######OpenITI# #META#Header#End# ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0006.png) ~~إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ~~(يكأيها الذين امنوا اتقوا الله حق تقانه ولا تموتن إلا وانتم مسلمون ) عمران:10]. ~~(يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبت منهما رجالا كثيرا ونساة واتقوا ~~الله الذى تساءلون بهه والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا). ~~(يأيها الذين امنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكر ويغفر لكم ذنوبكم ومن ~~يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)ب:،7. ~~أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر ~~الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ~~وبعد : ~~فبين يديك - أخي الكريم - باقة عطرة من فتاوى ثمينة، وإرشادات قيمة، ~~جمعتها من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح ~~الجنة، وارتأيت أن تكون ملمة بأمور العبادات التي يحتاجها العبد المسلم في حياته، ~~ليكون على نور وهداية وبصيرة في طريقه إلى رب العالمين سبحانه وتعالى. ~~وقد أسميت هذا المجموع الحافل: # اللآلىء النيرات في فتاوى العبادات ~~أسأل الله تعالى أن ينفع بها، ويغفر لمؤلفها وجميع علمائنا ومشايخنا وجميع ~~المسلمين، إنه جواد كريم. ~~وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. ~~وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. # كتبه # الفقير إلى عفو ربه الغفور PageV01P006 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0007.png) # هو: شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس، أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة ~~شهاب الدين عبد الحليم، ابن الإمام العلامة مجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن ~~أبي محمد عبد الله، ابن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن ~~عبد الله بن تيمية الحراني. # وتيمية: يقال إنها أم جده محمد، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعرف بها، ~~لهذا أطلق على هذه الأسرة «آل تيمية». # ولد شيخ ms0001 الإسلام بحران، يوم الاثنين عاشر، أو ثاني عشر ربيع الأول سنة 661ه. # وبعد أن هجم التتار على بلده وعاثوا فيها فسادا سافر به والده مع إخوته إلى ~~الشام فوصل دمشق سنة 667ه، واستقر بها. # نشأ شيخ الإسلام في بيت علم، ودين، فقد كان جده الشيخ مجد الدين أبو ~~البركات من كبار علماء الحنابلة، وفقهاء مصر، تفقه على يد عمه فخر الدين ~~الخطيب. قال عنه شيخ إلإسلام: كان الشيخ جمال الدين ابن مالك يقول : ألين ~~للشيخ المجد الفقه كما ألين لداود الحديد» وقال أيضا : كان جدنا عجبا في سرد ~~المتون وحفظ مذاهب الناس وإيرادها بلا كلفة» اه، وقال عنه الذهبي : تفقه، وبرع ~~واشتغل، وصنف التصانيف، وانتهت إليه الإمامة في الفقه.... # من أهم مصنفاته «المنتقى من أحاديث الأحكام» الذي شرحه الشوكاني في كتابه PageV01P007 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0008.png) ~~لانيل الأوطار» ومن مؤلفاته «الأحكام الكبرى» في عدة مجلدات. # أما والده شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام فقد سمع من والده مجد الدين ~~أبي البركات، ورحل في صغره إلى حلب وسمع هناك من عدد من المشايخ، قال عنه ~~الذهبي : قرأ المذهب حتى أتقنه على والده، وأفتى وصنف، وصار شيخ البلد بعد أبيه ~~وخطيبه وحاكمه، وكان إماما محققا لما ينقله، كثير الفوائد، جيد المشاركة في العلوم، له ~~يد طولى في الفرائض. .. وقال عنه البرزاني : كان من أعيان الحنابلة، عنده فضائل ~~وفنون، وباشر بدمشق مشيخة دار الحديث السكرية بالقضاعيين وبها كان يسكن، وكان له ~~كرسي بالجامع يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه» اه2 # وممن اشتهر بالعلم والعبادة والزهد من هذه الأسرة إخوة الشيخ وهم ثلاثة : # أخوه : شرف الدين عبد الله . وزين الدين عبد الرحمن وأخوه لأمه: بدر ~~الدين محمد(5) . # أما والدة الشيخ فهي : ست النعم بنت عبد الرحمن بن علي بن عبدوس الحرانية. # فمن هذا البيت المبارك، والأسرة الصالحة خرج شيخ الإسلام فنشأ وتربى في حجر ~~والده، وبدأ في طلب العلم مبكرا، وكانت علامات النجابة والفطنة تظهر عليه منذ حداثة ~~سنه، ونعومة أظفاره، وكان مفرط الذكاء، ذكر ابن ms0002 عبد الهادي أن أحد علماء حلب قدم من ~~دمشق وقال : سمعت في البلاد بصبي يقال له : أحمد بن تيمية، وأنه سريع الحفظ، وقد ~~جئت قاصدا لعلي أراه. فقال له خياط : هذه طريق كتابه، وهو إلى الآن ما جاء، فاقعد ~~عندنا، الساعة يجيء يعبر علينا ذاهبا إلى الكتاب. فجلس الشيخ الحلبي قليلا، فمر صبيان، ~~فقال الخياط للحلبي: فذاك الصبي الذي معه اللوح الكبير هو أحمد بن تيمية، فناداه الشيخ ~~فجاء إليه، فناول الشيخ اللوح، فنظر فيه، ثم قال : يا ولدي امسح هذا حتى أملي عليك شيئا ~~تكتبه، ففعل فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر، أو ثلاثة عشر حديثا، وقال له : اقرأ ~~هذا، فلم يزد على أن تأمله مرة بعد كتابته إياه ثم دفعه إليه، وقال: اسمعه علي، فقرأ عليه ~~عرضا كأحسن ما أنت سامع، فقال له: يا ولدي امسح هذا، ففعل. فأملى عليه عدة أسانيد ~~انتخبها ثم قال : اقرأ هذا، فنظر فيه كما فعل أول مرة فقام الشيخ وهو يقول : إن عاش هذا PageV01P008 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0009.png) ~~الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن هذا لم ير مثله . أو كما قالاه. # حفظ القرآن في سن مبكرة ثم أكب على طلب العلم. فدرس على والده، وبعض ~~مشايخ عصره، ولم يتجه إلى فن معين بل درس الحديث وسمع المسانيد، والكتب ~~الستة، وبعض المعاجم، وأقبل على التفسير، وعلم الفقه والأصول، إضافة إلى علم اللغة. # وقد جلس للإفتاء وعمره تسع عشرة سنة، وخلف والده في التدريس بدار الحديث ~~السكرية وعمره اثنتان وعشرون سنة بعد أن توفي والده سنة 682 ه، وجلس الشيخ للتدريس ~~في الثاني من شهر الله المحرم سنة 683ه، وقد حضر درسه الأول كبار علماء دمشق، يقول ~~ابن كثير واصفا هذا الدرس: «. . . وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين ابن الزكي ~~الشافعي، والشيخ تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية، والشيخ زين الدين ابن المرحل، وزين ~~الدين ابن المنجا الحنبلي، وكان درسا هائلا، وقد كتبه الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة ~~فوائده، وكثرة ما استحسنه الحاضرون. وقد أطنب ms0003 الحاضرون في شكره على حداثة سنه ~~وصغره، فإنه كان عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين. ... # وأيضا في اليوم العاشر من شهر صفر من هذه السنة جلس للتفسير في الجامع الأموي بعد ~~صلاة الجمعة، وقد استمر هذا الدرس سنين طويلة، وكان يحضره الجمع الغفير من الناس . # وقال الإمام الذهبي : نشأ - يعني الشيخ تقي الدين - رحمه الله في تصون تام، ~~وعفاف وتأله وتعبد، واقتصاد في الملبس والمأكل، وكان يحضر المدارس والمحافل ~~في صغره، ويناظر ويفحم الكبار ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم. فأفتى وله ~~تسع عشرة سنة، بل أقل، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكب على ~~الاشتغال، ومات والده - وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم - فدرس بعد بوظائفه وله ~~إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمره، وبعد صيته في العالم.... # وهكذا بدأ شيخ الإسلام تقي الدين حياته العلمية حتى أصبح آية من آيات الله ~~في الفهم وسعة الاطلاع، وقوة الحجة، وسرعة البديهة. PageV01P009 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0010.png) ~~شحمة أذنيه، كأن عينيه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، ~~جهوري الصوت، فصيحا، سريع القراءة، تعتريه حدة لكن يقهرها الحلم . ~~ب - صفاته الخلقية: # كان رحمه الله سخيا جوادا، لا يرد سائلا قط، ويجود بكل ما يستطيع، حتى ~~ولو يشاطره بعض لباسه الذي عليه، ومن طريف ما يروى في ذلك ما ذكره البزار ~~قال : حدثني الشيخ العالم الفاضل المقرىء أحمد بن سعيد قال : كنت يوما جالسا ~~بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه. فجاء إنسان فسلم عليه فرآه الشيخ ~~محتاجا إلى ما يعتم به . فنزع الشيخ عمامته من غير أن يسأله الرجل فقطعها نصفين، ~~واعتم بنصفها ودفع النصف الآخر إلى ذلك الرجل . . . اه . # وذكر البزار أيضا قال : «حدثني من أثق به أن الشيخ رضي الله عنه كان مارا يوما ~~ببعض الأزقة، فدعا له بعض الفقراء، وعرف الشيخ حاجته، ولم يكن مع الشيخ ما ~~يعطيه، فنزع ثوبا من على جلده ودفعه إليه وقال : بعه بما تيسر وأنفقه. واعتذر إليه ~~من كونه لم يكن معه شيء ms0004 من النفقة» اه. # وما يروى عنه في هذا الباب كثير مما يدل على كمال مروءته وسخاء نفسه. # 2 - قوته وشجاعته : # لقد ضرب شيخ الإسلام أروع الأمثال في ميدان القوة والشجاعة ففي ميدان ~~الجهاد بطل مغوار لا يشق له غبار، يتبين هذا جليا ما فعله ضد التتار ويأتي الكلام ~~على شيء من ذلك. # إضافة إلى أنه كان ذا شخصية قوية، ونفس لا تهاب الصعاب كان يقف أمام ~~السلاطين والظلمة ينصحهم ويخوفهم ويحذرهم برباطة جأش يهابه كل من حضر، ~~لا يخاف في الله لومة لائم. # من مواقفه المشهورة التي تترجم قوة شخصيته وتنبيء عن شجاعته : موقفه من ~~«قازان» سلطان التتار - مع ما اشتهر عنهم من التسلط والظلم والبربرية - فقد ذهب إليه ~~شيخ الإسلام مع مجموعة من تلامذته، وكلمه بشدة ومما قاله له: أنت تزعم أنك ~~مسلم ومعك مؤذن وقاض وإمام وشيخ على ما بلغنا، فغزوتنا وغزوت بلادنا على ~~ماذا? . . . إلى أن قال : وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت ولما قربوا الطعام، ~~فأكلوا إلا شيخ الإسلام، فقيل له: ألا تأكل? فقال: كيف آكل من طعام وكله مما PageV01P010 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0011.png) ~~نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس. # ووقعت له معه أمور تبين مقدار ما يتمتع به شيخ الإسلام من قوة وشجاعة يعجز ~~عنها الوصف. # وكان إذا حضر الجهاد مع المسلمين يشجعهم ويثبتهم، ويعدهم النصر، ويقوي ~~عزائمهم حتى كأنه هو القائد وهو الأمير وهو السلطان، وما هو إلا واحد من الجند. # ولم أر أمثال الرجال تفاوتوا لدى الفضل حتى عد ألف بواحد # قال عنه الذهبي: وأما شجاعته فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر ~~الأبطال» اه(2. # ومن مواقفه البطولية التي خلدها التاريخ عندما سار جيش التتار إلى الشام، ~~ابتدر شيخ الإسلام وذهب مع البريد إلى مصر ودخل على السلطان، وخاطبه ~~بقوة قائلا له : إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله، والذب عنهم» وهدده بأن أهل ~~الشام سيقيمون لهم من يحميهم ويقوم بأمرهم فأجابه السلطان إلى ما أراد # وبهذه المواقف وغيرها أصبحت شجاعة ابن تيمية ms0005 وقوته مضرب المثل. # وقد وشي بالشيخ إلى السلطان الملك الناصر، فأحضره بين يديه، ومن جملة ما ~~قال له الناصر : أخبرت أنك أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك، فرد عليه ~~بنفس مطمئنة وقلب ثابت، وثبوت عال سمعه كثير ممن حضر : أنا أفعل ذلك? والله ~~إن ملكك وملك آبائك لا يساوي عندي فلسين . فتبسم السلطان لذلك() # ويذكر ابن القيم ما منحه الله من قوة القلب وانشراح الصدر وسرور النفس مع ~~أنه كان محبوسا في القلعة ويقول: «وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون ~~وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، ~~وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمانينة...»(5) . # ويقول خادمه إبراهيم بن أحمد الغياني : «. .. ثم بعد أيام جاء عند الشيخ - ~~يعني ابن تيمية - شمس الدين بن سعد الدين الحراني وأخبره أنهم يسفرونه إلى ~~الإسكندرية . وجاءت المشايخ التدامرة وأخبروه بذلك، وقالوا له : كل هذا يعملونه ~~حتى توافقهم، وهم عاملون على قتلك أو نفيك أو حبسك، فقال لهم: أنا إن قتلت ~~كانت لي الشهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها PageV01P011 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0012.png) ~~إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان لي معبدا وأنا مثل الغنمة كيفما تقلبت على ~~صوف» فيئسوا منه وانصرفوا. . . ثم ذكر أنه لما ركب مع نائب السلطان متوجها إلى ~~الإسكندرية فقال له إنسان : يا سيدي هذا مقام الصبر»، فقال له : بل هذا مقام ~~الحمد والشكر، والله إنه نازل على قلبي من الفرح والسرور شيء لو قسم على أهل ~~الشام ومصر لفضل عنهم، ولو أن معي في هذا الموضع ذهبا وأنفقته ما أديت عشر ~~هذه النعمة التي أنا فيها .اه1 # 3- زهده وتواضعه : # مع ما منح الله شيخ الإسلام من سعة العلم، وقوة الشخصية وعلو المكانة، مع هذا ~~كله فقد كان في غاية التواضع، والإزراء على النفس، كان زاهدا قانعا بما في يده، لم يتطلع ~~في يوم من الأيام إلى منصب أو جاه، ولم تكن الدنيا في عينه تساوي شيئا وقد رضي منها ~~بالقليل، ms0006 واكتفى بما يغنيه عن الناس، ويسد حاجته، وربما اكتفى بشيء من الخبز يأكله في ~~الصبح وفي المساء، حتى قال عنه زين الدين الواسطي وقد أقام مع الشيخ : «وكنت أسأله أن ~~يزيد على أكله فلا يفعل، حتى أني كنت في نفسي أتوجع له من قلة أكله... # وقال الحافظ البزار: «وأما تواضعه فما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره ~~ثله في ذلك، كان يتواضع للكبير والصغير، والجليل والحقير، والغني الصالح ~~والفقير، وكان يدني الفقير الصالح ويكرمه ويؤنسه ويباسطه بحديثه المستحلي زيادة ~~على مثله من الأغنياء، حتى إنه ربما خدمه بنفسه، وأعانه بحمل حاجته، جبرا لقلبه، ~~وتقربا بذلك إلى ربه . ..» ثم ذكر أنه لا يسأم ممن يسأله ويستفتيه مهما كان2 # وقال أيضا في وصف الشيخ : ولقد اتفق كل من رآه خصوصا من أطال ملازمته، أنه ~~ما رأى مثله في زهده في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهورا بحيث قد استقر في قلب القريب ~~والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها، بل لو سئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ: ~~من كان أزهد أهل هذا العصر، وأكملهم في رفض فضول الدنيا، وأحرصهم على طلب ~~الآخرة ? لقال : ما سمعت بمثل ابن تيمية ... PageV01P012 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0013.png) ~~في حلقات العلم فحسب، ولم يكن يعيش في معزل عن مجتمعه، بعيدا عن واقعه، لا يعلم ~~مآ يدور حوله، بل عايشه بقلبه وقالبه. وإذا قضى حياته مجاهدا بقلمه ولسانه، فقد كان من ~~حملة السيف، وأبطال المعارك، ترجم علمه بعمله، وقوله بفعله، ولنأخذ نموذجا وموقفا ~~من مواقفه الجهادية التي خاض غمارها وشق غبارها، ومن خلالها يمكن أن نستشف ما كان ~~يتمتع به هذا الرجل من روح جهادية، خلدت اسمه ورفعت شأنه. # عاش شيخ الإسلام عصرا محموما يعج بالفتن والقلاقل كانت الأمة الإسلامية ~~فيه مليئة بالأحداث الجسام والمصائب المتلاحقة، تعيش تمزقا لم يسبق له مثيل، فما ~~كادت الحملات الصليبية تنتهي، إلا وفجعت أمة الإسلام بالجيش التتري الغاشم ~~يجتاح العالم الإسلامي، ويأتي على الرطب واليابس، وأصبحت ممالك المسلمين ~~تتساقط في أيديهم ms0007 الواحدة تلو الأخرى. وهم يعيثون فيها خرابا، سلبا ونهبا، وأسرا ~~وقتلا، حتى أتوا على حاضرة العالم الإسلامي «بغداد» وطوقوها عام 656ه وسقطت ~~في أيديهم بعد أن قتلوا الخليفة العباسي المستعصم» وما صاحب ذلك من سفك ~~الدماء ودمار شامل لم يعرف التاريخ له نظيرا # وبهذا أصبح شبح التتار يثير الرعب في نفوس المسلمين وترتعد له القلوب خوفا ورهبا. # وفي سنة 699ه عزم «قازان» حاكم التتار على غزو الشام - وسبقت الإشارة ~~إلى موقف شيخ الإسلام من هذا ومقابلته قازان، ورجوع الأخير عن عزمه -. # وفي رجب سنة 702ه شاعت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، ~~فأصاب الناس ذعر وهلع وخوف شديد، وبدأوا في الخروج إلى الديار المصرية، ~~وهنا يبرز أثر الشيخ فيقف ويهدئ الناس ويطمئنهم ويعدهم النصر، ويحثهم على ~~الجهاد، ويأمرهم بالصبر والمصابر، ويكثر من الابتهال إلى الله والتضرع إليه. # وفي هذه الأثناء سار إلى السلطان وحثه على قتال التتار فأجابه إلى ذلك، وكان ~~يحلف للأمراء والناس أنهم لمنصورون، فيقول له الأمراء قل إن شاء الله، فيقول إن ~~شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وكان يتلو بعض الآيات في ذلك. # وقد حصل عند الناس شبهة، وتردد في قتالهم، على أي شيء يقاتلون! فإن ~~الظاهر منهم هو الإسلام . فسارع شيخ الإسلام وأزال هذه الشبهة وأوضح للناس ~~أنهم من قبيل الخوارج الذين قاتلهم الصحابة - رضي الله عنهم - وقال لهم بكل ~~قوة وعزيمة: إذا رأيتموني من ذلك الجانب - أي في جانب التتار - وعلى رأسي ~~مصحف فاقتلوني» . اه وبهذا زال ما وجد لدى بعض الناس وقويت عزائمهم. PageV01P013 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0014.png) # وطلب منه السلطان أن يقف معه في المعركة، فقال له الشيخ: السنة أن يقف ~~الرجل تحت راية قومه، ونحن مع جيش الشام لا نقف إلا معهم. # وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم، وليكون هذا أقبل للنفوس أوضح هذا عمليا، ~~فكان يدور على الأمراء والجند، ويأكل من شيء معه في يده. ويقول : «إن الفطر ~~أقوى لكم ويتأول فعل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح حيث أصبح مفطرا. # وابتدأت ms0008 المعركة. وكانت الدائرة في النهاية للمسلمين، وأعز الله جنده. وكان لشيخ ~~الإسلام فيها أعظم المواقف، وهي ما عرفت في التاريخ باسم معركة شقحب. # يقول ابن عبد الهادي في ذكر بعض مواقف الشيخ البطولية في هذه المعركة: ~~لاولقد أخبرني أمير من أمراء الشاميين ذو دين متين، وصدق لهجة معروف في الدولة ~~قال : قال لي الشيخ - يعني شيخ الإسلام - يوم اللقاء، وقد تراءى الجمعان: يا فلان ~~وقفني موقف الموت. قال فسقته إلى مقابلة العدو، وهم منحدرون كالسيل، تلوح ~~أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم. # ثم قلت له : يا سيدي . هذا موقف الموت، وهذا العدو، وقد أقبل تحت هذه ~~الغبر . فدونك وما تريد . .. إلى أن قال : ثم حال القتال بيننا والالتحام، وما عدت ~~رأيته، حتى فتح الله ونصر. .. قال: وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما، ~~تحريضا على القتال، وتخويفا للناس من الفرار . اه # وبهذا تبوأ ابن تيمية منزلة جهادية لا يستهان بها، وكان له الأثر الواضح في ميدان ~~المعارك تنبئ عن هذا الإمام بأنه ليس إمام قلم فقط بل إمام قلم وسيف، وإنه رجل المواقف. # إن هذه الشهرة الكبيرة والمنزلة العالية التي حظي بها الشيخ، وذياع صيته في ~~كل مكان بين الخاصة والعامة أثارت الضغائن، وحركت أصحاب النفوس الضعيفة ~~لإيذائه، وتأليب الحكام عليه، وإلصاق التهم به، حسدا من عند أنفسهم، وهذه سنة ~~جارية، أن من لمع نجمه وبرز اسمه كثر حاسدوه والناقمون عليه. # لقد سجن الشيخ أكثر من مرة، وأوذي وامتحن ولكن هذا لا يزيده إلا قوة في ~~الحق وصلابة في الدين. PageV01P014 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0015.png) # وفي سنة ست وعشرين وسبعمائة ظفر خصوم الشيخ بفتوى أفتى بها قبل ~~سنوات1 في مسألة شد الرحال إلى القبور، وقد نقل أعداء الشيخ هذه الفتوى ~~محرفة بعد أن زادوا فيها ونقصوا وزعم أولئك أن الشيخ ينتقص جناب الأنبياء ~~والأولياء، ونشروها بين العامة ليوغروا صدورهم عليه، لم يكتفوا بذلك، بل أرسلوا ~~إلى السلطان آنذاك - الناصر - بذلك وحرضوا عليه. # وفي عصر يوم الاثنين السادس من شهر شعبان في نفس السنة ms0009 أعتقل الشيخ - رحمه الله ~~- بعد أن ورد مرسوم سلطاني بذلك بقلعة دمشق، وأقام معه أخوه زين الدين ليخدمه. # لقد تقبل الشيخ هذا الخبر بسعادة ورحابة صدر، وقال بكل عزة وأنفة، وإيمان ~~ويقين : أنا كنت منتظرا ذلك وهذا فيه خير عظيم وقال : لو بذلت ملء هذه ~~القلعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه ~~من الخير . اه2 # ولما دخل القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: (ضرب بينهم بسور له بابا باطنه ~~فيه الرحمة وظهره من قبله العذاب) # لم يكن الشيخ أول من دخل السجن بل سبقه إلى هذا الطريق العلماء والأئمة، ~~وقبلهم الأنبياء والرسل. # وهو لمثل هؤلاء كالنار للذهب، لا تزيده النار إلا صفاء ونقاء ولهذا قال الشيخ ~~كلمته المشهورة: لما يصنع أعدائي بي ? أنا جنتي وبستاني في صدري، أنى رحت فهي ~~معي لا تفارقني . إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة» اه7) PageV01P015 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0016.png) # وقد كان هذا الامتحان والإيذاء للشيخ من أسباب انتشار دعوته وعلمه، وقال ~~في إحدى رسائله : لومن سنة الله : أنه إذا أراد إظهار دينه، أقام من يعارضه فيحق ~~الحق لكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق... # وضيق على الشيخ في سجنه شيئا فشيئا، ومنع دخول التلاميذ عليه، ثم صدر ~~مرسوم بإخراج جميع أدوات الكتابة من عنده منعا له من التأليف، وبعد هذا تفرغ ~~تفرغا تاما للعبادة والخلوة بربه، وكان يكثر من قراءة القرآن والتضرع إلى الله. # وقبل وفاته ببضع وعشرين يوما ألم به بعض المرض فبقي على هذه الحالة إلى ~~أن وافاه الأجل المحتوم في ليلة الاثنين لعشر بقين من ذي القعدة لسنة ثمان وعشرين ~~وسبع ومائة - رحمه الله رحمة واسعة - . # وقد فوجئ الناس بهذا الخبر، وانزعجوا لذلك انزعاجا كبيرا، وحضروا زرافات ~~وفردانا للقلعة حيث كان موجودا، وهالهم الخطب، وأغلقت المتاجر، وذكر أخوه ~~زين الدين - الذي كان يصحبه حيث كان يصحبه في سجنه - أنه كان يقرأ هو وأخوه ~~القرآن في داخل السجن. وأن ms0010 آخر ما انتهى إليه الشيخ قبيل وفاته قوله تعالى : (إن ~~المتقين فى جنت ونهر * فى مقعد صدق عند مليك مقتدر) # وغسل شيخ الإسلام وكفن وصلى عليه في الجامع الأموي وقد حضره جم غفير من ~~الناس، حتى وقفوا مرصوصين رصا في داخل الجامع لا يتمكن أحد من السجود إلا بكلفة ~~لكثرتهم، وذكر ابن كثير أنه لم يتخلف عن حضورها أحد من أهل العلم إلا ثلاثة نفر وهم ~~ابن جملة، والصدر، والقفجاقي، وذكر أن هؤلاء اشتهروا بعداوة الشيخ، فاختفوا خوفا ~~على أنفسهم من الناس وقد صلي عليه الظهر، ولم يدفن إلا قرب العصر لكثرة الزحام، ~~ودفن في مقبرة الصوفية إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله. # ورحم الله الإمام أحمد حيث قال : «قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز»(5) قال ~~البرزالي بعد إيراد هذا الأثر : «ولا شك أن جنازة أحمد بن حنبل كانت هائلة عظيمة بسبب ~~كثرة أهل بلده واجتماعهم لذلك، وتعظيمهم له، وأن الدولة كانت تحبه، والشيخ تقي الدين ~~بن تيمية توفي ببلده دمشق وأهلها لا يعشرون أهل بغداد حينئذ كثرة، ولكنهم اجتمعوا PageV01P016 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0017.png) ~~الجنازته اجتماعا لو جمعهم سلطان قاهر، وديوان حاصر لما بلغوا هذه الكثرة التي اجتمعوا ~~في جنازته، وانتهوا إليها. هذا مع أن الرجل مات بالقلعة محبوسا من جهة السلطان. . . - ثم ~~ذكر تشويه بعض المنتسبين إلى الفقه لشخصيته بين الناس». # وقد رؤيت له منامات طيبة، ورثي بمراثي كثيرة من علماء عصره، وممن بعدهم. # تبوأ الشيخ مكانة علمية واسعة فقد فاق أقرانه إذ هو الإمام حقا، وشيخ الإسلام ~~صدقا، وهو البحر من أي جهة أتيته، ولا تكدره الدلاء. # إمام وأي إمام . لقد طبق اسمه الدنيا وبلغت مؤلفاته ما بلغ الليل والنهار، وأصبح علم ~~المذهب السلفي، فكل من التزم المذهب الحق في باب العقائد قيل : هو على مذهب ابن ~~تيمية، فهو إذا مدرسة الأجيال تخرج منها فطاحل العلماء، والأئمة العظماء. # فإذا كان عصره يعج بالتيارات الفكرية المتباينة، ممثلا في مذاهب عقدية منحرفة ~~من جهمية، ومعتزلة، وأشاعرة... إلخ، إضافة إلى صوفية خيمت ms0011 على العالم ~~الإسلامي بسلوكياتها وأصولها الفاسدة، أضف إلى أن بضاعة الفلاسفة والمناطقة ~~رائجة، وسلعتهم نافقة، هذا مع ما كان المسلمون يتلقونه من حرب فكرية عاتية من ~~الصليبية الحاقدة لا تقل خطرا عن حروبهم العسكرية الشرسة. # وقد تصدى الشيخ لكل هؤلاء، وانبرى للرد عليهم، وتفنيد أقوالهم، وكان ~~يعمل على جميع الجبهات، فلم يشغل مناقشة هؤلاء عن الرد على أولئك. ~~روكان اذما تكلم ني نن جبب البامع لا يچن غيره، وظنه قد تخصص في مذا ~~يجهلونها وتخفى عليهم(2) . حتى ذكر أنه ما تكلم في علم من العلوم سواء كان علوم ~~الشرع أم من غيرها إلا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وما ناظر أحدا فانقطع معه # وإن القارئ ليقف منبهرا أمام هذه العلمية الفذة. وخير من يجلي الحقيقة ويوفي ~~الموضوع حقه أو بعضه، هم العلماء الفحول، صيارفة الرجال، والأثمة النقاد، الذين ~~وصفهم هو الوصف، ومدحهم هو المدح، وثناؤهم هو الثناء. PageV01P017 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0018.png) # يقول الإمام الذهبي في معرض وصفه لشيخ الإسلام: .... وصار من أكابر ~~العلماء في حياة شيوخه، وله المصنفات الكبار التي سارت بها الركبان، ولعل تصانيفه ~~في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر، وفسر كتاب الله تعالى مدة سنين من ~~صدره في أيام الجمع، وكان يتوقد ذكاء، وسماعاته من الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر ~~من مائتي شيخ، ومعرفته بالتفسير إليها المنتهى، وحفظه للحديث ورجاله وصحته ~~وسقمه، فما يلحق فيه، وأما نقله للفقه، ومذاهب الصحابة والتابعين، فضلا عن ~~المذاهب الأربعة، فليس له فيه نظير. وأما معرفته بالملل والنحل، والأصول والكلام ~~فلا أعلم له فيه نظيرا. . . وقال أيضا : كان آية في الذكاء وسرعة الإدراك، رأسا في ~~معرفة الكتاب والسنة والاختلاف . بحرا في النقليات، هو في زمانه فريد عصره علما ~~وزهدآ. . . إلى أن قال : وقرأ وحصل، وبرع في الحديث والفقه، وتأهل للتدريس ~~والفتوى وهو ابن سبع عشرة سنة . وتقدم في علم التفسير والأصول، وجميع علوم ~~الإسلام: أصولها وفروعها ودقها وجلها، سوى علم القراءات. فإن ذكر التفسير فهو ~~حامل لوائه، وإن عد الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق، وإن ms0012 حضر الحفاظ نطق ~~وخرسوا، وسرد وأبلسوا، واستغنى وأفلسوا. وإن سمي المتكلمون فهو فردهم، وإليه ~~مرجعهم، وإن لاح ابن سينا يقدم الفلاسفة فلهم وتيسهم، وهتك أستارهم وكشف ~~عوارهم. وله يد طولى في معرفته العربية والصرف واللغة. وهو أعظم من أن يصفه ~~كلمي، أو ينبه على شأوه قلمي... وقال: وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتاب والسنة ~~والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال : لكل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث ~~ولكن الإحاطة لله، غير أنه يغترف من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من ~~السواقي ...، وقال : فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله، ~~ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم. اه. # وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، وقد سئل عن شيخ الإسلام بعد اجتماعه ~~به، كيف رأيته ? فقال : «رأيت رجلا سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء منها، ويترك ~~ما شاء . . .»(2) . # وقال ابن عبد الهادي : «وأخبرني غير واحد أنه كتب مجلدا لطيفا في يوم، وكتب ~~غير مرة أربعين ورقة في جلسة وأكثر، وأحصيت ما كتبه وبيضه في يوم فكان ثمان ~~كراريس في مسألة من أشكل المسائل، وكان يكتب على سؤال الواحد مجلدا اه. PageV01P018 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0019.png) ~~هذه لمحات يسيرة من ثناء الأئمة على الشيخ، من خلالها يمكن للقارئ معرفة ~~ما ميز الله هذا الرجل من وفرة العلم وسعة الاطلاع. وما ذكرته ما هو إلا قطرة من ~~بحر، وذرة من رمل وشيء يسير جدا ومن أراد التوسع فليراجع بعض الكتب التي ~~أفردت لهذا الشأن. وبنظرة سريعة على فهارس «مجموع الفتاوى» يمكن للشخص ~~أن يأخذ من خلالها حكما أوليا على المكانة العلمية الواسعة والشاملة لهذا الرجل. # ويكفيه فخرا واعتزازا أن له الفضل - بعد الله - في تجديد ما اندرس من المنهج ~~السلفي القائم على الكتاب والسنة، ودعوة الناس من جديد للعودة إلى هذا المعين الصافي ~~والأخذ منه مباشرة، وقد كان لذلك الأثر الكبير على الأمة الإسلامية إلى يومنا هذا. # يقول عبد الله بن حامد في معرض كلامه على مدى تأثره ms0013 بشيخ الإسلام، وأنه ~~كان سببا في هدايته للحق والصواب، بعد أن فتش في كتب أهل الكلام، متقدميهم، ~~ومتأخريهم باحثا عن النهج السوي، والطريق المستقيم، يقول - رحمه الله: لوكنت ~~قبل وقوفي على مباحث إمام الدنيا رحمه الله، قد طالعت مصنفات المتقدمين، ~~ووقفت على مقالات المتأخرين من أهل الإسلام، فرأيت فيها الزخارف والأباطيل ~~والشكوك التي يأنف المسلم الضعيف في الدين أن تخطر بباله، فضلا عن القوي في ~~الدين، فكان يتعب قلبي ويحزنني ما يصير إليه الأعاظم، من المقالات السخيفة، ~~والآراء الضعيفة التي لا يعتقد جوازها آحاد الأمة، وكنت أفتش على السنة المحضة في ~~مصنفات المتكلمين من أصحاب الإمام أحمد على الخصوص، لاشتهارهم ~~بمنصوصات إمامهم في أصول العقائد، فلا أجد عندهم ما يكفي، وكنت أراهم ~~يتناقضون... إلى أن قال: فإذا جمعت بين أقاويل المعتزلة، والأشعرية، وحنابلة ~~بغداد وكرامية خراسان، أرى إجماع هؤلاء المتكلمين في المسألة الواحدة على ما ~~يخالف الدليل العقلي والنقلي، فيسوءني ذلك وأظل أحزن حزنا لا يعلم كنهه إلا ~~الله.. . إلى أن قال: إلى أن قدر الله سبحانه وقوع تصنيف الإمام إمام الدنيا في يدي ~~قبيل واقعته الأخيرة بقليل، فوجدت فيه ما يبهرني في موافقة فطرتي، لما فيه من عزو ~~الحق إلى أيمة السنة وسلف الأمة مع مطابقة المعقول والمنقول، قبهت لذلك سرورا ~~بالحق، وفرحا بوجود الضالة التي ليس لفقدها عوض...») # وقال شهاب الدين أحمد بن مري الحنبلي - أحد تلامذة الشيخ - في رسالة إلى PageV01P019 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0020.png) ~~تلاميذ الشيخ يحثهم فيها على جمع مؤلفاته، يقول في معرض ذلك: لفإن يسر الله تعالى ~~وأعان على هذه الأمور العظيمة صارت إن شاء الله مؤلفات شيخنا ذخيرة صالحة للإسلام ~~وأهله، وخزانة عظيمة لمن يؤلف منها وينقل، وينصر الطريقة السلفية على قواعده ~~ويستخرج ويختصر إلى آخر الدهر إن شاء الله تعالى.. . اه. # وصدق - والله - فإنه قلما يكتب أحد في أي مسألة من المسائل، وخاصة في ما ~~يتعلق بالأصول، إلا وينقل عن شيخ الإسلام، ويستفيد مما كتب وألف. # ومن طريف ما يذكر عن سرعة بديهة الشيخ وقوة ms0014 علميته أنه مرة كان جالسا في ~~حلقته إذ جاءه سؤال على لسان ذمي ينكر صاحبه القدر، وكان السؤال عبارة عن أبيات ~~من الشعر، ومطلعها : # يا علماء الدين ذمي دينكم تحير دلوه بأعظم حجة # إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ولم يرضه مني فما وجه حيلتي # فلما قرأ الشيخ الأبيات فكر قليلا، ثم أنشأ يكتب في الحال جوابا لهذا الاعتراض، ~~وكان الطلاب يظنون أنه يكتب نثرا، ولما فرغ وقرأه من حضر من أصحابه وإذا هو نظم من ~~الشعر، من نفس البحر والقافية الذي ورد به السؤال، يزيد على مائة بيت، وقد ذكر أنه أبرز ~~فيها من العلوم ما لو شرح لجاء شرحه في مجلدين كبيرين، يقول في مطلعها: # تخاصم رب العرش باري البرية # سؤالك يا هذا سؤال معاندتخاصم رب العر # وهذا سؤال خاصم الملأ العلا قديما به إبليس أصل البلية # ومن يك خصما للمهيمن يرجعن على أم رأس هاويا في الحفيرة # إلى آخر الأبيات # كما سبق أن عرفنا فقد كان الشيخ أشبه ما يكون بموسوعة، له في كل فن ~~نصيب، كان قلمه سيالا، تميز بسرعة الكتابة - ولولا ذلك والله أعلم - لما خلف هذا ~~التراث الضخم. PageV01P020 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0021.png) ~~يقول أخوه أبو عبد الله : «وقد من الله عليه بسرعة الكتابة، ويكتب من حفظه ~~من غير نقل» اه1. ~~وقد ذكر ابن عبد الهادي أنه يكتب مجلدا لطيفا في يوم، بل إنه كتب «الحموية ~~في جلسة بين الظهر والعصر(2 . وكتب «الواسطية» في قعدة بعد العصر2 ~~وغالب ما كتب في «باب العقائد» إما رد على مبتدع، أو جواب لسؤال ~~ورد عليه، كما ذكر ذلك هو عن نفسه، في مناظرة الواسطية قال : لوأما ~~الكتب، فما كتبت إلى أحد كتابا ابتداء أدعوه به إلى شيء من ذلك . ولكنني ~~كتبت أجوبة أجبت بها من يسألني من أهل الديار المصرية وغيرهم اه. # وقد كان للفتن والمحن التي مر بها الشيخ أثرا في ضياع بعض مصنفاته وكتبه ~~فكثيرا ما يقول: قد كتبت في كذا وكذا ويسأل عن الشيء، فيقول : كتبت في ms0015 هذا، ~~فلا يدري أين هو ? فيلتفت إلى أصحابه، ويقول: ردوا خطي وأظهروه لينقل. فمن ~~حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه فيذهب ولا يعرف اسمه. # وأيضا من أسباب ضياع بعض كتبه: أنه يكتب في بعض الأحيان الجواب لمن ~~سأله، فإن وجد من ينقل الجواب ويبيضه، وإلا أخذ السائل الجواب وذهب . # وذكر ابن عبد الهادي أن الشيخ لما حبس تفرق أتباعه، وتفرقت كتبه، ~~وخوفوا أصحابه من أن يظهروا كتبه، وذهب كل أحد بما عنده وأخفاه، ولم ~~يظهروا كتبه . فبقي هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه، أو يهبه، وهذا يخفيه ~~ويودعه، حتى إن منهم من تسرق كتبه أو تجحد، فلا يستطيع أن يطلبها، ولا ~~يقدر على تحصيلها فبدون هذا تتمزق الكتب والتصانيف # ولهذه الأسباب وغيرها تعذر إحصاء مصنفاته، وتباينت أقوال العلماء في تعدادها. # يقول الحافظ البزار : وأما مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها، أو ~~يحضرني جملة أسمائها، بل هذا لا يقدر عليه غالبا أحد، لأنها كثيرة جدا، كبارا وصغارا، ~~وهي منشورة في البلدان. فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه. # ثم ذكر أنه يمكن تعداد ما ينيف على المايتين من مؤلفاته(8) PageV01P021 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0022.png) # أما تلميذه ابن القيم فقد ذكر نحوا من سبع وثلاثين وثلاثمائة مصنف للشيخ، ~~إجابة لمن سئل عن تعداد ما ألفه شيخ الإسلام، وذكر أن هذا هو الذي يحضره وأنه ~~لم يستوعبها # وقد قيل إن تعداد مؤلفاته تصل إلى الألف، وقيل خمسمائة وقيل ثلاثمائة، ~~وقيل غير ذلك، وكل يذكر ما وصل إليه. # وإنه لمن الصعب ذكر جميع مؤلفاته عبر هذه الترجمة الموجزة، ولكن ما لا ~~يدرك كله لا يترك جله، وسأذكر هنا نموذجا لبعض مؤلفاته الكبار، وخاصة في ما ~~يتعلق بالعقيدة والذي سبق أن طبع، فمنها: ~~1 - درء تعارض العقل والنقل: # والكتاب طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم، في عشرة أجزاء والحادي عشر ~~فهارس . ط الأولى 1399 ه - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ~~2 - منهاج السنة في نقض كلام الشيعة القدرية : # وأيضا طبع أخيرا ms0016 بتحقيق د. محمد رشاد سالم، في ثمانية أجزاء التاسع منها ~~نهارس . ط الأولى 1406ه - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ~~3 - نقض التأسيس : # طبع منه جزءان، بعناية : محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، والكتاب حقق في ~~عدة رسائل علمية - في قسم العقيدة بكلية أصول الدين - جامعة الإمام محمد بن ~~سعود الإسلامية. ~~- الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: # طبع في جزءين، وقد حقق في عدة رسائل علمية، في قسم العقيدة بكلية أصول ~~الدين - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ~~5 - الاستقامة : # طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم، في جزءين. ط الأولى 1403ه - جامعة ~~الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ~~- اقتضاء الصراط المستقيم : PageV01P022 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0023.png) ~~طبع اخيرا بتحقيق د. ناصر بن عبد الكريم العقل، في جزءين ط الأولى ~~1404ه - مكتبة الرشد للنشر والتوزيع - الرياض. ~~7- وهناك عدة رسائل نحو : التدمرية، والتسعينية، والحموية، وشرح الأصفهانية، ~~وغير ذلك. ~~كما أن كثيرا من مؤلفات الشيخ قد طبعت ضمن مجاميع، مثل : «مجموع فتاوى شيخ ~~الإسلام ابن تيمية» جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم، ولمجموعة الرسائل الكبرى ~~وهالفتاوى الكبرى، و«مجموعة الرسائل والمسائل» و«مجموعة الرسائل المنيرية» ~~لقد سمع وروى عن كثير من الشيوخ يصل عددهم إلى أكثر من مائتي شيخ، ~~جاء ذكر بعضهم في «الأربعين لشيخ الإسلام»2) # وممن روى عنه الشيخ: والده عبد الحليم بن عبد السلام، وابن عبد الدائم، وابن ~~أبي اليسر، والشيخ شرف الدين أحمد بن نعمة المقدسي، المجد ابن عساكر، ويحيى بن ~~الصيرفي، وابن عبد القوي، وغيرهم # أما تلاميذه، فشيخ الإسلام ليس إلا مدرسة تخرج منها علماء أفذاذ، وجهابذة ~~حفاظ، وإنه من الصعب الإحاطة بجميع تلامذته، والمتأثرين به، وأنا أذكر هنا ~~نموذجا ممن تخرج من هذه المدرسة، ومن أشهر مؤلاء: # - محمد بن أبي بكر، المعروف «بابن قيم الجوزية» . المتوفى 752ه. # - أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي . المتوفى 748ه. # - الحافظ ابن كثير، أبو الفداء . المتوفى 774ه. # - محمد بن أحمد، المعروف بابن عبد الهادي. المتوفى 744ه. PageV01P023 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0024.png) # - عمر بن علي البزار . المتوفى 749ه. # وغير هؤلاء كثير . # هذه ms0017 ترجمة موجزة جدا لهذا الإمام، ولا تعدو أن تكون قطرة من بحر حياته، ~~وغيضا من فيض جهاده، ولو أقسم شخص، أنه لم يأت أحد بعده مثله، إلى يومنا ~~هذا، لما حنث في يمينه، والله أعلم. # وإنه لمن الجدير بكل مسلم، وخاصة العلماء منهم والدعاة أن يدرسوا حياة هذا ~~الشيخ دراسة متمعنة ووافية، وينهلوا من معينها الصافي. # ومع هذا كله لا يخرج عن كونه بشرآ يصيب ويخطئ، ولكن كما قال الإمام ابن ~~كثير : . . ولكن خطؤه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي وخطؤه أيضا مغفور ~~له، كما في صحيح البخاري : «إذ اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد ~~فأخطأ فله أجر»1) فهو مأجور...»2 # والله أسأل أن يجزل لنا وله ولجميع المسلمين الأجر والمثوبة، وأن يرفع ~~منزلته في أعلى عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، ~~والصالحين، وحسن أولئك رفيقا PageV01P024 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0025.png) ~~24 ~~6 - اذيل طبفات العنابلة لابن رجب (/408-282). ~~- «الرد الوافر» لابن ناصر الدين الدمشقي. ~~- ر سالة قصيرة في فضل شيخ الإسلام ابن تيمية ومحبة أهل العلم له» لعبد الله بن حامد، ~~تحقيق : محمد الشيباني. ~~- «الدرر الكامنة» لابن حجر (1/154 - 170). ~~د اتقريظ للحافظ ابن حجر على الرد الوافر لابن ناصره، تحقيق : محمد الشيباني . ~~- «المنهل الصافي» لجمال الدين أبي المحاسن (358/1 - 362) . ~~- «طبقات الحفاظ» للسيوطي ص 520 - 521. ~~- «شذرات الذهب، (80/6 - 86). ~~- الكواكب الدرية في مناقب ابن تيمية» لمرعي بن يوسف الحنبلي. ~~- الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية لمرعي بن يوسف الحنبلي. ~~- «البدر الطالع» للشوكاني (63/1 - 72). ~~- القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي، لصفي الدين الحنفي. ~~- «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين» للألوسي. ~~- «الفتح المبين في طبقات الأصوليين» للمراغي (134/2 - 137). ~~- «معجم المؤلفين» لعمر كحالة (1/261) . ~~- «الأعلام» للزركلي (144/1). ~~- «ابن تيمية حياته وعصره» لأبي زهرة. ~~- «رجال الفكر والدعوة في الإسلام، خاص بحياة شيخ الإسلام» لأبي الحسن الندوي . ~~- «حياة شيخ الإسلام ابن تيمية» لمحمد بهجة البيطار. ~~- «الإمام ابن تيمية وموقفه من قضية التاويل» لمحمد السيد الجليند. ~~- «باعث النهضة الإسلامية، ابن ms0018 تيمية السلفي، لمحمد خليل هراس. # -«ابن تيمية المفترى عليه» لسليم الهلالي. ~~- «شيخ الإسلام ابن تيمية إمام السيف والقلم» لسعيد صادق محمد. ~~- «رسائل من السجن» لمحمد العبدة. ~~- «ابن تيمية وجهوده في التفسير» لإبراهيم خليل بركة. ~~- «أوراق مجموعة من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية» لمحمد الشيباني . ~~- شيخ الإسلام ابن تيمية سيره واخباره عند المؤرخين، لصلاح الدين المنجد. PageV01P025 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0026.png) ~~بها؛ ويحصل الضيق والحرج والعمل بها على رأي إمام بعينه? منها مسألة المياه ~~اليسيرة ووقوع النجاسة فيها من غير تغير وتغييرها بالطاهرات? # فأجاب رحمه الله تعالى : الحمد الله رب العالمين. أما مسألة تغير الماء اليسير ~~أو الكثير بالطاهرات : كالأشنان والصابون والسدر والخطمي والتراب والعجين وغير ~~ذلك مما قد يغير الماء، مثل الإناء إذا كان فيه أثر سدر أو خطمي ووضع فيه ماء، ~~فتغير به، مع بقاء اسم الماء، فهذا فيه قولان معروفان للعلماء. # أحدهما : أنه لا يجوز التطهير به، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد في ~~إحدى الروايتين عنه التي اختارها الخرقي والقاضي، وأكثر متأخري أصحابه؛ لأن هذا ~~ليس بماء مطلق، فلا يدخل في قوله تعالى: (فلم تجدواماء). ثم إن ~~أصحاب هذا القول استثنوا من هذا أنواعا، بعضها متفق عليه بينهم، وبعضها مختلف ~~فيه، فما كان من التغير حاصلا بأصل الخلقة أو بما يشق صون الماء عنه، فهو طهور ~~باتفاقهم. وما تغير بالأدهان والكافور ونحو ذلك، ففيه قولان معروفان في مذهب ~~الشافعي وأحمد وغيرهما. وما كان تغيره يسيرا، فهل يعفى عنه أو لا يعفى عنه، أو ~~يفرق بين الرائحة وغيرها ? على ثلاثة أوجه، إلى غير ذلك من المسائل. # والقول الثاني : أنه لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره، ولا بما يشق ~~لاحتراز عنه؛ ولا بما لا يشق الاحتراز عنه، فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء ~~عيره كيان طلهورا، نما هو مذهب أبي حنيفة واحمد في الرواية الأخرى عنة، ومي ~~التي نص عليها في أكثر أجوبته. وهذا القول هو الصواب؛ لأن الله سبحانه وتعالى ~~قتال : ( وإن كتتم ورضي او على سفر أو ms0019 جاء أحد منكم من الفابط او لمستم النسآء فلم تجدواماء، ~~فتيمموا صعيدا طليبا فامسحوا بوجوهكم وايدميكم تنة)، وقوله: (فلم تدوا ~~ماء كه نكرة في سياق النفي، فيعم كل ما هو ماء، لا فرق في ذلك بين نوع ونوع. PageV01P026 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0027.png) # فإن قيل: إن المتغير لا يدخل في اسم الماء? # قيل: تناول الاسم لمسماه لا فرق فيه بين التغير الأصلي والطارئ ولا بين ~~التغير الذي يمكن الاحتراز منه والذي لا يمكن الاحتراز منه، فإن الفرق بين هذا وهذا ~~إنما هو من جهة القياس لحاجة الناس إلى استعمال هذا المتغير، دون هذا، فأما من ~~جهة اللغة وعموم الاسم وخصوصه فلا فرق بين هذا وهذا؟ ولهذا لو وكله في شراء ~~ماء، أو حلف لا يشرب ماء أو غير ذلك، لم يفرق بين هذا وهذا؛ بل إن دخل هذا ~~دخل هذا، وإن خرج هذا خرج هذا، فلما حصل الاتفاق على دخول المتغير تغيرا ~~أصليا، أو حادثا بما يشق صونه عنه، علم أن هذا النوع داخل في عموم الآية. وقد ~~ثبت بسنة رسول الله له صلى الله عليه وسلم أ قال في البحر : هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ~~والبحر متغير الطعم تغيرا شديدا، لشدة ملوحته. فإذا كان النبي صى الله عليه وسلم فدم أخبر أن ماءه ~~طهور - مع هذا التغير - كان ما هو أخف ملوحة منه أولى أن يكون طهورا، وإن كان ~~الملح وضع فيه قصدا؛ إذ لا فرق بينهما في الاسم من جهة اللغة. وبهذا يظهر ضعف ~~حجة المانعين؛ فإنه لو استقى ماء، أو وكله في شراء ماء لم يتناول ذلك ماء البحر، ~~ومع هذا فهو داخل في عموم الآية، فكذلك ما كان مثله في الصفة. # وأيضا؛ فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل المحرم بماء وسدر، وأمر ~~بغسل ابنته بماء وسدر، لوأمر الذي أسلم أن يغتسل بماء وسدر، ومن ~~المعلوم: أن السدر لا بد أن يغير الماء فلو كان التغير يفسد الماء لم يأمر به. # وقول القائل: إن هذا تغير ms0020 في محل الاستعمال، فلا يؤثر، تفريق بوصف غير ~~مؤثر، لا في اللغة ولا في الشرع؛ فإن المتغير إن كان يسمى ماء مطلقا، وهو على ~~البدن، فيسمى ماء مطلقا، وهو في الإناء. وإن لم يسم ماء مطلقا في أحدهما لم يسم ~~مطلقا في الموضع الآخر؛ فإنه من المعلوم أن أهل اللغة لا يفرقوت في التسمية بين PageV01P027 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0028.png) # وأما الشرع: فإن هذا فرق لم يدل عليه دليل شرعي، فلا يلتفت إليه. والقياس ~~عليه إذا جمع أو فرق : أن يبين أن ما جعله مناط الحكم جمعا أو فرقا مما دل عليه ~~الشرع، وإلا فمن علق الأحكام بأوصاف جمعا وفرقا بغير دليل شرعي، كان واضعا ~~الشرع من تلقاء نفسه، شارعا في الدين ما لم يأذن به الله. # ولهذا كان على القائس أن يبين تأثير الوصف المشترك الذي جعله مناط الحكم، ~~بطريق من الطرق الدالة على كون الوصف المشترك هو علة الحكم. وكذلك في ~~الوصف الذي فرق فيه بين الصورتين، عليه أن يبين تأثيره بطريق من الطرق الشرعية. # وأيضا؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من قصعة فيها أثر العجين ومن المعلوم ~~أنه : لا بد في العادة من تغير الماء بذلك، لا سيما في آخر الأمر، إذا قل الماء ~~وانحل العجين . # فإن قيل : ذلك التغير كان يسيرا? # قيل : وهذا أيضا دليل في المسألة؛ فإنه إن سوى بين التغير اليسير والكثير مطلقا ~~كان مخالفا للنص؛ وإن فرق بينهما لم يكن للفرق بينهما حد منضبط، لا بلغة ~~ولا شرع، ولا عقل ولا عرف، ومن فرق بين الحلال والحرام بفرق غير معلوم لم ~~يكن قوله صحيحا. # وأيضا؛ فإن المانعين مضطربون اضطرابا يدل على فساد أصل قولهم، منهم من ~~يفرق بين الكافور والدهن وغيره، ويقول: إن هذا التغير عن مجاورة لا عن مخالطة. ~~ومنهم من يقول : بل نحن نجد في الماء أثر ذلك. ومنهم من يفرق بين الورق الربيعي ~~والخريفي، ومنهم من يسوي بينهما، ومنهم من يسوي بين الملحين: الجبلي ~~والمائي، ومنهم من يفرق بينهما. # وليس على ms0021 شيء من هذه الأقوال دليل يعتمد عليه، لا من نص ولا قياس ~~لا إجماع؛ إذ لم يكن الأصل الذي تفرعت عليه مأخوذا من جهة الشرع. وقد قال ~~ولذا بخ لانث فبتح ال كح نمر فثد اللت فأنة خفوظدم لما قال تعالي: ل(النانك ون لذكر ~~رانا له لحفظون )، فدل ذلك على ضعف هذا القول. # وأيضا؛ فإن القول بالجواز موافق للعموم اللفظي والمعنوي؛ مدلول عليه PageV01P028 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0029.png) ~~بالظواهر والمعاني؛ فإن تناول اسم الماء لمواقع الإجماع، كتناوله لموارد النزاع في ~~اللغة، وصفات هذا كصفات هذا في الجنس، فتجب التسوية بين المتماثلين. # وأيضا؛ فإنه على قول المانعين: يلزم مخالفة الأصل، وترك العمل بالدليل ~~الشرعي لمعارض راجح؛ إذ كان يقتضي القياس عندهم: أنه لا يجوز استعمال شيء ~~من المتغيرات في طهارتي الحدث والخبث، لكن استثنى المتغير بأصل الخلقة، وبما ~~يشق صون الماء عنه للحرج والمشقة فكان هذا موضع استحسان ترك له القياس، ~~وتعارض الأدلة على خلاف الأصل. وعلى القول الأول: يكون رخصة ثابتة على وفق ~~القياس من غير تعارض بين أدلة الشرع؛ فيكون هذا أقوى. # وأما الماء إذا تغير بالنجاسات؛ فإنه ينجس بالاتفاق. # وأما ما لم يتغير ففيه أقوال معروفة: # أحدها : لا ينجس. وهو قول أهل المدينة، ورواية المدنيين عن مالك وكثير من ~~أهل الحديث، وإحدى الروايات عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، ونصرها ابن ~~عقيل في المفردات؛ وابن البناء وغيرهما. # والثاني : ينجس قليل الماء بقليل النجاسة. وهي رواية البصريين عن مالك. # والثالث: وهو مذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى - اختارها طائفة من ~~أصحابه - الفرق بين القلتين وغيرهما. فمالك لا يحد الكثير بالقلتين، والشافعي ~~وأحمد يحدان الكثير بالقلتين. # والرابع: الفرق بين البول والعذرة المائعة وغيرهما فالأول ينجس منه ما أمكن ~~نزحه، دون ما لم يمكن نزحه، بخلاف الثاني؛ فإنه لا ينجس القلتين فصاعدا. وهذا ~~أشهر الروايات عن أحمد، واختيار اكثر أصحابه. # والخامس: أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة، سواء كان قليلا أو كثيرا؛ وهذا ~~قول أبي حنيفة وأصحابه، لكن ما لم يصل إليه لا ينجسه. # ثم ms0022 حدوا ما لا يصل إليه: بما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر. # ثم تنازعوا: هل يحد بحركة المتوضئ أو المغتسل? وقدر ذلك محمد بن ~~الحسن بمسجده، فوجدوه عشرة أذرع في عشرة أذرع. # وتنازعوا في الآبار إذا رقعت فيها نجاسة: هل يمكن تطهيرها؟ فزعم المزني: ~~انهلا پيمن. وقال ابو حنيفة راصحابه : يمكن تطهيرما بالنزح، ولهم في تقدير ~~الدلاء أقوال معروفة . PageV01P029 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0030.png) # والسادس : قول أهل الظاهر، الذين ينجسون ما بال فيه البائل، دون ما ألقى فيه ~~البول، ولا ينجسون ما سوى ذلك إلا بالتغير. # وأصل هذه المسألة من جهة المعنى : أن اختلاط الخبيث، وهو النجاسة بالماء: ~~هل يوجب تحريم الجميع، أم يقال : بل قد استحال في الماء، فلم يبق له حكم? # فالمنجسون ذهبوا إلى القول الأول؛ ثم من استثنى الكثير قال : هذا يشق ~~الاحتراز من وقوع النجاسة فيه، فجعلوا ذلك موضع استحسان، كما ذهب إلى ذلك ~~طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد. # وأما أصحاب أبي حنيفة فبنوا الأمر على وصول النجاسة وعدم وصولها، ~~وقدروه بالحركة أو بالمساحة في الطول والعرض دون العمق. # والصواب : هو القول الأول، وأنه متى علم أن النجاسة قد استحالت فالماء ~~طاهر، سواء كان قليلا أو كثيرا، وكذلك في المائعات كلها، وذلك لأن الله تعالى ~~أباح الطيبات وحرم الخبائث، والخبيث متميز عن الطيب بصفاته، فإذا كانت صفات ~~الماء وغيره صفات الطيب دون الخبيث : وجب دخوله في الحلال دون الحرام. # وأيضا؛ فقد ثبت من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم فل له: أنتوضأ من بئر ~~بضاعة ? وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال: لالماء طهور، ~~لا ينجسه شيء، قال أحمد : حديث بئر بضاعة صحيح. وهو في المسند أيضا ~~عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : الماء طهور لا ينجسه شيء، وهذا اللفظ عام ~~في القليل والكثير، وهو عام في جميع النجاسات. # وأما إذا تغير بالنجاسة، فإنما حرم استعماله، لأن جرم النجاسة باق ففي ~~استعماله استعمالها، بخلاف ما إذا استحالت النجاسة فإن ms0023 الماء طهور، وليس هناك ~~نجاسة قائمة . # ومما يبين ذلك: أنه لو وقع خمر في ماء واستحالت، ثم شربها شارب لم يكن ~~شاربا للخمر؛ ولم يجب عليه حد الخمر؛ إذ لم يبق شيء من طعمها ولونها وريحها، ~~ولو صب لبن امرأة في ماء واستحال حتى لم يبق له أثر وشرب طفل ذلك الماء، لم ~~يصر ابنها من الرضاعة بذلك. # وأيضا: فان هذا باق على أوصاف خلقته؛ فيدخل في عموم قوله تعالى: (ثلم PageV01P030 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0031.png) ~~تجدواما)؛ فإن الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة لا طعمه ولا لونه ولا ريحه. # فإن قيل: فإن الني صلى الله عله وسلم نهى عن البول في الماء الدائم وعن الاغتسال فيه ? # قيل: نهيه عن البول في الماء الدائم لا يدل على أنه ينجس بمجرد البول؛ إذ ~~ليس في اللفظ ما يدل على ذلك، بل قد يكون نهيه سدا للذريعة؛ لأن البول ذريعة ~~إلى تنجيسه؛ فإنه إذا بال هذا ثم بال هذا تغير الماء بالبول، فكان نهيه سدا للذريعة. ~~أو يقال : إنه مكروه بمجرد الطبع لا لأجل أنه ينجسه. # وأيضا؛ فيدل نهيه عن البول في الماء الدائم أنه يعم القليل والكثير فيقال ~~لصاحب القلتين: أتجوز بوله فيما فوق القلتين ? إن جوزته فقد خالفت ظاهر النص؛ ~~وإن حرمته فقد نقضت دليلك. # وكذلك يقال لمن فرق بين ما يمكن نزخه وما لا يمكن: أتسوغ للحجاج أن ~~يبولوا في المصانع المبنية بطريق مكة? إن جوزته خالفت ظاهر النص؛ فإن هذا ماء ~~دائم والحديث لم يفرق بين القليل والكثير وإلا نقضت قولك. # وكذلك يقال للمقدر بعشرة أذرع: إذا كان لأهل القرية غدير مستطيل أكثر من عشرة ~~أذرع رقيق أتسوغ لأهل القرية البول فيه? فإن سوغته خالفت ظاهر النص؛ وإلا نقضت ~~قولك، فإذا كان النص بل والإجماع دل على أنه نهى عن البول فيما ينجسه البول؛ بل ~~تقدير الماء وغير ذلك فيما يشترك فيه القليل والكثير: كان هذا الوصف المشترك بين ~~القليل والكثير مستقلا بالنهي، فلم يجز تعليل النهي بالنجاسة ولا يجوز ms0024 أن يقال :له صلى اله ليه وسلم ~~إنما نهى عن البول فيه، لأن البول ينجسه؛ فإن هذا خلاف النص والإجماع. # وأما من فرق بين البول فيه وبين صب البول فقوله ظاهر الفساد؛ فإن صب البول ~~ابلغ من أن ينهي عنه من مجرد البول؛ إذ الإنسان قد يحتاج إلى أن يبول، وأما صب ~~الأبوال في المياه فلا حاجة إليه. # فإن قيل : ففي حديث القلتين أنه سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه ~~من السباع والدواب، فقال: إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، وفي لفظ: لم ~~ينجسه شيء؟ قيل: حديكث القلتين فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع؛ وبين ~~أنه من كلام ابن عمر لا من كلام الني صلى الله عليه وسلم. PageV01P031 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0032.png) ~~31 # وسئل رحمه الله : عن الماء الكثير إذا تغير لونه بمكثه؛ أو تغير لونه وطعمه ~~لا الرائحة؛ فهل يكون طهورا? # فأجاب : الحمد لله. أما ما تغير بمكثه ومقره فهو باق على طهوريته باتفاق ~~العلماء، وأما النهر الجاري؛ فإن علم أنه متغير بنجاسة فإنه يكون نجسا فإن خالطه ~~ما يغيره من طاهر ونجس وشك في التغير، هل هو بطاهر أو نجس? لم يحكم ~~بنجاسته بمجرد الشك . # والأغلب أن هذه الأنهار الكبار لا تتغير بهذه القنى التي عليها، لكن إذا تبين ~~تغيره بالنجاسة فهو نجس، وإن كان متغيرا بغير نجس ففي طهوريته القولان ~~المشهوران. والله أعلم. # وسئل رحمه الله : عن بئر كثير الماء وقع فيه كلب ومات، وبقي فيه حتى انهرى ~~جلده وشعره، ولم يغير من الماء وصفا قط، لا طعم ولا لون ولا رائحة ? # فأجاب : الحمد لله . هو طاهر عند جماهير العلماء - كمالك والشافعي وأحمد - ~~إذا بلغ الماء قلتين ؛ وهما نحو القربتين؛ فكيف إذا كان أكثر من ذلك? وشعر الكلب ~~في طهارته نزاع بين العلماء؛ فإنه طاهر في مذهب مالك؛ ونجس في مذهب ~~الشافعي، وعن أحمد روايتان. فإذا لم يعلم أن في الدلو الصاعد شيئا من شعره لم ~~يحكم بنجاسته بلا ريب. # وقد ثبت عن النبي صلى ms0025 الله عليه وسلم آن قيل له: يا رسول الله! إنك تتوضأ من بئر بضاعة ~~وهي بئر تلقى فيها الحيض؛ ولحوم الكلاب؛ وعذر الناس? فقال : «الماء طهور ~~لا ينجسه شيء وبئر بضاعة واقعة معروفة في شرقي المدينة؛ باقية إلى إليوم، ~~ومن قال : إنها كانت جارية؛ فقد أخطأ؛ فإنه لم يكن على عهد رسول الله ل صلى الله عليه وسلم. ~~بالمدينة عين جارية، بل الزرقاء وعيون حمزة حدثتا بعد موته. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن بئر وقع فيه كلب أو خنزير أو جمل أو بقرة أو شاة ~~ثم مات فيها؛ وذهب شعره وجلده ولحمه؛ وهو فوق القلتين؛ فكيف يصنع به? # فأجاب : الحمد لله. أي بئر وقع فيه شيء مما ذكر أو غيره إن كان الماء لم ~~يتغير بالنجاسة فهو طاهر؛ فإن كانت عين النجاسة باقية نزحت منه وألقيت وسائر الماء ~~طاهر، وشعر الكلب والخنزير إذا بقي في الماء لم يضره ذلك في أصح قولي العلماء؛ ~~فإنه طاهر في أحد أقوالهم، وهو إحدى الروايتين عند أحمد، وهذا القول أظهر في ~~الدليل؛ فإن جميع الشعر والريش والوبر والصوف طاهر، سواء كان على جلد PageV01P032 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0033.png) ~~ما يؤكل لحمه أو جلد ما لا يؤكل لحمه، وسواء كان على حي أو ميت . هذا أظهر ~~الأقوال للعلماء؛ وهو إحدى الروايات عن أحمد. # وأما إن كان الماء قد تغير بالنجاسة فإنه ينزح منه حتى يطيب، وإن لم يتغير ~~الماء لم ينزح منه شيء؛ فإنه قيل للبي صلى الله عليه وسلم، إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى ~~فيها الحيض؛ ولحوم الكلاب؛ والنتن? فقال : الماء طهور لا ينجسه شيء. # وقد بسط الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع. والله أعلم. # وسئل رحمه الله: عن القلتين: هل حديثه صحيح أم لا? ومن قال : إنه قلة ~~الجبل؛ وفي سؤر الهرة إذا أكلت نجاسة ثم شربت من ماء دون القلتين: هل يجوز ~~الوضوء به أم لا?1 # فأجاب : الحمد لله. قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ms0026 قيل له : إنك تتوضأ من بئر ~~بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض؛ ولحوم الكلاب؛ والنتن? فقال : لالماء طهور ~~لا ينجسه شيء، وبئر بضاعة باتفاق العلماء وأهل العلم بها هي بئر ليست جارية، ~~وما يذكر عن الواقدي من أنها جارية : أمر باطل؛ فإن الواقدي لا يحتج به باتفاق أهل ~~العلم، ولا ريب أنه لم يكن بالمدينة على عهد رسول لله ل صلى لى الله عليه وسلم ماء جار، وعين ~~الزرقاء وعيون حمزة محدثة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وبئر بضاعة باقية إلى اليوم في شرقي ~~المدينة، وهي معروفة. # وأما حديث القلتين؛ فأكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتج به، ~~وقد أجابوا عن كلام من طعن فيه، وصنف أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد ~~المقدسي جزءا رد فيه ما ذكره ابن عبد البر وغيره. # وأما لفظ القلة؛ فإنه معروف عندهم أنه الجرة الكبيرة كالحب، وكا صلى الله عليه وسلم ميثل ~~بهما، كما في الصحيحين أنه قال في سدرة المنتهى: وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، ~~وإذا نبقها مثل قلال هجر، وهي قلال معروفة الصفة والمقدار؛ فإن التمثيل ~~لا يكون بمختلف متفاوت. # وهذا مما يبطل كون المراد قلة الجبل، لأن قلال الجبال فيها الكبار والصغار، ~~وفيها المرتفع كثيرا، وفيها ما هو دون ذلك، وليس في الوجود ماء يصل إلى قلال ~~الجبل إلا ماء الطوفان، فحمل كلام النبي لى الله عليه وسلم لى مثل هذا يشبه الاستهزاء بكلامه. # ومن عاهاه صلى الله عليه وسلم أ يقدر المقدرات بأوعيتها، كما قال : ليس فيما دون خمسة PageV01P033 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0034.png) ~~أوسق صدقة، والوسق حمل الجمل، وكما كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، ~~وذلك من أوعية الماء، وهكذا تقدير الماء بالقلال مناسب، فإن القلة وعاء الماء. # وأما الهرة فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم آن قال : إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين ~~عليكم والطوافات»2) # وتنازع العلماء فيما إذا أكلت فأرة ونحوها ثم ولغت في ماء قليل على أربعة ~~أقوال في مذهب أحمد وغيره. قيل : إن الماء ms0027 طاهر مطلقا. وقيل: نجس مطلقا حتى ~~تعلم طهارة فمها. وقيل : إن غابت غيبة يمكن فيها ورودها على ما يطهر فمها كان ~~طاهرا، وإلا فلا . وهذه الأوجه في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. وقيل : إن طال ~~الفصل كان طاهرا، جعلا لريقها مطهرا لفمها لأجل الحاجة، وهذا قول طائفة من ~~أصحاب أبي حنيفة وأحمد، وهو أقوى الأقوال والله أعلم. # وسئل رحمه الله : عن رجل غمس يده في الماء قبل أن يغسلها من قيامه من نوم ~~الليل : فهل هذا الماء يكون طهورا? وما الحكمة في غسل اليد إذا باتت طاهرة? أفتونا ~~مأجورين؟!3 # قأجاب : الحمد لله. أما مصيره مستعملا لا يتوضأ به فهذا فيه نزاع مشهور، ~~وفيه روايتان عن أحمد، اختار كل واحدة طائفة من أصحابه، فالمنع اختيار أبي بكر ~~والقاضي وأكثر أتباعه، ويروى ذلك عن الحسن وغيره. # والثانية لا يصير مستعملا، وهي اختيار الخرقي وأبي محمد وغيرهما، وهو ~~قول أكثر الفقهاء. # وأما الحكمة في غسل اليد ففيها ثلاثة أقوال : # أحدها : أنه خوف نجاسة تكون على اليد؛ مثل مرور يده موضع الاستجمار مع ~~العرق؛ أو على زبلة ونحو ذلك. # والثاني : أنه تعبد ولا يعقل معناه. # والثالث : أنه من مبيت يده ملامسة للشيطان، كما في الصحيحين عن ~~أبي هريرة ؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنشق بمنخريه PageV01P034 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0035.png) ~~من الماء؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه، فأمر بالغسل معللا بمبيت الشيطان ~~على خيشومه؛ فعلم أن ذلك سبب للغسل عن النجاسة، والحديث معروف. # وقوله : فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده? يمكن أن يراد به ذلك؛ ~~فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار. والله أعلم. # وقال رحمه الله تعالى: # وأما نه صلى الله ليه وسلم: أن يغمس القائم من نوم الليل يده في الإناء قبل أن يغسلها ~~ثلاثا: فهو لا يقتضي تنجيس الماء بالاتفاق، بل قد يكون لأنه يؤثر في الماء أثرا ~~وأنه قد يفضي إلى التأثير، وليس ذلك بأعظم من النهي عن البول في الماء ms0028 الدائم، ~~وقد تقدم أنه لا يدل على التنجيس. # وأيضا ففي الصحيحين عن أبي هريرة: إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ~~بمنخريه من الماء؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه، فعلم أن ذلك الغسل ليس ~~مسببا عن النجاسة، بل هو معلل بمبيت الشيطان على خيشومه. والحديث المعروف: ~~فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده يمكن أن يراد به ذلك، فتكون هذه العلة من ~~العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار. # وأما نهيه عن الاغتسال فيه بعد البول؛ فهذا إن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فو كنهيه عن ~~البول في المستحم، وقوله : لفإن عامة الوسواس منه؛ فإنه إذا بال في المستحم PageV01P035 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0036.png) ~~ثم اغتسل حصل له وسواس، وربما بقي شيء من أجزاء البول فعاد عليه رشاشه، ~~وكذلك إذا بال في الماء ثم اغتسل فيه فقد يغتسل قبل الاستحالة مع بقاء أجزاء البول؛ ~~فنهى عنه لذلك . # ونهيه عن الاغتسال في الماء الدائم إن صح يتعلق بمسألة الماء المستعمل، ~~وهذا قد يكون لما فيه من تقذير الماء على غيره؛ لا لأجل نجاسته ولا لصيرورته ~~مستعملا؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عنه أنه قال : (إن الماء لا يجنب. # وسئل رحمه الله : عن الرجل يغتسل إلى جانب الحوض أو الجرن في الحمام ~~وغيره وهو ناقص؛ ثم يرجع بعض الماء من على بدنه إلى الجرن : هل يصير ذلك ~~الماء مستعملا أم لا? وكذلك الجنب إذا وضع يده في الماء أو الجرن: هل يصير ~~مستعملا أم لا? وعن مقدار الماء الذي إذا اغتسل فيه الجنب لا يصير مستعملا؟ وعن ~~الطاسة التي تحط على أرض الحمام، والماء المستعمل جار عليها؛ ثم يغترف بها من ~~الجرن الناقص من غير أن تغسل . أفتونا مأجورين?2 # فأجاب : الحمد لله. ما يطير من بدن المغتسل أو المتوضئ من الرشاش في إناء ~~الطهارة لا يجعله مستعملا. # وكذلك غمس الجنب يده في الإناء والجرن الناقص لا يصير مستعملا. # وأما مقدار الماء الذي إذا اغتسل فيه الجنب لا يصير مستعملا : إذا كان كثيرا ~~مقدار قلتين. ms0029 # وأما الطاسة التي توضع على أرض الحمام فالماء المستعمل طاهر لا ينجس إلا ~~بملاقاة النجاسة؛ فالأصل في الأرض الطهارة حتى تعلم نجاستها؛ لا سيما ما بين ~~يدي الحياض الفائضة في الحمامات؛ فإن الماء يجري عليها كثيرا. والله أعلم. # وسئل رحمه الله : عن رجل تدركه الصلاة وهو في مدرسة؛ فيجد في المدارس ~~بركا فيها ماء له مدة كثيرة، ومثل ماء الحمام الذي في الحوض، فهل يجوز من ذلك ~~الوضوء والطهارة أم لا?3 # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. قد ثبت في الصحيحين عن الني صلى الله عليه وسلم من غير ~~وجه، كحديث عائشة؛ وأم سلمة؛ وميمونة؛ وابن عمر - رضي الله عنهم - : أن PageV01P036 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0037.png) ~~النبي الله عل كوان يغتسل هو وزوجته من إناء واحد، حتى يقول لها : «أبقي لي» وتقول ~~هي: لأبق لي. # وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر قال: كان الرجال والنساء يغتسلون ~~على عهد رسول الله لهل صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، ولم يكن بالمدينة على عهد ~~رسول الله صله لى الله علي وسم ام جار ولا حمام. فإذا كانوا يتوضؤون جميعا ويغتسلون جميعا من ~~إناء واحد بقدر الفرق، وهو بضعة عشر رطلا بالمصري أو أقل، وليس لهم ينبوع ~~ولا أنبوب، فتوضؤهم واغتسالهم جميعا من حوض الحمام أولى وأحرى، فيجوز ~~ذلك وإن كان الحوض ناقصا والأنبوب مسدودا؛ فكيف إذا كان الأنبوب مفتوحا? ~~وسواء فاض أو لم يفض. # وكذلك برك المدارس، ومن منع غيره حتى ينفرد وحده بالاغتسال فهو مبتدع ~~مخالف للسنة. # فأجاب : الحمد لله. أما المضبب بالفضة من الآنية وما يجري مجراها من ~~الآلات - سواء سمي الواحد من ذلك إناء أو لم يسم - وما يجري مجرى المضبب ~~كالمباخر، والمجامر، والطشوت، والشمعدانات وأمثال ذلك؛ فإن كانت الضبة يسيرة ~~لحاجة مثل تشعيب القدح وشعيرة السكين ونحو ذلك مما لا يباشر بالاستعمال، ~~فلا بأس بذلك. # ومراد الفقهاء بالحاجة هنا: أن يحتاج إلى تلك الصورة كما يحتاج إلى التشعيب ~~والشعيرة، سواء كان من فضة أو نحاس أو حديد أو غير ms0030 ذلك، وليس مرادهم أن ~~يحتاج إلى كونها من فضة، بل هذا يسمونه في مثل هذا ضرورة، والضرورة تبيح ~~الذهب والفضة مفردا وتبعا، حتى لو احتاج إلى شد أسنانه بالذهب؛ أو اتخذ أنفا من ~~ذهب ونحو ذلك: جاز - كما جاءت به السنة - مع أنه ذهب ومع أنه مفرد. # وكذلك لو لم يجد ما يشربه إلا في إناء ذهب أو فضة جاز له شربه، ولو لم PageV01P037 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0038.png) ~~يجد ثوبا يقيه البرد أو يقيه السلاح أو يستر به عورته إلا ثوبا من حرير منسوج بذهب ~~أو فضة جاز له لبسه؛ فإن الضرورة تبيح أكل الميتة والدم ولحم الخنزير بنص القرآن ~~والسنة وإجماع الأمة مع أن تحريم المطاعم أشد من تحريم الملابس؛ لأن تأثير ~~الخبائث بالممازجة والمخالطة للبدن أعظم من تأثيرها بالملابسة والمباشرة للظاهر، ~~ولهذا كانت النجاسات التي تحرم ملابستها يحرم أكلها، ويحرم من أكل السموم ~~ونحوها من المضرات ما ليس بنجس، ولا يحرم مباشرتها. # ثم ما حرم لخبث جنسه أشد مما حرم لما فيه من السرف والفخر والخيلاء؛ فإن ~~هذا يحرم القدر الذي يقتضي ذلك منه ويباح للحاجة؛ كما أبيح للنساء لبس الذهب ~~والحرير لحاجتهن إلى التزين؛ وحرم ذلك على الرجال، وأبيح للرجال من ذلك ~~اليسير كالعلم؛ ونحو ذلك مما ثبت في السنة؛ ولهذا كان الصحيح من القولين في ~~مذهب أحمد وغيره جواز التداوي بهذا الضرب دون الأول، كما رخص النبي صلى الله عليه وسلم. ~~للزبير وطلحة في لبس الحرير من حكة كانت بهما. # ونهى عن التداوي بالخمر، وقال: إنها داء وليست بدواء، ونهى عن ~~الدواء الخبيث؛ ونهى عن قتل الضفدع لأجل التداوي بها، وقال : إن نقنقتها ~~تسبيح، وقال : إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها؛ ولهذا استدل ~~بإذنه للعرنيين في التداوي بأبوال الإبل وألبانها على أن ذلك ليس من الخبائث المحرمة ~~النجسة؛ لنهيه عن التداوي بمثل ذلك؛ ولكونه لم يأمر بغسل ما يصيب الأبدان ~~والثياب والآنية من ذلك. # وإذا كان القائلون بطهارة أبوال الإبل تنازعوا في جواز شربها لغير ms0031 الضرورة؛ ~~وفيه عن أحمد روايتان منصوصتان، فذاك لما فيها من القذارة الملحق لها بالمخاط ~~والبصاق والمني؛ ونحو ذلك من المستقذرات التي ليست بنجسة، التي يشع النظافة PageV01P038 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0039.png) ~~منها، كما يشرع نتف الإبط، وحلق العانة؛ وتقليم الأظفار؛ وإحفاء الشارب. ولهذا ~~أيضا كان هذا الضرب محرما في باب الآنية والمنقولات على الرجال والنساء، فآنية ~~الذهب والفضة حرام على الصنفين، بخلاف التحلي بالذهب ولباس الحرير فإنه مباح ~~للنساء. # وباب الخبائث بالعكس؛ فإنه يرخص في استعمال ذلك فيما ينفصل عن بدن ~~الإنسان ما لا يباح إذا كان متصلا به، كما يباح إطفاء الحريق بالخمر، وإطعام الميتة ~~للبزاة والصقور؛ وإلباس الدابة الثوب النجس؛ وكذلك الاستصباح بالدهن النجس في ~~أشهر قولي العلماء وهو أشهر الروايتين عن أحمد، وهذا لأن استعمال الخبائث فيها ~~يجري مجرى الإتلاف ليس فيه ضرر، وكذلك في الأمور المنفصلة، بخلاف استعمال ~~الحرير والذهب فإن هذا غاية السرف والفخر والخيلاء. # وبهذا يظهر غلط من رخص من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم في إلباس ~~دابته الثوب الحرير؛ قياسا على إلباس الثوب النجس! فإن هذا بمنزلة من يجوز ~~افتراش الحرير ووطأه قياسا على المصورات؛ أو من يبيح تحلية دابته بالذهب والفضة ~~قياسا على من يبيح إلباسها الثوب النجس، فقد ثبت بالنص تحريم افتراش الحرير كما ~~ثبت تحريم لباسه. # وبهذا يظهر أن قول من حرم افتراشه على النساء - كما هو قول المراوزة من ~~أصحاب الشافعي - أقرب إلى القياس من قول من أباحه للرجال؛ كما قاله أبو حنيفة. ~~وإن كان الجمهور على أن الافتراش كاللباس يحرم على الرجال دون النساء؛ لأن ~~الافتراش لباس، كما قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس. إذ ~~لا يلزم من إباحة التزين على البدن إباحة المنفصل؛ كما في آنية الذهب والفضة، ~~فإنهم اتفقوا على أن استعمال ذلك حرام على الزوجين: الذكر والأنثى. # وإذا تبين الفرق بين ما يسميه الفقهاء في هذا الباب حاجة، وما يسمونه ~~ضرورة، فيسير الفضة التابع يباح عندهم للحاجة، كما في حديث أنس: «إن ms0032 قدح ~~رسول الله ل صلى الله عليه وسلم ا انكسر شعب بالفضة، سواء كان الشأعب له رسولالله صل صلى الله عليه وسلم ~~كان هو أنسا. # وأما إن كان اليسير للزينة نفيه أقوال في مذهب أحمد وغيره: التحريم، والإباحة، ~~والكراهة. قيل: والرابع: إنه يباح من ذلك ما لا يباشر بالاستعمال، وهذا هو المنصوص ~~عنه، فينهى عن الضبة في موضع الشرب دون غيره، ولهذا كره حلقة الذهب في الإناء ~~اتباعا لعبد الله بن عمر في ذلك، فإنه كره ذلك، وهو أولى ما اتبع في ذلك. PageV01P039 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0040.png) # وأما ما يروى عنه مرفوعا : «من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء ~~من ذلك فإسناده ضعيف، ولهذا كان المباح من الضبة إنما يباح لنا استعماله عند ~~الحاجة، فأما بدون ذلك? قيل : يكره. وقيل : يحرم؛ ولذلك كره أحمد الحلقة في ~~الإناء اتباعا لعبد الله بن عمر . والكراهة منه : هل تحمل على التنزيه أو التحريم ? على ~~قولين لأصحابه . وهذا المنع هو مقتضى النص والقياس، فإن تحريم الشيء مطلقا ~~يقتضي تحريم كل جزء منه ، كما أن تحريم الخنزير والميتة والدم اقتضى ذلك، ~~وكذلك تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة يقتضي المنع من أبعاض ذلك، ~~وكذلك النهي عن لبس الحرير اقتضى النهي عن أبعاض ذلك، لولا ما ورد من استثناء ~~موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع في الحديث الصحيح، ولهذا وقع الفرق في كلام الله ~~ورسوله صلى الله عليه ولم كلام سائر الناس بين باب النهي والتحريم وباب الأمر والإيجاب، فإذا ~~نهى عن شيء نهى عن بعضه، وإذا أمر بشيء كان أمرآ بجميعه. # ولهذا كان النكاح حيث أمر به كان أمرا بمجموعه، وهو العقد والوطء، وكذلك ~~إذا أبيح كما في قوله : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء)، (حت تنكح زوجا ~~غيره)، ( وأنكحوا الأيمى منكر والصالحين من عبادكمر وإمابكم)، ~~لايا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج»1). وحيث حرم النكاح كان ~~تحريما لأبعاضه، حتى يحرم العقد مفردا والوطء مفردا، كما في قوله: ( ولا تنكحواما ~~نكح ms0033 مابام مرب آلنسآء إلا ما قد سلف) ] وكما في قوله : ( حرمت ~~عليكم أمها يكم} [النساء: 23] الآية إلى آخرها، وكما في قوله : «لا ينكح المحرم ~~ولا ينكح » (2) ونحو ذلك . # ولهذا فرق مالك وأحمد - في المشهور عنه - بين من حلف ليفعلن شيئا ففعل ~~بعضه : إنه لا يبر، ومن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه: إنه يحنث. # وإذا كان تحريم الذهب والحرير على الرجال وآنية الذهب والفضة على الزوجين ~~يقتضي شمول التحريم لأبعاض ذلك : بقي اتخاذ اليسير لحاجة أو مطلقا، فالاتخاذ ~~ليسير فيه تفصيل؛ ولهذا تنازع العلماء في جواز اتخاذ الآنية بدون استعمالها، فرخص ~~فيه أبو حنيفة؛ والشافعي وأحمد في قول؛ وإن كان المشهور عنهما تحريمه؛ إذ ~~الأصل أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي. PageV01P040 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0041.png) # وأما إن كانت الفضة التابعة كثيرة ففيها أيضا قولان في مذهب الشافعي وأحمد، ~~وفي تحديد الفرق بين الكثير واليسير؛ والترخيص في لبس خاتم الفضة أو تحلية السلاح ~~من الفضة؛ وهذا فيه إباحة يسير الفضة مفردا؛ لكن في اللباس والتحلي وذلك يباح فيه ~~ما لا يباح في باب الآنية كما تقدم التنبيه على ذلك؛ ولهذا غلط بعض الفقهاء من ~~أصحاب أحمد؛ حيث حكى قولا بإباحة يسير الذهب تبعا في الآنية عن أبي بكر ~~عبد العزيز، وأبو بكر إنما قال ذلك في باب اللباس والتحلي؛ كعلم الذهب ونحوه. # وفي يسير الذهب في (باب اللباس) عن أحمد أقوال: # أحدها : الرخصة مطلقا؛ لحديث معاوية ل«نهى عن الذهب إلا مقطعا» ولعل ~~هذا القول أقوى من غيره، وهو قول أبي بكر. # والثاني: الرخصة في السلاح فقط. # والثالث: في السيف خاصة، وفيه وجه بتحريمه مطلقا؛ لحديث أسماء: «لا يباح ~~من الذهب ولا خريصة والخريصة عين الجرادة، لكن هذا قد يحمل على الذهب المفرد ~~دون التابع؛ ولا ريب أن هذا محرم عند الأئمة الأربعة؛ لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، انه ~~نهى عن خاتم الذهب؛ وإن كان قد لبسه من الصحابة من لم يبلغه النهي. # ولهذا فرق أحمد وغيره بين ms0034 يسير الحرير مفردا كالتكة فنهى عنه؛ وبين يسيره ~~تبعا كالعلم؛ إذ الاستثناء وقع في هذا النوع فقط . # فكما يفرق في الرخصة بين اليسير والكثير، فيفرق بين التابع والمفرد، ويحمل ~~حديث معاوية لا إلا مقطعا على التابع لغيره، وإذا كانت الفضة قد رخص منها في ~~باب اللباس والتحلي في اليسير وإن كان مفردا: فالذين رخصوا في اليسير أو الكثير ~~التابع في الآنية الحقوها بالحرير الذي أبيح يسيره تبعا للرجال في الفضة التي أبيح ~~يسيرها مفردا أو لا؛ ولهذا أبيح - في أحد قولي العلماء، وهو إحدى الروايتين عن ~~أحمد - حلية المنطقة من الفضة، وما يشبه ذلك من لباس الحرب كالخوذة؛ ~~والجوشن؛ والران؛ وحمائل السيف. # وأما تحلية السيف بالفضة فليس فيه هذا الخلاف، والذي منعوا قالوا: الرخصة ~~وقعت في باب اللباس دون باب الآنية؛ وباب اللباس أوسع كما تقدم. وقد يقال : إن ~~هذا أقوى؛ إذ لا أثر في هذه الرخصة والقياس كما ترى. # وأما المضبب بالذهب فهذا داخل في النهي؛ سواء كان قليلا أو كثيرا، PageV01P041 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0042.png) ~~والخلاف المذكور في الفضة منتف ههنا، لكن في يسير الذهب في الآنية وجه ~~للرخصة فيه. # وأما التوضؤ والاغتسال من آنية الذهب والفضة؛ فهذا فيه نزاع معروف في ~~مذهب أحمد، لكنه مركب على إحدى الروايتين، بل أشهرهما عنه في الصلاة في ~~الدار المغصوبة؛ واللباس المحرم كالحرير والمغصوب والحج بالمال الحرام؛ وذبح ~~الشاة بالسكين المحرمة؛ ونحو ذلك مما فيه أداء واجب واستحلال محظور فأما على ~~الرواية الأخرى التي يصحح فيها الصلاة والحج ويبيح الذبح، فإنه يصحح الطهارة من ~~آنية الذهب والفضة . وأما على المنع فلأصحابه قولان : أحدهما : الصحة. كما هو ~~قول الخرقي وغيره . والثاني : البطلان. كما هو قول أبي بكر؛ طردا لقياس الباب. # والذين نصروا قول الخرقي أكثر أصحاب أحمد، فرقوا بفرقين: # أحدهما : أن المحرم هنا منفصل عن العبادة؛ فإن الإناء منفصل عن المتطهر بخلاف ~~لابس المحرم وآكله والجالس عليه؛ فإنه مباشر له، قالوا: فأشبه ما لو ذهب إلى الجمعة ~~بدابة مغصوبة. وضعف آخرون هذا الفرق بأنه لا ms0035 فرق بين أن يغمس يده في الإناء المحرم ~~وبين أن يغترف منه، وبأن النبي صلى الله علي وسلم جعل الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في ~~بطنه نار جهنم، وهو حين انصباب الماء في بطنه يكون قد انفصل عن الإناء. # والفرق الثاني - وهو أفقه - قالوا: التحريم إذا كان في ركن العبادة وشرطها أثر ~~فيها، كما إذا كان في الصلاة في اللباس أو البقعة. وأما إذا كان في أجنيي عنها لم ~~يؤثر، والإناء في الطهارة أجنبي عنها فلهذا لم يؤثر فيها. والله أعلم. # وسئل رحمه الله: عن جلود الحمر؛ وجلد ما لا يؤكل لحمه، والميتة: هل ~~تطهر بالدباغ أم لا؟ أفتونا مأجورين1) # فأجاب: الحمد لله رب العالمين. أما طهارة جلود الميتة بالدباغ ففيها قولان ~~مشهوران للعلماء في الجملة: # أحدهما : أنها تطهر بالدباغ. وهو قول أكثر العلماء، كأبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد في إحدى الروايتين. # والثاني : لا تطهر. وهو المشهور في مذهب مالك، ولهذا يجوز استعمال ~~لمدبوغ في الماء دون المائعات، لأن الماء لا ينجس بذلك، وهو أشهر الروايتين عن ~~أحمد أيضا، اختارها أكثر أصحابه، لكن الرواية الأولى هي آخر الروايتين عنه، كما ~~نقله الترمذي عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه أنه كان يذهب إلى حديث ابن عكيم ~~ثم ترك ذلك بآخرة . وحجة هذا القول شيئان: PageV01P042 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0043.png) # أحدهما: أنهم قالوا: هي من الميتة ولم يصح في الدباغ شيء، ولهذا لم يرو ~~البخاري ذكر الدباغ في حديث ميمونة من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وطعن هؤلاء فيما رواه ~~مسلم وغيره، إذ كانوا أئمة لهم في الحديث اجتهاد. وقالوا: روى ابن عيينة الدباغ ~~عن الزهري، والزهري كان يجوز استعمال جلود الميتة بلا دباغ، وذلك يبين أنه ليس ~~في روايته ذكر الدباغ، وتكلموا في ابن وعلة. # والثاني: أنهم قالوا: أحاديث الدباغ منسوخة بحديث ابن عكيم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم. ~~فيما كتب إلى جهينة : لكنت رخصت في جلود الميتة فإذا أتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا ~~من الميتة بإهاب ولا عصب فكلا هاتين ms0036 الحجتين مأثورة عن الإمام أحمد نفسه ~~في جوابه ومناظراته في الرواية الأولى المشهورة. # وقد احتج القائلون بالدباغ بما في الصحيحين عن عبد الله بن عباس : أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم م بشاة ميتة فقال : هلا استمتعتم بإهابها ?! قالوا: يا رسول الله! إنها ~~ميتة. قال : إنما چرم من الميتة أكلها . وفي رواية لمسلم: «ألا أخذوا إهابها! ~~فدبغوه فانتفعوا به»2) . # وعن سودة بنت زمعة زوج البي صلى الله عليه وسلم الت: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها، فما ~~زلنا ننبذ فيه حتى صار شنا(3) . # وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صل صلى الله علي وسل ول : إذا دبغ الإهاب فقد طهر. # قلت: وفي رواية له عن عبد الرحمن بن وعلة : إنا نكون بالمغرب ومعنا البربر ~~والمجوس، نؤتى بالكبش قد ذبحوه ونحن لا نأكل ذبائحهم، ونؤتى بالسقاء يجعلون فيه ~~الدلوك ? فقال ابن عباس : قد سألنا رسول اللهل صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : «دباغه طهوره(. # وعن عانشة رضي الله عنها: أن الني صلى الله عليه وسلم ار أن يستمتع بجلود الميتة إذا ~~دبغت. رواه الإمام أحمد وابو داود وابن ماجه والنسائي. وفي رواية عن عائشة PageV01P043 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0044.png) ~~قالت : سئل رسول الله له صلى الله عليه وسلم عن جلود الميتة ? فقال : «دباغها طهورها . رواه الإمام ~~أحمد والنسائي . وعن سلمة بن المحبق رضي الله عنه : أن رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم م ~~ببيت بفنائه قربة معلقة فاستقى، فقيل : إنها ميتة! فقال : «ذكاة الأديم دباغه». رواه ~~الإمام أحمد وأبو داود والنسائي # وأما حديث ابن عكيم؛ فقد طعن بعض الناس فيه بكون حامله مجهولا، ونحو ذلك ~~مما لا يسوغ رد الحديث به. قال عبد الله بن عكيم : أتانا كتاب رسول اللاله صلى الله عليه وسلم بل أن ~~يموت بشهر أو شهرين: «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»3) . رواه الإمام ~~أحمد. وقال : ما أصلح إسناده?!. وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي. وقال: ~~حديث حسن . وأجاب بعضهم عنه بأن الإهاب اسم للجلد قبل الدباغ، ms0037 كما نقل ذلك ~~النضر بن شميل وغيره من أهل اللغة. وأما بعد الدبغ فإنما هو أديم، فيكون النهي عن ~~استعمالها قبل الدبغ . فقال المانعون : هذا ضعيف. فإن في بعض طرقه: كتب ~~رسو لل الاه صلى الله عليه وسلم نحن في أرض جهينة لإني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا ~~جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب . رواه الطبراني في المعجم ~~الأوسط من رواية فضالة بن مفضل بن فضالة المصري. وقد ضعفه أبو حاتم الرازي، ~~لكن هو شديد في التزكية . وإذا كان النهي بعد الرخصة فالرخصة إنما كانت في المدبوغ. # وتحقيق الجواب أن يقال: حديث ابن عكيم ليس فيه نهي عن استعمال المدبوغ. ~~وأما الرخصة المتقدمة فقد قيل : إنها كانت للمدبوغ وغيره، ولهذا ذهب طائفة - منهم ~~الزهري وغيره - إلى جواز استعمال جلود الميتة قبل الدباغ تمسكا بقوله المطلق في حديث ~~ميمونة، وقوله : إنما حرم من الميتة أكلها، فإن هذا اللفظ يدل على التحريم، ثم لم ~~يتناول الجلد . وقد رواه الإمام أحمد في المسند عن ابن عباس قال : ماتت شاة لسودة بنت ~~زمعة فقالت : يا رسولللهاله صل صلى الله عليه وسلم اتت فلانة . تعني: الشاة. فقال : فلولا أخذتم ~~مسكها? ! فقالت : آخذ مسك شاة قد ماتت? فقال لها رسولالله صله صلى الله عليه وسلم،: إنما قال : (لا ~~أحد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خزير) ~~[الأنعام : وإنكم لا تطعمونه، إن تدبغوه تنتفعوا به، فأرسلت إليها فسلخت ~~مسكها فدبغته، فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها(. PageV01P044 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0045.png) ~~44 # فهذا الحديث يدل على أن التحريم لم يتناول الجلد، وإنما ذكر الدباغ لإبقاء ~~الجلد وحفظه، لا لكونه شرطا في الحل. وإذا كان كذلك فتكون الرخصة لجهينة في ~~هذا، والنسخ عن هذا، فإن الله تعالى ذكر تحريم الميتة في سورتين مكيتين : الأنعام ~~والنحل . ثم في سورتين مدنيتين: البقرة والمائدة، والمائدة من آخر القرآن نزولا كما ~~روي : المائدة آخر القرآن نزولا، فأحلوا حلالها ms0038 وحرموا حرامها. وقد ذكر الله ~~فيها من التحريم ما لم يذكره في غيرها، وحرم النبي صلى الله عليه وسلمأنياء مثل : أكل كل ذي ~~ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وإذا كان التحريم زاد بعد ذلك على ~~ما في السورة المكية التي استندت إليها الرخصة المطلقة، فيمكن أن يكون تحريم ~~الانتفاع بالعصب والإهاب قبل الدباغ ثبت بالنصوص المتأخرة، وأما بعد الدباغ فلم ~~يحرم ذلك قط، بل بين أن دباغه طهوره وذكاته، وهذا يبين أنه لا يباح بدون الدباغ. # وعلى هذا القول، فللناس فيما يطهره الدباغ أقوال: # قيل: إنه يطهر كل شيء حتى الحمير. كما هو قول أبي يوسف وداود. # وقيل: يطهر كل شيء سوى الحمير. كما هو قول أبي حنيفة. # وقيل: يطهر كل شيء إلا الكلب والحمير. كما هو قول الشافعي، وهو أحد ~~القولين في مذهب أحمد على القول بتطهير الدباغ، والقول الآخر في مذهبه - وهو ~~قول طوائف من فقهاء الحديث - إنه إنما يطهر ما يباح بالذكاة، فلا يطهر جلود ~~السباع. # ومأخذ التردد: أن الدباغ هل هو كالحياة فيطهر ما كان طاهرا في الحياة، أو هو ~~كالذكاة فيطهر ما طهر بالذكاة؟ والثاني أرجح. # ودليل ذلك: نهى النبي صلى الله عليه وسلم من جلود السباع، كما روى عن أسامة بن عمير ~~الذهلي أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن جلود السباع» . رواه أحمد وأبو دآود والنسائي . زاد ~~الترمذي « أن تفرش2 . وعن خالد بن معدان قال: وفد المقدام بن معدي كرب ~~على معاوية فقال: أنشدك بالله! هل تعلم أن رسول الله صل صلى الله عليه وسلم بى اعن جلود السباع ~~والركوب عليها؟ قال : نعم! رواه أبو داود والنسائي). وهذا لفظه. PageV01P045 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0046.png) # وعن أبي ريحانة : لنهى رسوللهاله صلى الله عليه وسلم عن ركوب النمور. رواه أحمد ~~وأبو داود وابن ماجه . وروى أبو داود والنسائي عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ~~تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر . رواه أبو داود . وفي هذا القول جمع بين ~~الأحاديث كلها. ms0039 والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن عظام الميتة وحافرها؛ وقرنها؛ ~~وظفرها؛ وشعرها؛ وريشها؛ وأنفحتها: هل ذلك كله نجس أم طاهر أم البعض منه ~~طاهر والبعض نجس? # فأجاب : أما عظم الميتة وقرنها؛ وظفرها؛ وما هو من جنس ذلك كالحافر ~~ونحوه، وشعرها وريشها؛ ووبرها، ففي هذين النوعين للعلماء ثلاثة أقوال : # أحدها : نجاسة الجميع. كقول الشافعي في المشهور عنه؛ وذلك رواية عن ~~أحمد. # والثاني : أن العظام ونحوها نجسة، والشعور ونحوها طاهرة. وهذا هو المشهور ~~من مذهب مالك وأحمد. # والثالث : أن الجميع طاهر. كقول أبي حنيفة؛ وهو قول في مذهب مالك ~~وأحمد . # وهذا القول هو الصواب؛ وذلك لأن الأصل فيها الطهارة؛ ولا دليل على ~~النجاسة . # وأيضا فإن هذه الأعيان هي من الطيبات ليست من الخبائث، فتدخل في آية ~~التحليل؛ وذلك لأنها لم تدخل فيما حرمه الله من الخبائث لا لفظا ولا معنى؛ فإن ~~الله تعالى حرم الميتة، وهذه الأعيان لا تدخل فيما حرمه الله لا لفظا ولا معنى. # أما اللفظ فلأن قوله تعالى : (حرمت عليكم الميتة) لا يدخل فيها ~~الشعور وما أشبهها؛ وذلك لأن الميت ضد الحي، والحياة نوعان: حياة الحيوان ~~وحياة النبات، فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الإرادية، وحياة النبات خاصتها ~~النمو والاغتذاء. وقوله : (حرمت عليكم الميتة) إ هو بما فارقته الحياة الحيوانية دون ~~النباتية؛ فإن الشجر والزرع إذا يبس لم ينجس باتفاق المسلمين، وقد قال تعالى: PageV01P046 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0047.png) ~~(والله انزل من التماء ماء فاميا به الأرض بعد موتما)، وقال : (أعلموا أن الله يتى ~~الأرض بعد موتها)، فموت الأرض لا يوجب نجاستها باتفاق المسلمين، ~~وإنما الميتة المحرمة: ما فارقها الحس والحركة الإرادية. وإذا كان كذلك فالشعر ~~حياته من جنس حياة النبات؛ لا من جنس حياة الحيوان؛ فإنه ينمو ويغتذي ويطول ~~كالزرع، وليس فيه حس ولا يتحرك بإرادته، فلا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت ~~بمفارقتها فلا وجه لتنجيسه . # وأيضا فلو كان الشعر جزءا من الحيوان لما أبيح أخذه في حال الحياة، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عل عن قوم يجبون ms0040 أسنمة الإبل وأليات الغنم ? فقال : ما أبين من البهيمة ~~وهي حية فهو ميت. رواه أبو داود وغيره. وهذا متفق عليه بين العلماء، فلو كان ~~حكم الشعر حكم السنام والألية لما جاز قطعه في حال الحياة، ولا كان طاهرا ~~حلالا. فلما اتفق العلماء على أن الشعر والصوف إذا جز من الحيوان كان طاهرا ~~حلالا : علم أنه ليس مثل اللحم. # وأيضا فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم عطى شعره لما حلق رأسه للمسلمين، وكا صلى الله عليه وسلم ~~يستنجي ويستجمر. فمن سوى بين الشعر والبول والعذرة فقد أخطأ خطأ بينا. # وأما العظام ونحوها، فإذا قيل: إنها داخلة في الميتة لأنها تحس وتألم. قيل ~~لمن قال ذلك: أنتم لم تأخذوا بعموم اللفظ؛ فإن ما لا نفس له سائلة كالذباب ~~والعقرب والخنفساء لا ينجس عندكم وعند جمهور العلماء، مع أنها ميتة موتا ~~حيوانيا. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم ~~فليغمسه ثم لينزعه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء . ومن نجس هذا ~~قال في أحد القولين: إنه لا ينجس المائعات الواقع فيها لهذا الحديث. # وإذا كان كذلك: علم أن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم فيها، فما ~~لا نفس له سائلة ليس فيه دم سائل، فإذا مات لم يحتبس فيه الدم؛ فلا ينجس. ~~فالعظم ونحوه أولى بعدم التنجيس من هذا؛ فإن العظم ليس فيه دم سائل، ولا كان ~~متحركا بالإرادة إلا على وجه التبع. فإذا كان الحيوان الكامل الحساس المتحرك ~~بالإرادة لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل، فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم ~~سائل؟ # ومما يين صحة قول الجمهور: ان الله سبحانه إنما حرم علينا الدم المسفوح، PageV01P047 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0048.png) ~~كما قال تعالى : (قآل لا أحد فى ما أوحى إلى محرماعلى طاعم يطعمه إلا أن ييكون ميتة أو دما ~~مسفوحا)عام فإذا عفي عن الدم غير المسفوح مع أنه من جنس الدم: ~~علم أنه - سبحانه - فرق بين الدم الذي ms0041 يسيل وبين غيره؛ ولهذا كان المسلمون ~~يضعون اللحم في المرق وخطوط الدم في القدور بين، ويأكلون ذلك على عهد ~~رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم كما أخبرت بذلك عائشة، ولولا هذا لاستخرجوا الدم من العروق كما ~~يفعل اليهود، والله تعالى حرم ما مات حتف أنفه أو بسبب غير جارح محدد، فحرم ~~المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وحرم النبي صلى الله عليه وسلم ا صيد بعرض المعراض، ~~وقال : لاإنه وقيذ دون ما صيد بحده، والفرق بينهما إنما هو سفح الدم؛ فدل ~~على أن سبب التنجيس هو احتقان الدم واحتباسه، وإذا سفح بوجه خبيث بأن يذكر ~~عليه غير اسم الله كان الخبث هنا من جهة أخرى، فإن التحريم يكون تارة لوجود ~~الدم، وتارة لفساد التذكية كذكاة المجوسي والمرتد، والذكاة في غير المحل. # وإذا كان كذلك فالعظم والقرن والظفر والظلف وغير ذلك ليس فيه دم مسفوح، ~~فلا وجه لتنجيسه، وهذا قول جمهور السلف، قال الزهري : كان خيار هذه الأمة ~~يمتشطون بأمشاط من عظام الفيل، وقد روي في العاج حديث معروف، لكن فيه نظر ~~ليس هذا موضعه؛ فإنا لا نحتاج إلى الاستدلال بذلك. # وأيضا فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم آنآ قال في شاة ميمونة : هلا أخذتم ~~إهابها فانتفعتم به ?! قالوا : إنها ميتة ? قال : إنما حرم أكلها. وليس في صحيح ~~البخاري ذكر الدباغ، ولم يذكره عامة أصحاب الزهري عنه، ولكن ذكره ابن عيينة، ~~ورواه مسلم في صحيحه، وقد طعن الإمام أحمد في ذلك وأشار إلى غلط ابن عيينة ~~فيه، وذكر أن الزهري وغيره كانوا يبيحون الانتفاع بجلود الميتة بلا دباغ لأجل هدا ~~الحديث، وحينئذ فهذا النص يقتضي جواز الانتفاع بها بعد الدبغ بطريق الأولى، لكن ~~إذا قيل : إن الله حرم بعد ذلك الانتفاع بالجلود حتى تدبغ، أو قيل: إنها لا تطهر ~~بالدباغ : لم يلزم تحريم العظام ونحوها، لأن الجلد جزء من الميتة فيه الدم كما في ~~سائر أجزائها، والنبي صلى الله عليه وسلمجعل دباغه ذكاته؛ لأن الدباغ ينشف رطوباته؛ فدل على ms0042 أن ~~سبب التنجيس هو الرطوبات، والعظم ليس فيه رطوبة سائلة، وما كان فيه منها فإنه ~~يجف وييبس، وهو يبقى ويحفظ أكثر من الجلد، فهو أولى بالطهارة من الجلد. # والعلماء تنازعوا في الدباغ: هل يطهر ? # فذهب مالك وأحمد في المشهور عنهما: أنه لا يطهر. PageV01P048 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0049.png) ~~48 # ومذهب أبي حنيفة والشافعي والجمهور: أنه يطهر. وإلى هذا القول رجع ~~أحمد، كما ذكر ذلك عنه الترمذي عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه. # وحديث ابن عكيم يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم اهم أن ينتفعوا من الميتة بإهاب أو ~~عصب، بعد أن كان أذن لهم في ذلك، لكن هذا قد يكون قبل الدباغ فيكون قد ~~أرخص، فإن حديث الزهري الصحيح يبين أنه كان قد رخص في جلود الميتة قبل ~~الدباغ، فيكون قد أرخص لهم في ذلك، ثم لما نهى عن الانتفاع بها قبل الدباغ نهاهم ~~عن ذلك، ولهذا قالت طائفة من أهل اللغة: إن الإهاب اسم لما لم يدبغ ولهذا قرن ~~معه العصب، والعصب لا يدبغ. ~~أحمد. # والثاني : أنه نجس. كقول مالك والشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد. # وعلى هذا النزاع انبنى نزاعهم في جبن المجوس، فإن ذبائح المجوس حرام ~~عند جماهير السلف والخلف، وقد قيل: إن ذلك مجمع عليه بين الصحابة، فإذا ~~صنعوا جبنا - والجبن يصنع بالأنفحة - كان فيه هذان القولان. # والأظهر أن جبنهم حلال، وأن أنفحة الميتة ولبنها طاهر، وذلك لأن الصحابة ~~لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا ظاهرا شائعا بينهم، وما ينقل ~~عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر، فإنه من نقل بعض الحجازيين وفيه نظر. وأهل ~~العراق كانوا اعلم بهذا، فإن المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض الحجاز. # ويدل على ذلك أن سلمان الفارسي كان هو نائب عمر بن الخطاب على ~~المدائن، وكان يدعو الفرس إلى الإسلام، وقد ثبت عنه : أنه سئل عن شيء من ~~السمن والجبن والفراء? فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله ~~في كتابه، وما سكت عنه فهو مما ms0043 عفى عنه). وقد رواه أبو داود مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه لم يكن السؤال عن جبن المسلمين وأهل الكتاب، فإن هذا أمر ~~بين، وإنما كان السؤال عن جبن المجوس، فدل ذلك على أن سلمان كان يفتي PageV01P049 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0050.png) ~~بحلها، وإذا كان روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قطع النزاع بقول النبي صلى الله عليه وسلم # وأيضا فاللبن والأنفحة لم يموتا، وإنما نجسهما من نجسهما لكونهما في وعاء ~~نجس، فيكون مائعا في وعاء نجس، فالتنجيس مبني على مقدمتين على أن المائع ~~لاقى وعاء نجسا، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجسا. # فيقال أولا : لا نسلم أن المائع ينجس بملاقاة النجاسة، وقد تقدم أن السنة دلت ~~على طهارته لا على نجاسته. # ويقال ثانيا : إن الملاقاة في الباطن لا حكم لها، كما قال تعالى : يخرج (من بين ~~فرث ودم لبنا خالصا سابغا للشاربين) ، ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في ~~الصلاة مع ما في بطنه. والله أعلم. # باب الاستنجاء # سئل شيخ الإسلام رحمه الله: عمن قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم ال : غربوا ~~ولا تشرقوا ومنهم من قال : لشرقوا ولا تغربوا? # فأجاب : الحديثان كذب، ولكن في الصحيح عنه أنه قال : لا تستقبلوا القبلة ~~بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا. وفي السنن عنه أنه قال : ما بين ~~المشرق والمغرب قبلة3، وهذا خطاب منه لأهل المدينة ومن جرى مجراهم كأهل ~~الشام والجزيرة والعراق، وأما مصر فقبلتهم بين المشرق والجنوب، من مطلع الشمس ~~في الشتاء. والله أعلم. # وسئل رحمه الله: عن الاستنجاء هل يحتاج إلى أن يقوم الرجل ويمشي، ~~ويتنحنح، ويستجمر بالأحجار وغيرها، بعد كل قليل في ذهابه ومجيئه، لظنه أنه خرج ~~منه شيء : فهل فعل هذا السلف رضي الله عنهم، أو هو بدعة أو هو مباح? # فأجاب: الحمد لله. التنحنح بعد البول والمشي، والطفر إلى فوق والصعود في ~~السلم، والتعلق في الحبل، وتفتيش الذكر بإسالته وغير ذلك: كل ذلك بدعة، ليس ~~بواجب ولا مستحب عند أئمة المسلمين، بل ms0044 وكذلك نتر الذكر بدعة على الصحيح، ~~لم يشرع ذلك رسول الله له صلى الله عليه وسلم PageV01P050 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0051.png) ~~وكذلك سلت البول بدعة، لم يشرع ذلك رسول الله صله صلى الله عليه وسلم، والحديث المروي ~~في ذلك ضعيف لا أصل له، والبول يخرج بطبعه، وإذا فرغ انقطع بطبعه، وهو كما ~~قيل : كالضرع إن تركته قر، وإن حلبته در. # وكلما فتح الإنسان ذكره فقد يخرج منه، ولو تركه لم يخرج منه. وقد يخيل إليه ~~أنه خرج منه وهو وسواس، وقد يحس من يجده بردا لملاقاة رأس الذكر فيظن أنه ~~خرج منه شيء ولم يخرج. # والبول يكون واقفا محبوسا في رأس الإحليل لا يقطر، فإذا عصر الذكر أو ~~الفرج أو الثقب بحجر أو أصبع أو غير ذلك خرجت الرطوبة، فهذا أيضا بدعة، وذلك ~~البول الواقف لا يحتاج إلى إخراج باتفاق العلماء، لا بحجر، ولا أصبع، ولا غير ~~ذلك، بل كلما أخرجه جاء غيره، فإنه يرشح دائما. # والاستجمار بالحجر كاف لا يحتاج إلى غسل الذكر بالماء، ويستحب لمن ~~استنجى أن ينضح على فرجه ماء، فإذا أحس برطوبته قال : هذا من ذلك الماء. # وأما من به سلس البول - وهو أن يجري بغير اختياره لا ينقطع - فهذا يتخذ ~~حفاضا يمنعه، فإن كان البول ينقطع مقدار ما يتطهر ويصلي، وإلا صلى وإن جرى ~~البول - كالمستحاضة - تتوضا لكل صلاة. والله أعلم. # فأجاب: الحمد لله رب العالمين، الأفضل أن يستاك باليسرى؛ نص عليه الإمام ~~أحمد في رواية ابن منصور الكوسج، ذكره عنه في مسائله وما علمنا أحدا من الأئمة ~~خالف في ذلك؛ وذلك لأن الاستياك من باب إماطة الأذى، فهو كالاستنثار ~~والامتخاط؛ ونحو ذلك مما فيه إزالة الأذى، وذلك باليسرى، كما أن إزالة النجاسات ~~كالاستجمار ونحوه باليسرى، وازالة الأذى واجبها ومستحبها باليسرى. # والأفعال نوعان: أحدهما: مشترك بين العضوين. والثاني : مختص بأحدهما. # وقد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى: ~~تقدم فيها باليمنن اناكيانت من بان الكرامة، كاليوضوء والفسل، والابتداء بالشق ~~والمنزل، والخروج من الخلاء، ونحو ms0045 ذلك. PageV01P051 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0052.png) # وتقدم اليسرى في ضد ذلك، كدخول الخلاء، وخلع النعل، والخروج من ~~المسجد. # والذي يختص بأحدهما : إن كان من باب الكرامة كان باليمين، كالأكل ~~والشرب، والمصافحة؛ ومناولة الكتب، وتناولها، ونحو ذلك. وإن كان ضد ذلك ~~كان باليسرى، كالاستجمار، ومس الذكر، والاستنثار، والامتخاط، ونحو ذلك. # فإن قيل : السواك عبادة مقصودة تشرع عند القيام إلى الصلاة وإن لم يكن هناك ~~وسخ، وما كان عبادة مقصودة كان باليمين. # قيل : كل من المقدمتين ممنوع؛ فإن الاستياك إنما شرع لإزالة ما في داخل ~~لفم، وهذه العلة متفق عليها بين العلماء؛ ولهذا شرع عند الأسباب المغيرة له كالنوم ~~والإغماء، وعند العبادة التي يشرع لها التطهير كالصلاة والقراءة، ولما كان الفم في ~~مظنة التغير شرع عند القيام إلى الصلاة، كما شرع غسل اليد للمتوضئ قبل وضوئه؛ ~~لأنها آلة لصب الماء. وقد تنازع العلماء فيما إذا تحقق نظافتها: هل يستحب غسلها ? ~~على قولين مشهورين . ومن استحب ذلك - كالمعروف في مذهب الشافعي وأحمد - ~~يستحب على النادر بل الغالب، وإزالة الشك باليقين. # وقد يقال مثل ذلك في السواك إذا قيل باستحبابه مع نظافة الفم عند القيام إلى ~~الصلاة، مع أن غسل اليد قبل المضمضة المقصود بها النظافة، فهذا توجيه المنع ~~للمقدمة الأولى. # وأما الثانية: فإذا قدر أنه عبادة مقصودة فما الدليل على أن ذلك مستحب ~~باليمنى ? وهذه مقدمة لا دليل عليها، بل قد يقال: العبادات تفعل بما يناسبها، ويقدم ~~فيها ما يناسبها. # ثم قول القائل : إن ذلك عبادة مقصودة: إن أراد به أنه تعبد محض لا تعقل ~~علته، فليس هذا بصواب، لاتفاق المسلمين على أن السواك معقول، ليس بمنزلة رمي ~~الجمار . وإن أراد أنها مقصودة أنه لا بد فيها من النية كالطهارة، وأنها مشروعة مع ~~تيقن النظافة ونحو ذلك؛ فهذا الوصف إذا سلم لم يكن في ذلك ما يوجب كونها ~~باليمنى، إذ لا دليل علي ذلك؛ فإن كونها منوية او مشررعة مع تيقن النظافة لا يناني ~~ترى أن الطواف بالبيت من أجل العبادات المقصودة? ويستحب القرب فيه من ms0046 البيت؛ ~~ومع هذا فالجانب الأيسر فيه أقرب إلى البيت، لكون الحركة الدورية تعتمد فيها ~~اليمنى على اليسرى، فلما كان الإكرام في ذلك للخارج جعل لليمين، ولم ينقل إذا ~~كانت مقصودة، فينبغي تقديم اليمنى فيها إلى البيت؛ لأن إكرام اليمين في ذلك أن ~~تكون هي الخارجة. PageV01P052 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0053.png) # وكذلك الاستنثار جعله باليسرى إكراما لليمين، وصيانة لها، وكذلك السواك. ~~ثم إذا قيل: هو في الأصل من باب إزالة الأذى، وإذا قيل: إنه مشروع فيه العدول عن ~~اليمنى إلى اليسرى أعظم في إكرام اليمين بدون ذلك، لم يمنع أن يكون إزالة الأذى ~~فيه ثابتة مقصودة، كالاستجمار بالثلاث عند من يوجبه، كالشافعي وأحمد، فإنهم ~~يوجبون الحجر الثالث مع حصول الإنقاء بما دونه. # وكذلك التثليث والتسبيع في غسل النجاسات حيث وجب، وعند من يوجبه يأمر ~~به وإن حصلت الإزالة بما دونه. # وكذلك التثليث في الوضوء مستحب وإن تنظف العضو بما دونه مع أنه لا شك ~~أن إزالة النجاسة مقصودة في الاستنجاء بالماء والحجر. # فكذلك إماطة الأذى من الفم مقصودة بالسواك قطعا وإن شرع مع عدمه، تحقيقا ~~لحصول المقصود؛ وذلك لا يمنع من أن يجعل باليسرى، كما أن الحجر الثالث في ~~الاستجمار يكون باليسرى، والمرة السابعة في ولوغ الكلب تكون باليسرى، ونحو ~~ذلك مما كان المقصود به في الأصل إزالة الأذى، وإن قيل: يشرع مع عدمه تكميلا ~~للمقصود به وإزالة للشك باليقين، إلحاقا للنادر بالغالب؛ ولأن الحكمة في ذلك قد ~~تكون خفية، فعلق الحكم فيها بالمظنة، إذ زوال الأذى بالكلية قد يظنه الظان من غير ~~تيقن، ويعسر اليقين في ذلك، فأقيمت المظنة فيه مقام الحكمة، فجعل مشروعا للقيام ~~إلى الصلاة مع عدم النظر إلى التغير وعدمه؛ لأن العبادة حصول التغير. # فهذا إذا قيل به فهو من جنس أقوال العلماء، وذلك لا يخرج جنس هذا الفعل ~~أن يكون من باب إزالة الأذى، وإن كان عبادة مقصودة تشرع فيها النية، وحينئذ يكون ~~باليسرى كالاستنثار والاستنجاء بالأحجار، ومباشرة محل الولوغ بالدلك ونحوه، ~~بخلاف صب الماء فإنه من باب الكرامة، ms0047 ولهذا كان المتوضئ يستنشق باليمنى ويستنثر ~~باليسرى، والمستنجي يصب الماء باليمين ويدلك باليسرى. # وكذلك المغتسل والمتوضئ من الماء، كما فعل الني صلى الله عليه وسلم ، يدخل يده اليمنى ~~في الإناء فيصب بها على اليسرى، مع أن مباشرة العورة في الغسل باليسرى، وهكذا ~~غاسل مورد النجاسة يصب باليمنى، وإذا احتاج إلى مباشرة المحل باشره باليسرى، ~~وشواهد الشريعة وأصولها على ذلك متظاهرة. والله أعلم. # وسئل رحمه الله عن الختان: متى يكون # ناجاب: اما الختان فمتى شاء اختعن، لكن إذا راهق البلوغ فينبغي أن يختن كما ~~كانت العرب تفعل، لئلا يبلغ إلا وهو مختون. PageV01P053 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0054.png) ~~وهذا مذهب مالك . والله أعلم. # وسئل رحمه الله : عن مسلم بالغ عاقل يصوم ويصلي، وهو غير مختون وليس ~~مطهرا هل يجوز ذلك? ومن ترك الختان كيف حكمه? # فأجاب : إذا لم يخف عليه ضرر الختان فعليه أن يختتن، فإن ذلك مشروع مؤكد ~~للمسلمين باتفاق الأئمة، وهو واجب عند الشافعي وأحمد في المشهور عنه، وقد ~~اختتن إبراهيم الخليل عليه السلام بعد ثمانين من عمره، ويرجع في الضرر إلى الأطباء ~~الثقات، وإذا كان يضره في الصيف أخره إلى زمان الخريف. والله أعلم. # وسئل رحمه الله عن المرأة : هل تختتن أم لا? # فأجاب : الحمد لله، نعم! تختتن، وختانها أن تقطع أعلى الجلدة التي ~~كعرف الديك، قال رسول الل صلى الله عليه وسلم الخافضة - وهي الخاتنة - : لأشمي ~~ولا تنهكي، فإنه أبهى للوجه، وأحظى لها عند الزوج، يعني : لا تبالغي في ~~القطع، وذلك أن المقصود بختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة، ~~والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها، فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة ~~شديدة الشهوة. # ولهذا يقال في المشاتمة : يا ابن القلفاء! فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر، ~~ولهذا يوجد من الفواحش في نساء التتر ونساء الإفرنج ما لا يوجد في نساء ~~المسلمين، وإذا حصلت المبالغة في الختان ضعفت الشهوة، فلا يكمل مقصود ~~الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال. والله أعلم. # وسئل رحمه الله: كم مقدار أن يقعد ms0048 الرجل حتى يحلق عانته? # فأجاب: عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله له صلى الله عليه وسلم،: وقت لهم في حلق ~~العانة ونتف الإبط ونحو ذلك : أن لا يترك أكثر من أربعين يوما، وهو في ~~الصحيح. والله أعلم. PageV01P054 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0055.png) ~~وسئل رحمه الله : عن رجل جندي يقلع بياض لحيته، فهل عليه في ذلك إثم ~~أم لا؟() # فأجاب: الحمد لله رب العالمين. نتف الشيب مكروه للجندي وغيره، فإن في ~~الحديث أن الني صلى الله عليه وسلم نى عن نتف الشيب، وقال : إنه نور المسلم # وسئل رحمه الله: عن الرجل إذا كان جنبا وقص ظفره أو شاربه، أو مشط رأسه هل ~~عليه شيء في ذلك؟ فقد أشار بعضهم إلى هذا وقال: إذا قص الجنب شعره أو ظفره فإنه ~~تعود إليه أجزاؤه في الآخرة، فيقوم يوم القيامة وعليه قسط من الجنابة بحسب ما نقص من ~~ذلك، وعلى كل شعرة قسط من الجنابة، فهل ذلك كذلك أم لا? # فأجاب: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث حذيفة، ومن حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنهما : أنه لما ذكر له الجنب قال : إن المؤمن لا ينجس . وفي ~~صحيح الحاكم : حيا ولا ميتا. وما أعلم على كراهية إزالة شعر الجنب وظفره ~~دليلا شرعيا، بل قد قال الني صلى الله عليه وسلم إي أسلم : ألق عنك شعر الكفر واختتن ، ~~فأمر الذي أسلم أن يغتسل ولم يأمره بتأخير الاختتان وإزالة الشعر عن الاغتسال، ~~فإطلاق كلامه يقتضي جواز الأمرين. وكذلك تؤمر الحائض بالامتشاط في غسلها مع ~~أن الامتشاط يذهب ببعض الشعر. والله أعلم. # باب الوضوء # سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: عن مسح الرأس في الوضوء : من العلماء ~~من أوجب جميع الرأس ومنهم من أوجب ربع الرأس، ومنهم من قال: بعض شعره ~~يجزئ، فما ينبغي أن يكون الصحيح من ذلك? بينوا لنا ذلك # فأجاب: الحمد لله. اتفق الأيمة كلهم على أن السنة مسح جميع الرأس، كما ~~ثبت في الأحاديث الصحيحة والحسنة عن البي صلى الله عليه ms0049 وسلم إن الذين نقلوا وضوءه لم ينقل عنه PageV01P055 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0056.png) ~~أحد منهم أنه اقتصر على مسح بعض رأسه، وما يذكره بعض الفقهاء - كالقدوري في أول ~~مختصره وغيره - أنه توضأ ومسح على ناصيته، إنما هو بعض الحديث الذي في الصحيح ~~من حديث المغيرة بن شعبة : أن النبي صلى الله عليه وسلم وضا عام تبوك ومسح على ناصيته # ولهذا ذهبت طائفة من العلماء إلى جواز مسح بعض الرأس، وهو مذهب ~~أبي حنيفة والشافعي، وقول في مذهب مالك وأحمد. وذهب آخرون إلى وجوب ~~مسح جميعه، وهو المشهور من مذهب مالك وأحمد وهذا القول هو الصحيح، فإن ~~القرآن ليس فيه ما يدل على جواز مسح بعض الرأس، فإن قوله تعالى : (وآمسحوا ~~برموسكم وارجلكم) نظير قوله : (فأمسحوا بوجوهكم وأيديكم )، لفظ ~~المسح في الآيتين، وحرف الباء في الآيتين، فإذا كانت آية التيمم لا تدل على مسح ~~البعض مع أنه بدل عن الوضوء، وهو مسح بالتراب لا يشرع فيه تكرار، فكيف تدل ~~على ذلك آية الوضوء مع كون الوضوء هو الأصل، والمسح فيه بالماء المشروع فيه ~~التكرار؟ هذا لا يقوله من يعقل ما يقول. # ومن ظن أن من قال بأجزاء البعض لأن الباء للتبعيض، أو دالة على القدر ~~المشترك، فهو خطأ أخطأه على الأئمة، وعلى اللغة، وعلى دلالة القرآن. والباء ~~للإلصاق وهي لا تدخل إلا لفائدة، فإذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه أفادت قدرا ~~زائدا، كما في قوله : (عينا يشرب بها عباه الله)، فإنه لو قيل : يشرب منها ~~لم تدل على الري، فضمن يشرب معنى يروي، فقيل : (يشرب با) فأفاد ذلك أنه ~~شرب يحصل معه الري. # وباب تضمين الفعل معنى فعل آخر حتى يتعدى بتعديته - كقوله : (لقد ظلمك ~~بسوال نجاك إلى نعابه)، وقوله : ونجيناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا، ~~وقوله : (وأحدرهم أن يفتتولك عنا بعض ما أزل الله إليك)، وأمثال ذلك - ~~كثير في القرآن، وهو يغني عند البصريين من النحاة عما يتكلفه الكوفيون من دعوى ~~الاشتراك في الحروف. # وكذلك المسح في الوضوء والتيمم لو قال: فامسحوا رؤوسكم ms0050 أو وجوهكم: ~~لم ندل على ما يلتصق بالمسح، فإنك تقول: مسحت رأس فلان، وإن لم يكن بيدك ~~بلل . فإذا قيل : فامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم ضمن المسح معنى الإلصاق، فأفاد ~~إنكم تلصقون برؤوسكم وبوجوهكم شيئا بهذا المسح، وهذا يفيد في آية التيمم إنه ~~لا بد أن يلتصق الصعيد بالوجه واليد، ولهذا قال: ( فأمسحوا بيجرهكم وأيديكم قنة) ~~لمائدة : 6. وإنما مأخذ من جوز البعض، الحديث. PageV01P056 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0057.png) ~~ثم تنازعوا: فمنهم من قال: يجزى قدر الناصية، كرواية عن أحمد وقول بعض ~~الحنفية. ومنهم من قال: يجزئ الأكثر . كرواية عن أحمد وقول بعض المالكية: ~~ومنهم من قال: يجزئ الربع. ومنهم من قال: قدر ثلاث أصابع . وهما قولان ~~للحنفية . ومنهم من قال: ثلاث شعرات أو بعضها. ومنهم من قال : شعرة أو بعضها. ~~وهما قولان للشافعية. # وأما الذين أوجبوا الاستيعاب - كمالك وأحمد في المشهور من مذهبيهما - ~~فحجتهم ظاهر القرآن. وإذا سلم لهم منازعوهم وجوب الاستيعاب في مسح التيمم: ~~كان في مسح الوضوء أولى وأحرى لفظا ومعنى، ولا يقال: التيمم وجب فيه ~~الاستيعاب لأنه بدل عن غسل الوجه، واستيعابه واجب؛ لأن البدل إنما يقوم مقام ~~المبدل في حكمه لا في وصفه؛ ولهذا المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين ~~ولا يجب فيه الاستيعاب مع وجوبه في الرجلين، وأيضا للسنة المستفيضة من عمل ~~رسول الله ل صلى الله عليه وسلم. # وأما حديث المغيرة بن شعبة فعند أحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوز المسح ~~على العمامة للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك، وإذا مسح عنده بناصيته وكمل ~~الباقي بعمامته أجزأه ذلك عنده بلا ريب. # وأما مالك فلا جواب له عن الحديث إلا أن يحمله على أنه كان معذورا ~~لا يمكنه كشف الرأس فتيمم على العمامة للعذر. ومن فعل ما جاءت به السنة من ~~المسح بناصيته وعمامته أجزأه مع العذر بلا نزاع، وأجزأه بدون العذر عند الثلاثة، ~~ومسح الرأس مرة مرة يكفي بالاتفاق كما يكفي تطهير سائر الأعضاء مرة. # وتنازعوا في مسحه ثلاثآ: هل يستحب? فمذهب الجمهور أنه لا يستحب، ~~كمالك وأبي حنيفة ms0051 وأحمد في المشهور عنه. # روقال الشافعي وأحمد في رواية عنه: يستحب؛ لما في الصحيح أنه توضأ ثلاثا ~~ثلاثا وهذا عام. وفي سنن أبي داود: أنه مسح برأسه ثلاثا، ولأنه عضو من أعضاء ~~الوضوء فسن فيه الثلاث كسائر الأعضاء. والأول أصح، فإن الأحاديث الصحيحة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ين أنه كان يمسح رأسه مرة واحدة، ولهذا قال أبو داود السجستاني: ~~احمبث فنمان العن ح قدل على انه مسح مرة راحدة وبهذا يبطل ما رواه من مستحه ~~وهو قوله : توضأ ثلاثا ثلاثا PageV01P057 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0058.png) # كما أنه لما قال : «إذا سمعتم المؤذن فقولوا: مثل ما يقول كان هذا ~~مجملا، وفسره حديث ابن عمر أنه يقول عند الحيعلة : «لا حول ولا قوة إلا ~~بالله، فإن الخاص المفسر يقضي على العام المجمل. # وأيضا فإن هذا مسح، والمسح لا يسن فيه التكرار، كمسح الخف والمسح في ~~التيمم ومسح الجبيرة، وإلحاق المسح بالمسح أولى من إلحاقه بالغسل؛ لأن المسح ~~إذا كرر كان كالغسل . وما يفعله الناس من أنه يمسح بعض رأسه بل بعض شعره ثلاث ~~مرات : خطأ مخالف للسنة المجمع عليها من وجهين؛ من جهة مسحه بعض رأسه، ~~فإنه خلاف السنة باتفاق الأئمة. ومن جهة تكراره، فإنه خلاف السنة على الصحيح ~~ومن يستحب التكرار - كالشافعي وأحمد في قول - لا يقولون: امسح البعض وكرره، ~~بل يقولون : امسح الجميع وكرر المسح. # ولا خلاف بين الأئمة أن مسح جميع الرأس مرة واحدة أولى من مسح بعضه ~~ثلاثا، بل إذا قيل : إن مسح البعض يجزئ وأخذ رجل بالرخصة كيف يكرر المسح. ~~ثم المسلمون متنازعون في جواز الاقتصار على البعض وفي استحباب تكرار المسح : ~~فكيف يعدل إلى فعل لا يجزئ عند أكثرهم ولا يستحب عند أكثرهم، ويترك فعل ~~يجزئ عند جميعهم وهو الأفضل عند أكثرهم? والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله: # الموالاة في الوضوء فيها ثلاثة أقوال: # أحدها : الوجوب مطلقا، كما يذكره أصحاب الإمام أحمد ظاهر مذهبه، وهو ~~القول القديم للشافعي، وهو قول في مذهب PageV01P058 ![image ms0052 file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0059.png) # والثاني: عدم الوجوب مطلقا، كما هو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، ~~والقول الجديد للشافعي. # والثالث: الوجوب إلا إذا تركها لعذر، مثل عدم تمام الماء، كما هو المشهور ~~في مذهب مالك، وهو قول في مذهب. # قلت: هذا القول الثالث هو الأظهر والأشبه بأصول الشريعة، وبأصول مذهب ~~أحمد وغيره؛ وذلك أن أدلة الوجوب لا تتناول إلا المفرط، لا تتناول العاجز عن ~~الموالاة، فالحديث الذي هو عمدة المسألة الذي رواه أبو داود وغيره عن خالد بن ~~معدان، عن بعض أصحاب النبيل اله ل: أنه رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر ~~الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي صلى الله علي وسلم يعيد الوضوء والصلاة. فهذه قضية ~~عين، والمأمور بالإعادة مفرط، لأنه كان قادرا على غسل تلك اللمعة كما هو قادر ~~على غسل غيرها، وإنما بإهمالها وعدم تعاهده لجميع الوضوء بقيت اللمعة، نظير ~~الذين كانوا يتوضأون وأعقابهم تلوح فناداهم بأعلى صوته : لويل للأعقاب من ~~النار). وكذلك الحديث الذي في صحيح مسلم عن عمر : أن رجلا توضأ فترك ~~موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم ال : ارجع فأحسن وضوءك فرجع ثم ~~صلى). رواه مسلم. # فالقدم كثيرا ما يفرط المتوضئ بترك استيعابها، حتى قد اعتقد كثير من أهل ~~الضلال أنها لا تغسل، بل فرضها مسح ظهرها عند طائفة من الشيعة، والتخيير بينه ~~وبين الغسل عند طائفة من المعتزلة، الذين لم يوجبوا الموالاة عمدتهم في الأمر ~~حديث عن ابن عمر: أنه توضا (8). # موالاة لفقد تمام الماء، وأصول الشريعة تدل على ذلك، قال تعالى: (فانقوا الله ~~ما استطعتم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ~~ما استطعتم» (6). # والذي لم يمكنه الموالاة - لقلة الماء، أو انصبابه، أو اغتصابه منه بعد PageV01P059 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0060.png) ~~تحصيله، أو لكون المنبع أو المكان الذي يأخذ منه هو وغيره - كالأنبوب أو البئر لم ~~يحصل له منه الماء إلا متفرقا تفرقا كثيرا ونحو ذلك - : لم يمكنه أن يفعل ما أمر به ~~إلا هكذا بأن يغسل ما ms0053 أمكنه بالماء الحاضر . وإذا فعل ذلك ثم غسل الباقي بماء ~~حصله فقد اتقى الله ما استطاع، وفعل ما استطاع مما أمر به. يبين ذلك إنه لو عجز ~~عن غسل الأعضاء بالكلية لعدم الماء لسقط عنه ولكان فرضه التيمم، ولو قدر على ~~غسل بعضها فعنه ثلاثة أقوال : # قيل : يتيمم فقط، لئلا يجمع بين بدل ومبدل. # وقيل : يستعمل ما قدر عليه ويتيمم للباقي. وهو المشهور في مذهب أحمد ~~وغيره. # وقيل : بل يستعمل ذلك في الغسل دون الوضوء كما يذكر عن أبي بكر. وهو ~~مبني على وجوب الموالاة في الوضوء دون الغسل. # قال صاحب هذا القول: فينتفع باستعمال البعض في الغسل دون التيمم. ~~وضعفوا ذلك بأنه يفعل المقدور عليه، فعلم بذلك أن هذا عندهم طهارة نافعة عند ~~العجز في الوضوء كما هي نافعة في الغسل وإذا كان كذلك لم يجب عليه عند القدرة ~~على الماء إعادة ما غسله من أعضاء الوضوء، كما لا يجب عليه ما صلاه بالتيمم، ~~وكما لا يجب عليه إعادة ما غسل في الغسل على المشهور عند أصحاب أحمد من ~~الفرق بين الوضوء والغسل كما سنذكره إن شاء الله، وذلك لأنه قد فعل ما أمر به كما ~~أمر، ومن كان ممتثلا الأمر أجزأ عنه فلا إعادة عليه. # يوضح هذا أنه في حال العجز لم يكن مأمورا بغسل العضو الثاني، وإنما يؤمر ~~بتحصيل الطهور الذي يتمكن به من غسله أو بتأخره إلى القدرة وهو قادر على غسل العضو ~~الأول وهو المستطاع من المأمور فعليه فعله، كما لو قدر على غسل بعض الأعضاء أو ~~بعض العضو الواحد دون بعض فإن عليه غسله، كالمقطوع يده من بعض الذراع. # وطرد ذلك ما ذكرناه لو كان ببعض أعضائه ما يمنع الوجوب من جرح أو مرض ~~أو غير ذلك فغسل الصحيح، ثم قدر أن الألم زال وقد نشف ذلك العضو، فإنه إذا ~~غسل الباقي فقد فعل المقدور عليه. # وأيضا فالترتيب واجب في صوم الشهرين بنص القرآن والسنة والإجماع، ثم ~~تفق المسلمون على أنه إذا قطع لعذر ms0054 لا يمكن الاحتراز منه - كالحيض - فإنه ~~لا يقطع التتابع الواجب . # ومذهب أحمد في هذا أوسع من مذهب غيره، فعنده إذا قطع التتابع لعذر ~~شرعي لا يمكن مع إمكآن الاحتراز منه - مثل أن يتخلل الشهرين صوم شهر رمضان، PageV01P060 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0061.png) ~~أو يوم الفطر، أو يوم النحر، أو أيام منى، أو مرض أو نفاس، ونحو ذلك - فإنه ~~لا يمنع التابع الوآجبا، ولو آفطر لعذر مبيح كالسفر فعلى وجهين . فالوضوء أولى إذا ~~ترك التتابع فيه لعذر شرعي وإن أمكن الاحتراز منه. # وايضا فالموالاة واجبة في قراءة الفاتحة، قالوا: إنه لو قرأ بعضها وسكت ~~سكوتا طويلا لغير عذر، كان عليه إعادة قراءتها. ولو كان السكوت لأجل استماع ~~قراءة الإمام، أو لو فصل بذكر مشروع - كالتأمين ونحوه - لم تبطل الموالاة، بل يتم ~~قراءتها ولا يبتدئها ومسألة الوضوء كذلك سواء، فإنه فرق الوضوء لعذر شرعي. ~~ومعلوم أن الموالاة في الكلام أوكد من الموالاة في الأفعال. # وأيضا فالمنصوص عن أحمد في العقود كذلك، فإن الموالاة بين الإيجاب ~~والقبول واجبة بحيث لو تأخر القبول عن الإيجاب - حتى خرجا من ذلك الكلام إلى ~~غيره، أو تفرقا بأبدانهما - فلا بد من إيجاب ثان، وقد نص أحمد على أنه إذا أوجب ~~النكاح لغائب وذهب إليه الرسول فقبل في مجلس البلاغ : أنه يصح العقد، فظن طائفة ~~من أصحابه أن ذلك قول منه ثان، بأنه يصح تراخي القبول مطلقا وإن كانا في مجلس ~~واحد بعد تفرقهما وطول الفصل، وهي الرواية التي ذكرت في مثل الهداية والمقنع ~~والمحرر وغيرها، أنه يصح في النكاح ولو بعد المجلس. # وذلك خطأ كما نبه عليه الجد - فيما أظن - في كتابه الكبير، ولا فرق في ذلك ~~بين النكاح والبيع والإجارة، والفرق بين الصورتين ظاهر، ويذهب إلى الفرق: غيره ~~من الفقهاء، كأبي يوسف وغيره. وهذا التفريق من أحسن الأقوال، ويشبه أن يكون ~~المنصوص عنه في الوضوء كذلك، لكني لم أتأمل بعد نصه في الوضوء. فإنه كثيرا ~~ما يحكى عنه روايتان في مثل ذلك ويكون منصوصه التفريق بين حال وحال، ويكون ms0055 ~~هو الصواب، كمسألة إخراج القيم، ومسألة قتل الموصي. # وأيضا فالموالاة في الطواف والسعي أوكد منه في الوضوء، ومع هذا فتفريق ~~الطواف لمكتوبة تقام، أو جنازة تحضر ثم يبني على الطواف ولا يستأنف، فالوضوء ~~أولى بذلك. وعلى هذا فلو توضأ بعد الوضوء ثم عرض أمر واجب يمنعه عن الإتمام ~~- كإنقاذ غريق، أو امر بمعروف ونهي عن منكر فعله - ثم أتم وضوءه كالطواف ~~واولى. وكذلك لو قدر انه عرض له مرض منعه من إتمام الوضوء. # وأيضا فإن اصول الشريعة تفرق في جميع مواردها بين القادر، والعاجز؛ ~~والمفرط؛ والمعتدي؛ ومن ليس بمفرط ولا معتد. والتفريق بينهما أصل عظيم ~~معتمد، وهو الوسط الذي عليه الأمة الوسط، وبه يظهر العدل بين القولين المتباينين. # وقد تاملت ما شاء الله من المسانل التي يتباين فيها النزاع تفيا وايثباتا حتى تصير PageV01P061 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0062.png) ~~مشابهة لمسائل الأهواء؛ وما تتعصب له الطوائف من الأقوال : كمسائل الطرائق ~~المذكورة في الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي وبين الأئمة الأربعة؛ وغير هذه ~~المسائل، فوجدت كثيرا منها يعود الصواب فيه إلى الوسط؛ كمسألة إزالة النجاسة بغير ~~الماء، ومسألة القضاء بالنكول؛ وإخراج القيم في الزكاة؛ والصلاة في أول الوقت؛ ~~والقراءة خلف الإمام؛ ومسألة تعيين النية وتبييتها؛ وبيع الأعيان الغائبة واجتناب ~~النجاسة في الصلاة ومسائل الشركة : كشركة الأبدان، والوجوه، والمفاوضة، ومسألة ~~صفة القاضي. # وكذلك هو الأصل المعتمد في المسائل الخبرية العلمية التي تسمى مسائل ~~الأصول : أو أصول الدين؛ أو أصول الكلام؛ يقع [فيها] اتباع الظن وما تهوى الأنفس. ~~وقد قررنا أيضا ما دل عليه الكتاب والسنة فيها وفي غيرها من الفرق بين المؤمن باطنا ~~وظاهرا؛ وبين المنافق الزنديق المؤمن ظاهرا لا باطنا، وأن المؤمنين قد عفي لهم عن ~~الخطأ والنسيان، ثم غالب الخلاف المتباين فيها يعود الحق فيه إلى القول الوسط في ~~مسائل التوحيد والصفات؛ ومسائل القدر والعدل؛ ومسائل الأسماء والأحكام؛ ومسائل ~~الإيمان والإسلام؛ ومسائل الوعد والوعيد؛ ومسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~والخروج على الأمراء ومذاهبهم، أو موافقتهم على طاعة الله؛ فأمرهم ونهيهم بحسب ~~الإمكان والامتناع ms0056 عن الخروج والفتن . وأمثال هذه الأهواء. # وأيضا فعمدة القياس في مسألة الترتيب والموالاة إنما هو قياس ذلك على ~~الصلاة؛ فإن الصلاة يجب فيها الترتيب؛ فلا يجوز تقديم السجود على الركوع. ~~متصلة الاجزاء، ليس بين لجرأتها فصل أصلاحتى يمكن في ذلك المتابعة أو التفريق، ~~ثم مع ذلك إذا فرق بينهما لعذر كالعمل الكثير لضرورة كما في حديث ابن عمر : «أن ~~الطائفة الأولى بعد صلاة ركعة تذهب وجاه العدو؛ فإذا صلت الثانية الركعة الثانية ~~ذهبت أيضا إلى وجاه العدو، ثم رجعت الأولى إلى موقفها فأتمت الصلاة ثم ~~الثانية»1) والصفة في الصحيحين . وهي جائزة غير مكروهة عند أئمة الحديث كأحمد ~~وغيره، وهي الصلاة المختارة في الخوف عند أبي حنيفة؛ إذ ليس فيها مخالفة لصلاة ~~الأمن إلا في استدبار القبلة والعمل الكثير؛ وهذان يجوزان للعذر كمن سبقه الحدث؛ ~~فإنه عند أكثر العلماء - كأبي حنيفة، ومالك؛ وقول الشافعي وأحمد في إحدى ~~لروايات - يقول : إنه يتوضا ويبني على ما مضى إذا لم تبطل صلاته بكلام عمد ~~ونحوه، وهذا مأثور عن أكثر الصحابة وفيه حديثان مرسلان عن البي صى الله عليه وسلم والمرسل ~~إذا عمل به جمهور الصحابة يحتج به الشافعي وغيره. PageV01P062 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0063.png) # وأيضا فإذا سلم من صلاته ساهيا - كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين؛ ~~وفصل بين أبعاض الصلاة بالقيام إلى الخشبة والاتكاء عليها؛ وتشبيك أصابعه؛ ووضع ~~خده عليها؛ والكلام منه ومن المنبه له السائل له المخبر له أنه لم ينس ولم تقصر؛ ~~والمجيبين له الموافقين للمنبه - ثم أتم الصلاة، لم يكن هذا التفريق والفصل مانعا من ~~الإتمام. # ومعلوم أنه لو فعل ذلك عمدا لأبطل الصلاة بلا نزاع، فإذا كانت الصلاة التي ~~لم تشرع إلا متصلة لا يستوي تفريقها في حال العذر وعدمه، فكيف يستوي تفريق ~~الوضوء في حال العذر وعدمه ? مع أن الوضوء أفعال منفصلة لا يجب اتصالها ~~بالاتفاق، وليس لقائل أن يقول: إذا عمل عملا كثيرا لعذر، كما في صلاة الخوف؛ ~~والساهي إذا سلم فإنه في حكم المصلي؛ بدليل ms0057 أنه لو تعمد حينئذ الحدث أو الكلام ~~المبطل؛ أو العمل الكثير الذي لا يحتاج إليه أو استدبار القبلة الذي لا يحتاج إليه، أو ~~كشف العورة: بطلت صلاته. ولو كان في غير صلاة لم تبطل صلاته بذلك، ~~فلا يكون هذا تركا للموالاة الواجبة! لأنه يقال : بل هذا من أوكد الأدلة على ما قلناه، ~~فإنه من المعلوم أن هذه الأفعال والفصل الطويل المعفو له عنه - مثل الذهاب إلى ~~العدو ثم الرجوع إلى موقفه، ومثل قيام المسلم سهوا إلى ناحية المسجد واتكائه عليه ~~- ليس هو من أفعال الصلاة الواجبة ولا المستحبة، ولا داخلا في ذلك كما يدخل ~~ما يدخل في تطويل القيام، والركوع، والسجود، والقعود، فإن هذه الأربعة من جنس ~~أفعال الصلاة، فإذا أطالها أو أدخل فيها ما لا يشرع في الصلاة من العمل اليسير : لم ~~يمنع أن تكون هي من الصلاة. # وأما تلك فليست من أفعال الصلاة، وإنما أمر المصلي بالعمل الكثير في صلاة ~~الخوف لأجل الجهاد، وغفر له عن نحو ذلك من السهو لأن الله تجاوز لهذه الأمة ~~عن الخطأ والنسيان، فصار الفصل بين أبعاض الصلاة المتابع تارة بفعل يوجب ~~تغييرها، وتارة بفعل لا جناح على فاعله لكونه ليس مكلفا بتركه يشبهه الفصل بين ~~الصيام المتتابع: تارة بصوم أو فطر واجب، وتارة بحيض أو نفاس، أو مرض يعجز ~~معه عن الصوم. # ولهذا طرد أحمد ذلك؛ ولو وقع هذا التفريق لغير عذر أبطل الصلاة بالاتفاق، ~~فالوضوء اولى أن لا يسوي بين تفريقه لعذر ولغير عذر . واما كونه في حكم المصلي ~~فمعنى ذلك أنه ليس له أن يفرق الصلاة إلا بما يعفى عنه فيه، فإذا أتى بما ينافيها ~~من كلام عمد، أو عمل كثير؛ أو استدبار قبلة لغير عذر - كان قد فصل بين ابعاضها ~~وفرق بينها بما ينافيها لغير عذر؛ فتبطل صلاته؛ كما لو صلى ركعتين فسلم عمدا؛ ~~فإنه ليس له أن يأتي بالركعتين الأخيرتين، بل يستانف الصلاة، ولو سلم سهوا بنى PageV01P063 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0064.png) ~~على الأول، بالسنة المتواترة عند العلماء واتفاقهم على ذلك ms0058 والمسلم إنما هو خارج ~~من الصلاة وزائد على الفعل المأمور به، فإذا فعل ذلك عمدا لم يكن له ذلك، ~~ولا محذور في ذلك إلا قطع الصلاة، ألا ترى أنه لا فرق بين الوتر بثلاث متصلة ~~وثلاث يفصل فيها بين الشفع والوتر : إلا بمجرد الفصل? # ولهذا يقولون: يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة؛ أو لا يفصل بتسليمة. فمن ~~أهل العراق من لا يسوغ الفصل كالمغرب؛ ويجعل وتر الليل لا يكون إلا كوتر النهار ~~متصلا غير منفصل . ومن أهل الحجاز من لا يسوغ إلا الفصل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~الليل مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة»(1). # وفقهاء أهل الحديث يختارون الفصل لصحة الآثار وكثرتها به، وإن جوزوا ~~الوصل. # والمقصود هنا: أنهم لا يذكرون بين صورتي الوتر فرقا، إلا كون هذا متصلا ~~وهذا منفصلا. وهذا هو الموالاة والتفريق، فتبين أن السلام العمد إنما أبطل الصلاة ~~المكتوبة ونحوها مما سنته الاتصال، لأجل تفريق بعض الصلاة عن بعض، وهو إذا ~~فعل ذلك سهوآ لم تبطل، وكل ما ينافي الصلاة من فعل أو عمل كثير؛ أو تعمد ~~كلام، وترك شرط من شروطها - من استقبال القبلة أو ستر عورته ونحو ذلك - فإنه ~~مع منافاته يفرق بين أبعاض الصلاة، ويمكن أن يخرج منها كما يخرج بالسلام؛ ولهذا ~~ذهب بعض أهل العراق إلى أنه يخرج منها بكل ما ينافيها كما يخرج بالسلام، لكن ~~فقهاء الحديث وأهل الحجاز منعوا ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم،: مفتاح الصلاة الطهور ~~وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم، ولغير ذلك من الأمور التي يتبين أنه لا يدخل ~~فيها إلا بالمشروع؛ ولا يخرج إلا بالمشروع. # ومما يوضح الكلام في هذا أمور: # أحدها : أن من يجوز الوتر بثلاث مفصولة - كالشافعي وأحمد وغيرهما - يجوز ~~عندهم أن تكون الصلاة التي لها اسم واحد يفصل بين أبعاضها بالسلام العمد، كالوتر ~~والضحى، وقيام رمضان، والأربع قبل الظهر، واختيارهم في جميع الصلوات أن ~~تكون مثنى مثنى : إلا ما استثناه أحمد من الصور التي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ms0059 فها الفصل : ~~كالوتر بخمس أو سبع أو تسع، فإنه يختار فيها ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عله، ويقولون: PageV01P064 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0065.png) ~~أدنى الوتر ثلاث مفصولة وقد ثبت في الصحيح من غير وجه عن عائشة : أن الني صلى الله علهل ~~كان يوتر من الليل بإحدى عشرة ركعة، يفصل بين كل ركعتين . فسمت الجميع ~~وترآ مع الفصل. # وقد ينازعهم في هذا أصحاب أبي حنيفة؛ إذ المسنون عندهم في الأربع قبل ~~الظهر الوصل، وكذلك في الوتر بثلاث، وكذلك إذا جاء ذكر صلاة أربع أو ثمان: ~~يجعلونها بتسليمة. # الثاني : إذا تكلم بعد سلامه من الصلاة سهوا كما في حديث ذي اليدين، فقد ~~علم ما فيه من الفقه، والمنازع يقول: هو منسوخ، كما يقوله أصحاب أبي حنيفة ~~وطائفة من أصحاب أحمد: كالقاضي أبي يعلى، وهم الذين يقولون : إن الكلام يبطل ~~الصلاة مطلقا، ولو كان بعد السلام سهوا بناء على أنه في الصلاة! # والجمهور على أنه محكم، وهو الصواب وهو المنصوص عن أحمد في عامة ~~أجوبته، فإنه أخذ به وتفقه فيه، ولم يترك الأخذ به ولا قال هو منسوخ. وقد ثبت أن ~~المشهور بروايته الذي ذكر أنه صلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم و أبو هريرة، قال: وذكر فيها: ~~أن الني صلى الله عليه وسلم على بهم الصلاة، وهو إنما سلم ورأى النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى خلفه من عام ~~خيبر، والقضية كانت في مسجده، وذلك بعد رجوعه من خيبر بيقين، وهذا يقين بعد ~~تحريم الكلام؛ فإنه قد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسلم على ~~رسول الله ل صلى الله عليه وسلم هو في الصلاة فيرد علينا! فلما رجعنا من عند النجاشي سلمت عليه ~~فلم يرد علي، فقلنا: يا رسول الله! إنا كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا? فقال: ~~«إن في الصلاة شغلا»2 # فهذا يبين أن الكلام حرم عليهم لما رجعوا من عند النجاشي، وعبد الله بن ~~مسعود شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا ms0060 خلاف وهو الذي أجهز على أبي جهل بن هشام، ~~فهذا يقتضي أن تحريم الكلام قبل بدر، سواء كان ابن مسعود رجع من الحبشة إلى ~~مكة ثم هاجر، أو قدم من الحبشة إلى المدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا قد تنوزع ~~فيه، فذكر ابن إسحاق في السيرة القول الأول، وعلى هذا فيكون تحريم الكلام بمكة، ~~وهو مقيد كما في مسند أبي داود الطيالسي، عن عبد الله بن عقبة، عن ابن مسعود ~~قال : بعثنا رسول اللهالاه صلى الله عليه وسلمإلى النجاشي ونحن ثمانون رجلا، ومعنا جعفر بن ~~أبي طالب، فذكر الحديث في دخولهم على النجاشي، وفي آخره: فجاء ابن مسعود ~~فبادر فشهد بدرا. PageV01P065 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0066.png) # وللناس في هذا المقام المشتبه ثلاثة أقوال يقولها من يقولها من أصحاب أحمد ~~وغيرهم : # أحدها : وهو قول أصحاب أبي حنيفة، والقاضي أبي يعلى، وطائفة من أتباعهم ~~أن حديث ذي اليدين متقدم على تحريم الكلام وظنوا أن قضيته كانت قبل بدر، ~~واحتجوا بأن ذا اليدين قتل يوم بدر فلا بد أن تكون القضية قبل ذلك، قالوا: وتحريم ~~الكلام كان بالمدينة بعد ذلك كما في الصحيحين عن زيد بن أرقم قال : إن كنا لنتكلم ~~في الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته! حتى نزلت : (حنفظوا ~~على الصلوات والصكلوة الوسطى وقوموا لله قانتين )، فأمرنا بالسكوت ونهينا ~~عن الكلام؛ وليس للبخاري: ونهينا عن الكلام، وفي رواية للترمذي: كنا نتكلم ~~خلف رسولل هال صلى الله عليه وسلم في الصلاة # وزيد بن أرقم من صغار الأنصار، وهو صاحب الأذن الذي وفي الله بأذنه لما ~~بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فول ابن أبي من المنافقين : (لين رجعنا إلى المدينة لكخرجن الأعز منها ~~الأذل ) وكذبه من كذبه ولامه من لامه من المؤمنين، حتى أنزل الله ~~قوله : (يقولون لين رجعنا إلى المدينة) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا الذي وفى الله بأذنه ~~وهو لم يصل مع النبي صلى الله عليه وسلم الا بعد الهجرة فعلم ms0061 أنهم كانوا يتكلمون بعد الهجرة، ~~وذكر أن النسخ حصل بآية المحافظة وهي مدنية بالاتفاق، بل قد يقال : إنها إنما نزلت ~~عام الخندق لما شغله المشركون عن صلاة العصر ، حتى قال : «ملأ الله قبورهم ~~وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر - كما ثبت ذلك في ~~الصحيح - فقال هؤلاء : إذا كانت قصة ذي اليدين قبل بدر ولم يثبت أن الكلام كان قد ~~حرم، أو ثبت أنه إنما حرم بعد ذلك بل بعد عام الخندق التي هي بعد بدر بأكثر من ~~سنتين : كان منسوخا. وأقصى ما يقال : إنه يحتمل أنه كان قبل النسخ، ويحتمل أنه ~~بعده ، فلا يبقى فيه حجة. PageV01P066 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0067.png) # ونجد كثيرا من الناس - ممن يخالف الحديث الصحيح من أصحاب أبي حنيفة ~~أو غيرهم - يقول: هذا منسوخ، وقد اتخذوا هذا محنة؛ كل حديث لا يوافق مذهبهم ~~يقولون: هو منسوخ من غير أن يعلموا أنه منسوخ، ولا يثبتوا ما الذي نسخه. # وكذلك كثير ممن يحتج بالعمل من أهل المدينة - أصحاب مالك وغيرهم - ~~يقولون: هذا منسوخ، لكن هؤلاء قد يقولون: إن وجود علم أهل المدينة بخلافه دليل ~~نسخه، وهذا كثير . وما ذكروه في حديث ذي اليدين هو من أبلغ ما قرروه، وادعوا ~~أن تحريم الكلام كان بعد ذلك عام الخندق أو نحوه، ويقولون في القنوت: إنه ~~منسوخ وفي دعائه لمعين أو غير معين: إنه منسوخ، وإن هذا من كلام الآدميين الذي ~~قال فيه رسول الله له صلى الله عليه وسلم : إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين ~~حتى يبالغوا فيما يبطل الصلاة من هذا النحو، كالتنبيه بالقرآن وغيره. # وقد ثبت في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم فت بعد الركوع في ~~صلاة الصبح شهرا إذا قال : سمع الله لمن حمده يقول في قنوته : اللهم نج ~~الوليد بن الوليد! اللهم نج سلمة بن هشام! اللهم نج عياش بن أبي ربيعة! اللهم نج ~~المستضعفين من المؤمنين ! اللهم اشدد وطأتك على مضر! اللهم اجعلها عليهم سنين ms0062 ~~كسني يوسف!1 قال أبو هريرة : ثم رأيت رسول الله له صلى الله عليه وسلم د ترك الدعاء لهم بعد، ~~فقلت: أرى رسول الله ل لى الله عليه وسلم كث الدعاء لهم، قال: فقيل: أو ما تراهم قد قدموا? # وهذا الحديث فيه أنواع من الفقه، فإن أبا هريرة لم يصل خلف النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~بعد خيبر، وخيبر بعد الحديبية، وكانت الهدنة التي بينه وبين المشركين في الحديبية، ~~على أن لا يدع أحدا منهم يهاجر إليه، ولا يرد إليه من ذهب مرتدا منه إليهم، فهؤلاء ~~وأمثالهم كانوا من المستضعفين بمكة الذين قهرهم أهلوهم، والمسلمون كلهم من بني ~~مخزوم، وهم بنو عبد مناف أشرف قبائل قريش، وبنو مخزوم كانوا هم الذين ينادون ~~عبد مناف، والمحاسدة التي بينهم هي إحدى ما منعت أشرافهم - كالوليد وأبي جهل ~~وغيرهما - من الإسلام، فلما قدم بعد الحديبية من قدم من المهاجرين، ولحقوا بسيف ~~البحر على الساحل - كابي بصير، وأبي جندل بن سهيل بن عمروت فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يجرهم بالشرط، فصاروا بأيدي انفسهم بالساحل يقطعون على أهل مكة، حتى أرسل ~~أهل مكة حينتذ إلى البي صلى الل عله سلمالونه أن ياذن لهم في المقام عنده ليأمنوا قطعهم، ~~فقدموا حينئذ أولئك المستضعفون، فترك الني صلى الله عليه وسل انتوت. PageV01P067 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0068.png) # وهذا القنوت بعد القنوت الذي رواه أنس : أن النبي صلى الل عليه وسلم نت شهرا يدعو على ~~عل، وذكوان، وعصية، ثم تركه؛ فإن ذلك القنوت كان في أوائل الأمر لما أرسل ~~القراء السبعين : أصحاب بئر معونة، وذلك متقدم قبل الخندق التي هي قبل الحديبية ~~كما ثبت ذلك في الصحيح، فتبين أن تركه للقنوت لم يكن ترك نسخ؛ إذ قد ثبت أنه ~~قنت بعد ذلك، وإنما قنت لسبب، فلما زال السبب ترك القنوت، كما بين في هذا ~~الحديث أنه ترك الدعاء لهم لما قدموا وليس أيضا قوله في حديث أنس المتفق عليه: ~~أن رسوللهال صلى الله عليه وسلم نت شهرا بعد الركوع يدعو على ms0063 أحياء من أحياء العرب ثم تركه، ~~أنه ترك الدعاء فقط ، كما يظنه من ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم ان مداوما على القنوت في الفجر ~~بعد الركوع أو قبله، بل ثبت في أحاديث أنس التي في الصحيحين: أنه لم يقنت بعد ~~الركوع إلا شهرا، وغير ذلك مما يبين أن المتروك كان القنوت. # وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع، وبينا أن من تأمل الأحاديث علم علما ~~يقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم آلم يداوم على القنوت في شيء من الصلوات، لا الفجر ~~ولا غيرها ؛ ولهذا لم ينقل هذا أحد من الصحابة؛ بل أنكروه. ولم ينقل أحد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حرفا واحدا مما يظن أنه كان يدعو به في القنوت الراتب، وإنما المنقول عنه ~~ما يدعو به في العارض، كالدعاء لقوم وعلى قوم، فأما ما يدعو به من يستحب ~~المداومة على قنوت الفجر من قول : اللهم اهدنا فيمن هديت : فهذا إنما في ~~السنن أنه علمه للحسن يدعو به في قنوت الوتر. # ثم من العجب أنه لا يستحب المداومة عليه في الوتر الذي هو من متن الحديث ~~ويداوم عليه في الفجر، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلمأن قاله في الفجر، ومن المعلوم ~~باليقين الضروري أن القنوت لو كان مما داوم عليه لم يكن هذا مما يهمل؛ ولتوفرت ~~دواعي الصحابة ثم التابعين على نقله، فإنهم لم يهملوا شيئا من أمر الصلاة التي كان ~~يداوم عليها إلا نقلوه ؛ بل نقلوا ما لم يكن يداوم عليه، كالدعاء في القنوت لمعين ~~وعلى معين وغير ذلك. # ودعوى هذا أيضا هي من بعض الوجوه ما يدعيه بعض أهل الأهواء في النص ~~الجلي على معين في الإمامة؛ أو من زيادة في القررن وغير ذلك؛ ولهذا كان ~~المصنفون يفرقون بين بيان ما يمتنع من الكذب وما يمتنع من الكتمان، فإذا تكلموا ~~في الأخبار الصادقة التي يمتنع أن تكون كذبا من الأخبار المتواترة، تكلموا فيما يمتنع PageV01P068 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0069.png) ~~أن يكون من الأخبار للعادة العامة، ms0064 أو الخاصة، أو للأدلة الشرعية الدالة على حفظ ~~هذا الدين وأمثال ذلك . وبسط هذا له موضع آخر. # وأما الدعاء على أهل الكتاب - كما يتخذه من يتخذه سنة راتبة في دعاء القنوت ~~في النصف الأخير من شهر رمضان أو غيره - فهذا إنما هو منقول عن عمر بن ~~الخطاب أنه كان يدعو به لما كان يجاهد أهل الكتاب الشام، وكان يدعو به في ~~المكتوبة، وهو موافق لسنة رسول اللهاله صلى الله عليهوسلم، إن النبي صلى الله عليه وسلم ان يقنت أحيانا يدعو ~~للمؤمنين ويلعن الكافرين، ويذكر قبائل المشركين الذين يحاربونه، كمضر؛ ورعل، ~~يقنت عند النازلة ويدعو فيها بماكينا سب أولعك القوم المحال بي فأما أن يتخذ قنوت ~~عمرفي المكتربة سنة في الوتر وقنرت الحين في الوتر سنة في المكتوبة راتبة فوو ~~بعد تحريم الكلام بالاتفاق، وإن اقتضى ما يقال في تأخر تحريم الكلام في الصلاة أنه ~~تأخر إلى عام الخندق، وخيبر بعد الخندق بأكثر من سنتين؛ فإن خيبر كانت بالاتفاق ~~بعد الحديبية، والحديبية كانت بالاتفاق سنة ست؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم ئضا إنما اعتمر في ~~ذي القعدة، فلما صالحهم رجع إلى المدينة، فكانت غزوة الغابة غزوة ذي قرد التي ~~ذكرها مسلم في صحيحه من حديث سلمة بن الأكوع لما جعل يقول: # خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع # لما أغارت فزارة على لقاح رسول الله ل صلى الله عليهوسلم، وكانت خيبر عقب ذلك في أواخر ~~ست وأوائل سبع، وهذا متفق عليه. # وأما الخندق فقبل ذلك: إما في أوائل خمس أو أواخر أربع، كما في الصحيحين ~~عن عبد الله بن عمر قال : عرضت على النب لى اله عليه سلم م احد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم ~~يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني # وليس لأحد أن يجتج على النسخ بما في الصحيحين عن ابن عمر أنه سمع ~~رسولله ل لى الله عله ول رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول : اللهم العن ~~فلانا ms0065 وفلانا وفلانا بعدما يقول: سمع الله لمن حمده؛ ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ~~(ليسب لك من الأمر شية أز يتون علنهم او ييد بهم فإنهم طلروت)اال ران 138، فإن PageV01P069 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0070.png) ~~هذا إنما يدل على ترك اللعنة لهم؛ لكونه ليس له من الأمر شيء لجواز توبتهم، وهذا إذا ~~كان نهيا فلا فرق فيه بين الصلاة وخارج الصلاة، والكلام إنما هو في الدعاء الجائز خارج ~~الصلاة : كالدعاء لمعينين مستضعفين، والدعاء على معينين من الكفار بالنصرة عليهم؛ ~~لا باللعنة ونحو ذلك. # والقول الثاني : قول من يقول - من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم - : إن ~~تحريم الكلام كان بمكة بناء على أن النسخ ثبت بحديث ابن مسعود بناء على ما ذكره ~~ابن إسحاق في السيرة قال : وبلغ أصحاب رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى أرض ~~الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك إسلام أهل مكة الذي كان باطلا، ~~فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيا، فكان من قدم منهم فأقام بها حتى هاجر ~~إلى المدينة شهد معه بدرا وأحدا، فذكر منهم عبد الله بن مسعود. # وهؤلاء يجيبون عن حديث زيد بن أرقم بجوابين: # أحدهما : أنه يحتمل أنه كان نهى عنه متقدما ثم أذن فيه؛ ثم نهى عنه لما نزلت ~~الآية. # الثاني : أنه يحتمل أن يكون زيد بن أرقم ومن كان يتكلم في الصلاة لم يبلغهم ~~نهي النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نزلت الآية انتهوا. # فأما القول الأول فضعيف لوجوه قاطعة: # منها : أن حديث ابن مسعود صحيح صريح، وقد علم بالتواتر عند أهل العلم أن ~~ابن مسعود شهد بدرا، وهو لما رجع من الحبشة أخبر أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ~~لم يرد عليه بعدما كان يرد عليهم قبل أن يذهبوا إلى الحبشة؛ وإنه قال لهم : لإن في ~~الصلاة لشغلا»، وفي رواية : إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن ~~لا تتكلموا في الصلاة»). # الثاني : إن أبا هريرة لم يصحب النبي صلى الله عليه ms0066 وسلم ولم يصل خلفه إلا بعد عام خيبر ~~باتفاق أهل العلم، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، وهو أشهر من روى ~~حديث ذي اليدين، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم صعلى تلك الصلاة بهم؛ كما في الصحيحين عنه ~~قال : «صلى رسول الله له صلى الله عليه وسلم احدى صلاتي العشي الظهر أو العصر فعلم أنها لم PageV01P070 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0071.png) ~~بير چرع ه ضبر ي تر ~~برسررسصرهصه حسسن ه تتي تي ~~دبربر سربسسرس # سسيبه هه ي ~~ص تهم صر سه سر ب ر..... ~~رت هه شه ح ~~س ره ~~رري سه سر ر ره ي ~~صر ه ~~ه PageV01P071 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0072.png) ~~وغيره، وهل كانت القصة مرة أو مرتين? هذا فيه نزاع ليس هذا موضعه. # والمقصود هنا: إنه إذا ثبت أن حديث ذي اليدين محكم، ثبت به أن مثل ذلك ~~الكلام والفعال لا يبطل الصلاة، وهنا أقوال في مذهب أحمد وغيره : فعنه أن كلام ~~الناسي والمخطىء لا يبطل؛ وهذا قول مالك والشافعي، وهو أقوى الأقوال، ومما ~~يؤيده حديث معاوية بن الحكم السلمي لما شمت العاطس في الصلاة، فلما سمعه ~~النبي صلى الله عليه وسلم ال له : لإن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين ولم ~~يأمره بالإعادة، وهذا كان جاهلا بتحريم الكلام. وفي الجاهل لأصحاب أحمد ~~طريقان. # أحدهما: أنه كالناسى . # والثاني : أنه لا تبطل صلاته وإن بطلت صلاة الناسي؛ لأن النسخ لا يثبت ~~حكمه إلا بعد العلم بالناسخ. # وهذا الفرق ضعيف هنا ؛ لأن هذا إنما يكون فيمن تمسك بالمنسوخ ولم يبلغه ~~الناسخ كما كان أهل قباء، وأما هنا فلم يكن بلغه المنسوخ بحال، فالنهي في حقه ~~حكم مبتدأ، لكن هل يثبت الحكم في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب? فيه ثلاثة ~~أقوال لأصحاب أحمد وغيرهم: # أحدها : أنه يثبت مطلقا . # والثانى : لا يثبت مطلقا. # والثالث : الفرق بين الحكم الناسخ والحكم المبتدأ. # وعلى هذا يقال : الجاهل لم يبلغه حكم الخطاب، وقد يفرق بين الناسي ~~والجاهل : ألا ترى من نام عن صلاة أو نسيها فإنه ms0067 يعيدها باتفاق المسلمين? وكذلك ~~من ترك شيئا من فروضها نسيانا ثم ذكر قبل أن يذكر أنه صلى بلا وضوء، أو ترك ~~القراءة أو الركوع ونحو ذلك فإنه يعيد . وأما من نسي واجبا كالتشهد الأول فإنه يسجد ~~قبل السلام. فإن تعمد تركه ففي بطلان صلاته وجهان: أشهرهما تبطل. ولو نسيه ~~مطلقا لم تبطل صلاته، فهنا قد أثر النسيان في سقوط الواجب مطلقا. # وأما الجاهل؛ فلو صلى غير عالم بوجوب الوضوء من لحم الإبل، أو صلى في ~~مباركها غير عالم بالنهي ثم بلغه : ففي الإعادة روايتان، لكن الأظهر في الحجة أنه ~~لا يعيد، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع. # ومما يقرر هذا في كلام الجاهل في الصلاة أحاديث: # منها : حديث ابن مسعود حديث التشهد المستفيض، إنه قال: كنا نقول في PageV01P072 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0073.png) ~~الصلاة: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان ~~وفلان. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وقال : إن الله هو السلام، ولم يأمرهم ~~بإعادة الصلوات التي قالوا ذلك فيها، مع أن هذا الكلام حرام في نفسه، فإنه لا يجوز ~~أن يدعى لله بالسلام، بل هو المدعو، ولما كانوا جهالا بتحريم ذلك لم يأمرهم ~~بالإعادة. ومن ذلك الأعرابي الذي قال: اللهم إرحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا ~~وقال : للقد تحجرت واسعا» يريد رحمة الله. وهذا الدعاء حرام، فإنه سؤال الله ~~أن لا يرحم من خلقه غيرهما . ومن ذلك قول القائل - لما صلى بهم أبو موسى - ~~أقرنت الصلاة بالبر والزكاة ? فقال أبو موسى: يا حطان! لعلك قلتها ? فقلت : ما قلتها ~~ولقد خشيت أن تنكعني بها، ولم يأمرني أبو موسى بالإعادة. # وعلى هذا فكلام العامد في مصلحتها فيه روايتان عن أحمد: # إحداهما : يجوز. وهو قول مالك. # والثانية : لا يجوز. وهو قول الشافعي. # وفيه رواية ثالثة: أن الكلام يبطل إلا إذا كان لمصلحتها، سواء كان عمدا أو ~~سهوا. # وفيه رواية رابعة: إلا لمصلحتها سهوا، وهو اختيار جدي. # وفيه رواية خامسة : تبطل إلا صلاة إمام تكلم لمصلحتها؛ سواء ms0068 كان عمدا أو ~~سهوا. ومنشأ التردد أنه تكلم ذو اليدين ابتداء؛ وتكلم جوابا للنبي صلى الله عليه وسلم قوله : بلى قد ~~نسيت، بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم : لم أنس ولم تقصر، وتكلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وبقوله: ~~أحق ما يقول ذو اليدين? وتكلم المخاطبون بتصديق ذي اليدين فقيل : إنما جاز ~~ذلك لكونه لم يعتقد أنه في الصلاة، وكذلك ذو اليدين سؤاله له هو بمنزلة سلامه ~~والمؤمنين معه اتباعا له؛ فإنهم لم يكونوا يعلمون أنه نسي، بل جوز أن تكون الصلاة ~~قصرت، وكذلك سائر الصحابة لو علموا أنه نسي وأن متابعة الناسي في السلام ~~لا تجوز، لسبحوا به؛ لكن لم يعلموا بجميع الأمرين قطعا، بل جوزوا أحدهما أو ~~كلاهما، بل كانوا يعتقدون وجوب المتابعة له في الصلاة مطلقا ختى يتبين لهم. # فقيل لهؤلاء: فالمصلون أجابوه بتصديق ذي اليدين مع علمهم بأنها لم تقصر PageV01P073 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0074.png) ~~وأنه نسي، فظن بعضهم ذلك؛ لأن جوابه واجب لا يبطل الصلاة لحديث سعد بن ~~المعلى، وظن آخرون أن ذلك لمصلحة الصلاة فجوزوا الكلام لمصلحة الصلاة عمدا، ~~وظن آخرون أن ذلك إنما كان سهوا؛ لأنهم لم يكونوا يعلمون أنه قد بقي عليهم بقية ~~من الصلاة؛ وإن من بقي عليه بقية لا يتكلم. # ثم قال آخرون : هذا الكلام وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وذي اليدين مع كون ذلك سهوا، ~~فإنما كان لمصلحة الصلاة، والمقصود هنا أن من تكلم في صلب الصلاة عالما أنه في ~~صلاته بنحو هذا سهوا وعمدا لمصلحة الصلاة، هل يكون بمنزلة هذا؟ هذا فيه قولان ~~في مذهب أحمد وغيره، فمن لم يسو بينهما قال : هذه الحال لم يكونوا في صلاة ~~لخروجهم منها سهوا؛ وإن كانوا في حكمها كما ذكرنا؛ فلهذا شاع هذا. ومن يسوي ~~بينهما قال : سائر محظورات الصلاة هي في مثل هذه الحال كما هي في الصلاة ~~نفسها؛ فإن التفريق هنا إنما جاز لعذر السهو فلا يفيد فعل شيء مما ينافي الصلاة؛ ~~ولهذا اتفقوا على أنه إذا تعمد في ms0069 مثل هذه الحال ما يبطل الصلاة لغير مصلحة، ~~بطلت صلاته، وإن كانت لا تبطل إذا فعل ذلك بعد سلام الإمام؛ وذلك أن المصلي ~~صلى الصلاة وترك منافيها؛ فإذا عفي عنه في أحدهما لعذر لم يجز أن يعفى عنه في ~~الآخر لغير عذر، كما لو زاد الفعل عمدا فإنه بعد الذكر لو أطال الفصل عمدا: لم ~~يكن له البناء، بل يبتدئ الصلاة؛ ولهذا لو فعل منافيها سهوا - من كلام أو عمل كثير ~~ونحو ذلك - لم يكن له مع ذلك أن يفرقها عمدا. # فتبين بهذا كله وجوب الموالاة في الصلاة إلا في حال العذر المسوغ لذلك، ~~فالوضوء أولى بذلك. # فإن قيل : فما تقولون في الغسل? # قيل : المشهور عند أصحاب أحمد، الفرق بينهما. وعمدة ذلك ما روي : «أن ~~نبي صلى الله عليه وسلم وأى على يده لمعة لم يصبها الماء فعصر عليها شعره # وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تسل من جنابة فرأى لمعة لم يصبها الماء فقال: ~~بجمته قبلها عليها؛ رواه أحمد وابن ماجه من حديث أبي علي السروجي. وقد ~~ضعف أحمد وغيره حديثه . # وروى ابن ماجه عن علي قال : جاء رجل إلى الني صلى الله عليه وسلم قال : إني اغتسلت ~~من الجنابة فصليت الفجر ثم أصبحت فرأيت موضعا قدر الظفر لم يصبه ماء؛ فقال PageV01P074 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0075.png) ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم : لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك # وعن ابن مسعود أن رجلا سأل النبي صلى الله علي وسلم عن الرجل يغتسل من الجنابة فيخطئ ~~بعض جسده ? فقال رسول الله له صلى الله عليه وسلم: يغسل ذلك المكان ثم يصلي، رواه البيهقي ~~من رواية عاصم بن عبد العزيز الأشجعي، قال البخاري : فيه نظر! وقال ابن حبان : ~~يخطئ كثيرا. وقال الدارقطني : ليس بالقوي. # والفرق المعنوي : أن أعضاء الوضوء متعددة يجب فيها الترتيب عندهم؛ فوجبت ~~فيها الموالاة، والبدن في الغسل كالعضو الواحد، لا يجب فيه ترتيب فلا يجب فيه ~~موالاة أيضا؛ فإن حكم الوضوء يتعدى محله؛ فإنه يغسل أربعة ms0070 أعضاء فيطهر جميع ~~البدن، وأما الجنابة فتشبه إزالة النجاسة، لا يتعدى حكمه محله، فكل ما غسل شيئا ~~ارتفعت عنه الجنابة، كما ترتفع النجاسة عن محل الغسل، فإذا غسل بعض أعضاء ~~الوضوء لم يرتفع شيء من الحدث، لا عنه ولا عن غيره بدليل أنه لا يباح له مس ~~المصحف به. # وقد يقال: هذا لا يؤثر في الموالاة؛ فإن وجوب الموالاة في الشيء الواحد ~~نوى من وجوبها في الإثنين؛ بخلاف الترتيب؛ فإنه لا يكون إلا بين شيئين ولا بد أن ~~يكونا مختلفين؛ إذ المتماثلات - كالطوافات والسعيات - لا يكون بينهما ترتيب؛ ~~ولهذا لم يجب الترتيب عند أحمد ومالك في الركعات، بل من نسي ركنا من ركعة ~~فلم يذكر حتى قرأ في الثانية، قامت مقامها، وغسل الجنابة عبادة واحدة، الاتصال ~~فيها أظهر منه في الوضوء، وهي عبادة في نفسها تعتبر لها النية؛ بخلاف إزالة النجاسة ~~فإنها لا تتعين لها النية إلا في وجه ضعيف . التزموه في الخلاف الجدلي، كما ذكره ~~أبو الخطاب ومن تبعه وليس بشيء، فيمكن أن يقال : الموالاة فيهما واحدة. # وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ذ عصر على اللمعة بعد جفافها في الزمن المعتدل، وأن ~~الوضوء لا يجوز فيه ذلك، فالفرق أن تارك اللمعة في الرجل مفرط بخلاف المغتسل ~~من الجنابة فإنه لا يرى بدنه كما يرى رجليه، فاللمعة إذا كانت في ظهره أو حيث ~~لا يراه ولا يمكنه مسه كان معذورا في تركها، فلهذا لم تجب فيه الموالاة، بخلاف ~~ما لا يعذر فيه، والله اعلم. # وعلى هذا فلو قيل بسقوط الترتيب بالعذر لتوجه. وقد يخرج حديث تأخير ~~المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه - وهو إحدى الروايتين المنصوصتين - على PageV01P075 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0076.png) ~~هذا، وأن تاركهما لم يعلم وجوبهما فكان معذورا بالترك، فلم يجب الترتيب في ~~ذلك، بخلاف من لم يعذر كمنكس الأعضاء الظاهرة، ولكن نظيره حديث العهد ~~بالإسلام، إذا اعتقد أن الوضوء غسل اليدين والرجلين فغسلهما فقط، أو من ترك ~~غسل وجهه أو يديه لجرح أو مرض وغسل سائر أعضاء الوضوء ثم ms0071 زال العذر قبل ~~انتقاض الوضوء، فهنا إذا قيل: يغسل ما ترك أولا ولا يضره ترك الترتيب: كان ~~متوجها على هذا الأصل . والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عمن يغسل أطرافه فوق الخمس مرات، وإذا أتى ~~المسجد يبسط سجادته تحت قدميه? إلى آخر السؤال. # فأجاب : ما ذكره من الوسوسة في الطهارة مثل غسل العضو أكثر من ثلاث ~~مرات، والامتناع من الصلاة على حصر المسجد، ونحو ذلك: هو أيضا بدعة وضلالة ~~باتفاق المسلمين، ليس ذلك مستحبا ولا طاعة ولا قربة. # ومن فعل ذلك على أنه عبادة وطاعة فإنه ينهى عن ذلك، فإن امتنع عزر على ذلك، ~~فقد كان عمر رضي الله عنه يعزر الناس على الصلاة بعد العصر ، مع أن جماعة فعلوه لما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنآ فعله وداوم عليه، لكن لما كان ذلك من خصائسصله صلى الله عليه وسلم، وكان ~~نبي صلى الله عليه وسلم د نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع ~~الشمس : كان عمر يضرب من فعل هذه الصلاة، فضرب هؤلاء المبتدعين في الطهارة ~~والصلاة لكونها بدعة مذمومة باتفاق المسلمين: أولى وأحرى. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: أيما أفضل: المداومة على الوضوء أم ترك المداومة ? # فأجاب : أما الوضوء عند كل حدث ففيه حديث بلال المعروف عن بريدة بن ~~حصيب قال : أصبح رسولله اله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالا فقال : يا بلال ! بم سبقتني إلى ~~الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي! دخلت البارحة الجنة ~~فسمعت خشخشتك أمامي، فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب فقلت: لمن هذا ~~القصر ? فقالوا: لرجل عربي . فقلت: أنا عربي! لمن هذا القصر ? فقالوا: لرجل من ~~قريش . قلت : أنا رجل من قريش! لمن هذا القصر? فقالوا: لعمر بن الخطاب، ~~فقال بلال : يا رسول الله! ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط ~~إلا توضأت عندها فرأيت أن لله علي ركعتين، فقال رسول الله له صلى الله عليه وسلم، بهما قال ms0072 ~~الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. PageV01P076 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0077.png) # وهذا يقتضي استحباب الوضوء عند كل حدث، ولا يعارض ذلك الحديث الذي ~~في الصحيح عن ابن عباس قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جاء من الغائط، فأتي بطعام فقيل ~~له : ألا تتوضأ! ? قال : لم أصل فأتوضا، فإن هذا ينفي وجوب الوضوء، وينفي ~~أن يكون مأمورا بالوضوء لأجل مجرد الأكل، ولم نعلم أحدا استحب الوضوء للأكل. ~~وهل يكره أو يستحب? على قولين هما روايتان عن أحمد. فمن استحب ذلك احتج ~~بحديث سلمان أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم، قرأت في التوراة: إن من بركة الطعام الوضوء قبله ~~والوضوء بعده. ومن كرهه قال : لأن هذا خلاف سنة المسلمين، فإنهم لم يكونوا ~~يتوضاون قبل الأكل، وإنما كان هذا من فعل اليهود فيكره التشبه بهم. وأما حديث ~~سلمان فقد ضعفه بعضهم. # يحب موافقة أهل # وقد يقال : كان هذا في أول الإسلام لما كان النبي صلى الله عليه وسلم حب موافقة أهل ~~الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولهذا كان يسدل شعره موافقة لهم، ثم فرق بعد ~~ذلك، ولهذا صام عاشوراء لما قدم المدينة، ثم إنه قال قبل موته : لئن عشت إلى ~~قابل لأصومن التاسع»3 يعني : مع العاشر، لأجل مخالفة اليهود. # وسئل رحمه الله تعالى: عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم تأتون يوم القيامة غرا ~~محجلين من آثار الوضوء، وهذه صفة المصلين فبم يعرف غيرهم من المكلفين ~~التاركين والصبيان?(5 # فأجاب: الحمد الله رب العالمين. هذا الحديث دليل على أنه إنما يعرف من ~~كان أغر محجلا، وهم الذين يتوضأون للصلاة. وأما الأطفال فهم تبع للرجال . وأما ~~من لم يتوضأ قط ولم يصل، فإنه دليل على أنه لا يعرف يوم القيامة. # باب المسح على الخفين # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: عن أقوال العلماء في المسح على ~~الخفين : هل من شرطه أن يكون الخف غير مخرق حتى لا يظهر شيء من القدم? ~~وهل للتخريق حد? وما القول الراجح بالدليل كما قال تعالى: (فإن تذرعثم فى ms0073 شىء فردوه PageV01P077 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0078.png) ~~إلى الله والرسول إن كتكم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير واحسن تأويلا )؛ فإن الناس ~~يحتاجون إلى ذلك؟ # فأجاب : هذه المسألة فيها قولان مشهوران للعلماء، فمذهب مالك وأبي حنيفة ~~وابن المبارك وغيرهم، إنه يجوز المسح على ما فيه خرق يسير مع اختلافهم في حد ~~ذلك، واختار هذا بعض أصحاب أحمد. # ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما؛ أنه لا يجوز المسح إلا على ما يستر جميع ~~محل الغسل. قالوا: لأنه إذا ظهر بعض القدم كان فرض ما ظهر الغسل؛ وفرض ~~ما بطن المسح؛ فيلزم أن يجمع بين الغسل والمسح، أي : بين الأصل والبدل، وهذا ~~لا يجوز ؛ لأنه إما أن يغسل القدمين وإما أن يمسح على الخفين. # والقول الأول أصح، وهو قياس أصول أحمد ونصوصه في العفو عن يسير ~~العورة وعن يسير النجاسة ونحو ذلك؛ فإن السنة وردت بالمسح على الخفين مطلقا، ~~قولا من النبي صلى الله عليه وسلم وفعلا، كقول صفوان بن عسال : «أمرنا رسول الله له صلى الله عليه وسلم ذا كنا ~~سفرا - أو مسافرين - أن لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن ~~لا ننزع من غائط وبول ونوم رواه أهل السنن وصححه الترمذي؛ فقد بين أن ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم أز أمته أن لا ينزعوا أخفافهم في السفر ثلاثة أيام من الغائط والبول ~~والنوم؛ ولكن ينزعوها من الجنابة. # وكذلك أمره لأصحابه أن يمسحوا على التساخين والعصائب؛ والتساخين هي ~~الخفان فإنها تسخن الرجل، وقد استفاض عنه في الصحيح أنه مسح على الخفين؛ ~~وتلقى أصحابه عنه ذلك فأطلقوا القول بجواز المسح على الخفين، ونقلوا أيضا أمره ~~مطلقا، كما في صحيح مسلم عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح ~~على الخفين، ? فقالت : عليك بابن أبي طالب فاسأله فإنه كان يسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسألناه فقال : جعل النبي صلى الله ليه وسلم لاثة أيام للمسافر ويوما وليلة للمقيم . أي : جعل له ~~المسح على الخفين، فأطلق ومعلوم أن الخفاف في ms0074 العادة لا يخلو كثير منها عن فتق ~~أو خرق لا سيما مع تقادم عهدها، وكان كثير من الصحابة فقراء لم يكن يمكنهم ~~تجديد ذلك. ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم ن الصلاة في الثوب الواحد فقال: أو لكلكم PageV01P078 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0079.png) ~~ثوبان?! وهذا كما أن ثيابهم كان يكثر فيها الفتق والخرق حتى يحتاج لترقيع، ~~فكذلك الخفاف. # والعادة في الفتق اليسير في الثوب والخف أنه لا يرقع، وإنما يرقع الكثير، ~~وكان أحدهم يصلي في الثوب الضيق حتى إنهم كانوا إذا سجدوا تقلص الثوب فظهر ~~بعض العورة، وكان النساء نهين عن أن يرفعن رؤوسهن حتى يرفع الرجال رؤوسهم، ~~لئلا يرين عورات الرجال من ضيق الأزر ، مع أن ستر العورة واجب في الصلاة ~~وخارج الصلاة؛ بخلاف ستر الرجلين بالخف، فلما أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر بالمسح ~~على الخفاف مع علمه بما هي عليه في العادة؛ ولم يشترط أن تكون سليمة من ~~العيوب، وجب حمل أمره على الاطلاق، ولم يجز أن يقيد كلامه إلا بدليل شرعي. # وكان مقتضى لفظه أن كل خف يلبسه الناس ويمشون فيه، فلهم أن يمسحوا ~~عليه وإن كان مفتوقا أو مخروقا من غير تحديد لمقدار ذلك، فإن التحديد لا بد له من ~~دليل. وأبو حنيفة يحده بالربع كما يحد مثل ذلك في مواضع، قالوا: لأنه يقال رأيت ~~الإنسان إذا رأيت أحد جوانبه الأربع، فالربع يقوم مقام الجميع، وأكثر الفقهاء ينازعون ~~في هذا ويقولون : التحديد بالربع ليس له أصل من كتاب ولا سنة. # وأيضا فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلماذين بلغوا سنته وعملوا بها لم ينقل عن أحد منهم ~~تقييد الخف بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفين مع علمهم بالخفاف ~~وأحوالها، فعلم أنهم كانوا قد فهموا عن نبيهم جواز المسح على الخفين مطلقا. # وأيضا فكثير من خفاف الناس لا يخلو من فتق أو خرق يظهر منه بعض القدم ~~فلو لم يجز المسح عليها بطل مقصود الرخصة، لا سيما والذين يحتاجون إلى لبس ~~ذلك هم المحتاجون؛ وهم أحق ms0075 بالرخصة من غير المحتاجين؛ فإن سبب الرخصة هو ~~الحاجة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد : ( أو لكلكم ~~ثوبان »2 بئن أن فيكم من لا يجد إلا ثوبا واحدا، فلو أوجب الثوبين لما أمكن هؤلاء ~~أداء الواجب. # ثم إنه أطلق الرخصة، فكذلك هنا ليس كل إنسان يجد خفا سليما، فلو لم ~~يرخص إلا لهذا لزم المحاويج خلع خفافهم، وكان إلزام غيرهم بالخلع أولى. ثم إذا ~~كان إلى الحاجة فالرخصة عامة، وكل من لبس خفا وهو متطهر فله المسح عليه، ~~سواء كان غنيا أو فقيرا، وسواء كان الخف سليما أو مقطوعا؛ فإنه اختار لنفسه ذلك، ~~وليس هذا مما يجب فعله لله تعالى - كالصدقة والعتق - حتى تشترط فيه السلامة من ~~العيوب. PageV01P079 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0080.png) # وأما قول المنازع : أن فرض ما ظهر الغسل وما بطن المسح. فهذا خطأ ~~بالإجماع، فإنه ليس كل ما بطن من القدم يمسح على الظاهر الذي يلاقيه من الخف، ~~بل إذا مسح ظهر القدم أجزأه . وكثير من العلماء لا يستحب مسح أسفله، وهو إنما ~~يمسح خططا بالأصابع، فليس عليه أن يمسح جميع الخف كما عليه أن يمسح ~~الجبيرة، فإن مسح الجبيرة يقوم مقام غسل نفس العضو، فإنها لما لم يمكن نزعها إلا ~~بضرر صارت بمنزلة الجلد وشعر الرأس وظفر اليد والرجل، بخلاف الخف فإنه يمكنه ~~نزعه وغسل القدم، ولهذا كان مسح الجبيرة واجبا ومسح الخفين جائزا، إن شاء مسح ~~وإن شاء خلع . # ولهذا فارق مسح الجبيرة الخف من خمسة أوجه: # أحدها : أن هذا واجب وذلك جائز. # الثاني : أن هذا يجوز في الطهارتين: الصغرى والكبرى؛ فإنه لا يمكنه إلا ~~ذلك، ومسح الخفين لا يكون في الكبرى بل عليه أن يغسل القدمين كما عليه أن ~~يوصل الماء إلى جلد الرأس والوجه، وفي الوضوء يجزئه المسح على ظاهر شعر ~~الرأس وغسل ظاهر اللحية الكثيفة، فكذلك الخفاف يمسح عليها في الصغرى؛ فإنه ~~لما احتاج إلى لبسها صارت بمنزلة ما يستر البشرة من الشعر الذي يمكن إيصال الماء ms0076 ~~إلى باطنه، ولكن فيه مشقة، والغسل لا يتكرر. # الثالث : أن الجبيرة يمسح عليها إلى أن يحلها؛ ليس فيها توقيت؛ فإن مسحها ~~للضرورة؛ بخلاف الخف فإن مسحه موقت عند الجمهور؛ فإن فيه خمسة أحاديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لو كان في خلعه بعد مضي الوقت ضرر - مثل : أن يكون هناك برد ~~شديد متى خلع خفيه تضرر كما يوجد في أرض الثلوج وغيرها؛ أو كان في رفقة متى ~~خلع وغسل لم ينتظروه فينقطع عنهم فلا يعرف الطريق؛ أو يخاف إذا فعل ذلك من ~~عدو أو سبع؛ أو كان إذا فعل ذلك فاته واجب ونحو ذلك - فهنا قيل : إنه يتيمم. ~~وقيل : إنه يمسح عليهما للضرورة . وهذا أقوى لأن لبسهما هنا صار كلبس الجبيرة من ~~بعض الوجوه، فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يوما وليلة وثلاثة أيام ولياليهن، ~~وليس فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم، والمفهوم لا عموم له؛ فإذا كان ~~يخلع بعد الوقت عند إمكان ذلك عمل بهذه الأحاديث. # وعلى هذا يحمل حديث عقبة بن عامر لما خرج من دمشق إلى المدينة يبشر ~~الناس بفتح دمشق ومسح أسبوعا بلا خلع! فقال له عمر: أصبت السنة! وهو حديث ~~صحيح . وليس الخف كالجبيرة مطلقا؛ فإنه لا يستوعب بالمسح بحال؛ ويخلع في ~~الطهارة الكبرى؛ ولا بد من لبسه على طهارة. لكن المقصود أنه إذا تعذر خلعه ~~فالمسح عليه أولى من التيمم، وإن قدر أنه لا يمكن خلعه في الطهارة الكبرى فقد PageV01P080 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0081.png) ~~صار كالجبيرة، يمسح عليه كله كما لو كان على رجله جبيرة يستوعبها. # وأيضا فإن المسح على الخفين أولى من التيمم؛ لأنه طهارة بالماء في ما يغطى ~~موضع الغسل؛ وذاك مسح بالتراب في عضوين آخرين فكان هذا البدل أقرب إلى ~~الأصل من التيمم؛ ولهذا لو كان جريحا وأمكنه مسح جراحه بالماء دون الغسل، فهل ~~يمسح بالماء أو يتيمم? فيه قولان. هما روايتان عن أحمد، ومسحهما بالماء أصح؛ ~~لأنه إذا جاز مسح الجبيرة ومسح الخف وكان ذلك أولى من التيمم فلأن يكون ms0077 مسح ~~العضو بالماء أولى من التيمم بطريق الأونى . # الرابع: أن الجبيرة يستوعبها بالمسح كما يستوعب الجلد؛ لأن مسحها كغسله، ~~وهذا أقوى على قول من يوجب مسح جميع الرأس. # الخامس: أن الجبيرة يمسح عليها وإن شدها على حدث عند أكثر العلماء، وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد؛ وهو الصواب. # ومن قال: لا يمسح عليها إلا إذا لبسها على طهارة ليس معه إلا قياسها على ~~الخفين، وهو قياس فاسد؛ فإن الفرق بينهما ثابت من هذه الوجوه، ومسحها كمسح ~~الجلدة ومسح الشعر؛ ليس كمسح الخفين، وفي كلام الإمام أحمد ما يبين ذلك وإنها ~~ملحقة عنده بجلدة الإنسان لا بالخفين، وفي ذلك نزاع؛ لأن من أصحابه من يجعلها ~~كالخفين ويجعل البرء كانقضاء مدة المسح فيقول ببطلان طهارة المحل، كما قالوا في ~~الخف، والأول أصح، وهو: أنها إذا سقطت سقوط برء كان بمنزلة حلق شعر الرأس ~~وتقليم الأظفار، وبمنزلة كشط الجلد لا يوجب إعادة غسل الجنابة عليها إذا كان قد ~~مسح عليها من الجنابة، وكذلك في الوضوء لا يجب غسل المحل ولا إعادة ~~الوضوء. كما قيل: إنه يجب في خلع الخف، والطهارة وجبت في المسح على ~~الخفين ليكون إذا أحدث يتعلق الحدث بالخفين؛ فيكون مسحهما كغسل الرجلين، ~~بخلاف ما إذا تعلق الحدث بالقدم فإنه لا بد من غسله. # ثم قيل: إن المسح لا يرفع الحدث عن الرجل، فإذا خلعها كان كأنه لا يمسح ~~عليها فيغسلها عند من لا يشترط الموالاة، ومن يشترط الموالاة يعيد الوضوء. وقيل: ~~بل حدثه ارتفع رفعا مؤقتا إلى حين انقضاء المدة وخلع الخف، لكن لما خلعه انقضت ~~الطهارة فيه، والطهارة الصغرى لا تتبعض لا في ثبوتها ولا في زوالها؛ فإن حكمها ~~يتعلق بغير محلها، فإنها غسل اعضباء أربعة والبدن كله يصير طامرا، فإذا غسل عضو ~~او عضوان لم يرتفع الحدث حتى يغسل الاربعة، وإذا انتقض الوضوء في عضو انتقض ~~في الجميع. # ومن قال هذا قال: إنه يعيد الوضوه رمثل هذا منتف في الجبيرة فإن الجبيرة PageV01P081 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0082.png) # 81 ~~يمسح عليها في الطهارة ms0078 الكبرى ولا يجزي فيها البدل، فعلم أن المسح عليها كالمسح ~~على الجلد والشعر . # ومن قال من أصحابنا : أنه إذا سقطت لبرء بطلت الطهارة أو غسل محلها، وإذا ~~سقطت لغير برء، فعلى وجهين، فإنهم جعلوها مؤقتة بالبرء، وجعلوا سقوطها بالبرء ~~كانقطاع مدة المسح. # وأما إذا سقطت قبل البرء فقيل : هي كما لو خلع الخف قبل المدة. وقيل: ~~لا تبطل الطهارة هنا، لأنه لا يمكن غسلها قبل البرء، بخلاف الرجل فإنه يمكن ~~غسلها إذا خلع الخف، فلهذا فرقوا بينها وبين الخف في أحد الوجهين، فإنه إذا تعذر ~~غسلها بقيت الطهارة بخلاف ما بعد البرء فإنه يمكن غسل محلها. # والقول بأن البرء كالوقت في الخفين ضعيف، فإن طهارة الجبيرة لا توقيت فيها ~~أصلا حتى يقال : إذا انقضى الوقت بطلت الطهارة بخلاف المسح على الخفين فإنه ~~مؤقت، ونزعها مشبه بخلع الخف، وهو أيضا تشبيه فاسد، فإنه إن شبه بخلعه قبل ~~انقضاء المدة ظهر الفرق، وإنما يشبه هذا نزعها قبل البرء وفيه الوجهان، وإن شبه ~~بخلعه قبل انقضاء المدة فوجود الخلع كعدمه، فإنه لا يجوز له حينئذ أن يمسح على ~~الخفين؛ لأن الشارع أمره بخلعها في هذه الحال، بخلاف الجبيرة فإن الشارع لم ~~يجعل لها وقتا، بل جعلها بمنزلة ما يتصل بالبدن من جلد وشعر وظفر، وذاك إذا ~~احتاج الرجل إلى إزالته إزالة ولم تبطل طهارته. # وقد ذهب بعض السلف إلى بطلانها وإنه يطهر موضعه، وهذا مشبه قول من ~~قال : مثل ذلك في الجبيرة. # ومن الناس من يقول : خلع الخف لا يبطل الطهارة. والقول الوسط أعدل ~~الأقوال، وإلحاق الجبيرة بما يتصل بالبدن أولى، كالوسخ الذي على يده والحناء، ~~والمسح على الجبيرة واجب لا يمكنه تخيير بينه وبين الغسل، فلو لم يجز المسح ~~عليها إذا شدها وهو محدث نقل إلى التيمم، وقد قدمنا أن طهارة المسح بالماء في ~~محل الغسل الواجب عليه أولى من طهارة المسح بالتراب في غير محل الغسل ~~الواجب؛ لأن الماء أولى من التراب، وما كان في محل الفرض فهو أولى به مما ms0079 ~~يكون في غيره. فالمسح على الخفين وعلى الجبيرة وعلى نفس العضو، كل ذلك خير ~~من التيمم حيث كان، ولأنه إذا شدها على حدث مسح عليها في الجنابة ففي الطهارة ~~الصغرى أولى . # وإن قيل: إنه لا يمسح عليها من الجنابة حتى يشدها على الطهارة، كان هذا ~~قولا بلا أصل يقاس عليه، وهو ضعيف جدا. PageV01P082 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0083.png) # وإن قيل: بل إذا شدها على الطهارة من الجنابة مسح عليها بخلاف ما إذا شدها ~~وهو جنب. # قيل: هو محتاج إلى شدها على الطهارة من الجنابة، فإنه قد يجنب - والماء ~~يضر جراحه ويضر العظم المكسور ويضر الفصاد - فيحتاج حينئذ أن يشده بعد الجنابة ~~ثم يمسح عليها. وهذه من أحسن المسائل. # والمقصود هنا: أن مسح الخف لا يستوعب فيه الخف، بل يجزي فيه مسح ~~بعضه كما وردت به السنة، وهو مذهب الفقهاء قاطبة، فعلم بذلك أنه ليس كل ~~ما بطن من القدم مسح ما يليه من الخف، بل إذا مسح ظهر القدم كان هذا المسح ~~مجزئا عن باطن القدم وعن العقب. # وحينئذ فإذا كان الخرق في موضع ومسح موضعا آخر، كان ذلك مسحا مجزئا ~~عن غسل جميع القدم، لا سيما إذا كان الخرق في مؤخر الخف وأسفله، فإن مسح ~~ذلك الموضع لا يجب بل ولا يستحب، ولو كان الخرق في المقدم فالمسح خطوط ~~بين الأصابع. # فإن قيل : مرادنا أن ما بطن يجزي عنه المسح وما ظهر يجب غسله. # قيل: هذا دعوى محل النزاع فلا تكون حجة، فلا نسلم أن ما ظهر من الخف ~~المخرق فرضه غسله! فهذا رأس المسألة، فمن احتج به كان مثبتا للشيء بنفسه. # وإن قالوا بأن المسح إنما يكون على مستور أو مغطى ونحو ذلك، كانت هذه ~~كلها عبارات عن معنى واحد، وهو دعوى رأس المسألة بلا حجة أصلا. والشارع ~~أمرنا بالمسح على الخفين مطلقا ولم يقيده، والقياس يقتضي، أنه لا يقيد. # والمسح على الخفين قد اشترط فيه طائفة من الفقهاء شرطين: # هذا أحدهما: وهو أن يكون ساترا لمحل الفرض. وقد تبين ضعف ms0080 هذا ~~الشرط . # والثاني : أن يكون الخف يثبت بنفسه . وقد اشترط ذلك الشافعي ومن وافقه من ~~أصحاب أحمد، فلو لم يثبت إلا بشده بشيء يسير أو خيط متصل بة أو منفصل عنه ~~ونحو ذلك. لم يمسح، وإن ثبت بنفسه لكنه لا يستر جميع المحل إلا بالشد- ~~كالزربول الطويل المشقوق: يثبت بنفسه لكن لا يستر إلى الكعبين إلا بألشد - ففيه ~~وجهان أصحهما أنه يمسح عليه. وهذا الشرط لا أصل له في كلام أحمد، بل ~~المنصوص عنه في غير موضع أنه يجوز المسح على الجوربين وإن لم يثبتا بانفسهما، ~~بل بنعلين تحتهما، وإنه يمسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين. فإذا كان أحمد ~~لا يشترط في الجوريين أن يثبتا بانفسهما بل إذا ثبتا بالنعلين جاز المسح عليهما، PageV01P083 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0084.png) ~~فغيرهما بطريق الأولى، وهنا قد ثبتا بالنعلين وهما منفصلان عن الجوربين. فإذا ثبت ~~الجوربان بشدهما بخيوطهما كان المسح عليهما أولى بالجواز. # وإذا كان هذا في الجوربين، فالزربول الذي لا يثبت إلا بسير يشده به متصلا به ~~أو منفصلا عنه أولى بالمسح عليه من الجوربين. # وهكذا ما يلبس على الرجل من فرو وقطن وغيرهما، إذا ثبت ذلك بشدهما ~~بخيط متصل أو منفصل مسح عليهما بطريق الأولى. # فإن قيل : فيلزم من ذلك جواز المسح على اللفائف، وهو : أن يلف على الرجل ~~لفائف من البرد أو خوف الحفاء أو من جراح بهما ونحو ذلك. # قيل : في هذا وجهان ذكرهما الحلواني. والصواب أنه يمسح على اللفائف، ~~وهي بالمسح أولى من الخف والجورب، فإن تلك اللفائف إنما تستعمل للحاجة في ~~العادة وفي نوعها ضرر : إما إصابة البرد، وإما التأذي بالحفاء، وإما التأذي بالجرح. ~~فإذا جاز المسح على الخفين والجوربين فعلى اللفائف بطريق الأولى. # ومن ادعى في شيء من ذلك إجماعا فليس معه إلا عدم العلم، ولا يمكنه أن ~~ينقل المنع عن عشرة من العلماء المشهورين فضلا عن الإجماع. والنزاع في ذلك ~~معروف في مذهب أحمد وغيره؛ وذلك أن أصل المسح على الخفين خفي على كثير ~~من السلف والخلف؛ حتى إن ms0081 طائفة من الصحابة أنكروه، وطائفة من فقهاء أهل ~~المدينة وأهل البيت أنكروه مطلقا، وهو رواية عن مالك؛ والمشهور عنه جوازه في ~~السفر دون الحضر. # وقد صنف الإمام أحمد كتابا كبيرا في «الأشربة» في تحريم المسكر ولم يذكر فيه ~~خلافا عن الصحابة، فقيل له في ذلك فقال : هذا صح فيه الخلاف عن الصحابة بخلاف ~~المسكر. ومالك مع سعة علمه وعلو قدره قال في «كتاب السر» : لأقولن قولا لم أقله قبل ~~ذلك في علانية. وتكلم بكلام مضمونه إنكاره: إما مطلقا؛ وإما في الحضر. وخالفه ~~أصحابه في ذلك، وقال ابن وهب : هذا ضعف له حيث لم يقله قبل ذلك علانية. # والذين جوزوه منع كثير منهم من المسح على الجرموقين الملبوسين على ~~المنبن ال الق رته بنعرا البح على الجيبدب بعله لببلبة فا اذ مذنا لباب ~~يجوزون المسح حيث يظهر ظهورا لا حيلة فيه، ولا يطردون فيه قياسا صحيحا ~~ولا يتمسكون بظاهر النص المبيح، والا فمن تدبر الفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم عطى القياس ~~حقه، علم أن الرخصة منه في هذا الباب واسعة؛ وأن ذلك من محاسن الشريعة ومن ~~الحنيفية السمحة التي بعث بها. PageV01P084 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0085.png) # وقد كانت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خمارها، فهل تفعل ذلك بدون ~~إذنه ?! وكان أبو موسى الأشعري وأنس بن مالك يمسحان على القلانس؛ ولهذا جوز ~~أحمد هذا وهذا في إحدى الروايتين عنه؛ وجوز أيضا المسح على العمامة؛ لكن ~~أبو عبد الله بن حامد رأى أن العمامة التي ليست محنكة المقتطعة: كان أحمد يكره ~~لبسها. وكذا مالك يكره لبسها أيضا لما جاء في ذلك من الآثار؛ وشرط في المسح ~~عليها أن تكون محنكة. واتبعه على ذلك القاضي وأتباعه، وذكروا فيها - إذا كان لها ~~ذؤابة - وجهين. # وقال بعض أصحاب أحمد: إذا كان أحمد في إحدى الروايتين يجوز المسح ~~على القلانس الدنيات - وهي القلانس الكبار - فلأن يجوز ذلك على العمامة بطريق ~~الأولى والأحرى. والسلف كانوا يحنكون عمائمهم لأنهم كانوا يركبون الخيل ~~ويجاهدون في سبيل الله؛ ms0082 فإن لم يربطوا العمائم بالتحنيك وإلا سقطت ولم يمكن ~~معها طرد الخيل؛ ولهذا ذكر أحمد عن أهل الشام أنهم كانوا يحافظون على هذه السنة ~~لأجل أنهم كانوا في زمنه هم المجاهدون. وذكر إسحاق بن راهويه بإسناده أن أولاد ~~المهاجرين والأنصار كانوا يلبسون العمائم بلا تحنيك؛ وهذا لأنهم كانوا في الحجاز ~~في زمن التابعين لا يجاهدون. ورخص إسحاق وغيره في لبسها بلا تحنيك، والجند ~~المقاتلة لما احتاجوا إلى ربط عمائمهم صاروا يربطونها: إما بكلاليب؛ وإما بعصابة ~~ونحو ذلك. وهذا معناه معنى التحنيك، كما أن من السلف من كان يربط وسطه ~~بطرف عمامته، والمناطق يحصل بها هذا المقصود. وفي نزع العمامة المربوطة بعصابة ~~وكلاليب من المشقة ما في نزع المحنكة. # وقد ثبت المسح على العمامة عن الني صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة، لكن العلماء ~~فيها على ثلاثة أقوال: # منهم من يقول : الفرض سقط بمسح ما بدا من الرأس؛ والمسح على العمامة ~~مستحب. وهذا قول الشافعي وغيره. # ومنهم من يقول : بل الفرض سقط بمسح العمامة ومسح ما بدا من الرأس؛ كما ~~في حديث المغيرة. وهل هو واجب لأنه فعله في حديث المغيرة؛ أو ليس بواجب ~~لأنه لم يأمر به في سائر الأحاديث؟ على روايتين. وهذا قول أحمد المشهور عنه # ومنهم من يقول: بل إنما كان المسح على العمامة لأجل الضرر، وهو ما إذا ~~حصل بكشف الرأس ضرر من برد ومرض؛ فيكون من جنس المسح على الجبيرة، ~~كما جاء : إنهم كانوا في سرية فشكوا البرد فامرهم أن يمسحوا على التساخين ~~والعصائب - والعصائب هي العمائم - ومعلوم أن البلاد البادرة يحتاج فيها من يمسح ~~التساخين والعصانب ما لأ يحتاج إليه في أرض الحجاز، فأمل الشمام والروم ونحو PageV01P085 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0086.png) ~~هذه البلاد أحق بالرخصة في هذا وهذا من أهل الحجاز، والماشون في الأرض الحزنة ~~والوعرة أحق بجواز المسح على الخف من الماشين في الأرض السهلة، وخفاف ~~هؤلاء في العادة لا بد أن يؤثر فيها الحجر؛ فهم برخصة المسح على الخفاف المخرقة ~~أولى من غيرهم. # ثم ms0083 المانع من ذلك يقول : إذا ظهر بعض القدم لم يجز المسح، فقد يظهر شيء ~~يسير من القدم كموضع الخرز - وهذا موجود في كثير من الخفاف - فإن منعوا من ~~المسح عليها ضيقوا تضييقا يظهر خلافه للشريعة بلا حجة معهم أصلا. # فإن قيل : هذا لا يمكن غسله حتى يقولوا : فرضه الغسل، وإن قالوا: هذا يعفى ~~عنه لم يكن لهم ضابط فيما يمنع وفيما لا يمنع. # والذي يوضح هذا أن قولهم: إذا ظهر بعض القدم إن أرادوا ظهوره للبصر ~~فأبصار الناس مع اختلاف إدراكها قد يظهر لها من القدم ما لا يمكن غسله، وإن ~~أرادوا ما يظهر ويمكن مسه باليد فقد يمكن غسله بلا مس . وإن قالوا: ما يمكن ~~غسله فالإمكان يختلف، قد يمكن مع الجرح ولا يمكن بدونه، فإن سم الخياط يمكن ~~غسله إذا وضع القدم في مغمزه وصبر عليه حتى يدخل الماء في سم الخياط، مع أنه ~~قد لا يتيقن وصول الماء عليه إلا بخضخضة ونحوها، ولا يمكن غسله كما يغسل ~~القدم، وهذا على مذهب أحمد أقوى؛ فإنه يجوز المسح على العمامة إذا لبست على ~~الوجه المعتاد وإن ظهر من جوانب الرأس ما يمسح عليه، ولا يجب مسح ذلك. # وهل يجوز المسح على الناصية مع ذلك? فيه عنه روايتان. فلم يشترط في ~~الممسوح أن يكون ساترا لجميع محل الفرض، وأوجب الجمع بين الأصل والبدل ~~على إحدى الروايتين. والشافعي أيضا يستحب ذلك كما يستحبه أحمد في الرواية ~~الأخرى، فعلم أن المعتبر في اللباس أن يكون على الوجه المعتاد، سواء ستر جميع ~~محل الفرض أو لم يستره. والخفاف قد اعتيد فيها أن تلبس مع الفتق والخرق وظهور ~~بعض الرجل؛ وأما ما تحت الكعبين فذاك ليس بخف أصلا، ولهذا يجوز للمحرم ~~لبسه مع القدرة على النعلين في أظهر قولي العلماء كما سنذكره إن شاء الله تعالى، ~~ونبين نسخ الأمر بالقطع؛ وأنه إنما أمر به حين لم يشرع البدل أيضا. # فالمقدمة الثانية من دليلهم - وهو قولهم: يمكن الجمع بين الأصل والبدل - ~~ممنوع على أصل الشافعي ms0084 وأحمد؛ فإن عندهما يجمع بين التيمم والغسل فيما إذا ~~أمكن غسل بعض البدن دون البعض؛ لكون الباقي جريحا؛ أو لكون الماء قليلا، ~~ويجمع بين مسح بعض الرأس مع العمامة كما فعل النبي صلى الله علي ولم م تبوك؛ فلو قدر أن ~~الله تعالى أوجب مسح الخفين كما أوجب غسل جميع البدن، أمكن أن يغسل ما ظهر PageV01P086 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0087.png) ~~ويمسح ما بطن؛ كما يفعل مثل ذلك في الجبيرة؛ فإنه إذا ربطها على بعض مكان ~~مسح الجبيرة وغسل أو مسح ما بينهما فجمع بين الغسل والمسح في عضو واحد، ~~فتبين أن سقوط غسل ما ظهر من القدم لم يمكن لأنه لا يجمع بين الأصل والبدل؛ ~~بل لأن مسح ظهر الخف ولو خطا بالأصابع يجزئ عن جميع القدم فلا يجب غسل ~~شيء منه، لا ما ظهر ولا ما بطن، كما أمر صاحب الشرع لأمته، إذ أمرهم إذا كانوا ~~مسافرين أن لا ينزعوا خفافهم ثلاثة أيام ولياليهن، لا من غائط ولا بول ولا نوم ~~فاي خف كان على أرجلهم دخل في مطلق النص? # كما أن قوله صلى الله عليه وسلم ما سئل ما يلبس المحرم من الثياب? فقال : لا يلبس ~~القميص ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف! ومن لم يجد ~~نعلين فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين»1 هكذا رواه ابن عمر، ~~وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم تطب بذلك لما كان بالمدينة ولم يكن حينئذ قد شرعت رخصة ~~البدل. فلم يرخص لهم لا في لبس السراويل إذا لم يجدوا الإزار، ولا في لبس ~~الخف مطلقا. # ثم أنه في عرفات بعد ذلك قال : السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفاف لمن ~~لم يجد النعلين»2 ، هكذا رواه ابن عباس وحديثه في الصحيحين، ورواه جابر ~~وحديثه في مسلم، فأرخص لهم بعرفات في البدل، فأجاز لهم لبس السراويل إذا لم ~~يجدوا الإزار بلا فتق، وعليه جمهور العلماء، فمن اشترط فتقه خالف النص، وأجاز ~~لهم حينئذ لبس الخفين إذا لم يجدوا النعلين بلا قطع، فمن ms0085 اشترط القطع فقد خالف ~~النص، فإن السراويل المفتوق والخف المقطوع لا يدخل في مسمى السراويل والخف ~~عند الإطلاق، كما أن القميص إذا فتق وصار قطعا لم يسم سراويل، وكذلك البرنس ~~وغير ذلك. فإنما أمر بالقطع أولا لأن رخصة البدل لم تكن شرعت، فأمرهم بالقطع ~~حينئذ لأن المقطوع يصير كالنعلين، فإنه ليس بخف. ولهذا لا يجوز المسح عليه ~~باتفاق المسلمين، فلم يدخل في إذنه في المسح على الخفين. # ودل هذا على أن كل ما يلبس تحت الكعبين من مداس وجمجم وغيرهما ~~كالخف المقطوع تحت الكعبين أولى بالجواز، فتكون اباحته اصلية كما تباح النعلان، ~~لا أنه ابيح على طريق البدل، وانما المباح على طريق البدل هو الخف المطلق ~~والسراويل. # ودلت نصوصه الكريمة والفاظه الشريفة التي هي مصابيح الهدى على أمور ~~يحتاج الناس إلى معرفتها قد تنازع فيها العلماء: PageV01P087 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0088.png) # منها : أنه لما أذن للمحرم إذا لم يجد النعلين يلبس الخف : إما مطلقا وإما مع ~~القطع، كان ذلك إذنا في كل ما يسمى خفا، سواء كان سليما أو معيبا. وكذلك لما ~~أذن في المسح على الخفين كان ذلك إذنا في كل خف، وليس المقصود قياس حكم ~~على حكم حتى يقال : ذاك أباح له لبسه وهذا أباح المسح عليه، بل المقصود أن لفظ ~~الخف في كلامه يتناول هذا بالإجماع . فعلم أن لفظ الخف يتناول هذا وهذا، فمن ~~ادعى في أحد الموضعين أنه أراد بعض أنواع الخفاف فعليه البيان. وإذا كان الخف في ~~لفظه مطلقا - حيث أباح لبسه للمحرم، وكل خف جاز للمحرم لبسه وإن قطعه - جاز ~~له أن يمسح عليه إذا لم يقطعه. # الثاني : أن المحرم إذا لم يجد نعلين ولا ما يشبه النعلين - من خف مقطوع أو ~~جمجم أو مداس أو غير ذلك - فإنه يلبس أي خف شاء ولا يقطعه . هذا أصح قولي ~~العلماء، وهو ظاهر مذهب أحمد وغيره؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ان بذلك في عرفات بعد نهيه ~~عن لبس الخف مطلقا، وبعد أمره من لم يجد أن يقطع، ms0086 ولم يأمرهم بعرفات بقطع؛ ~~مع أن الذين حضروا بعرفات كان كثير منهم أو أكثرهم لم يشهدوا كلامه بالمدينة، بل ~~حضر من مكة واليمن والبوادي وغيرها خلق عظيم حجوا معه لم يشهدوا جوابه ~~بالمدينة على المنبر ، بل أكثر الذين حجوا معه لم يشهدوا ذلك الجواب. # وذلك الجواب لم يذكره ابتداء لتعليم جميع الناس، بل سأله سائل وهو على ~~المنبر : ما يلبس المحرم من الثياب ? فقال : لا يلبس القميص، ولا العمائم، ~~ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا من لم يجد نعلين فليلبس خفين ~~وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، وابن عمر لم يسمع منه إلا هذا، كما إنه في ~~المواقيت لم يسمع إلا ثلاثة مواقيت قوله : أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام ~~الجحفة، وأهل نجد قرن، قال ابن عمر: وذكر لي - ولم أسمع - أن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقت لأهل اليمن يلملم، وهذا الذي ذكر له صحيح قد ثبت في إلصحيحين عن ~~لنبي صلى الله عليه وسلمن رواية ابن عباس، فابن عباس أخبر : أن النبي صلى الله عليه وسلم فت لأهل اليمن ~~يلملم، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ~~ولأهل اليمن يلملم. وقال : هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد ~~الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة فكان ~~عند ابن عباس من العلم بهذه السنة ما لم يكن عند ابن عمر . وفي حديثه ذكر أربعة ~~مواقيت، وذكر أحكام الناس كلهم إذا مروا عليها أو أحرموا من دونها. # والنبي صلى الله علي وسلم ان يبلغ الدين بحسب ما أمر الله به، فلما كان أهل المدينة قد PageV01P088 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0089.png) ~~أسلموا وأسلم أهل نجد وأسلم من كان من ناحية الشام وقت الثلاث، وأهل اليمن ~~إنما أسلموا بعد ذلك، ولهذا لم ير أكثرهم النبي صلى الله عليه وسلم ال كانوا مخضرمين، فلما ~~أسلموا وقت الني صلى الله عليه وسلم قال : أتاكم أهل اليمن ! هم أرق قلوبا وألين ms0087 أفئدة، الإيمان ~~يماني، والفقه يماني، والحكمة يمانية ثم قد روي عنه أنه لما فتحت أطراف ~~العراق وقت لهم ذات عرق، كما روى مسلم هذا من حديث جابر21 ، لكن قال ابن ~~الزبير فيه : أحسبه عن النبي صلى الله عليهوسلم، وقطع به غيره. وروي ذلك من حديث عائشة، ~~فكان ما سمعه هؤلاء أكثر مما سمعه غيرهم. # وكذلك ابن عباس وجابر في ترخيصه في الخف والسراويل، ففي الصحيحين ~~عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب بعرفات يقول : «السراويلات ~~لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين # وفي صحيح مسلم عن جابر : من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد ~~إزارا فليلبس سراويل. فهذا كلام مبتدأ مد صلى الله عليه وسلم بن فيه في عرفات - وهو أعظم ~~مجمع كان له - أن من لم يجد إزارا فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس ~~الخفين. ولم يأمر بقطع ولا فتق، وأكثر الحاضرين بعرفات لم يشهدوا خطبته وما ~~سمعوا أمره بقطع الخفين، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فعلم أن هذا ~~الشرع الذي شرعه الله على لسانه بعرفات لم يكن شرع بعد بالمدينة، وإنه بالمدينة ~~إنما أرخص في لبس النعلين وما يشبههما من المقطوع، فدل ذلك على أن من عدم ~~ما يشبه الخفين يلبس الخف. # الثالث: إنه دل على أنه يلبس سراويل بلا فتق. وهو قول الجمهور والشافعي ~~وأحمد. # الرابع: إنه دل على أن المقطوع كالنعلين يجوز لبسهما مطلقا، ولبس ~~ما أشبههما من جمجم ومداس وغير ذلك. وهذا مذهب أبي حنيفة ووجه في مذهب ~~أحمد وغيره، وبه كان يفتي جدي أبو البركات رحمه الله في آخر عمره لما حج. # وأبو حنيفة رحمه الله تعالى تبين له من حديث ابن عمر: أن المقطوع لبسه أصل ~~لا بدل له، فيجوز لبسه مطلقا. وهذا فهم صحيح منه دون فهم من فهم أنه بدل. # والثلاتة تبين لهم أن النبلى ال عليه وسم نخص في البدل وهو الخف ولبس السراويل، PageV01P089 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0090.png) ms0088 ~~فمن لبس السراويل إذا عدم الأصل فلا فدية عليه. وهذا فهم صحيح. # وأحمد فهم من النص المتأخر الذي شرع فيه البدلان أنه ناسخ للقطع المتقدم. ~~وهذا فهم صحيح. # وأبو حنيفة لم يبلغه هذا فأوجب الفدية على كل من لبس خفا أو سراويل إذا لم ~~يفتقه وإن عدم، كما قال ذلك ابن عمر وغيره. وزاد أن الرخصة في ذلك إنما هي ~~للحاجة، والمحرم إذا احتاج إلى محظور فعله وافتدى. # وأما الأكثرون فقالوا : من لبس البدل فلا فدية عليه، كما أباح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعرفات ولم يأمر معه بفدية ولا فتق، قالوا: والناس كلهم محتاجون إلى لبس ~~ما يسترون به عوراتهم وما يلبسونه في أرجلهم، فالحاجة إلى ذلك عامة، وما احتاج ~~إليه العموم لم يحظر عليهم ولم يكن عليهم فيه فدية، بخلاف ما احتيج إليه لمرض أو ~~برد، ومن ذلك حاجة لعارض؛ ولهذا أرخص النبي صلى الله عليه وسلم لنساء في اللباس مطلقا من ~~غير فدية، ونهى المحرمة عن النقاب والقفازين؛ فإن المرأة لما كانت محتاجة إلى ستر ~~بدنها لم يكن عليها في ستره فدية. # وكذلك حاجة الرجال إلى السراويل والخفاف إذا لم يجدوا الإزار والنعال، وابن ~~عمر رضي الله عنه لما لم يسع إلا حديث القطع أخذ بعمومه، فكان يأمر النساء بقطع ~~الخفاف! حتى أخبروه بعد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم خص للنساء في لبس ذلك، كما إنه لما ~~سمع قوله : «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت»1 أخذ بعمومه في حق الرجال ~~والنساء، فكان يأمر الحائض أن لا تنفر حتى تطوف. وكذلك زيد بن ثابت كان يقول ~~ذلك، حتى أخبروهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خص للحيض أن ينفرن بلا وداع. # وتناظر في ذلك زيد وابن عباس وابن الزبير لما سمعا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس ~~الحرير أخذا بالعموم، فكان ابن الزبير يأمر الناس بمنع نسائهم من لبس الحرير، وكان ~~بن عمر ينهى عن قليله وكثيره، فينزع خيوط الحرير من ms0089 الثوب. وغيرهما سمع ~~الرخصة للحاجة، وهو الإرخاص للنساء وللرجال في اليسير وفيما يحتاجون إليه ~~اللتداوي وغيره؛ لأن ذلك حاجة عامة. # وهكذا اجتهاد العلماء رضي الله عنهم في النصوص : يسمع أحدهم النص ~~المطلق فيأخذ به، ولا يبلغه ما يبلغ مثله من تقييده وتخصيصه، والله لم يحرم على ~~الناس في الإحرام ولا غيره ما يختاجون إليه حاجة عامة، ولا أمر مع هذه الرخصة ~~في الحاجة العامة أن يفسد الإنسان خفه أو سراويله بقطع أو فتق، كما أفتى بذلك ابن ~~عباس وغيره ممن سمع السنة المتأخرة، وإنما أمر بالقطع أولا ليصير المقطوع PageV01P090 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0091.png) ~~كالنعل، فأمر بالقطع قبل أن يشرع البدل، لأن المقطوع يجوز لبسه مطلقا، وإنما قال: ~~لمن لم يجد لأن القطع مع وجود النعل إفساد للخف، وإفساد المال من غير ~~حاجة : منهي عنه، بخلاف ما إذا عدم الخف، فلهذا جعل بدلا في هذه الحال لأجل ~~فساد المال، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ال : لإذا قام أحدكم في الصلاة فإنه ~~يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه! ولكن عن شماله أو تحت قدمه ~~هذه رواية أنس. # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم خامة في قبلة المسجد ~~فأقبل على الناس فقال : لما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه? أيحب أحدكم ~~أن يستقبل فيتنخع في وجهه ? فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه، فإن ~~لم يجد - قال هكذا - وتفل في ثوبه ووضع بعضه على بعض» فأمره بالبصاق في ~~الثوب إذا تعذر لا لأن البصاق في الثوب بدل شرعي، لكن مثل ذلك يلوث الثوب من ~~غير حاجة. # وفي الاستجمار أمر بثلاثة أحجار فمن لم يجد فثلاث حثيات من تراب، لأن ~~التراب لا يتمكن به كما يتمكن بالحجر لا لأنه بدل شرعى . ونظائره كثيرة، فدلت ~~نصوصه الكريمة على أن الصواب في هذه المسائل توسعة شريعته الحنيفية، وأنه ~~ما جعل على أمته من حرج. وكل قول دلت عليه نصوصه قالت به طائفة ms0090 من العلماء ~~رضي الله عنهم، فلم تجمع الأمة - ولله الحمد - على رد شيء من ذلك، إذ كانوا ~~لا يجتمعون على ضلالة، بل عليهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى الرسول ~~وإذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول تبين كمال دينه وتصديق بعضه لبعض. وأن ~~من أفتى من السلف والخلف بخلاف ذلك - مع اجتهاده وتقواه لله بحسب استطاعته - ~~فهو مأجور في ذلك لا إثم عليه، وإن كان الذي أصاب الحق فيعرفه له أجران وهو ~~أعلم منه، كالمجتهدين في جهة الكعبة. # وابن عمر رضي الله عنه كان كثير الحج وكان يفتي الناس في المناسك كثيرا، ~~وكان في آخر عمره قد احتاج إليه الناس والى علمه ودينه؛ إذ كأن ابن عباس مات ~~قبله، وكان ابن عمر يفتي بحسب ما سمعه وفهمه؛ فلهذا يوجد في مسائله أقوال فيها ~~ضيق، لورعه ودينه رضي الله عنه وأرضاه، وكان قد رجع عن كثير منها، كما رجع ~~عن أمر النساء بقطع الخفين، وعن الحائض أمر أن لا تنفر حتى تودع، وغير ذلك. ~~وكان يأمر الرجال بالقطع، إذ لم يبلغه الخبر الناسخ. PageV01P091 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0092.png) # وأما ابن عباس؛ فكان يبيح للرجال لبس الخف بلا قطع إذا لم يجدوا النعلين، ~~لما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات. وكذلك كان ابن عمر ينهي المحرم عن الطيب حتى ~~يطوف اتباعا لعمر . وأما سعد وابن عباس وغيرهما من الصحابة فبلغتهم سنة ~~رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم، من طريق عائشة رضي الله عنها أنه تطيب لإحرامه قبل أن يحرم، ~~ولحله قبل أن يطوف بالبيت، فأخذوا بذلك. # وكذلك ابن عمر رضي الله عنه كان إذا مات المحرم يرى إحرامه قد انقطع، ~~فلما مات ابنه كفنه في خمسة أثواب، واتبعه على ذلك كثير من الفقهاء. وابن عباس ~~علم حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اغسلوه بماء وسدر ~~وكفنوه في ثوبيه، ولا تقربوه طيبا ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ~~فأخذ بذلك، وقال : الإحرام ms0091 باق، يجتنب المحرم إذا مات ما يجتنبه غيره وعلى ذلك ~~فقهاء الحديث وغيرهم. # وكذلك الشهيد . روي عن ابن عمر أنه سئل عن تغسيله? فقال: غسل عمر وهو ~~شهيد . والأكثرون بلغهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد وقوله: زملوهم بكلومهم ~~ودمائهم، فإن أحدهم يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون دم والريح ريح ~~مسك ، والحديث في الصحاح، فأخذوا بذلك في شهيد المعركة إذا مات قبل أن ~~يرتث. ونظائر ذلك كثيرة. # واتفق العلماء على أن المحرم يعقد الإزار إذا احتاج إلى ذلك؛ لأنه إنما يثبت ~~بالعقد . وكره ابن عمر للمحرم أن يعقد الرداء، كأنه رأى أنه إذا عقد عقدة صار يشبه ~~القميص الذي ليس له يدان. واتبعه على ذلك أكثر الفقهاء فكرهوه كراهة تحريم، ~~فيوجبون الفدية إذا فعل ذلك. وأما كراهة تنزيه، فلا يوجبون الفدية، وهذا أقرب. ~~ولم ينقل أحد من الصحابة كراهة عقد الرداء الصغير الذي لا يلتحف ولا يثبت بالعادة ~~إلا بالعقد، أو ما يشبهه مثل الخلال وربط الطرفين على حقوه ونحو ذلك، وأهل ~~الحجاز أرضهم ليست باردة، فكانوا يعتادون لبس الأزر والأردية، ولبس السراويل ~~قليل فيهم، حتى إن منهم من كان لا يلبس السراويل قط، منهم عثمان بن عفان ~~وغيره، بخلاف أهل البلاد الباردة لو اقتصروا على الأزر والأردية لم يكفهم ذلك، بل ~~يحتاجون إلى القميص والخفاف والفراء والسراويلات؛ ولهذا قال الفقهاء: يستحب ~~مع الرداء الإزار، لأنه يستر الفخذين. ويستحب مع القميص السراويل لأنه أستر ومع PageV01P092 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0093.png) ~~القميص لا يظهر تقاطيع الخلق، والقميص فوق السراويل يستر، بخلاف الرداء فوق ~~السراويل فإنه لا يستر تقاطيع الخلق. # وأما الرداء فوق السراويل فمن الناس من يستحبه تشبها بهم . ومنهم من ~~لا يستحبه لعدم المنفعة فيه؛ ولأن عادتهم المعروفة لبسه مع الإزار. ومن اعتاد الرداء ~~ثبت على جسده بعطف أحد طرفيه، وإذا حج من لم يتعود لبسه وكان رداؤه صغيرا لم ~~يثبت إلا بعقده؛ وكانت حاجتهم إلى عقده كحاجة من لم يجد النعلين إلى الخفين. ~~فإن الحاجة إلى ms0092 ستر البدن قد تكون أعظم من الحاجة إلى ستر القدمين؛ والتحفي في ~~المشي يفعله كثير من الناس . وأما إظهار بدنه للحر والبرد والريح والشمس فهذا يضر ~~غالب الناس. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم آز المصلي بستر ذلك فقال : لا يصلين بالثوب الواحد ~~ليس على عاتقه منه شيء، وتجوز الصلاة حافيا، فعلم أن ستر هذا إلى الله أحب ~~من ستر القدمين بالنعلين؛ فإذا كان ذلك للحاجة العامة رخص فيه في البدن من غير ~~فدية فلأن يرخص في هذا بطريق الأولى والأحرى. # فإن قيل: فينبغي أن يرخص في لبس القميص والجبة ونحوهما لمن لم يجد ~~الرداء. # قيل: الحاجة تندفع بأن يلتحف بذلك عرضا مع ربطه وعقد طرفيه فيكون ~~كالرداء، بخلاف ما إذا لم يمكنه الربط فإن طرفي القميص والجبة ونحوهما لا يثبت ~~على منكبيه. وكذلك الأردية الصغار. فما وجده المحرم من قميص وما يشبهه ~~كالجبة؛ ومن برنس وما يشبهه من ثياب مقطعة، أمكنه أن يرتدي بها إذا ربطها ~~فيجب أن يرخص له في ذلك لو كان العقد في الأصل محظورا؛ وكذلك إن كان ~~مكروها؛ فعند الحاجة تزول الكراهة، كما رخص له أن يلبس الهميان لحفظ ماله، ~~ويعقد طرفيه إذا لم يثبت إلا بالعقد؛ وهو إلى ستر منكبيه أحوج، فرخص له عقد ~~ذلك عند الحاجة بلا ريب، والنبي صلى الل عليه وسلم يذكر فيما يحرم على المحرم وما ينهى عنه ~~لفظا عاما يتناول عقد الرداء، بل س صلى ال عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب فقال : لا ~~يلبس القميص ولا البرانس ولا العمائم ولا السراويلات ولا آلخفاف، إلا من لم يجد ~~نعلين»(2) الحديث. # فنهى عن خمسة أنراع من الثياب التي تلبس على البدن وهي القميص، وفي ~~معناه الجبة واشباهها؛ فإنه لم يرد تخريم هذه الخمسة فقط؛ بل أراد تحريم هذه PageV01P093 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0094.png) ~~الأجناس ونبه على كل جنس بنوع منها. وذكر ما احتاج المخاطبون إلى معرفته؛ وهو ~~ما كانوا يلبسونه غالبا. والدليل على ذلك : ما ثبت عنه في الصحيحين أنه سئل ms0093 قبل ~~ذلك عمن أحرم بالعمرة وعليه جبة فقال : لانزع عنك الجبة واغسل عنك أثر ~~الخلوق؛ واصنع في عمرتك ما كنت صانعا في حجك. وكان هذا في عمرة ~~القضية ، فعلم أن تحريم الجبة كان مشروعا قبل هذا ولم يذكرها بلفظها في الحديث. # وأيضا فقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال في المحرم الذي وقصته ناقته: «ولا ~~تخمروا رأسه وفي مسلم : «ووجهه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا، فنهاهم عن ~~تخمير رأسه لبقاء الإحرام عليه لكونه يبعث يوم القيامة ملبيا، كما أمرهم أن لا يقربوه ~~طيبا ؛ فعلم أن المحرم ينهى عن هذا وهذا. وإنما في هذا الحديث النهي عن لبس ~~العمائم، فعلم أنه أراد النهي عن ذلك وعما يشبهه في تخمير الرأس؛ فذكر ما يخمر ~~الرأس وما يلبس على البدن كالقميص والجبة؛ وما يلبس عليهما جميعا وهو البرنس، ~~وذكر ما يلبس في النصف الأسفل من البدن وهو السراويل والثياب؛ والتبان في ~~معناه . وكذلك ما يلبس في الرجلين وهو الخف، ومعلوم أن الجرموق والجورب في ~~معناه، فهذا ينهى عنه المحرم فكذلك يجوز عليه المسح للحلال، والمحرم الذي جاز ~~له لبسه فإن الذي نهى عنه المحرم أمر بالمسح عليه. # وهذا كما أنه لما أمر بالاستجمار بالأحجار لم يختص الحجر إلا لأنه كان ~~الموجود غالبا؛ لا لأن الاستجمار بغيره لا يجوز ؛ بل الصواب قول الجمهور في ~~جواز الاستجمار بغيره كما هو أظهر الروايتين عن أحمد لنهيه عن الاستجمار بالروث ~~والرمة، وقال : إنهما طعام إخوانكم من الجن، فلما نهى عن هذين تعليلا بهذه ~~العلة علم أن الحكم ليس مختصا بالحجر وإلا لم يحتج إلى ذلك. # وكذلك أمره بصدقة الفطر بصاع من تمر أو شعير؛ هو عند أكثر العلماء لكونه ~~كان قوتا للناس، فأهل كل بلد يخرجون من قوتهم وإن لم يكن من الأصناف ~~الخمسة، كالذين يقتاتون الرز أو الذرة؛ يخرجون من ذلك عند أكثر العلماء، وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد. # وليس نهيه عن الاستجمار بالروث والرمة إذنا في الاستجمار بكل شيء، بل ~~الاستجمار بطعام الآدميين وعلف دوابهم ms0094 أولى بالنهي عنه من طعام الجن وعلف PageV01P094 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0095.png) ~~دوابهم، ولكن لما كان من عادة الناس أنهم لا يتوقون الاستجمار بما نهى عنه من ~~ذلك؛ بخلاف طعام الإنس وعلف دوابهم فإنه لا يوجد من يفعله في العادة الغالبة. # وكذلك هذه الأصناف الخمسة نهى عنها وقد سئل ما يلبس المحرم من الثياب، ~~وظاهر لفظه أنه أذن فيما سواها؛ لأنه سئل عما يلبس لا عما لا يلبس؛ فلو لم يفد ~~كلامه الإذن فيما سواها لم يكن قد أجاب السائل، لكن كان الملبوس المعتاد عندهم ~~مما يحرم على المحرم هذه الخمسة - والقوم لهم عقل وفقه - فيعلم أحدهم أنه إذا ~~نهى عن القميص وهو طاق واحد فلأن ينهى عن المبطنة؛ وعن الجبة المحشوة؛ وعن ~~الفروة التي هي كالقميص؛ وما شاكل ذلك، بطريق الأولى والأحرى؛ لأن هذه ~~الأمور فيها ما في القميص وزيادة فلا يجوز أن يأذن فيها مع نهيه عن القميص. # وكذلك التبان أبلغ من السراويل، والعمامة تلبس في العادة فوق غيرها : إما ~~قلنسوة أو كلثة أو نحو ذلك، فإذا نهى عن العمامة التي لا تباشر الرأس فنهيه عن ~~القلنسوة والكلثة ونحوها مما يباشر الرأس: أولى؛ فإن ذلك أقرب إلى تخمير الرأس ~~والمحرم أشعث أغبر. # ولهذا قال في الحديث الصحيح - حديث المباهاة - : «أنه يدنو عشية عرفة ~~فيباهي الملائكة بأهل الموقف فيقول: انظروا إلى عبادي! أتوني شعثا غبرا ما أراد ~~هؤلاء? وشعث الرأس واغبراره لا يكون مع تخميره؛ فإن المخمر لا يصيبه الغبار ~~ولا يشعث بالشمس والريح وغيرهما؛ ولهذا كان من لبد رأسه يحصل له نوع متعة ~~بذلك يؤمر بالحلق فلا يقصر، وهذا بخلاف القعود في ظل أو سقف أو خيمة أو شجر ~~أو ثوب يظلل به؛ فإن هذا جائز بالكتاب والسنة والإجماع؛ لأن ذلك لا يمنع الشعث ~~ولا الإغبرار وليس فيه تخمير الرأس. # وإنما تنازع الناس فيمن يستظل بالمحمل؛ لأنه ملازم للراكب كما تلازمه ~~العمامة لكنه منفصل عنه، فمن نهى عنه اعتبر ملازمته له، ومن رخص فيه اعتبر ~~انفصاله عنه. فاما المنفصل الذي لا ms0095 يلازم فهذا يباح بالإجماع. والمتصل الملازم ~~منهي عنه باتفاق الأئمة. # ومن لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه ~~من أهل الظاهر؛ كالذين يقولون إن قوله: (فلا تفل لمما أو) لا يفيد ~~النهي عن الضرب. وهو إحدى الروايتين عن داود؛ واختاره ابن حزم، وهذا في غاية ~~الضعف، بل وكذلك قياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب، لكن عرف أنة أولى PageV01P095 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0096.png) ~~بالحكم من المنطوق بهذا فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من ~~السلف، فما زال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا. # كما أنه إذا قال في الحديث الصحيح : والذي نفسي بيده لا يؤمن - كررها ~~ثلاثا - قالوا : من يا رسول الله؟ قال : من لا يأمن جاره بوائقه»1 ، فإذا كان هذا ~~بمجرد الخوف من بوائقه، فكيف من فعل البوائق مع عدم أمن جاره منه ? كما في ~~الصحيح عنه أنه قيل له : أي الذنب أعظم? قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك، ~~قيل : ثم ماذا ? قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قيل : ثم أي? قال : «أن ~~تزاني بحليلة جارك ، ومعلوم أن الجار لا يعرف هذا في العادة، فهذا أولى بسلب ~~الإيمان ممن لا تؤمن بوائقه ولم يفعل مثل هذا. # وكذلك إذا قال : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثملا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)، فإذا كان هؤلاء ~~لا يؤمنون فالذين لا يحكمونه ويردون حكمه ويجدون حرجا مما قضى؛ لاعتقادهم ~~أن غيره أصح منه أو أنه ليس بحكم سديد أشد وأعظم. # وكذلك إذا قال : (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حاد الله ورسوله) ~~[المجادلة : 22]، فإذا كان بموادة المحاد لا يكون مؤمنا فأن لا يكون مؤمنا إذا حاد ~~بطريق الأولى والأحرى . وكذلك إذا نهى الرجل أن يستنجي بالعظم والروثة لأنهما ~~طعام الجن وعلف دوابهم؛ فإنهم يعلمون أن نهيه عن الاستنجاء بطعام الإنس وعلف ~~دوابهم أولى وإن لم يدل ذلك اللفظ عليه. وكذلك إذا نهى عن قتل الأولاد ms0096 مع ~~الإملاق، فنهيه عن ذلك مع الغنى واليسار أولى وأحرى. # فالتخصيص بالذكر قد يكون للحاجة إلى معرفته؛ وقد يكون المسكوت عنه أولى ~~بالحكم. فتخصيص القميص دون الجباب؛ والعمائم دون القلانس؛ والسراويلات دون ~~التبابين، هو من هذا الباب؛ لا لأن كل ما لا يتناوله اللفظ فقد أذن فيه. # وكذلك أمره بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي - مع ما فيه من اختلاط ~~الماء بالبول وسريان ذلك لكن قصد به تعجيل التطهير - لا لأن النجاسة لا تزول بغير ~~ذلك؛ بل الشمس والريح والاستحالة تزيل النجاسة أعظم من هذا؛ ولهذا كانت ~~الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله له صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يرشون شيئا من ~~ذلك . PageV01P096 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0097.png) # وكذلك اتفق الفقهاء على أن من توضأ وضوءا كاملا ثم لبس الخفين جاز له ~~المسح بلا نزاع، ولو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف ثم فعل بالأخرى مثل ذلك ~~ففيه قولان هما روايتان عن أحمد: # إحداهما: يجوز المسح. وهو مذهب أبي حنيفة. # والثانية : لا يجوز. وهو مذهب مالك والشافعي. قال هؤلاء: لأن الواجب ~~ابتداء اللبس على الطهارة؛ فلو لبسهما وتوضأ وغسل رجليه فيهما : لم يجز له المسح ~~حتى يخلع ما لبس قبل تمام طهرهما فيلبسه بعده. وكذلك في تلك الصورة قالوا : ~~يخلع الرجل الأولى ثم يدخلها في الخف، واحتجوا بقوله : إني أدخلت القدمين ~~الخفين وهما طاهرتان، قالوا: وهذا أدخلهما وليستا طاهرتين. # والقول الأول: هو الصواب بلا شك. وإذا جاز المسح لمن توضأ خارجا ثم ~~لبسهما فلأن يجوز لمن توضأ فيهما بطريق الأولى؛ فإن هذا فعل الطهارة فيهما ~~واستدامها فيهما، وذلك فعل الطهارة خارجا عنهما، وإدخال هذا قدميه الخف مع ~~الحدث وجوده كعدمه، لا ينفعه ولا يضره. وإنما الاعتبار بالطهارة الموجودة بعد ~~ذلك، فإن هذا ليس بفعل محرم كمس المصحف مع الحدث. # وقول الني صلى الله عليه وسلم: إني أدخلتهما الخف وهما طاهرتان حق؛ فإنه بين أن هذا ~~علة لجواز المسح، فكل من أدخلهما طاهرتين فله المسح. وهو لم يقل: إن من لم ms0097 ~~يفعل ذلك لم يمسح، لكن دلالة اللفظ عليه بطريق المفهوم والتعليل، فينبغي أن ينظر ~~حكمة التخصيص: هل بعض المسكوت أولى بالحكم? ومعلوم أن ذكر إدخالهما ~~طاهرتين لأن هذا هو المعتاد؛ وليس غسلهما في الخفين معتاد؛ وإلا فإذا غسلهما في ~~الخف فهو أبلغ؛ وإلا فأي فائدة في نزع الخف ثم لبسه من غير إحداث شيء فيه ~~منفعة ? وهل هذا إلا عبث محض ينزه الشارع عن الأمر به? ولو قال الرجل لغيره: ~~أدخل مالي وأهلي إلى بيتي - وكان في بيته بعض أهله وماله - هل يؤمر بأن يخرجه ثم ~~يدخله. # ويوسف لما قال لأهله: (ادثلوا مصر إن شاء الله)، وقال ~~موسى: (يقوم ادخلوا الأرض البقدسة)، وقال الله تعالى : (لتدخلن ~~كان بالارض المقلسة بعض، ار كان بعف الص خبة قد اتخل الخرم قبل ذلك) همل ~~كان هؤلاء يؤمرون بالخروج ثم الدخول؟ # فإذا قيل: هذا لم يقع. قيل: وكذلك غسل الرجل قدميه في الخف ليس واقعا PageV01P097 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0098.png) ~~في العادة فلهذا لم يحتج إلى ذكره، لأنه ليس إذا فعل يحتاج إلى إخراج وإدخال. ~~فهذا وأمثاله من باب الأولى . # وقد تنازع العلماء فيما إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار، أو استجمر بمنهي عنه ~~كالروث والرمة وباليمين، هل يجزئه ذلك ? والصحيح إنه إذا استجمر بأقل من ثلاثة ~~أحجار فعليه تكميل المأمور به، وأما إذا استجمر بالعظم واليمين فإنه يجزئه؛ فإنه قد ~~حصل المقصود بذلك وإن كان عاصيا، والإعادة لا فائدة فيها، ولكن قد يؤمر بتنظيف ~~العظم مما لوثه به، كما لو كان عنده خمر فأمر بإتلافها فأراقها في المسجد فقد حصل ~~المقصود من إتلافها لكن هو آثم بتلويث المسجد فيؤمر بتطهيره، بخلاف الاستجمار ~~بتمام الثلاث فإن فيه فعل تمام المأمور وتحصيل المقصود. # وسئل رحمه الله تعالى : عن الخف إذا كان فيه خرق يسير : هل يجوز المسح ~~عليه أم لا؟(1) # فأجاب : وأما الخف إذا كان فيه خرق يسير ففيه نزاع مشهور . فأكثر الفقهاء على ~~أنه يجوز المسح عليه، كقول أبي حنيفة ومالك. والقول الثاني: لا يجوز. كما هو ms0098 ~~المعروف من مذهب الشافعي وأحمد قالوا: لأن ما ظهر من القدم فرضه الغسل ~~وما استتر فرضه المسح، ولا يمكن الجمع بين البدل والمبدل منه. # والقول الأول هو الراجح، فإن الرخصة عامة، ولفظ الخف يتناول ما فيه من ~~الخرق وما لا خرق فيه، لا سيما والصحابة كان فيهم فقراء كثيرون، وكانوا ~~يسافرون، وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون في بعض خفافهم خروق، والمسافرون قد ~~يتخرق خف أحدهم ولا يمكنه إصلاحه في السفر، فإن لم يجز المسح عليه لم ~~يحصل مقصود الرخصة. # وأيضا؛ فإن جمهور العلماء يعفون عن ظهور يسير العورة، وعن يسير النجاسة ~~التي يشق الإحتراز عنها، فالخرق اليسير في الخف كذلك. # وقول القائل : إن ما ظهر فرضه الغسل: ممنوع، فإن الماسح على الخف ~~لا يستوعبه بالمسح كالمسح على الجبيرة، بل يمسح أعلاه دون أسفله وعقبه، وذلك ~~يقوم مقام غسل الرجل، فمسح بعض الخف كاف عما يحاذي الممسوح ~~وما لا يحاذيه، فإذا كان الخرق في العقب لم يجب غسل ذلك الموضع ولا مسحه، ~~ولو كان على ظهر القدم لا يجب مسح كل جزء من ظهر القدم، و(باب المسح على ~~الخفين) مما جاءت السنة فيه بالرخصة حتى جاءت بالمسح على الجوارب والعمائم ~~وغير ذلك، فلا يجوز أن يتناقض مقصود الشارع من التوسعة بالحرج والتضييق. PageV01P098 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0099.png) # وقال رحمه الله: # لما ذهبت على البريد وجد بنا السير وقد انقضت مدة المسح، فلم يمكن النزع ~~والوضوء إلا بانقطاع عن الرفقة، أو حبسهم على وجه يتضررون بالوقوف، فغلب على ~~ظني عدم التوقيت عند الحاجة كما قلنا في الجبيرة، ونزلت حديث عمر وقوله ~~لعقبة بن عامر: «أصبت السنة» على هذا توفيقا بين الآثار ثم رأيته مصرحا به في ~~مغازي ابن عائذ : أنه كان قد ذهب على البريد كما ذهبت لما فتحت دمشق، ذهب ~~بشيرا بالفتح من يوم الجمعة إلى يوم الجمعة، فقال له عمر: منذ كم لم تنزع خفيك? ~~فقال: منذ يوم الجمعة! قال: أصبت! فحمدت الله على الموافقة. # وهذا أظنه أحد القولين لأصحابنا، وهو: ms0099 أنه إذا كان يتضرر بنزع الخف صار ~~بمنزلة الجبيرة. وفي القول الآخر: أنه إذا خاف الضرر بالنزع تيمم ولم يمسح. وهذا ~~كالروايتين لنا إذا كان جرحه بارزا يمكنه مسحه بالماء دون غسله فهل يمسحه أو يتيمم ~~له? على روايتين. والصحيح المسح، لأن طهارة المسح بالماء أولى من طهارة المسح ~~بالتراب؛ ولأنه إذا جاز المسح على حائل العضو فعليه أولى. # وذلك أن طهارة المسح على الخفين طهارة اختيارية، وطهارة الجبيرة طهارة ~~اضطرارية، فماسح الخف لما كان متمكنا من الغسل والمسح وقت له المسح، وماسح ~~الجبيرة لما كان مضطرا إلى مسحها لم يوقت، وجاز في الكبرى، فالخف الذي يتضرر ~~بنزعه جبيرة. وضرره يكون بأشياء: إما أن يكون في ثلج وبرد عظيم، إذا نزعه ينال ~~رجليه ضرر، أو يكون الماء باردا لا يمكن معه غسلهما، فإن نزعهما تيمم، فمسحهما ~~خير من التيمم. أو يكون خائفا إذا نزعهما وتوضأ، من عدو أو سبع، أو انقطاع عن ~~الرفقة في مكان لا يمكنه السير وحده؛ ففي مثل هذه الحال له ترك طهارة الماء إلى ~~التيمم؛ فلأن يجوز ترك طهارة الغسل إلى المسح أولى. ويلحق بذلك إذا كان عادما ~~للماء ومعه قليل يكفي لطهارة المسح لا لطهارة الغسل، فإن نزعهما تيمم، فالمسح ~~عليهما خير من التيمم. # وأصل ذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم: يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ~~ولياليهن منطوقه إباحة المسح هذه المدة، والمفهوم لا عموم له، بل يكفي أن ~~لا يكون المسكوت كالمنطوق، فإذا خالفه في صورة حصلت المخالفة، فإذا كان فيما ~~سوى هذه المدة لا يباج مطلقا، بل يحظر تارة ويباح أخرى حصل العمل بالحديث، ~~وهذا واضح، وهي مسألة نافعة جدا. PageV01P099 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0100.png) # فإنه من باشر الأسفار في الحج والجهاد والتجارة وغيرها: رأى أنه في أوقات ~~كثيرة لا يمكن نزع الخفين والوضوء إلا بضرر يباح التيمم بدونه، واعتبر ذلك بما لو ~~انقضت المدة والعدو بإزائه، ففائدة النزع الوضوء على الرجلين، فحيث يسقط الوضوء ~~على الرجلين يسقط النزع وقد يكون الوضوء واجبا ms0100 لو كانا بارزتين، لكن مع استتارهما ~~يحتاج إلى قلعهما وغسل الرجلين ثم لبسهما ثانيا إذا لم تتم مصلحته إلا بذلك بخلاف ~~ما إذا استمر فإن طهارته باقية، وبخلاف ما إذا توضأ ومسح عليهما، فإن ذلك قد ~~لا يضره. # ففي هذين الموضعين لا يتوقت إذا كان الوضوء ساقطا فينتقل إلى التيمم، فإن ~~المسح المستمر أولى من التيمم، وإذا كان في النزع واللبس ضرر يبيح التيمم، فلأن ~~يبيح المسح أولى . والله أعلم? # وسئل رحمه الله تعالى : عن قلع الجبيرة بعد الوضوء: هل ينقض الوضوء أم ~~(1)27 # فأجاب : الحمد لله. هذا فيه نزاع، والأظهر أنه لا ينتقض الوضوء كما أنه ~~لا يعيد الغسل . لأن الجبيرة كالجزء من العضو. والله أعلم? # وسئل رحمه الله تعالى : عن المسح فوق العصابة? # فأجاب : الحمد لله. إن خافت المرأة من البرد ونحوه مسحت على خمارها؛ ~~فإن أم سلمة كانت تمسح خمارها، وينبغي أن تمسح مع هذا بعض شعرها، وأما إذا ~~لم يكن بها حاجة إلى ذلك ففيه نزاع بين العلماء? # باب نواقض الوضوء # سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: عن رجل يخرج من ذكره قيح لا ينقطع: ~~فهل تصح صلاته مع خروج ذلك? أفتونا مأجورين # فأجاب : لا يجوز أن يبطل الصلاة، بل يصلي بحسب إمكانه. فإن لم تنقطع ~~النجاسة قدر ما يتوضأ ويصلي، صلى بحسب حاله بعد أن يتوضأ وإن خرجت ~~النجاسة في الصلاة، لكن يتخذ حفاضا يمنع من انتشار النجاسة. والله أعلم. PageV01P100 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0101.png) ~~الواجبة بمجرد الشك؛ فإنه قد ثبت عن الني صلى الله عليه وسلمأن سئل عن الرجل يجد الشيء في ~~الصلاة ? فقال : لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. # وأما إذا تيقن خروج البول إلى ظاهر الذكر فقد انتقض وضوؤه وعليه ~~الاستنجاء، إلا أن يكون به سلس البول فلا تبطل الصلاة بمجرد ذلك إذا فعل ما أمر ~~به. والله أعلم? # وسئل أيضا رحمه الله تعالى: عن رجل كلما شرع في الصلاة يحدث له رياح ~~كثيرة؛ حتى في الصلاة يتوضأ أربع مرات أو أكثر؛ إلى ms0101 حين يقضي الصلاة يزول عنه ~~العارض؛ ثم لا يعود إليه إلا في أوقات الصلاة، وهو لا يعلم ما سبب ذلك? : هل ~~هو من شدة حرصه على الطهارة ? وقد يشق عليه كثرة الوضوء، وما يعلم هل حكمه ~~حكم صاحب الأعذار أم لا لسبب أنه لا يعاوده إلا في وقت الصلاة ? وما تطيب نفسه ~~أن يصلي بوضوء واحد? # فأجاب رحمه الله تعالى: نعم! حكمه حكم أهل الأعذار؛ مثل الاستحاضة ~~وسلس البول؛ والمذي؛ والجرح الذي لا يرقأ؛ ونحو ذلك. فمن لم يمكنه حفظ ~~الطهارة مقدار الصلاة فإنه يتوضأ ويصلي ولا يضره ما خرج منه في الصلاة، ~~ولا ينتقض وضوؤه بذلك باتفاق الأئمة، وأكثر ما عليه أن يتوضأ لكل صلاة. # وقد تنازع العلماء في المستحاضة ومن به سلس البول وأمثالهما، مثل من به ~~ريح يخرج على غير الوجه المعتاد؛ وكل من به حدث نادر. فمذهب مالك : أن ذلك ~~ينقض الوضوء بالحدث المعتاد. ولكن الجمهور - كأبي حنيفة؛ والشافعي؛ ~~وأحمد بن حنبل - يقولون: إنه يتوضأ لكل صلاة أو لوقت كل صلاة. رواه أهل ~~السنن وصجح ذلك غير واحد من الحفاظ؛ فلهذا كان أظهر قولي العلماء أن مثل ~~هؤلاء يتوضأون لكل صلاة أو لوقت كل صلاة. # وأما ما يخرج في الصلاة دائما فهذا لا ينقض الوضوء باتفاق العلماء. وقد ثبت ~~في الصحيح : أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أت تصلي والدم يقطر منها؛ فيوضع لها ~~طسبت يقطر فيه الدم.وثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~صلى وجرحه يثعب دما). وما زال المسلمون على عهد الني صلى الله عليه وسلصلون في ~~جراحاتهم. PageV01P101 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0102.png) # وقد تنازع العلماء في خروج النجاسة من غير السبيلين، كالجرح والفصاد ~~والحجامة والرعاف والقيء، فمذهب مالك والشافعي: لا ينقض. ومذهب أبي حنيفة ~~وأحمد : ينقض . لكن أحمد يقول : إذا كان كثيرا. # وتنازعوا في مس النساء ومس الذكر : هل ينقض ? فمذهب أبي حنيفة: ~~لا ينقض . ومذهب الشافعي : ينقض . ومذهب مالك : الفرق بين المس لشهوة ~~وغيرها . وقد اختلفت الرواية عنه هل يعتبر ms0102 ذلك في مس الذكر? واختلف في ذلك عن ~~أحمد؛ وعنه كقول أبي حنيفة أنه لا ينقض شيء من ذلك وروايتان كقول مالك ~~والشافعي. # واختلف السلف في الوضوء مما مست النار : هل يجب أم لا? واختلفوا في ~~القهقهة في الصلاة، فمذهب أبي حنيفة تنقض . ومن قال : إن هذه الأمور لا تنقض : ~~فهل يستحب الوضوء منها? على قولين . وهما قولان في مذهب أحمد وغيره. # والأظهر في جميع هذه الأنواع : أنها لا تنقض الوضوء. ولكن يستحب الوضوء ~~منها. فمن صلى ولم يتوضأ منها صحت صلاته، ومن توضأ منها فهو أفضل. وأدلة ~~ذلك مبسوطة في غير هذا الموضع، ولكن كلهم يأمر بإزالة النجاسة، ولكن إن كانت ~~من الدم أكثر من ربع المحل فهذه تجب إزالتها عند عامة الأمة، ومع هذا إن كان ~~الجرح لا يرقأ مثل ما أصاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فإنه يصلي باتفاقهم؛ ~~سواء قيل : إنه ينقض الوضوء؛ أو قيل: لا ينقض، سواء كان كثيرا أو قليلا؛ لأن ~~الله تعالى يقول : (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وقال تعالى : ~~(فأنقوا الله ما استطعثم)، وقال النبي صلى الله عليهوسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ~~ما استطعتم» . # وكل ما عجز عنه العبد من واجبات الصلاة سقط عنه؛ فليس له أن يؤخر الصلاة ~~عن وقتها؛ بل يصلي في الوقت بحسب الإمكان، لكن يجوز له عند أكثر العلماء أن ~~يجمع بين الصلاتين لعذر ؛ حتى إنه يجوز الجمع للمريض والمستحاضة وأصحاب ~~الأعذار في أظهر قولي العلماء، كما استحب النبي صلى الله عليه وسلم لمستحاضة أن تجمع بين ~~الظهر والعصر بغسل واحد فهذا للمعذور، سواء أمكنه أن يجمع بين الصلاتين بطهارة ~~واحدة من غير أن يخرج منه شيء في الصلاة: جاز له الجمع في أظهر قولي العلماء. # وكذلك يجمع المريض بطهارة واحدة إذا كانت الطهارة لكل صلاة تزيد في ~~مرضه . ولا بد من الصلاة في الوقت: إما بطهارة إن أمكنه وإلا بالتيمم؛ فإنه يجوز ~~لمن عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله إما لمرض وإما لشدة البرد ms0103 أن يتيمم وإن كان PageV01P102 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0103.png) ~~جنبا؛ ولا قضاء عليه في أظهر قولي العلماء. وإذا تيمم في السفر لعدم الماء لم يعد ~~باتفاق الأئمة. ~~وكذلك المريض إذا صلى قاعدا أو صلى على جنب لم يعد باتفاق العلماء. # وكذلك العريان: كالذي تنكسر به السفينة؛ أو يأخذ القطاع ثيابه، فإنه يصلي ~~عريانا ولا إعادة عليه باتفاق العلماء. # وكذلك من اشتبهت عليه القبلة وصلى ثم تبين له فيما بعد. لا يعيد باتفاق ~~العماء، وإن أخطأ مع اجتهاده لم يعد أيضا عند جمهورهم: كمالك وأبي حنيفة ~~وأحمد بن حنبل، والمشهور في مذهب الشافعي أنه يعيد. # وقد تنازع العلماء في التيمم لخشية البرد، هل يعيد? وفيمن صلى في ثوب ~~نجس لم يجد غيره، هل يعيد? وفي مواضع أخر. # والصحيح في جميع هذا النوع : أنه لا إعادة على أحد من هؤلاء؛ بل يصلي كل ~~واحد على حسب استطاعته ويسقط عنه ما عجز عنه؛ ولا إعادة عليه، ولم يأمر ~~الله تعالى ولا رسوله أحدا أن يصلي الفرض مرتين مطلقا، بل من لم يفعل ما أمر به ~~فعليه أن يصلي إذا ذكر بوضوء باتفاق المسلمين، كمن نسي الصلاة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: لامن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها . وهذه المسائل مبسوطة في ~~غير هذا الموضع. # والمقصود هنا : بيان أن الله تعالى ما جعل على المسلمين من حرج في دينهم، ~~بل هو سبحانه يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر. ومسألة هذا السائل أولى ~~بالرخصة؛ ولهذا كانت متفقا عليها بين العلماء. وهذه المسائل مبسوطة في مواضع ~~أخر. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل يصلي الخمس لا يقطعها ولم يحضر صلاة ~~الجمعة؛ وذكر أنه عدم حضوره لها أنه يجد ريحا في جوفه تمنعه عن انتطار الجمعة، ~~وبين منزله والمكان الذي تقام فيه الجمعة قدر ميلين أو دونهما، فهل العذر الذي ذكره ~~كاف في ترك الجمعة مع قرب منزله؟ أفتونا مأجورين2)!. # فأجاب: بل عليه أن يشهد الجمعة؛ ويتأخر بحيث يحضر ويصلي مع بقاء ms0104 ~~وضوئه . وإن كان لا يمكنه الحضور إلا مع خروج الريح فليشهدها وإن خرجت منه ~~الريح؛ فإنه لا يضره ذلك. والله أعلم. PageV01P103 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0104.png) # وسئل رحمه الله تعالى : عمن يرى أن القيء ينقض الوضوء، واستدل على ذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم اء مرة وتوضأ، وروى حديثا آخر : أنه قاء مرة فغسل فمه وقال : لهكذا ~~الوضوء من القيء : فهل يعمل بالحديث الأول أم الثاني ? # فأجاب : أما الحديث الثاني فما سمعت به. # وأما الأول فهو في السنن، لكن لفظه: أنه قاء فأفطر فذكر ذلك لثوبان ~~فقال : صدق! أنا صببت له وضوءه . ولفظ الوضوء لم يجئ في كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~والمراد به الوضوء الشرعي، ولم يرد لفظ الوضوء بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة ~~اليهود، فإنه قد روي أن سلمان الفارسي قال للنبي صلى الله عليه وسلم، إنا نحد في التوراة أن من ~~بركة الطعام الوضوء قبله فقال : لمن بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده. ~~والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى عن الرعاف: هل ينقص الوضوء أم لا!? # فأجاب : إذا توضأ منه فهو أفضل، ولا يجب عليه في أظهر قولي العلماء. # وسئل رحمه الله تعالى : هل ينقض الوضوء النوم جالسا أم لا? وإذا كان الرجل ~~جالسا محتبيا بيديه فنعس وانفلتت حبوته، وسقطت يده على الأرض، ومال لكنه لم ~~يسقط جنبه إلى الأرض : هل يجب عليه الوضوء أم لا? # قأجاب : الحمد لله. أما النوم اليسير من المتمكن بمقعدته فهذا لا ينقض ~~الوضوء عند جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم، فإن النوم عندهم ليس بحدث ~~في نفسه لكنه مظنة الحدث، كما دل عليه الحديث الذي في السنن : لالعين وكاء ~~السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء، وفي رواية : لفمن نام فليتوضأ. # ويدل على هذا ما في الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه وسلم ان ينام حتى ينفخ ثم يقوم ~~فيصلي ولا يتوضأ! لأنه كان تنام عيناه ولا ينام قلبه، فكان يقظان. فلو خرج منه شيء PageV01P104 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0105.png) ~~لشعر به. وهذا ms0105 يبين أن النوم ليس بحدث في نفسه؛ إذ لو كان حدثا لم يكن فيه فرق ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم غيره، كما في البول والغائط وغيرهما من الأحداث. # وأيضا فإنه ثبت في الصحيح: أن الني صلى الله عليه وسلم ان يؤخر العشاء، حتى كان ~~أصحاب رسول الله ل صلى الله عليه وسلم خفقون برؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون # فهذا يبين أن جنس النوم ليس بناقض؛ إذ لو كان ناقضا لانتقض بهذا النوم الذي ~~تخفق فيه رؤوسهم. # ثم بعد هذا للعلماء ثلاثة أقوال: # قيل : ينقض ما سوى نوم القاعد مطلقا. كقول مالك وأحمد في رواية. # وقيل: لا ينقض نوم القائم والقاعد، وينقض نوم الراكع والساجد؛ لأن القائم ~~والقاعد لا ينفرج فيهما مخرج الحدث كما ينفرج من الراكع والساجد. # وقيل: لا ينقض نوم القائم والقاعد والراكع والساجد، بخلاف المضطجع ~~وغيره. كقول أبي حنيفة وأحمد في الرواية الثالثة. لكن مذهب أحمد التقييد بالنوم ~~اليسير. # وحجة هؤلاء، حديث في السنن: ليس الوضوء على من نام قائما أو قاعدا أو ~~راكعا أو ساجدا لكن على من نام مضطجعا2) ، فإنه إذا نام مضطجعا استرخت ~~مفاصله فيخرج الحدث، بخلاف القيام والقعود والركوع والسجود، فإن الأعضاء ~~متماسكة غير مسترخية، فلم يكن هناك سبب يقتضي خروج الخارج. # وأيضا؛ فإن النوم في هذه الأحوال يكون يسيرآ في العادة؛ إذ لو استثقل لسقط. ~~والقاعد إذا سقطت يداه الى الأرض فيه قولان. والأظهر في هذا الباب أنه إذا شك ~~المتوضئ: هل نومه مما ينقض أو ليس مما ينقض? فإنه لا يحكم بنقض الوضوء؛ ~~لأن الطهارة ثابتة بيقين فلا تزول بالشك . والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: هل لمس كل ذكر ينقض الوضوء من الآدميين ~~والحيوان? وهل باطن الكف هو ما دون باطن الأصابع ?3 # فأجاب: لمس فرج الحيوان غير الإنسان لا ينقض الوضوء حيا ولا ميتا باتفاق ~~الأئمة، وذكر بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي فيه وجهين. وإنما تنازعوا في ~~مس فرج الإنسان خاصة . PageV01P105 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0106.png) # وبطن الكف يتناول الباطن كله بطن ms0106 الراحة والأصابع. ومنهم من يقول: ~~لا ينقض بحال، كأبي حنيفة وأحمد في رواية. # وسئل رحمه الله تعالى : عن لمس النساء هل ينقض الوضوء أم لا? # فأجاب : الحمد لله. أما نقض الوضوء بلمس النساء فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال: ~~طرفان ووسط . # أضعفها : أنه ينقض اللمس وإن لم يكن لشهوة إذا كان الملموس مظنة للشهوة. ~~وهو قول الشافعي؛ تمسكا بقوله تعالى : (أو لامسثم النساء) ، وفي ~~القراءة الأخرى : (أو لمستم). # القول الثاني : أن اللمس لا ينقض بحال وإن كان لشهوة . كقول أبي حنيفة ~~وغيره . وكلا القولين يذكر رواية عن أحمد ؛ لكن ظاهر مذهبه كمذهب مالك، ~~والفقهاء السبعة : أن اللمس إن كان لشهوة نقض وإلا فلا. وليس في المسألة قول ~~متوجه إلا هذا القول أو الذي قبله. # فأما تعليق النقض بمجرد اللمس فهذا خلاف الأصول، وخلاف إجماع الصحابة، ~~وخلاف الآثار . وليس مع قائله نص ولا قياس . فإن كان اللمس في قوله تعالى : (أو ~~لمستم النساء) إذا أريد به اللمس باليد والقبلة ونحو ذلك - كما قاله ابن عمر وغيره - فقد ~~علم أنه حيث ذكر مثل ذلك في الكتاب والسنة فإنما يراد به ما كان لشهوة، مثل قوله في ~~آية الاعتكاف : (ولا تبشروهن وأنتم عدكفون فى المساجد)، ومباشرة ~~المعتكف لغير شهوة لا تحرم عليه بخلاف المباشرة لشهوة. وكذلك المحرم - الذي هو ~~أشد - لو باشر المرأة لغير شهوة لم يحرم عليه ولم يجب عليه به دم. # وكذلك قوله : (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوه)، وقوله : (لا ~~جناح عليكمر إن طلقتم النساءما لم تمسوهن)؛ فإنه لو مسها مسيسا خاليا من ~~غير شهوة لم يجب به عدة، ولا يستقر به مهر؛ ولا تنتشر به حرمة المصاهرة، باتفاق ~~العلماء، بخلاف ما لو مس المرأة لشهوة ولم يخل بها ولم يطأها، ففي استقرار المهر ~~بذلك نزاع معروف بين العلماء في مذهب أحمد وغيره. # فمن زعم أن قوله : (أو لمستم النساء) يتناول اللمس وإن لم يكن لشهوة فقد ~~خرج عن اللغة التي جاء بها القرآن، بل وعن لغة الناس في عرفهم، فإنه إذا ms0107 ذكر ~~المس الذي يقرن فيه بين الرجل والمرأة علم أنه مس الشهوة، كما أنه إذا ذكر الوطء ~~المقرون بين الرجل والمرأة علم أنه الوطء بالفرج لا بالقدم. PageV01P106 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0107.png) # وأيضا فإنه لا يقول: إن الحكم معلق بلمس النساء مطلقا؛ بل بصنف من النساء ~~وهو ما كان مظنة الشهوة. فأما مس من لا يكون مظنة - كذوات المحارم والصغيرة - ~~فلا ينقض بها. فقد ترك ما ادعاه من الظاهر واشترط شرطا لا أصل له بنص ~~ولا قياس؛ فإن الأصول المنصوصة تفرق بين اللمس لشهوة واللمس لغير شهوة ~~لا تفرق بين أن يكون الملموس مظنة الشهوة أو لا يكون، وهذا هو المس المؤثر في ~~العبادات كلها؛ كالإحرام والاعتكاف والصيام وغير ذلك وإذا كان هذا القول لا يدل ~~عليه ظاهر اللفظ ولا القياس، لم يكن له أصل في الشرع. # وأما من علق النقض بالشهوة فالظاهر المعروف في مثل ذلك دليل له؛ وقياس ~~أصول الشريعة دليل . ومن لم يجعل اللمس ناقضا بحال فإنه يجعل اللمس إنما أريد به ~~الجماع؛ كما في قوله تعالى : (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) ~~ونظائره كثيرة. وفي السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم بل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضا؛ ~~لكن تكلم فيه. # وأيضا فمن المعلوم أن مس الناس نساءهم مما تعم به البلوى، ولا يزال الرجل ~~يمس امرأته؛ فلو كان هذا مما ينقض الوضوء لكان النبي صلى الله عليه وسلم ينه لأمته؛ ولكان ~~مشهورا بين الصحابة، ولم ينقل أحد أن أحدا من الصحابة كان يتوضأ بمجرد ملاقاة ~~يده لامرأته أو غيرها، ولا نقل أحد في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعلم أن ذلك قول ~~باطل . والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن مس النساء: هل ينقض الوضوء أم لا? # فأجاب : فيه ثلاثة أقوال للفقهاء: # احدها: أنه لا ينقض بحال . كقول أبي حنيفة وغيره. # والثاني : أنه إن كان له شهوة نقض وإلا فلا. وهو قول مالك وغيره من أهل ~~المدينة. # والثالث: ينقض في الجملة وإن لم يكن ms0108 بشهوة. وهو قول الشافعي وغيره. ~~مالك. وعن أحمد بن حنبل ثلاث روايات كالأقوال الثلاثة، لكن المشهور عنه قول # والصحيح في المسالة احد قولين : إما الأول وهو عدم النقض مطلقا؛ وإما PageV01P107 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0108.png) ~~القول الثاني وهو النقض إذا كان بشهوة. وأما وجوب الوضوء من مجرد مس المرأة ~~لغير شهوة فهو أضعف الأقوال، ولا يعرف هذا القول عن أحد من الصحابة، ~~ولا روى أحد عن النبي صل الله عليه وسلمأن أمر المسلمين أن يتوضأوا من ذلك ؛ مع أن هذا الأمر ~~غالب لا يكاد يسلم فيه أحد في عموم الأحوال؛ فإن الرجل لا يزال يناول امرأته شيئا ~~وتأخذه بيدها، وأمثال ذلك مما يكثر ابتلاء الناس به، فلو كان الوضوء من ذلك واجبا ~~لكان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك مرة بعد مرة ويشيع ذلك، ولو فعل لنقل ذلك عنه ولو ~~بأخبار الآحاد، فلما لم ينقل عنه أحد من المسلمين أنه أمر أحدا من المسلمين بشيء ~~من ذلك - مع عموم البلوى به - علم أن ذلك غير واجب. # وأيضا فلو أمرهم بذلك لكانوا ينقلونه ويأمرون به. ولم ينقل عن أحد من ~~الصحابة أنه أمر بالوضوء من مجرد المس العاري عن شهوة، بل تنازع الصحابة في ~~قوله تعالى : (أو لامسكم النسآء)، فكان ابن عباس وطائفة يقولون: الجماع، ويقولون: ~~الله حيي كريم يكني بما يشاء عما شاء. وهذا أصح القولين. # وقد تنازع عبد الله بن عمر والعرب وعطاء ابن أبي رباح والموالي : هل المراد ~~به الجماع أو ما دونه ? فقالت العرب: هو الجماع. وقالت الموالي: هو ما دونه. ~~وتحاكموا إلى ابن عباس فصوب العرب وخطا الموالي. # وكان ابن عمر يقول : قبلة الرجل امرأته ومسها بيده من الملامسة، وهذا قول ~~مالك وغيره من أهل المدينة . ومن الناس من يقول: إن هذا قول ابن عمر وابن ~~مسعود؛ لكونهما كانا لا يريان التيمم للجنب؛ فيتأولان الآية على نقض الوضوء. ~~ولكن قد صرح في الآية أن الجنب يتيمم. # وقد ناظر أبو موسى ابن مسعود بالآية فلم يجبه ابن مسعود بشيء ms0109 وقد ذكر ذلك ~~البخاري في صحيحه، فعلم أن ذلك كان من عدم استحضاره لموجب الآية. # ومعلوم أن الصحابة الأكابر الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم ول كانوا يتوضأون من مس ~~نسائهم مطلقا؛ ولو كان النبي صل الله عليه وسلم آهم بذلك، لكان هذا مما يعلمه بعض الصغار؛ ~~كابن عمر وابن عباس وبعض التابعين، فإذا لم ينقل ذلك صاحب ولا تابع، كان ذلك ~~دليلا على أن ذلك لم يكن معروفا بينهم، وإنما تكلم القوم في تفسير الآية، والآية إن ~~كان المراد بها الجماع فلا كلام، وإن كان أريد بها ما هو أعم من الجماع فيقال : ~~حيث ذكر الله تعالى في كتابه مس النساء ومباشرتهن ونحو ذلك: فلا يريد به إلا ~~ما كان على وجه الشهوة واللذة، وأما اللمس العاري عن ذلك فلا يعلق الله به حكما ~~من الأحكام أصلا، وهذا كقوله تعالى : (ولا تبشردهن وأنتم عاكفون في المساجد) ~~لالبقرة : 187، فنهى العاكف عن مباشرة النساء مع أن العلماء يعلمون أن المعتكف PageV01P108 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0109.png) ~~لو مس امراته بغير شهوة لم يحرم ذلك عليه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~أنه كان يدني رأسه إلى عائشة رضي الله عنها فترجله وهو معتكف . ومعلوم أن ذلك ~~مظنة مسه لها ومسها له. # وأيضا فالإحرام أشد من الاعتكاف ولو مسته المرأة لغير شهوة لم يأثم بذلك ~~ولم يجب عليه دم. وهذا الوجه يستدل به من وجهين: من جهة ظاهر الخطاب، ومن ~~جهة المعنى والاعتبار؛ فإن خطاب الله تعالى في القرآن بذكر اللمس والمس ~~والمباشرة للنساء ونحو ذلك: لا يتناول ما تجرد عن شهوة أصلا، ولم يتنازع ~~المسلمون في شيء من ذلك إلا في آية الوضوء، والنزاع فيها متأخر؛ فيكون ~~ما أجمعوا عليه قاضيا على ما تنازع فيه متأخروهم. # وأما طريق الاعتبار فإن اللمس المجرد لم يعلق الله به شيئا من الأحكام، ~~ولا جعله موجبا لأمر، ولا منهيا عنه في عبادة ولا اعتكاف ولا إحرام؛ ولا صلاة ~~ولا صيام؛ ولا غير ذلك، ولا ms0110 جعله ينشر حرمة المصاهرة؛ ولا يثبت شيئا غير ~~ذلك، بل هذا في الشرع كما لو مس المرأة من وراء ثوبها ونحو ذلك من المس الذي ~~لم يجعله الله سبيا لإيجاب شيء ولا تحريم شيء. # وإذا كان كذلك كان إيجاب الوضوء بهذا مخالفا للأصول الشرعية المستقرة، ~~مخالفا للمنقول عن الصحابة، وكان قولا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة؛ بل ~~المعلوم من السنة مخالفته، بل هذا أضعف ممن جعل المني نجسا، فإن القول بنجاسة ~~المني ضعيف، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم م يأمر أحدا بغسل ما يصيب بدنه أو ثيابه من ~~المني مع كثرة ما كان يصيب الناس من ذلك في حياته؛ وقد أمر الحائض أن تغسل ~~ما أصاب ثوبها من الدم مع أن ذلك قليل بالنسبة لإصابة المني للرجال؛ ولو كان ذلك ~~واجبا لبينه، بل كان يغسل ويمسح تقذرا، كماكانت عائشة رضي الله عنها تارة ~~تغسله وتارة تفركه من ثل صلى الله عليه وسلم. # وكان سعد بن أبي وقاص وابن عباس يقولان: أمطه عنك ولو بأذخرة فإنما هو ~~بمنزلة المخاط والبصاق، وكانت عمرة تغسله من ثوبه، فإن كان في اعتقاده نجاسة ~~المني فهذا نزاع بين الصحابة، والسنة تفصل بينهم. فإذا كانت نجاسة المني ضعيفة ~~في السنة لكون النبي صلى ال عيه وسلم م يأمر بذلك لعموم البلوى به، لكن هذا أضعف لكون ~~الصحابة لم يحك أحد منهم مجرد اللمس العاري عن الشهوة ناقضا، وإنما تنازعوا في ~~اللمس المعتاد للشهوة كالقبلة والغمز باليد ونحو ذلك. # وأيضا فإيجاب الوضوء من جنس اللمس كمس النساء ومس الذكر إن لم يعلل ~~بكونه مظنة تحريك الشهوة وإلا كان مخالفا للأصول، فأما إذا علل بتحريك الشهوة ~~كان مناسبا للأصول، وهناك للفقهاء طريقان: PageV01P109 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0110.png) # أحدهما : قول من يقول : إن ذلك مظنة خروج الناقض، فأقيمت المظنة مقام ~~الحقيقة. وهذا قول ضعيف؛ فإن المظنة إنما تقام مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفية ~~وكانت المظنة تقضي إليها غالبا؛ وكلاهما معدوم؛ فإن الخارج لو خرج لعلم به ~~الرجل ms0111 . وأيضا فإن مس الذكر لا يوجب خروج شيء في العادة أصلا؛ فإن المني إنما ~~يخرج بالاستمناء وذلك يوجب الغسل، والمذي يخرج عقيب تفكر ونظر ومس المرأة ~~لا الذكر؛ فإذا كانوا لا يوجبون الوضوء بالنظر الذي هو أشد إفضاء إلى خروج ~~المني، فبمس الذكر أولى . # والقول الثاني : أن يقال : اللمس سبب تحريك الشهوة كما في مس المرأة، وتحريك ~~الشهوة يتوضأ منه كما يتوضأ من الغضب وأكل لحم الإبل؛ لما في ذلك من أثر الشيطان ~~الذي يطفأ بالوضوء؛ ولهذا قالت طائفة من أصحاب أبي حنيفة: إنما يتوضأ إذا انتشر ~~انتشارا شديدا . وكذلك قالت طائفة من أصحاب مالك : يتوضأ إذا انتشر، لكن هذا ~~الوضوء من اللمس، هل هو واجب أو مستحب? فيه نزاع بين الفقهاء ليس هذا موضع ~~ذكره؛ فإن مسألة الذكر لها موضع آخر وإنما المقصود هنا مسألة مس النساء. # والأظهر أيضا أن الوضوء من مس الذكر مستحب لا واجب، وهكذا صرح به ~~الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار بحمل الأمر به ~~على الاستحباب، ليس فيه نسخ قوله : «وهل هو إلا بضعة منك?، وحمل الأمر ~~على الاستحباب أولى من النسخ . # وكذلك الوضوء مما مست النار مستحب في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، ~~وبذلك يجمع بين أمره وبين تركه. فأما النسخ فلا يقوم عليه دليل، بل الدليل يدل على ~~نقيضه. وكذلك خروج النجاسات من سائر البدن غير السبيلين كالوضوء من القيء، ~~والرعاف، والحجامة، والفصاد، والجراح : مستحب، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~أنهم توضؤوا من ذلك. وأما الواجب فليس عليه في الكتاب والسنة ما يوجب ذلك. # وكذلك الوضوء من القهقهة مستحب في أحد القولين في مذهب أحمد، ~~والحديث المأثور في أمر الذين قهقهوا بالوضوء، وجهه أنهم أذنبوا بالضحك، ~~ومستحب لكل من أذنب ذنبا يتوضأ ويصلي ركعتين كما جاء في السنن عن أبي بكر ~~رضي الله عنه عن الني صلى الله عليه وسلم آن قال : ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين ~~ويستغفر الله إلا ms0112 غفر له . والله أعلم. PageV01P110 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0111.png) ~~وسئل ففر الله له : عن أكل لحم الإبل: هل ينقض الوضوء أم لا. وهل حديثه ~~منسوخ؟ # فأجاب: الحمد لله. قد ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة - ~~رضي الله عنه - أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم تنوضا من لحوم الغنم? قال : إن شئت ~~فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضا. قال: أنتوضأ من لحوم الإبل? قال : «نعم، توضأ من ~~لحوم الإبل، قال: أصلي في مرابض الغنم? قال : نعم، قال : أصلي في مبارك ~~الإبل? قال : لا2). # وثبت ذلك في السنن من حديث البراء بن عازب . قال أحمد: فيه حديثان ~~صحيحان. حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة. وله شواهد من جوه أخر. # منها : ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله ل صلى الله عليه وسلم قول : ~~«توضؤوا من لحوم الإبل، ولا توضؤوا من لحوم الغنم؛ وصلوا في مرابض الغنم، ~~ولا تصلوا في معاطن الإبل». وروي ذلك من غير وجه . وهذا باتفاق أهل المعرفة ~~بالحديث، أصح وأبعد عن المعارض من أحاديث مس الذكر وأحاديث القهقهة. # وقد قال بعض الناس: إنه منسوخ بقول جابر: كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ~~ترك الوضوء مما مست النار، لم يفرق بين لحم الإبل والغنم، إذ كلاهما في مس النار ~~سواء، فلما فرق بينهما فأمر بالوضوء من هذا، وخير في الوضوء من الآخر . علم ~~بطلان هذا التعليل. # وإذا لم تكن العلة مس النار فنسخ التوضؤ من ذلك لأمر لا يوجب نسخ التوضؤ ~~من جهة أخرى، بل يقال: كانت لحوم الإبل أولا يتوضا منها، كما يتوضأ من لحوم ~~الغنم، وغيرها. ثم نسخ هذا إلأمر العام المشترك. فأما ما يختص به لحم الإبل فلو ~~كان قبل النسخ لم يكن منسوخا، فكيف وذلك غير معلوم. # يؤيد ذلك «الوجه الثاني، وهو أن الحديث كان بعد نسخ الوضوء مما مست ~~النار، فإنه بئن فيه أنه لا يجب الوضوء من لحوم الغنم، وقد أمر فيه بالوضوء من ~~لحوم الإبل، ms0113 فعلم أن الأمر بذلك بعد النسخ. ~~التفريت ثابت مححم لم بات عن نط بالصوي بييما ن الوضيوه والصلة عدعرى PageV01P111 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0112.png) ~~النسخ باطل، بل عمل المسلمين بهذا الحديث في الصلاة يوجب العمل فيه بالوضوء ~~إذ لا فرق بينهما. # الرابع : أنه أمر بالوضوء من لحم الإبل، وذلك يقتضي الوضوء منه نيا ~~ومطبوخا، وذلك يمنع كونه منسوخا. # الخامس : أنه لو أتى عن النبي صلى الله عليه وسلم صس عام بقوله: لا وضوء مما مست النار، ~~لم يجز جعله ناسخآ لهذا الحديث من وجهين: # أحدهما : أنه لا يعلم أنه قبله، وإذا تعارض العام والخاص، ولم يعلم التاريخ ~~فلم يقل أحد من العلماء أنه ينسخه، بل إما أن يقال الخاص هو المقدم، كما هو ~~المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، وإما أن يتوقف؛ بل لو ~~علم أن العام بعد الخاص لكان الخاص مقدما. # الثاني : أنه قد بينا أن هذا الخاص بعد العام، فإن كان نسخ كان الخاص ناسخا. ~~وقد اتفق العلماء على أن الخاص المتأخر هو المقدم على العام المتقدم، فعلم باتفاق ~~المسلمين على أنه لا يجوز تقديم مثل هذا العام على الخاص، لو كان هنا لفظ عام. ~~كيف ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث عام ينسخ الوضوء من كل ما مسته النار. وإنما ~~ثبت في الصحيح أنه أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ، وكذلك أتي بالسويق فأكل ~~منه ثم لم يتوضأ، وهذا فعل لا عموم له فإن التوضؤ من لحم الغنم لا يجب باتفاق ~~الأئمة المتبوعين. والحديث المتقدم دليل ذلك. # وأما جابر فإنما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم:أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست ~~لنار، وهذا نقل لفعله لا لقوله. فإذا شاهدوه قد أكل لحم غنم ثم صلى ولم ~~يتوضأ بعد أن كان يتوضأ منه صح أن يقال الترك آخر الأمرين، والترك العام ~~لا يحاط به إلا بدوام معاشرته، وليس في حديث جابر ما يدل على ذلك، بل ~~المنقول عنه الترك في قضية معينة ms0114 . ثم ترك الوضوء مما مست النار لا يوجب تركه ~~من جهة أخرى، ولحم الإبل لم يتوضأ منه لأجل مس النار، كما تقدم ؛ بل ~~المعنى يختص يه ويتناوله نيا ومطبوخا، فبين الوضوء من لحم الإبل والوضوء مما ~~مست النار عموم وخصوص . هذا أعم من وجه، وهذا أخص من وجه. وقد يتفق ~~الوجهان، فيكون للحكم علتان، وقد ينفرد أحدهما عن الآخر، بمنزلة التوضؤ من ~~خروج النجاسة مع الوضوء من القبلة، فإنه قد يقبل فيمذي، وقد يقبل فلا يمذي ~~وقد يمذي من غير مباشرة. # فإذا قدر أنه لا وضوء من مس النساء، لم ينف الوضوء من المذي وكذلك ~~بالعكس، وهذا بين. PageV01P112 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0113.png) ~~وأضعف من ذلك قول بعضهم: إن المراد بذلك الوضوء اللغوي وهو غسل ~~اليد، أو اليد والفم، فإن هذا باطل من وجوه. ~~أحدها : أن الوضوء في كلام رسولا صل صلى الله عليه وسلم لم يرد به قط إلا وضوء ~~الصلاة، وإنما ورد بذلك المعنى في لغة اليهود. كما روي : أن سلمان قال: ~~يا رسول الله! إنه في التوراة من بركة الطعام الوضوء قبله. فقال : من بركة ~~الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده. فهذا الحديث قد تنوزع في صحته، وإذا ~~كان صحيحا فقد أجاب سلمان باللغة التي خاطبه بها لغة أهل التوراة، وأما اللغة ~~التي خاطب رسول الله صه صلى الله عليه وسلم با أهل القرآن فلم يرد فيها الوضوء إلا في الوضوء ~~الذي يعرفه المسلمون. # الثاني : أنه قد فرق بين اللحمين، ومعلوم أن غسل اليد والفم من الغمر مشروع ~~مطلقا، بل قد ثبت عنه أنه تمضمض من لبن شربه. وقال : «إن له دسما # وقال: «من بات وبيده غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه»2) فإذا كان قد ~~شرع ذلك من اللبن والغمر فكيف لا يشرعه من لحم الغنم. # الثالث: إن الأمر بالتوضؤ من لحم الإبل : إن كان أمر إيجاب امتنع حمله على ~~غسل اليد والفم، وإن كان أمر استحباب امتنع رفع الاستحباب عن لحم الغنم ~~والحديث فيه أنه رفع عن لحم الغنم، ms0115 ما أثبته للحم الإبل. وهذا يبطل كونه غسل ~~اليد، سواء كان حكم الحديث إيجابا، أو استحبابا. # الرابع: أنه قد قرنه بالصلاة في مباركها، مفرقا بين ذلك، وهذا مما يفهم منه ~~وضوء الصلاة قطعا. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن رجل يقرا القرآن وليس له على الوضوء قدرة في ~~كل وقت، فهل له أن يكتب في اللوح ويقرأه إن كان على وضوء وغير وضوء. أم لا? ~~وقد ذكر بعض المالكية أن معنى قوله : (لا يمسه إلا المطهرون) تطهير ~~القلب، وأن المسلم لا ينجس، وقال بعض الشافعية : لا يجوز له أن يمس اللوح، أو ~~المصحف على غير وضوء أبدا فهل بين الأيمة خلاف في هذا أم لا?3 # فاجاب: الحمد لله، إذا قرا في المصحف، او اللوح، ولم يمسه جاز ذلك، PageV01P113 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0114.png) ~~وإن كان على غير طهور، ويجوز له أن يكتب في اللوح وهو على غير وضوء. والله ~~أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : هل يجوز مس المصحف بغير وضوء، أم لا? # فأجاب : مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يمس المصحف إلا طاهر، كما قال في ~~الكتاب الذي كتبه رسول الله الهله صلى الله عليه وسلم عمرو بن حزم : أن لا يمس القرآن إلا ~~طاهر». # قال الإمام أحمد : لا شك أن النبيصلى الله عليه وسلم تبه له، وهو أيضا قول سلمان ~~الفارسي، وعبد الله بن عمر، وغيرهما. ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف. # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: عما تجب له الطهارتان: الغسل، ~~والوضوء?3 # فأجاب : ذلك واجب للصلاة بالكتاب والسنة والإجماع، فرضها ونفلها، ~~واختلف في الطواف ومس المصحف. واختلف أيضا في سجود التلاوة، وصلاة ~~الجنازة، هل تدخل في مسمى الصلاة التي تجب لها الطهارة? # وأما الاعتكاف فما علمت أحدا قال إنه يجب له الوضوء، وكذلك الذكر والدعاء ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم آر الحائض بذلك. # وأما القراءة ففيها خلاف شاذ. # فمذهب الأربعة تجب الطهارتان لهذا كله إلا الطواف مع الحدث الأصغر، فقد ~~قيل فيه نزاع. والأربعة أيضا لا يجوزون للجنب قراءة ms0116 القرآن، ولا اللبث في ~~المسجد، إذا لم يكن على وضوء، وتنازعوا في قراءة الحائض، وفي قراءة الشيء ~~اليسير . وفي هذا نزاع في مذهب الإمام أحمد وغيره، كما قد ذكر في غير هذا ~~الموضع . # ومذهب أهل الظاهر: يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، واللبث في المسجد، هذا ~~مذهب داود وأصحابه، وابن حزم. وهذا منقول عن بعض السلف. # وأما مذهبهم فيما تجب له الطهارتان? فالذي ذكره ابن حزم أنها لا تجب إلا ~~لصلاة : هي ركعتان، أو ركعة الوتر، أو ركعة في الخوف، أو صلاة الجنازة، ~~ولا تجب عنده الطهارة لسجدتي السهو، فيجوز عنده للجنب والمحدث والحائض PageV01P114 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0115.png) ~~قراءة القرآن، والسجود فيه، ومس المصحف قال: لأن هذه الأفعال خير مندوب ~~إليها، فمن ادعى منع هؤلاء منها فعليه الدليل. # وأما الطواف فلا يجوز للحائض بالنص، والإجماع. # وأما الحدث ففيه نزاع بين السلف، وقد ذكر عبد الله ابن الإمام أحمد في ~~المناسك بإسناده عن النخعي، وحماد بن أبي سليمان، أنه يجوز الطواف مع الحدث ~~الأصغر، وقد قيل إن هذا قول الحنفية، أو بعضهم. وأما مع الجنابة والحيض ~~فلا يجوز عند الأربعة؛ لكن مذهب أبي حنيفة أن ذلك واجب فيه لا فرض، وهو ~~قول في مذهب أحمد، وظاهر مذهبه كمذهب مالك والشافعي أنه ركن فيه. والصحيح ~~في هذا الباب ما ثبت عن الصحابة - رضوان الله عليهم - وهو الذي دل عليه الكتاب ~~والسنة، وهو أن مس المصحف لا يجوز للمحدث، ولا يجوز له صلاة جنازة، ~~ويجوز له سجود التلاوة. فهذه الثلاثة ثابتة عن الصحابة. # وأما الطواف فلا أعرف الساعة فيه نقلا خاصا عن الصحابة، لكن إذا جاز ~~سجود التلاوة مع الحدث، فالطواف أولى، كما قاله من قاله من التابعين . قال ~~البخاري في «باب سجدة المسلمين مع المشركين» والمشرك نجس ليس له وضوء، ~~وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء. ووقع في بعض نسخ البخاري يسجد على ~~وضوء. قال ابن بطال في شرح البخاري : الصواب إثبات غير؛ لأن المعروف عن ابن ~~عمر أنه كان يسجد على غير وضوء. ms0117 ذكر ابن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشار حدثنا ~~زكريا بن أبي زائدة. حدثنا أبو الحسن يعني عبيد بن الحسن - عن رجل زعم أنه نسيه ~~عن سعيد بن جبير قال: كان عبد الله بن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء ثم ~~يركب، فيقرأ السجدة فيسجد، وما يتوضا. وذكر عن وكيع عن زكريا عن الشعبي في ~~الرجل يقرأ السجدة على غير وضوء، قال: يسجد حيث كان وجهه. # قال ابن المنذر: واختلفوا في الحائض تسمع السجدة فقال عطاء وأبو قلابة، ~~والزهري، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم وقتادة: ليس عليها أن ~~تسجد، وبه قال مالك والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي . وقد روينا عن عثمان ~~بن عفان قال تومى برأسها. وبه قال سعيد بن المسيب قال تومي، وتقول: لك ~~سجدت. # وقال ابن المنذر: (ذكر من سمع السجدة وهو على غير وضوء) قال أبو بكر، ~~واختلفوا في ذلك. فقالت طائفة: يتوضا ويسجد، مكذا قال النخعي وسفيان الثوري ~~وإسحاق وأصحاب الرأي . وقد روينا عن النخعي قولا ثالثا أنه يتيمم ويسجد، وروينا ~~عن الشعبي قولا ثالثا انه يسجد حيث كان وجهه. وقال ابن حزم: وقد روي عن PageV01P115 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0116.png) ~~عثمان بن عفان، وسعيد بن المسيب تومئ الحائض بالسجود، وقال سعيد، وتقول: ~~رب لك سجدت ، وعن الشعبي جواز سجود التلاوة إلى غير القبلة. # وأما (صلاة الجنازة) فقد قال البخاري: قال النبي صلى الله عليه وسلم : من صلى على ~~الجنازة، وقال : «صلوا على صاحبكم» وقال : «صلوا على النجاشي سماها صلاة ~~وليس فيها ركوع ولا سجود، ولا يتكلم فيها، وفيها تكبير، وتسليم. قال: وكان ابن ~~عمر لا يصلي إلا طاهرآ، ولا يصلي عند طلوع الشمس، ولا غروبها، ويرفع يديه. # قال ابن بطال : عرض البخاري للرد على الشعبي، فإنه أجاز الصلاة على ~~الجنازة بغير طهارة، قال : لأنها دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود، والفقهاء مجمعون ~~من السلف والخلف على خلاف قوله، فلا يلتفت إلى شذوذه، وأجمعوا أنها ~~لا تصلى إلا إلى القبلة، ولو كانت دعاء كما زعم الشعبي لجازت إلى غير ms0118 القبلة. ~~قال : واحتجاج البخاري في هذا الباب حسن . # قلت : فالنزاع في سجود التلاوة، وفي صلاة الجنازة. قيل : هما جميعا ليسا ~~صلاة ، كما قال الشعبي ومن وافقه، وقيل: هما جميعا صلاة تجب لهما الطهارة. ~~والمأثور عن الصحابة وهو الذي تدل عليه النصوص والقياس : الفرق بين الجنازة، ~~والسجود المجرد سجود التلاوة والشكر. وذلك لأنه قد ثبت بالنص لا صلاة إلا ~~بطهور، كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يقبل الله صلاة ~~أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» # وفي صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أ قال : لا يقبل الله صلاة بغير ~~طهور، ولا صدقة من غلول. # وهذا قد دل عليه القرآن بقوله تعالى: (يأيها الذينآمنوا إذا قمتم إلى الصلوة ~~فاعسلوا وجوهكم وأيد يكم إلى المرافق)ل آ وقد حرم الصلاة مع الجنابة PageV01P116 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0117.png) ~~والسكر في قوله: (لا تقربوا الصلوة وانتم شكارى حت تعلمواما نقولون ولا جنبا إلا عابى سبيل ~~حتى تغتسلوا). # وثبت أيضا أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة، لما ثبت في صحيح مسلم من ~~حديث ابن جريج : ثنا سعيد بن الحارث، عن ابن عباس : «أن النبي صلى الله عليه وسلم فضى حاجته ~~من الخلاء، فقرب له طعام فأكل، ولم يمس ماء. قال ابن جريج : وزادني عمرو بن ~~دينار عن سعيد بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم يل له : إنك لم تتوضأ . قال : ما أردت ~~صلاة فأتوضا قال عمرو: سمعته من سعيد بن الحارث. # والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلا، فإنه لم ينقل أحد عن ~~النبي صلى الله ليه وسلم ا بإسناد صحيح، ولا ضعيف، أنه أمر بالوضوء للطواف، مع العلم بأنه قد ~~حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمرا متعددة، والناس يعتمرون معه، فلو كان ~~الوضوء فرضا للطواف لبينه النبيصلى الله عليه وسلم يانا عاما، ولو بينه لنقل ذلك المسلمون عنه ~~ولم يهملوه، ولكن ثبت في الصحيح أنه لما طاف توضأ. وهذا وحده لا يدل على ms0119 ~~الوجوب، فإنه قد كان يتوضأ لكل صلاة، وقد قال : إني كرهت أن أذكر الله إلا على ~~طهر فيتيمم لرد السلام. # وقد ثبت عنه في الصحيح أنه لما خرج من الخلاء وأكل وهو محدث قيل له: ~~ألا تتوضا? قال: «ما أردت صلاة فأتوضا»، يدل على أنه لم يجب عليه الوضوء إلا ~~إذا أراد صلاة، وأن وضوءه لما سوى ذلك مستحب ليس بواجب. وقوله صلى الله عليه وسلم،: ما ~~أردت صلاة فأتوضأ» ليس إنكارا للوضوء لغير الصلاة، لكن إنكار لإيجاب الوضوء ~~لغير الصلاة؛ فإن بعض الحاضرين قال له: ألا تتوضأ? فكأن هذا القائل ظن وجوب ~~الوضوء للأكل، فوقال صلى الله عليه وسلم : ما أردت صلاة فأتوضا فبين له أنه إنما فرض الله ~~الوضوء على من قام إلى الصلاة. # والحديث الذي يروى: الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام، ~~فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير قد رواه النسائي، وهو يروى موقوفا ومرفوعا، ~~وأهل المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفا ويجعلونه من كلام ابن عباس ~~لا يثبتون رفعه، وبكل حال فلا حجة فيه؛، لأنه ليس المراد به آن الطواف نوع من ~~الصلاة: كصلاة العيد، والجنائز؛ ولا أنه مثل الصلاة مطلقا، فإن الطواف يباح فيه ~~الكلام بالنص والإجماع، ولا تسليم فيه، ولا تيطله الضحك والقهقهة، ولا تجب فيه PageV01P117 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0118.png) ~~القراءة باتفاق المسلمين، فليس هو مثل الجنازة، فإن الجنازة فيها تكبير وتسليم، ~~فتفتح بالتكبير، وتختم بالتسليم. # وهذا حد الصلاة التي أمر فيها بالوضوء، كما قل صلى الله عليه وسلم : مفتاح الصلاة الطهور، ~~وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم والطواف ليس له تحريم، ولا تحليل، وإن ~~كبر في أوله، فكما يكبر على الصفا والمروة، وعند رمي الجمار، من غير أن يكون ~~ذلك تحريما، ولهذا يكبر كلما حاذى الركن، والصلاة لها تحريم؛ لأنه بتكبيرها يحرم ~~على المصلي ما كان حلالا له من الكلام، أو الأكل، أو الضحك، أو الشرب، أو ~~غير ذلك، والطواف لا يحرم شيئا، بل كل ما كان مباحا قبل الطواف في المسجد، ~~فهو مباح ms0120 في الطواف، وإن كان قد يكره ذلك لأنه يشغل عن مقصود الطواف، كما ~~يكره في عرفة، وعند رمي الجمار، ولا يعرف نزاعا بين العلماء أن الطواف لا يبطل ~~بالكلام والأكل والشرب والقهقهة، كما لا يبطل غيره من مناسك الحج بذلك، وكما ~~لا يبطل الاعتكاف بذلك . # والاعتكاف يستحب له طهارة الحدث، ولا يجب، فلو قعد المعتكف وهو محدث ~~في المسجد لم يحرم، بخلاف ما إذا كان جنبا أو حائضا، فإن هذا يمنعه منه الجمهور، ~~كمنعهم الجنب والحائض من اللبث في المسجد لا لأن ذلك يبطل الاعتكاف؛ ولهذا إذا ~~خرج المعتكف للاغتسال كان حكم اعتكافه عليه في حال خروجه، فيحرم عليه مباشرة ~~النساء في غير المسجد. ومن جوز له اللبث مع الوضوء، جوز للمعتكف أن يتوضأ ويلبث ~~في المسجد، وهو قول أحمد بن حنبل وغيره. # والذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أ نهى الحائض عن الطواف، وبعث أبا بكر أميرا ~~على الموسم، فأمر أن ينادي : أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت ~~عريان . وكان المشركون يحجون وكانوا يطوفون بالبيت عراة، فيقولون: ثياب ~~عصينا الله فيها فلا نطوف فيها، إلا الحمس، ومن دان دينها. وفي ذلك أنزل الله: ~~(يبني مادم خذوا زينتكر عند كل مسجد ) وقوله : (وإذا فعلوا فاحشة) ~~[الأعراف : 28] مثل طوافهم بالبيت عراة (قالوا وجدنا عليها ء ا باءآنا والله أمنا بأ قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ). # ومعلوم أن ستر العورة يجب مطلقا، خصوصا إذا كان في المسجد الحرام ~~والناس يرونه، فلم يجب ذلك لخصوص الطواف؛ لكن الاستتار في حال الطواف ~~أوكد لكثرة من يراه وقت الطواف، فينبغي النظر في معرفة حدود ما أنزل الله على PageV01P118 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0119.png) ~~رسوله، وهو ان يعرف مسمى الصلاة التي لا يقبلها الله إلا بطهور، التي أمر بالوضوء ~~عند القيام إليها. وقد فسر ذلك النبي صل لى الله عليه وسلم، بقوله في الحديث الذي في السنن عن ~~علي عن البي صلى الله عليه وسلم آ قال ms0121 : مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير وتحليلها ~~التسليم . ففي هذا الحديث دلالتان: # إحداهما: أن الصلاة تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فما لم يكن تحريمه ~~التكبير، وتحليله التسليم لم يكن من الصلاة. # والثانية: أن هذه هي الصلاة التي مفتاحها الطهور، فكل صلاة مفتاحها الطهور، ~~فتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فما لم يكن تحريمه التكبير، وتحليله التسليم، ~~فليس مفتاحه الطهور، فدخلت صلاة الجنازة في هذا. فإن مفتاحها الطهور، ~~وتحريمها التكبير . وتحليلها التسليم. # واما سجود التلاوة والشكر، فلم ينقل أحد عن النبي صل الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه أن ~~فيه تسليما، ولا أنهم كانوا يسلمون منه؛ ولهذا كان أحمد بن حنبل وغيره من العلماء ~~لا يعرفون فيه التسليم. وأحمد في إحدى الروايتين عنه لا يسلم فيه؛ لعدم ورود الأثر ~~بذلك. وفي الرواية الأخرى يسلم واحدة أو اثنتين، ولم يثبت ذلك بنص، بل ~~بالقياس، وكذلك من راى فيه تسليما من الفقهاء ليس معه نص؛ بل القياس، أو قول ~~بعض التابعين. # وقد تكلم الخطابي على حديث نافع عن ابن عمر قال : «كان رسول الله له صلى الله عليه سل ~~يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد، وسجدنا معه. قال : فيه بيان أن ~~السنة أن يكبر للسجود، وعلى هذا مذاهب أكثر أهل العلم، وكذلك يكبر إذا رفع ~~رأسه من السجود، قال: وكان الشافعي وأحمد يقولان يرفع يديه إذا أراد أن يسجد. ~~وعن ابن سيرن وعطاء إذا رفع راسه من السجود يسلم. وبه قال إسحاق بن راهويه. # قال: واحتج لهم في ذلك بقول النبي صل لى الله عليه سلم تحريمها التكبير، وتحليلها ~~التسليم. وكان أحمد لا يعرف - وفي لفظ - لا يرى التسليم في هذا. # قلت: وهذه الحجة إنما تستقيم لهم أن ذلك داخل في مسمى الصلاة، لكن قد ~~يحتجون بهذا على من يسلم أنها صلاة، فيتناقض قولة. وحديث ابن عمر رواه ~~البخاري في صحيحه وليس فيه التكبير. قال: كان الني صلى الله عليه ولم يرأ علينا السورة فيها. ~~السجدة فيسجد ونصجد، حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته. وفي ms0122 لفظ: حتى ما يجد ~~أحدنا مكانا لجبهته2 PageV01P119 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0120.png) ~~119 # فابن عمر قد أخبر أنهم كانوا يسجدون مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر تسليما، ~~وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء. ومن المعلوم أنه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم بين ~~لأصحابه أن السجود لا يكون إلا على وضوء لكان هذا مما يعلمه عامتهم؛ لأنهم ~~كلهم كانوا يسجدون معه، وكان هذا شائعا في الصحابة، فإذا لم يعرف عن أحد ~~منهم أنه أوجب الطهارة لسجود التلاوة، وكان ابن عمر من أعلمهم وأفقههم ~~وأتبعهم للسنة، وقد بقي إلى آخر الأمر ويسجد للتلاوة على غير طهارة، كان هو ~~مما يبين أنه لم يكن معروفا بينهم أن الطهارة واجبة لها. ولو كان هذا مما أوجبه ~~لنبي صلى الله عليه وسلم، لككان ذلك شائعا بينهم، كشياع وجوب الطهارة للصلاة، وصلاة ~~الجنازة، وابن عمر لم يعرف أن غيره من الصحابة أوجب الطهارة فيها، ولكن ~~سجودها على الطهارة أفضل باتفاق المسلمين. # وقد يقال : إنه يكره سجودها على غير طهارة مع القدرة على الطهارة، فإن ~~لنبي صلى الله عليه وسلم لما سلم عليه مسلم لم يرد عليه حتى تيمم، وقال كرهت أن أذكر الله إلا ~~على طهر، فالسجود أوكد من رد السلام. لكن كون الإنسان إذا قرأ وهو محدث يحرم ~~عليه السجود، ولا يحل له أن يسجد لله إلا بطهارة. قول لا دليل عليه. وما ذكر ~~أيضا يدل : على أن الطواف ليس من الصلاة، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : للا ~~تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب والطواف والسجود لا يقرأ فيهما بأم ~~الكتاب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن ~~لا تكلموا في الصلاة والكلام يجوز في الطواف، والطواف أيضا ليس فيه تسليم، ~~لكن يفتتح بالتكبير، كما يسجد للتلاوة بالتكبير، ومجرد الافتتاح بالتكبير لا يوجب أن ~~يكون المفتتح صلاة، فقد ثبت في الصحيح : أن الني صلى الله عليه وسلم ms0123 فاف على بعير، كلما ~~أتى الركن أشار إليه بشيء بيده، وكبر . وكذلك ثبت عنه: أنه كبر على الصفا ~~والمروة، وعند رمي الجمار؛ ولأن الطواف يشبه الصلاة من بعض الوجوه. # وأما الحائض؛ فقد قيل : إنما منعت من الطواف لأجل المسجد، كما تمنع من ~~الاعتكاف لأجل المسجد، والمسجد الحرام أفضل المساجد، وقد قال تعالى ~~لإبراهيم : (طها بيتق للطابفين والعاكفين والركع السجود ) فأمر بتطهيره، ~~فتمنع منه الحائض من الطواف، وغير الطواف، وهذا من سر قول من يجعل الطهارة PageV01P120 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0121.png) ~~واجبة فيه، ويقول إذا طافت وهي حائض عصت بدخول المسجد مع الحيض ~~ولا يجعل طهارتها للطواف كطهارتها للصلاة، بل يجعله من جنس منعها أن تعتكف ~~في المسجد وهي حائض؛ ولهذا لم تمنع الحائض من سائر المناسك، كما قإل ~~التبي صلى الله عليه وسلم: الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وقال لعائشة : ~~«افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت. # ولما قيل له عن صفية: أنها حائض قال: «أحابستنا هي? . قيل له : إنها قد ~~أفاضت؛ قال : «فلا إذا»(3) متفق عليه. # وقد اعترض ابن بطال على احتجاج البخاري بجواز السجود على غير وضوء ~~بحديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأ: (النجم) فسجد وسجد معه المسلمون ~~والمشركون والجن والإنس وهذا السجود متواتر عند أهل العلم . # وفي الصحيح أيضا من حديث ابن مسعود قال : «قرأ النبي صلى الله عليه وسلم مكة النجم ~~فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته، ~~وقال: يكفيني هذا، قال: فرأيته بعد قتل كافرا»(5) # قال ابن بطال : هذا لا حجة فيه؛ لأن سجود المشركين لم يكن على وجه ~~العبادة لله، والتعظيم له، وإنما كان لما ألقى الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر ~~آلهتهم في قوله : ( أفريتم اللت والعزى ه ومنوة الثالثة الأخرى) فقال : ~~تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن قد ترتجي، فسجدوا لما سمعوا من تعظيم آلهتهم. ~~فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم ألقى الشيطان على ms0124 لسانه من ذلك أشفق وحزن له، فأنزل ~~الله تعالى تأنيسا له وتسلية عما عرض له: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إنا ~~تمن القى الشيطن في أننيلته) إلى قوله: (والله عليه حكيه) 5 أي إذا تلا ~~ألقى الشيطان في تلاوته. # فلا يستنبط من سجود المشركين جواز السجود على غير وضوء؛ لأن المشرك ~~نجس لا يصح له وضوء، ولا سجود إلا بعد عقد الإسلام. # فيقال: هذا ضعيف، فإن القوم إنما سجدوا لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم «أفمن هذا ~~الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون، فاسجدوا لله واعبدوا PageV01P121 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0122.png) ~~سجد النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه امتثالا لهذا الأمر، وهو السجود لله والمشركون تابعوه ~~في السجود لله. # وما ذكره من التمني إذا كان صحيحا فإنه هو كان سبب موافقتهم له في السجود ~~لله، ولهذا لما جرى هذا بلغ المسلمين بالحبشة ذلك، فرجع منهم طائفة إلى مكة، ~~والمشركون ما كانوا ينكرون عبادة الله وتعظيمه، ولكن كانوا يعبدون معه آلهة أخرى، ~~كما أخبر الله عنهم بذلك، فكان هذا السجود من عبادتهم لله، وقد قال: سجد معه ~~المسلمون والمشركون والجن والإنس. # وأما قوله : لا سجود إلا بعد عقد الإسلام، فسجود الكافر بمنزلة دعائه لله، ~~وذكره له، وبمنزلة صدقته، وبمنزلة حجهم لله، وهم مشركون فالكفار قد يعبدون ~~الله وما فعلوه من خير أثيبوا عليه في الدنيا، فإن ما توا على الكفر حبطت ~~أعمالهم في الآخرة، وإن ماتوا على الإيمان فهل يثابون على ما فعلوه في الكفر? ~~فيه قولان مشهوران . والصحيح أنهم يثابون على ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن ~~حزام : أسلمت على ما أسلفت من خير وغير ذلك من النصوص، ومعلوم ~~أن اليهود والنصارى لهم صلاة وسجود. وإن كان ذلك لا ينفعهم في الآخرة إذا ~~ماتوا على الكفر. # وأيضا فقد أخبر الله في غير موضع من القرآن عن سجود سحرة فرعون كما قال ~~تعالى : (فألقى السحرة ساجدين * قالوا ءامنا برب العالمين رب موسى وهارون )] ~~وذلك ms0125 سجود مع إيمانهم، وهو مما قبله الله منهم، وأدخلهم به الجنة، ولم يكونوا ~~على طهارة. وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بنسخه. ولو قرئ القرآن على ~~كفار فسجدوا لله سجود إيمان بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أو رأوا آية من آيات الإيمان ~~فسجدوا لله مؤمنين بالله ورسوله، لنفعهم ذلك. # ومما يبين هذا أن السجود بشرع منفردا عن الصلاة كسجود التلاوة، وسجود ~~الشكر، وكالسجود عند الآيات، فإن ابن عباس لما بلغه موت بعض أمهات المؤمنين ~~سجد، وقال : «إن رسول الله صله صلى الله عليه وسلم آرنا إذا رأينا آية أن نسجد # وقد تنازع الفقهاء في السجود المطلق لغير سبب، هل هو عبادة أم لا? ومن ~~سوغه يقول : هو خضوع لله، والسجود هو الخضوع قال تعالى : ( وأنخلوا البايب ~~كجدا وقولوا حعلة) قال أهل اللغة : السجود في اللغة هو الخضوع، وقال PageV01P122 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0123.png) ~~غير واحد من المفسرين: أمروا أن يدخلوا ركعا منحنين، فإن الدخول مع وضع ~~الجبهة على الأرض لا يمكن، وقد قال تعالى: (ألز ترأن الله يسحد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والتجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس) ~~وقال تعالى : (ولله بسمد من في السموت والأرض طوعا وكرها) ومعلوم أن سجود ~~كل شيء بحسبه، ليس سجود هذه المخلوقات وضع جباهها على الأرض. ~~وقد قال الني صلى الله عليه وسلم ي حديث أبي ذر لما غربت الشمس : (إنها تذهب فتسجد ~~تحت العرش رواه البخاري ومسلم. # فعلم أن السجود اسم جنس، وهو كمال الخضوع لله، وأعز ما في الإنسان ~~وجهه، فوضعه على الأرض لله غاية خضوعه ببدنه، وهو غاية ما يقدر عليه من ~~ذلك. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وقال ~~تعالى: (واسجد واقتب) فصار من جنس أذكار الصلاة التي تشرع خارج ~~الصلاة، كالتسبيح؛ والتحميد، والتكبير، والتهليل، وقراءة القرآن، وكل ذلك يستحب ~~له الطهارة. # ويجوز للمحدث فعل ذلك، بخلاف ما لا يفعل إلا في الصلاة ms0126 كالركوع، فإن ~~هذا لا يكون إلا جزءا من الصلاة. وأفضل أفعال الصلاة السجود، وأفضل أقوالها ~~القراءة، وكلاهما مشروع في غير الصلاة، فيسرت العبادة لله، لكن الصلاة أفضل ~~الأعمال، فاشترط لها أفضل الأحوال. # واشترط للفرض ما لم يشترط للنفل، من القيام والاستقبال مع القدرة، وجاز ~~التطوع على الراحلة في السفر، كما مضت به سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قد ثبت في ~~الصحاح أنه كان يتطوع على راحلته في السفر قبل أي وجه توجهت به. وهذا مما ~~اتفق العلماء على جوازه، وهو صلاة بلا قيام ولا استقبال للقبلة، فإنه لا يمكن ~~المتطوع على الراحلة أن يصلي إلا كذلك، فلو نهي عن التطوع أفضى إلى تفويت ~~عبادة الله التي لا يقدر عليها إلا كذلك؛ بخلاف الفرض. فإنه شيء مقدر يمكنه أن ~~ينزل له ولا يقطعه ذلك عن سفره. ومن لم يمكنه النزول لقتال أو مرض أو وحل ~~صلى على الدابة أيضا. # ورخص في التطوع جالسا؛ لكن يستقبل القبلة، فإن الاستقبال يمكنه مع ~~الجلوس. فلم يسقط عنه، بخلاف تكليفه القيام فإنه قد يشقآ عليه ترك التطوع، وكان ~~ذلك تيسيرا للصلاة بحسب الإمكان، فاوجب الله في الفرض ما لا يجب في النفل. PageV01P123 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0124.png) # وكذلك السجود دون صلاة النفل، فإنه يجوز فعله قاعدا، وإن كان القيام ~~أفضل، وصلاة الجنازة أكمل من النفل من وجه، فاشترط لها القيام بحسب الإمكان؛ ~~لأن ذلك لا يتعذر، وصلاة النافلة فيها ركوع وسجود فهي أكمل من هذا الوجه. ~~والمقصود الأكبر من صلاة الجنازة هو الدعاء للميت، ولهذا كان عامة ما فيها من ~~الذكر دعاء. # واختلف السلف والعلماء: هل فيها قراءة ? على قولين مشهورين، ولم يوقت ~~لنبي صلى الله عليه وسلم فيها دعاء بعينه، فعلم أنه لا يتوقت فيها وجوب شيء من الأذكار، وإن ~~كانت قراءة الفاتحة فيها سنة، كما ثبت ذلك عن ابن عباس . فالناس في قراءة الفاتحة ~~فيها على أقوال . قيل : تكره. وقيل: تجب. والأشبه أنها مستحبة لا تكره ولا تجب، ~~فإنه ليس فيها قرآن غير الفاتحة، ms0127 فلو كانت الفاتحة واجبة فيها كما تجب في الصلاة ~~التامة لشرع فيها قراءة زائدة على الفاتحة . ولأن الفاتحة نصفها ثناء على الله، ونصفها ~~دعاء للمصلي نفسه ، لا دعاء للميت، والواجب فيها الدعاء للميت، وما كان تتمة ~~كذلك. # والمشهور عن الصحابة أنه إذا سلم فيها سلم تسليمة واحدة، لنقصها عن الصلاة ~~التامة. # وقوله : لمن صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج يقال : الصلاة ~~المطلقة هي التي فيها ركوع وسجود، بدليل ما لو نذر أن يصلي صلاة. وهذه صلاة ~~تدخل في قوله : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم ~~لكنها تقيد . يقال : صلاة الجنازة، ويقال : صلوا على الميت. كما قال تعالى: (ولا ~~تصل عل أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره). # والصلاة عل الميت قد بينها الشارع أنها دعاء مخصوص، بخلاف قوله: (خذ ~~من أموالم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلوتك سكن لمم) تلك قد ~~بين أنها الدعاء المطلق الذي ليس له تحريم وتحليل، ولا يشترط له استقبال القبلة، ~~ولا يمنع فيها من الكلام. والسجود المجرد لا يسمى صلاة، لا مطلقا ولا مقيدا ؛ ~~ولهذا لا يقال صلاة التلاوة، ولا صلاة الشكر، فلهذا لم تدخل في قوله: لا يقبل ~~الله صلاة بغير طهور»(3) وقوله : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتبى ~~يتوضا فإن السجود مقصوده الخضوع، والذل له. وقيل لسهل بن عبد الله PageV01P124 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0125.png) ~~التستري: ايسجد القلب؟ قال : نعم! سجدة لا يرفع رأسه منها أبدا. # ومسمى الصلاة لا بد فيه من الدعاء فلا يكون مصليا إلا بدعاء بحسب إمكانه، ~~والصلاة التي يقصد بها التقرب إلى الله لا بد فيها من قرآن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~«إني نهيت آن أقرا القرآن راكعا أو ساجدا»(1) فالسجود لا يكون فيه قرآن، وصلاة ~~التقرب لا بد فيها من قرآن، بخلاف الصلاة التي مقصودها الدعاء للميت فإنها بقرآن ~~أكمل، ولكن مقصودها يحصل بغير قرآن. # وأما مس المصحف: فالصحيح أنه يجب له الوضوء، كقول الجمهور، وهذا هو ~~المعروف عن ms0128 الصحابة: سعد، وسلمان، وابن عمر. وفي كتاب عمرو بن حزم عن ~~الني صلى الله علي ول: لا يمس القرآن إلا طاهر. