######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011730 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مجموعة الرسائل والمسائل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 5 أجزاء في مجلدين #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011730 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11730 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11730 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: لجنة التراث العربي #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [مجموعة الرسائل والمسائل] # المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني ~~(المتوفى: 728ه) # علق عليه: السيد محمد رشيد رضا # الناشر: لجنة التراث العربي # عدد الأجزاء: 5 أجزاء في مجلدين # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] # PageV00P000 # مجموعة الرسائل والمسائل # تأليف: شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله سره ### | الجزء الأول # رسائل وفتاوى في: # التفسير والحديث والأصول والعقائد والآداب والأحكام والصوفية # خرج أحاديثه وعلق عليه: السيد محمد رشيد رضا # لجنة التراث العربي # PageV01P001 # الجزء الأول ### | الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل # أقسام الناس في التقوى والصبر # بسم الله الرحمن الرحيم # سئل الشيخ الإمام، العالم العامل، الحبر الكامل، شيخ الإسلام، ومفتي ~~الأنام، تقي الدين بن تيمية أيده الله وزاده من فضله العظيم، عن الصبر ~~الجميل والصفح الجميل، والهجر الجميل، وما أقسام التقوى والصبر الذي عليه ~~الناس؟ فأجاب رحمه الله: الحمد لله، أما بعد فإن الله أمر نبيه بالهجر ~~الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل، فالهجر الجميل هجر بلا أذى، والصفح ~~الجميل صفح بلا عتاب، والصبر الجميل صبر بلا شكوى، قال يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام: " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله " مع قوله: " فصبر جميل، والله ~~المستعان على ما تصفون " فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل. # ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: اللهم لك الحمد، وإليك ~~المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان. # ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة ~~حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، اللهم إلى من تكلني؟ ~~أإلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ~~غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت الظلمات له، وصلح ~~عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك الغنى حتى ~~ترضى ". # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الفجر " إنما أشكو بثي ~~وحزني إلى الله " ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر ms001 الصفوف. بخلاف الشكوى إلى ~~المخلوق. # قرئ على الإمام أحمد في مرض موته أن طليوسا كره أنين المرض وقال: إنه ~~شكوى. فما أن حتى مات. وذلك أن # PageV01P002 # المشتكي طالب بلسان الحال، إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه، والعبد ~~مأمور أن يسأل ربه دون خلقه، كما قال تعالى: " فإذا فرغت فانصب وإلى ربك ~~فارغب ". # وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت ~~فاستعن بالله ". ولا بد للإنسان من شيئين: طاعته بفعل المأمور، وترك ~~المحظور، وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور، فالأول هو التقوى والثاني ~~هو الصبر، قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبلا " إلى قوله: " وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله ~~بما يعملون محيط "، وقال تعالى: " بلى إن تصبروا وتتقوا يأتوكم من فورهم ~~هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين "، وقال تعالى: " لتبلون في ~~أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا ~~أذى كثيرا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ". # وقد قال يوسف: " أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا أنه من يتق ويصبر ~~فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ". ولهذا كان الشيخ عبد القادر ونحوه من ~~المشايخ المستقيمين يوصون في عامة كلامهم بهذين الأصلين - المسارعة إلى فعل ~~المأمور، والتقاعد عن فعل المحظور، والصبر والرضا بالأمر المقدور، وذلك أن ~~هذا الموضع غلط فيه كثير من العامة بل ومن السالكين، فمنهم من يشهد القدر ~~فقط ويشهد الحقيقة الكونية، دون الدينية، فيرى أن الله خالق كل شيء وربه ~~ولا يفرق بين ما يحبه الله ويرضاه، وبين ما يسخطه ويبغضه وإن قدره وقضاه، ~~ولا يميز بين توحيد الإلوهية، وبين توحيد الربوبية، فيشهد الجمع الذي يشترك ~~فيه جميع المخلوقات - سعيدها وشقيها - مشهد الجمع الذي (1) يشترك فيه ~~المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والنبي الصادق والمتنبي الكاذب، وأهل الجنة ~~وأهل النار، وأولياء الله وأعداؤه، والملائكة المقربون والمردة الشياطين، ~~فإن هؤلاء كلهم يشتركون في ms002 هذا الجمع وهذه الحقيقة الكونية، وهو إن الله ~~ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب لهم غيره، ولا يشهد الفرق الذي فرق الله بين ~~أوليائه وأعدائه، وبين المؤمنين والكافرين، والأبرار والفجار، وأهل الجنة ~~والنار، PageV01P003 # وهو توحيد الألوهية، وهو عبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله، ~~وفعل ما يحبه ويرضاه، وهو ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب أو أمر استحباب، ~~وترك ما نهى الله عنه ورسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، # وجهاد الكفار والمنافقين بالقلب واليد واللسان. فمن لم يشهد هذه الحقيقة ~~الدينية # الفارقة بين هؤلاء وهؤلاء ويكون مع أهل الحقيقة الدينية وإلا فهو من جنس # المشركين وهو شر من اليهود والنصارى، فإن المشركين يقرون بالحقيقة ~~الكونية # إذا هم يقرون بأن الله رب كل شيء كما قال تعالى (ولئن سألتهم من خلق ~~السموات # والأرض ليقولن الله) وقال تعالى (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون؟ # سيقولن لله قل أفلا تذكرون؟ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم؟ # سيقولون: الله (1) قل أفلا تتقون؟ قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا ~~يجار عليه # إن كنتم تعلمون؟ سيقولون الله قل فأنى تسحرون؟) ولهذا قال سبحانه (وما ~~يؤمن أكثرهم بالله # إلا وهم مشركون) قال بعض السلف تسألهم من خلق السموات والأرض؟ فيقولون ~~الله وهم مع # هذا يعبدون غيره. # من أقر بالقضاء والقدر دون الأمر والنهي الشرعيين فهو أكفر من اليهود ~~والنصارى (2) فإن # أولئك يقرون بالملائكة والرسل الذين جاؤا بالأمر والنهي الشرعيين لكن ~~آمنوا ببعض وكفروا # ببعض كما قال تعالى (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله ويقولون # نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. أولئك هم ~~الكافرون حقا) PageV01P004 # وأما الذي يشهد الحقيقة الكونية. وتوحيد الربوبية الشامل للخليقة، ويقر ~~أن # العباد كلهم تحت القضاء والقدر ويسلك هذه الحقيقة، فلا يفرق بين المؤمنين ~~والمتقين # الذين أطاعوا أمر الله الذي بعث به رسله، وبين من عصى الله ورسوله ومن ~~الكفار # والفجار، فهؤلاء أكفر ms003 من اليهود والنصارى. لكن من الناس من قد لمحوا ~~الفرق في بعض الأمور دون بعض بحيث يفرق بين المؤمن والكافر، ولا يفرق بين ~~البر والفاجر، أو يفرق بين بعض الأبرار وبين بعض الفجار، ولا يفرق بين ~~آخرين إتباعا لظنه وما يهواه، فيكون ناقص الإيمان بحسب ما سوى بين الأبرار ~~والفجار، ويكون معه من الإيمان بدين الله تعالى الفارق بحسب ما فرق به بين ~~أوليائه وأعدائه. # ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين دون القضاء والقدر وكان من القدرية ~~كالمعتزلة ونحوهم الذين هم مجوسوا هذه الأمة فهؤلاء يشبهون المجوس وأولئك ~~يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو ~~من أتباع إبليس الذي اعترض على الرب سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه فهذا ~~التقسيم من القول والاعتقاد وكذلك هم في الأحوال والأفعال فالصواب منها ~~حالة المؤمن الذي يتقي الله فيفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ما ~~يصيبه من المقدور فهو عند الأمر والدين والشريعة ويستعين بالله على ذلك كما ~~قال تعالى: " إياك نعبد وإياك نستعين " وإذا أذنب استغفر وتاب لا يحتج ~~بالقدر على ما يفعله من السيئات ولا يرى المخلوق حجة على رب الكائنات بل ~~يؤمن بالقدر ولا يحتج به كما في الحديث الصحيح الذي فيه سيد الاستغفار أن ~~يقول العبد: " اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأن عبدك وأنا على عهدك ~~ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي ~~فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " فيقر بنعمة الله عليه في الحسنات ~~ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها كما قال ~~بعضهم: أطعتك بفضلك والمنة لك وعصيتك بعلمك والحجة لك # PageV01P005 # فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي إلا ما غفرت لي. # وفي الحديث الصحيح الإلهي " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم ~~أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ~~" وهذا له تحقيق مبسوط في ms004 غير هذا الموضع، وآخرون قد يشهدون الأمر فقط ~~فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة لكن ليس عندهم، من مشاهدة القدر ما ~~يوجب لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر، وآخرون يشهدون القدر فقط فيكون ~~عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك لكنهم لا يلتزمون أمر ~~الله ورسوله وإتباع شريعته وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة من الدين ~~فهؤلاء يستعينون الله ولا يعبدونه والذين من قبلهم يريدون أن يعبدوه ولا ~~يستعينوه والمؤمن يعبده ويستعينه. # والقسم الرابع شر الأقسام وهو من لا يعبده ولا يستعينه فلا هو مع الشريعة ~~الأمرية ولا مع القدر الكوني وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل ~~القدور من توكل واستعانة ونحو ذلك وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك فهم ~~في التقوى وهي طاعة الأمر الديني والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني ~~أربعة أقسام: أحدها: أهل التقوى والصبر وهم الذين أنعم الله عليهم أهل ~~السعادة في الدنيا والآخرة. # والثاني: الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين ما عليهم من الصلاة ~~ونحوها ويتركون المحرمات لكن إذا أصيب أحدهم في بدنه بمرض ونحوه أو ماله أو ~~في عرضه أو ابتلي بعدو يخيفه عظم جزعه وظهر هلعه. # والثالث: قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى مثل الفجار الذين يصبرون على ما ~~يصيبهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ما ~~يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك ~~في طلب ما يجعل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها وكذلك طلاب الرياسة والعلو ~~على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر عليها كثير من ~~الناس. # وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصبرون # PageV01P006 # في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام وهؤلاء هم ~~الذين يريدون علوا في الأرض أو فسادا من طلاب الرياسة والعلو على الخلق ومن ~~طلاب الأموال بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو مباشرة ~~وغير ذلك ms005 يصبرون على أنواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من ~~المأمور، وفعلوه من المحظور، وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصبه من المصائب ~~كالمرض والفقر وغير ذلك ولا يكون فيه تقوى إذا قدر. # وأما القسم الرابع فهو شر الأقسام لا يتقون إذا قدروا لا يتقون إذا قدروا ~~ولا يصبرون إذا ابتلوا بل هم كما قال الله تعالى: " أن الإنسان خلق هلوعا ~~إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا " فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس ~~وأجبرهم إذا قدروا ومن أذل الناس وأجزعهم إذا قهروا إن قهرتهم ذلوا لك ~~ونافقوك وحابوك واسترحموك، ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم قلبا، من أنواع ~~الكذب # والذل وتعظيم المسؤل، وإن قهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبا، ~~وأقلهم رحمة وإحسانا # وعفوا، كما قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الإيمان أبعد مثل ~~التتار الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم في كثير من أمورهم (1) وإن كان ~~متظاهرا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم # وصناعهم، فالاعتبار بالحقائق " فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ~~أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب ~~التتار وأعمالهم كان شبيها لهم من هذا الوجه وكان ما معه من # الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام وما يظهرونه منه، بل ~~يوجد في غير التتار المقاتلين # من المظهرين للإسلام من هو أعظم ردة بالأخلاق الجاهلية، وأبعد عن الأخلاق ~~الإسلامية، من التتار # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته " خير ~~الكلام كلام الله وخير الهدي # هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" وإذا كان خير الكلام ~~كلام الله وخير الهدي هدي # محمد، فكل من كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه، PageV01P007 # كان إلى الكمال أقرب وهو به أحق، ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه أضعف كان على ~~الكمال أبعد وبالباطل أحق، والكامل هو من كان لله أطوع، وعلى ما يصيبه أصبر ~~فكلما كان اتبع لما يأمر ms006 الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه ~~وصبر على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل، وكل من نقص عن هذين كان فيه من ~~النقص بحسب ذلك وقد ذكر الله تعالى الصبر والتقوى جميعا في غير موضع من ~~كتابه، وبين أنه ينتصر العبد على عدوه (1) من الكفار، المحاربين المعاهدين ~~والمنافقين وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة، قال الله ~~تعالى: " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين " وقال الله تعالى: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم ~~ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا، وإن ~~تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ". # وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا ولا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا ودواماعنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا ~~لكم الآيات إن كنتم تعقلون، ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون ~~بالكتاب كله، وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ~~قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور، إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم ~~سيئة يفرحوا بها، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما ~~يعملون محيط " وقال أخوة يوسف له: " إنك لأنت يوسف، قال أنا يوسف وهذا أخي ~~قد من الله علينا، إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " وقد ~~قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموما PageV01P008 # وخصوصا فقال تعالى: " واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير ~~الحاكمين " وفي إتباع ما أحوي إليه التقوى كلها تصديقا لخبر الله وطاعة ~~لأمره، وقال تعالى: " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل، إن الحسنات ~~يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين، واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ". # وقال تعالى: " فاصبر إن وعد الله حق، واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والأبكار ". # وقال تعالى: " فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها ومن آناء الليل ". # وقال تعالى: " واستعينوا بالصبر ms007 والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ~~". # وقال تعالى: " واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ". # فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر وقرن بين الرحمة والصبر في مثل قوله ~~تعالى: " وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة " وفي الرحمة الإحسان إلى الخلق ~~بالزكاة وغيرها فإن القسمة أيضا رباعية إذ من الناس من يصبر ولا يرحم كأهل ~~القوة والقسوة، ومنهم من يرحم ولا يصبر كأهل الضعف واللين مثل كثير من ~~النساء ومن يشبههن، ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كأهل القسوة والهلع، ~~والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما قال الفقهاء في صفة المتولي: ينبغي أن ~~يكون قويا من غير عنف، لينا من غير ضعف، فبصبره يقوى وبلينه يرحم، وبالصبر ~~ينصر العبد فإن النصر مع الصبر وبالرحمة يرحمه الله تعالى كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " إنما يرحم الله من عباده الرحماء " وقال: " من لم ~~يرحم لا يرحم " وقال: " لا تنزع الرحمة إلا من شقي، الراحمون يرحمهم ~~الرحمان، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " والله أعلم. انتهى. # PageV01P009 ### | الشفاعة الشرعية والتوسل إلى الله بالأعمال وبالذوات والأشخاص # بسم الله الرحمن الرحيم # وسئل أيضا رحمه الله تعالى: هل يجوز للإنسان أن يتشفع بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم في طلب حاجة أم لا؟ فأجاب: الحمد لله - أجمع المسلمون على أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك ~~وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة. # ثم أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفقت عليه الصحابة واستفاضت به ~~السنن من أنه يشفع لأهل الكبائر من أمته ويشفع أيضا لعموم الخلق. # وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن شفاعته إنما هي للمؤمنين ~~خاصة في رفع الدرجات، ومنهم من أنكر الشفاعة مطلقا. # وأجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به في حياته، ويتوسلون ~~بحضرته، كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا ~~استسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك ~~بنبينا ms008 فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا - فيسقون. # وفي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا ~~أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل # فالإستسقاء هو من جنس الاستشفاع به وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ~~ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته فينا. وكذلك معاوية بن أبي سفيان لما ~~أجدب الناس في الشام استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي رضي الله تعالى عنه ~~وقال: اللهم إنا نستشفع ونتوسل إليك بخيارنا، يا يزيد ارفع يديك، فرفع يديه # PageV01P010 # ودعا الناس حتى سقوا، ولهذا قال العلماء: يستحب أن يستسقى بأهل الدين ~~والصلاح وإذا كانوا بهذه المثابة وهم من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان أحسن. # وفي سنن أبي داود وغيره أن رجلا قال: أنا أستشفع بك على الله ونستشفع ~~بالله عليك، فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه ~~فقال: " ويحك أتدري ما الله؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن ~~الله أعظم من ذلك " فأنكر عليه قوله: إنا نستشفع بالله عليك، ولم ينكر عليه ~~قوله: نستشفع بك على الله - لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضي حاجة ~~الطالب والله تعالى لا يسأل أحدا من عباده أن يقضي حوائج خلقه وإن كان بعض ~~الشعراء ذكر استشفاعه بالله في مثل قوله: # شفيعي إليك الله لا رب غيره ... وليس إلى رد الشفيع سبيل # فهذا كلام منكر لم يتكلم به عالم، وكذلك بعض الاتحادية ذكر أنه استشفع ~~بالله ورسوله وكلاهما خطأ وضلال، بل هو سبحانه المسؤول المدعو الذي " يسأله ~~من في السموات والأرض " والرسول صلى الله عليه وسلم يستشفع به إلى الله أي ~~يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة في الخلق أن يقضي الله بينهم، وفي أن يدخلهم ~~الجنة، ويشفع في أهل الكبائر من أمته ويشفع في بعض من يستحق النار أن لا ~~يدخلها، ms009 ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه ~~يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين للثواب، وعند الخوارج والمعتزلة أنه لا ~~يشفع لأهل الكبائر لأن الكبائر عندهم لا تغفر ولا يخرجون من النار بعد أن ~~يدخلوها لا بشفاعة ولا بغيرها. # ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر ولا يخلد أحد في النار ~~من أهل الإيمان بل يخرج من النار من في قلبه حبة من إيمان أو مثقال ذرة ~~والاستشفاع به وبغيره هو طلب الدعاء منه وليس معناه الإقسام به على الله ~~والسؤال بذاته بحضوره، فأما في مغيبه أو بعد موته فالإقسام به على الله ~~والسؤال # PageV01P011 # بذاته لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين (1) بل عمر بن الخطاب ومعاوية ~~ومن كان يحضرهما من الصحابة والتابعين لما أجدبوا استسقوا بمن كان حيا ~~كالعباس وكيزيد بن الأسود رضي الله عنهما، ولم ينقل عنهم أنهم في هذه ~~الحالة استشفعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عند قبره ولا غيره فلم يقسموا ~~بالمخلوق على الله عز وجل ولا سألوه بمخلوق نبي ولا غيره بل عدلوا إلى ~~خيارهم كالعباس وكيزيد بن الأسود، وكانوا يصلون عليه في دعائهم، روي عن عمر ~~رضي الله عنه أنه قال: إنا نتوسل إليك بعم نبينا، فجعلوا هذا بدلا عن ذاك ~~لما تعذر عليهم أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه. # وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به ويقولوا (2) في دعائهم ~~في الصحراء: نسألك ونقسم عليك بأنبيائك أو بنبيك أو بجاههم ونحو ذلك. ولا ~~نقل عنهم (3) أنهم تشفعوا عند قبره ولا في دعائهم في الصحراء، وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: " اللهم لا تجعل قبري وثنا، واشتد غضب الله على قوم اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد " رواه الإمام مالك في الموطأ وغيره. وفي سنن أبي داود ~~أنه قال: " لا تتخذوا قبري عيدا " وقال: " لعن الله اليهود اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد " قال ذلك في مرض موته يحذر ما فعلوا: وقال: " لا تطروني ~~كما أطرت النصارى ms010 عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ". # وقد روى الترمذي حديثا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P012 # أنه علم رجلا أن يدعو فيقول: " اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي ~~الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، ~~اللهم فشفعه في ". روى النسائي نحو هذا الدعاء. # وفي الترمذي وابن ماجة عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلا ضرير البصر ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: " إن شئت ~~دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك " قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ~~ويدعو بهذا الدعاء: " اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك نبي الرحمة يا رسول ~~الله إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في ". قال ~~الترمذي حديث حسن صحيح (1) ورواه النسائي عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال: يا ~~رسول الله ادع الله لي أن يكشف لي عن بصري، قال: " فانطلق فتوضأ ثم صل ~~ركعتين ثم قل اللهم إني أتوجه بك إلى ربي أن يكشف عن بصري، اللهم فشفعه في ~~" قال: فدعا وقد كشف الله عن بصره. فهذا الحديث فيه التوسل إلى الله به في ~~الدعاء. ومن الناس من يقول: هذا يقتضي جواز التوسل بذاته مطلقا حيا وميتا، ~~ومنهم من يقول: هذه قضية عين وليس فيها إلا التوسل بدعائه وشفاعته لا ~~التوسل بذاته، كما ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا ~~ثم إنهم بعد موته إنما توسلوا بغيره من الأحياء بدلا عنه فلو كان التوسل به ~~حيا وميتا مشروعا لم يميلوا عنه وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه، إلى غيره ~~ليس ممن مثله، فعدولهم عن هذا إلى هذا مع أنهم السابقون الأولون وهم أعلم ~~منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وما ينفع، وما لا ~~يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون ~~تفريج الكربات، وتيسير ms011 العسير، وإنزال الغيث، بكل طريق، دليل على أن ~~المشروع ما سلكوه دون ما تركوه، ولهذا PageV01P013 # ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه. وذلك أن ~~التوسل به حيا هو الطلب لدعائه وشفاعته، وهو من جنس مسألته أن يدعو، فما ~~زال المسلمون يسألونه أن يدعو لهم في حياته، وأما بعد موته فلم يكن الصحابة ~~يطلبون منه ذلك لا عند قبره ولا عند غيره كما يفعله كثير من الناس عند قبور ~~الصالحين (1) ، وإن كان قد روي في ذلك حكايات مكذوبة عن بعض المتأخرين بل ~~طلب الدعاء مشروع لكل مؤمن من كل مؤمن، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~لعمر بن الخطاب لما استأذنه في العمرة: " لا تنسنا يا أخي من دعائك " حتى ~~إنه أمر عمر أن يطلب من أويس القرني أن يستغفر له، مع أن عمر رضي الله عنه ~~أفضل من أويس بكثير وقد أمر أمته أن يسألوا الله له الوسيلة وأن يصلوا ~~عليه. وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من رجل يدعو ~~لأخيه في ظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال ~~الموكل به: آمين ولك مثل ذلك " (2) فالطالب للدعاء من غيره نوعان: أحدهما ~~أن يكون سؤاله على وجه الحاجة إليه فهذا بمنزلة أن يسأل الناس قضاء حوائجه، ~~والثاني أنه يطلب منه الدعاء لينتفع الداعي بدعائه له وينتفع هو فينفع الله ~~هذا وهذا بذلك الدعاء كمن يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه، والمخلوق ~~قادر على دعاء الله ومسألته، فطلب الدعاء جائز كمن يطلب منه الإعانة بما ~~يقدر عليه فإما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من الله، لا ~~من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم، لا يجوز أن يقول لغير الله: ~~اغفر لي، واسقنا الغيث، ونحو ذلك. ولهذا روى الطبراني في معجمه PageV01P014 # أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال ~~الصديق رضي الله عنه: ms012 قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~هذا المنافق فجاؤوا إليه فقال: " إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله " ~~وهذا في الاستعانة مثل ذلك. فأما ما يقدر عليه البشر فليس من هذا الباب ~~ولهذا قال تعالى: " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ". # وفي دعاء موسى عليه الصلاة والسلام: وبك المستغاث. # وقال أبو يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون ~~بالمسجون. # وقد قال تعالى: " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا ". # وقال تعالى: " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة والنبوة " (1) ~~الآية. فبين أن من اتخذ النبيين أو الملائكة أو غيرهم أربابا فهو كافر. # وقال تعالى: " قل دعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السموات ولا في الأرض - إلى قوله - ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ~~". # وقال تعالى: " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ". # وقال تعالى: " ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ". # وقال تعالى: " ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله " الآية. # وقال تعالى عن صاحب ياسين: " وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون، ~~أأتخذ من دونه آلهة أن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون " الآية. # وقال تعالى: " ولا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له ". # وقال تعالى: " يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ~~". # وقال تعالى: " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ". # فالشفاعة نوعان: أحدهما التي أثبتها المشركون ومن ضاهاهم من جهال هذه ~~الأمة وضلالهم وهي شرك. # والثانية أن يشفع الشفيع بأن المشفع الله التي أثبتها الله (2) لعباده ~~الصالحين. PageV01P015 # ولهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة يأتي ويسجد ~~تحت العرش قال: " فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقال: أي ~~محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع ". فإذا أذن الله في ~~الشفاعة شفع لمن أراد الله ms013 أن يشفع فيه. قال أصحاب هذا القول: فلا يجوز أن ~~يشرع ذلك في مغيبه بعد موته، وهو معنى الإقسام به على الله والسؤال بذاته، ~~فإن الصحابة رضي الله عنهم قد فرقوا بين الأمرين، فإن في حياته صلى الله ~~عليه وسلم ليس في ذلك محذور ولا مفسدة، فإن أحدا من الأنبياء لم يعبد في ~~حياته بحضوره فإنه ينهى أن يشرك به ولو كان شركا أصغر، كما أن من سجد له ~~نهاه عن السجود له، وكما قال: " لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن ~~قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد " وأمثال ذلك. # وأما بعد موته فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزيز ~~وغيرهما ولهذا كانت الصلاة في حياته مشروعة عند قبره منهيا عنها والصلاة ~~خلفه في المسجد مشروعة إن لم يكن المصلي ملاقاته والصلاة إلى قبره منهيا ~~عنها (1) . # فمعنا أصلان عظيمان: أحدهما أنه لا يعبد إلا الله، والثاني أن لا يعبد ~~إلا بما شرع لا بعبادة مبتدعة، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في ~~دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه ~~شيئا. # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " فلا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت ~~به السنة، وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة، ~~وما PageV01P016 # علمه قال به وما لم يعلمه أمسك عنه " ولا تقف ما ليس لك به علم " ولا تقل ~~على الله ما لا تعلمه. # وقد اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير الله ولو حلف بالكعبة أو ~~الملائكة أو بالأنبياء عليه الصلاة والسلام لم تنعقد يمينه ولا يشرع له ذلك ~~بل ينهى عنه إما نهي تحريم وإما نهي تنزيه فإن للعلماء في ذلك قولين ~~والصحيح أنه نهي تحريم ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من ~~كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ms014 ". # وفي الترمذي عنه أنه قال: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ولم يقل أحد من ~~العلماء أنه ينعقد اليمين بأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن عن ~~أحمد في انعقاد اليمين بالنبي صلى الله عليه وسلم روايتين لكن الذي عليه ~~الجمهور كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنه لا ينعقد اليمين به كإحدى الروايتين ~~عن أحمد وهذا هو الصحيح، ولا يستعاذ أيضا بالمخلوقات بل إنما يستعاذ ~~بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته ولهذا احتج على أن كلام الله غير مخلوق بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " فقد استعاذ ~~بها والمخلوق لا يستعاذ به. