أبي ورجع معه # ثلث الناس. وكان يقوم في المسجد ويحض على طاعة النبي لمجر، # وأخباره معروفة. # وكان من المسلمين من يطيعه في كثير من الامور ويقبل منه وان لم PageV01P105 ~~يكن مناففا محضا، كما قال تعالى: < واليكل سمعون لهتم > 1 التوبة/ 47]. # ولهذاغضب له سعد بن عبادة في نوبة الافك، وكان أيضا في المؤمنين به # مثل ذي الخويصرة التميمي رأس الخوارج والمبتدعين المفارقين للسنة # والجماعة. ثم إنه في اخر عمره ادعى مسيلمة الكذاب أنه أشرك معه في # الامر، ون كلاهما (1) رسول الله، وكان يقيم الصلوات ويقرأ عنده قرانه # والقران الذي جاء به رسول الله! يم، وسيرته في الردة معروفة. # فمسيلمة ومثاله نظير لكل من ادعى أن له في الدين حكما مع # الرسالة، اما في أصول الدين واما في فروعه، بحيث يطاع كما يطاع # الرسول، سواء كان ذلك دعوى قياس ونظر أو ذوق أو بصر أو غير ذلك، # وان كان الواحد من هؤلاء يشبه مسيلمة من وجه دون وجه، ففيهم من # هو أكذب منه، وفيهم من هو خير منه. # ومن قرن بالرسالة وآثارها طريقة عقلييه أو ذوقية يناظرها بها فهو # شبيه بالذين قرنوا ما جاء به مسيلمة بما جاء به محمد، فان كلاهما في # الحقيقة كذب، وان اشتبه 6 بالحق على ms072 حلق كثير، فقد اتبع مسليمة ألوف # مؤلفة، وما حارب المسلمين أحد أعظم من (2) أصحابه، وكان قتاله من # أعظم فضائل الصديق الذي صدق الرسالة، للكذاب الذي قرنها بما # يقوله. # ومن قرن بالرسالة رئاسة دنيوية بحيث يجعل طاعتها كطاعتها، كما # يفعل أتباع الملوك وإلرؤساء والاغنياء، فقيهم شوب من المطيعين لابن PageV01P106 ~~أبي، فانه كان بمنزلة الملوك الرؤساء المطاعين في أتباعهم. # ومن اعترض على السنة والجماعة بنوع تأويل: قياس أو ذوق أو # تاويل منه خالف به سنة رسول الله! يو ففيه شوب من الخوارج أتباع ذ ي # الخويصرة. # وانما الحق أن يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا، # والمبلغ لكلمة الله الامر بطاعة الله هم رسل الله الذين ختموا بمحمد! يم، # ختم الله به النبوة والرسالة، فليس بعده نبي ولا رسول. ومن أطيع من # الأمراء والملوك والمشايخ فلأنهم يامرون بما أمر الله به ورسوله طاعة # متابعة واتباع، لا طاعة مشاركة وابتداع. فهذا هذا، والله أعلم. # فصل # وما الوجه الثالث: فقوله: "قد تأول السلف كثيرا منها ومن # الايات، وأذن لنا في التأويل ابن عباس، وهو حبر هذه الأمة وترجمان # القران في غير ما اية في هذا الباب، قال: إذا خفي عليكم شيء من # القران فابتغوه في الشعر، فانه ديوان العرب، وقال في قوله: < يوم يكنس # عن ساق) [القلم/ 42]: أما سمعتم قول العرب: قامت الحرب على # " (1) # و". # فالجواب من وجوه: # أحدها: إن كان المراد بالسلف الصحابة فهذا النقل عنهم باطل، لم # يتاول أحد قط من الصحابة شيئا من ايات القران التي ظاهرها نها صفة لله PageV01P107 ~~تعالى. ولقد بحثت عن هذا الباب وكشفته، وطالعت التفاسير المنقولة # عن الصحابة نقلا صحيحا، فلم أجد عن أحد من الصحابة أنه تأولى اية # واحدة من الايات التي ظاهرها صفة على نفي الصفة، بل وجدت عنهم # من الاثار التي تقرر النصوص ولثبت الصفات وتصرح بمنافاة قول # المتأولين والمعطلين مالا يتسع هذا الموضع لكتابته، ولا يحضرني # تفاصيل ذلك، وليست الكتب عندي، وكتابة مثل هذا من الحفظ متعذر. # فهذا السؤال الذي أورده ms073 قد انقلب عليه، وهو من أعظم الحجج # القطعية على صحة مذهب المثبتة للصفات المانعين عما يضادها من # التأويلات، إذ جميع الصحابة قد ثبت عنهم بأنواع الثابت من المنقولات # إثبات صفة العلو وغيرها من الصفات، بالنصوص الصريحة التي لا # تحتمل خلاف ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم تأويل يخالف ذلك بما # يخالف الظاهر. فالمتأولى بما يخالف الظاهر مع أنه مبتدع لهذه # التأويلات، فهي بدعة مخالفة لاجماع السلف، لا بدعة مسكوت عنها. # ومع أنهم لم يتأولوا ما ظاهره الصفة فلم أعلم عن الصحابة نزاعا # فيما يقال: إنه من الصفات، إ لا في قوله: < يوم يكشف عن ساق)، فان هذا # متنازع فيها زمن الصحابة، فعن ابن عباس وطائفة ما ذكره المعترض أن # المراد به الكشف عن شدة. وقد بعد عهدي بالاسناد عن ابن عباس هل # هو متصل أو منقطع 1). وعن أبي سعيد الخدري وغيره جعله من # الصفات، وفي الصحيحين (2) حديث أبي سعيد (3) وغيره. PageV01P108 # وسبب النزاع أنه ليس في ظاهر الاية ما يدل على أنها من الصفات، # لانه قال: <يوم يكشف عن ساق)، ولم يضف ذلك إلى الله بل نكره، # ومعلوم أن هذا لا يدل بنفسه على أنه صفة لله، بخلاف ما أضيف إليه، # ولهذا تنازع فيه الصحابة، فمن أثبته احتج بحديث أبي سعيد المتفق عليه # في الصحيحين، وقال أيضا: فرو بين أن يقال: كشف الشيء ون يقال: # كشفت عنه، فان الشدة يقال فيها: كشفها الله أي أزالها، كما قال تعالى: # < قالوا يمولسى خ لنا رئك بما عهد عندك ليى كشفت عنا الرئخز) إلى # قوله: <فلما! شقنا عئهم الرتجز لى+ أجل هم بخلغوه > [الاعراف/ # 134 - 135]، وقال تعالى في حق أيوب: < فاستجتنا لإ فكثفنامابه من # ضر > [الانبياء/ 4 8]، وقا ل تعا لى: [! خلاص/ 1]، وأنزل: # < ويزسل الضواعق قيصيب بها من لمجثاء وهم يخدلون في ألله وهو شديد # 114 PageV01P114 ~~اقطل * > [الرعد/ 13]، وصابته صاعقة فاذهبت بقحف راسه (1). # فأهلك الله تعالى من سأل عن مجانسته المخلوقات. وهو من جنس # سؤال فرعون < وما رث العشلمين!) [الشعراء/ 23]، فانه لا يمكن أن # يذكر أن الله تعالى أو شيئا من المخلوقات يشتركان في الحقيقة الجنسية، # كاشتراك الانسان وسائر الحيوان في الحيوانية، أو كاشتراك الحيوان # والنبات في النمو والاغتذاء، ولا كاشتراك الاجسام النامية والجامدة فيما # تتجانس فيه. ومن سأل عن ذلك فهو كمن سأل عن نسبه وقال: من ms078 أبوه # ومن ابنه؟ # ولهذا أنزل الله تعالى سورة الاخلاص التي هي نسبته وصفته، فقال: # <فرهو لله أحد* لله الص! مد* لم يلدولم يولذ*ولم يكن # لم! كفوا أحدم *>، فنزهه وقدسه عن الاصول والفروع والئظراء # والامثال. وليس في المخلوقات شيء إلا ولابد أن ينسب إلى بعض هذه # من الاعيان والمعاني، فالحيوان من الادمي وغيره لابد أن يكون له إما # والد وإما مولود صماما نظير هو كفؤه، وكذلك الجن والملائكة، ولهذا # قال سبحانه: < وصمن صعل لسئ: خلقنا زؤجين لعلكل ندكروق!) [الذاريات/ # 49]، قال بعض السلف: لعلكم تذكرون فتعلمون أن خالق الازواج # واحد. # وقال تعالى: < والشفع والوتر *> [دفجر/ 3]، قال مجاهد: كل شيء # خلقه فهو شفع، السماء شفع والارض شفع، والوتر الله تعالى. وهذا هو PageV01P115 ~~الذي ذكره البخاري في صحيحه (1)، فإنهم يعتمدون على تفسير مجاهد # لانه أصح التفسير، قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك # (2) # به. وهذا القول اختيار جدي أبي البركات رحمه الله في هذه الاية. # ولهذا قال سبحانه: <سبح سم رفي الأعلى! الذى ظق فسوى * > # [الأعدى/ 1 - 2]، والتسوية: التعديل، والتعديل لا يكون إلا بين شيئين # متناظرين متشابهين. فالمخلوقات لابد فيها من التشابه والتماثل # المقتضي التسوية والتعديل. والله تعالى لا عدل له، <ثؤ الذيق كفروأ # بربهم يغذلوت *> [الانعام/ 1]، ولا يستوي هو وغيره. ولكن كما قال # الله: < فكئبهوا فيها هتم واتغاوبئ! وجنود تيس أخمعوق! قالوا وهم الها # يخنصدون! تالله إن كا لفى ضحنل مين * إذ دنمموليهم برب ألفلمين!) # [الشعراء/ 94 - 98]. ولا سمي له، كما قال تعالى: < فاغبده واصطبرلعبطته # هل تعلم ل! سميا!) [مريم/ 65]. ولانلأ له، كما قال تعالى: <فلا # تجعلو دله أندادا وأنتخ تعلموت!) [البقرة/ 22]. ولا شريك له، لافي # ربوبيته، بل هو خالق كل شيء وربه، ولا في ألوهيته، بل لا إله إلا هو # وحده لأ شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ولا # كفؤ له، كما قال: <ولمءلكن ل!! فوا أحد*>ه ولا مثل له، كما # قا ل: < ليس كصثله - شف ء، [ادشورى / 1 1]. # ومما يجب أن يعلم ويضم إلى ما ms079 ذكرناه قبل: أن نفي المثل عنه # والسميئ والمساوي يقتضي نفي ذلك في كل شيء، فلا يماثله شيء من # المخلوقات في شيء من الأشياء قط، لا في شيء من معاني أسمائه PageV01P116 ~~وصفاته، ولا في شيء من أفعاله ومخلوقاته، ولهذا قال تعالى: < وجمذقي # الجحيم للغا! لن! وقيل الم أيق ما كنتم تعبدون! من دون الله هل يخصرويخنم أؤ # ينحصرون! فكتبهو فيها هم واتغاوون! وجنود تايس أخمعون! قالوا وهم فيها # يختصمون * تالله ان كا لق ضئلى مبين * إذ ثنسوليهم برث العئمين!) # 1 الشعراء/ 91 - 98]. فاخبر سبحانه أنه يكبكب في جهنم المعبودون من # دون الله هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون، وأنهم يقولون لما دعوه # من دون الله: لقد كنا في ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين. ومعلوم # أنهم لم يجعلوهم مساوين له في كل شيء، فان أحدا من الخلق لم يقل: # إن العالم صدر عن خالقين متكافئين في الصفات والافعال، وانما # تسويتهم إياهم بالده أنهم عبدوهم كما عبدوه، كما قال تعالى: < ومن # الناس من يئخذ من ون الله أنداد3! ئوثئم كحب الله) 1 البقرة/ 165]، # فجعلوهم مثله في العبادة، وهذه تسوية. # وفي الصحيحين (1) عن عبدالله بن مسعود قلت: يا رسول الله، أي # الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو حلقك "، قلت: ثم اي؟ قال: # " أن تزني بحليلة جارك ". # فعلم أن الله تعالى لا يجوز أن يساوى بغيره في شيء من الاشياء. # ولهذا قال تعالى: < ثؤ ألذين كفرو برئهم يغذون!) 