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ى أن يسافر بالقرآن ~~إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم، وقد أقر المشركين على السجود لله، ولم ~~ينكره عليهم، فإن السجود لله خضوع : (والله تسحد من فى السموات والأرض طوعا وكرها) ~~[الرعد: 15]. # وأما كلامه فله حرمة عظيمة؛ ولهذا ينهى أن يقرأ القرآن في حال الركوع والسجود، ~~فإذا نهى أن يقرأ في السجود، لم يجز أن يجعل المصحف مثل السجود، وحرمة ~~المصحف أعظم من حرمة المسجد، والمسجد يجوز أن يدخله المحدث، ويدخله الكافر ~~للحاجة، وقد كان الكفار يدخلونه. واختلف في نسخ ذلك، بخلاف المصحف فلا يلزم ~~إذا جاز الطواف مع الحدث، أن يجوز للمحدث مس المصحف؛ لأن حرمة المصحف ~~أعظم. وعلى هذا فما روي عن عثمان وسعيد من أن الحائض تومئ بالسجود، هو لأن ~~حدث الحائض أغلظ، والركوع هو سجود خفيف. كما قال تعالى : ( آدخلوا الباب سجدا) ~~لالنساء: 2154 قالوا: ركعا، فرخص لها في دون كمال السجود. # وأما احتجاج ابن حزم على أن ما دون ركعتين ليس بصلاة بقوله : «صلاة الليل ~~والنهار مثنى مثنى» فهذا يرويه الأزدي عن علي بن عبد الله البارقي عن ابن عمر ~~وهو خلاف ما رواه الثقات المعروفون عن ابن عمر. فإنهم رووا ما في الصحيحين أنه ~~سئل عن صلاة الليل فقال: لصلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الفجر فأوتر ~~بواحدة»2 ولهذا ضعف الإمام أحمد وغيره من العلماء حديث البارقي . ولا يقال ~~هذه زيادة من الثقة، فتكون مقبولة لوجوه: # أحدها: أن هذا متكلم فيه. PageV01P125 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0126.png) # الشاني : أن ذلك إذا لم يخالف الجمهور، وإلا فإذا انفرد عن الجمهور ففيه ~~قولان في مذهب أحمد وغيره. # الثالث : أن هذا إذا لم يخالف المزيد عليه، وهذا الحديث قد ذكر ابن عمر: ~~أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال : صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت ~~الصبح فأوتر ms0129 بواحدة» ومعلوم أنه لو قال : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فإذا ~~خفت الصبح فأوتر بواحدة لم يجز ذلك، وإنما يجوز إذا ذكر صلاة الليل منفردة كما ~~ثبت في الصحيحين، والسائل إنما سأله عن صلاة الليل، والنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قد ~~يجيب عن أعم مما سئل عنه - كما في حديث البحر لما قيل له : إنا نركب البحر، ~~ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر، فقال : ~~هو الطهور ماؤه، الحل ميتته - لكن يكون الجواب منتظما، كما في هذا ~~الحديث . # وهناك إذا ذكر النهار لم يكن الجواب منتظما؛ لأنه ذكر فيه قوله : فإذا خفت ~~الصبح فأوتر بواحدة وهذا ثابت في الحديث لا ريب فيه. # فإن قيل : يحتمل أن يكون هذا قد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس آخر، كلاما مبتدأ ~~لآخر : إما لهذا السائل، وإما لغيره. # قيل : كل من روى عن ابن عمر إنما رواه هكذا فذكروا في أوله السؤال، وفي ~~آخره الوتر، وليس فيه إلا صلاة الليل، وهذا خالفهم، فلم يذكر ما في أوله ولا ما ~~في آخره، وزاد في وسطه، وليس هو من المعروفين بالحفظ والاتقان؛ ولهذا لم ~~يخرج حديثه أهل الصحيح البخاري ومسلم. # وهذه الأمور وما أشبهها متى تأملها اللبيب علم أنه غلط في الحديث وإن لم ~~يعلم ذلك أوجب ريبة قوية تمنع الاحتجاج به، على إثبات مثل هذا الأصل العظيم. # ومما يبين ذلك أن الوتر ركعة وهو صلاة، وكذلك صلاة الجنازة وغيرهما، ~~فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد بذلك بيان مسمى الصلاة وتحديدها، فإن الحد يطرد ~~وينعكس. # فإن قيل : قصد بيان ما يجوز من الصلاة. # قيل: ما ذكرتم جائز، وسجود التلاوة والشكر أيضا جائز، فلا يمكن الاستدلال ~~به، لا على الاسم، ولا على الحكم. وكل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم PageV01P126 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0127.png) ~~يسبقه إليه أحد منهم، فإنه يكون خطأ كما قال الإمام أحمد بن حنبل : إياك أن تتكلم ~~في مسألة ليس لك فيها ms0130 إمام. # وأما سجود السهو؛ فقد جؤزه ابن حزم أيضا على غير طهارة، وإلى غير القبلة ~~كسجود التلاوة بناء على أصله الضعيف. ولهذا لا يعرف عن أحد من السلف، وليس هو ~~مثل سجود التلاوة والشكر؛ لأن هذا سجدتان يقومان مقام ركعة من الصلاة، كما قال ~~النبي صلى الله علي ولفي الحديث الصحيح حديث الشك: إذا شك أحدكم فلم يدر ثلاثا صلى أم ~~أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن صلى ~~خمسا شفعتا له صلاته، وإلا كانتا ترغيما للشيطان . وفي لفظ : «وإن كانت صلاته تماما ~~كانتا ترغيما . فجعلهما كالركعة السادسة التي تشفع الخامسة المزيدة سهوآ. # ودل ذلك على أنه يؤجر عليها لأنه اعتقد أنها من تمام المكتوبة وفعلها تقربا إلى ~~الله، وإن كان مخطئا في هذا الاعتقاد. وفي هذا ما يدل على أن من فعل ما يعتقده ~~قربة بحسب اجتهاده، إن كان مخطئا في ذلك أنه يثاب على ذلك، وإن كان له علم أنه ~~ليس بقربة يحرم عليه فعله. # وأيضا فإن سجدتي السهو يفعلان: إما قبل السلام، وإما قريبا من السلام، فهما ~~متصلان بالصلاة، داخلان فيها. فهما منها. # وأيضا فإنهما جبران للصلاة فكانتا كالجزء من الصلاة. # وأيضا فإن لهما تحليلا وتحريما، فإنه يسلم منهما، ويتشهد، فصارتا أوكد من ~~صلاة الجنازة. # وفي الجملة: سجدتا السهو من جنس سجدتي الصلاة، لا من جنس سجود ~~التلاوة والشكر؛ ولهذا يفعلان إلى الكعبة، وهذا عمل المسلمين من عهد نبيهم، ولم ~~ينقل عن أحد أنه فعلها إلى غير القبلة، ولا بغير وضوء. كما يفعل ذلك في سجود ~~التلاوة. وإذا كان السهو في الفريضة كان عليه أن يسجدهما بالأرض كالفريضة، ليس ~~له ان يفعلهما على الراحلة. # وايضا فإنهما واجبتان كما دل عليه نصوص كثيرة، وهو قول أكثر الفقهاء، ~~بخلاف سجود الشكر فإنه لا يجب بالإجماع، وفي استحبابه نزاع، وسجود التلاوة في ~~وجوبه نزاع، وإن كان مشروعا بالإجماع، فسجود التلاوة سببه القراءة فيتبعها. # ولما كان المحدث له أن يقرا فله أن يسجد بطريق ms0131 الأولى، فإن القراءة أعظم من ~~مجرد سجود التلاوة. # والمشركون قد سجدرا، وما كانوا يقراون القرآن، وقد نهى النبي صلى الله علي وسلم يقرا PageV01P127 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0128.png) ~~القرآن في حال الركوع والسجود، فعلم أن القرآن أفضل من هذه الحال. # وقوله : لأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد أي من الأفعال، فلم ~~تدخل الأقوال في ذلك. ويفرق بين الأقرب والأفضل فقد تكون بعض الأعمال أفضل ~~من السجود، وإن كان في السجود أقرب، كالجهاد فإنه سنام العمل. إلا أن يراد ~~السجود العام، وهو الخضوع، فهذا يحصل له في حال القراءة وغيرها، وقد يحصل ~~للرجل في حال القراءة من الخشوع والخضوع ما لا يحصل له في حال السجود . # وهذا كقوله : «أقرب ما يكون الرب تعالى من عبده في جوف الليل2 وقوله: ~~ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل وقوله : إنه يدنو عشية ~~عرفة »4). # ومعلوم أن من الأعمال ما هو أفضل من الوقوف بعرفة، ومن قيام الليل، ~~كالصلوات الخمس، والجهاد في سبيل الله. وقد قال تعالى : (وإذا سألك عبادى عن ~~فإنيى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) فهو قريب ممن دعاه، وقد يكون ~~غير الداعي أفضل من الداعي . كما قال : لمن شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته ~~أفضل ما أعطي السائلين والله أعلم. # باب الغسل # سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن غسل الجنابة: هل هو فرض أم لا? ~~وهل يجوز لأحد الصلاة جنبا ولا يعيد? # فأجاب : الطهارة من الجنابة فرض، ليس لأحد أن يصلي جنبا ولا محدثا، حتى ~~يتطهر، ومن صلى بغير طهارة شرعية مستحلا لذلك فهو كافر، ولو لم يستحل ذلك ~~فقد اختلف في كفره، وهو مستحق للعقوبة الغليظة، لكن إن كان قادرا على الاغتسال ~~بالماء اغتسل، وإن كان عادما للماء، ويخاف الضرر باستعماله بمرض، أو خوف برد ~~تيمم، وصلى. PageV01P128 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0129.png) ~~وإن تعذر الغسل والتيمم صلى بلا غسل ولا تيمم، في أظهر أقوال العلماء، ~~ولا إعادة عليه. والله سبحانه وتعالى أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل يلاعب ms0132 امرأته، ثم بعد ساعة يبول، فيخرج ~~شبه المني بألم وعصر، فهل يجب عليه الغسل? # فأجاب: المني الذي يوجب الغسل هو الذي يخرج بشهوة، وهو أبيض غليظ، ~~تشبه رائحته رائحة الطلع. # فأما المني الذي يخرج بلا شهوة، إما لمرض، أو غيره، فهذا فاسد لا يوجب ~~الغسل عند اكثر العلماء: كمالك، وأبي حنيفة. وأحمد. كما أن دم الاستحاضة ~~لا يوجب الغسل، والخارج عقيب البول تارة مع ألم، أو بلا ألم، هو من هذا الباب، ~~لا غسل فيه عند جمهور العلماء. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن امرأة تضع معها دواء وقت المجامعة، تمنع بذلك ~~نفوذ المني في مجاري الحبل، فهل ذلك جائز حلال أم لا؟ وهل إذا بقي ذلك الدواء ~~معها بعد الجماع . ولم يخرج يجوز لها الصلاة والصوم بعد الغسل، أم لا؟2 # فأجاب: أما صومها وصلاتها فصحيحة، وإن كان ذلك الدواء في جوفها، وأما ~~جواز ذلك ففيه نزاع بين العلماء، والأحوط أنه لا يفعل. والله أعلم. # وسئل غفر الله له : هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان كان يغتسل بالصاع ويتوضا ~~بالمد، وما قدر ذلك? وهل تكره الزيادة على هذا مع اختلاف أحوالهم، وهل يكرر ~~الصب على وجهه في الوضوء?)? # فأجاب: الصاع بالرطل الدمشقي: رطل وأوقيتان تقريبا، والمد ربع ذلك. وهذا ~~مع الاقتصاد والرفق يكفي غالب الناس، وإن احتاج إلى الزيادة أحيانا لحاجة فلا بأس ~~بذلك. # لكن من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء، وما ذكر من تكثير الاغتراف مكروه، بل إذا ~~غرف الماء يرسله على وجهه إرسالا من أعالي الوجه إلى أسفله برفق، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عمن يدخل الحمام هل يجوز له كشف العورة في ~~الخلوة? وما هو الذي يفعله من آداب الحمام? # فاجاب: لا يلزم المتطهر كشف عورته، لا في الخلوة، ولا في غيرها، إذا PageV01P129 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0130.png) ~~طهر جميع بدنه . لكن إن كشفها في الخلوة لأجل الحاجة : كالتطهر والتخلي، جاز ~~كما ثبت في الصحيح : أن موسى عليه السلام اغتسل عريانا، وأن أيوب ~~عليه السلام ms0133 اغتسل عريانا، وفي الصحيح : أن فاطمة كانت تستر النبي صلى الله عليه وسلم عام ~~الفتح بثوب وهو يغتسل، ثم صلى ثماني ركعات وهي التي يقال لها صلاة ~~الضحى . ويقال : إنها صلاة الفتح، وفي الصحيح أيضا «أن ميمونة سترته ~~فاغتسل . # وعلى داخل الحمام أن يستر عورته؛ فلا يمكن أحدا من نظرها ولا لمسها، ~~سواء كان القيم الذي يغسله أو غيره، ولا ينظر إلى عورة أحد ولا يلمسها، إذا لم ~~يحتج إلى ذلك لأجل مداواة أو غيرها، فذاك شيء آخر . وعليه أن يأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر بحسب الإمكان، كما قال النبيصلى الله عليه وسلم:( من رأى منكم منكرا فليغيره ~~بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان فيأمر ~~بتغطية العورات فإن لم يمكنه ذلك وأمكنه أن يكون حيث لا يشهد منكرا فليفعل ~~ذلك، إذ شهود المنكر من غير حاجة ولا إكراه منهي عنه. # وليس له أن يسرف في صب الماء لأن ذلك منهي عنه مطلقا، وهو في الحمام ~~ينهى عنه لحق الحمامي ؛ لأن الماء الذي فيها مال من أمواله له قيمة، وعليه أن يلزم ~~السنة في طهارته؛ فلا يجفو جفاء النصارى، ولا يغلو غلو اليهود. كما يفعل أهل ~~الوسوسة، بل حياض الحمام طاهرة، ما لم تعلم نجاستها، سواء كانت فائضة أو لم ~~تكن، وسواء كانت الأنبوب تصب فيها، أو لم تكن، وسواء بات الماء أو لم يبت، ~~وسواء تطهر منها الناس أو لم يتطهروا. فإذا اغتسل منها جماعة جاز ذلك، فقد ثبت ~~في الصحيحين من غير وجه لأن النبي صلى الله عليه وسلم ان يغتسل هو وامرأته من إناء واحد قدر ~~الفرق فهذا إناء صغير لا يفيض، ولا أنبوب فيه، وهما يغتسلان منه جميعا، وفي ~~لفظ : فأقول : دع لي، ويقول : دعي لي # وفي صحيح البخاري عن ابن عمر : أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون على ~~عهد رسول الله له صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وقد ثبت عنه أنه كان يتوضأ بالمد، ويغتسل PageV01P130 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0131.png) ~~بالصاع. والصاع ms0134 عند أكثر العلماء يكون بالرطل المصري أقل من خمسة أرطال، نحو ~~خمسة إلا ربعا، والمد ربع ذلك. وقيل: هو نحو من سبعة أرطال بالمصري. # وليس للإنسان أن يقول : الطاسة إذا وقعت على أرض الحمام تنجست، فإن ~~أرض الحمام الأصل فيها الطهارة، وما يقع فيها من نجاسة كبول فهو يصب عليه من ~~الماء ما يزيله، وهو أحسن حالا من الطرقات بكثير، والأصل فيها الطهارة، بل كما ~~يتيقن أنه لا بد أن يقع على أرضها نجاسة، فكذلك يتيقن أن الماء يعم ما تقع عليه ~~النجاسة، ولو لم يعلم ذلك، فلا يجزم على بقعة بعينها أنها نجسة، إن لم يعلم ~~حصول النجاسة فيها. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : ما تقول السادة العلماء - رضي الله عنهم أجمعين - فيمن ~~دخل الحمام بلا مئزر، مكشوف العورة : هل يحرم ذلك أم لا؟ وهل يجب على ولي الأمر ~~منع من يفعل ذلك أم لا? وهل يجب علي ولي الأمر أيضا أن يلزم مستأجر الحمام أن ~~لا يمكن أحدا من دخول حمامه مكشوف العورة أم لا? وفيمن يقعد في الحمام وقت صلاة ~~الجمعة ويترك الصلاة: هل يمنع من ذلك أم لا? أفتونا، وأبسطوا القول في ذلك. # فأجاب شيخ الإسلام بقية السلف الكرام، الشيخ تقي الدين أبو العباس ~~أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية: # الحمد لله: نعم يحرم عليه ذلك باتفاق الأئمة، وقد صح عن النبي صلى الله علي وسلمأن نهى ~~الناس عن الحمام، وفي السنن عن صلى الله علي وسلمن قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ~~ذكور أمتى فلا يدخل الحمام إلا بمئزر وفي الحديث : نهى النساء من الدخول ~~مطلقا إلا لمعذرة»(2) وفي الحديث الثابت عنه الذي استشهد به البخاري حديث ~~معاوية بن حيدة القشيري أنه قال له : احفظ عورتك إلا من زوجتك؛ أو ما ملكت ~~يمينك قال: قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض، قال: إن استطعت أن لا يرينها ~~أحد فلا يرينها، قال: قلت: يا رسول الله! إذا كان أحدنا خاليا، ms0135 قال : «فالله أحق ~~ان بستحبى منه من الناس»(6) اخرجه ابو داود والنسانآي والترمذي، وقال : حسن. ~~وابن ماجه. PageV01P131 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0132.png) # وعلى ولاة الأمور النهي عن ذلك، وإلزام الناس بأن لا يدخل أحد الحمام مع ~~الناس إلا مستور العورة، وإلزام أهل الحمام بأنهم لا يمكنون الناس من دخول ~~حماماتهم إلا مستوري العورة، ومن لم يطع الله ورسوله وولاة الأمر من أهل ~~الحمام، والداخلين: عوقب عقوبة بليغة تردعه وأمثاله من أهل الفواحش، الذين ~~لا يستحيون لا من الله ولا من عباده؛ فإن إظهار العورات من الفواحش. وقد قال ~~تعالى : (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويخفظوا فروجهم) وغض البصر ~~واجب عما لا يحل التمتع بالنظر إليه : من النسوة الأجنبيات، ونحو ذلك، وعن ~~العورات، وإن لم يكن بالنظر إليه لذة لفحش ذلك. # ولهذا كان على داخل الحمام أن يغض بصره عمن كان مكشوف العورة، وإن ~~كان ذلك الرجل قد عصى بكشفها، وعليه أن يأمر المكشوف بالاستتار، فإن هذا من ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يجب على الناس، وكذلك حفظ الفروج ~~يكون عن الاستمتاع المنهي عنه، وعن إظهارها لمن ليس له أن يراها، كما ينهى ~~الرجل عن مس عورة غيره، كما ثبت في الصحيح؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم هى أن يباشر الرجل ~~الرجل في ثوب واحد، وأن تباشر المرأة المرأة في ثوب واحد، وأمر بالتفريق في ~~المضاجع بين الصبيان إذا بلغوا عشر سنين . كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قوله : احفظ ~~عورتك إلا من زوجتك ، أو ما ملكت يمينك» لما قال له : يا رسول الله عوراتنا، ~~ما نأتي? وما نذر? . . . فإذا كان القوم بعضهم في بعض، قال : لإن استطعت أن ~~لا يرينها أحد فلا يرينها» قال : قلت: فإذا كان أحدنا خاليا، قال : «فالله أحق أن ~~يستحي منه من الناس فأمر بسترها في الخلوة. وهذا واجب عند أكثر العلماء. # وأما إذا اغتسل في مكان خال بجنب حائط أو شجرة ونحو ذلك في بيته أو ~~حمام أو نحو ذلك فإنه يجوز له كشفها ms0136 في هذه الصورة، عند الجمهور. كما ثبت في ~~الصحيح : «أن موسى اغتسل عريانا وأن أيوب : اغتسل عريانا وأن فاطمة ~~كانت تستر النبي صلى الله عليه وسلم ثبوب ثم يغتسل # وهذا كشف للحاجة بمنزلة كشفها عند التخلي والجماع بمقدار الحاجة ولهذا ~~كره العلماء للمتخلي أن يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. # وتنازعوا في نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر: هل يكره أو لا يكره? أم PageV01P132 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0133.png) ~~يكره وقت الجماع خاصة ? على ثلاثة أقوال معروفة، في مذهب أحمد، وغيره. # وقد كره غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره النزول في الماء بغير مئزر، ورووا ~~عن الحسن والحسين أو أحدهما أنه كره ذلك، وقال: إن للماء سكانا. # وأما فتح الحمام وقت صلاة الجمعة، وتمكين المسلمين من دخولها هذا الوقت، ~~وقعودهم فيها تاركين لما فرضه الله عليهم من السعي إلى الجمعة، فهذا أيضا محرم باتفاق ~~المسلمين، وقد حرم الله بعد النداء إلى الجمعة البيع الذي يحتاج إليه الناس في غالب ~~الأوقات، وكان هذا تنبيها على ما دونه، من قعود في الحمام، أو بستان، أو غير ذلك، ~~والجمعة فرض باتفاق المسلمين، فلا يجوز تركها لغير عذر شرعي وليس دخول الحمام ~~من الأعذار باتفاق المسلمين، بل إن كان لتنعم كان آثما عاصيا، وإن كانت عليه جنابة ~~أمكنه الاغتسال قبل ذلك، وليس له أن يؤخر الاغتسال، ولا يجوز ترك الصلاة. # بل على ولاة الأمور أمر جميع من تجب عليه الجمعة بها من أهل الأسواق ~~والدور وغيرهم، ومن تخلف عن هذا الواجب عوقب على ذلك عقوبة تحمله وأمثاله ~~على فعل ذلك. فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : لينتهين أقوام عن ~~تركهم الجمعات أو ليطبعن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين وقال : من ~~ترك ثلاث جمع تهاونا من غير عذر طبع الله على قلبه # وهذا الذي ذكرناه من وجوب أمر من تجب عليه الجمعة بها، ونهيه عما يمنعه ~~من الجمعة متفق عليه بين الأئمة . والله أعلم. كتبه أحمد بن تيمية. # وسئل ms0137 رحمه الله تعالى: عن رجل عامي سئل عن عبور الحمام? ونقل حديثا ~~عن رسول اللهل صلى الله ليه وسلم، وأسند الحديث إلى كتاب مسلم هل صح هذا أو لا? # فإجاب: ليس لأحد لا في كتاب مسلم، ولا غيره من كتب الحديث، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ا حرم الحمام، بل الذي في السنن أنه قال : ستفتحون أرض العجم ~~وتجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور ~~أمتى فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر من إناث أمتي ~~فلا تدخل الحمام إلا مريضة أو نفساء PageV01P133 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0134.png) # وقد تكلم بعضهم في هذا الحديث. # والحمام من دخلها مستور العورة، ولم ينظر إلى عورة أحد، ولم يترك أحدا ~~يمس عورته ولم يفعل فيها محرما، وأنصف الحمامي، فلا إثم عليه، وأما المرأة ~~فتدخلها للضرورة مستورة العورة. # وهل تدخلها إذا تعودتها وشق عليها ترك العادة ? فيه وجهان في مذهب أحمد وغيره. # أحدهما : لها أن تدخلها، كقول أبي حنيفة واختاره ابن الجوزي. # والثاني : لا تدخلها، وهو قول كثير من أصحاب الشافعي، وأحمد، وغيره، ~~والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أيما أفضل للجنب أن ينام على وضوء? أو يكره ~~له النوم على غير وضوء? وهل يجوز له النوم في المسجد إذا توضأ من غير عذر أم لا? # فأجاب : الجنب يستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يعاود ~~الوطء. لكن يكره له النوم إذا لم يتوضأ، فإنه قد ثبت في الصحيح : أن النبي صلى الله عيه وسلم. ~~سئل هل يرقد أحدنا وهو جنب؟ فقال : «نعم! إذا توضأ للصلاة»2) # ويستحب الوضوء عند النوم لكل أحد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ال لرجل : «إذا أخذت ~~مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت ~~وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ~~ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي ms0138 أرسلت. # وليس للجنب أن يلبث في المسجد، لكن إذا توضأ جاز له اللبث فيه عند أحمد ~~وغيره، واستدل بما ذكره بإسناده عن هشام بن سعد: «أن أصحاب رسوللهاله صلى لى الله عليه وسلم. ~~- كانوا يتوضأون وهم جنب، ثم يجلسون في المسجد. ويتحدثون. وهذا؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أمر الجنب بالوضوء عند النوم، وقد جاء في بعض الأحاديث أن ذلك ~~كراهة أن تقبض روحه وهو نائم، فلا تشهد الملائكة جنازته، فإن في السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم آن قال : لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب وهذا مناسب لنهيه عن اللبث PageV01P134 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0135.png) ~~في المسجد فإن المساجد بيوت الملائكة، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم، عن أكل الثوم والبصل ~~عند دخول المسجد. وقال : «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم . # فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلمالجنب بالوضوء عند النوم، دل ذلك على أن الوضوء يرفع ~~الجنابة الغليظة، وتبقى مرتبة بين المحدث وبين الجنب لم يرخص له فيما يرخص فيه ~~للمحدث من القراءة، ولم يمنع مما يمنع منه الجنب من اللبث في المسجد، فإنه إذا ~~كان وضوؤه عند النوم يقتضي شهود الملائكة له، دل على أن الملائكة تدخل المكان ~~الذي هو فيه إذا توضا؛ ولهذا يجوز الشافعي وأحمد للجنب المرور في المسجد، ~~بخلاف قراءة القرآن، فإن الأئمة الأربعة متفقون على منعه من ذلك؛ فعلم أن منعه من ~~القرآن اعظم من منعه من المسجد. # وقد تنازع العلماء في منع الكفار من دخول المسجد، والمسلمون خير من ~~الكفار، ولو كانوا جنبا، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال لأبي هريرة ~~لما لقيه وهو جنب، فانخنس منه فاغتسل ثم أتاه فقال : أين كنت? قال : إني كنت ~~جنبا فكرهت أن أجالسك إلا على طهارة، فقال : سبحان الله! إن المؤمن ~~لا ينجس . وقد قال الله تعالى : (إزما المتركوب نجش ) فلبث ~~المؤمن الجنب إذا توضا في المسجد أولى من لبث الكافر فيه عند من يجوز ذلك، ms0139 ~~ومن منع الكافر لم يجب أن يمنع المؤمن المتوضئ، كما نقل عن الصحابة. # وإذا كان الجنب يتوضأ عند النوم، والملائكة تشهد جنازته حينئذ، علم أن النوم ~~لا يبطل الطهارة الحاصلة بذلك، وهو تخفيف الجنابة، وحينئذ فيجوز أن ينام في ~~المسجد حيث ينام غيره، وإذا كان النوم الكثير ينقض الوضوء، فذاك هو الوضوء ~~الذي يرفع الحدث الأصغر، ووضوء الجنب هو تخفيف الجنابة، وإلا فهذا الوضوء ~~لا يبيح له ما يمنعه الحدث الأصغر: من الصلاة، والطواف، ومس المصحف. # باب التيمم # قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله(3): # الحمد لله نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا مادي له، ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، ونشهد آن محمدا عبده ورسوله ل تسليما. PageV01P135 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0136.png) # قال الله تعالى : (يآيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وآيد يكم ~~إلى المرافق وآمسحوا برهوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرتى أو ~~على سفر أو جاء أحد منكم من الغابط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيد يكم منة ما يريد الله ليجمل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته ~~عليكم لعلكم تشكرون). # والتيمم في اللغة: هو القصد، ومنه قوله تعالى : (ولا تيمموا الخبيت منه تنفقون ~~ولستم بعاخذيه إلا آن تفمضوا فيه) وقوله : ( ولا هآمين البيت الحرام) ~~[المائدة : 2 ومنه قول امرئ القيس: # تيممت الماء الذي دون ضارج يميل عليها الظل عرمضها طامي # لكن لما قال الله تعالى : (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيد يكم منه) ~~كان التيمم المأمور به : هو تيمم الصعيد الطيب، للتمسح به، فصار لفظ التيمم إذا ~~أطلق في عرف الفقهاء انصرف إلى هذا التيمم الخاص، وقد يراد بلفظ التيمم نفس ~~مسح اليدين والوجه، فسمي المقصود بالتيمم تيمما. # وهذا التيمم المأمور به في الآية هو من خصائص المسلمين، ومما فضلهم الله ~~به على غيرهم من الأمم، ms0140 ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : ~~أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا. فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي ~~الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، ~~وبعثت إلى الناس عامة وهذا لفظ البخاري. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ل : «فضلت على الأنبياء ~~بست : أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون. # ولمسلم أيضا عن حذيفة بن اليماني أن النبي صلى الله علي وسلم ل : فضلت على الناس ~~ثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت ~~تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء (3). # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله له صلى الله عليه وسلم،: جعلت ~~لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من PageV01P136 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0137.png) ~~قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم. # وقوله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا) نكرة في سياق الإثبات، ~~كقوله: ( إن الله يأمكم أن تذبحوا بقرة) وقوله: ( فتحرير رقبة) ~~92] وقوله: (فعيام تلية أيام في المج وسبعة إذا رجقتم) وقوله : ( فن لم يجد فهيام ~~ثلثة ايام) وهذه تسمى مطلقة، وهي تفيد العموم على سبيل البدل ~~لا على سبيل الجمع، فيدل ذلك على أنه يتيمم أي صعيد طيب اتفق. والطيب هو ~~الطاهر، والتراب الذي ينبعث مراد من النص بالإجماع، وفيما سواه نزاع سنذكره إن ~~شاء الله تعالى. # وقوله: (فأمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) قد اتفق القراء السبعة على قراءة ~~أيديكم بالإسكان؛ بخلاف قوله في الوضوء: (وارجلكم) فإن بعض السبعة قرأوا: ~~(رأرجلكم) بالنصب، قالوا: إنها معطوفة على المغسول، تقديره: فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم، وأرجلكم إلى الكعبين كذلك. قال علي بن أبي طالب وغيره من السلف، ~~قال أبو عبد الرحمن السلمي: قرأ علي الحسن والحسين: ms0141 (وأرجلكم إلى الكعبين) ~~بالخفض فسمع ذلك علي بن أبي طالب، وكان يقضي بين الناس فقال: وأرجلكم ~~يعني بالنصب، وقال هذا من المقدم المؤخر في الكلام. وكذلك ابن عباس قرأها ~~بالنصب، وقال: عاد الأمر إلى الغسل، ولا يجوز أن يكون ذلك عطفا على المحل، ~~كما يظنه بعض الناس كقول بعض الشعراء: # معاوي: إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا # فإنما يسوغ في حرف التأكيد مثل المباني، وأما حروف المعاني فلا يجوز ذلك ~~فيها. والباء هنا للإلصاق، ليست للتوكيد، ولهذا لم يقرأ القراء هنا وأيديكم، كما ~~قرأوا هناك وأرجلكم؛ لأنه لو قال: فامسحوا وجوهكم وأيديكم، أو امسحوا بها، ~~لكان يكتفي بمجرد المسح من غير إيصال للطهور إلى الرأس، وهو خلاف الإجماع، ~~فلما كانت الباء للإلصاق دل على أنه لا بد من إلصاق الممسوح به، فدل ذلك على ~~استعمال الطهور، ولهذا كانت هذه الباء لا تدل على التبعيض عند أحد من السلف، ~~وأئمة العربية. # ولا قال الشافعي: إن التبعيض يستفاد من الباء؛ بل أنكر إمام الحرمين وغيره من ~~أصحابه ذلك، وحكوا كلام أنمة العربية في إنكار ذلك، ولكن من قال بذلك استند ~~إلى دلالة أخرى. # وقوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرع ولاكن يريد ليطهركم وليتم PageV01P137 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0138.png) ~~نعمته عليكم لعلكم تشكرون) لت هذه الآية على أن التراب طهور كما صرحت ~~بذلك السنة الصحيحة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ~~وعن أبي ذر أن رسوللهال صلى الله عليه وسلم ال : إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد ~~الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير رواه الإمام أحمد، ~~وأبو داود والنسائي، والترمذي وهذا لفظه. وقال : حديث حسن صحيح. # وقد اتفق المسلمون على أنه إذا لم يجد الماء في السفر تيمم وصلى، إلى أن ~~يجد الماء، فإذا وجد الماء فعليه استعماله. # وكذلك تيمم الجنب . ذهب الأئمة الأربعة وجماهير السلف والخلف إلى أنه ~~يتيمم إذا عدم الماء في السفر، إلى أن يجد الماء، ms0142 فإذا وجده كان عليه استعماله، وقد ~~روي عن عمر وابن مسعود إنكار تيمم الجنب، وروي عنهما الرجوع عن ذلك، وهو ~~قول أكثر الصحابة : كعلي، وعمار، وابن عباس، وأبي ذر، وغيرهم. وقد دل عليه ~~آيات من كتاب الله وخمسة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. # منها : حديث عمار بن ياسر، وعمران بن حصين، كلاهما في الصحيحين. ومنها : ~~حديث أبي ذر الذي صححه الترمذي، ومنها: حديث عمرو بن العاص، وحديث الذي ~~شج فأفتوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي ~~السؤال) ففي الصحيح عن عمر أنه قال : لكنا مع النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالوضوء فتوضأ، ~~ونودي بالصلاة فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع ~~القوم، قال : ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم! قال: أصابتني جنابة، ولا ماء، قال: ~~عليك بالصعيد، فإنه يكفيك رواه البخاري ومسلم. # وفي الصحيحين عن عمار بن ياسر قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة، فأجنبت، ~~فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد، كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك ~~له، فقال : لإنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا. ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ~~ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه وهذا لفظ مسلم. PageV01P138 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0139.png) # وقد تنازع العلماء في التيمم: هل يرفع الحدث رفعا مؤقتا إلى حين القدرة على ~~استعمال الماء ? أم الحدث قائم ولكنه تصح الصلاة مع وجود الحدث المانع? وهذه ~~مسألة نظرية. # وتنازعوا هل يقوم مقام الماء، فيتيمم قبل الوقت كما يتوضأ قبل الوقت، ~~ويصلي به ما شاء من فروض ونوافل، كما يصلي بالماء، ولا يبطل بخروج الوقت، ~~كما لا يبطل الوضوء? على قولين مشهورين وهو نزاع عملي. # فمذهب أبي حنيفة أنه يتيمم قبل الوقت، ويبقى بعد الوقت، ويصلي به ما شاء ~~كالماء، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن البصري، والزهري، والثوري، ~~وغيرهم. وهو إحدى الروايتين عن أحمد ms0143 بن حنبل. # والقول الثانى: أنه لا يتيمم قبل الوقت، ولا يبقى بعد خروجه ثم من هؤلاء من ~~يقول: يتيمم لوقت كل صلاة، ومنهم من يقول يتيمم لفعل كل فريضة، ولا يجمع به ~~فرضين. وغلا بعضهم فقال: ويتيمم لكل نافلة، وهذا القول في الجملة هو المشهور ~~من مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، قالوا: لأنه طهارة ضرورية، والحكم المقيد ~~بالضرورة مقدر بقدرها، فإذا تيمم في وقت يستغنى عن التيمم فيه لم يصح تيممه، ~~كما لو تيمم مع وجود الماء. # قالوا : ولأن الله أمر كل قائم إلى الصلاة بالوضوء، فإن لم يجد الماء تيمم، وكان ~~ظاهر الخطاب يوجب على كل قائم إلى الصلاة الوضوء والتيمم؛ لكن لما ثبت في ~~الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم على الصلوات كلها بوضوء واحد رواه مسلم في صحيحه. ~~دلت السنة على جواز تقديم الوضوء قبل وقت وجوبه، وبقي التيمم على ظاهر الخطاب، ~~وعلل ذلك بعضهم بأنه مأمور بطلب الماء عند كل صلاة، وذلك يبطل تيممه. # وورد عن علي، وعمرو بن العاص، وابن عمر، مثل قولهم. ولنا أنه قد ثبت ~~بالكتاب والسنة : أن التراب طهور، كما أن الماء طهور. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم الصعيد ~~الطيب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه ~~بشرتك، فإن ذلك خير) فجعله مطهرا عند عدم الماء مطلقا . فدل على أنه مطهر ~~للمتيمم، وإذا كان قد جعل المتيمم مطهرا كما أن المتوضئ مطهر، ولم يقيد ذلك ~~بوقت، ولم يقل أن خروج الوقت يبطله، كما ذكر أنه يبطله القدرة على استعمال PageV01P139 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0140.png) ~~الماء، دل ذلك على أنه بمنزلة الماء عند عدم الماء، وهو موجب الأصول. # فإن التيمم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المبدل في أحكامه، وإن لم يكن ~~مماثلا له في صفته، كصيام الشهرين، فإنه بدل عن الاعتاق وصيام الثلاث والسبع فإنه ~~بدل عن الهدي في التمتع، وكصيام الثلاثة الأيام في كفارة اليمين فإنه بدل عن التكفير ~~بالمال، والبدل يقوم مقام المبدل، وهذا لازم لمن ms0144 يقيس التيمم على الماء في صفته، ~~فيوجب المسح على المرفقين، وإن كانت آية التيمم مطلقة، كما قاس عمار لما تمرغ ~~في التراب كما تتمرغ الدابة، فمسح جميع بدنه كما يغسل جميع بدنه، وقد بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم ساد هذا القياس، وأنه يجزئك من الجنابة التيمم الذي يجزئك في الوضوء، ~~وهو مسح الوجه واليدين؛ لأن البدل لا تكون صفته كصفة المبدل، بل حكمه ~~حكمه، فإن التيمم مسح عضوين، وهما العضوان المغسولان في الوضوء، وسقط ~~العضوان الممسوحان، والتيمم عن الجنابة يكون في هذين العضوين، بخلاف الغسل. # والتيمم ليس فيه مضمضة ولا استنشاق، بخلاف الوضوء، والتيمم لا يستحب ~~فيه تثنية ولا تثليث، بخلاف الوضوء، والتيمم بفارق صفة الوضوء من وجوه، ولكن ~~حكمه حكم الوضوء؛ لأنه بدل منه، فيجب أن يقوم مقامه كسائر الأبدال، فهذا ~~مقتضى النص والقياس. # فإن قيل : الوضوء يرفع الحدث، والتيمم لا يرفعه? # قيل : عن هذا جوابان: # أحدهما : أنه سواء كان يرفع الحدث أو لا يرفعه؛ فإن الشارع جعله طهورا عند ~~عدم الماء يقوم مقامه، فالواجب أن يثبت له من أحكام الطهارة ما يثبت للماء، ما لم ~~يقم دليل شرعي على خلاف ذلك. # الوجه الثاني: أن يقال: قول القائل يرفع الحدث أو لا يرفعه ليس تحته نزاع ~~عملي، وإنما هو نزاع اعتباري لفظي، وذلك أن الذين قالوا: لا يرفع الحدث، قالوا: ~~لو رفعه لم يعد إذا قدر على استعمال الماء، وقد ثبت بالنص والإجماع أنه يبطل ~~بالقدرة على استعمال الماء. # والذين قالوا: يرفع الحدث، إنما قالوا يرفعه رفعا مؤقتأ إلى حين القدرة على ~~استعمال الماء، فلم يتنازعوا في حكم عملي شرعي، ولكن تنازعهم ينزع إلى قاعدة ~~أصولية تتعلق بمسألة تخصيص العلة، وأن المناسبة هل تنخرم بالمعارضة، وأن المانع ~~المعارض للمقتضى هل يرفعه أم لا يرفعه اقتضاؤه مع بقاء ذاته. # وكشف الغطاء عن هيئة النزاع، أن لفظ العلة يراد به العلة التامة وهو مجموع ~~ما يستلزم الحكم، بحيث إذا وجد وجد الحكم، ولا يتخلف عنه؛ فيدخل في لفظ ~~العلة على ms0145 هذا الاصطلاح جبر العلة وشروطها، وعدم المانع. إما لكون عدم المانع PageV01P140 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0141.png) ~~يستلزم وصفا ثبوتيا على رأي، وإما لكون العدم قد يكون جبرا من المقتضى على ~~رأي، وهذه العلة متى تخصصت وانتقضت فوجد الحكم بدونها دل على فسادها، كما ~~لو علل معلل قصر الصلاة بمطلق العذر. قيل له: هذا باطل، فإن المريض ونحوه من ~~أهل الأعذار لا يقصرون، وإنما يقصر المسافر خاصة، فالقصر دائر مع السفر وجودا ~~وعدما، ودوران الحكم مع الوصف وجودا وعدما دليل على المدار عليه للدائر، وكما ~~لو علل وجوب الزكاة بمجرد ملك النصاب، قيل له : هذا ينتقض بالملك قبل الحول. # وقد يراد بلفظ العلة ما يقتضي الحكم، وإن توقف على ثبوت شروط وانتفاء ~~موانع. # وقد يعبر عن ذلك بلفظ السبب، فيقال: الأسباب المثبتة للإرث ثلاثة : رحم، ~~رنكلح، برلاي وعنل ابي حنيفة راحمد في اجدى ايروايتنين يثبت بعقد السوالاة # فإذا أريد بالعلة هذا المعنى جاز تخصيصها لفوات شرط ووجود مانع . فأما إن ~~لم يبين المعلل بين صورة النقض وبين غيرها فرقا مؤثرا بطل تعليله، فإن الحكم اقترن ~~بالوصف تارة كما في الأصل، وتخلف عنه تارة كما في الأصل، ويختلف عنه تارة ~~كما في صورة النقض. # والمستدل إن لم يبين أن الفرع مثل الأصل دون صورة النقض، فلم يكن إلحاقه ~~بالأصل في ثبوت الحكم أولى من إلحاقه بصورة النقض في انتفائه؛ لأن الوصف ~~موجود في الصور الثلاث، وقد اقترن به الحكم في الواحدة دون الأخرى، وشككنا ~~في الصورة الثالثة. # وهذا كما لو اشترك ثلاثة في القتل: فقتل الأولياء واحدا، ولم يقتلوا آخر إما ~~لبذل الدية، وإما لإجسان كان له عندهم، والثالث لم يعرف أهو كالمقتول أو كالمعفو ~~عنه، فإنا لا نلحقه بأحدهما إلا بدليل يبين مساواته له دونه مساواته للآخر. # إذا عرف هذا فالأصوليون والفقهاء متنازعون في استحلال الميتة عند الضرورة، ~~فمنهم من يقول: قد استحل المحظور مع قيام السبب الحاظر، وهو ما فيها من حيث ~~التغذية. # ومنهم من يقول: الضرورة ما أزالت حكم السبب وهو التحريم ms0146 إزالة اقتضاء ~~للحظر، فلم يبق في هذه الحال حاظر، إذ يمتنع زوال الحظر مع وجود مقتضيه التام. # وفصل النزاع: أنه إن أريد بالسبب الحاظر : السبب التام، وهو ما يستلزم ~~الحظر، فهذا يرتفع عند المخمصة، فإن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع، والحل ~~ثابت في هذه الحال، فيمتنع وجود السبب المستلزم له، وإن أريد بالسبب المقتضي PageV01P141 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0142.png) ~~141 ~~للحظر لولا المعارض الراجح، فلا ريب أن هذا موجود حال الحظر، لكن المعارض ~~الراجح أزال اقتضاءه للحظر ، فلم يبق في هذه الحال مقتضيا، فإذا قدر زوال ~~المخمصة عمل السبب عمله لزوال المعارض له. # وهكذا القول في كون التيمم يرفع الحدث أو لا يرفعه، فإنه فرع على قول من ~~يقول : إنه يرفع الحدث، فصاحب هذا القول إذا تبين له أنه يرفع الحدث رفعا مؤقتا ~~إلى أن يقدر على استعمال الماء ثم يعود هذا المعنى ليس بممتنع، والشرع قد دل ~~عليه، فجعل التراب طهورا، والماء يكون طهورا إذا أزال الحدث، وإلا مع وجود ~~الجنابة يمتنع حصول الطهارة، فصاحب هذا القول إنما قال : إنه يرفع الحديث رفعا ~~مؤقتا إلى أن يقدر على استعمال الماء ثم يعود، وهذا ممكن ليس بممتنع، والشرع قد ~~دل عليه، فجعل التراب طهورا، وإنما يكون طهورا إذا أزال الحدث، وإلا فمع بقاء ~~الحدث لا يكون طهورا. # ومن قال : إنه ليس برافع ولكنه مبيح، والحدث هو المانع للصلاة، وأراد بذلك ~~أنه مانع تام، كما يكون مع وجود الماء، فهذا غالط، فإن المانع التام مستلزم للمنع، ~~والمتيمم يجوز له الصلاة ليس بممنوع منها، ووجود الملزوم بدون اللازم ممتنع. وإن ~~أريد أن سبب المنع قائم ولكن لم يعمل عمله لوجود الطهارة الشرعية الرافعة لمنعه، ~~فإذا حصلت القدرة على استعمال الماء حصل منعه في هذه الحال، فهذا صحيح. # وكذلك من قال : هو رافع للحدث. إن أراد بذلك أنه يرفعه كما يرفعه الماء، ~~فلا يعود إلا بوجود سبب آخر كان غالطا، فإنه قد ثبت بالنص والإجماع: أنه إذا قدر ~~على استعمال الماء استعمله، وإن لم يتجدد بعد ms0147 الجنابة الأولى جنابة ثانية، بخلاف ~~الماء. # وإن قال : أريد برفعه أنه رفع منع المانع فلم يبق مانعا إلى حين وجود الماء، ~~فقد أصاب، وليس بين القولين نزاع شرعي عملي. # وعلى هذا فيقال : على كل من القولين لم يبق الحدث مانعا مع وجود طهارة ~~التيمم، والنبي اي صلى الله عليه وسلم قد جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا، لكن جعل ~~طهارته مقيدة إلى أن يجد الماء، ولم يشترط في كونه مطهرا شرطا آخر، فالمتيمم قد ~~صار طاهرا وارتفع منع المانع للصلاة إلى أن يجد الماء، فما لم يجد الماء فالمنع ~~زائل، إذا لم يتجدد سبب آخر يوجب الطهارة، كما يوجب طهارة الماء، وحينئذ ~~فيكون طهورا قبل الوقت وبعد الوقت وفي الوقت، كما كان الماء طهورا في هذه ~~الأحوال الثلاثة، وليس بين هذا فرق مؤثر إلا إذا قدر على استعمال المال، فمن أبطله ~~بخروج الوقت فقد خالف موجب الدليل. PageV01P142 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0143.png) # وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلمعل ذلك رخصة عامة لأمته، ولم يفصل بين أن يقصد التيمم # وأيضا فالنبي ~~بفرض أو نفل، أو تلك الصلاة أو غيرها كما لم يفصل في ذلك في الوضوء، فيجب ~~التسوية بينهما، والوضوء قبل الوقت فيه نزاع، لكن النزاع في التيمم أشهر. # وإذا دلت السنة الصحيحة على جواز أحد الطهورين قبل الوقت فكذلك الآخر، ~~كلاهما متطهر فعل ما أمر الله به؛ ولهذا جاز عند عامة العلماء اقتداء المتوضئ ~~والمغتسل بالمتيمم، كما فعل عمرو بن العاص وأقره النبي صلى الله عليه وسلم، وكما فعل ابن عباس ~~حيث وطئ جارية له ثم صلى بأصحابه بالتيمم، وهو مذهب الأئمة الأربعة، ومذهب ~~أبي يوسف، وغيره. لكن محمد بن الحسن لم يجوز ذلك؛ لنقص حال المتيمم. # وأيضا كان دخول الوقت وخروجه من غير تجدد سبب حادث لا تأثير له في ~~بطلان الطهارة الواجبة، إذ كان حال المتطهر قبل دخول الوقت وبعده سواء. والشارع ~~حكيم إنما يثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تناسبها، فكما لا يبطل الطهارة بالأمكنة، ~~لا يبطل بالأزمنة، وغيرها من الأوصاف ms0148 التي لا تأثير لها في الشرع. # فإن قيل: هذا ينتقض بطهارة الماسح على الخفين، وطهارة المستحاضة، وذوي ~~الأحداث الدائمة. # قيل : أما طهارة المسح على الخفين فليست واجبة، بل هو مخير بين المسح ~~وبين الخلع والغسل؛ ولهذا وقتها الشارع، ولم يوقتها بدخول وقت صلاة، ~~ولا خروجها، ولكن لما كانت رخصة ليست بعزيمة حد لها وقتا محدودا في الزمن، ~~ثلاثا للمسافر، ويوما وليلة للمقيم؛ ولهذا لم يجز المسح في الطهارة الكبرى، ولهذا ~~لما كانت طهارة المسح على الجبيرة عزيمة لم تتوقت بل يمسح عليها، إلى أن ~~يحلها، ويمسح في الطهارتين الصغرى والكبرى، وكما يتيمم عن الحدثين الأصغر ~~والأكبر، فإلحاق التيمم بالمسح على الجبيرة أولى من إلحاقه بالمسح على الخفين. # وأما ذوو الأحداث الدائمة، كالمستحاضة، فأولئك وجد في حقهم السبب ~~الموجب للحدث، وهو خروج الخارج النجس من السبيلين، ولكن لأجل الضرورة ~~رخص لهم الشارع في الصلاة معه، فجاز أن تكون الرخصة مؤقتة؛ ولهذا لو تطهرت ~~المستحاضة ولم يخرج منها شيء لم تنتقض طهارتها بخروج الوقت، وإنما تنتقض إذا ~~خرج الخارج في الوقت فإنها تصلي به إلى أن يخرج الوقت، ثم لا تصلي لوجود ~~الناقض للطهارة بخلاف المتيمم، فإنه لم يوجد بعد تيممه ما ينقض اطهارته . # والتيمم كالوضوء فلا يبطل تيممه إلا ما يبطل الوضوء، ما لم يقدر على ~~استعمال الماء، وهذا بناء على قولنا، وقول من وافقنا على التوقيت في مسح الخفين، ~~وعلى انتقاض الوضوء بطهارة المستحاضة، فإن هذا مذهب الثلاتة : أبي حنيفة، ~~والشافعي، وأحمد. PageV01P143 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0144.png) # وأما من لم ينقض الطهارة بهذا، أو لم يوقت هذا كمالك، فإنه لا يصلح لمن ~~قال بهذا القول المعارضة بهذا وهذا؛ فإنه لا يتوقت عنده لا هذا ولا هذا، فالتيمم ~~أولى أن لا يتوقت. # وقول القائل : إن القائم إلى الصلاة مأمور بإحدى الطهارتين. # قيل : نعم! يجب عليه، لكن إذا كان قد تطهر قبل ذلك فقد أحسن، وأتى ~~بالواجب قبل هذا، كما لو توضأ قبل هذا، فإن كونه على طهارة قبل الوقت إلى حين ~~الوقت أحسن من ms0149 أن يبقى محدثا، وكذلك المتيمم إذا كان قد أحسن بتقديم طهارته ~~لكونه على طهارة قبل الوقت أحسن من كونه على غير طهارة، وقد ثبت بالكتاب ~~والسنة أنها طهارة، حتى ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم بلم عليه رجل فلم يرد عليه ~~حتى تيمم ورد عليه السلام، وقال : كرهت أن أذكر الله إلا على طهر. # وإذا كان تطهر قبل الوقت كان قد أحسن، وأتى بأفضل مما وجب عليه، وكان ~~كالمتطهر للصلاة قبل وقتها، وكمن أدى أكثر من الواجب في الزكاة، وغيرها، وكمن ~~زاد على الواجب في الركوع والسجود، وهذا كله حسن، إذا لم يكن محظورا، كزيادة ~~ركعة خامسة في الصلاة. والتيمم مع عدم الماء حسن ليس بمحرم، ولهذا يجوز قبل ~~الوقت للنافلة، ولمس المصحف، وقراءة القرآن، وما ذكر من الأثر عن بعض ~~الصحابة فبعضه ضعيف، وبعضه معارض بقول غيره، ولا إجماع في المسألة. وقد ~~قال تعالى : (فإن تنزعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كثثم تؤمنون بالله واليؤم الأخر ذالك خير وأحسن # وأما الصعيد: ففيه أقوال، فقيل: يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، ~~وإن لم يعلق بيده؛ كالزرنيخ، والنورة، والجص، وكالصخرة الملساء، فأما ما لم ~~يكن من جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمم به. وهو قول أبي حنيفة . ومحمد يوافقه؛ ~~لكن بشرط أن يكون مغبرا لقوله : (منة). # وقيل يجوز بالأرض، وبما اتصل بها حتى بالشجر، كما يجوز عنده وعند ~~أبي حنيفة بالحجر، والمدر، وهو قول مالك، وله في الثلج روايتان: PageV01P144 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0145.png) # إحداهما: يجوز التيمم به، وهو قول الأوزاعي والثوري. وقيل: يجوز بالتراب ~~والرمل، وهو أحد قولي أبي يوسف، وأحمد في إحدى الروايتين، وروي عنه أنه ~~يجوز بالرمل عند عدم التراب. # وقيل: لا يجوز إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد، وهو قول أبي يوسف، ~~والشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى. # واحتج هؤلاء بقوله: (فامسحوا بوجرهكم وآيد يكم منه) وهذا ~~لا يكون إلا فيما يعلق بالوجه واليد، والصخر لا يعلق لا بالوجه ولا باليد واحتجوا ~~بأن ابن ms0150 عباس قال: الصعيد الطيب تراب الحرث، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: :جعلت ~~لي الأرض مسجدا، وجعلت تربتها طهررا قالوا: فعم الأرض بحكم المسجد، ~~وخص تربتها - وهو ترابها - بحكم الطهارة. # قالوا: ولأن الطهارة بالماء اختصت من بين سائر المائعات بما هو [ماء] في ~~الأصل، فكذلك طهارة التراب تختص بما هو تراب في الأصل، وهما الأصلان اللذان ~~خلق منهما آدم: الماء. والتراب. وهما العنصران البسيطان، بخلاف بقية المائعات ~~والجامدات، فإنها مركبة. # واحتج الأولون بقوله تعالى: (صعيدا) قالوا: والصعيد هو الصاعد على وجه ~~الأرض، وهذا يعم كل صاعد، بدليل قوله تعالى: (وإنا الجعلون ما عليها صعيدا جرزا) ~~[الكهف: وقوله: (فلصح صعيدازلقا). # واحتج من لم يخص الحكم بالتراب بأن النبي صلى الله عليه وسلم ال : جعلت لي الأرض ~~مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وفي رواية: «فعنده ~~مسجده وطهوره فهذا يبين أن المسلم في أي موضع كان عنده مسجده وطهوره. # ومعلوم أن كثيرا من الأرض ليس فيها تراب حرث، فإن لم يجز التيمم بالرمل ~~كان مخالفا لهذا الحديث، وهذه حجة من جؤز التيمم بالرمل دون غيره، أو قرن ~~بذلك السبخة؛ فإن من الأرض ما يكون سبخة. واختلاف التراب بذلك كاختلافه ~~بالألوان، بدليل قول النبي صلى اله عليه وسلم: إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع ~~الأرض، فجاء بنوه على قدر تلك القبضة: جاء منهم الأسود، والأبيض وبين ذلك، ~~وجاء منهم السهل والحزن وبين ذلك، ومنهم الخبيث والطيب، وبين ذلك» PageV01P145 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0146.png) # وآدم إنما خلق من تراب، والتراب الطيب والخبيث: الذي يخرج نباته بإذن ~~ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا، يجوز التيمم به فعلم أن المراد بالطيب الطاهر، ~~وهذا بخلاف الأحجار والأشجار، فإنها ليست من جنس التراب، ولا تعلق باليد؛ ~~بخلاف الزرنيخ والنورة فإنها معادن في الأرض، لكنها لا تنطبع كما ينطبع الذهب ~~والفضة والرصاص والنحاس . # وقال الشيخ الإمام العالم : مفتي الأنام، المجتهد الفقيه الإمام: أحمد بن ~~عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني رحمه الله ms0151 تعالى # قول الله عز وجل : (يايها الذيبءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاعسلوا وجومكم ~~وآيد يكم إلى المرافق وامسحوا برة وسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغابط أو لمستم النساء فلم تجدواماء فتيمموا صعميدا طيبا ~~فأمسحوا بوجوهكم وأيديكم مند ما يربيد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكررن) . # هذا الخطاب يقتضي : أن كل قائم إلى الصلاة فإنه مأمور بما ذكر من الغسل. ~~والمسح . وهو الوضوء. # وذهبت طائفة : إلى أن هذا عام مخصوص. # وذهبت طائفة : إلى أنه يوجب الوضوء على كل من كان متوضئا وكلا القولين ~~ضعيف . # فأما الأولون: فإن منهم من قال: المراد بهذا، القائم من النوم وهذا معروف عن ~~زيد بن أسلم، ومن وافقه من أهل المدينة من أصحاب مالك وغيرهم. # قالوا : الآية أوجبت الوضوء على النائم بهذا، وعلى المتغوط بقوله: (أو جآء ~~أحد منكم من الغابط) وعلى لامس النساء بقوله: (أو للمسلم النساء) وهذا هو الحدث ~~المعتاد. وهو الموجب للوضوء عندهم. # ومن هؤلاء من قال : فيها تقديم وتأخير. تقديره: إذا قمتم إلى الصلاة من ~~النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء. # فيقال: أما تناولها للقائم من النوم المعتاد، فظاهر لفظها يتناوله. وأما كونها ~~مختصة به، بحيث لا تتناول من كان مستيقظا وقام إلى الصلاة؛ فهذا ضعيف. بل هي ~~متناولة لهذا لفظا ومعنى . # وغالب الصلوات يقوم الناس إليها من يقظة، لا من نوم؛ كالعصر والمغرب PageV01P146 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0147.png) ~~والعشاء. وكذلك الظهر في الشتاء؛ لكن الفجر يقومون إليها من نوم. وكذلك الظهر ~~في القائلة. والآية تعم هذا كله. # لكن قد يقال: إذا أمرت الآية القائم من النوم - لأجل الريح التي خرجت منه ~~بغير اختياره - فأمرها للقائم الذي خرج منه الريح في اليقظة أولى وأحرى. فتكون ~~على هذا - دلالة الآية على اليقظان بطريق تنبيه الخطاب وفحواه . وإن قيل : إن اللفظ ~~عام، يتناول هذا بطريق العموم اللفظي. ~~فهذا قولان متوجهان. والآية على ms0152 القولين عامة . وتعم أيضا القيام إلى النافلة ~~بالليل والنهار، والقيام إلى صلاة الجنازة، كما سنبينه إن شاء الله. # فمتى كانت عامة لهذا كله، فلا وجه لتخصيصها. # وقالت طائفة: تقدير الكلام: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون أو قد أحدثتم. ~~فإن المتوضئ ليس عليه وضوء. وكل هذا عن الشافعي رحمه الله. ويوجبه الشافعي ~~في التيمم، فإن ظاهر القرآن يقتضي وجوب الوضوء والتيمم على كل قائم يخالف ~~هذا. # فإن كان قد قال هذا : كان له قولان. # ومن المفسرين من يجعل هذا قول عامة الفقهاء من السلف والخلف؛ لاتفاقهم ~~على الحكم. فيجعل اتفاقهم على هذا الحكم اتفاقا على الإضمار، كما ذكر أبو الفرج ~~ابن الجوزي. قال: وللعلماء في المراد بالآية قولان. # أحدهما: (إذا قمتم إلى الصلوة ) محدثين (فاغسلوا) فصار الحدث مضمرا في ~~وجوب إلوضوء. وهذا قول سعد بن أبي وقاص، وأبي موسى، وابن عباس، ~~رضي الله عنهم، والفقهاء. # قال، والثاني: إن الكلام على إطلاقه من غير إضمار، فيجب الوضوء على كل ~~من يريد الصلاة، محدثا كان أو غير محدث. # وهذا مروي عن عكرمة وابن سيرين. # ونقل عنهم: أن هذا الحكم غير منسوخ. ونقل عن جماعة من العلماء: أن ذلك ~~كان واجبا بالسنة. وهو ما روى بريدة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى يوم ~~لفتح خمس صلوات بوضوء واحد، وقال: عمدا فعلته يا عمر»1 # قلت: أما الحكم - وهو أن من توضا لصلاة صلى بذلك الوضوء صلاة أخرى - ~~فهذا قول عامة السلف والخلف، والخلاف في ذلك شاذ. وقد علم بالنقل المتواتر PageV01P147 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0148.png) ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم:، أنه لم يكن يوجب الوضوء على من صلى ثم قام إلى صلاة أخرى، ~~فإنه قد ثبت بالتواتر أنه صلى بالمسلمين يوم عرفة الظهر والعصر جميعا، جمع بهم ~~بين الصلاتين وصلى خلفه ألوف مؤلفة لا يحصيهم إلا الله. ولما سلم من ~~الظهر ، صلى بهم العصر، ولم يحدث وضوءا لا هو ولا أحد، ولا أمر الناس ~~بإحداث وضوء، ولا نقل ذلك أحد، وهذا يدل ms0153 على أن التجديد لا يستحب مطلقا. # وهل يستحب التجديد لكل صلاة من الخمس? فيه نزاع. وفيه عن أحمد ~~رحمه الله روايتان. # وكذلك أيضا لما قدم مزدلفة : صلى بهم المغرب والعشاء جمعا من غير ~~تجديد وضوء للعشاء. وهو في الموضعين قد قام هو وهم إلى صلاة بعد صلاة. وأقام ~~لكل صلاة إقامة . وكذلك سائر أحاديث الجمع الثابتة في الصحيحين من حديث ابن ~~عمر، وابن عباس، وأنس رضي الله عنهم. كلها تقتضي: أنه هوصل الله عليه وسلم، والمسلمون ~~خلفه - صلوا الثانية من المجموعتين بطهارة الأولى، لم يحدثوا لها وضوءا. # وكذلك هولى الله عليه وسلم د ثبت عنه في الصحيحين من حديث ابن عباس وعائشة ~~وغيرهم « أنه كان يتوضأ لصلاة الليل . فيصلي به الفجر مع أنه كان ينام حتى ~~يغط . ويقول : «تنام عيناي ولا ينام قلبي» فهذا أمر من أصح ما يكون أنه: كان ~~ينام ثم يصلي بذلك الوضوء الذي توضأه للنافلة، يصلي به الفريضة. فكيف يقال : إنه ~~كان يتوضأ لكل صلاة؟ # وقد ثبت عنه في الصحيح،ل صلى الله عليه وسلم على الظهر، ثم قدم عليه وفد عبد القيس. ~~فاشتغل بهم عن الركعتين بعد الظهر حتى صلى العصر، ولم يحدث وضوءا. # وكان يصلي تارة الفريضة ثم النافلة، وتارة النافلة ثم الفريضة. وتارة فريضة ثم ~~فريضة . كل ذلك بوضوء واحد . # وكذلك المسلمون صلوا خلفه في رمضان بالليل بوضوء واحد مرات متعددة. # وكان المسلمون على عهده يتوضأون ثم يصلون ما لم يحدثوا، كما جاءت ~~بذلك الأحاديث الصحيحة. ولم ينقل عنه - لا بإسناد صحيح ولا ضعيف - : أنه ~~أمرهم بالوضوء لكل صلاة. PageV01P148 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0149.png) # فالقول باستحباب هذا يحتاج إلى دليل. ~~وأما القول بوجوبه: فمخالف للسنة المتواترة عن الرسول صلى الله عليه وسلم،ولإجماع ~~الصحابة. والنقل عن علي رضي الله عنه بخلاف ذلك لا يثبت؛ بل الثابت عنه ~~خلافه، وعلي رضي الله عنه أجل من أن يخفى عليه مثل هذا، والكذب على علي ~~كثير مشهور؛ أكثر منه على غيره. # وأحمد بن حنبل رحمه الله - مع سعة علمه بآثار الصحابة ms0154 والتابعين - أنكر أن ~~يكون في هذا نزاع. وقال أحمد بن القاسم: سألت أحد عمن صلى أكثر من خمس ~~صلوات بوضوء واحد ? فقال: لا بأس بذلك، إذا لم ينتقض وضوؤه. ما ظننت أن ~~أحدا أنكر هذا. # وروى البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يتوضأ عند كل صلاة. قلت: وكيف كنتم تصنعون? قال: يجزئ أحدنا الوضوء، ~~ما لم يحدث وهذا هو في الصلوات الخمس المفرقة. ولهذا استحب أحمد ذلك ~~في أحد القولين، مع أنه كان أحيانا يصلي صلوات بوضوء واحد. كما في صحيح ~~مسلم عن بريدة رضي الله عنه قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم وم الفتح خمس صلوات ~~بوضوء واحد، ومسح على خفيه. فقال له عمر : إني رأيتك صنعت شيئا لم تكن ~~صنعته ? قال: عمدا صنعته يا عمر»2). # والقرآن أيضا يدل على أنه لا يجب على المتوضيء أن يتوضأ مرة ثانية من ~~وجوه: # أحدها: أنه سبحانه قال: (وإن كنتم عرضى آو على سفر آو جاء أحد منكم من الغابط أو ~~لمستم النساءفلم تجدواماء فتيمموا صعيداطيبا) فقد أمر من جاء من الغائط، ولم يجد ~~الماء: أن يتيمم بالصعيد الطيب. فدل على أن المجيء من الغائط يوجب التيمم. فلو ~~كان الوضوء واجبا على من جاء من الغائط ومن لم يجي، فإن التيمم أولى بالوجوب. ~~فإن كثيرا من الفقهاء يوجبون التيمم لكل صلاة. وعلى هذا فلا تأثير للمجيء من ~~الغائط. فإنه إذا قام إلى الصلاة وجب الوضوء أو التيمم، وإن لم يجي من الغائط. ~~ولو جاء من الغائط، ولم يقم إلى الصلاة: لا يجب عليه وضوء ولا تيمم، فيكون ~~ذكر المجيء من الغائط عبثا على قول هؤلاء. # الوجه الثاني: أنه سبحانه خاطب المؤمنين. لأن الناس كلهم يكونون محدثين ~~فإن البول والغانآظ أمر معتاد لهم، وكل بني آدم محدث. والأصل فيهم. الحدث PageV01P149 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0150.png) ~~الأصغر . فإن أحدهم من حين كان طفلا قد اعتاد ذلك، فلا يزال محدثا، بخلاف ~~الجنابة، فإنها إنما تعرض لهم عند البلوغ. ms0155 والأصل فيهم: عدم الجنابة. كما أن ~~الأصل فيهم: عدم الطهارة الصغرى؛ فلهذا قال : (إذا قمتم إلى الصلوة فأعسلوا ~~وجوهكم) ثم قال : ( وإن كنتم جنبا فاطهروا) فأمرهم بالطهارة الصغرى مطلقا. لأن ~~الأصل : أنهم كلهم محدثون قبل أن يتوضأوا. ثم قال: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ~~المائدة : 6] وليس منهم جنب إلا من أجنب. فلهذا فرق سبحانه بين هذا وهذا. # الثالث : أن يقال : الآية اقتضت وجوب الوضوء إذا قام المؤمن إلى الصلاة. ~~فدل على أن القيام هو السبب الموجب للوضوء. وأنه إذا قام إلى الصلاة صار واجبا ~~حينئذ وجوبا مضيقا. فإذا كان العبد قد توضأ قبل ذلك، فقد أدى هذا الواجب قبل ~~تضييقه كما قال : (إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) فدل ~~على أن النداء يوجب السعي إلى الجمعة. وحينئذ يتضيق وقته فلا يجوز أن يشتغل ~~عنه ببيع ولا غيره . فإذا سعى إليها قبل النداء، فقد سابق إلى الخيرات، وسعى قبل ~~تضيق الوقت. فهل يقول عاقل : إن عليه أن يرجع إلى بيته ليسعى عند النداء ? # وكذلك الوضوء : إذا كان المسلم قد توضأ للظهر قبل الزوال، أو للمغرب قبل ~~غروب الشمس، أو للفجر قبل طلوعه، وهو إنما يقوم إلى الصلاة بعد الوقت. فمن ~~قال : إن عليه أن يعيد الوضوء، فهو بمنزلة من يقول: إن عليه أن يعيد السعي إذا أتى ~~الجمعة قبل النداء. # والمسلمون على عهد نبيهم كانوا يتوضأون للفجر وغيرها قبل الوقت وكذلك ~~المغرب. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ان يعجلها، ويصليها إذا توارت الشمس بالحجاب. وكثير ~~من أصحابه كانت بيوتهم بعيدة من المسجد. فهؤلاء لو لم يتوضأوا قبل المغرب، لما ~~أدركوا معه أول الصلاة بل قد تفوتهم جميعا لبعد المواضع. وهو نفس صلى الله عليه وسلم م يكن ~~يتوضا بعد الغروب، ولا من حضر عنده في المسجد، ولا كان يأمر أحدا بتجديد ~~الوضوء بعد المغرب. وهذا كله معلوم مقطوع به. وما أعرف في هذا خلافا ثابتآ عن ~~الصحابة . أن من توضأ قبل الوقت عليه أن يعيد الوضوء بعد ms0156 دخول الوقت. ~~ولا يستحب أيضا لمثل هذا تجديد وضوء. # وإنما تكلم الفقهاء فيمن صلى بالوضوء الأول. هل يستحب له التجديد? وأما ~~ن لم يصل به، فلا يستحب له إعادة الوضوء؛ بل تجديد الوضوء في مثل هذا بدعة ~~خالفة لسنة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم، ولما عليه المسلمون في حياته وبعده إلى هذا الوقت. # فقد تبين أن هذا قبل القيام قد أدى هذا الواجب قبل تضييقه، كالساعي إلى ~~الجمعة قبل النداء، وكمن قضى الدين قبل حلوله؛ ولهذا قال الشافعي وغيره: إن ~~الصبي إذا صلى ثم بلغ لم يعد الصلاة؛ لأنها تلك الصلاة بعينها، سابق إليها قبل PageV01P150 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0151.png) ~~وقتها. وهو قول في مذهب أحمد وهذا القول أقوى من إيجاب الإعادة . ومن أوجبها ~~قاسه على الحج، وبينهما فرق. كما هو مبسوط في غير هذا الموضع. # وهذا الذي ذكرناه في الوضوء: هو بعينه في التيمم. ولهذا كان قول العلماء: ~~إن التيمم كالوضوء، فهو طهور المسلم ما لم يجد الماء. وإن تيمم قبل الوقت وتيمم ~~للنافلة، فيصلي به الفريضة وغيرها؛ كما هو قول ابن عباس. وهو مذهب كثير من ~~العلماء: أبي حنيفة وغيره وهو أحد القولين عن أحمد. # والقول الآخر - وهو التيمم لكل صلاة - هو المشهور من مذهب مالك ~~والشافعي وأحمد. وهو قول لم يثبت عن غيره من الصحابة كما قد بسط في موضعه. # فالآية محكمة ولله الحمد. وهى على ما دلت عليه، من أن كل قائم إلى ~~الصلاة فهو مأمور بالوضوء. فإن كان قد توضأ قبل ذلك فقد أحسن وفعل الواجب ~~قبل تضييقه، وسارع إلى الخيرات، كمن سعى إلى الجمعة قبل النداء. # فقد تبين أن الآية ليس فيها إضمار ولا تخصيص، ولا تدل على وجوب ~~الوضوء مرتين . بل دلت على الحكم الثابت بالسنن المتواترة، وهو الذي عليه جماعة ~~المسلمين، وهو وجوب الوضوء على المصلي. كما ثبت في الصحيحين عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم آن قال : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى ~~يتوضأ . فقال رجل من ms0157 حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة? قال : «فساء أو ~~ضراط». # وفي صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه سلم ~~قال: لالا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول3. # وهذا يوافق الآية الكريمة. فإنه يدل على أنه لا بد من الطهور، ومن كان على ~~وضوء فهو على طهور، وإنما يحتاج إلى الوضوء من كان محدثا . كما قال : لا يقبل ~~الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضا» وهو إذا توضأ ثم أحدث، فقد دلت الآية ~~على أمره بالوضوء إذا قام إلى صلاة، وإذا كان قد توضا، فقد فعل ما أمر به. كقوله: ~~لا تصلي إلا بوضوء. أو لا تصلي حتى تتوضا ونحو ذلك. مما بين أنه مأمور ~~بالوضوء لجنس الصلاة، الشامل لأنواعها وأعيانها. ليس مأمورا لكل نوع أو عين ~~بوضوء غير وضوء الآخر . ولا في اللفظ ما يدل على ذلك. # لكن هذا الوجه لا يدل على تقدم الوضوء على الجنس، كمن أسلم فتوضأ قبل ~~الزوال او الغروب، او كمن احدث فتوضا قبل دخول الوقت. بخلاف الوجه الذي ~~قبله . فإنه يتناول هذا كله. PageV01P151 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0152.png) # وقوله تعالى : (إذا قمتم إلى الصلوة فاعسلوا ) يقتضي وجوب الوضوء على كل ~~مصل مرة بعد مرة، فهو يقتضي التكرار، وهذا متفق عليه بين المسلمين في الطهارة. ~~وقد دلت عليه السنة المتواترة، بل هو معلوم بالاضطرار من دين المسلمين عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه لم يأمرنا بالوضوء لصلاة واحدة. بل أمر بأن يتوضأ كلما صلى. ولو ~~صلى صلاة بوضوء، وأراد أن يصلي سائر الصلوات بغير وضوء: استتيب، فإن تاب ~~وإلا قتل . # لكن المقصود هنا : دلالة الآية عليه، وذلك من لفظ الصلاة فإن «الصلاة ~~هنا اسم جنس . ليس المراد صلاة واحدة . فقد أمر إذا قام إلى جنس الصلاة أن ~~يتوضأ . والجنس يتناول جميع ما يصليه من الصلوات في جميع عمره. # فإن قيل : هذا يقتضي عموم الجنس، فمن أين التكرار? فإذا قام إلى أية صلاة ~~توضأ، لكن من ms0158 أين أنه إذا قام إليها يوما آخر يتوضأ ? # قيل : لأنه في هذا اليوم الثاني قائم إلى الصلاة. فهو مأمور بالوضوء إذا قام إلى ~~مسمى الصلاة؛ فحيث وجد قيام إلى مسمى الصلاة فهو مأمور بالوضوء متى وجد ~~ذلك، فعليه الوضوء. وهو كقوله تعالى : (أقم الصلوة لدلوك الشمس) ~~فالمراد : جنس الدلوك، فهو مأمور بإقامة الصلاة له. وكذلك قوله: (وسبح بحمد ربك ~~قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) فهو متناول لكل طلوع وغروب، وليس المراد ~~طلوعا واحدا، فكأنه قال : قبل كل طلوع لها، وقبل كل غروب. وأقم الصلاة عند كل ~~دلوك، وكل صلاة يقوم إليها متوضئا لها. # وقد تنازع الناس في الأمر المطلق: هل يقتضي التكرار ? على ثلاثة أقوال في ~~مذهب أحمد وغيره. # قيل : يقتضيه، كقول طائفة، منهم القاضي أبو يعلى وابن عقيل. # وقيل : لا يقتضيه، كقول كثير، منهم أبو الخطاب. # وقيل : إن كان معلقا بسبب اقتضى التكرار. وهذا هو المنصوص عن أحمد كآية ~~الطهارة والصلاة. # فإن قيل : فهذا لا يتكرر في الطلاق والعتق المعلق. # قيل : لأن عتق الشخص الواحد لا يتكرر. وكذلك الطلاق المعلق نفسه ~~لا يتكرر . بل الطلقة الثانية حكمها غير حكم الأولى. وهو محدود بثلاث. ولكن إذا ~~قال الناذر: لله علي إن رزقني الله ولدا أن أعتق عنه، وإذا أعطاني مالا أن أزكيه، أو ~~أتصدق بعشرة: تكرر . وبسط هذا له موضع آخر. PageV01P152 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0153.png) # فصل ~~قوله تعالى: (وإن كنم رره أو عل سفر او جاء أحد منكم من الغآبط او لامسلم ~~النساء) الآية . هذا مما أشكل على بعض الناس. ~~فقالت طائفة من الناس: أو» بمعنى الواو، وجعلوا التقدير : وجاء أحد منكم ~~من الغائط. ولامستم النساء. # قالوا: لأن من مقتضى أو» أن يكون كل من المرض والسفر موجبا للتيمم؛ ~~كالغائط والملامسة. وهذا مخالف لمعنى الآية، فإن «أو ضد الواو، والواو : للجمع ~~والتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه. # وأما معنى : أو فلا يوجب الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، بل يقتضي ~~إثبات أحدهما. لكن قد يكون ذلك مع إباحة الآخر كقوله : جالس الحسن أو ابن ms0159 ~~سيرين؛ وتعلم الفقه أو النحو؛ ومنه خصال الكفارة يخير بينها، ولو فعل الجميع ~~جاز. وقد يكون مع الحصر؛ يقال للمريض: كل هذا، أو هذا. وكذلك في الخبر: ~~هي لإثبات أحدهما، أما مع عدم علم المخاطب. وهو الشك، أو مع علمه وهو ~~الإيهام، كقوله تعالى: (وأزسلناه إل مائة الفي أو يزيدرن )] لكن ~~المعنى الذي أراده: هو الأصح، وهو أن خطابه بالتيمم: للمريض والمسافر، وإن كان ~~قد جاء من الغائط، أو جامع. # ولا ينبغي - على قولهم - أن يكون المراد: أن لا يباج التيمم إلا مع هذين . بل ~~التقدير : بالاحتلام، أو حدث بلا غائط، فالتيمم هنا أولى، وهو سبحانه لما أمر كل ~~قائم إلى الصلاة بالوضوء، أمرهم إذا كانوا جنبا: أن يطهروا، وفيهم المحدث بغير ~~الغائط، كالقائم من النوم، والذي خرجت منه الريح. ومنهم الجنب بغير جماع، بل ~~باحتلام: فالآية عمت كل محدث وكل جنب. فقال تعالى: (وإن كنكم مرنى أو على سفر ~~فتيتمواكه فاباح التيمم للمحدث والجنب إذا كان مريضا أو على سفر، ولم يجد ماء. ~~والتيمم رخصة. # فقد يظن الظان: أنها لا تباح إلا مع خفيف الحدث والجنابة كالريح والاحتلام ~~بخلاف الغائط والجماع. فإن التيمم مع ذلك، والصلاة معه، مما تستعظمه النفوس ~~وتهابه. فقد أنكر بعض كبار الصحابة تيمم الجنب مطلقا. وكثير من الناس يهاب ~~الصلاة مع الحدث بالتيمم، إذ كان جعل التراب طهورا كالماء، هو مما فضل الله به ~~محمد لىاله عليه وسلم الته. ومن لم يستحكم إيمانه: لا يستجيز ذلك. # فبين الله سبحانه: أن التيمم مامور به مع تغليظ الحدث بالغانآط، وتغليظ الجنابة PageV01P153 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0154.png) ~~بالجماع. والتقدير : وإن كنتم مرضى أو مسافرين، أو كان - مع ذلك - جاء أحد منكم ~~من الغائط ، أو لامستم النساء. # ليس المقصود : أن يجعل الغائط والجماع فيما ليس معه مرض أو سفر. فإنه إذا ~~جاء أحد منكم من الغائط، أو لامس النساء، وليسوا مرضى ولا مسافرين. فقد بين ~~ذلك بقوله : (إذا قمتم إلى الصلوة فاعسلوا وجوهكم) وبقوله: (وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا) فدلت الآية على وجوب ms0160 الوضوء والغسل على الصحيح ~~والمقيم. # وأيضا فتخصيصه المجيء من الغائط والجماع: يجوز أن يكون لا يتيمم في هذه ~~الحالة، دون ما هو أخف من ذلك، من خروج الريح ومن الاحتلام. فإن الريح ~~كالنوم، والاحتلام يكون في المنام. فهناك يحصل الحدث والجنابة والإنسان نائم. ~~فإذا كان في تلك الحال يؤمر بالوضوء والغسل، فإذا حصل ذلك وهو يقظان، فهو ~~أولى بالوجوب . لأن النائم رفع عنه القلم، بخلاف اليقظان. # ولكن دلت الآية على أن الطهارة تجب، وإن حصل الحدث والجنابة بغير اختياره، ~~كحدث النائم واحتلامه. وإذا دلت على وجوب طهارة المال في الحال، فوجوبها مع ~~الحدث الذي حصل باختياره أو يقظته : أولى. وهذا بخلاف التيمم. فإنه لا يلزم إذا أباح ~~التيمم للمعذور الذي أحدث في النوم باحتلام أو ريح : أن يبيحه لمن أحدث باختياره. ~~فقال تعالى : (أو جاء أحد منكم من الغابط أو للمسام النساء)] ليبين جواز ~~التيمم لهذين . وإن حصل حدثهما في اليقظة، وبفعلهما وإن كان غليظا. # ولو كانت «أو بمعنى الواو: كان تقدير الكلام: أن التيمم لا يباح إلا بوجود ~~الشرطين - المرض، والسفر - مع المجيء من الغائط والاحتلام. فيلزم من هذا أن ~~لا يباح مع الاحتلام ولا مع الحدث بلا غائط، كحدث النائم، ومن خرجت منه ~~الريح . فإن الحكم إذا علق بشرطين لم يثبت مع أحدهما. وهذا ليس مرادا قطعا، بل ~~هو ضد الحق؛ لأنه إذا أبيح مع الغائط الذي يحصل بالاختيار، فمع الخفيف وعدم ~~الاختيار أولى. # فتبين أن معنى الآية: وإن كنتم مرضى أو على سفر فتيمموا. وإن كان مع ذلك ~~قد جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء. كما يقال: وإن كنت مريضا أو ~~مسافرا . والتقدير : وإن كنتم أيها القائمون الى الصلاة - وأنتم مرضى أو مسافرين - قد ~~جئتم من الغائط أو لامستم النساء؛ ولهذا قال من قال: إنها خطاب للقائمين من ~~النوم : إن التقدير إذا قمتم إلى الصلاة، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم ~~النساء. PageV01P154 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0155.png) ~~فإنه سبحانه ذكر أولا فعلهم بقوله: (إذاقتتم) (أو جاء ms0161 أحد مبكم من الغآبط آو ~~لامسهم النساء) الث أفعال. وقوله: (وإن كنلم مرفى أو على سفر) حال لهم. أي كنتم ~~على هذه الحال. كقوله: وإن كنتم على حال العجز عن استعمال الماء - إما لعدمه، ~~أو لخوف الضرر باستعماله - فتيمموا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم. أو جاء أحد ~~منكم من الغائط؛ أو لامستم النساء. # ولكن الذي رجحناه، أن قوله: ( إذا قمتم) عام: إما لفظا ومعنى. وإما معنى. # وعلى هذا فالمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة فتوضأوا، أو اغتسلوا إن كنتم جنبا. ~~وإن كنتم مرضى أو مسافرين، أو فعلتم ما هو أبلغ في الحدث - جئتم من الغائط أو ~~لامستم النساء - إذ التقدير: وإن كنتم مرضى أو مسافرين، وقد قمتم إلى الصلاة أو ~~فعلتم - مع القيام إلى الصلاة، والمرض أو السفر - هذين الأمرين المجيء من الغائط، ~~والجماع. فيكون قد اجتمع قيامكم إلى الصلاة والمرض والسفر وأحد هذين، فالقيام ~~موجب للطهارة، والعذر مبيح، وهذا القيام، فإذا قمتم وجب التيمم إن كان قياما ~~مجردا. أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء. # ولكن من الناس من يعطف قوله: (أو جاء) (أو لامسام) على قوله : ( إذا ~~قمتم) والتقدير: وإذا قمتم أو جاء أو لامستم. وهذا مخالف لنظم الآية. ~~فإن نظمها يقتضي أن هذا داخل في جزاء الشرط. وقوله: وإن كنتم مرضى أو على سفر ~~أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فتيمموا» فإن الذي قاله قريب من جهة ~~المعنى. ولكن التقدير: وإن كنتم إذا قمتم إلى الصلاة مرضى أو على سفر، أو كان مع ~~ذلك: جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء. فهو تقسيم من مفرد ومركب. # يقول: إن كنتم مرضى أو على سفر قائمين إلى الصلاة فقط بالقيام من النوم أو ~~القعود المعتاد. أو كنتم - مع هذا - : قد جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء. # فقوله تعالى: ( وإن كنم م هى أز علي سفر) خطاب لمن قيل لهم : ( إذا قمتم إل ~~العلواة فافسلوا) ( وإن كنتم جتبا فا طهروا)مايدة فألمعنى: ~~يا ms0162 أيها القائم إلى الصلاة توضا. وإن كنت جنبا فاغتسل . وإن كنت مريضا أو مسافرا ~~تيمم. أو كنت مع هذا وهذا، مع قيامك إلى الصلاة وأنت محدث، أو جنب . ومع ~~مرضك وسفرك قد جئت من الغائط، أو لامست النساء، فتيمم إن كنت معذورا. # وإيضاح هذا: إنه من باب عطف الخاص على العام الذي يخص بالذكر ~~لامصازه وتخص رصم لقتض الظ وبثل مذا يقاله: انه داخل في العام، ثم ذبر ~~باو، وأما بالواو، فمثل قوله تعالى: ( والهئيه يستله وحايل وهيكال البقرة: 98 PageV01P155 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0156.png) ~~وقوله : (وإذ أخدنا من النبيعن ميتاقهم ومنل ومن نوح وإراهيم)لب: ومن ~~هذا قوله : (إب الصلوة تنهى عرن الفحشاء والمنكر )بوت: ونحو ذلك. # وأما في «أو ففي مثل قوله تعالى : (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا ~~الله فاستغفروا لذنوبهم) عمران: ] وقوله: (ومن يقمل شوءا أو يظلم نفسه ثم ~~يستعفر الله يجد الله غفورا رحيما) وقوله : (ومن يكسب خطيعة أو إثما ثم ~~يرم به برئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا) وقوله : (فمن خاف من موص جنفا أو ~~إثما)8] فإن الجنف هو الميل عن الحق، وإن كان عامدا. # قال عامة المفسرين : «الجنف» الخطأ والإثم العمد. قال أبو سليمان ~~الدمشقي : الجنف : الخروج عن الحق. وقد يسمى «المخطئ العامد» إلا أن ~~المفسرين علقوا «الجنف» على المخطئ، والإثم» على العامد. ومثله قوله: (ولا ~~تطع منهم آثما أو كفورا) فإن الكفور» هو الآثم أيضا . لكنه عطف ~~خاص على عام. وقد قيل : هما وصفان لموصوف واحد، وهو أبلغ. فإن عطف ~~الصفة على الصفة والموصوف واحد، كقوله: (الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى) ~~[الأعلى: 2، وقوله: (هو الأول والاخر واللاهر والباطة) وقوله : (قد ~~أفلح المؤمنون * الذين هم في صالاتهم خشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكوة فاعلون ~~والذين هم لفروجهم حفظون )المؤمنون: - ] ونظائر هذا كثيرة. # قال ابن زيد : الآثم، المذنب الظالم والكفور. هذا كله واحد. قال ابن عطية: ~~هو مخير في أنه يعرف الذي ينبغي أن لا يطيعه بأي وصف كان من هذين؛ لأن ms0163 كل ~~واحد منهم فهو آثم، وهو كفور، ولم يكن للأمة من الكثرة بحيث يغلب الإثم على ~~المعاصي، قال : واللفظ إنما يقتضي نهي الإمام عن طاعة آثم من العصاة، أو كفور ~~من المشركين. # وقال أبو عبيدة وغيره: ليس فيها تخيير «أو بمعنى الواو. وكذلك قالت ~~طائفة : منهم البغوي، وابن الجوزي. # وقال المهدي : أي لا تطع من أثم أو كفر. ودخول أو يوجب أن لا تطيع ~~كل واحد منهما على انفراده. ولو قال: ولا تطع منهما آثما أو كفورا، لم يلزم النهي ~~إلا في حال اجتماع الوصفين . # وقد يقال : إن الكفور هو الجاحد للحق، وإن كان مجتهدا مخطئا. فيكون ~~هذا أعم من وجه، وهذا أعم من وجه التمسك. # وقوله تعالى : (وإن كتم تها أو عل سفر أو جاء أحد قنكم من الفأبط أو لامسثم PageV01P156 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0157.png) ~~التساء) من هذا الباب. فإنه خاطب المؤمنين. فقال : (إذا قمتم إلى الصلوة فاعسلوا) ~~وهذا يتناول المحدثين كما تقدم. ثم قال: (وإن كنتم جنبا فاطهروا ) ثم قال : لاوإن ~~كنتم - مع الحدث والجنابة - مرضى أو على سفر، ولم تجدوا ماء فتيمموا وهذا ~~يتناول كل محدث، سواء كان قد جاء من الغائط أو لم يجئ، كالمستيقظ من نومه، ~~والمستيقظ إذا خرجت منه الريح. ويتناول كل جنب، سواء كانت جنابته باحتلام أو ~~جماع. فقال: «وإن كنتم محدثون - جنب مرضى أو على سفر - أو جاء أحد منكم ~~من الغائط» وهذا نوع خاص من الحدث «أو لامستم النساء» وهذا نوع خاص من ~~الجنابة. # ثم قد يقال : لفظ الجنب» يتناول النوعين، وخص المجامع بالذكر، وكذلك ~~«القائم إلى الصلاة» يتناول من جاء من الغائط ومن أحدث بدون ذلك، لكن خص ~~الجائي بالذكر، كما في قوله: (فمن خاف من موص جنفا أو إثما) فالآثم هو المتعمد، ~~وتخصيصه بالذكر - وإن كان دخل - ليبين حكمه بخصوصه، ولئلا يظن خروجه عن ~~اللفظ العام. وإن كان لم يدخل فهو نوع آخر . والتقدير : إن كنتم مرضى أو على سفر ~~فتيمموا. وهذا معنى الآية. # وقوله : (أز جاء أعد تنكم من الغابط ms0164 ) ذ الحدث الأصغر. فالمجيء من الغائط ~~هو مجيء من الموضع الذي يقضي فيه الحاجة. وكانوا ينتابون الأماكن المنخفضة، ~~وهي الغائط. وهو كقولك: جاء من المرحاض. وجاء من الكنيف ونحو ذلك. هذا ~~كله عبارة عمن جاء وقد قضى حاجته بالبول أو الغائط . والريح يخرج معهما. # وقد تنازع الفقهاء: هل تنقض الريح لكونها تستصحب جزءا من الغائط. ~~فلا يكون على هذا نوعا آخر ? أو هي لا تستصحب جزءا من الغائط . بل هي نفسها ~~تنقض . ونقضها متفق عليه بين المسلمين. وقد دل عليه القرآن في قوله : (إذا قمتم) ~~سواء كان أريد القيام من النوم أو مطلقا. فإن القيام من النوم : مراد على كل تقدير. ~~رهو إنما نقض بخروج الريح. هذا مذهب الأيمة الأربعة، وجمهور السلف والخلف: ~~أن النوم نفسه ليس بناقض، ولكنه مظنة خروج الريح. # وقد ذهبت طائفة إلى أن النوم نفسه ينقض ونقض الوضوء بقليله وكثيره. وهو ~~قول ضعيف. وقد ثبت في الصحيحين عن الي صلى الله عليه وسلم كان ينام حتى يغط، ثم يقوم ~~يصلي ولا يتوضا، ويقول : «تنام عيناي ولا ينام قلبي»1 PageV01P157 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0158.png) # فدل على أن قلبه الذي لم ينم كان يعرف به أنه لم يحدث، ولو كان النوم نفسه ~~كالبول والغائط والريح، لنقض كسائر النواقض. # وأيضا قد ثبت في الصحيحين لأن الصحابة كانوا ينتظرون الصلاة حتى تخفق ~~رؤوسهم. ثم يصلون ولا يتوضأون، وهم في المسجد ينتظرون العشاء خلف ~~النبي صلى الله عليه وسلم :. # وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ أن رسول الله اله صلى الله عليه وسلم بغل عن ~~العشاء ليلة، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا. ثم رقدنا ثم استيقظنا. ثم ~~خرج علينا رسول الله له صلى الله عليه وسلم ثم قال : ليس أحد من أهل الأرض الليلة ينتظر الصلاة ~~غيركم» # ولمسلم عنه قال : مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول لله صله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء الآخرة. ~~فخرج علينا حين ذهب ثلث الليل، أو بعضه - ولا ندري أي شيء شغله، من أهله أو ms0165 غير ~~ذلك - فقال حين خرج : « إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل ~~على أمتي لصليت بهم هذه الساعة. ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى # ولمسلم أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت: أعتم رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ات ليلة، ~~حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى. فقال: لإنه لوقتها؛ ~~لولا أن أشق على أمتي» # ففي هذه الأحاديث الصحيحة : أنهم ناموا، وقال في بعضها: إنهم رقدوا ثم ~~استيقظوا ثم رقدوا ثم استيقظوا» وكان الذين يصلون خلفه جماعة كثيرة، وقد طال ~~انتظارهم وناموا. ولم يستفصل أحدا، لا سئل ولا سأل الناس : هل رأيتم رؤيا? أو ~~هل مكن أحدكم مقعدته ? أو هل كان أحدكم مستندا? وهل سقط شيء من أعضائه ~~على الأرض? فلو كان الحكم يختلف لسألهم. # وقد علم أنه في مثل هذا الانتظار بالليل - مع كثرة الجمع - يقع هذا كله. وقد ~~كان يصلي خلفه النساء والصبيان. # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: أعتم رسول الله ل صلى الله عليه وسلم ولة ~~من الليالي بصلاة العشاء، فلم يخرج رسول الله صل صلى الله عليه وسلم تى قال عمر بن الخطاب : نام ~~النساء والصبيان . فخرج رسول الله له صلى الله عليه وسلم، فقال لأهل المسجد حين خرج عليهم: PageV01P158 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0159.png) ~~ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم. وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس» ~~وقد خرج البخاري هذا الحديث في «باب خروج النساء إلى المسجد بالليل ~~والغلس» وفي «باب النوم قبل العشاء لمن غلب عليه النوم»6) وخرجه في لباب ~~وضوء الصبيآن وحضورهم الجماعة»2) وقال فيه : «إنه ليس أحد من أهل الأرض ~~يصلي هذه الصلاة غيركم. # وهذا يبين أن قول عمر لنام النساء والصبيان» يعني والناس في المسجد ~~ينتظرون الصلاة. # وهذا يبين أن المنتظرين للصلاة، كالذي ينتظر الجمعة إذا نام أي نوم كان لم ~~ينتقض وضوؤه. فإن النوم ليس بناقض. وإنما الناقض : الحدث، فإذا نام النوم ~~المعتاد، الذي يختاره الناس في العادة ms0166 - كنوم الليل والقائلة - فهذا يخرج منه الريح في ~~العادة، وهو لا يدري إذا خرجت، فلما كانت الحكمة خفية لا نعلم بها، قام دليلها ~~مقامها . وهذا هو النوم الذي يحصل هذا فيه في العادة. # وأما النوم الذي شك فيه: هل حصل معه ريح أم لا? فلا ينقض الوضوء. لأن ~~الطهارة ثابتة بيقين، فلا تزول بالشك. # وللناس في هذه المسألة أقوال متعددة، ليس هذا موضع تفصيلها لكن هذا هو ~~الذي يقوم عليه الدليل. # وليس في الكتاب والسنة نص يوجب النقض بكل نوم. # فإن قوله: العين وكاء السه؛ فإذا نامت العينان استطلق الوكاء قد روي في ~~السنن من حديث علي بن أبي طالب ومعاوية رضي الله عنهما، وقد ضعفه غير واحد، ~~وبتقدير صحته، فإنما فيه: إذا نامت العينان استطلق الوكاء وهذا يفهم منه : أن النوم ~~المعتاد هو الذي يستطلق منه الوكاء. ثم نفس الاستطلاق لا ينقض . وإنما ينقض ~~ما يخرج مع الاستطلاق. وقد يسترخي الإنسان حتى ينطلق الوكاء ولا ينتقض وضوؤه. # وإنما قوله في حديث صفوان بن عسال: أمرنا أن لا ننزع خفافنا، إذا كنا ~~سفرا - أو مسافرين - ثلاثة ايام ولياليهن، إلا من جنابة . لكن من غائط أو بول أو ~~نوم) فهذا ليس فيه ذكر نقض النوم. ولكن فيه : أن لابس الخفين لا ينزعهما ثلاثة PageV01P159 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0160.png) ~~أيام إلا من جنابة ولا ينزعهما من الغائط والبول والنوم، فهو نهى عن نزعهما لهذه ~~الأمور. وهو يتناول النوم الذي ينقض. ليس فيه: أن كل نوم ينقض الوضوء. # هذا إذا كان لفظ «النوم من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا كان من كلام الراوي? ~~وصاحب الشريعة قد يعلم أن الناس إذا كانوا قعودا أو قياما في الصلاة أو غيرها، ~~فينعس أحدهم وينام، ولم يأمر أحدا بالوضوء في مثل هذا. # أما الوضوء من النوم المعروف عند الناس؛ فهو الذي بترجح معه في العادة ~~خروج الريح وأما ما كان قد يخرج معه الريح، وقد لا يخرج : فلا ينقض على أصل ~~الجمهور الذين يقولون : إذا شك هل ms0167 ينقض أو لا ينقض? أنه لا ينقض . بناء على ~~يقين الطهارة. # وهو سبحانه أمرنا بالطهارتين الصغرى والكبرى، وبالتيمم عن كل منهما، فقال: ~~(إذا قمتم إلى الصلوة فاعسلوا) فأمر بالوضوء. ثم قال: ( وإن كنتم جنبا فاطهروا) ~~فأمر بالتطهر من الجنابة، كما قال في المحيض: (ولا تقربوهن حق يطهرن فإذا تطهرن ~~فأتوهرب من حيث أمركم الله) وقال في سورة النساء: ( ولا جنبا إلا عابرى ~~سبيل حتى تغتسلوا) وهذا يبين أن التطهر هو الاغتسال. # والقرآن يدل على أنه لا يجب على الجنب إلا الاغتسال، وأنه إذا اغتسل جاز له ~~أن يقرب الصلاة . والمغتسل من الجنابة ليس عليه نية رفع الحدث الأصغر، كما قال ~~جمهور العلماء. والمشهور في مذهب أحمد: أن عليه نية رفع الحدث الأصغر، ~~وكذلك ليس عليه فعل الوضوء، ولا ترتيب ولا موالاة عند الجمهور. وهو ظاهر ~~مذهب أحمد. # وقيل : لا يرتفع الحدث الأصغر إلا بهما. # وقيل : لا يرتفع حتى يتوضأ . روي ذلك عن أحمد. # والقرآن يقتضي : أن الاغتسال كاف. وأنه ليس عليه بعد الغسل من الجنابة ~~حدث آخر ، بل صار الأصغر جزءا من الأكبر . كما أن الواجب في الأصغر جزء من ~~الواجب في الأكبر فإن الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة. # ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم عطية واللواتي غسلن ابنته : اغسلنها ثلاثا، ~~و خمسا، أو اكثر من ذلك، آن رأيتن ذلك بماء وسدر. وابدان بميامنها ومواضع PageV01P160 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0161.png) ~~فجعل غسل مواضع الوضوء جزءا من الغسل، لكنه يقدم كما تقدم الميامن. ~~وكذلك الذين نقلوا صفة غسله، كعائشة رضي الله عنها، ذكرت لأنه كان ~~يتوضا، ثم يفيض الماء على شعره، ثم على سائر بدنه ولا يقصد غسل مواضع ~~الوضوء مرتين، وكان لا يتوضأ بعد الغسل. ~~فقد دل الكتاب والسنة على أن الجنب والحائض لا يغسلان أعضاء الوضوء، ~~ولا ينويان وضوءا، بل يتطهران ويغتسلان كما أمر الله تعالى. ~~وقوله: (ناهروا) أراد به الاغتسال . فدل على أن قوله في ~~الحيض : (حى يلهرن فإذا تطبآرن) أراد به الاغتسال، كما قاله الجمهور : مالك ~~والشافعي ms0168 وأحمد. وأن من قال: هو غسل الفرج. كما قاله داود، فهو ضعيف. # فصل ~~قال الله عز وجل: (وإن كثم رهى أو عل سفر أو جاء أحد منكم من الغابط أو لامسلم ~~النساء فلم تجدواماء فتيمموا صعيدا طيبا). # فقوله : فلم تجدوا ماء يتعلق بقوله: على سفر لا بالمرض . والمريض ~~يتيمم وإن وجد الماء. والمسافر إنما يتيمم إذا لم يجد الماء. ذكر سبحانه وتعالى ~~النوعين الغالبين: الذي يتضرر باستعمال الماء، والذي لا يجده. # وقوله : لعلى سفر يعم السفر الطويل والقصير، كما قاله الجمهور. # وقوله : وإن كنتم مرضى كقوله في آية الخوف : (ولا جناح عليكم إن كان ~~بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا اسلحتا ) وقوله في الإحرام: ~~(فن كان منكم ريضا أز به أنى من رأسه )لبقرة:1] وفي الصيام : (فمن كاب منكم مرينا ~~آو على سفر فعدة من اياء أخر) ولم يوقت الله تعالى وقتا في المرض. # والذي عليه الجمهور: أنه لا يشترط فيه خوف الهلاك. بل من كان الوضوء ~~يزيد مرضه، أو يؤخر برأه، يتيمم. وكذلك في الصيام والإحرام. ومن يتضرر بالماء ~~لبرد، فهو كالمريض عند الجمهور. لكن الله ذكر الضرر العام، وهو المرض. ~~بخلاف البرد. فإنه إنما يكون في بعض البلاد لبعض الناس الذين لا يقدرون على ~~الماء الحار. # وكذلك ذكر المسافر الذي لا يجد الماء، ولم يذكر الحاضر . فإن عدمه في ~~الحضر نادر. لكن قد يحبس الرجل وليس عنده إلا ما يكفيه لشربه. كما أن المسافر ~~قد لا يكون معه إلا ما يكفيه لشربه وشرب دوابه . فهذا عند الجمهور عادم للماء ~~فيتيمم. PageV01P161 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0162.png) # وقوله : (أو جاء أحد منكم من الغابط أو لامسمم النساء). # ذكر أعظم ما يوجب الوضوء، وهو قضاء الحاجة. وأغلظ ما يوجب الغسل، ~~وهو ملامسة النساء. وأمر كلا منهما، إذا كان مريضا أو مسافرا لا يجد الماء: أن ~~يتيمم . وهذا هو مذهب جمهور الخلف والسلف. # وقد ثبت تيمم الجنب في أحاديث صحاح وحسان، كحديث عمار بن ياسر ~~رضي الله عنهما . وهو في الصحيحين. وحديث ms0169 عمران بن حصين، رضي الله عنه ~~وهو في البخاري. وحديث أبي ذر، وعمرو بن العاص، وصاحب الشجة ~~رضي الله عنهم . وهو في السنن. # فهاتان آيتان من كتاب الله، وخمسة أحاديث عن رسول الله له صلى الله عليه وسلم، وقد عرفت ~~مناظرة ابن مسعود في ذلك لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما. # ولهذا نظائر كثيرة عن الصحابة. إذا عرفتها تعرف دلالة الكتاب والسنة عن ~~الرجل العظيم القدر، تحقيقا لقوله : (فإن تنازعم فى شىء فردوه إلى الله والرسول)ء: ~~9] ولا يرد هذا النزاع إلا إلى الله والرسول المعصوم المبلغ عن الله، الذي لا ينطق ~~عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى، الذي هو الواسطة بين الله وبين عباده. # ونذكر هذا على قوله : (أو للامستم النساء). # المراد به : الجماع. كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من العرب. ~~وهو يروى عن علي رضي الله عنه وغيره. وهو الصحيح في معنى الآية. وليس في ~~نقض الوضوء من مس النساء، لا كتاب ولا سنة. وقد كان المسلمون دائما يمسون ~~نساءهم. وما نقل مسلم واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم، آنه أمر أحدا بالوضوء من مس النساء. # وقول من قال : إنه أراد ما دون الجماع، وإنه ينقض الوضوء. فقد روي عن ابن ~~عمر والحسن «باليد» وهو قول جماعة من السلف في المس بشهوة، والوضوء منه ~~حسن مستحب لإطفاء الشهوة، كما يستحب الوضوء من الغضب لإطفائه. وأما ~~وجوبه: فلا. # وأما المس المجرد عن الشهوة؛ فما أعلم للنقض به أصلا عن السلف. # وقوله تعالى : (أو لامسهم اللساء) لم يذكر في القرآن الوضوء منه، بل إنما ذكر ~~لتيمم، بعد أن أمر المحدث القائم للصلاة بالوضوء. وأمر الجنب بالاغتسال فذكر ~~الطهارة بالصعيد الطيب، ولا بد أن يبين النوعين. PageV01P162 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0163.png) # وقوله : (أو جاء اعد منكم من الفابط ) بيان لتيمم هذا. # وقوله : (أو لمسام اللساء) يذكر واحدا منهما لبيان طهارة الماء. # إذا كان قد عرف أصل هذا. فقوله: (إذا قمتم إلى الصلوة فاعسلوا) وقوله: ~~(وإن كنتم جثبا فاطهروا) فالآية ليس ms0170 فيها إلا أن اللامس إذا لم يجد الماء يتيمم. ~~فكيف يكون هذا من الحدث الأصغر ? يأمر من مس المرأة أن يتيمم، وهو لم يأمره أن ~~يتوضأ. فكيف يأمر بالتيمم من لم يأمره بالوضوء? وهو إنما أمر بالتيمم من أمره ~~بالوضوء والاغتسال. ونظير هذا يطول. ومن تدبر الآية قطع بأن هذا هو المراد. # ودلت الآية على أن المسافر: يجامع أهله، وإن لم يجد الماء، ولا يكره له ~~ذلك كما قاله الله في الآية. وكما دلت عليه الأحاديث. حديث أبي ذر وغيره. # وقوله: (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجودكم وأيد يكم منه ما يربيد الله ليجعل ~~عيكم من حرع ولكن ريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) ليل على ~~أن التيمم مطهر كالماء سواء. # وكذلك ثبت في صحيح السنة، أن النبيصلى الله عليه وسلم ال : «الصعيد الطيب طهور ~~المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ذلك ~~خير» رواه الترمذي وصححه ورواه أبو داود والنسائي. # وفي الصحيح عنه: قال : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. # وهو صلىا الله ليه وسلم جعل التراب طهورا في طهارة الحدث وطهارة الجنب. كما قال ~~في حديث أبي سعيد: إذا أتى أحدكم المسجد فليقلب نعليه فلينظر فيهما، فإن كان ~~بهما أذى - أو خبث - فليدلكهما بالتراب. فإن التراب لهما طهور وقال في حديث ~~أم سلمة: «ذيل المرأة يطهره ما بعده»(4) . # فدل على أن التيمم مطهر، يجعل صاحبه طاهرا، كما يجعل الماء مستعمله في PageV01P163 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0164.png) ~~الطهارة طاهرآ، إن لم يكن جنبا ولا محدثا. فمن قال : إن المتيمم جنب أو محدث، ~~فقد خالف الكتاب والسنة. بل هو متطهر. # وقوله في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه: أصليت بأصحابك وأنت ~~جنب? 1) استفهام. أي هل فعلت ذلك? فأخبره عمرو رضي الله عنه، أنه لم يفعله ~~بل تيمم لخوفه، أن يقتله البرد. فسك صلى الله عليه وسلم عنه، وضحك ولم يقل شيئا. # فإن قيل : إن هذا إنكار عليه : أنه صلى مع الجنابة. فإنه يدل على أن الصلاة مع ms0171 ~~الجنابة لا تجوز. فإ صلى الله عليه وسلم م ينكر ما هو منكر، فلما أخبره : أنه صلى بالتيمم. دل ~~على أنه لم يصل وهو جنب. # فالحديث حجة على من احتج به، وجعل المتيمم جنبا ومحدثا. والله يقول: ~~(وإن كنيم جثبا فاطهروا) فلم يجز الله له الصلاة حتى يتطهر. والمتيمم قد تطهر ~~بنص الكتاب والسنة. فكيف يكون جنبا غير متطهر? لكنها طهارة بدل. فإذا قدر على ~~الماء بطلت هذه الطهارة وتطهر بالماء حينئذ. لأن البول المتقدم جعله محدثا. ~~والصعيد جعله مطهرا، إلى أن يجد الماء. فإن وجد الماء فهو محدث بالسبب المتقدم ~~لا أن الحدث كان مستمرا. # ثم من قال : التيمم مبيح لا رافع، فإن نزاعه لفظي . فإنه إن قال: إنه يبيح ~~الصلاة مع الجنابة والحدث، وإنه ليس بطهور، فهو يخالف النصوص. والجنابة ~~محرمة للصلاة . فيمتنع أن يجتمع المبيح والمحرم على سبيل التمام. فإن ذلك يقتضي ~~اجتماع الضدين . والمتيمم غير ممنوع من الصلاة. فالمنع ارتفع بالاتفاق، وحكم ~~الجنابة المنع . فإذا قيل بوجوده، بدون مقتضاها - وهو المنع - فهذا نزاع لفظي. # وفي الآية على أن المتخلي لا يجب عليه غسل فرجه بالماء، إنما يجب الماء ~~في طهارة الحدث بسبيله. على أن إزالة النجو والخبث لا يتعين لها الماء، فإنه على ~~ذلك تدل النصوص؛ إذ كان النبي صل الله عليه وسلم ر فيها تارة بالماء، وتارة بغير الماء، كما قد ~~بسط في مواضع. # إذ المقصود هنا : التنبيه على ما دلت عليه الآية. فإن قوله : ( أو جاء أحد منكم ~~من الغابط أو لامسهم النساء فلم تجدواماء فتيمموا) ن في أنه عند عدم الماء يصلي وإن ~~تغوط . بلا غسل . PageV01P164 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0165.png) # .... # ب ~~يه ح ه ري ~~ت. ~~س يته هر ~~س تته صه سرت ويه سرحي حي ~~.ته سصه ه # ر ته PageV01P165 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0166.png) # فإن الأنف والفم لو لم يكونا من الوجه لما وجب غسلهما. ولهذا خرج ~~الأصحاب : أنهما من الوجه. كما قال الخرقي وغيره لوالفم والأنف من الوجه ولأن ~~لنبي صلى الله عليه وسلم كان ms0172 يستفتح بهما غسل الوجه . يبدأ بغسل ما بطن منه. وقدم المضمضة، ~~لأن الفم أقرب إلى الظاهر من الأنف. ولهذا كان الأمر به أوكد. وجاءت الأحاديث ~~الصحيحة بالأمر به . ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم عسل سائر الوجه. # فإذا قيل بوجوبهما مع النزاع، فهما كسائر ما نوزع فيه . مثل البياض الذي بين ~~العذار والأذن، فمالك وغيره يقول: ليس من الوجه. وفي النزعتين والتحذيف ثلاثة ~~أوجه. # قيل : هما من الرأس . وقيل : من الوجه. # والصحيح : أن النزعتين من الرأس، والتحذيف من الوجه. فلو نسي ذلك فهو ~~كما لو نسي المضمضة والاستنشاق. # فتسوية أبي الخطاب أقوى. # وعلى هذا : فأحمد إنما نص على من ترك ذلك ناسيا. ولهذا قيل له : نسي ~~المضمضة وحدها ? فقال : الاستنشاق عندي أوكد . يعني إذا نسي ذلك وصلى. قال: ~~يغسلهما، ويعيد الصلاة، والإعادة إذا ترك الاستنشاق عنده أوكد، للأمر به في ~~الأحاديث الصحيحة . وكذلك الحديث المرفوع، فإن جميع من نقل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبروا : أنه بدأ بهما. # وهذا حكى فعلا واحدا. فلا يمكن الجزم بأنه كان متعمدا. # وحينئذ فليس في تأخيرهما عمدا سنة، بل السنة في النسيان. فإن النسيان ~~متيقن . فإن الظاهر، أنه كان ناسيا إذا قدر الشك. فإذا جاز مع التعمد، فمع النسيان ~~أولى . فالناسي معذور بكل حال . بخلاف المتعمد. وهو القول الثالث. وهو الفرق ~~بين المتعمد لتنكيس الوضوء وبين المعذور بنسيان أو جهل. وهو أرجح الأقوال. ~~وعليه يدل كلام الصحابة، وجمهور العلماء. # وهو الموافق لأصول المذهب في غير هذا الموضع. وهو المنصوص عن أحمد ~~في الصورة التي خرج منها أبو الخطاب. # فمن ذلك : إذا أخل بالترتيب بين الذبح والحلق. فإن الجاهل يعذر بلا خلاف ~~في المذهب. وأما العالم المتعمد: فعنه روايتان، والسنة إنما جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~كان يسأل عن ذلك? فيقول : افعل، ولا حرج لأنهم قدموا وأخروا بلا علم. لم PageV01P166 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0167.png) ~~يتعمدوا المخالفة للسنة. وإلا فالقرآن قد جاء بالترتيب لقوله : (ولا تحلقوا ره وسكز حت ببلغ ~~المدك عله) وقال النبي ms0173 صلى الله عليه وسلم: إني قلدت هديي، ولبدت رأسي، ~~فلا أحل وأحلق حتى أنحر. # وقوله: (ثم ليقضوا تفنهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العميق) ~~أدل على الترتيب من قوله : (إن الصمفا والمروة من شعابر الله). # لكن يقال: قد فرقوا بأن هذه عبادة واحدة مرتبط بعضها ببعض وتلك عبادات، ~~كالحج والعمرة والصلاة والزكاة. # وهكذا فرق أبو بكر عبد العزيز بين الوضوء وغيره. فقال : ذاك كله من الحج: ~~الدماء والذبح والحلق والطواف. والحج عبادة واحدة . ولهذا متى وطئ قبل التحلل ~~الأول فسد الحج عند الجهور. وهل يحصل كالدم وحده، أو كالدم والحلق? على ~~روايتين. # ومنها: إذا نسي بعض آيات السورة في قيام رمضان، فإنه لا يعيدها، ولا يعيد ~~ما بعدها، مع أنه لو تعمد تنكيس آيات السورة وقراءة المؤخر قبل المقدم: لم يجز ~~بالاتفاق، وإنما النزاع في ترتيب السور. نص على ذلك أحمد. وحكاه عن أهل مكة. ~~سئل عن الإمام في شهر رمضان يدع الآيات من السورة، ترى لمن خلفه أن يقرأها? ~~قال: نعم. ينبغي له أن يفعل. قد كانوا بمكة يوكلون رجلا يكتب ما ترك الإمام من ~~الحروف وغيرها. فإذا كان ليلة الختمة أعاده. # قال الأصحاب - كأبي محمد - وإنما استحب ذلك لتتم الختمة . ويكمل الثواب. # فقد جعل أهل مكة وأحمد وأصحابه إعادة المنسي من الآيات وحده بكمل ~~الختمة والثواب، وإن كان قد أخل بالترتيب هنا. فإنه لم يقرأ تمام السورة. وهذا ~~مأثور عن علي رضي الله عنه : أنه نسي آية من سورة. ثم في أثناء القراءة : قرأها؛ ~~وعاد إلى موضعه ولم يشعر أحد أنه نسي إلا من كان حافظا. # فهكذا من ترك غسل عضو أو بعضه نسيانا يغسله وحده؛ ولا يعيد غسل ~~ما بعده؛ فيكون قد غسله مرتين. فإن هذا لا حاجة إليه. # وهذا التفصيل يوافق ما نقل عن الصحابة والأكثرين؛ فإن الأصحاب وغيرهم ~~فعلوا كما نقله ابن المنذر عن علي، ومكحول والنخعي، والزهري والأوزاعي، فيمن ~~نسي مسح رأسه، فراى في لحيته بللا. فمسح به رأسه. فلم يأمروه بإعادة غسل ~~رجليه. واختاره ms0174 ابن المنذر. PageV01P167 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0168.png) ~~وقد نقل عن علي، وابن مسعود : ما أبالي بأي أعضائي بدأت قال أحمد: ~~إنما عنى به اليسرى على اليمنى ؛ لأن مخرجهما من الكتاب واحد. ~~ثم قال أحمد : حدثني جرير عن قابوس عن أبيه لأن عليا سئل فقيل له : أحدنا ~~يستعجل، فيغسل شيئا قبل شيء? فقال : لا . حتى يكون كما أمره الله تعالى فهذا ~~الذي ذكره أحمد عن علي يدل على وجوب الترتيب. ~~وما نقله ابن المنذر في صورة النسيان: يدل على أن الترتيب يسقط مع النسيان، ~~ويعيد المنسي فقط . ~~فدل على أن التفصيل قول علي رضي الله عنه. ~~وقد ذكر من أسقطه مطلقا: ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ~~ل1 لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك». ~~لكن قال أحمد وغيره: لا نعرف لهذا أصلا؛ ونقلوا في الوجوب عن سعيد بن ~~المسيب وعطاء والحسن. وهؤلاء أئمة التابعين. ~~وصورة النسيان مرادة قطعا. فتبين أنها قول جمهور السلف، أو جميعهم. ~~والأمر المنكر : أن تتعمد تنكيس الوضوء. فلا ريب أن هذا مخالف لظاهر ~~الكتاب، مخالف للسنة المتواترة. فإن هذا لو كان جائزا لكان قد وقع أحيانا، أو تبين ~~جوازه - كما في ترتيب التسبيح - لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : أفضل الكلام - بعد القرآن - ~~اربع. وهن من القرآن : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ~~لا يضرك بأيتهن بدأت»41. ~~ومما يدل على ذلك شرعا ومذهبا : أن من نسي صلاة صلاها إذا ذكرها بالنص. ~~وقد سقط الترتيب هنا في مذهب أحمد بلا خلاف. ومذهب أبي حنيفة وغيره. ~~ولكن حكي عن مالك : أنه لا يسقط. وقاسوا ذلك على ترتيب الطهارة. ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها نص في ~~أنه يصليها في أي وقت ذكر. وليس عليه غير ذلك. ~~وقد سلم الأصحاب: أن ترتيب الجمع لا يسقط بالنسيان. ~~وعموم الحديث يدل على سقوطه. فلو كانت المنسية هي الأولى من صلاتي ~~الجمع : أعادها وحدها بموجب النص. ومن ms0175 أوجب إعادة الثانية فقد خالف. ~~وكذلك يقال في سائر أهل الأعذار، كالمسبوق إذا أدركهم في الثانية: صلاها PageV01P168 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0169.png) ~~معهم، ثم صلى الأولى. كما لو أدرك بعض الصلاة. وليس ترتيب صلاته على أول ~~الصلاة بأعظم من ترتيب آخر الصلاة على أولها. # وإذا كان هكذا سقط ما أدرك، ويقضي ما سقط؛ فهذا في الصلاتين أولى؛ ~~لا سيما وهو إذا لم يدرك من المغرب إلا تشهدا تشهد ثلاث تشهدات، كما في ~~حديث ابن مسعود المشهور في قصة مسروق وحديثه . # وهذا أصل ثابت بالنص والإجماع، يعتبر به نظائره؛ وهو سقوط الترتيب عن ~~المسبوق. # وكانوا في أول الإسلام لا يرتبون. فيصلون ما فاتهم، ثم يصلون مع الإمام. ~~لكن نسخ ذلك. وقد روي أن أول من فعله معاذ. فقال الني صلى الله عليه وسلم،: قد سن لكم معاذ ~~فاتبعوه . # والأئمة الأربعة : على أنه يقرأ في ركعتي القضاء بالحمد وسورة. # وكذلك لو أدرك الإمام ساجدا سجد معه بالنص واتفاق الأئمة. # فقد سجد قبل القيام لمتابعة الإمام وإن لم يعتد به. لكنه لو فعل هذا عمدا لم ~~يجز. فلو كبر وسجد ثم قام: لم تصح صلاته. # لكن هذا يستدل به على أن الركعة الواحدة يجب فيها الترتيب . فإن هذا السجود ~~- ولو ضم إليه بعد السلام ركوعا مجردا - لم يصر ذلك ركعة. بل عليه أن يأتي بركعة ~~بعدها سجدتان، لأنه أخل بالترتيب والموالاة. # فكذلك إذا نسي الركوع حتى تشهد وسلم. ففيه قولان في المذهب: هل تبطل ~~صلاته? والمنصوص إن لم يطل الفصل بنى على ما مضى، وهو قول الشافعي ~~رحمه الله وغيره. # وذهبت طائفة من العلماء إلى سقوط الموالاة والترتيب في الصلاة مع النسيان. ~~فقال مكحول، ومحمد بن أسلم - في المصلي: ينسى سجدة أو ركعة - يصليها متى ~~ما ذكرها. ويسجد للسهو. وقال الأوزاعي - لرجل نسي سجدة من صلاة الظهر، ~~فذكرها في صلاة العصر - يمضي في صلاته. فإذا فرغ سجد. # ويدل على هذا القول: أحاديث سجود السهو. فإنها تدل على أنه يتم الصلاة، ~~ثم يسجد للسهو، ولو مع طول ms0176 الفصل. # واما المسبوق: فالسجود الذي فعله مع الإمام: كان لمتابعة الإمام . ولهذا قال PageV01P169 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0170.png) ~~النبي صلى الله عليه وسل ابي بكرة : (زادك الله حرصا؛ ولا تعد وهو متمكن من أن يأتي ~~بالركعة بعد السلام فلا عذر له حتى وإذا نسي ركنا من الأولى حتى شرع في ~~الثانية . ففيها قولان. # مالك وأحمد لا يقولان بالتلفيق . بل تلغو المنسي ركنها. وتقوم هذه مقامها. ~~ولكن هل يكون ذلك بالقراءة أو بالركوع? فيه نزاع. # والشافعي يقول : ما فعله بعد الركوع المنسي، فهو لغو. لأن فعله في غير محله ~~لا أن يفعل نظيره في الثانية . فيكون هو تمام الأول كما لو سلم من الصلاة، ثم ذكر. ~~فإن السلام يقع لغوا. # فأحمد ومالك يقولان : هو إنما يقصد بما فعله أن يكون من الركعة الثانية. لم ~~يقصد أن يكون من الأولى، وهو إذا قرأ أو ركع في الركعة الثانية : أمكن أن يجعلها ~~هي الأولى . فإن الترتيب بين الركعات يسقط بالعذر ؛ فلا وجه لإبطال هذه، ~~ولا يكون فاعلا له في غير محله، إلا إذا جعلت هذه ثانية. فإذا جعلت الأولى، كان ~~قد فعله في محله. # وإذا قيل : هو قصد الثانية قبل، وقصد بالسجود فيها السجود في الثانية ~~لرعاية ترتيبه في أبعاض الركعة بأن لا يجعل بعضها في ركعة غيرها أولى من ~~رعايتها في الركعتين . فإن جعل الأولى ثانية يجوز للعذر، كما في المسبوق. وأما ~~جعل سجود الثانية تماما للأولى، فلا نظير له في الشرع. وبسط هذا له مكان ~~آخر . # والمقصود هنا: سقوط الترتيب في الوضوء بالنسيان، وكذلك سقوط الموالاة ~~كما هو قول مالك. وكذلك بغير النسيان من الأعذار، مثل بعد الماء. كما نقل عن ~~ابن عمر. فإن الصلاة نفسها إذا جاز فيها عدم الموالاة للعذر؛ فالوضوء أولى؛ بدليل ~~صلاة الخوف في حديث ابن عمر، وأحاديث سجود السهو. # وأما حديث صاحب اللمعة، التي كانت في ظهر قدمه، فمثل هذا لا ينسى. ~~فدل أنه تركها تفريطا. # والموالاة في غسل الجنابة: لا تجب، للحديث الذي فيه أنه لرأى في بدنه ms0177 ~~موضعا لم يصبه الماء، فعصر عليه شعره PageV01P170 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0171.png) # والأصحاب فرقوا بينه وبين الوضوء، فإنه لا يجب ترتيبه، فكذلك الموالاة. ~~ومالك يوجب الموالاة، وإن لم يوجب الترتيب في الوضوء. # وأما في الغسل: فالبدن كعضو واحد. والعضو الواحد لا ترتيب فيه بالاتفاق، ~~وأما تعمد تفريق الغسل، فهو كتعمد تفريق غسل العضو الواحد. لكن فرق بينهما؛ ~~فإن غسل الجنابة كإزالة النجاسة، لا يتعدى حكم الماء محله؛ بخلاف الوضوء، فإن ~~حكمه طهارة جميع البدن، والمغسول أربعة أعضاء. وهذا محل نظر. والجنب إذا ~~وجد بعض ما يكفيه استعمله. وأما المتوضئ: ففيه قولان للأصحاب. ومن جوز ~~ذلك جعل الوضوء يتفرق للعذر، وجعل ما غسل يحصل به بعض الطهارة. وكذلك ~~الماسح على الخفين إذا خلعهما. هل يقتصر على مسح الرجلين أو يعيد الوضوء? فيه ~~قولان، هما روايتان. # وقد قيل: إن المأخذ هو الموالاة. وقيل: إن المأخذ أن الوضوء لا ينتقض. ~~فإذا عاد الحدث إلى الرجل عاد إلى جميع الأعضاء وهذا عند العذر؛ فيه نزاع كما ~~تقدم. # وقد يكون الترتيب شرطا لا يسقط بجهل ولا نسيان . كما في الحديث ~~الصحيح : ل من ذبح قبل الصلاة فإنما هو شاة لحم» فالذبح للأضحية : مشروط ~~بالسلاة قبله. وأبو بردة بن نيار رضي الله عنه كان جاهلا. فلم يعذره بالجهل. ~~بل أمره بإعادة الذبح، بخلاف الذين قدموا في الحج : الذبح على الرمي، أو ~~الحلق على ما قبله. فإنه قال : افعل ولا حرج فهاتان سنتان: سنة في ~~الأضحية، إذا ذبحت قبل الصلاة: انها لا تجزى. وسنة في الهدي، إذ ذبح قبل ~~الرمي جهلا: أجزا. # والفرق بينهما - والله أعلم - أن الهدي صار نسكا بسوقه إلى الحرم ~~وتقليده وإشعاره . فقد بلغ محله في المكان والزمان. فإذا قدم جهلا : لم يخرج ~~عن كونه هديا؛ وأما الأضحية؛ فإنها قبل الصلاة لا تتميز عن شاة اللحم، كما ~~قال النبيصى الله عليه وسلم،: من ذبح قبل الصلاة، فإنما هي شاة لحم قدمها لأهله وإنما ~~هي نسك بعد الصلاة . كما قال تعالى : (فصل لبك وآنحر ) وقال : ~~(إن صلاق ونسكى ms0178 ) فصار فعله قبل هذا الوقت، كالصلاة قبل ~~وقتها. PageV01P171 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0172.png) # فهذا وقت الأضحية؛ وقته بعد فعل الصلاة، كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم لك في ~~الأحاديث الصحيحة، وهو قول الجمهور من العلماء : مالك وأبي حنيفة وأحمد بن ~~حنبل، وغيرهم . وإنما قدر وقتها بمقدار الصلاة: الشافعي ومن وافقه من أصحاب ~~أحمد. كالخرقي. # وفي الأضحية: يشترط في أحد القولين أن يذبح بعد الإمام. وهو قول مالك، ~~وأحد القولين في مذهب أحمد. ذكره أبو بكر. والحجة فيه: حديث جابر في ~~الصحيح. # وقد قيل : إن قوله : (لا تقدموا بين يدى الله ورسوله) نزلت في ~~ذلك وكذلك في الإفاضة من عرفة قبل الإمام قولان في مذهب أحمد: يجب فيه دم. ~~فهذا عند من يوجبه بمنزلة اتباع المأموم الإمام في الصلاة. # وما ذكره من نصه على قراءة ما نسي: يدل على أن الترتيب يسقط بالنسيان في ~~القراءة. وقد ذكر أحمد وأصحابه: إن موالاة الفاتحة واجبة، وإذا تركها لعذر نسيان، ~~قالوا - واللفظ لأبي محمد - وإن كثر ذلك - أي الفصل - استأنف قراءتها إلا أن يكون ~~المسكوت مأمورا به، كالمأموم يشرع في قراءة الفاتحة ثم يسمع قراءة الإمام فينصت ~~له. ثم إذا سكت الإمام : أتم قراءتها وأجزأته . أومأ إليه أحمد. وكذلك إن كان ~~السكوت نسيانا أو نوبا، أو لانتقاله إلى غيرها غلطا، لم تبطل، فإذا ذكر أتى بما بقي ~~منها. فإن تمادى فيما هو فيه - بعد ذكرها - أبطلها. ولزمه استئنافها. قال وإن قدم آية ~~منها في غير موضعها : أبطلها. وإن كان غلطا. رجع إلى موضع الغلط فأتمها. # فلم يسقطوا الترتيب بالعذر، كما أسقطوا الموالاة. فإن الموالاة أخف. فإنه لو ~~قرأ بعض سورة اليوم وبعضها غدا: جاز. ولو نكسها: لم يجز. # ويفرق في الترتيب بين الكلام المستقل الذي إذا أتى به وحده كان مما يسوغ ~~تلاوته، وبين ما هو مرتبط بغيره. فلو قال: ( صراط الذين أنعمت عليهم) ~~الفاتحة : 2 لم يكن هذا كلاما مفيدا حتى يقول : (أهدنا الصراط المستقيم صراط ~~لذين أنعمت عليهم) ولو قال : (إياك نعبد وإياك نستعين) ms0179 ثم ~~قال : ( الحمد لله ربب العالمينء الرحمان الرحيم)، كان مفيدا . لكن ~~مثل هذا لا يقع فيه أحد. ولا يبتدى أحد الفاتحة بمثل ذلك، لا عمدا ولا غلطا. ~~وانما يقع الغلط فيما يحتاج فيه إلى الترتيب فهذا فرق بين ما ذكروه فيما ينسى من ~~الفاتحة وما ينسى من الختمة. PageV01P172 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0173.png) # ومما يبين أن الترتيب يسقط إذا احتاج إلى التكرار بلا تفريط من الإنسان : أن ~~التيمم يجزئ بضربة واحدة، كما دل عليه الحديث الصحيح - حديث عمار بن ياسر ~~رضي الله عنهما - وهو مذهب أحمد بلا خلاف. وهو في الصحيحين من حديث ~~أبي موسى(1) . ومن حديث ابن أبزى2 # ففي حديث ابن أبزى : «إنما كان يكفيك هكذا. فضرب بكفيه الأرض ونفخ ~~فيهما. ثم مسح بهما وجهه وكفيه وكذلك لمسلم في حديث أبي موسى : إنما كان ~~يكفيك أن تقول هكذا. وضرب بيديه إلى الأرض. فنفض يديه. فمسح وجهه وكفيه ~~وللبخاري ل ومسح وجهه وكفيه مرة واحدة. # وقد اختلف الأصحاب في هذه الصفة. # فقيل: يرتب. فيمسح وجهه ببطون أصابعه، وظاهر يديه براحته . # وقيل: لا يجب ذلك . بل يمسح بها وجهه وظاهر كفيه. # وعلى الوجهين : لا يؤخر مسح الراحتين إلى ما بعد الوجه . بل يمسحهما : إما ~~قبل الوجه. وإما مع الوجه، وظهور الكفين. ولهذا قال ابن عقيل : رأيت التيمم ~~بضربة واحدة قد أسقط ترتيبا مستحقا في الوضوء. وهو أنه بعد أن مسح باطن يديه ~~مسح وجهه. # وفي الصحيحين من حديث عمار بن ياسر من طريق أبي موسى ~~رضي الله عنهما، قال: لإنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا. ثم ضرب بيديه الأرض ~~ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه» لفظ البخاري ~~لاوضرب بكفيه ضربة على الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله - أو ~~ظهر شماله بكفه - ثم مسح بهما وجهه3 . # وهذا صريح في أنه لم يمسح الراحتين بعد الوجه. ولا يختلف مذهب أحمد: ~~أن ذلك لا يجب. وأما ظهور الكفين: فرواية البخاري صريحة في «أنه مر على ظهر ~~الكف قبل الوجه» وقوله ms0180 في الرواية الأخرى: «وظاهر كفيه» يدل على أنه مسح ظاهر ~~كل منهما براحة اليد الأخرى . وقال فيها : «ثآم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ~~قبل الوجه. PageV01P173 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0174.png) # وقال أبو محمد : فرض الراحتين سقط بإمرار كل واحدة على ظهر الكف. ~~وهذا إنما يوجب سقوط فرض باطن الراحة. وأما باطن الأصابع، فعلى ما ذكره سقط ~~مع الوجه . # وعلى كل حال : فباطن اليدين يصيبهما التراب حين يضرب بهما الأرض، ~~وحين يمسح بهما الوجه، وظهر الكفين. وإن مسح إحداهما بالأخرى، فهو ثلاث ~~مرات . # ولو كان الترتيب واجبا لوجب أن يمسح باطنهما بعد الوجه. وهذا لا يمكن مع ~~القول بضربة واحدة . ولو فعل ذلك للزم تكرار مسحهما مرة بعد مرة. فسقط لذلك. ~~فإن التيمم لا يشرع فيه التكرار، بخلاف الوضوء. فإنه - وإن غسل يديه ابتداء، وأخذ ~~بهما الماء لوجهه فهو - بعد الوجه يغسلهما إلى المرفقين. وهو يأخذ الماء بهما. ~~فيتكرر غسلهما ؛ لأن الوضوء يستحب فيه التكرار في الجملة. لأنه طهارة بالماء؛ ~~ولكن لو لم يغسل كفيه بعد غسل الوجه فهو محل نظر، فإنه يغرف بهما الماء، وقد ~~قالوا: إذا نوى الاغتراف لم يصر الماء مستعملا. وإن نوى غسلهما فيه : صار ~~مستعملا . وإن لم ينو شيئا ففيه وجهان. # والصحيح : أنه لا يصير مستعملا، وإن نوى غسلهما فيه؛ لمجيء السنة بذلك، ~~وهذا يقتضي أن غسلهما بنية الاغتراف لا تحصل به طهارتهما بل لا بد من غسل ~~آخر. # والأقوى: أن هذا لا يجب، بل غسلهما بنية الاغتراف يجزئ عن تكرار ~~غسلهما، كما في التيمم. # وأيضا فإنه يغسل ذراعيه بيديه؛ فيكون هذا غسلا لباطن اليد. # ولو قيل : بل بقي غسلهما ابتداء، ومع الوجه يسقط فرضهما، كما قيل مثل ~~ذلك في التيمم، لكان متوجها. فإنه قال في الوضوء: (فاغسلوا وجومكم وأيد يكم إلى ~~البرافق ) كما قال في التيمم: (فأمسحوا بجهكم وأيد يكم منة) ~~[المائدة : 6] ففي الوضوء أخر ذكر اليد. # لكن الرواية التي انفرد بها البخاري: تبين أنه مسح ظهر الكفين قبل الوجه. ~~وسائر الروايات مجملة، تقتضي أنه لما مسح ms0181 لم يمسح الراحتين بعد الوجه، فكذلك ~~ظهر الكفين، بل مسح ظهرهما مع بطنهما؛ لأن مسحهما جملة أقرب إلى الترتيب. ~~فإن مسح العضو الواحد بعضه مع بعض أولى من تفريق ذلك. # وأيضا : فتكون الراحتان ممسوحتين مع ظهر الكف. والاعتداد بذلك أولى من ~~الاعتداد بمسحهما مع الوجه. PageV01P174 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0175.png) PageV01P175 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0176.png) ~~استطعتم) . وقال تعالى : (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ~~286]. (لا تكلف نفس إلا وسعها). وقال - لما ذكر آية الطهارة - : (ما ~~يربيد الله ليجعل عليكم من حرح ولاكن يريد ليطهركم) لا ئدة:. وقد روي ~~في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أ قال : إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم»1 # فالمريض يصلي على حسب حاله. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عمران بن حصين: ~~لصل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب. وسقط عنه ~~ما يعجز عنه من قيام، وقعود، أو تكميل الركوع والسجود. ويفعل ما يقدر عليه. ~~فإن قدر على الطهارة بالماء تطهر، وإذا عجز عن ذلك لعدم الماء، أو خوف الضرر ~~باستعماله تيمم. وصلى ولا إعادة عليه، لما يتركه من القيام والقعود باتفاق العلماء، ~~وكذلك لا إعادة إذا صلى بالتيمم باتفاقهم، ولو كان في بدنه نجاسة لا يمكنه إزالتها ~~صلى بها ولا إعادة عليه أيضا عند عامة العلماء. # ولو لم يجد إلا ثوبا نجسا فقيل يصلي عريانا، وقيل يصلي ويعيد، وقيل يصلي ~~في الثوب النجس ولا يعيد، وهو أصح أقوال العلماء. # وكذلك المسافر إذا لم يقدر على استعمال الماء صلى بالتيمم. وقيل: يعيد في ~~الحضر، وقيل : يعيد في السفر، وقيل : لا إعادة عليه لا في الحضر ولا في السفر. ~~وهو أصح أقوال العلماء. فالصحيح من أقوالهم أنه لا إعادة على أحد فعل ما أمر به ~~بحسب الاستطاعة، وإنما يعيد من ترك واجبا يقدر عليه . مثل من تركه لنسيانه، أو ~~نومه . كما قال النبي صلى الله علي وسلم : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها ~~إلا ms0182 ذلك»3 وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من توضأ وترك لمعة لم يصبها الماء من قدمه يعيد ~~الوضوء والصلاة. # وما ترك لجهله بالواجب، مثل من كان يصلي بلا طمانينة، ولا يعلم أنها ~~واجبة، فهذا قد اختلفوا فيه : هل عليه الإعادة بعد خروج الوقت أو لا? على قولين ~~معروفين. وهما قولان في مذهب أحمد وغيره، والصحيح أن مثل هذا لا إعادة عليه؛ ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم د ثبت عنه في الصحيح أنه قال للأعرابي المسيء في صلاته : اذهب ~~فصل فإنك لم تصل - مرتين أو ثلاثا - فقال : والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا؛ ~~فعلمني ما يجزيني في صلاتي. فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلملاة بالطمأنينة، ولم يأمره PageV01P176 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0177.png) ~~بإعادة ما مضى قبل ذلك الوقت، مع قوله : والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا؛ ~~ولكن أمره أن يعيد تلك الصلاة؛ لأن وقتها باق. فهو مأمور بها أن يصليها في وقتها، ~~وأما ما خرج وقته من الصلاة فلم يأمره بإعادته مع كونه قد ترك بعض واجباته، لأنه ~~لم يكن يعرف وجوب ذلك عليه. # وكذلك لم يأمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يقضي ما تركه من ~~الصلاة؛ لأجل الجنابة. لأنه لم يكن يعرف أنه يجوز الصلاة بالتيمم. # وكذلك المستحاضة قالت له : إني أستحاض حيضة شديدة منكرة تمنعني الصوم ~~والصلاة فأمرها أن تتوضأ لكل صلاة، ولم يأمرها بقضاء ما تركته. # وكذلك الذين أكلوا في رمضان حتى تبين لأحدهم الحبال البيض من الحبال ~~السود، أكلوا بعد طوع الفجر ولم يأمرهم بالإعادة، فهؤلاء كانوا جهالا بالوجوب ~~فلم يأمرهم بقضاء ما تركوه في حال الجهل، كما لا يؤمر الكافر بقضاء ما تركه في ~~حال كفره وجاهليته؛ بخلاف من كان قد علم الوجوب، وترك الواجب نسيانا. فهذا ~~أمره به إذا ذكره. # وأمر النائم من حين يستيقظ، فإنه حين النوم لم يكن مأمورا بالصلاة، فلهذا كان ~~النائم إذا استيقظ قرب طلوع الشمس يتوضأ ويغتسل، وإن طلعت الشمس عند جمهور ~~العلماء: كالشافعي وأحمد وأبي ms0183 حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك؛ بخلاف من كان ~~مستيقظا والوقت واسع، مثل الذي يكون نائما في بستان أو قرية والماء بارد يضره ~~والحمام بعيد منه إن خرج إليه ذهب الوقت، فإنه يتيمم ويصلي في الوقت، ولا يؤخر ~~الصلاة بعد خروج الوقت. # وكذلك لو كان في المصر وقد تعذر عليه دخول الحمام. إما لكونه لم يفتح، أو ~~لبعدها عنه، أو لكونه ليس معه ما يعطي الحمامي أجرته ونحو ذلك؛ فإنه يصلي ~~بالتيمم لأن الصلاة بالتيمم فرض إذا عجز عن الماء لعدم، أو لخوف الضرر ~~باستعماله، ولا إعادة على أحد من هؤلاء، ففي كثير من الضرر لا إعادة عليه باتفاق ~~المسلمين: كالمريض والمسافر. وبعض الضرر تنازع فيه العلماء. والصحيح أنه ~~لا إعادة على أحد صلى بحسب استطاعته كما أمر. # فمن صور النزاع من عدم الماء في الحضر، ومن تيمم لخشية البرد. وكذلك ~~سائر من ترك واجبا لعذر نادر غير متصل، فإنه تجب عليه الإعادة عند الشافعي وأحمد ~~في إحدى الروايتين، ولا تجب عليه الإعادة عند مالك، وأكثر العلماء، وأحمد في ~~إحدى الروايتين عنه. # وإذا فؤت الصلاة حتى خرج الوقت بأن يؤخر صلاة الليل إلى النهار. والنهار PageV01P177 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0178.png) ~~إلى الليل، فإنه يأثم بذلك . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : من فاتته صلاة ~~العصر فكأنما وتر أهله وماله وقد جوز بعض العلماء تأخير الصلاة في بعض ~~الأوقات كحال المسايفة . كقول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. # والذي عليه أكثر العلماء أنه لا يجوز تأخير الصلاة بحال، وهو قول مالك ~~والشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، لكن يجوز الجمع بين الصلاتين لعذر عند أكثر ~~العلماء . كما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بمزدلفة، ~~والجمع في هذين الموضعين ثابت بالسنة المتواترة، واتفاق العلماء. وكذلك ثبت في ~~الصحيح عن النبي لل صلى الله عليه وسلم أنه كان يجمع في السفر إذا جد به السير، وإنه صلى ~~بالمدينة ثمانيا جمعا الظهر والعصر، وسبعا المغرب والعشاء، أراد بذلك ms0184 أن لا يحرج ~~أمته . لقوله تعالى : (وما جعل عليكم في الدين من حرع). # فلهذا كان مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء كطائفة من أصحاب مالك ~~وغيره : أنه يجوز الجمع بين الصلاتين إذا كان عليه حرج في التفريق، فيجمع بينهما ~~المريض، وهو مذهب مالك وطائفة من أصحاب الشافعي، ويجوز الجمع بين المغرب ~~والعشاء في المطر عند الجمهور : كمالك، والشافعي، وأحمد. وقال أحمد: يجمع ~~ذا كان له شغل . وقال القاضي أبو يعلى : إذا كان له عذر يبيح له ترك الجمعة ~~والجماعة جاز الجمع . # فمذهب فقهاء الحجاز، وفقهاء الحديث: كمالك، والشافعي، وأحمد بن ~~حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وابن المنذر، وغيرهم يجوز الجمع بين ~~الصلاتين في الجملة، ولا يجوز التفويت بأن يؤخر صلاة النهار إلى الليل، وصلاة ~~الليل إلى النهار. # ومذهب طائفة من فقهاء الكوفة كأبي حنيفة وغيره، أنه لا يجوز الجمع إلا ~~بعرفة، ومزدلفة. وكذلك إذا تعذر فعلها في الوقت أخرها عن الوقت، وقول من أمر ~~بالجمع بين الصلاتين من غير تفويت أرجح من قول من أمر بالتفويت، ولم يأمر ~~بالجمع؛ فإن الكتاب والسنة يدلان على أن الله أمر بفعل الصلاة في وقتها، وأمر ~~بالمحافظة عليها: كما قال تعالى : (حالفظواعل الفلوات والقلوة الوسطى وقوموا لله ~~قانتين) هذه نزلت ناسخة لتأخير الصلاة يوم الخندق. وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم .: صلوا الصلاة لوقتها PageV01P178 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0179.png) # وقد دل الكتاب والسنة على أن المواقيت «خمسة في حال الاختيار، وهي: ~~ثلاثة» في حال العذر، ففي حال العذر إذا جمع بين الصلاتين : بين الظهر والعصر، ~~وبين المغرب والعشاء، فإنما صلى الصلاة في وقتها، لم يصل واحدة بعد وقتها؛ ~~ولهذا لم يجب عليه عند أكثر العلماء أن ينوي الجمع، ولا ينوي القصر. وهذا قول ~~مالك وأبي حنيفة وأحمد في نصوصه المعروفة. وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز. # ولهذا كان عند جمهور العلماء : كمالك والشافعي وأحمد إذا طهرت الحائض ~~في آخر النهار صلت الظهر والعصر جميعا، وإذا طهرت في آخر الليل صلت المغرب ~~والعشاء جميعا، كما نقل ذلك ms0185 عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وابن ~~عباس؛ لأن الوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر، فإذا طهرت في آخر النهار ~~فوقت الظهر باق، فتصليها قبل العصر. وإذا طهرت في آخر الليل فوقت المغرب باق ~~في حال العذر؛ فتصليها قبل العشاء. # ولهذا ذكر الله إلمواقيت تارة خمسا، ويذكرها ثلاثا تارة، كقوله: (وأقم آلصلوة ~~طرف النهار وزلفا من اليل) الآية [ود:. وهو وقت المغرب والعشاء. وكذلك قال ~~الله تعالى : (أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرءان الفجر). ~~والدلوك هو الزوال، وغسق الليل هو اجتماع ظلمة الليل، وهذا يكون بعد مغيب الشفق. ~~فأمر الله بالصلاة من الدلوك إلى الغسق، فرض في ذلك الظهر والعصر، والمغرب ~~والعشاء، ودل ذلك على أن هذا كله وقت الصلاة، فمن الدلوك إلى المغرب وقت ~~الصلاة، ومن المغرب إلى غسق الليل وقت الصلاة. وقال : (وقرءآن الفجر) لأن الفجر ~~خصت بطول القراءة فيها، ولهذا جعلت ركعتين في الحضر والسفر، فلا تقصر ولا تجمع ~~إلى غيرها، فإنه عوض بطول القراءة فيها عن كثرة العدد. # وأما التيمم لكل صلاة، ولوقت كل صلاة، ولا يصلي الفرض بالتيمم للنافلة؛ لأن ~~التيمم طهارة ضرورية، والحكم المقدر بالضرورة مقدر بقدرها . فلا يتيمم قبل الوقت، ~~ولا يبقى بعده. وهو مبيح للصلاة لا رافع للحدث؛ لأنه إذا قدر على استعمال الماء ~~استعمله من غير تجدد حدث، فعلم أن الحدث كان باقيا، وإنما أبيح للضرورة فلا يستبيح ~~الا ما نواه. فهذا هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد. # وقيل: بل التيمم يقوم مقام الماء مطلقا، يستبيح به كما يستباح بالماء، ويتيمم قبل ~~الوقت كما يتوضا قبل الوقت، ويبقى بعد الوقت كما تبقى طهارة الماء بعده. وإذا تيمم ~~لنافلة صلى به الفريضة، كما أنه إذا توضا لنافلة صلى به الفريضة . وهذا قول كثير من أهل ~~العلم، وهو مذهب ابي حنيفة واحمد في الرواية الثانية . وقال أحمد : هذا هو القياس. PageV01P179 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0180.png) # وهذا القول هو الصحيح، وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار؛ فإن الله جعل التيمم ~~مطهرا كما جعل ms0186 الماء مطهرا. فقال تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيد يكم ~~مندما يربيد الله ليجعل عليكم من حرج ولاكن يريد ليطهركم)ئ. فأخبر ~~تعالى أنه يريد أن يطهرنا بالتراب، كما يطهرنا بالماء. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أ قال : «فضلنا على الناس بخمس: ~~جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأحلت لنا الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي. ~~وجعلت لي الأرض مسجدا، وطهورا . وفي لفظ : فأيما رجل أدركته الصلاة من ~~أمتي فعنده مسجده وطهوره، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة. وبعثت إلى الناس ~~عامة وفي صحيح مسلم عن حذيفةل اله صلى الله عليه وسلم ال : فضلنا على الناس بثلاث: ~~جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدا، وترتبها لنا ~~طهورا»2) . # فقد بي صلى الله عليه وسلم أن الله جعل الأرض لأمته طهورا، كما جعل الماء طهورا. # وعن أبي ذر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم، . الصعيد الطيب طهور المسلم، ولو لم يجد ~~الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فامسسه بشرتك فإن ذلك خير قال الترمذي ~~حديث حسن صحيح . فأخبر أن الله جعل الصعيد الطيب طهور المسلم، ولو لم يجد ~~الماء عشر سنين. # فمن قال : إن التراب لا يطهر من الحدث فقد خالف الكتاب والسنة. وإذا كان ~~مطهرا من الحدث امتنع أن يكون الحدث باقيا، مع أن الله طهر المسلمين بالتيمم من ~~الحدث، فالتيمم رافع للحدث، مطهر لصاحبه، لكن رفع مؤقت إلى أن يقدر على ~~استعمال الماء، فإنه بدل عن الماء، فهو مطهر ما دام الماء متعذرا، كما أن الملتقط ~~يملك اللقطة ما دام لم يأته صاحبها، وكان ملك صاحبها ملكا موقتا إلى ظهور ~~المالك، فإنه كان بدلا عن المالك، فإذا جاء صاحبها خرجت عن ملك الملتقط إلى ~~ملك صاحبها. وما ثبت بنص أو إجماع لا يطلب له نظير يقاس به، وإنما يطلب ~~النظير لما لا نعلمه إلا بالقياس والاعتبار. فيحتاج أن نعتبره بنظير، وأما ما شرعه الله ~~ورسوله فعلينا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا، ولا نطلب لذلك ms0187 نظيرا، مع أن الاعتبار ~~يوافق النص . كما قال أحمد : القياس أن تجعل التراب كالماء. # وعلى هذا القول الصحيح يتيمم قبل الوقت إن شاء، ويصلي ما لم يحدث، أو ~~يقدر على استعمال الماء، وإذا تيمم لنفل صلى به فريضة، ويجمع بالتيمم الواحد بين ~~فرضين، ويقضي به الفائت. PageV01P180 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0181.png) ~~وأصحاب القول الآخر احتجوا بآثار منقولة عن بعض الصحابة وهي ضعيفة ~~بقدر الحاجة. قيل له: نع ا والانسان محتاج أن لا يزال على طهارة، فيتطهر قبل ~~الوقت؛ فإنه محتاج إلى زيادة الثواب؛ ولهذا يصلي النافلة بالتيمم باتفاق المسلمين، ~~وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أ تيمم لرد السلام في الحضر، وقال : لإني ~~كرهت أن أذكر الله إلا على طهر فدل على أن التيمم يكون مستحبا تارة، وواجب ~~أخرى. أي يتيمم في وقت لا يكون التيمم واجبا عليه أن يتيمم، وإن كان شرطا ~~للصلاة والتيمم قبل الوقت مستحب، كما أن الوضوء قبل الوقت مستحب. # وأصح أقوال العلماء أنه يتيمم لكل ما يخاف فوته، كالجنازة، وصلاة العيد، ~~وغيرهما مما يخاف فوته، فإن الصلاة بالتيمم خير من تفويت الصلاة، كما أن صلاة ~~التطوع بالتيمم خير من تفويته، ولهذا يتيمم للتطوع من كان له ورد في الليل يصليه ~~وقد أصابته جنابة، والماء بارد يضره، فإذا تيمم وصلى التطوع، وقرأ القرآن بالتيمم ~~كان خيرا من تفويت ذلك. # فقول القائل: إنه حكم مقيد بالضرورة. فيقدر بقدرها. إن أراد به أن لا يفعل ~~إلا عند تعذر الماء، فهو مسلم. وإن أراد به أنه لا يجوز التيمم إلا إذا كان التيمم ~~واجبا، فقد غلط. فإن هذا خلاف السنة، وخلاف إجماع المسلمين، بل يتيمم ~~للواجب، ويتيمم للمستحب كصلاة التطوع، وقراءة القرآن المستحبة، ومس ~~المصحف المستحب. # والله قد جعله طهورا للمسلمين عند عدم الماء، فلا يجوز لأحد أن يضيق على ~~المسلمين ما وسع الله عليهم، وقد أراد رفع الحرج عن الأمة فليس لأحد أن يجعل ~~فيه حرجا . كما فعله طائفة من الناس. أثبتوا فيه من الحرج ما هو ms0188 معلوم. # ولهذا كان الصواب أنه يجوز التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين ولا يجب فيه ~~ترتيب؛ بل إذا مسح وجهه بباطن راحتيه أجزأ ذلك عن الوجه والراحتين، ثم يمسح ~~ظهور الكفين بعد ذلك فلا يحتاج أن يمسح راحتيه مرتين، وعلى هذا دلت السنة. ~~وبسط هذه المسائل في موضع آخر. والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: عن الرجل إذا لم يجد ماء، أو تعذر عليه ~~استعماله لمرض، أو يخاف من الضرر من شدة البرد، وأمثال ذلك. فهل يتيمم؟ أم لا?2 # فاجاب: التيم جائز إذا عدم الماء، وخاف المرض باستعماله، كما نبه PageV01P181 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0182.png) ~~الله تعالى على ذلك بذكر المريض، وذكر من لم يجد الماء. فمن كان الماء يضره ~~بزيادة في مرضه، لأجل جرح به، أو مرض، أو لخشية البرد ونحو ذلك، فإنه يتيمم ~~سواء كان جنبا أو محدثا، ويصلي . # وإذا جاز له الصلاة جاز له الطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث ~~في المسجد. ولا إعادة عليه إذا صلى، سواء كان في الحضر أو في السفر، في أصح ~~قولي العلماء. # فإن الصحيح أن كل من فعل ما أمر به بحسب قدرته من غير تفريط منه، ~~ولا عدوان، فلا إعادة عليه، لا في الصلاة، ولا في الصيام، ولا الحج. ولم يوجب ~~الله على العبد أن يصلي الصلاة الواحدة مرتين، ولا يصوم شهرين في عام، ولا يحج ~~حجين . إلا أن يكون منه تفريط ، أو عدوان . فإن نسي الصلاة كان عليه أن يصليها إذا ~~ذكرها، وكذلك إذا نسي بعض فرائضها : كالطهارة، والركوع، والسجود. وأما إذا كان ~~عاجزا من المفروض : كمن صلى عريانا لعدم السترة، أو صلى بلا قراءة لانعقاد ~~لسانه، أو لم يتم الركوع والسجود لمرضه ونحو ذلك، فلا إعادة عليه. ولا فرق بين ~~العذر النادر، والمعتاد، وما يدوم وما لا يدوم. # وقد اتفق المسلمون على أن المسافر إذا عدم الماء صلى بالتيمم، ولا إعادة ~~عليه، وعلى أن العريان إذا لم يجد سترة صلى، ولا إعادة عليه. وعلى أن المريض ~~يصلي بحسب حاله، كما ms0189 قال النبي صلى الله عليه وسلم عمران بن حصين : صل قائما، فإن لم ~~تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب ولا إعادة عليه. # وسئل رحمه الله تعالى: عن رجل يصبح جنبا، وليس عنده ما يدخل به ~~الحمام، ولا يمكنه أن يغتسل في بيته من أجل البرد. فهل له أن يتيمم ويصلي، ويقرأ ~~القرآن أم لا ? وهل إذا فعل ذلك تجب عليه الإعادة ? أم لا? وإذا كان عنده ما يرهنه ~~على أجرة الحمام فهل يجب عليه ذلك? أم لا?2 ~~بان كان جنبا: فاذا ملخبليل اذا اغتيل بالنملاء البارد أن يضيره ولا يسكنه الافتسآل بالماء ~~الحار في بيت ولا حمام، ولا غيرهما، جاز له التيمم، ولا إعادة على الصحيح. ~~بإن امكنه دخول الحمام بجعل وجب عليه ذلك، إذا كان واجدا لاجرة الحمام من ~~غير إجحاف في ماله، كما يجب شراء الماء للطهارة، وإذا كان ممن يمكنه أن يرهن PageV01P182 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0183.png) ~~وسئل غفر الله له: عن رجل وقع عليه غسل، ولم يكن معه في ذلك الوقت ~~ما يدخل به الحمام، ويتعذر عليه الماء البارد لشدة برده، ثم إنه تيمم وصلى الفريضة، ~~وله في الجامع وظيفة فقرأ فيها، ثم بعد ذلك دخل الحمام، هل يأثم? أم لا? ~~فأجاب : الحمد لله رب العالمين. لا يأثم بذلك، بل فعل ما أمر به؛ فإن من ~~خاف إذا استعمل الماء البارد أن يحصل له صداع أو نزلة أو غير ذلك من الأمراض، ~~ولم يمكن الاغتسال بالماء الحار، فإنه يتيمم - وإن كان جنبا - ويصلي عند جماهير ~~علماء الإسلام: كمالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم حتى لو كان له ورد ~~بالليل، وأصابته جنابة، والماء بارد يضره، فإنه يتيمم، ويصلي ورده التطوع، ويقرا ~~القرآن في الصلاة، وخارج الصلاة، ولا يفوت ورده لتعذر الاغتسال بالماء. # وهل عليه إعادة الفريضة ? على قولين: # أحدهما : لا إعادة عليه. وهو قول مالك، وأحمد في إحدى الروايتين. # والثاني: عليه الإعادة، وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى . هذا إذا كان ~~في الحضر. وأما المسافر فهو أولى أن ms0190 لا يعيد وهو مذهب الشافعي في أحد قوليه، وكل ~~من جازت له الصلاة بالتيمم جازت له القراءة واللبث في المسجد بطريق الأولى . # والصحيح أنه لا إعادة عليه، ولا على أحد صلى على حسب استطاعته، وسواء ~~كانت الجنابة من حلال أو حرام؛ لكن فاعل الحرام عليه جنابة، ونجاسة الذنب. فإن تاب ~~وتطهر بالماء، أحبه الله، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. وإن تطهر ولم يتب: ~~تطهر من الجنابة، ولم يتطهر من نجاسة الذنب فإن تلك لا يزيلها إلا التوبة. # وإذا لم يكن معه ما يعطي الحمامي جاز له التيمم، ويصلي بلا ريب، وإذا لم ~~يكن ممن ينظره الحمامي، ولم يجد ما يرهنه عنده، ولم يقبل منه فهل عليه أن يدخل ~~بالأجرة المؤجلة ? فيه قولان: هما وجهان في مذهب أحمد. # والأظهر أنه إذا كان عادة إظهار الحمامي له أن يغتسل في الحمام كالعادة، وإن ~~منعه الحمامي من الدخول من غير ضرر من أن يوفيه حقه لبغض الحمامي، ونحوه ~~ذلك . دخل بغير اختيار الحمامي وأعطاه أجرته، وإن لم يكن معه أجرة فمنعه لكونه ~~لم يوفه حقه في الحال، ولا هو ممن يعرفه الحمامي لينظره، فهذا ليس له أن يدخل ~~إلا برضا الحمامي، وإن طابت نفس الحمامي باخذ ماء في الإناء، ولم تطب نفسه بأن ~~يتطهر في دهاليز أبواب الحمام، جاز له أن يفعل ما تطيب به نفس الحمامي، دون ~~ما لا تطيب إلا بعوض المثل. PageV01P183 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0184.png) # وإنما يجب عليه أن يشتري الماء البارد والحار، ويعطي الحمامي أجرة الدخول ~~إذا كان الماء يبذل بثمن المثل، أو بزيادة لا يتغابن الناس بمثلها، مع قدرته على ~~ذلك. # فإن كان محتاجا إلى ذلك لنفقته أو نفقة عياله، أو وفاء دينه الذي يطالب به، ~~كان صرف ذلك إلى ما يحتاج إليه من نفقة، أو قضاء دين مقدما على صرف ذلك في ~~عوض الماء . كما لو احتاج إلى الماء لشرب نفسه، أو دوابه، فإنه يصرفه في ذلك، ~~ويتيمم . وإن كانت الزيادة على ثمن المثل لا تجحف بماله، ففي ms0191 وجوب بذل العوض ~~في ذلك قولان في مذهب أحمد بن حنبل، وغيره. وأكثر العلماء على أنه لا يجب. ~~والله سبحانه أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن المرأة يجامعها بعلها، ولا تتمكن من دخول ~~الحمام لعدم الأجرة وغيرها. فهل لها أن تتيمم? وهل يكره لبعلها مجامعتها والحالة ~~هذه. وكذلك المرأة يدخل عليها وقت الصلاة ولم تغتسل، وتخاف إن دخلت الحمام ~~أن يفوتها الوقت، فهل لها أن تصلي بالتيمم? أو تصلي في الحمام? # فأجاب : الحمد لله. الجنب سواء كان رجلا أو امرأة فإنه إذا عدم الماء أو خاف ~~الضرر باستعماله، فإن كان لا يمكنه دخول الحمام لعدم الأجرة أو لغير ذلك، فإنه ~~يصلي بالتيمم، ولا يكره للرجل وطء امرأته كذلك، بل له أن يطأها، كما له أن يطأها ~~في السفر، ويصليا بالتيمم. # وإذا أمكن الرجل أو المرأة أن يغتسل ويصلي خارج الحمام فعلا ذلك. فإن لم ~~يمكن ذلك : مثل أن لا يستيقظ أول الفجر، وإن اشتغل بطلب الماء خرج الوقت. ~~وإن طلب حطبا يسخن به الماء، أو ذهب إلى الحمام فات الوقت، فإنه يصلي هنا ~~بالتيمم عند جمهور العلماء، إلا أن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ~~قالوا: يشتغل بتحصيل الطهارة وإن فات الوقت. وهكذا قالوا في اشتغاله بخياطة ~~اللباس، وتعلم دلائل القبلة، ونحو ذلك. # وهذا القول خطأ . فإن قياس هذا القول أن المسافر يؤخر الصلاة حتى يصلي ~~عد الوقت بالوضوء، وإن العريان يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد الوقت باللباس. وهذا ~~خلاف إجماع المسلمين؛ بل على العبد أن يصلي في الوقت بحسب الإمكان، ~~وما عجز عنه من واجبات الصلاة سقط عنه . # وأما إذا استيقظ آخر الوقت، أو إن اشتغل باستقاء الماء من البثر، خرج الوقت، ~~او إن ذهب إلى الحمام للغسل خرج الوقت، فهذا يغتسل عند جمهور العلماء. ومالك PageV01P184 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0185.png) ~~- رحمه الله - يقول: بل يصلي بالتيمم محافظة على الوقت، والجمهور يقولون: إذا ~~استيقظ آخر الوقت فهو حينئذ مأمور بالصلاة. فالطهارة والوقت في حقه من حين ~~استيقظ، وهو ما يمكنه فعل الصلاة ms0192 فيه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، من نام عن صلاة أو ~~نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها. فالوقت المأمور بالصلاة فيه في حق ~~النائم هو إذا استيقظ، لا ما قبل ذلك، وفي حق الناسي إذا ذكر. والله أعلم. # وأما إذا كانت المرأة أو الرجل يمكنه الذهاب إلى الحمام، لكن إن دخل ~~لا يمكنه الخروج حتى يفوت الوقت، إما لكونه مقهورا، مثل الغلام الذي لا يخليه ~~سيده يخرج حتى يصلي، ومثل المرأة التي معها أولادها فلا يمكنها الخروج حتى ~~تغسلهم، ونحو ذلك. فهؤلاء لا بد لهم من أحد أمور: # إما أن يغتسلوا ويصلوا في الحمام في الوقت، وإما أن يصلوا خارج الحمام بعد ~~خروج الوقت، وإما أن يصلوا بالتيمم خارج الحمام. وبكل قول من هذه الأقوال يفتي ~~طائفة؛ لكن الأظهر أنهم يصلون بالتيمم خارج الحمام؛ لأن الصلاة في الحمام منهي ~~عنها، وتفويت الصلاة حتى يخرج الوقت أعظم من ذلك. ولا يمكنه الخروج من ~~هذين النهيين إلا بالصلاة بالتيمم في الوقت خارج الحمام. # وصار هذا كما لو لم يمكنه الصلاة إلا في موضع نجس في الوقت، أو في ~~موضع طاهر بعد الوقت إذا اغتسل، أو يصلي بالتيمم في مكان طاهر في الوقت. فهذا ~~أولى، لأن كلا من ذينك منهي عنه. # وتنازع الفقهاء فيمن حبس في موضع نجس وصلى فيه : هل يعيد? على قولين: # أصحهما: أنه لا إعادة عليه؛ بل الصحيح الذي عليه أكثر العلماء أنه إن كان قد ~~صلى في الوقت كما أمر بحسب الإمكان فلا إعادة عليه، سواء كان العذر نادرا أو ~~معتادا؛ فإن الله لم يوجب على العبد الصلاة المعينة مرتين، إلا إذا كان قد حصل منه ~~إخلال بواجب، أو فعل محرم. فأما إذا فعل الواجب بحسب الإمكان، فلم يأمره ~~مرتين، ولا أمر الله أحدا أن يصلي الصلاة ويعيدها؛ بل حيث أمره بالإعادة لم يأمره ~~بذلك ابتداء، كمن صلى بلا وضوء ناسيا، فإن هذا لم يكن مأمورا بتلك الصلاة، بل ~~اعتقاد أنه مأمور خطا منه، وإنما أمره ms0193 الله أن يصلي بالطهارة، فإذا صلى بغير طهارة ~~كان عليه الإعادة، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم إني توضا وترك موضع ظفر من قدمه لم يصبه ~~إلماء أن يعيد الوضوء والصلاة. وكما أمر المسيء في صلاته أن يعيد الصلاة. وكما ~~أمر المصلي خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة. # فأما العاجز عن الطهارة، أو الستارة، أو استقبال القبلة، أو عن اجتناب PageV01P185 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0186.png) ~~النجاسة، أو عن إكمال الركوع، والسجود، أو عن قراءة الفاتحة، ونحو هؤلاء ممن ~~يكون عاجزا عن بعض واجباتها. فإن هذا يفعل ما قدر عليه، ولا إعادة عليه؛ كما ~~قال تعالى : (فأنقوا الله ما استطعتم) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم :إذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم»1) . # وسئل غفر الله له : عن المرأة إذا كانت بعيدة عن الحمام وحصل لها جنابة، ~~وتخشى من الغسل في البيت من البرد. هل لها أن تتيمم وتصلي? وإذا أراد زوجها ~~الجماع، وتخاف من البرد عليه وعليها. هل له أن يتيمم? أو يغتسل مع القدرة، ~~وتتيمم هي? أم يترك الجماع. فإذا جامعها وأرادت الدخول إلى الحمام للتطهر، هل ~~تتيمم وتجمع بين الصلاتين? أو تصلي في الحمام بالغسل? وهل لها إذا طهرت من ~~الحيض ولم تغتسل أن تتيمم ويجامعها زوجها أم لا? وهل يحتاج التيمم للجنابة إلى ~~وضوء أم لا? وإذا احتاج هل يقدم الوضوء، أم التيمم? وهل يحتاج التيمم لكل صلاة ? ~~أم يصلي الصلوات بتيمم واحد? وإذا طهرت المرأة آخر النهار - أو آخر الليل - ~~وعجزت عن الغسل للبرد وغيره، هل تتيمم وتصلي ? وهل تقضي صلاة اليوم الذي ~~طهرت فيه؟ أو الليلة? # ومن أصابه جرح أو كسر وعصبه هل يمسح على العصابة، أم يتيمم عن الوضوء ~~للمجروح? وبعض الأعضاء يعجز عن إمرار الماء عليه بسبب الجرح أو الكسر، وهل ~~يترك الجماع في هذه الحالة، أو يفعله ويتيمم ولو علم أن مدة المداواة تطول فيطل ~~تيممه? وهل للمرأة أيضا منع الزوج من الجماع إذا كانت لا تقدر على الغسل? أم ~~تطيعه وتتيمم ? ومن ms0194 وجد الحمام بعيدا متى وصل إليه خرج الوقت هل يتيمم أم يذهب ~~إليه ولو خرج الوقت? ومن خاف فوات الجماعة إذا تطهر بالماء هل يتيمم ليحصل ~~على الجماعة، أم لا? ومن معه رفقة يريدون الجمع فهل الأفضل له الجمع معهم ~~لتحصيل الجماعة ? أم يصلي وحده في الوقت? وقد يكون هو إمامهم، فأيما أفضل في ~~حقه? جمعا، أم الصلاة وحده في وقت كل صلاة? ومن كان له صناعة يعملها هو ~~وصناع آخر، ويشق عليه الصلاة في وقتها، ويبطل الصناع هل يجمع بين الصلاتين? ~~وكذلك إذا كان في حراثة وزراعة ويشق عليه طلب الماء هل يتيمم ويصلي? ومن ~~يتيمم هل يقرأ القرآن في غير الصلاة ? ويصلي ورده بالليل? وهل للمرأة الجنب أو ~~الحائض أن تقرأ على ولدها الصغير ? ومن لم يجد ترابا هل يتيمم على البساط أو ~~الحصير إذا كان فيهما غبار؟(2 # فأجاب: الحمد لله رب العالمين. من أصابته جنابة من احتلام أو جماع، حلال PageV01P186 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0187.png) ~~أو حرام، فعليه أن يغتسل ويصلي، فإن تعذر عليه الاغتسال لعدم الماء أو لتضرره ~~باستعماله : مثل أن يكون مريضا يزيد الاغتسال في مرضه، أو يكون الهواء باردا، وإن ~~اغتسل خاف أن يمرض بصداع أو زكام أو نزلة، فإنه يتيمم ويصلي، سواء كان رجلا ~~أو امرأة، وليس له أن يؤخر الصلاة عن وقتها، وليس للمرأة أن تمنع زوجها من ~~الجماع . بل له أن يجامعها، فإن قدرت على الاغتسال وإلا تيممت. # وكذلك الرجل إن قدر على الاغتسال وإلا تيمم، وله أن يجامعها قبل دخول ~~الحمام، فإن قدرت على أن تغتسل وتصلي خارج الحمام فعلت، وإن خافت أن تفوتها ~~الصلاة استترت في الحمام وصلت، ولا تفوت الصلاة، والجمع بين الصلاتين بطهارة ~~كاملة بالماء خير من أن يفرق بين الصلاتين بالتيمم، كما أمر النبي صل ل الله عليه وسلم، المستحاضة أن ~~تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، وجعل ذلك خيرا من التفريق بوضوء. # وأيضا فالجمع بين الصلاتين مشروع لحاجة دنيوية، فلأن يكون مشروعا لتكميل ~~الصلاة أولى، والجامع بين الصلاتين مصل ms0195 في الوقت، والنبي صل ل الله عليه وسلم جمع بين الظهر ~~والعصر بعرفة في وقت الظهر؛ لأجل تكميل الوقوف واتصاله؛ وإلا فقد كان يمكنه أن ~~ينزل فيصلي، فجمع بين الصلاتين لتكميل الوقوف، فالجمع لتكميل الصلاة أولى. # وأيضا فإنه جمع بالمدينة للمطر، وهو نفسه صلى الله عليه وسلم آم يكن يتضرر بالمطر، بل ~~جمع لتحصيل الصلاة في الجماعة، والجمع لتحصيل الجماعة خير من التفريق ~~والانفراد، والجمع بين الصلاتين خير من الصلاة في الحمام، فإن أعطان الإبل ~~والحمام نهى الني صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيهما، والجمع مشروع . بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ل1 من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها»(1 ثم إنه لما نام عن ~~الصلاة انتقل، وقال: هذا واد حضرنا فيه الشيطان فأخر الصلاة عن الوقت ~~المأمور به لكون البقعة حضر فيها الشيطان، وتلك البقعة تكره الصلاة فيها وتجوز ~~لكن يستحب الانتقال عنها، وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل وغيره. # والحمام واعطان الإبل مسكن الشياطين؛ ولهذا حرم الصلاة فيها، والجمع ~~مشروع للمصلحة الراجحة، فإذا جمع لئلا يصلي في أماكن الشياطين، كان قد ~~أحسن، والمرأة إذا لم يكن يمكنها الجمع بطهارة الماء جمعت بطهارة التيمم، فإن ~~الصلاة بالتيهم في الوقت المشروع خير من التفريق ومن الصلاة في الأماكن المنهي ~~عنها، وإذا أمكن الرجل والمرأة أن يتوضا ويتيمما فعلا، فإن اقتصرا على التيمم ~~أجزأهما في إحدى الروايتين للعلماء. PageV01P187 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0188.png) # ومذهب أبي حنيفة ومالك لا يجمع بين طهارة الماء وطهارة التيمم - بين ~~الأصل والبدل - بل إما هذا وإما هذا. ومذهب الشافعي وأحمد: بل يغتسل بالماء ~~ما أمكنه، ويتيمم للباقي. وإذا توضأ وتيمم فسواء قدم هذا أو هذا، لكن تقديم ~~الوضوء أحسن، ويجوز أن يصلي الصلوات بتيمم واحد، كما يجوز بوضوء واحد، ~~وغسل واحد، في أظهر قولي العلماء. وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى ~~الروايتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: : الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر ~~سنين، فإذا ms0196 وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ذلك خير. # والمرأة إذا طهرت من الحيض فإن قدرت على الاغتسال وإلا تيممت وصلت، ~~فإن طهرت في آخر النهار صلت الظهر والعصر، وإن طهرت في آخر الليل صلت ~~المغرب والعشاء، ولا يقضي أحد ما صلاه بالتيمم. وإذا كان الجرح مكشوفا وأمكن ~~مسحه بالماء فهو خير من التيمم، وكذلك إذا كان معصوبا أو كسر عظمه فوضع عليه ~~جبيرة فمسح ذلك بالماء خير من التيمم، والمريض والجريح والمكسور إذا أصابته ~~جنابة بجماع وغيره والماء يضره يتيمم ويصلي، أو يمسح على الجبيرة ويغسل سائر ~~بدنه إن أمكنه ويصلي. # وليس للمرأة أن تمنع زوجها الجماع، بل يجامعها. فإن قدرت على الاغتسال، ~~وإلا تيممت وصلت . وإذا طهرت من الحيض لم يجامعها إلا بعد الاغتسال، وإلا ~~تيممت ووطئها زوجها. ويتيمم الواطئ حيث يتيمم للصلاة. # وإذا دخل وقت الصلاة كطلوع الفجر، ولم يمكنه إذا اغتسل أن يصلي حتى ~~تطلع الشمس؛ لكون الماء بعيدا، أو الحمام مغلوقة، أو لكونه فقيرا وليس معه أجرة ~~الحمام، فإنه يتيمم ويصلي في الوقت، ولا يؤخر الصلاة حتى يفوت الوقت. وأما إذا ~~استيقظ وقد ضاق الوقت عن الاغتسال، فإن كان الماء موجودا فهذا يغتسل ويصلي ~~بعد طلوع الشمس عند أكثر العلماء، فإن الوقت في حقه من حين استيقظ بخلاف ~~اليقظان فإن الوقت في حقه من حين طلوع الفجر . # ولا بد من الصلاة في وقتها، ولا يجوز تأخيرها عن الوقت لأحد أصلا، ~~لا بعذر، ولا بغير عذر . لكن يصلي في الوقت بحسب الإمكان فيصلي المريض ~~حسب حاله في الوقت. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم مران بن حصين : صل قائما، فإن لم ~~تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب فيصلي في الوقت قاعدا، ولا يصلي ~~بعد خروج الوقت قائما، وكذلك العراة، كالذين انكسرت بهم السفينة يصلون في ~~الوقت عراة، ولا يؤخرونها ليصلوا في الثياب بعد الوقت. PageV01P188 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0189.png) ~~وكذلك من اشتبهت عليه القبلة، فيصلي في الوقت بالاجتهاد، والتقليد، ~~ولا يؤخرها ليصلي بعد الوقت باليقين. ~~وكذلك من كان عليه ms0197 نجاسة في بدنه أو ثوبه لا يمكنه إزالتها حتى تفوت ~~الصلاة، فيصلي بها في الوقت، ولا يفوت الصلاة ليصلي طاهرا. ~~وكذلك من حبس في مكان نجس، أو كان في حمام، أو غير ذلك مما نهى عن ~~الصلاة فيه، ولا يمكنه الخروج منه حتى تفوت الصلاة فإنه يصلي في الوقت، ~~ولا يفوت الصلاة ليصلي في غيره. فالصلاة في الوقت فرض بحسب الإمكان، ~~والاستطاعة. وإن كانت صلاة ناقصة حتى الخائف يصلي صلاة الخوف في الوقت ~~بحسب الإمكان، ولا يفوتها ليصلي صلاة أمن بعد خروج الوقت، حتى في حال ~~المقاتلة يصلي ويقاتل ولا يفوت الصلاة ليصلى بلا قتال، فالصلاة المفروضة في ~~الوقت وإن كانت ناقصة خير من تفويت الصلاة بعد الوقت وإن كانت كاملة؛ بل ~~الصلاة بعد تفويت الوقت عمدا لا تقبل من صاحبها، ولا يسقط عنه إثم التفويت ~~المحرم. ولو قضاها باتفاق المسلمين. # وأما إذا خاف فوات الجنازة أو العيد، أو الجمعة، ففي التيمم نزاع. والأظهر ~~أنه يصليها بالتيمم، ولا يفوتها، وكذلك إذا لم يمكنه صلاة الجماعة الواجبة إلا ~~بالتيمم، فإنه يصليها بالتيمم. # ومذهب أحمد في إحدى الروايتين أنه يجوز التيمم للجنازة، مع أنه لا يختلف قوله ~~في أنه يجوز أن يعيدها بوضوء، فليست العلة على مذهبه تعذر الإعادة؛ بخلاف أبي حنيفة ~~فإنه إنما علل ذلك بتعذر الإعادة، وفرق بين الجنازة، وبين العيد والجمعة. وأحمد لا يعلل ~~بذلك فكيف والجمعة لا تعاد! وإنما تصلى ظهرا. وليست صلاة الظهر كالجمعة . # وكذلك إذا لم يمكنه صلاة الجمعة الواجبة إلا بالتيمم، فإنه يصليها بالتيمم ~~والجمع بين الصلاتين حيث يشرع في الصلاة في وقتها ليس بمفوت، ولا يشترط ~~للقصر ولا للجمع نية عند اكثر العلماء، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وهو إحدى ~~القولين في مذهب احمد؛ بل عليه يدل كلامه، وهو المنصوص تعنه. # والقول الآخر: اختيار بعض اصحابه، وهو قول الشافعي. # والجمع بين الصلاتين يجوز لعذر، فالمسافر إذا جد به السير جمع بين الظهر ~~والعصر، وبين المغرب والعشاء. والمسافرون إذا غلب عليهم النعاس وشق عليهم ~~انتظار ms0198 العشاء جمعوا بينها وبين المغرب، ولو كان الإمام لا ينام، فصلاته بهم إمامأ ~~جامعا بين الصلاتين خير من صلاته وحده غير جامع. PageV01P189 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0190.png) # والحراث إذا خاف إن طلب الماء يسرق ماله، أو يتعطل عمله الذي يحتاج إليه ~~صلى بالتيمم. وإن أمكنه أن يجمع بين الصلاتين بوضوء فهو خير من أن يفرق بينهما، ~~وكذلك سائر الأعذار الذين يباح لهم التيمم: إذا أمكنهم الجمع بينهما بطهارة الماء ~~فهو خير من التفريق بينهما بطهارة التيمم، والجمع بين الصلاتين لمن له عذر كالمطر ~~والريح الشديدة الباردة؛ ولمن به سلس البول، والمستحاضة، فصلاتهم بطهارة كاملة ~~جمعا بين الصلاتين ، خير من صلاتهم بطهارة ناقصة مفرقا بينهما. # والمريض أيضا له أن يجمع بين الصلاتين، لا سيما إذا كان مع الجمع صلاته ~~أكمل . إما لكمال طهارته، وإما لإمكان القيام، ولو كانت الصلاتان سواء. لكن إذا ~~فرق بينهما زاد مرضه، فله الجمع بينهما. # وقال أحمد بن حنبل : يجوز الجمع إذا كان لشغل. قال القاضي أبو يعلى: ~~الشغل الذي يبيح ترك الجمعة والجماعة. وقال الشيخ موفق الدين بن قدامة ~~المقدسي : مبينا عن هؤلاء؛ وهو المريض، ومن له قريب يخاف موته، ومن يدافع ~~أحدا من الأخبثين، ومن يحضره طعام وبه حاجة إليه، ومن يخاف من سلطان يأخذه، ~~أو غريم يلازمه ولا شيء معه يعطيه، والمسافر إذا خاف فوات القافلة، ومن يخاف ~~ضررا في ماله، ومن يرجو وجوده، ومن يخاف من غلبة النعاس حتى يفوته الوقت، ~~ومن يخاف من شدة البرد . وكذلك في الليلة المظلمة إذا كان فيها وحل. فهؤلاء ~~يعذرون وإن تركوا الجمعة والجماعة، كذا حكاه ابن قدامة في «مختصر الهداية. فإنه ~~يبيح لهم الجمع بين الصلاتين على ما قاله الإمام أحمد بن حنبل، والقاضي ~~أبو يعلى. # والصناع والفلاحون إذا كان في الوقت الخاص مشقة عليهم، مثل أن يكون ~~الماء بعيدا في فعل صلاة، وإذا ذهبوا إليه وتطهروا تعطل بعض العمل الذي يحتاجون ~~إليه، فلهم أن يصلوا في الوقت المشترك فيجمعوا بين الصلاتين، وأحسن من ذلك أن ~~يؤخروا الظهر إلى ms0199 قريب العصر فيجمعوها ويصلوها مع العصر، وإن كان ذلك جمعا ~~في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر. ويجوز مع بعد الماء أن يتيمم ويصلي في ~~الوقت الخاص . والجمع بطهارة الماء أفضل. والحمد لله وحده. # كل من جاز له الصلاة بالتيمم: من جنب، أو محدث، جاز له أن يقرأ القرآن ~~خارج الصلاة، ويمس المصحف، ويصلي بالتيمم النافلة، والفريضة، ويرقي بالقرآن ~~يغير ذلك . فإن الصلاة أعظم من القرآن، فمن صلى بالتيمم كانت قراءته بالتيمم ~~اولى، والقراءة خارج الصلاة أوسع منها في الصلاة، فإن المحدث يقراه خارج PageV01P190 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0191.png) ~~الصلاة، وكل ما يفعله بطهارة الماء في الوضوء والغسل، يفعله بطهارة التيمم إذا عدم ~~الماء، أو خاف الضرر باستعماله. ~~وإذا أمكن الجنب الوضوء دون الغسل، فتوضأ وتيمم عن الغسل جاز، وإن ~~تيمم ولم يتوضأ ففيه قولان. قيل: يجزيه عن الغسل، وهو قول مالك وأبي حنيفة. ~~وقيل : لا يجزيه، وهو قول الشافعي، وأحمد بن حنبل. # وإذا تيمم بالتراب الذي تحت حصير بيته جاز، وكذلك إذا كان هناك غبار ~~لاصق ببعض الأشياء وتيمم بذلك التراب اللاصق جاز . وأما قراءة الجنب والحائض ~~للقرآن فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: # قيل: يجوز لهذا ولهذا. وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي ~~وأحمد. # وقيل : لا يجوز للجنب، ويجوز للحائض . إما مطلقا، أو إذا خافت النسيان. ~~وهو مذهب مالك. وقول في مذهب أحمد وغيره. فإن قراءة الحائض القرآن لم يثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم يه شيء غير الحديث المروي عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن ~~عقبة عن نافع عن ابن عمر : للا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئا رواه ~~أبو داود وغيره. وهو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث . # وإسماعيل بن عياش ما يرويه عن الحجازيين أحاديث ضعيفة؛ بخلاف روايته ~~عن الشاميين، ولم يرو هذا عن نافع أحد من الثقات، ومعلوم أن النساء كن يحضن ~~على عهد رسول الله صل لى ل الله عليه وسلم ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن. كما لم يكن ينههن عن ~~الذكر ms0200 والدعاء بل أمر الحيض أن يخرجن يوم العيد، فيكبرن بتكبير المسلمين. وأمر ~~الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: تلبي وهي حائض، وكذلك ~~بمزدلفة ومنى، وغير ذلك من المشاعر. # وأما الجنب فلم يأمره أن يشهد العيد، ولا يصلي، ولا أن يقضي شيئا من ~~المناسك؛ لأن الجنب يمكنه أن يتطهر فلا عذر له في ترك الطهارة، بخلاف الحائض ~~فإن حدثها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر. ولهذا ذكر العلماء ليس للجنب أن يقف ~~بعرفة ومزدلفة ومنى حتى يطهر، وإن كانت الطهارة ليست شرطا في ذلك . لكن ~~المقصود أن الشارع أمر الحائض أمر إيجاب أو استحباب بذكر الله ودعائه مع كراهة ~~ذلك للجنب. # فعلم أن الحائض يرخص لها فيما لا يرخص للجنب فيه؛ لأجل العذر. وإن PageV01P191 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0192.png) ~~كانت عدتها أغلظ، فكذلك قراءة القرآن لم ينهها الشارع عن ذلك. # وإن قيل : إنه نهى الجنب، لأن الجنب يمكنه أن يتطهر، ويقرأ، بخلاف ~~الحائض؛ تبقى حائضا أياما فيفوتها قراءة القرآن، تفويت عبادة تحتاج إليها مع عجزها ~~عن الطهارة، وليست القراءة كالصلاة، فإن الصلاة يشترط لها الطهارة مع الحدث ~~الأكبر، والأصغر، والقراءة تجوز مع الحدث الأصغر بالنص، واتفاق الأيمة. # والصلاة يجب فيها استقبال القبلة واللباس، واجتناب النجاسة، والقراءة ~~لا يجب فيها شيء من ذلك، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع رأسه في حجر عائشة ~~رضي الله عنها وهي حائض، وهو حديث صحيح. وفي صحيح مسلم أيضا: يقول ~~الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما، ~~ويقظانا فتجوز القراءة قائما، وقاعدا وماشيا، ومضطجعا. وراكبا. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل سافر مع رفقة وهو إمامهم. ثم احتلم في يوم ~~شديد البرد، وخاف على نفسه أن يقتله البرد فتيمم، وصلى بهم، فهل يجب عليه ~~إعادة؟ وعلى من صلى خلفه أم لا؟2) # فأجاب : هذه المسألة هي ثلاث مسائل: # الأولى : أن تيممه جائز، وصلاته جائزة، ولا غسل عليه، والحالة هذه. وهذا ~~متفق عليه بين الأئمة، وقد جاء ms0201 في ذلك حديث في السنن؛ عن عمرو بن العاص : ~~لأنه فعل ذلك على عهد رسولاللهالهل صل لى الله عليه وسلم فصلى بأصحابه بالتيمم في السفر، وإن ~~ذلك ذكر للنبي صلى الله عليه وسل وكذلك هذا معروف عن ابن عباس. # الثانية : أنه هل يؤم المتوضئين? فالجمهور على أنه يؤمهم، كما أمهم عمرو بن ~~العاص، وابن عباس. وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأصح القولين في ~~مذهب أبي حنيفة . ومذهب أبي محمد أنه لا يؤمهم. # الثالثة : في الإعادة، فالمأموم لا إعادة عليه بالاتفاق، مع صحة صلاته، وأما ~~الإمام أو غيره إذا صلى بالتيمم لخشية البرد. فقيل: يعيد مطلقا، كقول الشافعي، ~~وقيل : يعيد في الحضر فقط، دون السفر. كقول له، ورواية عن أحمد. وقيل: ~~لا يعيد مطلقا كقول مالك، وأحمد في الرواية الأخرى. وهذا هو الصحيح؛ لأنه فعل ~~ما قدر عليه، فلا إعادة عليه؛ ولهذا لم يأمر الني صلى الله عليه وسلم مرو بن العاص بإعادة، ولم ~~يثبت فيه دليل شرعي يفرق بين الأعذار المعتادة، وغير المعتادة. والله أعلم. PageV01P192 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0193.png) # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل أصابته جنابة، ولم يقدر على استعمال الماء ~~من شدة البرد، أو الخوف والإنكار عليه. فهل إذا تيمم وصلى وقرأ ومس المصحف ~~وتهجد بالليل إماما يجوز له ذلك أم لا? وهل يعيد الصلاة أم لا? وإلى كم يجوز له ~~التيمم?. # فأجاب: إذا كان خائفا من البرد إن اغتسل بالماء يمرض، أو كان خائفا إن ~~اغتسل أن يرمى بما هو بريء منه، ويتضرر بذلك، أو كان خائفا بينه وبين الماء عدو ~~أو سبع يخاف ضرره إن قصد الماء فإنه يتيمم ويصلي من الجنابة والحدث الأصغر. # وأما الإعادة: فقد تنازع العلماء في التيمم لخشية البرد، هل يعيد في السفر ~~والحضر ? أو لا يعيد فيهما ? أو يعيد فى الحضر فقط? على ثلاثة أقوال. والأشبه ~~بالكتاب والسنة أنه لا إعادة عليه بحال. ومن جازت له الصلاة جازت له القراءة، ~~ومس المصحف. والمتيمم يؤم المغتسل عند جمهور العلماء، وهو مذهب الأئمة ~~الأربعة إلا ms0202 محمد بن الحسن. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن التيمم إذا كان في يده جراحة، وتوضأ وغسل ~~وجهه، فهل يلزمه أن يتيمم عند غسل اليدين? أم يكمل وضوعه إلى آخره? ثم بعد ~~ذلك يتيمم؟ وإن كانت الجراحة مشدودة: فهل يلزمه أن يحل الجراح . ويغسل جميع ~~الصحيح? أم يغسل ما ظهر منها، ويترك الشد على حاله?2 # فأجاب: الحمد لله. هذه المسألة فيها نزاع، هما قولان في مذهب أحمد ~~وغيره. والصحيح أن له أن يؤخر التيمم حتى يفرغ من وضوئه بل هذا الذي ينبغي أن ~~يفعله إذا قيل: إنه يجمع بين الوضوء والتيمم، فإن مذهب أبي حنيفة ومالك أنه ~~لا يحتاج إلى تيمم، ولكن مذهب الشافعي وأحمد أن يجمع بينهما، وإذا جبرها مسح ~~عليها، سواء كان جبرها على وضوء أو غير وضوء. # وكذلك إذا شد عليها عصابة، ولا يحتاج إلى تيمم في ذلك، هذا أصح أقوال ~~العلماء، والله أعلم. # وسئل غفر الله له: عن رجل جنب، وهو في بيت مبلط عادم فيه التراب، ~~مغلوق عليه الباب، ولم يعلم متى يكون الخروج منه، فهل يترك الصلاة إلى وجود ~~الماء والتراب ? أم لا?3 # فاجاب: إذا لم يقدر على استعمال الماء، ولا على التمسح بالصعيد، فإنه PageV01P193 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0194.png) ~~يصلي بلا ماء، ولا تيمم عند الجمهور. وهذا أصح القولين. وهل عليه الإعادة ? على ~~قولين : # أظهرهما : أنه لا إعادة عليه، فإن الله يقول : (فالنقوا الله ما استطعتم) وقال ~~لنبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ولم يأمر العبد بصلاتين، وإذا ~~صلى قرأ القراءة الواجبة. والله أعلم. # وأما إزالة النجاسة بغير الماء ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد: # أحدها : المنع، كقول الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد. # والثاني : الجواز، كقول أبي حنيفة، وهو القول الثاني في مذهب مالك، ~~وأحمد . # والقول الثالث : في مذهب أحمد أن ذلك يجوز للحاجة، كما في طهارة فم ~~الهرة بريقها، وطهارة أفواه الصبيان بأرياقهم، ونحو ذلك. # والسنة قد جاءت بالأمر بالماء في قوله لأسماء: لحتيه، ثم ms0203 اقرصيه ثم اغسليه ~~بالماء وقوله في آنية المجوس : إرحضوها ثم اغسلوها بالماء . وقوله في ~~حديث الأعرابي الذي بال في المسجد : «صبوا على بوله ذنوبا من ماء(5) فأمر ~~بالإزالة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمرا عاما بأن تزال كل نجاسة بالماء. # وقد أذن في إزالتها بغير الماء في مواضع: # منها : الاستجمار بالحجارة. ومنها: قوله في النعلين: ثم ليدلكهما بالتراب ~~فإن التراب لهما طهور ومنها: قوله في الذيل: ليطهره ما بعده ومنها أن PageV01P194 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0195.png) ~~الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ثم لم يكونوا يغسلون ~~ذلك. ومنها قوله في الهر : إنها من الطوافين عليكم والطوافات مع أن الهر في ~~العادة يأكل الفأر، ولم يكن هناك قناة ترد عليها تطهر بها أفواهها بالماء بل طهورها ~~ريقها . ومنها أن الخمر المنقلبة بنفسها تطهر باتفاق المسلمين. # وإذا كان كذلك فالراجح في هذه المسألة أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان ~~زال حكمها، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة ~~والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة لما في ذلك من فساد الأموال، كما لا يجوز ~~الاستنجاء بها . # والذين قالوا لا تزول إلا بالماء. منهم من قال : إن هذا تعبد؛ وليس الأمر ~~كذلك؛ فإن صاحب الشرع أمر بالماء في قضايا معينة لتعينه؛ لأن إزالتها بالأشربة التي ~~ينتفع بها المسلمون إفساد لها. وإزالتها بالجامدات كانت متعذرة، كغسل الثوب، ~~والإناء، والأرض بالماء، فإنه من المعلوم إنه لو كان عندهم ماء ورد وخل وغير ذلك ~~لم يأمرهم بإفساده فكيف إذا لم يكن عندهم. # ومنهم من قال : إن الماء له من اللطف ما ليس لغيره من المائعات فلا يلحق ~~غيره به؛ وليس الأمر كذلك، بل الخل وماء الورد وغيرهما يزيلان ما في الآنية من ~~النجاسة، كالماء وأبلغ، والاستحالة له أبلغ في الإزالة من الغسل بالماء، فإن الإزالة ~~بالماء قد يبقى معها لون النجاسة فيعفى عنه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يكفيك الماء ~~ولا يضرك أثره»(2) ms0204 وغير الماء يزيل الطعم واللون والريح. # ومنهم من قال : كان القياس أن لا يزول بالماء لتنجيسه بالملاقاة، لكن رخص ~~في الماء للحاجة، فجعل الإزالة بالماء صورة استحسان، فلا يقاس عليها. وكلا ~~المقدمتين باطلة . فليست إزالتها على خلاف القياس بل القياس أن الحكم إذا ثبت بعلة ~~زال بزوالها. # وقولهم: إنه ينجس بالملاقاة ممنوع، ومن سلمه فرق بين الوارد والمورود ~~عليه، أو بين الجاري والواقف. ولو قيل: إنها على خلاف القياس فالصواب أن ~~ما خالف القياس يقاس عليه إذا عرفت علته . إذ الاعتبار في القياس بالجامع والفارق. # واعتبار طهارة الخبث بطهارة الحدث ضعيف؛ فإن طهارة الحدث من باب ~~الأفعال المامور بها؛ ولهذا لم تسقط بالنسيان والجهل، واشترط فيها النية عند PageV01P195 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0196.png) ~~الجمهور. وأما طهارة الخبث فإنها من باب التروك فمقصودها اجتناب الخبث؛ ولهذا ~~لا يشترط فيها فعل العبد ولا قصده، بل لو زالت بالمطر النازل من السماء حصل ~~المقصود، كما ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم. # ومن قال من أصحاب الشافعي وأحمد: إنه يعتبر فيها النية، فهو قول شاذ ~~مخالف للإجماع السابق، مع مخالفته لأئمة المذاهب. وإنما قيل مثل هذا من ضيق ~~المجال في المناظرة، فإن المنازع لهم في مسألة النية قاس طهارة الحدث على طهارة ~~الخبث ، فمنعوا الحكم في الأصل، وهذا ليس بشيء. # ولهذا كان أصح قولي العلماء أنه إذا صلى بالنجاسة جاهلا أو ناسيا فلا إعادة ~~عليه، كما هو مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لع نعليه ~~في الصلاة للأذى الذي كان فيهما، ولم يستأنف الصلاة. وكذلك في الحديث الآخر ~~لما وجد في ثوبه نجاسة أمرهم بغسله ولم يعد الصلاة؛ وذلك لأن من كان مقصوده ~~اجتناب المحظور إذا فعله العبد ناسيا أو مخطئا فلا إثم عليه، كما دل عليه الكتاب ~~والسنة. قال تعالى : (وليس عليكم جناح فيما أخطاتم به) زاب : ] وقال ~~تعالى : ( ربنا لا تواخذنا إن ننينا أو أخطأنا) 286] قال الله تعالى : لقد ~~فعلت»1 رواه مسلم في صحيحه . # ولهذا كان أقوى الأقوال ms0205 : أن ما فعله العبد ناسيا أو مخطئا من محظورات الصلاة ~~والصيام والحج لا يبطل العبادة، كالكلام ناسيا، والأكل ناسيا، والطيب ناسيا، وكذلك ~~إذا فعل المحلوف عليه ناسيا وفي هذه المسائل نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه. # وإنما المقصود هنا التنبيه على أن النجاسة من باب ترك المنهي عنه فحينئذ إذا ~~زال الخبث بأي طريق كان حصل المقصود، ولكن إن زال بفعل العبد ونيته أثيب على ~~ذلك، وإلا إذا عدمت بغير فعله ولا نيته زالت المفسدة، ولم يكن له ثواب، ولم يكن ~~عليه عقاب . # وسئل رحمه الله تعالى : عن استحالة النجاسة، كرماد السرجين النجس، والزبل ~~النجس تصيبه الريح والشمس، فيستحيل ترابا. فهل تجوز الصلاة عليه أم لا? # فأجاب : وأما استحالة النجاسة : كرماد السرجين النجس، والزبل النجس يستحيل ~~ترابا، فقد تقدمت هذه المسألة. وقد ذكرنا أن فيها قولين في مذهب مالك وأحمد: # أحدهما: أن ذلك طاهر، وهو قول أبي حنيفة، وأهل الظاهر وغيرهم، وذكرنا ~~أن هذا القول هو الراجح. PageV01P196 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0197.png) ~~فأما الأرض إذا أصابتها نجاسة؛ فمن أصحاب الشافعي وأحمد من يقول : إنها ~~تطهر، وإن لم يقل بالاستحالة . ففي هذه المسألة مع مسألة الاستحالة» ثلاثة أقوال، ~~والصواب الطهارة في الجميع، كما تقدم. # وقال رحمه الله تعالى # وأما طين الشوارع فمبني على أصل: وهو أن الأرض إذا أصابتها نجاسة ثم ~~ذهبت بالريح أو الشمس أو نحو ذلك . هل تطهر الأرض ? على قولين للفقهاء، وهما ~~قولان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما: # أحدهما: أنها تطهر، وهو مذهب أبي حنيفة، وغيره؛ ولكن عند أبي حنيفة ~~يصلي عليها ولا يتيمم بها. والصحيح أنه يصلي عليها ويتيمم بها، وهذا هو ~~الصواب؛ لأنه قد ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر : «أن الكلاب كانت تقبل ~~وتدبر وتبول في مسجد رسول الله له صلى الله عليه وسل ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك ومن ~~المعلوم أن النجاسة لو كانت باقية لوجب غسل ذلك. وهذا لا ينافي ما ثبت في ~~الصحيح من أنه أمرهم أن يصبوا على بول الأعرابي الذي بال في ms0206 المسجد ذنوبا من ~~ماء، فإن هذا يحصل به تعجيل تطهير الأرض، وهذا مقصود؛ بخلاف ما إذا لم يصب ~~الماء فإن النجاسة تبقى إلى أن تستحيل. # وأيضا ففي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه، ~~فإن وجد بهما أذى فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور وفي السنن أيضا: ~~أنه سئل عن المرأة تجر ذيلها على المكان القذر ثم على المكان الطاهر فقال : يطهره ~~ما بعده» وقد نص أحمد على الأخذ بهذا الحديث الثاني ونص في إحدى الروايتين ~~عنه على الأخذ بالحديث الأول، وهو قول من يقول به من أصحاب مالك والشافعي ~~وغيرهما. فإذا كان النب صى الله عليه وسلم فذ جعل التراب يطهر أسفل النعل، وأسفل الذيل، ~~وسماه طهورا؛ فلأن يطهر نفسه بطريق الأولى، والأحرى. فالنجاسة إذا استحالت في ~~التراب فصارت ترابا لم يبق نجاسة. # وأيضا فقد تنازع العلماء فيما إذا استحالت حقيقة النجاسة، واتفقوا على أن PageV01P197 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0198.png) ~~الخمر إذا انقلبت بفعل الله بدون قصد صاحبها، وصارت خلا، أنها تطهر. ولهم فيها ~~إذا قصد التخليل نزاع وتفصيل والصحيح أنه إذا قصد تخليلها لا تطهر بحال، كما ~~ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ لما صح من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~تخليلها، ولأن حبسها معصية، والطهارة نعمة، والمعصية لا تكون سببا للنعمة. # وتنازعوا فيما إذا صارت النجاسة ملحا في الملاحة، أو صارت رمادا، أو ~~صارت الميتة والدم والصديد ترابا: كتراب المقبرة، فهذا فيه قولان في مذهب مالك، ~~وأحمد . أحدهما : أن ذلك طاهر كمذهب أبي حنيفة، وأهل الظاهر. # والثاني : أنه نجس، كمذهب الشافعي. والصواب أن ذلك كله طاهر إذا لم يبق ~~شيء من أثر النجاسة، لا طعمها ولا لونها ولا ريحها؛ لأن الله أباح الطيبات، وحرم ~~الخبائث، وذلك يتبع صفات الأعيان وحقائقها فإذا كانت العين ملحا أو خلا دخلت ~~في الطيبات، التي أباحها الله، ولم تدخل في الخبائث التي حرمها الله، وكذلك ~~التراب والرماد وغير ذلك لا يدخل في ms0207 نصوص التحريم. وإذا لم تتناولها أدلة ~~التحريم . لا لفظا ولا معنى لم يجز القول بتنجيسه وتحريمه، فيكون طاهرا، وإذا كان ~~هذا في غير التراب، فالتراب أولى بذلك. # وحينئذ فطين الشوارع إذا قدر أنه لم يظهر به أثر النجاسة فهو طاهر، وإن تيقن ~~أن النجاسة فيه، فهذا يعفى عن يسيره، فإن الصحابة - رضوان الله عليهم - كان ~~أحدهم يخوض في الوحل، ثم يدخل المسجد، فيصلي ولا يغسل رجليه، وهذا ~~معروف عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وغيره من الصحابة كما تقدم. وقد ~~حكاه مالك عنهم مطلقا، وذكر أنه لو كان في الطين عذرة منبثة لعفي عن ذلك، ~~وهكذا قال غيره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه يعفى عن يسير ~~طين الشوارع، مع تيقن نجاسته. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن الخمرة: إذا انقلبت خلا ولم يعلم بقلبها، هل له ~~أن يأكلها? أو يبيعها? أو إذا علم أنها انقلبت، هل يأكل منها أو يبيعها ? # فأجاب : أما التخليل ففيه نزاع . قيل: يجوز تخليلها. كما يحكى عن ~~أبي حنيفة. وقيل : لا يجوز؛ لكن إذا خللت طهرت، كما يحكى عن مالك، وقيل : ~~يجوز بنقلها من الشمس إلى الظل، وكشف الغطاء عنها، ونحو ذلك؛ دون أن يلقى ~~فيها شيء . كما هو وجه في مذهب الشافعي وأحمد. # وقيل : لا يجوز بحال. كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد، وهذا ~~هو الصحيح؛ فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم،: إنه سئل عن خمر ليتامى فأمر بإراقتها. PageV01P198 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0199.png) ~~فقيل له: إنهم فقراء، فقال : سيغنيهم الله من فضله فلما أمر بإراقتها، ونهى عن ~~تخليلها، وجبت طاعته فيما أمر به، ونهى عنه . فيجب أن تراق الخمرة ولا تخلل. ~~هذا مع كونهم كانوا يتامى، ومع كون تلك الخمرة كانت متخذة قبل التحريم، فلم ~~يكونوا عصاة . ~~فإن قيل: هذا منسوخ، لأنه كان في أول الإسلام، فأمروا بذلك كما أمروا بكسر ~~الآنية وشق الظروف ليمتنعوا عنها. قيل : هذا غلط من وجوه. ~~أحدها: أن أمر الله ورسوله، ms0208 لا ينسخ إلا بأمر الله ورسوله، ولم يرد بعد هذا ~~نص ينسخه. # الثاني : أن الخلفاء الراشدين بعد موته عملوا بهذا. كما ثبت عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال : لا تأكلوا خل خمر ، إلا خمرا بدأ الله بفسادها، ولا جناح على ~~مسلم أن يشتري من خل أهل الذمة1 . فهذا عمر ينهي عن خل الخمر التي قصد ~~إفسادها، ويأذن فيما بدأ الله بإفسادها، ويرخص في اشتراء خل الخمر . من أهل ~~لكتاب؛ لأنهم لا يفسدون خمرهم، وإنما يتخلل بغير اختيارهم. وفي قول عمر ~~حجة على جميع الأقوال. # الوجه الثالث : أن يقال: الصحابة كانوا أطوع الناس لله ورسوله، ولهذا لما ~~حرم عليهم الخمر أراقوها، فإذا كانوا مع هذا قد نهوا عن تخليلها وأمروا بإراقتها، ~~فمن بعدهم من القرون أولى منهم بذلك، فإنهم أقل طاعة لله ورسوله منهم. # يبين ذلك أن عمر بن الخطاب غلظ على الناس العقوبة في شرب الخمر، حتى ~~كان ينفي فيها، لأن أهل زمانه كانوا أقل اجتنابا لها من الصحابة على عهد ~~سول الله له صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون زمان ليس فيه رسول الله اله صلى صلى الله عليه وسلم ولا عمر بن الخطاب ~~يضي الله عنه ?! لا ريب أن أهله أقل اجتنابا للمحارم، فكيف تسد الذريعة عن ~~أولئك المتقين، وتفتح لغيرهم، وهم أقل تقوى منهم. # وأما ما يروى : لاخير خلكم خل خمركم فهذا الكلام لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ~~نقله عنه فقد أخطا، ولكن هو كلام صحيح، فإن خل الخمر لا يكون فيها ماء، ولكن ~~المراد به الذي بدا الله بقلبه. وأيضا فكل خمر يعمل من العنب بلا ماء فهو مثل خل ~~الخمر. # وقد وصف العلماء عمل الخل: أنه يوضع أولا في العنب شيء يحمضه حتى ~~لا يستحيل أولا خمرا. ولهذا تنازعوا في خمرة الخلال: هل يجب إراقتها ? على PageV01P199 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0200.png) ~~قولين في مذهب أحمد وغيره: أظهرهما وجوب إراقتها، كغيرها؛ فإنه ليس في ~~الشريعة خمرة محترمة، ولو كان لشيء من الخمر حرمة لكانت لخمر اليتامى، ms0209 التي ~~اشتريت لهم قبل التحريم، وذلك أن الله أمر باجتناب الخمر، فلا يجوز اقتناؤها، ~~ولا يكون في بيت مسلم خمر أصلا، وإنما وقعت الشبهة في التخليل؛ لأن بعض ~~العلماء اعتقد أن التخليل إصلاح لها، كدباغ الجلد النجس. # وبعضهم قال : اقتناؤها لا يجوز . لا لتخليل، ولا غيره. لكن إذا صارت خلا ~~فكيف تكون نجسة?! وبعضهم قال: إذا ألقي فيها شيء تنجس أولا، ثم تنجست به ~~ثانيا، بخلاف ما إذا لم يلق فيها شيء، فإنه لا يوجب التنجيس. # وأما أهل القول الراجح فقالوا: قصد المخلل لتخليلها هو الموجب لتنجيسها، ~~إنه قد نهي عن اقتنائها، وأمر بإراقتها، فإذا قصد التخليل كان قد فعل محرما. وغاية ~~ما يكون تخليلها كتذكية الحيوان، والعين إذا كانت محرمة لم تصر محللة بالفعل ~~المنهي عنه ؛ لأن المعصية لا تكون سببا للنعمة والرحمة. # ولهذا لما كان الحيوان محرما قبل التذكية، ولا يباح إلا بالتذكية، فلو ذكاه ~~تذكية محرمة مثل أن يذكيه في غير الحلق واللبة مع قدرته عليه. أو لا يقصد ذكاته، ~~أو يأمر وثنيا أو مجوسيا بتذكيته، ونحو ذلك لم يبح. وكذلك الصيد إذا قتله المحرم ~~لم يصر ذكيا، فالعين الواحدة تكون طاهرة حلالا في حال، وتكون حراما نجسة في ~~حال . تارة باعتبار الفاعل : كالفرق بين الكتابي والوثني . وتارة باعتبار الفعل كالفرق ~~بين الذبيحة بالمحدد وغيره. وتارة باعتبار المحل وغيره كالفرق بين العنق وغيره. ~~وتارة باعتبار قصد الفاعل كالفرق بين ما قصد تذكيته وما قصد قتله . حتى إنه عند ~~مالك والشافعي وأحمد إذا ذكي الحلال صيدا أبيح للحلال دون المحرم، فيكون ~~حلالا طاهرا في حق هذا حراما نجسا في حق هذا، وانقلاب الخمر إلى الخل من هذا ~~النوع مثل ما كان ذلك محظورا، فإذا قصده الإنسان لم يصر الخل به حلالا، ~~ولا طاهرا، كما لم يصر لحم الحيوان حلالا طاهرا بتذكية غير شرعية. # وما ذكرناه عن عمر بن الخطاب هو الذي يعتمد عليه في هذه المسألة، أنه متى ~~علم أن صاحبها قد قصد تخليلها لم تشتر منه، وإذا ms0210 لم يعلم ذلك جاز اشتراؤها منه؛ ~~لأن العادة أن صاحب الخمر لا يرضى أن يخللها. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن الزيت إذا وقعت فيه النجاسة مثل الفأرة ونحوها، ~~وماتت فيه . هل ينجس أم لا? وإذا قيل ينجس، فهل يجوز أن يكاثر بغيره حتى يبلغ ~~قلتين أم لا? وإذا قيل تجوز المكاثرة، هل يجوز إلقاء الطاهر على النجس، أو ~~بالعكس، أو لا فرق. وإذا لم تجز المكاثرة وقيل بنجاسته هل لهم طريق في الانتفاع ~~به مثل الاستصباح به أو غسله إذا قيل يطهر بالغسل أم لا? وإذا كانت المياه النجسة PageV01P200 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0201.png) ~~اليسيرة تطهر المكاثرة هل تطهر سائر المائعات بالمكاثرة أم لا? ~~فأجاب : الحمد لله. أصل هذه المسألة أن المائعات إذا وقعت فيها نجاسة، ~~فهل تنجس وإن كانت كثيرة فوق القلتين ? أو تكون كالماء فلا تنجس مطلقا إلا ~~بالتغير? أو لا ينجس الكثير إلا بالتغير كما إذا بلغت قلتين . فيه عن أحمد ثلاث ~~روايات: # إحداهن: أنها تنجس، ولو مع الكثرة. وهو قول الشافعي وغيره. # والثانية : أنها كالماء. سواء كانت مائية أو غير مائية، وهو قول طائفة من السلف ~~والخلف: كابن مسعود، وابن عباس، والزهري، وأبي ثور، وغيرهم. وهو قول ~~أبي ثور نقله المروذي عن أبي ثور، ويحكى ذلك لأحمد فقال: إن أبا ثور شبهه ~~بالماء، ذكر ذلك الخلال في جامعه عن المروذي. وكذلك ذكر أصحاب أبي حنيفة أن ~~حكم المائعات عندهم حكم الماء، ومذهبهم في المائعات معروف فيه. فإذا كانت ~~منبسطة بحيث لا يتحرك أحد طرفيها بتحرك الطرف الآخر لم تنجس، كالماء عندهم. ~~وأما أبو ثور فإنه يقول: بالعكس. بالقلتين كالشافعي. والقول أنها كالماء يذكر قولا ~~في مذهب مالك، وقد ذكر أصحابه عنه في يسير النجاسة إذا وقعت في الطعام الكثير ~~روايتين، وروي عن أبي نافع من المالكية في الحباب التي بالشام للزيت تموت فيه ~~الفأرة، إن ذلك لا يضر الزيت، قال: وليس الزيت كالماء. وقال ابن الماجشون في ~~الزيت وغيره تقع فيه الميتة، ولم تغير أوصافه، وكان كثيرا ms0211 لم ينجس؛ بخلاف موتها ~~فيه، ففرق بين موتها فيه، ووقوعها فيه، ومذهب ابن حزم وغيره من أهل الظاهر أن ~~المائعات لا تنجس بوقوع النجاسة إلا السمن، إذا وقعت فيه فأرة، كما يقولون أن ~~الماء لا ينجس إلا إذا بال فيه بائل. # والثالثة: يفرق بين المائع المائي. كخل الخمر، وغير المائي كخل العنب، ~~فيلحق الأول بالماء دون الثاني. # وفي الجملة للعلماء في المائعات ثلاثة أقوال: # أحدها : أنها كالماء. # والثاني : أنها أولى بعدم التنجس من الماء لأنها طعام وإدام، فإتلافها فيه فساد، ~~ولأنها أشد إحالة للنجاسة من الماء، أو مباينة لها من الماء. # والثالث: أن الماء أولى بعدم التنجس منها لأنه طهور. وقد بسطنا الكلام على ~~هذه المسألة في غير هذا الموضع؛ وذكرنا حجة من قال: بالتنجيس، وإنهم احتجوا PageV01P201 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0202.png) ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم، وإن كان مائعا ~~فلا تقربوه رواه أبو داود وغيره؛ وبينا ضعف هذا الحديث. وطعن البخاري ~~والترمذي وأبو حاتم الرازي والدارقطني وغيرهم فيه، وإنهم بينوا أنه غلط فيه معمر ~~على الزهري. # قال أبو داود : (باب في الفأرة تقع في السمن) حدثنا مسدد حدثنا سفيان حدثنا ~~الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم،فقال : ألقوها وما حولها وكلوه. وقال : ثنا أحمد بن صالح ~~والحسين بن علي، واللفظ للحسين قالا : ثنا عبد الرزاق قال : أنبأنا معمر عن الزهري ~~عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صله صلى الله عليه وسلم: إذا وقعت الفأرة في ~~السمن، فإن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه» قال الحسن ~~قال عبد الرزاق : ربما حدث به معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن ~~عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم # قال أبو داود : قال أحمد بن صالح: قال عبد الرزاق: قال أخبرنا ~~عبد الرحمن بن مردويه ، عن ms0212 معمر، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن ~~عباس ، عن ميمونة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث الزهري عن سعيد بن المسيب. وقال ~~أبو عيسى الترمذي في جامعه: # حدثنا سعيد بن عبد الرحمن وأبو عمار قالا : حدثنا سفيان عن الزهري عن ~~عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة، أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل ~~عنها النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألقوها وما حولها وكلوه. قال أبو عيسى : هذا حديث حسن ~~صحيح . وقد روي هذا الحديث عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~سئل ولم يذكروا فيه عن ميمونة. وحديث ابن عباس عن ميمونة أصح. # وروى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~نحوه وهو حديث غير محفوظ . قال : سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث معمر ~~عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صى الله عليه ولم في هذا خطأ. قال: ~~والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة. PageV01P202 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0203.png) # قلت : وحديث معمر هذا الذي خطأه البخاري، وقال الترمذي : إنه غير ~~محفوظ، هو الذي قال فيه إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا ~~فلا تقربوه . كما رواه أبو داود وغيره . وكذلك الإمام أحمد رضي الله عنه في مسنده ~~وغيره، وقد ذكر عبد الرزاق أن معمرا كان يرويه أحيانا من الوجه الآخر، فكان ~~يضطرب في إسناده . كما اضطرب في متنه. وخالف فيه الحفاظ الثقات الذين رووه ~~بغير اللفظ الذي رواه معمر . ومعمر كان معروفا بالغلط، وأما الزهري فلا يعرف منه ~~غلط، فلهذا بين البخاري من كلام الزهري ما دل على خطأ معمر في هذا الحديث. ~~قال البخاري في صحيحه : # «باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب» # ثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه ~~سمع ابن ms0213 عباس يحدث عن ميمونة: أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل النبي صلى الله عليه سلم ~~عنها - فقال : ألقوها وما حولها وكلوه. قيل لسفيان : فإن معمرا يحدثه عن ~~الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : ما سمعت الزهري يقوله إلا عن ~~عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد سمعته منه مرارآ. # ثنا عبدان ثنا عبد الله يعني ابن المبارك، عن يونس عن الزهري أنه سئل عن الدابة ~~تموت في الزيت أو السمن وهو جامد أو غير جامد - الفأرة أو غيرها - قال : «بلغنا - أن ~~رسول لله له صلى الله عليه وسلم ا بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح ثم أكل - من حديث ~~عبيد الله بن عبد الله ثم رواه من طريق مالك كما رواه من طريق ابن عيينة. # وهذا الحديث رواه الناس عن الزهري، كما رواه ابن عيينة بسنده ولفظه. وأما ~~معمر فاضطرب فيه في سنده ولفظه، فرواه تارة عن ابن المسيب عن أبي هريرة. وقال ~~فيه وإن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه. وقيل عنه : وإن ~~كان مائعا فاستصبحوا به . واضطرب على معمر فيه، وظن طائفة من العلماء أن حديث ~~معمر محفوظ فعملوا به، وممن يثبته محمد بن يحيى الذهلي فيما جمعه من حديث ~~الزهري . وكذلك احتج به أحمد لما أفتى بالفرق بين الجامد والمائع، وكان أحمد ~~يحتج أحيانا بأحاديث ثم يتبين له أنها معلولة، كاحتجاجه بقوله : «لا نذر في معصية، ~~وكفارته كفارة يمين»(2) ثم تبين له بعد ذلك أنه معلول فاستدل بغيره. # وأما البخاري والترمذي وغيرهما فعللوا حديث معمر وبينوا غلطه، والصواب PageV01P203 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0204.png) ~~معهم. فذكر البخاري هنا عن إبن عيينة، أنه قال : سمعته من الزهري مرارا لا يرويه ~~إلا عن عبيد الله بن عبد الله، وليس في لفظه إلا قوله: ألقوها وما حولها ~~وكلوه» وكذلك رواه مالك وغيره وذكر من حديث يونس أن الزهري سئل عن ~~الدابة تموت في السمن الجامد وغيره ms0214 فأفتى بأن النبي صلى الله عليه وسلم أر بفأرة ماتت في سمن ~~فأمر بما قرب منها فطرح، فهذه فتيا الزهري في الجامد وغير الجامد، فكيف يكون قد ~~روي في هذا الحديث الفرق بينهما، وهو يحتج على استواء حكم النوعين بالحديث، ~~ورواه بالمعنى؟! # والزهري أحفظ أهل زمانه حتى يقال: إنه لا يعرف له غلط في حديث، ~~ولا نسيان، مع أنه لم يكن في زمانه أكثر حديثا منه . ويقال: إنه حفظ على الأمة ~~تسعين سنة لم يأت بها غيره، وقد كتب عنه سليمان بن عبد الملك كتابا من حفظه، ~~ثم استعاده منه بعد عام، فلم يخط منه حرفا. فلو لم يكن في الحديث إلا نسيان ~~الزهري أو معمر ، لكان نسبة النسيان إلى معمر أولى باتفاق أهل العلم بالرجال مع ~~كثرة الدلائل على نسيان معمر . وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن معمرا كثير ~~الغلط على الزهري . قال الإمام أحمد رضي الله عنه فيما حدثه به محمد بن جعفر ~~غندر عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه؛ أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته ثمان ~~نسوة. فقال أحمد : هكذا حدث به معمر بالبصرة، وحدثهم بالبصرة من حفظه، ~~وحدث به باليمن عن الزهري بالاستقامة. # وقال أبو حاتم الرازي : ما حدث به معمر بن راشد بالبصرة ففيه أغاليط، وهو ~~صالح الحديث، وأكثر الرواة الذين رووا هذا الحديث عن معمر عن سعيد بن المسيب ~~عن أبي هريرة هم البصريون . كعبد الواحد بن زياد، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى ~~الشامي ، والاضطراب في المتن ظاهر. # فإن هذا يقول : إن كان ذائبا أو مائعا لم يؤكل وهذا يقول : وإن كان مائعا ~~فلا تنتفعوا به، واستصبحوا به» وهذا يقول : «فلا تقربوه» وهذا يقول : «فأمر بها أن ~~تؤخذ وما حولها فتطرح فأطلق الجواب. ولم يذكر التفصيل. # وهذا يبين أنه لم يروه من كتاب بلفظ مضبوط، وإنما رواه بحسب ما ظنه من ~~المعنى فغلط، وبتقدير صحة هذا اللفظ وهو قوله : وإن كان مائعا فلا تقربوه فإنما ~~يدل على نجاسة القليل الذي وقعت ms0215 فيه النجاسة كالسمن المسؤول عنه، فإنه من ~~المعلوم أنه لم يكن عند السائل سمن فوق قلتين يقع فيه فأرة، حتى يقال فيه: ترك ~~الاستفصال، في حكاية الحال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال. بل PageV01P204 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0205.png) ~~السمن الذي يكون عند أهل المدينة في أوعيتهم يكون في الغالب قليلا فلو صح ~~الحديث لم يدل إلا على نجاسة القليل. فإن المائعات الكثيرة إذا وقعت فيها نجاسة ~~فلا يدل على نجاستها لا نص صحيح ولا ضعيف ولا إجماع ولا قياس صحيح . # وعمدة من ينجسه يظن أن النجاسة إذا وقعت في ماء أو مائع سرت فيه كله ~~فنجسته. وقد عرف فساد هذا، وإنه لم يقل أحد من المسلمين بطرده، فإن طرده ~~يوجب نجاسة البحر، بل الذين قالوا؛ هذا الأصل الفاسد : منهم من استثنى ~~ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الآخر، ومنهم من استثنى في بعض النجاسات ~~ما لا يمكن نزحه، ومنهم من استثنى ما فوق القلتين، وعلل بعضهم المستثنى بمشقة ~~التنجيس، وبعضهم بعدم وصول النجاسة إلى الكثير، وبعضهم بتعذر التطهير، وهذه ~~العلل موجودة في الكثير من الأدهان؛ فإنه قد يكون في الحب العظيم قناطير مقنطرة ~~من الزيت، ولا يمكنهم صيانته عن الواقع، والدور والحوانيت مملوءة مما لا يمكن ~~صيانته كالسكر وغيره فالعسر والحرج بتنجيس هذا عظيم جدا. # ولهذا لم يرد بتنجيس الكثير أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، واختلف كلام ~~أحمد رحمه الله في تنجيس الكثير. وأما القليل فإنه ظن صحة حديث معمر فأخذ به. ~~وقد اطلع غيره على العلة القادحة فيه ولو اطلع عليها لم يقل به؛ ولهذا نظائر كان ~~يأخذ بحديث ثم يتبين له ضعفه فيترك الأخذ به، وقد يترك الأخذ به قبل أن تتبين ~~صحته، فإذا تبين له صحته أخذ به. وهذه طريقة أهل العلم والدين رضي الله عنهم. # ولظنه صحته عدل إليه عما رآه من آثار الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. ~~فروى صالح بن أحمد في مسائله عن أبيه أحمد بن حنبل : ثنا أبي، ms0216 ثنا إسماعيل، ثنا ~~عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة : أن ابن عباس سئل عن فأرة ماتت في سمن قال : ~~تؤخذ الفأرة وما حولها. قلت: يا مولانا فإن أثرها كان في السمن كله، قال: ~~عضضت بهن أبيك، إنما كان أثرها بالسمن وهي حية، وإنما ماتت حيث وجدت. ثنا ~~أبي، ثنا وكيع، ثنا النضر بن عربي، عن عكرمة، قال : جاء رجل إلى ابن عباس ~~فسأله عن جر فيه زيت وقع فيه جرذ فقال ابن عباس: خذه وما حوله فألقه وكله. ~~قلت : أليس جال في الجر كله? قال: إنه جال وفيه الروح، فاستقر حيث مات. ~~وروى الخلال عن صالح قال: ثنا أبي وثنا وكيع، ثنا سفيان، عن حمران بن أعين، ~~عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي، قال: سئل ابن مسعود عن فأرة وقعت في ~~سمن? فقال : إنما حرم من الميتة لحمها ودمها. # قلت : فهذه فتاوى ابن عباس وابن مسعود والزهري، مع أن ابن عباس هو ~~راوي حديث ميمونة، ثم أن قول معمر في الحديث الضعيف فلا تقربوه متروك عند ~~عامة السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة، فإن جمهورهم يجوزون PageV01P205 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0206.png) ~~الاستصباح به، وكثير منهم يجوز بيعه، أو تطهيره، وهذا مخالف لقوله: «فلا ~~تقربوه. # ومن نصر هذا القول يقول قول النبي صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء ~~احتراز عن الثوب والبدن والإناء، ونحو ذلك مما يتنجس، والمفهوم لا عموم له، ~~وذلك لا يقتضي أن كل ما ليس بماء يتنجس، فإن الهواء ونحوه لا يتنجس، وليس ~~بماء، كما أن قوله : إن الماء لا يجنب، احتراز عن البدن فإنه يجنب، ولا يقتضي ~~ذلك أن كل ما ليس بماء يجنب؛ ولكن خص الماء بالذكر في الموضعين للحاجة إلى ~~بيان حكمه، فإن بعض أزواجه اغتسلت فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بسؤرها فأخبرته أنها ~~كانت جنبا، فقال : إن الماء لا يجنب مع أن الثوب لا يجنب والأرض ~~لا تجنب، وتخصيص الماء بالذكر لمفارقة البدن، لا لمفارقة كل شيء، وكذلك قالوا ~~له : أنتوضأ ms0217 من بئر بضاعة ? وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال: ~~1 الماء طهور لا ينجسه شيء»() فنفى عنه النجاسة للحاجة إلى بيان ذلك، كما نفى ~~عنه الجنابة للحاجة إلى بيان ذلك. والله سبحانه قد أباح لنا الطيبات وحرم علينا ~~الخبائث . والنجاسات من الخبائث، فالماء إذا تغير بالنجاسة حرم استعماله؛ لأن ذلك ~~استعمال للخبيث . # وهذا مبني على أصل: وهو أن الماء الكثير إذا وقعت فيه النجاسة، فهل مقتضى ~~القياس تنجسه لاختلاط الحلال بالحرام إلى حيث يقوم الدليل على تطهيره، أو ~~مقتضى القياس طهارته إلى أن تظهر فيه النجاسة الخبيثة التي يحرم استعمالها? للفقهاء ~~من أصحاب أحمد وغيرهم في هذا الأصل قولان: # أحدهما: قول من يقول : الأصل النجاسة، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة، ومن ~~وافقهم من أصحاب الشافعي، وأحمد، بناء على أن اختلاط الحلال بالحرام يوجب ~~تحريمهما جميعا. # ثم إن أصحاب أبي حنيفة طردوا ذلك فيما إذا كان الماء يتحرك أحد طرفيه ~~بتحرك الطرف الآخر. قالوا : لأن النجاسة تبلغه، إذا بلغته الحركة، ولم يمكنهم طرده ~~فيما زاد على ذلك، وإلا لزم تنجيس البحر، والبحر لا ينجسه شيء بالنص ~~والإجماع، ولم يطردوا ذلك فيما إذا كان الماء عميقا ومساحته قليلة، ثم إذا تنجس ~~الماء، فالقياس عندهم يقتضي أن لا يطهر بنزح، فيجب طم الآبار المتنجسة، وطرد ~~هذا القياس بشر المريسي. PageV01P206 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0207.png) # وأما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا : بالتطهير بالنزح استحسانا، إما بنزح البئر كلها ~~إذا كبر الحيوان، أو تفسخ، وإما بنزح بعضها إذا صغر بدلاء ذكروا عددها، فما أمكن ~~طرد ذلك القياس . # وكذلك أصحاب الشافعي وأحمد قالوا: بطهارة ما فوق القلتين، لأن ذلك ~~يكون في الفلوات والغدران التي لا يمكن صيانتها عن النجاسة فجعلوا طهارة ذلك ~~رخصة لأجل الحاجة على خلاف القياس، وكذلك من قال من أصحاب أحمد : إن ~~البول والعذرة الرطبة لا ينجس بهما إلا ما أمكن نزحه، ترك طرد القياس؛ لأن ~~ما يتعذر نزحه يتعذر تطهيره، فجعل تعذر التطهير مانعا من التنجس. # فهذه الأقوال وغيرها من مقالات القائلين بهذا ms0218 الأصل: تبين أنه لم يطرده أحد ~~من الفقهاء، وأن كلهم خالفوا فيه القياس رخصة، وأباحوا ما تخالطه النجاسات من ~~المياه لأجل الحاجة الخاصة. # وأما القول الثاني : فهو قول من يقول القياس أن لا ينجس الماء حتى يتغير، كما ~~قاله من قاله من فقهاء الحجاز والعراق، وفقهاء الحديث، وغيرهم كمالك وأصحابه، ~~ومن وافقهم من أصحاب الشافعي وأحمد، وهذه طريقة القاضي أبي يعلى ابن القاضي ~~أبي حازم مع قوله : إن القليل ينجس بالملاقاة، وأما ابن عقيل وابن المنى وابن ~~المظفر وابن الجوزي وأبو نصر وغيرهم من أصحاب أحمد فنصروا هذا أنه لا ينجس ~~إلا بالتغير، كالرواية الموافقة لأهل المدينة، وهو قول أبي المحاسن الروياني، وغيره ~~من أصحاب الشافعي. # وقال الغزالي: وددت أن مذهب الشافعي في المياه كان كمذهب مالك، وكلام ~~أحمد وغيره موافق لهذا القول، فإنه لما سئل عن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت ~~طعمه أو لونه بأي شيء ينجس? والحديث المروي في ذلك وهو قوله: «الماء طهور ~~لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ضعيف? فأجاب : بأن الله حرم ~~الميتة، والدم، ولحم الخنزير، فإذا ظهر في الماء طعم الدم أو الميتة، أو لحم ~~الخنزير، كان المستعمل لذلك مستعملا لهذه الخبائث، ولو كان القياس عنده التحريم ~~مطلقا لم يخص صورة التحريم باستعمال النجاسة. # وفي الجملة فهذا القول هو الصواب، وذلك أن الله حرم الخبائث التي هي الدم ~~والميتة ولحم الخنزير، ونحو ذلك، فإذا وقعت هذه في الماء أو غيره واستهلكت لم ~~يبق هناك دم ولا ميتة ولا لحم خنزير أصلا، كما أن الخمر إذا استهلكت في المائع PageV01P207 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0208.png) ~~لم يكن الشارب لها شاربا للخمر، والخمرة إذا استحالت بنفسها وصارت خلا كانت ~~طاهرة باتفاق العلماء، وهذا على قول من يقول : إن النجاسة إذا استحالت طهرت ~~أقوى . كما هو مذهب أبي حنيفة، وأهل الظاهر، وأحد القولين في مذهب مالك ~~وأحمد، فإن انقلاب النجاسة ملحا ورمادا ونحو ذلك هو كانقلابها ماء، فلا فرق بين ~~أن تستحيل رمادا أو ملحا ms0219 أو ترابا أو ماء أو هواء، ونحو ذلك، والله تعالى قد أباح ~~لنا الطيبات . # وهذه الأدهان والألبان والأشربة الحلوة والحامضة وغيرها من الطيبات والخبيثة ~~قد استهلكت واستحالت فيها، فكيف يحرم الطيب الذي أباحه الله تعالى، ومن الذي ~~قال : إنه إذا خالطه الخبيث واستهلك فيه واستحال قد حرم؟ وليس على ذلك دليل ~~لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا قياس؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في حديث بئر بضاعة ~~لما ذكر له أنها يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال : لالماء طهور لا ينجسه ~~شيء وقال في حديث القلتين : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث وفي ~~اللفظ الآخر : «لم ينجسه شيء» رواه أبو داود وغيره. # فقوله : لم يحمل الخبث بين أن تنجيسه بأن يحمل الخبث، أي بأن يكون ~~الخبث فيه محمولا، وذلك يبين أنه مع استحالة الخبث لا ينجس الماء. # وإذا عرف أصل هذه المسألة؛ فالحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها؛ كالخمر لما ~~كان الموجب لتحريمها ونجاستها هي الشدة المطربة فإذا زالت بفعل الله طهرت؛ ~~بخلاف ما إذا زالت بقصد الآدمي على الصحيح. كما قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه : «لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها ولا جناح على ~~مسلم أن يشتري خل خمر من أهل الكتاب ما لم يعلم أنهم تعمدوا فسادها. # وذلك لأن اقتناء الخمر محرم، فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما، ~~والفعل المحرم لا يكون سببا للحل، والإباحة، وأما إذا اقتناها لشربها واستعمالها ~~خمرا فهو لا يريد تخليلها، وإذا جعلها الله خلا كان معاقبة له بنقيض قصده، ~~فلا يكون في حلها وطهارتها مفسدة. PageV01P208 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0209.png) # وأما سائر النجاسات فيجوز التعمد لإفسادها؛ لأن إفسادها ليس بمحرم . كما ~~لا يحد شاربها؛ لأن النفوس لا يخاف عليها بمقاربتها المحظور كما يخاف من مقاربة ~~الخمر؛ ولهذا جوز الجمهور أن تدبغ جلود الميتة، وجوزوا أيضا إحالة النجاسة بالنار ~~وغيرها، والماء لنجاسته سببان: # أحدهما : متفق عليه، والآخر مختلف فيه. # فالمتفق عليه التغير بالنجاسة، فمتى ms0220 كان الموجب لنجاسته التغير فزال التغير كان ~~طاهرا. كالثوب المضمخ بالدم إذا غسل عاد طاهرا. # والثاني : القلة؛ فإذا كان الماء قليلا روقعت فيه نجاسة ففي نجاسته قولان للعلماء، ~~فمذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه أنه ينجس ما دون القلتين، وأحمد في ~~الرواية المشهورة عنه يستثنى البول والعذرة المائعة، فيجعل ما أمكن نزحه نجسا بوقوع ~~ذلك فيه. ومذهب أبي حنيفة ينجس ما وصلت إليه الحركة، ومذهب أهل المدينة وأحمد ~~في الرواية الثالثة أنه لا ينجس، ولو لم يبلغ قلتين، واختار هذا القول بعض الشافعية ~~كإحدى الروايات، وقد نصر هذه الرواية بعض أصحاب الشافعي كما نصر الأولى طائفة ~~كثيرة من أصحاب أحمد، لكن طائفة من أصحاب مالك قالوا : إن قليل الماء ينجس بقليل ~~النجاسة، ولم يحدوا ذلك بقلتين، وجمهور أهل المدينة أطلقوا القول، فهؤلاء ~~لا ينجسون شيئا إلا بالتغير، ومن سوى بين الماء والمائعات كإحدى الروايتين عن أحمد، ~~وقال بهذا القول الذي هو رواية عن أحمد قال في المائعات كذلك، كما قاله الزهري ~~وغيره. فهؤلاء لا ينجسون شيئا من المائعات إلا بالتغير كما ذكره البخاري في صحيحه؛ ~~لكن على المشهور عن أحمد اعتبار القلتين في الماء. # وكذلك في المائعات إذا سويت به. فنقول: إذا وقع في المائع القليل نجاسة ~~فصب عليه مائع كثير فيكون الجميع طاهرا، إذا لم يكن متغيرا، وإن صب عليه ماء ~~قليل دون القلتين فصار الجميع كثيرا فوق القلتين ففي ذلك وجهان في مذهب أحمد: # أحدهما: وهو مذهب الشافعي في الماء أن الجميع طاهر. # والوجه الثاني: أنه لا يكون طاهرا حتى يكون المضاف كثيرا. والمكاثرة ~~المعتبرة أن يصب الطاهر على النجس، ولو صب النجس على الطاهر الكثير كان كما ~~لو صب الماء النجس على ماء كثير طاهر أيضا، وذلك مطهر له إذا لم يكن متغيرا، ~~وإن صب القليل الذي لاقته النجاسة على قليل لم تلاقه النجاسة - وكان الجميع كثيرا ~~فوق القلتين - كان كالماء القليل إذا ضم إلى القليل، وفي ذلك الوجهان المتقدمان. # وهذا القول الذي ذكرناه من أن ms0221 المائعات كالماء أولى بعدم التنجيس من الماء ~~هو الأظهر في الأدلة الشرعية، بل لو نجس القليل من الماء لم يلزم تنجيس الأشربة PageV01P209 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0210.png) ~~والأطعمة، ولهذا أمر مالك بإراقة ما ولغ فيه الكلب من الماء القليل كما جاء في ~~الحديث ولم يأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب من الأطعمة والأشربة، واستعظم إراقة ~~الطعام والشراب بمثل ذلك، وذلك لأن الماء لا ثمن له في العادة، بخلاف أشربة ~~المسلمين وأطعمتهم فإن في نجاستها من المشقة والحرج والضيق ما لا يخفى على ~~الناس، وقد تقدم أن جميع الفقهاء يعتبرون رفع الحرج في هذا الباب، فإذا لم ينجسوا ~~الماء الكثير رفعا للحرج. فكيف ينجسون نظيره من الأطعمة والأشربة ? والحرج في ~~هذا أشق، ولعل أكثر المائعات الكثيرة لا تكاد تخلو من نجاسة. # فإن قيل : الماء يدفع النجاسة من غيره، فعن نفسه أولى وأحرى، بخلاف ~~المائعات . # قيل : الجواب عن ذلك من وجوه. # أحدها : أن الماء إنما دفعها عن غيره لأنه يزيلها عن ذلك المحل، وتنتقل معه ~~فلا يبقى على المحل نجاسة، وأما إذا وقعت فيهن فإنما كان طاهرا لاستحالتها فيه، ~~لا لكونه أزالها عن نفسه؛ ولهذا يقول أصحاب أبي حنيفة : إن المائعات كالماء في ~~الإزالة، وهي كالماء في التنجيس، وإذا كان كذلك لم يلزم من كون الماء يزيلها إذا ~~زالت معه أن يزيلها إذا كانت فيه . ونظير الماء الذي فيه النجاسة الغسالة المنفصلة عن ~~المحل، وتلك نجسة قبل طهارة المحل. وفيها بعد طهارة المحل ثلاثة أوجه: هل ~~هي طاهرة، أو مطهرة، أو نجسة؟ # وأبو حنيفة نظر إلى هذا المعنى فقال : الماء ينجس بوقوعها فيه، وإن كان ~~يزيلها عن غيره لما ذكرنا، فإذا كانت النصوص وقول الجمهور على أنها لا تنجس ~~بمجرد الوقوع مع الكثرة، كما دل عليه قول النبيصلى الله عليه وسلم :الماء طهور لا ينجسه ~~شيء»1 وقوله : «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» فإنه إذا كان طهورا يطهر ~~به غيره علم أنه لا ينجس بالملاقاة. إذ لو نجس بها لكان إذا صب عليه النجاسة ms0222 ~~ينجس بملاقاتها، فحينئذ لا ينجس بوقوع النجاسة فيه؛ لكن إن بقيت عين النجاسة ~~حرمت، وإن استحالت زالت. # فدل ذلك على أن استحالة النجاسة بملاقاته لها فيه لا ينجس، وإن لم تكن قد ~~زالت كما زالت عن المحل . فإن من قال إنه يدفعها عن نفسه كما يزيلها عن غيره فقد ~~خالف المشاهدة، وهذا المعنى يوجد في سائر المائعات من الأشربة وغيرها. # الوجه الثاني : أن يقال: غاية هذا أن يقتضي أنه يمكن إزالة النجاسة بالمائع، PageV01P210 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0211.png) ~~وهذا أحد القولين في مذهب أحمد ومالك، كما هو مذهب أبي حنيفة وغيره. وأحمد ~~جعله لازما لمن قال : إن المائع لا ينجس بملاقاة النجاسة، وقال : يلزم على هذا أن ~~تزال به النجاسة، وهذا لأنه إذا دفعها عن نفسه دفعها عن غيره كما ذكروه في الماء، ~~فيلزم جواز إزالته بكل مائع طاهر مزيل للعين قلاع للأثر على هذا القول . وهذا هو ~~القياس فنقول به على هذا التقدير . وإن كان لا يلزم من دفعها عن نفسه دفعها عن ~~غيره، لكون الإحالة أقوى من الإزالة فيلزم من قال : إنه يجوز إزالة النجاسة بغير الماء ~~من المائعات أن تكون المائعات كالماء، فإذا كان الصحيح في الماء أنه لا ينجس إلا ~~بالتغير إما مطلقا، وإما مع الكثرة - فكذلك الصواب في المائعات. # وفي الجملة التسوية بين الماء والمائعات ممكن على التقديرين، وهذا مقتضى ~~النص والقياس في مسألة إزالة النجاسات، وفي مسألة ملاقاتها للمائعات الماء وغير ~~الماء. # ومن تدبر الأصول المنصوصة المجمع عليها، والمعاني الشرعية المعتبرة في ~~الأحكام الشرعية تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال، فإن نجاسة الماء والمائعات بدون ~~التغير بعيد عن ظواهر النصوص والأقيسة، وكون حكم النجاسة يبقى في مواردها بعد ~~إزالة النجاسة بمائع أو غير مائع بعيد عن الأصول، وموجب القياس. # ومن كان فقيها خبيرا بمآخذ الأحكام الشرعية، وأزال عنه الهوى، تبين له ذلك، ~~ولكن إذا كان في استعمالها فساد فإنه ينهى عن ذلك، كما ينهى عن ذبح الخيل التي ~~يجاهد عليها، والإبل التي يحج عليها، والبقر التي ms0223 يحرث عليها، ونحو ذلك . لما في ~~ذلك من الحاجة إليها لا لأجل الخبث، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~كان في بعض أسفاره مع أصحابه فنفدت أزوادهم فاستأذنوه في نحر الظهر فأذن لهم، ~~ثم أتى عمر فسأله أن يجمع الأزواد فيدعو الله بالبركة فيها ويبقى الظهر، ففعل ~~ذلك فنهيه لهم عن نحر الظهر كان لحاجتهم إليه للركوب؛ لا لأن الإبل محرمة. ~~فهكذا ينهى فيما يحتاج إليه من الأطعمة والأشربة عن إزالة النجاسة بها، كما ينهى عن ~~الاستنجاء بما له حرمة من طعام الإنس والجن وعلف دواب الإنس والجن، ولم يكن ~~ذلك لكون هذه الأعيان لا يمكن الاستنجاء بها، بل لحرمتها، فالقول في المائعات ~~كالقول في الجامدات. # الوجه الثالث: أن يقال إحالة المائعات للنجاسة إلى طبعها أقوى من إحالة ~~الماء، وتغير الماء بالنجاسات أسرع من تغير المائعات، فإذا كان الماء لا ينجس بما ~~وقع فيه من النجاسة لاستحالتها إلى طبيعته، فالمائعات أولى وأحرى. PageV01P211 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0212.png) # الوجه الرابع : أن النجاسة إذا لم يكن لها في الماء والمائع طعم ولا لون ~~ولا ريح فلا نسلم أن يقال بنجاسته أصلا، كما في الخمر المنقلبة أو أبلغ، وطرد ~~ذلك في جميع صور الاستحالة . فإن الجمهور على أن المستحيل من النجاسات طاهر ~~كما هو المعروف عن الحنفية والظاهرية وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، ~~ووجه في مذهب الشافعي. # الوجه الخامس : أن دفع المائعات للنجاسة عن نفسها كدفع الماء لا يختص ~~بالماء، بل هذا الحكم ثابت في التراب وغيره؛ فإن العلماء اختلفوا في النجاسة إذا ~~أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة هل تطهر الأرض على قولين: # أحدهما : تطهر، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب الشافعي ~~وأحمد، وهو الصحيح في الدليل. فإنه ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ~~لاكانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله له صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئا ~~من ذلك . وفي السنن أنه قال : ( إذا أتى أحدكم ms0224 المسجد فلينظر في نعليه، فإن كان ~~فيهما أذى فليدلكهما في التراب فإن التراب لهما طهور. وكان الصحابة كعلي بن ~~بي طالب وغيره يخوضون في الوحل ثم يدخلون يصلون بالناس، ولا يغسلون ~~أقدامهم. # وأوكد من هذا قوله صلى الله عليه وسلم في ذيول النساء، إذا أصابت أرضا طاهرة بعد أرض ~~خبيثة : « تلك بتلك11 وقوله : «يطهره ما بعده» وهذا هو أحد القولين في مذهب أحمد ~~وغيره، وقد نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي التي شرحها ~~إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وهي من أجل المسائل. وهذا لأن الذيول تتكرر ~~ملاقاتها للنجاسة، فصارت كأسفل الخف، ومحل الاستنجاء. فإذا كان الشارع قد ~~جعل الجامدات تزيل النجاسة عن غيرها، لأجل الحاجة . كما في الاستنجاء ~~بالأحجار، وجعل الجامد طهورا، علم أن ذلك وصف لا يختص بالماء. # وإذا كانت الجامدات لا تنجس بما استحال إليها من النجاسة، فالمائعات أولى ~~وأحرى لأن إحالتها أشد وأسرع، ولبسط هذه المسائل وما يتعلق بها مواضع غير ~~هذا. # وأما من قال أن الدهن ينجس بما يقع فيه: ففي جواز الاستصباح به قولان في ~~طانفة من الصحابة فوفي لحعارلة بالفسيل واجهان في مذمب مالك والشافعي كواحمد. # أحدهما: يطهر بالغسل كما اختاره ابن شريح، وأبو الخطاب، وابن شعبان، ~~وغيرهم، وهو المشهور من مذهب الشافعي وغيره. PageV01P212 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0213.png) ~~والثانى : لا يطهر بالغسل، وعليه أكثرهم. وهذا النزاع يجري في الدهن المتغير ~~بالنجاسة، فإنه نجس بلا ريب، ففي جواز الاستصباح به هذا النزاع. وكذلك في ~~غسله هذا النزاع. ~~وأما بيعه فالمشهور أنه لا يجوز بيعه، لا من مسلم ولا من كافر. وهو ~~المشهور في مذهب الشافعي وغيره، وعن أحمد أنه يجوز بيعه من كافر، إذا أعلم ~~بنجاسته. كما روي عن أبي موسى الأشعري، وقد خرج قول له بجواز بيعه منهم من ~~خرجه على جواز الاستصباح به، كما فعل أبو الخطاب وغيره وهو ضعيف؛ لأن ~~أحمد وغيره من الأئمة فرقوا بينهما. # ومنهم من خرج جواز بيعه على جواز تطهيره؛ لأنه إذا جاز تطهيره صار كالثوب ~~النجس، والإناء ms0225 النجس وذلك يجوز بيعه وفاقا. وكذلك أصحاب الشافعي لهم في ~~جواز بيعه إذا قالوا : بجواز تطهيره، وجهان، ومنهم من قال : يجوز بيعه مطلقا، والله ~~أعلم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى # فصل # وأما المائعات: كالزيت والسمن، وغيرهما من الأدهان، كالخل واللبن ~~وغيرهما، إذا وقعت فيه نجاسة مثل الفأرة الميتة، ونحوها من النجاسات، ففي ذلك ~~قولان للعلماء. # أحدهما : أن حكم ذلك حكم الماء، وهذا قول الزهري وغيره من السلف، وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد، ويذكر رواية عن مالك في بعض المواضع، وهذا هو ~~أصل قول أبي حنيفة، حيث قاس الماء على المائعات. # والثاني : أن المائعات تنجس بوقوع النجاسة فيها، بخلاف الماء فإنه يفرق بين ~~قليله وكثيره. وهذا مذهب الشافعي، وهو الرواية الأخرى عن مالك وأحمد. # وفيها قول ثالث: هو رواية عن أحمد، وهو الفرق بين المائعات المائية وغيرها ~~فخل التمر يلحق بالماء، وخل العنب لا يلحق به. # وعلى القول الأول إذا كان الزيت كثيرا مثل أن يكون قلتين فإنه لا ينجس إلا ~~بالتغير كما نص على ذلك أحمد في كلب ولغ في زيت كثير . فقال: لا ينجس، وإن ~~كان المايع قليلا انبني على النزاع المتقدم في الماء القليل. فمن قال: إن القليل PageV01P213 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0214.png) ~~لا ينجس إلا بالتغير قال : ذلك في الزيت وغيره، وبذلك أفتى الزهري لما سئل عن ~~الفأرة أو غيرها من الدواب، تموت في سمن أو غيره من الأدهان، فقال: تلقى ~~وما قرب منها ويؤكل، سواء كان قليلا أو كثيرا، وسواء كان جامدا أو مائعا . وقد ذكر ~~ذلك البخاري عنه في صحيحه لمعنى سنذكره إن شاء الله. # ومن قال : إن المائع القليل ينجس بوقوع النجاسة، قال: إنه كالماء فإنه يطهر ~~بالمكاثرة كما يطهر الماء بالمكاثرة، فإذا صب عليه زيت كثير طهر الجميع، والقول ~~بأن المائعات لا تنجس كما لا ينجس الماء هو القول الراجح، بل هي أولى بعدم ~~التنجيس من الماء. وذلك لأن الله أحل لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث، والأطعمة ~~والأشربة - من الأدهان والألبان والزيت والخلول، والأطعمة المائعة ms0226 - هي من الطيبات ~~التي أحلها الله لنا، فإذا لم يظهر فيها صفة الخبث: لا طعمه، ولا لونه، ولا ريحه، ~~ولا شيء من أجزائه : كانت على حالها في الطيب، فلا يجوز أن تجعل من الخبيث ~~المحرمة مع أن صفاتها صفات الطيب لا صفات الخبائث، فإن الفرق بين الطيبات ~~والخبائث بالصفات المميزة بينهما. # ولأجل تلك الصفات حرم هذا، وأحل هذا، وإذا كان هذا الحب وقع فيه قطرة ~~دم أو قطرة خمر، وقد استحالت واللبن باق على صفته، والزيت باق على صفته، لم ~~يكن لتحريم ذلك وجه، فإن تلك قد استهلكت واستحالت، ولم يبق لها حقيقة من ~~الأحكام يترتب عليها شيء من أحكام الدم والخمر. وإنما كانت أولى بالطهارة من ~~الماء لأن الشارع رخص في إراقة الماء وإتلافه حيث لم يرخص في إتلاف المائعات ~~كالاستنجاء، فإنه يستنجي بالماء دون هذه، وكذلك إزالة سائر النجاسات بالماء. # وأما استعمال المائعات في ذلك فلا يصح، سواء قيل تزول النجاسة أو ~~لا تزول . ولهذا قال من قال من العلماء: إن الماء يراق إذا ولغ فيه الكلب، ولا تراق ~~آنية الطعام والشراب. # وأيضا فإن الماء أسرع تغيرا بالنجاسة من الملح، والنجاسة أشد استحالة في غير ~~الماء منها في الماء، فالمائعات أبعد عن قبول التنجيس حسا وشرعا من الماء، فحيث ~~لا ينجس الماء فالمائعات أولى أن لا تنجس. # وأيضا فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أ سئل عن فأرة ~~وقعت في سمن، فقال : لألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم. فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم. ~~جوابا عاما مطلقا بأن يلقوها وما حولها، وأن ياكلوا سمنهم، ولم يستفصلهم هل كان ~~مائعا أو جامدا، وترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة PageV01P214 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0215.png) ~~العموم في المقال. مع أن الغالب على سمن الحجاز أن يكون ذائبا. وقد قيل: إنه ~~لا يكون إلا ذائبا، والغالب على السمن أنه لا يبلغ القلتين، مع أنه لم يستفصل هل ~~كان قليلا أو كثيرا. # فإن قيل: فقد روي في ms0227 الحديث: إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوا ~~سمنكم، وإن كان مائعا فلا تقربوه . رواه أبو داود وغيره. # قيل : هذه الزيادة هي التي اعتمد عليها من فرق بين المائع والجامد، واعتقدوا ~~أنها ثابتة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا في ذلك مجتهدين قائلين بمبلغ علمهم ~~واجتهادهم. وقد ضعف محمد بن يحيى الذهلي حديث الزهري، وصحح هذه ~~الزيادة؛ لكن قد تبين لغيرهم أن هذه الزيادة وقعت خطأ في الحديث، ليست من كلام ~~البي صلى الله عليه وسلم. # وهذا هو الذي تبين لنا ولغيرنا، ونحن جازمون بأن هذه الزيادة ليست من كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك رجعنا عن الإفتاء بها بعد أن كنا نفتي بها أولا، فإن الرجوع إلى ~~الحق خير من التمادي في الباطل . والبخاري والترمذي رحمة الله عليهما وغيرهما من ~~أئمة الحديث قد بينوا لنا أنها باطلة، وأن معمرا غلط في روايته لها عن الزهري، وكان ~~معمر كثير الغلط والأثبات من أصحاب الزهري: كمالك، ويونس، وابن عيينة خالفوه ~~في ذلك، وهو نفسه اضطربت روايته في هذا الحديث إسنادا ومتنا، فجعله عن ~~سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وإنما هو عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ~~عن ميمونة، وروي عنه في بعض طرقه أنه قال : إن كان مائعا فاستصبحوا به، وفي ~~بعض فلا تقربوه. # والبخاري بين غلطه في هذا، بأن ذكر في صحيحه عن يونس عن الزهري نفسه ~~أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: إن كان جامدا أو مائعا قليلا أو كثيرا تلقى ~~وما حولها وكلوا سمنكم » لفالزرمري الذلي مندا التحديث فدليه، قد انق في النمانع ~~والجامد بأن تلقى الفأرة وما قرب منها، ويؤكل، واستدل بهذا الحديث كما رواه عنه ~~جمهور أصحابه . فتبين أن من ذكر عنه الفرق بين النوعين فقد غلط. # وأيضا فالجمود والميعان أمر لا ينضبط، بل يقع الاشتباه في كثير من ~~الأطعمة، هل تلحق بالجامد أو المائع. والشارع لا يفصل بين الحلال والحرام إلا ~~بفصل مبين لا إشتباه فيه ms0228 . كما قال تعالى: (وما كاب اله ليضل قوما بعد إذ هدنهم ~~حت يبن لهم ما يتقوب )ه . والمحرمات مما يتقون، فلا بد أن يبين PageV01P215 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0216.png) ~~لهم المحرمات بيانا فاصلا بينها وبين الحلال. وقد قال تعالى : (وقد فصل لكم ماحرم ~~عليكم). # وأيضا فإذا كانت الخمر التي هي أم الخبائث إذا انقلبت بنفسها حلت باتفاق ~~المسلمين، فغيرها من النجاسات أولى أن تطهر بالانقلاب، وإذا قدر أن قطرة خمر ~~وقعت في خل مسلم بغير اختياره فاستحالت كانت أولى بالطهارة. # فإن قيل : الخمر لما نجست بالاستحالة طهرت بالاستحالة؛ بخلاف غيرها? ~~والخمر إذا قصد تخليلها لم تطهر. # قيل : في الجواب عن الأول، إن جميع النجاسات نجست بالاستحالة، فإن ~~الإنسان يأكل الطعام ويشرب الشراب وهي طاهرة، ثم تستحيل دما وبولا وغائطا ~~فتنجس . # وكذلك الحيوان يكون طاهرا فإذا مات احتبست فيه الفضلات، وصار حاله بعد ~~الموت خلاف حاله في الحياة فينجس، ولهذا يطهر الجلد بعد الدباغ عند الجمهور ~~سواء قيل : إن الدباغ كالحياة، أو قيل إنه كالذكاة؛ فإن في ذلك قولين مشهورين ~~للعماء، والسنة تدل على أن الدباغ كالذكاة. # وأما ما قصد تخليله؛ فذلك لأن حبس الخمر حرام، سواء حبست لقصد ~~التخليل أو لا . والطهارة نعمة فلا تثبت النعمة بالفعل المحرم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن الرجل يسافر في الشتاء ويصيبه بلل المطر والنداوة ~~ويمس مقادم الدواب ورحالها وغير ذلك - مما يشق الاحتراز منه على المسافر - وينزل ~~منازل متنجسة يفرش عليها فرشه وغير ذلك، مما يعلم من أحوال المسافر. فهل يعفى ~~عن ذلك? وإذا عفي عنه، فهل إذا حضر في بلدته يجب عليه غسل ما لامس ثيابه ~~وفرشه وفراءه ? وهى مرتبطة بتلك المقاود. وآلة الدواب لا تخلو من النجاسات، وقد ~~تكون في بعض الأوقات المقاود رطبة من بول أو بلل، ويمسكها بيده، ويلمس بيده ~~يابه، وقد تكون في الصيف يده عرقانة . فهل يعفى عن جميع ذلك وإن عفي عنه في ~~لسفر هل يكون عفوا له في الحضر، أم يجب غسل ما ذكر؟ فإن الكثير من الناس ms0229 ~~لا يغسلون. والأقل من الناس يعتنون بالغسل? وهل كان الصحابة يغسلون من ذلك، ~~أم يتجاوزون? وهل يكون الغسل من ذلك بخلاف السنة? والغرض متابعة الصحابة ~~وما كانوا عليه. # وفي الرجل إذا مس ثوبه القصاب أو يده وعليه شيء من الدسم غسل ما أصابه ~~نه، فهل هو في ذلك مصيب? أو هذا وسواس? وفي الرجل أيضا يصلي إلى جانبه ~~نصاب في المسجد فيقول مكان هذا القصاب غير طاهر؛ لأن القصابين لا يتحرزون ~~من النجاسة في أبدانهم وثيابهم واذا صافحه قصاب فسل يدها وكذلك إفا مسه الطواف PageV01P216 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0217.png) ~~باللحم غسل ما أصابه منه. فهل هو مخطئ? وما الحكم في ذلك؟ وما الذي كانت ~~عليه الصحابة . ~~وفي الرجل يأكل الشرائح وقد جرت العادة بأن عمالها لا يغسلون اللحم، فهل ~~يحرم اكلها أو يكره? لكون القصابين يذبحون بسكين ويسلخون بها من غير غسل: ~~وإذا عفي عنه في الأكل: فهل يعفى عن الرجل يأكل من ذلك ويصيب ثوبه وبدنه من ~~ذلك ولا يغسله والمراد ما لو جرى بحضرة الصحابة أو فعل، أفتونا مأجورين? ~~فأجاب: أما مقاود الخيل ورباطها فطاهر باتفاق الأئمة، لأن الخيل طاهرة ~~بالاتفاق، ولكن الحمير فيها خلاف: هل هي طاهرة أو نجسة ? أو مشكوك فيها ? ~~والصحيح الذي لا ريب فيه أن شعرها طاهر، إذ قد بينا أن شعر الكلب طاهر، فشعر ~~الحمار أولى. وإنما الشبهة في ريق الحمار هل يلحق بريق الكلب، أو بريق الخيل ~~وأما مقاودها وبراذعها فمحكوم بطهارتها، وغاية ما فيها أنه قد يصيبها بول الدواب ~~وروثها. # وبول البغل والحمار فيه نزاع بين العلماء، منهم من يقول: هو طاهر؛ ومنهم ~~من ينجسه، وهم الجمهور وهو مذهب الأئمة الأربعة؛ لكن هل يعفى عن يسيره? ~~على قولين: هما روايتان عن أحمد، فإذا عفي عن يسير بوله وروثه، كان ما يصيب ~~المقاود وغيرها معفوا عنه، وهذا مع تيقن النجاسة. # وأما مع الشك فالأصل في ذلك الطهارة، والاحتياط في ذلك وسواس؛ فإن ~~الرجل إذا أصابه ما يجوز أن يكون طاهرا ويجوز أن يكون نجسا ms0230 لم يستحب له ~~التجفب على الصحيح، ولا الاحتياط؛ فإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهس مت ~~هو وصاحب له بميزاب فقطر على صاحبه منه ماء، فقال صاحبه : يا صاحب الميزاب ~~ماؤك طاهر أو نجس ? فقال عمر: يا صاحب الميزاب لا تخبره، فإن هذا ليس عليه. # وعلى القول بالعفو، فإذا فرش في الخانات وغيرها على روث الحمير ونحوها، ~~فإنه يعفى عن يسير ذلك. وأما روث الخيل فالصحيح أنه طاهر، فلا يحتاج إلى عفو، ~~ولا يجب عليه شيء من ذلك إذا دخل الحضر، وسواء كانت يده رطبة من ماء أو غير ~~ذلك، فإنه لا يضره من المقاود. وغسل المقاود بدعة لم ينقل ذلك عن الصحابة - ~~رضوان الله عليهم - بل كانوا يركبونها. وامتن الله عليهم بذلك في قوله تعالى: ~~( والقيل والغال والحمر لتكبها) وكان للبي صلى الله عليه وسلمعلة يركبها، وروي ~~عنه : أنه ركب الحمار، وما نقل أنه أمر خدام الدواب أن يحترزوا من ذلك. PageV01P217 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0218.png) # وثوب القصاب وبدنه محكوم بطهارته، وإن كان عليه دسم، وغسل اليدين من ~~ذلك وسوسة وبدعة، ومكانه من المسجد وغيره طاهر، وغاية ما يصيب القصاب أن ~~الدم يصيبه أحيانا، فالذي يماسه إذا لم يكن عليه دم لا يضره، ولو أصابه دم يسير ~~لعفي عنه ؛ لأن الدم اليسير معفو عنه، ونجاسة القصاب ليست من نجاسة الدسم، فإن ~~لدسم طاهر لا نجاسة فيه، ويسير الدم معفو عنه، وغسل يده من مصافحة القصاب ~~أو الطواف وسوسة وتنطع مخالف للسنة. # وقد ذكر البخاري أن عمر بن الخطاب توضأ من جرة امرأة نصرانية، وقد كان ~~لنبيصلى الله عليه وسلم قبل زبيبة الحسن، وقد صلى وهو حامل أمامة ابنة ابنته، فإذا سجد ~~وضعها، وإذا قام حملها، ومثل هذا كثير في الآثار يبين سعة الأمر في ذلك. # أكل الشوى والشريح جائز سواء غسل اللحم أو لم يغسل؛ بل غسل لحم ~~الذبيحة بدعة، فما زال الصحابة - رضي الله عنهم - على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أاخذون ~~للحم فيطبخونه ويأكلونه بغير غسله، وكانوا يرون الدم ms0231 في القدر خطوطا؛ وذلك أن ~~الله إنما حرم عليهم الدم المسفوح أي المصبوب المهراق، فأما ما يبقى في العروق ~~فلم يحرمه . ولكن حرم عليهم أن يتبعوا العروق كما تفعل اليهود الذين بظلم منهم ~~حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرا. # وسكين القصاب يذبح بها ويسلخ، فلا تحتاج إلى غسل، فإن غسل السكاكين ~~التي يذبح بها بدعة، وكذلك غسل السيوف، وإنما كان السلف يمسحون ذلك مسحا؛ ~~ولهذا جاز في أحد قولي العلماء في الأجسام الصقيلة كالسيف والمرآة إذا أصابها ~~نجاسة أن تمسح ولا تغسل وهذا فيما لا يعفى عنه. # فأما ما تعين عدم نجسه فلا يحتاج إلى غسل ولا مسح، واليسير يعفى عنه. ~~وما عفي عنه فالحمل والمشي بلا ريب؛ فإن كل ما جاز أكله جاز مباشرته في الصلاة ~~وغيرها، وليس كل ما جازت مباشرته في الصلاة وغيرها جاز أكله، كالسموم المضرة، ~~فإنه لا يجوز أكلها، ولو باشرها وإن كانت طاهرة تجوز مباشرتها في الصلاة. ~~والطيب بينفع) اوم لضو ي مبأشمرة الظامر خانت مفر له بسماز جة الابدان اذا اكل أقري ~~واقوى، وليس كل ما ضر بالممازجة والمخالطة يضر بالمباشرة والملامسة؛ ولهذا ~~كان ما عفي عنه في الحمل كدم الجرح والدماميل وما يعلق بالسكين من دم الشاة PageV01P218 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0219.png) ~~ونحو ذلك. فهذا إذا وقع في ماء أو مائع فقيل إنه ينجسه، وإنما يعفى عنه في ~~المائعات. كما تقدم من أن الله إنما حرم الدم المسفوح، وقد كان أصحاب ~~رسولالله ل صلى اله عليه وسلم بخل أحدهم أصبعه في خيشومه فيلوث أصابعه بالدم فيمضي في ~~صلاته، وكذلك كانت أيديهم تصيب الدماميل والجراح ولم ينقل عنهم أنهم كانوا ~~يتحرجون من مباشرة المائعات حتى يغسلوا أيديهم. # وقد ثبت أنهم كانوا يضعون اللحم بالقدر فيبقى الدم في الماء خطوطا وهذا ~~لا أعلم بين العلماء خلافا في العفو عنه، وأنه لا ينجس باتفاقهم وحينئذ فأي فرق بين ~~كون الدم في مرق القدر، أو مائع آخر، وكونه في السكين أو غيرها. والله أعلم. ms0232 # وسئل رحمه الله تعالى: عن رجل عنده ستون قنطار زيت بالدمشقي وقعت فيه ~~فأرة في بئر واحدة فهل ينجس بذلك أم لا؟ وهل يجوز بيعه أو استعماله أم لا؟ أفتونا ~~مأجورين. # فأجاب : الحمد لله. لا ينجس بذلك، بل يجوز بيعه واستعماله إذا لم يتغير في ~~إحدى الروايتين عن أحمد، وحكم المائعات عنده حكم الماء في إحدى الروايتين، ~~فلا ينجس إذا بلغ القلتين إلا بالتغير، لكن تلقى النجاسة وما حولها، وقد ذهب إلى ~~أن حكم المائعات حكم الماء طائفة من العلماء: كالزهري، والبخاري صاحب ~~الصحيح. # وقد ذكر ذلك رواية عن مالك، وهو أيضا مذهب أبي حنيفة، فإنه سوى بين ~~المالمابعات بمارقاة النجاسةم وفي ازالة النجاسة، وهو رواية عن أحجمل في ~~فلم يروا الوصول منجسا، مع الكثرة. # وتنازعوا في القليل. # إذ من الفقهاء من رأى أن مقتضى الدليل أن الخبث إذا وقع في الطيب أفسده، ~~ومنهم من قال: إنما يفسده إذا كان قد ظهر أثره، فأما إذا استهلك فيه واستحال ~~فلا وجه لإفساده، كما لو انقلبت الخمرة خلا بغير قصد آدمي فإنها طاهرة حلال ~~باتفاق الأئمة، لكن مذهبه في الماء معروف، وعلى هذا أدلة قد بسطناها في غير هذا ~~الموضع، ولا دليل على نجاسته لا في كتاب الله ولا ستة رسوله. # وعمدة الذين نجسوه. احتجاجهم بحديث رواه أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وكلوا ~~سمنكم، وإن كان مائعا فلا تقربوه وهذا الحديث إنما يدل لو دل على نجاسة PageV01P219 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0220.png) ~~السمن الذي وقعت فيه الفأرة، فكيف والحديث ضعيف؛ بل باطل غلط فيه معمر على ~~الزهري غلطا معروفا عند النقاد الجهابذة، كما ذكره الترمذي عن البخاري. # ومن اعتقد من الفقهاء أنه على شرط الصحيح، فلم يعلم العلة الباطنة فيه التي ~~توجب العلم ببطلانه، فإن علم العلل من خواص علم أئمة الحديث، ولهذا بين ~~البخاري في صحيحه ما يوجب فساد هذه الرواية، وأن الحديث الصحيح هو على ms0233 ~~طهارته أدل منه على النجاسة فقال : # باب: إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب # حدثنا عبدان قال : حدثنا عبد الله يعني ابن المبارك عن يونس عن الزهري : أنه ~~سئل عن الدابة التي تموت في الزيت أو السمن وهو جامد. أو غير جامد الفأرة أو ~~غيرها قال : بلغنا أن رسول لله ل صلى الله عليه وسلمآر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها ~~فطرح ثم أكل . وفي حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة قال : ~~سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن فأرة وقعت في سمن فقال : ألقوها وما حولها وكلوه فذكر ~~البخاري عن ابن شهاب الزهري أعلم الأمة بالسنة في زمانه أنه أفتى في الزيت والسمن ~~الجامد وغير الجامد إذا ماتت فيه الفأرة أنها تطرح وما قرب منها. # واستدل بالحديث الذي رواه عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: أن ~~نبي صلى الله عليه وسلم ئل عن فأرة وقعت في سمن فقال : ألقوها وما حولها وكلوه ولم يقل ~~الني صلى الله عليه وسلم ن كان مائعا فلا تقربوه؛ بل هذا باطل . فذكر البخاري رضي الله عنه هذا ~~ليبين أن من ذكر عن الزهري أنه روى في هذا الحديث هذا التفصيل فقد غلط عليه، فإنه ~~أجاب بالعموم، في الجامد والذائب، مستدلا بهذا الحديث بعينه، لا سيما والسمن ~~بالحجاز يكون ذائبا أكثر مما يكون جامدا؛ بل قيل : إنه لا يكون بالحجاز جامدا بحال. # فإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم لجواب من غير تفصيل يوجب العموم، إذ السؤال كالمعاد ~~في الجواب، فكأنه قال : إذا وقعت الفأرة في السمن فألقوها وما حولها وكلوا ~~سمنكم، وترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يتنزل منزلة العموم في ~~المقال. هذا إذا كان السمن بالحجاز يكون جامدا ويكون ذائبا، فأما إن كان وجود ~~جامد نادرا أو معدوما كان الحديث نصا في أن السمن الذائب إذا وقعت فيه الفأرة ~~فإنها تلقى وما حولها ويؤكل . وبذلك أجاب الزهري فإن مذهبه إن ms0234 الماء لا ينجس ~~فليله ولا كثيره إلا بالتغير، وقد ذكر البخاري في أوايل الصحيح : التسوية بين الماء ~~والمائعات. PageV01P220 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0221.png) ~~وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة ودلائلها، وكلام العلماء فيها في غير هذا ~~الموضع. كيف وفي تنجيس مثل ذلك وتحريمه من فساد الأطعمة العظيمة، وإتلاف ~~الأموال العظيمة القدر، ما لا تأتي بمثله الشريعة الجامعة للمحاسن كلها. والله ~~سبحانه إنما حرم علينا الخبائث تنزيها لنا عن المضار، وأباح لنا الطيبات كلها لم ~~يحرم علينا شئا من الطيبات، كما حرم على أهل الكتاب - بظلمهم - طيبات أحلت ~~المبدا والمه د تي له من ذل دلمال ديه الله الييه لو ت ال لجيح لله ده ور الف اله ن ئير ~~[النور: 0] والله سبحانه أعلم. والحمد لله وحده وصلاته على محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا. # وسئل غفر الله له: عما إذا ولغ الكلب في اللبن، ومخض اللبن، وظهر فيه ~~زبدة: فهل يحل تطهير الزبدة؟ أفتونا مأجورين1 # فأجاب: اللبن وغيره من المائعات هل يتنجس بملاقاة النجاسة، أو حكمه حكم ~~الماء ? هذا فيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن أحمد، وكذلك مالك له في النجاسة ~~الواقعة في الطعام الكثير هل تنجسه ? فيه قولان. # وأما ولوغ الكلب في الطعام، فلا ينجسه عند مالك، فهذا على أحد قولي ~~العلماء لم ينجس، وعلى القول الآخر ينجس، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في ~~المشهور عن أصحابه، لكن عند هؤلاء هل يطهر الدهن بالغسل؟ فيه قولان في مذهب ~~الشافعي وأحمد، وهما قولان في مذهب مالك أيضا. # فمن قال: إن الإدهان تطهر بالغسل، قال بطهارته بالغسل، وإلا فلا، والله أعلم. ~~ذلك? موسئل رحمه الله تعالى : عن الكلب إذا ولغ في اللبن أو غيره ما الذي يجب في # فأجاب: وأما الكلب فقد تنازع العلماء فيه على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه طاهر حتى ريقه، وهذا مو مذهب مالك. # والثاني: نجس حتى شعره، وهذا هو مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن ~~أحمد. # والثالث: شعره طامر، وريقه نجس، وهذا هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في ~~إحدى الروايتين عنه، ms0235 وهذا اصح الأقرال. فإنا اصاب الثوب أو ألبدن رطوبة شعره لم ~~ينجس بذلك، وإذا ولغ في الماء أريق الماء. PageV01P221 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0222.png) # وإن ولغ في اللبن ونحوه فمن العلماء من يقول يؤكل ذلك الطعام، كقول مالك ~~وغيره، ومنهم من يقول: يراق كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، فأما إن كان ~~اللبن كثيرا فالصحيح أنه لا ينجس كما تقدم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: # أما بعد : فقد كنا في مجلس التفقه في الدين، والنظر في مدارك الأحكام ~~المشروعة تصويرا وتقريرا وتأصيلا وتفصيلا، فوقع الكلام في شرح القول في حكم ~~مني الإنسان وغيره من الدواب الطاهرة، وفي أرواث البهائم المباحة : أهي طاهرة ? أم ~~نجسة ? على وجه أحب أصحابنا تقييده، وما يقاربه من زيادة ونقصان، فكتبت لهم في ~~ذلك فأقول ولا حول ولا قوة إلا بالله. # هذا مبني على أصل، وفصلين، أما الأصل : # فاعلم أن الأصل في جميع الأعيان الموجودة على اختلاف أصنافها وتباين ~~أوصافها أن تكون حلالا مطلقا للآدميين، وأن تكون طاهرة لا يحرم عليهم ملابستها ~~ومباشرتها، ومماستها، وهذه كلمة جامعة، ومقالة عامة، وقضية فاضلة عظيمة ~~المنفعة، واسعة البركة، يفزع إليها حملة الشريعة، فيما لا يحصى من الأعمال، ~~وحوادث الناس، وقد دل عليها أدلة عشرة - مما حضرني ذكره من الشريعة - وهي : ~~كتاب الله، وسنة رسوله، واتباع سبيل المؤمنين المنظومة في قوله تعالى: (أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) وقوله : (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) ~~[المائدة : 55]. ثم مسالك القياس، والاعتبار، ومناهج الرأي، والاستبصار. # الصنف الأول : الكتاب، وهو عدة آيات. # الآية الأولى قوله تعالى : (هو الذى خلق لكم ما في الأرض جسيعا) ~~والخطاب لجميع الناس، لافتتاح الكلام بقوله: (يأيما الناس اعبدوا ربكم) ~~2] ووجه الدلالة أنه أخبر، أنه خلق جميع ما في الأرض للناس مضافا إليهم باللام، ~~واللام حرف الإضافة، وهي توجب اختصاص المضاف بالمضاف إليه، واستحقاقه إياه ~~من الوجه الذي يصلح له، وهذا المعنى يعم موارد استعمالها. كقولهم: المال لزيد، ~~السرج للدابة، وما أشبه ذلك فيجب إذا أن يكون الناس مملكين ممكنين لجميع ms0236 ~~ما في الأرض، فضلا من الله ونعمة، وخص من ذلك بعض الأشياء وهي الخبائث؛ ~~لما فيها من الإفساد لهم في معاشهم، أو معادهم، فيبقى الباقي مباحا بموجب الآية. # الآية الثانية: قوله تعالى: (وما لكم الا تأكلوا منا ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما ~~حرم عيكم إلا ما اضطررته إيه ) دلت الآية من وجهين: PageV01P222 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0223.png) # أحدهما: أنه وبخهم وعنفهم على ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه قبل أن ~~يحله باسمه الخاص، فلو لم تكن الأشياء مطلقة مباحة لم يلحقهم ذم ولا توبيخ، إذ ~~لو كان حكمها مجهولا، أو كانت محظورة لم يكن ذلك. # الوجه الثاني : أنه قال: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) والتفصيل ~~التبيين، فبين أنه بين المحرمات، فما لم يبن تحريمه ليس بمحرم. وما ليس بمحرم ~~فهو حلال، إذ ليس إلا حلال أو حرام. # الآية الثالثة: قوله تعالى : (وسخر لكرما في السكوات وما في الأرض جيما منة) ة: ~~13] وإذا كان ما في الأرض مسخرا لنا جاز استمتاعنا به كما تقدم . # الآية الرابعة : قوله تعالى: (قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطممه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا) الآية ] فما لم يجد تحريمه ليس بمحرم، ~~وما لم يحرم فهو حل، ومثل هذه الآية قوله : ( إنا حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير) الآية [البقرة:؛ لأن حرف : (إنما) يوجب حصر الأول في الثاني؛ فيجب ~~انحصار المحرمات فيما ذكر، وقد دل الكتاب على هذا الأصل المحيط في مواضع أخر. # الصنف الثاني : السنة والذي حضرني منها حديثان: # الحديث الأول: في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال : قال ~~رسول اللهله صلى الله عليه وسلم: إن أعظم المسلمين جرما من يسأل عن شيء لم يحرم، فحرم من ~~أجل مسألته . دل ذلك على أن الأشياء لا تحرم إلا بتحريم خاص، لقوله لم ~~يحرم، ودل أن التحريم قد يكون لأجل المسألة، فبين بذلك أنها بدون ذلك ليست ~~محرمة، وهو المقصود. # الثاني : روى أبو داود في سننه عن سلمان ms0237 الفارسي قال : سئل رسول الل الاه صلى الله عليه وسلم ~~عن شيء بن السمن والجبن والفراء فقال : الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ~~ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه2. فمنه دليلان. # أحدهما : أنه أفتى بالاطلاق فيه. # الثاني: قوله : لوما سكت عنه فهو مما عفا عنه نص في أن ما سكت عنه ~~فلا إثم عليه فيه، وتسميته هذا عفوا كانه والله أعلم لأن التحليل هو الإذن في التناول PageV01P223 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0224.png) # 223 ~~بخطاب خاص، والتحريم المنع من التناول كذلك، والسكوت عنه لم يؤذن بخطاب ~~يخصه، ولم يمنع منه، فيرجع إلى الأصل، وهو أن لا عقاب إلا بعد الإرسال، وإذا ~~لم يكن فيه عقاب لم يكن محرما. وفي السنة دلائل كثيرة على هذا الأصل. # الصنف الثالث : اتباع سبيل المؤمنين، وشهادة شهداء الله في أرضه الذين هم ~~عدول الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، المعصومين من اجتماعهم على ضلالة، ~~المفروض اتباعهم. وذلك أني لست أعلم خلاف أحد من العلماء السالفين : في أن ~~ما لم يجئ دليل بتحريمه فهو مطلق غير محجور، وقد نص على ذلك كثير ممن تكلم ~~في أصول الفقه وفروعه، وأحسب بعضهم ذكر في ذلك الإجماع يقينا أو ظنا كاليقين. # فإن قيل : كيف يكون في ذلك إجماع، وقد علمت اختلاف الناس في الأعيان ~~قبل مجيء الرسل، وإنزال الكتب، هل الأصل فيها الحظر أو الإباحة? أو لا يدرى ~~ما الحكم فيها ? أو أنه لا حكم لها أصلا? واستصحاب الحال دليل متبع، وإنه قد ~~ذهب بعض من صنف في أصول الفقه من أصحابنا وغيرهم على أن حكم الأعيان ~~الثابت لها قبل الشرع مستصحب بعد الشرع، وأن من قال : بأن الأصل في الأعيان ~~الحظر استصحب هذا الحكم حتى يقوم دليل الحل?? # فأقول : هذا قول متأخر لم يؤثر أصله عن أحد من السابقين . ممن له قدم، ~~وذلك أنه قد ثبت أنها بعد مجيء الرسل على الإطلاق، وقد زال حكم ذلك الأصل ~~بالأدلة السمعية التي ذكرتها، ولست أنكر أن بعض من ms0238 لم يحط علما بمدارك ~~الأحكام، ولم يؤت تمييزا في مظان الاشتباه، ربما سحب ذيل ما قبل الشرع على ~~ما بعده، إلا أن هذا غلط قبيح لو نبه له لتنبه مثل الغلط في الحساب لا يهتك حريم ~~الإجماع، ولا يثلم سنن الاتباع. # ولقد اختلف الناس في تلك المسألة : هل هي جائزة أم ممتنعة? لأن الأرض لم ~~تخل من نبي مرسل، إذ كان آدم نبيا مكلما حسب اختلافهم في جواز خلو الأقطار عن ~~حكم مشروع، وإن كان الصواب عندنا جوازه. # ومنهم من فرضها فبمن ولد بجزيرة، إلى غير ذلك من الكلام الذي يبين لك أن ~~لا عمل بها، وإنها نظر محض ليس فيه عمل . كالكلام في مبدا اللغات وشبه ذلك، ~~على أن الحق الذي لا راد له أن قبل الشرع لا تحليل ولا تحريم، فإذا لا تحريم ~~يستصحب ويستدام، فيبقى الآن كذلك، والمقصود خلوها عن المآثم والعقوبات. # وأما مسلك الاعتبار بالأشباه والنظائر واجتهاد الرأي في الأصول الجوامع فمن ~~وجوه كثيرة ننبه على بعضها. # أحدها : أن الله سبحانه خلق هذه الأشياء وجعل فيها للإنسان متاعا ومنفعة . ومنها PageV01P224 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0225.png) ~~ما قد يضطر إليه وهو سبحانه جواد ماجد كريم رحيم غني صمد، والعلم بذلك يدل على ~~العلم بأنه لا يعاقبه ولا يعذبه على مجرد استمتاعه بهذه الأشياء وهو المطلوب. ~~وثانيها: أنها منفعة خالية عن مضرة فكانت مباحة كسائر ما نص على تحليله، ~~وهذا الوصف قد دل على تعلق الحكم به النص وهو قوله: (ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبدت). فكل ما نفع فهو طيب، وكل ما ضر فهو ~~خبيث . والمناسبة الواضحة لكل ذي لب أن النفع يناسب التحليل، والضرر يناسب ~~التحريم والدوران، فإن التحريم يدور مع المضار: وجودا في الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وذوات الأنياب والمخالب والخمر وغيرها مما يضر بأنفس الناس، وعد ما في ~~الأنعام والألبان وغيرها. # وثالثها: أن هذه الأشياء إما أن يكون لها حكم أو لا يكون، والأول صواب، ~~والثاني باطل بالاتفاق. وإذا كان لها حكم فالوجوب والكراهة والاستحباب معلومة ~~البطلان ms0239 بالكلية؛ لم يبق إلا الحل. والحرمة باطلة لانتفاء دليلها نصا واستنباطا، لم ~~يبق إلا الحل وهو المطلوب. # إذا ثبت هذا الأصل فنقول: الأصل في الأعيان الطهارة لثلاثة أوجه : # أحدها : أن الطاهر ما حل ملابسته ومباشرته وحمله في الصلاة، والنجس بخلافه، ~~وأكثر الأدلة السالفة تجمع جميع وجوه الانتفاع بالأشياء: أكلا وشربا ولبسا ومسا وغير ~~ذلك. فثبت دخول الطهارة في الحل، وهو المطلوب، والوجهان الآخران نافلة. # الثاني : أنه إذا ثبت أن الأصل جواز أكلها وشربها فلأن يكون الأصل ملابستها ~~ومخالطتها الخلق أولى وأحرى. وذلك لأن الطعام يخالط البدن ويمازجه وينبت منه ~~فيصير مادة وعنصرا له، فإذا كان خبيثا صار البدن خبيثا فيستوجب النار؛ ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به. والجنة طيبة لا يدخلها إلا ~~طيب . وأما ما يماس البدن ويباشره فيؤثر أيضا في البدن من ظاهر كتأثير الأخباث في ~~أبداننا وفي ثيابنا المتصلة بأبداننا؛ لكن تأثيرها دون تأثير المخالط الممازج، فإذا ثبت ~~حل مخالطة الشيء وممازجته فحل ملابسته ومباشرته أولى، وهذا قاطع لا شبهة فيه. ~~فكل نجس محرم الأكل، وليسن ككل محرم الأكل تجمعاب وهذا في غاية التحقيت # الوجه الثالث: أن الفقهاء كلهم اتفقوا على أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن ~~النجاسات محصاة مستقصاة، وما خرج عن الضبط والحصر فهو طاهر، كما يقولونه ~~فيما ينقض الوضوء ويوجب الغسل وما لا يحل نكاحه وشبه ذلك؛ فإنه غاية PageV01P225 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0226.png) ~~المتقابلات . تجد أحد الجانبين فيها محصورا مضبوطا والجانب الآخر مطلق مرسل ~~والله تعالى الهادي للصواب. # القول في طهارة الأرواث والأبوال من الدواب والطير التي لم تحرم وعلى ذلك ~~عدة أدلة . # الدليل الأول : أن الأصل الجامع طهارة جميع الأعيان حتى تتبين نجاستها، فكل ~~ما لم يبن لنا أنه نجس فهو طاهر، وهذه الأعيان لم يبن لنا نجاستها فهي طاهرة. أما ~~الركن الأول من الدليل فقد ثبت بالبراهين الباهرة والحجج القاهرة. وأما الثاني ~~فنقول : إن المنفي على ضربين : نفي نحصره ونحيط به، كعلمنا بأن السماء ليس فيها ms0240 ~~شمسان، ولا قمران طالعان، وأنه ليس لنا إلا قبلة واحدة، وأن محمدا لا نبي بعده؛ ~~بل علمنا إنه لا إله إلا الله، وأن ما ليس بين اللوحين ليس بقرآن، وإنه لم يفرض إلا ~~صوم شهر رمضان، وعلم الإنسان إنه ليس في دراهم قبل ولا تغير، وإنه لم ~~يطعم، وأنه البارحة لم ينم، وغير ذلك مما يطول عده. فهذا كله نفي مستيقن يبين ~~خطأ من يطلق قوله لا تقبل الشهادة على النفي . # الثانى : ما لا يستيقن نفيه وعدمه. ثم منه ما يغلب على القلب ويقوى في ~~الرأي، ومنه ما لا يكون كذلك. فإذا رأينا حكما منوطا بنفي من الصنف الثاني ~~فالمطلوب أن نرى النفي ويغلب على قلوبنا. # والاستدلال بالاستصحاب وبعدم المخصص وعدم الموجب لحمل الكلام على ~~مجازه هو من هذا القسم. فإذا بحثنا وسبرنا عما يدل على نجاسة هذه الأعيان والناس ~~يتكلمون فيها منذ مئات من السنين فلم نجد فيها إلا أدلة معروفة. شهدنا شهادة جازمة ~~في هذا المقام بحسب علمنا أن لا دليل إلا ذلك. # فنقول : الاستدلال بهذا الدليل إنما يتم بفسخ ما استدل به على النجاسة، ~~ونقض ذلك، وقد احتج لذلك بمسلكين: أثري ونظري. # أما الأثري : فحديث ابن عباس المخرج في الصحيحين: أن رسول الله ل صلى الله عليه وسلم م ~~بقبرين فقال : لاإنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستتر من ~~البول - وروي : لا يستنزه - والبول اسم جنس محلى باللام، فيوجب العموم. PageV01P226 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0227.png) ~~كالإنسان في قوله : ( إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنو) ر فإن المرتضى أن ~~أسماء الأجناس تقتضي من العموم ما تقتضيه أسماء الجموع . لست أقول : الجنس ~~الذي يفصل بين واحده وكثيره الهاء: كالتمر، والبر، والشجر، فإن حكم تلك حكم ~~الجموع بلا ريب. وإنما أقول: اسم الجنس المفرد الدال على الشيء، وعلى ~~ما أشبهه : كإنسان ورجل، وفرس، وثوب، وشبه ذلك. # وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ف أخبر بالعذاب من جنس البول، وجب الاحتراز والتنزه ~~من جنس البول، فيجمع ذلك أبوال ms0241 جميع الدواب، والحيوان الناطق، والبهيم، ~~ما يؤكل وما لا يؤكل، فيدخل بول الأنعام في هذا العموم، وهو المقصود. # وهذا قد اعتمد عليه بعض من يدعي الاستدلال بالسمع، وبعض الرأي، ~~وارتضاه بعض من يتكايس، وجعله مفزعا وموئلا. # المسلك الثاني النظري : وهو من ثلاثة أوجه: # أحدها: القياس على البول المحرم فنقول: بول، وروث، فكان نجسا كسائر ~~الأبوال، فيحتاج هذا القياس أن يبين أن مناط الحكم في الأصل هو أنه بول وروث، ~~وقد دل على ذلك تنبيهات النصوص مثل قوله : «اتقوا البول وقوله: «كان بنو ~~إسرائيل إذا أصاب ثوب أحدهم البول قرضه بالمقراض» # والمناسبة أيضا: فإن البول والروث مستخبث مستقذر، تعافه النفوس، على حد ~~يوجب المباينة، وهذا يناسب التحريم، حملا للناس على مكارم الأخلاق، ومحاسن ~~الأحوال، وقد شهد له بالاعتبار تنجس أرواث الخبائث. # الثاني : أن نقول : إذا فحصنا وبحثنا عن الحد الفاصل بين النجاسات ~~والطهارات؛ وجدنا ما استحال في أبدان الحيوان عن أغذيتها فما صار جزءا فهو طيب ~~الغذاء، وما فضل فهو خبيثه، ولهذا يسمى رجيعا. كأنه أخذ ثم رجع أي رد. فما ~~كان من الخبائث يخرج من الجانب الأسفل: كالغائط والبول والمني والوذي والودي، ~~فهو نجس، وما خرج من الجانب الأعلى: كالدمع والريق والبصاق والمخاط ونخامة ~~الرأس، فهو طاهر. وما تردد كبلغم المعدة ففيه تردد. # وهذا الفصل بين ما خرج من أعلى البدن، وأسفله، قد جاء عن سعيد بن ~~المسيب ونحوه، وهو كلام حسن في هذا المقام الضيق. الذي لم يفقه كل الفقه، ~~حتى زعم زاعمون أنه تعبد محض وابتلاء، وتمييز بين من يطيع وبين من يعصي. # وعندنا أن هذا الكلام لا حقيقة له بمفرده، حتى يضم إليه أشياء أخر، فرق من PageV01P227 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0228.png) ~~فرق بين ما استحال في معدة الحيوان كالروث والقيء وما استحال من معدته كاللبن. # وإذا ثبت ذلك : فهذه الأبوال والأرواث مما يستحيل في بدن الحيوان، وينصع ~~طيبه، ويخرج خبيثه من جهة دبره وأسفله، ويكون نجسآ. فإن فرق بطيب لحم ~~المأكول، وخبث لحم المحرم، فيقال : طيب الحيوان وشرفه وكرمه ms0242 لا يوجب طهارة ~~روثه، فإن الإنسان إنما حرم لحمه كرامة له وشرفا، ومع ذلك فبوله أخبث الأبوال. # ألا ترى أنكم تقولون: أن مفارقة الحياة لا تنجسه، وأن ما أبين منه وهو حي ~~فهو طاهر أيضا، كما جاء في الأثر، وإن لم يؤكل لحمه، فلو كان إكرام الحيوان ~~موجبا لطهارة روثه، لكان الإنسان في ذلك القدح المعلى. وهذا سر المسألة ولبابها. # الوجه الثالث : أنه فى الدرجة السفلى من الاستخباث، والطبقة النازلة من ~~الاستقذار . كما شهد به أنفس الناس، وتجده طبائعهم وأخلاقهم، حتى لا نكاد نجد ~~أحدا ينزله منزلة در الحيوان ونسله، وليس لنا إلا طاهر، أو نجس، وإذا فارق ~~الطهارات دخل في النجاسات، والغالب عليه أحكام النجاسات . من مباعدته ~~ومجانبته، فلا يكون طاهرا؛ لأن العين إذا تجاذبتها الأصول لحقت بأكثرها شبها، ~~هو متردد بين اللبن وبين غيره من البول، وهو بهذا أشبه. # ويقوي هذا أنه قال تعالى : يخرج (من بين فرث ودم لبنا خالصا) قد ~~ثبت أن الدم نجس، فكذلك الفرث لتظهر القدرة والرحمة في إخراج طيب من بين ~~خبيثين . ويبين هذا جميعه أنه يوافق غيره من البول في خلقه ولونه وريحه وطعمه، ~~فكيف يفرق بينهما مع هذه الجوامع التي تكاد تجعل حقيقة أحدهما حقيقة الآخر. # فالوجه الأول : قياس التمثيل وتعليق الحكم بالمشترك المدلول عليه. # والثاني : قياس التعليل بتنقيح مناط الحكم وضبط أصل كلي . # والثالث: التفريق بينه وبين جنس الطاهرات فلا يجوز إدخاله فيها، فهذه أنواع ~~القياس. أصل ووصل وفصل. # فالوجه الأول : هو الأصل، والجمع بينه وبين غيره من الأخباث. # والثاني : هو الأصل والقاعدة، والضابط الذي يدخل فيه . # والثالث : الفصل بينه وبين غيره من الطاهرات، وهو قياس العكس فالجواب عن ~~هذه الحجج، والله المستعان. # أما المسلك الأول : ضعيف جدا لوجهين: # أحدهما : أن اللام في البول للتعريف، فتفيد ما كان معروفا عند المخاطبين، ~~فإن كان المعروف واحدا معهودا فهو المراد، وما لم يكن ثم عهد بواحد أفادت ~~الجنس، إما جميعه على المرتضى، أو مطلقه على رأي بعض الناس، وربما كانت PageV01P228 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0229.png) ms0243 ~~228 ~~كذلك. وقد نص أهل المعرفة باللسان والنظر في دلالات الخطاب أنه لا يصار إلى ~~تعريف الجنس إلا إذا لم يكن ثم شيء معهود، فأما إذا كان ثم شيء معهود مثل قوله ~~تعالى: (كما أزسلنا إلى فرعون رشولا ء فعصى فرعون الرسول)،16] صار معهود ~~بتقدم ذكره، وقوله: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم) هو معين، لأنه ~~معهود بتقدم معرفته وعلمه، فإنه لا يكون لتعريف جنس ذلك الاسم حتى ينظر فيه، ~~هل يفيد تعريف عموم الجنس، أو مطلق الجنس فافهم هذا فإنه من محاسن ~~المسالك. # فإن الحقائق ثلاث: عامة، وخاصة، ومطلقة. # فإذا قلت: الإنسان قد تريد جميع الجنس، وقد تريد مطلق الجنس، وقد تريد ~~شيئا بعينه من الجنس. # فأما الجنس العام: فوجوده في القلوب والنفوس علما ومعرفة وتصورا. # وأما الخاص، من الجنس: مثل زيد وعمرو، فوجوده هو حيث حل، وهو ~~الذي يقال له وجود في الأعيان، وفي خارج الأذهان وقد يتصور هكذا في القلب ~~خاصا متميزا. # وأما الجنس المطلق مثل الإنسان المجرد عن عموم وخصوص، الذي يقال له ~~نفس الحقيقة، ومطلق الجنس فهذا كما لا يتقيد في نفسه، لا يتقيد بمحله، إلا أنه ~~لا يدرك إلا بالقلوب، فتجعل محلا له بهذا الاعتبار، وربما جعل موجودا في الأعيان ~~باعتبار أن في كل إنسان حظا من مطلق الإنسانية فالموجود في العين المعينة من النوع ~~حظها وقسطها. # فإذا تبين هذا، فقوله: فإنه كان لا يستنزه من البول، بيان للبول المعهود، وهو ~~الذي كان يصيبه، وهو بول نفسه. يدل على هذا أيضا سبعة أوجه: # أحدها : ما روي لفإنه كان لا يستبرئ من البول» والاستبراء لا يكون إلا من ~~بول نفسه؛ لأنه طلب براءة الذكر، كاستبراء الرحم من الولد. # الثاني: أن اللام تعاقب الإضافة، فقوله: من البول» كقوله: من بوله، وهذا ~~مثل قوله : ( تفنمة للم الابوب) لص:50 أي أبوابها. # الثالث : أنه قد روي هذا الحديث من وجوه صحيحة، فكان لا يستتر من بوله، ~~وهذا يفسر تلك الرواية. # ثم هذا الاختلاف في اللفظ متأخر: عن منصور روى الأعمش ms0244 عن مجاهد عن ~~ابن عباس، ومعلوم ان المحدث لا يجمع بين هذين اللفظين، والأصل والظاهر عدم ~~تكرر قول النب صلى الل عله فعلم انهم رووه بالمعنى، ولم يين أي اللفظين هو الأصل. PageV01P229 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0230.png) ~~229 # ثم إن كان النبي صلى الله عليه وسلم د قال اللفظين، مع أن معنى أحدهما يجوز أن يكون ~~موافقا لمعنى الآخر، ويجوز أن يكون مخالفا، فالظاهر الموافقة. يبين هذا أن ~~الحديث في حكاية حال لما مر النبي صلى الله عليه وسلم برين، ومعلوم أنها قضية واحدة. # الرابع : أنه إخبار عن شخص بعينه أن البول كان يصيبه، ولا يستتر منه، ومعلوم ~~أن الذي جرت العادة به بول نفسه. # الخامس : أن الحسن قال : البول كله نجس، وقال أيضا : لا بأس بأبوال الغنم، ~~فعلم أن البول المطلق عنده هو بول الإنسان. # السادس : أن هذا هو المفهوم للسامع عند تجرد قلبه عن الوسواس والتمريح، ~~فإنه لا يفهم من قوله : فإنه كان لا يستتر من البول إلا بول نفسه. ولو قيل : إنه لم ~~يخطر لأكثر الناس على بالهم جميع الأبوال : من بول بعير؛ وشاة وثور لكان صدقا. # السابع : أنه يكفي بأن يقال : إذا احتمل أن يريد بول نفسه؛ لأنه المعهود، ~~وأن يريد جميع جنس البول، لم يجز حمله على أحدهما إلا بدليل، فيقف ~~الاستدلال . وهذا لعمري تنزل، وإلا فالذي قدمنا أصل مستقر ، من أنه يجب حمله ~~على البول المعهود، وهو نوع من أنواع البول، وهو بول نفسه الذي يصيبه غالبا، ~~ويترشرش على أفخاذه وسوقه، وربما استهان بإنقائه، ولم يحكم الاستنجاء منه، ~~فأما بول غيره من الآدميين فإن حكمه وإن ساوى حكم بول نفسه، فليس ذلك من ~~نفس هذه الكلمة، بل لاستوائهما في الحقيقة، والاستواء في الحقيقة يوجب ~~الاستواء في الحكم . # ألا ترى أن أحدا لا يكاد يصيبه بول غيره، ولو أصابه لساءه ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما أخبر عن أمر موجود غالب في هذا الحديث، وهو قوله : اتقوا البول فإن عامة ~~عذاب القبر منه»1) فكيف يكون عامة عذاب ms0245 القبر من شيء لا يكاد يصيب أحدا من ~~الناس، وهذا بين لا خفاء به . # الوجه الثاني : أنه لو كان عاما في جميع الأبوال، فسوف نذكر من الأدلة الخاصة ~~على طهارة هذا النوع ما يوجب اختصاصه من هذا الاسم العام، ومعلوم من الأصول ~~المستقرة إذا تعارض الخاص والعام فالعمل بالخاص أولى؛ لأن ترك العمل به إبطال ~~له وإهدار، والعمل به ترك لبعض معاني العام، وليس استعمال العام وإرادة الخاص ~~ببدع في الكلام، بل هو غالب كثير. # ولو سلمنا التعارض على التساوي من هذا الوجه، فإن في أدلتنا من الوجوه PageV01P230 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0231.png) ~~الموجبة للتقديم والترجيح وجوها أخرى من الكثرة والعمل، وغير ذلك مما سنبينه إن ~~شاء الله تعالى. # ومن عجيب ما اعتمد عليه بعضهم قول صلى الله عليه وسلم أكثر عذاب القبر من البول . ~~والقول فيه كالقول فيما تقدم، مع أنا نعلم إصابة الإنسان بول غيره قليل نادر، وإنما ~~الكثير إصابته بول نفسه، ولو كان أراد أن يدرج بوله في الجنس الذي يكثر وقوع ~~العذاب بنوع منه لكان بمنزلة قوله أكثر عذاب القبر من النجاسات . # واعتمد أيضا على قوله صلى الله عليه وسلم: : لا يصلي أحدكم بحضرة طعام ولا وهو يدافعه ~~الأخبثان يعني البول والنجو. وزعم أن هذا يفيد تسمية كل بول ونجو أخبث ~~والأخبث حرام نجس، وهذا في غاية السقوط؛ فإن اللفظ ليس فيه شمول لغير ~~ما يدافع أصلا. # وقوله: إن الاسم يشمل الجنس كله. فيقال له: وما الجنس العام? أكل بول ~~ونجو? أم بول الإنسان ونجوه? وقد علم أن الذي يدافع كل شخص من جنس الذي ~~يدافع غيره، فأما ما لا يدافع أصلا فلا مدخل له في الحديث فهذه عمدة المخالف. # وأما المسلك النظري : فالجواب عنه من طريقين: مجمل، ومفصل. # أما المفصل فالجواب عن الوجه الأول من وجهين: # أحدهما: لا نسلم أن العلة في الأصل أنه بول وروث، وما ذكروه من تنبيه ~~النصوص، فقد سلف الجواب بأن المراد بها بول الإنسان. وما ذكروه من المناسبة ~~فنقول: إما أن يكون بجنس ms0246 استخباث النفس واستقذارها، أو بقدر محدود من ~~الاستخباث والاستقذار. # فإن كان الأول : وجب تنجيس كل مستخبث مستقذر، فيجب نجاسة المخاط ~~والبصاق والنخامة؛ بل نجاسة المني الذي جاء الأثر بإماطته من الثياب؛ بل ربما ~~نفرت النفوس عن بعض هذه الأشياء أشد من نفورها عن أرواث المأكول من البهائم، ~~مثل مخطة المجذوم إذا اختلطت بالطعام، ونخامة الشيخ الكبير إذا وضعت في ~~الشراب، وربما كان ذلك مدعاة لبعض الأنفس إلى أن يذرعه القيء. # وإن كان التعليل بقدر مؤقت من الاستقذار، فهذا قد يكون حقا لكن لا بد من ~~بيان الحد الفاصل بين القذر من الاستخباث الموجب للتنجيس، وبين ما لا يوجب، ~~ولم يبن ذلك، ولعل هذه الأعيان مما ينقض بيان استقذارها الحد المعتبر. PageV01P231 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0232.png) # ثم إن التقديرات في الأسباب والأحكام إنما تعلم من جهة استقذارها عن الشرع ~~في الأمر الغالب، فنقول : متى حكم بنجاسة نوع علمنا أنه مما غلظ استخباثه، ومتى ~~لم يحكم بنجاسة نوع علمنا أنه لم يغلظ استخباثه فنعود مستدلين بالحكم على المعتبر ~~من العلة ، فمتى استربنا في الحكم فنحن في العلة أشد استرابة، فبطل هذا. وأما ~~الشاهد بالاعتبار فكما أنه شهد لجنس الاستخباث، شهد للاستخباث الشديد، ~~والاستقذار الغليظ . # وثانيهما : أن نقول : لم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل أنه بول ما يؤكل ~~لحمه ? وهذه علة مطردة بالإجماع منا ومن المخالفين. في هذه المسألة، ~~والانعكاس إن لم يكن واجبا فقد حصل الغرض، وإن كان شرطا في العلل فنقول فيه ~~ما قالوا في إطراد العلة وأولى، حيث خولفوا فيه وعدم الانعكاس أيسر من عدم ~~الإطراد. # وإذا افترق الصنفان في اللحم والعظم واللبن والشعر فلم لا يجوز افتراقهما في ~~لروث والبول، وهذه المناسبة أبين؛ فإن كان واحد من هذه الأجزاء هو بعض من ~~أبعاض البهيمة، أو متولد منها، فيلحق سائرها قياسا لبعض الشيء على جملته. # فإن قيل : هذا منقوض بالإنسان فإنه طاهر ولبنه طاهر، وكذلك سائر أمواهه ~~وفضلاته ومع هذا فروثه وبوله من أخبث الأخباث، فحصل الفرق فيه بين البول ~~وغيره ms0247 . # فنقول : أعلم أن الإنسان فارق غيره من الحيوان في هذا الباب طردا وعكسا، ~~فقياس البهائم بعضها ببعض وجعلها في حيز يباين حيز الإنسان، وجعل الإنسان في ~~حيز هو الواجب، ألا ترى أنه لا ينجس بالموت على المختار، وهي تنجس بالموت، ~~ثم بوله أشد من بولها؟! # ألا ترى أن تحريمه مفارق لتحريم غيره من الحيوان، لكرم نوعه وحرمته، حتى ~~يحرم الكافر وغيره، وحتى لا يحل أن يدبغ جلده، مع أن بوله أشد وأغلظ، فهذا ~~وغيره يدل على أن بول الإنسان فارق سائر فضلاته، أشد من مفارقة بول البهائم ~~فضلاتها، إما لعموم ملابسته حتى لا يستخف به، أو لغير ذلك مما الله أعلم به، على ~~أنه يقال في عذرة الإنسان وبوله من الخبث والنتن والقذر ما ليس في عامة الأبوال ~~والأرواث. وفي الجملة فإلحاق الأبوال باللحوم في الطهارة والنجاسة أحسن طردا من ~~غيره، والله أعلم. # وأما الوجه الثاني : فنقول ذلك الأصل في الآدميين مسلم، والذي جاء عن PageV01P232 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0233.png) ~~السلف إنما جاء فيهم من الاستحالة في أبدانهم، وخروجه من الشق الأعلى أو ~~الأسفل، فمن أين يقال كذلك سائر الحيوان؛ وقد مضت الإشارة إلى الفرق?! ثم ~~مخالفوهم يمنعونهم أكثر الأحكام في البهائم؛ فيقولون: قد ثبت أن ما خبث لحمه ~~خبث لبنه ومنيه؛ بخلاف الآدمي، فبطلت هذه القاعدة في الاستحالة؛ بل قد يقولون: ~~إن جميع الفضلات الرطبة من البهائم حكمها سواء، فما طاب لحمه طاب لبنه وبوله ~~وروثه ومنيه وعرقه وريقه ودمعه. وما خبث لحمه خبث لبنه وريقه وبوله وروثه ومنيه ~~وعرقه ودمعه، وهذا قول يقوله أحمد في المشهور عنه، وقد قاله غيره. # وبالجملة فاللبن والمني يشهد لهم بالفرق بين الإنسان والحيوان شهادة قاطعة، ~~وباستواء الفضلات من الحيوان ضربا من الشهادة؛ فعلى هذا يقال للإنسان يفرق بين ~~ما يخرج من أعلاه وأسفله لما الله أعلم به، فإنه منتصب القامة نجاسته كلها في ~~أعاليه، ومعدته التي هي محل استحالة الطعام والشراب في الشق الأسفل . وأما الثدي ~~ونحوه فهو في الشق الأعلى، وليس كذلك البهيمة. فإن ms0248 ضرعها في الجانب المؤخر ~~منها، وفيه اللبن الطيب، ولا مطمع في إثبات الأحكام بمثل هذه الحزورات. # وأما الوجه الثالث: فمداره على الفصل بينه وبين غيره من الطاهرات، فإن فصل ~~بنوع الاستقذار بطل بجميع المستقذرات التي ربما كانت أشد استقذارا منه، وإن فصل ~~بقدر خاص فلا بد من توقيته، وقد مضى تقرير هذا. # وأما الجواب العام فمن أوجه ثلاثة: # أحدها : أن هذا قياس في مقابلة الآثار المنصوصة، وهو قياس فاسد الوضع، ~~ومن جمع بين ما فرقت السنة بينه، فقد ضاهى قول الذين قالوا: (إنما البيع مثل الربوا ~~وأحل الله البيع وحرم الربوا ) ولذلك طهرت السنة هذا ونجست هذا. # الثاني : أن هذا قياس في باب لم تظهر أسبابه وأنواطه، ولم يتبين مأخذه، ~~وما بل الناس فيه على قسمين : إما قائل يقول هذا استعباد محض، وابتلاء صرف، ~~فلا قياس ولا إلحاق ولا اجتماع ولا افتراق واما قائل يقول : دقت علينا علله ~~وأسبابه، وخفيت علينا مسالكه ومذاهبه، وقد بعث الله إلينا رسولا يزكينا ويعلمنا ~~الكتاب والحكمة بعثه إلينا ونحن لا نعلم شيئا، فإنما نصنع ما رأيناه يصنع، والسنة ~~لا تضرب لها الأمثال، ولا تعارض بآراء الرجال، والدين ليس بالرأي ويجب أن يتهم ~~الرأي على الدين، والقياس في مثل هذا الباب ممتنع باتفاق أولي الألباب. # الثالث: أن يقال: هذا كله مداره على التسوية بين بول ما يؤكل لحمه وبول ~~ما لا يؤكل لحمه، وهو جمع بين شيئين مفترقين، فإن ريح المحرم خبيثة، وأما ريح PageV01P233 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0234.png) ~~المباح فمنه ما قد يستطاب . مثل أرواث الظباء، وغيرها. وما لم يستطب منه فليس ~~ريحه كريح غيره، وكذلك خلقه غالبا فإنه يشتمل على أشياء من المباح، وهذا لأن ~~الكلام في حقيقة المسألة، وسنعود إليه إن شاء الله في آخرها. # الدليل الثاني : الحديث المستفيض أخرجه أصحاب الصحيح وغيرهم حديث ~~أنس بن مالك «أن ناسا من عكل أو عرينة قدموا المدينة فاجتووها فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحوا قتلوا راعي رسول ms0249 اللاله صلىلى الله عليه وسلم ~~واستاقوا الذود. وذكر الحديث . فوجه الحجة أنه أذن لهم في شرب الأبوال، ~~ولا بد أن يصيب أفواههم وأيديهم وثيابهم وآنيتهم، فإذا كانت نجسة وجب تطهير ~~أفواههم وأيديهم وثيابهم للصلاة، وتطهير آنيتهم. فيجب بيان ذلك لهم؛ لأن تأخير ~~البيان عن وقت الاحتياج إليه لا يجوز، ولم يبن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أ يجب عليهم إماطة ~~ما أصابهم منه . فدل على أنه غير نجس، ومن البين أن لو كانت أبوال الإبل كأبوال ~~الناس لأوشك أن يشتد تغليظه في ذلك. # ومن قال : إنهم كانوا يعلمون أنها نجسة، وإنهم كانوا يعلمون وجوب التطهير ~~من النجاسات، فقد أبعد غاية الإبعاد، وأتى بشيء قد يستيقن بطلانه لوجوه: # أحدها : أن الشريعة أول ما شرعت كانت أخفى، وبعد انتشار الإسلام وتناقل ~~العلم وإفشائه صارت أبدى وأظهر، وإذا كنا إلى اليوم لم يستبن لنا نجاستها بل أكثر ~~الناس على طهارتها، وعامة التابعين عليه، بل قد قال أبو طالب وغيره: إن السلف ~~ما كانوا ينجسونها، ولا يتقونها . وقال أبو بكر ابن المنذر: وعليه اعتماد أكثر ~~المتأخرين في نقل الإجماع والخلاف، وقد ذكر طهارة الأبوال عن عامة السلف، ثم ~~قال: قال الشافعي : الأبوال كلها نجس. قال: ولا نعلم أحدا قال قبل الشافعي أن ~~أبوال الأنعام وأبعارها نجس. # قلت: وقد نقل عن ابن عمر أنه سئل عن بول الناقة، فقال: اغسل ما أصابك ~~منه . وعن الزهري فيما يصيب الراعي من أبوال الإبل قال: ينضح. وعن حماد بن ~~أبي سليمان في بول الشاة والبعير يغسل. ومذهب أبي حنيفة نجاسة ذلك على تفصيل ~~لهم فيه، فلعل الذي أراده ابن المنذر القول بوجوب اجتناب قليل البول والروث ~~وكثيره. فإن هذا لم يبلغنا عن أحد من السلف، ولعل ابن عمر أمر بغسله كما يغسل ~~الثوب من المخاط والبصاق والمني ونحو ذلك، وقد ثبت عن أبي موسى الأشعري ~~أنه صلى على مكان فيه روث الدواب والصحراء أمامه. وقال ههنا وههنا سواء. وعن ~~أنس بن مالك لا بأس ببول كل ذي ms0250 كرش. PageV01P234 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0235.png) ~~س # رت عرف عن أحد من الصحابة القول بنجامتب: - ق بعهارتها؛ !ا ~~لر مكرحر بز صمر ابن كان أراد النجاسة فمن اين يكون ذلت معره. نترخت؟: ~~ون نه نو كان نجسا فوجوب التطهر من اننجمت .- -- لجينة. قب ~~ممر ر شخائفة من التابعين وغيرهم، فمن اينز يعبيس7 ~~ف ان منا لو كان مستفيضا بين ظهراني ححت حب ن يعنمه ~~زئنك زس صيير لمهد بالجاهلية والكفر، فق حمت نسات ~~ونعد برقمه رشنث غيرها من الشرائع المة. حه خيد حضي تي نس ~~حفي وح وحرحر ز سدا ولقوء لم يتنترا تپ ابر س ت يست اينه ~~و- يخصر سر منعه ولصيمة* بي حين اروننه بنخه اسين بامية ~~اعي نبت شمري مز تين نهم انعلم حتنا اأمرر اخقي. # وربعه آنذ النبي} نم يكن تي تعليمه زارناده و315 حتمنيم إلى غيره؛ بل ~~يبين نكر وحد ما يحتاج إليه، وذنك معلرم لمن أحسن الممرفة بالنن الماضية. # وخامسها: أنه ليس العلم بنجاة هذه الأرواث أبين من العلم بنجاسة بول ~~الإنسان الذي قد علمه العذارى في حجالهن وخدورمن، ثم قد حذر منه للمهاجرين ~~والأنصار الذين أوتوا العلم والإيمان، فصار الأعراب الجفاة أعلم بالأمور الخفية من ~~المهاجرين والأنصار بالأمور الظاهرة، فهذا كما ترى . # وسادسها: أنه فرق بين الأبوال والألبان وأخرجهما مخرجا واحدا والقران بين ~~الشيئين إن لم يوجب استواءهما، فلا بد أن يورث شبهة، فلو لم يكن البيان واجبا ~~لكانت المقارنة بينه وبين الطاهر موجبة للتمييز بينهما إن كان التمييز حقا. # وفي الحديث دلالة أخرى فيها تنازع، وهو أنه أباح لهم شربها، ولو كانت ~~محرمة نجسة لم يبح لهم شربها، ولست أعلم مخالفا في جواز التداوي بأبوال الإبل. ~~كما جاءت السنة؛ لكن اختلفوا في تخريج مناطه فقيل : هو أنها مباحة على الإطلاق، ~~للتداوي ورغير التداوي . وقيل : بل هي محرمة، وإنما أباحها للتداوي. وقيل : هي مع ~~ذلك نجسة، والاستدلال بهذا الوجه يحتاج إلى ركن آخر، وهو أن التداوي ~~بالمعرمات النمسة محرم، والدليل عليه من وجوه: # احمه: أن الادلة ms0251 ايدالة على التحريم مثل قوله : (خرمت عليكم الميتة ) ~~3 و: اكل ذي ناب من انسباع حرام»1) و: (إنما القتر والمييم والانصاب والألل ريمث ) ~~(امائدة: 9 عامة في حال التداوي وغير التداوي، فمن فرق بينهما فقد فرق بين ~~ما جمع الله بينه وخص العموم، وذلك غير جائز. PageV01P235 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0236.png) # فإن قيل : فقد أباحها للضرورة، والمتداوي مضطر فتباح له، أو أنا نقيس إباحتها ~~للمريض على إباحتها للجائع بجامع الحاجة إليها. # يؤيد ذلك أن المرض يسقط الفرائض من القيام في الصلاة، والصيام في شهر ~~رمضان، والانتقال من الطهارة بالماء إلى الطهارة بالصعيد، فكذلك يبيح المحارم؛ ~~لأن الفرائض والمحارم من واد واحد. # يؤيد ذلك أن المحرمات من الحلية واللباس مثل الذهب والحرير قد جاءت ~~السنة بإباحة اتخاذ الأنف من الذهب، وربط الأسنان به، ورخص للزبير وعبد الرحمن ~~في لباس الحرير من حكة كانت بهما، فدلت هذه الأصول الكثيرة على إباحة ~~المحظورات حين الاحتياج، والافتقار إليها. # قلت : أما إباحتها للضرورة فحق؛ وليس التداوي بضرورة لوجوه: # أحدها : أن كثيرا من المرضى أو أكثر المرضى يشفون بلا تداو، لا سيما في ~~أهل الوبر والقرى، والساكنين في نواحي الأرض يشفيهم الله بما خلق فيهم من القوى ~~المطبوعة في أبدانهم الرافعة للمرض وفيما ييسره لهم من نوع حركة وعمل، أو دعوة ~~مستجابة، أو رقية نافعة، أو قوة للقلب، وحسن التوكل، إلى غير ذلك من الأسباب ~~الكثيرة غير الدواء، وأما الأكل فهو ضروري ولم يجعل الله أبدان الحيوان تقوم إلا ~~بالغذاء، فلو لم يكن يأكل لمات، فثبت بهذا أن التداوي ليس من الضرورة في شيء. # وثانيها : أن الأكل عند الضرورة واجب. قال مسروق : من اضطر إلى الميتة فلم ~~يأكل فمات دخل النار، والتداوي غير واجب ومن نازع فيه: خصمته السنة في المرأة ~~لسوداء التي خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بن الصبر على البلاء ودخول الجنة، وبين الدعاء ~~بالعافية . فاختارت البلاء والجنة . ولو كان رفع المرض واجبا لم يكن للتخيير موضع، ~~كدفع الجوع، وفي دعائه لأبي بالحمى، وفي اختياره الحمى ms0252 لأهل قباء، وفي دعائه ~~بفناء أمته بالطعن والطاعون، وفي نهيه عن الفرار من الطاعون. # وخصمه حال أنبياء الله المبتلين الصابرين على البلاء، حين لم يتعاطوا الأسباب ~~الدافعة له . مثل أيوب عليه السلام، وغيره. # وخصمه حال السلف الصالح؛ فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حين قالوا ~~له : ألا ندعو لك الطبيب? قال : قد رآني، قالوا: فما قال لك? قال : إني فعال لما ~~أريد. ومثل هذا ونحوه يروى عن الربيع بن خيثم المخبت المنيب الذي هو أفضل ~~الكوفيين، أو كأفضلهم وعمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الهادي المهدي، وخلق ~~كثير لا يحصون عددا. # ولست أعلم سالفا أوجب التداوي، وإنما كان كثير من أهل الفضل والمعرفة PageV01P236 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0237.png) ~~يفضل تركه تفضلا واختيارا؛ لما اختار الله ورضي به، وتسليما له وهذا المنصوص ~~عن أحمد وإن كان من أصحابه من يوجبه، ومنهم من يستحبه، ويرجحه . كطريقة كثير ~~من السلف استمساكا لما خلقه الله من الأسباب، وجعله من سنته في عباده. # وثالثها: أن الدواء لا يستيقن، بل وفي كثير من الأمراض لا يظن دفعه ~~للمرض؛ إذ لو اطرد ذلك لم يمت أحد، بخلاف دفع الطعام للمسغبة والمجاعة، فإنه ~~مستيقن بحكم سنة الله في عباده وخلقه. # ورابعها: أن المرض يكون له أدوية شتى، فإذا لم يندفع بالمحرم انتقل إلى ~~المحلل، ومحال أن لا يكون له في الحلال شفاء أو دواء، والذي أنزل الداء أنزل ~~لكل داء دواء إلا الموت، ولا يجوز أن يكون أدوية الأدواء في القسم المحرم، وهو ~~سبحانه الرؤوف الرحيم. وإلى هذا الإشارة بالحديث المروي : إن الله لم يجعل ~~شفاء أمتي فيما حرم عليها بخلاف المسغبة فإنها وإن اندفعت بأي طعام اتفق، إلا ~~أن الخبيث إنما يباح عند فقد غيره، فإن صورت مثل هذا في الدواء فتلك صورة ~~نادرة؛ لأن المرض أندر من الجوع بكثير، وتعين الدواء المعين وعدم غيره نادر، ~~فلا ينتقض هذا، على أن في الأوجه السالفة غنى . # وخامسها: وفيه فقه الباب: أن الله تعالى جعل خلقه مفتقرين إلى الطعام ~~والغذاء، لا ms0253 تندفع مجاعتهم ومسغبتهم إلا بنوع الطعام وصنفه فقد هدانا وعلمنا النوع ~~الكاشف للمسغبة المزيل للمخمصة. وأما المرض فإنه يزيله بأنواع كثيرة من ~~الأسباب: ظاهرة وباطنة، روحانية وجسمانية، فلم يتعين الدواء مزيلا. ثم الدواء ~~بنوعه لم يتعين لنوع من أنواع الأجسام في إزالة الداء المعين . ثم ذلك النوع المعين ~~يخفى على أكثر الناس، بل على عامتهم دركه ومعرفته الخاصة، المزاولون منهم هذا ~~الفن، أولو الأفهام والعقول، يكون الرجل منهم قد أفنى كثيرا من عمره في معرفته ~~ذلك، ثم يخفى عليه نوع المرض وحقيقته، ويخفى عليه دواؤه وشفاؤه، ففارقت ~~الأسباب المزيلة للمرض الأسباب المزيلة للمخمصة فى هذه الحقائق البينة وغيرها، ~~فكذلك افترقت أحكامها كما ذكرنا. وبهذا ظهر الجواب عن الأقيسة المذكورة، ~~والقول الجامع فيما يسقط ويباح للحاجة والضرورة ما حضرني الآن. # أما سقوط ما يسقط من القيام والصيام، والاغتسال؛ فلأن منفعة ذلك مستيقنة ~~بخلاف التداوي. # وأيضا فإن ترك المأمور به أيسر من فعل المنهي عنه، قال النبيصلى الله عليه وسلم إذا ~~نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فانظر كيف PageV01P237 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0238.png) ~~أوجب الاجتناب عن كل منهي عنه، وفرق في المأمور به بين المستطاع وغيره، وهذا ~~يكاد يكون دليلا مستقلا في المسألة. # وأيضا : فإن الواجبات من القيام والجمعة والحج تسقط بأنواع من المشقة التي ~~لا تصلح لاستباحة شيء من المحظورات، وهذا بين بالتأمل. # وأما الحلية : فإنما أبيح الذهب للأنف، وربط الأسنان؛ لأنه اضطرار، وهو يسد ~~الحاجة يقينا كالأكل في المخمصة. # وأما لبس الحرير : للحكة والجرب إن سلم ذلك، فإن الحرير والذهب ليسا ~~محرمين على الإطلاق، فإنهما قد أبيحا لأحد صنفي المكلفين، وأبيح للصنف الآخر ~~بعضهما، وأبيحت التجارة فيهما، وإهداؤهما للمشركين. فعلم أنهما أبيحا لمطلق ~~الحاجة، والحاجة إلى التداوي أقوى من الحاجة إلى تزين النساء، بخلاف المحرمات ~~من النجاسات . وأبيح أيضا لحصول المصلحة بذلك في غالب الأمر. # ثم الفرق بين الحرير والطعام : أن باب الطعام يخالف باب اللباس لأن تأثير ~~الطعام في الأبدان أشد من تأثير اللباس، على ما ms0254 قد مضى . فالمحرم من الطعام ~~لا يباح إلا للضرورة التي هي المسغبة والمخمصة، والمحرم من إللباس يباح للضرورة ~~وللحاجة أيضا، هكذا جاءت السنة، ولا جمع بين ما فرق الله بينه. والفرق بين ~~الضرورات والحاجات معلوم في كثير من الشرعيات، وقد حصل الجواب عن كل ~~ما يعارض به في هذه المسألة . # الوجه الثاني : أخرج مسلم في صحيحه أن رسول الله له صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر ~~أيتداوى بها? فقال : إنها داء، وليست بدواء فهذا نص في المنع من التداوي ~~بالخمر، ردا على من أباحه، وسائر المحرمات مثلها قياسا، خلافا لمن فرق بينهما، ~~فإن قياس المحرم من الطعام أشبه من الغراب بالغراب؛ بل الخمر قد كانت مباحة في ~~بعض أيام الإسلام، وقد أباح بعض المسلمين من نوعها الشرب دون الإسكار والميتة ~~والدم بخلاف ذلك . # فإن قيل : الخمر قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أهنا داء وليست بدواء، فلا يجوز أن يقال : ~~هي دواء بخلاف غيرها . وأيضا ففي إباحة التداوي بها إجازة اصطناعها واعتصارها، ~~وذلك داع إلى شربها ولذلك اختصت بالحد بها دون غيرها من المطاعم الخبيثة لقوة ~~محبة الأنفس لها. # فأقول : أما قولك : لا يجوز أن يقال: هي دواء. فهو حق، وكذلك القول في ~~سائر المحرمات على ما دل عليه الحديث الصحيح : أن الله لم يجعل شفاءكم في PageV01P238 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0239.png) ~~حرام»1) ثم ماذا تريد بهذا ? أتريد أن الله لم يخلق فيها قوة طبيعية من السخونة ~~وغيرها؟ جرت العادة في الكفار والفساق أنه يندفع بها بعض الأدواء الباردة2. كسائر ~~القوى والطبائع التي أودعها جميع الأدوية من الأجسام. أم تريد شيئا آخر؟ فإن أردت ~~الأول فهو باطل بالقضايا المجربة التي تواطأت عليها الأمم، وجرت عند كثير من ~~الناس مجرى الضروريات، بل هو رد لما يشاهد ويعاين. بل قد قيل : إنه رد للقرآن؛ ~~لقوله تعالى : (قل فيهما إثم كبير ومنفع للناس) ولعل هذا في الخمر ~~أظهر من جميع المقالات المعلومة من طيب الأبدان. # وإن أردت أن النبي صلى الله عليه وسلم خبر ms0255 أنها داء للنفوس والقلوب والعقول، وهي أم ~~الخبائث، والنفس والقلب هو الملك المطلوب صلاحه وكماله، وإنما البدن آلة له، ~~وهو تابع له مطيع له طاعة الملائكة ربها. فإذا صلح القلب صلح البدن كله، وإذا فسد ~~القلب فسد البدن كله، فالخمر هي داء ومرض للقلب مفسد له، مضعضع لأفضل ~~خواصه الذي هو العقل والعلم، وإذا فسد القلب فسد البدن كله، كما جاءت به ~~السنة، فتصير داء للبدن من هذا الوجه بواسطة كونها داء للقلب. وكذلك جميع ~~الأموال المغصوبة والمسروقة فإنه ربما صلح عليها البدن ونبت وسمن لكن يفسد ~~عليها القلب فيفسد البدن بفساده. # وأما المصلحة التي فيها، فإنها منفعة للبدن فقط، ونفعها متاع قليل، فهي وإن ~~أصلحت شيئا يسيرا فهي في جنب ما تفسده كلا إصلاح وهذا بعينه معنى قوله تعالى : ~~( نيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أحبر من نفعهما) فهذا لعمري ~~شأن جميع المحرمات، فإن فيها من القوة الخبيثة التي تؤثر في القلب ثم البدن في ~~الدنيا والآخرة ما يربي على ما فيها من منفعة قليلة تكون في البدن وحده في الدنيا ~~خاصة. # على أنا وإن لم نعلم جهة المفسدة في المحرمات، فإنا نقطع أن فيها من ~~المفاسد ما يربي على ما نظنه من المصالح. فافهم هذا فإن به يظهر فقه المسألة ~~وسرها. # وأما إفضاؤه إلى اعتصارها؛ فليس بشيء، لأنه يمكن أخذها من أهل الكتاب، ~~على أنه يحرم اعتصارها، وإنما القول إذا كانت موجودة أن هذا منتقض بإطفاء الحرق ~~بها، ودفع الغصة إذا لم يوجد غيرها. # وأما اختصاصها بالحد؛ فإن الحسن البصري يوجب الحد في الميتة أيضا، والدم PageV01P239 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0240.png) ~~ولحم الخنزير، لكن الفرق أن في النفوس داعيا طبعيا وباعثا إراديا إلى الخمر، فنصب ~~رادع شرعي وزاجر دنيوي أيضا ليتقابلا، ويكون مدعاة إلى قلة شربها، وليس كذلك ~~غيرها مما ليس في النفوس إليه كثير ميل، ولا عظيم طلب. # الوجه الثالث : ما روى حسان بن مخارق قال : قالت أم سلمة: اشتكت بنت لي ~~فنبذت لها في كوز، فدخل النبي صلى الله ms0256 عليه وسلم وهو يغلي، فقال : لما هذا? فقلت : إن بنتي ~~اشتكت فنبذنا لها هذا، فقال : «إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام رواه ~~أبو حاتم بن حبان في صحيحه - وفي رواية : «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم ~~عليكم وصححه بعض الحفاظ وهذا الحديث نص في المسألة. # الوجه الرابع : ما رواه أبو داود في السنن أن رجلا وصف له ضفدع يجعلها في ~~دواء، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع وقال : إن نقنقتها تسبيح فهذا حيوان ~~محرم ولم يبح للتداوي . # وهو نص في المسألة. ولعل تحريم الضفدع أخف من تحريم الخبائث غيرها، ~~فإنه أكثر ما قيل فيها إن نقنقتها تسبيح، فما ظنك بالخنزير والميتة وغير ذلك. وهذا ~~كله بين لك استخفافه بطلب الطب واقتضائه وإجرائه مجرى الرفق بالمريض وتطييب ~~قلبه، ولهذا قال الصادق المصدوق لرجل، قال له: أنا طبيب، قال : لأنت رفيق والله ~~الطبيب» . # الوجه الخامس: ما روي أيضا في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الدواء ~~الخبيث»(3) وهو نص جامع مانع، وهو صورة الفتوى في المسألة. # الوجه السادس : الحديث المرفوع: ما أبالي ما أتيت - أو ما ركبت - إذا ~~شربت ترياقا، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من نفسي» مع ما روي من كراهة ~~من كره الترياق من السلف على أنه لم يقابل ذلك نص عام، ولا خاص يبلغ ذروة ~~المطلب، وسنام المقصد في هذا الموضع ولولا أني كتبت هذا من حفظي لاستقصيت ~~القول على وجه يحيط بما دق وجل، والله الهادي إلى سواء السبيل. # الدليل الثالث : وهو في الحقيقة رابع: الحديث الصحيح الذي خرجه مسلم ~~وغيره من حديث جابر بن سمرة وغيره أن رسول الله ل صلى الله عليه وسلم مثل عن الصلاة في مرابض PageV01P240 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0241.png) ~~الغنم، فقال : صلوا فيها فإنها بركة. وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؛ فقال: ~~1لا تصلوا فيها فإنها خلقت من الشياطين»2. ووجه الحجة من وجهين : # أحدهما : أنه أطلق الإذن بالصلاة، ولم يشترط حائلا يقي من ملامستها ~~والموضع موضع ms0257 حاجة إلى البيان، فلو احتاج لبينه، وقد مضى تقرير هذا. وهذا شبيه ~~العموم في المقال فانه ترك أستفصأ الصساول: أمنثاك حآل تيخحول بينك وبين آبعارها؟ ~~مع ظهور الاحتمال؛ ليس مع قيامه فقط، وأطلق الإذن، بل هذا أوكد من ذلك؛ لأن ~~الحاجة هنا إلى البيان أمس وأوكد. # والوجه الثاني : أنها لو كانت نجسة كأرواث الآدميين لكانت الصلاة فيها : إما ~~محرمة كالحشوش، والكنف، أو مكروهة كراهية شديدة لأنها مظنة الأخباث ~~والأنجاس. فأما أن يستحب الصلاة فيها ويسميها بركة ويكون شأنها شأن الحشوش أو ~~قريبا من ذلك فهو جمع بين المتنافيين المتضادين، وحاشا الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك. # ويؤيد هذا ما روي أن أبا موسى صلى في مبارك الغنم، وأشار إلى البرية وقال: ~~ههنا وثم سواء. وهو الصاحب الفقيه العالم بالتنزيل، الفاهم للتأويل، سوى بين محل ~~الأبعار وبين ما خلا عنها، فكيف يجامع هذا القول بنجاستها? ! # وأما نهيه عن الصلاة في مبارك الإبل فليست اختصت به دون البقر والغنم ~~والظباء. والخيل، إذ لو كان السبب نجاسة البول، لكان تفريقا بين المتماثآلين، وهو ~~ممتنع يقينا. # الدليل الرابع: وهو في الحقيقة سابع: ما ثبت واستفاض من أن رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ~~طاف على راحلته، وأدخلها المسجد الحرام الذي فضله الله على جميع بقاع الأرض، ~~وبركها حتى طاف أسبوعا . وكذلك إذنه لأم سلمة أن تطوف راكبة، ومعلوم أنه ليس ~~مع الدواب من العقل ما تمتنع به من تلويث المسجد المأمور بتطهيره للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود، فلو كانت أبوالها نجسة لكان فيه تعريض المسجد الحرام ~~للتنجيس، مع أن الضرورة ما دعت إلى ذلك، وإنما الحاجة دعت إليه، ولهذا استنكر ~~بعض من يري تنجيسها إدخال الدواب المسجد الحرام، وحسبك بقول بطلانا رده في ~~وجه السنة التي لا ريب فيها. PageV01P241 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0242.png) # الدليل الخامس : وهو الثامن : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنه قال : فأما ما أكل ~~لحمه فلا بأس ببوله» وهذا ترجمة المسألة؛ إلا أن الحديث قد اختلف فيه قبولا ~~وردا، ms0258 فقال أبو بكر عبد العزيز: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال غيره: هو موقوف على ~~جابر. # فإن كان الأول فلا ريب فيه، وإن كان الثاني فهو قول صاحب، وقد جاء مثله ~~عن غيره من الصحابة أبي موسى الأشعري وغيره، فينبني على أن قول الصحابة أولى ~~من قول من بعدهم، وأحق أن يتبع. وإن علم أنه انتشر في سائرهم، ولم ينكروه، ~~فصار إجماعا سكوتيا. # الدليل السادس : وهو التاسع : الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود ~~أن رسول اله صلىلى الله عليه وسلم ان ساجدا عند الكعبة، فأرسلت قريش عقبة بن أبي معيط إلى ~~قوم قد نحروا جزورا لهم، فجاء بفرثها وسلاها فوضعهما على ظهر رسولاله ال صلى الله عليه وسلم. ~~وهو ساجد، ولم ينصرف حتى قضى صلاته فهذا أيضا بين في أن ذلك الفرث ~~والسلى لم يقطع الصلاة، ولا يمكن حمله فيما أرى إلا على أحد وجوه ثلاثة : إما أن ~~يقال هو منسوخ، وأعني بالنسخ أن هذا الحكم مرتفع، وإن لم يكن قد ثبت لأنه ~~بخطاب كان بمكة . وهذا ضعيف جدا لأن النسخ لا يصار إليه إلا بيقين؛ وإما بالظن ~~فلا يثبت النسخ . وأيضا فإنا ما علمنا أن اجتناب النجاسة كان غير واجب ثم صار ~~واجبا، لا سيما من يحتج على اجتناب النجاسة بقوله تعالى : ( وثابك فطقر) ~~4 وسورة المدثر في أول المنزل، فيكون فرض التطهير من النجاسات على قول ~~هؤلاء من أول الفرائض. فهذا هذا. # وإما أن يقال : هذا دليل على جواز حمل النجاسة في الصلاة، وعامة من ~~يخالف في هذه المسألة لا يقول بهذا القول، فيلزمهم ترك الحديث. ثم هذا قول ~~ضعيف لخلافه الأحاديث الصحاح في دم الحيض وغيره من الأحاديث. ثم إني ~~لا أعلمهم يختلفون أنه مكروه، وأن إعادة الصلاة منه أولى، فهذا هذا. لم يبق إلا أن ~~يقال : الفرث والسلى ليس بنجس وإنما هو طاهر؛ لأنه فرث ما يؤكل لحمه، وهذا ~~هو الواجب إن شاء الله تعالى لكثرة القائلين به وظهور الدلائل عليه. وبطول ms0259 الوجهين ~~الأولين يوجب تعين هذا . # فإن قيل: ففيه السلى وقد يكون فيه دم. قلنا: يجوز أن يكون دما يسيرا بل ~~الظاهر أنه يسير، والدم اليسير معفو عن حمله في الصلاة. PageV01P242 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0243.png) ~~فإن قيل: فالسلى لحم من ذبيحة المشركين، وذلك نجس، وذلك باتفاق. قلنا: ~~لا نسلم أنه قد كان حرم حينئذ ذبائح المشركين، بل المظنون أو المقطوع به أنها لم ~~تكن حرمت حينئذ، فإن الصحابة الذين أسلموا لم ينقل أنهم كانوا ينجسون ذبائح ~~قومهم. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه كان يجتنب إلا ما ذبح للأصنام. أما ~~ما ذبحه قومه في دورهم لم يكن يتجنبه، ولو كان تحريم ذبائح المشركين قد وقع في ~~صدر الإسلام لكان في ذلك من المشقة على النفر القليل الذين أسلموا ما لا قبل لهم ~~به، فإن عامة أهل البلد مشركون، وهم لا يمكنهم أن يأكلوا ويشربوا إلا من طعامهم ~~وخبزهم، وفي أوانيهم، لقلتهم وضعفهم وفقرهم. ثم الأصل عدم التحريم حينئذ فمن ~~ادعاه احتاج إلى دليل. # الدليل السابع: وهوالعاشر: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: : أنه نهى عن الاستجمار ~~بالعظم، والبعر، وقال: إنه زاد إخوانكم من الجن وفي لفظ قال : لافسألوني ~~الطعام لهم ولدوابهم، فقلت: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يعود أوفر ما يكون ~~لحما، وكل بعرة علف لدوابكم قال النبي صلى الله عليه وسلم فلا تستنجوا بهما، فإنهما زاد ~~إخوانكم من الجن»2 # فوجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم هى أن يستنجى بالعظم والبعر الذي هو زاد إخواننا ~~من الجن، وعلف دوابهم، ومعلوم أنه إنما نهى عن ذلك لئلا ننجسه عليهم، ولهذا ~~استنبط الفقهاء من هذا أنه لا يجوز الاستنجاء بزاد الإنس . ثم إنه قد استفاض النهي ~~في ذلك، والتغليظ حتى قال : من تقلد وترا أو استنجى بعظم، أو رجيع، فإن ~~محمدا منه بريء». # ومعلوم أنه لو كان البعر في نفسه نجسا لم يكن الاستنجاء به ينجسه، ولم يكن ~~فرق بين البعر المستنجى به والبعر الذي ms0260 لا يستنجى به، وهذا جمع بين ما فرقت ~~السنة بينه . ثم إن البعر لو كان نجسا لم يصلح أن يكون علفا لقوم مؤمنين، فإنها تصير ~~بذلك جلالة، ولو جاز أن تصير جلالة لجاز أن تعلف رجيع الإنس، ورجيع الدواب، ~~فلا فرق حينئذ. ولأنه لما جعل الزاد لهم ما فضل عن الإنس، ولدوابهم ما فضل عن ~~دواب الإنس من البعر، شرط في طعامهم كل عظم ذكر اسم الله عليه، فلا بد أن ~~يشرط في علف دوابهم نحو ذلك، وهو الطهارة. # وهذا يبين لك أن قوله في حديث ابن مسعود لما أتاه بحجرين وروثة فقال: ~~إنها ركس» إنما كان لكونها روثة آدمي، ونحوه، على أنها قضية عين، فيحتمل أن PageV01P243 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0244.png) ~~تكون روثة ما يؤكل لحمه، وروثة ما لا يؤكل لحمه، فلا يعم الصنفين، ولا يجوز ~~القطع بأنها مما يؤكل لحمه، مع أن لفظ الركس لا يدل على النجاسة، لأن الركس هو ~~المركوس أي المردود، وهو معنى الرجيع، ومعلوم أن الاستنجاء بالرجيع لا يجوز ~~بحال ، إما لنجاسته وإما لكونه علف دواب إخواننا من الجن. # الوجه الثامن : وهو الحادي عشر : أن هذه الأعيان لو كانت نجسة لبينه ~~لنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبنه، فليست نجسة، وذلك لأن هذه الأعيان تكثر ملابسة الناس لها ~~ومباشرتهم لكثير منها خصوصا الأمة التي بعث فيها رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم، إن الإبل والغنم ~~غالب أموالهم، ولا يزالون يباشرونها ويباشرون أماكنها في مقامهم وسفرهم، مع كثرة ~~الاحتفاء فيهم، حتى إن عمر رضى الله عنه كان يأمر بذلك : تمعددوا واخشوشنوا ~~وامشوا حفاة وانتعلوا . ومحالب الألبان كثيرا ما يقع فيها من أبوالها وليس اتبلاؤهم ~~بها بأقل من ولوغ الكلب في أوانيهم، فلو كانت نجسة يجب غسل الثياب والأبدان ~~والأواني منها، وعدم مخالطته، ويمنع من الصلاة مع ذلك، ويجب تطهير الأرض مما ~~فيه ذلك، إذا صلى فيها، والصلاة فيها تكثر في أسفارهم، وفي مراح أغنامهم، ~~ويحرم شرب اللبن الذي يقع فيه بعرها وتغسل اليد إذا أصابها البول، أو رطوبة ms0261 البعر، ~~إلى غير ذلك من أحكام النجاسة، لوجب أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم انا تحصل به معرفة ~~الحكم، ولو بين ذلك لنقل جميعه أو بعضه، فإن الشريعة وعادة القوم توجب مثل ~~ذلك، فلما لم ينقل ذلك علم أنه لم يبن لهم نجاستها. # وعدم ذكر نجاستها دليل على طهارتها من جهة تقريره لهم على مباشرتها، وعدم ~~النهي عنه، والتقرير دليل الإباحة. ومن وجه أن مثل هذا يجب بيانه بالخطاب، ~~ولا تحال إلأمة فيه على الرأي لأنه من الأصول لا من الفروع. ومن جهة أن ~~ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه، لا سيما إذا وصل بهذا الوجه. # الوجه التاسع: وهو الثاني عشر: وهو أن الصحابة والتابعين وعامة السلف قد ~~ابتلي الناس في أزمانهم بأضعاف ما ابتلوا في زمن النبي صلى الله عليهوسلم ولا يشك عاقل في ~~كثرة وقوع الحوادث المتعلقة بهذه المسألة. ثم المنقول عنهم أحد شيئين: إما القول ~~بالطهارة أو عدم الحكم بالنجاسة مثل ما ذكرناه عن أبي موسى وأنس وعبد الله بن ~~مغفل إنه كان يصلي وعلى رجليه أثر السرقين. وهذا قد عاين أكابر الصحابة بالعراق، ~~وعن عبيد بن عمير قال : إن لي غنما تبعر في مسجدي، وهذا قد عاين أكابر الصحابة ~~بالحجاز، وعن إبراهيم النخعي فيمن يصلي وقد أصابه السرقين، قال: لا بأس، وعن ~~أبي جعفر الباقر ونافع مولى ابن عمر أنه أصابت عمامته بول بعير فقالا جميعا : ~~لا بأس . وسألهما جعفر الصادق وهو أشبه بالدليل على أن ما روي عن ابن عمر في ~~ذلك من الغسل، إما ضعيف، او على سبيل الاستحباب والتنظيف، فإن نافعا لا يكاد PageV01P244 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0245.png) ~~يخفى عليه طريقة ابن عمر في ذلك، ولا يكاد يخالفه، والمأثور عن السلف في ذلك ~~كثير. # وقد نقل عن بعضهم ألفاظ إن ثبتت فليست صريحة بنجاسة محل النزاع، مثل ~~ما روي عن الحسن أنه قال : البول كله يغسل، وقد روي عنه أنه قال : لا بأس بأبوال ~~الغنم، فعلم أنه أراد بول الإنسان الذكر والأنثى والكبير ms0262 والصغير، وكذلك ما روي ~~عن أبي الشعثاء أنه قال : الأبوال كلها أنجاس، فلعله أراد ذلك إن ثبت عنه، وقد ~~ذكرنا عن ابن المنذر وغيره أنه لم يعرف عن أحد من السلف القول بنجاستها، ومن ~~المعلوم الذي لا شك فيه أن هذا إجماع على عدم النجاسة، بل مقتضاه أن التنجيس ~~من الأقوال المحدثة فيكون مردودا بالأدلة الدالة على إبطال الحوادث، لا سيما مقالة ~~محدثة مخالفة، لما عليه الصدر الأول ومن المعلوم أن الأعيان الموجودة في زمانهم ~~ومكانهم إذا أمسكوا عن تحريمها وتنجيسها مع الحاجة إلى بيان ذلك كان تحريمها ~~وتنجيسها ممن بعدهم بمنزلة أن يمسكوا عن بيان أفعال يحتاج إلى بيان وجوبها لو ~~كان ثابتا فيجيء من بعدهم فيوجبها. # ومتى قام المقتضى للتحريم أو الوجوب ولم يذكروا وجوبا ولا تحريما كان ~~إجماعا منهم على عدم اعتقاد الوجوب والتحريم، وهو المطلوب. وهذه الطريقة ~~معتمدة في كثير من الأحكام، وهي أصل عظيم ينبغي للفقيه أن يتأملها، ولا يغفل عن ~~غورها؛ لكن لا يسلم إلا بعدم ظهور الخلاف في الصدر الأول، فإن كان فيه خلاف ~~محقق بطلت هذه الطريقة والحق أحق أن يتبع. # الوجه العاشر: وهو الثالث عشر في الحقيقة إنا نعلم يقينا أن الحبوب من الشعير ~~والبيضاء والذرة ونحوها كانت تزرع في مزارع المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، ~~ونعلم أن الدواب إذا داست فلا بد أن تروث وتبول، ولو كان ذلك ينجس الحبوب ~~لحرمت مطلقا، أو لوجب تنجيسها. # وقد أسلمت الحجاز واليمن ونجد وسائر جزائر العرب على عهد ~~رسول اللهله صلى الله عليه وسلم، وبعث إليهم سعاته وعماله يأخذون عشور حبوبهم من الحنطة ~~وغيرها، وكانت سمراء الشام تجلب إلى المدينة، فيأكل منها رسول الل ل صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون على عهده، وعامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع، وكان ~~يعطي المرأة من نسائه ثمانين وسق شعير من غلة خيبر، وكل هذه تداس بالدواب التي ~~تروث وتبول عليها، فلو كانت تنجس بذلك لكان الواجب على ms0263 أقل الأحوال تطهير ~~الحب وغسله، ومعلومله صلى الله عليه وسلم م يفعل ذلك، ولا فعل على عهده، فعلمله صلى الله عليه وسلم لم ~~يحكم بنجاستها. # ولا يقال: هو لم يتيقن أن ذلك الحب الذي أكله مما أصابه البول، والأصل PageV01P245 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0246.png) ~~الطهارة؛ لأنا نقول : فصاحب الحب قد تيقن نجاسة بعض حبه واشتبه عليه الطاهر ~~بالنجس ، فلا يحل له استعمال الجميع؛ بل الواجب تطهير الجميع؛ كما إذا علم ~~نجاسة بعض البدن أو الثوب أو الأرض وخفي عليه مكان النجاسة غسل ما يتيقن به ~~غسلها، وهو لم يأمر بذلك. # ثم اشتباه الطاهر بالنجس نوع من اشتباه الطعام الحلال بالحرام، فكيف يباح ~~أحدهما من غير تحر ? فإن القائل : إما أن يقول يحرم الجميع، وإما أن يقول ~~بالتحري، فأما الأكل من أحدهما بلا تحر فلا أعرف أحدا جوزه وإنما يستمسك ~~بالأصل مع تيقن النجاسة ولا محيص عن هذا الدليل، إلا إلى أحد أمرين: إما أن ~~يقال : بطهارة هذه الأبوال والأرواث، أو أن يقال: عفي عنها في هذا الموضع ~~للحاجة . كما يعفى عن ريق الكلب في بدن الصيد على أحد الوجهين، وكما يطهر ~~محل الاستنجاء بالحجر في أحد الوجهين إلى غير ذلك من مواضع الحاجات . # فيقال : الأصل فيما استحل جريانه على وفاق الأصل، فمن ادعى أن استحلال ~~هذا مخالف للدليل؛ لأجل الحاجة، فقد ادعى ما يخالف الأصل، فلا يقبل منه إلا ~~بحجة قوية، وليس معه من الحجة ما يوجب أن يجعل هذا مخالفا للأصل. # ولا شك أنه لو قام دليل يوجب الحظر لأمكن أن يستثنى هذا الموضع، فأما ~~ما ذكر من العموم الضعيف والقياس الضعيف فدلالة هذا الموضع على الطهارة ~~المطلقة أقوى من دلالة تلك على النجاسة المطلقة، على ما تبين عند التأمل . على أن ~~ثبوت طهارتها والعفو عنها في هذا الموضع أحد موارد الخلاف، فيبقى إلحاق الباقي ~~به بعدم القائل بالفرق. # ومن جنس هذا : الوجه الحادي عشر: وهو الرابع عشر : وهو إجماع الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم في كل عصر ومصر على دياس الحبوب من ms0264 الحنطة وغيرها ~~بالبقر ونحوها، مع القطع ببولها وروثها على الحنطة، ولم ينكر ذلك منكر، ولم ~~يغسل الحنطة لأجل هذا أحد، ولا احترز عن شيء مما في البيادر لوصول البول إليه، ~~والعلم بهذا كله علم اضطراري ما أعلم عليه سؤالا، ولا أعلم لمن يخالف هذا ~~شبهة . # وهذا العمل إلى زماننا متصل في جميع البلاد، لكن لم نحتج بإجماع الأعصار ~~لتي ظهر فيها هذا الخلاف؛ لئلا يقول المخالف أنا أخالف في هذا، وإنما احتججنا ~~بالإجماع قبل ظهور الخلاف. # وهذا الإجماع من جنس الإجماع على كونهم كانوا ياكلون الحنطة ويلبسون ~~الثياب ويسكنون البناء، فإنا نتيقن أن الأرض كانت تزرع ونتيقن أنهم كانوا يأكلون ~~ذلك الحب ويقرون على أكله، ونتيقن أن الحب لا يداس إلا بالدواب ونتيقن أن PageV01P246 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0247.png) ~~لا بد أن تبول على البيدر الذي يبقى أياما ويطول دياسها له، وهذه كلها مقدمات ~~يقينية. # الوجه الثاني عشر: وهو الخامس عشر: إن الله تعالى قال : ( طهرا بيتى للطآيفين ~~والعاكفين والركع السجود) فأمر بتطهير بيته الذي هو المسجد الحرام، ~~وصح عنهل صلى الله عليه وسلم انه أمر بتنظيف المساجد، وقال : «جعلت لي كل أرض طيبة ~~مسجدا وطهورا»1 وقال : «الطواف بالبيت صلاة» ومعلوم قطعا أن الحمام لم ~~يزل ملازما للمسجد الحرام لأمنه، وعبادة بيت الله، وأنه لا يزال ذرقه ينزل في ~~المسجد، وفي المطاف والمصلى. فلو كان نجسا لتنجس المسجد بذلك، ولوجب ~~تطهير المسجد منه : إما بإبعاد الحمام، أو بتطهير المسجد، أو بتسقيف المسجد، ولم ~~تصح الصلاة في أفضل المساجد، وأمها وسيدها، لنجاسة أرضه، وهذا كله مما يعلم ~~فساده يقينا . # ولا بد من أحد قولين: إما طهارته مطلقا، أو العفو عنه. كما في الدليل قبله، ~~وقد بينا رجحان القول بالطهارة المطلقة. # الدليل الثالث عشر: وهو في الحقيقة السادس عشر : مسلك التشبيه والتوجيه ~~فنقول، والله الهادي: اعلم أن الفرق بين الحيوان المأكول وغير المأكول إنما فرق ~~بينهما لافتراق حقيقتهما، وقد سمى الله هذا طيبا، وهذا خبيثا. # وأسباب التحريم: إما القوة السبعية التي تكون في نفس البهيمة، ms0265 فأكلها يورث ~~نبات أبداننا منها فتصير أخلاق الناس أخلاق السباع، أو لما الله أعلم به، وإما خبث ~~مطعمها كما يأكل الجيف من الطير، أو لأنها في نفسها مستخبثة كالحشرات، فقد رأينا ~~طيب المطعم يؤثر في الحل، وخبثه يؤثر في الحرمة، كما جاءت به السنة في لحوم ~~الجلالة ولبنها وبيضها، فإنه حرم الطيب لاغتذائه بالخبيث، وكذلك النبات المسقي ~~بالماء النجس، والمسمد بالسرقين عند من يقول به، وقد رأينا عدم الطعام يؤثر في ~~طهارة البول، أو خفة نجاسته، مثل الصبي الذي لم يأكل الطعام. فهذا كله يبين ~~أشياء: # منها أن الأبوال قد يخفف شأنها بحسب المطعم كالصبي، وقد ثبت أن ~~المباحات لا تكون مطاعمها إلا طيبة، فغير مستنكر أن تكون أبوالها طاهرة لذلك. # ومنها أن المطعم إذا خبث وفسد حرم ما نبت منه من لحم ولبن وبيض؛ ~~كالجلالة والزرع المسمد، وكالطير الذي يأكل الجيف، فإذا كان فساده يؤثر في ~~تنجيس ما توجبه الطهارة والحل، فغير مستنكر أن يكون طيبه وحله يؤثر في تطهير PageV01P247 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0248.png) ~~ما يكون في محل آخر نجسا محرما فإن الأرواث والأبوال مستحيلة مخلوقة في باطن ~~البهيمة، كغيرها من اللبن وغيره. # يبين هذا ما يوجد في هذه الأرواث من مخالفتها غيرها من الأرواث في الخلق ~~والريح واللون، وغير ذلك من الصفات، فيكون فرق ما بينها فرق ما بين اللبنين ~~والمنبتين، وبهذا يظهر خلافها للإنسان. # يؤكد ذلك ما قد بيناه من أن المسلمين من الزمن المتقدم وإلى اليوم في ~~كل عصر ومصر ما زالوا يدوسون الزروع المأكولة بالبقر، ويصيب الحب من ~~أرواث البقر وأبوالها، وما سمعنا أحدا من المسلمين غسل حبا، ولو كان ذلك ~~منجسا أو مستقذرا لأوشك أن ينهوا عنها وأن تنفر عنه نفوسهم نفورها عن بول ~~الإنسان . # ولو قيل : هذا إجماع عملي لكان حقا، وكذلك ما زال يسقط في المحالب من ~~أبعار الأنعام، ولا يكاد أحد يحترز من ذلك؛ ولذلك عفا عن ذلك بعض من يقول ~~بالتنجيس، على أن ضبط قانون كلي في الطاهر والنجس مطرد منعكس لم ms0266 [يتيسر]، ~~وليس ذلك بالواجب علينا بعد علمنا بالأنواع الطاهرة والأنواع النجسة؛ فهذه إشارة ~~لطيفة إلى مسالك الرأي في هذه المسألة، وتمامه ما حضرني كتابه في هذا المجلس، ~~(والله يقول الحق وهو يهدى السييل )زاب : ما # وفيه أقوال ثلاثة: # أحدها: أنه نجس كالبول فيجب غسله رطبا ويابسا من البدن والثوب. وهذا ~~قول مالك والأوزاعي والثوري وطائفة. # وثانيها : أنه نجس يجزئ فرك يابسه، وهذا قول أبي حنيفة وإسحاق، ورواية ~~عن أحمد . # ثم هنا أوجه، قيل: يجزئ فرك يابسه، ومسح رطبه من الرجل دون المرأة، لأنه ~~بعفى عن يسيره، ومني الرجل يتأتى فركه ومسحه، بخلاف مني المرأة فإنه رقيق ~~كالمذي، وهذا منصوص أحمد. # وقيل : يجزئ فركه فقط منهما لذهابه بالفرك، وبقاء أثره بالمسح. # وقيل: بل الجوآز مختص بالفرك من الرجل دون المراة، كما جاءت به السنة، ~~كما سنذكره. PageV01P248 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0249.png) ~~248 # وثالثها: أنه مستقذر كالمخاط والبصاق، وهذا قول الشافعي وأحمد في المشهور ~~عنه، وهو الذي نصرناه والدليل عليه وجوه: # أحدها : ما أخرج مسلم وغيره عن عائشة قالت : «كنت أفرك المني من ثوب ~~رسول الل ل صلى الله عليه وسلم ثم يذهب فيصلي فيه - وروي في لفظ الدارقطني - (كنت ~~أفركه إذا كان يابسا وأغسله إذا كان رطبا»2). فهذا نص في أنه ليس كالبول يكون ~~نجسا نجاسة غليظة. # فبقي أن يقال: يجوز أن يكون نجسا كالدم، أو طاهرا كالبصاق لكن الثاني ~~أرجح؛ لأن الأصل وجوب تطهير الثياب من الأنجاس قليلها وكثيرها، فإذا ثبت جواز ~~حمل قليله في الصلاة ثبت ذلك في كثيره؛ فإن القياس لا يفرق بينهما. # فإن قيل: فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان ~~يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه. ~~فهذا يعارض حديث الفرك في مني رسول لله ل صل صلى الله عليه وسلم، والغسل دليل النجاسة، فإن ~~الطاهر لا يطهر. # فيقال : هذا لا يخالفه؛ لأن الغسل للرطب، والفرك لليابس، كما جاء مفسرا في ~~رواية الدارقطني ms0267 . أو هذا أحيانا، وهذا أحيانا. وأما الغسل فإن الثوب قد يغسل من ~~المخاط والبصاق والنخامة استقذارا لا تنجيسا؛ ولهذا قال سعد بن أبي وقاص، وابن ~~عباس: أمطه عنك ولو بأذخرة، فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق. # الدليل الثاني: ما روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن عائشة قالت: ~~لكان رسول ال صلى الله عليه وسلم يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه، ويحته ~~من ثوبه يابسا ثم يصلي فيه. وهذا من خصائص المستقذرات، لا من أحكام ~~النجاسات، فإن عامة القائلين بنجاسته لا يجوزون مسح رطبه. # الدليل الثالث: ما احتج به بعض أولينا بما رواه إسحاق الأرزق عن شريك عن ~~محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال : سئل النبي صل صلى الله عليه ولم، عن المني ~~يصيب الثوب، فقال : إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه ~~بخرقة أو بإذخرة»5) . قال الدارقطني : لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك. PageV01P249 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0250.png) ~~قالوا: وهذا لا يقدح ؛ لأن إسحاق بن يوسف الأزرق أحد الأئمة. وروى عن سفيان ~~وشريك وغيرهما، وحدث عنه أحمد ومن في طبقته، وقد أخرج له صاحبا الصحيح ~~فيقبل رفعه وما ينفرد به. # وأنا أقول : أما هذه الفتيا فهي ثابتة عن ابن عباس، وقبله سعد بن أبي وقاص، ~~ذكر ذلك عنهما الشافعي وغيره في كتبهم. وأما رفعه إلى النبي صلى لالله عليه وسلم فمنكر باطل ~~لا أصل له ؛ لأن الناس كلهم رووه عن شريك موقوفا. ثم شريك ومحمد بن عبد ~~الرحمن - وهو ابن أبي ليلى - ليسا في الحفظ بذاك، والذين هم أعلم منهم بعطاء مثل ~~ابن جريج الذي هو أثبت فيه من القطب وغيره من المكيين لم يروه أحد إلا موقوفا، ~~وهذا كله دليل على وهم تلك الرواة. # فإن قلت : أليس من الأصول المستقرة أن زيادة العدل مقبولة. وإن الحكم لمن ~~رفع لا لمن وقف لأنه زائد؟ # قلت : هذا عندنا حق مع تكافؤ المحدثين المخبرين وتعادلهم، وأما مع زيادة ~~عدد من لم يزد فقد اختلف ms0268 فيه أولونا. وفيه نظر. # وأيضا فإنما ذاك إذا لم تتصادم الروايتان وتتعارضا، وأما متى تعارضتا يسقط ~~رواية الأقل بلا ريب، وههنا المروي ليس هو مقابل بكون النبي صلى ل الله عليه وسلم قد قالها، ~~ثم قالها صاحبه تارة . تارة ذاكرا، وتارة آثرا، وإنما هو حكاية حال وقضية عين في ~~رجل استفتى على صورة، وحروف مأثورة، فالناس ذكروا أن المستفتى ابن ~~عباس، وهذه الرواية ترفعه إلى النبي صلى ل الله عليه وسلم - وليست القضية إلا واحدة، إذ لو ~~تعددت القضية لما أهمل الثقات الأثبات ذلك على ما يعرف من اهتمامهم بمثل ~~ذلك. # وأيصا فأهل نقد الحديث والمعرفة به أقعد بذلك، وليسوا يشكون في أن هذه ~~الرواية وهم. # الدليل الرابع : أن الأصل في الأعيان الطهارة فيجب القضاء بطهارته حتى يجيئنا ~~ما يوجب القول بأنه نجس، وقد بحثنا وسبرنا فلم نجد لذلك أصلا. فعلم أن كل ~~ما لا يمكن الاحتراز عن ملابسته معفو عنه، ومعلوم أن المني يصيب أبدان الناس ~~وثيابهم وفرشهم بغير اختيارهم أكثر مما يلغ الهر في آنيتهم، فهو طواف الفضلات، ~~بل قد يتمكن الإنسان من الاحتراز من البصاق والمخاط المصيب ثيابه، ولا يقدر على ~~الاحتراز من مني الاحتلام والجماع، وهذه المشقة الظاهرة توجب طهارته، ولو كان ~~المقتضى للتنجيس قائما. # ألا ترى أن الشارع خفف في النجاسة المعتادة فاجتزأ فيها بالجامد، مع أن PageV01P250 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0251.png) ~~إيجاب الاستنجاء عند وجود الماء أهون من إيجاب غسل الثياب من المني، لا سيما ~~في الشتاء في حق الفقير، ومن ليس له إلا ثوب واحد. # فإن قيل : الذي يدل على نجاسة المني وجوه: # أحدها : ما روي عن عمار بن ياسر عن - النبيصلى الله عليه وسلم انه قال : لإنما يغسل ~~الثوب من البول والغائط والمني والقيء»1 رواه ابن عدي. وحديث عائشة قد مضى ~~في أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يغسله. # الوجه الثاني : أنه خارج يوجب طهارتي الخبث والحدث، فكان نجسا كالبول ~~والحيض؛ وذلك لأن إيجاب نجاسة الطهارة دليل على أنه نجس، فإن إماطته وتنحيته ~~أخف ms0269 من التطهير منه، فإذا وجب الأثقل فالأخف أولى . لا سيما عند من يقول ~~بوجوب الاستنجاء منه؛ فإن الاستنجاء إماطة وتنحية، فإذا وجب تنحيته في مخرجه ~~ففي غير مخرجه أحق وأولى. # الوجه الثالث : أنه من جنس المذي فكان نجسا كالمذي، وذاك لأن المذي ~~يخرج عند مقدمات الشهوة، والمني بأصل المذي عند استكمالها وهو يجري في ~~مجراه، ويخرج من مخرجه، فإذا نجس الفرع فلأن ينجس الأصل أولى . # الوجه الرابع : أنه خارج من الذكر، أو خارج من القبل، فكان نجسا كجميع ~~الخوارج : مثل البول، والمذي، والودي؛ وذلك لأن الحكم في النجاسة منوط ~~بالمخرج. # ألا ترى أن الفضلات الخارجة من أعالي البدن ليست نجسة، وفي أسافله تكون ~~نجسة، وأن جمعها الاستحالة في البدن?! # الوجه الخامس: أنه مستحيل عن الدم؛ لأنه دم قصرته الشهوة، ولهذا يخرج ~~عند الإكثار من الجماع أحمر، والدم نجس، والنجاسة لا تطهر بالاستحالة عندكم. # الوجه السادس: أنه يجري في مجرى البول فيتنجس بملاقاة البول، فيكون ~~كاللبن في الظرف النجس. فهذه أدلة كلها تدل على نجاسته. # فنقول: الجواب وعلى الله قصد السبيل: أما حديث عمار بن ياسر فلا أصل ~~له . في إسناده ثابت بن حماد، قال الدارقطني: ضعيف جدا، وقال ابن عدي: له ~~مناكير، وحديث عائشة مضى القول فيه. # وأما الوجه الثاني فقولهم: يوجب طهارتي الخبث والحدث، أما الخبث ~~فممنوع؛ بل الاستنجاء منه مستحب كما يستحب إماطته من الثوب والبدن، وقد قيل: PageV01P251 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0252.png) ~~هو واجب، كما قد قيل يجب غسل الإنثيين من المذي، وكما يجب غسل أعضاء ~~الوضوء إذا خرج الخارج من الفرج، فهذا كله طهارة وجبت لخارج، وإن لم يكن ~~المقصود بها إماطته وتنجيسه؛ بل سبب آخر كما يغسل منه سائر البدن. # فالحاصل أن سبب الاستنجاء منه ليس هو النجاسة؛ بل سبب آخر. فقولهم: ~~يوجب طهارة الخبث وصف ممنوع في الفرع، فليس غسله عن الفرج للخبث، ~~وليست الطهارات منحصرة في ذلك : كغسل اليد عند القيام من نوم الليل، وغسل ~~الميت، والأغسال المستحبة، غسل الإنثيين وغير ذلك. فهذه الطهارة إن قيل: ms0270 ~~بوجوبها فهي من القسم الثالث، فيبطل قياسه على البول؛ لفساد الوصف الجامع. # وأما إيجابه طهارة الحدث فهو حق؛ لكن طهارة الحدث ليست أسبابها منحصرة ~~في النجاسات . فإن الصغرى تجب من الريح إجماعا، وتجب بموجب الحجة من ~~ملامسة الشهوة، ومن مس الفرج، ومن لحوم الإبل، ومن الردة، وغسل الميت، وقد ~~كانت تجب في صدر الإسلام من كل ما غيرته النار، وكل هذه الأسباب غير نجسة. # وأما الكبرى : فتجب بالإيلاج إذا التقى الختانان ولا نجاسة، وتجب بالولادة ~~التي لا دم معها على رأي مختار، والولد طاهر. وتجب بالموت ولا يقال هو نجس. ~~وتجب بالإسلام عند طائفة. # فقولهم : إنما أوجب طهارة الحدث، أو أوجب الاغتسال نجس منتقض بهذه ~~الصور الكثيرة، فبطل طرده. فإن ضموا إلى العلة كونه خارجا انتقض بالريح والولد ~~نقضا قادحا. # ثم يقال: قولكم خارج وصف طردي فلا يجوز الاحتراز به . ثم إن عكسه أيضا ~~باطل، والوصف عديم التأثير، فإن ما لا يوجب طهارة الحدث منه شيء كثير: نجس ~~كالدم الذي لم يسل، واليسير من القيء. # وأيضا فسيأتي الفرق إن شاء الله تعالى. فهذه أوجه ثلاثة أو أربعة. # وأما قولهم : التطهير منه أبعد من تطهيره. فجمع ما بين متفاوتين متباينين، فإن ~~الطهارة منه طهارة عن حدث، وتطهيره إزالة خبث، وهما جنسان مختلفان في الحقيقة ~~والأسباب والأحكام من وجوه كثيرة؛ فإن هذه تجب لها النية دون تلك. # وهذه من باب فعل المأمور به، وتلك من باب اجتناب المنهي عنه وهذه ~~مخصوصة بالماء أو التراب، وقد تزال تلك بغير الماء في مواضع بالاتفاق، وفي ~~مواضع على رأي، وهذه يتعدى حكمها محل سببها إلى جميع البدن، وتلك يختص ~~حكمها بمحلها. وهذه تجب في غير محل السبب أو فيه وفي غيره، وتلك تجب في ~~محل السبب فقط، وهذه حسية وتلك عقلية، وهذه جارية في أكثر أمورها على سنن PageV01P252 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0253.png) ~~مقايس البحاثآين، وتلك مستصعبة على سبر القياس، وهذه واجبة بالاتفاق، وفي ~~وجوب الأخرى خلاف معلوم . وهذه لها بدل، وفي بدل تلك في البدن خاصة خلاف ms0271 ~~ظاهر . # وبالجملة فقياس هذه الطهارة على تلك الطهارة كقياس الصلاة على الحج؛ لأن ~~هذه عبادة، وتلك عبادة مع اختلاف الحقيقتين. # وأما الوجه الثالث: وهو إلحاقه بالمذي فقد منع الحكم في الأصل على قول ~~بطهارة المذي، والأكثرون سلموه، وفرقوا بافتراق الحقيقتين؛ فإن هذا يخلق منه الولد ~~الذي هو أصل الإنسان وذلك بخلافه . ألا ترى أن عدم الإمناء عيب يبنى عليه أحكام ~~كثيرة : منشؤها على أنه نقص، وكثرة الإمذاء ربما كانت مرضا، وهو فضلة محضة ~~لا منفعة فيه كالبول، وإن اشتركا في انبعاثهما عن شهوة النكاح فليس الموجب لطهارة ~~المني أنه عن شهوة الباءة فقط؛ بل شيء آخر. وإن أجريناه مجراه فنتكلم عليه إن شاء ~~الله تعالى. # وأما كونه فرعا فليس كذلك؛ بل هو بمنزلة الجنين الناقص: كالإنسان إذا ~~أسقطته المرأة قبل كمال خلقه، فإنه وإن كان مبدأ خلق الإنسان فلا يناط به من أحكام ~~الإنسان إلا ما قل، ولو كان فرعا؛ فإن النجاسة استخباث وليس استخباث الفرع ~~بالموجب خبث أصله : كالفضول الخارجة من الإنسان. # وأما الوجه الرابع: فقياسه على جميع الخارجات بجامع اشتراكهن في المخرج ~~منقوض بالفم، فإن مخرج النخامة والبصاق الطاهرين، والقيء النجس. وكذلك الدبر ~~مخرج الريح الطاهر، والغائط النجس. وكذلك الأنف مخرج المخاط الطاهر، والدم ~~النجس. # وإن فصلوا بين ما يعتاد الناس من الأمور الطبيعية وبين ما يعرض لهم لأسباب ~~حادثة . # قلنا: النخامة المعدية - إذا قيل: بنجاستها - معتادة، وكذلك الريح. # وأيضا فإنا نقول: لم قلتم أن الاعتبار بالمخرج? ولم لا يقال الاعتبار بالمعدن ~~والمستحال، فما خلق في أعلى البدن فطاهر، وما خلق في أسفله فنجس، والمني ~~يخرج من بين الصلب والترائب؛ بخلاف البول والودي. وهذا أشد اطرادا؛ لأن القيء ~~والنخامة المنجسة خارجان من الفم، لكن لما استحالا في المعدة كانا نجسين. وأيضا ~~فسوف نفرق إن شاء الله تعالى. # وأما الوجه الخامس: فقولهم: مستحيل عن الدم، والاستحالة لا تطهر: عنه ~~عدة أجوبة مستنيرة قاطعة. PageV01P253 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0254.png) # أحدها : أنه منقوض بالآدمي وبمضغته، فإنهما مستحيلان عنه، وبعده عن ~~العلقة، وهي دم ولم ms0272 يقل أحد بنجاسته، وكذلك سائر البهائم المأكولة. # وثانيها : أنا لا نسلم أن الدم قبل ظهوره وبروزه يكون نجسا، فلا بد من الدليل ~~على تنجيسه، ولا يغني القياس عليه إذا ظهر وبرز باتفاق الحقيقة؛ لأنا نقول للدليل ~~على طهارته وجوه: # أحدها : أن النجس هو المستقذر المستخبث، وهذا الوصف لا يثبت لهذه ~~الأجناس إلا بعد مفارقتها مواضع خلقها، فوصفها بالنجاسة فيها وصف بما لا تتصف ~~به. # وثانيها : أن خاصة النجس وجوب مجانبته في الصلاة، وهذا مفقود فيها في ~~البدن من الدماء وغيرها . ألا ترى أن من صلى حاملا وعاء مسدودا قد أوعى دما لم ~~نصح صلاته، فلئن قلت : عفى عنه لمشقة الاحتراز . قلت : بل جعل طاهرا لمشقة ~~الاحتراز، فما المانع منه، والرسول صلى الله عليه وسلم علل طهارة الهرة بمشقة الاحتراز، حيث ~~يقول : لإنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات? # بل أقول : قد رأينا جنس المشقة في الاحتراز مؤثرا في جنس التخفيف. فإن ~~كان الاحتراز من جميع الجنس مشقا عفي عن جميعه، فحكم بالطهارة. وإن كان من ~~بعضه عفي عن القدر المشق، وهنا يشق الاحتراز من جميع ما في داخل الأبدان، ~~فيحكم لنوعه بالطهارة كالهرة وما دونها، وهذا وجه ثالث. # الوجه الرابع: إن الدماء المستخبثة في الأبدان وغيرها هي أحد أركان الحيوان ~~التي لا تقوم حياته إلا بها حتى سميت نفسا، فالحكم بأن الله يجعل أحد أركان عباده ~~من الناس والدواب نوعا نجسا في غاية البعد. # الوجه الخامس : إن الأصل الطهارة، فلا تثبت النجاسة إلا بدليل وليس في هذه ~~الدماء المستخبثة شيء من أدلة النجاسة، وخصائصها. # الوجه السادس : إنا قد رأينا الأعيان تفترق حالها: بين ما إذا كانت في موضع ~~عملها ومنفعتها، وبين ما إذا فارقت ذلك. فالماء المستعمل ما دام جاريا في أعضاء ~~المتطهر فهو طهور، فإذا انفصل تغيرت حاله. والماء في المحل النجس ما دام عليه ~~فعمله باق وتطهيره، ولا يكون ذلك إلا لأنه طاهر مطهر، فإذا فارق محل عمله فهو ~~إما نجس أو غير مطهر، وهذا مع تغير ms0273 الأمواه في موارد التطهير تارة بالطاهرات وتارة ~~بالنجاسات، فإذا كانت المخالطة التي هي أشد أسباب التغيير لا تؤثر في محل عملنا PageV01P254 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0255.png) ~~وانتفاعنا فما ظنك بالجسم المفرد في محل عمله بخلق الله وتدبيره، فافهم هذا فإنه ~~لباب الفقه. # الوجه الثالث: عن أصل الدليل : أنا لو سلمنا أن الدم نجس فإنه قد استحال ~~وتبدل. وقولهم: الاستحالة لا تطهر. # قلنا : من أفتى بهذه الفتوى الطويلة العريضة المخالفة للإجماع?! فإن المسلمين ~~أجمعوا أن الخمر إذا بدأ الله بإفسادها وتحويلها خلا طهرت، وكذلك تحويل الدواب ~~والشجر، بل أقول : الاستقراء دلنا أن كل ما بدأ الله بتحويله وتبديله من جنس إلى ~~جنس مثل جعل الخمر خلا، والدم منيا، والعلقة مضغة، ولحم الجلالة الخبيث طيبا، ~~وكذلك بيضها ولبنها والزرع المسقى بالنجس إذا سقي بالماء الطاهر، وغير ذلك فإنه ~~يزول حكم التنجيس، ويزول حقيقة النجس، واسمه التابع للحقيقة، وهذا ضروري ~~لا يمكن المنازعة فيه؛ فإن جميع الأجسام المخلوقة في الأرض، فإن الله يحولها من ~~حال إلى حال، ويبدلها خلقا بعد خلق، ولا التفات إلى موادها وعناصرها. # وأما ما استحال بسبب كسب الإنسان، كإحراق الروث حتى يصير رمادا، ~~ووضع الخنزير في الملاحة حتى يصير ملحا، ففيه خلاف مشهور. وللقول بالتطهير ~~اتجاه وظهور، ومسألتنا من القسم الأول، ولله الحمد. # الدليل الخامس: أن المني مخالف لجميع ما يخرج من الذكر في خلقه، فإنه ~~غليظ وتلك رقيقة. وفي لونه فإنه أبيض شديد البياض. وفي ريحه فإنه طيب كرائحة ~~الطلع، وتلك خبيثة. ثم جعله الله أصلا لجميع أنبيائه وأوليائه وعباده الصالحين، ~~والإنسان المكرم، فكيف يكون أصله نجسا?! ولهذا قال ابن عقيل: وقد ناظر بعض ~~من يقول بنجاسته، لرجل قال له : ما بالك وبال هذا? قال: أريد أن أجعل أصله ~~طاهرا وهو يابى إلا أن يكون نجسا!! # ثم ليس شانه شأن الفضول بل شأن ما هو غذاء ومادة في الأبدان، إذ هو قوام ~~النسل، فهو بالأصول أشبه منه بالفضل. # الدليل السادس : وفيه أجوبة: أحدها: لا نسلم أنه يجري في مجرى البول، فقد ms0274 ~~قيل : إن بينهما جلدة رقيقة، وأن البول إنما يخرج رشحا وهذا مشهور. وبالجملة ~~فلا بد من بيان اتصالهما، وليس ذلك معلوما إلا في ثقب الذكر، وهو طاهر أو معفو ~~عن نجاسته . # الوجه الثاني : أنه لو جرى في مجراه فلا نسلم أن البول قبل ظهوره نجس. كما ~~مز تقريره في الدم، وهو في الدم أبين منه في البول؛ لأن ذلك ركن وبعض، وهذا ~~فضل. PageV01P255 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0256.png) # الوجه الثالث : أنه لو كان نجسا فلا نسلم أن المماسة في باطن الحيوان موجبة ~~للتنجيس . كما قد قيل في الاستحالة، وهو في المماسة أبين. يؤيد هذا قوله تعالى: ~~(من بين فرث ودم لبنا خالصا سابغا للشاربين) ولو كانت المماسة في الباطن ~~للفرث مثلا موجبة للنجاسة لنجس اللبن . # فإن قيل : فلعل بينهما حاجزا # قيل : الأصل عدمه، على أن ذكره هذا في معرض بيان ذكر الاقتدار بإخراج ~~طيب من بين خبيثين في الاغتذاء، ولا يتم إلا مع عدم الحاجز، وإلا فهو مع الحاجز ~~ظاهر في كمال خلقه سبحانه . # وكذلك قوله : (خالصا) والخلوص لا بد أن يكون مع قيام الموجب للشوب، ~~وبالجملة فخروج اللبن من بين الفرث والدم أشبه شيء بخروج المني من مخرج ~~البول، وقد سلك هذا المسلك من رأى إنفحة الميتة ولبنها طاهرة لأنه كان طاهرا، ~~وإنما حدث نجاسة الوعاء فقال : الملاقاة في الباطن غير ظاهر. # ومن نجس هذا فرق بينه وبين المني، بأن المني ينفصل عن النجس في الباطن ~~أيضا، بخلاف اللبن فإنه لا يمكن فصله من الميتة إلا بعد إبراز الضرع، وحينئذ يصير ~~في حد ما يلحقه النجاسة . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والحمد لله وسلام ~~على عباده الذين اصطفى. وهذا الذي حضرني في هذا الوقت، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن الفخار فإنه يشوى بالنجاسة فما حكمه? والأفران ~~التي تسخن بالزبل فما حكمها؟1 # فأجاب : الحمد لله . هذه المسائل مبنية على أصلين: # أحدهما : السرقين النجس ونحوه في الوقود ليسخن الماء أو الطعام ونحو ذلك. ~~فقال بعض ms0275 الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره : إن ذلك لا يجوز لأنه يتضمن ملابسة ~~النجاسة ومباشرتها. وقال بعضهم: إن ذلك مكروه غير محرم، لأن إتلاف النجاسة ~~لا يحرم، وإنما ذلك مظنة التلوث بها. ومما يشبه ذلك الاستصباح بالدهن النجس، ~~فإنه استعمال له بالإتلاف، والمشهور عن أحمد وغيره من العلماء أن ذلك يجوز. ~~وهو المأثور عن الصحابة، والقول الآخر عنه وعن غيره المنع، لأنه مظنة التلوث به، ~~ولكراهة دخان النجاسة. # والصحيح أنه لا يحرم شيء من ذلك. فإن الله تعالى حرم الخبائث من الدم ~~والميتة ولحم الخنزير، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلما قال : إنما حرم من PageV01P256 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0257.png) ~~الميتة أكلها . ثم إنه حرم لبسها قبل الدباغ، وهذا وجه قوله في حديث ~~عبد الله بن عكيم : كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا ~~فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب فإن الرخصة المتقدمة كانت في الانتفاع ~~بالجلود بلا دباغ كما ذهبت إليه طائفة من السلف، فرفع النهي عما أرخص، فأما ~~الانتفاع بها بعد الدباغ فلم ينه عنه قط، ولهذا كان آخر الروايتين عن أحمد : أن الدبإغ ~~مطهر لجلود الميتة؛ لكن هل يقوم مقام الذكاة أو مقام الحياة، فيطهر جلد المأكول أو ~~جلد ما كان طاهرا في الحياة دون ما سوى ذلك? على وجهين : أصحهما الأول. ~~فيطهر بالدباغ ما تطهره الذكاة لنه صلى الله عليه وسلم في حديث عن جلود السباع. # وأيضا فإن استعمال الخمر في إطفاء الحريق ونحو ذلك سلمه المنازعون مع أن ~~الأمر بمجانبة الخمر أعظم، فإذا جاز إتلاف الخمر بما فيه منفعة، فإتلاف النجاسات ~~بما ليس فيه منفعة أولى؛ ولأنهم سلموا جواز طعام الميتة للبزاة والصقور فاستعمالها ~~في النار أولى. # وأما قول القائل : هذا مظنة ملابستها، فيقال: ملابسة النجاسة للحاجة جائز، إذا ~~طهر بدنه وثيابه عند الصلاة ونحوها. كما يجوز الاستنجاء بالماء مع مباشرة النجاسة، ~~ولا يكره ذلك على أصح الروايتين عن أحمد، وهو قول أكثر الفقهاء. والرواية ~~الثانية : يكره ذلك، بل يستعمل الحجر، ms0276 أو يجمع بينهما. والمشهور أن الاقتصار على ~~الماء أفضل، وإن كان فيه مباشرتها. # وفي استعمال جلود الميتة إذا لم يقل بطهارتها في اليابسات روايتان : أصحهما ~~جواز ذلك، وإن قيل إنه يكره، فالكراهة تزول بالحاجة. # وأما قوله: هذا يفضي إلى التلوث بدخان النجاسة، فهذا مبني على الأصل ~~الثاني، وهو أن النجاسة في الملاحة إذا صارت ملحا ونحو ذلك، فهل هي نجسة أم ~~لا? على قولين مشهورين للعلماء هما روايتان عن أحمد، نص عليهما في الخنزير ~~المشوي في التنور، هل تطهر النار ما لصق به أم يحتاج إلى غسل ما أصابه منه ? على ~~روايتين منصوصتين: # أحدهما: هي نجسة وهذا مذهب الشافعي. وأكثر أصحاب أحمد، وأحد قولي ~~أصحاب مالك. وهؤلاء يقولون: لا يطهر من النجاسة بالاستحالة إلا الخمرة المنتقلة ~~بنفسها، والجلد المدبوغ إذا قيل: إن الدبغ إحالة لا إزالة. # والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد قولي المالكية وغيرهم، أنها PageV01P257 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0258.png) ~~لا تبقى نجسة . وهذا هو الصواب، فإن هذه الأعيان لم يتناولها نص التحريم لا لفظا ~~ولا معنى، وليست في معنى النصوص، بل هي أعيان طيبة فيتناولها نص التحليل، ~~وهي أولى بذلك من الخمر المنقلبة بنفسها، وما ذكروه من الفرق بأن الخمر نجست ~~بالاستحالة فتطهر بالاستحالة باطل؛ فإن جميع النجاسات إنما نجست بالاستحالة: ~~كالدم فإنه مستحيل عن الغذاء الطاهر، وكذلك البول والعذرة، حتى الحيوان النجس ~~مستحيل عن الماء والتراب ونحوهما من الطاهرات. # ولا ينبغي أن يعبر عن ذلك بأن النجاسة طهرت بالاستحالة، فإن نفس النجس ~~م يطهر لكن استحال، وهذا الطاهر ليس هو ذلك النجس، وإن كان مستحيلا منه، ~~والمادة واحدة، كما أن الماء ليس هو الزرع والهواء والحب وتراب المقبرة ليس هو ~~الميت، والإنسان ليس هو المني. # والله تعالى يخلق أجسام العالم بعضها من بعض، ويحيل بعضها إلى بعض، ~~وهي تبدل مع الحقائق، ليس هذا هذا، فكيف يكون الرماد هو العظم الميت، واللحم ~~والدم نفسه . بمعنى أنه يتناوله اسم العظم. وأما كونه هو باعتبار الأصل والمادة، فهذا ~~لا يضر فإن التحريم ms0277 يتبع الاسم والمعنى الذي هو الخبث، وكلاهما منتف. # وعلى هذا فدخان النار الموقدة بالنجاسة طاهر، وبخار الماء النجس الذي ~~يجتمع في السقف طاهر، وأمثال ذلك من المسائل. # وإذا كان كذلك فهذا الفخار طاهر، إذ ليس فيه من النجاسة شيء . وإن قيل : إنه ~~خالطه من دخانها خرج على القولين، والصحيح أنه طاهر. # وأما نفس استعمال النجاسة فقد تقدم الكلام فيه، والنزاع في الماء المسخن ~~بالنجاسة فإنه طاهر؛ لكن هل يكره ? على قولين: هما روايتان عن أحمد. # أحدهما : لا يكره، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي. # والثاني : يكره، وهو مذهب مالك. # وللكراهة مأخذان: # أحدهما : خشية أن يكون قد وصل إلى الماء شيء من النجاسة. فيكره لاحتمال ~~تنجسه، فعلى هذا إذا كان بين الموقد وبين النار حاجز حصين لم يكره، وهذه طريقة ~~الشريف أبي جعفر، وابن عقيل، وغيرهما. # والثاني : أن سبب الكراهة كون استعمال النجاسة مكروها وأن السخونة حصلت ~~بفعل مكروه، وهذه طريقة القاضي أبي يعلى، ومثل هذا طبخ الطعام بالوقود النجس، ~~فإن نضج الطعام كسخونة الماء، والكراهة في طبخ الفخار بالوقود النجس تشبه ~~تسخين الماء الذي ليس بينه وبين النار حاجز، والله أعلم. PageV01P258 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0259.png) ~~258 # وسئل رحمه الله تعالى : عن بول ما يؤكل لحمه: هل هو نجس? # فأجاب: أما بول ما يؤكل لحمه، وروث ذلك، فإن أكثر السلف على أن ذلك ~~ليس بنجس، وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما ويقال : إنه لم يذهب أحد من ~~الصحابة إلى تنجيس ذلك؛ بل القول بنجاسة ذلك قول محدث لا سلف له من ~~الصحابة. وقد بسطنا القول في هذه المسألة في كتاب مفرد، وبينا فيه بضعة عشر دليلا ~~شرعيا، وأن ذلك ليس بنجس. # والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليل شرعي على نجاسته أصلا. فإن غاية ~~ما اعتمدوا عليه قوله صلى الله لي :ل تنزهوا من البول وظنوا أن هذا عام في جميع الأحوال، ~~وليس كذلك، فإن اللام لتعريف العهد، والبول المعهود هو بول الآدمي، ودليله ~~قوله : تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه ومعلوم أن عامة ms0278 عذاب القبر ~~إنما هو من بول الآدمي نفسه الذي يصيبه كثيرا، لا من بول البهائم الذي لا يصيبه إلا ~~نادرا. # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أمر العرنيين الذين كانوا حديثي ~~عهد بالإسلام أن يلحقوا بإبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ولم ~~يأمرهم مع ذلك بغسل ما يصيب أفواههم وأيديهم، ولا بغسل الأوعية التي فيها ~~الأبوال، مع حدثان عهدهم بالإسلام، ولو كان بول الأنعام كبول الإنسان لكان بيان ~~ذلك واجبا، ولم يجز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لا سيما مع أنه قرنها بالألبان ~~التي هي حلال طاهرة، مع أن التداوي بالخبائث قد ثبت فيه النهي عن النبيصلى الله عليه وسلم من ~~وجوه كثيرة. # وأيضا: فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يصلي في مرابض الغنم، وأنه ~~أذن في الصلاة في مرابض الغنم من غير اشتراط حائل، ولوكانت أبعارها نجسة ~~لكانت مرابضها كحشوش بني آدم، وكان ينهي عن الصلاة فيها مطلقا، أو لا يصلى ~~فيها إلا مع الحائل المانع، فلما جاءت السنة بالرحصة في ذلك: كان من سوى بين ~~أبوال الآدميين وأبوال الغنم مخالفا للسنة. # وأيضا: فقد طاف النبي صلى الله علي وسلم ايت على بعيره مع إمكان أن يبول البعير، وأيضا ~~فما زال المسلمون يدوسون حبوبهم بالبقر مع كثرة ما يقع في الحب من البول ~~وأخباث البقر. PageV01P259 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0260.png) # وأيضا : فإن الأصل في الأعيان الطهارة، فلا يجوز التنجيس إلا بدليل، ~~ولا دليل على النجاسة ؛ إذ ليس في ذلك نص ولا إجماع ولا قياس صحيح. # باب الحيض # سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم آ قال : لاالحيض ~~للجارية : البكر ثلاثة أيام ولياليهن، وأكثره خمسة عشر هل هو صحيح? وما تأويله ~~على مذهب الشافعي وأحمد ? # فأجاب : أما نقل هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو باطل؛ بل هو كذب موضوع، ~~باتفاق علماء الحديث. ولكن هو مشهور عن أبي الخلد عن أنس، وقد تكلم ms0279 في ~~أبي الخلد. # وأما الذين يقولون : أكثر الحيض خمسة عشر، كما يقوله : الشافعي وأحمد، ~~ويقولون : أقله يوم، كما يقوله : الشافعي وأحمد . أو لا حد له كما يقوله مالك. فهم ~~يقولون : لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه في هذا شيء، والمرجع في ذلك إلى ~~يقولون : لم يثبت عن النبي ~~العادة، كما قلنا. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن جماع الحائض هل يجوز أم لا؟2 # فأجاب : وطء الحائض لا يجوز باتفاق الأئمة، كما حرم الله ذلك ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~فإن وطئها وكانت حائضا ففي الكفارة عليه نزاع مشهور، وفي غسلها من الجنابة دون ~~الحيض نزاع بين العلماء، ووطء النفساء كوطء الحائض حرام باتفاق الأئمة. # لكن له أن يستمتع من الحائض والنفساء بما فوق الإزار، وسواء استمتع منها ~~بفمه أو بيده أو برجله، فلو وطئها في بطنها واستمنى، جاز. ولو استمتع بفخذيها ففي ~~جوازه نزاع بين العلماء، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن المرأة تطهر من الحيض، ولم تجد ماء تغتسل به، هل ~~لزوجها أن يطأها قبل غسلها من غير شرط؟3 # فأجاب: أما المرأة الحائض إذا انقطع دمها فلا يطؤها زوجها حتى تغتسل، إذا ~~كانت قادرة على الاغتسال، وإلا تيممت . كما هو مذهب جمهور العلماء كمالك ~~وأحمد والشافعي. # وهذا معنى ما يروى عن الصحابة حيث روي عن بضعة عشر من الصحابة - PageV01P260 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0261.png) ~~منهم الخلفاء - أنهم قالوا: في المعتدة هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. # والقرآن يدل على ذلك، قال الله تعالى: (ولا نقربوهن حى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهب ~~من حيث أمركم الله) قال مجاهد : حتى يطهرن، يعني ينقطع الدم، فإذا ~~تطهرن اغتسلن بالماء، وهو كما قال مجاهد. وإنما ذكر الله غايتين على قراءة ~~الجمهور، لأن قوله : (حي يطهرن) غاية التحريم الحاصل بالحيض، وهو تحريم ~~لا يزول بالاغتسال ولا غيره، فهذا التحريم يزول بانقطاع الدم، ثم يبقى الوطء بعد ~~ذلك جائزا بشرط الاغتسال، لا يبقى محرما على الاطلاق، فلهذا قال : (فإذا ms0280 تطهرن ~~فأنوهن من حيث أمركم الله). # وهذا كقوله : (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حت تنكح زوجا غيرة) فنكاح ~~الزوج الثاني غاية التحريم الحاصل بالثلاث، فإذا نكحت الزوج الثاني زال ذلك ~~التحريم؛ لكن صارت في عصمة الثاني، فحرمت لأجل حقه؛ لا لأجل الطلاق ~~الثلاث . فإذا طلقها جاز للأول أن يتزوجها. # وقد قال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله : (فإذا تطهرن) أي غسلن فروجهن، ~~وليس بشيء؛ لأن الله قد قال : (وإن كنتم جنبا فاطهموا) فالتطهر في ~~كتاب الله هو الاغتسال، وأما قوله: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين)رة: ~~222] فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهر المقرون بالحيض ~~كالتطهر المقرون بالجنابة . والمراد به الاغتسال. # وأبو حنيفة - رحمه الله - يقول : إذا اغتسلت، أو مضى عليها وقت صلاة، أو ~~انقطع الدم لعشرة أيام حلت؛ بناء على أنه محكوم بطهارتها في هذه الأحوال. وقول ~~الجمهور هو الصواب. كما تقدم، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن إتيان الحائض قبل الغسل? وما معنى قول ~~أبي حنيفة: فإن انقطع الدم لأقل من عشرة أيام لم يجز وطؤها حتى تغتسل? وإن انقطع ~~دمها لعشرة أيام جاز وطؤها قبل الغسل? وهل الأيمة موافقون على ذلك? # فأجاب : أما مذهب الفقهاء كمالك والشافعي وأحمد فإنه لا يجوز وطؤها حتى ~~تغتسل. كما قال تعالى: ( ولا تقربوهن حت يطهرن فإذا تطهرن فأتوهرب من حيتث امركم الله) وأما ~~أبو حنيفة فيجوز وطؤها إذا انقطع لأكثر الحيض، أو مر عليها وقت الصلاة ~~فاغتسلت، وقول الجمهور هو الذي يدل عليه ظاهر القرآن والآثار. # وسئل غفر الله له: عن الحديثين المتفق عليهما في الصحيحين: PageV01P261 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0262.png) ~~صلىالله عليه وسلى فقالت : إني استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة ? فقال : إن ذلك عرق، ولكن ~~دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي - وفي رواية - وليست ~~بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم ~~وصلي # والحديث الثاني : عن عائشة أيضا - رضي الله عنها - : أن أم حبيبة استحيضت ~~سبع سنين، فسألت رسول اللهاله صلى ms0281 الله عليه وسلم عن ذلك، فأمرها أن تغتسل لكل صلاة. فهل ~~كانت تغتسل الغسل الكامل المشروع ? أم كانت تغسل الدم وتتوضا? ومع هذا فهل ~~كانت ناسية لأيام الحيض? أم كانت مبتدأة؟ وهل نسخ أحد الحديثين الآخر؟ وأيهما ~~كان الناسخ? وهل إذا ابتليت المرأة بما ابتليت به أم حبيبة أن تغتسل الغسل الكامل ? ~~وإذا أمرت بالغسل فيكون هذا من الحرج العظيم? وقد قال الله تعالى: (وما جعل ~~عليكم في الدين من حرح) وهل في ذلك نزاع بين الأئمة ? # فأجاب : ليس أحد الحديثين ناسخا للآخر، ولا منافاة بينهما. فإن الحديث ~~الأول : فيمن كانت لها عادة تعلم قدرها، فإذا استحيضت قعدت قدر العادة، ولهذا ~~قال : فدعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها وقال : إذا أقبلت الحيضة ~~فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي وبهذا الحديث أخذ ~~جمهور العلماء في المستحاضة المعتادة. أنها ترجع إلى عادتها، وهو مذهب ~~أبي حنيفة والشافعي والإمام أحمد. # لكنهم متنازعون لو كانت مميزة تميز الدم الأسود من الأحمر، فهل تقدم التمييز ~~على العادة? أم العادة على التمييز ? # فمنهم من يقدم التمييز على العادة. وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايتين. # والثاني : في أنها تقدم العادة، وهو ظاهر الحديث، وهو مذهب أبي حنيفة ~~وأحمد في أظهر الروايتين عنه؛ بل أبو حنيفة لم يعتبر التمييز كما أن مالكأ لم يعتبر ~~العادة؛ لكن الشافعي وأحمد يعتبران هذا وهذا والنزاع في التقديم. # وأما الحديث الثاني : فليس فيه أن النبي صى الله عليه وسلم آها أن تغتسل لكل صلاة، ولكن ~~أمرها بالغسل مطلقا، فكانت هي تغتسل لكل صلاة، والغسل لكل صلاة مستحب؛ PageV01P262 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0263.png) ~~ليس بواجب عند الأثمة الأربعة، وغيرهم، إذا قعدت أياما معلومة هي أيام الحيض ثم ~~اغتسلت، كما تغتسل من انقطع حيضها ثم صلت وصامت في هذه الاستحاضة. بل ~~الواجب عليها أن تتوضأ عند كل صلاة من الصلوات الخمس عند الجمهور، ~~كأبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأما مالك فعنده ليس عليها وضوء ولا غسل، فإن دم ~~الاستحاضة لا ينقض الوضوء ms0282 عنده لا هو ولا غيره من النادرات، وقد احتج الأكثرون ~~بما في الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم رن المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة. # وهذه المستحاضة الثانية لم تكن مبتدأة، وإن كان ذلك قد ظنه بعض الناس، ~~فإنها كانت عجوزا كبيرة، وإنما حملوا أمرها على أنها كانت ناسية لعادتها، وفي ~~السنن: «أنها أمرت أن تحيض ستا أو سبعا»1) كما جاء ذلك في حديث سلمة بنت ~~سهل، وبهذا احتج الإمام أحمد وغيره على أن المستحاضة المتميزة تجلس ستا أو ~~سبعا، وهو غالب الحيض. # وفي المستحاضة عن النبي صلى الله عليه وسلم لاث سنن : سنة في العادة لمن تقدم، وسنة في ~~المميزة وهو قوله : لدم الحيض أسود يعرف وسنة في غالب الحيض، وهو قوله: ~~تحيضي ستا أو سبعا، ثم اغتسلي، وصلي ثلاثا وعشرين، أو أربعا وعشرين، كما ~~تحيض النساء، ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن. # والعلماء لهم في الاستحاضة نزاع فإن أمرها مشكل لاشتباه دم الحيض بدم ~~الاستحاضة، فلا بد من فاصل يفصل هذا من هذا. # والعلامات التي قيل بها ستة: # إما العادة فإن العادة أقوى العلامات؛ لأن الأصل مقام الحيض دون غيره. # وإما التمييز؛ لأنه الدم الأسود والثخين المنتن أولى أن يكون حيضا من الأحمر. # وإما اعتبار غالب عادة النساء؛ لأن الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، فهذه ~~العلامات الثلاث تدل عليها السنة والاعتبار، ومن الفقهاء من يجلسها ليلة وهو أقل ~~الحيض، ومنهم من يجلسها الأكثر؛ لأنه أصل دم الصحة. ومنهم من يلحقها بعادة ~~نسائها. # وهل هذا حكم الناسية، أو حكم المبتدأة والناسية جميعا? فيه نزاع، وأصوب PageV01P263 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0264.png) # 263 ~~الأقوال اعتبار العلامات التي جاءت بها السنة، وإلغاء ما سوى ذلك. # وأما المتميزة فتجلس غالب الحيض، كما جاءت به السنة، ومن لم يجعل لها ~~دما محكوما بأنه حيض، بل أمرها بالاحتياط مطلقا، فقد كلفها أمرا عظيما لا تأتي ~~الشريعة بمثله، وفيه تبغيض عبادة الله إلى أهل دين الله، وقد رفع الله الحرج عن ~~المسلمين، وهو من أضعف الأقوال جدا. # وأصل هذا أن ms0283 الدم باعتبار حكمه لا يخرج عن خمسة أقسام: # دم مقطوع بأنه حيض، كالدم المعتاد الذي لا استحاضة معه. # ودم مقطوع بأنه استحاضة، كدم الصغيرة. # ودم يحتمل الأمرين، لكن الأظهر أنه حيض. وهو دم المعتادة والمميزة ~~ونحوهما من المستحاضات، الذي يحكم بأنه حيض . # ودم يحتمل الأمرين، والأظهر أنه دم فساد. وهو الدم الذي يحكم بأنه ~~استحاضة من دماء هؤلاء. # ودم مشكوك فيه لا يترجح فيه أحد الأمرين، فهذا يقول به طائفة من أصحاب ~~الشافعي وأحمد وغيرهما، فيوجبون على من أصابها أن تصوم وتصلي ثم تقضي ~~الصوم. والصواب أن هذا القول باطل لوجوه: # أحدها : أن الله تعالى يقول : (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هدلهم حتى يبين ~~لهم ما يتقوب) فالله تعالى قد بين للمسلمين في المستحاضة وغيرها ~~ما تتقيه من الصلاة والصيام في زمن الحيض، فكيف يقال: إن الشريعة فيها شك ~~مستمر يحكم به الرسول وأمته? ! نعم: قد يكون شك خاص ببعض الناس. كالذي ~~يشك هل أحدث أم لا ? كالشبهات التي لا يعلمها كثير من الناس، فأما شك وشبهة ~~تكون في نفس الشريعة فهذا باطل، والذين يجعلون هذا دم شك يجعلون ذلك حكم ~~الشرع؛ لا يقولون : نحن شككنا؛ فإن الشاك لا علم عنده فلا يجزم، وهؤلاء ~~يجزمون بوجوب الصيام وإعادته لشكهم. # الوجه الثاني : أن الشريعة ليس فيها إيجاب الصلاة مرتين، ولا الصيام مرتين، ~~إلا بتفريط من العبد. فأما مع عدم تفريطه فلم يوجب الله صوم شهرين في السنة، ~~ولا صلاة ظهرين في يوم، وهذا مما يعرف به ضعف قول من يوجب الصلاة، ~~ويوجب إعادتها. فإن هذا أصل ضعيف. كما بسط القول عليه في غير هذا الموضع. # ويدخل في هذا من يأمر بالصلاة خلف الفاسق وإعادتها، وبالصلاة مع الأعذار ~~النادرة التي لا تتصل وإعادتها، ومن يأمر المستحاضة بالصيام مرتين ونحو ذلك مما ~~يوجد في مذهب الشافعي وأحمد في أحد القولين. PageV01P264 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0265.png) # فإن الصواب ما عليه جمهور المسلمين أن من فعل العبادة كما أمر بحسب ~~وسعه فلا إعادة عليه، كما قال ms0284 تعالى : (فانقوا الله ما استطعتم) ] ولم ~~يعرف قط أن رسول الله له صلى الله عليه وسلم ر العبد أن يصلي الصلاة مرتين، لكن يأمر بالإعادة من ~~لم يفعل ما أمر به مع القدرة على ذلك، كما قال للمسيء في صلاته : «ارجع فصل ~~فإنك لم تصل»1) وكما أمر من صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة فأما ~~المعذور كالذي يتيمم لعدم الماء، أو خوف الضرر باستعماله لمرض أو لبرد، ~~وكالاستحاضة، وأمثال هؤلاء؛ فإن سنة رسول ل الهل صلى الله عليه وسلم في هؤلاء أن يفعلوا ~~ما يقدرون عليه بحسب استطاعتهم، ويسقط عنهم ما يعجزون عنه، بل سنته فيمن ~~كان لم يعلم الوجوب أنه لا قضاء عليه؛ لأن التكليف مشروط بالتمكن من العلم ~~والقدرة على الفعل. # ولهذا لم يأمر عمر وعمارا بإعادة الصلاة، لما كانا جنبين. فعمر لم يصل، ~~وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة، ظنا أن التراب يصل إلى حيث يصل الماء، وكذلك ~~الذين أكلوا من الصحابة حتى تبينت لهم الحبال السود من البيض لم يأمرهم بالإعادة. ~~وكذلك الذين صلوا إلى غير الكعبة قبل أن يبلغهم الخبر الناسخ لم يأمرهم بالإعادة، ~~وكان بعضهم بالحبشة، وبعضهم بمكة، وبعضهم بغيرها، بل بعض من كان بالمدينة ~~صلوا بعض الصلاة إلى الكعبة، وبعضها إلى الصخرة ولم يأمرهم بالإعادة، ونظائرها ~~متعددة . # فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على ~~العلم والعمل، فمن كان عاجزا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه ولا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها. # ولهذا عذر المجتهد المخطئ لعجزه عن معرفة الحق في تلك المسألة، وهذا ~~بخلاف المفرط المتمكن من فعل ما أمر به، فهذا هو الذي يستحق العقاب؛ ولهذا ~~قال النبي صلى الله علي ولم مران بن حصين : صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع ~~فعلى جنب، وهذه قاعدة كبيرة تحتاج إلى بسط ليس هذا موضعه. # ومقصود السائل ما يتعلق بالمستحاضة، وقد بينا أن الصواب أنه ليس عليها في ~~صورة من الصور أن تصوم وتقضي الصوم. ms0285 كما يقوله في بعض الصور من يقوله من ~~أصحاب الشافعي وأجمد وغيرهما، وأنه ليس عليها أن تغتسل لكل صلاة باتفاق الأئمة ~~الأربعة وغيرهم، والله اعلم. PageV01P265 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0266.png) # سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: هل كانت الصلاة على من قبلنا من الأمم ~~مثل ما هي علينا من الوجوب والأوقات والأفعال والهيئات . أم لا? # فأجاب رحمه الله تعالى : # كانت لهم صلاة في هذه الأوقات، لكن ليست مماثلة لصلاتنا في الأوقات ~~والهيئات، وغيرهما، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل يفسق ويشرب الخمر ويصلي الصلوات ~~الخمس، وقد قال صلل صلى الله عليه وسلم - : كل صلاة لم تنه عن الفحشاء والمنكر لم يزد صاحبها من ~~الله إلا بعدا»؟2). # فأجاب : هذا الحديث ليس بثابت عن النبيصلى الله عليه وسلم، لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر كما ذكر الله في كتابه. وبكل حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعدا. بل الذي ~~يصلي خير من الذي لا يصلي، وأقرب إلى الله منه، وإن كان فاسقا. # لكن قال ابن عباس : ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها . وقد قال ~~لنبي صلى الل عليه وسلم: إن العبد لينصرف من صلاته. ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، ~~إلا ربعها، حتى قال : إلا عشرها»3 فإن الصلاة إذا أتى بها كما أمر نهته عن الفحشاء ~~والمنكر، وإذا لم تنهه دل على تضييعه لحقوقها، وإن كان مطيعا. وقد قال تعالى : ~~(فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاوة )ي [مريم: . وإضاعتها التفريط في واجباتها، ~~وإن كان يصليها، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن قوله تعالى: (لا تقربوا الصلوة وانتم سكزى) ~~ء] والرجل إذا شرب الخمر وصلى وهو سكران، هل تجوز صلاته أم لا? # فأجاب : صلاة السكران الذي لا يعلم ما يقول لا تجوز باتفاق؛ بل ولا يجوز PageV01P266 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0267.png) ~~أن يمكن من دخول المسجد لهذه الآية وغيرها، فإن النهي عن قربان الصلاة، وقربان ~~مواضع الصلاة، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن قوم منتسبين إلى المشايخ يتوبونهم عن قطع الطريق، ~~وقتل ms0286 النفس، والسرقة، وألزموهم بالصلاة لكونهم يصلون صلاة عادة البادية، فهل ~~تجب إقامة حدود الصلاة أم لا؟ # فأجاب: أما الصلاة فقد قال الله تعالى : (فوييل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون * الذين هم يراءون ويمنهون الماعون) [لمعون : ، -. وقال تعالى: ~~فلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشموات فسوف يلقون غيا ) [ميم: 59] فقد ذم ~~الله تعالى في كتابه الذين يصلون إذا سهوا عن الصلاة، وذلك على وجهين : # أحدهما: أن يؤخرها عن وقتها. # الثانى: أن لا يكمل واجباتها: من الطهارة، والطمأنينة، والخشوع، وغير ~~ذلك. كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : تلك صلاة المنافق، تلك صلاة ~~المنافق، تلك صلاة المنافق - ثلاث مرار - يترقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني ~~شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا. # فجعل النبي صلى الله عليه وسلم سلاة المنافقين التأخير، وقلة ذكر اسم الله سبحانه، وقد قال ~~تعالى : (إن المنفقين يخادعون الله وهو خلد عهم وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى يرآءون الناس ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا) وقال : (إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار ولن تحد ~~لهم نصيا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولابك مع المؤمنين ~~وسوف يؤت الله المؤمنين اجرا عظيما). # وأما قوله سبحانه وتعالى: ( فلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا) فقد قال بعض السلف : إضاعتها تأخيرها عن وقتها، وإضاعة ~~حقوقها، قالوا: وكانوا يصلون، ولو تركوها لكانوا كفارا؛ فإنه قد صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : لاليس بين العبد وبين الشرك إلا ترك الصلاة وقال : PageV01P267 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0268.png) ~~العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر. # وفي الحديث : «إن العبد إذا كمل الصلاة صعدت ولها برهان كبرهان الشمس. ~~وتقول : حفظك الله كما حفظتني، وإن لم يكملها فإنها تلف كما يلف الثوب، ~~ويضرب بها وجه صاحبها، وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : إن العبد لينصرف من صلاته ولم ms0287 يكتب له ~~إلا نصفها؛ إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها؛ إلا سدسها . حتى قال : إلا عشرها» ~~وقال ابن عباس : ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها. # وقوله : (وآتبعوا الشهوات) الذ يشتغل به عن إقامة الصلاة - كما أمر الله تعالى ~~رسوله له ل،ى الله عليه وسلم بنوع من أنواع الشهوات : كالرقص، والغناء، وأمثال ذلك. # وفي الصحيحين : أن رجلا دخل المسجد فصلى ركعتين، ثم أتى النبيصلى الله عليه ولم، فسلم ~~عليه، فقال : «وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى ثم أتاه فسلم ~~عليه، فقال : «وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل . . مرتين أو ثلاثا. فقال: ~~والذي بعثك بالحق ما أحسن غيرها، فعلمني ما يجزئني في الصلاة، فقال : «إذا قمت ~~إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع ~~حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسا، ثم ~~اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها # وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم ان قال : لا تقبل صلاة من لم يقم صلبه في الركوع ~~والسجود»5) «ونهى عن نقر كنقر الغراب» ورأى حذيفة رجلا يصلي لا يتم ~~الركوع والسجود فقال : لو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم ~~أو قال : لو مات هذا7. رواه ابن خزيمة في صحيحه. PageV01P268 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0269.png) # وسئل رحمه الله تعالى: عن أقوام يؤخرون صلاة الليل إلى النهار، لأشغال لهم من ~~زرع أو حرث أو جنابة أو خدمة أستاذ، أو غير ذلك . فهل يجوز لهم ذلك؟ أم لا؟ # فأجاب: لا يجوز لأحد أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل، ولا يؤخر صلاة الليل إلى ~~النهار لشغل من الأشغال، لا لحصد ولا لحرث ولا لصناعة ولا لجنابة. ولا نجاسة ~~ولا صيد ولا لهو ولا لعب ولا لخدمة أستاذ، ولا غير ذلك؛ بل المسلمون كلهم ~~متفقون على أن عليه أن يصلي الظهر والعصر بالنهار، ويصلي الفجر قبل طلوع الشمس، ms0288 ~~ولا ينزل ذلك لصناعة من الصناعات، ولا للهو ولا لغير ذلك من الأشغال وليس للمالك ~~أن يمنع مملوكه، ولا للمستأجر أن يمنع الأجير من الصلاة في وقتها. # ومن أخرها لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ أو غير ذلك حتى تغيب الشمس ~~وجبت عقوبته، بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يستتاب فإن تاب والتزم أن ~~يصلي في الوقت ألزم بذلك، وإن قال: لا أصلي إلا بعد غروب الشمس لاشتغاله ~~بالصناعة والصيد أو غير ذلك، فإنه يقتل. # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : من فاتته صلاة العصر فكأنما ~~وتر أهله وماله وفي الصحيحين عن لل صلى الله عليه وسلم أنه قال : من فاتته صلاة العصر فقد ~~حبط عمله وفي وصية أبي بكر الصديق لعمر بن الخطاب أنه قال : إن لله حقأ ~~بالليل لا يقبله بالنهار، وحقا بالنهار لا يقبله بالليل». # والنبيصلى الله عليه وسلم ان أخر صلاة العصر يوم الخندق لاشتغاله بجهاد الكفار، ثم ~~صلاها بعد المغرب، فأنزل الله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى) ~~[البقرة: 238. # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، إن الصلاة الوسطى صلاة العصر PageV01P269 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0270.png) ~~فلهذا قال جمهور العلماء : إن ذلك التأخير منسوخ بهذه الآية، فلم يجوزوا تأخير ~~الصلاة حال القتال، بل أوجبوا عليه الصلاة في الوقت حال القتال، وهذا مذهب ~~مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه. # وعن أحمد رواية أخرى أنه يخير حال القتال بين الصلاة وبين التأخير، ومذهب ~~أبي حنيفة يشتغل بالقتال ويصلي بعد الوقت، وأما تأخير الصلاة لغير الجهاد كصناعة ~~أو زراعة أو صيد أو عمل من الأعمال ونحو ذلك فلا يجوزه أحد من العلماء، بل قد ~~قال تعالى : (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) قالت طائفة من السلف: هم ~~الذين يؤخرونها عن وقتها. وقال بعضهم : هم الذين لا يؤدونها على الوجه المأمور ~~به، وإن صلاها في الوقت فتأخيرها عن الوقت حرام باتفاق العلماء، فإن العلماء ~~متفقون على أن تأخير صلاة الليل ms0289 إلى النهار وتأخير صلاة النهار إلى الليل بمنزلة ~~تأخير صيام شهر رمضان إلى شوال . # فمن قال : أصلي الظهر والعصر بالليل، فهو باتفاق العلماء بمنزلة من قال: أفطر ~~شهر رمضان وأصوم شوال، وإنما يعذر بالتأخير النائم والناسي. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~1من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ~~ذلك»(1). # فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها لجنابة ولا حدث ولا نجاسة ولا غير ذلك، ~~بل يصلي في الوقت بحسب حاله، فإن كان محدثا وقد عدم الماء أو خاف الضرر ~~باستعماله تيمم وصلى. وكذلك الجنب يتيمم ويصلي إذا عدم الماء أو خاف الضرر ~~باستعماله لمرض أو لبرد. وكذلك العريان يصلي في الوقت عريانا، ولا يؤخر الصلاة ~~حتى يصلي بعد الوقت في ثيابه. وكذلك إذا كان عليه نجاسة لا يقدر أن يزيلها ~~فيصلي في الوقت بحسب حاله. وهكذا المريض يصلي على حسب حاله في الوقت، ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عمران بن حصين : صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم ~~تستطع فعلى جنب فالمريض باتفاق العلماء يصلي في الوقت قاعدا أو على جنب، ~~إذا كان القيام يزيد في مرضه، ولا يصلي بعد خروج الوقت قائما. # وهذا كله لأن فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة، كما ~~أن صيام شهر رمضان واجب في وقته، ليس لأحد أن يؤخره عن وقته، ولكن يجوز ~~الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة، باتفاق المسلمين. PageV01P270 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0271.png) ~~270 # وكذلك يجوز الجمع بين صلاة المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر عند كثير ~~من العلماء للسفر والمرض، ونحو ذلك من الأعذار. # وأما تأخير صلاة النهار إلى الليل، وتأخير صلاة الليل إلى النهار، فلا يجوز ~~لمرض ولا لسفر، ولا لشغل من الأشغال، ولا لصناعة باتفاق العلماء. بل قال ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : الجمع بين صلاتين من غير عذر من الكبائر. ~~لكن المسافر يصلي ركعتين ليس عليه أن يصلي أربعا، بل الركعتان تجزئ ms0290 المسافر في ~~سفر القصر، باتفاق العلماء. # ومن قال : إنه يجب على كل مسافر أن يصلي أربعا فهو بمنزلة من قال : إنه يجب ~~على المسافر أن يصوم شهر رمضان، وكلاهما ضلال، مخالف لإجماع المسلمين، ~~يستتاب قائله، فإن تاب وإلا قتل. والمسلمون متفقون على أن المسافر إذا صلى الرباعية ~~ركعتين، والفجر ركعتين، والمغرب ثلاثا، وأفطر شهر رمضان وقضاه أجزأه ذلك. # وأما من صام في السفر شهر رمضان، أو صلى أربعا، ففيه نزاع مشهور بين ~~العلماء: منهم من قال : لا يجزئه ذلك، فالمريض له أن يؤخر الصوم باتفاق ~~المسلمين، وليس له أن يؤخر الصلاة باتفاق المسلمين، والمسافر له أن يؤخر الصيام ~~باتفاق المسلمين، وليس له أن يؤخر الصلاة باتفاق المسلمين. # وهذا مما يبين أن المحافظة على الصلاة في وقتها أوكد من الصوم في وقته، ~~قال تعالى : (فلف من بعلم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشوات) ل طائفة من السلف : ~~إضاعتها تأخيرها عن وقتها، ولو تركوها لكانوا كفارا. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة ~~لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة» رواه مسلم عن أبي ذر قال : قال ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم،: كيف بك إذا كان عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، ~~وينسؤون الصلاة عن وقتها? قلت: فماذا تأمرني ? قال : صل الصلاة لوقتها، فإن ~~أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة. # وعن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم ال : «سيكون عليكم أمراء تشغلهم أشياء ~~عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها وقال رجل : أصلي ~~معهم? قال : لنعم إن شئت، واجعلوها تطوعا رواه أحمد وأبو داود ورواه PageV01P271 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0272.png) ~~عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله له صلى الله عليه وسلم . كيف بكم إذا كان عليكم أمراء ~~يصلون الصلاة لغير ميقاتها ?» قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله? قال : ~~لا صل الصلاة لوقتها، واجعل صلاتك معهم نافلة. # ولهذا اتفق العلماء على أن الرجل إذا كان عريانا مثل أن ms0291 تنكسر بهم السفينة أو تسلبه ~~القطاع ثيابه فإنه يصلي في الوقت عريانا، والمسافر إذا عدم الماء يصلي بالتيمم في الوقت ~~باتفاق العلماء، وإن كان يجد الماء بعد الوقت، وكذلك الجنب المسافر إذا عدم الماء ~~تيمم وصلى، ولا إعادة عليه باتفاق الأئمة الأربعة، وغيرهم. وكذلك إذا كان البرد شديدا ~~فخاف إن اغتسل أن يمرض فإنه يتيمم ويصلي في الوقت، ولا يؤخر الصلاة حتى يصلي ~~بعد الوقت باغتسال. وقد قال الني صلى الله عليه وسلم الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء ~~عشر سنين، فإذا وجدت الماء فامسسه بشرتك فإن ذلك خير # وكل ما يباح بالماء يباح بالتيمم، فإذا تيمم لصلاة فريضة قرأ القرآن داخل ~~الصلاة وخارجها، وإن كان جنبا، ومن امتنع عن الصلاة بالتيمم فإنه من جنس اليهود ~~والنصارى؛ فإن التيمم لأمة محمدا صلى الله عليه وسلم خاصة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، في الحديث ~~الصحيح : «فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لي ~~الأرض مسجدا، وجعلت تربتها طهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ~~وفي لفظ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة ~~فعنده مسجده وطهوره»4. # وقد تنازع العلماء هل يتيمم قبل الوقت? وهل يتيمم لكل صلاة أو يبطل بخروج ~~الوقت ? أو يصلي ما شاء كما يصلي بالماء ولا ينقضه إلا ما ينقض الوضوء أو القدرة على ~~استعمال الماء? وهذا مذهب أبي حنيفة، وأحد الأقوال في مذهب أحمد وغيره؛ فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ال : الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت ~~الماء فامسسه بشرتك، فإن ذلك خير قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # وإذا كان عليه نجاسة وليس عنده ما يزيلها به صلى في الوقت وعليه النجاسة، PageV01P272 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0273.png) ~~كما صلى عمر بن الخطاب وجرحه يثعب دما، ولم يؤخر الصلاة حتى خرج الوقت. # ومن لم يجد إلا ثوبا نجسا فقيل: يصلي عريانا، وقيل: يصلي فيه ويعيد، ~~وقيل: يصلي فيه ولا يعيد، وهذا أصح أقوال ms0292 العلماء؛ فإن الله لم يأمر العبد أن ~~يصلي الفرض مرتين، إلا إذا لم يفعل الواجب الذي يقدر عليه في المرة الأولى، مثل ~~أن يصلي بلا طمأنينة، فعليه أن يعيد الصلاة، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من صلى ولم يطمئن ~~أن يعيد الصلاة. وقال : ارجع فصل فإنك لم تصل # وكذلك من نسي الطهارة وصلى بلا وضوء فعليه أن يعيد، كما أمر النبي صلى الله عليهوسلم من ~~توضأ وترك لمعة في قدمه لم يمسها الماء أن يعيد الوضوء والصلاة. # فأما من فعل ما أمر به بحسب قدرته، فقد قال تعالى: (فآنقوا الله ما استطعتم) ~~[التغابن : وقال النبي صلى الله عليه وسلم،: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم . ومن كان ~~مستيقظا في الوقت والماء بعيد منه لا يدركه إلا بعد الوقت فإنه يصلي في الوقت ~~بالتيمم باتفاق العلماء. # وكذلك إذا كان البرد شديدا، ويضره الماء البارد، ولا يمكنه الذهاب إلى ~~الحمام، أو تسخين الماء حتى يخرج الوقت، فإنه يصلي في الوقت بالتيمم. والمرأة ~~الرجل في ذلك سواء، فإذا كانا جنبين ولم يمكنهما الاغتسال حتى يخرج الوقت، ~~إنهما يصليان في الوقت بالتيمم. # والمرأة الحائض إذا انقطع دمها في الوقت، ولم يمكنها الاغتسال إلا بعد خروج ~~الوقت تيممت وصلت في الوقت. # ومن ظن أن الصلاة بعد خروج الوقت بالماء خير من الصلاة في الوقت بالتيمم ~~فهو ضال جاهل. # وإذا استيقظ آخر وقت الفجر فإذا اغتسل طلعت الشمس، فجمهور العلماء هنا ~~يقولون: يغتسل ويصلي بعد طلوع الشمس، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد، وأحد القولين في مذهب مالك. وقال في القول الآخر: بل يتيمم أيضا هنا ~~ويصلي قبل طلوع الشمس كما تقدم في تلك المسائل، لأن الصلاة في الوقت بالتيمم ~~خير من الصلاة بعده بالغسل . والصحيح قول الجمهور؛ لأن الوقت في حق النائم هو ~~من حين يستيقظ ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ~~فإن ذلك وقتها . فالوقت في حق النائم هو من حين ms0293 يستيقظ، وما قبل ذلك لم ~~يكن وقتآ في حقه. PageV01P273 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0274.png) # وإذا كان كذلك فإذا استيقظ قبل طلوع الشمس فلم يمكنه الاغتسال والصلاة إلا ~~بعد طلوعها فقد صلى الصلاة في وقتها ولم يفوتها؛ بخلاف من استيقظ في أول ~~الوقت فإن الوقت في حقه قبل طلوع الشمس، فليس له أن يفوت الصلاة. وكذلك من ~~نسي صلاة وذكرها فإنه حينئذ يغتسل ويصلي في أي وقت كان، وهذا هو الوقت في ~~حقه، فإذا لم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس، كما استيقظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ناموا ~~عن الصلاة عام خيبر، فإنه يصلي بالطهارة الكاملة، وإن أخرها إلى حين الزوال، فإذا ~~قدر أنه كان جنبا فإنه يدخل الحمام ويغتسل وإن أخرها إلى قريب الزوال، ولا يصلي ~~هنا بالتيمم، ويستحب له أن ينتقل عن المكان الذي نام فيه، كما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وأصحابه عن المكان الذي ناموا فيه، وقال : هذا مكان حضرنا فيه الشيطان ~~وقد نص على ذلك أحمد وغيره. وإن صلى فيه جازت صلاته. # فإن قيل : هذا يسمى قضاء أو أداء? # قيل : الفرق بين اللفظين هو فرق اصطلاحي ؛ لا أصل له في كلام الله ورسوله؛ ~~فإن الله تعالى سمى فعل العبادة في وقتها قضاء، كما قال في الجمعة: (فإذا قضيت ~~الصلوة فانتشروا في الأرض) وقال تعالى : (فإذا قضيتم تناسككم ~~فاذكروأ الله)[200 مع أن هذين يفعلان في الوقت. و«القضاء» في لغة ~~العرب : هو إكمال الشىء وإتمامه، كما قال تعالى : (فقضنهن سبع سموات )ف: ~~12 أي أكملهن وأتمهن . فمن فعل العبادة كاملة فقد قضاها، وإن فعلها في وقتها. # وقد اتفق العلماء فيما أعلم على أنه لو اعتقد بقاء وقت الصلاة فنواها أداء، ثم ~~تبين أنه صلى بعد خروج الوقت صحت صلاته، ولو اعتقد خروجه فنواها قضاء ثم ~~تبين له بقاء الوقت أجزأته صلاته. # وكل من فعل العبادة في الوقت الذي أمر به أجزأته صلاته، سواء نواها أداء أو ~~قضاء، والجمعة تصح سواء نواها أداء أو قضاء إذ أراد القضاء المذكور ms0294 في القرآن، ~~والنائم والناسي إذا صليا وقت الذكر والانتباه فقد صليا في الوقت الذي أمرا بالصلاة ~~فيه، وإن كانا قد صليا بعد خروج الوقت المشروع لغيرهما، فمن سمى ذلك قضاء ~~باعتبار هذا المعنى، وكان في لغته أن القضاء فعل العبادة بعد خروج الوقت المقدر ~~شرعا للعموم، فهذه التسمية لا تضر ولا تنفع. # وبالجملة؛ فليس لأحد قط شغل يسقط عنه فعل الصلاة في وقتها، بحيث يؤخر ~~صلاة النهار إلى الليل وصلاة الليل إلى النهار؛ بل لا بد من فعلها في الوقت؛ لكن ~~يصلي بحسب حاله، فما قدر عليه من فرائضها فعله، وما عجز عنه سقط عنه، ولكن PageV01P274 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0275.png) ~~يجوز الجمع للعذر بين صلاتي النهار وبين صلاتي الليل، عند أكثر العماء، فيجوز ~~الجمع للمسافر إذا جد به السير عند مالك والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين ~~عنه، ولا يجوز في الرواية الأخرى عنه وهو قول أبي حنيفة. # وفعل الصلاة في وقتها أولى من الجمع إذا لم يكن عليه حرج؛ بخلاف القصر ~~فإن صلاة ركعتين أفضل من صلاة أربع، عند جماهير العلماء. فلو صلى المسافر ~~أربعا فهل تجزئه صلاته ? على قولين. والنبي صلى الله عليه وسلم ان في جميع أسفاره يصلي ~~ركعتين، ولم يصل في السفر أربعا قط، ولا أبو بكر، ولا عمر. # وسئل رحمه الله تعالى: عن العمل الذي لله بالنهار لا يقبله بالليل، والعمل ~~الذي بالليل لا يقبله بالنهار # فأجاب: وأما عمل النهار الذي لا يقبله الله بالليل، وعمل الليل الذي لا يقبله ~~الله بالنهار؛ فهما صلاة الظهر والعصر، لا يحل للإنسان أن يؤخرهما إلى الليل؛ بل ~~قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : لمن فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ~~وماله» . وفي صحيح البخاري عنه أنه قال : «من فاتته صلاة العصر حبط ~~عمله»(3) . # فأما من نام عن صلاة أو نسيها فقد قال صلى الله عليه وسلم : من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها # وأما من فوتها متعمدا فقد أتى كبيرة ms0295 من أعظم الكبائر، وعليه القضاء عند ~~جمهور العلماء، وعند بعضهم لا يصح فعلها قضاء أصلا، ومع القضاء عليه لا تبرأ ~~ذمته من جميع الواجب، ولا يقبلها الله منه بحيث يرتفع عنه العقاب، ويستوجب ~~الثواب؛ بل يخفف عنه العذاب بما فعله من القضاء، ويبقى عليه إثم التفويت، وهو ~~من الذنوب التي تحتاج إلى مسقط آخر ، بمنزلة من عليه حقان: فعل أحدهما، وترك ~~الآخر. قال تعالى : (فويل للمصلين ه الذين هم عن صلاتهم ساهون) وتأخيرها عن وقتها ~~من السهو عنها باتفاق العلماء. # وقال تعالى : (له ه فلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة وائبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) ~~قال غير واحد من السلف: إضاعتها تأخيرها عن وقتها، فقد أخبر الله سبحانه أن ~~الويل لمن أضاعها وإن صلاها، ومن كان له الويل لم يكن قد يقبل عمله، وإن كان له ~~ذنوب أخر. فإذا لم يكن ممتثلا للأمر في نفس العمل لم يتقبل ذلك العمل. قال ~~أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - في وصيته لعمر: واعلم أن لله حقا بالليل لا يقبله PageV01P275 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0276.png) ~~بالنهار، وحقا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، والله ~~أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن تارك الصلاة من غير عذر، هل هو مسلم في تلك ~~الحال?1 # فأجاب : أما تارك الصلاة؛ فهذا إن لم يكن معتقدا لوجوبها فهو كافر بالنص ~~والإجماع، لكن إذا أسلم ولم يعلم أن الله أوجب عليه الصلاة، أو وجوب بعض ~~أركانها : مثل أن يصلي بلا وضوء، فلا يعلم أن الله أوجب عليه الوضوء أو يصلي مع ~~الجنابة فلا يعلم أن الله أوجب عليه غسل الجنابة، فهذا ليس بكافر، إذا لم يعلم. # لكن إذا علم الوجوب : هل يجب عليه القضاء? فيه قولان للعلماء في مذهب ~~أحمد ومالك وغيرهما. قيل : يجب عليه القضاء، وهو المشهور عن أصحاب ~~الشافعي، وكثير من أصحاب أحمد. وقيل : لا يجب عليه القضاء، وهذا هو الظاهر . # وعن أحمد في هذا الأصل روايتان منصوصتان فيمن صلى في معاطن الإبل، ~~ولم يكن علم ms0296 بالنهي، ثم علم، هل يعيد ? على روايتين ومن صلى ولم يتوضأ من ~~لحوم الإبل، ولم يكن علم بالنهي، ثم علم. هل يعيد? على روايتين منصوصتين. # وقيل : عليه الإعادة: إذا ترك الصلاة جاهلا بوجوبها في دار الإسلام دون دار ~~الحرب، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة، والصائم إذا فعل ما يفطر به جاهلا ~~بتحريم ذلك، فهل عليه الإعادة ? على قولين في مذهب أحمد. وكذلك من فعل ~~محظورا [في] الحج جاهلا. # وأصل هذا: أن حكم الخطاب؛ هل يثبت في حق المكلف قبل أن يبلغه? فيه ~~ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. قيل: يثبت. وقيل: لا يثبت، وقيل: يثبت ~~المبتدأ دون الناسخ. والأظهر أنه لا يجب قضاء شيء من ذلك، ولا يثبت الخطاب ~~إلا بعد البلاغ، لقوله تعالى: (لأدركم به وما بلع) وقوله: (وما كتا ~~معذين حت نبعك رسولا) ولقوله: (لثآلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل) ومثل هذا في القرآن متعدد، بين سبحانه أنه لا يعاقب أحدا ~~حتى يبلغه ما جاء به الرسول. # ومن علم أن محمدا رسول الله فآمن بذلك، ولم يعلم كثيرا مما جاء به لم ~~يعذبه الله على ما لم يبلغه، فإنه إذا لم يعذبه على ترك الإيمان بعد البلوغ، فإنه ~~لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلاغ أولى وأحرى. وهذه سنة رسول الله ل صلى اله عليه وسلم ~~المستفيضة عنه في أمثال ذلك. PageV01P276 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0277.png) # فإنه قد ثبت في الصحاح أن طائفة من أصحابه ظنوا أن قوله تعالى : (آلخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود) [بقرة :] هو الحبل الأبيض من الحبل الأسود، فكان ~~أحدهم يربط في رجله حبلا، ثم يأكل حتى يتبين هذا من هذا فبين النبي صلى الله عليه وسلم، أن ~~المراد بياض النهار، وسواد الليل، ولم يأمرهم بالإعادة. # وكذلك عمر بن الخطاب وعمار أجنبا، فلم يصل عمر حتى أدرك الماء، وظن ~~عمار أن التراب يصل إلى حيث يصل الماء فتمرغ كما تمرغ الدابة ولم يأمر واحدا ~~منهم بالقضاء، وكذلك أبو ذر بقي مدة جنبا لم يصل، ms0297 ولم يأمره بالقضاء، بل أمره ~~بالتيمم في المستقبل. # وكذلك المستحاضة قالت : إني أستحاض حيضة شديدة تمنعني الصلاة ~~والصوم، فأمرها بالصلاة زمن دم الاستحاضة، ولم يأمرها بالقضاء. # ولما حرم الكلام في الصلاة تكلم معاوية بن الحكم السلمي في الصلاة بعد ~~التحريم جاهلا بالتحريم، فقال له : إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام ~~الآدميين »1) ولم يأمره بإعادة الصلاة. # ونما زيد في صلاة الحضر حين هاجر إلى المدينة، كان من كان بعيدا عنه : مثل ~~من كان بمكة، وبأرض الحبشة يصلون ركعتين، ولم يأمرهم النبي بإعادة الصلاة. # ولما فرض شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، ولم يبلغ الخبر إلى من ~~كان بأرض الحبشة من المسلمين، حتى فات ذلك الشهر، لم يأمرهم بإعادة الصيام. # وكان بعض الأنصار - لما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة قبل الهجرة - ~~قد صلى إلى الكعبة معتقدا جواز ذلك قبل أن يؤمر باستقبال الكعبة، وكانوا حينئذ ~~يستقبلون الشام، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، أمره باستقبال الشام، ولم يأمره بإعادة ~~ما كان صلى. # وثبت عنه في الصحيحين أنه سئل - وهو بالجعرانة - عن رجل أحرم بالعمرة، ~~وعليه جبة، وهو متضمخ بالخلوق، فلما نزل عليه الوحي قال له : إنزع عنك ~~جبتك، واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما كنت صانعا في حجك، ~~وهذا قد فعل محظورا في الحج، وهو لبس الجبة، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم لى ذلك بدم ~~ولو فعل ذلك مع العلم للزمه دم. # وثبت عنه في الصحيحين أنه قال للأعرابي المسيء في صلاته : «صل فإنك لم ~~تصل - مرتين أو ثلاثا - فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا، فعلمني PageV01P277 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0278.png) ~~ما يجزيني في الصلاة، فعلمه الصلاة المجزية ولم يأمره بإعادة ما صلى قبل ~~ذلك . مع قوله ما أحسن غير هذا، وإنما أمره أن يعيد تلك الصلاة؛ لأن وقتها باق، ~~فهو مخاطب بها، والتي صلاها لم تبرأ بها الذمة، ووقت الصلاة باق. # ومعلوم أنه لو بلغ صبي، ms0298 أو أسلم كافر، أو طهرت حائض، أو أفاق مجنون، ~~والوقت باق لزمتهم الصلاة أداء لا قضاء. وإذا كان بعد خروج الوقت فلا إثم عليهم. ~~فهذا المسيء الجاهل إذا علم بوجوب الطمأنينة في أثناء الوقت فوجبت عليه الطمأنينة ~~حينئذ، ولم تجب عليه قبل ذلك؛ فلهذا أمره بالطمأنينة في صلاة تلك الوقت، دون ~~ما قبلها . # وكذلك أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد، ولمن ترك لمعة من قدمه أن ~~يعيد الوضوء والصلاة، وقوله أولا : «صل فإنك لم تصل تبين أن ما فعله لم يكن ~~صلاة، ولكن لم يعرف أنه كان جاهلا بوجوب الطمأنينة، فلهذا أمره بالإعادة ابتداء، ~~ثم علمه إياها، لما قال : «والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا. # فهذه نصوصي صل لى الله عليه وسلم في محظورات الصلاة والصيام والحج مع الجهل فيمن ~~ترك واجباتها مع الجهل، وأما أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد فذلك أنه لم يأت ~~بالواجب مع بقاء الوقت. فثبت الوجوب في حقه حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم بقاء وقت ~~الوجوب، لم يأمره بذلك مع مضي الوقت. # وأما أمره لمن ترك لمعة في رجله لم يصبها الماء بالإعادة، فلأنه كان ناسيا، فلم ~~يفعل الواجب، كمن نسي الصلاة، وكان الوقت باقيا، فإنها قضية معينة بشخص لا يمكن ~~أن يكون في الوقت وبعده. أعني أنه رأى في رجل رجل لمعة لم يصبها الماء فأمره أن ~~يعيد الوضوء والصلاة، رواه أبو داود. وقال أحمد بن حنبل: حديث جيد. # وأما قوله: «ويل للأعقاب من النار»(3) ونحوه. فإنما يدل على وجوب تكميل ~~لوضوء ليس في ذلك أمر بإعادة شيء ومن كان أيضا يعتقد أن الصلاة تسقط عن ~~العارفين، أو عن المشايخ الواصلين، أو عن بعض أتباعهم، أو أن الشيخ يصلي ~~عنهم، أو أن لله عبادا أسقط عنهم الصلاة، كما يوجد كثير من ذلك في كثير من ~~المنتسبين إلى الفقر والزهد، واتباع بعض المشايخ والمعرفة، فهؤلاء يستتابون باتفاق ~~لأئمة، فإن أقروا بالوجوب، وإلا قوتلوا، وإذا أصروا على جحد الوجوب حتى PageV01P278 ![image ms0299 file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0279.png) ~~278 ~~قتلوا، كانوا من المرتدين، ومن تاب منهم وصلى لم يكن عليه إعادة ما ترك قبل ذلك ~~في أظهر قولي العلماء، فإن هؤلاء إما أن يكونوا مرتدين، وإما أن يكونوا مسلمين ~~جاهلين للوجوب. # فإن قيل: إنهم مرتدون عن الإسلام، فالمرتد إذا أسلم لا يقضي ما تركه حال ~~الردة عند جمهور العلماء، كما لا يقضي الكافر إذا أسلم ما ترك حال الكفر باتفاق ~~العلماء، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه، والأخرى يقضي ~~المرتد . كقول الشافعي والأول أظهر. # فإن الذين ارتدوا على عهد رسول الله صله صلى الله عليه وسلم الحارث بن قيس، وطائفة معه أنزل ~~الله فيهم: (كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم) الآية [آل عمران:، والتي ~~بعدها، وكعبد الله بن أبي سرح، والذين خرجوا مع الكفار يوم بدر، وأنزل فيهم: ~~(ثم إن ربلك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جهدوا وصبروا إن ربك من بعدها ~~لغفور رحيم) . فهؤلاء عادوا إلى الإسلام، وعبد الله بن أبي سرح ~~عاد إلى الإسلام عام الفتح، وبايعه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر أحدا منهم بإعادة ما ترك حال ~~الكفر في الردة، كما لم يكن يأمر سائر الكفار إذا أسلموا. # وقد ارتد في حياته خلق كثير اتبعوا الأسود العنسي الذي تنبأ بصنعاء اليمن، ثم ~~قتله الله، وعاد أولئك إلى الإسلام، ولم يؤمروا بالإعادة. # وتنبأ مسيلمة الكذاب، واتبعه خلق كثير، قاتلهم الصديق والصحابة بعد موته ~~حتى أعادوا من بقي منهم إلى الإسلام، ولم يأمر أحدا منهم بالقضاء، وكذلك سائر ~~المرتدين بعد موته. # وكان أكثر البوادي قد ارتدوا ثم عادوا إلى الإسلام، ولم يأمر أحدا منهم بقضاء ~~ما ترك من الصلاة. وقوله تعالى : ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ~~[الأنفال : 38] يتناول كل كافر. # وإن قيل : إن هؤلاء لم يكونوا مرتدين، بل جهالا بالوجوب، وقد تقدم أن ~~الأظهر في حق هؤلاء أنهم يستأنفون الصلاة على الوجه المأمور، ولا قضاء عليهم. ~~فهذا حكم من تركها غير معتقد لوجوبها. ms0300 # وأما من اعتقد وجوبها مع إصراره على الترك، فقد ذكر عليه المفرعون من ~~الفقهاء فروعا : # أحدها هذا، فقيل عند جمهورهم: مالك والشافعي وأحمد. وإذا صبر حتى ~~يقتل فهل يقتل كافرا مرتدا، أو فاسقا كفساق المسلمين? على قولين مشهورين. حكيا ~~روايتين عن أحمد، وهذه الفروع لم تنقل عن الصحابة، وهي فروع فاسدة، فإن كان PageV01P279 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0280.png) ~~مقرا بالصلاة في الباطن، معتقدا لوجوبها، يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل، وهو ~~لا يصلي هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم؛ ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام، ~~ولا يعرف أن أحدا يعتقد وجوبها، ويقال له : إن لم تصل وإلا قتلناك، وهو يصر على ~~تركها، مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام. # ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرا بوجوبها، ولا ملتزما ~~بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت ~~عليه النصوص الصحيحة . كقوله صلى الله عليه وسلم : ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة رواه ~~مسلم . وقوله : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر # وقول عبد الله بن شقيق: كان أصحاب محمد لا يرون شيئا من الأعمال تركه ~~كفر إلا الصلاة، فمن كان مصرا على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط ، ~~فهذا لا يكون قط مسلما مقرا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها ~~يستحق القتل هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا ~~كان قادرا ولم يفعل قط علم أن الداعي في حقه لم يوجد. والاعتقاد التام لعقاب ~~التارك باعث على الفعل، لكن هذا قد يعارضه أحيانا أمور توجب تأخيرها وترك بعض ~~واجباتها، وتفويتها أحيانا. # فأما من كان مصرا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك ~~فهذا لا يكون مسلما؛ لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا ~~يحافظون عليها وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن ~~حديث عبادة عن النبي صلى ms0301 الله عليه وسلم أن قال : خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم ~~والليلة من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن ~~لم يكن له عهد عند الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له # فالمحافظ عليها الذي يصليها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى، والذي ليس ~~يؤخرها أحيانا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، وقد يكون ~~لهذا نوافل يكمل بها فرائضه، كما جاء في الحديث. # وسئل غفر الله له : عمن يؤمر بالصلاة فيمتنع، وماذا يجب عليه? ومن اعتذر بقوله: ~~«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»(44 هل يكون له عذر في أنه لا يعاقب PageV01P280 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0281.png) ~~على ترك الصلاة، أم لا? وماذا يجب على الأمراء وولاة الأمور في حق من تحت أيديهم إذا ~~تركوا الصلاة ? وهل قيامهم في ذلك من أعظم الجهاد وأكبر أبواب البر? # فأجاب : الحمد لله، من يمتنع عن الصلاة المفروضة فإنه يستحق العقوبة ~~الغليظة باتفاق أئمة المسلمين، بل يجب عند جمهور الأمة : كمالك، والشافعي، ~~وأحمد، وغيرهم أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. # بل تارك الصلاة شر من السارق والزاني، وشارب الخمر، وآكل الحشيشة . # ويجب على كل مطاع أن يأمر من يطيعه بالصلاة، حتى الصغار الذين لم ~~يبلغوا، قال النبي صلى الله عليه وسلم، . مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم ~~في المضاجع» # ومن كان عنده صغير مملوك أو يتيم أو ولد فلم يأمره بالصلاة فإنه يعاقب الكبير ~~إذا لم يأمر الصغير، ويعزر الكبير على ذلك تعزيرا بليغا؛ لأنه عصى الله ورسوله، ~~وكذلك من عنده مماليك كبار، أو غلمان الخيل والجمال والبزاة، أو فراشون أو بابية ~~يغسلون الأبدان والثياب، أو خدم، أو زوجة، أو سرية، أو إماء، فعليه أن يأمر جميع ~~هؤلاء بالصلاة، فإن لم يفعل كان عاصيا لله ورسوله، ولم يستحق هذا أن يكون من ~~جند المسلمين، بل من جند التتار. فإن التتار يتكلمون بالشهادتين، ومع هذا فقتالهم ~~واجب بإجماع المسلمين. ms0302 # وكذلك كل طائفة ممتنعة عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة، أو ~~الباطنة المعلومة، فإنه يجب قتالها، فلو قالوا: نشهد ولا نصلي قوتلوا حتى يصلوا، ~~ولو قالوا: نصلي ولا نزكي قوتلوا حتى يزكوا، ولو قالوا: نزكي ولا نصوم ~~ولا نحج، قوتلوا حتى يصوموا رمضان. ويحجوا البيت. ولو قالوا: نفعل هذا لكن ~~لا ندع الربا، ولا شرب الخمر، ولا الفواحش، ولا نجاهد في سبيل الله، ~~ولا نضرب الجزية على اليهود والنصارى، ونحو ذلك. قوتلوا حتى يفعلوا ذلك. كما ~~قال تعالى : (وقاللرهم حت لا تكون فتنة ويكون الذين كلم لله ). # وقد قال تعالى: (يأيها الذين آمنا اتقوا الله وذروا ما بتى من الربوا إن كنتم مؤمنين ان ~~لم تفعلوا أذنوا بحرب من الله ور سولهه ):،279 والربا آخر ما حرم الله، وكأن ~~أهل الطائف قد أسلموا وصلوا وجاهدوا، فبين الله أنهم إذا لم ينتهوا عن الربا، كانوا ~~ممن حارب الله ورسوله. PageV01P281 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0282.png) # وفي الصحيحين أنه لما توفي رسول الله له صلى الله عليه وسلم كفر من كفر من العرب، قال ~~عمر لأبي بكر : كيف تقاتل الناس? وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يشهدوا أن لا إله إلا الله. وأني رسول الله. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها فقال أبو بكر : ألم يقل : إلا بحقها? والله لو منعوني عقالا كانوا ~~يؤدونه إلى رسول الله صله صلى الله عليه وسلم اتلتهم عليه. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد ~~شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق. # وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كر الخوارج فقال : ليحقر أحدكم صلاته مع ~~صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز ~~حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، ~~فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة. # فإذا كان الذين يقومون الليل، ويصومون النهار، ويقرأون القرآن، أمر النبي صلى الله عليه سل ~~بقتالهم؛ ms0303 لأنهم فارقوا السنة والجماعة، فكيف بالطوائف الذين لا يلتزمون شرائع ~~الإسلام، وإنما يعملون بباساق ملوكهم، وأمثال ذلك، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عمن ترك صلاة واحدة عمدا بنية أنه يفعلها بعد خروج ~~وقتها قضاء، فهل يكون فعله كبيرة من الكبائر? # فأجاب : الحمد لله. نعم تأخير الصلاة عن غير وقتها الذي يجب فعلها فيه عمدا ~~من الكبائر ، بل قد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الجمع بين الصلاتين من غير ~~عذر من الكبائر . وقد رواه الترمذي مرفوعا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : لامن ~~جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى بابا من أبواب الكبائر. # ورفع هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ان كان فيه نظر. فإن الترمذي قال : العمل على هذا ~~عند أهل العلم، والأثر معروف، وأهل العلم ذكروا ذلك مقرين له، لا منكرين له. # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ل : من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله PageV01P282 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0283.png) ~~وحبرض نعمل لا يتوعد به إلا على ما هو من أعظم الكبائر . وكذلك تفويت العصر ~~أعضم من تفويت غيرها، فإنها الصلاة الوسطى المخصوصة بالأمر بالمحافظة عليها، ~~وهي نتي قرضت على من كان قبلنا فضيعوها . فمن حافظ عليها فله الأجر مرتين، ~~وهي التي نما فاتت سليمان فعل بالخيل ما فعل . ~~وفي الصحيح عن الني صلى الله عليه وسلماضا أنه قال : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر ~~أمله وماله »(1) والموتور أهله وماله يبقى مسلوبا ليس له ما ينتفع به من الأهل ~~والمال، وهو بمنزلة الذي حبط عمله. # وأيضا فإن الله تعالى يقول: (فويل للمصلين اللين هم عن صلاتهم ساهون) ~~رالماعون: 5،4 فتوعد بالويل لمن يسهو عن الصلاة حتى يخرج وقتها وإن صلاها ~~بعد ذلك، وكذلك قوله تعالى: ( فلف من بد حك أضاعوا الصلرة واتبعرا الشبرات فوف ~~يتون غي) مريم: 59] وقد سألوا ابن مسعود عن إضاعتها فقال : هو تأخيرها حتى ~~يخرج وقتها، فقالوا: ما كنا نرى ذلك إلا تركها، فقال : لو ms0304 تركوها لكانوا كفارا. وقد ~~كان ابن مسعود يقول عن بعض أمراء الكوفة في زمانه: ما فعل خلفكم? لكونهم كانوا ~~يؤخرون الصلاة عن وقتها. # وقوله: (وأتبعوا الشهوات) يتناول كل من استعمل ما يشتهيه عن المحافظة عليها ~~في وقتها، سواء كان المشتهى من جنس المحرمات: كالمأكول المحرم، والمشروب ~~المحرم، والمنكوح المحرم، والمسموع المحرم أو كان من جنس المباحات لكن ~~الإسراف فيه ينهى عنه، أو غير ذلك، فمن اشتغل عن فعلها في الوقت بلعب أو لهو ~~أو حديث مع أصحابه. أو تنزه في بستانه، أو عمارة عقاره، أو سعى في تجارته، أو ~~غير ذلك فقد أضاع تلك الصلاة، واتبع ما يشتهيه. # وقد قال تعالى: (يأيا الذينء أمنوالا تلهكر اتولكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن ~~يفعل ذالك فأولائك هم الخسرون)ن: ومن ألهاه ماله وولده عن فعل المكتوبة ~~في وقتها دخل في ذلك، فيكون خاسرا. وقال تعالى في ضد هؤلاء : ( يسبح لم فيا بالغدو ~~والأصال* رجال لا للهيم تحرة ولا بيع عن ذكر الله واقاء الصلزةوابااء الزكرة) ، 3]. # فإذا كان سبحانه قد توعد بلقي الغي من يضيع الصلاة عن وقتها ويتبع ~~الشهوات، والمؤخر لها عن وقتها مشتغلا بما يشتهيه هو مضيع لها متبع لشهوته. فدل ~~ذلك على أنه من الكبائر، إذ هذا الوعيد لا يكون إلا على كبيرة، ويؤيد ذلك جعله ~~خاسرا، والخسران لا يكون بمجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر. # وأيضا فلا2 احدا من صلى بلا طهارة، أو إلى غير القبلة عمدا، وترك الركوع PageV01P283 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0284.png) ~~والسجود أو القراءة أو غير ذلك متعمدا، أنه قد فعل بذلك كبيرة، بل قد يتورع في ~~كفره إن لم يستحل ذلك، وأما إذا استحله فهو كافر بلا ريب. # ومعلوم أن الوقت للصلاة مقدم على هذه الفروض وغيرها، فإنه لا نزاع بين ~~المسلمين أنه إذا علم المسافر العادم للماء أنه يجده بعد الوقت لم يجز له تأخير ~~الصلاة ليصليها بعد الوقت بوضوء، أو غسل؛ بل ذلك هو الفرض وكذلك العاجز عن ~~الركوع والسجود والقراءة إذا استحله فهو كافر بلا ريب. ms0305 # ومعلوم أنه إن علم أنه بعد الوقت يمكنه أن يصلي بإتمام الركوع والسجود ~~والقراءة كان الواجب عليه أن يصلي في الوقت لإمكانه. # وأما قول بعض أصحابنا: إنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها إلا لناو لجمعها أو ~~مشتغل بشرطها، فهذا لم يقله قبله أحد من الأصحاب، بل ولا أحد من سائر طوائف ~~المسلمين، إلا أن يكون بعض أصحاب الشافعي؛ فهذا أشك فيه. ولا ريب أنه ليس ~~على عمومه وإطلاقه بإجماع المسلمين، وإنما فيه صورة معروفة، كما إذا أمكن ~~الواصل إلى البئر أن يضع حبلا يستقي، ولا يفرغ إلا بعد الوقت؛ وإذا أمكن العريان ~~أن يخيط له ثوبا ولا يفرغ إلا بعد الوقت، ونحو هذه الصور، ومع هذا فالذي قاله في ~~ذلك خلاف المذهب المعروف عن أحمد وأصحابه، وخلاف قول جماعة علماء ~~المسلمين من الحنفية والمالكية وغيرهم. # وما أعلم من يوافقه على ذلك إلا بعض أصحاب الشافعي، ومن قال ذلك فهو ~~محجوج بإجماع المسلمين على أن مجرد الاشتغال بالشرط لا يبيح تأخير الصلاة عن ~~وقتها المحدود شرعا، فإنه لو دخل الوقت وأمكنه أن يطلب الماء وهو لا يجده إلا ~~بعد الوقت لم يجز له التأخير باتفاق المسلمين وإن كان مشتغلا بالشرط. وكذلك ~~العريان لو أمكنه أن يذهب إلى قرية ليشتري له منها ثوبا، وهو لا يصلي إلا بعد ~~خروج الوقت لم يجز له التأخير بلا نزاع . # والأمي كذلك إذا أمكنه تعلم الفاتحة وهو لا يتعلمها حتى يخرج الوقت، كان عليه ~~أن يصلي في الوقت، وكذلك العاجز عن تعلم التكبير والتشهد إذا ضاق الوقت صلى ~~بحسب الإمكان، ولم ينتظر، وكذلك المستحاضة لو كان دمها ينقطع بعد الوقت لم يجز ~~لها أن تؤخر الصلاة لتصلي بطهارة بعد الوقت؛ بل تصلي في الوقت بحسب الإمكان. # وأما حيث جاز الجمع فالوقت واحد، والمؤخر ليس بمؤخر عن الوقت الذي ~~يجوز فعلها فيه؛ بل في أحد القولين أنه لا يحتاج الجمع إلى النية، كما قال أبو بكر. ~~وكذلك القصر، وهو مذهب الجمهور: كأبي حنيفة ومالك. # وكذلك صلاة الخوف ms0306 تجب في الوقت، مع إمكان أن يؤخرها فلا يستدبر القبلة، PageV01P284 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0285.png) ~~ولا يعمل عملا كثيرا في الصلاة، ولا يتخلف عن الإمام بركعة، ولا يفارق الإمام قبل ~~السلام، ولا يقضي ما سبق به قبل السلام، ونحو ذلك مما يفعل في صلاة الخوف، ~~وليس ذلك إلا لأجل الوقت، وإلا ففعلها بعد الوقت ولو بالليل ممكن على الإكمال. # وكذلك من اشتبهت عليه القبلة، وأمكنه تأخير الصلاة إلى أن يأتي مصرا يعلم فيه ~~القبلة لم يجز له ذلك؛ وإنما نازع من نازع إذا أمكنه تعلم دلائل القبلة، ولا يتعلمها حتى ~~يخرج الوقت . وهذا النزاع هو القول المحدث الشاذ الذي تقدم ذكره. # وأما النزاع المعروف بين الأئمة في مثل ما إذا استيقظ النائم في آخر الوقت ولم ~~يمكنه أن يصلي قبل الطلوع بوضوء: هل يصلي بتيمم ? أو يتوضأ ويصلي بعد الطلوع? ~~على قولين مشهورين: # الأول: قول مالك؛ مراعاة للوقت. # الثاني : قول الأكثرين كأحمد والشافعي وأبي حنيفة. # وهذه المسألة هي التي توهم من توهم أن الشرط مقدم على الوقت، وليس كذلك؛ ~~فإن الوقت في حق النائم هو من حين يستيقظ. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان ~~قال : لامن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» فجعل الوقت ~~الذي أوجب الله على العبد فيه هو وقت الذكر والانتباه، وحينئذ فمن فعلها في هذا الوقت ~~بحسب ما يمكنه من الطهارة الواجبة فقد فعلها في الوقت، وهذا ليس بمفرط ولا مضيع ~~لها . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ليس في النوم تفريط ؛ إنما التفريط في اليقظة # بخلاف المتنبه من أول الوقت فإنه مأمور أن يفعلها في ذلك الوقت، بحيث لو ~~أخرها عنه عمدا كان مضيعا مفرطا، فإذا اشتغل عنها بشرطها وكان قد أخرها عن ~~الوقت الذي أمر أن يفعلها فيه، ولولا أنه مأمور بفعلها في ذلك الوقت لجاز تأخيرها ~~عن الوقت، إذا كان مشتغلا بتحصيل ماء الطهارة، أو ثوب الاستعارة، بالذهاب إلى ~~مكانه ونحو ذلك، وهذا خلاف إجماع المسلمين. ms0307 بل المستيقظ في آخر الوقت إنما ~~عليه أن يتوضا كما يتوضا المستيقظ في الوقت، فلو أخرها لأنه يجد الماء عند الزوال ~~ونحو ذلك لم يجز له ذلك. PageV01P285 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0286.png) # وأيضا فقد نص العلماء على أنه إذا جاء وقت الصلاة ولم يصل فإنه يقتل، وإن قال: ~~أنا أصليها قضاء . كما يقتل إذا قال : أصلي بغير وضوء، أو إلى غير القبلة، وكل فرض من ~~فرائض الصلاة المجمع عليها إذا تركه عمدا فإنه يقتل بتركه. كما أنه يقتل بترك الصلاة. # فإن قلنا : يقتل بضيق الثانية والرابعة، فالأمر كذلك، وكذلك إذا قلنا: يقتل ~~بضيق الأولى، وهو الصحيح، أو الثالثة، فإن ذلك مبني على أنه: هل يقتل بترك ~~صلاة، أو بثلاث؟ على روايتين. # وإذا قيل بترك صلاة : فهل يشترط وقت التي بعدها، أو يكفي ضيق وقتها? على ~~وجهين . وفيها وجه ثالث : وهو الفرق بين صلاتي الجمع وغيرها. ولا يعارض ~~ما ذكرناه أنه يصح بعد الوقت؛ بخلاف بقية الفرائض؛ لأن الوقت إذا فات لم يمكن ~~استدراكه، فلا يمكنه أن يفعلها إلا فائتة، ويبقى إثم التأخير من باب الكبائر التي ~~تمحوها التوبة ونحوها، وأما بقية الفرائض فيمكن استدراكها بالقضاء. # وأما الأمراء الذين كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتالهم، ~~فإن قيل : إنهم كانوا يؤخرون الصلاة إلى آخر الوقت فلا كلام، وإن قيل - وهو ~~الصحيح - إنهم كانوا يفوتونها، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمة بالصلاة في الوقت. وقال: ~~اجعلوا صلاتكم معهم نافلة ونهى عن قتالهم، كما نهى عن قتال الأئمة إذ ~~استأثروا وظلموا الناس حقوقهم، واعتدوا عليهم، وإن كان يقع من الكبائر في أثناء ~~ذلك ما يقع . # ومؤخرها عن وقتها فاسق، والأئمة لا يقاتلون بمجرد الفسق، وإن كان الواحد ~~المقدور قد يقتل لبعض أنواع الفسق، كالزنا، وغيره. فليس كلما جاز فيه القتل، جاز ~~أن يقاتل الأئمة لفعلهم إياه؛ إذ فساد القتال أعظم من فساد كبيرة يرتكبها ولي الأمر. # ولهذا نص من نص من أصحاب أحمد وغيره على أن النافلة تصلى ms0308 خلف ~~لفساق؛ لأن النبي صلى الل علي وسلم آز بالصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج ~~وقتها، وهؤلاء الأئمة فساق، وقد أمر بفعلها خلفهم نافلة. # والمقصود أن الفسق بتفويت الصلاة أمر معروف عند الفقهاء. # لكن لو قال قائل : الكبيرة تفويتها دائما، فإن ذلك إصرار على الصغيرة. # قيل له : قد تقدم ما يبين أن الوعيد يلحق بتفويت صلاة واحدة. # وأيضا فإن الإصرار هو العزم على العود، ومن أتى صغيرة وتاب منها ثم عاد ~~إليها، لم يكن قد أتى كبيرة. PageV01P286 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0287.png) # وأيضا فمن اشترط المداومة على التفويت محتاج إلى ضابط، فإن أراد بذلك ~~المداومة على طول عمره، لم يكن المذكورون من هذا الباب، وإن أراد مقدارا ~~محدودا طولب بدليل عليه. # وأيضا فالقتل بترك واحدة أبلغ من جعل ذلك كبيرة، والله سبحانه أعلم. # باب الأذان والإقامة # سئل غفر الله له : عن الأذان. هل هو فرض أم سنة? وهل يستحب الترجيع أم ~~لا? وهل التكبير أربع أو اثنتان. كمالك? وهل الإقامة شفع أو فرد؟ وهل يقول قد ~~قامت الصلاة مرة أو مرتين? # فأجاب: الصحيح أن الأذان فرض على الكفاية، فليس لأهل مدينة ولا قرية أن ~~يدعوا الأذان والإقامة، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد وغيره. # وقد أطلقت طوائف من العلماء أنه سنة. ثم من هؤلاء من يقول إنه إذا اتفق أهل ~~بلد على تركه قوتلوا، والنزاع مع هؤلاء قريب من النزاع اللفظي . فإن كثيرا من العلماء ~~يطلق القول بالسنة على ما يذم تاركه شرعا، ويعاقب تاركه شرعا، فالنزاع بين هذا ~~وبين من يقول : إنه واجب نزاع لفظي، ولهذا نظائر متعددة. # وأما من زعم أنه سنة لا إثم على تاركيه، ولا عقوبة، فهذا القول خطأ. فإن ~~الأذان هو شعار دار الإسلام، الذي ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يعلق ~~استحلال أهل للدار بتركه، فكان يصلي الصبح، ثم ينظر فإن سمع مؤذنا لم يغر، ~~وإلا أغار. وفي السنن لأبي داود والنسائي عن أبي الدرداء قال : سمعت ~~رسول الله له صلى ms0309 الله عليه وسلم ول : ما من ثلاثة في قرية لا يؤذن، ولا تقام فيهم الصلاة، إلا ~~استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل الشاة القاصية ~~وقد قال تعالى : ( آستحوذ علنهد الشيطان فأنساهم ذلر الله أولئك حزب الشيطن الآ إن حزب الشيطن ~~م الشيرن). # وأما الترجيع وتركه، وتثنية التكبير وتربيعه، وتثنية الإقامة وإفرادها، فقد ثبت ~~مكة، وكان الأذان فيه وفي ولده بمكة، نبت انه علم ألأذان والرقامة وفيح ~~الترجيع. وروي في حديث التكبير مرتين كما في صحيح مسلم. وروي PageV01P287 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0288.png) ~~أربعا كما في سنن أبي داود وغيره. وفي حديثه أنه علمه الإقامة شفعا. # وثبت في الصحيح عن أنس بن مالك قال : لما كثر الناس، قال : «تذاكروا أن ~~يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه فذكروا أن يوروا نارا، أو يضربوا ناقوسا، فأمر ~~بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة. وفي رواية للبخاري : إلا الإقامة. ~~وفي سنن أبي داود وغيره أن عبد الله بن زيد لما أري الأذان، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أ ~~يلقيه على بلال، فألقاه عليه. وفيه التكبير أربعا، بلا ترجيع. # وإذا كان كذلك فالصواب مذهب أهل الحديث، ومن وافقهم، وهو تسويغ كل ~~ما ثبت في ذلك عن النبي صلى الله عيه وسلم، لا يكرهون شيئا من ذلك، إذ تنوع صفة الأذان ~~والإقامة، كتنوع صفة القراءات والتشهدات، ونحو ذلك. وليس لأحد أن يكره ما سنه ~~رسول الى الله ليه ولأمته . # وأما من بلغ به الحال إلى الاختلاف والتفرق حتى يوالي ويعادي ويقاتل على ~~مثل هذا ونحوه مما سوغه الله تعالى، كما يفعله بعض أهل المشرق، فهؤلاء من ~~الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعا . وكذلك ما يقوله بعض الأئمة. - ولا أحب تسميته - ~~من كراهة بعضهم للترجيع، وظنهم أن أبا محذورة غلط في نقله، وإنه كرره ليحفظه، ~~ومن كراهة من خالفهم لشفع الإقامة، مع أنهم يختارون أذان أبي محذورة. هؤلاء ~~يختارون إقامته، ويكرهون أذانه، وهؤلاء يختارون أذانه، ويكرهون إقامته. فكلاهما ~~قولان متقابلان . والوسط أنه لا يكره لا هذا ولا هذا. # وإن كان ms0310 أحمد وغيره من أئمة الحديث يختارون أذان بلال وإقامته لمداومته على ~~ذلك بحضرته، فهذا كما يختار بعض القراءات والتشهدات ونحو ذلك. ومن تمام ~~السنة في مثل هذا: أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة، وهذا في مكان، وهذا في مكان؛ ~~لأن هجر ما وردت به السنة، وملازمة غيره، قد يفضي إلى أن يجعل السنة بدعة، ~~والمستحب واجبا ويفضي ذلك إلى التفرق والاختلاف، إذا فعل آخرون الوجه الآخر. # فيجب على المسلم أن يراعي القواعد الكلية، التي فيها الاعتصام بالسنة ~~والجماعة، لا سيما في مثل صلاة الجماعة. وأصح الناس طريقة في ذلك هم علماء ~~الحديث، الذي عرفوا السنة واتبعوها، إذ من أئمة الفقه من اعتمد في ذلك على ~~أحاديث ضعيفة، ومنهم من كان عمدته العمل الذي وجده ببلده، وجعل ذلك السنة ~~دون ما خالفه، مع العلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم فم وسع في ذلك، وكل سنة. PageV01P288 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0289.png) ~~وربما جعل بعضهم أذان بلال وإقامته ما وجده في بلده: إما بالكوفة، وإما ~~بالشام، وإما بالمدينة. وبلال لم يؤذن بعد النبي صلى الله عليه وسلم ا اقليلا، وإنما أذن بالمدينة ~~سعد القرظي مؤذن أهل قباء. ~~والترجيع في الأذان اختيار مالك والشافعي؛ لكن مالك يرى التكبير مرتين. ~~والشافعي يراه أربعا، وتركه اختيار أبي حنيفة. وأما أحمد فعنده كلاهما سنة وتركه ~~أحب إليه؛ لأنه أذان بلال. # والإقامة يختار إفرادها مالك والشافعي وأحمد، وهو مع ذلك يقول : إن تثنيتها ~~سنة، والثلاثة : أبو حنيفة والشافعي وأحمد يختارون تكرير لفظ الإقامة، دون مالك، ~~والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: # وأما الأذان الذي هو شعار الإسلام فقد استعمل فقهاء الحديث - كأحمد - فيه ~~جميع سنن رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم، استحسن أذان بلال وإقامته، وأذان أبي محذورة ~~وإقامته. # وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عيه وسلملم أبا محذورة الأذان مرجعا ~~وفي الإقامة مشفوعة # وثبت في الصحيحين : أن بلالا أمر أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة. وفي ~~السنن أنه لم يكن يرجع، فرجح أحمد أذان ms0311 بلال؛ لأنه الذي كان يفعل بحضرة ~~رسول اله ل صلى الله له وسلاما، قبل أذان أبي محذورة، وبعده إلى أن مات، واستحسن أذان ~~أبي محذورة ولم يكرهه. # وهذا أصل مستمر له في جميع صفات العبادات أقوالها وأفعالها، يستحسن كلما ~~ثبت عن النبي من غير كراهة لشيء منه مع علمه بذلك، واختياره للبعض، أو ~~تسويته بين الجميع. كما يجوز القراءة بكل قراءة ثابتة، وإن كان قد اختار بعض ~~القراءة : مثل أنواع الأذان والإقامة، وأنواع التشهدات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تشهد ابن ~~مسعود، وأبي موسى، وابن عباس، وغيرهم. # وأحبها إليه تشهد ابن مسعود؛ لأسباب متعددة : منها: كونه أصحها، وأشهرها. ~~ومنها : كونه محفوظ الأنفاظ لم يختلف في حرف منه. ومنها: كون غالبها يوافق ~~ألفاظه، فيتتضي أنه الذي كان النب صلى الله عيه يأمر به غالبا. PageV01P289 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0290.png) # وكذلك أنواع الاستفتاح، والاستعاذة المأثورة، وأنه اختار بعضها. # وكذلك موضع رفع اليدين في الصلاة، ومحل وضعها بعد الرفع، وصفات ~~التحميد المشروع بعد التسميع، ومنها صفات الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإن اختار ~~بعضها . # ومنها أنواع صلاة الخوف، ويجوز كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من غير كراهة. # ومنها أنواع تكبيرات العيد، يجوز كل مأثور، وإن استحب بعضه. # ومنها التكبير على الجنائز يجوز على المشهور : التربيع، والتخميس، والتسبيع، ~~وإن اختار التربيع. وأما بقية الفقهاء فيختارون بعض ذلك، ويكرهون بعضه. # فمنهم من يكره الترجيع» في الأذان: كأبي حنيفة، ومنهم من يكره تركه ~~كالشافعي . ومنهم من يكره شفع الإقامة كالشافعي . ومنهم من يكره إفرادها، حتى قد ~~آل الأمر بالاتباع إلى نوع جاهلية، فصاروا يقتتلون في بعض بلاد المشرق على ذلك، ~~حمية جاهلية ، مع أن الجميع حسن قد أمر به رسول الله صله صلى الله عليه وسلم آمر بلالا بإفراد الإقامة ~~وأمر أبا محذورة بشفعها. وإن الضلالة حق الضلالة أن ينهى عما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم # وسئل رحمه الله تعالى : عن المؤذن إذا قال : الصلاة خير من النوم هل السنة ms0312 ~~ان يستدير ويلتفت، أم يستقبل القبلة، أم المشرق? # فأجاب : ليس هذا سنة عند أحد من العلماء، بل السنة أن يقولها وهو مستقبل ~~القبلة ، كغيرها من كلمات الأذان. وكقوله في الإقامة: قد قامت الصلاة، ولم يستثن ~~من ذلك العلماء إلا الحيعلة، فإنه يلتفت بها يمينا وشمالا، ولا يختص المشرق ~~بالكلمتين، وليس في الأذان والإقامة ما يختص المشرق والمغرب بجنسه. فمن قال: ~~الصلاة خير من النوم كلاهما إلى المشرق أو المغرب، فهو مبتدع خارج عن السنة ~~في الأذان، باتفاق العلماء. # وقد تنازع العلماء: هل يدور في المنارة ? على قولين مشهورين. فمن دار فقد ~~فعل ما يسوغ فيه الاجتهاد، ولكنه مع ذلك إن دار لقوله : «الصلاة خير من النوم ~~منزمه أن يدور مرتين. ولا قائل به، وإن خص المشرق بهما كان أبعد عن السنة، ~~فتعين أن يقولهما مستقبل القبلة، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عمن أحرم ودخل في الصلاة وكانت نافلة، ثم سمع المؤذن PageV01P290 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0291.png) ~~فأجاب: إذا سمع المؤذن يؤذن وهو في صلاة فإنه يتمها، ولا يقول مثل ~~ما يقول عند جمهور العلماء، وأما إذا كان خارج الصلاة في قراءة أو ذكر أو دعاء فإنه ~~يقطع ذلك، ويقول مثل ما يقول المؤذن؛ لأن موافقة المؤذن عبادة مؤقتة يفوت ~~وقتها، وهذه الأذكار لا تفوت. ~~وإذا قطع الموالاة فيها لسبب شرعي كان جائزا، مثل ما يقطع الموالاة فيها ~~بكلام لما يحتاج إليه من خطاب آدمي، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وكذلك لو ~~قطع الموالاة بسجود تلاوة، ونحو ذلك؛ بخلاف الصلاة فإنه لا يقطع موالاتها بسبب ~~آخر، كما لو سمع غيره يقرأ سجدة إلتلاوة لم يسجد في الصلاة عند جمهور العلماء، ~~ومع هذا ففي هذا نزاع معروف، والله أعلم. # وأما إذا ابتدأوا الصلاة بالمواقيت. ففقهاء الحديث قد استعملوا في هذا الباب ~~جميع النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات الجواز. وأوقات الاختيار. # فوقت الفجر : ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس، ووقت ~~الظهر : من الزوال إلى مصير ظل كل شيء ms0313 مثله سوى فيء الزوال، ووقت العصر: ~~إلى إصفرار الشمس، على ظاهر مذهب أحمد، ووقت المغرب: إلى مغيب ~~الشفق، ووقت العشاء : إلى منتصف الليل، على ظاهر مذهب أحمد. # وهذا بعينه قول رسول الله صله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه ~~عن عبد الله بن عمرو . وروي أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وليس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم عديث من قوله في المواقيت الخمس أصح منه، وكذلك صح معناه ~~من غير وجه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، من حديث أبي موسى وبريدة ~~رضي الله عنهما. وجاء مفرقا في عدة أحاديث، وغالب الفقهاء إنما استعملوا ~~غالب ذلك . # فأهل العراق، المشهور عنهم: أن العصر لا يدخل وقتها حتى يصير ظل كل ~~شيء مثليه . وأهل الحجاز - مالك وغيره - : ليس للمغرب عندهم إلا وقت واحد. PageV01P291 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0292.png) # وكذلك نقول بما جاءت به السنة والآثار من الجمع بين الصلاتين في السفر ~~والمطر والمرض، كما في حديث المستحاضة وغير ذلك من الأعذار. # ونقول بما دل عليه الكتاب والسنة والآثار من أن الوقت وقتان: وقت اختيار، ~~وهو خمس مواقيت . ووقت اضطرار، وهو ثلاث مواقيت ولهذا أمرت الصحابة - ~~كعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وغيرهما - الحائض إذا طهرت قبل الغروب أن ~~تصلي الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر أن تصلي المغرب والعشاء. وأحمد ~~موافق في هذه المسائل لمالك رحمه الله. وزائد عليه بما جاءت به الآثار. والشافعي ~~رحمه الله هو دون مالك في ذلك، وأبو حنيفة أصله في الجمع معروف. # وكذلك أوقات الاستحباب. فإن أهل الحديث يستحبون الصلاة في أول الوقت ~~في الجملة . إلا حيث يكون في التأخير مصلحة راجحة كما جاءت به السنة، ~~فيستحبون تأخير الظهر في الحر مطلقا، سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين، ويستحبون ~~تأخير العشاء ما لم يشق . # وبكل ذلك جاءت السنن الصحيحة التي لا دافع لها. وكل من الفقهاء يوافقهم ~~في البعض أو الأغلب. # فأبو حنيفة : يستحب التأخير إلا في المغرب، والشافعي: يستحب ms0314 التقديم مطلقا ~~حتى في العشاء، على أحد القولين، وحتى في الحر، إذا كانوا مجتمعين، وحديث ~~أبي ذر الصحيح فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم ه م بالإبراد، وكانوا مجتمعين. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: # جرت عادة كثير من العلماء المصنفين للعلم أن يذكروا في (باب مواقيت ~~الصلاة) : أوقاتها وأعدادها وأسماءها، ثم منهم من يذكر القصر والجمع في بابين ~~مفترقين مع صلاة أهل الأعذار كالمريض، والخائف. # ومنهم من يذكر الجمع في المواقيت. وأما القصر فيفرده. فإن سبب القصر هو PageV01P292 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0293.png) ~~السفر وحده، فقران صلاة المسافر بصلاة الخائف والمريض مناسب . # وأما الجمع؛ فأسبابه متعددة؛ لاختصاص السفر به. ونحن نذكر في كل منهما ~~فصلا جامعا . # يما العدد فمعلوم أنها خمس صلوات : ثلاثة رباعية، وواحدة ثلاثية، وواحدة ~~ثنائية، هذا في الحضر. وأما في السفر فقد سافر رسولها لاه صلى الله عليه وسلم ريبا من ثلاثين ~~سفرة، وكان يصلي ركعتين في أسفاره، ولم ينقل عنه أحد من أهل العلم أنه صلى في ~~السفر الفرض أربعا قط، حتى في حجة الوداع، وهي آخر أسفاره، كان يصلي ~~بالمسلمين في الصلوات: ركعتين، ركعتين. وهذا من العلم العام المستفيض المتواتر ~~الذي اتفق على نقله عنه جميع أصحابه، ومن أخذ العلم عنهم. # والحديث الذي رواه الدارقطني عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يقصر في السفر ~~وتتم ويفطر، وتصوم. باطل في الإتمام. وإن كان صحيحا في الإفطار؛ بخلاف النقل ~~المتواتر المستفيض. ولم يذكر هذا بعد قط. # وكيف يكون والنبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره إنما كان يصلي الفرض إماما، لكن مرة في ~~غزوة تبوك احتبس للطهارة ساعة فقدموا عبد الرحمن بن عوف، وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم. ~~خلفه بعض الصلاة، فلو صلى بهم أربعا في السفر لكان هذا من أوكد ما تتوفر ~~هممهم ودواعيهم على نقله؛ لمخالفته سنته المستمرة؛ وعادته الدائمة كما نقلوا أنه ~~جمع بين الصلاتين أحيانا. فلما لم ينقل ذلك أحد منهم علم قطعا أنه لم يفعل ذلك. # ولهذا قال ابن ms0315 عمر: صلاة السفر ركعتان، من خالف السنة كفر : أي من اعتقد ~~أن صلاة ركعتين ليس بمسنون، ولا مشروع، فقد كفر. # وكذلك قال عمر بن الخطاب: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، ~~وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم. # وقالت عائشة - رضي الله عنها - : الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت ~~صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر . قال الزهري: فقلت لعروة: فما بال عائشة تتم ? ~~قال : تأولت، كما تأول عثمان، أخرجاه في الصحيحين. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة. هذا ~~ولما حج النبي صلى الله عليه وسلم جة الوداع كان يقصر الصلاة في مقامه بمكة، والمشاعر، مع أنه ~~دخل مكة يوم الأحد، وخرج منها يوم الخميس إلى منى، وعرف يوم الجمعة وأقام ~~بمنى إلى عشية الثلاثاء، وبات بالمحصب ليلة الأربعاء، وطاف للوداع تلك الليلة. PageV01P293 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0294.png) ~~وأقام أيضا قبل ذلك في غزوة الفتح بمكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة، وأقام بتبوك ~~عشرين يوما يقصر الصلاة . # وأما الحديث الذي يروى عن عائشة : أنها اعتمرت مع رسول اللهال صلى الله عليه وسلم من ~~المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت : يا رسول الله! بأبي أنت وأمي قصرت ~~وأتممت، وأفطرت وصمت . قال : أحسنت يا عائشة! وما عاب علي رواه ~~النسائي. وروى الدارقطني : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان فأفطر وصمت ~~وقصر وأتممت» وقال : إسناده حسن . فهذا لو صح لم يكن فيه دليل على أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم آم، وإنما فيه إذنه في الإتمام، مع أن هذا الحديث على هذا الوجه ليس ~~بصحيح، بل هو خطأ لوجوه: # أحدها : أن الذي في الصحيحين عن عائشة : إن صلاة السفر ركعتان وقد ~~ذكر ابن أخيها وهو أعلم الناس بها: أنها إنما أتمت الصلاة في السفر بتأويل تأولته، ~~لا بنص كان معها . فعلم أنه لم يكن معها فيه نص. # الثاني : أن في الحديث : أنها خرجت معتمرة معه في رمضان عمرة رمضان، ms0316 ~~وكانت صائمة» وهذا كذب باتفاق أهل العلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان ~~قط، وإنما كانت عمره كلها في شوال، وإذا كان لم يعتمر في رمضان، ولم يكن في ~~عمره عليه صوم، بطل هذا الحديث. # الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم آنا سافر في رمضان غزوة بدر، وغزوة الفتح. فأما غزوة ~~بدر فلم يكن معه فيها أزواجه، ولا كانت عائشة. وأما غزوة الفتح فقد كان صام فيها ~~في أول سفره، ثم أفطر، خلاف ما في هذا الحديث المفتعل. # الرابع : أن اعتمار عائشة معه فيه نظر. # الخامس : أن عائشة لم تكن بالتي تصوم وتصلي طول سفرها إلى مكة، ~~وتخالف فعله بغير إذنه، بل كانت تستفتيه قبل الفعل، فإن الإقدام على مثل ذلك ~~لا يجوز. # فثبت بهذه السنة المتواترة أن صلاة السفر ركعتان، كما أن صلاة الحضر أربع، ~~فإن عدد الركعات إنما أخذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم اني سنه لأمته، وبطل قول من يقول ~~من أصحاب أحمد والشافعي : إن الأصل أربع، وإنما الركعتان رخصة. # وبنوا على هذا: أن القاصر يحتاج إلى نية القصر في أول الصلاة كما قاله ~~الشافعي، وهو قول الخرقي، والقاضي، وغيرهما. بل الصواب ما قاله جمهور أهل PageV01P294 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0295.png) ~~العلم، وهو اختيار أبي بكر وغيره: أن القصر لا يحتاج إلى نية، بل دخول المسافر ~~في صلاته كدخول الحاضر، بل لو نوى المسافر أن يصلي أربعا لكره له ذلك، وكانت ~~السنة أن يصلي ركعتين، ونصوص الإمام أحمد إنما تدل على هذا القول. # وقد تنازع أهل العلم في التربيع في السفر: هل هو محرم? أو مكروه? أو ترك ~~الأفضل? أو هو أفضل? على أربعة أقوال: # فالأول: قول أبي حنيفة، ورواية عن مالك. # والثاني: رواية عنه، وعن أحمد. # والثالث : رواية عن أحمد، وأصح قولي الشافعي. # والرابع: قول له. والرابع : خطا قطعا، لا ريب فيه . والثالث ضعيف : وإنما ~~المتوجه أن يكون التربيع إما محرم أو مكروه؛ لأن طائفة من الصحابة كانوا يربعون، ~~وكان الآخرون لا ms0317 ينكرونه عليهم إنكار من فعل المحرم، بل إنكار من فعل المكروه. # وأما قيوله تعالى : (وإذا ضرم في الأرض فليس عليكم جناح أن نقصروا من الصلوة إن خفثم أن ~~يفثتكم الذين كفروا ) فهنا علق القصر بسببين: الضرب في الأرض، ~~والخوف من فتنة الذين كفروا؛ لأن القصر المطلق يتناول قصر عددها، وقصر عملها، ~~وأركانها. مثل الإيماء بالركوع والسجود، فهذا القصر إنما يشرع بالسببين كلاهما، كل ~~سبب له قصر. فالسفر يقتضي قصر العدد، والخوف يقتضي قصر الأركان. # ولو قيل : إن القصر المعلق هو قصر الأركان، فإن صلاة السفر ركعتان تمام غير ~~قصر، لكان وجيها. ولهذا قال: (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلوة ). # فقد ظهر بهذا أن القصر لا يسوى بالجمع، فإنه سنة رسول الله له صلى الله عليه وسلم، وشرعته ~~لأمته، بل الإتمام في السفر أضعف من الجمع في السفر. فإن الجمع قد ثبت عنه أنه كان ~~يفعله في السفر أحيانا وأما الإتمام فيه فلم ينقل عنه قط، وكلاهما مختلف فيه بين الأمة، ~~فإنهم مختلفون في جواز الإتمام؛ وفي جواز الجمع، متفقون على جواز القصر وجواز ~~الإفراد. فلا يشبه بالسنة المتواترة أن الني صلى الله عليه وسلم ان يداوم عليه في أسفاره، وقد اتفقت ~~الأمة عليه، إلى أن ما فعله في سفره مرات متعددة، وقد تنازعت فيه الأمة. # وأما الوقت : فالأصل في ذلك أن الوقت في كتاب الله وسنة رسول الله ل صلى الله عليه وسل ~~نوعان: وقت اختيار ورفاهية، ووقت حاجة وضرورة. # أما الأول: فالأوقات خمسة. وأما الثاني: فالأوقات ثلاثة، فصلاتا الليل، وصلاتا ~~النهار، وهما اللتان فيهما الجمع والقصر، بخلاف صلاة الفجر فإنه ليس فيها جمع PageV01P295 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0296.png) ~~ولا قصر، لكل منهما وقت مختص، وقت الرفاهية والاختيار، والوقت مشترك بينهما عند ~~الحاجة والاضطرار ؛ لكن لا تؤخر صلاة نهار إلى ليل، ولا صلاة ليل إلى نهار. # ولهذا وقع الأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى صلاة العصر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيها : من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله وقال : فكأنما وتر أهله وماله) ~~وقد ms0318 دل على هذا الأصل أن الله في كتابه ذكر الوقوت تارة ثلاثة، وتارة خمسة. # أما الثلاثة ففي قوله : (وأقم الصلوة طرف النبار وزلفا من اليل)] وفي ~~قوله : ( أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق اليل) وقوله : ( وسبح بحمد ربك ~~حين تقوم * ومن التل فبحه وإدبار النجوم)،]. # وأما الخمس فقد ذكرها أربعة : في قوله : (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ~~وله الحمد فى السكوات والأرض وعشيا وحين تظهرون) ] وقوله : ( فأصبر على ~~ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن انابى اليل فسبح وأطراف النهار لعلك ~~ترضى) وقوله : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب* ومن ألتل ~~فسبحه وأدبكر الشجود)، والسنة هي التي فسرت ذلك وبينته وأحكمته. # وذلك أنه قد ثبت بالنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي الصلوات الخمس ~~في خمس مواقيت : في حال مقامه بالمدينة، وفي غالب أسفاره حتى إنه في حجة الوداع - ~~آخر أسفاره - كان يصلي كل صلاة في وقتها ركعتين، وإنما جمع بين الظهر والعصر ~~بعرفة، وبين العشاءين بمزدلفة؛ ولهذا قال ابن مسعود: ما رأيت رسول لها لهل صلى الله عليه وسلم صعلى ~~صلاة لغير وقتها، إلا المغرب ليلة جمع، والفجر بمزدلفة. وإنما قال ذلك لأنه غلس بها ~~تغليسا شديدا، وقد بين جابر في حديثه أنه صلاها حين طلع الفجر # ولهذا اتفق المسلمون على الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة؛ لأن جمع هاتين ~~الصلاتين في حجة الوداع دون غيرهما، مما صلاه بالمسلمين بمنى أو بمكة هو من ~~المنقول نقلا عاما متواترا مستفيضا. # وثبت عنه أنه بين مواقيت الصلاة بفعله لمن سأله عن المواقيت بالمدينة، كما ~~رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى، وحديث بريدة بن الحصيب، وبين له ~~جبريل المواقيت بمكة، كما رواه جابر، وابن عباس . وروى مسلم في صحيحه ~~المواقيت من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث عبد الله بن عمرو، وهو أحسن أحاديث ~~المواقيت؛ لأنه بيان بكلام النبي صلى الله عليه وسلم عيث قال : # وقت الفجر ما ms0319 لم تطلع الشمس، ووقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله، ~~ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق، ووقت PageV01P296 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0297.png) ~~ماري1.) ~~حدن اسما الابام ام2.ين ~~بصمد الاماي، 8ذ بمي، نايع ~~حين بن سيل. # تتي نيلين: «سكون امراء4خ سه سيبت ب ~~جعلرا مسلاتهم معهم نافلة» نه ~~يبينت شنية ولا يجوز الجمع لغير حماجة. 80=ج خية ~~تي، ولا صلاة الليل إلى النهار. ي مح حد خ ~~ت. نو العصر إلى الإصفرار، او يزخ --حب حفت ~~- خروها إلى نصف الليل لم يكن ذلك مكيهحمس- - ~~-ر ينعه تحد، ولا هو مما يفعله الأمراء. # و- تمت : فتد ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة مرحن-- ب ~~ي - جب : أنه كان يجمع بين الظهر والعصر. -حت- يحمه ~~-تذ جد به السير في وقت الأولى، أو إذ ت و ~~ت نرن بالجمع بين الصلاتين من فقهاء الحيت. ححن ~~شه رنه كن في غزوة تبوك إذا ارتحل بعد أن تزية خرع # -- تمر انسنن من حديث معاذ. ورواه مقر ح:1 # نو غزوة تبوك بين الظهر والعصر. وسير ه بما ~~ي.بز.تزنا في وقت الصلاتين كلاهما، وقيه رورحي ح # ه: يجمع لعدم السنة، والحاجة، وهو قورر وت خرقي- # يجمع، وهو قول الشافعي! لحديث روح قر شت يحي و- ~~خه بيه عبه اسر نزه نم يرو غيره، وثبت منه ايضا باز نريت ححي تق نيه ~~برححة اودع بعرفة بين سلاتي العشي، وبمزدنه بير صرر وتيت ~~ه سصيحير من حديث اان عهاس لاانه هلو برء تعتيه حير ~~ه هسترب ونعشاهها راومه ججرم مسلم عده هصره سسهچ بين PageV01P297 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0298.png) ~~الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. قيل لابن ~~عباس : ما أراد بذلك؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته»1. وكذلك قال معاذ بن جبل . # وروى أهل السنن عنه حديثين أو ثلاثة أنه أمر المستحاضة بالجمع بين الصلاتين ~~في حديث حمنة بنت جحش، وغيرها، فهذا الجمع بالمدينة للمطر ولغير مطر. وقد ~~نبه به ابن عباس على الجمع للخوف والمطر . والجمع عند ms0320 المسير في السفر؛ يجمع ~~في المقام وفي السفر لرفع الحرج . فعلم بذلك أنه ليس السفر سبب للجمع، كما هو ~~سبب للقصر فإن قصر العدد دائر مع السفر وجودا وعدما، وأما الجمع فقد جمع في ~~غير سفر ، وقد كان في السفر يجمع للمسير، ويجمع في مثل عرفة ومزدلفة، ~~ولا يجمع في سائر مواطن السفر، وأمر المستحاضة بالجمع. # فظهر بذلك أن الجمع هو لرفع الحرج، فإذا كان في التفريق حرج جاز الجمع، ~~وهو وقت العذر والحاجة . ولهذا قال الصحابة : كعبد الرحمن بن عوف وابن عمر في ~~الحائض إذا طهرت قبل الغروب : صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت ~~المغرب والعشاء وقال بذلك أهل الجمع : كمالك، والشافعي، وأحمد، فهذا يوافق ~~قاعدة الجمع في أن الوقت مشترك بين صلاتي الجمع عند الضرورة والمانع. فمن ~~أدرك آخر الوقت المشترك فقد أدرك الصلاتين كلاهما. # ومن قال من أصحابنا وغيرهم : إن الجمع معلق بسفر القصر وجودا وعدما، ~~حتى منعوا الحاج الذين بمكة وغيرهم من الجمع بين صلاتي العشي، وصلاتي ~~العشاء، فما أعلم لقولهم حجة تعتمد؛ بل خلاف السنة المعلومة يقينا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإنا قد علمنا أنه لم يأمر أحدا من الحجاج معه من أهل مكة أن يؤخروا العصر إلى ~~وقتها المختص، ولا يعجلوا المغرب قبل الوصول إلى مزدلفة، فيصلوها إما بعرفة، ~~وإما قريبا من المأزمين، هذا مما هو معلوم يقينا، ولا قال هذا أحمد، بل كلامه ~~ونصوصه تقتضي أنه يجمع بين الصلاتين، ويؤخر المغرب جميع أهل الموسم، كما ~~جاءت به السنة، وكما اختاره طوائف من أصحابه : كأبي الخطاب في العبادات، ~~وأبي محمد المقدسي وغيرهما. # ثم إما أن يقال : إن الجمع معلق بالسفر مطلقا، قصيره وطويله. إما مطلقا، وإما ~~لأجل المسير، وإما أن يقال الجمع بمزدلفة لأجل النسك، كما يقوله من يقوله من ~~أصحابنا، وغيرهم. والأول أصوب عندي وأقيسه بأصول أحمد، ونصوصه؛ فإنه قد ~~نص على الجمع في الحضر لشغل، فإذا جد به السير في السفر القصير فهو أولى؛ ~~ولأن الأحكام المعلقة بالسفر ms0321 تختص بالسفر، كالقصر والفطر والمسح. وأما المتعلقة PageV01P298 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0299.png) ~~بالطويل والقصير كالصلاة على الدابة، والمتيمم، وكأكل الميتة، فهذه جاءت ~~للحاجة، وكذلك يجوز في الحضر، والجمع هو من هذا الباب . إنما جاز لعموم ~~الحاجة لا لخصوص السفر؛ ولهذا كان ما تعلق بالسفر إنما هو رخصة قد يستغنى ~~عنها . وأما ما تعلق بالحاجة فإنه قد يكون ضرورة لا بد منها. فالأول كفطر المسافر، ~~والثاني كفطر المريض فهذا هذا، والله أعلم. # ومما يشبه هذه الآية في العموم والجمع، وإن اشتبه معناها، قوله تعالى : (وإنا ~~غريلم فى الأرض فليس عليكمر جناح أن تقصروا من الصلوة إن خفثم أن يفنتكم الذين گفروا ) ~~فإنه أباح القصر بشرطين الضرب في الأرض؛ وخوف الكفار. # ولهذا اعتقد كثير من الناس أن القصر مجرد قصر العدد، أشكل عليهم، فمن ~~أهل البدع من قال : لا يجوز قصر الصلاة إلا في حال الخوف، حتى روى الصحابة ~~السنن المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في القصر في سفر الأمن، وقال ابن عمر : صلاة السفر ~~ركعتان من خالف السنة فقد كفر . فإن من الخوارج من يرد السنة المخالفة لظاهر ~~القرآن، مع علمه بأن الرسول سنها. # وقال حارثة بن وهب : صلينا مع رسول الله صله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان - ركعتين . وقال ~~عبد الله بن مسعود : صلينا خلف رسول الله له صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وخلف أبي بكر ~~ركعتين وخلف عمر ركعتين، وقال عمر ليعلى بن أمية لما سأله عن الآية، فقال: ~~عجبت مما عجبت منه . فسألت رسول الله له صلى الله عليه وسلم قال : صدقة تصدق الله بها عليكم، ~~فاقبلوا صدقته. # فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن القصر في سفر الأمن صدقة من الله، ولم يقل أنها مخالفة ~~لظاهر القرآن. فنقول : القصر الكامل المطلق هو قصر العدد، وقصر الأركان، فقصر ~~العدد جعل الرباعية ركعتين، وقصر الأركان هو قصر القيام والركوع والسجود كما في ~~صلاة الخوف الشديد، وصلاة الخوف اليسير. # فالسفر سبب قصر العدد والخوف سبب قصر الأركان، فإذا ms0322 اجتمع الأمران: ~~قصر العدد والأركان. وإن انفرد أحد السببين: انفرد قصره، فقوله سبحانه : (أن نقصروا ~~من الصلوة) مطلق في هذا القصر، وهذا القصر، وسنة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم فسر مجمل ~~القرآن، وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عنه. وهي مفسرة له لا مخالفة لظاهره. # ونظير هذا أيضا ما قرئ به في قوله : (وأمسحوا بره وسكم وأرنبلكم) ~~من أن المسح مطلق يدخل فيه المسح بإسالة، وهو الغسل، والمسح بغير إسالة وهو PageV01P299 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0300.png) ~~المسح بلا غسل، فالقرآن أمر بمسح مطلق، والسنة تثبت أن المسح في الرأس بغير إسالة، ~~والمسح على الرجلين بإسالة. فهي مفسرة له، لا مخالفة لظاهره، فينبغي تدبر القرآن، ~~ومعرفة وجوهه، فإن أكثر ما يتوهم الناس أنه قد خولف ظاهره، وليس كذلك، وإنما له ~~دلالات يعرفها من أعطاه الله فهما في كتابه، ويستفيد بذلك خمس فوائد: # أحدها : تقرير الأحكام بدلائل القرآن. # والثانية : بيان اتفاق الكتاب والسنة. # والثالثة : بيان أن السنة مفسرة له، لا منافية له. # والرابعة : بيان المعاني والبيان التي في القرآن. # والخامسة : الإجماع موافق للكتاب والسنة. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : هل يشترط الليل إلى مطلع الشمس ? وكم أقل ما بين ~~وقت المغرب ودخول العشاء من منازل القمر ? # فأجاب : أما وقت العشاء فهو مغيب الشفق الأحمر، لكن في البناء يحتاط حتى ~~يغيب الأبيض، فإنه قد تستتر الحمرة بالجدران، فإذا غاب البياض تيقن مغيب ~~الأحمر . هذا مذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد. # وأما أبو حنيفة : فالشفق عنده هو البياض، وأهل الحساب يقولون: إن وقتها ~~منزلتان، لكن هذا لا ينضبط، فإن المنازل إنما تعرف بالكواكب، بعضها قريب من ~~المنزلة الحقيقية، وبعضها بعيد من ذلك. # وأيضا فوقت العشاء في الطول والقصر يتبع النهار، فيكون في الصيف أطول، ~~كما أن وقت الفجر يتبع الليل، فيكون في الشتاء أطول. # ومن زعم أن حصة العشاء بقدر حصة الفجر في الشتاء، وفي الصيف، فقد غلط ~~غلطا حسيا باتفاق الناس . # وسبب غلطه أن الأنوار تتبع الأبخرة، ففي الشتاء يكثر البخار بالليل، فيظهر ~~النور فيه أولا، ms0323 وفي الصيف تقل الأبخرة بالليل، وفي الصيف يتكدر الجو بالنهار ~~بالأبخرة، ويصفو في الشتاء؛ لأن الشمس مزقت البخار، والمطر لبد الغبار. # وأيضا: فإن النورين تابعان للشمس، هذا يتقدمها، وهذا يتأخر عنها، فيجب أن ~~يكونا تابعين للشمس، فإذا كان في الشتاء طال زمن مغيبها، فيطول زمان الضوء التابع لها. # وأما جعل هذه الحصة بقدر هذه الحصة، وإن الفجر في الصيف أطول، ~~والعشاء في الشتاء أطول، وجعل الفجر تابعا للنهار، يطول في الصيف، ويقصر في PageV01P300 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0301.png) ~~الشتاء، وجعل الشفق تابعا لليل يقصر في الصيف ويطول في الشتاء، فهذا قلب الحس ~~والعقل والشرع. ولا يتأخر ظهور السواد عن مغيب الشمس، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : هل التغليس أفضل أم الأسفار? # فأجاب: الحمد لله. بل التغليس أفضل، إذا لم يكن ثم سبب يقتضي التأخير، ~~فإن الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه كان يغلس بصلاة الفجر، ~~كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : لالقد كان رسول الله له صلى الله عليه وسلم يصلي ~~الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ~~ما يعرفهن أحد من الغلس»(2) # والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في مسجده قناديل، كما في الصحيحين عن أبي برزة ~~الأسلمي : أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يقرأ في الفجر بما بين الستين آية إلى المائة، وينصرف ~~منها حين يعرف الرجل جليسه»3) وهذه القراءة هي نحو نصف جزء أو ثلث جزء، ~~وكان فراغه من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه. وهكذا في الصحيح من غير هذا ~~الوجه أنه كان يغلس بالفجر، وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده، وكان بعده أمراء ~~يؤخرون الصلاة عن وقتها، فنشأ في دولتهم فقهاء رأوا عادتهم فظنوا أن تأخير الفجر ~~والعصر أفضل من تقديمها، وذلك غلط في السنة. # واحتجوا بما رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : أسفروا بالفجر، فإنه أعظم ~~للاجر وقد صححه الترمذي، وهذا الحديث لو كان معارضا لم يقاومها؛ لأن تلك ~~في ms0324 الصحيحين، وهي مشهورة مستفيضة، والخبر الواحد إذا خالف المشهور ~~المستفيض كان شاذا، وقد يكون منسوخا؛ لأن التغليس هو فعله حتى مات، وفعل ~~الخلفاء الراشدين بعده. # وقد تأول الطحاوي من أصحاب أبي حنيفة وغيره كأبي حفص البرمكي من ~~أصحاب أحمد وغيرهما، قوله : «أسفروا بالفجر» على أن المراد الأسفار بالخروج ~~منها، أي أطيلوا صلاة الفجر حتى تخرجوا منها مسفرين. # وقيل : المراد بالأسفار التبين، أي صلوها إذا تبين الفجر وانكشف ووضح؛ فإن ~~في الصحيحين عن ابن مسعود قال : لما رأيت رسول الله صله صلى الله عليه وسلم سلى صلاة لغير وقتها PageV01P301 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0302.png) ~~إلا صلاة الفجر بمزدلفة، وصلاة المغرب بجمع . وصلاة الفجر إنما صلاها يومئذ ~~بعد طلوع الفجر هكذا في صحيح مسلم عن جابر قال : لوصلى صلاة الفجر حين ~~برق الفجر»(2) وإنما مراد عبد الله بن مسعود أنه كان يؤخر الفجر عن أول طلوع ~~الفجر حتى يتبين وينكشف ويظهر، وذلك اليوم عجلها قبل. # وبهذا تتفق معاني أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأما إذا أخرها لسبب يقتضي التأخير مثل ~~المتيمم عادته إنما يؤخرها ليصلي آخر الوقت بوضوء، والمنفرد يؤخرها حتى يصلي ~~آخر الوقت في جماعة، أو أن يقدر على الصلاة آخر الوقت قائما، وفي أول الوقت ~~لا يقدر إلا قاعدا، ونحو ذلك مما يكون فيه فضيلة تزيد على الصلاة في أول الوقت، ~~فالتأخير لذلك أفضل، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل من أهل القبلة ترك الصلاة مدة سنتين، ثم ~~تاب بعد ذلك، وواظب على أدائها. فهل يجب عليه قضاء ما فاته منها أم لا? # فأجاب : أما من ترك الصلاة، أو فرضا من فرائضها، فإما أن يكون قد ترك ذلك ~~ناسيا له بعد علمه بوجوبه، وإما أن يكون جاهلا بوجوبه، وإما أن يكون لعذر يعتقده ~~معه جواز التأخير ، وإما أن يتركه عالما عمدا. # فأما الناسي للصلاة: فعليه أن يصليها إذا ذكرها بسنة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم الستفيضة ~~عنه، باتفاق الأئمة. قال صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة ms0325 أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. ~~لا كفارة لها إلا ذلك وقد استفاض في الصحيح وغيره : «أنه نام هو وأصحابه عن ~~صلاة الفجر في السفر فصلوها بعدما طلعت الشمس السنة والفريضة بأذان ~~وإقامة »(5) . # وكذلك من نسي طهارة الحدث، وصلى ناسيا، فعليه أن يعيد الصلاة بطهارة بلا ~~نزاع، حتى لو كان الناسي إماما كان عليه أن يعيد الصلاة، ولا إعادة على المأمومين ~~إذا لم يعلموا عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد في المنصوص المشهور ~~عنه . كما جرى لعمر وعثمان - رضي الله عنهما - . # وأما من نسي طهارة الخبث فإنه لا إعادة عليه في مذهب مالك وأحمد في أصح PageV01P302 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0303.png) ~~الروايتين عنه، والشافعي في أحد قوليه؛ لأن هذا من باب فعل المنهي عنه، وتلك من ~~باب ترك المأمور به، ومن فعل ما نهي عنه ناسيا فلا إثم عليه بالكتاب والسنة. كما ~~جاءت به السنة فيمن أكل في رمضان ناسيا. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد . وطرد ذلك فيمن تكلم في الصلاة ناسيا، ومن تطيب ولبس ناسيا، كما هو ~~مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وكذلك من فعل المحلوف عليه ~~ناسيا كما هو أحد القولين عن الشافعي وأحمد. # وهنا مسائل تنازع العلماء فيها: مثل من نسي الماء في رحله وصلى بالتيمم، ~~وأمثال ذلك ليس هذا موضع تفصيلها. # وأما من ترك الصلاة جاهلا بوجوبها: مثل من أسلم في دار الحرب، ولم يعلم أن ~~الصلاة واجبة عليه، فهذه المسألة للفقهاء فيها ثلاثة أقوال. وجهان في مذهب أحمد: # أحدها : عليه الإعادة مطلقا. وهو قول الشافعي، وأحد الوجهين في مذهب ~~أحمد. # والثاني: عليه الإعادة، إذا تركها بدار الإسلام دون دار الحرب وهو مذهب ~~أبي حنيفة؛ لأن دار الحرب دار جهل، يعذر فيه؛ بخلاف دار الإسلام. # والثالث: لا إعادة عليه مطلقا. وهو الوجه الثاني في مذهب أحمد، وغيره. # وأصل هذين الوجهين : أن حكم الشارع، هل يثبت في حق المكلف قبل بلوغ ~~الخطاب له، فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد، وغيره. # أحدها : يثبت مطلقا. # والثاني : لا يثبت مطلقا. # والثالث ms0326 : يثبت حكم الخطاب المبتدأ دون الخطاب الناسخ، كقضية أهل قباء، ~~وكالنزاع المعروف في الوكيل إذا عزل . فهل يثبت حكم العزل في حقه قبل العلم. # وعلى هذا: لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ النص. مثل أن يأكل لحم الإبل ~~ولا يتوضا، ثم يبلغه النص، ويتبين له وجوب الوضوء، أو يصلي في أعطان الإبل ثم ~~يبلغه، ويتبين له النص، فهل عليه إعادة ما مضى? فيه قولان هما روايتان عن أحمد. # ونظيره أن يمس ذكره ويصلي، ثم يتبين له وجوب الوضوء من مس الذكر. # والصحيح في جميع هذه المسائل عدم وجوب الإعادة؛ لأن الله عفا عن الخطأ ~~والنسيان، ولأنه قال: (وما كنا معذبين حق نبعث رسولا)ء1] فمن لم يبلغه ~~أمر الرسول في شيء معين لم يثبت حكم وجوبه عليه، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر ~~وعمارا لما أجنبا فلم يصل عمر، وصلى عمار بالتمرغ، أن يعيد واحد منهما، وكذلك ~~لم يأمر أبا ذر بالإعادة لما كان يجنب ويمكث أياما لا يصلي، وكذلك لم يأمر من PageV01P303 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0304.png) ~~أكل من الصحابة حتى يتبين له الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء. كما لم يأمر ~~من صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء. # ومن هذا الباب «المستحاضة» إذا مكثت مدة لا تصلى لاعتقادها عدم وجوب ~~الصلاة عليها، ففي وجوب القضاء عليها قولان: # أحدهما : لا إعادة عليها. كما نقل عن مالك وغيره؛ لأن المستحاضة التي ~~قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إني حضت حيضة شديدة كبيرة منكرة منعتني الصلاة والصيام ~~أمرها بما يجب في المستقبل، ولم يأمرها بقضاء صلاة الماضي. # وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أن في النساء والرجال بالبوادي وغير البوادي من ~~يبلغ ولا يعلم أن الصلاة عليه واجبة؛ بل إذا قيل للمرأة: صلي، تقول : حتى أكبر ~~وأصير عجوزة، ظانة أنه لا يخاطب بالصلاة إلا المرأة الكبيرة، كالعجوز ونحوها. ~~وفي أتباع الشيوخ طوائف كثيرون لا يعلمون أن الصلاة واجبة عليهم، فهؤلاء ~~لا يجب عليهم في الصحيح قضاء الصلوات، سواء قيل: كانوا ms0327 كفارا، أو كانوا ~~معذورين بالجهل . # وكذلك من كان منافقا زنديقا يظهر الإسلام ويبطن خلافه، وهو لا يصلي، أو ~~يصلي أحيانا بلا وضوء، أو لا يعتقد وجوب الصلاة، فإنه إذا تاب من نفاقه وصلى ~~فإنه لا قضاء عليه عند جمهور العلماء، والمرتد الذي كان يعتقد وجوب الصلاة ثم ~~ارتد عن الإسلام ثم عاد لا يجب عليه قضاء ما تركه حال الردة عند جمهور العلماء. ~~كمالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه؛ فإن المرتدين الذين ارتدوا على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم: كعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وغيره مكثوا على الكفر مدة ثم أسلموا، ~~ولم يأمر أحدا منهم بقضاء ما تركوه، وكذلك المرتدون على عهد أبي بكر لم يؤمروا ~~بقضاء صلاة، ولا غيرها. # وأما من كان عالما بوجوبها وتركها بلا تأويل حتى خرج وقتها الموقت، فهذا ~~يجب عليه القضاء عند الأئمة الأربعة، وذهبت طائفة منهم ابن حزم وغيره، إلى أن ~~فعلها بعد الوقت لا يصح من هؤلاء، وكذلك قالوا فيمن ترك الصوم متعمدا، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن رجل عليه صلوات كثيرة فاتته، هل يصليها ~~بستنها ? أم الفريضة وحدها? وهل تقضى في سائر الأوقات من ليل أو نهار? # فأجاب : المسارعة إلى قضاء الفوائت الكثيرة أولى من الاشتغال عنها بالنوافل، PageV01P304 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0305.png) ~~304 ~~وأما مع قلة الفوائت فقضاء السنن معها حسن. فإن النبي صى الله عليه وسلم ما نام هو وأصحابه عن ~~الصلاة - صلاة الفجر - عام حنين، قضوا السنة والفريضة. ولما فاتته الصلاة يوم ~~الخندق قضى الفرائض بلا سنن. والفوائت المفروضة تقضى في جميع الأوقات فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ال : من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها ~~أخرى»، والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام غفر الله له : عن رجل صلى ركعتين من فرض الظهر فسلم ~~ثم لم يذكرها إلا وهو في فرض العصر في ركعتين منها في التحيات. فماذا يصنع? # فأجاب: إن كان مأموما فإنه يتم العصر، ثم يقضي الظهر، وفي ms0328 إعادة العصر ~~قولان للعلماء، فإن هذه المسألة مبنية على أن صلاة الظهر بطلت بطول الفصل، ~~والشروع في غيرها، فيكون بمنزلة من فاتته الظهر، ومن فاتته الظهر وحضرت جماعة ~~العصر، فإنه يصلي العصر، ثم يصلي الظهر، ثم هل يعيد العصر ? فيه قولان للصحابة ~~والعلماء. # أحدهما: يعيدها، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والمشهور في مذهب ~~أحمد. # والثاني : لا يعيد، وهو قول ابن عباس، ومذهب الشافعي، واختيار جدي. ~~ومتى ذكر الفائتة في أثناء الصلاة كان كما لو ذكر قبل الشروع فيها، ولو لم يذكر ~~الفائتة حتى فرغت الحاضرة، فإن الحاضرة تجزئه عند جمهور العلماء. كأبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد. وأما مالك فغالب ظني أن مذهبه أنها لا تصح، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن رجل فاتته صلاة العصر، فجاء إلى المسجد فوجد ~~المغرب قد أقيمت، فهل يصلي الفائتة قبل المغرب أم لا? # فأجاب: الحمد لله رب العالمين. بل يصلي المغرب مع الإمام، ثم يصلي ~~العصر باتفاق الأيمة، ولكن هل يعيد المغرب? فيه قولان: # أحدهما : يعيد، وهو قول ابن عمر، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في المشهور ~~عنه. # والثاني: لا يعيد المغرب، وهو قول ابن عباس، وقول الشافعي والقول الآخر PageV01P305 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0306.png) ~~في مذهب أحمد. والثاني أصح، فإن الله لم يوجب على العبد أن يصلي الصلاة ~~مرتين، إذا اتقى الله ما استطاع، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل دخل الجامع والخطيب يخطب، وهو ~~لا يسمع كلام الخطيب، فذكر أن عليه قضاء صلاة فقضاها في ذلك الوقت. فهل ~~يجوز ذلك؟ أم لا؟1، # فأجاب : الحمد لله، إذا ذكر أن عليه فائتة وهو في الخطبة يسمع الخطيب أو ~~لا يسمعه، فله أن يقضيها في ذلك الوقت، إذا أمكنه القضاء، وإدراك الجمعة، بل ~~ذلك واجب عليه عند جمهور العلماء؛ لأن النهي عن الصلاة وقت الخطبة لا يتناول ~~النهي عن الفريضة، والفائتة مفروضة في أصح قولي العلماء، بل لا يتناول تحية ~~لمسجد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ال : إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا يجلس ~~حتى ms0329 يصلي ركعتين»2. # وأيضا فإن فعل الفائتة في وقت النهي ثابت في الصحيح، لقوله صلى الله عليه وسلم،: من أدرك ~~ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر. # وقد تنازع العلماء فيما إذا ذكر الفائتة عند قيامه إلى الصلاة، هل يبدأ بالفائتة ~~وإن فاتته الجمعة? كما يقوله أبو حنيفة، أو يصلى الجمعة ثم يصلي الفائتة، كما يقول ~~الشافعي وأحمد وغيرهما. ثم هل عليه إعادة الجمعة ظهرا ? على قولين، هما روايتان ~~عن أحمد . # وأصل هذا: أن الترتيب فى قضاء الفوائت واجب في الصلوات القليلة، عند ~~الجمهور كأبى حنيفة ومالك وأحمد، بل يجب عنده في إحدى الروايتين في القليلة ~~والكثيرة . وبينهم نزاع في حد القليل، وكذلك يجب قضاء الفوائت على الفور ~~عندهم، وكذلك عند الشافعي إذا تركها عمدا في الصحيح عندهم بخلاف الناسي. # واحتج الجمهور بقول النبي صلى الله عليه وسلم: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك وفي لفظ : «فإن ذلك وقتها. # واختلف الموجبون للترتيب، هل يسقط بضيق الوقت? على قولين هما روايتان ~~من أحمد . لكن أشهرهما عنه أنه يسقط الترتيب. كقول أبي حنيفة وأصحابه. ~~والأخرى لا يسقط كقول مالك. وكذلك هل يسقط بالنسيان? فيه نزاع نحو هذا. # وإذا كانت المسارعة إلى قضاء الفائتة، وتقديمها على الحاضرة بهذه المزية: PageV01P306 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0307.png) ~~كان فعل ذلك في مثل هذا الوقت هو الواجب، وأما الشافعي فإذا كان يجوز تحية ~~المسجد في هذا الوقت، فالفائتة أولى بالجواز، والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: # في اللباس في الصلاة، وهو أخذ الزينة عند كل مسجد . الذي يسميه ~~الفقهاء : (باب ستر العورة في الصلاة) فإن طائفة من الفقهاء ظنوا أن الذي يستر في ~~الصلاة هو الذي يستر عن أعين الناظرين وهو العورة، وأخذ ما يستر في الصلاة من ~~قوله: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن )- ثم قال - : (ولا ~~يبدين زينتهن ) - يعني الباطنة - (إلا لبعولتهن) الآية [النور: 31) . # فقال : يجوز لها في الصلاة أن تبدي ms0330 الزينة الظاهرة، دون الباطنة. والسلف قد ~~تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين، فقال ابن مسعود ومن وافقه : هي الثياب، وقال ~~ابن عباس ومن وافقه: هي في الوجه واليدين، مثل الكحل والخاتم. وعلى هذين ~~القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية . فقيل: يجوز النظر لغير شهوة إلى ~~وجهها ويديها، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقول في مذهب أحمد. وقيل: ~~لا يجوز، وهو ظاهر مذهب أحمد؛ فإن كل شيء منها عورة حتى ظفرها. وهو قول ~~مالك. # وحقيقة الأمر: أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة، ~~وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج، وذوي المحارم. وكانوا قبل أن تنزل آية ~~الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها، وكان إذ ذاك ~~يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها ~~إظهاره، ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله: (يأيها النبى قل لأزوجك وببانك ~~ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلبيبهن)زاب9] حجب النساء عن الرجال وكان ~~ذلك لما تزوج زينب بنت جحش، فأرخى الستر، ومنع النساء أن ينظرن، ولما ~~اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا: إن حجبها فهي من أمهات ~~المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها. # فلما أمر الله أن لا يسالن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء ~~المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب هو الملاءة، وهو الذي يسميه ~~ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها PageV01P307 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0308.png) ~~وسائر بدنها. وقد حكى أبو عبيد وغيره: أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا ~~عينها، ومن جنسه النقاب، فكن النساء ينتقبن. وفي الصحيح أن المحرمة لا تنتقب، ~~ولا تلبس القفازين فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن، وهو ستر الوجه، أو ستر ~~الوجه بالنقاب : كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب، فما ~~بقي [لا] يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين ~~وابن عباس ms0331 ذكر أول الأمرين. # وعلى هذا فقوله : (أو نسابهن أو ما ملكت أيكنهن) يدل على أن لها ~~أن تبدي الزينة الباطنة لمملوكها. وفيه قولان: قيل المراد الإماء، والإماء الكتابيات. ~~كما قاله ابن المسيب، ورجحه أحمد وغيره وقيل: هو المملوك الرجل، كما قاله ابن ~~عباس وغيره، وهو الرواية الأخرى عن أحمد. # فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته، وقد جاءت بذلك أحاديث، وهذا ~~لأجل الحاجة؛ لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها، أكثر من حاجتها إلى رؤية الشاهد ~~والمعامل والخاطب، فإذا جاز نظر أولئك، فنظر العبد أولى، وليس في هذا ~~ما يوجب أن يكون محرما يسافر بها . كغير أولي الإربة؛ فإنهم يجوز لهم النظر، ~~وليسوا محارم يسافرون بها، فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها، ولا الخلوة ~~بها؛ بل عبدها ينظر إليها للحاجة، وإن كان لا يخلو بها، ولا يسافر بها فإنه لم يدخل ~~في قولهل صلى الله عليه وسلم: لا تسافر امرأة إلا مع زوج، أو ذي محرم فإنه يجوز له أن ~~يتزوجها إذا عتق، كما يجوز لزوج أختها أن يتزوجها إذا طلق أختها، والمحرم من ~~تحرم عليه على التأبيد؛ ولهذا قال ابن عمر : سفر المرأة مع عبدها ضيعة. # فالآية رخصت في إبداء الزينة لذوي المحارم وغيرهم، وحديث السفر ليس فيه ~~إلا ذوي المحارم، وذكر في الآية نساءهن، أو ما ملكت أيمانهن، وغير أولي الإربة، ~~وهي لا تسافر معهم. وقوله : (أو نسابهن) قال : احتراز عن النساء المشركات. ~~فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة، ولا تدخل معهن الحمام، لكن قد كن النسوة ~~اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها، فيرين وجهها ويديها، بخلاف الرجال فيكون ~~هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميات، وليس للذميات أن يطلعن على الزينة ~~الباطنة، ويكون الظهور والبطون بحسب ما يجوز لها إظهاره؛ ولهذا كان أقاربها تبدي ~~لهن الباطنة، وللزوج خاصة ليست للأقارب. PageV01P308 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0309.png) # وقوله: (وليصرين بخمهن على جيوين ) ليل على أنها تغطي العنق، فيكون من ~~الباطن لا الظاهر، ما فيه من القلادة وغيرها. # فهذا ستر النساء عن ms0332 الرجال، وستر الرجال عن الرجال، والنساء عن النساء في ~~العورة الخاصة، كما قا صلى الله عليه وسلم : لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى ~~عورة المرأة»1) وكما قال : «احفظ عورتك إلا عن زوجتك أو ما ملكت يمينك. ~~قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض، قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يراها، ~~قلت: فإذا كان أحدنا خاليا . قال : «فالله أحق أن يستحيي منه . ونهى أن يفضي الرجل ~~إلى الرجل في ثوب واحد، والمرأة إلى المرأة في ثوب واحد، وقال عن الأول : لمروهم ~~بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع فنهى عن النظر، ~~واللمس لعورة النظير، لما في ذلك من القبح والفحش. # وأما الرجال مع النساء، فلأجل شهوة النكاح، فهذان نوعان، وفي الصلاة نوع ~~ثالث؛ فإن المرأة لو صلت وحدها كانت مأمورة بالاختمار، وفي غير الصلاة يجوز ~~لها كشف رأسها في بيتها، فأخذ الزينة في الصلاة لحق الله، فليس لأحد أن يطوف ~~بالبيت عريانا، ولو كان وحده بالليل، ولا يصلي عريانا ولو كان وحده، فعلم أن أخذ ~~الزينة في الصلاة لم يكن ليحتجب عن الناس، فهذا نوع، وهذا نوع. # وحينئذ فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة وقد يبدي ~~في الصلاة ما يستره عن الرجال. # فالأول : مثل المنكبين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد، ~~ليس على عاتقه منه شيء. فهذا لحق الصلاة، ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج ~~الصلاة، وكذلك المرأة الحرة تختمر في الصلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله ~~صلاة حائض إلا بخمار» وهي لا تختمر عند زوجها، ولا عند ذوي محارمها، فقد ~~جاز لها إبداء الزينة الباطنة لهؤلاء، ولا يجوز لها في الصلاة أن تكشف رأسها، ~~لهؤلاء ولا لغيرهم. PageV01P309 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0310.png) # وعكس ذلك : الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على ~~أصح القولين، بخلاف ما كان قبل النسخ، بل لا تبدي إلا الثياب. وأما ستر ms0333 ذلك في ~~الصلاة فلا يجب باتفاق المسلمين بل يجوز لها إبداؤهما في الصلاة عند جمهور ~~العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. فكذلك ~~القدم يجوز إبداؤه عند أبي حنيفة، وهو الأقوى . فإن عائشة جعلته من الزينة الظاهرة. ~~قالت : (ولا يبديب زينتهن إلا ما ظهر منها) قالت : «الفتخ حلق من ~~فضة تكون في أصابع الرجلين. رواه ابن أبي حاتم. فهذا دليل على أن النساء كن ~~يظهرن أقدامهن أولا، كما يظهرن الوجه واليدين، كن يرخين ذيولهن، فهي إذا مشت ~~قد يظهر قدمها، ولم يكن يمشين في خفاف وأحذية، وتغطية هذا في الصلاة فيه حرج ~~عظيم. وأم سلمة قالت: لتصلي المرأة في ثوب سابغ، يغطي ظهر قدميها فهي ~~إذا سجدت قد يبدو باطن القدم . # وبالجملة : قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب ~~الذي يسترها إذا كانت في بيتها، وإنما ذلك إذا خرجت. وحينئذ فتصلي في بيتها، ~~وإن رؤي وجهها ويداها وقدماها كما كن يمشين أولا قبل الأمر بإدناء الجلابيب ~~عليهن، فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر، لا طردا ولا عكسا. # وابن مسعود رضي الله عنه لما قال: الزينة الظاهرة هي الثياب، لم يقل إنها ~~كلها عورة حتى ظفرها، بل هذا قول أحمد، يعني أنها تشترط في الصلاة؛ فإن الفقهاء ~~يسمون ذلك : (باب ستر العورة) وليس هذا من ألفاظ الرسول، ولا في الكتاب ~~والسنة أن ما يستره المصلي فهو عورة؛ بل قال تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ~~[الأعراف : 31] ونهى النبي صلى الله عليه وسلم آنآن يطوف بالبيت عريانا؛ فالصلاة أولى. وسئل عن ~~الصلاة في الثوب الواحد. فقال : «أو لكلكم ثوبان? . وقال في الثوب الواحد: ~~إن كان واسعا فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به ونهى أن يصلي الرجل في ~~ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء». # فهذا دليل على أنه يؤمر في الصلاة بستر العورة : الفخذ وغيره، وإن جوزنا ~~للرجل النظر إلى ذلك . فإذا قلنا على أحد القولين وهو، إحدى الروايتين عن أحمد: PageV01P310 ![image ms0334 file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0311.png) ~~أن العورة هي السوأتان، وأن الفخذ ليست بعورة، فهذا في جواز نظر الرجل إليها؛ ~~ليس هو في الصلاة والطواف، فلا يجوز أن يصلي الرجل مكشوف الفخذين، سواء ~~قيل هما عورة، أو لا . ولا يطوف عريانا . بل عليه أن يصلي في ثوب واحد، ولا بد ~~من ذلك، إن كان ضيقا اتزر به، وإن كان واسعا التحف به؛ كما أنه لو صلى وحده ~~في بيت كان عليه تغطية ذلك باتفاق العلماء. # وأما صلاة الرجل بادي الفخذين، مع القدرة على الإزار، فهذا لا يجوز، ~~ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، ومن بنى ذلك على الروايتين في العورة، كما ~~فعله طائفة فقد غلطوا؛ ولم يقل أحمد ولا غيره: أن المصلي يصلي على هذه الحال، ~~كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين فكيف يبيح له كشف الفخذ؟! فهذا هذا. # وقد اختلف في وجوب ستر العورة، إذا كان الرجل خاليا، ولم يختلف في أنه ~~في الصلاة لا بد من اللباس، لا تجوز الصلاة عريانا مع قدرته على اللباس، باتفاق ~~العلماء؛ ولهذا جؤز أحمد وغيره للعراة أن يصلوا قعودا، ويكون إمامهم وسطهم، ~~بخلاف خارج الصلاة، وهذه الحرمة لا لأجل النظر. وقد قال النبي صلى الله عليهولم في حديث ~~بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لما قال: قلت يا رسول الله! فإذا كان أحدنا خاليا? ~~قال : لفالله أحق أن يستحيى منه من الناس فإذا كان هذا خارج الصلاة، فهو في ~~الصلاة أحق أن يستحيى منه، فتؤخذ الزينة لمناجاته سبحانه. # ولهذا قال ابن عمر لغلامه نافع لما رآه يصلي حاسرا: أرأيت لو خرجت إلى ~~الناس كنت تخرج هكذا ? قال : لا . قال : فالله أحق من يتجمل له. وفي الحديث ~~الصحيح لما قي الله ل صلى الله عليه وسلم الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا. فقال : ~~0إن الله جميل يحب الجمال»2. # وهذا كما أمر المصلي بالطهارة والنظافة والطيب، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلمن تتخذ ~~المساجد في البيوت، وتنظف، وتطيب، وعلى هذا فيستتر في الصلاة أبلغ مما ms0335 يستتر ~~الرجل من الرجل، والمرأة من المرأة. ولهذا أمرت المرأة أن تختمر في الصلاة، وأما ~~وجهها ويداها وقدماها فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب، لم تنه عن إبدائه ~~للنساء، ولا لذوي المحارم. # فعلم أنه ليس من جنس عورة الرجل مع الرجل، والمرأة مع المرأة، التي نهي ~~عنها؛ لأجل الفحش، وقبح كشف العورة؛ بل هذا من مقدمات الفاحشة، فكان النهي ~~عن إبدائها نهيا عن مقدمات الفاحشة كما قال في الآية : ( ذالكم أزك لكم) لبقرة: PageV01P311 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0312.png) ~~2 وقال في آية الحجاب : (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) فنهى ~~عن هذا سدآ للذريعة ؛ لا أنه عورة مطلقة لا في الصلاة ولا غيرها، فهذا هذا. # وأمر المرأة في الصلاة بتغطية يديها بعيد جدا، واليدان يسجدان كما يسجد ~~الوجه، والنساء على عهد النبيصلى الله عليه وسلم أما كان لهن قمص، وكن يصنعن الصنائع. ~~والقمص عليهن، فتبدي المرأة يديها إذا عجنت وطحنت، وخبزت، ولو كان ستر ~~اليدين في الصلاة واجبا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك القدمان. وإنما أمر بالخمار فقط مع ~~القميص، فكن يصلين بقمصهن وخمرهن، وأما الثوب التي كانت المرأة ترخيه ~~وسألت عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : شبرا فقلن : إذن تبدو سوقهن، فقال : «ذراع ~~لا يزدن عليه» . وقول عمر بن أبي ربيعة: # كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول # فهذا كان إذا خرجن من البيوت؛ ولهذا سئل عن المرأة تجر ذيلها على المكان ~~القذر، فقال : ليطهره ما بعده . وأما في نفس البيت فلم تكن تلبس ذلك. كما أن ~~الخفاف اتخذها النساء بعد ذلك لستر السوق إذا خرجن، وهن لا يلبسنها في البيوت؛ ~~ولهذا قلن : إذن تبدو سوقهن. فكان المقصود تغطية الساق؛ لأن الثوب إذا كان فوق ~~الكعبين بدا الساق عند المشي . # وقد روي : «اعروا النساء يلزمن الحجال يعني إذا لم يكن لها ما تلبسه في ~~الخروج لزمت البيت، وكن نساء المسلمين يصلين في بيوتهن. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير ms0336 لهن ولم يؤمرن مع القمص إلا ~~بالخمر، لم تؤمر بسراويل، لأن القميص يغني عنه، ولم تؤمر بما يغطي رجليها ~~لا خف ولا جورب، ولا بما يغطي يديها لا بفقازين ولا غير ذلك. فدل على أنه ~~لا يجب عليها في الصلاة ستر ذلك، إذا لم يكن عندها رجال أجانب. وقد روي: PageV01P312 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0313.png) ~~«إن الملائكة لا تنظر إلى الزينة الباطنة فإذا وضعت خمارها وقميصها لم ينظر ~~إليها وروي في ذلك حديث عن خديجة. # فهذا القدر للقميص، والخمار هو المأمور به لحق الصلاة، كما يؤمر الرجل إذا ~~صلى في ثوب واسع أن يلتحف به، فيغطي عورته ومنكبيه، فالمنكبان في حقه ~~كالرأس في حق المرأة، لأنه يصلي في قميص أو ما يقوم مقام القميص. وهو في ~~الإحرام لا يلبس على بدنه ما يقدر له كالقميص والجبة، كما أن المرأة لا تنتقب ~~ولا تلبس القفازين. وأما رأسه فلا يخمره، ووجه المرأة فيه قولان في مذهب أحمد، ~~وغيره؛ قيل: إنه كرأس الرجل، فلا يغطى. وقيل: إنه كيديه فلا تغطى بالنقاب ~~والبرقع ونحو ذلك، مما صنع على قدره، وهذا هو الصحيح؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم م ينه ~~إلا عن القفازين والنقاب. # وكن النساء يدنين على وجوههن ما يسترها من الرجال، من غير وضع ~~ما يجافيها عن الوجه، فعلم أن وجهها كيدي الرجل، ويديها؛ وذلك أن المرأة كلها ~~عورة كما تقدم، فلها أن تغطي وجهها ويديها، لكن بغير اللباس المصنوع بقدر ~~العضو، كما أن الرجل لا يلبس السراويل ويلبس الإزار، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن الصلاة في النعل ونحوه? # فأجاب: أما الصلاة في النعل ونحوه، مثل الجمجم، والمداس، والزربول، ~~وغير ذلك؛ فلا يكره، بل هو مستحب؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم آن كان ~~يصلي في نعليه. وفي السنن عنه أنه قال: إن اليهود لا يصلون في نعالهم ~~فخالفوهم فأمر بالصلاة في النعال مخالفة لليهود. # وإذا علمت طهارتها لم تكره الصلاة فيها باتفاق المسلمين، وأما إذا تيقن ms0337 ~~نجاستها فلا يصلي فيها حتى تطهر. # لكن الصحيح أنه إذا دلك النعل بالأرض طهر بذلك. كما جاءت به السنة، سواء ~~كانت النجاسة عذرة، أو غير عذرة. فإن أسفل النعل محل تكرر ملاقاة النجاسة له، فهو ~~بمنزلة السبيان، فلما كان إزالته عنها بالحجارة ثابتا بالسنة المتواترة، فكذلك هذا. # وإذا شك في نجاسة أسفل الخف لم تكره الصلاة فيه، ولو تيقن بعد الصلاة أنه PageV01P313 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0314.png) ~~كان نجسا فلا إعادة عليه في الصحيح، وكذلك غيره كالبدن والثياب والأرض. # وسئل رحمه الله تعالى : عن المرأة إذا ظهر شيء من شعرها في الصلاة هل ~~تبطل صلاتها أم لا؟(1) # فأجاب : إذا انكشف شيء يسير من شعرها وبدنها لم يكن عليها الإعادة، عند ~~أكثر العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد. # وإن انكشف شيء كثير أعادت الصلاة في الوقت، عند عامة العلماء الأئمة ~~الأربعة، وغيرهم، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن المرأة إذا صلت وظاهر قدمها مكشوف. هل تصح ~~صلاتها؟(2) # فأجاب: هذا فيه نزاع بين العلماء، ومذهب أبي حنيفة صلاتها جائزة، وهو أحد ~~القولين . # وقال رحمه الله تعالى : # في محبة الجمال ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : «لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه ~~مثقال حبة خردل من كبر»(4) وفي رواية : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~كبر فقال رجل : يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا، ~~فقال : إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس # فقوله : «إن الله جميل يحب الجمال قد أدرج فيه حسن الثياب التي هي ~~لمسؤول عنها، فعلم أن الله يحب الجميل من الناس، ويدخل في عمومه بطريق ~~الفجوى الجميل مين كل شيء. وهذا كقوله في الحديث الذي رواه الترمذي : «إن الله ~~نظيف يحب النظافة »(6) . PageV01P314 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0315.png) # وقد ثبت عنه في الصحيح : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا. وهذا مما ms0338 ~~يستدل به على استحباب التجمل في الجمع، والأعياد. كما في الصحيحين؛ أن ~~عمر بن الخطاب رأى حلة تباع في السوق فقال : يا رسول الله! لو اشتريت هذه ~~تلبسها، فقال : لإنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة وهذا يوافقه في ~~حسن الثياب ما في السنن عن أبي الأحوص الجشمي، قال : رآني النبي صلى الله عليه وسلم وعلي ~~أطمار، فقال : هل لك من مال?1 قلت : نعم! قال : «من أي المال؟» قلت : من ~~كل ما آتاني الله، من الإبل والشاء. قال: لفلتر نعمة الله عليك، وكرامته ~~عليك »(3). # وفيها عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله له صلى الله عليه وسلم : إن ~~الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده لكن هذا لظهور نعمة الله، وما في ذلك ~~من شكره، وأنه يحب أن يشكر، وذلك لمحبة الجمال. وهذا الحديث قد ضل قوم ~~بما تأولوه رأوه معارضا(2) # وكل مصنوع الرب جميل، لقول الله تعالى: (الذى أمسن كل شىء خلقه) ~~[السجدة : 7] فيحب كل شيء، وقد يستدلون بقول بعض المشايخ : المحبة نار تحرق ~~من القلب كل ما سوى مراد المحبوب، والمخلوقات كلها مرادة له، وهؤلاء يصرح ~~أحدهم بإطلاق الجمال في كل شيء، وأقل ما يصيب هؤلاء أنهم يتركون الغيرة لله، ~~والنهي عن المنكر والبغض في الله، والجهاد في سبيله، وإقامة حدوده، وهم في ~~ذلك متناقضون، إذ لا يتمكنون من الرضا بكل موجود. فإن المنكرات هي أمور ~~مضرة لهم ولغيرهم، فيبقى أحدهم مع طبعه وذوقه وينسلخون عن دين الله، وربما ~~دخل أحدهم في الاتحاد والحلول المطلق وفيهم من يخص الحلول والاتحاد ببعض ~~المخلوقات، كالمسيح، أو علي أو غيرهما، أو المشايخ والملوك والمردان. # فيقولون : بحلوله في الصور الجميلة، ويعبدونها، ومنهم من لا يرى ذلك، بل ~~يتدين بحب الصور الجميلة من النساء الأجانب، والمردان، وغير ذلك ويرى هذا من ~~الجمال الذي يحبه الله، فيحبه هو، ويلبس المحبة الطبيعية المحرمة بالمحبة الدينية، PageV01P315 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0316.png) ~~ويجعل ما حرمه الله مما يقرب إليه (وإذافعلوا فاحة قالوا ms0339 وجدنا عليهاء ابآءنا والله أمرنا بأقل ~~إن الله لا يأمر بالفحشاء ). # والآخرون قالوا : قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ال : ~~إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم وقد قال ~~تعالى عن المنافقين : (وإذا رأنتهم تعجبك أجسامهم) وقال تعالى : (وكر ~~أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورةيا )مريم: والأثاث المال من اللباس ونحوه. ~~والرئي المنظر، فأخبر أن الذين أهلكهم قبلهم كانوا أحسن صورا، وأحسن أثاثا، ~~وأموالا، ليبين أن ذلك لا ينفع عنده ولا يعبأ به. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا فضل لعربي ~~على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض ~~إلا بالتقوى وفي السنن عنه أنه قال : لالبذاذة من الإيمان . # وأيضا فقد حرم علينا من لباس الحرير والذهب، وآنية الذهب والفضة، ما هو ~~من أعظم الجمال في الدنيا، وحرم الله الفخر والخيلاء، واللباس الذي فيه الفخر ~~والخيلاء، كإطالة الثياب حتى ثبت في الصحيح عنه أنه قال : من جر ثوبه خيلاء لم ~~ينظر الله إليه يوم القيامة ومثل ذلك ما في الصحيح عن أبي هريرة أن ~~رسول اللهال صلى الله عليه وسلم قال : ل لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا وفي ~~الصحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لبينما رجل يجر إزاره من الخيلاء، خسف ~~به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة) # وقال تعالى : (يابنادم قد أزلنا عليكه لباسا يورى سوءاتكم وريسا ولباس الثقوى ذلك خير ذلك ~~من ايات الله ) فأخبر أن لباس التقوى خير من ذلك. وقال تعالى : ~~(أومن ينشوا في الحلية وهو في الخصام غير مبين ) وقال تعالى في حق ~~قارون : (فخرج على قومه في زينته). قالوا: بثياب الأرجوان. ولهذا ~~ثبت عن عبد الله بن عمرو قال : رأى رسول الله له صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين، فقال: ~~إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسهما. قلت: أغسلهما، قال ms0340 : أحرقهما . PageV01P316 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0317.png) # ولهذا كره العلماء الأحمر المشبع حمرة، كما جاء النهي عن الميثرة الحمراء. ~~وقال عمر بن الخطاب : دعوا هذه البراقات للنساء. والآثار في هذا ونحوه كثيرة. ~~وقال تعالى : (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ريخفظوا فروجهم) - إلى قوله - (وتوبوا إلى ~~الله جميعا أيه المؤمنون لعلكر تقلحوب) وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح عن جرير بن عبد الله قال : سألت رسول الله له لى الله عليه وسلم عمن نظرة الفجأة، فقال : ~~اصرف بصرك وفي السنن أنه قال لعلي : يا علي! لا تتبع النظرة النظرة، فإنما ~~لك الأولى، وليست لك الآخرة # وقد قال تعالى : (ولا تمدن عينيك إل ما متقنا به أزواجا متهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ~~ورزق ريك خير وابقى) وقال : (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن ~~عليهم واخفص جناحك لمؤمنين) وقال : (زين للناس حب الشهوات مب النسآء) ~~إلى قوله : (قل أونبفكر بخير من ذا لكم للذين آتقواعند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار) ~~عمران: 14، 15] وقد قال تعالى - مع ذمه لما ذمه من هذه الزينة - : (قل من حرم زينة ~~الله آلتي أخج لعاده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيامة) ~~[الأعراف: 32]. # فنقول : اعلم أن ما يصفه النبي صلى الله عليه وسلم من محبته للأجناس المحبوبة، وما يبغضه ~~من ذلك، هو مثل ما يأمر به من الأفعال، وينهى عنه من ذلك؛ فإن الحب والبغض ~~هما أصل الأمر والنهي، وذلك نظير ما يعده على الأعمال الحسنة من الثواب، ~~ويتوعد به على الأعمال السيئة من العقاب، فأمره ونهيه ووعده ووعيده وحبه وبغضه ~~وثوابه وعقابه كل ذلك من2 # وقد بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذه القاعدة في غير موضع لتعلقها بأصول ~~الدين وفروعه، فإن من أكبر شعبها لمسألة الأسماء والأحكام في فساق أهل الملة. ~~وهل يجتمع في حق الشخص الواحد الثواب والعقاب، كما يقوله أهل السنة ~~والجماعة، أم لا يجتمع ذلك ? كما يقوله جمهور الخوارج والمعتزلة. وهل يكون ~~الشيء ms0341 الواحد محبوبا من وجه، مبغوضا من وجه، محمودا من وجه، مذموما من ~~وجه? وقد تنازع في ذلك أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين، وغيرهم. والتعارض بين PageV01P317 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0318.png) ~~النصوص، إنما هو لتعارض المقتضى للحمد والذم من الصفات القائمة بذلك؛ ولهذا ~~كان هذا الجنس موجبا للفرقة والفتنة. # فأول مسألة فرقت بين الأمة مسألة الفاسق الملي، فأدرجته الخوارج في نصوص ~~الوعيد، فخلدوه في النار لكن لم يحكموا بكفره، فلو كان شيء خيرا محضا لم يوجب ~~فرقة، ولو كان شرا محضا لم يخف أمره، لكن لاجتماع الأمرين فيه أوجب الفتنة. # وكذلك «مسألة القدر التي هي من جملة فروع هذا الأصل فإنه اجتمع في ~~الأفعال الواقعة التي نهى الله عنها : أنها مرادة له لكونها من الموجودات، وأنها غير ~~محبوبة له بل ممقوتة مبغوضة، فأثبتوا وجود الكائنات بدون مشيئته؛ ولهذا لما قال ~~غيلان القدري لربيعة بن أبي عبد الرحمن : يا ربيعة ! نشدتك الله، أترى الله يحب أن ~~يعصى? فقال له ربيعة : أفترى الله يعصى قسرا، فكأنه ألقمه حجرا. يقول له : نزهته ~~عن محبة المعاصي، فسلبته الإرادة والقدرة، وجعلته مقهورا مقسورا. # وقال من عارض القدرية بل كل ما أراده فقد أحبه ورضيه، ولزمهم أن يكون ~~الكفر والفسوق والعصيان محبوبا لله مرضيا. # وقالوا أيضا : يأمر بما لا يريد، وكل ما أمر به من الحسنات فإنه لم يرده، ~~وربما قالوا : ولم يحبه ولم يرضه، إلا إذا وجد. قالوا: ولكن أمر به وطلبه. # فقيل لهم: هل يكون طلب وإرادة واستدعاء بلا إرادة ولا محبة ولا رضى. هذا ~~جمع بين النقيضين، فتحيروا . فأولئك سلبوا الرب خلقه وقدرته، وإرادته العامة ~~وهؤلاء سلبوه محبته ورضاه وإرادته الدينية وما تضمنه أمره ونهيه من ذلك. فكما أن ~~الأولين لم يثبتوا أن الشخص الواحد يكون مثابا معاقبا؛ بل إما مثابا وإما معاقبا، ~~فهؤلاء لم يثبتوا أن الفعل الواحد يكون مرادا من وجه دون وجه، مرادا غير محبوب، ~~بل إما مراد محبوب، وإما غير مراد ولا محبوب. # وكما تفرقوا في صفات الخالق، تفرقوا في صفات المخلوق، فأولئك ms0342 لم يثبتوا ~~له إلا قدرة واحدة تكون قبل الفعل، وهؤلاء لم يثبتوا له إلا قدرة واحدة تكون مع ~~الفعل . أولئك نفوا القدرة الكونية التي بها يكون الفعل، وهؤلاء نفوا القدرة الدينية ~~التي بها يامر الله العبد وينهاه، وهذا من أصول تفرقهم في مسألة تكليف ~~ما لا يطاق». # وانقسموا إلى قدرية مجوسية؛ تثبت الأمر والنهي، وتنفي القضاء والقدر، وإلى ~~قدرية مشركية شر منهم: تثبت القضاء والقدر، وتكذب بالأمر والنهي، أو ببعض ~~لك، وإلى قدرية إبليسية: تصدق بالأمر، لكن ترى ذلك تناقضا مخالفا للحق ~~والحكمة، وهذا شأن عامة ما تتعارض فيه الأسباب والدلائل. PageV01P318 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0319.png) # تجد فريقا يقولون: بهذا دون هذا، وفريقا بالعكس، أو الأمرين، فاعتقدوا ~~تناقضهما، فصاروا متحيرين معرضين عن التصديق بهما جميعا، ومتناقضين مع هذا ~~تارة، ومع هذا تارة، وهذا تجده في مسائل الكلام والاعتقادات، ومسائل الإرادة ~~والعبادات. كمسألة السماع الصوتي، ومسألة الكلام، ومسائل الصفات، وكلام ~~الله تعالى، وغير ذلك من المسائل. # وأصل هذا كله: هو العدل بالتسوية بين المتماثلين، فإن الله يقول : (لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينت وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناسش بالقسط). وقد ~~بسطنا القول في ذلك. وبينا أن العدل جماع الدين والحق والخير كله : في غير ~~موضع. والعدل الحقيقي قد يكون متعذرا أو متعسرا، إما علمه، وإما العمل به، ~~لكون التماثل من كل وجه غير متمكن، أو غير معلوم، فيكون الواجب في مثل ذلك ~~ما كان أشبه بالعدل، وأقرب إليه، وهي الطريقة المثلى؛ ولهذا قال سبحانه : (وأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها). # وسئل رحمه الله تعالى: عن المتنزه عن الأقمشة الثمينة مثل الحرير والكتان ~~المتغالي في تحسينه وما ناسبها: هل في ترك ذلك أجر أم لا? أفتونا مأجورين. # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. أما ما حرمه الله ورسوله كالحرير فإنه يثاب ~~على تركه، كما يعاقب على فعله. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم آنآ قال : من يلبس الحرير ~~في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وقال عن الحرير والذهب : هذا حرام على ذكور ms0343 ~~أمتي حل لإناثها»3) . # وأما المباحات؛ فيثاب على ترك فضولها، وهو ما لا يحتاج إليه لمصلحة دينه ~~كما أن الإسراف في المباحات منهي عنه، كما قال تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ~~ولم يقتروا وكان بي ذللك قواما) وقال تعالى عن أصحاب النار: ~~(إنهم كانآوأ قبل ذلك مترفين وانوا يصرون على العنت العظيم)] وقال تعالى: ~~(ولا نجعل يدك مقلولة إلى عنقك ولا نبسطها كل البتط فلقعد ملوما محسوا) وقال ~~تعالى: (ومات ذا القري حقه والمسكين وابن السبيل ولا نبذر تبذيا إن المبذرن كانوا إخون ~~الشياطين وكان الشيطن لربه كفورا). # والإسراف في المباحات هو مجاوزة الحد، وهو من العدوان المحرم، وترك PageV01P319 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0320.png) ~~فضولها هو من الزهد المباح . وأما الامتناع من فعل المباحات مطلقا كالذي يمتنع من ~~أكل اللحم. وأكل الخبز، أو شرب الماء، أو لبس الكتان والقطن، ولا يلبس إلا ~~الصوف، ويمتنع من نكاح النساء، ويظن أن هذا من الزهد المستحب، فهذا جاهل ~~ضال من جنس زهاد النصارى . قال الله تعالى : (يا أيها الذينءامنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~اله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذى أنسم به ~~مؤمنون)، 88] نزلت هذه الآية بسبب أن جماعة من الصحابة كانوا ~~قد عزموا على ترك أكل الطيبات. كاللحم ونحوه، وترك النكاح. # وفي الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : لما بال رجال يقول أحدهم : أما ~~أنا فأصوم ولا أفطر، ويقول الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام، ويقول الآخر: أما أنا ~~فلا آكل اللحم، لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن ~~رغب عن سنتي فليس مني1) . # وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أى رجلا قائما في الشمس. فقال : ما هذا? ~~قالوا : هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبيصلى الله عليه وسلم ~~لمروه أن يستظل، وأن يتكلم، وأن يجلس، ويتم صومه وقد قال تعالى: (يأيها ~~الذين امنوا كلوا من طيبات ms0344 ما رزقنكم واشكروا لله إن كنتم إيياه تعبدوب) [لبقرة: 172]. # فأمر بالأكل من الطيبات، والشكر له، والطيب هو ما ينفع الإنسان، وحرم ~~الخبائث، وهو ما يضره، وأمر بشكره، وهو العمل بطاعته بفعل المأمور، وترك ~~المحذور. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : إن الله ليرضى على العبد يأكل ~~الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها وقال تعالى : (كلوأ من الطيبات ~~واعملوا صالحا) فمن أكل من الطيبات ولم يشكر، ولم يعمل صالحا، ~~كان معاقبا على ما تركه من الواجبات، ولم تحل له الطيبات. # فإنه إنما أحلها لمن يستعين بها على طاعته؛ لا لمن يستعين بها على معصيته، ~~كما قال تعالى : (ليس على الذينآمنوا وعملوا الصللحات جناح فيما طمموا إذا ما اتقوا وءامنوا ~~وعملوا الصالحات ثم اتقوا ومامنوا ئم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) وقال الخليل: ~~(واززق أهله من الثملرات من آمن منهم بالله واليقم الأخر). قال : (ومن كفر فأمتعه ~~فليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبنس المصير). # ولهذا لا يجوز أن يعان الإنسان بالمباحات على المعاصي، مثل من يعطي الخبز ~~واللحم لمن يشرب عليه الخمر، ويستعين به على الفواحش. PageV01P320 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0321.png) # ومن حرم الطيبات التي أحلها الله من الطعام واللباس والنكاح وغير ذلك ~~واعتقد أن ترك ذلك مطلقا هو أفضل من فعله لمن يستعين به على طاعة الله، كان ~~معتديا معاقبا على تحريمه ما أحل الله ورسوله، وعلى تعبده لله تعالى بالرهبانية، ~~ورغبته عن سنة رسول الل ال صلى الله عليه وسلم، وعلى ما فرط فيه من الواجبات، وما لا يتم ~~الواجب إلا به، فهو واجب. # وكذلك من أسرف في بعض العبادات: كسرد الصوم، ومداومة قيام الليل، حتى ~~يضعفه ذلك عن بعض الواجبات، كان مستحقا للعقاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن ~~عمرو : «إن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزوجك عليك حقآ، فآت كل ~~ذي حق حقه »1. # فأصل الدين، فعل الواجبات، وترك المحرمات. فما تقرب العبد إلى الله ~~بأفضل من أداء ما افترض ms0345 عليه، ولا يزال العبد يتقرب إلى الله بالنوافل حتى يحبه. ~~فالنوافل المستحبة التي لا تمنع الواجبات: مما يرفع الله بها الدرجات، وترك فضول ~~المباحات، وهو ما لا يحتاج إليها لفعل واجب ولا مستحب مع الإيثار بها مما يثيب ~~الله فاعله عليه، ومن تركها لمجرد البخل، لا للتقرب إلى الله لم يكن محمودا. # ومن امتنع عن نوع من الأنواع التي أباحها الله على وجه التقرب بتركها، فهو ~~منطئ ضإلي، ومن تناول ما اباحه اله من الطعام واللباس بظهرا لنعمة الله، مستعينا ~~[التكاثر: 8 أي عن شكر النعيم فيطالب العبد بأداء شكر نعمة الله على النعيم؛ فإن ~~الله سبحانه لا يعاقب على ما أباح، وإنما يعاقب على ترك مأمور، وفعل محذور. ~~وهذه القواعد الجامعة تبين المسائل المذكورة وغيرها. # وأما الحرير: فهو حرام على الرجال، إلا في مواضع مستثناة، فمن لبس ~~ما حرم الله ورسوله فهو آثم. # وأما الكتان والقطن ونحوهما؛ فمن تركه مع الحاجة فهو جاهل ضال، ومن أسرف ~~فيه فهو مذموم. ومن تجمل بلبسه إظهارآ لنعمة الله عليه، فهو مشكور على ذلك، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ال : إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة أحب أن يرى أثر نعمه عليه وقال : ~~1إن الله جميل يحب الجمال» ومن ترك لبس الرفيع من الثياب تواضعا لله، لا بخلا، ~~ولا التزاما للترك مطلقا، فإن الله يثيبه على ذلك، ويكسوه من حلل الكرامة. PageV01P321 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0322.png) # وتكره الشهرة من الثياب، وهو المترفع الخارج عن العادة، والمتخفض الخارج ~~عن العادة؛ فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين، المترفع والمتخفض، وفي الحديث: ~~من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة . وخيار الأمور أوساطها. # والفعل الواحد في الظاهر يثاب الإنسان على فعله مع النية الصالحة ويعاقب ~~على فعله مع النية الفاسدة، فمن حج ماشيا لقوته على المشي، وآثر بالنفقة كان ~~مأجورا أجرين، أجر المشي، وأجر الإيثار . ومن حج ماشيا بخلا بالمال، وإضرارا ~~بنفسه، كان آثما إثمين : إثم البخل وإثم الإضرار، ومن حج راكبا؛ لضعفه عن ~~المشي، وللاستعانة بذلك على ms0346 راحته، ليتقوى بذلك على العبادة، كان مأجورا ~~أجرين، ومن حج راكبا يظلم الجمال، والحمال، كان إثما إثمين. # وكذلك اللباس : فمن ترك جميل الثياب، بخلا بالمال، لم يكن له أجر، ومن ~~تركه متعبدا بتحريم المباحات، كان آثما، ومن لبس جميل الثياب إظهارا لنعمة الله، ~~واستعانة على طاعة الله، كان مأجورا. ومن لبسه فخرا وخيلاء، كان آثما. فإن الله ~~لا يحب كل مختال فخور . # ولهذا حرم إطالة الثوب بهذه النية، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ال : لمن ~~جر إزاره خيلاء لم ينظر الله يوم القيامة إليه، فقال أبو بكر : يا رسول الله! إن ~~طرف إزاري يسترخى إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال : «يا أبا بكر! إنك لست ممن ~~يفعله خيلاء وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : بينما رجل يجر إزاره ~~خيلاء، إذ خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. # فهذه المسائل ونحوها تتنوع بتنوع علمهم واعتقادهم، والعبد مأمور أن يقول في ~~كل صلاة : (آهدنا الصرط المستقيمه صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضآلين) ، 7] والله سبحانه وتعالى أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن الحرير المحض : هل يجوز للخياط خياطته ~~للرجال? وهل أجرته حرام? وهل ينكر عليه لذلك؟ وهل تباح الخياطة بخيوط الحرير ~~في غير الحرير ? وهل تجوز خياطته للنساء? # فأجاب: الحمد لله. لا يجوز خياطة الحرير لمن يلبس لباسا محرما. مثل لبس PageV01P322 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0323.png) ~~الرجل للحرير المصمت في غير حال الحرب، ولغير التداوي، فإن هذا من الإعانة ~~على الإثم والعدوان. وكذلك صنعة آنية الذهب والفضة، على أصح القولين عند ~~جماهير العلماء. وكذلك صنعة آلات الملاهي، ومثل تصوير الحيوان، وتصوير ~~الأوثان، والصلبان، وأمثال ذلك مما يكون فيه تصوير الشيء على صورة يحرم ~~استعماله فيها. # وكذلك صنعة الخمر، وأما أمكنة المعاصي والكفر ونحو ذلك، والعوض ~~المأخوذ على هذا العمل المحرم خبيث، ويجب إنكار ذلك. وأما خياطته لمن يلبسه ~~لبسا جائزا فهو مباح : كخياطته للنساء، وإن كان الرجل يمسه عند الخياطة، فإن هذا ms0347 ~~ليس من المحرم، ومثل ذلك صناعة الذهب والفضة لمن يستعمله استعمالا مباحا. # ويجوز استعمال خيوط الحرير في لباس الرجال، وكذلك يباح العلم ~~والسجاف، ونحو ذلك مما جاءت به السنة بالرخصة فيه، وهو ما كان موضع ~~أصبعين، أو ثلاثة، أو أربعة، وقد كان لليبي صلى الله عليه وسلم جبة مكفوفة بحرير. # وسئل رحمه الله تعالى: عن خياط خاط للنصارى سير حرير فيه صليب ذهب. ~~فهل عليه إثم في خياطته? وهل تكون أجرته حلالا أم لا? # فأجاب : نعم! إذا أعان الرجل على معصية الله كان آثما؛ لأنه أعان على الإثم ~~والعدوان؛ ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم الخمر وعاصرها، ومعتصرها وحاملها والمحمولة ~~إليه، وبائعها ومشتريها، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها. # وأكثر هؤلاء كالعاصر والحامل والساقي إنما هم يعاونون على شربها؛ ولهذا ~~ينهى عن بيع السلاح لمن يقاتل به قتالا محرما : كقتال المسلمين، والقتال في الفتنة، ~~فإذا كان هذا في الإعانة على المعاصي، فكيف بالإعانة على الكفر. وشعائر الكفر. # والصليب لا يجوز عمله بأجرة، ولا غير أجرة، ولا بيعه صليبا، كما لا يجوز ~~بيع الأصنام، ولا عملها. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : «إن الله حرم ~~بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. وثبت عنه أنه لعن المصورين(3، وأنه كان ~~لا يرى في البيت صورة إلا قضبه. فصانع الصليب ملعون لعنه الله ورسوله. # ومن أخذ عوضا عن عين محرمة، أو نفع استوفاه، مثل أجرة حمال الخمر، ~~وأجرة صانع الصليب، وأجرة البغي، ونحو ذلك فليتصدق بها، وليتب من ذلك PageV01P323 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0324.png) ~~العمل المحرم، وتكون صدقته بالعوض كفارة لما فعله؛ فإن هذا العوض لا يجوز ~~الانتفاع به ؛ لأنه عوض خبيث، ولا يعاد إلى صاحبه لأنه قد استوفى العوض، ~~ويتصدق به . كما نص على ذلك من نص من العلماء، كما نص عليه الإمام أحمد في ~~مثل حامل الخمر، ونص عليه أصحاب مالك، وغيرهم. # وسئل غفر الله له : عمن يتجر في الأقباع : هل يجوز له بيع القبع المرعزي ~~وشراؤه؟ والاكتساء منه? وما يجري ms0348 مجراه من الحرير الصامت? أو يحرم عليه لكون ~~القبع لبس الرجال دون النساء? وهل يجوز بيعه للجند والصبيان إذا كانوا دون البلوغ? ~~أو لليهود والنصارى، أم لا? إلى غير ذلك من المسائل # فأجاب : أما أقباع الحرير فيحرم لبسها على الرجال، ولأنها حرير ولبس الحرير ~~حرام على الرجال، بسنة رسواللهال صلى الله عليه وسلم وإجماع العلماء. وإن كان مبطنا بقطن أو ~~كتان . # وأما على النساء؛ فلأن الأقباع من لباس الرجال، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهات ~~من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء. # وأما لباس الحرير للصبيان الذين لم يبلغوا؛ ففيه قولان مشهوران، للعلماء؛ ~~لكن أظهرهما أنه لا يجوز، فإن ما حرم على الرجل فعله حرم عليه أن يمكن منه ~~الصغير، فإنه يأمره بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، ويضربه عليها إذا بلغ عشرا، فكيف ~~يحل له أن يلبسه المحرمات. # وقد رأى عمر بن الخطاب على صبي للزبير ثوبا من حرير فمزقه، وقال : للا ~~تلبسوهم الحرير» وكذلك ابن مسعود مزق ثوب حرير كان على ابنه، وما حرم لبسه ~~لم تحل صنعته، ولا بيعه لمن يلبسه من أهل التحريم. # ولا فرق في ذلك بين الجند وغيرهم، فلا يحل للرجل أن يكتسب بأن يخيط ~~لحرير لمن يحرم عليه لبسه، فإن ذلك إعانة على الإثم والعدوان، وهو مثل الإعانة ~~على الفواحش ونحوها، وكذلك لا يباع الحرير لرجل يلبسه من أهل التحريم، وأما ~~بيع الحرير للنساء فيجوز. وكذلك إذا بيع لكافر، فإن عمر بن الخطاب أرسل بحرير ~~أعطاه إياه النبي صلى الله عليه وسلمإلى رجل مشرك. # وسئل رحمه الله تعالى : عن لبس الكوفية للنساء. ما حكمها إذا كانت بالدائر ~~والفرق ? وفي لبسهن الفراجي ? وما الضابط في التشبه بالرجال في الملبوس? هل هو ~~بالنسبة إلى ما كان على عهد رسول الله ل صلى الله عليه وسلم، أو كل زمان بحسبه ? # فأجاب : الحمد لله. الكوفية التي بالفرق والدائر من غير أن تستر الشعر PageV01P324 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0325.png) ~~المسدول، هي من لباس الصبيان، والمرأة اللابسة لذلك متشبهة بهم. وهذا ms0349 النوع قد ~~يكون أول من فعله من النساء قصدت التشبه بالمردان، كما يقصد بعض البغايا أن ~~تضفر شعرها ضفيرا واحدا مسدولا بين الكتفين، وأن ترخي لها السوالف، وأن تعتم ~~لتشبه المردان في العمامة، والعذار والشعر. ثم قد تفعل الحرة بعض ذلك، لا تقصد ~~هذا؛ لكن هي في ذلك متشبهة بالرجال. # وقد استفاضت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح وغيرها، بلعن المتشبهات من ~~النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء، وفي رواية : أنه لعن المخنثين من ~~الرجال، والمترجلات من النساء وأمر بنفي المخنثين. وقد نص على نفيهم ~~الشافعي وأحمد، وغيرهما. وقالوا: جاءت سنة رسول الله له صلى الله عليه وسلم النفي في حد الزنا، ~~وبنفي المخنشين. # وفي صحيح مسلم عنه أنه قال : لصنفان من أهل النار من أمتى لم أرهما بعد: ~~كاسيات عاريات، مائلات مميلات، على رؤوسهن مثل أسنمة البخت، لا يدخلن الجنة، ~~ولا يجدن ريحها. ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر، يضربون بها عباد الله. # وفي السنن أنه مر بباب أم سلمة وهي تعتصب فقال : يا أم سلمة! لية ~~لا ليتين وقد فسر قوله : كاسيات عاريات» بأن تكتسي ما لا يسترها، فهي ~~كاسية، وهي في الحقيقة عارية، مثل من تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها؛ أو ~~الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها، مثل عجيزتها وساعدها، ونحو ذلك. وإنما ~~كسوة المرأة ما يسترها، فلا يبدي جسمها، ولا حجم أعضائها لكونه كثيفا واسعا. # ومن هنا يظهر الضابط في نه صلى الله عليه وسلم عن تشبه الرجال بالنساء، وعن تشبه النساء ~~بالرجال، وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعا إلى مجرد ما يختاره الرجال والنساء ~~ويشتهونه، ويعتادونه، فإنه لو كان كذلك لكان إذا اصطلح قوم على أن يلبس الرجال ~~الخمر التي تغطي الرأس والوجه والعنق، والجلابيب التي تسدل من فوق الرؤوس ~~حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان، وأن تلبس النساء العمائم والأقبية المختصرة، ~~ونحو ذلك، أن يكون هذا سائغا. وهذا خلاف النص والإجماع. فإن الله تعالى قال ~~للنساء : ( وليضرين بخمرمن ms0350 على جيوهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولته)ل ~~وقال : (قل لأزوجك وبنانك وينساء المؤمنين يدنين عليهن من بلابيبهن ذلك أدن أن يعرقن فلا يؤذين) ~~الآية للأحزاب: 59 وقال: ( ولا تبجب تبرج الجاهلية الأولى). PageV01P325 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0326.png) # فلو كان اللباس الفارق بين الرجال والنساء مستنده مجرد ما يعتاده النساء أو ~~الرجال باختيارهم، وشهوتهم، لم يجب أن يدنين عليهن الجلابيب ولا أن يضربن ~~بالخمر على الجيوب، ولم يحرم عليهن التبرج تبرج الجاهلية الأولى ؛ لأن ذلك كان ~~عادة لأولئك ، وليس الضابط في ذلك لباسا معينا من جهة نص النبي صلى الله ليه وسلم، أو من جهة ~~عادة الرجال والنساء على عهده، بحيث يقال : إن ذلك هو الواجب، وغيره يحرم. # فإن النساء على عهده كن يلبسن ثيابا طويلات الذيل . بحيث ينجر خلف المرأة إذا ~~خرجت، والرجل مأمور بأن يشمر ذيله حتى لا يبلغ الكعبين؛ ولهذا لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم. ~~الرجال عن إسبال الإزار، وقيل له: فالنساء? قال : ليرخين شبرا، قيل له : إذن تنكشف ~~سوقهن، قال : «ذراعا لا يزدن عليه») قال الترمذي : حديث صحيح. # حتى إنه لأجل ذلك روي أنه رخص للمرأة إذا جرت ذيلها على مكان قذر ثم ~~مرت به على مكان طيب أنه يطهر بذلك، وذلك قول طائفة من أهل العلم في مذهب ~~أحمد وغيره، جعل المجرور بمنزلة النعل الذي يكثر ملاقاته النجاسة، فيطهر ~~بالجامد، كما يطهر السبيلان بالجامد لما تكرر ملاقاتهما النجاسة. # ثم إن هذا ليس معينا للستر فلو لبست المرأة سراويل، أو خفا واسعا صلبا ~~كالموق، وتدلى فوقه الجلباب بحيث لا يظهر حجم القدم، لكان هذا محصلا ~~للمقصود، بخلاف الخف اللين الذي يبدي حجم القدم؛ فإن هذا من لباس الرجال . ~~وكذلك المرأة لو لبست جبة وفروة لحاجتها إلى ذلك إلى دفع البرد، لم تنه عن ذلك. # فلو قال قائل : لم يكن النساء يلبسن الفراء، قلنا: فإن ذلك يتعلق بالحاجة، ~~فالبلاد الباردة يحتاج فيها إلى غلظ الكسوة، وكونها مدفئة، وإن لم يحتج إلى ذلك في ~~البلاد الحارة، فالفارق بين لباس الرجال ms0351 والنساء يعود إلى ما يصلح للرجال، ~~وما يصلح للنساء. وهو ما يناسب ما يؤمر به الرجال، وما تؤمر به النساء. فالنساء ~~مأمورات بالاستتار والاحتجاب، دون التبرج والظهور؛ ولهذا لم يشرع لها رفع ~~الصوت في الأذان ولا التلبية، ولا الصعود إلى الصفا والمروة، ولا التجرد في ~~الإحرام . كما يتجرد الرجل . # فإن الرجل مأمور أن يكشف رأسه، وأن لا يلبس الثياب المعتادة وهي التي ~~تصنع على قدر أعضائه، فلا يلبس القميص، ولا السراويل ولا البرنس، ولا الخف، ~~لكن لما كان محتاجا إلى ما يستر العورة، ويمشي فيه، رخص له في آخر الأمر إذا لم ~~يجد إزارا أن يلبس سراويل، وإذا لم يجد نعلين أن يلبس خفين. وجعل ذلك بدلا ~~للحاجة العامة، بخلاف ما يحتاج إليه حاجة خاصة لمرض أو برد، فإن عليه الفدية إذا PageV01P326 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0327.png) ~~لبسه، ولهذا طرد أبو حنيفة هذا القياس، وخالفه الأكثرون للحديث الصحيح. ولأجل ~~الفرق بين هذا وهذا. # وأما المرأة فإنها لم تنه عن شيء من اللباس؛ لأنها مأمورة بالاستتار ~~والاحتجاب، فلا يشرع لها ضد ذلك، لكن منعت أن تنتقب، وأن تلبس القفازين؛ ~~لأن ذلك لباس مصنوع على قدر العضو، ولا حاجة بها إليه. # وقد تنازع الفقهاء هل وجهها كرأس الرجل، أو كيديه على قولين في مذهب ~~أحمد وغيره. فمن جعل وجهها كرأسه، أمرها إذا سدلت الثوب من فوق رأسها أن ~~تجافيه عن الوجه . كما يجافى عن الرأس ما يظلل به. # ومن جعله كاليدين - وهو الصحيح - قال : هي لم تنه عن ستر الوجه، وإنما ~~نهيت عن الانتقاب . كما نهيت عن القفازين؛ وذلك كما نهى الرجل عن القميص، ~~والسراويل، ونحو ذلك . ففي معناه البرقع وما صنع لستر الوجه. فأما تغطية الوجه ~~بما يسدل من فوق الرأس، فهو مثل تغطيته عند النوم بالملحفة، ونحوها. ومثل تغطية ~~اليدين بالكمين، وهي لم تنه عن ذلك. # فلو أراد الرجال أن ينتقبوا ويتبرقعوا ويدعوا النساء باديات الوجوه، لمنعوا من ~~ذلك. # وكذلك المرأة أمرت أن تجتمع في الصلاة، ولا تجافي بين أعضائها وأمرت أن ~~تغطى ms0352 رأسها، فلا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار، ولو كانت في جوف بيت ~~لا يراها أحد من الأجانب، فدل ذلك على أنها مأمورة من جهة الشرع بستر لا يؤمر ~~به الرجل حقا لله عليها، وإن لم يرها بشر، وقد قال تعالى: (وقرن فى بيوتكن ولا ~~تبرجب تبرج الجنهيية الأوى) وقال النبي ل اهعليه ول لا تمنعوا إماء الله ~~مساجد الله، وبيوتهن خير لهن» وقال : لصلاة إحداكن في مخدعها، أفضل من ~~صلاتها في حجرتها، وصلاتها في حجرتها أفضل من صلاتها في دارها، وصلاتها في ~~دارها أفضل من صلاتها في مسجد قومها، وصلاتها في مسجد قومها أفضل من ~~صلاتها معي »1 وهذا كله لما في ذلك من الاستتار والاحتجاب. # ومعلوم أن المساكن من جنس الملابس كلاهما جعل في الأصل للوقاية، ودفع ~~الضرر . كما جعل الأكل والشرب لجلب المنفعة، فاللباس يتقي الإنسان به الحر ~~والبرد، ويتقي به سلاح العدو، وكذلك المساكن يتقي بها الحر والبرد، ويتقي بها ~~العدو. وقال تعالى : (وآنه جعل نكم مم خلق ظالا وجعل لكر من الجبال أتننا PageV01P327 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0328.png) ~~وجعل لكم سرابيل تفيكم الحر وسربيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم ~~تسلموب) فذكر في هذا الموضع ما يحتاجون إليه لدفع ما قد يؤذيهم. # وذكر في أول السورة ما يضطرون إليه لدفع ما يضرهم، فقال : (والأنعام خلقها ~~لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون) فذكر ما يستدفئون به، ويدفعون ~~به البرد؛ لأن البرد يهلكهم، والحر يؤذيهم؛ ولهذا قال بعض العرب: البرد بؤس، ~~والحر أذى؛ ولهذا السبب لم يذكر في الآية الأخرى وقاية البرد، فإن ذلك تقدم في ~~أول السورة، وهو ذكر في أثناء السورة ما أتم به النعمة، وذكر في أول السورة أصول ~~النعم؛ ولهذا قال : ( كذالك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلموب). # والمقصود هنا : أن مقصود الثياب تشبه مقصود المساكن، والنساء مأمورات في ~~هذا بما يسترهن ويحجبهن، فإذا اختلف لباس الرجال والنساء مما كان أقرب إلى ~~مقصود الاستتار والاحتجاب : كان للنساء، وكان ضده للرجال . # وأصل هذا : أن تعلم أن الشارع ms0353 له مقصودان: # أحدهما : الفرق بين الرجال والنساء. # والثانى : احتجاب النساء. فلو كان مقصوده مجرد الفرق لحصل ذلك بأي وجه ~~حصل به الاختلاف . وقد تقدم فساد ذلك، بل أبلغ من ذلك أن المقصود باللباس ~~ظهار الفرق بين المسلم والذمي ليترتب على كل منهما من الأحكام الظاهرة ~~ما يناسبه. # ومعلوم أن هذا يحصل بأي لباس، اصطلحت الطائفتان على التميز به، ومع هذا ~~فقد روعي في ذلك ما هو أخص من الفرق، فإن لباس الأبيض لما كان أفضل من ~~غيره. كما قال صلى الله عليه وسلم :(:عليكم بالبياض فليلبسه أحياؤكم. وكفنوا فيه موتاكم لم ~~يكن من السنة أن يجعل لباس أهل الذمة الأبيض، ولباس أهل الإسلام المصبوغ ~~كالعسلي والأدكن، ونحو ذلك؛ بل الأمر بالعكس. # وكذلك في الشعور وغيرها؛ فكيف الأمر في لباس الرجال والنساء، ليس ~~المقصود به مجرد الفرق، بل لا بد من رعاية جانب الاحتجاب والاستتار. # وكذلك أيضا ليس المقصود مجرد حجب النساء وسترهن، دون الفرق بينهن ~~وبين الرجال؛ بل الفرق أيضا مقصود، حتى لو قدر أن الصنفين اشتركوا فيما يستر ~~ويحجب، بحيث يشتبه لباس الصنفين لنهوا عن ذلك. # والله تعالى قد بين هذا المقصود أيضا، بقوله تعالى: (يايا النبي قل لأزوابك PageV01P328 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0329.png) ~~وبالك ونياء المزمنين يذنيب علنهن من جلبيبهن ذلك أدن أن يعرقن فلا يؤذين) ب]. ~~فجعل كونهن يعرفن باللباس الفارق أمر مقصود. # ولهذا جاءت صيغة النهي بلفظ التشبه، بقوله صلى الله عليه وسلم، لعن الله المتشبهات من ~~النساء بالرجال. والمتشبهين من الرجال بالنساء وقال : للعن الله المخنثين من ~~الرجال، والمترجلات من النساء فعلق الحكم باسم التشبه. ويكون كل صنف ~~يتصف بصفة الآخر. # وقد بسطنا هذه القاعدة في (اقتضاء الصراط المستقيم، لمخالفة أصحاب ~~الجحيم) وبينا أن المشابهة في الأمور الظاهرة تورث تناسبا وتشابها في الأخلاق، ~~والأعمال، ولهذا نهينا عن مشابهة الكفار، ومشابهة الأعاجم، ومشابهة الأعراب، ~~ونهى كل من الرجال والنساء عن مشابهة الصنف الآخر ، كما في الحديث المرفوع : ~~ل1من تشبه بقوم فهو منهم»3 . « وليس منا من تشبه بغيرنا»4) والرجل المتشبه ms0354 بالنساء ~~يكتسب من أخلاقهن بحسب تشبهه، حتى يفضي الأمر به إلى التخنث المحض، ~~والتمكين من نفسه كأنه امرأة. # ولما كان الغناء مقدمة ذلك، وكان من عمل النساء، كانوا يسمون الرجال المغنين ~~مخانيث. والمرأة المتشبهة بالرجال تكتسب من أخلاقهم، حتى يصير فيها من التبرج ~~والبروز ومشاركة الرجال، ما قد يفضي ببعضهن إلى أن تظهر بدنها كما يظهره الرجل، ~~وتطلب أن تعلو على الرجال، كما تعلو الرجال على النساء، وتفعل من الأفعال ما ينافي ~~الحياء والخفر المشروع للنساء وهذا القدر قد يحصل بمجرد المشابهة. # وإذا تبين أنه لا بد من أن يكون بين لباس الرجال والنساء فرق يتميز به الرجال ~~عن النساء . وإن يكون لباس النساء فيه من الاستتار والاحتجاب ما يحصل مقصود ~~ذلك : ظهر أصل هذا الباب وتبين أن اللباس إذا كان غالبه لبس الرجال، نهيت عنه ~~المرأة، وإذا كان ساترا كالفراجي التي جرت عادة بعض البلاد أن يلبسها الرجال دون ~~النساء، والنهي عن مثل هذا بتغير العادات، وأما ما كان الفرق عائدا إلى نفس الستر ~~فهذا يؤمر به النساء بما كان أستر، ولو قدر أن الفرق يحصل بدون ذلك، فإذا اجتمع ~~في اللباس قلة الستر، والمشابهة، نهى عنه من الوجهين، والله أعلم. PageV01P329 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0330.png) # وسئل رحمه الله تعالى : عن لبس النساء هذه العمائم التي على رؤوسهن. هل ~~هي حرام? أو مكروه? وما العمائم التي تستحب للنساء? وهل يجوز لهن لبس ~~الخف؟ # فأجاب : الحمد لله وحده. هذه العمائم التي تلبسها النساء حرام، بلا ريب، ففي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لصنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما بعد: نساء ~~كاسيات عاريات مائلات مميلات، على رؤوسهن مثل أسنمة البخت، لا يدخلن الجنة، ~~ولا يجدن ريحها، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله # وأيضا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم آن قال : لعن الله المتشبهات من النساء ~~بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء وفي لفظ : لعن الله المتخنثين من ~~الرجال والمترجلات من النساء وفي ms0355 سنن أبي داودلال صلى الله عليه وسلم وأ أم سلمة تعتصب ~~فقال : «يا أم سلمة! لية ؛ لا ليتان» # وما كان من لباس الرجال مثل العمامة والخف والقباء الذي للرجال، والثياب ~~التي تبدي مقاطع خلقها، والثوب الرقيق الذي لا يستر البشرة، وغير ذلك؛ فإن المرأة ~~تنهى عنه، وعلى وليها كأبيها وزوجها أن ينهاها عن ذلك، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : هل يجوز للنساء لبس العصائب الكبار التي يتشبهن بلبسها ~~بالرجال أم لا ? وهل ورد في تحريم ذلك نص خاص، أم لا? # فأجاب : الحمد لله. أما لبس النساء العصائب الكبار فهو حرام، فقد ثبت في ~~الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : لاصنفان من أمتي ~~لم أرهما بعد : نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، على رؤوسهن كأمثال أسنمة ~~البخت، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها . ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر ~~يضربون بها عباد الله» وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم ال لأم سلمة وهي تعتصب: ليا ~~م سلمة! لية لا ليتان» وفي الصحيح أنه قال : لعن الله المتشبهات من النساء ~~بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء # والنصوص عامة وخاصة بتحريم ذلك، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ان هؤلاء من أهل ~~النار . وأخبر بهم قبل أن يكونوا، والله أعلم. PageV01P330 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0331.png) ~~330 # وسئل رحمه الله تعالى : هل تكره الصلاة في أي موضع من الأرض? # فأجاب : نعم! ينهى عن الصلاة في مواطن، فإنه قد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أ سئل عن الصلاة في أعطان الإبل، فقال : (لا تصلوا فيها وسئل عن ~~الصلاة في مبارك الغنم فقال : صلوا فيها وفي السنن أنه قال : «الأرض كلها ~~مسجد إلا المقبرة والحمام وفي الصحيح عه صلى ل الله عليه وسلم أنه قال : لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا # وفي الصحيح عنه أنه قال : إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ~~ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ms0356 فإني أنهاكم عن ذلك وفي السنن : أنه نهى عن ~~الصلاة بأرض الخسف . وفي سنن ابن ماجه وغيره: «أنه نهى عن الصلاة في سبع ~~مواطن : المقبرة، والمجزرة، والمزبلة، وقارعة الطريق، والحمام، وظهر البيت ~~الحرام، وهذه المواضع - غير ظهر بيت الله الحرام - قد يعللها بعض الفقهاء بأنها ~~مظنة النجاسة . وبعضهم يجعل النهي تعبدا. # والصحيح أن عللها مختلفة. تارة تكون العلة مشابهة أهل الشرك: كالصلاة عند ~~القبور، وتارة لكونها مأوى للشياطين: كأعطان الإبل. وتارة لغير ذلك، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن الحمام إذا اضطر المسلم للصلاة فيها، وخاف فوات ~~الوقت هل يجوز ذلك أم لا؟8) # فأجاب : إذا لم يمكنه أن يغتسل ويخرج ويصلي حتى يخرج الوقت، فإنه يغتسل، ~~ويصلي بالحمام؛ فإن الصلاة في الأماكن المنهي عنها في الوقت أولى من الصلاة بعد ~~الوقت في غيرها ولهذا لو حبس في الحش صلى فيه، وفي الإعادة نزاع. والصحيح أنه ~~لا إعادة عليه؛ ولهذا يصلي في الوقت عريانا، إذا لم يمكنه إلا كذلك. وأما إن أمكنه PageV01P331 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0332.png) ~~الاغتسال والخروج للصلاة خارج الحمام في الوقت لم يجز له الصلاة في الحمام، ~~وكذلك لو أمكنه الاغتسال في بيته، فإنه لا يصلي في الحمام إلا لحاجة، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : هل الصلاة في البيع والكنائس جائزة مع وجود الصور ~~أم لا? وهل يقال : إنها بيوت الله أم لا? # فأجاب : ليست بيوت الله، وإنما بيوت الله المساجد؛ بل هي بيوت يكفر فيها ~~بالله، وإن كان قد يذكر فيها فالبيوت بمنزلة أهلها، وأهلها كفار، فهي بيوت عبادة الكفار. # وأما الصلاة فيها ففيها ثلاثة أقوال للعماء في مذهب أحمد وغيره: المنع مطلقا، ~~وهو قول مالك . والإذن مطلقا وهو قول بعض أصحاب أحمد. والثالث: وهو ~~الصحيح المأثور عن عمر بن الخطاب وغيره، وهو منصوص عن أحمد وغيره، أنه إن ~~كان فيها صور لم يصل فيها، لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، ولأن النبيصلى الله عليه وسلم ~~لم يدخل الكعبة حتى محي ما فيها من الصور، وكذلك قال ms0357 عمر : إنا كنا لا ندخل ~~كنائسهم والصور فيها. # وهي بمنزلة المسجد المبني على القبر، ففي الصحيحين أنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم نيسة ~~بأرض الحبشة، وما فيها من الحسن والتصاوير، فقال : «أولئك إذا مات فيهم الرجل ~~الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله ~~يوم القيامة» وأما إذا لم يكن فيها صور فقد صلى الصحابة في الكنيسة، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عمن تحجر موضعا من المسجد. بسجادة أو بساط أو ~~غير ذلك . هل هو حرام؟ وإذا صلى إنسان على شيء من ذلك بغير إذن مالكه هل ~~يكره؟ أم لا؟3 # فأجاب : ليس لأحد أن يتحجر من المسجد شيئا لا سجادة يفرشها قبل ~~حضوره، ولا بساطا، ولا غير ذلك. وليس لغيره أن يصلي عليها بغير إذنه؛ لكن ~~يرفعها ويصلي مكانها؛ في أصح قولي العلماء. والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن دخول النصراني أو اليهودي في المسجد بإذن المسلم، ~~أو بغير إذنه أو يتخذه طريقا. فهل يجوز? # فأجاب: ليس للمسلم أن يتخذ المسجد طريقا، فكيف إذا اتخذه الكافر طريقا، PageV01P332 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0333.png) # وأما إذا كان دخله ذمي لمصلحة، فهذا فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن ~~أحمد : # أحدهما : لا يجوز، وهو مذهب مالك؛ لأن ذلك هو الذي استقر عليه عمل ~~الصحابة. # والثاني : يجوز وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وفي اشتراط إذن المسلم ~~وجهان، في مذهب أحمد، وغيره. # وسئل رحمه الله تعالى : هل تصح الصلاة في المسجد إذا كان فيه قبر، والناس ~~تجتمع فيه لصلاتي الجماعة والجمعة أم لا? وهل يمهد القبر، أو يعمل عليه حاجز، ~~أو حائط?1 # فأجاب: الحمد لله، اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : لإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد. فإني أنهاكم عن ذلك. # وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد. فإن كان المسجد قبل الدفن غير : إما ~~بتسوية القبر، وإما بنبشه إن كان جديدا. # وإن كان ms0358 المسجد بني بعد القبر : فإما أن يزال المسجد، وإما أن تزال صورة ~~القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض، ولا نفل، فإنه منهي عنه. # وسئل غفر الله له : عن جماعة نازلين في الجامع مقيمين ليلا ونهارا وأكلهم ~~وشربهم ونومهم وقماشهم وأثاثهم الجميع في الجامع، ويمنعون من ينزل عندهم من ~~غير جنسهم، وحكروا الجامع ثم إن جماعة دخلوا بعض المقاصير يقرأون القرآن ~~احتسابا فمنعهم بعض المجاورين وقال: هذا موضعنا. فهل يجوز ذلك? أفتونا ~~ماجورين(3). # فأجاب: الحمد لله. ليس لأحد من الناس أن يختص بشيء من المسجد بحيث ~~يمنع غيره منه دائما؛ بل قد لانهى النبي صلى الله عليه وسلم ن إيطان كإيطان البعير. # قال العلماء: معناه أن يتخذ الرجل مكانا من المسجد لا يصلي إلا فيه، فإذا ~~كان ليس له ملازمة مكان بعينه للصلاة كيف بمن يتحجر بقعة دائما. هذا لو كان إنما ~~يفعل فيها ما يبني له المسجد من الصلاة والذكر ونحو ذلك، فكيف إذا اتخذ المسجد PageV01P333 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0334.png) ~~بمنزلة البيوت فيه أكله وشربه ونومه وسائر أحواله التي تشتمل على ما لم تبن ~~المساجد له دائما؛ فإن هذا يمنع باتفاق المسلمين، فإنما وقعت الرخصة في بعض ~~ذلك لذوي الحاجة، مثل ما كان أهل الصفة : كان الرجل يأتي مهاجرا إلى المدينة، ~~وليس له مكان يأوي إليه، فيقيم بالصفة إلى أن يتيسر له أهل أو مكان يأوي إليه ثم ~~ينتقل . ومثل المسكينة التي كانت تأوي إلى المسجد، وكانت تقمه. ومثل ما كان ابن ~~عمر يبيت في المسجد، وهو عزب؛ لأنه لم يكن له بيت يأوي إليه حتى تزوج. # ومن هذا الباب علي بن أبي طالب: لما تقاول هو وفاطمة ذهب إلى المسجد ~~فنام فيه . فيجب الفرق بين الأمر اليسير، وذوي الحاجات وبين ما يصير عادة ويكثر، ~~وما يكون لغير ذوي الحاجات؛ ولهذا قال ابن عباس : لا تتخذوا المسجد مبيتا ~~ومقيلا. هذا ولم يفعل فيه إلا النوم، فكيف ما ذكر من الأمور?! والعلماء قد تنازعوا ~~في المعتكف هل ينبغي له أن ms0359 يأكل في المسجد، أو في بيته، مع أنه مأمور بملازمة ~~المسجد، وأن لا يخرج منه إلا لحاجة، والأئمة كرهوا اتخاذ المقاصير في المسجد، ~~لما أحدثها بعض الملوك؛ لأجل الصلاة خاصة، وأولئك إنما كانوا يصلون فيها ~~خاصة. # فأما اتخاذها للسكنى والمبيت وحفظ القماش والمتاع فيها فما علمت مسلما ~~ترخص في ذلك، فإن هذا يجعل المسجد بمنزلة الفنادق التي فيها مساكن متحجرة، ~~والمسجد لا بد أن يكون مشتركا بين المسلمين، لا يختص أحد بشيء منه، إلا ~~بمقدار لبثه للعمل المشروع فيه، فمن سبق إلى بقعة من المسجد لصلاة أو قراءة أو ~~ذكر أو تعلم علم أو اعتكاف ونحو ذلك فهو أحق به حتى يقضي ذلك العمل، ليس ~~لأحد إقامته منه ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم بي أن يقام الرجل من مجلسه، ولكن يوسع ويفسح. ~~وإذا انتقض وضوؤه ثم عاد فهو أحق بمكانه، فإن النبي صى الله عليه وسلم سن ذلك، قال : لإذا قام ~~الرجل عن مجلسه ثم عاد إليه فهو أحق به. # وأما أن يختص بالمقام والسكنى فيه، كما يختص الناس بمساكنهم، فهذا من ~~أعظم المنكرات باتفاق المسلمين. وأبلغ ما يكون من المقام في المسجد مقام ~~المعتكف، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم عتكف في المسجد، وكان يحتجر له حصيرا فيعتكف ~~فيه، وكان يعتكف في قبة وكذلك كان الناس يعتكفون في المساجد، ويضربون لهم ~~فيه القباب فهذه مدة الاعتكاف خاصة، والاعتكاف عبادة شرعية، وليس للمعتكف أن ~~يخرج من المسجد إلا لما لا بد منه، والمشروع له أن لا يشتغل إلا بقربة إلى الله، ~~والذي يتخذه سكنا ليس معتكفا بل يشتمل على فعل المحظور، وعلى المنع من PageV01P334 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0335.png) ~~المشروع، فإن من كان بهذه الحال منع الناس من أن يفعلوا في تلك البقعة ما بني له ~~المسجد من صلاة وقراءة وذكر، كما في الاستفتاء أن بعضهم يمنع من يقرأ القرآن في ~~تلك البقعة، كغيره من القراء، والذي فعله هذا الظالم منكر من وجوه: # أحدها : اتخاذ المسجد مبيتا ومقيلا، وسكنا كبيوت الخانات، ms0360 والفنادق. # والثاني : منعه من يقرأ القرآن حيث يشرع. # والثالث : منع بعض الناس دون بعض، فإن احتج بأن أولئك يقرأون لأجل ~~الوقف الموقوف عليهم، وهذا ليس من أهل الوقف، كان هذا العذر أقبح من المنع، ~~لأن من يقرأ القرآن محتسبا أولى بالمعاونة ممن يقرأه لأجل الوقف، وليس للواقف أن ~~يغير دين الله وليس بمجرد وقفه يصير لأهل الوقف في المسجد حق لم يكن لهم قبل ~~ذلك ولهذا لو أراد الواقف أن يحتجر بقعة من المسجد لأجل وقفه بحيث يمنع غيره ~~منها لم يكن له ذلك، ولو عين بقعة من المسجد لما أمر به من قراءة أو تعليم ونحو ~~ذلك لم تتعين تلك البقعة، كما لا تتعين في النذر؛ فإن الإنسان لو نذر أن يصلي ~~ويعتكف في بقعة من المسجد لم تتعين تلك البقعة، وكان له أن يصلي ويعتكف في ~~سائر بقاع المسجد عنه عامة أهل العلم، لكن هل عليه كفارة يمين? على وجهين في ~~مذهب أحمد. # وأما الأئمة الثلاثة فلا يوجبون عليه كفارة، وهذا لأنه لا يجب بالنذر إلا ما كان ~~طاعة بدون النذر، وإلا فالنذر لا يجعل ما ليس بعبادة عبادة، والناذر ليس عليه أن ~~يوقف إلا ما كان طاعة لله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن ~~نذر أن يعصي الله فلا يعصه. # ولهذا لو نذر حراما أو مكروها أو مباحا مستوي الطرفين، لم يكن عليه الوفاء ~~به. وفي الكفارة قولان أوجبها في المشهور أحمد، ولم يوجبها الثلاثة. # وكذلك شرط الواقف والبائع وغيرهما. # كما قال النبي : ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله? من ~~اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط ~~الله أوثق وهذا كله لأنه ليس لأحد أن يغير شريعته التي بعث بها رسوله، ~~ولا يبتدع في دين انله ما لم يأذن به الله، ولا يغير أحكام المساجد عن حكمها الذي PageV01P335 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0336.png) ~~أماكن الصلاة هل يجوز ذلك أم لا؟ ms0361 # فأجاب : أما النوم أحيانا للمحتاج مثل الغريب والفقير الذي لا مسكن له فجائز، ~~وأما اتخاذه مبيتا ومقيلا فينهون عنه. # وأما الكلام الذي يحبه الله ورسوله في المسجد فحسن، وأما المحرم فهو في ~~المسجد أشد تحريما. وكذلك المكروه. ويكره فيه فضول المباح. # وأما المشي بالنعال فجائز، كما كان الصحابة يمشون بنعالهم في مسجد ~~النبي لى الله عليه وسلم كن ينبغي للرجل إذا أتى المسجد أن يفعل ما أمره به رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ينظر ~~في نعليه، فإن كان بهما أذى فليدلكهما بالتراب، فإن التراب لهما طهور، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن السواك وتسريح اللحية في المسجد: هل هو جائز أم ~~(227 # فأجاب : أما السواك في المسجد فما علمت أحدا من العلماء كرهه بل الآثار ~~تدل على أن السلف كانوا يستاكون في المسجد، ويجوز أن يبصق الرجل في ثيابه في ~~المسجد، ويمتخط في ثيابه، باتفاق الأئمة وبسنة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم اثابتة عنه، بل يجوز ~~التوضؤ في المسجد بلا كراهة عند جمهور العلماء. فإذا جاز الوضوء فيه، مع أن ~~الوضوء يكون فيه السواك، وتجوز الصلاة فيه، والصلاة يستاك عندها فكيف يكره ~~السواك? ! وإذا جاز البصاق والامتخاط فيه، فكيف يكره السواك. # وأما التسريح: فإنما كرهه بعض الناس بناء على أن شعر الإنسان المنفصل ~~نجس، ويمنع أن يكون في المسجد شيء نجس، أو بناء على أنه كالقذاة. وجمهور ~~العلماء على أن شعر الإنسان المنفصل عنه طاهر، كمذهب مالك، وأبي حنيفة، ~~وأحمد في ظاهر مذهبه، وأحد الوجهين في مذهب الشافعي، وهو الصحيح، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم تحلق رأسه، وأعطى نصفه لأبي طلحة، ونصفه قسمه بين الناس. # و(باب الطهارة والنجاسة) يشارك النبي صلى الله عليه وسلم يه أمته؛ بل الأصل أنه أسوة لهم ~~في جميع الأحكام، إلا ما قام فيه دليل يوجب اختصاصه به . # وأيضا الصحيح الذي عليه الجمهور أن شعور الميتة طاهرة. بل في أحد قولي ~~العلماء، وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين ms0362 أن جميع الشعور طاهرة ~~حتى شعر الخنزير، وعلى القولين إذا سرح شعره وجمع الشعر فلم يترك في المسجد ~~فلا بأس بذلك. PageV01P336 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0337.png) # وأما ترك شعره في المسجد، فهذا يكره، وإن لم يكن نجسا، فإن المسجد ~~يصان حتى عن القذاة، التي تقع في العين. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن الضحايا : هل يجوز ذبحها في المسجد? وهل ~~تغسل الموتى، وتدفن الأجنة فيها? وهل يجوز تغيير وقفها من غير منفعة تعود عليها ? ~~وهو يجوز الاستنجاء في المسجد، والغسل? وإذا لم يجز، فما جزاء من يفعله، ~~ولا يأتمر بأمر الله? ولا ينتهي عما نهى عنه? وإن أفناه عالم سبه، وهل يجب على ~~ولي الأمر زجره ومنعه، وإعادة الوقف إلى ما كان عليه ? # فأجاب : لا يجوز أن يذبح في المسجد : لا ضحايا ولا غيرها، كيف والمجزرة ~~المعدة للذبح قد كره الصلاة فيها، إما كراهية تحريم، وإما كراهية تنزيه؛ فكيف يجعل ~~المسجد مشابها للمجزرة، وفي ذلك من تلويث الدم للمسجد ما يجب تنزيهه. # وكذلك لا يجوز أن يدفن في المسجد ميت: لا صغير، ولا كبير، ولا جنين، ~~ولا غيره . فإن المساجد لا يجوز تشبيهها بالمقابر. # وأما تغيير الوقف لغير مصلحة؛ فلا يجوز، ولا يجوز الاستنجاء فيها. # وأما الوضوء ففي كراهته في المسجد نزاع بين العلماء، والأرجح أنه لا يكره ~~إلا أن يحصل معه امتخاط أو بصاق في المسجد، فإن البصاق في المسجد خطيئة، ~~وكفارتها دفنها، فكيف بالمخاط. # ومن لم يأتمر بما أمره الله به، وينته عما نهى الله عنه؛ بل يرد على الآمرين ~~بالمعروف والناهين عن المنكر، فإنه يعاقب العقوبة الشرعية التي توجب له ولأمثاله ~~أداء الواجبات، وترك المحرمات. # ولا تغسل الموتى في المسجد، وإذا أحدث في المسجد ما يضر بالمصلين أزيل ~~ما يضرهم، وعمل بما يصلحهم، أما إعادته إلى الصفة الأولى، أو أصلح. والله ~~أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عمن يعلم الصبيان في المسجد: هل يجوز له البيات ~~في المسجد ? # فأجاب : الحمد لله. يصان المسجد عما يؤذيه، ويؤذي المصلين فيه، حتى رفع ms0363 ~~الصبيان أصواتهم فيه، وكذلك توسيخهم لحصره، ونحو ذلك. لا سيما إن كان وقت ~~الصلاة، فإن ذلك من عظيم المنكرات. # وأما المبيت فيه؛ فإن كان لحاجة كالغريب الذي لا أهل له، والغريب الفقير PageV01P337 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0338.png) ~~الذي لا بيت له، ونحو ذلك، إذا كان يبيت فيه بقدر الحاجة، ثم ينتقل فلا بأس، ~~وأما من اتخذه مبيتا ومقيلا، فلا يجوز ذلك. # وسئل رحمه الله تعالى : عن مسجد يقرأ فيه القرآن والتلقين بكرة وعشية، ثم ~~على باب المسجد شهود يكثرون الكلام، ويقع التشويش على القراء، فهل يجوز ~~ذلك. أم لا? # فأجاب : الحمد لله. ليس لأحد أن يؤذي أهل المسجد : أهل الصلاة، أو ~~القراءة، أو الذكر، أو الدعاء، ونحو ذلك مما بنيت المساجد له، فليس لأحد أن ~~يفعل في المسجد، ولا على بابه أو قريبا منه ما يشوش على هؤلاء. بل قد خرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يصلون، ويجهرون بالقراءة. فقال : أيها الناس! كلكم ~~يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة. فإذا كان قد نهى المصلي ~~أن يجهر على المصلي، فكيف بغيره?! ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد، أو ~~فعل ما يفضي إلى ذلك ، منع من ذلك، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن السؤال في الجامع: هل هو حلال? أم حرام? أو مكروه? ~~وأن تركه أوجب من فعله? # فأجاب : الحمد لله، أصل السؤال محرم في المسجد وخارج المسجد، إلا ~~لضرورة، فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد، ولم يؤذ أحدا بتخطيه رقاب الناس، ~~ولا غير تخطيه، ولم يكذب فيما يرويه، ويذكر من حاله، ولم يجهر جهرا يضر ~~الناس، مثل أن يسأل والخطيب يخطب، أو وهم يسمعون علما يشغلهم به، ونحو ~~ذلك جاز، والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : # في «استقبال القبلة وأنه لا نزاع بين العلماء في الواجب من ذلك وأن النزاع ~~بين القائلين بالجهة والعين لا حقيقة له، قال الله تعالى: (قد زى تقلب وجهك في ~~السماء فن ليينآكة قله ترعل ها فول ms0364 وجهكك عطر المسجد العراء وحيث ما كنتم فولوا وبوهكم PageV01P338 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0339.png) ~~ثطره ) إلى قوله : (ومن حيي خرجت فول رجهك شطر المسجد الحراء وحيث ما كنتم فولوا وجرمكم ~~شطرة )1] وشطره: نحوه، وتلقاؤه، كما قال : # أقيمي أم زنباع أقيمي صدور العيس شطر بني تميم # وقال : (ولكل وجهة هو موله) والوجهة هي الجهة، كما في ~~عدة، وزنة. أصلها: وعدة، ووزنة. فالقبلة هي التي تستقبل، والوجهة هي التي ~~يوليها. # وهو سبحانه أمره بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، والمسجد الحرام ~~هو الحرم كله، كما في قوله: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا): ~~8 وليس ذلك مختصا بالكعبة، وهذا يحقق الأثر المروي : الكعبة قبلة المسجد، ~~والمسجد قبلة مكة، ومكة قبلة الحرم، والحرم قبلة الأرض وقد ثبت في الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صلى في قبلي الكعبة ركعتين، وقال : هذه القبلة. وثبت عنه ~~في الصحيحين أنه قال : لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول؛ ولا تستدبروها؛ ولكن ~~شرقوا، أو غربوا»2 فنهى عن استقبال القبلة بغائط أو بول وأمر باستقبالها في ~~الصلاة، فالقبلة التي نهى عن استقبالها واستدبارها بالغائط والبول هي القبلة التي أمر ~~المصلي باستقبالها في الصلاة. # وقال صلى الله عليه وسلم:ما بين المشرق والمغرب قبلة قال الترمذي : حديث صحيح. ~~وهكذا قال غير واحد من الصحابة : مثل عمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، وابن ~~عباس، وابن عمر، وغيرهم. ولا يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك نزاع؛ وهكذا ~~نص عليه أئمة المذاهب المتبوعة، وكلامهم في ذلك معروف. وقد حكى متأخرو ~~الفقهاء في ذلك قولين في مذهب أحمد وغيره. # وقد تأملت نصوص أحمد في هذا الباب فوجدتها متفقة لا اختلاف فيها، ~~وكذلك يذكر الاختلاف في مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وهو عند التحقيق ليس ~~بخلاف؛ بل من قال : يجتهد أن يصلي إلى عين الكعبة، أو فرضه استقبال عين الكعبة ~~بحسب اجتهاده فقد أصاب . ومن قال : يجتهد أن يصلي إلى جهة الكعبة أو فرضه PageV01P339 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0340.png) ~~استقبال القبلة فقد أصاب. وذلك أنهم متفقون على أن ms0365 من شاهد الكعبة فإنه يصلي ~~إليها. ومتفقون على أنه كلما قرب المصلون إليها كان صفهم أقصر من البعيدين عنها. ~~وهذا شأن كل ما يستقبل . # فالصف القريب منها لا يزيد طوله على قدر الكعبة. ولو زاد لكان الزائد مصليا ~~إلى غير الكعبة . والصف الذي خلفه يكون أطول منه وهلم جرا. فإذا كانت الصفوف ~~تحت سقائف المسجد كانت منحنية بقدر ما يستقبلون الكعبة وهم يصلون إليها، وإلى ~~جهتها أيضا، فإذا بعد الناس عنها كانوا مصلين إلى جهتها. وهم مصلون إليها أيضا، ~~ولو كان الصف طويلا يزيد طوله على قدر الكعبة صحت صلاتهم باتفاق المسلمين، ~~وإن كان الصف مستقيما حيث لم يشاهدوها، ومن المعلوم أنه لو سار من الصفوف ~~لى خط مستقيم إليها لكان ما يزيد على قدرها خارجا عن مسافتها. # فمن توهم أن الفرض أن يقصد المصلي الصلاة في مكان لو سار على خط ~~مستقيم وصل إلى عين الكعبة فقد أخطأ . ومن فسر وجوب الصلاة إلى العين بهذا ~~وأوجب هذا فقد أخطأ، وإن كان هذا قد قاله قائل من المجتهدين فهذا القول خطأ ~~يخالف نص الكتاب والسنة وإجماع السلف؛ بل وإجماع الأمة. فإن الأمة متفقة على ~~صحة صلاة الصف المستطيل الذي يزيد طوله على سمت الكعبة بأضعاف مضاعفة ~~وإن كان الصف مستقيما لا انحناء فيه ولا تقوس. # فإن قيل : مع البعد لا يحتاج إلى الانحناء والتقوس كما يحتاج إليه في القرب، ~~كما أن الناس إذا استقبلوا الهلال أو الشمس أو جبلا من الجبال فإنهم يستقبلونه مع ~~كثرتهم وتفرقهم، ولو كان قريبا لم يستقبلوه إلا مع القلة والاجتماع، قيل: لا ريب ~~أنه ليس الانحناء والتقوس في البعد بقدر الانحناء والتقوس في القرب؛ بل كلما زاد ~~البعد قل الانحناء، وكلما قرب كثر الانحناء، حتى يكون أعظم الناس انحناء وتقوسا ~~الصف الذي يلي الكعبة، ولكن مع هذا فلا بد من التقوس والانحناء في البعد إذا كان ~~المقصود أن يكون بينه وبينها خط مستقيم بحيث لو مشى إليه لوصل إليها؛ لكن يكون ~~التقوس شيئا يسيرآجدا، كما ms0366 قيل : إنه إذا قدر الصف ميلا وهو مثلا في الشام كان ~~الانحناء من كل واحد بقدر شعيرة؛ فإن هذا ذكره بعض من نص وجوب استقبال ~~العين، وقال : إن مثل هذا التقوس اليسير يعفى عنه. # فيقال له؛ فهذا معنى قولنا: إن الواجب استقبال الجهة، وهو العفو عن وجوب ~~تحري مثل هذا التقوس والانحناء، فصار النزاع لفظيا لا حقيقة له . فالمقصود أن من ~~صلى إلى جهتها فهو مصل إلى عينها وإن كان ليس عليه أن يتحرى مثل هذا، ~~ولا يقال لمن صلى كذلك أنه مخطئ في الباطن معفو عنه؛ بل هذا مستقبل القبلة ~~باطنا وظاهرا وهذا هو الذي أمر به؛ ولهذا لما بنى أصحاب رسولله ل صلى الله عليه وسلماجد PageV01P340 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0341.png) ~~الأمصار كان في بعضها ما لو خرج منه خط مستقيم إلى الكعبة لكان منحرفا وكانت ~~صلاة المسلمين فيه جائزة باتفاق المسلمين. # وبهذا تظهر حقيقة قول من قال : إن من قرب منها أو من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا تكون إلا على خط مستقيم لأنه لا يقر على خطأ. فيقال : هؤلاء اعتقدوا أن مثل ~~هذه القبلة تكون خطأ وإنما تكون خطأ لو كان الفرض أن يتحرى استقبال خط مستقيم ~~بين وسط أنفه وبينها؛ وليس الأمر كذلك، بل قد تقدم نصوص الكتاب والسنة بخلاف ~~ذلك. # ونظير هذا قول بعضهم: إذا وقف الناس يوم العاشر خطأ أجزأهم فالصواب أن ~~ذلك هو يوم عرفة باطنا وظاهرا، ولا خطأ في ذلك؛ بل يوم عرفة هو اليوم الذي ~~يعرف فيه الناس، والهلال إنما يكون هلالا إذا استهله الناس، وإذا طلع ولم يستهلوه ~~فليس بهلال؛ مع أن النزاع في الهلال مشهور هل هو اسم لما يطلع وإن لم يستهل به? ~~أو لما يستهل به? وفيه قولان معروفان في مذهب أحمد وغيره؛ بخلاف النزاع في ~~استقبال الكعبة. # ويدل على ذلك أنه لو قيل بأن على الإنسان أن يتحرى أن يكون بين وسط أنفه ~~وجبهته وبينها خط مستقيم، قيل : فلا بد من طريق يعلم بها ذلك؛ فإن ms0367 الله لم يوجب ~~شيئا إلا وقد نصب على العلم به دليلا، ومعلوم أن طريق العلم بذلك لا يعرفه إلا ~~خاصة الناس مع اختلافهم فيه، ومع كثرة الخطأ في ذلك، ووجوب استقبال القبلة عام ~~لجميع المسلمين، فلا يكون العلم الواجب خفيا لا يعلم إلا بطريق طويلة صعبة ~~مخوفة مع تعذر العلم بذلك أو تعسره في أغلب الأحوال. # ولهذا كان الذين سلكوا هذه الطريق يتكلمون بلا علم مع اختلافهم في ذلك، ~~والدليل المشهور لهم الجدي والقطب، فمنهم من يقول : القطب هو الجدي، وهو ~~كوكب خفي، وهذا خطأ من ثلاثة أوجه؛ فإن القطب ليس هو الجدي، والجدي ليس ~~بكوكب خفي؛ بل كوكب نير، والقطب ليس أيضا كوكبا. ومنهم من يقول : الجدي ~~هو كوكب خفي، وهو خطأ . وجمهورهم يقولون: القطب كوكب خفي، ويحكون ~~قولين في القطب هل يدور أو لا يدور ? وهذا تخليط؛ فإن القطب الذي هو مركز ~~الحركة لا يتغير عن موضعه، كما أن قطب الرحى لا يتغير عن موضعه. ولكن هناك ~~كوكب صغير خفي قريب منه. # وهذا إذا سمي قطبا كانت تسميته باعتبار كونه أقرب الكواكب إلى القطب، وهذا ~~يدور؛ فالكواكب تدور بلا ريب، ومدار الحركة الذي هو قطبها لا يدور بلا ريب، ~~فحكاية قولين في ذلك كلام من لم يميز بين هذا وهذا، والدليل الظاهر هو الجدي. PageV01P341 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0342.png) ~~والاستدلال به على العين إنما يكون في بعض الأوقات؛ لا في جميعها؛ فإن القطب إذا ~~كانت الشمس في وسط السماء عند تناهي قصر الظلال يكون القطب محاذيا للركن الشامي ~~من البيت الذي يكون عن يمين المستقبل للباب، فمن كان بلده محاذيا لهذا القطب كأهل ~~حران ونحوهم كانت صلاتهم إلى الركن. ولهذا يقال : أعدل القبل قبلتهم. # ومن كان بلده غربي هؤلاء - كأهل الشام - فإنهم يميلون إلى جهة المشرق قليلا ~~بقدر بعدهم عن هذا الخط، فكلما بعدوا ازدادوا في الانحراف، ومن كان شرقي هؤلاء- ~~كأهل العراق - كانت قبلته بالعكس؛ ولهذا كان أهل تلك البلاد يجعلون القطب وما قرب ~~منه خلف أقفائهم، وأهل الشام يميلون قليلا، ms0368 فيجعلون ما بين الأذن اليسرى ونقرة القفا ~~أو خلف الأذن اليسرى بحسب قرب البلد وبعده عن هؤلاء، وأهل العراق يجعلون ذلك ~~خلف الأذن اليمنى، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة لم يأمروا أحدا بمراعاة القطب، ~~ولا ما قرب منه، ولا الجدي، ولا بنات نعش، ولا غير ذلك. # ولهذا أنكر الإمام أحمد على من أمر بمراعاة ذلك وأمر أن لا تعتبر القبلة ~~بالجدي، وقال : ليس في الحديث ذكر الجدي؛ ولكن ما بين المشرق والمغرب قبلة، ~~وهو كما قال؛ فإنه لو كان تحديد القبلة بذلك واجبا أو مستحبا لكان الصحابة أعلم ~~بذلك، وإليه أسبق، ولكان النبي صلى الله عليه وسلم ين ذلك؛ فإنه لم يدع من الدين شيئا إلا بينه، ~~فكيف وقد صرح بأن ما بين المشرق والمغرب قبلة، ونهى عن استقبال القبلة ~~واستدبارها بغائط أو بول، ومعلوم باتفاق المسلمين أن المنهي عنه من ذلك ليس هو ~~أن يكون بين المتخلي وبين الكعبة خط مستقيم؛ بل المنهي عنه أعم من ذلك، وهو ~~أمر باستقبال القبلة في حال، كما نهى عن استقبالها في حال. وإن كان النهي قد ~~يتناول ما لا يتناوله الأمر ؛ لكن هذا يوافق قوله : ما بين المشرق والمغرب قبلة. # وأيضا فإن تعليق الدين بذلك يفضي إلى تنازع الأمة واختلافها في دينها، والله ~~قد نهى عن التفرق والاختلاف؛ فإن جماهير الناس لا يعلمون ذلك تحديدا؛ وإنما ~~هم فيه مقلدون لمن قرب ذلك. فالتحديد في هذا متعذر أو متعسر ومثل هذا لا ترد ~~به الشريعة، والذين يدعون الحساب ومعرفة ذلك تجد أكثرهم يتكلمون في ذلك بما ~~هو خطأ، وبما إذا طولبوا بدليله رجعوا إلى مقدمات غير معلومة، وأخبار من لا يوثق ~~بخبره. والذين ذكروا بعض ذلك من الفقهاء هم تلقوه عن هؤلاء، ولم يحكوه، فصار ~~مرجع أتباع هؤلاء وهؤلاء إلى تقليد يتضمن خطأ في كثير من المواضيع، ثم يدعي ~~هذا أن هذه القبلة التي عينها هي الصواب دون ما عينه الآخر، ويدعي الآخر ضد ~~ذلك، حتى يصير الناس أحزابا وفرقا، ms0369 وكل ذلك مما نهى الله عنه ورسوله. # وسبب ذلك أنهم أدخلوا في دينهم ما ليس منه، وشرعوا من الدين ما لم يأذن ~~به الله، فاختلفوا في تلك البدعة التي شرعوها؛ لأنها لا ضابط لها، كما يختلف PageV01P342 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0343.png) ~~الذين يريدون أن يعلموا طلوع الهلال بالحساب، أو طلوع الفجر بالحساب، وهو أمر ~~لا يقوم عليه دليل حسابي مطرد؛ بل ذلك متناقض مختلف . فهؤلاء أعرضوا عن ~~الدين الواسع والأدلة الشرعية فدخلوا في أنواع من الجهل والبدع، مع دعواهم العلم ~~والحذق، كذلك يفعل الله بمن خرج عن المشروع إلى البدع، وتنطع في الدين. # وقد ثبت في الصحيح صحيح مسلم عن الأحنف بن قيس عن ابن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : هلك المتنطعون قالها ثلاثا، ورواه أيضا أحمد وأبو داود. # وأيضا فإن الله قال : (قول وجهكك شطر المسجد الحرا)] وقال: ~~(ولكل وجهة هو مولها) أي مستقبلها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم هذه القبلة ~~والقبلة ما يستقبل وقال : من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك ~~المسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا # وأجمع المسلمون على أنه يجب على المصلي استقبال القبلة في الجملة ~~فالمأمور به الاستقبال للقبلة وتولية الوجه شطر المسجد الحرام، فينظر هل الاستقبال ~~وتولية الوجه من شرطه أن يكون وسط وجهه مستقبلا لها، كوسط الأنف وما يحاذيه ~~من الجبهة والذقن ونحو ذلك. أو يكون الشخص مستقبلا لما يستقبله إذا وجه إليه ~~وجهه وإن لم يحاذه بوسط وجهه. فهذا أصل المسألة. # ومعلوم أن الناس قد سن لهم أن يستقبلوا الخطيب بوجوههم ونهوا عن استقبال ~~القبلة بغائط أو بول، وأمثال ذلك مما لم يشترط فيه أن يكون الاستقبال بوسط الوجه ~~والبدن؛ بل لو كان منحرفا انحرافا يسيرا لم يقدح ذلك في الاستقبال. # والاسم إن كان له حد في الشرع رجع إليه وإلا رجع إلى حده في اللغة ~~والعرف، والاستقبال هنا دل عليه الشرع واللغة والعرف. وأما الشارع فقال : ما بين ~~المشرق والمغرب قبلة ومعلوم أن من كان بالمدينة والشام ms0370 ونحوهما إذا جعل ~~المشرق عن يساره والمغرب عن يمينه فهو مستقبل للكعبة ببدنه؛ بحيث يمكن أن ~~يخرج من وجهه خط مستقيم إلى الكعبة، ومن صدره وبطنه؛ لكن قد لا يكون ذلك ~~الخط من وسط وجهه وصدره. فعلم أن الاستقبال بالوجه أعم من أن يختص بوسطه ~~فقط، والله أعلم. # وسئل رحمه الله: عن النية في الطهارة والصلاة والصيام والحج وغير ذلك، ~~فهل محل ذلك القلب؟ أم اللسان؟ وهل يجب أن نجهر بالنية؟ أو يستحب ذلك؟ أو ~~قال أحد من المسلمين إن لم يفعل ذلك بطلت صلاته. أو غيرها ? أو قال : إن صلاة PageV01P343 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0344.png) ~~الجاهر أفضل من صلاة الخافت . إماما كان أو مأموما أو منفردا، وهل التلفظ بها ~~واجب أم لا? أو قال أحد من الأئمة الأربعة أو غيرهم من أئمة المسلمين : إن لم يتلفظ ~~بالنية بطلت صلاته؟ # وإذا كانت غير واجبة، فهل يستحب التلفظ بها ? وما السنة التي كان عليها ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون ? وإذا أصر على الجهر بها معتقدا أن ذلك مشروع: ~~فهل هو مبتدع مخالف لشريعة الإسلام? أم لا? وهل يستحق التعزير على ذلك إذا لم ~~ينته? وابسطوا لنا الجواب # فأجاب : الحمد لله . محل النية القلب دون اللسان، باتفاق أئمة المسلمين في ~~جميع العبادات : الصلاة والطهارة والزكاة والحج والصيام والعتق والجهاد، وغير ~~ذلك. ولو تكلم بلسانه بخلاف ما نوى في قلبه كان الاعتبار بما نوى بقلبه، ~~لا باللفظ، ولو تكلم بلسانه ولم تحصل النية في قلبه لم يجزئ ذلك باتفاق أئمة ~~المسلمين . # فإن النية هي من جنس القصد؛ ولهذا تقول العرب: نواك الله بخير: أي قصدك ~~بخير. وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت ~~هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو ~~امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه موله صلى الله عليه وسلم النية النية التي في القلب؛ دون ~~اللسان باتفاق أئمة المسلمين : الأئمة الأربعة، وغيرهم. # وسبب ms0371 الحديث يدل على ذلك، فإن سببه أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ~~ليتزوج امرأة يقال لها : أم قيس، فسمي مهاجر أم قيس. فخطب النبي صلى الله عليه وسلم على ~~المنبر، وذكر هذا الحديث . وهذا كان نيته في قلبه. # والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب باتفاق المسلمين؛ بل الجاهر بالنية مبتدع ~~مخالف للشريعة، إذا فعل ذلك معتقدا أنه من الشرع، فهو جاهل ضال، يستحق ~~التعزير، وإلا العقوبة على ذلك، إذا أصر على ذلك بعد تعريفه والبيان له، لا سيما ~~إذا آذى من إلى جانبه برفع صوته، أو كرر ذلك مرة بعد مرة، فإنه يستحق التعزير ~~البليغ على ذلك، ولم يقل أحد من المسلمين إن صلاة الجاهر بالنية أفضل من صلاة ~~الخافت بها، سواء كان إماما أو مأموما، أو منفردا. # وأما التلفظ بها سرا فلا يجب أيضا، عند الأئمة الأربعة، وسائر أئمة المسلمين، PageV01P344 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0345.png) ~~ولم يقل أحد من الأئمة إن التلفظ بالنية واجب، لا في طهارة ولا في صلاة، ~~ولا صيام، ولا حج. # ولا يجب على المصلي أن يقول بلسانه : أصلي الصبح، ولا أصلي الظهر، ~~ولا العصر، ولا إماما ولا مأموما، ولا يقول بلسانه: فرضا ولا نفلا، ولا غير ~~ذلك؛ بل يكفي أن تكون نيته في قلبه، والله يعلم ما في القلوب. # وكذلك نية الغسل من الجنابة والوضوء يكفي فيه نية القلب. # وكذلك نية الصيام في رمضان لا يجب على أحد أن يقول: أنا صائم غدا. ~~باتفاق الأئمة؛ بل يكفيه نية قلبه. # والنية تتبع العلم، فمن علم ما يريد أن يفعله فلا بد أن ينويه، فإذا علم المسلبم ~~أن غدا من رمضان، وهو ممن يصوم رمضان، فلا بد أن ينوي الصيام، فإذا علم أن ~~غدا العيد لم ينو الصيام تلك الليلة. # وكذلك الصلاة : فإذا علم أن الصلاة القائمة صلاة الفجر، أو الظهر وهو يعلم ~~أنه يريد أن يصلي صلاة الفجر، أو الظهر، فإنه إنما ينوي تلك الصلاة، لا يمكنه أن ~~يعلم أنها الفجر، وينوي الظهر. # وكذلك إذا علم أنه يصلي ms0372 إماما أو مأموما؛ فإنه لا بد أن ينوي ذلك، والنية تتبع ~~العلم والاعتقاد اتباعا ضروريا، إذا كان يعلم ما يريد [أن] يفعله، فلا بد أن ينويه. ~~فإذا كان يعلم أنه يريد أن يصلي الظهر وقد علم أن تلك الصلاة صلاة الظهر، امتنع أن ~~يقصد غيرها، ولو اعتقد أن الوقت قد خرج أجزأته صلاته، باتفاق الأئمة. # ولو اعتقد أنه خرج فنوى الصلاة بعد الوقت، فتبين أنها في الوقت أجزأته ~~الصلاة باتفاق الأئمة . # وإذا كان قصده أن يصلي على الجنازة - أي جنازة كانت - فظنها رجلا، وكانت ~~امرأة، صحت صلاته بخلاف ما نوى. وإذا كان مقصوده أن لا يصلي إلا على من ~~يعتقد فلانا، وصلى على من يعتقد أنه فلان، فتبين غيره، فإنه هنا لم يقصد الصلاة ~~على ذلك الحاضر. # والمقصود هنا : أن التلفظ بالنية لا يجب عند أحد من الأئمة؛ ولكن بعض ~~المتأخرين خرج وجها في مذهب الشافعي بوجوب ذلك، وغلطه جماهير أصحاب ~~الشافعي، وكان غلطه أن الشافعي قال : لا بد من النطق في أولها، فظن هذا الغالط أن ~~الشافعي أراد النطق بالنية، فغلطه أصحاب الشافعي جميعهم، وقالوا: إنما أراد النطق ~~بالتكبير، لا بالنية . ولكن التلفظ بها هل هو مستحب? أم لا? هذا فيه قولان معروفان ~~للفقهاء. PageV01P345 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0346.png) # منهم من استحب التلفظ بها، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد، وقالوا: التلفظ بها أوكد، واستحبوا التلفظ بها في الصلاة والصيام ~~والحج، وغير ذلك. # ومنهم من لم يستحب التلفظ بها، كما قال ذلك من قاله من أصحاب مالك، ~~وأحمد، وغيرهما. وهذا هو المنصوص عن مالك، وأحمد، سئل: تقول قبل التكبير ~~شيئا؟ قال : لا . # وهذا هو الصواب فإن النبي صلى الله عليه وسلم ام يكن يقول قبل التكبير شيئا، ولم يكن يتلفظ ~~بالنية، لا في الطهارة، ولا في الصلاة، ولا في الصيام، ولا في الحج. ولا غيرها ~~من العبادات، ولا خلفاؤه، ولا أمر أحدا أن يتلفظ بالنية بل قال لمن علمه الصلاة: ~~كبر؛ كما في الصحيح عن عائشة - رضي ms0373 الله عنها - قالت : كان رسول الل له صلى الله عليه وسلم ~~يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يتلفظ قبل التكبير ~~بنية، ولا غيرها، ولا علم ذلك أحدا من المسلمين. ولو كان ذلك مستحبا لفعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعظمه المسلمون. # وكذلك في الحج إنما كان يستفتح الإحرام بالتلبية، وشرع للمسلمين أن يلبوا ~~في أول الحج، وقال صل صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير : لحجي واشترطي، فقولي: لبيك ~~اللهم لبيك، ومحلي حيث حبستني فأمرها أن تشترط بعد التلبية. # ولم يشرع لأحد أن يقول قبل التلبية شيئا. لا يقول: اللهم إني أريد العمرة ~~والحج، ولا الحج والعمرة، ولا يقول: فيسره لي وتقبله مني، ولا يقول: نويتهما ~~جميعا، ولا يقول: أحرمت لله، ولا غير ذلك من العبادات كلها. ولا يقول قبل ~~التلبية شيئا ، بل جعل التلبية في الحج كالتكبير في الصلاة. # وكان هو وأصحابه يقولون: فلان أهل بالحج، أهل بالعمرة؛ أو أهل بهما ~~جميعا. كما يقال كبر للصلاة، والإهلال رفع الصوت بالتلبية وكان يقول في تلبيته: ~~لبيك حجا وعمرة ينوي ما يريد [أن] يفعله بعد التلبية؛ لا قبلها. # وجميع ما أحدثه الناس من التلفظ بالنية قبل التكبير، وقبل إلتلبية، وفي ~~الطهارة، وسائر العبادات فهي من البدع التي لم يشرعها رسول الله له صلى الله عليه وسلم، وكل ~~ما يحدث في العبادات المشروعة من الزيادات التي لم يشرعها رسول الله ل صلى الله عليه وسلم في ~~بدعة بل كا صلى اله علي ويداوم في العبادات على تركها، ففعلها والمداومة عليها بدعة وضلالة PageV01P346 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0347.png) ~~من وجهين : من حيث اعتقاد المعتقد أن ذلك مشروع مستحب، أي يكون فعله خير ~~من تركه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم م يكن يفعله البتة، فيبقى حقيقة هذا القول، إن ما فعلناه ~~أكمل وأفضل مما فعله رسول الله صل صلى الله عليه وسلم # وقد سأل رجل مالك بن أنس عن الإحرام قبل الميقات، فقال : «أخاف عليك ~~الفتنة، فقال له السائل : أي فتنة في ms0374 ذلك ? وإنما زيادة أميال في طاعة الله عز وجل. ~~قال: وأي فتنة أعظم من أن تظن في نفسك أنك خصصت بفضل لم يفعله ~~رسول الله ل صلى الله عليه وسلم. # وقد ثبت في الصحيحين أنه قال : لمن رغب عن سنتي فليس مني» فأي من ~~ظن أن سنة أفضل من سنتي، فرغب عما سنيته معتقدا إنما رغب فيه أفضل مما رغب ~~عنه فليس مني ؛ لأن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، كما في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن كان يخطب بذلك يوم الجمعة. # فمن قال : إن هدي غير محمد صلى الله عليه وسلم اضل من هدي محمد فهو مفتون ؛ بل ضال ~~قال الله تعالى - إجلالا له وتثبيت حجته على الناس كافة - (فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمرء أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم) أي : وجيع. # وه صلى الله عليه وسلم د أمر المسلمين باتباعه، وأن يعتقدوا وجوب ما أوجبه، واستحباب ~~ما أحبه . وأنه لا أفضل من ذلك. فمن لم يعتقد هذا فقد عصى أمره، وفي صحيح ~~مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أ قال : هلك المتنطعون - قالها ثلاثا - أي المشددون في ~~غير موضع التشديد، وقال أبي بن كعب، وابن مسعود، اقتصاد في سنة خير من ~~اجتهاد في بدعة. # ولا يحتج محتج بجمع التراويح، ويقول : نعمت البدعة هذه فإنها بدعة في ~~اللغة، لكونهم فعلوا ما لم يكونوا يفعلونه في حياة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ثل هذه، وهي ~~سنة من الشريعة. وهكذا إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ومصر الأمصار ~~كالكوفة والبصرة، وجمع القرآن في مصحف واحد، وفرض الديوان، وغير ذلك. ~~فقيام رمضان سنه رسول الله له صلى الله عليه وسلم المآته، وصلى بهم جماعة عدة ليال، وكانوا على ~~عهد رسول الله له صلى الله عليه وسلم صسلون جماعة وفرادى، لكن لم يداوم على جماعة واحدة لئلا ~~يفترض عليهم، فلما ما صلى الله عليه وسلم ستقرت الشريعة. # فلما كان عمر ms0375 - رضي الله عنه - جمعهم على إمام واحد، والذي جمعهم ~~أبي بن كعب، جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعمر هو PageV01P347 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0348.png) ~~من الخلفاء الراشدين حيث يقول صلى الله عليه وسلم 1 عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ يعني الأضراس؛ لأنها أعظم في القوة. # وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أنه قال : لصلاة السفر ركعتان، فمن خالف ~~السنة كفر»(2) فأي من اعتقد أن الركعتين في السفر لا تجزئ المسافر كفر. # والوجه الثانى : من حيث المداومة على خلاف ما داوم عليه رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم في ~~العبادات؛ فإن هذا بدعة باتفاق الأئمة، وإن ظن الظان أن في زيادته خيرا كما أحدثه ~~بعض المتقدمين من الأذان والإقامة في العيدين، فنهوا عن ذلك، وكرهه أئمة ~~المسلمين، كما لو صلى عقيب السعي ركعتين قياسا على ركعتي الطواف، وقد ~~ستحب ذلك بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي . واستحب بعض المتأخرين من ~~أصحاب أحمد في الحاج إذا دخل المسجد الحرام أن يستفتح بتحية المسجد، فخالفوا ~~الأئمة والسنة، وإنما السنة أن يستفتح المحرم بالطواف كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما دخل ~~المسجد؛ بخلاف المقيم الذي يريد الصلاة فيه دون الطواف، فهذا إذا صلى تحية ~~المسجد فحسن . # وفي الجملة: فإن النبي صلى الل عليه وسلم د أكمل الله له ولأمته الدين، وأتم صلى الله عليه وسلم عليهم ~~النعمة، فمن جعل عملا واجبا ما لم يوجبه الله ورسوله، أو لم يكرهه الله ورسوله، ~~فهو غالط . # فجماع أئمة الدين أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه ~~الله ورسوله، ومن خرج عن هذا وهذا فقد دخل في حرب من الله، فمن شرع من ~~لدين ما لم يأذن به الله، وحرم ما لم يحرم الله ورسوله، فهو من دين أهل ~~الجاهلية، المخالفين لرسوله، الذين ذمهم الله في سورة الأنعام، والأعراف وغيرهما ~~من السور، حيث شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. فحرموا ما ms0376 لم يحرمه الله، ~~وأحلوا ما حرمه الله، فذمهم الله وعابهم على ذلك. # فلهذا كان دين المؤمنين بالله ورسوله، أن الأحكام الخمسة: الإيجاب ~~الاستحباب، والتحليل، والكراهية، والتحريم، لا يؤخذ إلا عن رسول لله له صلى الله عليه وسلم ~~فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولا حلال إلا ما أحله الله ورسوله. # فمن ذلك ما اتفق عليه أئمة الدين، ومنه ما تنازعوا فيه، فردوه إلى الله PageV01P348 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0349.png) ~~ورسوله، كما قال تعالى : (يأيما الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنزعثم في ~~شىءو فردوه إلى الله والرسول إن كتثم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير واحسن تأوبيلا). # فمن تكلم بجهل، وبما يخالف الأئمة، فإنه ينهى عن ذلك، ويؤدب على ~~الإصرار، كما يفعل بأمثاله من الجهال، ولا يقتدى في خلاف الشريعة بأحد من أئمة ~~الضلالة، وإن كان مشهورا عنه العلم، كما قال بعض السلف : لا تنظر إلى عمل ~~الفقيه، ولكن سله يصدقك، والله أعلم. والحمد لله. # وسئل رحمه الله تعالى : عمن يخرج من بيته ناويا الطهارة، أو الصلاة. هل ~~يحتاج إلى تجديد نية غير هذه عند فعل الطهارة أو الصلاة? أو لا? وهل التلفظ بالنية ~~سنة أم لا؟ # فأجاب: الحمد لله رب العالمين، سئل الإمام أحمد عن رجل يخرج من بيته ~~للصلاة، هل ينوي حين الصلاة؟ فقال: قد نوى حين خرج ولهذا قال أكابر أصحابه - ~~كالخرقي وغيره - يجزئه تقديم النية على التكبير من حين يدخل وقت الصلاة، وإذا ~~كان مستحضرا للنية إلى حين الصلاة أجزأ ذلك، باتفاق العلماء. فإن النية لا يجب ~~التلفظ بها باتفاق العلماء. # ومعلوم في العادة أن من كبر في الصلاة لا بد أن يقصد الصلاة وإذا علم أنه ~~يصلي الظهر نوى الظهر، فمتى علم ما يريد فعله نواه بالضرورة، ولكن إذا لم يعلم أو ~~نسي شذت عنه النية، وهذا نادر، والتلفظ بالنية في استحبابه قولان في مذهب أحمد ~~وغيره . والمنصوص عنه أنه لا يستحب التلفظ بالنية. قال أبو داود: قلت لأحمد: ~~يقول المصلي قبل التكبير ms0377 شيئا ? قال: لا. # وسئل غفر الله له : عن النية» في الدخول في العبادات من الصلاة، وغيرها. ~~هل تفتقر إلى نطق اللسان، مثل قول القائل: نويت أصوم، نويت أصلي، هل هو ~~واجب أم لا؟2 # فأجاب: الحمد لله. نية الطهارة من وضوء أو غسل أو تيمم، والصلاة والصيام ~~والحج والزكاة والكفارات، وغير ذلك من العبادات لا تفتقر إلى نطق اللسان، باتفاق ~~أئمة الإسلام، بل النية محلها القلب دون اللسان باتفاقهم، فلو لفظ بلسانه غلطا ~~بخلاف ما نوى في قلبه كان الاعتبار بما نوى، لا بما لفظ، ولم يذكر أحد في ذلك ~~خلافا إلا أن بعض متاخري أصحاب الشافعي - رحمه الله - خرج وجها في ذلك، ~~وغلطه فيه أيمة أصحابه. PageV01P349 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0350.png) # وكان سبب غلطه أن الشافعي قال : إن الصلاة لا بد من النطق في أولها. وأراد ~~الشافعي بذلك : التكبير الواجب في أولها، فظن هذا الغالط أن الشافعي أراد النطق ~~بالنية، فغلطه أصحاب الشافعي جميعهم. # ولكن تنازع العلماء : هل يستحب التلفظ بالنية سرا أم لا? هذا فيه قولان ~~معروفان للفقهاء. # فقالت طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: يستحب التلفظ بها؛ لكونه ~~أوكد؛ وقالت طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما: لا يستحب التلفظ بها؛ لأن ~~ذلك بدعة لم تنقل عن رسو اله له صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا أمر النبي صلى الله عليه وسلم حآدا من ~~أمته أن يتلفظ بالنية، ولا علم ذلك أحدا من المسلمين ولو كان هذا مشهورا مشروعا لم ~~يهمله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مع أن الأمة مبتلاة به كل يوم وليلة. # وهذا القول أصح الأقوال . بل التلفظ بالنية نقص في العقل والدين، أما في ~~الدين فلأنه بدعة . وأما في العقل فلأنه بمنزلة من يريد يأكل طعاما فيقول: نويت ~~بوضع يدي في هذا الإناء إني أريد آخذ منه لقمة فأضعها في فمي فأمضغها ثم أبلعها ~~لأشبع . مثل القائل الذي يقول : نويت أصلي فريضة هذه الصلاة المفروضة علي ~~حاضر الوقت، أربع ركعات في جماعة، أداء لله تعالى. ms0378 فهذا كله حمق وجهل، ~~وذلك أن النية بليغ العلم، فمتى علم العبد ما يفعله كان قد نواه ضرورة، فلا يتصور ~~مع وجود العلم بالعقل أن يفعل بلا نية؛ ولا يمكن مع عدم العلم أن تحصل نية. # وقد اتفق الأئمة على أن الجهر بالنية وتكريرها ليس بمشروع، بل من اعتاد ذلك ~~فإنه ينبغي له أن يؤدب تأديبا يمنعه عن ذلك التعبد بالبدع، وأذاء الناس برفع صوته؛ ~~لانه قد جاء الحديث : «أيها الناس كلكم يناجي ربه، فلا يجهرن بعضكم على بعض ~~بالقراءة» فكيف حال من يشوش على الناس بكلامه بغير قراءة? بل يقول: نويت ~~صلي، أصلي فريضة كذا وكذا، في وقت كذا وكذا، من الأفعال التي لم يشرعها ~~رسوللله ل صلى الله عليه وسلم # وسئل رحمه الله تعالى: عن رجل إذا صلى يشوش على الصفوف الذي حواليه ~~بالجهر بالنية وأنكروا عليه مرة ولم يرجع، وقال له إنسان: هذا الذي تفعله ما هو من ~~دين الله، وأنت مخالف فيه السنة. فقال: هذا دين الله الذي بعث به رسله، ويجب ~~على كل مسلم أن يفعل هذا، وكذلك تلاوة القرآن يجهر بها خلف الإمام. فهل هكذا ~~كان يفعل رسول الله له صلى الله عليه وسلم، ، و أحد من الصحابة ? أو أحد من الأئمة الأربعة ? أو من ~~علماء المسلمين، فإذا كان لم يكن رسول الله صل صلى الله عليه وسلم اصحابه والعلماء يعملون هذا في ~~الصلاة، فماذا يجب على من ينسب هذا إليهم وهو يعمله ? فهل يحل للمسلم أن يعينه ~~بكلمة واحدة إذا عمل هذا ونسبه إلى أنه من الدين. ويقول للمنكرين عليه كل يعمل PageV01P350 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0351.png) ~~في دينه ما يشتهي ? وإنكاركم علي جهل، وهل هم مصيبون في ذلك أم لا? # فأجاب: الحمد لله، الجهر بلفظ النية ليس مشروعا عند أحد من علماء ~~المسلمين، ولا فعله رسول لله له صلى الله عليه وسلم، ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه. وسلف ~~الأمة وأئمتها. ومن ادعى أن ذلك دين الله، وأنه واجب، فإنه يجب تعريفه الشريعة، ~~واستتابته من ms0379 هذا القول، فإن أصر على ذلك قتل، بل النية الواجبة في العبادات ~~كالوضوء والغسل والصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك محلها القلب باتفاق أئمة ~~المسلمين. # والنية» هي القصد والإرادة، والقصد والإرادة محلهما القلب دون اللسان ~~باتفاق العقلاء. فلو نوى بقلبه صحت نيته عند الأئمة الأربعة، وسائر أئمة المسلمين ~~من الأولين والآخرين، وليس في ذلك خلاف عند من يقتدى به، ويفي بقوله، ولكن ~~بعض المتأخرين من أتباع الأئمة زعم أن اللفظ بالنية واجب، ولم يقل : إن الجهر بها ~~واجب، ومع هذا فهذا القول خطأ صريح مخالف لإجماع المسلمين، ولما علم ~~بالاضطرار من دين الإسلام عند من يعلم سنة رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه، وكيف ~~كان يصلي الصحابة والتابعون، فإن كل من يعلم ذلك يعلم أنهم لم يكونوا يتلفظون ~~بالنية، ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولا علمه لأحد من الصحابة، بل قد ثبت في ~~الصحيحين وغيرهما أنه قال للأعرابي المسيء في صلاته : (إذا قمت إلى الصلاة ~~فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن. # وفي السنن عه صلى الله عليه وسلم أن قال: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، ~~وتحليلها التسليم»(3) . # وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن النبيصلى الله عليه وسلم ان يفتتح الصلاة ~~بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين. وقد ثبت بالنقل المتواتر وإجماع ~~المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة كانوا يفتحون الصلاة بالتكبير. # ولم ينقل مسلم لا عن النبي صى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من الصحابة أنه قد تلفظ قبل ~~التكبير بلفظ النية، لا سرا ولا جهرا ولا أنه أمر بذلك. ومن المعلوم أن الهمم ~~والدواعي متوفرة على نقل ذلك، لو كان ذلك، وأنه يمتنع على أهل التواتر عادة ~~وشرعا كتمان نقل ذلك، فإذا لم ينقله أحد علم قطعا أنه لم يكن. PageV01P351 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0352.png) # ولهذا يتنازع الفقهاء المتأخرون في اللفظ بالنية: هل هو مستحب مع النية التي ~~في القلب? فاستحبه طائفة من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. قالوا لأنه ms0380 ~~أوكد، وأتم تحقيقا للنية، ولم يستحبه طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما، وهو ~~المنصوص عن أحمد وغيره، بل رأوا أنه بدعة مكروهة. # قالوا : لو أنه كان مستحبا لفعله رسول الله له صلى الله عليه وسلم و لأمر به فاله صلى الله عليه وسلم د بين كل ~~ما يقرب إلى الله، لا سيما الصلاة التي لا تؤخذ صفتها إلا عنه، وقد ثبت عنه في ~~الصحيح أنه قال : صلوا كما رأيتموني أصلي # قال هؤلاء فزيادة هذا وأمثاله في صفة الصلاة بمنزلة سائر الزيادات المحدثة في ~~العبادات، كمن زاد في العيدين الأذان والإقامة، ومن زاد في السعي صلاة ركعتين ~~على المروة، وأمثال ذلك. # قالوا : وأيضا فإن التلفظ بالنية فاسد في العقل؛ فإن قول القائل : أنوي أن أفعل كذا ~~وكذا، بمنزلة قوله أنوي آكل هذا الطعام لأشبع، وأنوي ألبس هذا الثوب لأستتر، وأمثال ~~ذلك من النيات الموجودة في القلب التي يستقبح النطق بها، وقد قال الله تعالى : ~~( أتعلمون الله بدينكم والله يعدم ما فى السمكوات وما فى الأرض) رات. وقالت ~~طائفة من السلف في قوله : (إنا نظعمك لوبه الله) قالوا: لم يقولوا بألسنتهم، ~~وإنما علمه الله من قلوبهم، فأخبر به عنهم. # وبالجملة : فلا بد من النية في القلب بلا نزاع. وأما التلفظ بها سرا فهل يكره أو ~~يستحب؟ فيه نزاع بين المتأخرين . # وأما الجهر بها فهو مكروه منهي عنه، غير مشروع باتفاق المسلمين، وكذلك ~~تكريرها أشد وأشد. # وسواء في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد، فكل هؤلاء لا يشرع لأحد منهم أن ~~يجهر بلفظ النية، ولا يكررها باتفاق المسلمين؛ بل ينهون عن ذلك، بل جهر المنفرد ~~بالقراءة إذا كان فيه أذى لغيره لم يشرع، كما خرج النبي صلى الله عليه وسلم لى أصحابه وهم ~~يصلون فقال : أيها الناس كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض ~~بالقراءة »(2) . # وأما المأموم فالسنة له المخافتة باتفاق المسلمين، لكن إذا جهر أحيانا بشيء من ~~الذكر فلا بأس، كالإمام إذا أسمعهم أحيانا الآية في صلاة السر، فقد ثبت في ~~الصحيح عن ms0381 أبي قتادة أنه أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلمأ كان في صلاة الظهر والعصر PageV01P352 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0353.png) ~~يسمعهم الآية أحيانا» وثبت في الصحيح؛ أن من الصحابة المأمومين من جهر بدعاء ~~حين افتاح الصلاة، وعند رفع رأسه من الركوع، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم لك، ومن أصر ~~على فعل شيء من البدع وتحسينها فإنه ينبغي أن يعزر تعزيرا يردعه، وأمثاله عن مثل ~~ذلك. # ومن نسب إلى رسول الله له صلى الله عليه وسلم باطل خطأ، فإنه يعرف، فإن لم ينته عوقب، ~~ولا يحل لأحد أن يتكلم في الدين بلا علم ولا يعين من تكلم في الدين بلا علم، أو ~~أدخل في الدين ما ليس منه. # وأما قول القائل: كل يعمل في دينه الذي يشتهي. فهي كلمة عظيمة يجب أن ~~يستتاب منها، وإلا عوقب؛ بل الإصرار على مثل هذه الكلمة يوجب القتل؛ فليس ~~لأحد أن يعمل في الدين إلا ما شرعه الله ورسوله، دون ما يشتهيه ويهواه، قال ~~الله تعالى : (ومن أغل ممن آتبع هوله بغير هدى مب الله) وقال ~~تعالى : (وإن كثيا ليضلون بأموأبهم بغير علر)] (ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله) وقال: (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وآضلوا كثيا ~~وصلوا عن سواء السبيل) وقال تعالى : (أريت من آتخذ إلاهه هوله أفانت ~~تكون عليه وكيلا ام تحسب أن أكثرهم يسمعوب أو يعقلوب إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا)، وقال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمثون حتى يحكموك فيما ~~شجر بلنهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما). # وقد روي عه صلى الله عليه وسلم أن قال : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه ~~تبعا لما جئت به قال تعالى : ( آلم ترإلى الذيب يزعمون آنهم عامنوا بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطن أن يضلهم ~~لالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رايت ms0382 المنافقين يصدون عنك ~~صدودا)] وقال تعالى : ( أم لهر شركاوا شرعوا لهم من الدين مالم ~~يأذن به الله) وقال تعالى : (العص* كتب أزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج ~~منه لننذر به وذكرى للمؤمنين اتمعواما أنزل إلتكم من ربك ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون) ~~[الأعيراف: 1 - 3] وقال تجالى: (ولو اتبع الحق أفواء هم لفسدت السموات والأرض ومن ~~فيهب) وأمثال هذا في القرآن كثير. # فتبين أن على العبد أن يتبع الحق الذي بعث الله به رسوله، ولا يجعل دينه تبعا ~~لهواه، والله أعلم. PageV01P353 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0354.png) ~~يديه في كل تكبيرة، فأنكر عليه فقيه الجماعة، وقال له: هذا لا يجوز في مذهبك ~~وأنت مبتدع فيه، وأنت مذبذب، لا بإمامك اقتديت، ولا بمذهبك اهتديت. فهل ~~ما فعله نقص في صلاته ومخالفة للسنة ولإمامه أم لا? # فأجاب : الحمد لله، أما الذي أنكر عليه إسراره بالنية فهو جاهل فإن الجهر ~~بالنية لا يجب ولا يستحب، لا في مذهب أبي حنيفة، ولا أحد من أئمة المسلمين؛ ~~بل كلهم متفقون على أنه لا يشرع الجهر بالنية ومن جهر بالنية فهو مخطئ، مخالف ~~للسنة باتفاق أئمة الدين ؛ بل مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسائر أئمة ~~المسلمين أنه إذا نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه بالنية لا سرا ولا جهرا كانت صحيحة، ~~ولا يجب التكلم بالنية . لا عند أبي حنيفة، ولا عند أحد من الأئمة، حتى إن بعض ~~متأخري أصحاب الشافعى لما ذكر وجها مخرجا : إن اللفظ بالنية واجب. غلطه بقية ~~أصحابه، وقالوا: إنما أوجب الشافعي النطق في أول الصلاة بالتكبير، لا بالنية. # وأما أبو حنيفة وأصحابه فلم يتنازعوا في أن النطق بالنية لا يجب، وكذلك ~~مالك وأصحابه، وأحمد وأصحابه؛ بل تنازع العلماء: هل يستحب التلفظ بالنية سرا? ~~على قولين : # فقالت طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: يستحب التلفظ بالنية، ~~لا الجهر بها، ولا يجب التلفظ، ولا الجهر. # وقالت طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم: بل لا يستحب التلفظ بالنية، ~~لا سرا ولا جهرا، كما لا يجب ms0383 باتفاق الأئمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه لم يكونوا ~~يتلفظون بالنية، لا سرا ولا جهرا وهذا القول هو الصواب الذي جاءت به السنة. # وأما رفع اليدين في كل تكبيرة حتى في السجود، فليست هي السنة التي كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيعلها، ولكن الأمة متفقة على أنه يرفع اليدين مع تكبيرة الافتتاح. # وأما رفعهما عند الركوع، والاعتدال من الركوع، فلم يعرفه أكثر فقهاء الكوفة. ~~كإبراهيم النخعي، وأبي حنيفة، والثوري، وغيرهم. وأما أكثر فقهاء الأمصار، وعلماء ~~الآثار، فإنهم عرفوا ذلك - لما أنه استفاضت به السنة عن النبي صى الله عليه وسلم كالأوزاعي، ~~والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي عبيد، وهو إحدى الروايتين عن مالك. # فإنه قد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وغيره أن البي صلى الله عليه وسلم ان يرفع ~~يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في PageV01P354 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0355.png) ~~السجود، ولا كذلك بين السجدين وثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح : من ~~حديث مالك بن الحويرث، ووائل بن حجر، وأبي حميد الساعدي : في عشرة من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أحدهم أبو قتادة، وهو معروف من حديث علي بن أبي طالب، ~~وأبي هريرة، وعدد كثير من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ابن عمر رضي الله عنهما ~~إذا رأى من يصلي ولا يرفع يديه في الصلاة حصبه. وقال عقبة بن عامر : له بكل ~~إشارة عشر حسنات. # والكوفيون حجتهم أن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - لم يكن يرفع ~~يديه، وهم معذورون قبل أن تبلغهم السنة الصحيحة؛ فإن عبد الله بن مسعود هو ~~الفقيه الذي بعثه عمر بن الخطاب ليعلم أهل الكوفة السنة؛ لكن قد حفظ الرفع عن ~~النبي صلى الله عليه وسل ثير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وابن مسعود لم يصرح بأن ~~الني صلى الله عليه وسلم م يرفع إلا أول مرة؛ لكنهم رأوه يصلي ولا يرفع، إلا أول ms0384 مرة. والإنسان ~~قد ينسى، وقد يذهل، وقد خفي على ابن مسعود التطبيق في الصلاة؛ فكان يصلي، ~~وإذا ركع طبق بين يديه، كما كانوا يفعلون أول الإسلام. ثم إن التطبيق نسخ بعد ~~ذلك، وأمروا بالركب، وهذا لم يحفظه ابن مسعود؛ فإن الرفع المتنازع فيه ليس من ~~نواقض الصلاة؛ بل يجوز أن يصلي بلا رفع وإذا رفع كان أفضل وأحسن. # وإذا كان الرجل متبعا لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد. ورأى في ~~بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى فاتبعه كان قد أحسن في ذلك، ولم يقدح ذلك ~~في دينه. ولا عدالته بلا نزاع؛ بل هذا أولى بالحق، وأحب إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ممن ~~يتعصب لواحد معين، غير النبي صلى الله عليه وسلم، كمن يتعصب لمالك أو الشافعي أو أحمد أو ~~أبي حنيفة، ويرى أن قول هذا المعين هو الصواب الذي ينبغي اتباعه، دون قول ~~الإمام الذي خالفه . # فمن فعل هذا كان جاهلا ضالا؛ بل قد يكون كافرا؛ فإنه متى اعتقد أنه يجب ~~على الناس اتباع واحد بعينه من هؤلاء الأئمة دون الإمام الآخر فإنه يجب أن يستتاب، ~~فإن تاب وإلا قتل . بل غاية ما يقال: إنه يسوغ أو ينبغي أو يجب على العامي أن يقلد ~~واحدا لا بعينه، من غير تعيين زيد ولا عمرو. # وأما أن يقول قائل : إنه يجب على العامة تقليد فلان أو فلان، فهذا لا يقوله ~~مسلم. # ومن كان مواليا للأئمة محبا لهم يقلد كل واحد منهم فيما يظهر له أنه موافق للسنة ~~فهو محسن في ذلك. بل هذا أحسن حالا من غيره، ولا يقال لمثل هذا مذبذب على وجه PageV01P355 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0356.png) ~~الذم. وإنما المذبذب المذموم الذي لا يكون مع المؤمنين، ولا مع الكفار، بل يأتي ~~المؤمنين بوجه، ويأتي الكافرين بوجه، كما قال تعالى في حق المنافقين: (إن المنافقين ~~يخادعون الله وهو خددعهم وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى يرآءون الناس) إلى قوله : (ومن يصلل ~~الله فلن تجد له سبيلا )ء]. وقال النبي صلى ms0385 الله عليه وسلم : مثل المنافق كمثل الشاة ~~العائرة بين الغنمين : تعير إلى هؤلاء مرة وإلى هؤلاء مرة # فهؤلاء المنافقون المذبذبون هم الذين ذمهم الله ورسوله، وقال في حقهم: ~~(إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنفقين ~~لكذبون) وقال تعالى في حقهم :(الا تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله ~~عليهم ماهم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) فهؤلاء المنافقون ~~الذين يتولون اليهود الذي غضب الله عليهم، ما هم من اليهود، ولا هم منا، مثل من ~~أظهر الإسلام من اليهود والنصارى والتتر، وغيرهم، وقلبه مع طائفته، فلا هو مؤمن ~~محض، ولا هو كافر ظاهرا وباطنا، فهؤلاء هم المذبذبون الذين ذمهم الله ورسوله، ~~وأوجب على عباده أن يكونوا مؤمنين، لا كفارا، ولا منافقين، بل يحبون لله، ~~ويبغضون لله، ويعطون لله، ويمنعون لله. # قال الله تعالى : (يأيها الذين ء امنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بتضهم أولياء بعض ومن يتولم ~~منكم فإنه منهم) ل قوله : (إنبا وليكم الله ورسوله والذين ء امنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم ~~راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين امنوا فإن حزب الله هم الغالبون) -5 وقال ~~تعالى : (يأيها الذين امنوا لا تنخدوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إلتهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من ~~الحق) الاية نة:. وقال تعالى : (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ابآءهم أو أبناءهم أو إخوانهر أو عشيرتهم أولتبك ~~كتب فى قلوبهم الإيمن وأيدهم بروح منه)ل وقال تعالى : ( إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم). # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلمأ قال : لامثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ~~وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. # وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلمأ قال : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا - ~~وشبك بين أصابعه -»(3). PageV01P356 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0357.png) # وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أن قال : المسلم أخو المسلم لا يسلمه ~~ولا يظلمه. ms0386 ~~وفي الصحيحين أنه قال : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ~~من الخير ما يحب لنفسه . # وقال: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى ~~تحابوا، ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم. أفشوا السلام بينكم # وقد أمر الله تعالى المؤمنين بالاجتماع والائتلاف، ونهاهم عن الافتراق ~~والاختلاف فقال تعالى : (يا أيها الذين ء امنوا آئتوا الله حق تقانه ولا تموتن إلا وآنتم تلمون ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) إلى قوله: (لعلكر تهتدون) إلى قوله : (يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوة) عمران : 102 - 106] قال ابن عباس رضي الله عنهما : تبيض ~~وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة. # فأئمة الدين هم على منهاج الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، والصحابة ~~كانوا مؤتلفين متفقين، وإن تنازعوا في بعض فروع الشريعة في الطهارة أو الصلاة أو ~~الحج أو الطلاق أو الفرائض أو غير ذلك فإجماعهم حجة قاطعة. # ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد ~~بعينه من الصحابة دون الباقين . كالرافضي الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة ~~وجمهور الصحابة. وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي رضي الله عنهما. فهذه ~~طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم مذمومون، ~~خارجون عن الشريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن تعصب لواحد من ~~الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء، سواء تعصب لمالك أو الشافعي أو أبي حنيفة أو ~~أحمد أو غيرهم. # ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلا بقدره في العلم والدين، ~~وبقدر الآخرين، فيكون جاهلا ظالما، والله يأمر بالعلم والعدل، وينهى عن ~~الجهل والظلم. قال تعالى : (وحملها الإنان إنه كان ظلوما جهولا * ليعدب الله المنافقين ~~والمنفقات)زاب، إلى آخر السورة. # وهذا أبو يوسف ومحمد أتبع الناس لأبي حنيفة وأعلمهم بقوله، وهما قد PageV01P357 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0358.png) ~~خالفاه في مسائل لا تكاد تحصى، لما تبين لهما من السنة والحجة ما وجب عليهما ~~اتباعه، وهما مع ذلك معظمان لإمامهما. لا يقال فيهما مذبذبان؛ ms0387 بل أبو حنيفة وغيره ~~من الأئمة يقول القول ثم تتبين له الحجة في خلافه فيقول بها، ولا يقال له مذبذب؛ ~~فإن الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان. فإذا تبين له من العلم ما كان خافيا عليه ~~اتبعه، وليس هذا مذبذبا؛ بل هذا مهتد زاده الله هدى. وقد قال تعالى : (وقل رب ~~زدني علما ) [ط: 114]. # فالواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين، وعلماء المؤمنين، وأن يقصد الحق ~~ويتبعه حيث وجده، ويعلم أن من اجتهد منهم فأصاب فله أجران، ومن اجتهد منهم ~~فأخطأ فله أجر لاجتهاده، وخطؤه مغفور له. وعلى المؤمنين أن يتبعوا إمامهم إذا فعل ~~ما يسوغ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ال : لإنما جعل الإمام ليؤتم به وسواء رفع يديه أو لم ~~يرفع يديه لا يقدح ذلك في صلاتهم، ولا يبطلها، لا عند أبي حنيفة ولا الشافعي ~~ولا مالك ولا أحمد. ولورفع الإمام دون المأموم، أو المأموم دون الإمام لم يقدح ~~ذلك في صلاة واحد منهما، ولو رفع الرجل في بعض الأوقات دون بعض لم يقدح ~~ذلك في صلاته، وليس لأحد أن يتخذ قول بعض العلماء شعارا يوجب اتباعه، وينهى ~~عن غيره مما جاءت به السنة؛ بل كل ما جاءت به السنة فهو واسع : مثل الأذان ~~والإقامة. فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه أمر بلالا أن يشفع الأذان، ~~ويوتر الإقامة»(2) . # وثبت عنه في الصحيحين «أنه علم أبا محذورة الإقامة شفعا شفعا، كالأذان ~~فمن شفع الإقامة فقد أحسن ومن أفردها فقد أحسن، ومن أوجب هذا دون هذا فهو ~~مخطي ضال، ومن والى من يفعل هذا دون هذا بمجرد ذلك فهو مخطئ ضال. # وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن بينهم في ~~المذاهب وغيرها، حتى تجد المنتسب إلى الشافعي يتعصب لمذهبه على مذهب ~~أبي حنيفة حتى يخرج عن الدين، والمنتسب إلى أبي حنيفة يتعصب لمذهبه على ~~مذهب الشافعي وغيره حتى يخرج عن الدين، والمنتسب إلى أحمد يتعصب لمذهبه ~~على مذهب هذا أو هذا. ms0388 وفي المغرب تجد المنتسب إلى مالك يتعصب لمذهبه على ~~هذا أو هذا . وكل هذا من التفرق والاختلاف الذي نهى الله ورسوله عنه. # وكل هؤلاء المتعصبين بالباطل، المتبعين الظن، وما تهوى الأنفس المتبعين PageV01P358 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0359.png) ~~لأهوائهم بغير هدى من الله، مستحقون للذم والعقاب. وهذا باب واسع لا تحتمل ~~هذه الفتيا لبسطه؛ فإن الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين، والفرع ~~المتنازع فيه من الفروع الخفية، فكيف يقدح في الأصل بحفظ الفرع، وجمهور ~~المتعصبين لا يعرفون من الكتاب والسنة إلا ما شاء الله، بل يتمسكون بأحاديث ~~ضعيفة، أو آراء فاسدة أو حكايات عن بعض العلماء والشيوخ قد تكون صدقا، وقد ~~تكون كذبا، وإن كانت صدقا فليس صاحبها معصوما يتمسكون بنقل غير مصدق، عن ~~قائل غير معصوم، ويدعون النقل المصدق عن القائل المعصوم وهو ما نقله الثقات ~~الأثبات من أهل العلم ودونوه في الكتب الصحاح، عن النبي صلى الله عليه وسلم # فإن الناقلين لذلك مصدقون باتفاق أئمة الدين، والمنقول عنه معصوم لا ينطق ~~عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، قد أوجب الله تعالى على جميع الخلق طاعته ~~واتباعه، قال تعالى : (فلا وربك لا يؤمنون حت يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا سليما) وقال تعالى : (فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عداب أليم). # والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ~~والهدى والنية، والله أعلم. والحمد لله وحده. # باب صفة الصلاة # سئل رحمه الله تعالى : عن رجل مشى إلى صلاة الجمعة مستعجلا، فأنكر ذلك عليه ~~بعض الناس، وقال : امش على رسلك. فرد ذلك الرجل وقال : قد قال تعالى: (يأيها الذين ~~مامنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) فما الصواب ? # فأجاب: ليس المراد بالسعي المأمور به العدو، فإنه قد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أ قال : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون ~~وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما ms0389 فاتكم فأتموا - وروي: فاقضوا . ولكن قال ~~الأئمة : السعي في كتاب الله هو العمل والفعل، كما قال تعالى: (إن سعيا لشت ) ~~4 وقال تعالى : (ومن أراد الأخرة وسعى لما سعيها وهو مؤمن فأولبآك كان سعيهم مشكورا) ~~[المسراءلاا وقال تالي(ااقول ج فى الآرن لتخ بدفما} لالبقرة: 205) وقال ~~عن فرعون : (ثم أبر يتعى ) وقد قرأ عمر بن الخطاب : (فامضوا إلى PageV01P359 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0360.png) ~~ذكر الله) فالسعي المأمور به إلى الجمعة هو المضي إليها، والذهاب إليها. # ولفظ «السعي» في الأصل اسم جنس، ومن شأن أهل العرف إذا كان الاسم ~~عاما لنوعين، فإنهم يفردون أحد نوعيه باسم، ويبقى الاسم العام مختصا بالنوع ~~الآخر، كما في لفظ : «ذوي الأرحام» فإنه يعم جميع الأقارب، من يرث بفرض ~~وتعصيب، ومن لا فرض له ولا تعصيب، فلما ميز ذو الفرض والعصبة، صار في ~~عرف الفقهاء ذوو الأرحام مختصا بمن لا فرض له ولا تعصيب . # وكذلك لفظ «الجائز» يعم ما وجب ولزم من الأفعال والعقود وما لم يلزم، ~~فلما خص بعض الأعمال بالوجوب، وبعض العقود باللزوم بقي اسم الجائز في عرفهم ~~مختصا بالنوع الآخر. # وكذلك اسم «الخمر» هو عام لكل شراب، لكن لما أفرد ما يصنع من غير ~~لعنب باسم النبيذ صار اسم الخمر في العرف مختصا بعصير العنب، حتى ظن طائفة ~~من العلماء أن اسم الخمر في الكتاب والسنة مختص بذلك. وقد تواترت الأحاديث ~~عن النبي صلى الله عليه وسلمبعمومه، ونظائر هذا كثيرة. # وبسبب هذا الاشتراك الحادث غلط كثير من الناس في فهم الخطاب بلفظ ~~لسعي من هذا الباب، فإنه في الأصل عام في كل ذهاب ومضي، وهو السعي المأمور ~~به في القرآن، وقد يخص أحد النوعين باسم المشي، فيبقى لفظ السعي مختصا بالنوع ~~الآخر، وهذا هو السعي الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه ولم حيث قال : إذا أقيمت الصلاة ~~فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وقد روي أن عمر كان يقرأ: ~~(فامضوا} ويقول : لو قرأتها فاسعوا لعدوت حتى يكون كذا، وهذا إن صح عنه ~~فيكون قد اعتقد ms0390 أن لفظ السعي هو الخاص. # ومما يشبه هذا : السعي بين الصفا والمروة، فإنه إنما يهرول في بطن الوادي بين ~~الميلين. ثم لفظ السعي يخص بهذا. وقد يجعل لفظ السعي عاما لجميع الطواف بين ~~الصفا والمروة، لكن هذا كأنه باعتبار أن بعضه سعي خاص، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن أقوام يبتدرون السواري قبل الناس، وقبل تكميل ~~الصفوف ويتخذون لهم مواضع دون الصف، فهل يجوز التأخر عن الصف الأول? # فأجاب : قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلمأن قال : لألا تصفون كما تصف ~~الملائكة عند ربها ? قالوا : يا رسول الله! كيف تصف الملائكة عند ربها ? قال: ~~يسدون الأول فالأول، ويتراصون في الصف. PageV01P360 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0361.png) # وثبت عنه في الصحيح أنه قال : لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ~~ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه وثبت عنه في الصحيح : لخير ~~صفوف الرجال أولها وشرها آخرها»( وأمثال ذلك من السنن التي ينبغي فيها ~~للمصلين أن يتموا الصف الأول، ثم الثاني. # فمن جاء أول الناس، وصف في غير الأول، فقد خالف الشريعة وإذا ضم إلى ~~ذلك إساءة الصلاة، أو فضول الكلام، أو مكروهه، أو محرمه، ونحو ذلك : مما ~~يصان المسجد عنه، فقد ترك تعظيم الشرائع، وخرج عن الحدود المشروعة من طاعة ~~الله، وإن لم يعتقد نقص ما فعله، ويلتزم اتباع أمر الله: استحق العقوبة البليغة التي ~~تحمله وأمثاله على أداء ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، والله أعلم. # وسئل غفر الله له: عن المصلين إذا لم يسووا صفوفهم، بل كل إنسان يصلي ~~منفردا وهل تجوز صلاتهم هكذا في الأسواق، أم لا?3 # فأجاب : ليس لأحد أن يصلي منفردا خلف الصف؛ بل على الناس أن يصلوا ~~مصطفين . وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم آن قال : لا صلاة لفذ خلف الصف ~~ولا يصح لهم أن يصلوا في السوق حتى تتصل الصفوف؛ بل عليهم أن يقاربوا ~~الصفوف، ويسدوا الأول فالأول، والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ms0391 تعالى(: # أنواع الاستفتاح للصلاة ثلاثة وهي أنواع الأذكار مطلقا بعد القرآن. أعلاها ~~ما كان ثناء على الله، ويليه ما كان خبرا من العبد عن عبادة الله، والثالث ما كان ~~دعاء للعبد. # فإن الكلام إما إخبار، وإما إنشاء، وأفضل الأخبار ما كان خبرا عن الله، ~~والأخبار عن الله أفضل من الخبر عن غيره، ومن الإنشاءات ولهذا كانت (قل هو الله ~~أحد) لإخلاص: تعدل ثلث القرآن؛ لأنها تتضمن الخبر عن الله، وكانت آية ~~الكرسي أفضل آية في القرآن؛ لأنها خبر عن الله، فما كان من الذكر من جنس هذه PageV01P361 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0362.png) ~~السورة، وهذه الآية، فهو أفضل الأنواع. والسؤال للرب هو بعد الذكر المحض، كما ~~في حديث مالك بن الحويرث : لمن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي ~~السائلين»1) # ولهذا كانت الفاتحة نصفين : نصفا ثناء، ونصفا دعاء. والنصف الثاني هو ~~المقدم، وهو الذي لله عز وجل، وكذلك في حديث الشفاعة الصحيح قال : فإذا ~~رأيت ربي خررت له ساجدا، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي، لا أحسنها الآن، ~~فيقول : أي محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع فبدأ ~~بالحمد لله، حتى أذن له في السؤال فسأل. # وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : لمن تعار من الليل فقال : لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، والحمد ~~لله، وسبحان الله، والله أكبر، اللهم اغفر لي. فإن دعا استجيب دعاؤه، وإن توضا ~~وصلى قبلت صلاته وقال : أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ولهذا كان ~~التشهد ثناء على الله عز وجل. وقال في آخره: ثم ليتخير من المسألة ما شاء. # والأدعية الشرعية هي بعد التشهد؛ لم يشرع الدعاء في القعود قبل التشهد؛ بل ~~قدم الثناء على الدعاء، وفي حديث الذي دعا قبل الثناء قال النبي صلى الله عليه وسلم، : عجل هذا. ~~فروى الإمام ms0392 أحمد والترمذي وأبو داود عن فضالة بن عبيد قال: سمع ~~رسول الله صه صلى الله عليه وسلم، رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ~~رسول الله ل صلى الله عليه وسلم::عجل هذا، ثم دعاه فقال له - أو لغيره - إذا صلى أحدكم فليبدأ ~~بتحميد ربه، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد ذلك بما شاء. # والذكر المشروع باتفاق المسلمين في الركوع والسجود، والاعتدال، وأما الدعاء ~~في الفرض ففي كراهيته نزاع، وإن كان الصحيح أنه لا يكره ولكن الذكر أفضل؛ فإن PageV01P362 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0363.png) ~~الذكر مأمور به فيهما بقوله تعالى: (فسبغ بإسم ربك العظم) و(سبح أسم ربك ~~الأعلى) قال النبي صلى الله عليه وسلم،: اجعلوها في ركوعكم، والثانية لاجعلوها في ~~سجودكم» # فأما قوله صلى الله عليه وسلم : أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء ~~فقمن أن يستجاب لكم») ففيه الأمر في الركوع بالتعظيم، وأمره بالدعاء في السجود ~~بيان منه أن الدعاء في السجود أحق بالإجابة من الركوع؛ ولهذا قال : فقمن أن ~~يستجاب لكم كما قال : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»2) فهو أمر بأن ~~يكون الدعاء في السجود. # أمر بالصفة لا بالموصوف، أو أمر بالصفة والموصوف، وإن كان التسبيح أفضل ~~فإنه ليس من شرط المأمور أن لا يكون غيره أفضل منه؛ لأن الدعاء هو بحسب ~~مطلوب العبد، لم يذكر دعاء معينا أمر به كما أمر بالفاتحة، بقوله : (آهدنا الصرط ~~المستقيم) والدعاء الواجب لا يكون إلا معينا، وإن كان جنس الدعاء ~~واجبا فمعلوم أن الدعاء جائز في نفس الصلاة، وخارج الصلاة، وأكثر الأدعية ~~المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم انت في آخر الصلاة، كما في الحديث المروي عن صلى الله عليه وسلم أن ~~ذكر : «أن أجوب الدعاء جوف الليل الآخر» ولدبر الصلاة». # فعلم أن الدعاء دبر الصلاة - لا سيما قبل السلام. كما كان النبي صل الله عليه وسلم دعو في ~~الغالب، فهو - أجوب ms0393 سائر أحوال الصلاة؛ لأنه دعاء بعد إكمال العبادات. # وما السجود فإنما ذكره والركوع لأنه قال : إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ~~ساجدا : أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن ~~يستجاب لكم»5 فلما نهى عن القراءة في هذين الحالين، ذكر ما يكون بدلا مشروعا ~~لمن أراد، فخص الركوع بالتعظيم؛ والسجود بالدعاء. فجمع الأقسام الثلاثة: القراءة، ~~والذكر، والدعاء. # ومما يبين فضل الذكر على المسألة: ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلمأ PageV01P363 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0364.png) ~~قال : «أفضل الكلام بعد القرآن أربع : - وهن من القرآن - سبحان الله والحمد لله، ~~ولا إله إلا الله، والله أكبر ولهذا أمر بالذكر من عجز عن القراءة في الصلاة؛ لأن ~~الاعتدال مشروع . فيه التحميد بالسنة المتواترة، وإجماع المسلمين، وهو الذي كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم فعله في كل صلاة، وكان أحيانا يدعو بعد التحميد بقوله : اللهم باعد ~~بيني وبين خطاياي فأخر السؤال عن الحمد والثناء والمجد، وأمر أيضا بالحمد ~~بقوله : فإذا قال سمع الله لمن حمده. فقولوا : ربنا ولك الحمد وما داوم عليه ~~وقدمه وأمر به أفضل مما كان يفعله أحيانا، ويؤخره، ولم يأمر به. # وأيضا فنوع الثناء أضافه الرب إلى نفسه، ونوع السؤال أضافه إلى عبده. فقال: ~~إذا قال العبد : (الحكمد لله رب العكلمين) قال الله : حمدني عبدي، ~~فإذا قال : (الرحان الرحيم) قال : أثنى علي عبدي، وإذا قال : ~~(مطلك يوم الدين} [الفاتحة : ] قال الله : مجدني عبدي، فإذا قال : (إياك نعبد ~~وإياك نستعين) قال : هذه الآية، بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ~~ما سأل، فإذا قال : (آهدنا الصرط المستقيم) إلى آخر السورة . قال : ~~هؤلاء لعبدي، ولعبدى ما سأل») # وأيضا فجماهير العلماء على إيجاب الثناء، فيوجبون التشهد الأخير، وكذلك ~~التشهد الأول، يجب مع الذكر عند مالك وأحمد، فإذا تركه عمدا بطلت صلاته، ~~وتسبيح الركوع والسجود كذلك أيضا عند أحمد وغيره، وكذلك التكبير، تكبير ~~الانتقال . فمذهب مالك من ترك من ذلك ثلاثا عمدا أعاد الصلاة، ومذهب أحمد ~~مشهور عنه مطلقا، وما يذكره ms0394 أصحاب أحمد في مسائل الخلاف : أن إيجاب هذه ~~الأذكار من مفردات أحمد عن الثلاثة؛ فذلك لأن أصحاب مالك يسمون هذه سننا، ~~والسنة عندهم قد تكون واجبة إذا تركها أعاد، وهذه من ذلك، فيظن من يظن أن السنة ~~عندهم لا تكون إلا لما يجوز تركه؛ وليس كذلك. # وأما الدعاء فلم يجب منه دعاء مفرد أصلا، بل ما وجب من الفاتحة وجب بعد PageV01P364 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0365.png) ~~الثناء وكذلك من أوجب أن يدعو بعد التشهد بالدعاء المأمور به هناك، وهو الاستعاذة ~~من عذاب جهنم، والقبر، وفتنة المحيا والممات، والدجال، فإنما أوجبه بعد التشهد ~~الذي هو ثناء، وهو قول طاوس ووجه في مذهب أحمد. # وأيضا فالدعاء لم يشرع مجردا، لم يشرع إلا مع الثناء. وأما الثناء فقد شرع ~~مجردا بلا كراهة. فلو اقتصر في الاعتدال على الثناء، وفي الركوع والسجود على ~~التسبيح، كان مشروعا بلا كراهة، ولو اقتصر في ذلك على الدعاء لم يكن مشروعا، ~~وفي بطلان الصلاة نزاع. # وأيضا فالثناء يتضمن مقصود الدعاء، كما في الحديث : أفضل الذكر. ~~لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله فإن ثناء الداعي على المدعو بما يتضمن ~~حصول مطلوبه قد يكون أبلغ من ذكر المطلوب كما قيل: # إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء # ولهذا يقول في الدعاء المأثور : «أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان، بديع ~~السموات والأرض . فسأله بأن له الحمد، فعلم بأن الاعتراف بكونه مستحقا ~~للحمد : هو سبب في حصول المطلوب. # وهذا كقول أيوب عليه السلام: (مسنى الصر وأت أنحم الرحيب) ~~83 فقوله هذا: أحسن من قوله : ارحمني. وفي دعاء ليلة القدر الذي روته عائشة : ~~اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني # وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يقول عند الكرب : «لا إله إلا ~~الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ~~السبع، ورب الأرض رب العرش الكريم. # ومما يبين فضل الثناء على الدعاء، أن الثناء المشروع يستلزم الإيمان ms0395 بالله، وأما ~~الدعاء فقد لا يستلزمه، إذ الكفار يسألون الله فيعطيهم، كما أخبر الله بذلك في ~~القرآن في غير موضع فإن سؤال الرزق والعافية ونحو ذلك من الأدعية المشروعة : هو ~~مما يدعو به المؤمن والكافر؛ بخلاف الثناء كقوله : سبحانك اللهم وبحمدك، PageV01P365 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0366.png) ~~وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك والتحيات لله والصلوات، ~~والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»2) فإن هذا لا يثني به إلا ~~المؤمن، وكذلك قوله : لاللهم زبنا ولك الحمد، ملء السموات ومل الأرض، وملء ~~ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعده لكن قد يكون بعض الثناء يقر به الكفار، ~~كإقرارهم بأن الله خالق السموات والأرض، وأنه يجيب المضطر إذا دعاه، ونحو ~~ذلك . # لكن المشركون لم يكن لهم ثناء مشروع يثنون به على الله، حتى في تلبيتهم ~~كانوا يقولون : لبيك لا شريك لك : إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وكذلك ~~النصارى ثناؤهم فيه الشرك، وأما اليهود فليس في عبادتهم ثناء، اللهم إلا ما يكون ~~مأثورا عن الأنبياء، وذلك من ثناء أهل الإيمان، وكذلك النصارى إن كان عندهم شيء ~~من ذلك، وأما ما شرعه من ثنائه فهو يتضمن الإيمان، والأدلة الدالة على فضل جنس ~~الثناء على جنس الدعاء كثيرة . مثل أمره أن يقال عند سماع المؤذن مثل ما يقول، ثم ~~يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم شم يسأل له الوسيلة، ثم يسأل العبد بعد ذلك. فقدم الثناء على ~~الدعاء، وهكذا بعد التشهد فإنه قدم فيه الثناء على الله، ثم الدعاء لرسوله، ثم ~~للإنسان . وكذلك هنا مع أني لا أعلم في هذا نزاعا بين العلماء، ولكن المفضول قد ~~يكون أحيانا أفضل . فإن الصلاة أفضل من قراءة القرآن، والقرآن أفضل من الذكر، ~~والذكر أفضل من الدعاء والمفضول قد يعرض له حال يكون فيه أفضل؛ لأسباب ~~متعددة، إما مطلقا كفضيلة القراءة وقت النهي على الصلاة، وإما لحال مخصوص، ~~وهذا مبسوط في موضع آخر. # والمقصود هنا : أن جنس الثناء أفضل من السؤال . كما قال تعالى : لمن شغله ~~ذكري ms0396 عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» وقراءة القرآن أفضل منهما؛ كما ~~في حديث الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : ليقول الله عز وجل : من ~~شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين قال ~~الترمذي : حسن غريب. # وهذا بين في الاعتبار، لأن السائل غاية مقصوده حصول مطلوبه ومراده، فهو PageV01P366 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0367.png) ~~مريد من الله، وإن كان مطلوبه محبوبا لله، مثل أن يطلب منه إعانته على ذكره ~~وشكره، وحسن عبادته، فهو يريد منه هذا الأمر المحبوب لله. # وأما المثنى فهو ذاكر لنفس محبوب الحق من أسمائه وصفاته، فالمطلوب بهذا ~~معرفة الله ومحبته وعبادته. وهذا مطلوب لنفسه لا لغيره، وهو الغاية التي خلق لها ~~الخلق . كما قال تعالى : (وما خلقت الحن والإنس إلا ليعبدون) والسؤال ~~وسيلة إلى هذا؛ ولهذا قال في الفاتحة: (إياك نعبد وإياك نستوين) فقدم قوله: ~~(إياك نعبد) أنه المصود لنفسه، على قوله : (وإياك نستعين) لأنه وسيلة إلى ~~ذلك . والمقاصد مقدمة في القصد والقول على الوسائل، ثم مقصود السائل من الدعاء ~~يحصل لهذا العابد المثنى مع اشتغاله بأشرف القسمين. # وأما الداعي فإذا كان مهتما بما هو محتاج إليه من جلب منفعة ودفع مضرة، ~~كحاجته إلى الرزق والنصر الضروري، كان اشتغاله بهذا نفسه صارفا له عن غيره، فإذا ~~دعا الله سبحانه فقد يحصل له بالدعاء من معرفة الله، ومحبته، والثناء عليه، ~~والعبودية له، والافتقار إليه ما هو أفضل وأنفع من مطلوبه ذلك. كما قال بعض ~~السلف : يا ابن آدم! لقد بورك لك في حاجة كثرت فيها قرع باب سيدك . وقال ~~بعضهم : إنه ليكون لي إلى الله حاجة فأدعوه، فيفتح لي من باب معرفته ما أحب معه ~~أن لا يعجل لي قضاءها؛ لئلا ينصرف قلبي عن الدعاء. # والسائل إذا حصل سؤاله برد، فإنه لم يكن مراده إلا سؤاله، وإذا حصل أعرض ~~عن الله، فهذا حال الكفار الذين ذمهم الله في القرآن كقوله: (وإذا مس الإنان الضر ~~دعانا لجلبه أو قاعدا أو قابما فلما ms0397 كشفنا عته ضره مر حأن لر يدعنا إلى شر مسر): ~~12 وقال تعالى : (قل من ينجيكمر من ظلمات البر والبحر تدعوند تضرعا وخفية لبن أنجكنا من هاذه ~~لنكوتن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون) 6] وقال ~~تعالى: ( م اذا مس الإنكن ضر دعا ربه منيبا إلته ثم إذا خوله نعمة منه نسى ما كان يدعوا إليه ~~من قبل وجعل لله أدادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قايلا إنك من أصحاب النار). # فقوله سبحانه : (ني ما كان يدعوا إليه من قبل ): أي نسي ما كان يدعو الله إليه، ~~وهو الحاجة التي طلبها، فإن دعاءه كان إليها، أي توجهه إليها، وقصده، فهي الغاية ~~التي كان يقصدها. وإذا كانت ما مصدرية، كان تقديره نسي كونه يدعو الله إلى ~~حاجته . كما قال تعالى في الآية الأخرى : (فلما كثفناعته مرو مر كان لة يدعنا إلى ضر ~~مسه) لكن على هذا يبقى الضمير في إليه عائدا على غير مذكور، بخلاف ما إذا ~~الله الذني كان سبب الحاجة، والى حرف الفاية كما قال تعالى ففيخ الاية الأخرى : ~~(قل آره يتكم إن أتنكم عذاب الله أز أتنكم الساعة أغير الله تدعون إن كتتم صادقين * بل إياء تدعون PageV01P367 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0368.png) ~~فيكشف ما تدعون إليه إن شآء وتنسون ما تشركون)،4] فقد أخبر تعالى : أنه ~~يكشف ما يدعون إليه؛ وهي الشدة التي دعوا إليها. # وأما المؤمن : فلا بد بعد قضاء حاجته من عبادة الله وإخلاصه له كما أمره، إما ~~قياما بالواجب فقط، فيكون من الأبرار، أو بالواجب والمستحب فيكون من المقربين، ~~ومن ترك بعض ما أمر به بعد قضاء حاجته فهو من أهل الذنوب، وقد يكون ذلك من ~~الشرك الأصغر الذي يبتلى به غالب الخلق، إما شركا في الربوبية، وإما شركا في ~~الألوهية، كما هو مبسوط في موضعه. # وقد يبتلى في أماكن الجهل وزمانه كثير من الناس بما هو من الشرك الأكبر، ~~وهم لا يعلمون. فالسائل مقصوده سؤاله، وإن حصل له ما هو محبوب الرب ms0398 من ~~إنابته إليه ومحبته وتوبته، فهذا بالعرض، وقد يدوم. والأغلب أنه لا يدوم إلا أن ~~يكون ذلك المحبوب للرب هو سؤاله، مثل أن يسأل الله التوبة والإعانة على ذكره ~~وشكره وحسن عبادته . فهنا مطلوبه محبوب للرب؛ ولهذا ذم الله من لم يطلب إلا ~~الدنيا في قوله : (فمن الناس من يقول ربنا ءاينا فى الدنيا وما له فف الأخرة من خلاق) ~~[البقرة: 200]. # وأما المثنى : فنفس ثنائه محبوب للرب، وحصول مقصود السائل يحصل ضمنا ~~وتبعا، فهذا أرفع . لكن هذا إنما يتم لمن يخلص إيمانه فصار يحب الله، ويحب ~~حمده وثناءه وذكره. وذلك أحب إلى قلبه من مطالب السائلين رزقا ونصرآ. # وأما من كان اهتمامه بهذا أكثر فهذا يكون انتفاعه بالدعاء أكثر وإن كان جنس ~~الثناء أفضل، كما أن قراءة القرآن أفضل من الذكر والدعاء. وقد يكون بعض الناس ~~لنقص حاله انتفاعه بالذكر والدعاء أكمل، فهو خير له بحسب حاله، لا أفضل في ~~نفس الأمر. # والمقصود هنا: بيان ما شرعه الله لعباده مطلقا عاما. ولهذا ما كان من أذكار ~~الصلاة من جنس الدعاء لم يجب عند عامة العلماء. # وأما الثناء كدعاء الاستفتاح وغيره، فاختلفوا في وجوبه، فذهبت طائفة من ~~أصحاب أحمد إلى وجوب الذكر الذي هو ثناء كالاستفتاح، وهو اختيار ابن بطة ~~وغيره، وذكر هذا رواية عن أحمد . كما وجب في المشهور عنه التسبيح في الركوع ~~والسجود والتسميع والتحميد وتكبيرة الانتقال، فهذا نوعان ظهر فضل أحدهما على ~~الآخر. # وأما النوع المتوسط بينهما: فهو إخبار الإنسان بعبادة الله تعالى كقوله: ~~(وجهت وجهى للذى فطر السماوت والأرض) وقوله: (إن صلاق وشسكى PageV01P368 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0369.png) ~~ومحياى وممات لله رب العالمين) وقوله : لك سجدت، ولك عبدت، ~~وبك آمنت، وبك أسلمت ونحو ذلك. فهذا أفضل من الدعاء، ودون الثناء، فإنه ~~إنشاء وإخبار بما يحبه الله، ويأمر به العبد، فمقصوده محبوب الحق، فهو أفضل مما ~~مقصوده مطلوب العبد، لكن جنس الثناء أفضل منه، كما روى مسلم في صحيحه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : أفضل الكلام بعد القرآن ms0399 أربع وهن من القرآن: سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر فجعل هذا الكلام الذي هو ذكر الله ~~أفضل من جميع الكلام بعد القرآن. وكذلك قال للرجل الذي قال : لا أستطيع أن آخذ ~~شيئا من القرآن فعلمني ما يجزيني فعله : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر فجعل ذلك بدلا عن القرآن. # وسورة (قل هو الله أحد) [الخلاص: أفضل من (قل يأيها الكافرون) ~~[الكافرون: وتلك أمر بأن يقال : ما هو صفة الرب، وهذه أمر بأن يقال ما هو ~~إنشاء خبر عن توحيد العبد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قيدم ذلك الصنف، كقوله في الحديث ~~الصحيح : اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد ~~أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ~~ومن فيهن، أنت الحق وقولك الحق، ووعدك حق، والجنة حق والنار حق، والنبيون ~~حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، ~~وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت ~~وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت. # فهذا الذكر تضمن الأنواع الثلاثة. فقدم ما هو خبر عن الله واليوم الآخر ~~ورسوله، ثم ذكر ما هو خبر عن توحيد العبد وإيمانه ثم ختم بالسؤال . وهذا لأن خبر ~~الإنسان عن نفسه سلوك يشهد فيه نفسه، وتحقيق عبادة الله عز وجل . وأما الثناء ~~المحض فهو لا يشهد فيه إلا الله عز وجل بأسمائه وصفاته، وما جرد فيه ذكر ~~الله تعالى أفضل مما جرد فيه الخلق أيضا، ولهذا فضلت سورة (قل هو الله أحد)ه PageV01P369 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0370.png) ~~وجعلت تعدل ثلث القرآن، لأنها صفة الرحمن وذكره محضا لم تشب بذكر غيره، ~~لكن في ابتداء السلوك لا بد من ذكر الإنشاء ولهذا كان مبتدأ الدخول في الإسلام: ~~أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. بخلاف حال العبادة ~~المحضة، فإنه يقول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ms0400 فإن الشهادة ~~بها يصير مسلما، وهو الأصل والأساس، ولهذا جعلت ركنا في الخطب: في خطب ~~الصلاة، وهي التشهد يختم بقوله : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله . وفي الخطب خارج الصلاة: كخطبة الحاجة. خطبة ابن مسعود، والخطب ~~المشروعة، خطبة الجمعة وغيرها. # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلمأن قال : كل خطبة ليس فيها تشهد، فهي كاليد ~~الجذماء»1) . # والذين أوجبوا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة كأصحاب الشافعي وأحمد قال كثير ~~منهم : يجب مع الحمد الصلاة عليه، وقال بعضهم: يجب ذكره، إما بالصلاة، وإما ~~بالتشهد . وهو اختيار جدي أبي البركات . # والصواب : أن ذكره بالتشهد هو الواجب، لدلالة هذا الحديث؛ ولأن الشهادة ~~إيمان به، والصلاة عليه دعاء له، وأين هذا من هذا والتشهد في الصلاة لا بد فيه من ~~الشهادة له في الأول والآخر، وأما الصلاة عليه فشرعت مع الدعاء. # وأما التشهد فهو مشروع في الخطب والثناء، فتشهد الصلاة ثناء على الحق، ~~شرع فيه التشهد، والخطبة خطاب مع الناس، شرع فيها التشهد، والأذان ذكر الله ~~يقصد به الإعلام بوقت العبادة وفعلها، فشرع فيه التشهد. وأما الصلاة عليه فإنما ~~جاءت الآثار بأنها تكون مع الدعاء ، كحديث الذي قال فيه : عجل هذا وأمثاله. ~~فإن الصلاة عليه من جنس الدعاء، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فيكون الدعاء له ~~مقدما على الدعاء لغيره، كما قدم السلام عليه في التشهد على السلام على غيره، ~~حتى على المصلي نفسه، فهذا مما يبين كمال أسرار الدين فقدم في الخطب الحمد ~~على التشهد، كما قدم في الفاتحة الحمد على التوحيد بقوله: (إياك نعبد وإياك ~~نستوين) فإن في سنن أبي داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم آ قال : لاكل أمر ذي بال ~~لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم»3 فالحمد لله له الابتداء. PageV01P370 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0371.png) # ولهذا كانت خطب النبي صلى الله عليه وسلم فتتحها بالحمد لله، وكذلك الصلاة إنما تفتتح ~~بالحمد. فتفتتح بسورة الحمد عند المسلمين كلهم؛ إذ هي السنة المتواترة عن ms0401 ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وتفتتح بالجهر بكلمة الحمد عند المسلمين جمهورهم. # وإذا كانت البسملة مقصودة عند جمهورهم، فهي وسيلة؛ إذ قول القارئ: باسم ~~الله، معناه باسم الله اقرأ. أو أنا قارئ، ولهذا شرعت التسمية في افتتاح الأعمال ~~كلها، فيسمى الله عند الأكل، والشرب؛ ودخول المنزل، والخروج منه، ودخول ~~المسجد، والخروج منه، وغير ذلك من الأفعال. وهي عند الذبح من شعائر التوحيد، ~~فالصلاة والقراءة عمل من الأعمال، فافتتحت بالتسمية. # ولهذا إنما أنزلها الله في أول كل سورة، وهي من القرآن حيث كتبت كما كتبها ~~الصحابة، لكنها آية مفردة في أول السورة، وليست من السورة، وهذا القول أعدل ~~الأقوال الثلاثة، التي للعلماء فيها، فلما كانت تابعة ووسيلة، والحمد مقصود لنفسه، ~~والتسمية لأجله، جهر بالمقصود وأعلن، وأخفى الوسيلة. كما هو قول جمهور ~~العلماء، وعليه تدل الأحاديث الصحيح، ألا ترى أنه باتفاق المسلمين، وهي السنة ~~المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجهر بها في الخطب، بل يفتتح الخطبة بالحمد، وإن لم ~~تكن الخطبة قرآنا. # ولهذا لم يذكرها الني صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حديث قسمة الصلاة بين العبد ~~والرب، وخطبة الجمعة تفتتح بالحمد بالسنة المتواترة، واتفاق العلماء. وأما خطبة ~~الاستسقاء ففيها ثلاثة أقوال، في مذهب أحمد وغيره. # أحدها : أنها تفتح بالحمد لله كالجمعة. # والثاني : بالتكبير كالعيد. # والثالث : بالاستغفار؛ لأنه أخص بالاستسقاء، وخطبة العيد قد ذكر عبد الله بن ~~عقبة : أنها تفتتح بالتكبير، وأخذ بذلك من أخذ به من الفقهاء؛ لكن لم ينقل أحد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلمان افتتح خطبته بغير الحمد، لا خطبة عيد ولا استسقاء، ولا غير ذلك، ~~وقد قا صلى الله عليه وسلم: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم # وقد كان يخطب خطب الحج، وغير خطب الحج، خطبا عارضة ولم ينقل أحد ~~عنه أنه افتتح خطبة بغير الحمد، فالذي لا بد منه في الخطبة : الحمد لله، والتشهد، ~~والحمد يتبعه التسبيح، والتشهد يتبعه التكبير، وهذه هي (والباقيبت المالحات) ~~[الكهف: وقال تعالى : (فادعوا ms0402 الله مخلصين له الدين) (الحمد لله رب ~~العالمين) . PageV01P371 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0372.png) # إذا تبين هذا الأصل : فأفضل أنواع الاستفتاح ما كان ثناء محضا، مثل: ~~سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيرك وقوله: ~~«الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا» ولكن ذاك فيه من ~~الثناء ما ليس في هذا، فإنه تضمن ذكر «الباقيات الصالحات التي هي أفضل الكلام ~~بعد القرآن، وتضمن قوله : «تبارك اسمك، وتعالى جدك. وهما من القرآن أيضا. ~~ولهذا كان أكثر السلف يستفتحون به وكان عمر بن الخطاب يجهر به يعلمه الناس. # وبعده النوع الثاني : وهو الخبر عن عبادة العبد. كقوله : لوجهت وجهي للذي ~~فطر السموات والأرض، إلخ . وهو يتضمن الدعاء، وإن استفتح العبد بهذا بعد ~~ذلك فقد جمع بين الأنواع الثلاثة وهو أفضل الاستفتاحات . كما جاء ذلك في حديث ~~مصرحا به، وهو اختيار أبي يوسف، وابن هبيرة - الوزير - من أصحاب أحمد، ~~صاحب «الإفصاح»، وهكذا أستفتح أنا . # وبعده النوع الثالث كقوله: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي. كما باعدت بين ~~المشرق والمغرب، إلخ، وهكذا ذكر الركوع والسجود، والتسبيح فيهما، أفضل ~~من قوله : «لك ركعت، ولك سجدت» . وهذا أفضل من الدعاء، والترتيب هنا ~~متفق عليه فيما أعلم، فإني لم أعلم أحدا قال: إن الدعاء فيهما أفضل من التسبيح، ~~كما قيل مثل ذلك في الاستفتاح . # فإن قلت : هذا الترتيب عكس الأسانيد، فإنه ليس في الصحيحين حديث عن ~~نبي صلى الله عليه وسلم في استفتاح الفريضة إلا هذا الدعاء: اللهم باعد بيني وبين خطاياي. وقوله : ~~وجهت وجهي» في صحيح مسلم. وحديث «سبحانك اللهم في السنن. وقد تكلم ~~فيه، وقد روي أن هذا كان في قيام الليل، وكذلك قوله: لوجهت وجهي. # قلت : كون هذا مما بلغنا من طريق أصح من هذا فهذا ليس في صفة الذكر نفسه ~~فضيلة توجب فضله على الآخر، لكنه طريق لعلمنا به، والفضيلة كانت ثابتة عن ~~لنبي صلى الله عليه وسلم، وفي زمنه قبل أن يبلغنا الأمر. # وقد ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب - رضي ms0403 الله عنه - أنه كان يجهر PageV01P372 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0373.png) ~~بسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، يعلمه الناس، ~~فلولا أن هذا من السنن المشروعة لم يفعل هذا عمر، ويقره المسلمون عليه. # وحديث أبي هريرة دليل على أن الاستفتاح لا يختص بسبحانك اللهم، ~~ووجهت وجهي وغيرهما، بل يستفتح بكل ما روي؛ لكن فضل بعض الأنواع على ~~بعض، يكون بدليل آخر، كما قدمنا. # وأيضا فإن قوله : سبحانك اللهم إلخ يتضمن الباقيات الصالحات التي هي أفضل ~~الكلام بعد القرآن، كما في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم آ قال : أفضل الكلام بعد القرآن ~~أربع، وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. # وأيضا ففي صحيح مسلم أن رسول الله صل صلى الله عليه وسلم سيثل : أي الكلام أفضل? قال : «ما ~~اصطفى الله لملائكته : سبحان الله وبحمده فهذه الكلمة هي أول ما في ~~الاستفتاح، وهي أفضل الكلام. # وأيضا فالله قد أمر بالتسبيح بحمده، وعبر بذلك عن الصلاة. بقوله: (وسبح ~~بحمد ربك حين تقوم) فكان إبتداء الامتثال بهذا الذكر أولى . وقد قالت طائفة ~~من المفسرين كالضحاك في تفسير هذه الآية : هو قول المصلي : سبحانك اللهم ~~وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وقد بسطت الكلام على معنى ~~هذه الكلمة في غير هذا الموضع، وبينت أنها تشتمل على التنزيه والتحميد والتظيم ~~بصفات البقاء والإثبات وأفعاله كلها سبحانه وبحمده. # التكبير مشروع في الأماكن العالية، وحال ارتفاع العبد، وحيث يقصد الإعلان، ~~كالتكبير في الأذان، والتكبير في الأعياد، والتكبير إذا علا شرفا والتكبير إذا رقي الصفا ~~والمروة، والتكبير إذا ركب الدابة، والتسبيح في الأماكن المنخفضة، وحيث ما نزل ~~العبد. كما في السنن عن جابر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم اعلونا كبرنا، وإذا هبطنا ~~سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك. PageV01P373 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0374.png) # والحمد مفتاح كل أمر ذي بال : من مناجاة الرب، ومخاطبة العباد بعضهم ~~بعضا، والشهادة مقرونة بالحمد وبالتكبير، فهي في الأذان، وفي الخطب خاتمة ~~الثناء، فتذكر بعد التكبير، ms0404 ثم يخاطب الناس بقول المؤذن: حي على الصلاة، حي ~~على الفلاح، وتذكر في الخطب، ثم يخاطب الناس بقول: أما بعد، وتذكر في ~~التشهد، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فالحمد والتوحيد مقدم في خطاب الخلق ~~للخالق، والحمد له الابتداء. # فإن الله لما خلق آدام عليه السلام أول ما أنطقه بالحمد فإنه عطس، وقال: ~~الحمد لله رب العالمين، فقال الله: يرحمك ربك، وكان أول ما نطق به الحمد، ~~وأول ما سمع من الله الرحمة، وبه افتتح الله أم القرآن، ، والتشهد هو الخاتمة. ~~فأول الفاتحة (الحمد لله) وآخر ما للرب ( إياك نعبد). # وكذلك التشهد. والخطب فيها التشهد بعد الفاتحة. فإن يتضمن إلهية الرب، ~~وهو أن يكون الرب هو المعبود، هذا هو الغاية التي ينتهي إليها أعمال العباد، و(لو ~~كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا) بياء: لكن قدم الحمد؛ لأن الحمد يكون من ~~الله، ويكون من الخالق. وهو باق في الجنة: ف( وءاخر دعولهم أن الحمد لله رب ~~العالمين) بخلاف العبادة . فإن العبادة إنما تكون في الدنيا بالسجود ~~ونحوه، وتوحيده وذكره باق في الجنة يلهمه أهل الجنة، كما يلهمهم النفس. # وهذه الأذكار هي من جنس الأقوال ليست من العبادات العملية كالسجود والقيام ~~والإحرام، والرب تعالى يحمد نفسه، ولا يعبد نفسه فالحمد أوسع العلوم الإلهية، ~~والحمد يفتح به، ويختم به. فالسنة لمن أكل وشرب أن يحمد الله، وفي صحيح ~~مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ال : إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ~~ويشرب الشربة فيحمده عليها» وقال تعالى : (وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب ~~العلين) وقال تعالى : (نقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) ~~الأنعام: وقال : ( وءاخر دعولهم أن الحمد لله رب العالمين). # وإنما فرض عليه من الدعاء الراتب الذي يتكرر بتكرر الصلوات، بل إلركعات ~~فرضها ونفلها هو الدعاء الذي تتضمنه أم القرآن، وهو قوله تعالى: ( أهدنا الصراط ~~المستقيمه صرط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، ~~لأن كل عبد فهو مضطر دائما إلى مقصود هذا ms0405 الدعاء، وهو هداية الصراط PageV01P374 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0375.png) ~~المستقيم، فإنه لا نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية، ولا وصول إلى السعادة إلا به، ~~فمن فاته هذا الهدى : فهو إما من المغضوب عليهم، أو من الضالين. # وهذا الاهتداء لا يحصل إلا بهدى الله: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن ~~بجد لروليا مرشدا) وهذه الآية مما يبين به فساد مذهب القدرية الذين ~~يزعمون أن العبد لا يفتقر في حصول هذا الاهتداء. بل كل عبد عندهم فمعه ~~ما يحصل به الطاعة والمعصية، لا فرق عندهم بين المؤمن والكافر، ولم يخص الله ~~المؤمن عندهم بهدى حصل به الاهتداء، والكلام عليهم مبسوط في موضع آخر. # والمقصود هنا أن كل عبد فهو مفتقر دائما إلى حصول هذه الهداية وأما سؤال ~~من يقول : فقد هداهم إلى الإيمان فلا حاجة إلى الهدى. وجواب من يجيب بأن ~~المطلوب دوام الهدى. فكلام من لم يعرف حال الإنسان، وما أمر به؛ فإن الصراط ~~المستقيم حقيقته : أن تفعل كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل، ~~ولا تفعل ما نهيت عنه، وإلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور، وكراهة جازمة ~~لترك المحذور. وهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن يحصل للعبد في ~~وقت واحد، بل كل وقت يحتاج أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما يهدى ~~به في ذلك الوقت. # نعم حصل له هدى مجمل، بأن القرآن حق، ودين الإسلام حق، والرسول ~~حق، ونحو ذلك، ولكن هذا الهدى المجمل لا يغنيه إن لم يحصل هدى مفصل في ~~كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التي يحار في كثير منها أكثر عقول الخلق، ويغلب ~~الهوى والشهوات أكثر الخلق، لغلبة الشبهات والشهوات على النفوس. # والإنسان خلق ظلوما جهولا. فالأصل فيه عدم العلم، وميله إلى ما يهواه من ~~الشر، فيحتاج دائما إلى علم مفصل يزول به جهله، وعدل في محبته وبغضه ورضاه ~~وغضبه وفعله وتركه وإعطائه ومنعه، وكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى عدل ينافي ~~ظلمه، فإن لم ms0406 يمن الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل، وإلا كان فيه من الجهل ~~والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم. وقد قال الله تعالى لنبيه بعد صلح ~~الحديبية وبيعة الرضوان : (إنا فتحا لك فتما مبيناء ليففر لك الله ما تقدم من ذلبك وما تأخر ويتم نعمته ~~عليك ويهديك صرطا مستقيما ء ويرك الله نصا عزيا) فأخبر أنه فعل هذا؛ ~~ليهديه صراط مستقيما، فإذا كان هذا حاله فكيف بحال غيره. # و( الصراط المستقيم ) قد فسر بالقرآن، والإسلام، وطريق ~~العبودية، فكل هذا حق، فهو موصوف بهذا وبغيره، فحاجته إلى هذه الهداية ضرورية ~~في سعادته ونجاته، بخلاف الحاجة إلى الرزق والنصر، فإن الله يرزقه، فإذا انقطع ~~رزقه مات، والموت لا بد منه، فإن كان من أهل الهداية كان سعيدا بعد الموت، PageV01P375 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0376.png) ~~وكان الموت موصلا له إلى السعادة الدائمة الأبدية، فيكون رحمة في حقه. # وكذلك النصر إذا قدر أنه قهر وغلب، حتى قتل، فإذا كان من أهل الهداية ~~والاستقامة مات شهيدا، وكان القتل من تمام نعمة الله عليه، فتبين أن حاجة العباد إلى ~~الهدى أعظم من حاجتهم إلى الرزق والنصر، بل لا نسبة بينهما؛ فلهذا كان هذا ~~الدعاء هو المفروض عليهم. # وأيضا فإن هذا الدعاء يتضمن الرزق والنصر؛ لأنه إذا هدي الصراط المستقيم ~~كان من المتقين، (ومن يتق الله يجعل له بخرجا * ويرزقه من حيث لا يختسب) ~~وكان من المتوكلين، (ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره) وكان ~~ممن ينصر الله ورسوله، ومن ينصر الله ينصره الله، وكان من جند الله، وجند الله ~~هم الغالبون . فالهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر. # فتبين أن هذا الدعاء هو الجامع لكل مطلوب يحصل به كل منفعة، وتندفع به ~~كل مضرة، فلهذا فرض على العبد. وهذا مما يبين أن غير الفاتحة لا يقوم مقامها ~~أصلا، وأن فضلها على غيرها من الكلام أعظم من فضل الركوع والسجود على سائر ~~أفعال الخضوع، فإذا تعينت الأفعال فهذا أولى. والحمد لله رب العالمين، وصلى ms0407 الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى # فأما صفة الصلاة : ومن شعائرها مسألة البسملة، فإن الناس اضطربوا فيها نفيا ~~وإثباتا، في كونها آية من القرآن، وفي قراءتها، وصنفت من الطرفين مصنفات يظهر ~~في بعض كلامها نوع جهل وظلم، مع أن الخطب فيها يسير. # وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها، فمن شعائر الفرقة والاختلاف الذي نهينا ~~عنها؛ إذ الداعي لذلك هو ترجيح الشعائر المفترقة بين الأمة، وإلا فهذه المسائل من ~~أخف مسائل الخلاف جدآ، لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة. # فأما كونها آية من القرآن، فقالت طائفة كمالك: ليست من القرآن، إلا في سورة ~~لنمل . والتزموا أن الصحابة أودعوا المصحف ما ليس من كلام الله على سبيل التبرك، ~~وحكت طائفة من أصحاب أحمد هذا رواية عنه، وربما اعتقد بعضهم أنه مذهبه. # وقالت طائفة منهم الشافعي : ما كتبوها في المصحف بقلم المصحف مع PageV01P376 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0377.png) ~~376 ~~تجريدهم للمصحف، عما ليس من القرآن إلا وهي من السورة، مع أدلة أخرى. ~~وتوسط أكثر فقهاء الحديث كأحمد ومحققي أصحاب أبي حنيفة فقالوا : كتابتها ~~في المصحف تقتضي أنها من القرآن، للعلم بأنهم لم يكتبوا فيه ما ليس بقرآن، لكن ~~لا يقتضي ذلك أنها من السورة؛ بل تكون آية مفردة أنزلت في أول كل سورة، كما ~~كتبها الصحابة سطرا مفصولا، كما قال ابن عباس : كان لا يعرف فصل السورة حتى ~~ينزل: (بسم الله التغن التحية). فعند هؤلاء هي آية من كتاب ~~الله في أول كل سورة، كتبت فيه. وليست من السور. وهذا هو المنصوص عن أحمد ~~في غير موضع. ولم يوجد عنه نقل صريح بخلاف ذلك، وهو قول عبد الله بن ~~المبارك، وغيره. وهو أوسط الأقوال وأعدلها. # وكذلك الأمر في تلاوتها في الصلاة. طائفة لا تقرأها لا سرا ولا جهرا. ~~كمالك والأوزاعي. # وطائفة تقرأها جهرا، كأصحاب ابن جريج والشافعي. # والطائفة الثالثة المتوسطة جماهير فقهاء الحديث، مع فقهاء أهل الرأي يقرأونها ~~سرآ، كما نقل عن جماهير الصحابة، مع أن أحمد ms0408 يستعمل ما روي عن الصحابة في ~~هذا الباب، فيستحب الجهر بها لمصلحة راجحة، حتى إنه نص على أن من صلى ~~بالمدينة يجهر بها، فقال بعض أصحابه؛ لأنهم كانوا ينكرون على من يجهر بها. # ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات لأن مصلحة ~~التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم غيير بناء البيت ~~لما في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في ~~السفر ثم صلى خلفه متما . وقال : الخلاف شر. # وهذا وإن كان وجها حسنا، فمقصود أحمد أن أهل المدينة كانوا لا يقرأونها ~~فيجهر بها ليبين أن قراءتها سنة، كما جهر ابن عباس بقراءة أم الكتاب على الجنازة، ~~وقال: لتعلموا أنها سنة، وكما جهر عمر بالاستفتاح غير مرة، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يجهر بالآية أحيانا، في صلاة الظهر والعصر. # ولهذا نقل عن أكثر من روى عنه الجهر بها من الصحابة المخافتة، فكأنهم ~~جهروا لإظهار أنهم يقرأونها، كما جهر بعضهم بالاستعاذة أيضا، والاعتدال في كل ~~شيء استعمال الآثار على وجهها، فإن كون النبي صلى الله عليه وسلم جهر بها دائما - وأكثر الصحابة ~~لم ينقلوا ذلك، ولم يفعلوه - ممتنع قطعا. وقد ثبت عن غير واحد منهم نفيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعارض ذلك خبر ثابت إلا وهو محتمل، وكون الجهر بها لا يشرع ~~بحال - مع أنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة - نسبة للصحابة إلى فعل المكروه، PageV01P377 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0378.png) ~~وإقراره؛ مع أن الجهر في صلاة المخافتة يشرع لعارض، كما تقدم. # وكراهة قراءتها مع ما في قراءتها من الآثار الثابتة عن الصحابة المرفوع بعضها ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكون الصحابة كتبتها في المصحف وأنها كانت تنزل مع السورة، فيه ~~ما فيه، مع أنها إذا قرئت في أول كتاب سليمان، فقراءتها في أول كتاب الله في غاية ~~المناسبة، فمتابعة الآثار فيها الاعتدال والائتلاف، والتوسط الذي هو أفضل الأمور. ms0409 # ثم مقدار الصلاة يختار فيه فقهاء الحديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم اتلي كان يفعلها ~~غالبا، وهي الصلاة المعتدلة المتقاربة، التي يخفف فيها القيام والقعود، ويطيل فيها ~~الركوع والسجود، ويسوي بين الركوع والسجود، وبين الاعتدال منهما. كما ثبت ذلك ~~من النبي صلى الله عليه وسلم مع كون القراءة في الفجر بما بين الستين إلى المائة، وفي الظهر نحو ~~الثلاثين آية، وفي العصر والعشاء على النصف من ذلك. مع أنه قد يخفف عن هذه ~~الصلاة لعارض كما قال النبيصلى الله عليه وسلم: إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، ~~فأسمع بكاء الصبى فأخفف، لما أعلم من وجد أمه به # كما أنه قد يطيلها على ذلك لعارض كما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب بطولي ~~الطوليين، وهي الأعراف . ويستحب إطالة الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية، ~~ويستحب أن يمد في الأوليين، ويحذف في الأخريين، كما رواه سعد بن أبي وقاص ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وعامة فقهاء الحديث على هذا. # ومن الفقهاء من لا يستحب أن يمد الاعتدال عن الركوع والسجود، ومنهم من ~~يراه ركنا خفيفا، بناء على أنه يشرع تابعا لأجل الفصل، لا أنه مقصود. ومنهم من ~~يسوي بين الركعتين الأوليين، ومنهم من يستحب ألا يزيد الإمام في تسبيح الركوع ~~والسجود على ثلاث؛ إلى أقوال أخر قالوها. # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن حديث نعيم المجمر قال : لاكنت ~~وراء أبي هريرة، فقرأ : (بشم الله التخمن الرحية)، ثم قرأ بأم الكتاب، حتى بلغ ~~(ولا الضآلين). قال : آمين، وقال الناس : آمين، ويقول : كلما سجد: الله أكبر، ~~فلما سلم، قال : والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صل صلى الله عليه وسلم # وكان المعتمر بن سليمان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب، ~~وبعدها، ويقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة PageV01P378 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0379.png) ~~أنس، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا حديث ms0410 ثابت في الجهر بها. ~~ذكر الحاكم أبو عبد الله: أن رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات. فهل يحمل ما قاله ~~أنس : وهو صليت خلف رسولللهاله صلى الله عليه وسلم ؤبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا ~~منهم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم على عدم السماع ? وما التحقيق في هذه المسألة ~~والصواب? # فأجاب: الحمد لله رب العالمين. أما حديث أنس في نفي الجهر فهو صريح ~~لا يحتمل هذا التأويل، فإنه قد رواه مسلم في صحيحه فقال فيه: صليت خلف ~~لنبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، ~~لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، في أول قراءة، ولا في آخرها، وهذا النفي ~~لا يجوز إلا مع العلم بذلك، لا يجوز بمجرد كونه لم يسمع مع إمكان الجهر بلا سماع. # واللفظ الآخر الذي في صحيح مسلم: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ~~وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يجهر، أو قال: يصلي ببسم الله الرحمن الرحيم، فهذا ~~نفي فيه السماع، ولو لم يرو إلا هذا اللفظ لم يجز تأويله، بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ~~جهرا، ولا يسمع أنس لوجوه: # أحدها : أن أنسا إنما روى هذا ليبين لهم ما كان النبي صلى الله عليه وسلم فعله، إذ لا غرض ~~للناس في معرفة كون أنس سمع أو لم يسمع، إلا ليستدلوا بعدم سماعه على عدم ~~المسموع، فلو لم يكن ما ذكره دليلا على نفي ذلك لم يكن أنس ليروي شيئا لا فائدة ~~لهم فيه، ولا كانوا يروون مثل هذا الذي لا يفيدهم. # الثاني : أن مثل هذا اللفظ صار دالا في العرف على عدم ما لم يدرك، فإذا قال: ~~ما سمعنا، أو ما رأينا، لما شأنه أن يسمعه ويراه، كان مقصوده بذلك نفي وجوده، وذكر ~~نفي الإدراك دليل على ذلك . ومعلوم أنه دليل فيما جرت العادة بإدراكه. # وهذا يظهر بالوجه الثالث: وهو أن أنسا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم من حين ms0411 قده ~~النبي صلى الله علي وسلم الدينة إلى أن مات، وكان يدخل على نسائه قبل الحجاب، ويصحبه حضرا ~~وسفرا وكان حين حج النبي صلى الله عليه وسلم تحت ناقته يسيل عليه لعابها أفيمكن مع هذا القرب ~~الخاص، والصحبة الطويلة أن لا يسمع النبي صلى الله عليه وسلم جهر بها، مع كونه يجهر بها هذا ~~مما يعلم بالضرورة بطلانه في العادة. # ثم إنه صحب أبا بكر وعمر وعثمان، وتولى لأبي بكر وعمر ولايات، ولا كان ~~يمكن مع طول مدتهم أنهم كانوا يجهرون، وهو لا يسمع ذلك، فتبين أن هذا تحريف PageV01P379 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0380.png) ~~لا تأويل . لو لم يرو إلا هذا اللفظ، فكيف والآخر صريح في نفي الذكر بها، وهو ~~يفضل هذه الرواية الأخرى . وكلا الروايتين ينفي تأويل من تأول قوله: يفتتحون ~~الصلاة ب(الحمد لله رب العكلمين) أنه أراد السورة، فإن قوله : يفتتحون، ب(الحكمد ~~لله رب العالمين) لا يذكرون (بسم الله التتمن التحير) في أول قراءة، ولا في ~~آخرها، صريح أنه في قصد الإفتتاح بالآية، لا بسورة الفاتحة التي أولها (بسه ~~الله التحمز الرحيه ) إذ لو كان مقصوده ذلك لتناقض حديثاه. # وأيضا فإن افتتاح الصلاة بالفاتحة قبل السورة، هو من العلم الظاهر العام الذي يعرفه ~~الخاص والعام، كما يعلمون أن الركوع قبل السجود وجميع الأئمة غير النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وأبي بكر وعمر وعثمان يفعلون هذا، ليس في نقل مثل هذا فائدة، ولا هذا مما يحتاج ~~فيه إلى نقل أنس، وهم قد سألوه عن ذلك، وليس هذا مما يسأل عنه، وجميع الأئمة من ~~أمراء الأمصار والجيوش، وخلفاء بني أمية، وبني الزبير وغيرهم ممن أدركه أنس كانوا ~~يفتتحون بالفاتحة، ولم يشتبه هذا على أحد، ولا شك؛ فكيف يظن أن أنسا قصد تعريفهم ~~بهذا، وأنهم سألوه عنه. وإنما مثل ذلك مثل أن يقال: فكانوا يصلون الظهر أربعا، ~~والعصر أربعا، والمغرب ثلاثا، أو يقول: فكانوا يجهرون في العشاءين والفجر، ~~ويخافتون في صلاتي الظهرين، أو يقول: فكانوا يجهرون في الأوليين، دون الأخيرتين. # ومثل حديث أنس حديث ms0412 عائشة الذي في الصحيح أيضا ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ان ~~يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين إلى آخره، وقد روي: ~~يفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين وهذا ~~صريح في إرادة الآية؛ لكن مع هذا ليس في حديث أنس نفي لقراءتها سرآ؛ لأنه ~~روي : لافكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم وهذا إنما نفى هنا الجهر. # وأما اللفظ الآخر «لا يذكرون فهو إنما ينفي ما يمكنه العلم بانتفائه وذلك ~~موجود في الجهر، فإنه إذا لم يسمع مع القرب، علم أنهم لم يجهروا. # وأما كون الإمام لم يقرأها فهذا لا يمكن إدراكه إلا إذا لم يكن له بين التكبير ~~والقراءة سكتة يمكن فيها القراءة سرا؛ ولهذا استدل بحديث أنس على عدم القراءة، ~~من لم ير هناك سكوتا، كمالك وغيره؛ لكن قد ثبت في الصحيحين من حديث ~~بي هريرة أنه قال : يا رسول الله : أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ماذا تقول? ~~قال : لأقول : كذا وكذا» آلى آخره. PageV01P380 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0381.png) # وفي السنن من حديث عمران وأبي وغيرهما: أنه كان يسكت قبل القراءة. ~~وفيها أنه كان يستعيذ، وإذا كان له سكوت لم يمكن أنسا أن ينفي قراءتها في ذلك ~~السكوت، فيكون نفيه للذكر، وإخباره بافتتاح القراءة بها إنما هو في الجهر، وكما أن ~~الإمساك عن الجهر مع الذكر سرا يسمى سكوتا، كما في حديث أبي هريرة، فيصلح ~~أن يقال : لم يقرأها، ولم يذكرها؛ أي جهرا؛ فإن لفظ السكوت، ولفظ نفي الذكر ~~والقراءة : مدلولهما هنا واحد. # ويؤيد هذا حديث عبد الله بن مغفل . الذي في السنن: أنه سمع ابنه يجهر بها ~~فأنكر عليه، وقال: يا بني إياك والحدث، وذكر أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ~~وعمر وعثمان فلم يكونوا يجهرون بها، فهذا مطابق لحديث أنس، وحديث عائشة ~~اللذين في الصحيح. # وأيضا فمن المعلوم أن الجهر بها مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله فلو كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم بجهر بها كالجهر بسائر ms0413 الفاتحة لم يكن في العادة ولا في الشرع ترك نقل ~~ذلك، بل لو انفرد بنقل مثل هذا الواحد واثنان لقطع بكذبهما، إذ التواطؤ فيما تمنع ~~العادة والشرع كتمانه، كالتواطؤ على الكذب فيه. ويمثل هذا بكذب دعوى الرافضة ~~في النص على علي في الخلافة، وأمثال ذلك. # وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح، ولم ~~يرو أهل السنن المشهورة: كأبي داود والترمذي والنسائي شيئا من ذلك، وإنما يوجد ~~الجهر بها صريحا في أحاديث موضوعة، يرويها الثعلبي والماوردي، وأمثالهما في ~~التفسير. أو في بعض كتب الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره، بل ~~يحتجون بمثل حديث الحميرا. # وأعجب من ذلك أن من أفاضل الفقهاء من لم يعز في كتابه حديثا إلى البخاري ~~إلا حديثا في البسملة، وذلك الحديث ليس في البخاري، ومن هذا مبلغ علمه في ~~الحديث كيف يكون حالهم في هذا الباب، أو يرويها من جمع هذا الباب: ~~كالدارقطني، والخطيب، وغيرهما، فإنهم جمعوا ما روي، وإذا سئلوا عن صحتها ~~قالوا : بموجب علمهم. كما قال الدارقطني لما دخل مصر. وسئل أن يجمع أحاديث ~~الجهر بها فجمعها، فقيل له : هل فيها شيء صحيح? فقال : أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا، ~~وأما عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف. # وسئل أبو بكر الخطيب عن مثل ذلك، فذكر حديثين حديث معاوية لما صلى ~~بالمدينة، وقد رواه الشافعي رضي الله عنه، قال: حدثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، ~~قال : أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره، أن ~~أنس بن مالك قال: صلى معاوية بالمدينة فجهر فيها بأم القرآن، فقرا: (بسه الله PageV01P381 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0382.png) ~~الفمن الرحية) القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها، ولم يكبر حين يهوي ~~حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان ~~يا معاوية! أسرقت الصلاة أم نسيت? فلما صلى بعد ذلك قرأ: (بسم الله التتمف ~~الرحي) ال بعد أم القرآن، وكبر حين ms0414 يهوي ساجدا. # وقال الشافعي أنبأنا إبراهيم بن محمد قال : حدثني ابن خثيم عن إسماعيل بن ~~عبيد بن رفاعة عن أبيه أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم، ولم يقرأ بسم الله الرحمن ~~الرحيم، ولم يكبر إذا خفض، وإذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار: أي ~~معاوية ? سرقت الصلاة ? وذكره. وقال الشافعي : أنبأنا يحيى بن سليم، عن عبد الله بن ~~عثمان بن خثيم ، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، عن معاوية ~~والمهاجرين والأنصار بمثله، أو مثل معناه، لا يخالفه وأحسب هذا الإسناد أحفظ من ~~الإسناد الأول، وهو في كتاب إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، عن ~~معاوية. وذكر الخطيب أنه أقوى ما يحتج به، وليس بحجة. كما يأتي بيانه. # فإذا كان أهل المعرفة بالحديث متفقين على أنه ليس في الجهر حديث صحيح، ~~ولا صريح، فضلا أن يكون فيها أخبار مستفيضة أو متواترة، امتنع أن النبي صلى الله عليه وسلم ان ~~يجهر بها، كما يمتنع أن يكون كان يجهر بالاستفتاح والتعوذ ثم لا ينقل. # فإن قيل : هذا معارض بترك الجهر بها، فإنه مما تتوافر الهمم والدواعي على ~~نقله، ثم هو مع ذلك ليس منقولا بالتواتر، بل قد تنازع فيه العلماء، كما أن ترك ~~الجهر بتقدير ثبوته كان يداوم عليه، ثم لم ينقل نقلا قاطعا، بل وقع فيه النزاع. # قيل : الجواب عن هذا من وجوه: # أحدها : أن الذي تتوافر الهمم والدواعي على نقله في العادة، ويجب نقله ~~شرعا: هو الأمور الوجودية، فأما الأمور العدمية فلا خبر لها، ولا ينقل منها إلا ~~ما ظن وجوده، أو احتيج إلى معرفته، فينقل للحاجة؛ ولهذا قالوا: لو نقل ناقل ~~افتراض صلاة سادسة، أو زيادة على صوم رمضان، أو حجا غير حج البيت، أو زيادة ~~في القرآن، أو زيادة في ركعات الصلاة، أو فرائض الزكاة، ونحو ذلك، لقطعنا ~~بكذبه، فإن هذا لو كان لوجب نقله نقلا قاطعا عادة وشرعا، وإن عدم النقل [يدل ~~على أنه] لم ينقل نقلا قاطعا عادة وشرعا؛ بل ms0415 يستدل بعدم نقله مع توافر الهمم ~~والدواعي في العادة والشرع على نقله، أنه لم يكن. # وقد مثل الناس ذلك بما لو نقل ناقل : أن الخطيب يوم الجمعة سقط من المنبر، ~~ولم يصل الجمعة، أو أن قوما اقتتلوا في المسجد بالسيوف، فإنه إذا نقل هذا الواحد ~~والإثنان والثلاثة دون بقية الناس علمنا كذبهم في ذلك؛ لأن هذا مما تتوافر الهمم ~~والدواعي على نقله في العادة؛ وإن كانوا لا ينقلون عدم الاقتتال ولا غيره من الأمور PageV01P382 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0383.png) ~~382 ~~العدمية. يوضح ذلك أنهم لم ينقلوا الجهر بالاستفتاح والاستعاذة، واستدلت الأمة ~~على عدم جهره بذلك، وإن كان لم ينقل نقلا عاما عدم الجهر بذلك، فبالطريق الذي ~~يعلم عدم جهره بذلك، يعلم عدم جهره بالبسملة وبهذا يحصل الجواب عما يورده ~~بعض المتكلمين على هذا الأصل، وهو كون الأمور التي تتوافر الهمم والدواعي على ~~نقلها يمتنع ترك نقلها، فإنهم عارضوا أحاديث الجهر والقنوت والأذان والإقامة، فإما ~~الأذان والإقامة فقد نقل فعل هذا وهذا، وأما القنوت فإنه قنت تارة وترك تارة، وأما ~~الجهر فإن الخبر عنه أمر وجودي، ولم ينقل فيدخل في القاعدة. # الوجه الثاني : أن الأمور العدمية لما احتيج إلى نقلها نقلت، فلما انقرض عصر ~~الخلفاء الراشدين وصار بعض الأئمة يجهر بها كابن الزبير ونحوه، سأل بعض الناس ~~بقايا الصحابة كأنس، فروى لهم أنس ترك الجهر بها، وأما مع وجود الخلفاء فكانت ~~السنة ظاهرة مشهورة ولم يكن في الخلفاء من يجهر بها، فلم يحتج إلى السؤال عن ~~الأمور العدمية حتى ينقل. # الثالث : أن نفي الجهر قد نقل نقلا صحيحا صريحا في حديث أبي هريرة، ~~والجهر بها لم ينقل نقلا صحيحا صريحا، مع أن العادة والشرع يقتضي أن الأمور ~~الوجودية أحق بالنقل الصحيح الصريح من الأمور العدمية. # وهذه الوجوه من تدبرها، وكان عالما بالأدلة القطعية، قطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم م يكن ~~يجهر بها، بل ومن لم يتدرب في معرفة الأدلة القطعية من غيرها يقول أيضا : إذا كان ~~الجهر بها ليس فيه حديث صحيح ms0416 صريح، فكيف يمكن بعد هذا أن النبي صلى الله علي وسلم ان يجهر ~~بها ولم تنقل الأمة هذه السنة، بل أهملوها وضيعوها ? وهل هذه إلا بمثابة أن ينقل ناقل: ~~أنه كان يجهر بالاستفتاح والاستعاذة، كما كان فيهم من يجهر بالبسملة، ومع هذا فنحن ~~نعلم بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم م يكن يجهر بالاستفتاح والاستعاذة، كما كان يجهر ~~بالفاتحة، كذلك نعلم بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم م يكن يجهر بالبسملة، كما كان يجهر ~~بالفاتحة، ولكن يمكن أنه كان يجهر بها أحيانا، أو أنه كان يجهر بها قديما ثم ترك ذلك، ~~كما روى أبو داود في مراسيله عن سعيد بن جبير، ورواه الطبراني في معجمه عن ابن ~~عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يجهر بها بمكة، فكان المشركون إذا سمعوها سبوا الرحمن، ~~فترك الجهر، فما جهر بها حتى مات فهذا محتمل. # وأما الجهر العارض: فمثل ما في الصحيح أنه كان يجهر بالآية أحيانا، ومثل ~~جهر بعض الصحابة خلفه بقوله : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ومثل ~~جهر عمر بقوله : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، PageV01P383 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0384.png) ~~ومثل جهر ابن عمر وأبي هريرة بالاستعاذة، ومثل جهر ابن عباس بالقراءة على ~~الجنازة ليعلموا أنها سنة . ويمكن أن يقال جهر من جهر بها من الصحابة كان على هذا ~~الوجه، ليعرفوا أن قراءتها سنة؛ لا لأن الجهر بها سنة. # ومن تدبر عامة الآثار الثابتة في هذا الباب علم أنها آية من كتاب الله، وأنهم ~~قرأوها لبيان ذلك ، لا لبيان كونها من الفاتحة، وأن الجهر بها سنة، مثل ما ذكر ابن ~~وهب في جامعه قال : أخبرني رجال من أهل العلم عن ابن عباس، وأبي هريرة، ~~وزيد بن أسلم، وابن شهاب : مثله بغير هذا الحديث عن ابن عمر، أنه كان يفتتح ~~القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم. # قال ابن شهاب : يريد بذلك أنها آية من القرآن، فإن الله أنزلها، قال : وكان أهل ~~الفقه يفعلون ذلك فيما ms0417 مضى من الزمان، وحديث ابن عمر معروف من حديث ~~حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر : إنه كان إذا صلى جهر ~~ب (بسم اللم الرتمز النحية) فإقا قال: (غير المغضوب عليهم ولا الضآلين) ~~[الفاتحة : 7] قال : (بسم آلله التحمن التحير) فهذا الذي ذكره ابن شهاب ~~الزهري هو أعلم أهل زمانه بالسنة يبين حقيقة الحال، فإن العمدة في الآثار في ~~قراءتها، إنما هي عن ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر. وقد عرف حقيقة حال ~~أبي هريرة في ذلك، وكذلك غيره رضي الله عنهم أجمعين. # ولهذا كان العلماء بالحديث ممن يروي الجهر بها ليس معه حديث صريح، ~~لعلمه بأن تلك أحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله له صلى الله عليه وسلم، وإنما يتمسك بلفظ ~~محتمل، مثل اعتمادهم على حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة المتقدم. وقد رواه ~~النسائي . فإن العارفين بالحديث يقولون : إنه عمدتهم في هذه المسألة ولا حجة فيه. # فإن في صحيح مسلم عن أبي هريرة أظهر دلالة على نفي قراءتها من دلالة هذا ~~على الجهر بها؛ فإن في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أ قال : ليقول ~~الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين : نصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ~~ما سأل، فإذا قال العبد: (الحتد لله رب العالمين) قال الله: حمدني عبدي، فإذا ~~قال: (الرحمن الرحير) قال : أثنى علي عبدي، فإذا قال: (مادلك يوم آلدين) ~~قال: مجدني عبدي - أو قال فوض إلي عبدي - فإذا قال: (إياك نعبد وإياك ~~استعين) قال فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: (آهدنا ~~الصط المنتقير * صراط الذي أنعمت عليهم غير المغضرب علنهم ولا الضالين) قال: ~~فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل. PageV01P384 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0385.png) # وقد روى عبد الله بن زياد بن سليمان - وهو كذاب - أنه قال : في أوله فإذا ~~قال : بسم الله الرحمن الرحيم، قال : ذكرني عبدي ولهذا اتفق أهل العلم على كذب ~~هذه الزيادة، وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر؛ لأن الشيعة ترى الجهر، وهم ~~أكذب ms0418 الطوائف، فوضعوا في ذلك أحاديث لبسوا بها على الناس دينهم؛ ولهذا يوجد ~~في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري أنهم يذكرون من السنة المسح على ~~الخفين، وترك الجهر بالبسملة، كما يذكرون تقديم أبي بكر وعمر ونحو ذلك؛ لأن ~~هذا كان من شعار الرافضة. # ولهذا ذهب أبو علي بن أبي هريرة أحد الأئمة من أصحاب الشافعي إلى ترك ~~الجهر بها، قال : لأن الجهر بها صار من شعار المخالفين، كما ذهب من ذهب من ~~أصحاب الشافعي إلى تسنمة القبور؛ لأن التسطيح صار من شعار أهل البدع. # فحديث أبي هريرة دليل على أنها ليست من القراءة الواجبة، ولا من القراءة ~~المقسومة، وهو على نفي القراءة مطلقا أظهر من دلالة حديث نعيم المجمر على ~~الجهر؛ فإن في حديث نعيم المجمر أنه قرأ: (بسم الله التحمن التحية) ثم قرأ ~~أم القرآن، وهذا دليل على أنها ليست من القرآن عندهم، وحديث أبي هريرة الذي في ~~مسلم يصدق ذلك، فإنه قال : قال رسول الله له صلى الله عليه وسلم 1 من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم ~~القرآن فهي خداج؛ فهي خداج فقال له رجل: يا أبا هريرة! أنا أحيانا أكون وراء ~~الإمام فقال : اقرأ بها في نفسك يا فارسي؛ فإني سمعت رسول الله له صلى الله عليه وسلم قول : قال ~~الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين الحديث. وهذا صريح في أن ~~أم القرآن التي يجب قراءتها في الصلاة عند أبي هريرة هي القراءة المقسومة التي ~~ذكرها مع دلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ وذلك ينفي وجوب قراءتها عند أبي هريرة ~~فيكون أبو هريرة وإن كان قرأ بها؛ قرأ بها استحبابا لا وجوبا. # والجهر بها مع كونها ليست من الفاتحة قول لم يقل به أحد من الأئمة الأربعة؛ ~~وغيرهم من الأئمة المشهورين؛ ولا أعلم به قائلا؛ لكن هي من الفاتحة وإيجاب ~~قراءتها مع المخافتة بها قول طائفة من أهل الحديث؛ وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ ~~وإذا كان أبو هريرة إنما قرأها ms0419 استحبابا لا وجوبا؛ وعلى هذا القول لا تشرع المداومة ~~على الجهر بها؛ كان جهره بها أولى أن يثبت دليلا على أنه ليعرفهم استحباب قراءتها؛ ~~وأن قراءتها مشروعة؛ كما جهر عمر بالاستفتاح؛ وكما جهر ابن عباس بقراءة فاتحة ~~الكتاب على الجنازة؛ ونحو ذلك؛ ويكون أبو هريرة قصد تعريفهم أنها تقرأ في ~~الجملة؛ وإن لم يجهر بها وحينئذ فلا يكون هذا مخالفا لحديث أنس الذي في PageV01P385 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0386.png) ~~الصحيح، وحديث عائشة الذي في الصحيح؛ وغير ذلك. هذا إن كان الحديث دالا ~~على أنه جهر بها؛ فإن لفظه ليس صريحا بذلك من وجهين : # أحدهما : أنه قال قرأ: (بسم الله الرتمن التحي) ثم قرأ أم القرآن، ولفظ ~~القراءة محتمل أن يكون قرأها سرا، ويكون نعيم علم ذلك بقربه منه؛ فإن قراءة السر ~~إذا قويت يسمعها من يلي القارئ، ويمكن أن أبا هريرة أخبره بقراءتها، وقد أخبر ~~أبو قتادة بأن رسول اللهالهال صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب، وسورة، وفي ~~الأخيرتين بفاتحة الكتاب، وهي قراءة سر، كيف وقد بين في الحديث أنها ليست من ~~الفاتحة، فأراد بذلك وجوب قراءتها، فضلا عن كون الجهر بها سنة، فإن النزاع في ~~الثاني أضعف. # الثاني : أنه لم يخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قرأها قبل أم الكتاب، وإنما قال في آخر ~~الصلاة : إني لأشبهكم صلاة برسو له له صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث أنه أمن وكبر في الخفض ~~والرفع، وهذا ونحوه مما كان يتركه الأئمة، فيكون أشبههم برسول اللهالاه صلى الله عليه وسلم من هذه ~~الوجوه التي فيها ما فعله رسوللهاله صلى الله عليه وسلم، وتركوه هم، ولا يلزم إذا كان أشبههم بصلاة ~~رسول الله ل صلى الله عليه وسلم ان تكون صلاته مثل صلاته، من كل وجه. ولعل قراءتها مع الجهر أمثل ~~من ترك قراءتها بالكلية عند أبي هريرة؛ وكان أولئك لا يقرأونها أصلا؛ فتكون قراءتها مع ~~الجهر أشبه عنده بصلاة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم، وإن كان غيره ms0420 ينازع في ذلك. # وأما حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه؛ فيعلم أولا : أن تصحيح الحاكم وحده ~~وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا؛ فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارض فيه ~~بتوثيق الحاكم. وقد اتفق أهل العلم في الصحيح على خلافه، ومن له أدنى خبرة في ~~الحديث وأهله لا يعارض بتوثيق الحاكم ما قد ثبت في الصحيح خلافه؛ فإن أهل ~~العلم متفقون على أن الحاكم فيه من التساهل والتسامح في (باب التصحيح) حتى إن ~~تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني وأمثالهما بلا نزاع، فكيف بتصحيح ~~البخاري ومسلم . بل تصحيحه دون تصحيح أبي بكر بن خزيمة، وأبي حاتم بن حبان ~~البستي، وأمثالهما، بل تصحيح الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي ~~في مختاره خير من تصحيح الحاكم فكتابه في هذا الباب خير من كتاب الحاكم بلا ~~ريب، عند من يعرف الحديث، وتحسين الترمذي أحيانا يكون مثل تصحيحه أو ~~أرجح، وكثيرا ما يصحح الحاكم أحاديث يجزم بأنها موضوعة لا أصل لها، فهذا ~~هذا. والمعروف عن سليمان التيمي وابنه معتمر أنهما كانا يجهران بالبسملة، لكن نقله ~~عن أنس هو المنكر، كيف وأصحاب أنس الثقات الأثبات يروون عنه خلاف ذلك، ~~حتى إن شعبة سأل قتادة عن هذا قال : أنت سمعت أنسا يذكر ذلك؟ قال : نعم! ~~وأخبره باللفظ الصريح المنافي للجهر. PageV01P386 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0387.png) ~~386 # ونقل شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة، وأرفع درجات ~~الصحيح عند أهله، إذ قتادة أحفظ أهل زمانه، أو من أحفظهم وكذلك إتقان شعبة ~~وضبطه هو الغاية عندهم، وهذا مما يرد به قول من زعم أن بعض الناس روى حديث ~~أنس بالمعنى الذي فهمه، وأنه لم يكن في لفظه إلا قوله: يستفتحون الصلاة بالحمد ~~لله رب العالمين، ففهم بعض الرواة من ذلك نفي قراءتها، فرواه من عنده، فإن هذا ~~القول لا يقوله إلا من هو أبعد الناس علما برواة الحديث، وألفاظ روايتهم الصريحة ~~التي لا تقبل التأويل، وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية التي لا تحتمل ms0421 المجازفة، ~~أو أنه مكابر صاحب هوى يتبع هواه، ويدع موجب العلم والدليل. # ثم يقال : هب أن المعتمر أخذ صلاته عن أبيه، وأبوه عن أنس وأنس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا مجمل ومحتمل؛ إذ ليس يمكن أن يثبت كل حكم جزئي من أحكام ~~الصلاة بمثل هذا الإسناد المجمل؛ لأنه من المعلوم أن مع طول الزمان وتعدد الإسناد ~~لا تضبط الجزئيات في أفعال كثيرة متفرقة حق الضبط ؛ إلا بنقل مفصل لا مجمل، ~~وإلا فمن المعلوم أن مثل منصور بن المعتمر، وحماد بن أبي سليمان، والأعمش، ~~وغيرهم أخذوا صلاتهم عن إبراهيم النخعي وذويه، وإبراهيم أخذها عن علقمة ~~والأسود ونحوهما، وهم أخذوها عن ابن مسعود، وابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ~~الإسناد أجل رجالا من ذلك الإسناد، وهؤلاء أخذ الصلاة عنهم أبو حنيفة والثوري ~~وابن أبي ليلى، وأمثالهم من فقهاء الكوفة، فهل يجوز أن يجعل نفس صلاة هؤلاء ~~هي صلاة رسول اللهالاه صلى الله عليه وسلم هبذا الإسناد، حتى في موارد النزاع، فإن جاز هذا كان ~~هولاء لا يجهرون، ولا يرفعون أيديهم، إلا في تكبيرة الافتتاح، ويسفرون بالفجر، ~~وأنواع ذلك مما عليه الكوفيون. # ونظير هذه احتجاج بعضهم على الجهر بأن أهل مكة من أصحاب ابن جريج ~~كانوا يجهرون، وأنهم أخذوا صلاتهم عن ابن جريج، وهو أخذها عن عطاء، وعطاء ~~عن ابن الزبير، وابن الزبير عن أبي بكر الصديق، وأبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ريب ~~أن الشافعي رضي الله عنه أول ما أخذ الفقه في هذه المسألة وغيرها عن أصحاب ابن ~~جريج. كسعيد بن سالم القداح، ومسلم بن خالد الزنجي، لكن مثل هذه الأسانيد ~~المجملة لا يثبت بها أحكام مفصلة تنازع الناس فيها. # ولئن جاز ذلك ليكونن مالك أرجح من هؤلاء، فإنه لا يستريب عاقل أن ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين كانوا بالمدينة أجل قدرا، وأعلم بالسنة، وأتبع لها ~~ممن كان بالكوفة ومكة والبصرة. وقد احتج أصحاب مالك على ترك الجهر بالعمل ~~المستمر بالمدينة، فقالوا: هذا المحراب ms0422 الذي كان يصلي فيه رسول الله له صلى الله عليه وسلم، ثم ~~أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم الأثمة، وهلم جرا. ونقلهم لصلاة رسول الله ل صلى الله عليه ولم PageV01P387 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0388.png) ~~نقل متواتر، كلهم شهدوا صلاة رسول للهاله صلى الله عليه وسلم، ثم صلاة خلفائه، وكانوا أشد ~~محافظة على السنة، وأشد إنكارا على من خالفها من غيرهم، فيمتنع أن يغيروا صلاة ~~رسولاله اللهل صلى الله عليه وسلم، وهذا العمل يقترن به عمل الخلفاء كلهم من بني أمية، وبني ~~العباس، فإنهم كلهم لم يكونوا يجهرون، وليس لجميع هؤلاء غرض بالإطباق على ~~تغيير السنة في مثل هذا، ولا يمكن أن الأئمة كلهم أقرتهم على خلاف السنة، بل ~~نحن نعلم ضرورة أن خلفاء المسلمين وملوكهم لا يبدلون سنة لا تتعلق بأمر ملكهم، ~~وما يتعلق بذلك من الأهواء، وليست هذه المسألة مما للملوك فيها غرض. # وهذه الحجة إذا احتج بها المحتج لم تكن دون تلك، بل نحن نعلم أنها أقوى ~~منها، فإنه لا يشك مسلم أن الجزم بكون صلاة التابعين بالمدينة أشبه بصلاة الصحابة ~~بها، والصحابة بها أشبه صلاة بصلاة رسول اللهالاه صلى الله عليه وسلم قرب من الجزم بكون صلاة ~~شخص أو شخصين أشبه بصلاة آخر، حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا لم ~~يذهب ذاهب قط إلى أن عمل غير أهل المدينة أو إجماعهم حجة، وإنما تتوزع في ~~عمل أهل المدينة وإجماعهم: هل هو حجة أم لا? نزاعا لا يقصر عن عمل غيرهم، ~~وإجماع غيرهم إن لم يزد عليه . # فتبين دفع ذلك العمل عن سليمان التيمي، وابن جريج، وأمثالهما بعمل أهل ~~المدينة، لو لم يكن المنقول نقلا صحيحا صريحا عن أنس يخالف ذلك، فكيف ~~والأمر في رواية أنس أظهر وأشهر وأصح وأثبت من أن يعارض بهذا الحديث المجمل ~~الذي لم يثبت، وإنما صححه مثل الحاكم، وأمثاله. # ومثل هذا أيضا يظهر ضعف حديث معاوية الذي فيه أنه صلى بالصحابة ~~بالمدينة، فأنكروا عليه ترك قراءة البسملة في أول الفاتحة ms0423 وأول السورة حتى عاد يعمل ~~ذلك، فإن هذا الحديث وإن كان الدارقطني قال : إسناده ثقات، وقال الخطيب: هو ~~أجود ما يعتمد عليه في هذه المسألة، كما نقل ذلك عنه نصر المقدسي، فهذا الحديث ~~يعلم ضعفه من وجوه: # أحدها : أنه يروى عن أنس أيضا الرواية الصحيحة الصريحة المستفيضة الذي يرد هذا. # الثاني : أن مدار ذلك الحديث على عبد الله بن عثمان بن خثيم وقد ضعفته ~~طائفة، وقد اضطربوا في روايته إسنادا ومتنا، كما تقدم. وذلك يبين أنه غير محفوظ. # الثالث : أنه ليس فيه إسناد متصل السماع؛ بل فيه من الضعفة والاضطراب ~~ما لا يؤمن معه الانقطاع أو سوء الحفظ. # الرابع : أن أنسا كان مقيما بالبصرة، ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد ~~علمناه أن أنسا كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه. PageV01P388 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0389.png) # الخامس : أن هذه القضية بتقدير وقوعها كانت بالمدينة، والراوي لها أنس وكان ~~بالبصرة، وهي مما تتوافر الهمم والدواعي على نقلها. ومن المعلوم أن أصحاب أنس ~~المعروفين بصحبته وأهل المدينة لم ينقل أحد منهم ذلك؛ بل المنقول عن أنس وأهل ~~المدينة نقيض ذلك، والناقل ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء. # السادس : أن معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أول الفاتحة والسورة، لكان ~~هذا أيضا معروفا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل هذا أحد عن ~~معاوية؛ بل الشاميون كلهم: خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها؛ بل ~~الأوزاعي مذهبه فيها مذهب مالك لا يقرأها سرا ولا جهرا . فهذه الوجوه وأمثالها إذا ~~تدبرها العالم قطع بأن حديث معاوية إما باطل لا حقيقة له، وإما مغير عن وجهه، ~~وأن الذي حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح، فحصلت الآفة من انقطاع إسناده. # وقيل : هذا الحديث لو كان تقوم به الحجة لكان شاذا؛ لأنه خلاف ما رواه الناس ~~الثقات الأثبات عن أنس، وعن أهل المدينة، وأهل الشام، ومن شرط الحديث الثابت أن ~~لا يكون شاذا ولا معللا وهذا شاذ معلل، إن لم يكن من سوء حفظ بعض ms0424 رواته. # والعمدة التي اعتمدها المصنفون في الجهر بها ووجوب قراءتها إنما هو كتابتها ~~في المصحف بقلم القرآن، وأن الصحابة جردوا القرآن عما ليس منه. # والذين نازعوهم دفعوا هذه الحجة بلا حق، كقولهم : القرآن لا يثبت إلا ~~بقاطع، ولو كان هذا قاطعا لكفر مخالفه. وقد سلك أبو بكر بن الطيب الباقلاني ~~وغيره هذا المسلك، وادعوا أنهم يقطعون بخطأ الشافعي في كونه جعل البسملة من ~~القرآن، معتمدين على هذه الحجة، وأنه لا يجوز إثبات القرآن إلا بالتواتر، ولا تواتر ~~هنا، فيجب القطع بنفي كونها من القرآن. # والتحقيق : أن هذه الحجة مقابلة بمثلها، فيقال لهم: بل يقطع بكونها من القرآن ~~حيث كتبت، كما قطعتم بنفي كونها ليست منه، ومثل هذا النقل المتواتر عن الصحابة ~~بأن ما بين اللوحين قرآن، فإن التفريق بين آية وآية يرفع الثقة بكون القرآن المكتوب ~~بين لوحي المصحف كلام الله، ونحن نعلم بالاضطرار أن الصحابة الذين كتبوا ~~المصاحف نقلوا إلينا أن ما كتبوه بين لوحي المصحف كلام الله الذي أنزله على نبيه ~~له عليه وسلم لم يكتبوا فيه ما ليس من كلام الله. # فإن قال المنازع: إن قطعتم بأن البسملة من القرآن حيث كتبت، فكفروا النافي، ~~قيل لهم: وهذا يعارض حكمه إذا قطعتم بنفي كونها من القرآن، فكفروا منازعكم. # وقد اتفقت الأمة على نفي التكفير في هذا الباب، مع دعوى كثير من الطائفتين ~~القطع بمذهبه، وذلك لأنه ليس كل ما كان قطعيا عند شخص يجب أن يكون قطعيا PageV01P389 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0390.png) ~~عند غيره، وليس كل ما ادعت طائفة أنه قطعي عندها يجب أن يكون قطعيا في نفس ~~الأمر؛ بل قد يقع الغلط في دعوى المدعي القطع في غير محل القطع، كما يغلط في ~~سمعه وفهمه ونقله، وغير ذلك من أحواله، كما قد يغلط الحس الظاهر في مواضع، ~~وحينئذ فيقال : الأقوال في كونها من القرآن ثلاثة : طرفان، ووسط. # الطرف الأول : قول من يقول : إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل، كما ~~قال مالك، وطائفة من الحنفية، وكما قاله بعض أصحاب ms0425 أحمد. مدعيا أنه مذهبه، أو ~~ناقلا لذلك رواية عنه. # والطرف المقابل له : قول من يقول: إنها من كل سورة آية أو بعض آية، كما هو ~~المشهور من مذهب الشافعي، ومن وافقه، وقد نقل عن الشافعي أنها ليست من أوائل ~~السور غير الفاتحة، وإنما يستفتح بها في السور تبركا بها، وأما كونها من الفاتحة فلم ~~يثبت عنه فيه دليل . # والقول الوسط : إنها من القرآن حيث كتبت، وإنها مع ذلك ليست من السور، ~~بل كتبت آية في أول كل سورة، وكذلك تتلى آية منفردة في أول كل سورة، كما تلاها ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزلت عليه سورة (إنا أعطينلك الكوثر)وثر:] كما ثبت ذلك ~~في صحيح مسلم . كما في قوله : إن سورة من القرآن هي ثلاثون آية شفعت لرجل ~~حتى غفر له، وهي سورة تبارك الذي بيده الملك رواه أهل السنن، وحسنه ~~الترمذي، وهذا القول قول عبد الله بن المبارك، وهو المنصوص الصريح عن ~~أحمد بن حنبل . # وذكر أبو بكر الرازي أن هذا مقتضى مذهب أبي حنيفة عنده، وهو قول سائر ~~من حقق القول في هذه المسألة، وتوسط فيها جمع من مقتضى الأدلة، وكتابتها سطرا ~~مفصولا عن السورة، ويويد ذلك قول ابن عباس : كان رسول الله صل صلى الله عليه وسلم ال، يعرف ~~فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم رواه أبو داود، وهؤلاء لهم ~~في الفاتحة قولان، هما روايتان عن أحمد. # أحدهما: أنها من الفاتحة دون غيرها، وتجب قراءتها حيث تجب قراءة ~~الفاتحة . # والثاني : وهو الأصح لا فرق بين الفاتحة وغيرها في ذلك، وأن قراءتها في أول PageV01P390 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0391.png) ~~الفاتحة كقراءتها في أول السور، والأحاديث الصحيحة توافق هذا القول، لا تخالفه. ~~وحينئذ الخلاف أيضا في قراءتها في الصلاة ثلاثة أقوال : ~~أحدها : أنها واجبة وجوب الفاتحة وكمذهب الشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايتين، وطائفة من أهل الحديث، بناء على أنها من الفاتحة. # والثانى: قول من يقول: قراءتها مكروهة سرا وجهرا، كما هو المشهور من ~~مذهب مالك. # والقول الثالث: أن قراءتها ms0426 جائزة؛ بل مستحبة، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد ~~في المشهور عنه. وأكثر أهل الحديث، وطائفة من هؤلاء يسوي بين قراءتها وترك ~~قراءتها، ويخير بين الأمرين معتقدين أن هذا على إحدى القراءتين، وذلك على القراءة ~~الأخرى . # ثم مع قراءتها هل يسن الجهر أو لا يسن، على ثلاثة أقوال: # قيل : يسن الجهر بها. كقول الشافعي، ومن وافقه. # وقيل : لا يسن الجهر بها، كما هو قول الجمهور من أهل الحديث والرأي، ~~وفقهاء الأمصار. # وقيل: يخير بينهما، كما يروى عن إسحاق، وهو قول ابن حزم وغيره. # ومع هذا فالصواب أن ما لا يجهر به قد يشرع الجهر به لمصلحة راجحة، ~~فيشرع للإمام أحيانا لمثل تعليم المأمومين، ويسوغ للمصلين أن يجهروا بالكلمات ~~اليسيرة أحيانا، ويسوغ أيضا أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب، واجتماع الكلمة ~~خوفا من التنفير، عما يصلح كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم ناء البيت على قواعد إبراهيم؛ لكون ~~قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك، ورأى أن مصلحة ~~الاجتماع والانتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم. # وقال ابن مسعود - لما أكمل الصلاة خلف عثمان، وأنكر عليه فقيل له، في ~~ذلك، فقال - الخلاف شر؛ ولهذا نص الأئمة كأحمد وغيره على ذلك بالبسملة، وفي ~~وصل الوتر، وغير ذلك مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول، مراعاة ~~ائتلاف المأمومين، أو لتعريفهم السنة، وأمثال ذلك، والله أعلم. # وسئل أيضا رجمه الله تعالى: عن (يم الله التن التحية ) هل هي آية ~~من أول كل سورة، أفتونا مأجورين? # فأجاب: الحمد لله . اتفق المسلمون على أنها من القرآن في قوله: (إنه من PageV01P391 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0392.png) ~~سليمن وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) وتنازعوا فيها في أوائل السور حيث ~~كتبت على ثلاثة أقوال : # أحدها : أنها ليست من القرآن، وإنما كتبت تبركا بها، وهذا مذهب مالك، وطائفة ~~من الحنفية، ويحكى هذا رواية عن أحمد ولا يصح عنه، وإن كان قولا في مذهبه. # والثاني : أنها من كل سورة، إما آية، وإما بعض آية، وهذا مذهب الشافعي - ~~رضي الله عنه. # والثالث ms0427 : أنها من القرآن حيث كتبت آية من كتاب الله من أول كل سورة، ~~وليست من السورة. وهذا مذهب ابن المبارك، وأحمد بن حنبل - رضي الله عنه - ~~وغيرهما . وذكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة عنده. وهذا أعدل الأقوال. # فإن كتابتها في المصحف بقلم القرآن تدل على أنها من القرآن، وكتابتها مفردة ~~مفصولة عما قبلها وما بعدها تدل على أنها ليست من السورة، ويدل على ذلك ~~ما رواه أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنآ قال : (إن سورة من القرآن ثلاثين آية، شفعت ~~لرجل، حتى غفر له . وهي (تبارك الذى بيده الملك)ل وهذا لا ينافي ~~ذلك؛ فإن في الصحيح أن النبي صلى الله علي وسلم لفي إغفاءة فقال : للقد نزلت علي آنفا سورة. ~~وقرأ: (بسم آلل الرحمن التحيم)، (إنا أعطيناك الكوثر)؛ لأن ذلك لم ~~يذكر فيه أنها من السورة، بل فيه أنها تقرأ في أول السورة، وهذا سنة، فإنها تقرأ في ~~أول كل سورة، وإن لم تكن من السورة. # ومثله حديث ابن عباس : «كان رسول للهالال صلى الله عليه وسلم الم يعرف فصل السورة حتى ~~تنزل (بسم الله الرخمن التحية) رواه أبو داود، ففيه أنها نزلت للفصل، ~~وليس فيه أنها آية منها، ولتبارك الذي بيده الملك ثلاثون آية بدون البسملة؛ ولأن ~~العادين لآيات القرآن لم يعد أحد منهم البسملة من السورة، لكن هؤلاء تنازعوا في ~~الفاتحة : هل هي آية منها دون غيرها؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد : # أحدهما : أنها من الفاتحة دون غيرها، وهذا مذهب طائفة من أهل الحديث، أظنه ~~قول أبي عبيد، واحتج هؤلاء بالآثار التي رويت في أن البسملة من الفاتحة، وعلى قول ~~هؤلاء تجب قراءتها في الصلاة، وهؤلاء يوجبون قراءتها وإن لم يجهروا بها. # والثاني : أنها ليست من الفاتحة، كما أنها ليست من غيرها، وهذا أظهر. فإنه ~~قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله علي وسلم ن: قال : يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني PageV01P392 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0393.png) ~~وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها له، ولعبدي ms0428 ما سأل. يقول العبد : (آلحيد ~~لله رب الع لمين)ة يقول الله : حمدني عبدي . يقول العبد : (الرحن ~~ألرحيم) يقول الله : أثنى علي عبدي . يقول العبد: (مللك يوم ~~آلدين) يقول الله: مجدني عبدي. يقول العبد : ( إياك نعبد وإياك ~~نستعين). يقول الله : فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ~~ما سأل. يقول العبد : (آهدنا الصراط المستقيم) إلى آخرها. يقول ~~الله: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل . فلو كانت من الفاتحة لذكرها كما ذكر ~~غيرها. # وقد روي ذكرها في حديث موضوع، رواه عبد الله بن زياد بن سمعان فذكره ~~مثل الثعلبي في تفسيره، ومثل من جمع أحاديث الجهر، وإنها كلها ضعيفة، أو ~~موضوعة . ولو كانت منها لما كان للرب ثلاث آيات ونصف، وللعبد ثلاث ونصف. ~~وظاهر الحديث أن القسمة وقعت على الآيات، فإنه قال : فهؤلاء لعبدي. وهؤلاء ~~إشارة إلى جمع، فعلم أن من قوله : (اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخرها ثلاث آيات ~~على قول من لا يعد البسملة آية منها، ومن عدها آية منها جعل هذا آيتين . # وأيضا فإن الفاتحة سورة من سور القرآن، والبسملة مكتوبة في أولها، فلا فرق ~~بينها وبين غيرها من السور في مثل ذلك، وهذا من أظهر وجوه الاعتبار . # وأيضا فلو كانت منها لتليت في الصلاة جهرا، كما تتلى سائر آيات السورة، ~~وهذا مذهب من يرى الجهر بها كالشافعي وطائفة من المكيين والبصريين؛ فإنهم ~~قالوا: إنها آية من الفاتحة يجهر بها: كسائر آيات الفاتحة، واعتمد على آثار منقولة ~~بعضها عن الصحابة، وبعضها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأما المأثور عن الصحابة: كابن الزبير ~~ونحوه، ففيه صحيح، وفيه ضعيف. وأما المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو ضعيف، أو ~~موضوع، كما ذكر ذلك حفاظ الحديث كالدارقطني، وغيره. # ولهذا لم يرو أهل السنن والمسانيد المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهر بها حديثا ~~واحدا؛ وإنما يروي أمثال هذه الأحاديث من لا يميز من أهل التفسير : كالثعلبي ~~ونحوه، وكبعض من صنف في هذا الباب من أهل الحديث، كما يذكره طائفة من ms0429 ~~الفقهاء في كتب الفقه، وقد حكى القول بالجهر عن أحمد وغيره بناء على إحدى ~~الروايتين عنه من أنها من الفاتحة، فيجهر بها كما يجهر بسائر الفاتحة، وليس هذا ~~مذهبه، بل يخافت بها عنده. # وإن قال : هي من الفاتحة لكن يجهر بها عنده لمصلحة راجحة، مثل أن يكون PageV01P393 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0394.png) ~~المصلون لا يقرأونها بحال، فيجهر بها ليعلمهم أن قراءتها سنة، كما جهر ابن عباس ~~بالفاتحة على الجنازة، وكما جهر عمر بن الخطاب بالاستفتاح، وكما نقل عن ~~ابي هريرة أنه قرأ بها، ثم قرأ بأم الكتاب، وقال : أنا أشبهكم صلاة برسول الله له صلى الله عليه وسلم ~~رواه النسائي وهو أجود ما احتجوا به. # وكذلك فسر بعض أصحاب أحمد خلافه، إنه كان يجهر بها إذا كان المأمومون ~~ينكرون على من لم يجهر بها، وأمثال ذلك، فإن الجهر بها والمخافتة سنة، فلو جهر ~~بها المخافت صحت صلاته بلا ريب، وجمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد ~~والأوزاعي لا يرون الجهر؛ لكن منهم من يقرأها سرا: كأبي حنيفة وأحمد وغيرهما، ~~ومنهم من لا يقرأها سرآ ولا جهرا كمالك. # وحجة الجمهور ما ثبت في الصحيح من أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا ~~لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي لفظ لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم ~~في أول قراءة، ولا آخرها والله أعلم. # وسئل رحمه النه تعالى : هل من يلحن في الفاتحة تصح صلاته أم لا? # فأجاب : أما اللحن في الفاتحة الذي لا يحيل المعنى فتصح صلاة صاحبه، ~~إماما أو منفردا، مثل أن يقول : (رب العالمين) و( الضالين) ونحو ذلك. # وأما ما قرئ به مثل : الحمد لله رب، ورب، ورب. ومثل الحمد لله، والحمد ~~لله، بضم اللام، أو بكسر الدال. ومثل عليهم، وعليهم، وعليهم. وأمثال ذلك، ~~فهذا لا يعد لحنا. # وأما اللحن الذي يحيل المعنى: إذا علم صاحبه معناه مثل أن يقول: (الذين ~~أنعمت عليهم) وهو يعلم أن هذا ضمير المتكلم، لا تصح صلاته، وإن لم يعلم أنه ~~يحيل المعنى واعتقد أن ms0430 هذا ضمير المخاطب ففيه نزاع، والله أعلم. ~~وسئل رحمه الله تعالى : عن رفع الأيدي بعد الركوع، هل يبطل الصلاة? أم ~~(2(3 # فأجاب: الحمد لله . لا يبطل الصلاة باتفاق الأئمة؛ بل أكثر أئمة المسلمين ~~يستحبون هذا . كما استفاضت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث ابن عمر، ~~ومالك بن الحويرث، ووائل بن حجر، وأبي حميد الساعدي، وأبي قتادة ~~الأنصاري، في عشرة من الصحابة، وحديث علي، وأبي هريرة، وغيرهم. PageV01P394 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0395.png) # وهو مستحب عند جمهور العلماء وهو مذهب الشافعي وأحمد، ومالك في ~~إحدى الروايتين عنه، وأبو حنيفة قال : إنه لا يستحب، ولم يقل : إنه يبطل صلاته، ~~والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: 1 ولا ينفع ذا الجد منك الجد وهل ~~هو بالخفض أو بالضم? أفتونا مأجورين # فأجاب: الحمد لله. أما الأولى فبالخفض. وأما الثانية فبالضم، والمعنى أن ~~صاحب الجد لا ينفعه منك جده، أي لا ينجيه ويخلصه منك جده، وإنما ينجيه ~~الإيمان والعمل الصالح، والجد» هو الغنى، وهو العظمة، وهو المال. بي صلنى الله عليه وسلم: أنه ~~من كان له في الدنيا رئاسة ومال لم ينجه ذلك، ولم يخلصه من الله؛ وإنما ينجيه من ~~عذابه إيمانه وتقواه؛ فاه صلى اله عليه وسلم قال : لاللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما ~~منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد فبين في هذا الحديث أصلين عظيمين: # أحدهما : توحيد الربوبية، وهو أن لا معطي لما منع الله، ولا مانع لما أعطاه، ~~ولا يتوكل إلا عليه، ولا يسأل إلا هو. # والثاني: توحيد الإلهية وهو بيان ما ينفع، وما لا ينفع، وإنه ليس كل من ~~أعطى مالا أو دنيا أو رئاسة كان ذلك نافعا له عند الله منجيا له من عذابه، فإن الله ~~يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب؛ قال تعالى : ~~(فأما الإنيكن إذا ما ابتله ربه فاكرمه ونعمد فيقول ري اكرمن وأما إذا ما ابالله فقدر عليه رزقه فيقول ms0431 رب ~~اهلنن كلا) يقول : ما كل من وسعت عليه أكرمته، ولا كل من ~~قدرت عليه أكون قد أهنته، بل هذا ابتلاء ليشكر العبد على السراء، ويصبر على ~~الضراء، فمن رزق الشكر والصبر كان كل قضاء يقضيه الله خيرا له، كما في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك ~~لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان ~~خيرا له »3 . # ولتوحيد الإلهية أن يعبد الله، ولا يشرك به شيئا، فيطيعه، ويطيع رسله، ~~ويفعل ما يحبه ويرضاه. # وأما لتوحيد الربوبية فيدخل ما قدره وقضاه، وإن لم يكن مما أمر به وأوجبه ~~وأرضاه، والعبد مأمور بأن يعبد الله، ويفعل ما أمر به، وهو توحيد الإلهية ويستعين PageV01P395 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0396.png) ~~الله على ذلك، وهو توحيد له، فيقول : (إياك نعبد وإياك ستعين) والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن الصلاة، واتقاء الأرض بوضع ركبتيه قبل يديه، أو ~~يديه قبل ركبتيه؟1، # فأجاب : أما الصلاة بكليهما فجائزة باتفاق العلماء، إن شاء المصلي يضع ركبتيه ~~قبل يديه، وإن شاء وضع يديه ثم ركبتيه، وصلاته صحيحة في الحالتين، باتفاق ~~العلماء. ولكن تنازعوا في الأفضل. # فقيل : الأول : كما هو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في إحدى ~~الروايتين . # وقيل : الثاني : كما هو مذهب مالك، وأحمد في الرواية الأخرى وقد روي بكل ~~منهما حديث في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففي السنن عنه : إنه كان إذا صلى وضع ~~ركبتيه ثم يديه، وإذا رفع رفع يديه ثم ركبتيه» # وفي سنن أبي داود وغيره أنه قال : «إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك الجمل، ~~ولكن يضع يديه ثم ركبتيه وقد روي ضد ذلك، وقيل: إنه منسوخ، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن رجل يصلى مأموما، ويجلس بين الركعات جلسة ~~الاستراحة ولم يفعل ذلك الإمام، فهل يجوز ذلك له؟ وإذا جاز: هل يكون منقصا ~~لأجره لأجل كونه لم يتابع الإمام في سرعة الإمام? ms0432 # فأجاب : جلسة الاستراحة، قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لسها؛ لكن ~~تردد العلماء هل فعل ذلك من كبر السن للحاجة، أو فعل ذلك لأنه من سنة الصلاة. # فمن قال بالثاني : استحبها كقول الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين. # ومن قال بالأول : لم يستحبها إلا عند الحاجة، كقول أبي حنيفة ومالك، ~~وأحمد في الرواية الأخرى. ومن فعلها لم ينكر عليه، وإن كان مأموما، لكون التأخر ~~بمقدار ما ليس هو من التخلف المنهي عنه عند من يقول باستحبابها، وهل هذا إلا ~~فعل في محل اجتهاد فإنه قد تعارض فعل هذه السنة عنده، والمبادرة إلى موافقة الإمام PageV01P396 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0397.png) ~~فإن ذلك أولى من التخلف، لكنه يسير، فصار مثل ما إذا قام من التشهد الأول قبل أن ~~يكمله المأموم، والمأموم يرى أنه مستحب، أو مثل أن يسلم وقد بقي عليه يسير من ~~الدعاء، هل يسلم أو يتمه? # ومثل هذه المسائل هي من مسائل الاجتهاد، والأقوى أن متابعة الإمام أولى من ~~التخلف، لفعل مستحب، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رفع اليدين بعد القيام من الجلسة بعد الركعتين ~~الأوليين : هل هو مندوب إليه? وهل فعله النبي صلى الله عليه وسلم، او أحد من الصحابة ? # فأجاب : نعم! هو مندوب إليه عند محققي العلماء العالمين بسنة رسول الله ~~له عليه وسلم وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وقول طائفة من أصحابه، وأصحاب الشافعي ~~وغيرهم. وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح والسنن . ففي البخاري، وسنن أبي ~~داود، والنسائي عن نافع : أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ~~ركع رفع يديه، وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع ~~يديه ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # وعن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة ~~كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته، وإذا أراد ms0433 أن يركع، ~~ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد وإذا قام من ~~الركعتين رفع يديه كذلك وكبر رواه أحمد وأبو داود، وهذا لفظه، وابن ماجه، ~~والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح . # وعن أبي حميد الساعدي أنه ذكر صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه : (إذا قام من ~~السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع حين افتتح الصلاة ~~رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، والترمذي، وصححه. # فهذه أحاديث صحيحة ثابتة، مع ما في ذلك من الآثار، وليس لها ما يصلح أن ~~يكون معارضا مقاوما، فضلا عن أن يكون راجحا، والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن قوله صلى الله عليه وسلم،: اللهم صل على محمد PageV01P397 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0398.png) ~~وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» الحديث. وقوله: «اللهم ~~صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» هل ~~الحديثان في الصحة سواء? وما الحكم في ذكر الآل دون إبراهيم? # فأجاب : الحمد لله . هذا الحديث في الصحاح من أربعة أوجه: أشهرها حديث ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : لقيني كعب بن عجرة فقال : ألا أهدي لك هدية? خرج ~~علينا رسول ال صلى الله ليه وسلم فقلنا : قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك? قال: ~~لقولوا : اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك ~~حميد مجيد، اللهم بارك - وفي لفظ - وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت ~~على آل إبراهيم إنك حميد مجيد رواه أهل الصحاح، والسنن، والمسانيد. ~~كالبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والإمام أحمد في ~~مسنده، وغيرهم. وهذا لفظ الجماعة إلا أن الترمذي قال فيه: على إبراهيم، في ~~الموضعين لم يذكر آله وذلك رواية لأبي داود والنسائي، وفي رواية: كما صليت ~~على آل إبراهيم، وقال : كما باركت على إبراهيم ذكر لفظ الآل في الأول، ولفظ ~~إبراهيم في الآخر. # وفي الصحيحين والسنن ms0434 الثلاثة عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول ~~الله! كيف نصلي عليك ? قال : «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، ~~كما صليت على آل إبراهيم . وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على ~~آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» هذا هو اللفظ المشهور، وقد روي فيه. كما صليت ~~على إبراهيم، وكما باركت على إبراهيم بدون لفظ الآل في الموضعين. # وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله! هذا ~~السلام عليك، فكيف الصلاة عليك? قال : «قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ~~ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد. كما ~~باركت على آل إبراهيم»(). # وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال : أتانا رسول الله صلى اله عليه وسلم، ونحن PageV01P398 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0399.png) ~~في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف ~~نصلي عليك? قال: فسكت رسولالله له صلى الله عليه وسلم عتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول ~~لال صلى الله عليه وسلم: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل ~~إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين ~~إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم وقد رواه أيضا غير مسلم كمالك وأحمد ~~وأبي داود والنسائي والترمذي بلفظ آخر. وفي بعض طرقه : كما صليت على ~~إبراهيم، وكما باركت على إبراهيم» لم يذكر لالآل وفي رواية : كما صليت على ~~إبراهيم، وكما باركت على آل إبراهيم. فهذه الأحاديث التي في الصحاح : لم أجد ~~فيها ولا فيما نقل لفظ : «إبراهيم وآل إبراهيم» بل المشهور في أكثر الأحاديث ~~والطرق لفظ آل إبراهيم وفي بعضها لفظ إبراهيم . وقد يجيء في أحد الموضعين ~~لفظ «آل إبراهيم» وفي الآخر لفظ «إبراهيم. # وقد روي لفظ «إبراهيم، وآل إبراهيم» في حديث رواه البيهقي عن يحيى بن ~~السناو، عن رجل من بني الحارث، عن ابن مسعود عن رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم أ ms0435 قال : لاإذا ~~تشهد أحدكم في الصلاة فليقل : اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وبارك على ~~محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وارحم محمدا كما صليت وباركت وترحمت ~~على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد2) وهذا إسناده ضعيف لكن رواه ابن ~~ماجه في سننه عن ابن مسعود موقوفا قال : إذا صليتم على رسولهاله صلى الله عليه وسلم احسنوا ~~الصلاة، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، قال: فقولوا له فعلمنا. قال : «قولوا ~~اللهم اجعل صلواتك، ورحمتك، وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين وخاتم ~~النبيين محمد عبدك ورسولك : إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه ~~مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما ~~صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد محيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد ~~كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد . ولا يحضرني إسناد هذا ~~الأثر، ولم يبلغني إلى الساعة حديث مسند بإسناد ثابت كما صليت على إبراهيم، وكما ~~باركت على إبراهيم وآل إبراهيم» بل أحاديث السنن توافق أحاديث الصحيحين، كما PageV01P399 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0400.png) ~~في سنن أبي داود عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى ~~إذا صلى علينا أهل البيت فليقل : اللهم صل على محمد النبي، وعلى أزواجه أمهات ~~المؤمنين، وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد رواه ~~الشافعي في مسنده عن أبي هريرة قال قلنا : يا رسول الله! كيف نصلي عليك ? يعني في ~~الصلاة. قال : تقولون : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ~~وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، ثم تسلمون علي # ومن المتأخرين من سلك في بعض هذه الأدعية والأذكار التي كان النبي صلى الله عليه وسلم. ~~يقولها ويعملها بألفاظ متنوعة - ورويت بألفاظ متنوعة - طريقة محدثة بأن جمع بين ~~تلك الألفاظ، واستحب ذلك، ورأى ذلك أفضل ما يقال فيها. # مثاله الحديث الذي في الصحيحين ms0436 عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه ~~قال : يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال : لقل : اللهم إني ظلمت ~~نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني ~~إنك أنت الغفور الرحيم»3) . قد روي لكثيرا» وروي «كبيرا فيقول هذا القائل: ~~يستحب أن يقول : كثيرا، كبيرا . وكذلك إذا روي : اللهم صل على محمد وعلى ~~آل محمد وروي : (اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته وأمثال ذلك ~~وهذه طريقة محدثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين. # وطرد هذه الطريقة أن يذكر التشهد بجميع هذه الألفاظ المأثورة، وأن يقال: ~~الاستفتاح بجميع الألفاظ المأثورة، وهذا مع أنه خلاف عمل المسلمين لم يستحبه ~~احد من أئمتهم، بل عملوا بخلافه، فهو بدعة في الشرع، فاسد في العقل. # أما الأول: فلأن تنوع ألفاظ الذكر والدعاء كتنوع ألفاظ القرآن مثل (تعلمون) ~~و(يعلمون) و(باعدوا) و(بعدوا) و(أرجلكم) و(أرجلكم) ومعلوم أن المسلمين ~~متفقون على أنه لا يستحب للقارئ في الصلاة، والقارئ عبادة وتدبرا خارج الصلاة: ~~أن يجمع بين هذه الحروف، إنما يفعل الجمع بعض القراء بعض الأوقات ليمتحن ~~بحفظه للحروف، وتمييزه للقراءات، وقد تكلم الناس في هذا. # وأما الجمع في كل القراءة المشروعة المأمور بها فغير مشروع باتفاق المسلمين، PageV01P400 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0401.png) ~~بل يخير بين تلك الحروف، وإذا قرأ بهذه تارة وبهذه تارة كان حسنا، كذلك الأذكار ~~إذا قال تارة «ظلما كثيرا» وتارة «ظلما كبيرا» كان حسنا . كذلك إذا قال تارة «على ~~آل محمد» وتارة «على أزواجه وذريته» كان حسنا . كما أنه في التشهد إذا تشهد تارة ~~بتشهد ابن مسعود، وتارة بتشهد ابن عباس، وتارة بتشهد عمر كان حسنا، وفي ~~الاستفتاح إذا استفتح تارة باستفتاح عمر، وتارة باستفتاح علي، وتارة باستفتاح ~~أبي هريرة، ونحو ذلك كان حسنا. # وقد احتج غير واحد من العلماء كالشافعي وغيره على جواز الأنواع المأثورة في ~~التشهدات ونحوها بالحديث الذي في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : لأنزل القرآن ~~على سبعة أحرف كلها شاف كاف، ms0437 فاقرأوا بما تيسر»(1 قالوا : فإذا كان القرآن قد ~~رخص في قراءته سبعة أحرف، فغيره من الذكر والدعاء أولى أن يرخص في أن يقال ~~على عدة أحرف . ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ أحدها، أو هذا تارة وهذا ~~تارة، لا الجمع بينهما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع بين هذه الألفاظ في آن واحد؛ بل ~~قال هذا تارة، وهذا تارة، إذا كان قد قالهما. # وأما إذا اختلفت الرواية في لفظ فقد يمكن أنه قالهما، أو يمكن أنه رخص ~~فيهما، ويمكن أن أحد الراويين حفظ اللفظ دون الآخر وهذا يجيء في مثل قوله : ~~لكبيرا» كثيرا . وأما مثل قوله : « وعلى آل محمد» وقوله في الأخرى : 0 وعلى ~~أزواجه وذريته» فلا ريب أنه قال هذا تارة، وهذا تارة : ولهذا احتج من احتج بذلك ~~على تفسير الآل، وللناس في ذلك قولان مشهوران. # أحدهما : أنهم أهل بيته الذين حرموا الصدقة، وهذا هو المنصوص عن الشافعي ~~وأحمد، وعلى هذا ففي تحريم الصدقة على أزواجه وكونهم من أهل بيته روايتان عن ~~أحمد : # إحداهما : لسن من أهل بيته. وهو قول زيد بن أرقم الذي رواه مسلم في ~~صحيحه عنه. # والثانية : هن من أهل بيته، لهذا الحديث فإنه قال : «وعلى أزواجه وذريته ~~وقوله: (إنمايريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهك تطهيرا): ~~وقوله في قصة إبراهيم: (رحمت الله وبركثم عليك أهل البيت) وقد ~~دخلت سارة، ولأنه استثنى امرأة لوط من آله فدل على دخولها في الآل، وحديث ~~الكساء يدل على أن عليا وفاطمة وحسنا وحسينا أحق بالدخول في أهل البيت من PageV01P401 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0402.png) ~~غيرهم، كما أن قوله في المسجد المؤسس على التقوى : هو مسجدي هذا يدل ~~على أنه أحق بذلك، وإن مسجد قباء أيضا مؤسس على التقوى؛ كما دل عليه نزول ~~الآية وسياقها، وكما أن أزواجه داخلات في آله وأهل بيته، كما دل عليه نزول الآية ~~وسياقها، وقد تبين أن دخول أزواجه في آل بيته أصح، وإن كان مواليهن لا يدخلون ~~في موالي آله بدليل الصدقة على ms0438 بريرة مولاة عائشة، ونهيه عنها أبا رافع مولى ~~العباس، وعلى هذا القول فآل المطلب هل هم من آله ومن أهل بيته الذين تحرم ~~عليهم الصدقة؟ على روايتين عن أحمد. # إحداهما : إنهم منهم، وهو قول الشافعي. # والثانية : ليسوا منهم، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. # والقول الثاني : إن آل محمد هم أمته أو الأتقياء من أمته، وهذا روي عن مالك ~~إن صح، وقاله طائفة من أصحاب أحمد، وغيرهم. وقد يحتجون على ذلك بما روى ~~الخلال، وتمام هذه أنه سئل عن آل محمد فقال : كل مؤمن تقي وهذا الحديث ~~موضوع لا أصل له. # والمقصود هنا : أن الني صلى الله عليه وسلمبت عنه أنه قال أحيانا : وعلى آل محمد وكان ~~يقول أحيانا : «وعلى أزواجه وذريته» فمن قال أحدهما، أو هذا تارة وهذا تارة، فقد ~~أحسن . وأما من جمع بينهما فقد خالف السنة. # ثم إنه فاسد من جهة العقل أيضا، فإن أحد اللفظين بدل عن الآخر، فلا يجمع ~~بين البدل والمبدل، ومن تدبر ما يقول وفهمه علم ذلك. # وأما الحكم في ذلك فيقال: لفظ آل فلان إذا أطلق في الكتاب والسنة دخل فيه ~~فلان، كما في قوله: (ل إن الله أصطف ءادم ونوحا ومال إبراهيم ومال عمران على العالمين) ~~عمران: 33 وقوله : ( إلامال لود بحيتلهم بسحر) وقوله : (أتخلوا مال ~~فرعو أشد العذاب) وقوله : ( لم عل إل ياسين) ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم : اللهم صل على آل أبي أوفى # وكذلك لفظ : «أهل البيت» كقوله تعالى : ( رحمت الله وبركنه عليكم أهل آلبيت) ~~لهود: 73 فإن إبراهيم داخل فيهم، وذلك قوله : من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا ~~صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي»2 الحديث، وسبب ذلك أن PageV01P402 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0403.png) ~~لفظ «الآل» أصله أول، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فقيل : آل، ومثله باب، ~~وناب. وفي الأفعال قال وعاد، ونحو ذلك، ومن قال أصله أهل فقلبت الهاء ألفآ فقد غلط؛ ~~فإنه قال ما لا دليل عليه، وادعى القلب الشاذ بغير حجة، مع ms0439 مخالفته للأصل . # وأيضا فإن لفظ الأهل يضيفونه إلى الجماد، وإلى غير المعظم، كما يقولون: ~~أهل البيت، وأهل المدينة، وأهل الفقير، وأهل المسكين وأما الآل فإنما يضاف إلى ~~معظم من شأنه أن يؤول غيره، أو يسوسه فيكون مآله إليه، ومنه الإيالة : وهي السياسة ~~فآل الشخص هم من يؤوله، ويؤول إليه، ويرجع إليه، ونفسه هي أول وأولى من ~~يسوسه، ويؤول إليه؛ فلهذا كان لفظ آل فلان متناولا له، ولا يقال هو مختص به، بل ~~يتناوله ويتناول من يؤوله، فلهذا جاء في أكثر الألفاظ كما صليت على آل إبراهيم، ~~وكما باركت على آل إبراهيم» وجاء في بعضها «إبراهيم» نفسه، لأنه هو الأصل في ~~الصلاة والزكاة، وسائر أهل بيته، إنما يحصل لهم ذلك تبعا. وجاء في بعضها ذكر ~~هذا، وهذا تنبيها على هذين. # فإن قيل: فلم قيل : لصل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وآل ~~محمد، فذكر هنا محمدا وآل محمد، وذكر هناك لفظ : آل إبراهيم، أو إبراهيم. # قيل : لأن الصلاة على محمد وعلى آله ذكرت في مقام الطلب والدعاء، وأما ~~الصلاة على إبراهيم ففي مقام الخبر والقصة؛ إذ قوله: لعلى محمد وعلى آل محمد ~~جملة طلبية، وقوله : صليت على آل إبراهيم» جملة خبرية، والجملة الطلبية إذا ~~بسطت كان مناسبا؛ لأن المطلوب يزيد بزيادة الطلب، وينقص بنقصانه. # وأما الخبر فهو خبر عن أمر قد وقع وانقضى، لا يحتمل الزيادة والنقصان، فلم ~~يمكن في زيادة اللفظ زيادة المعنى، فكان الإيجاز فيه والاختصار أكمل وأتم وأحسن؛ ~~ولهذا جاء بلفظ آل إبراهيم تارة، وبلفظ إبراهيم أخرى؛ لأن كلا اللفظين يدل على ~~ما يدل عليه الآخر، وهو الصلاة التي وقعت ومضت، إذ قد علم أن الصلاة على ~~إبراهيم التي وقعت هي الصلاة على آل إبراهيم، والصلاة على آل إبراهيم صلاة على ~~إبراهيم، فكان المراد باللفظين واحدا مع الإيجاز والاختصار. # وأما في الطلب، فلو قيل : صلى الله على محمد لم يكن في هذا ما يدل على ~~الصلاة على آل محمد، إذ هو طلب ودعاء ينشأ بهذا اللفظ ms0440 ليس خبرا عن أمر قد وقع ~~واستقر، ولو قيل: صل على آل محمد، لكان إنما يصلي عليه في العموم. فقيل: على ~~محمد وعلى آل محمد، فإنه يحصل بذلك الصلاة عليه بخصوصه، وبالصلاة على آله. # ثم إن قيل : إنه داخل في آله مع الاقتران، كما هو داخل مع الإطلاق، فقد ~~صلى عليه مرتين خصوصا وعموما، وهذا ينشأ على قول من يقول: العام المعطوف ~~على الخاص يتناول الخاص. PageV01P403 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0404.png) ~~403 # ولو قيل : إنه لم يدخل لم يضر؛ فإن الصلاة عليه خصوصا تغني. # وأيضا ففي ذلك بيان أن الصلاة على سائر الآل إنما طلبت تبعا له وإنه هو ~~الأصل الذي بسببه طلبت الصلاة على آله، وهذا يتم بجواب السؤال المشهور، وهو ~~أن قوله : كما صليت على إبراهيم يشعر بفضيلة إبراهيم، لأن المشبه دون المشبه ~~به، وقد أجاب الناس عن ذلك بأجوبة ضعيفة. # فقيل : التشبيه عائد إلى الصلاة على الأول فقط، فقوله : «صل على محمد ~~كلام منقطع، وقوله : «وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم كلام مبتدأ، وهذا ~~نقله العمراني عن الشافعي، وهذا باطل عن الشافعي قطعا لا يليق بعلمه وفصاحته؛ ~~فإن هذا كلام ركيك في غاية البعد وفيه من جهة العربية بحوث لا تليق بهذا الموضع. # الثاني : قول من منع كون المشبه به أعلى من المشبه، وقال: يجوز أن يكونا ~~متماثلين، قال صاحب هذا القول : والنبي صلى الله عليه وسلم فضل على إبراهيم من وجوه غير ~~الصلاة، وهما متماثلان في الصلاة، وهذا أيضا ضعيف؛ فإن الصلاة من الله من أعلى ~~المراتب، أو أعلاها، ومحمد أفضل الخلق فيها، فكيف وقد أمر الله بها بعد أن أخبر ~~أنه وملائكته يصلون عليه. وأيضا فالله وملائكته يصلون على معلم الخير، وهو أفضل ~~معلمي الخير، والأدلة كثيرة لا يتسع لها هذا الجواب. # الثالث : قول من قال : آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس مثلهم في آل محمد، ~~فإذا طلب من الصلاة مثلما صلى على هؤلاء حصل لأهل بيته من ذلك ما يليق بهم، ~~فإنهم دون الأنبياء، وبقيت الزيادة ms0441 لمحمد صلى الله عليه وسلم فعصل له بذلك من الصلاة عليه مزية ~~ليست لإبراهيم، ولا لغيره، وهذا الجواب أحسن مما تقدم. # وأحسن منه أن يقال : محمد هو من آل إبراهيم، كما روى علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس في قوله:ا ل إن الله أصطفح ادم ونوحا واال إبراهيم ومال عمران على العالمين) ~~آل عمران : 33] قال ابن عباس : محمد من آل إبراهيم، وهذا بين؛ فإنه إذا دخل ~~غيره من الأنبياء في آل إبراهيم، فهو أحق بالدخول فيهم، فيكون قولنا: كما صليت ~~على آل إبراهيم متناولا للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية آل إبراهيم. وقد قال ~~تعالى : (وجعالنا في ذريته النبوة والكتاب)بوت:، ثم أمرنا أن نصلي على ~~محمد، وعلى آل محمد خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموما، ثم ~~لأهل بيته من ذلك ما يليق بهم، والباقي له، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم. # ومعلوم أن هذا أمر عظيم يحصل له به أعظم مما لإبراهيم وغيره، فإنه إذا كان ~~المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به، وله نصيب وافر من المشبه، وله أكثر ~~المطلوب، صار له من المشبه وحده أكثر مما لإبراهيم وغيره، وإن كان جملة PageV01P404 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0405.png) ~~المطلوب مثل المشبه، وانضاف إلى ذلك ما له من المشبه به، فظهر بهذا من فضله ~~على كل من النبيين ما هو اللائقله صلى الله عليه وسلم سليما كثيرا، وجزاه عنا أفضل ما جزى ~~رسولا عن أمته . اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم ~~إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، ~~إنك حميد مجيد . # وسئل غفر الله له: عمن يقول : اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد ~~حتى لا يبقى من صلاتك شيء، وبارك على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من ~~بركاتك شيء، وارحم محمدا وآل محمد حتى لا يبقى من رحمتك شيء، وسلم على ~~محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من سلامك ms0442 شيء»? أفتونا مأجورين # فأجاب : الحمد لله. ليس هذا الدعاء مأثورا عن أحد من السلف. وقول القائل: ~~حتى لا يبقى من صلاتك شيء، ورحمتك شيء - إن أراد به أن ينفد ما عند الله من ~~ذلك، فهذا جاهل. فإن ما عند الله من الخير لانفاد له، وإن أراد أنه بدعائه معطيه جميع ~~ما يمكن أن يعطاه، فهذا أيضا جهل، فإن دعاءه ليس هو السبب الممكن من ذلك. # وسئل رحمه الله تعالى: عن أقوام حصل بينهم كلام في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسل ~~منهم من قال : إنها فرض واجب في كل وقت، ومن لا يصلي عليه يأثم، وقال ~~بعضهم: هي فرض في الصلاة المكتوبة، لأنها من فروض الصلاة، وما عدا ذلك فغير ~~فرض؛ لكن موعود الذي يصلي عليه بكل مرة عشرة? # فأجاب : الحمد لله. مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين أنها واجبة في ~~الصلاة، ولا تجب في غيرها، ومذهب أبي حنيفة، ومالك وأحمد في الرواية الأخرى ~~أنها لا تجب في الصلاة، ثم من هؤلاء من قال: تجب في العمر مرة، ومنهم من قال: ~~تجب في المجلس الذي يذكر فيه، والمسالة مبسوطة في غير هذا الموضع، والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: # المنصوص المشهور عن الإمام أحمد أنه لا يدعو في الصلاة إلا بالأدعية المشروعة ~~المأثورة، كما قال الأثرم: قلت لأحمد: بماذا أدعو بعد التشهد ? قال: بما جاء في الخبر، ~~قلت له : أو ليس قال رسول اللهل صلى الله علي وسلم: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء? قال : يتخير PageV01P405 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0406.png) ~~مما جاء في الخبر، فعاودته، فقال : ما في الخبر. هذا معنى كلام أحمد. # قلت : وقد بينت بعض أصل ذلك، لقوله : (إنه لا يحب المعتدي) ~~55]، وأن الدعاء ليس كله جائزا، بل فيه عدوان محرم، والمشروع لا عدوان فيه، ~~وأن العدوان يكون تارة في كثرة الألفاظ، وتارة في المعاني، كما قد فسر الصحابة ~~ذلك إذ قال هذا لابنه لما قال : اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا ~~دخلتها، وقال ms0443 الآخر : أسألك الجنة وقصورها، وأنهارها، وأعوذ بك من النار، ~~وسلاسلها وأغلالها. فقال : أي بني! سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فقد سمعت ~~رسول ال صلى الله عليه وسلم قول : «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور ~~والاعتداء يكون في العبادة وفي الزهد. وقول أحمد : بما جاء في الخبر. حسن، فإن ~~اللام في الدعاء للدعاء الذي يحبه الله، ليس لجنس الدعاء، فإن من الدعاء ما يحرم. # فإن قيل : ما جاز من الدعاء خارج الصلاة جاز في الصلاة، مثل سؤاله: دارا، ~~وجارية حسناء. # قيل : ومن قال : إن مثل هذا مشروع خارج الصلاة، وإن مثل هذه الألفاظ ليست ~~من العدوان ? وحينئذ فيقال : الدعاء المستحب هو الدعاء المشروع، فإن الاستحباب إنما ~~يتلقى من الشارع فما لم يشرعه لا يكون مستحبا، بل يكون شرع من الدين ما لم يأذن به ~~الله، فإن الدعاء من أعظم الدين، لكن إذا دعا بدعاء لم يعلم أنه مستحب، أوعلم أنه ~~جائز غير مستحب، لم تبطل صلاته بذلك؛ فإن الصلاة إنما تبطل بكلام الآدميين، ~~والدعاء ليس من جنس كلام الآدميين؛ بل هو كما لو أثنى على الله بثناء لم يشرع له؛ وقد ~~وجد مثل هذا من بعض الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليه كونه أثنى ثناء لم ~~يشرع له في ذلك المكان، بل نفى ما له فيه من الأجر. ومن الدعاء ما يكون مكروها ~~ولا تبطل به الصلاة، ومنه ما تبطل به الصلاة، فالدعاء خمسة أقسام: # الذي يشرع هو الواجب والمستحب. وأما المباح فلا يستحب، ولا يبطل ~~الصلاة. والمكروه يكره ولا يبطلها، كالالتفات في الصلاة، وكما لو تشهد في القيام، ~~أو قرأ في القعود، والمحرم يبطلها؛ لأنه من الكلام. وهذا تحقيق قول أحمد، فإنه لم ~~يبطل الصلاة بالدعاء غير الماثور؛ لكنه لم يستحبه؛ إذ لا يستحب غير المشروع، ~~وبين أن التخيير عاد إلى المشروع، والمشروع يكون بلفظ النص وبمعناه، إذ لم يقيد ~~النبي صلى الله عليه وسلم ادعاء بلفظ واحد، كالقراءة. # ولهذا ms0444 لما كانت صلاة الجنازة مقصودها الدعاء لم يوقت فيها وقتآ، ولما PageV01P406 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0407.png) ~~كان الذكر أفضل كان أقرب إلى التوقيت، كالأذان والتلبية ونحو ذلك . # فأما قول الجد - رحمه الله - إلا بما ورد في الأخبار، وبما يرجع إلى أمر دينه. ففيه ~~نظر؛ فإن أحمد لم يذكر إلا الأخبار، وأيضا فالدعاء بمصالح الدنيا جائز، فإنه مشروع، ~~والدعاء ببعض أمور الدين قد يكون من العدوان، كما ذكر عن الصحابة، وكما لو سأل ~~منازل الأنبياء. فالأجود أن يقال : إلا بالدعاء المشروع المسنون، وهو ما وردت به ~~الأخبار، وما كان في معناه؛ لأن ذلك لم يوجب علينا التعبد بلفظه، كالقرآن. # ونحن منعنا من ترجمة القرآن؛ لأن لفظه مقصود، وكذلك التكبير ونحوه، فأما ~~الدعاء فلم يوقت فيه لفظ؛ لكن كرهه أحمد بغير العربية فالمراتب ثلاثة. # القراءة، والذكر، والدعاء باللفظ المنصوص، ثم باللفظ العربي في معنى ~~المنصوص، ثم باللفظ العجمي، فهذا كرهه أحمد في الصلاة، وفي البطلان به ~~خلاف، وهو من باب البدل، وأهل الرأي يجوزون - مع تشددهم في المنع من الكلام ~~في الصلاة، حتى كرهوا الدعاء الذي ليس في القرآن، أو ليس في الخبر، وأبطلوا به ~~الصلاة، ويجوزون - الترجمة بالعجمية، فلم يجعل بالعربية عبادة، وجوزوا التكبير ~~بكل لفظ يدل على التعظيم. # فهم توسعوا في إبدال القرآن بالعجمية، وفي إبدال الذكر بغيره من الأذكار، ولم ~~يتوسعوا مثله في الدعاء. وأحمد وغيره من الأئمة بالعكس: الدعاء عندهم أوسع، ~~وهذا هو الصواب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ال : لثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه ولم يوقت ~~في دعاء الجنازة شيئا، ولم يوقت لأصحابه دعاء معينا، كما وقت لهم الذكر، فكيف ~~يقيد ما أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم ن الدعاء، ويطلق ما قيده من الذكر، مع أن الذكر أفضل ~~من الدعاء، كما قررناه في غير هذا الموضع. # ولهذا توجب الأذكار العلمية ما لم يجب من الثنائية. # ولهذا كان أفضل الكلام بعد القرآن الكلمات الباقيات الصالحات : سبحان ~~الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر فأمر النبي صلى ms0445 الله عليه وسلم ذده الكلمات لمن ~~عجز عن القرآن، وقال : «هن أفضل الكلام بعد القرآن»2) ولهذا كان أفضل ~~الاستفتاحات في الصلاة ما تضمنت ذلك، وهو قوله: سبحانك اللهم وبحمدك، ~~وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك لما قد بيناه في غير هذا الموضع. # وذكرنا أن هذا ثناء، فهو أفضل من الدعاء، وهو ثناء بمعنى أفضل الكلام بعد ~~القرآن، وذلك مقتضى للإجابة، يبين ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي أمامة ~~قال : قال رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم،: من تعار من الليل، فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك PageV01P407 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0408.png) ~~له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. الحمد لله، وسبحان الله، ~~والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ودعا استجيب له، وإن توضا قبلت صلاته ~~فقد أخبر أن هذه الكلمات الخمس إذا افتتح بها المستيقظ من الليل كلامه، كان ذلك ~~سببا لإجابة دعائه، ولقبول صلاته إذا توضأ بعد ذلك، فيكون افتتاح الصلاة بذلك ~~سببا لقبولها، وما فيها من الدعاء، أو حمد الله والثناء عليه قبل دعائه؛ ولذلك أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في حديث [المسيء] فقال : لكبر فاحمد الله، وأثن عليه، ثم اقرأ بما ~~تيسر معك من القرآن»1) . # وأيضا ففي أحاديث أخر من أحاديث الافتتاح أنه كان يقول : «الله أكبر كبيرا، ~~الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الحمد لله كثيرا، الحمد لله كثيرا، الحمد لله ~~كثيرا»(2) وهذا معناها. # وأيضا فإنها مستحبة بين تكبيرات العيد الزوائد، كما نقل ذلك عن ابن مسعود، ~~وتلك التكبيرات هي من جنس تكبيرات الافتتاح . # وأيضا ففي الحديث الآخر من أحاديث الاستفتاح أنه كان يكبر عشرا، ويحمد ~~عشرا، ويسبح عشرا، أو كما قال . فتوافق معاني الأحاديث الكثيرة على معنى هذا ~~الافتتاح ، كتوافق معنى تشهد أبي موسى وغيره على معنى تشهد ابن مسعود، وإذا كان ~~الذكر الواحد قد جاءت عامة الأذكار بمعناه، كان أرجح مما لم يجئ فيه إلا حديث ~~واحد؛ لأنه يدل على كثرة قصد النبي صلى الله ms0446 عليه وسل الك المعاني، وما كثر قصده واختياره له ~~كان مقدما على ما لم يكثر . # ويؤيد ذلك أن هذه الكلمات مشروعة في دبر الصلوات المكتوبات أيضا، كما ~~جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، فتكون هي من الفواتح والخواتم التي أوتيها ني صلى الله عليه وسلم ~~فإنه أوتي فواتح الكلم، وجوامعه، وخواتمه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # وسئل رحمه الله تعالى: هل الدعاء عقيب الفرائض، أم السنن، أم بعد التشهد ~~في الصلاة؟(3) # فأجاب : السنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فعلها ويأمر بها أن يدعو في التشهد قبل ~~لسلام، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول بعد التشهد: اللهم إني أعوذ بك من ~~عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ~~وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال . PageV01P408 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0409.png) # وفي الصحيح أيضا أنه أمر بهذا الدعاء بعد التشهد، وكذلك في الصحيح أنه ~~كان يقول بعد التشهد قبل السلام : اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، ~~وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، ~~لا إله إلا أنت. # وفي الصحيح أن أبا بكر قال: يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به في صلاتي. ~~فقال : لقل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي ~~مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم # وفي الصحيح أحاديث غير هذه، إنه كان يدعو بعد التشهد وقبل السلام، وكان ~~يدعو في سجوده، وفي رواية: كان يدعو إذا رفع رأسه من الركوع، وكان يدعو في افتتاح ~~الصلاة، ولم يقل أحد عنه إنه كان هو والمأمومون يدعون بعد السلام، بل كان يذكر الله ~~بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير، كما جاء في الأحاديث الصحيحة، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عمن قال: لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين اسما، ~~ولا يقول: يا حنان! يا منان! ولا يقول : يا دليل الحائرين! فهل له أن يقول ذلك? # فأجاب : الحمد لله. هذا القول وإن كان قد قاله ms0447 طائفة من المتأخرين ~~كأبي محمد بن حزم وغيره؛ فإن جمهور العلماء على خلافه، وعلى ذلك مضى سلف ~~الأمة وأيمتها، وهو الصواب لوجوه: # أحدها: إن التسعة والتسعين اسما لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذي الذي رواه الوليد بن مسلم عن ~~شعيب عن أبي حمزة، وحفاظ أهل الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن ~~مسلم عن شيوخه من أهل الحديث، وفيها حديث ثان أضعف من هذا. رواه ابن ~~ماجه . وقد روي في عددها غير هذين النوعين من جمع بعض السلف . # وهذا القائل الذي حصر أسماء الله في تسعة وتسعين لم يمكنه استخراجها من ~~القرآن، وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال هي التي يجوز ~~الدعاء بها دون غيرها؛ لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور، فكل اسم يجهل ~~حاله يمكن أن يكون من المأمور، ويمكن أن يكون من المحظور، وإن قيل : لا تدعوا ~~إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين. # الوجه الثاني : أنه إذا قيل تعيينها على ما في حديث الترمذي مثلا، ففي الكتاب PageV01P409 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0410.png) ~~والسنة أسماء ليست في ذلك الحديث، مثل اسم الرب» فإنه ليس في حديث ~~الترمذي، وأكثر الدعاء المشروع إنما هو بهذا الاسم، كقول آدم: (ربنا ظلمنا أنفسنا) ~~[الأعراف:] . وقول نوح : (رب إن أعوذ بك أن أسنلك ما ليس لى به علم) ~~وقول إبراهيم: (رب أغفر لى ولوالدى ) وقول موسى : (رب إن ظلمت ~~نفسى فأغفر لى ) وقول المسيح : (اللهم ربنا أنزل علينا مابدة من السماء) ~~[المائدة : 114] وأمثال ذلك . حتى إنه يذكر عن مالك وغيره إنهم كرهوا أن يقال ~~يا سيد! بل يقال : يا رب! لأنه دعاء النبيين، وغيرهم، كما ذكر الله في القرآن. # وكذلك اسم «المنان» ففي الحديث الذي رواه أهل السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع ~~داعيا يدعو : اللهم إني أسألك بأن لك الملك، أنت الله المنان، بديع ms0448 السموات ~~والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! يا حي ! يا قيوم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد دعا الله ~~باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى وهذا رد لقول من ~~زعم أنه لا يمكن في أسمائه المنان. # وقد قال الإمام أحمد - رضي الله عنه - لرجل ودعه، قل : يا دليل الحائرين ~~دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين . وقد أنكرت طائفة من أهل ~~الكلام : كالقاضي أبي بكر، وأبي الوفاء ابن عقيل، أن يكون من أسمائه الدليل؛ ~~لأنهم ظنوا أن الدليل هو الدلالة التي يستدل بها، والصواب ما عليه الجمهور؛ لأن ~~الدليل في الأصل هو المعرف للمدلول، ولو كان الدليل ما يستدل به، فالعبد يسدل ~~به أيضا، فهو دليل من الوجهين جميعا. # وأيضا فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : لإن الله وتر يحب ~~الوتر . وليس هذا الاسم في هذه التسعة والتسعين، وثبت عنه في الصحيح أنه ~~قال : «إن الله جميل يحب الجمال وليس هو فيها. وفي الترمذي وغيره أنه قال: ~~إن الله نظيف يحب النظافة 0(2) وليس هذا فيها، وفي الصحيح عنه أنه قال : إن الله ~~طيب لا يقبل إلا طيبا» وليس هذا فيها. وتتبع هذا يطول. # ولفظ التسعة والتسعين المشهورة عند الناس في الترمذي : الله. الرحمن. PageV01P410 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0411.png) ~~الرحيم. الملك . القدوس. السلام. المؤمن. المهيمن. العزيز. الجبار. المتكبر. ~~الخالق. البارئ. المصور. الغفار. القهار. الوهاب. الرزاق. الفتاح. العليم. ~~القابض . الباسط . الخافض. الرافع . المعز. المذل. السميع. البصير. الحكم. ~~العدل . اللطيف . الخبير. الحليم. العظيم. الغفور. الشكور. العلي. الكبير. ~~الحفيظ . المقيت . الحسيب . الجليل . الكريم . الرقيب . المجيب . الواسع. الحكيم. ~~الودود . المجيد . الباعث. الشهيد. الحق. الوكيل. القوي . المتين. الولي . الحميد. ~~المحصي. المبدئ. المعيد. المحيي. المميت. الحي القيوم. الواجد. الماجد. ~~الأحد - ويروى الواحد - الصمد. القادر . المقتدر. المقدم. المؤخر . الأول. الآخر. ~~الظاهر. الباطن. الوالي . المتعالي . البر. التواب. المنتقم . العفو. الرؤوف. مالك ~~الملك ذو الجلال والإكرام. المقسط . الجامع . الغني . المغني . المعطي. المانع. ~~الضار . النافع. النور. الهادي. البديع. الباقي. الوارث. الرشيد. ms0449 الصبور. الذي ~~ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. # ومن أسمائه التي ليست في هذه التسعة والتسعين اسمه : السبوح، وفي الحديث ~~عن النبيصلى الله عليه وسلم ان كان يقول : اسبوح قدوس واسمه «الشافي كما ثبت في ~~الصحيح أنه كان يقول : أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شافي إلا ~~أنت شفاء لا يغادر سقما وكذلك أسماؤه المضافة مثل : أرحم الراحمين، وخير ~~الغافرين، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وأحسن الخالقين، وجامع الناس ليوم ~~لا ريب فيه، ومقلب القلوب، وغير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة، وثبت في ~~الدعاء بها بإجماع المسلمين، وليس من هذه التسعة والتسعين. # الوجه الثالث : ما احتج به الخطابي وغيره، وهو حديث ابن مسعود عن ~~لنبي صلى الله عليه وسلم أ قال : ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال : اللهم إني عبدك، وابن ~~عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل ~~اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو ~~استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، وشفاء ~~صدري، وجلاء حزني، وذهاب غمي وهمي، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه ~~فرحا» قالوا: يا رسول الله! أفلا نتعلمهن؟ قال: لبلى ينبغي لمن سمعهن أن PageV01P411 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0412.png) ~~يتعلمهن رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو حاتم بن حبان في صحيحه. # قال الخطابي وغيره : فهذا يدل على أن له أسماء استأثر بها، وذلك يدل على أن ~~قوله : أن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة إن في أسمائه تسعة ~~وتسعين من أحصاها دخل الجنة، كما يقول القائل: إن لي ألف درهم أعددتها ~~للصدقة، وإن كان ماله أكثر من ذلك. # والله في القرآن قال : (ولله الأسماء الحسن فادعوه بها)ف180] فأمر أن ~~يدعى بأسمائه الحسنى مطلقا، ولم يقل: ليست أسماؤه الحسنى إلا تسعة وتسعين ~~اسمأ، والحديث قد سلم معناه، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل قال: إذا دعا العبد لا يقول: يا ms0450 الله! ~~يا رحمن(3)!؟ # فأجاب : الحمد لله، لا خلاف بين المسلمين أن العبد إذا دعا ربه يقول: ~~يا الله! يا رحمن! وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، كما قال تعالى : (قل ~~آدعوا الله أو آدعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الانسماء الحسن ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم قول ~~في دعائه : ليا الله يا رحمن فقال المشركون : محمد ينهانا أن ندعو إلهين، وهو ~~يدعو إلهين، فقال الله تعالى : (قل آدعوا الله أو ادعوا الرحمان اياما تد عوا فله الأسماء الحسن) ~~أي المدعو إله واحد، وإن تعددت أسماؤه، كما قال تعالى : (ولله الأسماء الحسن فادعوه ~~بها وذروا الذين يلحدوب في أسمبية ) [لأعراف : 18]. # ومن أنكر أن يقال : يا الله يا رحمن، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، والله ~~اعلم. # وقال رحمه الله تعالى: # وأما السلام من الصلاة: فالمختار عند مالك ومن تبعه من أهل المدينة تسليمة ~~واحدة في جميع الصلاة، فرضها ونفلها، المشتملة على الأركان الفعلية، أو على ركن ~~واحد. PageV01P412 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0413.png) # وعند أهل الكوفة : تسليمتان، في جميع ذلك، ووافقهم الشافعي. # والمختار في المشهور عن أحمد : أن الصلاة الكاملة المشتملة على قيام وركوع ~~وسجود يسلم منها تسليمتان، وأما الصلاة بركن واحد، كصلاة الجنائز، وسجود ~~التلاوة، وسجود الشكر، فالمختار فيها تسليمة واحدة، كما جاءت أكثر الآثار بذلك. # فالخروج من الأركان الفعلية المتعددة بالتسليم المتعدد، ومن الركن الفعلي ~~المفرد بالتسليم المفرد؛ فإن صلاة النبيصلى الله عليه وسلم انت معتدلة، فما طولها أعطى كل جزء ~~منها حظه من الطول، وما خففها أدخل التخفيف على عامة أجزائها. # وسئل رحمه الله تعالى: عن رجل: إذا سلم عن يمينه يقول: السلام عليكم ~~ورحمة الله، أسألك الفوز بالجنة. وعن شماله: السلام عليكم، أسألك النجاة من ~~النار، فهل هذا مكروه أم لا? فإن كان مكروها، فما الدليل على كراهته? # فأجاب: الحمد لله، نعم! يكره هذا؛ لأن هذا بدعة، فإن هذا لم يفعله ~~رسولاللهاله صلى الله عليه وسلم، ولا استحبه أحد من العلماء وهو إحداث دعاء في الصلاة في غير ~~محله، يفصل ms0451 بأحدهما بين التسليمتين، ويصل التسليمة بالآخر، وليس لأحد فصل ~~الصفة المشروعة بمثل هذا، كما لو قال : سمع الله لمن حمده أسألك الفوز بالجنة، ~~ربنا ولك الحمد أسألك النجاة من النار، وأمثال ذلك، والله أعلم. # باب الذكر بعد الصلاة # سئل رحمه الله تعالى : عن حديث عقبة بن عامر، قال : «أمرني رسول الله له صلى الله عليه وسل ~~أن اقرا بالمعوذات دبر كل صلاة»2) وعن أبي أمامة قال : قيل : يا رسول الله! أي ~~الدعاء أسمع? قال : جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبة وعن معاذ بن ~~جبل أن رسول الله له صلى الله عليه وسلم آخذ بيده فقال : يا معاذا والله إني لأحبك، فلا تدعن في دبر ~~كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك») فهل هذه ~~الأحاديث تدل على أن الدعاء بعد الخروج من الصلاة سنة. أفتونا وابسطوا القول في ~~ذلك مأجورين? PageV01P413 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0414.png) # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. الأحاديث المعروفة في الصحاح والسنن ~~والمساند تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يدعو في دبر صلاته قبل الخروج منها، وكان ~~يأمر أصحابه بذلك ويعلمهم ذلك، ولم ينقل أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم ان إذا صلى بالناس ~~يدعو بعد الخروج من الصلاة هو والمأمومون جميعا لا في الفجر، ولا في العصر، ~~ولا في غيرهما من الصلوات بل قد ثبت عنه أنه كان يستقبل أصحابه، ويذكر الله ~~ويعلمهم ذكر الله عقيب الخروح من الصلاة. # ففي الصحيح؛ أنه كان قبل أن ينصرف يستغفر ثلاثا، ويقول: اللهم أنت ~~السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام وفي الصحيحين من حديث ~~المغيرة بن شعبة أنه كان يقول : «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد »2). # وفي الصحيح من حديث ابن الزبير : «أن النبي صلى الله عليه وسلم إن يهلل بهؤلاء الكلمات: ~~لا إله إلا الله وحده ms0452 لا شريك له له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ~~لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه له النعمة، وله الفضل، ~~وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون وفي ~~الصحيح عن ابن عباس : إن رفع الناس أصواتهم بالذكر كان على عهد ~~لنبي صلى الله عليه وسلم:. وفي لفظ : كنا نعرف انقضاء صلاته بالتكبير. # والأذكار التي كان النبي صلى الله عليه وسلم لمها المسلمين عقيب الصلاة أنواع : # أحدها : أنه يسبح ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويكبر ثلاثا وثلاثين. ~~فتلك تسع وتسعون ويقول تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شيء قدير. رواه مسلم في صحيحه. # والثاني : يقولها خمسا وعشرين، ويضم إليها «لا إله إلا الله وقد رواه مسلم. # والثالث : يقول : الثلاثة ثلاثا وثلاثين، وهذا على وجهين: # أحدهما : أن يقول كل واحدة ثلاثا وثلاثين. # والثاني : أن يقول كل واحدة إحدى عشرة مرة، والثلاث والثلاثون في الحديث ~~المتفق عليه في الصحيحين. PageV01P414 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0415.png) # والخامس : يكبر أربعا وثلاثين ليتم مائة. # والسادس : يقول: الثلاثة عشرا عشرا. فهذا هو الذي مضت به سنة ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم، وذلك مناسب لأجل المصلي يناجي ربه. فدعاؤه له، ومسألته إياه، ~~وهو يناجيه أولى به من مسألته ودعائه بعد انصرافه عنه. # وأما الذكر بعد الانصراف، فكما قالت عائشة - رضي الله عنها - هو مثل مسح ~~المرآة بعد صقالها، فإن الصلاة نور، فهي تصقل القلب كما تصقل المرآة، ثم الذكر ~~بعد ذلك بمنزلة مسح المرآة، وقد قال الله تعالى : (فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب) ~~[الشرح: ،8] قيل : إذا فرغت من أشغال الدنيا فانصب في العبادة، وإلى ربك ~~فارغب . وهذا أشهر القولين . وخرج شريح القاضي على قوم من الحاكة يوم عيد وهم ~~يلعبون فقال : ما لكم تلعبون? قالوا: إنا تفرغنا، قال : أو بهذا أمر الفارغ? وتلا قوله ~~تعالى : (فإذا فرغت فانصب والى ربك فارغب). # ويناسب ms0453 هذا قوله تعالى: (يأيها المزمل قر اليل إلا قايلا) إلى قوله : (إن ناشية اليل هى ~~أشد وظما وأقوم قيلا ء إن لك فى التبار سبحا طويلا) - أي ذهابا ومجيئا، وبالليل ~~تكون فارغا. وناشئة الليل في أصح القولين: إنما تكون بعد النوم، يقال نشأ إذا قام ~~بعد النوم؛ فإذا قام بعد النوم كانت مواطأة قلبه للسانه أشد لعدم ما يشغل القلب، ~~وزوال أثر حركة النهار بالنوم، وكان قوله (أقوم). # وقد قيل : (إذا فرغت) من الصلاة (فانصب) في الدعاء، (وإلى ريبك فارغب) ~~وهذا القول سواء كان صحيحا أو لم يكن، فإنه يمنع الدعاء في آخر الصلاة، لا سيما ~~والنبي صلى الله عليه وسلم و المأمور بهذا، فلا بد أن يمتثل ما أمره الله به. # ودعاؤه في الصلاة المنقول عنه في الصحاح وغيرها إنما كان قبل الخروج من ~~الصلاة، وقد قال لأصحابه في الحديث الصحيح: إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من ~~أربع . يقول : اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة ~~المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. # وفي حديث ابن مسعود الصحيح لما ذكر التشهد قال : لثم ليتخير من الدعاء ~~أعجبه إليه وقد روت عائشة وغيرها دعاءه في صلاة بالليل. وأنه كان قبل الخروج ~~من الصلاة. # فقول من قال : إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، يشبه قول من قال في ~~حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد، فإذا فعلت ذلك فقد قضيت صلاتك، فإن شئت ~~أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد. وهذه الزيادة سواء كانت من كلام النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P415 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0416.png) ~~أو من كلام من أدرجها في حديث ابن مسعود، كما يقول ذلك من ذكره من أئمة ~~الحديث . ففيها أن قائل ذلك جعل ذلك قضاء للصلاة، فهكذا جعله هذا المفسر فراغا ~~من الصلاة، مع أن تفسير قوله : (فإذا فرفت فأنصب) أي فرغت من الصلاة قول ~~ضعيف، فإن قوله : إذا فرغت مطلق ولأن الفارغ إن أريد به الفارغ من العبادة، ~~فالدعاء أيضا عبادة، وإن أريد ms0454 به الفراغ من أشغال الدنيا بالصلاة، فليس كذلك. # يوضح ذلك أنه لا نزاع بين المسلمين أن الصلاة يدعى فيها، كما كان النبيصلى الله عليه وسلم ~~يدعو فيها، فقد ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول في دعاء الاستفتاح : اللهم باعد ~~بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ~~ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ~~وإنه كان يقول : اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت. أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت ~~نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ~~واهدني لأحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها فإنه ~~لا يصرف عني سيئها إلا أنت»2 # وثبت عنه في الصحيح إنه كان يدعو إذا رفع رأسه من الركوع، وثبت عنه الدعاء ~~في الركوع والسجود، سواء كان في النفل أو في الفرض وتواتر عنه الدعاء آخر ~~الصلاة . # وفي الصحيحين أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله ! ~~علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال : قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ~~ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور ~~الرحيم»3) فإذا كان الدعاء مشروعا في الصلاة لا سيما في آخرها، فكيف يقول : إذا ~~فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، والذي فرغ منه هو نظير الذي أمر به، فهو في ~~الصلاة كان ناصبا في الدعاء، لا فارغا. ثم إنه لم يقل مسلم إن الدعاء بعد الخروج ~~من الصلاة يكون أوكد وأقوى منه في الصلاة، ثم لو كان قوله: ( فأنصب) في ~~الدعاء، لم يحتج إلى قوله : (وإل ربك فارغب) فإنه قد علم أن الدعاء إنما يكون لله. # فعلم أنه أمره بشيئين: أن يجتهد في العبادة عند فراغه من أشغاله، وأن تكون رغبته ~~إلى ربه لا إلى غيره كما في قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) فقوله: ~~إياك نعبد، موافق لقوله فانصب. وقوله: وإياك نستعين موافق لقوله: وإلى ربك فارغب، ms0455 PageV01P416 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0417.png) ~~ومثله قوله : (فاعبده وتوكل عليه) وقوله : (هو رب لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وإليه متاب) وقول شعيب عليه السلام : (عليه توكلت وإليه أنيب) ~~هود: 88] ومنه الذي يروى عند دخول المسجد : لاللهم اجعلني من أوجه من توجه ~~إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأفضل من سألك ورغب إليك ، والأثر الآخر وإليك ~~الرغباء والعمل، وذلك أن دعاء الله المذكور في القرآن نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة ~~ورغبة، فقوله: (فأنصب وإلى ربك فارغب) يجمع نوعي دعاء الله، قال تعالى : (وأنه لما قام ~~عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا) وقال تعالى : (ومن يدع مع الله إلاهاء اخر لا ~~برهن له به فإنما حسابه عند ربه)للمؤمنون ونظائره كثيرة. # وأما لفظ لدبر الصلاة» فقد يراد به آخر جزء منه، وقد يراد به ما يلي آخر جزء ~~منه . كما في دبر الإنسان فإنه آخر جزء منه، ومثله لفظ «العقب قد يراد به الجزء ~~المؤخر من الشيء، كعقب الإنسان وقد يراد به ما يلي ذلك . فالدعاء المذكور في دبر ~~الصلاة إما أن يراد به آخر جزء منها ليوافق بقية الأحاديث، أو يراد به ما يلي آخرها، ~~ويكون ذلك ما بعد التشهد كما سمي ذلك قضاء للصلاة وفراغا منها حيث لم يبق إلا ~~السلام المنافي للصلاة؛ بحيث لو فعله عمدا في الصلاة بطلت صلاته، ولا تبطل سائر ~~الأذكار المشروعة في الصلاة، أو يكون مطلقا أو مجملا. وبكل حال فلا يجوز أن ~~يخص به ما بعد السلام؛ لأن عامة الأدعية المأثورة كانت قبل ذلك ولا يجوز أن ~~يشرع سنة بلفظ مجمل يخالف السنة المتواترة بالألفاظ الصريحة. # والناس لهم في هذه فيما بعد السلام ثلاثة أحوال: # منهم من لا يرى قعود الإمام مستقبل المأموم لا بذكر ولا دعاء ولا غير ذلك، ~~وحجتهم ما يروى عن السلف أنهم كانوا يكرهون للإمام أن يستديم استقبال القبلة بعد ~~السلام، فظنوا أن ذلك يوجب قيامه من مكانه، ولم يعلموا أن انصرافه مستقبل ~~المأمومين بوجهه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ms0456 يحصل هذا المقصود وهذا يفعله من يفعله ~~من أصحاب مالك . # ومنهم من يرى دعاء الإمام والمأموم بعد السلام، ثم منهم من يرى ذلك في ~~الصلوات الخمس، ومنهم من يراه في صلاة الفجر والعصر كما ذكر ذلك من ذكره من ~~أصحاب الشافعي وأحمد، وغيرهم، وليس مع هؤلاء بذلك سنة، وإنما غايتهم ~~التمسك بلفظ مجمل، أو بقياس، كقول بعضهم ما بعد الفجر والعصر ليس بوقت ~~صلاة، فيستحب فيه الدعاء، ومن المعلوم أن ما تقدمت به سنة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم اثابتة ~~الصحيحة، بل المتواترة لا يحتاج فيه إلى مجمل، ولا إلى قياس. PageV01P417 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0418.png) # وأما قول عقبة بن عامر : أمرنى رسول الله له صلى الله عليه وسلم أ أقرأ بالمعوذات دبر كل ~~صلاة، فهذا بعد الخروج منها. # وأما حديث أبي أمامة قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع ? قال : جوف الليل ~~الأخير، ودبر الصلوات المكتوبة» فهذا يجب أن لا يخص ما بعدم السلام، بل لا ~~بذ أن يتناول ما قبل السلام. وإن قيل : إنه يعم ما قبل السلام وما بعده، لكن ذلك لا ~~بستلزم أن يكون دعاء الإمام والمأموم جميعا بعد السلام سنة، كما لا يلزم مثل ذلك ~~قبل السلام، بل إذا دعا كل واحد وحده بعد السلام، فهذا لا يخالف السنة. وكذلك ~~قوله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل : «لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ~~ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك»(2) يتناول ما قبل السلام. ويتناول ما بعده أيضا كما ~~تقدم، فإن معاذا كان يصلي إماما بقومه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم صسلي إماما، وقد بعثه إلى ~~ليمن معلما لهم، فلو كان هذا مشروعا للإمام والمأموم مجتمعين على ذلك، كدعاء ~~القنوت لكان يقول : اللهم أعنا على ذكرك وشكرك، فلما ذكره بصيغة الإفراد علم أنه ~~ل يشرع للإمام والمأموم ذلك بصيغة الجمع. # ومما يوضح ذلك ما في الصحيح عن البراء بن عازب قال: كنا إذا صلينا ~~خلف رسول الله له صلى الله عليه ms0457 وسلم حبنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته ~~يقول: رب قني عذابك يوم تبعث عبادك، أو يوم تجمع عبادك» فهذا فيه دعاه صلى الله عليه وسلم. ~~بصيغة الإفراد، كما في حديث معاذ، وكلاهما إمام. # وفيه أنه كان يستقبل المأمومين، وأنه لا يدعو بصيغة الجمع، وقد ذكر حديث ~~معاذ بعض من صنف في الأحكام: في الادعية ني الصلاة قيلم اللاا ولقل للان ~~فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب ~~القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتة المسيح الدجال وفي مسلم وغيريهعن ~~ابن عباس أن رسول الله ل صلى اله عليه وسلم ن يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، ~~يقول : «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك ~~من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال # وفي السنن أنه قال رسول الله له صلى الله علي ولم لجل : ما تقول في الصلاة ? قال : PageV01P418 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0419.png) ~~أتشهد، ثم أقول : اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما والله ما أحسن ~~دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال صلى الله عليه وسل حولهما ندندن رواه أبو داود وأبو حاتم ~~في صحيحه، وظاهر هذا أن دندنتهما أيضا بعد التشهد في الصلاة، ليكون نظير ما ~~قاله. وعن شداد بن أوس أن رسول اله صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته : (اللهم إني ~~أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن ~~عبادتك، وأسألك قلبا سليما، ولسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك ~~من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم رواه النسائي. # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي كان يدعو في ~~الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، ~~وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المغرم والمأثم، فقال ~~له قائل : ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم، ms0458 قال : إن الرجل إذا غرم حدث ~~فكذب، ووعد فأخلف»2. # قال المصنف في الأحكام: والظاهر أن هذا يدل على أنه كان بعد التشهد. يدل ~~عليه حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يقول بعد التشهد : «اللهم إني أعوذ بك من ~~عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ~~وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال. # وقد تقدم حديث ابن عباس الذي في الصحيحين أنه كان يعلمهم هذا ~~الدعاء، كما يعلمهم السورة من القرآن وحديث أبي هريرة وأنه يقال بعد التشهد: ~~وقد روي في لفظ الدبر ما رواه البخاري وغيره عن سعد بن أبي وقاص، أنه كان ~~يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول : إن ~~رسول اله صلى الله عليه وسلم ان يتعوذ بهن دبر الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من البخل، ~~وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة ~~الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر»(5). PageV01P419 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0420.png) # وفي النسائي عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وكل ان يقول في دبر الصلاة : «اللهم إن ~~أعوذ بك من الكفر، والفقر، وعذاب القبر # وفي النسائي أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت علي امرأة من ~~اليهود. فقالت : إن عذاب القبر من البول، فقلت : كذبت فقالت : بلى، إنا لنقرض ~~منه الجلود والثوب، فخرج رسولله له صلى الله عليه وسلملإى الصلاة وقد ارتفعت أصواتنا، فقال : ~~لاما هذا فأخبرته بما قالت، قال : «صدقت فما صلى بعد يومئذ، إلا قال في دبر ~~الصلاة : اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أجرني من حر النار، وعذاب ~~القبر»(2) . # قال المصنف في الأحكام: والظاهر أن المراد بدبر الصلاة في الأحاديث ~~الثلاثة قبل السلام توفيقا بينه، وبين ما تقدم من حديث ابن عباس، وأبي هريرة. ~~قلت : وهذا الذي قاله صحيح، فإن هذا الحديث في الصحيح من حديث عائشة - ~~رضي الله عنها - أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها : أعاذك الله ~~من عذاب ms0459 القبر ، فسألت عائشة - رضى الله عنها - رسول الله له صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر، ~~فقال : لنعم عذاب القبر حق. قالت عائشة : فما رأيت رسول اللهله صلى الله عليه وسلم عد صلى ~~صلاة ألا تعوذ من عذاب القبر(). والأحاديث في هذا الباب يوافق بعضها بعضا وتبين ~~ما تقدم، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن جماعة يسبحون الله، ويحمدونه، ويكبرونه، هل ~~ذلك سنة أم مكروه ? وربما في الجماعة من يثقل بالتطويل من غير ضرورة? # فأجاب : التسبيح والتكبير عقب الصلاة مستحب، ليس بواجب ومن أراد أن ~~يقوم قبل ذلك فله ذلك، ولا ينكر عليه، وليس لمن أراد فعل المستحب أن يتركه، ~~ولكن ينبغي للمأموم أن لا يقوم حتى ينصرف الإمام، أي ينتقل عن القبلة، ولا ينبغي ~~للإمام أن يقعد بعد السلام مستقبل القبلة إلا مقدار ما يستغفر ثلاثا، ويقول: اللهم ~~أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. وإذا انتقل الإمام ~~فمن أراد أن يقوم قام، ومن أحب أن يقعد يذكر الله فعل ذلك. PageV01P420 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0421.png) # وعد التسبيح بالأصابع سنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم انساء : ل سبحن واعقدن ~~بالأصابع فإنهن مسؤولات مستنطقات2. وأما عده بالنوى والحصى ونجو ~~ذلك فحسن، وكان من الصحابة رضي الله عنهم من يفعل ذلك وقد رأى ~~البي صلى الله عليه وسلم المؤمنين تسبح بالحصى، وأقرها على ذلك، وروي أن أبا هريرة ~~كان يسبح به . # وأما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز، ونحوه، فمن الناس من كرهه، ~~ومنهم من لم يكرهه، وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه، وأما اتخاذه من ~~غير حاجة، أو إظهاره للناس مثل تعليقه في العنق، أو جعله كالسوار في اليد، أو نحو ~~ذلك، فهذا إما رياء للناس أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة : الأول ~~محرم، والثاني أقل أحواله الكراهة، فإن مراءاة الناس في العبادات المختصة كالصلاة ~~والصيام والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب، قال الله تعالى : (فويل للمصلين ~~آلذين هم عن صلاتهم ساهون» الذين ms0460 هم يراءون * ويمنعون الماعون) - وقال ~~تعالى: (إن المنفقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى يرآءون الناس ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا) . # فأما المرائي بالفرائض فكل أحد يعلم قبح حاله، وأن الله يعاقبه لكونه لم يعبده ~~مخلصا له الدين، والله تعالى يقول: (وما أمردا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلوة ويؤثوا الزكوة وذلك دين القيمة). # وقال تعالى : (إنا انزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاله الدين الا لله الذين ~~الخالص)، فهذا في القرآن كثير. # وأما المرائي بنوافل الصلاة والصوم والذكر وقراءة القرآن؛ فلا يظن الظان أنه ~~يكتفى فيه بحبوط عمله فقط، بحيث يكون لا له ولا عليه، بل هو مستحق للذم ~~والعقاب، على قصده شهرة عبادة غير الله، إذ هي عبادات مختصة، ولا تصح إلا من ~~مسلم، ولا يجوز إيقاعها على غير وجه التقرب، بخلاف ما فيه نفع العبد، كالتعليم ~~والإمامة، فهذا في الاستئجار عليه نزاع بين العلماء، والله أعلم. PageV01P421 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0422.png) # وسئل رحمه الله تعالى : عن قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة في جماعة، هل ~~هي مستحبة أم لا? وما كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة? وقوله : ل دبر كل صلاة? # فأجاب : الحمد لله، قد روي في قراءة آية الكرسي عقيب الصلاة حديث، لكنه ~~ضعيف، ولهذا لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها، فلا يمكن أن يثبت به ~~حكم شرعي، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه يجهرون بعد الصلاة بقراءة آية ~~الكرسي، ولا غيرها من القرآن، فجهر الإمام والمأموم بذلك، والمداومة عليها بدعة ~~مكروهة بلا ريب، فإن ذلك إحداث شعار، بمنزلة أن يحدث آخر جهر الإمام ~~والمأمومين بقراءة الفاتحة دائما، أو خواتيم البقرة، أو أول الحديد، أو آخر الحشر، ~~أو بمنزلة اجتماع الإمام والمأموم دائما على صلاة ركعتين عقيب الفريضة، ونحو ذلك ~~مما لا ريب أنه من البدع. # وأما إذا قرأ الإمام آية الكرسي في نفسه، أو قرأها أحد المأمومين فهذا لا بأس ~~به إذ قراءتها ms0461 عمل صالح، وليس في ذلك تغيير لشعائر الإسلام، كما لو كان له ورد ~~من القرآن والدعاء والذكر عقيب الصلاة. # وأما الذي ثبت في فضائل الأعمال في الصحيح عن النبي صى الله عليه وسلم من الذكر عقيب ~~الصلاة، ففي الصحيح عن المغيرة بن شعبة أنه كان يقول دبر كل صلاة: لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم ~~لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. # وفي الصحيح أيضا عن ابن الزبير أنه كان يقول : لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، ~~ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين ~~له الدين، ولو كره الكافرون وثبت في الصحيح أنه قال : لامن سبح دبر كل صلاة ~~ثلاثا وثلاثين، وحمد ثلاثا وثلاثين، وكبر ثلاثا وثلاثين، وذلك تسعة وتسعون، وقال ~~تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير، غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر» # وقد روي في الصحيحين أنه يقول كل واحد خمسة وعشرين، ويزيد فيها ~~التهليل، وروي أنه يقول كل واحد عشر، ويروى: إحدى عشرة مرة، وروي أنه يكبر ~~أربعا وثلاثين . وعن ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من ~~المكتوبة، كان على عهد رسول الله له صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس : كنت أعلم إذا انصرفوا PageV01P422 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0423.png) ~~بذلك إذا سمعته، وفي لفظ: ما كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الهله صلى الله عليه وسلم لا ~~بالتكبير . فهذه هي الأذكار التي جاءت بها السنة في أدبار الصلاة. # وسئل رحمه الله تعالى : عمن يقول: أنا أعتقد أن من أحدث شيئا من الأذكار ~~غير ما شرعه رسول الله صل صلى الله عليه وسلم وصح عنه أنه قد أساء وأخطأ، إذ لو ارتضى ms0462 أن يكون ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم بيه وإمامه ودليله لاكتفى بما صح عنه من الأذكار، فعدوله إلى رأيه ~~واختراعه جهل، وتزيين من الشيطان، وخلاف للسنة إذ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يترك خيرا إلا ~~دلنا عليه وشرعه لنا، ولم يدخر الله عنه خيرا؛ بدليل إعطائه خير الدنيا والآخرة؛ إذ ~~هو أكرم الخلق على الله فهل الأمر كذلك أم لا?1 # فأجاب : الحمد لله. لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، ~~والعبادات مبناها على التوقيف، والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فالأدعية والأذكار ~~النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان ~~وسلامة، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبر عنه لسان، ولا يحيط به إنسان، ~~وما سواها من الأذكار قد يكون محرما، وقد يكون مكروها، وقد يكون فيه شرك مما ~~لا يهتدي إليه أكثر الناس، وهي جملة يطول تفصيلها. # وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون ويجعلها ~~عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس ؛ بل هذا ابتداع ~~دين لم يأذن الله به؛ بخلاف ما يدعو به المرء أحيانا من غير أن يجعله للناس سنة، ~~فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرما لم يجز الجزم بتحريمه؛ لكن قد يكون فيه ~~ذلك، والإنسان لا يشعر به، وهذا كما إن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح ~~عليه ذلك الوقت، فهذا وأمثاله قريب. # وأما اتخاذ ورد غير شرعي، واستنان ذكر غير شرعي؛ فهذا مما ينهى عنه، ومع ~~هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة، ونهاية المقاصد ~~العلية، ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو ~~متعد . # وسثل رحمه الله تعالى : عن الدعاء عقيب الصلاة هل هو سنة أم لا? ومن أنكر ~~على إمام لم يدع عقيب صلاة العصر هل هو مصيب أم مخطئ? # فأجاب : الحمد لله. لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ديعو هو والمأمومون عقيب الصلوات ~~الخمس، كما يفعله بعض ms0463 الناس عقيب الفجر والعصر؛ ولا نقل ذلك عن أحد، PageV01P423 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0424.png) ~~ولا استحب ذلك أحد من الأئمة، ومن نقل عن الشافعي أنه استحب ذلك فقد غلط ~~عليه، ولفظه الموجود في كتبه ينافي ذلك، وكذلك أحمد وغيره من الأئمة لم يستحبوا ~~ذلك. # ولكن طائفة من أصحاب أحمد وأبى حنيفة وغيرهما استحبوا الدعاء بعد الفجر ~~والعصر. قالوا : لأن هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما، فتعوض بالدعاء عن الصلاة. # واستحبت طائفة أخرى من أصحاب الشافعى وغيره الدعاء عقيب الصلوات ~~الخمس وكلهم متفقون على أن من ترك الدعاء لم ينكر عليه، ومن أنكر عليه فهو ~~مخطى باتفاق العلماء، فإن هذا ليس مأمورا به، لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب، في ~~هذا الموطن، والمنكر على التارك أحق بالإنكار منه؛ بل الفاعل أحق بالإنكار، فإن ~~المداومة على ما لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم دياوم عليه في الصلوات الخمس ليس مشروعا؛ ~~بل مكروه، كما لو داوم على الدعاء قبل الدخول في الصلوات، أو داوم على القنوت ~~في الركعة الأولى، أو في الصلوات الخمس، أو داوم على الجهر بالاستفتاح في كل ~~صلاة، ونحو ذلك . فإنه مكروه، وإن كان القنوت في الصلوات الخمس قد فعله ~~لنبي صلى الله عليه وسلم الحيانا، وقد كان عمر يجهر بالاستفتاح أحيانا، وجهر رجل خلف النبي صلى الله عليه وسلم. ~~بنحو ذلك، فأقره عليه، فليس كل ما يشرع فعله أحيانا تشرع المداومة عليه. # ولو دعا الإمام والمأموم أحيانا عقيب الصلاة لأمر عارض لم يعد هذا مخالفا للسنة، ~~كالذي يداوم على ذلك، والأحاديث الصحيحة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يدعو دبر ~~الصلاة قبل السلام، ويأمر بذلك. كما قد بسطنا الكلام على ذلك، وذكرنا ما في ذلك من ~~الأحاديث، وما يظن أن فيه حجة للمنازع في غير هذا الموضع؛ وذلك لأن المصلي ~~يناجي ربه، فإذا سلم انصرف عن مناجاته . ومعلوم أن سؤال السائل لربه حال مناجاته هو ~~الذي يناسب، دون سؤاله بعد انصرافه، كما أن من كان يخاطب ملكا أو غيره ms0464 فإن سؤاله ~~وهو مقبل على مخاطبته، أولى من سؤاله له بعد انصرافه. # وسئل غفر الله له : عن هذا الذي يفعله الناس بعد كل صلاة من الدعاء: هل هو ~~مكروه ? وهل ورد عن أحد من السلف فعل ذلك? ويتركون أيضا الذكر الذي صح أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ان يقوله، ويشتغلون بالدعاء? فهل [الأفضل] الاشتغال بالذكر الوارد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم و هذا الدعاء ? وهل صح أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يرفع يديه ويمسح وجهه أم لا? # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. الذي نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بعد الصلاة ~~المكتوبة إنما هو الذكر المعروف. كالأذكار التي في الصحاح، وكتب السنن ~~والمساند، وغيرها، مثل ما في الصحيح: أنه كان قبل أن ينصرف من الصلاة يستغفر PageV01P424 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0425.png) ~~ثلاثا، ثم يقول : «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ~~وفي الصحيح أنه كان يقول دبر كل صلاة مكتوبة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ~~ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد # وفي الصحيح أنه كان يهلل بهؤلاء الكلمات في دبر المكتوبة : « لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير . لا حول ~~ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء ~~الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون. # وفي الصحيح أن رفع الصوت بالتكبير عقيب انصراف الناس من المكتوبة كان ~~على عهد رسولله له صلى الله عليه وسلم، وإنهم كانوا يعرفون انقضاء صلاة رسول هالل صلى الله عليه وسلم ذدلك، ~~وفي الصحيح أنه قال : لمن سبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد ثلاثا وثلاثين، ~~وكبر ثلاثا وثلاثين فتلك تسع وتسعون وقال تمام المائة : لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، ms0465 له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير: غفرت ذنوبه ولو ~~كانت مثل زبد البحر وفي الصحيح أيضا أنه يقول : لسبحان الله، والحمد لله، ~~والله أكبر، ثلاثا وثلاثين. وفي السنن أنواع أخر. # والمأثور ستة أنواع: # أحدها : أنه يقول : هذه الكلمات عشرا عشرا: فالمجموع ثلاثون. # والثاني : أن يقول كل واحدة إحدى عشرة، فالمجموع ثلاث وثلاثون. # والثالث : أن يقول كل واحدة ثلاثا وثلاثين، فالمجموع تسع وتسعون. # والرابع : أن يختم ذلك بالتوحيد التام، فالمجموع مائة. # والسادس: أن يقول كل واحد من الكلمات الأربع خمسا وعشرين، فالمجموع ~~مائة. # وأما قراءة آية الكرسي فقد رويت بإسناد لا يمكن أن يثبت به سنة. # وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلاة فلم ينقل هذا أحد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن نقل عنه أنه أمر معاذا أن يقول دبر كل صلاة : اللهم أعني على ~~ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»6) ونحو ذلك . ولفظ دبر الصلاة قد يراد به آخر جزء PageV01P425 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0426.png) ~~من الصلاة. كما يراد بدبر الشيء مؤخره، وقد يراد به ما بعد انقضائها، كما في قوله ~~تعالى : (وأدبكر السجود) وقد يراد به مجموع الأمرين، وبعض الأحاديث ~~يفسر بعضا لمن تتبع ذلك وتدبره. وبالجملة فهنا شيئان: # أحدهما : دعاء المصلي المنفرد، كدعاء المصلي صلاة الاستخارة، وغيرها من ~~الصلوات، ودعاء المصلى وحده، إماما كان أو مأموما. # والثاني : دعاء الإمام والمأمومين جميعا، فهذا الثاني لا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يفعله في أعقاب المكتوبات، كما كان يفعل الأذكار المأثورة عنه، إذ لو فعل ذلك ~~لنقله عنه أصحابه، ثم التابعون، ثم العلماء، كما نقلوا ما هو دون ذلك؛ ولهذا كان ~~العلماء المتأخرون في هذا الدعاء على أقوال: # منهم : من يستحب ذلك عقيب الفجر والعصر، كما ذكر ذلك طائفة من ~~أصحاب أبي حنيفة، ومالك وأحمد، وغيرهم، ولم يكن معهم في ذلك سنة يحتجون ~~بها، وإنما احتجوا بكون هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما. # ومنهم : من استحبه إدبار الصلوات كلها، وقال : لا يجهر به، إلا إذا قصد ~~التعليم. كما ذكر ms0466 ذلك طائفة من أصحاب الشافعي، وغيرهم وليس معهم في ذلك ~~سنة، إلا مجرد كون الدعاء مشروعا، وهو عقب الصلوات يكون أقرب إلى الإجابة، ~~وهذا الذي ذكروه قد اعتبره الشارع في صلب الصلاة، فالدعاء في آخرها قبل الخروج ~~مشروع مسنون بالسنة المتواترة، وباتفاق المسلمين، بل قد ذهبت طائفة من السلف ~~والخلف إلى أن الدعاء في آخرها واجب، وأوجبوا الدعاء الذي أمر به النبي صى الله عليه وسلم خر ~~الصلاة بقوله : «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع : من عذاب جهنم، ومن ~~عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال رواه مسلم. ~~وغيره، وكان طاوس يأمر من لم يدع به أن يعيد الصلاة، وهو قول بعض أصحاب ~~أحمد، وكذلك في حديث ابن مسعود: ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه وفي # وفي ~~حديث عائشة وغيرها أنه كان يدعو في هذا الموطن، والأحاديث بذلك كثيرة. # والمناسبة الاعتبارية فيه ظاهرة، فإن المصلي يناجي ربه، فما دام في الصلاة لم ~~ينصرف فإنه يناجي ربه، فالدعاء حينئذ مناسب لحاله، أما إذا انصرف إلى الناس من ~~مناجاة الله لم يكن موطن مناجاة له، ودعاء. وإنما هو موطن ذكر له، وثناء عليه، ~~فالمناجاة والدعاء حين الإقبال والتوجه إليه في الصلاة . أما حال الانصراف من ذلك ~~فالثناء والذكر أولى. # وكما أن من العلماء من استحب عقب الصلاة من الدعاء ما لم ترد به السنة : PageV01P426 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0427.png) ~~فمنهم طائفة تقابل هذه لا يستحبون القعود المشروع بعد الصلاة، ولا يستعملون ~~الذكر المأثور، بل قد يكرهون ذلك، وينهون عنه، فهؤلاء مفرطون بالنهي عن ~~المشروع، وأولئك مجاوزون الأمر بغير المشروع، والدين إنما هو الأمر بالمشروع ~~دون غير المشروع. # وأما رفع النبي صلى الله عليه وسلم ديه في الدعاء؛ فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة، وأما ~~مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث، أو حديثان، لا يقوم بهما حجة، والله ~~أعلم. # وسثآل رحمه الله تعالى : هل دعاء الإمام والمأموم عقيب صلاة الفرض جائز، أم ~~(37(1 # فأجاب: الحمد لله. أما دعاء الإمام والمأمومين ms0467 جميعا عقيب الصلاة فهو ~~بدعة، لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بل إنما كان دعاؤه في صلب الصلاة، فإن ~~المصلي يناجي ربه، فإذا دعا حال مناجاته له كان مناسبا. # وأما الدعاء بعد انصرافه من مناجاته وخطابه فغير مناسب، وإنما المسنون عقب ~~الصلاة هو الذكر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم من التهليل، والتحميد، والتكبير كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قول عقب الصلاة : «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله ~~الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد. # وقد ثبت في الصحيح أنه قال : من سبح دبر الصلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد ثلاثا ~~وثلاثين، وكبر ثلاثا وثلاثين، فذلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير : حطت ~~خطاياه - أو كما قال - فهذه ونحوه هو المسنون عقب الصلاة، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن رجل ينكر على أهل الذكر يقول لهم: «هذا الذكر بدعة ~~وجهركم في الذكر بدعة، وهم يفتتحون بالقرآن ويختتمون، ثم يدعون للمسلمين الأحياء ~~والأموات، ويجمعون التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحوقلة، ويصلون على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والمنكر يعمل السماع مرات بالتصفيق، ويبطل الذكر في وقت عمل ~~السماع»). # فأجاب : الاجتماع لذكر الله، واستماع كتابه، والدعاء عمل صالح وهو من PageV01P427 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0428.png) ~~أفضل القربات والعبادات في الأوقات، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : إن لله ~~ملائكة سياحين في الأرض، فإذا مروا بقوم يذكرون الله، تنادوا هلموا إلى حاجتكم ~~وذكر الحديث، وفيه « وجدناهم يسبحونك ويحمدونك لكن ينبغي أن يكون هذا ~~أحيانا في بعض الأوقات، والأمكنة، فلا يجعل سنة راتبة يحافظ عليها إلا ما سن ~~رسول اله لهل صلى الله عليه وسلم المداومة عليه في الجماعات ? من الصلوات الخمس في الجماعات، ~~ومن الجمعات، والأعياد، ونحو ذلك. # وأما محافظة الإنسان على أوراد ms0468 له من الصلاة، أو القراءة، أو الذكر، أو ~~الدعاء، طرفي النهار وزلفا من الليل، وغير ذلك؛ فهذا سنة رسوللهالل صلى الله عليه وسلم. ~~والصالحين من عباد الله قديما وحديثا، فما سن عمله على وجه الاجتماع ~~كالمكتوبات : فعل كذلك، وما سن المداومة عليه على وجه الانفراد من الأوراد عمل ~~كذلك، كما كان الصحابة - رضي الله عنهم - يجتمعون أحيانا، يأمرون أحدهم يقرأ، ~~والباقون يستمعون . وكان عمر بن الخطاب يقول : يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم ~~يستمعون، وكان من الصحابة من يقول : اجلسوا بنا نؤمن ساعة. وصلى النبي صلى الله عليه وسلم. ~~بأصحابه التطوع في جماعة مرات، وخرج على الصحابة من أهل الصفة، وفيهم قارئ ~~يقرأ، فجلس معهم يستمع . # وما يحصل عند السماع والذكر المشروع من وجل القلب، ودمع العين، ~~واقشعرار الجسوم، فهذا أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسنة. # وأما الاضطراب الشديد، والغشي والموت والصيحات، فهذا إن كان صاحبه ~~مغلوبا عليه، لم يلم عليه، كما قد كان يكون في التابعين ومن بعدهم، فإن منشأه قوة ~~الوارد على القلب مع ضعف القلب والقوة، والتمكن أفضل، كما هو حال النبي صلى الله عليه وسلم. ~~والصحابة، وأما السكون قسوة وجفاء، فهذا مذموم لا خير فيه. # وأما ما ذكر من السماع: فالمشروع الذي تصلح به القلوب، ويكون وسيلتها ~~إلى ربها بصلة ما بينه وبينها: هو سماع كتاب الله الذي هو سماع خيار هذه الأمة، ~~لا سيما وقد قال صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يتغن بالقرآن وقال : زينوا القرآن ~~بأصواتكم وهو السماع الممدوح في الكتاب والسنة . لكن لما نسي بعض الأمة ~~حظا من هذا السماع الذي ذكروا به، ألقي بينهم العداوة والبغضاء، فأحدث قوم سماع ~~القصائد والتصفيق والغناء مضاهاة لما ذمه الله من المكاء والتصدية، والمشابهة لما PageV01P428 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0429.png) ~~ابتدعه النصارى. وقابلهم قوم قست قلوبهم عن ذكر الله، وما نزل من الحق، وقست ~~قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة : مضاهاة لما عابه الله على اليهود . والدين ~~الوسط هو ما عليه خيار هذه الأمة ms0469 قديما وحديثا، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن رجل إذا صلى ذكر في جوفه: (بشرم آلله) ~~بابنا (تبرك حيطاننا، (يس) سقفنا، فقال رجل : هذا كفر، أعوذ بالله من هذا ~~القول. فهل يجب على ما قال هذا المنكر رد? وإذا لم يجب عليه فما حكم هذا ~~القول? # فأجاب : الحمد لله رب العالمين، ليس هذا كفر، فإن هذا الدعاء وأمثاله يقصد ~~به التحصن والتحرز بهذه الكلمات، فيتقي بها من الشر كما يتقي ساكن البيت بالبيت ~~من الشر والحر والبرد والعدو. # وهذا كما جاء في الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكلمات الخمس التي ~~قام يحيى بن زكريا في بني إسرائيل قال : أوصيكم بذكر الله، فإن مثل ذلك مثل ~~رجل طلبه العدو فدخل حصنا، فامتنع به من العدو، فكذلك ذكر الله، هو حصن ابن ~~آدم من الشيطان، أو كما قال. فشبه ذكر الله في امتناع الإنسان به من الشيطان ~~بالحصن الذي يمتنع به من العدو. # والحصن له باب وسقف وحيطان. ونحو هذا. إن الأعمال الصالحة من ذكر ~~الله وغيره تسمى جنة ولباسا. كما قال تعالى : (ولباش التقوى ذلك خير)ف ~~26] في أشهر القولين . وكما قال في الحديث : خذوا جنتكم، قالوا: ~~يا رسول الله! من عدو حضر ، قال : لا، ولكن جنتكم من النار : سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ومنه قول الخطيب: فتدرعوا جنن ~~التقوى، قبل جنن السابري. وفوقوا سهام الدعاء قبل سهام القسي. ومثل هذا كثير ~~يسمى سورا وحيطانا ودرعا وجنة، ونحو ذلك. # ولكن هذا الدعاء المسؤول عنه ليس بمأثور، والمشروع للإنسان أن يدعو ~~بالأدعية المأثورة؛ فإن الدعاء من أفضل العبادات، وقد نهانا الله عن الاعتداء فيه، ~~فينبغي لنا أن نتبع فيه ما شرع، وسن، كما أنه ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات، ~~والذي يعدل عن الدعاء المشروع إلى غيره - وإن كان من أحزاب بعض المشايخ - ~~الأحسن له أن لا يفوته الأكمل الأفضل، وهي الأدعية النبوية، فإنها أفضل وأكمل PageV01P429 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0430.png) ~~باتفاق المسلمين من الأدعية ms0470 التي ليست كذلك، وإن قالها بعض الشيوخ فكيف يكون ~~في الأدعية ما هو خطأ أو إثم أو غير ذلك. # ومن أشد الناس عيبا من يتخذ حزبا ليس بمأثآور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان حزبا ~~لبعض المشايخ، ويدع الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيد بني آدم، وإمام الخلق، ~~وحجة الله على عباده، والله أعلم. # في بيان ما أمر الله به ورسوله من إقام الصلاة وإتمامها والطمأنينة فيها. # قال الله تعالى : في غير موضع من كتابه : (وأقيموا الصلوة وء الوا الزكوة) ~~243. وقال تعالى : ( إن الإنين خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا ~~المصلين) وقال تعالى : (قد أفلح المؤمنون * الذين هم فى صلايهم خشعون ~~« والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكوة فاعلون * والذين هم لفروجهم حلفظون * إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيممهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون وألذين هر ~~لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم على صلواتهم يحافظون) وقال تعالى : ~~(واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة إلا على الخشعين) وقال تعالى: ~~فحخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشموات فسوف يلقون غيا)] وقال تعالى : ~~(فإذا أطمأننتم فاقيموا الصلوة إن الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) ~~وقال تعالى : (حلفظوا على الصلوات والصلوة الوسطل وقوموالله قانتين) ~~وسيأتي بيان الدلالة في هذه الآيات. # وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين وأخرج أصحاب السنن - أبو داود ~~والترمذي، والنسائي، وابن ماجه - وأصحاب المساند: كمسند أحمد وغير ذلك من ~~أصول الإسلام عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صله صلى الله عليه وسلم خل المسجد، ~~فدخل رجل، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد رسول الله ل صلى الله عليه وسلم ليه البسلام. وقال: ~~رجع فصل، فإنك لم تصل. فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم سلم عليه. فقال ~~رسول الله صلهل صلى الله عليه وسلم، وعليك السلام، ثم قال : ارجع فصل. فإنك لم تصل حتى فعل ذلك ~~ثلاث مرات . فقال الرجل : والذي ms0471 بعثك بالحق ما أحسن غير هذا، فعلمني. قال : إذا ~~قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، PageV01P430 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0431.png) ~~ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اجلس حتى تطمئن ~~جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها وفي رواية للبخاري : «إذا قمت إلى ~~الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر واقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم ~~اركع حتى تطئمن راكعا ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ~~ساجدا، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع ~~حتى تستوي قائما، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها # وفي رواية له : ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تستوي قائما ~~وباقيه مثله. وفي رواية : «وإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك . وما انتقصت من هذا ~~فإنما انتقصته من صلاتك . # وعن رفاعة بن رافع رضي الله عنه : أن رجلا دخل المسجد - فذكر الحديث ~~وقال فيه - : فقال النبي صلى الله عليه وسل: إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع ~~الوضوء مواضعه، ثم يكبر ويحمد الله عز وجل، ويثني عليه، ويقرأ بما شاء من ~~القرآن ثم يقول : الله أكبر، ثم يركع حتى يطمئن راكعا، ثم يقول : الله أكبر، ثم يرفع ~~رأسه حتى يستوي قائما، ثم يسجد حتى يطمئن ساجدا، ثم يقول : الله أكبر . ثم يرفع ~~رأسه حتى يستوي قاعدا ثم يقول : الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع ~~رأسه فيكبر . فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته وفي رواية : «إنها لا تتم صلاة ~~أحدكم حتى يسبغ الوضوء، كما أمر الله عز وجل، فيغسل وجهه ويديه إلى ~~المرفتين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين. ثم يكبر الله ويحمده، ثم يقرأ من ~~القرآن ما أذن له وتيسر - وذكر نحو اللفظ الأول، وقال - : ثم يكبر. فيسجد، فيمكن ~~وجهه وربما قال : جبهته - من الأرض، حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر ~~فيستوي قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه - فوصف ms0472 الصلاة هكذا أربع ركعات حتى ~~فرغ، ثم قال - : لا تتم صلاة لأحدكم حتى يفعل ذلك»2) رواه أهل السنن : أبو داود ~~والنسائي وابن ماجه والترمذي. وقال: حديث حسن. والروايتان: لفظ أبي داود. PageV01P431 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0432.png) # وفي رواية ثالثة له: قال: «إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم ~~القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ. فإذا ركعت فضع راحتك على ركبتيك وامدد ظهرك. ~~وقال : إذا سجدت فمكن لسجودك. فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى»1 وفي ~~رواية أخرى : قال : «إذا أنت قمت في صلاتك فكبر الله عز وجل، ثم اقرأ ما تيسر ~~عليك من القرآن» وقال فيه : «فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك ~~اليسرى ثم تشهد، ثم إذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك وفي رواية ~~أخرى : قال : «فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد فأتم، ثم كبر. فإن كان معك قرآن ~~فاقرأ به . وإلا فاحمد الله عز وجل وكبره وهلله. وقال فيه : وإن انتقصت منه شيئا ~~انتقصت من صلاتك» # فالنبي و: أمر ذلك المسيء في صلاته بأن يعيد الصلاة. وأمر الله ورسوله إذا # فالنبي ~~أطلق كان مقتضاه الوجوب، وأمره إذا قام إلى الصلاة بالطمأنينة كما أمره بالركوع ~~والسجود . وأمره المطلق على الإيجاب. # وأيضا قال له : «فإنك لم تصل فنفى أن يكون عمله الأول صلاة والعمل لا ~~يكون منفيا إلا إذا انتفى شيء من واجباته . فأما إذا فعل كما أوجبه الله عز وجل فإنه ~~لا يصح نفيه لانتفاء شيء من المستحبات التي ليست بواجبة. # وأما ما يقوله بعض الناس : إن هذا نفي للكمال. كقوله : «لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد فيقال له : نعم هو لنفي الكمال، لكن لنفي كمال ~~الواجبات أو لنفي كمال المستحبات? فأما الأول: فحق. وأما الثاني: فباطل، لا ~~يوجد مثل ذلك في كلام الله عز وجل ولا في كلام رسوله قط، وليس بحق. فإن ~~الشيء إذا كملت واجباته فكيف يصح نفيه؟؟ # وأيضا فلو جاز لجاز نفي صلاة عامة الأولين والآخرين، لأن كمال المستحبات ~~من أندر الأمور. PageV01P432 ![image ms0473 file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0433.png) # وعلى هذا: فما جاء من نفي الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو لانتفاء بعض ~~واجباته. كقوله تعالى : (فلا وربك لا يؤمتنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) وقوله تعالى : ~~( ويقولون امنا بالله وبالرسول وأطعناثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولبك بالمؤمنين) ~~47 وقوله تعالى : ( إنما المؤمنون الذين امنوا بالله ورسوله ثم لم يرتا بوا)لا الجرات: ~~15] وقوله: (انما المؤمنون الذينءآمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حت ~~يستقذنوة)ل ونظائر ذلك كثيرة. # ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: لا إيمان لمن لا أمانة له و لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب »(2) وللا صلاة إلا بوضوء»(3. # وأما قوله : «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد؛ فهذا اللفظ قد قيل: إنه ~~لا يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عبد الحق الإشبيلي : أنه رواه بإسناد كلهم ثقات، ~~وبكل حال، فهو مأثور عن علي رضي الله عنه، ولكن نظيره في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~أنه قال : من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له4. # ولا ريب أن هذا يقتضي أن إجابة المؤذن المنادي، والصلاة في جماعة : من ~~الواجبات، كما ثبت في الصحيح : أن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله، إني رجل ~~شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني. فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي? قال : ~~لهل تسمع النداء?1 قال : نعم، قال : «ما أجد لك رخصة»(5) : لكن إذا ترك هذا ~~الواجب فهل يعاقب عليه، ويثاب على ما فعله من الصلاة، أم يقال : إن الصلاة باطلة ~~عليه إعادتها كأنه لم يفعلها ?. هذا فيه نزاع بين العلماء. وعلى هذا قوله صلى الله عليه وسلم، إذا ~~فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصت من صلاتك. # فقد بين أن الكمال الذي نفي هو هذا التمام الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، فإن التارك PageV01P433 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0434.png) ~~لبعض ذلك قد انتقص ms0474 من صلاته بعض ما أوجبه الله فيها. وكذلك قوله في الحديث ~~الآخر : «فإذا فعل هذا فقد تمت صلاته # ويؤيد هذا : أنه أمره بأن يعيد الصلاة. ولو كان المتروك مستحبا لم يأمره ~~بالإعادة . ولهذا يؤمر مثل هذا المسيء بالإعادة. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم دذا لكن لو لم ~~يعد وفعلها ناقصة، فهل يقال : إن وجودها كعدمها، بحيث يعاقب على تركها؟ أو ~~يقال : إنه يثاب على ما فعله، ويعاقب على ما تركه، بحيث يجبر ما تركه من ~~الواجبات بما فعله من التطوع? . هذا فيه نزاع. والثاني: أظهر. لما روى أبو داود ~~وابن ماجه عن أنس بن حكيم الضبي قال : «خاف رجل من زياد - أو ابن زياد - فأتى ~~المدينة، فلقي أبا هريرة رضي الله عنه قال: فنسبني فانتسبت له، فقال: يا فتى . ألا ~~أحدثك حديثا قال : قلت : بلى يرحمك الله - قال يونس : فأحسبه ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~- قال : إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم: الصلاة. قال: يقول ربنا ~~عز وجل لملائكته، وهو أعلم : انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها ? فإن كانت ~~تامة كتبت له تامة . وإن كان انتقص منها شيئا قال : انظروا، هل لعبدي من تطوع? فإن ~~كان له تطوع قال : أتموها من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلكم وفي لفظ عن ~~أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسولالله اله صلى الله عليه وسلم :( إن أول ما يحاسب به العبد يوم ~~القيامة من عمله : صلاته. فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب ~~وخسر. فإن انتقص من فريضته شيئا قال الرب : انظروا، هل لعبدي من تطوع? فكمل ~~به ما انتقص من الفريضة . ثم تكون سائر أعماله على هذا رواه الترمذي وقال: ~~حديث حسن . # وروى أيضا أبو داود وابن ماجه عن تميم الداري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~بهذا المعنى قال : (ثم الزكاة مثل ذلك ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك. # وأيضا فعن أبي مسعود البدري رضي الله ms0475 عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: لا تجزئ ~~صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود»5 رواه أهل السنن الأربعة. وقال PageV01P434 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0435.png) ~~الترمذي : حديث حسن صحيح. فهذا صريح في أنه لا تجزئ الصلاة حتى يعتدل ~~الرجل من الركوع وينتصب من السجود. فهذا يدل على إيجاب الاعتدال في الركوع ~~والسجود. # وهذه المسألة - وإن لم تكن هي مسألة الطمأنينة - : فهي تناسبها وتلازمها. ~~وذلك : أن هذا الحديث نص صريح في وجوب الاعتدال. فإذا وجب الاعتدال لإتمام ~~الركوع والسجود. فالطمأنينة فيهما أوجب. # وذلك : أن قوله : «يقيم ظهره في الركوع والسجود» أي عند رفعه رأسه منهما. ~~فإن إقامة الظهر تكون من تمام الركوع والسجود. لأنه إذا ركع كان الركوع من حين ~~ينحني إلى أن يعود فيعتدل، ويكون السجود من حين الخرور من القيام أو القعود إلى ~~حين يعود فيعتدل. فالخفض والرفع: هما طرفا الركوع والسجود وتمامهما. فلهذا ~~قال : ليقيم صلبه في الركوع والسجود. # ويبين ذلك أن وجوب هذا من الاعتدالين كوجوب إتمام الركوع والسجود. ~~وهذا كقوله في الحديث المتقدم: ثم يكبر فيسجد، فيمكن وجهه حتى تطمئن ~~مفاصله وتسترخي، ثم يكبر فيستوي قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه. فأخبر أن ~~إقامة الصلب في الرفع من السجود لا في حال الخفض. # والحديثان المتقدمان بين فيهما وجوب هذين الاعتدالين ووجوب الطمأنينة ~~لكن قال في الركوع والسجود والقعود: حتى تطمئن راكعا، وحتى تطمئن ساجدا، ~~وحتى تطمئن جالسا . وقال في الرفع من الركوع : حتى تعتدل قائما، وحتى تستوي ~~قائما لأن القائم يعتدل ويستوي. وذلك مستلزم للطمأنينة. # وأما الراكع والساجد فليسا منتصبين. وذلك الجالس لا يوصف بتمام الاعتدال ~~والاستواء. فإنه قد يكون فيه انحناء إما إلى أحد الشقين ولا سيما عند التورك، وإما ~~إلى أمامه . لأن أعضاءه التي يجلس عليها منحنية غير مستوية ومعتدلة . مع أنه قد روى ~~ابن ماجه، ال صلى الله عليه وسلم ال في الرفع من الركوع : لحتى تطمئن قائما. # وعن علي بن شيبان الحنفي قال : خرجنا حتى قدمنا على رسوللهال صلى الله عليه وسلم ~~فبايعناه ms0476 وصلينا خلفه، فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلاته - يعني صلبه في الركوع ~~والسجود - فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم اصلاة قال : يا معشر المسلمين ، لا صلاة لمن لا PageV01P435 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0436.png) ~~يقيم صلبه في الركوع والسجود رواه الإمام أحمد وابن ماجه. وفي رواية للإمام ~~أحمد : أن رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم ق ال : لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه ~~وسجوده # وهذا يبين أن إقامة الصلب : هي الاعتدال في الركوع، كما بيناه، وإن كانت ~~طائفة من العلماء من أصحابنا وغيرهم فسروا ذلك بنفس الطمأنينة. واحتجوا بهذا ~~الحديث على ذلك وحده، لا على الاعتدالين وعلى ما ذكرناه؛ فإنه يدل عليهما. # وروى الإمام أحمد في المسند عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال ~~رسولالله صل صلى الله عله سل أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته . قالوا: يا رسول الله، ~~كيف يسرق من صلاته؟ قال : لالا يتم ركوعها ولا سجودها» أو قال : لا لا يقيم صلبه ~~في الركوع والسجود وهذا التردد في اللفظ ظاهره : أن المعنى المقصود من ~~اللفظين واحد، وإنما شك في اللفظ. كما في نظائر ذلك. # وأيضا : فعن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه قال : «نهى رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ~~عن نقر الغراب وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان في المسجد، كما يوطن ~~البعير» أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه . # وإنما جمع بين الأفعال الثلاثة - وإن كانت مختلفة الأجناس - لأنه يجمعها ~~مشابهة البهائم في الصلاة، فنهى عن مشابهة فعل الغراب، وعما يشبه فعل السبع، ~~وعما يشبه فعل البعير، وإن كان نقر الغراب أشد من ذينك الأمرين، لما فيه من ~~أحاديث أخر . وفي الصحيحين عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وال : ~~اعتدلوا في الركوع والسجود، ولا يبسطن أحدكم ذراعيه انبساط الكلب لا سيما ~~وقد بين في حديث آخر : «أنه من صلاة المنافقين والله تعالى أخبر في كتابه أنه لن ~~يقبل عمل المنافقين» . # فروى مسلم ms0477 في صحيحه عن أنس بن مالك عن البي صلى الله عليه وسلم آ قال : لاتلك صلاة PageV01P436 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0437.png) ~~المنافق. يمهل حتى إذا كانت الشمس بين قرني شيطان قام فنقر أربعا، لا يذكر الله ~~فيها إلا قليلا فأخبر أن المنافق يضيع وقت الصلاة المفروضة، ويضيع فعلها ~~وينقرها، فدل ذلك على ذم هذا وهذا، وإن كان كلاهما تاركا للواجب. # وذلك حجة واضحة في أن نقر الصلاة غير جائز، وأنه من فعل من فيه نفاق. ~~والنفاق كله حرام. وهذا الحديث حجة مستقلة بنفسها. وهو مفسر لحديث قبله. ~~وقال الله تعالى : (إن المنفقين يخادعون الله وهو خيدعهم وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى ~~يرآءون الناس ولا يدذكرون الله إلا قليلا ) وهذا وعيد شديد لمن ينقر في ~~صلاته، فلا يتم ركوعه وسجوده بالاعتدال والطمأنينة. # والمثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن الأمثال فإن الصلاة قوت القلوب، كما ~~أن الغذاء قوت الجسد. فإذا كان الجسد لا يتغذى باليسير من الأكل فالقلب لا يقتات ~~بالنقر في الصلاة، بل لا بد من صلاة تامة تقيت القلوب. # وأما ما يرويه طوائف من العامة : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى ~~رجلا ينقر في صلاته فنهاه عن ذلك . فقال : لو نقر الخطاب من هذه نقرة لم يدخل ~~النار . فسكت عنه عمر فهذا لا أصل له . ولم يذكره أحد من أهل العلم فيما بلغني، ~~لا في الصحيح ولا في الضعيف. والكذب ظاهر عليه. فإن المنافقين قد نقروا أكثر ~~من ذلك وهم في الدرك الأسفل من النار. # وأيضا: فعن أبي عبد الله الأشعري الشامي قال: صلى رسول الله ال صلى الله عليه وسلم. ~~بأصحابه، ثم جلس في طائفة منهم، فدخل رجل فقام يصلي، فجعل يركع وينقر في ~~سجوده، ورسول الله اله صلى الله عليه وسلم نظر إليه. فقال : ترون هذا? لو مات مات على غير ملة ~~محمد، ينقر صلاته كما ينقر الغراب الرمة. إنما مثل الذي يصلي ولا يتم ركوعه وينقر ~~في سجوده كالجائع لا يأكل إلا تمرة ms0478 أو تمرتين، لا تغنيان عنه شيئا. فأسبغوا ~~الوضوء. ويل للأعقاب من النار، وأتموا الركوع والسجود قال أبو صالح: فقلت ~~لأبي عبد الله الأشعري : من حدثك بهذا الحديث ? قال: أمراء الأجناد : خالد بن ~~الوليد، وعمرو بن العاص؛ وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان. كل هؤلاء ~~يقولون : سمعت رسول الله له صلى الله عليهوسل . رواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه بكماله. ~~وروى ابن ماجه بعضه . PageV01P437 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0438.png) # وأيضا : ففي صحيح البخاري عن أبي وائل عن زيد بن وهب : أن حذيفة بن اليمان ~~رضي الله عنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده. فلما قضى صلاته دعاه، وقال له ~~حذيفة : ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم، ولفظ ~~أبي وائل : لما صليت - وأحسبه قال : لو مت مت على غير سنة محمد صلى الله عليه وسل. # وهذا الذي لم يتم صلاته إنما ترك الطمأنينة، أو ترك الاعتدال، أو ترك ~~كلاهما . فإنه لا بد أن يكون قد ترك بعض ذلك، إذ نقر الغراب والفصل بين ~~السجدتين بحد السيف، والهبوط من الركوع إلى السجود لا يمكن أن ينقص منه مع ~~الإتيان بما قد يقال : إنه ركوع أو سجود. وهذا الرجل كان يأتي بما قد يقال له ركوع ~~وسجود، لكنه لم يتمه. ومع هذا قال له حذيفة: ما صليت فنفى عنه الصلاة، ثم ~~قال : لو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صى الله عليه وسلم ولعلى غير ~~السنة وكلاهما المراد به هنا : الدين والشريعة؛ ليس المراد به فعل المستحبات؛ فإن ~~هذا لا يوجب هذا الذم والتهديد . فلا يكاد أحد يموت على كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من ~~المستحبات . ولأن لفظ : الفطرة والسنة في كلامهم : هو الدين والشريعة. وإن كان ~~بعض الناس اصطلحوا على أن لفظ : «السنة» يراد به ما ليس بفرض، إذ قد يراد بها ~~ذلك. كما في قوله صلى الله عليه وسلم إن الله فرض عليكم صيام ms0479 رمضان، وسننت لكم قيامه ~~فهي تتناول ما سنه من الواجبات أعظم مما سنه من التطوعات. كما في الصحيح عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه قال : «إن الله شرع لنبيك صلى الله عليه وسلم سنن الهدى . وإن هذه ~~الصلوات في جماعة من سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا ~~المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم. ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. ولقد رأيتنا وما ~~يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ومنه قول صلى الله عليه وسلم،: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. # ولأن الله سبحانه وتعالى أمر في كتابه بإقامة الصلاة، وذم المصلين الساهين ~~عنها المضيعين لها، فقال تعالى في غير موضع: (وأقيموا العلوة) ~~وإقامتها: تتضمن إتمامها بحسب الإمكان، كما سيأتي في حديث أنس بن مالك ~~رضي الله عنه قال : «أقيموا الركوع والسجود، فإني أراكم من بعد ظهري، وفي PageV01P438 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0439.png) ~~رواية : «أتموا الركوع والسجود وسيأتي تقرير دلالة ذلك . # والدليل على ذلك من القرآن: أنه سبحانه وتعالى قال : (وإذا ضربثم في الإرض فليس ~~عليكر جاح أن نقمروا من الصلواة إن خفكم أن يفدتكم الذين كفروا) فأباح الله القصر ~~من عددها، والقصر من صفتها؛ ولهذا علقه بشرطين السفر والخوف. فالسفر: يبيح ~~قصر العدد فقط . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر ~~الصلاة» ولهذا كانت سنة رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم المتواترة عنه، التي اتفقت الأمة على ~~نقلها عنه «أنه كان يصلي الرباعية في السفر ركعتين ولم يصلها في السفر أربعا ~~قط، ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما، لا في الحج ولا في العمرة، ولا في ~~الجهاد. والخوف يبيح قصر صفتها كما قال الله في تمام الكلام: (وإذا كنت فيهم ~~كأقمت لهم الصلوة فلنقم طآبفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فلمكونوا من ورآبكم ~~ولتأت طآيفة أخرى لم يصلرا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) ~~فذكر صلاة الخوف وهي صلاة ذات الرقاع، إذ كان العدو ms0480 في جهة القبلة. وكان فيها: ~~أنهم كانوا يصلون خلفه. فإذا قام إلى الثانية فارقوه وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية، ثم ~~ذهبوا إلى مصاف أصحابهم كما قال : (فإذا سجدوا فليكونوا من ورابكم)ء: ~~102] فجعل السجود لهم خاصة. فعلم أنهم يفعلونه منفردين، ثم قال : (ولتأت ~~طابفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) فعلم أنهم يفعلونه. # وفي هذه الصلاة تفريق المأمومين ومفارقة الأولين للإمام. وقيام الآخرين قبل ~~سلام الإمام، ويتمون لأنفسهم ركعة. ثم قال تعالى: (فإذا قضيتم الصلوة فاذكروا الله ~~قياما وقعودا و على جنوبكم فإذا اطماننتم فاقيموا الصلوة) فأمرهم بعد الأمن ~~بإقامة الصلاة. وذلك يتضمن الإتمام وترك القصر منها الذي أباحه الخوف والسفر. ~~فعلم أن الأمر بالإقامة يتضمن الأمر بإتمامها بحسب الإمكان. # وأما قوله في صلاة الخوف: (فأقمت لهم الصلوة) فتلك إقامة ~~وإتمام في حال الخوف. كما أن الركعتين في السفر إقامة وإتمام. كما ثبت في ~~الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : صلاة السفر ركعتان وصلاة ~~الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيك صلى الله عليه وسلم . PageV01P439 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0440.png) # وهذا يبين ما رواه مسلم وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه : «إقصار الناس الصلاة اليوم، وإنما قال الله عز وجل : (ان ~~خقثم أن يفبنكم الذين كغروا)0] وقد ذهب ذلك اليوم? فقال : عجبت مما ~~عجبت منه، فذكرت ذلك لرسولالهاله صلى الله عليه وسلم قال : صدقة تصدق الله بها عليكم، ~~فاقبلوا صدقته فإن المتعجب ظن أن القصر مطلقا مشروط بعدم الأمن، فبينت ~~السنة أن القصر نوعان كل نوع له شرط. # وثبتت السنة أن الصلاة مشروعة في السفر تامة. لأنه بذلك أمر الناس، ليست ~~مقصورة في الأجر والثواب . وإن كانت مقصورة في الصفة والعمل، إذ المصلي يؤمر ~~بالإطالة تارة، ويؤمر بالاقتصار تارة. # وأيضا : فإن الله تعالى قال: (فإذا آطمأننتم فأقيموا الصلوة إن الصلاة كانت على ~~التؤمنين كتابا موقوتا) والموقوت: قد فسره السلف بالمفروض ~~وفسروه بما له وقت. والمفروض : هو المقدر المحدد. فإن التوقيت والتقدير ms0481 ~~والتحديد والفرض : ألفاظ متقاربة. وذلك يوجب أن الصلاة مقدرة محددة مفروضة ~~موقوتة . وذلك في زمانها، وأفعالها، وكما أن زمانها محدود، فأفعالها أولى أن تكون ~~محدودة موقوتة . وهو يتناول تقدير عددها : بأن جعله خمسا، وجعل بعضها أربعا في ~~الحضر واثنتين في السفر، وبعضها ثلاثا، وبعضها اثنتين في الحضر والسفر. وتقدير ~~عملها أيضا. ولهذا يجوز عند العذر الجمع المتضمن لنوع من التقديم والتأخير في ~~الزمان، كما يجوز أيضا القصر من عددها ومن صفتها، بحسب ما جاءت به الشريعة. ~~وذلك أيضا مقدر عند العذر ، كما هو مقدر عند غير العذر. ولهذا فليس للجامع بين ~~الصلاتين أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل، أو صلاة الليل إلى النهار، وصلاتي النهار: ~~الظهر والعصر، وصلاتي الليل : المغرب والعشاء. وكذلك أصحاب الأعذار الذين ~~ينقصون من عددها وصفتها، وهو موقوت محدود. ولا بد أن تكون الأفعال محدودة ~~الابتداء والانتهاء . فالقيام محدود بالانتصاب، بحيث لو خرج عن حد المنتصب إلى ~~حد المنحني الراكع باختياره : لم يكن قد أتى بحد القيام. # ومن المعلوم: أن ذكر القيام - الذي هو القراءة - أفضل من ذكر الركوع ~~والسجود؛ ولكن نفس عمل الركوع والسجود أفضل من عمل القيام؛ ولهذا كان عبادة ~~بنفسه . ولم يصح في شرعنا إلا لله بوجه من الوجوه، وغير ذلك من الأدلة المذكورة ~~في غير هذا الموضع . # وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن هذه الأفعال مقدرة محدودة بقدر التمكن منها. PageV01P440 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0441.png) ~~فالساجد : عليه أن يصل إلى الأرض، وهو غاية التمكن، ليس له غاية دون ذلك إلا ~~لعذر، وهو من حين انحنائه أخذ في السجود، سواء سجد من قيام أو من قعود. ~~فينبغي أن يكون ابتداء السجود مقدرا بذلك، بحيث يسجد من قيام أو قعود، لا يكون ~~سجوده من انحناء . فإن ذلك يمنع كونه مقدرا محدودا بحسب الإمكان. ومتى وجب ~~ذلك وجب الاعتدال في الركوع وبين السجدتين. # وأيضا : ففي ذلك إتمام الركوع والسجود. # وأيضا: فأفعال الصلاة إذا كانت مقدرة وجب أن يكون لها قدر . وذلك هو ~~الطمأنينة . فإن من نقر نقر الغراب لم ms0482 يكن لفعله قدر أصلا. فإن قدر الشيء ومقداره ~~فيه زيادة على أصل وجوده. ولهذا يقال للشيء الدائم: ليس له قدر، فإن القدر لا ~~يكون لأدنى حركة، بل لحركة ذات امتداد. # وأيضا : فإن الله عز وجل أمرنا بإقامتها، والإقامة : أن تجعل قائمة، والشيء ~~القائم : هو المستقيم المعتدل، فلا بد أن تكون أفعال الصلاة مستقرة معتدلة. وذلك ~~إنما يكون بثبوت أبعاضها واستقرارها. وهذا يتضمن الطمأنينة. فإن من نقر نقر ~~الغراب لم يقم السجود، ولا يتم سجوده إذا لم يثبت ولم يستقر. وكذلك الراكع. # يبين ذلك: ما في الصحيحين عن قتادة، عن أنس به مالك رضي الله عنهما ~~قال : قال رسول الله صله صلى الله عليه وسلم: سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة ~~وأخرجاه من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الل اله صلى الله عليه وسلم أتموا الصفوف فإني أراكم من خلف ظهري وفي لفظ: ~~أقيموا الصفوف وروى البخاري من حديث حميد عن أنس، قال : أقيمت ~~الصلاة، فأقبل علينا رسول الله له صلى الله عليه وسلم، فقال : أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم ~~من وراء ظهري . وكان أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وبدنه ببدنه. # فإذا كان تقويم الصف وتعديله من تمامها وإقامتها، بحيث لو خرجوا عن ~~الاستواء والاعتدال بالكلية حتى يكون رأس هذا عند النصف الأسفل من هذا لم ~~يكونوا مصطفين، ولكانوا يؤمرون بالإعادة رهم بذلك أولى من الذي صلى خلف ~~الصف وحده، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ان يعيد صلاته، فكيف بتقويم أفعالها وتعديلها، بحيث ~~لا يقيم صلبه في الركوع والسجود. # وبدل على ذلك - وهو دليل مستقل في المسألة - ما أخرجاه في الصحيحين عن PageV01P441 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0442.png) ~~شعبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : أقيموا الركوع ~~والسجود، فوالله إني لأراكم من بعدي - وفي رواية: من بعد ظهري - إذا ركعتم ~~وسجدتم وفي رواية للبخاري عن همام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه : أنه ms0483 ~~سمع النبي صلى الله عليه وسلم قول : أتموا الركوع والسجود، فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من ~~بعد ظهري إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم»2) ورواه مسلم من حديث هشام ~~الدستوائي، وابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أن نبيله له صلى الله عليه وسلم ال : ~~أتموا الركوع والسجود - ولفظ ابن أبي عروبة : أقيموا الركوع والسجود، فإني أراكم ~~- وذكره»2. # فهذا يبين أن إقامة الركوع والسجود توجب إتمامهما، كمام في اللفظ الآخر. # وأيضا : فأمره لهم بإقامة الركوع والسجود يتضمن السكون فيهما، إذ من ~~المعلوم أنهم كانوا يأتون بالانحناء في الجملة؛ بل الأمر بالإقامة يقتضي أيضا الاعتدال ~~فيهما، وإتمام طرفيهما، وفي هذا رد على من زعم أنه لا يجب الرفع فيهما، وذلك ~~أن هذا أمر للمأمومين خلفه . ومن المعلوم أنه لم يكن يمكنهم الانصراف قبله. # وأيضا : فقوله تعالى : (حلفظوا على القلوات والصلوة الوسطى وقوموا لله قانتين) ~~البقرة : 238 أمر بالقنوت في القيام لله، والقنوت: دوام الطاعة لله عز وجل، سواء ~~كان في حال الانتصاب، أو في حال السجود، كما قال تعالى : (أمن هو قانت اناء اليل ~~سايدا وقابما يحذر الأخرة ويرجحا رحمة ربه) وقال تعالى : ( نالصلحات قانلات ~~حافظات للغيب بما حفظ الله) وقال : (ومن يقنت منكن لله ورسوله) ~~[الأحزاب:31 وقال : (وله من في السموات والأرض كل له قانثون). # فإذا كان ذلك كذلك فقوله تعالى : (وقوموا لله قانتين)3 إما أن ~~يكون أمرا بإقامة الصلاة مطلقا، كما في قوله: (كونوا قومين بالقسط) ~~فيعم أفعالها، ويقتضي الدوام في أفعالها، وإما أن يكون المراد به : القيام المخالف ~~للقعود، فهذا يعم ما قبل الركوع وما بعده، ويقتضي الطول، وهو القنوت المتضمن ~~للدعاء، كقنوت النوازل، وقنوت الفجر عند من يستحب المداومة عليه. # وإذا ثبت وجوب هذا ثبت وجوب الطمأنينة في سائر الأفعال. بطريق الأولى. # ويقوي الوجه الأول : حديث زيد بن أرقم الذي في الصحيحين عنه قال: كان ~~احدنا يكلم الرجل إلى جنبه إلى الصلاة، فنزلت ( رقموالله قانتين) قال فأمرنا ~~بالسكوت، ونهينا عن الكلام» حيث أخبر أنهم ms0484 كانوا يتكلمون في الصلاة. ومعلوم PageV01P442 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0443.png) ~~أن السكوت عن خطاب الآدميين واجب في جميع الصلاة فاقتضى ذلك الأمر بالقنوت ~~في جميع الصلاة، ودل الأمر بالقنوت على السكوت عن مخاطبة الناس لأن القنوت ~~هو دوام الطاعة، فالمشتغل بمخاطبة العباد تارك للاشتغال بالصلاة التي هي عبادة الله ~~وطاعته، فلا يكون مداوما على طاعته، ولهذا قال النبي صلى الله ليه وسلم لما سلم عليه ولم يرد، ~~بعد أن كان يرد : إن في الصلاة لشغلا فأخبر أن في الصلاة ما يشغل المصلي ~~من مخاطبة الناس وهذا هو القنوت فيها، وهو دوام الطاعة. ولهذا جاز عند جمهور ~~العلماء تنبيه الناسي بما هو مشروع فيها من القراءة والتسبيح، لأن ذلك لا يشغله ~~عنها. ولا ينافي القنوت فيها. # وأيضا فإنه سبحانه قال : (إنما يؤمن بثاياتنا الذين إذا ذكروا ببا خدوا سحدا وسبحوا بحتد ~~ريهم وهم لا يستكبرون ) فأخبر أنه لا يكون مؤمنا إلا من سجد إذا ذكر ~~بالآيات وسبح بحمد ربه . # ومعلوم أن قراءة القرآن في الصلاة هي تذكير بالآيات، ولذلك وجب السجود ~~مع ذلك. وقد أوجب خرورهم سجدا، وأوجب تسبيحهم بحمد ربهم، وذلك يقتضي ~~وجوب التسبيح في السجود، وهذا يقتضي وجوب الطمأنينة. ولهذا قالت طائفة من ~~العلماء، من أصحاب أحمد وغيرهم: إن مقدار الطمأنينة الواجبة مقدار التسبيح ~~الواجب عندهم. # والثاني : أن الخرور هو السقوط والوقوع، وهذا إنما يقال فيما يثبت ويسكن ~~لا فيما لا يوجد منه سكون على الأرض، ولهذا قال الله : (فإذا وجبت جنوبا) ~~[الحج: 36 والوجوب في الأصل: هو الثبوت والاستقرار. # وأيضا: فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لما نزلت: (فسبح بآسم ربك ~~آلعظيم ) . قال رسول الله صله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت: ~~(سبع اسم ريك الأعلى) قال : اجعلوها في سجودكم. رواه أبو داود، ~~وابن ماجه. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم جمعل هذين التسبيحين في الركوع والسجود، وأمره على ~~الوجوب. وذلك يقتضي وجوب ركوع وسجود تبعا لهذا التسبيح. وذلك هو الطمأنينة. # ثم إن من الفقهاء من ms0485 قد يقول : التسبيح ليس بواجب وهذا القول يخالف ظاهر ~~الكتاب والسنة. فإن ظاهرهما يدل على وجوب الفعل والقول جيعا، فإذا دل دليل ~~على عدم وجوب القول: لم يمنع وجوب الفعل. # وأما من يقول بوجوب التسبيح، فيستدل لذلك بقوله تعالى : (وسبح ممد ربك PageV01P443 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0444.png) ~~قبل طلوع الشمس وقبل الغروب). وهذا أمر بالصلاة كلها، كما ثبت في ~~الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : كنا جلوسا عند ~~النبيصلى الله عليه وسلم ذ نظر إلى القمر ليلة البدر. فقال: إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا ~~القمر لا تضارون في رؤيته . فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ: ( وسمت بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب). # وإذا كان الله عز وجل قد سمى الصلاة تسبيحا فقد دل ذلك على وجوب ~~التسبيح . كما أنه لما سماها قياما في قوله تعالى : (قر أليل الا قليلا) دل ~~على وجوب القيام. وكذلك لما سماها قرآنا في قوله تعالى : (وقرءان الفجر): ~~78] دل على وجوب القرآن فيها، ولما سماها ركوعا وسجودا في مواضع دل على ~~وجوب الركوع والسجود فيها. # وذلك : أن تسميتها بهذه الأفعال دليل على أن هذه الأفعال لازمة لها. فإذا ~~وجدت هذه الأفعال . فتكون من الأبعاض اللازمة، كما أنهم يسمون الإنسان بأبعاضه ~~اللازمة له . فيسمونه رقبة ورأسا ووجها، ونحو ذلك. كما في قوله تعالى: (فتخرير ~~رقبة) ولو جاز وجود الصلاة بدون التسبيح لكان الأمر بالتسبيح ~~لا يصلح أن يكون أمرا بالصلاة. فإن اللفظ حينئذ لا يكون دالا على معناه. ولا على ~~ما يستلزم معناه . # وأيضا؛ فإن الله عز وجل ذم عموم الإنسان واستثنى المصلين الذين هم على ~~صلاتهم دائمون. قال تعالى : ( إن الإنسن خلق هلوعا * إذامته الشر جزوعا * وإذا مسه ألخير ~~منوعا * إلا المصلين الذين هم على صلاتهم داببون)-] والسلف من الصحابة ~~ومن بعدهم قد فسروا الدائم على الصلاة بالمحافظ على أوقاتها وبالدائم على أفعالها ~~بالإقبال عليها. والآية تعم هذا وهذا. فإنه قال : (على صلاتهم ms0486 دابون) والدائم على ~~الفعل هو المديم له، الذي يفعله دائما. فإذا كان هذا فيما يفعل في الأوقات المتفرقة، ~~وهو أن يفعله كل يوم، بحيث لا يفعله تارة ويتركه أخرى، وسمى ذلك دوامآ عليه. ~~فالدوام على الفعل الواحد المتصل أولى أن يكون دواما، وأن تتناول الآية ذلك. ~~وذلك يدل على وجوب إدامة أفعاله، لأن الله عز وجل ذم عموم الإنسان واستثنى ~~المداوم على هذه الصفة. فتارك إدامة أفعالها يكون مذموما من الشارع، والشارع ~~لا يذم إلا على ترك واجب، أو فعل محرم. # وأيضا؛ فإنه سبحانه وتعالى قال : (إلا التصلينه اللين هم على صلاتهم دابون) ~~لك على أن المصلي قد يكون دائما على صلاته وقد لا يكون دائما عليها، وأن PageV01P444 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0445.png) ~~المصلي الذي ليس بدائم مذموم. وهذا يوجب ذم من لا يديم أفعالها المتصلة ~~والمنفصلة. وإذا وجب دوام أفعالها فذلك هو نفس الطمأنينة . فإنه يدل على وجوب ~~إدامة الركوع والسجود وغيرهما، ولو كان المجزئ أقل مما ذكر من الخفض - وهو ~~نقر الغراب - لم يكن ذلك دواما، ولم يجب الدوام على الركوع والسجود وهما أصل ~~أفعال الصلاة. # فعلم أنه كما تجب الصلاة يجب الدوام عليها، المتضمن للمطأنينة والسكينة في ~~أفعالها. # وأيضا؛ فقد قال الله تعالى : (وآستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة إلا على الخشعين) ~~[البقرة: 245. # وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين. كقوله تعالى : (وما جعلنا القبلة التي كنت علتها إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبية وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله) ~~وقوله تعالى : (كبر على المشركين ما ندعوهم إليه). # فقد دل كتاب الله عز وجل على من كبر عليه ما يحبه الله. وأنه مذموم بذلك ~~في الدين، مسخوط منه ذلك، والذم أو السخط لا يكون إلا لترك واجب، أو فعل ~~محرم، وإذا كان غير الخاشعين مذمومين، دل ذلك على وجوب الخشوع. # فمن المعلوم أن الخشوع المذكور في قوله تعالى: (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) ~~لا بد أن يتضمن الخشوع في الصلاة. فإنه لو كان المراد الخشوع خارج الصلاة لفسد ms0487 ~~المعنى، إذ لو قيل : إن الصلاة لكبيرة إلا على من خشع خارجها، ولم يخشع فيها. ~~كان يقتضي أنها لا تكبر على من لم يخشع فيها، وتكبر على من خشع فيها. وقد ~~انتفى مدلول الآية . فثبت أن الخشوع واجب في الصلاة. # ويدل على وجوب الخشوع فيها أيضا قوله تعالى : (قد أفلح المؤمنون الذين هم في ~~صلاتهم خشعون * والذين هم عن الغو معرضون * والذين هم للزكوة فاعلون * والذين هم لفروجهم ~~حفطون* إلا علي أزوجهم او ما ملكت ايكتهم فانتهم ير ملرمي فمن التغى وراء ذلك فاوليك هم ~~العادون * والذين هر لأمنتهم وعهدهم رعون * والذين هر على صلواتهم يحافظون* أولبآك هم الورثون ~~الذين يرثون الفردرس هم فيا خلدون) - 1 أخبر سبحانه وتعالى أن ~~هؤلاء هم الذين يرثون فردوس الجنة . وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم. وقد دل هذا ~~على وجوب هذه الخصال، إذ لو كان فيها ما هو مستحب لكانت جنة الفردوس تورث ~~بدونها، لأن الجنة تنال بفعل الواجبات، دون المستحبات. ولهذا لم يذكر في هذه ~~الخصال إلا ما هو واجب. وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبا، فالخشوع يتضمن ~~السكينة والتواضع جميعا. # ومنه حديث عمر رضي الله عنه، حيث رأى رجلا يعبث في صلاته. فقال: PageV01P445 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0446.png) ~~1لوخشع قلب هذا لخشعت جوارحه أي لسكنت وخضعت. وقال تعالى : (ومن ~~ابله أنلك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء افتزت وربت إن الذي أحياها لمخى الموت إنم على كل ~~شي فيير) فأخبر أنها بعد الخشوع تهتز، والاهتزاز حركة، وتربو، ~~والربو: الارتفاع . فعلم أن الخشوع فيه سكون وانخفاض. # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قول في حال ركوعه : «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ~~ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعقلي وعصبي رواه مسلم في ~~صحيحه، فوصف نفسه بالخشوع في حال الركوع، لأن الراكع ساكن متواضع. ~~وبذلك فسرت الآية . ففي التفسير المشهور، الذي يقال له تفسير الوالبي عن علي بن ~~أبي طلحة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما - وقد رواه المصنفون في التفسير، ~~كابي بكر ms0488 بن المنذر، ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهما من حديث أبي صالح ~~عبد الله بن صالح عن معاوية بن أبي صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - ~~قوله تعالى : ( فى صلاتهم خاشعون) يقول : خائفون ساكنون ورووا في التفاسير ~~المسندة كتفسير ابن المنذر وغيره من حديث سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد: ~~خاشعون» قال : « السكون فيها» قال : وكذلك قال الزهري ومن حديث هشام عن ~~مغيرة عن إبراهيم النخعي . قال : الخشوع في القلب، وقال: ساكنون. قال الضحاك: ~~الخشوع الرهبة لله. وروي عن الحسن: خائفون، وروى ابن المنذر من حديث ~~أبي عبد الرحمن المقبري . حدثنا المسعودي، حدثنا أبو سنان، أنه قال في هذه ~~لآية : ( الذين هم فى صلاتهم حشعون) قال : الخشوع في القلب، وأن يلين ~~كنفه للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك. # وفي تفسير ابن المنذر أيضا ما في تفسير إسحاق بن راهويه عن روح حدثنا ~~سعيد عن قتادة : (الذين هم في صلاتهم خاشعون) : الخشوع في القلب، والخوف ~~رغض البصر في الصلاة. وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى في كتابه : مختار القرآن ~~(ف صلاتهم خاشعون) أي لا تطمح أبصارهم ولا يلتفتون. وقد روى الإمام أحمد في ~~كتاب الناسخ والمنسوخ» من حديث ابن سيرين، ورواه إسحاق بن راهويه في ~~التفسير، وابن المنذر أيضا في التفسير الذي له، رواه من حديث الثوري، حدثني ~~خالد عن ابن سيرين، قال : «كان النبي صلى الله عليه وسلم فيع بصره إلى السماء فأمر بالخشوع، ~~فرمى ببصره نحو مسجده»(2) أي محل سجوده. قال سفيان : وحدثني غيره عن ابن ~~سيرين : أن هذه الآية : نزلت في ذلك ( تد افلح المؤمنونء الذين هم فى صلاتهم خشعن) ~~قال: هو سكون المرء في صلاته. قال معمر: وقال الحسن: لاخائفون وقال PageV01P446 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0447.png) ~~446 ~~قتادة : «الخشوع في القلب» ومنه خشوع البصر وخفضه وسكونه ضد تقليبه في ~~الجهات، كقوله تعالى : (فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شى و نكر * خشعا ابصنرهر يخرجون ين ~~الأبداث كأنتهم جراد منتشر * تمهطعين إلى الناع يقول الكفرون هذا يرم عر)- 8] وقوله ms0489 ~~تعالى : (بوم يخربون ين الالبناث سراعا كأتهم إلى نصب يوفضون * خاشعة أبصرهت زرهقهم ذلة ذلك اليوم الذى كانا ~~يوعدون) ، وفي القراءة الأخرى : (خشعا أبصارهم) وفي هاتين ~~الآيتين وصف أجسادهم بالحركة السريعة، حيث لم يصف بالخشوع إلا أبصارهم؛ ~~بخلاف آية الصلاة، فإنه وصف بالخشوع جملة المصلين بقوله تعالى : ( ألدين هم فى ~~صالاتهم خشعون) وقوله تعالى : (وإنبا لكبيرة إلا على الخشعين). # وقال تعالى: (يوم يكفف عن ساق ويذعون إل أنشجورد فلا ينتليهود * ناشعة اتسر تتمقهم ولة) ~~[القلم: 42، 43]. # ومن ذلك: خشوع الأصوات. كقوله تعالى: (وخشعت الأسرات للرحمن) ~~وطه : 108] وهو انخفاضها وسكونها . وقال تعالى : (وترى الذالبين لما رآوا العذاب ~~يقولون هل إلى مردر من سبيل * وترنهم يعرضون عليها خلشعين من الذل ينظرون مين لرف خفي ك ~~[الشورى: ،5،] وقال تعالى : (وجوة يؤميذ خاشعة * عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ~~ثتقى من قين إني ) غاشية: 2 - 5] وهذا يكون يوم القيامة . وهذا هو الصواب من ~~القولين بلا ريب، كما قال في القسم الآخر : (وجوة يومبذ تاعمة * لسعيبا راضية * فى جنة ~~عالية) وقال تعالى : (روهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا ~~صلحين * بجعنهم أبتة يهدون وأمرزنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام القلوة وإيتآء ~~الزكزة وكانوا لنا عابدين)،. # وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبا، وهو متضمن للسكون والخشوع. فمن نقر ~~نقر الغراب لم يخشع في سجوده. وكذلك من لم يرفع رأسه من الركوع ويستقر قبل ~~أن ينخفض لم يسكن، لأن السكون هو الطمأنينة بعينها. فمن لم يطمئن لم يسكن ~~ومن لم يسكن لم يخشع في ركوعه ولا في سجوده. ومن لم يخشع كان آثما عاصيا ~~وهو الذي بيناه. # ويدل على وجوب الخشوع في الصلاة: أن النبي صلى الله عليه وسلم وعد تاركيه كالذي يرفع ~~بصره إلى السماء، فإنه حركته ورفعه، وهو ضد حال الخاشع. فعن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه قال: قال رسول ال صلى الله عليه وسل ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في ~~صلاتهم ? فاشتد قوله في ذلك. فقال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم PageV01P447 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0448.png) ~~وعن ms0490 جابر بن سمرة قال : دخل رسول اللهله صلى الله عليه وسلم لسجد، وفيه ناس يصلون رافعي ~~أبصارهم إلى السماء. فقال : لينتهين رجال يشخصون أبصارهم إلى السماء، أو ~~لا ترجع إليهم أبصارهم، الأول : في البخاري، والثاني: في مسلم. وكلاهما في ~~سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه. # وقال محمد بن سيرين : كان رسول الل صلى اللهعليهوسل يرفع بصره في الصلاة. فلما نزلت ~~هذه الآية (قد أفلم المؤمنون الذين هم في صلاتهم خشعون) يكن يجاوز بصره موضع ~~سجوده ، رواه الإمام أحمد في «كتاب الناسخ والمنسوخ. فلما كان رفع البصر ~~إلى السماء ينافي الخشوع حرمه النبي صلى الله عليه وسلم وتوعد عليه. # وأما الالتفات لغير حاجة فهو ينقص الخشوع ولا ينافيه . فلهذا كان ينقص ~~الصلاة، كما روى البخاري وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ~~سألت رسول الله عن التفات الرجل في الصلاة ? فقال : هو اختلاس يختلسه ~~الشيطان من صلاة العبد»42. # وروى أبو داود والنسائي عن أبي الأحوص، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ~~قال رسول هال صلى الله يليه وسل لا يزال الله مقبلا على العبد، وهو في صلاته، ما لم يلتفت. ~~فإذا التفت انصرف عنه . # وأما لحاجة فلا بأس به، كما روى أبو داود عن سهل بن الحنظلية قال : لاثوب ~~بالصلاة - يعني صلاة الصبح - فجعل رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم صلي، وهو يلتفت إلى ~~الشعب» قال أبو داود : «وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس1 . وهذا ~~كحمله أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، من زينب بنت رسول الله. وفتحه الباب ~~لعائشة، ونزوله من المنبر لما صلى بهم يعلمهم، وتأخره في صلاة الكسوف، ~~وإمساكه الشيطان وخنقه لما أراد أن يقطع صلاته، وأمره بقتل الحية والعقرب في ~~الصلاة، وأمره برد المار بين يدي المصلي ومقاتلته، وأمره النساء بالتصفيق، وإشارته ~~في الصلاة، وغير ذلك من الأفعال التي تفعل لحاجة، ولو كانت لغير حاجة كانت من ~~العبث المنافي للخشوع المنهي عنه في الصلاة. # ويدل على ذلك أيضا : ما رواه تميم الطائي ms0491 عن جابر بن سمرة رضي الله عنه PageV01P448 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0449.png) ~~قال : دخل علينا رسول الله صل صلى الله عليه وسلم، والناس رافعو أيديهم - قال الراوي - وهو زهير بن ~~معاوية - وأراه قال في الصلاة - فقال : ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل ~~شمس، اسكنوا في الصلاة . رواه مسلم وأبو داود والنسائي، ورووا أيضا عن ~~عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : كنا إذا صلينا خلف ~~رسول اللها له صلى الله عليه وسلم، فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه، ومن عن يساره. فلما صلى ~~قال : ما بال أحدكم يومئ بيده، كأنها أذناب خيل شمس? إنما يكفي أحدكم - أو ألا ~~يكفي أحدكم - أن يقول: هكذا - وأشار بأصبعه - يسلم على أخيه من عن يمينه ومن ~~عن شماله وفي رواية قال : «أما يكفي أحدكم، أو أحدهم، أن يضع يده على ~~فخذه، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه، ومن عن شماله. # ولفظ مسلم : صلينا مع رسول الله صله صلى الله عليه وسلم، وكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا : السلام ~~عليكم فنظر إلينا رسول الله له صلى الله عليه وسلم قال : ما شأنكم تشيرون بأيديكم، كأنها أذناب ~~خيل شمس? إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يؤمئ بيده. # فقد أمر رسول الله له صلى الله عليه وسلم السكون في الصلاة. وهذا يقتضي السكون فيها كلها. ~~والسكون لا يكون إلا بالطمأنينة. فمن لم يطمئن لم يسكن فيها، وأمره بالسكون فيها ~~موافق لما أمر الله تعالى به من الخشوع فيها، وأحق الناس باتباع هذا، هم أهل الحديث. # ومن ظن أن نهيه عن رفع الأيدي هو النهي عن رفعها إلى منكبه حين الركوع ~~وحين الرفع منه، وحمله على ذلك فقد غلط. فإن الحديث جاء مفسرا بأنهم كانوا إذا ~~سلموا في الصلاة سلام التحليل أشاروا بأيديهم إلى المسلم عليهم من عن اليمين ومن ~~عن الشمال. # ويبين ذلك قوله : ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس ? ~~ل والشمس جمع شموس. وهو الذي تقول له ms0492 العامة الشموص. وهو الذي يحرك ~~ذنبه ذات اليمين وذات الشمال. وهي حركة لا سكون فيها. # وأما رفع الأيدي عند الركوع وعند الرفع بمثل رفعها عند الاستفتاح، فذلك ~~مشروع باتفاق المسلمين. فكيف يكون الحديث نهيا عنه? PageV01P449 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0450.png) # وقوله : اسكنوا في الصلاة يتضمن ذلك، ولهذا صلى بعض الأئمة الذين لم ~~يكونوا يرون هذا الرفع إلى جنب عبد الله بن المبارك فرفع ابن المبارك يديه، فقال ~~له : أتريد أن تطير ? فقال : إن كنت أطير في أول مرة، فأنا أطير في الثانية، وإلا ~~فلا وهذا نقض لما ذكره من المعنى. # وأيضا : فقد تواترت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهذا الرفع فلا يكون نهيا ~~عنه، ولا يكون ذلك الحديث معارضا. بل لو قد تعارضا فأحاديث هذا الرفع كثيرة ~~متواترة، ويجب تقديمها على الخبر الواحد لو عارضها، وهذا الرفع فيه سكون. ~~فقوله : ل اسكنوا في الصلاة» لا ينافي هذا الرفع، كرفع الاستفتاح وكسائر أفعال ~~الصلاة، بل قوله : «اسكنوا يقتضي السكون في كل بعض من أبعاض الصلاة، وذلك ~~يقتضي وجوب السكون في الركوع والسجود والاعتدالين. # فبين هذا أن السكون مشروع في جميع أفعال الصلاة بحسب الإمكان. ولهذا ~~يسكن فيها في الانتقالات التى منتهاها إلى الحركة؛ فإن السكون فيها يكون بحركة ~~معتدلة لا سريعة ، كما أمر النبي صلى الله عليه ولم في المشي إليها. وهي حركة إليها، فكيف ~~بالحركة فيها? فقال : «إذا أتيتم الصلاة. فلا تأتوها تسعون، وائتوها وعليكم السكينة. ~~فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا . # وهذا أيضا دليل مستقل في المسألة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~سمعت رسول ال صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها تمشون، ~~وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا رواه البخاري ومسلم ~~وأبو داود وابن ماجه . قال أبو داود - وكذلك قال الترمذي - وابن أبي ذئب، ~~وإبراهيم بن سعد، ومعمر، وشعيب بن أبي حمزة عن الزهري: وما فاتكم فأتموا ~~وقال ابن عيينة عن إلزهري : «فاقضوا. قال محمد بن عمر عن أبي ms0493 سلمة عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه، وجعفر بن أبي ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة: ~~النبي له قال : ا قتوا الص آة وعديك السكينة فصلوا مما أدركتم، واقضوا ~~ما سبقكم»3) قال أبو داود: وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه: ~~وليقض. وكذلك قال أبو رافع عن أبي هريرة، وأبو ذر رضي الله عنه روي عنه: ~~فأتموا، واقضوا اختلف عنه. # فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم دف أمر بالسكينة حال الذهاب إلى الصلاة ونهى عن السعي PageV01P450 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0451.png) ~~الذي هو إسراع في ذلك، لكونه سببا للصلاة. فالصلاة أحق أن يؤمر فيها بالسكينة، ~~وينهى فيها عن الاستعجال فعلم أن الراكع والساجد مأمور بالسكينة، منهي عن ~~الاستعجال بطريق الأولى والأحرى، لا سيما وقد أمره بالسكينة بعد سماع الإقامة ~~الذي يوجب عليه الذهاب إليها، ونهاه أن يشتغل عنها بصلاة تطوع، وإن أفضى ذلك ~~إلى فوات بعض الصلاة، فأمره بالسكينة وأن يصلي ما فاته منفردا بعد سلام الإمام، ~~وجعل ذلك مقدما على الإسراع إليها. وهذا يقتضي شدة النهي عن الاستعجال إليها، ~~فكيف فيها ?? # يبين ذلك ما روى أبو داود عن أبي ثمامة الحناط عن كعب بن عجرة قال: إن ~~رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم ال : إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدا إلى المسجد ~~فلا يشبكن يديه. فإنه في صلاة فقد نهاله صلى الله عليه وسلم في مشيه إلى الصلاة عما نهاه عنه ~~في الصلاة من الكلام والعمل له منفردا فكيف يكون حال المصلي نفسه في ذلك ~~المشي وغير ذلك? فإذا كان منهيا عن السرعة والعجلة في المشي، مأمورا بالسكينة، ~~وإن فاته بعض الصلاة مع الإمام حتى يصلي قاضيا له، فأولى أن يكون مأمورا ~~بالسكينة فيها. # ويدل على ذلك: أن الله عز وجل أمر في كتابه بالسكينة والقصد في الحركة ~~والمشي مطلقا، فقال : (واقصد في مشيك واغضض من صوتك) وقال تعالى : ~~(وعباد الرحمكن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجدهلون قالوا سلاما)ان: ~~63). قال الحسن وغيره : لبسكينة ووقار» ms0494 فأخبر أن عباد الرحمن هم هؤلاء. فإذا ~~كان مأمورا بالسكينة والوقار في الأفعال العادية التي هي من جنس الحركة، فكيف ~~الأفعال العبادية ? ثم كيف بما هو فيها من جنس السكون، كالركوع والسجود ? فإن ~~هذه الأدلة تقتضي السكينة في الانتقال؛ كالرفع والخفض والنهوض والانحطاط. وأما ~~نفس الأفعال التي هي المقصود بالانتقال، كالركوع نفسه، والسجود نفسه، والقيام ~~والقعود أنفسهما - وهذه هي من نفسها سكون - فمن لم يسكن فيها لم يأت بها، وإنما ~~هو بمنزلة من أهوى إلى القعود ولم يأت به، كمن مد يده إلى الطعام، ولم يأكل منه، ~~أو وضعه على فيه ولم يطعمه. # وأيضا : فإن الله تعالى أوجب الركوع والسجود في الكتاب والستة، وهو واجب ~~بالإجماع لقوله تعالى : ( يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسحدوا) وقوله ~~تعالى : (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يتتطيعونء خافمة ألعارم رمقهم ذلةه وقد كانآوا يدعون إلى PageV01P451 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0452.png) ~~الشجود وهم سالمون) وقوله تعالى : (فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرمآن لا يسبدون) ~~[الإنشقاق: 20، 21 وقوله تعالى : (إنما يؤمن بناياتنا الذين إذا ذكروا با خروا سجدا ~~وسبحوا بحمد ريهم وهم لا يستكبرون ) وقوله تعالى : (واسجد واقتب) وقوله تعالى : (ألم ~~تر أن الله كسحد لم من فى السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والتجوم والجبال والشجر والدوآب ~~وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب). # فدل على أن الذي لا يسجد لله من الناس قد حق عليه العذاب وقوله: (ومن ~~آليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) وقوله تعالى : (فسبح بحمد ربك وكن من ~~الساجدين) وقوله تعالى : (وإذا قيل لمم أزكعوا لا يركعون) ~~وقوله تعالى : (إنما وليكم الله ورسوله والذين مامنوا الذي يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون) ~~[المائدة : ه5]. # وإذا كان الله عز وجل قد فرض الركوع والسجود لله في كتابه، كما فرض أصل ~~الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم و المبين للناس ما نزل إليهم، وسنته تفسر الكتاب وتبينه، وتدل ~~عليه، وتعبر عنه، وفعله إذا خرج امتثالا لأمر أو تفسيرا لمجمل: كان حكمه حكم ~~ما ms0495 امتثله وفسره. وهذا كمال ال صلى الله عليه وسلم لما كان يأتي في كل ركعة بركوع واحد وسجودين ~~كان كلاهما واجبا . وكان هذا امتثالا منه لما أمر الله به من الركوع والسجود، وتفسيرا ~~لما أجمل ذكره في القرآن، وكذلك المرجع إلى سنته في كيفية السجود. وقد كان ~~يصلي الفريضة والنافلة والناس يصلون على عهده. ولم يصل قط إلا بالاعتدال عن ~~الركوع والسجود، وبالطمأنينة في أفعال الصلاة كلها. قد نقل ذلك كل من نقل صلاة ~~الفريضة والنافلة. والناس يصلون على عهده، ولم يصل قط إلا بالاعتدال عن الركوع ~~والسجود وبالطمأنينة. وكذلك كانت صلاة أصحابه على عهده. وهذا يقتضي وجوب ~~السكون والطمأنينة في هذه الأفعال، كما يقتضي وجوب عددها. وهو سجودان مع ~~كل ركوع. # وأيضا : فإن مداومته على ذلك في كل صلاة كل يوم، مع كثرة الصلوات، من ~~أقوى الأدلة على وجوب ذلك . إذ لو كان غير واجب لتركه ولو مرة، ليبين الجواز. ~~أو ليبين جواز تركه بقوله. فلما لم يبن - لا بقوله ولا بفعله - جواز ترك ذلك مع ~~مداومته عليه . كان ذلك دليلا على وجوبه. # وأيضا : فقد ثبت عه صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري، أنه قال لمالك بن الحويرث ~~وصاحبه : إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما، وصلوا كما رأيتموني ~~أصلي فأمرهم أن يصلوا كما رأوه يصلي. PageV01P452 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0453.png) ~~452 # وذلك يقتضي أنه يجب على الإمام أن يصلي بالناس كما كان النبي صلى الله عليه وسلم صلي ~~لهم، ولا معارض لذلك ولا مخصص، فإن الإمام يجب عليه ما لا يجب على ~~المأموم والمنفرد. # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن سهل بن سعد أنه قال : لقد رأيت ~~رسواللهالاه صلى الله عليه وسلم فام على المنبر وكبر، وكبر الناس معه وراءه، وهو على المنبر، ثم ~~رجع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم ~~أقبل على الناس. فقال : يا أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا ~~صلاتي»1 # وفي ms0496 سنن أبي داود والنسائي عن سالم البراد قال : «أتينا عقبة بن عامر ~~الأنصاري أبا مسعود، فقلنا له : حدثنا عن صلاة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم، فقام بين أيدينا في ~~المسجد، فكبر، فلما ركع وضع يديه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، ~~وجافى بين مرفقيه، حتى استقر كل شيء منه، ثم قال : سمع الله لمن حمده، فقام ~~حتى استقر كل شيء منه، ثم كبر وسجد ووضع كفيه على الأرض، ثم جافى بين ~~مرفقيه حتى استقر كل شيء منه، ثم رفع رأسه فجلس حتى استقر كل شيء منه، ففعل ~~ذلك أيضا ثم صلى أربع ركعات مثل هذه الركعة، فصلى صلاته. ثم قال: هكذا رأينا ~~رسول الله صل صلى الله عليه وسلم صلي # وهذا إجماع الصحابة رضي الله عنهم. فإنهم كانوا لا يصلون إلا مطمئنين. ~~وإذا رأى بعضهم من لا يطمئن أنكر عليه ونهاه. ولا ينكر واحد منهم على المنكر ~~لذلك . وهذا إجماع منهم على وجوب السكون والطمأنينة في الصلاة، قولا وفعلا. ~~ولو كان ذلك غير واجب لكانوا يتركونه أحيانا كما كانوا يتركون ما ليس بواجب. # وأيضا، فإن الركوع والسجود في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين انحنائه ~~وحين وضع وجهه على الأرض . فأما مجرد الخفض والرفع عنه، فلا يسمى ذلك ~~ركوعا، ولا سجودا. ومن سماه ركوعا وسجودا فقد غلط على اللغة . فهو مطالب ~~بدليل من اللغة على أن هذا يسمى راكعا وساجدا، حتى يكون فاعله ممتثلا للأمر، ~~وحتى يقال : إن هذا الأمر المطالب به يحصل الامتثال فيه بفعل ما يتناوله الاسم. فإن ~~هذا لا يصح حتى يعلم أن مجرد هذا يسمى في اللغة ركوعا وسجودا وهذا مما ~~لا سبيل إليه، ولا دليل عليه. فقائل ذلك قائل بغير علم في كتاب الله وفي لغة ~~العرب، وإذا حصل الشك: هل هذا ساجد أو ليس بساجد? لم يكن ممتثلا بالاتفاق. PageV01P453 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0454.png) ~~لأن الوجوب معلوم. وفعل الواجب ليس بمعلوم. كمن يتيقن وجوب صلاة أو زكاة ~~عليه، ويشك في فعلها. # وهذا ms0497 أصل ينبغي معرفته . فإنه يحسم مادة المنازع الذي يقول : إن هذا يسمى ~~ساجدا وراكعا في اللغة. فإنه قال بلا علم ولا حجة. وإذا طولب بالدليل انقطع. ~~وكانت الحجة لمن يقول : ما نعلم براءة ذمته إلا بالسجود والركوع المعروفين. # ثم يقال : لو وجد استعمال لفظ : لالركوع والسجود في لغة العرب بمجرد ~~ملاقاة الوجه للأرض بلا طمأنينة لكان المعفر خده ساجدا ولكان الراغم أنفه - وهو ~~الذي لصق أنفه بالرغام، وهو التراب - ساجدا، لا سيما عند المنازع الذي يقول : ~~يحصل السجود بوضع الأنف دون الجبهة من غير طمأنينة . فيكون نقر الأرض بالأنف ~~سجودا، ومعلوم أن هذا ليس من لغة القوم، كما أنه ليس من لغتهم تسمية نقرة ~~الغراب ونحوها سجودا، ولو كان ذلك كذلك لكان يقال للذي يضع وجهه على ~~الأرض، ليمص شيئا على الأرض، أو يعضه أو ينقله ونحو ذلك: ساجدا. # وأيضا، فإن الله أوجب المحافظة والإدامة على الصلاة، وذم إضاعتها والسهو ~~عنها. فقال في أول سورة المؤمنين : (قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خشعون والذين هم ~~عن اللغو معرضوب * والذين هم للزكلة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزوجهم أو ما ~~ملكت أتننمم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولابآك هم العادون * والذين هر لأمناتهم وعهدهم ~~راعون * والذين هم على صلواتهم يحا فظون) وقد سبق بيان أن هذه الخصال ~~واجبة. وكذلك في سورة سأل سائل قال :ل سلما الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا وإذا ~~مسه الخير منوعا * إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دابيمون * والين في أنوليم حق معلوم * للسابل والمعروم * ~~الذين يصدقون بيوم الدين * والذين هم من عذاب ربهم مشفقون * ن عذاب ربهم غير مأمون * والذين هر لفروجهم حفظون ~~* إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم وإنهم غير ملومين * فين أنغ وراء ذلك فأ لئك هر العادون * والذين هم لأمتاهم ~~وعهدهم رعون * والذين هم بتهاداتهم قابمون *والذين هم على صلاتهم يحافظون ) المعارج: 19 - 34] فذم ~~الإنسان كله إلا ما استثناه . فمن لم يكن متصفا بما استثناه ms0498 كان مذوما، كما في قوله ~~تعالى: (والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذينء امنوا وعملوا الصلحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر) وقال تعالى: ل(ل عله وسلم كف من بعدم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا) . وقال تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) ~~الماعون: ، 5] وقال تعالى : (حلفظوأعلى الصلوات والصلوة الوسطى وقوموا لله قانتين) ~~[البقرة : 238] . # وهذا الآيات تقتضي ذم من ترك شيئا من واجبات الصلاة، وإن كان في الظاهر ~~صليا، مثل أن يترك الوقت الواجب، أو يترك تكميل الشرائط والأركان من الأعمال ~~الظاهرة والباطنة، وبذلك فسرها السلف. ففي تفسير عبد بن حميد - وذكره عن ابن PageV01P454 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0455.png) ~~المنذر في تفسيره من حديث عبد - حدثنا روح، عن سعيد، عن قتادة : (والذين هم على ~~صلواتهم يحافظون): على وضوئها ومواقيتها وركوعها. وروى أبو بكر بن المنذر في ~~تفسيره من حديث أبي عبد الرحمن، عن عبد الله قال : قيل لعبد الله : إن الله أكثر ~~ذكر الصلاة في القرآن (الذين هم على صلاتهم دابمون ) و( الذين هم فى صلاتهم ~~خاشعون) و(والذين هم على صلاتهم يحافظون ) فقال عبد الله: ~~ذلك على مواقيتها فقالوا : ما كنا نرى ذلك يا أبا عبد الرحمن إلا الترك . قال : تركها ~~كفر. وروى سعيد بن منصور : حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن ~~مسروق في قول الله: (والذين هم على صلاتهم يحافظون) ال: على مواقيتها، فقالوا: ما كنا ~~نرى ذلك يا أبا عبد الرحمن، إلا الترك . قال: تركها كفر . وروي من حديث ~~سعيد بن أبي مريم : (الذين هم عن صلاتهم ساهون) بتضييع ميقاتها. ~~وروي عن أبي ثور عن ابن جريج في قوله : (والذين هم على صلاتهم يحافظون ) التوبة، ~~والتي في سأل سائل : التطوع. وهذا قول ضعيف. # وأما القدر المشروع للإمام: فهي صلاة رسول الله له صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح ~~البخاري عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث أنه قال : «إذا حضرت الصلاة فليؤذن ~~لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم، ثم صلوا كما رأيتموني أصلي # وأما القيام: ففي صحيح مسلم ms0499 عن جابر بن سمرة : أن النبي صلى الله عليه ولم ان يقرأ ~~في الفجر ب(ف والقرءان المجي) ونحوها، وكانت صلاته بعد إلى ~~تخفيف أي يجعل صلاته بعد الفجر خفيفة، كما في صحيح مسلم أيضا عنه قال : ~~كان رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم قرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحو ذلك، وفي ~~الصبح أطول من ذلك»3 . # وفي الصحيحين عن أبي برزة الأسلمي قال : «كان رسول الله ل صلى الله عليه وسلم بصلي الهجير - ~~التي تدعونها الأولى - لحين تدحض الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في ~~أقصى المدينة والشمس حية - قال الراوي: ونسيت ما قال في المغرب - وكان يستحب أن ~~يؤخر العشاء، التي تدعونها العتمة. وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل ~~من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة . PageV01P455 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0456.png) # وعن أبي سميد الخدري رضي الله عنه قال : لحزرنا قيام رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم في ~~الظهر والعصر. فحزرنا قيامه في الركعتين الأولتين من الظهر: قدر ثلاثين آية، قدر «آلم ~~السجدة . وحزرنا قيامه في الأولتين من العصر على قدر الأخرتين من الظهر . وحزرنا ~~قيامه في الأخرتين من العصر على النصف من ذلك. رواه مسلم وأبو داود والنسائي. # وفي الصحيحين وغيرهما عن جابر بن سمرة قال: قال عمر لسعد بن ~~أبي وقاص : لقد شكاك الناس في كل شيء حتى في الصلاة؛ قال : أما أنا فأمد في ~~الأوليين وأحذف في الأخريين . ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ال : ~~ذاك الظن بك يا أبا إسحاق»2. # وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : لقد كانت صلاة ~~الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي ~~ورسول الله ل صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطيلها # وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي وائل قال: خطبنا عمار بن ياسر يوما، فأوجز ~~وأبلغ، فقلنا : يا أبا اليقظان: لقد ms0500 أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست. فقال: إني ~~سمعت رسول هاله صلى الله عليه وسلم قول : (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه. ~~فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، إن من البيان سحرا. # وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : لاكنت أصلي مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات . فكانت صلاته قصدا أي وسطا. # وفعله الذي سنه لأمته هو من التخفيف الذي أمر به الأئمة؛ إذ التخفيف من ~~الأمور الإضافية. فالمرجع في مقداره إلى السنة. وذلك كما خرجاه في الصحيحين ~~عن جابر رضي الله عنه، قال : كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرجع فيؤمنا - ~~وقال مرة : ثم يرجع فيصلي بقومه - فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال مرة : العشاء؛ فصلى ~~معاذ مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء يؤم قومه - فقرأ البقرة. فاعتزل رجل من القوم فصلى. ~~فقيل : نافقت . فقال : ما نافقت. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : إن معاذا يصلي معك، ثم ~~يرجع فيؤمنا يا رسول الله إنما نحن أصحاب نواضح ونعمل بأيدينا، وإنه جاء يؤمنا، ~~فقرأ سورة البقرة، فقال : «أفتان أنت يا معاذ? اقرأ بكذا، اقرأ بكذا قال PageV01P456 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0457.png) ~~أبو الزبير : (سبح آسر ربك الأعل ) (واليل إذا يغثى ) . وفي رواية ~~للبخاري عن جابر رضي الله عنه قال : لأقبل رجلين بناضحين، وقد جنح الليل، ~~فوافق معاذا يصلي - وذكر نحوه، فقال في آخره: فلولا صليت بسبح اسم ربك ~~الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى. فإنه يصلي وراءك الضعيف والكبير ~~وذو الحاجة . # وفي الصحيحين عن أبي مسعود رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم قال : إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما يطيل بنا، فما ~~رأيت رسول الله غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ . قال : «أيها الناس، إن ~~منكم منفرين. فأيكم أم الناس فليوجز. فإن وراءه الكبير والضعيف وذا الحاجة. ~~وفي رواية : فإن فيهم الضعيف والكبير وفي رواية : فليخفف، فإن ms0501 فيهم المريض ~~والضعيف وذا الحاجة»(2). # وفي صحيح البخاري من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : لإني لأقوم ~~إلى الصلاة، وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز، كراهية أن أشق ~~على أمه»3 . # وأما لمقدار بقية الأركان مع القيام : فقد أخرجا في الصحيحين عن شريك بن ~~عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : «ما صليت وراء إمام قط ~~أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم : وفي رواية عن شريك عنه : « وإن كان ~~ليسمع بكاء الصبي فيخفف، مخافة أن تفتتن أمه. # وأخرجا فيهما من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم وجز الصلاة ويكملها وفي لفظ: «يوجز ~~الصلاة ويتم»(5). # وأخرجا أيضا عن أبي قتادة عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ال : لإني ~~لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز من صلاتي، مما ~~أعلم من شدة وجد أمه من بكائه»6) رواه مسلم من حديث ثابت عن أنس PageV01P457 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0458.png) ~~رضي الله عنه قال : «كان رسول الله لاه صلى الله عليه وسلم سمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في ~~الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة، أو بالسورة القصيرة # وروى مسلم أيضا عن أنس رضي الله عنه قال : «ما صليت خلف أحد أوجز ~~صلاة ولا أتم من رسول اله اله صلى الله عليه وسلم، وكانت صلاته متقاربة، وصلاة أبي بكر متقاربة. ~~فلما كان عمر رضي الله عنه مد في صلاة الصبح # وعن قتادة عن أنس رضى الله عنه : «أن رسول الله له صلى الله عليه وسل ان من أخف الناس ~~صلاة في تمام. # فقول أنس رضي الله عنه : «ما صليت وراء إمام قط أخف ولا أتم صلاة من ~~رسول الله يريد: أن صلى الله عليه وسلم ان أخف الأئمة صلاة، وأتم الأئمة صلاة. وهذا ~~لاعتدال صلاته وتناسبها . كما في اللفظ ms0502 الآخر : «وكانت صلاته معتدلة وفي اللفظ ~~الآخر : «وكانت صلاته متقاربة لتخفيف قيامها وقعودها، وتكون أتم صلاة لإطالة ~~ركوعها وسحودها، ولو أراد أن يكون نفس الفعل الواحد - كالقيام - هو أخف وهو ~~أتم لناقض ذلك . ولهذا بين التخفيف الذي كان يفعله إذا بكى الصبي. وهو قراءة ~~سورة قصيرة . وبين أن عمر بن الخطاب مد في صلاة الصبح، وإنما مد في القراءة، ~~فإن عمر رضي الله عنه كان يقرأ في الفجر بسورة يونس، وسورة هود، وسورة ~~يوسف . # والذي يبين ذلك: ما رواه أبو داود في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال : لما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الل صلى الله عليه وسلم في تمام، وكان ~~رسول ال صلى الله عليه وسلم ذإ قال : سمع الله لمن حمده قام حتى نقول : قد أوهم، ثم يكبر ~~ويسجد. وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول : قد أوهم كما أخرجا في ~~الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال : «إني لا آلو أصلي بكم كما ~~كان رسول الله له صلى الله عليه وسلم يصلي بنا قال ثابت : فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه، ~~كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل قد نسي» # وللبخاري من حديث شعبة عن ثابت قال: قال أنس رضي الله عنه - ينعت لنا PageV01P458 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0459.png) ~~صلاة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم: وكان يصلي فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول ~~القائل : قد نسي» # فهذه أحاديث أنس الصحيحة تصرح أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم اتي كان يوجزها ~~ويكملها، والتي كانت أخف الصلاة وأتمها ال صلى الله عليه وسلم كان يقوم فيها من الركوع حتى ~~يقول القائل : إنه قد نسي، ويقعد بين السجدتين حتى يقول القائل : قد نسي. وإذا كان ~~في هذا يفعل ذلك، فمن المعلوم باتفاق المسلمين والسنة المتواترة : أن الركوع ~~والسجود لا ينقصان عن هذين الاعتدالين، بل كثير من العلماء يقول : لا يشرع ~~ولا يجوز أن يجعل هذين ms0503 الاعتدالين بقدر الركوع والسجود، بل ينقصان عن الركوع ~~والسجود. # وفي الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم قال : «غلب على الكوفة رجل - ~~قد سماه زمن : ابن الأشعث، وسماه غندر في رواية : مطر بن ناجية - فأمر ~~أبا عبيدة بن عبد الله أن يصلي بالناس فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام ~~قدر ما أقول : اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من ~~شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ~~ذا الجد منك الجد . قال الحكم: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى . قال: ~~سمعت البراء بن عازب يقول : لكانت صلاة رسولل اله صلى الله عليه وسلم، قيامه وركوعه، وإذا ~~رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين: قريبا من السواء . قال شعبة: ~~فذكرته لعمرو بن مرة. فقال : لقد رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى فلم تكن صلاته ~~هكذا ولفظ مطر عن شعبة لكان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده وبين السجدتين، وإذا رفع ~~رأسه من الركوع - ما خلا القيام والقعود - قريبا من السواء وهو في الصحيح ~~والسنن من حديث هلال بن أبي حميد عن ابن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: ~~رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم، فوجدت قيامه، فركوعه، فاعتداله بعد ركوعه، ~~فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف: ~~قريبا من السواء»3. # ويشهد لهذا ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه أن رسول الله له صلى الله عليه وسلم ان يقول حين يرفع رأسه من الركوع : سمع الله PageV01P459 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0460.png) ~~بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ~~ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. # وقوله : أحق ما قال العبد هكذا هو في الحديث. وهو خبر مبتدأ محذوف. ~~وأما ما ذكره بعض المصنفين من الفقهاء والصوفية من قوله : «أحق ما قال العبد فهو ~~تحريف بلا ms0504 نزاع بين أهل العلم بالحديث والسنة، ليس له أصل في الأثر. ومعناه أيضا ~~فاسد . فإن العبد يقول الحق والباطل، وأما الرب سبحانه وتعالى فهو يقول الحق ~~ويهدي السبيل، كما قال تعالى : (فالحق والحق أقول) [ص : ،8]. # وأيضا، فليست الصلاة مبنية إلا على الثناء على الله عز وجل. # وروى مسلم وغيره عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~كان إذا رفع رأسه من الركوع قال : «اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء ~~الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد. أحق ~~ما قال العبد، وكلنا لك عبد. لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت. ولا ينفع ~~ذا الجد منك الجد»(2). # وروى مسلم وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله ل صلى الله عليه وسلم ~~رفع رأسه من الركوع يقول : سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء ~~السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد وفي رواية أخرى لمسلم ~~زاد بعد هذا أنه كان يقول : اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب ~~الأبيض من الدنس»). # فإن قيل : فإذا كانت هذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي اتفق الصحابة ~~رضي الله عنهم على نقلها عنه. وقد نقلها أهل الصحاح والسنن والمساند من هذه ~~الوجوه وغيرها، والصلاة عمود الدين، فكيف خفي ذلك على طائفة من فقهاء العراق ~~وغيرهم ، حتى لم يجعلوا الاعتدال من الركوع والقعود بين السجدتين من الأفعال ~~المقاربة للركوع والسجود، ولا استحبوا في ذلك ذكرا أكثر من التحميد بقول: ربنا ~~لك الحمد حتى إن بعض المتفقهة قال : إذا طال ذلك طولا كثيرا بطلت صلاته ? ! # قيل : سبب ذلك وغيره: أن الذي مضت به السنة أن الصلاة يصليها بالمسلمين PageV01P460 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0461.png) ~~الأمراء وولاة الحرب. فوالي الجهاد: كان هو أمير الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وخلفائه الراشدين وما بعد ذلك إلى أثناء دولة بني العباس . والخليفة هو الذي يصلي ~~بالناس ms0505 الصلوات الخمس والجمعة، لا يعرف المسلمون غير ذلك وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. ~~بما سيكون بعده من تغير الأمراء، حتى قال : «سيكون من بعدي أمراء يؤخرون ~~الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة فكان من ~~هؤلاء من يؤخرها عن وقتها حتى يضيع الوقت المشروع فيها، كما أن بعضهم كان ~~لا يتم التكبير، أي لا يجهر بالتكبير في انتقالات الركوع وغيره، ومنهم من لا يتم ~~الاعتدالين. وكان هذا يشيع في الناس فيربو في ذلك الصغير، ويهرم فيه الكبير، حتى ~~إن كثيرا من خاصة الناس لا يظن السنة إلا ذلك . فإذا جاء أمراء أحيوا السنة عرف ~~ذلك . كما رواه البخاري في صحيحه عن قتادة عن عكرمة قال : «صليت خلف شيخ ~~بمكة، فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة. فقلت لابن عباس : إنه لأحمق. فقال: ثكلتك ~~أمك، سنة أبي القاس صلى الله عليه وسلم. # وفي رواية أبي بشر عن عكرمة قال : «رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل ~~خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس فقال : أو ليس تلك صلاة ~~رسولاللهالاه صلى الله عليه وسلم، لا أم لك وهذا يعني به : أن ذلك الإمام كان يجهر بالتكبير. ~~فكان الأئمة الذين يصلي خلفهم عكرمة لا يفعلون ذلك، وابن عباس لم يكن إماما ~~حتى يعرف ذلك منه، فأنكر ذلك عكرمة حتى أخبره ابن عباس، وأما نفس التكبير فلم ~~يكن يشتبه أمره على أحد وهذا كما أن عامة الأئمة المتأخرين لا يجهرون بالتكبير، بل ~~يفعل ذلك المؤذن ونحوه فيظن أكثر الناس أن هذه هي السنة. ولا خلاف بين أهل ~~العلم أن هذه ليست هي السنة، بل هم متفقون على ما ثبت عندهم بالتواتر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أن المؤذن وغيره من المأمومين لا يجهرون بالتكبير دائما. كما أن بلالا لم ~~يكن يجهر بذلك خلف النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إذا احتيج إلى ذلك، لضعف صوت الإمام، ~~أو بعد المكان، فهذا قد احتجوا لجوازه بأن أبا بكر الصديق رضي الله ms0506 عنه كان يسمع ~~الناس التكبير خلف النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، حتى تنازع الفقهاء في جهر المأموم لغير ~~حاجة، هل يبطل صلاته أم لا؟ # ومثل ذلك ما أخرجاه في الصحيحين والسنن عن مطرف بن عبد الله بن ~~الشخير قال: صليت خلف علي بن أبي طالب أنا وعمران بن حصين، فكان إذا ~~سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر. فلما قضى الصلاة أخذ PageV01P461 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0462.png) ~~عمران بن حصين بيدي . فقال : قد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، او قال : لقد صلى ~~بنا صلاة محمدا صلى الله عليه وسلم ولهذا لما جهر بالتكبير سمعه عمران ومطرف، كما سمعه ~~غيرهما. # ومثل هذا ما في الصحيحين والسنن أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنه ~~كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها: يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يسجد، ~~ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس من الثنتين، يفعل ذلك في ~~كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف : والذي نفسي بيده، إني ~~لأقربكم شبها بصلاة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم،إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا. # وهذا كان يفعله أبو هريرة رضي الله عنه لما كان أميرا على المدينة فإن معاوية ~~كان يعاقب بينه وبين مروان بن الحكم في إمارة المدينة، فيولي هذا تارة ويولي هذا ~~تارة. وكان مروان يستخلف، وكان أبو هريرة يصلي بهم بما هو أشبه بصلاة ~~رسول الله ل صلى الله عليه ولم من صلاة مروان وغيره من أمراء المدينة. # وقوله : في المكتوبة وغيرها يعني : ما كان من النوافل، مثل قيام رمضان. ~~كما أخرجه البخاري من حديث الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ~~وأبي سلمة : «أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة ~~وغيرها في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ويكبر حين يركع، ثم يقول : سمع الله ~~لمن حمده، ثم يقول : ربنا لك الحمد وذكر ms0507 نحوه. # وكان الناس قد اعتادوا ما يفعله غيره، فلم يعرفوا ذلك حتى سألوه. كما رواه ~~مسلم من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة: «أن أبا هريرة رضي الله عنه ~~كان يكبر في الصلاة كلما رفع ووضع. فقلت: يا أبا هريرة، ما هذا التكبير? قال: ~~إنها لصلاة رسول اللال ال لي. وهذا كله معناه جهر الإمام بالتكبير. ولهذا كانوا ~~يسمونه إتمام التكبير لما فيه من إتمامه برفع الصوت، وفعله في كل خفض ورفع. # يبين ذلك : أن البخاري ذكر في (باب التكبير عند النهوض من الركعتين) قال: ~~وكان ابن الزبير يكبر في نهضته، ثم روى البخاري من حديث فليح بن سليمان عن ~~سعيد بن الحارث . قال : «صلى لنا أبو سعيد، فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من ~~السجود، وحين سجد وحين رفع، وحين قام من الركعتين. وقال: هكذا رأيت PageV01P462 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0463.png) ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم ثم أردفه البخاري بحديث مطرف : قال : صليت أنا وعمران بن ~~حصين خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع كبر، ~~وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما سلم أخذ عمران بن حصين بيدي . فقال : لقد ~~صلى بنا هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، أو قال : لقد ذكرني هذا صلاة محمدا صلى الله عليه وسلم # فهذا يبين أن الكلام إنما هو في الجهر بالتكبير. وأما أصل التكبير، فلم يكن ~~مما يخفى على أحد . وليس هذا أيضا مما يجهل هل يفعله الإمام أم لا يفعله? ~~فلا يصح لهم نفيه عن الأئمة. كما لا يصح نفي القراءة في صلاة المخافتة، ونفي ~~لتسبيح في الركوع والسجود، ونفي القراءة في الركعتين الأخرتين ونحو ذلك. # ولهذا استدل بعض من كان لا يتم التكبير، ولا يجهر به. بما روى عن ~~سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه : أنه صلى مع رسولها لصل صلى الله عليه وسلم، وكان لا يتم ~~التكبير رواه أبو داود والبخاري في التاريخ الكبير. وقد حكى أبو داود الطيالسي ~~أنه ms0508 قال : هذا عندنا باطل . وهذا إن كان محفوظا فلعل ابن أبزى صلى خلف النبيصلى الله عليه وسلم. ~~في مؤخر المسجد . وكان النبي صلى الله عليه وسلم صوته ضعيفا، فلم يسمع تكبيره، فاعتقد أنه لم ~~يتم التكبير، وإلا فالأحاديث المتواترة عنه بخلاف ذلك . فلو خالفها كان شاذا ~~لا يلتفت إليه، ومع هذا فإن كثيرا من الفقهاء المتأخرين يعتقدون أن إتمام التكبير هو ~~نفس فعله ولو سرآ، وأن علي بن أبي طالب وأبا هريرة وغيرهما من الأئمة إنما أفادوا ~~الناس نفس فعل التكبير في الانتقالات . ولازم هذا : أن عامة المسلمين ما كانوا ~~يعرفون أن الصلاة لا يكبر في خفضها ولا رفعها. # وهذا غلط بلا ريب ولا نزاع بين من يعرف كيف كانت الأحوال ولو كان المراد ~~التكبير سرآ، لم يصح نفي ذلك ولا إثباته. فإن المأموم لا يعرف ذلك من إمامه، ~~ولا يسمى ترك التكبير بالكلية تركا، لأن الأئمة كانوا يكبرون عند الافتتاح دون ~~الانتقالات، وليس كذلك السنة . بل الأحاديث المروية تبين أن رفع الإمام وخفضه ~~كان في جميعها التكبير. وقد قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل: ~~ما الذي نقصوا من التكبير ? قال : إذا انحط إلى السجود من الركوع وإذا أراد أن يسجد ~~السجدة الثانية من كل ركعة . # فقد بين الإمام أحمد أن الأئمة لم يكونوا يتمون التكبير. بل نقصوا التكبير في ~~الخفض من القيام ومن القعود وهو كذلك - والله أعلم - لأن الخفض يشاهد PageV01P463 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0464.png) ~~بالأبصار، فظنوا لذلك أن المأموم لا يحتاج إلى أن يسمع تكبيرة الإمام، لأنه يرى ~~ركوعه ويرى سجوده ؛ بخلاف الرفع من الركوع والسجود . فإن المأموم لا يرى ~~الإمام، فيحتاج أن يعلم رفعه بتكبيره. # ويدل على صحة ما قاله أحمد، من حديث ابن أبزى، أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه سلم. ~~فلم يتم التكبير. وكان لا يكبر إذا خفض. هكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن ~~الحسن بن عمران عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه. # وقد ظن أبو عمر بن عبد ms0509 البر - كما ظن غيره - أن هؤلاء السلف ما كانوا ~~يكبرون في الخفض والرفع . وجعل ذلك حجة على أنه ليس بواجب، لأنهم لا يقرون ~~الأمة على ترك واجب، حتى إنه قد روى عن ابن عمر : لأنه كان يكبر إذا صلى وحده ~~في الفرض، وأما التطوع فلا قال أبو عمر : لا يحكي أحمد عن ابن عمر إلا ما صح ~~عنده إن شاء الله . # قال : وأما رواية مالك عن نافع عن ابن عمر : «أنه كان يكبر في الصلاة كلما ~~خفض ورفع فيدل ظاهرها على أنه كذلك كان يفعل إماما وغير إمام. # قلت : ما روى مالك لا ريب فيه. والذين ذكره أحمد لا يخالف ذلك، ولكن ~~غلط ابن عبد البر فيما فهم من كلام أحمد . فإن كلامه إنما كان في التكبير دبر الصلاة ~~أيام العيد الأكبر، لم يكن التكبير في الصلاة، ولهذا فرق أحمد بين الفرض والنفل، ~~فقال : أحب إلي أن يكبر في الفرض دون النفل. ولم يكن أحمد ولا غيره يفرقون في ~~تكبير الصلاة بين الفرض والنفل، بل ظاهر مذهبه: أن تكبير الصلاة واجب في النفل، ~~كما أنه واجب في الفرض. وإن قيل: هو سنة في الفرض قيل: هو سنة في النفل. ~~فأما التفريق بينهما فليس قولا له ولا لغيره. # وأما الذي ذكره عن ابن عمر في تكبيره دبر الصلاة إذا كان منفردا، فهو مشهور ~~عنه . وهي مسألة نزاع بين العلماء مشهورة . وقد قال ابن عبد البر، لما ذكر حديث ~~أبي سلمة : «أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يصلي لهم، فيكبر كلما خفض ورفع، ~~فلما انصرف، قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله صله صلى الله عليه وسلما فقال ابن عبد البر: ~~إن الناس لم يكونوا كلهم يفعلون ذلك، ويدل عليه ما رواه ابن أبي ذئب في موطثآه ~~عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ثلاث كان ~~رسول الله صل صلى الله عليه وسلم فعلهن، وتركهن آلناس، كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا، وكان ~~يقف ms0510 قبل القراءة هنيهة يسأل الله من فضله، وكان يكبر كلما رفع وخفض قلت: PageV01P464 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0465.png) ~~هذه الثلاثة تركها طائفة من الأئمة والفقهاء ممن لا يرفع اليدين ولا يوجب التكبير، ~~ومن لا يستحب الاستفتاح والاستعاذة، ومن لا يجهر من الأئمة بتكبير الانتقال. # قال : وقد قال قوم من أهل العلم: إن التكبير إنما هو إيذان بحركات الإمام ~~وشعار للصلاة، وليس بسنة إلا في الجماعة. أما من صلى وحده فلا بأس عليه أن ~~لا يكبر. ولهذا ذكر مالك هذا الحديث وحديث ابن شهاب عن علي بن حسين قال : ~~كان رسول الله صله صلى الله عليه وسلم، يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى ~~لقي الله عز وجل» . وحديث ابن عمر وجابر رضي الله عنهم : «أنهما كانا يكبران ~~كلما خفضا ورفعا في الصلاة. فكان جابر يعلمهم ذلك قال: فذكر مالك هذه ~~الأحاديث كلها ليبين لك أن التكبير من سنن الصلاة. # قلت : ما ذكره مالك، فكما ذكره، وأما ما ذكره ابن عبد البر من الخلاف، فلم ~~أجده ذكر لذلك أصلا، إلا ما ذكره أحمد عن علماء المسلمين، أن التكبير مشروع في ~~الصلوات، وإنما ذكر ذلك مالك وغيره - والله أعلم - لأجل ما كره من فعل الأئمة ~~الذين كانوا لا يتمون التكبير. وقد قال ابن عبد البر: روى ابن وهب أخبرني ~~عياض بن عبد الله الفهري، أن عبد الله بن عمر كان يقول : لكل شيء زينة، وزينة ~~الصلاة التكبير ورفع الأيدي فيها وإذا كان ابن عمر يقول ذلك، فكيف يظن به أنه ~~لا يكبر إذا صلى وحده? هذا لا يظنه عاقل بابن عمر. # قال ابن عبد البر : وقد روي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وقتادة ~~وغيرهم : لأنهم كانوا لا يتمون التكبير وذكر ذلك أيضا عن القاسم وسالم وسعيد بن ~~جبير. وروي عن أبي سلمة، عن أبي هريرة : أنه كان يكبر هذا التكبير. ويقول: ~~إنها لصلاة رسول الله له صلى الله عليه وسلم . قال : وهذا يدل على أن التكبير في كل ms0511 خفض ~~ورفع : كان الناس قد تركوه، وفي ترك الناس له من غير نكير من واحد منهم، ما يدل ~~على أن الأمر محمول عندهم على الإباحة. # قلت : لا يمكن أن يعلم إلا ترك الجهر به. فأما ترك الإمام التكبير سرآ، ~~فلا يجوز أن يدعي تركه، إن لم يصل الإمام إلى فعله فهذا لم يقله أحد من الأئمة، ~~ولم يقل أحد أنهم كانوا يتركون في كل خفض ورفع، بل قالوا: كانوا لا يتمونه. ~~ومعنى لا يتمونه لا ينقصونه، ونقصه: عدم فعله في حال الخفض كما تقدم من ~~كلامه. وهو نقص بترك رفع الصوت به، أو نقص له بترك ذلك في بعض المواضع. # وقد روى ابن عبد البر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : «صليت خلف PageV01P465 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0466.png) ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فكلهم كان يكبر إذا رفع ~~رأسه وإذا خفض قال : وهذا معارض لما روي عن عمر : أنه كان لا يتم التكبير. ~~وروي عن سعيد بن عبد العزيز عن الزهري قال : قلت: لعمر بن عبد العزيز : لما ~~منعك أن تتم التكبير - وهذا عاملك عبد العزيز يتمه -? فقال : تلك صلاة الأول، وأبى ~~أن يقبل مني» . # قلت : وإنما خفي على عمر بن عبد العزيز وعلى هؤلاء الجهر بالتكبير كما خفي ~~ذلك على طوائف من أهل زماننا، وقبله ما ذكره [ابن] أبي شيبة، أخبرنا جرير عن ~~منصور عن إبراهيم . قال : ل«أول من نقص التكبير زياد. # قلت : زياد كان أميرا في زمن عمر، فيمكن أن يكون ذلك صحيحا. ويكون ~~زياد قد سن ذلك حين تركه غيره. وروي عن الأسود بن يزيد عن أبي موسى ~~الأشعري قال : «لقد ذكرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله له صلى الله عليه وسلم،:إما نسيناها، ~~وإما تركناها عمدا، وكان يكبر كلما رفع وكلما وضع وكلما سجد. # ومعلوم أن الأمراء بالعراق الذين شاهدوا ما عليه أمراء البلد، وهم أئمة، ولم ~~يبلغهم خلاف ذلك عن رسو لله له صلى الله عليه ms0512 وسلم وأوا من شاهدوهم من أهل العلم والدين ~~لا يعرفون غير ذلك، فظنوا أن ذلك هو من أصل السنة. وحصل بذلك نقصان في ~~وقت الصلاة وفعلها. فاعتقدوا أن تأخير الصلاة أفضل من تقديمها؛ كما كان الأئمة ~~يفعلون ذلك . وكذلك عدم إتمام التكبير وغير ذلك من الأمور الناقصة عما كان عليه ~~رسول الله صله صلى الله عليه وسلم، حتى كان ابن مسعود يتأول في بعض الأمراء الذين كانوا على عهده، ~~أنهم من الخلف الذين قال الله تعالى فيهم: ( فلف من بعدم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا) فكان يقول : لكيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو ~~فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، إذا ترك فيها شيء، قيل: تركت السنة. فقيل: متى ~~ذلك يا أبا عبد الرحمن? فقال : ذلك إذا ذهب علماؤكم، وقلت فقهاؤكم، والتمست ~~الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين وكان عبد الله بن مسعود يقول أيضا : أنا من ~~غير الدجال أخوف عليكم من الدجال: أمور تكون من كبرائكم، فايما رجل أو امرأة ~~أدرك ذلك الزمان فالسمت الأول، فالسمت الأول. # ومن هذا الباب : أن عمر بن عبد العزيز لما تولى إمارة المدينة في خلافة ~~الوليد ابن عمه - وعمر هذا هو الذي بنى الحجرة النبوية إذ ذاك - صلى خلفه أنس بن ~~مالك رضي الله عنه . فقال ما رواه أبو داود والنسائي عن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه : «ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ل صلى الله علي وسلم ابه صلاة برسول الله صل صلى الله عليه وسلم. ~~من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، PageV01P466 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0467.png) ~~وفي سجوده عشر تسبيحات»1 وهذا كان في المدينة، مع أن أمراءها كانوا أكثر ~~محافظة على السنة من أمراء بقية الأمصار. فإن الأمصار كانت تساس برأي الملوك، ~~والمدينة إنما كانت تساس بسنة رسول الله له صلى الله عليه وسلم و نحو هذا، ولكن كانوا قد غيروا ~~أيضا بعض السنة. ومن اعتقد أن هذا كان في خلافة عمر بن ms0513 عبد العزيز فقد غلط، ~~فإن أنس بن مالك رضي الله عنه لم يدرك خلافة عمر بن عبد العزيز، بل مات قبل ~~ذلك بسنتين. # وهذا يوافق الحديث المشهور الذي في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن ~~عون بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله ال صلى الله عليه وسلم، : إذا ~~ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم - وذلك أدناه - وإذا سجد فليقل: ~~سبحان ربي الأعلى ثلاثا - وذلك أدناه»2 قال أبو داود: هذا مرسل، عون لم يدرك ~~عبد الله بن مسعود. وكذلك قال البخاري في تاريخه. وقال الترمذي : ليس إسناده ~~بمتصل، عون بن عبد الله لم يدرك ابن مسعود، عون هو من علماء الكوفة المشهورين، ~~وهو من أهل بيت عبد الله وقيل: إنما تلقاه من علماء أهل بيته. فلهذا تمسك الفقهاء بهذا ~~الحديث في التسبيحات لما له من الشواهد، حتى صاروا يقولون في الثلاث: إنها أدنى ~~الكمال أو أدنى الركوع. وذلك يدل على أن أعلاه أكثر من هذا. # فقول من يقول من الفقهاء: إن السنة للإمام أن يقتصر على ثلاث تسبيحات من ~~أصل الشافعي وأحمد رضي الله عنهما وغيرهم، هو من جنس قول من يقول : من ~~السنة أن لا يطيل الاعتدال بعد الركوع، أو أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، أو نحو ~~ذلك . فإن الذين قالوا هذا ليس معهم أصل يرجعون إليه من السنة أصلا، بل ~~الأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم، الثابتة في الصحاح والسنن والمساند وغيرها: ~~تبين أ صلى الله عليه وسلم ان يسبح في أغلب صلاته أكثر من ذلك، كما تقدم دلالة الأحاديث ~~عليه . ولكن هذا قالوه لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : إذا أم أحدكم الناس فليخفف، ~~وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء ولم يعرفوا مقدار التطويل، ولا علموا التطويل ~~الذي نهى عنه لما قال لمعاذ : أفتان أنت يا معاذ?») فجعلوا هذا برأيهم قدرا ~~للمستحب، ومن المعلوم أن مقدار الصلاة - واجبها ومستحبها - لا ms0514 يرجع فيه إلى غير PageV01P467 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0468.png) ~~السنة فإن هذا من العلم الذي لم يكله الله ورسوله إلى آراء العباد. إذ النبي صلى الله عليه وسلم ان ~~يصلي بالمسلمين في كل يوم خمس صلوات، وكذلك خلفاؤه الراشدون الذي أمرنا ~~بالاقتداء بهم فيجب البحث عما سنه رسول الله هله صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي أن يوضع فيه حكم ~~بالرأي، وإنما يكون اجتهاد الرأي فيما لم تمض به سنة عن رسول الله له صلى الله عليه وسلم، لا يجوز ~~أن يعمد إلى شيء مضت به سنة فيرد بالرأي والقياس. # ومما يبين هذا : أن التخفيف أمر نسبي إضافي، ليس له حد في اللغة ولا في ~~العرف؛ إذ قد يستطيل هؤلاء ما يستخفه هؤلاء ويستخف هؤلاء ما يستطيله هؤلاء، ~~فهو أمر يختلف باختلاف عادات الناس ومقادير العبادات، ولا في كل من العبادات ~~التي ليست شرعية . # فعلم أن الواجب على المسلم : أن يرجع في مقدار التخفيف والتطويل إلى ~~السنة، وبهذا يتبين أن أمال صلى الله عليه وسلم التخفيف لا ينافي أمره بالتطويل أيضا. في حديث ~~عمار الذي في الصحيح لما قال : إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، ~~فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة وهناك أمرهم بالتخفيف ولا منافاة بينهما. فإن ~~الإطالة هنا بالنسبة إلى الخطبة، والتخفيف هناك بالنسبة إلى ما فعل بعض الأئمة في ~~زمانه من قراءة البقرة في العشاء الآخرة. ولهذا قال : «فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ~~ما شاء» . # فبين أن المنفرد ليس لطول صلاته حد تكون به الصلاة خفيفة، بخلاف الإمام؛ ~~لأجل مراعاة المأمومين. فإن خلفه السقيم والكبير وذو الحاجة؛ ولهذا مضت السنة ~~بتخفيفها عن الإطالة إذا عرض للمأمومين أو بعضهم عارض. كما قال صلى الله عليه وسلم،: إني ~~لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي، فأخفف لما أعلم من وجد ~~أمه . وبذلك علل النبي صلى الله عليه وسلم فيما تقدم من حديث ابن مسعود. # وكذلك في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ms0515 ال : لاإذا ~~صلى أحدكم بالناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة. وإذا صلى ~~لنفسه فليطول ما شاء . وفي وراية : «فإن فيهم السقيم والشيخ الكبير وذا ~~الحاجة »(3) # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرها أحيانا عما كان يفعل غالبا. كما روى مسلم في ~~صحيحه عن عمرو بن حريث رضي الله عنه قال : كأني أسمع صوت النبي صى الله عليه وسلم فيا ~~في صلاة الغداة (فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنن)،. PageV01P468 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0469.png) # وروي أنه قرأ في صلاة الفجر في بعض أسفاره الزلزلة. وكان يطول أحيانا، ~~حتى ثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما : لأن أم الفضل بنت الحارث ~~سمعته وهو يقرأ : (والمرسلات عرفا) فقالت : يا بني ، لقد أذكرتني ~~بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الل صلى الله عليه وسلم قرأ بها في ~~المغرب . # وفي الصحيحين عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أنه قال : سمعت ~~رسول الله ل لى الله عليه وسلم قرأ بالطور في المغرب. # وفي البخاري والسنن عن مروان بن الحكم قال : قال لي زيد بن ثابت : ما لك ~~تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله صله صلى الله عليه وسلم قفرأ في المغرب بطولي ~~الطوليين ? قال قلت : ما طولي الطوليين? قال : الأعراف»3 . # فهذه الأحاديث من أصح الأحاديث. وقد ثبت فيها أنه كان يقرأ في المغرب تارة ~~بالأعراف وتارة بالطور، وتارة بالمرسلات، مع اتفاق الفقهاء على أن القراءة في ~~المغرب سنتها أن تكون أقصر من القراءة في الفجر. فكيف تكون القراءة في الفجر ~~وغيرها? # ومن هذا الباب ما روى وكيع عن منصور عن إبراهيم النخعي قال : (كان ~~أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود يطيل القيام بقدر الركوع فكانوا يعيبون ذلك عليه. ~~قال أبو محمد بن حزم : العيب على من عاب عمل رسولل اله صلى الله عليه وسلم وعول على من ~~لا حجة فيه. # قلت: قد تقدم فعل أبي عبيدة الذي في الصحيح وموافقته لفعل ~~رسول اللهال صلى الله عليه ms0516 وسلم، وهؤلاء الذين عابوا عليه كانوا من أهل الكوفة الذين في زمن ~~الحجاج وفتنة ابن الأشعث، لم يكونوا من الصحابة، ولا عرف أنهم من أعيان ~~التابعين. وإن كان قد يكون فيهم من أدرك ابن مسعود، فابن ابن مسعود لم يكن هو ~~الإمام الراتب في زمنه، بل الإمام الراتب كان غيره، وابن ابن مسعود أقرب إلى متابعة ~~أبيه من هؤلاء المجهولين. # فهؤلاء الذين أنكروا على أبي عبيدة إنما أنكروا عليه لمخالفته العادة التي ~~اعتادوها وإن خالفت السنة النبوية . ولكن ليس هذا الإنكار من الفقهاء. # يبين ذلك أن أجل فقيه اخذ عنه إبراهيم النخعي هو علقمة، وتوفي قبل فتنة ابن PageV01P469 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0470.png) ~~الأشعث التي صلى فيها أبو عبيدة بن عبد الله. فإن علقمة توفي سنة إحدى - أو ~~اثنتين - وستين في أوائل إمارة يزيد، وفتنة ابن الأشعث كانت في إمارة عبد الملك. ~~وكذلك مسروق. قيل : إنه توفي قبل السبعين أيضا. وقيل فيهما كما قيل في مسروق ~~ونحوه . # فتبين أن أكابر الفقهاء من أصحاب عبد الله بن مسعود لم يكونوا هم الذين ~~أنكروا ذلك ، مع أن من الناس إذا سمع هذا الإطلاق صرفه إلى إبراهيم النخعي. وقد ~~عرفت أن المشهور أن علقمة يظن أن إبراهيم وأمثاله أنكروا ذلك. وهم رأوا ذلك. ~~وهم أخذوا العلم عن عبد الله ونحوه. فقد تبين أن الأمر ليس كذلك. # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن رجل لا يطمئن في صلاته? # فأجاب : الطمأنينة في الصلاة واجبة، وتاركها مسيء، باتفاق الأئمة بل جمهور ~~أئمة الإسلام : كمالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف صاحب ~~أبي حنيفة، وأبو حنيفة، ومحمد، لا يخالفون في أن تارك ذلك مسيء غير محسن، ~~بل هو آثم عاص، تارك للواجب. # وغيرهم يوجبون الإعادة على من ترك الطمأنينة. ودليل وجوب الإعادة ما في ~~الصحيحين : أن رجلا صلى في المسجد ركعتين، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ارجع فصل، فإنك لم تصل، مرتين أو ثلاثا - فقال : والذي بعثك بالحق، ~~ما أحسن ms0517 غير هذا. فعلمني ما يجزئني في صلاتي، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ~~ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ~~ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك ~~كلها فهذا كان رجلا جاهلا، ومع هذا فأمره الني صلى الله علي وسلم يعيد الصلاة، وأخبره أنه لم ~~يصل، فتبين بذلك أن من ترك الطمأنينة فقد أخبر الله ورسوله أنه لم يصل، فقد أمره الله ~~ورسوله بالإعادة . ومن يعص الله ورسوله فله عذاب أليم. # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم ال : لا يقبل الله صلاة رجل لا يقيم صلبه في ~~الركوع والسجود . يعني يقيم صلبه : إذا رفع من الركوع، وإذا رفع من السجود. # وفي الصحيح : «أن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - رأى رجلا لا يقيم ~~صلبه في الركوع والسجود، فقال: منذ كم تصلي هذه الصلاة? قال: منذ كذا وكذا، ~~فقال: أما إنك لو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمد صلى الله عليه وسل. # وقد روى هذا المعنى ابن خزيمة في صحيحه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قال PageV01P470 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0471.png) ~~لمن نقر في الصلاة : «أما إنك لو مت على هذا مت على غير الفطرة التي فطر الله ~~عليها محمدا صلى الله عليه وسل1 أو نحو هذا. وقال : «مثل الذي يصلي ولا يتم ركوعه ~~وسجوده، مثل الذي يأكل لقمة أو لقمتين، فما تغني عنه. # وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم آ قال : تلك صلاة المنافق، تلك صلاة ~~المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله ~~فيها إلا قليلا وقد كتبنا في ذلك من دلائل الكتاب والسنة في غير هذا الموضع، ~~ما يطول ذكره هنا، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عمن يحصل له الحضور في الصلاة تارة، ويحصل له ~~الوسواس تارة، فما الذي يستعين به على دوام ms0518 الحضور في الصلاة? وهل تكون تلك ~~الوساوس مبطلة للصلاة ? أو منقصة لها أم لا? وفي قول عمر : إني لأجهز جيشي وأنا ~~في الصلاة . هل كان ذلك يشغله عن حاله في جمعيته أو لا? # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلا ~~باتفاق أهل العلم، بل ينقص الأجر، كما قال ابن عباس : ليس لك من صلاتك إلا ~~ما عقلت منها. # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : إن العبد لينصرف من صلاته، ولم يكتب له ~~منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها، إلا سبعها، إلا ثمنها، ~~إلا تسعها، إلا عشرها. # ويقال : أن النوافل شرعت لجبر النقص الحاصل في الفرائض، كما في السنن ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة، فإن أكملها، ~~وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع ~~بسائر أعماله . وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقا. # وأما الوسواس الذي يكون غالبا على الصلاة فقد قالت طائفة - منهم ~~أبو عبد الله بن حامد، وأبو حامد الغزالي - وغيرهما: إنه يوجب الإعادة أيضا، لما ~~أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : إذ أذن ~~المؤذن أدبر الشيطان، وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى التأذين أقبل، فإذا PageV01P471 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0472.png) ~~ثوب بالصلاة أدبر، فإذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، فيقول: ~~اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا ~~وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة ~~مع الوسواس مطلقا. ولم يفرق بين القليل والكثير. # ولا ريب أن الوسواس كلما قل في الصلاة كان أكمل، كما في الصحيحين من ~~حديث عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم آن قال : إن من توضأ نحو وضوئي هذا ms0519 ~~ثم صلى ركعتين لم يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه . وكذلك في ~~الصحيح أنه قال : من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بوجهه، ~~وقلبه غفر له ما تقدم من ذنبه»2 # وما زال في المصلين من هو كذلك، كما قال سعد بن معاذ - رضي الله عنه - : في ~~ثلاث خصال، لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن: كنت أنا أنا؛ إذا كنت في الصلاة ~~لا أحدث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله صله صلى الله عليه وسلم عديثا لا يقع في قلبي ~~ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أحدث نفسي بغير ما تقول، ويقال لها. وكان ~~مسلمة بن بشار يصلي في المسجد، فانهدم طائفة منه وقام الناس، وهو في الصلاة لم ~~يشعر. وكان عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - يسجد، فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ~~ثوبه، وهو في الصلاة لا يرفع رأسه. وقالوا لعامر بن عبد القيس: أتحدث نفسك بشيء ~~في الصلاة ? فقال : أو شيء أحب إلي من الصلاة أحدث به نفسي? قالوا: إنا لنحدث ~~نفسنا في الصلاة، فقال : أبالجنة والحور ونحو ذلك? فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، ~~فقال : لأن تختلف الأسنة في أحب إلي، وأمثال هذا متعدد. # والذين يعين على ذلك شيئان: قوة المقتضى، وضعف الشاغل. # أما الأول : فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله، ويتدبر القراءة والذكر ~~والدعاء، ويستحضر أنه مناج لله تعالى، كأنه يراه، فإن المصلي إذا كان قائما فإنما ~~يناجي ربه . والإحسان : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم كلما ~~ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد، وهذا يكون بحسب قوة الإيمان. ~~والأسباب المقوية للإيمان كثيرة؛ ولهذا كان النبي صى الله عليه وسلم قول : لاحبب إلي من دنياكم: ~~النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة. وفي حديث آخر أنه قال: PageV01P472 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0473.png) ~~أرحنا يا بلال بالصلاة ولم يقل : أرحنا منها . وفي أثر آخر : «ليس بمستكمل ~~للإيمان من لم يزل ms0520 مهموما حتى يقوم إلى الصلاة أو كلام يقارب هذا. وهذا باب ~~واسع. # فإن ما في القلب من معرفة الله ومحبته وخشيته، وإخلاص الدين له، وخوفه ~~ورجائه، والتصديق بأخباره، وغير ذلك، مما يتباين الناس فيه، ويتفاضلون تفاضلا ~~عظيما، ويقوى ذلك كلما ازداد العبد تدبرا للقرآن، وفهما، ومعرفة بأسماء الله ~~وصفاته وعظمته، وتفقره إليه في عبادته واشتغاله به، بحيث يجد اضطراره إلى أن ~~يكون تعالى معبوده ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب، فإنه لا صلاح ~~له إلا بأن يكون الله هو معبوده الذي يطمئن إليه، ويأنس به، ويلتذ بذكره، ويستريح ~~به، ولا حصول لهذا إلا بإعانة الله، ومتى كان للقلب إله غير الله فسد وهلك هلاكا ~~لا صلاح معه، ومتى لم يعنه الله على ذلك لم يصلحه، ولا حول ولا قوة إلا به، ~~ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه. # ولهذا يروى : أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، جمع علمها في الكتب ~~الأربعة، وجمع الكتب الأربعة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصل، وجمع ~~علم المفصل في فاتحة الكتاب، وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله : (إياك نعبد ~~وإياك نستعين) ، ونظير ذلك قوله : (فاعبده وتوكل عليه)ود: ~~وقوله : (عليه توكلت وإليه متاب) وقوله : (ومن يتق الله يجعل له ~~مخربا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه)،3 وقد قال ~~تعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله. ~~وبسط هذا طويل لا يحتمله هذا الموضع. # وأما زوال العارض؛ فهو الاجتهاد في دفع ما يشغل القلب من تفكر الإنسان فيما ~~لا يعنيه، وتدبر الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة، وهذا في كل عبد ~~بحسبه، فإن كثرة الوسواس بحسب كثرة الشبهات والشهوات، وتعليق القلب بالمحبوبات ~~التي ينصرف القلب إلى طلبها، والمكروهات التي ينصرف القلب إلى دفعها. # والوساوس : إما من قبيل الحب، من أن يخطر بالقلب ما قد كان أو من قبيل ~~الطلب، وهو أن ms0521 يخطر في القلب ما يريد أن يفعله. ومن الوساوس ما يكون من PageV01P473 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0474.png) ~~خواطر الكفر والنفاق، فيتألم لها قلب المؤمن تألما شديدا، كما قال الصحابة: يا ~~رسول الله! إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم ~~به، فقال : «أوجدتموه?! قالوا : نعم! قال : ذلك صريح الإيمان . وفي لفظ: ~~إن أحدنا ليجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به، فقال : الحمد لله الذي رد كيده إلى ~~الوسوسة»(2) . # قال كثير من العلماء : فكراهة ذلك وبغضه، وفرار القلب منه، هو صريح ~~الإيمان، والحمد لله الذي كان غاية كيد الشيطان الوسوسة، فإن شيطان الجن إذا ~~غلب وسوس، وشيطان الإنس إذا غلب كذب، والوسواس يعرض لكل من توجه إلى ~~الله تعالى بذكر أو غيره ، لا بد له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، ويلازم ~~ما هو فيه من الذكر والصلاة، ولا يضجر، فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد ~~الشيطان، (إن كيد الشيطن كان ضعيفا) . وكلما أراد العبد توجها إلى ~~الله تعالى بقلبه جاء من الوسواس أمور أخرى، فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، ~~كلما أراد العبد يسير إلى الله تعالى أراد قطع الطريق عليه؛ ولهذا قيل لبعض السلف: ~~إن اليهود والنصارى يقولون : لا نوسوس، فقال : صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت ~~الخراب . وتفاصيل ما يعرض للسالكين طويل موضعه. # وأما ما يروى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من قوله: إني لأجهز ~~جيشي، وأنا في الصلاة. فذاك لأن عمر كان مأمورا بالجهاد، وهو أمير المؤمنين، فهو ~~أمير الجهاد . فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلي الذي يصلي صلاة الخوف حال ~~معاينة العدو، إما حال القتال، وإما غير حال القتال، فهو مأمور بالصلاة، ومأمور بالجهاد ~~فعليه أن يؤدي الواجبين بحسب الإمكان. وقد قال تعالى : (يأيها الذين امنوا إذا لقيت ~~فنكة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم نفلحوب). # ومعلوم أن طمأنينة القلب حال الجهاد لا تكون كطمأنينته حال الأمن، فإذا قدر أنه ~~نقص من الصلاة شيء لأجل الجهاد لم يقدح هذا في ms0522 كمال إيمان العبد وطاعته، ولهذا ~~تخفف صلاة الخوف عن صلاة الأمن. ولما ذكر سبحانه وتعالى صلاة الخوف قال: ~~(فإذا اظمأننتم فأقيموا الصلوة إن الصلوة كانت على المزمنين كتابا موقوتا) ~~فالإقامة المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف. # ومع هذا : فالناس متفاوتون في ذلك، فإذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب ~~في الصلاة، مع تدبره للأمور بها، وعمر قد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وهو PageV01P474 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0475.png) ~~المحدث الملهم، فلا ينكر لمثله أن يكون له مع تدبيره جيشه في الصلاة من الحضور ~~ما ليس لغيره، لكن لا ريب أن حضوره مع عدم ذلك يكون أقوى، ولا ريب أن صلاة ~~رسول الله صله صلى الله عليه وسلم عال أمنه كانت أكمل من صلاته حال الخوف في الأفعال الظاهرة، فإذا ~~كان الله قد عفا حال الخوف عن بعض الواجبات الظاهرة، فكيف بالباطنة. # وبالجملة؛ فتفكر المصلي في الصلاة في أمر يجب عليه قد يضيق وقته ليس ~~كتفكره فيما ليس بواجب، أو فيما لم يضق وقته، وقد يكون عمر لم يمكنه التفكر في ~~تدبير الجيش إلا في تلك الحال، وهو إمام الأمة والواردات عليه كثيرة. ومثل هذا ~~يعرض لكل أحد بحسب مرتبته، والإنسان دائما يذكر في الصلاة ما لا يذكره خارج ~~الصلاة، ومن ذلك ما يكون من الشيطان، كما يذكر أن بعض السلف ذكر له رجل أنه ~~دفن مالا وقد نسي موضعه، فقال : قم فصل، فقام فصلى، فذكره، فقيل له : من أين ~~علمت ذلك? قال : علمت أن الشيطان لا يدعه في الصلاة حتى يذكره بما يشغله، ~~ولا أهم عنده من ذكر موضع الدفن . لكن العبد الكيس يجتهد في كمال الحضور، مع ~~كمال فعل بقية المأمور، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن النحنحة، والسعال، والنفخ، والأنين، وما أشبه ~~ذلك في الصلاة. فهل تبطل بذلك أم لا? وأي شيء الذي تبطل الصلاة به من هذا أو ~~غيره ? وفي أي مذهب? وأيش الدليل على ذلك? # فأجاب : الحمد لله ms0523 رب العالمين. الأصل في هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : لاإن ~~صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين»2) . وقال : «إن الله يحدث من ~~أمره ما يشاء، ومما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة قال زيد بن أرقم: فأمرنا ~~بالسكوت، ونهينا عن الكلام. وهذا مما اتفق عليه المسلمون. قال ابن المنذر: ~~وأجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدا وهو لا يريد إصلاح شيء من ~~أمرها أن صلاته فاسدة، والعامد من يعلم أنه في صلاة، وأن الكلام محرم. # قلت: وقد تنازع العلماء في الناسي والجاهل والمكره والمتكلم لمصلحة ~~الصلاة، وفي ذلك كله نزاع في مذهب أحمد وغيره من العلماء، إذا عرف ذلك ~~فاللفظ على ثلاث درجات. PageV01P475 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0476.png) # الثانية : أن يدل على معنى بالطبع كالتأوه، والأنين، والبكاء ونحو ذلك. # الثالثة : أن لا يدل على معنى لا بالطبع ولا بالوضع، كالنحنحة؛ فهذا القسم ~~كان أحمد يفعله في صلاته، وذكر أصحابه عنه روايتين في بطلان الصلاة بالنحنحة. ~~فإن قلنا : تبطل، ففعل ذلك لضرورة فوجهان . فصارت الأقوال فيها ثلاثة: # أحدها : أنها لا تبطل بحال، وهو قول أبي يوسف، وإحدى الروايتين عن ~~مالك؛ بل ظاهر مذهبه. # والثاني : تبطل بكل حال، وهو قول الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد ~~ومالك. # والثالث : إن فعله لعذر لم تبطل وإلا بطلت، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، ~~وغيرهما، وقالوا : إن فعله لتحسين الصوت وإصلاحه، لم تبطل، قالوا: لأن الحاجة ~~تدعو إلى ذلك كثيرا، فرخص فيه للحاجة . ومن أبطلها قال : إنه يتضمن حرفين، ~~وليس من جنس أذكار الصلاة، فأشبه القهقهة، والقول الأول أصح. وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما حرم التكلم في الصلاة، وقال : لإنه لا يصلح فيها شيء من كلام ~~الآدميين وأمثال ذلك من الألفاظ، التي تتناول الكلام. والنحنحة لا تدخل في مسمى ~~الكلام أصلا، فإنها لا تدخل بنفسها، ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى، ~~ولا يسمى فاعلها متكلما وإنما يفهم مراده بقرينة، فصارت كالإشارة. # وأما القهقهة ونحوها ففيها جوابان: ms0524 # أحدهما : أن تدل على معنى بالطبع. # والثاني : أنا لا نسلم أن تلك أبطلت لأجل كونها كلاما. يدل على ذلك أن ~~القهقهة تبطل بالإجماع، ذكره ابن المنذر. # وهذه الأنواع فيها نزاع، بل قد يقال : إن القهقهة فيها أصوات عالية تنافي حال ~~الصلاة، وتنافي الخشوع الواجب في الصلاة، فهي كالصوت العالي الممتد، الذي ~~لا حرف معه . وأيضا فإن فيها من الاستخفاف بالصلاة والتلاعب بها ما يناقض ~~مقصودها، فأبطلت لذلك لا لكونه متكلما. وبطلانها بمثل ذلك لا يحتاج إلى كونه ~~كلاما، وليس مجرد الصوت كلاما، وقد روي عن علي رضي الله عنه قال: كان لي ~~من رسول الله له صلى الله عليه وسلم دخلان بالليل والنهار، وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي يتنحنح ~~لي رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والنسائي بمعناه. PageV01P476 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0477.png) # وأما النوع الثاني: وهو ما يدل على المعنى طبعا لا وضعا فمنه النفخ وفيه عن ~~مالك وأحمد روايتان أيضا: # إحداهما : لا تبطل، وهو قول إبراهيم النخعي، وابن سيرين، وغيرهما من ~~السلف، وقول أبي يوسف وإسحاق. # والثانية : إنها تبطل، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد، والثوري والشافعي، وعلى ~~هذا فالمبطل فيه ما أبان حرفين. # وقد قيل عن أحمد: أن حكمه حكم الكلام، وإن لم يبن حرفين. واحتجوا لهذا ~~القول بما روي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أ قال : من نفخ في الصلاة فقد تكلم ~~رواه الخلال؛ لكن مثل هذا الحديث لا يصح مرفوعا، فلا يعتمد عليه، لكن حكى أحمد ~~هذا اللفظ عن ابن عباس، وفي لفظ عنه: النفخ في الصلاة كلام، رواه سعيد في سننه. # قالوا: ولأنه تضمن حرفين، وليس هذا من جنس أذكار الصلاة، فأشبه القهقهة، ~~والحجة مع القول، كما في النحنحة، والنزاع، كالنزاع، فإن هذا لا يسمى كلاما في ~~اللغة التي خاطبنا بها النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يتناوله عموم النهي عن الكلام في الصلاة، ولو ~~حلف لا يتكلم لم يحنث بهذه الأمور، ولو حلف ليتكلمن لم يبر بمثل هذه الأمور، ~~والكلام لا بد فيه ms0525 من لفظ دال على المعنى، دلالة وضعية، تعرف بالعقل، فأما مجرد ~~الأصوات الدلة على أحوال المصوتين، فهو دلالة طبعية حسية، فهو وإن شارك الكلام ~~المطلق في الدلالة فليس كل ما دل منهيا عنه في الصلاة، كالإشارة فإنها تدل وتقوم ~~مقام العبارة، بل تدل بقصد المشير، وهي تسمى كلاما، ومع هذا لا تبطل، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ان إذا سلموا عليه رد عليهم بالإشارة، فعلم أنه لم ينه عن كل ما يدل ~~ويفهم، وكذلك إذا قصد التنبيه بالقرآن والتسبيح جاز كما دلت عليه النصوص. # ومع هذا فلما كان مشروعا في الصلاة لم يبطل، فإذا كان قد قصد أفهام ~~المستمع ومع هذا لم تبطل، فكيف بما دل بالطبع، وهو لم يقصد به إفهام أحد، ~~ولكن المستمع يعلم منه حاله، كما يعلم ذلك من حركته، ومن سكوته، فإذا رآه ~~يرتعش أو يضطرب أو يدمع أو يبتسم علم حاله، وإنما امتاز هذا بأنه من نوع ~~الصوت، هذا لو لم يرد به سنة، فكيف وفي المسند عن المغيرة بن شعبة؛ أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ان في صلاة الكسوف، فجعل ينفخ، فلما انصرف قال : «إن النار أدنيت ~~مني حتى نفخت حرها عن وجهي» PageV01P477 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0478.png) # وفي المسند وسنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو: أن النبي في صلاة ~~كسوف الشمس نفخ في آخر سجوده، فقال : لأف أف أف، رب! ألم تعدني أن ~~لا تعذبهم وأنا فيهم? # وقد أجاب بعض أصحابنا عن هذا بأنه محمول على أنه فعله قبل تحريم الكلام، ~~أو فعله خوفا من الله، أو من النار. قالوا: فإن ذلك لا يبطل عندنا، نص عليه ~~أحمد. كالتأوه والأنين عنده، والجوابان ضعيفان: # أما الأول: فإن صلاة الكسوف كانت في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم وم مات ابنه ~~إبراهيم، وإبراهيم كان من مارية القبطية، ومارية أهداها له المقوقس، بعد أن أرسل ~~إليه المغيرة، وذلك بعد صلح الحديبية فإنه بعد الحديبية أرسل رسله إلى الملوك، ~~ومعلوم أن الكلام حرم قبل هذا ms0526 باتفاق المسلمين، لا سيما وقد أنكر جمهور العلماء ~~على من زعم أن قصة ذي اليدين كانت قبل تحريم الكلام؛ لأن أبا هريرة شهدها، ~~فكيف يجوز أن يقال بمثل هذا في صلاة الكسوف، بل قد قيل: الشمس كسفت بعد ~~حجة الوداع، قبل موته بقليل . # وأما كونه من الخشية : ففيه أنه نفخ حرها عن وجهه، وهذا نفخ لدفع ما يؤذي ~~من خارج، كما ينفخ الإنسان في المصباح ليطفئه، أو ينفخ في التراب. ونفخ الخشية ~~من نوع البكاء والأنين، وليس هذا ذاك. # وأما السعال والعطاس والتثاؤب والبكاء الذي يمكن دفعه والتأوه والأنين، فهذه ~~الأشياء هي كالنفخ . فإنها تدل على المعنى طبعا، وهي أولى بأن لا تبطل، فإن النفخ ~~اشبه بالكلام من هذه، إذ النفخ يشبه التأفيف كما قال: (فلا تقل لمما أف)ء: ~~23 لكن الذين ذكروا هذه الأمور من أصحاب أحمد كأبي الخطاب ومتبعيه، ذكروا ~~أنها تبطل، إذا أبان حرفين، ولم يذكروا خلافا. # ثم منهم من ذكر نصه في النحنحة، ومنهم من ذكر الرواية الأخرى عنه في ~~النفخ، فصار ذلك موهما أن النزاع في ذلك فقط، وليس كذلك، بل لا يجوز أن ~~يقال: إن هذه تبطل، والنفخ لا يبطل . وأبو يوسف يقول في التأوه والأنين : لا يبطل ~~مطلقا على أصله، وهو أصح الأقوال في هذه المسألة. # ومالك مع الاختلاف عنه في النحنحة والنفخ قال: الأنين لا يقطع صلاة ~~المريض، وأكرهه للصحيح. ولا ريب أن الأنين من غير حاجة مكروه، ولكنه لم يره ~~مبطلا. PageV01P478 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0479.png) # وأما الشافعي: فجرى على أصله الذي وافقه عليه كثير من متأخري أصحاب ~~أحمد، وهو أن ما أبان حرفين من هذه الأصوات كان كلاما مبطلا، وهو أشد الأقوال ~~في هذه المسألة، وأبعدها عن الحجة، فإن الإبطال إن أثبتوه بدخولها في مسمى ~~الكلام في لفظ رسول الله صله صلى الله عليه وسلم من المعلوم الضروري أن هذه لا تدخل في مسمى ~~الكلام وإن كان بالقياس لم يصح ذلك، فإن في الكلام يقصد المتكلم معاني يعبر عنها ~~بلفظه، وذلك يشغل المصلي. ms0527 كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن في الصلاة لشغلا وأما ~~هذه الأصوات فهي طبيعية كالتنفس. ومعلوم أنه لو زاد في التنفس على قدر الحاجة ~~لم تبطل صلاته، وإنما تفارق التنفس بأن فيها صوتا، وإبطال الصلاة بمجرد الصوت ~~إثبات حكم بلا أصل، ولا نظير. # وأيضا؛ فقد جاءت أحاديث بالنحنحة والنفخ كما تقدم، وأيضا فالصلاة صحيحة ~~بيقين، فلا يجوز إبطالها بالشك، ونحن لا نعلم أن العلة في تحريم الكلام، هو ~~ما يدعى من القدر المشترك، بل هذا إثبات حكم بالشك الذي لا دليل معه، وهذا ~~النزاع إذا فعل ذلك لغير خشية الله، فإن فعل ذلك لخشية الله فمذهب أحمد ~~وأبي حنيفة أن صلاته لا تبطل، ومذهب الشافعي أنها تبطل؛ لأنه كلام، والأول ~~أصح، فإن هذا إذا كان من خشية الله كان من جنس ذكر الله ودعائه، فإنه كلام ~~يقتضي الرهبة من الله والرغبة إليه، وهذا خوف الله في الصلاة، وقد مدح الله ~~إبراهيم بأنه أواه، وقد فسر بالذي يتأوه من خشية الله. ولو صرح بمعنى ذلك بأن ~~استجار من النار أو سأل الجنة لم تبطل صلاته بخلاف الأنين والتأوه في المرض ~~والمصيبة، فإنه لو صرح بمعناه كان كلاما مبطلا. # وفي الصحيحين أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم، إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ غلبه ~~البكاء، قال : مروه فليصل، إنكن لأنتن صواحب يوسف وكان عمر يسمع ~~نشيجه من وراء الصفوف لما قرا: ( إنما أشكوأ بثي وحزن إلى الله) سف: 86] ~~والنشيج: رفع الصوت بالبكاء، كما فسره أبو عبيد. وهذا محفوظ عن عمر، ذكره ~~مالك وأحمد، وغيرهما، وهذا النزاع فيما إذا لم يكن مغلوبا. # فأما ما يغلب عليه المصلي من عطاس وبكاء وتثاؤب، فالصحيح عند الجمهور ~~أنه لا يبطل، وهو منصوص أحمد وغيره، وقد قال بعض أصحابه: إنه يبطل، وإن ~~كان معذورا، كالناسي، وكلام الناسي فيه روايتان عن أحمد: # إحداهما: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يبطل. PageV01P479 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0480.png) # والثانية : وهو مذهب مالك والشافعي أنه لا يبطل، وهذا أظهر، وهذا أولى ms0528 من ~~الناسي، لأن هذه أمور معتادة لا يمكنه دفعها، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : التثاؤب ~~من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع # وأيضا فقد ثبت حديث الذي عطس في الصلاة وشمته معاوية بن الحكم ~~السلمي، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عاوية عن الكلام في الصلاة؛ ولم يقل للعاطس شيئا. ~~والقول بأن العطاس يبطل تكليف من الأقوال المحدثة التي لا أصل لها عن السلف ~~رضي الله عنهم. # وقد تبين أن هذه الأصوات الحلقية التي لا تدل بالوضع فيها نزاع في مذهب ~~أبي حنيفة ومالك وأحمد، وأن الأظهر فيها جميعا أنها لا تبطل فإن الأصوات من ~~جنس الحركات، وكما أن العمل اليسير لا يبطل، فالصوت اليسير لا يبطل، بخلاف ~~صوت القهقهة فإنه بمنزلة العمل اليسير وذلك ينافي الصلاة، بل القهقهة تنافي مقصود ~~الصلاة أكثر؛ ولهذا لا تجوز فيها بحال، بخلاف العمل الكثير، فإنه يرخص فيه ~~للضرورة، والله أعلم. PageV01P480 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0481.png) # 99 ~~المقدمة ............................... باب نواقض الوضوء ............... 