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~لا بأس بالرقي ما لم يكن شركا " كالتي فيها استعانة بالجن كما قال تعالى: " ~~وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا " وهذا مثل ~~العزائم والأقسام التي يقسم بها على الجن وقد نهي عن كل قسم وعزيمة لا يعرف ~~معناهما بحيث أن يكون فيهما ما لا يجوز فيهما ما لا يجوز من سؤال غيره. # فسائل الله بغير الله إما أن يكون مقسما عليه وإما أن يكون طالبا بذلك ~~السبب كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم، وكما يتوسل بدعاء الأنبياء ~~والصالحين، فإن كان إقساما على الله بغيره فهذا لا يجوز وإن كان طالبا من ~~الله بذلك السبب كالطلب منه بدعاء الصالحين والأعمال الصالحة فهذا يصح لأن ~~دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دعوا به، وكذلك الأعمال الصالحة سبب ~~لثواب الله لنا، فإذا توسلنا بذلك كنا متوسلين تبقى عنده، وإما إذا لم ~~نتوسل بدعائهم ولا بالأعمال # PageV01P017 # الصالحة (1) ولا ريب أن لهم عند الله من المنازل أمرا يعود نفعه عليهم ~~ونحن ننتفع من ذلك بإتباعنا لهم، ومحبتنا لهم، وبدعائهم لنا، فإذا توسلنا ~~إلى الله بأيماننا بنبيه ومحبته وموالاته وإتباع سنته ونحو ذلك فهذا من ~~أعظم الوسائل، وأما نفس ذاته مع عدم الإيمان به، وعدم طاعته وعدم دعائه ~~لنا، فلا يجوز فالمتوسل إذا لم يتوسل لا ms015 بما من المتوسل به ولا بما منه ولا ~~بما من الله فبأي شيء يتوسل؟ (2) والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فأما ~~أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك الغير مثل أن يقال لأبي الرجل أو ~~صديقه أو من يكرم عليه: اشفع لنا عند فلان، وأما أن يسأل. كما يقال بحياة ~~ولدك فلان وبتربة أبيك فلان وبحرمة شيخك فلان ونحو ذلك، وقد علم أن الإقسام ~~على الله بغير الله لا يجوز أن يقسم بمخلوق على الله أصلا. وأما حديث ~~الأعمى فإنه طلب من النبي أن يدعو له كما طلب الصحابة رضي الله عنهم ~~الاستسقاء منه صلى الله عليه وسلم وقوله: " أتوجه إليك بنبيك محمد " أي ~~بدعائه وشفاعته لي. ولهذا في تمام الحديث: فشفعه في. فالذي في الحديث متفق ~~على جوازه وليس هو مما نحن فيه. وقد قال تعالى: " واتقوا الله الذي تساءلون ~~به والأرحام " فعلى قراءة الجمهور (3) إنما يتساءلون بالله وحده لا بالرحم، ~~وتساؤلهم بالله متضمن إقسام بعضهم على بعض بالله وتعاهدهم بالله. وأما على ~~قراءة الخفض فقد قالت طائفة من السلف: هو قولك أسألك بالله وبالرحم. فمعنى ~~قولك أسألك بالرحم ليس إقساما بالرحم فإن PageV01P018 # القسم بها لا يشرع لكن بسبب الرحم أي إن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على ~~بعض حقوقا كسؤال " أصحاب الغار " الثلاثة لله عز وجل بأعمالهم الصالحة ومن ~~هذا - الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة: " اللهم إني أسألك بحق ~~السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياءا ولا ~~سمعة ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذني من النار وأن تدخلني ~~الجنة " فهذا الحديث عن عطية العوفي وفيه ضعف (1) فإن كان هذا كلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم فهو من هذا الباب لوجهين أحدهما أن فيه السؤال لله بحق ~~السائلين عليه، وبحق الماشين في طاعته، وحق السائلين أن يجيبهم، وحق ~~الماشين أن يثيبهم، وهذا حق ms016 أحقه على نفسه سبحانه وتفضل به، وليس للمخلوق ~~أن يوجب على الخالق شيئا. ومنه قوله تعالى: " كتب ربكم على نفسه الرحمة " " ~~وكان حقا علينا نصر المؤمنين " " وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ". وفي الصحيح من حديث معاذ: " حق الله على عباده أن يعبدوه ولا ~~يشركوا به شيئا وحقهم عليه إن فعلوا ذلك أن لا يعذبهم " فحق السائلين ~~والعابدين له هو الإثابة والإجابة فذلك سؤال له في أفعاله (2) كالاستعاذة ~~وقوله: " أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك " فالاستعاذة ~~بالمعافاة التي هي فعله كالسؤال بإثباته التي هي فعله. # وروى الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله ~~يقول يا عبدي إنما هي أربع: واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة ~~بينك وبين خلقي، فالتي هي لي تعبدني ولا تشرك بي شيئا، والتي هي لك أجزيك ~~به أحوج ما تكون إليه، والتي بيني وبينك منك الدعاء وعلي الإجابة، والتي ~~بينك وبين خلقي فائت إلى الناس ما تحب أن يأتوه إليك " وتقسيمه في الحديث ~~إلى قوله واحدة لي وواحدة لك هو مثل تقسيمه في حديث الفاتحة بحيث يقول الله ~~PageV01P019 # تعالى: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ~~ما سأل " والعبد يعود عليه نفع النصفين والله تعالى يحب النصفين لكن هو ~~سبحانه يحب أن يعبد وما يعطيه العبد من الإعانة والهداية هو وسيلة إلى ذلك ~~فإنما يحبه لكونه طريقا إلى عبادته، والعبد يطلب ما يحتاج إليه أولا وهو ~~محتاج إلى الإعانة على العبادة والهداية إلى الصراط المستقيم وبذلك يصل إلى ~~العبادة إلى غير ذلك مما يطول الكلام فيما يتعلق بذلك وليس هذا موضعه وإن ~~كنا خرجنا عن المراد. # الوجه الثاني الدعاء له والعمل له سبب لحصول مقصود العبد فهو كالتوسل ~~بدعاء الرسول والصالحين من أمته، وقد تقدم أن الدعاء إما أن يكون إقساما به ~~أو تسببا به، فإن قوله: بحق الصالحين إن كان إقساما عليه فلا يقسم على الله ~~إلا بصفاته. وإن كان ms017 تسببا فهو تسبب لما جعله سبحانه سببا وهو دعاؤه ~~وعبادته، فهذا كله يشبه بعضه بعضا وليس في شيء من ذلك دعاء له بمخلوق ولا ~~عمل صالح منا، فإذا قال القائل أسألك بحق الأنبياء والملائكة والصالحين فإن ~~كان يقسم بذلك فلا يجوز أن يقول وحق الملائكة وحق الأنبياء وحق الصالحين ~~ولا يقول لغيره أقسمت عليك بحق هؤلاء فإذا لم يجز أن يحلف به ولا يقسم، ~~فكيف يقسم على الخالق به؟ وإن كان لا يقسم به فليس في ذوات هؤلاء سبب يوجب ~~حصول مقصوده لكن لا بد من سبب منه كالإيمان بالأنبياء والملائكة أو منهم ~~كدعائهم لنا - لكن كثير من الناس تعودوا ذلك كما تعودوا الحلف بهم حتى يقول ~~أحدهم: وحقك على الله وحق هذه الشيبة على الله. وفي الحلية لأبي نعيم أن ~~داود عليه السلام قال: يا رب بحق آبائي عليك يا إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ~~فأوحى الله إليه: " يا داود أي حق لآبائك علي؟ " وهذا وإن لم يكن من الأدلة ~~الشرعية فقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر ~~عليه. وأما الغائب والميت فلا يطلب منه شيء. # وتحقيق هذا الأمر أن التوسل به والتوجه إليه وبه لفظ فيه إجمال واشتراك ~~بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكونون # PageV01P020 # متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته، ودعاؤه وشفاعته من أعظم الوسائل عند ~~الله وأما لغة كثير من الناس أن يسأل بذلك ويقسم عليه بذلك والله تعالى لا ~~يقسم عليه بشيء من المخلوقات بل لا يقسم بها بحال فلا يقال: أقسمت عليك يا ~~رب بملائكتك ونحو ذلك بل إنما يقسم بالله وأسمائه وصفاته. فيقال: " أسألك ~~بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت يا الله المنان بديع السموات والأرض يا ذا ~~الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك " ~~الحديث كما جاءت به السنة وأما ms018 أن يسأل الله ويقسم عليه بمخلوقاته فهذا لا ~~أصل له في دين الإسلام، وقوله: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ~~ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك وحدك الأعلى وكلماتك التامة - مع أن في ~~جواز الدعاء به قولين للعلماء فجوزه أبو يوسف ومنع منه أبو حنيفة وأمثال ~~ذلك - فينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية المشروعة التي جاء بها الكتاب والسنة ~~فإن ذلك لا ريب في فضله وحسنه فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وهو ~~أجمع وأنفع، وأسلم وأقرب إلى الإجابة. # وأما ما يذكره بعض العامة من قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا كانت لكم ~~إلى الله حاجة فاسألوا الله بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم " فهذا الحديث لم ~~يروه أحد من أهل العلم ولا هو في شيء من كتب الحديث والمشروع الصلاة عليه ~~في كل دعاء. ولهذا ذكر الدعاء في الاستسقاء. وغيره ذكروا الأمر بالصلاة ~~عليه، ولم يذكروا فيما يشرع للمسلمين في هذا الحال التوسل به كما لم يذكر ~~أحد من العلماء دعاء غير الله والاستغاثة به في حال من الأحوال، وإن كان ~~بينهما فرق فدعاء غير الله كفر بخلاف قول القائل إني أسألك بجاه فلان ~~الصالح فإن هذا لم يبلغنا عن أحد من السلف أنه كان يدعو به. # ورأيت في فتاوى الفقيه الشيخ أبي محمد بن عبد السلام أنه لا يجوز ذلك في ~~حق غير النبي صلى الله عليه وسلم ثم رأيت عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما ~~من # PageV01P021 # العلماء أنهم قالوا: لا يجوز الإقسام على الله بأحد من الأنبياء. ورأيت ~~في كلام الإمام أحمد أنه في النبي صلى الله عليه وسلم لكن هذا قد يخرج على ~~إحدى الروايتين عنه في جواز الحلف به. # وأما الصلاة عليه فقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى: ~~" إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما " وفي الصحيح عنه أنه قال: " من صلى علي مرة صلى ms019 الله عليه عشرا ". # وفي المسند أن رجلا قال: يا رسول الله أجعل عليك ثلث صلواتي قال: " يكفيك ~~الله ثلث أمرك " فقال: " أجعل عليك نصف صلاتي " قال: " إذا يكفيك الله ثلثي ~~أمرك " فقال أجعل صلاتي كلها عليك فقال: " إذا يكفيك الله ما أهمك من أمور ~~دنياك وآخرتك ". # وقد ذكر العلماء وأئمة الدين الأدعية المشروعة وأعرضوا عن الأدعية ~~المبتدعة فينبغي إتباع ذلك. # والمراتب في هذا الباب ثلاثة: أحدها: أن الدعاء لغير الله سواء كان ~~المدعو حيا أو ميتا وسواء كان من الأنبياء عليهم السلام وغيرهم فيقال: يا ~~سيدي فلان أغثني! وأنا مستجير بك ونحو ذلك فهذا هو الشرك بالله. والمستغيث ~~بالمخلوقات قد يقضي الشيطان حاجته أو بعضها، وقد يتمثل له في صورة الذي ~~استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به وإنما هو شيطان أضله وأغواه لما ~~أشرك بالله كما يتكلم الشيطان في الأصنام وفي المصروع وغير ذلك، ومثل هذا ~~واقع كثيرا في زماننا وغيره وأعرف من ذلك ما يطول وصفه في قوم استغاثوا بي ~~أو بغيري وذكروا أنه أتى شخص على صورتي أو صورة غيري وقضى حوائجهم فظنوا أن ~~ذلك من بركة لاستغاثة بي أو بغيري وإنما هو شيطان أضلهم وأغواهم وهذا هو ~~أصل عبادة الأصنام واتخاذ الشركاء مع الله تعالى في الصدر الأول من القرون ~~الماضية كما ثبت ذلك فهذا شرك بالله نعوذ بالله من ذلك. # الثاني: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي ~~وادع لنا # PageV01P022 # ربك ونحو ذلك فهذا مما لا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التي ~~لم يفعلها أحد من سلف الأمة وأئمتها، وإن كان السلام على أهل القبور جائزا ~~ومخاطبتهم جائزة كما كان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور ~~وأن يقول قائلهم: " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله ~~بكم لاحقون ". # وقال ابن عبد البر: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من ~~رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه فيسلم ms020 عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه ~~السلام ". # وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من رجل مسلم ~~سلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ". لكن ليس من المشروع ~~أن يطلب من الأموات شيئا. # وفي الإمام مالك (1) : أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان ~~يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا ~~أبي " ثم ينصرف. # وكذلك أنس بن مالك وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، نقل عنهم السلام على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون الله ~~تعالى لا يدعون وهم مستقبلوا القبر الشريف. وإن كان قد وقع في ذلك بعض ~~الطوائف من الفقهاء والمتصوفة ومن العامة من لا اعتبار بهم فإنه لم يذهب ~~إلى ذلك إمام متبع في قوله ولا من له في الأمة لسان صدق. بل قد تنازع ~~العلماء في السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو حنيفة: يستقبل ~~القبلة ويستدبر القبر، وقال مالك والشافعي بل يستقبل القبر وعند الدعاء ~~يستقبل القبلة ويستدبر القبر، ويجعل القبر عن يساره أو يمينه وهو الصحيح إذ ~~لا محذور في ذلك. # الثالث: أن يقول: أسألك بجاه فلان عندك أو بحرمته ونحو ذلك، فهو الذي ~~تقدم عن أبي محمد أنه أفتى بأنه لا يجوز في غير النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأفتى أبو حنيفة وأبو يوسف وغيرهما أنه لا يجوز في حق أحد من الأنبياء فكيف ~~بغيرهم، وإن كان بعض المشايخ المبتدعين يحتج بما يرويه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور " أو قال: " ~~فاستغيثوا بأهل القبور " PageV01P023 # فهذا الحديث كذب مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين ~~بحديثه لم يروه أحد من العلماء ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة. # وقد قال تعالى: " وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده " الآية. وهذا ~~مما يعلم ms021 بالاضطرار في دين الإسلام أنه غير مشروع، وقد نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عما هو أقرب من ذلك من اتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك ولعن على ذلك ~~من فعله تحذيرا من الفتنة باليهود فإن ذلك هو أصل عبادة الأصنام أيضا فإن ~~ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين في قوم نوح عليه الصلاة ~~والسلام فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم اتخذوا الأصنام على صورهم كما ذكر ~~ذلك ابن عباس وغيره من العلماء (1) فمن فهم معنى قوله: " إياك نعبد وإياك ~~نستعين " عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله وحده. # وقد يستغاث بالمخلوق فيما يقدر عليه وكذلك الاستعانة لا تكون إلا بالله ~~والتوكل لا يكون إلا على الله، وما النصر إلا من عند الله. فالنصر المطلق ~~وهو خلق ما يغلب به العدو فلا يقدر عليه إلا سبحانه، وفي هذا القدر كفاية ~~لمن هداه الله تعالى والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبته وسلم تسليما كثيرا. انتهى. PageV01P024 ### | أهل الصفة وأباطيل بعض الصوفية المتصوفة فيهم وفي الأولياء وأصنافهم والدعاوى فيهم # لشيخ الإسلام أحمد تقي الدين بن تيمية قدس سره: # بسم الله الرحمن الرحيم: مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي ~~الله عنهم في أهل الصفة كم كانوا؟ وهل كانوا بمكة أو بالمدينة؟ وأين موضعهم ~~الذي كانوا يقيمون به؟ وهل كانوا مقيمين بأجمعهم لا يخرجون إلا خروج حاجة ~~أو كان منهم من يقعد بالصفة ومنهم من يتسبب في القوت؟ وما كان تسببهم هل ~~يعملون بأبدانهم أم يشحذون بالزنبيل؟ وما قول العلماء وفقهم الله تعالى ~~فيمن يعتقد أن أهل الصفة قاتلوا المؤمنين مع المشركين؟ وفيمن يعتقد أن أهل ~~الصفة أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ومن الستة الباقين ~~من العشرة وأفضل من جميع الصحابة؟ وهل كان فيهم أحد من العشرة؟ وهل كان أحد ~~في ذلك العصر ينذر لأهل الصفة؟ وهل تواجدوا على دف أو شبابة أو كان لهم حاد ~~ينشد لهم أشعارا ويتحركون ms022 عليها بالتصدية ويتواجدون؟ # وما قول العلماء في قوله تعالى: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه " هل هي عامة أم مخصوصة بأهل الصفة رضي الله ~~عنهم؟ وهل هذا الحديث الذي يرويه كثير من العوام ويقولون إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: " ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي لله لا الناس ~~تعرفه ولا الولي يعرف أنه ولي " وهل تخفى حالة الأولياء أو طرقهم على أهل ~~العلم أو غيرهم؟ ولماذا سمي الولي وليا؟ وما الفقراء الذين يسبقون الأغنياء ~~إلى الجنة والفقراء الذين أوصى الله عليهم في كلامه وذكرهم خاتم أنبيائه ~~ورسله وسيد خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في سنته؟ هل هم الذين لا يملكون ~~كفايتهم أهل الفاقة والحاجة أم # PageV01P025 # لا؟ والحديث المروي في الأبدال هل هو صحيح أم مقطوع؟ وهل الأبدال مخصوص ~~بالشام أم حيث تكون شعائر الإسلام قائمة بالكتاب والسنة يكون بها الأبدال ~~بالشام وغيره من الأقاليم؟ وهل صحيح أن الولي يكون قاعدا في جماعة ويغيب ~~جسده. # وما قول السادة العلماء في هذه الأسماء التي تسمى بها أقوام من المنسوبين ~~إلى الدين والفضيلة ويقولون هذا غوث الأغواث وهذا قطب الأقطاب، وهذا قطب ~~العالم وهذا القطب الكبير وهذا خاتم الأولياء؟. # وأيضا فما قول العلماء في هؤلاء القلندرية الذين يحلقون ذقونهم ما هم؟ ~~ومن أي الطوائف يحسبون؟ وما قولكم في اعتقادهم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أطعم شيخهم قلندر عنبا وكلمه بلسان العجم؟ وهل يحل لمسلم يؤمن بالله ~~تعالى أن يدور في الأسواق والقرى ويقول من عنده نذر للشيخ فلان أو لقبره؟ ~~وهل يأثم من يساعده أم لا؟ وما تقولون فيمن يقول أن الست نفيسة هي باب ~~الحوائج إلى الله تعالى وأنها خفيرة مصر؟ وما تقولون فيمن يقول أن بعض ~~المشايخ إذا قام لسماع المكاء والتصدية يحضره رجال الغيب وينشق السقف ~~والحيطان وتنزل الملائكة ترقص معهم أو عليهم، وفيهم من يعتقد أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يحضر معهم؟ وماذا يجب على من ms023 يعتقد هذا الاعتقاد؟ وما ~~صفة رجال الغيب وما قول من يقول أنه من خفراء التتار؟ وهل يكون للتتار ~~خفراء أم لا؟ وإذا كانوا فهل يغلب حال هؤلاء خفراء الكفار كحال خفراء أمة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وهل هذه المشاهد المسماة باسم أمير المؤمنين علي وولده الحسين رضي الله ~~عنهما صحيحة أم مكذوبة؟ وأين ثبت قبر علي ابن عم رسول الله؟ والمسؤول من ~~إحسان علماء الأصول كشف هذه الاعتقادات والدعاوي والأحوال كشفا شافيا بكتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # والحالة هذه أفتونا مأجورين أثابكم الله. # أجاب: رضي الله عنه وأرضاه آمين. # الحمد لله رب العالمين: أما الصفة التي ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب # PageV01P026 # النبي صلى الله عليه وسلم فكانت في مؤخر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~في شمال المسجد بالمدينة النبوية كان يأوي إليها من فقراء المسلمين من ليس ~~له أهل ولا مكان يأوي إليه، وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما أمر نبيه ~~والمؤمنين أن يهاجروا إلى المدينة النبوية حين آمن به من آمن من أكابر أهل ~~المدينة من الأوس والخزرج وبايعهم بيعة العقبة عند منى وصار للمؤمنين دار ~~عز ومنعة جعل المؤمنون من أهل مكة وغيرهم يهاجرون إلى المدينة وكان ~~المؤمنون السابقون بها صنفين المهاجرين الذين هاجروا إليها من بلادهم ~~والأنصار الذين هم أهل المدينة وكان من لم يهاجر من الأعراب وغيرهم من ~~المسلمين لهم حكم آخر، وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع أكابرهم لهم ~~بالقيد والحبس، وآخرون كانوا مقيمين بين ظهراني الكفار المستظهرين عليهم ~~وكل هذه الأصناف مذكورة في القرآن وحكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ~~ونظرائهم قال الله تعالى: " إن الذين آمنوا وهاجوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين ~~آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا. وإن استنصروكم في ~~الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير، ~~والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ألا تفعلوه تكن ms024 فتنة في الأرض وفساد كبير، ~~والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم ~~المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم " فهذا في السابقين. # ثم ذكر من اتبعهم إلى يوم القيامة فقال: " والذين آمنوا من بعد وهاجروا ~~وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن ~~الله بكل شيء عليم " وقال تعالى: " والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه " الآية. وذكر في ~~السورة الأعراب المؤمنين وذكر المنافقين من أهل المدينة وممن حولها. وقال ~~تعالى: " الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا، إلا المستضعفين # PageV01P027 # من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك ~~عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله غفورا رحيما ". # فلما كان المؤمنون يهاجرون إلى المدينة النبوية كان فيهم من ينزل على ~~الأنصار بأهله أو بغير أهله لأن المبايعة كانت على أن يؤووهم ويواسوهم، ~~وكان في بعض الأوقات إذا قدم المهاجر اقترع الأنصار على من ينزل منهم، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد حالف بين المهاجرين والأنصار وآخى بينهم، ثم ~~صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئا بعد شيء فإن الإسلام صار ينتشر والناس ~~يدخلون فيه والنبي صلى الله عليه وسلم يغزو الكفار تارة بنفسه وتارة ~~بسراياه فيسلم خلق تارة ظاهرا وباطنا وتارة ظاهرا فقط ويكثر المهاجرون، إلى ~~المدينة من الأغنياء والفقراء والآهلين والعزاب. فكان من لم يتيسر له مكان ~~يأوي إليه يأوي إلى تلك الصفة التي في المسجد، ولم يكن جميع أهل الصفة ~~يجتمعون في وقت واحد بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له ~~ويجيء ناس بعد ناس وكانوا تارة يكثرون وتارة يقلون، فتارة يكونون عشرة أو ~~أقل وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر وتارة يكونون ستين وسبعين. # وأما جملة من آوى إلى الصفة مع تفرقهم فقد كانوا نحو أربعمائة من الصحابة ms025 ~~وقد قيل كانوا أكثر من ذلك. جمع أسماءهم الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ولم ~~يعرف كل واحد منهم في كتاب تاريخ أهل الصفة، وكان معتنيا بجمع أخبار النساك ~~والصوفية والآثار التي يستندون إليها والكلمات المأثورة عنهم وجمع أخبار ~~زهاد السلف وأخبار جميع من بلغه أنه كان من أهل الصفة وكم بلغوا. والصوفية ~~المستأخرون بعد القرون الثلاثة (1) ، وجمع أيضا في الأبواب مثل حقائق ~~التفسير ومثل أبواب التصوف الجارية على أبواب الفقه ومثل كلامهم في التوحيد ~~والمعرفة والمحبة ومسألة السماع وغير ذلك من الأحوال وغير ذلك من الأبواب. ~~PageV01P028 # وفيما جمعه فوائد كثيرة ومنافع جليلة وهو في نفسه رجل من أهل الخير ~~والدين والصلاح والفضل، وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شيء كثير ويروي ~~أحيانا آثارا ضعيفة بل موضوعة يعلم أنها كذب. # وقد تكلم بعض حفاظ الحديث في سماعه وكان البيهقي إذا روي عنه يقول: حدثنا ~~أبو عبد الرحمن من أصل سماعه وما يظن به وبأمثاله إن شاء الله تعالى تعمد ~~الكذب (1) ، لكن لعدم الحفظ والإتقان يدخل عليهم الخطأ في الرواية فإن ~~النساك والعباد منهم من هو متقن في الحديث مثل ثابت البنان والفضيل بن عياض ~~وأمثالهم ومنهم من قد يقع في بعض حديثه غلط وضعف مثل مالك بن دينار وفرقد ~~السنجي ونحوهما. # وكذلك ما يؤثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين في الطريق أو ينتصر له ~~من الأقوال والأحوال فيه من الهدى والعلم شيء كثير. وفيه أحيانا من الخطأ ~~أشياء وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ وبعضه باطل قطعا مصدره مثل ما ذكر في ~~حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة وذكر عن ~~بعض طائفة أنواعا من الإشارات التي بعضها أمثال حسنة واستدلالات مناسبة ~~وبعضها من نوع الباطل واللغو والذي جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن في تاريخ أهل ~~الصفة وأخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية يستفاد منه فوائد جليلة ويجتنب ما ~~فيه من الروايات الباطلة ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة، وهكذا كثير ~~من أهل الروايات ومن أهل ms026 الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد والمتكلمة ~~وغيرهم يؤخذ فيما يأثرونه عمن قبلهم وفيما يذكرونه معتقدين له شيء كثير ~~وأمر PageV01P029 # عظيم من الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، ويوجد أحيانا عندهم من ~~جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير، ومن له من الأمة لسان ~~صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة فهؤلاء هم أئمة الهدى ~~ومصابيح الدجى وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم وعامته من موارد الاجتهاد ~~التي يعذرون بها وهم الذين يتبعون العلم والعدل فهم بعداء عن الجهل والظلم ~~وعن إتباع الظن وما تهوى النفس. # فصل: وأما حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين الذين لم يكونوا في ~~الصفة أو كانوا يكونون بها بعض الأوقات فكما وصفهم الله تعالى في كتابه حيث ~~بين مستحقي الصدقة منهم ومستحقي الفيء، فقال: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي ~~وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لك ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما ~~تعملون خبير " إلى قوله: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ~~ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون ~~الناس إلحافا " وقال في أهل الفيء: " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون " وكان فقراء المسلمين من أهل الصفة وغيرهم يكتسبون عند إمكان ~~الاكتساب الذي لا يصدهم عما هو أوجب أو أحب إلى الله من الكسب وأما إذا ~~أحصروا في سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله. # وكان أهل الصفة ضيف الإسلام يبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما ~~يكون عنده فإن الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب ~~بما يحتاجون إليه من الرزق. # وأما المسألة فكانوا فيها كما أدبهم النبي صلى الله عليه وسلم حرمها على ~~المستغني عنها وأباح منها أن يسأل الرجل حقه مثل أن يسأل ذا السلطان أن ~~يعطيه حقه من مال الله أو يسأل إذا كان لا بد ms027 سائلا الصالحين الموسرين إذا ~~احتاج إلى ذلك ونهى خواص أصحابه عن المسألة مطلقا حتى كان السوط يسقط من يد ~~أحدهم # PageV01P030 # فلا يقول لأحد ناولني إياه، وهذا الباب فيه أحاديث وتفصيل وكلام للعلماء ~~لا يسعه هذا الكتاب مثل قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه: " ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل له ولا مشرف فخذه ومالا فلا ~~تتبع نفسك (1) ". ومثل قوله: " من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ~~ومن يتصبر يصبره الله، ما أعطي أحد عطاء خيرا أوسع من الصبر (2) ". ومثل ~~قوله: " من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته خدوشا أو خموشا أو كدوشا في ~~وجهه (3) ". وقوله: " لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل ~~الناس أعطوه أو منعوه (4) ". إلى غير ذلك من الأحاديث. # وأما الجائز منها فمثل ما أخبر الله عز وجل عن موسى والخضر أنهما أتيا ~~أهل قرية استطعما أهلها، ومثل قوله: " لا تحل المسألة إلا لذي ألم موجع أو ~~غرم مفظع أو فقر مدقع "، ومثل قوله لقبيصة بن مخارق الهلالي: " يا قبيصة لا ~~تحل المسألة إلا لثلاثة، رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فسأل حتى يجد سدادا ~~من عيش وقواما من عيش ثم يمسك، ورجل يحمل حمالة فيسأل حتى يجد حمالته ثم ~~يمسك PageV01P031 # وما سوى ذلك من المسألة فإنما هو سحت أكله صاحبه سحتا (1) ". # ولم يكن في الصحابة لا أهل الصفة ولا غيرهم من يتخذ مسألة الناس والإلحاف ~~بالمسألة بالكدية والمشاحذة - لا بالزنبيل ولا غيره - صناعة وحرفة بحيث لا ~~يبتغي الرزق إلا بذلك، كما لم يكن في الصحابة أيضا أهل فضول من الأموال ~~يزكون لا يؤدون الزكاة ولا ينفقون أموالهم في سبيل الله ولا يعطون في ~~النوائب بل هذان الصنفان الظالمان المصران على الظلم الظاهر من مانعي ~~الحقوق الواجبة والمعتدين حدود الله في أخذ أموال الناس كانا معدومين في ~~الصحابة المثني عليهم. # فصل: من توهم أن أحدا من الصحابة أهل الصفة أو غيرهم أو التابعين أو تابع ~~التابعين ms028 قاتل مع الكفار أو قاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه ~~أو أنهم كانوا يستحلون ذلك أو أنه يجوز ذلك فهذا ضال غاو بل كافر يجب أن ~~يستتاب من ذلك فإن تاب وإلا قتل " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ". # بل كان أهل الصفة ونحوهم كالقراء الذين قنت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يدعو على قتلهم هم من أعظم الصحابة إيمانا وجهادا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ونصرا لله ورسوله كما أخبر الله عنهم بقوله: " للفقراء المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون لله ~~ورسوله أولئك الصادقون ". وقال: " محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج ~~شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار " وقال: ~~" يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف PageV01P032 # يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ". # وقد غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوات متعددة وكان القتال منهم في تسع ~~مغاز مثل بدر وأحد وخيبر وحنين، وانكسر المسلمون يوم أحد وانهزموا ثم عادوا ~~يوم حنين ونصرهم الله ببدر وهم أذلة، وحصروا في الخندق حتى دفع الله عنهم ~~أولئك الأعداء وفي جميع المواطن كان يكون المؤمنين من أهل الصفة وغيرهم مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتلوا مع الكفار قط. # وإنما يظن هذا ويقوله من الضلال والمنافقين قسمان: قسم منافقون وإن ~~أظهروا الإسلام وكان في بعضهم زهادة وعبادة يظنون أن إلى الله طريقا غير ~~الإيمان بالرسول ومتابعته وأن من أولياء الله من يستغني عن متابعة الرسول ~~كاستغناء الخضر عن إتباع موسى وفي هؤلاء من يفضل شيخه أو عالمه أو ملكه على ms029 ~~النبي صلى الله عليه وسلم إما تفضيلا مطلقا أو في بعض صفات الكمال وهؤلاء ~~منافقون كفار يجب قتلهم بعد قيام الحجة عليهم فإن الله بعث محمدا صلى الله ~~عليه وسلم إلى جميع النقلين إنسهم وجنهم، زهادهم وملوكهم وموسى عليه السلام ~~إنما بعث إلى قومه لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولا كان يجب على الخضر إتباعه ~~بل قال له: إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من ~~الله تعالى علمكه الله لا أعلمه. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ~~وبعثت إلى الناس عامة ". # وقال الله تعالى: " يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السموات والأرض " وقال تعالى: " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ~~". # والقسم الثاني: من يشاهد ربوبية الله تعالى لعباده التي عمت جميع البرايا ~~ويظن أن دين الله الموفقة للقدر سواء كان ذلك في عبادة الأوثان واتخاذ ~~الشركاء والشفعاء من دونه وسواء كان فيه الإيمان بكتبه ورسله والإعراض عنهم ~~والكفر # PageV01P033 # بهم وهؤلاء يسوون بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في ~~الأرض وبين المتقين والفجار، ويجعلون المسلمين كالمجرمين ويجعلون الإيمان ~~والتقوى والعمل الصالح بمنزلة الكفر والفسوق والعصيان وأهل الجنة كأهل ~~النار وأولياء الله كأعداء الله، وربما جعلوا هذا من باب الرضا بالقضاء ~~وربما جعلوه التوحيد والحقيقة، بنوا على أنه توحيد الربوبية الذي يقربه ~~المشركون وأنه الحقيقة الكونية، وهؤلاء يعبدون الله على حرف فإن أصابهم خير ~~اطمأنوا به وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم خسروا الدنيا والآخرة، ~~وغايتهم يتوسعون في ذلك حتى يجعلوا قتال الكفار قتال الله وحتى يجعلوا ~~أعيان الكفار والفجار والأوثان من نفس الله وذاته، ويقولون ما في الوجود ~~غيره ولا سواه، بمعنى أن المخلوق هو الخالق والمصنوع هو الصانع، وقد ~~يقولون: " لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء " ويقولون: " ~~أنطعم من لو يشاء الله أطعمه " إلى نحو ذلك من الأقوال والأفعال التي هي شر ~~من مقالات ms030 اليهود والنصارى بل ومن مقالات المشركين والمجوس وسائر الكفار من ~~جنس مقالة فرعون والدجال ونحوهما ممن ينكر الصانع الخالق البارئ رب ~~العالمين أو يقولون إنه هو أو إنه حل فيه، وهؤلاء كفار بأصل الإسلام، وهو ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن التوحيد الواجب أن نعبد ~~الله وحده لا نشرك به شيئا فلا نجعل له ندا في ألوهيته ولا شريكا ولا ~~شنيعا، فأما توحيد الربوبية وهو الإقرار بأنه خالق كل شيء فهذا قد قاله ~~المشركون الذين قال الله فيهم " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون "، ~~قال ابن عباس: تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم يعبدون غيره. # وقال تعالى: " ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله " " قل لمن ~~الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا تذكرون، قل من رب ~~السموات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله قل أفلا تتقون، قل من بيده ~~ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون؟ سيقولون الله فأنى ~~تسحرون " # PageV01P034 # فالكفار المشركون مقرون بأن الله خالق السموات والأرض وليس في جميع ~~الكفار من جعل لله شريكا مساويا له في ذاته وصفاته وأفعاله، هذا لم يقله ~~أحد قط لا من المجوس الثنوية ولا من أهل التثليث ولا من الصابئة المشركين ~~الذين يعبدون الكواكب والملائكة ولا من عباد الأنبياء والصالحين ولا من ~~عباد التماثيل والقبور وغيرهم فإن جميع هؤلاء وإن كانوا كفارا مشركين ~~متنوعين في الشرك فهم يقرون بالرب الحق الذي ليس له مثل في ذاته وصفاته ~~وجميع أفعاله ولكنهم مع هذا مشركون به في ألوهيته بأن يعبدوا معه آلهة أخرى ~~يتخذونها شركاء أو شفعاء - أو في ربوبيته بأن يجعلوا غيره رب الكائنات دونه ~~مع اعترافهم بأنه رب ذلك الرب وخالق ذلك الخالق. # وقد أرسل الله جميع الرسل وأنزل جميع الكتب بالتوحيد الذي هو عبادة الله ~~وحده لا شريك له كما قال تعالى: " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله ms031 إلا أنا فاعبدون ". وقال تعالى: " واسأل من أرسلنا من قبلك ~~من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ". وقال تعالى: " ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من ~~حقت عليه الضلالة ". # وقال تعالى: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا أني بما ~~تعملون عليم، وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ". # وقد قالت الرسل كلهم مثل نوح وهود وصالح وغيرهم: " أن اعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون " فكل الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى طاعتهم ~~والإيمان بالرسل هو الأصل الثاني من أصلي الإسلام فمن لم يؤمن بأن هذا (1) ~~رسول الله إلى جميع العالمين وأنه يجب على جميع الخلق متابعته وأن الحلال ~~ما أحله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه فهو كافر مثل هؤلاء المنافقين ~~ونحوهم من يجوز الخروج عن دينه وشريعته وطاعته إما عموما وإما خصوصا ويجوز ~~إعانة الكفار والفجار على إفساد دينه وشرعته ويحتجون بما يفترونه أن أهل ~~الصفة قالوه وأنهم قالوا نحن مع الله من كان PageV01P035 # مع الله كنا معه يريدون بذلك الحقيقة الكونية دون الأمر والحقيقة الدينية ~~ويحتج بمثل هذا من ينصر الكفار والفجار ويخفرهم بهمته وقلبه وتوجهه من ذوي ~~الفقر، ويعتقدون مع هذا أنهم من أولياء الله وأن الخروج عن الشريعة ~~المحمدية سائغ لهم، وكل هذا ضلال وباطل وإن كان لأصحابه زهد وعبادة فهم في ~~العباد، مثل أوليائهم في الأجناد فإن للمرء على دين خليله والمرء مع من أحب ~~هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد جعل الله والمؤمنين بعضهم أولياء ~~بعض والكافرون بعضهم أولياء بعض، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال ~~المارقين من الإسلام مع عبادتهم العظيمة الذين قال فيهم " يحقر أحدكم صلاته ~~مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز ~~حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فإن في ~~قتلهم أجر عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم لأقتلنهم ms032 قتل عاد " ~~وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب لما خرجوا عن شريعة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسنته وفارقوا جماعة المسلمين، فكيف بمن يعتقد أن ~~المؤمنين كانوا يقاتلون النبي صلى الله عليه وسلم ومثل هذا ما يرويه بعض ~~هؤلاء المفترين أن أهل الصفة سمعوا ما خاطب الله به رسوله ليلة المعراج وأن ~~الله أمره أن لا يعلم به أحدا فلما أصبح وجدهم يتحدثون به فأنكر ذلك فقال ~~الله له أنا أمرتك أن لا تعلم به أحدا لكن أنا الله أعلمتهم - إلى أمثال ~~هذه الأكاذيب التي هي من أعظم الكفر وهي كذب واضح فإن أهل الصفة لم يكونوا ~~إلا بالمدينة ولم يكن بمكة أهل الصفة والمعراج إنما كان من مكة كما قال ~~سبحانه وتعالى: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى الذي باركنا حوله " ومما يشبه هذا من بعض الوجوه رواية بعضهم عن عمر ~~رضي الله عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث هو وأبو بكر ~~وكنت كالزنجي بينهما، وهذا من الإفك المختلق، ثم إنهم مع هذا يجعلون عمر ~~الذي سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وصديقه وهو أفضل الخلق بعد الصديق ~~لم يفهم ذلك الكلام بل كان كالزنجي ويدعون أنهم هم سمعوه وعرفوه، ثم كل ~~منهم يفسره بما يدعيه من الضلالات # PageV01P036 # الكفرية التي يزعم أنها علم الأسرار والحقائق إما الاتحاد وإما تعطيل ~~الشرائع ونحو ذلك مثلا ما يدعي النصيرية والإسماعيلية والقرمطية والباطنية ~~الثنوية والحاكمية وغيرهم - من الضلالات المخالفة لدين الإسلام ما ينسبونه ~~إلى علي بن أبي طالب أو جعفر الصادق أو غيرهما من أهل البيت كالبطاقة ~~والهفت والجدول والجفر وملحمة بن عقب وغير ذلك من الأكاذيب المفتراة باتفاق ~~جميع أهل المعرفة وكل هذا باطل، فإنه لما كان لآل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم به اتصال النسب والقرابة، وللأولياء والصالحين منهم ومن غيرهم به ~~اتصال الموالاة والمتابعة، صار كثير ممن يخالف دينه وشريعته وسنته يموه ~~باطله ويزخرفه بما يفتريه ms033 على أهل بيته وأهل موالاته ومتابعته وصار كثير من ~~الناس يغلو إما في قوم من هؤلاء أو من هؤلاء حتى يتخذهم آلهة أو يقدم ما ~~يضاف إليهم من شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته وحتى يخالف كتاب الله ~~وسنة رسوله وما اتفق عليه السلف الطيب من أهل بيته ومن أهل الموالاة ~~والمتابعة وهذا كثير في أهل الضلال. # فصل: وأما تفضيل أهل الصفة على العشرة وغيرهم فخطأ وضلال بل خير هذه ~~الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر كما تواتر ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب موقوفا ومرفوعا وكما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة ~~وأئمة العلم والسنة وبعدهما عثمان وعلي وكذلك سائر أهل الشورى مثل طلحة ~~والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وهؤلاء مع أبي عبيدة بن الجراح أمين هذه ~~الأمة ومع سعيد بن زيد هم العشرة المشهود لهم بالجنة وقد قال الله تعالى في ~~كتابه: " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى " ففضل السابقين قبل فتح ~~الحديبية إلى الجهاد بأنفسهم وأموالهم على التابعين بعدهم وقال الله تعالى: ~~" لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعوك تحت الشجرة " وقال تعالى: " ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ". # وقد ثبت في فضل البدريين ما تميزوا به على غيرهم وهؤلاء الذين فضلهم # PageV01P037 # الله ورسوله فمنهم من هو من أهل الصفة، والعشرة لم يكن فيهم من هو من أهل ~~الصفة إلا سعد بن أبي وقاص فقد قيل إنه أقام بالصفة مرة، وأما أكابر ~~المهاجرين والأنصار مثل الخلفاء الأربعة ومثل سعد ابن معاذ وأسيد بن الحضير ~~وعباد بن بشر وأبي أيوب الأنصاري ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب ونحوهم لم ~~يكونوا من أهل الصفة بل عامة أهل الصفة إنما كانوا من فقراء المهاجرين، ~~والأنصار كانوا في ديارهم ولم يكن أحد ينذر لأهل الصفة ولا لغيرهم. # فصل: وأما سماع المكاء والتصدية وهو الاجتماع لسماع ms034 القصائد الربانية ~~سواء كان بكف أو بقضيب أو بدف أو كان مع ذلك شبابة فهذا لم يفعله أحد من ~~الصحابة لا من أهل الصفة ولا من غيرهم ولا من التابعين بل القرون الثلاثة ~~المفضلة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: " خير القرون القرن الذي ~~بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " لم يكن فيهم أحد يجتمع على ~~هذا السماع لا في الحجاز ولا في الشام ولا في اليمن ولا في العراق ولا مصر ~~ولا خراسان ولا المغرب وإنما كان السماع الذين يجتمعون عليه سماع القرآن ~~وهو الذي كان الصحابة من أهل الصفة وغيرهم يجتمعون عليه فكان أصحاب محمد ~~إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم يقرأ والباقي يستمعون وقد روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خرج على أهل الصفة وفيهم قارئ يقرأ فجلس معهم، وكان عمر بن ~~الخطاب يقول لأبي موسى: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون وكل من ~~نقل أنهم كان لهم حاد ينشد القصائد الربانية بصلاح القلوب أو أنهم لما أنشد ~~بعض القصائد تواجدوا على ذلك أو أنهم مزقوا ثيابهم أو أن قائدا أنشدهم: # قد لسعت حية الهوى كبدي ... فلا طبيب لها ولا راقي # إلا الطبيب الذي شغفت به ... فعنده رقيتي وترياقي # أو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: " إن الفقراء يدخلون الجنة قبل ~~الأغنياء بنصف يوم " أنشدوا شعرا وتواجدوا عليه فكل هذا وأمثاله كذب مفترى ~~وكذب مختلق باتفاق أهل الآفاق من أهل العلم وأهل الإيمان لا ينازع في ذلك # PageV01P038 # إلا جاهل ضال وإن كان قد ذكر في بعض الكتب شيء من ذلك فكله كذب باتفاق ~~أهل العلم والإيمان. # فصل: وأما قوله: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه " فهي عامة فيمن تناوله هذا الوصف مثل الذين يصلون الفجر والعصر في ~~جماعة فإنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي وجهه سواء كانوا من أهل الصفة أو ~~غيرهم، أمر الله نبيه بالصبر مع عباد الله الصالحين الذين يريدون وجهه وأن ~~لا تعدو ms035 عيناه عنهم " تريد زينة الحياة الدنيا " وهذه الآية في الكهف وهي ~~سورة مكية وكذلك الآية التي هي في سورة الأنعام " ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك ~~عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ". # وقد روي أن هاتين الآيتين نزلتا في المؤمنين المستضعفين لما طلب ~~المستكبرون أن يبعدهم النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه الله تعالى عن طرد من ~~يريد وجهه وإن كان مستضعفا ثم أمره بالصبر معهم وكان ذلك قبل الهجرة إلى ~~المدينة وقبل وجود الصفة لكن هي متناولة لكل من كان بهذا الوصف من أهل ~~الصفة وغيرهم. والمقصود بذلك أن يكون مع المؤمنين المتقين الذي هم أولياء ~~الله وإن كانوا فقراء ضعفاء فلا يتقدم أحد عند الله تعالى بسلطانه وماله، ~~ولا بذله وفقره، وإنما يتقدم عنده بالإيمان والعمل الصالح، فنهى الله ~~سبحانه وتعالى أن يطاع (1) أهل الرئاسة والمال الذين يريدون إبعاد من كان ~~ضعيفا أو فقيرا وأمره أن لا يطرد من كان منهم يريد وجهه وأن يصبر نفسه معهم ~~في الجماعة التي أمر الله فيها بالاجتماع بهم كصلاة الفجر والعصر ولا يطيع ~~أمر الغافلين عن ذكر الله المتبعين لأهوائهم. PageV01P039 # فصل: وأما الحديث المروي " ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي لله " (1) ~~فمن الأكاذيب ليس في دواوين الإسلام وكيف والجماعة قد تكون كفارا وفساقا ~~يموتون على ذلك. # فصل: وأولياء الله تعالى هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما ذكر الله ذلك ~~في كتابه وهم قسمان المقتصدون أصحاب اليمين والمقربون السابقون فولي الله ~~ضد عدو الله قال الله تعالى: " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون ". # وقال الله تعالى " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - إلى قوله - ومن ~~يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب اله هم الغالبون ". # وقال: " لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ". # وقال: " ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ". # وقال: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ". # وقد ms036 روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره ~~الموت وأكره مساءته ولا بد له منه، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته ~~عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي ~~يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يسعى ". # والولي: من الولي (2) وهو القرب، كما أن العدو من العدو، وهو البعد فولي ~~الله من والاه بالموافقة له في محبوباته ومرضياته وتقرب إليه بما أمر به من ~~طاعاته وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح الصنفين ~~المقتصدون أصحاب اليمين وهم المتقربون إلى الله تعالى بالواجبات والسابقون ~~المقربون وهم المتقربون PageV01P040 # بالنوافل بعد الواجبات. وذكرهم الله في سورة فاطر والواقعة والإنسان ~~والمطففين وأخبر أن الشراب الذي يروى به المقربون بشربهم إياه يمزج لأصحاب ~~اليمين. والولي المطلق هو من مات على ذلك فأما إن قام به الإيمان والتقوى ~~وكان في علم الله تعالى أنه يرتد عن ذلك فهل يكون في حال إيمانه وتقواه ~~وليا لله أو يقال لم يكن وليا لله قط لعلم بعاقبة هدايته؟ قولان للعلماء. # وكذلك عندهم الإيمان الذي يعقبه الكفر هل هو إيمان صحيح ثم يبطل بمنزلة ~~ما يحبط من الأعمال بعد كماله؟ أو هو إيمان باطل بمنزلة من أفطر قبل غروب ~~الشمس في صيامه ومن أحدث قبل السلام في صلاته أيضا؟ فيه قولان للفقهاء ~~المتكلمين والصوفية والنزاع في ذلك بين أهل السنة والحديث من أصحاب الإمام ~~أحمد وغيرهم. # وكذلك يوجد النزاع فيه بين أصحاب مالك والشافعي وغيرهم، لكن أكثر أصحاب ~~أبي حنيفة لا يشترطون سلامة العاقبة، وكثير من أصحاب مالك والشافعي شرط ~~سلامة العاقبة، وهو قول كثير من متكلمي أهل الحديث كالأشعري ms037 ومن متكلمي ~~الشيعة ويبنون على هذا النزاع هل ولي الله يصير عدو الله؟ وبالعكس؟ ومن ~~أحبه الله ورضي عنه هل أبغضه الله وسخط عليه في وقت ما؟ وبالعكس؟ ومن أبغضه ~~الله وسخط عليه هل أحبه الله ورضي عنه في وقت ما على القولين والتحقيق وهو ~~الجمع بين القولين فإن علم الله القديم الأزلي وما يتبعه من محبته ورضاه ~~وبغضه وسخطه وولايته وعداوته لا يتغير، فمن علم الله منه أنه يوافي حين ~~موته بالإيمان والتقوى فقد تعلقت به محبة الله وولايته ورضاه عنه أزلا ~~وأبدا. وكذلك من علم الله منه أنه يوافي حين موته بالكفر فقد تعلق به بغض ~~الله وعدوانه وسخطه أزلا وأبدا ولكن مع ذلك فإن الله يبغض ما قام بالأول من ~~كفر وفسوق قبل موته، وقد يقال أنه يبغض ويمقته على ذلك كما ينهاه عن ذلك ~~وهو سبحانه وتعالى يأمر بما فعله الثاني من الإيمان والتقوى ويحب ما يأمر ~~به ويرضاه، وقد يقال أنه يوليه حينئذ على ذلك # PageV01P041 # والدليل على ذلك اتفاق الأمة على أن من كان مؤمنا ثم ارتد فإنه لا يحكم ~~بأن إيمانه الأول كان فاسدا بمنزلة من أفسد الصلاة والصيام والحج قبل ~~الإكمال وإنما يقال كما قال الله تعالى: " ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ~~" وقال: " لئن أشركت ليحبطن عملك " وقال: " ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون " ولو كان فاسدا في نفسه لوجب أن يحكم بفساد أنكحته المتقدمة وتحريم ~~ذبائحه وبطلان عباداته جميعها حتى لو كان قد حج عن غيره كان حجه باطلا، ولو ~~صلى مدة يقوم ثم ارتد كان لهم أن يعيدوا صلاتهم خلفه، ولو شهد أو حكم ثم ~~ارتد أن تفسد شهادته وحكمه ونحو ذلك، وكذلك أيضا الكافر إذا تاب من كفره ~~ولو كان محبوبا لله وليا له في حال كفره لوجب أن يقضي بعدم إحكام ذلك ~~الكافر وهذه كلها خلاف ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع. والكلام في هذه ~~المسألة نظير الكلام في الآجال والأرزاق ونحو ذلك وهي أيضا على قاعدة ~~الصفات ms038 الفعلية وهي قاعدة كبيرة وعلى هذا يخرج جواب السائل. فمن قال إن ولي ~~الله لا يكون إلا من وافاه حين الموت بالإيمان والتقوى فالعلم بذلك أصعب ~~عليه وعلى غيره، ومن قال قد يكون ولي الله من كان مؤمنا تقيا وأن يعلم ~~عاقبته فالعلم بذلك أسهل ومع هذا يمكن العلم بذلك للولي نفسه ولغيره ولكنه ~~قليل ولا يجوز التهجم بالقطع على ذلك، فمن ثبتت ولايته لله بالنص وأنه من ~~أهل الجنة كالعشرة وغيرهم فعامة أهل السنة يشهدون له بما شهد له به النص، ~~وأما من شاع له لسان صدق من الأمة بحيث اتفقت الأمة على الثناء عليه فهل ~~يشهد له بذلك؟ هذا فيه نزاع بين أهل السنة والأشبه أن يشهد له بذلك، هذا في ~~الأمر العام. # وأما خواص الناس فقد يعلمون عواقب أقوام بما يكشفه الله لهم، لكن ليس هذا ~~مما يجب التصديق العام به فإن كثيرا مما يظن به أنه حصل له هذا الكشف يكون ~~ظانا في ذلك ظنا لا يغني من الحق شيئا، وأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون ~~تارة ويخطئون أخرى كاهل النظر والاستدلال في موارد # PageV01P042 # الاجتهاد ولهذا وجب عليهم جميعهم أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله وأن ~~يزنوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآرائهم ومعقولاتهم بكتاب الله وسنة رسوله لا ~~يكتفوا بمجرد ذلك، فإن سيد المحدثين المخاطبين الملهمين من هذه الأمة هو ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد كان تقع له وقائع يردها عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وصديقه التابع له الآخذ عنه الذي هو أكمل من المحدث ~~الذي يحدث نفسه عن ربه ولهذا أوجب على جميع الخلق إتباع الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وطاعته في جميع أمورهم الباطنة والظاهرة، ولو كان أحد يأتيه من ~~الله ما لا يحتاج إلى عرضه على الكتاب والسنة لكان مستغنيا عن الرسول في ~~بعض دينه، وهذا من أقوال المارقين الذين يظنون أن من الناس من يكون مع ~~الرسول كالخضر مع موسى ومن قال هذا فهو كافر، وقد قال تعالى: " وما أرسلنا ~~من قبلك ms039 من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشطان في أمنيته فينسخ الله ما ~~يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم " فقد ضمن الله وللرسول ~~وللنبي أن ينسخ ما يلقي الشيطان في أمنيته ولم يضمن ذلك للمحدث ولهذا كان ~~في الحرف الآخر الذي كان يقرأ به ابن عباس وغيره: وما أرسلنا من قبلك رسولا ~~ولا نبي ولا محدث إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته. ويحتمل والله أعلم ~~أن يكون هذا الحرف متلوا حيث لم يضمن نسخ ما ألقى الشيطان فأما نسخ ما ألقى ~~الشيطان فليس إلا للأنبياء والمرسلين إذ هم معصومون فيما يبلغون عن الله ~~تعالى أن يستقر فيه شيء من إلقاء الشيطان، وغيرهم لا يجب عصمته من ذلك وإن ~~كان من أولياء الله المتقين، فليس من شرط أولياء الله المتقين أن لا يكونوا ~~مخطئين في بعض الأشياء خطأ مغفورا لهم بل ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقا، ~~بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه التوبة وقد قال الله ~~تعالى: " والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون، لهم ما يشاؤون عند ~~ربهم ذلك جزاء المحسنين، ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا (1) ويجزيهم ~~أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون " فقد وصفهم الله تعالى بأنهم هم المتقون ~~PageV01P043 # والمتقون هم أولياء الله ومع هذا بأجزائه ويكفر عنهم أسوء الذي عملوا. ~~وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم والإيمان، وإنما يخالف في ذلك الغالية من ~~الرافضة وأشباه الرافضة من الغالية في بعض المشايخ ومن يعتقدون أنه من ~~الأولياء، فالرافضة تزعم أن الاثني عشر معصومون من الخطأ والذنب، ويرون هذا ~~من أصول دينهم، والغالية في المشايخ قد يقولون إن الولي محفوظ والنبي ~~معصوم، وكثير منهم لم يقل ذلك بلسانه فحاله حال من يرى أن الشيخ أو الولي ~~لا يخطئ ولا يذنب، وقد يبلغ الغلو بالطائفتين إلى أن يجعلوا بعض من غلوا ~~فيه بمنزلة النبي أو أفضل منه، وإن زادوا الأمر جعلوا له نوعا من الإلهية، ~~وكل هذا من الضلالات ms040 الجاهلية المضاهية للضلالات النصرانية فإن من النصارى ~~من الغلو في المسيح والرهبان والأحبار ما ذمهم الله عليه في القرآن وجعل ~~ذلك عبرة لنا لئلا نسلك سبيلهم ولهذا قال سيد ولد آدم: " لا تطروني كما ~~أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ". # فصل: وأما الفقراء الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه فهم صنفان مستحقو ~~الصدقات ومستحقو الفيء، أما المستحقون للصدقات فقد ذكرهم الله في قوله: " ~~إن تبددوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم " وفي ~~قوله: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " وإذ ذكر في القرآن اسم المسكين ~~وحده أو الفقير وحده كقوله: " أو إطعام عشرة مساكين " فهما شيء واحد وإذا ~~ذكرا جمعا فهما صنفان. والمقصود بهما أهل الحاجة وهم الذين لا يجدون ~~كفايتهم لا من مسألة ولا من كسب يقدرون عليه، فمن كان كذلك من المسلمين ~~استحق الأخذ من صدقات المسلمين المفروضة والموقوفة والمنذورة والموصى بها، ~~وبين الفقهاء نزاع في بعض فروع هذه المسائل معروفة