1 الانعام/ 1] أي # يجعلون له عدلا، والعدل: المثل. وقد قدمنا أن المعادلة في كل شيء # لم يفعلها أحد، فعلم أن من جعل له عدلا في شيء من الاشياء فقد عدل # بربه. PageV01P117 # وكذلك قوله: <فلا تخعلو دله أندابر > [البقرة/ 22]، < ومن # لناس! ن يئخذمن ون الله أندامما> [دبقرة / 165]. والند: المناد المناوىء، # ومن المعلوم أن أحدا لم يجعل لله من يكافئه في كل شيء، ولكن في # بعض الاشياء دون بعض، فعلم أن الله لا يكون له ند في شيء من # الاشياء. # ولهذا لما سمع النبي! ير رجلا يقول: ms080 ما شاء الله وشئت، فقال: # "أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده " (1). وفي السنن (2) أن رجلا # رأى يهوديا يعير المسلمين يقول: نعم القوم أنتم لولا أنكم تنددون! # تقولون: ماشاء الله وشاء محمد، فنهاهم النبي ع! يم عن ذلك وقال: # "قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد". # فمن جعل لشيء من صفاته من علمه أو قدرته أو حياته أو سمعه أو # بصره أو رضاه أو غضبه أو رحمته أو حلقه بيديه أو إتيانه أو مجيئه أو # استوائه. أو نزوله أو غير ذلك عدلا ومثلا مما يوجد في المخلوقين فقد # سؤاه برب العالمين في ذلك، وجعل له عدلا في ذلك، كما أن # المشركين إنما جعلوا له عدلا ويدا ومساويا في بعض الامور. # ولهذا قال الامام أحمد في رواية حنبل: المشبه الذي يقول: بصر # كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبه الله بخلقه، # ومن قال هذا فهو ممثل بربه عادل به مسو به، ولو جعل أحدهما أكبر من PageV01P118 ~~الاخر. فلو جعل صفاته مثل صفات خلقه في الجنس وجعلها عظم في # القدر، مثل أن يجعل بصره من جنس بصر العبد لكنه أعظم منه، كما # يحكى عمن قال من المشبهة: إنه على صورة الانسان لحم ودم، ولكنه # عظيم القدر كبير الجمه، فهؤلاء قد سووا برب العالمين في حقيقته # وعدلوا يه. # كما قدمنا أن المنفي بالنصوص والذي ذم الله به العالمين هو التسوية # والعدل! به ولو في بعض الامور، وذكرنا ن الذين سالوا عن جنسه من # المخلوقات بين الله لهم أنه لا كفؤ له، فبين انتفاء المكافأة في شيء من # الأشياء، لان الاشتراك في الجنس والحقيقة تكافو (1) في ذلك، وهو نفى # الكفو مطلقا. فالماء القليل من جنس الماء الكثير كفو له في ذلك، # وكذلك سائر الاجسام المتجانسة المتماثلة في الحقيقة، وان تفاوتت في # المقدار. # وانتفاء هذا كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة [ووردت] (2) # أخبار بذلك، فقد بين الله تعالى أن انتفاء ذلك معلوم بالعقل أيضا في مثل # قوله: < هل تعلل! سميا*> 1 ms081 مريم/ 65] وغير ذلك، فانا نعلم بعقلنا نه # لا سمي له ولا عدل! ولا كفؤ ولا ند في شيء من الاشياء، وذلك أن # المتماثلين في الحقيقة وان تفاوتا قي المقدار كالماءين والترابين # والعظمين واللحمين [و] غير (3) ذلك من الاجسام لابد أن يجوز على # أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما PageV01P119 ~~يمتنع عليه. وهذا حد المثلين عند أهل النظر، وهو أنه يجوز على # أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع على الآخر، ويجب # له ما يجب له. # وقد يعبرون عنه بعبارة أخرى: هو ما سد حدهما مسد الآخر وقام # مقامه. والعبارتان تؤديان إلى حقيقة واحدة، فان الماء يسد مسد الماء # في الحقيقة، وكذلك التراب، وكذلك العظم واللحم ونحو ذلك، # ويشتركان في الواجب والجائز والممتنع في الحقيقة. فلو كان في # المخلوقات ماهو عدل أو مثل للبارىء في الحقيقة والصفات - وان كان # أصغر منه في القدر - لجاز على البارىء ما يجوز عليه من العدم والفقر # إلى الصانع والحدوث، وأنه بنفسه ممكن مفتقر إلى من يوجده ويوجب # له ما يجب للبارىء من القدم والقيام بنفسه والاستغناء عن خالق # والصمدية، ولجاز عليه ما يجوز على من خلق الخلق وأبدع العالم، # وامتنع على العبد من العدم والموت والحاجة ما يمتنع عليه. فيلزم أن # يوصف كل منهما بالصفات التي لحقيقة الاخر. وهذا مع أنه محال في # حق الرب أن يكون موصوفا بالصفات التي لحقيقة العبد، ومحال في حق # العبد ن يكون موصوفا بصفات حقيقة الرب، فإنه متناقض إذا فرض # تماثلهما وتساويهما في الصفات مع كون أحدهما خالق الآخر، فيجب # أن يكون كل منهما خالقا مخلوقا، فيجب أن يكون الخالق قد خلق # [خالق] نفسه إذ كان مثله، وخلقه لنفسه محال، فكيف بخالق نفسه؟ # ويجب أن يكون الخالق مخلوقا لمخلوقه، وهو ممتنع عليه أن يكون # مخلوقا لنفسه، فكيف لمخلوقه؟ # وهذا هو السؤال الذي يقال: إن بعض ملوك الهند ورده على بعض # 0 12 PageV01P120 ~~متكلمة المسلمين في إمارة هارون، فقال: هل يستطيع ربك ms082 أن يخلق # مثل نفسه؟ ن قلت: نعم فقد جعلت له مثلا، وان قلت: لا فقد عجزته، # فقال له: هذه المسالة ممتنعة مستحيلة في نفسها، واذا كانت في نفسها # ممتنعة لم يكن جوابها إلا كذلك، لانك إذا قلت: حلق مثل نفسه فقد # فرضت مثلين أحدهما خالق الاخر، ولو كان مثله لم يكن مخلوقا له ولا # كان الاخر خالقا له، فإن التماثل يمنع هذا الاختلاف ويوجب التساوي # في القدم والحدوب. فبهت الذي كفر. # وهذا جواب سديد، فإن السائل إذا فرض اجتماع ما يمنع # اجتماعهما فقال: ماذا يكون على هذا التقدير؟ # قيل له: لا يكون على هذا التقدير الممتنع المحال إلا ماهو ممتنع # محال، واجتماع متماثلين أحدهما خالق الاخر محال في نفسه. كما # يقال: لو فرض أن صانع (1) العالم موجود معدوم أكان يصنعه أم لا؟ ولو # فرض أنه حلق العالم ولم يرد أن يخلقه، أو حلقه ولم يكن قادرا على # حلقه، أو خلقه ولم يعلم كيف يخلقه، أو لو فرض أن الذي حلق العالم # كان عدما أو مواتا، أو غير ذلك من التقديرات الممتنعة في نفسها. # ومثل هذه الاغلوطات من المسائل يسلكها أهل اللد في الجدل في # أمر الدنيا والدين في الاصول والفروع، من جنس الأغلوطات الذي # ابتدعه العميدي السمرقندي (2) في مثل ننبته التي يسميها البرهان ويدعي # أنها قطعية وغير ذلك بفرض أمور ممتنعة، ويستنتج نتائجها على ذلك PageV01P121 ~~التقدير الذي يمتنع وجوده، فان هذه المقدرات التي لم توجد: منها # ماهو ممتنع في نفسه، فيكون لازمه ممتنغا، ومنها ما قدعلمنا أنه لا # يكون، وان كان في نفسه غير ممتنع، فيكون لازمه مالا يكون، ويسمى # هذا ممتنعا لغيره، لمشيئة الله ولعلمه واخباره بأن ذلك لا يكون. مثل # قولهم: لو لم يقتل المقتول هل كان يعيش؟ فهذا التقدير معلوم العدم # ممتنع لغيره، فان الله شاء ذلك وعلمه وكتبه، فلم يكن يمكن لمشيئة الله # وعلمه أن يقع إلا ذلك. فاذا قدر عدم المشيئة لقتله وعدم تعلق العلم # كان هذا تقدير عدم الوجود، فيلزم عدم الموجود وهو قتله، ms083 فاذا لم يقتل # أمكن أن يعيش وأن يموت بسبب اخر، فلو لم يقتل لزم أحد الامرين، # لكن قتله لابذ من وجوده. # وقد يقدر الممتنع لذاته، كما يقال: لو لم يكن خالق لم يكن # ط! (1) # !، مثل قول النبي! ير والصحابة حيث يقولون وهم يرتجزولى: # لاهم لولا نت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا (2) # وربما قالوا: # وا لله لولا نت ما اهتد ينا ولا تصد قنا ولا صلينا # وكذلك قوله: < ولولا فضحل الله عليكؤورخته- ما بمث منكم فن أحد أبدا) # 1 لنور/ 1 2]، و< لولاكتب من الله سبى لمسكخ فيما أضذتم عذاب عظيم * > # 1 الانفال/ 68]، ونظائره متعددة. # فقد يقدر عدم الموجود ليعلم كيف الأمور مع عدمه، ويقدر وجود PageV01P122 ~~المعدوم ليعلم كيف الامر مع وجوده، كقوله: < لون فيهما ءالهة إلا ادله # لفسدتا) [الانبياء/ 22]. ومن الاول قوله: < أتم خلقوا من غئر شئء أتم هم # الخلمون!) [الطور/ 35]، يقول تعالى: أيمصور أن يكونوا مخلوقين # من غير خالق خلقهم؟ أم هم الخالقون؟ أيمصور أن يكون الشيء خلق # نفسه؟ فاذا قدر عدم الخالق لزم أن يكونوا حلقوا من غير خالق أو يكونوا # هم حلقوا أنفسهم، وكل ذلك ممتنع، فتعين أن يكون لهم خالق خلقهم. # ولهذا قال جبير بن مطعم: لما سمعت النبي مج! ي! يقرأ هذه الاية في # الصلاة أحسست بفؤادي قد انصدع (1). وكان جبير قد قدم في فداء # الاسرى عام بدر، وكان ذلك أول ما دخل الاسلام في قلبه. # فهذه التقديرات التي تكون في العلم والكلام هي طر! وأدلة # وبراهين قد تبين بها حقيقة الامور، حتى في الأمور العملية دون # الخبرية، فان الانسان قد يكون في حال موجودة محمودة، لا يعرف ما # يكون إذا عدمت من الضرر، فيتركها، فيحصل له من الضرر مالم يكن # يطنه. وربما يطلب وجود أمر لا يقدر إذ وجد ما يكون معه من الضرر، # فإذا وجد كان من الضرر مالا يعلمه. وصاحب النظر والقياس والتدبير # يقدر وجود ذلك المعدوم وعدم هذا الموجود ليبين له بذلك الحال كيف # يكون، فيعلم ما يأتي وما يذر. # فهذه ms084 التقديرات إذا كانت لطلب معرفة الحق الذي ينبغي معرفته، # والعمل الذي ينبغي فعله كانت حسنة، وان كانت لرد الحق الذي يجب # قبوله والعمل الذي نهي عنه كانت من السيئات المذمومة. مثل تقدير # فيلسوف قريش ورئيسها الوليد بن المغيرة لما سمع القرآن، وأراد ان PageV01P123 ~~يجمع قومه المشركين على قولب يلقونه إلى الناس يصدونهم عن اتباع # الرسول، فعرضوا على الاتهم (1)، هذا يقول: ساحر، وهذا يقول: # كاهن، وهذا يقول: مجنون، وهو يرد ذلك، ويبين أن مثل هذا القول لا # ينفق على الناس ولا يقبلونه لظهور بطلانه، ثم <فكروقذر! نر كف # قدر! ثم قنل يهف قذر! ثم نظر * ثم عبس وبسر! ثم إترو شتكبر! فقال إن # هذآإلا تحر يؤثر! ن هذا الا قول البشر!) [المدثر/ 8 1 - ه 2]. # ووجه قولي: إنه سحر أي إنه يسحر قلوب المتبعين له، حتى يفرق # بين المرء ووالده، والمرء وولده، والمرء وأخيه. فجعل هذا القدر # المشترك الذي يفعل الساحر مثله هو وجه كونه سحرا. # وأما وجه كونه قول البشر فهو يشبه من بعض الوجوه ما يقول # البشر، فهو نظير قول الفلاسفة الذين قالوا: إنه فيض يفيض عليهم من # العقل الفعال، كما يفيض سائر كلام المتكلمين على قلوبهم. وشاركهم # في بعض قولهم من يقول: القران مخلوق، أو يقول: إن حروف القران # مخلوقة. # فهذا التفكير والتقدير الذي يطلب به معارضة القدر الذي أنزل الله به # كتبه وأرسل به رسله، كما يفعله فصلاء المتفلسفة والمتكلمة من جميع # الظوائف في دفع ما جاء به الكتاب والسنة، هو التفكير والتقدير الذي # ذمه الله تعالى، وقال في مثله: < ما ئحدل فى ءالث لله إلا الذين كفرؤا) # [غافر/ 4]، وقال: < وهم ئحدلون في ألله وهو شديد افحال! > [درعد/ # 13]، < إن ا لى مجدلون فى-ءايت لله يغتر سئطن أتمهم إن فى PageV01P124 ~~عدورهم لاكئن قاهم بخلغية) [غافر/ 56] إلى أمثال ذلك. # وأما التفكير والتقدير والقياس والتنظير الذي يحبه الله ورسوله فهو # الامثال المضروبة التي ضربها الله في كتابه، فقال: < ولقد ضرئبا للناس فى # هذا القرة ان من كل مثل > [لروم/ 58]. فان ms085 ضرب المثل هو تقديره # وجمعه، فان لفظ الضرب يشعر بذلك، ومنه ضرب الدرهم، والضرب # في الأرض، والضريبة: الطبيعة، وكذلك الضرب بالعصا، كل ذلك من # أصل واحد قي اللفظ. # والمقصود هنا نه قد علم من المعدوم الممتنع في نفس الامر أن # يكون لله مثل، لكن إذا قدر ذلك في النفس تبين بتقديره ما يلزمه من # الامور الممتنعة التي يعلم بها أنه ممتنع. وقد تبين أنه إذا قدر مثلان # أحدهما خالق والاخر مخلوق، كان هذا ممتنعا متناقضا من وجوه كثيرة # لا تنحصر، فان المثل الذي يجوز عليه ويجب عليه ويمتنع عليه ما يجب # ويجوز ويمتنع على الاخر، فحينئذ يجوز أن يكون هذا خالقا لخالق # نفسه، ويكون هذا مخلوقا لمخلوق نفسه فيكون مخلوقا لنفسه، والشيء # لا يكون خالقا لنفسه ولا يكون مخلوقا لنفسه. # ويكون هذا مستغنيا بنفسه واجبا بنفسه فلا يكون مخلوقا، ويكون # أيضا مفتقرا إلى صانعه ممكنا بنفسه فيكون مخلوقا، فيكون كل منهما # خالقا مخلوقا، وهذا محال كما تقدم. # ويكون هذا قديما فلا يحتاج إلى محدث، ويكون هذا محدثا # فيحتاج في وجوده إلى قديم، فيكون كل منهما قديما بنفسه لا يحتاج # ومحدثا محتاجا، وهذا محال. # ويكون هذا واجبا بنفسه له العلم بكل شيء والقدرة على كل شيء، PageV01P125 ~~وهذا جائز عليه الجهل بكل شيء والعجز عن كل شيء، فيكون كل # منهما واجبا له بنفسه وجائزا عليه العلم بكل شيء والقدرة على كل # شيء، وهذا ممتنع. # ويكون هذا واجبا له أن يكون سميعا لكل مسموع وبصيرا بكل # مرئي، وهذا جائز. عليه أن لا يسمع ولا يبصر شيئا، فيجتمع هذان # الوصفان، وهو محال. # ويكون هذا يمتنع عليه الافات المذكورة، [وهذا يجوز عليه الافات # المذكورة]، فيكون كل منهما يجوز عليه الآفات ويمتنع، وهو ممتنع. # ويكون هذا معدوما بنفسه لا يوجد إلا بخالقه، [وهذا] واجب # الوجود بنفسه لا تقبل ذاته العدم، وهذا محال. # فقد تبين أنه يلزم اجتماع النقيضين من وجوه كثيرة على تقدير إثبات # المثل. وهذا باب واسع تبين فيه بهذه التقديرات المحالات اللازمة من # فرض ms086 تماثل الخالق والمخلوق، ليعلم أن هذا ممتنع في نفسه متناقض لا # يمصور، وان كان يلزم من التمثيل أيضا ما هو ممتنع، من وصف الخالق # سبحانه وتعالى بصفات المخلوق الناقصة، ووصف المخلوق بصفات # الخالق التي هي من خصائصه، فان ذلك يبين استحالة تماثل الخالق # والمخلوق من غير تعيين، وهذا بيان الاستحالة في الخالق الحق المعين # الموجود وفي المخلوق الموجود المعلوم، وكل هذه طرق صحيحة. # ولهذا قال سبحانه: <هل تعلم لو سميا *> [مريم/ 65]، وهذا من # الامثال المضروبة، كما سمى الله بذلان قول القائلين: < من يش العطم # و! رميم! > [يس/ 78] لما قال سبحانه: < وضحرب فا مثلأ ودنمى ظقه # 126 PageV01P126 ~~قال من يخى العظام وهي رميص!)