9 ~~ترجمة المصنف ...................... 6 باب الغسل .......................7 ~~أولا: اسمه ونسبه ومولده ............6 # باب التيمم .............0000.0....24 ~~ثانيا : نشأته، وبداية حياته العلمية ....6 باب إزالة النجاسة ................3 ~~ثالثا: بعض الصفات التي «باب ما جاء في الفأرة تموت ~~اتصف بها في السمن ..................0..21 ~~أ- صفاته الخلقية «باب إذا وقعت الفأرة في السمن ~~ب - صفاته الخلقية ............ الجامد أو الذائب» ..............202 ~~رابعا : مواقفه الجهادية ............. 11 باب : إذا وقعت الفأرة في السمن ~~خامسا: محنته ووفاته - رحمه الله-13 الجامد أو الذائب ...............19 2 ~~سادسا : مكانته العلمية وثناء في مني الآدمي .................... 247 ~~العلماء عليه ..................... 16 باب الحيض ......................259 ~~سابعا: مؤلفاته وآثاره .............. 19 كتاب الصلاة ...................... 265 ~~ثامنا: شيوخه وتلاميذه ............. 22 باب الأذان والإقامة ...............286 # 286 ~~كتاب الطهارة ....................... 25 باب شروط الصلاة ...............90 ~~باب المياه ~~باب المياه ......................... 25 «قاعدة» في أعداد ركعات الصلوات ~~باب الآنية وأوقاتها، وما يدخل في ذلك ~~باب الاستنجاء ..................... 9: من جمع وقصر .................91 ~~باب السواك ~~باب السواك ....................... 50 # باب صفة الصلاة .................58 ~~باب الوضوء .......................4 (12 # باب الذكر بعد ms0529 الصلاة ............2 ~~باب المسح على الخفين ........... 6/ # باب ما يكره في الصلاة ...........429 PageV01P481 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0482.png) PageV01P482 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0483.png) PageV01P483 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0486.png) # قال الشيخ رحمه الله : # الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما. # والمهم منه أمور : منها مسائل الشك، ومنها محله، هل هو قبل السلام أو ~~بعده؟ ومنها وجوبه. # فنقول ولا حول ولا قوة إلا بالله : أما الشك ففيه عن النبي صلى الله عليه وسلمأحاديث ~~صحيحة، وهي كلها متفقة - ولله الحمد - وإنما تنازع الناس لكون بعضهم لم يفهم ~~مراده، ففي الصحيحين عن أبي هريرة : أن رسول الله له صلى الله عليه وسلم ال : إن أحدكم إذا قام ~~يصلي جاءه الشيطان، فلبس عليه، حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك، ~~فليسجد سجدتين، وهو جالس» # وفي الصحيحين أيضا عنه أن رسول الله له صلى الله عليه وسلم ال : إذا نودي بالصلاة أدبر ~~الشيطان له ضراط حتى لا يسمع الأذان، فإذا قضى الأذان أقبل، فإذا ثوب بها أدبر، ~~فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول : اذكر كذا، اذكر كذا، لما ~~لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا لم يدر أحدكم كم صلى ~~فليسجد سجدتين وهو جالس . وفي لفظ للبخاري : لافإذا لم يدر أحدكم كم صلى ~~ثلاثا أو أربعا فليسجد سجدتين وهو جالس وفي لفظ : لا يسجد سجدتي السهو ~~ففي هذا الحديث الصحيح الأمر بسجدتي السهو إذا لم يدر كم صلى، وهو يقتضي PageV01P486 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0487.png) ~~وجوب السجود، كقول الجمهور. وفيه، أنه سماها سجدتي السهر، فدل على أنهما ~~لا يشرعان إلا للسهو، كقول الجمهرر. # وقوله : فليسجد سجدتين وهو جالس مطلق لم يعين فيه لا قبل السلام، ~~ولا بعده، لكن أمر بهما قبل قيامه، ففي صحيح مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري ~~قال: ms0530 قال رسول الله له صلى الله عليه وسلم : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثأ، أم ~~أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن ~~كان صلى خمسا شفعتا له صلاته، وإن كان صلى تماما لأربع كانتا ترغيما ~~للشيطان . ففي هذا الحديث أنه إذا شك فلم يدر فليطرح الشك، وفيه الأمر ~~بسجدتين قبل السلام. وقوله : إذا شك هو موضع اختلاف فهم الناس. # منهم من فهم أن كل من لم يقطع فهو شاك، وإن كان أحد الجانبين راجحا ~~عنده، فجعلوا من غلب على ظنه وإن وافقه المأمومون شاكا، وأمروه أن يطرح ~~ما شك فيه، ويبني على ما استيقن، وقالوا: الأصل عدم ما شك فيه، فرجحوا ~~استصحاب الحال مطلقا، وإن قامت الشواهد والدلائل بخلافه، ولم يعتبروا التحري ~~بحال. # ومنهم : من فسر قول انبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر : «فليتحر أنه البناء على ~~اليقين . ومنهم طائقة قانوا : إن كان إماما فانمراد به الشك المتساوي، وإن كان منفردا ~~فائمراذ يه ما قانه أولث - # وقانت طئفة دلت: ير انمرات يانشث ما استوى فيه الطرفان، أو تقاربا، وأما إذا ~~ترجح احنهم قينه يعمر بلرجح . ومو نتحري، وعن الإمام أحمد ثلاث روايات ~~كلأقوز لخد- # وانو مرحسل لتغعي. وختيار كتير من أصحاب أحمد. # ولتتي تحه لحيتي وتي محمه وقت: بته نمشهور عن أحمد. # ولخلت تيه نق وتخت. وروي عن علي وابن معود ~~وقيهه يمرنهب مير حنفة يتعحب قيم بذ تكرر انسهو؛ قال أحمد قي روية ~~تيه: ت ييتير نيت. تد حسيث عيد نرحمن بن عوف فيقول: «پذالم ~~- ث مسير انت حعبت تين). قل: قهذا عمل على اليقين قبتى عليه، ~~واختي يتحت يكرذ فد حسي تكت. نيدخل قلبه شك أنه إنما صلى اثنتين إلا أن أكثر ~~ه في نفي انه قد صر تاتا، وته دخل تلبه شيء، فهذا يتحرى أصوب ذلك، ~~رسج بعد انسلام، قال : فيينهما فرق. PageV01P487 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0488.png) # قلت : حديث عبد الرحمن بن عوف الذي ذكره أحمد هو نظير ms0531 حديث ~~بي سعيد، وهو في السنن، وقد صححهما الترمذي، وغيره. وعن عبد الرحمن بن ~~عوف أن رسول اللهالل صلى الله عليه وسلم ال : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص، ~~فإن كان شك في الواحدة والاثنتين، فليجعلهما واحدة، فإن لم يدر اثنتين صلى أو ~~ثلاثا، فليجعلهما اثنتين، فإن لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليجعلهما ثلاثا، حتى يكون ~~الشك في الزيادة ، ثم ليسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم، ثم يسلم. # ومن أصح أحاديث الباب حديث ابن مسعود في التحري فإنه أخرجاه في ~~الصحيحين ، وحديث أبي سعيد انفرد به مسلم؛ لكن حديث عبد الرحمن بن عوف ~~شاهد له، فهما نظير حديث ابن مسعود في الصحيحين عن إبراهيم، عن علقمة، عن ~~عبد الله بن مسعود قال : لصلى رسوله ال صلى الله عليه وسلم ال إبراهيم: زاد أو نقص، فلما ~~سلم قيل له : يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء، قال : وما ذاك? قالوا: صليت ~~كذا وكذا، قال : فثنى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم أقبل ~~علينا بوجهه فقال : إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى ~~كما تنسون. فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم ~~عليه، ثم ليسجد سجدتين1. # وللبخاري في بعض طرقه، قيل : يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت? قال: ~~وما ذاك؟ » قالوا: صليت كذا وكذا، قال : «فسجد بهم سجدتين» ، ثم قال: ~~لهاتان السجدتان لمن لا يدري زاد في صلاته أو نقص فيتحرى الصواب فيتم عليه، ~~ثم يسجد سجدتين وفي رواية له : «فليتم عليه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين وفي ~~رواية لمسلم : «فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب وفي رواية له : «فليتحر الذي يرى ~~أنه صواب وفي رواية : «فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب. # وفي الصحيحين عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : صلينا مع ~~رسول الل صله صلى الله عليه وسلم اما زاد أو نقص. قال إبراهيم: وايم الله ما ذاك إلا من قبلي، فقلنا: ms0532 ~~يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء ? فقال : لا. فقلنا له الذي صنع، فقال: إذا زاد ~~أو نقص فليسجد سجدتين، قال: ثم سجد سجدتين»3 وقد تأوله بعض أهل القول ~~على أن التخري هو طرح المشكوك فيه، والبناء على اليقين وهذا ضعيف لوجوه: PageV01P488 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0489.png) # منها: أن في سنن أبي داود والمسند وغيرهما؛ «إذا كنت في صلاة فشكيت في ~~ثلاث وأربع وأكثر من أربع تشهدت ثم سجدت، وأنت جالس . # ومنها: أن الألفاظ صريحة في أنه يتحرى ما يرى أنه الصواب، سواء كان هو ~~الزائد أو الناقص، ولو كان مأمورا مطلقا بطرح المشكوك فيه لم يكن هناك تحري ~~للصواب. # ومنها : أن ابن مسعود هو راوي الحديث، وبذلك فسره، وعنه أخذ ذلك أهل ~~الكوفة قرنا بعد قرن، كإبراهيم وأتباعه. وعنه أخذ ذلك أبو حنيفة، وأصحابه. # ومنها: أنه هنا أمر بالسجدتين بعد السلام. وفي حديث أبي سعيد أمر ~~بالسجدتين قبل السلام. # ومنها: أنه قال هناك: «إن كان صلى خمسا شفعتا له صلاته، وإن كان صلى ~~إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان . فتبين أنه يبني على اليقين، وهو شاك هل زاد أو ~~نقص? هل صلى أربعا أو خمسا وبين مصلحة السجدتين على تقدير النقيضين. # وفي حديث ابن مسعود قال : لافيتحرى الصواب فيتم عليه، ثم يسجد ~~سجدتين» وفي لفظ : لفيتم عليه يم يسلم، ثم يسجد سجدتين» فجعل ما فعله بعد ~~التحري تماما لصلاته، وجعله هتا متما لصلاته، ليس شاكا فيها ؛ لكن لفظ الشك يراد ~~يه تارة ما ليس بيتيز: وإن كان هناك دلائل وشواهد عليه، حتى قد قيل في قوله: ~~(نحن انحق ياتئث مر بيرميم1 ينه جعل ما دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم ~~تك. وت كت يوهيه مرقت تيس عتد: شك يقدح في يقينه، ولهذا لما قال له ربه: ~~آ ر توسر تمين وكم تعمبزتر8 تيقرة: 260] وقال تعالى : ( وكذلكك نرى برهيم ~~سكوت تت بتهر ني نتنبره الأنعام: 75]. # قيد كاد ق سمى ش هت شك قي قوله : نحن أحق بالشك من إبراهيم»7 ~~فكيق بمن 1 يقيز عه: ms0533 فمن عمل بآقرى اندليلين فقد عمل بعلم لم يعمل بظن ~~ولا شك؟ ران كاذ 4ا يرقن آن ليس هناك دليل أقوى من الدليل الذي عمل به؟ ~~واجتهاد العنماء من هذا اجاب. والحاكم إذا حكم بشهادة العدلين حكم بعلم . لا بظن ~~رجيل، وكذلك إذا حكم بإقرار المقر وهو شهادته على نفسه، ومع هذا فيجوز أن ~~يكون الباطن بخلاف ما ظهر، كما قال النبي صلى الله عله وفي الحديث الصحيح : لإنكم ~~تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو PageV01P489 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0490.png) ~~مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من ~~النار»1) . # وإذا كان لديك معلوم أن مثل هذا الشك لم يرده النبيصلى الله عليه وسلم قبوله : «إذا شك ~~أحدكم» بل أكثر الخلق لا يجزمون جزما يقينيا لا يحتمل الشك بعد لكل صلاة ~~صلاها، ولكن يعتقدون عدد الصلاة اعتقادا راجحا، وهذا ليس بشك، وقوله صلى الله عليه وسلم ~~لا إذا شك أحدكم1 إنما هو حال من ليس له اعتقاد راجح، وظن غالب، فهذا إذا ~~تحرى وارتأى وتأمل فقد يظهر له رجحان أحد الأمرين، فلا يبقى شاكا، وهو ~~المذكور في حديث ابن مسعود، فإنه كان شاكا قبل التحري، وبعد التحري ما بقي ~~شاكآ مثل سائر مواضع التحري، كما إذا شك في القبلة فتحرى حتى ترجح عنده أحد ~~الجهات؛ فإنه لم يبق شاكا. وكذلك العالم المجتهد والناسي، إذا ذكر وغير ذلك. # وقوله في حديث أبي سعيد : «إذا شك أحدكم خطاب لمن استمر الشك في ~~حقه، بأن لا يكون قادرا على التحري؛ إذ ليس عنده إمارة ودلالة ترجح أحد ~~الأمرين . أو تحرى، وارتأى، فلم يترجح عنده شيء، ومن قال : ليس هنا دلالة تبين ~~أحد الأمرين غلط، فقد يستدل على ذلك بموافقة المأمومين، إذا كان إماما، وقد ~~يستدل بمخبر يخبره، وإن لم يكن معه في الصلاة فيحصل له بذلك اعتقاد راجح. ~~وقد يتذكر ما قرأ به في الصلاة فيذكر أنه قرأ بسورتين في ركعتين، فيعلم ms0534 أنه صلى ~~ركعتين لا ركعة، وقد يذكر أنه تشهد التشهد الأول، فيعلم أنه صلى اثنتين لا واحدة، ~~وإنه صلى ثلاثا لا اثنتين، وقد يذكر أنه قرأ الفاتحة وحدها في ركعة ثم في ركعة ~~فيعلم أنه صلى أربعا لا ثلاثا، وقد يذكر أنه صلى بعد التشهد الأول ركعتين فيعلم أنه ~~صلى أربعا لا ثلاثا، واثنتين لا واحدة، وقد يذكر أنه تشهد التشهد الأول، والشك ~~بعده في ركعة فيعلم أنه صلى ثلاثا لا اثنتين. # ومنها : أنه قد يعرض له في بعض الركعات: إما من دعاء وخشوع وإما من ~~سعال ونحوه، وإما من غير ذلك، ما يعرف به تلك الركعة، ويعلم أنه قد صلى قبلها ~~واحدة أو اثنتين، أو ثلاثا، فيزول الشك، وهذا باب لا ينضبط، فإن الناس دائما ~~يشكون في أمور، هل كانت أم لم تكن? ثم يتذكرون، ويستدلون بأمور على أنها ~~كانت، فيزول الشك، فإذا تحرى الذي هو أقرب للصواب، أزال الشك. ولا فرق في ~~هذا بين أن يكون إماما أو منفردا. # ثم إذا تحرى الصواب ورأى أنه صلى أربعا كان إذا صلى خامسة قد صلى في PageV01P490 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0491.png) ~~اعتقاده خمس ركعات، وهو لم يؤمر بذلك، بخلاف الشك المتساوي، فإنه لا بد معه ~~من الشك في الزيادة والنقص، والشك في الزيادة أولى، فإن ما زاده مع الشك مثل ~~ما زاده سهوا، وذلك لا يبطل صلاته . وأما إذا شك في النقص فهو شاك في فعل ~~ما أمر به، فلم تبرأ ذمته منه. # وأيضا فالأقوال الممكنة في هذا الباب إما أن يقال : يطرح الشك مطلقا، ~~ولا يتحرى . أو يحمل التحري على طرح الشك، فهذا مخالفة صريحة لحديث ابن ~~مسعود، وإما أن يستعمل هذا في حق الإمام، وهذا في حق المنفرد، ومعلوم أن كلا ~~الحديثين خطاب للمصلين لم يخاطب بأحدهما الأئمة، وبالآخر المنفردين، ولا في ~~لفظ واحد من الحديثين ما يدل على ذلك، فجعل هذا هو مراد الرسول، من غير أن ~~يكون في كلامه ما يدل عليه نسبة له إلى التدليس والتلبيس، وهو منزه ms0535 عن ذلك. # وأيضا فإن حديث أبي سعيد مع تساوي الشك متناول للجميع بالاتفاق، فإخراج ~~الأئمة منه غير جائز، وحديث ابن مسعود متناول لما تناوله حديث أبي سعيد، فلم ~~يبق إلا القسم الثالث: # وهو أن كلاهما خطاب للشاك، فذاك أمر له بالتحري . إذا أمكنه فيزول الشك. ~~والثاني أمر له إذا لم يزل الشك ماذا يصنع. # وهذا كما يقال للحاكم : أحكم بالبينة، وأحكم بالشهود، ونحو ذلك، فهذا مع ~~الإمكان، فإذا لم يمكن ذلك رجع إلى الاستصحاب، وهو البراءة. كذلك المصلي ~~الشاك يعمل بما يبين له الصواب، فإن تعذر ذلك رجع إلى الاستصحاب، والله أعلم. # ولأن العمل بالتحري يقطع وسواس الشيطان، أو يقلله؛ بخلاف ما إذا لم يتحر ~~فلا يزال الشيطان يشككه فيما فعله، أنه لم يفعله. وقد قالوا: إنه لو شك بعد السلام ~~هل ترك واجبا، لم يلتفت إليه، وما ذاك إلا لأن الظاهر أنه سلم بعد إتمامها، فعلم أن ~~الظاهر يقدم على الاستصحاب، وعلى هذا عامة أمور الشرع. # ومثل هذا يقال في عدد الطواف والسعي ورمي الجمار، وغير ذلك. ومما يبين ~~ذلك : أن التمسك بمجرد استصحاب حال العدم أضعف الأدلة مطلقا، وأدنى دليل ~~يرجح عليه، كاستصحاب براءة الذمة في نفي الإيجاب والتحريم، فهذا باتفاق الناس ~~أضعف الأدلة، ولا يجوز المصير إليه باتفاق الناس إلا بعد البحث التام: هل أدلة ~~الشرع ما تقتضي الإيجاب أو التحريم? # ومن الناس من لا يجوز التمسك به في نفي الحكم، بل في دفع الخصم، ومنعه ~~فيقول : أنا لا أثبت الإيجاب ولا أنفيه، بل أطالب من يثبته بالدليل، أو أمنعه، أو ~~أدفعه عن إثبات إيجاب بلا دليل، كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب أبي حنيفة. PageV01P491 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0492.png) # وأما أهل الظاهر فهو عمدتهم، لكن بعد البحث عن الأدلة الشرعية ولا يجوز ~~الإخبار بانتفاء الأشياء وعدم وجودها : بمجرد هذا لاستصحاب من غير استدلال بما ~~يقتضي عدمها، ومن فعل ذلك كان كاذبا، متكلما بلا علم، وذلك لكثرة ما يوجد في ~~العالم والإنسان لا يعرفه، فعدم علمه ليس علما بالعدم، ms0536 ولا مجرد كون الأصل عدم ~~الحوادث يفيد العلم بانتفاء شيء منها إلا بدليل يدل على النفي؛ لكن الاستصحاب يرجح ~~به عند التعارض، وما دل على الإثبات من أنواع الأدلة فهو راجح على مجرد استصحاب ~~النفي، وهذا هو الصواب الذي أمر المصلي أن يتحراه، فإن ما دل على أنه صلى أربعا من ~~أنواع الأدلة راجح على استصحاب عدم الصلاة، وهذا حقيقة هذه المسألة. # وأما المسألة الثانية وهي محل السجود : هل هو قبل السلام ? أو بعده ? ففي ~~ذلك أقوال مشهورة . قيل : كله قبل السلام، وقيل: كله بعده، وقيل: بالفرق بين ~~الزيادة والنقصان. وعلى هذا ففي الشك نزاع. # وقيل : بأن الأصل أن تسجد قبل السلام؛ لكن ما جاءت السنة بالسجود فيه بعد ~~السلام سجد بعده ؛ لأجل النص؛ والباقي على الأصل وهذا هو المشهور عن أحمد. # والأول قول الشافعي، والثاني قول أبي حنيفة، والثالث قول مالك وأحمد، ~~واختلف عنه . فروى عنه فيما إذا صلى خمسا هل يسجد قبل السلام أو بعده على ~~روايتين، وقد حكى عنه رواية بأنه كله قبل السلام، لكن لم نجد بهذا لفظا عنه، ~~وحكى عنه أنه كله بعد السلام، وهذا غلط محض. # والقاضي وغيره يقولون: لم يختلف كلام الإمام أحمد أن بعضه قبل السلام، ~~وبعضه بعده. قال القاضى أبو يعلى : لا يختلف قول أحمد في هذين الموضعين أن ~~يسجد لهما بعد السلام، إذا سلم وقد بقي عليه ركعة أو أكثر، وإذا شك وتحرى. قال ~~أحمد في رواية الأثرم : أنا أقول : كل سهو جاء عن النبي صلى الله عليه وسلمأ سجد فيه بعد السلام ~~فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السجود يسجد فيه قبل السلام هو أصح في ~~المعنى . وذلك أنه من شأن الصلاة فيقضيه قبل أن يسلم، ثم قال : فسجد النبي صلى الله عليه وسلم. ~~في ثلاثة مواضع بعد السلام، وفي غيرها قبل السلام. قلت: اشرح المواضع الثلاثة ~~التي بعد السلام . قال : سلم من ركعتين فسجد بعد السلام، هذا حديث ذي اليدين. ~~وسلم من ثلاث فسجد بعد السلام هذا حديث ms0537 عمران بن حصين . وحديث ابن مسعود ~~في التحري سجد بعد السلام. # قال أبو محمد: قال القاضي : لا يختلف قول أحمد في هذين الموضعين أنه ~~سجد لهما بعد السلام، قال: واختلف قوله في من سها فصلى خمسا هل يسجد قبل PageV01P492 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0493.png) ~~السلام? أو بعده? على روايتين. وما عدا هذه المواضع الثلاثة يسجد لها قبل السلام، ~~رواية واحدة. وبهذا قال سليمان بن داود، وأبو خيثمة. وابن المنذر. قال : وحكى ~~أبو الخطاب روايتين أخريين: # إحداهما: أن السجود كله قبل السلام، وهو مذهب الشافعي. # والثانية: أن ما كان من نقص يسجد له قبل السلام، لحديث ابن بحينة، ~~وما كان من زيادة سجد له بعد السلام، لحديث ذي اليدين، وحديث ابن مسعود حين ~~صلى خمسا، وهذا مذهب مالك، وأبي ثور. وقال أبو حنيفة وأصحابه وطائفة: كله ~~بعد السلام. # قلت : أحمد يقول في الشك إذا طرحه وبنى على اليقين : أنه يسجد له قبل ~~السلام، كما ثبت في الحديث الصحيح. فعلى قوله الموافق لمالك ما كان من نقص ~~وشك فقبله، وما كان من زيادة فبعده، وحكي عن مالك أنه يسجد بعد السلام، لأنه ~~يحتمل للزيادة لا للنقص، والزيادة التي اختلف فيها كلام أحمد هي : ما إذا صلى ~~خمسا، فقد ثبت في الصحيح أنه يسجد بعد السلام، لكن هناك كان قد نسي، وفي ~~الصحيحين عن ابن مسعود قال : صلى بنا رسول اللها له صلى الله عليه وسلم خمسا، فلما انفتل شوش ~~القوم بينهم، فقال : ما شأنكم? قالوا: يا رسول الله! زيد في الصلاة، قال : لا، ~~قالوا: فإنك قد صليت خمسا، فانفتل ثم سجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال : إنما أنا ~~بشر أنسى كما تنسون وفي رواية أنه قال : «إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون، ~~وأنسى كبما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس، ثم تحول ~~رسول الله ل صلى الله عليه وسلم شجد سجدتين. # وللبخاري عن ابن مسعود : أن النبي صلى الله عليه وسلم صعلى الظهر خمسا، فسجد سجدتين ~~بعدما سلم وفي الصحيحين عن ابن ms0538 مسعود : أن النبي صلى الله عليه وسلم جد سجدتي السهو ~~بعد السلام والكلام3. # فهذا الموضع اختلف فيه كلام أحمد: هل يسجد بعد السلام كما سجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، إنما يسجد قبله إذا ذكر قبل السلام ? والنبي صلى الله عليه وسلم أما سجد بعد السلام ~~لكونه لم يذكر حتى سلم، وذكروه على إحدى الروايتين عنده لا يكون السجود بعد ~~السلام مختصا بمورد النص، كما قاله الأكثرون كأبي حنيفة، ومالك، وغيرهما. كما ~~لا يكون السجود قبل السلام مختصا بمورد النص. كما قاله الأكثرون: أبو حنيفة، PageV01P493 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0494.png) ~~ومالك، وغيرهما؛ بل الصواب أن السجود بعضه قبل السلام، وبعضه بعده، كما ~~ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة. # ومن قال : كله قبل السلام، واحتج بحديث الزهري، كان آخر الأمرين السجود ~~قبل السلام، فقد ادعى النسخ، وهو ضعيف فإن السجود بعد السلام في حديث ذي ~~اليدين، فمالك والشافعي والجمهور يقولون: إنه ليس بمنسوخ، وإنما يقول : إنه ~~منسوخ من يحتج بقول الزهري أن ذا اليدين مات قبل بدر، وإن هذه القصة كانت ~~متقدمة . فقول الزهري بنسخه مبني على هذا، وهو ضعيف، فإن أبا هريرة صلى ~~خلف النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين، وإنما أسلم عام خيبر، فالذين يحتجون بقول ~~الزهري هنا قد ردوا قوله بالنسخ هناك، والذين يقولون بنسخ حديث ذي اليدين هم ~~يأمرون بالسجود بعد السلام، فكل من الطائفتين ادعت نسخ الحديث فيما يخالف ~~قولها بلا حجة، والحديث محكم في أن الصلاة لا تبطل، وفي أنه يسجد بعد ~~السلام، ليس لواحد منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم عارض ينسخه. # وأيضا فالنسخ إنما يكون بما يناقض المنسوخ والنبي صلى الله عليه وسلم جد بعد السلام، ولم ~~ينقل مسلم أنه نهى عن ذلك، فبطل النسخ. # وإذا قيل : إنه سجد بعد ذلك قبل السلام، فإن كان في غير هذه الصورة، كما في ~~حديث ابن بحينة، لما قام من الركعتين، وفي حديث الشك، فلا منافاة؛ لكن هذا الظان ~~ظن أنه إذا سجد في صورة قبل السلام ms0539 كان هذا نسخا للسجود بعده في صورة أخرى، ~~وهذا غلط منه، ولم ينقل عنه في صورة واحدة أنه سجد تارة قبل السلام، وتارة بعده، ~~ولو نقل ذلك لدل على جواز الأمرين، فدعوى النسخ في هذا الباب باطل. # وكيف يجوز أن يبطل بأمره بالسجود بعد السلام في صورة، وفعله له مما ~~لا يناقض ذلك، ومن قال : السجود كله بعد السلام، واحتج بما في السنن من حديث ~~ثوبان : للكل سهو سجدتان بعد التسليم فهو ضعيف؛ لأنه من رواية ابن عياش ~~عن أهل الحجاز . وذلك ضعيف باتفاق أهل الحديث، وبحديث ابن جعفر : (من ~~شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم» ففيه ابن أبي ليلى، قال الأثرم، ~~لا يثبت واحد منهما، مع أن هذا قد يكون مثل حديث ابن مسعود : لوإذا شك ~~فيتحرى1 ويكون هذا مختصرا من ذاك . # ومثل هذا لا يعارض الحديث الصحيح؛ حديث أبي سعيد في الشك : أنه أمر ~~بسجدتين قبل السلام» وحديث ابن بحينة الذي في الصحيحين الذي هو أصل من ~~صول مسائل السهو، لما ترك التشهد الأول وسجد قبل السلام، فهذه الأحاديث PageV01P494 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0495.png) ~~الصحيحة تبين ضعف قول كل من عمم فجعله كله قبله، أو جعله كله بعده. # بقي التفصيل . فيقال : الشارع حكيم لا يفرق بين الشيئين بلا فرق فلا يجعل ~~بعض السجود بعده، وبعضه قبله، إلا لفرق بينهما، وقول من يقول القياس يقتضي أنه ~~كله قبله، لكن خولف القياس في مواضع للنص، فبقي فيما عداه على القياس؛ يحتاج ~~في هذا إلى شيئين إلى أن يبين الدليل المقتضى لكونه كله قبله، ثم إلى بيان أن صورة ~~الاستثناء اختصت بمعنى يوجب الفرق بينها، وبين غيرها . وإلا فإذا كان المعنى ~~الموجب للسجود قبل السلام شاملا للجميع امتنع من الشارع أن يجعل بعض ذلك بعد ~~السلام، وإن كان قد فرق لمعنى فلا بد أن يكون المعنى مختصا بصورة الاستثناء، ~~فإذا لم يعرف الفرق بين ما استثنى وبين ما استبقى كان تفريقا بينهما بغير حجة . # وإذا قال : علمت أن الموجب للسجود قبل السلام عام، ms0540 لكن لما استثنى النص ~~ما استثناه علمت وجود المعتى المعارض فيه. # فيقال له: فما لم يرد فيه نص جاز أن يكون فيه الموجب لما قبل السلام، وجاز ~~أن يكون فيه الموجب لما بعد السلام، فإنك لا تعلم أن المعنى الذي أوجب كون ~~تلك الصور بعد السلام منتفيا عن غيرها، ومع كون نوع من السجود بعد السلام يمتنع ~~أن يكون الموجب التام له قبل السلام عاما، فما بقي معك معنى عام يعتمد عليه في ~~الجزم، بأن المشكوك قبل السلام، ولا بأن المقتضى له بعد السلام مختص بمورد ~~النص، فنفى التفريق قول بلا دليل يوجب الفرق، وهو قول بتخصيص العلة من غير ~~بيان فوات شرط أو وجود مانع، وهو الاستحسان المحض الذي لم يتبين فيه الفرق ~~بين صورة الاستحسان وغيرها. # وحينئذ فأظهر الأقوال الفرق بين الزيادة والنقص، وبين الشك مع التحري، ~~والشك مع البناء على اليقين. وهذا إحدى الروايات عن أحمد، وقول مالك قريب ~~منه، وليس مثله، فإن هذا مع ما فيه من استعمال النصوص كلها : فيه الفرق ~~المعقول؛ وذلك أنه إذا كان في نقص، كترك التشهد الأول احتاجت الصلاة إلى جبر، ~~وجابرها يكون قبل السلام لتتم به الصلاة، فإن السلام هو تحليل من الصلاة. # وإذا كان من زيادة - كركعة - لم يجمع في الصلاة بين زيادتين بل يكون السجود ~~بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان، بمنزلة صلاة مستقلة جبر بها نقص صلاته، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عل السجدتين كركعة . # وكذلك إذا شك وتحرى فإنه أتم صلاته، وإنما السجدتان لترغيم الشيطان، ~~فيكون بعد السلام. ومالك لا يقول بالتحري، ولا بالسجود بعد السلام فيه. وكذلك ~~إذا سلم وقد بقي عليه بعض صلاته ثم أكملها فقد أتمها، والسلام منها زيادة، ~~والسجود في ذلك بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان. PageV01P495 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0496.png) # وأما إذا شك ولم يتبين له الراجح، فهنا إما أن يكون صلى أربعا أو خمسا، فإن كان ~~صلى خمسا فالسجدتان يشفعان له صلاته، ليكون كأنه قد صلى ستآ لا خمسا، وهذا إنما ~~يكون قبل ms0541 السلام، ومالك هنا يقول يسجد بعد السلام. فهذا القول الذي نصرناه هو الذي ~~يستعمل فيه جميع الأحاديث، لا يترك منها حديث مع استعمال القياس الصحيح، فيما لم ~~يرد فيه نص، وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يشبهه من المنصوص. # ومما يوضح هذا أنه إذا كان مع السلام سهو سجد بعد السلام، فيقال : إذا زاد ~~غير السلام من جنس الصلاة كركعة ساهيا أو ركوع أو سجود ساهيا فهذه زيادة لو ~~تعمدها بطلت صلاته كالسلام، فإلحاقها بالسلام أولى من إلحاقها بما إذا ترك التشهد ~~الأول، أو شك وبنى على اليقين. # وقول القائل : إن السجود من شأن الصلاة، فيقضيه قبل السلام يقال له: لو كان ~~هذا صحيحا لوجب أن يكون كله قبل السلام، فلما ثبت أن بعضه بعد السلام علم أنه ~~ليس جنسه من شأن الصلاة، الذي يقضيه قبل السلام. وهذا معارض بقول من يقول : ~~السجود ليس من موجب تحريم الصلاة، فإن التحريم إنما أوجب الصلاة السليمة، ~~وهذه الأمور دعاوى لا يقوم عليها دليل؛ بل يقال التحريم أوجب السجود الذي يجبر ~~به الصلاة . # ويقال : من السجود ما يكون جبره للصلاة، إذا كان بعد السلام؛ لئلا يجتمع ~~فيها زيادتان، ولأنه مع تمام الصلاة إرغام للشيطان، ومعارضة له بنقيض قصده، فإنه ~~قصد نقص صلاة العبد بما أدخل فيها من الزيادة، فأمر العبد أن يرغمه فيأتي بسجدتين ~~زائدتين بعد السلام، ليكون زيادة في عبادة الله، والسجود لله، والتقرب إلى الله ~~الذي أراد الشيطان أن ينقصه على العبد، فأراد الشيطان أن ينقص من حسناته، فأمره ~~الله أن يتم صلاته، وأن يرغم الشيطان، وعفا الله للإنسان عما زاده في الصلاة ~~نسيانا : من سلام وركعة زائدة وغير ذلك، فلا يأثم بذلك، لكن قد يكون تقربه ناقصا ~~لنقصه فيما ينساه فأمره الله أن يكمل ذلك بسجدتين زائدتين على الصلاة، والله أعلم. # وأما وجوبه: فقد أمر به النبيصل الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة المتقدم لمجرد الشك، ~~فقال : «إذا قام أحدكم يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه صلاته، حتى لا يدري كم ms0542 ~~صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس وأمر به فيما إذا طرح ~~الشك، فقال في حديث أبي سعيد : «فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد PageV01P496 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0497.png) ~~سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعتا له صلاته وإن كان صلى تماما ~~لأربع كانتا ترغيما للشيطان # وكذلك في حديث عبد الرحمن ثم ليسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم، ~~ثم يسلم وأمر به في حديث ابن مسعود حديث التحري قال : «فليتحر الصواب ~~فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين - وفي لفظ - هاتان السجدتان لمن لا يدري أزاد في ~~صلاته، أم نقص، فيتحرى الصواب، فيتم عليه، ثم يسجد سجدتين وفي الحديث ~~الآخر المتفق عليه لابن مسعود فقلنا : يا رسول الله ! أحدث في الصلاة شيء، ~~فقال : لا، فقلنا له الذي صنع، فقال: إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين، قال : ثم ~~سجد سجدتين» فقد أمر بالسجدتين إذا زاد أو إذا نقص . ومراده إذا زاد ما نهى عنه، ~~أو نقص ما أمر به . # ففي هذا إيجاب السجود لكل ما يترك مما أمر به، إذا تركه ساهيا، ولم يكن ~~تركه ساهيا موجبا لإعادته بنفسه، وإذا زاد ما نهى عنه ساهيا. فعلى هذا كل مأمور به ~~في الصلاة إذا تركه ساهيا فإما أن يعيده إذا ذكره، وإما أن يسجد للسهو لا بد من ~~أحدهما. # فالصلاة نفسها إذا نسيها صلاها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك. وكذلك إذا ~~نسي طهارتها، كما أمر الذي ترك موضع لمعة من قدمه لم يصبها الماء أن يعيد ~~الوضوء والصلاة. وكذلك إذا نسي ركعة. كما في حديث ذي اليدين، فإنه لا بد من ~~فعل ما نسيه، إما مضموما إلى ما صلى، وإما أن يبتدئ الصلاة. فهذه خمسة أحاديث ~~صحيحة فيها كلها يأمر الساهي بسجدتي السهو. وهو لما سها عن التشهد الأول ~~سجدهما بالمسلمين قبل السلام، ولما سلم في الصلاة من ركعتين أو من ثلاث صلى ~~ما بقي، وسجدهما بالمسلمين بعد الصلاة، ولما أذكروه أنه صلى خمسا سجدهما ~~بعد السلام والكلام. ms0543 # وهذا يقتضي مداومته عليهما وتوكيدهما، وأنه لم يدعهما في السهو المقتضى ~~لها قط، وهذه دلائل بينة واضحة على وجوبهما، وهو قول جمهور العلماء، وهو ~~مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة، وليس مع من لم يوجبهما حجة تقارب ذلك. # والشافعي إنما لم يوجبهما لأنه ليس عنده في الصلاة واجب تصح الصلاة مع ~~تركه، لا عمدا ولا سهوا، وجمهور العلماء الثلاثة وغيرهم يجعلون من واجبات ~~الصلاة ما لا يبطل تركه الصلاة، لكن مالك وأحمد وغيرهما يقولون لا تبطل الصلاة ~~بعمده، وعليه الإعادة، ويجب بتركه سهوا سجود السهو. وأبو حنيفة يقول : إذا تركه PageV01P497 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0498.png) ~~عمدا كان مسيئا، وكانت صلاته ناقصة، ولا إعادة عليه، وأما ما يزيده عمدا فكلهم ~~يقول : إن فيه ما تبطل الصلاة مع عمده دون سهوه؛ لكن هو في حال العمد مبطل ~~فلا سجود، وفي حال السهو يقولون: قد عفي عنه فلا يجب السجود. # وقد احتج بعضهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ال في حديث الشك : لكانت الركعة ~~والسجدتان نافلة وهذا لفظ ليس في الصحيح . ولفظ الصحيح : «فليطرح الشك ~~وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعتا له ~~صلاته، وإن كان صلى تماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان فقد أمر فيه بالسجود، ~~وبين حكمته سواء كان صلى خمسا، أو أربعا، فقال : «فإن كان صلى خمسا شفعتا له ~~صلاته وهذا يقتضي أن التطوع بالوتر لا يجوز، بل قد أمر الله أن يوتر صلاة النهار ~~بالمغرب، وصلاة الليل بالوتر . # وهنا لما كان مع الشك قد صلى خمسا، وهو لا يعلم جعل السجدتين قائمة ~~مقام ركعة فشفعتا له صلاته . قال : لوإن كان صلى تماما لأربع فلم يزد في الصلاة ~~شيئا ، كانتا ترغيما للشيطان» فهذا اللفظ وهو قوله : «كانت الركعة والسجدتان نافلة ~~له لا يمكن أن يستدل به، حتى يثبت أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف ولفظه الذي في ~~الصحيح يقتضي وجوبهما وجوب الركعة. والسجدتين. والركعة قد اتفق العلماء على ~~وجوبها، فحيث قيل ms0544 : إن الشاك يطرح الشك ويبني على ما استيقن: كانت الركعة ~~المشكوك فيها واجبة. # وإذا كانت واجبة بالنص والاتفاق، واللفظ المروي هو فيها وفي السجود، مع ~~أن السجود أيضا مأمور به، كما أمر بالركعة. علم أن ما ذكر لا ينافي وجوب ~~السجدتين، كما لا ينافي وجوب الركعة، وإن كان هذا اللفظ قد قاله الرسول فمعناه ~~أنه مأمور بذلك مع الشك فعلى تقدير أن تكون صلاته تامة في نفس الأمر لم ينقص ~~منها شيء يكون ذلك زيادة في عمله، وله فيه أجر كما في النافلة، وهذا فعل كل من ~~احتاط فأدى ما يشك في وجوبه، إن كان واجبا، وإلا كانت نافلة له، فهو إنما جعلها ~~نافلة في نفس الأمر على تقدير إتمام الأربع، ولكن هو لما شك حصل بنفس شكه ~~نقص في صلاته، فأمر بهما، وإن كان صلى أربعا ترغيما للشيطان. # وهذا كما يأمرون من يشك في غير الواجب بان يفعل ما يتبين به براءة الذمة، ~~والواجب في نفس الأمر واحد، والزيادة نافلة، وكذلك يؤمر من اشتبهت أخته من PageV01P498 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0499.png) ~~الرضاع بأجنبية باجتنابهما، والمحرم في نفس الأمر واحد، فذلك المشكوك فيه يسمى ~~واجبا باعتبار أن عليه أن يفعله، ويسمى نافلة على تقدير أي هو مثاب عليه مأجور ~~عليه - ليس هو عملا ضائعا - كالنوافل. وإنه لم يك في نفس الأمر واجبا عليه، لكن ~~وجب لأجل الشك، مع أن إحدى الروايتين عن أحمد أنه يجبر المعادة مع إمام ~~الحي. # ويسمى نافلة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وكذلك قوله في حديث أبي ذر : صل ~~الصلاة لوقتها ثم اجعل صلاتك معهم نافلة، ولا تقل : إني قد صليت» فهي ~~نافلة . أي : زائدة على الفرائض الخمس الأصلية، وإن كانت واجبة بسبب آخر، ~~كالواجب بالنذر. # وكثير من السلف يريدون بلفظ النافلة ما كان زيادة في الحسنات، وذلك لمن ~~لا ذنب له، ولهذا قالوا في قوله: (ومن اليل فتهجد به، نافلة لك ) أن ~~النافلة مختصة برسولله له صلى الله عليه وسلم، أن الله غفر له، وغيره له ms0545 ذنوب فالصلوات تكون ~~سببا لمغفرتها، وهذا القول وإن كان فيه كلام. ليس هذا موضعه. فالمقصود أن لفظ ~~النافلة توسع فيه، فقد يسمى به ما أمر به، وقد ينفي عن التطوع. # فقد تبين وجوب سجود السهو. وسببه إما نقص، وإما زيادة . كما قال في ~~الصحيحين : لا إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين . فالنقص كما في حديث ابن بحينة: ~~لما ترك التشهد الأول سجد، والزيادة كما سجد لما صلى خمسا، وأمر به الشاك الذي ~~لا يدري أزاد أم نقص فهذه أسبابه في كلام النبي صلى الله عليه وسلم،:ما الزيادة، وإما النقص، وإما ~~الشك. وقد تبين أنه في النقص والشك يسجد قبل السلام، وفي الزيادة بعده. # وإذا كان واجبا فتركه عمدا أو سهوا - ترك الذي قبل السلام أو بعده - ففيه ~~أقوال متعددة في مذهب أحمد، وغيره. # قيل : إن ترك ما قبل السلام عمدا بطلت صلاته، وإن تركه سهوا لم تبطل، ~~كالتشهد الأول، وغيره من الواجبات، وما بعده لا يبطل بحال؛ لأنه جبران بعد ~~السلام، فلا يبطلها، وهذا اختيار كثير من أصحاب أحمد. # وقيل : إن ترك ما قبل السلام يبطل مطلقا، فإن تركه سهوا فذكر قريبا سجد، PageV01P499 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0500.png) ~~وإن طال الفصل أعاد الصلاة، وهو منقول رواية عن أحمد، وهو قول مالك، ~~وأبي ثور، وغيرهما، وهذا القول أصح من الذي قبله، فإنه إذا كان واجبا في ~~الصلاة، فلم يأت به سهوا لم تبرأ ذمته منه، وإن كان لا يأثم كالصلاة نفسها، فإنه إذا ~~نسيها صلاها إذا ذكرها، فهكذا ما ينساه من واجباتها، لا بد من فعله إذا ذكر إما بأن ~~يفعله مضافا إلى الصلاة، وإما بأن يبتدئ الصلاة. فلا تبرأ الذمة من الصلاة ولا من ~~أجزائها الواجبة إلا بفعلها. # والواجبات التي قيل إنها تسقط بالسهو : كالتشهد الأول، لم يقل إنها تسقط إلى ~~غير بدل، بل سقطت إلى بدل وهو سجود السهو، بخلاف الأركان التي لا بدل لها : ~~الركوع، والسجود، فأما أن يقال : إنها واجبة في الصلاة، وإنها تسقط إلى غير بدل، ~~فهذا ما علمنا ms0546 أحدا قاله، وإن قاله قائل، فهو ضعيف، مخالف للأصول، فهذان ~~قولان في الواجب قبل السلام : إذا تركه سهوا. # وأما الواجب بعده فالنزاع فيه قريب. فمال كثير ممن قال إن ذلك واجب: إلى ~~أن ترك هذا لا يبطل ؛ لأنه جبر للعبادة، خارج عنها، فلم تبطل كجبران الحج، ونقل ~~عن أحمد ما يدل على بطلان الصلاة إذا ترك السجود المشروع بعد السلام، وقد نقل ~~الأثرم عن أحمد الوقف في هذه المسألة، فنقل عنه فيمن نسي سجود السهو، فقال: ~~إذا كان في سهو خفيف فأرجو أن لا يكون عليه . قلت : فإن كان فيما سها فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : هاه، ولم يجب، قال: فبلغني عنه أنه يستحب أن يعيده ومسائل ~~الوقف» يخرجها أصحابه على وجهين. # وفي الجملة فقيل : يعيد إذا تركه عامدا، وقيل: إذا تركه عامدا أو ساهيا. ~~والصحيح أنه لا بد من هذا السجود، أو من إعادة الصلاة، فإنه قد تتوزع إلى متى ~~يسجد . فقيل : يسجد ما دام في المسجد، ما لم يطل الفصل، وقيل: يسجد وإن طال ~~الفصل ما دام في المسجد، وقيل : يسجد وإن خرج وتعدى. # والمقصود أنه لا بد منه، أو من إعادة الصلاة؛ لأنه واجب أمر به النبي صلى الله ليه س ~~لتمام الصلاة، فلا تبرأ ذمة العبد إلا به، وإذا أمر به بعد السلام من الصلاة؛ وقيل: إن ~~فعلته وإلا فعليك إعادة الصلاة لم يكن ممتنعا، والمراد تكون الصلاة باطلة : إنه لم ~~تبرأ بها الذمة، ولا فرق في ذلك بين ما قبل السلام، وما بعده. والله تعالى إنما أباح ~~له التسليم منها بشرط أن يسجد سجدتي السهو، فإذا لم يسجدهما لم يكن قد أباح ~~الخروج منها، فيكون قد سلم من الصلاة سلاما لم يؤمر به، فيبطل صلاته . كما تقول ~~في فاسخ الحج إلى التمتع إنما أبيح له التحلل إذا قصد أن يتمتع فيحج من عامه، فاما ~~إن قصد التحلل مطلقا لم يكن له ذلك، وكان باقيا على إحرامه، ولم يصح تحلله، ~~لكن الإحرام لا يخرج ms0547 منه برفض المحرم، ولا بفعل شيء من محظوراته، PageV01P500 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0501.png) ~~ولا بإفساده، بل هو باق فيه، وإن كان فاسدا بخلاف الصلاة، فإنها تبطل بفعل ~~ما ينافيها، وما حرم فيها. # وقياسهم الصلاة على الحج باطل، فإن الواجبات التي يجبرها دم لو تعمد تركها ~~في الحج لم تبطل بل يجبرها، والجبران في ذمته لا يسقط بحال، والصلاة إذا ترك ~~واجبا فيها بطلت، وإذا قيل : إنه مجبور بالسجود، فيقتضي أن السجود في ذمته كما ~~يجب في ذمته جبران الحج، أما سقوط الواجب وبدله؛ فهذا لا أصل له في الشرع، ~~فقياس الحج أن يقال: هذا السجود بعد السلام يبقى في ذمته إلى أن يفعله، وهذا ~~القول غير ممتنع؛ بخلاف قولهم يسقط إلى بدل؛ لكن جبران الحج وهو الدم يفعل ~~مفردا بلا نزاع، وأما هذا السجود، فهل يفعل مفردا بعد طول الفصل? فيه نزاع. # ونحن قلنا: لا بد منه، أو من إعادة الصلاة، فإذا قيل : إنه يفعل وإن طال ~~الفصل كالصلاة المنسية، فهذا متوجه قوي، ودونه أن يقال: وإن تركه عمدا يفعله في ~~وقت آخر، وإن أثم بالتأخير، كما لو أخر الصلاة المنسية بعد الذكر عمدا فليصلها، ~~ويستغفر الله من تأخيرها. وكذلك المفوتة عمدا عند من يقول بإمكان إعادتها يصليها ~~ويستغفر الله من تأخيرها. فهكذا السجدتان يصليهما حيث ذكرهما ويستغفر الله من ~~التأخير، فهذا أيضا قول متوجه، فإن التحديد بطول الفصل وبغيره، غير مضبوط ~~بالشرع. # وكذلك الفرق بين المسجد وغيره ليس عليه دليل شرعي، وكذلك الفرق بين ~~ما قبل الحدث وبعده، بل عليه أن يسجدهما بحسب الإمكان. والله أعلم. # وما شرع قبل السلام أو بعده، فهل ذلك على وجه الوجوب? أو الاستحباب? ~~فيه قولان في مذهب أحمد، وغيره. # ذهب كثير من أتباع الأيمة الأربعة إلى أن النزاع إنما هو في الاستحباب، وأنه لو ~~سجد للجميع قبل السلام، أو بعده: جاز. # والقول الثاني : أن ما شرعه قبل السلام يجب فعله قبله، وما شرعه بعده ~~لا يفعل إلا بعده، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره من الأيمة، ms0548 وهو الصحيح. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طرح الشك قال : لوليسجد سجدتين قبل أن يسلم وفي ~~الرواية الأخرى : قبل أن يسلم ثم يسلم»2) وفي حديث التحري قال : لفليتحر PageV01P501 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0502.png) ~~الصواب فليبن عليه، ثم ليسجد سجدتين وفي رواية للبخاري: فليتم عليه، ثم ~~يسلم، ثم يسجد سجدتين» فهذا أمر فيه بالسلام، ثم بالسجود. وذاك أمر فيه ~~بالسجود قبل السلام، وكلاهما أمر منه يقتضي الإيجاب. # ولما ذكر ما يعم القسمين قال : إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين وقال : ~~«فإذا لم يدر أحدكم كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس»() فلما ذكر النقص ~~مطلقا، والزيادة مطلقا، والشك : أمر بسجدتين مطلقا، ولم يقيدهما بما قبل السلام، ~~ولما أمر بالتحري أمر بالسجدتين بعد السلام. فهذه أواما صلى الله عليه ولم في هذه الأبواب ~~لا تعدل عنها . (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) ~~[الأحزاب: 6] ولكن من سجد قبل السلام مطلقا، أو بعد السلام مطلقا متأولا، ~~فلا شيء عليه، وإن تبين له فيما بعد السنة استأنف العمل فيما تبين له، ولا إعادة ~~عليه. # وكذلك كل من ترك واجبا لم يعلم وجوبه، فإذا علم وجوبه فعله ولا تلزمه ~~الإعادة فيما مضى : في أصح القولين في مذهب أحمد، وغيره. # وكذلك من فعل محظورا في الصلاة لم يعلم أنه محظور، ثم علم كمن كان ~~يصلي في أعطان الإبل، أو لا يتوضأ الوضوء الواجب الذي لم يعلم وجوبه، ~~كالوضوء من لحوم الإبل، وهذا بخلاف الناسي، فإن العالم بالوجوب إذا نسي صلى ~~متى ذكر، كما قال صلى الله عليه وسلم: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وأما من ~~لم يعلم الوجوب، فإذا علمه صلى صلاة الوقت وما بعدها، ولا إعادة عليه. كما ~~ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ال للأعرابي المسيء في صلاته : ارجع فصل ~~فإنك لم تصل قال : والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني ما يجزيني في ~~صلاتي، فعلم صل ل ms0549 الله عليه وسل - وقد أمره بإعادة صلاة الوقت، ولم يأمره بإعادة ما مضى ~~من الصلاة ، مع قوله : « لا أحسن غير هذا» . # وكذلك لم يأمر عمر وعمارا بقضاء الصلاة، وعمر لما أجنب لم يصل، وعمار ~~تمرغ كما تتمرغ الدابة، ولم يأمر أبا ذر بما تركه من الصلاة وهو جنب، ولم يأمر PageV01P502 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0503.png) ~~المستحاضة أن تقضي ما تركت، مع قولها إني أستحاض حيضة شديدة منعتني الصوم ~~والصلاة. # ولم يأمر الذين أكلوا في رمضان حتى تبين لهم الحبال البيض من السود ~~بالإعادة، والصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين ركعتين، ثم لما هاجر زيد في صلاة ~~الحضر ففرضت أربعا، وكان بمكة وأرض الحبشة والبوادي كثير من المسلمين لم ~~يعلموا بذلك إلا بعد مدة، وكانوا يصلون ركعتين، فلم يأمرهم بإعادة ما صلوا. # كما لم يأمر الذين كانوا يصلون إلى القبلة المنسوخة بالإعادة مدة صلاتهم إليها ~~قبل أن يبلغهم الناسخ، فعلم أنه لا فرق بين الخطاب المبتدأ، والخطاب الناسخ. ~~والركعتان الزائدتان إيجابهما مبتدأ، وإيجاب الكعبة ناسخ. وكذلك التشهد وغيره إنما ~~وجب في أثناء الأمر، وكثير من المسلمين لم يبلغهم الوجوب إلا بعد مدة. # ومن المنسوخ أن جماعة من أكابر الصحابة كانوا لا يغتسلون من الأقحاط؛ بل ~~يرون الماء من الماء، حتى ثبت عندهم النسخ. ومنهم من لم يثبت عنده النسخ، وكانوا ~~يصلون بدون الطهارة الواجبة شرعا لعدم علمهم بوجوبها، ويصلي أحدهم وهو جنب. # إذا نسي السجود حتى فعل ما ينافي الصلاة من كلام وغيره، فقد ثبت في ~~الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم،: أنه سجد بعد السلام والكلام فقد بين ~~ذلك في الصحيحين؛ أنه صلى بهم الظهر خمسا، فلما انفتل توشوش القوم فيما ~~بينهم، فقال : ما شأنكم قالوا: يا رسول الله! زيد في الصلاة ? قال : «لا. قالوا: ~~فإنك صليت خمسا، فانفتل ثم سجد سجدتين، ثم سلم»(2 وهذا قول جمهور ~~العلماء وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيره. # وعن أبي حنيفة؛ أنه إن تكلم بعد السلام سقط عنه سجود السهو؛ لأن الكلام ~~ينافيها، ms0550 فهو كالحدث. وعن الحسن ومحمد إذا صرف وجهه عن القبلة لم يبن، ولم ~~يسجد. والصواب قول الجمهور، كما نطقت به السنة، فاه صلى الله عليه وسلم مجد بعد انصرافه، ~~وانفتاله، وإقباله عليهم، وبعد تحدثهم وبعد سؤاله لهم، وإجابتهم إياه، وحديث ذي ~~اليدين أبلغ في هذا، فإنه صلى ركعتين، ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد، ~~فاتكأ عليها، ثم قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة ? أم نسيت? وأجابه. ثم سأل ~~الصحابة فصدقوا ذا اليدين، فعاد إلى مكانه فصلى الركعتين، ثم سجد بعد السلام PageV01P503 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0504.png) ~~سجدتي السهو، وقد خرج السرعان من الناس يقولون: قصرت الصلاة، قصرت ~~الصلاة1 # وفي حديث عمران وهو في الصحيحين: أنه سلم في ثلاث من العصر، ثم ~~دخل منزله، وقام إليه الخرباق فذكر له صنيعه، وأنه خرج يجر رداءه حتى انتهى إلى ~~الناس، فقال : أصدق هذا? قالوا : نعم . وهذه القصة إما أن تكون غير الأولى، ~~واما أن تكون هي إياها لكن اشتبه على إحدى الراويين : هل سلم من ركعتين، أو من ~~ثلاث، وذكر أحدهما قيامه إلى الخشبة المعروضة في المسجد، والآخر دخوله منزله، ~~ثم من بعد هذا القول والعمل، وخروجه من المسجد. والسرعان من الناس، لا ريب ~~أنه أمرهم بما يعملون. # فإما أن يكونوا عادوا أو بعضهم إلى المسجد، فأتموا معه الصلاة بعد ~~خروجهم من المسجد، وقولهم : قصرت الصلاة، قصرت الصلاة . وإما أن يكونوا ~~أتموا لأنفسهم لما علموا السنة، وعلى التقديرين فقد أتموا بعد العمل الكثير، ~~والخروج من المسجد . # وإما أن يقال : إنهم أمروا باستئناف الصلاة، فهذا لم ينقله أحد ولو أمر به ~~لنقل، ولا ذنب لهم فيما فعلوا، وهو في إحدى صلوات الخوف يصلي بطائفة ~~ركعة والأخرى بإزاء العدو، ثم يمضون إلى مصاف أصحابهم وهم في الصلاة، ~~فيعملون عملا، ويستدبرون القبلة، ثم يأتي أولئك فيصلي بهم ركعة ثم يمضون ~~إلى مصاف أصحابهم، ثم يصلي هؤلاء لأنفسهم ركعة أخرى، وهؤلاء ركعة ~~أخرى، وفي ذلك مشي كثير، واستدبار للقبلة، وهم في الصلاة، وقد تتاخر كل ~~طائفة من هؤلاء وهؤلاء ms0551 في الركعة الأولى . والثانية بمشيها إلى مصاف أصحابها، ~~ثم يجيء أصحابها إلى خلف الإمام، ثم بصلاتهم خلف الإمام، ثم برجوعهم إلى ~~مصاف أولئك، ثم بعد هذا كله يصلون الركعة الثانية، وهم قيام فيها مع هذا ~~العمل والانتظار، لكن لا يصلون الركعة إلا بعد هذا كله، فعلم أن الموالاة بين ~~ركعات الصلاة لا تجب مع العدو، وموالاة السجدتين مع الصلاة أولى؛ بخلاف ~~الموالاة بين أبعاض الركعة : وهذا مذهب مالك وأحمد. # ولهذا إذا نسي ركنا كالركوع مثلا، فإن ذكر في الأولى، مثل أن يذكر بعد أن ~~بسجد السجدتين، فإنه يأتي بالركوع وما بعده، ويلغو ما فعليه قبل الركوع؛ لان ~~الفصل يسير. وهذا قول الجماعة، وإن شرع في الثانية. إما في قراءتها عندهم، وإما PageV01P504 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0505.png) ~~في ركوعها على قول الجماعة. وإن شرع في الثانية إما في قراءتها عندهم، وإما في ~~ركوعها على قول مالك، فعند الشافعي يلغو ما فعله بعد الركوع إلى أن يركع في الثانية، ~~فيقوم مقام ركوع الأولى، وإن طال الفصل ويلفق الركعة من ركعتين، وقد رجح أحمد هذا ~~على قول الكوفيين، وحكى رواية عنه. والمشهور عنه وعن مالك أنهما لا يلفقان، بل ~~تلغو تلك الركعة المنسي ركنها، وتقوم هذه مقامهما، فيكون ترك الموالاة مبطلا للركعة ~~على أصلهما، لا يفصل بين ركوعها وسجودها بفاصل أجنبي عنها، فإن أدنى الصلاة ~~ركعة . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك # والركعة إنما تكون ركعة مع الموالاة، أما إذا ركع ثم فعل أفعالا أجنبية عن ~~الصلاة، ثم سجد: لم تكن هذه ركعة مؤلفة من ركوع وسجود؛ بل يكون ركوع مفرد ~~وسجود مفرد، وهذا ليس بصلاة، والسجود تابع للركوع، فلا تكون صلاة إلا بركوع ~~يتبعه سجود، وسجود يتبعه ركوع، وبسط هذا له موضع آخر. # لكن هؤلاء لهم عذر الخوف، وأولئك لهم عذر السهو، وعدم العلم. # وقد اختلف في السجود والبناء بعد طول الفصل . فقيل : إذا طال الفصل لم ~~يسجد، ولم يبن، ولم يحد هؤلاء طول الفصل بغير قولهم، ms0552 وهذا قول كثير من ~~أصحاب الشافعي، وأحمد. كالقاضي أبي يعلى، وغيره، وهؤلاء يقولون : قد تقصر ~~المدة، وإن خرج، وقد تطول وإن قعد. # وقيل : يسجد ما دام في المسجد، فإن خرج انقطع. وهذا هو الذي ذكره ~~الخرقي وغيره، وهو منصوص عن أحمد، وهو قول الحكم وابن شبرمة، وهذا حد ~~بالمكان لا بالزمان، لكنه حد بمكان العبادة. # وقيل : كل منهما مانع من السجود : طول الفصل، والخروج من المسجد. # وعن أحمد رواية أخرى أنه يسجد وإن خرج من المسجد، وتباعد. وهو قول ~~للشافعي، وهذا هو الأظهر، فإن تحديد ذلك بالمكان أو بزمان لا أصل له في الشرع، ~~لا سيما إذا كان الزمان غير مضبوط، فطول الفصل وقصره ليس له حد معروف في ~~عادات الناس ليرجع إليه، ولم يدل على ذلك دليل شرعي، ولم يفرق الدليل الشرعي ~~في السجود والبناء بين طول الفصل وقصره، ولا بين الخروج من المسجد والمكث ~~فيه، بل قد دخل ه صلى الله عليه وسلم إلى منزله وخرج السرعان من الناس، كما تقدم. ولو لم يرد ~~بذلك شرع فقد علم أن ذلك السلام لم يمنع بناء سائر الصلاة عليها. فكذلك سجدتا ~~السهو يسجدان متى ما ذكرهما. PageV01P505 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0506.png) # وإن تركهما عمدا. فإما أن يقال : يسجدهما أيضا مع إثمه بالتأخير، كما ~~تفعل جبرانات الحج، وهي في ذمته إلى أن يفعلها، فالموالاة فيها ليست شرطا، ~~كما يشترط مع القدرة في الركعات فلو سلم من الصلاة عمدا بطلت صلاته باتفاق ~~الناس ؛ لأن الصلاة في نفسها عبادة واحدة لها تحليل وتحريم؛ بخلاف السجدتين ~~بعد السلام فإنهما يفعلان بعد تحليل الصلاة، كما يفعل طواف الإفاضة بعد التحلل ~~الأول. # وإما أن يقال : الموالاة شرط فيها مع القدرة، وإنما تسقط بالعذر، كالنسيان ~~والعجز، كالموالاة بين ركعات الصلاة، وعلى هذا فمتى أخرهما لغير عذر بطلت ~~صلاته، إذ لم يشرع فصلهما عن الصلاة إلا بالسلام فقط، وأمر بهما عقب السلام، ~~فمتى تكلم عمدا، أو قام، أو غير ذلك مما يقطع التتابع عالما عامدا بلا عذر بطلت ~~صلاته، كما تبطل ms0553 إذا ترك السجدتين قبل السلام. # فأما التكبير في سجود السهو، ففي الصحيحين في حديث ابن بحينة: فلما أتم ~~صلاته سجد سجدتين، يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما ~~الناس معه مكان ما نسي من الجلوس) هذا في السجود قبل السلام، وأما بعده، ~~فحديث ذي اليدين الذي في الصحيحين عن أبي هريرة قال : فصلى ركعتين وسلم، ~~ثم كبر وسجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر فرفع»21) والتكبير قول عامة ~~أهل العلم؛ ولكن تنازعوا في التشهد والتسليم على ثلاثة أقوال: # فروي عن أنس والحسن وعطاء : أنه ليس فيهما تشهد ولا تسليم ومن قال هذا ~~قاله تشبيها بسجود التلاوة؛ لأنه سجود مفرد، فلم يكن فيه تشهد ولا تسليم، كسجود ~~التلاوة، فإنه لم ينقل أحد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم سليما، وكذلك قال أحمد وغيره. وقال ~~احمد: أما التسليم فلا أدري ما هو، وجمهور السلف على أنه لا تسليم فيه، ومن ~~أثبت التسليم فيه أثبته قياسا، وهو قياس ضعيف؛ لأنه جعله صلاة، وأضعف منه من ~~اثبت فيه التشهد قياسا. # والقول الثاني : أن فيهما تشهد يتشهد ويسلم إذا سجدهما بعد السلام، وهذا ~~مروي عن ابن عباس والنخعي والحكم وحماد والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد ~~وأصحاب الرأي . # والثالث: فيهما تسليم بغير تشهد، وهو قول ابن سيرين، قال ابن المنذر: PageV01P506 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0507.png) ~~التسليم فيهما ثابت من غير وجه، وفي ثبوت التشهد نظر، وعن عطاء : إن شاء تشهد ~~وسلم، وإن شاء لم يفعل. # قال أبو محمد: ويحتمل أن لا يجب التشهد؛ لأن ظاهر الحديثين الأولين أنه ~~سلم من غير تشهد، وهي أصح من هذه الرواية، ولأنه سجود مفرد فلم يجب له ~~تشهد، كسجود التلاوة. # قلت : أما التسليم فيهما فهو ثابت في الأحاديث الصحيحة، حديث ابن مسعود، ~~وحديث عمران. ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود كما تقدم، قال : لصلى ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم، قال إبراهيم: زاد أو نقص، فلما سلم قيل له : يا رسول الله! أحدث ~~في الصلاة شيء? قال: ms0554 وما ذاك? قالوا: صليت كذا وكذا، قال : فثنى رجليه، ~~واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه . الحديث. # وفي الصحيحين أيضا من حديث عمران بن حصين قال : فصلى ركعة، ثم ~~سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم»2) وكذلك ذكر محمد بن سيرين لما روى حديث ~~أبي هريرة . قال : وثبت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم، وابن سيرين ما كان ~~يروي إلا عن ثقة، والفرق بين هاتين وبين سجود التلاوة : أن هاتين صلاة، وإنهما ~~سجدتان وقد أقيمتا مقام ركعة، وجعلتا جابرتين لنقص الصلاة، فجعل لهما تحليل ~~كما لهما تحريم. وهذه هي الصلاة. كما قال : لمفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها ~~التكبير، وتحليلها التسليم # وأما لا سجود التلاوة فهو خضوع لله، وكان ابن عمر وغيره يسجدون على غير ~~وضوء، وعن عثمان بن عفان في الحائض تسمع السجدة قال: تومئ برأسها، وكذلك ~~قال سعيد بن المسيب، قال: ويقول : اللهم لك سجدت. وقال الشعبي : من سمع ~~السجدة وهو على غير وضوء يسجد حيث كان وجهه، وقد سجد رسول ال صلى الله عليه وسلم ~~وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس، ففعله الكافر والمسلم، وسجد ~~سحرة فرعون. وعلى هذا فليس بداخل في مسمى الصلاة. # ولكن سجدتا السجود يشبهان صلاة الجنازة، فإنها قيام مجرد، لكن هي صلاة ~~فيها تحريم وتحليل؛ ولهذا كان الصحابة يتطهرون لها ورخص ابن عباس في التيمم ~~لها إذا خشي الفوات، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وهي PageV01P507 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0508.png) ~~كسجدتي السهو يشترط لها استقبال الكعبة والاصطفاف، كما في الصلاة، والمؤتم فيه ~~تبع للإمام، لا يكبر قبله، ولا يسلم قبله، كما في الصلاة؛ بخلاف سجود التلاوة فإنه ~~عند كثير من أهل العلم يسجد وإن لم يسجد القارئ. # والحديث الذي يروى : إنك إمامنا فلو سجدت لسجدنا من مراسيل عطاء، ~~وهو من أضعف المراسيل، قاله أحمد وغيره. ومن قال : إنه لا يسجد إلا إذا سجد ~~لم يجعله مؤتما به من كل وجه، فلا يشترط أن يكون المستمعون يسجدون جميعا ~~صفا، كما يسجدون خلف الإمام ms0555 للسهو، ولا يشترط أن يكون الإمام إمامه كما في ~~الصلاة، وللمأموم أن يرفع قبل إمامه، فعلم أنه ليس بمؤتم به في صلاة، وإن قيل: ~~إنه مؤتم به في غير صلاة، كائتمام المؤمن على الدعاء بالداعي، وائتمام المستمع ~~بالقارئ. # وأما التشهد في سجدتي السهو؛ فاعتمد من أثبته على ما روي من حديث ~~عمران بن حصين : أن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم ~~سلم رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن غريب. # قلت : كونه غريبا يقتضي أنه لا متابع لمن رواه، بل قد انفرد به. وهذا يوهي ~~هذا الحديث في مثل هذا، فإن رسول الله له صلى الله عليه وسلم د ثبت عنه أنه سجد بعد السلام غير ~~رة، كما في حديث ابن مسعود لما صلى خمسا، وفي حديث أبي هريرة حديث ذي ~~اليدين، وعمران بن حصين لما سلم، سواء كانت قضيتين أو قضية واحدة، وثبت عنه ~~انه قال : إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد ~~سجدتين وقال في حديث أبي هريرة الصحيح : لفإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد ~~سجدتين» وليس في شيء من أقواله أمر بالتشهد بعد السجود، ولا في الأحاديث ~~الصحيحة المتلقاة بالقبول، أنه يتشهد بعد السجود، بل هذا التشهد بعد السجدتين ~~عمل طويل بقدر السجدتين، أو أطول. ومثل هذا مما يحفظ ويضبط، وتتوفر الهمم ~~الدواعي على نقله، فلو كان قد تشهد لذكر ذلك من ذكر أنه سجد، وكان الداعي ~~إلى الذكر ذلك أقوى من الداعي إلى ذكر السلام. وذكر التكبير عند الخفض والرفع. ~~فإن هذه أقوال خفيفة والتشهد عمل طويل، فكيف ينقلون هذا ولا ينقلون هذا. # وهذا التشهد عند من يقول به كالتشهد الأخير، فإنه يتعقبه السلام فتسن معه PageV01P508 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0509.png) ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء، كما إذا صلى ركعتي الفجر، أو ركعة الوتر وتشهد، ~~ثم الذي في الصحيح من حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد، فانفراد واحد بمثل هذه ~~الزيادة التي تتوفر الهمم ms0556 والدواعي على نقلها يضعف أمرها، ثم هذا المنفرد بها يجب ~~أن ينظر لو انفرد بحديث، هل يثبت أنه شريعة للمسلمين? # وأيضا: فالتشهد إنما شرع في صلاة تامة ذات ركوع وسجود، لم يشرع في ~~صلاة الجنازة، مع أنه يقرأ فيها بأم القرآن، وسجدتا السهو لا قراءة فيهما، فإذا لم ~~يشرع في صلاة فيها قراءة، وليست بركوع وسجود، فكذلك في صلاة ليس فيها قيام ~~ولا قراءة ولا ركوع. # وقد يقال : إنه أولى وأنفع، فليس هو مشروعا عقب سجدتي الصلب، بل ~~إنما يتشهد بعد ركعتين، لا بعد كل سجدتين، فإذا لم يتشهد عقب سجدتي ~~الصلب، وقد حصل بهما ركعة تامة، فأن لا يتشهد عقب سجدتي السهو أولى . ~~وذلك أن عامة سجدتي السهو أن يقوما مقام ركعة. كما قال صلى الله عليه وسلم فإن كان قد ~~صلى خمسا شفعتا له صلاته، وإن كان صلى لتمام كانتا ترغيما للشيطان فجعلهما ~~كركعة لا كركعتين . وهي ركعة متصلة بغيرها، ليست كركعة الوتر المستقلة ~~بنفسها. ولهذا وجبت فيها الموالاة أن يسجدهما عقب السلام، لا يتعمد ~~تأخيرهما، فهو كما لو سجدهما قبل السلام، وقبل السلام لا يعيد التشهد ~~بعدهما، فكذلك لا يعيد بعد السلام. # ولأن المقصود أن يختم صلاته بالسجود لا بالتشهد، بدليل أن السجود قبل ~~السلام لم يشرع قبل التشهد، بل إنما شرع بعد التشهد فعلم أنه جعل خاتما للصلاة، ~~ليس بعده إلا الخروج منها، ولأن إعادة التشهد والدعاء يقتضي تكرير ذلك مع قرب ~~الفصل بينهما، فلم يكن ذلك مشروعا، كإعادته إذا سجد قبل السلام؛ ولأنه لو كان ~~بعدهما تشهد لم يكن المشروع سجدتين. # والنبي صلى الله عليه وسلم ما أمر بسجدتين فقط لا بزيادة على ذلك، وسماهما المرغمتين ~~للشيطان، فزيادة التشهد بعد السجود كزيادة القراءة قبل السجود، وزيادة تكبيرة ~~الإحرام. ومعلوم أنه لا افتتاح لهما، بل يكبر للخفض، لا يكبر وهو قاعد، فعلم ~~أنهما داخلتان في تحريم الصلاة، فيكونان جزءا من الصلاة، كما لو سجدهما قبل ~~السلام فلا يختصان بتشهد، ولكن يسلم منهما؛ لأن السلام الأول سقط، ms0557 فلم يكن ~~سلاما منهما، فإن السلام إنما يكون عند الخروج. # وقد نفي بعض الصحابة والتابعين السلام منهما، كما أنه لا تحريم لهما؛ لكن ~~الصواب الفرق، كما وردت به السنة الصحيحة، والله أعلم. PageV01P509 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0510.png) # باب صلاة التطوع # سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : أيما طلب القرآن أو العلم أفضل? # فأجاب : أما العلم الذي يجب على الإنسان عينا كعلم ما أمر الله به، وما نهى ~~الله عنه، فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن، فإن طلب العلم الأول ~~واجب، وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب. # وأما طلب حفظ القرآن؛ فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علما، وهو إما ~~باطل، أو قليل النفع . وهو أيضا مقدم في التعلم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين ~~من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ ~~القرآن، فإنه أصل علوم الدين، بخلاف ما يفعله كثير من أهل البدع من الأعاجم ~~وغيرهم، حيث يشتغل أحدهم بشيء من فضول العلم، من الكلام، أو الجدال، ~~والخلاف، أو الفروع النادرة، أو التقليد الذي لا يحتاج إليه، أو غرائب الحديث التي ~~لا تثبت، ولا ينتفع بها، وكثير من الرياضيات التي لا تقوم عليها حجة، ويترك حفظ ~~القرآن الذي هو أهم من ذلك كله، فلا بد في مثل [هذه] المسألة من التفصيل. # والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه، والعمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظه ~~لم يكن من أهل العلم، والدين، والله سبحانه أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن تكرار القرآن والفقه: أيهما أفضل واكثر أجرا. # فأجاب : الحمد لله. خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ~~وكلام الله لا يقاس به كلام الخلق، فإن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله ~~على خلقه. # وأما الأفضل في حق الشخص، فهو بحسب حاجته، ومنفعته، فإن كان يحفظ ~~القرآن وهو محتاج إلى تعلم غيره، فتعلمه ما يحتاج إليه أفضل من تكرار التلاوة التي ~~لا يحتاج إلى ms0558 تكرارها، وكذلك إن كان حفظ من القرآن ما يكفيه، وهو محتاج إلى ~~علم آخر. # وكذلك إن كان قد حفظ القرآن، أو بعضه، وهو لا يفهم معانيه فتعلمه لما ~~يفهمه من معاني القرآن أفضل من تلاوة ما لا يفهم معانيه. # وأما من تعبد بتلاوة الفقه فتعبده بتلاوة القرآن أفضل، وتدبره لمعاني القرآن ~~أفضل من تدبره لكلام لا يحتاج لتدبره، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عمن يحفظ القرآن: ايما افضل له تلاوة القرآن مع أمن PageV01P510 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0511.png) ~~النسيان? أو التسبيح وما عداه من الاستغفار والأذكار في سائر الأوقات؟ مع علمه بما ~~ورد في «الباقيات الصالحات والتهليل، ولا حولا ولا قوة إلا بالله . ولسيد ~~الاستغفار، وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم # فأجاب : الحمد لله. جواب هذه المسألة ونحوها مبني على أصلين : فالأصل ~~الأول أن جنس تلاوة القرآن أفضل من جنس الأذكار، كما أن جنس الذكر أفضل من ~~جنس الدعاء، كما في الحديث الذي في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلمانه قال : أفضل ~~الكلام بعد القرآن أربع - وهن من القرآن - سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله، والله أكبر # وفي الترمذي عن أبي سعيد عنه صلى الله عليه وسلم أن قال : من شغله قراءة القرآن عن ذكري ~~ومسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وكما في الحديث الذي في السنن في ~~الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن، فعلمني ما يجزئني ~~في صلاتي قال : قل : سبحان الله، [والحمد لله] ولا إله إلا الله، والله أكبر ~~ولهذا كانت القراءة في الصلاة واجبة، فإن الأئمة لا تعدل عنها إلى الذكر إلا عند ~~العجز. والبدل دون المبدل منه. # وأيضا : فالقراءة تشترط لها الطهارة الكبرى، دون الذكر والدعاء، وما لم ~~يشرع إلا على الحال الأكمل فهو أفضل، كما أن الصلاة لما اشترط لها الطهارتان ~~كانت أفضل من مجرد القراءة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم استقيموا ولن تحصوا، ~~واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولهذا نص ms0559 العلماء على أن أفضل تطوع البدن ~~الصلاة. # وأيضا فما يكتب فيه القرآن لا يمسه إلا طاهر. وقد حكى إجماع العلماء على ~~أن القراءة أفضل؛ لكن طائفة من الشيوخ رجحوا الذكر. ومنهم من زعم أنه أرجح في ~~حق المنتهي المجتهد، كما ذكر ذلك أبو حامد في كتبه، ومنهم من قال: هو أرجح ~~في حق المبتدئ السالك، وهذا أقرب إلى الصواب. PageV01P511 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0512.png) # وتحقيق ذلك يذكر في الأصل الثاني، وهو: أن العمل المفضول قد يقترن به ~~ما يصيره أفضل من ذلك وهو نوعان: # أحدهما : ما هو مشروع لجميع الناس. # والثاني: ما يختلف باختلاف أحوال الناس . أما الأول فمثل أن يقترن إما بزمان أو ~~بمكان أو عمل يكون أفضل . مثل ما بعد الفجر والعصر، ونحوهما من أوقات النهي عن ~~الصلاة؛ فإن القراءة والذكر والدعاء أفضل في هذا الزمان، وكذلك الأمكنة التي نهى عن ~~الصلاة فيها : كالحمام وأعطان الإبل والمقبرة فالذكر والدعاء فيها أفضل، وكذلك ~~الجنب: الذكر في حقه أفضل، والمحدث: القراءة والذكر في حقه أفضل، فإذا كره ~~الأفضل في حال حصول مفسدة كان المفضول هناك أفضل؛ بل هو المشروع. # وكذلك حال الركوع والسجود، فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : نهيت أن ~~أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في ~~الدعاء فقمن أن يستجاب لكم . وقد اتفق العلماء على كراهة القراءة في الركوع ~~والسجود، وتنازعوا في بطلان الصلاة بذلك، على قولين، هما وجهان في مذهب ~~الإمام أحمد، وذلك تشريفا للقرآن وتعظيما له أن لا يقرأ في حال الخضوع والذل، ~~كما كره أن يقرأ مع الجنازة، وكما كره أكثر العلماء قراءته في الحمام. # وما بعد التشهد هو حال الدعاء المشروع بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره. والدعاء فيه ~~أفضل؛ بل هو المشروع، دون القراءة والذكر، وكذلك الطواف وبعرفة ومزدلفة وعند ~~رمي الجمار : المشروع هناك هو الذكر والدعاء. وقد تنازع العلماء في القراءة في ~~الطواف هل تكره أم لا تكره؟ على قولين مشهورين. # والنوع ms0560 الثاني : أن يكون العبد عاجزا عن العمل الأفضل؛ إما عاجزا عن أصله، ~~كمن لا يحفظ القرآن ولا يستطيع حفظه كالأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، أو عاجزا ~~عن فعله على وجه الكمال مع قدرته على فعل المفضول على وجه الكمال. ومن هنا ~~قال من قال : إن الذكر أفضل من القرآن؛ فإن الواحد من هؤلاء قد يخبر عن حاله، ~~وأكثر السالكين بل العارفين منهم إنما يخبر أحدهم عما ذاقه ووجده، لا يذكر أمرا ~~عاما للخلق؛ إذ المعرفة تقتضي أمورا معينة جزئية، والعلم يتناول أمرا عاما كليا، ~~فالواحد من هؤلاء يجد في الذكر من اجتماع قلبه، وقوة إيمانه، واندفاع الوسواس ~~عنه، ومزيد السكينة، والنور، والهدى: ما لا يجده في قراءة القرآن؛ بل إذا قرأ ~~القرآن لا يفهمه أو لا يحضر قلبه وفهمه، ويلعب عليه الوسواس والفكر، كما أن من ~~الناس من يجتمع قلبه في قراءة القرآن وفهمه وتدبره ما لا يجتمع في الصلاة؛ بل PageV01P512 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0513.png) ~~يكون في الصلاة بخلاف ذلك، وليس كل ما كان أفضل يشرع لكل أحد بل كل واحد ~~يشرع له أن يفعل ما هو أفضل له . # فمن الناس من تكون الصدقة أفضل له من الصيام وبالعكس، وإن كان جنس ~~الصدقة أفضل . ومن الناس من يكون الحج أفضل له من الجهاد كالنساء، وكمن يعجز ~~عن الجهاد، وإن كان جنس الجهاد أفضل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحج جهاد كل ~~ضعيف»(1) ونظائر هذا متعددة. # إذا عرف هذان الأصلان : عرف بهما جواب هذه المسائل. إذا عرف هذا فيقال : ~~الأذكار المشروعة في أوقات معينة مثل ما يقال عند جواب المؤذن هو أفضل من القراءة ~~في تلك الحال، وكذلك ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقال عند الصباح والمساء، وإتيان ~~المضجع : هو مقدم على غيره . وأما إذا قام من الليل فالقراءة له أفضل إن أطاقها وإلا ~~فليعمل ما يطيق، والصلاة أفضل منهما؛ ولهذا نقلهم عند نسخ وجوب قيام الليل إلى ~~القراءة فقال : (إن ريبك يعله أنك تقوم أدن ms0561 من ثلثي اليل ونصفه وثلثه وطابفة من الذين معك والله يقدر اليل ~~والنهار علم أن لن تحصوه فناب عليكم فاقر وأما تيسر من ألقرهان)الآية [لمزمل] والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن القيام للمصحف وتقبيله? وهل يكره أيضا أن يفتح ~~فيه الفأل؟(2) # فأجاب: الحمد لله. القيام للمصحف وتقبيله لا نعلم فيه شيئا مأثورا عن ~~السلف، وقد سئل الإمام أحمد عن تقبيل المصحف. فقال : ما سمعت فيه شيئا؛ ~~ولكن روي عن عكرمة بن أبي جهل : أنه كان يفتح المصحف، ويضع وجهه عليه، ~~ويقول : كلام ربي . كلام ربي ولكن السلف وإن لم يكن من عادتهم القيام له، فلم ~~يكن من عادتهم قيام بعضهم لبعض، اللهم إلا لمثل القادم من مغيبه ونحو ذلك. # ولهذا قال أنس : لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الهال صلى الله عليه وسلم كانوا إذا ~~رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهته لذلك» والأفضل للناس أن يتبعوا طريق ~~السلف في كل شيء فلا يقومون إلا حيث كانوا يقومون. # فأما إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض. فقد يقال: لو تركوا القيام للمصحف ~~مع هذه العادة لم يكونوا محسنين في ذلك، ولا محمودين بل هم إلى الذم أقرب، ~~حيث يقوم بعضهم لبعض، ولا يقومون لمصحف الذي هو أحق بالقيام . حيث يجب ~~من احترامه وتعظيمه ما لا يجب لغيره . حتى ينهى أن يمس القرآن إلا طاهر، والناس PageV01P513 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0514.png) ~~يمس بعضهم بعضا مع الحدث، لا سيما وفي ذلك من حقايم 21000 اللمآه ،شعائره ~~ما ليس في غير ذلك، وقد ذكر من ذكر من الفةهاء البة ة.ام الما. اما . معف ذار ~~مقرر له غير منكر له. # وأما استفتاح الفأل في المصحف: فلم ينقل من الساف فيه شي ،ة1 تنازم فيه ~~المتأخرون. وذكر القاضي أبو يعلى فيه نزاعا: ذكر من ابن بطة انه فمله، وذكر من ~~غيره أنه كرهه، فإن هذا ليس الفأل الذي يحبه رسول الله بخذ ، فإنه كان يحب الفال ~~ويكره الطيرة. # والفأل الذي يحبه هو أن يفعل أمرا أو يعزم ms0562 عليه متوكلا ملى الله، فيسمع ~~الكلمة الحسنة التي تسره : مثل أن يسمع يا نجيح! يا مفلح! يا سعيد! يا منصورا ~~ونحو ذلك . كما لقي في سفر الهجرة رجلا فقال : ما اسمك? قال: يزيد . قال : ~~يا أبا بكر! يزيد أمرنا1. # وأما الطيرة بأن يكون قد فعل أمرا متوكلا على الله، أو يعزم عليه، فيسمع كلمة ~~مكروهة : مثل ما يتم، أو ما يفلح، ونحو ذلك. فيتطير ويترك الأمر، فهذا منهي ~~عنه . كما في الصحيح عن معاوية بن الحكم السلمي قال : لقلت: يا رسول الله! منا ~~قوم يتطيرون، قال : ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصسدنكم فنهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ان تصد الطيرة العبد عما أراد، فهو في كل واحد من محبته للفال وكراهته ~~للطيرة ، إنما يسلك مسلك الاستخارة لله، والتوكل عليه، والعمل بما شر له من ~~الأسباب، لم يجعل الفأل آمرا له، وباعثا له على الفعل، ولا الطيرة ناهية له من ~~الفعل، وإنما يأتمر وينتهي عن مثل ذلك أهل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام، وقا. ~~حرم الله الاستقسام بالأزلام في آيتين من كتابه، وكانوا إذا ارادوا أمرآ من الامو ~~أحالوا به قداحا مثل السهام أو الحصى، او غير ذلك وقد علموا ماى هذا ملامة ~~الخير، وعلى هذا علامة الشر، وآخر غفل . فإذا خرج هذا فعلوا، وإذا خرج هاا ~~تركوا، وإذا خرج الغفل أعادوا الاستقسام. # فهذه الأنواع التي تدخل في ذلك : مثل الضرب بالحصى والشعير والا مح ~~والخشب، والورق المكتوب عليه حروف أبجد، او ابيات من الشع، ا، نحم ذا ~~مما يطلب به الخيرة فما يفعله الرجل ويتركه ينهى منها، لانها من باب الاستتسام ~~بالأزلام، وإنما يسن له استخارة الخالق، واستشارة المخلوق، والاسمتالال بالاداة ~~الشرعية التي تبين ما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه وياهي منه. # وهذه الأمور تارة يقصد بها الاستا لاا، عاى ما يفعله العهدم: هلى هم خب آم 20،9 PageV01P514 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0515.png) ~~وتارة الاستدلال على ما يكون فيه نفع في الماضي والمستقبل. وكلا غير مشروع، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # وقال ms0563 شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: # تنازع الناس: أيما أفضل كثرة الركوع والسجود? أو طول القيام? وقد ذكر عن ~~أحمد في ذلك ثلاث روايات: # إحداهن: أن كثرة الركوع والسجود أفضل، وهي التي اختارها طائفة من ~~أصحابه . # والثانية: إنهما سواء. # والثالثة : أن طول القيام أفضل، وهذا يحكى عن الشافعي. # فنقول : هذه المسألة لها صورتان: # إحداهما : أن يطيل القيام، مع تخفيف الركوع والسجود. فيقال : أيما أفضل ~~هذا? أم تكثير الركوع والسجود مع تخفيف القيام? ويكون هذا قد عدل بين القيام، ~~وبين الركوع والسجود، فخفف الجميع. # والصورة الثانية : أن يطيل القيام، فيطيل معه الركوع والسجود فيقال : أيما أفضل ~~هذا? أم أن يكثر من الركوع والسجود والقيام، وهذا قد عدل بين القيام والركوع ~~والسجود في النوعين، لكن إيما أفضل تطويل الصلاة قياما وركوعا وسجودا، أم تكثير ~~ذلك مع تخفيفها، فهذه الصورة ذكر أبو محمد وغيره فيها ثلاث روايات، وكلام غيره ~~يقتضي أن النزاع في الصورة الأولى أيضا. # والصواب في ذلك: أن الصورة الأولى - تقليل الصلاة مع كثرة الركوع ~~والسجود، وتخفيف القيام - أفضل من تطويل القيام وحده مع تخفيف الركوع ~~والسجود. ومن فضل تطويل القيام احتجوا بالحديث الصحيح أن رسول الله له صلى الله عليه وسلم. ~~سئل : أي الصلاة أفضل فقال : «طول القنوت). وظنوا أن المراد بطول القنوت ~~طول القيام، وإن كان مع تخفيف الركوع والسجود، وليس كذلك. فإن القنوت هو ~~دوام العبادة والطاعة، ويقال لمن أطال السجود: إنه قانت. قال تعالى : (أمن هو قيث ~~اناء اليل ساجدا وقابما يحذر الأخرة وررجا رحة ريه) فجعله قانتا في حال ~~السجود، كما هو قانت في حال القيام، وقدم السجود على القيام. PageV01P515 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0516.png) # وفي الآية الأخرى قال : (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) ~~ولم يقل قنوتا، فالقيام ذكره بلفظ القيام، لا بلفظ القنوت. وقال تعالى : (وقوموا لله ~~قانيتين) فالقائم قد يكون قانتا، وقد لا يكون، وكذلك الساجد. ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم ين أن طول القنوت أفضل الصلاة، وهو يتناول القنوت في حال السجود، ~~وحال القيام. ms0564 وهذا الحديث يدل على الصورة الثانية، وإن تطويل الصلاة قياما وركوعا ~~وسجودا أولى من تكثيرها قياما وركوعا وسجودا؛ لأن طول القنوت يحصل بتطويلها ~~لا بتكثيرها، وأما تفضيل طول القيام مع تخفيف الركوع والسجود على تكثير الركوع ~~والسجود فغلط . فإن جنس السجود أفضل من جنس القيام، من وجوه متعددة: # أحدها : أن السجود بنفسه عبادة، لا يصلح أن يفعل إلا على وجه العبادة لله ~~وحده، والقيام لا يكون عبادة إلا بالنية، فإن الإنسان يقوم في أمور دنياه، ولا ينهى ~~عن ذلك. # الثاني : أن الصلاة المفروضة لا بد فيها من السجود، وكذلك كل صلاة فيها ~~ركوع لا بد فيها من سجود، لا يسقط السجود فيها بحال من الأحوال، فهو عماد ~~الصلاة، وأما القيام فيسقط في التطوع دائما، وفي الصلاة على الراحلة في السفر، ~~وكذلك يسقط القيام في الفرض عن المريض، وكذلك عن المأموم إذا صلى إمامه ~~جالسا . كما جاءت به الأحاديث الصحيحة. # وسواء قيل : إنه عام للأمة، أو مخصوص بالرسول، فقد سقط القيام عن ~~المأموم في بعض الأحوال، والسجود لا يسقط لا عن قائم ولا قاعد، والمريض إذا ~~عجز عن إيمائه أتى منه بقدر الممكن، وهو الإيماء برأسه، وهو سجود مثله، ولو ~~عجز عن الإيماء برأسه، ففيه قولان، هما روايتان عن أحمد : # أحدهما: أنه يومي بطرفه، فجعلوا إيماءه بطرفه هو ركوعه وسجوده، فلم يسقطوه. # والثاني : أنه تسقط الصلاة في هذه الحال، ولا تصح على هذا الوجه، وهو قول ~~أبي حنيفة، وهذا القول أصح في الدليل؛ لأن الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة، ~~ولا يتميز فيه الركوع عن السجود، ولا القيام عن القعود، بل هو من نوع العبث الذي ~~لم يشرعه الله تعالى. # وأما الإيماء. بالراس : فهو خفضه، وهذا بعض ما أمر به المصلي وقد قال ~~الني صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ~~وهو لا يستطيع من السجود إلا هذا الإيماء، وأما تحريك العين فليس من السجود في ~~شيء. PageV01P516 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0517.png) # وعلى القولين فقد ms0565 اتفقوا على أنه لا بد في الصلاة من السجود، وهذا يقول ~~الإيماء بطرفه هو سجود، وهذا يقول ليس بسجود فلا يصلي . فلو كانت الصلاة تصح ~~مع القدرة بلا سجود لأمكن أن يكبر ويقرأ ويتشهد ويسلم، فيأتي بالأقوال دون ~~الأفعال، وما علمت أحدا قال إن الصلاة تصح بمجرد الأقوال، بل لا بد من ~~السجود. وأما القيام والقراءة فيسقطان بالعجز باتفاق الأئمة، فعلم أن السجود هو ~~أعظم أركان الصلاة القولية والفعلية. # الوجه الثالث: أن القيام إنما صار عبادة بالقراءة، أو بما فيه من ذكر ودعاء، ~~كالقيام في الجنازة، فأما القيام المجرد فلم يشرع قط عبادة، مع إمكان الذكر فيه؛ ~~بخلاف السجود فإنه مشروع بنفسه عبادة، حتى خارج الصلاة، شرع سجود التلاوة، ~~والشكر، وغير ذلك. # وأما المأموم إذا لم يقرأ فإنه يستمع قراءة إمامه، واستماعه عبادة، وإن لم يسمع ~~فقد اختلف في وجوب القراءة عليه، والأفضل له أن يقرأ. والذين قالوا لا قراءة ~~عليه، أو لا تستحب له القراءة، قالوا قراءة الإمام له قراءة، فإنه تابع للإمام. # فإن قيل : إذا عجز الأمي عن القراءة والذكر، قيل : هذه الصورة نادرة، أو ~~ممتنعة، فإن أحدا لا يعجز عن ذكر الله؛ وعليه أن يأتي بالتكبير، وما يقدر عليه من ~~تحميد وتهليل، وعلى القول بتكرار ذلك: هل يكون بقدر الفاتحة? فيه وجهان لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم : إذا قمت إلى الصلاة فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله وكبره ~~وهلله، ثم اركع رواه أبو داود، والترمذي. # قال أحمد: إنه إذا قام إلى الثانية وقد نسي بعض أركان الأولى، إن ذكر قبل ~~الشروع في القراءة مضى، وصارت هذه بدل تلك. فإن المقصود بالقيام هو القراءة؛ ~~ولهذا قالوا : ما كان عبادة بنفسه لم يحتج إلى ركن قولي كالركوع والسجود، وما لم ~~يكن عبادة بنفسه احتاج إلى ركن قولي كالقيام والقعود. وإذا كان السجود عبادة بنفسه ~~علم أنه أفضل من القيام. # الوجه الرابع : أن يقال القيام يمتاز بقراءة القرآن، فإنه قد نهي عن القراءة في ~~الركوع والسجود، ms0566 وقراءة القرآن أفضل من التسبيح، فمن هذا الوجه تميز القيام، وهو ~~حجة من سوى بينهما، فقال السجود بنفسه أفضل، وذكر القيام أفضل، فصار كل ~~منهما أفضل من وجه، أو تعادلا. لكن يقال قراءة القرآن تسقط في مواضع، وتسقط PageV01P517 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0518.png) ~~عن المسبوق القراءة والقيام أيضا. كما في حديث أبي بكرة. وفي السنن : من أدرك ~~الركعة فقد أدرك السجدة وهذا قول جماهير العلماء، والنزاع فيه شاذ. # وأيضا فالأمي تصح صلاته بلا قراءة باتفاق العلماء، كما في السنن أن رجلا ~~قال: يا رسول الله ! إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن، فعلمني ما يجزيني منه. ~~فقال : قل : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله فقال : هذا لله، فما لي ? قال : تقول: اللهم اغفر لي، وارحمني، ~~وارزقني، واهدني. # وأيضا فلو نسي القراءة في الصلاة، قد قيل : تجزيه الصلاة، وروي ذلك عن ~~الشافعي . وقيل : إذا نسيها في الأولى قرأ في الثانية قراءة الركعتين، وروي هذا عن ~~أحمد . وأما السجود فلا يسقط بحال، فعلم أن السجود أفضل من القراءة، كما أنه ~~أفضل من القيام، والمسبوق في الصلاة يبني على قراءة الإمام الذي استخلفه، كما قد ~~بنى النبي صلى الله عليه وسلمعلى قراءة أبي بكر. # الوجه الخامس : إنه قد ثبت في الصحيح: أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء ~~إلا موضع السجود»(3) فتأكل القدم، وإن كان موضع القيام. # الوجه السادس : أن الله تعالى قال : (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ~~خاشعة أبتصركم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون)، وقد ثبت في ~~الأحاديث الصحيحة : أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة سجد له المؤمنون، ومن كان ~~يسجد في الدنيا رياء يصير ظهره مثل الطبق1 # فقد أمروا بالسجود في عرصات القيامة، دون غيره من أجزاء الصلاة. فعلم أنه ~~أفضل من غيره. # الوجه السابع : أنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة: أن الرسول إذا طلب منه ~~الناس الشفاعة يوم القيامة قال : «فأذهب، فإذا رأيت ms0567 ربي خررت له ساجدا، وأحمد ~~ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فهو إذا رآه سجد وحمد، وحينئذ يقال له: PageV01P518 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0519.png) ~~أي محمد! ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع . فعلم أنه أفضل ~~من غيره. # الوجه الثامن : أن الله تعالى قال : (كلا لا نطعه واسجد واقرب ) وقد ~~ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انآ قال : لأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ~~ساجد»(2) وهذا نص في أنه في حال السجود أقرب إلى الله منه في غيره، وهذا ~~صريح في فضيلة السجود على غيره . والحديث رواه مسلم في صحيحه عن ~~أبي هريرة : أن رسول الله اله صلى الله عليه وسلم ال : لأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. ~~فأكثروا الدعاء»2 # الوجه التاسع : ما رواه مسلم في صحيحه عن معدان بن أبي طلحة قال : لقيت ~~ثوبان مولى رسول الهالاه صلى الله عليه وسلم قلت : أخبرني بعمل يدخلني الله به الجنة، أو قال : ~~بأحب الأعمال إلى الله، فسكت ثم سألته الثانية، فقال : سألت عن ذلك ~~رسول الله اله صلى الله عليهوسلم قال : عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك ~~الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة ، قال معدان : ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته ~~فقال لي مثلما قال لي ثوبان. فإن كان سأله عن أحب الأعمال فهو صريح في أن ~~السجود أحب إلى الله من غيره، وإن كان سأله عما يدخله الله به الجنة، فقد دله على ~~السجود دون القيام، فدل على أنه أقرب إلى حصول المقصود. # وهذا الحديث يحتج به من يرى أن كثرة السجود أفضل من تطويله، لقوله: ~~ل فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة ~~ولا حجة فيه؛ لأن كل سجدة يستحق بها ذلك، لكن السجدة أنواع. فإذا كانت إحدى ~~السجدتين أفضل من الأخرى كان ما يرفع به من الدرجة أعظم، وما يحط به عنه من ~~الخطايا أعظم، كما أن السجدة التي يكون ms0568 فيها أعظم خشوعا وحضورا هي أفضل من ~~غيرها، فكذلك السجدة الطويلة التي قنت فيها لربه هي أفضل من القصيرة. # الوجه العاشر : ما روى مسلم أيضا عن ربيعة بن كعب قال : «كنت أبيت مع ~~رسول الله صله صى الله عليه وسلم اتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي : سل، فقلت : أسألك مرافقتك في ~~الجنة، فقال : أو غير ذلك? فقلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة PageV01P519 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0520.png) ~~السجود»(1). فهذا قد سأل عن مرتبة علية، وإنما طلب منه كثرة السجود. وهذا أدل ~~على أن كثرة السجود [أفضل] لكن يقال المكثر من السجود قد يكثر من سجود ~~طويل، وقد يكثر من سجود قصير، وذاك أفضل . # وأيضا فالإكثار من السجود لا بد فإذا صلى إحدى عشرة ركعة طويلة، كما كان ~~لنبي صلى الله عليه وسلم صلي، فإذا صلى المصلي في مثل زمانهن عشرين ركعة، فقد أكثر السجود، ~~لكن سجود ذاك أفضل وأتم، وهذا أكثر من ذاك، ولس لأحد أن يقول: إنما كان أكثر مع ~~قصرها فهو أفضل مما هو كثير أيضا، وهو أتم وأطول كصلاة النبي صلى الله عليهولم. # الوجه الحادي عشر : أن نواضع الساجد تسمى مشاجد. كما قال تعالى : (وأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) وقال تعالى : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن ~~يذكر فيها اسمه) وقال تعالى : (قل أمر رب بالقسط وأقيموا وجوهكم عند ~~كل مسجد) آعراف :] ولا تسمى مقامات إلا بعد فعل السجود فيها. فعلم أن ~~أعظم أفعال الصلاة هو السجود، الذي عبر عن مواضع السجود بأنها مواضع فعله. # الوجه الثاني عشر : أنه تعالى قال : (إنما يؤمن بناياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا ~~سبحوا بحمد رببهم وهم لا يستكبرن ) وهذا وإن تناول سجود التلاوة، ~~فتناوله لسجود الصلاة أعظم؛ فإن احتياج الإنسان إلى هذا السجود أعظم على كل ~~حال، فقد جعل الخرور إلى السجود، مما لا يحصل الإيمان إلا به، وخصه بالذكر، ~~وهذا مما تميز به، وكذلك أخبر عن أنبيائه أنهم: (إذا تثلى عليهم ايات الرحمن خرواسجدا ~~وبكيا) [ وقال ms0569 في تلك الآية : (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا) 16. # والدعاء في السجود أفضل من غيره، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل ~~قوله في حديث أبي هريرة : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا ~~الدعاء »3) ومثل ما روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: كشف ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم ستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال : أيها الناس! إنه ~~لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو ترى له، ألا وإني ~~نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود ~~فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ادعاء في PageV01P520 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0521.png) ~~السجود في عدة أحاديث، وفي غير حديث، تبين أن ذلك في صلاته بالليل، فعلم ~~أن قوله : (نتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا) وإن كان يتناول الدعاء ~~في جميع أحوال الصلاة فالسجود له مزية على غيره، كما لآخر الصلاة مزية على ~~غيرها؛ ولهذا جاء في السنن : «أفضل الدعاء جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات ~~المكتوبات» # فهذه الوجوه وغيرها مما يبين أن جنس السجود أفضل من جنس القيام والقراءة، ~~ولو أمكن أن يكون أطول من القيام لكان ذلك أفضل؛ لكن هذا يشق مشقة عظيمة، ~~فلهذا خفف السجود عن القيام مع أن السنة تطويله إذا طول القيام، كما كان النبي صلى الله عليه وسل ~~يصلي فروي : «أنه كان يخفف القيام والقعود، ويطيل الركوع والسجود ولما أطال ~~القيام في صلاة الكسوف أطال الركوع والسجود. # وكذلك في حديث حذيفة الصحيح: أنه لما قرأ بالبقرة والنساء وآل عمران، ~~قال : ركع نحوا من قيامه، وسجد نحوا من ركوعه وفي حديث البراء الصحيح ~~أنه قال : «كان قيامه فركعته فاعتداله فسجدته فجلوسه بين السجدتين فجلسته ما بين ~~السلام والانصراف قريبا من السواء . وفي رواية : ما خلا القيام والقعود # وثبت في الصحيح عن عائشة: «أنه كان يسجد السجدة بقدر ما يقرأ الإنسان ~~خمسين آية») . فهذه ms0570 الأحاديث تدل على أن تطويل الصلاة قيامها وركوعها ~~وسجودها أفضل من تكثير ذلك مع تخفيفه، وهو القول الثالث في الصورة الثانية، ~~ومن سوى بينهما قال : إن الأحاديث تعارضت في ذلك، وليس كذلك؛ فإن قوله: ~~أفضل الصلاة طول القنوت يتناول التطويل في القيام والسجود، وكذلك ما رواه ~~مسلم في صحيحه عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : أن طول صلاة الرجل، وقصر ~~خطبته، مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة وقال : لمن أم الناس ~~فليخفف، فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء . وأحاديث تفضيل السجود قد بينا أنها PageV01P521 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0522.png) ~~لا تنافي ذلك . ومعلوم : أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. # وأيضا فإنه لما صلى الكسوف كان يمكنه أن يصلي عشر ركعات، أو عشرين ~~ركعة يكثر فيها قيامها وسجودها، فلم يفعل؛ بل صلى ركعتين أطال فيهما القيام ~~والركوع والسجود، وجعل في كل ركعة قيامين وركوعين، وعلى هذا فكثرة الركوع ~~والسجود أفضل من طول القيام الذي ليس فيه تطويل الركوع والسجود. # وأما إذا أطال القيام والركوع والسجود فهذا أفضل من إطالة القيام فقط، وأفضل ~~من تكثير الركوع والسجود والقيام بقدر ذلك. والكلام إنما هو في الوقت الواحد: ~~كثلث الليل، أو نصفه، أو سدسه أو الساعة، هل هذا أفضل من هذا، أو هذا أفضل ~~من هذا . # وفي الصحيحين عن أم هانئ لما صلى الثماني ركعات يوم الفتح قالت: ما ~~رأيته صلى صلاة قط أخف منها، غير أنه كان يتم الركوع والسجود» وفي رواية ~~لمسلم : ثم قام فركع ثماني ركعات، لا أدري أقيامه فيها أطول، أم ركوعه أم ~~سجوده، كل ذلك متقارب»1) فهذا يبين أنه طول الركوع . والسجود قريبا من ~~القيام، وإن قولها : «لم أره صلى صلاة أخف منها أخبار منها عما رأته، وأم ~~هانئ لم تكن مباشرة له في جميع الأحوال، ولعلها أرادت منع كثرة الركعات، فإنه ~~لم يصل ثمانيا جميعا أخف منها، فإن صلاته بالليل كانت أطول من ذلك، وهو ~~بالنهار لم يصل ثمانيا ms0571 متصلة قط ؛ بل إنما كان يصلي المكتوبة والظهر كان يصلي ~~بعدها ركعتين، وقبلها أربعا، أو ركعتين، أو لعله خففها لضيق الوقت، فإنه ~~صلاها بالنهار وهو مشتغل بأمور فتح مكة، كما كان يخفف المكتوبة في السفر ~~حتى يقرأ في الفجر بالمعوذتين، وروي أنه قرأ في الفجر بالزلزلة في الركعتين، ~~فهذا التخفيف لعارض . # وقد احتج من فضل التكثير على التطويل بحديث ابن مسعود قال : إني لأعرف ~~السور التي كان رسول الله له صلى الله عليه وسلم فيرأ بهن من المفصل، كل سورتين في ركعة يدل ~~على أنه لم يكن يطيل القيام، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه أولا جمع بين سورتين من ~~المفصل، وأيضا فإنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. # وأيضا فإن حذيفة روى عنه : أنه قام بالبقرة، والنساء، وآل عمران في ركعة، ~~وابن مسعود ذكر أنه طول حتى هممت بأمر سوء: أن أجلس وأدعه . ومعلوم أن هذا PageV01P522 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0523.png) ~~لا يكون بسورتين، فعلم أنه كان يفعله أحيانا، ولا ريب أنه كان يطيل بعض الركعات ~~أطول من بعض، كما روت عائشة وغيرها، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن صلاة ركعتين بعد الوتر؟1 # فأجاب: وأما صلاة الركعتين بعد الوتر : فهذه روى فيها مسلم في صحيحه إلى ~~النبي ييه : أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين، وهو جالس . وروي ذلك من حديث ~~أم سلمة في بعض الطرق الصحيحة أنه كان يفعل ذلك إذا أوتر بتسع، فإنه كان يوتر ~~بإحدى عشرة، ثم كان يوتر بتسع، ويصلي بعد الوتر ركعتين. وهو جالس. وأكثر الفتهاء ~~ما سمعوا بهذا الحديث: ولهذا ينكرون هذه، وأحمد وغيره سمعوا هذا وعرفرا صحته. # ووخص أحمد أن تصلى ماتين الركعتين، وهو جالس، كما فعل فمن فعل ~~ذلك نم يتكر عليه، لكن ليست واجبة بالاتفاق، ولا يذم من تركها، ولا تسمى ~~1زحافة، فليس لأحد إنزاء انتآس بها، ولا الإنكار على من فعلها. # ولكن الذي ينكر ما يقعدء طائقة من سجدتين مجردتين بعد الوتر ، فإن هذا يفعله ~~ضئقة من المتويين إنى انعلم، ms0572 وانعيادة من أصحاب الشافعي وأحمد، ومستندهم : لأنه ~~كان يصلي بعد الوتر چدتين) رواء أيز مرسى المديني، وغيره . فظنوا أن المراد ~~يدتان مجردتان، وغتضوا. فإن معتاه أنه كان يصلي ركعتين، كما جاء مبينا في ~~أحديت تصحيحة: قين نجدة يرد بها الركعة، كقول ابن عمر : لحفظت من ~~روت تنه ي مجدتين قيل نقهر) الحديث . والمراد بذلك ركعتان، كما جاء مفسرا في ~~تضرق نصحيحة. وكذنث قرنه: (من أدرك سجدة من الفجر قبل أن تطلع الشمس، فقد ~~آذرت نقجر) رد به ركعة . كما جاء ذلك مفسرا في الرواية المشهورة. # وضن يعض أن نمرد ييا سجدة مجردة، وهو غلط . فإن تعليق الإدراك بسجدة ~~مجردة تم يقى يه أحد من نعلماء: يل ليم فيما تدرك به الجمعة والجماعة ثلاثة أقوال : # صحي: ثته نا يكون مدركا للجمعة ولا الجماعة إلا بإدراك ركعة ، لا يكون ~~مدركا تلجماعة يتكبيرة . وقد استفاض عن الصحابة أن من أدرك من الجمعة أقل من ~~ركعة صلى أربعا . وفي انصحيح عن التبي وهة أنه قال : «من أدرك ركعة من الصلاة ~~فقد أدرك انصلاة) : . وعلى هذا إذا أدرك المسافر خلف المقيم ركعة : فهل يتم. أو ~~يقصر؟ فيها قولان. PageV01P523 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0524.png) # والمقصود هنا : أن لفظ السجدة المراد به الركعة، فإن الصلاة يعبر عنها ~~بأبعاضها، فتسمى قياما، وقعودا، وركوعا، وسجودا، وتسبيحا، وقرآنا. # وأنكر من هذا ما يفعله بعض الناس من أنه يسجد بعد السلام سجدة مفردة، فإن ~~هذه بدعة، ولم ينقل عن أحد من الأئمة استحباب ذلك. والعبادات مبناها على الشرع ~~والاتباع، لا على الهوى والابتداع؛ فإن الإسلام مبني على أصلين : أن لا نعبد إلا الله ~~وحده، وأن نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، لا نعبده بالأهواء والبدع. # وأما الصلاة الزحافة وقولهم: من لم يواظب عليها فليس من أهل السنة: ~~ومرادهم الركعتان بعد الوتر جالسا، فقد أجمع المسلمون على أن هذه ليست واجبة، ~~وإن تركها طول عمره، وإن لم يفعلها ولا مرة واحدة في عمره. لا يكون بذلك من ~~أهل البدع، ولا ممن ms0573 يستحق الذم والعقاب، ولا يهجر، ولا يوسم بميسم مذموم ~~أصلا ؛ بل لو ترك الرجل ما هو أثبت منها كتطويل قيام الليل، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم. ~~يطوله، وكقيام إحدى عشرة ركعة. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ونحو ذلك. لم ~~يكن بذلك خارجا عن السنة، ولا مبتدعا ولا مستحقا للذم، مع اتفاق المسلمين على ~~أن قيام الليل إحدى عشرة ركعة طويلة. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم فيعل أفضل، من أن يدع ~~ذلك ويصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس . # فإن الذي ثبت في صحيح مسلم عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يصلي من الليل ~~إحدى عشرة ركعة وهو جالس»1) ثم صار يصلي تسعا يجلس عقيب الثامنة - ~~والتاسعة، ولا يسلم إلا عقيب التاسعة، ثم يصلي بعدها ركعتين وهو جالس، ثم صار ~~يوتر بسبع، وبخمس، فإذا أوتر بخمس لم يجلس إلا عقيب الخامسة، ثم يصلي ~~بعدها ركعتين وهو جالس. وإذا أوتر بسبع: فقد روي أنه لم يكن يجلس إلا عقيب ~~السابعة، وروي : أنه كان يجلس عقيب السادسة والسابعة، ثم يصلي ركعتين بعد الوتر ~~وهو جالس. وهذا الحديث الصحيح دليل على أنه لم يكن يداوم عليها، فكيف يقال : ~~إن من لم يداوم عليها فليس من أهل السنة. # والعلماء متنازعون فيها : هل تشرع أم لا? فقال كثير من العلماء: إنها لا تشرع ~~بحال، لقوله صلى الله عليه وسلم: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا. ومن هؤلاء من تأول PageV01P524 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0525.png) ~~الركعتين اللتين روي أنه كان يصليهما بعد الوتر على ركعتي الفجر لكن الأحاديث ~~صحيحة صريحة بأنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس، غير ركعتي الفجر. ~~وروي في بعض الألفاظ : أنه كان يصلي سجدتين بعد الوتر، فظن بعض الشيوخ أن ~~المراد سجدتان مجردتان فكانوا يسجدون بعد الوتر سجدتين مجردتين، وهذه بدعة لم ~~يستحبها أحد من علماء المسلمين، بل ولا فعلها أحد من السلف. وإنما غرهم لفظ ~~السجدتين، والمراد بالسجدتين الركعتان، كما قال ابن عمر : «حفظت عن ms0574 ~~رسول الل صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعدها، وسجدتين بعد المغرب، ~~وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين قبل الفجر : أي ركعتين. # ولعل بعض الناس يقول : هاتان الركعتان اللتان كان النبي صلى الله عليه وسلم صليهما بعد الوتر ~~جالسا، نسبتها إلى وتر الليل: نسبة ركعتي المغرب إلى وتر النهار؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : المغرب وتر النهار. فأوتروا صلاة الليل رواه أحمد في المسند. # فإذا كانت المغرب وتر النهار، فقد كان النبي صلى الله عليه وسل صلي بعد المغرب ركعتين، ~~ولم يخرج المغرب بذلك عن أن يكون وترا لأن تلك الركعتين هما تكميل الفرض ~~وجبر لما يحصل منه من سهو ونقص، كما جاءت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : لإن ~~العبد لينصرف من صلاته، ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا ~~خمسها - حتى قال - إلا عشرها -» فشرعت السنن جبرا لنقص الفرائض . فالركعتان ~~بعد المغرب لما كانتا جبرا للفرض لم يخرجها عن كونها وترآ، كما لو سجد سجدتي ~~السهو، فكذلك وتر الليل جبره النبي صلى الله عليه وسلم وكعتين بعده. ولهذا كان يجبره إذا أوتر ~~بتسع أو سبع أو خمس لنقص عدده عن إحدى عشرة. فهنا نقص العدد، نقص ظاهر. # وإن كان يصليهما إذا أوتر بإحدى عشرة كان هناك جبرا لصفة الصلاة، وإن كان ~~يصليها جالسا؛ لأن وتر الليل دون وتر النهار، فينقص عنه في الصفة، وهي مرتبة بين ~~سجدتي السهو، وبين الركعتين الكاملتين، فيكون الجبر على ثلاث درجات، جبر ~~للسهو سجدتان، لكن ذاك نقص في قدر الصلاة ظاهر، فهو واجب متصل بالصلاة. ~~وأما الركعتان المستقلتان فهما جبر لمعناها الباطل، فلهذا كانت صلاته تامة. كما في ~~السنن : إن أول ما يحايسب عليه العبد من عمله الصلاة فإن أكملها، وإلا قيل: ~~انظروا هل له من تطوع ثم يصنع بسائر أعماله كذلك، والله أعلم. PageV01P525 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0526.png) # وأما القنوت: فالناس فيه طرفان، ووسط: # منهم من لا يرى القنوت إلا قبل الركوع، ومنهم من لا يراه ms0575 إلا بعده. وأما ~~فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره فيجوزون كلا الأمرين لمجيء السنة الصحيحة بهما. ~~وإن اختاروا القنوت بعده؛ لأنه أكثر وأقيس، فإن سماع الدعاء مناسب لقول العبد: ~~سمع الله لمن حمده، فإنه يشرع الثناء على الله قبل دعائه كما بنيت فاتحة الكتاب ~~على ذلك : أولها ثناء، وآخرها دعاء. # وأيضا فالناس في شرعه في الفجر على ثلاثة أقوال: بعد اتفاقهم على أن ~~النبي صلى الله ليه وسلم فنت في الفجر. # ومنهم من قال : إنه منسوخ، فإنه قنت ثم ترك. كما جاءت به الأحاديث ~~الصحيحة . # ومن قال : المتروك هو الدعاء على أولئك الكفار، فلم تبلغه ألفاظ الحديث، أو ~~بلغته فلم يتأملها، فإن في الصحيحين عن عاصم الأحول قال : لسألت أنس بن مالك ~~عن القنوت : هل كان قبل الركوع أو بعده? فقال : قبل الركوع قال : فإن فلانا أخبرني ~~أنك قلت بعد الركوع قال : كذب، إنما قنت رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم بل الركوع أراه بعث ~~قوما يقال لهم القراء زهاء سبعين رجلا إلى قوم مشركين دون أولئك وكان بينهم وبين ~~رسول الله عهد وقني صلى الله عليه وسلم نهرا يدعو عليهم، وكذلك الحديث الذي رواه أحمد ~~والحاكم عن الربيع بن أنس، عن أنس أنه قال : «ما زال رسول الله له صلى الله عليه وسلم قنت حتى ~~فارق الدنيا») جاء لفظه مفسرا: «أنه : ما زال يقنت قبل الركوع. والمراد هنا ~~بالقنوت طول القيام، لا الدعاء. كذلك جاء مفسرا، ويبينه ما جاء في الصحيحين عن ~~محمد بن سيرين قال : «قلت لأنس : قنت رسول الله له صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، قال : ~~نعم بعد الركوع يسيرا» فأخبر أن قنوته كان يسيرا وكان بعد الركوع، فلما كان لفظ ~~القنوت هو إدامة الطاعة، سمي كل تطويل في قيام أو ركوع أو سجود قنوتا. كما قال ~~تعالى : (أمن هو قانت اناء اليل ساجدا وقابما) ولهذا لما سئل ابن عمر PageV01P526 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0527.png) ~~رضي الله عنهما عن القنوت الراتب قال : ما سمعنا ولا رأينا» وهذا قول. # ومنهم ms0576 من قال : بل القنوت سنة راتبة، حيث قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قنت، ~~وروي عنه : أنه ما زال يقنت حتى فارق الدنيا . وهذا قول الشافعي، ثم من هؤلاء ~~من استحبه في جميع الصلوات، لما صح عن النبيصلى الله عليه وسلم أن قنت فيهن وجاء ذلك من ~~غير وجه في المغرب والعشاء الآخرة، والظهر. لكن لم يرو أحد أنه قنت قنوتا راتبا ~~بدعاء معروف . فاستحبوا أن يدعو فيه بقنوت الوتر الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لحسن بن ~~علي وهو : اللهم اهدني فيمن هديت إلى آخره. # وتوسط آخرون من فقهاء الحديث وغيرهم كأحمد وغيره فقالوا: قد ثبت أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نت للنوازل التي نزلت به من العدو، في قتل أصحابه، أو حبسهم ونحو ~~ذلك. فإنه قنت مستنصرا، كما استسقى حين الجدب، فاستنصاره عند الحاجة، ~~كاسترزاقه عند الحاجة، إذ بالنصر والرزق قوام أمر الناس. كما قال تعالى : (ألذك ~~أطعمهم من جوع وءامنهم من خوف ) [قيش: ] وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم وهل تنصرون ~~وترزقون إلا بضعفائكم? بدعائهم وصلاتهم واستغفارهم وكما قال في صفة ~~الأبدال : لبهم ترزقون، وبهم تنصرون وكما ذكر الله هذين النوعين في سورة ~~الملك، وبين أنهما بيده سبحانه، في قوله : (أمن هذا الذى هو جند لكر ينصركم من دون الرحمن ~~إن الكفرون إلا فى غرور أمن هذا الذى يرزةكر إن أمسك رزقة )[لك: 20، 21] ثم ترك ~~القنوت . وجاء مفسرا أنه تركه لزوال ذلك السبب. # وكذلك كان عمر رضي الله عنه إذا أبطأ عليه خبر جيوش المسلمين قنت، ~~وكذلك علي رضي الله عنه قنت لما حارب من حارب من الخوارج وغيرهم. # قالوا : وليس الترك نسخا، فإن الناسخ لا بد أن ينافي المنسوخ، وإذا فعل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم آرا لحاجة ثم تركه لزوالها لم يكن ذلك نسخا، بل لو تركه تركا مطلقا ~~لكان ذلك يدل على جواز الفعل والترك، لا على النهي عن الفعل. PageV01P527 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0528.png) # قالوا: ونعلم مطلقا أنه لم يكن ms0577 يقنت قنوتا راتبا، فإن مثل هذا مما تتوفر الهمم ~~والدواعي على نقله، فإنه لم ينقل أحد من الصحابة قط أنه دعا في قنوته في الفجر ~~ونحوها إلا لقوم أو على قوم، ولا نقل أحد منهم قط أنه قنت دائما بعد الركوع، ~~ولا أنه قنت دائما يدعو قبله، وأنكر غير واحد من الصحابة القنوت الراتب، فإذا علم ~~هذا علم قطعا أن ذلك لم يكن كما يعلم : أن حي على خير العمل لم يكن من ~~الأذان الراتب، وإنما فعله بعض الصحابة لعارض تحضيضا للناس على الصلاة فهذا ~~القول أوسط الأقوال، وهو أن القنوت مشروع غير منسوخ؛ لكنه مشروع للحاجة ~~النازلة، لا سنة راتبة. # وهذا أصل آخر في الواجبات، والمستحبات، كالأصل الذي تقدم في ما يسقط ~~بالعذر، فإن كل واحد من الواجبات والمستحبات الراتبة يسقط بالعذر العارض، ~~بحيث لا يبقى لا واجبا ولا مستحبآ، كما سقط بالسفر والمرض والخوف كثير من ~~الواجبات والمستحبات . # وكذلك أيضا قد يجب أو يستحب للأسباب العارضة، ما لا يكون واجبا ~~ولا مستحبا راتبا، فالعبادات في ثبوتها وسقوطها تنقسم إلى راتبة وعارضة، وسواء في ~~ذلك ثبوت الوجوب، أو الاستحباب، أو سقوطه. # وإنما تغلط الأذهان من حيث تجعل العارض راتبا، أو تجعل الراتب لا يتغير ~~بحال، ومن اهتدى للفرق بين المشروعات الراتبة والعارضة، انحلت عنه هذه ~~المشكلات كثيرا. # وسئل غفر الله له : هل قنوت الصبح دائما سنة ? ومن يقول: إنه من أبعاض ~~الصلاة التي تجبر بالسجود، وما يجبر إلا الناقص . والحديث: لما زال رسول الله صل صلى الله عليه وسلم. ~~يقنت حتى فارق الدنيا»1) فهل هذا الحديث من الأحاديث الصحاح؟ وهل هو هذا ~~القنوت? وما أقوال العلماء في ذلك ? وما حجة كل منهم ? وإن قنت لنازلة: فهل يتعين ~~قوله، أو يدعو بما شاء؟ # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، : أنه ~~قنت شهرا يدعو على رعل وذكوان وعصية ثم تركه. وكان ذلك لما قتلوا القراء ~~من الصحابة . # وثبت عنه أنه قنت بعد ms0578 ذلك بمدة بعد صلح الحديبية، وفتح خيبر، يدعو PageV01P528 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0529.png) ~~للمستضعفين من أصحابه الذين كانوا بمكة. ويقول في قنوته : اللهم أنج الوليد بن ~~الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم ~~اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف». وكان يقنت يدعو ~~للمؤمنين، ويلعن الكفار، وكان قنوته في الفجر. # وثبت عنه في الصحيح أنه قنت في المغرب والعشاء، وفي الظهر وفي السنن أنه ~~قنت في العصر أيضا. فتنازع المسلمون في القنوت على ثلاثة أقوال: # أحدها : أنه منسوخ، فلا يشرع بحال، بناء على أن النبي صلى الله عليه وسلم نت، ثم ترك، ~~والترك نسخ للفعل، كما أنه لما كان يقوم للجنازة، ثم قعد. جعل القعود ناسخا ~~للقيام، وهذا قول طائفة من أهل العراق كأبي حنيفة وغيره. # والثاني : أن القنوت مشروع دائما، وأن المداومة عليه سنة، وأن ذلك يكون في ~~الفجر . # ثم من هؤلاء من يقول : السنة أن يكون قبل الركوع بعد القراءة سرآ، وأن ~~لا يقنت بسوى : «اللهم أنا نستعينك إلى آخرها واللهم إياك نعبد - إلى آخرها - ~~كما يقوله : مالك. # ومنهم من يقول : السنة أن يكون بعد الركوع جهرا. ويستحب أن يقنت بدعاء ~~الحسن بن علي الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قنوته : اللهم اهدني فيمن هديت ~~إلى آخره. وإن كانوا قد يجوزون القنوت قبل وبعد. وهؤلاء قد يحتجون بقوله ~~تعالى : (حلفطوا على الصلوات والصلوة الوسطى وقوموا لله قانتين)2 ~~ويقولون: الوسطى : هي الفجر، والقنوت فيها. وكلتا المقدمتين ضعيفة: # أما الأولى : فقد ثبت بالنصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم نآ : الصلاة الوسطى ~~هي العصر، وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة؛ ولهذا اتفق على ~~ذلك علماء الحديث وغيرهم. وإن كان للصحابة والعلماء في ذلك مقالات متعددة. ~~فإنهم تكلموا بحسب اجتهادهم. # وأما الثانية: فالقنوت هو المداومة على الطاعة، وهذا يكون في القيام، ~~والسجود. كما قال تعالى : (أمن هو قانت اناء اليل ساجدا وقابما يحذر الأخرة) ~~9] ولو أريد به إدامة القيام كما ms0579 قيل : في قوله: ( يامربم آقنتى لربك وآسجدى وآزكعى) ~~عمران : 43] فحمل ذلك على إطالته القيام للدعاء، دون غيره، لا يجوز؛ لأن الله PageV01P529 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0530.png) ~~أمر بالقيام له قانتين، والأمر يقتضي الوجوب، وقيام الدعاء المتنازع فيه لا يجب ~~بالإجماع؛ ولأن القائم في حال قراءته هو قانت لله أيضا؛ ولأنه قد ثبت في ~~الصحيح : « أن هذه الآية لما نزلت أمروا بالسكوت، ونهوا عن الكلام. فعلم أن ~~السكوت هو من تمام القنوت المأمور به. # ومعلوم أن ذلك واجب في جميع أجزاء القيام؛ ولأن قوله : (وقوموا لله قانتين) ~~لا يختص بالصلاة الوسطى . سواء كانت الفجر أو العصر؛ بل هو معطوف على قوله: ~~(حلفظوا على الصلوات والصحلوة الوسطى) فيكون أمرا بالقنوت مع الأمر بالمحافظة، ~~والمحافظة تتناول الجميع، فالقيام يتناول الجميع. # واحتجوا أيضا : بما رواه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في صحيحه، عن ~~أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أنس : «أن النبي صلى الله عليه وسلم ا زال يقنت حتى ~~فارق الدنيا»1) قالوا: وقوله في الحديث الآخر: ثم تركه»( أراد ترك الدعاء على ~~تلك القبائل، لم يترك نفس القنوت. # وهذا بمجرده لا يثبت به سنة راتبة في الصلاة، وتصحيح الحاكم دون تحسين ~~الترمذي. وكثيرا ما يصحح الموضوعات فإنه معروف بالتسامح في ذلك، ونفس هذا ~~الحديث لا يخص القنوت قبل الركوع أو بعده، فقال : «ما قنت رسول الله له صلى الله عليه وسلم عد ~~الركوع إلا شهرا»(3) فهذا حديث صحيح صريح عن أنس أنه لم يقنت بعد الركوع إلا ~~شهرا، فبطل ذلك التأويل . # والقنوت قبل الركوع قد يراد به طول القيام قبل الركوع، سواء كان هناك دعاء ~~زائد، أو لم يكن . فحينئذ فلا يكون اللفظ دالا على قنوت الدعاء، وقد ذهبت طائفة ~~إلى أنه يستحب القنوت الدائم في الصلوات الخمس، محتجين بأن النبي صلى الله عليه وسلم فت فيها ~~ولم يفرق بين الراتب والعارض، وهذا قول شاذ. # والقول الثالث : أن البي صلى الله عليه وقلمفت لسبب نزل به ثم تركه عند عدم ذلك السبب ~~النازل به، ms0580 فيكون القنوت مسنونا عند النوازل، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل ~~الحديث، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم -. # فإن عمر رضي الله عنه: لما حارب النصارى قنت عليهم القنوت المشهور: ~~اللهم عذب كفرة أهل الكتاب . إلى آخره. وهو الذي جعله بعض الناس سنة في ~~قنوت رمضان، وليس هذا القنوت سنة راتبة، لا في رمضان ولا غيره، بل عمر قنت PageV01P530 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0531.png) ~~لما نزل بالمسلمين من النازلة ودعا في قنوته دعاء يناسب تلك النازلة، كما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما قنت أولا على قبائل بني سليم الذين قتلوا القراء، دعا عليهم بالذي ~~يناسب مقصوده، ثم لما قنت يدعو للمستضعفين من أصحابه دعا بدعاء يناسب ~~مقصوده. فسنة رسول الله له صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تدل على شيئين : # أحدهما : أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه، ليس بسنة دائمة في ~~الصلاة. # الثاني : أن الدعاء فيه ليس دعاء راتبا، بل يدعو في كل قنوت بالذي يناسبه، ~~كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم ولا، وثانيا . وكما دعا عمر وعلي - رضي الله عنهما - لما حارب ~~من حاربه في الفتنة، فقنت ودعا بدعاء يناسب مقصوده، والذي يبين هذا أنه لو كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قنت دائما، ويدعو بدعاء راتب، لكان المسلمون ينقلون هذا عن نبيهم، ~~فإن هذا من الأمور التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها، وهم الذين نقلوا عنه في ~~قنوته ما لم يداوم عليه، وليس بسنة راتبة، كدعائه على الذين قتلوا أصحابه، ودعائه ~~للمستضعفين من أصحابه، ونقلوا قنوت عمر وعلي على من كانوا يحاربونهم. # فكيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم قنت دائما في الفجر أو غيرها، ويدعو بدعاء راتب، ~~ولم ينقل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لال، في خبر صحيح، ولا ضعيف ? ! بل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ~~الذين هم أعلم الناس بسنته، وأرغب الناس في اتباعها، كابن عمر وغيره أنكروا، ~~حتى قال ابن عمر : «ما رأينا ولا سمعنا» وفي رواية ms0581 : «أرأيتكم قيامكم هذا : ~~تدعون . ما رأينا ولا سمعنا أفيقول مسلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم ان يقنت دائما? ! وابن ~~عمر يقول : ما رأينا، ولا سمعنا. وكذلك غير ابن عمر من الصحابة، عدوا ذلك من ~~الأحداث المبتدعة. # ومن تدبر هذه الأحاديث في هذا الباب علم علما يقينيا قطعيا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يكن يقنت دائما في شيء من الصلوات، كما يعلم علما [يقينيا] أنه لم يكن يداوم على ~~القنوت في الظهر والعشاء والمغرب، فإن من جعل القنوت في هذه الصلوات سنة ~~راتبة يحتج بما هو من جنس حجة الجاعلين له في الفجر سنة راتبة . ولا ريب أنه قد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أ قنت في هذه الصلوات؛ لكن الصحابة بينوا الدعاء ~~الذي كان يدعو به، والسبب الذي قنت له، وأنه ترك ذلك عند حصول المقصود، ~~نقلوا ذلك في قنوت الفجر، وفي قنوت العشاء أيضا. # والذي يوضح ذلك : أن إلذين جعلوا من سنة الصلاة أن يقنت دائما بقنوت ~~الحسن بن علي، أو بسورتي أبي ليس معهم إلا دعاء عارض والقنوت فيها إذا كان ~~مشروعا : كان مشروعا للإمام والمأموم والمنفرد؛ بل وأوضح من هذا أنه لو جعل ~~جاعل قنوت الحسن، أو سورتي أبي سنة راتبة في المغرب والعشاء، لكان حاله شبيها PageV01P531 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0532.png) ~~بحال من جعل ذلك سنة راتبة في الفجر . إذ هؤلاء ليس معهم في الفجر إلا قنوت ~~عارض بدعاء يناسب ذلك العارض، ولم ينقل مسلم دعاء في قنوت غير هذا، كما لم ~~ينقل ذلك في المغرب والعشاء . وإنما وقعت الشبهة لبعض العلماء في الفجر ؛ لأن ~~القنوت فيها كان أكثر، وهي أطول. والقنوت يتبع الصلاة، وبلغهم أنه داوم عليه، ~~فظنوا أن السنة المداومة عليه، ثم لم يجدوا معهم سنة بدعائه. فسنوا هذه الأدعية ~~المأثورة في الوتر . مع أنهم لا يرون ذلك سنة راتبة في الوتر. # وهذا النزاع الذي وقع في القنوت له نظائر كثيرة في الشريعة، فكثيرا ما يفعل ~~النبي صلى الله عليه ms0582 وسلم لسبب ، فيجعله بعض الناس سنة، ولا يميز بين السنة الدائمة والعارضة. ~~وبعض الناس يرى أنه لم يكن يفعله في أغلب الأوقات، فيراه بدعة، ويجعل فعله في ~~بعض الأوقات مخصوصا أو منسوخا، إن كان قد بلغه ذلك، مثل صلاة التطوع في ~~جماعة . فإنه قد ثبت عنه في الصحيح : أنه صلى بالليل وخلفه ابن عباس مرة، ~~و1حذيفة بن اليمان مرة. وكذلك غيرهما. وكذلك صلى بعتبان بن مالك في بيته ~~التطوع جماعة . وصلى بأنس بن مالك وأمه واليتيم في داره، فمن الناس من يجعل ~~هذا فيما يحدث من «صلاة الألفية ليلة نصف شعبان، والرغائب، ونحوهما مما ~~يداومون فيه على الجماعات. # ومن الناس من يكره التطوع؛ لأنه رأى أن الجماعة إنما سنت في الخمس، كما ~~أن الأذان إنما سن في الخمس . ومعلوم أن الصواب هو ما جاءت به السنة، فلا يكره ~~أن يتطوع في جماعة . كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجعل ذلك سنة راتبة، كمن يقيم ~~للمسجد إماما راتبا يصلي بالناس بين العشائين، أو في جوف الليل، كما يصلي بهم ~~الصلوات الخمس، كما ليس له أن يجعل للعيدين وغيرهما أذانا كأذان الخمس؛ ولهذا ~~أنكر الصحابة على من فعل هذا من ولاة الأمور إذ ذاك. # ويشبه ذلك من بعض الوجوه تنازع العلماء في مقدار القيام في رمضان، فإنه قد ثبت ~~أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان، ويوتر بثلاث. فرأى كثير ~~من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر. ~~واستحب آخرون : تسعة وثلاثين ركعة؛ بناء على أنه عمل أهل المدينة القديم. وقالت ~~طائفة : قد ثبت في الصحيح عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم م يكن يزيد في رمضان ولا غيره ~~على ثلاث عشرة ركعة» واضطرب قوم في هذا الأصل، لما ظنوه من معارضة الحديث ~~الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين، وعمل المسلمين. PageV01P532 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0533.png) # والصواب أن ذلك جميعه حسن، كما قد نص على ذلك الإمام أحمد - ~~رضي ms0583 الله عنه - وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيها ~~عددا، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها، بحسب طول القيام وقصره. # فإن النبي صلى الله عليه وسلم ان يطيل القيام بالليل، حتى إنه قد ثبت عنه في الصحيح من ~~حديث حذيفة : «أنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة، والنساء، وآل عمران، فكان ~~طول القيام يغني عن تكثير الركعات؛ وأبي بن كعب لما قام بهم - وهم جماعة واحدة ~~- لم يمكن أن يطيل بهم القيام، فكثر الركعات ليكون ذلك عوضا عن طول القيام، ~~وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته، فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث ~~عشرة، ثم بعد ذلك كان الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام فكثروا الركعات حتى ~~بلغت تسعا وثلاثين. # ومما يناسب هذا أن الله تعالى لما فرض الصلوات الخمس بمكة : فرضها ~~ركعتين ركعتين، ثم أقرت في السفر، وزيد في صلاة الحضر، كما ثبت ذلك في ~~الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : لما هاجر إلى المدينة زيد في ~~صلاة الحضر، وجعلت صلاة المغرب ثلاثا؛ لأنها وتر النهار، وأما صلاة الفجر ~~فأقرت ركعتين؛ لأجل تطويل القراءة فيها، فأغنى ذلك عن تكثير الركعات. # وقد تنازع العلماء، أيما أفضل: إطالة القيام? أم تكثير الركوع والسجود ? أم هما ~~سواء? على ثلاثة أقوال: وهي ثلاث روايات عن أحمد. # وقد ثبت عنه في الصحيح: أي الصلاة أفضل? قال: طول القنوت. وثبت ~~عنه أنه قال : إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها ~~خطيئة») . وقال لربيعة بن كعب : «أعني على نفسك بكثرة السجود»(5، # ومعلوم أن السجود في نفسه أفضل من القيام، ولكن ذكر القيام أفضل، وهو PageV01P533 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0534.png) ~~القراءة، وتحقيق الأمر أن الأفضل في الصلاة أن تكون معتدلة. فإذا أطال القيام يطيل ~~الركوع والسجود، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم صلي بالليل، كما رواه حذيفة وغيره. وهكذا ~~كانت صلاته الفريضة، وصلاة الكسوف، وغيرهما: كانت صلاته معتدلة، فإن فضل ~~مفضل إطالة القيام ms0584 والركوع والسجود مع تقليل الركعات وتخفيف القيام والركوع ~~والسجود مع تكثير الركعات : فهذان متقاربان. وقد يكون هذا أفضل في حال، كما أنه ~~لما صلى الضحى يوم الفتح صلى ثماني ركعات يخففهن، ولم يقتصر على ركعتين ~~طويلتين . وكما فعل الصحابة في قيام رمضان لما شق على المأمومين إطالة القيام. # وقد تبين بما ذكرناه أن القنوت يكون عند النوازل، وأن الدعاء في القنوت ليس شيئا ~~معينا، ولا يدعو بما خطر له، بل يدعو من الدعاء المشروع بما يناسب سبب القنوت، ~~كما إنه إذا دعا في الاستسقاء دعا بما يناسب المقصود، فكذلك إذا دعا في الاستنصار دعا ~~بما يناسب المقصود، كما لو دعا خارج الصلاة لذلك السبب؛ فإنه كان يدعو بما يناسب ~~المقصود، فهذا هو الذي جاءت به سنة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين. # ومن قال : إنه من أبعاض الصلاة التي يجبر بسجود السهو، فإنه بنى ذلك على ~~أنه سنة يسن المداومة عليه، بمنزلة التشهد الأول ونحوه، وقد تبين أن الأمر ليس ~~كذلك، فليس بسنة راتبة، ولا يسجد له، لكن من اعتقد بذلك متأولا في ذلك له ~~تأويله، كسائر موارد الاجتهاد. # ولهذا ينبغي للمأموم أن يتبع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فإذا قنت قنت معه، ~~وإن ترك القنوت لم يقنت، فإن النبي صى الله عليه وسلم ال : إنما جعل الإمام ليؤتم به وقال: ~~لا تختلفوا على أئمتكم . وثبت عنه في الصحيح أنه قال : يصلون لكم، فإن ~~أصابوا فلكم، ولهم، وإن أخطأوا فلكم، وعليهم. ألا ترى أن الإمام لو قرأ في ~~الأخيرتين بسورة مع الفاتحة وطولهما على الأوليين، لوجبت متابعته في ذلك. فأما ~~مسابقة الإمام فإنها لا تجوز. # فإذا قنت لم يكن للمأموم أن يسابقه، فلا بد من متابعته، ولهذا كان ~~عبد الله بن مسعود قد أنكر على عثمان التربيع بمنى، ثم إنه صلى خلفه أربعا. فقيل ~~له في ذلك? فقال : الخلاف شر. وكذلك أنس بن مالك لما سأله رجل عن وقت ~~الرمي، فأخبره، ثم قال : افعل كما يفعل ms0585 إمامك، والله أعلم. PageV01P534 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0535.png) # وسئل رحمه الله تعالى: عمن يصلي التراويح بعد المغرب: هل هو سنة أم ~~بدعة ? وذكروا أن الإمام الشافعي صلاها بعد المغرب، وتممها بعد العشاء الآخرة ? # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. السنة في التراويح أن تصلى بعد العشاء ~~الآخرة، كما اتفق على ذلك السلف والأئمة. والنقل المذكور عن الشافعي - ~~رضى الله عنه - باطل، فما كان الأئمة يصلونها إلا بعد العشاء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعهد خلفائه الراشدين وعلى ذلك أئمة المسلمين، لا يعرف عن أحد أنه تعمد ~~صلاتها قبل العشاء، فإن هذه تسمى قيام رمضان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله فرض ~~عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه غفر له ما تقدم من ~~ذنبه . وقيام الليل في رمضان وغيره إنما يكون بعد العشاء. وقد جاء مصرحا به ~~في السنن : إنه لما صلى بهم قيام رمضان صلى بعد العشاء . # وكان النبي صل ل الله عليه وسلم قيامه بالليل هو وتره، يصلي بالليل في رمضان وغير رمضان ~~إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يصليها [طوالا]. فلما كان ذلك ~~يشق على الناس قام بهم أبي بن كعب في زمن عمر بن الخطاب عشرين ركعة، يوتر ~~بعدها، ويخفف فيها القيام، فكان تضعيف العدد عوضا عن طول القيام. وكان بعض ~~السلف يقوم أربعين ركعة فيكون قيامها أخف، ويوتر بعدها بثلاث. وكان بعضهم ~~يقوم بست وثلاثين ركعة يوتر بعدها، وقيامهم المعروف عنهم بعد العشاء الآخرة. # ولكن الرافضة تكره صلاة التراويح. فإذا صلوها قبل العشاء الآخرة لا تكون ~~هي صلاة التراويح، كما أنهم إذا توضأوا يغسلون أرجلهم أول الوضوء، ويمسحونها ~~في آخره . فمن صلاها قبل العشاء، فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة، والله ~~أعلم. # وسئل غفر الله له : هل للعصر سنة راتبة أم لا أفتونا مأجورين؟(3) # فأجاب : الحمد لله. الذي ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم آن كان يصلي مع ~~المكتوبات عشر ركعات أو اثنتي عشرة ركعة ركعتين ms0586 قبل الظهر أو أربعا وبعدها ~~ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد العشاء ركعتين وقبل الفجر ركعتين وكذلك ثبت ~~في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة تطوعا غير PageV01P535 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0536.png) ~~فريضة بنى الله له بيتا في الجنة ورويت في السنن : «أربعا قبل الظهر وركعتين ~~بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر وليس في ~~الصحيح سوى هذه الأحاديث الثلاثة حديث ابن عمر وعائشة وأم حبيبة. وأما قبل ~~العصر فلم يقل أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يصلي قبل العصر إلا وفيه ضعف بل خطأ ~~كحديث يروى عن علي أنه كان يصلي نحو ست عشرة ركعة منها قبل العصر وهو ~~مطعون فيه فإن الذين اعتنوا بنقل تطوعاته كعائشة وابن عمر بينوا ما كان يصليه ~~وكذلك الصلاة قبل المغرب وقبل العشاء لم يكن يصليها لكن كان أصحابه يصلون قبل ~~المغرب بين الأذان والإقامة وهو يراهم فلا ينكر ذلك عليهم وثبت عنه في الصحيح ~~أنه قال : لبين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء ~~كراهية أن يتخذها الناس سنة فهذا يبين أن الصلاة قبل العصر والمغرب والعشاء حسنة ~~وليست بسنة فمن أحب أن يصلي قبل العصر كما يصلي قبل المغرب والعشاء على ~~هذا الوجه فحسن وأما أن يعتقد أن ذلك سنة راتبة كان يصليها النبي صلى الله ليه وسلم ما يصلي ~~قبل الظهر وبعدها وبعد المغرب فهذا خطأ. والصلاة مع المكتوبة ثلاث درجات. # إحداها : سنة الفجر والوتر فهاتان أمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر بغيرهما وهما ~~سنة باتفاق الأئمة وكان النبي صلى الله عليه وسلم صليهما في السفر والحضر ولم يجعل مالك سنة ~~راتبة غيرهما. # والثانية : ما كان يصليه مع المكتوبة في الحضر وهو عشر ركعات وثلاث عشرة ~~ركعة وقد أثبت أبو حنيفة والشافعي وأحمد مع المكتوبات سنة مقدرة بخلاف مالك. # والثالثة : التطوع الجائز في هذا الوقت من غير أن يجعل سنة ms0587 لكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~يداوم عليه ولا قدر فيه عددا والصلاة قبل العصر والمغرب والعشاء من هذا الباب ~~وقريبا من ذلك صلاة الضحى، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : هل سنة العصر مستحبة? # فأجاب: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم صسلي قبل العصر شيئا وإنما كان يصلي قبل الظهر. ~~ما ركعتين، وإما أربعا، وبعدها. وكان يصلي بعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ~~ركعتين، وقبل الفجر ركعتين. PageV01P536 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0537.png) # وأما قبل العصر، وقبل المغرب، وقبل العشاء، فلم يكن يصلي؛ لكن ثبت عنه ~~في الصحيح أنه قال : بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة لمن شاء كراهية ~~أن يتخذها الناس سنة، فمن شاء أن يصلي تطوعا قبل العصر، فهو حسن. لكن ~~لا يتخذ ذلك سنة، والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: # فصل # في سجود القرآن» وهو نوعان: خبر عن أهل السجود، ومدح لهم، أو أمر ~~به، وذم على تركه. # فالأول سجدة الأعراف : ( إن الذين عند رباك لا يستكمرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~كسجدون) وهذا ذكره بعد الأمر باستماع القرآن والذكر. # وفي الرعد : (ولله يسعد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظالهم بالغدو والأصال) ~~[الرعد: وفي النحل : ( أولر يروا إلى ما خلق الله من شىء ينفيوا ظلله عن اليمين والشمابل ~~سجدا لله وهر داخرون * ولله يسحد ما في السملوات وما في الأزض من دآبة والملابكة وهم لا يستكبون ~~يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) وفي سبحان : (قلء امنوا به أو ~~لا تومنوأ إن الذين اوتوا العلم من قبله إذا يتلى علنهم يخرون للأذقان سحدا * ويقولون سبحن ربنا إن كان وعد ربنا ~~لمفعولا * ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهة خشوعا)ء 07 - 109] وهذا خبر عن ~~سجود مع من سمع القرآن فسجد. # وكذلك في مريم: (أوليبك الذين أنعم الله عليهم من النبيعن من ذرية ادم وممن حملنا مع نوح ومن ~~ذرية إنرهيم وإسراء يل وممن هدينا واجنبينا إذاتللى عليهم مايت الرحمن خروا سجدا وثكيا ل) ~~فهؤلاء الأنبياء سجدوا إذا تتلى عليهم آيات ms0588 الرحمن، وأولئك الذين أوتوا العلم من ~~قبل القرآن إذا يتلى عليهم القرآن يسجدون. # وظاهر هذا سجود مطلق كسجود السحرة، وكقوله: (وآذحلوا آلباب سجدا وقولوا ~~حطة) وإن كان المراد به الركوع. فالسجود هو خضوع له وذل له؛ ~~ولهذا يعبر به عن الخضوع. كما قال الشاعر: # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # قال جماعة من أهل اللغة : السجود التواضع والخضوع وأنشدوا: # ساجد المنخر ما يرفعه خاشع الطرف أصم المسمع PageV01P537 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0538.png) # قيل لسهل بن عبد الله: أيسجد القلب? قال: نعم، سجدة لا يرفع رأسه منها ~~أبدا. # وفي سورة الحج» الأولى خبر : (ألر تر أن الله يسحد له من فى السماوات ومن فى آلأرض ~~والشمس والقمر والنجوم والحبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكنير حق عليه العذاب ومن يهن ~~الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يثاء ) والثانية أمر مقرون بالركوع، ~~ولهذا صار فيها نزاع. # وسجدة الفرقان : (وإذا قيل لهم اسحدوا للرحمن قالوا وما الرحمكن أنتجبد لما تأمرنا وزادهم ~~نفور)6] خبر مقرون بذم من أمر بالسجود فلم يسجد، ليس هو مدحا. ~~وكذلك سجدة النمل: (وجدتها وقومها يسجدون للشتن من دون الله وزين لهم الشيطن ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون * ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء في التموت والأرض ~~ويعلر ما تخفون وما تعلنون الله لا إله الا هو رب العرش العظيم)24- 26] خبر ~~يتضمن ذم من يسجد لغير الله، ولم يسجد لله. ومن قرأ ألا يا اسجدوا. كانت أمرا. # وفي «الم تنزيل السجدة» (إنما يؤمن بتاياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا ~~بحمد رببهم وهم لا يستكبرون ) وهذا من أبلغ الأمر والتخصيص؛ فإنه ~~نفى الإيمان عمن ذكر بآيات ربه ولم يسجد إذا ذكر بها. # وفي «ص» خبر عن سجدة داود، وسماها ركوعا. وحم تنزيل» أمر صريح: ~~({ومن عايكته اليل والنهار والشمس والقمر لا تنجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذى ~~خلقهن إن كنتم إياه تعبدون * فإن استحبرها فالذين عند ربك يسبحون له بآليل والنهار وهم ~~لا يستمون )، . والنجم أمر صريح : (فأسحد ms0589 وا لله واعبدوا) ~~[النجم: 62] و«الانشقاق» أمر صريح عند سماع القرآن (فما لمم لا يؤمنون * وإذا قرئ عليهم ~~القرءان لا يستحدون)ق2، 21] . ولاقرأ باسم ربك الذي خلق» أمر ~~مطلق : (واسجد واقرب) فالستة الأول إلى الأولى من الحج خبر ومدح، ~~والتسع البواقي من الثانية من الحج أمر وذم لمن لم يسجد، إلا لص فنقول: قد ~~تنازع الناس في وجوب سجود التلاوة. قيل : يجب، وقيل لا يجب، وقيل يجب إذا ~~قرئت السجدة في الصلاة، وهو رواية عن أحمد، والذي يتبين لي أنه واجب، فإن ~~الآيات التي فيها مدح لا تدل بمجردها على الوجوب، لكن آيات الأمر والذم والمطلق ~~منها قد يقال : إنه محمول على الصلاة، كالثانية من الحج، والفرقان، واقرأ، وهذا ~~ضعيف، فكيف وفيها مقرون بالتلاوة كقوله: (إنما يؤمن بناياتنا الذين إذا ذكروا با خروا ~~سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) فهذا نفي للإيمان بالآيات عمن لا يخر ~~ساجدا إذا ذكر بها . وإذا كان سامعا لها، فقد ذكر بها. # وكذلك «سورة الانشقاق» (فمالمم لا يومنون * وإناقى عليهم القرمان لا يسحدون) PageV01P538 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0539.png) ~~الإتشقق : 21،20) وهذا ذم لمن لا يسجد إذا قرئ عليه القرآن كقوله : (فمالم عن ~~كحر نتربير) [المدثر: 49] (رما لكم لا ثومثون بالله والرسول يدغوكه لومنوا بريكه) ~~الحديد: 8 (قن كولا القوم لا بكادون يفقهون حديا) . وكذلك سورة ~~التجم قوله : (أين هذا لذديث تعجبون* رتضحكون ولا تتكون أنثم ساعدون هفاتهده الله راعبدرا8) ~~[التجم : 5، 62] أمر بالغا عقب ذكر الحديث الذي هو القرآن يقتضي أن سماعه ~~سبب الأمر بالسجود، لكن السجود المأمور به عند سماع القرآن كما أنه ليس مختصا ~~بسجود الصلاة فليس هو مختصا بسجود التلاوة، فمن ظن هذا أو هذا فقد غلط، بل ~~هو متناول لهما جميعا، كما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم # فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه . فالسجود عند سماع آية السجدة هو ~~سجود مجرد عند سماع آية السجدة، سواء تليت مع سائر القرآن، أو وحدها، ليس ~~هو سجودا عند تلاوة مطلق القرآن، فهو سجود عند جنس القرآن. وعند ms0590 خصوص ~~الأمر بالسجود، فالأمر يتناوله. وهو أيضا متناول لسجود القرآن أيضا، وهو أبلغ، فإنه ~~سبحانه وتعالى قال : ( إنما يؤمن بناياتنا الذين إذا ذكروا بها خرا سحدا وسبحوا بحمد ربهم وهم ~~لا يستكبون ) فهذا الكلام يقتضي أنه لا يؤمن بآياته إلا من إذا ذكر ~~بها خر ساجدا، وسبح بحمد ربه، وهو لا يستكبر. # ومعلوم أن قوله : (بعايتنا) ليس [يعني بها آيات السجود فقط بل جميع ~~القرآن، فلا بد أن يكون إذا ذكر بجميع آيات القرآن يخر ساجدا، وهذا حال ~~المصلي، فإنه يذكر بآيات الله بقراءة الإمام، والإمام يذكر بقراءة نفسه، فلا يكونون ~~مؤمنين حتى يخروا سجدا، وهو سجودهم في الصلاة، وهو سجود مرتب ينتقلون ~~أولا إلى الركوع ثم إلى السجود، والسجود مثنى كما بينه الرسول ليجتمع فيه ~~خروران : خرور من قيام وهو السجدة الأولى، وخرور من قعود، وهو السجدة ~~الثانية . وهذا مما يستدل به على وجوب قعدة الفصل، والطمأنينة فيها، كما مضت به ~~السنة؛ فإن الخرور ساجدا لا يكون إلا من قعود أو قيام. وإذا فصل بين السجدتين ~~كحد السيف، أو كان إلى القعود أقرب، لم يكن هذا خرورا. # ولكن الذي جوزه ظن أن السجود يحصل بوضع الرأس على الأرض، كيف ~~ما كان. وليس كذلك. بل هو مأمور به كما قال: ( إذا ذكروا ببا خرا سحدا) ولم يقل: ~~سجدوا. فالخرور مأمور به، كما ذكروه في هذه الآية، ونفس الخرور على الذقن عبادة ~~مقصودة كما أن وضع الجبهة على الأرض عبادة مقصودة. يدل على ذلك قوله تعالى: ~~( إن الذين أوثوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للاذفان سجداء ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ~~ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهر خشوع) فمدح هؤلاء، وأثنى عليهم بخرورهم للأذقان، ~~أي على الأذقان سجدا. والثاني بخرورهم للأذقان: أي عليها يبكون. PageV01P539 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0540.png) # فتبين أن نفس الخرور على الذقن عبادة مقصودة، يحبها الله، وليس المراد ~~بالخرور إلصاق الذقن بالأرض، كما تلصق الجبهة، والخرور على الذقن هو مبدأ ~~الركوع، والسجود منتهاه، فإن الساجد يسجد على جبهته ms0591 لا على ذقنه، لكنه يخر على ~~ذقنه، والذقن آخر حد الوجه، وهو أسفل شيء منه، وأقربه إلى الأرض. فالذي يخر ~~على ذقنه يخر وجهه ورأسه خضوعا لله. ومن حينئذ قد شرع في السجود فكما أن ~~وضع الجبهة هو آخر السجود، فالخرور على الذقن أول السجود، وتمام الخرور أن ~~يكون من قيام أو قعود، وقد روي عن ابن عباس (يخرون للأذقان) : أي للوجوه. ~~قال الزجاج : الذي يخر وهو قائم إنما يخر لوجهه، والذقن مجتمع اللحيين، وهو ~~غضروف أعضاء الوجه . فإذا ابتدأ يخر فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض الذقن . # وقال ابن الأنباري : أول ما يلقى الأرض من الذي يخر قبل أن يصوب جبهته ~~ذقنه، فلذلك قال : (للأذقان) ويجوز أن يكون المعنى يخرون للوجوه، فاكتفى ~~بالذقن من الوجه . كما يكتفي بالبعض من الكل . وبالنوع من الجنس . # قلت : والذي يخر على الذقن لا يسجد على الذقن، فليس الذقن من أعضاء ~~السجود، بل أعضاء السجود سبعة . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أسجد على سبعة ~~أعضاء : الجبهة - وأشار بيده إلى الأنف - واليدين، والركبتين، والقدمين ولو ~~سجد على ذقنه ارتفعت جبهته، والجمع بينهما متعذر، أو متعسر؛ لأن الأنف بينهما ~~وهو ناتئ، يمنع إلصاقهما معا بالأرض في حال واحدة، فالساجد يخر على ذقنه، ~~ويسجد على جبهته. فهذا خرور السجود. ثم قال: (ويخرون للأذقان يبكون) فهذا ~~خرور البكاء، قد يكون معه سجود، وقد لا يكون. # فالأول : كقوله : (إذا نآثل عليهم آيات الرحمن خروا سحداوبكيا)يم:] فهذا ~~خرور وسجود وبكاء . # والثاني : كقوله : (ويخرون للأذقان يبكون) فق يبكي الباكي من خشية الله مع ~~خضوعه بخروره، وإن لم يصل إلى حد السجود وهذا عبادة أيضا؛ لما فيه من الخرور ~~لله، والبكاء له. وكلاهما عبادة لله، فإن بكاء الباكي لله، كالذي يبكي من خشية ~~الله . من أفضل العبادات. وقد روي : عينان لا تمسهما النار: عين باتت تحرس في ~~سبيل الله، وعين يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله وفي الصحيحين عن ~~لني صلى الله عليه وسلم أ قال ms0592 : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب PageV01P540 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0541.png) ~~نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل ذكر ~~الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق بالمسجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه، ~~ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل دعته امرأة ~~ذات حسب وجمال، فقال إني أخاف الله رب العالمين # فذك صلى الله عليه وسلم عؤلاء السبعة، إذ كل منهم كمل العبادة التي قام بها، وقد صنف ~~مصنف في نعتهم سماه (اللمعة في أوصاف السبعة) . فالإمام العادل : كمل ما يجب ~~من الإمارة، والشاب الناشيء في عبادة الله كمل ما يجب من عبادة الله، والذي قلبه ~~معلق بالمساجد كمل عمارة المساجد بالصلوات الخمس، لقوله: (إنما يعمر مسجد الله ~~من مامن بالله ) . والعفيف : كمل الخوف من الله، والمتصدق كمل ~~الصدقة لله؛ والباكي : كمل الإخلاص. # وأما قوله عن داود عليه السلام : (وخ راكعا وأناب) لا ريب أنه ~~سجد . كما ثبت بالسنة، وإجماع المسلمين أنه سجد لله، والله سبحانه مدحه بكونه ~~خر راكعا، وهذا أول السجود، وهو خروره فذكر سبحانه أول فعله وهو خروره ~~راكعا، ليبين أن هذا عبادة مقصودة، وإن كان هذا الخرور كان ليسجد. كما أثنى على ~~النبيين بأنهم كانوا (إذا تنلى عليهم آيات الرحمن خروا سحدا وثكيا) (النين أوتوا العلم من قبله) ~~الإسراء : 107 أنهم (إنا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا) (ويخرون للأذقان يبكون) وذلك ~~لأن الخرور هو أول الخضوع المنافي للكبر، فإن المتكبر يكره أن يخر، ويحب أن ~~لا يزال منتصبا مرتفعا، إذا كان الخرور فيه ذل وتواضع، وخشوع؛ ولهذا يأنف منه ~~أهل الكبر من العرب، وغير العرب. فكان أحدهم إذا سقط منه الشيء لا يتناوله، ~~لئلا يخر وينحني. # فإن الخرور انخفاض الوجه والرأس، وهو أعلى ما في الإنسان وأفضله، وهو ~~قد خلق رفيعا منتصبا، فإذا خفضه - لا سيما - بالسجود كان ذلك غاية ذله؛ ولهذا لم ~~يصلح السجود إلا لله، فمن سجد لغيره ms0593 فهو مشرك، ومن لم يسجد له فهو مستكبر ~~عن عبادته، وكلاهما كافر من أهل النار. قال تعالى : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكر ~~إن الذيب يستكبرون عن عبادت سيدخلون جهنم داخرين ) وقال تعالى : (ومن ~~اياته اليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسحدوا لله الذى خلقهب ~~إن كنتم إياه تعبدون) وقال في قصة بلقيس: (وجدتها وقومها ~~يسجدون للشتبن من دون الله وزتن لهم الشيطن أعملهم فصدهم عن السيل فهم لا يهتدون ه ألا تسحدل PageV01P541 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0542.png) ~~الله الذى يخرج الخبء في السموات والارض ويعلم ما تخفون وما تعلثون * الله لا إله إلا هو رب العرش ~~العظيم) والشمس أعظم ما يرى في عالم الشهادة وأعمه نفعا، وتأثيرا. فالنهي عن ~~السجود لها نهي عما هو دونها بطريق الأولى من الكواكب، والأشجار، وغير ذلك. # وقوله : (واسحدوا لله الذى خلقهن) لالة على أن السجود للخالق ~~لا للمخلوق، وإن عظم قدره؛ بل لمن خلقه. وهذا لمن يقصد عبادته وحده. كما ~~قال : (إن كنيم إيياه تعبدون ) ل يصلح له أن يسجد لهذه المخلوقات، قال تعالى : ~~(فإن استكبروا فالذين عند ريك يسبحون له باليل والنهار وهم لا يسمون)] ~~فإنه قد علم سبحانه أن في بني آدم من يستكبر عن السجود له فقال: الذين هم أعظم ~~من هؤلاء لا يستكبرون عن عبادة ربهم، بل يسبحون له بالليل والنهار ولا يحصل لهم ~~سآمة ولا ملالة؛ بخلاف الآدميين، فوصفهم هنا بالتسبيح له، ووصفهم بالتسبيح ~~والسجود جميعا في قوله : (إن الذين عند ربلك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه ولم ~~يسحدون ) وهم يصفون له صفوفا كما قالوا: (وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن السبحون) ~~[الصافات : 165 ، 166] . # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أ قال : ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ~~ربها ? قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها قال: يسدون الأول فالأول، ويتراصون # فآياته سبحانه توجب شيئين: # أحدهما : فهمها وتدبرها، ليعلم ما تضمنته. # والثاني : عبادته، والخضوع له إذا سمعت، فتلاوته إياها وسماعها يوجب هذا ~~وهذا، فلو سمعها السامع ولم يفهمها كان ms0594 مذموما، ولو فهمها ولم يعمل بما فيها كان ~~مذموما، بل لا بد لكل أحد عند سماعها من فهمها والعمل بها. كما أنه لا بد لكل ~~أحد من استماعها، فالمعرض عن استماعها كافر، والذي لا يفهم ما أمر به فيها ~~كافر . والذي يعلم ما أمر به فلا يقر بوجوبه ويفعله كافر . وهو سبحانه يذم الكفار ~~بهذا، وهذا. وهذا كقوله: (فالمم عن التذكرة معرضين كانهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة) ~~المدثر : 49 - 51] وقوله : (وقال الذين كفروالا تمعوا لمذنا القرمان والغوا فيه لعلكر تغلبون)ه ~~[فصلت: ] وقوله: (كلاب فصلتء اياته قرءانا عربيا لقوم يعلمون، بشيا ونذيرا فأعرض ~~أكترهم فهم لا يسمقون)، ونظائره كثيرة. PageV01P542 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0543.png) # وقال فيمن لم يفهمها ويتدبرها: (ولو علم الله فيهم خيرا لأتمعهم ولو أسمعهم لتولوا ~~وهم معرضون) فذمهم على أنهم لا يفهمون، ولو فهموا لم يعملوا ~~ال أنه الل اللج كا محقلرد فو واع ا ل ي لو ايقفنظيف ) [الا ننفال: 23 ~~وقال: ( والذيب إذا ذكروا بنايات ربه لر يخروا عليها صما وعميانا). # قال ابن قتيبة : لم يتغافلوا عنها، فكأنهم صم لم يسمعوها عمن لم يروها. وقال ~~غيره من أهل اللغة : لم يبقوا على حالهم الأولى، كأنهم لم يسمعوا، ولم يروا، وإن ~~لم يكونوا خروا حقيقة. تقول العرب: شتمت فلانا فقام يبكي، وقعد يندب، وأقبل ~~يعتذر، وظل يفتخر، وإن لم يكن قام، ولا قعد. # قلت : في ذكره سبحانه لفظ الخرور دون غيره، حكمة، فإنهم لو خروا وكانوا ~~صما وعميانا لم يكن ذلك ممدوحا، بل معيبا. فكيف إذا كانوا صما وعميانا بلا ~~خرور . فلا بد من شيئين : من الخرور، والسجود. ولا بد من السمع والبصر لما في ~~آياته من النور والهدى والبيان. وكذلك لما شرعت الصلاة شرع فيها القراءة، في ~~القيام، ثم الركوع، والسجود. # فأول ما أنزل الله من القرآن : (آقرا بأسم ربك الذى خلق) فافتتحها ~~بالأمر بالقراءة، وختمها بالأمر بالسجود، فقال : (واسحد واقترب) فقوله ~~تعالى : (إنما يؤمن بناياتنا الذين إذا ذكروا با خروا سحدا وسبحوا بحمد ربهم) ~~يدل على أن ms0595 التذكير بها كقراءتها في الصلاة موجب للسجود والتسبيح، وإنه من لم ~~يكن إذا ذكر بها يخر ساجدا، ويسبح بحمد ربه، فليس بمؤمن، وهذا متناول الآيات ~~التي ليس فيها سجود، وهي جمهور آيات القرآن، ففي القرآن أكثر من ستة آلاف آية، ~~وأما آيات السجدة فبضع عشرة آية. # وقوله : (ذكروا بها) يتناول جميع الآيات، فالتذكير بها جميعها موجب للتسبيح ~~والسجود، وهذا مما يستدل به على وجوب التسبيح والسجود. وعلى هذا تدل عامة أدلة ~~الشريعة من إلكتاب والسنة تدل على وجوب جنس التسبيح، فمن لم يسبح في السجود ~~فقد عصى الله ورسوله، وإذا أتى بنوع من أنواع التسبيح المشروع أجزأه. # وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال. قيل: لا يجب ذكر بحال وقيل : يجب ~~ويتعين قوله : سبحان ربي الأعلى لا يجزئ غيره. وقيل: يجب جنس التسبيح، ~~وإن كان هذا النوع أفضل من غيره؛ لأنه أمر به أن يجعل في السجود. وقد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنواع أخر . وقوله : «اجعلوها في سجودكم فيه كلام ليس PageV01P543 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0544.png) ~~هذا موضعه إذ قد يقال المسبح لربه : بأي اسم سبحه فقد سبح اسم ربه الأعلى . كما ~~أنه بأي اسم دعاه فقد دعا ربه الذي له الأسماء الحسنى . كما قال : (قل آدعوا الله أو ~~آذعوا الرحمن أياما تد عوا فله الانسماء الحسن) وقال : (ولله الأسماء الحسن فادعوه ~~بها ) [عراف : 180]. # فإذا كان يدعى بجميع أسمائه الحسنى، وبأي اسم دعاه، فقد دعا الذي له ~~الأسماء الحسنى، وهو يسبح بجميع أسمائه الحسنى، وبأي اسم سبح فقد سبح الذي ~~له الأسماء الحسنى، ولكن قد يكون بعض الأسماء أفضل من بعض. وبسط هذا له ~~موضع آخر. # والمقصود هنا: أن الأمر بالسجود تابع لقراءة القرآن كله، كما في هذه الآية. ~~وفي قوله تعالى : (فما لم لا يؤمنون وإذا قري عليهم القران لا سحدون)، ~~21 فهذا يتناول جميع القرآن، وأنه من قرئ عليه القرآن فهو مأمور بالسجود، ~~والمصلي قد قرئ عليه القرآن، وذلك سبب للأمر بالسجود، فلهذا يسمع القرآن ~~ويسجد الإمام ms0596 والمنفرد يسمع قراءة نفسه وهو يقرأ على نفسه القرآن. وقد يقال: ~~لا يصلون؛ لكن قوله : (خوا سحدا) صريح في السجود المعروف، لاقترانه بلفظ ~~الخرور. وأما هذه الآية ففيها نزاع، قال أبو الفرج : (وإنا قري علينهم القرمان لا سسحدون) ~~فيه قولان: # أحدهما : لا يصلون، قاله عطاء، وابن السائب. # والثانى : لا يخضعون له، ولا يستكينون له، قاله ابن جرير، واختاره القاضي ~~أبو يعلى . قال : واحتج بها قوم على وجوب سجود التلاوة، وليس فيها دلالة على ~~ذلك. وإنما المعنى لا يخشعون، ألا ترى أنه أضاف السجود إلى جميع القرآن، ~~والسجود يختص بمواضع منه. # قلت : القول الأول : هو الذي يذكره كثير من المفسرين، لا يذكرون غيره: ~~كالثعلبي، والبغوي، وحكوه عن مقاتل، والكلبي وهو المنقول عن مفسري السلف، ~~وعليه عامة العلماء . # وأما القول الثاني : فما علمت أحدا نقله عن أحد من السلف، والذين قالوه إنما ~~قالوه لما رأوا أنه لا تيجب على كل من سمع شيئا من القرآن أن يسجد، فأرادوا أن ~~يفسروا الآية بمعنى يجب في كل حال. فقالوا: يخضعون، ويستكينون. فإن هذا يؤمر ~~به كل من قرئ عليه القرآن. # ولفظ السجود يراد به مطلق الخضوع، والاستكانة. كما قد بسط هذا في ~~مواضع، لكن يقال لهم : الخضوع مامور به، وخضوع الإنسان وخشوعه لا يتم إلا PageV01P544 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0545.png) ~~بالسجود المعروف، وهو فرض في الجملة على كل أحد، وهو المراد من السجود ~~المضاف إلى بني آدم، حيث ذكر في القرآن؛ إذ هو خضوع الآدمي للرب، والرب ~~لا يرضى من الناس بدون هذا الخضوع، إذ هو غاية خضوع العبد، ولكل مخلوق ~~خضوع بحسبه هو سجوده. # وأما أن يكون سجود الإنسان لا يراد به إلا خضوع ليس فيه سجود الوجه؛ فهذا ~~لا يعرف، بل يقال : هم مأمورون، إذا قرئ عليهم القرآن بالسجود، وإن لم يكن ~~السجود التام عقب استماع القرآن، فإنه لا بد أن يكون بين صلاتين، فإذا قاموا إلى ~~الصلاة فقد أتوا بالسجود الواجب عليهم، وهم لما قرئ عليهم حصل لهم نوع من ~~الخضوع والخشوع باعتقاد الوجوب ms0597 والعزم على الامتثال. فإذا اعتقدوا وجوب الصلاة ~~وعزموا على الامتثال فهذا مبدأ السجود المأمور به، ثم إذا صلوا فهذا تمامه. كما قال ~~في المشركين: (فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءانوا الزكوة فخلوا سبيلهم ) فهم إذا ~~تابوا والتزموا الصلاة كف عن قتالهم. فهذا مبدأ إقامتها، ثم إذا فعلوها فقد أتموا ~~إقامتها . وأما إذا التزموها بالكلام ولم يفعلوا فإنهم يقاتلون. # ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد بها في ~~الصلاة. ففي الصحيحين عن أبي رافع قال صليت مع أبي هريرة العتمة. فقر : (إذا السماء ~~آنشقت) فسجد فقلت : ما هذه? قال : سجدت بها خلف أبي القاسم، ~~ولا أزال أسجد بها حتى ألقاه ، وهذا الحديث قد اتفق العلماء على صحته. # وأما سجوده فيها فرواه مسلم دون البخاري. والسجود فيها قول جمهور ~~العلماء كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وهو قول ابن وهب، ~~وغيره من أصحاب مالك، فكيف يقال : إن لفظ السجود فيها لم يرد به إلا مطلق ~~الخضوع والاستكانة، وأما السجود المعروف فلم يدل عليه اللفظ?! ولو كان هذا ~~صحيحا لم يكن السجود الخاص مشروعا إذا تليت، لا سيما في الصلاة، وبهذا يظهر ~~جواب من أجاب من احتج بها على وجوب سجود التلاوة، بأن المراد الخضوع. # فإن قيل : فإذا فسر السجود بالصلاة، كما قاله الأكثرون، لم يجب سجود ~~التلاوة . قيل : الصلاة مرادة من جنس قراءة القرآن. كما تقدم. وهذه الآية توجب ~~على من قرئ عليه القرآن أن يسجد، فإن قرئ عليه خارج الصلاة فعليه أن يسجد ~~قريبا، إذا حضر وقت الصلاة، فإنه ما من ساعة يقرأ عليه فيها القرآن إلا هو وقت ~~صلاة مفروضة، فعليه أن يصليها؛ إذ بينه وبين وقت الصلاة المفروضة أقل من نصف PageV01P545 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0546.png) ~~يوم، فإذا لم يصل فهو ممن إذا قرئ عليه القرآن لا يسجد فإن قرئ عليه القرآن في ~~الصلاة فعليه أن يسجد سجدة يخر فيها من قيام، وسجدة يخر فيها من قعود، وكل ~~منهما بعد ركوع، كما بينه ms0598 الرسول صلى الله عليه وسلم. # وأما السجود عند تلاوة هذه الآية؛ فهو السجود الخاص، وهو سجود التلاوة، ~~وهذا سجود مبادر إليه عند سماع هذه الآية، فإنها أمرته أن يسجد إذا قرئ عليه ~~القرآن، فمن تمام المبادرة أن يسجد عند سماعها سجود التلاوة. ثم يسجد عند تلاوة ~~غيرها كما تقدم، فإن هذه الآية تأمر بالسجود إذا قرئ عليه هي أو غيرها، فهي الآمرة ~~بالسجود عند قراءة القرآن، دون سائر الآيات التى لا يسجد عندها، فكان لها حض ~~من الأمر بالسجود مع عموم كونها من القرآن، فتخص بالسجود لها، ويسجد في ~~الصلاة إذا قرئت كما يسجد إذا قرئ غيرها. # وبهذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه سجد بها في الصلاة وفعله إذا خرج امتثالا لأمر، ~~أو تفسيرا لمجمل كان حكمه حكمه، فدل ذلك على وجوب السجود الذي سجده عند ~~قراءة هذه السورة، لا سيما وهو في الصلاة. والصلاة مفروضة، وإتمامها مفروض، ~~فلا تقطع إلا بعمل هو أفضل من إتمامها، فعلم أن سجود التلاوة فيها أفضل من ~~إتمامها بلا سجود، ولو زاد في الصلاة فعلا من جنسها عمدا بطلت صلاته. وهنا ~~سجود التلاوة مشروع فيها. # وعن أحمد في وجوب هذا السجود في الصلاة روايتان: والأظهر الوجوب، ~~كما قدمناه لوجوه متعددة : # منها أن نفس الأئمة يؤمرون أن يصلوا كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو هكذا صلى. ~~والله أعلم. # وقوله : (لا تسحدون) ولم يقل لا يصلون يدل على أن السجود مقصود لنفسه، ~~وإنه يتناول السجود في الصلاة وخارج الصلاة، فيتناول أيضا الخضوع والخشوع، كما ~~مثل . فالقرآن موجب لمسمى السجود الشامل لجميع أنواعه، فما من سجود إلا ~~والقرآن موجب له، ومن لم يسجد إذا قرئ عليه مطلقا فهو كافر، ولكن لا يجب كل ~~سجود في كل وقت، بل هو بحسب ما بينه رسول الله له صلى الله عليه وسلم وكن الآية دلت على ~~تكرار السجود عند تكرار قراءة القرآن عليه، وهذا واجب إذا قرئ عليه القرآن في ~~الصلاة وخارج الصلاة، كما تقدم. والله ms0599 أعلم. # وأما الأمر المطلق بالسجود؛ فلا ريب أنه يتناول الصلوات الخمس فإنها فرض ~~بالاتفاق، ويتناول سجود القرآن، لأن النبي صلى الله علي وسلم عن السجود في هذه المواضع. ~~فلا بد أن يكون ما تلي سببا له، وإلا كان أجنبيا. والمذكور إنما هو الأمر، فدل على PageV01P546 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0547.png) ~~أن هذا السجود من السجود المأمور به، وإلا فكيف يخرج السجود المقرون بالأمر عن ~~الأمر، وهذا كسجود الملائكة لآدم لما أمروا. # وهكذا جاء في الحديث الصحيح : إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان ~~يبكي . يقول: يا ويله . أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود ~~فأبيت فلي النار! رواه مسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم كر هذا ترغيبا في هذا السجود، فدل ~~على أن هذا السجود مأمور به، كما كان السجود لآدم؛ لأن كلاهما أمر، وقد سن ~~السجود عقبه، فمن سجد كان متشبها بالملائكة، ومن أبى تشبه بإبليس؛ بل هذا ~~سجود لله، فهو أعظم من السجود لآدم. # وهذا الحديث كاف في الدلالة على الوجوب، وكذلك الآيات التي فيها الأمر ~~المقيد، والأمر المطلق أيضا. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ : (والنجه) سجد وسجد معه ~~المسلمون والمشركون، والجن والإنس. كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس. ~~وفي الصحيح عن ابن مسعود : لأنهم سجدوا إلا رجلا من المشركين أخذ كفآ من ~~حصا، وقال : يكفيني هذا. قال فلقد رأيته بعد قتل كافرا»2 وهذا يدل على أنهم ~~كانوا مأمورين بهذا السجود، وإن تاركه كان مذموما، وليس هو سجود الصلاة؛ بل ~~كان خضوعا لله، وفيهم كفار، وفيهم من لم يكن متوضئا، لكن سجود الخضوع إذا ~~تلي كلامه. # كما أثنى على من إذا سمعه سجد، فقال : (إذا ثآيلى عليهم مآيت الرحمن خروا سجدا ~~وثكيا) وقال : (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداء ويقولون سبحان ربنا إن ~~كان وعد ربنا لمفعولا * ويخرون للأذقان يبكون ويزيده خشوعا)ء 107 - 109] وهذا ~~وإن قيل : إنه متناول سجود الصلاة، فإنهم إذا سمعوا القرآن ركعوا وسجدوا، ~~فلا ms0600 ريب أنه متناول سجود القرآن بطريق الأولى؛ لأن هناك السجود بعض الصلاة، ~~وهنا ذكر سجودا مجردا على الأذقان، فما بقي يمكن حمله على الركوع؛ لأن الركوع ~~لا يكون على الأذقان. # وقوله : (للأذقان) أي على الأذقان. كما قال: (وتله للجبين) : ~~103 أي على الجبين. وقوله : ( للأذقان)، يدل على تمام السجود، وأنهم سجدوا ~~على الأنف مع الجبهة حتى التصقت الأذقان بالأرض، ليسوا كمن سجد على الجبهة ~~فقط، والساجد على الأنف قد لا يلصق الذقن بالأرض، إلا إذا زاد انخفاضه. PageV01P547 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0548.png) # وأما احتجاج من لم يوجبه بكون النبي صلى الله عليه وسلم م يسجد لما قرأ عليه زيد (النجم) ~~وبقول عمر : لما قرأ على المنبر سورة النحل حتى جاء السجدة فنزل فسجد، وسجد ~~الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى جاء السجدة. قال : يا أيها الناس! إنا ~~نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه - وفي لفظ - فلما ~~كان في الجمعة الثانية تشرفوا - فقال : إنا نمر بالسجدة ولم تكتب علينا، ولكن قد ~~تشوفتم ، ثم نزل فسجد» . # فيقال : تلك قضية معينة، ولعله لما لم يسجد زيد لم يسجد هو، كما قال ابن ~~مسعود : أنت إمامنا، فإن سجدت سجدنا . وقال عثمان : إنما السجدة على من جلس ~~إليها، واستمع. وهذا يدل على أنها تجب على المستمع، ولا تجب على السامع، ~~وكذلك حديث ابن مسعود يدل على أنها لا تجب إذا لم يسجد القارئ. # وقد يقال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم عذر عند من يقول : إن السجود فيها مشروع. فمن ~~الناس من يقول : يمكن أنه لم يكن على طهارة، لكن قد يرجح جواز السجود على ~~غير طهارة. # وقد قيل : إن السجود في (النجم) وحدها منسوخ؛ بخلاف (آقرأ) ~~و«الانشقاق فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أ سجد فيهما، وسجد معه ~~أبو هريرة، وهو أسلم بعد خيبر. وهذا يبطل قول من يقول : لم يسجد في المفصل ~~بعد الهجرة، وأما سورة النجم # بل حديث زيد صريح في أنه لم ms0601 يسجد فيها، قال هؤلاء فيكون النسخ فيها ~~خاصة ، لا في غيرها، لما كان الشيطان قد ألقاه حين ظن من ظن أنه وافقهم ترك ~~السجود فيها بالكلية سدا لهذه الذريعة. وهي في الصلاة تأتي في آخر القيام، وسجدة ~~الصلاة تغني عنها، فهذا القول أقرب من غيره، والله أعلم. # وأما حديث عمر؛ قفلو كان صريحا لكان قوله وإقرار من حضر، وليسوا كل ~~المسلمين. وقول عثمان وغيره يدل على الوجوب. ثم يقال: قد يكون مراد عمر أنه ~~لم يكتب علينا السجود في هذه الحال، وهو إذا قرأها الإمام على المنبر . يبين ذلك ~~أن السجود في هذه الحال ليس كالسجود المطلق؛ لأنه يقطع فيه الإمام الخطبة، ~~ويعمل عملا كثيرآ. والسنة في الخطبة الموالاة، فلما تعارض هذا وهذا صار السجود ~~غير واجب؛ لأن القارئ يشتغل بعبادة أفضل منه، وهو خطبة الناس وإن سجد جاز. # ولهذا يقول مالك وغيره: إن هذا السجود لا يستحب، قال: وليس العمل عندنا PageV01P548 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0549.png) ~~على أن يسجد الإمام إذا قرأ على المنبر، كما أنه لم يستحب السجود في الصلاة لا ~~السر ولا الجهر. وأحمد في إحدى الروايتين، وأبو حنيفة وغيرهما يقولون: ~~لا يستحب في صلاة السر، مع أن أبا حنيفة يوجب السجود، وأحمد في إحدى ~~الروايتين يوجبه في الصلاة، ثم لم يستحبوه في هذه الحال؛ بل اتصال الصلاة عندهم ~~أفضل، فكذلك قد يكون مراد عمر أنه لم يكتب في مثل هذه الحال، كما يقول من ~~يقول، لا يستحب أيضا في هذه الحال. # وهذا كما أن الدعاء بعرفة لما كانت سنته الاتصال لم يقطع بصلاة العصر، بل ~~صليت قبله، فكذلك الخاطب يوم الجمعة مقصوده خطابهم وأمرهم ونهيهم، ثم ~~الصلاة عقب ذلك، فلا يجب أن يشتغلوا عن هذا المقصود، مع أن عقبه يحصل ~~السجود. # وهذا يدل على أن سجود التلاوة يسقط لما هو أفضل منه . ألا ترى أن الإنسان ~~لو قرأ لنفسه يوم الجمعة? قد يقال : إنه لم يستحب له أن يسجد دون الناس، كما ~~لا يشرع للمأموم أن يسجد لسهوه؛ لأن ms0602 متابعة الإمام أولى من السجود، وهو مع ~~البعد، وإن قلنا يستحب له أن يقرأ فهو كما يستحب للمأموم أن يقرأ خلف إمامه. ولو ~~قرأ بالسجدة لم يسجد بها دون الإمام. وما أعلم في هذا نزاعا . فهنا محافظته على ~~متابعة الإمام في الفعل الظاهر أفضل من سجود التلاوة، ومن سجود السهو، بل هو ~~منهي عن ذلك، ويوم الجمعة إنما سجد الناس لما سجد عمر، ولو لم يسجد لم ~~يسجدوا حينئذ. فإذا كان حديث عمر قد يراد به أنه لم يكتب علينا في هذه الحال، لم ~~يبق فيه حجة، ولو كان مرفوعا. # وأيضا فسجود القرآن هو من شعائر الإسلام الظاهرة، إذا قرئ القرآن في الجامع ~~سجد الناس كلهم لله رب العالمين، وفي ترك ذلك إخلال بذلك؛ ولهذا رجحنا أن ~~صلاة العيد واجبة على الأعيان، كقول أبي حنيفة وغيره، وهو أحد أقوال الشافعي، ~~وأحد القولين في مذهب أحمد. # وقول من قال لا تجب في غاية البعد، فإنها من أعظم شعائر الإسلام، والناس ~~يجتمعون لها أعظم من الجمعة، وقد شرع فيها التكبير. وقول من قال هي فرض على ~~الكفاية لا ينضبط، فإنه لو حضرها في المصر العظيم أربعون رجلا لم يحصل ~~المقصود، وإنما يحصل بحضور المسلمين كلهم، كما في الجمعة. # وأما الأضحية فالأظهر وجوبها أيضا، فإنها من أعظم شعائر الإسلام، وهي ~~النسك العام في جميع الأمصار، والنسك مقرون بالصلاة. في قوله : (إن صلاتي ونسكى ~~ومحياي ومماف لله رب العالمين) وقد قال تعالى : (فصل لربك وانحر) ~~[الكوثر : 2 فأمر بالنحر كما أمر بالصلاة. وقد قال تعالى : ( ولكل أمة جعلنا منسكا PageV01P549 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0550.png) ~~ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلاهكر إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين) ~~[الحج: 4 وقال: (والبدن جعلناها لكم من شعكبر الله لكر فيها خير فاذكروا اسم الله عليها ~~صواف فإذا وجت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخزنها لكم لعلكم تشكرون * ين ينال ~~الله لحومها ولا دماؤها ولدكن يناله النقوى منكم كذلك سخرها لكر لعكبروا الله على ما ms0603 هددكر وبشر ~~المحسنين )37،3 وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته، وبها يذكر ~~قصة الذبيح، فكيف يجوز أن المسلمين كلهم يتركون هذا لا يفعله أحد منهم، وترك ~~المسلمين كلهم هذا أعظم من ترك الحج، في بعض السنين. # وقد قالوا : إن الحج كل عام فرض على الكفاية؛ لأنه من شعائر الإسلام، والضحايا ~~في عيد النحر كذلك، بل هذه تفعل في كل بلد هي والصلاة، فيظهر بها عبادة الله ~~وذكره، والذبح له، والنسك له، ما لا يظهر بالحج، كما يظهر ذكر الله بالتكبير في ~~الأعياد . وقد جاءت الأحاديث بالأمر بها. وقد خرج وجوبها قولا في مذهب أحمد، وهو ~~قول أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب مالك، أو ظاهر مذهب مالك. # ونفاة الوجوب ليس معهم نص، فإن عمدتم قوله صلى الله عليه وسل: من أراد أن يضحي ~~ودخل العشر، فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره . قالوا: والواجب لا يعلق ~~بالإرادة . وهذا كلام مجمل، فإن الواجب لا يوكل إلى إرادة العبد. فيقال : إن شئت ~~فافعله ؛ بل قد يعلق الواجب بالشرط لبيان حكم من الأحكام. كقوله : (إذا قمتم إلى ~~الصلوة فاعسلوا )آ وقد قدروا فيه : إذا أردتم القيام، وقدروا: إذا أردت ~~القراءة فاستعذ، والطهارة واجبة، والقراءة في الصلاة واجبة وقد قال : (إن هو إلا ذكر ~~للعالمين * لمن شاء منكم أن يستقيم )ير، ومشيئة الاستقامة واجبة. # وأيضا فليس كل أحد يجب عليه أن يضحي، وإنما تجب على القادر، فهو الذي ~~يريد أن يضحي . كما قال : من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد تضل الضالة، وتعرض ~~الحاجة »2) والحج فرض على المستطيع . فقوله : لامن أراد أن يضحي كقوله : لمن ~~أراد الحج فليتعجل ووجوبها حينئذ مشروط بأن يقدر عليها فاضلا عن حوائجه ~~الأصلية . كصدقة الفطر . # ويجوز أن يضحي بالشاة عن أهل البيت - صاحب المنزل - ونسائه وأولاده، ~~ومن معهم . كما كان الصحابة يفعلون. وما نقل عن بعض الصحابة من أنه لم يضح، ~~بل اشترى لحما. فقد تكون مسألة نزاع. كما تنازعوا في وجوب العمرة، وقد يكون PageV01P550 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0551.png) ~~من ms0604 لم يضح لم يكن له سعة في ذلك العام، وأراد بذلك توبيخ أهل المباهاة الذين ~~يفعلونها لغير الله، أو أن يكون قصد بتركها ذلك العام توبيخهم، فقد ترك الواجب ~~لمصلحة راجحة. كما قال صلى الله عليه وسلم لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أنطلق معي ~~برجال معهم حزم حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار، ~~لولا ما في البيوت من النساء والذرية) فكان يدع الجمعة والجماعة الواجبة لأجل ~~عقوبة المتخلفين، فإن هذا من باب الجهاد الذي قد يضيق وقته، فهو مقدم على ~~الجمعة والجماعة. # ولو أن ولي الأمر - كالمحتسب وغيره - تخلف بعض الأيام عن الجمعة لينظر ~~من لا يصليها فيعاقبه، جاز ذلك. وكان هذا من الأعذار المبيحة لترك الجمعة، فإن ~~عقوبة أولئك واجب متعين لا يمكن إلا بهذا الطريق، والنبي صلى الله عليه وسلم د بين أنه لولا ~~النساء والصبيان لحرق البيوت على من فيها ، لكن فيها من لا تجب عليه جمعة ~~ولا جماعة من النساء والصبيان، فلا تجوز عقوبته . كما لا ترجم الحامل حتى تضع ~~حملها؛ لأن قتل الجنين لا يجوز. كما في حديث الغامدية. # وسجود القرآن لا يشرع فيه تحريم ولا تحليل : هذا هو السنة المعروفة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: وعليه عامة السلف، وهو المنصوص عن الأئمة المشهورين. وعلى هذا ~~فليست صلاة، فلا تشترط لها شروط الصلاة، بل تجوز على غير طهارة. كما كان ابن ~~عمر يسجد على غير طهارة؛ لكن هي بشروط الصلاة أفضل، ولا ينبغي أن يخل ~~بذلك إلا لعذر. # فالسجود بلا طهارة خير من الإخلال به؛ لكن قد يقال : إنه لا يجب في هذه ~~الحال، كما لا يجب على السامع، ولا على من لم يسجد قارئه، وإن كان ذلك ~~السجود جائزا عند جمهور العلماء. # وكما يجب على المؤتم في الصلاة تبعا لإمامه بالاتفاق، وإن قالوا: لا يجب ~~في غير هذه الحال، وقد حمل بعضهم حديث زيد على أن النبي صلى الله عليه وسلم آم يكن متطهرا، ~~وكما لا تجب ms0605 الجمعة على المريض، والمسافر، والعبد، وإن جاز له فعلها، لا سيما ~~وأكثر العلماء لا يجوزون فعلها إلا مع الطهارة، ولكن الراجح أنه يجوز فعلها ~~للحديث. والمروي فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم كبيرة واحدة، فإنه لا ينتقل من عبادة إلى PageV01P551 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0552.png) ~~عبادة . وعلى هذا ترجم البخاري فقال : (باب سجدة المسلمين مع المشركين) ~~والمشرك نجس ليس له وضوء. قال: وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء، وذكر ~~سجود النبي صلى الله عليه وسلم النجم لما سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون. وهذا الحديث ~~في الصحيحين من وجهين: من حديث ابن مسعود، وحديث ابن عباس. وهذا فعلوه ~~تبعا للنبي صلى الله عليه وسلم ما قرا قوله : (فاسجد والله واعبدوا) # ومعلوم أن جنس العبادة لا تشترط له الطهارة، بل إنما تشترط للصلاة. فكذلك ~~جنس السجود يشترط لبعضه، وهو السجود الذي لله كسجود الصلاة، وسجدتي ~~السهو، فخلاف سجود التلاوة، وسجود الشكر، وسجود الآيات. # ومما يدل على ذلك : أن الله أخبر عن سجود السحرة لما آمنوا بموسى على ~~وجه الرضا بذلك السجود، ولا ريب أنهم لم يكونوا متوضئين، ولا يعرفون الوضوء. ~~فعلم أن السجود المجرد لله مما يحبه الله ويرضاه، وإن لم يكن صاحبه متوضئا، ~~وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهذا سجود إيمان، ونظيره الذين ~~أسلموا فاعتصموا بالسجود، ولم يقبل ذلك منهم خالد فقتلهم، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا ~~فوداهم بنصف دية، ولم ينكر عليهم ذلك السجود، ولم يكونوا بعد قد أسلموا، ~~ولا عرفوا الوضوء، بل سجدوا لله سجود الإسلام، كما سجد السحرة. # ومما يدل على ذلك أن الله أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الباب سجدا، ويقولوا: ~~حطة. ومعلوم أنه لم يأمرهم بوضوء، ولا كان الوضوء مشروعا لهم؛ بل هو من ~~خصائص أمة محمد، وسواء أريد السجود بالأرض، أو الركوع . فإنه إن أريد الركوع ~~فهو عبادة مفردة، يتضمن الخضوع لله، وهو من جنس السجود . لكن شرعنا شرع فيه ~~سجود مفرد، وأما ركوع مفرد ففيه نزاع، جوزه بعض ms0606 العلماء بدلا عن سجود التلاوة. # وأيضا فقد أخبر الله عن الأنبياء بالسجود المجرد، في مثل قوله : ( أوليك الذين ~~نعم الله علتهم من النبيعن من ذرية ادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرنه إزرهيم وإسرء يل وممن هدينا واجنبينا إذا ~~نلى عليهم ايت الرحمن خروا سجدا وبكيا) :] ولم يكونوا مأمورين بالوضوء فإن ~~الوضوء من خصائص أمة محمد، كما جاءت الأحاديث الصحيحة : أنهم يبعثون يوم ~~القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، وأن الرسول يعرفهم بهذه السيماء فدل على ~~أنه لا يشركهم فيها غيرهم. والحديث الذي رواه ابن ماجه وغيره أنه توضأمرة مرة، ~~ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وقال : هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي. حديث PageV01P552 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0553.png) ~~ضعيف عند أهل العلم بالحديث، لا يجوز الاحتجاج بمثله، وليس عند أهل الكتاب ~~خبر عن أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين، بخلاف الاغتسال من ~~الجنابة فإنه كان مشروعا؛ ولكن لم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء، وهذه الأمة مما ~~فضلت به التيمم مع الجنابة، والحدث الأصغر. والوضوء. # فإن قيل : أولئك الأنبياء إنما سجدوا على غير وضوء؛ لأن الصلاة كانت تجوز ~~لهم بغير وضوء. # قيل : لم يقص الله علينا في القرآن أن أحدا منهم صلى بغير وضوء ونحن إنما ~~نتبع من شرع الأنبياء ما قصه الله علينا، وما أخبرنا به نبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قص ذلك علينا ~~لنعتبر به. وقال : (أولمك الذين هدى الله فبهدهم اقتدة)] وكذلك ذكر ~~عن الذين أوتوا العلم من قبله : أنهم ( إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن ~~كان وعد ربنا لمفعولا * ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهر خشوع)ء: 107 - 109. # وقد أوجب الله تعالى الطهارة للصلاة كما أمر بذلك فى القرآن، وكما ثبت عن ~~بي صلى الله عليه وسلمأن قال : لا لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ أخرجاه في ~~الصحيحين. # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلمأن قال : لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ~~ولا صدقة من غلول وقد أجمع المسلمون على وجوب الطهارة للصلاة. ms0607 # يبقى الكلام في مسمى الصلاة» فإن الذين أوجبوا الطهارة للسجود المجرد، ~~اختلفوا فيما بينهم. فقالوا: يسلم منه، وقال بعضهم: يكبر تكبيرتين: تكبيرة ~~للإفتتاح، وتكبيرة للسجود، وقال بعضهم: يتشهد فيه، وليس معهم لشيء من هذه ~~الأقوال أثر ، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا عن أحد من الصحابة؛ بل هو مما قالوه برأيهم، ~~لما ظنوه صلاة. # وقال بعضهم : لا تكون الصلاة إلا ركعتين، وما دون ذلك لا يكون صلاة، إلا ~~ركعة الوتر . واحتج بما في السنن عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : «صلاة الليل ~~والنهار مثنى مثنى3 وهذا القول قاله ابن حزم. ولم يشترط الطهارة لما دون ذلك، ~~لا لصلاة الجنازة، ولا لغيرها. وهذا أيضا ضعيف. فإن الحديث ضعيف . والحديث ~~الذي في الصحاح الذي رواه الثقاة قوله: صلاة الليل مثنى مثنى وأما قوله: PageV01P553 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0554.png) ~~ولاالنهار فزيادة انفرد بها البارقي، وقد ضعفها أحمد، وغيره. والمرجع في مسمى ~~الصلاة إلى الرسول. # وفي السنن حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها ~~لتكبير، وتحليلها التسليم. وهذا محفوظ عن ابن مسعود من قوله: فهذا يبين أن ~~الصلاة» التي مفتاحها الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم. وهذا يتناول ~~كل ما تحريمه التكبير، وتحليله التسليم: كالصلاة التي فيها ركوع وسجود، سواء ~~كانت مثنى أو واحدة، أو كانت ثلاثا متصلة، أو أكثر من ذلك، وهو يتناول صلاة ~~الجنازة، فإن تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم. # والصحابة أمروا بالطهارة لما فرقوا بينها وبين سجود التلاوة، وهو الذي ذكره ~~البخاري في صحيحه. فقال في : (باب سنة الصلاة على الجنازة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا من صلى على الجنازة) وقال : «صلوا على صاحبكم1 وقال : لصلوا على ~~النجاشي سماها صلاة، وليس فيها ركوع ولا سجود، ولا يتكلم فيها، وفيها ~~تكبير وتسليم، وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهرا، ولا يصلي عند طلوع الشمس، ~~ولا غروبها، ويرفع يديه. وقال تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا نقم على قبره) ~~التوبة : 84] وفيها صفوف ms0608 وإمام. # وهذه الأمور التي ذكرها كلها منتفية في سجود التلاوة، والشكر وسجود الآيات. ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسم ذلك صلاة ولم يشرع لها الاصطفاف، وتقدم الإمام، كما يشرع في ~~صلاة الجنازة وسجدتي السهو بعد السلام، وسائر الصلوات. ولا سن فيها النبي صلى الله عليه وسلم. ~~سلاما، لم يرو ذلك عنه لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف، بل هو بدعة، ولا جعل لها ~~تكبير افتتاح، وإنما روي عنه أنه كبر فيها إما للرفع، وإما للخفض. والحديث في السنن. PageV01P554 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0555.png) # وابن عباس جوز التيمم للجنازة عند عدم الماء، وهذا قول كثير من العماء، ~~وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، فدل على أن الطهارة تشترط لها ~~عنده، وكذلك هذه الصفات منتفية في الطواف، فليس فيه تسليم، والكلام جائز فيه، ~~وليس فيه اصطفاف وإمام، وقد قرن الله في كتابه وسنة رسوله بين الطائف والمصلي، ~~ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أمر بالطهارة للطواف، لكنه كان يطوف متطهرا هو ~~والصحابة، وكانوا يصلون ركعتي الطواف بعد الطواف، ولا يصلي إلا متطهرا، ~~والنهي إنما جاء في طواف الحائض فقال : الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف ~~بالبيت وقد قيل : إن ذلك لأجل المسجد، وقيل : لأجل الطواف، وقيل: لهما. # والله تعالى قال لإبراهيم عليه السلام: (وطهر بيتى للطايفين)ج:2] ~~فاقتضى ذلك تطهيره من دم الحيض وغيره. # وأيضا فإبراهيم والنبيون بعده كانوا يطوفون بغير وضوء، كما كانوا يصلون بغير ~~وضوء، وشرعهم شرعنا إلا فيما نسخ، فالصلاة قد أمرنا بالوضوء لها، ولم يفرض ~~علينا الوضوء لغيرها، كما جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا، فحيث ما أدركت ~~المسلم الصلاة فعنده مسجده وطهوره، وإن كان جنبا تيمم وصلى، ومن قبلنا لم يكن ~~لهم ذلك، بل كانوا ممنوعين من الصلاة مع الجنابة حتى يغتسلوا، كما يمنع الجنب ~~من اللبث في المسجد، ومن قراءة القرآن. # ويجوز للمحدث اللبث في المسجد معتكفا، وغير معتكف. ويجوز له قراءة ~~القرآن، والمروي فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم كبيرة واحدة، فإنه لم ms0609 ينتقل من عبادة إلى عبادة. # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن الرجل إذا كان يتلو الكتاب العزيز ~~بين جماعة، فقرأ سجدة، فقام على قدميه وسجد. فهل قيامه أفضل من سجوده وهو ~~قاعد? أم لا؟ وهل فعله ذلك رياء ونفاق؟2) # فأجاب : بل سجود التلاوة قائما أفضل منه قاعدا، كما ذكر ذلك من ذكره من ~~العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وكما نقل عن عائشة، بل وكذلك PageV01P555 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0556.png) ~~للجواز، ولكن تحريه مع قعوده أن يقوم ليركع ويسجد وهو قائم، دليل على أنه ~~أفضل . إذ هو أكمل وأعظم خشوعا لما فيه من هبوط رأسه وأعضائه الساجدة لله من ~~القيام. # ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحى، أو قيام ليل، أو غير ذلك، فإنه ~~يصليه حيث كان، ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس، إذا علم ~~الله من قلبه أنه يفعله سرآ لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء، ومفسدات ~~الإخلاص ؛ ولهذا قال الفضيل بن عياض : ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل ~~لأجل الناس شرك . وفعله في مكانه الذي تكون فيه معيشته التي يستعين بها على عبادة ~~الله خير له من أن يفعله حيث تتعطل معيشته، ويشتغل قلبه بسبب ذلك، فإن الصلاة ~~كلما كانت أجمع للقلب وأبعد من الوسواس كانت أكمل. # ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء، فنهيه مردود عليه من ~~وجوه : # أحدها : أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفا من الرياء، بل يؤمر بها ~~وبالإخلاص فيها، ونحن إذا رأينا من يفعلها أقررناه، وإن جزمنا أنه يفعلها رياء، ~~فالمنافقون الذين قال الله فيهم : ( إن المنفقين يخدعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلوة ~~قاموا كسالى يرآءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا) فهؤلاء كان النبي صلى الله عليه وسلم. ~~والمسلمون يقرونهم على ما يظهرونه من الدين، وإن كانوا مرائين، ولا ينهونهم عن ~~الظاهر؛ لأن الفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياء، كما أن ~~فساد ترك إظهار الإيمان والصلوات أعظم ms0610 من الفساد في إظهار ذلك رياء؛ ولأن ~~الإنكار إنما يقع على الفساد في إظهار ذلك رئاء الناس. # الثاني : لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة، وقد قال رسول الله له صلى الله عليه وسلم. ~~إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أن أشق بطونهم? وقد قال عمر بن ~~الخطاب : من أظهر لنا خيرا أحببناه، وواليناه عليه، وإن كانت سريرته بخلاف ذلك. ~~ومن أظهر لنا شرا أبغضناه عليه، وإن زعم أن سريرته صالحة. # الثالث : أن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل ~~الخير والدين إذا رأوا من يظهر أمرا مشروعا مسنونا، قالوا: هذا مراء، فيترك أهل الصدق ~~والإخلاص إظهار الأمور المشروعة، حذرا من لمزهم وذمهم، فيتعطل الخير، ويبقى ~~لأهل الشرك شوكة يظهرون الشر، ولا أحد ينكر عليهم، وهذا من أعظم المفاسد. PageV01P556 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0557.png) # الرابع : أن مثل هذا من شعائر المنافقين، وهو يطعن على من يظهر الأعمال ~~المشروعة، قال الله تعالى : (آلذين يلمزون المطوعين من المومنين ف الصدقات ~~والذين لا يجدون إلا جهدهر فيسخرون منهم سخر الله منهم ولم عداب اليم) . فإن ~~النبي لى الله علي وسلم ما حض على الإنفاق عام تبوك جاء بعض الصحابة بصرة كادت يده تعجز ~~من حملها، فقالوا : هذا مراء، وجاء بعضهم بصاع، فقالوا: لقد كان الله غنيا عن ~~صاع فلان، فلمزوا هذا وهذا، فأنزل الله ذلك، وصار عبرة فيمن يلمز المؤمنين ~~المطيعين لله ورسوله، والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: # في أوقات النهي، والنزاع في ذوات الأسباب، وغيرها. فإن للناس في هذا ~~الباب اضطرابا كثيرا. # فنقول : قد ثبت بالنص والإجماع أن النهي ليس عاما لجميع الصلوات، فإنه قد ~~ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ن قال : لمن أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد ~~أدرك - وفي لفظ - فليصل إليها أخرى - وفي لفظ - فيتم صلاته - وفي لفظ - سجدة ~~وكلها صحيحة، وكذلك قال : لمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ms0611 فقد ~~أدرك - وفي لفظ - : فليتم صلاته - وفي لفظ - فليصل إليها أخرى - وفي لفظ: ~~سجدة»2 وفي هذا أمره بالركعة الثانية من الفجر عند طلوع الشمس . # وفيه أنه إذا صلى ركعة من العصر عند غروب الشمس صحت تلك الركعة، وهو ~~مأمور بأن يصل إليها أخرى . وهذا الثاني مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء. # وأما الأول: فهو قول جمهور العلماء، يروى عن علي، وغير واحد من ~~الصحابة والتابعين، وعلى هذا مجموع الصحابة، فقد ثبت أن أبا بكر الصديق قرأ في ~~الفجر بسورة البقرة، فلما سلم، قيل له: كادت الشمس تطلع، فقال : لو طلعت لم ~~تجدنا غافلين. # فهذا خطاب الصديق للصحابة يبين أنها لو طلعت لم يضرهم ذلك، ولم تجدهم ~~غافلين، بل وجدتهم ذاكرين الله، ممتثلين لقوله: (وأذكر رتكك فى نفسك تضرعا وخيفة ~~ودون الجهر من القول بالغدو والأصال ولا تكن من الغافلين) وهذا القول PageV01P557 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0558.png) ~~مذهب مالك، والشافعي، وأحمد وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر. # وهؤلاء يقولون: يقضي ما نام عنه أو نسيه في أوقات النهي، ولكن أبو حنيفة ~~ومن وافقه يقولون : تفسد صلاته، لأنها صارت فائتة، والفوات عندهم لا يقضى في ~~أوقات النهي، بخلاف عصر يومه فإنها حاضرة، مفعولة في وقتها. # واحتجوا بتأخير الصلاة يوم نام هو وأصحابه عنها حتى طلعت الشمس . وأجاب ~~الجمهور بوجوه: # أحدها : أن التأخير كان لأجل المكان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ال : هذا واد حضرنا ~~فيه الشيطان»). # الثاني : أنه دليل على الجواز لا على الوجوب. # الثالث : أن هذا غايته أن يكون فيمن ابتدأ قضاء الفائتة . أما من صلى ركعة قبل ~~طلوع الشمس، فقد أدرك الوقت. كما قال : «فقد أدرك والثانية تفعل تبعا، كما ~~يفعله المسبوق، إذا أدرك ركعة. قالوا: وهذا أولى بالعذر من العصر إلى الغروب؛ ~~لأن الغروب مشهود، يمكنه أن يصلي قبله. وأما الطلوع فهو قبل أن تطلع لا يعلم ~~متى تطلع . فإذا صلى صلى في الوقت؛ ولهذا لا يأثم من أخر الصلاة حتى يفرغ منها ~~قبل الطلوع، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه ms0612 وسلم في أحاديث المواقيت: «أنه سلم في اليوم ~~الثاني، والقائل يقول : قد طلعت الشمس أو كادت. وقال في الحديث الصحيح : ~~1وقت الفجر ما لم تطلع الشمس»3 وقال : «وقت العصر ما لم تصفر الشمس - ~~وفي لفظ : ما لم تضيف للغروب» فمن صلى قبل طلوع الشمس جميع صلاة الفجر ~~فلا إثم عليه، ومن صلى العصر وقت الغروب من غير عذر فهو آثم. كما في الحديث ~~الصحيح : تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق؛ يرقب الشمس حتى إذا كانت بين ~~قرني شيطان، قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا. # لكن جعله الرسول مدركا للوقت، وهو وقت الضرورة، في مثل النائم إذا ~~ستيقظ ، والحائض إذا طهرت، والكافر إذا أسلم والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا، ~~فأما من أمكنه قبل ذلك فهو آثم بالتأخير إليه، وهو من المصلين الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون، ولكن فعلها في ذلك الوقت خير من تفويتها، فإن تفويتها من ~~الكبائر. PageV01P558 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0559.png) ~~78 # وفي الصحيحين عنه أنه قال : من فاتته الصلاة : صلاة العصر، فكأنما وتر أهله ~~وماله وأما المصلي قبل طلوع الشمس فلا إثم عليه، فإذا كان من صلى ركعة بعد ~~غروب الشمس. # فمن صلى ركعة قبل طلوعها أو قد صلاها قبل أن يطلع شيء منها فهو. # وقولهم: إن ذلك يصلي الثانية في وقت جواز بعد الغروب، بخلاف الأول. ~~فإنه يصلي الثانية وقت نهي. يقال : الكلام في الأمرين لم جوزتم له أن يصلي العصر ~~وقت النهي مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما جعل وقت العصر ما لم تغرب الشمس، أو تضيف ~~اللغروب، ولم تجوزوا فعل الفجر وقت النهي? # الثاني : إن مصلي العصر، وإن صلى الثانية في غير وقت نهي، فمصلي الفجر ~~صلى الأولى في غير وقت نهي، ثم إنه ترجح عليه بأنه صلى الأولى في وقتها، بلا ذم ~~ولا نهي؛ بخلاف مصلي العصر، فإنه إنما صلى الأولى مع الذم والنهي. # وبكل حال فقد دل الحديث، واتفاقهم: على أنه لم ينه عن كل صلاة؛ بل ~~عصر يومه تفعل وقت ms0613 النهي بالنص، واتفاقهم. وكذلك الثانية من الفجر تفعل بالنص، ~~مع قول الجمهور. فإن قيل فهو مذموم على صلاة العصر وقت النهي، فكيف ~~يقولون: لم ينه قبل الذم? إنما هو لتأخيرها إلى هذا الوقت، ثم إذا عصى بالتأخير أمر ~~أن يصليها في هذا الوقت، ولا يفوتها، فإن التفويت أعظم إثما؛ ولا يجوز بحال من ~~الأحوال، وكان أن يصليها مع نوع من الإثم خيرا من أن يفوتها، فيلزمه من الإثم ~~ما هو أعظم من ذلك. # والشارع دائما يرجح خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويدفع شر الشرين بالتزام ~~أدناهما، وهذا كمن معه ماء في السفر هو محتاج إليه لطهارته، يؤمر بأن يتطهر به فإن ~~أراقه عصى وأمر بالتيمم، وكانت صلاته بالتيمم خيرا من تفويت الصلاة؛ لكن في ~~وجوب الإعادة عليه قولان هما وجهان في مذهب أحمد، وغيره. # ومفوت الوقت لا تمكنه الإعادة. كما قد بسط في غير هذا الموضع. وبكل ~~حال فقد دل النص مع اتفاقهم على أن النهي ليس شاملا لكل صلاة، وقد احتج ~~الجمهور على قضاء الفوائت في وقت النهي بقوله في الحديث الصحيح المتفق عليه : ~~من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك») وفي حديث ~~أبي قتادة المتفق عليه واللفظ لمسلم : ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة: ~~على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه PageV01P559 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0560.png) ~~لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها فقد أمره بالصلاة حين ينتبه، وحين يذكر، ~~وهذا يتناول كل وقت. # وهذا العموم أولى من عموم النهي؛ لأنه قد ثبت أن ذاك لم يتناول الفرض؛ ~~لا أداء ولا قضاء، لم يتناول عصر يومه، ولم يتناول الركعة الثانية من الفجر؛ ولأنه ~~إذا استيقظ أو ذكر فهو وقت تلك الصلاة فكان فعلها في وقتها كفعل عصر يومه في ~~وقتها، مع أن هذا معذور وذاك غير معذور لكن يقال : هذا المفوت لو أخرها حتى ~~يزول وقت النهي، لم يحصل له تفويت ثان بخلاف العصر، فإنه ms0614 لو لم يصلها لفاتت، ~~وكذلك الثانية من الفجر . # فيقال : هذا يقتضي جواز تأخيرها لمصلحة راجحة كما أخرها النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ~~1هذا واد حضرنا فيه الشيطان»2) ومثل أن يؤخرها حتى يتطهر غيره، ويصلوها ~~جماعة، كما صلوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر لما ناموا عنها، بخلاف الفجر ~~والعصر الحاضرة، فإنه لا يجوز تفويتها بحال من الأحوال. # وهذا الذي بيناه يقتضي أنه لا عموم لوقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، ~~فغيرهما من المواقيت أولى وأحرى. # وروى جبير بن مطعم أن رسول الله له صلى الله عليه وسلم ال : يا بني عبد مناف! لا تمنعوا ~~أحدا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار رواه أهل السنن. ~~وقال الترمذي : حديث صحيح. واحتج به الأئمة الشافعي وأحمد وأبو ثور وغيرهم، ~~وأخذوا به وجوزوا الطواف والصلاة بعد الفجر والعصر، كما روي عن ابن عمر وابن ~~الزبير وغيرهما من الصحابة والتابعين. # وأما في الأوقات الثلاثآة فعن أحمد فيه روايتان. وآخرون من أهل العلم ~~كأبي حنيفة ومالك، وغيرهما، لا يرون ركعتي الطواف في وقت النهي، والحجة مع ~~أولئك من وجوه : # أحدها: أن قوله : لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من PageV01P560 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0561.png) ~~ليل أو نهار عموم مقصود في الوقت، فكيف يجوز أن يقال : إنه لم يدخل في ذلك ~~المواقيت الخمسة. # الثاني : أن هذا العموم لم يخص منه صورة لا بنص ولا إجماع، وحديث النهي ~~مخصوص بالنص والإجماع، والعموم المحفوظ راجح على العموم المخصوص. # الثالث : أن البيت ما زال الناس يطوفون به، ويصلون عنده من حين بناه إبراهيم ~~الخليل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل الهجرة يطوفون به، ويصلون عنده، وكذلك ~~لما فتحت مكة كثر طواف المسلمين به، وصلاتهم عنده. ولو كانت ركعتا الطواف ~~منهيا عنها في الأوقات الخمسة لكان النبي صلى الله عليه وسلم يهى عن ذلك نهيا عاما، لحاجة ~~المسلمين إلى ذلك، ولكان ذلك ينقل، ولم ينقل مسلم أن النبي صلى الله عليه ms0615 وسلم ي عن ذلك، ~~مع أن الطواف طرفي النهار أكثر وأسهل. # الرابع : أن في النهي تعطيلا لمصالح ذلك من الطواف والصلاة. # الخامس: أن النهي إنما كان لسد الذريعة، وما كان لسد الذريعة فإنه يفعل ~~للمصلحة الراجحة، وذلك أن الصلاة في نفسها من أفضل الأعمال، وأعظم العبادات، ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ~~فليس فيها نفسها مفسدة تقتضي النهي، ولكن وقت الطلوع والغروب الشيطان يقارن ~~الشمس، وحينئذ يسجد لها الكفار، فالمصلي حينئذ يتشبه بهم في جنس الصلاة. # فالسجود وإن لم يكونوا يعبدون معبودهم، ولا يقصدون مقصودهم لكن ~~يشبههم في الصورة فنهى عن الصلاة في هاتين الوقتين سدا للذريعة حتى ينقطع التشبه ~~بالكفار، ولا يتشبه بهم المسلم في شركهم، كما نهى عن الخلوة بالأجنبية، والسفر ~~معها، والنظر إليها لما يفضي إليه من الفساد، ونهاها أن تسافر إلا مع زوج، أو ذي ~~محرم، وكما نهى عن سب آلهة المشركين؛ لئلا يسبوا الله بغير علم، وكما نهى عن ~~أكل الخبائث لما يفضي إليه من حيث التغذية الذي يقتضي الأعمال المنهي عنها، ~~وأمثال ذلك. # ثم إن ما نهى عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة، كما يباح النظر إلى ~~المخطوبة، والسفر بها إذا خيف ضياعها، كسفرها من دار الحرب، مثل سفر أم ~~كلثوم، وكسفر عائشة لما تخلفت مع صفوان بن المعطل، فإنه لم ينه عنه، إلا لأنه ~~يفضي إلى المفسدة، فإذا كان مقتضيا للمصلحة الراجحة لم يكن مفضيا إلى المفسدة # وهذا موجود في التطوع المطلق، فإنه قد يفضي إلى المفسدة، وليس الناس ~~محتاجين إليه في أوقأت النهي، لسعة الأوقات التي تباح فيها الصلاة، بل في النهي PageV01P561 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0562.png) ~~عنه بعض الأوقات مصالح أخر من إجمام النفوس بعض الأوقات، من ثقل العبادة كما ~~يجم بالنوم وغيره . ولهذا قال معاذ : إني لأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي. ومن ~~تشويقها وتحبيب الصلاة إليها إذا منعت منها وقتآ، فإنه يكون أنشط وأرغب فيها، فإن ~~العبادة إذا خصت ببعض الأوقات، نشطت النفوس لها ms0616 أعظم مما تنشط للشيء الدائم. ~~ومنها : أن الشيء الدائم تسأم منه، وتمل وتضجر، فإذا نهى عنه بعض الأوقات زال ~~ذلك الملل، إلى أنواع أخر من المصالح في النهي عن التطوع المطلق، ففي النهي دفع ~~لمفاسد ، وجلب لمصالح من غير تفويت مصلحة. # وأما ما كان له سبب فمنها ما إذا نهى عنه فاتت المصلحة، وتعطل على الناس ~~من العبادة والطاعة، وتحصيل الأجر والثواب، والمصلحة العظيمة في دينهم، ~~ما لا يمكن استدراكه ، كالمعادة مع إمام الحي، وكتحية المسجد، وسجود التلاوة، ~~وصلاة الكسوف، ونحو ذلك. # ومنها ما تنقص به المصلحة، كركعتي الطواف، لا سيما للقادمين، وهم ~~يريدون أن يغتنموا الطواف في تلك الأيام، والطواف لهم، ولأهل البلد طرفي النهار. # الوجه السادس : أن يقال : ذوات الأسباب إنما دعا إليها داع؛ لم تفعل لأجل ~~الوقت؛ بخلاف التطوع المطلق الذي لا سبب له، وحينئذ فمفسدة النهي إنما تنشأ مما ~~لا سبب له دون ما له السبب، ولهذا قال في حديث ابن عمر: للا تتحروا بصلاتكم ~~طلوع الشمس ولا غروبها» # وهذه الوجوه التي ذكرناها تدل أيضا على قضاء الفوانت في أوقات النهي. # والمعادة : إذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد تعاد في وقت النهي عند ~~الجمهور : كمالك والشافعي وأحمد، وأبي ثور وغيرهم. # وابو حنبفة، وغيره جعلوها مما نهي عنه واجنج الاكثرون يلرتة اجادهفي ~~سول الله له صلى الله عليه وسلم جته فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف، وأنا غلام شاب، ~~فلما قضى صلاته. إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه، فقال: علي بهما، ~~فأتى بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا? قالا: يا رسول الله! قد ~~صلينا في رحالنا. قال : لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة PageV01P562 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0563.png) ~~فصليا معهم، فإنها لكما نافلة رواه أهل السنن. كأبي داود، والترمذي، ~~وغيرهما، وأحمد والأثرم. # والثانى : ما رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن بشر بن محجن عن ~~أبيه : أنه كان جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم اذن للصلاة ms0617 فقام رسول لله له صلى الله عليه وسلم فصلى، ثم رجع ~~ومحجن في مجلسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما منعك أن تصلي مع الناس? ألست برجل ~~مسلم?! قال : بلى! يا رسول الله! ولكن قد صليت في أهلي، فقال له ~~رسولالل اله صلى الله عليه وسلم: ذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت وهذا يدل ~~بعمومه والأول صريح في الإعادة بعد الفجر. # الثالث : ما روى مسلم في الصحيح عن أبي ذر قال : قال لي رسولالله له صلى الله عليه وسلم ~~للكيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن ~~وقتها? قال : قلت فما تأمرني? قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل، ~~فإنها لك نافلة وفي رواية له قال رسول الله له صلى الله عليه وسلم، وضرب فخذي : (كيف أنت إذا ~~بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها? قال : فما تأمرني ? قال : «صل الصلاة ~~لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة وأنت فى المسجد فصل وفي ~~رواية لمسلم أيضا : لصل الصلاة لوقتها فإن أدركت الصلاة فصل، ولا تقل إني قد ~~صليت فلا أصلي # وهذه النصوص تتناول صلاة الظهر والعصر قطعا، فإنهما هما اللتان كان الأمراء ~~يؤخرونهما؛ بخلاف الفجر، فإنهم لم يكونوا يصلونها بعد طلوع الشمس، وكذلك ~~المغرب لم يكونوا يؤخرونها، ولكن كانوا يؤخرون العصر أحيانا إلى شروع الغروب. # وحينئذ فقد أمره أن يصلي الصلاة لوقتها، ثم يصليها معهم بعد أن صلاها، ~~ويجعلها نافلة، وهو في وقت نهي، لأنه قد صلى العصر؛ ولأنهم قد يؤخرون العصر ~~إلى الإصفرار، فهذا صريح بالإعادة في وقت النهي. PageV01P563 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0564.png) # والصلاة على الجنازة بعد الفجر، وبعد العصر. قال ابن المنذر : إجماع ~~المسلمين في الصلاة على الجنازة بعد الفجر، وبعد العصر، وتلك الأنواع الثلاثة لم ~~يختلف فيها قول أحمد أنها تفعل في أوقات النهي؛ لأن فيها أحاديث خاصة تدل على ~~جوازها في وقت النهي، فلهذا استثناها، واستثنى الجنازة في الوقتين، لإجماع ~~المسلمين. # وأما سائر ذوات الأسباب : مثل تحية ms0618 المسجد، وسجود التلاوة، وصلاة ~~الكسوف، ومثل ركعتي الطواف في الأوقات الثلاثة، ومثل الصلاة على الجنازة في ~~الأوقات الثلاثة. فاختلف كلامه فيها . والمشهور عنه النهي، وهو اختيار كثير من ~~أصحابه : كالخرقي، والقاضي، وغيرهما وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة. لكن ~~أبو حنيفة يجوز السجود بعد الفجر والعصر، لا واجب عنده. # والرواية الثانية : جواز جميع ذوات الأسباب، وهي اختيار أبي الخطاب، وهذا ~~مذهب الشافعي، وهو الراجح في هذا الباب لوجوه: # منها : أن تحية المسجد قد ثبت الأمر بها في الصحيحين، عن أبي قتادة أن ~~رسو الله له صلى الله عليه وسلم ال : إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين. قبل أن يجلس ~~وعنه قال : دخلت المسجد ورسول الله صه صلى الله عليه وسلم جمالس بين ظهراني الناس قال : فجلست، ~~فقال رسول الهل صلى الله عليه وسلم :: ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس ? فقلت: ~~يا رسول الله! رأيتك جالسا والناس جلوس، قال : فإذا دخل أحدكم المسجد ~~فلا يجلس حتى يركع ركعتين فهذا فيه الأمر بركعتين قبل أن يجلس، والنهي عن ~~أن يجلس حتى يركعهما، وهو عام في كل وقت عموما محفوظا لم يخص منه صورة ~~بنص، ولا إجماع. وحديث النهي قد عرف أنه ليس بعام، والعام المحفوظ مقدم ~~على العام المخصوص فإن هذا قد علم أنه ليس بعام، بخلاف ذلك، فإن المقتضى ~~لعمومه قائم لم يعلم أنه خرج منه شيء. # الوجه الثاني : ما أخرجا في الصحيحين عن جابر قال : جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسل ~~يخطب الناس فقال : «صليت يا فلان? قال: لا، قال: قم فاركع وفي رواية: ~~فصل ركعتين» ولمسلم قال: ثم قال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام PageV01P564 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0565.png) ~~يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما وأحمد أخذ بهذا الحديث بلا خلاف ~~عنه، هو وسائر فقهاء الحديث، كالشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، كما ~~روى عن غير واحد من السلف، مثل الحسن، ومكحول وغيرهما. # وكثير من العلماء لم يعرفوا هذا الحديث فنهوا عن الصلاة وقت الخطبة؛ لأنه ~~وقت نهي، كما نقل ms0619 عن شريح والنخعي وابن سيرين، وهو قول أبي حينفة، والليث، ~~ومالك، والثوري. # وهو قياس قول من منع تحية المسجد وقت النهي، فإن الصلاة والخطيب على ~~المنبر أشد نهيا؛ بل هو منهي عن كل ما يشغله عن الاستماع، وإذا قال لصاحبه ~~أنصت فقد لغا، فإذا كان قد أمر بتحية المسجد في وقت الخطبة، فهو في سائر ~~الأوقات أولى بالأمر. # وقد احتج بعض أصحابنا : أنه إدا دخل المسجد في غير وقت النهي عن الصلاة ~~يسن له الركوع، لقوله : لاإذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا يجلس، حتى ~~يصلي ركعتين»2، وقالوا تنقطع الصلاة بجلوس الإمام على المنبر، فلا يصلي أحد ~~غير الداخل يصلي تحية المسجد ويوجز، وهذا تناقض بين، بل إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أر ~~بالتحية في هذا الموضع، وهو وقت نهي عن الصلاة وغيرها، مما يشغل عن ~~الاستماع؛ فأوقات النهي الباقية أولى بالجواز. # يبين ذلك أنه في هذه الحال لا يصلى على جنازة، ولا يطاف بالبيت، ~~ولا يصلى ركعتا الطواف، والإمام يخطب. فدل على أن النهي هنا أوكد، وأضيق منه ~~بعد الفجر والعصر، فإذا أمر هنا بتحية المسجد، فالأمر بها هناك أولى وأحرى. وهذا ~~بين واضح، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # الوجه الثالث: أن يقال: قد ثبت استثناء بعض الصلوات من النهي: كالعصر ~~الحاضرة، وركعتي الفجر، والفائتة، وركعتي الطواف. والمعادة في المسجد، فقد ~~ثبت انقسام الصلاة أوقات النهي إلى منهي عنه ومشروع غير منهي عنه، فلا بد من ~~فرق بينهما، إذا كان الشارع لا يفرق بين المتماثآلين، فيجعل هذا مأمورا، وهذا ~~محظورا. والفرق بينهما! إما أن يكون المأذون فيه له سبب، فالمصلي صلاة السبب ~~صلاها لأجل السبب، لم يتطوع تطوعا مطلقا، ولو لم يصلها لفاته مصلحة الصلاة، ~~كما يفوته إذا دخل المسجد ما في صلاة التحية من الأجر، وكذلك يفوته ما في صلاة ~~الكسوف، وكذلك يفوته ما في سجود التلاوة، وسائر ذوات الأسباب. PageV01P565 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0566.png) # وإما أن يكون الفرق شيئا آخر فإن كان الأول: حصل المقصود من الفرق ms0620 بين ~~ذوات الأسباب، وغيرها. وإن كان الثاني قيل لهم: فأنتم لا تعلمون الفرق، بل قد ~~علمتم أنه نهى عن بعض، ورخص في بعض، ولا تعلمون الفرق، فلا يجوز لكم أن ~~تتكلموا في سائر موارد النزاع، لا بنهي ولا بإذن؛ لأنه يجوز أن يكون الفرق الذي ~~فرق به الشارع في صورة النص، فأباح بعضا وحرم بعضا، متناولا لموارد النزاع، إما ~~نهيا عنه وإما إذنا فيه، وأنتم لا تعلمون واحدا من النوعين، فلا يجوز لكم أن تنهوا ~~إلا عما علمتم أنه نهى عنه؛ لانتفاء الوصف المبيح عنه، ولا تأذنوا إلا فيما علمتم أنه ~~أذن فيه؛ لشمول الوصف المبيح له. وأما التحليل والتحريم بغير أصل مفرق عن ~~صاحب الشرع، فلا يجوز. # فإن قيل : أحاديث النهي عامة، فنحن نحملها على عمومها إلا ما خصه الدليل، ~~فما علمنا أنه مخصوص لمجيء نص خاص فيه خصصناها به، وإلا أبقيناها على ~~العموم. # قيل : هذا إنما يستقيم أن لو كان هذا العام المخصوص لم يعارضه عمومات ~~محفوظة أقوى منه، وأنه لما خص منه صور علم اختصاصها بما يوجب الفرق، فلو ~~ثبت أنه عام خص منه صور لمعنى منتف من غيرها بقي ما سوى ذلك على العموم، ~~فكيف وعمومه منتف! وقد عارضه أحاديث خاصة وعامة عموما محفوظا، وما خص ~~منه لم يختص بوصف يوجب استثناءه دون غيره، بل غيره مشارك له في الوصف ~~الموجب لتخصيصه، أو أولى منه بالتخصيص. # وحاجة المسلمين العامة إلى تحية المسجد أعظم منها إلى ركعتي الطواف، فإنه ~~يمكن تأخير الطواف، بخلاف تحية المسجد، فإنها لا تمكن؛ ثم الرجل إذا دخل ~~وقت نهي إن جلس ولم يصل، كان مخالفا لأمر النبي صلى الله ليه وسلم، فوتا هذه المصلحة، إن ~~لم يكن آثما بالمعصية، وإن بقي قائما أو امتنع من دخول المسجد، فهذا شر عظيم. ~~ومن الناس من يصلي سنة الفجر في بيته، ثم يأتي إلى المسجد، فالذي يكرهون ~~التحية : منهم من يقف على باب المسجد حتى يقيم، فيدخل يصلي معهم، ويحرم ~~نفسه دخول بيت الله في ms0621 ذلك الوقت الشريف، وذكر الله فيه. ومنهم من يدخل ~~ويجلس ولا يصلي فيخالف الأمر، وهذا ونحوه مما يبين قطعا أن المسلمين مأمورون ~~بالتحية في كل وقت، وما زال المسلمون يدخلون المسجد طرفي النهار، ولو كانوا ~~منهيين عن تحية المسجد حينئذ لكان هذا مما يظهر نهي الرسول عنه، فكيف وهو قد ~~أمرهم إذا دخل أحدهم المسجد والخطيب على المنبر فلا يجلس حتى يصلي ~~ركعتين، أليس في أمرهم بها في هذا الوقت تنبيها على غيره من الأوقات? # الوجه الرابع : ما قدمناه من أن النهي كان لسد ذريعة الشرك، وذوات الأسباب PageV01P566 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0567.png) ~~فيها مصلحة راجحة، والفاعل يفعلها لأجل السبب، لا يفعلها مطلقا فتمتنع فيه ~~المشابهة. # الوجه الخامس : أنه قد ثبت في الصحيح عن النبيصلى الله عليه وسلم، أنه قضى ركعتي الظهر ~~بعد العصر، وهو قضاء النافلة، في وقت النهي، مع إمكان قضائها في غير ذلك ~~الوقت، فالنوافل التي إذا لم تفعل في أوقات النهي تفوت هي أولى بالجواز من قضاء ~~نافلة في هذا الوقت مع إمكان فعلها في غيره، لا سيما إذا كانت مما أمر به : كتحية ~~المسجد، وصلاة الكسوف، وقد اختار طائفة من أصحاب أحمد منهم أبو محمد ~~المقدسي أن السنن الراتبة تقضى بعد العصر، ولا تقضى في سائر أوقات النهي. ~~كالأوقات الثلاثة. # وذكر أن مذهب أحمد: أن قضاء سنة الفجر جائز بعدها، إلا أن أحمد اختار أن ~~يقضيهما من الضحى. وقال الإمام أحمد : إن صلاهما بعد الفجر أجزأه؛ وأما أنا ~~فأختار ذلك وذكر في قضاء الوتر بعد طلوع الفجر أن المنصوص عن أحمد أنه يفعله. ~~قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يسأل : أيوتر الرجل بعدما يطلع الفجر ? قال: نعم ! ~~قال : وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وحذيفة، وأبي الدرداء، ~~وعبادة بن الصامت، وفضالة بن عبيد، وعائشة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة. وهو ~~أيضا مروي عن علي بن أبي طالب. وإنه لما ذكر له عن أبي موسى أنه قال : من أوتر ~~بعد المؤذن لا وتر له، وسألوا ms0622 عليا. قال: أعرف: يوتر ما بينه وبين الصلاة، وأنكر ~~ذلك ولم يذكر نزاعا إلا عن أبي موسى، مع أنه لا ينبغي بعد الفجر. # قال : وأحاديث النهي الصحيحة ليست صريحة في النهي قبل صلاة الفجر، ~~وإنما فيه حديث أبي، وقد احتج أحمد بحديث أبي نضرة الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~قال : «إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح : الوتر وهذا ~~مذهب مالك والشافعي والجمهور. قال مالك: من فاتته صلاة الليل، فله أن يصلي ~~بعد الفجر قبل أن يصلي الصبح، قال: وحكاه ابن أبي موسى الخرقي في «الإرشاد ~~مذهبا لأحمد، قياسا على الوتر. # قلت : وهذا الذي اختاره لا يناقض ما ذكره الخرقي وغيره من قدماء ~~الأصحاب، فإنه ذكر إباحة الأنواع الأربعة في جميع أوقات النهي: قضاء الفوائت، ~~وركعتي الطواف، وإذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد وصلاة الجنازة، ولكن ذكر ~~النهي عن الكسوف، وسجود التلاوة، في بابهما. فلم ينه عن قضاء السنن في أوقات ~~النهي. PageV01P567 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0568.png) # فاختار الشيخ أبو محمد وطائفة من أصحاب أحمد: أن السنن الراتبة تقضى بعد ~~العصر، ولا تقضى في سائر أوقات النهي، ولا يفعل غيرها من ذوات الأسباب، ~~كالتحية، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستخارة، وصلاة التوبة، وسنة الوضوء، ~~وسجود التلاوة، لا في هذا الوقت؛ ولا في غيره؛ لأنهم وجدوا القضاء فيها قد ثبت ~~بالأحاديث الصحيحة، قالوا: والنهي في هذا الوقت أخف من غيره، لاختلاف ~~الصحابة فيه فلا يلحق به سائر الأوقات، والرواتب لها مزية، وهذا الفرق ضعيف فإن ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحية المسجد، وأمره بصلاة الكسوف وسجود التلاوة، أقوى من قضاء ~~سنة فائتة، فإذا جاز هذا فذاك أجوز، فإن قضاء السنن ليس فيه أمر من النبي صلى الله عليه وسلمبال ~~ولا أمر بنفس السنة : سنة الظهر، لكنه فعلها وداوم عليها، وقضاها لما فاتته. وما أمر ~~به أمته ، لا سيما وكان هو أيضا يفعله، فهو أوكد مما فعله، ولم يأمرهم به. # فإذا جاز لهم فعل هذا في أوقات النهي ففعل ms0623 ذاك أولى، وإذا جاز قضاء سنة ~~الظهر بعد العصر، فقضاء سنة الفجر بعد الفجر أولى، فإن ذاك وقتها، وإذا أمكن ~~تأخيرها إلى طلوع الشمس أمكن تأخير تلك إلى غروب الشمس، وقد كانوا يصلون ~~بين أذان المغرب وإقامتها ومه صلى الله عليه وسلم يراهم ويقرهم على ذلك. وقال: بين كل أذانين ~~صلاة - ثم قال في الثالثة - لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة. # والنهي في العصر معلق بصلاة العصر؛ فإذا صلاها لم يصل بعدها وإن كان ~~غيره لم يصل، وما لم يصلها فله أن يصلي، وهذا ثابت بالنص والاتفاق؛ فإن النهي ~~معلق بالفعل . # وأما الفجر: ففيها نزاع مشهور، وفيه عن أحمد روايتان: # قيل: إنه معلق بطلوع الفجر، فلا يتطوع بعده بغير الركعتين، وهو قول طائفة ~~من السلف، ومذهب أبي حنيفة . قال النخعي : كانوا يكرهون التطوع بعد الفجر. # وقيل : إنه معلق بالفعل، كالعصر. وهو قول الحسن والشافعي فإنه لم يثبت ~~النهي إلا بعد الصلاة، كما في العصر . وأحاديث النهي تسوى بين الصلاتين، كما في ~~الصحيحين عن ابن عباس قال: شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر: ~~1أن رسول الله له صلى الله عليه وسلم فى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر ~~حتى تغرب»2) PageV01P568 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0569.png) # وكذلك فيهما عن أبي هريرة - ولفظه - : وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع ~~الشمس وبعد العصر حتى تغرب» وفيهما عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صه صلى الله عليه وسلم ~~لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس ~~ولمسلم : «لا صلاة بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر وفي صحيح مسلم ~~حديث عمرو بن عبسة قال : قلت : يا رسول الله : أخبرني عن الصلاة، قال : لصل ~~صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، فإنها تطلع حين تطلع بين ~~قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار ثم صل فإن الصلاة محضورة مشهودة، حتى ~~يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم. فإذ أقبل الفيء ~~فصل، فإن الصلاة ms0624 مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم اقصر عن الصلاة حتى ~~تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار. # والأحاديث المختصة بوقت الطلوع والغروب، وبالاستواء: حديث ابن عمر ~~قال : قال رسول اللهله صلى الله عليه وسلم إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز وإذا ~~غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب»4) هذا اللفظ لمسلم. # وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر، قال : «ثلاث ساعات كان ~~رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم نيهانا أن نصلي فيهن، أو نقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس بازغة ~~حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تتضيف الشمس للغروب ~~حتى تغرب . ووقت الزوال ليس في عامة الأحاديث، ولم يذكر حديثه البخاري؛ ~~لكن رواه مسلم من حديث عقبة بن عامر، ومن حديث عمرو بن عبسة، وتابعهما ~~الصنابحي. وعلى هذه الثلاثة اعتمد أحمد، ولما ذكر له الرخصة في الصلاة نصف ~~النهار يوم الجمعة، قال: في حديث الني صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه: حديث عقبة بن عامر، ~~وحديث عمرو بن عبسة، وحديث الصنابحي. # والخرقي لم يذكره في أوقات النهي، بل قال: ويقضي الفوائت من الصلوات ~~الفرض، ويركع للطواف، وإن كان في المسجد وأقيمت الصلاة، وقد كان صلى في ~~كل وقت نهى عن الصلاة فيه، وهو بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى ~~تغرب. # وهذا يقتضي أنه ليس وقت نهي إلا هذان، ويقتضي أن ما أباحه يفعل في PageV01P569 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0570.png) ~~أوقات النهي كإحدى الروايتين، ويقتضي أن النهي معلق بالفعل، فإنه قال: بعد الفجر ~~حتى تطلع الشمس، ولم يقل الفجر، ولو كان النهي من حين طلوع الفجر لاستثنى ~~الركعتين، بل استثنى الفرض والنفل. وهذه ألفاظ الرسول، فإنه نهى عن الصلاة بعد ~~الصبح حتى تطلع الشمس ، كما نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. # ومعلوم أنه لو أراد الوقت لاستثنى ركعتي الفجر والفرض، كما ورد استثناء ذلك ~~في ما نهى عنه، حيث قال : «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين»(1) فلما لم يذكر ذلك ms0625 ~~في الأحاديث علم أنه أراد فعل الصلاة كما جاء مفسرا في أحاديث صحيحة. ولأنه ~~يمتنع أن تكون أوقات الصلاة المكتوبة فرضها وسنتها وقت نهي، وما بعد الفجر وقت ~~صلاة الفجر سنتها وفرضها، فكيف يجوز أن يقال : إن هذا وقت نهي? وهل يكون ~~وقت نهي سن فيه الصلاة دائما بلا سبب? وأمر بتحري الصلاة فيه ? هذا تناقض مع أن ~~هذا الوقت جعل وقتآ للصلاة إلى طلوع الشمس، ليس كوقت العصر الذي جعل آخر ~~الوقت فيه إذا اصفرت الشمس. # والنهي هو لأن الكفار يسجدون لها، وهذا لا يكون من طلوع الفجر، ولهذا ~~كان الأصل في النهي عند الطلوع والغروب، كما في حديث ابن عمر، لكن نهى عن ~~الصلاة بعد الصلاتين سدا للذريعة فإن المتطوع قد يصلي بعدهما حتى يصلي وقت ~~الطلوع والغروب، والنهي في هذين أخف، ولهذا كان يداوم على الركعتين بعد ~~العصر ، حتى قبضه الله. فأما قبل صلاة الفجر فلا وجه للنهي، لكن لا يسن ذلك ~~الوقت إلا الفجر سنتها وفرضها. # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ملي بالليل، ويوتر، ثم إذا طلع الفجر صلى الركعتين، ثم ~~صلى الفرض، وكان يضطجع أحيانا ليستريح، إما بعد الوتر، وإما بعد ركعتي الفجر، ~~وكان إذا غلبه من الليل نوم أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة بدل قيامه من الليل، ~~ولم يكن يقضي ذلك قبل صلاة الفجر؛ لأنه لم يكن يتسع لذلك، فإن هذه الصلاة فيها ~~طول، وكان يغلس بالفجر . وفي الصحيح : من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر ~~وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل)، ومعلوم أنه لو أمكن قراءة شيء منه قبل ~~صلاة الفجر كان أبلغ، لكن إذا قرأه قبل الزوال كتب له كأنما قرأه من الليل - فإن هذا ~~الوقت تابع لليلة الماضية، ولهذا يقال فيما قبل الزوال: فعلناه الليلة. ويقال، بعد الزوال: ~~فعلناه البارحة - وهو وقت الضحى، وهو خلف عن قيام الليل. PageV01P570 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0571.png) # لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ا نام عن قيامه قضاه ms0626 من الضحى، فيصلي اثنتي عشرة ~~ركعة. وقد جاء هذا عن عمر وغيره من الصحابة في قوله : (وهو الذى جعل اليل والنهار ~~خلفة لمن أرادأن يذكرأز أراد شكورا). فما بعد طلوع الفجر إنما سن ~~للمسلمين السنة الراتبة، وفرضها الفجر، وما سوى ذلك لم يسن، ولم يكن منهيا عنه ~~إذا لم يتخذ سنة، كما في الحديث الصحيح: بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين ~~صلاة، ثم قال في الثالثة لمن شاء. كراهية أن يتخذها الناس سنة . # فهذا فيه إباحة الصلاة بين كل أذانين، كما كان الصحابة يصلون ركعتين بين ~~أذاني المغرب، والنبي صلى الله عليه وسلم واهم ويقرهم على ذلك، فكذلك الصلاة بين أذاني العصر ~~والعشاء، وكذلك بين أذاني الفجر والظهر، لكن بين أذاني الفجر الركعتان سنة بلا ~~ريب، وما سواها يفعل ولا يتخذ سنة، فلا يداوم عليه، ويؤمر به جميع المسلمين، ~~كما هو حال السنة، فإن السنة تعم المسلمين ويداوم عليها، كما أنهم كلهم مسنون ~~لهم ركعتا الفجر، والمداومة عليها. # فإذا قيل : لا سنة بعد طلوع الفجر إلا ركعتان، فهذا صحيح، وأما النهي العام ~~فلا . والإنسان قد لا يقوم من الليل فيريد أن يصلي في هذا الوقت، وقد استحب ~~السلف له قضاء وتره، بل وقيامه من الليل في هذا الوقت، وذلك عندهم خير من أن # وللناس في الصلاة نصف النهار يوم الجمعة وغيرها أقوال: # قيل بالنهي مطلقا وهو المشهور عن أحمد. وقيل : الإذن مطلقا، كما اقتضاه ~~كلام الخرقي، ويروى عن مالك. وقيل: بالفرق بين الجمعة وغيرها، وهو مذهب ~~الشافعي، وأباحه فيها عطاء في الشتاء، دون الصيف؛ لأن النبيصلى الله عليه وسلم ال في حديث ~~عمرو بن عبسة : لثم بعد طلوعها صل. فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل ~~الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم. فإذا أقبل الفيء ~~فصل # فعلل النهي حينئذ بأنه حينئذ تسجر جهنم. وفي الطلوع والغروب بمقارنة ~~الشيطان، فقال: «ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع فإنها تطلع بين قرني شيطان» وفي ~~الغروب قال : لاثم أقصر عن ms0627 الصلاة حتى تغرب فإنها تغرب بين قرني شيطان» . وأما PageV01P571 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0572.png) ~~مقارنة الشيطان لها حين الاستواء فليس في شيء من الحديث إلا في حديث ~~الصنابحي . قال : لإنها تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت قارنها، ثم إذا استوت ~~قارنها، فإذا زالت قارنها، وإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت قارنها1) فنهى ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم، عن الصلاة في تلك الساعات. لكن الصنابحي قد قيل : إنه لم تثبت له ~~صحبة، فلم يسمع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف حديث عمرو بن عبسة فإنه صحيح ~~سمعه منه . # ويؤيد هذا أن عامة الأحاديث ليس فيها إلا النهي وقت الطلوع ووقت الغروب، أو ~~بعد الصلاتين. فدل على أن النهي نصف النهار نوع آخر له علة غير علة ذينك الوقتين. # يوضح هذا : أن الكفار يسجدون لها وقت الطلوع، ووقت الغروب كما أخبر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأما سجودهم لها قبل الزوال فهذا لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم نهم، ولم يعلل به. # وأيضا : فإن ضبط هذا الوقت متعسر، فقد ثبت في الصحيح أنه قل صلى الله عليه وسلم إذا ~~اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم2) وهذا حديث اتفق ~~العلماء على صحته، وتلقيه بالقبول، فأخبر أن شدة الحر من فيح جهنم، وهذا موافق ~~القوله : فإنه حينئذ تسجر جهنم وأمر بالإبراد، فدل على أن الصلاة منهي عنها عند ~~شدة الحر؛ لأنه من فيح جهنم. # ففي الصيف تسجر نصف النهار، فيكون النهي عن الصلاة نصف النهار في ~~الحر، وهو يؤمر بأن يؤخر الصلاة عن الزوال حتى يبرد، لكن إذا زالت الشمس فاءت ~~الأفياء فطالت الأظلة، بعد تناهي قصرها وهذا مشروع في الإبراد، فلهذا كانت الصلاة ~~جائزة من حين الزوال، كما في حديث عمرو بن عبسة: لثم أقصر عن الصلاة فإنه ~~حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فدل على أن الصلاة مشروعة من حين ~~يقبل الفيء، فيفيء الظل : أي يرجع من جهة المغرب إلى جهة المشرق، ويرجع في ms0628 ~~الزيادة بعد النقصان. # ولهذا قالوا : إن لفظ الفيء مختص بما بعد الزوال، لما فيه من معنى الرجوع. ~~ولفظ الظل يتناول هذا وهذا، فإنه قبل طلوع الشمس يكون الظل ممتدا، كما قال ~~تعالى : (آلم تر إلى ريك كيف مد الفال ولو شاء لجعله سايا) ثم إذا طلعت ~~الشمس كانت عليه دليلا، فتميز الظل عن الضحى، ونسخت الشمس الظل، لا تزال ~~تنسخه وهو يقصر إلى الزوال، فإذا زالت فإنه يعاد ممتدا إلى المشرق، حيث ابتدأ بعد PageV01P572 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0573.png) ~~أن كان أول ما نسخته عن المشرق، ثم عن المغرب، ثم تفيء إلى المشرق ثم ~~المغرب، ولم يزل يمتد ويطول إلى أن تغرب، فينسخ الظل جميع الشمس . فلهذا قال ~~في حديث عمرو بن عبسة : ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل ~~الفيء فصل. # وعلى هذا فمن رخص في الصلاة يوم الجمعة قال : إنها لا تسجر يوم الجمعة، ~~كما قد روي، وقالوا : إنه لا يستحب الإبراد يوم الجمعة، بل يجوز عقب الزوال ~~بالسنة الصحيحة، واتفاق الناس، وفي الإبراد مشقة للخلق . ويجوز عند أحمد وغيره ~~أن يصلي وقت الزوال كما فعله غير واحد من الصحابة، فكيف يكون وقت نهي ~~والجمعة جائزة فيه، والفرائض المؤداة لا تشرع في وقت النهي لغير عذر، كما قلنا ~~في الفجر، فإن هذا تناقض. # وبالجملة جواز الصلاة وقت الزوال يوم الجمعة على أصل أحمد أظهر منه على ~~أصل غيره، فإنه يجوز الجمعة وقت الزوال، ولا يجعل ذلك وقت نهي، بل قد قيل ~~في مذهبه: إنها لا تجوز إلا في ذلك الوقت، وهو الوقت الذي هو وقت نهي في ~~غيرها . فعلم الفرق بين الجمعة وغيرها، وكما أن الإبراد المأمور به في غيرها لا يؤمر ~~به فيها، بل ينهى عنه، وهو معلل بأن شدة الحر من فيح جهنم، فكذلك قد علل بأنه ~~حينئذ تسجر جهنم. وهذا من جنس قوله : لفإن شدة الحر من فيح جهنم. # وإذا كانت مختصة بما سوى يوم الجمعة : فكذلك الأخرى، وعلى مقتضى هذه ~~العلة لا ينهى عن ms0629 الصلاة وقت الزوال، لا في الشتاء، ولا يوم الجمعة ويؤيد ذلك ~~ما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة ~~وهو أرجح مما احتجوا به على أن النهي في الفجر معلق بالوقت. والله أعلم. # باب صلاة الجماعة # سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن صلاة الجماعة هل هي فرض عين أم ~~فرض كفاية، أم سنة فإن كانت فرض عين وصلى وحده من غير عذر. فهل تصح ~~صلاته أم لا? وما أقوال العلماء في ذلك? وما حجة كل منهم ? وما الراجح من PageV01P573 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0574.png) ~~وأجل الطاعات، وأعظم شعائر الإسلام، وعلى ما ثبت في فضلها عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث ~~قال : لتفضل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة» ~~هكذا في حديث أبي هريرة. وأبي سعيد بخمس وعشرين، ومن حديث ابن عمر: ~~بسبع وعشرين ، والثلاثة في الصحيح. # وقد جمع بينهما : بأن حديث الخمس والعشرين، ذكر فيه الفضل الذي بين ~~صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة، والفضل خمس وعشرون، وحديث السبعة ~~والعشرين ذكر فيه صلاته منفردا وصلاته في الجماعة والفضل بينهما، فصار المجموع ~~سبعا وعشرين، ومن ظن من المتنسكة أن صلاته وحده أفضل، إما في خلوته، وإما ~~في غير خلوته، فهو مخطئ ضال، وأضل منه من لم ير الجماعة إلا خلف الإمام ~~المعصوم، فعطل المساجد عن الجمع والجماعات التي أمر الله بها ورسوله، وعمر ~~المساجد بالبدع والضلالات التي نهى الله عنها ورسوله، وصار مشابها لمن نهى عن ~~عبادة الرحمن، وأمر بعبادة الأوثان. # فإن الله سبحانه شرع الصلاة وغيرها في المساجد. كما قال تعالى: (ومن أظلم ~~ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسما وسعى في خرابها) وقال تعالى : (ولا ~~تبشررهن وأنتم عاكفون فى المساجد) وقال تعالى : (قل أمررب بالقسط ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) لآعراف وقال تعالى : (ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مسدجد الله) إلى قوله : ( إنما يعمر مساجد الله من امن بالله واليوم ~~الأخر وآقام الصلوة وماق الزكوة ول ms0630 يخش إلا الله فعسى أوليبآك أن يكونوا من المهتدين) ~~[التوبة:] وقال تعالى : (فى بيوت أذن الله أن ترفع وتذكر فيها آسمه يسبح له فيها بالغدو ~~والأصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) ل ،7]. وقال تعالى: ~~(وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) وقال تعالى : (ومساجد يدذكر فيا ~~اسم الله كثيرا). # وأما مشاهد القبور ونحوها؛ فقد اتفق أئمة المسلمين على أنه ليس من دين ~~الإسلام أن تخص بصلاة أو دعاء، أو غير ذلك، ومن ظن أن الصلاة والدعاء والذكر ~~فيها أفضل منه في المساجد، فقد كفر . بل قد تواترت السنن في النهي عن اتخاذها ~~لذلك . كما ثبت في الصحيحين أنه قال : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن ~~يتخذ مسجدا2، PageV01P574 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0575.png) # وفي الصحيحين أيضا أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الحسن ~~والتصاوير، فقال : «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا ~~فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة»(1) وثبت عنه في صحيح مسلم ~~من حديث جندب أنه قال : قبل أن يموت بخمس : «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك. # وفي المسند عنه أنه قال : لإن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء، ~~والذين يتخذون القبور مساجد»(3) وفي موطأ مالك عنه أنه قال : « اللهم لا تجعل قبري ~~وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وفي السنن عنه أنه ~~قال : لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني(5). # والمقصود هنا : أن أئمة المسلمين متفقون على أن إقامة الصلوات الخمس في ~~المساجد هي من أعظم العبادات، وأجل القربات، ومن فضل تركها عليها إيثارا ~~للخلوة والانفراد على الصلوات الخمس في الجماعات، أو جعل الدعاء والصلاة في ~~المشاهد أفضل من ذلك في المساجد، فقد انخلع من ربقة الدين، واتبع غير سبيل ms0631 ~~المؤمنين. ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما نبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تول ~~ونصله جهنم وساءت مصيا) . # ولكن تنازع العلماء بعد ذلك في كونها واجبة على الأعيان، أو على الكفاية، أو ~~سنة مؤكدة، على ثلاثة أقوال: # فقيل : هي سنة مؤكدة فقط، وهذا هو المعروف عن أصحاب أبي حنيفة، وأكثر ~~أصحاب مالك، وكثير من أصحاب الشافعي، ويذكر رواية عن أحمد. # وقيل : هي واجبة على الكفاية، وهذا هو المرجح في مذهب الشافعي، وقول ~~بعض أصحاب مالك، وقول في مذهب أحمد. # وقيل : هي واجبة على الأعيان؛ وهذا هو المنصوص عن أحمد وغيره، من أئمة ~~السلف، وفقهاء الحديث، وغيرهم. وهؤلاء تنازعوا فيما إذا صلى منفردا لغير عذر، ~~هل تصح صلاته? على قولين؟ # أحدهما : لا تصح، وهو قول طائفة من قدماء أصحاب أحمد، ذكره القاضي PageV01P575 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0576.png) ~~أبو يعلى، في شرح المذهب عنهم، وبعض متأخريهم كابن عقيل، وهو قول طائفة ~~من السلف، واختاره ابن حزم وغيره. # والثاني : تصح مع إثمه بالترك، وهذا هو المأثور عن أحمد، وقول أكثر أصحابه. # والذين نفوا الوجوب احتجوا بتفضيل النبي صلى الله عليه وسلم، صلاة الجماعة على صلاة ~~الرجل وحده . قالوا: ولو كانت واجبة لم تصح صلاة المنفرد، ولم يكن هناك ~~تفضيل، وحملوا ما جاء من هم النبي صلى الله عليه وسلم التحريق على من ترك الجمعة، أو على ~~المنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة مع النفاق، وأن تحريقهم كان لأجل النفاق ~~لا لأجل ترك الجماعة، مع الصلاة في البيوت. # وأما الموجبون: فاحتجوا بالكتاب والسنة والآثار. # أما الكتاب؛ فقوله تعالى : (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصاوة فلنقم طايفة منهم ~~معك} الآية [. وفيها دليلان: # أحدهما : أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف، وذلك دليل على ~~وجوبها حال الخوف، وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن. # الثاني : أنه سن صلاة الخوف جماعة، وسوغ فيها ما لا يجوز لغير عذر؛ ~~كاستدبار القبلة، والعمل الكثير، فإنه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق، وكذلك مفارقة ~~الإمام قبل السلام عند الجمهور، ms0632 وكذلك التخلف عن متابعة الإمام، كما يتأخر الصف ~~المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كان العدو أمامهم. قالوا: وهذه الأمور تبطل الصلاة ~~لو فعلت لغير عذر، فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة لكان قد التزم فعل ~~محظور مبطل للصلاة، وتركت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فعل مستحب، مع ~~أنه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدانا صلاة تامة فعلم أنها واجبة. # وأيضا فقوله تعالى : (وأقيموا الصلوة وءاوا الزكوة وازكعوا مع الركهين) ~~إما أن يراد به المقارنة بالفعل، وهي الصلاة جماعة. وإما أن يراد به ما يرد بقوله: ~~(وكونوأمع الصادقين) فإن أريد الثاني، لم يكن فرق بين قوله : صلوا ~~مع المصلين، وصوموا مع الصائمين، (وأزكعوأمع الزكعين)، والسياق يدل على ~~اختصاص الركوع بذلك. # فإن قيل : فالصلاة كلها تفعل مع الجماعة. قيل: خص الركوع بالذكر لأنه تدرك ~~به الصلاة، فمن أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، فأمر بما يدرك به الركعة، كما قال ~~لمريم : (آقنتى لربك واسجدى وأركى مع الركعين)مران فإنه لو قيل : اقنتي ~~مع القانتين، لدل على وجوب إدراك القيام، ولو قيل: اسجدي لم يدل على وجوب ~~دراك الركوع، بخلاف قوله: (وأزكعى مع النكعين) فإنه يدل على الأمر بإدراك الركوع ~~وما بعده دون ما قبله، وهو المطلوب. PageV01P576 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0577.png) # وأما السنة؛ فالأحاديث المستفيضة في الباب: مثل حديث أبي هريرة المتفق عليه ~~عن صلى الله عليه وسمان قال : لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم ~~انطلق إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار فهم بتحريق من لم ~~يشهد الصلاة، وفي لفظ قال : لأثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو ~~يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام الحديث. # وفي المسند وغيره : لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لأمرت أن تقام ~~الصلاة1 الحديث. فيبي صلى الله عليه وسلم أ هم بتحريق البيوت على من لم يشهد الصلاة، وبين ~~أنه إنما منعه من ذلك من فيها من النساء والذرية، فإنهم لا يجب ms0633 عليهم شهود ~~الصلاة، وفي تحريق البيوت قتل من لا يجوز قتله، وكان ذلك بمنزلة إقامة الحد على ~~الحبلى . وقد قال سبحانه وتعالى : (ولولا رجال مؤمنون ونساء مومنات لم تعلموهم أن تطتوهم ~~فتصيب كم منهم معرة بغتر علم ليدخل الله فى رحمته، من يشاء لو تزيلوا لعدذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما). # ومن حمل ذلك على ترك شهود الجمعة، فسياق الحديث يبين ضعف قوله حيث ~~ذكر صلاة العشاء والفجر، ثم أتبع ذلك بهمه بتحريق من لم يشهد الصلاة. # وأما من حمل العقوبة على النفاق، لا على ترك الصلاة، فقوله ضعيف لأوجه: # أحدها : أن النبي صلى الله عليه وسلم ا كان يقيل المنافقين إلا على الأمور الباطنة، وإنما ~~يعاقبهم على ما يظهر منهم من ترك واجب أو فعل محرم، فلولا أن في ذلك ترك ~~واجب لما حرقهم. # الثاني : أنه رتب العقوبة على ترك شهود الصلاة، فيجب ربط الحكم بالسبب ~~الذي ذكره. # الثالث : أنه سيأتي - إن شاء الله - حديث ابن أم مكتوم حيث استأذنه أن يصلي ~~في بيته، فلم يأذن له، وابن أم مكتوم رجل مؤمن من خيار المؤمنين، أثنى عليه ~~القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم تخلفه على المدينة، وكان يؤذن للني صلى الله عليه وسلم ~~عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا من بتره أن يلقف الله فدا مسطتةه فديال عتده ~~الصلوات الخمس حيث ينادى بهن؛ فإن الله شرع لنبيه سنن الهدى، وإن هذه ~~الصلوات الخمس في المساجد التي ينادى بهن من سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في ~~بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم PageV01P577 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0578.png) ~~لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى ~~به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف»). # فقد أخبر عبد الله بن مسعود أنه لم يكن يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ~~وهذا دليل على استقرار وجوبها عند المؤمنين، ولم يعلموا ذلك إلا من جهة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ms0634 إذ لو كانت عندهم مستحبة كقيام الليل، والتطوعات التي مع الفرائض، ~~وصلاة الضحى، ونحو ذلك . كان منهم من يفعلها، ومنهم من لا يفعلها مع إيمانه، ~~كما قال له الأعرابي : والله لا أزيد على ذلك، ولا أنقص منه. فقال : «أفلح إن ~~صدق»2 ومعلوم أن كل أمر كان لا يتخلف عنه إلا منافق كان واجبا على الأعيان، ~~كخروجهم إلى غزوة تبوك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم آر به المسلمين جميعا، لم يأذن لأحد في ~~التخلف، إلا من ذكر أن له عذرا فأذن له لأجل عذره، ثم لما رجع كشف الله أسرار ~~المنافقين، وهتك أستارهم، وبين أنهم تخلفوا لغير عذر. والذين تخلفوا لغير عذر مع ~~الإيمان عوقبوا بالهجر ، حتى هجران نسائهم لهم، حتى تاب الله عليهم. # فإن قيل : فأنتم اليوم تحكمون بنفاق من تخلف عنها، وتجوزون تحريق البيوت ~~عليه، إذا لم يكن فيها ذرية. # قيل له : من الأفعال ما يكون واجبا، ولكن تأويل المتأول يسقط الحد عنه، وقد ~~صار اليوم كثير ممن هو مؤمن لا يراها واجبة عليه، فيتركها متأولا، وفي زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لأحد تأويل، لأن النبي صل الله عليه وسلم ف باشرهم بالإيجاب. # وأيضا كما ثبت في الصحيح والسنن : «أن أعمى استأذن النبي صلى الله عليه وسلمأ يصلي في ~~بيته، فأذن له، فلما ولى دعاه، فقال : هل تسمع النداء ? قال : نعم، قال: فأجب ~~فأمره بالإجابة إذا سمع النداء؛ ولهذا أوجب أحمد الجماعة على من سمع النداء. وفي ~~لفظ في السنن : أن ابن أم مكتوم قال يا رسول الله: إني رجل شاسع الدار وأن ~~المدينة كثيرة الهوام، ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي، ~~فقال : هل تسمع النداء ? قال : نعم، قال : لا أجد لك رخصة. وهذا نص في ~~الإيجاب للجماعة، مع كون الرجل مؤمنا. # وأما احتجاجهم بتفضيل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده فعنه ~~جوابان مبنيان على صحة صلاة المنفرد لغير عذر، فمن صحح صلاته قال : الجماعة PageV01P578 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0579.png) ~~واجبة، ms0635 وليست شرطا في الصحة، كالوقت فإنه لو أخر العصر إلى وقت الإصفرار كان ~~آثما، مع كون الصلاة صحيحة، بل وكذلك لو أخرها إلى أن يبقى مقدار ركعة كما ~~ثبت في الصحيح . من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر قال : والتفضيل ~~لا يدل على أن المفضول جائز، فقد قال تعالى : (إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم) فجعل السعي إلى الجمعة خيرا ~~من البيع، والسعي واجب والبيع حرام. وقال تعالى : ( قل للمؤمنيب يغضوا من أبصارهم ~~ويحفظوا فروجهم ذلك أزى لمم). # ومن قال : لا تصح صلاة المنفرد إلا لعذر، احتج بأدلة الوجوب قال : وما ثبت ~~وجوبه في الصلاة كان شرطا في الصحة، كسائر الواجبات. # وأما الوقت فإنه لا يمكن تلافيه، فإذا فات لم يمكن فعل الصلاة فيه، فنظير ~~ذلك فوت الجمعة، وفوت الجماعة التي لا يمكن استدراكها، فإذا فوت الجمعة ~~الواجبة كان آثما، وعليه الظهر، إذ لا يمكن سوى ذلك. وكذلك من فوت الجماعة ~~الواجبة التي يجب عليه شهودها، وليس هناك جماعة أخرى، فإنه يصلي منفردا وتصح ~~صلاته هنا لعدم إمكان صلاته جماعة ، كما تصح الظهر ممن تفوته الجمعة. # وليس وجوب الجماعة بأعظم من وجوب الجمعة، وإنما الكلام فيمن صلى في ~~بيته منفردا لغير عذر، ثم أقيمت الجماعة، فهذا عندهم عليه أن يشهد الجماعة، كمن ~~صلى الظهر قبل الجمعة عليه أن يشهد الجمعة. # واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة الذي في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم،: من ~~سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له»2. ويؤيد ذلك قوله : «لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد فإن هذا معروف من كلام علي وعائشة، وأبي هريرة، وابن ~~عمر، وقد رواه الدارقطني مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوى ذلك بعض الحفاظ. قالوا: ~~ولا يعرف في كلام الله ورسوله حرف النفي دخل على فعل شرعي إلا لترك واجب فيه ~~كقوله : « لا صلاة إلا بأم القرآن» ولالا إيمان لمن لا أمانة ms0636 له»(5). ونحو ذلك. PageV01P579 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0580.png) # وأجاب هؤلاء عن حديث التفضيل . بأن قالوا: هو محمول على المعذور ~~كالمريض ونحوه، فإن هذا بمنزلة قوله صلى الله عليه وسلم صلاة القاعد على النصف من صلاة ~~القائم، وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد وأن تفضيله صلاة الرجل في ~~جماعة على صلاته وحده كتفضيله صلاة القائم على صلاة القاعد، ومعلوم أن القيام ~~واجب في صلاة الفرض دون النفل، كما أن الجماعة واجبة في صلاة الفرض دون ~~النفل . # وتمام الكلام في ذلك: أن العلماء تنازعوا في هذا الحديث، وهو: هل المراد ~~بهما المعذور، أو غيره? على قولين: # فقالت طائفة المراد بهما غير المعذور. قالوا : لأن المعذور أجره تام، بدليل ~~ما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنو قال : لإذا مرض ~~العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم» قالوا : فإذا كان ~~المريض والمسافر يكتب لهما ما كانا يعملان في الصحة، والإقامة. فكيف تكون ~~صلاة المعذور قاعدا أو منفردا دون صلاته في الجماعة قاعدا? ! وحمل هؤلاء تفضيل ~~صلاة القائم على النفل دون الفرض ؛ لأن القيام في الفرض واجب. # ومن قال هذا القول لزمه أن يجوز تطوع الصحيح مضطجعا؛ لأنه قد ثبت أنه ~~قال : ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم . وقد طرد هذا الدليل طائفة من ~~متأخري أصحاب الشافعي، وأحمد، وجوزوا أن يتطوع الرجل مضطجعا، لغير عذر؛ ~~لأجل هذا الحديث، ولتعذر حمله على المريض، كما تقدم. # ولكن أكثر العلماء أنكروا ذلك، وعدوه بدعة، وحدثا في الإسلام. وقالوا: ~~لا يعرف أن أحدا قط صلى في الإسلام على جنبه وهو صحيح، ولو كان هذا مشروعا ~~لفعله المسلمون على عهد نبيه صل الله عليه وسلم، أو بعده، ولفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولو مرة لتبيين ~~الجواز، فقد كان يتطوع قاعدا، ويصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت، ويوتر ~~عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة، فلو كان هذا سائغا لفعله، ولو مرة. أو ~~لفعله أصحابه. وهؤلاء ms0637 الذين أنكروا هذا مع ظهور حجتهم قد تناقض من لم يوجب ~~الجماعة منهم، حيث حملوا قوله : تفضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده ~~بخمس وعشرين درجة على أنه أراد غير المعذور، فيقال لهم: لم كان التفضيل ~~هنا في حق غير المعذور، والتفضيل هناك في حق المعذور، وهل هذا إلا تناقض ?! PageV01P580 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0581.png) # وأما من أوجب الجماعة وحمل التفضيل على المعذور، فطرد دليله، وحينئذ ~~فلا يكون في الحديث حجة على صحة صلاة المنفرد لغير عذر . # وأما ما احتج به منازعهم من قوله : «إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ~~ما كان يعمله وهو صحيح مقيم» فجوابهم عنه أن هذا الحديث دليل على أنه يكتب ~~له مثل الثواب الذي كان يكتب له في حال الصحة والإقامة؛ لأجل نيته له، وعجزه ~~عنه بالعذر. # وهذه «قاعدة الشريعة» أن من كان عازما على الفعل عزما جازما وفعل ما يقدر ~~عليه منه كان بمنزلة الفاعل، فهذا الذي كان له عمل فى صحته وإقامته عزمه أنه ~~يفعله، وقد فعل في المرض والسفر ما أمكنه، فكان بمنزلة الفاعل . كما جاء في ~~السنن : فيمن تطهر في بيته ثم ذهب إلى المسجد يدرك الجماعة فوجدها قد فاتت أنه ~~يكتب له أجر صلاة الجماعة، وكما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن بالمدينة ~~لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، قالوا: وهم بالمدينة، قال: ~~وهم بالمدينة حبسهم العذر وقد قال تعالى : (لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى ~~الغرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم)ل. فهذا ومثله يبين أن ~~المعذور يكتب له مثل ثواب الصحيح، إذا كانت نيته أن يفعل، وقد عمل ما يقدر ~~عليه، وذلك لا يقتضي أن يكون نفس عمله مثل عمل الصحيح، فليس في الحديث ~~أن صلاة المريض نفسها في الأجر مثل صلاة الصحيح، ولا أن صلاة المنفرد المعذور ~~في نفسها مثل صلاة الرجل في الجماعة، وإنما فيه أن يكتب له من العمل ما كان ~~يعمل وهو صحيح مقيم، كما ms0638 يكتب له أجر صلاة الجماعة إذا فاتته مع قصده لها. # وأيضا فليس كل معذور يكتب له مثل عمل الصحيح، وإنما يكتب له إذا كان ~~يقصد عمل الصحيح، ولكن عجز عنه. فالحديث يدل على أنه من كان عادته الصلاة ~~في جماعة، والصلاة قائما، ثم ترك ذلك لمرضه، فإنه يكتب له ما كان يعمل. وهو ~~صحيح مقيم، وكذلك من تطوع على الراحلة في السفر، وقد كان يتطوع في الحضر، ~~قائما يكتب له ما كان يعمل في الإقامة. فأما من لم تكن عادته الصلاة في جماعة، ~~ولا الصلاة قائما إذا مرض، فصلى وحده، أو صلى قاعدا، فهذا لا يكتب له مثل ~~صلاة المقيم الصحيح. # ومن حمل الحديث على غير المعذور يلزمه أن يجعل صلاة هذا قاعدا مثل PageV01P581 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0582.png) ~~صلاة القائم، وصلاته منفردا مثل الصلاة في جماعة، وهذا قول باطل لم يدل عليه ~~نص ولا قياس، ولا قاله أحد . # وأيضا فيقال : تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، ولصلاة ~~القائم على القاعد، والقاعد على المضطجع، إنما دل على فضل هذه الصلاة على هذه ~~الصلاة، حيث يكون كل من الصلاتين صحيحة. # أما كون هذه الصلاة المفضولة تصح حيث تصح تلك، أو لا تصح فالحديث لم ~~يدل عليه بنفي ولا إثبات، ولا سيق الحديث لأجل بيان صحة الصلاة وفسادها؛ بل ~~وجوب القيام والقعود، وسقوط ذلك، ووجوب الجماعة وسقوطها: يتلقى من أدلة ~~أخر . وكذلك أيضا : كون هذا المعذور يكتب له تمام عمله أو لا يكتب له لم يتعرض ~~له هذا الحديث، بل يتلقى من أحاديث أخر، وقد بينت سائر النصوص أن تكميل ~~الثواب هو لمن كان يعمل العمل الفاضل وهو صحيح مقيم، لا لكل أحد. # وتثبت نصوص أخر وجوب القيام في الفرض، كقوله صلى الله عليه وسلم عمران بن حصين : ~~صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب. وبين جواز ~~التطوع قاعدا لما رآهم وهم يصلون قعودا، فأقرهم على ذلك، وكان يصلي قاعدا مع ~~كونه كان يتطوع على الراحلة ms0639 في السفر . كذلك تثبت نصوص أخر وجوب الجماعة ~~فيعطي كل حديث حقه، فليس بينها تعارض ولا تناف، وإنما يظن التعارض والتنافي ~~من حملها ما لا تدل عليه. ولم يعطها حقها بسوء نظره وتأويله. والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: # فأما صلاة الجماعة: فاتبع ما دل عليه الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة من ~~وجوبها، مع عدم العذر، وسقوطها بالعذر. # وتقديم الأنمة بما قدم به النبي الل لي حيث قال : «يؤم القوم اقراهم لكتاب الله، ~~فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم ~~هجرة فيفرق بين العلم بالكتاب، أو العلم بالسنة، كما دل عليه الحديث. وإنما ~~يكون ترجيح بعض الأئمة على بعض إذ استووا في المعرفة بإقام الصلاة على الوجه ~~المشروع، وفعلها على السنة، وفي دين الإمام الذي يخرج به الماموم عن نقص PageV01P582 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0583.png) ~~الصلاة خلفه. فإذا استويا في كمال الصلاة منهما وخلفهما، قدم الأقرأ. ثم الأعلم ~~بالسنة، وإلا ففضل الصلاة في نفسها مقدم على صفة إمامها، وما يحتاج إليه من ~~العلم والدين فيها مقدم على ما يستحب من ذلك. # وغيره قد يقول هي سنة مؤكدة. وقد يقول هي فرض على الكفاية . # ولهم في تقديم الأئمة خلاف ويأمرهم بإقامة الصفوف فيها، كما أمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم من سننها الخمس، وهي تقويم الصفوف، ورصها، وتقاربها، وسد الأول ~~فالأول، وتوسيط الإمام حتى ينهى عما نهى عنه النبيصلى الله عليه وسلم، من صلاة المنفرد خلف ~~الصف، ويأمره بالإعادة، كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، في حديثين ثابتين عنه، فإنه أمر المنفرد ~~خلف الصف بالإعادة ، كما أمر المسيء في صلاته بالإعادة، وكما أمر المسيء في ~~وضوئه الذي ترك موضع ظفر من قدمه لم يمسه الماء بالإعادة، فهذه المواضع دلت ~~على اشتراط الطهارة، والاصطفاف في الصلاة، والإتيان بأركانها. # والذين خالفوا حديث المنفرد خلف الصف كأبي حنيفة ومالك والشافعي، منهم ~~من لم يبلغه، أو لم يثبت عنده، والشافعي رآه معارضا بكون الإمام يصلي وحده، ~~وبكون مليكة ms0640 جدة أنس صلت خلفهم، وبحديث أبي بكرة لما ركع دون الصف. # وأما أحمد فأصله في الأحاديث إذا تعارضت في قضيتين متشابهتين غير ~~متماثآلتين، فإنه يستعمل كل حديث على وجهه، ولا يرد أحدهما بالآخر. فيقول في ~~مثل هذه : المرأة إذا كانت مع النساء صلت بينهن وأما إذا كانت مع الرجال لم تصلي ~~لا خلفهم، وإن كانت وحدها؛ لأنها منهية عن مصافة الرجال، فانفرادها عن الرجال ~~ولى بها من مصافتهم، كما أنها إذا صلت بالنساء صلت بينهن؛ لأنه أستر لها، كما ~~يصلي إمام العراة بينهم، وإن كانت سنة الرجل الكاسي إذا أم أن يتقدم بين يدي ~~الصف. # ونقول : إن الإمام لا يشبه المأموم، فإن سنته التقدم لا المصافة، وسنة ~~المؤتمين الاصطفاف. نعم يدل انفراد الإمام والمرأة على جواز انفراد الرجل المأموم ~~لحاجة، وهو ما إذا لم يحصل له مكان يصلي فيه إلا منفردا، فهذا قياس قول أحمد ~~وغيره، ولأن واجبات الصلاة وغيرها تسقط بالأعذار، فليس الاصطفاف إلا بعض ~~واجباتها، فسقط بالعجز في الجماعة، كما يسقط غيره فيها، وفي متن الصلاة. # ولهذا كان تحصيل الجماعة في صلاة الخوف والمرض ونحوهما مع استدبار ~~القبلة، والعمل الكثير، ومفارقة الإمام، ومع ترك المريض القيام: أولى من أن يصلوا ~~وحدانا، ولهذا ذهب بعض أصحاب أحمد إلى أنه يجوز تقديم المؤتم على الإمام عند ~~الحاجة، كحال الزحام ونحوه، وإن كان لا يجوز لغير حاجة، وقد روي في بعض ~~صفات صلاة الخوف. PageV01P583 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0584.png) # ولهذا سقط عنده وعند غيره من أيمة السنة ما يعتبر للجماعة : من عدل الإمام، ~~وحل البقعة، ونحو ذلك للحاجة، فجوزوا، بل أوجبوا فعل صلوات الجمعة والعيدين ~~والخوف والمناسك ونحو ذلك خلف الأئمة الفاجرين، وفي الأمكنة المغصوبة إذا ~~أفضى ترك ذلك إلى ترك الجمعة والجماعة، أو إلى فتنة في الأمة، ونحو ذلك. كما ~~جاء في حديث جابر : لالا يؤمن فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه، أو ~~سوطه» (1) لأن غاية ذلك أن يكون عدل الإمام واجبا، فيسقط بالعذر، كما سقط كثير ~~من الواجبات في جماعة ms0641 الخوف بالعذر. # ومن اهتدى لهذا الأصل . وهو أن نفس واجبات الصلاة تسقط بالعذر، فكذلك ~~الواجبات في الجماعات ونحوها، فقد هدى لما جاءت به السنة من التوسط بين إهمال ~~بعض واجبات الشريعة رأسا، كما قد يبتلى به بعضهم، وبين الإسراف في ذلك ~~الواجب حتى يفضي إلى ترك غيره من الواجبات التي هي أوكد منه عند العجز عنه، ~~وإن كان ذلك الأوكد مقدورا عليه، كما قد يبتلى به آخرون. فإن فعل المقدور عليه ~~من ذلك دون المعجوز عنه هو الوسط بين الأمرين. # وعلى هذا الأصل تنبني مسائل الهجرة والعزم، التي هي أصل «مسألة الإمامة ~~بحيث لا يفعل ولا تسع القدرة، ولهذا كان أحمد في المنصوص عنه وطائفة من ~~أصحابه يقول : يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل للحاجة، كما في صلاة الخوف. وكما ~~لو كان المفترض غير قارئ كما في حديث عمرو بن سلمة، ومعاذ، ونحو ذلك. وإن ~~كان لا يجوزه لغير حاجة على إحدى الروايتين عنه، فأما إذا جوزه مطلقا فلا كلام، ~~وإن كان من أصحابه من لا يجوزه بحال فصارت الأقوال في مذهبه وغير مذهبه ~~ثلاثة . والمنع مطلقا هو المشهور عن أبي حنيفة ومالك، كما أن الجواز مطلقا هو ~~قول الشافعي. # ويشبه هذا مفارقة المأموم إمامه قبل السلام، فعنه ثلاث روايات: # أوسطها : جواز ذلك للحاجة، كما تفعل الطائفة الأولى في صلاة الخوف، وكما ~~فعل الذي طول عليه معاذ صلاة العشاء الآخرة، لما شق عليه طول الصلاة. # والثانية : المنع مطلقا، كقول أبي حنيفة. # والثالتة : الجو از مطلقا كقول الشافعي ولهذا جؤز أحمد على المشهور عنه أن ~~تؤم المرأة الرجال لحاجة، مثل أن تكون قارئة، وهم غير قارئين فتصلي بهم ~~التراويح، كما أذن النبي صلى الله علي وسلم م ورقة أن تؤم أهل دارها، وجعل لها مؤذنا وتتأخر PageV01P584 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0585.png) ~~خلفهم، وإن كانوا مأمومين بها للحاجة، وهو حجة لمن يجوز تقدم المأموم لحاجة، ~~هذا مع ما روي عه صلى الله عليه وسلم من قوله : لا تؤمن امرأة رجلا وأن المنع من إمامة ~~المرأة بالرجال قول ms0642 عامة العلماء. # ولهذا الأصل استعمل أحمد ما استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله في الإمام : إذا ~~صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون»2) وأنه علل ذلك بأنه يشبه قيام الأعاجم بعضهم ~~لبعض، فسقط عن المأمومين القيام لما في القيام من المفسدة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسل ~~من مخالفة الإمام، والتشبه بالأعاجم في القيام له. وكذلك عمل أئمة الصحابة بعده ~~لما اعتلوا فصلوا قعودا، والناس خلفهم قعود، كأسيد بن الحضير، ولكن كره هذا ~~لغير الإمام الراتب، إذ لا حاجة إلى نقص الصلاة في الائتمام به. ولهذا كرهه أيضا ~~إذا مرض الإمام الراتب مرضا مزمنا ؛ لأنه يتعين حينئذ انصرافه عن الإمامة، ولم ير ~~هذا منسوخا بكونه في مرضه صلى في أثناء الصلاة قاعدا وهم قيام، لعدم المنافاة بين ~~ما أمر به وبين ما فعله، ولأن الصحابة فعلوا ما أمر به بعد موته، مع شهودهم لفعله. # فيفرق بين القعود من أول الصلاة، والقعود في أثنائها، إذ يجوز الأمران جميعا، ~~إذ ليس في الفعل تحريم للمأمور به بحال، مع ما في هذه المسائل من الكلام الدقيق ~~الذي ليس هذا موضعه. # وإنما الغرض التنبيه على قواعد الشريعة التي تعرفها القلوب الصحيحة، التي دل ~~عليها قوله تعالى : (فانقوا اللهما استطعتم) وقوله صلى الله عليه وسلم:.( إذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما استطعتم وأنه إذا تعذر جمع الواجبين قدم أرجحهما، وسقط الآخر ~~بالوجه الشرعي، والتنبيه على ضوابط من مآخذ العلماء رضي الله عنهم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن أقوام يسمعون الداعي ولم يجيبوا? وفيهم من ~~يصلي في بيته، وفيهم من لا تراه يصلي، ويراه جماعة من الناس، ولا يرونه بالصلاة، ~~وحاله لم ترض الله ولا رسوله من جهة الصلاة وغيرها. فهل يجوز لمن يراه في هذه ~~الحالة أن يولي عنه أو يسلم عليه? أفتونا مأجورين. # وأيضا: هل يجوز لرجل إذا كان إماما في المسجد الذي هو فيه لم يصل فيه إلا ~~نفران أو ثلاثة في بعض الأيام هو يصلي فيه احتسابا? وأيضا إن ms0643 كان يصلي فيه بأجرة PageV01P585 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0586.png) ~~لا ما يطلب الصلاة في غيره إلا لأجل فضل الجماعة، وهل يجوز ذلك? أفتونا ~~يرحمكم الله # فأجاب : الصلاة في الجماعات التي تقام في المساجد من شعائر الإسلام ~~الظاهرة، وسنته الهادية. كما في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال : لإن هذه الصلوات ~~الخمس في المسجد الذي تقام فيه الصلاة من سنن الهدى، وإن الله شرع لنبيكم سنن ~~الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة ~~نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد ~~كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجال حتى يقام في الصف # وفي الصحيح عن النبي صى الله عليه وسلم أنآن قال : لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم ~~أنطلق معي برجال معهم حزم من الحطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم ~~بيوتهم بالنار وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : أتى النبيصلى الله عليه وسلم جل أعمى، ~~فقال : يا رسول الله! ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأله أن يرخص له أن يصلي ~~في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: أتسمع النداء بالصلاة ? قال: نعم! قال: ~~أجب» . - وفي رواية في السنن - قال : «أتسمع النداء? قال: نعم! قال: لا أجد ~~لك رخصة» # وفي السنن عن ابن عباس قال : قال رسول الله له صلى الله عليه وسلم . من سمع النداء فلم ~~يمنعه من اتباعه عذر، قالوا : ما العذر؟ قال: خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة ~~التي صلى»(6) رواه أبو داود. # وصلاة الجماعة من الأمور المؤكدة في الدين باتفاق المسلمين. وهي فرض ~~على الأعيان عند أكثر السلف، وأئمة أهل الحديث: كأحمد وإسحاق، وغيرهما، ~~وطائفة من أصحاب الشافعي، وغيرهم، وهي فرض على الكفاية عند طوائف من ~~أصحاب الشافعي، وغيرهم، وهو المرجح عند أصحاب الشافعي. # والمصر على ترك الصلاة في الجماعة رجل سوء ينكر عليه ويزجر على ذلك، PageV01P586 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0587.png) ~~بل يعاقب عليه، وترد شهادته، وإن قيل : إنها سنة مؤكدة. وأما من ms0644 كان معروفا ~~بالفسق مضيعا للصلاة، فهذا داخل في قوله: ( فحلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا )مريم : وتجب عقوبته على ذلك بما يدعوه إلى ترك ~~المحرمات وفعل الواجبات . # ومن كان إماما راتبا في مسجد فصلاته فيه إذا لم تقم الجماعة إلا به أفضل من ~~صلاته في غيره، وإن كان أكثر جماعة. # ومن عرف منه التظاهر بترك الواجبات، أو فعل المحرمات، فإنه يستحق أن ~~يهجر، ولا يسلم عليه تعزيرا له على ذلك، حتى يتوب. والله سبحانه أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل أدرك آخر جماعة، وبعد هذه الجماعة جماعة ~~أخرى، فهل يستحب له متابعة هؤلاء في آخر الصلاة? أو ينتظر الجماعة الأخرى? # فأجاب : أما إذا أدرك أقل من ركعة، فهذا مبنى على أنه هل يكون مدركا ~~للجماعة بأقل من ركعة، أم لا بد من إدراك ركعة? فمذهب أبي حنيفة: أنه يكون ~~مدركا، وطرد قياسه في ذلك حتى قال في الجمعة : يكون مدركا لها بإدراك القعدة ~~فيتمها جمعة . ومذهب مالك : أنه لا يكون مدركا إلا بإدراك ركعة، وطرد المسألة في ~~ذلك حتى فيمن أدرك من آخر الوقت. فإن المواضع التي تذكر فيها هذه المسألة ~~أنواع: # أحدها : الجمعة. # والثاني : فضل الجماعة. # والثالث : إدراك المسافر من صلاة المقيم. # والرابع : إدراك بعض الصلاة قبل خروج الوقت، كإدراك بعض الفجر قبل طلوع ~~الشمس. # والخامس: إدراك آخر الوقت، كالحائض تطهر، والمجنون يفيق، والكافر يسلم ~~في آخر الوقت. # والسادس : إدراك ذلك من أول الوقت عند من يقول : إن الوجوب بذلك، فإن ~~في هذا الأصل السادس نزاعا . وأما مذهب الشافعي وأحمد فقالا في الجمعة بقول ~~مالك، لاتفاق الصحابة على ذلك، فإنهم قالوا فيمن أدرك من الجمعة ركعة يصلي ~~إليها أخرى، ومن أدركهم في التشهد صلى أربعا. # وأما سائر المسائل ففيها نزاع في مذهب الشافعي وأحمد، وهما قولان ~~للشافعي، وروايتان عن أحمد، وكثير من أصحابهما يرجح قول أبي حنيفة. PageV01P587 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0588.png) # والأظهر هو مذهب مالك، كما ذكره الخرقي في بعض الصور، وذلك أنه قد ~~ثبت ms0645 في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ل الله عليه وسلم آن قال : لمن أدرك ~~ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»(1) فهذا نص عام في جميع صور إدراك ركعة من ~~الصلاة، سواء كان إدراك جماعة أو إدراك الوقت. وفي الصحيحين عن ن صلى الله ليه وسلم نآن قال : ~~من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر، ومن أدرك ركعة من ~~العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر. وهذا نص في ركعة في الوقت. # وقد عارض هذا بعضهم بأن في بعض الطرق: «من أدرك سجدة» وظنوا أن هذا ~~يتناول ما إذا أدرك السجدة الأولى، وهذا باطل فإن المراد بالسجدة الركعة، كما في ~~حديث ابن عمر : «حفظت عن رسول ال صلىلى الله عليه وسلم مجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعدها ~~وسجدتين بعد المغرب إلى آخره. وفي اللفظ المشهور: لركعتين وكما روي: أنه ~~كان يصلي بعد الوتر سجدتين» وهما ركعتان، كما جاء ذلك مفسرا في الحديث ~~الصحيح . ومن سجد بعد الوتر سجدتين مجردتين عملا بهذا فهو غالط باتفاق الأئمة . # وأيضا فإن الحكم عندهم ليس متعلقا بإدراك سجدة من السجدتين، فعلم أنهم ~~لم يقولوا بالحديث. فعلى هذا إذا كان المدرك أقل من ركعة وكان بعدها جماعة ~~أخرى فصلى معهم في جماعة صلاة تامة فهذا أفضل، فإن هذا يكون مصليا في ~~جماعة؛ بخلاف الأول، وإن كان المدرك ركعة أو كان أقل من ركعة، وقلنا إنه يكون ~~به مدركا للجماعة، فهنا قد تعارض إدراكه لهذه الجماعة، وإدراكه للثانية من أولها، ~~فإن إدراك الجماعة من أولها أفضل. كما جاء في إدراكها بحدها، فإن كانت ~~الجماعتان سواء فالثانية أفضل، وإن تميزت الأولى بكمال الفضيلة، أو كثرة الجمع، ~~أو فضل الإمام، أو كونها الراتبة، فهي في هذه الجهة أفضل، وتلك من جهة إدراكها ~~بحدها أفضل، وقد يترجح هذا تارة وهذا تارة . وأما إن قدر أن الثانية أكمل أفعالا، ~~وإماما، أو جماعة، فهنا قد ترجحت من وجه آخر . # ومثل هذه المسألة لم ms0646 تكن تعرف في السلف إلا إذا كان مدركا لمسجد آخر، ~~إنه لم يكن يصلي في المسجد الواحد إمامان راتبان، وكانت الجماعة تتوفر مع الإمام ~~الراتب، ولا ريب أن صلاته مع الإمام الراتب في المسجد جماعة ولو ركعة خير من ~~صلاته في بيته ولو كان جماعة، والله أعلم. PageV01P588 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0589.png) # وسثآل رحمه الله تعالى: عن حديث يزيد بن الأسود قال : «شهدت حجة ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم وصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى الصلاة وانحرف فإذا ~~هو برجلين في أخريات القوم لم يصليا، فقال : علي بهما، فإذا بهما ترعد فرائصهما، فقال: ~~ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله! إنا كنا صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، ~~إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة. # والثانى : عن سلمان بن سالم قال : رأيت عبد الله بن عمر جالسا على البلاط، ~~والناس يصلون، فقلت: يا عبد الله! ما لك لا تصلي ? فقال : إني قد صليت، وإني ~~سمعت رسول الله صله صلى الله عليه وسلمفقول : لا تعاد صلاة مرتين فما الجمع بين هذا، وهذا ?? # فأجاب: الحمد لله. أما حديث ابن عمر فهو في الإعادة مطلقا من غير سبب. ~~ولا ريب أن هذا منهي عنه، وأنه يكره للرجل أن يقصد إعادة الصلاة من غير سبب ~~يقتضي الإعادة، إذ لو كان مشروعا للصلاة الشرعية عدد معين، كان يمكن الإنسان أن ~~يصلي الظهر مرات، والعصر مرات، ونحو ذلك، ومثل هذا لا ريب في كراهته . # وأما حديث ابن الأسود، فهو إعادة مقيدة بسبب اقتضى الإعادة، وهو قوله: ~~إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة ~~فسبب الإعادة هنا حضور الجماعة الراتبة، ويستحب لمن صلى ثم حضر جماعة ~~راتبة، أن يصلي معهم. # لكن من العلماء من يستحب الإعادة مطلقا، كالشافعي وأحمد، ومنهم من ~~يستحبها إذا كانت الثانية أكمل، كمالك. فإذا أعادها فالأولى هي الفريضة، عند أحمد ~~وأبي حنيفة، والشافعي في أحد القولين. لقوله ms0647 في هذا الحديث: «فإنها لكما نافلة ~~وكذلك قال في الحديث الصحيح: إنه سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، ~~فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة وهذا أيضا يتضمن إعادتها ~~لسبب، ويتضمن أن الثانية نافلة. وقيل: الفريضة أكملهما. وقيل: ذلك إلى الله. # ومما جاء في الإعادة لسبب الحديث الذي في سنن أبي داود لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ألا رجل يتصدق على هذا يصلي معه»(5). فهنا هذا المتصدق قد أعاد الصلاة PageV01P589 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0590.png) ~~ليحصل لذلك المصلي فضيلة الجماعة، ثم الإعادة المأمور بها مشروعة عند الشافعي ~~وأحمد ومالك وقت النهي، وعند أبي حنيفة لا تشرع وقت النهي. # وأما المغرب: فهل تعاد على صفتها ? أم تشفع بركعة? أم لا تعاد? على ثلاثة ~~أقوال مشهورة للفقهاء. # ومما جاء فيه الإعادة لسبب ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض صلوات الخوف ~~صلى بهم الصلاة مرتين، صلى بطائفة ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بطائفة أخرى ~~ركعتين ثم سلم، ومثل هذا حديث معاذ بن جبل لما كان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فهنا ~~إعادة أيضا، وصلاة مرتين. # والعلماء متنازعون في مثل هذا. وهي مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل على ثلاثة ~~أقوال. # فقيل : لا يجوز كقول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات. وقيل: يجوز ~~كقول الشافعي وأحمد في رواية ثانية. وقيل : يجوز للحاجة مثل حال الخوف، ~~والحاجة إلى الإئتمام بالمتطوع، ولا يجوز لغيرها كرواية ثالثة عن أحمد. ويشبه هذا ~~إعادة صلاة الجنازة لمن صلى عليها أولا؛ فإن هذا لا يشرع بغير سبب باتفاق ~~العلماء، بل لو صلى عليها مرة ثانية ثم حضر من لم يصل. فهل يصلي عليها? على ~~قولين للعلماء . قيل : يصلي عليها، وهو مذهب الشافعي وأحمد، ويصلي عندهما ~~على القبر ، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن غير واحد من الصحابة، أنهم صلوا على ~~جنازة بعدما صلى عليها غيرهم. وعند أبي حنيفة ومالك ينهى عن ذلك، كما ينهيان ~~عن إقامة الجماعة في المسجد مرة بعد مرة، قالوا ms0648 : لأن الفرض يسقط بالصلاة ~~الأولى، فتكون الثانية نافلة، والصلاة على الجنازة لا يتطوع بها. وهذا بخلاف من ~~يصلي الفريضة فإنه يصليها باتفاق المسلمين؛ لأنها واجبة عليه، وأصحاب الشافعي ~~وأحمد يجيبون بجوابين: # أحدهما : أن الثانية تقع فرضا عمن فعلها، وكذلك يقولون في سائر فروض ~~الكفايات : أن من فعلها أسقط بها فرض نفسه، وإن كان غيره قد فعلها فهو مخير بين ~~أن يكتفي بإسقاط ذلك، وبين أن يسقط الفرض بفعل نفسه. وقيل: بل هي نافلة، ~~ويمنعون قول القائل : إن صلاة الجنازة لا يتطوع بها، بل قد يتطوع بها، إذا كان هناك ~~سبب يقتضي ذلك. # وينبن على هذين الماخذين أنه إذا حضر الجنازة من لم يصل اولا: فهل لمن ~~صلى عليها أولا أن يصلي معه تبعا? كما يفعل مثل هذا في المكتوبة? على وجهين. ~~قيل : لا يجوز هنا؛ لأن فعله هنا نفل بلا نزاع. وهي لا يتنفل بها. وقيل: بل له ~~الإعادة؛ فإن البيصلى الله عله سلم ا صلى على القبر، صلى خلفة من كان قد صلى أولا. وهذا PageV01P590 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0591.png) ~~أقرب، فإن هذه الإعادة بسبب اقتضاه، لا إعادة مقصودة وهذا سائغ في المكتوبة ~~والجنازة . والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # وسئل رحمه الله تعالى : عن القراءة خلف الإمام? # فأجاب : الحمد لله. للعلماء فيه نزاع واضطراب مع عموم الحاجة إليه. وأصول ~~الأقوال ثلاثة : طرفان، ووسط . # فأحد الطرفين أنه لا يقرأ خلف الإمام بحال. # والثاني : أنه يقرأ خلف الإمام بكل حال. # والثالث: وهو قول أكثر السلف؛ أنه إذا سمع قراءة الإمام أنصت، ولم يقرأ، ~~فإن استماعه لقراءة الإمام خير من قراءته، وإذا لم يسمع قراءته قرأ لنفسه، فإن قراءته ~~خير من سكوته، فالاستماع لقراءة الإمام أفضل من القراءة، والقراءة أفضل من ~~السكوت، هذا قول جمهور العلماء كمالك وأحمد بن حنبل وجمهور أصحابهما، ~~وطائفة من أصحاب الشافعي، وأبي حنيفة، وهو القول القديم للشافعي، وقول ~~محمد بن الحسن. # وعلى هذا القول؛ فهل القراءة حال مخافتة الإمام بالفاتحة واجبة على المأموم ? ~~أو ms0649 مستحبة ? على قولين في مذهب أحمد. # أشهرهما أنها مستحبة، وهو قول الشافعي في القديم، والاستماع حال جهر ~~الإمام هل هو واجب أو مستحب? والقراءة إذا سمع قراءة الإمام هل هي محرمة أو ~~مكروهة? وهل تبطل الصلاة إذا قرأ? على قولين في مذهب أحمد، وغيره: # أحدهما : أن القراءة حينئذ محرمة، وإذا قرأ بطلت صلاته، وهذا أحد الوجهين ~~اللذين حكاهما أبو عبد الله بن حامد؛ في مذهب أحمد. # والثاني : أن الصلاة لا تبطل بذلك، وهو قول الأكثرين، وهو المشهور من ~~مذهب أحمد، ونظير هذا إذا قرأ حال ركوعه وسجوده: هل تبطل الصلاة ? على ~~وجهين في مذهب أحمد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في أن يقرأ القرآن راكعا أو ساجدا. # والذين قالوا: يقرأ حال الجهر، والمخافتة، إنما يأمرونه أن يقرأ حال الجهر ~~بالفاتحة خاصة، وما زاد على الفاتحة فإن المشروع أن يكون فيه مستمعا لا قارئا. # وهل قراءته للفاتحة مع الجهر واجبة . أو مستحبة ? على قولين: # أحدهما : أنها واجبة، وهو قول الشافعي في الجديد، وقول ابن حزم. # والثاني: أنها مستحبة، وهو قول الأوزاعي، والليث بن سعد، واختيار جدي PageV01P591 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0592.png) ~~أبي البركات، ولا سبيل إلى الاحتياط في الخروج من الخلاف في هذه المسألة، كما ~~لا سبيل إلى الخروج من الخلاف في وقت العصر، وفي فسخ الحج، ونحو ذلك من ~~المسائل . # يتعين في مثل ذلك النظر فيما يوجبه الدليل الشرعي، وذلك أن كثيرا من العلماء ~~يقول : صلاة العصر يخرج وقتها إذا صار ظل كل شيء مثليه، كالمشهور من مذهب ~~مالك، والشافعي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. # وأبو حنيفة يقول : حينئذ يدخل وقتها، ولم يتفقوا على وقت تجوز فيه صلاة ~~العصر، بخلاف غيرها فإنه إذا صلى الظهر بعد الزوال بعد مصير ظل كل شيء مثله، ~~سوى ظل الزوال صحت صلاته، والمغرب أيضا تجزئ باتفاقهم إذا صلى بعد ~~الغروب، والعشاء تجزئ باتفاقهم إذا صلى بعد مغيب الشفق الأبيض، إلى ثلث ~~الليل، والفجر تجزئ باتفاقهم إذا صلاها بعد طلوع الفجر إلى الإسفار الشديد، وأما ~~العصر فهذا ms0650 يقول : تصلى إلى المثلين، وهذا يقول لا تصلى إلا بعد المثلين، ~~والصحيح أنها تصلى من حين يصير ظل كل شيء مثله إلى إصفرار الشمس، فوقتها ~~أوسع، كما قاله هؤلاء، وهؤلاء، وعلى هذا تدل الأحاديث الصحيحة المدنية، وهو ~~قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن وهو الرواية الأخرى عن أحمد. # والمقصود هنا أن من المسائل مسائل لا يمكن أن يعمل فيها بقول يجمع عليه، ~~لكن ولله الحمد القول الصحيح عليه دلائل شرعية تبين الحق. # ومن ذلك فسخ الحج إلى العمرة، فإن الحج الذي اتفقت الأمة على جوازه أن ~~يهل متمتعا يحرم بعمرة ابتداء، ويهل قارنا وقد ساق الهدي، فأما إن أفرد أو قرن ولم ~~يسق الهدي ففي حجه نزاع بين السلف والخلف. # والمقصود هنا القراءة خلف الإمام فنقول : إذا جهر الإمام استمع لقراءته، فإن ~~كان يسمع لبعده فإنه يقرأ في أصح القولين، وهو قول أحمد وغيره، وإن كان ~~لا يسمع لصممه، أو كان يسمع همهمة الإمام ولا يفقه ما يقول، ففيه قولان في ~~مذهب أحمد، وغيره. # والأظهر أنه يقرأ؛ لأن الأفضل أن يكون إما مستمعا، وإما قارئا، وهذا ليس ~~بمستمع، ولا يحصل له مقصود السماع، فقراءته أفضل من سكوته، فنذكر الدليل ~~على الفصلين. على أنه في حال الجهر يستمع، وإنه في حال المخافتة يقرأ. # فالدليل على الأول الكتاب والسنة والاعتبار : # أما الاول: فإنه تعالى قال : (وإذا ثر القزءان نأستمعواله وانصتوا لعلكم ترحمون) ~~[الأعراف : 204 وقد استفاض عن السلف أنها نزلت في القراءة في الصلاة، وقال PageV01P592 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0593.png) ~~بعضهم في الخطبة، وذكر أحمد بن حنبل الإجماع على أنها نزلت في ذلك، وذكر ~~الإجماع على أنه لا تجب القراءة على المأموم حال الجهر . # ثم يقول: قوله تعالى : (وإذا قري القرآن فاستمعواله وأنصتوا لعلكم ترحمون) ~~عام، فإما أن يختص القراءة في الصلاة، أو في القراءة في غير الصلاة، أو يعمهما. ~~والثاني باطل قطعا؛ لأنه لم يقل أحد من المسلمين أنه يجب الاستماع خارج الصلاة، ~~ولا يجب في الصلاة، ولأن استماع المستمع إلى قراءة الإمام الذي ms0651 يأتم به ويجب ~~عليه متابعته أولى من استماعه إلى قراءة من يقرأ خارج الصلاة داخلة في الآية، إما ~~على سبيل الخصوص، وإما على سبيل العموم، وعلى التقديرين فالآية دالة على أمر ~~المأموم بالإنصات لقراءة الإمام، وسواء كان أمر إيجاب أو استحباب. # فالمقصود حاصل. فإن المراد أن الاستماع أولى من القراءة، وهذا صريح في ~~دلالة الآية على كل تقدير، والمنازع يسلم أن الاستماع مأمور به دون القراءة، فيما زاد ~~على الفاتحة. والآية أمرت بالإنصات إذا قرئ القرآن. والفاتحة أم القرآن، وهي التي ~~لا بد من قراءتها في كل صلاة، والفاتحة أفضل سور القرآن. وهي التي لم ينزل في ~~التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، فيمتنع أن يكون المراد ~~بالآية الاستماع إلى غيرها دونها، مع إطلاق لفظ الآية وعمومها، مع أن قراءتها أكثر ~~وأشهر، وهي أفضل من غيرها. فإن قوله: (وإذا قر القرمان) يتناولها، كما يتناول ~~غيرها، وشموله لها أظهر لفظا ومعنى. والعادل عن استماعها إلى قراءتها إنما يعدل ~~لأن قراءتها عنده أفضل من الاستماع، وهذا غلط يخالف النص والإجماع، فإن ~~الكتاب والسنة أمرت المؤتم بالاستماع دون القراءة، والأمة متفقة على أن استماعه لما ~~زاد على الفاتحة أفضل من قراءته لما زاد عليها. # فلو كانت القراءة لما يقرأه الإمام أفضل من الاستماع لقراءته لكانت قراءة ~~المأموم أفضل من قراءته لما زاد على الفاتحة، وهذا لم يقل به أحد. وإنما نازع من ~~نازع في الفاتحة لظنه أنها واجبة على المأموم مع الجهر، أو مستحبة له حينئذ. # وجوابه أن المصلحة الحاصلة له بالقراءة يحصل بالاستماع ما هو أفضل منها، ~~بدليل استماعه لما زاد على الفاتحة، فلولا أنه يحصل له بالاستماع ما هو أفضل من ~~القراءة لكان الأولى أن يفعل أفضل الأمرين، وهو القراءة، فلما دل الكتاب والسنة ~~والإجماع على أن الاستماع أفضل له من القراءة، علم أن المستمع يحصل له أفضل ~~مما يحصل للقارئ، وهذا المعنى موجود في الفاتحة وغيرها، فالمستمع لقراءة الإمام ~~يحصل له أفضل مما يحصل بالقراءة، ms0652 وحينئذ فلا يجوز أن يؤمر بالأدنى وينهى عن ~~الأعلى. # وثبت أنه في هذه الحال قراءة الإمام له قراءة، كما قال ذلك جماهير السلف PageV01P593 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0594.png) ~~والخلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وفي ذلك الحديث المعروف عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : لا من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة. # وهذا الحديث روي مرسلا ومسندا، لكن أكثر الأئمة الثقاة رووه مرسلا عن ~~عبد الله بن شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأسنده بعضهم، ورواه ابن ماجه مسندا، وهذا ~~المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة، وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة ~~والتابعين ومرسله من أكابر التابعين، ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة، ~~وغيرهم، وقد نص الشافعي على جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل. # فتبين أن الاستماع إلى قراءة الإمام أمر دل عليه القرآن دلالة قاطعة؛ لأن هذا ~~من الأمور الظاهرة التي تحتاج إليها جميع الأمة، فكان بيانها في القرآن مما ~~يحصل به مقصود البيان، وجاءت السنة موافقة للقرآن. ففي صحيح مسلم عن ~~أبي موسى الأشعري قال : إن رسول الال صلى الله عليه وسلم خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا ~~صلاتنا، فقال : «أقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ ~~فأنصتوا »42 . وهذا من حديث أبي موسى الطويل المشهور . لكن بعض الرواة زاد ~~فيه على بعض، فمنهم من لم يذكر قوله: وإذا قرأ فانصتوا ومنهم من ذكرها، ~~وهي زيادة من الثقة ، لا تخالف المزيد، بل توافق معناه، ولهذا رواها مسلم في ~~صحيحه . # فإن الإنصات إلى قراءة القارئ من تمام الائتمام به فإن من قرأ على قوم ~~لا يستمعون لقراءته لم يكونوا مؤتمين به، وهذا مما يبين حكمة سقوط القراءة على ~~المأموم، فإن متابعته لإمامه مقدمة على غيرها، حتى في الأفعال، فإذا أدركه ساجدا ~~سجد معه، وإذا أدركه في وتر من صلاته تشهد عقب الوتر، وهذا لو فعله منفردا لم ~~يجز، وإنما فعله لأجل الائتمام، فيدل على أن الائتمام يجب به ما لا يجب على ~~المنفرد، ويسقط ms0653 به ما يجب على المنفرد. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صله صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ~~كبر فكبروا، وإذا قرأ فانصتوا . رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ~~قيل لمسلم بن الحجاج: حديث أبي هريرة صحيح، يعني «وإذا قرأ فانصتوا قال هو PageV01P594 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0595.png) ~~عندي صحيح. فقيل له : لما لا تضعه ههنا ? يعني في كتابه، فقال : ليس كل شيء ~~عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه. # وروى الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة . أن رسول الله صله صلى الله عليه وسلم نصرف ~~من صلاة جهر فيها، فقال : هل قرأ معي أحد منكم آنفا? فقال رجل: نعم. ~~يا رسول الله! قال : إني أقول ما لي أنازع القرآن . قال : فانتهى الناس عن القراءة ~~مع رسول الله له صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم القراءة في الصلوات، حين سمعوا ذلك ~~من رسول اللهال صلى الله عليه وسلم رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، والترمذي، ~~وقال : حديث حسن . قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس، يقول: ~~قوله : «فانتهى الناس من كلام الزهري . وروي عن البخاري نحو ذلك، فقال: في ~~الكنى من التاريخ، وقال أبو صالح: حدثني الليث حدثني يوسف عن ابن شهاب ~~سمعت ابن أكيمة الليثي يحدث أن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة يقول : صلى لنا ~~النبي صل الله عليه وسلم صلاة جهر فيها بالقراءة ثم قال : هل قرأ منكم أحد معي ? قلنا : نعم، ~~قال: إني أقول ما لي أنازع القرآن قال : فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر ~~الإمام، قال الليث: حدثني ابن شهاب ولم يقل: فانتهى الناس، وقال بعضهم: هو ~~قول الزهري، وقال بعضهم: هو قول ابن أكيمة، والصحيح أنه قول الزهري. # وهذا إذا كان من كلام الزهري فهو من أدل الدلائل على أن الصحابة لم يكونوا ~~يقرأون في الجهر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الزهري من أعلم أهل ms0654 زمانه، أو أعلم أهل زمانه ~~بالسنة، وقراءة الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وسلم اذا كانت مشروعة واجبة أو مستحبة تكون من ~~الأحكام العامة، التي يعرفها عامة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فيكون الزهري من ~~أعلم الناس بها، فلو لم يبينها لاستدل بذلك على انتفائها، فكيف إذا قطع الزهري بأن ~~الصحابة لم يكونوا يقرأون خلف الني صلى الله عليه وسلم في الجهر. # فإن قيل: قال البيهقي: ابن أكيمة رجل مجهول لم يحدث إلا بهذا الحديث ~~وحده، ولم يحدث عنه غير الزهري. # قيل : ليس كذلك، بل قد قال أبو حاتم الرازي فيه: صحيح الحديث، حديثه ~~مقبول . وحكي عن أبي حاتم البستي أنه قال: روى عنه الزهري، وسعيد بن ~~أبي هلال، وابن أبيه عمر، وسالم بن عمار بن أكيمة بن عمر. PageV01P595 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0596.png) # وقد روى مالك في موطئه عن وهب بن كيسان، أنه سمع جابر بن عبد الله ~~يقول : من صلى ركعة لم يقرأ فيها، لم يصل إلا وراء الإمام وروي أيضا عن ~~نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ خلف الإمام? يقول: إذا صلى ~~أحدكم خلف الإمام تجزئه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ. قال: وكان ~~عبد الله بن عمر ، لا يقرأ خلف الإمام، وروى مسلم في صحيحه عن عطاء بن يسار ~~أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال : لا قراءة مع الإمام في شيء. # وروى البيهقي عن أبي وائل أن رجلا سأل ابن مسعود عن القراءة خلف الإمام، ~~فقال : أنصت للقرآن، فإن في الصلاة شغلا، وسيكفيك ذلك الإمام، وابن مسعود ~~وزيد بن ثابت هما فقيها أهل المدينة، وأهل الكوفة من الصحابة وفي كلامهما تنبيه ~~على أن المانع إنصاته لقراءة الإمام. # وكذلك البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام» عن علي بن أبي طالب قال: ~~وروى الحارث عن علي يسبح في الأخريين، قال: ولم يصح، وخالفه عبيد الله بن ~~أبي رافع، حدثنا عثمان بن سعيد، سمع عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن راشد، ~~عن الزهري، ms0655 عن عبيد الله بن أبي رافع . مولى بني هاشم، حدثه عن علي بن ~~أبي طالب : إذا لم يجهر الإمام في الصلوات، فاقرأ بأم الكتاب، وسورة أخرى في ~~الأوليين، من الظهر والعصر، وفاتحة الكتاب في الأخريين من الظهر والعصر، وفي ~~الآخرة من المغرب، وفي الأخريين من العشاء. # وأيضا ففي إجماع المسلمين على أنه فيما زاد على الفاتحة يؤمر بالاستماع دون ~~القراءة : دليل على أن استماعه لقراءة الإمام خير له من قراءته معه، بل على أنه مأمور ~~بالاستماع دون القراءة مع الإمام. # وأيضا : فلو كانت القراءة في الجهر واجبة على الماموم للزم أحد أمرين: إما أن ~~يقرأ مع الإمام، وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ، ولم نعلم نزاعا بين ~~العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت لقراءة المأموم بالفاتحة ولا غيرها، وقراءته ~~معه منهي عنها بالكتاب والسنة . فثبت أنه لا تجب عليه القراءة معه في حال الجهر، ~~بل نقول: لو كانت قراءة المأموم في حال الجهر والاستماع مستحبة، لاستحب للإمام ~~أن يسكت لقراءة المأموم، ولا يستحب للإمام السكوت ليقرأ المأموم عند جماهير ~~العلماء، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم. PageV01P596 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0597.png) # وحجتهم في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلملم يكن يسكت ليقرأ المأمومون، ولا نقل هذا ~~أحد عنه، بل ثبت عنه في الصحيح سكوته بعد التكبير للاستفتاح، وفي السنن: ~~أنه كان له سكتتان : سكتة في أول القراءة، وسكتة بعد الفراغ من القراءة، وهي ~~سكتة لطيفة للفصل لا تتسع لقراءة الفاتحة . وقد روي أن هذه السكتة كانت بعد ~~الفاتحة، ولم يقل أحد أنه كان له ثلاث سكتات، ولا أربع سكتات، فمن نقل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لاث سكتات أو أربع فقد قال قولا لم ينقله عن أحد من المسلمين، ~~والسكتة التي عقب قوله : (ولا الضالين) من جنس السكتات التي عند رؤوس ~~الآي . ومثل هذا لا يسمى سكوتا؛ ولهذا لم يقل أحد من العلماء أنه يقرأ في مثل ~~هذا. # وكان بعض من أدركنا ms0656 من أصحابنا يقرأ عقب السكوت عند رؤوس الآي . فإذا ~~قال الإمام : (الحمد لله رب العالمين) قال : (الحكمد لله رب العالمين) ~~وإذا قال : ( إياك نعبد وإياك ذستعين) قال : (إياك نعبد وإياك ~~نستعين) وهذا لم يقله أحد من العلماء. # وقد اختلف العلماء في سكوت الإمام على ثلاثة أقوال: فقيل : لا سكوت في ~~الصلاة بحال، وهو قول مالك. وقيل: فيها سكتة واحدة للاستفتاح، كقول ~~أبي حنيفة . وقيل فيها: سكتتان، وهو قول الشافعي، وأحمد، وغيرهما لحديث ~~سمرة بن جندب : «أن رسولاللهاله صلى الله عليه وسلم ان له سكتتان : سكتة حين يفتتح الصلاة، ~~وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية. قبل أن يركع فذكر ذلك لعمران بن حصين، ~~فقال : كذب سمرة. فكتب في ذلك إلى المدينة إلى أبي بن كعب، فقال : صدق ~~سمرة، رواه أحمد. واللفظ له وأبو داود وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث ~~حسن. # وفي رواية أبي داود: لسكتة إذا كبر. وسكتة إذا فرغ من (صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين) وأحمد رجح الرواية الأولى، ~~واستحب السكتة الثانية؛ لأجل الفصل. ولم يستحب أحمد أن يسكت الإمام لقراءة ~~المأموم، ولكن بعض أصحابه استحب ذلك، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم و كان يسكت ~~سكتة تتسبع لقراءة الفاتحة، لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ~~ينقل هذا أحد علم أنه لم يكن. PageV01P597 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0598.png) # والسكتة الثانية في حديث سمرة قد نفاها عمران بن حصين، وذلك أنها سكتة ~~يسيرة، قد لا ينضبط مثلها، وقد روي أنها بعد الفاتحة. ومعلوم أنه لم يسكت إلا ~~سكتتين، فعلم أن إحداهما طويلة، والأخرى بكل حال لم تكن طويلة متسعة لقراءة ~~الفاتحة. # وأيضا فلو كان الصحابة كلهم يقرأون الفاتحة خلفه إما في السكتة الأولى وإما ~~في الثانية لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فكيف ولم ينقل هذا أحد ~~عن أحد من الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية خلفه يقرأون الفاتحة، مع أن ذلك ~~لو كان مشروعا لكان الصحابة أحق الناس بعلمه، وعمله، فعلم أنه ms0657 بدعة. # وأيضا فالمقصود بالجهر استماع المأمومين، ولهذا يؤمنون على قراءة الإمام في ~~الجهر دون السر، فإذا كانوا مشغولين عنه بالقراءة فقد أمر أن يقرأ على قوم لا يستمعون ~~لقراءته، وهو بمنزلة أن يحدث من لم يستمع لحديثه، ويخطب من لم يستمع لخطبته، ~~وهذا سفه تنزه عنه الشريعة . ولهذا روي في الحديث : لمثل الذي يتكلم والإمام يخطب ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا1 فهكذا إذا كان يقرأ والإمام يقرأ عليه. # وإذا كان المأموم مأمورا بالاستماع والإنصات لقراءة الإمام، لم يشتغل عن ذلك ~~بغيرها، لا بقراءة، ولا ذكر، ولا دعاء، ففي حال جهر الإمام لا يستفتح ولا يتعوذ. ~~وفي هذه المسألة نزاع. وفيها ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد. قيل: إنه ~~حال الجهر يستفتح ويتعوذ، ولا يقرأ؛ لأنه بالاستماع يحصل له مقصود القراءة ~~بخلاف الاستفتاح والاستعاذة، فإنه لا يسمعهما. # وقيل: يستفتح ولا يتعوذ، لأن الاستفتاح تابع لتكبيرة الإحرام بخلاف التعوذ ~~فإنه تابع للقراءة، فمن لم يقرأ لا يتعوذ. # وقيل : لا يستفتح ولا يتعوذ حال الجهر، وهذا أصح، فإن ذلك يشغل عن ~~الاستماع والإنصات المأمور به، وليس له أن يشتغل عما أمر به بشيء من الأشياء. # ثم اختلف أصحاب أحمد، فمنهم من قال هذا الخلاف إنما هو في حال ~~سكوت الإمام، هل يشتغل بالاستفتاح، أو الاستعاذة، أو بأحدهما أو لا يشتغل ~~إلابالقراءة لكونها مختلفا في وجوبها . وأما في حال الجهر فلا يشتغل بغير الإنصات ~~والمعروف عند أصحابه أن هذا النزاع هو في حال الجهر، لما تقدم من التعليل، وأما ~~في حال المخافتة فالأفضل له أن يستفتح، واستفتاحه حال سكوت الإمام أفضل من PageV01P598 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0599.png) ~~قراءته في ظاهر مذهب أحمد، وأبي حنيفة وغيرهما؛ لأن القراءة يعتاض عنها ~~بالاستماع، بخلاف الاستفتاح . # وأما قول القائل : إن قراءة المأموم مختلف في وجوبها، فيقال: وكذلك ~~الاستفتاح هل يجب ? فيه قولان مشهوران في مذهب أحمد. ولم يختلف قوله: إنه ~~لا يجب على المأموم القراءة في حال الجهر. واختار ابن بطة وجوب الاستفتاح، وقد ~~ذكر ذلك روايتين عن أحمد. # فعلم أن ms0658 من قال من أصحابه كابي الفرج بن الجوزري أن القراءة حال المخافتة ~~أفضل في مذهبه من الاستفتاح، فقد غلط على مذهبه. ولكن هذا يناسب قول من ~~استحب قراءة الفاتحة حال الجهر، وهذا ما علمت أحدا قاله من أصحابه، قبل جدي ~~أبي البركات، وليس هو مذهب أحمد ولا عامة أصحابه، مع أن تعليل الأحكام ~~بالخلاف علة باطلة في نفس الأمر، فإن الخلاف ليس من الصفات التي يعلق الشارع ~~بها الأحكام في نفس الأمر، فإن ذلك وصف حادث بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يسلكه م ~~لم يكن عالما بالأدلة الشرعية في نفس الأمر، لطلب الاحتياط. # وعلى هذا ففي حال المخافتة هل يستحب له مع الاستفتاح الاستعاذة إذا لم ~~يقرأ؟ على روايتين. # والصواب : أن الاستعاذة لا تشرع إلا لمن قرأ، فإن اتسع الزمان للقراءة استعاذ ~~وقرأ، وإلا أنصت. # وأما الفصل الثاني» وهو القراءة إذا لم يسمع قراءة الإمام، كحال مخافتة ~~الإمام، وسكوته، فإن الأمر بالقراءة والترغيب فيها يتناول المصلي أعظم مما يتناول ~~غيره، فإن قراءة القرآن في الصلاة أفضل منها خارج الصلاة، وما ورد من الفضل ~~لقارئ القرآن يتناول المصلي أعظم مما يتناول غيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم،:: من قرأ القرآن فله ~~بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول : (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام ~~حرف، وميم حرف»1) قال الترمذي: حديث صحيح . # وقد ثبت في خصوص الصلاة قوله في الحديث الصحيح، الذي رواه مسلم عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ال : لا من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ~~ثلاثا أي : غير تمام فقيل لأبي هريرة: إني أكون وراء الإمام. فقال : اقرأ بها في PageV01P599 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0600.png) ~~نفسك فإني سمعت رسول الله صل صلى الله عليه وسلم قول : قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: (الحمد لله ~~رب العالمين ) قال الله : حمدني عبدي، فإذا قال: (الرحمن الرحير) ~~قال الله : أثنى علي عبدي، فإذا ms0659 قال : (مذلك يوم الدين ) قال: ~~مجدني عبدي، وقال مرة : فوض إلي عبدي - فإذا قال: (إياك نعبد وإياك ~~نسيتعين) قال : هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال : (أهدنا الصراط ~~المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين )، ~~7 قال : هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل # وروى مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين: أن رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم، صلى ~~الظهر ، فجعل رجل يقرأ خلفه : بسبح اسم ربك الأعلى، فلما انصرف قال : لأيكم ~~قرأ? أو أيكم القارئ - قال رجل : أنا، قال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها رواه ~~مسلم. فهذا قد قرأ خلفه في صلاة الظهر، ولم ينهه ولا غيره عن القراءة، لكن قال : ~~لاقد ظننت أن بعضكم خالجنيها أي نازعنيها . كما قال في الحديث الآخر : إني ~~أقول ما لي أنازع القرآن31 # وفي المسند عن ابن مسعود قال : كانوا يقرأون خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : ~~خلطتم علي القرآن فهذا كراهة منه لمن نازعه وخالجه، وخلط عليه القرآن، ~~وهذا لا يكون ممن قرأ في نفسه بحيث لا يسمعه غيره، وإنما يكون ممن أسمع ~~غيره، وهذا مكروه لما فيه من المنازعة لغيره، لا لأجل كونه قارئا خلف الإمام، وأما ~~مع مخافتة الإمام . فإن هذا لم يرد حديث بالنهي عنه، ولهذا قال : أيكم القارى?. ~~أي القارئ الذي نازعني، لم يرد بذلك القارئ في نفسه، فإن هذا لا ينازع، ~~ولا يعرف أنه خالج النبي صلى الله عليه وسلم، وكراهة القراءة خلف الإمام إنما هي إذا امتنع من ~~الإنصات المأمور به، أو إذا نازع غيره، فإذا لم يكن هناك إنصات مأمور به، ~~ولا منازعة، فلا وجه للمنع من تلاوة القرآن في الصلاة. والقارئ هنا لم يعتض عن ~~القراءة باستماع، فيفوته الاستماع والقراءة جميعا، مع الخلاف المشهور في وجوب ~~القراءة في مثل هذه الحال، بخلاف وجوبها في حال الجهر، فإنه شاذ، حتى نقل ~~أحمد الإجماع على خلافه. PageV01P600 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0601.png) # وأبو هريرة وغيره من الصحابة فهموا من قوله : قسمت الصلاة بيني وبين ~~عبدي ms0660 نصفين، فإذا قال العبد : (الحمد لله رب العالمين) أن ذلك يعم الإمام ~~والمأموم. # وأيضا فجميع الأذكار التي يشرع للإمام أن يقولها سرا يشرع للمأموم أن يقولها ~~سرا كالتسبيح في الركوع والسجود، وكالتشهد والدعاء. ومعلوم أن القراءة أفضل من ~~الذكر والدعاء، فلأي معنى لا تشرع له القراءة في السر، وهو لا يسمع قراءة السر، ~~ولا يؤمن على قراءة الإمام في السر. # وأيضا فإن الله سبحانه لما قال: (وإذا قر القران فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ~~ترحمون) وقال: (وأذكر رتك فى نفسكك تضرعا وخيفة ودون الجهر من ~~القول بالغدو والاصال ولا تكن من الغافلين) وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأمته، ~~فإنه ما خوطب به خوطبت به الأمة ما لم يرد نص بالتخصيص . كقوله : (وسبح بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) وقوله : (وأتم الصلوة طرف النهار وزلفا من ~~آليل) وقوله : (أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق اليل) ~~ونحو ذلك. وهذا أمر يتناول الإمام والمأموم والمنفرد بأن يذكر الله في نفسه بالغدو ~~والآصال، وهو يتناول صلاة الفجر والظهر والعصر، فيكون المأموم مأمورا بذكر ربه ~~في نفسه لكن إذا كان مستمعا كان مأمورا بالاستماع، وإن لم يكن مستمعا كان مأمورا ~~بذكر ربه في نفسه. والقرآن أفضل الذكر كما قال تعالى: (وهاذا ذكر تبارك أنزلنه) ~~[الأنبياء: ] وقال تعالى: (وقد الينك من لدنا ذكرا) وقال تعالى : (ومن ~~اعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) وقال : (ما ~~يأنيهم من ذكر من ربهم تحدث). # وأيضا: فالسكوت بلا قراءة ولا ذكر ولا دعاء ليس عبادة، ولا مأمورا به؛ بل ~~يفتح باب الوسوسة، فالاشتغال بذكر الله أفضل من السكوت، وقراءة القرآن من ~~أفضل الخير، وإذا كان كذلك فالذكر بالقرآن أفضل من غيره، كما ثبت في الحديث ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : أفضل الكلام بعد القرآن أربع - وهن من القرآن - ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. رواه مسلم في صحيحه. # وعن عبد الله بن أبي أوفى قال : جاء ms0661 رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : إني لا أستطيع ~~أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه، فقال : قل سبحان الله، والحمد لله، ~~ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال: يا رسول الله! هذا ~~لله، فما لي ? قال: قل: اللهم ارحمني، وارزقني، وعافني، واهدني فلما قام PageV01P601 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0602.png) ~~قال : هكذا بيديه - فقال رسول الله صل صلى الله علي وسلم :( أما هذا فقد ملا يديه من الخير رواه ~~أحمد، وأبو داود، والنسائي. # والذين أوجبوا القراءة في الجهر : احتجوا بالحديث الذي في السنن عن عبادة ~~أن النبي صل الله ليه وسل ال : إذا كنتم ورائي فلا تقرأوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن ~~لم يقرأ بها»(2) . وهذا الحديث معلل عند أئمة الحديث بأمور كثيرة، ضعفه أحمد ~~وغيره من الأئمة. وقد بسط الكلام على ضعفه في غير هذا الموضع، وبين أن ~~الحديث الصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا صلاة إلا بأم القرآن فهذا هو الذي أخرجاه ~~في الصحيحين، ورواه الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة. وأما هذا الحديث ~~فغلط فيه بعض الشاميين وأصله أن عبادة كان يؤم ببيت المقدس، فقال هذا فاشتبه ~~عليهم المرفوع بالموقوف على عبادة. # وأيضا : فقد تكلم العلماء قديما وحديثا في هذه المسألة، وبسطوا القول فيها، ~~وفي غيرها، من المسائل . وتارة أفردوا القول فيها في مصنفات مفردة، وانتصر طائفة ~~للإثبات في مصنفات مفردة : كالبخاري وغيره. وطائفة للنفي: كأبي مطيع البلخي، ~~وكرام، وغيرهما. # ومن تأمل مصنفات الطوائف تبين له القول الوسط، فإن عامة المصنفات المفردة ~~تتضمن صور كل من القولين المتباينين، قول من ينهى عن القراءة خلف الإمام، حتى ~~في صلاة السر . وقول من يأمر بالقراءة خلفه مع سماع جهر الإمام، والبخاري ممن ~~بالغ في الانتصار للإثبات بالقراءة حتى مع جهر الإمام؛ بل يوجب ذلك، كما يقوله ~~الشافعي في الجديد، وابن حزم، ومع هذا فحججه ومصنفه إنما تتضمن تضعيف قول ~~أبي حنيفة في هذه المسألة وتوابعها، مثل كونه. ms0662 # وقال أيضا رحمه الله تعالى(): # في القراءة خلف الإمام بعد كلام، والنبي صلى الله علي وسلم ال : لا صلاة لمن لم يقرأ ~~بفاتحة الكتاب (5) وهذا أخرجه أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم في صحيحيهما، PageV01P602 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0603.png) ~~وعيه عت خري قي محتقه. فقن: (باب وجوب القراءة في كل ركعة) وروي ~~هت حيت من صرق: مش روية ين عيينة، وصالح بن كيسان ، وبرمف بن زيد. ~~5- حري: وق- معم عت نزمري: 7لا صلاة لمن لم يقرا بناتحة انكتاب ~~قعع ا وصمة حتة. يتيع معمرا في قوله : «فصاعدا» مع أنه قد اثبت فاتحة ~~كب. وقوته: اقععد، غير معروف ما أراد به حرفان أو اكثر من ذلك : إلا أن ~~يكر- كقونه: (نا تقصع -.نا قي ريع دينار فصاعدا»21 فند تقطع انيد في ربع ~~. وقي تمثر من تتر. قت نيخري : ويقال : إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع ~~معمر - وتت عي رحمت تم روى عن انزهري، ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره، ~~وز يع تت هت مت صحيح حديثه م نا. # قت : معتى هت حيث صحيح، كما رواه أهل السنن، وقد رواه البخاري في ~~مت حصتت: حتت مدد تت يحى بن سعيد ثنا أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة: ~~(-تي مر- قتدى ن نا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وما زاد»3 رقال أيضا : ~~حتتت محم يق يزف ثتا سفيان عن ابن جريج . عن عطاء عن أبي مريرة قال: ~~1 تجري يقتحة كتب قين زاد قيو خير»4) وذكر الحديث الآخر عن أبي سعيد في ~~. ق- تيخري: حدثنا أبو الوليد حدثنا همام عن قتادة عن أبي نضرة قال: ~~مي ت چت تقر يفاتحة الكتاب، وما تيسر»(2) # قت : وهت يدل على أنه ليس المراد به قراءة المأموم حال سماعه لجهر الإمام، ~~قيت حب نا يقرن أن تبادته على الفاتحة، وترك إنصاته لقراءة الإمام في هذه الحال ~~خير- وزا ثن نمموم مأمور حال الجهر بقراءة زائدة على الفاتحة، وكذلك عللها ~~اليخري قي حذيث عبادة، فإنها تدل على أن المأموم المستمع لم يدخل في الحديث، ~~ولكن هب أنيا ليست في ms0663 حديث عبادة، فهي في حديث أبي هريرة. # وأيضا ذلكتاب والسنة يأمران بإنصات المأموم لقراءة الإمام، ومن العلماء من ~~أيطل صلاته إذا لم ينصت، بل قرأ معه. # وحينئذ يقال تعارض عموم قوله : «لا صلاة إلا بأم القرآن»2) وعموم الأمر PageV01P603 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0604.png) ~~بالإنصات، فهؤلاء يقولون : ينصت إلا في حال قراءة الفاتحة، وأولئك يقولون: ~~قوله : لا صلاة إلا بأم القرآن يستثنى منه المأمور بالإنصات، إن سلموا شمول ~~اللفظ له، فإنهم يقولون ليس في الحديث دلالة على وجوب القراءة على المأموم، فإنه ~~إنما قال : لالا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن . وقد ثبت بالكتاب والسنة وبالإجماع ~~أن إنصات المأموم لقراءة إمامه يتضمن معنى القراءة معه وزيادة؛ فإن استماعه فيما زاد ~~على الفاتحة أولى به بالقراءة باتفاقهم، فلو لم يكن المأموم المستمع لقراءة إمامه ~~أفضل من القارئ لكانت قراءته أفضل له، ولأنه قد ثبت الأمر بالإنصات لقراءة ~~القرآن، ولا يمكنه الجمع بين الإنصات والقراءة، ولولا أن الإنصات يحصل به ~~مقصود القراءة وزيادة لم يأمر الله بترك الأفضل لأجل المفضول. # وأيضا فهذا عموم قد خص منه المسبوق، بحديث أبي بكرة وغيره وخص منه ~~الصلاة بإمامين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بالناس، وقد سبقه أبو بكر ببعض الصلاة قرأ ~~من حيث انتهى أبو بكر ولم يستأنف قراءة الفاتحة لأنه بنى على صلاة أبي بكر، فإذا ~~سقطت عنه الفاتحة في هذا الموضع، فعن المأموم أولى. # وخص منه حال العذر، وحال استماع الإمام حال عذر، فهو مخصوص وأمر ~~المأموم بالإنصات لقراءة الإمام لم يخص معه شيء لا بنص خاص، ولا إجماع، وإذا ~~تعارض عمومان أحدهما محفوظ، والآخر مخصوص، وجب تقديم المحفوظ. # وأيضا فإن الأمر بالإنصات داخل في معنى اتباع المأموم، وهو دليل على أن ~~المنصت يحصل له بإنصاته واستماعه ما هو أولى به من قراءته، وهذا متفق عليه بين ~~المسلمين في الخطبة، وفي القراءة في الصلاة في غير محل النزاع، فالمعنى الموجب ~~للإنصات يتناول الإنصات عن الفاتحة وغيرها. # وأما وجوب قراءتها في كل صلاة فإذا أنصت ms0664 إلى الإمام، الذي يقرأها كان خيرا ~~مما يقرأ لنفسه، وهو لو نذر أن يصلي في المسجد الأقصى لكانت صلاته في المسجد ~~الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم جزئه؛ بل هو أفضل له كما دلت على ذلك السنة، وهو ~~لم يوجب على نفسه إلا الصلاة في البيت المقدس؛ لكن هذا أفضل منه. فإذا كان ~~هذا في إيجابه على نفسه جعل الشارع الأفضل يقوم مقام المنذور، وإلغاء تعيينه هو ~~بالنذر، فكيف يوجب الشارع شيئا ولا يجعل أفضل منه يقوم مقامه، والشارع حكيم ~~لا يعين شيئا قط وغيره أولى بالفعل منه؛ بخلاف الإنسان، فإنه قد يخص بنذره ووقفه ~~ووصيته ما غيره أولى منه، وقد أمر النب صلى الله عليه وسلم لمصلي إذا سها بسجود السهو في غير ~~حديث . PageV01P604 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0605.png) # ثم المأموم إذا سها يتحمل إمامه عنه سهوه؛ لأجل متابعته له، مع إمكانه أن ~~يسجد بعد سلامه. وإنصاته لقراءته أدخل في المتابعة، فإن الإمام إنما يجهر لمن ~~يستمع قراءته، فإذا اشتغل أحد من المصلين بالقراءة لنفسه كان كالمخاطب لمن ~~لا يستمع إليه، كالخطيب الذي يخطب الناس وكلهم يتحدثون، ومن فعل هذا فهو ~~كما جاء في الحديث : لكحمار يحمل أسفارا فإنه لم يفقه معنى المتابعة، كالذي ~~يرفع رأسه قبل الإمام، فإنه كالحمار، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، أما يخشى الذي يرفع ~~رأسه قبل الإمام أن يحول رأسه رأس حمار? 1 فإنه متبع للإمام فكيف يسابقه ? ~~ولهذا ضرب عمر من فعل ذلك، وقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت. ~~وأمر إذا رفع رأسه سهوا أن يعود فيتخلف بقدر ما سبق به الإمام، وقد نص أحمد ~~وغيره على ذلك، وذكر هو وغيره الآثار في ذلك عن الصحابة. # فقول النبي صلى الله عليه وسلم : من صلى صلاة فلم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج وفي ~~تمامه، فقلت : يا أبا هريرة! إني أكون أحيانا وراء الإمام، قال: إقرأ بها في ~~نفسك يا فارسي، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يول : قال الله : قسمت الصلاة ms0665 بيني ~~وبين عبدي نصفين» الحديث إلى آخره . وهو حديث صحيح رواه مسلم في ~~صحيحه. # والبخاري احتج به في هذا المصنف، وإن كان لم يخرجه في صحيحه على ~~عادته في مثل ذلك، وإسناده المشهور الذي رواه مسلم حديث العلاء عن ابن السائب ~~عن أبي هريرة، وبعضهم يقول: عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه من حديث عائذ، ~~وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. # قال البخاري: ثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، ثنا يزيد بن زريع، ثنا محمد بن ~~إسحاق، ثنا يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عائشة : سمعت رسول اللاله صلى الله عليه وسلم قول: ~~لكل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» قال البخاري : وزاد يزيد بن هارون ~~بفاتحة الكتاب، قال: وحدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبان، ثنا عامر الأحول، عن ~~عمرو بن شعبب عن أبيه، عن جده أن النبيصى الله عليه وسلم ال : لاكل صلاة لا يقرأ فيها بأم ~~القرآن فهي مخدجة. # وقال: حدثنا هلال بن بشر ثنا يوسف بن يعقوب السلعي ثنا حسن المعلم عن PageV01P605 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0606.png) ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صله صلى الله عليه وسلم : كل صلاة لا يقرأ فيها ~~بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج # وقال البخاري ثنا موسى، ثنا داود بن أبي الفرات، عن إبراهيم الصائغ، عن ~~عطاء، عن أبي هريرة : في كل صلاة قراءة، ولو بفاتحة الكتاب، فما أعلن لنا ~~لنبي صلى الله عليه وسلم نحن نعلنه، وما أسر فنحن نسره # وروي من طريقين عن أبي الزاهرية : ثنا كثير بن مرة، سمع أبا الدرداء يقول: ~~لسئل رسول الل صلى الله عليه وسلم أفي كل صلاة قراءة? قال : نعم! فقال رجل من الأنصار: ~~وجبت هذه »2. # وهذه الأحاديث بمنزلة قوله: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فإن ~~المستمع المنصت قارئ بل أفضل من القارئ لنفسه، ويدل على ذلك «لا صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب وما زاد» وقوله : «أمرنا أن نقرأ بها وما تيسر فإن المستمع ~~المنصت ليس مأمورا ms0666 بقراءة الزيادة. # وأيضا؛ فقول أبي هريرة : ما أسمعنا أسمعناكم، وما أخفى علينا أخفينا ~~عليكم : دليل على أن المراد به الإمام، وإلا فالمأموم لا يسمع أحدا قراءته. # وأما قوله : «أفي كل صلاة قراءة?» وقوله : «لا صلاة إلا بأم القرآن. فصلاة ~~المأموم المستمع لقراءة الإمام فيها قراءة، بل الأكثرون يقولون: الإمام ضامن لصلاته، ~~فصلاته في ضمن صلاة الإمام، ففيها القراءة. وجمهورهم يقولون: إذا كان الإمام أميا ~~الم يقتد به القارني . فدو حان قراءة الامام لا تعني عن المأموم شينا، بل كحل يقرا ~~لنفسه : لم يكن فرق بين عجزه عن القراءة، وعجزه عن غير ذلك من الواجبات؛ ولأن ~~الإمام مأمور باستماع ما زاد على الفاتحة، وليست قراءة واجبة. فكيف لا يؤمر ~~بالاستماع لقراءة الإمام الفاتحة، وهي الفرض، وكيف يؤمر باستماع التطوع، دون ~~استماع الفرض . وإذا كان الاستماع للقراءة الزائدة على الفاتحة واجبا بالكتاب والسنة ~~والإجماع، فالاستماع لقراءة الفاتحة أوجب. # ثم قال البخاري : وقيل له: احتجاجك بقول الله: (وإذا تري القتان فاستمعوا PageV01P606 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0607.png) ~~لم وأنصتوا) أرأيت إذا لم يجهر الإمام أيقرأ خلفه، فإن قال : لا، ~~تبطل دعواه؛ لأن الله قال : (فاستمعواله وأنصتوا) وإنما يستمع لما يجهر، مع أنا ~~نستعمل قول الله تعالى : (فا ستمعواله) نقول: يقرأ خلف الإمام عند السكتات. قال ~~سمرة : كان للنبي صلى الله عليه وسلم سكتات: سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من قراءته ~~وقال ابن خثيم: قلت لسعيد بن جبير : أقرأ خلف الإمام? قال : نعم، وإن سمعت ~~قراءته . فإنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه إن السلف كان إذا أم أحدهم الناس ~~كبر ثم أنصت، حتى يظن أن من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصت. وقال ~~أبو هريرة : كان رسول اللهله صلى الله عليه وسلم إا أراد أن يقرأ سكت سكتة، قال: وكان ~~أبو سلمة بن عبد الرحمن، وميمون بن مهران، وغيرهم، وسعيد بن جبير، يرون ~~لقراءة عند سكوت الإمام ليكون مقتديا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب فتكون قراءته في السكتة . فإذا ms0667 قرأ الإمام أنصت، حتى يكون متبعا لقول ~~الله تعالى : (من يطع الرسول فقد أطاع الله) وقوله : (ومن يشاقق الرسول ~~من بعد ما ثبين له الهدى ويتيع غير سبيل المؤمنين نوله ما تول ونصله جهنم وساءت مصيا) ~~[النساء: 115]. # وإذا ترك الإمام شيئا من حق الصلاة فحق على من خلفه أن يتموا، قال علقمة : ~~إن لم يتم الإمام أتممنا. وقال الحسن وسعيد بن جبير وحميد بن هلال : أقرأ بالحمد ~~يوم الجمعة. قال : وقال آخرون من هؤلاء يجزئه أن يقرأ بالفارسية، ويجزئه أن يقرأ ~~بآية : ينقض آخرهم على أولهم بغير كتاب ولا سنة. # وقيل له : من أباح لك الثناء - والإمام يقرأ - بخبر أو قياس وحظر على غيرك ~~الفرض، وهي القراءة، ولا خبر عندك ولا اتفاق لأن عدة من أهل المدينة لم يروا ~~الثناء للإمام، ولا لغيره: يكبرون ثم يقرأون فتحير عندهم في ريبهم يترددون مع أن ~~هذا صنعه في أشياء من الفرض، فجعل الواجب أهون من التطوع. زعمت أنه إذا لم ~~يقرأ في الركعتين من الظهر أو العصر أو العشاء يجزئه، وإذا لم يقرأ في ركعة من أربع ~~من التطوع لم يجزئه. # قلت : وإذا لم يقرأ في ركعة من المغرب أجزأه، وإذا لم يقرأ في ركعة من الوتر ~~لم يجزه، فكأنه يريد أن يجمع بين ما فرق رسول الله ل صلى الله عليه وسلم، أو يفرق بين ما جمع ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم # قلت : أما سكتة النبي صلى الله عليه وسلم ين يكبر فقد بين أبو هريرة في حديثه المتفق على ~~صحته أنه كان يذكر فيها دعاء الاستفتاح، لم يكن سكوتا محضا؛ لأجل قراءة PageV01P607 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0608.png) # 127 ~~المأمومين . وثبت في الصحيح أن عمر كان يكبر ويجهر بدعاء الاستفتاح، يعلمه ~~الناس . وأما احتجاجه على من استفتح حال الجهر، فهذا فيه نزاع معروف، هل ~~يستفتح في حال الجهر ويتعوذ، أو يستفتح ولا يتعوذ إلا إذا قرأ، أو لا يستفتح حال ~~الجهر، ولا يتعوذ فيه? فيه ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد. ms0668 # لكن الأظهر ما احتج به البخاري، فإن الأمر بالإنصات يقتضي الإنصات عن كل ~~ما يمنعه من استماع القراءة ، من ثناء وقراءة، ودعاء كما ينصت للخطبة، بل الإنصات ~~للقراءة أوكد . ولكن إذا سكت الإمام السكتة الأولى للثناء، فهنا عند أحمد ~~وأبي حنيفة وغيرهما استفتاح المأموم أولى من قراءة الفاتحة في هذه السكتة؛ لأن ~~مقصود القراءة تحصل له باستماعه لقراءة الإمام، وأما مقصود الاستفتاح فلا يحصل له ~~إلا باستفتاحه لنفسه؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وان يسكت مستفتحا، وعمر كان يجهر ~~بالاستفتاح ليعلمه المأمومين، فعلم أنه مشروع للمأموم. ولو اشتغل عنه بالقراءة لفاته ~~الاستفتاح، والنبي صلى الله عليه وسلم م يكن يسكت ليقرأ المأمومون في حال سكوته، وهذا مذهب ~~جمهور العلماء لا يستحبون للإمام سكوتا لقراءة المأموم، وهو مذهب أحمد ~~وأبي حنيفة ومالك وغيرهم. # ومن أصحاب أحمد من استحب له السكوت لقراءة المأموم، ومنهم من استحب ~~له في حال سكوت الإمام أن يقرأ ولا يستفتح، وهو اختيار أبي بكر الدينوري، ~~وأبي الفرج ابن الجوزي. # ومنهم من استحب له القراءة بالفاتحة في حال جهر الإمام. كما اختاره جدي ~~أبو البركات . وهو مذهب الليث والأوزاعي وغيرهما. # ثم من هؤلاء من يستحب له أن يستفتح في حال سكوته، ويقرأ ليجمع بينهما. ~~ومنهم من يستحب له القراءة دون السكوت. # كما أن الذين يكرهون قراءته حال الجهر : منهم من يستحب له الاستفتاح حال ~~الجهر، ومنهم من يكرهه، وهو روايتان عن أحمد، ومذهب أحمد وأبي حنيفة ~~وغيرهما أنه في حال سكوته للاستفتاح يستفتح، وهو الأظهر. # وما ذكره البخاري من أن عدة من أهل المدينة لم يروا الاستفتاح كمذهب ~~مالك: هو حجة للجمهور؛ لأنهم يقولون الإمام هنا لا سكوت له، وحينئذ فإن قرأنا ~~معه خالفنا الكتاب والسنة، لكن ما ذكره البخاري حجة على من يستفتح حينئذ، ~~فيشتغل بالاستفتاح عن استماع القراءة. # وهؤلاء نظروا إلى أن الإمام يحمل القراءة عن المأموم، ولا يحمل عنه ~~الاستفتاح، لكن هذا إنما يدل على عدم وجوب القراءة، والماموم مامور بالاستماع PageV01P608 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0609.png) ~~والإنصات، ms0669 فلا يشتغل عن ذلك بثناء، كما لا يشتغل عنه بقراءة، والقراءة أفضل من ~~الثناء، فإن كان الإمام يسكت للثناء وأدركه المأموم أثنى معه، وإن كان لا يسكت، أو ~~أدرك المأموم، وهو يقرأ فهو مأمور بالإنصات والاستماع، فلا يعدل عما أمر به. # فإن قيل : في وجوب الثناء قولان في مذهب أحمد، قيل: في وجوب القراءة ~~على المأموم قولان في مذهب أحمد، وإذا نهي عن القراءة لاستماع قراءة الإمام، ~~فلأن ينهى عن الثناء أولى، لقوله : (فاستمعوا له وأنصتوا) وإلا ~~تناقضوا . كما ذكره البخاري . # وأما قول أبي هريرة : إقرأ بها في نفسك يا فارسي! فإني سمعت ~~رسولللهال صلى الله عليه وسلم يول : لقال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين إلى ~~آخره1 . فقد يقال : إن أبا هريرة إنما أمره بالقراءة؛ لما في ذلك من الفضيلة ~~المذكورة في حديث القسمة، لا لقوله: لمن صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي ~~خداج1 فإنه لو كان صلاة المأموم خداجا، إذا لم يقرأ لأمره بذلك؛ لأجل ذلك ~~الحديث . ولم يعلل الأمر بحديث القسمة. اللهم إلا أن يقال : ذكره توكيدا، أو لأنه ~~لما قسم القراءة قسم الصلاة، فدل على أنه لا بد منها في الصلاة، إذ لو خلت عنها ~~لم تكن القسمة موجودة. وعلى هذا يبقى الحديثان مدلولهما واحد. # وقوله: اقرأ بها في نفسك. مجمل، فإن أراد ما أراد غيره من القراءة في حال ~~المخافتة، أو سكوت الإمام، لم يكن ذلك مخالفا؛ لقول أولئك، يؤيد هذا أن ~~أبا هريرة ممن روى قوله : وإذا قرأ فانصتوا» وروى قوله : للا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب . وما زاد» وقال : لتجزئ فاتحة الكتاب وإذا زاد فهو خير» ومعلوم أن هذا ~~لم يتناول المأموم المستمع لقراءة الإمام، فإن هذا لا تكون الزيادة على الفاتحة خيرا ~~له، بل الاستماع والإنصات خيرا له، فلا يجزم حينئذ بأنه أمره أن يقرأ حال استماعه ~~القراءة الإمام بلفظ مجمل . # قال البخاري: وروى ابن صالح عن الأصفهاني، عن المختار عن عبد الله بن ~~أبي ليلى، عن أبيه، عن علي ms0670 : لامن قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة قال : وهذا ~~لم يصح؛ لأنه لا يعرف المختار، ولا يدري أنه سمع من ابنه، ولا أبيه من علي، ~~و لا يحتج أهل الحديث بمثله. وحديث الزهري عن عبد الله بن أبي رافع عن علي ~~أولى وأصح. # قلت : حديث الزهري بين في أنه أمره بالقراءة في صلاة المخافتة، لا في صلاة PageV01P609 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0610.png) ~~الجهر، وعلى هذا فيكون إن كان قد قال هذا قاله في صلاة الجهر، إذا سمع الإمام، ~~فلا منافاة بين القولين . كما تقدم مثل ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر وغيرهما. # قال البخاري: وروى داود بن قيس، عن أبي نجاد رجل من ولد سعد، عن ~~سعد : لوددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمر . قال : وهذا مرسل، وابن ~~نجاد لم يعرف، ولا سمي، ولا يجوز لأحد أن يقول في في القارئ خلف الإمام ~~جمرة ؛ لأن الجمرة من عذاب الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تعذبوا بعذاب الله ~~ولا ينبغي لأحد أن يتوهم ذلك على سعد مع إرساله وضعفه. قال : وروى ابن حبان ~~عن سلمة بن كهيل عن إبراهيم قال : قال عبد الله: «وددت أن الذي يقرأ خلف ~~الإمام ملئ فوه تبنا قال : وهذا مرسل لا يحتج به، وخالفه ابن عون عن إبراهيم عن ~~الأسود، وقال : رضفا، وليس هذا من كلام أهل العلم لوجوه. # أما أحدها : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بالنار، «ولا تعذبوا ~~بعذاب الله» # والوجه الآخر : أنه لا ينبغي لأحد أن يتمنى أن يملأ أفواه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وحذيفة، ومن ذكرنا رضفا، ولا تبنا ولا ترابا. # والوجه الثالث : إذا ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، فليس في [قول] ~~الأسود ونحوه حجة، قال ابن عباس ومجاهد: ليس أحد بعد الني صلى الله عليه وسلم ولا ويؤخذ من ~~قوله ويترك، وقال حماد بن سلمة: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام ملئ ms0671 فوه ~~سكرا» . # قال البخاري : وروى عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد بن ثابت ~~قال : «من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له ولا يعرف لهذا الإسناد سماع بعضهم من ~~بعض، ولا يصح مثله. قال : وكان سعيد بن المسيب، وعروة والشعبي، ~~وعبيد الله بن عبد الله، ونافع بن جبير، وأبو المليح، والقاسم بن محمد، ~~وأبو مجلز، ومكحول، ومالك، وابن عون، وسعيد بن أبي عروبة يرون القراءة. ~~وكان أنس وعبد الله بن يزيد الإنصاري يستحبان [القراءة] خلف الإمام. # قلت: قد روى مسلم في صحيحه عن عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت PageV01P610 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0611.png) ~~الأنصاري عن القراءة مع الإمام. فقال : لا قراءة مع الإمام في شيء. وهذا يتناول ~~القراءة معه في الجهر، كما قال الزهري فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صه صلى الله عليه وسلم ~~فيما يجهر فيه . # وأما في صلاة المخافتة فلا يقال قرأ معه، كما لا يقال أن أحد المأمومين يقرأ ~~مع الآخر، وكما لا يقال : أنه استفتح معه، وتشهد معه، وسبح معه في الركوع ~~والسجود. # وكذلك ابن مسعود قد تقدمت الرواية عنه بأنه كان يأمر بإنصات المأموم لقراءة ~~الإمام، وكان يقرأ خلف الإمام. وعلى هذا فقوله: إن كان قاله، أو قول أصحابه ~~الذين نقلوا عنه كالأسود : وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه رضفا، أو تبنا، ~~أو ترابا يتناول من قرأ وهو يسمع الإمام يقرأ، فترك ما أمر به من الإنصات ~~والاستماع، وهذا هو الذي يتناوله قول سعد إن كان قاله: لاوددت أن في فيه جمرا ~~لا سيما إذا نازع الإمام القراءة، بأن يكون الإمام أو من يسمع قراءة الإمام يسمع ~~حسه، فيكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فه : لما لي أنازع القرآن وقال فيه : علمت أن ~~بعضكم خالجنيها»3 وكذلك لو قرأ في السر، ورفع صوته بحيث يخالج الإمام ~~وينازعه، أو يخالج وينازع غيره من المأمومين، لكان مسيئا في ذلك. # وقول حماد بن سلمة وغيره: «وددت أنه ملئ فوه سكرا» إذا ms0672 قرأ حيث يستحب ~~له القراءة، لقراءته خلف الإمام في صلاة السر وكذلك ما نقل عن زيد بن ثابت أنه ~~قال : لمن قرأ خلف الإمام فلا صلاة له يتناول من ترك ما أمر به، وفعل ما نهى ~~عنه، فقرأ وهو يسمع قراءة الإمام، وفي بطلان صلاة هذا وجهان في مذهب أحمد، ~~ومن قال هذا من السلف من صحابي أو تابعي، فقد يريد به معنى صحيحا. كما في ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخلص إلى جلده فتحرق ثيابه، خير ~~له من أن يجلس على قبر») وتعذيب الإنسان بعذاب في الدنيا أيسر عليه من ركوب ~~ما نهى الله عنه. # فمن اعتقد أن قراءته حال استماع إمامه معصية لله ورسوله، ترك بها ما أمره ~~الله، وفعل ما نهى الله عنه، جاز أن يقول؛ لأن يحصل بفيه شيء يؤذيه فيمنعه عن ~~المعصية خير له من أن يفعل ما نهي عنه، كما قد يقال: لمن تكلم بكلمة محرمة: لو PageV01P611 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0612.png) ~~كنت أخرس لكان خيرا لك، ولا يراد بذلك أنا نحن نعذبه بذلك، لكن يراد لو ابتلاه ~~الله بهذا لكان خيرا له من أن يقع في الذنب. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم المتلاعنين : عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) ~~والواحد من السلف قد يذكر ما في الفعل من الوعيد، وإن فعله غيره متأولا، لقول ~~عائشة : «أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول ال صلى الله عليه وسلم ولا أن يتوب وليس في ~~هذا تلاعن بلعنة الله، ولا بالنار، ولا تعذيب بعذاب الله، بل فيه تمني أن يبتلى بما ~~يمنعه عن المعصية. وإن كان فيه أذى له. والعالم قد يذكر الوعيد فيما يراه ذنبا مع ~~علمه بأن المتأول مغفور له، لا يناله الوعيد. لكن يذكر ذلك ليبين أن هذا الفعل ~~مقتضى لهذه العقوبة عنده، فكيف وهو لم يذكر إلا ما يمنعه عما يراه ذنبا. # وكذلك قول من قال : «وددت أنه ملىء فوه سكرا» يتناول من فعل ما أمر ms0673 الله به ~~من القراءة، ومع هذا فمن فعل القراءة المنهي عنها معتقدا أنه مأمور به، أو ترك ~~المأمور به معتقدا أنه منهى عنه، كان مثابا على اجتهاده، وخطؤه مغفور له، وإن كان ~~العالم يقول في الفعل الذي يرى أنه واجب أو محرم ما يناسب الوجوب والتحريم، ~~وليس في ذلك تمني أن يملأ أفواه أصحاب رسول الله له صلى الله عليه وسلم، ولا أحدا من المؤمنين ~~رضفا ولا تبنا ؛ لأن أولئك عامة ما نقل عنهم من القراءة خلف الإمام في السر، وذم ~~الذامين لمن يقرأ في الجهر. فلم يتوارد الذم والفعل، وإن قدر أنهما تواردا من ~~السلف، فهو كتواردهما من الخلف. # وحينئذ فهذا يتكلم باجتهاده، وهذا باجتهاده، وليس ذلك بأعظم من قول بعض ~~أكابر الصحابة لبعض أكابرهم قدام النبي صلى الله عليه وسلم،إنك منافق، تجادل عن المنافقين. ~~وقول القائل : دعني أضرب عنق هذا المنافق، وليس ذلك بأعظم مما وقع بينهم من ~~التأويل في القتال في الفتن، والدعاء في القنوت باللعن، وغيره. مع ما ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وقوله: ~~إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»( فإذا كان هذا الوعيد ~~يندفع عنهم بالتأويل، في الدماء، فلأن يندفع بالتأويل فيما دون ذلك أولى وأحرى. # وقد ثبت عن علي أنه حرق بالنار المرتدين، وكذلك الصديق روي عنه أنه ~~حرق، فإذا جاز هذا على الخلاف مع ثبوت النص بخلافه؛ لأجل التأويل، لم يمتنع PageV01P612 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0613.png) ~~أن يغلط بعضهم فيما يراه ذنبا ومعصية بمثل هذا الكلام. # ومعلوم أن النهي عن القراءة خلف الإمام في الجهر متواتر عن الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم، كما أن القراءة خلف الإمام في السر متواترة عن الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم بل ونفي وجوب القراءة على المأموم مطلقا مما هو معروف ~~عنهم . # وقد روى البخاري في هذا الكتاب : حدثنا عبد الله بن منير، سمع يزيد بن ~~هارون، ثنا زياد - وهو الجصاص - ثنا الحسن، حدثني عمران بن حصين، قال: «لا ms0674 ~~تزكو صلاة مسلم إلا بطهور وركوع وسجود وراء الإمام، وإن كان وحده بفاتحة وآيتين ~~أو ثلاث»1 . فلم يوجب الفاتحة عليه إذا كان إماما، كما أوجب عليه الطهارة ~~والركوع والسجود، بل أوجبها مع الانفراد. # ثم روى البخاري قوله : لا تقرأوا خلفي إلا بأم القرآن وذكر طرقه وما فيه ~~من الاختلاف، فقال : حدثنا شجاع بن الوليد، ثنا النضر، ثنا عكرمة، ثنا عمرو بن ~~سعد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال31) : # وسئل رحمه الله تعالى : عما تدرك به الجمعة والجماعة? # فأجاب: اختلف الفقهاء فيما تدرك به الجمعة والجماعة على ثلاثة أقوال : # أحدها : أنهما لا يدركان إلا بركعة، وهو مذهب مالك، وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه اختارها جماعة من أصحابه، وهو وجه في مذهب الشافعي، واختاره ~~بعض أصحابه أيضا كأبي المحاسن الرياني، وغيره. # والقول الثاني : أنهما يدركان بتكبيرة، وهو مذهب أبي حنيفة. # والقول الثالث : أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، والجماعة تدرك بتكبيرة، وهذا ~~القول هو المشهور من مذهب الشافعي، وأحمد. والصحيح هو القول الأول؛ ~~لوجوه: # أحدها : أن قدر التكبيرة لم يعلق به الشارع شيئا من الأحكام، لا في الوقت، ~~ولا في الجمعة، ولا الجماعة، ولا غيرها. فهو وصف ملغى في نظر الشارع، ~~فلا يجوز اعتباره. # الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم إ علق الأحكام بإدراك الركعة، فتعليقها بالتكبيرة إلغاء PageV01P613 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0614.png) ~~لما اعتبره، واعتبار لما ألغاه، وكل ذلك فاسد فيما اعتبر فيه الركعة، وعلق الإدراك ~~بها في الوقت. ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صله صلى الله عليه وسلم إذا أدرك ~~أحدكم ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك ركعة من ~~صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته. # وأما ما في بعض طرقه : «إذا أدرك أحدكم سجدة فالمراد بها الركعة التامة، ~~كما في اللفظ الآخر؛ ولأن الركعة التامة تسمى باسم الركوع، فيقال: ركعة، وباسم ~~السجود فيقال سجدة، وهذا كثير في ألفاظ الحديث، مثل هذا الحديث وغيره. # الثالث : أن النبي صلى ms0675 الله عليه وسلم علق الإدراك مع الإمام بركعة، وهو نص في المسألة. ~~ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم،: من أدرك ركعة من الصلاة مع ~~الإمام فقد أدرك الصلاة»2) وهذا نص رافع للنزاع. # الرابع : أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، كما أفتى به أصحاب رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ~~منهم ابن عمر، وابن مسعود، وأنس وغيرهم. ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف. ~~وقد حكى غير واحد أن ذلك إجماع الصحابة، والتفريق بين الجمعة والجماعة غير ~~صحيح؛ ولهذا أبو حنيفة طرد أصله، وسوى بينهما، ولكن الأحاديث الثابتة وآثار ~~الصحابة تبطل ما ذهب إليه. # الخامس : أن ما دون الركعة لا يعتد به من الصلاة، فإنه يستقبلها جميعها ~~منفردآ، فلا يكون قد أدرك مع الإمام شيئا يحتسب له به، فلا يكون قد اجتمع هو ~~والإمام في جزء من أجزاء الصلاة يعتد له به، فتكون صلاته جميعا صلاة منفرد. ~~يوضح هذا أنه لا يكون مدركا للركعة إلا إذا أدرك الإمام في الركوع، واذا أدركه بعد ~~الركوع لم يعتد له بما فعله معه، مع أنه قد أدرك معه القيام من الركوع والسجود، ~~وجلسة الفصل، ولكن لما فاته معظم الركعة وهو القيام والركوع فاتته الركعة، فكيف ~~يقال مع هذا أنه قد أدرك الصلاة مع الجماعة، وهو لم يدرك معهم ما يحتسب له به، ~~فإدراك الصلاة بإدراك الركعة، نظير إدراك الركعة بإدراك الركوع؛ لأنه في الموضعين ~~قد أدرك ما يعتد له به، وإذا لم يدرك من الصلاة ركعة كان كمن لم يدرك الركوع مع ~~الإمام في فوت الركعة؛ لأنه في الموضعين لم يدرك ما يحتسب له به، وهذا من أصح ~~القياس. # السادس : أنه ينبني على هذا : أن المسافر إذا ائتم بمقيم وأدرك معه ركعة فما ~~فوقها فإنه يتم الصلاة، وإن أدرك معه أقل من ركعة صلاها مقصورة، نص عليه الإمام PageV01P614 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0615.png) ~~أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهذا لأنه بإدراك الركعة قد ائتم بمقيم في جزء من ~~صلاته، فلزمه الإتمام، ms0676 وإذا لم يدرك معه ركعة فصلاته صلاة منفرد فيصليها مقصورة. # وينبني عليه أيضا أن المرأة الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس بقدر ~~ركعة لزمها العصر، وإن طهرت قبل الفجر بقدر ركعة لزمها العشاء، وإن حصل ~~ذلك بأقل من مقدار ركعة لم يلزمها شيء . وأما الظهر والمغرب: فهل يلزمها ~~بذلك: فيه خلاف مشهور? فقيل : لا يلزمها وهو قول أبي حنيفة . وقيل: يلزمها ~~وهو مذهب مالك، والشافعي وأحمد، ورواه الإمام أحمد عن ابن عباس، وعبد ~~الرحمن بن عوف. # ثم اختلف هؤلاء فيما تلزم به الصلاة الأولى على قولين: # أحدهما : تجب بما تجب به الثانية، وهل هو ركعة? أو تكبيرة? على قولين: # والثاني : لا تجب، إلا بأن تدرك زمنا يتسع لفعلها، وهو أصح. # وقريب من هذا اختلافهم فيما إذا دخل عليها الوقت وهي طاهرة ثم حاضت، ~~هل يلزمها قضاء الصلاة أم لا? على قولين: # أحدهما : لا يلزمها، كما يقوله مالك، وأبو حنيفة. # والثاني : يلزمها، كما يقوله الشافعي، وأحمد. # ثم اختلف الموجبون عليها الصلاة فيما يستقر به الوجوب على قولين : # أحدهما : قدر تكبيرة، وهو المشهور في مذهب أحمد. # والثاني : أن يمضي عليها زمن تتمكن فيه من الطهارة وفعل الصلاة، وهو القول ~~الثاني في مذهب أحمد، والشافعي. # ثم اختلفوا بعد ذلك : هل يلزمها فعل الثانية من المجموعتين مع الأولى ? على ~~قولين : وهما روايتان عن الإمام أحمد. والأظهر في الدليل مذهب أبي حنيفة ومالك ~~أنها لا يلزمها شيء؛ لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء، ~~ولأنها أخرت تأخيرا جائزا فهي غير مفرطة . وأما النائم أو الناسي - وإن كان غير ~~مفرط أيضا - فإنه ما يفعله ليس قضاء، بل ذلك وقت الصلاة في حقه حين يستيقظ ~~ويذكر . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك ~~وقتها وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد بقضاء الصلاة بعد وقتها، وإنما وردت ~~السنة بالإعادة في الوقت لمن ترك واجبا من واجبات الصلاة كأمره للمسيء في ms0677 صلاته ~~بالإعادة لما ترك الطمأنينة المأمور بها، وكأمره لمن صلى خلف الصف منفردا بالإعادة ~~لما ترك المصافة الواجبة، وكأمره لمن ترك لمعة من قدمه لم يصبها الماء بالإعادة لما PageV01P615 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0616.png) ~~ترك الوضوء المأمور به وأمر النائم والناسي بأن يصليا إذا ذكرا، وذلك هو الوقت في ~~حقهما، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عمن يرفع قبل الإمام ويخفض ونهي فلم ينته، فما ~~حكم صلاته؟ وما يجب عليه? # فأجاب : أما مسابقة الإمام فحرام، باتفاق الأئمة . لا يجوز لأحد أن يركع قبل ~~إمامه، ولا يرفع قبله، ولا يسجد قبله. وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~بالنهي عن ذلك، كقوله في الحديث الصحيح : لا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ~~فإني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت، إني قد بدنت وقوله: ~~إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، فإن الإمام يركع ~~قبلكم، ويرفع قبلكم1 قال رسول الله له صلى الله عليه وسلم،: فتلك بتلك، وإذا قال : سمع الله لمن ~~حمده، فقولوا ربنا ولك الحمد، يسمع الله لكم، وإذا كبر وسجد فكبروا، ~~واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم، فتلك بتلك. # وكقوله صلى الله عليه وسلم،: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس ~~حمار4 وهذا لأن المؤتم متبع للإمام مقتد به، والتابع المقتدي لا يتقدم على متبوعه، ~~وقدوته، فإذا تقدم عليه كان كالحمار الذي لا يفقه ما يراد بعمله، كما جاء في حديث ~~آخر : كمثل الذي يتكلم والخطيب يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا( # ومن فعل ذلك استحق العقوبة والتعزير الذي يردعه، وأمثاله، كما روي عن ~~عمر : أنه رأى رجلا يسابق الإمام، فضربه. وقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك ~~اقتديت . # وإذا سبق الإمام سهوا لم تبطل صلاته، لكن يتخلف عنه قدر ما سبق به الإمام، ~~كما أمر بذلك أصحاب رسوللهالهل صلى الله عليه وسلم إن صلاة المأموم مقدرة بصلاة الإمام، ~~وما فعله قبل الإمام سهوا لا يبطل صلاته؛ لأنه زاد ms0678 في الصلاة ما هو من جنسها ~~سهوا، فكان كما لو زاد ركوعا أو سجودا سهوا، وذلك لا يبطل بالسنة والإجماع، ~~ولكن ما يفعله قبل الإمام لا يعتد به على الصحيح؛ لأنه فعله في غير محله، لأن ~~ما قبل فعل الإمام ليس وقتا لفعل المأموم، فصار بمنزلة من صلى قبل الوقت، أو PageV01P616 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0617.png) ~~بمنزلة من كبر قبل تكبير الإمام، فإن هذا لا يجزئه عما أوجب الله عليه؛ بل لا بد أن ~~يحرم إذا حل الوقت لا قبله، وأن يحرم المأموم إذا أحرم الإمام لا قبله. فكذلك ~~المأموم لا بد أن يكون ركوعه وسجوده إذا ركع الإمام وسجد، لا قبل ذلك فما فعله ~~سابقا وهو ساه عفى له عنه، ولم يعتد له به، فلهذا أمره الصحابة والأئمة أن يتخلف ~~بمقداره ليكون فعله بقدر فعل الإمام. # وأما إذا سبق الإمام عمدا ففي بطلان صلاته قولان معروفان في مذهب أحمد ~~وغيره، ومن أبطلها قال : إن هذا زاد في الصلاة عمدا فتبطل، ما لو فعل قبله ركوعا ~~أو سجودا عمدا، فإن الصلاة تبطل بلا ريب، وكما لو زاد في الصلاة ركوعا أو ~~سجودا عمدا، وقد قال الصحابة للمسابق : لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت، ~~ومن لم يصل وحده، ولا مؤتما، فلا صلاة له، وعلى هذا [فعلى] المصلي أن يتوب ~~من المسابقة، ويتوب من نقر الصلاة، وترك الطمأنينة فيها، وإن لم ينته فعلى الناس ~~كلهم أن يأمروه بالمعروف الذي أمره الله به، وينهوه عن المنكر الذي نهاه الله عنه. ~~فإن قام بذلك بعضهم وإلا أتموا كلهم. # ومن كان قادرا على تعزيره وتأديبه على الوجه المشروع، فعل ذلك، ومن لم ~~يمكنه إلا هجره وكان ذلك مؤثرا فيه هجره، حتى يتوب، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن المصافحة عقيب الصلاة: هل هي سنة أم لا? # فأجاب : الحمد لله. المصافحة عقيب الصلاة ليست مسنونة، بل هي بدعة، ~~والله أعلم. # باب الإمامة # سئل رحمه الله تعالى : عن الإمامة هل فعلها أفضل، أم تركها?2 # فأجاب: بل يصلي بهم، وله ms0679 أجر بذلك. كما جاء في الحديث: «ثلاثة على ~~كثبان المسك يوم القيامة : رجل أم قوما وهم له راضون. الحديث. والله أعلم. # وسئل رحمه الله: عن رجلين : أحدهما حافظ للقرآن، وهو واعظ، يحضر ~~الدف والشبابة، والآخر عالم متورع. فأيهما أولى بالإمامة? # فأجاب: ثبت في صحيح مسلم عن أبي مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : يؤم PageV01P617 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0618.png) ~~القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في ~~السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا. # فإذا كان الرجلان من أهل الديانة فأيهما كان أعلم بالكتاب والسنة وجب تقديمه ~~على الآخر متعينا، فإن كان أحدهما فاجرا مثل أن يكون معروفا بالكذب، والخيانة، ~~ونحو ذلك من أسباب الفسوق، والآخر مؤمنا من أهل التقوى فهذا الثاني أولى ~~بالإمامة، إذا كان من أهلها، وإن كان الأول أقرأ وأعلم، فإن الصلاة خلف الفاسق ~~منهي عنها نهي تحريم عند بعض العلماء، ونهي تنزيه عند بعضهم. وقد جاء في ~~الحديث : «لا يؤمن فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره بسوط أو عصا. ولا يجوز تولية ~~الفاسق مع إمكان تولية البر . والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: # وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور، ففيه نزاع ~~مشهور، وتفصيل ليس هذا موضع بسطه . # لكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة لا يجوز ~~مع القدرة على غيره. فإن من كان مظهرا للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه ~~عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته؛ ولهذا فرق جمهور ~~الأئمة بين الداعية وغير الداعية، فإن الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، ~~بخلاف الساكت فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، فهذا لا ينكر عليه في الظاهر، فإن ~~الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة؛ ~~ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم، وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى، بخلاف ~~من أظهر الكفر. # فإذا كان داعية منع من ولايته وإمامته وشهادته ms0680 وروايته، لما في ذلك من النهي ~~عن المنكر، لا لأجل فساد الصلاة أو إتهامه في شهادته وروايته، فإذا أمكن لإنسان ~~ألا يقدم مظهرا للمنكر في الإمامة وجب ذلك. لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه ~~عن الإمامة، أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشر أعظم ضررا من ضرر ما أظهره ~~من المنكر، فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين PageV01P618 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0619.png) ~~بتحصيل أعظم الضررين، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل ~~المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان. ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن ~~يجتمعا جميعا، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعا. # فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته، لم ~~يجز ذلك، بل يصلي خلفه ما لا يمكنه فعلها إلا خلفه ، كالجمع، والأعياد، ~~والجماعة. إذا لم يكن هناك إمام غيره، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج، ~~والمختار بن أبي عبيد الثقفي وغيرهما، الجمعة والجماعة، فإن تفويت الجمعة ~~والجماعة أعظم فسادا من الاقتداء فيهما بإمام فاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنهما ~~لا يدفع فجوره، فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة. ولهذا كان ~~التاركون للجمعة والجماعات خلف أئمة الجور مطلقا معدودين عند السلف، والأئمة ~~من أهل البدع. # وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهو أولى من فعلها خلف ~~الفاجر . وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد للعلماء. # منهم من قال : إنه يعيد لأنه فعل ما لا يشرع، بحيث ترك ما يجب عليه من ~~الإنكار بصلاته خلف هذا، فكانت صلاته خلفه منهيا عنها فيعيدها. # ومنهم من قال : لا يعيد . قال : لأن الصلاة في نفسها صحيحة، وما ذكر من ~~ترك الإنكار هو أمر منفصل عن الصلاة، وهو يشبه البيع بعد نداء الجمعة. # وأما إذا لم يمكنه الصلاة إلا خلفه كالجمعة، فهنا لا تعاد الصلاة، وإعادتها من ~~فعل أهل البدع، وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه إذا قيل : إن الصلاة خلف الفاسق ~~لا تصح، ms0681 أعيدت الجمعة خلفه، وإلا لم تعد، وليس كذلك . بل النزاع في الإعادة ~~حيث ينهى الرجل عن الصلاة . فأما إذا أمر بالصلاة خلفه فالصحيح هنا أنه لا إعادة ~~عليه، لما تقدم من أن العبد لم يؤمر بالصلاة مرتين. # وأما الصلاة خلف من يكفر ببدعته من أهل الأهواء فهناك قد تنازعوا في نفس ~~صلاة الجمعة خلفه . ومن قال : إنه يكفر أمر بالإعادة، لأنها صلاة خلف كافر، لكن ~~هذه المسألة متعلقة بتكفير أهل الأهواء والناس مضطربون في هذه المسألة. وقد حكي ~~عن مالك فيها روايتان، وعن الشافعي فيها قولان. وعن الإمام أحمد أيضا فيها ~~روايتان، وكذلك أهل الكلام فذكروا للأشعري فيها قولان. وغالب مذاهب الأئمة فيها ~~تفصيل. # وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول قد يكون كفرا، فيطلق القول بتكفير صاحبه، PageV01P619 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0620.png) # وهذا كما في نصوص الوعيد فإن الله سبحانه وتعالى يقول : (إن الذين ياكلون ~~أموال اليتامى ظلما إنما يأ كلون فى بطونهم نارا رسبصلوان سعيرا) فهذا ونحوه من ~~نصوص الوعيد حق ، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد لمعين ~~من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط، أو ثبوت مانع، فقد ~~لا يكون التحريم بلغه؛ وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون له حسنات عظيمة ~~تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه، وقد يشفع فيه شفيع مطاع. # وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة ~~لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون ~~قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق ~~وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية، أو العملية ~~هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وجماهير أئمة الإسلام. # وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر ~~بإنكارها. # فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول وبين نوع آخر وتسميته مسائل ~~الفروع فهذا الفرق ms0682 ليس له أصل لا عن الصحابة، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ~~ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه ~~من ذكره من الفقهاء في كتبهم، وهو تفريق متناقض، فإنه يقال لمن فرق بين النوعين: ~~ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطئ فيها ? وما الفاصل بينها وبين مسائل ~~الفروع? فإن قال : مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد ومسائل الفروع هي مسائل ~~العمل. قيل له : فتنازع الناس في محمد صلى الله عليه وسلم ل رأى ربه أم لا? وفي أن عثمان أفضل ~~من علي ، أم علي أفضل? وفي كثير من معاني القرآن، وتصحيح بعض الأحاديث هي ~~من المسائل الاعتقادية العلمية، ولا كفر فيها بالاتفاق، ووجوب الصلاة والزكاة ~~والصيام والحج وتحريم الفواحش والخمر هي مسائل عملية، والمنكر لها يكفر ~~بالاتفاق. # وإن قال الأصول : هي المسائل القطعية، قيل له: كثير من مسائل العمل قطعية، ~~كثير من مسائل العلم ليست قطعية، وكون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور ~~الإضافية، وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له، كمن سمع ~~النص من الرسول صلى الله عليه وسلم، وتيقن مراده منه. وعند رجل لا تكون ظنية، فضلا عن أن ~~تكون قطعية لعدم بلوغ النص إياه، أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم تمكنه من العلم ~~بدلالته. # وقد ثبت في الصحاح عن الني صلى الله عليه وسلم ديث الذي قال لأهله : إذا أنا مت PageV01P620 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0621.png) ~~فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في إليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني الله ~~عذابا ما عذبه أحدا من العالمين. فأمر الله البر برد ما أخذه منه، والبحر برد ما أخذ ~~منه، وقال : ما حملك على ما صنعت? قال خشيتك يا رب! فغفر الله له فهذا ~~شك في قدرة الله وفي المعاد، بل ظن أنه لا يعود، وأنه لا يقدر الله عليه إذا فعل ~~ذلك، وغفر الله له . وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع. # ولكن المقصود هنا أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل ms0683 بين النوع والعين، ~~ولهذا حكت طائفة عنهم الخلاف في ذلك، ولم يفهموا غور قولهم، فطائفة تحكي ~~عن أحمد في تكفير أهل البدع روايتين مطلقا، حتى تجعل الخلاف في تكفير المرجئة ~~والشيعة المفضلة لعلي، وربما رجحت التكفير والتخليد في النار، وليس هذا مذهب ~~أحمد، ولا غيره من أئمة الإسلام، بل لا يختلف قوله أنه لا يكفر المرجئة الذين ~~يقولون: الإيمان قول بلا عمل، ولا يكفر من يفضل عليا على عثمان، بل نصوصه ~~صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم. وإنما كان يكفر الجهمية ~~المنكرين لأسماء الله وصفاته؛ لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم خاهرة ~~بينة؛ ولأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق، وكان قد ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم، ~~وأنه يدور على التعطيل، وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة. # لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، ~~والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي ~~يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية : إن القرآن ~~مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، وغير ذلك. ويدعون الناس إلى ذلك، ~~ويمتحنونهم، ويعاقبونهم، إذا لم يجيبوهم، ويكفرون من لم يجبهم، حتى إنهم كانوا ~~إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق، وغير ذلك. ~~ولا يولون متوليا ولا يعطون رزقا من بيت المال إلا لمن يقول ذلك، ومع هذا فالإمام ~~أحمد - رحمه الله تعالى - ترحم عليهم، واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لمن يبين لهم ~~أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من ~~قال لهم ذلك. # وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال: القرآن مخلوق: كفرت بالله ~~العظيم. بين له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين ~~له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وقد صرح في كتبه بقبول ~~شهادة أهل الأهواء، والصلاة خلفهم. PageV01P621 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0622.png) ms0684 # وكذلك قال مالك - رحمه الله - والشافعي، وأحمد، في القدري: إن جحد ~~علم الله كفر، ولفظ بعضهم ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وأن ~~جحدوه كفروا. # وسئل أحمد عن القدري : هل يكفر ? فقال: إن جحد العلم كفر، وحينئذ ~~فجاحد العلم هو من جنس الجهمية . وأما قتل الداعية إلى البدع فقد يقتل لكف ضرره ~~عن الناس ، كما يقتل المحارب. وإن لم يكن في نفس الأمر كافرا، فليس كل من أمر ~~بقتله يكون قتله لردته وعلى هذا قتل غيلان القدري وغيره قد يكون على هذا الوجه. ~~وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع وإنما نبهنا عليها تنبيها. # وأما من لا يقيم قراءة الفاتحة، فلا يصلى خلفه إلا من هو مثله فلا يصلي ~~خلف الألثغ الذي يبدل حرفا بحرف، إلا حرف الضاد إذا أخرجه من طرف الفم كما ~~هو عادة كثير من الناس، فهذا فيه وجهان: # منهم من قال : لا يصلى خلفه، ولا تصح صلاته في نفسه؛ لأنه أبدل حرفا ~~بحرف؛ لأن مخرج الضاد الشدق، ومخرج الظاء طرف الأسنان. فإذا قال : (ولا ~~الظالين} كان معناه ظل يفعل كذا. # والوجه الثاني : تصح، وهذا أقرب لأن الحرفين في السمع شيء واحد، وحس ~~أحدهما من جنس حس الآخر لتشابه المخرجين. والقارئ إنما يقصد الضلال ~~المخالف للهدى، وهو الذي يفهمه المستمع، فأما المعنى المأخوذ من ظل فلا يخطر ~~ببال أحد، وهذا بخلاف الحرفين المختلفين صوتا ومخرجا وسمعا، كإبدال الراء ~~بالغين، فإن هذا لا يحصل به مقصود القراءة. # وسئل رحمه الله تعالى : عن خطيب قد حضر صلاة الجمعة، فامتنعوا عن ~~الصلاة خلفه؛ لأجل بدعة فيه، فما هي البدعة التي تمنع الصلاة خلفه? # فأجاب : ليس لهم أن يمنعوا أحدا من صلاة العيد والجمعة، وإن كان الإمام ~~فاسقا. وكذلك ليس لهم ترك الجمعة ونحوها لأجل فسق الإمام، بل عليهم فعل ذلك ~~خلف الإمام، وإن كان فاسقا، وإن عطلوها لأجل فسق الإمام كانوا من أهل البدع، ~~وهذا مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. # وإنما تنازع العلماء في الإمام إذا كان فاسقا، أو مبتدعا، ms0685 وأمكن أن يصلي خلف PageV01P622 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0623.png) ~~عدل . فقيل : تصح الصلاة خلفه، وإن كان فاسقا. وهذا مذهب الشافعي وأحمد في ~~إحدى الروايتين وأبي حنيفة. وقيل : لا تصح خلف الفاسق، إذا أمكن الصلاة خلف ~~العدل، وهو إحدى الروايتين عن مالك وأحمد. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن إمام يقول يوم الجمعة على المنبر في خطبته : إن ~~الله تكلم بكلام أزلي قديم. ليس بحرف، ولا صوت، فهل تسقط الجمعة خلفه أم ~~لا? وما يجب عليه? # فأجاب : الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله منزل غير ~~مخلوق، وإن هذا القرآن الذي يقرأه الناس هو كلام الله، يقرأه الناس بأصواتهم. ~~فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ والقرآن جميعه كلام الله حروفه ~~ومعانيه. # وإذا كان الإمام مبتدعا، فإنه يصلى خلفه الجمعة؛ وتسقط بذلك. والله أعلم. # وسئل أيضا رحمه الله تعالى: عن إمام مسجد قتل : فهل يجوز أن يصلى ~~خلفه؟ # فأجاب: إذا كان قد قتل القاتل أو لا، ثم عمدوا أقارب المقتول إلى أقارب ~~القاتل فقتلوهم. فهؤلاء عداة من أظلم الناس، وفيهم نزل قوله تعالى : (فمن اعتدى بعد ~~ذلك فله عذاب أليم). ولهذا قالت طائفة من السلف : إن هؤلاء القاتلين ~~يقتلهم السلطان حدا، ولا يعفى عنهم، وجمهور العلماء يجعلون أمرهم إلى أولياء ~~المقتول، ومن كان من الخطباء يدخل في مثل هذه الدماء فإنه من أهل البغي ~~والعدوان، الذين يتعين عزلهم، ولا يصلح أن يكون إماما للمسلمين؛ بل يكون إماما ~~للظالمين المعتدين، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن إمام المسلمين خبب امرأة على زوجها حتى ~~فارقته، وصار يخلو بها. فهل يصلى خلفه? وما حكمه? # فأجاب: في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم آ قال : «ليس منا من خبب امرأة على ~~زوجها، أو عبدا على مواليه فسعي الرجل في التفريق بين المرأة وزوجها من ~~الذنوب الشديدة، وهو من فعل السحرة، وهو من أعظم فعل الشياطين، لا سيما إذا PageV01P623 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0624.png) ~~كان يخببها على زوجها ليتزوجها هو مع إصراره على الخلوة بها، ولا سيما ms0686 إذا دلت ~~القرائن على غير ذلك . ومثل هذا لا ينبغي أن يولى إمامة المسلمين، إلا أن يتوب، ~~فإن تاب تاب الله عليه، فإذا أمكن الصلاة خلف عدل مستقيم السيرة فينبغي أن يصلي ~~خلفه، فلا يصلى خلف من ظهر فجوره لغير حاجة، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن إمام يقرأ على الجنائز. هل تصح الصلاة خلفه? # فأجاب : إذا أمكنه أن يصلي خلف من يصلي صلاة كاملة، وهو من أهل الورع ~~فالصلاة خلفه أولى من الصلاة خلف من يقرأ على الجنائز، فإن هذا مكروه من وجهين: ~~من وجه أن القراءة على الجنائز مكروهة في المذاهب الأربعة. وأخذ الأجرة عليها أعظم ~~كراهة، فإن الاستئجار على التلاوة لم يرخص فيه أحد من العلماء، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن رجل فقيه عالم خاتم للقرآن، وبه عذر: يده الشمال ~~خلفه من حد الكتف، وله أصابع لحم، وقد قالوا: إن الصلاة غير جائزة خلفه # فأجاب : إذا كانت يداه تصلان إلى الأرض في السجود، فإنه تجوز الصلاة خلفه ~~بلا نزاع . وإنما النزاع فيما إذا كان أقطع اليدين والرجلين، ونحو ذلك. وأما إذا أمكنه ~~السجود على الأعضاء السبعة، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أسجد على سبعة ~~أعظم : الجبهة، واليدين، والركبتين، والقدمين. فإن السجود تام، وصلاة من ~~خلفه تامة، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن الخصي هل تصح الصلاة خلفه? # فأجاب : الحمد لله. تصح خلفه. كما تصح خلف الفحل، باتفاق أئمة ~~المسلمين، وهو أحق بالإمامة ممن هو دونه، فإذا كان أفضل من غيره في العلم ~~والدين كان مقدما عليه في الإمامة، وإن كان المفضول فحلا، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل ما عنده ما يكفيه، وهو يصلي بالأجرة. فهل ~~يجوز ذلك أم لا؟(5) # فأجاب : الاستئجار على الإمامة لا يجوز في المشهور من مذهب أبي حنيفة. ~~ومالك وأحمد. وقيل: يجوز، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد. وقول في ~~مذهب مالك . والخلاف في الأذان أيضا. PageV01P624 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0625.png) ~~144 # لكن المشهور من ms0687 مذهب مالك أن الاستئجار يجوز على الأذان، وعلى الإمامة ~~معه ومنفردة، وفي الاستئجار على هذا ونحوه كالتعليم على قول ثالث في مذهب ~~أحمد، وغيره: أنه يجوز مع الحاجة، ولا يجوز بدون حاجة. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل معرف على المراكب، وبنى مسجدا، وجعل ~~للإمام في كل شهر أجرة من عنده، فهل هو حلال أم حرام? وهل تجوز الصلاة في ~~المسجد أم لا؟ # فأجاب : إن كان يعطى هذه الدراهم من أجرة المراكب التي له جاز أخذها، وإن ~~كان يعطيها مما يأخذ من الناس بغير حق فلا، والله أعلم. # وسئل غفر الله له: عن رجل صلى بغير وضوء إماما وهو لا يعلم، أو عليه ~~نجاسة لا يعلم بها : فهل صلاته جائزة? أم لا؟ وإن كانت صلاته جائزة: فهل صلاة ~~المأمومين خلفه تصح? أفتونا مأجورين # فأجاب: أما المأموم إذا لم يعلم بحدث الإمام، أو النجاسة التي عليه حتى ~~قضيت الصلاة فلا إعادة عليه، عند الشافعي، وكذلك عند مالك وأحمد، إذا كان ~~الإمام غير عالم، ويعيد وحده إذا كان محدثا. وبذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين، ~~فإنهم صلوا بالناس ثم رأوا الجنابة بعد الصلاة فأعادوا، ولم يأمروا الناس بالإعادة، ~~والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: # فصل # في انعقاد صلاة المأموم بصلاة الإمام. الناس فيه على ثلاثة أقوال: # أحدها : أنه لا ارتباط بينهما، وإن كل امرئ يصلي لنفسه، وفائدة الائتمام في ~~تكثير الثواب بالجماعة، وهذا هو الغالب على أصل الشافعي، لكن قد عورض بمنعه ~~اقتداء القارئ بالأمي، والرجل بالمرأة، وإبطال صلاة المؤتم بمن لا صلاة له: ~~كالكافر ، والمحدث. وفي هذه المسائل كلام ليس هذا موضعه. ومن الحجة فيه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ي الأئمة : إن أحسنوا فلكم، ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم. # والقول الثاني: أنها منعقدة بصلاة الإمام، وفرع عليها مطلقا، فكل خلل حصل PageV01P625 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0626.png) ~~في صلاة الإمام يسري إلى صلاة المأموم، لقوله صلى الله عليه وسلم،:( الإمام ضامن. وعلى هذا ~~فالمؤتم بالمحدث - الناسي لحدثه - يعيد كما يعيد ms0688 إمامه، وهذا مذهب أبي حنيفة، ~~ورواية عن أحمد، اختارها أبو الخطاب . حتى اختار بعض هؤلاء كمحمد بن الحسن ~~أن لا يأتم المتوضئ بالمتيمم، لنقص طهارته عنه. # والقول الثالث : أنها منعقدة بصلاة الإمام، لكن إنما يسري النقص إلى صلاة ~~المأموم مع عدم العذر منهما، فأما مع العذر فلا يسري النقص، فإذا كان الإمام يعتقد ~~طهارته فهو معذور في الإمامة، والمأموم معذور في الائتمام، وهذا قول مالك، ~~وأحمد، وغيرهما. وعليه يتنزل ما يؤثر عن الصحابة في هذه المسألة، وهو أوسط ~~الأقوال كما ذكرنا في نفس صفة الإمام الناقص؛ أن حكمه مع الحاجة يخالف حكمه ~~مع عدم الحاجة . فحكم صلاته كحكم نفسه . # وعلى هذا أيضا ينبني اقتداء المؤتم بإمام قد ترك ما يعتقده المأموم من فرائض ~~الصلاة، إذا كان الإمام متأولا تأويلا يسوغ، كأن لا يتوضأ من خروج النجاسات، ~~ولا من مس الذكر، ونحو ذلك. فإن اعتقاد الإمام هنا صحة صلاته، كاعتقاده صحتها ~~مع عدم العلم بالحدث، وأولى. فإنه هناك تجب عليه الإعادة، وهذا أصل نافع أيضا. # ويدل على صحة هذا القول ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه : أن رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ال : ليصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن ~~أخطأوا فلكم وعليهم فهذا نص في أن الإمام إذا أخطأ كان درك خطئه عليه، ~~لا على المأمومين. فمن صلى معتقدا لطهارته وكان محدثا أو جنبا لو كانت عليه ~~نجاسة، وقلنا عليه الإعادة للنجاسة، كما يعيد من الحدث، فهذا الإمام مخطئ في ~~هذا الاعتقاد، فيكون خطؤه عليه، فيعيد صلاته. وأما المأمومون فلهم هذه الصلاة، ~~وليس عليهم من خطئه شيء، كما صرح به رسول الله له صلى الله عليه وسلم، وهذا نص في إجزاء ~~صلاتهم، وكذلك لو ترك الإمام بعض فرائض الصلاة بتأويل أخطأ فيه، عند المأموم، ~~مثل أن يمس ذكره ويصلي أو يحتجم ويصلي، أو يترك قراءة البسملة، أو يصلي ~~وعليه نجاسة لا يعفى عنها عند المأموم، ونحو ذلك. فهذا الإمام أسوأ أحواله أن ~~يكون ms0689 مخطئا، إن لم يكن مصيبا. فتكون هذه الصلاة للماموم، وليس عليه من خطأ ~~إمامه شيء. # وكذلك روى أحمد وأبو داود عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت PageV01P626 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0627.png) ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم يول : من أم الناس فأصاب الوقت، وأتم الصلاة فله ولهم، ومن ~~انتقص من ذلك شيئا فعليه ولا عليهم لكن لم يذكر أبو داود : «وأتم الصلاة ~~فهذا الانتقاص يفسره الحديث الأول أنه الخطأ، ومفهوم قوله: «وإن أخطأ فعليه ~~ولا عليهم أنه إذا تعمد لم يكن كذلك، ولاتفاق المسلمين على أن من يترك الأركان ~~المتفق عليها لا تنبغي الصلاة خلفه. # وسئل غفر الله له : عن رجل يؤم قوما وأكثرهم له كارهون? # فأجاب: إن كانوا يكرهون هذا الإمام لأمر في دينه : مثل كذبه أو ظلمه، أو ~~جهله، أو بدعته، ونحو ذلك، ويحبون الآخر لأنه أصلح في دينه منه، مثل أن يكون ~~أصدق وأعلم وأدين، فإنه يجب أن يولى عليهم هذا الإمام الذي يحبونه، وليس لذلك ~~الإمام الذي يكرهونه أن يؤمهم. كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنآ قال : ثلاثة ~~لا تجاوز صلاتهم آذانهم: رجل أم قوما وهم له كارهون، ورجل لا يأتي الصلاة إلا ~~دبارا، ورجل اعتبد محررا» والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن أهل المذاهب الأربعة : هل تصح صلاة بعضهم ~~خلف بعض? أم لا؟ وهل قال أحد من السلف أنه لا يصلي بعضهم خلف بعض؟ ومن ~~قال ذلك فهل هو مبتدع ? أم لا ? وإذا فعل الإمام ما يعتقد أن صلاته معه صحيحة، ~~والمأموم يعتقد خلاف ذلك. مثل أن يكون الإمام تقيأ أو رعف، أو احتجم، أو مس ~~ذكره، أو مس النساء بشهوة أو بغير شهوة، أو قهقه في صلاته، أو أكل لحم الإبل، ~~وصلى ولم يتوضأ، والمأموم يعتقد وجوب الوضوء من ذلك، أو كان الإمام لا يقرأ ~~البسملة، أو لم يتشهد التشهد الآخر، أو لم يسلم من الصلاة، والمأموم يعتقد وجوب ~~ذلك، فهل تصح صلاة المأموم والحال هذه? وإذا شرط ms0690 في إمام المسجد أن يكون على ~~مذهب معين فكان غيره أعلم بالقرآن والسنة منه وولي. فهل يجوز ذلك? وهل تصح ~~الصلاة خلفه ? أم لا? # فأجاب : الحمد لله. نعم! تجوز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة ~~والتابعون لهم بإحسان، ومن بعدهم من الأئمة الأربعة يصلي بعضهم خلف بعض، مع ~~تنازعهم في هذه المسائل المذكورة وغيرها. ولم يقل أحد من السلف أنه لا يصلي PageV01P627 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0628.png) # 147 ~~بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال، مخالف للكتاب والسنة، ~~وإجماع سلف الأمة، وأئمتها. # وقد كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم: منهم من يقرأ البسملة، ومنهم من ~~لا يقرأها ، ومنهم من يجهر بها، ومنهم من لا يجهر بها، وكان منهم من يقنت في ~~الفجر، ومنهم من لا يقنت، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم ~~من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من مس الذكر، ومس النساء بشهوة، ومنهم ~~من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من القهقهة في صلاته، ومنهم من لا يتوضأ ~~من ذلك ، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومع ~~هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض . # مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة أهل ~~المدينة من المالكية، وإن كانوا لا يقرأون البسملة لا سرآ ولا جهرا، وصلى ~~أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم، وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ، فصلى خلفه ~~أبو يوسف ولم يعد. # وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرعاف، فقيل له: فإن كان ~~الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ، تصلي خلفه? فقال: كيف لا أصلي خلف ~~سعيد بن المسيب، ومالك. # وبالجملة فهذه المسائل لها صورتان: # إحداهما : أن لا يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل الصلاة، فهنا يصلي ~~المأموم خلفه باتفاق السلف، والأئمة الأربعة، وغيرهم. وليس في هذا خلاف متقدم، ~~وإنما خالف بعض المتعصبين من المتأخرين، فزعم أن الصلاة خلف الحنفي ~~لا تصح، وإن أتى بالواجبات؛ لأنه أداها وهو لا يعتقد ms0691 وجوبها، وقائل هذا القول ~~إلى أن يستتاب كما يستتاب أهل البدع أحوج منه إلى أن يعتقد بخلافه، فإنه ما زال ~~المسلمون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عهد خلفائه يصلي بعضهم ببعض، وأكثر الأئمة ~~لا يميزون بين المفروض والمسنون، بل يصلون الصلاة الشرعية، ولو كان العلم بهذا ~~واجبا لبطلت صلوات أكثر المسلمين، ولم يمكن الاجتياط، فإن كثيرا من ذلك فيه ~~نزاع، وأدلة ذلك خفية، وأكثر ما يمكن المتدين أن يحتاط من الخلاف، وهو ~~لا يجزم بأحد القولين. فإن كان الجزم بأحدهما واجبا فأكثر الخلق لا يمكنهم الجزم ~~بذلك، وهذا القائل نفسه ليس معه إلا تقليد بعض الفقهاء، ولو طولب بأدلة شرعية ~~تدل على صحة قول إمامه دون غيره لعجز عن ذلك؛ ولهذا لا يعتد بخلاف مثل هذا، ~~فإنه ليس من أهل الاجتهاد . # الصورة الثانية : أن يتيقن الماموم أن الإمام فعل ما لا يسوغ عنده: مثل أن يمس PageV01P628 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0629.png) ~~ذكرء، أو انساء شهوة، او يحتجم، أو يفتصد، أو يتقيأ. ثم يصلي بلا وضوء، فهذه ~~الصورة فيها نزاع مشهور: # فأحد القونين لا تصح صلاة المأموم؛ لأنه يعتقد بطلان صلاة إمامه. كما قال ~~ذلك من قاله من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. # والقول الثاني : تصح صلاة المأموم؛ وهو قول جمهور السلف، وهو مذهب ~~مالك، وهو القول الآخر في مذهب الشافعي، وأحمد؛ بل وأبي حنيفة وأكثر نصوص ~~أحمد على هذا. وهذا هو الصواب؛ لما ثبت في الصحيح وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ان ~~قال : يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم . فقد بين ~~الله عليه وسلم أن خطأ الإمام لا يتعدى إلى المأموم، ولأن المأموم يعتقد أن ما فعله الإمام سائغ ~~له، وإنه لا إثم عليه فيما فعل، فإنه مجتهد أو مقلد مجتهد. وهو يعلم أن هذا قد غفر ~~الله له خطأه، فهو يعتقد صحة صلاته، وأنه لا يأثم إذا لم يعدها، بل لو حكم بمثل ~~هذا لم يجز له نقض حكمه، بل كان ينفذه. وإذا كان ms0692 الإمام قد فعل باجتهاده، ~~فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والمأموم قد فعل ما وجب عليه كانت صلاة كل ~~منهما صحيحة، وكان كل منهما قد أدى ما يجب عليه، وقد حصلت موافقة الإمام في ~~الأفعال الظاهرة. # وقول القائل : إن المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام، خطأ منه، فإن المأموم ~~يعتقد أن الإمام ما وجب عليه، وأن الله قد غفر له ما أخطأ فيه، وأن لا تبطل صلاته ~~لأجل ذلك. # ولو أخطأ الإمام والمأموم فسلم الإمام خطأ، واعتقد المأموم جواز متابعته ~~فسلم، كما سلم المسلمون خلف النبي صلى اله عليه وسلم ما سلم من اثنتين سهوا، مع علمهم بأنه ~~إنما صلى ركعتين، وكما لو صلى خمسا سهوا فصلوا خلفه خمسا، كما صلى ~~الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وسلم ما صلى بهم خمسا، فتابعوه، مع علمهم بأنه صلى خمسا؛ ~~لاعتقادهم جواز ذلك فإنه تصح صلاة المأموم في هذه الحال، فكيف إذا كان المخطئ ~~هو الإمام وحده. وقد اتفقوا كلهم على أن الإمام لو سلم خطأ لم تبطل صلاة ~~المأموم، إذا لم يتابعه، ولو صلى خمسا لم تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه. فدل ~~ذلك على أن ما فعله الإمام خطأ لا يلزم فيه بطلان صلاة المأموم، والله أعلم. # وبسئل رحمه الله تعالى : هل تصح صلاة الماموم خلف من يخالف مذهبه ? # فاجاب : واما صلاة الرجل خلف من يخالف مذاهمبه، فهذه تصح باتفاق الصحابة PageV01P629 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0630.png) # 149 ~~والتابعين لهم بإحسان، والأيمة الأربعة، ولكن النزاع في صورتين: # إحداهما : خلافها شاذ، وهو ما إذا أتى الإمام بالواجبات كما يعتقده المأموم، ~~لكن لا يعتقد وجوبها مثل التشهد الأخير إذا فعله من لم يعتقد وجوبه، والمأموم ~~يعتقد وجوبه، فهذا فيه خلاف شاذ. والصواب الذي عليه السلف وجمهور الخلف ~~صحة الصلاة. # والمسألة الثانية: فيها نزاع مشهور، إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه ~~مثل أن يترك قراءة البسملة سرا وجهرا، والمأموم يعتقد وجوبها. أو مثل أن يترك ~~الوضوء من مس الذكر، أو لمس النساء أو أكل لحم الإبل، أو ms0693 القهقهة، أو خروج ~~النجاسات، أو النجاسة النادرة، والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك، فهذا فيه ~~قولان . أصحهما صحة صلاة المأموم، وهو مذهب مالك، وأصرح الروايتين عن ~~أحمد في مثل هذه المسائل، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي، بل هو ~~المنصوص عنه، فإنه كان يصلي خلف المالكية الذين لا يقرأون البسملة، ومذهبه ~~وجوب قراءتها. والدليل على ذلك ما رواه البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال: ~~يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم فجعل خطأ ~~الإمام عليه دون المأموم. # وهذه المسائل إن كان مذهب الإمام فيها هو الصواب فلا نزاع، وإن كان مخطئا ~~فخطؤه مختص به، والمنازع يقول : المأموم يعتقد بطلان صلاة إمامه، وليس كذلك، ~~بل يعتقد أن الإمام يصلي باجتهاد أو تقليد، إن أصاب فله أجران، وإن أخطا فله ~~أجر، وهو ينفذ حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد، وهذا أعظم من اقتدائه به، فإن كان ~~المجتهد حكمه باطلا لم يجز إنفاذ الباطل، ولو ترك الإمام الطهارة ناسيا لم يعد ~~المأموم عند الجمهور . كما ثبت عن الخلفاء الراشدين، مع أن الناسي عليه إعادة ~~الصلاة، والمتأول لا إعادة عليه. # فإذا صحت الصلاة خلف من عليه الإعادة، فلأن تصح خلف من لا إعادة عليه ~~أولى، والإمام يعيد إذا ذكر دون المأموم، ولم يصدر من الإمام ولا من المأموم ~~تفريط، لأن الإمام لا يرجع عن اعتقاده بقوله . بخلاف ما إذا رأى على الإمام نجاسة ~~ولم يحذره منها، فإن المأموم هنا مفرط، فإذا صلى يعيد لأن ذلك لتفريطه، وأما ~~الإمام فلا يعيد في هذه الصورة في أصح قولي العلماء، كقول مالك، والشافعي في ~~القديم، وأحمد في أصح الروايتين عنه. # وعلم المأموم بحال الإمام في صورة التأويل يقتضي أنه يعلم أنه مجتهد مغفور ~~له خطؤه، فلا تكون صلاته باطلة، وهذا القول هو الصواب المقطوع به، والله أعلم. PageV01P630 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0631.png) # وسئل غفر الله له: هل يقلد الشافعي حنفيا، وعكس ذلك في الصلاة الوترية، ~~وفي جمع المطر? أم لا? ~~فأجاب : الحمد لله. نعم! ms0694 يجوز للحنفي وغيره أن يقلد من يجوز الجمع من ~~المطر، لا سيما وهذا مذهب جمهور العلماء: كمالك، والشافعي، وأحمد. # وقد كان عبد الله بن عمر يجمع مع ولاة الأمور بالمدينة إذا جمعوا في المطر. ~~وليس على أحد من الناس أن يقلد رجلا بعينه في كل ما يأمر به، وينهى عنه، ~~ويستحبه إلا رسول الله له صلى الله عليه وسلم، وما زال المسلمون يستفتون علماء المسلمين فيقلدون ~~تارة هذا، وتارة هذا. فإذا كان المقلد يقلد في مسألة يراها أصلح في دينه، أو القول ~~بها أرجح، أو نحو ذلك، جاز هذا باتفاق جماهير علماء المسلمين، لم يحرم ذلك ~~لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد. # وكذلك الوتر وغيره ينبغي للمأموم أن يتبع فيه إمامه. فإن قنت قنت معه، وإن لم ~~يقنت لم يقنت، وإن صلى بثلاث ركعات موصولة فعل ذلك، وإن فصل فصل أيضا. ومن ~~الناس من يختار للمأموم أن يصل إذا فصل إمامه، والأول أصح، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عمن وجد جماعة يصلون الظهر. فأراد أن يقضي معهم ~~الصبح، فلما قام الإمام للركعة الثالثة فارقه بالسلام، فهل تصح هذه الصلاة ? وعلى أي ~~مذهب تصح؟2 # فأجاب: هذه الصلاة لا تصح في مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في ~~إحدى الروايتين عنه . وتصح في مذهب الشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى. والله ~~أعلم. # وسئل غفر الله له: عمن وجد الصلاة قائمة فنوى الإئتمام، وظن أن إمامه زيد، ~~فتبين أنه عمرو. هل يضره ذلك? وكذلك لو ظن الإمام في المأموم مثل ذلك? # فأجاب: إذا كان مقصوده أن يصلي خلف إمام تلك الجماعة كائنا من كان، ~~وظن أنه زيد فتبين أنه عمرو صحت صلاته، كما لو اعتقد أنه أبيض فتبين أنه أسود، ~~او اعتقد أن عليه كساء فتبين أنه عباءة، ونحو ذلك من خطأ الظن الذي لا يقدح في ~~الإنتمام. # وإن كان مقصوده أن يصلي خلف زيد، ولو علم أنه عمرو لم يصل خلفه، ~~وكان عمرو، فهذا لم يأتم به. وإنما الأعمال بالنيات. ms0695 PageV01P631 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0632.png) # وهل هو بمنزلة من صلى بلا إئتمام ? أو تبطل صلاته ? فيه نزاع، كما لو كانت ~~صلاة الإمام باطلة والمأموم لا يعلم. فلا يضر المؤتم الجهل بعين الإمام إذا كان ~~مقصوده أن يصلي خلف الإمام الذي يصلي بتلك الجماعة، وكذلك الإمام لم يضره ~~الجهل بعين المأمومين بل إذا نوى الصلاة بمن خلفه جاز. # وقد قيل : إنه إذا عين فأخطأ بطلت صلاته مطلقا، والصواب: الفرق بين تعيينه ~~بالقصد، بحيث يكون قصده أن لا يصلي إلا خلفه، وبين تعيين الظن بحيث يكون ~~قصده الصلاة خلف الإمام مطلقا . لكن ظن أنه زيد، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عمن صلى خلف الصف منفردا. هل تصح صلاته أم ~~لا? والأحاديث الواردة في ذلك هل هي صحيحة أم لا? والأئمة القائلون بهذا من غير ~~الأئمة الأربعة ؛ كحماد بن أبي سليمان، وابن المبارك، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ~~قد قال عنهم رجل - أعني عن هؤلاء الأئمة المذكورين - هؤلاء لا يلتفت إليهم، ~~فصاحب هذا الكلام ما حكمه? وهل يسوغ تقليد هؤلاء الأئمة لمن يجوز له التقليد ? ~~كما يجوز تقليد الأئمة الأربعة؟ أم لا؟ # فأجاب : الحمد لله. من قول العلماء أنه لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف؛ ~~لأن في ذلك حديثين عن النبي صلى الله عليه وسلم آ أمر المصلي خلف الصف بالإعادة، وقال: ~~لا صلاة لفذ خلف الصف وقد صحح الحديثين غير واحد من أئمة الحديث، ~~وأسانيدهما مما تقوم بهما الحجة؛ بل المخالفون لهما يعتمدون في كثير من المسائل ~~على ما هو أضعف إسنادا منهما، وليس فيهما ما يخالف الأصول، بل ما فيهما هو ~~مقتضى النصوص المشهورة، والأصول المقررة، فإن صلاة الجماعة سميت جماعة ~~لاجتماع المصلين في الفعل مكانا وزمانا، فإذا أخلوا بالاجتماع المكاني أو الزماني ~~مثل أن يتقدموا أو بعضهم على الإمام، أو يتخلفوا عنه تخلفا كثيرا لغير عذر، كان ~~ذلك منهيا عنه باتفاق الأئمة، وكذلك لو كانوا مفترقين غير منتظمين، مثل أن يكون ~~هذا خلف هذا، وهذا خلف هذا، كان هذا من أعظم الأمور المنكرة، بل ms0696 قد أمروا ~~الاصطفاف، بل أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم قويم الصفوف وتعديلها، وتراص الصفوف، وسد ~~الخلل، وسد الأول فالأول، كل ذلك مبالغة في تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه، ~~بحسب الإمكان، ولو لم يكن الاصطفاف واجبا لجاز أن يقف واحد خلف واحد، PageV01P632 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0633.png) ~~وهلم جرا. وهذا مما يعلم كل أحد علما عاما أن هذه ليست صلاة المسلمين، ولو ~~كان هذا مما يجوز لفعله المسلمون ولو مرة، بل وكذلك إذا جعلوا الصف غير ~~منتظم : مثل أن يتقدم هذا على هذا، ويتأخر هذا عن هذا، لكان ذلك شيئا قد علم ~~نهي النبي صلى الله عليه وسلم نه، والنهي يقتضي التحريم، بل إذا صلوا قدام الإمام كان أحسن من ~~مثل هذا. # فإذا كان الجمهور لا يصححون الصلاة قدام الإمام، إما مطلقا، وإما لغير عذر، ~~فكيف تصح الصلاة بدون الاصطفاف . فقياس الأصول يقتضي وجوب الاصطفاف، ~~وإن صلاة المنفرد لا تصح، كما جاء به هذان الحديثان، ومن خالف ذلك من العلماء ~~فلا ريب أنه لم تبلغه هذه السنة من وجه يثق به، بل قد يكون لم يسمعها، وقد يكون ~~ظن أن الحديث ضعيف، كما ذكر ذلك بعضهم. # والذي عارضوه احتجوا بصحة صلاة المرأة منفردة، كما ثبت في الصحيح: ~~أن أنسا واليتيم صفا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وصفت العجوز خلفهما . وقد اتفق ~~العلماء على صحة وقوفها منفردة إذا لم يكن في الجماعة امرأة غيرها، كما جاءت ~~به السنة . واحتجوا أيضا بوقوف الإمام منفردا. واحتجوا بحديث أبي بكرة لما ~~ركع دون الصف، ثم دخل في الصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم زادك الله حرصا ~~ولا تعد . وهذه حجة ضعيفة لا تقاوم حجة النهي عن ذلك، وذلك من ~~وجوه : # أحدها : أن وقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها، ولو وقفت في ~~صف الرجال لكان ذلك مكروها. وهل تبطل صلاة من يحاذيها ? فيه قولان للعلماء في ~~مذهب أحمد، وغيره. # أحدهما : تبطل، كقول أبي حنيفة، وهو اختيار أبي بكر وأبي حفص. من ~~أصحاب أحمد. ms0697 # والثاني : لا تبطل . كقول مالك، والشافعي، وهو قول ابن حامد والقاضي، ~~وغيرهما، مع تنازعهم في الرجل الواقف معها: هل يكون فذا أم لا ? والمنصوص عن ~~أحمد بطلان صلاة من يليها في الموقف. # وأما وقوف الرجل وحده خلف الصف فمكروه، وترك للسنة باتفاقهم، فكيف ~~يقاس المنهي بالمأمور به، وكذلك وقوف الإمام أمام الصف هو السنة، فكيف يقاس ~~المأمور به بالمنهي عنه، والقياس الصحيح إنما هو قياس المسكوت على المنصوص، PageV01P633 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0634.png) ~~أما قياس المنصوص على منصوص يخالفه فهو باطل باتفاق العلماء، كقياس الربا على ~~البيع، وقد أحل الله البيع وحرم الربا. # والثاني : أن المرأة وقفت خلف الصف؛ لأنه لم يكن لها من تصافه، ولم ~~يمكنها مصافة الرجال، ولهذا لو كان معها في الصلاة امرأة لكان من حقها أن تقوم ~~معها، وكان حكمها حكم الرجل المنفرد عن صف الرجال. # ونظير ذلك أن لا يجد الرجال موقفا إلا خلف الصف، فهذا فيه نزاع بين ~~المبطلين لصلاة المنفرد، والأظهر صحة صلاته في هذا الموضع، لأن جميع واجبات ~~الصلاة تسقط بالعجز . وطرد هذا صحة صلاة المتقدم على الإمام للحاجة، كقول ~~طائفة، وهو قول في مذهب أحمد. # وإذا كان القيام والقراءة وإتمام الركوع والسجود والطهارة بالماء وغير ذلك ~~يسقط بالعجز، فكذلك الاصطفاف وترك التقدم. وطرد هذا بقية مسائل الصفوف، ~~كمسألة من صلى ولم ير الإمام، ولا من وراءه [مع] سماعه للتكبير وغير ذلك، وأما ~~الإمام فإنما قدم ليراه المأمومون فيأتمون به، وهذا منتف في المأموم. # وأما حديث أبي بكرة فليس فيه أنه صلى منفردا خلف الصف قبل رفع الإمام ~~رأسه من الركوع فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركا للركعة، فهو ~~بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر فيصافه في القيام، فإن هذا جائز باتفاق الأئمة، ~~وحديث أبي بكرة فيه النهي بقوله: «ولا تعد وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة، كما ~~في حديث الفذ، فإنه أمره بإعادة الصلاة، وهذا مبين مفسر، وذلك مجمل حتى لو ~~قدر أنه صرح في حديث أبي بكرة بأنه ms0698 دخل في الصف بعد اعتدال الإمام - كما يجوز ~~ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره - لكان سائغا في مثل هذا دون ما أمر ~~فيه بالإعادة، فهذا له وجه، وهذا له وجه. # وأما التفريق بين العالم والجاهل، كقول في مذهب أحمد فلا يسوغ، فإن ~~المصلي المنفرد لم يكن عالما بالنهي، وقد أمره بالإعادة كما أمر الأعرابي المسيء في ~~صلاته بالإعادة . # وأما الأئمة المذكورون: فمن سادات أيمة الإسلام، فإن الثوري إمام أهل ~~العراق، وهو عند أكثرهم أجل من أقرانه: كابن أبي ليلى، والحسن بن صالح بن ~~حي، وأبي حنيفة، وغيره، وله مذهب باق اليوم بأرض خراسان. والأوزاعي إمام ~~أهل الشام، وما زالوا على مذهبه إلى المائة الرابعة، بل أهل المغرب كانوا على ~~مذهبه قبل أن يدخل إليهم مذهب مالك. وحماد بن أبي سليمان: هو شيخ ~~أبي حنيفة، ومع هذا فهذا القول هو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه PageV01P634 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0635.png) ~~وغيرهما، ومذهبه باق إلى اليوم، وهو مذهب داود بن علي وأصحابه، ومذهبهم باق ~~إلى اليوم، فلم يجمع الناس اليوم على خلاف هذا القول؛ بل القائلون به كثير في ~~المشرق والمغرب. # وليس في الكتاب والسنة فرق في الأئمة المجتهدين بين شخص وشخص، ~~فمالك والليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري، هؤلاء أئمة في زمانهم، وتقليد كل ~~منهم كتقليد الآخر، لا يقول مسلم إنه يجوز تقليد هذا دون هذا، ولكن من منع من ~~تقليد أحد هؤلاء في زماننا فإنما يمنعه لأحد شيئين: # أحدهما: اعتقاده أنه لم يبق من يعرف مذاهبهم، وتقليد الميت فيه نزاع ~~مشهور، فمن منعه قال : هؤلاء موتى، ومن سوغه قال : لا بد أن يكون في الأحياء ~~من يعرف قول الميت. # والثاني: أن يقول الإجماع اليوم قد انعقد على خلاف هذا القول. وينبني ذلك ~~على مسألة معروفة في أصول الفقه، وهي: أن الصحابة مثلا أو غيرهم من أهل ~~الأعصار إذا اختلفوا في مسألة على قولين، ثم أجمع التابعون أو أهل العصر الثاني ~~على أحدهما، فهل يكون هذا إجماعا يرفع ذلك الخلاف؛ وفي ms0699 المسألة نزاع مشهور ~~في مذهب أحمد، وغيره من العلماء، فمن قال : إن مع إجماع أهل العصر الثاني ~~لا يسوغ الأخذ بالقول الآخر، واعتقد أن أهل العصر أجمعوا على ذلك يركب من ~~هذين الاعتقادين المنع. # ومن علم أن الخلاف القديم حكمه باق؛ لأن الأقوال لا بموت بثبوت قائليها، ~~فإنه يسوغ الذهاب إلى القول الآخر للمجتهد الذي وافق اجتهاده. # وأما التقليد فينبني على مسألة تقليد الميت، وفيها قولان مشهوران أيضا في ~~مذهب الشافعي، وأحمد وغيرهما. # وأما إذا كان القول الذي يقول به هؤلاء الأئمة أو غيرهم قد قال به بعض العلماء ~~الباقية مذاهبهم، فلا ريب أن قوله مؤيد بموافقة هؤلاء ويعتضد به، ويقابل بهؤلاء من ~~خالفهم من أقرانهم. فيقابل بالثوري والأوزاعي أبا حنيفة ومالك، إذ الأمة متفقة على ~~أنه إذا اختلف مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة لم يجز أن يقال قول هذا هو ~~الصواب دون هذا إلا بحجة، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : هل التبليغ وراء الإمام كان على عهد رسول الله صل صلى الله عليه سل ~~أو في شيء من زمن الخلفاء الراشدين? فإن لم يكن فمع الأمن من إخلال شيء من ~~متابعة الإمام، والطمأنينة المشروعة، واتصال الصفوف، والاستماع للإمام من ورائه إن ~~وقع خلل مما ذكر، هل يطلق على فاعله البدعة? وهل ذهب أحد من علماء المسلمين PageV01P635 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0636.png) ~~إلى بطلان صلاته بذلك? وما حكم من اعتقد ذلك قربة فعله أو لم يفعله بعد ~~التعريف؟1 # فأجاب : لم يكن التبليغ والتكبير ورفع الصوت بالتحميد والتسليم على عهد ~~رسولها ل صلى الله عليه وسلم، ولا على عهد خلفائه، ولا بعد ذلك بزمان طويل، إلا مرتين : مرة ~~صرع النبي صلى الله عليه وسلم عن فرس ركبه فصلى في بيته قاعدا، فبلغ أبو بكر عنه التكبير. كذا ~~رواه مسلم في صحيحه. ومرة أخرى في مرض موته بلغ عنه أبو بكر، وهذا مشهور. # مع أن ظاهر مذهب الإمام أحمد أن هذه الصلاة كان أبو بكر مؤتما فيها ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكان إماما ms0700 للناس، فيكون تبليغ أبي بكر إماما للناس، وإن كان مؤتما ~~بالنبي صلى الله عيه وسلم وهكذا قالت عائشة رضي الله عنها : كان الناس يأتمون بأبي بكر، ~~وأبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه ول . ولم يذكر أحد من العلماء تبليغا على عهد ~~رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم إلا هاتين المرتين : لمرضه. # والعلماء المصنفون لما احتاجوا أن يستدلوا على جواز التبليغ لحاجة لم يكن ~~عندهم سنة عن رسول للهالاه صلى الله عليه وسلم لاهذا، وهذا يعلمه علما يقينيا من له خبرة بسنة ~~رسول اللها له صلى الله عليه وسلم # ولا خلاف بين العلماء أن هذا التبليغ لغير حاجة ليس بمستحب، بل صرح كثير ~~منهم أنه مكروه . ومنهم من قال : تبطل صلاة فاعله، وهذا موجود في مذهب مالك، ~~وأحمد، وغيره. وأما الحاجة لبعد المأموم، أو لضعف الإمام، وغير ذلك، فقد ~~ختلفوا فيه في هذه، والمعروف عند أصحاب أحمد أنه جائز في هذا الحال، وهو ~~أصح قولي أصحاب مالك، وبلغني أن أحمد توقف في ذلك، وحيث جاز ولم يبطل ~~فيشترط أن لا يخل بشيء من واجبات الصلاة. # فأما إن كان المبلغ لا يطمئن بطلت صلاته عند عامة العلماء كما دلت عليه ~~السنة، وإن كان أيضا يسبق الإمام بطلت صلاته في ظاهر مذهب أحمد. وهو الذي ~~دلت عليه السنة، وأقوال الصحابة، وإن كان يخل بالذكر المفعول في الركوع ~~والسجود والتسبيح ونحوه ففي بطلان الصلاة خلاف . وظاهر مذهب أحبد أنها تبطل، ~~ولا ريب أن التبليغ لغير حاجة بدعة، ومن اعتقده قربة مطلقة فلا ريب أنه إما جاهل، PageV01P636 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0637.png) ~~وإما معاند، وإلا فجميع العلماء من الطوائف قد ذكروا ذلك في كتبهم، حتى في ~~المختصرات. قالوا: ولا يجهر بشيء من التكبير. إلا أن يكون إماما، ومن أصر على ~~اعتقاد كونه قربة فإنه يعزر على ذلك لمخالفته الإجماع، هذا أقول أحواله، والله ~~أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : هل يجوز أن يكبر خلف الإمام? # فأجاب : لا يشرع الجهر بالتكبير خلف الإمام الذي هو المبلغ لغير حاجة : ~~باتفاق ms0701 الأئمة، فإن بلالا لم يكن يبلغ خلف النبي صلى الله عليه وسلم و ولا غيره، ولم يكن يبلغ ~~خلف الخلفاء الراشدين، لكن لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس مرة وصوته ضعيف، ~~وكان أبو بكر يصلي إلى جنبه يسمع الناس التكبير، فاستدل العلماء بذلك على أنه ~~يشرع التكبير عند الحاجة : مثل ضعف صوته، فأما بدون ذلك فاتفقوا على أنه مكروه ~~غير مشروع. # وتنازعوا في بطلان صلاة من يفعله. على قولين: والنزاع في الصحة معروف في ~~مذهب مالك، وأحمد، وغيرهما. غير أنه مكروه باتفاق المذاهب كلها، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن التبليغ خلف الإمام: هل هو مستحب أو بدعة? # فأجاب : أما التبليغ خلف الإمام لغير حاجة فهو بدعة غير مستحبة باتفاق ~~الأئمة. وإنما يجهر بالتكبير الإمام، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه يفعلون، ولم يكن ~~أحد يبلغ خلف النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم عف صوته، فكان أبو بكر - ~~رضي الله عنه - يسمع بالتكبير. # وقد اختلف العلماء : هل تبطل صلاة المبلغ ? على قولين في مذهب مالك، ~~وأحمد، وغيرهما. # وسئل رحمه الله تعالى : هل تجزئ الصلاة قدام الإمام أو خلفه في المسجد ~~وبينهما حائل أم لا? # فأجاب : أما صلاة المأموم قدام الإمام. ففيها ثلاثة أقوال للعلماء: # أحدها : أنها تصح مطلقا، وإن قيل إنها تكره، وهذا القول هو المشهور من ~~مذهب مالك، والقول القديم للشافعي. # والثاني : أنها لا تصح مطلقا، كمذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في ~~المشهور من مذهبهما. PageV01P637 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0638.png) # والثالث : أنها تصح مع العذر، ودون غيره، مثل ما إذا كان زحمة فلم يمكنه أن ~~يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام، فتكون صلاته قدام الإمام خيرا له من تركه ~~للصلاة. وهذا قول طائفة من العلماء، وهو قول في مذهب أحمد، وغيره. وهو ~~أعدل الأقوال وأرجحها وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجبا من ~~واجبات الصلاة في الجماعة، والواجبات كلها تسقط بالعذر. وإن كانت واجبة في ms0702 ~~أصل الصلاة، فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط؛ ولهذا يسقط عن المصلي ~~ما يعجز عنه من القيام، والقراءة، واللباس، والطهارة، وغير ذلك. # وأما الجماعة فإنه يجلس في الأوتار لمتابعة الإمام، ولو فعل ذلك منفردا ~~عمدا بطلت صلاته، وإن أدركه ساجدا أو قاعدا كبر وسجد معه، وقعد معه؛ ~~لأجل المتابعة . مع أنه لا يعتد له بذلك، ويسجد لسهو الإمام، وإن كان هو لم ~~يسه . # وأيضا ففي صلاة الخوف لا يستقبل القبلة، ويعمل العلم الكثير ويفارق الإمام ~~بل السلام، ويقضي الركعة الأولى قبل سلام الإمام، وغير ذلك مما يفعله لأجل ~~الجماعة، ولو فعله لغير عذر بطلت صلاته. # وأبلغ من ذلك أن مذهب أكثر البصريين، وأكثر أهل الحديث: أن الإمام الراتب ~~إذا صلى جالسا صلى المأمومون جلوسا؛ لأجل متابعته، فيتركون القيام الواجب لأجل ~~المتابعة، كما استفاضت السنن عن النبي صلى اله عليه وسلم قال : لاوإذا صلى جالسا فصلوا ~~جلوسا أجمعون»1) # والناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: # قيل : لا يؤم القاعد القائم، وأن ذلك من خصائص النيصلى الله عليه وسلم كقول مالك، ~~ومحمد بن الحسن. # وقيل: بل يؤمهم، ويقومون، وأن الأمر بالقعود منسوخ. كقول أبي حنيفة، ~~والشافعي. # وقيل : بل ذلك محكم، وقد فعله غير واحد من الصحابة بعد موت الني صلى الله عليه ولم ~~كأسيد بن حضير، وغيره. وهذا مذهب حماد بن زيد، وأحمد بن حنبل، وغيرهما. ~~وعلى هذا فلو صلوا قياما ففي صحة صلاتهم قولان. # والمقصود هنا : أن الجماعة تفعل بحسب الإمكان، فإذا كان الماموم لا يمكنه PageV01P638 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0639.png) ~~الإيتمام بإمامه إلا قدامه كان غاية [ما] في هذا أنه قد ترك الموقف لأجل ~~الجماعة، وهذا أخف من غيره، ومثل هذا أنه منهي عن الصلاة خلف الصف ~~وحده، فلو لم يجد من يصافه ولم يجذب أحدا يصلي معه صلى وحده خلف ~~الصف، ولم يدع الجماعة، كما أن المرأة إذا لم تجد امرأة تصافها فإنها تقف ~~وحدها خلف الصف، باتفاق الأئمة . وهو إنما أمر بالمصافة مع الإمكان لا عند ~~العجز عن المصافة . # فصل # وأما صلاة ms0703 المأموم خلف الإمام : خارج المسجد أو في المسجد وبينهما حائل ~~فإن كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة وإن كان بينهما طريق، أو نهر تجري فيه ~~السفن، ففيه قولان معروفان، هما روايتان عن أحمد: # أحدهما: المنع كقول أبي حنيفة. # والثاني : الجواز كقول الشافعي. # وأما إذا كان بينهما حائل يمنع الرؤية، والاستطراق، ففيها عدة أقوال في مذهب ~~أحمد وغيره. قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز. وقيل: يجوز في المسجد دون غيره. ~~وقيل : يجوز مع الحاجة، ولا يجوز بدون الحاجة. ولا ريب أن ذلك جائز مع ~~الحاجة مطلقا: مثل أن تكون أبواب المسجد مغلقة، أو تكون المقصورة التي فيها ~~الإمام مغلقة، أو نحو ذلك. # فهنا لو كانت الرؤية واجبة لسقطت للحاجة. كما تقدم، فإنه قد تقدم أن ~~واجبات الصلاة والجماعة تسقط بالعذر، وأن الصلاة في الجماعة خير من صلاة ~~الإنسان وحده بكل حال . # وسئل رحمه الله تعالى: عمن يصلي مع الإمام، وبينه وبين الإمام حائل، بحيث ~~لا يراه، ولا يرى من يراه: هل تصح صلاته؟ أم لا؟(1) # فأجاب: الحمد لله. نعم! تصح صلاته، عند أكثر العلماء. وهو المنصوص ~~الصريح عن أحمد، فإنه نص على أن المنبر لا يمنع الاقتداء، والسنة في الصفوف أن ~~يتموا الأول فالأول، ويتراصون في الصف. # فمن صلى في مؤخر المسجد مع خلو ما يلي الإمام كانت صلاته مكروهة، ~~والله أعلم. PageV01P639 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0640.png) # وسئل رحمه الله تعالى : عن إمام يصلي خلفه جماعة، وقدامه جماعة. فهل ~~تصح صلاة المتقدمين على الإمام ? أم لا? # فأجاب : الحمد لله. أما الذين خلف الإمام فصلاتهم صحيحة بلا ريب. وأما ~~الذين قدامه فللعلماء فيهم ثلاثة أقوال. قيل: تصح. وقيل: لا تصح. وقيل: تصح ~~إذا لم يمكنهم الصلاة معه إلا تكلفا، وهذا أولى الأقوال، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن الحوانيت المجاورة للجامع من أرباب الأسواق. إذا ~~اتصلت بهم الصفوف. فهل تجوز صلاة الجمعة في حوانيتهم? # فأجاب : أما صلاة الجمعة وغيرها فعلى الناس أن يسدوا الأول، فالأول، ~~كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ms0704 قال : ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ~~ربها»؟ قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال : «يسدون الأول، فالأول، ~~ويتراصون في الصف»(3) . فليس لأحد أن يسد الصفوف المؤخرة مع خلو ~~المقدمة، ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد، لأن فعل ذلك ~~استحق التأديب، ولمن جاء بعده تخطيه، ويدخل لتكميل الصفوف المقدمة، فإن ~~هذا لا حرمة له . # كما أنه ليس لأحد أن يقدم ما يفرش له في المسجد، ويتأخر هو، وما فرش له ~~لم يكن له حرمة، بل يزال ويصلي مكانه على الصحيح، بل إذا امتلأ المسجد ~~بالصفوف صفوا خارج المسجد، فإذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق، ~~صحت صلاتهم. # وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح ~~صلاتهم في أظهر قولي العلماء. # وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف، ~~ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة، فإنه لا تصح صلاتهم. في أظهر قولي ~~العلماء . # وكذلك من صلى في حانوته والطريق خال لم تصح صلاته، وليس له أن يقعد ~~في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به، بل عليه أن يذهب إلى المسجد فيسد الأول ~~فالأول، والله أعلم. PageV01P640 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0641.png) # باب صلاة أهل الأعذار # سئل شيخ الإسلام احمد بن تيمية رحمه الله تعالى : عن رجل شيخ كبير وقد ~~تحلت أعضاؤه، لا يستطيع أن يأكل أو يشرب، ولا يتحرك. ولا يستنجي بالماء. ~~وإنا سجد ما يستطيع الرفع، فكيف يصلي? ~~قأجاب: أما الصلاة فإنه يفعل ما يتدر علي. ،صي فعد ذ نم يستطع ~~انقيء. ويومئ برأسه إيماء بحسب حاله، وان سجد عى قخد: جز. ممح بخرقة ~~ذ تخى. ويوضئه غيره إذا أمكن، ويجمع بين خلاتن قيوفنه في تخر وقت ~~ضهر. فيصلي الظهر والعصر بلا قصر، ثم إذ دخر رقت عرب عى نمغرب ~~ونعنه. ويوضئه الفجر. # ون نم يتضع انصلاة قاعدا صلى على جتبه. ووجبه بني قية. وذ يكن ~~حته مت يوخثه ولا ييممه صلي علي حب حنه. يكت عي تقه ورجلاء پني ~~عة. وعى چنبه ووجهه إلى ms0705 القبلة. # و- نه يكن عند: من يوجهه إنى انتبة عى حى چ حبة تچه. ترق. ثو ~~غر- . ونه سبحانه وتعانى أعلم. ~~وكر شيخ الإسلاء رحمه الله تعانى: هر نچوز صد: حر: زعة مع فيرته ~~صر لقيهة # ب # وت صده تصرضر قصرمع نقر ج صر تيه ز ح* مت رچ ~~مه مري برقه قره تتبر چچهآه اصر قئم قرسه تسه حتعته قر تتع ~~سرست! # مسر يحده تتصوح جنس وبحور عصوء صر حة عه قهقه تي جية ~~سهحجت يصحيه* فرر نسير پمر سر يصر صر كه قر ي حية حيت ~~وسهتآه صيكه صير تهه بصر سبيه سسرآ # بصرره سر يصرره شو صهه بقه ع به يصر تحبرهيس صد صر PageV01P641 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0642.png) ~~جنبه، وكذلك إذا كان رجل لا يمكنه النزول إلى الأرض صلى على راحلته، ~~والخائف من عدوه إذا نزل يصلي على راحلته . والله أعلم. # باب صلاة المسافر # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : هل القصر في السفر سنة أو عزيمة ? وعن ~~صحة الحديث الذي رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد، عن طلحة بن عمرو، عن ~~عطاء بن أبي رباح، عن عائشة، قالت: كل ذلك قد فعل النبي صلى الله عليه وسلم صر الصلاة ~~وأتم # فأجاب : أما القصر في السفر فهو سنة النبي صى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في السفر قط إلا ركعتين، وكذلك أبو بكر وعمر، وكذلك عثمان ~~في السنة الأولى من خلافته ، لكنه في السنة الثانية أتمها بمنى لأعذار مذكورة في غير ~~هذا الموضع. # وأما الحديث المذكور فلا ريب أنه خطأ على عائشة. وإبراهيم بن محمد ~~هو ابن أبي يحيى المدني القدري، وهو وطلحة بن عمرو المكي ضعيفان، ~~باتفاق أهل الحديث لا يحتج بواحد منهما فيما هو دون هذا. وقد ثبت في ~~الصحيح عن عائشة أنها قالت : «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة ~~السفر، وزيد في صلاة الحضر . وقيل لعروة: فلم أتمت عائشة الصلاة ? ~~قال : تأولت، كما تأول عثمان . فهذه عائشة تخبر بأن ms0706 صلاة السفر ركعتان، وابن ~~أختها عروة أعلم الناس بها : يذكر أنها أتمت بالتأويل، لم يكن عندها بذلك ~~سنة . وكذلك ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال : لصلاة السفر ركعتان، وصلاة ~~الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، تمام غير قصر ~~على لسان نبيكم »3 # وأيضا فإن المسلمين قد نقلوا بالتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم م يصل في السفر إلا ~~ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعا قط، ولكن الثابت عنه أنه صام في السفر ~~وأفطر، وكان أصحابه منهم الصائم ومنهم المفطر. # وأما القصر فكل الصحابة كانوا يقصرون، منهم أهل مكة، وغير أهل مكة بمنى PageV01P642 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0643.png) ~~وعرفة وغيرهما، وقر تنازع العلماء في التربيع هل هو محرم? أو مكروه? أو ترك. ~~للأولى؟ أو مستحب؟ أو هما سواء على خمسة أقوال : # أحنها: قرز من يقول إن الإتمام أفضل . كقول للشافعي . # و نذئي: قور مز يسوي بينهما. كبعض أصحاب مالك. # ونتثث- قرر مر يعول : القصر أفضل، كقول الشافعي الصحيح وإحدىه ~~انروايتين عن آحم # والريع قرر مت يقوت لإتمام مكروه، كقول مالك في إحدى الروايتين وأحمد- ~~قي الروليةآ لأحرى . # واحمر - قوز من يتول إن القصر واجب، كقول أبي حنيفة، ومالك في. ~~رويآ. # واشهر أقوال قول من يقون إنه سنة، وإن الإتمام مكروه، ولهذا لا تجب نية: ~~انقصر عند أكثر العلماء، كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في أحد القولين عنه في ~~مذهبه. # وسئل رحمه الله تعالى : هل لمسافة القصر قدر محدود عن الشارل صلى الله عليه وسلم # فأجاب: السنة أن يقصر المسافر الصلاة، فيصلي الرباعية ركعتين، فهكذا فعل، ~~رسول الله صله صلى الله علي ول في جميع أسفاره. هو وأصحابه، ولم يصل في السفر أربعا قط. ~~وما روي عنه: أنه صلى في السفر أربعا في حياته فهو حديث باطل عند أيمة: ~~الحديث. # وقد تنازع العلماء في المسافر إذا صلى أربعا. فقيل : لا يجوز ذلك كما? ~~لا يجوز أن يصلي الفجر والجمعة والعيد أربعا، وقيل : يجوز، ولكن القصر أفضل، ~~عند عامتهم - ليس فيه إلا خلاف ms0707 شاذ، ولا يفتقر القصر إلى نية؛ بل لو دخل في. ~~الصلاة وهو ينوي أن يصلي أربعا - اتباعا لسنة رسول الله لصهل صلى الله عليه وسلم، وقد كا صلى الله علي سلماحج: ~~بالمسلمين حجة الوداع يصلي بهم ركعتين ركعتين، إلى أن رجع، وجمع بين. ~~الصلاتين بعرفة ومزدلفة، والمسلمون خلفه، ويصلي بصلاته أهل مكة وغيرهم جمعا، ~~وقصرا. ولم يأمر أحدا أن ينوي لا جمعا ولا قصرا. # وأقام بمنى يوم العيد، وإمام منى يصلي بالمسلمين ركعتين ركعتين والمسلمون ~~خلفه يصلي بصلاته أهل مكة وغيرهم، وكذلك أبو بكر وعمر بعده ولم يامر ~~النبي صلى الله لي وسلم ا أبو بكر ولا عمر أحدا من أهل مكة أن يصلي أربعا، لا بمنى ~~ولا بغيرها، فلهذا كان أصح قولي العلماء أن أهل مكة يجمعون بعرفة ومزدلفة، PageV01P643 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0644.png) ~~ويقصرون بها وبمنى وهذا قول عامة فقهاء الحجاز، كمالك، وابن عيينة، وهو قول ~~إسحاق بن راهويه واختيار طائفة من أصحاب الشافعي، وأحمد، كأبي الخطاب في ~~عباداته . # وقد قيل: يجمعون ولا يقصرون، وهو قول أبي حنيفة، وهو المنصوص عن ~~أحمد، وقيل : لا يقصرون، ولا يجمعون. كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي ~~وأحمد، وهو أضعف الأقوال. # والصواب المقطوع به أن أهل مكة يقصرون، ويجمعون هناك، كما كانوا ~~يفعلون هناك مع النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه، ولم ينقل عن أحد من المسلمين أنه قال لهم ~~هناك أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر؛ ولكن نقل أنه قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى ~~بهم داخل مكة، وكذلك كان عمر يأمر أهل مكة بالإتمام إذا صلى بهم في البلد، وأما ~~بمنى فلم يكن يأمرهم بذلك. # وقد تنازع العلماء في قصر أهل مكة خلفه فقيل : كان ذلك لأجل النسك، ~~فلا يقصر المسافر سفرا قصيرا هناك، وقيل : بل كان ذلك لأجل السفر، وكلا القولين ~~قاله بعض أصحاب أحمد. والقول الثاني: هو الصواب، وهو أنهم قصروا لأجل ~~سفرهم، ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة، وكانوا محرمين، والقصر معلق بالسفر ~~وجودا وعدما، فلا يصلي ركعتين إلا مسافر، ms0708 وكل مسافر يصلي ركعتين، كما قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه : صلاة المسافر ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، ~~وصلاة النحر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير نقص : أي غير قصر ~~على لسان نبيك صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لافرضت ~~الصلاة ركعتين، ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر # وقد تنازع العلماء: هل يختص بسفر دون سفر? أم يجوز في كل سفر? وأظهر ~~القولين أنه يجوز في كل سفر قصيرا كان أو طويلا، كما قصر أهل مكة خلف ~~النبي صلى الله عليه وسلم عرفة ومنى، وبين مكة وعرفة نحو بريد: أربعة فراسخ. # وأيضا فليس الكتاب والسنة يخصان بسفر دون سفر، لا بقصر ولا بفطر، ~~ولا تيمم ولم يحد النبي صلى الله عليه وسلم سافة القصر بحد، لا زماني، ولا مكاني، والأقوال ~~المذكورة في ذلك متعارضة، ليس على شيء منها حجة، وهي متناقضة، ولا يمكن ~~أن يحد ذلك بحد صحيح. # فإن الأرض لا تذرع بذرع مضبوط في عامة الأسفار، وحركة المسافر تختلف. PageV01P644 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0645.png) ~~والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرل صلى الله عليه وسلم، ويقيد ما قيده، فيقصر المسافر ~~الصلاة في كل سفر، وكذلك جميع الأحكام المتعلقة بالسفر من القصر والصلاة على ~~الراحلة، والمسح على الخفين. # ومن قسم الأسفار إلى قصير وطويل، وخص بعض الأحكام بهذا وبعضها بهذا، ~~وجعلها متعلقة بالسفر الطويل، فليس معه حجة يجب الرجوع إليها. والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : هل الجمع بين الصلاتين في السفر أفضل أم القصر ? ~~وما أقوال العلماء في ذلك? وما حجة كل منهم ? وما الراجح من ذلك ? # فأجاب : الحمد لله. بل فعل كل صلاة في وقتها أفضل، إذا لم يكن به حاجة ~~إلى الجمع. فإن غالب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلي كان يصليها في السفر إنما يصليها في ~~أوقاتها . وإنما كان الجمع منه مرات قليلة. # وفرض كثير من الناس بين الجمع والقصر، وظنهم أن هذا يشرع سنة ثابتة، ms0709 ~~والجمع رخصة عارضة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم في جميع أسفاره كان يصلي الرباعية ~~ركعتين، ولم ينقل أحد أنه صلى في سفره الرباعية أربعا؛ بل وكذلك أصحابه معه. # والحديث الذي يروى عن عائشة : (أنها أتمت معه وأفطرت، حديث ضعيف. ~~بل قد ثبت عنها في الصحيح: أن الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين، ركعتين، ~~ثم زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر. وثبت في الصحيح عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال : (صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الأضحى ~~ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم # وأما قوله تعالى : (وإنا ضرتيم في الأرض فليس عليكة جتاح أن نقصروا من الصلوة إن خقتم أن ~~يفتنكم الذين گفروا) فإن نفي الجناح لبيان الحكم، وإزالة الشبهة، ~~لا يمنع أن يكون القصر هو السنة . كما قال : (إن الصفا والمروة من شعابر الله فمن حج ~~البيت او اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) ] نفى الجناح لأجل الشبهة ~~التي عرضت لهم من الطواف بينهما؛ لأجل ما كانوا عليه في الجاهلية من كراهة ~~بعضهم للطواف بينهما، والطواف بينهما مأمور به باتفاق المسلمين، وهو إما ركن، ~~وإما واجب، وإما سنة مؤكدة. # وهو سبحانه ذكر الخوف والسفر، لأن القصر يتناول قصر العدد وقصر الأركان، PageV01P645 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0646.png) ~~فالخوف يبيح قصر الأركان، والسفر يبيح قصر العدد فإذا اجتمعا أبيح القصر ~~بالوجهين، وإن انفرد السفر أبيح أحد نوعي القصر، والعلماء متنازعون في المسافر: ~~هل فرضه الركعتان ? ولا يحتاج قصره إلى نية ? أم لا يقصر إلا بنية? على قولين: # الأول : قول أكثرهم، كأبي حنيفة، ومالك، وهو أحد القولين في مذهب ~~أحمد، اختاره أبو بكر وغيره. # والثاني : قول الشافعي، وهو القول الآخر في مذهب أحمد، اختاره الخرقي ~~وغيره . # والأول هو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يقصر بأصحابه، ~~ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر، ولا يأمرهم بنية القصر. ولهذا لما ~~سلم من ركعتين ناسيا قال له ذو ms0710 اليدين : لأقصرت الصلاة أم نسيت? فقال : لم أنس، ~~ولم تقصر، قال : بلى! قد نسيت. وفي رواية. لو كان شيء لأخبرتكم به ولم ~~يقل لو قصرت لأمرتكم أن تنووا القصر . وكذلك لما جمع بهم لم يعلمهم أنه جمع ~~قبل الدخول، بل لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصلاة الأولى، فعلم أيضا ~~أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأولى، كقول الجمهور، ~~والمنصوص عن أحمد يوافق ذلك. # وقد تنازع العلماء في التربيع في السفر : هل هو حرام ? أو مكروه? أو ترك ~~الأولى ? أو هو الراجح ? فمذهب أبي حنيفة، وقول في مذهب مالك: أن القصر ~~واجب، وليس له أن يصلي أربعا ومذهب مالك في الرواية الأخرى وأحمد في أحد ~~القولين، بل أنصهما أن الإتمام مكروه. ومذهبه في الرواية الأخرى ومذهب الشافعي ~~في أظهر قوليه: أن القصر هو الأفضل، والتربيع ترك الأولى. وللشافعي قول أن ~~التربيع أفضل، وهذا أضعف الأقوال. # وقد ذهب بعض الخوارج إلى أنه لا يجوز القصر إلا مع الخوف، ويذكر هذا ~~ولا للشافعي، وما أظنه يصح عنه، فإنه قد ثبت بالسنة المتواترة: أن النبي صى الله عليه كان ~~يصلي بأصحابه بمنى ركعتين ركعتين آمن ما كان الناس»وكذلك بعده أبو بكر، ~~وكذلك بعده عمر . # وإذا كان كذلك فكيف يسوي بين الجمع والقصر?! وفعل كل صلاة في وقتها ~~أفضل، إذا لم يكن حاجة عند الأئمة كلهم، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، PageV01P646 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0647.png) ~~والشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبيهما، بل تنازعوا في جواز الجمع على ثلاثة أقوال. # فمذهب أبي حنيفة أنه لا يجمع إلا بعرفة ومزدلفة. ومذهب مالك وأحمد في ~~إحدى الروايتين أنه لا يجمع المسافر إذا كان نازلا، وإنما يجمع إذا كان سائرآ، بل ~~عند مالك إذا جد به السير، ومذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى أنه يجمع ~~المسافر، وإن كان نازلا. # وسبب هذا النزاع ما بلغهم من أحاديث الجمع، فإن أحاديث الجمع قليلة، ~~فالجمع بعرفة ومزدلفة متفق عليه، وهو منقول بالتواتر فلم يتنازعوا فيه. وأبو حنيفة ~~لم يقل ms0711 بغيره لحديث ابن مسعود الذي في الصحيح أنه قال: ما رأيت ~~رسول الله صل لى لله عليه وسلم، صلى صلاة لغير وقتها إلا صلاة الفجر بمزدلفة، وصلاة المغرب ليلة ~~جمع»1 . وأراد بقوله : «في الفجر لغير وقتها» التي كانت عادته أن يصليها فيه فإنه ~~جاء في الصحيح عن جابر : «أنه صلى الفجر بمزدلفة بعد أن برق الفجر» . وهذا ~~متفق عليه بين المسلمين أن الفجر لا يصلى حتى يطلع الفجر ، لا بمزدلفة ~~ولا غيرها، لكن بمزدلفة غلس بها تغليسا شديدا. # وأما أكثر الأئمة فبلغتهم أحاديث في الجمع صحيحة، كحديث أنس وابن عباس ~~وابن عمر ومعاذ وكلها من الصحيح. ففي الصحيحين عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا ~~ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فصلاهما جميعا وإذا ~~ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر ثم ركب وفي لفظ في الصحيح : ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم ذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت ~~العصر ، ثم يجمع بينهما وفي الصحيحين عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا عجل ~~به السير جمع بين المغرب والعشاء وفي لفظ في الصحيح : أن ابن عمر كان إذا جد ~~به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق. ويقول : إن رسول الله ل صلى الله عليه سل ~~كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء # وفي صحيح مسلم عن ابن عباس : أن النبي صيى الله عليه وسلم، جمع بين الصلاتين في سفرة ~~سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قال PageV01P647 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0648.png) ~~سعيد بن جبير قلت لابن عباس : ما حمله على ذلك؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته. ~~وكذلك في صحيح مسلم عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل قال : لجمع ~~رسول الل صلىل الله عليه وسلم في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قال : ~~فقلت : ما حمله على ذلك؟ ms0712 قال : أراد أن لا يحرج أمته»(1) بل قد ثبت عنه أنه جمع ~~في المدينة كما في الصحيحين عن ابن عباس قال : لصلى لنا رسوللهال صلى الله عليه وسلم الهر ~~والعصر جميعا من غير خوف ولا سفر وفي لفظ في الصحيحين عن ابن عباس : ~~أن النبي صل الله علي ولم على بالمدينة سبعا وثمانيا، جمع بين الظهر والعصر، والمغرب ~~والعشاء قال أيوب : لعله في ليلة مطيرة، وكان أهل المدينة يجمعون في الليلة ~~المطيرة بين المغرب والعشاء، ويجمع معهم عبد الله بن عمر. وروي ذلك مرفوعا ~~إلى النبي صل الله عليهوسلم، وهذا العمل من الصحابة. # وقولهم : «أراد أن لا يحرج أمته يبين أنه ليس المراد بالجمع تأخير الأولى إلى ~~آخر وقتها، وتقديم الثانية في أول وقتها، فإن مراعاة مثل هذا فيه حرج عظيم. ثم إن ~~هذا جائز لكل أحد في كل وقت، ورفع الحرج إنما يكون عند الحاجة، فلا بد أن ~~يكون قد رخص لأهل الأعذار فيما يرفع به عنهم الحرج، دون غير أرباب الأعذار. # وهذا ينبني على أصل كان عليه رسول لله الهل صلى الله عليه وسلم هو: أن المواقيت لأهل ~~الأعذار ثلاثة، ولغيرهم خمسة، فإن الله تعالى قال : ( وأقم الصملوة طرف النهار وزلفا من ~~آليل هو:11] فذكر ثلاثة مواقيت والطرف الثاني يتناول الظهر والعصر. ~~والزلف يتناول المغرب والعشاء. وكذلك قال : ( أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق التل) ~~لالإسراء : 78] والدلوك هو الزوال، في أصح القولين. يقال : دلكت الشمس، ~~وزالت، وزاغت، ومالت. فذكر الدلوك والغسق وبعد الدلوك يصلي الظهر والعصر، ~~وفي الغسق تصلي المغرب والعشاء، ذكر أول الوقت وهو الدلوك، وآخر الوقت وهو ~~الغسق، والغسق اجتماع الليل وظلمته. # ولهذا قال الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وغيره: إن المرأة الحائض إذا ~~طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء. وإذا طهرت قبل غروب الشمس ~~صلت الظهر والعصر . وهذا مذهب جمهور الفقهاء كمالك والشافعي وأحمد. # وأيضا فجمع النبي صلى الله عليه وسلم رفة ومزدلفة يدل على جواز الجمع بغيرهما للعذر، ~~فإنه قد كان من الممكن ms0713 أن يصلي الظهر ويؤخر العصر إلى دخول وقتها، ولكن لأجل PageV01P648 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0649.png) ~~النسك والاشتغال بالوقوف قدم العصر. ولهذا كان القول المرضي عند جماهير العلماء ~~أنه يجمع بمزدلفة وعرفة من كان أهله على مسافة القصر، ومن لم يكن أهله كذلك، ~~فإن النبي لى الله لي لما صلى صلى معه جميع المسلمين أهل مكة وغيرهم، ولم يأمر أحدا ~~منهم بتأخير العصر، ولا بتقديم المغرب، فمن قال من أصحاب الشافعى وأحمد: إن ~~أهل مكة لا يجمعون فقوله ضعيف في غاية الضعف. مخالف للسنة البينة الواضحة التي ~~لا ريب فيها؛ وعذرهم في ذلك أنهم اعتقدوا أن سبب الجمع هو السفر الطويل، ~~والصواب أن الجمع لا يختص بالسفر الطويل، بل يجمع للمطر، ويجمع للمرض، كما ~~جاءت بذلك السنة في جمع المستحاضة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم آرها بالجمع في حديثين. # وأيضا فكون الجمع يختص بالطويل، فيه قولان للعلماء، وهما وجهان في ~~مذهب أحمد: # أحدهما: يجمع في القصير، وهو المشهور، ومذهب الشافعي لا. # والأول : أصح لما تقدم، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن الجمع، وما كان النبي صلى الله عليه وليفعله ?) # فاجاب: وأما الجمع فإنما كان يجمع بعض الأوقات إذا جد به السير، وكان له عذر ~~شرعي . كما جمع بعرفة ومزدلفة، وكان يجمع في غزوة تبوك أحيانا، كان إذا ارتحل قبل ~~الزوال أخر الظهر إلى العصر ثم صلاهما جميعا، وهذا ثابت في الصحيح. # وأما إذا ارتحل بعد الزوال فقد روي أنه كان صلى الظهر والعصر جمعا، كما ~~جمع بينهما بعرفة، وهذا معروف في السنن، وهذا إذا كان لا ينزل إلى وقت ~~المغرب، كما كان بعرفة لا يفيض حتى تغرب الشمس، وأما إذا كان ينزل وقت ~~العصر فإنه يصليها في وقتها، فليس القصر كالجمع، بل القصر سنة راتبة، وأما الجمع ~~فإنه رخصة عارضة، ومن سؤى من العامة بين الجمع والقصر فهو جاهل بسنة ~~رسول الله ال صلى الله علهوسلم، بأقوال علماء المسلمين. # فإن سنة رسولاللهاله صلى الله ليه وسلم وقت بينهما، والعلماء اتفقوا على أن ms0714 أحدهما سنة، ~~واختلفوا في وجوبه، وتنازعوا في جواز الآخر، فأين هذا من هذا?! # وأوسع المذاهب في الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد، فإنه نص على أنه ~~يجوز الجمع للحرج، والشغل، بحديث روي في ذلك. قال القاضي أبو يعلى وغيره ~~من أصحابنا : يعني إذا كان هناك شغل يبيح له ترك الجمعة والجماعة جاز له الجمع، ~~ويجوز عنده وعند مالك وطائفة من أصحاب الشافعي الجمع للمرض، ويجوز عند ~~الثلاثة الجمع للمطر بين المغرب والعشاء، وفي صلاتي النهار نزاع بينهم ويجوز في PageV01P649 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0650.png) ~~ظاهر مذهب أحمد ومالك الجمع للوحل، والريح الشديدة الباردة، ونحو ذلك. # ويجوز للمرضع أن تجمع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة، ~~نص عليه أحمد . وتنازع العلماء في الجمع والقصر : هل يفتقر إلى نية ? فقال ~~جمهورهم : لا يفتقر إلى نية، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحد القولين في ~~مذهب أحمد، وعليه تدل نصوصه وأصوله. # وقال الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد: إنه يفتقر إلى نية، وقول الجمهور هو الذي ~~تدل عليه سنة رسول الله صه صلى الله عليه وسلم، كما قد بسطت هذه المسألة في موضعها، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن صلاة الجمع في المطر بين العشائين. هل يجوز ~~من البرد الشديد ? أو الريح الشديدة ? أم لا يجوز إلا من المطر خاصة ? # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. يجوز الجمع بين العشائين للمطر، والريح ~~الشديدة الباردة، والوحل الشديد. وهذا أصح قولي العلماء، وهو ظاهر مذهب أحمد ~~ومالك وغيرهما، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل يؤم قوما. وقد وقع المطر والثلج فأراد أن ~~يصلي بهم المغرب، فقالوا له : يجمع، فقال: لا أفعل، فهل للمأمومين أن يصلوا في ~~بيوتهم؟ أم لا؟ # فأجاب : الحمد لله. نعم يجوز الجمع للوحل الشديد، والريح الشديدة الباردة، ~~في الليلة الظلماء، ونحو ذلك، وإن لم يكن المطر نازلا في أصح قولي العلماء، ~~وذلك أولى من أن يصلوا في بيوتهم، بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة ~~مخالفة للسنة، إذ السنة أن ms0715 تصلى الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى ~~من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين. # والصلاة جمعا في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة باتفاق الأئمة ~~الذين يجوزون الجمع: كمالك، والشافعي، وأحمد. والله تعالى أعلم. # وقال رحمه الله تعالى # فصل # وأما الصلوات في الأحوال العارضة، كالصلاة المكتوبة في الخوف والمرض، ~~والسفر، ومثل الصلاة لدفع البلاء عند أسبابه كصلوات الآيات في الكسوف ونحوه، أو PageV01P650 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0651.png) ~~الصلاة لاستجلاب النعماء كصلاة الاستسقاء، ومثل الصلاة على الجنازة؛ ففقهاء الحديث ~~كأحمد وغيره متبعون لعامة الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه في هذا الباب ~~فيجوزون في صلاة الخوف جميع الأنواع المحفوظة عن النبي صلى اله عليه وسلم، ويختارون قصر ~~الصلاة في السفر، اتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسل، فإنه لم يصل في السفر قط رباعية إلا مقصورة، ~~ومن صلى أربعا لم يبطلوا صلاته؛ لأن الصحابة أقروا من فعل ذلك منهم؛ بل منهم من ~~يكره ذلك، ومنهم من لا يكرهه وإن رأى تركه أفضل، وفي ذلك عن أحمد روايتان. # وهذا بخلاف الجمع بين الصلاتين، فإن الببيصى لله عليه وسلم، لم يفعله إلا مرات قليلة، ~~فإنهم يستحبون تركه، إلا عند الحاجة إليه اقتداء بالبي صلى الله عليه وسلم، حين جد به السير، حتى ~~اختلف عن أحمد : هل يجوز الجمع للمسافر النازل الذي ليس بسائر أم لا? ولهذا كان ~~أهل السنة مجمعين على جواز القصر في السفر ، مختلفين في جواز الإتمام، ~~ومجمعين على جواز التفريق بين الصلاتين، مختلفين في جواز الجمع بينهما. # ويجوزون جميع الأنواع الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، في صلاة الكسوف. فأصحها ~~وأشهرها أن يكون في كل ركعة ركوعان. وفي الصحيح أيضا في كل ركعة ثلاثة ~~ركوعات، وأربعة، ويجوزون حذف الركوع الزائد، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويطيلون ~~السجود فيها، كما صح عن النبي صى اله عليه وسل، ويجهرون فيها بالقراءة . كما ثبت في الصحيح عن ~~البيى الله عليه وسلم. # وكذلك «الاستسقاء يجوزون الخروج إلى الصحراء ، لصلاة ms0716 الاستسقاء، ~~والدعاء كما ثبت ذلك عن النبي صلى اله عليه وسل، ويجوزون الخروج والدعاء بلا صلاة. كما فعله ~~عمر رضي الله عنه بمحضر من الصحابة. ويجوزون الاستسقاء بالدعاء تبعا للصلوات ~~الراتبة، كخطبة الجمعة ونحوها، كما فعله النبي صيى اله عليه وسلم. # وكذلك «الجنازة» فإن اختيارهم أنه يكبر عليها أربعا كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، أنهم كانوا يفعلونه غالبا. ويجوز على المشهور عند أحمد التخميس في ~~التكبير، ومتابعة الإمام في ذلك لما ثبت عن النبي صلى اله عليه وسلم انه كبر خمسا، وفعله غير ~~واحد من الصحابة، مثل علي بن أبي طالب وغيره. ويجوز أيضا على الصحيح عنده ~~التسبيع ومتابعة الإمام فيه، لما ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يكبرون أحيانا سبعا، بعد ~~موت النبي ص الله عليه وسلم،: ولما في ذلك من الرواية عن البي صى الله عليه وسلم. # باب صلاة الجمعة # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن الصلاة بعد الأذان الأول يوم الجمعة؛ ~~هل فعله النبي صلى الله عليه وسلم: أو أحد من الصحابة والتابعين والأئمة ? أم لا? وهل هو منصوص ~~في مذهب من مذاهب الأئمة المتفق عليهم ? وقول الني يى الله عليه وسلم: بين كل أذانين PageV01P651 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0652.png) ~~صلاة» 1، هل هو مخصوص بيوم الجمعة؟ أم هو عام في جميع الأوقات؟ (2) # فأجاب : رضي الله عنه - الحمد لله رب العالمين. أما النبي صل ل الله علي وسلم إنب لم يكن ~~يصلي قبل الجمعة بعد الأذان شيئا، ولا نقل هذا عنه أحد، فإن النبي صل الله عليه وسلم ان ~~لا يؤذن على عهده إلا إذا قعد على المنبر، ويؤذن بلال، ثم يخطب النبي صل ل الله عليه وسلم ~~الخطبتين، ثم يقيم بلال فيصلي النبي صل الله عليه وسلم الناس، فما كان يمكن أن يصلي بعد ~~الأذان، لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معالصل الله عليه وسلم، ولا نقل عنه أحد أنه ~~صلى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقت بقوله : صلاة مقدرة قبل الجمعة، ms0717 ~~بل ألفاله صلىل الله علي ول فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة، من غير ~~توقيت . كقوله : لمن بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، وصلى ما كتب له # وهذا هو المأثور عن الصحابة، كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة يصلون من ~~حين يدخلون ما تيسر، فمنهم من يصلي عشر ركعات ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ~~ركعة ، ومنهم من يصلى ثمان ركعات، ومنهم من يصلي أقل من ذلك. ولهذا كان ~~جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت، مقدرة بعدد، لأن ~~ذلك إنما يثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلمأو فعله. وهو لم يسن في ذلك شيئا، لا بقوله ~~ولا فعله، وهذا مذهب مالك، ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وهو المشهور في ~~مذهب أحمد. # وذهبت طائفة من العلماء إلى أن قبلها سنة، فمنهم من جعلها ركعتين، كما قالته ~~طائفة من أصحاب الشافعي، وأحمد. ومنهم من جعلها أربعا، كما نقل عن أصحاب ~~أبي حنيفة، وطائفة من أصحاب أحمد وقد نقل عن الإمام أحمد ما استدل به على ذلك. # وهؤلاء منهم من يحتج بحديث ضعيف، ومنهم من يقول : هي ظهر مقصورة، ~~وتكون سنة الظهر سنتها، وهذا خطأ من وجهين. # أحدهما: أن الجمعة مخصوصة بأحكام تفارق بها ظهر كل يوم، باتفاق ~~المسلمين، وإن سميت ظهرا مقصورة، فإن الجمعة يشترط لها الوقت، فلا تقضى، ~~والظهر تقضى، والجمعة يشترط لها العدد والاستيطان، وإذن الإمام، وغير ذلك، ~~والظهر لا يشترط لها شيء من ذلك، فلا يجوز أن تتلقى أحكام الجمعة من أحكام ~~الظهر ، مع اختصاص الجمعة بأحكام تفارق بها الظهر، فإنه إذا كانت الجمعة تشارك PageV01P652 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0653.png) ~~الظهر في حكم، وتفارقها في حكم، لم يمكن إلحاق مورد النزاع بأحدهما إلا بدليل، ~~فليس جعل السنة من موارد الاشتراك بأولى من جعلها من موارد الافتراق. # الوجه الثانى : أن يقال: هب أنها ظهر مقصورة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي في ~~سفره سنة الظهر المقصورة، لا قبلها ولا بعدها، وإنما كان يصليها إذا أتم ms0718 الظهر ~~فصلى أربعا، فإذا كانت سنته التي فعلها في الظهر المقصورة خلاف التامة كان ~~ما ذكروه حجة عليهم لا لهم، وكان السبب المقتضى لحذف بعض الفريضة أولى ~~بحذف السنة الراتبة، كما قال بعض الصحابة: لو كنت متطوعا لأتممت الفريضة. فإنه ~~لو استحب للمسافر أن يصلي أربعا لكانت صلاته للظهر أربعا أولى من أن يصلي ~~ركعتين فرضا، وركعتين سنة. # وهذا لأنه قد ثبت بسنة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم لمتواترة إنه كان لا يصلي في السفر إلا ~~ركعتين : الظهر، والعصر، والعشاء. وكذلك لما حج بالناس عام حجة الوداع لم ~~يصل بهم بمنى وغيرها إلا ركعتين. وكذلك أبو بكر بعده لم يصل إلا ركعتين. ~~وكذلك عمر بعده لم يصل إلا ركعتين. # ومن نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صلى الظهر أو العصر أو العشاء في السفر أربعا فقد ~~أخطأ . والحديث المروي في ذلك عن عائشة هو حديث ضعيف في الأصل، مع ~~ما وقع فيه من التحريف. فإن لفظ الحديث : أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم أفطرت وصمت ? ~~وقصرت وأتممت? فقال : أصبت يا عائشة فهذا مع ضعفه وقيام الأدلة على أنه ~~باطل، روي أن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يفطر ويصوم، ويقصر ويتم. فظن ~~بعض الأئمة أن الحديث فيه أنها روت الأمرين عن رسول الله ل صلى الله عليه سلم وهذا مبسوط في ~~موضعه. # والمقصود هنا: أن السنة للمسافر أن يصلي ركعتين، والأئمة متفقون على أن ~~هذا هو الأفضل، إلا قولا مرجوحا للشافعي. وأكثر الأئمة يكرهون التربيع للمسافر، ~~كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في أنص الروايتين عنه. ثم من هؤلاء من ~~يقول : لا يجوز التربيع، كقول أبي حنيفة. ومنهم من يقول : يجوز مع الكراهة؛ ~~كقول مالك، وأحمد. فيقال : لو كان الله يحب للمسافر أن يصلي ركعتين، ثم ~~ركعتين، لكان يستحب له أن يصلي الفرض أربعا، فإن التقرب إليه ببعض الظهر أفضل ~~من التقرب إليه بالتطوع مع الظهر. ولهذا أوجب على المقيم أربعا، ms0719 فلو أراد المقيم أن ~~يصلي ركعتين فرضا، وركعتين تطوعا، لم يجز له ذلك، والله تعالى لا يوجب عليه ~~وينهاه عن شيء إلا والذي أمره به خير من الذي نهاه عنه، فعلم أن صلاة الظهر أربعا PageV01P653 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0654.png) ~~خير عند الله من أن يصليها ركعتين مع ركعتين تطوعا . فلما كان سبحانه لم يستحب ~~للمسافر التربيع بخير الأمرين عنده، فلأن لا يستحب التربيع بالأمر المرجوح عنده ~~أولى. # فثبت بهذا الاعتبار الصحيح أن فعل رسول الله ل صلى الله عليه وسلم وأكمل الأمور، وأن هديه ~~خير الهدي، وأن المسافر إذا اقتصر على ركعتي الفرض كان أفضل له من أن يقرن ~~بهما ركعتي السنة. # وبهذا يظهر أن الجمعة إذا كانت ظهرا مقصورة لم يكن من السنة أن يقرن بها ~~سنة ظهر المقيم، بل تجعل كظهر المسافر المقصورة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم بصلي في ~~السفر ركعتي الفجر والوتر، ويصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت به، ويوتر ~~عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. وهذا لأن الفجر لم تقصر في السفر، فبقيت ~~سنتها على حالها، بخلاف المقصورات في السفر، والوتر مستقل بنفسه كسائر قيام ~~الليل، وهو أفضل الصلاة بعد المكتوبة، وسنة الفجر تدخل في صلاة الليل من بعض ~~الوجوه . فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم صليه في السفر، لاستقلاله وقيام المقتضى له. # والصواب أن يقال : ليس قبل الجمعة سنة راتبة مقدرة، ولو كان الأذانان على ~~عهده، فإنه قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال : لبين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين ~~صلاة، بين كل أذانين صلاة. ثم قال في الثالثة : لمن شاء كراهية أن يتخذها ~~الناس سنة . فهذا الحديث الصحيح يدل على أن الصلاة مشروعة قبل العصر، وقبل ~~العشاء الآخرة، وقبل المغرب، وإن ذلك ليس بسنة راتبة. وكذلك قد ثبت أن أصحابه ~~كانوا يصلون بين أذاني المغرب، وهو يراهم فلا ينهاهم، ولا يأمرهم، ولا يفعل هو ~~ذلك . فدل على أن ذلك فعل جائز. # وقد احتج بعض الناس على الصلاة قبل الجمعة بقوله ms0720 : بين كل أذانين ~~صلاة . وعارضه غيره فقال : الأذان الذي على المنائر لم يكن على عهد ~~رسوللله ل صلى الله عليه وسلم، ولكن عثمان أمر به لما كثر الناس على عهده، ولم يكن يبلغهم ~~الأذان حين خروجه وقعوده على المنبر . ويتوجه أن يقال هذا الأذان لما سنه عثمان، ~~واتفق المسلمون عليه، صار أذانا شرعيا، وحينئذ فتكون الصلاة بينه وبين الأذان الثاني ~~جائزة حسنة، وليست سنة راتبة، كالصلاة قبل صلاة المغرب. وحينئذ فمن فعل ذلك ~~لم ينكر عليه، ومن ترك ذلك لم ينكر عليه. وهذا أعدل الأقوال، وكلام الإمام أحمد ~~يدل عليه. # وحينئذ فقد يكون تركها أفضل إذا كان الجهال يظنون أن هذه سنة راتبة، أو أنها PageV01P654 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0655.png) ~~واجبة، فتترك حتى يعرف الناس أنها ليست سنة راتبة. ولا واجبة، لا سيما إذا داوم ~~الناس عليها فينبغي تركها أحيانا حتى لا تشبه الفرض، كما استحب أكثر العلماء أن ~~لا يداوم على قراءة السجدة يوم الجمعة، مع أنه قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله ليه وسلم. ~~فعلها، فإذا كان يكره المداومة على ذلك فترك المداومة على ما لم يسنه النبي مله له وسلم ~~أولى . وإن صلاها الرجل بين الأذانين أحيانا؛ لأنها تطوع مطلق، أو صلاة بين ~~الأذانين، كما يصلي قبل العصر والعشاء، لا لأنها سنة راتبة فهذا جائز. وإن كان ~~الرجل مع قوم يصلونها، فإن كان مطاعا إذا تركها - وبين لهم السنة - لم ينكروا عليه، ~~بل عرفوا السنة فتركها حسن، وإن لم يكن مطاعا ورأى أن في صلاتها تأليفا لقلوبهم ~~إلى ما هو أنفع، أو دفعا للخصام والشر لعدم التمكن من بيان الحق لهم، وقبولهم ~~له، ونحو ذلك، فهذا أيضا حسن. # فالعمل الواحد يكون فعله مستحبا تارة، وتركه تارة، باعتبار ما يترجح من ~~مصلحة فعله وتركه، بحسب الأدلة الشرعية. والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في ~~فعله فساد راجح على مصلحته، كما ترك النبي صل الله عليه وسلمناء البيت على قواعد إبراهيم، ~~وقال لعائشة : للولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لنقضت ms0721 الكعبة، ولألصقتها ~~بالأرض ولجعلت لها بابين، بابا يدخل الناس منه، وبابا يخرجون منه والحديث ~~في الصحيحين . فترك النبي صلى الله عليه وسلم ذدا الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض ~~الراجح، وهو حدثان عهد قريش بالإسلام لما في ذلك من التنفير لهم، فكانت ~~المفسدة راجحة على المصلحة. # ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل، إذا كان ~~فيه تأليف المأمومين، مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل، بأن يسلم في الشفع، ثم ~~يصلي ركعة الوتر، وهو يؤم قوما لا يرون إلا وصل الوتر، فإذا لم يمكنه أن يتقدم إلى ~~الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقته لهم بوصل الوتر أرجح من مصلحة فصله ~~مع كراهتهم للصلاة خلفه، وكذلك لو كان ممن يرى المخافتة بالبسملة أفضل . أو ~~الجهر بها، وكان المأمومون على خلاف رأيه، ففعل المفضول عنده لمصلحة الموافقة ~~والتأليف التي هي راجحة على مصلحة تلك الفضيلة كان جائزا حسنا. # وكذلك لو فعل خلاف الأفضل لأجل بيان السنة وتعليمها لمن لم يعلمها كان ~~حسنا، مثل أن يجهر بالاستفتاح أو التعوذ أو البسملة ليعرف الناس أن فعل ذلك حسن ~~مشروع في الصلاة، كما ثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب جهر بالاستفتاح، ~~فكان يكبر ويقول: لسبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله PageV01P655 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0656.png) ~~غيرك»1) . قال الأسود بن يزيد : صليت خلف عمر أكثر من سبعين صلاة، فكان ~~يكبر؛ ثم يقول ذلك، رواه مسلم في صحيحه. ولهذا شاع هذا الاستفتاح حتى عمل ~~به أكثر الناس . وكذلك كان ابن عمر وابن عباس يجهران بالاستعاذة، وكان غير واحد ~~من الصحابة يجهر بالبسملة. وهذا عند الأئمة الجمهور الذين لا يرون الجهر بها سنة ~~راتبة كان ليعلم الناس أن قراءتها في الصلاة سنة، كما ثبت في الصحيح أن ابن عباس ~~صلى على جنازة فقرأ بأم القرآن جهرا، وذكر أنه فعل ذلك ليعلم الناس أنها سنة. ~~وذلك أن الناس في صلاة الجنازة على قولين : # منهم من لا يرى فيها قراءة بحال، كما قاله كثير ms0722 من السلف، وهو مذهب ~~أبي حنيفة ومالك. # ومنهم من يرى القراءة فيها سنة، كقول الشافعي، وأحمد لحديث ابن عباس هذا ~~وغيره . # ثم من هؤلاء من يقول : القراءة فيها واجبة كالصلاة. # ومنهم من يقول : بل هي سنة مستحبة، ليست واجبة، وهذا أعدل الأقوال ~~الثلاثة؛ فإن السلف فعلوا هذا، وهذا، وكان كلا الفعلين مشهورا بينهم، كانوا يصلون ~~على الجنازة بقراءة وغير قراءة، كما كانوا يصلون تارة بالجهر بالبسملة، وتارة بغير ~~جهر بها، وتارة باستفتاح وتارة بغير استفتاح، وتارة برفع اليدين في المواطن الثلاثة، ~~وتارة بغير رفع اليدين، وتارة يسلمون تسليمتين، وتارة تسليمة واحدة، وتارة يقرأون ~~خلف الإمام بالسر، وتارة لا يقرأون، وتارة يكبرون على الجنازة أربعا، وتارة خمسا، ~~وتارة سبعا كان فيهم من يفعل هذا، وفيهم من يفعل هذا. كل هذا ثابت عن ~~الصحابة. # كما ثبت عنهم أن منهم من كان يرجع في الأذان، ومنهم من لم يرجع فيه. # ومنهم من كان يوتر الإقامة، ومنهم من كان يشفعها، وكلاهما ثابت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # فهذه الأمور وإن كان أحدها أرجح من الآخر، فمن فعل المرجوح فقد فعل ~~جائزا. وقد يكون فعل المرجوح أرجح للمصلحة الراجحة، كما يكون ترك الراجح ~~أرجح أحيانا لمصلحة راجحة، وهذا واقع في عامة الأعمال، فإن العمل الذي هو في ~~جنسه أفضل، قد يكون في مواطن غيره أفضل منه، كما أن جنس الصلاة أفضل من ~~جنس القراءة، وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس ~~الدعاء. ثم الصلاة بعد الفجر والعصر منهي عنها، والقراءة والذكر والدعاء أفضل منها PageV01P656 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0657.png) ~~في تلك الأوقات وكذلك القراءة في الركوع والسجود منهي عنها، والذكر هنا أفضل ~~منها، والدعاء في آخر الصلاة بعد التشهد أفضل من الذكر، وقد يكون العمل ~~المفضول أفضل بحسب حال الشخص المعين؛ لكونه عاجزا عن الأفضل، أو لكون ~~محبته ورغبته واهتمامه وانتفاعه بالمفضول أكثر، فيكون أفضل في حقه لما يقترن به ~~من مزيد عمله وحبه وإرادته وانتفاعه كما أن المريض ينتفع بالدواء الذي يشتهيه ms0723 ~~ما لا ينتفع بما لا يشتهيه، وإن كان جنس ذلك أفضل. # ومن هذا الباب صار الذكر لبعض الناس في بعض الأوقات خيرا من القراءة، ~~والقراءة لبعضهم في بعض الأوقات خيرا من الصلاة، وأمثال ذلك، لكمال انتفاعه به، ~~لا لأنه في جنسه أفضل. # وهذا الباب : «باب تفضيل بعض الأعمال على بعض1 إن لم يعرف فيه ~~التفضيل، وأن ذلك قد يتنوع بتنوع الأحوال في كثير من الأعمال وإلا وقع فيها ~~اضطراب كثير . فإن في الناس من إذا اعتقد استحباب فعل ورجحانه يحافظ عليه ~~ما لا يحافظ على الواجبات، حتى يخرج به الأمر إلى الهوى والتعصب والحمية ~~الجاهلية، كما تجده فيمن يختار بعض هذه الأمور فيراها شعارا لمذهبه. # ومنهم من إذا رأى ترك ذلك هو الأفضل، يحافظ أيضا على هذا الترك أعظم من ~~محافظته على ترك المحرمات، حتى يخرج به الأمر إلى اتباع الهوى والحمية ~~الجاهلية، كما تجده فيمن يرى الترك شعارا لمذهبه، وأمثال ذلك، وهذا كله خطأ. # والواجب أن يعطى كل ذي حق حقه. ويوسع ما وسعه الله ورسوله، ويؤلف ~~ما ألف الله بينه ورسوله، ويراعي في ذلك ما يحبه الله ورسوله من المصالح ~~الشرعية، والمقاصد الشرعية، ويعلم أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي ~~محمدا صلى الله عليه وسلم إن الله بعثه رحمة للعالمين، بعثه بسعادة الدنيا والآخرة، في كل أمر من ~~الأمور، وأن يكون مع الإنسان من التفصيل ما يحفظ به هذا الإجمال، وإلا فكثير من ~~الناس يعتقد هذا مجملا، ويدعه عند التفصيل : إما جهلا، وإما ظلما، وإما اتباعا ~~للهوى. فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. # وأما السنة بعد الجمعة فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم،: أنه كان يصلي ~~بعد الجمعة ركعتين كما ثبت عنه في الصحيحين: لأنه كان يصلي قبل الفجر PageV01P657 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0658.png) # 177 ~~ركعتين، وبعد الظهر ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين # وأما الظهر ففي حديث ابن عمر : أنه ms0724 كان يصلي قبلها ركعتين وفي ~~الصحيحين عن عائشة : أنه كان يصلي قبلها أربعا # وفي الصحيح عن أم حبيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة ~~ركعة تطوعا غير فريضة بنى الله له بيتا في الجنة. وجاء مفسرا في السنن : أربعا قبل ~~الظهر، وركعتين بعدها. وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل ~~الفجر . فهذه هي السنن الراتبة التي ثبتت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله وفعله. ~~مدارها على هذه الأحاديث الثلاثة : حديث ابن عمر، وعائشة، وأم حبيبة. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم قيوم بالليل : إما إحدى عشرة ركعة، وإما ثلاث عشرة ركعة، ~~فكان مجموع صلاته بالليل والنهار فرضه ونفله نحوا من أربعين ركعة. # والناس في هذه السنن الرواتب على ثلاثة أقوال : # منهم من لا يوقت في ذلك شيئا كقول مالك، فإنه لا يرى سنة إلا الوتر، ~~وركعتي الفجر. وكان يقول : إنما يوقت أهل العراق. # ومنهم من يقدر في ذلك أشياء بأحاديث ضعيفة، بل باطلة، كما يوجد في ~~مذاهب أهل العراق، وبعض من وافقهم من أصحاب الشافعي وأحمد، فإن هؤلاء ~~يوجد في كتبهم من الصلوات المقدرة والأحاديث في ذلك ما يعلم أهل المعرفة بالسنة ~~أنه مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، كمن روى نه صلى الله عليه وسلم: أنه صلى قبل العصر أربعا (أو أنه ~~قضى سنة العصر» أو «أنه صلى قبل الظهر ستا» أو بعدها أربعا» أو لاأنه كان ~~يحافظ على الضحى . وأمثال ذلك من الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم # وأشد من ذلك ما يذكره بعض المصنفين في الرقائق والفضائل في الصلوات ~~الأسبوعية، والحولية: كصلاة يوم الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، ~~والجمعة، والسبت، المذكورة في كتاب أبي طالب، وأبي حامد، وعبد القادر، PageV01P658 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0659.png) ~~وغيرهم. وكصلاة «الألفية» التي في أول رجب، ونصف شعبان، والصلاة «الإثني ~~عشرية التي في أول ليلة جمعة من رجب، والصلاة التي في ليلة سبع وعشرين من ~~رجب، وصلوات أخر تذكر في ms0725 الأشهر الثلاثة، وصلاة ليلتي العيدين وصلاة يوم ~~عاشوراء، وأمثال ذلك من الصلوات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مع اتفاق أهل المعرفة بحديثه ~~أن ذلك كذب عليه، ولكن بلغ ذلك أقواما من أهل العلم والدين، فظنوه صحيحا، فعملوا ~~به، وهم مأجورون على حسن قصدهم واجتهادهم، لا على مخالفة السنة. # وأما من تبينت له السنة فظن أن غيرها خير منها فهو ضال مبتدع، بل كافر . # والقول الوسط العدل هو ما وافق السنة الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت عنه ~~أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين، وفي صحيح مسلم عنه أنه قال : لامن كان منكم ~~مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا . وقد روى الست عن طائفة من الصحابة ~~جمعا بين هذا وهذا. # والسنة أن يفصل بين الفرض والنفل في الجمعة، وغيرها. كما ثبت عنه في ~~الصحيح: أ صلى الله عليه وسلم نهى أن توصل صلاة بصلاة، حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام ~~فلا يفعل ما يفعله كثير من الناس . يصل السلام بركعتي السنة، فإن هذا ركوب لنهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم: وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض، كما يميز بين ~~العبادة وغير العبادة. # ولهذا استحب تعجيل الفطور، وتأخير السحور، والأكل يوم الفطر قبل الصلاة، ~~ونهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين، فهذا كله للفصل بين المأمور به من الصيام، ~~وغير المأمور به، والفصل بين العبادة وغيرها. وهكذا تمييز الجمعة التي أوجبها الله ~~من غيرها. # وأيضا فإن كثيرا من أهل البدع كالرافضة وغيرهم لا ينوون الجمعة بل ينوون ~~الظهر، ويظهرون أنهم سلموا، وما سلموا، فيصلون ظهرا ويظن الظان أنهم يصلون ~~السنة، فإذا حصل التمييز بين الفرض والنفل كان في هذا منع لهذه البدعة، وهذا له ~~نظائر كثيرة، والله سبحانه أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن الصلاة يوم الجمعة بالسجدة: هل تحب المداومة ~~عليها أم لا? # فأجاب: الحمد لله. ليست قراءة (المه تيل )، التي فيها PageV01P659 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0660.png) ~~179 ~~السجدة ولا غيرها من ذوات السجود واجبة في ms0726 فجر الجمعة باتفاق الأئمة، ومن ~~اعتقد ذلك واجبا أو ذم من ترك ذلك فهو ضال مخطى، يجب عليه أن يتوب من ذلك ~~باتفاق الأئمة . وإنما تنازع العلماء في استحباب ذلك وكراهيته. فعند مالك يكره أن ~~يقرأ بالسجدة في الجهر . والصحيح أنه لا يكره، قول أبي حنيفة، والشافعي، ~~وأحمد؛ لأنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله علي وسلم ن سجد في العشاء ب( إذا السماء ~~أنشق)ه لإنشقاق : اوثبت عنه في الصحيحين أنه كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة ~~(الم * تزيل) و( هل أت))ان وعند مالك يكره أن يقصد سورة ~~بعينها . وأما الشافعي وأحمد فيستحبان ما جاءت به السنة، مثل الجمعة والمنافقين، ~~في الجمعة. والذاريات واقتربت في العيد، والم تنزيل وهل أتى في فجر الجمعة. # لكن هنا مسألتان نافعتان: # إحداهما : أنه لا يستحب أن يقرأ بسورة فيها سجدة أخرى باتفاق الأئمة، فليس ~~الاستحباب لأجل السجدة، بل للسورتين، والسجدة جاءت اتفاقا، فإن هاتين ~~السورتين فيهما ذكر ما يكون في يوم الجمعة من الخلق والبعث. # الثانية : أنه لا ينبغي المداومة عليها، بحيث يتوهم الجهال أنها واجبة، وأن ~~تاركها مسيء، بل ينبغي تركها أحيانا لعدم وجوبها، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عمن أدرك ركعة من صلاة الجمعة، ثم قام ليقضي ~~ما عليه . فهل يجهر بالقراءة أم لا? # فأجاب : بل يخافت بالقراءة، ولا يجهر؛ لأن المسبوق إذا قام يقضي فإنه منفرد ~~فيما يقضيه، حكمه حكم المنفرد، وهو فيما يدركه في حكم المؤتم؛ ولهذا يسجد ~~المسبوق إذا سها فيما يقضيه، وإذا كان كذلك فالمسبوق إنما يجهر فيما يجهر فيه ~~المنفرد، فمن كان من العلماء مذهبه أن يجهر المنفرد في العشاءين والفجر، فإنه يجهر ~~إذا قضى الركعتين الأوليين، ومن كان مذهبه أن المنفرد لا يجهر فإنه لا يجهر ~~والمسبوق الم ن فرك فل يجهرت لته مدك لجمعة فمنا و تبعا، ولا يشترط في التابع ~~ما يشترط في المتبوع، ولهذا لا يشترط لما يقضيه المسبوق العدد، ونحو ذلك. # لكن مضت السنة أن من أدرك ركعة من ms0727 الصلاة فقد أدرك الصلاة فهو مدرك ~~للجمعة، كمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ومن أدرك ركعة من الفجر قبل ~~ان تطلع الشمس، فإنه مدرك، وإن كانت بقية الصلاة فعلت خارج الوقت، والله أعلم. PageV01P660 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0661.png) # وسئل رحمه الله تعالى : عن صلاة الجمعة في جامع القلعة : هل هي جائزة، مع ~~أن في البلد خطبة أخرى، مع وجود سورها، وغلق أبوابها أم لا? # فأجاب: نعم! يجوز أن يصلي فيها جمعة لأنها مدينة أخرى . كمصر والقاهرة، ~~ولو لم تكن كمدينة أخرى فإقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة ~~يجوز عند أكثر العلماء؛ ولهذا لما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في ~~الجانب الشرقي، وجمعة في الجانب الغربي . وجوز ذلك أكثر العلماء، وشبهوا ذلك ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم في مدينته إلا في موضع يخرج بالمسلمين فيصلي العيد بالصحراء، ~~وكذلك كان الأمر في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان. فلما تولى علي بن أبي طالب ~~وصار بالكوفة، وكان الخلق بها كثيرا، قالوا : يا أمير المؤمنين! إن بالمدينة شيوخا ~~وضعفاء يشق عليهم الخروج إلى الصحراء فاستخلف علي بن أبي طالب رجلا يصلي ~~بالناس العيد في المسجد، وهو يصلي بالناس خارج الصحراء، ولم يكن هذا يفعل ~~قبل ذلك، وعلي من الخلفاء الراشدين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين من بعدي . فمن تمسك بسنة الخلفاء الراشدين فقد أطاع الله ~~ورسوله، والحاجة في هذه البلاد وفي هذه الأوقات تدعو إلى أكثر من جمعة، إذ ليس ~~للناس جامع واحد يسعهم، ولا يمكنهم جمعة واحدة إلا بمشقة عظيمة . # وهنا وجه ثالث: وهو أن يجعل القلعة كأنها قرية خارج المدينة. والذي عليه ~~الجمهور كمالك والشافعي وأحمد أن الجمعة تقام في القرى ؛ لأن في الصحيح عن ~~ابن عباس أنه قال : «أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة ~~«بجوائي» قرية من قرى البحرين») وكان ذلك على عهد رسول الله له صلى الله عليه وسلم حين قدم ~~عليه وفد عبد القيس ms0728 . وكذلك كتب عمر بن الخطاب إلى المسلمين يأمرهم بالجمعة ~~حيث كانوا. وكان عبد الله بن عمر يمر بالمياه التي بين مكة والمدينة وهم يقيمون ~~الجمعة فلا ينكر عليهم. # وأما قول علي رضي الله عنه: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. فلو لم ~~يكن له مخالف لجاز أن يراد به أن كل قرية مصر جامع كما أن المصر الجامع يسمى قرية. ~~وقد سمى الله مكة قرية، بل سماها أم القرى بل وما هو أكبر من مكة، كما في قوله: PageV01P661 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0662.png) ~~(وأبن من قرية هي أشد قوة من قرينك التي أخرجتك أهلكتهم قالا ناصر لمت ). وسمى ~~مصر القديمة قرية بقوله :(وسثل القرية التى كنا فيها والعير الي اقبلنا ني). ~~ومثله في القرآن كثير، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجلين تنازعا في العيد إذا وافق الجمعة، فقال ~~أحدهما: يجب أن يصلي العيد، ولا يصلي الجمعة؛ وقال الآخر: يصليها. فما ~~الصواب في ذلك? # فأجاب : الحمد لله . إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد فللعلماء في ذلك ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه تجب الجمعة على من شهد العيد. كما تجب سائر الجمع ~~للعمومات الدالة على وجوب الجمعة. # والثاني : تسقط عن أهل البر، مثل أهل العوالي والشواذ؛ لأن عثمان بن عفان ~~أرخص لهم في ترك الجمعة لما صلى بهم العيد. # والقول الثالث : وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة، لكن على ~~الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد. وهذا هو ~~المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه: كعمر، وعثمان، وابن مسعود، وابن عباس، وابن ~~الزبير وغيرهم . ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف. # وأصحاب القولين المتقدمين لم يبلغهم ما في ذلك من السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لما ~~اجتمع في يومه عيدان صلى العيد ثم رخص في الجمعة . وفي لفظ أنه قال: لأيها ~~الناس! إنكم قد أصبتم خيرآ، فمن شاء أن يشهد الجمعة فليشهد، فإنا مجمعون. # وأيضا فإنه إذا شهد العيد حصل ms0729 مقصود الاجتماع، ثم إنه يصلي الظهر إذا لم ~~يشهد الجمعة، فتكون الظهر في وقتها، والعيد يحصل مقصود الجمعة. وفي إيجابها ~~على الناس تضييق عليهم، وتكدير لمقصود عيدهم، وما سن لهم من السرور فيه، ~~والانبساط. # فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالإبطال، ولأن يوم الجمعة عيد، ويوم ~~الفطر والنحرعيد، ومن شأن الشارع إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد أدخل إحداهما PageV01P662 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0663.png) ~~في الأخرى. كما يدخل الوضوء في الغسل، وأحد الغسلين في الآخر. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن خطبة بين صلاتين . كلاهما فرض لوقتها، في ~~ساعة مشكلة العين. واعتبار الشرط فيها كما في غيرها من هيئة الدين . كالظهر ~~والسنن، والوقت، والقبلة أيضا بالتأذين. # فأجاب : الحمد لله. هذه المسألة قد تنزل على عدة مسائل، بعضها متفق عليه، ~~وبعضها متنازع فيه : # منها إذا اجتمع عيد وجمعة فمن قال : إن العيد فرض، يقول : إن خطبة الجمعة ~~هي خطبة بين صلاتين كلاهما فرض، بخلاف خطبة العيد . فإنه يقول ليست فرضا. # وإما أن تنزل على ما إذا اعتقد جمعتان في موضع لا تصح فيه جمعتان، فإن ~~تصح الأولى وتبطل الثانية، إذا كانا بإذن الإمام. فإن أشكل عين السابقة بطلتا جميعا، ~~وصلوا ظهرا. فالخطبة التي قبل الثانية خطبة بين صلاتين كلاهما فرض، إذا كان ~~الإمام قد أذن في كل منهما، واعتقدوا أن الجمعة لا تقام عندهم، وكلاهما يعتقد أن ~~جمعته فرض. # ويمكن أن يريد السائل الفجر والجمعة، فإن الفجر فرض في وقتها، والجمعة ~~فرض لوقتها، وبينهما خطبة هي خطبة الجمعة. # ومنها خطب الحج: فإن خطبة عرفة تكون بين الصلاة بعرفة، وبين صلاة المغرب، ~~فكلاهما فرض، والخطبة يوم النحر: تكون بين الفجر والظهر، فكلاهما فرض. # وسئل رحمه الله تعالى : هل قراءة الكهف بعد عصر الجمعة، جاء فيه حديث أم ~~لا4(2) # فأجاب : الحمد لله. قراءة سورة الكهف يوم الجمعة فيها آثار، ذكرها أهل ~~الحديث والفقه، لكن هي مطلقة يوم الجمعة، ما سمعت أنها مختصة بعد العصر، ~~والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن فرش السجادة ms0730 في الروضة الشريفة، هل يجوز أم لا؟ (3) # فأجاب : ليس لأحد أن يفرش شيئا ويختص به مع غيبته، ويمنع به غيره. هذا ~~غصب لتلك البقعة، ومنع للمسلمين مما أمر الله تعالى به من الصلاة. # والسنة أن يتقدم الرجل بنفسه، وأما من يتقدم بسجادة فهو ظالم، ينهى عنه ~~ويجب رفع تلك السجاجيد، ويمكن الناس من مكانها. PageV01P663 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0664.png) # هذا مع أن أصل الفرش بدعة، لا سيما في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فإن ~~رسولاللهله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون على الأرض، والخمرة التي كان يصلي عليها ~~رسولالله له صلى الله عليه وسلم، صغيرة، ليست بقدر السجادة. # قلت : فقد نقل ابن حزم في المحلى عن عطاء بن أبي رباح: أنه لا يجوز ~~الصلاة في مسجد إلا على الأرض، ولما قدم عبد الرحمن بن مهدي من العراق، ~~وفرش في المسجد . أمر مالك بن أنس بحبسه تعزيرا له، حتى روجع في ذلك، فذكر ~~أن فعل هذا في مثل هذا المسجد بدعة يؤدب صاحبها. # وعلى الناس الإنكار على من يفعل ذلك، والمنع منه، لا سيما ولاة الأمر الذين ~~لهم هنالك ولاية على المسجد، فإنه يتعين عليهم رفع هذه السجاجيد، ولو عوقب ~~بالصدقة بها لكان هذا مما يسوغ في الاجتهاد، انتهى. # وسئل رحمه الله تعالى : عن قول المؤذن يوم الجمعة وقت دخول الإمام ~~المسجد : اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد وسلم. ورضي الله عن أصحاب ~~رسول الله أجمعين . وفي دعاء الإمام بعد صعوده على المنبر، وفي قول المؤذن بعد ~~الأذان الثاني : عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ل صلى الله عليه وسلم : إذا قلت ~~لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت أذلك مسنون، أو مستحب، ~~أو مكروه في صلاة الجمعة?2 # فأجاب : الحمد لله ليس هذا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا استحبه أحد من أئمة ~~المسلمين العلماء، لكن تبليغ الحديث فعله من فعله لأمر الناس بالإنصات، وهو من ~~نوع الخطبة. # وأما دعاء الإمام بعد ms0731 صعوده، ورفع المؤذنين أصواتهم بالصلاة، فهذا لم يذكره ~~العلماء، وإنما يفعله من يفعله بلا أصل شرعي. # وأما رفع المؤذنين أصواتهم وقت الخطبة بالصلاة وغيرها، فهذا مكروه باتفاق الأئمة. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل مؤذن يقول عند دخول الخطيب إلى الجامع ~~(إن الله وملكته يصلون على النبي). فقال رجل : هذا بدعة. فما يجب عليه? # فأجاب: جهر المؤذن بذلك، كجهره بالصلاة والترضي عند رقي الخطيب ~~المنبر، أو جهره بالدعاء للخطيب والإمام، ونحو ذلك: لم يكن على عهد ~~رسول الله لصلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، ولا استحبه أحد من الأيمة. PageV01P664 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0665.png) # باب صلاة العيدين # سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : هل يتعين قراءة بعينها في صلاة العيدين? ~~وما يقول الإنسان بين كل تكبيرتين؟ # فأجاب: الحمد لله. مهما قرأ به جاز . كما تجوز القراءة في نحوها من الصلوات. ~~لكن إذا قرأ بقاف، واقتربت، أو نحو ذلك . مما جاء في الأثر، كان حسنا. # ل عله ، # وأما بين التكبيرات؛ فإنه يحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويدعو بما شاء. هكذا روى نحو هذا العلماء عن عبد الله بن مسعود . وإن قال: ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر . اللهم صل على محمد، وعلى ~~آل محمد، اللهم اغفر لي، وارحمنى، كان حسنا. وكذلك إن قال : الله أكبر كبيرا، ~~والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. ونحو ذلك، وليس في ذلك شيء ~~مؤقت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن صفة التكبير في العيدين. ومتى وقته? # فأجاب : الحمد لله. أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف ~~والفقهاء من الصحابة والأئمة : أن يكبر من فجر يوم عرفة، إلى آخر أيام التشريق، ~~عقب كل صلاة، ويشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد. وهذا ~~باتفاق الأئمة الأربعة. # وصفة التكبير المنقول عند أكثر الصحابة : قد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا ms0732 الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد. وإن ~~فال : الله أكبر ثلاثا جاز. ومن الفقهاء من يكبر ثلاثا فقط، ومنهم من يكبر ثلاثا ~~ويقول لا إله إلا الله وحده لا شر يك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل ~~شيء قدير . # وأما التكبير في الصلاة فيكبر المأموم تبعا للإمام، وأكثر الصحابة ~~رضي الله عنهم والأئمة يكبرون سبعا في الأولى، وخمسا في الثانية. # وإن شاء أن يقول بين التكبيرتين: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ~~والله أكبر . اللهم اغفر لي، وارحمني. كان حسنا، كما جاء ذلك عن بعض السلف، ~~والله أعلم. PageV01P665 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0666.png) # وسئل رحمه الله تعالى : هل التكبير يجب في عيد الفطر اكثر من عيد ~~الأضحى? بينوا لنا مأجورين(1). # فأجاب : أما التكبير فإنه مشروع في عيد الأضحى بالاتفاق. وكذلك هو مشروع ~~في عيد الفطر : عند مالك، والشافعي، وأحمد. وذكر ذلك الطحاوي مذهبا لأبى ~~حنيفة، وأصحابه. والمشهور عنهم خلافه، لكن التكبير فيه هو المأثور عن الصحابة ~~رضوان الله عليهم، والتكبير فيه أوكد من جهة أن الله أمر به بقوله: (ولتخملوا العدة ~~ولتكبروا الله عل ما هددكم ولعلكم تشكروب). # والتكبير فيه : أوله من رؤية الهلال، وآخره انقضاء العيد، وهو فراغ الإمام من ~~الخطبة على الصحيح . # وأما التكبير في النحر فهو أوكد من جهة أنه يشرع أدبار الصلوات وأنه متفق ~~عليه، وأن عيد النحر تجتمع فيه المكان والزمان، وعيد النحر أفضل من عيد الفطر، ~~ولهذا كانت العبادة فيه النحر مع الصلاة. والعبادة في ذاك الصدقة مع الصلاة. والنحر ~~أفضل من الصدقة ، لأنه يجتمع فيه العبادتان البدنية والمالية، فالذبح عبادة بدنية ~~ومالية، والصدقة والهدية عبادة مالية ولأن الصدقة في الفطر تابعة للصوم، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وضها طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين ولهذا سن أن ~~تخرج قبل الصلاة، كما قال تعالى : (قذ ألح من تزك وذكر اسم ريه نصل)، ~~15. وأما النسك فإنه مشروع في اليوم نفسه عبادة مستقلة، ولهذا يشرع بعد الصلاة، ~~كما قال تعالى : (فصل لربك ms0733 وانحر * إب شانفكك هو الأبت)،]. # فصلاة الناس في الأمصار بمنزلة رمي الحجاج جمرة العقبة، وذبحهم في ~~الأمصار بمنزلة ذبح الحجاج هديهم. # وفي الحديث الذي في السنن: أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم ~~القر»(2) وفي الحديث الآخر الذي في السنن وقد صححه الترمذي : ليوم عرفة ويوم ~~النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب وذكر لله»2) ولهذا كان ~~الصحيح من أقوال العلماء أن أهل الأمصار يكبرون من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام ~~التشريق، لهذا الحديث. ولحديث آخر رواه الدارقطني عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه ~~إجماع من أكابر الصحابة والله أعلم. PageV01P666 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0667.png) # قال الله تعالى : ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله علك ما هددكم ولعلكم تشكروب) ~~واللام» إما متعلقة بمذكور : أي ( يربيد الله بكم اليسر .. . ولتنملوا العد ~~البقرة : 185]. كما قال : ( يربيد الله ليبين لكم) ء26. أو بمحذوف : أي ~~ولتكملوا العدة(2) شرع ذلك. # وهذا أشهر لأنه قال: ( ولعلكم تشكرون) فيجب على الأول أن يقال ويريد ~~لعلكم تشكرون، وفيه وهن . # لكن يحتج للأول بقوله تعالى في آية الوضوء: (ما يربيد الله ليجعل عليكم من ~~حرح ولاكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون)آ 6] فإن آية ~~الصيام وآية الطهارة متناسبتان في اللفظ والمعنى، فقوله: ( يربيد الله بكم اليستر ولا ~~يربيد بكم المر) لبقرة: بمنزلة قوله : (ما يربيد الله ليجعل عليكم من ~~حرج) وقوله : ( ولاكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) كقوله: ~~( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هدكم ولعلكم تشكروب). # والمقصود هنا: أن الله سبحانه أراد شرعا : التكبير على ما هدانا، ولهذا قال ~~من قال من السلف : كزيد بن أسلم هو التكبير تكبير العيد، واتفقت الأمة على أن ~~صلاة العيد مخصوصة بتكبير زائد، ولعله يدخل في التكبير صلاة العيد، كما سميت ~~الصلاة تسبيحا، وقياما، وسجودا وقرآنا، وكما أدخلت صلاتا الجمع في ذكر الله في ~~قوله: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرار) ~~وأريد الخطبة والصلاة بقوله : ( فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البية) ة: 29 ويكون ~~لأجل ms0734 أن الصلاة لما سميت تكبيرا خصت بتكبير زائد، كما أن صلاة الفجر لما سميت ~~قرآنا خصت بقرآن زائد، وجعل طول القراءة فيها عوضا عن الركعتين في الصلاة ~~الرباعية . وكذلك صلاة الليل لما سميت قياما بقوله: (ق آليل)ه المزمل: 2 ~~خصت بطول القيام، فكان النبي صل الله علي وسلم ليل القيام والركوع والسجود بالليل ما لا يطيله ~~بالنهار. ولهذا قال بعض السلف : إن التطويل بالليل أفضل، وإن تكثير الركوع ~~والسجود بالنهار أفضل. # وكان التكبير أيضا مشروعا في خطبة العيد زيادة على الخطب الجمعية، وكان PageV01P667 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0668.png) ~~التكبير أيضا مشروعا عندنا، وعند أكثر العلماء من حين إهلال العيد إلى انقضاء ~~العيد ، إلى آخر الصلاة والخطبة؛ لكن هل يقطعه المؤتم إذا شهد المصلى لكونه ~~مشغولا بعد ذلك بانتظار الصلاة ? أو يقطعه بالشروع في الصلاة للاشتغال عنه بعد ~~ذلك بالصلاة والخطبة أو لا يقطعه إلى انقضاء الخطبة ? فيه خلاف عن أحمد وغيره. ~~والصحيح أنه إلى آخر العيد. # وقد قال تعالى في الحج : (لشهدوا منافع لهم وتذكحروا اسم الله ف أيام معلومات ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) فقيل: الأيام المعلومات. هي أيام الذبح، ~~وذكر اسم الله التسمية على الأضحية والهدي، وهو قول مالك في رواية. # وقيل: هي أيام العشر، وهو المشهور عن أحمد، وقول الشافعي وغيره. ثم ~~ذكر اسم الله فيها هو ذكره في العشر بالتكبير عندنا، وقيل: هو ذكره عند رؤية ~~الهدي، وأظنه مأثورا عن الشافعي. وفي صحيح البخاري أن ابن عمر وابن عباس كانا ~~يخرجان إلى السوق في أيام العشر، فيكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما. وفي الصحيح ~~عن أنس أنهم كانوا غداة عرفة، وهم ذاهبون من منى إلى عرفة يكبر منهم المكبر ~~فلا ينكر عليه، ويلبي الملبي فلا ينكر عليه، وفي أمثلة الأحاديث المرفوعة مثل قوله: ~~ل فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد »1) # وعلى قول أصحابنا يكون (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم) كقوله: ~~(ل ما مدكم ) وكقوله : (فاذا أفضتو من عرفات ذاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام واذكروه كما هدكم) وكقوله : (كما أزسلنا ms0735 ~~فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم ايثنا ويزكيكم ) إل قوله: (فاذروف أذ كزكم )رة: ~~151، 152 # وعلى القول الآخر يكون مثل قوله: (للوا ما أتسكن عليكم والاكروا اسم الله علي) ~~[ المائدة : وقوله : (اذكروا اسم الله عليها صواف )ل ويدل عليه قوله: ~~(ن بهيمة الأنعكر ) فيدل على أن (ما) موصولة لا مصدرية، بمعنى على الذي ~~رزقهم من بهيمة الأنعام، وكذلك قوله: (لكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا أسم الله على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام ) وعلى قولنا يكون ذكر اسم الله عليها وقت ~~الذبح، ووقت السوق بالتلبية عندها، وبالتكبير . يدل عليه أنه لو أراد مجرد التسمية لم ~~يكن للأضحية بذلك اختصاص، فإن اسمه مذكور عند كل ذبح، لا فرق في ذلك بين ~~الأضحية وغيرها، فما وجب فيها وجب في غيرها، وما لم يجب لم يجب. # وأيضا فإنه لا يكون لقوله: (أذن فى الناس بالح يأوك رحالا وعل كل ناير)ه PageV01P668 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0669.png) ~~إلى قوله : (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله)،8 فجعل إتيانهم ~~إلى المشاعر ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات. ولو أراد ~~الأضحية فقط لم يكن للمشاعر بهذا اختصاص؛ فإن الأضحية مشروعة في جميع ~~الأرض، إلا أن هذا الوجه يرد على قولنا : بذكر اسم الله في جميع العشر في ~~الأمصار. فيقال : لم خص ذلك بالإتيان إلى المشاعر? وقد يحتج به من يرى ذكر الله ~~عند رؤية الهدي؛ لأن الهدي يساق إلى مكة، لكن عنده يجوز ذبح الهدي، متى وصل ~~فأي فائدة لتوقيته بالأيام المعلومات . ويجاب عن هذا بوجهين: # أحدهما : أن الذبح بالمشاعر أصل، وبقية الأمصار تبع لمكة، ولهذا كان عيد ~~النحر العيد الأكبر، ويوم النحر يوم الحج الأكبر لأنه يجتمع فيه عيد المكان والزمان. # الثانى : أن ذكر الله هناك على ما رزقهم من الأضحية، والهدي جميعا بخلاف ~~غير مكة فإنه ليس فيها إلا الأضحية . وهي مختصة بالأيام المعلومات، فإن الهدي ~~عندنا مؤقت، فإذا ساق الهدي لم ينحره إلا عند الإحلال، ولا يجوز له أن يحل حتى ~~ينحر هديه، كما قال تعالى : (حت ms0736 ببلغ المدي محلة)] وأمر النبي صلى الله عليه وسل ~~أصحابه في حجة الوداع أن يحلوا إلا من ساق الهدي، فلا يحل حتى ينحره، وهذا ~~إذا قدم به في العشر بلا نزاع، وأما إذا قدم به قبل العشر ففيه روايتان : # فإن قيل: فإذا كان الكتاب والسنة قد أمرا بذكره في الأيام المعلومات، فهلا ~~شرع التكبير فيها في أدبار الصلوات، كما شرع في أيام العيد? # قيل : كما شرع التكبير في ليلة الفطر إلى حين انقضاء العيد، ولم يشرع عقب ~~لصلاة، لأن التكبير عقب الصلاة أوكد. فاختص به العيد الكبير، وأيام العيد خمسة، ~~هي أيام الاجتماع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم،: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهل ~~الإسلام، وهي أيام أكل وشرب وقد قال تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات) ~~[البقرة: 0] وهي أيام التشريق في المشهور عندنا، وقول الشافعي وغيره. وفيه ~~قول آخر أنها أيام الذبح. فعلى الأول يكون من ذكر الله فيها التكبير في إدبار ~~الصلوات، والتكبير عند رمي الجمار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما جعل السعي بين ~~الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله فالذكر في هذه الآيات مطلق، وإن ~~كانت السنة قد جاءت بالتكبير في عيد النحر في صلاته وخطبته ودبر صلواته ورمي ~~جمراته والذكر في آية الصيام يعني بالتكبير على الهداية، فهذا ذكر لله، وتكبير له على ~~الهداية، وهناك على الرزق. PageV01P669 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0670.png) # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم آن لما أشرف على خيبر قال : الله أكبر، خربت خيبر، ~~إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» وكان يكبر على الأشراف مثل التكبير ~~إذا ركب دابة، وإذا علا نشزا من الأرض، وإذا صعد على الصفا والمروة، وقال ~~جابر : لكنا مع رسول الله الهل صلى الله عليه وسلم إ علونا كبرنا، وإذا هبطنا سبحنا، فوضعت الصلاة ~~على ذلك رواه أبو داود. وجاء التكبير مكررا في الأذان في أوله وفي آخره، ~~والأذان هو الذكر الرفيع، وفي أثناء الصلاة، وهو حال الرفع والخفض ms0737 والقيام إليها، ~~كما قال : لتحريمها التكبير وروي : إن التكبير يطفئ الحريق. # فالتكبير شرع أيضا لدفع العدو من شياطين الإنس والجن، والنار التي هي ~~عدو لنا، وهذا كله يبين أن التكبير مشروع في المواضع الكبار، لكثرة الجمع، أو ~~لعظمة الفعل ، أو لقوة الحال . أو نحو ذلك من الأمور الكبيرة: ليبين أن الله ~~أكبر، وتستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار، فيكون الدين ~~كله لله ويكون العباد له مكبرون، فيحصل لهم مقصودان . مقصود العبادة بتكبير ~~قلوبهم لله، ومقصود الاستعانة بانقياد سائر المطالب لكبريائه، ولهذا شرع التكبير ~~على الهداية والرزق والنصر؛ لأن هذه الثلاث أكبر ما يطلبه العبد، وهي جماع ~~مصالحه . والهدي أعظم من الرزق والنصر، لأن الرزق والنصر قد لا ينتفع بهما ~~إلا في الدنيا، وأما الهدي فمنفعته في الآخرة قطعا، وهو المقصود بالرزق ~~والنصر، فخص بصريح التكبير ؛ لأنه أكبر نعمة الحق. وذانك دونه، فوسع الأمر ~~فيهما بعموم ذكر اسم الله. # فجماع هذا أن التكبير مشروع عند كل أمر كبير من مكان وزمان وحال ~~ورجال، فتبين أن الله أكبر لتستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء ما سواه، ~~ويكون له الشرف على كل شرف . قال تعالى فيما روى عنه رسول صلى الله عليه وسلم : العظمة PageV01P670 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0671.png) ~~إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذبته . # ولما قال سبحانه : (ولتحملوا العدة ولكبروا الله علك ما هدبكم ولعلكم ~~تنكروب)[ البقرة : 85 ذكر التكبير والشكر، كما في قوله : (فأذكرون أذكركم ~~وأشكروالى ولا تتقرون )[ البقرة : 152 والشكر يكون بالقول وهو الحمد، ويكون ~~بالعمل كما قال تعالى : (أعملواال داؤد شكرا ) سبأ : 13 فقرن بتكبير الأعياد ~~الحمد . فقيل : الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد؛ ~~لأنه قد طلب فيه التكبير والشكر . ولهذا روي في الأثر أنه يقال فيه : ( الله أكبر على ~~ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا ليجمع بين التكبير والحمد حمد الشكر، كما ~~جمع بين التحميد تحميد الثناء، والتكبير في قوله : (وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ms0738 ولر يكن ~~لم شرك في الملك ولم يكن لر ول من الذل وكبره تكبيا ) فأمر بتحميده وتكبيره. # ومعلوم أن الكلمات التي هي أفضل الكلام بعد القرآن أربع : سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر وهي شطران: فالتسبيح قرين التحميد، ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسل: كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى ~~الرحمن سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) أخرجاه في الصحيحين عن ~~أبي هريرة. # وقا صلى الله عليه وسلم،فيما رواه مسلم عن أبي ذر: أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته: ~~سبحان الله وبحمده) # وفي القرآن : (ونخن نسبح بحمدك ) (فسبح بحمد ربك واستغفرة إنه ~~كان توارب )ل . فكان النبيصلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه : سبحانك اللهم ربنا ~~وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن هكذا في الصحاح عن عائشة فجعل قوله: ~~لا سبحانك اللهم وبحمدك تأويل (فسبح بحمد ريك) وقد قال تعالى : (فاصر إب ~~وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد رب بالعشى والإيبكر)اف وقال: ~~(فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد فى السماوات والأرض) ~~والآثار في اقترانهما كثيرة. # وأما التهليل فهو قرين التكبير، كما في كلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر، PageV01P671 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0672.png) ~~أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم بعد دعاء العباد إلى الصلاة: ~~الله أكبر، إلله أكبر، لا إله إلا الله، فهو مشتمل على التكبير والتشهد أوله وآخره. ~~وهو ذكر لله تعالى، وفي وسطه دعاء الخلق إلى الصلاة، والفلاح. فالصلاة هي ~~العمل . والفلاح هو ثواب العمل لكن جعل التكبير شفعا، والتشهد وترا، فمع كل ~~تكبيرتين شهادة؛ وجعل أوله مضاعفا على آخره. ففي [أول] الأذان يكبر أربعا، ~~ويتشهد مرتين والشهادتان جميعا باسم الشهادة، وفي آخره التكبير مرتان فقط مع ~~التهليل الذي لم يقترن به لفظ الشهادة، ولا الشهادة الأخرى. # وهذا والله أعلم بمنزلة الركعتين الأولتين، من الصلاة، مع الركعتين الأخريين، ~~فإن الأولتين فضلتا بقراءة السورة، وبالجهر في القراءة، فحصل الفضل في قدر ~~القراءة، ووصفها، كما أن ms0739 الشطر الأول من الأذان، فضل في قدر الذكر، وفي ~~وصفه، لكن الوصف هنا كون التوحيد قرن به لفظ أشهد، ولهذا حذف في الإقامة ~~عند من يختار إيتارها، وهي إقامة بلال، ما فضل به من القدر، كما يخفض من ~~صوت الإقامة ، لأن هذا المزيد من جنس الأصل فأشبه حذف الركعتين الأخريين في ~~صلاة المسافر . وأما الكلمات الأصول فلم يحذف منها شيء. # وهكذا سنة النبي صلى الله عيه وسلم في قيام الليل، وصلاة الكسوف، وغيرهما تطويل أول ~~العبادة على آخرها؛ لأسباب تقتضي ذلك. # وكما جمع بين التكبير والتهليل في الأذان، جمع بينهما في تكبير الإشراف، ~~فكان على الصفا والمروة، وإذا علا شرفا في غزوة أو حجة أو عمرة يكبر ثلاثآ. ~~ويقول : للا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب ~~وحدهل يفعل ذلك ثلاثا. وهذا في الصحاح وكذلك على الدابة كبر ثلاثا، وهلل ~~ثلاثا، فجمع بين التكبير والتهليل. وكذلك حديث عدي بن حاتم الذي رواه أحمد ~~والترمذي، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ال له : يا عدي ما يفرك ? أيفرك أن يقال: لا إله إلا ~~الله، فهل تعلم من إله إلا الله ? يا عدي! ما يفرك، أيفرك أن يقال: الله أكبر? فهل ~~من شيء أكبر من الله فقرن النبي صلى الله عليه وسلم ني التهليل والتكبير. # وفي صحيح مسلم حديث أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله علي وسلم قال : لا الطهور ~~شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله تملآن، أو قال ~~تملأ ما آبين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن PageV01P672 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0673.png) ~~حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها فأخبر أنه ~~يملأ ما بين السماء والأرض، وهذا أعظم من ملئه للميزان. # وفي الحديث الذي في الموطأ حديث طلحة بن عبد الله بن كريز أن النبي صلى الله عليه ms0740 وسل ~~قال : أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير . فجمع ~~في هذا الحديث بين : أفضل الدعاء وأفضل الثناء، فإن الذكر نوعان: دعاء، وثناء، ~~فقال : أفضل الدعاء، دعاء يوم عرفة. وأفضل ما قلت هذا الكلام. ولم يقل أفضل ~~ما قلت يوم عرفة، هذا الكلام. وإنما هو أفضل ما قلت مطلقا. وكذلك في حديث ~~رواه ابن أبي الدنيا : «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله. # وأيضا ففي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنآ قال : الإيمان بضع ~~وسبعون شعبة : أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق فقد ~~صرح بأن أعلى شعب الإيمان هي هذه الكلمة. # وأيضا ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ال : يا أبي : أتدري أية آية في كتاب ~~الله أعظم? قال : (الله لا إله إلا هو الحى القيوم) فقال ~~رسولالله ل صلى الله عليه وسلم : ليهنك العلم أبا المنذر فأخبر في هذا الحديث الصحيح أنها ~~أعظم آية في القرآن وفي ذاك أنها أعلى شعب الإيمان، وهذا غاية الفضل، فإن الأمر ~~كله مجتمع في القرآن والإيمان، فإذا كانت أعظم القرآن، وأعلى الإيمان ثبت لها غاية ~~الرجحان. # وأيضا فإن التوحيد أصل الإيمان، وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل ~~النار، وهو ثمن الجنة، ولا يصح إسلام أحد إلا به، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا ~~الله دخل الجنة، وكل خطبة ليس فيها تشهد، فهي كاليد الجذماء، فمنزلته منزلة ~~الأصل، ومنزلة التحميد والتسبيح منزلة الفرع. # وأيضا فإنه مشروع على وجه التعظيم، والجهر، وعند الأمور العظيمة مثل PageV01P673 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0674.png) ~~الأذان الذي ترفع به الأصوات وعند الصعود على الأماكن العالية لما في ذلك من ~~العلو والرفعة، ويجهر بالتكبير في الصلوات، وهو المشروع في الأعياد. # وقال جابر : «كنا مع رسول اللهال صلى الله عليه وسل إ علونا كبرنا، وإذا ms0741 هبطنا سبحنا، ~~فوضعت الصلاة على ذلك رواه أبو داود وغيره. فبين أن التكبير مشروع عند ~~العلو من الأمكنة، والأفعال، كما في الصلاة والأذان، والتسبيح مشروع عند ~~الانخفاض في الأمكنة والأفعال، كما في السجود والركوع. ولهذا كانت السنة في ~~التسبيح الإخفاء حين شرع، فلم يشرع من الجهر به والإعلان ما شرع من ذلك في ~~التكبير والتهليل، ومعلوم أن الزيادة في وصف الذكر إنما هو للزيادة في أمره. # وأما حديث أبي ذر : «أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله ~~وبحمده فيشبه والله أعلم أن يكون هذا في الكلام الذي لا يسن فيه الجهر، كما ~~في الركوع والسجود، ونحوه، ولا يلزم أن يكون أفضل مطلقا، بدليل أن قراءة القرآن ~~أفضل من الذكر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها في الركوع والسجود. وقال : إني نهيت ~~أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا ~~في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم # وهنا أصل ينبغي أن نعرفه. وهو أن الشيء إذا كان أفضل من حيث الجملة لم ~~يجب أن يكون أفضل في كل حال، ولا لكل أحد، بل المفضول في موضعه الذي ~~شرع فيه أفضل من الفاضل المطلق، كما أن التسبيح في الركوع والسجود أفضل من ~~قراءة القرآن، ومن التهليل والتكبير، والتشهد في آخر الصلاة والدعاء بعده أفضل من ~~قراءة القرآن. وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في ~~القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في ~~الهجرة سواء فأقدمهم سنا أو إسلاما ثم أتبع ذلك بقوله : ولا يؤمن الرجل في ~~سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه فذكر الأفضل فالأفضل في الإمامة، ثم ~~بين أن صاحب المرتبة ذو السلطان مثل الإمام الراتب كأمير الحرب في العهد القديم، ~~وكأئمة المساجد ونحوهم مقدمون على غيرهم، وإن كان غيرهم أفضل منهم، وهذا ~~كما أن الذهب أفضل من الحديد، والنورة، وقد تكون هذه المعادن مقدمة على ~~الذهب ms0742 عند الحاجة إليها دونه، وهذا ظاهر. # وكذلك أيضا: أكثر الناس يعجزون عن أفضل الأعمال، فلو أمروا بها لفعلوها PageV01P674 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0675.png) ~~على وجه لا ينتفعون به، أو ينتفعون انتفاعا مرجوحا، فيكون في حق أحد هؤلاء ~~العمل الذي يناسبه وينتفع به أفضل له مما ليس كذلك. ولهذا يكون الذكر لكثير من ~~الناس أفضل من قراءة القرآن؛ لأن الذكر يورثه الإيمان، والقرآن يورثه العلم، والعلم ~~بعد الإيمان . قال الله تعالى : ( يرفع الله الذين ء امنوا منكم والذين أوتوا العلر درجات) ~~المجادلة : 11] والقرآن يحتاج إلى فهم وتدبر، وقد يكون عاجزا عن ذلك، لكن ~~هؤلاء يغلطون فيعتقد أحدهم أن الذكر أفضل مطلقا؛ وليس كذلك، بل قراءة القرآن ~~في نفس الأمر أفضل من الذكر بإجماع المسلمين؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم، : أفضل الكلام بعد ~~القرآن أربع وهن من القرآن : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله ~~أكبر رواه مسلم. وقال له رجل : إني لا أستطيع أن أحمل من القرآن شيئا، ~~فعلمني ما يجزئني في صلاتي . فقال : لقل : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله، والله أكبر ولهذا كان العلماء على أن الذكر في الصلاة بدل عن القراءة ~~لا يجوز الانتقال إليه إلا عند العجز عن القراءة، بمنزلة التيمم مع الوضوء، وبمنزلة ~~صيام الشهرين مع العتق، والصيام مع الهدي . # وفي الحديث الذي في الترمذي : لما تقرب العباد إلى الله بأفضل مما خرج ~~منه يعني القرآن، وفي حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود والترمذي، وصححه ~~عن النبي صلى الله علي وسلم ال : إن لله أهلين من الناس، قيل : من هم يا رسول الله? قال : ~~أهل القرآن هم أهل الله وخاصته وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدم أهل القرآن في المواطن، ~~كما قدمهم يوم أحد في القبور، فأذن لهم أن يدفنوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، ~~وقال : «قدموا إلى القبلة أكثرهم قرآنا. # فقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر لما سئل : أي الكلام أفضل : لفقال : سبحان ~~الله وبحمده هذا خرج ms0743 على سؤال سائل . فربما علم من حال السائل حالا ~~مخصوصة، كما أنه لما قال : أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله PageV01P675 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0676.png) ~~إلى آخره . أراد بذلك من الذكر لا من القراءة، فإن قراءة القرآن أفضل من جنس الذكر ~~من حيث الجملة، وإن كان هذا الكلام قد يكون أفضل من القراءة، كما أن الشهادتين ~~في وقت الدخول في الإسلام، أو تجديده، أو عندما يقتضي ذكرهما مثل عقب ~~الوضوء، ودبر الصلاة والأذان، وغير ذلك : أفضل من القراءة. وكذلك في موافقة ~~المؤذن، فإنه إذا كان يقرأ وسمع المؤذن فإن موافقته في ذكر الأذان أفضل له حيتئذ من ~~القراءة حتى يستحب له قطع القراءة لأجل ذلك؛ لأن هذا وقت هذه العبادة يفوت ~~بفوتها، والقراءة لا تفوت. # فنقول : الأحوال ثلاثة : حال يستحب فيها الإسرار، ويكره فيها الجهر؛ لأنها ~~حال انخفاض كالركوع والسجود . فهنا التسبيح أفضل من التهليل والتكبير، وكذلك ~~في بطون الأودية، وأما ما السنة فيه الجهر والإعلان كالإشراف والأذان فالسنة فيه ~~التهليل والتكبير، وأما ما يشرع فيه الأمران، فقد يكون هذا. # وإذا عرف أن التحميد قرين التسبيح، وأن التهليل قرين التكبير، ففي تكبير ~~الأعياد جمع بين القرينين، فجمع بين التكبير والتهليل، وبين التكبير والتحميد لقوله: ~~(ولتكبروا الله على ما هددكم ولعلكم تشكرون): فإن الهداية اقتضت ~~التكبير عليها، فضم إليه قرينه، وهو التهليل. والنعمة اقتضت الشكر عليها، فضم إليه ~~أيضا التحميد، وهذا كما أن ركوب الدابة لما اجتمع فيه أنه شرف من الإشراف، وأنه ~~موضع نعمة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع عليها بين الأمرين، فإنه قال سبحاته : (لتستوأ على ~~ظهوره، ثم تذكروا نعمة رببكتم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ~~وإنا إلى ربنا لمنقلبون)، فأمر بذكر نعمة الله عليه، وذكرها بحمدها، ~~وأمر بالتسبيح الذي هو قرين الحمد فكان النبي صلى الله عليه وسلم ما أتي بالدابة فوضع رجله في ~~الغرز قال : بسم الله فلما استوى على ظهرها قال : الحمد لله ثم ms0744 قال : (سبحن ~~الذى سخر لنا هاذا وما كتا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون) 14،3] ثم لحمد ~~ثلاثا، وكبر ثلاثا ثم قال : لا إله إلا أنت سبحانك، ظلمت نفسي فاغفر لي، ثم ~~ضحك وقال : ضحكت من ضحك الرب إذا قال العبد ذلك يقول الله: علم عبدي أنه ~~لا يغفر الذنوب غيري. # فذكر بعد ذلك الإشراف وهو التكبير مع التهليل، وختمه بالاستغفار لأنه مقرون PageV01P676 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0677.png) ~~بالتوحيد، كما قد رتب اقتران الاستغفار بالتوحيد في غير موضع، كقوله: (فاعلر أنه ~~لا إله إلا الله واستعفر لذنبك) وقوله : (ألا تعبدوا إلا الله إننى لكر منه نذير ~~وبشير * وأن استغفروا ربكر) وقوله : (فاستقيموا إليه واستغفروة)صلت: ~~6 فكان ذكره على الدابة مشتملا على الكلمات الأربع الباقيات الصالحات مع ~~الاستغفار. # فهكذا ذكر الأعياد اجتمع فيه التعظيم، والنعمة، فجمع بين التكبير والحمد. ~~فالله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا. # وقد روي عن ابن عمر أنه كان يكبر ثلاثا، ويقول : لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. فيشبهه بذكر ~~الإشراف في تثليثه، وضم التهليل إليه، وهذا اختيار الشافعي. # وأما أحمد وأبو حنيفة وغيرهما فاختاروا فيه ما رووه عن طائفة من الصحابة، ~~ورواه الدارقطني من حديث جابر مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم آن قال : «الله أكبر، الله ~~أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد فيشفعونه مرتين، ~~ويقرنون به في إحداهما التهليل، وفي الأخرى الحمد، تشبيها له بذكر الأذان. فإن ~~هذا به أشبه، لأنه متعلق بالصلاة، ولأنه في الأعياد التي يجتمع فيها اجتماعا عاما، ~~كما أن الأذان لاجتماع الناس، فشابه الأذان، في أنه تكبير اجتماع لا تكبير مكان، ~~وأنه متعلق بالصلاة لا بالشرف، فشرع تكريره كما شرع تكرير تكبير الأذان، وهو في ~~كل مرة مشفوع، وكل المأثور حسن. # ومن الناس من يثلثه أول مرة، ويشفعه ثاني مرة، وطائفة من الناس تعمل بهذا. # وقاعدتنا في هذا الباب أصح القواعد، أن جميع صفات ms0745 العبادات من الأقوال ~~والأفعال إذا كانت مأثورة أثرا يصح التمسك به لم يكره شيء من ذلك، بل يشرع ذلك ~~كله كما قلنا في أنواع صلاة الخوف، وفي نوعي الأذان الترجيع وتركه، ونوعي الإقامة ~~شفعها وإفرادها، وكما قلنا في أنواع التشهدات، وأنواع الاستفتاحات، وأنواع ~~الاستعاذات وأنواع القراءات، وأنواع تكبيرات العيد الزوائد، وأنواع صلاة الجنازة ~~وسجود السهو، والقنوت قبل الركوع، وبعده، والتحميد بإثبات الواو وحذفها، وغير ~~ذلك، لكن قد يستحب بعض هذه المأثورات، ويفضل على بعض إذا قام دليل يوجب ~~التفضيل، ولا يكره الآخر. # ومعلوم أنه لا يمكن المكلف أن يجمع في العبادة المتنوعة بين النوعين في ~~الوقت الواحد، لا يمكنه أن يأتي بتشهدين معا، ولا بقراءتين معا، ولا بصلاتي PageV01P677 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0678.png) ~~خوف معا، وإن فعل ذلك مرتين كان ذلك منهيا عنه، فالجمع بين هذه الأنواع محرم ~~تارة، ومكروه أخرى، ولا تنظر إلى من قد يستحب الجمع في بعض ذلك، مثل ~~ما رأيت بعضهم قد لفق ألفاظ الصلوات على النبي المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم واستحب ~~فعل ذلك الدعاء الملفق، وقال في حديث أبي بكر الصديق المتفق عليه لما قال للنبي ~~الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال : لقل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما ~~كبيرا، وفي رواية : كثيرا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت الغفور الرحيم . فقال: ~~يستحب أن يقول : كثيرآ، كبيرآ، وكذلك يقول في أشباه هذا، فإن هذا ضعيف، فإن ~~هذا أولا ليس سنة، بل خلاف المسنون، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك جميعه جميعا، ~~وإنما كان يقول هذا تارة، وهذا تارة، إن كان الأمران ثابتين عنه، فالجمع بينهما ليس ~~سنة ، بل بدعة وإن كان جائزا. # الثاني : أن جمع ألفاظ الدعاء، والذكر الواحد، على وجه التعبد مثل جمع ~~حروف القراء كلهم لا على سبيل الدرس والحفظ، لكن على سبيل التلاوة ~~والتدبر ، مع تنوع المعاني، مثل أن يقرأ في الصلاة: (فى قلوبهم مرض فزادهم الله ~~مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) بما كانوا ms0746 يكذبون. (ربنا باعد ~~بين أسفارنا ) [سبا : ] بعد بين أسفارنا» . (وما الله بغافل عما تعملون): ~~74 عما يعملون» . (ويضع عنهم إصرهم)عراف: 5] آصارهم. ~~وأرجلكم إلى الكعبين» (وأرجلكم). (ولا تقربوهن حت يطهرن) ~~[البقرة:2 حتى يطهرن. (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما اتيتموهن شيئا إلآ أن ~~يخافا )] إلا أن يخافا، (أو لامسنم النساء ) «أو ~~لمستم» . ومعلوم أن هذا بدعة مكروهة قبيحة . # الثالث : أن الأذكار المشروعة أيضا لو لفق الرجل له تشهدا من التشهدات المأثورة ~~فجمع بين حديث ابن مسعود، و2 وصلواته، وبين زاكيات تشهد عمر، ومباركات ابن ~~عباس، بحيث يقول : التحيات لله، والصلوات، والطيبات، والمباركات، والزاكيات، لم ~~يشرع له ذلك، ولم يستحب، فغيره أولى بعدم الاستحباب. # الرابع : أن هذا إنما يفعله من [ذهب] إلى كثرة الحروف. والألفاظ، وقد ينقص ~~المعنى، أو يتغير بذلك، ولو تدبر القول لعلم أن كل واحد من المأثور يحصل ~~لمقصود، وإن كان بعضها يحصله أكمل فإنه إذا قال: ظلما كثيرا، فمتى كثر فهو كبير ~~في المعنى، ومتى كبر فهو كثير في المعنى. PageV01P678 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0679.png) # وإذا قال : اللهم صل على محمد، وعلى آله محمد أو قال : اللهم صل ~~على محمد، وأزواجه وذريته، فأزواجه وذريته من آله بلا شك، أو هم آله، فإذا ~~جمع بينهما وقال : «على آل محمد، وعلى أزواجه وذريته» لم يكن قد تدبر ~~المشروع. فالحاصل أن أحد الذكرين إن وافق الآخر في أصل المعنى كان كالقراءتين ~~للتين معناهما واحد، وإن كان المعنى متنوعا، كان كالقراءتين المتنوعتي المعنى، ~~على التقديرين فالجمع بينهما في وقت واحد لا يشرع. # وأما الجمع في صلوات الخوف، أو التشهدات، أو الإقامة أو نحو ذلك بين ~~نوعين، فمنهي عنه باتفاق المسلمين، وإذا كانت هذه العبادات القولية أو الفعلية لا بد ~~من فعلها على بعض الوجوه، كما لا بد من قراءة القرآن على بعض القراءات، لم ~~يجب أن يكون كل من فعل ذلك على بعض الوجوه إنما يفعله على الوجه الأفضل ~~عنده، أو قد لا يكون فيها أفضل، وإنما ذلك بمنزلة الطرق إلى مكة، فكل أهل ناحية ms0747 ~~يحجون من طريقهم، وليس اختيارهم لطريقهم؛ لأنها أفضل، بحيث يكون حجهم ~~أفضل من حج غيرهم، بل لأنه لا بد من طريق يسلكونها، فسلكوا هذه إما ليسرها ~~عليهم، وإما لغير ذلك، وإن كان الجميع سواء. فينبغي أن يفرق بين اختيار بعض ~~الوجوه المشروعة لفضله في نفسه عند مختاره، وبين كون اختيار واحد منها ضروري. ~~والمرجح له عنده سهولته عليه، أو غير ذلك. # والسلف كان كل منهم يقرأ ويصلي ويدعو ويذكر على وجه مشروع، وأخذ ~~ذلك الوجه عنه أصحابه، وأهل بقعته، وقد تكون تلك الوجوه سواء، وقد يكون ~~بعضها أفضل، فجاء في الخلف من يريد أن يجعل اختياره لما اختاره لفضله، فجاء ~~الآخر فعارضه في ذلك، ونشأ من ذلك أهواء مردية مضلة، فقد يكون النوعان سواء ~~عند الله ورسوله فترى كل طائفة طريقها أفضل، وتحب من يوافقها على ذلك وتعرض ~~عمن يفعل ذلك الآخر، فيفضلون ما سوى الله بينه، ويسوون ما فضل الله بينه، ~~وهذا باب من أبواب التفرق والاختلاف الذي دخل على الأمة، وقد نهى عنه الكتاب ~~والسنة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم، عن عين هذا الاختلاف، في الحديث الصحيح، كما ~~قررت مثل ذلك في « الصراط المستقيم»، حيث قال : «اقرأوا كما علمتم»3 ~~فالواجب أن هذه الأنواع لا يفضل بعضها على بعض إلا بدليل شرعي، لا يجعل نفس PageV01P679 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0680.png) ~~تعيين واحد منها لضرورة أداء العبادة موجبا لرجحانه؛ فإن الله إذا أوجب علي عتق ~~رقبة ، أو صلاة جماعة، كان من ضرورة ذلك، أن أعتق رقبة وأصلي جماعة، ~~ولا يجب أن تكون أفضل من غيرها، بل قد لا تكون أفضل بحال، فلا بد من نظر ~~في الفضل، ثم إذا فرض أن الدليل الشرعي يوجب الرجحان، لم يعب على من فعل ~~الجائز، ولا ينفر عنه لأجل ذلك، ولا يزاد الفضل على مقدار ما فضلته الشريعة، فقد ~~يكون الرجحان يسيرا . # لكن هنا مسألة تابعة، وهو أنه مع التساوي أو الفضل، أيما أفضل للإنسان ~~المداومة على نوع واحد من ذلك، أو أن يفعل هذا ms0748 تارة، وهذا تارة، كما كان ~~النبي صل الله عليه وسلم فعل . فمن الناس من يداوم على نوع من ذلك مختارا له، أو معتقدا أنه ~~أفضل، ويرى أن مداومته على ذلك النوع أفضل. وأما أكثرهم فمداومته عادة، ~~ومراعاة لعادة أصحابه وأهل طريقته، لا لاعتقاد الفضل. # والصواب أن يقال : التنوع في ذلك متابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن في هذا اتباعا للسنة ~~والجماعة، وإحياء لسنته، وجمعا بين قلوب الأمة، وأخذا بما في كل واحد من ~~الخاصة، أفضل من المداومة على نوع معين، لم يداوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم وجوه : # أحدها : أن هذا هو اتباع السنة والشريعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ا كان قد فعل هذا ~~تارة، وهذا تارة، ولم يداوم على أحدهما كان موافقته في ذلك هو التأسي والاتباع ~~المشروع، وهو أن يفعل ما فعل على الوجه الذي فعل لأنه فعله. # الثاني : أن ذلك يوجب اجتماع قلوب الأمة وائتلافها، وزوال كثرة التفرق ~~والاختلاف والأهواء بينها، وهذه مصلحة عظيمة، ودفع مفسدة عظيمة، ندب الكتاب ~~والسنة إلى جلب هذه، ودرء هذه، قال الله تعالى : (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا) لآل عمران: 10] وقال تعالى : (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البيتكت) ل عمران: وقال تعالى : (إن الذين فرقوا دينهم وكانآوا شيعا لست منهم فى ~~شىء) ]. # الثالث : أن ذلك يخرج الجائز المسنون عن أن يشبه بالواجب، فإن المداومة ~~على المستحب أو الجائز مشبهة بالواجب، ولهذا أكثر هؤلاء المداومين على بعض ~~الأنواع الجائزة أو المستحبة لو انتقل عنه لنفر عنه قلبه، وقلب غيره أكثر مما ينفر عن ~~ترك كثير من الواجبات؛ لأجل العادة التي جعلت الجائز كالواجب. # الرابع : أن في ذلك تحصيل مصلحة كل واحد من تلك الأنواع، فإن كل نوع ~~لا بد له من خاصة، وإن كان مرجوحا، فكيف إذا كان مساويا، وقد قدمنا أن ~~المرجوح يكون راجحا في مواضع. PageV01P680 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0681.png) # الخامس: أن في ذلك وضعا لكثير من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان ~~على الأمة بلا ms0749 كتاب من الله، ولا أثارة من علم، فإن مداومة الإنسان على أمر جائز ~~مرجحا له على غيره ، ترجيحا يحب من يوافقه عليه، ولا يحب من لم يوافقه عليه، ~~بل ربما أبغضه، بحيث ينكر عليه تركه له، ويكون ذلك سببا لترك حقوق له وعليه، ~~يوجب أن ذلك يصير إصرا عليه، لا يمكنه تركه، وغلا في عنقه يمنعه أن يفعل بعض ~~ما أمر به، وقد يوقعه في بعض ما نهى عنه. # وهذا القدر الذي قد ذكرته واقع كثيرا، فإن مبدأ المداومة على ذلك يورث ~~اعتقادا ومحبة غير مشروعين، ثم يخرج إلى المدح والذم، والأمر والنهي، بغير حق، ~~ثم يخرج ذلك إلى نوع من الموالاة والمعاداة غير المشروعين، من جنس أخلاق ~~الجاهلية كأخلاق الأوس والخزرج في الجاهلية، وأخلاق # ثم يخرج من ذلك إلى العطاء والمنع، فيبذل ماله على ذلك عطية ودفعا، وغير ~~ذلك من غير استحقاق شرعي، ويمنع من أمر الشارع بإعطائه إيجابا أو استحبابآ، ثم ~~يخرج من ذلك إلى الحرب والقتال، كما وقع في بعض أرض المشرق، ومبدأ ذلك ~~تفضيل ما لم تفضله الشريعة والمداومة عليه، وإن لم يعتقد فضله سبب لاتخاذه ~~فاضلا اعتقادا وإرادة فتكون المداومة على ذلك إما منهيا عنها، وإما مفضولة، والتنوع ~~في المشروع بحسب ما تنوع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فضل وأكمل. # السادس : أن في المداومة على نوع دون غيره هجران لبعض المشروع وذلك ~~سبب لنسيانه والإعراض عنه، حتى يعتقد أنه ليس من الدين، بحيث يصير في نفوس ~~كثير من العامة أنه ليس من الدين، وفي نفوس خاصة هذه العامة عملهم مخالف ~~علمهم، فإن علماءهم يعلمون أنه من الدين ثم يتركون بيان ذلك إما خشية من الخلق، ~~وإما اشتراء بآيات الله ثمنا قليلا من الرئاسة والمال، كما كان عليه أهل الكتاب، كما ~~قد رأينا من تعؤد أن لا يسمع إقامة إلا موترة، أو مشفوعة، فإذا سمع الإقامة الأخرى ~~نفر عنها وأنكرها، ويصير كأنه سمع أذانا ليس أذان المسلمين وكذلك من اعتاد ~~القنوت قبل الركوع أو بعده. ms0750 # وهجران بعض المشروع سبب لوقوع العداوة والبغضاء بين الأمة. قال ~~الله تعالى : (ومب الذين قالوا إنا نصاارى أحدنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغرتنا بينهم العداوة والبغضاء إل يوم القيامة) فأخبر سبحانه أن نسيانهم ~~حظا مما ذكروا به سبب لإغراء العداوة والبغضاء بينهم، فإذا اتبع الرجل جميع ~~المشروع المسنون، واستعمل الأنواع المشروعة، هذا تارة، وهذا تارة، كان قد PageV01P681 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0682.png) ~~حفظت السنة علما وعملا، وزالت المفسدة المخوفة من ترك ذلك. # ونكتة هذا الوجه أنه وإن جاز الاقتصار على فعل نوع، لكن حفظ النوع الآخر ~~من الدين ليعلم أنه جائز مشروع، وفي العمل به تارة حفظ للشريعة، وترك ذلك قد ~~يكون سببا لإضاعته ونسيانه. # السابع : أن الله يأمر بالعدل والإحسان، والعدل التسوية بين المتماثآلين، وحرم ~~الظلم على نفسه، وجعله محرما بين عباده، ومن أعظم العدل العدل في الأمور ~~الدينية، فإن العدل في أمر الدنيا من الدماء والأموال كالقصاص والمواريث، وإن كان ~~واجبا، وتركه ظلم فالعدل في أمر الدين أعظم منه، وهو العدل بين شرائع الدين، ~~وبين أهله . # فإذا كان الشارع قد سؤى بين عملين أو عاملين : كان تفضيل أحدهما من الظلم ~~لعظيم، وإذا فضل بينهما كانت التسوية كذلك، والتفضيل أو التسوية بالظن وهو ~~النفوس من جنس دين الكفار، فإن جميع أهل الملل والنحل يفضل أحدهم دينه إما ~~ظنا، وإما هوى، إما اعتقادا، وإما اقتصادا، وهو سبب التمسك به وذم غيره. # فإذا كان رسول الله له صلى الله عليه وسلم د شرع تلك الأنواع، إما بقوله، وإما بعمله، وكثير ~~منها لم يفضل بعضها على بعض، كانت التسوية بينها من العدل والتفضيل من الظلم، ~~وكثير مما تتنازع الطوائف من الأمة في تفاضل أنواعه، لا يكون بينها تفاضل، بل هي ~~متساوية وقد يكون ما يختص به أحدهما مقاوما لما يختص به الآخر، ثم تجد أحدهم ~~يسأل : أيما أفضل هذا أو هذا? وهي مسألة فاسدة، فإن السؤال عن التعيين فرع ثبوت ~~الأصل، فمن قال إن بينهما تفاضلا، حتى نطلب عين الفاضل?!. # والواجب أن يقال: ms0751 هذان متماثلان، أو متفاضلان، وإن كانا متفاضلين، فهل ~~التفاضل مطلقا، أو فيه تفصيل بحيث يكون هذا أفضل في وقت، وهذا أفضل في ~~وقت? ثم إذا كانت المسألة كما ترى فغالب الأجوبة صادرة عن هوى وظنون كاذبة ~~خاطئة، ومن أكبر أسباب ذلك المداومة على ما لم تشرع المداومة عليه، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : هل التهنئة في العيد وما يجري على ألسنة الناس: ~~عيدك مبارك» وما أشبهه، هل له أصل في الشريعة? أم لا? وإذا كان له أصل في ~~الشريعة، فما الذي يقال? أفتونا مأجورين # فأجاب: أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: تقبل ~~الله منا ومنكم، وأحاله الله عليك، ونحو ذلك، فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة ~~أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه الأئمة، كأحمد وغيره. PageV01P682 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0683.png) # لكن قال أحمد: أنا لا أبتدئ أحدا، فإن ابتدأني أحد أجبته، وذلك لأن جواب ~~التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأمورا بها، ولا هو أيضا مما نهى ~~عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة. والله أعلم. # باب صلاة الكسوف # سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن قول أهل التقاويم: في أن الرابع عشر ~~من هذا الشهر يخسف القمر، وفي التاسع والعشرين تكسف الشمس، فهل يصدقون ~~في ذلك? وإذا خسفا هل يصلى لهما? أم يسبح? وإذا صلى كيف صفة الصلاة؟ ويذكر ~~لنا أقوال العلماء في ذلك # فأجاب : الحمد لله. الخسوف والكسوف لهما أوقات مقدرة، كما لطلوع ~~الهلال وقت مقدر، وذلك ما أجرى الله عادته بالليل والنهار. والشتاء والصيف، ~~وسائر ما يتبع جريان الشمس والقمر. # وذلك من آيات الله تعالى . كما قال تعالى : (وهو الذى خلق اليل والنبار والشمس ~~والقمر كل في فلك يسبحون ) وقال تعالى : (هو الذى جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا وقدره منازل لنعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق)ون:] ~~وقال تعالى : (الشمس والقمر بحسبان) وقال تعالى : (فالق الإصباح وجعل ~~آلتل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزبيز العليم ) وقال ms0752 تعالى: ~~(يكلونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج) وقال تعالى : (إن عدة ~~الشهور عند الله آثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أزبعة حرم ذلك ~~الدين القيم ). # رقال تعالى : (واية لهم اليل نسلخ منه النهار فإذاهم مظلمون * والشمس تجرى ~~لمستقر لهأ ذلك تقدير العربيز العليم * والقيمر قدرناه منازل حت عاد كالعرجون القديم لا الشمس ~~ينبغى لها أن تدرك القمر ولا اليل سابق النمار وكل فى فلك يسبحون ) # وكما أن العادة التي أجراها الله تعالى أن الهلال لا يستهل إلا ليلة ثلاثين من ~~الشهر، أو ليلة إحدى وثلاثين، وإن الشهر لا يكون إلا ثلاثين، أو تسعة وعشرين. ~~فمن ظن أن الشهر يكون أكثر من ذلك، أو أقل، فهو غالط. # فكذلك أجرى الله العادة أن الشمس لا تكسف إلا وقت الإستسرار، وأن القمر ~~لا يخسف إلا وقت الإبدار، ووقت إبداره هي الليالي البيض التي يستحب صيام ~~أيامها : ليلة الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فالقمر لا يخسف إلا في ~~هذه الليالي. PageV01P683 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0684.png) # والهلال يستسر آخر الشهر : إما ليلة، وإما ليلتين. كما يستسر ليلة تسع ~~وعشرين، وثلاثين، والشمس لا تكسف إلا وقت استسراره وللشمس والقمر ليالي ~~معتادة ، من عرفها عرف الكسوف والخسوف. كما أن من علم كم مضى من الشهر ~~يعلم أن الهلال يطلع في الليلة الفلانية أو التي قبلها. # لكن العلم بالعادة في الهلال علم عام، يشترك فيه جميع الناس، وأما العلم ~~بالعادة في الكسوف والخسوف فإنما يعرفه من يعرف حساب جريانهما، وليس خبر ~~الحاسب بذلك من باب علم الغيب، ولا من باب ما يخبر به من الأحكام التي يكون ~~كذبه فيها أعظم من صدقه، فإن ذلك قول بلا علم ثابت، وبناء على غير أصل ~~صحيح. # وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلمأ قال : لامن اقتبس شعبة من النجوم فقد ~~اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد». وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله ليه وسلم أن قال : ~~من أتى عرافا فسأله عن ms0753 شيء فصدقه لم يقبل الله صلاته أربعين يوما. والكهان ~~أعلم بما يقولونه من المنجمين في الأحكام، ومع هذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان نهى عن ~~إتيانهم، ومسألتهم، فكيف بالمنجم!? وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع، عن هذا ~~الجواب. # وأما ما يعلم بالحساب فهو مثل العلم بأوقات الفصول، كأول الربيع، ~~والصيف، والخريف، والشتاء، لمحاذاة الشمس أوائل البروج، التي يقولون فيها إن ~~الشمس نزلت في برج كذا : أي حاذته. # ومن قال من الفقهاء إن الشمس تكسف في غير وقت الإستسرار فقد غلط، ~~وقال ما ليس له به علم. وما يروى عن الواقدي من ذكره: إن إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~مات يوم العاشر من الشهر، وهو اليوم الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم علاة الكسوف: ~~غلط. والواقدي لا يحتج بمسانيده، فكيف بما أرسله من غير أن يسنده إلى أحد، ~~وهذا فيما لم يعلم أنه خطأ، فأما هذا فيعلم أنه خطأ. ومن جوز هذا فقد قفا ما ليس ~~له به علم، ومن حاج في ذلك فقد حاج في ما ليس له به علم. # وأما ما ذكره طائفة من الفقهاء من اجتماع صلاة العيد والكسوف فهذا ذكروه في ~~ضمن كلامهم فيما إذا اجتمعت صلاة الكسوف وغيرها من الصلوات، فقد رأوا ~~اجتماعها مع الوتر، والظهر، وذكروا صلاة العيد، مع عدم استحضارهم هل يمكن PageV01P684 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0685.png) ~~ذلك في العادة أو لا يمكن، فلا يوجد في تقديرهم ذلك العلم بوجود ذلك في ~~الخارج، لكن استفيد من ذلك العلم علم ذلك على تقدير وجوده، كما يقدرون مسائل ~~يعلم أنها لا تقع لتحرير القواعد، وتمرين الأذهان على ضبطها. # وأما تصديق المخبر بذلك وتكذيبه فلا يجوز أن يصدق إلا أن يعلم صدقه، ~~ولا يكذب إلا أن يعلم كذبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :( إذا حدثكم أهل الكتاب ~~فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوهم، وإما أن يحدثوكم ~~بباطل فتصدقوهم». # والعلم بوقت الكسوف والخسوف وإن كان ممكنا، لكن هذا ms0754 المخبر المعين قد ~~يكون عالما بذلك، وقد لا يكون، وقد يكون ثقة في خبره، وقد لا يكون. وخبر ~~المجهول الذي لا يوثق بعلمه وصدقه ولا يعرف كذبه موقوف. ولو أخبر مخبر بوقت ~~الصلاة وهو مجهول لم يقبل خبره، ولكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك ~~فلا يكادون يخطئون، ومع هذا فلا يترتب على خبرهم علم شرعي، فإن صلاة ~~الكسوف والخسوف لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك، وإذا جوز الإنسان صدق المخبر ~~بذلك، أو غلب على ظنه فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك، واستعد ذلك ~~الوقت لرؤية ذلك، كان هذا حثا من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته، فإن ~~الصلاة عند الكسوف متفق عليها بين المسلمين، وقد تواترت بها السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ورواها أهل الصحيح، والسنن، والمسانيد من وجوه كثيرة. واستفاض عنه ~~أنه صلى بالمسلمين صلاة الكسوف يوم مات ابنه إبراهيم. # وكأن بعض الناس ظن أن كسوفها كان لأن إبراهيم مات، فخطبهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال : لاإن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد، ولا لحياته، ~~فإذا رأييتموهما فافزعوا إلى الصلاة. وفي رواية في الصحيح: ولكنهما آيتان من ~~آيات الله يخوف بهما عباده. # وهذا بيان مده صلى الله عليه وسلمأنآما سبب لنزول عذاب بالناس، فإن الله إنما يخوف عباده ~~بما يخافونه إذا عصوه، وعصوا رسله، وإنما يخاف الناس مما يضرهم، فلولا إمكان ~~حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفا، قال تعالى : (وءانينا ثمود ~~الناقة مبصرة فظلموا ببا وما نرسل بالايات إلا تخويفا)، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يزيل الخوف. أمر بالصلاة والدعاء، والاستغفار، والصدقة، والعتق، حتى يكشف ~~ما بالناس، وصلى بالمسلمين في الكسوف صلاة طويلة. PageV01P685 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0686.png) # وقد روي في صفة صلاة الكسوف أنواع؛ لكن الذي استفاض عند أهل العلم ~~بسنة رسول الل صلى الله عليه وسلم، ورواه البخاري ومسلم من غير وجه، وهو الذي استحبه أكثر ~~أهل العلم : كمالك، والشافعي، وأحمد: أنه صلى بهم ms0755 ركعتين، في كل ركعة ~~ركوعان، يقرأ قراءة طويلة، ثم يركع ركوعا طويلا، دون القراءة، ثم يقوم فيقرأ قراءة ~~طويلة دون القراءة الأولى، ثم يركع ركوعا دون الركوع الأول، ثم يسجد سجدتين ~~طويلتين . وثبت عنه في الصحيح : أنه جهر بالقراءة فيها. # والمقصود أن تكون الصلاة وقت الكسوف إلى أن يتجلى، فإن فرغ من الصلاة ~~قبل التجلي ذكر الله ودعاه، إلى أن يتجلى . # والكسوف يطول زمانه تارة، ويقصر أخرى، بحسب ما يكسف منها، فقد ~~تكسف كلها، وقد يكسف نصفها، أو ثلثها. فإذا عظم الكسوف طول الصلاة، حتى ~~يقرأ بالبقرة ونحوها، في أول ركعة، وبعد الركوع الثاني يقرأ بدون ذلك. # وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكرناه كله مثل ما في ~~الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري قال : انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال الناس : انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله له صلى الله عليه وسلم، : إن ~~الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتم ~~ذلك فافزعوا إلى ذكر الله، وإلى الصلاة. # وفي الصحيح عن أبي موسىلها صلى الله عليه وسلم فل : هذه الآيات التي يرسلها الله ~~لا تكون لموت أحد، ولا لحياته، ولكن الله يخوف بها عباده، فإذا رأيتم شيئا من ~~ذلك، فافزعوا إلى ذكره، ودعائه، واستغفاره # وفي الصحيحين من حديث جابرله صلى الله عليه وسلم ال : إن الشمس والقمر آيتان من ~~آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلوا ~~حتى ينجلي» وفي رواية عن ابن مسعود : فإذا رأيتم شيئا منها فصلوا وادعوا، ~~حتى يكشف ما بكم. وفي رواية لعائشة : فصلوا حتى يفرج الله ما بكم. # وفي الصحيحين عن عائشة : إن الشمس خسفت علي عهد رسولالله صلىالل عليهوسلم ~~فخرج رتسول اللل ا ل إلى المسجد، فقام وكبر، وصف الناس وراءه، فاقترأ PageV01P686 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0687.png) ~~رسول الله صله صلى الله عليه وسلم واءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم ms0756 رفع رأسه. فقال : سمع ~~الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. ثم قام فاقترأ قراءة طويلة، هي أدنى من القراءة ~~الأولى، ثم كبر فركع ركوعا طويلا هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال : سمع الله ~~لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم سجد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، حتى ~~استكمل أربع ركعات، وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف. # وقد جاء إطالته للسجود في حديث صحيح، وكذلك الجهر بالقراءة لكن روي ~~في القراءة المخافتة، والجهر أصح. وأما تطويل السجود فلم يختلف فيه الحديث، ~~كين في كل چديث زيادة ليست في الآخر، والأحاديث الصحيحة كلها متفقة ~~لا تختلف، والله أعلم. PageV01P687 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0688.png) # سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن قوم مسلمين مجاوري النصارى: فهل ~~يجوز للمسلم إذا مرض النصراني أن يعوده ? وإذا مات أن يتبع جنازته? وهل على من ~~فعل ذلك من المسلمين وزر، أم لا? # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. لا يتبع جنازته، وأما عيادته فلا بأس بها. ~~فإنه قد يكون في ذلك مصلحة لتأليفه على الإسلام، فإذا مات كافرا فقد وجبت له ~~النار؛ ولهذا لا يصلى عليه. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن مرارة ما يذبح وغيره مما يحل أكله، أو يحرم، ~~هل يجوز التداوي بمرارته؟ أم لا؟2 # فأجاب : الحمد لله. إن كان المذبوح مما يباح أكله جاز التداوي بمرارته، وإلا ~~فلا . # وسئل رحمه الله تعالى : عن المداواة بالخمر : وقول من يقول إنها جائزة. فما ~~معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إنها داء وليست بدواء فالذي يقول تجوز للضرورة فما حجته ~~وقالوا إن الحديث الذي قال فيه : إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها ضعيف ~~والذي يقول بجواز المداواة به فهو خلاف الحديث والذي يقول ذلك ما حجته? # فأجاب : وأما التداوي بالخمر فإنه حرام عند جماهير الأئمة: كمالك وأحمد، ~~وأبي حنيفة، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي؛ لأنه قد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ان سئل عن الخمر تصنع للدواء، فقال: ms0757 إنها داء، وليست بدواء وفي ~~سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم : إنه نهى عن الدواء الخبيث والخمر أم الخبائث، PageV01P688 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0689.png) ~~وذكر البخاري وغيره عن ابن مسعود إنه قال : إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم ~~عليها» ورواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم # والذين جوزوا التداوي بالمحرم قاسوا ذلك على إباحة المحرمات : كالميتة ~~والدم للمضطر، وهذا ضعيف لوجوه: # أحدها : أن المضطر يحصل مقصوده يقينا بتناول المحرمات، فإنه إذا أكلها ~~سدت رمقه، وأزالت ضرورته، وأما الخبائث بل وغيرها فلا يتيقن حصول الشفاء بها، ~~فما أكثر من يتداوى ولا يشفى، ولهذا أباحوا دفع الغصة بالخمر لحصول المقصود ~~بها، وتعينها له، بخلاف شربها للعطش، فقد تنازعوا فيه، فإنهم قالوا: إنها ~~لا تروي. # الثاني : أن المضطر لا طريق له إلى إزالة ضرورته إلا الأكل من هذه الأعيان، ~~وأما التداوي فلا يتعين تناول هذا الخبيث، طريقا لشفائه، فإن الأدوية أنواع كثيرة، ~~وقد يحصل الشفاء بغير الأدوية كالدعاء، والرقية، وهو أعظم نوعي الدواء . حتى قال ~~بقراط : نسبة طبنا إلى طب أرباب الهياكل، كنسبة طب العجائز إلى طبنا. # وقد يحصل الشفاء بغير سبب اختياري، بل بما يجعله الله في الجسم من القوى ~~الطبيعية، ونحو ذلك. # الثالث: أن أكل الميتة للمضطر واجب عليه في ظاهر مذهب الأئمة وغيرهم، ~~كما قال مسروق : من اضطر إلى الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار . وأما التداوي ~~فليس بواجب عند جماهير الأئمة. وإنما أوجبه طائفة قليلة، كما قاله بعض أصحاب ~~الشافعي وأحمد، بل قد تنازع العلماء، أيما أفضل: التداوي? أم الصبر? للحديث ~~الصحيح. حديث ابن عباس عن الجارية التي كانت تصرع، وسألت النبي صلى الله عليه وسلمأن ~~يدعو لها، فقال : «إن أحببت أن تصبري ولك الجنة، وإن أحببت دعوت الله أن ~~يشفيك فقالت : بل أصبر، ولكني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها ~~أن لا تتكشف ولأن خلقا من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون، بل فيهم من ~~اختار ms0758 المرض. كأبي بن كعب، وأبي ذر، ومع هذا فلم ينكر عليهم ترك التداوي. # وإذا كان أكل الميتة واجبا، والتداوي ليس بواجب، لم يجز قياس أحدهما على ~~الآخر، فإن ما كان واجبا قد يباح فيه ما لا يباح في غير الواجب؛ لكون مصلحة أداء PageV01P689 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0690.png) ~~الواجب تغمر مفسدة المحرم، والشارع يعتبر المفاسد والمصالح، فإذا جتمعا قدم ~~المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة؛ ولهذا أباح في الجهاد الواجب ما لم ~~يبحه في غيره ، حتى أباح رمي العدو بالمنجنيق، وإن أفضى ذلك إلى قتل النساء ~~والصبيان، وتعمد ذلك يحرم، ونظائر ذلك كثيرة في الشريعة، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل وصف له شحم الخنزير لمرض به: هل ~~يجوز له ذلك؟ أم لا؟1 # فأجاب : وأما التداوي بأكل شحم الخنزير فلا يجوز. # وأما التداوي بالتلطخ به، ثم يغسله بعد ذلك، فهذا ينبني على جواز مباشرة ~~النجاسة في غير الصلاة. وفيه نزاع مشهور. والصحيح أنه يجوز للحاجة. كما يجوز ~~استنجاء الرجل بيده، وإزالة النجاسة بيده. # وما أبيح للحاجة جاز التداوي به . كما يجوز التداوي بلبس الحرير على أصح ~~القولين، وما أبيح للضرورة كالمطاعم الخبيثة فلا يجوز التداوي بها. كما لا يجوز ~~التداوي بشرب الخمر ، لا سيما على قول من يقول : إنهم كانوا ينتفعون بشحوم الميتة ~~في طلي السفن، ودهن الجلود، والاستصباح به، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. وإنما ~~نهاهم عن ثمنه . # ولهذا رخص من لم يقل بطهارة جلود الميتة بالدباغ في الانتفاع بها في ~~اليابسات، في أصح القولين، وفي المائعات التي لا تنجسها. # وسئل رحمه الله تعالى : عمن يتداوى بالخمر، ولحم الخنزير وغير ذلك من ~~المحرمات : هل يباح للضرورة أم لا? وهل هذه الآية: (وقد فصل لكم ماحرم عليكم إلاما ~~آضطررتم إليه) في إباحة ما ذكر ? أم لا? # فأجاب : لا يجوز التداوي بذلك، بل قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أ ~~سئل عن الخمر يتداوى بها فقال : «إنها داء وليست بدواء وفي السنن عنه أنه نهى ~~عن ms0759 الدواء بالخبيث وقال : «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها # وليس ذلك بضرورة، فإنه لا يتيقن الشفاء بها، كما يتيقن الشبع باللحم ~~المحرم؛ ولأن الشفاء لا يتعين له طريق، بل يحصل بأنواع من الأدوية، وبغير ذلك ~~بخلاف المخمصة فإنها لا تزول إلا بالأكل. PageV01P690 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0691.png) # وسئل غفر الله له: عمن أصيب بمرض، فإذا اشتد عليه الوجع استغاث ~~بالله تعالى ويبكي. فهل تكون استغاثته مما ينافي الصبر المأمور به? أو هو تضرع ~~والتجاء? # فأجاب : دعاء الله، واستغاثته به، واشتكاؤه إليه، لا ينافي الصبر المأمور به. ~~وإنما ينافيه في ذلك الاشتكاء إلى المخلوق. ولقد قال يعقوب عليه السلام: (فصبر ~~جميت ) [يوسف : 18] وقال : (إنما أشكوابتي وحزن إلى الله)ف. # وقد روي عن طاوس: أنه كره أنين المريض. وقال: إنه شكوى، وقرئ ذلك ~~على أحمد بن حنبل في مرض موته، فما أن حتى مات. ويروى عن السري السقطي ~~أنه جعل قول المريض : آه! من ذكر الله، وهذا إذا كان بينه وبين الله، وهذا كما ~~يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ في صلاة الفجر : (إنما أشكوا بتى ~~وحرن إلى الله) ثم بكى، حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف، فالأنين والبكاء من ~~خشية الله، والتضرع والشكاية إلى الله عز وجل حسن، وأما المكروه فيكره، والله ~~أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن رجل مبتلى سكن في دار بين قوم أصحاء، فقال ~~بعضهم : لا يمكننا مجاورتك، ولا ينبغي أن تجاور الأصحاء، فهل يجوز إخراجه? # فأجاب : نعم لهم أن يمنعوه من السكن بين الأصحاء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لالا ~~يورد ممرض على مصح»2 فنهى صاحب الإبل المراض أن يوردها على صاحب ~~الإبل الصحاح، مع قوله : «لا عدوى ولا طيرة . وكذلك روي أنه لما قدم ~~مجذوم ليبايعه، أرسل إليه بالبيعة، ولم يأذن له في دخول المدينة. # وسئل رحمه الله تعالى : عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلي، هل لأحد ~~فيها أجر ? أم لا? وهل عليه إثم إذا تركها، مع علمه أنه ms0760 كان لا يصلي? وكذلك الذي ~~يشرب الخمر، وما كان يصلي، هل يجوز لمن كان يعلم حاله أن يصلى عليه أم لا?2 # فأجاب : أما من كان مظهرا للإسلام فإنه تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة: ~~من المناكحة، والموارثة، وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو PageV01P691 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0692.png) ~~ذلك؛ لكن من علم منه النفاق والزندقة فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه. ~~وإن كان مظهرا للإسلام فإن الله نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين. فقال : (ولا تصل ~~علم أحد منبم مات أبدا ولا نقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) ~~وقال : ( سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لمم لن يغفر الله لهم). # وأما من كان مظهرا للفسق مع ما فيه من الإيمان كأهل الكبائر، فهؤلاء لا بد أن ~~يصلي عليهم بعض المسلمين . ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرا لأمثاله عن مثل ~~ما فعله، كما امتنع النبي صلى الله عليه ولم عن الصلاة على قاتل نفسه وعلى الغال، وعلى المدين الذي ~~لا وفاء له، وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل البدع - كان عمله ~~بهذه السنة حسنا. وقد قال لجندب بن عبد الله البجلي ابنه: إني لم أنم البارحة بشما، ~~فقال : أما إنك لو مت لم أصل عليك. كأنه يقول: قتلت نفسك بكثرة الأكل. وهذا من ~~جنس هجر المظهرين للكبائر حتى يتوبوا، فإذا كان في ذلك مثل هذه المصلحة الراجحة ~~كان ذلك حسنا، ومن صلى على أحدهم يرجو له رحمة الله، ولم يكن في امتناعه مصلحة ~~راجحة، كان ذلك حسنا، ولو امتنع في الظاهر ودعا له في الباطن ليجمع بين المصلحتين ~~كان تحصيل المصلحتين أولى من تفويت إحداهما. # وكل من لم يعلم منه النفاق وهو مسلم يجوز الاستغفار له، والصلاة عليه، بل ~~يشرع ذلك، ويؤمر به. كما قال تعالى : (واستغفر لذنبك ولمؤمنين والمؤمنت) مد: ~~19] وكل من أظهر الكبائر فإنه تسوغ عقوبته بالهجر وغيره، حتى ممن في هجره ~~مصلحة له راجحة فتحصل المصالح الشرعية ms0761 في ذلك بحسب الإمكان، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن رجل يصلي وقتا، ويترك الصلاة كثيرا، أو لا يصلي، ~~هل يصلي عليه؟1، # فأجاب : مثل هذا ما زال المسلمون يصلون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون ~~لنفاق يصلي المسلمون عليهم، ويغسلون، وتجري عليهم أحكام الإسلام. كما كان ~~المنافقون على عهد رسول لله ل صلى الله عليه وسلم # وإن كان من علم نفاق شخص لم يجز له أن يصلي عليه، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم. ~~عن الصلاة على من علم نفاقه. # وأما من شك في حاله فتجوز الصلاة عليه، إذا كان ظاهر الإسلام. كما صلى ~~ي صلى الله علي ولاى من لم ينه عنه، وكان فيهم من لم يعلم نفاقه .كما قال تعالى: رييبن خولكي ~~مرن الأعرب مبرفقوك ومن اهل المد ية مردوا على التفاق لا تعلم ه نحن نعلمهم) [التوبة:2101 ~~ومثل هؤلاء لا يجوز النهي عنه، ولكن صلاة البي صلى الله عليه وسلم لمؤمنين على المنافق لا تنفعه. PageV01P692 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0693.png) ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ألبس ابن أبي قميصه - : وما يغني عنه قميصي من الله وقال ~~تعالى : (سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم). # وتارك الصلاة أحيانا، وأمثاله من المتظاهرين بالفسق، فأهل العلم والدين إذا ~~كان في هجر هذا، وترك الصلاة عليه منفعة للمسلمين بحيث يكون ذلك باعثا لهم ~~على المحافظة على الصلاة عليه [هجروه ولم يصلوا عليه]، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ~~على قاتل نفسه والغال، والمدين الذي لا وفاء له، وهذا شر منهم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. # قد ثبت عن النبي صل الله عليه وسلمان امتنع عن الصلاة على من عليه دين حتى يخلف وفاء، ~~قبل أن يتمكن من وفاء الدين عنه، فلما تمكن صار هو يوفيه من عنده، فصار المدين ~~يخلف وفاء. # هذا مع قوله فيما رواه أبو موسى عنه : إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه عبد ~~بها، بعد الكبائر التي نهى ms0762 عنها، أن يموت الرجل وعليه دين لا يدع قضاء رواه ~~أحمد . فثبت بهذا أن ترك الدين بعد الكبائر. # فإذا كان قد ترك الصلاة على المدين الذي لا قضاء له، فعلى فاعل الكبائر ~~أولى، ويدخل في ذلك قاتل نفسه، والغال : لما لم يصل عليهما، ويستدل بذلك على ~~أنه يجوز لذوي الفضل ترك الصلاة على ذوي الكبائر الظاهرة، والدعاة إلى البدع، ~~وإن كانت الصلاة عليهم جائزة في الجملة. # فأما قوله : الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين) فأراد به أن صاحبه يوفاه. # وسئل غفر الله له : عن رجل له مملوك هرب، ثم رجع. فلما رجع أخذ سكينته ~~وقتل نفسه، فهل يأثم سيده? وهل تجوز عليه الصلاة?(5) PageV01P693 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0694.png) # فأجاب : الحمد لله. لم يكن له أن يقتل نفسه. وإن كان سيده قد ظلمه، ~~وإعتدى عليه، بل كان عليه إذا لم يمكنه رفع الظلم عن نفسه أن يصبر إلى أن يفرج ~~الله. # فإن كان سيده ظلمه حتى فعل ذلك، مثل أن يقتر عليه في النفقة، أو يعتدي ~~عليه في الاستعمال، أو يضربه بغير حق، أو يريد به فاحشة ونحو ذلك. فإن على ~~سيده من الوزر بقدر ما نسب إليه من المعصية. # ولم يصل النبي صلى الله عليه وسلمعلى من قتل نفسه. فقال لأصحابه: صلوا عليه فيجوز ~~لعموم الناس أن يصلوا عليه. وأما أئمة الدين الذين يقتدى بهم. فإذا تركوا الصلاة ~~عليه زجرا لغيره، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فذا حق، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل يدعي المشيخة، فرأى ثعبانا، فقام بعض من ~~حضر ليقتله، فمنعه عنه، وأمسكه بيده، على معنى الكرامة له، فلدغه الثعبان فمات. ~~فهل تجوز الصلاة عليه؟ أم لا؟(1) # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. ينبغي لأهل العلم والدين أن يتركوا الصلاة ~~على هذا، ونحوه، وإن كان يصلي عليه عموم الناس كما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة ~~على قاتل نفسه، وعلى الغال من الغنيمة، وقال : صلوا على صاحبكم. # وقالوا لسمرة بن جندب: إن ابنك البارحة لم ms0763 يبت، فقال: بشما? قالوا: نعم ! ~~قال: أما إنه لو مات لم أصل عليه. فبين سمرة أنه لو مات بشما لم يصل عليه؛ لأنه ~~يكون قاتلا لنفسه بكثرة الأكل. # فهذا الذي منع من قتل الحية، وأمسكها بيده حتى قتلته، أولى أن يترك أهل ~~العلم والدين الصلاة عليه، لأنه قاتل نفسه، بل لو فعل هذا غيره به لوجب القود ~~عليه . # وإن قيل : إنه ظن أنها لا تقتل، فهذا شبيه عمله بمنزلة الذي أكل حتى بشم، ~~فإنه لم يقصد قتل نفسه، فمن جنى جناية لا تقتل غالبا، كان شبه عمد، وإمساك ~~الحيات من نوع الجنايات، فإنه فعل غير مباح . وهذا لم يقصد بهذا الفعل إلا إظهار ~~خارق العادة، ولم يكن معه ما يمنع انخراق العادة. # كيف وغالب هؤلاء كذابون ملبسون خارجون عن أمر الله تعالى ونهيه، ~~يخرجون الناس عن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان، ويفسدون عقل الناس ودينهم PageV01P694 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0695.png) ~~ودنياهم، فيجعلون العاقل مولها كالمجنون، أو متولها بمنزلة الشيطان المفتون، ~~ويخرجون الإنسان عن الشريعة التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم إى بدع مضادة لها، ~~فيفتلون الشعور ويكشفون الرؤوس، بدلا عن سنة رسوللها له صلى الله عليه وسلم من ترجيل الشعر، ~~وتغطية الرأس ويجتمعون على المكاء والتصدية، بدلا عن سنة الله ورسوله من ~~الاجتماع على الصلوات الخمس، وغيرها من العبادات، ويصلون صلاة ناقصة ~~الأركان والواجبات، ويجتمعون على بدعهم المنكرة على أتم الحالات، ويصنعون ~~اللاذن، وماء الورد، والزعفران، لإمساك الحيات، ودخول النار بأنواع من الحيل ~~الطبيعية، والأحوال الشيطانية بدلا عما جعله الله لأوليائه المتقين من الطرق الشرعية ~~والأحوال الرحمانية، ويفسدون من يفسدونه من النساء والصبيان بدلا عما أقر الله به ~~من العفة وغض البصر، وحفظ الفرج، وكف اللسان. # ومن كان مبتدعا ظاهر البدعة، وجب الإنكار عليه ومن الإنكار المشروع أن ~~يهجر حتى يتوب، ومن الهجر امتناع أهل الدين من الصلاة عليه لينزجر من يتشبه ~~بطريقته، ويدعو إليه، وقد أمر بمثل هذا مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، وغيرهما ~~من الأئمة، والله أعلم. ms0764 # وسئل غفر الله له : عن رفع الصوت في الجنازة ? # فأجاب : الحمد لله . لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة، لا بقراءة ولا ذكر، ~~ولا غير ذلك . هذا مذهب الأئمة الأربعة، وهو المأثور عن السلف من الصحابة ~~والتابعين، ولا أعلم فيه مخالفا؛ بل قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم،: أنه نهى أن يتبع ~~بصوت، أو نار»2 رواه أبو داود. وسمع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رجلا ~~يقول في جنازة : استغفروا لأخيكم. فقال ابن عمر : لا غفر الله بعد. وقال قيس بن ~~عباد - وهو من أكابر التابعين من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه - : كانوا ~~يستحبون خفض الصوت عند الجنائز، وعند الذكر، وعند القتال. # وقد اتفق أهل العلم بالحديث والآثار أن هذا لم يكن على عهد القرون الثلاثة ~~المفضلة. # وأما قول السائل : إن هذا قد صار إجماعا من الناس فليس كذلك، بل ما زال ~~في المسلمين من يكره ذلك، وما زالت جنائز كثيرة تخرج بغير هذا في عدة أمصار ~~من أمصار المسلمين. PageV01P695 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0696.png) # وأما كون أهل بلد، أو بلدين، أو عشر : تعودوا ذلك فليس هذا بإجماع؛ بل ~~أهل مدينة النبي صلى الله عليه وسلم لتي نزل فيها القرآن والسنة، وهي دار الهجرة، والنصرة، ~~والإيمان، والعلم، لم يكونوا يفعلون ذلك؛ بل لو اتفقوا في مثل زمن مالك وشيوخه ~~على شيء، ولم ينقلوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو خلفائه، لم يكن إجماعهم حجة عند ~~جمهور المسلمين، وبعد زمن مالك وأصحابه ليس إجماعهم حجة، باتفاق المسلمين ~~فكيف بغيرهم من أهل الأمصار. # وأما قول القائل : إن هذا يشبه بجنائز اليهود والنصارى، فليس كذلك، بل أهل ~~الكتاب عادتهم رفع الأصوات مع الجنائز، وقد شرط عليهم في شروط أهل الذمة أن ~~لا يفعلوا ذلك، ثم إنما نهينا عن التشبه بهم فيما ليس هو من طريق سلفنا الأول، ~~وأما إذا اتبعنا طريق سلفنا الأول كنا مصيبين، وإن شاركنا في بعض ذلك من شاركنا، ~~كما أنهم يشاركوننا في الدفن في الأرض، وفي ms0765 غير ذلك. # وسئل رحمه الله تعالى : عن تلقين الميت في قبره بعد الفراغ من دفنه، هل ~~صح فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: أو عن صحابته? وهل إذا لم يكن فيه شيء يجوز ~~فعله? أم لا? # فأجاب : هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة من الصحابة: أنهم أمروا به، ~~كأبي أمامة الباهلي، وغيره. وروي فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه مما لا يحكم ~~بصحته؛ ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك، فلهذا قال الإمام أحمد وغيره من ~~العلماء : إن هذا التلقين لا بأس به، فرخصوا فيه، ولم يأمروا به. واستحبه طائفة من ~~أصحاب الشافعي، وأحمد، وكرهه طائفة من العلماء من أصحاب مالك، وغيرهم. # والذي في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقوم على قبر الرجل من أصحابه إذا ~~دفن، ويقول : ل سلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل . # وقد ثبت في الصحيحين أن الني صلى الله عليه وسلم ال : القنوا أمواتكم لا إله إلا الله. ~~فتلقين المحتضر سنة، مأمور بها. # وقد ثبت أن المقبور يسأل، ويمتحن، وأنه يؤمر بالدعاء له، فلهذا قيل: إن ~~التلقين ينفعه، فإن الميت يسمع النداء. كما ثبت في الصحيح عن البيبيى ال ليه سلم ا قال: PageV01P696 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0697.png) ~~«إنه ليسمع قرع نعالهم» وأنه قال : «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وأنه أمرنا ~~بالسلام على الموتى . فقال : لما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم ~~عليه إلا رد الله روحه حتى يرد عليه السلام والله أعلم. # وسئل غفر الله له : هل يشرع تلقين الميت الكبير والصغير? أو لا? # فأجاب : وأما تلقين الميت فقد ذكره طائفة من الخراسانيين من أصحاب ~~الشافعي، واستحسنوه أيضا. ذكره المتولي. والرافعي، وغيرهما. وأما الشافعي نفسه ~~فلم ينقل عنه فيه شيء. # ومن الصحابة من كان يفعله: كابي أمامة الباهلي، وواثلة بن الأسقع وغيرهما ~~من الصحابة. # ومن أصحاب أحمد من استحبه. والتحقيق أنه جائز، وليس بسنة راتبة، والله ~~أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن الختمة ms0766 التي تعمل على الميت، والمقرئين ~~بالأجرة . هل قراءتهم تصل إلى الميت? وطعام الختمة يصل إلى الميت? أم لا? وان ~~كان ولد الميت يداين لأجل الصدقة إلى الميسور : تصل إلى الميت? # فأجاب : استئجار الناس ليقرأوا، ويهدوه إلى الميت، ليس بمشروع، ~~ولا استحبه أحد من العلماء، فإن القرآن الذي يصل ما قرئ لله. فإذا كان قد استؤجر ~~للقراءة لله، والمستأجر لم يتصدق عن الميت، بل استأجر من يقرأ عبادة لله عز وجل ~~لم يصل إليه. # لكن إذا تصدق عن الميت على من يقرأ القرآن، أو غيرهم: ينفعه ذلك باتفاق ~~المسلمين. وكذلك من قرأ القرآن محتسبا، وأهداه إلى الميت نفعه ذلك، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن جعل المصحف عند القبر، ووقيد قنديل في موضع ~~يكون من غير أن يقرأ فيه، مكروه أم لا? # فأجاب: وأما جعل المصحف عند القبور، وإيقاد القناديل هناك. فهذا مكروه PageV01P697 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0698.png) ~~منهي عنه، ولو كان قد جعل للقراءة فيه هنالك، فكيف إذا لم يقرأ فيه، فإن النبي صلى الله عليه ولم ~~قال : «لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسرج فإيقاد ~~السرج من قنديل وغيره على القبور منهي عنه، مطلقا؛ لأنه أحد الفعلين اللذين لعن ~~رسول ال صلى الله عليه وسلمن يفعلهما. # كما قال : للا يخرج الرجلان يضربان الغائط، كاشفين عن عوراتهما يتحدثان، ~~فإن الله يمقت على ذلك رواه أبو داود وغيره. ومعلوم أنه ينهي عن كشف العورة ~~وحده، وعن التحدث وحده، وكذلك قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلنها ءآخر ~~ولا يقتلون النفس آلتى حرم الله إلا بالحق ولا يزنوب ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضدعف له العذاب ~~يوم آلقيامة ويخلد فيه مهانا)،] فتوعد على مجموع أفعال، وكل فعل ~~منها محرم . # وذلك لأن ترتيب الذم على المجموع، يقتضي أن كل واحد له تأثير في الذم، ~~ولو كان بعضها مباحا لم يكن له تأثير في الذم. والحرام، لا يتوكد بانضمام المباح ~~المخصص إليه . # والأئمة قد تنازعوا في القراءة عند القبر، فكرهها أبو حنيفة، ومالك، وأحمد ms0767 ~~في أكثر الروايات، ورخص فيها في الرواية الأخرى عنه: هو وطائفة من أصحاب ~~أبي حنيفة، وغيرهم. # وأما جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك، وتلاوته، فبدعة ~~منكرة، لم يفعلها أحد من السلف. بل هي تدخل في معنى اتخاذ المساجد على ~~القبور وقد استفاضت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن ذلك، حتى قال : للعن ~~الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . يحذر ما صنعوا. قالت عائشة: ~~ولولا ذلك لأبرز قبره؛ ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وقال : إن من كان قبلكم ~~كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ~~ذلك. ولا نزاع بين السلف والأئمة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد. # ومعلوم أن المساجد بنيت للصلاة والذكر، وقراءة القرآن، فإذا اتخذ القبر لبعض PageV01P698 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0699.png) ~~ذلك كان داخلا في النهي، فإذا كان هذا مع كونهم يقرأون فيها، فكيف إذا جعلت ~~المصاحف بحيث لا يقرأ فيها?. ولا ينتفع بها لا حي ولا ميت. فإن هذا لا نزاع في ~~النهي عنه. # ولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك لفعله السلف، فإنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ~~ويرضاه، وأسرع إلى فعل ذلك، وتحريه. # وسئل رحمه الله تعالى: عن الميت هل يجوز نقله، أم لا? وأرواح الموتى هل ~~تجتمع بعضها ببعض، أم لا? وروح الميت هل تنزل في القبر، أم لا? ويعرف الميت ~~من يزوره، أم لا؟ # فأجاب : الحمد لله. لا ينبش الميت من قبره، إلا لحاجة. مثل أن يكون ~~المدفن الأول فيه ما يؤذي الميت، فينقل إلى غيره، كما نقل بعض الصحابة في مثل ~~ذلك . # وأوراح الأحياء إذا قبضت تجتمع بأرواح الموتى، ويسأل الموتى القادم عليهم ~~عن حال الأحياء فيقول : ما فعل فلان? فيقولون: فلان تزوج. فلان على حال حسنة. ~~ويقولون: ما فعل فلان? فيقول: ألم يأتكم? فيقولون : لا . ذهب به إلى أمه الهاوية. # وأما أرواح الموتى فتجتمع : الأعلى ينزل إلى الأدنى، والأدنى لا يصعد إلى ~~الأعلى . والروح تشرف على القبر، وتعاد إلى اللحد أحيانا. كما ms0768 قال النبي صلى الله عليه وسلم،: ما ~~من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، ~~حتى يرد عليه السلام» # والميت قد يعرف من يزوره، ولهذا كانت السنة أن يقال : لالسلام عليكم، أهل ~~دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم. ~~والمستأخرين. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن قوله تعالى: (وآآن ليس للإنسان إلا ما سع) ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد ~~صالح يدعو له »2 فهل يقتضي ذلك إذا مات لا يصل إليه شيء من أفعال البر؟(4 # فأجاب: الحمد لله رب العالمين. ليس في الآية، ولا في الحديث أن الميت ~~لا ينتفع بدعاء الخلق له، وبما يعمل عنه من البر، بل أئمة الإسلام متفقون على انتفاع PageV01P699 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0700.png) ~~الميت بذلك، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وقد دل عليه الكتاب ~~والسنة والإجماع، فمن خالف ذلك كان من أهل البدع. # قال الله تعالى : (الذين يحلون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغنرون ~~للذين عامنوا ربنا وسعت كلى شىء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عناب الحيم ~~* ربنا وآدخلهم جنات عدن التى وعدتهم ومن صلح من ابابهم وازوجهم وذريتهذ إنك أنب ~~العزيز الحكيم وقهم السييات ومن تق السيات يوميذ فقد رحمته)-). فقد ~~أخبر سبحانه أن الملائكة يدعون للمؤمنين بالمغفرة، ووقاية العذاب، ودخول الجنة ~~ودعاء الملائكة ليس عملا للعبد. # وقال تعالى : (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) وقال الخليل عليه ~~السلام : (ربنا أغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب)اهيم وقال نوح عليه ~~السلام : (رب آغفر لى ولوالدى ولمن دخل بيت مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنت) فقد ~~ذكر استغفار الرسل للمؤمنين، أمرا بذلك، وإخبارا عنهم بذلك. # ومن السنن المتواترة التى من جحدها كفر: صلاة المسلمين على الميت، ~~ودعاؤهم له في الصلاة. وكذلك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فإن السنن ms0769 فيها ~~متواترة، بل لم ينكر شفاعته لأهل الكبائر إلا أهل البدع، بل قد ثبت أنه يشفع لأهل ~~الكبائر، وشفاعته دعاؤه، وسؤاله الله تبارك وتعالى. فهذا وأمثاله من القرآن، والسنن ~~المتواترة . وجاحد مثل ذلك كافر بعد قيام الحجة عليه . # والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة، مثل ما في الصحاح عن ابن عباس - ~~رضي الله عنهما - أن رجلا قال للني صلى الله عليه وسلم، إن أمي توفيت، أفينفعها أن أتصدق ~~عنها ? قال : نعم! قال : إن لي مخرفا - أي بستانا - أشهدكم أني تصدقت به عنها. # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها : أن رجلا قال ليصلى اله عليه وسلم، ان امي ~~فتلتت نفسها، ولم توصي، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت ~~عنها؟ قال : تعم»2) . # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلا قال لليبى الل عليه وسلم ان ~~أبي مات ولم يوص، أينفعه إن تصدقت عنه ? قال : نعم # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن يذبح PageV01P700 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0701.png) ~~مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين، وأن عمرا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ~~فقال : أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت عنه، أو تصدقت عنه نفعه ذلك # وفي سنن الدارقطني : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله ! إن لي أبوان، ~~وكنت أبرهما حال حياتهما. فكيف بالبر بعد موتهما? فقال النبي صلى الله عليه وسلم، إن من بعد البر أن ~~تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك، وأن تصدق لهما مع صدقتك. # وقد ذكر مسلم في أول كتابه عن أبي إسحاق الطالقاني، قال: قلت لعبد الله بن ~~المبارك : يا أبا عبد الرحمن! الحديث الذي جاء : إن البر بعد البر، أن تصلي لأبويك ~~مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك? قال عبد الله: يا أبا إسحاق! عمن هذا? قلت ~~له : هذا من حديث شهاب بن حراس، قال : ثقة، قلت : عمن؟ قال عن ms0770 الحجاج بن ~~دينار. فقال : ثقة، عمن? قلت : عن رسول الله له صلى الله عليه وسلم ال : يا أبا إسحاق! إن بين الحجاج ~~وبين رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم فاوز تقطع فيها أعناق المطي، ولكن ليس في الصدقة اختلاف. ~~والأمر كما ذكره عبد الله بن المبارك، فإن هذا الحديث مرسل # والأئمة اتفقوا على أن الصدقة تصل إلى الميت، وكذلك العبادات المالية: كالعتق. # وإنما تنازعوا في العبادات البدنية: كالصلاة، والصيام، والقراءة، ومع هذا ففي ~~الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي صلى الله عليه وسلم ال : من مات وعليه صيام، ~~صام عنه وليه # وفي إلصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن امرأة قالت ~~يا رسول الله! إن أمي ماتت، وعليها صيام نذر، قال : أرأيت إن كان على أمك دين ~~فقضيتيه، أكان يؤدى ذلك عنها ? قالت: نعم، قال : فصومي عن أمك # وفي الصحيح عنه : «أن امرأة جاءت إلى رسول الله لهل صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أختي ~~ماتت، وعليها صوم شهرين متتابعين، قال: أرأيت لو كان على أختك دين أكنت ~~تقضيه? قالت: نعم قال فحق الله أحق # وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن بريدة بن حصيب عن أبيه: أن امرأة أتت ~~رسول اله ل صلى الله عليه وسلم الت : إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر. أفيجزي عنها أن أصوم ~~عنها، قال : نعم . PageV01P701 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0702.png) ~~221 # فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في أنه يصام عن الميت ما نذر، وأنه شبه ~~ذلك بقضاء الدين . # والأئمة تنازعوا في ذلك، ولم يخالف هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة من ~~بلغته، وإنما خالفها من لم تبلغه، وقد تقدم حديث عمرو بأنهم إذا صاموا عن المسلم ~~نفعه . وأما الحج فيجزي عند عامتهم، ليس فيه إلا اختلاف شاذ. # وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة من جهينة جاءت ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت : إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها ? ~~فقال : حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، ms0771 أكنت قاضيته عنها ? اقضوا الله، ~~فالله أحق بالوفاء وفي رواية البخاري : إن أختي نذرت أن تحج # وفي صحيح مسلم عن بريدة: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت، ~~ولم تحج، أفيجزي - أو يقضي - أن أحج عنها، قال: نعم # ففي هذه الأحاديث الصحيحة : لأنه أمر بحج الفرض عن الميت وبحج النذر. ~~كما أمر بالصيام. وأن المأمور تارة يكون ولدا، وتارة يكون أخا، وشبه النبي صلى الله عليه وسلم واك ~~بالدين، يكون على الميت. والدين يصح قضاؤه من كل أحد، فدل على أنه يجوز أن ~~يفعل ذلك من كل أحد، لا يختص ذلك بالولد . كما جاء مصرحا به في الأخ. # فهذا الذي ثبت بالكتاب وإلسنة والإجماع علم مفصل مبين. فعلم أن ذلك ~~لا ينافي قوله : (وأن ليس للإنسان إلاما سعى) إذا مات ابن آدم انقطع ~~عمله إلا من ثلاث» ؛ بل هذا حق، وهذا حق. # أما الحديث فإنه قال : «انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع ~~به، أو ولد صالح يدعو له فذكر الولد، ودعاؤه له خاصين؛ لأن الولد من كسبه، ~~كما قال : (ما أعي عنه ماله وما كسب) قالوا: إنه ولده. وكما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه. فلما كان هو ~~الساعي في وجود الولد كان عمله من كسبه، بخلاف الأخ، والعم، والأب، ~~ونحوهم. فإنه ينتفع أيضا بدعائهم، بل بدعاء الأجانب، لكن ليس ذلك من عمله. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم ال : انقطع عمله إلا من ثلاث .. لم يقل: إنه لم ينتفع بعمل غيره. ~~فإذا دعا له ولده كان هذا من عمله الذي لم ينقطع، وإذا دعا له غيره لم يكن من ~~عمله، لكنه ينتفع به. PageV01P702 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0703.png) # وأما الآية فللناس عنها أجوبة متعددة. كما قيل: إنها تختص بشرع من قبلنا، ~~وقيل : إنها مخصوصة، وقيل: إنها منسوخة، وقيل : إنها تنال السعي مباشرة، وسببا. ~~والإيمان من سعيه الذي تسبب فيه . ولا يحتاج إلى شيء من ذلك، بل ms0772 ظاهر الآية ~~حق لا يخالف بقية النصوص. فإنه قال : (ليس للإنسان إلاما سعى) وهذا حق، فإنه إنما ~~يستحق سعيه، فهو الذي يملكه ويستحقه. كما أنه إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه ~~هو. وأما سعي غيره فهو حق، وملك لذلك الغير، لا له، لكن هذا لا يمنع أن ينتفع ~~بسعي غيره، كما ينتفع الرجل بكسب غيره. # فمن صلى على جنازة فله قيراط، فيثاب المصلي على سعيه الذي هو صلاته، ~~والميت أيضا يرحم بصلاة الحي عليه، كما قال : ما من مسلم يموت فيصلي عليه ~~أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة - ويروى أربعين، ويروى ثلاثة صفوف -، ~~ويشفعون فيه، إلا شفعوا فيه - أو قال إلا غفر له - فالله تعالى يثيب هذا الساعي ~~على سعيه الذي هو له، ويرحم ذلك الميت بسعي هذا الحي لدعائه له، وصدقته عنه، ~~وصيامه عنه، وحجه عنه. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أ قال : ما من رجل يدعو لأخيه دعوة ~~إلا وكل الله به ملكا، كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك الموكل به: آمين. ولك ~~بمثله»(2) . # فهذا من السعي الذي ينفع به المؤمن أخاه يثيب الله هذا. (وأن ليس للإنسان إلاما ~~سعى) وليس كل ما ينتفع به الميت، أو الحي، أو يرحم به يكون من سعيه، بل ~~أطفال المؤمنين يدخلون الجنة مع آبائهم بلا سعي، فالذي لم يجز إلا به أخص من ~~كل انتفاع؛ لئلا يطلب الإنسان الثواب على غير عمله، وهو كالدين يوفيه الإنسان عن ~~غيره، فتبرأ ذمته، لكن ليس له ما وفى به الدين، وينبغي له أن يكون هو الموفي له، ~~والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: ما تقول السادة الفقهاء وأئمة الدين - وفقهم الله تعالى ~~لمرضاته - في القراءة للميت، هل تصل إليه ? أم لا ? والأجرة على ذلك، وطعام أهل ~~الميت لمن هو مستحق، وغير ذلك، والقراءة على القبر والصدقة عن الميت، أيهما ~~المشروع الذي أمرنا به? والمسجد الذي في وسط القبور، والصلاة فيه، وما يعلم هل ~~بني قبل القبور? أو القبور ms0773 قبله? وله ثلاث: رزق، وأربعمائة اصددمون قديمة من زمان ~~الروم، ما هو له، بل للمسجد، وفيه الخطبة كل جمعة، والصلاة أيضا في بعض PageV01P703 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0704.png) ~~الأوقات، وله كل سنة موسم يأتي إليه رجال كثير ونساء ويأتون بالنذور معهم، فهل ~~يجوز للإمام أن يتناول من ذلك شيئا لمصالح المسجد الذي في البلد? أفتونا يرحمكم ~~الله مأجورين(1 # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. أما الصدقة عن الميت فإنه ينتفع بها باتفاق ~~المسلمين، وقد وردت بذلك عن النبي صلى الله عليه ولم حاديث صحيحة. مثل قول سعد : يا ~~رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل ينفعها أن أتصدق ~~عنها? فقال : نعم وكذلك ينفعه الحج عنه، والأضحية عنه، والعتق عنه، والدعاء ~~والاستغفار له بلا نزاع بين الأئمة. # وأما الصيام عنه وصلاة التطوع عنه، وقراءة القرآن عنه، فهذا فيه قولان ~~للعلماء : # أحدهما : ينتفع به، وهو مذهب أحمد، وأبي حنيفة، وغيرهما. وبعض ~~أصحاب الشافعي وغيرهم. # الثاني : لا تصل إليه، وهو المشهور في مذهب مالك والشافعي. # وأما الاستئجار لنفس القراءة، والإهداء، فلا يصح ذلك. فإن العلماء إنما ~~تنازعوا في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والأذان، والإمامة، والحج عن ~~الغير؛ لأن المستأجر يستوفي المنفعة. فقيل : يصح لذلك، كما هو المشهور من ~~مذهب مالك، والشافعي. وقيل: لا يجوز، لأن هذه الأعمال يختص فاعلها أن يكون ~~من أهل القربة فإنها إنما تصح من المسلم دون الكافر، فلا يجوز إيقاعها إلا علي ~~وجه التقرب إلى الله تعالى. وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق، لأن الله ~~إنما يقبل من العمل ما أريد به وجهه، لا ما فعل لأجل عروض الدنيا. # وقيل يجوز أخذ الأجرة عليها للفقير، دون الغني . وهو القول الثالث في مذهب ~~أحمد، كما أذن الله لولي اليتيم أن يأكل مع الفقر ويستغني مع الغنى. وهذا القول ~~أقوى من غيره على هذا، فإذا فعلها إلفقير لله، وإنما أخذ الأجرة لحاجته إلى ذلك، ~~وليستعين بذلك على طاعة الله، فالله يأجره على نيته، فيكون قد أكل طيبا، ms0774 وعمل ~~صالحا. # وأما إذا كان لا يقرأ القرآن إلا لأجل العروض، فلا ثواب لهم على ذلك. وإذا ~~لم يكن في ذلك ثواب. فلا يصل إلى الميت شيء؛ لأنه إنما يصل إلى الميت ثواب ~~العمل، لا نفس العمل. فإذا تصدق بهذا المال على من يستحقه وصل ذلك إلى PageV01P704 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0705.png) ~~للاز يزهان قصد بذلك من يستعين على قراءة القرآن وتعليمه كان أفضل، واحسن، ~~اعانة المسلمين بانفسهم واموآلهم على تعل القرأن وقراهء ته (ويتعظيله من أفضل ~~الأعمال. # ب وأما يعنية أهل الميت طعاها يدعون الناس اليه نهذا غير مشروع وانما مو ~~بدعة، بل قد قال جرير بن عبد الله: كنا نعد الاجساع الح ام السيه وصنعتهم ~~الطعام للناس من النياحة # وانما المتحب إذا مات الميت أن يحنع لأمله طعام . كما قال النبي نما ~~جاء ن جعنر بن أبي طالب: «اصنا لآل ج طحاما، فتد آتامم ~~م يشغلهم» # وأ انقراءة اندانمة على القبور، فلم تكن معروفة عند لسف. رقد تنزع انناس ~~في القرءة على لتبر، فكرمه نبر حنينة ومانك. واحد فير كضر رويت عن، ~~ورخص نيب في ذرواية المناخرة، نس بفه آن عبد نن بز عمر وص ة يقر عند ~~دفته بنوتح جترة، وخوتب. # رتهنتز عن بحض نحر وصر عف تردبتة، چص ف ست عن ~~س. دم بعدست ضيت عن شين فنت يتين ش ب ق شتب ~~فهة حيت سن بيضة سيتية بعد سدد سستهصب # .تتنب حعه تحت # ب.نست-قه ع سسنت ت حه PageV01P705 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0706.png) # وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال : لإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك. # وفي السنن عنه قال : للعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد، ~~والسرج ». # وقد اتفق أئمة المسلمين على أن الصلاة في المشاهد ليس مأمورا بها، لا أمر ~~إيجاب، ولا أمر استحباب. ولا في الصلاة في المشاهد التي على القبور ونحوها ~~فضيلة على سائر البقاع، فضلا عن المساجد، باتفاق أئمة المسلمين، فمن اعتقد أن ~~الصلاة عندها فيها ms0775 فضل على الصلاة على غيرها، أو أنها أفضل من الصلاة في بعض ~~المساجد، فقد فارق جماعة المسلمين، ومرق من الدين، بل الذي عليه الأمة أن ~~الصلاة فيها منهي عنه نهي تحريم، وإن كانوا متنازعين في الصلاة في المقبرة : هل ~~هي محرمة? أو مكروهة? أو مباحة? أو يفرق بين المنبوشة والقديمة، فذلك لأجل ~~تعليل النهي بالنجاسة لاختلاط التراب بصديد الموتى. # وأما هذا فإنه نهي عن ذلك لما فيه من التشبه بالمشركين، وأن ذلك أصل عبادة ~~الأصنام . قال تعالى : (وقالوا لا نذرن الهتكم ولا تذرن وذا ولا شواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا) ~~23 قال غير واحد من الصحابة والتابعين : هذه أسماء قوم كانوا قوما صالحين، في ~~قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثآيلهم، ولهذا قال النبي صلى الله ليه وسل ~~ما ذكره مالك في الموطأ : اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على ~~قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ولهذا لا يشرع باتفاق المسلمين أن ينذر ~~للمشاهد التي على القبور، لا زيت، ولا شمع، ولا دراهم، ولا غير ذلك، ~~وللمجاورين عندها، وخدام القبور. فإن النبي صلى الله عليهوسلم، قد لعن من يتخذ عليها المساجد ~~والسرج . ومن نذر ذلك فقد نذر معصية. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسآنآه قال : لمن ~~نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه # وأما الكفارة فهي على قولين: فمذهب أحمد وغيره عليه كفارة يمين، لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (كفارة النذر كفارة اليمين، رواه مسلم. PageV01P706 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0707.png) # وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلمآ قال : من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي ~~الله فلا يعصه ومذهب مالك والشافعي وغيرهما لا شيء عليه . لكن إن تصدق ~~بالنذر في المشاهد على من يستحق ذلك من فقراء المسلمين، الذين يستعينون بذلك ~~على طاعة الله ورسوله، فقد أحسن في ذلك، وأجره على الله. # ولا يجوز لأحد باتفاق المسلمين أن ينقل صلاة المسلمين، وخطبهم من مسجد ~~يجتمعون فيه ، إلى ms0776 مشهد من مشاهد القبور، ونحوها. بل ذلك من أعظم الضلالات ~~والمنكرات، حيث تركوا ما أمر الله به ورسوله، وفعلوا ما نهى الله عنه ورسوله، ~~وتركوا السنة، وفعلوا البدعة. تركوا طاعة الله ورسوله، وارتكبوا معصية الله ~~ورسوله، بل يجب إعادة الجمعة والجماعة إلى المسجد الذي هو بيت من بيوت الله، ~~(أذن الله أن ترفع وتذكر فيها آسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ~~ذكر الله وإقام الصلوة وإياء الزكو)،3 وقد قال تعالى : ( إنما يعمر مسجد الله ~~من عامن بالله واليوم الاخر وآقام الصلوة وءانى الزكوة ولم يخش إلا الله فعسي أولائك أن يكونوا ~~من آلمهتدين) . # وأما القبور التي في المشاهد وغيرها، فالسنة لمن زارها أن يسلم على الميت، ~~ويدعو له بمنزلة الصلاة على الجنائز، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم علم أصحابه أن يقولوا إذا ~~زاروا القبور : لالسلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، والمسلمين، وإنا إن شاء الله ~~بكم عن قريب لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم، والمستأخرين، نسأل ~~الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم. # وأما التمسح بالقبر، أو الصلاة عنده، أو قصده لأجل الدعاء عنده، معتقدا أن ~~الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره، أو النذر له ونحو ذلك، فليس هذا من دين ~~المسلمين، بل هو مما أحدث من البدع القبيحة، التي هي من شعب الشرك، والله ~~أعلم وأحكم. PageV01P707 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0708.png) ~~بذلك الصلاة على جنازته. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم زور أهل البقيع، ويزور شهداء أحد، ~~ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: لالسلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ~~ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم # وهكذا كل ما فيه دعاء للمؤمنين من الأتبياء وغيرهم: كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~والسلام . كما في الصحيح عنه أنه قال : إذا سمعتم المؤذن فقولوا: مثل ms0777 ما يقول، ~~ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله ~~لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ~~ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة. وما من مسلم ~~يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام # وأما الزيارة البدعية: وهي زيارة أهل الشرك، من جنس زيارة النصارى الذين ~~يقصدون دعاء الميت، والاستعانة به، وطلب الحوائج عنده، فيصلون عند قبره، ~~ويدعون به، فهذا ونحوه لم يفعله أحد من الصحابة، ولا أمر به رسول اللهالول صلى الله عليه وسلم ~~ولا استحبه أحد من سلف الأمة، وأئمتها، بل قد سد النبي صلى الله عليه وسلم: باب الشرك . في ~~الصحيح أنه قال في مرض موته : لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد، يحذر ما فعلوا» قالت عائشة - رضي الله عنها - ولولا ذلك لأهرز قبره. ~~لكن كره أن يتخذ مسجدا2 # وقال قبل أن يموت بخمس : إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبو مساجد، ~~ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك # فالزيارة الأولى من جنس عبادة الله، والإحسان إلى خلق الله، وذلك من جنس ~~الزكاة التي أمر الله بها. # والثاني : من جنس الإشراك بالله، والظلم في حق الله، وحق عباده، وفي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم آن لما أتزل الله تعالى : (الذين امنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظل) ~~[لأتعام: 82 شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه? فقال PageV01P708 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0709.png) ~~النبي صلى الله ليه و:ل إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: (إب الشرك لظلم ~~عظي)) [لقمان3. # و وقل صلى الله علي وسلم اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. وقد قال الله تعالى : (وقالوالا ~~تذرن مالهتكر ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يفوت ويعوق ونترا) 23] . قالت طائفة من ~~السلف : هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا ms0778 عكفوا على قبورهم، ~~وصوروا تماثيلهم فكان هذا أول عبادة الأوثان، وهذا من جنس دين النصارى ولم ~~يكن الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعون يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا غيره، بل كره الأئمة وقوف الإنسان عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء، وقالوا هذه بدعة ~~لم يفعلها الصحابة والتابعون، بل كانوا يسلمون عليه، وعلى صاحبيه، ثم يذهبون. # وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول: السلام عليك يا رسول الله ! ~~السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا أبتاه! ثم ينصرف. وقد نص عليه مالك، ~~وغيره من الأئمة، ونص أبو يوسف وغيره من العلماء على أنه ليس لأحد أن يسأل ~~الله بمخلوق، لا النبي، ولا الملائكة ولا غيرهم. # وقد أصاب المسلمين جدب وشدة، وكانوا يدعون الله، ويستسقون ويدعون ~~على الأعداء ويستنصرون، ويتوسلون بدعاء الصالحين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا وهل ~~تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم: بدعائهم، وصلاتهم، وإخلاصهم . ولم يكونوا ~~يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا صالح، ولا الصلاة عنده، ولا طلب الحوائج ~~منه، ولا الإقسام على الله به، مثل أن يقول القائل: أسألك بحق فلان، وفلان؛ بل ~~كل هذا من البدع المحدثة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: خير القرون القرن الذي بعثت ~~فيهم، ثم الذين يلونهم. وقد اتفق المسلمون على أن أصحاب رسول الله صل صلى الله عليه وسلم PageV01P709 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0710.png) ~~229 # وسئل رحمه الله تعالى عن الزيارة: # فأجاب : أما الاختلاف إلى القبر بعد الدفن فليس بمستحب، وإنما المستحب ~~عند الدفن أن يقام على قبره، ويدعى له بالتثبيت. كما روى أبو داود في سننه عن ~~لنبي صل الله له : أنه كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره، ويقول : لاسلوا له ~~التثبيت، فإنه الآن يسال. وهذا من معنى قوله : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا نقم ~~على قبره) فإنه لما نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين، وعن القيام ~~على ms0779 قبورهم، كان دليل الخطاب أن المؤمن يصلى عليه قبل الدفن، ويقام على قبره ~~بعد الدفن. # فزيارة الميت المشروعة بالدعاء، والاستغفار هي من هذا القيام المشروع. # وسئل شيخ الإسلام : ومفتي الأنام، العالم، العامل، الزاهد، الورع، ناصر ~~السنة، وقامع البدعة، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ~~تيمية الحراني - رحمه الله تعالى - عن الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم هو قوله صلى الله عليه وسلم ~~لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج(3) هل هو منسوخ ~~بقوله صلى الله ليه وسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة?( أم لا? ~~وهل صح الحديث الأول أم لا? وهل يحرم على النساء زيارة القبور? أم يكره? أم ~~يستحب؟ # واذا قيل : بالكراهة. هل تكون كراهة تحريم ? أم تنزيه ? وهل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : «من زار قبري وجبت له شفاعتي(5). أم لا؟ وهل صح في فضل زيارة قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم شيء من الأحاديث، أم لا? # فأجاب. الحمد لله رب العالمين. أما زيارة القبور فقد ثبت في الصحيح عن ~~نبى لل أنه كان قد نهى عنها نهيا عاما، ثم أذن في ذلك. فقال : لكنت نهيتكم عن ~~زيارة القبور فزوروها. فإنها تذكركم الآخرة وقل صلى الله عليه وسلم : استأذنت ربي في أن PageV01P710 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0711.png) ~~أزور قبر أمي، فأذن لي، واستأذنت في أن أستغفر لها، فلم يأذن لي، فزوروا القبور، ~~فإنها تذكركم الآخرة . وهنا مسألتان : # إحداهما : متفق عليها، والأخرى متنازع فيها. # فأما الأولى : فإن الزيارة تنقسم إلى قسمين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية . # فالزيارة الشرعية : السلام على الميت، والدعاء له، بمنزلة الصلاة على جنازته، ~~كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : ~~السلام عليكم أهل الديار من المسلمين، والمؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ~~ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم، والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم ~~لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر ms0780 لنا ولهم وهذا الدعاء يروى بعضه في ~~بعض الأحاديث، وهو مروي بعدة ألفاظ. كما رويت ألفاظ التشهد وغيره وهذه ~~الزيارة هي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فعلها إذا خرج لزيارة قبور أهل البقيع . # وأما الزيارة البدعية: فمن جنس زيارة اليهود والنصارى، وأهل البدع، الذين ~~يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم، في الكتب ~~الصحاح وغيرها أنه قال عند موته : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة - رضي الله عنها - : ولولا ذلك لأبرز قبره ~~ولكن كره أن يتخذ مسجدا # وثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك # فالزيارة البدعية مثل قصد قبر بعض الأنبياء والصالحين للصلاة عنده أو الدعاء ~~عنده، أو به، أو طلب الحوائج منه، أو من الله تعالى عند قبره، أو الاستغاثة به، أو ~~الإقسام على الله تعالى به، ونحو ذلك هو من البدع التي لم يفعلها أحد من الصحابة، ~~ولا التابعين لهم بإحسان ولا سن ذلك رسولل الل صلى الله عليه وسلم، ، ولا أحد من خلفائه ~~لراشدين، بل قد نهى عن ذلك أئمة المسلمين الكبار. # والحديث الذي يرويه بعض الناس : «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي هو من ~~المكذوبات التي لم يروها أحد من علماء المسلمين، ولا هو في شيء من كتب ~~الحديث بمنزلة ما يروونه من قوله : لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به فإن ~~هذا أيضا من المكذوبات. PageV01P711 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0712.png) # وقد نص غير واحد من العلماء على أنه لا يقسم على الله بمخلوق لا نبي ~~ولا غيره، فمن ذلك ما ذكره أبو الحسين القدوري في «كتاب شرح الكرخي» عن ~~بشر بن الوليد قال : سمعت أبا يوسف قال : قال أبو حنيفة : لا ينبغي لأحد أن يدعو ~~الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، وبحق خلقك. وهو قول ~~أبي يوسف، وقال أبو ms0781 يوسف : بمعاقد العز من عرشه: هو الله تعالى، فلا أكره هذا. ~~وأكره بحق فلان، وبحق أنبيائك، ورسلك، وبحق البيت، والمشعر الحرام. # قال القدوري شارح الكتاب : المسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للمخلوق ~~على الخالق، فلا يجوز، يعني : وفاقا. # قلت : وأما الاستشفاع إلى الله تعالى به، وهو طلب الشفاعة منه، والتوسل إلى ~~الله بدعائه وشفاعته، وبالإيمان به، وبمحبته وطاعته والتوجه إلى الله تعالى بذلك، ~~فهذا مشروع باتفاق المسلمين، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. # وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه - عن ~~النبي صل الله علي وان قال : لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة فيقول : يا رسول الله! أغثني، ~~فأقول : لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك ) # وفي الصحيح أنه قل صلى الله عليه وسلم: يا فاطمة بنت محمد! لا أغني عنك من الله شيئا، ~~عباس عم رسول اللصلى الله ليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة ~~رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم) وقال ذلك ~~لعشيرته الأقربين. # وروي أنه قال : لغير أن لكم رحما سأبلها ببلالها( فبي صلىل الله عليه وسلم هو موافق ~~لكتاب الله من أنه ليس عليه إلا البلاغ المبين، وأما الجزاء بالثواب والعقاب، فهو إلى ~~الله تعالى. كما قال تعالى : (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولببك هم الفابزون) ~~النور:] وهو صلى الله عليه وسلم م بلغ البلاغ المبين، قد بلغ الرسالة، وأشهد الله على أمته أنه ~~بلغهم، كما جعل في حجة الوداع يقول : «ألا هل بلغت? فيقولون: نعم! فيرفع ~~إصبعه إلى السماء، وينكبها إليهم، ويقول: اللهم أشهد رواه مسلم في صحيحه. PageV01P712 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0713.png) ~~232 # وأما إجابة الداعي، وتفريج الكربات، وقضاء الحاجات، فهذا لله سبحانه ~~وتعالى وحده لا يشركه فيه أحد. # ولهذا فرق الله سبحانه في كتابه بين ما فيه حق للرسول، وبين ما هو لله ~~وحده، كما في قوله تعالى : (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولبك هم ms0782 الفابزون) ~~فبين سبحانه ما يستحقه الرسول من الطاعة، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله. وأما ~~الخشية والتقوى فجعل ذلك له سبحانه وحده، وكذلك قوله: (ولو أنه رضواما ~~اتلهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سكيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله رعبوب) ~~[التوبة: 9] فجعل الإيتاء لله والرسول. كما في قوله تعالى : (وما ءاناكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). وأما التوكل والرغبة فلله وحده. كما في ~~قوله تعالى : (وقالوا حسبنا الله). ولم يقل ورسوله. وقال : (إنا إلى الله رعبو) ~~ولم يقل: وإلى الرسول، وذلك موافق لقوله تعالى : (فإذا فرفت فانصب وإلى ربك فارغب) ~~[الشرح: 7، 8. # فالعبادة والخشية والتوكل والدعاء والرجاء والخوف لله وحده، لا يشركه فيه ~~أحد، وأما الطاعة والمحبة والإرضاء، فعلينا أن نطيع الله ورسوله، ونحب الله ~~ورسوله، ونرضي الله ورسوله؛ لأن طاعة الرسول طاعة لله، وإرضاءه إرضاء لله، ~~وحبه من حب الله. # وكثير من أهل الضلال من الكفار وأهل البدع بدلوا الدين، فإن الله تعالى جعل ~~الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وسائط في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، ~~فليس لأحد طريق إلى الله إلا متابعة الرسول، بفعل ما أمر، وترك ما حذر. # ومن جعل إلى الله طريقا غير متابعة الرسول للخاصة والعامة فهو كافر بالله ~~ورسوله . مثل من يزعم أن من خواص الأولياء أو العلماء أو الفلاسفة أو أهل الكلام ~~أو الملوك من له طريق إلى الله تعالى غير متابعة رسوله، ويذكرون في ذلك من ~~الأحاديث المفتراة ما هو أعظم الكفر والكذب. كقول بعضهم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~استأذن على أهل الصفة، فقالوا: اذهب إلى من أنت رسول إليه. وقال بعضهم: إنهم ~~أصبحوا ليلة المعراج، فأخبروه بالسر الذي ناجاه الله به، وأن الله أعلمهم بذلك بدون ~~إعلام الرسول. وقول بعضهم: إنهم قاتلوه في بعض الغزوات مع الكفار، وقالوا: من ~~كان الله معه كنا معه، وأمثال ذلك من الأمور التي هي من أعظم الكفر، والكذب. # ومثل احتجاج بعضهم بقصة الخضر وموسى عليه السلام: على أن من الأولياء ms0783 ~~من يستغني عن محمد صلى الله ليه وسلم، كما استغنى الخضر عن موسى، ومثل قول بعضهم : إن ~~خاتم الأولياء له طريق إلى الله، يستغنى به عن خاتم الأنبياء، وأمثال هذه الأمور التي PageV01P713 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0714.png) ~~كثرت في كثير من المنتسبين إلى الزهد والفقر، والتصوف والكلام والتفلسف. وكفر ~~هؤلاء قد يكون من جنس كفر اليهود والنصارى، وقد يكون أعظم، وقد يكون أخف ~~بحسب أحوالهم. # والله سبحانه لم يجعل له أحدا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من ~~الربوبية، والألوهية، مثل ما ينفرد به من الخلق والرزق، وإجابة الدعاء والنصر على ~~الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات؛ بل غاية ما يكون العبد سببا. مثل أن ~~يدعو أو يشفع، والله تعالى يقول : (من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه) ~~ويقول : (ولا يشفعون إلا لمن ارتنى) ويقول:( وك من ملك في ~~السموات لا تغى شفاعتهم شيا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرغي) وقال تعالى: ~~(قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون ~~يبنغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمتم ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محدورا) ~~[الإسراء : 56، 57] قالت طائفة من السلف : كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء، ~~فنهاهم الله عن ذلك. في قوله تعالى : (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ~~ثم يقول للناس كودوا عبادا لى من دون الله ولاكن كونوا ربانيتيعن بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون ولا يأمركم أن تمخذوا للليكة والنبيين أربابا ايأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) ~~عمران : 80،79 فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، ولهذا كان ~~الناس في الشفاعة على ثلاثة أقسام : # فالمشركون أثبتوا الشفاعة، التي هي شرك؛ كشفاعة المخلوق عند المخلوق، ~~كما يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك، فيسألونهم بغير إذنهم، ~~وتجيب الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم، فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله تعالى ~~مشركون كفار؛ لأن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يحتاج إلى أحد من ~~خلقه، ms0784 بل من رحمته وإحسانه وإجابة دعاء الشافعين، وهو سبحانه أرحم بعباده من ~~الوالدة بولدها. ولهذا قال تعالى : (ما لكم من دونه من ولى ولا ثفيع)د ~~رقال : (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع) ~~51] وقال تعالى : (أم اتخدوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ~~قل لله الشفاعة جميعا)، وقال تعالى عن صاحب يس : (أتخذ من ~~دونه، الهة إن يردن الرحمن بصر لا تغن عن شفاعتهم شينا ولا ينقذون ه إن إذالفنى ضلل تبين ~~إزس امنت بربكم فاسمعون)]. # وأما الخوارج والمعتزلة؛ فإنهم انكروا شفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته، ~~وهؤلاء مبتدعة ضلال، مخالفون للسنة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولإجماع خير ~~القرون. PageV01P714 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0715.png) # والقسم الثالث : هم أهل السنة والجماعة، وهم سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم ~~بإحسان، أثبتوا ما أثبته الله في كتابه، وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ونفوا ما نفاه الله في كتابه وسنة ~~رسوله. فالشفاعة التي أثبتوها هي التي جاءت بها الأحاديث. كشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم ~~القيامة، إذا جاء الناس إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم يأتونه ~~عليه الصلاة والسلام، قال : فأذهب إلى ربي، فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا، فأحمد ~~ربي بمحامد يفتحها علي، لا أحسنها الآن، فيقول : أي محمد! ارفع رأسك، وقل: ~~يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع فهو يأتي ربه سبحانه، فيبدأ بالسجود والثناء عليه، ~~فإذا أذن له في الشفاعة شفع، بأبي هو والآم صى اله عليه وسلم # وأما الشفاعة التي نفاها القرآن كما عليه المشركون والنصارى، ومن ضاهاهم من ~~هذه الأمة، فينفيها أهل العلم والإيمان، مثل إنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين الغائبين ~~والميتين قضاء حوائجهم ويقولون: إنهم إذا أرادوا ذلك قضوها، ويقولون: إنهم عند الله ~~تعالى كخواص الملوك عند الملوك، يشفعون بغير إذن الملوك، ولهم على الملوك إدلال ~~يقضون به حوائجهم، فيجعلونهم لله تعالى بمنزلة شركاء ms0785 الملك، وبمنزلة أولاده. والله ~~تعالى قد نزه نفسه المقدسة عن ذلك، كما قال تعالى : (وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولر يكن ~~له شريك في الملك ولم يكن لهم ولي من الذل وكبره تكبيا)الإسراء: . ولهذا قال النبيصلى اله عليه وسلم ~~لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله، ~~ورسوله. وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع. # والزيارة البدعية هي من أسباب الشرك بالله تعالى، ودعاء خلقه، وإحداث ~~دين لم يأذن به الله. والزيارة الشرعية هي من جنس الإحسان إلى الميت بالدعاء ~~له، كالإحسان إليه . بالصلاة عليه، وهي من العبادات لله تعالى التي ينفع الله بها ~~الداعي، والمدعو له، كالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وطلب الوسيلة، والدعاء ~~لسائر المؤمنين: أحيائهم وأمواتهم. # وأما المسألة المتنازع فيها؛ فالزيارة المأذون فيها، هل فيها إذن للنساء، ونسخ ~~للنهي في حقهن ? أو لم يأذن فيها، بل هن منهيات عنها ? وهل النهي نهي تحريم، أو ~~تنزيه ? في ذلك للعلماء ثلاثة أقوال معروفة، والثلاثة أقوال في مذهب الشافعي، ~~وأحمد أيضا، وغيرهما. وقد حكي في ذلك ثلاث روايات عن أحمد. وهو نظير ~~تنازعهم في تشييع النساء للجنائز، وإن كان فيهم من يرخص في الزيارة دون التشييع، ~~كما اختار ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم. PageV01P715 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0716.png) # فمن العلماء من اعتقد أن النساء مأذون لهن في الزيارة، وأنه أذن لهن كما أذن ~~للرجال، واعتقد أن قوله صلى الله عليه وسلم،: فزوروها فإنها تذكركم الآخرة خطاب عام للرجال ~~والنساء . والصحيح أن النساء لم يدخلن في الإذن في زيارة القبور لعدة أوجه: # أحدها : أن قوله صلى الله عليه وسلم،: فزوروها صيغة تذكير، وصيغة التذكير إنما تتناول ~~الرجال بالوضع، وقد تتناول النساء أيضا على سبيل التغليب، لكن هذا فيه قولان. ~~قيل : إنه يحتاج إلى دليل منفصل، وحينئذ فيحتاج تناول ذلك للنساء إلى دليل ~~منفصل، وقيل : إنه يحمل على ذلك عند الإطلاق، وعلى هذا فيكون دخول النساء ~~بطريق العموم الضعيف، والعام لا يعارض الأدلة الخاصة ms0786 المستفيضة في نهي النساء، ~~كما سنذكره إن شاء الله تعالى، بل ولا ينسخها عند جمهور العلماء، وإن علم تقدم ~~الخاص على العام. # الوجه الثاني : أن يقال : لو كان النساء داخلات في الخطاب، لاستحب لهن ~~زيارة القبور، كما استحب للرجال عند الجمهور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل بعلة تقتضي ~~الاستحباب، وهي قوله : فإنها تذكركم الآخرة ولهذا تجوز زيارة قبور المشركين ~~لهذه العلة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم اء زار قبر أمه، وقال : لااستأذنت ربي ~~في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا ~~القبور فإنها تذكركم الآخرة2. # وأما زيارته لأهل البقيع فذلك فيه أيضا الاستغفار لهم والدعاء، كما علم ~~النبي لى الله عليه وسلمآته إذا زاروا قبور المؤمنين أن يسلموا عليهم، ويدعوا لهم. فلو كانت ~~زيارة القبور مأذون فيها للنساء لاستحب لهن، كما استحب للرجال، لما فيها من ~~الدعاء للمؤمنين، وتذكر الموت. وما علمنا أن أحدا من الأئمة استحب لهن زيارة ~~القبور ولا كان النساء على عهد النبي صلى الله علي وسلم خلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور، ~~كما يخرج الرجال . # والذين رخصوا في الزيارة اعتمدوا على ما يروى عن عائشة - رضي الله عنها - ~~أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن، وكان قد مات في غيبتها. وقالت : لو شهدتك لما ~~زرتك. وهذا يدل على أن الزيارة ليست مستحبة للنساء، كما تستحب للرجال، إذ لو ~~كان كذلك لاستحب لها زيارته، كما تستحب للرجال زيارته، سواء شهدته أو لم ~~تشهده. # وأيضا فإن الصلاة على الجنائز أوكد من زيارة القبور، ومع هذا فقد ثبت في PageV01P716 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0717.png) ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم فى النساء عن اتباع الجنائز، وفي ذلك تفويت صلاتهن على ~~الميت، فإذا لم يستحب لهن اتباعها لما فيها من الصلاة والثواب، فكيف بالزيارة ? ! # الوجه الثالث : أن يقال : غاية ما يقال في قوله صلى الله عليه وسلم: ( فزوروا القبور» خطاب ~~عام، ومعلوم أن قوله صلى الله عليه وسلم : من ms0787 صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن ~~فله قيراطان هو أدل على العموم من صيغة التذكير، فإن لفظ : ل من يتناول ~~الرجال والنساء باتفاق الناس، وإن خالف فيه من لا يدري ما يقول . ولفظ : «من ~~أبلغ صيغ العموم، ثم قد علم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء، ~~لنهي النبي صلى الله عليه وسلم همن عن اتباع الجنائز، سواء كان نهي تحريم أو تنزيه. فإذا لم يدخلن ~~في هذا العموم، فكذلك في ذلك بطريق إلأولى، وكلاهما من جنس واحد، فإن ~~تشييع الجنازة من جنس زيارة القبور. قال الله تعالى : (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~نقم على قبرهه) فنهى نبيه صلى الله عليه وسلم عمن الصلاة على المنافقين، وعن القيام على ~~قبورهم. # وكان دليل الخطاب وموجب التعليل يقتضي أن المؤمنين يصلى عليهم، ويقام ~~على قبورهم. وذلك كما قال أكثر المفسرين: هو القيام بالدعاء والاستغفار، وهو ~~مقصود زيارة قبور المؤمنين، فإذا كان النساء لم يدخلن في عموم اتباع الجنائز، مع ~~ما في ذلك من الصلاة على الميت، فلأن لا يدخلن في زيارة القبور التي غايتها دون ~~الصلاة عليه بطريق الأولى، بخلاف ما إذا أمكن النساء أن يصلين على الميت بلا ~~اتباع، كما يصلين عليه في البيت، فإن ذلك بمنزلة الدعاء له، والاستغفار في البيت. # وإذا قيل : مفسدة الاتباع للجنائز أعظم من مفسدة الزيارة ؛ لأن المصيبة حديثة، ~~وفي ذلك أذى للميت، وفتنة للحي بأصواتهن، وصورهن. قيل : ومطلق الاتباع أعظم ~~من مصلحة الزيارة ؛ لأن في ذلك الصلاة عليه التي هي أعظم من مجرد الدعاء؛ ولأن ~~المقصود بالاتباع الحمل والدفن، والصلاة فرض على الكفاية، وليس شيء من الزيارة ~~فرضا على الكفاية - وذلك الفرض يشترك فيه الرجال والنساء بحيث لو مات رجل ~~وليس عنده إلا نساء لكان حمله ودفنه والصلاة عليه فرضا عليهن، وفي تغسيلهن ~~للرجال نزاع وتفصيل . وكذلك إذا تعذر غسل الميت هل ييمم? فيه نزاع معروف، ~~وهو قولان في مذهب أحمد وغيره - فإذا كان النساء منهيات عما جنسه ms0788 فرض على ~~الكفاية، ومصلحته أعظم إذا قام به الرجال، فما ليس بفرض على أحد أولى. PageV01P717 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0718.png) # وقول القائل : مفسدة التشييع أعظم: ممنوع؛ بل إذا رخص للمرأة في الزيارة ~~كان ذلك مظنة تكرير ذلك، فتعظم فيه المفسدة، ويتجدد الجزع، والأذى للميت، ~~فكان ذلك مظنة قصد الرجال لهن والافتتان بهن، كما هو الواقع في كثير من ~~الأمصار ، فإنه يقع بسبب زيارة النساء القبور من الفتنة والفواحش والفساد ما لا يقع ~~شيء منه عند اتباع الجنائز. # وهذا كله يبين أن جنس زيارة النساء أعظم من جنس اتباعهن، وأن نهي الاتباع ~~إذا كان نهي تنزيه لم يمنع أن يكون نهي الزيارة نهي تحريم، وذلك أن نهي المرأة عن ~~الاتباع قد يتعذر لفرط الجزع، كما يتعذر تسكينهن لفرط الجزع أيضا، فإذا خفف هذه ~~القوة المقتضي لم يلزم تخفيف ما لا يقوى المقتضى فيه. وإذا عفا الله تعالى للعبد ~~عما لا يمكن تركه إلا بمشقة عظيمة لم يلزم أن يعفو له عما يمكنه تركه بدون هذه ~~المشقة الواجبة. # الوجه الرابع : أن يقال : قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريقين: أنه لعن زوارات ~~القبور، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - : أن النبي صلى الله عليه وسلم، لعن زائرات القبور ~~رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والترمذي وصححه، وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم، لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد ~~والسرج رواه الإمام أحمد؛ وأبو داود، والنسائي، والترمذي وحسنه، وفي نسخ ~~تصحيحه، ورواه ابن ماجه من ذكر الزيارة. # فإن قيل: الحديث الأول رواه عمر بن أبي سلمة، وقد قال فيه علي بن ~~المديني تركه شعبة، وليس بذاك، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس يحتج ~~بحديثه، وقال السعدي والنسائي: ليس بقوي الحديث، والثاني فيه أبو صالح باذام، ~~مولى أم هاني، وقد ضعفوه، قال أحمد: كان ابن مهدي ترك حديث أبي صالح، ~~وكان أبو حاتم يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه تفسير، ~~وما أقل ما ms0789 له في المسند، ولم أعلم أحدا من المتقدمين رضيه. # قلت : الجواب على هذا من وجوه: # أحدها : أن يقال كل من الرجلين قد عدله طائفة من العلماء، كما جرحه ~~آخرون، أما عمر فقد قال فيه احمد بن عبد الله العجلي: ليس به بأس، وكذلك قال PageV01P718 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0719.png) ~~238 ~~يجيى بن معين : ليس به بأس. وابن معين وأبو حاتم من أصعب الناس تزكية. # وأما قول من قال: تركه شعبة، فمعناه أنه لم يرو عنه. كما قال أحمد بن حنبل ~~لم يسمع شعبة من عمر بن أبي سلمة شيئا، وشعبة، ويحيى بن سعيد، وعبد ~~الرحمن بن مهدي، ومالك، ونخوهم قد كانوا يتركون الحديث عن أناس لنوع شبهة ~~بلغتهم، لا توجب رد أخبارهم، فهم إذا رووا عن شخص كانت روايتهم تعديلا له. ~~وأما ترك الرواية فقد يكون لشبهة لا توجب الجرح، وهذا معروف في غير واحد قد ~~خرج له في الصحيح. # وكذلك قول من قال : ليس بقوي في الحديث. عبارة لينة، تقتضي أنه ربما كان ~~في حفظه بعض التغير، ومثل هذه العبارة لا تقتضي عندهم تعمد الكذب، ولا مبالغة ~~في الغلط. # وأما أبو صالح؛ فقد قال يحيى بن سعيد القطان: لم أر أحدا من أصحابنا ترك ~~أبا صالح مولى أم هاني، وما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا، ولم يتركه شعبة ~~ولا زائدة، فهذه رواية شعبة عنه تعديل له، كما عرف من عادة شعبة. وترك ابن ~~مهدي له لا يعارض ذلك، فإن يحيى بن سعيد أعلم بالعلل والرجال من ابن مهدي، ~~فإن أهل الحديث متفقون على أن شعبة ويحيى بن سعيد أعلم بالرجال من ابن مهدي، ~~وأمثاله. # وأما قول أبي حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. فأبو حاتم يقول مثل هذا في ~~كثير من رجال الصحيحين، وذلك أن شرطه في التعديل صعب، والحجة في ~~اصطلاحه ليس هو الحجة في جمهور أهل العلم. # وهذا كقول من قال: لا أعلم إنهم رضوه. وهذا يقتضي أنه ليس عندهم من ~~الطبقة العالية، ولهذا لم يخرج البخاري ومسلم ms0790 له، ولأمثاله. لكن مجرد عدم ~~تخريجهما للشخص لا يوجب رد حديثه. وإذا كان كذلك، فيقال : إذا كان الجارح ~~والمعدل من الأئمة، لم يقبل الجرح إلا مفسرا، فيكون التعديل مقدما على الجرح ~~المطلق. # الوجه الثاني : أن حديث مثل هؤلاء يدخل في الحسن الذي يحتج به جمهور ~~العلماء، فإذا صححه من صححه كالترمذي وغيره، ولم يكن فيه من الجرح إلا ~~ما ذكر، كان أقل أحواله أن يكون من الحسن. # الوجه الثالث: أن يقال قد روي من وجهين مختلفين : أحدهما : عن ابن عباس، ~~والآخر : عن أبي هريرة، ورجال هذا ليس رجال هذا، فلم يأخذه أحدهما عن الآخر، ~~وليس في الإسنادين من يتهم بالكذب، وإنما التضعيف من جهة سوء الحفظ، ومثل PageV01P719 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0720.png) ~~هذا حجة بلا ريب، وهذا من أجود الحسن الذي شرطه الترمذي، فإنه جعل الحسن ~~ما تعددت طرقه ، ولم يكن فيها متهم، ولم يكن شاذا: أي مخالفا لما ثبت بنقل ~~الثقاة . وهذا الحديث تعددت طرقه، وليس فيه متهم، ولا خالفه أحد من الثقاة، ~~وذلك أن الحديث إنما يخاف فيه من شيئين : إما تعمد الكذب، وإما خطأ الراوي، ~~فإذا كان من وجهين لم يأخذه أحدهما عن الآخر، وليس مما جرت العادة بأن يتفق ~~تساوي الكذب فيه : علم أنه ليس بكذب؛ لا سيما إذا كان الرواة ليسوا من أهل ~~الكذب . # وأما الخطأ فإنه مع التعدد يضعف، ولهذا كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ~~يطلبان مع المحدث الواحد من يوافقه خشية الغلط، ولهذا قال تعالى في المرأتين: ~~(أن تضل إحددهما فتذكر إحدلهما الأخرى ) هذا لو كانا عن صاحب ~~واحد، فكيف وهذا قد رواه عن صاحب، وذلك عن آخر، وفي لفظ أحدهما زيادة ~~على لفظ الآخر، فهذا كله ونحوه مما يبين أن الحديث في الأصل معروف. # فإن قيل : فهب أنه صحيح، لكنه منسوخ، فإن الأول ينسخه، ويدل على ذلك ~~ما رواه الأثرم، واحتج به أحمد في روايته، ورواه إبراهيم بن الحارث عن ~~عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة رضي الله عنها أقبلت ذات يوم ms0791 من المقابر، فقلت ~~لها : يا أم المؤمنين! أليس كان نهى رسول الله ل صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور? قالت: نعم ! ~~كان نهى عن زيارة القبور، ثم أمر بزيارتها . قيل: الجواب عن هذا من وجوه: # أحدها : أنه قد تقدم الخطاب. بأن الإذن لم يتناول النساء، فلا يدخلن في ~~الحكم الناسخ . # الثاني : خاص في النساء، وهو قو صلى الله عليه وسلم: لعن الله زوارات القبور، أو زائرات ~~القبور» وقوله : «فزوروها» بطريق التبع، فيدخلن بعموم ضعيف إما أن يكون مختصأ ~~بالرجال، وإما أن يكون متناولا للنساء، والعام إذا عرف أنه بعد الخاص لم يكن ~~ناسخا له عند جمهور العلماء، وهو مذهب الشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه ~~وهو المعروف عند أصحابه، فكيف إذا لم يعلم أن هذا العام بعد الخاص، إذ قد ~~يكون قوله : «لعن الله زوارات القبور بعد إذنه للرجال في الزيارة ويدل على ذلك ~~أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج، وذكر هذا بضيغة التذكير التي تتناول ~~الرجال، ولعن الزائرات جعله مختصا بالنساء، ومعلوم إن اتخاذ المساجد والسرج باقي ~~محكم، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فكذلك الآخر. PageV01P720 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0721.png) # وأما ما ذكر عن عائشة رضي الله عنها، فأحمد احتج به في إحدى الروايتين ~~عنه، لما أداه اجتهاده إلى ذلك، والرواية الأخرى عنه تناقض ذلك، وهي اختيار ~~الخرقي وغيره من قدماء أصحابه. # ولا حجة في حديث عائشة. فإن المحتج عليها احتج بالنهي العام، فدفعت ذلك ~~بأن النهي منسوخ. وهو كما قالت رضي الله عنها، ولم يذكر لها المحتج النهي ~~المختص بالنساء الذي فيه لعنهن على الزيارة. يبين ذلك قولها : «قد أمر بزيارتها ~~فهذا يبين أنه أمر بها أمرا يقتضي الاستحباب، والاستحباب إنما هو ثابت للرجال ~~خاصة، ولكن عائشة بينت أن أمره الثاني نسخ نهيه الأول، فلم يصلح أن يحتج به ~~وهو النساء على أصل الإباحة. ولو كانت عائشة تعتقد أن النساء مأمورات بزيارة ~~القبور لكانت تفعل ذلك كما يفعله الرجال، ولم تقل لأخيها : لما زرتك. # الجواب الثالث: جواب من يقول بالكراهة ms0792 من أصحاب أحمد، والشافعي، وهو ~~أنهم قالوا : حديث اللعن يدل على التحريم، وحديث الإذن يرفع التحريم . وبقي أصل ~~الكراهة . يؤيد هذا قول أم عطية : نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا. والزيارة من ~~جنس الاتباع فيكون كلاهما مكروها غير محرم. # الجواب الرابع : جواب طائفة منهم: كإسحاق بن راهويه، فإنهم يقولون: اللعن ~~قد جاء بلفظ الزوارات، وهن المكثرات للزيارة، فالمرة الواحدة في الدهر لا تتناول ~~ذلك، ولا تكون المرأة زائرة، ويقولون: عائشة زارت مرة واحدة، ولم تكن زوارة. # وأما القائلون بالتحريم: فيقولون قد جاء بلفظ : «الزوارات» ولفظ الزوارات قد ~~يكون لتعددهن، كما يقال: فتحت الأبواب، إذ لكل باب فتح يخصه، ومنه قوله ~~تعالى : (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) ومعلوم أن لكل باب فتحا ~~واحدا. قالوا: ولأنه لا ضابط في ذلك بين ما يحرم، وما لا يحرم، واللعن صريح ~~في التحريم. # ومن هؤلاء من يقول : التشييع كذلك، ويحتج بما روي في التشييع من التغليظ ~~كقوله صلى الله عليه وسلم ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي، وتؤذين الميت ~~وقوله لفاطمة - رضي الله عنها - : أما إنك لو بلغت معهم الكدى لم تدخلي الجنة، ~~حتى يكون كذا وكذا») وهذان يؤيدهما ما ثبت في الصحيحين من أنه لنهى النساء PageV01P721 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0722.png) ~~عن اتباع الجنائز1 . وأما قول أم عطية: ولم يعزم علينا. فقد يكون مرادها لم يؤكد ~~النهي، وهذا لا ينفي التحريم، وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهي تحريم، والحجة ~~في قول النبي صلى الله عليه وسلم ا في ظن غيره. # الجواب الخامس : أن النبي صلى الله عليه وسلم علل الإذن للرجال بأن ذلك يذكر بالموت، ~~ويرقق القلب، ويدمع العين، هكذا في مسند أحمد. ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها هذا ~~الباب أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة، لما فيها من الضعف، وكثرة الجزع، وقلة ~~الصبر. # وأيضا فإن ذلك سبب لتأذي الميت ببكائها، ولافتتان الرجال بصوتها، ~~وصورتها، كما جاء في حديث آخر : فإنكن تفتن الحي، وتؤذين الميت وإذا كانت ~~زيارة النساء مظنة وسببا للأمور المحرمة في ms0793 حقهن، وحق الرجال، والحكمة هنا غير ~~مضبوطة، فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك، ولا التمييز بين ~~نوع ونوع . # ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية، أو غير منتشرة علق الحكم ~~بمظنتها، فيحرم هذا الباب سدا للذريعة، كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة لما في ذلك ~~من الفتنة، وكما حرم الخلوة بالأجنبية وغير ذلك من النظر، وليس في ذلك من ~~المصلحة ما يعارض هذه المفسدة، فإنه ليس في ذلك إلا دعاؤها للميت، وذلك ~~ممكن في بيتها. ولهذا قال الفقهاء : إذا علمت المرأة من نفسها أنها إذا زارت المقبرة ~~بدا منها ما لا يجوز من قول أو عمل، لم تجز لها الزيارة بلا نزاع. # وأما الحديث المذكور في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوضعيف، وليس في زيارة قبر ~~لنبي صلى الله عليه وسلم حديث حسن ولا صحيح، ولا روى أهل السنن المعروفة، كسنن ~~أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، ولا أهل المسانيد المعروفة، كمسند ~~أحمد، ونحوه، ولا أهل المصنفات كموطأ مالك وغيره في ذلك شيئا. بل عامة ~~ما يروى في ذلك أحاديث مكذوبة موضوعة . كما يروى عه صلى الله ليه وسلم أ قال : لامن زارني ~~وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة وهذا حديث موضوع، ~~كذب باتفاق أهل العلم. # وكذلك ما يروى أنه قال: من زارني بعد مماتي، فكانما زارني في حياتي ~~رمن زارني بعد مماتي ضمنت له على الله الجنة» ليس لشيء من ذلك أصل، وإن كان PageV01P722 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0723.png) ~~قد روى بعض ذلك الدارقطني، والبزار في مسنده، فمدار ذلك على عبد الله بن عمر ~~العمري. أو من هو أضعف منه، ممن لا يجوز أن يثبت بروايته حكم شرعي. # وإنما اعتمد الأئمة في ذلك على ما رواه أبو داود في السنن عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : لما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي، حتى أرد ~~عليه السلام وكما في سنن النسائي ms0794 عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : إن الله وكل بقبري ~~ملائكة تبلغني عن أمتي السلام فالصلاة والسلام عليه مما أمر الله به ورسوله، ~~فلهذا استحب ذلك العلماء. # ومما يبين ذلك أن مالكا - رحمه الله - كره أن يقول الرجل: زرت قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ومالك قد أدرك الناس من التابعين، وهم أعلم الناس بهذه المسألة، فدل ~~ذلك على أنه لم تكن تعرف عندهم ألفاظ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا كره من كره من ~~الأئمة أن يقف مستقبل القبر يدعو، بل وكره مالك وغيره أن يقوم للدعاء لنفسه هناك، ~~وذكر أن هذا لم يكن من عمل الصحابة والتابعين، وأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ~~ما أصلح أولها. # وقد ذكروا في أسباب كراهته، أن يقول زرت قبر النبي، لأن هذا اللفظ قد صار ~~كثير من الناس يريد به الزيارة البدعية، وهي قصد الميت لسؤاله، ودعائه، والرغبة إليه ~~في قضاء الحوائج، ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس، فهم يعنون بلفظ الزيارة مثل ~~هذا، وهذا ليس بمشروع باتفاق الأئمة، فكره مالك أن يتكلم بلفظ مجمل يدل على ~~معنى فاسد، بخلاف الصلاة عليه والسلام فإن ذلك مما أمر الله به. # أما لفظ الزيارة في عموم القبور فقد لايفهم منها مثل هذا المعنى ألا ترى إلى ~~قوله : فزوروا القبور. فإنها تذكركم الآخرة مع زيارته لقبر أمه، فإن هذا يتناول ~~زيارة قبور الكفار، فلا يفهم من ذلك زيارة الميت لدعائه وسؤاله، والاستغاثة به، ~~ونحو ذلك مما يفعله أهل الشرك والبدع؛ بخلاف ما إذا كان المزور معظما في ~~الدين : كالأنبياء، والصالحين. فإنه كثيرا ما يعني بزيارة قبورهم هذه الزيارة البدعية ~~والشركية، فلهذا كره مالك ذلك في مثل هذا . وإن لم يكره ذلك في موضع آخر ليس ~~فيه هذه المفسدة. # فلا يمكن أحدا أن يروي بإسناد ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه شيئا في ~~زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، بل الثابت عنه في الصحيحين يناقض ms0795 المعنى الفاسد الذي ترويه PageV01P723 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0724.png) ~~الجهال بهذا اللفظ. كقوله صلى الله عليه ولم: لا تتخدوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم ~~تبلغني حيثما كنتم»1. # وقوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا ~~قالت عائشة رضي الله عنها: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. # وقوله صلى الله عليه سلم : إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك. # وقوله صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. وأشباه هذه الأحاديث التي ~~في الصحاح، والسنن، والكتب المعتمدة. # فكيف يعدل من له علم وإيمان عن موجب هذه النصوص الثابتة باتفاق أهل ~~الحديث، إلى ما يناقض معناها من الأحاديث التي لم يثبت منها شيئا أحد من أهل ~~العلم . والله سبحانه أعلم، وصلى الله على محمد. # وسئل شيخ الإسلام رحمه إلله تعالى : عن زيارة النساء القبور: هل ورد في ~~ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم م لا # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. صح عن رسول الل ال صلى الله عليه وسلم من حديث ~~أبي هريرة رضي الله عنهما قال: «لعن الله زوارات القبور»2) رواه أحمد، وابن ~~ماجه، والترمذي، وصححه. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: للعن ~~رسول الله صلهل صلى الله عليه وسلم وارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه أهل ~~السنن الأربعة : أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي حديث ~~حسن، وأخرجه أبو حاتم في صحيحه وعلى هذا العمل في أظهر قولي أهل العلم. ~~أنه نهى زوارات القبور عن ذلك، فإن النبي صلى الله علي وسلم ا: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ~~فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة»8 # فإن قيل : فالنهي عن ذلك منسوخ، كما قال ذلك أهل القول الآخر. قيل: هذا PageV01P724 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0725.png) ~~ليس بجيد؛ لأن قوله : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» هذا خطاب للرجال ~~دون النساء، فإن اللفظ لفظ مذكر، وهو مختص بالذكور، أو متناول لغيرهم بطريق ms0796 ~~التبع . فإن كان مختصا بهم فلا ذكر للنساء، وإن كان متناولا لغيرهم كان هذا اللفظ ~~عاما، وقوله : «لعن الله زوارات القبور خاص بالنساء دون الرجال، ألا تراه يقول : ~~لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج فالذين يتخذون عليها ~~المساجد والسرج لعنهم الله، سواء كانوا ذكورا أو إناثا، وأما الذين يزورون فإنما لعن ~~النساء الزوارات دون الرجال، وإذا كان هذا خاصا ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة ~~كان متقدما على العام عند عامة أهل العلم، كذلك لو علم أنه كان بعدها. # وهذا نظثر قوله صلى الله عليه وسلم: : من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن ~~فله قيراطان فهذا عام والنساء لم يدخلن في ذلك، لأنه ثبت عنه في الصحيح أنه ~~نهى النساء عن اتباع الجنائز . عن عبد الله بن عمر قال : سرنا مع رسول ال صلى الله عليه وسلم ~~يعني (نشيع) ميتا، فلما فرغنا انصرف رسول الله ل صلى الله عليه وسلم وإنصرفنا معه، فلما توسطنا ~~الطريق إذا نحن بامرأة مقبلة، فلما دنت إذا هي فاطمة، فقال لها رسولله له صلى الله عليه وسلم: ما ~~أخرجك يا فاطمة من بيتك؟! قالت : أتيت يا رسول الله! أهل هذا البيت فعزيناهم ~~بميتهم، فقال رسول الله اله صلى الله عليه وسلم لعلك بلغت معهم الكدى، أما إنك لو بلغت معهم ~~الكدى ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك رواه أهل السنن، ورواه أبو حاتم في ~~صحيحه، وقد فسر «الكدى بالقبور. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : هل الميت يسمع كلام زائره، ويرى شخصه? وهل ~~تعاد روحه إلى جسده في ذلك الوقت، أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت ~~وغيره? وهل تصل إليه القراءة والصدقة من ناحليه وغيرهم، سواء كان من المال ~~الموروث عنه وغيره? وهل تجمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه الذين ماتوا قبله، سواء ~~كان مدفونا قريبا منهم أو بعيدا? وهل تنقل روحه إلى جسده في ذلك الوقت، أو يكون ~~بدنه إذا مات في بلد بعيد? ودفن بها ms0797 ينقل إلى الأرض التي ولد بها، وهل يتأذى ببكاء ~~أهله عليه? والمسؤول من أهل العلم رضي الله عنهم الجواب عن هذه الفصول - ~~فصلا، فصلا - جوابا واضحا، مستوعبا لما ورد فيه من الكتاب والسنة، وما نقل فيه ~~عن الصحابة رضي الله عنهم، وشرح مذاهب الأئمة والعلماء : أصحاب المذاهب، ~~واختلافهم، وما الراجح من أقوالهم. مأجورين إن شاء الله تعالى. # فأجاب: الحمد لله رب العالمين. نعم! يسمع الميت في الجملة، كما ثبت في PageV01P725 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0726.png) ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه. # وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم،: أنه ترك قتلى بدر ثلاثا، ثم أتاهم فقال: يا أبا جهل بن ~~هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! هل وجدتم ما وعدكم ~~ربكم حقا? فإني وجدت ما وعدني ربي حقا فسمع عمر رضي الله عنه ذلك فقال: ~~يا رسول الله! كيف يسمعون، وأنى يجيبون، وقد جيفوا ?! فقال : والذي نفسي ~~بيده! ما أنت بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا ثم أمر بهم ~~فسحبوا في قليب بدر، وكذلك في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقف على قليب بدر فقال : لاهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا? وقال : إنهم ~~يسمعون الآن ما أقول. # وقد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أنه كان يأمر بالسلام على أهل ~~القبور. ويقول : قولوا السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ~~ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم فهذا ~~خطاب لهم، وإنما يخاطب من يسمع. وروى ابن عبد البر عن النبي صلى الله عليه وسلمأ قال: ~~لما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه ~~حتى يرد عليه السلام» # وفي السنن عنه أنه قال : أكثروا من الصلاة علي يوم ms0798 الجمعة، وليلة الجمعة، ~~فإن صلاتكم معروضة علي، فقالوا : يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك? ~~وقد أرمت - يعني صرت رميما - فقال : «إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل ~~لحوم الأنبياء6، وفي السنن أنه قال : «إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي ~~السلام ». # فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي ولا يجب PageV01P726 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0727.png) ~~أن يكون السمع له دائما، بل قد يسمع في حال دون حال ما قد يعرض للحي فإنه قد ~~يسمع أحيانا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يعرض له، وهذا السمع سمع ~~إدراك، ليس يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي بقوله : ( إنك لا شتمع الموت) ~~لالنمل:80 فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال. فإن الله جعل الكافر كالميت ~~الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى. ~~فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أمر ~~به، ونهى عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي. وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن ~~سمع الخطاب، وفهم المعنى. كما قال تعالى : ( ولو علم الله فيهم خيرا لانآسمعه) ~~[الأنفال: 23]. # وأما رؤية الميت: فقد روي في ذلك آثار عن عائشة وغيرها. # وأما قول القائل: هل تعاد روحه إلى بدنه ذلك الوقت، أم تكون ترفرف على ~~قبره في ذلك الوقت وغيره? فإن روحه تعاد إلى البدن في ذلك الوقت . كما جاء في ~~الحديث . وتعاد أيضا في غير ذلك. وأرواح المؤمنين في الجنة كما في الحديث الذي ~~رواه النسائي، ومالك، والشافعي، وغيرهم: (إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر ~~الجنة حتي يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه وفي لفظ : ثم تأوي إلى قناديل معلقة ~~بالعرش ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله، وذلك في اللحظة بمنزلة نزول ~~الملك، وظهور الشعاع في الأرض، وانتباه النائم. # وهذ جاء في عدة آثار، أن الأرواح تكون في أفنية القبور، قال مجاهد : الأرواح ~~تكون على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارقه، ms0799 فهذا يكون أحيانا، ~~وقال مالك بن أنس : بلغني أن الأرواح مرسلة، تذهب حيث شاءت. والله أعلم. # وأما لالقراءة، والصدقة وغيرهما من أعمال البر، فلا نزاع بين علماء السنة ~~والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية، كالصدقة والعتق، كما يصل إليه أيضا ~~الدعاء والاستغفار، والصلاة عليه صلاة الجنازة، والدعاء عند قبره. PageV01P727 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0728.png) # وتنازعوا في وصول الأعمال البدنية: كالصوم، والصلاة، والقراءة. والصواب ~~أن الجميع يصل إليه، فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : من مات ~~وعليه صيام صام عنه وليه وثبت أيضا : أنه أمر امرأة ماتت أمها، وعليها صوم، ~~أن تصوم عن أمها»2 # وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال لعمرو بن العاص : لو أن أباك أسلم ~~فتصدقت عنه، أو صمت، أو أعتقت عنه، نفعه ذلك وهذا مذهب أحمد، ~~وأبي حنيفة، وطائفة من أصحاب مالك، والشافعي. # وأما احتجاج بعضهم بقوله تعالى : (وأن ليس للإنسان إلاما سعى ) ~~فيقال له : قد ثبت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة: أنه يصلى عليه، ويدعى له ويستغفر ~~له. وهذا من سعي غيره. وكذلك قد ثبت ما سلف من أنه ينتفع بالصدقة عنه، ~~والعتق، وهو من سعي غيره . وما كان من جوابهم في موارد الإجماع فهو جواب ~~الباقين في مواقع النزاع . وللناس في ذلك أجوبة متعددة. # لكن الجواب المحقق في ذلك أن الله تعالى لم يقل : إن الإنسان لا ينتفع إلا ~~بسعي نفسه، وإنما قال : (ليس للإنسان إلا ما سعى ) فهو لا يملك إلا سعيه، ولا يستحق ~~غير ذلك . وأما سعي غيره فهو له، كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه، ونفع ~~نفسه . فمال غيره ونفع غيره هو كذلك للغير؛ لكن إذا تبرع له الغير بذلك جاز. # وهكذا هذا إذا تبرع له الغير بسعيه نفعه الله بذلك، كما ينفعه بدعائه له، ~~والصدقة عنه، وهو ينتفع بكل ما يصل إليه من كل مسلم، سواء كان من أقاربه، أو ~~غيرهم، كما ينتفع بصلاة المصلين عليه ودعائهم له عند قبره. # وأما قوله: هل تجتمع روحه ms0800 مع أرواح أهله وأقاربه? ففي الحديث عن ~~أبي أيوب الأنصاري وغيره من السلف، ورواه أبو حاتم في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~إن الميت إذا عرج بروحه تلقته الأرواح يسألونه عن الأحياء، فيقول بعضهم لبعض: ~~دعوه حتى يستريح، فيقولون له : ما فعل فلان ? فيقول: عمل عمل صلاح، فيقولون: ~~ما فعل فلان? فيقول : ألم يقدم عليكم?! فيقولون: لا، فيقولون ذهب به إلى ~~الهاوية . ولما كانت أعمال الأحياء تعرض على الموتى، كان أبو الدرداء يقول: PageV01P728 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0729.png) ~~اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة. فهذا ~~اجتماعهم عند قدومه يسألونه فيجيبهم. # وأما استقرارهم فبحسب منازلهم عند الله، فمن كان من المقربين كانت منزلته ~~أعلى من منزلة من كان من أصحاب اليمين؛ لكن الأعلى ينزل إلى الأسفل، والأسفل ~~لا يصعد إلى الأعلى، فيجتمعون إذا شاء الله، كما يجتمعون في الدنيا مع تفاوت ~~منازلهم، ويتزاورون. # وسواء كانت المدافن متباعدة في الدنيا، أو متقاربة. قد تجتمع الأرواح مع ~~تباعد المدافن، وقد تفترق مع تقارب المدافن، يدفن المؤمن عند الكافر، وروح هذا ~~في الجنة، وروح هذا في النار، والرجلان يكونان جالسين أو نائمين في موضع ~~واحد، وقلب هذا ينعم، وقلب هذا يعذب. وليس بين الروحين اتصال . فالأرواح كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم :جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف . # والبدن لا ينقل إلى موضع الولادة، بل قد جاء : «إن الميت يذر عليه من تراب ~~حفرته» ومثل هذا لا يجزم به، ولا يحتج به . بل أجود منه حديث آخر فيه : « أنه ~~ما من ميت يموت في غير بلده إلا قيس له من مسقط رأسه إلى منقطع أثره في ~~الجنة . والإنسان يبعث من حيث مات، وبدنه في قبره مشاهد، فلا تدفع ~~المشاهدة، بظنون لا حقيقة لها، بل هي مخالفة في العقل، والنقل. # وأما قول السائل: هل يؤذيه البكاء عليه ? # فهذه مسألة فيها نزاع بين السلف والخلف والعلماء. والصواب أنه يتأذى بالبكاء ~~عليه، كما نطقت به ms0801 الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : «إن الميت يعذب ~~ببكاء أهله عليه - وفي لفظ - لمن ينح عليه يعذب بما نيح عليه) وفي الحديث ~~الصحيح، أن عبد الله بن رواحة لما أغمي عليه جعلت أخته تندب، وتقول: ~~واعضداه . واناصراه، فلما أفاق قال : ما قلت لي شيئا إلا قيل لي : أكذلك أنت? # وقد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف، واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب PageV01P729 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0730.png) ~~الإنسان بذنب غيره، فهو مخالف لقوله تعالى: (ولالآزر وازرة وند أخرى) ~~164 ثم تنوعت طرقهم في تلك الأحاديث الصحيحة. # فمنهم من غلط الرواة لها، كعمر بن الخطاب وغيره. وهذه طريقة عائشة، ~~والشافعي وغيرهما. # ومنهم من حمل ذلك على ما إذا أوصى به فيعذب على إيصائه، وهو قول ~~طائفة : كالمزني، وغيره. # ومنهم من حمل ذلك على ما إذا كانت عادتهم، فيعذب على ترك النهي عن ~~المنكر، وهو اختيار طائفة : منهم جدي أبو البركات، وكل هذه الأقوال ضعيفة جدا. # والأحاديث الصحيحة الصريحة التي يرويها مثل عمر بن الخطاب، وابنه ~~عبد الله، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم لا ترد بمثل هذا. وعائشة أم المؤمنين ~~رضي الله عنها لها مثل هذا نظائر ترد الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها ~~بطلان معناه، ولا يكون الأمر كذلك. ومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث ~~الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا إلا كان مخطئا. # وعائشة رضي الله عنها روت عن النبي صلى الله عليه وسلم فظين - وهي الصادقة فيما نقلته - ~~فروت عن النبي صلى الله عليه وسلم وله : «إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه وهذا موافق ~~لحديث عمر، فإنه إذا جاز أن يزيده عذابا ببكاء أهله، جاز أن يعذب غيره ابتداء ببكاء ~~أهله؛ ولهذا رد الشافعي في مختلف الحديث هذا الحديث نظرا إلى المعنى. وقال: ~~الأشبه روايتها الأخرى : إنهم يبكون عليه، وإنه ليعذب في قبره. # والذين أقروا هذا الحديث على مقتضاه، ظن بعضهم أن هذا من باب عقوبة ~~الإنسان بذنب غيره، وأن الله ms0802 يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. واعتقد هؤلاء أن الله ~~يعاقب الإنسان بذنب غيره، فجوزوا أن يدخلوا أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم. وهذا ~~وإن كان قد قالنه طوائف منتسبة إلى السنة، فالذي دل عليه الكتاب والسنة أن الله ~~لا يدخل النار إلا من عصاه . كما قال : (لأملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) ~~85 فلا بد أن يملأ جهنم من أتباع إبليس، فإذا امتلأت لم يكن لغيرهم فيها موضع، ~~فمن لم يتبع إبليس لم يدخل النار . # وأطفال الكفار أصح الأقوال فيهم: أن يقال فيهم: الله اعلم بما كانوا عاملين. ~~كما قد أجاب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح. فطائفة من أهل السنة وغيرهم ~~قالوا: إنهم كلهم في النار، واختار ذلك القاضي أبو يعلى، وغيره، وذكر أنه منصوص PageV01P730 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0731.png) ~~عن أحمد، وهو غلط على أحمد. وطائفة جزموا أنهم كلهم في الجنة، واختار ذلك ~~أبو الفرج ابن الجوزي، وغيره، واحتجوا بحديث فيه رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ~~إبراهيم، وعنده أطفال المؤمنين، قيل: يا رسول الله! وأطفال المشركين? قال: ~~وأطفال المشركين. # والصواب أن يقال فيهم: الله أعلم بما كانوا عاملين، ولا يحكم لمعين منهم ~~بجنة ولا نار، وقد جاء في عدة أحاديث أنهم يوم القيامة في عرصات القيامة يؤمرون ~~وينهون، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وهذا هو الذي ذكره أبو ~~الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة. # والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار، وأما عرصات القيامة ~~فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ، فيقال لأحدهم: من ربك? وما دينك? ومن ~~نبيك? وقال تعالى : ( يؤم يكسف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيمون * خاشعة أبصرهم ترمقهم ذلة ~~وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) وقد ثبت في الصحيح من غير وجه ~~عن النبي صل الله عليه وسلم ان قال : ليتجلى الله لعباده في الموقف، إذا قيل : ليتبع كل قوم ~~ما كانوا يعبدون، فيتبع المشركون آلهتهم، ويبقى المؤمنون فيتجلى لهم الرب الحق ~~في غير ms0803 الصورة التي كانوا يعرفون فينكرونه، ثم يتجلى لهم في الصورة التي يعرفون، ~~فيسجد له المؤمنون، وتبقى ظهور المنافقين كقرون البقر، فيريدون أن يسجدوا ~~فلا يستطيعون. وذلك قوله : ( يؤم يكشف عن ساق) الآية والكلام على هذه الأمور ~~مبسوط في غير هذا الموضع. # والمقصود ههنا أن الله لا يعذب أحدا في الآخرة إلا بذنبه، وأنه لا تزر وازرة ~~وزر أخرى، وقوله : إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ليس فيه أن النائحة ~~لا تعاقب، بل النائحة تعاقب على النياحة، كما في الحديث الصحيح : «أن النائحة إذا ~~لم تتب قبل موتها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران»4) فلا يحمل ~~عمن ينوح وزره أحد. # وأما تعذيب الميت؛ فهو لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه . بل قال: ~~ل1 يعذب والعذاب أعم من العقاب، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب ~~كان ذلك عقابا له على ذلك السبب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم الا : السفر قطعة من العذاب، PageV01P731 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0732.png) ~~يمنع أحدكم طعامه وشرابه فسمى السفر عذابا، وليس هو عقابا على ذنب. # والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها، مثل الأصوات الهائلة، ~~والأرواح الخبيثة، والصور القبيحة، فهو يتعذب بسماع هذا وشم هذا، ورؤية هذا، ~~ولم يكن ذلك عملا له عوقب عليه، فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة وإن لم تكن ~~النياحة عملا له يعاقب عليه? . # والإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس، ويتألم برؤية بعضهم، وبسماع ~~كلامه، ولهذا أفتى القاضي أبو يعلى: بأن الموتى إذا عمل عندهم المعاصي فإنهم ~~يتألمون بها، كما جاءت بذلك الآثار. فتعذيبهم بعمل المعاصي عند قبورهم كتعذيبهم ~~بنياحة من ينوح عليهم . ثم النياحة سبب العذاب. # وقد يندفع حكم السبب بما يعارضه، فقد يكون في الميت من قوة الكرامة ~~ما يدفع عنه من العذاب، كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات ~~الهائلة، والأرواح والصور القبيحة. # وأحاديث الوعيد يذكر فيها السبب . وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك: إما ~~بتوبة مقبولة، وإما بحسنات ماحية، ms0804 وإما بمصائب مكفرة، وإما بشفاعة شفيع مطاع، ~~واما بفضل الله ورحمته ومغفرته، فإنه (لا يغهر أن يشرك به ويغفر ما دوك ذلك لمن يشاء) ~~[النساء: 48]. # وما يحصل للمؤمن في الدنيا والبرزخ والقيامة من الألم التي هي عذاب، فإن ~~ذلك يكفر الله به خطاياه، كما ثبت في الصحيحين عن الني صلى الله عليه وسلم أ قال : لاما يصيب ~~المؤمن من وصب ولا نصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، ~~إلا كفر الله بها من خطاياه»2. # وفي المسند لما نزلت هذه الآية: (من يعمل سوء ايجزبه) قال ~~أبو بكر: يا رسول الله! جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءا?! فقال: ليا ~~أبا بكر! ألست تحزن؟! ألست يصيبك الأذى؟1»3 فإن الجنة طيبة لا يدخلها إلا ~~طيب. كما قال تعالى : (طبتر فادخلوها خالدين). # وفي الحديث الصحيح: إنهم إذا عبروا على الصراط، وقفوا على قنطرة بين PageV01P732 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0733.png) ~~الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول ~~الجنة . والكلام في هذه المسألة مبسوط في غير هذا الجواب، والله أعلم ~~بالصواب. # وما ذكرنا في أن الموتى يسمعون الخطاب، ويصل إليهم الثواب، ويعذبون ~~بالنياحة، بل وما لم يسأل عنه السائل من عقابهم في قبورهم وغير ذلك، فقد يكشف ~~لكثير من أبناء زماننا يقظة ومناما، ويعلمون ذلك، ويتحققونه، وعندنا من ذلك أمور ~~كثيرة ، لكن الجواب في المسائل العلمية يعتمد فيه على ما جاء به الكتاب والسنة، ~~فإنه يجب على الخلق التصديق به، وما كشف للإنسان من ذلك ، أو أخبره به من هو ~~صادق عنده، فهذا ينتفع به من علمه، ويكون ذلك مما يزيده إيمانا وتصديقا بما ~~جاءت به النصوص، ولكن لا يجب على جميع الخلق الإيمان بغير ما جاءت به ~~الأنبياء، فإن الله عز وجل أوجب التصديق بما جاءت به الأنبياء، كما في قوله تعالى: ~~(قولوا ء امنا بالله)قر . وقال تعالى : (ولكن آلبر من امن بالله واليوم الأخ ~~والملابكة والكتاب والنيعن) لاة . وقد ثبت في الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه ms0805 وسلم أن قال: لقد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد ~~فعمر»2 # فالمحدث الملهم المكاشف من هذه الأمة يجب عليه أن يزن ذلك بالكتاب ~~والسنة، فإن وافق ذلك صدق ما ورد عليه، وإن خالف لم يلتفت إليه. كما كان يجب ~~على عمر رضي الله عنه وهو سيد المحدثين إذا ألقي في قلبه شيء، وكان مخالفا ~~للسنة لم يقبل منه، فإنه ليس معصوما، وإنما العصمة للنبوة. # ولهذا كان الصديق أفضل من عمر، فإن الصديق لا يتلقى من قلبه، بل من ~~مشكاة النبوة، وهي معصومة، والمحدث يتلقى تارة عن قلبه، وتارة عن النبوة، فما ~~تلقاه عن النبوة فهو معصوم يجب اتباعه، وما ألهم في قلبه، فإن وافق ما جاءت به ~~النبوة فهو حق، وإن خالف ذلك فهو باطل. # فلهذا لا يعتمد أهل العلم والإيمان في مثل مسائل العلم والدين إلا على ~~نصوص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وإن كان عندهم في بعض ذلك شواهد ~~وبينات مما شاهدوه ووجدوه، ومما عقلوه وعملوه، وذلك ينتفعون به هم في ~~أنفسهم، وأما حجة الله تعالى عباده فهم رسله، وإلا فهذه المسائل فيها من الدلائل PageV01P733 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0734.png) ~~والاعتبارات العقلية والشواهد الحسية الكشفية ما ينتفع به من وجد ذلك، وقياس بني ~~آدم وكشفهم تابع لما جاءت به الرسل عن الله تعالى، فالحق في ذلك موافق لما ~~جاءت به الرسل عن الله تعالى لا مخالف له، ومع كونه حقا فلا يفصل الخلاف بين ~~الناس، ولا يجب على من لم يحصل له ذلك التصديق به، كما يجب التصديق بما ~~عرف أنه معصوم، وهو كلام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. # ولكن من حصل له في مثل هذه الأمور بصيرة أو قياس أو برهان كان ذلك نورا ~~على نور . قال بعض السلف : بصيرة المؤمن تنطق بالحكمة، وإن لم يسمع فيها بأثر. ~~فإذا جاء الأثر كان نورا على نور (ومن ل يجعل اللها له نورا فماله من نور) قال ~~تعالى : (كان الناس أمة واحدة فبعت الله النبيين مبشرين ومنذرين وأزل معهم ms0806 الكتاب بالحق ليخكم ~~بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاء تهم البينات بغيا بينهم فهدى الله ~~الذين امنوا لما آختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدى من يشاء إلى صرط مستقيم). PageV01P734 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0735.png) # قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: # الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسول صلى الله عليه وسلم سليما. # أما بعد : فإن الله تعالى أنعم على عباده بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو أعظم نعمة عليهم، ~~ومن قبلها تمت عليه النعمة، وأكمل له الدين وجعله من خير أمة أخرجت للناس، ~~فبعثه بالهدى ودين الحق، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وجعل كتابه مهيمنا على ~~ما بين يديه من الكتب، وأمر فيه بعبادة الله، وبالإحسان إلى خلق الله. فقال تعالى : ~~( واعبدوا الله ولا تشركوا به، شييا وبالوالدين إحسنا وبذى القرب واليتامى والمساكين والجار ذى ~~القربى والجار الجنب والصاحب بالجنلب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من ~~كان مختالا فخورا) [ النساء: 36]. # وجعل دينه ثلاث درجات: إسلام، ثم إيمان، ثم إحسان. # وجعل الإسلام مبنيا على أركان خمسة : ومن آكدها الصلاة، وهي خمسة ~~فروض، وقرن معها الزكاة، فمن آكد العبادات الصلاة، وتليها الزكاة، ففي الصلاة ~~عبادته، وفي الزكاة الإحسان إلى خلقه، فكرر فرض الصلاة في القرآن في غير آية، ~~ولم يذكرها إلا قرن معها الزكاة. # من ذلك قوله تعالى : (وأقيموا الصلوة وء الوا الزكوة) وقال : (فإن ~~تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة فإخوانكم في الدين ) وقال : (وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخاصين له اللين حنفاء ويقيموا الصلوة ويؤنوا الزكوة وذلك دين القيمة). # وفي الصحيحين: من حديث أبي هريرة، رواه مسلم من حديث عمر : لاأن ~~جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فقال : شهادة أن لا إله إلا الله، ms0807 وأن محمدا ~~رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت . وعنه قال PageV01P735 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0736.png) ~~لله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ~~ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا ~~بحقها، وحسابهم على الله. # ولما بعث معاذا إلى اليمن قال له : إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ~~ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك ~~فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك ~~لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على ~~فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فخذ منهم، وتوق كرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم ~~فإنه ليس بينها وبين الله حجاب2). # وجاء ذكر الصلاة والزكاة في القرآن مجملا، فبينه الرسول صلى الله عليه وسلم وأن بيانه أيضا ~~من الوحي ؛ لأنه سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة. # قال حسان بن عطية : كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم السنة يعلمه إياها، كما ~~يعلمه القرآن. وقد ذكرت في الصلاة فصلا قبل هذا. # والمقصود هنا ذكر الزكاة. فنذكر ما تيسر من أحكامها، وبعض الأحاديث، ~~وشيئا من أقوال الفقهاء . فقد سمى الله الزكاة صدقة، وزكاة. ولفظ الزكاة في اللغة ~~يدل على النمو، والزرع. يقال فيه: زكا، إذا نما، ولا ينمو إلا إذا خلص من الدغل. ~~فلهذا كانت هذه اللفظة في الشريعة تدل على الطهارة : ( قد افلح من زكنها) ~~9 (قد أقلح من تزى) نفس المتصدق تزكو، وماله يزكو، يطهر ويزيد في ~~المعنى . # وقد أفهم الشرع أنها شرعت للمواساة، ولا تكون المواساة إلا فيما له مال من ~~الأموال، فحد له أنصبة، ووضعها في الأموال النامية، فمن ذلك ما ينمو بنفسه؛ ~~كالماشية، والحرث. وما ينمو بتغير عينه والتصرف فيه كالعين، وجعل المال المأخوذ ~~على حساب التعب، فما وجد من أموال الجاهلية هو أقله تعبا ففيه الخمس، ثم ما فيه ms0808 PageV01P736 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0737.png) ~~التعب من طرف واحد فيه نصف الخمس، وهو العشر فيما سقته السماء، وما فيه ~~التعب من طرفين فيه ربع الخمس، وهو نصف العشر فيما سقي بالنضح، وما فيه ~~التعب في طول السنة كالعين ففيه ثمن ذلك وهو ربع العشر. # وافتتح مالك رحمه الله (كتاب الزكاة) في موطئه بذكر حديث أبي سعيد؛ لأنه ~~أصح ما روي في الباب، وكذلك فعل مسلم في صحيحه وفيه ذكر نصاب الورق، ~~ونصاب الإبل، ونصاب الحب والثمر، ثم الماشية والعين، لا بد فيها من مرور الحول. ~~فثنى بما رواه عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، رضي الله عنهم. في اعتبار الحول. ولو ~~كان قد خالفهم معاوية، وابن عباس، فما رواه أو قاله الخلفاء حجة على من خالفهم، ~~لا سيما الصديق لقوله صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من ~~بعدي» وقوله : «إن يطع القوم أبا بكر، وعمر، يرشدوا» # ثم ذكر نصاب الذهب» والحجة فيه أضعف من الورق، فلهذا أخره. # ثم ذكر ما تؤخذ الزكاة منه، فذكر الأحاديث والآيات في ذلك وأجودها حديث ~~عمر بن الخطاب، وكتابه في الصدقة، وذكر عن عمر بن عبد العزيز، أن الصدقة ~~لا تكون إلا في العين، والحرث، والماشية، واختاره. وقال ابن عبد البر: وهو إجماع، ~~أن الزكاة فيما ذكر، وقال ابن المنذر الإمام أبو بكر النيسابوري : أجمع أهل العلم على أن ~~الزكاة تجب في تسعة أشياء: في الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، والبر، ~~والشعير، والتمر، والزبيب. إذا بلغ من كل صنف منها ما تجب فيه الزكاة. # في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ال : ليس فيما دون ~~خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمسة ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواق ~~صدقة . وأشار بخمس أصابعه وفي لفظ - : ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر، ~~ولا حب صدقة - وفي لفظ : ثمر بالثاء المثلثة. وفي لفظ: ليس فيما دون PageV01P737 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0738.png) ~~خمس أواق من الورق صدقة»1 ورواه مسلم عن جابر، وروى مسلم عن ms0809 جابر عن ~~النبي صلى الله علي وسلم ان قال : لفيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالسانية نصف ~~العشر» ورواه البخاري من حديث ابن عمر ولفظ : لفيما سقت السماء والعيون، أو ~~كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر. # وفي الموطأ: العيون والبعل والبعل: ما شرب بعروقه ويمتد في الأرض ~~ولا يحتاج إلى سقي من الكرم، والنخل. والعثري ما تسقيه السماء، وتسميه ~~العامة العدى ، وقيل يجمع له ماء المطر فيصير سواقيا يتصل الماء بها. # قال أبو عمر بن عبد البر: في الحديث الأول فوائد. # منها : إيجاب الصدقة في هذا المقدار، ونفيها عما دونه والذود من الإبل من الثلاثة ~~إلى العشرة، و«الأوقية اسم لوزن أربعين درهما، والنش نصف أوقية، ولالنواة ~~خمسة دراهم، قاله أبو عبيد القاسم بن سلام، وما زاد على المائتين : وهي الخمس الأواق ~~فظاهر هذا الحديث إيجاب الزكاة فيه لعدم النص بالعفو عما زاد، ونصه على العفو فيما ~~دونها، وذلك إيجاب لها في الخمس فما فوقها، وعليه أكثر العلماء، روي ذلك عن علي، ~~وابن عمر، وهو مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي؛ والليث، وابن أبي ليلى، ~~والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور. # وقالت طائفة : لا شيء في الزيادة حتى يبلغ أربعين درهمآ. # وفي الذهب أربعة دنانير. يروى هذا عن عمر، وبه قال سعيد والحسن، ~~وطاوس وعطاء، والزهري، ومكحول، وعمرو بن دينار وأبو حنيفة . وأما ما زاد ~~على الخمسة أوسق ففيه الزكاة عند الجميع. # فنصاب الورق التى تجب زكاته مائتا درهم، على ما في هذا الحديث، وهو ~~قوله : «خمس أوأق من الورق وهذا مجمع عليه . وفي حديث أنس في ~~الصحيحين أيضا : «وفي الرقة ربع العشر PageV01P738 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0739.png) # وأما نصاب الذهب فقد قال مالك في الموطأ : السنة التي لا اختلاف فيها ~~عندنا : أن الزكاة تجب في عشرين دينارا، كما تجب في مائتي درهم. فقد حكى مالك ~~إجماع أهل المدينة، وما حكي خلاف إلا عن الحسن أنه قال : لا شيء في الذهب ~~حتى يبلغ أربعين مثقالا . نقله ابن المنذر . وأما ms0810 الحديث الذي يروى فيه فضعيف. # وما دون العشرين فإن لم تكن قيمته مائتي درهم، فلا زكاة فيه بالإجماع، وإن ~~كان أقل من عشرين، وقيمته مائتي درهم، ففيه الزكاة عند بعض العلماء من السلف. # ودل القرآن والحديث على إيجاب الزكاة في الذهب، كما وجبت في الفضة. ~~قال تعالى : (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله) الآية [التوبة : ~~34. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها زكاتها ~~الحديث. وسيأتي إن شاء الله، وسواء في ذلك المضروب منها دراهم، ودنانير، ~~وغير المضروب.. # وهل يضم الذهب إلى الفضة فيكمل بهما النصاب ويزكى أم لا? على ستة ~~أقوال: # قيل : لا يضم أحدهما إلى الآخر، وهو قول الشافعي، وروي عن شريك، ~~رالحسن بن صالح. # وقيل: يضم الذهب؛ لأنه تبع، ولا يضم الورق إلى الذهب؛ لأنها أصل. # وقيل: يضم بشرط أن الأقل يتبع الأكثر، وهو قول الشعبي، والأوزاعي. # وقيل: يضم، لكن بالقيمة. وهو قول أبي حنيفة، والثوري. # وقيل : يضم بالأجزاء، وهو قول الحسن، وقتادة، والنخعي وهو مذهب مالك، ~~وصاحب أبي حنيفة: أبو يوسف. فعند هؤلاء: من كان معه عشرة دنانير، ومائة ~~درهم؛ وجبت الزكاة. فإن كان قيمة العشرة مائة وخمسين، ومعه خمسون درهما لم ~~تجب الزكاة؛ لأن الدينار في الزكاة عشرة دراهم، والضم بالأجزاء لا بالقيمة. # والحول شرط في وجوب الزكاة في العين، والماشية، كما كان النبي صلى الله عليه وسلمبعث ~~عماله على الصدقة كل عام، وعمل بذلك الخلفاء في الماشية والعين، لما علموه من ~~سنته، فروى مالك في موطئه عن أبي بكر الصديق، وعن عثمان بن عفان، وعن PageV01P739 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0740.png) ~~عبد الله بن عمر أنهم قالوا: هذا شهر زكاتكم. وقالوا: لا تجب زكاة مال حتى ~~يحول عليه الحول. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي هذا عن علي، وعبد الله بن ~~مسعود، وعليه جماعة الفقهاء قديما، وحديثا. إلا ما روي عن معاوية، وعن ابن ~~عباس ، كما تقدم. # فمن ملك نصابا من الذهب أو الورق وأقام في ms0811 ملكه حولا، وجبت فيه الزكاة. ~~وإن ملك دون النصاب ثم ملك ما يتم النصاب، بنى الأول على حول الثاني. ~~فالاعتبار من يوم كمل النصاب . وإن ملك نصابا ثم بعد مدة ملك نصابا بنى كل واحد ~~منهما على حوله، وربح المال مضموم إلى أصله، يزكى الربح لحول الأصل، وإذا ~~كان الأصل نصابا عند الجمهور . وإن كان الأصل دون النصاب فتم عند الحول نصابا ~~يربحه ففيه الزكاة عند مالك - رحمه الله - وإن كان معه عرض للتجارة، ثم ملك ~~ما يكمل النصاب فعليه الزكاة. # وأما العروض التي للتجارة، ففيها الزكاة، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم ~~أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة، إذا حال عليها الحول. روي ذلك عن ~~عمر وابنه، وابن عباس، وبه قال الفقهاء السبعة، والحسن، وجابر بن زيد، ~~وميمون بن مهران، وطاوس، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، ~~وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وحكي عن مالك وداود: لا زكاة فيها. وفي سنن ~~أبي داود عن سمرة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلمأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع» ~~وروي عن حماس، قال : مر بي عمر، فقال : أد زكاة مالك، فقلت : ما لي إلا جعاب ~~وأدم، فقال : قومها، ثم أد زكاتها. واشتهرت القصة بلا منكر، فهي إجماع. # وأما مالك فمذهبه أن التجار على قسمين: متربص، ومدير. # فالمتربص : وهو الذي يشتري السلع، وينتظر بها الأسواق، فربما أقامت السلع ~~عنده سنين، فهذا عنده لا زكاة عليه، إلا أن يبيع السلعة فيزكيها لعام واحد، وحجته ~~أن الزكاة شرعت في الأموال النامية فإذا زكى السلعة كل عام - وقد تكون كاسدة - ~~نقصت عن شرائها فيتضرر، فإذا زكيت عند البيع فإن كانت ربحت فالربح كان كامنا ~~فيها، فيخرج زكاته، ولا يزكي حتى يبيع بنصاب ثم يزكي بعد ذلك ما يبيعه من كثير، ~~وقليل . PageV01P740 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0741.png) ~~260 # وأما المدير: وهو الذي يبيع السلع في أثناء الحول، فلا يستقر بيده سلعة، فهذا ~~يزكي في السنة الجميع، يجعل لنفسه شهرا معلوما، يحسب ما بيده من السلع ~~والعين، والدين الذي ms0812 على المليء الثقة، ويزكي الجميع، هذا إذا كان ينض في يده ~~أثناء السنة، ولو درهم، فإن لم يكن يبيع بعين أصلا، فلا زكاة عليه عنده. # وأما الحلي فإن كان للنساء فلا زكاة فيه عند مالك، والليث، والشافعي، ~~وأحمد، وأبي عبيد، وروي ذلك عن عائشة، وأسماء، وابن عمر، وأنس، وجابر - ~~رضي الله عنهم - وعن جماعة من التابعين. وقيل: فيه الزكاة، وهو مروي عن عمر، ~~وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وجماعة من التابعين، وهو مذهب أبي حنيفة ~~والثوري، والأوزاعي. # وأما حلية الرجال: فما أبيح منه فلا زكاة فيه، كحلية السيف، والخاتم الفضة، ~~وأما ما يحرم اتخاذه كالأواني، ففيه الزكاة. وما اختلف فيه من تحلية المنطقة، ~~والخوذة، والجوشن، ونحو ذلك ففي زكاته خلاف، فعند مالك والشافعي فيه الزكاة، ~~ولا يجوز اتخاذه، وأباحه أبو حنيفة وأحمد إذا كان من فضة، وأما حلية الفرس ~~كالسرج واللجام والبرذون، فهذا فيه الزكاة عند جمهور العلماء. وقد منع من اتخاذه ~~مالك، والشافعي، وأحمد. وكذلك الدواة، والمكحلة، ونحو ذلك فيه الزكاة عند ~~الجمهور، سواء كان فضة أو ذهبا. # وتجب الزكاة في مال اليتامى عند مالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، ~~وهو مروي عن عمر، وعائشة، وعلي، وابن عمر وجابر - رضي الله عنهم - قال عمر: ~~اتجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة، وقالته عائشة أيضا . وروي ذلك عن ~~الحسن بن علي، وهو قول عطاء، وجابر بن زيد، ومجاهد، وابن سيرين. # فصل # المال المغصوب والضائع ونحو ذلك. قال مالك: ليس فيه زكاة حتى يقبضه، ~~فيزكيه لعام واحد، وكذلك الدين عنده لا يزكيه حتى يقبضه زكاة واحدة، وقول ~~مالك : يروى عن الحسن، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز. وقيل: يزكى كل عام إذا ~~قبضه زكاة عما مضى، وللشافعي قولان. PageV01P741 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0742.png) # والمعادن : إذا أخرج منها نصابا من الذهب، والفضة، ففيه الزكاة عند أخذه: ~~عند مالك، والشافعي، وأحمد، وزاد أحمد: الياقوت، والزبرجد، والبلور، ~~والعقيق، والكحل، والسبج، والزرنيخ. وعند إسحاق، وابن المنذر : يستقبل به حولا ~~ويزكيه، وأبو حنيفة يجعل فيه الخمس، وله قول أنه ms0813 لا يخرج إلا فيما ينطبع، ~~كالحديد، والرصاص والنحاس، دون غيره. # وأما ما يخرج من البحر كاللؤلؤ، والمرجان، فلا زكاة فيه عند الجمهور. وقيل ~~فيه الزكاة، وهو قول الزهري، والحسن البصري، ورواية لأحمد. # والدين يسقط زكاة العين: عند مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وأحد قولي ~~الشافعي، وهو قول عطاء، والحسن، وسليمان بن يسار، وميمون بن مهران ~~والنخعي، والثوري، والأوزاعي، والليث، وإسحاق، وأبي ثور. # واحتجوا بما رواه مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد قال : سمعت عثمان - ~~رضي الله عنه - يقول : هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده، حتى تخلص ~~أموالكم تؤدون منها الزكاة. وعند مالك إن كان عنده عروض توفي الدين ترك العين ~~وجعلها في مقابلة الدين، وهي التي يبيعها الحاكم في الدين ما يفضل عن ضرورته، ~~وإن كان له دين على مليء ثقة جعله في مقابلة دينه أيضا. وزكى العين فإن لم يكن إلا ~~ما بيده ، سقطت الزكاة. # واختلف : هل في العسل زكاة ? فكان الخلاف فيه بين أهل المدينة. # فرأى الزهري أن فيه الزكاة، وهو قول الأوزاعي، وأبي حنيفة وأصحابه، وهو ~~قول ربيعة، ويحيى بن سعيد، وهو العشر. وعند مألك والشافعي وأحمد: لا زكاة ~~فيه. PageV01P742 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0743.png) ~~الحديث . ففيه ما اتفق العلماء عليه، وهو المقدار المأخوذ من المعشرات. ولكن ~~اختلفوا في أي شيء يجب العشر، ونصفه. # فقالت طائفة : يجب العشر في كل ما يزرعه الآدميون من الحبوب، والبقول، ~~وما أنبتته تجاراتهم من الثمار، قليل ذلك وكثيره، ويروى هذا عن حماد بن ~~أبي سليمان، وأبي حنيفة، وزفر. # وقال أبو يوسف ومحمد : لا يجب إلا فيما له ثمرة باقية، فيما يبلغ خمسة ~~أوسق. وقال أحمد : يجب العشر فيما ييبس، ويبقى، مما يكال ويبلغ خمسة أوسق، ~~فصاعدا. وسواء عنده أن يكون قوتا كالحنطة، والشعير، والأرز، والذرة، أو من ~~القطنيات كالباقلاء، والعدس، أو من الأبازير كالكسفرة، والكمون، والكراويا، ~~والبزر، كبزر الكتان، والسمسم، وسائر الحبوب. # وتجب أيضا عنده فيما جمع هذه الأوصاف، كالتمر، والزبيب، واللوز، والبندق، ~~والفستق، ولا تجب في الفواكه، ولا في الخضر، وهذا ms0814 قول أبي يوسف، ومحمد. # ويشبهه قول ابن حبيب من المالكية. قال مثل قول مالك، وزاد عليه فقال: ~~تؤخذ الزكاة من الثمار ذوات الأصول كلها، ما ادخر منها وما لم يدخر، وقال : إذا ~~اجتمع للرجل من الصنف الواحد منها ما يبلغ خرص ثمرته خمسة أوسق، إن كان مما ~~ييبس، كالجوز، واللوز، والفستق أخرج عشره، وإن كانت مما لا ييبس، مثل ~~الرمان، والتفاح والفرسك، والسفرجل، وشبهه، فبلغ خرصها وهي خضراء خمسة ~~أوسق، وجبت فيها الزكاة، إن باعه بعشر الثمن، وإن لم يبعها فبعشر كيل خرصها. # وقال مالك وأصحابه في المشهور من قولهم: تجب الزكاة في الحنطة والشعير، ~~والسلت، والذرة، والدخن، والأرز، والحمص، والعدس، والجلباب، والرش، ~~والبسلة، والسمسم، والماش، وحب الفجل، وما أشبه هذه الحبوب المأكولة المدخرة. # وتجب في ثلاثة أنواع من الثمار: وهي التمر، والزبيب، والزيتون وقال ~~الشافعي : تجب الزكاة فيما ييبس، ويدخر، ويقتات، مأكولا، أو طبيخا، أو سويقا، ~~وله في الزيتون قولان، وتجب الزكاة عنده في التمر والزبيب. # وقال الليث بن سعد : كل ما يختبز ففيه الصدقة، مع أنه يوجب الزكاة في التمر ~~والزبيب والزيتون. وكذلك الثوري يوجب الزكاة في الزيتون، والأوزاعي والزهري، ~~ويروى عن ابن عباس أيضا. وقال الأوزاعي : مضت السنة أن الزكاة في الحنطة، وفي ~~الشعير، والسلت والتمر، والعنب، والزيتون. وقال إسحاق: كل ما يختبز ففيه الصدقة. # وعند ابن المنذر : تسعة أشياء كما تقدم فقط : التمر، والزبيب، والحنطة، ~~والشعير، والفضة، والذهب، والإبل، والبقر، والغنم. وكل هؤلاء يعتبر الخمسة PageV01P743 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0744.png) ~~الأوسق ، إلا ما يروى عن مجاهد، وأبي حنيفة، أنه يوجب الزكاة في القليل، ويعتبر ~~أيضا عندهم اليبس، والتصفية في الحبوب والجفاف في الثمار، وما لا زيت فيه من ~~الزيتون، وما لا يزبب من العنب، ولا يتمر من الرطب، تخرج الزكاة من ثمنه، أو ~~من حبه . قال مالك : إذا بلغ منه خمسة أوسق فبيع أخرج الزكاة من ثمنه. # ويضم القمح والشعير والسلت في الزكاة، وتضم القطاني بعضها إلى بعض، ~~ويضم زرع العام بعضه إلى بعض، ولو كان بعضه صيفيا، وبعضه ms0815 شتويا، وكذلك ~~الثمرة، ولو كان في بلدان شتى، إذا كان لرجل واحد . وأما الشركاء فلا بد أن يكون ~~في حصة كل واحد منهم نصاب. # والوسق: ستون صاعا. والصاع: أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم، والمد خمسة ~~أرطال وثلث بالبغدادي، والرطل البغدادي ثمانية وعشرون درهما، والدراهم هي هذه ~~التي هي من زمان عبد الملك : كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل . فمبلغ النصاب ~~بالرطل البغدادي ألف وستمائة رطل . # وتقديره بالدمشقي: ثلاثمائة رطل، واثنان وأربعون رطلا، وستة أسباع الرطل. # ومن باع ثمرة، أو وهبها، أو مات عنها بعد بدو صلاحها، فالزكاة عليه، وإن ~~كان قبل بدو صلاحها، فالزكاة على المشتري، والموهوب له، والوارث إن كان في ~~حصة كل واحد نصاب. ويخرص النخل والكرم على أربابه، ويخلى بينهم وبينه، فإن ~~شاءوا أكلوا، وإن شاءوا باعوا، ويخفف عنهم ما أكل من الزرع، أو القطاني. وهو ~~أخضر صغير، فلا زكاة فيه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم،: إذا خرصتم فدعوا الثلث، فإن لم ~~تدعوا الثلث، فدعوا الربع رواه أبو داود . وقال : خففوا على الناس، فإن في ~~المال الوطية، والآكلة، والعرية. رواه أبو عبيد. وقال : لالوطية السابلة، سموا ~~بذلك لوطيهم بلاد الثمار، مجتازين . و«العرية» : هي هبة ثمرة نخلة، أو نخلات لمن ~~يأكله . و«الآكلة» أهل المال يأكلون منه. PageV01P744 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0745.png) # ولا تجب الزكاة إلا في خمسة أوسق من صنف واحد. والقمح والشعير ~~والسلت عند مالك صنف واحد، فإذا اجتمع من هذه الثلاثة نصاب وجبت الزكاة، ~~ويخرج كل بحسابه . وكذلك القطاني : وهي الحمص، والباقلاء، والعدس، ونحو ~~ذلك صنف واحد عنده، والقدر المأخوذ بقدر التعب والمؤنة. كما في الحديث : ما ~~كان يسقى بماء السماء والأنهار والعيون ففيه العشر، وما كان يسقى بالنضح أو السانية ~~والدواليب - وهي أسماء شيء واحد، كالسانية والناضح هي الإبل يستقى بها لشرب ~~الماء - ففيه نصف العشر، وما سقي نصفه بهذا، ونصفه بهذا، أو نصف السنة، ففيه ~~ثلاثة أرباع العشر». # وكل من نبت الزرع على ملكه فعليه زكاته، قال الله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا ~~أنفقوا ms0816 من طيبكت ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم ~~بعاخذيه) الآي . وسواء كانت الأرض ملكا له ، أو استأجرها، أو ~~أقطعها له الإمام، يستغل منفعتها، أو استعارها، أو كانت موقوفة عليه. # قال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم، على أن كل أرض ~~أسلم أهلها عليها، قبل قهرهم، أنها لهم، وإن عليهم فيما زرعوا فيها الزكاة. فأرض ~~الصلح كما قال، وكذلك أرض العنوة، إذا كان عليها خراج أدى الخراج، وزكى ~~ما بقي. # فمن استأجر أرضا للزرع فعليه الزكاة، عند جمهور العلماء : كمالك والشافعي، ~~وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد. وكذلك المقطعين عليهم العشر، فإن كان الزرع كله ~~له، وهو يعطي الفلاح أجره، فعليه العشر كله، وإن كان الزرع مقاسمة نصفه أو ثلثه ~~للفلاح، ونصفه أو ثلثه للمقطع، فعلى كل منهما عشر نصيبه، فإن الزرع نبت على ~~ملكه وهذا قول علماء الإسلام. # وقد كان الصحابة يأخذ منهم النبي صلى الله علي وسلم الشر يعطيه لمستحقيه، ويأمرهم أن ~~يجاهدوا بما يبقى من أموالهم، فإذا كان الجند قد أعطوا من بيت المال ما يجاهدون ~~به، كان أولى أن يعطوا عشره، فمن أقطعه الإمام أرضا للاستغلال والجهاد إذا ~~استغلها، ونبت الزرع على ملكه في أرض عشرية، فما يقول عالم أنه لا عشر عليه. PageV01P745 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0746.png) # وقد تنازع العلماء، فيمن استحق منفعة الأرض بعوض، كالمستأجر لها بدراهم، ~~أو بخدمة نفسه، ونحو ذلك، فجمهورهم يقول : عليه العشر، وهو قول صاحبي ~~أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأما أبو حنيفة فإنه يقول : العشر على رب ~~الأرض . # فهؤلاء المقطعون إذا قدر أنهم استؤجروا بمنفعة الأرض، فبذلوا خدمة أنفسهم، ~~كان عليهم العشر عند الجمهور، وعلى القول الآخر على الذي استأجرهم. فمن قال: ~~إن العشر الذي أوجبه الله لمستحقي الصدقات يسقط، فقد خالف الإجماع. # وأيضا فهؤلاء الجند ليسوا كالأجراء، وإنما هم جند الله يقاتلون في سبيل الله ~~عباده، ويأخذون هذه الأرزاق من بيت المال ليستعينوا بها على الجهاد، وما يأخذونه ~~ليس ملكا للسلطان، وإنما هو ms0817 مال الله يقسمه ولي الأمر بين المستحقين، فمن جعلهم ~~كالأجراء جعل جهادهم لغير الله. وقد جاء في الحديث : مثل الذين يغزون من ~~أمتي، ويأخذون ما يعطونه مثل أم موسى ترضع ابنها، وتأخذ أجرها ~~أحمد . # وقيل : يسقطها. وهو قول عطاء، والحسن، وسليمان بن يسار وميمون بن ~~مهران، والنخعي، والليث، والثوري، وإسحاق. وكذلك في الماشية: الإبل، ~~والبقر، والغنم. # وقيل : يسقطها الدين الذي أنفقه على زرعه، وثمرته، ولا يسقطها ما استدانه ~~لنفقة أهله. # وقيل: يسقطها هذا وهذا. الأول: قول ابن عباس، واختاره أحمد بن حنبل، ~~وغيره . والثاني : قول ابن عمر. # والرطب الذي لا يتمر، والزيتون الذي لا يعصر، والعنب الذي لا يزبب، فقال ~~مالك وغيره : تخرج الزكاة من ثمنه، إذا بلغ خمسة أوسق، وإن لم يبلغ ثمنه مائتي PageV01P746 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0747.png) ~~درهم، وإن كان يتناهى فبيع قبل تناهيه. فقيل: تخرج الزكاة من ثمنه، وقيل تخرج ~~من حبه أو دهنه. # فهذه زكاة العين، والحرث، التي دلت عليها الأحاديث المتقدمة، مع الآيات ~~الكريمة. وأما زكاة الماشية الإبل، والبقر، والغنم. فقد دلت عليها الأحاديث ~~الصحيحة، وكتب النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وكذلك كتب أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة. ~~ففي الصحيح من حديث أنس بن مالك - هذا لفظ البخاري - أن أبا بكر كتب له هذا ~~الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم : هذه فريضة الصدقة التي ~~فرض رسولهالاه صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها ورسوله، فمن سألها من ~~المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فلا يعطي: في أربع وعشرين من ~~الإبل فما دونها : الغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس ~~وثلاثين، ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها ~~بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا ~~بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى ~~تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة. ففيها حقتان ~~طروقتا الجمل. ms0818 فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل ~~خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل، فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ~~ربها، فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة، وفي صدقة الغنم: في سائمتها إذا كانت ~~أربعين، إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، ~~فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل ~~مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين واحدة، فليس فيها صدقة، إلا أن ~~يشاء ربها. وفي الرقة ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء، إلا ~~أن يشاء ربها») . # وعن أنس في هذا الكتاب أيضا : من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة ~~وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن تيسرتا ~~له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة وعنده ~~جذعة، فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت ~~عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطى شاتين PageV01P747 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0748.png) ~~أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون، وعنده حقة فإنها تقبل منه، ~~ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وليست ~~عنده ، وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطى معها عشرين درهما، ~~أو شاتين، ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة، وما كان من ~~خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات ~~عوار، ولا تيس، إلا إن شاء المصدق # وعنه في هذا الكتاب أيضا : لومن بلغت صدقته بنت مخاص، وليست عنده ~~وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، فإن لم ~~يكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه وليس معه ~~شيء» # وروى مالك بن أنس كتاب عمر بن الخطاب - رضي الله ms0819 عنه - في موطئه بمثل ~~هذا اللفظ، أو قريب منه، إلا ذكر البدل مع العشرين فإنه لم يذكره. # قال الإمام أبو بكر بن المنذر: وهذا مجمع عليه، إلى عشرين ومائة، ولا يصح ~~عن علي ما روي في خمس وعشرين خمس شياه. وقوله في هذا الحديث : لافي ~~سائمة الغنم موضع خلاف بين العلماء لأن السائمة هي التي ترعى . فمذهب مالك أن ~~الإبل العوامل، والبقر العوامل، والكباش المعلوفة، فيها الزكاة. قال أبو عمر : وهذا ~~قول الليث، ولا أعلم أحدا قال به غيرهما. وأما الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، ~~وكذلك الثوري، والأوزاعي، وغيرهم: فلا زكاة فيها عندهم. وروي هذا عن جماعة ~~من الصحابة : علي، وجابر، ومعاذ بن جبل. وكتب به عمر بن عبد العزيز. # وقد روي في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~قال : في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون فقيده بالسائمة، والمطلق يحمل ~~على المقيد، إذا كان من جنسه بلا خلاف، وكذلك حديث أبي بكر في سائمة الغنم. # وقوله : «من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده إلى آخره. لم ~~يقل به مالك، بل قال : إنه إذا لم يجد السن، كالجذعة أو غيرها فإنه يبتاعها، ~~ولا أحب أن يعطيه ثمنها، وقال: إذا لم يجد السن التي تجب في المال لم يأخذ PageV01P748 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0749.png) ~~ما فوقها، ولا ما دونها، ولا يزداد دراهم، ويبتاع له رب المال مسنا. # وقال الثوري والشافعي وأحمد بمثل ما في الحديث : أنه إذا لم يجد السن أخذ ~~ما وجد، وأعطى شاتين، أو عشرين درهما، أو أخذ مثل ذلك كما في الحديث، ~~ومذهب أبي حنيفة وصاحبيه إن شاء أخذ القيمة، وإن شاء أخذ أفضل منها، وأعطى ~~الزيادة. ومالك لم يقل بذلك؛ لأن مالكا إنما روى كتاب عمر وليس فيه ما في كتاب ~~أبي بكر من الزيادة، وهذا شأن العلماء. # وقوله في هذا الحديث : فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، ~~وفي كل خمسين حقة» قال أبو عمر ms0820 : هذا موضع خلاف، يعني إذا زادت واحدة، قال ~~مالك : إذا زادت واحدة على عشرين ومائة فالساعي بالخيار بين أن يأخذ حقتين، أو ثلاث ~~بنات لبون، وقال الزهري: فيها ثلاث بنات لبون، إلى ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقة ~~وابنتا لبون. وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد، وهو قول محمد بن ~~إسحاق، وهو قول أئمة الحجاز، وهو أولى عند العلماء. # وأما قول الكوفيين: فإنه يستقبل الفريضة بعد العشرين ومائة، فيكون في كل ~~خمس شاة. # وقوله: «ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس. عليه ~~جماعة فقهاء الأمصار ؛ لأن المأخوذ في الصدقات العدل. كما قال عمر - ~~رضي الله عنه - عدل من عدل المال وخياره . «الهرمة0 الشاة الشارف، ولذات ~~العوار بفتح العين: التي بها عيب، وبالضم التي ذهبت عينها. ولا يجزى ذلك في ~~الصدقة، والشاة المأخوذة في الإبل الجذعة من الضأن، والثنية من المعز، فإن أخرج ~~القيمة فقولان. # وقوله : «ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» يعني بذلك ~~تفرقة المواشي، وجمعها خشية الصدقة، واختلف هل المخاطب بذلك أرباب الأموال، أو ~~هو الساعي، أو هما جميعا. وهذا في الخلطة، فقد يكون على الخلطاء عدد من الغنم، ~~فإذا فرقت قل العدد، أو في الفرقة عدد فإذا جمعوها قل العدد، فنهوا عن ذلك. ولهذا ~~نظائر : كثلاثة نفر لكل منهم أربعون، ففيها حينئذ ثلاث شياه، فإذا جمعت صار فيها شاة، ~~أو يكون لرجلين من الغنم مائتين وشاتين لكل واحد منهما مائة وشاة، فعليهما فيها ثلاث ~~شياه، فإذا تفرق كان على كل واحد منهما شاة، ونحو ذلك. # وقوله : وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية يعني إذا أخذت PageV01P749 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0750.png) ~~شاة من غنم أحد الخليطين، فإنه يرجع على الآخر بقيمة ما يخصه. # وقوله في الحديث : في الغنم في سائمتها، إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى ~~عشرين ومائة، فإذا زادت ففيها شاتان، إلى مائتين، فإذا زادت على مانتين إلى ثلاثمائة ~~ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة» هذا ms0821 متفق عليه في صدقة ~~الغنم أيضا، والضأن والمعز سواء. # والسوم : شرط في الزكاة، إلا عند مالك، والليث - كما تقدم - فإنهما يوجبان ~~الزكاة في غير السائمة، ولا خلاف بين الفقهاء أن الضأن والمعز يجمعان في الزكاة، ~~وكذلك الإبل على اختلاف أصنافها، وكذلك البقر والجواميس. # واختلفوا فيما إذا كان بعض الجنس أرفع من بعض. فقيل: يأخذ من أيها شاء، ~~وقيل : من الوسط. # وأما «صدقة البقر» : فقد ثبت عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - «أن ~~لنبي صلى الله عليه وسلم ما بعثه إلى اليمن، أمره أن يأخذ صدقة البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة، ~~ومن كل أربعين مسنة، وأن يأخذ الجزية من كل حالم دينارا. رواه أحمد، ~~والنسائي، والترمذي، عن مسروق عنه. وكذلك في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم اذي كتبه ~~لعمرو بن حزم، ورواه مالك في موطئه، عن طاوس عن معاذ، وحكى ~~أبو عبيد الإجماع عليه، وجماهير العلماء على أنه ليس فيما دون الثلاثين شيء. ~~وحكي عن سعيد والزهري أن في الخمس شاة كالإبل. # ومن شرطها أن تكون سائمة، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ال : ليس في العوامل صدقة رواه أبو داود. وروي عن علي، ~~ومعاذ، وجابر أنهم قالوا: لا صدقة في البقر العوامل. ومالك، والليث، يقولان: ~~فيها الصدقة . PageV01P750 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0751.png) ~~270 # ويخرج في الثلاثين الذكر، وفي الأربعين الأنثى، فإن أخرج ذكرا، هل يجزيه ? ~~قولان. قال ابن القاسم: يجزيه. وأشهب قال لا يجزيه، وهو مذهب أحمد، وجماعة ~~من العلماء. فإن كانت كلها ذكورا أخرج منها. وإذا بلغت مائة وعشرين خير رب ~~المال، بين ثلاث مسنات، أو أربعة أتبعة. والتبيع: الذي له سنة، ودخل في الثانية. ~~والبقرة المسنة ما لها سنتان. # والجواميس : بمنزلة البقر، حكى ابن المنذر فيه الإجماع. # وأما «بقر الوحش فلا زكاة فيها عند الجمهور. وقال بعضهم: فيها الزكاة. ~~فإن تولد من الوحشي والأهلي، فقال الشافعي : لا زكاة، وقال أحمد: تزكى، ~~ومالك: يفرق بين الأمهات والآباء، فإن ms0822 كانت الأمهات أهلية أخرج الزكاة، وإلا فلا. # وصغار كل صنف من جميع الماشية تبع يعد مع الكبار، ولكن لا يؤخذ إلا من ~~الوسط، فإن كان الجميع صغارا، فقيل: يأخذ منها، وقيل يشتري كبارا. # والخلطاء في الماشية: وهو إذا كان مال كل منهما متميزا عن الآخر، فإن لم ~~يتميز فهما شريكان، وإذا كانا خليطين زكيا زكاة المال الواحد، مثل أن يكون لكل ~~منهما أربعون، فعليهما في الخلطة شاة واحدة، ويترادان قيمتها. وتعتبر الخلطة بثلاثة ~~شروط، وقيل بشرطين، وقيل بشرط واحد: وهو الدلو، والحوض، والمراح. ~~والمبيت، والراعي، والفحل. وقيل: بالراعي وحده؛ لأنه به يجتمعان ويجتمعون في ~~غير ذلك. # وهل من شرط الخلطة: أن يكون لكل منهما نصابا أم لا? بالأول قال مالك. ~~وقال غيره: لا يعتبر ذلك. # إذ ملك ماشية فتوالدت، فإن كانت الأمهات نصابا زكى الأولاد تبعا، وبنى على ~~حول الأمهات، عند الجمهور. وإن كانت دون النصاب فتوالدت، ولو قبل الحول بيوم، ~~وتم النصاب أخرج الزكاة عند مالك وبنى الأولاد على حول الأمهات . وإن باع النصاب ~~بجنسه بنى الثاني على حول الأول، وإن اشترى بنصاب من العين نصابا من الماشية، وكان ~~الأول لم يتم له حول، بنى الماشية على حول العين، في أحد القولين. PageV01P751 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0752.png) # وتفرقته زكاة كل بلد في موضعه. فزكاة الشام في الشام، وزكاة مصر في مصر، ~~وهل يجوز نقلها لمصلحة فتنقل من الشام إلى مدينة النبي صلى اللهعليه وسلم، أو غيرها? فيه قولان ~~لأهل العلم . قال مالك : لا بأس بنقلها للحاجة، وإذا لم يكن أهل البلد مستحقين، ~~فتنقل بلا خلاف . ولما نقل معاذ بن جبل الصدقة من اليمن إلى المدينة أنكر عمر، ~~فقال : ما بعثتك جابيا. فقال : ما وجدت آخذا. فعند الشافعي، وأحمد : لا تنقل، ~~وعند مالك : يجوز نقلها. # وأما قسمة الصدقات: فقد بين الله ذلك في القرآن. بقوله: ل(ل وإإآما ~~الضدقات للفقراء والمسكين والعاملاين عليها والمؤلفة للوبهم وفي الزقاب والغارمين وف سبيل الله ~~وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم). # قال الإمام أبو جعفر الطبري ms0823 : عامة أهل العلم يقولون: للمتولي قسمتها، ~~ووضعها في أي الأصناف الثمانية شاء، وإنما سمى الله الأصناف الثمانية، إعلاما منه ~~أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها، لا إيجابا لقسمتها بين الأصناف ~~الثمانية، وروي بإسناده عن حذيفة، وعن ابن عباس، أنهما قالا : إن شئت جعلته في ~~صنف، أو صنفين، أو ثلاثة. قال وروي عن عمر، أنه قال: أيما صنف أعطيته أجزأك ~~وروي عنه أنه كان عمر يأخذ الفرض في الصدقة، فيجعله في الصنف الواحد، وهو ~~قول أبي العالية، وميمون بن مهران، وإبراهيم النخعي. # قال : وكان بعض المتأخرين يقول: عليه وضعها في ستة أصناف؛ لأنه يقسمها، ~~فسقط العامل، والمؤلفة سقطوا. قال : والصواب أن الله جعل الصدقة في معنيين: # أحدهما: سد خلة المسلمين. والثاني: معونة الإسلام، وتقويته. فما كان معونة ~~للإسلام، يعطي منه الغني والفقير، كالمجاهد، ونحوه. ومن هذا الباب يعطي ~~المؤلفة، وما كان في سد خلة المسلمين. # وسعل رحمه الله تعالى : عن صداق المرأة على زوجها تمر عليه السنون ~~المتوالية لا يمكنها مطالبته به لئلا يقع بينهما فرقة، ثم إنها تتعوض عن صداقها بعقار، ~~و يدفع إليها الصداق بعد مدة من السنين؛ فهل تجب زكاة السنين الماضية? أم إلى أن ~~يحول الحول من حين قبضت الصداق ? PageV01P752 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0753.png) ~~272 # فأجاب : الحمد لله. هذه المسألة فيها للعلماء أقوال: # قيل : يجب تزكية السنين الماضية، سواء كان الزوج موسرا أو معسرا، كأحد ~~القولين في مذهب الشافعي، وأحمد، وقد نصره طائفة من أصحابهما. # وقيل يجب مع يساره، وتمكنها من قبضها، دون ما إذا لم يمكن تمكينه من ~~القبض، كالقول الآخر في مذهبهما. # وقيل : تجب لسنة واحدة . كقول مالك، وقول في مذهب أحمد. # وقيل : لا تجب بحال، كقول أبي حنيفة، وقول في مذهب أحمد. # وأضعف الأقوال : من يوجبها للسنين الماضية، حتى مع العجز عن قبضه، فإن ~~هذا القول باطل، فأما أن يجب لهم ما يأخذونه مع أنه لم يحصل له شيء، فهذا ~~ممتنع في الشريعة، ثم إذا طال الزمان كانت الزكاة أكثر من المال. ثم ms0824 إذا نقص ~~النصاب، وقيل : إن الزكاة تجب في عين النصاب، لم يعلم الواجب إلا بحساب ~~طويل، يمتنع إتيان الشريعة به. # وأقرب الأقوال قول من لا يوجب فيه شيئا بحال حتى يحول عليه الحول، أو ~~يوجب فيه زكاة واحدة عند القبض، فهذا القول له وجه، وهذا وجه. وهذا قول ~~أبي حنيفة، وهذا قول مالك، وكلاهما قيل به في مذهب أحمد، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عما يجب من عشر الحبوب ومقداره: وهل هو على ~~المالك? أو الفلاح ? أم عليهما? # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. النصاب خمسة أوسق. والوسق ستون صاعا ~~بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، وصاع النبي صلى الله عليه وسلم درده الأئمة لما بنيت بغداد بخمسة أرطال وثلث، ~~بالرطل العراقي إذ ذاك . فيكون ألفا وستمائة رطل بالعراقي. وكان الرطل العراقي إذ ~~ذاك تسعين مثقالا . مائة وثمانية وعشرين درهما، وأربعة أسباع الدرهم. # ولكن زيد فيه بعد ذلك حتى صار مائة وثلاثين، ثم زيد فيه حتى صار مائة ~~وأربعة وأربعين، فظن بعض متأخري الفقهاء أن هذا أو هذا هو الرطل الذي قدره به ~~الأئمة، غلطا منهم. # وإذا كان كذلك فمقداره بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم ثلاثمائة رطل، ~~واثنان وأربعون رطلا، وستة أسباع الرطل. وستة أسباع الرطل: هو أربعمائة درهم، ~~وثمانية وعشرون، وأربعة أسباع. وهو ثلثا رطل، وأربعة أسباع أوقية. # ومن ظن من الفقهاء المتأخرين أن الرطل البغدادي: مائة وثلاثون درهما، زاد PageV01P753 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0754.png) ~~في كل رطل بغدادي مثقالا، وهو درهم وثلاثة أسباع درهم، فيزيد ألفين وخمسة ~~أسباع درهم، فيصير النصاب على قوله: ثلاثمائة وستة وأربعين رطلا، وثلاثمائة ~~درهم، وأربعة عشر وسبعي درهم وهو نصف رطل، وسبعا أوقية. # والعشر على من يملك الزرع، فإذا زارع الفلاح ففي صحة المزارعة قولان ~~للعلماء . # فمن اعتقد جواز المزارعة أخذ نصيبه، وأعطى الفلاح نصيبه، وعلى كل منهما ~~زكاة نصيبه، ومن لم يصحح المزارعة جعل الزرع كله لصاحب الحب، فإذا كان هو ~~الفلاح استحق الزرع كله، ولم يكن للمالك إلا أجرة الأرض، والزكاة حينئذ على ms0825 ~~الفلاح. # ولم يقل أحد من المسلمين : إن المقاسمة جائزة، والعشر كله على الفلاح؛ بل ~~من قال : العشر على الفلاح، قال: ليس للمالك في الزرع شيء. ولا المقطع، ~~ولا غيرهما . فمن ظن أن العشر على الفلاح مع جواز المقاسمة، فقد خالف إجماع ~~المسلمين. # والعمل في بلاد الشام عند المسلمين على جواز المزارعة، كما مضت بذلك ~~سنة رسول اله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين، وسواء كان البذر من المالك، أو من ~~العامل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع، على أن ~~يعمروها من أموالهم، فكان البذر من عندهم، وهذا هو الذي اتفق عليه الصحابة، ~~وعليه عمل المسلمين في عامة بلاد الإسلام في زمن نبيهم، وإلى اليوم. # فمن كان يعامل بالمزارعة : كان عليه زكاة نصيبهم، ومن كان يتقلد قول من ~~يبطل هذه المزارعة، ويرى أنه لا يستحق من الزرع شيئا، وأنه ليس له عند الفلاح إلا ~~الأجرة، وأنه إذا أخذ المقاسمة بغير اختيار الفلاح كان ظالما، آكلا للحرام، فعليه أن ~~يعطي الزرع للفلاح، ويعرفه أنه لا يستحق عليه إلا أجرة المثل، فإن طابت نفس ~~الفلاح بعد هذا بأن يقاسمه، ويؤدي الزكاة، كان الفلاح حينئذ متفضلا عليه بطيب ~~نفسه . ومن المعلوم أن الفلاحين لو علموا هذا لما طابت بذلك نفس أكثرهم، فهذا ~~حقيقة هذه المسألة على قول الطائفتين، والله أعلم. # وقال رحمه الله تعالى PageV01P754 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0755.png) ~~وغيرهم على من نبت الزرع على ملكه، كما قال الله تعالى : (يأيها الذينء آمنوا أنفقوا ~~من حليبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الآآرض) : 267 فالأول يتضمن زكاة ~~التجارة، والثاني يتضمن زكاة ما أخرج الله لنا من الأرض. # فمن أخرج الله له الحب فعليه العشر، فإذا استأجر أرضا ليزرعها فالعشر على ~~لمستأجر عند هؤلاء العلماء كلهم. وكذلك عند أبي يوسف ومحمد. وأبو حنيفة ~~يقول : العشر على المؤجر. # وإذا زارع أرضا على النصف، فما حصل للمالك فعليه عشره، وما حصل ~~للعامل فعليه عشره، على كل واحد منهما عشر ms0826 ما أخرجه الله له. # ومن أعير أرضا، أو أقطعها، أو كانت موقوفة على عينه، فازدرع فيها زرعا، ~~فعليه عشره، وإن آجرها فالعشر على المستأجر، وإن زارعها فالعشر بينهما. # وأصل هؤلاء الأئمة : أن العشر حق الزرع، ولهذا كان عندهم يجتمع العشر ~~والخراج؛ لأن العشر حق الزرع، ومستحقه أهل الزكاة، والخراج حق الزرع ومستحقه ~~أهل الفيء، فهما حقان لمستحقين، بسببين مختلفين، فاجتمعا. كما لو قتل مسلما ~~خطأ فعليه الدية لأهله، والكفارة حق لله. وكما لو قتل صيدا مملوكا، وهو محرم ~~فعليه البدل لمالكه، وعليه الجزاء حقا لله. # وأبو حنيفة يقول : العشر حق الأرض، فلا يجتمع عليها حقان، ومما احتج به ~~الجمهور : أن الخراج يجب في الأرض التي يمكن أن تزرع سواء زرعت أو لم تزرع، ~~وأما العشر فلا يجب إلا في الزرع . والحديث المرفوع: « لا يجتمع العشر والخراج ~~كذب باتفاق أهل الحديث. # وسئل غفر الله له : عمن كانت له أشجار أعناب لا يصير زبيبا ولا يتركه صاحبه ~~إلى الجذاذ، كيف يخرج عشره رطبا؟ أو يابسا؟ وإن أخرج يابسا أخرج من غير ثمر ~~بستانه؟1 # فأجاب: أما العنب الذي لا يصير زبيبا، فإذا أخرج عنه زبيبا بقدر عشره لو كان ~~يصير زبيبا جاز، وهو أفضل وأجزأه ذلك بلا ريب، ولا يتعين على صاحب المال ~~الإخراج من عين المال، لا في هذه الصورة ولا غيرها، بل من كان معه ذهب أو ~~فضة أو عرض تجارة، أو له حب أو ثمر يجب فيه العشر، أو ماشية تجب فيها ~~الزكاة، وأخرج مقدار الواجب المنصوص من غير ذلك المال أجزأه، فكيف في هذه ~~الصورة . وإن أخرج العشر عنبا ففيه قولان في مذهب أحمد: # أحدهما : وهو المنصوص عنه أنه لا يجزئه. PageV01P755 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0756.png) # والثاني : يجزئه، وهو قول القاضي أبي يعلى، وهذا قول أكثر العلماء، وهو ~~أظهر. # وأما العنب الذي يصير زبيبا لكنه قطعه قبل أن يصير زبيبا، فهنا يخرج زبيبا بلا ~~ريب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث سعاته فيخرصون النخل والكرم، ويطالب أهله بمقدار ~~الزكاة يابسا، ms0827 وإن كان أهل الثمار يأكلون كثيرا منها رطبا، ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم الخارصين ~~أن يدعوا لأهل الأموال الثلث، أو الربع، لا يؤخذ منه عشر، ويقول: «إذا خرصتم ~~فدعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع وفي رواية: فإن في المال ~~العرية، والوطية، والسابلة يعني أن صاحب المال يتبرع بما يعريه من النخل لمن ~~يأكله وعليه ضيف يطأون حديقته يطعمهم، ويطعم السابلة وهم أبناء السبيل، وهذا ~~الإسقاط مذهب الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث. # وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء، وكذلك في الأولى. # وأما الثانية فما علمت فيها نزاعا، فإن حق أهل السهمان لا يسقط باختيار قطعه ~~رطبا، إذا كان ييبس. نعم لو باع عنبه أو رطبه بعد بدو صلاحه، فقد نص أحمد في ~~هذه الصورة على أنه يجزئه إخراج عشر الثمن، ولا يحتاج إلى إخراج عنب أو زبيب، ~~فإن في إخراج القيمة نزاعا في مذهبه، ونصوصه الكثيرة تدل على أنه يجوز ذلك ~~للحاجة، ولا يجوز بدون الحاجة، والمشهور عند كثير من أصحابه لا يجوز مطلقا، ~~وخرجت عنه رواية بالجواز مطلقا، ونصوصه الصريحة إنما هي بالفرق. # ومثل هذا كثير في مذهبه، ومذهب الشافعي، وغيرهما من الأيمة قد ينص على ~~مسألتين متشابهتين بجوابين مختلفين، ويخرج بعض أصحابه جواب كل واحدة إلى ~~الأخرى، ويكون الصحيح إقرار نصوصه بالفرق بين المسألتين. كما قد نص على أن ~~فمن اصحابه لمن خخرلج فيي المسالتين رو ايتين. ومنهم من قال : بل آذا قتل بعد الوصية ~~بطلت الوصية، كما يمنع قتل الوارث لمورثه أن يرثه، وأما إذا أوصى له بعد الجرح ~~فهنا الوصية صحيحة، فإنه رضي بها بعد جرحه. ونظائر هذا كثيرة. # وسئل رحمه الله تعالى : عن نصيب العامل في المزرعة: هل فيه زكاة? # فأجاب: أما الزكاة في المساقاة، والمزارعة؛ فهذا مبني على أصل، وهو أن ~~المزارعة والمساقاة : هل هي جائزة أم لا ? على قولين مشهورين: PageV01P756 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0757.png) # أحدهما: قول من قال : إنها لا تجوز، واعتقدوا أنها نوع من الإجارة بعوض ~~مجهول، ثم من هؤلاء من ms0828 أبطلها مطلقا. كأبي حنيفة. ومنهم من استثنى ما تدعو إليه ~~الحاجة، فيجوز المساقاة للحاجة؛ لأن الشجر لا يمكن إجارته، بخلاف الأرض، ~~وجوزوا المزارعة على الأرض التي فيها شجر تبعا للمساقاة، إما مطلقا كقول ~~الشافعي . وإما إذا كان البياض قدر الثلث فما دونه، كقول مالك. ثم منهم من جوز ~~المساقاة مطلقا. كقول مالك، والشافعي في القديم، وفي الجديد قصر الجواز على ~~النخل، والعنب. # والقول الثاني: قول من يجوز المساقاة، والمزارعة، ويقول : إن هذه مشاركة ~~وهي جنس غير جنس الإجارة التي يشترط فيها قدر النفع، والأجرة، فإن العمل في ~~هذه العقود، ليس بمقصود، بل المقصود هو الثمر الذي يشتركان فيه، ولكن هذا ~~شارك بنفع ماله، وهذا بنفع بدنه، وهكذا المضاربة. # فعلى هذا، فإذا افترق أصحاب هذه العقود، وجب للعامل قسط مثله من الربح، ~~إما ثلث الربح، وإما نصفه، ولم تجب أجرة المثل للعامل. وهذا القول هو الصواب ~~المقطوع به، وعليه إجماع الصحابة. # والقول بجواز المساقاة، والمزارعة، قول جمهور السلف من الصحابة ~~والتابعين، وغيرهم. وهو مذهب الليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ~~ومحمد، وفقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن ~~إسحاق بن خزيمة، وأبي بكر بن المنذر، والخطابي وغيرهم. # والصواب أن المزارعة أحل من الإجارة بثمن مسمى؛ لأنها أقرب إلى العدل، ~~وأبعد عن الخطر . فإن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من العقود : منه ما يدخل في جنس ~~الربا المحرم في القرآن، ومنه ما يدخل في جنس الميسر الذي هو القمار. وبيع الغرر ~~هو من نوع القمار والميسر، فالأجرة والثمن إذا كانت غررا مثل ما لم يوصف ولم ير ~~ولم يعلم جنسه: كان ذلك غررا وقمارا. # ومعلوم أن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالأرض بحصول الزرع له فإذا أعطى ~~الأجرة المسماة كان المؤجر قد حصل له مقصوده بيقين. وأما المستأجر فلا يدري هل ~~يحصل له الزرع أم لا? # بخلاف المزارعة فإنهما يشتركان في المغنم، وفي الحرمان. كما في المضاربة، ~~فإن حصل شيء اشتركا فيه، وإن لم يحصل ms0829 شيء اشتركا في الحرمان، وكان ذهاب ~~نفع مال هذا في مقابلة ذهاب نفع بدن هذا. # ولهذا لم يجز أن يشترط لأحدهما شيء مقدر من النماء، لا في المضاربة، PageV01P757 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0758.png) ~~ولا في المساقاة، ولا في المزارعة؛ لأن ذلك مخالف للعدل. إذ قد يحصل لأحدهما ~~شيء، والآخر لا يحصل له شيء. وهذا هو الذي نهى عنه رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم في ~~الأحاديث التي روي فيها لأنه نهى عن المخابرة»1) أو عن كراء الأرض»(2) أو ~~( عن المزارعة»2 كحديث رافع بن خديج وغيره. فإن ذلك قد جاء مفسرا بأنهم ~~كانوا يعملون عليها بزرع بقعة معينة من الأرض للمالك. ولهذا قال الليث بن سعد: ~~إن الذي نهى عنه رسول الله له صلى الله عليه وسلم من ذلك أمر إذا نظر فيه ذو علم بالحلال والحرام ~~علم أنه لا يجوز. # فأما المزارعة فجائزة بلا ريب سواء كان البذر من المالك، أو العامل، أو ~~منهما، وسواء كان بلفظ الإجارة، أو المزارعة، أو غير ذلك. هذا أصح الأقوال في ~~هذه المسألة . # وكذلك كل ما كان من هذا الجنس، مثل أن يدفع دابته، أو سفينته إلى من ~~يكتسب عليها، والربح بينهما، أو من يدفع ماشيته أو نخله لمن يقوم عليها، ~~والصوف، واللبن، والولد، والعسل بينهما. # فإذا عرف هذان القولان في المزارعة، فمن قال من العلماء : إن المزارعة ~~باطلة، قال : الزرع كله لرب الأرض إذا كان البذر منه، أو للعامل إذا كان البذر منه. ~~ومن قال : له الزرع، كان عليه العشر، وأما من قال: إن رب الأرض يستحق جزءا ~~مشاعا من الزرع، فإن عليه عشره باتفاق الأئمة، ولم يقل أحد من المسلمين أن رب ~~الأرض يقاسم العامل، ويكون العشر كله على العامل، فمن قال هذا، فقد خالف ~~إجماع المسلمين. # وسئل رحمه الله تعالى : عن لبس الفضة للرجال من الكلاليب، وخاتم، وحياصة، ~~وحلية على السيف، وسائر لبس الفضة : هل هي محرمة ? ولا تجوز الصلاة فيها? # فأجاب: الحمد لله. أما خاتم الفضة فيباح باتفاق الأئمة، فإنه قد صح عن ms0830 ~~لنبي صلى الله عليه وسلم ان اتخذ خاتما من فضة، وأن أصحابه اتخذوا خواتيم. # بخلاف خاتم الذهب، فإنها حرام باتفاق الأئمة الأربعة، فإنه قد صح عن ~~النبي صل الله علي وسلم أ نهى عن ذلك. PageV01P758 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0759.png) # والسيف : يباح تحليته بيسير الفضة، فإن سيف النبي صلى الله عليه وسلم ان فيه فضة، وكذلك ~~يسير الذهب على الصحيح. # وأما الحياصة: إذا كان فيها فضة يسيرة فإنها تباح على أصح القولين. وأما ~~لكلاليب التى تمسك بها العمامة، وتحتاج إليها، إذا كانت بزنة الخواتيم كالمثقال، ~~ونحوه. فهي أولى بالإباحة من الخاتم، فإن الخاتم يتخذ للزينة، وهذا للحاجة. وهذه ~~متصلة باليسير ليست مفردة كالخاتم، ويسير الفضة التابع لغيره إذا كان يحتاج إلى ~~جنسه كشعيرة السكين، وحلقة الإناء، تباح في الآنية، وإن كره مباشرته بالاستعمال. # و(باب اللباس) أوسع من باب (الآنية)، فإن آنية الذهب والفضة تحرم على ~~الرجال والنساء. وأما باب اللباس: فإن لباس الذهب والفضة يباح للنساء بالاتفاق، ~~ويباح للرجل ما يحتاج إليه من ذلك . ويباح يسير الفضة للزينة، وكذلك يسير الذهب ~~التابع لغيره، كالطرز ونحوه في أصح القولين، في مذهب أحمد وغيره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن الذهب إلا مقطعا. # فإذا كان رسول الله له صلى الله عليه وسل آأح يسير الفضة للزينة مفردا، أو مضافا إلى غيره، ~~كحلية السيف، وغيره، فكيف يحرم يسير الفضة للحاجة. # وهذا كله لو كان عن النبيصلى الله عليه وسلم فظ عام بتحريم لبس الفضة، كما جاء عنه لفظ ~~عام بتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال حيث قال : «هذان حرام على ذكور ~~أمتي، حل لإناثها وكما جاء عنه لفظ عام في تحريم آنية الذهب والفضة. # فلما كانت ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم عامة في آنية الذهب والفضة، وفي لباس الذهب ~~والحرير . استثنى من ذلك ما خصته الأدلة، الشرعية، كيسير الحرير، ويسير الفضة ~~في الآنية، وللحاجة ونحو ذلك. # فأما لبس الفضة : إذا لم يكن فيه لفظ عام بالتحريم، لم يكن لأحد أن يحرم منه ~~إلا ms0831 ما قام الدليل الشرعي على تحريمه، فإذا جاءت السنة بإباحة خاتم الفضة، كان ~~هذا دليلا على إباحة ذلك، وما هو في معناه، وما هو أولى منه بالإباحة، وما لم ~~يكن كذلك فيحتاج إلى نظر في تحليله وتحريمه، والله سبحانه وتعالى أعلم. # باب صدقة الفطر # سئل رحمه الله تعالى : عن زكاة الفطر: هل تخرج تمرا أو زبيبا أو برا أو شعيرا ~~أو دقيقا? وهل يعطى للأقارب ممن لا تجب نفقته؟ أو يجوز إعطاء القيمة؟(2) PageV01P759 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0760.png) # فأجاب : الحمد لله. أما إذا كان أهل البلد يقتاتون أحد هذه الأصناف جاز ~~الإخراج من قوتهم، بلا ريب. وهل لهم أن يخرجوا ما يقتاتون من غيرها? مثل أن ~~يكونوا يقتاتون الأرز، والدخن، فهل عليهم أن يخرجوا حنطة، أو شعيرا، أو يجزئهم ~~الأرز، والدخن والذرة? فيه نزاع مشهور. وهما روايتان عن أحمد: # إحداهما : لا يخرج إلا المنصوص. # والأخرى : يخرج ما يقتاته. وإن لم يكن من هذه الأصناف. وهو قول أكثر ~~العلماء : كالشافعي، وغيره. وهو أصح الأقوال؛ فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على ~~وجه المساواة للفقراء، كما قال تعالى : (من أوسط ما تطعمون أهليكم). # والنبي صلى الله عليه وسلم وض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير؛ لأن هذا كان ~~قوت أهل المدينة، ولو كان هذا ليس قوتهم بل يقتاتون غيره لم يكلفهم أن يخرجوا ~~مما لا يقتاتونه، كما لم يأمر الله بذلك في الكفارات. وصدقة الفطر من جنس ~~الكفارات ، هذه معلقة بالبدن، وهذه معلقة بالبدن، بخلاف صدقة المال فإنها تجب ~~بسبب المال من جنس ما أعطاه الله. # وأما الدقيق : فيجوز إخراجه في مذهب أبي حنيفة، وأحمد، دون الشافعي. ~~ويخرجه بالوزن، فإن الدقيق يربع إذا طحن. # والقريب الذي يستحقها إذا كانت حاجته مثل حاجة الأجنبي، فهو أحق بها منه، ~~فإن صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن صدقة الفطر : هل يجب استيعاب الأصناف الثمانية في ~~صرفها ? أم يجزئ صرفها إلى شخص واحد? وما أقوال العلماء ms0832 في ذلك? # فأجاب : الحمد لله. الكلام في هذا الباب في أصلين: # أحدهما: في زكاة المال كزكاة الماشية والنقد، وعروض التجارة والمعشرات، ~~فهذه فيها قولان للعلماء. # أحدهما: أنه يجب على كل مزك أن يستوعب بزكاته جميع الأصناف المقدور ~~عليها، وأن يعطي من كل صنف ثلاثة، وهذا هو المعروف من مذهب الشافعي، وهو ~~رواية عن الإمام أحمد. # لثاني : بل الواجب أن لا يخرج بها عن إلأصناف الثمانية، ولا يعطي أحدا فوق ~~كفايته، ولا يحابي أحدا بحيث يعطي واحدا ويدع من هو أحق منه، أو مثله، مع ~~إمكان العدل. وعند هؤلاء إذا دفع زكاة ماله جميعها لواحد من صنف. وهو يستحق PageV01P760 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0761.png) ~~ذلك، مثل أن يكون غارما عليه ألف درهم لا يجد لها وفاء. فيعطيه زكاته كلها، وهي ~~ألف درهم أجزأه. وهذا قول جمهور أهل العلم كأبي حنيفة، وأحمد، في المشهور ~~عنه، وهو المأثور عن الصحابة: كحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، ويذكر ~~ذلك عن عمر نفسه. # وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صى الله عليه ولم ال لقبيصة بن مخارق الهلالي : (أقم ~~يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها. # وفي سنن أبي داود وغيرها أنه قال لسلمة بن صخر البياضي : (اذهب إلى عامل ~~بني زريق، فليدفع صدقتهم إليك . # ففي هذين الحديثين أنه دفع صدقة قوم لشخص واحد، لكن الآمر هو الإمام، ~~وفي مثل هذا تنازع . وفي المسألة بحث من الطرفين لا تحتمله هذه الفتوى . # فإن المقصود هو الأصل الثاني : وهو «صدقة الفطر» فإن هذه الصدقة هل ~~تجري مجرى صدقة الأموال أو صدقة الأبدان، كالكفارات؟ على قولين . فمن قال ~~بالأول، وكان من قوله وجوب الاستيعاب، أوجب الاستيعاب فيها. # وعلى هذين الأصلين ينبني ما ذكره السائل من مذهب الشافعي - رضي الله عنه ~~- ومن كان من مذهبه أنه لا يجب الاستيعاب كقول جمهور العلماء، فإنهم يجوزون ~~نع صدقة الفطر إلى واحد، كما عليه المسلمون قديما وحديثا. # ومن قال بالثاني أن صدقة الفطر تجري مجرى كفارة اليمين، والظهار، والقتل، ~~الجماع في رمضان، ms0833 ومجرى كفارة الحج، فإن سببها هو البدن ليس هو المال، كما ~~في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ~~وطعمة للمساكين. من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي ~~صدقة من الصدقات . وفي حديث آخر أنه قال : أغنوهم في هذا اليوم عن ~~المسألة». # ولهذا أوجبها الله طعاما، كما أوجب الكفارة طعاما، وعلى هذا القول PageV01P761 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0762.png) ~~فلا يجزئ إطعامها إلا لمن يستحق الكفارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم، فلا يعطي ~~منها في المؤلفة، ولا الرقاب، ولا غير ذلك. وهذا القول أقوى في الدليل. # وأضعف الأقوال قول من يقول إنه يجب على كل مسلم أن يدفع صدقة فطره ~~إلى اثني عشر، أو ثمانية عشر، أو إلى أربعة وعشرين، أو اثنين وثلاثين، أو ثمانية ~~وعشرين، ونحو ذلك، فإن هذا خلاف ما كان عليه المسلمون على عهد ~~رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، وصحابته أجمعين، لم يعمل بهذا مسلم على ~~عهدهم ، بل كان المسلم يدفع صدقة فطره وصدقة فطر عياله إلى المسلم الواحد. # ولو رأوا من يقسم الصاع على بضعة عشر نفسا، يعطى كل واحد حفنة لأنكروا ~~ذلك غاية الإنكار، وعدوه من البدع المستنكرة، والأفعال المستقبحة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قدر المأمور به صاعا من تمر، أو صاعا من شعير. ومن البر إما نصف صاع، وإما ~~صاعا على قدر الكفاية التامة للواحد من المساكين، وجعلها طعمة لهم يوم العيد ~~يستغنون بها، فإذا أخذ المسكين حفنة لم ينتفع بها، ولم تقع موقعا. # وكذلك من عليه دين وهو ابن سبيل إذا أخذ حفنة من حنطة لم [ينتفع] بها من ~~مقصودها ما يعد مقصودا للعقلاء، وإن جاز أن يكون ذلك مقصودا في بعض ~~الأوقات، كما لو فرض عدد مضطرون وإن قسم بينهم الصاع عاشوا، وإن خص به ~~بعضهم مات الباقون، فهنا ينبغي تفريقه بين جماعة، لكن هذا يقتضي أن يكون التفريق ~~هو المصلحة، والشريعة منزهة عن هذه الأفعال المنكرة التي ms0834 لا يرضاها العقلاء، ولم ~~يفعلها أحد من سلف الأمة وأئمتها. # ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم: طعمة للمساكين نص في أن ذلك حق للمساكين. وقوله ~~تعالى في آية الظهار : ( فإطعام ستين مسكينا)ل فإذا لم يجز أن تصرف ~~تلك للأصناف الثمانية، فكذلك هذه، ولهذا يعتبر في المخرج من المال أن يكون من ~~جنس النصاب، والواجب ما يبقى ويستنمى؛ ولهذا كان الواجب فيها الإناث دون ~~الذكور ، إلا في التبيع، وابن لبون؛ لأن المقصود الدر والنسل، وإنما هو للإناث. ~~وفي الضحايا والهدايا لما كان المقصود الأكل كان الذكر أفضل من الأنثى، وكانت ~~الهدايا والضحايا إذا تصدق بها أو ببعضها فإنما هو للمساكين أهل الحاجة دون ~~استيعاب المصارف الثمانية، وصدقة الفطر وجبت طعاما للأكل لا للاستنماء، فعلم ~~أنهما من جنس الكفارات . # وإذا قيل : إن قوله : ( إنما القدقت لفقراء رالمساكن) نص في ~~استيعاب الصدقة . قيل : هذا خطأ لوجوه: PageV01P762 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0763.png) # أحدها : أن اللام في هذه إنما هي لتعريف الصدقة المعهودة التي تقدم ذكرها في ~~قوله : (ومنهم من يلمرآك في الصدقات فإن أعطرا منها رضوا) وهذه إذا صدقات ~~الأموال دون صدقات الأبدان باتفاق المسلمين. ولهذا قال في آية الفدية : ( ففدية من ~~صبيام آو صدقة أو ن) 19] لم تكن هذه الصدقة داخلة في آية براءة، واتفق ~~الأئمة على أن فدية الأذى لا يجب صرفها في جميع الأصناف الثمانية، وكذلك صدقة ~~التطوع لم تدخل في الآية بإجماع المسلمين، وكذلك سائر المعروف فإنه قد ثبت في ~~الصحيح من غير وجه عن النبي لى الله يه وأنه قال : كل معروف صدقة. لا يختص بها ~~الأصناف الثمانية باتفاق المسلمين. # وهذا جواب من يمنع دخول هذه الصدقة في الآية، وهي تعم جميع الفقراء، ~~والمساكين، والغارمين في مشارق الأرض ومغاربها، ولم يقل مسلم أنه يجب ~~استيعاب جميع هؤلاء، بل غاية ما قيل : إنه يجب إعطاء ثلاثة من كل صنف، وهذا ~~تخصيص اللفظ العام من كل صنف، ثم فيه تعيين فقير دون فقير . # وأيضا لم يوجب أحد التسوية في آحاد كل صنف، فالقول ms0835 عند الجمهور في ~~الأصناف عموما وتسوية، كالقول في آحاد كل صنف عموما وتسوية. # الوجه الثانى : أن قوله: (إنما الصدقث)للحصر، وإنما يثبت ~~المذكور ويبقى ما عداه، والمعنى ليست الصدقة لغير هؤلاء، بل لهؤلاء فالمثبت من ~~جنس المنفي، ومعلوم أنه لم يقصد تبيين الملك، بل قصد تبيين الحل، أي لا تحل ~~الصدقة لغير هؤلاء، فيكون المعنى بل تحل لهم، وذلك أنه ذكر في معرض الذم لمن ~~سأله من الصدقات وهو لا يستحقها، والمذموم يذم على طلب ما لا يحل له، ~~لا على طلب ما يحل له، وإن كان لا يملكه، إذ لو كان كذلك لذم هؤلاء وغيرهم ~~إذا سألوها من الإمام قبل إعطائها، ولو كان الذم عاما لم يكن في الحصر ذم لهؤلاء ~~دون غيرهم، وسياق الآية يقتضي ذمهم، والذم الذي اختصوا به سؤال ما لا يحل، ~~فيكون ذلك الذي نفي، ويكون المثبت هذا يحل، وليس من الإحلال للأصناف ~~وآحادهم وجود الاستيعاب والتسوية، كاللام في قوله تعالى : (هو آلذى خلق لكم ما في ~~الأرض جيع) قة] وقوله : ( وسخر لكر ما في السموات وما في الأرض جيحا متة) ~~[الجائية : 13] وقوله عليه الصلاة والسلام : لأنت ومالك لأبيك»(2) وأمثال ذلك مما PageV01P763 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0764.png) ~~جاءت به اللام للإباحة. فقول القائل أنه قسمها بينهم بوار التشريك، ولام التمليك، ~~ممنوع لما ذكرناه . # الوجه الثالث : أن الله لما قال في الفرائض: ( يوصيكه الله في أولادكم للذك مثل ~~حظ الأنثيين) وقال : ( ولكم نصف ما ترك أزرجكم) إل قوله: ~~( ولهرب الربع مما تركتم) وقال: ( وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فالذكر مثل ~~حظ الأنثيين) لما كانت اللام للتمليك وجب استيعاب الأصناف ~~المذكورين، وإفراد كل صنف والتسوية بينهم، فإذا كان لرجل أربع زوجات، وأربعة ~~بنين أو بنات، أو أخوات، أو إخوة، وجب العمل والتسوية في الأفراد؛ لأن كلأ منهم ~~استحق بالنسب، وهم مستوون فيه. وهناك لم يكن الأمر فيه كذلك، ولم يجب فيه ~~ذلك. # ولا يقال إفراد الصنف لا يمكن استيعابه؛ لأنه يقال بل يجب أن يقال في الأفراد ~~ما قيل في الأصناف ms0836 . فإذا قيل : يجب استيعابها بحسب الإمكان، ويسقط المعجوز ~~عنه، قيل : في الأفراد كذلك. وليس الأمر كذلك، لكن يجب تحري العدل بحسب ~~الإمكان، كما ذكرناه، والله أعلم. # باب إخراج الزكاة # سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن تاجر. هل يجوز أن يخرج من زكاته ~~الواجبة عليه، صنفا يحتاج إليه ? وهل إذا مات إنسان وعليه دين له : فهل يجوز أن ~~يعطي أحدا من أقارب الميت، إن كان مستحقا للزكاة، ثم يستوفيه منه? وهل إذا ~~أخرج زكاته على أهل بلد آخر مسافة القصر، هل يجزئه أم لا؟ # فأجاب : الحمد لله. إذا أعطاه دراهم أجزأ بلا ريب. # وأما إذا أعطاه القيمة ففيه نزاع: هل يجوز مطلقا؟ أو لا يجوز مطلقا؟ أو يجوز ~~في بعض الصور للحاجة، أو المصلحة الراجحة ? على ثلاثة أقوال - في مذهب أحمد ~~وغيره - وهذا القول أعدل الأقوال. # فإن كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري بها كسوة، فاشترى رب المال له بها كسوة، ~~وأعطاه فقد أحسن إليه . وأما إذا قوم هو الثياب التي عنده وأعطاها، فقد يقومها باكثر ~~من السعر، وقد يأخذ الثياب من لا يحتاج إليها، بل يبيعها فيغرم أجرة المنادي ~~وربما خسرت فيكون في ذلك ضرر على الفقراء. # والأصناف التي يتجر فيها يجوز أن يخرج عنها جميعا دراهم بالقيمة، فإن لم PageV01P764 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0765.png) ~~يكن عنده دراهم فأعطى ثمنها بالقيمة، فالأظهر أنه يجوز؛ لأنه واسى الفقراء، ~~فأعطاهم من جنس ماله. # وأما الدين الذي على الميت، فيجوز أن يوفى من الزكاة في أحد قولي العلماء، ~~وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن الله تعالى قال : (والغارمين) ولم ~~يقل وللغارمين. فالغارم لا يشترط تمليكه. # وعلى هذا يجوز الوفاء عنه، وأن يملك لوارثه، ولغيره، ولكن الذي عليه الدين ~~لا يعطى ليستوفى دينه. # وسئل رحمه الله تعالى : عن زكاة العشر وغيره يأخذها السلطان، يصرفها حيث ~~شاء، ولا يعطيها للفقراء، والمساكين: هل يسقط الفرض بذلك? أم لا? # فأجاب: أما ما يأخذه ولاة المسلمين من العشر، وزكاة الماشية، والتجارة، ~~وغير ذلك فإنه يسقط ذلك عن صاحبه، إذا كان ms0837 الإمام عادلا يصرفه في مصارفه ~~الشرعية، باتفاق العلماء. فإن كان ظالما لا يصرفه في مصارفه الشرعية، فينبغي ~~لصاحبه أن لا يدفع الزكاة إليه، بل يصرفها هو إلى مستحقيها، فإن أكره على دفعها ~~إلى الظالم، بحيث لو لم يدفعها إليه لحصل له ضرر، فإنها تجزئه في هذه الصورة ~~عند أكثر العلماء. # وهم في هذه الحال ظلموا مستحقيها، كولي اليتيم، وناظر الوقف، إذا قبضوا ~~ماله وصرفوه في غير مصارفه. # وسئل رحمه الله تعالى : عن إسقاط الدين عن المعسر: هل يجوز أن يحسبه من ~~الزكاة؟2) # فأجاب: وأما إسقاط الدين عن المعسر، فلا يجزئ عن زكاة العين، بلا نزاع، ~~لكن إذا كان له دين على من يستحق الزكاة : فهل يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك ~~الدين ? فهذا فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد، وغيره. # أظهرهما الجواز؛ لأن الزكاة مبناها على المواساة، وهنا قد أخرج من جنس ~~ما يملك، بخلاف ما إذا كان ماله عينا، وأخرج دينا، فإن الذي أخرجه دون الذي ~~يملكه، فكان بمنزلة إخراج الخبيث عن الطيب، وهذا لا يجوز. كما قال تعالى: ~~(ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون). # ولهذا كان على المزكي أن يخرج من جنس ماله، لا يخرج أدنى منه، PageV01P765 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0766.png) ~~فإذا كان له ثمر وحنطة جيدة لم يخرج عنها ما هو دونها. # وسئل غفر الله له : عن المسكين يحتاج إلى الزكاة من الزرع: فهل إعطاؤه ~~يسقط الفرض عن صاحب الزرع، إذا عجلها له قبل إدراك زرعه؟ أم ل؟1) # فأجاب : وأما تعجيل الزكاة قبل وجوبها بعد سبب الوجوب، فيجوز عند ~~جمهور العلماء، كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. فيجوز تعجيل زكاة الماشية، ~~والنقدين، وعروض التجارة إذا ملك النصاب. # ويجوز تعجيل المعشرات قبل وجوبها إذا كان قد طلع الثمر قبل بدو صلاحه، ~~ونبت الزرع قبل اشتداد الحب . # فأما إذا اشتد الحب، وبدا صلاح الثمرة، وجبت الزكاة. # وسئل رحمه الله تعالى : عن دفع الزكاة إلى قوم منتسبين إلى المشايخ: هل ~~يجوز؟ أم لا؟2) # فأجاب : # وأما الزكاة : فينبغي للإنسان أن يتحرى بها المستحقين من الفقراء ms0838 ~~المساكين، والغارمين، وغيرهم من أهل الدين، المتبعين للشريعة، فمن أظهر ~~بدعة أو فجورا فإنه يستحق العقوبة بالهجر وغيره. والاستتابة، فكيف يعان على ~~ذلك؟! # وأما من يأخذها وينفقها بحسب اختياره، أو ينفقها على عياله مع غناه، فهذا ~~لا يجوز دفعها إليه، ولا تبرأ ذمة من دفعها إليه، بل لا تعطى إلا لمستحقها، أو لمن ~~يعطيها لمستحقها، مثل من عنده خبرة بأهلها وأمانة، فيؤديها إليهم. كما قال تعالى: ~~(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنات إلى أهلها). # وإذا طلبها من لا يعلم حاجته إليها، وهو يعلم حاجة آخر، فإعطاء من يعلم ~~حاجته أولى، وإعطاء القريب المحتاج الذي ليس من أهل نفقته أولى من إعطاء البعيد ~~المساوي له في الحاجة. # وسئل غفر الله له : عن رجل عليه زكاة: هل يجوز له أن يعطيها لأقاربه ~~المحتاجين؟ أو أن يشتري لهم منها ثيابا، أو حبوبا؟ وإذا اخذ السلطان من غنمه هل PageV01P766 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0767.png) ~~تسقط زكاتها? وهل يلزمه إعطاء الزكاة في بلد القلة والمال، أم لا? وهل إذا مات فقير ~~وله عليه مال : هل له أن يحسبه من الزكاة ? أو يطلبه من غيره، فيأخذ عنه? وهل يعطي ~~لمن لا يصلي? أم لا? # فأجاب: الحمد لله: يجوز أن يصرف الزكاة إلى من يستحقها، وإن كانوا من ~~أقاربه الذين ليسوا في عياله، لكن يعطيهم من ماله، وهم يأذنون لمن يشتري لهم بها ~~ما يريدون. # وأما أخذه السلطان من الزكاة بغير أمر أصحابه احتسب به، وجيران المال ~~أحق بصدقته، فإن استغنوا عنها أعطى البعيد، وإن أعطاها الفقراء في غير البلد ~~جاز . # وإن كان له دين على حي أو ميت لم يحتسب به من الزكاة، ولا يحتال في ~~ذلك. # ومن لم يكن مصليا أمر بالصلاة، فإن قال : أنا أصلي، أعطي، وإلا لم يعط. # وسئل رحمه الله تعالى : عن دفع الزكاة إلى أقاربه المحتاجين، الذين لا تلزمه ~~نفقتهم? هل هو الأفضل أو دفعها إلى الأجنبي ? # فأجاب: أما دفع الزكاة إلى أقاربه، فإن كان القريب الذي يجوز دفعها إليه ~~حاجته مثل حاجة الأجنبي ms0839 إليها، فالقريب أولى . وإن كان البعيد أحوج، لم يحاب بها ~~القريب . قال أحمد، عن سفيان بن عيينة، كانوا يقولون : لا يحابي بها قريبا، ~~ولا يدفع بها مذمة، ولا يقي بها ماله. # وسئل رحمه الله تعالى : عن دفعها إلى والديه، وولده الذين لا تلزمه نفقتهم هل ~~يجوز أم لا؟(3) # فأجاب: الذين يأخذون الزكاة صنفان : صنف يأخذ لحاجته. كالفقير، والغارم ~~لمصلحة نفسه. # وصنف يأخذها لحاجة المسلمين: كالمجاهد، والغارم في إصلاح ذات البين، ~~فهؤلاء يجوز دفعها إليهم، وإن كانوا من أقاربه. # وأما دفعها إلى الوالدين : إذا كانوا غارمين، أو مكاتبين: ففيها وجهان. والأظهر ~~جواز ذلك. PageV01P767 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0768.png) ~~287 # وأما إن كانوا فقراء، وهو عاجز عن نفقتهم، فالأقوى جواز دفعها إليهم في هذه ~~الحال؛ لأن المقتضى موجود، والمانع مفقود، فوجب العمل بالمقتضى السالم عن ~~المعارض المقاوم. # وسئل رحمه الله تعالى : هل من كان عليه دين يجوز له أن يأخذ من زكاة أبيه ~~القضاء دينه؟ أم لا؟(1) # فأجاب : إذا كان على الولد دين، ولا وفاء له، جاز له أن يأخذ من زكاة أبيه؛ ~~في أظهر القولين في مذهب أحمد، وغيره. # وأما إن كان محتاجا إلى النفقة، وليس لأبيه ما ينفق عليه، ففيه نزاع: والأظهر ~~أنه يجوز له أخذ زكاة أبيه. # وأما إن كان مستغنيا بنفقة أبيه؛ فلا حاجة به إلى زكاته، والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن الصدقة على المحتاجين من الأهل، وغيرهم ? # فأجاب : إن كان مال الإنسان لا يتسع للأقارب والأباعد، فإن نفقة القريب ~~واجبة عليه، فلا يعطي البعيد ما يضر بالقريب. # وأما الزكاة والكفارة، فيجوز أن يعطي منها القريب الذي لا ينفق عليه، ~~والقريب أولى إذا استوت الحاجة. # وقال رحمه الله تعالى(: # في الأخذ من غير سؤال. # في الصحيح حديث حكيم بن حزام : لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم ة بعد مرة، ثم قال: ~~يا حكيم : إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن ~~أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، ms0840 واليد العليا خير من ~~اليد السفلى . قال حكيم: فقلت: يا رسول الله! وإلذي بعثك بالحق، لا أرزأ أحدا ~~بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما ليعطيه العطاء ~~فيأبى أن يقبل منه شيئا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله. فقال: يا معشر ~~المسلمين! وفي رواية : إني أشهدكم يا معشر المسلمين! إني أعرض على حكيم حقه PageV01P768 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0769.png) ~~الذي قسم الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد ~~النبي صلى الله عليهوسلم # قوله : لم يرزأ : أي لم ينقص، لا لم يسأل، كما يدل عليه السياق. # ففيه أن حكيما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن لا يقبل من أحد شيئا، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ~~ذلك، وكذلك الخلفاء بعده. وهذا حجة في جواز الرد، وإن كان عن غير مسألة، ولا ~~إشراف . # وقوله : اليد العليا خير من اليد السفلى» تنبيه له على أن يد الآخذ سفلى . وقد ~~سئل أحمد عن حجة لذلك من الآية، فلم يعرفها. وهذه حجة جيدة. # وقد روى فيه زيادات مثل قوله : «إن خيرا لك أن لا تأخذ من أحد شيئا» لكن ~~ينظر إسناده، فهو صريح في تفضيل عدم الأخذ مطلقا. PageV01P769 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0770.png) # وأما صوم يوم الغيم إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر، فللعلماء فيه عدة ~~أقوال وهي في مذهب أحمد وغيره. # أحدها : أن صومه منهي عنه. ثم هل هو نهي تحريم? أو تنزيه? على قولين، ~~وهذا هو المشهور فى مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايات عنه. ~~واختار ذلك طائفة من أصحابه: كأبي الخطاب، وابن عقيل، وأبي القاسم بن منده ~~الأصفهاني، وغيرهم. # والقول الثانى : أن صيامه واجب كاختيار القاضي، والخرقي، وغيرهما من ~~أصحاب أحمد، وهذا يقال إنه أشهر الروايات عن أحمد، لكن الثابت عن أحمد لمن ~~عرف نصوصه، وألفاظه، أنه كان يستحب صيام يوم الغيم اتباعا لعبد الله بن عمر، ~~وغيره من الصحابة، ولم يكن عبد الله بن عمر يوجبه ms0841 على الناس، بل كان يفعله ~~احتياطا، وكان الصحابة فيهم من يصومه احتياطا، ونقل ذلك عن عمر، وعلي، ~~ومعاوية، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وأسماء، وغيرهم. # ومنهم من كان لا يصومه مثل كثير من الصحابة، ومنهم من كان ينهي عنه. ~~كعمار بن ياسر، وغيره. فأحمد رضي الله عنه كان يصومه احتياطا. # وأما إيجاب صومه فلا أصل له في كلام أحمد، ولا كلام أحد من أصحابه؛ ~~لكن كثير من أصحابه اعتقدوا أن مذهبه إيجاب صومه، ونصروا ذلك القول. # والقول الثالث: أنه يجوز صومه، ويجوز فطره، وهذا مذهب أبي حنيفة، ~~وغيره، وهو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه، وهو مذهب كثير من الصحابة PageV01P770 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0771.png) ~~290 ~~والتابعين أو أكثرهم. وهذا كما أن الإمساك عند الحائل عن رؤية الفجر جائز . فإن ~~شاء أمسك، وإن شاء أكل حتى يتيقن طلوع الفجر، وكذلك إذا شك هل أحدث؟ أم ~~لا? إن شاء توضأ، وإن شاء لم يتوضأ. وكذلك إذا شك هل حال حول الزكاة? أو لم ~~يحل؟ وإذا شك هل الزكاة الواجبة عليه مائة? أو مائة وعشرون? فأدى الزيادة. # وأصول الشريعة كلها مستقرة على أن الاحتياط ليس بواجب، ولا محرم، ثم إذا ~~صامه بنية مطلقة، أو بنية معلقه، بأن ينوي إن كان من شهر رمضان كان عن رمضان، ~~وإلا فلا. فإن ذلك يجزيه في مذهب أبي حنيفة، وأحمد في أصح الروايتين عنه، ~~وهي التي نقلها المروذي وغيره. وهذا اختيار الخرقي في شرحه للمختصر، واختيار ~~أبي البركات وغيرهما. # والقول الثاني : أنه لا يجزئه إلا بنية أنه من رمضان، كإحدى الروايتين عن ~~أحمد، اختارها القاضي، وجماعة من أصحابه. # وأصل هذه المسألة أن تعيين النية لشهر رمضان: هل هو واجب? فيه ثلاثة أقوال ~~في مذهب أحمد. # أحدها : أنه لا يجزئه، إلا أن ينوي رمضان، فإن صام بنية مطلقة، أو معلقة، أو ~~بنية النفل أو النذر، لم يجزئه ذلك كالمشهور من مذهب الشافعي، وأحمد في إحدى ~~الروايات. # والثاني : يجزئه مطلقا كمذهب أبي حنيفة. # والثالث : أنه يجزئه بنية مطلقة، لا بنية تعيين، غير ms0842 رمضان، وهذه الرواية الثالثة ~~عن أحمد، وهي اختيار الخرقي، وأبي البركات. # وتحقيق هذه المسألة: أن النية تتبع العلم، فإن علم أن غدا من رمضان فلا بد ~~من التعيين في هذه الصورة، فإن نوى نفلا أو صوما مطلقا لم يجزه؛ لأن الله أمره أن ~~يقصد أداء الواجب عليه، وهو شهر رمضان الذي علم وجوبه، فإذا لم يفعل الواجب ~~لم تبرأ ذمته. # وأما إذا كان لا يعلم أن غدا من شهر رمضان، فهنا لا يجب عليه التعيين، ومن ~~أوجب التعيين مع عدم العلم فقد أوجب الجمع بين الضدين. # فإذا قيل : إنه يجوز صومه وصام في هذه الصورة بنية مطلقة، أو معلقة أجزأه. ~~وأما إذا قصد صوم ذلك تطوعا، ثم تبين أنه كان من شهر رمضان، فالأشبه أنه يجزئه ~~أيضا، كمن كان لرجل عنده وديعة، ولم يعلم ذلك، فأعطاه ذلك على طريق التبرع، ~~ثم تبين أنه حقه، فإنه لا يحتاج إلى إعطائه ثانيا، بل يقول ذلك الذي وصل إليك هو ~~حق كان لك عندي، والله يعلم حقائق الأمور. والرواية التي تروى عن أحمد أن PageV01P771 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0772.png) ~~الناس فيه تبع للإمام في نيته، على أن الصوم والفطر بحسب ما يعلمه الناس، كما في ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم آن قال: لصومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، ~~وأضحاكم يوم تضحون. # وقد تنازع الناس في الهلال : هل هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يره ~~أحد? أو لا يسمى هلالا حتى يستهل به الناس ويعلموه? على قولين في مذهب أحمد ~~وغيره . # وعلى هذا ينبني النزاع فيما إذا كانت السماء مطبقة بالغيم، أو في يوم الغيم ~~مطلقا. هل هو يوم شك? على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: # أحدها : أنه ليس بشك، بل الشك إذا أمكنت رؤيته، وهذا قول كثير من ~~أصحاب الشافعي، وغيرهم. # والثانى : أنه شك لإمكان طلوعه. # والثالث : أنه من رمضان حكما، فلا يكون يوم شك، وهو اختيار طائفة من ~~أصحاب أحمد وغيرهم . # وقد تنازع الفقهاء في المنفرد برؤية هلال الصوم والفطر، ms0843 هل يصوم ويفطر ~~وحده? أو لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس? أو يصوم وحده ويفطر مع الناس? على ~~ثلاثة أقوال، معروفة في مذهب أحمد وغيره. # وقال رحمه الله تعالى : # مسألة رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها: فيها اضطراب، فإنه قد حكى ابن ~~عبد البر الإجماع على أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه، فأما ما كان مثل ~~الأندلس وخراسان فلا خلاف أنه لا يعتبر . ... # قلت : أحمد اعتمد في الباب على حديث الأعرابي الذي شهد أنه أهل الهلال ~~البارحة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم اس على هذه الرؤية، مع أنها كانت في غير البلد، وما ~~يمكن أن تكون فوق مسافة القصر، ولم يستفصله، وهذا الاستدلال لا ينافي ما ذكره ~~ابن عبد البر؛ لكن ما حد ذلك؟ PageV01P772 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0773.png) # والذين قالوا : لا تكون رؤية لجميعها، كأكثر أصحاب الشافعي، منهم من حدد ~~ذلك بمسافة القصر، ومنهم من حدد ذلك بما تختلف فيه المطالع : كالحجاز مع ~~الشام، والعراق مع خراسان، وكلاهما ضعيف؛ فإن مسافة القصر لا تعلق لها ~~بالهلال. وأما الأقاليم فما حدد ذلك? ثم هذان خطأ من وجهين: # أحدهما : أن الرؤية تختلف باختلاف التشريق، والتغريب، فإنه متى رؤي في ~~المشرق وجب أن يرى في المغرب ولا ينعكس؛ لأنه يتأخر غروب الشمس بالمغرب، ~~عن وقت غروبها بالمشرق، فإذا كان قد رؤي ازداد بالمغرب نورا وبعدا عن الشمس ~~وشعاعها وقت غروبها، فيكون أحق بالرؤية، وليس كذلك إذا رؤي بالمغرب، لأنه قد ~~يكون سبب الرؤية تأخر غروب الشمس عندهم فازداد بعدا وضوءا ولما غربت ~~بالمشرق كان قريبا منها. # ثم إنه لما رؤي بالمغرب كان قد غرب عن أهل المشرق، فهذا أمر محسوس ~~في غروب الشمس والهلال، وسائر الكواكب، ولذلك إذا دخل وقت المغرب ~~بالمغرب دخل بالمشرق، ولا ينعكس، وكذلك الطلوع إذا طلعت بالمغرب طلعت ~~بالمشرق، ولا ينعكس، فطلوع الكواكب وغروبها بالمشرق سابق. # وأما الهلال فطلوعه ورؤيته بالمغرب سابق؛ لأنه يطلع من المغرب، وليس في ~~السماء ما يطلع من المغرب غيره، وسبب ظهوره بعده عن الشمس، ms0844 فكلما تأخر غروبها ~~ازداد بعده عنها، فمن اعتبر بعد المساكن مطلقا فلم يتمسك بأصل شرعي، ولا حسي. # وأيضا؛ فإن هلال الحج، ما زال المسلمون يتمسكون فيه برؤية الحجاج ~~القادمين، وإن كان فوق مسافة القصر. # الوجه الثاني : أنه إذا اعتبرنا حدا : كمسافة القصر، أو الأقاليم، فكان رجل في ~~آخر المسافة والإقليم فعليه أن يصوم ويفطر وينسك، وآخر بينه وبينه غلوة سهم لا ~~يفعل شيئا من ذلك، وهذا ليس من دين المسلمين. # قالصواب في هذا - والله أعلم - ما دل عليه قوله: صومكم يوم تصومون ~~وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من ~~شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد، وجب الصوم. # وكذلك إذا شهد بالرؤية نهار تلك الليلة إلى الغروب، فعليهم إمساك ما بقي، ~~سواء كان من إقليم أو إقليمين. # والاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد، فأما إذا بلغتهم الرؤية بعد غروب ~~لشمس، فالمستقبل يجب صومه بكل حال، لكن اليوم الماضي: هل يجب قضاؤه? ~~فإنه قد يبلغهم في أثناء الشهر أنه رؤي بإقليم آخر، ولم ير قريبا منهم، الأشبه أنه إن PageV01P773 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0774.png) ~~رؤي بمكان قريب، وهو ما يمكن أن يبلغهم خبره في اليوم الأول فهو كما لو رؤي ~~في بلدهم، ولم يبلغهم. # وأما إذا رؤي بمكان لا يمكن وصول خبره إليهم إلا بعد مضي الأول فلا قضاء ~~عليهم، لأن صوم الناس هو اليوم الذي يصومونه، ولا يمكن أن يصوموا إلا اليوم ~~الذي يمكنهم فيه رؤية الهلال، وهذا لم يكن يمكنهم فيه بلوغه، فلم يكن يوم ~~صومهم، وكذلك في الفطر والنسك، لكن هؤلاء هل يفطرون إذا ثبت عندهم في أثناء ~~الشهر أنه رؤي بناء على تلك الرؤية ? لكن إن بلغتهم بخبر واحد لم يفطروا؛ لأنه قد ~~ثبت عندهم في أثنائه ما يفطرون به، ولا يقضون اليوم الأول، فيكون صومهم تسعة ~~وعشرين كما يقوله من يقول بالمطالع، إذا صام برؤية مكان ثم سافر إلى مكان تقدمت ~~رؤيتهم، فإنه يفطر معهم، ولا يقضي اليوم الأول. # وإن تأخرت ms0845 رؤيتهم فهنا اختلفت نقول أصحابنا، إن قالوا يفطر وحده، فهو كما ~~لو رآه عندهم لم يفطر وحده عندنا على المشهور، وإن صام معهم فقد صام إحدى ~~وثلاثين يوما. # والأشبه أن هذه المسألة يخرج فيها لأصحابنا قولان كالمنفرد برؤيته في الفطر ~~لأن انفراد الرجل بالفطر هو المحذور في الموضعين، ورؤية أهل بلد دون غيرهم ~~كرؤيته ورؤية طائفة معه دون غيرهم . وأما هلال الفطر فإذا ثبتت رؤيته في اليوم عملوا ~~بذلك، وإن كان بعد ذلك لم يكن فيه فائدة - بل العيد هو اليوم الذي عيده الناس - ~~ولكن نقل التاريخ . # فالضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله : صوموا لرؤيته فمن بلغه أنه ~~رؤي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلا، وهذا يطابق ما ذكره ابن عبد البر، ~~في أن طرفي المعمورة لا يبلغ الخبر فيهما إلا بعد شهر فلا فائدة فيه، بخلاف الأماكن ~~الذي يصل الخبر فيها قبل انسلاخ الشهر، فإنها محل الاعتبار. فتدبر هذه المسائل ~~الأربعة : وجوب الصوم، والإمساك، ووجوب القضاء، ووجوب بناء العيد على تلك ~~الرؤية، ورؤية البعيد، والبلاغ في وقت بعد انقضاء العبادة. # ولهذا قالوا : إذا أخطأ الناس كلهم فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم اعتبارا ~~البلوغ، وإذا أخطأه طائفة منهم لم يجزهم لإمكان البلوغ، فالبلوغ هو المعتبر، سواء ~~كان علم به للبعد، أو للقلة، وهذا الذي ذكرته هو الذي ذكره أصحابنا إلا وجوب ~~القضاء إذا لم يكن مما يمكنهم فيه بلوغ الخبر. PageV01P774 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0775.png) # والحجة فيه أنا نعلم بيقين أنه ما زال في عهد الصحابة والتابعين يرى الهلال في ~~بعض أمصار المسلمين، بعد بعض، فإن هذا من الأمور المعتادة التي لا تبديل لها، ~~ولا بد أن يبلغهم الخبر في أثناء الشهر فلو كانوا يجب عليهم القضاء لكانت هممهم ~~تتوفر على البحث عن رؤيته في سائر بلدان الإسلام، كتوفرها على البحث عن رؤيته ~~في بلده، ولكان القضاء يكثر في أكثر الرمضانات، ومثل هذا لو كان لنقل، ولما لم ~~ينقل دل على أنه لا أصل له، وحديث ابن عباس ms0846 يدل على هذا. # وقد أجاب أصحابنا بأنه إنما لم يفطر، لأنه لم يثبت عنده إلا بقول واحد، فلا ~~يفطر به، ولا يقال أصحابنا كذلك أيضا لم ينقل أنهم كانوا إذا بلغهم الهلال في أثناء ~~الشهر بنوا فطرهم عليه . # قلنا : لأن ذاك أمر لا تتعلق الهمم بالبحث عنه، لأن فيه ترك صوم يوم، فإن ~~ثبت عندهم، وإلا فالاحتياط الصوم؛ لأن ذاك الخبر قد يكون ضعيفا، مع أن هذه ~~المسألة فيها نظر. # ولو قيل : إذا بلغهم الخبر في أثناء الشهر لم يبنوا إلا على رؤيتهم، بخلاف ما ~~إذا بلغهم في اليوم الأول لكان له وجه، بل الرؤية القليلة لو لم تبلغ الإنسان إلا في ~~أثناء الشهر ففي وجوب قضاء ذلك اليوم نظر وإن كان يفطر بها؛ لأن قوله : « صومكم ~~يوم تصومون دليل على أن ذلك لم يكن يوم صومنا، ولأن التكليف يتبع العلم، ~~ولا علم ولا دليل ظاهر، فلا وجوب، وطرد هذا أن الهلال إذا ثبت في أثناء يوم قبل ~~الأكل أو بعده أتموا وأمسكوا، ولا قضاء عليهم، كما لو بلغ صبي أو أفاق مجنون ~~على أصح الأقوال الثلاثة. # فقد قيل: يمسك، ويقضي. وقيل: لا يجب واحد منهما. وقيل: يجب ~~الإمساك دون القضاء. # فإن الهلال مأخوذ من الظهور، ورفع الصوت، فطلوعه في السماء إن لم يظهر ~~في الأرض فلا حكم له لا باطنا ولا ظاهرا، واسمه مشتق من فعل الآدميين يقال : ~~أهللنا الهلال، واستهللناه، فلا هلال إلا ما استهل، فإذا استهله الواحد والاثنان فلم ~~يخبرا به فلم يكن ذاك هلالا، فلا يثبت به حكم حتى يخبرا به، فيكون خبرهما هو ~~الإهلال الذي هو رفع الصوت بالإخبار به، ولأن التكليف يتبع العلم، فإذا لم يمكن ~~علمه لم يجب صومه. # ووجوب القضاء إذا كان الترك بغير تفريط يفتقر إلى دليل، ولأنه لو وجب ~~القضاء أو استحب إذا بلغ رؤيته المكان البعيد، أو رؤية النفر القليل في أثناء الشهر PageV01P775 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0776.png) ~~لاستحب الصوم يوم الشك مع الصحو، بل يوم الثلاثين مطلقا، لأنه يمكن أن يخبر ms0847 ~~القليل أو البعيد برؤيته في أثناء الشهر فيستحب الصوم احتياطا، وما من شيء في ~~الشريعة يمكن وجوبه، إلا والاحتياط مشروع في أدائه. فلما لم يشرع الاحتياط في ~~أدائه، قطعنا بأنه لا وجوب مع بعد الرائي، أو خفائه، حتى يكون الرائي قريبا ظاهرا، ~~فتكون رؤيته إهلالا يظهر به الطلوع. وقد يحتج بهذا من لم يحتط في الغيم. # ولكن يجاب عنه؛ بأن طلوعه هذا مثال ظاهر أو مساو، وإنما الحاجب مانع، ~~كما لو كانوا ليلة الثلاثين في مغارة، أو مطمورة، وقد تعذر الترائي. # ولأن الذين لم يوجبوا التبييت: أصل مأخذهم إجزاء يوم الشك، فإن بلوغ ~~الرؤية قبل الزوال كثير، كيوم عاشوراء، وإيجاب القضاء فيه عسر لكثرة وقوع مثل ~~ذلك، وعدم شهرة وجوب القضاء في السلف. # وجواب هذا أنه لا يلزم من وجوب الإمساك وجوب القضاء، فإنه لا وجوب إلا ~~من حين الإهلال والرؤية ؛ لا من حين الطلوع، ولأن الإجماع الذي حكاه اين ~~عبد البر يدل على هذا؛ لأن ما ذكره إذا لم يبلغ الخبر إلا بعد مضي الشهر لم يبق فيه ~~فائدة إلا وجوب القضاء، فعلم أن القضاء لا يجب برؤية بعيدة مطلقا. # فتلخص : أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدي بتلك الرؤية الصوم، ~~أو الفطر، أو النسك، وجب اعتبار ذلك بلا شك، والنصوص وآثار السلف تدل على ~~ذلك. # ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم، فقوله مخالف للعقل، والشرع. # ومن لم يبلغه إلا بعد الأداء، وهو مما لا يقضى كالعيد المفعول، والنسك، ~~فهذا لا تأثير له، وعليه الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر. # وأما إذا بلغه في أثناء المدة: فهل يؤثر في وجوب القضاء? وفي بناء الفطر ~~عليه، وكذلك في بقية الأحكام: من حلول الدين، ومدة الإيلاء وانقضاء العدة، ونحو ~~ذلك . والقضاء يظهر لي أنه لا يجب وفي بناء الفطر عليه نظر. # فهذا متوسط في المسألة: وما من قول سواه إلا وله لوازم شنيعة لا سيما من ~~قال بالتعدد، فإنه يلزمه في المناسك ما يعلم به خلاف دين الإسلام، ms0848 إذا رأى بعض ~~الوفود، أو كلهم الهلال، وقدموا مكة، ولم يكن قد رؤي قريبا من مكة، ولما ذكرناه ~~من فساده صار متنوعا، والذي ذكرناه يحصل به الاجتماع الشرعي، كل قوم على ما ~~أمكنهم الاجتماع عليه، وإذا خالفهم من لم يشعروا بمخالفته لانفراده من الشعور بما ~~ليس عندهم لم يضر هذا، وإنما الشأن من الشعور بالفرقة والاختلاف. # وتحقيق ذلك العلم بالأهلة، فقال: ( هي مواقيت لناس والمع) رة . PageV01P776 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0777.png) # وهذا يدل على أنه أراد المعلوم ببصر، أو سمع، ولهذا ذهب الشافعي ~~وأحمد في إحدى الروايتين: إلا أنه إذا كانت السماء مصحية ولم يحصل أحد على ~~الرؤية أنه ليس بشك، لانتفاء الشك في الهلال، وإن وقع شك في الطلوع. وذلك ~~من وجهين: # أحدهما: أن الهلال على وزن فعال . وهذا المثال في كلام العرب لما يفعل به ~~كالإزار : لما يؤتزر به، والرداء: لما يرتدى به، والركاب: لما يركب به، والوعاء: ~~لما يوعى فيه وبه، والسماد: لما تسمد به الأرض، والعصاب: لما يعصب به، ~~والسداد : لما يسد به، وهذا كثير مطرد في الأسماء. # فالهلال اسم لما يهل به: أي يصات به، والتصويت به لا يكون إلا مع إدراكه ~~ببصر أو سمع، ويدل عليه قول الشاعر: # يهل بالفرقد ركبانهاكما يهل الراكب المعتمر # أي : يصوتون بالفرقد، فجعلهم مهلين به، فلذلك سمي هلالا. ومنه قوله: ~~(وما أهل به لغير الله) أي صوت به، وسواء كان التصويت به رفيعا ~~أو خفيضا، فإنه مما تكلم به، وجهر به لغير الله. ونطق به. # الوجه الثانى : أنه جعلها مواقيت للناس، ولا تكون مواقيت لهم إلا إذا أدركوها ~~ببصر أو سمع، فإذا انتفى الإدراك انتفى التوقيت، فلا تكون أهلة، وهو غاية ما يمكن ~~ضبطه من جهة الحس، إذ ضبط مكان الطلوع بالحساب لا يصح أصلا، وقد صنفت ~~في ذلك شيئا. # وهذه المسألة تنبني عليه أيضا، فإنه ليس في قوى البشر أن يضبطوا للرؤية زمانا ~~ومكانا محدودا، وإنما يضبطون ما يدركونه بأبصارهم أو ما يسمعونه بآذانهم، فإذا كان ~~الواجب تعليقه في حق من ms0849 رأى بالرؤية، ففي حق من لم ير بالسماع، ومن لا رؤية له ~~ولا سماع، فلا إهلال له، والله هو المسؤول أن يتم نعمته علينا وعلى المسلمين. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل رأى الهلال وحده، وتحقق الرؤية: فهل له ~~أن يفطر وحده ? أو يصوم وحده? أو مع جمهور الناس ?) # فأجاب: الحمد لله. إذا رأى هلال الصوم وحده، أو هلال الفطر وحده، فهل ~~عليه أن يصوم برؤية نفسه ? أو يفطر برؤية نفسه ? أم لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس? ~~على ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد: # احدما: أن عليه أن يصوم، وإن يفطر سرآ، وهو مذمب الشافعي. PageV01P777 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0778.png) # والثاني : يصوم ولا يفطر إلا مع الناس، وهو المشهور من مذهب أحمد، ~~ومالك، وأبي حنيفة. # والثالث : يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال؛ لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم ~~تضحون رواه الترمذي، وقال حسن غريب، ورواه أبو داود، وابن ماجه، وذكر ~~الفطر والأضحى فقط . ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن جعفر عن عثمان بن ~~محمد عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لالصوم يوم تصومون، ~~والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون . قال الترمذي : هذا حديث ~~حسن ، غريب ، قال : وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال : إنما معنى هذا ~~الصوم والفطر مع الجماعة، وعظم الناس. ورواه أبو داود بإسناد آخر، فقال: ~~حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حماد من حديث أيوب عن محمد بن المنكدر عن ~~أبي هريرة، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، فيه فقال : لوفطركم يوم تفطرون. وأضحاكم يوم ~~تضحون . وكل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر، وكل جمع ~~موقف»2 . # ولأنه لو رأى هلال النحر لما اشتهر، والهلال اسم لما استهل به، فإن الله جعل ~~الهلال مواقيت للناس والحج، وهذا إنما يكون إذا استهل به الناس، والشهر بين، وإن ~~لم يكن هلالا ولا شهرآ. # وأصل هذه المسألة أن الله سبحانه وتعالى ms0850 علق أحكاما شرعية بمسمى الهلال، ~~والشهر : كالصوم والفطر والنحر، فقال تعالى : (يسلونك عن الأملة قل هى مواقيت للناس ~~والحج) . فبين سبحانه أن الأهلة مواقيت للناس والحج. # قال تعالى : (كئب عليكم الصيام) إلى قوله : (شهر رمضان الذى أنزل فيه ~~القرءان هدى للناس) [183 - 185] أنه أوجب صوم شهر رمضان، وهذا ~~متفق عليه بين المسلمين، لكن الذي تنازع الناس فيه أن الهلال. هل هو اسم لما ~~يظهر في السماء? وإن لم يعلم به الناس ? وبه يدخل الشهر، أو الهلال اسم لما يستهل ~~به الناس، والشهر لما اشتهر بينهم? على قولين: # فمن قال بالأول يقول : من رأى الهلال وحده فقد دخل ميقات الصوم، ودخل ~~شهر رمضان في حقه، وتلك الليلة هي في نفس الأمر من رمضان، وإن لم يعلم ~~غيره. ويقول : من لم يره إذا تبين له أنه كان طالعا قضى الصبوم، وهذا هو القياس في ~~شهر الفطر، وفي شهر النحر، لكن شهر النحر ما علمت أن أحدا قال من رآه يقف PageV01P778 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0779.png) ~~وحده، دون سائر الحاج، وأنه ينحر في اليوم الثاني، ويرمي جمرة العقبة، ويتحلل ~~دون سائر الحاج. وإنما تنازعوا في الفطر: فالأكثرون ألحقوه بالنحر، وقالوا لا يفطر ~~إلا مع المسلمين؛ وآخرون قالوا بل الفطر كالصوم، ولم يأمر الله العباد بصوم واحد ~~وثلاثين يوما، وتناقض هذه الأقوال يدل على أن الصحيح هو مثل ذلك في ذي ~~الحجة. # وحينئذ فشرط كونه هلالا وشهرا شهرته بين الناس. واستهلال الناس به حتى لو ~~رآه عشرة، ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد، لكون شهادتهم مردودة، أو لكونهم ~~لم يشهدوا به، كان حكمهم حكم سائر المسلمين، فكما لا يقفون ولا ينحرون ~~ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين، فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين، وهذا ~~معنى قوله : «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم ~~تضحون . ولهذا قال أحمد في روايته : يصوم مع الإمام وجماعة المسلمين في ~~الصحو والغيم. قال أحمد: يد الله على الجماعة. # وعلى هذا تفترق أحكام الشهر : هل هو شهر في حق أهل البلد ms0851 كلهم? أو ليس ~~شهرا في حقهم كلهم? يبين ذلك قوله تعالى : (من شهد منكم الشهر فليصمة )ة: ~~85 فإنما أمر بالصوم من شهد الشهر، والشهود لا يكون إلا لشهر اشتهر بين ~~الناس، حتى يتصور شهوده، والغيبة عنه. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم.: إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، وصوموا من ~~الوضح إلى الوضح ونحو ذلك خطاب للجماعة، لكن من كان في مكان ليس فيه ~~غيره، إذا رآه صامه، فإنه ليس هناك غيره. وعلى هذا فلو أفطر ثم تبين أنه رؤي في ~~مكان آخر، أو ثبت نصف النهار، لم يجب عليه القضاء. وهذا إحدى الروايتين عن ~~أحمد. فإنه إنما صار شهرا في حقهم من حين ظهر، واشتهر. ومن حينئذ وجب ~~الإمساك كأهل عاشوراء، الذين أمروا بالصوم في أثناء اليوم، ولم يؤمروا بالقضاء على ~~الصحيح، وحديث القضاء ضعيف . والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: PageV01P779 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0780.png) # وقد اختلفوا في تبييت نيته على ثلاثة أقوال: # فقالت طائفة - منهم أبو حنيفة - إنه يجزئ كل صوم فرضا كان أو نفلا بنية قبل ~~الزوال، كما دل عليه حديث عاشوراء، وحديث النبي صلى الله عليه وسلما دخل على عائشة فلم ~~يجد طعاما، فقال : لإني إذا صائم. # وبإزائها طائفة أخرى - منهم مالك - قالت : لا يجزئ الصوم إلا مبيتا من الليل، ~~فرضا كان أو نفلا، على ظاهر حديث حفصة، وابن عمر: الذي يروى مرفوعا ~~وموقوفا : لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل. # وأما القول الثالث : فالفرض لا يجزئ إلا بتبييت النية، كما دل عليه حديث ~~حفصة وابن عمر ؛ لأن جميع الزمان يجب فيه الصوم، والنية لا تنعطف على ~~الماضي . وأما النفل فيجزئ بنية من النهار. كما دل عليه قوله : إني إذا صائم كما ~~أن الصلاة المكتوبة يجب فيها من الأركان - كالقيام والاستقرار على الأرض - ~~ما لا يجب في التطوع توسيعا من الله على عباده في طرق التطوع. فإن أنواع ~~التطوعات دائما أوسع من أنواع المفروضات، وصومهم يوم عاشوراء إن كان واجبا، ~~فإنما وجب عليهم من ms0852 النهار، لأنهم لم يعلموا قبل ذلك. وما رواه بعض الخلافيين ~~المتأخرين أن ذلك كان في رمضان، فباطل لا أصل له. # وهذا أوسط الأقوال، وهو قول الشافعي وأحمد. واختلف قولهما: هل يجزئ ~~التطوع بنية بعد الزوال? والأظهر صحته، كما نقل عن الصحابة. # واختلف أصحابهما في الثواب: هل هو ثواب يوم كامل? أو من حين نواه? ~~والمنصوص عن أحمد : أن الثواب من حين النية. # وكذلك اختلفوا في التعيين. وفيه ثلاثة أقوال، في مذهب أحمد وغيره: # أحدها: أنه لا بد من نية رمضان. فلا تجزى نية مطلقة، ولا معينة لغير ~~رمضان . وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، اختارها كثير من أصحابه. # والثاني : أنه يجزئ بتنية مطلقة ومعينة لغيره. كمذهب أبي حنيفة ورواية محكية ~~عن أحمد. PageV01P780 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0781.png) # والثالث: أنه يجزئ بالنية المطلقة، دون نية التطوع أو القضاء أو النذر. وهو ~~رواية عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه. # واختلفوا في صوم يوم الغيم: وهو ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم، أو قتر، ~~ليلة الثلاثين من شعبان. # فقال قوم : يجب صومه بنية من رمضان احتياطا. وهذه الرواية عن أحمد. وهي ~~التي اختارها أكثر متأخري أصحابه، وحكوها عن أكثر متقدميهم، بناء على ما تأولوه ~~من الحديث، وبناء على أن الغالب على شعبان هو النقص، فيكون الأظهر طلوع ~~الهلال. كما هو الغالب، فيجب بغالب الظن. # وقالت طائفة : لا يجوز صومه من رمضان. وهذه رواية عن أحمد اختارها طائفة ~~من أصحابه . كابن عقيل والحلواني. وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، استدلالا ~~بما جاء من الأحاديث، وبناء على أن الوجوب لا يثبت بالشك. # وهناك قول ثالث: وهو أنه يجوز صومه من رمضان، ويجوز فطره، والأفضل ~~صومه من وقت الفجر . ومعلوم أنه لو عرف وقت الفجر الذي يجوز فيه طلوعه جاز ~~له الإمساك، والأكل، وإن أمسك وقت الفجر. فإنه لا معنى لاستحباب الإمساك ~~لكن(1. # وأكثر نصوص أحمد إنما تدل على هذا القول، وأنه كان يستحب صومه ~~ويفعله، لا أنه يوجبه، وإنما أخذ في ذلك بما نقله عن الصحابة ms0853 في مسائل ابنه ~~عبد الله، والفضل بن زياد القطان، وغيرهم، أخذ بما نقله عن عبد الله بن عمر ~~ونحوه. # والمنقول عنهم : أنهم كانوا يصومون في حال الغيم، لا يوجبون الصوم، وكان ~~غالب الناس لا يصومون، ولم ينكروا عليهم الترك. # وإنما لم يستحب الصوم في الصحو، بل نهى عنه، لأن الأصل والظاهر عدم ~~الهلال، فصومه تقديم لرمضان بيوم. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. # واختلفت الرواية عنه: هل يسمى يوم الغيم يوم شك? على روايتين. وكذلك ~~اختلف أصحابه في ذلك. # وأما يوم الصحو عنده: فيوم شك أو يقين من شعبان، ينهى عن صومه بلا PageV01P781 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0782.png) ~~توقف . وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره، فإن المشكوك في وجوبه ~~- كما لو شك في وجوب زكاة، أو كفارة أو صلاة، أو غير ذلك - لا يجب فعله ~~ولا يستحب تركه ، بل يستحب فعله احتياطا. فلم تحرم أصول الشريعة الاحتياط، ~~ولم توجب بمجرد الشك. # وأيضا: فإن أول الشهر كأول النهار. ولو شك في طلوع النهار لم يجب عليه ~~الإمساك، ولم يحرم عليه الإمساك بقصد الصوم، ولأن الإغمام أول الشهر كالإغمام ~~بالشك ، بل ينهى عن صوم يوم الشك، لما يخاف من الزيادة في الفرض. # وعلى هذا القول : يجتمع غالب المأثور عن الصحابة في هذا الباب. فإن الجماعات ~~الذين صاموا منهم - كعمر وعلي ومعاوية وغيرهم - لم يصرحوا بالوجوب، وغالب الذين ~~أفطروا لم يصرحوا بالتحريم. ولعل من كره الصوم منهم إنما كرهه لمن يعتقد وجوبه، ~~خشية إيجاب ما ليس بواجب . كما كره من كره منهم الاستنجاء بالماء لمن خيف عليه أن ~~يعتقد وجوبه، وكما أمر طائفة منهم من صام في السفر أن يقضي؛ لما ظنوه به من كراهة ~~الفطر في السفر، فتكون الكراهة عائدة إلى حال الفاعل، لا إلى نفس الاحتياط بالصوم. ~~فإن تحريم الصوم أو إيجابه كلاهما فيه بعد عن أصول الشريعة. # والأحاديث المأثورة في الباب إذا تؤملت إنما يصرح غالبها بوجوب الصوم بعد ~~إكمال العدة. كما دل بعضها على الفعل قبل ms0854 الإكمال . أما الإيجاب قبل الإكمال ~~للصوم ففيهما نظر . # فهذا القول المتوسط هو الذي يدل عليه غالب نصوص أحمد. # ولو قيل: بجواز الأمرين واستحباب الفطر لكان عن التحريم والإيجاب، ~~ويؤثر عن الصديق رضي الله عنه أنهم كانوا يأكلون مع الشك في طلوع الفجر. # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن أهل مدينة رأى بعضهم هلال ذي ~~الحجة، ولم يثبت عند حاكم المدينة: فهل لهم أن يصوموا اليوم الذي في الظاهر ~~التاسع . وإن كان في الباطن العاشر? # فأجاب : نعم. يصومون التاسع في الظاهر المعروف عند الجماعة، وإن كان في ~~نفس الأمر يكون عاشرا، ولو قدر ثبوت تلك الرؤية . فإن في السنن عن أبي هريرة ~~عن النبي ا أنه قال :صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم ~~تضحوت»(3) أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وصححه. وعن عائشة - PageV01P782 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0783.png) ~~رضي الله عنها - أنها قالت: قال رسو الل هاله صلى الله عليه وسلم: الفطر يوم يفطر الناس، ~~والأضحى يوم يضحي الناس رواه الترمذي، وعلى هذا العمل عند أئمة المسلمين ~~كلهم. # فإن الناس لو وقفوا بعرفة في اليوم العاشر خطأ أجزأهم الوقوف بالاتفاق، وكان ~~ذلك اليوم يوم عرفة في حقهم . ولو وقفوا الثامن خطأ ففي الإجزاء نزاع . والأظهر ~~صحة الوقوف أيضا، وهو أحد القولين في مذهب مالك، ومذهب أحمد وغيره. # قالت عائشة - رضي الله عنها - إنما عرفة اليوم الذي يعرفه الناس وأصل ~~ذلك أن الله سبحانه وتعالى علق الحكم بالهلال والشهر فقال تعالى : ( يسلونك عن ~~الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) والهلال اسم لما يستهل به : أي ~~يعلن به، ويجهر به فإذا طلع في السماء ولم يعرفه الناس ويستهلوا لم يكن هلالا. # وكذا الشهر مأخوذ من الشهرة، فإن لم يشتهر بين الناس لم يكن الشهر قد ~~دخل، وإنما يغلط كثير من الناس في مثل هذه المسألة ? لظنهم أنه إذا طلع في السماء ~~كان تلك الليلة أول الشهر، سواء ظهر ذلك للناس واستهلوا به أو لا. وليس كذلك؛ ~~بل ظهوره للناس واستهلالهم به لا بد ms0855 منه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم صومكم يوم ~~تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون : أي هذا اليوم الذي ~~تعلمون أنه وقت الصوم، والفطر، والأضحى. فإذا لم تعلموه لم يترتب عليه حكم. ~~وصوم اليوم الذي يشك فيه : هل هو تاسع ذي الحجة؟ أو عاشر ذي الحجة؟ جائز بلا ~~نزاع بين العلماء؛ لأن الأصل عدم العاشر، كما أنهم لو شكوا ليلة الثلاثين من ~~رمضان؛ هل طلع الهلال ? أم لم يطلع? فإنهم يصومون ذلك اليوم المشكوك فيه باتفاق ~~الأئمة. وإنما يوم الشك الذي رويت فيه الكراهة الشك في أول رمضان؛ لأن الأصل ~~بقاء شعبان. # وإنما الذي يشتبه في هذا الباب مسألتان : # إحداهما: لو رأى هلال شوال وحده، أو أخبره به جماعة يعلم صدقهم : هل ~~يفطر؟ أم لا؟ # والثانية: لو رأى هلال ذي الحجة، أو أخبره جماعة يعلم صدقهم، هل يكون ~~في حقه يوم عرفة، ويوم النحر هو التاسع، والعاشر بحسب هذه الرؤية التي لم تشتهر ~~عند الناس? أو هو التاسع والعاشر الذي اشتهر عند الناس? # فأما المسألة الأولى : فالمنفرد برؤية هلال شوال، لا يفطر علانية، باتفاق PageV01P783 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0784.png) # 303 ~~العلماء . إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كمرض وسفر، وهل يفطر سرا? على قولين ~~للعلماء أصحهما لا يفطر سرآ، وهو مذهب مالك، وأحمد في المشهور في مذهبيهما. # وفيهما قول أنه يفطر سرا كالمشهور في مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وقد ~~روي أن رجلين في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رأيا هلال شوال، فأفطر ~~أحدهما، ولم يفطر الآخر. فلما بلغ ذلك عمر قال: للذي أفطر لولا صاحبك ~~لأوجعتك ضربا. # والسبب في ذلك أن الفطر يوم يفطر الناس، وهو يوم العيد، والذي صامه ~~المنقرد برؤية الهلال ليس هو يوم العيد الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه، فإنه نهى عن ~~صوم يوم الفطر، ويوم النحر. وقال : أما أحدهما فيوم فطركم من صومكم، وأما ~~الآخر فيوم تأكلون فيه من نسككم . فالذي نهى عن صومه اليوم الذي يفطره ~~المسلمون، وينسك فيه ms0856 المسلمون. # وهذا يظهر بالمسألة الثانية، فإنه لو انفرد برؤية ذي الحجة لم يكن له أن يقف ~~قبل الناس في اليوم الذي هو في الظاهر الثامن، وإن كان بحسب رؤيته هو التاسع، ~~وهذا لأن في انفراد الرجل في الوقوف، والذبح، من مخالفة الجماعة ما في إظهاره ~~للفطر. # وأما صوم يوم التاسع في حق من رأى الهلال، أو أخبره ثقتان أنهما رأيا ~~الهلال، وهو العاشر بحسب ذلك، ولم يثبت ذلك عند العامة، وهو العاشر بحسب ~~الرؤية الخفية، فهذا يخرج على ما تقدم. # فمن أمره بالصوم يوم الثلاثين الذي هو بحسب الرؤية الخفية من شوال، ولم ~~يأمره بالفطر سرآ، سوغ له صوم هذا اليوم، واستحبه؛ لأن هذا هو يوم عرفة، كما أن ~~ذلك من رمضان، وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه السنة والاعتبار. # ومن أمره بالفطر سرآ لرؤيته، نهاه عن صوم هذا اليوم عند هذا القائل، كهلال ~~شوال الذي انفرد برؤيته. # فإن قيل : قد يكون الإمام الذي فوض إليه إثبات الهلال مقصرا، لرده شهادة ~~العدول، إما لتقصيره في البحث عن عدالتهم، وإما رد شهادتهم لعداوة بينه وبينهم، ~~أو غير ذلك من الأسباب، التي ليست بشرعية، أو لاعتماده على قول المنجم الذي ~~زعم أنه لا يرى. # قيل : ما يثبت من الحكم لا يختلف الحال فيه بين الذي يؤتم به في رؤية PageV01P784 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0785.png) ~~الهلال، مجتهدا مصيبا كان أو مخطئا، أو مفرطا، فإنه إذا لم يظهر الهلال ويشتهر ~~بحيث يتحرى الناس فيه . وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ال في الأئمة : يصلون ~~لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم. فخطؤه وتفريطه عليه، ~~لا على المسلمين الذين لم يفرطوا، ولم يخطئوا. # ولا ريب أنه ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق الصحابة أنه لا يجوز الاعتماد على ~~حساب النجوم، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال : إنا أمة أمية لا نكتب، ~~ولا نحسب، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته # والمعتمد على الحساب في الهلال، كما أنه ضال في الشريعة، مبتدع في الدين فهو ~~مخطئ في ms0857 العقل، وعلم الحساب. فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر ~~حسابي، وإنما غاية الحساب منهم إذا عدل أن يعرف كم بين الهلال والشمس من درجة ~~وقت الغروب مثلا؛ لكن الرؤية ليست مضبوطة بدرجات محدودة، فإنها تختلف باختلاف ~~حدة النظر وكلاله، وارتفاع المكان الذي يتراءى فيه الهلال، وانخفاضه، وباختلاف صفاء ~~الجو وكدره. وقد يراه بعض الناس لثمان درجات، وآخر لا يراه لاثنتي عشرة درجة؛ ~~ولهذا تنازع أهل الحساب في قوس الرؤية تنازعا مضطربا، وأئمتهم: كبطليموس، لم ~~يتكلموا في ذلك بحرف، لأن ذلك لا يقوم عليه دليل حسابي. # وإنما يتكلم فيه بعض متأخريهم، مثل كوشيار الديلمي، وأمثاله. لما رأوا ~~الشريعة علقت الأحكام بالهلال، فرأوا الحساب طريقا تنضبط فيه الرؤية، وليست ~~طريقة مستقيمة، ولا معتدلة، بل خطؤها كثير، وقد جرب، وهم يختلفون كثيرا: هل ~~يرى؟ أم لا يرى؟ # وسبب ذلك : أنهم ضبطوا بالحساب ما لا يعلم بالحساب، فأخطأوا طريق ~~الصواب، وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وبينت أن ما جاء به ~~الشرع الصحيح هو الذي يوافقه العقل الصريح، كما تكلمت على حد اليوم أيضا، ~~وبينت أنه لا ينضبط بالحساب؛ لأن اليوم يظهر بسبب الأبخرة المتصاعدة، فمن أراد ~~أن يأخذ حصة العشاء من حصة الفجر، إنما يصح كلامه لو كان الموجب لظهور النور ~~وخفائه مجرد محاذاة الأفق التي تعلم بالحساب. # فأما إذا كان للأبخرة في ذلك تأثير، والبخار يكون في الشتاء والأرض الرطبة ~~أكثر مما يكون في الصيف والأرض اليابسة. وكان ذلك لا ينضبط بالحساب، فسدت ~~طريقة القياس الحسابي. PageV01P785 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0786.png) # ولهذا توجد حصة الفجر في زمان الشتاء أطول منها في زمان الصيف، والآخذ ~~بمجرد القياس الحسابي يشكل عليه ذلك، لأن حصة الفجر عنده تتبع النهار، وهذا ~~أيضا مبسوط في موضعه، والله سبحانه أعلم، وصلى الله على محمد. # وسئل رحمه الله تعالى: عن المسافر في رمضان، ومن يصوم، ينكر عليه، ~~وينسب إلى الجهل . ويقال له : الفطر أفضل، وما هي مسافة القصر : وهل إذا أنشأ ~~السفر من يومه يفطر؟ وهل ms0858 يفطر السفار من المكارية والتجار والجمال والملاح وراكب ~~البحر? وما الفرق بين سفر الطاعة وسفر المعصية? # فأجاب : الحمد لله. الفطر للمسافر جائز باتفاق المسلمين، سواء كان سفر ~~حج، أو جهاد، أو تجارة، أو نحو ذلك من الأسفار التي لا يكرهها الله ورسوله. # وتنازعوا في سفر المعصية كالذي يسافر ليقطع الطريق ونحو ذلك، على قولين ~~مشهورين كما تنازعوا في قصر الصلاة. # فأما السفر الذي تقصر فيه الصلاة فإنه يجوز فيه الفطر مع القضاء باتفاق الأئمة، ~~ويجوز الفطر للمسافر باتفاق الأمة، سواء كان قادرا على الصيام، أو عاجزا، وسواء ~~شق عليه الصوم، أو لم يشق، بحيث لو كان مسافرا في الظل والماء ومعه من يخدمه ~~جاز له الفطر والقصر. # ومن قال : إن الفطر لا يجوز إلا لمن عجز عن الصيام فإنه يستتاب، فإن تاب ~~وإلا قتل . وكذلك من أنكر على المفطر، فإنه يستتاب من ذلك. # ومن قال : إن المفطر عليه إثم، فإنه يستتاب من ذلك، فإن هذه الأحوال خلاف ~~كتاب الله، وخلاف سنة رسول الله صل صى الله عليه وسلم، وخلاف إجماع الأمة. # وهكذا السنة للمسافر أنه يصلي الرباعية ركعتين، والقصر أفضل له من التربيع، ~~عند الأئمة الأربعة : كمذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي، في أصح قوليه. # ولم تتنازع الأمة في جواز الفطر للمسافر؛ بل تنازعوا في جواز الصيام للمسافر، ~~فذهبت طائفة من السلف والخلف إلى أن الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، وإنه ~~إذا صام لم يجزه بل عليه أن يقضي، ويروى هذا عن عبد الرحمن بن عوف، ~~وأبي هريرة، وغيرهما من السلف وهو مذهب أهل الظاهر، وفي الصحيحين عن ~~لنبي صلى الله عليه وسلم أن قال : ليس من البر الصوم في السفر # لكن مذهب الأثمة الأربعة أنه يجوز للمسافر أن يصوم، وأن يفطر. كما في PageV01P786 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0787.png) ~~الصحيحين عن أنس قال : كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم، ومنا ~~المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم وقد قال ~~الله تعالى : (ومن كان ms0859 مريضا أو على سفر فعدة من أياء أخر يربيد الله بكم اليسر ولا ~~يربيد بكم المسر ) وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : إن الله يحب ~~أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته . # وفي الصحيح أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني رجل أكثر الصوم، أفأصوم في ~~السفر? فقال : إن أفطرت فحسن، وإن صمت فلا بأس . وفي حديث آخر: ~~خياركم الذين في السفر يقصرون ويفطرون. # وأما مقدار السفر الذي يقصر فيه، ويفطر، فمذهب مالك والشافعي وأحمد أنه ~~مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام، وهو ستة عشر فرسخا، كما بين مكة ~~وعسفان، ومكة وجدة. وقال أبو حنيفة : مسيرة ثلاثة أيام. وقالت طائفة من السلف ~~والخلف : بل يقصر ويفطر في أقل من يومين. وهذا قول قوي، فإنه قد ثبت أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ان يصلي بعرفة، ومزدلفة، ومنى، يقصر الصلاة، وخلفه أهل مكة وغيرهم ~~يصلون بصلاته، لم يأمر أحدا منهم بإتمام الصلاة. # وإذا سافر في أثناء يوم، فهل يجوز له الفطر ? على قولين مشهورين للعلماء، ~~هما روايتان عن أحمد. # أظهرهما : أنه يجوز ذلك . كما ثبت في السنن أن من الصحابة من كان يفطر ~~إذا خرج من يومه، ويذكر أن ذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن نوى الصوم في السفر، ثم إنه دعا بماء فأفطر، والناس ينظرون ~~إليه5 # وأما اليوم الثاني: فيفطر فيه بلا ريب، وإن كان مقدار سفره يومين في مذهب ~~جمهور الأئمة والأمة. PageV01P787 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0788.png) # وأما إذا قدم المسافر في أثناء يوم، ففي وجوب الإمساك عليه نزاع مشهور بين ~~العلماء؛ لكن عليه القضاء سواء أمسك أو لم يمسك. # ويفطر من عادته السفر إذا كان له بلد يأوي إليه . كالتاجر الجلاب الذي يجلب ~~الطعام، وغيره من السلع، وكالمكاري الذي يكري دوابه من الجلاب وغيرهم. ~~وكالبريد الذي يسافر في مصالح المسلمين، ونحوهم. وكذلك الملاح الذي له مكان ~~في البر يسكنه . # فأما من كان ms0860 معه في السفينة امرأته، وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرا فهذا ~~لا يقصر، ولا يفطر. # وأهل البادية: كأعراب العرب، والأكراد، والترك، وغيرهم الذين يشتون في ~~مكان، ويصيفون في مكان، إذا كانوا في حال ظعنهم من المشتى إلى المصيف، ومن ~~المصيف إلى المشتى، فإنهم يقصرون. وأما إذا نزلوا بمشتاهم، ومصيفهم، لم ~~يفطروا، ولم يقصروا. وإن كانوا يتتبعون المراعي، والله أعلم. # وسعل رحمه الئه تعالى: عمن يكون مسافرا في رمضان، ولم يصبه جوع، ~~ولا عطش، ولا تعب، فما الأفضل له، الصيام ? أم الإفطار? # فأجاب : أما المسافر فيفطر باتفاق المسلمين، وإن لم يكن عليه مشقة، والفطر ~~له أفضل . وإن صام جاز عند أكثر العلماء. # ومنهم من يقول لا يجزئه. # وسعل رحمه الله تعالى : ما يقول سيدنا في صائم رمضان، هل يفتقر كل يوم ~~إلى نية؟ أم لا؟(2) # فأجاب: كل من علم أن غدا من رمضان، وهو يريد صومه، فقد نوى صومه، ~~سواء تلفظ بالنية، أو لم يتلفظ . وهذا فعل عامة المسلمين، كلهم ينوي الصيام. # وسئل رحمه الله تعالى : عن غروب الشمس: هل يجوز للصائم ان يفطر بمجرد ~~غروبها؟(3 # فاجاب: إذا غاب جميع القرص افطر الصائم، ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية ~~في الأفق. # وأذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق، كما قال النبيصلى اله عليه ل اذا PageV01P788 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0789.png) ~~أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم. # وسئل غفر الله له : عما إذا أكل بعد أذان الصبح في رمضان، ماذا يكون ? # فأجاب : الحمد لله. أما إذا كان المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر، كما كان بلال ~~يؤذن قبل طلوع الفجر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكما يؤذن المؤذنون في دمشق وغيرها ~~قبل طلوع الفجر، فلا بأس بالأكل والشرب بعد ذلك بزمن يسير . # وإن شك : هل طلع الفجر? أو لم يطلع? فله أن يأكل ويشرب حتى يتبين ~~الطلوع، ولو علم بعد ذلك أنه أكل بعد طلوع الفجر، ففي وجوب القضاء نزاع . # والأظهر أنه لا قضاء عليه، وهو الثابت عن ms0861 عمر، وقالت به طائفة من السلف ~~والخلف، والقضاء هو المشهور في مذهب الفقهاء الأربعة، والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسول صلى الله عليه وسلم سليما. # وهذا نوعان : منه ما يفطر بالنص والإجماع. وهو الأكل والشرب والجماع، ~~قال تعالى : ( فالقن باشروهن وابتغواما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حق يتبين لكر الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر ثم أتيوا الصيام إلى اليل) فأذن في المباشرة، فعقل من ~~ذلك أن المراد الصيام من المباشرة والأكل والشرب، ولما قال أولا: (كيب عليكم ~~الصيام كما كثب على الذين من قبلكم) كان معقولا عندهم أن الصيام ~~هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، ولفظ «الصيام» كانوا يعرفونه قبل الإسلام ~~ويستعملونه، كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن يوم عاشوراء كان ~~يوما تصومه قريش في الجاهلية). PageV01P789 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0790.png) # وقد ثبت عن غير واحد أنه قبل أن يفرض شهر رمضان أمر بصوم يوم عاشوراء ~~وأرسل مناديا ينادي بصومه، فعلم أن مسمى هذا الاسم كان معروفا عندهم. # وكذلك ثبت بالسنة واتفاق المسلمين أن دم الحيض ينافي الصوم، فلا تصوم ~~الحائض، لكن تقضي الصيام. # وثبت بالسنة أيضا من حديث لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عي وسلم الم له : وبالغ في # ل قال له : وبالغ في ~~الاستنشاق إلا أن تكون صائما»(1) فدل على أن إنزال الماء من الأنف يفطر الصائم ~~وهو قول جماهير العلماء. # وفي السنن حديثان أحدهما: حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صله صلى الله عليه وسلم،: من ذرعه قيء وهو صائم فليس ~~عليه قضاء . وإن استقاء فليقض وهذا الحديث لم يثبت عند طائفة من أهل العلم، ~~بل قالوا ms0862 : هو من قول أبي هريرة، قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قال: ليس ~~من ذا شيء . قال الخطابي : يريد أن الحديث غير محفوظ، وقال الترمذي: سألت ~~محمد بن إسماعيل البخاري عنه فلم يعرفه إلا عن عيسى بن يونس، قال: وما أراه ~~محفوظا. قال : وروى يحيى بن كثير، عن عمر بن الحكم، أن أبا هريرة كان لا يرى ~~القيء يفطر الصائم. # قال الخطابي: وذكر أبو داود أن حفص بن غياث رواه عن هشام كما رواه ~~عيسى بن يونس . تقال : ولا أعلم خلافا بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه ~~لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عامدا فعليه القضاء، ولكن اختلفوا في الكفارة ~~فقال عامة أهل العلم : ليس عليه غير القضاء، وقال عطاء: عليه القضاء والكفارة، ~~وحكي عن الأوزاعي وهو قول أبي ثور. # قلت : وهو مقتضى إحدى الروايتين عن أحمد في إيجابه الكفارة على المحتجم ~~فإنه إذا أوجبها على المحتجم فعلى المستقيء أولى، لكن ظاهر مذهبه أن الكفارة ~~لا تجب بغير الجماع كقول الشافعي. # والذين لم يثبتوا هذا الحديث لم يبلغهم من وجه يعتمدونه، وقد أشياروا إلى ~~عليه، وهو انفراد عيسى بن يونس، وقد ثبت أنه لم ينفرد به، بل وافقم عليه ~~حفص بن غياث، والحديث الأخير يشهد له، وهو ما رواه أحمد وأهل السنن PageV01P790 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0791.png) ~~كالترمذي عن أبي الدرداء : أن النبي صلى الله عليه وسلم لقم فأفطر فذكرت ذلك لثوبان فقال : ~~صدق، أنا صببت له وضوءا، لكن لفظ أحمد: أن رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم لع فتوضأ. ~~رواه أحمد عن حسين المعلم. # قال الأثرم : قلت لأحمد: قد اضطربوا في هذا الحديث، فقال : حسين المعلم ~~يجوده. وقال الترمذي: حديث حسين أرجح شيء في هذا الباب، وهذا قد استدل به ~~على وجوب الوضوء من القيء، ولا يدل على ذلك، فإنه إذا أراد بالوضوء الوضوء ~~الشرعي فليس فيه إلا أنه توضأ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل يدل على ~~أن الوضوء من ذلك مشروع . فإذا قيل ms0863 إنه مستحب كان فيه عمل بالحديث. # وكذلك ما روي عن بعض الصحابة من الوضوء من الدم الخارج ليس في شيء ~~منه دليل على الوجوب، بل يدل على الاستحباب . وليس في الأدلة الشرعية ما يدل ~~على وجوب ذلك، كما قد بسط في موضعه، بل قد روى الدارقطني وغيره عن حميد ~~عن أنس قال : احتجم رسول الله له صلى الله عليه وسلم لم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه، ~~ورواه ابن الجوزي في : حجة المخالف» ولم يضعفه، وعادته الجرح بما يمكن. # وأما الحديث الذي يروى ثلاث لا تفطر : القيء، والحجامة، والاحتلام، ~~وفي لفظ : لا يفطرن لا من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم فهذا إسناده ~~الثابت ما رواه الثوري وغيره عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ال : قال رسولل ال صلى الله عليه وسلم، هكذا رواه أبو داود، وهذا الرجل ~~لا يعرف . وقد رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي سعيد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم كن عبد الرحمن ضعيف عند أهل العلم بالرجال. # قلت : روايته عن زيد من وجهين مرفوعا لا يخالف روايته المرسلة بل يقويها، ~~والحديث ثابت عن زيد بن أسلم؛ لكن هذا فيه «إذا ذرعه القيء. # وأما حديث الحجامة فإما أن يكون منسوخا وإما أن يكون ناسخا لحديث ابن ~~عباس : «أنه احتجم وهو محرم صائم() أيضا، ولعل فيه القيء إن كان متناولا PageV01P791 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0792.png) ~~للاستقاءة هو أيضا منسوخ. وهذا يؤيد أن النهي عن الحجامة هو المتاخر، فإنه إذا ~~تعارض نصان ناقل وباق على الاستصحاب، فالناقل هو الراجح في أنه الناسخ، ونسخ ~~أحدهما يقوي نسخ قرينه، ورواه غير واحد عن زيد بن أسلم مرسلا، وقال يحيى بن ~~معين : حديث زيد بن أسلم ليس بشيء، ولو قدر صحته لكان المراد من ذرعه القيء ~~فإنه قرنه بالاحتلام، ومن احتلم بغير اختياره كالنائم لم يفطر باتفاق الناس. # وأما من استمنى فأنزل فإنه يفطر، ولفظه ms0864 الاحتلام إنما يطلق على من احتلم في ~~منامه . # وقد ظن طائفة أن القياس أن لا يفطر شيء من الخارج وإن المستقيء إنما أفطر ~~لأنه مظنة رجوع بعض الطعام، وقالوا إن فطر الحائض على خلاف القياس. وقد ~~بسطنا في الأصول إنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس الصحيح . # فإن قيل : فقد ذكرتم أن من أفطر عامدا بغير عذر كان فطره من الكبائر، وكذلك ~~من فوت صلاة النهار إلى الليل عامدا من غير عذر كان تفويته لها من الكبائر، وإنها ~~ما بقيت تقبل منه على أظهر قولي العلماء، كمن فوت الجمعة ورمى الجمار وغير ~~ذلك من العبادات المؤقتة وهذا قد أمره بالقضاء. # وقد روي في حديث المجامع في رمضان أنه أمره بالقضاء? قيل: هذا إنما أمره ~~بالقضاء لأن الإنسان إنما يتقيأ لعذر كالمريض يتداوى بالقيء، أو يتقيأ لأنه أكل ما فيه ~~شبهة كما تقيأ أبو بكر من كسب المتكهن. # وإذا كان المتقيء معذورا كان ما فعله جائزا وصار من جملة المرضى الذين ~~يقضون، ولم يكن من أهل الكبائر الذين أفطروا بغير عذر. وأما أمره للمجامع بالقضاء ~~فضعيف، ضعفه غير واحد من الحفاظ. وقد ثبت هذا الحديث من غير وجه في ~~لصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة ولم يذكر أحد أمره بالقضاء، ولو ~~كان أمره بذلك لما أهمله هؤلاء كلهم وهو حكم شرعي يجب بيانه، ولما لم يأمره به ~~دل على أن القضاء لم يبق مقبولا منه. وهذا يدل على أنه كان متعمدا للفطر لم يكن ~~ناسيا ولا جاهلا. # والمجامع الناسي فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، ويذكر ثلاث روايات ~~عنه: إحداها : لا قضاء عليه ولا كفارة، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والأكثرين. # والثانية : عليه القضاء بلا كفارة وهو قول مالك. # والثالثة : عليه الأمران وهو المشهور عن أحمد. # والأول: أظهر كما قد بسط في موضعه، فإنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة أن PageV01P792 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0793.png) ~~من فعل محظورآ مخطئا أو ناسيا لم يؤاخذه الله بذلك وحينئذ يكون بمنزلة من لم ms0865 ~~يفعله، فلا يكون عليه إثم، ومن لا إثم عليه لم يكن عاصيا ولا مرتكبا لما نهي عنه، ~~وحينئذ فيكون قد فعل ما أمر به ولم يفعل ما نهى عنه. ومثل هذا لا يبطل عبادته، ~~إنما يبطل العبادات إذا لم يفعل ما أمر به أو فعل ما حظر عليه. # وطرد هذا أن الحج لا يبطل بفعل شيء من المحظورات لا ناسيا ولا مخطئا ~~لا الجماع ولا غيره وهو أظهر قولي الشافعي. # وأما الكفارة والفدية فتلك وجبت لأنها بدل المتلف من جنس ما يجب ضمان ~~المتلف بمثله، كما لو أتلفه صبي أو مجنون أو نائم ضمنه بذلك، وجزاء الصيد إذا ~~وجب على الناسي والمخطئ فهو من هذا الباب بمنزلة دية المقتول خطأ والكفارة ~~الواجبة بقتله خطأ بنص القرآن وإجماع المسلمين. # وأما سائر المحظورات فليست من هذا الباب، وتقليم الأظفار وقص الشارب ~~والترفه المنافي للتفث كالطيب واللباس. ولهذا كانت فديتها من جنس فدية ~~المحظورات ليست بمنزلة الصيد المضمون بالبدل. فأظهر الأقوال في الناسي ~~والمخطئ إذا فعل محظورا أن لا يضمن من ذلك إلا الصيد. # وللناس فيه أقوال هذا أحدها وهو قول أهل الظاهر. # والثاني : يضمن الجميع مع النسيان كقول أبي حنيفة وإحدى الروايات عن ~~أحمد، واختاره القاضي وأصحابه. # والثالث: يفرق بين ما فيه إتلاف كقتل الصيد والحلق والتقليم وما ليس فيه ~~إتلاف كالطيب واللباس، وهذا قول الشافعي وأحمد في الرواية الثانية، واختارها طائفة ~~من أصحابه، وهذا القول أجود من غيره؛ لكن إزالة الشعر والظفر ملحق باللباس ~~والطيب لا بقتل الصيد هذا أجود. # والرابع : أن قتل الصيد خطأ لا يضمنه وهو رواية عن أحمد فخرجوا عليه الشعر ~~والظفر بطريق الأولى. # وكذلك طرد هذا أن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيا أو مخطئا فلا قضاء ~~عليه وهو قول طائفة من السلف والخلف، ومنهم من يفطر الناسي والمخطئ كمالك، ~~وقال أبو حنيفة : هذا هو القياس لكن خالفه لحديث أبي هريرة في الناسي، ومنهم من ~~قال : لا يفطر الناسي ويفطر المخطئ، وهو قول أبي حنيفة ms0866 والشافعي وأحمد، ~~فأبو حنيفة جعل الناسي موضع استحسان، وأما أصحاب الشافعي وأحمد فقالوا: ~~النسيان لا يفطر، لأنه لا يمكن الاحتراز منه، بخلاف الخطأ فإنه يمكنه أن لايفطر ~~حتى يتيقن غروب الشمس، وأن يمسك إذا شك في طلوع الفجر. PageV01P793 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0794.png) # وهذا التفريق ضعيف والأمر بالعكس. فإن السنة للصائم أن يعجل الفطر ويؤخر ~~السحور، ومع الغيم المطبق لا يمكن اليقين الذي لا يقبل الشك إلا بعد أن يذهب وقت ~~طويل جدا يفوت مع المغرب ويفوت معه تعجيل الفطور، والمصلي مأمور بصلاة المغرب ~~وتعجليها، فإذا غلب على ظنه غروب الشمس أمر بتأخير المغرب إلى حد اليقين، فربما ~~يؤخرها حتى يغيب الشفق وهو لا يستيقن غروب الشمس، وقد جاء عن إبراهيم النخعي ~~وغيره من السلف، وهو مذهب أبي حنيفة أنهم كانوا يستحبون في الغيم تأخير المغرب ~~وتعجيل العشاء وتأخير الظهر وتقديم العصر وقد نص على ذلك أحمد وغيره، وقد علل ~~ذلك بعض أصحابه بالاحتياط لدخول الوقت، وليس كذلك؛ فإن هذا خلاف الاحتياط في ~~وقت العصر والعشاء وإنما سن ذلك لأن هاتين الصلاتين يجمع بينهما للعذر، وحال الغيم ~~حال عذر، فأخرت الأولى من صلاتي الجمع وقدمت الثانية لمصلحتين: # إحداهما : التخفيف عن الناس حتى يصلوها مرة واحدة لأجل خوف المطر ~~كالجمع بينهما مع المطر. # والثانية : أن يتيقن دخول وقت المغرب، وكذلك يجمع بين الظهر والعصر على ~~أظهر القولين، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ويجمع بينهما للوحل الشديد والريح ~~الشديدة الباردة ونحو ذلك في أظهر قولي العلماء وهو قول مالك وأظهر القولين في ~~مذهب أحمد. # الثاني : أن الخطأ في تقديم العصر والعشاء أولى من الخطأ في تقديم الظهر ~~المغرب، فإن فعل هاتين قبل الوقت لا يجوز بحال بخلاف تينك، فإنه يجوز فعلهما ~~في وقت الظهر والمغرب، لأن ذلك وقت لهما حال العذر، وحال الاشتباه حال ~~عذر، فكان الجمع بين الصلاتين مع الاشتباه أولى من الصلاة مع الشك. # وهذا فيه ما ذكره أصحاب المأخذ الأول من الاحتياط؛ لكنه احتياط مع تيقن ~~الصلاة في الوقت المشترك، ألا ترى ms0867 أن الفجر لم يذكروا فيها هذا الاستحباب ولا في ~~العشاء والعصر، ولو كان لعلم خوف الصلاة قبل الوقت لطرد هذا في الفجر ثم يطرد ~~في العصر والعشاء. # وقد جاء الحديث عن النبي ا بالتبكير بالعصر في يوم الغيم، فقال : «بكروا ~~بالصلاة في يوم الغيم فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله. PageV01P794 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0795.png) # فإن قيل : فإذا كان يستحب أن يؤخر المغرب مع الغيم فكذلك يؤخر الفطور. ~~قيل : إنما يستحب تأخيرها مع تقديم العشاء بحيث يصليهما قبل مغيب الشفق، فأما ~~تأخيرها إلى أن يخاف مغيب الشفق فلا يستحب، ولا يستحب تأخير الفطور إلى هذه ~~الغاية. # ولهذا كان الجمع المشروع مع المطر هو جمع التقديم في وقت المغرب ~~ولا يستحب أن يؤخر بالناس المغرب إلى مغيب الشفق، بل هذا حرج عظيم على ~~الناس وإنما شرع الجمع لئلا يحرج المسلمون. # وأيضا فليس التأخير والتقديم المستحب أن يفعلهما مقترنتين؛ بل أن يؤخر ~~الظهر ويقدم العصر، ولو كان بينهما فصل في الزمان. وكذلك في المغرب والعشاء ~~بحيث يصلون الواحدة وينتظرون الأخرى لا يحتاجون إلى ذهاب إلى البيوت ثم ~~رجوع، وكذلك جواز الجمع لا يشترط له الموالاة في أصح القولين، كما قد ذكرناه ~~في غير هذا الموضع. # وأيضا فقد ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قالت : «أفطرنا ~~يوما من رمضان في غيم على عهد رسول الله اله صلى الله عليه وسلم م طلعت الشمس. وهذا يدل ~~على شيئين : على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب؛ فإنهم لم ~~يفعلوا ذلك ولم يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ولرسوله ~~ممن جاء بعدهم. والثاني : لا يجب القضاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم و أمرهم بالقضاء لشاع ~~ذلك كما نقل فطرهم، فلما لم ينقل ذلك دل على إنه لم يأمرهم به. # فإن قيل : فقد قيل لهشام بن عروة : أمروا بالقضاء ? قال : أو بد من القضاء ? # قيل : هشام قال ذلك برأيه، لم يرو ذلك في ms0868 الحديث، ويدل على أنه لم يكن ~~عنده بذلك علم، أن معمرا روى عنه قال : سمعت هشاما قال : لا أدري أقضوا أم لا? ~~ذكر هذا وهذا عنه البخاري، والحديث رواه عن أمه فاطمة بنت المنذر عن أسماء. # وقد نقل هشام عن أبيه عروة أنهم لم يؤمروا بالقضاء، وعروة أعلم من ابنه، ~~وهذا قول إسحاق بن راهويه، وهو قرين أحمد بن حنبل، ويوافقه في المذهب: ~~أصوله وفروعه، وقولهما كثيرا ما يجمع بينه. والكوسج سأل مسائله لأحمد ~~وإسحاق، وكذلك حرب الكرماني سأل مسائله لأحمد وإسحاق، وكذلك غيرهما؛ ~~ولهذا يجمع الترمذي قول أحمد وإسحاق، فإنه روى قولهما من مسائل الكوسج. # وكذلك أبو زرعة وأبو حاتم وابن قتيبة وغير هؤلاء من أئمة السلف والستة ~~والحديث وكانوا يتفقهون على مذهب أحمد وإسحاق يقدمون قولهما على أقوال PageV01P795 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0796.png) ~~غيرهما، وأئمة إلحديث كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم هم أيضا من ~~أتباعهما وممن يأخذ العلم والفقه عنهما، وداود من أصحاب إسحاق. # وقد كان أحمد بن حنبل إذا سئل عن إسحاق يقول: أنا أسئل عن إسحاق? ~~إسحاق يسئل عني. # والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمدا بن نصر ~~المروزي وداود بن علي ونحوه هؤلاء كلهم فقهاء الحديث رضي الله عنهم أجمعين. # وأيضا فإن الله قال في كتابه: (وكلوا راشربوا مقا يتبين لك الغيط الأنيض من الخيط ~~آلأتود من الفجر ) وهذه الآية مع الأحاديث الثابتة عن الني صلى ال علي وسلمبين أنه ~~مأمور بالأكل إلى أن يظهر الفجر فهو مع الشك في طلوعه مأمور بالأكل كما قد بسط ~~في موضعه . # وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله، ومداواة المأمومة والجائفة، فهذا مما ~~تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بالجميع ~~لا بالكحل، ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير، ومنهم من لم يفطر بالكحل ~~ولا بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك. # والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك. فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج ~~إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه ms0869 الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ~~ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه ~~الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه. فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن ~~لنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لا حديثا صحيحا ولا ضعيفا ولا مسندا ولا مرسلا، علم أنه لم ~~يذكر شيئا من ذلك . والحديث المروي في الكحل ضعيف رواه أبو داود في السنن ~~ولم يروه غيره ولا هو في مسند أحمد ولا سائر الكتب المعتمدة. قال أبو داود: ~~حدثنا النفيلي، ثنا علي بن ثابت، حدثني عبد الرحمن بن النعمان، ثنا معبد بن ~~هودة، عن أبيه، عن جده، عن البي صلى الله علي وسلم: أنه أمر بالأثمد المروح عند النوم. وقال ~~ليتقه الصائم»1) قال أبو داود: وقال يحيى بن معين : هذا حديث منكر. قال ~~المنذري وعبد الرحمن : قال يحيى بن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: هو ~~صدوق ، لكن من الذي يعرف أباه وعدالته وحفظه ? PageV01P796 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0797.png) # وكذلك حديث معبد قد عورض بحديث ضعيف وهو ما رواه الترمذي بسنده ~~عن أنس بن مالك قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اشتكيت عيني أفأكتحل وأنا ~~صائم ? قال : لنعم قال الترمذي : ليس بالقوي، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الباب شيء. وفيه أبو عاتكة. قال البخاري : منكر الحديث. # والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر كالحقنة ومداواة المأمومة والجائفة لم يكن معهم ~~حجة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس، وأقوى ما احتجوا به قوله: ~~وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما قالوا: فدل ذلك على أن ما وصل إلى ~~الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله، وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة ~~وغيرها، سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه. # والذين استثنوا التقطير قالوا: التقطير لا ينزل إلى جوفه، وإنما يرشح رشحا ~~فالداخل إلى إحليله كالداخل ms0870 إلى فمه وأنفه. # والذين استثنوا الكحل قالوا: العين ليست كالقبل والدبر، ولكن هي تشرب ~~الكحل كما يشرب الجسم الدهن والماء. # والذين قالوا الكحل يفطر قالوا: إنه ينفذ إلى داخله حتى يتنخمه الصائم لأن في ~~داخل العين منفذا إلى داخل الحلق. # وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها لم يجز إفساد الصوم بمثل هذه الأقيسة ~~لوجوه: # أحدها : أن القياس وإن كان حجة إذا اعتبرت شروط صحته فقد قلنا في ~~الأصول : إن الأحكام الشرعية كلها بينتها النصوص أيضا، وإن دل القياس الصحيح ~~على مثل ما دل عليه النص دلالة خفية، فإذا علمنا بأن الرسول لم يحرم الشيء ولم ~~يوجبه علمنا أنه ليس بحرام ولا واجب. وأن القياس المثبت لوجوبه وتحريمه فاسد، ~~ونحن نعلم أنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على الإفطار بهذه الأشياء التي ذكرها ~~بعض أهل الفقه فعلمنا أنها ليست مفطرة. # الثاني : أن الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسولصلى الله علي وسلم ~~بيانا عاما، ولا بد أن تنقلها الأمة، فإذا انتفى هذا علم أن هذا ليس من دينه وهذا كما ~~يعلم أنه لم يفرض صيام شهر غير رمضان، ولا حج بيت غير البيت الحرام، ~~ولا صلاة مكتوبة غير الخمس، ولم يوجب الغسل في مباشرة المرأة بلا إنزال، PageV01P797 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0798.png) ~~ولا أوجب الوضوء من الفزع العظيم وإن كان في مظنة خروج الخارج، ولا سن ~~الركعتين بعد الطواف بين الصفا والمروة كما سن الركعتين بعد الطواف بالبيت، وبهذا ~~يعلم أن المني ليس بنجس، لأنه لم ينقل عن أحد بإسناد يحتج به أنه أمر المسلمين ~~بغسل أبدانهم وثيابهم من المني مع عموم البلوى بذلك، بل أمر الحائض أن تغسل ~~قميصها من دم الحيض مع قلة الحاجة إلى ذلك، ولم يأمر المسلمين بغسل أبدانهم ~~وثيابهم من المني . # والحديث الذي يرويه بعض الفقهاء : يغسل الثوب من البول والغائط والمني ~~والمذي والدم ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وليس في شيء من كتب الحديث التي يعتمد ~~عليها، ولا رواه أحد ms0871 من أهل العلم بالحديث بإسناد يحتج به. وإنما روي عن عمار ~~وعائشة من قولهما. # وغسل عائشة للمني من ثوبه وفركها إياه لا يدل على وجوب ذلك فإن الثياب ~~تغسل من الوسخ والمخاط والبصاق، والوجوب إنما يكون بأمره، لا سيما ولم يأمر ~~هو سائر المسلمين بغسل ثيابهم من ذلك، ولا نقل أنه أمر عائشة بذلك، بل أقرها ~~على ذلك، فدل على جوازه أو حسنه واستحبابه. # وأما الوجوب فلا بد له من دليل. # وبهذه الطرق يعلم أيضا أنه لم يوجب الوضوء من لمس النساء ولا من ~~النجاسات الخارجة من غير السبيلين فإنه لم ينقل أحد عنه بإسناد يثبت مثله أنه أمر ~~بذلك مع العلم بأن الناس كانوا لا يزالون يحتجمون ويتقيأون ويجرحون في الجهاد ~~وغير ذلك، وقد قطع عرق بعض أصحابه ليخرج منه الدم وهو الفصاد، ولم ينقل عنه ~~مسلم أنه أمر أصحابه بالتوضؤ من ذلك. # وكذلك الناس لا يزال أحدهم يلمس امرأته بشهوة وبغير شهوة ولم ينقل عنه مسلم ~~انه أمر الناس بالتوضؤ من ذلك، والقرآن لا يدل على ذلك؛ بل المراد بالملامسة الجماع ~~كما بسط في موضعه. وأمره بالوضوء من مس الذكر إنما هو استحباب إما مطلقا وإما إذا ~~حرك الشهوة، وكذلك يستحب لمن لمس النساء فتحركت شهوته أن يتوضا، وكذلك من ~~تفكر فتحركت شهوته فانتشر، وكذلك من مس الأمرد أو غيره فانتشر. # فالتوضؤ عند تحرك الشهوة من جنس التوضؤ عند الغضب، وهذا مستحب لما ~~ي السنن عن النبي صلى الله علي وسلم ن قال : إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، ~~وانما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضا وكذلك الشهوة الغالبة هي من PageV01P798 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0799.png) ~~الشيطان والنار، والوضوء يطفئها فهو يطفئ حرارة الغضب. والوضوء من هذا ~~مستحب. وكذلك أمره بالوضوء مما مسته النار أمر استحباب لأن ما مسته النار يخالط ~~البدن فليتوضأ. فإن النار تطفأ بالماء. وليس في النصوص ما يدل على أنه منسوخ؛ ~~بل النصوص تدل على أنه ليس بواجب، واستحباب الوضوء من أعدل الأقوال: من ms0872 ~~قول من يوجبه، وقول من يراه منسوخا. وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. # وكذلك بهذه الطريق يعلم أن بول ما يؤكل لحمه وروثه ليس بنجس، فإن هذا ~~مما تعم به البلوى، والقوم كانوا أصحاب إبل وغنم، يقعدون ويصلون في أمكنتها ~~وهي مملوءة من أبعارها، فلو كانت بمنزلة المراحيض كانت تكون حشوشا. وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم باجتنابها، وأن لا يلوثوا أبدانهم وثيابهم بها ولا يصلون فيها. # فكيف وقد ثبتت الأحاديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون في مرابض ~~الغنم، وأمر بالصلاة في مرابض الغنم، ونهى عن الصلاة في معاطن الإبل، فعلم أن ~~ذلك ليس لنجاسة الأبعار ، بل كما أمر بالتوضؤ من لحوم الإبل، وقال في الغنم: لإن ~~شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ وقال : لإن الإبل خلقت من جن» ، «وإن ~~على ذروة كل بعير شيطانا وقال : لاالفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل، ~~والسكينة في أهل الغنم # فلما كانت الإبل فيها من الشيطنة ما لا يحبه الله ورسوله أمر بالتوضؤ من ~~لحمها فإن ذلك يطفى تلك الشيطنة، ونهى عن الصلاة في أعطانها لأنها مأوى ~~الشياطين، كما نهى عن الصلاة في الحمام لأنها مأوى الشياطين. # فإن مأوى الأرواح الخبيثة أحق بأن تجتنب الصلاة فيه وفي موضع الأجسام ~~الخبيثة، بل الأرواح الخبيثة تحب الأجسام الخبيثة. # ولهذا كانت الحشوش محتضرة تحضرها الشياطين، والصلاة فيها أولى بالنهي ~~من الصلاة في الحمام ومعاطن الإبل، والصلاة على الأرض النجسة. ولم يرد في ~~الحشوش نص خاص؛ لأن الأمر فيها كان أظهر عند المسلمين أن يحتاج إلى بيان؛ ~~ولهذا لم يكن أحد من المسلمين يقعد في الحشوش، ولا يصلي فيها، وكانوا ينتابون ~~البرية لقضاء حوائجهم قبل أن تتخذ الكنف في بيوتهم. PageV01P799 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0800.png) # وإذا سمعوا نهيه عن الصلاة في الحمام أو أعطان الإبل علموا أن النهي عن ~~الصلاة في الحشوش أولى وأحرى، مع أنه قد روي الحديث الذي فيه النهي عن ~~الصلاة في المقبرة والمجزرة والمزبلة والحشوش وقارعة الطريق ومعاطن الإبل، وظهر ~~بيت ms0873 الله الحرام. # وأصحاب الحديث متنازعون فيه، وأصحاب أحمد فيه على قولين: منهم من ~~يرى هذه من مواضع النهي ومنهم من يقول لم أجد في هذا الحديث، ولم أجد في ~~كلام أحمد في ذلك إذنا ولا منعا، مع أنه قد كره الصلاة في مواضع العذاب. نقله ~~عنه ابنه عبد الله؛ للحديث المسند في ذلك عن علي الذي رواه أبو داود، وإنما نص ~~على الحشوش وأعطان الإبل والحمام، وهذه الثلاثة هي التي ذكرها الخرقي وغيره، ~~والحكم في ذلك عند من يقول به قد يثبته بالقياس على موارد النص، وقد يثبته ~~بالحديث، ومن فرق يحتاج إلى الطعن في الحديث وبيان الفارق. وأيضا المنع قد ~~يكون منع كراهة، وقد يكون منع تحريم. # وإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى لا بد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسل يانا عاما، ~~ولا بد أن تنقل الأمة ذلك، فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى كما تعم ~~بالدهن والاغتسال والبخور والطيب. فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ما بين ~~الإفطار بغيره، فلما لم يبن ذلك علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن، والبخور ~~قد يتصاعد إلى الأنف ويدخل في الدماغ وينعقد أجساما، والدهن يشربه البدن ويدخل ~~إلى داخله ويتقوى به الإنسان، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة، فلما لم ينه الصائم ~~عن ذلك دل على جواز تطييبه وتبخيره وإدهانه، وكذلك اكتحاله. # وقد كان المسلمون في عهله صلى الله عليه وسلم بيرح أحدهم إما في الجهاد وإما في غيره ~~مأمومة وجائفة، فلو كان هذا يفطر لبين لهم ذلك، فلما لم ينه الصائم عن ذلك علم ~~أنه لم يجعله مفطرا. # الوجه الثالث : إثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحا، ~~وذلك إما قياس علة بإثبات الجامع، وإما بإلغاء الفارق، فإما أن يدل دليل على العلة ~~في الأصل فيعدى بها إلى الفرع، وإما أن يعلم أن لا فارق بينهما من الأوصاف ~~المعتبرة في الشرع، وهذا القياس هنا منتف. # وذلك أنه ليس في الأدلة ms0874 ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطرا ~~هو ما كان واصلا إلى دماغ أو بدن، أو ما كان داخلا من منفذ، أو واصلا إلى PageV01P800 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0801.png) ~~الجوف . ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم ~~عند الله ورسوله، ويقولون: إن الله ورسوله إنما جعل الطعام والشراب مفطرا لهذا ~~المعنى المشترك من الطعام والشراب، ومما يصل إلى الدماغ والجوف من دواء ~~المأمومة والجائفة، وما يصل إلى الجوف من الكحل ومن الحقنة والتقطير في الإحليل ~~ونحو ذلك. # وإذا لم يكن على تعليق الله ورسوله للحكم بهذا الوصف دليل كان قول القائل: ~~إن الله ورسوله إنما جعلا هذا مفطرا لهذا قولا بلا علم، وكان قوله: إن الله حرم ~~على الصائم أن يفعل هذا قولا بأن هذا حلال وهذا حرام بلا علم، وذلك يتضمن ~~القول على الله بما لا يعلم، وهذا لا يجوز. # ومن اعتقد من العلماء أن هذا المشترك مناط الحكم فهو بمنزلة من اعتقد صحة ~~مذهب لم يكن صحيحا، أو دلالة لفظ على معنى لم يرده الرسول، وهذا اجتهاد ~~يثابون عليه، ولا يلزم أن يكون قولا بحجة شرعية يجب على المسلم اتباعها. # الوجه الرابع : أن القياس إنما يصح إذا لم يدل كلام الشارع على علة الحكم إذا ~~سبرنا أوصاف الأصل فلم يكن فيها ما يصلح للعلة إلا الوصف المعين، وحيث أثبتنا ~~علة الأصل بالمناسبة أو الدوران أو الشبه المطرد عند من يقول به، فلا بد من السبر، ~~فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان لم يجز أن يقول الحكم بهذا دون هذا. # ومعلوم أن النص والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب والجماع والحيض، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم نم نهى المتوضئ عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائما، وقياسهم على ~~الاستنشاق أقوى حججهم كما تقدم، وهو قياس ضعيف، وذلك لأن من نشق الماء ~~بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه، فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفمه ~~ويغذي بدنه من ذلك الماء، ويزول العطش ويطبخ الطعام في معدته ms0875 كما يحصل ~~بشرب الماء، فلو لم يرد النص بذلك لعلم بالعقل أن هذا من جنس الشرب فإنهما ~~لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم، وذلك غير معتبر، بل دخول الماء إلى الفم ~~وحده لا يفطر، فليس هو مفطرا ولا جزءا من المفطر لعدم تأثيره، بل هو طريق إلى ~~الفطر، وليس كذلك الكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة. فإن الكحل لا يغذي ~~البتة ولا يدخل أحد كحلا إلى جوفه لا من أنفه ولا فمه، وكذلك الحقنة لا تغذي بل ~~تستفرغ ما في البدن كما لو شم شيئا من المسهلات أو فزع فزعا أوجب استطلاق ~~جوفه وهي لا تصل إلى المعدة. # والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل PageV01P801 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0802.png) ~~قبلكم )وقا صلى الله عليه وسلم: الصوم جنة وقال : إن الشيطان يجري من ~~ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع بالصوم»2 . # فالصائم نهي عن الأكل والشرب لأن ذلك سبب التقوى. فترك الأكل والشرب ~~الذي يولد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان إنما يتولد من الغذاء لا عن حقنة ~~ولا كحل، ولا ما يقطر في الذكر، ولا ما يداوي به المأمومة والجائفة، وهو متولد ~~عما استنشق من الماء لأن الماء مما يتولد منه الدم فكان المنع منه من تمام الصوم. # فإذا كانت هذه المعاني وغيرها موجودة في الأصل الثابت بالنص والإجماع ~~فدعواهم أن الشارع علق الحكم بما ذكروه من الأوصاف معارض بهذه الأوصاف، ~~والمعارضة تبطل كل نوع من الأقيسة إن لم يتبين أن الوصف الذي ادعوه هو العلة ~~دون هذا. # الوجه الخامس : أنه ثبت بالنص والإجماع منع الصائم من الأكل والشرب ~~والجماع، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم ولا ريب أن الدم يتولد من الطعام والشراب، وإذا أكل أو شرب اتسعت مجاري ~~الشياطين؛ ولهذا قال : «فضيقوا مجاريه بالجوع. وبعضهم يذكر هذا اللفظ مرفوعا. ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دخل رمضان فتحت أبواب ms0876 الجنة وغلقت أبواب النار ~~وصفدت الشياطين»3) فإن مجاري الشياطين الذي هو الدم ضاقت، وإذا ضاقت ~~انبعشت القلوب إلى فعل الخيرات التي بها تفتح أبواب الجنة، وإلى ترك المنكرات ~~التي بها تفتح أبواب النار، وصفدت الشياطين فضعفت قوتهم وعملهم بتصفيدهم فلم ~~يستطيعوا أن يفعلوا في شهر رمضان ما كانوا يفعلونه في غيره، ولم يقل إنهم قتلوا ~~ولا ماتوا، بل قال : صفدت والمصفد من الشياطين قد يؤذي، لكن هذا أقل ~~وأضعف مما يكون في غير رمضان، فهو بحسب كمال الصوم ونقصه، فمن كان ~~صومه كاملا دفع الشيطان دفعا لا يدفعه دفع الصوم الناقص، فهذه المناسبة ظاهرة في ~~منع الصائم من الأكل والشرب، والحكم ثابت على وفقه، وكلام الشارع قد دل على ~~اعتبار هذا الوصف وتأثيره، وهذا المنع منتف في الحقنة والكحل وغير ذلك. # فإن قيل : بل الكحل قد ينزل إلى الجوف ويستحيل دمآ. # قيل : هذا كما قد يقال في البخار الذي يصعد من الأنف إلى الدماغ فيستحيل PageV01P802 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0803.png) ~~دما، وكالدهن الذي يشربه الجسم. والممنوع منه إنما هو ما يصل إلى المعدة ~~فيستحيل دما ويتوزع على البدن. # ونجعل هذا وجها سادسا: فنقيس الكحل والحقنة ونحو ذلك على البخور ~~والدهن ونحو ذلك لجامع ما يشتركان فيه من أن ذلك ليس مما يتغذى به البدن ~~ويستحيل في المعدة دما، وهذا الوصف هو الذي أوجب أن لا تكون هذه الأمور ~~مفطرة، وهذا موجود في محل النزاع . والفرع قد يتجاذبه أصلان فيلحق كلا منهما بما ~~يشبهه من الصفات. # فإن قيل : هذا تطبخه المعدة ويستحيل دما ينمي عنه البدن لكنه غذاء ناقص فهو ~~كما لو أكل سما أو نحوه مما يضره، وهو بمنزلة من أكل أكلا كثيرا أورثه تخمة ~~ومرضا، فكان منعه في الصوم عن هذا أوكد؛ لأنه ممنوع عنه في الإفطار وبقي الصوم ~~أوكد، وهذا كمنعه من الزنا فإنه إذا منع من الوطء المباح فالمحظور أولى. # فإن قيل: فالجماع مفطر، وهذه العلة منتفية فيه? # قيل : تلك أحكام ثابتة بالنص والإجماع فلا يحتاج إثباتها إلى القياس؛ بل ms0877 يجوز أن ~~تكون العلل مختلفة، فيكون تحريم الطعام والشراب والفطر بذلك لحكمة، وتحريم ~~الجماع والفطر به لحكمة، والفطر بالحيض لحكمة، فإن الحيض لا يقال فيه إنه يحرم، ~~وهذا لأن المفطرات بالنص والإجماع لما انقسمت إلى أمور اختيارية تحرم على العبد ~~كالأكل والجماع، وإلى أمور لا اختيار له فيها كدم الحيض، كذلك تنقسم عللها. # فنقول : أما الجماع فإنه باعتبار أنه سبب إنزال المني يجري مجرى الاستقاءة ~~والحيض والاحتجام - كما سنبينه إن شاء الله تعالى - فإنه من نوع الاستفراغ ~~لا الامتلاء كالأكل والشرب، ومن جهة أنه إحدى الشهوتين فجرى مجرى الأكل ~~والشرب، قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن الله تعالى قال : الصوم لي ~~وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي فترك الإنسان ما يشتهيه لله هو عبادة ~~مقصودة يثاب عليها كما يثاب المحرم على ترك ما اعتاده من اللباس والطيب ونحو ~~ذلك من نعيم البدن، والجماع من أعظم نعيم البدن، وسرور النفس وانبساطها، هو ~~يحرك الشهوة والدم والبدن أكثر من الأكل، فإذا كان الشيطان يجري من ابن آدم ~~مجرى الدم . والغذاء يبسط الدم الذي هو مجاريه، فإذا أكل أو شرب انبسطت نفسه ~~إلى الشهوات، وضعفت إرادتها ومحبتها للعبادات، فهذا المعنى في الجماع أبلغ فإنه ~~يبسط إرادة النفس للشهوات، ويضعف إرادتها عن العبادات أعظم؛ بل الجماع هو PageV01P803 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0804.png) ~~غاية الشهوات، وشهوته أعظم من شهوة الطعام والشراب، ولهذا أوجب على المجامع ~~كفارة الظهار فوجب عليه العتق أو ما يقوم مقامه بالسنة والإجماع، لأن هذا أغلظ، ~~وداعيه أقوى والمفسدة به أشد. فهذا أعظم الحكمتين في تحريم الجماع. # وأما كونه يضعف البدن كالاستفراغ فذاك حكمة أخرى فصار فيهما كالأكل ~~والحيض وهو في ذلك أبلغ منهما فكان إفساده الصوم أعظم من إفساد الأكل ~~والحيض . # فنذكر حكمة الحيض وجريان ذلك على وفق القياس، فنقول : إن الشرع جاء بالعدل ~~في كل شيء. والإسراف في العبادات من الجور الذي نهى عنه الشارع وأمر بالاقتصاد في ~~العبادات؛ ولهذا أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور، ونهى ms0878 عن الوصال وقال: أفضل ~~الصيام وأعدل الصيام صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا ~~لاقى ) فالعدل في العبادات من أكبر مقاصد الشارع؛ ولهذا قال تعالى : (يآيها الذين ~~امنوا لا تحرموا طيبت ما أحل الله لكم)لآي [المائدة: . فجعل تحريم الحلال من ~~الاعتداء المخالف للعدل، وقال تعالى : (فبظلمر من الذين كادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لمهم ~~وبصد هم عن سبيل الله كثيرا * واخذهم الربوا وقد تهوا عنه ) [الساء : 160، 161] فلما كانوا ~~ظالمين عوقبوا بأن حرمت عليهم الطيبات؛ بخلاف الأمة الوسط العدل فإنه أحل لهم ~~الطيبات وحرم عليهم الخبائث. # وإذا كان كذلك فالصائم قد نهى عن أخذ ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب، ~~فينهى عن إخراج ما يضعفه ويخرج مادته التي بها يتغذى . وإلا فإذا مكن من هذا ضره ~~وكان متعديا في عبادته لا عادلا. # والخارجات نوعان : نوع يخرج لا يقدر على الاحتراز منه أو على وجه ~~لا يضره فهذا لا يمنع منه كالأخبثين، فإن خروجهما لا يضره ولا يمكنه الاحتراز منه ~~أيضا، ولو استدعى خروجهما فإن خروجهما لا يضره بل ينفعه. وكذلك إذا ذرعه ~~القيء لا يمكنه الاحتراز منه، وكذلك الاحتلام في المنام لا يمكنه الاحتراز منه، وأما ~~إذا استقاء فالقيء يخرج ما يتغذى به من الطعام والشراب المستحيل في المعدة، ~~وكذلك الاستمناء مع ما فيه من الشهوة فهو يخرج المني الذي هو مستحيل في المعدة ~~عن الدم، فهو يخرج الدم الذى يتغذى به، ولهذا كان خروج المني إذا أفرط فيه يضر ~~الإنسان ويخرج أحمر. # والدم الذي يخرج بالحيض فيه خروج الدم، والحائض يمكنها أن تصوم في غير PageV01P804 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0805.png) ~~أوقات الدم في حال لا يخرج فيها دمها، فكان صومها في تلك الحال صوما معتدلا ~~لا يخرج فيه الدم الذي يقوي البدن الذي هو مادته، وصومها في الحيض يوجب أن ~~يخرج فيه دمها، الذي هو مادتها ويوجب نقصان بدنها وضعفها وخروج صومها عن ~~الاعتدال، فأمرت أن تصوم في غير أوقات الحيض. # بخلاف المستحاضة؛ فإن الاستحاضة تعم أوقات الزمان، ms0879 وليس لها وقت تؤمر ~~فيه بالصوم، وكان ذلك لا يمكن الاحتراز منه : كذرع القيء، وخروج الدم بالجراح ~~والدمامل والاحتلام ونحو ذلك مما ليس له وقت محدد يمكن الاحتراز منه. فلم ~~يجعل هذا منافيا للصوم كدم الحيض. # وطرد هذا إخراج الدم بالحجامة والفصاد ونحو ذلك، فإن العلماء متنازعون في ~~الحجامة هل تفطر الصائم أم لا? والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : لأفطر ~~الحاجم والمحجوم كثيرة قد بينها الأئمة الحفاظ. # وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم، وكان منهم من لا يحتجم إلا ~~بالليل . وكان أهل البصرة إذا دخل شهر رمضان أغلقوا حوانيت الحجامين. والقول ~~بأن الحجامة تفطر مذهب أكثر فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ~~وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم. # وأهل الحديث الفقهاء فيه العاملون به أخص الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والذين لم ~~يروا إفطار المحجوم احتجوا بما ثبت في الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم حتجم وهو صائم ~~محرم وأحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة وهي قوله : وهو صائم وقالوا: ~~الثابت أنه احتجم وهو محرم، قال أحمد : قال يحيى بن سعيد : قال شعبة : لم يسمع ~~الحكم حديث مقسم في الحجامة للصائم، يعني حديث شعبة، عن الحكم، عن ~~مقسم، عن ابن عباس ل أن النبي صلى الله عليه وسلم حتجم وهو صائم محرم. # قال مهنا : سألت أحمد عن حديث حبيب ابن الشهيد، عن ميمون بن مهران، ~~عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم حتجم وهو صائم محرم فقال : ليس بصحيح، وقد ~~أنكره يحيى بن سعيد الأنصاري. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله رد هذا الحديث ~~فضعفه، وقال: كانت كتب الأنصاري ذهبت في أيام المنتصر فكان بعد يحدث من ~~كتب غلامه وكان هذا من تلك. # وقال مهنا : سألت أحمد عن حديث قبيصة، عن سفيان، عن حماد، عن PageV01P805 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0806.png) ~~سعيد بن جبير ، عن ابن عباس إلخ فقال : هو خطأ من قبل قبيصة . وسألت يحيى عن ~~قبيصة فقال : رجل صدق، ms0880 والحديث الذي يحدث به عن سفيان عن سعيد خطأ من ~~قبله . # قال مهنا : سألت أحمد عن حديث ابن عباس : «أن النبيصلى الله عليه وسلم احتجم وهو ~~محرم صائم» فقال ليس فيه : «صائم» إنما هو «محرم» ذكره سفيان، عن عمرو بن ~~دينار، عن طاوس، عن ابن عباس : لاحتجم النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه وهو محرم ~~وعن طاوس وعطاء مثله عن ابن عباس، وعن عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله، وهؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون ~~صائما . # قلت : وهذا الذي ذكره الإمام أحمد هو الذي اتفق عليه الشيخان البخاري ~~ومسلم، ولهذا أعرض مسلم عن الحديث الذي ذكر حجامة الصائم ولم يثبت إلا ~~حجامة المحرم. وتأولوا أحاديث الحجامة بتأويلات ضعيفة، كقولهم: كانا يغتابان، ~~وقولهم أفطر لسبب آخر . وأجود ما قيل ما ذكره الشافعي وغيره أن هذا منسوخ، فإن ~~هذا القول كان في رمضان، واحتجامه وهو محرم كان بعد ذلك، لأن الإحرام بعد ~~رمضان . وهذا أيضا ضعيف، بل هو صلوات الله عليه أحرم سنة ست عام الحديبية ~~بعمرة في ذي القعدة، وأحرم من العام القابل بعمرة القضية في ذي القعدة، وأحرم من ~~العام الثالث سنة الفتح من الجعرانة في ذي القعدة بعمرة، وأحرم سنة عشر بحجة ~~الوداع في ذي القعدة، فاحتجا صلى الله عليه وسلم وهو محرم صائم لم يبن في أي الإحرامات كان. # والذي يقوي أن إحرامه الذي احتجم فيه كان قبل فتح مكة، قوله: ل أفطر ~~الحاجم والمحجوم فإنه كان عام الفتح بلا ريب هكذا في أجود الأحاديث. وروى ~~أحمد بإسناده عن ثوبان أن رسول اله له صلى الله عليه وسلم أنى على رجل يحتجم في رمضان قال: ~~ل أفطر الحاجم والمحجوم. # وقال أحمد: أنبأنا إسماعيل، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن الأشعث، عن ~~شداد بن أوس، أنه مر مع البي صلى الله عليه وسلم من الفتح على رجل محتجم بالبقيع لثمان عشرة ليلة ~~خلت من رمضان فقال : «أفطر الحاجم ms0881 والمحجوم وقال الترمذي: سالت البخاري ~~فقال : ليس في هذا الباب أصح من حديث شداد بن أوس وحديث ثوبان، فقلت: ~~وما فيه من الاضطراب? فقال: كلاهما عندي صحيح، لأن يحيى بن سعيد روى عن ~~أبي قلابة، عن أبي أسماء عن ثوبان، عن أبي الأشعث، عن شداد الحديثين جميعا. # قلت : وهذا الذي ذكره البخاري من أظهر الأدلة على صحة كلا الحديثين اللذين PageV01P806 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0807.png) ~~رواهما أبو قلابة - إلى أن قال - ومما يقوي أن الناسخ هو الفطر بالحجامة أن ذلك رواه ~~عنه خواص أصحابه الذين كانوا يباشرونه حضرا وسفرا، ويطلعون على باطن أمره مثل ~~بلال وعائشة، ومثل أسامة وثوبان مولياه، ورواه عنه الأنصار الذين هم بطانته مثل ~~رافع بن خديج وشداد بن أوس، وفي مسند أحمد عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : أفطر الحاجم والمحجوم قال أحمد : أصح شيء في هذا الباب حديث ~~رافع، وذكر أحاديث لاأفطر الحاجم والمحجوم إلى أن قال : ثم اختلفوا على أقوال: # أحدها : يفطر المحجوم دون الحاجم، ذكره الخرقي؛ لكن المنصوص عن ~~أحمد وجمهور أصحابه الإفطار بالأمرين، والنص دال على ذلك فلا سبيل إلى تركه. # والثاني : أنه يفطر المحجوم الذي يحتجم ويخرج منه الدم، ولا يفطر بالافتصاد ~~ونحوه، لأنه لا يسمى احتجاما وهذا قول القاضي وأصحابه فالتشريط في الآذان هل ~~هو داخل في مسمى الحجامة? تنازع فيه المتأخرون. فبعضهم يقول: التشريط ~~كالحجامة، كما يقوله شيخنا أبو محمد المقدسي، . وعليه يدل كلام العلماء قاطبة، ~~فليس منهم من خص التشريط بذكر، ولو كان عندهم لا يدخل في الحجامة لذكروه، ~~كما ذكروا الفصاد . فعلم أن التشريط عندهم من نوع الحجامة، وقال شيخنا ~~أبو محمد : هذا هو الصواب. إلى أن قال: # والرابع: وهو الصواب واختاره أبو المظفر ابن هبيرة الوزير العالم العادل وغيره ~~أنه يفطر بالحجامة والفصاد ونحوهما، وذلك لأن المعنى الموجود في الحجامة ~~موجود في الفصاد شرعا وطبعا، وحيث حض النبي صلى الله عليه وسلم على الحجامة وأمر بها فهو ~~حض على ما في معناها من الفصاد ms0882 وغيره؛ لكن الأرض الحارة تجتذب الحرارة فيها ~~دم البدن فيصعد إلى سطح الجلد فيخرج بالحجامة. والأرض الباردة يغور الدم فيها ~~إلى العروق هربا من البرد، فإن شبه الشيء منجذب إليه كما تسخن الأجواف في ~~الشتاء وتبرد في الصيف، فأهل البلاد الباردة لهم الفصاد وقطع العروق، كما للبلاد ~~الحارة الحجامة، لا فرق بينهما في شرع ولا عقل. # وقد بينا أن الفطر بالحجامة على وفق الأصول والقياس، وإنه من جنس الفطر ~~بدم الحيض والاستقاءة وبالاستمناء. وإذا كان كذلك فبأي وجه أراد إخراج الدم ~~أفطر، كما أنه بأي وجه أخرج القيء أفطر سواء جذب القيء بإدخال يده، أو بشم ~~ما يقيثآه، أو وضع يده تحت بطنه واستخرج القيء، فتلك طرق لإخراج القيء، وهذه ~~طرق لإخراج الدم ولهذا كان خروج الدم بهذا وهذا سواء في (باب الطهارة). فتبين ~~بذلك كمال الشرع واعتداله وتناسبه، وإن ما ورد من النصوص ومعانيها فإن بعضه PageV01P807 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0808.png) # 327 ~~يصدق بعضا ويوافقه (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اخيكفا كثيرا). # وأما الحاجم فإنه يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، والهواء يجتذب ~~ما فيه من الدم فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل في حلقه وهو لا يشعر، ~~والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بالمظنة، كما أنه النائم الذي تخرج منه ~~الريح ولا يدري يؤمر بالوضوء، فكذلك الحاجم يدخل شيء من الدم مع ريقه إلى ~~بطنه وهو لا يدري. # والدم من أعظم المفطرات فإنه حرام في نفسه لما فيه من طغيان الشهوة، والخروج ~~عن العدل، والصائم أمر بحسم مادته، فالدم يزيد الدم فهو من جنس المحظور. فيفطر ~~الحاجم لهذا، كما ينتقض وضوء النائم، وإن لم يستيقن خروج الريح منه، لأنه يخرج ~~ولا يدري، وكذلك الحاجم قد يدخل الدم في حلقه وهو لا يدري. # وأما الشارط فليس بحاجم، وهذا المعنى منتف فيه فلا يفطر الشارط، وكذلك ~~لو قدر حاجم لا يمص القارورة بل يمتص غيرها أو يأخذ الدم بطريق أخرى لم يفطر. # والنبي صلى الله عليه ms0883 وسلم لامه خرج على الحاجم المعروف المعتاد. وإذا كان اللفظ عاما ~~وإن كان قصده شخصا بعينه فيشترك في الحكم سائر النوع؛ للعادة الشرعية من أن ~~ما ثبت في حق الواحد من الأمة ثبت في حق الجميع، فهذا أبلغ، فلا يثبت بلفظه ~~ما يظهر لفظا ومعنى أنه لم يدخل فيه مع بعده عن الشرع والعقل والله أعلم. والحمد ~~لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # وسئل رحمه الله تعالى: عن رجل أراد أن يواقع زوجته في شهر رمضان ~~بالنهار، فأفطر بالأكل قبل أن يجامع، ثم جامع، فهل عليه كفارة أم لا? وما على الذي ~~يفطر من غير عذر؟1 # فأجاب : الحمد لله. هذه المسألة فيها قولان للعلماء مشهوران: # أحدهما: تجب، وهو قول جمهورهم: كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم. # والثاني : لا تجب، وهو مذهب الشافعي، وهذان القولان مبناهما: على أن ~~الكفارة سببها الفطر من الصوم، أو من الصوم الصحيح، بجماع، أو بجماع وغيره، ~~على اختلاف المذاهب. فإن أبا حنيفة يعتبر الفطر بأعلى جنسه، ومالك يعتبر الفطر ~~مطلقا، فالنزاع بينهما إذا أفطر بابتلاع حصاة أو نواة ونحو ذلك . وعن أجمد رواية أنه ~~إذا أفطر بالحجامة كفر، كغيرها من المفطرات. بجنس الوطء، فأما الأكل والشرب ~~ونحوهما فلا كفارة في ذلك. # ثم تنازعوا هل يشترط الفطر من الصوم الصحيح? فالشافعي وغيره يشترط ذلك، PageV01P808 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0809.png) ~~فلو أكل ثم جامع، أو أصبح غير ناو للصوم ثم جامع، أو جامع وكفر ثم جامع: لم ~~يكن عليه كفارة؛ لأنه لم يطأ في صوم صحيح. # وأحمد في ظاهر مذهبه وغيره يقول : بل عليه كفارة في هذه الصور، ونحوها؛ ~~لأنه وجب عليه الإمساك في شهر رمضان، فهو صوم فاسد، فأشبه الإحرام الفاسد. # وكما أن المحرم بالحج إذا أفسد إحرامه لزمه المضي فيه بالإمساك عن ~~محظوراته، فإذا أتى شيئا منها كان عليه ما عليه من الإحرام الصحيح، وكذلك من ~~وجب عليه صوم شهر رمضان إذا وجب عليه الإمساك فيه وصومه فاسد، لأكل أو ~~جماع، أو عدم ms0884 نية، فقد لزمه الإمساك عن محظورات الصيام. فإذا تناول شيئا منها ~~كان عليه ما عليه في الصوم الصحيح. وفي كلا الموضعين عليه القضاء. # وذلك لأن هتك حرمة الشهر حاصلة في الموضعين ؛ بل هي في هذا الموضع ~~أشد؛ لأنه عاص بفطره أولا، فصار عاصيا مرتين، فكانت الكفارة عليه أوكد، ولأنه ~~لو لم تجب الكفارة على مثل هذا لصار ذريعة إلى أن لا يكفر أحد، فإنه لا يشاء أحد ~~أن يجامع في رمضان إلا أمكنه أن يأكل، ثم يجامع بل ذلك أعون له على مقصوده، ~~فيكون قبل الغداء عليه كفارة، وإذا تغدى هو وامرأته ثم جامعها فلا كفارة عليه، وهذا ~~شنيع في الشريعة لا ترد بمثله. # فإنه قد استقر في العقول والأديان أنه كلما عظم الذنب كانت العقوبة أبلغ، ~~وكلما قوي الشبه قويت، والكفارة فيها شوب العبادة، وشوب العقوبة، وشرعت ~~زاجرة وماحية، فبكل حال قوة السبب يقتضي قوة المسبب. # ثم الفطر بالأكل لم يكن سببا مستقلا موجبا للكفارة. كما يقوله أبو حنيفة، ~~ومالك، فلا أقل أن يكون معينا للسبب المستقل، بل يكون مانعا من حكمه، وهذا ~~بعيد عن أصول الشريعة. # ثم المجامع كثيرا ما يفطر قبل الإيلاج، فتسقط الكفارة عنه بذلك على هذا ~~القول، وهذا ظاهر البطلان، والله أعلم. # سئل رحمه الله تعالى عمن أفطر في رمضان? # فأجاب : إذا أفطر في رمضان مستحلا لذلك، وهو عالم بتحريمه استحلالا له، ~~وجب قتله، وإن كان فاسقا عوقب عن فطره في رمضان بحسب ما يراه الإمام، وأخذ ~~منه حد الزنا، وإن كان جاهلا عرف بذلك، وأخذ منه حد الزنا، ويرجع في ذلك إلى ~~اجتهاد الإمام، والله أعلم. PageV01P809 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0810.png) # وسئل رحمه الله تعالى : عن المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وذوق ~~الطعام، والقيء، وخروج الدم، والإدهان، والاكتحال ? # فأجاب : أما المضمضة والاستنشاق فمشروعان للصائم باتفاق العلماء. وكان ~~نبي صلى الله عليه وسلم الصحابة يتمضمضون، ويستنشقون مع الصوم. لكن قال للقيط بن صبرة: ~~وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما . فنهاه عن المبالغة ؛ لا عن ~~الاستنشاق . # وأما السواك فجائز بلا ms0885 نزاع، لكن اختلفوا في كراهيته بعد الزوال على قولين ~~مشهورين، هما روايتان عن أحمد . ولم يقم على كراهيته دليل شرعي يصلح أن ~~يخص عمومات نصوص السواك، وقياسه على دم الشهيد ونحوه ضعيف من وجوه. ~~كما هو مبسوط في موضعه. # وذوق الطعام يكره لغير حاجة؛ لكن لا يفطره. وأما للحاجة فهو كالمضمضة. # وأما القيء : فإذا استقاء : أفطر، وإن غلبه القيء لم يفطر. # والإدهان : لا يفطر بلا ريب. # وأما خروج الدم الذي لا يمكن الاحتراز منه، كدم المستحاضة، والجروح، ~~والذي يرعف، ونحوه، فلا يفطر، وخروج دم الحيض والنفاس يفطر باتفاق العلماء. # وأما الاحتجام: ففيه قولان مشهوران، ومذهب أحمد وكثير من السلف أنه ~~يفطر، والفصاد ونحوه فيه قولان في مذهبه أحدهما أن ذلك كالاحتجام. # ومذهبه في الكحل الذي يصل إلى الدماغ، أنه يفطر، كالطيب وللحاجة ~~ومذهب مالك نحو ذلك، وأما أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله فلا يريان الفطر ~~بذلك، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل افتصد بسبب وجع رأسه وهو صائم، هل يفطر ~~ويجب عليه قضاء ذلك اليوم? أم لا? وهل إذا أعلم أنه يفطر إذا افتصد، ياثم أم لا? # فأجاب : الحمد لله. هذه المسألة فيها نزاع في مذهب أحمد وغيره، والأحوط ~~أنه يقضي ذلك اليوم. والله أعلم. # وسئل غفر الله له : عن الميت في أيام مرضه أدركه شهر رمضان ولم يكن يقدر ~~على الصيام، وتوفي وعليه صيام شهر رمضان، وكذلك الصلاة مدة مرضه، ووالديه PageV01P810 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0811.png) ~~بالحياة. فهل تسقط الصلاة والصيام عنه إذا صاما عنه، وصليا ? إذا وصى، أو لم ~~يوص? # فأجاب : إذا اتصل به المرض، ولم يمكنه القضاء، فليس على ورثته إلا الإطعام ~~عنه . وأما الصلاة المكتوبة، فلا يصلي أحد عن أحد، ولكن إذا صلى عن الميت ~~واحد منهما تطوعا، وأهداه له، أو صام عنه تطوعا وأهداه له، نفعه ذلك، والله ~~أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : المسؤول من إحسان السادة العلماء - رضي الله عنهم ~~- حل هذه الشبهة التي دخل على العباد بسببها ضرر بين: وهي أن بعضهم سمع قوله ms0886 ~~له ليه وسلم أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام ~~نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما، ويفطر يوما فعقد مع الله ~~أن يصوم يوما، ويفطر يوما، فعل ذلك سنة أو أكثر، وهو متأهل له عيال، وهو ذو ~~سبب يحتاج إلى نفسه في حفظ صحته، فحدثت عنده بعد ذلك همة في حفظ القرآن، ~~فصار مع هذه المجاهدة يتلقن كل يوم، ويكرر. ثم حدثت عنده مع ذلك همة إلى ~~طلب المقصود، وقيام أكثر الليل، وكثرة الاجتهاد، والدأب في العبادة، فاجتمع عليه ~~ثقل يبس الصيام، مع ضعف القوة في السبب، مع يبس التكرار وكثرته، مع اليبس ~~الحادث من الهمة الحادة، وهو شاب عنده حرارة الشبوبية فأثر مجموع ذلك خللا في ~~ذهنه، من ذهول، وصداع يلحقه في رأسه، وبلادة في فهمه، بحيث أنه لا يحيط ~~بمعنى الكلام إذا سمعه، وظهر أثر اليبس في عينيه حتى كادتا أن تغورا. وقد وجد في ~~هذا الاجتهاد شيئا من الأنوار، وهو لا يترك هذا الصيام لعقده الذي عقده مع ~~الله تعالى. لخوفه أن يذهب النور الذي عنده، فإذا نهاه أحد من أهل المعرفة يتعلل، ~~ويقول : أنا أريد أن أقتل نفسي في الله. فهل صومه هذا يوافق رضا الله تعالى ? وهو ~~بهذه الصفة، أم هو مكروه? لا يرضى الله به. وهل يباح له هذا العقد? وعليه فيه ~~كفارة يمين أم لا? وهل اشتغاله بما فيه صلاح جسمه، وصيانة دماغه، وعقله، وذهنه، ~~ليتوفر على حفظ فرائضه، ومصلحة عياله الذي يرضى الله منه، ويريده منه أم لا? وهل ~~إصراره على ذلك موجب لمقت الله تعالى، حيث يلقي نفسه إلى التهلكة بشيء لم ~~يجب عليه? # وإن كان مشروعا في السنة: فهل هو مشروع مطلقا لكل أحد? أم هو مخصوص ~~بمن لا يتضرر به ? يسأل كشف هذه المسألة، وحلها. فقد أعيى هذا الشخص الأطباء، PageV01P811 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0812.png) ~~وأحزن العقلاء لدخوله في السلوك بالجهل، غافلا عن مراد ربه، ونسأل تقييد ~~الجواب، وإعضاده بالكتاب والسنة، ليصل ms0887 إلى قلبه ذلك، آجركم الله تعالى، ومتع ~~المسلمين بطول بقاكم، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم. ورضي الله عن أصحابه ~~أجمعين . # فأجاب شيخ الإسلام العلامة الحافظ المجتهد مفتي الأنام تقي الدين أحمد بن ~~تيمية بخطه : # الحمد لله، جواب هذه المسألة مبني على أصلين: # أحدهما : موجب الشرع. # والثانى : مقتضى العهد، والنذر. # أما الأول : فإن المشروع المأمور به الذي يحبه الله ورسول صلى الله عليه وسلم والاقتصاد في ~~العبادة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا وقال : «إن ~~هذا الدين متين، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فاستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من ~~الدلجة، والقصد القصد تبلغوا وكلاهما في الصحيح. # وقال أبي بن كعب: «اقتصاد في سنة، خير من اجتهاد في بدعة. # فمتى كانت العبادة توجب له ضررا يمنعه عن فعل واجب أنفع له منها، كانت ~~محرمة، مثل أن يصوم صوما يضعفه عن الكسب الواجب أو يمنعه عن العقل، أو ~~الفهم الواجب . أو يمنعه عن الجهاد الواجب، وكذلك إذا كانت توقعه في محل محرم ~~لا يقاوم مفسدته مصلحتها، مثل أن يخرج ماله كله، ثم يستشرف إلى أموال الناس، ~~ويسألهم. # وأما إن أضعفته عما هو أصلح منها، وأوقعته في مكروهات، فإنها مكروهة. وقد ~~أنزل الله تعالى في ذلك قوله: (يأيها الذينامنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ~~إب الله لا يحب المقتدين ) فإنها نزلت في أقوام من الصحابة كانوا قد ~~أجتمعوا وعزموا على التبتل للعبادة : هذا يسرد الصوم، وهذا يقوم الليل كله، وهذا يجتنب ~~أكل اللحم، وهذا يجتنب النساء. فنهاهم الله سبحانه وتعالى عن تحريم الطيبات من أكل ~~اللحم، والنساء، وعن الاعتداء وهو الزيادة على الدين المشروع في الصيام، والقيام، ~~والقراءة، والذكر، ونحو ذلك، والزيادة في التحريم على ما حرم والزيادة في المباح على PageV01P812 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0813.png) ~~ما أبيح . ثم إنه أمرهم بعد هذا بكفارة ما عقدوه من اليمين على هذا التحريم، والعدوان. # وفي الصحيحين عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ms0888 سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن عمله في السر، فقال بعضهم: أما أنا فأصوم لا أفطر، وقال الآخر : أما أنا فأقوم ~~لا أنام، وقال الآخر : أما أنا فلا أتزوج النساء. وقال الآخر : أما أنا فلا آكل اللحم. فبلغ ~~ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما بال أقوام يقولون: كذا، وكذا، لكني أصلي، وأنام، وأصوم، ~~وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني # وفي الصحاح من غير وجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه كان قد جعل ~~يصوم النهار، ويقوم الليل، ويقرأ القرآن في كل ثلاث، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ~~وقال : «لا تفعل، فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين، ونفهت له النفس أي غارت ~~العين؛ وملت النفس، وسئمت. وقال له: إن لنفسك عليك حقا، وإن لزوجك ~~عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه # فبين له النبي صلى الله عليه وسلم ان عليك أمورا واجبة من حق النفس، والأهل، والزائرين، ~~فليس لك أن تفعل ما يشغلك عن أداء هذه الحقوق الواجبة، بل آت كل ذي حق ~~حقه. ثم أمره النبي صلى الله عليه وسلم انان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقال : إنه يعدل صيام ~~الدهر، وأمره أن يقرأ القرآن في كل شهر مرة، فقال: إني أطيق أفضل من ذلك، ولم ~~يزل يزايده، حتى قال : فصم يوما، وأفطر يوما، فإن ذلك أفضل الصيام. قال : إني ~~أطيق أفضل من ذلك، قال : لا أفضل من ذلك»3 # وكان عبد الله بن عمرو لما كبر يقول : يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ~~وكان ربما عجز عن صوم يوم، وفطر يوم. فكان يفطر أياما، ثم يسرد الصيام أياما، ~~بقدرها، لئلا يفارق النبي صلى الله عليه وسلم على حال ثم ينتقل عنها. وهذا لأن بدنه كان يتحمل ~~ذلك. وإلا فمن الناس من إذا صام يوما، وأفطر يوما، شغله عما هو أفضل من ذلك، ~~فلا يكون الصوم ms0889 أفضل في حقه. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم كذا، فإنه كان أفضل من صوم داود. ومع هذا فقد ثبت عنه ~~في الصحيح أنه سئل عمن يصوم الدهر فقال: من صام الدهر فلا صام ~~ولا أفطر . وسئل عمن يصوم يومين، ويفطر يوما، فقال : ومن يطيق ذلك. PageV01P813 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0814.png) ~~وسئل عمن يصوم يوما، ويفطر يومين، فقال: لوددت أني طوقت ذلك، وسئل ~~عمن يصوم يومآ ويفطر يوما، فقال : ذلك أفضل الصيام فأخبر أنه ود أن يطيق ~~صوم ثلث الدهر؛ لأنه كان له من الأعمال التي هي أوجب عليه، وأحب إلى الله ~~ما لا يطيق معه صوم ثلث الدهر. # وكذلك ثبت عنه في الصحيح أنه لما قرب من العدو في غزوة الفتح في ~~رمضان، أمر أصحابه بالفطر، فبلغه أن قوما صاموا فقال: «أولئك العصاة وصلى ~~على ظهر دابته مرة، وأمر من معه أن يصلوا على ظهور دوابهم، فوثب رجل عن ظهر ~~دابته فصلى على الأرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مخالف، خالف الله به. فلم يمت ~~حتى ارتد عن الإسلام . وقال ابن مسعود : إني إذا صمت ضعفت عن قراءة القرآن، ~~وقراءة القرآن أحب إلي . وهذا باب واسع قد بسط في غير هذا الموضع. # وأما «الأصل الثاني»: وهو أنه إذا عاهد الله على ذلك، ونذره. فالأصل فيه ~~ما أخرجا في الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله صله صلى الله عليه وسلم،: من نذر أن يطيع ~~الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه فإذا كان المنذور الذي عاهد الله ~~يتضمن ضررا غير مباح، يفضي إلى ترك واجب، أو فعل محرم، كان هذا معصية. ~~لا يجب الوفاء به، بل لو نذر عبادة مكروهة مثل قيام الليل كله، وصيام النهار كله، ~~لم يجب الوفاء بهذا النذر. # ثم تنازع العلماء : هل عليه كفارة يمين? على قولين: # أظهرهما: أن عليه كفارة يمين، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: ~~لكفارة النذر كفارة يمين»(4) وقال : «النذر حلفة»5 وفي السنن عنه : «لا ms0890 نذر في ~~معصية، وكفارته كفارة يمين وقد ذكرنا سبب نزول الآية. PageV01P814 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0815.png) ~~334 # ومثل ذلك ما رواه البخاري في صحيحه، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأن ~~رجلا قائما في الشمس، فقال : ما هذا? فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ~~ولا يستظل، ولا يتكلم. وأن يصوم. فقال: مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم ~~صومه»1) فلما نذر عبادة غير مشروعة من الصمت والقيام والتضحية أمره بفعل ~~المشروع وهو الصوم في حقه، ونهاه عن فعل غير المشروع. # وأما إذا عجز عن فعل المنذور، أو كان عليه فيه مشقة، فهنا يكفر، ويأتي ببدل ~~عن المنذور، كما في حديث عقبة بن عامر أن أخته لما نذرت أن تحج ماشية، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم،: إن الله لغني عن تعذيب أختك نفسها، مرها فلتركب ولتهد - وروي ~~ولتصم # فهذا الرجل الذي عقد مع الله تعالى صوم نصف الدهر، وقد أضر ذلك بعقله، ~~وبدنه، عليه أن يفطر ويتناول ما يصلح عقله وبدنه، ويكفر كفارة يمين، ويكون فطره ~~قدر ما يصلح به عقله وبدنه، على حسب ما يحتمله حاله إما أن يفطر ثلثي الدهر، أو ~~ثلاثة أرباعه، أو جميعه، فإذا أصلح حاله، فإن أمكنه العود إلى صوم يوم، وفطر يوم ~~بلا مضرة، وإلا صام ما ينفعه من الصوم، ولا يشغله عما هو أحب إلى الله منه. ~~فالله لا يحب أن يترك الأحب إليه بفعل ما هو دونه، فكيف يوجب ذلك. # وأما النور الذي وجده بهذا الصوم، فمعلوم أن جنس العبادات ليس شرا ~~محضا، بل العبادات المنهي عنها تشتمل على منفعة ومضرة، ولكن لما ترجح ضررها ~~على نفعها نهى عنها الشارع، كما نهى عن صيام الدهر، وقيام الليل كله، دائما. وعن ~~الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، مع أن خلقا يجدون في المواصلة الدائمة نورا ~~بسبب كثرة الجوع، وذلك من جنس ما يجده الكفار من أهل الكتاب والأميين، مثل ~~الرهبان، وعباد القبور، لكن يعود ذلك الجوع المفرط الزائد على الحد المشروع ~~يوجب لهم ضررا في ms0891 الدنيا والآخرة، فيكون إثمه أكثر من نفعه. كما قد رأينا من ~~هؤلاء خلقا كثيرا آل بهم الإفراط فيما يعانونه من شدائد الأعمال إلى التفريط والتثبيط، ~~والملل والبطالة، وربما انقطعوا عن الله بالكلية، أو بالأعمال المرجوحة عن ~~الراجحة، أو بذهاب العقل بالكلية، أو بحصول خلل فيه، وذلك لأن أصل أعمالهم ~~وأساسها على غير استقامة ومتابعة. # وأما قوله : أريد أن أقتل نفسي في الله. فهذا كلام مجمل، فإنه إذا فعل ما أمره ~~الله به، فأفضى ذلك إلى قتل نفسه، فهذا محسن في ذلك كالذي يحمل على الصف PageV01P815 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0816.png) ~~وجده حملا فيه منفعة للمسلمين، وقد اعتقد أنه يقتل، فهذا حسن. وفي مثله أنزل ~~الله قوله : ( ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله والله رهوف بالعباد) ~~، ومثل ما كان بعض الصحابة ينغمس في العدو بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي ~~الخلال بإسناده عن عمر بن الخطاب : أن رجلا حمل على العدو وحده، فقال الناس: ~~ألقى بيده إلى التهلكة. فقال عمر : لا، ولكنه مما قال الله فيه: ( ومن الناس من يشرى ~~نفسه ابتغآء مرضات الله والله ره وف بالعباد). # وأما إذا فعل ما لم يؤمر به، حتى أهلك نفسه، فهذا ظالم متعد بذلك. مثل أن ~~يغتسل من الجنابة في البرد الشديد، بماء بارد، يغلب على ظنه أنه يقتله، أو يصوم في ~~رمضان صوما يفضي إلى هلاكه، فهذا لا يجوز. فكيف في غير رمضان. # وقد روى أبو داود في سننه، في قصة الرجل الذي أصابته جراحة فاستفتى من ~~كان معه : هل تجدون لي رخصة في التيمم? فقالوا: لا نجد لك رخصة، فاغتسل، ~~فمات. فقال النبي صلى الله علي سلم: قتلوه، قتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء ~~العي السؤال. # وكذلك روي حديث عمرو بن العاص، لما أصابته الجنابة في غزوة ذات ~~السلاسل، وكانت ليلة باردة فتيمم، وصلى بأصحابه، بالتيمم، ولما رجعوا ذكروا ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال : يا عمروا أصليت بأصحابك، وأنت جنب ? فقال : ~~يا رسول الله! إني ms0892 سمعت الله يقول : (ولا تقتلوا أنفسكم) فضحك، ~~ولم يقل شيئا . (2 فهذا عمرو قد ذكر أن العبادة المفضية إلى قتل النفس بلا مصلحة ~~مأمور بها، هي من قتل النفس المنهي عنه، وأقره الني صلى الله عليه وسلم الى ذلك. # وقتل الإنسان نفسه حرام بالكتاب، والسنة، والإجماع، كما ثبت عنه في ~~الصحاح أنه قال : «من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة»2) وفي الحديث الآخر: ~~عبدي بادأني بنفسه، فحرمت عليه الجنة، وأوجبت له النار». وحديث القاتل ~~الذي قتل نفسه لما اشتدت عليه الجراح، وكان النبي صلى الله عليه وسلم تبر أنه من أهل النار، PageV01P816 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0817.png) ~~لعلمه بسوء خاتمته، وقد كا صلى الله عليه وسلم ا يصلي على من قتل نفسه؛ ولهذا قال سمرة بن ~~جندب عن ابنه لما أخبر أنه بشم، فقال : لو مات لم أصل عليه. # فينبغي للمؤمن أن يفرق بين ما نهى الله عنه من قصد الإنسان قتل نفسه، أو ~~تسببه في ذلك، وبين ما شرعه الله من بيع إلمؤمنين أنفسهم. وأموالهم له. كما قال ~~تعالى : ( إن الله اشمرىا من المؤمنين أنفسهم وأمولهم بأب لهم الجنة)]، ~~وقال : (ومن ألناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله) أي يبيع نفسه. # والاعتبار في ذلك بما جاء به الكتاب والسنة، لا بما يستحسنه المرء أو يجده، ~~أو يراه من الأمور المخالفة للكتاب والسنة؛ بل قد يكون أحد هؤلاء كما قال عمر بن ~~عبد العزيز : من عبد الله بجهل، أفسد أكثر مما يصلح. # ومما ينبغي أن يعرف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس، ~~وحملها على المشاق، حتى يكون العمل كل ما كان أشق كان أفضل، كما يحسب ~~كثير من الجهال أن الأجر على قدر المشقة، في كل شيء، لا! ولكن الأجر على قدر ~~منفعة العمل، ومصلحته، وفائدته، وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله. فأي العملين ~~كان أحسن، وصاحبه أطوع، وأتبع، كان أفضل. فإن الأعمال لا تتفاضل بالكثرة. ~~وإنما تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل. # ولهذا لما نذرت أخت ms0893 عقبة بن عامر أن تحج ماشية حافية، قال النبي صلى الله عليه وسلم،: إن ~~الله لغني عن تعذيب أختك نفسها، مرها فلتركب. وروي: «أنه أمرها بالهدي، ~~وروي «بالصوم. وكذا حديث جويرية في تسبيحها بالحصى، أو النوى، وقد ~~دخل عليها ضحى، ثم دخل عليها عشية، فوجدها على تلك الحال. وقوله لها : لقد ~~قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لرجحت. # وأصل ذلك أن يعلم العبد أن الله لم يأمرنا إلا بما فيه صلاحنا، ولم ينهنا إلا ~~عما فيه فسادنا؛ ولهذا يثني الله على العمل الصالح، ويأمر بالصلاح والإصلاح، ~~وينهى عن الفساد. # فالله سبحانه إنما حرم علينا الخبائث لما فيها من المضرة والفساد، وأمرنا ~~بالأعمال الصالحة لما فيها من المنفعة والصلاح لنا. وقد لا تحصل هذه الأعمال إلا ~~بمشقة : كالجهاد، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وطلب العلم، ~~فيحتمل تلك المشقة، ويثاب عليها لما يعقبه من المنفعة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عائشة PageV01P817 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0818.png) ~~لما اعتمرت من التنعيم عام حجة الوداع: أجرك على قدر نصبك. وأما إذا ~~كانت فائدة العمل منفعة لا تقاوم مشقته، فهذا فساد، والله لا يحب الفساد. # ومثال ذلك منافع الدنيا، فإن من تحمل مشقة لربح كثير، أو دفع عدو عظيم، ~~كان هذا محمودا. وأما من تحمل كلفا عظيمة، ومشاقا شديدة، لتحصيل يسير من ~~المال، أو دفع يسير من الضرر، كان بمنزلة من أعطى ألف درهم، ليعتاض بمائة ~~درهم . أو مشى مسيرة يوم، ليتغدى غدوة يمكنه أن يتغدى خيرا منها في بلده. # فالأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل، والاقتصاد، والتوسط الذي ~~هو خير الأمور وأعلاها، كالفردوس فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، فمن كان كذلك ~~فمصيره إليه إن شاء الله تعالى. # هذا في كل عبادة لا تقصد لذاتها، مثل الجوع، والسهر، والمشي. # وأما ما يقصد لنفسه مثل معرفة الله، ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، ~~فهذه يشرع فيها الكمال، لكن يقع فيها سرف، وعدوان، بإدخال ما ليس منها فيها، ~~مثل أن يدخل ms0894 ترك الأسباب المأمور بها في التوكل، أو يدخل استحلال المحرمات، ~~وترك المشروعات في المحبة، فهذا هذا. والله سبحانه وتعالى أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن ليلة القدر، وهو معتقل بالقلعة قلعة الجبل سنة ~~ست وسبعمائة # فأجاب: الحمد لله . ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان هكذا صح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : هي في العشر الأواخر من رمضان. وتكون في الوتر ~~منها . # لكن الوتر يكون باعتبار الماضي، فتطلب ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث ~~وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين. # ويكون باعتبار ما بقي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: التاسعة تبقى، لسابعة تبقى، لخامسة ~~تبقى، لثالثة تبقى). فعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليال الإشفاع. ~~وتكون الإثنين وعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى. وهكذا فسره ~~أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح. وهكذا أقام الني لى الله عليه وسلم الشهر. PageV01P818 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0819.png) # وإن كان الشهر تسعا وعشرين، كان التاريخ بالباقي . كالتاريخ الماضي. # وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه. كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم،: تحروها في العشر الأواخر وتكون في السبع الأواخر أكثر. ~~وأكثر ما تكون ليلة سبع وعشرين كما كان أبي بن كعب يحلف أنها ليلة سبع ~~وعشرين. فقيل له : بأي شيء علمت ذلك? فقال بالآية التي أخبرنا رسول الله. ~~أخبرنا أن الشمس تطلع صبحة صبيحتها كالطشت، لا شعاع لها»2) . # فهذه العلامة التي رواها أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم من أشهر العلامات في ~~الحديث، وقد روي في علاماتها أنها ليلة بلجة منيرة وهي ساكنة لا قوية الحر، ~~ولا قوية البرد، وقد يكشفها الله لبعض الناس في المنام، أو اليقظة. فيرى أنوارها، ~~أو يرى من يقول له هذه ليلة القدر، وقد يفتح على قلبه من المشاهدة ما يتبين به ~~الأمر. والله تعالى أعلم. # وسئل غفر الله له : عن ليلة القدر. وليلة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ms0895 ايهما أفضل ? # فأجاب : بأن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي صلى الله عليه وسلم وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى ~~الأمة، فحظ النبي صلى الله عليه وسلم الذاي اختص به ليلة المعراج منها أكمل من حظه من ليلة ~~القدر. # وحظ الأمة من ليلة القدر أكمل من حظهم من ليلة المعراج. وإن كان لهم فيها ~~أعظم حظ. لكل الفضل والشرف والرتبة العليا إنما حصلت فيها، لمن أسرىلله صلى الله عليه وسلم # وسئل رحمه الله تعالى : عن عشر ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان. ~~أيهما أفضل ? # فأجاب : أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر ~~الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة. # قال ابن القيم : وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب. وجده شافيا كافيا. فإنه ~~ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة، وفيها: يوم عرفة، ~~ويوم النحر، ويوم التروية. # وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء، التي كان رسول الله صله صلى الله عليه وسلم حييها ~~كلها، وفيها ليلة خير من ألف شهر. PageV01P819 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0820.png) # فمن أجاب بغير هذا التفصيل، لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة. # وسئل غفر الله له : أيما أفضل: يوم عرفة، أو الجمعة، أو الفطر، أو النحر? # فأجاب : الحمد لله. أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة باتفاق العلماء. وأفضل ~~أيام العام هو يوم النحر. وقد قال بعضهم يوم عرفة، والأول هو الصحيح؛ لأن في ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر لأنه ~~يوم الحج الأكبر في مذهب مالك والشافعي وأحمد، كما ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يوم النحر هو يوم الحج الأكبر # وفيه من الأعمال ما لا يعمل في غيره: كالوقوف بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة ~~وحدها، والنحر، والحلق، وطواف الإفاضة، فإن فعل هذه فيه أفضل بالسنة، واتفاق ~~العلماء، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل نذر أنه يصوم الإثنين والخميس، ثم ms0896 بدا له ~~أن يصوم يوما؛ ويفطر يوما. ولم يرتب ذلك إلا بأن يصوم أربعة أيام. ويفطر ثلاثة أو ~~يفطر أربعة، ويصوم ثلاثة: فأيهما أفضل? أفتونا يرحمكم الله? # فأجاب : الحمد لله. إذا انتقل من صوم الإثنين والخميس إلى صوم يوم وفطر ~~وم، فقد انتقل إلى ما هو أفضل. وفيه نزاع، والأظهر أن ذلك جائز. كما لو نذر ~~الصلاة في المسجد المفضول، وصلى في الأفضل، مثل أن ينذر الصلاة في المسجد ~~الأقصى، فيصلي في مسجد أحد الحرمين. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عما ورد في ثواب صيام الثلاثة أشهر، وما تقول في ~~الاعتكاف فيها، والصمت. هل هو من الأعمال الصالحات? أم لا? # فأجاب : أما تخصيص رجب وشعبان جميعا بالصوم، أو الاعتكاف فلم يرد فيه ~~من النبي صى الله عليه وسلم يء، ولا عن أصحابه. ولا أثمة المسلمين، بل قد ثبت في الصحيح. ~~ن رسولله له صلى الله عليه وسلكان يصوم إلى شعبان، ولم يكن يصوم من السنة أكثر مما يصوم PageV01P820 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0821.png) ~~أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها ~~من الموضوعات المكذوبات، وأكثر ما روي في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ان إذا دخل ~~رجب يقول : اللهم بارك لنا في رجب، وشعبان، وبلغنا رمضان # وقد روى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نهى عن صوم ~~رجب، وفي إسناده نظر، لكن صح أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الناس؛ ~~ليضعوا أيديهم في الطعام في رجب. ويقول: لا تشبهوه برمضان. # ودخل أبو بكر فرأى أهله قد اشتروا كيزانا للماء، واستعدوا للصوم، فقال : لما ~~هذا؟!» فقالوا : رجب، فقال : «أتريدون أن تشبهوه برمضان؟ وكسر تلك الكيزان» . ~~فمتى أفطر بعضا لم يكره صوم البعض. # وفي المسند وغيره: حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنآ أمر بصوم الأشهر الحرم؛ وهي ~~رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. فهذا في صوم الأربعة جميعا، لا من ~~يخصص رجب. # وأما تخصيصها بالاعتكاف ms0897 فلا أعلم فيه أمرا، بل كل من صام صوما مشروعا، ~~وأراد أن يعتكف من صيامه كان ذلك جائزا بلا ريب، وإن اعتكف بدون الصيام، ففيه ~~قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد: # أحدهما : أنه لا اعتكاف إلا بصوم، كمذهب أبي حنيفة، ومالك. # والثاني : يصح الاعتكاف، بدون الصوم. كمذهب الشافعي. # وأما الصمت عن الكلام مطلقا في الصوم، أو الاعتكاف، أو غيرهما، فبدعة ~~مكروهة، باتفاق أهل العلم. لكن هل ذلك محرم، أو مكروه? فيه قولان في مذهبه، ~~وغيره. # وفي صحيح البخاري أن أبا بكر الصديق دخل على امرأة من أحمس فوجدها ~~مصمتة لا تتكلم، فقال لها أبو بكر: إن هذا لا يحل إن هذا من عمل الجاهلية، وفي ~~صحيح البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وألى رجلا قائما في الشمس، فقال : من ~~هذا ? فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس، ولا يستظل، ولا يتكلم ~~ويصوم. فقال : مروه فليجلس وليستظل وليتكلم، وليتم صومه . فأملا صلى الله عليه وسلم ع ~~نذره للصمت، أن يتكلم، كما أمره مع نذره للقيام أن يجلس، ومع نذره أن PageV01P821 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0822.png) ~~لا يستظل، أن يستظل، وإنما أمره بأن يوفي بالصرم فقط. وهذا صريح في أن هذه ~~الأعمال ليست من القرب التي يؤمر بها الناذر. # وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن ~~يعصي الله فلا يعصه . كذلك لا يؤمر الناذر أن يفعلها، فمن فعلها على وجه ~~التعبد بها والتقرب، واتخاذ ذلك دينا وطريقا إلى الله تعالى، فهو ضال جاهل، ~~مخالف لأمر الله ورسوله. ومعلوم أن من يفعل ذلك من نذر اعتكافا، ونحو ذلك، ~~إنما يفعله تدينا، ولا ريب أن فعله على وجه التدين حرام، فإنه يعتقد ما ليس بقربة ~~قربة، ويتقرب إلى الله تعالى بما لا يحبه الله، وهذا حرام، لكن من فعل ذلك قبل ~~بلوغ العلم إليه. فقد يكون معذورا بجهله، إذا لم تقم عليه الحجة، فإذا بلغه العلم ~~فعليه التوبة. # وجماع الأمر ms0898 في الكلام قوله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. فليقل ~~خيرا أو ليصمت» فقول الخير، وهو الواجب، أو المستحب، خير من السكوت ~~عنه، وما ليس بواجب، ولا مستحب، فالسكوت عنه خير من قوله. # ولهذا قال بعض السلف لصاحبه: السكوت عن الشر خير من التكلم به، فقال ~~له الآخر : التكلم بالخير خير من السكوت عنه. وقد قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا إنا ~~تتجيتم فلا تنتجوا بالإثم والعدذوان ومقصيت الرمول وتتبوا بالبر والنقوى) وقال تعالى : ~~( لا خير في ككثير من نجولهم الا من أمر بصدقة آو معروفي أو إصلح بيب الناس ومن يفعل ~~ذلك ابتغآء مر ضات الله فسوف نؤنيه أجرا عظليما). # وفي السنن عن النبي صلى الله علي سلمأء قال : كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا أمرا ~~بمعروف، أو نهيا عن منكر، أو ذكرا لله تعالى والأحاديث في فضائل الصمت ~~كثيرة، وكذلك في فضائل التكلم بالخير والصمت عما يجب من الكلام حرام، سواء ~~اتخذه دينا أو لم يتخذه كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجب أن تحب ما أحبه ~~الله ورسوله، وتبغض ما يبغضه الله ورسوله، وتبيح ما أباحه الله ورسوله، وتحرم ~~ما حرمه الله ورسوله. PageV01P822 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0823.png) # قوله عائشة : «ما زال رسول الله له صلى الله عليه وسلم عتكف العشر الأواخر حتى قبضه الله ~~هذا إشارة إلى مقامه في المدينة وأنه كان يعتكف أداء، أو قضاء، فإنه قد ثبت في الصحيح ~~أنه أراد أن يعتكف مرة، فطلب نساؤه الاعتكاف معه، فرأى أن مقصود بعضهن المباهاة، ~~فأمر بالخيام فقوضت، وترك الاعتكاف ذلك العام، حتى قضاه من شوال. # وه صلى الله عليه وسلم لم يصم رمضان إلا تسع مرات، فإنه فرض في العام الثاني من ~~الهجرة، بعد أن صام يوم عاشوراء، وأمر الناس بصيامه مرة واحدة، فإنه قدم المدينة ~~في شهر ربيع الأول، من السنة الأولى. وقد تقدم عاشوراء فلم يأمر ذلك العام ~~بصيامه، فلما أهل العام الثاني أمر الناس بصيامه، وهل كان أمر إيجاب، أو ~~استحباب? ms0899 على قولين لأصحابنا وغيرهم. والصحيح أنه كان أمر إيجاب ابتدئ في ~~أثناء النهار، لم يؤمروا به من الليل. # فلما كان في أثناء الحول - رجب أو غيره - فرض شهر رمضان وغزا النبي صلى الله عليه وسلم ~~في شهر رمضان ذلك العام - أول شهر فرض - غزوة بدر، وكانت يوم الجمعة لسبع ~~عشرة خلت من الشهر، فلما نصره الله على المشركين أقام بالعرصة بعد الفتح ثلاثا، ~~فدخل عليه العشر وهو في السفر، فرجع إلى المدينة، ولم يبق من العشر إلا أقله، ~~فلم يعتكف ذلك العشر بالمدينة، وكان في تمامه مشغولا بأمر الأسرى، والفداء. ولما ~~شاورهم في الفداء قام فدخل بيته ثم خرج. # وأحواله المنقولة عنه تدل على أنه لم يعتكف تمام ذلك العشر، لكن يمكن أنه ~~قضى اعتكافه كما قضى صيامه، وكما قضى اعتكاف العام الذي أراد نساؤه الاعتكاف ~~معه فيه، فهذا عام بدر. # وأيضا فعام الفتح سنة ثمان، كان قد سافر في شهر رمضان، ودخل مكة في ~~أثناء الشهر، وقد بقي منه أقله، وهو في مكة مشتغل بآثار الفتح، وتسرية السرايا إلى ~~ما حول مكة، وتقرير أصول الإسلام بأم القرى، والتجهز لغزو هوازن، لما بلغه أنهم ~~قد جمعوا له مع مالك بن عوف النضري. وقد أقام بمكة في غزوة الفتح تسع عشرة ~~ليلة يقصر الصلاة. # قالوا : لأنه لم يكن قد أجمع المقام بمكة، لأجل غزو هوازن، فكان مسافرا PageV01P823 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0824.png) ~~فيها غير متفرغ للاعتكاف بمكة ذلك العام. فهذه ثلاثة أعوام لم يعتكف فيها في ~~رمضان ، بل قضى العام الواحد الذي أراد اعتكافه ثم تركه، وأما الآخران - فالله أعلم ~~- أقضاهما مع الصوم، أم لم يقضهما مع شطر الصلاة. فقد ثبت عنه أنه قال : «إذا ~~مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم»1) وثبت عنه ~~أنه قال : لإن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة) : أي الصوم أداء، ~~والشطر أداء وقضاء، فالاعتكاف ملحق بأحدهما. # ولم ينقل عنه أنه قضى اعتكإفا فإنه في السفر، فلا يثبت الجواز، إلا أنه ms0900 لعموم ~~حديث عائشة يبقى فيه إمكان، والله أعلم. PageV01P824 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0825.png) # سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن العمرة هل هي واجبة ? وإن كان فما ~~الدليل عليه؟(2 # فأجاب: # والعمرة في وجوبها قولان للعلماء، هما قولان في مذهب الشافعي وأحمد، ~~والمشهور عنهما وجوبها . والقول الآخر لا تجب، وهو مذهب أبي حنيفة، ~~ومالك. # وهذا القول أرجح، فإن الله إنما أوجب الحج بقوله: (ولله على الناس حج ~~البيت ) ل عمران : ] لم يوجب العمرة، وإنما أوجب إتمامهما. فأوجب ~~إتمامهما لمن شرع فيهما، وفي الابتداء إنما أوجب الحج. وهكذا سائر الأحاديث ~~الصحيحة ليس فيها إلا إيجاب الحج، ولأن العمرة ليس فيها جنس غير ما في الحج، ~~فإنها إحرام وإحلال، وطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وهذا كله داخل في ~~الحج. # وإذا كان كذلك فأفعال الحج لم يفرض الله منها شيئا مرتين، فلم يفرض ~~وقتين، ولا طوافين، ولا سعيين، ولا فرض الحج مرتين. # وطواف الوداع ليس بركن . بل هو واجب، وليس هو من تمام الحج، ولكن كل ~~من خرج من مكة عليه أن يودع. ولهذا من أقام بمكة لا يودع على الصحيح، فوجوبه ~~ليكون آخر عهد الخارج بالبيت، كما وجب الدخول بالإحرام في أحد قولي العلماء ~~لسبب عارض لا كون ذلك واجبا بالإسلام، كوجوب الحج. # ولأن الصحابة المقيمين بمكة لم يكونوا يعتمرون بمكة، لا على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولا على عهد خلفائه، بل لم يعتمر أحد عمرة بمكة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا عائشة وحدها، لسبب عارض. وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. PageV01P825 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0826.png) # وسئل رحمه الله تعالى : عمن حج ولم يعتمر، وتركها إما عامدا أو ناسيا. فهل ~~تسقط عنه بالحج? أم لا? وهل ذكر أحد في ذلك خلافا؟ أم لام1) # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. العمرة في وجوبها قولان مشهوران للعلماء، ~~هما قولان للشافعي، وروايتان عن أحمد والمشهور عن أصحابهما وجوبها، ولكن ~~القول بعدم وجوبها قول الأكثرين: كمالك، وأبي حنيفة، وكلا القولين منقول عن ~~بعض الصحابة. # والأظهر ms0901 أن العمرة ليست واجبة، وأن من حج ولم يعتمر فلا شيء عليه، سواء ~~ترك العمرة عامدا، أو ناسيا؛ لأن الله إنما فرض في كتابه حج البيت بقوله: (ولله على ~~الناس حج البيت ). ولفظ الحج في القرآن لا يتناول العمرة، بل هو سبحانه إذا أراد ~~العمرة ذكرها مع الحج . كقوله : (وأتمنوا الحج والعرة لله) وقوله : (فمن ~~حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما) [البقرة: 158] فلما أمر بالإتمام أمر ~~بإتمام الحج والعمرة، وهذه الآية نزلت عام الحديبية سنة ست باتفاق الناس. وآية آل ~~عمران نزلت بعد ذلك . سنة تسع أو عشر . وفيها فرض الحج . # ولهذا كان أصح القولين أن فرض الحج كان متأخرآ. ومن قال : إنه فرض سنة ~~ست فإنه احتج بآية الإتمام، وهو غلط، فإن الآية إنما أمر فيها بإتمامهما لمن شرع ~~فيهما لم يأمر فيها بابتداء الحج والعمرة. والنبي صى الله عليه وسلم عتمر عمرة الحديبية قبل أن تنزل ~~هذه الآية، ولم يكن فرض عليه لا حج ولا عمرة، ثم لما صده المشركون أنزل الله ~~هذه الآية. فأمر فيها بإتمام الحج والعمرة، وبين حكم المحصر الذي تعذر عليه ~~الإتمام . ولهذا اتفق الأئمة على أن الحج والعمرة يلزمان بالشروع، فيجب إتمامهما. ~~وتنازعوا في الصيام، والصلاة والاعتكاف. # وأيضا فإن العمرة ليس فيها جنس من العمل غير جنس الحج، فإنها إحرام ~~طواف وسعي وإحلال، وهذا كله موجود في الحج. والحج إنما فرضه الله مرة ~~واحدة لم يفرضه مرتين، ولا فرض شيئا من فرائضه مرتين، لم يفرض فيه وقوفين، ~~ولا طوافين؛ بل الفرض طواف الإفاضة، وأما طواف الوداع فليس من الحج، وإنما ~~هو لمن أراد الخروج من مكة، ولهذا لا يطوف من أقام بمكة، وليس فرضا على كل ~~أحد، بل يسقط عن الحائض، ولو لم يفعله لأجزأه دم، ولم يبطل الحج بتركه، ~~بخلاف طواف الفرض، والوقوف. وكذلك السعي لا يجب إلا مرة واحدة، والرمي ~~يوم النحر لا يجب إلا مرة واحدة، ورمي كل جمرة في كل يوم لا يجب إلا مرة ms0902 ~~واحدة، وكذلك الحلق والتقصير لا يجب إلا مرة واحدة. PageV01P826 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0827.png) # فإذا كانت العمرة ليس فيها عمل غير أعمال الحج، وأعمال الحج إنما فرضها ~~الله مرة، لا مرتين، علم أن الله لم يفرض العمرة. # والحديث المأثور في «أن العمرة هي الحج الأصغر قد احتج به بعض من ~~أوجب العمرة، وهو إنما يدل على أنها لا تجب؛ لأن هذا الحديث دال على حجين: ~~أكبر، وأصغر. كما دل على ذلك القرآن في قوله: (يوم الحج الأتبر) ~~وإذا كان كذلك فلو أوجبناها لأوجبنا حجين: أكبر، وأصغر، والله تعالى لم يفرض ~~حجين، وإنما أوجب حجا واحدا، والحج المطلق إنما هو الحج الأكبر، وهو الذي ~~فرضه الله على عباده، وجعل له وقتا معلوما، لا يكون في غيره كما قال : (يوم الحج ~~الأكبر )، بخلاف العمرة فإنها لا تختص بوقت بعينه، بل تفعل في سائر شهور ~~العام. # ولأن العمرة مع الحج كالوضوء مع الغسل، والمغتسل للجنابة يكفيه الغسل، ~~ولا يجب عليه الوضوء عند جمهور العلماء . فكذلك الحج؛ فإنهما عبادتان من جنس ~~واحد : صغرى، وكبرى. فإذا فعل الكبرى لم يجب عليه فعل الصغرى، ولكن فعل ~~الصغرى أفضل وأكمل كما أن الوضوء مع الغسل أفضل وأكمل. # وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لكنه أمرهم بأمر التمتع وقال : «دخلت العمرة ~~في الحج إلى يوم القيامة كما قد بسط في موضع آخر . والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى: عن امرأة حجت حجة الإسلام، وما اعتمرت، وفي ~~العام الثاني قصدت أن تحج عن بنتها، وكانت بالأول أحرمت بحج وعمرة، فهل عليها ~~عمرة أخرى?2 # فأجاب : لا عمرة عليها لما مضى، وأما إذا اعتمرت في هذا العام عن نفسها ~~غير العمرة عن بنتها جاز ذلك. # وسئل رحمه الله: # ماذا يقول أهل العلم في رجل آتاه ذو العرش مالا حج واعتمرا # فهزه الشوق نحو المصطفى طربا أترون الحج أفضل أم إيثاره الفقرا # أم حجه عن أبيه ذاك أفضل أم ماذا الذي يا سادتي ظهرا # فأفتوا محبا لكم فديتكمو وذكركم دأبه إن غاب أو ms0903 حضرا PageV01P827 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0828.png) ~~347 ~~فأجاب : ~~قول فيه : بأن الحج أفضل من فعل التصدق والإعطاء للفقرا ~~والحج عن والديه فيه برهما والأم أسبق في البر الذي ذكرا ~~لكن إذا الفرض خص الأب كان إذا هو المقدم فيما يمنع الضررا ~~كما إذا كان محتاجا إلى صلة وأمه قد كفاها من # وأمه قد كفاها من يرى البشرا ~~هذا جوابك يا هذا موازنة وليس مفتيك معدودا من الشعرا ~~وسئل غفر الله له : هل يجوز أن تحج المرأة بلا محرم؟(1) ~~فأجاب : إن كانت من القواعد اللاتي لم يحضن، وقد يئست من النكاح، ~~ولا محرم لها. فإنه يجوز في أحد قولي العلماء أن تحج مع من تأمنه، وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد، ومذهب مالك والشافعي. ~~وقال رحمه الله(2): # فصل ~~يجوز للمرأة أن تحج عن امراة أخرى باتفاق العلماء، سواء كانت بنتها، أو غير ~~نتها، وكذلك يجوز أن تحج المرأة عن الرجل عند الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء ~~كما أمر النبي صلى الله ليه وسلم المرأة الخثعمية أن تحج عن أبيها، لما قالت: يا رسول الله! إن ~~فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي، وهو شيخ كبير. فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~تحج عن أبيها) ، مع أن إحرام الرجل أكمل من إحرامها. والله أعلم. ~~وقال رحمه الله تعالى: # فصل ~~في الحج عن الميت، أو المعضوب بمال ياخذه إما نفقة، فإنه جائز بالاتفاق، ~~أو بالإجارة أو بالجعالة على نزاع بين الفقهاء في ذلك، سواء كان المال المحجوج به ~~وصى به لمعين، أو عين مطلق، أو مبذول، أو مخرج من صلب التركة. فمن ~~أصحاب الشافعي من استحب ذلك، وقال: هو من أطيب المكاسب؛ لأنه يعمل PageV01P828 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0829.png) ~~صالحا ويأكل طيبا. والمنصوص عن أحمد أنه قال : لا أعرف في السلف من كان ~~يعمل هذا، وعده بدعة، وكرهه. ولفظ نصه مكتوب في غير هذا الموضع. ولم يكره ~~إلا الإجارة والجعالة. # قلت : حقيقة الأمر في ذلك أن الحاج يستحب له ذلك إذا كان مقصوده أحد ~~شيئين: الإحسان إلى المحجوج عنه، ms0904 أو نفس الحج لنفسه. # وذلك أن الحج عن الميت إن كان فرضا فذمته متعلقة به، فالحج عنه إحسان ~~إليه بإبراء ذمته، بمنزلة قضاء دينه . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الخثعمية : أرأيت لو كان على ~~أبيك دين فقضيتيه أكان يجزي عنه ? قالت: نعم، قال : فالله أحق بالقضاء وكذلك ~~ذكر هذا المعنى في عدة أحاديث، بين أن الله لرحمته وكرمه أحق بأن يقبل قضاء ~~الدين عمن قضي عنه، فإذا كان مقصود الحاج قضاء هذا الدين الواجب عن هذا، ~~فهذا محسن إليه، والله يحب المحسنين، فيكون مستحبا، وهذا غالبا إنما يكون ~~لسبب يبعثه على الإحسان إليه، مثل رحم بينهما، أو مودة وصداقة، أو إحسان له ~~عليه يجزيه به، ويأخذ من المال ما يستعين به على أداء الحج عنه؛ وعلامة ذلك أن ~~يطلب مقدار كفاية حجه، ولهذا جوزنا نفقة الحج بلا نزاع. وكذلك لو وصى بحجة ~~مستحبة، وأحب إيصال ثوابها إليه. # والموضع الثاني : إذا كان الرجل مؤثرا أن يحج محبة للحج وشوقا إلى ~~المشاعر، وهو عاجز فيستعين بالمال المحجوج به على الحج، وهذا قد يعطى المال ~~ليحج به لا عن أحد، كما يعطى المجاهد المال ليغزو به، فلا شبهة فيه، فيكون لهذا ~~أجر الحج ببدنه، ولهذا أجر الحج بماله، كما في الجهاد فإنه من جهز غازيا فقد غزا، ~~وقد يعطى المال ليحج به عن غيره، فيكون مقصود المعطي الحج عن المعطى عنه، ~~ومقصود الحاج ما يحصل له من الأجر بنفس الحج لا بنفس الإحسان إلى الغير. # وهذا يتوجه على أصل أبي حنيفة حيث قال: الحج يقع عن الحاج، وللمعطي ~~أجر الانفاق، كالجهاد. وعلى أصلنا فإن المصلي والصائم والمتصدق عن الغير ~~والحاج عن الغير له قصد صالح في ذلك العمل، وقصد صالح في عمله عن الغير. ~~وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ف قال : لالخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به تحاملا موفرآ طيبة به ~~نفسه أحد المتصبدقين فجعل للوكيل مثل الموكل في الصدقة، وهو نائب، وقال: ~~إذا أنفقت المرأة من بيت ms0905 زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، وللزوج أجره PageV01P829 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0830.png) ~~بما اكتسب، وللخادم مثل ذلك»1 فكذلك النائب في الحج، وسائر ما يقبل النيابة ~~من الأعمال له أجر . وللمستنيب أجر. # وهذا أيضا إنما يأخذ ما ينفقه في الحج كما لا يأخذ إلا ما ينفقه في الغزو. ~~فهاتان صورتان مستحبتان، وهما الجائزتان من أن يأخذ نفقة الحج ويرد الفضل، وأما ~~إذا كان قصده الاكتساب بذلك، وهو أن يستفضل مالا، فهذا صورة الإجارة ~~والجعالة، والصواب أن هذا لا يستحب، وإن قيل بجوازه لأن العمل المعمول للدنيا ~~ليس بعمل صالح في نفسه، إذا لم يقصد به إلا المال، فيكون من نوع المباحات. ~~ومن أراد الدنيا بعمل الآخرة فليس له في الآخرة من خلاق. # ونحن إذا جوزنا الإجارة والجعالة على أعمال البر التي يختص أن يكون فاعلها ~~من أهل القرب لم نجعلها في هذه الحال إلا بمنزلة المباحات، لا نجعلها من لباب ~~القرب فإن الأقسام ثلاثة : إما أن يعاقب على العمل بهذه النية، أو يثاب، أو لا يثاب ~~ولا يعاقب. # وكذلك المال المأخوذ: إما منهي عنه، وإما مستحب، وإما مباح فهذا هذا والله ~~علم . لكن قد رجحت الإجارة على2 إذا كان محتاجا إلى ذلك المال للنفقة مدة ~~الحج، وللنفقة بعد رجوعه أو قضاء دينه، فيقصد إقامة النفقة وقضاء الدين الواجب ~~عليه فهنا تصير الأقسام ثلاثة : إما أن يقصد الحج والإحسان فقط، أو يقصد النفقة ~~المشروعة له فقط، أو يقصد كلاهما، فمتى قصد الأول فهو حسن، وإن قصدهما معا ~~فهو حسن إن شاء الله؛ لأنهما مقصودان صالحان، وأما إن لم يقصد إلا الكسب ~~لنفقته فهذا فيه نظر. والمسألة مشروحة في مواضع. # وسئل رحمه الله تعالى : عمن حج عن الغير ليوفي دينه؟! # فأجاب: أما الحاج عن الغير لأن يوفي دينه، فقد اختلف فيها العلماء ايهما ~~نضل . والأصح أن الأفضل الترك، فإن كون الإنسان يحج لأجل أن يستفضبل شييا من ~~النفقة ليس من أعمال السلف، حتى قال الإمام أحمد: ما أعلم أحدا كان يحج عن ~~أحد ms0906 بشيء. ولو كان هذا عملا صالحا لكانوا إليه مبادرين، والارتزاق بأعمال البر ~~ليس من شأن الصالحين . أعني إذا كان إنما مقصوده بالعمل اكتساب المال، وهذا ~~المدين يأخذ من الزكاة ما يوفي به دينه خير له من أن يقصد أن يحج ليأخذ دراهم ~~يوفي بها دينه، ولا يستحب للرجل أن ياخذ مالا يحج به عن غيره، إلا لأحد رجلين: PageV01P830 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0831.png) # إما رجل يحب الحج. ورؤية المشاعر، وهو عاجز. فيأخذ ما يقضي به وطره ~~الصالح، ويؤدي به عن أخيه فريضة الحج. # أو رجل يحب أن يبرئ ذمة الميت عن الحج، إما لصلة بينهما، أو لرحمة عامة ~~بالمؤمنين، ونحو ذلك، فيأخذ ما يأخذ ليؤدي به ذلك. وجماع هذا أن المستحب أن ~~يأخذ ليحج لا أن يحج ليأخذ، وهذا في جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح، ~~فمن ارتزق ليتعلم، أو ليعلم، أو ليجاهد، فحسن. كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: ~~مثل الذين يغزون من أمتي. ويأخذون أجورهم. مثل أم موسى ترضع ابنها وتأخذ ~~أجرها»1 شبههم بمن يفعل الفعل لرغبة فيه كرغبة أم موسى في الإرضاع، بخلاف ~~الظئر المستأجر على الرضاع، إذا كانت أجنبية. وأما من اشتغل بصورة العمل الصالح ~~لأن يرتزق فهذا من أعمال الدنيا. # ففرق بين من يكون الدين مقصوده والدنيا وسيلة، ومن تكون الدنيا مقصوده ~~والدين وسيلة . والأشبه أن هذا ليس له في الآخرة من خلاق، كما دلت عليه نصوص ~~ليس هذا موضعها. # وسئل رحمه الله تعالى : عن رجل خرج حاجا إلى بيت الله الحرام بالزاد ~~والراحلة، فأدركه الموت في الطريق فهل يسقط عنه الفرض ? أم لا? # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. لا يسقط عنه بذلك، ثم إن كان خرج إلى ~~الحج حين وجب عليه من غير تفريط مات غير عاص، وإن فرط بعد الوجوب مات ~~عاصيا، ويحج عنه من حيث بلغ، وإن كان قد خلف مالا فالنفقة من ذلك واجبة، في ~~أظهر قولي العلماء. # وتفصيل ذلك : أنه إذا استطاع الحج بالزاد والراحلة وجب عليه الحج ~~بالإجماع، ms0907 فإن حج عقب ذلك بحسب الإمكان ومات في الطريق وجب أجره على ~~الله، ومات وهو غير عاص، وله أجر نيته وقصده. # فإن كان فرط، ثم خرج بعد ذلك ومات قبل أداء الحج، مات عاصيا آثما، وله ~~أجر ما فعله، ولم يسقط عنه الفرض بذلك، بل الحج باق في ذمته، ويحج عنه من ~~حيث بلغ. والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عما حكى أصحابنا - رحمهم الله - في الإحرام. هل ~~هو ركن? أم لا? ثم إنهم ذكروا في موضع آخر: أن الإحرام عبارة عن نية الحج، PageV01P831 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0832.png) ~~فكيف يتصور الخلاف في النية، مع أنه لا يتصور وجود الحج الشرعي بدونها، أبن لنا ~~عن هذا مثابا، معظم الأجر?) # فأجاب : الحمد لله رب العالمين، الجواب من طريقين: إجمالي وتفصيلي. # أما الإجمالي فنقول : أما النية للحج والعمرة فلا خلاف بين أصحابنا، وسائر ~~المسلمين أن الحج لا يصح إلا بها، إما من الحاج نفسه، وإما من يحج به، كما يحج ~~ولي الصبي، ولو عمل الرجل أعمال الحج من غير قصد لم يصح الحج، كما ~~لا تصح الصلاة والصوم بغير نية، وسواء قيل : إن الحج ينعقد بمجرد النية، أو ~~لا ينعقد إلا بها وبشيء آخر من قول أو عمل : من تلبية، أو تقليد هدي، على ~~الخلاف المشهور بين العلماء في ذلك. # وسواء قلنا : إن الإحرام ركن، أم ليس بركن، وهذا أمر لا يقبل الخلاف، فإن ~~العبادات المقصودة يمتنع أن تكون هي العبادات المأمور بها بدون النية. # وأما انعقاد الإحرام بمجرد النية، ففيه خلاف في المذهب وغيره، كما سنذكره ~~إن شاء الله تعالى. # وفرق بين النية المشترطة للحج، والنية التي ينعقد بها الإحرام، فإن الرجل ~~يمكنه أن ينوي الحج من حين يخرج من بيته، كما هو الواقع، ويقف ويطوف ~~مستصحبا لهذه النية، ذكرا وحكما، وإن لم يقصد الإحرام ولا يخطر بقلبه. # وأصل ذلك أن النية المعهودة في العبادات تشتمل على أمرين: على قصد ~~العبادة، وقصد المعبود. وقصد المعبود هو الأصل الذي دل عليه قوله سبحانه : (وما ~~مروا ms0908 إلا ليعبدوا الله مخلمين له الدين ) وقول البي صلى الله عليه وسلم : فمن كانت هجرته إلي ~~الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ~~ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه»(2) # فإنه ا عله :لم ميز بين مقصود، ومقصود، وهذا المقصود في الجملة لا بد منه في ~~كل فعل اختياري. قال النبي صلى الله عليه وسلم: أصدق الأسماء حارث وهمام2) فإن كل بشر ~~بل كل حيوان لا بد له من همة، وهو الإرادة، ومن حرث وهو العمل؛ إذ من لوازم ~~الحيوان أنه يتحرك بإرادته، ثم ذلك الذي يقصده هو غايته، وإن كان قد يحدث له بعد PageV01P832 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0833.png) ~~ذلك القصد قصد آخر، وإنما تطمئن النفوس بوصولها إلى مقصودها. # وأما قصد العبادة فقصد العمل الخاص، فإن من أراد الله والدار الآخرة بعمله، ~~فقد يريده بصلاة، وقد يريده بحج. وكذلك من قصد طاعته بامتثال ما أمره به، فقد ~~أطاعه في هذا العمل . وقد يقصد طاعته في هذا العمل، فهذا القصد الثاني مثل قصد ~~الصلاة دون الصوم، ثم صلاة الظهر دون صلاة العصر، ثم الفرض دون النفل، وهذه ~~النية التي تذكر غالبا في كتب الفقه المتأخرة، وكل واحدة من النيتين فرض في ~~الجملة. # أما الأولى : فبها يتميز من يعبد الله مخلصا له الدين ممن يعبد الطاغوت، أو ~~يشرك بعبادة ربه، ومن يريد حرث الآخرة ممن يريد حرث الدنيا، وهو الدين الخالص ~~لله الذي تشترك فيه جميع الشرائع، الذي نهى الأنبياء عن التفرق فيه. كما قال تعالى: ~~(شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إترهيم وموسى وعيسي أن أقيموا ~~الدين ولا تنفرقوا فيه). # ولهذا كان دين الأنبياء واحدا، وإن كانت شرائعهم متنوعة، قال تعالى : (وسئل ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان الهة يعبدون ) وقال ~~تعالى : (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون )ء: ~~5 وقال تعالى : (ولقد بعثنا فى كل ms0909 أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطدغوت) ~~[النحل : وقال تعالى: (وما خلقت الن والإنس إلا ليعبدون) وقال ~~تعالى : (يتأئا الناس اعبدواربكم)ر. # وأما النية الثانية: فبها تتميز أنواع العبادات، وأجناس الشرائع، فيتميز المصلي ~~من الحاج والصائم، ويتميز من يصلي الظهر ويصوم قضاء رمضان ممن يصلي العصر ~~ويصوم شيئا من شوال، ويتميز من يتصدق عن زكاة ماله ممن يتصدق من نذر عليه أو ~~كفارة. # وأصناف العبادات مما تتنوع فيه الشرائع، إذ الدين لا قوام له إلا الشريعة، إذ ~~أعمال القلوب لا تتم إلا بأعمال الأبدان، كما أن الروح لا قوام لها إلا بالبدن. أعني ~~ما دامت في الدنيا. # وكما أن معاني الكلام لا تتم إلا بالألفاظ، وبمجموع اللفظ والمعنى يصير ~~الكلام كلاما، وإن كآن المعنى لا يختلف باختلاف الأمم، واللفظ يتنوع بتنوع الأمم، ~~ثم قد يكون لغة بعض الأمم أبلغ في إكمال المعنى من بعض، وبعض ألفاظ اللغة أبلغ ~~تماما للمعنى من بعض. # فالدين العام يتعلق بقصد القلب، ثم لا بد من عمل بدني يتم به القصد PageV01P833 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0834.png) ~~ويكمل، فتنوعت الأعمال البدنية كذلك، وتنوعت لما اقتضته مشيئة الله ورحمته ~~لعباده، وبحكمته في أمره، وإنما وجب كل واحد من النيتين؛ لأن الله فرض علينا أن ~~نقيم دينه بالشريعة التي بعث بها رسوله محمدا صى الله عليه وسلم، إذ لا يقبل منا أن نعبده بشريعة ~~غيرها . # والأعمال المشروعة مؤلفة من أقوال وأعمال مخصوصة، قد يعتبر لها أوقات ~~وأمكنة مخصوصة، وصفات، كلما كان فرضا علينا أن نعبد الله، وأن تكون العبادة ~~على وصف معين، كان فرضا علينا أن نقصده القصد الذي نكون به عابدين. والقصد ~~الذي به نكون عابدين بنفس العمل الذي أمر به. # ثم اعلم أن النيات قد تحصل جملة، وقد تحصل تفصيلا، وقد تحصل بطريق ~~التلازم، وقد تتنوع النيات حتى يكون بعضها أفضل من بعض، بحيث يسقط الفرض ~~بأدناها، لكن الفضل لمن أتى بالأعلى. وقد يكون الشيء مقصودا بالقصد الثاني دون ~~الأول، ثم قد يحضر الإنسان القصد الثاني، ويذهل عن القصد الأول، ms0910 فإن الإنسان ~~في قصده العبادة قد يريد وجه الله من حيث الجملة، أو يريد طاعته، أو عبادته، أو ~~التقرب إليه، أو يريد ثوابه من غير أن يستشعر ثوابا معينا، أو يرجو ثوابا معينا في ~~لآخرة، أو في الدنيا، أو فيهما، أو يخاف عقابا إما مجملا، وإما مفصلا. وتفاصيل ~~هذه النيات باب واسع . # وهو بهذا الاعتبار قد لا يكون له غرض في نوع من الأعمال البدنية دون نوع إلا ~~باعتبار تقييس ذلك نية نوع العمل، فإن من قصد الحج قد يكون قد استشعر الحج من ~~حيث الجملة، وهو أنه قصد مكان معين، فيقصد ما استشعره من غير علم، ولا قصد ~~تفصيل أعماله من وقوف وطواف، وترك محظورات، وغير ذلك؛ بل إنما تصير ~~تفاصيل أعمال الحج مقصودة، إذا استشعرها، وقد يكون عالما بجنس أعمال الحج، ~~وإنها وقوف، وطواف، ونحو ذلك؛ لأنها قد وصفت له. وإن لم يعلم عين المكان، ~~وصورة الطواف، فينوي ذلك. وقد يعلم ذلك كله فينوي ما قد علمه. # وكذلك الكافر إذا أسلم، وقلنا له: قد وجبت عليك الصلاة، فإنه يلتزمها ~~وينويها لاستشعاره لها جملة، ولم يعلم صفتها؛ بل كل من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم ميانا ~~راسخا، فإن إيمانه متضمن لتصديقه فيما أخبره، وطاعته فيما أمره، وإن لم يعلم ولم ~~يقصد أنواع الأخبار والأعمال، ثم عند العلم بالتفصيل: إما أن يصدق، ويطيع، ~~فيصير من الذين أمنوا وعملوا الصالحات، أو يخالف ذلك فيصير إما منافقا، وإما ~~عاصيا فاسقا، أو غير ذلك. # وهذا يبين لك أن الأقسام ثلاثة : رجل يقصد عبادة الله وطاعته ولم يقصد العمل ~~المعين المامور به : كرجل له اموال ينفق منها على السائل والمحروم، مريدا بذلك PageV01P834 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0835.png) ~~وجه الله من غير أن يخطر بباله لا زكاة، ولا كفارة، ولا وضعها في الأصناف ~~الثمانية دون بعض . فهذا يثاب على ما يعمله لله سبحانه، لكن بقي في عهدة الأمر ~~بالواجبات . # ورجل قد يقصد العمل المعين، من غير أن يقصد طاعة الله وعبادته، كمن يدفع ~~زكاة ماله إلى السلطان؛ ms0911 لئلا يضرب عنقه، أو ينقص حرمته، أو يأخذ ماله، أو قام ~~يصلي خوفا على دمه، أو ماله أو عرضه. وهذه حال المنافقين عموما، والمرائين في ~~بعض الأعمال، خصوصا. كما قال تعالى : (وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى يرآءون ~~الناس) ] وقال : ( فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم ~~يرآوب * ويمنهون الماعون) - وقال تعالى : (ولا يأتون الصلوة إلا وهم ~~كسالى ولا ينفقون إلا وهم كنرهون). # والقسم الثالث : أن يقصد فعل ما أمر به من ذلك العمل المعين لله سبحانه. ~~واتفق الفقهاء على أن نية نوع العمل الواجب لا بد منها في الجملة، فلا بد أن يقصد ~~الصلاة أو الحج أو الصيام، ولهم في فروع ذلك تفصيل وخلاف ليس هذا موضعه. # واختلفوا في النية الأولى: وهي نية الإضافة إلى الله تعالى، من أصحابنا من ~~قال : لا تجب نية الإضافة إلى الله تعالى، ومنهم من فرق بين العبادات المقصودة، ~~كالصلاة، والحج، والصوم، وغير المقصودة كالطهارة والتيمم، وكذلك أصحاب ~~الشافعي لم يعتبروا نية الإضافة إلى الله تعالى، في أصح الوجهين. # وذلك لأن نفس نية فعل العبادة، تتضمن الإضافة، كما تتضمن عدد الركعات، ~~فإن الصلاة لا تشرع إلا لله تعالى، كما أن صلاة الظهر في الحضر لا تكون إلا أربع ~~ركعات، فلهذا لم تجب نية الإضافة. # وأيضا : النية الحكمية تقوم مقام النية المستحضرة، وإن كانت النية المستحضرة ~~أكمل وأفضل، فإذا نوى العبد صلاة الظهر في أول الأمر أجزأه استصحاب النية ~~حكما، فكذلك العبد المؤمن الذي دخل الإيمان في قلبه قد نوى نية عامة . إن عباداته ~~هي له لا لغيره، فإنه إن لم يكن كذلك كان منافقا. # فإذا نوى عبادة معينة من صلاة وصوم كان مستصحبا لحكم تلك النية الشاملة ~~لجميع أنواع العبادات، كما أنه في الصلاة إذا نوى الركوع والسجود في أثناء الصلاة، ~~كان مستصحبآ لحكم نية الظهر أو العصر الشاملة لجميع أعمال الصلاة، ثم إن أتى بما ~~ينقض علم تلك أفسدها فإنه يكون فاسخا لها كما لو فسخ نية الصلاة في أثنائها، فإذا ms0912 ~~قام يصلي لئلا يضرب أو يؤخذ ماله، أو أدى الزكاة لئلا يضرب : كان قد فسخ تلك ~~النية الإيمانية. # فلهذا كان الصحيح عندنا وعند أكثر العلماء أن هذه العبادة فاسدة لا يسقط PageV01P835 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0836.png) ~~الفرض بهذه النية، وقلنا : إن عبادات المرائين الواجبة باطلة، وأن السلطان إذا أخذ ~~الزكاة من الممتنع من أدائها لم يجزه في الباطن على أصح الوجهين، لكن لما كان ~~غالب المسلمين يولد بين أبوين مسلمين، يصيرون مسلمين إسلاما حكميا من غير أن ~~يوجد منهم إيمان بالفعل، ثم إذا بلغوا فمنهم من يرزق الإيمان الفعلي، فيؤدي ~~الفرائض ومنهم من يفعل ما يفعله بحكم العادة المحضة، والمتابعة لأقاربه، وأهل ~~بلده، ونحو ذلك : مثل أن يؤدي الزكاة لأن العادة أن السلطان يأخذ الكلف، ولم ~~يستشعر وجوبها عليه لا جملة ولا تفصيلا. فلا فرق عنده بين الكلف المبتدعة، وبين ~~الزكاة المشروعة، أو من يخرج من أهل مكة [كل] سنة إلى عرفات؛ لأن العادة جارية ~~بذلك ، من غير استشعار أن هذا عبادة لله. لا جملة ولا تفصيلا، أو يقاتل الكفار لأن ~~قومه قاتلوهم، فقاتل تبعا لقومه، ونحو ذلك. فهؤلاء لا تصح عبادتهم بلا تردد، بل ~~نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة قاضية بأن هذه الأعمال لا تسقط الفرض، ~~فلا يظن ظان أن قول من قال من الفقهاء : أن نية الإضافة ليست واجبة : أراد مثل ~~هؤلاء ؛ وإنما اكتفى فيها بالنية الحكمية، كما قدمناه. # ففرق بين من لم يرد الله بعمله لا جملة ولا تفصيلا، وبين من أراده جملة ~~وذهل عن إرادته بالعمل المعين تفصيلا . # فإن أحدا من الأمة لا يقول: إن الأول عابد لله، ولا مؤد لما أمر به أصلا؛ ~~وهذا ظاهر، ومن أصحابنا من اشترط هذه النية عند العمل المعين، فقال : النية ~~الواجبة في الصلاة أن يعتقد أداء فعل ما افترض الله عليه، من فعل الصلاة بعينها، ~~وامتثال أمره الواجب من غير رياء، ولا سمعة. ولفظ بعضهم: اتباع أمره، وإخلاص ~~العمل له. وعلى هذا يدل كلام أكثرهم، فإنهم يستدلون على النية الواجبة في الطهارة ms0913 ~~والصلاة ونحوهما بقوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) قالوا: ~~وإخلاص الدين هو النية. ومن اغتسل للتبرد أو التنظف لم يخلص الدين لله، ~~و يستدلون بقوله : (من كان يربيد حرث الأخرة نزد له فى حرثة ومن كاب يريد حرث الدنبانآوته ~~منها وماله فى الاخرة من نصيب) قالوا : ومن اغتسل للتبرد والتنظيف لم ~~يرد حرث الآخرة فيجب أن لا يخلص له . # ومعلوم أن هاتين الآيتين تدلان على وجوب العمل لله والدار الآخرة، أبلغ من ~~دلالتهما على وجوب نية العمل المعين؛ لكن من نصر الوجه الأول قد يقول: نية ~~النوع مستلزمة لنية الجنس فإن من نوى العمل المعين فقد نوى العمل لله بحكم إيمانه ~~كما تقدم . # ومن نصر الثاني يقول: النية الواجية لا تتقدم على العمل بعشرين سنة، بل إنما PageV01P836 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0837.png) # وأيضا : فالدليل الظاهر، والقياس يوجب وجود النية المحضرة في جميع ~~العبادة، وإنما عفي عن استصحابها في أثناء العبادة، لما في ذلك من المشقة، ~~ولا مشقة في نية العبادة لله عند فعل كل عبادة. # وأيضا فغالب الناس إسلامهم حكمي، وإنما يدخل في قلوبهم في أثناء الأمر، ~~إن دخل . فإن لم توجب عليهم هذه النية لم يقصدوها، فتخلو قلوبهم منها، فيصيرون ~~منافقين، إنما يعملون الأعمال عادة ومتابعة، كما هو الواقع في كثير من الناس. # وسئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى - عن ~~التمتع والقران أيهما أفضل? # فأجاب : الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن ~~سيئات أعمالنا . من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم تسليما. # لا يختلف مذهب أحمد أنه إذا قدم في أشهر الحج، ولم يسق الهدي فالتمتع ~~الخاص أفضل له، وهو أن يتمتع بعمرة فيحل منها إذا طاف بالبيت، وبين الصفا ~~والمروة. ثم يحرم بالحج . # وأما إذا ساق الهدي، فنقل المروذي عنه، أن القران أفضل. فمن أصحابنا ms0914 من ~~جعل هذا رواية ثانية عن أحمد . وجعلوا فيها إذا ساق الهدي : هل الأفضل التمتع? أو ~~القران؟ على روايتين. # وهذه طريقة المتأخرين الذين قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم ج متمتعا، فإنه على هذا ~~القول يكون النبي صلى الله ليه وسلم تع، وساق الهدي، وأمر أصحابه بالتمتع، فلا يبقى لاختيار ~~القران وجه. # ولكن المنصوص عن أحمد الذي عليه أئمة أصحابه المتقدمون، أنه حج قارنا، ~~ولكن أمر أصحابه بالتمتع - من لم يسق الهدي - أن يحل من إحرامه، ويجعلها متعة. ~~وقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة. # وعلى هذا القول فهذا من باب المطلق والمقيد، فإن أحمد لم ينص على أنه من ~~ساق الهدي فالتمتع أفضل له . بل إنما اختار التمتع لأمر النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه به. ~~ولقوله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة. PageV01P837 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0838.png) ~~والنبي صلى الله عليه وسلمأنا أمر بالتحلل من لم يسق الهدي، وإنما اختار أن يجعلها عمرة، ~~ولا يحل من لم يختر أن يجعلها عمرة مع سوق الهدي. # وأيضا فإن أحمد لم يقل : إن النبي صلى الله عليه وسلم عج متمتعا - التمتع الخاص - بل نص ~~على أن النبي صلى الله عليه وسلم عج قارنا. وقال : لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم ان قارنا، والتمتع أحب ~~إلي؛ لأنه آخر الأمرين من رسول الال صلى الله عليه وسلم، فإنه قال : للو استقبلت من أمري ~~ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة . فكلامه إنما كان في أيهما أفضل : أن ~~يسوق ويقرن، أو يتمتع ولا يسوق? . لأنه إذا ساق الهدي لم يجز له أن يتحلل. فهذا ~~مما يختلف فيه الاجتهاد، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم، لو استقبلت من أمري ما استدبرت ~~لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة هل كان لأن التحلل بعمرة أفضل من القران، أم ~~لا . موافقة لأصحابه لما أمرهم بالتحلل فشق ذلك عليهم. فهذا مورد اجتهاد. ولم ~~يختلف كلام أحمد أن من لم ms0915 يسق الهدي وقدم في أشهر الحج فالتمتع أفضل له. # وأيضا : فإنه إذا ساق الهدي، وقدم في العشر لم يجز له التحلل عند أحمد، ~~وأبي حنيفة، وغيرهما حتى ينحر الهدي يوم النحر، سواء كان متمتعا التمتع الخاص، ~~أو قارنا. وحينئذ فلا فرق بين المتمتع والقارن عند أحمد إلا في شيئين: # أحدهما : أن القارن يكون قد أحرم بالحج قبل الطواف، سواء أحرم بالحج مع ~~العمرة، أو أحرم بالعمرة، ثم أدخل عليها الحج. بأنه في كلاهما قارن باتفاق الأئمة. # وأما المتمتع الخاص: فإنه يؤخر إحرامه بالحج إلى ما بعد قضاء العمرة. ~~ومعلوم حينئذ أن تقديم الإحرام بالحج أفضل من تأخيره فيكون القران أفضل لمن ~~ساق الهدي. # الثانى : أن القارن عنده لا يطوف بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة، كالمفرد. ~~وأما المتمتع فقد اختار له أن يسعى سعيين، ونص على أنه يجزيه سعي واحد ~~كالمفرد، والقارن. وحينئذ فيكون قد تميز بسعي زائد مستحب، لكن هو أيضا ~~يستحب للمتمتع أن يطوف أولا بعد عرفة طواف القدوم، فيكون المتمتع قد طاف بعد ~~عرفة مرتين، وسعى سعيا ثانيا. # وأما القارن فإنه يعمل ما يعمله المفرد، لكن كل هذا فيه نزاع، وفي مذهبه قول ~~آخر : إن السعي الثاني واجب على المتمتع. # وقول : إن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين، كمذهب أبي حنيفة. # وقول: إن المتمتع لا يستحب له طواف القدوم، وهذا هو الصواب، بل ~~ولا يستحب له سعي ثان. فإن الصحابة الذين حجوا مع البي صلى ال عليه وسلم م يسيعوا إلا مرة ~~واحدة، وبهذا يظهر فضل القارن إذا ساق الهدي، على المتمتع الغير السانآق. PageV01P838 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0839.png) # وأما إذا حصل في عمل المتمتع زيادة سعي واجب، أو مستحب، أو زيادة ~~طواف مستحب، فقد يقال : إنه أفضل من هذا الوجه، لكن هو خلاف سنة ~~رسولالله صل صلى الله عليه وسلم # وأيضا : فلو سلم استحباب ذلك، لم يسلم أن كلما زاد عملا كان أفضل، بل ~~الأفضل قد يكون هو الأيسر، كما أن التمتع أفضل من الإفراد، وهو أيسر، والفطر في ~~السفر ms0916 أفضل، وهو أيسر، وكذلك القصر أفضل من التربيع، وهو أيسر. # وقد يفضل المتمتع بأن طوافه الأول يكون واجبا، لأنه طواف عمرة، والقارن ~~يكون طوافه طواف قدوم، وهو لا يجب . والواجب أفضل وهذا ممنوع . فإن الفضل ~~بحسب كثرة مصلحة الفعل، والوجوب سبب حصول مفسدة في الترك. # ولم يختلف كلام أحمد أن من لم يسق الهدي، وقدم في أشهر الحج، فالتمتع ~~أفضل له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذين حجوا معه جميعهم أن يحلوا من إحرامهم، ~~ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي . # ومذهب أحمد أيضا أنه إذا أفرد الحج بسفرة، والعمرة بسفرة، فهذا الإفراد ~~أفضل له من التمتع . نص على ذلك في غير موضع. # وذكره أصحابه: كالقاضي أبي يعلى في تعليقه، وغيره. وكذلك مذهب سائر ~~العلماء حتى أصحاب أبي حنيفة، فإنهم نصوا على أن العمرة الكوفية أفضل من ~~القران، مع أن القران عندهم أفضل. # لكن القران الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم يس هو القران الذي يقوله أبو حنيفة، فإن ~~البي صلى الله عليه وسلم م يطف إلا طوافا واحدا، ولم يسع إلا سعيا واحدا. # ومذهب أبي حنيفة أن القارن يطوف أولا. ويسعى للعمرة ثم يطوف ويسعى ~~للحج، وإذا فعل محظورا كان عليه جزاءان للحج والعمرة، وقد حكي هذا رواية عن ~~أحمد، وأن القارن يلزمه طوافان وسعيان، كمذهب أبي حنيفة. لكن مذهبه ~~المنصوص عنه في غير موضع المعروف كمذهب مالك، والشافعي، وغيرهما، إنه ~~ليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد. # بل أبلغ من ذلك أن المتمتع هل يجزيه السعي الأول الذي مع طواف العمرة، أو ~~يحتاج إلى سعي ثان عقيب طواف الإفاضة، أو غيره? على قولين عن أحمد. # والمشهور عند أصحابه هو الثاني، والأول قد نص عليه أيضا. قال عبد الله بن ~~أحمد قلت لأبي : المتمتع يسعى بين الصفا والمروة. قال : إن طاف طوافين فهو ~~أجود، وإن طاف طوافا واحدا فلا بأس. PageV01P839 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0840.png) # قال : وإن طاف طوافين فهو أعجب إلي، واحتج بحديث جابر وكذلك نقل عنه ~~ابن ms0917 منصور . وإنما اختلف مذهبه في ذلك، لاختلاف الأحاديث في ذلك. # ففي صحيح مسلم عن جابر . قال : لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا ~~والمروة إلا طوافا واحدا، طوافه الأول. وهذا مع أنهم كانوا متمتعين. # وروى أحمد قال : ثنا الوليد بن مسلم، قال : ثنا الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن ~~عباس أنه كان يقول : القارن والمتمتع والمفرد يجزيه طواف بالبيت، وسعي بين الصفا ~~والمروة. # وفي الصحيحين عن عائشة قالت: خرجنا مع رسولله له صلى الله عليه وسلم ام حجة الوداع، ~~فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الهاله صلى الله عليه وسلم : من كان معه هدي فليهل بالحج، والعمرة، ~~ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا - إلى أن قالت - فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت ~~وبالصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما ~~الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا بالبيت. # قلت : فقولها طوافا آخر، إنما أرادت به الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ~~كذكرها في أول الحديث، ولأن الذين جمعوا بين الحج والعمرة لا بد لهم من طواف ~~الإفاضة، فعلم أنها إنما نفت طوافا معه الطواف بين الصفا والمروة، لا الطواف المجرد ~~بالبيت . والذي نفته عن القارن أثبتته للمتمتع الذي أحرم بالعمرة، ولم يدخل عليها الحج. # وأحمد في بعض رواياته فهم من هذا أنهم طافوا بالبيت فقط للقدوم، فاستحب ~~للمتمتع أولا إذا رجع من منى أن يطوف أولا للقدوم ثم يطوف طواف الفرض. # ومن رد على أحمد حجته بأن المراد بالطواف طواف الفرض، فقد غلط. لأن ~~طواف الفرض مشترك بين المتمتع والمفرد والقارن. وعائشة أثبتت للمتمتع ما نفته عن ~~القارن. # ولكن المراد بهذا الحديث الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، إن لم تكن أرادت ~~الطواف بالبيت؛ لأنها هي لم تطف بالبيت إلا مرة واحدة؛ لأجل حيضها. وهذا قد ~~عارضه خديث جابر الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه الذين أمرهم بأن يحلوا من ~~إحرامهم ويجعلوها عمرة، لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا أول ms0918 مرة وهذا يناقض ~~ما فهم من حديث عائشة، فإنهم إذا لم يكونوا سعوا بعد طواف الفرض فأن لا يطوفوا ~~قبله للقدوم أولى وأحرى. PageV01P840 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0841.png) # وفي ترجيح أحد الحديثين كلام ليس هذا موضع بسطه. فإن المحققين من أهل ~~الحديث يعلمون أن هذه الزيادة في حديث عائشة، هي من كلام الزهري ليست من ~~قول عائشة، فلا تعارض الحديث الصحيح. # وقد روى البخاري تعليقا عن ابن عباس، مثل حديث عائشة. وفيه أيضا علة. # والشافعي اختار التمتع تارة، واختار الإفراد تارة ومن قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم ~~إحراما مطلقا فقد غلط، واختلف كلامه في إحرام النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأقوال الثلاثة. # ومالك يختار الإفراد ، لكن قد قيل يستحب مع ذلك تأخير العمرة إلى المحرم، ~~فأما العمرة عقيب الحج من مكة كما يفعله كثير من الناس اليوم، فهذا لم يعرف على ~~عهد السلف، ولا نقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من الذين حجوا معه أنهم ~~فعلوا ذلك، إلا عائشة - رضي الله عنها - لأنها كانت قدمت متمتعة فحاضت، فأمرها ~~النبي صلى الله عليه وسلم أ تحرم بالحج، وتدع العمرة. # فمذهب أحمد ومالك والشافعي أنها صارت قارنة، ولا يجب عليها قضاء تلك ~~العمرة . لكن أحمد في إحدى الروايتين عنه جعل القضاء واجبا عليها لوجوب العمرة ~~عنده في المشهور عنه، وكون عمرة القارن والعمرة من أدنى الحل لا يسقط وجوب ~~العمرة عنده في إحدى الروايتين. # وهكذا يقولون في كل متمتع ضاق عليه الوقت فلم يتمكن من الطواف قبل ~~التعريف، فإنهم يأمرونه بإدخال الحج على العمرة، ويصير قارنا كالمفرد الذي قدم ~~وقد ضاق عليه الوقت، فإنه يقف بعرفة أولا ولا يطوف قبل التعريف. # وهكذا يصنع حاج العراق إذا قدموا متأخرين، فإنهم يوافون عرفة يوم التعريف، ~~فيعرفون ولا يطوفون قبل التعريف. ومذهب أبي حنيفة أن عائشة رفضت العمرة، ~~وأهلت بالحج فصارت مفردة. # وعنده يجب عليها قضاء العمرة التي رفضتها، وبنى ذلك على أصله : في أن ~~القارن يطوف طوافين، ms0919 ويسعى سعيين، فلم يكن في القران لها فائدة. # وأما الجمهور فبنوه على أصولهم: في أن عمل القارن لا يزيد على عمل ~~المفرد، وقالوا: إن النبيصلى الله عليه وسلم آما أعمر عائشة تطييبا لنفسها؛ لأنها قالت: يذهب ~~أصحابي بحجة وعمرة، وأذهب أنا بحجة. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: يسعك طوافك ~~بحجك وعمرتك . وفي رواية أهل السنن: «طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة ~~يكفيك لحجك وعمرتك. PageV01P841 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0842.png) ~~361 # فلما ألحت أعمرها تطييبا لنفسها، وأحمد في رواية الأثرم وغيره، قال: إن ~~عمرة القارن، والعمرة المكية لا تجزئ عن عمرة الإسلام، واحتج بحديث عائشة لما ~~أعمرها النبي صلى الله عليه وسلموإنها كانت قارنة، وأعمرها بعد ذلك. فجعل هذه العمرة واجبة في ~~هذه الرواية. كما قال أبو حنيفة. لكن اختلفا في تنقيح المناط، ولم يعتمر من مكة ~~على عهد رسولالهالهل صلى الله عليه وسلموالا عائشة خاصة. لأجل هذا العذر. # وأما عمر النبي صلى الله عليه وسلم ونما كانت وهو قاصد إلى مكة، فأحرم بالعمرة عام ~~الحديبية من ذي الحليفة، وحل بالحديبية لما أحصر وصده المشركون عن البيت، ~~والحديبية غربي جبل التنعيم حيث بايع النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه تحت الشجرة، وصالحه ~~المشركون . وجبل التنعيم هو الجبل الذي عند المساجد، التي تسمى مساجد عائشة ~~عن يمينك، وأنت داخل إلى مكة، وتلك المساجد مبنية في التنعيم، ولم تكن هذه ~~المساجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: # فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرها أن تعتمر من التنعيم، والتنعيم أدنى الحل إلى مكة، فهو ~~أقرب الحل إلى مكة، والمعتمر من مكة يخرج إلى الحل ليجمع بين الحل والحرم، ~~بخلاف الحاج من مكة فإنه يخرج إلى عرفة، وعرفة من الحل، ثم اعتمر من العام ~~القابل عمرة القضية من ذي الحليفة، ثم لما لقي هوازن بوادي حنين فهزمهم، ثم ~~ذهب إلى الطائف فحاصرهم، ثم رجع إلى الجعرانة فقسم غنائم حنين بالجعرانة، ~~اعتمر داخلا إلى مكة، وحنين والجعرانة والطائف كل ذلك من جهة الشرق، شرقي ~~عرفات، فأقربها ms0920 إلى عرفة الجعرانة، ثم وادي حنين، ثم الطائف. # ولم يكن يخرج هو ولا أصحابه من مكة فيعتمرون، إلا ما ذكر من حديث ~~عائشة، فلهذا نص أحمد في غير موضع على أن أهل مكة ليس عليهم عمرة، وروى ~~أحمد عن ابن عباس أنه قال : يا أهل مكة ليس عليكم عمرة، إنما عمرتكم الطواف ~~بالبيت، فمن أبى إلا أن يعتمر فليجعل بينه وبين مكة بطن واد. وذلك لأن الصحابة ~~المقيمين بمكة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم م يكونوا يعتمرون من مكة. # والعمرة واجبة في أشهر الروايتين عن أحمد، فمن أصحابه من جعل هذا رواية ~~ثالثة . # فقال : المسألة على ثلاث روايات: رواية تجب، ورواية لا تجب، ورواية يفرق ~~بين المكي وغيره. وهي طريقة جدنا أبي البركات وغيره. # ومنهم من قال: أهل مكة يستثنون، فلا تجب عليهم عمرة، رواية واحدة. وهي ~~طريقة الشيخ أبي محمد . وهي أصح. PageV01P842 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0843.png) # ومن الفقهاء : من استحب لمن اعتمر من مكة أن يحرم من الحديبية، أو الجعرانة، ~~محتجا بعمرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو غلط. فإن الحديبية كانت موضع حله لما أحصر، لم تكن ~~موضع إحرامه . وأما الجعرانة فإنه أحرم منها داخلا إلى مكة؛ لأنه أنشأ العمرة من هناك. ~~ولهذا كان أصح الوجهين لأصحابنا، وهو المنصوص عن أحمد أنه لا يستحب الإكثار من ~~العمرة لا من مكة ولا غيرها، بل يجعل بين العمرتين مدة ولو أنه مقدار ما ينبت فيه ~~شعره. ويمكنه الحلاق، وهذا لمن يخرج إلى ميقات بلده ويعتمر. # وأما المقيم بمكة فكثرة الطواف بالبيت أفضل له من العمرة المكية، كما كان ~~الصحابة يفعلون، إذا كانوا مقيمين بمكة، كانوا يستكثرون من الطواف، ولا يعتمرون ~~عمرة مكية، فالصحابة الذين استحبوا الإفراد كعمر بن الخطاب، وغيره إنما استحبوا ~~أن يسافر سفرا آخر للعمرة؛ ليكون للحج سفر على حدة وللعمرة سفر على حدة. # وأحمد وأبو حنيفة وغيرهما اتبعوا الصحابة في ذلك، واستحبوا هذا الإفراد ~~على التمتع والقران. # قال أبو بكر الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فأي العمرة ms0921 عندك أفضل ? قال : أفضل ~~العمرة عندي أن تكون في غير أشهر الحج، كما قال عمر، فإن ذلك أتم لحجكم، ~~وأتم لعمرتكم، أن تجعلوها في غير أشهر الحج. قيل لأبي عبد الله: فأنت تأمر ~~بالمتعة، وتقول العمرة في غير أشهر الحج أفضل ? فقال: إنما سئلت عن أتم العمرة، ~~فقلت في غير أشهر الحج، وقلت: المتعة تجزيه من عمرته، فأتم العمرة أن تكون في ~~غير أشهر الحج. # وقال علي : من تمام العمرة أن تقدم من دويرة أهلك، وكان سفيان بن عيينة ~~يفسره أن ينشئ لها سفرا يقصد له، ليس أن تحرم من أهلك، حتى تقدم الميقات. # وقال عمر: في العمرة من دويرة أهلك، قيل لأبي عبد الله: فيجعل للحج سفرا ~~على حدة، وللعمرة سفرا على حدة، قال : نعم، قلت له : فإن اعتمر في غير أشهر ~~الحج، ثم أقام بمكة حتى يحج، أيكون هذا قد جعل له سفرا على حدة، وللحج ~~سفرآ على حدة ? فقال : لا. حتى يرجع ثم يحج. فهذا مد للعمرة من أهله، وقصد ~~للحج من أهله، هذا معناه. # قيل لأبي عبد الله: فإنهم يحكون عنك أنك تقول: المتعة أفضل من غيرها، ~~فقال : أما أفضل من الحج وحده، فليس فيه شك، ثم قال : أيما أفضل أن يجيء ~~بعمرة وحج? أو أن يجيء بحج وحده، هي أفضل من إفراد الحج. # قلت له : وأفضل من القران، لأنه جاء بكل واحد على حدة، فهو أفضل من أن ~~يجمع بينهما، فقال : نعم، وأفضل من القران، ثم قال: نحو ما قلت. PageV01P843 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0844.png) # وقال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يقول: التمتع أحب إلي هو آخر الأمرين من ~~رسول الل صلى الله عليه وسلم، أنه قال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت كما ~~صنعتم»1) وقوله لأصحابه : «حلوا وما جاء فيها من الحديث. # وقال أيضا : قيل لأبي عبد الله: أنت تذهب إلى المتعة. فقال : هي أحب إلي، ~~وأفضل . وذاك أنا نذهب إلى أن العمرة واجبة. قال تعالى : (وأتتآوا الحج والعنرة لل) ~~[البقرة : 196] ثم قال : هذا بين. # وكان ms0922 ابن عباس وابن عمر يريانها واجبة، وقال ابن عباس: والله إنها لقرينتها ~~في كتاب الله، وقال جماعة: الحج الأصغر العمرة، فإذا وقع عليها اسم الحج، فهذا ~~يدل على أنها فريضة، فإذا خرج متمتعا فقد أجزأه من حجه وعمرته، جاء بعمرة ~~مفردة، وحجة مفردة . # فأما عمرة المحرم فليس بمجزي عنه عندي، وليست بعمرة تامة، إنما هي من ~~أربعة أميال. # وقال رسوللهال صلى الله عليه وسلم عائشة : إنما هي على قدر نصبك ونفقتك ومعنى ~~عمرة المحرم، إنهم كانوا يخرجون في المحرم من مكة ليعتمرون، من أدنى الحل، ~~إلى أن يعتمر، فكيف من اعتمر في ذي الحجة من مكة عقيب الحج، وهذا لم يكن ~~السلف يفعلونه. # فإذا تبين أن العمرة المكية، عقب الحج مع الحج لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم، باتفاق ~~العلماء . ولا أحد من الصحابة إلا عائشة، ولا كان خلفاؤه الراشدون يفعلونها، امتنع ~~أن يكون ذلك أفضل. # وأما من قال من الفقهاء: الإفراد أن يحج، ويعتمر عقب ذلك من مكة، فهذا ~~غالط، بإجماع العلماء، فإنه لا نزاع بينهم أن من اعتمر قبل أشهر الحج، ورجع إلى ~~بلده ثم حج، أو قام بمكة حتى يحج من عامه، أنه مفرد للحج، وكذلك لو اعتمر بعد ~~الحج في سفرة أخرى، فإنه مفرد بالاتفاق، وهذا الإفراد هو الذي استحبه الصحابة، ~~وهو مستحب أيضا عند أحمد وغيره، فإن الاعتمار في رمضان، والإقامة إلى أن يحج ~~أفضل من النتمتع، وإن كان الرجوع إلى بلده ثم السفر للحج أفضل منها. # والتمتع جائز باتفاق أهل العلم. وإنما كانت طائفة من بني أمية وغيرهم ~~يكرهونه . PageV01P844 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0845.png) # وقد قيل : إن الذين كرهوا ذلك إنما كرهوا فسخ الحج إلى التمتع، فإن الناس ~~يقدمون من الآفاق فيحرمون بالحج، فمن جوز الفسخ جوز لهم المتعة ومن منع من ~~ذلك منعهم منه . # والفسخ فيه ثلاثة أقوال معروفة. قيل: هو واجب، كقول ابن عباس وأتباعه، ~~وأهل الظاهر والشيعة. # وقيل: هو محرم، كقول معاوية، وابن الزبير، ومن اتبعهما كأبي حنيفة، ~~ومالك، والشافعي. # وقيل : هو جائز ms0923 مستحب، وهو مذهب فقهاء الحديث، أحمد وغيره، والأمر به ~~معروف عن غير واحد من الصحابة، والتابعين، ولهذا كان ابن عمر وابن عباس يأمران ~~بالمتعة. # قال أحمد : أخبرنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن سالم قال : سئل ~~ابن عمر عن متعة الحج، فأمر بها، فقيل له : إنك تخالف أباك، فقال : عمر لم يقل ~~الذي تقولون، إنما قال عمر: إفراد الحج من العمرة، فإنها أتم للعمرة، أو أن العمرة ~~لا تتم في أشهر الحج إلا أن يهدي . وأراد أن يزار البيت في غير أشهر الحج، ~~فجعلتموها أنتم حراما، وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلها الله، وعمل بها ~~رسول اللهالاه صلى الله عليه وسلم . فإذا أكثروا عليه قال : أفكتاب الله أحق أن تتبعوا، أم عمر ? ! ~~وكان ابن عباس يأمر بها، فيقولون : إن أبا بكر وعمر لم يفعلاها، فيقول: يوشك أن ~~تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم: قال النبي صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر ~~وعمر!. # وكان عروة بن الزبير يناظر ابن عباس فيها، فقال: إن أبا بكر وعمر أعلم ~~برسول الله ل صلى الله عليه وسلم منك، فقال له ابن عباس: يا عرية، سل أمك، يعني أنها تخبره، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم آ أصحابه بالإحلال، وكانت أسماء ممن أحلت. # وهذه المشاجرة إنما وقعت، لأن ابن عباس كان يوجب المتعة، بل كان يوجب ~~الفسخ، وكان يقول : كل من طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يسق الهدي، فقد ~~حل من إحرامه، ويحتج بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتحلل في حجة الوداع، وبقوله ~~تعالى : (ثم حلها إلى البيت العتيق). # وإيجاب المتعة هو قول طائفة من أهل الحديث، والظاهرية : كابن حزم وغيره، ~~وهو مذهب الشيعة أيضا، لكن الجماهير من الصحابة، والأئمة الأربعة، وغيرهم، ~~على أنه يجوز التمتع، والإفراد؛ والقران، لكن أهل مكة وبنو هاشم وعلماء أهل PageV01P845 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0846.png) ~~الحديث يستحبونها. فاستحبها علماء سنته، وأهل سنته، وأهل بلدته التي يقربها ~~المناسك، وهؤلاء الثلاثة أخص الناس به، وهو أحد قولي الشافعي. # وأبو ms0924 يوسف يجعل التمتع والقران سواء. وإنما جوز الجمهور الثلاثة لأنه قد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال لأصحابه : من شاء منكم أن يهل بعمرة ~~فليفعل، ومن شاء منكم أن يهل بحجة فليفعل، ومن شاء منكم أن يهل بحجة وعمرة ~~فليفعل» . # وأما أمره لأصحال صلى الله عليه وسلم عد ذلك أن يحلوا من إحرامهم، ويجعلوها عمرة إلا ~~من ساق الهدي، فلأنه أراد أن يجمعوا بين الحج والعمرة، وأن لا يعتمروا عمرة ~~مكية، وإن سافروا سفرا آخر للعمرة. ومن كان هذه حاله فينبغي له أن يتمتع، فالتمتع ~~كان متعينا في حق الصحابة. # إذا أرادوا أن يفعلوا الأفضل لهم، وكان أولا قد أذن لهم في الفسخ، ولم يأمرهم ~~به، لا سيما إذا قيل بوجوب العمرة، فإنه يجب التمتع على من لم يسافر سفرة أخرى ولم ~~يعتمر عقب الحج من مكة، وعمرة المتمتع بمنزلة التوضؤ للمغتسل، فالمغتسل للجنابة إذا ~~توضأ كان وضوؤه بعض اغتساله الكامل، كذلك عمرة المتمتع عند أحمد بعض حجه ~~الكامل، ولهذا يجوز عنده للمتمتع أن يصوم الأيام الثلاثة من حين يحرم بالعمرة، وقد قال ~~الله تعالى : (فصيام ثلتثة أياء في للمج ) فهو من حين أحرم بالعمرة دخل في ~~الحج، كما أن المغتسل من حين توضأ دخل في الغسل. # وقول صلى لله عليه وسلم :من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ~~ولدته أمه أخرجاه في الصحيحين . يدخل فيه المتمتع من حين يحرم بالعمرة. # ولهذا كان أحمد ينكر على من يقول: إن حجة المتمتع حجة مكية. قال الأثرم ~~سمعت أبا عبد الله يقول: كان ابن المبارك زعموا يقول بالمتعة، فقيل له: يكون ~~مجيئه حينئذ للعمرة. فقال: أرأيتم لو أن رجلا خرج يريد صبلاة الظهر في جماعة، ~~فتطوع قبلها بأربع ركعات. ثم صلى الظهر، أزاده ذلك خيرا، أم نقصه ? # ثم قال أحمد : ما أحسن ما قال! ثم قال أبو عبد الله: يقول مجيئه حينئذ ~~يلظهر، أو للتطوع : أي إنما مجيثه للظهر، قال أبو عبد ms0925 الله: هذا قول محدث، يعني ~~قولهم حجة مكية. PageV01P846 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0847.png) # قال : وسمعت أبا عبد الله مرة أخرى وذكر قول ابن المبارك : إنه قول محدث، ~~يعني قولهم حجة مكية. # قيل لأبي عبد الله : قول عبد الله قول محدث?! قال : إي والله قول محدث، ~~كلام بغيض، ما أدري ما هو، وكيف لا يكون محدثا ورسول الله الل صلى الله عليه وسلم علم به، ~~ويأمر به أصحابه?! وغلظ القول فيه. # قال : وسمعت أبا عبد الله مرة أخرى. قيل له : من قال : حجة مكية؟ قال: ~~هذا قول محدث، قيل له : عمن يروى? فقال : عن الشعبي، وسعيد بن جبير. # فصل # والدليل على أنه قد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه أمر أصحابه في حجة ~~الوداع - لما طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة - أن يحلوا من إحرامهم، ويجعلوها ~~عمرة، إلا من ساق الهذي، فإنه أمره أن يبقى على إحرامه، حتى يبلغ الهدي محله. # ولهذا لما قال سلمة بن شبيب لأحمد : يا أبا عبد الله: قويت قلوب الرافضة، ~~لما أفتيت أهل خراسان بالمتعة . فقال: يا سلمة! كان يبلغني عنك أنك أحمق، وكنت ~~أدافع عنك، والآن فقد تبين لي أنك أحمق، عندي أحد عشر حديثا صحيحا عن ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم، أدعها لقولك ?! فبين أحمد أن الأحاديث متواترة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم. ~~بالتمتع لجميع أصحابه، الذين لم يسوقوا الهدي، حتى من كان منهم مفردا، أو قارنا، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم ام ينقلهم من الفاضل إلى المفضول، بل إنما يأمرهم بما هو أفضل لهم. # ولهذا كان فسخ الحج إلى التمتع مستحبا عند أحمد، ولم يجعل اختلاف ~~العلماء في جواز الفسخ موجبا للاحتياط بترك الفسخ، فإن الاحتياط إنما يشرع إذا لم ~~تتبين سنة رسول الله صل صلى الله عليه وسلم، فإذا تبينت السنة فاتباعها أولى . وإن كان بعض العلماء قد ~~قال : إنه لا يجوز ذلك، لا سيما وآخرون من السلف والخلف قد أوجبوا الفسخ ~~فليس الاحتياط بالخروج من خلاف أولئك بأولى من ms0926 الخروج من خلاف هؤلاء. # والذين منعوا الفسخ، أو المتعة مطلقا، قالوا: كان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. ~~قالوا : لأن أهل الجاهلية كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج. ويقولون: إذ برأ ~~الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر. قالوا: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم. ~~أصحابه بالعمرة؛ ليبين جواز العمرة في أشهر الحج. وهذا القول خطأ عند أحمد ~~وغيره لوجوه : # أحدها : لأن النبي صلى الله عليه وسلم ان قد اعتمر قبل ذلك عمرة الثلاث في أشهر الحج، PageV01P847 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0848.png) ~~القعدة، واعتمر من الجعرانة في ذي القعدة، وقد ثبت في الصحيح أن عائشة قيل لها: ~~إن ابن عمر يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم عتمر في رجب، فقالت: يغفر الله لأبي ~~عبد الرحمن! ما اعتمر رسول اللهال صلى الله عليه وسلم في رجب قط، وما اعتمر إلا وابن عمر ~~معه . وقد اتفق أهل العلم على ما قالت عائشة بأن عمره كلها كانت في ذي ~~القعدة، وهو أوسط أشهر الحج. فكيف يقال : إن الصحابة لم يعلموا جواز العمرة في ~~أشهر الحج حتى أمرهم بالفسخ، وقد فعلها قبل ذلك ثلاث مرات? ! # الوجه الثاني : أنه قد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنه قال لهم عند الميقات: ~~من شاء أن يهل بعمرة وحجة فليفعل . فبين لهم جواز الاعتمار في أشهر الحج ~~عند الميقات . وعامة المسلمين معه، فكيف لم يعلموا ذلك. # الوجه الثالث : أنه أمر من لم يسق الهدي أن يتحلل، وأمر من ساق الهدي أن ~~يتم على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله، ففرق بين محرم ومحرم، فهذا يدل على أن ~~سوق الهدي هو المانع من التحلل؛ لإحرامه الأول. وما ذكره يشترك فيه السائق ~~أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني، قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم فينا ~~فقال : قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما ~~تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا. فحللنا، ~~وسمعنا، وأطعنا. فقدم علي من ms0927 سعايته، فقال : بما أهللت? قال: بما أهل به ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله له صلى الله عليه وسلم : فاهد وامكث حراما قال : وأهدى علي له ~~هديا، فقال سراقة بن مالك بن جعشم: لعامنا هذا أم للأبد? فقإل: لبل للأبد وفي ~~رواية البخاري : وأن سراقة بن مالك بن جعشم لقي رسول الله صله صلى الله عليه وسلم القبة، وهو ~~يرميها، فقال جعشم : ألكم هذه خاصة يا رسول الله? قال: لا بل للأبد. # فبين أن تلك العمرة التي فسخ من فسخ منها حجه إليها للأبد، وأن العمرة ~~دخلت في الحج إلى يوم القيامة، وهذا يبين أن عمرة التمتع بعض الحج ولم يرد ~~السائل بقوله : عمرتنا هذه لعامنا هذا. أم للأبد ? أنه يسقط الفرض بها في عامنا هذا، ~~لأن العمرة إن كانت واجبة فلا تجب إلا مرة واحدة، ولأنه لو أراد ذلك لم يقل بل ~~للأبد، فإن الأبد لا يكون في حق طائفة معينة، بل إنما يكون لجميع المسلمين، ~~ولا قال : دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. PageV01P848 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0849.png) # فإن قيل قوله : «دخلت العمرة في الحج أراد به جواز العمرة في أشهر الحج ? # قيل : نعم. ومن ذلك عمرة الفاسخ، فإنها سبب هذا اللفظ، وسبب اللفظ العام ~~لا يجوز إخراجه منه، فعلم أن قوله : «دخلت العمرة في الحج1 يتناول عمرة ~~الفاسخ، وأنها دخلت في الحج إلى يوم القيامة. # الوجه السادس: أن يقال فسخ الحج إلى التمتع موافق لقياس الأصول ~~لا مخالف له، فإن المحرم إذا التزم أكبر ما لزمه جاز باتفاق الأئمة، فلو أحرم بالعمرة ~~ثم أدخل عليها الحج جاز بلا نزاع، وأما إذا أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة، لم ~~يجز عند الجمهور وهو مذهب أحمد ومالك، وظاهر مذهب الشافعي. وأما أبو حنيفة ~~فيجوزه، لأنه يصير قارنا، والقارن عنده يلزمه طوافان، وسعيان، وهذا قياس الرواية ~~المحكية عن أحمد في القارن. # وإذا كان كذلك فالمحرم بالحج لم يلزمه إلا الحج، فإذا صار متمتعا صار ملتزما ~~لعمرة وحج، فكان ms0928 ما التزمه بالفسخ أكبر مما كان عليه، فجاز ذلك، وهو أفضل، ~~فاستحب ذلك، وإنما يشكل هذا على من يظن أنه فسخ حجا إلى عمرة مجردة، وليس ~~كذلك، فإنه لو أراد أن يفسخ الحج إلى العمرة مفردة، لم يجز بلا نزاع، وإنما الفسخ ~~جائز لمن كان نيته أن يحج بعد العمرة. # وقد قدمنا أن المتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم:1 دخلت العمرة في الحج ولهذا يجوز أن يصوم الأيام الثلاثة من ~~حينئذ، وإنما إحرامه بالحج بعد ذلك، كما كان النبي صل الله عليه وسلم آ اغتسل للجنابة بدأ ~~بالوضوء، وكما قال للنسوة في غسل ابنته: إبدأن بميامنها، ومواضع الوضوء ~~منها»2) فكان غسل مواضع الوضوء توضئة، وهو بعض الغسل. # فإن قيل : دم المتمتع دم جبران، ونسك لا جبران فيه أفضل من نسك مجبور. ~~قيل : هذا لا يصح لوجهين: # أحدهما : أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم آ أكل من هديه فإنه أمر من كل بدنة ~~ببضعة، فجعلت في قدر فأكل من لحمها، وشرب من مرقها، وثبت أنه كان متمتعا ~~التمتع العام، فإن القارن يدخل في مسمى المتمتع، كما سنذكره. فدل على ~~استحباب الأكل من هدي المتمتع، ودم الجبران ليس كذلك. وثبت أيضا في ~~الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها : لاأن النبي صلى الله عليه وسلم لعم نساءه من الهدي PageV01P849 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0850.png) ~~الذي ذبحه عنهن، وكن متمتعات»(1) وهذا مما احتج به الإمام أحمد. # الثاني : أن سبب الجبران محظور في الأصل، كالإفساد بالوطء. وكفعل ~~المحظورات، أو بترك الواجبات، فإنه لا يجوز له أن يفسد حجه، ولا أن يفعل ~~المحظور إلا لعذر، ولا يترك الواجب إلا لعذر، والتمتع جائز مطلقا، فلو كان دمه دم ~~جبران لم يجز مطلقا، فعلم أنه دم نسك وهدي، وإنه مما وسع الله به على ~~المسلمين، فأباح لهم التحلل في أثناء الإحرام، والهدي مكانه، لما في استمرار ~~الإحرام من المشقة، فيكون بمنزلة قصر الصلاة في السفر، وبمنزلة الفطر للمسافر، ~~والمسح على ms0929 الخفين للابس الخف. # فإن ذلك أفضل له من أن يخلع ويغسل في ظاهر مذهب أحمد؛ لأن النبي صلى الله عليه وس ~~إذا كان لابس الخف على طهارة مسح عليه، ولم يكن يخلع ويغسل، بخلاف ما إذا ~~لم تكن رجلاه في الخفين، فإنه كان يغسل . وقد ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول ~~في خطبته : لخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد وهدي محمد لمن ~~كان مكشوف الرجلين أن يغسلهما، لا يقصد أن يلبس ليمسح عليهما، ولمن كان ~~لابس الخفين أن يمسح عليهما، لا أن يخلعهما ويغسل مع أن مسح الخفين بدل؛ ~~فكذلك الهدي. # وإن كان بدلا عن ترفهه بسقوط أحد السفرين، فهو أفضل لمن جمع بينهما، ~~وقد قدم في أشهر الحج من أن يأتي بحج مفرد يعتمر عقبه والبدل قد يكون واجبا ~~كالجمعة، فإنها وإن كانت بدلا عن الظهر فهي واجبة، وكالمتيمم العاجز عن استعمال ~~الماء؛ فإن التيمم واجب عليه، وهو بدل. فإذا جاز أن يكون البدل واجبا، فكونه ~~مستحبا أولى بالجواز. # ولهذا يستحب للمسافر أن يفطر ويقضي، والقضاء بدل عن الأداء وكذلك ~~المريض الذي يشق عليه الصوم يفطر ويقضي، والقضاء بدل. # وتخلل الإحلال لا يمنع أن يكون الجميع بمنزلة العبادة الواحدة، كطواف ~~الفرض، فإنه من تمام الحج باتفاق المسلمين، ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول، ~~ورمي الجمار أيام منى من تمام الحج . وإذا طاف قبل ذلك فقد رمى الجمار أيام منى، ~~بعد الحل التام، وهو السنة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم شنه رمضان يتخلل صيام أيامه ~~الفطر بالليل، وهو الصوم المفروض المذكور في قوله: ( يأيها الذين ء امناكبب علي ~~الصيام كما كنب عل الذيب امن قبلكم لملكم تنقون). إلسى قوله: ( شهر رضان) PageV01P850 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0851.png) ~~[البقرة: 183 - 185] وقال النبي صلى الله عليه وسلم من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ~~ما تقدم من ذنبه وهذا الصوم يتخلله الفطر كل ليلة، فكذلك قوله : من حج هذا ~~البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه2 # والآية ms0930 تتناول لمن حج حجة تمتع فيها بالعمرة، وإن كان قد يتخلل هذا الإحرام ~~إحلال. وهو من حين إحرامه بالحج قد دخل في الحج، كما أنه بصيام أول يوم دخل في ~~صيام شهر رمضان. وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ~~ما تقدم من ذنبه2 والقيام يتخلله السلام من كل ركعتين، وكذلك الوتر بثلاث مفصولة. # في «صفة حجة الوداع لم يختلف أحد من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر ~~أصحابه إذا طافوا بالبيت، وبين الصفا والمروة أن يحلوا من إحرامهم، ويجعلوها ~~عمرة، وهذا مما تواترت به الأحاديث ولم يختلفوا أنه لم يعتمر بعد الحج، ~~لا النبي صى الله عليه وسلم، ولا أحد من الصحابة إلا عائشة، فهذا كله متفق عليه لم يختلف فيه ~~النقل، ولا خالف فيه أحد من أهل العلم. # ولكن تنازعوا: هل حج متمتعا، أو مفردا، أو قارنا? أو أحرم مطلقا? ~~واضطربت عليهم فيه الأحاديث، وهي بحمد الله غير مختلفة عند من فهم مراد ~~الصحابة بها. # والمنصوص عن الإمام أحمد أن النبي صى الله عليه وسلم ان قارنا بين العمرة والحج، حتى ~~قال : لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم ان قارنا، وهذا قول أئمة الحديث: كإسحاق بن راهويه، ~~وغيره . وهو الصواب الذي لا ريب فيه وقد صنف أبو محمد بن حزم في حجة ~~الوداع مصنفا جمع فيه الآثار وقرر ذلك. # وأحمد إنما اختار التمتع؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه به، لا لكونه كان متمتعا التمتع ~~الخاص عنده، ولهذا قال في رواية المروذي: إنه إذا ساق الهدي فالقران أفضل? ولولا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم دن عنده، وساق الهدي لم يكن لهذا القول وجه، فإنه لو كان متمتعا عنده لكان ~~قد فعلها وأمر بها، فلا وجه حينئذ لاختيار القران لمن ساق الهدي. # ولم يقل أحد من قدماء أصحاب أحمد أنه كان متمتعا التمتع الخاص، وأول من PageV01P851 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0852.png) ~~ادعى من أصحاب أحمد أن النبي صلى ms0931 الله عليه وسلم ان متمتعا التمتع الخاص فيما علمناه القاضي ~~أبو يعلى، وذكر في تعليقه الاحتجاج بهذه الطريقة على فضيلة التمتع، وذكر أن ~~الأولى - وهي أن الاحتجاج بأمره لا بفعله، وبقوله: لو استقبلت من أمري ~~ما استدبرت»1 - هي طريقة الأصحاب، كما كان يحتج بها إمامهم أحمد. # ثم إن الذين نصروا أن النبي صلى الله عليه وسلم ان متمتعا، من الأصحاب، على قولين: # الأول : أنه حل من إحرامه مع سوقه الهدي، وحمل هؤلاء رواية من روى أن ~~المتعة كانت لهم خاصة، على أنهم خصوا بالتحلل من الإحرام مع سوق الهدي، دون ~~من ساق الهدي من الصحابة، وهذه طريقة القاضي ومن اتبعه. وهذا الذي قاله هؤلاء ~~منكر عند جماهير أهل العلم، وممن أنكر ذلك على القاضي الشيخ أبو البركات، ~~وغيره . وقالوا : من تأمل الأحاديث المستفيضة تبين له أن النبي صلى الله عليه وسلم م يحل هو، ~~ولا أحد ممن ساق الهدي. # والقول الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم متع، بمعنى أنه أحرم بالعمرة ولم يحل من ~~إحرامه، لكونه ساق الهدي، وأحرم بالحج بعد أن طاف وسعى للعمرة وهذه طريقة ~~الشيخ أبي محمد، وغيره. وهؤلاء يسمون هذا متمتعا، وقد يسمونه قارنا، لكونه ~~أحرم قبل التحلل من العمرة، لكن القران المعروف أن يحرم بالعمرة قبل أن يطوف ~~بالبيت ليقع الطواف عن العمرة والحج. # والفرق بين القارن والمتمتع الذي ساق الهدي، يظهر من وجهين: # أحدهما : من الإحرام بالحج قبل الطواف. # والثاني : من السعي عقب طواف الإفاضة، فإن القارن ليس عليه سعي ثان، كما ~~ليس ذلك على المفرد . و[أما المتمتع فهذا السعي واجب في حقه عند أكثر العلماء ~~وفيه عند أحمد روايتان. # وأما الشافعي، فاختلف كلامه في حج النبي صلى الل لي ولم قال تارة: إنه أفرد. وقال ~~تارة : إنه تمتع . وقال تارة : إنه أحرم مطلقا. فقال في : مختصر الحج: وأحب إلي ~~أن يفرد؛ لأن الثابت عندنا أن النبي صلى الله علي وسلم فد. وقال في اختلاف الأحاديث أن ~~النبي صى الله عليه وسل ال ms0932 : «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها ~~عمرة» . قال: ومن قال إنه أفرد الحج، يشبه ان يكون قاله على ما يعرف من أميل ~~العلم - الذين أدرك، دون رسول الله صلى الله علي وسلم ن احدا لا يكون مقيما على حج إلا رقد ~~ابتدأ إحرامه بحج، قال: وأحسب عروة حين حدث أن البي لى الله عليه والمحرم بحج نهب إلى ~~أنه سمع عائشة تقول : يفعل في حجه على هذا المعنى. PageV01P852 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0853.png) # فقد بين الشافعي هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ان متمتعا، وإن من قال أفرد الحج، فلأنه ~~لما رأى أن من استمر على إحرامه لا يكون إلا حاجا، والنبي صلى الله عليه ولم لما استمر على ~~إحرامه ظن أنه كان حاجا . # وقال أيضا فيما اختلف فيه من الأحاديث عن رسول الل هله صلى الله عليه وسلم في مخرجه: ~~ليس شيء من الاختلاف أبين من هذا، وإن كان الغلط فيه قبيحا من جهة أنه ~~مباح؛ لأن الكتاب، ثم السنة ثم ما أعلم فيه خلافا يدل على أن التمتع بالعمرة ~~إلى الحج، وإفراد الحج والقران واسع كله. قال: وثبت أنه خرج ينتظر القضاء، ~~فنزل عليه القضاء، وهو فيما بين الصفا والمروة، وأمر أصحابه أن من كان منهم ~~أهل، ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، وقال : «لو استقبلت من أمري ~~ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة . # قال : فإن قال قائل: فمن أين أثبت حديث عائشة، وجابر، وابن عمر، ~~وطاوس، دون حديث من قال قرن. # قيل : لتقدم صحبة جابر للنبي صلى الله عليه وسلم، وحسن سياقه لابتداء الحديث، وآخره، ~~ولرواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفضل حفظها عنه، وقرب ابن عمر منه. # قال : ولأن من وصف انتظار النبي صلى الله عليه وسلم لقلضاء، إذ لم يحج من المدينة بعد ~~نزول فرض الحج طلب الاختيار فيما وسع الله من الحج والعمرة، يشبه أن يكون ~~أحفظ؛ لأنه قد أتى في المتلاعنين فانتظر القضاء، فكذلك حفظ في الحج ms0933 ينتظر ~~القضاء . # قال المزني : إن ثبت حديث أنس عن الني صلى الله عليه وسلم، انه قرن حتى يكون معارضا ~~للأحاديث سواه، فأصل قول الشافعي أن العمرة فرض، وأداء الفرض في وقت الحج ~~أفضل من أداء فرض واحد؛ لأن من أكثر عمله لله كان أكثر في ثواب الله. # قلت : والصواب في هذا الباب، أن الأحاديث متفقة ليست مختلفة إلا اختلافا ~~يسيرآ، يقع مثله في غير ذلك، فإن الصحابة ثبت عنهم أنه تمتع، والتمتع عندهم ~~يتناول القران، والذين روي عنهم أنه أفرد روي عنهم أنه تمتع. # أما الأول: ففي الصحيحين عن سعيد بن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان، فكان ~~عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي : ما يريد إلا أمرا فعله رسول الله صله صلى الله عليه وسلم نبهيى ~~عنه، فقال عثمان : دعنا منك. فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى علي ذلك ~~أهل بهما جميعا2) . هذا لفظ مسلم. ولم يذكر البخاري دعنا، الى أن أدعك. PageV01P853 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0854.png) # وخرجه البخاري وحده من حديث مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان ينهى ~~عن المتعة، وأن يجمع بين الحج والعمرة، فلما رأى علي ذلك أهل بهما: لبيك ~~بعمرة وحجة . قال : ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ول أحد من الناس. # فهذا يبين أنه إذا جمع بينهما كان متمتعا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم اي فعلها علي بن أبي طالب، ووافقه عثمان على أن ~~لنبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، لكن كان النزاع : هل ذلك أفضل في حقنا، أم لا ? وهل يشرع ~~فسخ الحج إلى المتعة في حقنا? كما تنازع فيه الفقهاء. # وفي الصحيح عن عبد الله بن شقيق، قال : كان عثمان ينهى عن المتعة وكان ~~علي يأمر بها، فقال عثمان لعلي: كلمة، فقال: لقد علمت أنا تمتعنا مع ~~رسول الله لاه صلى الله عليه وسلم، فقال : أجل ! ولكنا كنا خائفين، فقد اتفق عثمان وعلي على ms0934 أنهم ~~تمتعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأما قول عثمان كنا خائفين فإنهم كانوا خائفين في عمرة ~~القضية ، وكانوا قد اعتمروا في أشهر الحج، وكان كل من اعتمر في أشهر الحج يسمى ~~أيضا متمتعا؛ لأن الناهين عن المتعة كانوا ينهون عن العمرة في أشهر الحج مطلقا. # وشاهده ما في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص لما بلغه أن معاوية نهى عن ~~المتعة قال فعلناها مع رسول الله صله صلى الله عليه وسلم، وهذا كافر بالعرش . يعني معاوية. ومعلوم أن ~~معاوية كان مسلما في حجة الوداع، بل وفي عمرة الجعرانة عام الفتح، أو قبل ذلك، ~~ولكن في عمرة القضية كافر بعرش مكة. وقد سمى سعد عمرة القضية متعة، فلعل ~~عثمان أراد الخوف عام القضية، وكانوا أيضا خائفين عام الفتح . وأما عام حجة الوداع ~~فكانوا آمنين، لم يكن قد بقي مشرك، بل نفى الله الشرك وأهله. ولهذا قالوا: صلينا ~~مع رسول الله له صلى الله عليه وسلم في آمن ما كان الناس ركعتين، فلعله قد اشتبه حالهم هذا العام ~~بحالهم هذا العام. وكما اشتبه على من روى أنه نهى عن متعة النساء في حجة الوداع، ~~وإنما كان النهي في غزاة الفتح. # وكما يظن بعض الناس أن الني صلى الله عليه وسلم خل الكعبة في حجة أو عمرة، وإنما كان ~~دخوله الكعبة عام الفتح لما فتح مكة، ولم يقل أحد أنه دخلها في حجة، ولا عمرة؛ ~~بل في الصحيحين عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى من ~~صحابة النبي صلى الله علي وسلم ادخل البي صلى الله عليه وسلم بيت في عمرته ? قال: لا. # وفي الصحيحين عن مطرف بن الشخير، قال: قال لي عمران بن حصين: ~~أحدثك حديثا، لعل الله أن ينفعك به: إن رسول الله ص لى الله عليه وسلم مع بين حجته وعمرته، PageV01P854 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0855.png) ~~ثم إنه لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه، وفي رواية قال: لتمتع ~~رسول الله له صلى ms0935 الله عليهوسلم، وتمتعنا معه فهذا عمران وهو من أجل السابقين الأولين، أخبر أنه ~~تمتع وأنه جمع بين، الحج والعمرة. # وفي صحيح مسلم عن غنيم بن قيس قال : سألت سعد بن أبي وقاص عن ~~المتعة في الحج، فقال: فعلناها، وهذا يومئذ كافر بالعرش. يعني بيوت مكة - ~~يعني معاوية، وهذا إنما أراد به سعد عمرة القضية، فإن معاوية لم يكن أسلم إذ ذاك. ~~وأما في حجة الوداع فكان قد أسلم، فكذلك في عمرة الجعرانة، فسمى سعد الاعتمار ~~في أشهر الحج متعة، لأن بعض الشاميين كانوا ينهون عن الاعتمار في أشهر الحج، ~~فصار الصحابة يروون السنة في ذلك ردا على من نهى عن ذلك، فالقارن عندهم ~~متمتع، ولهذا وجب عليه الهدي ودخل في قوله تعالى : (فن تمتع بالعمرة إلى الحج فا استيسر ~~من المدى)]. # وفي صحيح البخاري وغيره عن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول الله صلهل صلى الله عليه وسلم ~~وهو بواد العقيق : يقول : أتاني الليلة آت من ربي، فقال : صل في هذا الوادي ~~المبارك، وقل: عمرة في حجة فهؤلاء الخلفاء الراشدون : عمر، وعثمان، ~~وعلي، وغير الخلفاء كعمران بن حصين يروى عنهم بأصح الأسانيد، أن النبي صلى الله عليه سل ~~قرن بين العمرة والحج، وكانوا يسمونه تمتعا. # وفي الصحيحين عن بكر بن عبد الله المزني، عن أنس بن مالك، قال: ~~سمعت رسول اللهال صلى الله عليه وسلم يبي بالحج والعمرة، فحدثت بذلك ابن عمر، فقال : لبى ~~بالحج وحده، فلقيت أنسا فحدثته، فقال: ما يعدونا إلا صبيانا، سمعت ~~رسول الله ل صلى الله عليه وسلم ول : لبيك عمرة وحجا. # فهذا أنس يخبر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم بي بالحج والعمرة جميعا، وما ذكره بكر ~~عن ابن عمر عنه، فجوابه أن الثقاة، الذين هم أثبت في ابن عمر من بكر، مثل ابنه ~~سالم، رووا عنه أنه قال : تمتع رسول الله له صلى الله عليه وسلم العمرة إلى الحج، وهؤلاء أثبت عن ~~ابن عمر من بكر . وغلط بكر على ابن عمر، أولى من ms0936 تغليط سالم ابنه عنه، وتغليطه ~~هو على النبي صلى الله عليهوسلم # ويشبه هذا أن ابن عمر قال له: أفرد الحج فظن أنه قال : لبى بالحج، فإن إفراد PageV01P855 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0856.png) ~~الحج كانوا يطلقونه ويريدون به إفراد أعمال الحج، وذلك يرد قول من يقول: إنه قرن ~~فطاف طوافين، وسعى سعيين ومن يقول : إنه أحل من إحرامه. فرواية من روى من ~~الصحابة أنه أفرد الحج ترد على هؤلاء. يبين هذا: ما رواه مسلم في صحيحه عن ~~نافع عن ابن عمر قال : أهللنا مع رسول الله له صلى الله عليه وسلم الحج مفردا، وفي رواية : أهل ~~بالحج مفردا . فلم يذكروا عن ابن عمر إلا أنه قال: أفرد الحج، لا أنه قال: لبى ~~بالحج . # وفي السنن من حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم ال لعلي : قد سقت ~~الهدي، وقرنت»2) # وفي الصحيحين من حديث الزهري عن سالم عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، ~~قال : «تمتع رسول الله لاه صى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه ~~الهدي ، من ذي الحليفة، وقد اعتمر رسول الله له صلى الله عليه وسلم اهفل بالعمرة، ثم أهل بالحج، ~~وتمتع الناس مع رسول الله صه صلى الله عليه وسلم العمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق ~~إلهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله له صلى الله عليه وسلم كة قال للناس: من كان منكم ~~أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه، حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى ~~فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليتحلل، ثم ليهل بالحج، وليهدي، ~~فمن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، وطاف ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فاستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أشواط، من ~~السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم رجع حين قضى طوافه بالبيت، فصلى عند المقام ~~ركعتين، ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة، سبعة ms0937 أطواف، ثم لم ~~يتحلل من كل شيء حرم منه، حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض ~~فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول للهله صلى الله عليه وسلم من ~~أهدى فساق الهدي من الناس») . قال الزهري: وحدثني عروة عن عائشة مثل ~~حديث سالم عن أبيه . # فهذا أصح حديث على وجه الأرض. وهو من حديث الزهري أعلم أهل زمانه ~~بالسنة، عن سالم، عن ابن عمر، وهو أصح من حديث ابن عمر، ومن حديث عروة ~~عن عائشة وهو أصح من حديث عائشة، وقد ثبت عنها في الصحيحين أن النيبصى ال ليه وسلم ~~اعتمر أربع عمر : الرابعة مع حجته، ولم يعتمر بعدها باتفاق المسلمين، فتعين أن PageV01P856 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0857.png) ~~يكون قرن بين العمرة والحج، وقال: هكذا فعل رسول الله ل صلى الله عليه وسلم، كذلك أخبرت أن ~~الذين جمعوا الحج والعمرة، إنما طافوا طوافا واحدآ. # وأما الذين نقل عنهم: أنه أفرد الحج، فهم ثلاثة: عائشة، وابن عمر، وجابر. ~~والثلاثة نقل عنهم التمتع. وحديث عائشة وابن عمر أنه تمتع بالعمرة إلى الحج أصح ~~من حديثهما أنه أفرد الحج، وما صح عنهما من ذلك فمعناه إفراد أعمال الحج. # وفي الصحيحين عن حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم آر أزواجه أن يحللن عام حجة ~~الوداع، قالت حفصة: فما يمنعك أن تحل ? فقال : إني لبدت رأسي، وقلدت ~~هديي، فلا أحل حتى أنحر هديي، وفي رواية : ما شأن الناس، حلوا ولم تحل ~~أنت من عمرتك؟ فقال : إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر ~~الهدي فهذا يدل على أنه كان معتمرا وليس فيه أنه لم يكن مع العمرة حاجا. # ومما يبين ذلك أن في الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم تمر أربع عمر كلهن ~~في ذي القعدة إلا التي مع حجته، عمرة الحديبية في ذي القعدة. وعمرة في العام ~~المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. # وفي الصحيحين عن مجاهد ms0938 قال : «دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا ~~عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، فقال له عروة : يا أبا عبد الرحمن! كم ~~اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : أربع عمر : إحداهن في رجب، فقال عروة : ألا تسمعين يا أم ~~المؤمنين إلى ما يقول أبو عبد الرحمن، فقالت: وما يقول? قال: يقول: اعتمر ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم بع عمر إحداهن في رجب، فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن? ~~ما اعتمر رسول الله له صلى الله عليه وسلم لا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط فعائشة أنكرت ~~كونه اعتمر في رجب، وما أنكرت كونه اعتمر أربع عمر. فقد اتفقت عائشة وابن عمر ~~على أنه اعتمر أربع عمر، كما روي ذلك عن أنس. وقد ثبت باتفاق الناس أنه لم ~~يعتمر بعد الحج. وثبت أن ابن عمر وعائشة نقلا عنه أنه اعتمر مع الحج، وهذا هو ~~التمتع العام الذي يدخل فيه القران، وهو الموجب للهدي. # فتبين أن الروايات الكثيرة الثابتة عن ابن عمر وعائشة توافق ما فعله سائر ~~الصحابة، أنه كان متمتعا التمتع العام. # ومن قال: إنه أحرم مطلقا فاحتج بحديث مرسل، ومثل هذا لا يجوز أن ~~يعارض به الأحاديث الصحيحة. PageV01P857 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0858.png) # فقد تبين أن من قال : أفرد الحج فإن ادعى أنه اعتمر بعد الحج كما يظنه بعض ~~المتفقهة، فهذا مخطىء باتفاق العلماء، ومن قال: إنه أفرد الحج بمعنى أنه لم يات مع ~~حجته بعمرة، فهذا قد اعتقده بعض العلماء، وهو غلط، ولم يثبت ذلك عن أحد من ~~الصحابة. # ومن قال : إنه أحرم إحراما مطلقا، فقوله غلط، لم ينقل عن أحد من الصحابة. # ومن قال : إنه تمتع، بمعنى أنه لم يحرم بالحج حتى طاف وسعى. فقوله أيضا ~~غلط ، لم ينقل عن أحد من الصحابة. # ومن قال : إنه تمتع، بمعنى أنه حل من إحرامه، فهو أيضا مخطئ باتفاق العلماء ~~العارفين بالأحاديث. # ومن قال : إنه قرن بمعنى أنه طاف طوافين وسعى سعيين فقد غلط أيضا، ولم ~~ينقل ذلك ms0939 أحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالغلط في هذا الباب وقع ممن دون ~~الصحابة، فلم يفهموا كلامهم وأما الصحابة فنقولهم متفقة. # ومما يبين أنه لم يطف طوافين، ولا سعى سعيين لا هو ولا أصحابه، ما في ~~الصحيحين عن عروة عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله ل صلى الله عليه وسلم قال : لمن كان ~~«افطاف الذين ليانوا أه لوا بالمرة باليت ولين الصفا والمروة، فم حلواه كم طافوا ~~طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما ~~طافوا طوافا واحدا»1) . # وفي صحيح مسلم عن طاوس عن عائشة أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف ~~بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم. ~~يوم النفر : «يسعك طوافك لحجك وعمرتك، فأبت، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى ~~التنعيم، فاعتمرت بعد الحج»(2) . وفي مسلم أيضا عن مجاهد عن عانشة أنها حاضت ~~بسرف، فطهرت بعرفة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: يجزي عنك طوافك بالصفا والمروة، ~~عن حجك وعمرتك»(3). وفي سنن أبي داود عن عطاء عن عائشة أن النبيى ال علي قال ~~لها : طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة، يكفيك لحجك وعمرتك. # وفي الصحيحين عن جابر قال: دخل البي ل له على عانشة ثم وجدما تبكي، PageV01P858 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0859.png) ~~وقالت قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، فقال : لاغتسلي ~~ثم أهلي بالحج ففعلت ووقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، ~~وبالصفا والمروة، ثم قال : قد حللت من حجك وعمرتك جميعا . قالت: ~~يا رسول الله! إني أجد في نفسي، إني لم أطف بالبيت حين حججت. فقال : ~~فاذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم، وذلك ليلة الحصبة # فقد أخبرت عائشة في الحديث الصحيح أن الذين قرنوا لم يطوفوا بالبيت، وبين ~~الصفا والمروة، إلا الطواف الأول الذي طافه المتمتعون أولا. # وأيضا فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة في قضيتها، أنها لما طافت يوم النحر ~~بالبيت، وبين الصفا والمروة، قال ms0940 لها: قد حللت وقال لها : ل يسعك طوافك ~~لحجك وعمرتك وإنه لا يجب عليها قضاء تلك العمرة، ودل ذلك على أن القارن ~~يجزئه طواف واحد بالبيت، وبين الصفا والمروة، كما يجزئ المفرد، لا سيما وعائشة ~~لم تطف إلا طواف قدوم، بل لم تطف إلا بعد التعريف، وسعت مع ذلك، فإذا كان ~~طواف الإفاضة والسعي بعده يكفي القارن، فلأن يكفيه طواف القدوم مع طواف ~~الإفاضة، وسعي واحد مع أحدهما، بطريق الأولى. # ومما يبين ذلك أن الصحابة الذين نقلوا حجة رسول الله له صلى الله عليه وسلم لهم نقلوا أنه لما ~~طاف الصحابة بالبيت، وبين الصفا والمروة: أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم التحلل إلا من ساق ~~الهدي فإنه لا يتحلل إلا يوم النحر . ولم ينقل أحد منهم أن أحدا منهم طاف وسعى، ~~ثم طاف وسعى، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما ~~لم ينقله أحد من الصحابة علم أن هذا لم يكن، وعمدة من قال ذلك أثر يرويه ~~الكوفيون عن علي، وأثر آخر عن ابن مسعود، وقد روى جعفر بن محمد عن أبيه ~~محمد بن علي أنه كان يحفظ عن علي بن أبي طالب للقارن طوافا واحدا بين الصفا ~~والمروة خلاف ما يحفظ أهل العراق. وما رواه العراقيون منه ما هو منقطع، ومنه ~~ما رجاله مجهولون أو مجروحون. ولهذا طعن علماء النقل في ذلك، حتى قال ابن ~~حزم : كل ما روي في ذلك عن الصحابة لا تصح منه ولا كلمة واحدة، وقد نقل في ~~ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم هو موضوع بلا ريب. # وأيضا ففي الصحيحين عن ابن عمر قال لهم: اشهدوا أني قد أوجبت حجا مع ~~عمرتي، ثم انطلق يهل بهما جميعا، حتى قدم مكة فطاف بالبيت، وبالصفا والمروة. ~~ولم يزد على ذلك، ولم يحلق ولا قصر، ولا أحل من شيء حرم منه حتى كان يوم PageV01P859 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0860.png) ~~النجر، فحلق ونحر، ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول ثم قال: ~~هكذا ms0941 فعل رسول ال لى ال ل. # وأيضا: فقد ثبت في الصحيح عن البي صلى الله عليه وسلم قال : دخلت العمرة في الحج ~~إلى يوم القيامة2) ، وإذا دخلت فيه لم تحتج إلى عمل زائد على عمله. وقد روى ~~سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل؛ قال : حلف لي طاوس ما طاف أحد من أصحاب ~~رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم، في حجته وعمرته إلا طوافا واحدا. # وقد ثبت مثل هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وغيرهم، وهم من أعلم ~~الناس بحجة رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم ولا يخالفونها. # فهذه الأحاديث الثابتة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلمبين : إنه لم يطف بالبيت، وبين ~~الصفا والمروة . إلا طوافا واحدا. فتبين بذلك أن الذي دلت عليه الأحاديث هو الذي ~~قاله أيمة أهل الحديث: كأحمد وغيره، أن النبي صلى الله عله وسلم ان قارنا، وإنه لم يطف إلا ~~طوافا واحدا بالبيت، وبين الصفا والمروة. لكنه ساق الهدي، فمن ساق الهدي ~~فالقران أفضل له من التمتع، ومن لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم. ~~أصحابه، والله أعلم. # وسئل رحمه الله تعالى : عن حج النبي صلى الله عليه وسلم، هل كان مفردا? أو قارنا، أو ~~متمتعا? وأيما أفضل لمن يحج، فقد أكثر الناس القول، وأطالوا وزادوا ونقصوا، ~~والقصد كشف الحق عن هذه الأحوال، وقول بعض الناس إن أحدا من الصحابة أتى ~~بعمرة من مكة، والحديث الذي رووه : أن عمرة في رمضان تقوم كذا وكذا حجة. ~~هل هو صحيح؟ أم لا؟3) # فأجاب: الحمد رب العالمين. أما حج البي صلى الله عليه وسلم، فالصحيح أنه كان قارنا، قرن ~~بين الحج والعمرة، وساق الهدي ولم يطف بالبيت، وبين الصفا والمروة إلا طوافا ~~واحدا، حين قدم . لكنه طاف طواف الإفاضة مع هذين الطوافين. # وهذا الذي ذكرناه هو الصواب المحقق عند أهل المعرفة بالأحاديث الذين ~~جمعوا طرقها، وعرفوا مقصدها، وقد جمع أبو محمد بن حزم في حجة الوداع كتابا ~~جيدا في هذا الباب. # وقال ms0942 الإمام أحمد: لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم ان قارنا، والتمتع أحب إلي، لأنه ~~آخر الأمرين . يريد به قول النبي صلى الله عليه وسلم عد أن طاف وسعى، وأمر أصحابه بالتحلل، PageV01P860 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0861.png) ~~فشق عليهم، فقال : للو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي ولجعلتها ~~عمرة وهذا إنما يقتضي أنه كان متمتعا بدون سوق الهدي، والنبي صلى الله عليه وسلم سان قد ~~ساق الهدي؛ ولهذا قال أحمد في رواية المروذي: إذا ساق الهدي فالقران أفضل، ~~وذلك لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم # وهذا الذي ذكرناه من أنه حج قارنا يتبين لمن تدبر الأحاديث، وفهم مضمونها، ~~وبسط ذلك في هذا الموضع غير ممكن، لكن نذكر نكتآ مختصرة : # منها : أن الذين نقلوا لفظ رسول الله ال صلى الله عليه وسلم، كلفظ تلبيته، ولفظه في خبره عن ~~نفسه، وفيما يخبر به عن أمر الله له، إنما ذكروا القران، كقول أنس في الصحيحين ~~سمعته يقول : لالبيك عمرة وحجة، وكان تحت ناقته» وكحديث عمر الذي في ~~الصحيح حيث قال : أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك، وقال : قل : عمرة ~~في حجة وقوله في حديث البراء بن عازب . .. # والذين قالوا: تمتع بالعمرة إلى الحج، لم تزل قلوبهم على غير القران، فإن ~~القران كان عندهم داخلا في مسمى التمتع بالعمرة إلى الحج كما جاء مفسرا في ~~لصحيحين، من أن عثمان كان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها، فلما رأى ذلك ~~علي أهل بهما جميعا. # ولهذا وجب عند الأئمة على القارن الهدي بقوله : (فن تمنع بالعمرة إلى الحج فا آستيسر ~~من المدي) . وذلك أن مقصود حقيقة التمتع أن يأتي بالعمرة في أشهر ~~الحج، ويحج من عامه، فيترفه بسقوط أحد السفرين، قد أحل من عمرته، ثم أحرم ~~بالحج، أو أحرم بالحج مع العمرة، أو أدخل الحج على العمرة، فأتى بالعمرة والحج ~~جميعا في أشهر الحج من غير سفر بينهما، فيترفه بسقوط أحد السفرين. فهذا كله ~~داخل في مسمى التمتع، مع أن هؤلاء لم ms0943 ينقلوا لفظ رسول الله صله صلى الله عليه وسلم # وكذلك الذين قالوا: أفرد الحج، مع أن هذا اللفظ يراد به الرد على من قال: ~~تمتع بالعمرة إلى الحج، وحل من إحرامه، وعلى من قال: إنه طاف طوافين، وسعى ~~سعيين، فإن أصحابه حلوا من إحرامهم حيث لم يسوقوا الهدي، فبقوا محرمين كما ~~يبقى مفردا بحج ولم يأتوا بزيادة على عمل المفرد. فبين هؤلاء أنه لم يفعل إلا أفعال ~~الحج لم يحل من إحرامه ولا زاد عليها، وتبين بذلك أنه قد اعتمر أربعا: إحداهن ~~عمرة مع حجته، ولا نزاع بين أهل العلم أنه لم يعتمر بعد الحجة لا هو ولا أحد PageV01P861 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0862.png) ~~ممن حج معه حجة الوداع، إلا عائشة خاصة، فإنه أعمرها مع أخيها عبد الرحمن، ~~لأجل حيضها الذي حاضته وبنيت بعد ذلك مساجد، فسميت : مساجد عائشة» فإنها ~~أحرمت بالعمرة من هناك، فإنه أدنى الحل إلى مكة؛ إذ ذاك الجانب من الحرم أقرب ~~جوانبه من مكة . وكان قد اعتمر مع حجته ولم يعتمر بعدها، فتبين أن عمرته كانت ~~فيها قبلها، فيكون متمتعا. # يوضح ذلك أن عامة الذين روي عنهم أنه أفرد الحج: كعائشة، وابن عمر. ~~روي عنهم أنه تمتع بالعمرة إلى الحج، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن ابن عمر ~~وعائشة وغيرهما، وقد تبين أن من قال تمتع بالعمرة إلى الحج، وإنه حل من إحرامه، ~~كما زعم ذلك بعض أصحاب أحمد : كالقاضي، وغيره، وزعموا أنه كان مخصوصا ~~بذلك، دون من تمتع وساق الهدي، فهذا القول خطأ. # وكذلك من يظن من أصحاب مالك والشافعي أنه أفرد الحج، واعتمر عقب ~~ذلك، فهذا القول خطأ، وكلا القولين مخالف لإجماع أهل العلم بالآثار. # وكذلك من زعم أنه طاف طوافين، وسعى سعيين، كما يختار ذلك أصحاب ~~ابي حنيفة، وإنه خلاف الأحاديث الصحيحة، التي تبين أنه لم يطف بالبيت والصفا ~~والمروة إلا مرة واحدة. # وأما من قال من أصحاب أحمد: أنه تمتع ولم يحل من إحرامه؛ لأجل سوق ~~لهدي، كما يختاره أبو محمد وغيره، فالتمتع على المشهور ms0944 عندهم: السعي بين ~~الصفا والمروة بعد طواف الإفاضة للحج، كما سعى أولا للعمرة، والبي صلى الله عليه وسلم يسع ~~بعد الإفاضة، فكيف يكون متمتعا على هذا القول؟ لكن عن أحمد رواية أخرى، أن ~~المتمتع لا يحتاج إلى سعي ثان، بل يكفيه السعي الأول، كما يكفي المفرد، وكما ~~يكفي القارن. # وسبب اختلاف الروايتين عن أحمد أن في حديث عامر: «أنهم لم يطوفوا ~~بالبيت، وبين الصفا والمروة، إلا الطواف الأول3) وفي حديث عانشة: «انهم طافرا ~~بعد التعريف») فإنه على حهذه الرواية لا يتوجه هذا الإلزام؛ لكن لا يبقى بين القارلة ~~وبين المتمتع الذي ساق الهدي فدم يحل لأجله - فرق، الا ان القارذ احرم بالم ~~يل ل فر الح ا ل صف الي الم الا لن ا لانا ان م ينا ~~القارن والمتمتع الذي لم يحل فرق أصلا. # وعلى هذا فإحرامه بالحج قبل أن يطوف ويسعى افضل من الن يحرم به بعلي ~~الطواف والسعي، وقد صح عن ألنبي أنه آحرم بهما جميعا، وقال: البيك عمرة PageV01P862 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0863.png) ~~وحجا» ومن لم يحرم بالحج إلا بعد الطواف والسعي لا يقول هذا. # ومن قال من أصحاب مالك والشافعي أفرد الحج ولم يعتمر مع حجته، ~~فالأحاديث الصحيحة - التي تبين أنه اعتمر مع حجته، وإنه اعتمر أربع عمر : عمرة ~~الحديبية، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة، والعمرة التي مع حجته - ترد هذا القول. ~~وكذلك قول حفصة في الحديث المتفق عليه : ما بال الناس حلوا. ولم تحل من ~~عمرتك ? فقال : إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر # وأما قول القائل : أيما أفضل? # فالتحقيق في هذه المسألة: أنه إذا أفرد الحج بسفرة، والعمرة بسفرة، فهو ~~أفضل من القران، والتمتع الخاص بسفرة واحدة. وقد نص على ذلك أحمد ~~وأبو حنيفة، مع مالك، والشافعي، وغيرهم. وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر ~~وعمر. وكان عمر يختاره للناس وكذلك علي - رضي الله عنه - وقال عمر وعلي في ~~قوله : (وأتموا الحج والعمرة لله) قالا : إتمامهما أن تهل بهما من دويرة ~~أهلك. وقد قال النبي ms0945 صى الله عليه وسلم عائشة في عمرتها: أجرك على قدر نصبك. # وإذا رجع الحاج إلى دويرة أهله، فأنشأ منها العمرة، أو اعتمر قبل أشهر الحج، ~~وأقام حتى يحج، أو اعتمر في أشهره، ورجع إلى أهله ثم حج، فهنا قد أتى بكل ~~واحد من النسكين من دويرة أهله. وهذا أتى بهما على الكمال، فهو أفضل من غيره. # وأما إذا أفرد الحج واعتمر عقب ذلك من أدنى الحل، فهذا الإفراد لم يفعله ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من أصحابه الذين حجوا معه، بل ولا غيرهم. كيف يكون ~~هو الأفضل مما فعلوه معه بأمره? بل لم يعرف أن أحدا اعتمر من مكة على عهد ~~رسوله اله صلى الله عليه وسلم لا اعائشة، لا في حجة الوداع، ولا قبلها، ولا بعدها؛ بل هذه ~~العمرة لا تجزئ عن عمرة الإسلام في إحدى الروايتين عن أحمد . وعند بعض أهل ~~العلم أنها متعة . # وتكره العمرة في ذي الحجة عند طائفة من أهل العلم، مع أن عائشة كانت إذا ~~حجت صبرت حتى يدخل المحرم، ثم تحرم من الجحفة فلم تكن تعتمر من أدنى ~~الحل، ولا في ذي الحجة. # وأما إذا أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة، وقدم مكة في أشهر الحج، ~~ولم يسق الهدي. فالتمتع أفضل له، من أن يحج ويعتمر بعد ذلك من الحل؛ لأن PageV01P863 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0864.png) ~~أصحاب رسول الله لهل صلى الله عليه وسلم ادين حجوا معه ولم يسوقوا الهدي، أمرهم جميعهم أن ~~يحجوا هكذا . أمرهم إذا طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلوا من إحرامهم، ~~ويجعلوها متعة، فلما كان يوم التروية أمرهم أن يحرموا بالحج، وهذا متواتر عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه أمرهم بذلك، وحجوا معه كذلك. ومعلوم أنهم أفضل الأمة بعده، ولا حجة ~~تكون أفضل من حجة أفضل الأمة، مع أفضل الخلق بأمره، فكيف يكون حج من حج ~~مفردا، واعتمر عقب ذلك، أو قارنا ولم يسق الهدي أفضل من حج هؤلاء معه بأمره، ~~وكيف ينقلهم عن الأفضل إلى ms0946 المفضول?! وأمره أبلغ من فعله. # وأيضا؛ فإن من يحرم بالعمرة قد نوى الحج، فإنه ينوي التمتع بالعمرة إلى ~~الحج، كما ينوي المغتسل إذا بدأ بالتوضؤ أنه يتوضأ الوضوء الذي هو بعض الغسل، ~~فيكون تحريمان وتحليلان، كما للمفرد تحليلان وتحريمان، فيكون له هدي، كما ~~للقارن هدي، والهدي هدي نسك، لا هدي جبران، فإن هدي الجبران - الذي يكون ~~لترك واجب، أو فعل محرم - لا يحل سببه إلا مع العذر . فليس له أن يترك شيئا من ~~واجبات الحج بلا عذر، أو يفعل شيئا من محظوراته بلا عذر، ويأتي بدم. وهذا له أن ~~يتمتع بلا عذر، ويأتي بالهدي، فعلم أنه دم نسك. وقد ثبت بالسنة أنه يأكل، كما ~~أكل النبيصلى الله عليه وسلم من هديه، وقد كان قارنا، وكما ذبح عن نسائه البقرة، وأطعمهن من ~~ذلك ، وكن متمتعات . # وأيضا فلمن يأتي بالعبادتين: إذا كانتا من جنس يجمع بينهما، أن يبدأ بالصغرى ~~على الكبرى، كما يتوضأ المغتسل، ثم يتم غسله، وكما أمره بمثل ذلك في غسل ~~الميت، فإذا اعتمر ثم أتي بالحج كان موافقا لهذا؛ بخلاف من حج فإنه أتى بالغاية. ~~فإذا اعتمر عقب ذلك لم يكن في عمرته عمل زائد. # وإذا أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج جاز ذلك بالاتفاق؛ لأنه التزم أكثر مما ~~كان عليه . # وأما إذا أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يجز على الصحيح لأنه لا يلتزم ~~زيادة شيء، وإنما جوزه أبو حنيفة بناء على أصله : في أن عمل القارن فيه زيادة على ~~عمل المفرد. # ومن سافر سفرة واحدة واعتمر فيها، ثم أراد أن يسافر أخرى للحج، فتمتعه ~~يضا أفضل له من الحج، فإن كثيرا من الصحابة الذين حجوا مع النبي صلى اله عليه وسلم اوا قد ~~اعتمروا قبل ذلك، ومع هذا فأمرهم بالتمتع، لم يأمرهم بالإفراد، ولأن هذا يجمع ~~بين عمرتين وحجة وهدي، وهذا أفضل من عمرة وحجة. # وكذلك لو تمتع ثم سافر من دويرة أهله للمتعة، فهذا أفضل من سفرة بعمرة، ~~وسفرة بحجة مفردة، وهذا المفرد أفضل من ms0947 سفرة واحدة يتمتع فيها. PageV01P864 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0865.png) # وأما إذا أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة، ويسوق الهدي، فالقران ~~أفضل، اقتداء برسول الله له صلى الله عليه وسلم، حيث قرن، وساق الهدي . # ومن قال : إنه مع سوق الهدي يكون التمتع أفضل له. قيل له: مع أن هذا ~~مخالف للسنة إذا أحرم قبل الطواف والسعي كان قد تقدم إحرامه، ووقع الطواف ~~والسعي عن الحج والعمرة، وإذا أحرم بعدهما لم يكن الطواف والسعي واقعا إلا عن ~~العمرة. ووقوع الأفعال عن حج مع عمرة خير من وقوعها عن عمرة لا يتحلل فيها ~~إلى أن يحج؛ لكنه قد يقول : إذا تأخر إحرامه بالحج لزمه سعي ثان، وهذا زيادة ~~عمل، لكن هذا فيه نزاع كما تقدم. # وليس له أن يحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما ~~سقت الهدي، ولجعلتها عمرة اله صلى الله عليه وسلم لم يقل لتمتعت مع سوق الهدي، بل قال : ~~لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة فجعل المطلوب متعة بلا سوق هدي، وهذا دليل ~~ثان على أن من ساق الهدي لا يتمتع، بل يقرن. وإذا كان القران والتمتع مع سوق ~~الهدي سواء ارتفع النزاع. # فإن قيل: أيما أفضل أن يسوق الهدي ويقرن، أو أن يتمتع بلا سوق هدي، ~~ويحل من إحرامه? # قيل : هذا موضع الاجتهاد، فإنه قد تعارض دليلان شرعيان : # أحدهما : أنه قرن وساق الهدي في حجة الوداع، ولم يكن الله ليختار لنبيه ~~المفضول دون الأفضل، فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم # والثاني : أن قوله هذا، يقتضي أنه لو كان ذلك الحال هو وقت إحرامه، لكان ~~أحرم بعمرة، ولم يسق الهدي بقوله : لو استقبلت من أمري ما استدبرت فالذي ~~استدبره هو الذي فعله ومضى فصار خلفه، والذي يستقبله هو الذي لم يفعله بعد، بل ~~هو أمامه، فتبين أنه لو كان مستقبلا لما استدبره من أمره - وهو الإحرام - لأحرم ~~بالعمرة دون هدي، وهو لا يختار أن ينتقل من الأفضل إلى المفضول، بل إنما يختار ~~الأفضل. ms0948 وذلك يدل على أنه تبين له حينئذ أن التمتع بلا هدي أفضل له. # ولكن من نصر الأول يجيب عن هذا بأنه لم يقل هذا لأجل أن الذي فعله ~~مفضول، بل لأن أصحابه شق عليهم أن يحلوا من إحرامهم مع بقائه محرما، فكان ~~يختار موافقتهم ليفعلوا ما أمروا به عن انشراح وموافقة. وقد ينتقل عن الأفضل إلى ~~المفضول لما فيه من الموافقة، وائتلاف القلوب، كما قال لعائشة: لولا أن قومك PageV01P865 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0866.png) ~~حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة، ولجعلت لها بابين فهنا ترك ما هو الأولى؛ ~~الأجل الموافقة والتأليف الذي هو الأدنى من هذا الأولى، فكذلك اختار المتعة بلا ~~هدي . # وعلى هذا التقدير فيكون الله قد جمع له بين أن فعل الأفضل وبين أن أعطاه بما ~~يراه من الموافقة لهم ما في ذلك من الفضل، فاجتمع له الأجران، وهذا هو اللائق ~~بحماله صلى الله عليه وسلم # يبين ذلك : أن سوق الهدي أفضل من ترك سوقه، وقد ساق مائة بدنة، فكيف ~~يكون ترك ذلك أفضل في نفسه بمجرد التحلل والإحرام ثانيا، وسوق الهدي فيه من ~~تعظيم شعائر الله ما ليس في تكرر التحلل والتحريم. # يبين ذلك أن المتمتع إذا ساق الهدي فينبغي أن يكون أفضل من جميع من لم ~~يسق، والقارن الذي ساق الهدي أفضل منهما. # وأيضا فإن القارن والمتمتع عليه هدي، ومعلوم أن الهدي الذي يسوقه من الحل ~~أفضل باتفاق المسلمين، مما يشتريه من الحرم، بل في أحد قولي العلماء لا يكون ~~هديا إلا بما أهدي من الحل إلى الحرم. # وحينئذ فسوقه من الميقات أفضل من سوقه من أدنى الحل، فكيف يجعل الهدي ~~الذي لم يسق أفضل مما سيق، فهذا وغيره مما يبين أن سوق الهدي مع التمتع والقران ~~أفضل من تمتع لا سوق فيه. # وأما سؤال السائل عن بعض الصحابة: هل اعتمر من مكة ? فلم يعتمر أحد على ~~عهد رسول الله صله صلى الله عليه وسلم من مكة إلا عائشة خاصة، وعائشة نفسها كانت إذا حجت تمكث ~~إلى أن يهل المحرم. ms0949 ثم تخرج إلى الجحفة فتحرم منها بعمرة. # وقوله صلى الله عليه وسلم :عمرة في رمضان تعدل حجة وفي لفظ : تعدل حجة ~~عي وفي رواية أنه قال : «الحج من سبيل الله فبين لها أن اعتمارها في ~~رمضان تقوم مقام الحجة التي تخلفت عنها، والحجة كانت من المدينة، والعمرة ~~كانت من المدينة، وذلك لأن شهر رمضان هو شهر الصيام، وهو قبل أشهر الحج. PageV01P866 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0867.png) # ومن حج من عامه كان أفضل من المتمتع، والمتمتع لا بد أن يعتمر في أشهر ~~الحج، وقد كان يمكنه أن يحرم بالحج، فلما عدل عن الإحرام بالحج إلى الإحرام ~~بالعمرة ترفه بسقوط أحد السفرين، فصار الهدي قائما مقام هذا الترفه. # ولهذا ظن بعض الفقهاء أن هدي المتمتع هدي جبران، ومنعوه من الأكل منه، ~~وجعلوا وجوب الهدي في المتمتع دليلا على أنه مرجوح، فإن النسك السالم عن ~~جبران أفضل من النسك المجبور . # فقال لهم الآخرون : دم الجبران لا يجوز للرجل أن يفعل سببه بغير عذر، وهنا ~~يجوز التمتع من غير حاجة، فامتنع أن يكون هذا دم جبران . نعم! قد يقال التمتع ~~رخصة، والرخصة قد تكون أفضل، كما أن القصر أفضل من التربيع عند العلماء ~~بالسنة المتواترة، واتفاق السلف، وكذلك «الفطر، والمسح على أظهر قولي ~~العلماء، فإن الفطر هو آخر الأمرين مد صلى الله عليه وسلم # وتنازع العلماء في وجوبه، وفي أجزاء الصوم في السفر فذهبت طائفة من ~~السلف والخلف إلى أن الصائم في السفر عليه القضاء، واتفق المسلمون على أن ~~الفطر في السفر جائز؛ لأنه كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم، واتفق المسلمون على ~~اأنه قال : لأليس لمن البر آلصيام فيي السفرم (2 وثبت في صحيح مسلم) أن حمزة بن ~~عمرو قال للنبي صلى الله عليه وسلم، إني رجل أكثر الصيام، أفأصوم في السفر? فقال : (إن أفطرت ~~فحسن، وإن صمت فلا بأس فحسن الفطر، ورفع البأس عن الصوم. # وهكذا المسح على الخفين فإنه لم ينقل أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم ان إذا لبس ms0950 ~~الخفين على طهارة ثم أحدث أنه ينزعهما، ويغسل رجليه، بل كان يمسح عليهما، ~~وهذا مورد النزاع، فأما إذا لم يكن عليه خفان ففرضه الغسل، ولا يشرع له أن يلبس ~~الخفين لأجل المسح، بل صورة المسألة إذا لبسهما لحاجته، فهل الأفضل أن يمسح ~~عليهما، أو يخلعهما، أو كلاهما على السواء ? على ثلاثة أقوال: # والصواب أن المسح أفضل، اتباعا للسنة. # وأيضا فالذي يحج متمتعا فعل ما يشرع باتفاق العلماء المعروفين، وأما غير ~~المتمتع ففي حجه نزاع، فقد ثبت عن ابن عباس، وطائفة من السلف أن التمتع ~~واجب، وإن كل من طاف وسعى ولم يكن معه هدي، فإنه يحل من إحرامه، سواء ~~قصد التحلل أو لم يقصده، وليس لأحد عند هؤلاء أن يحج إلا متمتعا، وهذا مذهب PageV01P867 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0868.png) ~~ابن حزم، وغيره من أهل الظاهر. وهو مذهب الشيعة أيضا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ار بذلك ~~أصحابه في حجة الوداع، فإذا كان التمتع مختلفا في وجوبه متفقا على جوازه، وغيره ~~ليس بواجب، ولم يتفق على جوازه، كان الحج الذي اتفق على جوازه أولى. # و لا يعارض هذا أن بعض المتقدمين كان ينهي عن المتعة، وكان بعض الولاة ~~يضرب عليها، فعلماء أصحاب هذا القول قد قيل: إنهم لم يكونوا يحرمون المتعة، ~~بل كانوا يختارون أن يعتمر الناس في غير أشهر الحج، كي لا يزال البيت معمورا ~~بالحجاج والعمار. ومن قدر أنه نهى عن ذلك نهي تحريم، فهذا قول مخالف للسنة ~~الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع مخالفته لكتاب الله، فلا يلتفت إليه. # وأما تنازع العلماء في جواز فسخ المفرد، والقارن، وانتقالهما إلى التمتع. فمن ~~العلماء من قال : إن ذلك منسوخ، وإن ذلك كان مخصوصا بالذين حجوا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال بعضهم : لأن النبي صلى الله عليه وسلم أاد أن يعلمهم جواز العمرة في أشهر الحج. # وقال آخرون : هذا قول ضعيف جدا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عتمر في أشهر الحج غير ~~مرة ، بل عمره كانت في أشهر ms0951 الحج : عمرة الحديبية كانت في ذي القعدة، وعمرة ~~القضاء في العام القابل كانت في ذي القعدة، وعمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة، ~~أما كان في هذا ما يبين جواز الاعتمار في أشهر الحج ?! # وأيضا فقد ثبت في الصحيحين أنهم لما كانوا بذي الحليفة، قال : من شاء أن ~~يهل بعمرة وحجة فليفعل، ومن شاء أن يهل بحجة فليفعل، ومن شاء أن يهل بعمرة ~~فليفعل1) فقد صرح لهم بجواز الثلاثة، وفي هذا بيان واضح لجواز العمرة في أشهر ~~الحج. # وأيضا : فالذين حجوا معه متمتعين كان في حجهم ما يبين الجواز، فلا يجوز ~~أن يأمر جميع من حج معه بالتحلل من إحرامه، وأن يجعلوا ذلك تمتعا بمجرد بيان ~~جواز ذلك، ولا ينقلهم عن الأفضل إلى المفضول فعلم أنه إنما نقلهم إلى الأفضل، ~~وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسآنه قيل له : عمرتنا هذه لعامنا، أم للأبد? فقال : لبل للأبد، ~~دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. # وأيضا : فإذا كان الكفار لم يكونوا يتمتعون، ولا يعتمرون في أشهر الحج، ~~النبي صلى الله عليه وسلم صد مخالفة الكفار، كان هذا من سنن الحج كما فعل في وقوفه بعرفة، ~~ومزدلفة، فإن المشركين كانوا يعجلون الإفاضة من عرفة قبل الغروب، ويؤخرون ~~الإفاضة من جمع إلى أن تطلع الشمس. فخالفهم النبي صلى الله عله وسل، وقال: خالف هدينا PageV01P868 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0869.png) ~~هدي المشركين فأخر الإفاضة من عرفة إلى أن غربت الشمس، وعجل الإفاضة من ~~جمع قبل طلوع الشمس، وهذا هو السنة للمسلمين باتفاق المسلمين، فهكذا ما فعله ~~من التمتع والفسخ إن كان قصد به مخالفة المشركين، فهذا هو السنة، وإن فعله لأنه ~~أفضل، وهوسنة، فعلى التقديرين يكون الفسخ أفضل؛ اتباعا لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه، والله سبحانه أعلم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله: # وأما الركن اليماني فلا يقبل على القول الصحيح، وأما سائر جوانب البيت، ~~والركنان الشاميان، ومقام إبراهيم فلا يقبل، ولا يتمسح به باتفاق المسلمين المتبعين ~~للسنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه ms0952 وسلم. # فإذا لم يكن التمسح بذلك، وتقبيله مستحبا، فأولى أن لا يقبل ولا يتمسح بما ~~هو دون ذلك. # واتفق العلماء على أنه لا يستحب لمن سلم على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره أن يقبل # له ل عند قبره أن يقبل ~~الحجرة، ولا يتمسح بها لئلا يضاهي بيت المخلوق بيت الخالق، ولأنه قال صلى الله عليه وسلم ~~اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد»(2) وقال : «لا تتخذوا قبري عيدا»(3) . وقال : «إن ~~من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني ~~أنهاكم عن ذلك فإذا كان هذا دين المسلمين في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو سيد ولد ~~آدم، فقبر غيره أولى أن لا يقبل ولا يستلم. # وقد حكى بعض العلماء في هذا خلافا مرجوحا، وأما الأئمة المتبعون، ~~والسلف الماضون، فما أعلم بينهم في ذلك خلافا، والله سبحانه أعلم. # وقال رحمه الله تعالى: # وأما الحج : فأخذوا فيه بالسنن الثابتة عن رسول الله له صلى الله عليه وسلم في صفته وأحكامه. # وقد ثبت بالنقل المتواتر عند الخاصة من علماء الحديث من وجوه كثيرة في ~~الصحيحين، وغيرهما: أ صلى الله عليه وسلم ما حج حجة الوداع أحرم هو والمسلمون من ذي ~~الحليفة، فقال: من شاء أن يهل بعمرة فليفعل، ومن شاء أن يهل بحجة فليفعل PageV01P869 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0870.png) ~~والمروة، أمر جميع المسلمين الذي حجوا معه أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها ~~عمرة ، إلا من ساق الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله. فراجعه بعضهم في ~~ذلك فغضب . وقال : انظروا ما أمرتكم به فافعلوه وكان هوصل الله عليه ولم فد ساق ~~الهدي، فلم يحل من إحرامه. # ولما رأى كراهة بعضهم للإحلال. قال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ~~لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة، ولولا أن معي الهدي لأحللت وقال أيضا: ~~إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر فحل المسلمون جميعهم ~~إلا النفر الذين ساقوا الهدي، منهم: رسوله الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب، ~~وطلحة ms0953 بن عبيد الله. # فلما كان يوم التروية أحرم المحلون بالحج، وهم ذاهبون إلى منى، فبات بهم ~~تلك الليلة بمنى، وصلى بهم فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم سار ~~بهم إلى نمرة على طريق ضب، لونمرة خارجة عن عرنة من يمانيها وغربيها، ليست ~~من الحرم، ولا من عرفة، فنصبت له القبة بنمرة، وهناك كان ينزل خلفاؤه الراشدون ~~بعده، وبها الأسواق، وقضاء الحاجة، والأكل، ونحو ذلك. # فلما زالت الشمس ركب هو ومن ركب معه، وسار المسلمون إلى المصلى ~~ببطن عرنة، حيث قد بني المسجد، وليس هو من الحرم، ولا من عرفة، وإنما هو ~~برزخ بين المشعرين : الحلال والحرام هناك، بينه وبين الموقف نحو ميل، فخطب بهم ~~خطبة الحج على راحلته . وكان يوم الجمعة، ثم نزل فصلى بهم الظهر والعصر ~~مقصورتين، مجموعتين، ثم سار والمسلمون معه إلى الموقف بعرفة عند الجبل ~~المعروف بجبل الرحمة، واسمه إلال» على وزن هلال. وهو الذي تسميه العامة ~~عرفة فلم يزل هو والمسلمون في الذكر والدعاء إلى أن غربت الشمس. # فدفع بهم إلى مزدلفة، فصلى المغرب والعشاء بعد مغيب الشفق قبل حط ~~اول وقتها مغلسا بهأ زيادة على كل يرم، ثم ولتفك عند قزح» وهير جبل مزدلفة الذيي ~~يسمى : المشعر الحرام، وإن كانت مزدلفة كلها هي المشعر الحرام المذكور في ~~القرآن، فلم يزل واقفا بالمسلمين إلى أن أسفر جدا. # ثم دفع بهم حتى قدم منى، فاستفتحها برمي جمرة العقبة، ثم رجع إلى منزله PageV01P870 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0871.png) ~~بمنى فحلق رأسه، ثم نحر ثلاثا وستين بدنة من الهدي الذي ساقه، وأمر عليا فنحر ~~الباقي، وكان مائة بدنة، ثم أفاض إلى مكة، فطاف طواف الإفاضة، وكان قد عجل ~~ضعفة أهل بيته من مزدلفة، قبل طلوع الفجر، فرموا الجمرة بليل، ثم أقام بالمسلمين ~~أيام منى الثلاث يصلي بهم الصلوات الخمس مقصورة، غير مجموعة، يرمي كل يوم ~~الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس، يفتتح بالجمرة الأولى - وهي الصغرى، وهي ~~الدنيا إلى منى، والقصوى من مكة - ويختتم بجمرة العقبة، ويقف بين الجمرتين ~~الأولى والثانية، وبين ms0954 الثانية والثالثة وقوفا طويلا بقدر سورة البقرة يذكر الله ويدعو ~~فإن المواقف ثلاثة : عرفة، ومزدلفة، ومنى. # ثم أفاض آخر أيام التشريق بعد رمي الجمرات، هو والمسلمون فنزل بالمحصب ~~عند خيف بني كنانة، فبات هو والمسلمون فيه ليلة الأربعاء. # وبعث تلك الليلة عائشة مع أخيها عبد الرحمن لتعتمر من التنعيم، وهو أقرب ~~أطراف الحرم إلى مكة من طريق أهل المدينة. وقد بني بعده هناك مسجد عائشة؛ لأنه ~~لم يعتمر بعد الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم ن أصحابه أحد قط إلا عائشة، لأجل أنها كانت قد ~~حاضت لما قدمت . وكانت معتمرة فلم تطف قبل الوقوف بالبيت، ولا بين الصفا ~~والمروة. وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم،: اقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت ~~والمروة. وقال لها النبي ~~ولا بين الصفا والمروة. # ثم ودع البيت هو والمسلمون ورجعوا إلى المدينة، ولم يقم بعد أيام التشريق، ~~ولا اعتمر أحد قط على عهده عمرة يخرج فيها من الحرم إلى الحل إلا عائشة ~~وحدها. # فأخذ فقهاء الحديث: كأحمد وغيره بسنته في ذلك كله، وإن كان منهم ومن ~~غيرهم من قد يخالف بعض ذلك بتأويل تخفى عليه فيه السنة. # فمن ذلك أنهم استحبوا للمسلمين أن يحجوا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلماصمححابه، ولما ~~اتفقت جميع الروايات على أنه أمر أصحابه بأن يحلوا من إحرامهم، ويجعلوها متعة، ~~استحبوا المتعة لمن جمع بين النسكين في سفرة واحدة، وأحرم في أشهر الحج. كما ~~أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وعلموا أن من أفرد الحج، واعتمر عقبه من الحل - وإن قالوا: إنه ~~جائز - فإنه لم يفعله أحد على عهد رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم لا اعائشة، على قول من يقول : ~~إنها رفضت العمرة، وأحرمت بالحج، كما يقول الكوفيون. وأما على قول أكثر ~~الفقهاء : أنها صارت قارنة، فلا عائشة ولا غيرها فعل ذلك. # وكذلك علموا أن من لم يسق الهدي. وقرن بين النسكين لا يفعله. وإن قال PageV01P871 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0872.png) ~~أكثرهم - كأحمد وغيره - إنه جائز. ms0955 فإنه لم يفعله أحد على عهد النبي صلى الله عليه ولم ا عانشة، ~~على قول من قال : إنها كانت قارنة. # ولم يختلف أئمة الحديث - فقهاء، وعلماء، كأحمد وغيره - أن النبي صلى الله عليه وسلم سه ~~لم يكن مفردا للحج، ولا كان متمتعا تمتع حل به من إحرامه. ومن قال من أصحاب ~~أحمد: إنه تمتع، وحل من إحرامه فقط غلط، وكذلك من قال: إنه لم يعتمر في ~~حجته فقد غلط . # وأما من توهم من بعض الفقهاء: أنه اعتمر بعد حجته، كما يفعله المختارون ~~للإفراد إذا جمعوا بين النسكين، فهذا لم يروه أحد، ولم يقله أحد أصلا من العالمين ~~بحجه صلى الله عليه وسلم، فإنه لا خلاف بينهم: اله صلى الله عليه وسل لم هو ولا أحد من أصحابه اعتمر بعد ~~الحج إلا عائشة . ولهذا لا يعرف موضع الإحرام بالعمرة إلا بمساجد عائشة، حيث لم ~~يخرج أحد من الحرم إلى الحل فيحرم بالعمرة إلا هي ولا كا صلى الله عليه وسلم يضا قارنا قرانا ~~طاف فيه طوافين وسعى سعيين . فإن الروايات الصحيحة كلها تصرح بأنه إنما طاف ~~بالبيت ، وبين الصفا والمروة قبل التعريف مرة واحدة. # فمن قال من أصحاب أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد شيئا من هذه ~~المقالات فقد غلط . # وسبب غلطه : ألفاظ مشتركة سمعها في ألفاظ الصحابة الناقلين لحجة الني صلى الله عليه وسلم ~~فإنه قد ثبت في الصحاح عن غير واحد - منهم: عائشة، وابن عمر وغيرهما-: ل صلى الله عليه وسلم. ~~تمتع بالعمرة إلى الحج وثبت أيضا عنهم : أنه أفرد الحج وعامة الذين نقل ~~عنهم : «أنه أفرد الحج0 ثبت عنهم أنهم قالوا: إنه تمتع بالعمرة إلى الحج. وثبت عن ~~أنس بن مالك أنه قال : سمعت رسول الله له صلى الله عليه وسل ول : لبيك عمرة وحجا وعن عمر: ~~أنه أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ن قال : أتاني آت من ربي - يعني بوادي العقيق - وقال : قل : ~~عمرة في حجة ولم يحك أحد لفظ النبي صلى الله ms0956 علي وسلم أني أحرم به إلا عمر وأنس؛ فلهذا قال ~~الإمام أحمد : لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم ان قارنا. # وأما ألفاظ الصحابة : فإن التمتع بالعمرة إلى الحج اسم لكل من اعتمر في أشهر ~~الحج وحج من عامه، سواء جمع بينهما بإحرام واحد أو تحلل من إحرامه. فهذا ~~التمتع العام يدخل فيه القران . ولذلك وجب عليه الهدي عند عامة الفقهاء . إدخالا له PageV01P872 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0873.png) ~~في عموم قوله تعالى : (فن تمتع بالعمرة إلى المج فا آستيسر من المدي) وإن كان ~~اسم «التمتع» قد يختص بمن اعتمر ، ثم أحرم بالحج بعد قضاء عمرته . # فمن قال منهم : تمتع بالعمرة إلى الحج لم يرد أنه حل من إحرامه، ولكن ~~أراد : أنه جمع في حجته بين النسكين معتمرا في أشهر الحج، لكن لم يبين: هل ~~أحرم بالعمرة قبل الطواف بالبيت وبالجبلين، أو أحرم بالحج بعد ذلك? فإن كان قد ~~أحرم قبل الطوافين، فهو قارن بلا تردد، وإن كان إنما أهل بالحج بعد الطواف ~~بالبيت، وبالجبلين، وهو لم يكن حل من إحرامه، فهذا يسمى متمتعا؛ لأنه اعتمر قبل ~~الإهلال بالحج، ويسمى قارنا، لأنه أحرم بالحج قبل إحلاله من العمرة؛ ولهذا يسميه ~~بعض أصحابنا «متمتعا ويسميه بعضهم قارنا ويسميه بعضهم بالاسمين، وهو ~~الأصوب . وهذا في التمتع الخاص. فأما التمتع العام: فيشمله بلا تردد . # ومع هذا : فالصواب ما قطع به أحمد من اهن صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج قبل الطواف؛ ~~لقوله : «لبيك عمرة وحجا ولو كان من حين يحرم بالعمرة مع قوله سبحانه: (فصيام ~~ثلثة أيام في الحج) لأن العمرة دخلت في الحج . كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم # وإذا كانت عمرة المتمتع جزءا من حجه، فالهدي المسوق لا ينحر حتى يقضي ~~التفث، كما قال تعالى : (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم) وذلك ~~إشارة إلى الهدي المسوق، فإنه نذر؛ ولهذا لو عطب دون محله وجب نحره؛ لأن ~~نحره إنما يكون عند بلوغه محله، وإنما يبلغ محله إذا بلغ صاحبه محله؛ لأنه تبع له، ~~وإنما يبلغ ms0957 صاحبه محله يوم النحر، إذ قبل ذلك لا يحل مطلقا؛ لأنه يجب عليه أن ~~يحج، بخلاف من اعتمر عمرة مفردة . فإنه حل حلا مطلقا . # وأما ما تضمنته سنة رسول الله له صلى الله عليه وسلم من المقام بمنى يوم التروية، والمبيت بها ~~الليلة التي قبل يوم عرفة، ثم المقام بعرنة - التي بين المشعر الحرام وعرفة - إلى ~~الزوال، والذهاب منها إلى عرفة والخطبة، والصلاتين في أثناء الطريق ببطن عرنة، ~~فهذا كالمجمع عليه بين الفقهاء، وإن كان كثير من المصنفين لا يميزه، وأكثر الناس ~~لا يعرفه لغلبة العادات المحدثة. # ومن سنة رسول الله له صلى الله عليه وسلم: أنه جمع بالمسلمين جميعهم بعرفة. بين الظهر ~~والعصر، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء. وكان معه خلق كثير ممن منزله دون مسافة ~~القصر من أهل مكة وما حولها . ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق كل صلاة ~~في وقتها، ولا أن يعتزل المكيون ونحوهم فلم يصلوا معه العصر، وأن ينفردوا ~~فيصلوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين. فإن هذا مما يعلم بالاضطرار لمن تتبع ~~الأحاديث أنه لم يكن . وهو قول مالك وطائفة من أصحاب الشافعي، وأحمد، وعليه ~~يدل كلام أحمد. PageV01P873 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0874.png) # وإنما غفل قوم من أصحاب الشافعي، وأحمد عن هذا، فطردوا قياسهم في ~~الجمع. واعتقدوا أنه إنما جمع لأجل السفر، والجمع للسفر لا يكون إلا لمن سافر ~~ستة عشر فرسخا، وحاضرو مكة ليسوا عن عرنة بهذا البعد. # وهذا ليس بحق. فإنه لو كان جمعه لأجل السفر لجمع قبل هذا اليوم وبعده، ~~وقد أقام بمنى أيام التشريق ولم يجمع فيها، لا سيما ولم ينقل عنه أنه جمع في السفر ~~وهو نازل إلا مرة واحدة، وإنما كان يجمع في السفر إذا جد به السير، وإنما جمع ~~لنحو الوقوف، لأجل أن لا يفصل بين الوقوف بصلاة ولا غيرها. كما قال أحمد: إنه ~~يجوز الجمع لأجل ذلك من الشغل المانع من تفريق الصلوات. # ومن اشترط في هذا الجمع السفر من أصحاب أحمد فهو أبعد عن أصوله من ~~أصحاب الشافعي. فإن ms0958 أحمد يجوز الجمع لأمور كثيرة غير السفر، حتى قال القاضي ~~أبو يعلى وغيره - تفسيرا لقول أحمد : إنه يجمع لكل ما يبيح ترك الجماعة - فالجمع ~~ليس من خصائص السفر . وهذا بخلاف القصر، فإنه لا يشرع إلا للمسافر. # ولهذا قال أكثر الفقهاء، كالشافعي وأحمد : إن قصر الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى ~~وأيام التشريق : لا يجوز إلا للمسافر الذي يباح له القصر عندهم، طردا للقياس، ~~واعتقادا أن القصر لم يكن إلا للسفر بخلاف الجمع، حتى أمر أحمد وغيره: أن ~~الموسم لا يقيمه أمير مكة؛ لأجل قصر الصلاة. # وذهب طوائف من أهل المدينة وغيرهم - منهم مالك، وطائفة من أصحاب ~~الشافعي وأحمد، كأبي الخطاب في عباداته الخمس - إلى أنه يقصر المكيون وغيرهم، ~~وأن القصر هناك لأجل النسك. # والحجة مع هؤلاء : أنه لم يثبت أن البي صلى الله عليه وسلم ا من صلى خلفه بعرفة ومزدلفة ~~ومنى من المكيين أن يتموا الصلاة كما أمرهم أن يتموا لما كان يصلي بهم بمكة أيام ~~فتح مكة، حين قال لهم : «أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر. # فإنه لو كان المكيون قد قاموا لما صلوا خلفه الظهر فأتموها أربعا ثم لما صلوا ~~العصر قاموا فأتموها أربعا، ثم لما صلوا خلفه عشاء الآخرة قاموا فأتموها أربعا، ثم ~~كانوا مدة مقامه بمنى يتمون خلفه - لما أهمل الصحابة نقل مثل هذا. # ومما قد يغلط فيه الناس: اعتقاد بعضهم أنه يستحب صلاة العيد بمني يوم ~~النحر، حتى قد يصليها بعض المنتسبين إلى الفقه، اخذا فيها بالعمومات اللفظية، أو ~~القياسية . وهذه غفلة عن الستة ظاهرة. فإن الب ص الل ليه ول خلفاءه لم يصلوا بمنى عيدا ~~قط. وانما صلاة العيد بمنى هي جمرة العقبة. فرمي جمرة العقبة لاهل المويسم بمتزلة ~~صلاة العيد لغيرهم ولهذا استحب أحمد ان تكون صلاة اهل الأمصار وقت النحر PageV01P874 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0875.png) ~~بمنى . ولهذا خطب النبي صلى الله عليه وسلم وم النحر بعد الجمرة، كما كان يخطب في غير مكة ~~بعد صلاة العيد، ورمي الجمرة تحية منى كما أن الطواف تحية المسجد الحرام. # ومثل ms0959 هذا ما قالته طائفة - منهم ابن عقيل - أنه يستحب للمحرم إذا دخل ~~المسجد الحرام : أن يصلي تحية المسجد، كسائر المساجد. ثم يطوف طواف ~~القدوم، أو نحوه، وأما الأيمة وجماهير الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: فعلى ~~إنكار هذا. # أما أولا: فلأنه خلاف السنة المتواترة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه. فإنهم لما ~~دخلوا المسجد لم يفتتحوا إلا بالطواف، ثم الصلاة عقب الطواف . # وأما ثانيا : فلأن تحية المسجد الحرام: هي الطواف. كما أن تحية المساجد هي ~~الصلاة. # وأشنع من هذا : استحباب بعض أصحاب الشافعي لمن سعى بين الصفا والمروة ~~أن يصلي ركعتين بعد السعي على المروة، قياسا على الصلاة بعد الطواف. وقد أنكر ~~ذلك سائر العلماء من أصحاب الشافعي وسائر الطوائف، ورأوا أن هذه بدعة ظاهرة ~~القبح . فإن السنة مضت بأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه طافوا وصلوا، كما ذكر الله الطواف ~~والصلاة . ثم سعوا ولم يصلوا عقب السعي، فاستحباب الصلاة عقب السعي، ~~كاستحبابها عند الجمرات، أو بالموقف بعرفات، أو جعل الفجر أربعا قياسا على ~~الظهر . والترك الراتب : سنة، كما أن الفعل الراتب: سنة، بخلاف ما كان تركه لعدم ~~مقتض، أو فوات شرط، أو وجود مانع، وحدث بعده من المقتضيات والشروط ~~وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ، كجمع القرآن في المصحف، وجمع ~~الناس في التراويح على إمام واحد . وتعلم العربية، وأسماء النقلة للعلم، وغير ذلك ~~ما يحتاج إليه في الدين، بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما ~~ترله صلى الله عليه وسلم فوات شرطه أو وجود مانع. # فأما ما تركه من جنس العبادات، مع أنه لو كان مشروعا لفعله، أو أذن فيه، ~~ولفعله الخلفاء بعده، والصحابة، فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة، ويمتنع القياس ~~في مثله، وإن جاز القياس في النوع الأول. وهو مثل قياس صلاة العيدين، ~~والاستسقاء، والكسوف على الصلوات الخمس، في أن يجعل لها أذانا وإقامة، كما ~~فعله بعض المروانية في العيدين. وقياس حجرته ونحوها من مقابر الأنبياء على بيت ~~الله في ms0960 الإستلام والتقبيل، ونحو ذلك من الأقيسة التي تشبه قياس الذين حكى ~~الله عنهم أنهم قالوا. (إنما البيع مثل الريوا). # وأخذ فقهاء الحديث - كالشافعي وأحمد وغيرهما مع فقهاء الكوفة - ما عليه PageV01P875 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0876.png) ~~جمهور الصحابة والسلف بتلبية رسول الله صله صلى الله عليه وسلم، فإنه قد ثبت عنه أنه لم يزل يلبي ~~حتى رمى جمرة العقبة. # وذهبت طائفة من السلف من الصحابة والتابعين وأهل المدينة - كمالك - إلى أن ~~التلبية تنقطع بالوصول إلى الموقف بعرفة؛ لأنها إجابة. فتنقطع بالوصول إلى ~~المقصد. وسنة رسول الله له صلى الله عليه وسلم ي التي يجب اتباعها. # وأما المعنى : فإن الواصل إلى عرفة - وإن كان قد وصل إلى هذا الموقف - فإنه ~~قد دعي بعده إلى موقف آخر، وهو مزدلفة. فإذا قضى الوقوف بمزدلفة، فقد دعي ~~إلى الجمرة، فإذا شرع في الرمي فقد انقضى دعاؤه، ولم يبق مكان يدعى إليه محرما، ~~لأن الحلق والذبح يفعله حيث أحب من الحرم، وطواف الإفاضة يكون بعد التحلل ~~الأول . # ولهذا قالوا أيضا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: انه يلبي بالعمرة إلى أن يستلم الحجر، ~~وإن كان ابن عمر ومن اتبعه من أهل المدينة - كمالك - قالوا: يلبي إلى أن يصل إلى ~~الحرم . فإنه وإن وصل إليه فإنه مدعو إلى البيت. # نعم يستفاد من هذا المعنى: أنه إنما يلبي حال سيره، لا حال الوقوف بعرفة ~~ومزدلفة وحال المبيت بها. وهذا مما اختلف فيه أهل الحديث. # فأما التلبية حال السير من عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى: فاتفق من ~~جمع الأحاديث الصحيحة عليه. # واختلف الناس في أكل المحرم لحم الصيد الذي صاده الحلال، وذكاه، على ~~ثلاثة أقوال : # فقالت طاففة من السلف: هو حرام، اتباعا لما فهموه من قوله تعالى: (وحر ~~عليكم صيد البرما دمتم حرما) . ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، من أنه رد لحم ~~الصيد لما أهدي إليه1 # وقال آخرون، منهم ابو حنيفة: بل هو مباح مطلقا، عملا بحديث ابي قتادة لما ~~صاد الحمار الوحشي، وأهدى لحمه ms0961 للي لى الله عليه وسلم اخبره بانه لم يصده له، كما جاء ~~في الأحاديث الصحيحة. # وقالت الطائفة الثالثة التي فيها فقهاء الحديث: بل هو مباح للمحرم، إذا لم PageV01P876 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0877.png) ~~يصده له المحرم، ولا ذبحه من أجله؛ توفيقا بين الأحاديث، كما روى جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ان قال : لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوه أو يصاد ~~لكم قال الشافعي: هذا أحسن حديث في هذا الباب وأقيس. وهذا مذهب مالك، ~~وأحمد، والشافعي، وغيرهم. # وإنما اختلفوا إذا صيد لمحرم بعينه. فهل يباح لغيره من المحرمين? على ~~قولين، هما وجهان في مذهب أحمد رحمه الله تعالى. # وسئل رحمه الله تعالى : عن طواف الحائض، والجنب. والمحدث? # فأجاب: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أ قال : لالحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف ~~بالبيت . وقال لعائشة - رضي الله عنها - اصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي ~~بالبيت . ولما قيل له عن صفية أنها حاضت. فقال : أحابستنا هي، فقيل له : إنها ~~قد أفاضت . قال : «فلا إذا» وصح عه صلى الله عليه وسلم أ بعث أبا بكر عام تسع لما أمره على ~~الموسم، ينادي : لا أن لا يطوف بالبيت عريان. ولم ينقل أحد عنه أنه أمر الطائفين ~~بالوضوء، ولا باجتناب النجاسة، كما أمر المصلين بالوضوء. # فنهيه الحائض عن الطواف بالبيت، إما أن يكون لأجل المسجد، لكونها، منهية ~~عن اللبث فيه، وفي الطواف لبث، أو عن الدخول إليه مطلقا لمرور أو لبث، وإما أن ~~يكون لكون الطواف نفسه يحرم مع الحيض، كما يحرم على الحائض الصلاة، ~~والصيام، بالنص والإجماع؛ ومس المصحف عند عامة العلماء، وكذلك قراءة القرآن ~~في أحد قولي العلماء. # والذين حرموا عليها القراءة كأحمد في المشهور عنه، وكذلك الشافعي مع ~~أبي حنيفة، تنازعوا في إباحة قراءة القرآن لها، وللنفساء قبل الغسل، وبعد انقطاع ~~الدم على ثلاثة أقوال: # أحدها : إباحتها للحائض والنفساء، وهو اختيار القاضي أبي يعلى، وقال: هو ~~ظاهر كلام أحمد. PageV01P877 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0878.png) # والثاني : منع الحائض والنفساء. # والثالث ms0962 : إباحتها للنفساء دون الحائض. اختاره الخلال من أصحاب أحمد، ~~فإما أن يكون لكل منهما، وإما أن يكون لمجموعهما بحيث لو انفرد أحدهما لم ~~يحرم، فإن كان تحريمه للأول لم يحرم عليها عند الضرورة، فإن لبثها في المسجد ~~لضرورة جائز ، كما لو خافت من يقتلها إذا لم تدخل المسجد، أو كان البرد شديدا، ~~أو ليس لها مأوى إلا المسجد. # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم، وغيره، عن عائشة - رضي الله عنها ~~- إنها قالت : قال لي رسول الله صله صلى الله عليه وسلم،: ناوليني الخمرة من المسجد، فقلت: إني ~~حائض ، قال : إن حيضتك ليست في يدك. # وعن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم الت : كان رسول الله صل صلى الله عليه وسلم فصع رأسه في حجر ~~إحدانا يتلو القرآن وهي حائض، وتقوم إحدانا بخمرته إلى المسجد فتبسطها وهي ~~حائض 21) رواه النسائى . # وقد روى أبو داود من حديث عائشة عه صلى الله عليه وسلم ان قال : «لا أحل المسجد ~~لجنب، ولا حائض رواه ابن ماجه من حديث أم سلمة، وقد تكلم في هذين ~~الحديثين. # ولهذا ذهب أكثر العلماء كالشافعي وأحمد وغيرهما إلى الفرق بين المرور، ~~واللبث، جمعا بين الأحاديث، ومنهم من منعها من اللبث والمرور، كأبي حنيفة، ~~ومالك . ومنهم من لم يحرم المسجد عليها، وقد يستدلون على ذلك بقوله تعالى: ~~( ولا جنبا إلا عابرى سبيل). # وأباح أحمد وغيره اللبث لمن يتوضأ؛ لما رواه هو وغيره عن عطاء بن يسار ~~قال : «رأيت رجالا من أصحاب رسول الله ل صلى الله عليه وسلم جلسون في المسجد، وهم ~~مجنبون، إذا توضأوا وضوء الصلاة» وذلك والله أعلم أن المسجد بيت الملائكة، ~~والملائكة لا تدخل بيتا فيه جنب، كما جاء ذلك في السنن على النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم الجنب أن ينام حتى يتوضا، وروى يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة ~~قال : أخبرني أبي عن عائشة أنها كانت تقول: «إذا أصاب أحدكم المرأة، ثم ms0963 أراد أن PageV01P878 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0879.png) ~~ينام، فلا ينام حتى يتوضأ وضوءه للصلاة، فإنه لا يدري لعل نفسه تصاب في نومه. ~~وفي حديث آخر : «فإنه إذا مات لم تشهد الملائكة جنازته وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم. ~~الجنب بالوضوء عند الأكل، والشرب، والمعاودة وهذا دليل أنه إذا توضأ ذهبت ~~الجنابة عن أعضاء الوضوء، فلا تبقى جنابته تامة، وإن كان قد بقي عليه بعض ~~الحدث، كما أن المحدث الحدث الأصغر عليه حدث دون الجنابة، وإن كان حدثه ~~فوق الحدث الأصغر، فهو دون الجنب، فلا تمتنع الملائكة عن شهوده، فلهذا ينام ~~ويلبث في المسجد. # وهذا يدل على أن الجنابة تتبعض، فتزول عن بعض البدن دون بعض، كما عليه ~~جمهور العلماء. # وأما الحائض فحدثها دائم لا يمكنها طهارة تمنعها عن الدوام فهي معذورة في ~~مكثها، ونومها، وأكلها، وغير ذلك، فلا تمنع مما يمنع منه الجنب مع حاجتها إليه، ~~ولهذا كان أظهر قولي العلماء أنها لا تمنع من قراءة القرآن إذا احتاجت إليه، كما هو ~~مذهب مالك، وأحد القولين في مذهب الشافعي، ويذكر رواية عن أحمد، فإنها ~~احتاجة إليها، ولا يمكنها الطهارة، كما يمكن الجنب، وإن كان حدثها أغلظ من ~~حدث الجنب من جهة أنها لا تصوم، ما لم ينقطع الدم، والجنب يصوم، ومن جهة ~~أنها ممنوعة من الصلاة طهرت أو لم تطهر، ويمنع الرجل من وطئها أيضا، فهذا ~~يقتضي أن المقتضي للحظر في حقها أقوى، لكن إذا احتاجت إلى الفعل استباحت ~~المحظور، مع قيام سبب الحظر ؛ لأجل الضرورة. كما يباح سائر المحرمات مع ~~الضرورة: من الدم، والميتة، ولحم الخنزير، وإن كان ما هو دونها في التحريم ~~لا يباح من غير حاجة : كلبس الحرير، والشرب في آنية الذهب والفضة ونحو ذلك. # وكذلك الصلاة إلى غير القبلة مع كشف العورة، ومع النجاسة في البدن والثوب ~~هي محرمة أغلظ من غيرها، وتباح بل تجب مع الحاجة وغيرها وإن كان دونها في ~~التحريم كقراءة القرآن الكريم مع عدم الحاجة لا تباح. # وإذا قدر جنب استمرت به الجنابة، وهو ms0964 لا يقدر على غسل، أو تيمم، فهذا ~~كالحائض في الرخصة، وإن كان هذا نادرا وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الحيض أن يخرجن في ~~العيد، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين، ويكبرن بتكبير الناس. وكذلك الحائض ~~والنفساء أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم ولإحرام، والتلبية، وما فيهما من ذكر الله وشهودهما عرفة مع ~~الذكر والدعاء، ورمي الجمار مع ذكر الله، وغير ذلك، ولا يكره لها ذلك، بل يجب ~~عليها، والجنب يكره له ذلك حتى يغتسل لأنه قادر على الطهارة بخلاف الحائض. PageV01P879 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0880.png) # 399 # فهذا أصل عظيم في هذه المسائل ونوعها، لا ينبغي أن ينظر إلى غلظ المفسدة ~~المقتضية للحظر إلا وينظر مع ذلك إلى الحاجة الموجبة للإذن؛ بل الموجبة ~~للاستحباب، أو الإيجاب. # وكل ما يحرم معه الصلاة يجب معه عند الحاجة إذا لم تمكن الصلاة إلا ~~كذلك ، فإن الصلاة مع تلك الأمور أخف من ترك الصلاة، فلو صلى بتيمم مع قدرته ~~على استعمال الماء، لكانت الصلاة محرمة، ومع عجزه عن استعمال الماء كانت ~~الصلاة بالتيمم واجبة بالوقت، وكذلك الصلاة عريانا، وإلى غير القبلة، ومع حصول ~~النجاسة، وبدون القراءة، وصلاة الفرض قاعدا أو بدون إكمال الركوع والسجود، ~~وأمثال ذلك مما يحرم مع القدرة، ويجب مع العجز. # وكذلك أكل الميتة والدم ولحم الخنزير: يحرم أكلها عند الغنى عنها، ويجب ~~أكلها عند الضرورة عند الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء. قال مسروق: من اضطر ~~فلم يأكل حتى مات دخل النار . وذلك لأنه أعان على قتل نفسه بترك ما يقدر عليه من ~~الأكل المباح له في هذه الحال، فصار بمنزلة من قتل نفسه، بخلاف المجاهد ~~بالنفس، ومن تكلم بحق عند سلطان جائر، فإن ذلك قتل مجاهدا ففي قتله مصلحة ~~لدين الله تعالى. # وتعليل منع طواف الحائض، بأنه لأجل حرمة المسجد، رأيته يعلل به بعض ~~الحنفية، فإن مذهب أبي حنيفة أن الطهارة واجبة له، لا فرض فيه، ولا شرط له، ~~ولكن هذا التعليل يناسب القول بأن طواف المحدث غير محرم، وهذا مذهب ~~منصور بن المعتمر ، وحماد بن ms0965 أبي سليمان رواه أحمد عنهما. قال عبد الله في ~~مناسكه : حدثني أبي حدثنا سهل بن يوسف، أنبأنا شعبة عن حماد ومنصور قال: ~~سألتهما عن الرجل يطوف بالبيت وهو غير متوضئ فلم يريا به بأسا. قال عبد الله: ~~سألت أبي عن ذلك فقال: أحب إلي أن يطوف بالبيت وهو متوضى؛ لأن الطواف ~~صلاة، وأحمد عنه روايتان منصوصتان في الطهارة: هل هي شرط في الطواف? أم لا ? ~~وكذلك وجوب الطهارة في الطواف كلامه فيها يقتضي روايتين. # وكذلك قال بعض الحنفية : إن الطهارة ليست واجبة في الطواف، بل سنة، مع ~~قوله : إن في تركها دما، فمن قال: إن المحدث يجوز له أن يطوف، بخلاف الحائض ~~والجنب، فانه يمكنه تعليل المنع بحرمة المسجد، لا بخصوص الطواف لأن الطواف؛ ~~يباح فيه الكلام، والأكل والشرب، فلا يكون كالصبلاة، ولأن الصلاة مفتاحها ~~الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، والطواف ليس كذلك . ويقول: إنما ~~منع العراة من ذلك لأجل نظر الناس، ولحرمة المسجد أيضا. # ومن قال هذا، قال: المطاف أشرف المساجد، ولا يكاد يخلو من طانف. وقد PageV01P880 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0881.png) ~~قال الله تعالى : (حدوا زيتكر عند كل مسجد) فأمر بأخذها عند دخول ~~المسجد، وهذا بخلاف الصلاة، فإن المصلي عليه أن يستتر لنفس الصلاة، والصلاة ~~تفعل في جميع البقاع، فلو صلى وحده في بيت مظلم لكان عليه أن يفعل ما أمر به ~~من الستر للصلاة، بخلاف الطواف فإنه يشترط فيه المسجد الحرام، والاعتكاف ~~يشترط فيه جنس المساجد. # وعلى قول هؤلاء فلا يحرم طواف الجنب والحائض إذا اضطر إلى ذلك، ~~كما لا يحرم عندهم الطواف على الحدث بحال؛ لأنه لا يحرم عليهما دخول ~~المسجد حينئذ، وهما إذا كانا مضطرين إلى ذلك أولى بالجواز من المحدث الذي ~~يجوزون له الطواف مع الحدث من غير عذر . ألا ترى أن المحدث منع من الصلاة ~~ومس المصحف مع قدرته على الطهارة، وذلك جائز للجنب مع التيمم، وإذا عجز ~~عن التيمم صلى بلا غسل، ولا تيمم في أحد قولي العلماء، وهو المشهور في ~~مذهب الشافعي، وأحمد، كما ms0966 ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا مع الجنابة قبل ~~أن تنزل آية التيمم. # والحائض نهيت عن الصوم فإنها ليست محتاجة إلى الصوم في الحيض فإنه ~~يمكنها أن تصوم شهرا آخر غير رمضان، فإذا كان المسافر والمريض مع إمكان ~~صومهما جعل لهما أن يصوما شهرا آخر، فالحائض الممنوعة من ذلك أولى أن تصوم ~~شهرا آخر، وإذا أمرت بقضاء الصوم لم تؤمر إلا بشهر واحد، فلم يجب عليها إلا ~~ما يجب على غيرها؛ ولهذا لو استحاضت فإنها تصوم مع الاستحاضة، فإن ذلك ~~لا يمكن الاحتراز عنه، إذ قد تستحيض وقت القضاء. # وأما الصلاة فإنها تتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات، والحيض مما يمنع ~~الصلاة، فلو قيل : إنها تصلي مع الحيض، لأجل الحاجة، لم يكن الحيض مانعا من ~~الصلاة بحال، وكان يكون الصوم والطواف بالبيت أعظم حرمة من الصلاة، وليس ~~الأمر كذلك، بل كان من حرمة الصلاة إنها لا تصلي وقت الحيض، إذا كان لها في ~~الصلاة أوقات الطهر غنية عن الصلاة وقت الحيض، وإذا كانت إنما منعت من الطواف ~~لأجل المسجد، فمعلوم أن إباحة ذلك للعذر أولى من إباحة مس المصحف للعذر، ~~ولو كان لها مصحف ولم يمكنها حفظه إلا بمسه مثل أن يريد أن يأخذه لص، أو ~~كافر، أو ينهبه أحد، أو يتهبه منها، ولم يمكنها منعه إلا بمسه، لكان ذلك جائزا لها ~~مع أن المحدث لا يمس المصحف، ويجوز له الدخول في المسجد. # فعلم أن حرمة المصحف أعظم من حرمة المسجد، وإذا أبيح لها مس المصحف ~~للحاجة، فالمسجد الذي حرمته دون حرمة المصحف أولى بالإباحة. PageV01P881 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0882.png) # وأما إن كان المنع من الطواف لمعنى في نفس الطواف، كما منع من غيره، أو ~~كان لذلك وللمسجد، كل منهما علة مستقلة. فنقول: إذا اضطرت إلى ذلك بحيث لم ~~يمكنها الحج بدون طوافها وهي حائض لتعذر المقام عليها إلى أن تطهر، فهنا الأمر ~~دائر بين أن تطوف مع الحيض، وبين الضرر الذي ينافي الشريعة، فإن إلزامها بالمقام ~~إذا كان فيه خوف على ms0967 نفسها ومالها، وفيه عجزها عن الرجوع إلى أهلها، وإلزامها ~~بالمقام بمكة مع عجزها عن ذلك، وتضررها به: لا تأتي به الشريعة، فإن مذهب ~~عامة العلماء أن من أمكنه الحج، ولم يمكنه الرجوع إلى أهله لم يجب عليه الحج، ~~وفيه قول ضعيف أنه يجب إذا أمكنه المقام. أما مع الضرر الذي يخاف منه على ~~النفس، أو مع العجز عن الكسب، فلا يوجب أحد عليه المقام، فهذه لا يجب عليها ~~حج يحتاج معه إلى سكنى مكة. # وكثير من النساء إذا لم ترجع مع من حجت معه لم يمكنها بعد ذلك الرجوع، ~~ولو قدر أنه يمكنها بعد ذلك الرجوع، فلا يجب عليها أن يبقى وطؤها محرما مع ~~رجوعها إلى أهلها، ولا تزال كذلك إلى أن تعود، فهذا أيضا من أعظم الحرج الذي ~~لا يوجب الله مثله، إذ هو أعظم من إيجاب حجتين، والله تعالى لم يوجب إلا حجة ~~واحدة . # ومن وجب عليه القضاء كالمفسد فإنما ذاك لتفريطه بإفساد الحج، ولهذا لم ~~يجب القضاء على المحصر في أظهر قولي العلماء لعدم التفريط، ومن أوجب القضاء ~~على من فاته الحج، فإنه يوجبه لأنه مفرط عنده. # إذا قيل في هذه المرأة : بل تتحلل كما يتحلل المحصر، فهذا لا يفيد سقوط ~~الفرض عنها، فتحتاج مع ذلك إلى حجة ثانية، ثم هي في الثانية تخاف ما خافته في ~~الأولى، مع أن المحصر لا يحل إلا مع العجز الحسي، إما بعدو، أو بمرض، أو ~~فقر، أو حبس. فأما من جهة الشرع فلا يكون أحد محصرا، وكل من قدر على ~~الوصول إلى البيت لم يكن محصرا في الشرع، فهذه هي التقديرات التي يمكن أن ~~فعل: إما مقامها بمكة، وإما رجوعها محرمة، وإما تحللها، وكل ذلك مما منعه ~~الشرع في حق مثلها. # وإن قيل : إن الحج يسقط عن مثل هذه، كما يسقط عمن لا تحج إلا مع من ~~يفجر بها، لكون الطواف مع الحيض يحرم كالفجور. # قيل : هذا مخالف لأصول الشرع؛ لأن الشرع مبناه على قوله تعالى: (تالا له ~~ما استطعتم) ms0968 وعلى قول النبي صلى الل عليه وسلم: إذا أمرتكم بامر فاتوا منه PageV01P882 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0883.png) ~~ما استطعتم ومعلوم أن المرأة إذا لم يمكنها فعل شيء من فرائض الصلاة، أو ~~الصيام أو غيرهما، إلا مع الفجور، لم يكن لها أن تفعل ذلك، فإن الله تعالى لم يأمر ~~عباده بأمر لا يمكن إلا مع الفجور، فإن الزنا لا يباح بالضرورة، كما يباح أكل الميتة ~~عند الضرورة، ولكن إذا أكرهت عليه بأن يفعل بها، ولا تستطيع الامتناع منه، فهذه ~~لا فعل لها، وإن كان بالإكراه ففيه قولان هما روايتان عن أحمد: # أحدهما : أنه لا يباح بالإكراه، إلا الأقوال دون الأفعال. # والثاني: وهو قول الأكثرين. أن المكرهة على الزنا، وشرب الخمر، معفو ~~عنها. لقوله تعالى : (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكرمهن غفور تحيم). # وأما الرجل الزاني : ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره، بناء على أن الإكراه ~~هل يمنع الانتشار، أم لا، فأبو حنيفة وأحمد في المنصوص عنه يقولان: لا يكون ~~الرجل مكرها على الزنا. # وأما إذا أمكن العبد أن يفعل بعض الواجبات دون بعض، فإنه يؤمر بما يقدر ~~عليه، وما عجز عنه يبقى ساقطا، كما يأمر بالصلاة عريانا ومع النجاسة، وإلى غير ~~القبلة، إذا لم يطق إلا ذلك، وكما يجوز الطواف راكبا ومحمولا للعذر بالنص واتفاق ~~العلماء، وبدون ذلك ففيه نزاع. وكما يجوز أداء الفرض للمريض قاعدا أو راكبا، ~~ولا يجوز ذلك في الفرض بدون العذر، مع أن الصلاة إلى غير القبلة، والصلاة ~~عريانا، وبدون الاستنجاء، وفي الثوب النجس: حرام في الفرض والنفل، ومع هذا ~~فلأن يصلي الفرض مع هذه المحظورات خير من تركها، وكذلك صلاة الخوف مع ~~العمل الكثير، ومع استدبار القبلة، مع مفارقة الإمام في أثناء الصلاة، ومع قضاء ~~ما فاته قبل السلام، وغير ذلك مما لا يجوز في غير العذر. # فإن قيل : الطواف مع الحيض كالصلاة مع الحيض، والصوم مع الحيض، ~~وذلك لا يباح بحال. # قيل : الصوم مع الحيض لا يحتاج إليه بحال، فإن الواجب عليها شهر، وغير ~~رمضان يقوم مقامه، ms0969 وإذا لم يكن لها أن تؤدي الفرض مع الحيض، فالنفل بطريق ~~الأولى؛ لأن لها مندوحة عن ذلك بالصيام في وقت الطهر. كما كان للمصلي المتطوع ~~في أوقات النهي مندوحة عن ذلك بالتطوع في أوقات أخر، فلم تكن محتاجة إلى ~~الصوم مع الحيض بحال، فلا تباح هذه المفسدة مع الاستغناء عنها، كما لا تباح ~~صلاة التطوع التي لا سبب لها في أوقات النهي، بخلاف ذوات الأسباب فإن الراجح PageV01P883 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0884.png) ~~في الدليل من قولي العلماء: أنها تجوز لحاجته إليها، فإنه إن لم يفعلها تعذر فعلها ~~وفاتت مصلحتها؛ بخلاف التطوع المحض، فإنه لا يفوت. والصوم من هذا الباب ~~يس لها صوم إلا ويمكن فعله في أيام الطهر، ولهذا جاز للمستحاضة الصوم ~~والصلاة. # وأما الصلاة: فإنها لو أبيحت مع الحيض، لم يكن الحيض مانعا من الصلاة ~~بحال، فإن الحيض مما يعتاد النساء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عائشة : إن هذا شيء كتبه ~~الله على بنات آدم فلو أذن لهن النبي صلى الله عليه وسلم ان يصلين بالحيض، صارت الصلاة مع ~~الحيض كالصلاة مع الطهر. # ثم إن أبيح سائر العبادات لم يبق الحيض مانعا، مع أن الجنابة والحدث الأصغر ~~مانع، وهذا تناقض عظيم، وإن حرم ما دون الصلاة وأبيحت الصلاة، كان أيضا ~~تناقضا، ولم تكن محتاجة إلى الصلاة زمن الحيض، فإن لها في الصلاة زمن الطهر - ~~وهو أغلب أوقاتها - ما يغنيها عن الصلاة أيام الحيض، ولكن رخص لها فيما تحتاج ~~إليه من التلبية والذكر والدعاء. وقد أمرت مع ذلك بالاغتسال، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم. ~~أسماء أن تغتسل عند الإحرام لما نفست بمحمد بن أبي بكر. وأمر أيضا بذلك ~~النساء مطلقا، وأمر عائشة حين حاضت بسرف أن تغتسل، وتحرم بالحج، فأمرها ~~بالاغتسال مع الحيض للإهلال بالحج ورخص للحائض مع ذلك أن تلبي، وتقف ~~بعرفة، وتدعو وتذكر الله ولا تغتسل، ولا تتوضا، ولا يكره لها ذلك، كما يكره ~~للجنب لو فعل ذلك بدون طهارة؛ لأنها محتاجة إلى ذلك، وغسلها ووضوؤها ~~لا ms0970 يؤثران في الحدث المستمر، بخلاف غسلها عند الإحرام، فإنه غسل نظافة، كما ~~يغتسل للجمعة. # ولهذا هل يتيمم لمثل هذه الأغسال إذا عدم الماء ? على قولين في مذهب ~~أحمد، وكذلك هل ييمم الميت إذا تعذر غسله ? على قولين. وليس هذا كفسل ~~لجنابة، والوضوء من الحدث. ومع هذا فلم تؤمر بالغسل عند دخول مكة، والوقوف ~~بعرفة، فلما نهيت عن الصلاة مع الحيض دون الأذكار من غير كراهة، علم الفرق بين ~~ما تحتاج إليه، وما لا تحتاج إليه. # فإن قيل : سائر الأذكار تباح للجنب والمحدث فلا حظر في ذلك:ي # قيل: الجنب ممنوع من قراءة القرآن، ويكره له الاذان مع الجنابة والخطبة، ~~وكذلك النوم بلا وضوء، وكذلك فعل المناسك بلا طهارة مع قدرته عليها، والمحدث PageV01P884 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0885.png) ~~أيضا تستحب له الطهارة لذكر الله تعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني كرهت أن أذكر ~~الله إلا على طهر والحائض لا يستحب لها شيء من ذلك، ولا يكره الذكر بدونه ~~عند أحد من العلماء، للسنة المتواترة في ذلك. # وإنما تنازعوا في قراءة القرآن، وليس في منعها من القرآن سنة أصلا، فإن قوله: ~~لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن حديث ضعيف . باتفاق أهل المعرفة ~~بالحديث، رواه إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، عن نافع ، عن ابن عمر. ~~وأحاديثه عن أهل الحجاز يغلط فيها كثيرا، وليس لهذا أصل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا حدث به عن ابن عمر، ولا عن نافع، ولا عن موسى بن عقبة، أصحابهم ~~المعروفون بنقل السنن عنهم. # وقد كان النساء يحضن على عهد رسول الله ل صلى الله عليه وسلم فلو كانت القراءة محرمة ~~عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبي صلى الله عليه وسلم أمته، وتعلمه أمهات المؤمنين، وكان ~~ذلك مما ينقلونه إلى الناس، فلما لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك نهيا، لم يجز ~~أن تجعل حراما، مع العلم أنه لم ينه عن ذلك، وإذا لم ينه عنه مع كثرة الحيض ms0971 في ~~زمنه علم أنه ليس بمحرم. # وهذا كما استدللنا على أن المني لو كان نجسا لكان يأمر الصحابة بإزالته من ~~أبدانهم وثيابهم؛ لأنه لا بد أن يصيب أبدان الناس وثيابهم في الاحتلام، فلما لم ينقل ~~أحد عنه أنه أمر بإزالة ذلك لا بغسل، ولا فرك، مع كثرة إصابة ذلك الأبدان والثياب ~~على عهده، وإلى يوم القيامة، علم أنه لم يأمر بذلك، ويمتنع أن تكون إزالته واجبة ~~ولا يأمر به، مع عموم البلوى بذلك. كما أمر بالاستنجاء من الغائط والبول والحائض ~~بإزالة دم الحيض من ثوبها. # وكذلك الوضوء من لمس النساء، ومن النجاسات الخارجة من غير السبيلين: ~~لم يأمر المسلمين بالوضوء من ذلك، مع كثرة ابتلائهم به، ولو كان واجبا لكان يجب ~~الأمر به، وكان إذا أمر به فلا بد أن ينقله المسلمون؛ لأنه مما تتوفر الهمم والدواعي ~~على نقله. وأمره بالوضوء من مس الذكر، ومما مست النار : أمر استحباب، فهذا ~~أولى أن لا يكون إلا مستحبا، وإذا كانت سنة رسول الله له صلى الله عليه وسلم مضت بأنه يرخص ~~للحائض فيما لا يرخص فيه للجنب، لأجل حاجتها إلى ذلك، لعدم إمكان تطهرها، ~~وإنه إنما حرم عليها ما لا تحتاج إليه، فمنعت منه كما منعت من الصوم؛ لأجل ~~حدث الحيض، وعدم احتياجها إلى الصوم، ومنعت من الصلاة بطريق الأولى؛ PageV01P885 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0886.png) ~~لاعتياضها عن صلاة الحيض بالصلاة بالطهر، فهي التي منعت من الطواف إذا أمكنها ~~أن تطوف مع الطهر ؛ لأن الطواف يشبه الصلاة من بعض الوجوه وليس كالصلاة من ~~كل الوجوه. # والحديث الذي رواه النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أ قال : الطواف ~~بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير قد ~~قيل : إنه من كلام ابن عباس. وسواء كان من كلام الني صلى الله عليه وسلم، او كلام ابن عباس، ~~ليس معناه أنه نوع من الصلاة كصلاة الجمعة، والاستسقاء، والكسوف، فإن الله قد ~~فرق بين الصلاة والطواف بقوله تعالى: (طهرا ms0972 بيت للطابفين العكفين والركع التجود) ~~[البقرة : 125] . وقد تكلم العلماء: أيما أفضل للقادم: الصلاة ? أو الطواف? وأجمع ~~العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم فاف بالبيت، وصلى خلف المقام ركعتين. # والآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة والتابعين وسائر العلماء بالفرق بين مسمى ~~الصلاة، ومسمى الطواف متواترة، فلا يجوز أن يجعل نوعا من الصلاة، والني صى الله عليه وسلم. ~~قال : الصلاة مفتاحها الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم والطواف ~~ليس تحريمه التكبير، وتحليله التسليم، وقد تنازع السلف ومن بعدهم في وجوب ~~الوضوء من الحدث له، والوضوء للصلاة معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ومن ~~أنكره فهو كافر، ولم ينقل شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في وجوب الوضوء له، ومنع الحائض ~~لا يستلزم منع المحدث . وتنازع العلماء في الطهارة من الحيض: هل هي واجبة فيه ? ~~أو شرط فيه? على قولين فيه، ولم يتنازعوا في الطهارة للصلاة أنها شرط فيها، وأيضا ~~فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا صلاة إلا بأم القرآن والقراءة فيه ليست واجبة باتفاق ~~العلماء، بل في كراهتها قولان للعلماء. # وأيضا قإنه قد قال: «أن الله يحدث من أمره ما شاء، ومما أحدث أن ~~لا تكلموا في الصلاة»() فنهى عن الكلام في الصلاة مطلقا. والطواف يجوز فيه من ~~الكلام ما لا يجوز في غيره، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين صلاة الجنازة، فإن لها PageV01P886 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0887.png) ~~تحريما وتحليلا، ونهى فيها عن الكلام، وتصلى بإمام وصفوف، وهذا كله متفق ~~عليه، والقراءة فيها سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أصح قولي العلماء. # وأما لاسجود التلاوة : فقد تنازع العلماء هل هو من الصلاة التي تشترط لها ~~الطهارة مع أنه سجود، وهو أعظم أركان الصلاة الفعلية، ولا يتكلم في حال سجوده، ~~بل يكبر إذا سجد، وإذا رفع، ويسلم أيضا في أحد قولي العلماء، هذا عند من يسلم ~~أن السجود المجرد كسجود التلاوة تجب له الطهارة، ومن منع ذلك قال : إنه يجوز ~~بدون الوضوء، وقال : إن السجود المجرد لا يدخل في ms0973 مسمى الصلاة وإنما مسمى ~~الصلاة ما له تحريم وتحليل. وهذا السجود لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ان أمر له بالطهارة، ~~بل ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه ولم لما قرأ: سورة النجم سجد معه المسلمون، ~~والمشركون، والجن، والإنس، وسجد سحرة فرعون على غير طهارة، وثبت عن ابن ~~عمر أنه سجد للتلاوة على غير وضوء، ولم يرو عن أحد من الصحابة أنه أوجب فيه ~~الطهارة، وكذلك لم يرو أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم آن سلم فيه، وأكثر السلف على أنه ~~لا يسلم فيه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وذكر أنه لم يسمع في التسليم أثرآ. ~~ومن قال فيه تسليم، فقد أثبته بالقياس الفاسد، حيث جعله صلاة، وهو موضع المنع. # وصلاة الجنازة1 قد ذهب بعضهم إلى أنه لا يشترط لها الطهارة لكن هذا قول ~~ضعيف، فإن لها تحريما وتحليلا، فهي صلاة، وليس الطواف مثل شيء من ذلك، ~~ولا الحائض محتاجة إلى ذلك، فإنها إذا لم تصل فرض العين ففرض الكفاية والنفل ~~أولى، ودعاؤها للميت واستغفارها له يحصل المقصود بحسب الإمكان، كما أن ~~شهودها العيد، وذكر الله تعالى مع المسلمين يحصل المقصود بحسب الإمكان. # والطواف وإن كان له مزية على سائر المناسك بنفسه، ولكونه في المسجد، ~~وبأن الطواف شرع منفردا بنفسه، وشرع في العمرة، وشرع في الحج. وأما الإحرام ~~والسعي بين الصفا والمروة، والحلق فلا يشرع إلا في حج أو عمرة، وأما سائر ~~المناسك من الوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار فلا يشرع إلا في الحج، فهذا يدل ~~على أن الله عز وجل يسره للناس، وجعل لهم التقرب به مع الإحلال والإحرام في ~~النسكين، وفي غيرهما، فلم يوجب فيه ما أوجبه في الصلاة؛ ولا حرم فيه ما حرمه ~~في الصلاة. فعلم أن أمر الصلاة أعظم، فلا يجعل مثل الصلاة. # ومن قال من العلماء : إن طواف أهل الآفاق أفضل من الصلاة بالمسجد، فإنما ~~ذلك لأن الصلاة تمكنهم في سائر الأمصار، بخلاف الطواف، فإنه لا يمكن إلا ~~بمكة، والعمل ms0974 المفضول في مكانه وزمانه يقدم على الفاضل لا لأن جنسه أفضل، كما ~~يقدم الدعاء في آخر الصلاة على الذكر والقراءة ويقدم الذكر في الركوع والسجود على PageV01P887 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0888.png) ~~القراءة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ال : نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا وكما تقدم ~~القراءة والذكر والدعاء في أوقات النهي، وكما تقدم إجابة المؤذن على الصلاة. ~~والقراءة؛ لأن هذا يفوت وذلك لا يفوت، وكما إذا اجتمعت صلاة الكسوف وغيرها، ~~قدم ما يخاف فواته، فالطواف قدم لأنه يفوت الآفاقي إذا خرج، فقدم ذلك لا لأن ~~جنسه أفضل من جنس الصلاة بل ولا مثلها، فإن هذا لا يقوله أحد، والحج كله ~~لا يقاس بالصلاة التي هي عمود الدين، فكيف يقاس بها بعض أفعاله وإنما فرض الله ~~لحج على كل مسلم مرة في العمر، ولم يوجب شيئا من أعماله مرتين، بل إنما فرض ~~طوافا واحدا، ووقوفا واحدا. # وكذلك السعي عن أحمد في أنص الروايتين عنه لا يوجب على المتمتع إلا ~~سعيا واحدا، إما قبل التعريف، وإما بعده بعد الطواف، ولهذا قال أكثر العلماء أن ~~العمرة لا تجب، كما هو مذهب مالك وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب ~~الشافعي وأحمد، وهو الأظهر في الدليل. فإن الله لم يوجب إلا حج البيت، لم ~~يوجب العمرة، ولكن أوجب إتمام الحج والعمرة على من يشرع فيها، لأن العمرة هي ~~الحج الأصغر، فيجب إتمامها كما يجب إتمام الحج التطوع، والله لم يوجب إلا ~~مسمى الحج، لم يوجب حجين أكبر وأصغر، والمسمى يحصل بالحج الأكبر، وهو ~~المفهوم من اسم الحج عند الإطلاق، فلا يجب غير ذلك، وليس في أعمال العمرة ~~قدر زائد على أعمال الحج، فلو وجبت لم يجب إلا عمل واحد مرتين، وهذا خلاف ~~ما أوجبه الله في الحج. # والمقصود هنا : أن الحج إذا لم يجب إلا مرة واحدة، فكيف يقاس بما يجب ~~في اليوم والليلة خمس مرات. # وهذا مما يفرق بين طواف الحائض، وصلاة الحائض، فإنها تحتاج إلى الطواف ~~لذي هو فرض عليها مرة في العمر، ms0975 وقد تكلفت السفر الطويل، وحملت الإبل أثقالها ~~إلى بلد لم يكن الناس بالغيه إلا بشق الأنفس . فأين حاجة هذه إلى الطواف من ~~حاجتها إلى الصلاة التي تستغني عنها زمن الحيض بما تفعله زمن الطهر(! وقد تقدم ~~أن الحائض لم تمنع من القراءة تحاجتها إليها، وحاجتها إلى هذا الطواف أعظم. # وإذا قال القائل: القرآن تقرأه مع الحدث الأصغر، والطواف تجبي له الطهارة ~~قيل له : هذا فيه نزاع معروف عن السلف والخلف، فلا بد لك من حجة على وجوب ~~الطهارة الصغرى في الطواف. والاحتجاج بقوله: «الطواف بالبيت صلاة»() حجة PageV01P888 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0889.png) ~~ضعيفة، فإن غايته أن يشبه بالصلاة في بعض الأحكام، وليس المشبه كالمشبه به من ~~كل وجه، وإنما أراد أنه كالصلاة في اجتناب المحظورات التي تحرم خارج الصلاة، ~~فأما ما يبطل الصلاة، وهو الكلام والأكل والشرب والعمل الكثير فليس شيء من هذا ~~مبطلا للطواف، وإن كره فيه إذا لم يكن به حاجة إليه، فإنه يشغل عن مقصوده، كما ~~يكره مثل ذلك عند القراءة والدعاء والذكر. وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم العبد في صلاة ~~ما دام ينتظر الصلاة» وقوله : إذا خرج أحدكم إلى المسجد فلا يشبك بين ~~أصابعه، فإنه في صلاة. # ولهذا قال : إلا أن الله أباح لكم فيه الكلام ومعلوم أنه يباح فيه الأكل ~~والشرب، وهذه محظورات الصلاة التي يبطلها: الأكل، والشرب، والعمل الكثير، ~~ولا يبطل شيء من ذلك الطواف، بل غايته إنه يكره فيه لغير حاجة، كما يكره العبث ~~في الصلاة، ولو قطع الطواف لصلاة مكتوبة، أو جنازة أقيمت بنى على طوافه. ~~والصلاة لا تقطع لمثل ذلك، فليست محظورات الصلاة محظورة فيه، ولا واجبات ~~الصلاة واجبات فيه، كالتحليل والتحريم، فكيف يقال : إنه مثل الصلاة فيما يجب لها ~~يحرم فيها?! فمن أوجب له الطهارة الصغرى، فلا بد له من دليل شرعي، وما أعلم ~~ما يوجب ذلك. # ثم تدبرت وتبين لي أن طهارة الحدث لا تشترط في الطواف، ولا تجب فيه بلا ~~ريب، ولكن تستحب فيه الطهارة الصغرى، فإن الأدلة الشرعية ms0976 إنما تدل على عدم ~~وجوبها فيه، وليس في الشريعة ما يدل على وجوب الطهارة الصغرى فيه، وحينئذ ~~فلا نسلم أن جنس الطواف أفضل من جنس قراءة القرآن، بل جنس القراءة أفضل ~~منه، فإنها أفضل ما في الصلاة من الأقوال، والسجود أفضل ما فيها من الأفعال، ~~والطواف ليس فيه ذكر مفروض. # وإذا قيل : الطواف قد فرض بعضه، قيل له: قد فرضت القراءة في كل صلاة، ~~فلا تصح صلاة إلا بقراءة، فكيف يقاس الطواف بالصلاة. وإذا كانت القراءة أفضل. ~~وهي تجوز للحائض مع حاجتها إليها في أظهر قولي العلماء، فالطواف أولى أن يجوز ~~مع الحاجة. # وإذا قيل : أنتم تسلمون أن الطواف في الأصل محظور على الحائض وإنما يباح PageV01P889 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0890.png) ~~للضرورة. قيل : من علل بالمسجد فلا يسلم أن نفس فعله محظور لنفسه، ومن سلم ~~ذلك يقول : وكذلك من القرآن ما هو محظور على الحائض، وهو القراءة في الصلاة، ~~وكذلك في غير الصلاة لغير حاجة يحرمها أكثر العلماء، وإنما أبيحت للحاجة، فإذا ~~أبيحت للحاجة فالطواف أولى. # ثم مس المصحف يشترط له الطهارة الكبرى والصغرى عند جماهير العلماء، ~~وكما دل عليه الكتاب والسنة، وهو ثابت عن سلمان وسعد وغيرهم من الصحابة، ~~وحرمة المصحف أعظم من حرمة المساجد، ومع هذا إذا اضطر الجنب والمحدث ~~والحائض إلى مسه مسه، فإذا اضطر إلى الطواف الذي لم يقم دليل شرعي على ~~وجوب الطهارة فيه مطلقا كان أولى بالجواز. # فإذا قيل : الطواف منه ما هو واجب . قيل : ومس المصحف قد يجب في بعض ~~الأحوال، إذا احتيج إليه لصيانته الواجبة، والقراءة الواجبة، أو الحمل الواجب، إذا لم ~~يمكن أداء الواجب إلا بمسه. # وقوله صلى الله عليه وسلم :الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت من جنس ~~قوله : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ وقوله : لا يقبل الله ~~صلاة حائض إلا بخمار » وقوله صلى الله عليه وسلم: لا أحل المسجد لجنب ولا حائض ~~بل اشتراط الوضوء في الصلاة، وخمار المرأة في الصلاة، ومنع الصلاة بدون ذلك ~~أعظم من ms0977 منع الطواف مع الحيض، وإذا كان قد حرم المسجد على الجنب والحائض، ~~ورخص للحائض أن تناوله الخمرة من المسجد، وقال لها: إن حيضتك ليست في ~~بدك) تبين أن الحيضة في الفرج، والفرج لا ينال المسجد، وهذه العلة تقتضي ~~إباحته للحائض مطلقا، لكن إذا كان قد قال : لا أحل المسجد لجنب ولا حائض ~~فلا بد من الجمع بين ذلك، والإيمان بكل ما جاء من عند الله، وإذا لم يكن أحدهما ~~ناسخا للآخر، فهذا عام مجمل، وهذا خاص فيه إباحة المرور، وهو مستثنى من ذلك ~~التحريم، مع أنه لا ضرورة إليه، فإباحة الطواف للضرورة لا تنافي تحريمه بذلك PageV01P890 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0891.png) ~~النص، كإباحة الصلاة للمرأة بلا خمار للضرورة، وإباحة الصلاة بلا وضوء للضرورة ~~بالتيمم؛ بل وبلا وضوء ولا تيمم للضرورة، كما فعل الصحابة لما فقدوا الماء قبل ~~نزول الآية، وكإباحة الصلاة بلا قراءة للضرورة، مع قوله : «لا صلاة إلا بأم ~~القرآن. وكإباحة الصلاة والطواف مع النجاسة للضرورة مع قوله : «حتيه ثم ~~اقرصيه ثم صلي فيه. وإباحة الصلاة على المكان النجس للضرورة مع قوله: ~~«جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا»(3) بل تحريم الدم ولحم الخنزير أعظم ~~الأمور، وقد أبيح للضرورة. # والذي جاءت به السنة أن الطواف عبادة متوسطة بين الصلاة، وبين سائر ~~المناسك، فهو أفضل من غيره لنهي الحائض عنه، فالصلاة أكمل منه، وذلك لأنه ~~يشبه الصلاة أكثر من غيره، ولأنه مختص بالمسجد، فلهاتين الحرمتين منعت منه ~~الحائض، ولم تأت سنة تمنع المحدث منه، وما لم يحرم على المحدث فلا يحرم ~~على الحائض مع الضرورة بطريق الأولى والأحرى، كقراءة القرآن، وكالاعتكاف في ~~المسجد، ولو حرم عليها مع الحدث فلا يلزم تحريم ذلك مع الضرورة كمس ~~مصحف وغيره . ومن جعل حكم الطواف مثل حكم الصلاة فيما يجب ويحرم فقد ~~نالف النص والإجماع . # وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة النص ~~والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية لا بأقوال بعض ~~العلماء؛ فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، ms0978 لا يحتج بها على الأدلة ~~الشرعية . ومن تربى على مذهب قد تعوده واعتقد ما فيه وهو لا يحسن الأدلة الشرعية ~~وتنازع العلماء لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول بحيث يجب ~~الإيمان به وبين ما قاله بعض العلماء، ويتعسر أو يتعذر إقامة الحجة عليه، ومن كان ~~لا يفرق بين هذا وهذا لم يحسن أن يتكلم في العلم بكلام العلماء، وإنما هو من ~~المقلدة الناقلين لأقوال غيرهم، مثل المحدث عن غيره. والشاهد على غيره لا يكون ~~حاكما، والناقل المجرد يكون حاكيا لا مفتيا . ولا يحتمل حال هذه المرأة إلا تلك ~~الأمور الثلاثة، أو هذا القول، أو أن يقال طواف الإفاضة قبل الوقوف يجزئ إذا تعذر ~~الطواف بعده، كما يذكر ذلك قولا في مذهب مالك، فيمن نسي طواف الإفاضة حتى PageV01P891 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0892.png) ~~عاد إلى بلده أنه يجزئه طواف القدوم، هذا مع انه ليس لها فيه فرج، فإنها قد يمتد بها ~~الحيض من حين تدخل مكة إلى أن يخرج الحاج. # وفيه أيضا تقديم الطواف قبل وقته الثابت بالكتاب والسنة والإجماع. والمناسك ~~قبل وقتها لا تجزئ. وإذا دار الأمر بين أن تطوف طواف الإفاضة مع الحدث، وبين ~~أن لا تطوفه، كان أن تطوفه مع الحدث أولى، فإن في اشتراط الطهارة نزاعا معروفا ~~وكثير من العلماء كأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه يقولون: إنها في حال ~~القدرة على الطهارة إذا طافت مع الحيض أجزأها، وعليها دم، مع قولهم إنها تأثم ~~بذلك، ولو طافت قبل التعريف لم يجزئها، وهذا القول مشهور معروف. فتبين لك أن ~~الطواف مع الحيض أولى من الطواف قبل الوقت . وأصحاب هذا القول يقولون: إن ~~لطهارة واجبة فيها لا شرط فيها، والواجبات كلها تسقط بالعجز، ولهذا كان قول ~~أبي حنيفة وغيره من العلماء إن كل ما يجب في حال دون حال فليس بفرض، وإنما ~~الفرض ما يجب على كل أحد في كل حال. # ولهذا قالوا: إن طواف الوداع لما أسقطه النبي صلى الله عليه وسلم من الحائض دل على ms0979 أنه ~~ليس بركن؛ بل يجبره دم . وكذلك المبيت بمنى لما أسقطه عن أهل السقاية دل على ~~أنه ليس بفرض ؛ بل هو واجب يجبره دم. وكذلك الرمي لما جوز فيه للرعاة وأهل ~~السقاية التأخير من وقت إلى وقت دل ذلك على أن فعله في ذلك الوقت ليس بفرض. ~~وكذلك لما رخص للضعفة أن يفيضوا من جمع بليل دل على أن الوقوف بمزدلفة بعد ~~الفجر ليس بفرض بل هو واجب يجبره الدم . فهذا حجة لهؤلاء العلماء من أصحاب ~~آبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، وقد ذكرها أصحاب أبي حنيفة كالطحاوي ~~وغيره . # فإذا كان قولهم : إن الطهارة ليست فرضا في الطواف وشرطا فيه بل هي واجبة ~~تجبر بدم دل ذلك على أنها لا تجب على كل أحد في كل حال، فإنما أوجب على ~~كل أحد في كل حال إنما هو فرض عندهم لا بد من فعله لا يجبر بدم. # وحينئذ فإذا كانت الطهارة واجبة في حال دون حال سقطت مع العجز، كما ~~سقط سائر الواجبات مع العجز، كطواف الوداع، وكما يباح للمحرم ما يحتاج إليه ~~الناس من حاجة عامة كالسراويل، والخفين، فلا فدية عند أكثر العلماء كالشانعي، ~~أحمد، وسائر فقهاء الحديث، بخلاف ما يحتاج إليه في بعض الأحوال، فإنه ~~( يباح إلا مع الفدية، وأبو حنيفة يوجب الفدية في الجميع . وحينئذ فهذه المحتاجة ~~إلى الطواف آكثر ما يقال إنه يلزمها دم، كما هو قول ابي حنيفة، واحد القولين في ~~مذهب أحمد. فإن الدم يلزمها بدون العذر، على قول من يجعل الطهارة واجبة، واما ~~مع العجز فإذا قيل بوجوب ذلك فهذا غاية ما يقال فيها . والأقيس أنه لا دم عليها عند PageV01P892 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0893.png) ~~الضرورة. وأما أن يجعل هذا واجبا يجبره دم، ويقال: إنه لا يسقط للضرورة، فهذا ~~خلاف أصول الشريعة . # وقد تبين بهذا أن المضطرة إلى الطواف مع الحيض لما كان في علماء المسلمين ~~من يفتيها بالإجزاء مع الدم وإن لم تكن مضطرة . لم تكن الأمة مجمعة على أنه لا ~~يجزئها إلا الطواف مع الطهر مطلقا، ms0980 وحينئذ فليس مع المنازع القائل بذلك لا نص ~~ولا إجماع ولا قياس، وقد بينا أن هذا القول مستلزم لجواز ذلك عند الحاجة، وأن ~~العلماء اختلفوا في طهارة الحدث هل هي واجبة عليها? وأن قول النفاة للوجوب ~~أظهر. فلم تجمع الأمة على وجوب الطهارة مطلقا، ولا على أن شيئا من الطهارة ~~شرط في الطواف. # وأما الذي لا أعلم فيه نزاعا أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض إذا كانت قادرة ~~على الطواف مع الطهر، فما أعلم منازعا أن ذلك يحرم عليها وتأثم به، وتنازعوا في ~~إجزائه، فمذهب أبي حنيفة يجزئها ذلك، وهو قول في مذهب أحمد، فإن أحمد نص ~~في رواية على أن الجنب إذا طاف ناسيا أجزأه ذلك، فمن أصحابه من قصر ذلك على ~~حال النسيان، ومنهم من قال : هذا يدل على أن الطهارة ليست فرضا، إذ لو كانت ~~فرضا لما سقطت بالنسيان؛ لأنها من باب المأمور به لا من باب المنهي عنه كطهارة ~~الحدث في الصلاة ؛ بخلاف اجتناب النجاسة في الصلاة، فإن ظاهر مذهب أحمد أنه ~~إذا صلى ناسيا لها أو جاهلا بها لا يعيد. لأن ذلك من باب المنهي عنه، فإذا فعله ~~ناسيا أو جاهلا به لم يكن عليه إثم فيكون وجوده كعدمه. # ثم إن من أصحابه من قال هذا يدل على أن الطهارة في الطواف ليست عنده ~~ركنا على هذه الرواية، بل واجبة تجبر بدم، وحكى هؤلاء في صحة طواف الحائض ~~روايتين. # إحداهما : لا يصح، والثانية: يصح وتجبره بدم. وممن ذكر هذا أبو البركات ~~وغيره، وكذلك صرح غير واحد منهم بأن هذا النزاع في الطهارة من الحيض والجنابة ~~كمذهب أبي حنيفة . فعلى هذا القول تسقط بالعجز كسائر الواجبات. # وذكر آخرون من أصحابه عنه ثلاث روايات: رواية يجزئه الطواف مع الجنابة ~~ناسيا ولا دم عليه . ورواية أن عليه دما. ورواية أنه لا يجزئه ذلك، وبعض الناس يظن ~~أن النزاع في مذهب أحمد إنما هو في الجنب والمحدث، دون الحائض، وليس الأمر ~~كذلك، بل صرح غير واحد من أصحابه ms0981 بأن النزاع في الحائض وغيرها، وكلام أحمد ~~يدل على ذلك وتبين أنه كان متوقفا في طواف الحائض، وفي طواف الجنب، وكان ~~يذكر أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم في ذلك، فذكر أبو بكر عبد العزيز في PageV01P893 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0894.png) ~~الشافي عن الميموني قال : قلت لأحمد : من سعى وطاف طواف الواجب على غير ~~طهارة، ثم واقع أهله فقال : هذه مسألة الناس فيها مختلفون، وذكر قول ابن عمر، ~~وما يقول عطاء، وما يسهل فيه، وما يقول الحسن، وأمر عائشة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~حين حاضت : لافعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت، إن هذا أمر قد كتبه ~~الله على بنات آدم فقد بليت به نزل بها ليس من قبلها. قال الميموني: قلت: ~~فمن الناس من يقول عليه الحج فقال : نعم كذلك أكثر علمي، ومن الناس من يذهب ~~إلى أنه عليه دما? قال أبو عبد الله : أولا وآخرا هي مسألة مشتبهة فيها نظر، دعني ~~حتى أنظر فيها . ومن الناس من يقول: وإن رجع إلى بلده يرجع حتى يطوف. قلت: ~~والنسيان? قال : والنسيان أهون حكما بكثير، يريد أهون ممن يطوف على غير طهارة ~~متعمدا . # قال أبو بكر عبد العزيز: قد بينا أمر الطواف بالبيت في أحكام الطواف على ~~قولين، يعني لأحمد . أحد القولين: إذا طاف الرجل وهو غير طاهر أن الطواف يجزئ ~~عنه إذا كان ناسيا. والقول الآخر: أنه لا يجزئه حتى يكون طاهرا، فإن وطئ وقد ~~طاف غير طاهر ناسيا فعلى قولين : مثل قوله في الطواف، فمن أجاز الطواف غير ~~طاهر قال ثم حجه، ومن لم يجزه إلا طاهرا رده من أي المواضع ذكر حتى يطوف. ~~قال : وبهذا أقول . # فأبو بكر وغيره من أصحاب أحمد يقولون في إحدى الروايتين: يجزئه مع ~~لعذر، ولا دم عليه، وكلام أحمد بين في هذا. وجواب أحمد المذكور يبين أن النزاع ~~عنده في طواف الحائض وغيره. # وقد ذكر عن ابن عمر وعطاء وغيرهما التسهيل في هذا. ومما نقل عن عطاء في ~~ذلك أن المرأة إذا حاضت في ms0982 أثناء الطواف، فإنها تتم طوافها، وهذا صريح عن عطاء ~~أن الطهارة من الحيض ليست شرطا، وقوله: مما اعتد به أحمد، وذكر حديث ~~عانآشة، وأن قول النبي لى ال علي : «إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم يبين أنه أمر بليت ~~به نزل عليها ليس من قبلها فهي معذورة في ذلك. # ولهذا تعذر إذا حاضت وهي معتكفة فلا يبطل اعتكافها، بل تقيم في رحبة ~~المسجد، وإن اضطرت إلى المقام في المسجد أقامت به، وكذلك إذا خاضت في ~~صوم الشهرين لم ينقطع التتابع باتفاق العلماء. وهذا يقتضي انها تشهد المناسك بلا ~~كراهة، وتشهد العيد مع المسلمين بلا كراهة، وتدعو وتذكر الله، والجنب يكره له ~~ذلك، لأنه قادر علت الطهارة، وهذه عاجزة عنها فهي معذورة، كما عذرها من جؤز PageV01P894 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0895.png) ~~لها القراءة، بخلاف الجنب الذي يمكنه الطهارة، فالحائض أحق بأن تعذر من الجنب ~~الذي طاف مع الجنابة، فإن ذلك يمكنه الطهارة، وهذه تعجز عن الطهارة، وعذرها ~~بالعجز والضرورة أولى من عذر الجنب بالنسيان، فإن الناسي لما أمر بها في الصلاة ~~يؤمر بها إذا ذكرها، وكذلك من نسي الطهارة للصلاة فعليه أن يتطهر ويصلي إذا ذكر؛ ~~بخلاف العاجز عن الشرط : مثل من يعجز عن الطهارة بالماء فإنها تسقط عنه، وكذلك ~~العاجز عن سائر أركان الصلاة: كالعاجز عن القراءة والقيام، وعن تكميل الركوع ~~والسجود، وعن استقبال القبلة فإن هذا يسقط عنه كل ما عجز عنه، ولم يوجب الله ~~على أحد ما يعجز عنه من واجبات العبادات. # فهذه إذا لم يمكنها الطواف على الطهارة، سقط عنها ما تعجز عنه، ولا يسقط ~~عنها الطواف الذي تقدر عليه بعجزها عما هو ركن فيه أو واجب ، كما في الصلاة ~~وغيرها، وقد قال الله تعالى : (فأنقوا الله ما استطعتم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لاإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وهذه لا تستطيع إلا هذا، وقد اتقت الله ~~ما استطاعت، فليس عليها غير ذلك. # ومعلوم أن الذي طاف على غير طهارة متعمدا آثم، وقد ذكر أحمد ms0983 القولين: هل ~~عليه دم? أم يرجع فيطوف? وذكر النزاع في ذلك، وكلامه يبين في أن توقفه في ~~الطائف على غير طهارة يتناول الحائض والجنب مع التعمد، ويبين أن أمر الناسي ~~أهون بكثير، والعاجز عن الطهارة أعذر من الناسي. # وقال أبو بكر عبد العزيز في «الشافي»: (باب في الطواف بالبيت غير طاهر) ~~قال أبو عبد الله في رواية أبي طالب: ولا يطوف بالبيت أحد إلا طاهرا، والتطوع ~~أيسر، ولا يقف مشاهد الحج إلا طاهرا. وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا طاف ~~طواف الزيارة وهو ناس لطهارته حتى رجع فإنه لا شيء عليه، واختار له أن يطوف ~~وهو طاهر، وإن وطئ فحجه ماض، ولا شيء عليه. # فهذا النص من أحمد صريح بأن الطهارة ليست شرطا، وأنه لا شيء عليه إذا ~~طاف ناسيا لطهارته، لا دم ولا غيره، وإنه إذا وطئ بعد ذلك فحجه ماض، ولا شيء ~~عليه، كما أنه لما فرق بين التطوع وغيره في الطهارة، فأمر بالطهارة فيه. وفي سائر ~~المناسك، دل ذلك على أن الطهارة ليست شرطا عنده، فقطع هنا بأنه لا شيء عليه ~~مع النسيان. وقال في رواية أبي طالب أيضا : إذا طاف بالبيت وهو غير طاهر يتوضأ ~~ويعيد الطواف، وإذا طاف وهو جنب فإنه يغتسل ويعيد الطواف. وقال في رواية ~~أبي داود: حدثنا سفيان عن ابن جريج عن عطاء: إذا طاف على غير وضوء فليعد PageV01P895 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0896.png) ~~طوافه . وقال أبو بكر عبد العزيز: (باب في الطواف في الثوب النجس) قال ~~أبو عبد الله في رواية أبي طالب: وإذا طاف رجل في ثوب نجس، فإن الحسن كان ~~يكره أن يفعل ذلك، ولا ينبغي له أن يطوف إلا في ثوب طاهر. # وهذا الكلام من أحمد يبين أنه ليس الطواف عنده كالصلاة في شروطها، فإن ~~غاية ما ذكر في الطواف في الثوب النجس أن الحسن كره ذلك، وقال : لا ينبغي له ~~أن يطوف إلا في ثوب طاهر . ومثل هذه العبارة تقال في المستحب المؤكد، وهذا ~~بخلاف الطهارة في الصلاة. ومذهب ms0984 أبي حنيفة وغيره أنه إذا طاف وعليه نجاسة صح ~~طوافه، ولا شيء عليه. # وبالجملة هل يشترط للطواف شروط الصلاة ? على قولين في مذهب أحمد، ~~وغيره : # أحد ما : يشترط، كقول مالك، والشافعي، وغيرهما. # والثاني : لا يشترط، وهذا قول أكثر السلف، وهو مذهب أبي حنيفة؛ وغيره، ~~وهذا القول هو الصواب، فإن المشترطين في الطواف كشروط الصلاة ليس معهم حجة ~~إلا قول : الطواف بالبيت صلاة وهذا لو ثبت عن الني صلى الله عليه وسلم م يكن لهم فيه ~~حجة، كما تقدم . والأدلة الشرعية تدل على خلاف ذلك. فإن النبي صلى الله عليه وسلم م يوجب ~~على الطائفين طهارة ولا اجتناب نجاسة، بل قال : مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها ~~التكبير، وتحليلها التسليم والطواف ليس كذلك، والطواف لا يجب فيه ما يجب ~~في الصلاة، ولا يحرم فيه ما يحرم في الصلاة، فبطل أن يكون مثلها. # وقد ذكروا من القياس أنها عبادة متعلقة بالبيت فكانت الطهارة وغيرها شرطا فيها ~~كالصلاة، وهذا القياس فاسد، فإنه يقال: لا نسلم أن العلة في الأصل كونها متعلقة ~~بالبيت، ولم يذكروا دليلا على ذلك، والقياس الصحيح ما بين فيه أن المشترك بين ~~الأصل والفرع هو علة الحكم أو دليل العلة. # وأيضا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة، سواء تعلقت بالبيت او لم تتعلق، ألا ~~نرى أنهم لما كانوا يصلون إلى الصخرة كانت الطهارة أيضا شرطا فيها، ولم تكن ~~متعلقة بالبيت، وكذلك أيضا إذا صلى الى غير القبلة كما يصلي المتطوع في السفر. ~~وكصلاة الخوف راكبا، فإن الطهارة شرط وليست متعلقة بالبيت. # وأيضا فالنظر إلى البيت عبادة متعلقة بالبيت، ولا يشترط له الطهارة ولا غيرها. ~~م هناك عبادة من شرطها المسجد، ولم تكن الطهارة شرطا فيها كالاعتكاف، وقد قال PageV01P896 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0897.png) ~~تعالى : (طهرا بيتى للطابفين والعاكفين والركع السجود). فليس إلحاق ~~الطائف بالراكع الساجد بأولى من إلحاقه بالعاكف، بل بالعاكف أشبه، لأن المسجد ~~شرط في الطواف والعكوف، وليس شرطا في الصلاة. # فإن قيل : الطائف لا بد أن يصلي الركعتين بعد الطواف، والصلاة لا تكون إلا ms0985 ~~بطهارة . قيل: وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع، وإذا قدر وجوبهما لم تجب فيهما ~~الموالاة، وليس اتصالهما بالطواف بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة . ~~ومعلوم أنه لو خطب محدثا، ثم توضأ، وصلى الجمعة جاز، فلأن يجوز أن يطوف ~~محدثا ثم يتوضأ ويصلي الركعتين بطريق الأولى، وهذا كثير ما يبتلى به الإنسان إذا ~~نسي الطهارة في الخطبة والطواف فإنه يجوز له أن يتطهر ويصلي، وقد نص على أنه ~~إذا خطب وهو جنب جاز. # وإذا تبين أن الطهارة ليست شرطا : يبقى الأمر دائرا بين أن تكون واجبة، وبين ~~أن تكون سنة، وهما قولان للسلف، وهما قولان في مذهب أحمد وغيره، وفي ~~مذهب أبي حنيفة؛ لكن من يقول هي سنة من أصحاب أبي حنيفة يقول : مع ذلك ~~عليها دم. وأما أحمد فإنه يقول : لا شيء عليها، لا دم ولا غيره، كما صرح به فيمن ~~طاف جنبا وهو ناس، فإذا طافت حائضا مع التعمد توجه القول بوجوب الدم عليها. # وأما مع العجز فهنا غاية ما يقال : إن عليها دما، والأشبه أنه لا يجب الدم؛ ~~لأن هذا واجب تؤمر به مع القدرة لا مع العجز، فإن لزوم الدم إنما يجب بترك ~~مأمور، وهي لم تترك مأمورا في هذه الحالة، ولم تفعل محظورا من محظورات ~~الإحرام، وهذا ليس من محظورات الإحرام؛ فإن الطواف يفعله الحلال والحرام، ~~فصار الحظر هنا من جنس حظر اللبث في المسجد، واعتكاف الحائض في المسجد، ~~أو مس المصحف، أو قراءة القرآن، وهذا يجوز للحاجة بلا دم، وطواف الإفاضة إنما ~~يجوز بعد التحلل الأول، وهي حينئذ يباح لها المحظورات إلا الجماع. # فإن قيل : لو كان طوافها مع الحيض ممكنا أمرت بطواف القدوم وطواف ~~الوداع. والنبي صلى الله عليه وسلم سقط طواف الوداع عن الحائض، وأمر عائشة لما قدمت وهي ~~متمتعة فحاضت أن تدع أفعال العمرة، وتحرم بالحج، فعلم أنه لا يمكنها الطواف. # قيل : الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد، أو للطواف، أو لهما. ~~والمحظورات لا تباح إلا حال الضرورة، ولا ضرورة بها إلى ms0986 طواف الوداع، فإن ذلك ~~ليس من الحج . ولهذا لا يودع المقيم بمكة، وإنما يودع المسافر عنها، فيكون آخر ~~عهده بالبت. وكذلك طواف القدوم ليست مضطرة إليه، بل لو قدم الحاج وقد ضاق ~~الوقت عليه بدأ بعرفة، ولم يطف للقدوم، فهو إن أمر بهما القادر عليهما إما أمر PageV01P897 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0898.png) # 417 ~~إيجاب فيهما، أو في أحدهما، أو استحباب. فإن للعلماء في ذلك أقوالا. وليس ~~واحد منهما ركنا يجب على كل حاج بالسنة الثابتة باتفاق العلماء؛ بخلاف طواف ~~الفرض فإنها مضطرة إليه؛ لأنه لا حج إلا به، وهذا كما يباح لها دخول المسجد ~~للضرورة، ولا تدخله لصلاة، ولا اعتكاف، وإن كان منذورا؛ بل المعتكفة إذا ~~حاضت خرجت من المسجد، ونصبت لها قبة في فنائه. # وهذا أيضا يدل على أن منع الحائض من الطواف كمنعها من الاعتكاف فيه ~~لحرمة المسجد، وإلا فالحيض لا يبطل اعتكافها؛ لأنها مضطرة إليه، بل إنما تمنع ~~من المسجد ، لا من الاعتكاف، فإنها ليست مضطرة إلى أن تقيم في المسجد، ولو ~~أبيح لها ذلك مع دوام الحيض لكان في ذلك إباحة المسجد للحيض. وأما الطواف ~~فلا يمكن إلا في المسجد الحرام، فإنه مختص ببقعة معينة، ليس كالاعتكاف، فإن ~~المعتكف يخرج من المسجد لما لا بد منه : كقضاء الحاجة، والأكل والشرب، وهو ~~معتكف في حال خروجه من المسجد، ليس له في تلك الحال أن يباشر النساء، وهو ~~كما قال الله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجل) قرة:] وقوله: ~~(فى المساجل) يتعلق بقوله : ( عكفون)، لا بقوله : ( تبشرهن). فإن المباشرة في ~~المسجد لا تجوز للمعتكف . ولا لغيره، بل المعتكف في المسجد ليس له أن يباشر ~~إذا خرج منه لما لا بد منه. # فلما كان هذا يشبه الاعتكاف، والحائض تخرج لما لا بد لها منه، فلم يقطع ~~الحيض اعتكافها، وقد جمع سبحانه بين العكوف والطواف والصلاة في الأمر بتطهير ~~بيته، بقوله : ( طهرا بيق للطايفين والعاكفين والركع السجود) . فمنعه من ~~الحيض من تمام طهارته، والطواف كالعكوف، لا كالصلاة، فإن الصلاة تباح في ~~جميع ms0987 الأرض لا تختص بمسجد، ويجب لها ويحرم فيها ما لا يحرم في اعتكاف ~~ولا طواف. # وحقيقة الأمر: أن الطواف عبادة من العبادات التي يفعلها الحلال والحرام، ~~لا تختص بالإحرام، ولهذا كان طواف الفرض إنما يجيب بعد التجلل إلاول، فيطيفي ~~الحاج الطوأف المدكور في قوله تعالى: ل ثز لتضرا تننهم وليوفو اندودكم وليلوقها ~~بالبيت العتيق). فيطوف الحجاج وهم حلال قد قضوا حجهم، ولم ~~يبق عليهم محرم إلا النساء، ولهذا لو جامع احدهم في هذه الحال لم يفسد نسكه ~~باتفاق الأيمة، وإذأ كانت عبادة من العبادات فهي عبادة مختصة بالمسجد الحرام، بكما ~~أن الاعتكاف يختص بجميع المساجد، والله تعالى قد أمر بتطهير بيته للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود، وليس هو نوعا من الصلاة فإذا ترل من واحبه شينا، فقي ~~يقال ترل شيتا، ومن تر شينا من نسكه فعليه دم. واذا ترك الواجب الذهي هر صفة PageV01P898 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0899.png) ~~في الطواف للعجز فهذا محل اجتهاد : هل يلحق بمن ترك شيئا من نسكه ? أو يقال: ~~هذا فيمن ترك نسكا مستقلا، أو تركه مع القدرة بلا عذر، أو ترك ما يختص بالحج ~~والعمرة. # وأما القول بأن هذه العاجزة عن الطواف مع الحيض ترجع محرمة أو تكون ~~كالمحصر، أو يسقط عنها الحج، أو يسقط عنها طواف الفرض؛ فهذه أقوال كلها ~~مخالفة لأصول الشرع، مع أني لم أعلم إماما من الأئمة صرح بشيء منها في هذه ~~الصورة. وإنما كلام من قال عليها دم، أو ترجع محرمة ونحو ذلك - من السلف ~~والأئمة - كلام مطلق، يتناول من كان يفعل ذلك في عهدهم، وكان زمنهم يمكنها أن ~~تحتبس حتى تطهر وتطوف، وكانوا يأمرون الأمراء أن يحتبسوا حتى تطهر الحيض، ~~ويطفن؛ ولهذا ألزم مالك وغيره المكاري الذي لها أن يحتبس معها حتى تطهر ~~وتطوف . ثم إن أصحابه قالوا : لا يجب على مكاريها في هذه الأزمان أن يحتبس ~~معها، لما عليه في ذلك من الضرر. # فعلم أن أجوبة الأئمة بكون الطهارة من الحيض شرطا أو واجبا؛ كان مع القدرة ~~على أن تطوف طاهرآ لا ms0988 مع العجز عن ذلك، اللهم إلا أن يكون منهم من قال ~~بالاشتراط، أو الوجوب في الحالين، فيكون النزاع مع من قال ذلك، والله تعالى ~~أعلم وصلى الله على محمد. # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : عن هذه الضرورة التي في الحيض ~~المبتلى بها شطر النسوة في الحج وكثرة اختلاف الأنواع فيه : منهم من تكون حائضا ~~في ابتداء الإحرام ومنهم من تحيض أيام التشريق. # المسألة الأولى: امرأة تحيض أول الشهر، ولم يمكن أن تطوف إلا حائضا، ~~وعند الوقوف بعرفة ترى شيئا من الصفرة والكدرة التى تراها بعد القصة البيضاء، فما ~~الحكم في ذلك? # المسألة الثانية : فيمن تحيض في خامس إلى تاسع، ويبقى حيضها إلى سابع ~~عشر، أو أكثر، فوقفت وهي حائض، ورمت وهي حائض وطافت للإفاضة وهي ~~حائض ولم يمكنها عمرة. # المسألة الثالثة: امرأة وقفت ورمت الجمار، وتريد طواف الإفاضة فحاضت قبل ~~لطواف، فلم تطف وكتمت، وكانت تريد العمرة فلم تعتمر ورجعت ولم تفعل ~~لا طوافا ولا عمرة، ولا دما. PageV01P899 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0900.png) # فأجاب رحمه الله: الحمد لله رب العالمين. أما المسالة الأولى: فإن المراة ~~الحائض تقضي جميع المناسك. وهي حائض؛ غير الطواف، بسنة رسول الله صله صلى الله ليه وسلم ~~الثابتة عنه، واتفاق الأئمة. فاه صلى الله عليه وسلم ل : لاالحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف ~~بالبيت وأمر أسماء بنت أبي بكر لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل، وتحرم، ~~وأمر عائشة لما حاضت بسرف أن تغتسل، وتحرم بالحج، ولا تطوف قبل التعريف. # فهذه التي قدمت مكة وهي حائض قبل التعريف، لا تطوف بالبيت لكن تقف ~~بعرفة، ولو كانت حائضا، فكيف إذا كانت ترى شيئا من الصفرة والكدرة. والصفرة ~~والكدرة ا للفقهاء فيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد، وغيره: هل هي حيض مطلقا، ~~أو ليست حيضا مطلقا. والقول الثالث: - وهو الصحيح - أنها إن كانت في العادة مع ~~الدم الأسود والأحمر فهي حيض، وإلا فلا؛ لأن النساء كن يرسلن إلى عائشة بالدرجة ~~فيها الكرسف، فتقول لهن : لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. وكذلك ms0989 غيرها، ~~فكن يجعلن ما قبل القصة البيضاء حيضا. وقالت أم عطية: كنا لا نعد الصفرة ~~والكدرة بعد الطهر شيئا. # وليس في المناسك ما تجب له الطهارة إلا الطواف، فإن الطواف بالبيت تجب ~~له الطهارة باتفاق العلماء. وأما الطواف، بين الصفا والمروة ففيه نزاع، والجمهور ~~على أنه لا تجب له الطهارة، وما سوى ذلك لا تجب له الطهارة باتفاق العلماء. # ثم تنازع العلماء في الطهارة هل هي شرط في صحة الطواف، كما هي شرط في ~~صحة الصلاة، أم هي واجبة إذا تركها جبرها بدم، كمن ترك الإحرام من الميقات، أو ~~ترك رمي الجمار، أو نحو ذلك? على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد. # أشهرهما عنه : وهي مذهب مالك، والشافعي، أن الطهارة شرط فيها، فإذا طاف ~~جنبا أو محدثا أو حائضا تاسيا أو جاهلا، ثم علم أعاد الطواف. # والثانى : أنه واجب، فإذا فعل ذلك جبره بدم؛ لكن عند أبي حنيفة الجنب ~~والحائض عليه بدنة، والمحدث عليه شاة. # وأما أحمد فأوجب دما، ولم يعين بدنة، ونص في ذلك على الجنب إذا طاف ~~سيا فقال في هذه الرواية: عليه دم. فمن أصحابه من جعل الروايتين في المعذور ~~خاصة، كالناسي . ومنهم من جعل الروايتين مطلقا في الناسي والمتعمد، ونحومما. # والذين جعلوا ذلك شرطا احتجوا بان الطواف بالبيت كالصلاة، كما في النسائي ~~غيره عن أبن عباس عن النب يى انه قال: «الطواف بالبيت صلاة الا ان الله قد اباح PageV01P900 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0901.png) ~~لكم فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير» وهذا قد قيل إنه موقوف على ابن ~~عباس. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم نآ قال : «لا يطوف بالبيت عريان وقد قال ~~الله تعالى : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) 31] نزلت لما كانوا يطوفون ~~بالبيت عراة إلا الحمس، فإنهم كانوا يطوفون في ثيابهم، وغيرهم لا يطوف في ثيابه، ~~يقولون: ثياب عصينا الله فيها، فإن وجد ثوب أحمسي طاف فيه، وإلا طاف عريانا، ~~فإن طاف في ثيابه ألقاها فسميت لقاء. # وكان هذا مما ابتدعه المشركون في ms0990 الطواف، وابتدعوا أيضا تحريم أشياء من ~~المطاعم في الإحرام، فأنزل الله: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا شرفوا إنه لا ~~يحب المسرفين * قل من حرم زينة الله الت أخرج لعباده والطيبات من الرزق)32،3] ~~وقوله : ( وإذا فعلو فاحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءن والله أمرنا بها قل إن الله لا يأم بالفحشاء اتقولون على ~~الله ما لا تعلمون) . # فما ثبت بالنص من إيجاب الطهارة والستارة في الطواف متفق عليه، وأما ~~ما ثبت باللزوم من كون ذلك شرطا فيه كالصلاة، ففيه نزاع . ومن قال : إن ذلك ليس ~~بشرط، قال : إن الحج قد وجب فيه أشياء تجبر بدم، ليست شرطا في صحة الحج، ~~فإذا تركها الحاج عمدا، أو سهوا، جبرها بدم، بخلاف الصلاة. # وأما الصلاة فهل يجب فيها ما لا تبطل بتركه مطلقا، أم لا? أم لا تبطل إذا ~~تركه نسيانا، هذا فيه نزاع مشهور . فأبو حنيفة يوجب فيها ما لا تبطل بتركه مطلقا، ~~كقراءة الفاتحة، والطمأنينة، وكذلك أحمد في أحد القولين في مذهبه، إذ أوجب ~~الجماعة، ولم يجعلها شرطا في صحة الصلاة، وأحمد في المشهور عنه يوجب فيها ~~ما إذا تركه سهوآ جبره بسجدتي السهو، وما لا يحتاج إلى جبر كاجتناب النجاسات ~~في المشهور عنه. وكذلك مالك يوجب فيها من اجتناب النجاسة ونحوها ما إذا تركه ~~أعاد في الوقت، ولم يعد بعده، كما هو مشهور في مذاهبهم. # وأما المسألة الثانية: فإن المرأة إذا حاضت وطهرت قبل يوم النحر، سقط عنها ~~طواف القدوم، وطافت طواف الإفاضة يوم النحر وبعده، وهي طاهر. وكذلك لو ~~طافت طواف الإفاضة وهي طاهر ثم حاضت فلم تطهر قبل الخروج فإنه يسقط عنها ~~طواف الوداع؛ لسنة رسول الله لهل صلى الله عليه وسلم يث رخص للمرأة إذا طافت وهي طاهر ثم ~~حاضت أنه يسقط عنها طواف الوداع، وحاضت امرأته صفية أم المؤمنين يوم النحر، ~~فقال : «أحابستنا هي ? فقالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلا إذا PageV01P901 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0902.png) # وإن حاضت قبل طواف الإفاضة فعليها أن تحتبس حتى تطهر وتطوف إذا ms0991 امكن ~~ذلك، وعلى من معها أن يحتبس لأجلها إذا امكنه ذلك. ولما كانت الطرقات آمنة في ~~زمن السلف، والناس يردون مكة، ويصدرون عنها في أيام العام، كانت المراة يمكنها ~~أن تحتبس هي وذو محرمها، ومكاريها، حتى تطهر ثم تطوف، فكان العلماء يأمرون ~~بذلك . وربما أمروا الأمير أن يحتبس لأجل الحيض، حتى يطهرن، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أحابستنا هي ? وقال أبو هريرة - رضي الله عنه - أمير، وليس بأمير: ~~امرأة مع قوم حاضت قبل الإفاضة فيحتبسون لأجلها حتى تطهر وتطوف، أو كما قال. # وأما هذه الأوقات، فكثير من النساء أو أكثرهن لا يمكنها الاحتباس بعد الوفد، ~~والوفد ينفر بعد التشريق بيوم أو يومين، أو ثلاثة، وتكون هي قد حاضت ليلة النحر، ~~فلا تطهر إلى سبعة أيام، أو أكثر، وهي لا يمكنها أن تقيم بمكة حتى تطهر؛ إما لعدم ~~النفقة، أو لعدم الرفقة التي تقيم معها، وترجع معها، ولا يمكنها المقام بمكة لعدم ~~هذا أو هذا أو لخوف الضرر على نفسها، ومالها في المقام، وفي الرجوع بعد الوفد. ~~والرفقة التي معها : تارة لا يمكنهم الاحتباس لأجلها إما لعدم القدرة على المقام ~~والرجوع وحدهم، وإما لخوف الضرر على أنفسهم وأموالهم. وتارة يمكنهم ذلك ~~لكن لا يفعلونه فتبقى هي معذورة. # فهذه المسألة» التي عمت بها البلوى. فهذه إذا طافت وهي حائض وجبرت ~~بدم أو بدنة أجزأها ذلك عند من يقول : الطهارة ليست شرطا، كما تقدم في مذهب ~~أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وأولى فإن هذه معذورة؛ لكن هل يباح ~~لها الطواف مع العذر هذا محل النظر . وكذلك قول من يجعلها شرطا: هل يسقط هذا ~~الشرط للعجز عنه، ويصح الطواف ? هذا هو الذي يحتاج الناس إلى معرفته. # فيتوجه أن يقال : إنما تفعل ما تقدر عليه من الواجبات، ويسقط عنها ما تعجز ~~عنه، فتطوف. وينبغي أن تغتسل - وإن كانت حائضا - كما تغتسل للإحرام، وأولى. ~~وتستثفر كما تستثآفر المستحاضة، وأولى وذلك لوجوه: # احدها : أن هذه لا يمكن فيها إلا احد أمور خمسة: إما ms0992 أن يقال: تقيم حتى ~~تطهر وتطوف، وإن لم يكن لها نفقة ولا مكان تاوي إليه بمكة، وإن لم يمكنها ~~الرجوع إلى بلدها، وإن حصل لها بالمقام بمكة من يستكرهها على الفاحشة، فياخذ ~~مالها إن كان معها مال . # وإما أن يقال: بل ترجع غير طائفة بالبيت وتقيم على ما بقي من إحرامها، إلى ~~أن يمكنها الرجوع، وإن لم يمكنها بقيت محرمة إلى أن تموت. # وإما أن يقال: بل تتحلل كما يتحلل المحصر، وبقى تمام الحج فرضا عليها PageV01P902 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0903.png) ~~تعود إليه كالمحصر عن البيت مطلقا، لعذر، فإنه يتحلل من إحرامه، ولكن لم يسقط ~~الفرض عنه بل هو باق في ذمته باتفاق العلماء، ولو كان قد أحرم بتطوع من حج أو ~~عمرة، فأحصر، فهل عليه قضاؤه? على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد: ~~أشهرهما عنه أنه لا قضاء عليه، وهو قول مالك والشافعي . والثاني عليه القضاء وهو ~~قول أبي حنيفة، وكل من الفريقين احتج بعمرة القضية هؤلاء قالوا: قضاها النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وأولئك قالوا: لم يقضها المحصرون معه، فإنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، ~~والذين اعتمروا معه عمرة القضية في العام القابل كانوا دون ذلك بكثير، وقالوا: ~~سميت عمرة القضية؛ لأنه قاضى عليها المشركين، لا لكونه قضاها، وإنما كانت ~~عمرة قائمة بنفسها. # وإما أن يقال: من تخاف أن تحيض فلا يمكنها الطواف طاهرا لا تؤمر بالحج، ~~لا إيجابا ولا استحبابا، ونصف النساء أو قريب من النصف يحضن؛ إما في العاشر، ~~وإما قبله بأيام، ويستمر حيضهن إلى ما بعد التشريق بيوم أو يومين، أو ثلاثة، فهؤلاء ~~في هذه الأزمنة في كثير من الأعوام، أو أكثرها لا يمكنهن طواف الإفاضة مع الطهر، ~~فلا يحججن، ثم إذا قدر أن الواحدة حجت فلا بد لها من أحد الأمور الثلاثة ~~المتقدمة، إلا أن يسوغ لها الطواف مع الحيض. # ومن المعلوم أن الوجه الأول لا يجوز أن تؤمر به، فإن في ذلك من الفساد في ~~دينها ودنياها ما يعلم بالاضطرار أن الله ينهى عنه، فضلا عن ms0993 أن يأمر به. # والوجه الثاني : كذلك لثلاثة أوجه: # أحدها: أن الله لم يأمر أحدا أن يبقى محرما إلى أن يموت، فالمحصر بعدو له أن ~~يتحلل باتفاق العلماء، والمحصر بمرض، أو فقر فيه نزاع مشهور، فمن جوز له التحلل ~~فلا كلام فيه، ومن منعه التحلل قال : إن ضرر المرض والفقر لا يزول بالتحلل، بخلاف ~~حبس العدو فإنه يستفيد بالتحلل الرجوع إلى بلده، وأباحوا له أن يفعل ما يحتاج إليه من ~~المحظورات، ثم إذا فاته الحج تحلل بعمرة الفوات، فإذا صح المريض ذهب، والفقير ~~حاجته في إتمام سفر الحج كحاجته في الرجوع إلى وطنه، فهذا مأخذهم في أنه ~~لا يتحلل. قالوا لأنه لا يستفيد بالتحلل شيئا، فإن كان هذا المأخذ صحيحا، وإلا كان ~~الصحيح هو القول الأول وهو التحلل، وهذا المأخذ يقتضي اتفاق الأئمة على أنه متى كان ~~دوام الإحرام يحصل به ضرر يزول بالتحلل فله التحلل. # ومعلوم أن هذه المرأة إذا دام إحرامها تبقى ممنوعة من الوطء دائما، بل ~~وممنوعة في أحد قوليهم من مقدمات الوطء، بل ومن النكاح، ومن الطيب، ومن ~~الصيد عند من يقول بذلك. وشريعتنا لا تأتي بمثل ذلك. PageV01P903 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0904.png) # 423 # ولو قدر أن بعض القائلين بأن المحصر بمرض أو نفقة يقول بمثل ذلك - ~~فالمريض المأيوس من برئه، والفقير الذي يمكنه المقام دون السفر - كان قوله مردودا ~~بأصول الشريعة، فإنه لا يقول فقيه : إن الله أمر المريض المعضوب المايوس من ~~برئه ، أن يبقى محرما حتى يموت، بل أكثر ما يقال إنه يقيم مقامه من يحج عنه، كما ~~قال ذلك الشافعي وأحمد في أصل الحج. فأوجباه على المعضوب إذا كان له مال ~~يحج به غيره عنه ، إذ كان مناط الوجوب عندهما هو ملك الزاد والراحلة، وعند مالك ~~القدرة بالبدن كيف ما كان، وعند أبي حنيفة مجموعهما، وعند أحمد في كل من ~~الأمرين مناط للوجوب، فيجب على هذا وهذا، ولم يقل أحد من أثمة المسلمين أن ~~لمعضوب عليه أن يحج أو يعتمر ببدنه، فكيف يبقى محرما عليه إتمام الحج ms0994 إلى أن ~~يموت؟! # الثاني : أن هذه إذا أمكنها العود فعادت أصابها في المرة الثانية نظير ما أصابها ~~في الأولى، إذا كان لا يمكنها العود إلا مع الوفد والحيض قد يصيبها مدة مقامهم ~~بمكة . # الثالث : أن هذا إيجاب سفرين كاملين على الإنسان للحج، من غير تفريط منه، ~~ولا عدوان، وهذا خلاف الأصول، فإن الله لم يوجب على الناس الحج إلا مرة ~~واحدة، وإذا أوجب القضاء على المفسد فذلك بسبب جنايته على إحرامه، وإذا أوجبه ~~على من فاته الحج فذلك بسبب تفريطه؛ لأن الوقوف له وقت محدود، يمكن في ~~العادة أن لا يتأخر عنه فتأخره يكون لجهله بالطريق، أو بما بقي من الوقت، أو لترك ~~السير المعتاد، وكل ذلك تفريط منه؛ بخلاف الحائض فإنها لم تفرط، ولهذا أسقط ~~لني صلى الله عليه وسلم نها طواف الوداع، وطواف القدوم كما في حديث عائشة وصفية. # وأما التقدير الثالث: وهو أن يقال إنها تتحلل كما يتحلل المحصر، فهذا أقوى، ~~ما قال ذلك طائفة من العلماء، فإن خوفها منعها من المقام حتى تطوف، كما لو كان ~~مكة عدو منعها من نفس الطواف، دون المقام على القول بذلك، لكن هذا القدر ~~لا يسقط عنها فرض الإسلام، ولا يؤمر المسلم بحج يحصر فيه، فمن اعتقد أنه إذا ~~حج أحصر عن البيت، لم يكن عليه الحج، بل خلو الطريق وأمنه، وسعة الوقت: ~~شرط في لزوم السفر باتفاق المسلمين. # وإنما تنازعوا هل هو شرط في الوجوب، بمعنى أن ملك الزاد والراحلة مع ~~خوف الطريق، أو ضيق الوقت، هل يجب عليه؟ فيحج عنه إذا مات ارلايجي ~~عليه بحال؟ على قولين معروفين. فعلى قول من لم يجعل لها رخصة الارخمة ~~الحصر يلزمه القول الرابع وهو انها لا تومر بالحج؛ بل لا يجب ولا يستحب، فعلى PageV01P904 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0905.png) ~~هذا التقدير يبقى الحج غير مشروع لكثير من النساء . أو أكثرهن في أكثر هذه ~~الأوقات، مع إمكان أفعالها كلها لكونهن يعجزن عن بعض الفروض في الطواف. # ومعلوم أن هذا خلاف أصول الشريعة، فإن العبادات المشروعة ms0995 إيجابا أو ~~استحبابا، إذا عجز عن بعض ما يجب فيها، لم يسقط عنه المقدور؛ لأجل المعجوز، ~~بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وذلك مطابق لقول ~~الله تعالى : (فأنقوا اللهما آستطعتم) ومعلوم أن الصلاة وغيرها من ~~العبادات التي هي أعظم من الطواف لا تسقط بالعجز عن بعض شروطها، وأركانها ~~فكيف يسقط الحج بعجزه عن بعض شروط الطواف وأركانه?! # ومثل هذا القول أن يقال : يسقط عنها طواف الإفاضة، فإن هذا خلاف ~~الأصول، إذ الحج عبارة عن الوقوف والطواف، والطواف أفضل الركنين وأجلهما؛ ~~ولهذا يشرع في الحج، ويشرع في العمرة، ويشرع منفردا، ويشترط له من الشروط ~~ما لا يشترط للوقوف، فكيف يمكن أن يصح الحج بوقوف بلا طواف . # ولكن أقرب من ذلك أن يقال: يجزئها طواف الإفاضة قبل الوقوف . فيقال : إنها ~~إن أمكنها الطواف بعد التعريف، وإلا طافت قبله؛ لكن هذا لا نعلم أحدا من الأئمة ~~قال به في صورة من الصور، ولا قال بإجزائه؛ إلا ما نقله البصريون عن مالك فيمن ~~طاف وسعى قبل التعريف، ثم رجع إلى بلده ناسيا، أو جاهلا، أن هذا يجزئه عن ~~طواف الإفاضة. # وقد قيل : على هذا يمكن أن يقال في الحائض مثل ذلك إذا لم يمكنها الطواف ~~إلا قبل الوقوف، ولكن هذا لا أعرف به قائلا. # والمسألة المنقولة عن مالك قد يقال فيها: إن الناسي والجاهل معذور، ففي ~~تكليفه الرجوع مشقة عظيمة، فسقط الترتيب لهذا العذر، وكما يقال في الطهارة في ~~أحد الوجهين، على إحدى الروايتين في مذهب أحمد: أنه إذا طاف محدثا ناسيا حتى ~~أبعد كان معذورا، فيجبره بدم. # وأما إذا أمكنه الإتيان بأكثر الواجبات فكيف يسقط بعجزه عن بعضها، وطواف ~~الحائض قد قيل: إنه يجزئ مطلقا، وعليها دم. # وأما تقديم طواف الفرض على الوقوف : فلا يجزئ مع العمد بلا نزاع، وترتيب ~~قضاء الفوائت يسقط بالنسيان عند أكثر العلماء، ولا يسقط بالعجز عن بعض شروط ~~الصلاة ولا بضيق الوقت عند أكثرهم. # وأيضا فالمستحاضة ومن به سلس ms0996 البول، ونحو هولاء لو أمكنه أن يطوف قبل PageV01P905 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0906.png) ~~التعريف بطهارة، وبعد التعريف بهذا الحدث لم يطف إلا بعد التعريف، ولهذا ~~لا يجوز للمرأة أن تصوم قبل شهر رمضان؛ لأجل الحيض في رمضان ولكن تصوم ~~بعد وجوب الصوم. # وأيضا فإن الأصول متفقة على أنه متى دار الأمر بين الإخلال بوقت العبادة، ~~والإخلال ببعض شروطها، وأركانها، كان الإخلال بذلك أولى كالصلاة، فإن المصلي ~~لو أمكنه أن يصلي قبل الوقت بطهارة وستارة، مستقبل القبلة، مجتنب النجاسة، ولم ~~يمكنه ذلك في الوقت، فإنه يفعلها في الوقت على الوجه الممكن، ولا يفعلها قبله ~~بالكتاب والسنة والإجماع. # وكذلك أيضا لا يؤخر العبادة عن الوقت، بل يفعلها فيه بحسب الإمكان، وإنما ~~يرخص للمعذور في الجمع لأن الوقت وقتان: وقت مختص لأهل الرفاهية، ووقت ~~مشترك لأهل الأعذار . والجامع بين الصلاتين صلاهما في الوقت المشروع، لم يفوت ~~واحدة منهما، ولا قدمها على الوقت المجزئ باتفاق العلماء. # وكذلك الوقوف لو فرضنا أنه أمكنه الوقوف قبل الوقت، أو بعده، إذا لم يمكنه ~~في وقته، لم يكن الوقوف في غير وقته مجزئا باتفاق العلماء والطواف للإفاضة هو ~~مشروع بعد التعريف، ووقته يوم النحر، وما بعده، وهل يجزئ بعد انتصاف الليل ~~ليلة النحر؟ فيه نزاع مشهور. # فإذا تبين فساد هذه الأقسام الأربعة، بقي الخامس: وهو أنها تفعل ما تقدر ~~عليه، ويسقط عنها ما تعجز عنه، وهذا هو الذي تدل عليه النصوص المتناولة لذلك، ~~والأصول المشابهة له، وليس في ذلك مخالفة الأصول، والنصوص التي تدل على ~~وجوب الطهارة، كقول صلى الله عليه وسلم: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ~~إنما تدل على الوجوب مطلقا . كقوله : «إذا أحدث أحدكم فلا يصلي حتى يترضا ~~وقوله : «لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يتوضا وقوله: لا يقبل الله صلاة ~~حائض إلا بخمار »4) وقوله : «حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه، ثم صلي فيه» ~~وقوله : « لا يطوف بالبيت عريان»6) وأمثال ذلك من النصوص. وقد علم أن وجوب ~~ذلك جميعه مشروط بالقدرة كما قال تعالى : (الوا اللهما اسنتطعثم) و ms0997 ى اله عليه وسلم : ~~أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وهذا تقسيم حاصر. PageV01P906 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0907.png) # إذا تبين أنه لا يمكن أن تؤمر بالمقام مع العجز والضرر على نفسها ودينها ~~ومالها، ولا تؤمر بدوام الإحرام، وبالعود مع العجز، وتكرير السفر، وبقاء الضرر، ~~من غير تفريط منها. ولا يكفي التحلل، ولا يسقط به الفرض. # وكذلك سائر الشروط : كالستارة، واجتناب النجاسة، وهي في الصلاة أوكد. ~~فإن غاية الطواف أن يشبه بالصلاة، وليس في الطواف نص ينفي قبول الطواف مع عدم ~~الطهارة، والستارة، كما في الصلاة. ولكن فيه ما يقتضي وجوب ذلك. # ولهذا تنازع العلماء: هل ذلك شرط ? أو واجب ليس بشرط? ولم يتنازعوا أن ~~ذلك شرط في صحة الصلاة وأنه يستلزم أن تؤمر بترك الحج، ولا تؤمر بترك الحج ~~بغير ما ذكرناه، وهو المطلوب. # الدليل الثاني : أن يقال : غاية ما في الطهارة أنها شرط في الطواف ومعلوم أن ~~كونها شرطا في الصلاة أوكد منها في الطواف، ومعلوم أن الطهارة كالستارة، واجتناب ~~الاسة بل الستارة في الطواف اوكمديين الطواف، لاز ستر الزررة يجن في ~~عنها نهيا عاما؛ ولأن المستحاضة ومن به سلس البول ونحوهما يطوف ويصلي باتفاق ~~المسلمين، والحدث في حقهم من جنس الحدث في حق غيرهم، لم يفرق بينهما إلا ~~العذر. # وإذا كان كذلك، وشروط الصلاة تسقط بالعجز، فسقوط شروط الطواف بالعجز ~~أولى وأحرى، والمصلي يصلي عريانا، ومع الحدث، والنجاسة في صورة ~~المستحاضة، وغيرها، ويصلي مع الجنابة وحدث الحيض مع التيمم، وبدون التيمم ~~عند الأكثرين إذا عجز عن الماء، والتراب؛ لكن الحائض لا تصلي؛ لأنها ليست ~~محتاجة إلى الصلاة مع الحيض، فإنها تسقط عنها إلى غير بدل؛ لأن الصلاة تتكرر ~~بتكرر الأيام، فكانت صلاتها في سائر الأيام تغنيها عن القضاء؛ ولهذا أمرت بقضاء ~~الصيام دون الصلاة؛ لأن الصوم شهر واحد في الحول، فإذا لم يمكنها أن تصوم ~~طاهرا في رمضان، صامت في غير شهر رمضان، فلم يتعدد الواجب عليها، بل نقلت ~~من وقت إلى وقت، ولو قدر أنها عجزت عن الصوم عجزا مستمرا، ms0998 كعجز الشيخ ~~الكبير، والعجوز الكبيرة والمريض المأيوس من برئه، سقط عنها إما إلى بدل، وهو ~~الفدية بإطعام مسكين عن كل يوم عند الأكثرين، كمذهب أبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد. وإما إلى غير بدل كقول مالك. # وأما الصلاة فلا يمكن العجز عن جميع أركانها، بل يفعل منها ما يقدر عليه، ~~فلو قدر أنه عجز عن جميع الحركات الظاهرة برأسه وبدنه سقطت عنه في أحد قولي ~~العلماء. كقول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وأحد القولين في مذهب PageV01P907 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0908.png) ~~مالك، وفي القول الآخر يومئ بطرفه ويستحضر الأفعال بقلبه، كقول الشافعي واحمد ~~في إحدى الروايتين . والقول الأول أشبه بالأثر والنظر. # وأما الحج فالتقدير أنه لا يمكنها أن تحج إلا على هذا الوجه، وإذا لم يمكنها ~~ذلك كان هذا غاية المقدور، كما لو لم يمكنه أن يطوف إلا راكبا، أو حامل النجاسة. # فإن قيل : هنا سؤالان: # أحدهما : أنه هلا جعلت الحائض كالمعضوب، فإن كانت ترجو أن تحج، ~~ويمكنها الطواف وإلا استنابت؟ # والثاني: أنه إذا لم يسوغ لها الشارع الصلاة زمن الحيض، كما سوغها للجنب ~~بالتيمم، وللمستحاضة، علم أن الحيض لا تصح معه العبادة بحال. # فيقال : أما الأول فلأن المعضوب هو الذي يعجز عن الوصول إلى مكة، فأما ~~من أمكنه الوصول إلى مكة وعجز عن بعض الواجبات فليس بمعضوب، كما لو أمكنه ~~الوصول وعجز عن اجتناب النجاسة، مثل المستحاضة، ومن به سلس البول، ~~ونحوهما فإن عليه الحج بالإجماع، ويسقط عنه ما يعجز عنه من الطهارة، وكذلك من ~~لم يمكنه الطواف إلا راكبا أو محمولا، أو من لم يمكنه رمي الجمار ونحو ذلك فإنه ~~يستنيب فيه ويحج ببدنه . # وأما صلاة الحائض فليست محتاجة إليها؛ لأن في صلاة بقية الأيام غنى عنها، ~~ولهذا إذا استحيضت أمرت بالصلاة، مع الاستحاضة، ومع احتمال الصلاة مع ~~الحيض، وإن كان خروج ذلك الدم وتنجيسها به يفسد الصلاة، لولا العذر. فقد فرق ~~الشارع بين المعذور وغيره في ذلك، ولهذا لو أمكن المستحاضة أن تطهر وتصلي ~~حال انقطاع الدم وجب عليها ذلك، وإنما ms0999 أباح الصلاة مع خروجه للضرورة. # فإن قيل: فقد كان الجنب والمستحاضة ونحوهما يمكن إسقاط الصلاة عنه، ~~ما أسقطت عن الحائض، ويكون صلاة بقية الأيام مغنية، فلما أمرها الشارع بالصلاة ~~ون الحائض، علم أن الحيض ينافي الصلاة مطلقا، وكذلك ينافي الطواف الذي هر ~~كالصلاة. # فيقال: الجنب ونحوه لا يدوم به موجب الطهارة، بل هو بمنزلة الجانض التي ~~نقطع دمها، وهو متمكن من إحدى الطهارتين. وأما المستحاضة فلو أسقط عنيها ~~الصلاة للزم سقوطها أبدآ، فلما كان حدثها دانآما لم تمكن الصلاة إلا معه، فسقط ~~وجوب الطهارة عنها. فهذا دليل على أن العبادة إذا لم يمكن فعلها إلا مع المحفظور ~~كان ذلك أولى من تركها، والأصول كلها توافق ذلك، والجنب إذا عدم الماء والتراب ~~الى أيضا في أسهر قولي العلما لعجزه عن الطهارة، فالحيف بناني الصلاة مطلقا PageV01P908 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0909.png) ~~428 ~~لعدم الحاجة إلى الصلاة مع الحيض، استغناء بتكرر أمثالها. وأما الحج والطواف فيه ~~فلا يتكرر وجوبه. فإن لم يصح مع العذر لزم ألا يصح مطلقا. والأصول قد دلت ~~على أن العبادة إذا لم تمكن إلا مع العذر كانت صحيحة مجزئة معه بدون ما إذا فعلت ~~بدون العذر، وقد تبين أنه لا عذر للحائض في الصلاة مع الحيض، لاستغنائها بها عن ~~ذلك بتكرر أمثالها في غير أيام الحيض بخلاف الطواف فإنه إذا لم يمكنها فعله إلا مع ~~الحيض، لم تكن مستغنية عنه بنظيره فجاز لها ذلك، كسائر ما تعجز عنه من شروط ~~العبادات. # الدليل الثالث : أن يقال : هذا نوع من أنواع الطهارة، فسقط بالعجز كغيره من ~~أنواع الطهارة، فإنها لو كانت مستحاضة ولم يمكنها أن تطوف إلا مع الحدث الدائم، ~~طافت باتفاق العلماء. وفي وجوب الوضوء عليها خلاف مشهور بين العلماء وفي هذا ~~صلاة مع الحدث، ومع حمل النجاسة، وكذلك لو عجز الجنب أو المحدث عن الماء ~~والتراب صلى وطاف في أظهر قولي العلماء. # الدليل الرابع: أن يقال: شرط من شرائط الطواف، فسقط بالعجز كغيره من ~~الشرائط، فإنه لو لم يمكنه أن يطوف إلا ms1000 عريانا لكان طوافه، عريانا أهون من صلاته ~~عريانا، وهذا واجب بالاتفاق، فالطواف مع العري إذا لم يمكن إلا ذلك أولى وأحرى. # وإنما قل تكلم العلماء في ذلك لأن هذا نادر، فلا يكاد بمكة يعجز عن سترة ~~يطوف بها، لكن لو قدر أنه سلب ثيابه، والقافلة خارجون لا يمكنه أن يتخلف عنهم، ~~كان الواجب عليه فعل ما يقدر عليه من الطواف مع العري، كما تطوف المستحاضة، ~~ومن به سلس البول مع أن النهي عن الطواف عريانا أظهر وأشهر في الكتاب والسنة، ~~من طواف الحائض. # وهذا الذي ذكرته هو مقتضى الأصول المنصوصة. العامة المتناولة لهذه الصورة ~~لفظا ومعنى، ومقتضى الاعتبار والقياس على الأصول التي تشابهها، والمعارض لها ~~إنما لم يجد للعلماء المتبوعين كلاما في هذه الحادثة المعينة، كما لم يجد لهم كلاما ~~فيما إذا لبم يمكنه الطواف إلا عريانا، وذلك لأن الصور التي لم تقع في أزمنتهم ~~لا يجب أن تخطر بقلوبهم، ليجب أن يتكلموا فيها. ووقع هذا وهذا في أزمنتهم إما ~~معدوم، وإما نادر جدا، وكلامهم في هذا الباب مطلق عام، وذلك يفيد العموم، لو ~~لم تختص الصورة المعينة بمعان توجب الفرق والاختصاص، وهذه الصورة قد ~~لا يستحضرها المتكلم باللفظ العام من الأئمة لعدم وجودها في زمنهم والمقلدون لهم ~~ذكروا ما وجدوه من كلامهم. # ولهذا أوجب مالك وغيره على مكاريها أن يحتبس لأجلها إذا كانت الطرقات ~~آمنة، ولا ضرر عليه في التخلف معها، وكانوا في زمن الصحابة وغيرهم يحتبس PageV01P909 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0910.png) ~~الأمير لأجل الحيض، والمتأخرون من أصحاب مالك أسقطوا عن المكاري الوداع، ~~وأسقط المبيت عن أهل السقاية، والرعاية، لعجزهم. وعجزهم يوجب الاحتباس ~~معها في هذه الأزمان، ولا ريب أن من قال الطهارة واجبة في الطواف وليست شرطا ~~فإن يلزمه أن يقول : إن الطهارة في مثل هذه الصورة ليست واجبة لعدم القدرة عليها، ~~فإنه يقول إذا طاف محدثا وأبعد عن مكة لم يجب عليه العود للمشقة، فكيف يجب ~~على هذه ما لا يمكنها إلا بمشقة أعظم من ذلك، لكن هناك من يقول ms1001 عليه دم، وهنا ~~يتوجه أن لا يجب عليها دم، لأن الواجب إذا تركه من غير تفريط فلا دم عليه، ~~بخلاف ما إذا تركه ناسيا أو جاهلا، وقد يقال عليها دم لندور هذه الصورة، ونظير ~~ذلك أن يمنعه عدو عن رمي الجمرة، فلا يقدر على ذلك حتى يعود إلى مكة، أو ~~يمنعه العدو عن الوقوف بعرفة إلى الليل، أو يمنعه العدو عن طواف الوداع، بحيث ~~لا يمكنه المقام حتى يودع. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله علي وسلمن أسقط عن الحائض طواف الوداع ~~ومن قال : إن الطهارة فرض في الطواف وشرط فيه، فليس كونها شرطا فيه أعظم من ~~كونها شرطا في الصلاة. ومعلوم أن شروط الصلاة تسقط بالعجز، فسقوط شروط ~~الطواف بالعجز أولى وأحرى. # هذا هو الذي توجه عندي في هذه المسألة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. ولولا ضرورة الناس واحتياجهم إليها علما وعملا لما تجشمت الكلام حيث ~~لم أجد فيها كلاما لغيري، فإن الاجتهاد عند الضرورة مما أمرنا الله به، فإن يكن ~~ما قلته صوابا فهو حكم الله ورسوله، والحمد لله. وإن يكن ما قلته خطا فمني ومن ~~الشيطان، والله ورسوله برييان من الخطا، وإن كان المخطي معفوا عنه. وإلله سبحانه ~~وتعالى أعلم. والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. # وسئل رحمه الله تعالى : أيما أفضل لمن كان بمكة: الطواف بالبيت? أو الخروج ~~الى الحل ليعتمر منه ويعود؟ وهل يستحب لمن كان بمكة كثرة الاعتمار في رمضان أو في ~~فيره، أو الطواف بدل ذلك؟ وكذلك كثرة الاعتمار لغير المكي: هل هو مستحب9 وهل ~~ي اعتمار النبي صلى الله عليه وسلمن الجعرانة، وفي عمرة الحديبية مستند لمن يعتمر من مكةيكها في ~~أمره لعائشة أن تعتمر من التنعيما وقول النبي ى لله علي و عمرة في رمضان تعدل حجة» هل ~~هي عمرة الأفقي ? أو تتناول المكي الذي يخرج إلى الحل ليعتمر في رمضان? PageV01P910 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0911.png) # فأجاب: أما من كان بمكة من مستوطن، ومجاور، وقادم، ms1002 وغيرهم فإن طوافه ~~بالبيت أفضل له من العمرة، وسواء خرج في ذلك إلى أدنى الحل، وهو التنعيم الذي ~~أحدث فيه المساجد، التى تسمى «مساجد عائشة» أو أقصى الحل من أي جوانب ~~الحرم، سواء كان من جهة لا الجعرانة، أو لالحديبية، أو غير ذلك، وهذا المتفق ~~عليه بين سلف الأمة، وما أعلم فيه مخالفا من أئمة الإسلام في العمرة المكية. # وأما العمرة من الميقات : بأن يذهب إلى الميقات فيحرم منه. أو يرجع إلى ~~بلده، ثم ينشئ السفر منه للعمرة، فهذه ليست عمرة مكية بل هذه عمرة تامة، وليس ~~الكلام هنا فيها. # وهذه فيها نزاع : هل المقام بمكة أفضل منها ? أم الرجوع إلى بلده أو الميقات ~~أفضل ? وسيأتي كلام بعض من رجح المقام بمكة للطواف على الرجوع للعمرة من ~~الميقات. # إنما النزاع في أنه هل يكره للمكي الخروج للاعتمار من الحل، أم لا? وهل ~~يكره أن يعتمر من تشرع له العمرة كالأفقي في العام أكثر من عمرة أم لا? وهل ~~يستحب كثرة الاعتمار أم لا؟ # فأما كون الطواف بالبيت أفضل من العمرة لمن كان بمكة، فهذا مما لا يستريب ~~فيه من كان عالما بسنة رسولللهاله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه وآثار الصحابة، وسلف الأمة ~~وأئمتها، وذلك أن الطواف بالبيت أفضل من العبادات والقربات التي شرعها الله تعالى ~~في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو من أعظم عبادة أهل مكة أعني من كان بمكة ~~مستوطنا أو غير مستوطن، ومن عباداتهم الدائمة الراتبة التي امتازوا بها على سائر أهل ~~الأمصار، وما زال أهل مكة على عهد رسول الهل ل صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه ~~رضي الله عنهم - يطوفون بالبيت في كل وقت، ويكثرون ذلك. # وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولاة البيت أن لا يمنعوا أحدا من ذلك في عموم ~~الأوقات، فروى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسل ال : يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا ~~طاف بهذا البيت وصلى فيه أية ساعة شاء، من ms1003 ليل أو نهار) رواه مسلم في ~~صحيحه . وسائر أهل السنن كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وغيرهم. # وقد قال تعالى لخليله إمام الحنفاء الذي أمره ببناء البيت، ودعا الناس إلى ~~حجه : (طهرا بيتي للطايفين والعاكفين والركع السجود). وفي الآية PageV01P911 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0912.png) ~~الأخرى : (والقآبيمين) فذكر ثلاثة أنواع : الطواف والعكوف، والركوع ~~مع السجود، وقدم الأخص فالأخص، فإن الطوف لا يشرع إلا بالبيت العتيق باتفاق ~~المسلمين . ولهذا اتفقوا على تضليل من يطوف بغير ذلك، مثل من يطوف بالصخرة، ~~أو بحجرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو بالمساجد المبنية بعرفة، أو منى، أو غير ذلك، أو بقبر بعض ~~المشايخ، أو بعض أهل البيت، كما يفعله كثير من جهال المسلمين فإن الطواف بغير ~~البيت العتيق لا يجوز باتفاق المسلمين، بل من اعتقد ذلك دينا وقربة عرف أن ذلك ~~ليس بدين باتفاق المسلمين، وأن ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام، فإن أصر ~~على اتخاذه دينا قتل . # وأما لالاعتكاف فهو مشروع في المساجد، دون غيرها، وأما الركوع مع ~~السجود فهو مشروع في عموم الأرض، كما قال النبي صلى الل عليه وسلم: جعلت لي الأرض ~~مسجدا وطهورا، فأيما رتجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره2 وهذا ~~كله متفق عليه بين المسلمين . وإن كان بعض البقاع تمنع الصلاة فيها لوصف عارض ~~كنجاسة، أو مقبرة، أو حش، أو غير ذلك. # فالمقصود هنا: أنه سبحانه وتعالى قدم الأخص بالبقاع، فالأخص، فقدم ~~الطواف لأنه يختص بالمسجد الحرام، ثم العكوف، لأنه يكون فيه، وفي المساجد ~~التي يصلي المسلمون فيها الصلاة المشروعة، وهي الصلوات الخمس جماعة، ثم ~~الصلاة لأن مكانها أعم. # ومن خصائص الطواف أنه مشروع بنفسه منفردا، أو في ضمن العمرة، وفي ~~ضمن الحج، وليس في أعمال المناسك ما يشرع منفردا عن حج وعمرة، الا ~~الطواف، فإن أعمال المناسك على ثلاث درجات: # منها ما لا يكون إلا في حج : وهو الوقوف بعرفة، وتوابعه من المناسك التي ~~بمزدلفة . # ومنها ما لا يكون إلا في حج او عمرة . وهر الإحرام والإجلال، والسيي بين ~~الجبلين ms1004 كما قال تعالى ( أل العداوالمودمن تعار لو نمن لي البنت ا اغتمر فلا بنا ~~عليه أن يطوف بهما) . # تومنها ما يكون الونة الحج وفي العمرة ويكون منفردا: وهو الطراف، والطرا ~~يضا مو أكشر المناسك عملا في ألحج، فإنه يشرع للقادم طرافي القدا ورش ~~ملحاج طوف الوداع وذلك غي الطواف المفروض طراف الإفاضة الذي يكونه بعد ~~التعريف. PageV01P912 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0913.png) # ويستحب أيضا الطواف في أثناء المقام بمنى، ويستحب في جميع الحول ~~عموما. # وأما الاعتمار للمكي بخروجه إلى الحل، فهذا لم يفعله أحد على عهد ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم عل إلا عائشة في حجة الوداع، مع أن النبي صل الله علي وسلم يأمرها به، بل أذن ~~فيه بعد مراجعتها إياه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى . فأما أصحابه الذين حجوا معه ~~حجة الوداع كلهم من أولهم إلى آخرهم، فلم يخرج أحد منهم لا قبل الحجة، ~~ولا بعدها، لا إلى التنعيم، ولا إلى الحديبية، ولا إلى الجعرانة، ولا غير ذلك؛ ~~لأجل العمرة. وكذلك أهل مكة المستوطنين لم يخرج أحد منهم إلى الحل لعمرة، ~~وهذا متفق عليه، معلوم لجميع العلماء الذين يعلمون سنته وشريعته. # وكذلك أيضا أصحابه الذين كانوا مقيمين بمكة من حين فتحه مكة من شهر ~~رمضان سنة ثمان، وإلى أن توفي لم يعتمر أحد منهم من مكة ولم يخرج أحد منهم ~~إلى الحل، ويهل منه، ولم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم هو بمكة قط، لا من الحديبية، ولا من ~~الجعرانة، ولا غيرهما، بل قد اعتمر أربع عمر : ثلاث منفردة، وواحدة مع حجته. ~~وجميع عمره كان يكون فيها قادما إلى مكة، لا خارجا منها إلى الحل. # فأما عمرة الحديبية فإنه اعتمر من ذي الحليفة - ميقات أهل المدينة - هو ~~وأصحابه الذين بايعوه في تلك العمرة تحت الشجرة، ثم إنهم لما صدهم المشركون ~~عن البيت، وقاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم لى العمرة من العام القابل، وصالحهم الصلح ~~المشهور، حل هو وأصحابه من العمرة بالحديبية، ولم يدخلوا مكة ذلك العام. فأنزل ~~الله ms1005 تعالى في ذلك (سورة الفتح)، وأنزل قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فا ~~آستيسر من المدق)ه الآية لالبقرة:]. وقد ذكر الشافعي وغيره الإجماع على أن هذه ~~الآية نزلت في ذلك العام. # ثم إنه بعد ذلك في العام القابل سنة سبع بعد أن فتح خيبر، وكان فتح خيبر ~~عقيب انصرافه من الحديبية، ثم اعتمر هو ومن معه عمرة القضية، وتسمى «عمرة ~~القضاء وكانت عمرته هذه في ذي القعدة سنة سبع، والتي قبلها عمرة الحديبية، ~~وكانت أيضا في ذي القعدة، وعمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة، وكانت عمره كلها ~~في ذي القعدة أوسط أشهر الحج، وبين للمسلمين بذلك جواز الاعتمار في أشهر ~~الحج، ولما اعتمر هو ومن معه عمرة القضية أحرموا أيضا من ذي الحليفة، ودخلوا ~~مكة، وأقاموا بها ثلاثا، وتزوج في ذلك العام ميمونة بنت الحارث. # ثم إن أهل مكة نقضوا العهد سنة ثمان، فغزاهم النبي صلى الله عليه وسلم زوة الفتح في نحو ~~عشرة آلاف في شهر رمضان، ودخل مكة حلالا على رأسه المغفر، وطاف بالبيت، ~~وأقام بمكة سبع عشرة ليلة، ولم يعتمر في دخوله هذا، وبلغه أن هوازن قد جمعت له PageV01P913 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0914.png) ~~فغزاهم غزوة حنين، وحاصر الطائف بعد ذلك ولم يفتحها، وقسم غنائم حنين ~~بالجعرانة، وأنشأ حينئذ العمرة بالجعرانة، فكان قادما إلى مكة في تلك العمرة، لم ~~يخرج من مكة إلى الجعرانة . وحكم كل من أنشأ الحج، أو العمرة من مكان دون ~~المواقيت أن يحرم من ذلك المكان. كما في الصحيحين عن ابن عباس قال: لوقت ~~رسول الهله صلى الله عليه ولم ألل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن ~~المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن كان ~~يريد الحج والعمرة، ومن كان دونهن فمهله من أهله. وكذلك أهل مكة يهلون ~~منها »1) . # فإحرام النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة كان لأنه أنشأ العمرة منها، وبعد أن حصل فيها ~~لأجل الغزو والغنائم، فقد تبين أن الحديبية لم يحرم ms1006 منها النبي صلى الله عليه وسلم لا قادما إلى مكة، ~~ولا خارجا منها، بل كان محله من إحرامه بالعمرة لما صده المشركون. وأما الجعرانة ~~فأحرم منها لعمرة أنشأها منها، وهذا كله متفق عليه، ومعلوم بالتواتر؛ لا يتنازع فيه ~~اثنان ممن له أدنى خبرة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسنته. # فمن توهم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكة فاعتمر من الحديبية، أو الجعرانة، فقد ~~غلط غلطا فاحشا منكرا، لا يقوله إلا من كان من أبعد الناس عن معرفة سنة النبي صلى الله عليه ولم. ~~وسيرته وإن كان قد غلط في الاحتجاج بذلك على العمرة من مكة طوائف من أكابر ~~أعيان العلماء، فقد ظهر أن الني صلى الله عليه وسلم واصحابه جميعهم لم يعتمر أحد منهم في حياته ~~من مكة، بعد فتح مكة، ومصيرها دار إسلام، إلا عائشة. # وكذلك أيضا لم يعتمر أحد منها قبل الفتح حين كانت دار كفر، وكان بها من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عد هجرته إلى المدينة، وقبل هجرته، فإنهم كانوا يطوفون ~~بالبيت، ولم يخرج أحد منهم إلى الحل ليعتمر منه، إذ الطواف بالبيت ما زال مشروعا ~~من أول مبعكث النبي صلى الله عله وسلم، بل ولم يزل من زمن إبراهيم، بل ومن قبل إيراهيم أيضا، ~~فإذا كان المسلمون حين كانوا بمكة من حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم إل أن توفي إذا كانوا ~~بمكة لم يكونوا يعتمرون من مكة، بل كانوا يطوفون ويحجون من العام إلى العام، ~~وكانوا يطوفون في كل وقت من غير اعتمار، كان هذا مما يوجب العلم، الضروري، ~~ان المشروع لأهل مكة إنما هو الطواف، وإن ذلك هو الأفضل لهم من الخروج ~~للعمرة إذ من الممتنع أن ينفق النبلى الله ليه وسلم جميع اصحابه على عهده على المداومة على ~~المفضول، وترك الآفضل، فلا يفعل أحد منهم الأفضل، ولا يرغبهم فيه النبيى ال له ~~فهذا لا يقوله أحد من أهل الإيمان. PageV01P914 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0915.png) # ومما يوضح ذلك: أن المسلمين ms1007 قد تنازعوا في وجوب العمرة، لوجوب الحج، ~~على قولين مشهورين للعلماء، وروي النزاع في ذلك عن الصحابة أيضا، فروي ~~وجوبها عن عمر وابن عباس، وغيرهما. وروي عدم الوجوب عن ابن مسعود. ~~والأول : هو المشهور عن الشافعي، وأحمد. والثاني: هو أحد قوليهما، وقول ~~أبي حنيفة، ومالك. # ومع هذا فالمنقول الصريح عمن أوجب العمرة من الصحابة والتابعين لم يوجبها ~~على أهل مكة . قال أحمد بن حنبل: كان ابن عباس يرى العمرة واجبة، ويقول : ~~يا أهل مكة ليس عليكم عمرة، إنما عمرتكم طوافكم بالبيت، وقال عطاء بن ~~أبي رباح - أعلم التابعين بالمناسك، وإمام الناس فيها - ليس أحد من خلق الله إلا ~~عليه حجة وعمرة واجبتان، لا بد منهما لمن استطاع إليهما سبيلا، إلا أهل مكة، فإن ~~عليهم حجة، وليس عليهم عمرة من أجل طوافهم بالبيت، وهم يفعلونه فأجزأ عنهم. ~~وقال طاوس : ليس على أهل مكة عمرة. رواه ابن أبي شيبة. # وكلام هؤلاء السلف وغيرهم يقتضي أنهم كانوا لم يستحبوها لأهل مكة، فضلا ~~عن أن يوجبوها، كما رواه أبو بكر بن أبي شيبة. في كتابه الكبير «المصنف» ثنا ابن ~~إدريس ، عن ابن جريج عن عطاء قال : ليس على أهل مكة عمرة . قال ابن عباس: ~~انتم يا أهل مكة لا عمرة لكم، إنما عمرتكم الطواف بالبيت، فمن جعل بينه وبين ~~الحرم بطن واد فلا يدخل مكة إلا بإحرام، قال : فقلت لعطاء: أيريد ابن عباس واد ~~من الحل ? قال : بطن واد من الحل. وقال : حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن ~~دينار، عن ابن كيسان، سمعت ابن عباس يقول : لا يضركم يا أهل مكة أن ~~لا تعتمروا، فإن أبيتم فاجعلوها بينكم وبين الحرم بطن واد. وقال: حدثنا يحيى بن ~~مكة اما أعتمرتن وقال حد فنا معبيد الله نبن موي نعن لحقمان لعن عطاء قال مبن ليل ~~على أهل مكة عمرة إنما يعتمر من زار البيت ليطوف به، وأهل مكة يطوفون متى ~~شاءوا، وهذا نص أحمد في غير موضع، على أن أهل مكة لا عمرة عليهم، مع ms1008 قوله ~~بوجوبها على غيرهم. # ولهذا كان تحقيق مذهبه، إذا أوجب العمرة أنها تجب إلا على أهل مكة، وإن ~~كان من أصحابه من جعل هذا التفريق رواية ثالثة عنه، وإن القول بالإيجاب يعم ~~مطلقا. ومنهم من تأول كلامه على أنه لا عمرة عليهم مع الحجة؛ لأنه يتقدم منهم ~~فعلها في غير وقت الجج، فهذا خلاف نصوص أحمد الصريحة عنه بالتفريق. # ثم من هؤلاء من يقول: مثل ذلك من أصحاب الشافعي في وجوب العمرة على ~~اهل مكة، قول ضعيف جدا مخالف للسنة الثابتة، واجملع الصحابة، فانها لو كانت PageV01P915 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0916.png) ~~واجبة عليهم لأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ا، ولكانوا يفعلونها، وقد علم أنه لم يكونوا أهل ~~مكة يعتمرون على عهد رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم سآعلا، بل ولا يمكن أحدا أن ينقل عن أحد ~~أنه اعتمر من مكة على عهد رسولاللهال صلى الله عليه وسلم اعائشة. # ولهذا كان المصنفون للسنن إذا أرادوا ذكر ما جاء من السنة في العمرة من مكة ~~لم يكن معهم إلا قضية عائشة، ومن المعلوم أنما دون هذا تتوفر الهمم والدواعي على ~~نقله، فلو كان أهل مكة كلهم بل أو بعضهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم خرجون إلى الحل ~~فيعتمرون فيه لنقل ذلك، كما نقل خروجهم في الحج إلى عرفات، وقد حج النبي صلى الله عليه وسلم ~~حجة الوداع، وخرج معه أهل مكة إلى عرفات، ولم يعتمر بعد الحجة، ولا قبلها ~~أحد من أدنى الحل، لا أهل مكة، ولا غيرهم، إلا عائشة، ثم كان الأمر على ذلك ~~زمن الخلفاء الراشدين . حتى قال ابن عباس، ثم عطاء وغيرهما، لما بعد عهد الناس ~~بالنبوة: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة، إنما عمرتكم الطواف بالبيت، ومن المعلوم ~~أنه لو كان أهل مكة يعتمرون على عهد رسول الله صل صلى الله عليه وسلم، ويؤمرون بذلك لم يكن مثل ~~هذا خافيا على ابن عباس . إمام أهل مكة. وأعلم الأمة في زمنه بالمناسك وغيرها. # وكذلك عطاء بعده إمام أهل مكة، ms1009 بل إمام الناس كلهم في المناسك، حتى كان ~~يقال في أئمة التابعين الأربعة أيمة أهل الأمصار : سعيد بن المسيب إمام أهل المدينة، ~~وعطاء بن أبي رباح إمام أهل مكة، وإبراهيم النخعي إمام أهل الكوفة، والحسن ~~البصري إمام أهل البصرة، وأعلمهم بالحلال والحرام سعيد بن المسيب، وأعلمهم ~~بالمناسك عطاء، وأعلمهم بالصلاة إبراهيم، وأجمعهم الحسن. # وأيضا فإن كل واحد من الحج والعمرة يتضمن القصد إلى بيت الله، المحيط به ~~حرم الله تعالى، ولهذا لم يكن بد من أن يجمع في نسكه بين الحل والحرم، حتى ~~يكون قاصدا للحرم من الحل، فيظهر فيه معنى القصد إلى الله، والتوجه إلى بيته ~~وحرمه، فمن كان بيته خارج الحرم، فهو قاصد من الحل إلى الحرم، إلى البيت. # وأما من كان بالحرم كأهل مكة فهم في الحج، لا بد لهم من الخروج إلى ~~عرفات، وعرفات هي من الحل، فإذا فاضوا من عرفات قصدوا حينئذ البيت من ~~الحل. # ولهذا كان الطواف المفروض لا يكون إلا بعد التعريف، وهو القصد من الحل ~~الى الكعبة، الذي هو حقيقة الحج، كما قال الني الل عل (الحج عرفة ولهذا كان ~~الحج يدرك بإدراك التعريف ويفوت بفوات وقته بطلوع فجر يوم النحر بعد يوم PageV01P916 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0917.png) ~~التعريف، فحقيقة الحج ممكنة في حق أهل مكة، كما هي ممكنة في حق غيرهم، إذ ~~ما قبل التعريف من الأعمال كطواف القدوم ليس من الأمور اللازمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبرته عائشة أنها قد حاضت، وكانت متمتعة أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أ تنقض رأسها، ~~وتمتشط، وتهل بالحج، وتدع العمرة. # فأكثر الفقهاء يقولون جعلها قارنة، وأسقط عنها طواف القدوم فسقوطه عن ~~المفرد للحج أولى، وهو قول أبي حنيفة. # ومنهم من يقول جعلها رافضة للعمرة، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، ~~لكن تنازعوا في سقوطه عن غير المعذور، فعلى القولين، فهو يدل على أنها لو كانت ~~مفردة أو قارنة كان سقوط طواف القدوم عنها إذا كانت حائضا أولى من العمرة ~~وطوافها. # وهذا بخلاف طواف الإفاضة، فإنه ms1010 لما قيل أن صفية بنت حيي قد حاضت قال : ~~عقرى حلقى، أحابستنا هي ? فقيل له : إنها قد أفاضت، قال : فلا إذا . # وهذا كما أنه قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ان لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، ~~وهو طواف الوداع، ورخص للحائض أن تنفر قبل الوداع. وما سقط بالعذر علم أنه ~~ليس من أركان الحج الذي لا بد منها، ولهذا لم يكن على أهل مكة طواف قدوم، ~~ولا طواف وداع، لانتفاء معنى ذلك في حقهم، فإنهم ليسوا بقادمين إليها ولا مودعين ~~لها، ما داموا فيها . فظهر أن الحج الذي أصله التعريف للطواف بعد ذلك مشروع ~~لوجود حقيقته فيهم. # وأما العمرة: فإن جماعها الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وذلك من نفس ~~الحرم، وهو في الحرم دائما. والطواف بين الصفا والمروة تابع في العمرة، ولهذا ~~لا يفعل إلا بعد الطواف، ولا يتكرر فعله لا في حج ولا عمرة. فالمقصود الأكبر من ~~العمرة هو الطواف وذلك يمكن أهل مكة بلا خروج من الحرم، فلا حاجة إلى ~~الخروج منه، ولأن الطواف والعكوف هو المقصود بالقادم إلى مكة، وأهل مكة ~~متمكنون من ذلك، ومن كان متمكنا من المقصود بلا وسيلة لم يؤمر أن يترك ~~المقصود، ويشتغل بالوسيلة. # وأيضا فمن المعلوم أن مشي الماشي حول البيت طائفا، هو العبادة المقصودة، ~~وأن مشيه من الحل هو وسيلة إلى ذلك وطريق، فمن ترك المشي من هذا المقصود ~~الذي هو العبادة، واشتغل بالوسيلة، فهو ضال جاهل بحقيقة الدين، وهو أشر من ~~جهل من كان مجاورا للمسجد يوم الجمعة يمكنه التبكير إلى المسجد، والصلاة فيه، PageV01P917 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0918.png) ~~فذهب إلى مكان بعيد ليقصد المسجد منه، وفؤت على نفسه ما يمكن فعله في ~~المسجد من الصلاة المقصودة. # يبين ذلك أن الاعتمار افتعال : من عمر يعمر، والاسم فيه «العمرة» قال تعالى: ~~({فمن حج البيت أو اعتمر) وقال تعالى : (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام). وعمارة المساجد إنما هي بالعبادة فيها، وقصدما ~~لذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا ms1011 رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان، ~~لأن الله يقول : (إنما يعمر مساجد الله من امن بالله واليؤم الأخر وآقام الصلوة ومان الزكلة ~~ولم يخش إلا الله)). والمقيم بالبيت أحق بمعنى العمارة من القاصد ~~له، ولهذا قيل : العمرة هي الزيارة لأن المعتمر لا بد أن يدخل من الحل، وذلك هو ~~الزيارة . وأما الأولى فيقال لها عمارة، ولفظ عمارة أحسن من لفظ عمرة، وزيادة ~~اللفظ يكون لزيادة المعنى. # ولهذا ثبت في الصحيح أن بعض أصحاب رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ال : لا أبالي أن ~~لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: لا أبالي أن ~~لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحجيج، فقال علي: الجهاد في سبيل الله ~~أفضل مما ذكرتم . فقال عمر : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله له صلى الله عليه وسلم، فإذا ~~قضيت الجمعة إن شاء الله دخلت عليه، فسألته، فأنزل الله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام) ل # وإذا كان كذلك فالمقيم في البيت طائفا فيه، وعامرا له بالعبادة، قد أتى بما هو ~~أكمل من معنى المعتمر، وأتى بالمقصود بالعمرة، فلا يستحب له ترك ذلك بخروجه عن ~~عمارة المسجد، ليصير بعد ذلك عامرا له؛ لأنه استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. # وهذا الذي ذكرناه مما يدل على أن الطواف أفضل، فهو يدل على أن الاعتمار ~~من مكة وترك الطواف ليس بمستحب؛ بل المستحب هو الطواف دون الاعتمار؛ يل ~~الاعتمار فيه حينئذ هو بدعة، لم يفعله السلف، ولم يؤمر بها في الكتاب والسنة، ~~ولا قام دليل شرعي على استحبابها وما كان كذلك فهو من البدع المكروهة باتفاق ~~العلماء. PageV01P918 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0919.png) # ولهذا كان السلف والأئمة ينهون عن ذلك، فروى سعيد في سننه عن طاوس ~~أجل أصحاب ابن عباس، قال : الذين يعتمرون من التنعيم ما أدري أيؤجرون عليها أم ~~يعذبون? قيل: فلم يعذبون? قال : لأنه يدع الطواف بالبيت، ويخرج إلى أربعة أميال ~~ويجيء. وإلى أن يجيء من أربعة أميال ms1012 قد طاف مائتي طواف، وكلما طاف بالبيت ~~كان أفضل من أن يمشي في غير شيء. # قال أبو طالب : قيل، لأحمد بن حنبل : ما تقول في عمرة المحرم? فقال أي ~~شيء فيها? العمرة عندي التي تعمد لها من منزلك. قال الله: ( وأتموا الحج والعبرة لله) ~~[] وقالت عائشة: إنما العمرة على قدره؛ يعني على قدر النصب والنفقة. ~~وذكر حديث علي وعمر : إنما إتمامها أن تحرم بها من دويرة أهلك. # قال أبو طالب : قلت لأحمد، قال طاوس : الذين يعتمرون من التنعيم لا أدري ~~يؤجرون? أو يعذبون? قيل له : لم يعذبون? قال : لأنه ترك الطواف بالبيت، ويخرج ~~إلى أربعة أميال، ويخرج إلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتي طواف، وكلما ~~طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء. فقد أقر أحمد قول طاوس هذا ~~الذي استشهد به أبو طالب لقوله، رواه أبو بكر في الشافي. # وذكر عبد الرزاق بإسناده عن مجاهد قال : سئل علي وعمر وعائشة عن العمرة ~~ليلة الحصبة، فقال عمر: هي خير من لا شيء، وقال هي خير من مثقال ذرة، وقالت ~~عائشة : العمرة على قدر النفقة. وعن عائشة أيضا قالت: لأن أصوم ثلاثة أيام، أو ~~أتصدق على عشرة مساكين، أحب إلي من أن اعتمر العمرة التي اعتمرت من التنعيم. ~~وقال طاوس: فمن اعتمر بعد الحج ما أدري أيعذبون عليها، أم يؤجرون? وقال ~~عطاء بن السائب : اعتمرنا بعد الحج، فعاب ذلك علينا سعيد بن جبير. # وقد أجازها آخرون؛ لكن لم يفعلوها، وعن أم الدرداء أنه سألها سائل عن ~~العمرة بعد الحج، فأمرته بها. وسئل عطاء عن عمرة التنعيم فقال : هي تامة ومجزئة. ~~وعن القاسم بن محمد قال : عمرة المحرم تامة. وروى عبد الرزاق في مصنفه : قال ~~أخبرني من سمع عطاء يقول : طواف سبع خير لك من سفرك إلى المدينة، قال : فآتي ~~جدة، قال : لا إنما أمرتم بالطواف، قال: قلت: فأخرج إلى الشجرة، فاعتمر منها? ~~قال : لا. # قال : وقال بعض العلماء: ما زالت قدماي منذ قدمت مكة، قال قلت: ms1013 ~~فالاختلاف أحب إليك من الجواز، قال : لا، بل الاختلاف. قال عبد الرزاق: ~~أخبرني أبي، قال : قلت للمثنى: إني أريد أن آتي المدينة، قال: لا تفعل، سمعت ~~عطاء سأله رجل، فقال له : طواف سبع بالبيت خير لك من سفرك إلى المدينة. # وروى أبو بكر ابن أبي شيبة في المصنف» حدثنا وكيع عن سفيان عن أسلم PageV01P919 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0920.png) ~~المنقري، قال : قلت لعطاء: أخرج إلى المدينة، أهل بعمرة من ميقات الني صلى الله عليه وسلم ~~قال : طوافك بالبيت أحب إلي من سفرك إلى المدينة. وقال: حدثنا وكيع، ثنا ~~عمر بن زر ، عن مجاهد، قال : طوافك بالبيت أحب إلي من سفرك إلى المدينة، ~~وقال : حدثنا إسماعيل بن عبد الملك عن عطاء قال : الطواف بالبيت أحب إلي من ~~الخروج إلى العمرة. # وأما كثرة الاعتمار في رمضان للمكي وغيره، فهنا ثلاث مسائل مرتبة: # أحدها : الاعتمار في العام أكثر من مرة، ثم الاعتمار لغير المكي ثم كثرة ~~الاعتمار للمكي . # فأما كثرة الاعتمار المشروع : كالذي يقدم من دويرة أهله، فيحرم من الميقات ~~بعمرة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يفعلون، وهذه من العمرة المشهورة عندهم، فقد تنازع ~~العلماء هل يكره أن يعتمر في السنة أكثر من عمرة واحدة، فكره ذلك طائفة: منهم ~~الحسن، وابن سيرين، وهو مذهب مالك. وقال إبراهيم النخعي: ما كانوا يعتمرون في ~~السنة إلا مرة واحدة؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه لم يكونوا يعتمرون إلا عمرة واحدة، ~~لم يعتمروا في عام مرتين، فتكره الزيادة على ما فعلوه، كالإحرام من فوق الميقات؛ وغير ~~ذلك؛ ولأنه في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إي كتبه لعمرو بن حزم : إن العمرة هي الحج الأصغر، ~~وقد دل القرآن على ذلك بقوله تعالى : (يوم المحج الأبر) والحج لا يشرع ~~في العام إلا مرة واحدة، فكذلك العمرة. # ورخص في ذلك آخرون . منهم من أهل مكة: عطاء، وطاوس، وعكرمة وهو ~~مذهب الشافعي، وأحمد. وهو المروي عن الصحابة: كعلي، وابن عمر، وابن ~~عباس، وأنس، وعائشة؛ لأن عائشة اعتمرت ms1014 في شهر مرتين بأمر البي صلى اله عليه وسلم، عمرتها ~~التي كانت مع الحجة، والعمرة التي اعتمرتها من التنعيم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لة الحصبة، ~~التي تلي أيام منى، وهي ليلة أربعة عشر من ذي الحجة، وهذا على قول الجمهور ~~الذين يقولون لم ترفض عمرتها، وإنما كانت قارنة. # وأيضا ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة عن النبيى الله عليه وقمال : «العمرة إلى ~~العمرة كفارة لمتا بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وهذا مع إطلاقه ~~وعمومه افإنه يقتضي الفرق بين العمرة والحج، إذا لو كانت العمرة لا تفعل في السنة ~~إلا مرة لكانت كالحج، فكان يقال : الحج إلى الحج. PageV01P920 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0921.png) # وأيضا، فإنه أقوال الصحابة : روى الشافعي عن علي بن أبي طالب أنه قال : في ~~كل شهر مرة، وعن أنس أنه كان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر، وروى وكيع عن ~~إسرائيل عن سويد بن أبي ناجية عن أبي جعفر قال : قال علي : اعتمر في الشهر إن ~~أطقت مرارا. وروى سعيد بن منصور عن سفيان عن ابن أبي حسين عن بعض ولد ~~أنس : أن أنسا كان إذا كان بمكة فحمم رأسه خرج إلى التنعيم، واعتمر. # وهذه - والله أعلم - هي عمرة المحرم، فإنهم كانوا يقيمون بمكة إلى المحرم، ~~ثم يعتمرون. وهو يقتضي أن العمرة من مكة مشروعة في الجملة، وهذا مما لا نزاع ~~فيه، والأئمة متفقون على جواز ذلك، وهو معنى الحديث المشهور مرسلا : عن ابن ~~سيرين، قال : «وقت رسول اللها لاه صلى الله عليه وسلم أمل مكة التنعيم. وقال عكرمة : يعتمر إذا ~~أمكن الموسى من رأسه، إن شاء اعتمر في كل شهر مرتين، وفي رواية عنه : اعتمر ~~في الشهر مرارا. # وأيضا فإن العمرة ليس لها وقت يفوت به كوقت الحج، فإذا كان وقتها مطلقا ~~في جميع العام، لم تشبه الحج في أنها لا تكون إلا مرة. # المسألة الثانية: في الإكثار من الاعتمار، والموالاة بينها: مثل أن يعتمر من ~~يكون منزله قريبا من الحرم كل يوم، أو كل يومين، ms1015 أو يعتمر القريب من المواقيت ~~التي بينها وبين مكة يومان: في الشهر خمس عمر، أو ست عمر، ونحو ذلك. أو ~~يعتمر من يرى العمرة من مكة كل يوم عمرة، أو عمرتين، فهذا مكروه باتفاق سلف ~~الأمة، لم يفعله أحد من السلف، بل اتفقوا على كراهيته، وهو وإن كان استحبه طائفة ~~من الفقهاء من أصحاب الشافعي، وأحمد، فليس معهم في ذلك حجة أصلا، إلا ~~مجرد القياس العام. وهو أن هذا تكثير للعبادات، أو التمسك بالعمومات في فضل ~~العمرة، ونحو ذلك. # والذين رخصوا في أكثر من عمرة في الحول، أكثر ما قالوا: يعتمر إذا أمكن ~~الموسى من رأسه، أو في شهر مرتين، ونحو ذلك. # وهذا الذي قاله الإمام أحمد. قال أحمد: إذا اعتمر فلا بد من أن يحلق، أو ~~يقصر، وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس. # وهذا الذي قاله الإمام أحمد فعل أنس بن مالك، الذي رواه الشافعي: أنه كان ~~إذا حمم رأسه خرج فاعتمر. وهذا لأن تمام النسك الحلق، أو التقصير، وهو إما ~~واجب فيه، أو مستحب. ومن حكى عن أحمد أو نحوه أنه ليس إلا مباحا PageV01P921 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0922.png) ~~لا استحبابا، فقط غلط. فمدة نبات الشعر أقصر مدة يمكن فيها إتمام النسك، ~~ولا ينتقض هذا بالعمرة عقيب الحج من أدنى الحل للمفرد، فإن ذلك مشروع لضرورة ~~فعل العمرة، ومع هذا لم يكن يفعله السلف، ولا فعله أحد على عهد ~~رسول اللهاله صلى الله عليه وسلم، بل الثابت المنقول بالتواتر في حجة النبي صلى الله عليه وسلم جة الوداع، أنه أمر ~~أصحابه جميعهم إذا طافوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، أن يحلوا من إحرامهم، ~~ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي فإنه لا يحل إلى يوم النحر، حتى يبلغ الهدي ~~محله، وقال : لدخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. # فكانت عمرة النبي صلى الله عليه وسلم، وجميع أصحابه بأمره في حجة الوداع داخلة في ~~حجهم، ليس بينهم فرق، إلا أن أكثرهم - وهم الذين لا هدي معهم - حلوا من ~~إحرامهم، والذين معهم الهدي أقاموا على ms1016 إحرامهم، وكل ذلك كانوا يسمونه تمتعا ~~بالعمرة إلى الحج، كما استفاضت بذلك الأحاديث الصحيحة، التي تبين أن القارن ~~متمتع ، كما أن من حل من العمرة ثم حج متمتع. # فمن اعتمر في أشهر الحج، وحج من عامه، فهو متمتع في لغة الصحابة الذين ~~نزل القرآن بلسانهم، والقارن يكون قارنا إذا أحرم بالعمرة والحج ابتداء، ويكون قارنا ~~إذا أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف، باتفاق الأيمة الأربعة وغيرهم، ~~وإذا لم يحل المتمتع من إحرامه لكونه قد ساق الهدي وأحرم بالحج انعقد إحرامه ~~بالحج، ويسميه بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم قارنا لعدم وجود التحلل، ~~وبعضهم يقول : لا يسمى قارنا لأن عليه عندهم سعيا آخر بعد طواف الفرض، ~~بخلاف القارن. # وهذه المسألة فيها عن أحمد روايتان، فقد استحب السعي مرة ثانية على ~~لمتمتع، وقد نص في غير موضع على أن المتمتع يكفيه السعي الأول، كما ثبت ~~في الصحيح من حديث عائشة وغيرها : «أن الصحابة الذين تمتعوا مع النبي لى الله عليه وسلم. ~~لم يطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمررة، إلا مرة واحدة، طوافهم الأول. ~~لهذا لما أوجب الله تعالى فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج ما استيسر من الهدي، ~~كان واجبا على من أحرم بالحج بعد تحلله من العمرة التي أحرم بها في أشهر ~~الحج، وعلى من قرن العمرة بالحج من حين إحرامه بالحج، أو في أثناء إحرامه ~~في الحج. # ولهذا كان من ساق الهدي محرما بعمرة التمتع، ولم يحرم بالحج إلا بعد PageV01P922 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0923.png) ~~442 ~~الطواف والسعي، قد يسميه - من يفرق بين القران، وبين التمتع الخاص - قارنا، ~~لكونه أحرم بالحج قبل تحلله من العمرة، وقد يسمونه متمتعا وهو أشهر، لكونه ~~لم يحرم إلا بعد قضاء العمرة، وهو نزاع لفظي لا يختلف به الحكم بحال، إلا ~~ما ذكرنا من وجوب السعي ثانيا، وفيمن قد يستحب للمتمتع أن يطوف طواف ~~القدوم بعد رجوعه من عرفة، قبل طواف الإفاضة . وهذا وإن كان منقولا عن ~~أحمد واختاره طائفة من أصحابه، فالصواب الذي عليه جماهير العلماء أنه ms1017 ~~لا يستحب؛ لأن الصحابة لم يفعلوا ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو القول الأخير ~~من مذهب أحمد . # ولهذا كان من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم متع بالعمرة إلى الحج، ومن روى أنه قرن ~~بينهما، كان كلا الحديثين صوابا، والمعنى واحد . وكذلك من روى أنه أفرد ~~الحج: كابن عمر، وعائشة، وغيرهما؛ لأنهم أرادوا إفراد أعمال الحج، ولهذا ~~كان هؤلاء الذين رووا ذلك هم الذين رووا أنه أفرد أعمال الحج، فلم يفصل ~~بينهما بتحلل كما يفعل المتمتع إذا تحلل من عمرته، ولا كان في عمله زيادة على ~~عمل المفرد؛ بخلاف المتمتع الذي تحلل من إحرامه فإنه فصل بين عمرة تمتعه ~~وحجه بتحلل. # ولم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم عد حجته لا هو، ولا أحد من أصحابه الذين حجوا ~~معه، إلا عائشة . فهذا متفق عليه بين جميع الناس، متواتر تواترا يعرفه جميع ~~العلماء بحجته، لا يتنازعون أنه لم يعتمر بعد حجته، لا من أدنى الحل الذي هو ~~التنعيم، الذي بنيت به بعد ذلك المساجد التي تسميها العامة «مساجد عائشة ~~ولا من غير التنعيم. # ولهذا اتفقوا على أن الأحاديث الثابتة في الصحاح وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم عتمر ~~أربع عمر : عمرة الحديبية، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة، والعمرة التي مع حجته. ~~فإنما معناها أنه اعتمر عمرة متمتع، ساق الهدي. وهذا أيضا قارن، فتسميته متمتعا ~~وقارنا سواء، إذا كان قد أهل بالعمرة والحج، وهذا متمتع وهو قارن؛ ولهذا كان من ~~غلط من الفقهاء فقال : إنه أحرم بالحج فقط، ولم يقرن به عمرة لا قبله، ولا معه، ~~أو قال : إنه أحرم إحراما مطلقا ثم عقبه الحج، فإنه ينكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عتمر مع ~~حجته، ويلزمه رد هذه الأحاديث الصحيحة المبينة أنه اعتمر أربع عمر، لاتفاق ~~المسلمين على أنه لم يعتمر هو ولا أحد من أصحابه غير عائشة عقب الحج. # ولهذا كان هذا حجة قاطعة على ما لم يتنازع فيه الأئمة الأربعة، وعامة الفقهاء PageV01P923 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0924.png) ms1018 ~~في أن المتمتع بالعمرة إلى الحج سقط عنه بذلك الحج والعمرة سواء قيل بوجوبها، ~~أو بتوكيد استحبابها دون وجوبها؛ لأن الصحابة الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم اره مكذا ~~فعلوا، وأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم ان العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة. وقالوا له: ~~أعمرتنا هذه لعامنا هذا؟ أم للأبد؟ فقال : لبل للأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة» . # قال : ومن روى من الصحابة أن النبي صى الله عليه وسلم فد الحج، أرادوا بذلك بيان أنه ~~م يحل من إحرامه لعمرة التمتع، كما أمر بذلك جمهور أصحابه، وهم الذين لم ~~يكونوا ساقوا الهدي، فإن الأحاديث الثابتة المتواترة كلها متفقة على أن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~أمر أصحابه حين قدموا مكة فطافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلوا من ~~إحرامهم ويجعلوها عمرة، إلا من ساق الهدي، فإنه أمره أن يبقى على إحرامه إلى ~~يوم النحر، حتى يبلغ الهدي محله، عملا بمعنى قوله: (ولا تحلقوا ره وسكر ح يلع المذى ~~تحله ) . فهذه الجملة لم يتنازع فيها أحد من العلماء: إن حجة ~~الوداع كانت هكذا . # ثم إن كثيرا من الصحابة روى أن النبي صلى الله عليه وسلم متع بالعمرة إلى الحج، فصار ~~يظن قوم أنهم أرادوا بذلك أنه حل من إحرامه بالعمرة ثم أحرم بالحج، كما أمر ~~بذلك أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي، وروى أيضا من روى من هؤلاء الصحابة: ~~إنه أفرد الحج؛ ليزيلوا بذلك ظن من ظن أنه حل من إحرامه، وأخبروا إنه لم يحل ~~من إحرامه، بل فعل كما يفعل من أفرد الحج، من بقائه على إحرامه وعمل ~~ما يعمله المفرد . فروايات الصحابة متفقة على هذا. # وكل من روى عنه من الصحابة أنه روى الإفراد، فقد روى التمتع، وفسروا ~~التمتع بالقران، ورووا عنه صريحا أنه قال : لبيك عمرة وحجا2 وإنه قال: ~~أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك، فقال: قل عمرة في حجة. # ولهذا كان الصواب أن من ساق الهدي فالقران له أفضل، ومن ms1019 لم يسق ~~الهدي، وجمع بينهما في سفر، وقدم في أشهر الحج، فالتمتع الخاص افضل له، ~~وإن قدم في شهر رمضأن وقبله بعمرة فهذا افضل من التمتع، وكذلك لو افرد ~~الحج بسفرة، والعمرة بسفرة، فهو أفضل من المتعة المجردة؛ بخلاف من أفرد PageV01P924 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0925.png) ~~العمرة بسفرة، ثم قدم في أشهر الحج متمتعا، فهذا له عمرتان وحجة، فهو ~~أفضل، كالصحابة الذين اعتمروا مع النبي صلى الله عليه وسلم عمرة القضية، ثم تمتعوا معه في ~~حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، فهذا أفضل الإتمام. وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~اعتمر أولا، ثم قرن في حجه بين العمرة والحج لما ساق الهدي؛ لكنه لم يزد ~~على عمل المفرد، فلم يطف للعمرة طوافا رابعا ولهذا قيل : إنه أفرد بالحج. # ثم إن الناس كانوا في عهد أبي بكر وعمر لما رأوا في ذلك من السهولة، ~~صاروا يقتصرون على العمرة في أشهر الحج، ويتركون سائر الأشهر، لا يعتمرون ~~فيها من أمصارهم، فصار البيت يعرى عن العمار من أهل الأمصار في سائر ~~الحول، فأمرهم عمر بن الخطاب بما هو أكمل لهم بأن يعتمروا في غير أشهر ~~الحج، فيصير البيت مقصودا معمورا في أشهر الحج، وغير أشهر الحج، وهذا ~~الذي اختاره لهم عمر هو الأفضل، حتى عند القائلين بأن التمتع أفضل من ~~الإفراد، والقران، كالإمام أحمد وغيره. # فإن الإمام أحمد يقول : إنه إذا اعتمر في غير أشهر الحج كان أفضل من أن ~~يؤخر العمرة إلى أشهر الحج، سواء قدم مكة قبل أشهر الحج واعتمر وأقام بمكة ~~حتى يحج من عامه ذلك ، أو اعتمر ثم رجع إلى مصره، أو ميقات بلده، وأحرم ~~بالحج، وهذا ظاهر، فإن القاصد لمكة إذا قدم مثلا في شهر رمضان فاعتمر فيه، ~~حصل له ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم قوله : لاعمرة في رمضان تعدل حجة . وإن قدم ~~قبل ذلك معتمرا وأقام بمكة، فذلك كله أفضل له، فإنه يطوف بمكة ويعتكف بها ~~تلك المدة إلى حين الإهلال بالحج، وإن رجع إلى مصره ثم قدم ms1020 وأحرم بالحج ~~فقد أفرد للعمرة سفرا، وللحج سفرا، وذلك أتم لهما، كما قال علي في قوله ~~تعالى : (وأننوا الحج والمرة لله) إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة ~~أهلك . أي : تنشئ السفر لهما من دويرة أهلك. # وأما من اعتمر قبل أشهر الحج. ثم رجع إلى مصره، ثم قدم ثانيا في أشهر ~~الحج فتمتع بعمرة إلى الحج، فهذا أفضل ممن اقتصر على مجرد الحج في سفرته ~~الثانية، إذا اعتمر معها عقيب الحج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تمر مع الحج تمتع هو قران ~~كما بينوا، ولأن من تحصل له عمرة مفردة، وعمرة مع حجة، أفضل ممن ~~لا يحصل له إلا عمرة وحجة، وعمرة تمتع أفضل من عمرة مكية عقيب الحج. PageV01P925 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0926.png) # فهذا الذي اختاره عمر للناس هو الاختيار عند عامة الفقهاء: كالإمام احمد، ~~ومالك، والشافعي، وغيرهم، وكذلك ذكر أصحاب أبي حنيفة عن محمد بن ~~الحسن . ولا يعرف في اختيار ذلك خلاف بين العلماء. # ولما كان ذلك هو الأفضل الأرجح، وكان إن لم يؤمر الناس به زهدوا فيه، ~~وأعرضوا عما هو أنفع لهم في دينهم، كان من اجتهاد عمر، ونظره لرعيته، أنه ~~ألزمهم بذلك، كما يلزم الأب الشفيق ولده ما هو أصلح له، ولما في ذلك من ~~المنفعة لأهل مكة، وهذا كان موضع اجتهاد خالفه فيه علي، وعمران بن حصين، ~~وغيرهما من الصحابة، ولم يروا أن يؤمر الناس بذلك أمرا، بل يتركون من أحب ~~اعتمر قبل أشهر الحج، ومن أحب اعتمر فيها، وإن كان الأول أكمل. # وقوي النزاع في ذلك في «خلافة عثمان» حتى ثبت في الصحيحين أن ~~عثمان كإن ينهي عن المتعة، فلما رآه علي أهل بهما، وقال: لم أكن لأدع سنة ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم قول أحد، ونهي عثمان كان لاختيار الأفضل، لا نهي كراهة. # فلما حصلت الفرقة بعد ذلك بين الأمة بمقتل عثمان، ومصير الناس ~~شيعتين : قوما يميلون إلى عثمان وشيعته، وقوما يميليون إلى علي وشيعته صار ~~قوم من ولاة بني أمية ينهون عن المتعة، ms1021 ويعاقبون من يتمتع، ولا يمكنون أحدا ~~من العمرة في أشهر الحج، وكان في ذلك نوع من الجهل والظلم. فلما رأى ذلك ~~علماء الصحابة كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وغيرهما جعلوا ينكرون ~~ذلك، ويأمرون الناس بالمتعة اتباعا لسنة رسول الله له صلى الله عليه وسلم، ويخبرون الناس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها أصحابه في «حجة الوداع» فصار بعض الناس يناظرهم بما ~~توهمه على أبي بكر، وعمر، فيقولون لعبد الله بن عمر: إن أباك كان ينهى عنها، ~~فيقول : إن أبي لم يرد ذلك، ولا كان يضرب الناس عليها، ونحو ذلك. # فبين لهم أن عمر قصد أمر الناس بالأفضل، لا تحريم المفضول، وعمر إنما ~~مرهم بالاعتمار في غير أشهر الحج، فأما أن يكون عمر أو أحد من الصحابة ~~ختار للناس أن يفردوا الحج في أشهره، ويعتمروا فيه عمرة مكية، فهذا لم يامر ~~به، ولم يختره أحد من الصحابة أصلا، ولم يفعله أحد على عهد النيصلى الل عليه وسل تعأ، ~~وأكبر ظني إنه لم يفعله أحد من الصحابة بعد البي صلى الله عليه وسلم، ولم يأمر به. # وقد حملت طاينفة من العلماء نهي عمر على انه نهي عن متعة الفسخ وهولاء PageV01P926 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0927.png) ~~يقولون الفسخ إنما كان جائزا لمن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بسط الكلام على هذا ~~في غير هذا الموضع. # وبين أن السلف والعلماء تنازعوا في الفسخ. فمذهب ابن عباس وأصحابه، ~~وكثير من الظاهرية والشيعة : يرون أن الفسخ واجب، وإنه ليس لأحد أن يحج إلا ~~متمتعا . ومذهب كثير من السلف والخلف أنه وإن جاز التمتع، فليس لمن أحرم ~~مفردا، أو قارنا، أن يفسخ. وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي . ومذهب ~~كثير من فقهاء الحديث وغيرهم: كأحمد بن حنبل، أن الفسخ هو الأفضل، وأنه ~~إن حج مفردا أو قارنا، ولم يفسخ جاز . وأما من ساق الهدي فلا يفسخ بلا نزاع ~~والفسخ جائز ما لم يقف بعرفة، وسواء كان قد نوى عند الطواف طواف القدوم، ms1022 ~~أو غير ذلك، وسواء كان قد نوى عند الإحرام القران، أو الإفراد، أو أحرم ~~مطلقا . # فالأفضل عند هؤلاء لكل من لم يسق الهدي أن يحل من إحرامه بعمرة ~~تمتع، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلماصحابه بذلك في حجة الوداع، وليس له أن يتحلل بعمرة ~~إذا كان قصده أن يحج من عامه فيكون متمتعا. # فأما الفسخ بعمرة مجردة، فلا يجوزه أحد من العلماء، ولا للذي يجمع بين ~~العمرة والحج في سفرة واحدة أن يحج في أشهر الحج ويعتمر عقيب ذلك من مكة، ~~بل هم متفقون على أن هذا ليس هو المستحب المسنون. فهذا أفضل ممن اقتصر على ~~مجرد الحج في سفرته الثانية، أو اعتمر فيها. # فثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم عتمر مع الحج عمرة تمتع، هو قران كما تقدم. ولأن من ~~يحصل له عمرة مفردة، وعمرة مع حجه أفضل ممن لم يحصل له إلا عمرة ~~وحجة، وعمرة تمتع أفضل من عمرة بمكة عقيب الحج إلى الحج، وإن جوزوه. # فكان عبد الله بن عمر إذا بين لهم معنى كلام عمر ينازعونه في ذلك، ~~فيقول لهم: فقدروا أن عمر نهى عن ذلك . أمر رسول الله له صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبعوه أم ~~عمر?! وكذلك كان عبد الله بن عباس إذا بين لهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم في تمتعه، ~~يعارضونه بما توهموه على أبي بكر وعمر، فيقول لهم: يوشك أن تنزل عليكم ~~حجارة من السماء. أقول لكم : قال رسول الله صل صلى الله عليه وسلم، وتقولون قال أبو بكر وعمر. ~~يبين لهم أنه ليس لأحد أن يعارض سنة رسول الله صله صلى الله عليه وسلم قول أحد من الناس، مع ~~أن أولئك المعارضين كانوا يخطئون على أبي بكر وعمر، وهو سواء كانوا علموا ~~حال أبي بكر وعمر، أم أخطاوا عليهما، ليس لأحد أن يدفع المعلوم من سنة PageV01P927 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0928.png) ~~رسول الله له صلى الله عليهوسلم، بقول أحد من الخلق، بل كل أحد من الناس فإنه يؤخذ من ms1023 قرله ~~ويترك، إلا رسول الله له صلى الله عليه وسلم، وهذا متفق عليه بين علماء الأمة وأنمتها. # وإنما تنازع فيه أهل الجهالة من الرافضة، وغالية النساك الذين يعتقد أحدهم في ~~بعض أهل البيت، أو بعض المشايخ، أنه معصوم، أو كالمعصوم، وكان ابن عباس ~~يبالغ في المتعة حتى يجعلها واجبة، ويجعل الفسخ واجبا، وهو قول أبي حنيفة ~~وطائفة من أهل الظاهر والشيعة، ويجعل من طاف وسعى فقد حل من إحرامه، وصار ~~متمتعا، سواء قصد التمتع، أو لم يقصده، وصار إلى إيجاب التمتع طائفة من الشيعة ~~وغيرهم. وهذا مناقضة لمن نهى عنها، وعاقب عليها، من بني أمية وغيرهم. # وأما الذي عليه أئمة الفقه؛ فإنهم يجوزون هذا وهذا، ولكن النزاع بينهم في ~~الفسخ، وفي استحبابه، فمن حج متمتعا من الميقات أجزأه حجه، باتفاق العلماء، ~~وما سوى ذلك فيه نزاع، سواء أفرد، أو قرن، أو فسخ إذا قدم في أشهر الحج، إلا ~~القارن الذي ساق الهدي، فإن هذا يجزئه أيضا حجه باتفاقهم. # وأما من قدم بعمرة قبل أشهر الحج، وأقام إلى أن يحج، فهذا أيضا ما أعلم فيه ~~نزاعا، فالتمتع المستحب، والقران المستحب، والإفراد المستحب هو الذي يجزئه ~~باتفاقهم. # وبسبب ما وقع من اشتراك الألفاظ في الرواية، واختلاف الاجتهاد في ~~العمل، وغير ذلك، صار كثير من الفقهاء يغلطون في معرفة «صفة حجة الوداع ~~فيظن طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم أن النبي صى الله علي وسمتع، بمعنى أنه حل من ~~احرام العمرة ثم أحرم بالحج، وهذا غلط بلا ريب. وقد قال الإمام أحمد: ~~لا أشك أن الني صلى الله عليه وسلم ان قارنا، والمتعة أحب إلي . أي لمن كان لم يسق الهدي؛ ~~فإنه لا يختلف قوله : إن من جمع الحج والعمرة في سفرة واحدة، وقدم في أشهر ~~لحج، ولم يسق الهدي، أن هذا التمتع أفضل له. بل هو المسنون، لأن النب لى اله عليهوسلم ~~أمر أصحابه بذلك. # وأما من ساق الهدي، فهل القران أفضل له? أم التمتع? ذكروا عنه روايتين، ~~والذي صرح به في رواية ms1024 المروذي أن القران أفضل له؛ لأن النبي الل مكناجج ~~بلا نزاع بين أمل العلم والحديث، وهذا السانق للهدي تمتعه وقرانه لا يختلفان ~~الا في تقدم الإحرام وتأخيره،. فمتى أحرم بالحج مع العمرة، أو قرذ الاحرا? ~~بالعمرة، أو بزيادة سعي عند من يقول به، وقبل طوافه وسعيه عند من يقوله كان ~~قارنا، وهو متمتع تمتع قران بلا نزاع. # وإن لم يحرم بالحج إلا بعد الطواف والسعي، مع بقانه على إحرامه، فهر PageV01P928 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0929.png) ~~متمتع، وبقاؤه على إحرامه واجب عليه عند أبي حنيفة وأحمد، إذا كان قد ساق ~~الهدي، وعند مالك والشافعي إنما يتحلل إن لم يسق الهدي، فإنه يتحلل من ~~عمرته باتفاقهم، فإن أحرم بالحج قبل تحلله من العمرة ففيه نزاع. # ومن جوز هذا من أصحاب أحمد فإنهم يسمونه أيضا «قارنا» فإنه لم يتحلل ~~من إحرامه حتى أحرم بالحج، وهل على المتمتع بعد طواف الإفاضة سعي غير ~~السعي الأول الذي كان عقيب طواف العمرة? فيه قولان في مذهب أحمد، وغيره. # وقد نص أحمد على أن المتمتع يجزئه سعي واحد كما يجزئ القارن في غير ~~موضع، وعلى هذا فلا يختلفان إلا بالنقدم والتأخر، وإذا كان الأمر كذلك فمعلوم ~~أن تقدم الإحرام بالحج أفضل من تأخيره؛ لأنه أكمل، وهذا الذي ثبت صحيحا ~~صريحا عن النبي صلى الله عليه وسلم يث قال أنس : سمعته يقول : لبيك عمرة وحجا ~~وكذلك في حديث عمر الذي في الصحيح صحيح البخاري، عن النبي صلى الله عليه وسلمأ ~~قال : أتاني آت الليلة من ربي وهو بالعقيق، فقال : صل في هذا الوادي المبارك، ~~وقل عمرة في حجة ولم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم فسه لفظا يخالف هذين ~~ألبتة؛ بل لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم فظا بإحرامه إلا هذا. وكذلك قالت عائشة ~~في الحديث المتفق عليه : خرجنا مع رسول الله له صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فأهللنا ~~بعمرة، ثم قال رسول الله له صلى الله عليه وسلم،: من كان معه هدي فليهل ms1025 بالحج مع العمرة # وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم،: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ~~ولجعلتها عمرة فهذا أيضا يبين أنه مع سوق الهدي لم يكن يجعلها عمرة، ~~وإنه إنما كان يجعلها عمرة إذا لم يسق الهدي، وذلك لأن أصحابه الذين أمرهم ~~بالإحلال، وهم الذين لم يسوقوا الهدي، كرهوا أن يحلوا في أشهر الحج؛ لأنهم ~~لم يكونوا يعتادون الحل في وسط الإحرام في أشهر الحج، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أجل ~~تطييب قلوبهم يوافقهم في الفعل، فذكر أنه لو استقبل من أمره ما استدبر. أي: ~~لو كنت الساعة مبتدئا الإحرام لم أسق الهدي، ولأحرمت بعمرة أحل منها. وهذا ~~كله من النصوص الثابتة عنه بلا نزاع. # وهو يبين أن المختار لمن قدم في أشهر الحج أحد أمرين: إما أن يسوق PageV01P929 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0930.png) # 449 ~~الهدي، أو يتمتع تمتع قارن، أو لا يسوق الهدي ويتمتع بعمرة ويحل منها. # ثم الذي ينبغي أن يقال : إن الذي اختاره الله لنبيه هو أفضل الأمرين. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أفعل ذلك. فهر ~~حكم معلق على شرط، والمعلق على شرط عدم عند عدمه، فما استقبل من أمره ~~ما استدبر، وقد اختار الله تعالى له ما فعل، واختار له أنه لم يستقبل ما استدبر. ~~ولا يلزم إذا كان الشيء أفضل على تقدير أن يكون أفضل مطلقا. # وهذا كقوله : لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر فهو لا يدل على أن ~~عمر أفضلهم لو لم يبعث الرسول، ولا يدل على أنه أفضل مع بعث الرسول؛ بل ~~أبو بكر أفضل منه في هذه الحال، ولكن هذا بين أن الموافقة إذا كان في تنويع ~~الأعمال تفرق وتشتت هو أولى من تنويعها، وتنويعها اختيار القادر المفضول ~~للأفضل، والعاجز عن المفضول كما اختار من قدر على سوق الهدي الأفضل. ~~ومن لم يقدر على سوقه مع السلامة عن التفرق، ومع تفرق يعقبه ائتلاف هو ~~أفضل . # وغلط أيضا في «صفة حجه» طائفة ms1026 من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما: ~~فظنوا أنه إنما كان مفردا : يعنى أنه أحرم بحجة مفردة، ولم يعتمر معها أصلا، ~~وهذا خلاف الأحاديث الصحيحة الثابتة أيضا، وخلاف ما تواتر في سنته. # ثم قد يغلط طوائف من متأخريهم فيظنون أنه اعتمر مع ذلك من مكة، ولهذا ~~لم ينقله أحد ممن له قول معتبر، ولم يتنازعوا في أنه أمر أصحابه الذين لم يسوقوا ~~الهدي بالتمتع بالعمرة إلى الحج، وأمره في حق أمته أولى بهم من فعله، لا سيما ~~وقد بين أن اختصاصه بعدم الإحلال إنما كان لسوق الهدي، وهذا متواتر عنه. ~~وفي الصحيحين أن حفصة قالت له : ما بال الناس حلوا ولم تحل أنت من ~~عمرتك؟ فقال : «إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر فهذا ~~لا ينافي أنه أحرم بالعمرة والحج، كما روى أنس وعمر وغيرهما؛ لإن ذلك ~~بسمى عمرة ؛ لأنه وحده عمل المعتمر؛ ولأنه أمرهم بالحل وأن يجعلوها عمرة ~~فشبهته بهم . PageV01P930 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0931.png) # وغلط أيضا في صفة حجته» من غلط من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، ~~فاعتقدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم ان قارنا، بمعنى أنه طاف وسعى أولا للعمرة، ثم طاف ~~وسعى ثانيا للحج قبل التعريف، وكل من نظر في الأحاديث الثابتة المتواترة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم أنه لم يطف طوافين، ولا سعى سعيين، ولا أمر بذلك أصحابه ~~الذين ساقوا الهدي، وأمرهم بالبقاء على إحرامهم، فضلا عن الذين أمرهم ~~بالإحلال. # وما روي أنه يأمر به علي ونحوه: من فعل الطوافين، والسعيين، فقد ضعفه ~~غير واحد من أهل العلم بالحديث، وليس في شيء من كتب الحديث أن النبي صلى الله ليه وسلم ~~في حجته طاف طوافين، وسعى سعيين، وإنما يوجد ذلك في بعض كتب الرأي ~~التي يروي أصحابها أحاديث كثيرة، وتكون ضعيفة، وهم لم يتعمدوا الكذب، ~~لكن سمعوا تلك الأحاديث ممن لا يضبط الحديث. # وهكذا الاختيار . فإن الفقهاء وإن جوزوا الأنساك الثلاثة، فقد يغلط كثير ~~منهم في الاختيار، فأعدل الأقوال وهو أتبعها للسنة، وأصحها في الأثر والنظر ms1027 ~~ما ذكرناه، أن من قدم في أشهر الحج مريدا للعمرة والحج في تلك السفرة: ~~فالسنة له التمتع بالعمرة إلى الحج، ثم إن ساق الهدي لم يحل من إحرامه، ولكن ~~إحرامه بالحج مع العمرة أولا قبل الطواف والسعي أفضل له من أن يؤخر الإحرام ~~بالحج إلى ما بعد الطواف والسعي، وإن لم يسق الهدي حل، وهذا أفضل له من ~~أن يجيء بعمرة عقب الحج. # وأما من أفردهما في سفرة، واعتمر قبل أشهر الحج، وأقام إلى الحج، فهذا ~~أفضل من التمتع، وهذا قول الخلفاء الراشدين وهو مذهب الإمام أحمد وغيره، ~~وقول من يقوله من أصحاب مالك والشافعي وغيرهم، واختيار المتعة هو قول ~~أصحاب الحديث، وهو قول فقهاء مكة من الصحابة والتابعين، وقول بني هاشم. # فاتفق على اختياره علماء سنته، وأهل بلدته؛ وأهل بيته. # ومالك وإن كان يختار الإفراد، فلا يختاره لمن يعتمر عقب الحج بل يعتمر ~~في غير أشهر الحج كالمحرم. والشافعي في أحد أقواله يختار التمتع، وفي الآخر ~~يختار إحراما مطلقا، وفي الآخر يختار الإفراد، ولكن لا أحفظ قوله فيمن يعتمر ~~عقب الحج، فإنه وإن كان من أصحابه من يجعل هذا هو الأفضل، فكثير من ~~أصحاب أحمد يظن أن مذهبه أن المتعة أفضل من الاعتمار في أشهر الحج. # والغلط في هذا الباب كثير على السنة؛ وعلى الأئمة، وإلا فكيف يشك من له PageV01P931 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0932.png) ~~أدنى معرفة في السنة أن أصحابه لم يعتمر أحد منهم عقيب الحج، وكيف يشك مسلم ~~أن ما فعلوه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم هو الأفضل لهم، ولمن كان حاله كحالهم. # وقد تبين بما ذكرنا أنه وإن سوغ العمرة من مكة عقب الحج لمن افرد. فهذا لم ~~يفعله أحد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أمر به هو - ولا أحد من خلفائه، ولا أحد من ~~صحابته، والتابعين وأيمتهم - أمر اختيار، وهذا كله مما يضعف أمر الاعتمار من مكة ~~غاية الضعف. # فصل # وأما المسألة الثالثة : فنقول: فإذا كان قد تبين بما ذكرناه من السنة واتفاق سلف ms1028 ~~الأمة أنه لا يستحب، بل تكره الموالاة بين العمرة لمن يحرم من الميقات، فمن ~~المعلوم أن الذي يوالي بين العمرة من مكة في شهر رمضان أو غيره أولى بالكراهة، ~~فإنه يتفق في ذلك محذوران. # أحدهما : كون الاعتمار من مكة، وقد اتفقوا على كراهة اختيار ذلك، بدل ~~الطواف . # والثاني : الموالاة بين العمر، وهذا اتفقوا على عدم استحبابه؛ بل ينبغي كراهته ~~مطلقا فيما أعلم لمن لم يعتض عنه بالطواف، وهو الأقيس، فكيف بمن قدر على أن ~~يعتاض عنه بالطواف?! بخلاف كثرة الطواف، فإنه مستحب مأمور به، لا سيما ~~لقادمين . فإن جمهور العلماء على أن طوافهم بالبيت أفضل لهم من الصلاة بالمسجد ~~الحرام، مع فضيلة الصلاة بالمسجد الحرام. # وأما الاعتمار في شهر رمضان : ففي الصحيحين والسنن عن عطاء، سمعت ~~ابن عباس يحدثنا قال : قال رسول الله له صلى الله عليه وسلم الرأة من الأنصار - سماها ابن عباس ~~فنسيت اسمها - : ما منعك أن تحجي معنا، فقالت لم يكن لنا إلا ناضحان، ~~فحج أبو ولدها على ناضح، وترك لنا ناضحا ننضح عليه، قال: فإذا جاء شهر ~~رمضان فاعتمري، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة # وفي الصحيحين عن ابن عباس عن النبيصلى الله عيه وسل ف : عمرة في رمضان تعدلي ~~جة»(22 وفي الصحيحين أن النبي ل قال الام سنان امراة من الأنصار: «عمرة PageV01P932 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0933.png) ~~في رمضان تقضي حجة معي»(1 وروى البخاري هذا الحديث من طريق جابر ~~تعليقا، وعن أم معقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ال : عمرة في رمضان تعدل حجة رواه ~~ابن ماجه، والترمذي، وقال : حديث حسن وعن يوسف بن عبد الله بن سلام عن ~~جدته أم معقل، قالت : لما حج رسول الل هالال صلى الله عليه وسلم تحجة الوداع، وكان لنا جمل ~~فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض، وهلك أبو معقل وخرج النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فلما فرغ من حجته جئته، فقال : يا أم معقل ! ما منعك أن تحجي? قالت : لقد ~~تهيأنا فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل هو ms1029 الذي نحج عليه، فأوصى به أبو معقل ~~في سبيل الله، قال فهلا خرجت عليه، فإن الحج من سبيل الله رواه ~~أبو داود. # وروى أحمد في المسند عن أم معقل الأسدية، أن زوجها جعل بكرا في ~~سبيل الله وإنها أرادت العمرة، فسألت زوجها البكر فأبى، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ذفدكرت ~~ذلك له، فأمره أن يعطيها، وقال رسول الله صله صلى الله عليه وسلم،: الحج والعمرة في سبيل ~~الله». # فهذه الأحاديث تبين اله صلى الله عليه وسلم إد بذلك العمرة التي كان المخاطبون ~~يعرفونها، وهي قدوم الرجل إلى مكة معتمرا، فإما أن يخرج المكي فيعتمر من ~~الحل فهذا أمر لم يكونوا يعرفونه، ولا يفعلونه، ولا يأمرون به، فكيف يجوز أن ~~يكون ذلك مرادا من الحديث ?! مع أن هذه المرأة كانت بالمدينة النبوية، وعمرتها ~~لا تكون إلا عن الميقات، ليست عمرتها مكية. # وكيف يكون قد رغبهم في عمرة مكية في رمضان?! ثم إنهم لا يأتون ما فيه ~~هذا الأجر العظيم، مع فرط رغبتهم في الخير، وحرصهم عليه، وهلا أخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم دلك أهل مكة المقيمين بها؛ ليعتمروا كل عام في شهر رمضان، وإنما ~~أخبر بذلك من كان بالمدينة، لما ذكر له مانعا منعه من السفر للحج، فأخبره أن ~~الحج في سبيل الله، وأن عمرة في رمضان تعدل حجة، وهذا ظاهر؛ لأن المعتمر ~~في رمضان إن عاد إلى بلده، فقد أتى بسفر كامل للعمرة ذهابا وإيابا في شهر PageV01P933 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0934.png) ~~رمضان المعظم، فاجتمع له حرمة شهر رمضان، وحرمة العمرة وصار ما في ذلك ~~من شرف الزمان والمكان، يناسب أن يعدل بما في الحج في شرف الزمان، وهو ~~أشهر الحج وشرف المكان . وإن كان المشبه ليس كالمشبه به من جميع الوجوه، ~~لا سيما في هذه القصة باتفاق المسلمين وإن أقام بمكة إلى أن حج في ذلك العام ~~فقد حصل له نسكا مكفرا أيضا، بخلاف من تمتع في أشهر الحج، فإن هذا هو ~~حاج محض وإن كان متمتعا، ولهذا يكون داخلا ms1030 في الحج من حين يحرم بالعمرة. # يبين هذا أن بعض طرقه في الصحيح أنه قال للمرأة : عمرة في رمضان ~~تعدل حجة معي ومعلوم أن مراده أن عمرتك في رمضان تعدل حجة معي، ~~فإنها كانت قد أرادت الحج معه فتعذر ذلك عليها، فأخبرها بما يقوم مقام ذلك، ~~وهكذا من كان بمنزلتها من الصحابة ولا يقول عاقل ما يظنه بعض الجهال : أن ~~عمرة الواحد منا من الميقات أو من مكة تعدل حجة معه، فإنه من المعلوم ~~بالاضطرار أن الحج التام أفضل من عمرة رمضان، والواحد منا لو حج الحج ~~المفروض لم يكن كالحج معه فكيف بعمرة?! وغاية ما يحصله الحديث: أن ~~تكون عمرة أحدنا في رمضان من الميقات بمنزلة حجة، وقد يقال هذا لمن كان ~~أراد الحج فعجز عنه، فيصير بنية الحج مع عمرة رمضان كلاهما تعدل حجة، ~~لا أحدهما مجردا . # وكذلك الإنسان إذا فعل ما يقدر عليه من العمل الكامل مع أنه لو قدر لفعله ~~كله، فإنه يكون بمنزلة العامل من الأجر. # كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم آ قال : «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ~~من العمل ما كان يعمل، وهو صحيح مقيم» وفي الصحيح عنه أنه قال: من ~~دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم ~~شيئا» وكذلك قال في الضلالة، وشواهد هذا الأصل كثير. # ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلمفي الحديث الذي رواه ابن مسعود عن النبي له أنه ~~قال: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر، والذنوب، كما ينفي الكير PageV01P934 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0935.png) ~~خبث الحديد، والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة رواه ~~النسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح . فإن قوله : ل تابعوا بين الحج ~~والعمرة لم يرد به العمرة من مكة، إذ لو أراد ذلك لكان الصحابة يقبلون أمره، سواء ~~كان أمر إيجاب؛ أو استحباب، ولا يظن بالصحابة والتابعين أنهم تركوا اتباع سنته، ~~وما رغبوا فيه كلهم حتى حدث بعدهم من فعل ms1031 ذلك، وإذا كانوا لا يعتمرون من مكة علم ~~أن هذا ليس مقصود الحديث؛ ولكن المراد به العمرة التي كانوا يعرفونها، ويفعلونها، ~~وهي عمرة القادم. # يبين هذا أن الني صلى الله عليه وسلم م يأمر عائشة بالعمرة من أدنى الحل، مع أنها متابعة بين ~~الحج والعمرة، ولو كانت المكية مرادة حين طلبت ذلك منه، أمرها أن تكتفي بما ~~فعلته، وقال : طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك، وعمرتك ~~فلما راجعته وألحت عليه أذن لها في ذلك، فلو كان مثل هذا مما أمر به لم يكن ~~يأمرها ابتداء بترك ذلك، والاكتفاء بما دونه، وهي تطلب ما قد رغب الناس فيه ~~كلهم. ففي الصحيحين، وسنن أبي داود، والنسائي وغيرهما عن عائشة أنها قالت: ~~لخرجنا مع رسول الله له صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله صله صلى الله عليه وسلم. ~~من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، ثم ~~قدمت مكة وأنا حائض، فلم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : انقضي رأسك، وإمتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة، ففعلت، ~~فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ل صلى الله عليه وسلم ع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، ~~فاعتمرت. فقال : هذه مكان عمرتك، قالت: وطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت، ~~وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، ~~وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا»(3) . # وفي الصحيحين والسنن أيضا عن عائشة قالت : لبينا بالحج حتى إذا كنا ~~بسرف حضت، فدخل علي رسول الله له صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال : وما يبكيك? ~~يا عائشة! فقلت : حضت، ليتني لم أكن حججت، فقال: سبحان الله إنما ذلك ~~شيء كتبه الله على بنات آدم، فقال : انسكي المناسك كلها غير أن لأ تطوفي PageV01P935 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0936.png) ~~بالبيت، فلما دخلنا مكة، قال رسول الله ل صلى الله عليه وسلم ms1032 من شاء ان يجعلها عمرة فليجعلها ~~عمرة، إلا من كان معه الهدي، وذبح رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ن نسائه البقر يوم النحر، ~~فلما كانت ليلة البطحاء، وطهرت عائشة، قالت: يا رسول الله: ايرجع صواحبي ~~بحج وعمرة، وأرجع أنا بالحج ?! فأمر رسول الله ل صلى الله عليه وسلم عد الرحمن بن أبي بكر، ~~فأعمرها من التنعيم، فأتت بالعمرة. # وفي الصحيحين، وسنن أبي داود، والنسائي. عن جابر قال: أقبلنا مهلين مع ~~رسواله الل صلى الله عليه وسلم الحج مفردا فأقبلت عائشة مهلة بعمرة، حتى إذا كانت بسرف ~~عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة، وبالصفا والمروة، فأمرنا رسول الله صله صلى الله عليه وسلم ~~يحل منا من لم يكن معه هدي، قال : فقلنا حل ماذا? قال: الحل كله. فواقعنا ~~النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا ~~يوم التروية، ثم دخل رسول الله لاه صلى الله عليه وسلم على عائشة فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك? ~~قالت : شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس ~~يذهبون إلى الحج الآن ! قال : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي ~~بالحج، ففعلت ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالبيت، وبين الصفا ~~والمروة، ثم قال : قد حللت من حجتك وعمرتك جميعا، قالت: يا رسول الله! إني ~~أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن ~~فأعمرها من التنعيم، وذلك ليلة الحصبة، وفي رواية مسلم: وكيان ~~رسول الله له صلى الله عليه وسلم هلا إذا هويت الشيء تابعها عليه، فأرسلها مع عبد الرحمن، فاهلت ~~من التنعيم بعمرة». # وروى مسلم في صحيحه عن طاوس عن عائشة: أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم ~~نطف بالبيت حين حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج، فقال لها ~~نبي صلى الله عله ولموم النفر : «يكفيك طوافك لحجك، وعمرتك، فابت، فبعث بها مع ~~عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج») وروى مسلم ms1033 أيضا عن مجاهد عن ~~عائشة أنها حأضت بسرف فتطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله ل صلى الله عليه وسلم: يجزئ عنك ~~طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك. فهذه قصة عائشة. PageV01P936 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0937.png) ~~456 # وللفقهاء في عمرتها التي فعلتها قولان مشهوران : # أحدهما: وهو قول جمهور الفقهاء من أهل الحديث، والحجاز: كمالك، ~~والشافعي، وأحمد، وغيرهم، أنها لما حاضت وهي متمتعة بالعمرة إلى الحج، ~~فمنعها الحيض من طواف العمرة، أمرها النبي صلى الله عليه وسلم ان تحرم بالحج مع بقائها على ~~الإحرام، فصارت قارنة بين العمرة والحج، إذ القارن اسم لمن أحرم بهما ابتداء، ~~أو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج، قبل طوافها. قالوا: والأحاديث تدل على ~~أن القارن ليس في عمله زيادة على عمل المفرد، إلا الهدي فلهذا قال لها ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما أحلت : قد حللت من حجك وعمرتك جميعا. # والقول الثاني : وهو قول أبي حنيفة، ومن وافقه أنها لما حاضت أمرها أن ~~ترفض العمرة، فتنتقل عنها إلى الحج، لا تفرق بينهما بل تبقى في حج مفرد، ~~قالوا : فلما حلت حلت من الحج فقط وكان عليها عمرة تقضيها مكان عمرتها التي ~~رفضتها . وعلى قول هؤلاء كانت العمرة التي فعلتها واجبة، لأنها قضاء عما ~~تركتها . وعلى قول الأكثرين لم تكن واجبة بل جائزة . وحكم كل امرأة قدمت ~~متمتعة فحاضت قبل الطواف على هذين القولين الأولين : هل تؤمر أن تحرم بالحج ~~فتصير قارنة ، أم ترفض العمرة في الحج على القولين. # وفيها قول ثالث: وهو رواية عن أحمد: إنها كانت قارنة، وعمرة القارن ~~لا تجزئ عن عمرة الإسلام، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم عمرة الإسلام. # وفيها قول رابع : ذكره بعض المالكية، فامتنعت من طواف القدوم؛ لأجل ~~الحيض، وأن هذه العمرة هي عمرة الإسلام. وهذا القول أضعف الأقوال من ~~وجوه متعددة، ويليه في الضعف الذي قبله. # ومن أصول هذا النزاع: أن القارن عند الآخرين عليه أن يطوف أولا، ويسعى ~~للعمرة ، ثم يطوف ويسعى للحج، ويختص عندهم بمنعها من عمل القران، ms1034 كما ~~كان يمنعها من عمل التمتع. والأولون ليس عندهم على القارن إلا طواف واحد، ~~وسعي واحد، كما على المفرد فإذا كانت حائضا سقط عنها طواف القدوم، ~~وأخرت السعي إلى أن تسعى بعد طواف الإفاضة وليس عليها غير ذلك. # وأهل القول الثاني بلغهم ما ثبت في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم ال لها: ~~ارفضي عمرتك. واعتقدوا أن رسول الله له صلى الله عليه وسلم آرها أن تعتمر من التنعيم، PageV01P937 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0938.png) ~~فاعتقدوا أن ذلك صار واجبا للعمرة المرفوضة، وأن رفض العمرة هو تركها ~~بالدخول في الحج المفرد . # وأما أهل القول الأول : فبلغهم من العلم ما لم يبلغ هؤلاء، فإن قصة عائشة ~~رويت من وجوه متعددة عنها، وعن غيرها كجابر وغيره، فانظر ما قالت وما قال ~~لها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لها : «قد حللت من حجك وعمرتك جميعا وقال ~~لها: «سعيك وطوافك لحجك وعمرتك وفي رواية : ليجزئ عنك طوافك ~~بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك فهذا نص في أنها كانت في حج ~~وعمرة؛ لا في حج مفرد، وفي أن الطواف الواحد أجزأ عنها، لم يحتج إلى ~~طوافين . # وأيضا قد ثبت فى السنن الصحيحة الصريحة أن النبي صلى الله عليه وسلم من ساق الهدي ~~من أصحابه كانوا قادمين، ولم يطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة حين قدموا إلا ~~مرة واحدة . # وأيضا فإنها قالت له - لما قال لها ذلك - : إني أجد في نفسي أني لم أطف ~~بالبيت حين حججت، قال : «فاذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم ~~وكذلك قولها له : «أيرجع صواحبي بحج وعمرة؟ وارجع أنا بالحج! فامر ~~عبد الرحمن فذهب بها إلى التنعيم»(فأ يدل على أنه لم يأمرها بالعمرة ابتداء، وإنما ~~اجاب سؤالها لما كرهت أن ترجع إلا بفعل عمرة، فإن صواحبها كن في عمرة تمتع: ~~طفن أولا، وسعين وهي لم تطف وتسع إلا بعد التعريف، فصار عملهن أزيد من ~~عملها؛ لأنه سقط عنها بالحيض الطواف الأول. # باب الهدي والأضحية والعقيقة PageV01P938 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0939.png) ~~يريد التقرب به إلى الله، ms1035 كان له أن يضحي به، والأكل من الأضحية أفضل من ~~الصدقة، والهدي بمكة أفضل من الصدقة بها، وإن كان قد نذر أضحية في ذمته ~~فاشتراها في الذمة، وبيعت قبل الذبح كان عليه إبدالها شاة . # وأما إذا اشترى أضحية، فتعيبت قبل الذبح، ذبحها في أحد قولي العلماء، وإن ~~تعيبت عند الذبح أجزأ في الموضعين. # وقال رحمه الله تعالى: # والأضحية من النفقة بالمعروف، فيضحي عن اليتيم من ماله، وتأخذ المرأة ~~من مال زوجها ما تضحي به عن أهل البيت، وإن لم يأذن في ذلك، ويضحي ~~المدين إذا لم يطالب بالوفاء، ويتدين ويضحي إذا كان له وفاء. # وسئل رحمه الله تعالى : عمن لا يقدر على الأضحية، هل يستدين? # فأجاب : الحمد لله رب العالمين. إن كان له وفاء فاستدان ما يضحي به ~~فحسن، ولا يجب عليه أن يفعل ذلك. والله أعلم. # وقال رحمه الله تعالى(: # فصل # وتجوز الأضحية عن الميت، كما يجوز الحج عنه، والصدقة عنه، ويضحى ~~عنه في البيت، ولا يذبح عند القبر أضحية ولا غيرها. فإن في سنن أبي داود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : أنه نهى عن العقر عند القبر حتى كره أحمد الأكل مما يذبح عند ~~القبر؛ لأنه يشبه ما يذبح على النصب. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ال : لعن الله اليهود ~~والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما فعلوا . وثبت عنه في ~~الصحيح أنه قال : لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها وقال : «الأرض PageV01P939 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0940.png) ~~كلها مسجد إلا المقبرة، والحمام فنهى عن الصلاة عندها ? لثآلا يشبه من ~~يصلي لها . وكذلك الذبح عندها يشبه من ذبح لها. # وكان المشركون يذبحون للقبور، ويقربون لها القرابين، وكانوا في الجاهلية ~~إذا مات لهم عظيم ذبحوا عند قبره الخيل، والإبل، وغير ذلك، تعظيما للميت. ~~فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله. # ولو نذر ذلك ناذر لم يكن له أن يوفي به. ولو شرطه واقف لكان شرطا ~~فاسدا. # وكذلك الصدقة عند القبر كرهها العلماء، وشرط الواقف ذلك شرط فاسد. ~~وأنكر ms1036 من ذلك أن يوضع على القبر الطعام والشراب ليأخذه الناس، فإن هذا ونحوه ~~من عمل كفار الترك، لا من أفعال المسلمين. # وقال رحمه الله تعالى: # والأضحية بالحامل جائزة، فإذا خرج ولدها ميتا فذكاته ذكاة أمه عند ~~الشافعي، وأحمد، وغيرهما. سواء أشعر، أو لم يشعر. وإن خرج حيا ذبح، ~~رمذهب مالك إن أشعر حل، وإلا فلا، وعند أبي حنيفة لا يحل حتى يذكى بعد ~~خروجه، والله أعلم. # وقال رحمه الله تعالى: # و«الهتماء» التي سقط بعض أسنانها، فيها قولان: هما وجهان في مذهب ~~حمد. أصحهما أنها تجزي وأما التي ليس لها أسنان في أعلاما فهذه تجزيأ ~~باتفاق. # والعفراء : أفضل من السوداء، وإذا كان السواد، حول عينيها، وفمها، وفي ~~رجليها، أشبهت أضحية النبي صلى الله عليه وسلم. PageV01P940 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0941.png) # وسئل رحمه الله تعالى : عما يقال على الأضحية حال ذبحها، وما صفة ~~ذبحها، وكيف يقسمها? # فأجاب : الحمد لله. وأما الأضحية فإنه يستقبل بها القبلة، فيضجعها على ~~الأيسر، ويقول : باسم الله، والله أكبر، اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم ~~خليلك . وإذا ذبحها قال : (وجهت وجهى للذى فطر التموات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المثركين) (قل إن صلات ونسك ومحياي ومما لله رب العالمين لا شريك له ~~وبذلك أمرت وأنا أول الملمين) 162، 163]. # ويتصدق بثلثها، ويهدي ثلثها، وإن أكل أكثرها، أو أهداه أو أكله، أو ~~طبخها، ودعا الناس إليها جاز. # ويعطي أجرة الجزار من عنده، وجلدها إن شاء انتفع به، وإن شاء تصدق به ~~والله أعلم. # وقال رحمه الله تعالى # الذبيحة : الأضحية وغيرها: تضجع على شقها الأيسر، ويضع الذابح رجله ~~اليمين على عنقها، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله له صى الله عليه وسلم: فيسمي، ويكبر، ~~فيقول : باسم الله، والله أكبر، اللهم منك ولك، اللهم تقبل مني كما تقبلت من ~~إبراهيم خليلك. # ومن أضجعها على شقها الأيمن، وجعل رجله اليسرى على عنقها، تكلف ~~مخالفة يديه ليذبحها، فهو جاهل بالسنة، معذب لنفسه، وللحيوان ولكن يحل ~~أكلها؛ فإن الاضجاع على الشق الأيسر أروح للحيوان. وأيسر في إزهاق ms1037 النفس، ~~وأعون للذبح، وهو السنة التي فعلها رسول الله صله صلى الله عليه وسلم، وعليها عمل المسلمين، ~~وعمل الأمم كلهم. # ويشرع أن يستقبل بها القبلة أيضا. PageV01P941 ![image file](./0728IbnTaymiyya.LaaliNayyirat_0942.png) # وإن ضحى بشاة واحدة عنه، وعن أهل بيته، اجزأ ذلك في اظهر قولي ~~العلماء. وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما، فإن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. ~~رقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم تعى بشاتين، فقال في إحداهما : اللهم عن ~~محمد وآل محمد. PageV01P942 ms1038