عند أهل العلم. # PageV01P044 # وضد هؤلاء الأغنياء الذين تحرم عليهم الصدقة ثم هم نوعان: # نوع يجب عليه الزكاة: وإن كانت الزكاة تجب على كل من قد تباح له عند ~~جمهور العلماء. ونوع لا تجب عليه: وكل منهما قد يكون له فضل عن نفقاته ~~الواجبة وهم الذين قال الله فيهم: " ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو " وقد ~~لا يكون له الفضل، وهؤلاء الذين رزقهم قوت وكفاف فهم أغنياء باعتبار غناهم ~~عن الناس، وهم فقراء باعتبار أنه ليس لهم فضول يتصدقون بها، وإنما يسبق ~~الفقراء الأغنياء إلى الجنة بنصف يوم لعدم فضول الأموال التي يحاسبون على ~~مخارجها ومصارفها فمن لم يكن له فضل كان هؤلاء وإن لم يكن من أهل الزكاة. ~~ثم أرباب الفضول إن كانوا محسنين في فضول أموالهم فقد يكونون بعد دخول ~~الجنة أرفع درجة من كثير من الفقراء الذين سبقوهم كما يقدم أغنياء الأنبياء ~~والصديقين عن السابقين وغيرهم على الفقراء الذين دونهم، ومن هنا قال ~~الفقراء: ذهب أهل الدثور وبالأجور، ms041 وقيل لما ساواهم الأغنياء في العبادات ~~البدنية وامتازوا عنهم بالعبادات المالية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فهذا ~~هو الفقير في عرف الكتاب والسنة. # وقد يكون الفقراء سابقين، وقد يكونون مقتصدين ويكونون ظالمي أنفسهم ~~كالأغنياء، وفي كلا الطائفتين المؤمن الصديق، والمنافق الزنديق. # وأما المستأخرون فالفقير في عرفهم عبارة عن السالك إلى الله تعالى كما هو ~~الصوفي في عرفهم أيضا، ثم منهم من يرجح مسمى الصوفي لأنه عنده الذي قطع ~~العلائق كلها ولم يتقيد في الظاهر بغير الأمور الواجبة، وهذه منازعات لفظية ~~اصطلاحية، والتحقيق أن المراد المحمود بهذين الاسمين داخل في مسمى الصديق ~~أو الولي والصالح ونحو ذلك من الأسماء التي جاء بها الكتاب والسنة فمن حيث ~~دخل في الأسماء النبوية يترتب عليه من الحكم ما جاءت به الرسالة. # وأما ما تميز به مما يعده صاحبه فضلا وليس بفضل أو مما يوالي عليه صاحبه ~~غيره ونحو ذلك من الأمور التي يترتب عليها زيادة الدرجة في الدنيا # PageV01P045 # فهي أمور مهدرة في الشريعة إلا إذا جعلت من المباحات من الأمور ~~المستحبات، (1) وأما ما يقترن بذلك من الأمور المكروهة في دين الله من ~~أنواع البدع والفجور فيجب النهي عنه كما جاءت به الشريعة. # فصل: وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث ~~الذي يكون بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة والأبدال الأربعين ~~والنجباء الثلاثمائة فهذه الأسماء ليست موجودة في كتاب الله ولا هي أيضا ~~مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل إلا لفظ ~~الأبدال فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب مرفوعا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن فيهم - يعني أهل الشام - ~~الأبدال أربعين رجلا كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجل " ولا توجد هذه ~~الأسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب، ولا هي مأثورة على هذا ~~الترتيب والمعاني عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولا عاما وإنما توجد ~~على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ ms042 وقد قالها إما أثرا لها عن ~~غيره أو ذكرا. وهذا الجنس ونحوه من العلم الذي قد التبس على أكثر المتأخرين ~~حقه بباطله، فصار فيه من الحق ما يوجب قبوله ومن الباطل ما يوجب رده، وصار ~~كثير من الناس فيه على طرفي نقيض قوم كذبوا به كله لما وجدوا فيه من ~~الباطل، وقوم صدقوا به كله لما وجدوا فيه من الحق، وإنما الصواب التصديق ~~بالحق والتكذيب بالباطل، وهذا تحقيق بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ~~من ركوب هذه الأمة سنن من كان قبلها حذو القذة بالقذة، فإن أهل الكتابين ~~لبسوا الحق بالباطل، وهذا هو التبديل PageV01P046 # والتحريف الذي وقع في دينهم، ولهذا يعتبر (1) الدين بالتبديل تارة ~~وبالنسخ أخرى. # وهذا الدين لا ينسخ أبدا لكن يكون فيه من يدخل فيه من التحريف والتبديل ~~والكذب والكتمان ما يلبس به الحق بالباطل، ولا بد أن يقيم الله فيه من تقوم ~~به الحجة خلفا عن الرسل، فينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، ~~وتأويل الجاهلين (2) ، ليحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون ~~فبالكتب المنزلة من السماء والآثار من العلوم المأثورة عن الأنبياء يميز ~~الله الحق من الباطل ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وبذلك يتبين أن هذه ~~الأسماء على هذا العدد والترتيب والطبقات ليست حقا في كل زمان بل يجب القطع ~~بأن هذا على عمومه وإطلاقه باطل، فإن المؤمنين يقلون تارة ويكثرون أخرى ~~ويقل فيهم السابقون المقربون تارة ويكثرون أخرى وينتقلون في الأمكنة، ليس ~~من شرط أولياء أهل الإيمان والتقوى ومن يدخل منهم في السابقين المقربين ~~لزوم مكان واحد في جميع الأزمنة، وقد بعث الله ورسوله بالحق وآمن معه بمكة ~~نفر قليل كانوا أقل من سبعة ثم أقل من أربعين ثم أقل من سبعين ثم أقل من ~~ثلاثمائة فيعلم أنه لم يكن فيهم هذه الأعداد، ومن الممتنع أن يكون منهم من ~~كان في الكفار، ثم هاجر هو وأصحابه إلى المدينة وكانت هي دار الهجرة والسنة ~~والنصرة، ومستقر النبوة وموضع خلافة النبوة، وبها انعقدت بيعة ms043 الخلفاء ~~الراشدين أبي بكر وعثمان وعمر وعلي وإن كان علي قد خرج منها بعد أن بويع له ~~فيها، ومن الممتنع أنه قد كان بمكة في زمنهم من يكون أفضل منهم. ثم إن ~~الإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها وكان في المؤمنين في كل وقت من ~~أولياء الله المتقين بل من الصديقين السابقين المقربين من لا يحصي عدده إلا ~~رب العالمين لا يحصون بثلاثمائة ولا بثلاثة آلاف، ولما انقرضت القرون ~~PageV01P047 # الثلاثة الفاضلة كان أيضا في القرون الخالية من أولياء الله المتقين بل ~~من السابقين من جعل لهم عددا محصورا لازما فهو من المتظلمين عمدا أو خطأ. # وأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله تعالى فهو غياث المستغيثين ~~لا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ومن زعم أن أهل ~~الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضر عنهم، ونزول الرحمة بهم، ~~إلى الثلاثمائة والثلاثمائة إلى السبعين، والسبعين إلى الأربعين والأربعين ~~إلى السبعة والسبعة إلى الأربعة والأربعة إلى الغوث فهو كاذب ضال مشرك فقد ~~كان المشركون كما أخبر الله عنهم بقوله: " وإذا مسكم الضر في البحر ضل من ~~تدعون إلا إياه " وقال: " أمن يجيب المضطر إذا دعاه " فكيف يكون المؤمنون ~~يرفعون إليه حوائجهم بعدة وسائط من الحجاب وهو القائل تعالى: " وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ~~لعلهم يرشدون " وقال الخليل عليه السلام داعيا لأهل مكة: " ربنا إني أسكنت ~~من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة ~~من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ربنا إليك إنك تعلم ~~ما نخفي وما نعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، الحمد ~~لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق أن ربي لسميع الدعاء ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه لما رفعوا أصواتهم بالتلبية: " ~~أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا وإنما تدعون ~~سميعا قريبا ms044 إن الذين تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحته ". # وهذا باب واسع وقد علم المسلمون كلهم أنه لم يكن عامة المسلمين ولا ~~مشايخهم المعروفون يرفعون إلى الله حوائجهم ولا ظاهرا ولا باطنا بهذه ~~الوسائط والحجاب فتعالى الله عن تشبيهه بالمخلوقين من الملوك وسائر ما ~~يقوله الظالمون علوا كبيرا. وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان ~~من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به ثم مع هذا ~~يقولون أنه كان # PageV01P048 # صبيا دخل السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة ولا يعرف له عين ولا ~~أثر ولا يدرك له حس ولا خبر. # وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم معناها للرافضة من بعض الوجوه بل ~~هذا الترتيب والاعتداد يشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ~~ونحوهم في السابق والتالي والناطق والأساس والجسد وغير ذلك من الترتيب الذي ~~ما أنزل الله به من سلطان، وأما الأوتاد فقد يوجد في كلام بعضهم أنه يقول ~~فلان من الأوتاد ومعنى ذلك أن الله يثبت به من الدين والإيمان في قلوب من ~~يهديهم الله به كما يثبت الأرض بأوتادها وهذا المعنى ثابت لكل من كان بهذه ~~الصفة فكل من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة ~~الأوتاد العظيمة والجبال الكبيرة، ومن كان دونه كان بحسبه وليس ذلك محصورا ~~في أربعة ولا أقل ولا أكثر بل جعل هؤلاء أربعة مضاهاة لقول المنجمين في ~~أوتاد الأرض. # فصل: وأما القطب فيوجد في كلامهم أيضا: فلان من الأقطاب وفلان قطب، فكل ~~من دار عليه أمر من أمور الدين والدنيا باطنا أو ظاهرا فهو قطب ذلك الأمر ~~ومداره سواء كان الدائر عليه أمر داره أو قرية أو مدينة أمر دينها أو ~~دنياها باطنا أو ظاهرا، ولا اختصاص لهذا معنى بسبعة ولا أقل ولا أكثر لكن ~~الممدوح من ذلك من كان مدارا لصلاح الدين دون مجرد صلاح الدنيا وهذا هو ~~القطب في عرفهم، وقد يتفق في عصر آخر أن يتكافأ اثنان أو ms045 ثلاثة في الفضل ~~عند الله ولا يجب أن يكون في كل زمان شخص واحد هو أفضل الخلق عند الله ~~مطلقا. وكذلك لفظ البدل جاء في كلام كثير منهم فأما الحديث المرفوع فالأشبه ~~أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإن الإيمان كان بالحجاز واليمن ~~قبل فتوح الشام وكانت الشام والعراق دار كفر ثم في خلافة علي قد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين ~~يقتلهم أولى الطائفتين بالحق " فكان علي وأصحابه أولى بالحق ممن قاتلهم من ~~أهل الشام # PageV01P049 # ومعلوم أن الذين كانوا مع علي من الصحابة مثل عمار وسهل بن حنيف ونحوهما ~~كانوا أفضل من الذين مع معاوية وإن كان سعد بن أبي وقاص ونحوه من القاعدين ~~أفضل ممن كان معهما، فكيف يعتقد مع هذا أن الأبدال جميعهم الذين هم أفضل ~~الخلق كانوا في أهل الشام؟ هذا باطل قطعا، وإن كان قد ورد في الشام وأهله ~~فضائل معروفة فقد جعل الله لكل شيء قدرا. والكلام يجب أن يكون بالعلم ~~وبالقسط فمن تكلم في الدين بغير علم دخل في قوله: " ولا تقف ما ليس لك به ~~علم " وفي قوله: " وإن تقولوا على الله ما لا تعلمون " ومن لم يتكلم بقسط ~~وعدل خرج من قوله: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء الله " ~~ومن قوله: " وإذا قلتم فاعدلوا " ومن قوله: " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ". # والذين تكلموا باسم البدل أفردوه بمعان منها أنهم أبدال (1) ، ومنها أنهم ~~كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلا، ومنها أنهم أبدلوا السيئات من ~~أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بالحسنات، وهذه الصفات كلها لا تختص بأربعين ولا ~~بأقل ولا أكثر، ولا تحصر بأهل بقعة من الأرض، وبهذا التحريز يظهر المعنى ~~باسم النجباء، فالغرض أن هذه الأسماء تارة تفسر بمعان باطلة بالكتاب والسنة ~~وإجماع السلف مثل تفسير بعضهم بأن الغوث هو الذي يغيث الله به أهل الأرض من ~~رزقهم ونصرهم، فإن هذا ms046 نظير ما تقوله النصارى في الباب وهو معدوم العين ~~والأثر، وتشبيه بحال المنتظر الذي دخل السرداب من نحو أربعمائة وأربعين ~~سنة، وكذلك من فسر الأربعين الأبدال بأن الناس إنما ينصرون ويرزقون بهم ~~فذلك باطل بل النصر والرزق يحصل بأسباب من أوكدها دعاء المسلمين المؤمنين ~~وصلاتهم وأخلاصهم ولا يتقيد ذلك لا بأربعين ولا بأقل ولا أكثر كما في ~~الحديث المعروف أن سعد بن أبي وقاص قال: يا رسول الله الرجل يكون حامية ~~القوم أيسهم له مثل ما يسهم لضعفتهم؟ فقال: " يا سعد وهل تنصرون وترزقون ~~إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم " وقد يكون للنصر والرزق أسباب أخر ~~فإن الكفار أيضا والفجار ينصرون ويرزقون، وقد PageV01P050 # يجدب الله الأرض على المؤمنين ويخيفهم من عدوهم، لينيبوا إليه ويتوبوا من ~~ذنوبهم، فيجمع لهم بين غفران الذنوب، وتفريج الكروب، وقد يملي للكفار ويرسل ~~السماء عليهم مدرارا ويمدهم بأموال وبنين ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، إما ~~ليأخذهم في الدنيا أخذ عزيز مقتدر وإما ليضعف عليهم العذاب في الآخرة، فليس ~~كل إنعام كرامة ولا كل امتحان عقوبة قال الله تعالى: " فأما الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ابتلاه فقدر عليه رزقه ~~فيقول ربي أهانن، كلا ". # فصل: وليس في أولياء الله المتقين بل ولا أنبياء الله ولا المرسلين من ~~كان غائب الجسد دائما عن أبصار الناس بل هذا من جنس قول القائل بأن عليا في ~~السحاب وأن محمدا بن الحنفية في جبال رضوى، وأن محمد بن الحسن في سرداب ~~سامراء، وإن الحاكم في جبل مصر، وأن الأبدال رجال الغيب في جبل لبنان، فكل ~~هذا ونحوه من قول أهل الإفك والبهتان نعم قد تخرق العادة في حق الشخص فيغيب ~~تارة عن أبصار الناس إما لدفع عدو وإما لغير ذلك. وأما أنه يكون هكذا طول ~~عمره فباطل، نعم يكون نور قلبه وهدى فؤاده وما فيه من أسرار الله وأمانته ~~وأنواره ومعرفته غيبا عن الناس، ويكون صلاحه وولايته غيبا عن أكثر الناس، ~~فهذا هو الواقع، وأسرار الحق ms047 بينه وبين أوليائه وأكثر الناس لا يعلمون. # فصل: وقد بينا عن بطلان اسم الغوث مطلقا واندرج في ذلك غوث العرب والعجم ~~ومكة والغوث السابع، وكذلك لفظ خاتم الأولياء لفظ باطل لا أصل له، وأول من ~~ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي، وقد انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم ~~الأولياء كابن حمويه وابن العربي وغيرهما وكل منهم يدعي إنه أفضل من النبي ~~صلى الله عليه وسلم من بعض الوجوه إلى غير ذلك من الكفر والبهتان وكل طمعا ~~في رياسة خاتم الأنبياء. # وقد غلطوا فإن خاتم الأنبياء إنما كان أفضلهم للإدلالة الدالة على ذلك، ~~وليس كذلك للأولياء فإن أفضل هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وخير قرونها القرن الذي ~~بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الذي يلونهم ثم الذي يلونهم، وخاتم # PageV01P051 # الأولياء في الحقيقة هو آخر مؤمن تقي يكون من الناس، وليس ذلك بخير ~~الأولياء ولا أفضلهم بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر ثم عمر اللذان ما طلعت الشمس ~~وما غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منهما. # فصل: وأما هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة والجهالة ~~وأكثرهم كافرون بالله ورسوله لا يرون وجوب الصلاة والصيام ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، بل كثير منهم أكفر من اليهود ~~والنصارى، وهم ليسوا من أهل الملة ولا من أهل السنة، وقد يكون فيهم من هو ~~مسلم لكن مبتدع ضال أو فاسق فاجر، ومن قال إن قلندر كان موجودا في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقد كذب وافترى بل قد قيل أصل هذا الصنف أنهم ~~كانوا قوما من نساك الفرس يدورون على ما فيه راحة قلوبهم بعد أداء الفرائض ~~واجتناب المحرمات، هكذا فسرهم الشيخ أبو حفص السهروردي في عوارفه، ثم إنهم ~~بعد ذلك تركوا الواجبات وفعلوا المحرمات بمنزلة الملامية الذين كانوا يخفون ~~بحسناتهم ويظهرون ما لا يظن بصاحبه الصلاح من زي الأغنياء ولبس العمامة، ~~فهذا قريب وصاحبه ms048 مأجور على نيته، ثم حدث قوم فدخلوا في أمور مكروهة في ~~الشريعة ثم زاد الأمر ففعل قوم المحرمات من الفواحش والمنكرات، وترك ~~الفرائض والواجبات، وزعموا أن ذلك دخول منهم في الملاميات، ولقد صدقوا في ~~استحقاقهم اللوم والذم والعقاب من الله في الدنيا والآخرة وتجب عقوبتهم ~~جميعا ومنعهم من هذا الشعار الملعون كما يجب ذلك في كل معين ببدعة أو فجور ~~وليس ذلك مختصا بهم بل كل من كان من المنكسة والمتفقهة والمتعبدة والمتفقرة ~~والمتزهدة والمتكلمة والمتفلسفة ومن وافقهم من الملوك والأغنياء والكتاب ~~والحساب والأطباء وأهل الديوان والعامة خارجا عن الهدى ودين الحق الذي بعث ~~الله به رسوله باطنا وظاهرا مثل من يعتقد أن شيخه يرزقه وينصره أو يهديه أو ~~يغيثه، أو كان يعبد شيخه ويدعوه ويسجد له، أو كان يفضله على النبي صلى الله ~~عليه وسلم تفضيلا مطلقا أو مقيدا في شيء من الفضل الذي يقرب إلى الله ~~تعالى، أو كان يرى أنه هو وشيخه مستغن عن متابعة الرسول، فكل # PageV01P052 # هؤلاء الكفار إن أظهروا، ومنافقون إن أبطنوا، وهؤلاء الأجناس وإن كانوا ~~قد كثروا في هذه الأزمان، فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة ~~في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما ~~يعرفون به الهدى وكثير منهم لم يبلغهم ذلك. وفي أوقات الفترات وأمكنة ~~الفترات يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم ~~يقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه كما في الحديث المعروف " ~~يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا صياما ولا حجا ولا عمرة إلا ~~الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ويقولون أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله ~~إلا الله " فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: ~~تنجيهم من النار تنجيهم من النار تنجيهم من النار. # وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب أو السنة أو الإجماع يقال هي ~~كفر قولا يطلق كما دل على ذلك لدليل الشرعي فإن ms049 الإيمان من الأحكام ~~المتلقاة عن الله ورسوله ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا ~~يجب أن يحكم كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنفى ~~موانعه، مثل من قال إن الخمر أو الربا حلال لقرب عهده بالإسلام أو لنشوئه ~~في بادية بعيدة، أو سمع كلاما (1) أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن ولا أنه ~~من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى ~~يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها وكما كان الصحابة يشكون في ~~أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومثل الذي قال: إذا أنا مت فاسحقوني وذروني في اليم لعلي أضل عن الله ~~ونحو ذلك فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة كما قال الله ~~تعالى: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " وقد عفا الله لهذه ~~الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد أشبعنا الكلام في القواعد التي في هذا الجواب ~~في أماكنها والفتوى لا تحتمل البسط أكثر من هذا. # فصل: وأما النذر للقبور أو لسكان القبور أو العاكفين على القبور سواء ~~كانت قبور الأنبياء أو الصالحين فهو نذر حرام باطل يشبه النذر للأوثان ~~PageV01P053 # سواء كان نذر زيت أو شمع أو غير ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~لعن الله زوار القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " (1) وقال: " لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما فعلوا (2) ، ~~وقال: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " (3) ، وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد من ~~بعدي " (4) . # وقد اتفق أئمة الدين على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا أن ~~تعلق عليها الستور، ولا أن ينذر لها النذور، ولا أن يوضع عندها الذهب ~~والفضة، بل حكم هذه الأموال أن تصرف في مصالح المسلمين إذا لم يكن لها ~~مستحق معين، ويجب هدم كل ms050 مسجد بني على قبر كائنا من كان الميت فإن ذلك من ~~أكبر أسباب عبادة الأوثان كما قال تعالى: " وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ~~ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ". # وقال طائفة من السلف: هذه أسماء قوم صالحين لما ماتوا عكفوا على قبورهم ~~ثم عبدوهم، ومن نذر لها نذرا لم يجز له الوفاء لما ثبت في الصحاح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي ~~الله فلا يعصه " وعليه كفارة يمين (5) ولما روي عنه أنه قال: " لا نذر في ~~معصية وكفارته كفارة يمين " (6) . # ومن العلماء من لا يوجب عليه الاستغفار والتوبة، ومن الحسن أن يصرف ما ~~نذره في نظير من المشروع مثل أن يصرف الدهن إلى تنوير المساجد والنفقة ~~PageV01P054 # إلى صالحة فقراء المؤمنين وإن كانوا من أقارب الشيخ ونحو ذلك، وهذا الحكم ~~عام في قبر نفيسة ومن هو أكبر من نفيسة من الصحابة مثل قبر طلحة والزبير ~~وغيرهما بالبصرة وقبر سلمان الفارسي وغيره بالعراق والمشاهد المنسوبة إلى ~~علي رضي الله عنه والحسين وموسى وجعفر وقبر مثل معروف الكرخي وأحمد بن حنبل ~~وغيرهم رضي الله عنهم. # ومن اعتقد أن بالنذور لها نفعا أو أجرا ما فهو ضال جاهل، فقد ثبت في ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال: " أنه لا يأتي بخير ~~وإنما يستخرج به من البخيل " (1) وفي رواية: " إنما يلقي ابن آدم إلى القدر ~~" فإذا كان هذا في نذر الطاعة فكيف في نذر المعصية؟ فيعتقدون أنها باب ~~الحوائج إلى الله وأنها تكشف الضر وتفتح الرزق وتحفظ مصر فهذا كافر مشرك ~~يجب قتله وكذلك من اعتقد ذلك في غيرها كائنا من كان: " قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك ~~كان محذورا، قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ms051 ذرة في ~~السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما منهم من ظهير، ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له. . .، الله الذي خلق السموات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~أفلا تتذكرون، وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي ~~فارهبون، وله ما في السموات والأرض وله الدين واصبا، أفغير الله تتقون، وما ~~بكم من نعمة فمن الله، ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون، ثم إذا كشف الضر ~~عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون، ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ~~". # والقرآن من أوله إلى آخره وجميع الكتب والرسل إنما بعثوا بأن يعبد الله ~~PageV01P055 # وحده لا شريك له، وأن لا يجعلوا مع الله إلها آخر، والإله من يألهه القلب ~~عبادة واستعانة وإجلالا وإكراما وخوفا ورجاء كما هو حال المشركين في ~~آلهتهم، وإن اعتقد المشرك أن ما يألهه مخلوق مصنوع كما كان المشركون يقولون ~~في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لحصين الخزاعي: " يا حصين كم تعبد " قال: أعبد سبعة ~~آلهة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: " فمن ذا الذي تعبده لرغبتك ~~ورهبتك " قال: الذي في السماء، قال: " يا حصين فأسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك ~~الله بهن " فلما أسلم قال: " قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي ". # فصل: وأما من زعم أن الملائكة والأنبياء تحضر سماع المكاء والتصدية (1) ، ~~محبة له ورغبة فيه فهو كاذب مفتر، بل إنما تحضره الشياطين وهي تنزل عليهم ~~وتنفخ فيهم كما روى الطبراني وغيره عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " إن الشيطان قال: يا رب اجعل لي بيتا، قال: بيتك الحمام، قال: ~~اجعل لي قرآنا، قال: قرآنك الشعر، قال: اجعل لي مؤذنا، قال: مؤذنك المزمار ~~" وقد قال تعالى في كتابه مخاطبا للشيطان: " واستفزز من استطعت منهم بصوتك ~~" وقد فسر ذلك طائفة من السلف ms052 بصوت الغناء وهو شامل له ولغيره من الأصوات ~~المستفزة لأصحابها عن سبيل الله. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنما نهيت عن صوتين أحمقين ~~فاجرين صوت لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى ~~الجاهلية ذات المكاء والتصدية ". # وكيف يذر الشيطان (2) عليهم حتى يتواجدوا الوجد الشيطاني حتى إن بعضهم ~~صار يرقص فوق رؤوس الحاضرين. ورأى بعض المشايخ المكاشفين أن شيطانه قد حمله ~~حتى رقص به فلما صرخ قال: هرب شيطانه وسقط ذلك الرجل. # وهذه الأمور لها أسرار وحقائق لا يشهدها إلا أهل البصائر الإيمانية ~~والمشاهد PageV01P056 # الإيقانية، ولكن من اتبع ما جاءت به الشريعة، وأعرض عن السبل المبتدعة، ~~فقد حصل له الهدى وخير الدنيا والآخرة، وإن لم يعرف حقائق الأمور بمنزلة من ~~سلك السبيل إلى مكة خلف الدليل الهادي فإنه يصل إلى مقصوده ويجد الزاد ~~والماء في مواطنه، وإن لم يعرف كيف يحصل ذلك وسببه، ومن سلك خلف غير الدليل ~~الهادي كان ضالا عن الطريق، فإما أن يهلك، وإما أن يشقى مدة ثم يعود إلى ~~الطريق، والدليل الهادي هو الرسول الذي بعثه الله إلى الناس بشيرا نذيرا، ~~وداعيا إلى الله بإذنه وهاديا إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ملك ~~السموات والأرض وآثار الشيطان تظهر على أهل السماع الجاهلي مثل الإزباد ~~والإرعاد والصرخات المنكرة ونحو ذلك ما يجدون في نفوسهم من ثوران مراد ~~الشيطان بحسب الصوت، إما وجد في الهوى مذموم، وإما غضب وعدوان على من هو ~~مظلوم، وإما لطم وشق ثياب وصياح كصياح المخزون المحروم، إلى غير ذلك من ~~الآثار الشيطانية التي تعتري أهل الاجتماع على شرب الخمر إذا سكروا بها فإن ~~السكر بالأصوات المطربة قد تصير من جنس الإسكار بالأشربة المطربة فتصدهم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة، وتمنع قلوبهم حلاوة القرآن وفهم معانيه وإتباعه، ~~فيصيرون مضارعين للذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله، ويوقع بينهم ~~العداوة والبغضاء حتى بقتل بعضهم بعضا بأحواله الفاسدة الشيطانية كما يقتل ~~العائن من أصابه بعينه، ولهذا قال ms053 من قال من العلماء: إن هؤلاء يجب عليهم ~~القود أو الدية إذا عرف أنهم قتلوا بالأحوال الشيطانية الفاسدة لأنهم ~~ظالمون وهم إنما يغتبطون بما ينفذونه من موادهم المحرمة كما يغتبط الظلمة ~~المسلطون ومن هذا الجنس حال خفراء الكافرين والمبتدعين والظالمين فإنهم قد ~~يكون لهم زهد وعبادة وهمة كما يكون للمشركين وأهل الكتاب، وكما كان للخوارج ~~المارقين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: " يحقر أحدكم صلاته مع ~~صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز ~~حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموها ~~فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة " وقد يكون لهم ~~مع ذلك أحوال باطنة كما يكون # PageV01P057 # لهم ملكة ظاهرة فإن سلطان الباطن معناه السلطان الظاهر ولا يكون من ~~أولياء الله إلا من كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وما فعلوه من الإعانة ~~على الظلم فهم يستحقون العقاب عليه بقدر الذنب وباب القدرة والتمكن باطنا ~~والتمكن وظاهرا ليس مستلزما لولاية الله تعالى بل قد يكون ولي الله متمكنا ~~ذا سلطان وقد يكون مستضعفا إلى أن ينصره الله، وقد يكون عدو الله مستضعفا ~~وقد يكون سلطانا إلى أن ينتقم الله منه، فخفراء التتار في الباطن من جنس ~~التتار في الظاهر هؤلاء في العباد، بمنزلة هؤلاء في الأجناد. وأما الغلبة ~~فإن الله قد يديل الكافرين على المؤمنين تارة كما يديل المؤمنين على ~~الكافرين، كما كان يكون لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع عدوهم، لكن ~~العاقبة للمتقين، فإن الله يقول: " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد " وإذا كان في المسلمين ضعف وكان العدو مستظهرا ~~عليهم كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم إما لتفريطهم في أداء الواجبات باطنا ~~وظاهرا، وإما بعدوانهم بتعدي الحدود باطنا وظاهرا، وقال الله تعالى: " إن ~~الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " ~~وقال تعالى: " أو لما أصابتكم قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند ms054 ~~أنفسكم " وقد قال تعالى: " ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين ~~إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الأمور ". # فصل: وأما هذه المشاهد المشهورة فمنها ما هو كذب قطعا مثل المشهد الذي ~~بظاهر دمشق المضاف إلى أبي بن كعب والمشهد الذي في ظاهرها المضاف إلى أويس ~~القرني والمشهد الذي في سفح لبنان المضاف إلى نوح عليه السلام والمشهد الذي ~~بمصر المضاف إلى الحسين - إلى غير ذلك من المشاهد التي يطول شرحها بالشام ~~والعراق ومصر وسائر الأمصار حتى قال طائفة من العلماء منهم عبد العزيز ~~الكناني: كل هذه القبور المضافة إلى الأنبياء لا يصح فيها إلا قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقد أثبت غيره قبر