، فان هذه الجمل الاستفهامية هي # استفهام إنكار، إنكار نفي وسلب ونهي ومنع، فهي متضمنة لشيئين: # أحدهما نفي أن يعلم له سميئ، وهو أنك لا تعلم له سمئا. والثاني: # الانكار على من يقول: إن ذلك يعلم، إذ لو أراد سبحانه النفي البحت # لقال: ما تعلم له سميا. فهذا يكون فيه نفي علمه لا إنكار وجوده، فلما # قال: "هل تعلم " كان إنكارا لوجود ذلك ونفيا لان يكون، ولهذا قال: # "هل تعلم "، ولم يقل: "هل علمت "، ليبين الانكار والنفي لوجود العلم # مطلقا، فان الفعل المضارع مطلق بنوه لما هو كائن لم ينقطع، هذا لفظ # سيبويه (1). كما بنوا الماضي لما مضى، وبنوا الأمر لما لم يكن بعد. # ونظيره أن تقول: هل ياتي نبي بعد محمد؟ هل تقوم الساعة الان؟ # هل يتخذ الله ولدا؟ هل يعلم أحا أو يقول عاقل: إن الواحد مثل الاثنين؟ # ونحو ذلك مما تبئن فيه امتناع ذلك وإنكار وجوده، وتبين أن وجوده # ممتنع، وأنه مما يجب إنكاره وينكر على من ادعاه. # ثم دل ذلك على نفي متعلقه أيضا، فان الحق لا ينكر العلم به، # وإنما ينكر العلم بما لا حقيقة له، لقوله: < قل اتنئون دله لما لايذلم في # السموات ولافى لازضن) [يونس/ 18]، فدل هذا المثل أ2) على أنه لا سمي # له، وعلى أن لا يعلم أحد له سميا، وعلى ms087 أنه لا يمكن أن يكون له # سمي، وعلى أنه لا يمكن أن يعلم له سميئ، دل على نفيه ونفي إمكانه، # ونفي العلم به وبإمكانه، في هذا اللفظ الوجيز المختصر. PageV01P127 # فالعقل الشريف عقل هذه الامثال، كما قال تعالى: < ولث # الامثل نضربها للناس! وما يعق! ها إلا ألمحالمون!) [العنكبوت/ 43]، # فالعالمون يعقلون هذا المثل كما قال تعالى، وعقلهم له معرفتهم بما فيه # من الحق وبدلالته على الحق المطلوب، حتى يبقوا عالمين بعقلهم للحق # المطلوب، لا على وجه التقليد لمجرد صدق المخبر، لكن كما قال # تعالى: (ويرى الذين أوتو العلم الذي نزل إلضث من ربث هو الحق) أسبا/ # 6]. فاذا أوتوا العلم عقلوا أن الذي أنزل إليه من ربه من الأحكام الخبرية # والامرية والادلة الدالة عليها -كالامثال المضروبة في القران - أنه هو # الحق، فإن العاقل إنما يعقل مالم يكن عنده من العلم بما هو عنده، # وبالعلم بالمقدمات تعلم نتائجها. ولهذا قال تعالى: إن الامثال # المضروبة <ما يعقلها إلا آلدون!) [العنكبوت/ 43]، وأخبر أن # الذين أوتوا العلم يرون الذي < نزل إلضث من رفي هو الحق ويهدى إ ك # صررو العشفي لحميد*> أسبأ/ 6]. # واذا تبين بالقران وبعقل (1) الامثال المضروبة فيه امتناع السمي لله، # وأنه يمتنع أن يكون سميا في شيء من الاشياء حصل المقصود. والسميئ # هو المثل والشبه، كما نقل عن ابن عباس (2)، وهو إما أن يكون مأخوذا # من المساماة وهي المرافعة والمعالاة، كما قالت عائشة عن زينب: # " وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي لمجيم " (3). فيكون "فعيل " بمعنى # الفاعل، كالاكيل والقعيد والنظير. PageV01P128 # وإما أن يكون بمعنى المسمى باسمه، كما قال في قصة يحيى: < لم # نجعل لم من قتل سما!) 1 مريم/ 7]، فمن سمي باسم غيره فهو سميئ # له، إذ الاسم هو مشتق في الاشتقاق التام من سما يسمو، وان كان في # الاشتقاق الاوسط من وسم يسم، كما قال ذلك من قاله من نحاة الكوفة، # كما بينا أنواع الاشتقاق في غير هذا الموضع. # فسواء كان السمي من التسمية أو لمساماة فان مرجعهما إلى شيء # واحد، فان المسمى باسم ms088 الشيء هو مسام له وإن لم يقصد ذلك، # والمسامي للشيء لابد أن يسمى بأسمائه، إذ المراد بالاسم في هذه # المواضع ليس هو مجرد اللفط الذي يكون علما كأسماء الاعلام، وإنما # المراد بالاسماء ما يدل على نعوت المسمى وصفاته، فان الاسم يرفع # المسمى ويعليه، وإذا ارتفع وعلا ظهر وتجلى، وذلك هو وصفه واظهار # مافيه. وهذا هو الذي عابه الله تعالى على من سمى الاوثان باسماء < ما # أنزل لله بها من سلطق) [الانجم/ 23]. # ولهذا كانت أسماء الله الحسنى صفات له قولية، وهي دالة على # صفاته المعنوية، فيكون الله تعالى قد نفى الامكان أن يكون لله من يسمى # بأسمائه أو يساميه، وهذا لا ينافي ما ذكرناه أولا مما. في كتاب الله تعالى # أن الله تعالى سمى نفسه بأسماء وسمى بعض مخلوقاته بتلك الاسماء، # لأنا قد بينا فيما تقدم مافي الاسماء من الدلالة على المشترك والمميز، # ونحن نلخص في هذا المكان مقصوده: # وهو أن أسماء الله - مثل العليم والقدير والرحمن والرحيم - دالة # على نفسه المقذسة بما لها من نفس علمه وقدرته ورحمته، وهذا الاسم # الذي دل على هذا المعنى لا يجوز أن يسمى به سواه أصلا، واذا أطلقناه # 129 PageV01P129 ~~على المخلوق وقلنا في الانسان: سميع بصير، فهذا الاسم الذي د ل # على حقيقة سمع المخلوق وبصره لا يسمى الله به قط، وأما الاسم # المطلق الذي لا يضاف فهو دال على القدر المشترك. فالاسم وإن كان # لفظه قبل الاضافة والتعريف واحدا، فهو بالإضافة والتعريف يصير دالا # على أكثر مما كان دالا عليه حين التجرد. # ولهذا قال الفقهاء في باب الايمان: إن أسماء الله ثلاثة أصناف: # منها: ماهو نص، كقوله: الله، ورب العالمين، ورحم الراحمين، # ونحو ذلك. فهذه تكون يمينا لا تحتمل غير ذلك. # ومنها: ماهو ظاهر، وهو مايكون بإطلاقه لله، وقد يسمى به غيره # بالقرينة، كقوله: العزيز والحكيم والرووف والرحيم، ونحو ذللش. # ومنها: ما هو مجمل، لا ينصرف إطلاقه إلى الخالق والمخلوق إلا # بالقرينة، كقوله: الموجود ونحوه، فهذا لا يكون يمينا إلا إذا نوى به ms089 # الله، وهل يكون يمينا بالنية على قولين بناء على أن اليمين بالله تعالى هل # تنعقد بالكناية: أحدهما يكون يمينا، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة # وأحمد وغيرهما. والثاني: لا يكون يمينا، وهو ظاهر مذهب الشافعي # وقول القاضي أبي يعلى في بعض كتبه. # وهذا ثابت في جميع الاسماء التي تتغير دلالتها بالتقييد والاضافة # في أسماء المخلوقين، فكيف بالاسم الدال على الخالق والمخلوق؟ # فلفط "الرسول" واحد، ومع هذا فلما قال: < فعصئ فرغوت الرسول) # [المزمل/ 16] وقال لنا: < لاتجعلوا دعاء الرشول بينتم) [النور/ 63] لم # تكن صفة الرسالة وقدرها المدلول عليها باسم الرسول في أحد # الموضعين هي الصفة والقدر المدلول عليها به في الموضع الاخر. # 130 PageV01P130 ~~ويقال: هذا رسول هذه الامة، ويقال في ذلك: رسول بني إسرائيل، فلا # يسمى أحدهما باسم الاخر مطلقا، وإن اشتركا في بعض مدلول # الاسمين. # ولهذا كان من أسماء هذا الرسول: محمد وأحمد والماحي # والحاشر والعاقب والمقفي ونبي الرحمة ونبي الملحمة والضحوك # والقتال (1)، ونحو ذلك من الاسماء التي يختص هو بمعاني بعضها، # ويختض بكمال معاني باقيها، فليس في الرسل من يسمى بأسمائه # مطلقا، وان كان يشركه في بعض إطلاق بعض أسمائه عليه لمشاركته له # في بعض معانيها. # وهذا لما قدمناه من أن الاسماء المتواطئة تدل بمجردها على القدر # المطلق المشترك الذي لا يوجد مطلقا مشتركا إلا في الذهن، وتدل عند # تعيينها بالتعريف على خصوص المعنى المعين الموجود في الخارج # الذي لا شركة فيه، فمدلولها عند التعيين ليس فيه اشتراك اصلا، كما أنه # ليس فيها اشتراك ولا إطلاق، ولكن الذهن يأخذ القدر المشترك بين # المعنيين، كما ينطق اللسان باللفط المشترك المتواطىء الموجود في # المحلين، وإن كان حال المطلق المشترك المتواطىء كالمعنى المطلق # المشترك، وليس هذا بشرط الاطلاق إلا في الذهن، كما أن اللفظ # المطلق بشرط الإطلاق لا يكون في كلام الناس واستعمالهم، واللفط # المقيد بتعريف الإضاقة وغيرها يطابق المعنى الذ"هني المقيد بفهم تلك PageV01P131 ~~الحقيقة المعينة، والحقيقة الخارجة المعينة مطابقة لذلك المعنى # المفهوم من هذا اللفط المعين، واللفظان في حال تعيينهما والمعنيان # الذهنيان ms090 (1) والحقيقتان الخارجتان كل منهما متميز بنفسه، ليس فيه # شركة مع غيره، ولكن معنى قولنا: " إنه يشاركه " أن الذهن يدرك أن هذا # يشبه هذا من تلك الجهة، وكل منهما لا يكون في نفسه مطلقا بشرط # الإطلاق ولا مشتركا بشرط الاشتراك، ولكن المعنى المطلق يوجد فيه لا # بشرط الإطلاق، والمشترك يوجد فيه لا بشرط الاشتراك، بل مع تقييد # وتخصيصه # ومن هنا قيل: كما أن بين اللفظين اشتراكا واشتباها قكذلك بين # المعنيين اشتراكا واشتباها (2)، لكن هذا القدر المشترك المشتبه ليس # داخلا في حقيقة أحدهما الخارجة الموجودة أصلا مشتركا، إذ الذي فيها # لا يكون مطلقا بشرط الإطلاق، وانما هو مطلق لا بشرط الاطلاق، بل # هو مقيد بالتعيين، ولا مشتركا بشرط الاشتراك، وإنما يقال: هو مشترك # للمشابهة، بل هو مختص متميز. # ثم إذا عرف هذا [في] جميع الاسماء المتواطئة وأنها إذا دلت على # معنيين لم يكن في المدلولين الخارجين اشتراك، بل كل منهما متميز # بنفسه، فلا يكون اسم هذا اسما لهذا ولا اسم هذا اسما لهذا قط من جهة # التعيين، فان اسم المعين لا يكون اسفا لغيره، لكن إن كان المسميان # متماثلين في بعض الامور صح أن يسمى أحدهما باسم الاخر، ويقال: # هو سميه، فان التماثل في الحقيقة يوجب التماثل في أسمائها، فيقال: PageV01P132 # هذا الانسان سمي هذا، وهذا السواد سمي هذا، وهذا العالم سمي هذا، # لتماثلهما في العلم وإن تفاوتا في غيره. # وأما إن كان المسميان غير متماثلين في شيء من الاشياء لم يكن # أحدهما سميا للاخر بحال، فاذا قيل لجبريل: الروج، وقيل: الذبابة # فيها روج، لم تكن روج الذبابة سميا لجبريل الذي اسمه الروج، واذا # [قيل] عن جبريل: < مظاع ثم أميهز!) [التكوير/ 1 2]، وقيل عن بعض أهل # الكتاب: < إن تأمنه بقظا 2 يؤده ء الياب) [آل عمران / 750] لم يكن هذا الامين # سميا لذلك الامين، وذلك لان اللفظ دل على أن بينهما تشابها من بعض # الوجوه، وهو أصل الامانة، وما حقيقتها وصفتها وقدرها فلم يشتبها # فيه، فلم يكن اسم أحدهما دالا على مثل مدلول اسم ms091 الاخر، فلم يكن # سميا له. # فالله تعالى هو السميع البصير، فاذا سمي بعض مخلوقاته بالسميع # البصير لم يكن مدلول اسمه تعالى مثلا لمدلول اسم ذلك المخلوق بوجه # من الوجوه، فاذا لم يكن مسمى السميع البصير الذي هو الذات والصفة # مثلا لذلك، لا الذات مثل الذات ولا الصفة مثل الصفة، امتنع أن يكون # اسم هذا يقال على هذا، ون يكون سميا له، وان كان من مدلول # الاسمين تشابه من بعض الوجوه. والتشابه ليس هو التماثل بوجه من # الوجوه، فإن الشيء قد يشبه ما يكون مخالفا له، إذ ما من شيئين إلا وقد # يشتبهان ولو في أدنى شيء،.ولو أن في أحدهما غير الاخر وخلافه # وضده، ومثل هذه المشابهة لا توجب تماثلا بوجه من الوجوه، بل رفع # الاشتباه من كل وجه يقتضي عدم أحدهما. وقد قدمنا كلام العلماء في # ذلك، وامتناع محققيهم أن ينفوا المشابهة من كل وجه، وان نفوا # 133 PageV01P133 ~~المماثلة من كل وجه. # فهو سبحانه ليس له شبه ولا له مثل بوجه من الوجوه، ذ التماثل # بوجه من الوجوه منفيئ عن الله تعالى بالنصوص المتقدمة، وبالامثال # العقلية المضروبة التي أرشد إليها النض، إذ لو حصل له مثل في بعض # الامور لزم الجواز والوجوب والامتناع من كل الوجه، فيلزم التناقض # والمحالات المتقدمة، وأما الاشتباه في بعض الامور فلا يستلزم # الاشتراك في الوجوب والجواز والامتناع، بل لابد منه بين كل # موجودين. # فمن فهم هذه المعاني الشريفة فهم ما بين الاسماء من التواطىء # والافتراق، وما بين مدلولها من التباين والاشتباه، وعلم أن الله ليس له # مثل ولا سميئ، لا في نفسه ولا في شيء من صفاته ولا من أفعاله، ولا # يسمى أحد بشي من أسمائه أصلا، وعلم أن المخلوق إذا سفي بالاسماء # التي تصير اسما لده إذا أضيفت إليه، فلم يسم بأسماء الله ولا بمثل أسماء # الله، ولا صار شيء من الاسماء سميا لله، ولكن الاسم الذي يكون اسما # لله إذا سمي الخلق به يصير اسما لهذا إذا سمي به، وكونه يصير اسما له ms092 # إذا سمي به لا يوجب كونه سميا له، وانما لاجل مافي اللفظين من # التواطىء دلا على معنى مشترك، وهو ما بين الحقيقة من تشابه في معنى # الاسم، وأنه بثبوت ذلك المعنى الذي ياخذه الذهن مشتركا يكون # الموجود موجودا، والا كان معدوما، كما قد بيناه لما تكلمنا على # الوجود الواجب والممكن. # وبهذا تبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى وزادوا فيه على الحق # فضلوا، والمعاللة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه، وزادوا فيه على # 134 PageV01P134 ~~الحق حتى ضلوا، وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله # العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه. # فالتفاة أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه أو التمثيل بشيء من # خلقه بوجه من الوجوه، فإن المماثلة بوجه من الوجوه تقتضي التناقض # والمحال، فإنه لو فرض أن الله تعالى يماثل شيئا من خلقه في علمه أو # إرادته أو غضبه أو حلمه بوجه من الوجوه، كان ذلك الوجه الذي تماثلا # فيه يقتضي أن يجوز على أحدهما ما يجوز على الاخر. # ولهذا جاءت هذه الشريعة بكمال التوحيد والتحميد والتنزيه، فقال # رجل للنبي! يم: ما شاء الله وشئت، فقال: " أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء # الله وحده ". فجعله بمماثلته له في المشيئة جاعلا له ندا، مع أنه لابد بين # المشيئتين من قدر مشترك ؤاشتباه، ولكن ليس بينهما تماثل وتناد. # ولهذا قال تعالى: < اتم جعلو لله شركا صلقوا كخلقه-> 1 اع/ 16]، وقال # تعالى: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة وليخلقوا # بعوضة! ". (1) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ان أشد الناس عذابا ~~يوم القيامة الذين # يضاهون بخلق الله " (2)، حيث فعلوا مثل مافعل، ولو أنه في الصورة # فقط، ولهذا يقال: " أحيوا ما خلقتم " (3). وقال: "من صور صورة كلف # أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ " (4). لانه لما فعل مثل الصورة في # الجسم صار مضاهيا ذاهبا يخلق كخلق الله، فقيل له: حفق التماثل فانفخ PageV01P135 ~~فيها الروح، ولست بفاعل. فكان التماثل من كل وجه معجوزا عنه، # فنهي عن المماثلة من ms093 بعض الوجوه، لانه هئم بإظهار التماثل من غير # تحقيق. # ومع هذا فالانسان له أفعال لها أسماء، ولده تعالى [أفعال لها] أسماء # تسمى هي بتلك الاسماء، مثل: <والسبما بذئها بإتيد> [1 لاريات/ 47]، # ومثل قوله: <صنع الله انذبد نمن ص شئح > [النمل/ 88]، ومثل قوله: # < و! تبنا له في الا لواح من -يثئء) [الاعراف / 145]. ولم يكن العبد # ظالما بهذه الافعال، لانه لم يماثل الرب فيها بوجه من الوجوه، وإنما # [فيها] اشتباه من بعض الوجوه التي لاتوجب محذورا، بل تحقق الثابتة # في الموضعين. # فتدبر ارتفاع التماثل بين الخالق والمخلوق من كل وجه، ولم تكن # المماثلة ثابتيه من كل وجه، وتدئر ثبوت الحقائق التي لابذ أن يكون بينها # قدر مشترك واشتباه سمي أحدهما من تلك الجهة بالاسم الذي تسمى به # الاخر، وان لم يكن أحدهما اسم الاخر، إذ الاسم هو مجموع المجرد # والمقرون به من الاضافة أو لام التعريف، وانما وجود الاسم المجرد في # الموضعين مثل وجود المضافين في موضعي الاضافة، وحد جزئي # المركب في موضعي التركيب، فإذا قلت: غلام زيد وغلام عمرو لم يكن # أحد الاسمين هو الاخر، ولم يكن أحدهما سمي الاخر، وين عبدالله # وعبدالرحمن من عبد شمس وعبد اللات؟ ولهذا غير النبيئ ءلمجي! اسماء من # كان متعبدا لغير الله من المسلمين، مثل من كان سمي عبد شمس # وعبداللات، فسماهم عبدالله وعبد الرحمن، لم يكن أحد الاسمين مثل # الاخر. وإذا كان شخصان أحدهما اسمه عبدالله والاخر عبد شمس لم # 136 PageV01P136 ~~يكن أحدهما سمي الاخر ولا مسمى باسمه، وان كان لفظ الاسمين # متفقا في النصف، وهو لفظ المضاف، لان الاضافة الاختصاصية قطعت # ذلك الاشترالب الذي كان موجودا قبلهاه # فاذا قلت: سميع وسميع، فهو كقولك: عبد وعبد، وإذا قلت: الله # السميع البصير والإنسان السميع البصير كان هذا التباين أعظم من قولك: # عبد الله وعبد شمس، إذ التعريف باللام كالتعريف بالاضافة. # فتدبر هذا، فان هذه المعاني الشريفة نافعة في هذه المسائل التي كثر # الاضطراب فيها، فالمنزه أحسن في نفي المماثلة من كل وجه واثبات # المباينة والمخالفة ms094 كما تقدم، ولكن إذا زاد بنفي المعاني الثابتة لله في # نفس الامر ونفي حقيقة أسمائه لما في ذلك من نوع اشتراك في الاسم # واشتباه في المعنى - كان مبطلا معاللا، لان الذي كذب به من الحق # ونفاه قد يكون أعظم مما كذب به من الباطل ونفاه. والمثبتة أحسنوا في # إثبات حقيقة الله بما له من الصفات التي (1) لا يكون هوهو إلا بها، وفي # إثبات أسمائه الحسنى المبينة لحقائق صفاته، فانه لولا ثبوت هذه # الصفات التي هي العلم والقدرة والكلام ونحوها، لم يكن ربا ولا # خالقا، بل لولا ثبوت أصل الصفات لم يكن موجودا أصلا. واثبات مالا # صفة له إثبات ما لا وجود له، وهو إثبات معدوم. # ولهذا كانت النفاة معطلة متناقضة ممثلة له بالمعدوم، أما تناقضها # فمن حيث أقرت بوجوده وامشحقاقه الكمال المطلق والوجود الاتم، ثم # وصفته بما يستلزم أنه لا يكون شيئا أصلا، فضلا عن أن يكون قائما حيا. PageV01P137 # ومثلته بالمعدوم، فكانت أضل ممن مثله بالموجود الشيء، وكانوا مع # ذلك معطلة عطلوا صفاته بإقرارهم واعترافهم، وعطلوا حقيقته بما هو # لازم لهم. كما قد (1) بينا ن إثبات المثل له بوجه من الوجوه يوجب # التناقض في نفسه، فرفع الصفات بالكلية ونفي وجود معنى مشترك # ومشابهة بوجه من الوجوه متناقض أيضا في نفسه. ثم هذا يقتضي عدمه، # وذلك يقتضي نقصه، فلهذا كان التعطيل شرا من التمثيل. # وانما تناقض لان من (2) أثبته موجودا عالما قادرا، وقد علم أن في # خلقه موجودا عالما قادرا، إن لم يثبت لوجوده خصائص الوجود، # ولعلمه خصائص العلم، ولقدرته خصائص القدرة، وهو أن يكون # وجوده ثابتا متميزا بنفسه عن غيره من الموجودات ذي حقيقة ثابتة # بحقيقة الاثبات، ويثبت لعلمه خصيصة الإدراك والتمييز والمعرفة # والاحاطة بالاشياء، ولقدرته خصائص القدرة التي بها يفعل الافعال - # وإلا لم يثبت موجودا ولا عالما ولا قادرا، ومتى أثبت هذه الخصائص # فمن المعلوم بالضرورة أن لاحدنا منها نصيبا، فإن لنا وجودا وعلما # وقدرة، [و] لنا ثبوت (3) محقق، وتمييز وقدرة بها نفعل، فان رفعت هذا # المطلق المشترك فقد ms095 عطلت الذات بالكلية وجعلتها معدومة بعد إقرارك # بوجودها، وهذا تناقض، وهذا المعنى قد وضحناه فيما تقدم. # فإذا زاد (4) المثبت وجعل بينه وبين غيره مماثلة من بعض الوجوه، PageV01P138 ~~مثل أن يجعل علمه أو قدرته أو رحمته أو غضبه مثل شيء من صفات # حلقه، أو يجعل ذاته مثل ذات شيء من حلقه من ذهب أو فضة أو بلور أو # لحم، كما يحكى عن بعض المشبهة أنه قال: هو سبيكة من فضة، وعن # بعضهم أنه قال: هو لحم ودم ونحو ذلك = فهذا غلو في إثبات الحقيقة # ء (1) # دى. إلى التماثل الموجب لنقصه وعدمه. # فقد تبين أن الغلو في تحقيقه حتى يمثلى ببعض المخلوقات يوجب # الحكم بالعدم، ون الغلو في تنزيهه حتى يرفع ما يعلم من القدر # المشترك المشتبه يوجب العدم، فكل من فريقي الغلاة في النفي والاثبات # يستلزم قوله عدمه، لكن النفاة يلزمهم الحكم بالعدم ابتداء من أول # أمرهم، إذ لم جمسبتوا شيئا محققا أصلا، وإنما ظنوا أنهم أثبتوا، والمثبتة # يلزمهم الحكم بالعدم انتهاء في اخر أمرهم، لانهم أثبتوا شيئا محققا، # واعتقدوا اعتقادا صحيحا، ثم زادوا في تمثيله ما يوجب أن يكون في # صفة المعدوم. فلهذا كان الاولون أضل، ولكن ليس في المسلمين ولا # من مثبتي الصانع من يبتدىء بالنفي، بل لابد أن م! يتبت أولا الصانع ويقر # به، ثم يبالغ إما بالنفي واما في الإثبات، فلهذا لم يصرح أحد من مثبتة # الصانع بعدمه، وان كان قوله يستلزم ذلك، وهو للنفاة ألزم وأبلغ لزوما # وأسبق لزوما وأوضح لزوما. فهذا هذا، والله أعلم. # ف! ن قلت: إن الفقهاء الاصليين (2) وغيرهم تنازعوا في نفي المساواة # هل يقتضي نفيها من كل وجه أو يقتضي نفي كمال المساواة؟ على # قولين، وميل أصحاب أبي حنيفة وكثير من أهل الاصول إلى عدم PageV01P139 ~~العموم، وميل كثير من أصحابي الشافعي وأحمد إلى أن هذا يوجب دفع # جميع المساواة، فلا يكون الكافر كفوا للمسلم ومساوئا له في باب # الدماء، فلا يكون دمه كدمه، ولا يكون كفوا له. وإذا انتفت المساواة # والمكافأة لم ms096 يقتل المسلم بالكافر الذمي. ويقول طوائف: إن هذا # يوجب انتفاء المساواة المطلقة، والاشتراك في بعض الاحكام لا يمنع # انتفاء المساواة، بدليل أنهما يستويان في كثير من الاحكام. ونتم قد # ذكرتم أن ما نفاه الله عن نفسه من الكفؤ والسمي والمثل يقتضي نفي ذلك # من جميع الوجوه، وهذا الاصل اللفطي متنازع فيه، ولابد من تقرير ذلك # بالدليل. # قلت: هذه المسألة تشبه دخول حروف النفي والنهي على ألفاظ # العموم، مثل أن يقول: لا كلمت القوم ولا كلت هذا الرغيف، ففعل # بعض المحلوف، أو مثل قوله تعالى: < لايستوى ضب لناروأ! ف # لجنة > [جث/ 20] هل توجب اللغة عموم النفي أو نفي العموم؟ وفي # هذا الاصل قولان في مذهب أحمد وغيره. ومسالة اليمين مشهورة عند # الفقهاء، فالمشهور في مذهب أحمد -وهو مذهب مالك - أنه يحنث # بفعل بعض المحلوف عليه، والرواية الاخرى عنه - وهي ظاهر مذهب # أبي حنيفة والشافعي - أنه لا يحنث بفعل بعض المحلوف عليه عندهم # كلهم مع الاطلاق، فأما مع قرينة العموم أو الخصوص فلا يبقى نزاع، # مثل إذا قال: لا كلت الخبز أو اللحم، أو قال لامرأته: لا كلمت # الرجال، فهنا يحنث بفعله البعض، إذ لا يراد هنا عموم النفي بل مطلق # النفي. ولو قال: والله لا بنيت هذا الحائط وحدي، ولا نقلت هذا # التراب وحدي، مما تبئن القرينة أنه امتنع من فعل الجميع، لم يحنث # بفعل البعض، أما في الاصول فيذكرون القولين مطلفا في مذهب أحمد PageV01P140 ~~وغيره، ولا يثبت لاحد في ذلك قول مطرد، فإن مافى القران من ذلك قدر # يراد به عموم النفي، كقوله تعالى: <غير اثمغضوب صسفم ولا # المحالين *> 11 دفاتحة/ 7]، وقوله: < لا يستوى أضب فار وامحف # الجنة) 1 الحشر/ 0 2]، وغير ذلك. # وإنفا قلنا: إنها متلها، لان إثبات المساواة المطلقة يعم المساواة # في كل شيء عند الإطلاق، فان عموم الكل لاجزائه كعموم الجمع # لافراده، إذ لافرق بين أن يكون المشمول الذي تناوله اللفط أفرادا متباينة # أو جزاء متصلة أو صفات قائمة، كعموم قوله تعالى: <وصهكم # واتديكم> 1 المائدة/ 6] لجميع ms097 أجزاء اليد والوجه. # ذا عرف ذلك فنقول: المساواة المثبتة تكون مطلقة وتكون مقيدة، # فاذا كانت مقيدة ببعض الاشياء لم يكن النفي إلا لتلك فقط، [و] إن كانت # مقيدة بمساواة في شيء معين يقيد النفي به، وإن كانت مطلقهي في # المساواة في أي شيء كان النفي لذلك، وإن كانت عامة المساواة في كل # شيء فالعام المنفي نفيا مطلقا هو مورد النزاع. وأشهر القولين عند # أصحابنا وعليه أكثر العلماء أنه لعموم النفي، فتنتفي المساواة من كل # وجه، كما أن النفي الداخل على صيبع العموم يعم ما يعمه الإثبات، # وذلك أن النفي يناقض الإثبات، فيرفع ما أوجبه الاثبات. # ولهذا كانت النكرة في سياق النفي تعم، لان مسمى اللفط النكرة # مثل وجه وفرس هو الحقيقة المطلقة، فإذا نفيت فقيل: لا رجل في # الدار، ولا يقتل مسلم بكافر، ولا رفث ولا قسوق ولا جدال في الحج، # ولا نبي بعدي، ولا إله إلا الله = اقتضى نفي الحقيقة، والحقيقة المطلقة # لا تنتفي الا بانتفاء جميع أفرادها، والا فافي فرد ئبت كانت الحقيقة # 141 PageV01P141 ~~المظلقة ثابتة بثبوته. # فلهذا كانت النكرة في سياق العموم تعم إما عموما قطعيا إذا تيقن أن # اللفظ لنفي الجنس، مثل أن يقرن بمن النافية للجنس مظهرة أو مقدرة، # كقوله: < وصما من إله لأ، لة ؤحدخمو) [المائدة/ 73]، وقوله: < لا لة إلا # الله > [محمد/ 19]. واما عموما ظاهرا إذا كان اللفظ ظاهرا في نفي # الجنس. ويجوز أن يراد به نفي الواحد منه، كقولك: ما كلمت رجلا ولا # أكلت رغيفا؛ إذ يجوز أن يقال: بل رجلين وبل رغيفين. وان كان اللفظ # لنفي الواحد من الجنس، كقولك: ما كلمت رجلا بل رجلين، ولا أكلت # رغيفا بل رغيفين، انتفى العموم؛ لان المنفي واحد من الجنس لا نفس # الجنس. # وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن إثبات اللفظ العام لافراده لا يشترط # فيه التلازم، فلا يكون إثبات بعض الافراد مشروطا باثباته لبعضها، بل # قالوا: أدوات التثنية والجمع في المؤتلفات كحروف النسق في # المختلفات، فاذا قال: جاء الرجال، فقال النافي: ما جاء الرجال، ms098 فقد # نفى ما أثبته، وهو إنما أثبت الحكم مجردا، والعموم جاء من الصيغة، # فالنفي ينفي الحكم مجردا، لا ينفي مجرد العموم. بخلاف مالو قال # القائل: جاء كل القوم، أو ما جاء كل واحد منهم، ولو قال: أطعمتهم # كلهم، أو غسلت وجهي كله، فقال: ما طعمتهم كلهم، وما غسلت # وجهك كله، فهنا لما كان المقصود الأول إثبات نفس العموم، لا الحكم # الذي عرض له العموم، كان مقصود النافي العموم، لا نفي الحكم الذي # عرض له العموم، إذ النفي يطابق الاثبات. # 142 PageV01P142 ~~وكذلك الحقائق المركبة التي (1) ينتفي مجموعها بانتفاء جزء من # أجزائها، إذا نفيتها لم يلزم نفي جميع أجزائها، بل يكفي انتفاء جزء من # أجزائها، وإن بقي بعض أجزائها. # ولهذا صح عند السلف ومن اتبعهم أن يقال عن الفاسق الملي: ليس # بمؤمن، كما قال النبي! يم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا # يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها # (2) # وهو مؤمن "، ولا يكون ذلك نفيا لجميع أجزاء إيمانه، فإن الايمان # عندهم وان كان مؤلفا من أمور واجبة، فإذا انتفى بعضها انتفى الايمان # الواجب الذي به يستحق الجنة وينجو من النار، ولم ينتف جميع أجزاء # الايمان، بل قد يبقى معه بعض أجزائه التي (3) ينجو بها من النار بعد # دخولها، كما أخبر النبي ع! يم أنه " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال # ذرة من إيمان " (4). # فان الإيمان عندهم ينقص ولا يزول بالكلية، كما نه قد يزيد على # أداء الواجبات بالطاعات، فلهذا قالوا: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. # ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الايمان بضع وستون أو وسبعون ~~شعبة، أعلاها # شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الاذى عن الطريق، والحياء شعبة # من الايمان " (5). ومن خالفهم من الخوارح والمعنزلة والمرجئة PageV01P143 ~~والجهمية فانه عندهم لا ينقص إلا أن يزول بالكلية، ظنا منهم أن # المركب متى زال بعض أجزائه زال جميعه. ولم يعلموا أن الصلاة # والحح وغيرهما من المركبات التي يتناول اسمها لاركانها وواجباتها # ومستحباتها، قد يزول ms099 بعض واجباتها ولا يزول أصل الاسم، وهي عبادة # واحدة، فكيف الإيمان الذي يدخل فيه كل طاعة؟ فاذا قلنا: ليس بمؤمني # دل على زوال بعض ما يجب من الايمان، لا على زوال كفه كما يقوله # هؤلاء. # وكذلك إذا قال الشارع: من فعل ذلك فليس منا، اقتضى خروجه # عن هذه الحقيقة، وهي الايمان الواجب الذي (1) يستحق به الثواب دون # العقاب، لا يقتضي خروجه عن جميع أجزاء الإيمان كما يقوله الخوارج # والمعترلة، ولا يقتضي نفي التطوعات حتى يقال: معناه ليس مثلنا أو # ليس من خيارنا، كما يقوله المرجئة والجهمية. # فاذا كان النفي مقابلأ للاثبات: إن أثبت المثبت نفس العموم رفعه # النفي، كما في قوله: أكلت هذا كله، فقال النافي: ما أكلت هذا كله. # وان أثبت الحكم للمذكور بصيغة العموم كان النفي نفئا لذلك الحكم # المذكور بصيغة العموم، فاذا قال: جاء القوم، قال النافي: ما جاء # القوم. ثم هنا ثلاث احتمالات: # إما أن يقال: النافي نفى إثبات الحكم للمذكورين، ولم يتعرض # لنفيه عن بعضهم لا بإثباب ولا نفي، بل نفى عين ما ثبته المثبت، فيعلم # أنه حكم أنه لم يجىء المذكورون جميعهم، ويكون مجعروء بعضهم PageV01P144 ~~مسكوتا عن نفيه واثباته. # واما أن يقال: بل نفى العموم، وفاد بطريق المفهوم ثبوت البعض، # فهذا إنما يكون إذا كان النافي أثبت العموم كما تقدم. # واما أن يقال: نفى الحكم من كل عين أثبته له، وناقض الإثبات # العام بالسلب العام. # فهذا الاحتمال والاول هما القولان المذكوران في المسالة، وما أن # يقال: هو لسلب العموم فقط فهذا لا يكون إلا في مواد معينة ومع # القرينة، بل يقال: سلب الحكم سلبا عاما، أو سلب الحكم العام الذي # أثبته المثبت، لا نه سلب عمومه فقط. لكن يقال: ليس في نفس الامر # إلا السلب العام أو سلب العموم، إذ سلب الحكم العام إما أن يكون مع # العموم في السلب أو لامعه، فان كان مع العموم في السلب فهو القسم # الاول، وان كان بلا عموم في السلب فقد سلب عموم السلب. # وهذه المسألة تشبه ms100 الاستثناء من الاثبات والنفي، هل هو لاثبات # النقيض أو لرفع الحكم؟ والاقوى في عامة الكلام إذا لم يكن فيه قرينة # تقتضي أن المراد رفع العموم وهو سلب العموم، فان المراد عموم # السلب والنفي، وذلك لان إعراض المتكلم عن ذلك لا يكاد يقع، فلابد # أن يقصد المتكلم أحد الامرين، وسلب العموم فقط لابد له من قرينة في # النفي، كما أنه لابذ له من قرينة في الإثبات، فيبقى النوع الاخر، وهو أنه # لنفي ما ثبته اللفظ الاول، والاول أثبت الكل، والثاني نفى الكل، وهذا # أيضا يوجب التعادل بين الإثبات والنفي، فانه إذا كان الإثبات مييتبت # الحكم لكل واحد فالنفي ينفيه عن كل واحد، والا لم يكن النفي قد نفى # ما ثبته الاثبات، وهذا واضح، فان الإثبات أثبت حكما حاصلا # 145 PageV01P145 ~~للجميع، فلابذ من رفع هذا الحكم، ولا يرتفع إلا برفعه عن الجميع، # كما قيل في نفي الجنس. فان الحكم الذي أثبته الاثبات هو جنس، فإذا # قلت: قام القوم، أثبت جنس القيام للقوم، فانهم لما قالوا: النكرة في # سياق النفي تعم، دخل في ذلك نكرات الأسماء والأفعال. فإذا قال: لا # يقتل مسلم بكافر، عم كل نوع من أنواع القتل، كما عم كل مسلم وكل # كافر، ولفعل نكرة مطلفا، سواء كان فاعله ومفعوله نكرة أو معرفة. فاذا # قيل: جاء القوم أو سلموا، فقيل: ما جاءوا ولا سلموا، كان المنفي هو # الفعل الذي هو نكرة، والنكرة في النفي تعم. # وهذه حجة جيدة بينة، والمفهوم في الاستعمال في الكتاب والسنة # وكلام العرب يوافق ذلك الموالاة في جميعهم (1)، ولذلك لما حرم الله # الدم والخمر والربا وغير ذلك كان تحريفا لافراده، وكذلك الرجل إذا # قال لابنه: لاتكلم هؤلاء، أو لاتخاصمهم، أو لا تاكل هذا الطعام، أو لا # تأخذ هذه الدراهم = فهم جميع الناس من ذلك العموم. وكذلك # الحالف (2) إذا قال: والله لا اكل هذا الرغيف أو هذا الطعام، أو لا # أضرب هؤلاء أو لا أعتدي عليهم، فهم جميع الناس من ذلك العموم. # وسببه - والله أعلم - ما ذكرناه من ms101 نفي النكرة التي لا تنتفي إلا بانتفاء # جميع أفرادها، فاما إذا علم سبب النهي وعمومه فذاك يكون عموفا من # جهة فهم العلة، وهو عموم معنوي، وهذا يقتضي في قوله: < لايستوى # نت لئاروأمحف الجنة) [الحشر/ 20] رفع المساواة من هؤلاء وكل # واحد من هؤلاء، هذا في نفي العام المطلق، وأما النفي المبين فيه PageV01P146 ~~العموم مثل أن يقال: ما جاء منهم أحد، أو ما جاءني من أحد من # هؤلاء، أو ما جاء لا هذا ولا هذا = فهذا لا ريب [فيه]، كما أن الذي # قصد به نفي العموم فقط لا ريب فيه، ومثل: هذا يساوي هذا في كل # شيء، فيقال: ما يساويه في شيء. # إذا تبين هذا قلنا: من المعلوم أن أحدا لم نتسبت لله مثلا مطلقا ولا # كفوا مطلقا ولا سميا مطلقا، فلم يقل أحد من بني آدم: إن للبارىء # سبحانه من يساويه في جميع صفاته وفعاله. فهذا أصل. # والاصل الثاني أنا قد قدمنا أن الند والمساوي والعدل إذا أطلق في # جانب الله فانما يراد به من جعل لله ندا في بعض الاشياء، أو جعل له # عدلا في بعض الاشياء، كقوله: <ثؤ الذين كفروا برتهتم يعددوت! > # [الانعام/ 1]، وقوله: <ان كا لفى ضئلى مبين * إذ دنمموليهم برب # الفلمين!) [الشعراء/ 97 - 98]، وقوله تعالى: < ومن ألئاس من يمخز # من دون ألله أنداد3! وثتم ممصف الله > 1 البقرة/ 165]، وقول النبي ع! يم: # "أجعلتني لله ندا؟ " (1). وهذا كالذين جعلوا لله شركاء، إنما أشركوهم # معه في بعض الامور. وأما أن يجعل له شريك يشركه في جميمع خلقه # وأمره فهذا لم يقله أحد، ولهذا قال: < ضرب لكم مثلا من أنقسكم هل لكم # من ما ملكت إئمنكم من شركاء فى ما رزفنتم فاش! فيه سواء تخافونهم # كخيفتكم أنفسكئم) [الروم/ 28] أي كخيفة بعضكم بعضا، فاخبر أنكم # لا تجعلون مماليككم شركاءكم، فكيف تجعلون مملوكي شريكي؟ # وكانوا في تلبيتهم يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه PageV01P147 ~~وما ملك (1). # ! ولهذا نفى سبحانه فليل الشرك فقال: < قلى دعوا الذجمت عمتم من ون # الله ms102 لا يملون شقال ذئتر في لسموات ولا فى ألأزصيى وما هم فيهما من # شزلى) [سبأ/ 22]، فنفى نفيا عاما لمسمى شرك، نكرة في سياق النفي، # ليبين أن الشريك المنفي عنه من جعل شريكا له في أدنى شيء من ملكه. # فنفي الشريك كنفي الند والعدل. # فاذا كان الشريك والند والعدل ونحو ذلك في حق الله إنما هو اسم # لما أثبته الكفار، وهم لم يمبتوا ذلك لا في بعض الامور لا في جميعها، # وثبت إطلاق هذه الاسماء في الكتاب والسنة وغير ذلك لمن أثبت لغيره # معه معادلة في شيء أو مساواة في شيء أو مشاركة في شيء، علم أن # مسمى العدل والند والشريك في حق الله مطلق، ولا يوجب المساواة في # كل جمميء، بل يتناول ما ادعيت له المساواة في أفي شيء كان. # وسبب ذلك أن هذه المسميات ليس لها حقائق خارجية، فان الله # تعالى ليس له في نفس الامر من يصلح أن يكون عدلا أو شريكا أو كفوا # أو ندا، ولكن لما صار في بني آدم من يعدل به بعض حلقه في بعض # الاشياء نفى ذلك، فالنفي هو لما في نفوس بني ادم، ويلزم من نفي ذلك # نفي الند العام، لكن ذلك لم يحتج إلى نفيه ابتداء، لان أحدا لم! هسبته، # وليس له مسمى خارجي. والأسماء إنما توضع للصور الذهنية أو # للحقائق الخارجية، فإذا كان المماثل لله من كل وجه ليس له وجود # خارجي، ولا أثبته أحد في ذهنه واعتقاده، لم يحتج أن يجعل له لفظ PageV01P148 ~~يخصه، ولكن هو ينتفي عن الله بطريق اندراجه في العموم، أو بطريق # دلالة الفحوى والتنبيه. # فتدبر هذا فانه موضع شريف، فلهذا قلنا: إن نفي السمي والمثل # والند والكفو والشريك عن الله يقتضي نفي ذلك في كل الامور، فليس له # سمي في شيء من الاشياء. # وأما قولنا: "بين الوجودين قدر مشترك "، وهذا يقتضي أن يكون # وجوده مشاركا لوجود غيره، فهذا لفظي اصطلاحي، ليس هو الشرك # المذكور في القران، فان القران نفى أن يكون في الموجودات من يكون ms103 # شريكا لده فيما يستحقه من حلقه وأمره وعبادته وحده لا شريك له، ولم # ينف أن يخلق هو سبحانه مخلوقات ويجعل لها صفات، وأنها تسمى # بأسماء توافق أسماءه، فيعقل الذهن أن بين المسميين قدرا مشتركا، # وذلك القدر المشترك ليس له مشاركة في شيء موجود أصلا، في خلق # ولا مر ولا عبادة، وانما هو في اعتبار ذهني، كما يشارك اسمه اسم # بعض عباده في بعض حروفه، فالاشتراك بينه وبين عباده في بعض # حروف الاسماء التي تعقل بالجنان، وليس هذا بشرك في حقيقة موجودة # أصلا. ثم هذا من نعمه وفضله، فانه الذي خلق الانسان علمه البيان، # وهو الذي بالقلم علم الإنسان مالم يعلم. # ولهذا قال النبي غ! م! م لمن قال له: ما شاء الله وشئت: " اجعلتني لله ندا؟ " # وقال: " قل: ما شاء الله ثم شاء محمد". وثبت المشيئة في مرتبة العبودية (1) PageV01P149 ~~لا في مرتبة المنادة لتلك (1) المخلوقات، لما أعطاها من فضله الوجود # العيني، كما قال: < خلق أقينسمن من عك *> [العلق/ 2]، علم أيضا من # فضله العلم بها والتعبير عنها، كما علم العلم به والتعبير عنه بأسمائه. # فكما أن وجودنا وحقائقنا من فضله، كذلك علمنا بأنفسنا وتعبيرنا عن # علومنا تابع للعلم به والتعبير عن علمنا به، وأسماونا من أسمائه، كما # روى الربيع بن أنس عن المسيح عليه السلام قال: يتكلمون بأسمائه # ويتقلبون في نعمائه ويكفرون بالائه. # فقد تبين أن الله تعالى ليس له مثل ولا كفؤ ولا سمي بوجه من # الوجوه، وتبين أن من أثبت لله ما يماثله في بعض الامور، مثل من يقول # من المجسمة: هو فضة أو كالفضة أو لحم أو دم، ومثل من طلب من # المعاللة أن يكون له جنس من المخلوقات، فهؤلاء مبطلون كلهم، # وليس في ظاهر ايات ادله ما يوافق قول أحد من هؤلاء. ومن ادعى أن في # الكتاب وإلسنة ما يدل ظاهره على التجسيم والتشبيه فقد افترى على # كتاب الله، وان وصف الله بذلك فقد افترى على الله. فالمشبه المثبت # لذلك مفتر على الله أو على كتابه، والمعطل ms104 المتأول لكتاب الله ظائا ن # ظاهره كذلك مفتر على كتاب الله. بل يجب أن يبين أن هذا ليس هو # ظاهره، بل فيه نصوص كثيرة دلت بالمعقول أيضا كما دلت بالسمع على # تنزيه الله عن مماثلة المخلوقات بوجه من الوجوه. # فإن قيل: قد تقدم تضعيفكم لاستدلال طائفة بمثل قوله: < لتس # كممثله -شئ 1 [الشورى/ 11] على ما يدعونه من نفي. فهذا الجواب # بعد الاستفسار هو بمنع المقدمة الاولى إذا فسر الجسم بما ذكرناه من PageV01P150 ~~المعنى المنفي بالنص والعقل، وادعي أنه ظاهر الكتاب والسنة، فإن هذا # لم يدل [عليه] ظاهر الكتاب والسنةه # وهو إن قال: ظاهر النصوص أن صانع العالم متميز عن المخلوقات # بائن عنها، وأن ذاته وحقيقته فوق حقيقة المخلوقات وذواتها، بحيث # يرفع الناس أبصارهم ويديهم إليه، تعرج الملائكة والروح إليه، وعرج # بالرسول إليه، وتصعد أرواح العباد، وأن الناس يمكن أن يروه يوم # القيامة بأبصارهم فوق رووسهم ويشيرون إليه بأبصارهم وأيديهم، ونه # فوق الأمكنة كلها، ونه خلق ادم بيديه اللتين هما اليدان، وأنه استوى # فوق العرش فارتفع عليه وعلا عليه، وذاته فوق ذات العرش، ونحو # ذلك، وأن له ذاتا حقيقة ليس عدفا ولا شبحا ولا خيالا، بل حقيقته # أعظم الحقائق، وان كان لا يعلم ماهو الا هو، ولا يبلغ قدرته غيره، # ونحو ذلك. # فإن قال: هذه المعاني وما أشبهها هي ظاهر النصوص. # قلنا: هذا مسلم، لكن بمنع المقدمة المانية، وهو قولك: هذا # منتف، واذا سماه من سماه تشبيها وتجسيما، لكق مجرد تسميتهم له # بهذا الاسم لم يكن موجبا لترك ما دل عليه (1) الكتاب والسنة، أو لترك ما # علم بالفطرة والعقل واجماع السلف وتباعهم من الخلف أهل العلم # والايمان، فإن هذا الاسم إن لم يكن مطابقا للمسمى كان كذبا، كتسمية # قريش للنبي مج! مذمما، وتسميتهم له شاعرا وساحرا ومجنونا، ونحو # ذلك مما يجدون بينه وبين المسمى به من اشتراك في أمر من عوارض PageV01P151 ~~الرسالة. جعلوه شاعرا للمطابقة التي بين رووس الاي، ومجنونا # لخروجه عن عقلهم وعادتهم، وساحرا لقوة تأثير كلامه في نفوس # المستمعين، ms105 فكذلك هؤلاء إذا سموا هذا تشبيها وتجسيفا، لما فيه من # إثبات حقيقة الرفي وحقائق أسمائه وصفاته التي يوافق لفظها لفظ ما # يوصف به العباد = لم يضر ذلك، إذا كان الله في نفسه ليس هو من جنس # المخلوقات ولا مماثلا لها في شيء من الأشياء، وإن كان هذا الاسم # مطابقا لمسماه فانه يكون مذموما إذا علم ذمه بالشرع أو بطلان المسمى # بالعقل. # وليس في كتاب الله ولا سنة رسولي ولا قول أحد من سلف الأمة ذ م # التجسيم، حتى يكون الاسم مذموما في الشرع، وثبت معناه في حق # الخصم، ولا أيضا في الكتاب والسنة ولا لفط أحد من الائمة ذئم التشبيه # بهذا التفسير، بل الذين ذموا المشبهة من سلف الامة كانوا مثبتة # للصفات، وكانوا لنفاتها أشد ذما. والتشبيه المذموم عندهم هو المعنى # الاول الذي أبطله المثبتة، ومنعوا دلالة النصوص عليه في أصله. [ثم] # إن لفظ التشبيه فيه إجمال، فهو مذموم لما ذمه السلف من ذلك، وليس # هو مذموما بالمعنى الذي ينفيه نفاة الصفات. وكذلك لفظ التجسيم في # كلام المتأخرين، لكن معه زيادة أنه ليس [له] ذكر في كلام السلف لا # بنفي ولا باثبات، بخلاف ذلك اللفظ، فانه ذكر بالامرين في كلامهم. # فان أخذ المنازع المعترض ينفي هذا المعنى بما يذكره من الحجج # العقلية تكلم معه في ذلك، وبين له أن ما ينفيه النفاة من هذه المعاني # التي أثبتتها النصوص النبوية وفطرت عليها العقول الايمانية، لا تنتفي بما # يذكرونه من الشبه القياسية بألفاظ مجملة تظهر حقائقها عند الاستفسار. # 152 PageV01P152 ~~كما يقال لمثل هؤلاء الئظار (1): # سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار # وسنعود إن شاء الله إلى تكميل هذا المقام، فان المعترض لما جمل # ما ذكر من الحجج العقلية التي بها يد موجب الكتاب والسنة، نهجنا # الطريق إلى وجه بيان فسادها بالممانعة بعد الاستفسار، وبمعارضتها بما # هو أقوى في العقل منها عند النظار، لنظر سلامة القرآن والحديث عن # تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وبين أنه ليس # ظاهره الكفر ولا الصلال ms106 كما يلزم حزب المعترض الجهال، ولا أن # الرسولى أهمل أصولى الدين وبيان معرفة رب العالمين كما يقوله طوائف # من المعطلين، ولا أن الرب مشبه بالعدم ولموات كما يصفه به النفاة، # ولا أن السلف الذين هم خيار القرون كانوا أميين كما يلزم به طوائف من # المتكلمين، ولا حولى ولا قوة إلا بالله. ونحن نتكلم على التفصيل في # مواضعه إن شاء الله تعالى، آمين. PageV01P153 # PageV01P154 ### | AUTO فصل في الكلام على حديث " خلق آدم على صورته" PageV01P155 # PageV01P156 # بسم الله الرحمن الرحيم # (من الاسولة المصرية على الفتيا الحموية، والرد على صاحب # الاسولة، وهو القاضي السروجيئ) قال في الاسولة: وأما كيف يعمل # بقوله: خلق أدم على صورته، وعلى صورة الرحمن؟ # قال شيخ الإسلام رحمه الله: فالجواب أنه يعمل فيه ما عمله # الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وتابعو التابعين، وئمة المسلمين، فان # هذا الحديث هو في الصحاح من غير وجه، اعني (على صورته)، # واللفظة الثانية مروية عن ابن عمر موقوفا ومرفوعا (1)، ومثله عن ابن # عباس (2) وغيره من السلف، وهو مروي بالفاظ متنوعة، ومثله موجود PageV01P157 ~~فيما عند أهل الكتب من الكتب المأثورة عندهم عن الأنبياء في التوراة # وغيرها. # فأما السلف فلم يكن فيهم من تأوله، لكن في علماءالسنة أهل # الحديث الأكابر من تاوله، كما سنذكره، ولكن كان في السلف من يترك # روايته؛ فان مالكا رحمة الله عليه روي عنه أنه لما بلغه أن محمد بن # عجلان حدث به كره ذلك، وقال: إلما هو صاحب أمراء (1). # والمقتصدون يقولون (2): إنما كره مالك ذلك لان العلم الذي قد يكون # فتنة للمستمع لا ينبغي للعالم أن يحدثه به؛ لاله مضرة بل فتنة، وأن # يكون بلغه لمن لا يفتتن به؛ لوجوب تبليغ العلم، ولئلا يكتم ما نزل الله # من البينات والهدى. # وهذا كما قال عبدالله بن مسعود: ما من رجل يحدب قوما حديثما لا # تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم (3). # وقال - صلى الله عليه وسلم - (4): "حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ~~ينكرون؛ PageV01P158 ~~أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! # ولذلك كان الامام أحمد وغيره من الائمة إذا ms107 خشوا فتنة بعض # المستمعين بسماع الحديث لم يحدثوه به، وهذا الادب مما لا يتنازع فيه # العلماء؛ فان كثيزا من العلم يضر أكثر الخلق، ولا ينتفعون به، # فمخاطبتهم به مضرة بلا منفعة. # وقد سأل رجل ابن عباس عن تفسير قوله [تعالى]: <الله ى! لى # سغ سشت وصمن ألأرض مثلهن > 1 الطلاق/ 12] فلم يجبه، وقال: ما يمنعك أني # لو أخبرتك بتفسيرها لكفرت؟ وكفرك بها تكذيبك بها (1). # وساله رجل عن قوله [تعالى]: <لعرج ألملب! ة والروح إليهف # يومى كان مقدابىه خسين ألف سنة!) [المعارج/ 4]، فقال: يوم من أيام # الرب، أخبر الله به، الله أعلم به (2). # وسأل بعضهم زز بن حبيش عن حديث عبدالله أن النبي ع! ييه رأى # جبريل، وله ستمئة جناع، فلم يحدثه"3). # ومن المعلوم أن فيما (4) روي [في] هذا الحديث ما قد يفتن بعض # الناس؛ إما بتكذيب لحق، واما بتصديق بباطل، فيعتقد اعتقادا فاسدا، PageV01P159 ~~أو يرد اعتقادا صحيحا، أو يوء تباغضا وتعاديا، وغير ذلك من الامور # المحرمة المتعلقة بالامور الخبرية، وبالافعال الامرية. # وقول مالك رحمه الله في ابن عجلان: هو صاحب أمراء؛ كاله # -والله أعلم - يريد بذلك أن [جلساء] (1) الملوك لا يضعون العلم # مواضعه، وانما يقولون ما عنده مطلقا؛ لطلب التقرب إلى الملوك أو # لغير ذلك، من غير تمييز بين ما ينتفع به الملوك ومالا ينتفعون به. # وهذا الحديث فيه ما يجب تبليغه للملوك؛ من نهي النبي! ك! يم [عن] # ضرب الوجه، ولذلك روى مالك هذا المعنى عن ابن عجلان نفسه، كما # سنذكره إن شاء الله، ورواه البخاري في صحيحه (2)، لكنه كنى عنه في # هذا الموضع؛ لئلا يعاب عليه صورة التناقض في كونه يكره له روايته، # ثم يرويه هو عنه. # وأنكر بعض الناس على مالك إنكاره لروايته، وقال: كيف ينكر PageV01P160 ~~تبليغ حديث صحيح لرسول الله لمجيم، ولا ينكر الكلام بالرأي المخالف # لحديث رسول الله لمجيم؟ وقرنوا هذا بما يذكر عن ربيعة وأبي. 0 0 (1) # ونحوهما من أهل رأي المدينة، أنهم كانوا ينكرون على ابن شهاب وبي # الزناد الأحاديث الصحيحة، وهما أول ms108 من أحدث [في مدينة] (2) النبي # جميم الحدث بالقول بالرأي في الدين، وقد علم ما قاله النبيئ جميم فيمن # أحدث في مدينته ع! ييه حدثا (3). # وضموه إلى ما قاله ابن أبي ذئب في ذلك لحديث "البئعين # بالخيار" (4)، وذكروا أشياء لا أحب ذكرها، لان المتكلم بها عظيم، # والمتكلم به عظيم، وهم أئمة مجتهدون، فالكلام في ذلك يشبه الكلام # فيما وبين الصحابة؟ إذ المعنى المقتضي لذلك يعم الصحابة وسائر # طبقات الامة ()، إذ كل طبقة متاخرة ينبغي أن تستعمل من الطبقة # المتقدمة معنى هذه الاية: < ربخا اغفرفاولاصشا الذيف سيقونا باسيمن # ولا تخعل فى قلونجا غلأ لفذين ءامنرا ربخا إنك ر وف رحجم! > [خت/ 0 1]. PageV01P161 # ومعلوم أن كلام العلماء بعضهم في بعض - بالاجتهاد تارة، وبنوع # من غيره أخرى - يشبه ما وقع بين بعض الصحابة وبعض من القال # والفعال. # فالمؤمن يجمع بين القيام بحق الله، بمعرفة دينه والعمل به، # وحقوق المؤمنين متقدميهم ومتاخريهم؟ بالاستغفاروسلامة القلوب، # فانه من كان له في الامة لسان صدق - بل ومن هو دونه - إذا صدر منه ما # يكون منكرا في الشرع (1)، فإما ن يكون مجتهدا فيه، يغفر الله له خطأه، # واما ن يكون مغمورا بحسناته، واما أن يكون قد تاب منه. بل من هو من # دون هؤلاء إذا فعل سيئة عظيمة فالله يغفرها له؟ إما بتوبة، وإما # باستغفاره، واما بحسناته الماحية، واما بالدعاء له، والشفاعة فيه، # والعمل الصالج المهدى إليه، واما ن يكفر عنه بمصائب الدنيا، أو # البرزخ، أو عرصات القيامة، أو برحمة الله تعالى، فلهذا ينبغي للمؤمن # أن يتوفى القول السيىء في أعيان المؤمنين المتقين، ويؤدي الواجب في # دين الله، والقول الصدق، واتباع ما مر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه. # وكما أن هذا الواجب في المسائل العملية، فكذلك في هذه المسائل # الخبرية، لا سيما فيما يغمض معناه، ويشتبه على عموم الناس الحق فيه # بالباطل، فهذا المسلك يجب اتباعه، إذ قل عطيم في الامة إلا وله زلة، # وقد جاء في الحديث التحذير من زلة العلماء (2). PageV01P162 # وهذه المسألة التي نحن فيها ms109 لابد فيها [من ذلك]، إما من جانب # النفي والنهي، واما من جانب الاثبات؛ فالمثبته تجد في النفاة من هو # عظيم عندها، والتفاة تجد في المثبتة من هو عظيم عندها، فلابد من # رعاية حق الله بالواجب في الاثبات أو النفي، والامر والنهي، وحق عباد # المؤمنين، بما لهم من إيصال حقوقهم إليهم، من المحبه والموالاة # وتوابع ذلك، واجتناب البغي والعدوان عليهم. # وقد حملت طائفة ثالثة نهي مالك لرواية هذا الحديث على العموم، # وقد روي عنهم أله كره رواية أحاديث في هذا الباب، فجعلوا هذا قدوة # في المنع من رواية أحاديث النبي ع! م! م الصحيحة الثابتة (1) عنه، ثم ينزلون # ذلك على رأيهم، فمنهم من يجعل ذلك عاما في رواية جميع أحاديث # الصفات، كما يقوله من يقوله من المعتزلة ونحوهم من الجهمتة، من # النهي عن رواية هذه الاحاديث والتكذيب بها، كما يفعلون ذلك في # مكنتهم، كما فعلوه في إمارة أبي إسحاق (2) ونحوه، ومنهم من يخص # ذلك ببعضها. # وفي الجملة فالكلام في حق رواية الاحاديث وقبح ذلك فيه تفصيل # ليس هذا موضعه، والذين قبلوا (3) هذا قد يوافقونهم على أن هذا كان # مقصود مالك؛ لكون ذلك سببا للقدح فيه، ولنظرائه وأصحابه من أئمة # الفقهاء فيه من الكلام، فلا أحب ذكره هنا. # ] لسلف في التحذير من زلات العلماء تراجع في مواضعهاه PageV01P163 ~~وأما أهل الاقتصاد العارفون بقدر مالك، فيقولون: هو كان أعلم # وأبين من أن ينهى عن رواية الحديث الصحيح عن النبي لمجم! م نهيا عاما، # فان هذا أمر بكتمان ما مر الله بتبليغه، ومخالفة لما أمر به النبي لمج! من # الئبليغ، حيث دعا لصاحبه بالنضرة في مقالتها وتأديتها عنه (1). # قالوا: والنهي إنما يكون لسبب خاص! كضعف حفظ المحدث، أو # لدينه، أو اشتغال المحدب به عما أوجب عليه، ونحو ذلك، كما كان # عمر ينهى عن الحديث الذي لم يضبطه صاحبه، وينهى أن يشتغل الناس # عما يؤمرون به في القرآن بما لم يجب عليهم من الحديث، ونحو ذلك. # فهذا الكلام فيما نقل عن مالك في هذا، وأما بقية ms110 السلف الذين # كانوا قبله وبعده ونظراءه فقد رووه كله وبلغوه، وحمله أكابر العلماء # بعضهم عن بعض. # منهم: الليث بن سعد نظير مالك، قال الشافعي: كان أفقه منه، # رواه عن محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن رسول الله # ! ييه نه قال: "لا يقولن أحدكم لأحد: قيح الله وجهك، ووجها أشبه # وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته ". وقال: "إذا ضرب أحدكم # فليجتنب الوجه، فان الله حلق ادم على صورته ". ورواه عن الليث ابنه # شعيب المشهور، وعن شعيب الربيع بن سليمان صاحب الشافعي، وعن PageV01P164 ~~الربيع الامام محمد بن إسحاق بن خزيمة (1). # ورواه أيضا عن ابن عجلان: يحيى بن سعيد القطان (2)، إمام أهل # الحديث مطلقا في المعرفة والاتقان، ورواه عنه العلماء المشاهير. وكان # ابن عجلان يرويه عن أبيه [وسعيد] (3) عن أبي هريرة، عن النبي جمي! قال: # " إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه " (4)، لم يزد على ذلك، لم يفرق بين # روايته عن المقبري وعن أبيه. وقد أخرج أصله البخاري في صحيحه (5) # من حديث مالك عن ابن عجلان، ولم يسمه. # ورواه معمر نظير مالك عن همام عن أبي هريرة، قال: قال رسول # الله - صلى الله عليه وسلم -: " خلق الله ادم على صورته؛ طوله سئون ~~ذراعا، فلما خلقه قال: # اذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما # يحئونك؛ فانها تحيتلش وتحئة ذريتك. قال: فذهب، فقال: السلام # عليكم، فقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله، قال: فرادوه (ورحمة # الله). قال: فكل من يدخل الجنة على صورة ادم؛ طوله ستون ذراعا، # فلم يزل الخلق ينقص حتى الان ". اخرجاه في الصحيحين من هذا # الوجه (6). PageV01P165 # ورواه مسلم 1) من حديث قتادة عن أبي أيوب عن أبي هريرة، قال: # قال رسول الله! ير: "اذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه؛ فان الله خلق # ادم على صورته ". # ورواه عبدالرحمن بن مهدي الامام المشهور، عن سفيان الثوري # الامام الكبير عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباج (2). # ورواه الاعمش عن حبيب، وسنده عن [عطاء عن] (3) ابن عمر عن # النبي! ms111 لخيم قال: "لا تقبح الوجه؛ فان ابن ادم خلق على صورة # الرحمن " (4). # وحدب به أيضا سفيان بن عيينة الامام ()، وذكر الامام أحمد (6) لما # حدث به جعل عبدالله بن الزبير الحميدي الإمام صاحب الشافعي يقول: # هذا الحق، وهذا، وهذا، وابن عيينة ساكمت لا يرد عليه. # ورواه الخلال في كتاب السنة (7) عن المزوذي، قلت لابي عبدالله: # كيف تقول في حديث النبي مج! ح: "خلق الله آدم على صورته "؟ قال: PageV01P166 # الاعمش يقول عن حبيب بن أبي ثابت، [عن عطاء] (1) عن ابن عمر: " إن # الله خلق ادم على صورة الرحمن ". وأما الثوري فأوقفه، يعني حديث ابن # عمر. قال: وقد روى أبو الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي! ير: # (2). # صورته "، لمحنقول كما جاء في الحديث. # قال (3): وسمعت أبا عبدالله يقول: لقد حضرت الحميدي بحضرة # سفيان بن عيينة، فذكر هذا الحديث: "خلق ادم على صورته "، فقال: # من لا يقول بهذا فهو كذا وكذا، يعني من الشتم، وسفيان ساكت، لا يرد # عليه شيئا. # وقد ذكر هذه القصة صالح عن أبيه في (كتاب السنة) أيضا، وذكر # حديث الحميدي وابن عيينة. # قال المروذي (4): سمعت أبا عبدالله - قيل له: أي شيء أنكر على # بشر بن السري؟ وأي شيء كانت قصته بمكة؟ قال: تكلم بشيء من كلام # الجهمية، فقال: إن قوما يحدون. قيل: التشبيه؟ فأوما برأسه: نعم، # قال: فقام به مؤمل حتى خنس، فتكلم ابن عيينة في أمره حتى أخرج، # قال: إنه صاحب كلام. # وليس الغرض تعديد طرقه، وانما الغرض الاصلي أن الائمة المتفق PageV01P167 ~~على إمامتهم في الامة (1) مازالوا يروونه ولا ينكرونه، ولا يتأولونه، على # المحفوظ عنهم في (2) ذلك، وول من بلغنا نه تأوله ممن هو من العلماء # المعروفين: أبو ثؤر، فلما تأوله أنكر ذلك عليه الامام أحمد وغيره، # وقصته في ذلك معروفة، ذكرها المروذي في (كتاب القصص)، وذكرها # الخلال وغيره، وذكرها أبو طالب المكي في كتابه المسمى ب (قوت # القلوب) (3) وقد ذكر [ها] غير واحد؛ كالقاضي أبي يعلى في كتاب # (إبطال التأويلات لأخبار الصفات) (4). # وكذلك تأوله الامام أبو ms112 بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وجعل # الضمير عائدا على المضروب، وعلل رواية (الرحمن) وتأولها - بتقدير # صحتها - على أن الاضافة إلى الله إضافة خلق؛ لان الله حلقه تشريفا # وتكريما (5). وقد قيل: إن أبا الشيخ الأصفهاني أيضا ممن تأوله (6). # فهولاء الثلالة من المشهورين بالسنة، لكن جماهيرهم أنكروا ذلك. # قال الحاقط أبو موسى المدينيئ في (مناقب الامام إسماعيل بن # محمد التيمي قوام السنة) (7): سمعته يقول: أخطأ محمد بن إسحاق بن PageV01P168 ~~خزيمة في حديث الصورة، ولا نطعن عليه بذلك، بل لا يؤخذ عنه هذا # فحسب. # وقال الشيخ أبو الحسن بن الكرجي، أحد الائمة الكبار من أصحاب # الشافعي، في كتاب (الفصول من الاصول عن الائمة الفحول) (1): فان # قيل: قد منعتم التأويل، وعددتموه من الاباطيل، فما قولكم في تأويل # السلف؟ وما وجه نحو مما يروى عن ابن عباس في معنى <اسنوى >: # استقر؟ (2) وما رويتم عن سفيان في قوله: <وهو معكم > [حد/ 4]، # قال: بعلمه (3). # فقال في الجواب: ن كان السلف صحابيا، فتاويله مقبول. وقرر # ذلاش. # قال: فان صح عن ابن عباس هذا وضعنا له الحد، وعرفنا من # الاستقرار ما عرفناه من الاستواء، وقلنا: إنه ليس باستقرار يتعقب (4) تعبا # واضطرائا، بل كبف شاء وكما شاء. # فأما إذا لم يكن السلف صحابئا، فان تابعه عليه الائمة المشهورون # من نقلة الحديث والسنة، ووافقه الثقات الاثبات، تابعناه ووافقناه، فانه # ن لم يكن إجماغا حقيقة، ففيه مشابه الاجماع؟ إذ هو سبيل المؤمنين، PageV01P169 ~~وتوافق المتقين، الذين لا يجتمعون على ضلالة، ولان الائمة (1) لو [لم] # يعلموا (2) أن ذلك عن الرسول والصحابة [لم] يتابعوه. # فاما تاويل من لم يتابعه عليه الائمة فغير مقبول، وإن صدر ذلك # التاويل من إمام معروف غير مجهول؛ نحو ماينسب إلى أبي بكر # محمد بن إسحاق بن خزيمة تأويل حديث " حلق ادم على صورته "، فإنه # تفرد بذلك التاويل، ولم نتدابعه عليه من قبله من أئمة الحديث، كما روينا # عن أحمد رضي الله عنه، ولم نتدابعه أيضا من بعده، حتى رأيت في كتاب # (الفقهاء) للعبادي الفقيه أنه ذكر الفقهاء، وذكر عن ms113 كل واحد منهم مسألة # تفزد بها، فذكر الامام ابن خزيمة، وأنه تفرد بتاويل هذا الحديث: " خلق # ادم على صورته) " (3). على أني سمعت عدة من المشايخ رووا: أن ذلك # التاويل مزور مرفوض (4) على [ابن] خزيمة، وافك افتري عليه (5)، فهذا # ومثال ذلك من التأويل لا نقبله، ولا نلتفت إليه، بل نوافق ونتابع ما # اتفق الجمهور عليه (6). # وجماع ذلك أن منهم من جعل الضمير عائدا إلى المضروب، # ومنهم من جعله عائدا إلى ادم، وهذا الذي يذكر عن أبي ثور، وهو الذي # أنكره أحمد وغيره. PageV01P170 # والذين قالوا: الضمير عائد إلى الله، كما يدل عليه سياق الحديث # ولفاظه المنقولة، ويوافق حديث ابن عمر وابن عباس وغير ذلك، فقد # قيل: إله أضافه إليه إضافة تشريف وتكريم، كما قال ابن خزيمة. # قال (1): هو من إضافة الخلق إليه، كقوله: < هذاطق الله) [لقمان / 1 1]، # و< هد لاقة لله لحم ءاية فذروها تا! ل في أرض ألله) 11 لاعراف/ 73]، # وقوله: < ألغ تكن ارض الله > 1 النساء/ 97]، وقوله: < فظرت الله اتتي فطر # ا لنا س علين) 1 الروم / 0 3]. # وسلك آخرون مسلكا آخر؛ فجعلوا الصورة هي الصورة المعنوية، # وبهذا قال ابن عقيل والغزالي وغيرهما. # ثئم منهم من قال: هي صورة الملك والتدبير، فان الادمي أعطي من # الملك في جميع أجناس الحيوان ما فيه نوع من صورة الربوبية، وهذا # اختيار ابن عقيل. # ومنهم من قال: صورة الصفات، وهو أنه حي عليم قدير سميع # بصير متكلم مريد، والذين أبطلوا هذا التأويل ردوا ذلك (2) بأن صورة # الصفات مشتركة بين الملائكة والجن، وصورة الملك لا تختص بادم، # وقد قالوا: سياق الاحاديث وألفاظها يرد ذلك. # وقد تكلم بو محمد بن قتيبة في (مختلف الحديث) (3) عليه، وقرره PageV01P171 ~~على مذهب السلف وهل السنة، وقال: هذه صفة من الصفات، # كالصفات الواردة في القران. وتكلم بكلام قد بعد عهدي به. # وهؤلاء لا يدفعون ما استنبط أولئك من المعاني الصحيحة التي # أثبتوها، وانما ينازعونهم في معنى ما نفوه من الحق في أحاديث الصورة # الأخرى واثبات التأويلات، كما ينازعون الممثكة في إثبات ms114 الباطل. # وطائفة من متأخري العلماء والصوفية سلكوا هذا المسلك؛ كأبي الفرج # ابن الجوزي وغيره. # ورأى (1) اخرون أنه أراد الصورة الفعلية، وهو أن الانسان هو العالم # الصغير، الذي اجتمع فيه ما تفرق في العالم الكبير، فهو على صورة # العالم. وزاد الاتحادية على هؤلاء؛ إذ هم يقولون: إنه هو العالم، # والإنسان مخلوو على صورة العالم. # وبالجملة فهذا الحديث بعينه قد ثبت عن أئمة السنة وعلماء الأمة # انكار تاويله، وليس هؤلاء ممن بان جهلهم، وسقطت مكانتهم، بل من # تأمل كتب المناظرة التي بين المناظرين وبين منازيعهم علم أي الفريقين # أهدى وقوم حجة. ولكن العالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلا، # والجاهل لا يعرف العالم لانه ما كان عالماه فما عند المنازعين شبه # عقلية ونقلية (2) ما لم تخطر ببالهم، ولكن قد يمسك العالم عن الكلام؛ # لقصور المخاطب أو لهواه، فأما عند قوة عقله وقوة دينه فانه يخاطب # بقدر عقله ودينه، فان مخاطبة الناس إنما تكون بقدر عقولهم. PageV01P172 # ثم ليعلم أن ليس في السلف من أنكره أو دفعه، بل اتفق العلماء # والفقهاء على رواية أصله في الجملة؛ إذ كان فيه أمر ونهي لا يمكن # الفقهاء تركه، وهو نهي النبي ءلمجي! عن ضرب الوجه وتقبيحه، فاحتاجوا # إلى ذلك ليبينوا أنه لا يجوز ضرب الوجه في الحدود والتعزير، ولا في # المقاتلة، حتى إن مالكا رحمه الله احتاج إلى روايته، فرواه عن ابن # عجلان أيضا، وكنى عنه (1) لكن ترك رواية الجملة الثانية. ورواه # البخاري في صحيحه (2) من طريقه هكذا. وقرن معه رواية همام، لكن # ذكر البخاري رواية همام في حلق ادم (3) بتمامها. # فقال البخاري (4): (باب: إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه) ثنا # محمد بن عبيد الله، ثنا ابن وهب، حدثني مالك بن أنس قال: وخبرني # ابن فلان عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ءلمجي!، # وحدثني عبدالله، ثنا عبدالرزاق، أنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، # عن النبي! يط قال: " إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه ". # وهذا شطر الحديث، ومعلوم أن هذا الشطر الذي رواه الناس # كلهم، [و] ms115 اتفق العلماء على تلقيه بالقبول والعمل به، يبطل جميع # التأويلات الفاسدة التي نقلت في الشطر الاخر، وهذا من حكمة الله [و] # حفظ الله للذكر الذي أنزله على رسوله، فان قوله: "حلق ادم على # صورته " لم ينارخ أحد من العلماء في صحته عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، بل رواه PageV01P173 ~~الخلق كلهم من أهل الحديث والفقه، والكلام والتصوف، والخاصة # والعامة، وتلقوه بالقبول كما تلموا حروف القران، وان تركت روايته في # بعض المواضع لمصلحة راجحة. وانما تنازعوا في صحة قوله: "على # صورة الرحمن "، وتنازعوا في الضمير في قوله: " على صورته " إلى من # يعود؟ فقيل: يعود على مضروب قيل له: " قبح الله وجهك، ووجه من # أشبه وجهك "، فقال: " إن الله خلق ادم على صورة هذا المضروب "، كما # يذكر ذلك طائفة من أهل الكلام، ويروون فيه حديثما باطلا عند أهل # الحديث، لا أصل له (1). # وفيمن جعل الضمير عائدا على المضروب ابن خزيمة، لكنه لم # يحتج في ذلك بحديث؛ لانه كان إماما في الحديث والفقه، يعلم أن ليس # في هذا حديث، لكنه لما روى الحديث الصحيح: "لا يقولن أحدكم # لاحد: قبح الله وجهك، ووجها أشبه وجهك؛ فان الله خلق ادم على # (2) صورته "، وقوله: "إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه؛ فإن الله خلق # ادم على صورته " (3)، قال: الهاء في هذا الموضع كناية عن اسم # المضروب والمشتوم، أراد - صلى الله عليه وسلم - أن الله خلق ادم على صورة هذا # المضروب، الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب، والذي قبح # وجهه. فزجر - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: " ووجه من أشبه وجهك "؛ لان ~~وجه ادم شبيه # وجوه بنيه، فإذا قال الشاتم لبعض بني ادم: قبح الله وجهك ووجه من PageV01P174 ~~أشبه وجهك، كان مقبحا وجه ادم. فتفهموا رحمكم الله معنى الخبر، لا # تغلطوا ولا تغالطوا، فتصذوا عن سبيل الله، وتحملوه على القول بالتشبيه # الذي هو ضلال (1). # وقيل: يعود على ادم، كما يذكر عن أبي ثور وطائفة أخرى. # والذين أعادوا الضمير إلى الله لهم فيه أيضا أقوال. # فتبليغ جميع العلماء والفقهاء للفظ ms116 بعض الحديث وحكمه، يبئن # لهم ما نازع فيه بعضهم من معنى باقيه، وهو نهيه عن ضرب الوجه # مطلقا. فقوله: " إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله حلق ادم على # صورته "، أو "إذا ضرب أحدكم "، فنهى عن ضرب الوجه نهيا عاما، # وعلله بان الله حلق ادم على صورته، وكون ادم حلق على صورة هذا # المضروب لا يناسب النهي عن ضربه؛ فإن ادم خلق على صورة سالر # جسده، ومع هذا فيضرب أكثر جسده ولم ينه عن تقبيح شيء غير الوجه، # ولان مشابهة الانسان للانسان في الصورة لا تقتضي اشتراكهما في ثواب # ولا عقاب، ولا مدج ولا ذم، كما قال النبي لمجير في وصف الدجال، # فقال: " رأيت أشبه الناس به عبدالعزى بن قطن"، فقال: [يا] رسول الله # -لمجيم! أيضرني شبههبم فقال: "لا؛ أنت مؤمن، وهو كافر" (2). # ويضا، فكان ينبغي أن يقال: حلق على صورة ادم، لو أراد ذلك # المعنى فانه هو المخلوق على مثال ادم، لم يخلق ادم على مثاله. PageV01P175 # وأيضا فان هذا من المعلوم الذي يعلمه الجميع (1) أن بعض بني ادم # مخلوقون على صورة سائرهم، من ادم وابراهيم ومحمد ع! يم، فلو أريد # بتعليل التمببح هذا لقيل: هذا التقبيح يتناول ادم، ويشمل الانبياء # والصالحين، أما نفس الاخبار بانه (2) الخلق المعلوم فلا يصلح ولا # يحسن. كما لو شتم رجل رجلا، بان قال: قيح الله بدنا أشبه بدنك، أو # أعضاء أشبهت أعضاءك أو رأسا شبه رأسك، لكان يقال: هذا شتم # لجميع البشر من النبيين والصديقين، ولا يقال: بأن الله خلق ادم على # بدن هذا، ولهذا لا يحسن: لا تقبحوا أو لا تضربوا، البدن ولا الرأس # ولا الاعضاء؛ فان الله خلق ادم على رأسه أو بدنه أو عضائه. # وأيضا فلو نهى عن ذلك لما فيه من شتم الانبياء لذكر جميع # الأنبياء؛ إذ فيهم من هو أفضل من ادم، لا يخص ادم بذلك، وان كان هو # الاب؛ لأن المقصود بيان (3) مافي اللفط من شتم الانبياء والصالحين # على ماذكروه، لا نفس الاخبار بالامر المعلوم لكل أحد. # وكذلك ms117 كون ادم خلق على صورة ادم، هذا لا يناسب النهي عن # ضربه أو تقبيحه، سواء قيل: على الصورة التي كانت في علم الله وكتابه، # أو على صورة الطين، أو صورته ابتداء، لم ينقل من صغر إلى كبر، كما # خلق أولاده، أو نحو ذلك من الامور التي تذكر في معنى قول القائل: # خلق ادم على صورة ادم، ليس شيء [من] ذا! ك مما يصلح أن يكون علة # للنهي عن ضرب الوجه وتقبيحه، فإن ظهره وبطنه وسائر أعضائه التي PageV01P176 ~~تضرب ضربا، والتي قد [يكون] (1) تقبيحها بمنزلة الوجه في ذلك، بل # مذاكير الآدمي كوجهه في ذلك، فلما كان الحكم المذكور ليس مشتركا # بالنص وإجماع المسلمين، لم يصلح أن تكون العلة مشتركة، مثل من # يقول: لا نقبل هذا، فانه ادمي، أو من ذرية ادم، هذا لو كانت العلة # مشتركة، فكيف وهي منتفية عن هذا المحل؟ # (2) # وهنا يضا وجه اخر قاطع بفساد ما زعموه، وذلك أن النهي عن # الضرب والتقبيح إنما (3) هو لوجوه بنيه التي لم تخلق كما خلق ادم من # الطين ابتداء، بل حلقت من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، فاذا نهى # عن ضرب هذه وتقبيحها لمعنى لا يوجد فيها، كان هذا من فاسد # الكلام، فعلة الحكم لا تتناول هذا المحل، وقيل: هذا بمنزلة أن يقال: # لا تضرب هذا أو لا تشتمه؛ لان ادم كان نبيا، أو لان الله علم ادم الاسماء # كلها، أو لان الله أسجد له ملائكته، ونحو هذه الصفات التي خص الله # بها ادم في الفضل. # (نقلته من خط شيخ الاسلام مؤلفه - رحمه الله ورضي عنه - وبقي # منه قائمة ووجه وقليل من الوجه الاخر، في ثالث شهر جمادى. .). PageV01P177 # PageV01P178 ms118