الخليل عليه السلام أيضا، وأما مشهد ~~علي فعامة العلماء على أنه ليس قبره بل قد قيل إنه قبر المغيرة بن شعبة ~~وذلك أنه إنما # PageV01P058 # ظهر بعد نحو ثلثمائة سنة من موت علي في إمارة بني بويه، وذكروا أن أصل ~~ذلك حكاية بلغتهم عن الرشيد أنه أتى إلى ذلك المكان وجعل يعتذر إلى من فيه ~~مما جرى بينه وبين ذرية علي، وبمثل هذه الحكاية لا يقوم شيء فالرشيد أيضا ~~لا علم له بذلك ولعل هذه الحكاية إن صحت عنه فقد قيل له ذلك كما قيل لغيره، ~~وجمهور أهل المعرفة يقولون أن عليا إنما دفن في قصر الإمارة أو قريبا منه ~~وهذا هو السنة، فإن حمل ميت من الكوفة إلى مكان بعيد ليس فيه فضيلة أمر غير ~~مشروع فلا يظن بآل علي رضي الله عنهم أنهم فعلوا به ذلك، ولا يظن أيضا أن ~~ذلك خفي على أهل بيته والمسلمين ثلاثمائة سنة حتى أظهره قوم من الأعاجم ~~الجهال ذوي الأهواء، وكذلك قبر معاوية الذي بظاهر دمشق قد قيل إنه ليس قبر ~~معاوية وإن قبره بحائط مسجد دمشق الذي يقال إنه قبر هود وأصل ذلك أن عامة ~~هذه القبور مضطرب مختلف لا يكاد يوقف منه على علم إلا في ms055 قليل منها بعد بحث ~~شديد وهذا لأن معرفتها وبناء المساجد عليها ليس من شريعة الإسلام، ولا ذلك ~~من حكم الذكر الذي تكفل الله بحفظه حيث قال: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون " بل قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عما يفعله المبتدعون عندها ~~مثل قوله الذي رواه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " وقال: " لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وقد اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء ~~هذه المشاهد التي على القبور ولا يشرع اتخاذها مساجد، ولا تشرع الصلاة ~~عندها، ولا يشرع قصدها لأجل التعبد عندها بصلاة واعتكاف أو استغاثة وابتهال ~~ونحو ذلك، وكرهوا الصلاة عندها، ثم كثير منهم قال: الصلاة باطلة لأجل النهي ~~عنها، وإنما السنة إذا زار قبر مسلم ميت إما نبي أو رجل صالح أو غيرهما أن ~~يسلم عليه ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته كما جمع الله بين هذين حيث ~~يقول في المنافقين: " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره " ~~فكان # PageV01P059 # دليل الخطاب أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم، وفي السنن أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دفن الميت من أصحابه يقوم على قبره ثم ~~يقول: " سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ". وفي الصحيح أنه كان يعلم أصحابه ~~أن يقولوا إذا زاروا القبور: " السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنك والمستأخرين، نسأل ~~الله لنا ولكم العافية، اللهم لا ترحمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ~~ولهم ". # وإنما دين الله تعالى تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له وهي المساجد التي ~~تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة والاعتكاف وسائر العبادات البدنية ~~والقلبية من القراءة والذكر والدعاء والذكر والدعاء لله قال تعالى: " وإن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع ms056 الله أحدا " وقال تعالى: " قل أمر ربي بالقسط ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين " وقال تعالى: " يا بني ~~خذوا زينتكم عند كل مسجد " وقال تعالى: " إنما يعمر مساجد الله من آمن ~~بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك ~~أن يكونوا من المهتدين " وقال تعالى: " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ~~ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء ~~بغير حساب " فهذا دين المسلمين الذين يعبدون الله مخلصين له الدين. وأما ~~اتخاذ القبور أوثانا فهو من دين المشركين الذي نهى عنه سيد المرسلين، والله ~~تعالى يصلح حال جميع المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا طيبا مباركا كما هو أهله. # تمت الرسالة. # PageV01P060 ### | إبطال وحدة الوجود والرد على القائلين بها # لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رضي الله عنه: # بسم الله الرحمن الرحيم: سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن ~~تيمية رضي الله تعالى عنه عن كراس وجد بخط بعض الثقات قد ذكر فيها كلام ~~جماعة من الناس فمما فيه. # قال بعض السلف: إن الله تعالى لطف ذاته فسماها حقا، وكثفها فسماها خلقا، ~~قال الشيخ نجم الدين بن إسرائيل: إن الله ظهر في الأشياء حقيقة واحتجب بها ~~مجازا، فمن كان من أهل الحق والجمع شهدها مظاهر ومجالي، ومن كان من أهل ~~المجاز والفرق شهدها ستورا وحجبا. # قال: وقال في قصيدة له: # لقد حق لي رفض الوجود وأهله ... وقد علقت كفاي جمعا بموجدي # ثم بعد مدة غير البيت بقوله، لقد حق لي عشق الوجود وأهله، فسألته عن ذلك ~~فقال: مقام البداية أن يرى الأكوان حجبا فيرفضها، ثم يراها مظاهر ومجالي ~~فيحق له العشق لها، كما قال بعضهم: # أقبل أرضا سار فيها ms057 جمالها ... فكيف بدار دار فيها جمالها # قال: وقال ابن عربي عقيب إنشاد بيتي أبى نواس: # رق الزجاج وراقت الخمر ... فتشاكلا فتشابه الأمر # PageV01P061 # فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر # لبس صورة العالم فظاهره خلقه، وباطنه حقه. # وقال بعض السلف: عين ما ترى ذات لا ترى، وذات لا ترى عين لا ترى، الله ~~فقط والكثرة وهم. # قال الشيخ قطب الدين ابن سبعين: رب مالك، وعبد هالك، وأنتم ذلك، الله فقط ~~والكثرة وهم: للشيخ محي الدين ابن عربي: # يا صورة انس سرها معنائي ... ما خلقت للأمر ترى لولائي # شئناك فأنشأناك خلقا بشرا ... تشهدنا في أكمل الأشياء # وطلب بعض أولاد المشايخ للحر ما يرى من والده الحج (1) فقال له الشيخ: طف ~~يا بني ببيت ما فارقه الله طرفة عين. # وقال: قيل عن رابعة إنها حجت فقالت هذا الصنم المعبود في الأرض وإنه ما ~~ولجه الله ولا خلا منه. وفيه للحلاج: # سبحان من أظهر ناسوته ... سر سناء لاهوته الثاقب # ثم بدا مستترا ظاهرا ... في صورة الأكل والشارب # قال: وله # عقد الخلائق في الإله عقائدا ... وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه # وله أيضا: # بيني وبينك إني تزاحمني ... فارفع بحقك إنيي من البين # قال: وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي الحلبي المقتول: بهذه البقية (2) ~~التي طلب الحلاج رفعها تصرف الأغيار في دمه، وكذلك قال PageV01P062 # السلف: الحلاج نصف رجل وذلك أنه لم ترفع له الإنية بالمعنى فرفعت له ~~صورة، قالوا لمحيي الدين بن العربي: # والله ما هي إلا حيرة ظهرت ... وبي حلفت وإن المقسم الله # وقال فيه: المنقول عن عيسى عليه السلام أنه قال: إن الله تبارك وتعالى ~~اشتاق أن يرى ذاته المقدسة فخلق من نوره آدم عليه السلام وجعله كالمرآة ~~ينظر إلى ذاته المقدسة فيها، وإني أنا ذلك النور وآدم المرآة. # قال ابن الفارض في قصيدته نظم السلوك: # وشاهد إذا استجليت نفسك من ترى ... بغير مراء في المرآة الصقيلة # أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر ... إليك بها عند انعكاس الأشعة # قال: وقال ابن إسرائيل: الأمر أمران: أمر ms058 بواسطة وأمر بغير واسطة، فالأمر ~~الذي بالوسائط قبله من شاء الله ورده من شاء الله تعالى، والأمر بغير واسطة ~~لا يمكن خلافه، وهو قوله تعالى: " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون " فقال له فقير: إن الله تعالى قال لآدم بلا واسطة لا تقرب الشجرة ~~فقرب وأكل، فقال: صدقت وذلك أن آدم إنسان كامل. # وكذلك قال شيخنا علي الحريري: آدم صفي الله تعالى كان توحيده ظاهرا ~~وباطنا فقال فكان قوله تعالى: " لا تأكل " ظاهرا، وكان أمره " كل " باطنا، ~~فأكل فكذلك قوله تعالى: " وإبليس كان توحيده ظاهرا، فأمر بالسجود لآدم فرآه ~~غيرا فلم يسجد فغير الله عليه وقال: اخرج منها " الآية. # قال: وقال شخص لسيدي حسن يا سيدي إذا كان الله يقول لنبيه: " ليس لك من ~~الأمر شيء " أيش نكون نحن؟ فقال: سيدي ليس # PageV01P063 # الأمر كما تظن، قوله: " ليس لك من الأمر شيء " أيش غير الإثبات للنبي صلى ~~الله عليه وسلم كقوله تعالى: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، إن الذين ~~بايعوك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ". # وفيه لأوحد الدين الكرماني: # ما غبت عن القلب ولا عن عيني ... ما بينكم وبيننا من بين # غيره: # لا تحسب بالصلاة والصوم تنال ... قربا ودنوا من جمال وجلال # فارق ظلم الطبع تكن متحدا ... بالله وإلا كل دعواك محال # غيره للحلاج: # إذا بلغ الصب الكمال من الهوى ... وغاب عن المذكور في سطوة الذكر # يشاهد حقا حين يشهده الهوى ... بأن صلاة العارفين من الكفر # للشيخ نجم الدين بن إسرئيل: # الكون يناديك أما تسمعني ... من ألف أشتاتي ومن فرقني # أنظر أتراني منظرا معتبرا ... ما في سوى وجود من أوجدني # وله: # ذرات وجود هي للحق شهود ... أن ليس لموجود سوى الخلق وجود # والكون وإن تكثرت عدته ... منه إلى علاه يبده ويعود # وله: # برئت إليك من قولي وفعلي ... ومن ذاتي براءة مستقيل # وما أنا في طراز الكون شيء ... لأني مثل ظل مستحيل # للعفيف التلمساني: # PageV01P064 # أحن إليه وهو قلبي وهل يرى ... سواي أخو وجد يحن ms059 لقلبه # ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري ... وما بعده إلا لإفراط قربه # قال بعض السلف: التوحيد لا لسان له ولا لسنة كلها لسانه. # وفيه لا يعرف التوحيد إلا الواحد، ولا تصح العبارة عن التوحيد، وذلك أنه ~~لا يعبر عنه إلا بغير، ومن أثبت غيرا فلا توحيد له. # وفيه: سمعت من الشيخ محمد بن بشر النواوي أنه ورد سيدنا الشيخ علي ~~الحريري إلى جامع نوى قال الشيخ محمد: فوجئت فقبلت الأرض بين يديه وجلست ~~فقال: يا بني وقفت مدة مع المحبة فوجدتها غير المقصود لأن المحبة لا تكون ~~إلا من غير لغير وغير ما ثم، ثم وقفت مدة مع التوحيد فوجدته كذلك لأن ~~التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب، لو أنصف الناس ما رأوا عبدا ولا معبودا. # وفيه: سمعت من الشيخ نجم الدين بن إسرائيل مما أسر إلي أنه سمع من شيخنا ~~الشيخ علي الحريري في العام الذي توفي فيه قال: يا نجم رأيت لهاتي ~~الفوقانية فوق السموات وحنكي تحت الأرض، ونطق لساني بلفظة لو سمعت مني ما ~~وصل إلى الأرض من دمي قطرة، فلما كان بعد ذلك بمدة قال شخص في حضرة سيدي ~~الشيخ حسن بن الحريري: يا سيدي حسن! ما خلق الله أقل عقلا ممن ادعى أنه إله ~~مثل فرعون ونمرود وأمثالهما، فقلت أنا هذه المقالة ما يقولها إلا أجهل خلق ~~الله أو أعرف خلق الله. فقال: صدقت. وذلك أنه سمعت من جدك يقول رأيت كذا ~~وكذا. فذكر ما روى نجم الدين عن الشيخ. # وفيه: قال بعض السلف: من كان عين الحجاب على نفسه فلا # PageV01P065 # حاجب ولا محجوب. # والمطلوب من السادة العلماء: أن يبينوا لنا هذه الأقوال وهل هي حق أو ~~باطل؟ وما يعرف به معناها وما يبين أنه حق أو باطل وهل الواجب إنكارها؟ أو ~~إقرارها؟ أو التسليم لمن قالها؟ وهل لها وجه سائغ؟ وما حكم من اعتقد ~~معناها. إما مع المعرفة بحقيقتها، وإما مع التأويل المجمل لمن قالها ~~والمتكلمون أرادوا لها معنى صحيحا يوافق العقل والنقل ms060 ويمكن تأويل ما يشكل ~~منها وحملها على ذلك المعني؟ وهل الواجب بيان معناها وكشف مغزاها، إذا كان ~~هناك ناس يؤمنون بها، ولا يعرفون حقيقتها؟ أم ينبغي السكوت عن ذلك وترك ~~الناس يعظمونها ويؤمنون بها مع عدم العلم بمعناها؟. # فأجاب شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية قدس الله روحه ~~ونور ضريحه: الحمد لله رب العالمين، هذه الأقوال المذكورة تشتمل على أصلين ~~باطلين مخالفين لدين المسلمين واليهود والنصارى مخالفتهما للمعقول ~~والمنقول: أحدهما الحلول والاتحاد وما يقارب ذلك كالقول بوحدة الوجود ~~كالذين يقولون إن الوجود واحد فالوجود الواجب للخالق هو الوجود الممكن ~~للمخلوق، كما يقول ذلك أهل الوحدة كابن عربي وصاحبه القونوي وابن سبعين ~~وابن الفارض صاحب القصيدة التائية نظم السلوك وعامر البوصيري السيواسي الذي ~~له قصيدة تناظر قصيدة ابن الفارض # PageV01P066 # والتلمساني الذي شرح مواقف النغري (1) ، وله شرح الأسماء الحسنى على ~~طريقة هؤلاء وسعيد الفرغاني الذي شرح قصيدة ابن الفارض والششتري صاحب ~~الأرحال الذي هو تلميذ ابن سبعين وعبد الله البلباني وابن أبي منصور المصري ~~صاحب: فك الأزرار عن أعناق الأسرار، وأمثالهم ثم من هؤلاء من يفرق بين ~~الوجود والثبوت كما يقوله ابن عربي ويزعم أن الأعيان ثابتة في العدم غنية ~~عن الله في أنفسها، ووجود الحق هو وجودها، والخالق مفتقر إلى الأعيان في ~~ظهور وجودها، وهي مفتقرة إليه في حصول وجودها الذي هو نفس وجوده، وقوله ~~مركب من قول من قال: المعدوم شيء وقول من يقول وجود المخلوق هو وجود ~~الخالق، ويقول فالوجود المخلوق هو الوجود الخالق، والوجود الخالق هو الوجود ~~المخلوق، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع. # وفيهم من يفرق بين الإطلاق والتعيين كما يقوله القونوي ونحوه فيقولون أن ~~الواجب هو الموجود المطلق لا بشرط، وهذا لا يوجد مطلقا إلا في الأذهان فما ~~هو كلي في الأذهان لا يكون في الأعيان إلا معينا، وإن قيل إن المطلق جزء من ~~المعنى لزم أن يكون وجود الخالق جزءا من وجود المخلوقات، والجزء لا يبدع ~~الجميع ويخلقه، فلا يكون الخالق ms061 موجودا. # ومن قال إن الباري هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق كما يقوله PageV01P067 # ابن سينا وأتباعه فقوله أشد فسادا فإن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا ~~في الأذهان لا الأعيان، فقول هؤلاء بموافقة من هؤلاء الذين يلزمهم التعطيل ~~شر من قول الذين يشبهون أهل الحلول. # وآخرون يجعلون الوجود الواجب والوجود الممكن بمنزلة المادة والصورة ~~يقولها (1) المتفلسفة أو قريب من ذلك كما يقوله ابن سبعين وأمثاله، وهؤلاء ~~أقوالهم فيها تناقض وفساد، ولا تخرج عن وحدة الوجود أو الحلول أو الاتحاد ~~وهم يقولون بالحلول المطلق والوحدة المطلقة والاتحاد المطلق، بخلاف من يقول ~~بالمعنى كالنصارى والغالية من الشيعة الذين يقولون بالإلهية علي أو الحاكم ~~أو الحلاج أو يونس القيني أو غير هؤلاء ممن ادعيت فيه الإلهية؛ فإن هؤلاء ~~قد يقولون بالحلول المقيد الخاص، وأولئك يقولون بالإطلاق والتعميم، ولهذا ~~يقولون النصارى إنما كان خطأهم للتخصيص، وكذلك يقولون عن المشركين عباد ~~الأصنام إنما كان خطأهم لأنهم اقتصروا على عبادة بعض المظاهر دون بعض، وهم ~~يجوزون الشرك وعبادة الأصنام مطلقا على وجه الإطلاق والعموم، ولا ريب أن في ~~قول هؤلاء من الكفر والضلال ما هو أعظم من اليهود والنصارى، وهذا المذهب ~~كثير في كثير من المتأخرين وكان طوائف من الجهمية يقولونه. وكلام ابن عربي ~~في فصوص الحكم، وغيره (2) وكلام ابن سبعين وصاحبه الششتري وقصيدة ابن ~~الفارض نظم السلوك، وقصيدة عامر البصري وكلام العفيف التلمساني وعبد الله ~~البلبالي والصدر القونوي وكثير PageV01P068 # من شعر ابن إسرائيل وما ينقل عن شيخه الحريري، وكذلك يوجد نحو منه في ~~كلام كثير من الناس غير هؤلاء هو مبني على هذا المذهب مذهب الحلول والاتحاد ~~ووحدة الوجود، وكثير من أهل السلوك الذين لا يعتقدون هذا المذهب يسمعون شعر ~~ابن الفارض وغيره فلا يعرفون أن مقصوده هذا المذهب، فإن هذا الباب وقع فيه ~~من الاشتباه والضلال، ما حير كثيرا من الرجال. # وأصل ضلال هؤلاء أنهم لم يعرفوا مباينة الله سبحانه للمخلوقات وعلوه ~~عليها، وعلموا أنه موجود فظنوا أن وجوده لا يخرج عن وجودها، بمنزلة من ms062 رأى ~~شعاع الشمس فظن أنه الشمس نفسها، ولما ظهرت الجهمية المنكرة لمباينة الله ~~وعلوه على خلقه افترق الناس في هذا الباب على أربعة أقوال، فالسلف والأئمة ~~يقولون: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه (1) كما دل على ذلك ~~الكتاب والسنة PageV01P069 # وإجماع سلف الأمة، وكما علم العلو والمباينة بالمعقول الصريح الموافق ~~للمنقول الصحيح، وكما فطر الله على ذلك خلقه في إقرارهم به وقصدهم إياه ~~سبحانه وتعالى. # والقول الثاني: قول معطلة الجهمية ونفاتهم وهم الذين يقولون لا داخل ~~العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محايث له، فينفون الوصفين المتقابلين ~~اللذين لا يخلو موجود عن أحدهما كما يقول ذلك أكثر المعتزلة ومن وافقهم من ~~غيرهم. # والقول الثالث: قول حلولية الجهمية الذين يقولون أنه بذاته في كل مكان ~~كما تقول ذلك النجارية أتباع حسين النجار وغيرهم من الجهمية وهؤلاء ~~القائلون بالحلول والاتحاد من جنس هؤلاء فإن الحلول أغلب على عباد الجهمية ~~وصوفيتهم وعامتهم، والنفي والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم كما قيل: ~~متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء، وذلك لأن ~~العبادة تتضمن القصد والطلب والإرادة والمحبة وهذا لا يتعلق بمعدوم، فإن ~~القلب يتطلب موجودا فإذا لم يطلب ما فوق العالم طلب ما هو فيه. # وأما الكلام والعلم والنظر فيتعلق بموجود ومعدوم، فإذا كان أهل الكلام ~~والنظر يصفون الرب بصفات السلب والنفي التي لا يوصف بها إلا المعدوم لم يكن ~~مجرد العلم والكلام ينافي عدم المعلوم المذكور بخلاف القصد والإرادة ~~والعبادة فإنه ينافي عدم المعبود، ولهذا تجد الواحد من هؤلاء عند نظره ~~وبحثه يميل إلى النفي وعند عبادته وتصوفه يميل إلى الحلول وإذا قيل هذا ~~ينافي ذلك، قال ذاك مقتضى عقلي ونظري، وهذا مقتضى # PageV01P070 # ذوقي ومعرفتي، ومعلوم أن الذوق والوجدان لم يكن موافقا للعقل والنظر وإلا ~~لزم فسادهما أو فساد أحدهما. # والقول الرابع: قول من يقول إن الله بذاته فوق العالم وهو بذاته في كل ~~مكان، وهذا قول طوائف من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ وأمثاله، وقد ذكر ~~الأشعري ms063 في المقالات هذا عن طوائف ويوجد في كلام السالمية كأبي طالب المكي ~~وأتباعه مثل أبي الحكم بن برجان وأمثاله ما يشير إلى نحو من هذا كما يوجد ~~في كلامهم ما يناقض هذا. # وفي الجملة فالقول بالحلول أو ما يناسبه وقع فيه كثير من مستأخري ~~الصوفية. ولهذا كان أئمة القوم يحذرون منه كما في قول الجنيد لما سئل عن ~~التوحيد فقال: التوحيد إفراد المحدث عن القدم، فبين أن التوحيد أن تميز بين ~~القديم والمحدث، وقد أنكر ذلك ابن عربي صاحب الفصوص وادعى أن الجنيد ~~وأمثاله ماتوا وما عرفوا التوحيد، لما أثبتوا الفرق بين العبد والرب، بناء ~~على دعواه أن التوحيد ليس فيه فرق بين الرب والعبد، وزعم أنه لا يميز بين ~~القديم والمحدث إلا من يكون ليس بقديم ولا محدث، وهذا جهل فإن المعرفة بأن ~~هذا ليس ذاك والتمييز بين هذا وذاك لا يقتضي أن يكون العارف المميز بين ~~الشيئين ليس هو أحد الشيئين بل الإنسان يعلم أنه ليس هو ذاك الإنسان الآخر ~~مع أنه أحدهما فكيف لا يعلم أنه غير ربه وإن كان هو أحدهما؟. # PageV01P071 # الأصل الثاني # الاحتجاج بالقدر على المعاصي # على المأمور (1) وفعل المحظور # فإن القدر يجب الإيمان به ولا يجوز الاحتجاج به على مخالفة أمر الله ~~ونهيه ووعده وعيده والناس الذين ضلوا في القدر ثلاثة أصناف: قوم آمنوا ~~بالأمر والنهي والوعد والوعيد وكذبوا بالقدر وزعموا أن من الحوادث ما لا ~~يخلقه الله كالمعتزلة ونحوهم. # وقوم آمنوا بالقضاء والقدر ووافقوا أهل السنة والجماعة على أنه ما شاء ~~الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، لكن عارضوا ~~بهذا الأمر والنهي وسموا هذا حقيقة وجعلوا ذلك معارضا للشريعة، وفيهم من ~~يقول إن مشاهدة القدر تنفي الملام والعقاب، وإن العارف يستوي عنده هذا ~~وهذا، وهم في ذلك متناقضون مخالفون للشرع والعقل والذوق والوجد فإنهم لا ~~يسوون بين من أحسن إليهم وبين من ظلمهم ولا يسوون بين العالم والجاهل ~~والقادر والعاجز ولا بين الطبيب والخبيث ولا ms064 بين العادل والظالم يفرقون ~~بينهما ويفرقون أيضا بموجب أهوائهم وأغراضهم لا بموجب الأمر والنهي، فلا ~~يقفون لا مع القدر ولا مع الأمر بل كما قال بعض العلماء أنت عند الطاعة ~~قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق مذهبك (2) ، تمذهبت به فلا يوجد أحد ~~بالفلك في ترك الواجب وفعل المحرم إلا وهو متناقض لا يجعله حجة في مخالفة ~~هواه بل يعادي من آذاه وإن كان محقا ويجب من وافقه على غرضه وإن كان عدوا ~~لله، فيكون حبه وبغضه وموالاته ومعاداته بحسب هواه وغرضه وذوق نفسه ووجده، ~~لا بحسب أمر الله ونهيه ومحبته PageV01P072 # وبغضه وولايته وعداوته، إذ لا يمكنه أن يجعل القدر حجة لكل أحد فإن ذلك ~~مستلزم للفساد الذي لا صلاح معه، وللشر الذي لا خير فيه، إذ لو جاز أن يحتج ~~كل أحد بالقدر لما عوقب معتد ولا اقتص من باغ ولا أخذ لمظلوم من ظالم، ~~ولفعل كل أحد ما يشتهيه، من غير معارض يعارض فيه، وهذا فيه من الفساد، ما ~~لا يعلمه إلا رب العباد. فمن المعلوم بالضرورة أن الأفعال تنقسم إلى ما ~~ينفع العباد وما يضرهم والله قد بعث رسوله صلى الله عليه وسلم يأمر ~~المؤمنين بالأمر بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث، فمن لم يتبع شرع الله ودينه اتبع ضده من البدع والأهواء، وكان ~~احتجاجه بالقدر من الجدل بالباطل ليدحض به الحق لا من باب الاعتماد عليه ~~(1) لزمه أن يجعل كل من جرت عليه المقادير، من أهل المعاذير، وإن قال أنا ~~أعذر بالقدر من شهده وعلم أن الله خالق فعله ومحركه لا من غاب عن المشهود، ~~أو كان من أهل الجحود، قيل فيقال لك وشهود هذا وجحود هذا من القدر فالقدر ~~متناول لشهود وجحود هذا. فإن كان موجبا للفرق مع شمول القدر لهما فقد جعلت ~~بعض الناس محمودا وبعضهم مذموما مع شمول القدر لهما، وهذا رجوع إلى ~~PageV01P073 # الفرق، واعتصام بالأمر والنهي، وحينئذ فقد نقضت أصلك وتناقضت فيه، وهذا ~~لازم لكل من معك فيه، ms065 ثم مع فساد هذا الأصل، وتناقضه فهو قول باطل وبدعة ~~مضلة، فمن جعل الإيمان بالقدر وشهوده عذرا في ترك الواجبات وفعل المحظورات ~~(1) بل الإيمان بالقدر حسنة من الحسنات، وهذه لا تنهض بدفع جميع السيئات، ~~فلو أشرك مشرك بالله وكذب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ناظرا إلى أن ~~ذلك مقدر عليه لم يكن ذلك غافرا لتكذيبه، ولا مانعا من تعذيبه، فإن الله لا ~~يغفر أن يشرك به سواء كان المشرك مقرا بالقدر وناظرا إليه، أو مكذبا أو ~~غافلا عنه، بل قد قال إبليس " فيما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين " فأصر واحتج بالقدر، فكان ذلك زيادة في كفره، وسببا لمزيد عذابه، ~~وأما آدم عليه السلام فإنه قال " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين " قال تعالى: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه ~~هو التواب الرحيم " فمن استغفر وتاب كان آدميا سعيدا. ومن أصر واحتج بالقدر ~~كان إبليسيا شقيا. وقد قال تعالى لإبليس: " لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين ". # وهذا الموضع ضل فيه كثير من الخائضين في الحقائق فإنه يسلكون أنواعا من ~~الحقائق التي يجدونها ويذوقونها ويحتجون بالقدر فيما خالفوا PageV01P074 # فيه الأمر فيضاهون المشركين الذين كانوا يبتدعون دينا لم يشرعه الله ~~ويحتجون بالقدر على مخالفة أمر الله. # والصنف الثالث: من الضالين في القدر من خاصم الرب في جمعه بين القضاء ~~والقدر والأمر والنهي كما يذكر ذلك على لسان إبليس، وهؤلاء خصماء الله ~~وأعداؤه، وأما أهل الإيمان فيؤمنون بالقضاء والقدر والأمر والنهي، ويفعلون ~~المأمور، ويتركون المحظور، ويصبرون على المقدور، كما قال تعالى: " من يتق ~~ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " فالتقوى تتناول فعل المأمور، وترك ~~المحظور، والصبر يتضمن الصبر على المقدور. وهؤلاء إذا أصابتهم مصيبة في ~~الأرض أو في أنفسهم علموا أن ذلك في كتاب، وإن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، ~~وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، فسلموا الأمر لله وصبروا على ما ابتلاهم به، ~~وأما إذا جاء أمر الله فإنهم يسارعون في الخيرات، ms066 ويسابقون إلى الطاعات، ~~ويدعون ربهم رغبا ورهبا، ويجتبون محارمه، ويحفظون حدوده، ويستغفرون الله ~~ويتوبون إليه من تقصيرهم فيما أمر وتعديهم لحدوده، علما منهم بأن التوبة ~~فرض على العبد دائما وإقتداء بنبيهم حيث يقول في الحديث الصحيح: " أيها ~~الناس توبوا إلى ربكم فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه أكثر ~~من سبعين مرة " وآخر سورة نزلت عليه: " إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت ~~الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ". # وإذا عرف هذان الأصلان فعليهما يبني جواب ما في هذا السؤال من الكلمات؛ ~~ويعرف ما دخل في هذه الأمور من الضلالات. # PageV01P075 # بدء الجواب عن كلمات أهل الوحدة # فقول القائل: " إن الله لطف ذاته فسماها حقا، وكثفها فسماها خلقا " هو من ~~أقوال الوحدة والحلول والاتحاد، وهو باطل فإن اللطيف إن كان هو الكثيف ~~فالحق هو الخلق ولا تلطيف ولا تكشيف، وإن كان اللطيف غير الكثيف فقد ثبت ~~الفرق بين الحق والخلق، وهذا هو الحق، وحينئذ فالحق لا يكون خلقا فلا يتصور ~~أن ذات الحق يكون خلقا بوجه من الوجود كما أن ذات المخلوق لا تكون ذات ~~الخالق بوجه من الوجوه. # وكذلك قول الآخر ظهر فيها حقيقة واحتجب عنها مجازا فإنه إن كان الظاهر ~~غير المظاهر فقد ثبت الفرق بين الرب والعبد، وإن لم يكن أحدهما غير الآخر ~~فلا يتصور ظهور واحتجاب. # ثم قوله: " فمن كان من أهل الحق شهدها مظاهر ومجالي، ومن كان من أهل ~~الفرق شهدها ستورا وحجبا ". كلام ينقض بعضه بعضا فإنه إن كان الوجود واحدا ~~لم يكن أحد الشاهدين عين الآخر ولم يكن الشاهد عين المشهود ولهذا قال بعض ~~شيوخ هؤلاء: من قال إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له آخر فمن الذي ~~يكذب؟ فأفحمه. وهذا لأنه إذا لم يكن موجود سوى الواجب بنفسه كان هو الذي ~~يكذب ويظلم ويأكل ويشرب. وهكذا يصرح به أئمة هؤلاء كما يقول صاحب الفصوص ~~وغيره أنه موصوف بجميع صفات الذم، وأنه هو الذي يمرض ms067 ويضرب وتصيبه الآفات ~~ويوصف بالمصائب والنقائص، كما إنه هو الذي يوصف بنعوت المدح والذم، قال: ~~فالعلي لنفسه هو الذي يكون له جميع الصفات # PageV01P076 # الثبوتية والسلبية سواء كانت محمودة عقلا وعرفا وشرعا أو مذمومة عقلا ~~وعرفا وشرعا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، وقال: ألا ترى الحق يظهر بصفات ~~المحدثات وقد أخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص وبصفات الذم؟ ألا ترى المخلوق ~~يظهر بصفات الخالق، فكلها حق له كما أن صفات المخلوق حق للخالق. # وقول القائل: لقد حق لي عشق الوجود وأهله، يقتضي أن يعشق إبليس وفرعون ~~وهامان وكل كافر، ويعشق الكلاب والخنازير والبول والعذرة وكل خبيث، مع إنه ~~باطل شرعا وعقلا فهو كاذب في ذلك متناقض فيه، فإنه لو آذاه مؤذ وآلمه ألما ~~شديدا لا يغضب محرم شرعا (1) . وما ذكر عن بعضهم من قوله: " عين ما ترى ذات ~~لا ترى، وذات لا ترى عين ما ترى " هو من كلام ابن سبعين وهو من أكابر أهل ~~الإلحاد، أهل الشرك والسحر والاتحاد، وكان من أفاضلهم وأذكيائهم وأخبرهم ~~بالفلسفة وتصوف المتفلسفة. وقول ابن عربي: ظاهره خلقه، وباطنه حقه، هو قول ~~أهل الحلول وهو متناقض في ذلك فإنه يقول بالوحدة فلا يكون هناك موجودان ~~أحدهما باطن والآخر ظاهر، والتفريق بين الوجود والعين، تفريق لا حقيقة له ~~بل هو من أقوال أهل الكذب والمين. # وقول ابن سبعين: رب هالك، وعبد مالك وأنتم ذلك الله فقط والكثرة وهم، ~~موافق لأصله الفاسد في أن وجود المخلوق وجود الخالق PageV01P077 # ولهذا قال: وأنتم ذلك، فإنه جعل العبد هالكا أي لا وجود له فلم يبق إلا ~~وجود الرب، فقال: وأنتم ذلك، وكذلك قال: الله فقط والكثرة وهم. فإنه على ~~قوله لا موجود إلا الله، ولهذا كان يقول هو وأصحابه في ذكرهم ليس إلا الله ~~بدل قول المسلمين: لا إله إلا الله، وكان يسميهم الشيخ قطب الدين بن ~~القسطلاني الليسية، ويقول احذروا هؤلاء الليسية، ولهذا قال: الكثرة وهم. ~~وهذا تناقض فإن قوله وهم يقتضي متوهما فإن كان المتوهم هو الوهم فيكون ms068 الله ~~هو الوهم وإن كان المتوهم هو غير الوهم فقد تعدد الوجود. وكذلك: إن كان ~~المتوهم هو الله فقد وصف الله بالوهم الباطل، وهذا مع إنه كفر فإنه يناقض ~~قوله الوجود واحد، وإن كان المتوهم غيره فقد أثبت غير الله وهذا يناقض ~~أصله، ثم متى أثبت غيرا لزمت الكثرة فلا تكون الكثرة وهما بل تكون حقا. # والبيتان المذكوران عن ابن عربي مع تناقضهما مبنيان على هذا الأصل فإن ~~قوله: يا صورة إنس سرها معنائي، خطاب على لسان الحق يقول لصورة الإنسان يا ~~صورة إنس سرها معنائي، أي هي الصورة وأنا معناها. وهذا يقتضي أن المعني غير ~~الصورة وهو يقتضي التعدد والتفريق بين المعنى والصورة فإن كان وجود المعنى ~~هو وجود الصورة كما يصرح به فلا تعدد، وإن كان وجود هذا غير وجود هذا تناقض ~~وقوله: ما خلقك للأمر ترى لولائي، كلام مجمل يمكن أن يراد به معنى صحيح أي ~~لولا الخالق لما وجد الكلفون ولا خلق لأمر الله، لكن قد عرف أنه لا يقول ~~بهذا. فإن مراده الوحدة والحلول والاتحاد، ولهذا قال: # شئناك فأنشأناك خلقا بشرا ... كي تشهدنا في أكمل الأشياء # PageV01P078 # فبين أن العبيد يشهدونه في أكمل الأشياء وهي الصورة الإنسانية وهذا يشير ~~إلى الحلول وهو حلول الحق في الخلق لكنه متناقض في كلامه فإنه لا يرضى ~~بالحلول ولا يثبت موجودين حل أحدهما في الآخر بل عنده وجود الحال هو عين ~~وجود المحل لكنه يقول بالحلول بين الثبوت والوجود، فوجود الحق حل في ثبوت ~~الممكنات وثبوتها حل في وجوده وهذا الكلام لا حقيقة له في نفس الأمر فإنه ~~لا فرق بين هذا وهذا لكنه هو مذهبه المتناقض في نفسه. # وأما الرجل الذي طلب من والده الحج فأمره أن يطوف بنفس الأب: فقال طف ~~ببيت ما فارقه الله طرفة عين قط. فهذا كفر بإجماع المسلمين، فإن الطواف ~~بالبيت العتيق مما أمر الله به ورسوله، وأما الطواف بالأنبياء والصالحين، ~~فحرام بإجماع المسلمين. ومن اعتقد ذلك دينا فهو كافر سواء طاف ببدنه أو ms069 ~~بقبره، وقوله ما فارقه الله طرفة عين قط إن أراد به الحلول المطلق العام ~~فهو مع بطلانه المتناقض فإنه حينئذ لا فرق بين الطوائف والمطوف به، فلم يكن ~~طواف هذا بهذا أولى من العكس، بل هذا يستلزم أنه يطاف بالكلاب والخنازير ~~والكفار والنجاسات والأقذار وكل خبيث وكل ملعون لأن الحلول والاتحاد العام ~~يتناول هذا كله، وقد قال مرة شيخهم الشيرازي لشيخه التلمساني وقد مر بكلب ~~أجرب ميت: هذا أيضا من ذات الله، فقال: وثم خارج عنه؟ ومر التلمساني ومعه ~~شخص فاجتاز بكلب فركضه الآخر برجله فقال: لا تركضه فإنه منه. وهذا مع أنه ~~من أعظم الكفر والكذب الباطل في العقل والدين فإنه متناقض فإن الراكض ~~والمركوض واحد، وكذلك الناهي والمنهي، # PageV01P079 # فليس شيء من ذلك بأولى بالأمر والنهي من شيء، ولا يعقل مع الوحدة تعدد ~~وإذا قيل مظاهر ومجالي - قيل إن كان لها وجود غير وجود الظاهر المتجلي فقد ~~ثبت التعدد وبطلت الوحدة وإن كان وجود هذا هو وجود هذا لم يبق بين الظاهر ~~والمظهر والمتجلي فيه (1) فرق، وإن أراد بقوله ما فارقه الله طرفة عين، ~~الحلول الخاص، كما تقول النصارى في المسيح لزم أن يكون هذا الحلول ثابتا له ~~من حين خلق كما تقوله النصارى في المسيح فلا يكون ذلك حاصلا له بمعرفته ~~وعبادته وتحقيقه وعرفانه وحينئذ فلا يكون فرق بينه وبين غيره من الآدميين ~~فلماذا يكون الحلول ثابتا له دون غيره؟ وهذا شر من قول النصارى فإن النصارى ~~ادعوا ذلك في المسيح لكونه خلق من غير أب والشيوخ لم يفضلوا في نفس التخليق ~~وإنما فضلوا بالعبادة والمعرفة والتحقيق والتوحيد وهذا أمر حصل لهم بعد أن ~~لم يكن فإذا كان هذا هو سبب الحلول وجب أن يكون الحلول فيهم حادثا لا ~~مقارنا لخلقهم وحينئذ فقولهم أن الرب ما فارق أبدانهم أو قلوبهم طرفة عين ~~قط كلام باطل كيف ما قدر. # وأما ما ذكر عن رابعة من قولها عن البيت أنه الصنم المعبود في الأرض - ~~فهو كذب على رابعة ولو قال ms070 هذا من قاله لكان كافرا يستتاب فإن تاب وإلا قتل ~~وهو كذب فإن البيت لا يعبده المسلمون ولكن يعبدون رب البيت بالطواف به ~~والصلاة إليه، وكذلك ما نقل من قولها: والله ما ولجه الله ولا خلا منه. ~~كلام باطل عليها، وعلى مذهب الحلولية لا فرق بين ذاك البيت وغيره في هذا ~~المعنى فلأي مزية يطاف به ويصلى PageV01P080 # إليه ويحج دون غيره من البيوت؟ وقول القائل: ما ولج الله فيه - كلام ~~صحيح، وأما قوله ما خلا منه فإن أراد ذاته حالة فيه أو ما يشبه هذا المعنى ~~فهو باطل وهو مناقض لقوله ما ولج فيه، وإن أراد به أن الاتحاد ملازم له لم ~~يتجدد له ولوج ولم يزل غير حال فيه فهذا مع أنه كفر وباطل يوجب أن لا يكون ~~للبيت مزية على غيره من البيوت إذا الموجودات كلها عندهم كذلك. # وأما البيتان المنسوبان إلى الحلاج: # سبحان من أظهر ناسوته ... سر سنا لاهوته الثاقب # حتى بدا في خلقه ظاهرا ... في صورة الآكل والشارب # فهذه قد تعين بها الحلول الخاص كما تقوله النصارى في المسيح وكان أبو عبد ~~الله بن خفيف الشيرازي قبل أن يطلع على حقيقة أمر الحلاج يذب عنه فلما أنشد ~~هذين البيتين قال: لعن الله من قال هذا، وقوله: # عقد الخلائق في الإله عقائدا ... وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه # فهذا البيت يعرف لابن عربي فإن كان قد سبقه إليه الحلاج وقد تمثل هو به ~~فإضافته إلى الحلاج صحيحة وهو كلام متناقض فإن الجمع بين النقيضين في ~~الاعتقاد في غاية الفساد، والقضيتان المتناقضتان بالسلب والإيجاب على وجه ~~يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى لا يمكن الجمع بينهما وهؤلاء يزعمون أنه ~~يثبت عندهم في الكشف ما يناقض صريح العقل وإنهم يقولون بالجمع بين النقيضين ~~وبين الضدين وأن من سلك طريقهم يقول بمخالفة المعقول والمنقول، ولا ريب أن ~~هذا من أفسد ما ذهب إليه أهل السفسطة ومعلوم أن الأنبياء عليهم السلام أعظم ~~من الأولياء، والأنبياء جاؤوا بما تعجز # PageV01P081 # العقول عن معرفتهم ولم ms071 يجيئوا بما تعلم العقول بطلانه فهم يخبرون بمحارات ~~العقول، لا بمحالات العقول، وهؤلاء الملاحدة يدعون أن محالات العقول صحيحة، ~~وإن الجمع بين النقيضين صحيح، وأن ما خالف صريح المعقول وصحيح المنقول ~~صحيح، ولا ريب أنهم أصحاب خيال وأوهام يتخيلون في نفوسهم أمورا يتخيلونها ~~ويتوهمونها فيظنونها ثابتة في الخارج وإنما هي من خيالاتهم والخيال الباطل ~~يتصور فيه ما لا حقيقة له ولهذا يقولون أرض الحقيقة هي أرض الخيال كما يقول ~~ذلك ابن عربي وغيره ولهذا يحكون حكاية ذكرها سعيد الفرغاني شارح قصيدة ابن ~~الفارض وكان من شيوخهم وأما قوله: # بيني وبينك إني تزاحمني ... فارفع بحقك إنيي من البين # فإن هذا الكلام يفسر بمعان ثلاثة يقوله الزنديق، ويقوله الصديق فالأول ~~مراده به رفع ثبوت إنيته حتى يقال إن وجوده هو وجود الحق وإنيته هي إنية ~~الحق فلا يقال إنه غير الله ولا سوى. ولهذا قال سلف هؤلاء الملاحدة إن ~~الحلاج نصف رجل وذلك أنه لم ترفع له الإنية بالمعنى فرفعت له صورة، فقيل ~~وهذا القول مع ما فيه من الكفر، والإلحاد فهو متناقض ينقض بعضه بعضا فإن ~~قوله: بيني وبينك إني تزاحمني، خطاب لغير مواثبات إنية بينه وبين ربه وهذه ~~إثبات أمور ثلاثة وكذلك يقول: فارفع بحقك إنيي من البين، طلب من غيره أن ~~يرفع إنيته وهذا إثبات لأمور ثلاثة وهذا المعنى الباطل هو الفناء الفاسد ~~وهو الفناء عن وجود السوى فإن هذا فيه طلب رفع الإنية وهو طلب الفناء، ~~والفناء ثلاثة أقسام فناء عن وجود السوى وفناء عن شهود السوى وفناء عن ~~عبادة السوى فالأول وهو فناء أهل # PageV01P082 # الوحدة الملاحدة كما فسروا به كلام الحلاج وهو أن يجعل الوجود وجودا ~~واحدا وأما الثاني وهو الفناء عن شهود السوى فهذا هو الذي يعرض لكثير من ~~السالكين كما يحكي عن أبي يزيد وأمثاله وهو مقام الاصطلام وهو أن يغيب ~~بموجوده عن وجوده وبمعبوده عن عبادته وبمشهوده عن شهادته وبمذكوره عن ذكره، ~~فيظن من لم يكن ويبقى من لم يزل، وهذا كما يحكى أن ms072 رجلا يحب آخر فألقى ~~المحبوب نفسه في الماء فألقى المحب نفسه خلفه فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنت؟ ~~فقال: غبت بك عني، فظننت أنك إني. فهذا حال من عجز عن شيء من المخلوقات إذا ~~شهد قلبه وجود الخالق وهو أمر يعرض لطائفة من السالكين ومن الناس من يجعل ~~هذا من السلوك ومنهم من يجعله غاية السلوك حتى يجعلوا الغاية هو الفناء في ~~توحيد الربوبية فلا يفرقون بين المأمور والمحظور، والمحبوب والمكروه، وهذا ~~غلط عظيم غلطوا فيه بشهود القدر وإحكام الربوبية عن شهود الشرع والأمر ~~والنهي وعبادة الله وحده وطاعة رسوله فمن طلب رفع إنيته بهذا الاعتبار لم ~~يكن محمودا على هذا ولكن قد يكون معذورا. # وأما النوع الثالث وهو الفناء عن عبادة السوى فهذا حال النبيين وأتباعهم ~~وهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبحبه عن حب ما سواه، وبخشيته ~~عن خشية ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، فهذا تحقيق توحيد ~~الله وحده لا شريك له وهو الحنيفية ملة إبراهيم ويدخل في هذا أن يفنى عن ~~إتباع هواه بطاعة الله فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطي إلا ~~لله، ولا يمنع إلا لله، فهذا هو الفناء الديني الشرعي الذي بعث الله رسله ~~وانزل به كتبه. # ومن قال: فارفع بحقك إنيي من البين، بمعنى أن يرفع هوى # PageV01P083 # نفسه فلا يتبع هواه ولا يتوكل على نفسه وحوله وقوته بل يكون عمله لله لا ~~لهواه وعمله بالله وبقوته لا بحوله وقوته كما قال تعالى: " إياك نعبد وإياك ~~نستعين " فهذا حق محمود، وهذا كما يحكي عن أبي يزيد أنه قال: رأيت رب العزة ~~في المنام فقلت: خدايي (1) كيف الطريق إليك؟ قال: اترك نفسك وتعال - أي ~~اترك إتباع هواك والاعتماد على نفسك فيكون عملك لله واستعانتك بالله كما ~~قال: " فاعبدوه وتوكل عليه ". # والقول المحكي عن ابن عربي: وبي حلفت وإن المقسم الله، هو أيضا من ~~إلحادهم إفكهم: جعل نفسه حالفة بنفسه، وجعل الحالف هو الله فهو الحالف ms073 ~~والمحلوف به كما يقولون: أرسل من نفسه إلى نفسه رسولا بنفسه فهو المرسل ~~والمرسل إليه والرسول وكما قال ابن الفارض في قصيدته نظم السلوك: # لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت # كلانا مصل واحد ساجد إلي ... حقيقته بالجمع في كل سجدة # وما كان بي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أداء كل ركعة # إلى أن قال: # وما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي حنت # وقد رفعت تاء المخاطب بيننا ... وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي # فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ... منادي أجابت من دعاني ولبت # وأما المنقول عن عيسى بن مريم صلوات الله عليه فهو كذب عليه وهو كلام ~~ملحد كاذب وضعه على المسيح وهذا لم ينقله عنه مسلم ولا PageV01P084 # نصراني، فإنه لا يوافق قول النصارى قوله إن الله اشتاق أن يرى ذاته ~~المقدسة فخلق من نوره آدم وجعله كالمرآة ينظر إلى ذاته المقدسة فيها وإني ~~أنا ذلك النور وآدم المرآة، فهذا الكلام مع ما فيه من الكفر والإلحاد ~~متناقض وذلك أن الله سبحانه يرى نفسه كما يسمع كلام نفسه، وهذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو عبد مخلوق لله قال لأصحابه: " إني أراكم من ورائي ~~كما أراكم من بين يدي " فإذا كان المخلوق قد يرى ما خلقه وهو أبلغ من رؤية ~~نفسه فالخالق تعالى كيف لا يرى نفسه؟ وأيضا فإن شوقه إلى رؤية نفسه حتى خلق ~~آدم يقتضي أنه لم يكن في الأزل يرى نفسه حتى خلق آدم، ثم ذلك الشوق كان ~~قديما كان ينبغي أن يفعل ذلك في الأزل وإن كان محدثا فلا بد من سبب يقتضي ~~حدوثه، مع أنه قد يقال الشوق أيضا صفة نقص ولهذا لم يثبت ذلك في حق الله ~~تعالى وقد روي: " طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق ". وهو ~~حديث ضعيف. # وقوله: خلق من نوره آدم وجعله كالمرآة وأنا ذلك النور وآدم هو المرآة - ~~يقتضي أن يكون آدم مخلوقا من المسيح والمسيح ms074 خلق من مريم ومريم من ذرية آدم ~~فكيف يكون آدم مخلوقا من ذريته؟ وإن قيل المسيح هو نور الله فهذا القول وإن ~~كان من جنس قول النصارى فهو شر من قول النصارى فإن النصارى يقولون: إن ~~المسيح هو الناسوت واللاهوت الذي هو الكلمة هي جوهر الابن، وهم يقولون: ~~الاتحاد اتحاد اللاهوت والناسوت متجدد حين خلق بدن المسيح، لا يقولون أن ~~آدم خلق من المسيح إذ المسيح عندهم اسم اللاهوت والناسوت # PageV01P085 # جميعا وذلك يمتنع أن يخلق منه آدم، وأيضا فهم لا يقولون إن آدم خلق من ~~لاهوت المسيح. # وأيضا فقول القائل إن آدم خلق من نور الله الذي هو المسيح إن أراد به ~~نوره الذي هو صفة لله فذاك ليس هو المسيح الذي هو قائم بنفسه إذ يمتنع أن ~~يكون القائم بنفسه صفة لغيره، وإن أراد بنوره ما هو نور منفصل عنه فمعلوم ~~أن المسيح لم يكن شيئا موجودا منفصلا قبل خلق آدم فامتنع على كل تقدير أن ~~يكون آدم مخلوقا من نور الله الذي هو المسيح، وأيضا فإذا كان آدم كالمرآة ~~وهو ينظر إلى ذاته المقدسة فيها لزم أن يكون الظاهر في آدم هو مثال ذاته لا ~~أن آدم هو ذاته لا أن آدم هو ذاته ولا مثال ذاته ولا كذاته وحينئذ فإن كان ~~المراد بذلك أن آدم يعرف الله تعالى فيرى مثال ذاته العلمي في آدم فالرب ~~تعالى يعرف نفسه فكان المثال العلمي إذا أمكن رؤيته كانت رؤيته للعلم ~~المطابق له القائم بذاته أولى من رؤيته للعلم القائم بآدم، وإن كان المراد ~~أن آدم نفسه سأل الله فلا يكون آدم هو المرآة بل يكون هو كالمثال الذي في ~~المرآة. وأيضا فتخصيص المسيح بكونه ذلك النور هو قول النصارى الذين يخصونه ~~بأنه الله، وهؤلاء الاتحادية ضموا إلى قول النصارى قولهم بعموم الاتحاد حيث ~~جعلوا في غير المسيح من جنس ما تقوله النصارى في المسيح. # وأما قول ابن الفارض: # وشاهد إذا استجليت ذاتك من ترى ... بغير مراء في المرآة الصقيلة # أغيرك ms075 فيها لاح أم أنت ناظر ... إليك بها عند انعكاس الأشعة # فهذا تمثيل فاسد وذلك أن الناظر في المرآة مثال نفسه فيرى نفسه # PageV01P086 # وكذا المرآة لا يرى نفسه بلا واسطة فقولهم بوجود باطل وبتقدير صحته ليس ~~هذا مطابقا له وأيضا فهؤلاء يقولون بعموم الوحدة والاتحاد والحلول في كل ~~شيء فتخصيصهم بعد هذا آدم أو المسيح يناقض قولهم بالعموم وإنما يخص المسيح ~~ونحوه من يقول بالاتحاد الخاص كالنصارى والغالية من الشيعة وجهال النساك ~~ونحوهم، وأيضا فلو قدر أن الإنسان يرى نفسه في المرآة فالمرآة خارجة عن ~~نفسه فرأى نفسه أو مثال نفسه في غيره والكون عندهم ليس فيه غير ولا سوى ~~فليس هناك مظهر مغاير للظاهر ولا مرآة مغايرة للرائي. وهم يقولون: إن الكون ~~مظاهر الحق فإن قالوا المظاهر غير الظاهر لزم التعدد وبطلت الوحدة، وإن ~~قالوا المظاهر هي الظاهر لم يكن قد ظهر شيء في شيء ولا ظهر شيء لشيء وكان ~~قوله: وشاهد إذا استجليت نفسك أن ترى. . . كلاما متناقضا لأن هنا مخاطبا ~~ومخاطبا ومرآة تستجلى فيها الذات فهذه ثلاثة أعيان فإن كان الوجود واحدا ~~بالعين بطل هذا الكلام وكل كلمة يقولونها تنقض أصلهم. # فصل: وأما ما ذكره من قول ابن إسرائيل: الأمر أمران أمر بواسطة وأمر بغير ~~واسطة إلى آخره - فمضمونه أن الأمر الذي بواسطة هو الأمر الشرعي الديني ~~والذي بلا واسطة هو الأمر القدري الكوني وجعله أحد الأمرين بواسطة والآخر ~~بغير واسطة كلام باطل فإن الأمر الديني يكون بواسطة وبغير واسطة فإن الله ~~كلم موسى وأمره بلا واسطة وكذلك # PageV01P087 # كلم محمدا صلى الله عليه وسلم وأمره ليلة المعراج وكذلك كلم آدم وأمره ~~بلا واسطة وهي أوامر دينية شرعية وأما الأمر الكوني فقول القائل: أنه لا ~~بواسطة خطأ بل الله تعالى خلق الأشياء بعضها ببعض وأمر التكوين ليس هو ~~خطابا يسمعه المكون المخلوق فإن هذا ممتنع ولهذا قيل إن كان هذا خطابا له ~~بعد وجوده لم يكن قد كون به بل كان قد كون قبل الخطاب وإن كان خطابا له ms076 قبل ~~وجوده فخطاب المعدوم ممتنع، وقد قيل في جواب هذا أنه خطاب لمعلوم لحضوره في ~~العلم وإن كان معدوما في العين وأما ما ذكره الفقير فهو سؤال وارد بلا ريب، ~~وأما ما ذكره عن شيخه من أن آدم كان توحيده ظاهرا وباطنا فكان قوله " لا ~~تقرب " ظاهرا وكان أمره " بكل " باطنا فيقال: إن أريد بكونه قال كل باطنا ~~أنه أمره بذلك في الباطن أمر تشريع أو دين فهذا كذب وكفر، وإن كان أراد أبه ~~خلق ذلك وقدره وكونه فهذا قدر مشترك بين آدم وبين سائر المخلوقات فإنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فكل ما كان من المكونات فهو داخل ~~في هذا الأمر، وأكل آدم من الشجرة وغير ذلك من الحوادث داخلة تحت هذا كدخول ~~آدم فنفس أكل آدم هو الداخل تحت هذا الأمر كما دخل آدم، وقول القائل: إنه ~~قال لآدم في الباطن كل مثل قوله أنه قال للكافر: اكفر وللفاسق افسق، والله ~~لا يأمر بالفحشاء، ولا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر ولا يوجد منه ~~خطاب باطن ولا ظاهر للكفار والفساق والعصاة بفعل الكفر والفسوق والعصيان، ~~وإن كان ذلك واقعا بمشيئته وقدرته وخلقه وأمره الكوني - فالأمر الكوني ليس ~~هو أمرا للعبد أن يفعل ذلك الأمر بل هو أمر تكوين # PageV01P088 # لذلك الفعل في العبد أو أمر تكوين لكون العبد على ذلك الحال فهو سبحانه ~~هو الذي خلق الإنسان هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، وهو ~~الذي جعل المسلمين مسلمين كما قال الخليل: " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك " فهو سبحانه جعل العباد على الأحوال التي خلقهم عليها ~~وأمره لهم بذلك أمر تكوين بمعنى أنه قال لهم: كونوا كذلك فيكونون كذلك، كما ~~لو قال للجماد كن فيكون فأمر التكوين لا فرق فيه بين الجماد والحيوان وهو ~~لا يفتقر إلى علم المأمور ولا إرادته ولا قدرته لكن العبد قد يعلم ما جرى ~~به القدر في أحواله كما يعلم ما جرى به القدر ms077 في أحوال غيره، وليس في ذلك ~~علم منه بأن الله أمره في الباطن بخلاف ما أمره به في الظاهر بل أمره ~~بالطاعة باطنا وظاهرا، ونهاه عن المعصية باطنا وظاهرا، وقدر ما يكون فيه من ~~طاعة ومعصية باطنا وظاهرا، وخلق العبد وجميع أعماله باطنا وظاهرا، وكون ذلك ~~بقوله: " كن باطنا وظاهرا " وليس في القدر حجة لابن آدم ولا عذر بل القدر ~~يؤمن به، ولا يحتج به، والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين متناقض، فإن القدر ~~إن كان حجة وعذرا لزم أن لا يلام أحد ولا يعاقب ولا يقتص منه وحينئذ فهذا ~~المحتج بالقدر يلزمه إذا ظلم في نفسه وماله وعرضه وحرمته أن لا ينتصر من ~~الظالم ولا يغضب ولا يذمه، وهذا أمر ممتنع في الطبيعة لا يمكن أحدا أن ~~يفعله فهو ممتنع طبعا محرم شرعا. # ولو كان القدر حجة وعذرا لم يكن إبليس ملوما معاقبا ولا فرعون وقوم نوح ~~وعاد وثمود وغيرهم من الكفار ولا كان جهاد الكفار جائزا ولا إقامة الحدود ~~جائزا لا قطع السارق ولا جلد الزاني ولا رجمه ولا قتل # PageV01P089 # القاتل ولا عقوبة معتد بوجه من الوجوه ولما كان الاحتجاج بالقدر باطلا في ~~فطر الخلق وعقولهم لم تذهب إليه أمة من الأمم، ولا هو مذهب أحد من العقلاء ~~الذين يطردون قولهم فإنه لا يستقيم عليه مصلحة أحد لا في دنياه ولا آخرته ~~ولا يمكن اثنان أن يتعاشرا ساعة واحدة إن لم يكن أحدهما ملتزما مع الآخر ~~نوعا من الشرع فالشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده لكن الشرائع تتنوع ~~فتارة تكون منزلة من عند الله كما جاءت به الرسل وتارة لا تكون كذلك، ثم ~~المنزلة تارة تبدل وتغير كما غير أهل الكتاب شرائعهم. وتارة لا تغير ولا ~~تبدل، وتارة يدخل النسخ في بعضها وتارة لا يدخل. # أما القدر فإنه لا يحتج به أحد إلا عند إتباع هواه فإذا فعل فعلا بمجرد ~~هواه وذوقه، ووجده من غير أن يكون له علم بحسن الفعل ومصلحته استند إلى ~~القدر كما قال ms078 المشركون " لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~شيء " قال الله تعالى: " كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل ~~عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون، قل ~~ولله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين " فبين أنهم ليس عندهم علم بما ~~كانوا عليه من الدين وإنما يتبعون الظن، والقوم لم يكونوا ممن يسوغ لكل أحد ~~الاحتجاج بالقدر فإنه لو خرب أحد الكعبة أو شتم إبراهيم الخليل أو طعن في ~~دينهم لعادوه وآذوه كيف وقد عادوا النبي صلى الله عليه وسلم على ما جاء به ~~من الدين وما فعله هو أيضا من المقدور؟ فلو كان الاحتجاج بالقدر حجة لكان ~~للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه فإن كان كل ما يحدث في الوجود فهو # PageV01P090 # مقدر، فالمحق والمبطل يشتركان في الاحتجاج بالقدر إن كان الاحتجاج به ~~صحيحا ولكن كانوا يعتمدون على ما يعتقدونه من جنس دينهم وهم في ذلك يتبعون ~~الظن ليس لهم به علم بل هم يخرصون. وموسى لما قال لآدم: لماذا أخرجتنا ~~ونفسك من الجنة؟ فقال آدم عليه السلام فيما قال لموسى: لم تلومني على أمر ~~قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاما؟ فحج آدم موسى - لم يكن آدم عليه ~~السلام محتجا على فعل ما نهي عنه بالقدر ولا كان موسى ممن يحتج عليه بذلك ~~فيقبله بل آحاد المؤمنين لا يفعل مثل هذا فكيف آدم وموسى؟ وآدم قد تاب مما ~~فعل واجتباه ربه وهدى وموسى أعلم بالله من أن يلوم من هو دون نبي على فعل ~~تاب منه فكيف بنبي من الأنبياء؟ وآدم يعلم أنه لو كان القدر حجة لم يحتج ~~إلى التوبة ولم يجر ما جرى من خروجه من الجنة وغير ذلك، ولو كان القدر حجة ~~لكان لإبليس وغيره وكذلك موسى يعلم أنه لو كان القدر حجة لم يعاقب فرعون ~~بالغرق ولا بنو إسرائيل بالصعقة وغيرها كيف وقد قال موسى: " رب إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي " وقال: ms079 " فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين " وهذا باب ~~واسع وإنما كان لوم موسى لآدم من أجل المصيبة التي لحقتهم بآدم من أكل ~~الشجرة ولهذا قال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ واللوم لأجل المصيبة التي ~~لحقت الإنسان نوع واللوم لأجل الذنب الذي هو حق الله نوع آخر، فإن الأب لو ~~فعل فعلا افتقر به حتى تضرر بنوه فأخذوا يلومونه لأجل ما لحقهم من الفقر لم ~~يكن هذا كلومه لأجل كونه أذنب والعبد مأمور أن يصبر على المقدور، ويطبع ~~المأمور، وإذا أذنب استغفر كما قال تعالى: " فاصبر إن وعد الله حق واستغفر ~~لذنبك " وقال تعالى: " ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه " قال طائفة من السلف # PageV01P091 # هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم فمن احتج ~~بالقدر على ترك المأمور، وجزع من حصول ما يكرهه من المقدور، فقد عكس ~~الإيمان والدين، وصار من حزب الملحدين المنافقين، وهذا حال المحتجين بالقدر ~~فإن أحدهم إذا أصابته مصيبة عظم جزعه وقل صبره فلا ينظر إلى القدر ولا يسلم ~~له، وإذا أذنب ذنبا أخذ يحتج بالقدر فلا يفعل المأمور، ولا يترك المحظور، ~~ولا يصبر على المقدور، ويدعي مع هذا أنه من كبار أولياء الله المتقين، ~~وأئمة المحققين الموجودين، وإنما هو من أعداء الله الملحدين، وحزب الشيطان ~~اللعين، وهذا الطريق إنما يسلكه أبعد الناس عن الخير والدين والإيمان، تجد ~~أحدهم أخير الناس إذا قدر، وأعظمهم ظلما وعدوانا، وأذل الناس إذا قهر، ~~وأعظم جزعا ووهنا، كما جربه الناس من الأحزاب البعيدين عن الإيمان بالكتاب ~~والمقابلة من أصناف الناس، والمؤمن إن قدر عدل وأحسن، وإن قهر وغلب صبر ~~واحتسب، كما قال كعب بن زهير في قصيدته التي أنشدها للنبي صلى الله عليه ~~وسلم التي أولها: بانت سعاد الخ..، في صفة المؤمنين: # ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... يوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا # وسئل بعض العرب عن شيء من أمور النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: ~~رأيته يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا ms080 يضجر، وقد قال تعالى: " قالوا أإنك لأنت ~~يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا، إنه من يتق ويصبر فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين " وقال تعالى: " وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ~~شيئا " وقال تعالى: " إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " وقال تعالى: " وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك ~~من عزم الأمور " فذكر الصبر # PageV01P092 # والتقوى في هذه المواضع الأربعة فالصبر يدخل فيه الصبر على المقدور؛ ~~والتقوى يدخل فيها فعل المأمور، فمن رزق هذا وهذا فقد جمع له الخير، بخلاف ~~من عكس فلا يتقي الله بل يترك طاعته منبعا لهواه ويحتج بالقدر، ولا يصبر ~~إذا ابتلى ولا ينظر حينئذ إلى القدر، فإن هذا حال الأشقياء كما قال بعض ~~العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت ~~به، يقول أنت إذا أطعت جعلت نفسك خالقا لطاعتك فتنسى نعمة الله عليك كي (1) ~~أنه جعلك مطيعا له وإذا عصيت لم تعترف بأنك فعلت الذنب بل تجعل نفسك بمنزلة ~~المجبور عليه بخلاف مراده أو المحرك الذي لا إرادة له ولا قدرة ولا علم ~~وكلاهما خطأ وقد ذكر أبو طالب المكي عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ~~إذا عمل العبد حسنة فقال: أي وربي أنا فعلت هذه الحسنة، قال له ربه: أنا ~~يسرتك لها وأنا أعنتك عليها، فإن قال أي ربي أنت أعنتني عليها ويسرتني لها، ~~قال له ربه: أنت عملها وأجرها لك، وإذا فعل سيئة فقال: أي ربي أنت قدرت علي ~~هذه السيئة قال له ربه: أنت اكتسبتها وعليك وزرها فإن قال: أي إني أذنبت ~~هذا الذنب وأنا أتوب منه، قال له ربه: أنا قدرته عليك وأنا أغفره لك، وهذا ~~باب مبسوط في غير هذا الموضع. # وقد كثر في كثير من المنتسبين إلى المشيخة والتصوف شهود القدر فقط من غير ~~شهود الأمر والنهي والاستناد إليه في ترك المأمور وفعل المحظور، وهذا أعظم ~~الضلال، ومن طرد هذا القول والتزم ms081 لوازمه كان أكفر من اليهود والنصارى ~~والمشركين لكن أكثر من يدخل في ذلك يتناقض ولا يطرد قوله PageV01P093 # وقول هذا القائل هو من هذا الباب فقوله: آدم كان أمره بكل باطنا فأكل، ~~وإبليس كان توحيده ظاهرا فأمر بالسجود لآدم فرآه غيرا فلم يسجد فغير الله ~~عليه وقال: " اخرج منها " الآية. فإن هذا مع ما فيه من الإلحاد كذب على آدم ~~وإبليس فآدم اعترف بأنه هو الفاعل للخطيئة وإنه هو الظالم لنفسه وتاب من ~~ذلك ولم يقل أن الله ظلمني ولا أن الله أمرني في الباطن بالأكل، قال تعالى: ~~" فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه أنه هو التواب الرحيم " وقال تعالى: " ~~قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " ~~وإبليس أصر واحتج بالقدر فقال: " ربي بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين " وأما قوله: رآه غيرا فلم يسجد - فهذا شر من الاحتجاج ~~بالقدر فإن هذا قول أهل الوحدة الملحدين وهو كذب على إبليس فإن إبليس لم ~~يمتنع من السجود لكونه غيرا بل قال: " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين " ولم تؤمر الملائكة بالسجود ولكون آدم ليس غيرا بل المغايرة بين ~~الملائكة وآدم ثابتة معروفة والله تعالى: " علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم ~~على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا ~~علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " وكانت لملائكة وآدم معترفين ~~بأن الله مباين لهم وهم مغايرون له ولهذا قالوا: دعوه دعا العبد ربه فآدم ~~يقول: " ربنا ظلمنا أنفسنا " والملائكة تقول: " لا علم لنا إلا ما علمتنا " ~~وتقول: " ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم " الآية، وقد قال تعالى: " أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون " وقال تعالى: " أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات والأرض وهو ~~يطعم ولا يطعم " وقال: " أفغير الله أبتغي # PageV01P094 # حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا " فلو لم يكن هناك غيره لم يكن ~~المشركون أمروه بعبادة غير ms082 الله ولا اتخاذ غير الله وليا ولا حكما فلم ~~يكونوا يستحقون الإنكار، فلما أنكر عليهم ذلك دل على ثبوت غير يمكن عبادته ~~واتخاذه وليا وحكما، وإنه من فعل ذلك فهو مشرك بالله كما قال تعالى: " ولا ~~تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين " وقال: " لا تجعل مع الله إلها ~~آخر فتقعد مذموما مخذولا " وأمثال ذلك. # وأما قول القائل أن قوله: " ليس لك من الأمر شيء " عين الإثبات للنبي صلى ~~الله عليه وسلم كقوله: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى إن الذين يبايعون ~~الله يد الله فوق أيديهم " فهذا بناه على قول أهل الوحدة والاتحاد، وجعل ~~معنى قوله: " ليس لك من الأمر شيء " أي فعلك هو فعل الله لعدم المغايرة ~~وهذا ضلال عظيم من وجوه: أحدها: إن قوله: " ليس لك من الأمر شيء " نزل في ~~سياق قوله: " ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، ليس لك ~~من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون " وقد ثبت في الصحيح إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو على قوم من الكفار أو يلعنهم في القنوت ~~فلما أنزل الله هذه الآية ترك فعلم أن معناها أفراد الرب تعالى بالأمر وأنه ~~ليس لغيره أمر بل إن شاء الله تعالى قطع طرفا من الكفار وإن شاء كبتهم ~~فانقلبوا بالخسارة وإن شاء تاب عليهم وإن شاء عذبهم، وهذا كما قال في الآية ~~الأخرى: " قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء " ونحو ذلك قوله تعالى: " يقولون ~~لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا قل إن الأمر كله لله ". # PageV01P095 # الوجه الثاني: إن قوله: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " لم يرد به إن ~~فعل العبد هو فعل الله تعالى كما تظنه طائفة من الغالطين فإن ذلك لو كان ~~صحيحا لكان ينبغي أن يقال لكل أحد حتى يقال للماشي ما مشيت إذ مشيت ولكن ~~الله مشى، ms083 ويقال للراكب وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب، ويقال للمتكلم ما ~~تكلمت إذ تكلمت ولكن الله تكلم. ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم ~~والمصلي ونحو ذلك وطرد ذلك يستلزم أن يقال للكافر ما كفرت إذ كفرت ولكن ~~الله كفر. ويقال للكاذب ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب. ومن قال مثل هذا ~~فهو ملحد خارج عن العقل والدين، ولكن معنى الآية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم بدر رماهم ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمي إلى جميعهم فإنه إذا ~~رماهم بالتراب وقال شاهت الوجوه ولم يكن في قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلهم ~~فالله تعالى أوصل ذلك الرمي إليهم بقدرته، يقول وما أوصلت إذ حذفت ولكن ~~الله أوصل، فالرمي الذي أثبته له ليس هو الرمي الذي نفاه عنه وهو الإيصال ~~والتبليغ وأثبت له الحذف والإلقاء وكذلك إذا رمى سهما فأوصلها بقدرته. # الوجه الثالث: إنه لو فرض أن المراد بهذه الآية أن الله خالق أفعال ~~العباد فهذا المعنى حق وقد قال الخليل: " ربنا واجعلنا مسلمين لك " فالله ~~هو الذي جعل المسلم مسلما. وقال تعالى: " إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه ~~الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا " فالله هو الذي خلقه هلوعا لكن ليس في ~~هذا أن الله هو العبد، ولا أن وجود الخالق هو وجود المخلوق، ولا أن الله ~~حال في العبد فالقول بأن الله خالق أفعال العباد حق والقول بأن الخالق حال ~~في # PageV01P096 # المخلوق أو وجوده وجود المخلوق باطل وهؤلاء ينتقلون من القول بتوحيد ~~الربوبية إلى القول بالحلول والاتحاد وهذا عين الضلال والإلحاد. # الوجه الرابع: إن قوله تعالى: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " ~~لم يرد به إنك أنت الله وإنما إنك أنت رسول الله ومبلغ أمره ونهيه فمن ~~بايعك فقد بايع الله كما أن من أطاعك فقد أطاع الله ولم يرد بذلك أن الرسول ~~هو الله، ولكن الرسول أمر بما أمر الله به فمن أطاعه فقد أطاع الله كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " من ms084 أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد ~~أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني " ومعلوم أن ~~أميره ليس هو إياه ومن ظن في قوله: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ~~" أن المراد به أن فعلك هو فعل الله أو المراد أن الله حال فيك ونحو ذلك ~~فهو ومع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده قد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره، ~~وذلك أنه لو كان المراد أن خالق لفعلك لكان هنا قدر مشترك بينه وبين سائر ~~الخلق، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله ومن بايع مسيلمة فقد بايع الله ~~ومن بايع قادة الأحزاب فقد بايع الله، وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله ~~أيضا فيكون الله قد بايع الله إذ الله خالق لهذا ولهذا، وكذلك إذا قيل ~~بمذهب أهل الحلول والوحدة والاتحاد فإنه عام عندهم في هذا وهذا فيكون الله ~~قد بايع الله، وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية حتى إن أحدهم إذا ~~أمر بقتال العدو ويقول أقاتل الله؟ ما أقدر أن أقاتل الله ونحو هذا الكلام ~~الذي سمعناه من شيوخهم وبينا فساده لهم ضلالهم غير مرة وأما الحلول الخاص ~~فليس هو قول هؤلاء بل هو قول النصارى # PageV01P097 # ومن وافقهم من الغالية (1) وهو باطل أيضا فإن الله سبحانه وتعالى قال له: ~~" ليس لك من الأمر شيء " وقال: " وإنه لما قام عبد الله يدعوه " وقال: " ~~سبحان الذي أسرى بعبده ليلا " وقال: " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~" وقال: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في ~~قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا، ومغانم كثيرة يأخذونها ~~وكان الله عزيزا حكيما ". # فقوله: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " يبين قوله: ~~" إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " ولهذا قال: " يد الله فوق أيديهم ~~" ومعلوم أن يد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كانت مع أيديهم كانوا ~~يصافحونه ويصفقون على يده في البيعة، فعلم أن يد الله التي فوق ms085 أيديهم ليست ~~هي يد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الرسول عبد الله ورسوله فبايعهم عن ~~الله وعاهدهم وعاقدهم عن الله، فالذين بايعوه بايعوا الله الذي أرسله وأمره ~~ببيعتهم، ألا ترى أن كل من وكل شخصا بعقد مع الوكيل كان ذلك عقدا مع الموكل ~~ومن وكل نائبا له في معاهدة قوم فعاهدهم عن مستنيبه كانوا معاهدين لمستنيبه ~~ومن وكل رجلا في نكاح أو تزوج كان الموكل هو الزوج الذي وقع له العقد؟ وقد ~~قال تعالى: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " ~~الآية ولهذا قال في تمام الآية: " ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه ~~أجرا عظيما ". فتبين أن قول ذلك الفقير هو القول الصحيح وإن الله إذا كان ~~قد قال لنبيه: " ليس لك من الأمر شيء " فأيش نكون نحن؟ وقد ثبت عنه ~~PageV01P098 # صلى الله تعالى عليه وسلم في الصحيح أنه قال: " لا تطروني كما أطرت ~~النصارى المسيح بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ". # وأما قول القائل: # ما غبت عن القلب ولا عن عيني ... ما بينكم وبيننا من بين # فهذا القول مبني على قول هؤلاء وهو باطل متناقض فإن مقتضاه أنه يرى الله ~~بعينه وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " واعلموا ~~أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت " وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحدا من ~~المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا ولم يتنازعوا إلا في النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا وعلى ~~هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~والصحابة وأئمة المسلمين. # ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما أنهم قالوا: رأى ربه ~~بعينه بل الثابت عنهم إما إطلاق الرؤية وإما تقييدها بالفؤاد وليس في شيء ~~من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه وقوله: " أتاني البارحة ربي في ~~أحسن صورة " الحديث الذي رواه الترمذي وغيره إنما ms086 كان بالمدينة في المنام ~~هكذا جاء مفسرا وكذلك أم الطفيل وحديث ابن عباس وغيرهما مما فيه رؤية ربه ~~إنما كان بالمدينة كما جاء مفسرا في الأحاديث والمعراج كان بمكة كما قال: " ~~سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى " وقد بسط ~~الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وقد ثبت بنص قرآني أن موسى قيل له: " لن ~~تراني " وأن رؤية الله أعظم من إنزال كتاب من السماء فمن قال أن أحدا من ~~الناس يراه # PageV01P099 # فقد زعم أنه أعظم من موسى بن عمران ودعواه أعظم من دعوى من ادعى أن الله ~~أنزل عليه كتابا من السماء. # المسلمون في رؤية الله على ثلاثة أقوال فالصحابة والتابعون وأئمة ~~المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانا وأن أحدا لا يراه في ~~الدنيا بعينه لكن يرى في المنام ويحصل للقلوب في المكاشفات والمشاهدات ما ~~يناسب حالها، ومن الناس من تقوى مشاهدة قلبه حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه وهو ~~غالط، ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد ومعرفته في صورة مثالية كما ~~قد بسط في غير هذا الموضع. # والقول الثاني: قول نفاة الجهمية أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. # والثالث: قول من يزعم أنه يرى في الدنيا والآخرة. # وحلولية الجهمية يجمعون بين النفي والإثبات فيقولون أنه لا يرى في الدنيا ~~ولا في الآخرة وأنه يرى في الدنيا والآخرة وهذا قول ابن عربي صاحب الفصوص ~~وأمثاله لأن الوجود المطلق الساري في الكائنات لا يرى وهو وجود الحق عندهم. # ثم من أثبت الذات قال: يرى متجليا فيها ومن فرق بين المطلق والمعين قال: ~~لا يرى إلا مقيدا بصورة وهؤلاء قولهم دائر بين أمرين: إنكار رؤية الله ~~وإثبات المخلوقات ويجعلون المخلوق هو الخالق أو يجعلون الخالق حالا في ~~المخلوق وإلا فتفريقهم بين الأعيان الثابتة في الخارج وبين وجودها هو قول ~~من يقول بأن المعدوم شيء في الخارج وهو قول باطل وقد ضموا إليه أنهم جعلوا ~~نفس وجود المخلوق هو وجود الخالق وأما ms087 التفريق بين المطلق والمعين مع أن ~~المطلق لا يكون هو في # PageV01P100 # الخارج مطلقا يقتضي أن يكون الرب معدوما وهذا هو جحود الرب وتعطيله، وإن ~~جعلوه ثابتا في الخارج جعلوه جزءا من الموجودات فيكون الخالق جزءا من ~~المخلوق أو عرضا قائما بالمخلوق، وكل هذا مما يعلم فساده بالضرورة، وقد بسط ~~هذا في غير هذا الموضع. # وأما تناقضه فقوله: # ما غبت عن القلب ولا عن عيني ... ما بينكم وبيننا من بين # يقتضي المغايرة وأن المخاطب غير المخاطب وأن المخاطب له عين قلب لا يغيب ~~عنها المخاطب بل يشهده القلب والعين والشاهد غير المشهود. # وقوله: ما بينكم وبيننا من بين، فيه إثبات ضمير المتكلم وضمير المخاطب ~~وهذا إثبات لاثنين، وإن قالوا مظاهر ومجالي قيل فإن كانت المظاهر والمجالي ~~غير الظاهر المتجلي فقد ثبتت التثنية وبطل التعدد، وإن كان هو إياها فقد ~~بطلت الوحدة فالجمع بينهما تناقض، وقول القائل: # فارق ظلم الطبع وكن متحدا ... بالله وإلا كل دعواك محال # إن أراد الاتحاد المطلق فالمفارق هو المفارق وهو الطبع وظلم الطبع وهو ~~المخاطب بقوله: " وكن متحدا بالله وهو المخاطب بقوله: " كل دعواك محال " ~~وهو القائل هذا القول، وفي ذلك من التناقض ما لا يخفى. وإن أراد الاتحاد ~~المقيد فهو ممتنع لأن الخالق والمخلوق إذا اتحدا فإن كانا بعد الاتحاد ~~اثنين كما كانا قبل الاتحاد فذلك تعدد وليس باتحاد، وإن كانا استحالا إلى ~~شيء ثالث كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد ونحو ذلك مما يشبه النصارى ~~بقولهم في الاتحاد لزم من ذلك أن يكون الخالق قد استحال وتبدلت حقيقته ~~كسائر ما يتحد مع غيره فإنه لا بد أن يستحيل # PageV01P101 # وهذا ممتنع على الله ينزه الله عن ذلك، لأن الاستحالة تقتضي عدم ما كان ~~موجود أو الرب تعالى واجب الوجود بذاته وصفاته اللازمة له يمتنع العدم على ~~شيء من ذلك، ولأن صفات الرب اللازمة له صفات كمال فعدم شيء منها نقص تعالى ~~الله عنه، ولأن اتحاد المخلوق بالخالق يقتضي أن العبد متصف بالصفات القديمة ~~اللازمة لذات الرب ms088 وذلك ممتنع على العبد المحدث المخلوق فإن العبد يلزمه ~~الحدوث والافتقار والذل وصفات الرب تعالى اللازمة القدم والغنى والعزة وهو ~~سبحانه قديم غني عزيز بنفسه يستحيل عليه نقيض ذلك فاتحاد أحدهما بالآخر ~~يقتضي أن يكون الرب متصفا بنقيض صفاته من الحدوث والفقر والذل، والعبد ~~متصفا بنقيض صفاته من القدم والغنى الذاتي والعز الذاتي وكل ذلك ممتنع وبسط ~~هذا يطول، ولهذا سئل الجنيد عن التوحيد فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن ~~القدم. فبين أنه لا بد من تمييز المحدث عن القديم، ولهذا اتفق أئمة ~~المسلمين على أن الخالق بائن عن مخلوقاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا ~~في ذاته شيء من مخلوقاته بل الرب رب والعبد عبد " إن كل من في السموات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتية يوم القيامة ~~فردا " وإن كان المتكلم بهذا البيت أراد الاتحاد الوصفي وهو أن يحب العبد ~~ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه الله، ويرضى بما يرضي الله، ويغضب لما يغضب ~~الله، ويأمر بما يأمر الله، وينهى عما ينهى الله، ويوالي من يواليه الله، ~~ويعادي من يعاديه الله، ويحب لله، ويبغض لله، ويعطي لله، ويمنع لله، بحيث ~~يكون موافقا لربه تعالى فهذا المعنى حق وهو حقيقة الإيمان وكماله وفي ~~الحديث # PageV01P102 # الذي رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي ~~بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه ~~ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفسي ~~عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه ". وهذا الحديث يحتج به ~~أهل الوحدة وهو حجة عليهم من وجوه كثيرة منها أنه قال: ms089 " من عادى لي وليا ~~فقد بارزني بالمحاربة " فأثبت نفسه ووليه ومعادي وليه وهؤلاء ثلاثة، ثم ~~قال: " وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب لي ~~بالنوافل حتى أحبه " فأثبت عبدا يتقرب إليه بالفرائض ثم بالنوافل وأنه لا ~~يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه فإذا أحبه كان العبد يسمع به ويبصر به ويبطش ~~به ويمشي به، وهؤلاء هو عندهم قبل أن يتقرب بالنوافل وبعده هو عين العبد ~~وعين غيره من المخلوقات فهو بطنه وفخذه لا يخصون ذلك بالأعضاء الأربعة ~~المذكورة في الحديث فالحديث مخصوص بحال مقيد وهم يقولون بالإطلاق والتعميم ~~فأين هذا من هذا؟ وكذلك قد يحتجون بما في الحديث الصحيح إن الله يتجلى لهم ~~يوم القيامة ثم يأتيهم في صورة غير الصورة # PageV01P103 # التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك هذا ~~مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه ثم يأتيهم في الصورة التي ~~رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا. فيجعلون هذا حجة ~~لقولهم أنه يرى في الدنيا في كل صورة بل هو كل صورة وهذا الحديث حجة عليهم ~~- في هذا - أيضا فإنه لا فرق عندهم بين الدنيا والآخرة وهو عندهم في الآخرة ~~فالمنكرون (1) الذين قالوا نعوذ بالله منك حتى يأتينا ربنا هؤلاء الملاحدة ~~يقولون أن العارف يعرفه في # كل صورة فإن الذين أنكروه يوم القيامة في بعض الصور كان لقصور معرفتهم، ~~وهذا جهل منهم فإن الذين أنكروه يوم القيامة ثم عرفوه لما تجلى لهم في ~~الصورة التي رأوه فيها أول مرة هم الأنبياء والمؤمنون وكان إنكارهم مما ~~حمدهم سبحانه وتعالى عليه فإنه امتحنهم بذلك حتى لا يتبعوا غير الرب الذي ~~عبدوه فلهذا قال في الحديث وهو يسألهم ويثبتهم: " وقد نادى المنادي ليتبع ~~كل قوم ما كانوا يعبدون " ثم يقال لهؤلاء الملاحدة إذا كان عندهم هو الظاهر ~~في كل صورة فهو المنكر وهو المنكر كما قال بعض هؤلاء لآخر من قال لك: إن في ~~الكون سوى الله فقد ms090 كذب، وقال له الآخر: فمن هو الذي كذب؟ وذكر ابن عربي ~~أنه دخل على مريد له في الخلوة وقد جاءه الغائط فقال ما أبصر PageV01P104 # غيره أبول عليه، فقال له شيخه: فالذي يخرج من بطنك من أين هو؟ قال: فرجت ~~عني. ل صورة فإن الذين أنكروه يوم القيامة في بعض الصور كان لقصور معرفتهم، ~~وهذا جهل منهم فإن الذين أنكروه يوم القيامة ثم عرفوه لما تجلى لهم في ~~الصورة التي رأوه فيها أول مرة هم الأنبياء والمؤمنون وكان إنكارهم مما ~~حمدهم سبحانه وتعالى عليه فإنه امتحنهم بذلك حتى لا يتبعوا غير الرب الذي ~~عبدوه فلهذا قال في الحديث وهو يسألهم ويثبتهم: " وقد نادى المنادي ليتبع ~~كل قوم ما كانوا يعبدون " ثم يقال لهؤلاء الملاحدة إذا كان عندهم هو الظاهر ~~في كل صورة فهو المنكر وهو المنكر كما قال بعض هؤلاء لآخر من قال لك: إن في ~~الكون سوى الله فقد كذب، وقال له الآخر: فمن هو الذي كذب؟ وذكر ابن عربي ~~أنه دخل على مريد له في الخلوة وقد جاءه الغائط فقال ما أبصر غيره أبول ~~عليه، فقال له شيخه: فالذي يخرج من بطنك من أين هو؟ قال: فرجت عني. # ومر شيخان منهم التلمساني هذا والشيرازي على كلب أجرب ميت فقال الشيرازي ~~للتلمساني: هذا أيضا من ذاته؟ فقال التلمساني: هل ثم شيء خارج عنها؟ وكان ~~التلمساني قد أضل شيخا زاهدا عابدا ببيت المقدس يقال له أبو يعقوب المغربي ~~المبتلى حتى كان يقول: الوجود واحد، وهو الله، ولا أرى الواحد، ولا أرى ~~الله. # ويقول نطق الكتاب والسنة بثنوية الوجود والوجود واحد لا ثنوية فيه، ويجعل ~~هذا الكلام له تسبيحا يتلوه كما يتلو التسبيح. # وأما قول الشاعر: # إذا بلغ الصب الكمال من الهوى ... وغاب عن المذكور في سطوة الذكر # فشاهد حقا حين يشهده الهوى ... بأن صلاة العارفين من الكفر # فهذا الكلام مع أنه كفر هو كلام جاهل لا يتصور ما يقول فإن الفناء والغيب ~~هو أن يغيب بالمذكور عن الذكر وبالمعروف عن المعرفة ms091 وبالمعبود عن العبادة ~~حتى يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، وهذا مقام الفناء الذي يعرض لكثير من ~~السالكين لعجزهم عن كمال الشهود المطابق للحقيقة، بخلاف الفناء الشرعي ~~فمضمونه الفناء بعبادته عن عبادة ما سواه وبحبه عن حب ما سواه، وبخشيته عن ~~خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، فإن هذا تحقيق التوحيد والإيمان. # وأما النوع الثالث: من الفناء وهو الفناء عن وجود السوى بحيث يرى أن وجود ~~الخالق هو وجود المخلوق - فهذا هو قول هؤلاء الملاحدة أهل الوحدة، والمقصود ~~هنا أن قوله يغيب عن المذكور كلام # PageV01P105 # جاهل قال: هذا لا يحمد أصلا بل المحمود أن يغيب بالمذكور عن الذكر لا ~~يغيب عن المذكور في سطوات الذكر اللهم إلا أن يريد أنه غاب عن المذكور فشهد ~~المخلوق وشهد أنه الخالق ولم يشهد الوجود إلا واحدا ونحو ذلك من المشاهد ~~الفاسدة فهذا شهود أهل الإلحاد لا شهود الموحدين ولعمري إن من شهد هذا ~~الشهود الإلحادي فإنه يرى صلاة العارفين من الكفر وأما قول القائل: # الكون يناديك ما تسمعني ... من ألف أشتاتي ومن فرقني # أنظر لتراني منظرا معتبرا ... ما في سوى وجود من أوجدني # فهو من قول هؤلاء الملاحدة وأقوالهم كفر متناقض باطل في العقل والدين ~~فإنه إذا لم يكن فيه إلا وجود من أوجده كان ذلك الوجود هو الكون المنادي ~~وهو المخاطب المنادى وهو الأشتات المؤلفة المفرقة وهو المخاطب الذي قيل له: ~~انظر، وحينئذ يكون الوجود الواجب القديم الأزلي قد أوجد نفسه وفرقها ~~وألفها، فهذا جمع بين النقيضين فالواجب هو الذي لا تقبل ذاته العدم فممتنع ~~أن يكون الشيء الواحد قابلا للعدم غير قابل للعدم، والقديم هو الذي لا أول ~~لوجوده والمحدث هو الذي له أول، فيمتنع كون الشيء الواحد قديما محدثا ولولا ~~أن قد علم مرادهم بهذا القول لأمكن أن يراد بذلك: ما في سوى الوجود الذي ~~خلقه من أوجدني، وتكون إضافة الوجود إلى الله إضافة الملك لكن قد علم أنه ~~لم يرد هذا ولأن هذه العبارة لا ms092 تستعمل في هذا المعنى وإنما يراد بوجود ~~الله وجود ذاته لا وجود مخلوقاته وهكذا قول القائل: # وله ذات وجود ال ... كون الحق شهود # PageV01P106 # أنه ليس لموجو ... د سوى الحق وجود # مراده أن وجود الكون هو نفس وجود الحق وهذا هو قول أهل الوحدة وإلا فلو ~~أراد أن وجود كل موجود من المخلوقات هو من الحق تعالى فليس لشيء موجود من ~~نفسه وإنما وجوده من ربه والأشياء باعتبار أنفسها لا تستحق سوى العدم وإنما ~~حصل لها الوجود من خالقها وبارئها فهي دائمة الافتقار إليه لا تستغني عنه ~~لحظة لا في الدنيا ولا في الآخرة - لكان قد أراد معنى صحيحا وهو الذي عليه ~~أهل العقل والدين من الأولين والآخرين، وهؤلاء القائلون بالوحدة قولهم ~~متناقض ولهذا يقولون الشيء ونقيضه وإلا فقوله: منه وإلى علاه يبدي ويعيد، ~~يناقض الوحدة فمن هو البادئ والعائد منه وإليه إذا لم يكن إلا واحد، وقوله: # وما أنا في طراز الكون شيء ... لأني مثل ظل مستحيل # يناقض الوحدة لأن الظل مغاير لصاحب الظل فإذا شبه المخلوق بالظل لزم ~~إثبات اثنين كما إذا شبهه بالشعاع فإن شعاع الشمس ليس هو نفسه قرص الشمس ~~وكذلك إذا شبهه بضوء السراج وغيره والنصارى تشبه الحلول والاتحاد بهذا. # وقلت لمن حضرني منهم بشيء من هذا: فإذا كنتم تشبهون المخلوق بالشعاع الذي ~~للشمس والنار والخالق بالنار والشمس فلا فرق في هذا بين المسيح وغيره فإن ~~كل ما سوى الله على هذا هو بمنزلة الشعاع والضوء فما الفرق بين المسيح وبين ~~إبراهيم وموسى؟ بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات على هذا؟ وجعلت أردد ~~عليه هذا الكلام، وكان في المسجد جماعة، حتى فهمه جيدا وتبين له وللحاضرين ~~أن قولهم باطل لا حقيقة # PageV01P107 # له وإن ما أثبتوه للمسيح إما ممتنع في حق كل أحد وإما مشترك بين المسيح ~~وغيره، وعلى التقديرين فتخصيص المسيح بذلك باطل وذكرت له أنه ما من آية جاء ~~بها المسيح إلا وقد جاء موسى بأعظم منها فإن المسيح صلى الله عليه وسلم وإن ms093 ~~كان جاء بإحياء الموتى فالموتى الذين أحياهم الله على يد موسى أكثر كالذين ~~قالوا: " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة " ثم أحياهم الله ~~بعد موتهم، وقد جاء بإحياء الموتى غير واحد من الأنبياء، والنصارى يصدقون ~~بذلك، وأما جعل العصا حية فهذا أعظم من إحياء الميت فإن الميت كانت فيه ~~حياة فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة، وأما جعل خشبة يابسة حيوانا ~~تبتلع العصي والحبال فهذا أبلغ في القدر وأقدر (1) فإن الله يحيي الموتى ~~ولا يجعل الخشب حياة. # وأما إنزال المائدة من السماء فقد كان ينزل على عسكر موسى كل يوم من المن ~~والسلوى وينبع لهم من الحجر من الماء ما هو أعظم من ذلك فإن الحلو أو اللحم ~~دائما هو أجل في نوعه وأعظم في قدره مما كان على المائدة من الزيتون والسمك ~~وغيرهما، وذكرت له نحوا من ذلك مما تبين أن تخصيص المسيح بالاتحاد ودعوى ~~الإلهية ليس له وجه، وإن سائر ما يذكر فيه أما أن يكون مشتركا بينه وبين ~~غيره من المخلوقات وإما أن يكون مشتركا بينه وبين غيره من الأنبياء والرسل ~~مع أن بعض الرسل كإبراهيم وموسى قد يكون أكمل في ذلك منه، وأما خلقه من ~~امرأة PageV01P108 # بلا رجل فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك فإنه خلق من بطن امرأة ~~وهذا معتاد بخلاف الخلق من ضلع رجل فإن هذا ليس بمعتاد فما من أمر يذكر في ~~المسيح صلى الله عليه وسلم إلا وقد شركه فيه أو فيما هو أعظم منه غيره من ~~بني آدم. # فعلم قطعا أن تخصيص المسيح باطل وأن ما يدعى له أن كان ممكنا فلا اختصاص ~~له به وإن كان ممتنعا فلا وجود له فيه ولا في غيره ولهذا قال هؤلاء ~~الاتحادية أن النصارى إنما كفروا بالتخصيص وهذا أيضا باطل فإن الاتحاد عموم ~~وخصوص والمقصود هنا أن تشبيه الاتحادية أحدهم بالظل المستحيل يناقض قولهم ~~بالوحدة، وكذلك قول الآخر: # أحن إليه وهو قلبي وهل يرى ... سواي أخو وجد ms094 يحن لقلبه # ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري ... وما بعده إلا لإفراط قربه # هو مع ما قصده به من الكفر والاتحاد كلام متناقض فإن حنين الشيء إلى ذاته ~~متناقض ولهذا قال وهل يرى أخو وجد يحن لقلبه؟ وقوله: وما بعده إلا لإفراط ~~قربه، متناقض فإنه لا قرب ولا بعد عند أهل الوحدة فإنها تقتضي أن يقرب ~~أحدهما من الآخر والواحد لا يقرب من ذاته ويبعد من ذاته. # وأما قول القائل: التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه - فهذا أيضا من ~~قول أهل الوحدة وهو مع كفره قول متناقض فإنه يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ~~أن لسان الشرك لا يكون له لسان التوحيد وأن أقوال المشركين الذين قالوا: " ~~لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا " والذين ~~قالوا: " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " والذين قالوا # PageV01P109 # " وما نحن بتاركي آلهتنا وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض ~~آلهتنا بسوء " والذين قالوا: " حرقوه وانصروا آلهتكم " ونحو هؤلاء لسان هذا ~~هو لسان التوحيد. وأما تناقض هذا القول على أصلهم فإن الوجودان كان أحدا ~~كان إثبات التعدد تناقضا فإذا قال القائل: الوجود واحد، وقال الآخر: ليس ~~بواحد بل يتعدد، كان هذان قولين متناقضين فيمتنع أن يكون أحدهما هو الآخر ~~وإذا قال الألسنة كلها لسانه فقد صرح بالتعدد في قوله: الألسنة كلها، وذلك ~~يقتضي أن لا يكون هذا اللسان هو هذا اللسان فثبت التعدد وبطلت الوحدة، وكل ~~كلام لهؤلاء ولغيرهم فإنه ينقض قولهم فإنهم مضطرون إلى إثبات التعدد. # فإن قالوا: الوجود واحد بمعنى أن الموجودات اشتركت في مسمى الوجود فهذا ~~صحيح لكن الموجودات المشتركات في مسمى الواحد لا يكون وجود هذا منها عين ~~وجود هذا اشتراك في الاسم العام الكلي كالاشتراك في الأسماء التي يسميها ~~النحاة اسم الجنس، ويقسمها المنطقيون إلى جنس ونوع وفصل وخاصة وعرض عام، ~~فالاشتراك في هذه الأسماء هو مستلزم لتباين الأعيان وكون أحد المشتركين ليس ~~هو الآخر وهذا مما به يعلم أن وجود الحق ms095 مباين للمخلوقات أعظم من مباينة ~~هذا الموجود لهذا الموجود فإذا كان وجود الفلك مباينا مخالفا لوجود الذرة ~~والبعوضة فوجود الحق تعالى أعظم مباينة لوجود كل مخلوق من مباينة وجود ذلك ~~المخلوق لوجود مخلوق آخر. # وهذا وغيره مما يبين بطلان قول ذلك الشيخ حيث قال لا يعرف # PageV01P110 # التوحيد إلا الواحد ولا تصح العبارة عن التوحيد وذلك لا يعبر عنه إلا ~~بغير ومن أثبت غيرا فلا توحيد له - فإن هذا الكلام مع كفره متناقض فإن ~~قوله: لا يعرف التوحيد إلا واحد، يقتضي أن هناك واحدا يعرفه وأن غيره لا ~~يعرفه، هذا تفريق بين من يعرفه ومن لا يعرفه، وإثبات اثنين أحدهما يعرفه ~~والآخر لا يعرفه إثبات للمغايرة بين من يعرفه ومن لا يعرفه، فقوله بعد هذا ~~من أثبت غيرا فلا توحيد له، يناقض هذا، وقوله: إنه لا تصح العبارة عن ~~التوحيد، كفر بإجماع المسلمين، فإن الله قد عبر عن توحيده ورسوله عبر عن ~~توحيده والقرآن مملوء من ذكر التوحيد بل إنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب ~~بالتوحيد وقد قال تعالى: " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون " وقال تعالى: " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " ولو لم يكن عنه عبارة لما نطق به أحد ~~وأفضل ما نطق به الناطقون هو التوحيد كما قال النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم: " أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله "، وقال: " من ~~كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " لكن التوحيد الذي يشير إليه ~~هؤلاء الملاحدة وهو وحدة الوجود أمر ممتنع في نفسه لا يتصور تحققه في ~~الخارج فإن الوحدة العينية الشخصية تمتنع في الشيئين المتعددين ولكن الوجود ~~واحد في نوع الوجود بمعنى أن الاسم الموجود اسم عام يتناول كل أحد كما أن ~~اسم الجسم والإنسان ونحوهما يتناول كل جسم وكل إنسان وهذا الجسم ليس هو ذاك ~~وهذا الإنسان ليس هو ذاك وكذلك هذا الوجود ليس ms096 هو ذاك. # وقوله: لا يصح التعبير عنه إلا بغير يقال له - أولا - التعبير عن التوحيد # PageV01P111 # يكون بالكلام والله يعبر عن التوحيد بكلام الله فكلام الله وعلمه وقدرته ~~وغير ذلك من صفاته لا يطلق عليه عند السلف والأئمة القول بأنه الله ولا ~~يطلق عليه بأنه غير الله لأن لفظ الغير قد يراد به ما يباين غيره وصفة الله ~~لا تباينه، ويراد به ما لم يكن إياه، وصفة الله ليست إياه ففي أحد ~~الاصطلاحين يقال إنه غير وفي الاصطلاح الآخر لا يقال إنه غير فلهذا لا يطلق ~~أحدهما إلا مقرونا ببيان المراد لئلا يقول المبتدع إذا كانت صفة الله غيره ~~فكل ما كان غير الله فهو مخلوق فيتوسل بذلك إلى أن يجعل علم الله وقدرته ~~وكلامه ليس هو صفة قائمة به بل مخلوقة في غيره فإن هذا فيه من تعطيل صفات ~~الخالق وجحد كماله ما هو من أعظم الإلحاد وهو قول الجهمية الذي كفرهم السلف ~~والأئمة تكفيرا مطلقا، وإن كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة ~~التي يكفر تاركها (1) . وأيضا فيقال لهؤلاء الملاحدة إن لم يكن في الوجود ~~غير بوجه من الوجوه لزم أن يكون كلام الخلق وأكلهم وشربهم ونكاحهم وزناهم ~~وكفرهم وشركهم وكل ما يفعلونه من القبائح هو نفس وجود الله ومعلوم أن من ~~جعل هذا صفة لله كان من أعظم الناس كفرا وضلالا فمن قال إنه عين وجود الله ~~كان أكفر وأضل فإن الصفات والأعراض لا تكون عين الموجود القائم بنفسه وأئمة ~~هؤلاء الملاحدة كابن عربي يقول: # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه # فيجعلون كلام المخلوقين من الكفر والكذب وغير ذلك كلاما لله PageV01P112 # وأما هذا اللحيد (1) فزاد على هؤلاء فجعل كلامهم وعبادتهم نفس وجوده لم ~~يجعل ذلك كلاما له بل يقال أن يكون (2) هنا كلام لئلا يثبت غير آله وقد علم ~~بالكتاب والسنة والإجماع وبالعلوم العقلية الضرورية إثبات غير الله تعالى ~~وإن كل ما سواه من المخلوقات فإنه غير الله تعالى ليس هو الله ولا ms097 صفة من ~~صفات الله ولهذا أنكر الله على من عبد غيره ولو لم يكن هناك غير لما صح ~~الإنكار قال تعالى: " قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون " وقال ~~تعالى: " قل أغير الله أتخذ وليا " وقال تعالى: " هل من خالق غير الله ~~يرزقكم من السماء والأرض " وقال تعالى: " أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي ~~أنزل إليكم الكتاب مفصلا ". # وكذلك قول القائل: وجدت المحبة غير المقصود لأنها لا تكون إلا من غير ~~لغير وغير ما ثم، ووجدت التوحيد غير المقصود لأن التوحيد ما يكون إلا من ~~عبد لرب، لو أنصف الناس ما رأوا عبدا ولا معبودا - هو كلام فيه من الكفر ~~والإلحاد والتناقض ما لا يخفى فإن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أثبتت ~~محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له كقوله تعالى: " والذين آمنوا أشد حبا ~~لله " وقوله: " يحبهم ويحبونه " وقوله: " أحب إليكم من الله ورسوله " ~~وقوله: " إن الله يحب المتقين، يحب المحسنين، يحب التوابين ويحب المتطهرين ~~". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " ثلاث من كن فيه وجد ~~حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء ~~لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما ~~يكره أن PageV01P113 # يلقى في النار "، وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى ~~لعباده المؤمنين ومحبتهم له وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء عليه السلام، ~~وأول من أظهر ذلك في الإسلام الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد الله ~~القسري يوم الأضحى بواسط قال: أيها الناس ضحوا يقبل الله ضحاياكم فإني مضح ~~بالجعد بن درهم، أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى ~~تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه. # وقوله: المحبة ما تكون إلا من غير لغير، وغير ما ثم - كلام باطل من كل ~~وجه فإن قوله: لا يكون إلا من غير ليس بصحيح فإن الإنسان يحب نفسه وليس ~~غيرا ms098 لنفسه والله يحب نفسه، وقوله ما ثم غير - باطل فإن المخلوق غير الخالق ~~والمؤمنون غير الله وهم يحبونه فالدعوى باطلة فكل واحدة من مقدمتي الحجة ~~باطلة - قوله: لا تكون إلا من غير لغير، وقوله: غير ما ثم - فإن الغير ~~موجود والمحبة تكون من المحبوب لنفسه يحب نفسه ولهذا كثير من الاتحادية ~~يناقضه في هذا ويقول كما قال ابن الفارض (1) . # وكذلك قوله: التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب ولو أنصف الناس ما رأوا ~~عابدا ولا معبودا - كلا المقدمتين باطل فإن التوحيد يكون من الله لنفسه ~~فإنه يوحد نفسه بنفسه كما قال تعالى: " شهد الله أنه لا إله إلا هو "، ~~والقرآن مملوء من توحيد الله لنفسه فقد وحد نفسه بنفسه كقوله: " وإلهكم إله ~~واحد " وقوله: " وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد، فاعلم ~~أنه لا إله إلا الله " وأمثال ذلك، وأما الثانية فقوله: إن الناس لو أنصفوا ~~ما رأوا عابدا ولا معبودا - مع أنه غاية في الكفر والإلحاد PageV01P114 # كلام متناقض فإنه إذا لم يكن عابد ولا معبود بل الكل واحد فمن هم الذين ~~لا ينصفون؟ إن كانوا هم الله فيكون الله هو الذي لا ينصف وهو الذي يأكل ~~ويشرب ويكفر كما يقول ذلك كثير منهم مثلما قال بعضهم لشيخه: الفقير إذا صح ~~أكل بالله فقال له الآخر: الفقير إذا صح أكل الله، وقد صرح ابن عربي وغيره ~~من شيوخهم لأنه هو الذي يجوع ويعطش ويمرض ويبول وينكح وينكح وأنه موصوف بكل ~~نقص وعيب لأن ذلك هو الكمال عندهم كما قال في الفصوص: فالعلي لنفسه هو الذي ~~يكون له الكمال الذي يستقصي به جميع الأمور الوجودية النسب العدمية سواء ~~كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك إلا ~~لمسمى الله خاصة، وقال: لا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن ~~نفسه وبصفات النقص والذم؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الخالق فهي كلها من ~~أولها إلى آخرها صفات للعبد كما أن صفات العبد من أولها ms099 إلى صفات لله ~~تعالى. هذا المتكلم بمثل هذا الكلام يتناقض فيه فإنه يقال له: فأنت الكامل ~~في نفسك الذي لا ترى عابدا ولا معبودا يعاملك بموجب مذهبك فيضرب ويوجع ~~ويهان ويصفع ويظلم فمن فعل به ذلك واشتكى أو صاح منه وبكى وقيل له ما ثم ~~غير ولا عابد ولا معبود فلم يفعل بك هذا غيرك بل الضارب هو المضروب والشاتم ~~هو المشتوم والعابد هو المعبود فإن قال: تظلم من نفسه واشتكى من نفسه قيل ~~له: فقل أيضا عبد نفسه، فإذا أثبت ظالما أو مظلوما وهما واحد فأثبت عابدا ~~ومعبودا وهما واحد. ثم يقال له هذا الذي يضحك ويضرب هو نفس الذي يبكي ويصيح ~~وهذا الذي شبع وروى هو نفس هذا الذي جاع وعطش فإن اعترف بأنه غيره أثبت # PageV01P115 # المغايرة وإذا أثبت المغايرة بين هذا وهذا فبين العابد والمعبود أولى ~~وأحرى وإن قال هو هو عومل معاملة جنس السوفسطائية فإن هذا القول من أقبح ~~السفسطة فيقال إذا كان هو هو فنحن نضربك ونقتلك والشيء قتل نفسه وأهلك ~~نفسه، والإنسان قد يظلم نفسه بالذنوب فيقول: " ربنا ظلمنا أنفسنا " لكون ~~نفسه أمرته بالسوء والنفس أمارة بالسوء لكن جهة أمرها ليس جهة فعلها بل لا ~~بد من نوع تعدد إما في الذات وإما في الصفات وكل أحد يعلم بالحس والاضطرار ~~أن هذا الرجل الذي ظلم ذاك ليس هو إياه وليس هو بمنزلة الرجل الذي ظلم ~~نفسه، وإذا كان هذا في المخلوقين فالخالق أعظم مباينة للمخلوقين من هذا ~~لهذا سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا وأظهروا وانتشروا وهم عند كثير من الناس ~~سادات الأنام، ومشايخ الإسلام، وأهل التوحيد والتحقيق، وأفضل أهل الطريق، ~~حتى يفضلهم على الأنبياء والمرسلين، وأكابر مشايخ الدين، لم يكن بنا حاجة ~~إلى بيان فساد هذه الأحوال، وإيضاح هذا الضلال: ولكن يعلم بذلك أن الضلال ~~حد له، وإنه إذا كررت العقول لم يبق لضلالها حد معقول، فسبحان من فرق في ~~نوع الإنسان فجعل منه من هو ms100 أفضل العالمين، وجعل منه من هو من شرار ~~الشياطين، ولكن تشبيه هؤلاء بالأنبياء والأولياء، كتشبيه مسيلمة الكذاب، ~~بسيد أولي الألباب، هو الذي يوجب جهاد الملحدين الذين يفسدون الدنيا والدين ~~والمقصود هنا رد هذه الأقوال، وبيان الهدى من الضلال، وأما توبة من قالها ~~وموته على الإسلام، فهذا يرجع إلى الملك العلام، فإن الله يقبل التوبة عن # PageV01P116 # عباده ويعفو عن السيئات ومن الممكنات أنه قد تاب جل أصحاب هذه المقالات ~~والله تعالى غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب، والذنب وإن عظم والكفر وإن ~~غلظ وجسم فإن التوبة تمحو ذلك كله، والله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره ~~لمن تاب بل يغفر الشرك وغيره للتائبين كما قال تعالى: " قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه ~~هو الغفور الرحيم " وهذه الآية عامة مطلقة لأنها للتائبين وأما قوله: " إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " فإنها مقيدة خاصة ~~لأنها في حق غير التائبين لا يغفر لهم الشرك وما دون الشرك معلق بمشيئة ~~الله تعالى. # والحكاية المذكورة عن الذي قال إنه التقم العالم كله وأراد أن يقول أنا ~~الحق وأختها التي قيل فيها إن الإلهية لا يدعها إلا أجهل خلق الله وأعرف ~~خلق الله - هو من هذا الباب، والفقير الذي قال ما خلق الله أقل عقلا ممن ~~ادعى أنه إلى مثل فرعون ونمرود وأمثالهما هو الذي نطق بالصواب، وسدد ~~الخطاب؛ ولكن هؤلاء الملاحدة يعظمون فرعون وأمثاله ويدعون أنهم (1) من موسى ~~وأمثاله حتى إنه حدثني بهاء الدين عبد السيد الذي كان قاضي اليهود وأسلم ~~وحسن إسلامه وكان قد اجتمع بالشيرازي أحد شيوخ هؤلاء ودعاه إلى هذا القول ~~وزينه له فحدثني بذلك فبينت له ضلال هؤلاء وكفرهم وإن قولهم من جنس قول ~~فرعون فقال لي: إنه لما دعاه حسن الشيرازي قال له: قولكم هذا يشبه قول ~~فرعون، فقال: نعم ونحن على قول PageV01P117 # فرعون، وكان عبد السيد لم يسلم بعد، فقال: أنا ms101 لا أدع موسى وأذهب إلى ~~فرعون، قال له: ولم؟ قال: لأن موسى أغرق فرعون، فانقطع فاحتج عليه بالنصر ~~القدري الذي نصر الله موسى لا بكونه كان رسولا صادقا، قلت لعبد السيد: وأقر ~~لك أنه على قول فرعون؟ قال: نعم، قلت: فمن سمع إقرار الخصم لا يحتاج إلى ~~بينة أنا كنت أريد أن أبين لك أن قولهم هو قول فرعون فإذا كان قد أقر بهذا ~~حصل المقصود. # فهذه المقالات وأمثالها من أعظم الباطل وقد نبهنا على بعض ما به يعرف ~~معناها وأنه باطل والواجب إنكارها فإن إنكار هذا المنكر الساري في كثير من ~~المسلمين أولى من إنكار دين اليهود والنصارى الذي لا يضل به المسلمون لا ~~سيما وأقوال هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى ومن عرف معناها واعتقدها كان ~~من المنافقين الذين أمر الله بجهادهم بقوله تعالى: " جاهد الكفار ~~والمنافقين وأغلظ عليهم " والنفاق إذا عظم كان صاحبه شرا من كفار أهل ~~الكتاب، وكان في الدرك الأسفل من النار. وليس لهذه المقالات وجه سائغ ولو ~~قدر أن بعضها يحتمل في اللغة معنى صحيحا فإن ما يحمل عليها إذا لم يعرف ~~مقصود صاحبها (1) وهؤلاء قد عرف مقصودهم كما عرف دين اليهود والنصارى ~~والرافضة ولهم في ذلك كتب مصنفة وأشعار مؤلفة وكلام يفسر بعضه بعضا وقد علم ~~مقصودهم بالضرورة، فلا ينازع في ذلك إلا جاهل لا يلتفت إليه PageV01P118 # ويجب بيان معناها وكشف مغزاها لمن أحسن الظن بها أو خيف عليه أن يحسن ~~الظن بها وأن يضل، فإن ضرر هذه على المسلمين أعظم من ضرر السموم التي ~~يأكلونها ولا يعرفون أنها سموم، وأعظم من ضرر السراق والخونة الذين لا ~~يعرفون أنهم سراق وخونة، فإن هؤلاء غاية ضررهم موت الإنسان أو ذهاب ماله ~~وهذه مصيبة في دنياه قد تكون سببا لرحمته في الآخرة، وأما هؤلاء فيسقون ~~الناس شراب الكفر والإلحاد في آنية أنبياء الله وأوليائه ويلبسون ثياب ~~المجاهدين في سبيل الله وهم في الباطن من المحاربين لله ورسوله، ويظهرون ~~كلام الكفار والمنافقين، في قوالب ألفاظ أولياء ms102 الله المحققين، فيدخل الرجل ~~معهم على أن يصير مؤمنا وليا لله فيصير منافقا عدوا لله. ولقد ضربت لهم مرة ~~مثلا بقوم أخذوا طائفة من الحجاج ليحجوا بهم فذهبوا بهم إلى قبرص، فقال لي ~~بعض من كان قد انكشف له ضلالهم من أتباعهم: لو كانوا يذهبون بنا إلى قبرص ~~لكانوا يجعلوننا نصارى وهؤلاء يجعلوننا شرا من النصارى، والأمر كما قاله ~~هذا القائل. # وقد رأيت وسمعت عمن ظن هؤلاء من أولياء الله وأن كلامهم كلام العارفين ~~المحققين من هو من أهل الخير والدين ما لا أحصيهم فمنهم من دخل في اتحادهم ~~وفهمه وصار منهم، ومنهم من كان يؤمن بما لا يعلم، ويعظم ما لا يفهم، ويصدق ~~بالمجهولات، وهؤلاء هم أصلح الطوائف الضالين وهم بمنزلة من يعظم أعداء الله ~~ورسوله ولا يعلم أنهم أعداء الله ورسوله، ويوالي المشركين، وأهل الكتاب، ~~ظانا أنهم من أهل الإيمان وأولي الألباب، وقد دخل بسبب هؤلاء الجهال ~~المعظمين لهم من الشر على المسلمين، ما لا يحصيه إلا رب العالمين، # PageV01P119 # وهذا الجواب لم يتسع لأكثر من هذا الخطاب والله أعلم. # انتهت الرسالة. # (المنار) أرسل إلينا هذه الرسالة مع رسائل وفتاوى أخرى لشيخ الإسلام # وناصر السنة الإمام أحمد تقي الدين بن تيمية قدس الله روحه أخونا في الله # الأستاذ الفاضل الشيخ محمد بهجة الأثري البغدادي بإرشاد أستاذه صفوة ~~أصدقائنا # علامة العراق ورحلة أهل الآفاق السيد محمود شكري الألوسي رحمه الله ~~تعالى، # وهي منقولة بقلم الأستاذ الفاضل الشيخ محمد علي الفضيلي الزبيدي البغدادي ~~عن # نسخة كثيرة الغلط والتحريف والسقط أنه أجتهد في تصحيحها ما استطاع. # ونقول أننا أجتهدنا بعده فصححنا مما بقي من ذلك ما تيسر لنا ونبهنا على # بعض ما تيسر في الحواشي وعلى بعض آخر بعلامة الإستفهام (؟) بجانبه. # ونحمد الله تعالى أن صار المراد منها كله مفهومها، فنسأله تعالى أن يثيب # الجميع – المؤلف والناسخ والمرسل والمرشد والناشر بفضله وكرمه، # PageV01P120 ### | مناظرة ابن تيمية العلنية لدجاجلة البطائحية الرفاعية # وهي من أعظم ما تصدى له وقام به شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ms103 بن تيمية قدس ~~الله روحه من إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحياء السنة، ~~ومحاربة البدعة، بعد أن أهمل ذلك الحكام فالعلماء ففشت البدع وصار كثير ~~منها يعد من شعائر الدين، أو خصائص الصالحين، فكان رحمه الله من أعظم ~~المجددين، قال: بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن ~~لا إله إلا الله رب السموات والأرضين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم ~~النبيين، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليما دائما إلى يوم الدين. # أما بعد، فقد كتبت ما حضرني ذكره في المشهد الكبير بقصر الإمارة والميدان ~~بحضرة الخلق من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء العامة وغيرهم في أمر ~~البطائحية يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة خمس لتشوف الهمم إلى معرفة ذلك ~~وحرص الناس على الإطلاع عليه، فإن من كان غائبا عن ذلك قد يسمع بعض أطراف ~~الواقعة ومن شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع، ومن الحاضرين من سمع ورأى ما ~~لم يسمع غيره ويره لانتشار هذه الواقعة العظيمة، ولما حصل بها من عز الدين ~~وظهور كلمته العليا وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة، وظهور زيف من خرج ~~عن ذلك من أهل البدع المضلة، والأحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين. # PageV01P121 # وقد كتبت في غير هذا الموضع صفة حال هؤلاء البطائحية وطريقهم وطريق الشيخ ~~أحمد بن الرفاعي وحاله وما وافقوا منه المسلمين وما خالفوهم ليتبين ما ~~دخلوا فيه من دين الإسلام وما خرجوا فيه عن دين الإسلام، فإن ذلك يطول وصفه ~~في هذا الموضع، وإنما كتبت هنا ما حضرني ذكره من حكاية هذه الواقعة ~~المشهورة في مناظرتهم ومقابلتهم، وذلك أني كنت أعلم من حالهم بما قد ذكرته ~~في غير هذا الموضع وهو أنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام وطريقة الفقر ~~والسلوك، ويوجد في بعضهم التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر ~~والتواضع ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف والتصرف ونحو ~~ذلك ما يوجد فيوجد أيضا في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر، ومن الغلو ~~والبدع في الإسلام ms104 والأعراض عن كثير مما جاء به الرسول والاستخفاف بشريعة ~~الإسلام والكذب والتلبيس وإظهار المخارق (1) الباطلة وأكل أموال الناس ~~بالباطل والصد عن سبيل الله ما يوجد وقد تقدمت لي معهم وقائع متعددة بينت ~~فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرهم بعض ما فيهم من حق وباطل، وأحوالهم التي ~~يسمونها الإشارات، وتاب منهم جماعة، وأدب منهم جماعة من شيوخهم، وبينت صورة ~~ما يظهرونه من المخاريق مثل ملابسة النار والحيات وإظهار الدم واللاذن ~~والزعفران وماء الورد والعسل والسكر وغير ذلك، وإن عامة ذلك عن حيل معروفة ~~وأسباب مصنوعة، وأراد غير مرة منهم قوم إظهار ذلك فلما رأوا معارضتي ~~PageV01P122 # لهم رجعوا ودخلوا على أن أسترهم فأجبتهم إلى ذلك بشرط التوبة، حتى قال لي ~~شيخ منهم في مجلس عام فيه جماعة كثيرة ببعض البساتين لما عارضتهم بأني أدخل ~~معكم النار بعد أن نغتسل بما يذهب الحيلة ومن احترق كان مغلوبا، فلما رأوا ~~الصدق أمسكوا عن ذلك. # وحكى ذلك الشيخ أنه كان مرة عند بعض أمراء التتر بالمشرق وكان له صنم ~~يعبده قال: فقال لي: هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم ويبقى أثر الأكل ~~في الطعام بينا يرى فيه، فأنكرت ذلك، فقال لي: إن كان يأكل أنت تموت؟ فقلت: ~~نعم، فأقمت عنده إلى نصف النهار ولم يظهر في الطعام أثر، فاستعظم التتري ~~ذلك وأقسم بأيمان مغلظة أنه كل يوم يرى فيه أثر الأكل لكن اليوم بحضورك لم ~~يظهر ذلك، فقلت لهذا الشيخ: أنا أبين لك سبب ذلك، ذلك التتري كافر مشرك ~~ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الأثر في الطعام وأنت كان معك من نور ~~الإسلام وتأييد الله تعالى ما أوجب انصراف الشيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك ~~(1) وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتتري بالنسبة إلى ~~أمثالك، فالتتري وأمثاله سود، وأهل الإسلام المحض بيض، وأنتم بلق فيكم سواد ~~وبياض، فأعجب هذا المثل من كان حاضرا. # وقلت لهم في مجلس آخر لما قالوا: تريد أن نظهر هذه الإشارات؟ قلت: إن ~~عملتوها بحضور من ليس ms105 من أهل الشأن من الأعراب والفلاحين أو الأتراك أو ~~العامة أو جمهور المتفقهة والمتفقرة والمتصوفة لم يحسب لكم PageV01P123 # ذلك فمن معه ذهب فليأت به إلى سوق الصرف إلى عند الجهابذة الذين يعرفون ~~الذهب الخالص من المغشوش من الصفر، لا يذهب إلى عند أهل الجهل بذلك، فقالوا ~~لي: لا نعمل هذا إلا أن تكون همتك معنا (1) ، فقلت: همتي ليست معكم بل أنا ~~معارض لكم مانع لكم لأنكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم، فإن كان لكم قدرة على إظهار ذلك فافعلوا، فانقلبوا ~~صاغرين. # فلما كان قبل هذه الواقعة بمدة كان يدخل منهم جماعة مع شيخ لهم من شيوخ ~~البر مطوقين بأغلال الحديد في أعناقهم (2) وهو وأتباعه معروفون بأمور وكان ~~يحضر عندي مرات فأخاطبه بالتي هي أحسن، فلما ذكر الناس ما يظهرونه من ~~الشعار المبتدع الذي يتميزون به عن المسلمين، ويتخذونه عبادة ودينا يوهمون ~~به الناس إن هذا لله سر من أسرارهم، وإنه سيماء أهل الموهبة الإلهية ~~السالكين طريقهم، أعني طريق ذلك الشيخ وأتباعه - خاطبته في ذلك بالمسجد ~~الجامع وقلت: هذا بدعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ولا فعل ذلك أحد من ~~سلف هذه الأمة ولا من المشايخ الذين يقتدي بهم (3) ، ولا يجوز التعبد بذلك ~~ولا التقرب به إلى الله تعالى لأن عبادة الله بما لم يشرعه ضلالة، ولباس ~~الحديد على غير وجه التعبد قد كرهه من كرهه من العلماء للحديث المروي في ~~ذلك وهو أن النبي صلى الله تعالى PageV01P124 # عليه وسلم رأى على رجل خاتما من حديد فقال: " ما لي أرى عليك حلية أهل ~~النار " (1) وقد وصف الله تعالى أهل النار بأن في أعناقهم الأغلال، فالتشبه ~~بأهل النار من المنكرات وقال بعض الناس: قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث الرؤيا قال في آخره " أحب القيد ~~وأكره الغل القيد ثبات في الدين " فإذا كان مكروها في المنام فكيف في ~~اليقظة (2) . # فقلت له في ذلك المجلس ما ms106 تقدم من كلام أو نحوا منه مع زيادة وخوفته من ~~عاقبة الإصرار على البدعة وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله ونحو ذلك من الكلام ~~الذي نسيت أكثره لبعد عهدي به، وذلك أن الأمور التي ليست مستحبة في الشرع ~~لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين، ولا التقرب بها إلى الله ولا اتخاذها ~~طريقا إلى الله وسببا لأن يكون الرجل من أولياء الله وأحبائه، ولا اعتقاد ~~أن الله يحبها أو يحب أصحابها كذلك، أو أن اتخاذها يزداد به الرجل خيرا عند ~~الله وقربة إليه، ولا أن يجعل شعارا للتائبين المريدين وجه الله، الذين هم ~~أفضل ممن ليس مثلهم فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به وهو أن ~~المباحثات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات فأما إذا اتخذت واجبات أو ~~مستحبات كان ذلك دينا لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات ~~منها PageV01P125 # بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها، فلا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين ~~إلا ما شرعه الله، ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع دينا لم يأذن الله ~~به، ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه (1) فإذا كان هذا في المباحات فكيف ~~بالمكروهات أو المحرمات؟ ولهذا كانت هذه الأمور لا تلزم بالنذر، فلو نذر ~~الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر ~~طاعة الله أن يطيعه، بل عليه كفارة يمين إذا لم يفعل عند أحمد وغيره، وعند ~~آخرين لا شيء عليه، فلا يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة (2) ، ونحو ذلك ~~العهود التي تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين وعهود أهل الفتوة ورماة ~~البندق ونحو ذلك ليس على الرجل أن يلتزم من ذلك على وجه الدين والطاعة لله ~~إلا ما كان دينا وطاعة لله ورسوله في شرع الله لكن قد يكون عليه كفارة عند ~~الحنث في ذلك، ولهذا أمرت غير واحد أن يعدل عما أخذ عليه من العهد بالتزام ~~طريقة مرجوحة أو مشتعلة على أنواع من البدع إلى ms107 ما هو خير منها من طاعة ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإتباع الكتاب والسنة إذ كان المسلمون ~~متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل أنه قربة وطاعة وبر ~~وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك، وما علم باتفاق الأمة أنه ~~ليس بواجب ولا PageV01P126 # مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال أنه قربة وطاعة فكذلك هم متفقون ~~على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله ولا التعبد به ولا اتخاذه دينا ولا ~~عمله من الحسنات، فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول، ولا بإرادة ~~وعمل، وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا ~~لم يكن محرما لا ينهى عنه بل يقال إنه جائز (1) لا يفرقون بين اتخاذه دينا ~~وطاعة وبرا وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة، ومعلوم أن اتخاذه ~~دينا بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما وبالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم ~~المحرمات وأكبر السيئات، وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي ~~التي يعلم أنها معاصي سيئات. # فصل: فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة ~~والناس يذكرون عنهم الإصرار على الابتداع في الدين، وإظهار ما يخالف شرعة ~~المسلمين، ويطلبون الإيقاع بهم، وأنا أسلك مسلك الرفق والأناة، وأنتظر ~~الرجوع والفيئة، وأؤخر الخطاب إلى أن يحضر ذلك الشيخ المسجد الجامع وكان قد ~~كتب إلي كتابا بعد كتاب فيه احتجاج واعتذار، وعتب PageV01P127 # وآثار وهو كلام باطل لا تقوم به حجة، بل إما أحاديث موضوعة، أو ~~إسرائيليات غير مشروعة، وحقيقة الأمر الصد عن سبيل الله وأكل أموال الناس ~~بالباطل فقلت لهم: الجواب يكون بالخطاب، فإن جواب مثل هذا الكتاب لا يتم ~~إلا بذلك وحضر عندنا منهم شخص فنزعنا الغل من عنقه وهؤلاء هم من أهل ~~الأهواء الذين يتعبدون في كثير من الأمور بأهوائهم لا بما أمر الله تعالى ms108 ~~ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ومن أضل ممن اتبع هواه بغيرها هدى من ~~الله " ولهذا غالب وجدهم هوى مطلق لا يدرون من يعبدون وفيهم شبه قوي من ~~النصارى الذي قال الله تعالى فيهم " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير ~~الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء ~~السبيل " ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء، فحملهم هواهم على ~~أن تجمعوا تجمع الأحزاب، ودخلوا إلى المسجد الجامع مستعدين للحراب، ~~بالأحوال التي يعدونها للغلاب، فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم ~~لنخاطبه بأمر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ونتفق على إتباع سبيله، ~~فخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة وكأنهم اتفقوا مع بعض ~~الأكابر على مطلوبهم ثم رجعوا إلى مسجد الشاغو على ما ذكر لي وهم من الصياح ~~والاضطراب، على أمر من أعجب العجاب، فأرسلت إليهم مرة ثانية لإقامة الحجة ~~والمعذرة، وطلبا للبيان والتبصرة، ورجاء المنفعة والتذكرة. فعمدوا إلى ~~القصر مرة ثانية، وذكر لي أنهم قدموا من الناحية الغربية مظهرين الضجيج ~~والعجيج، والإزباد والإرعاد، واضطراب الرؤوس والأعضاء، والتقلب في نهر بردى # PageV01P128 # وإظهار التوله الذي يخيلوا (1) به على الردى وإبراز ما يدعونه من الحال ~~والمحال الذي يسلمه إليهم من أضلوا من الجهال. # فلما رأى الأمير ذلك هاله ذلك المنظر، وسأل عنهم فقيل لهم هم مشتكون، ~~فقال ليدخل بعضهم، فدخل شيخهم وأظهر من الشكوى علي ودعوى الاعتداء مني ~~عليهم كلاما كثيرا لم يبلغني جميعه، لكن حدثني من كان حاضرا أن الأمير قال ~~لهم: فهذا الذي يقوله من عنده أو يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقالوا: بل يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال: فأي شيء يقال ~~له؟ قالوا: نحن لنا أحوال وطريق يسلم إلينا (2) ، قال: فنسمع كلامه فمن كان ~~الحق معه نصرناه، قالوا: نريد أن تشد منا، قال: لا ولكن أشد من الحق سواء ~~كان معكم أو معه، قالوا: ولا بد من حضوره؟ قال: نعم، ms109 فكرروا ذلك فأمر ~~بإخراجهم، فأرسل إلي بعض خواصه من أهل الصدق والدين ممن يعرف ضلالهم، ~~وعرفني بصورة الحال وأنه يريد كشف أمر هؤلاء فلما علمت ذلك ألقي في قلبي أن ~~ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين، وكشف حال أهل النفاق المبتدعين، ~~لانتشارهم في أقطار الأرضين، وما أحببت البغي عليهم والعدوان، ولا أن أسألك ~~معهم ألا أبلغ ما يمكن من الإحسان، فأرسلت إليهم من عرفهم بصورة الحال، ~~وأني إذا حضرت PageV01P129 # كان ذلك عليكم من الوبال، وكثر فيكم القيل والقال، وإن من قعد أو قام ~~قدام رماح أهل الإيمان، فهو الذي أوقع نفسه في الهوان فجاء الرسول وأخبر ~~أنهم اجتمعوا بشيوخهم الكبار الذين يعرفون حقيقة الأسرار وأشاروا عليهم ~~بموافقة ما أمروا به من إتباع الشريعة والخروج عما ينكر عليهم من البدع ~~الشنيعة، وقال شيخهم الذي يسيح بأقطار الأرض كبلاد الترك ومصر وغيرها: ~~أحوالنا تظهر عند التتار لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله، وأنهم نزعوا ~~الأغلال من الأعناق، وأجابوا إلى الوفاق. ثم ذكر لي أنه جاءهم بعض أكابر ~~غلمان المطاع (1) وذكر أنه لا بد من حضورهم لموعد الاجتماع، فاستخرت الله ~~تعالى تلك الليلة واستعنته، واستنصرته واستهديته، وسلكت سبيل عباد الله في ~~مثل هذه المسالك، حتى ألقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك، ~~وأنها تكون بردا وسلاما على من اتبع ملة الخليل، وأنه تحرق أشباه الصابئة ~~أهل الخروج عن هذه السبيل، وقد كان بقايا الصابئة أعداء إبراهيم إمام ~~الحنفاء بنواحي البطائح منضمين إلى من يضاهيهم من نصارى الدهماء. وبين ~~الصابئة ومن ضل من العباد المنتسبين إلى هذا الدين، نسب يعرفه من عرف الحق ~~المبين، فالغالية من القرامطة والباطنية كالنصيرية والإسماعيلية، يخرجون ~~إلى مشابهة الصابئة الفلاسفة ثم إلى الإشراك ثم إلى جحود الحق تعالى، ومن ~~شركهم الغلو في البشر، والابتداع في العبادات، والخروج عن الشريعة له نصيب ~~من ذلك بحسب ما هو لائق كالملحدين من أهل الاتحاد، والغالية من أصناف ~~العباد. PageV01P130 # فلما أصبحنا ذهبت للميعاد، وما أحببت أن أستصحب ms110 أحدا للإسعاد، لكن ذهب ~~أيضا بعض من كان حاضرا من الأصحاب، والله هو المسبب لجميع الأسباب، وبلغني ~~بعد ذلك أنهم طافوا على عدد من أكابر الأمراء، وقالوا أنواعا مما جرت به ~~عادتهم من التلبيس والإفتراء، الذي استحوذوا به على أكثر أهل الأرض من ~~الأكابر والرؤساء مثل زعمهم أن لهم أحوالا لا يقاومهم فيها أحد من ~~الأولياء، وأن لهم طريقا لا يعرفها أحد من العلماء، وأن شيخهم هو في ~~المشايخ كالخليفة، وأنهم يتقدمون على الخلق بهذه الأخبار المنيفة، وأن ~~المنكر عليهم ما هو آخذ بالشرع الظاهر، غير واصل إلى الحقائق والسرائر. وأن ~~لهم طريقا وله طريق، وهم الواصلون إلى كنه التحقيق، وأشباه هذه الدعاوي ذات ~~الزخرف والتزويق، وكانوا لفرط انتشارهم في البلاد واستحواذهم على الملوك ~~والأمراء والأجناد لخفاء نور الإسلام، واستبدال أكثر الناس بالنور الظلام، ~~وطموس آثار الرسول في أكثر الأمصار، ودروس حقيقة الإسلام في دولة التتار، ~~لهم في القلوب موقع هائل، ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل. # قال المخبر فغدا أولئك الأمراء الأكابر، وخاطبوا فيهم نائب السلطان ~~بتعظيم أمرهم الباهر، وذكر لي أنواعا من الخطاب، والله تعالى أعلم بحقيقة ~~الصواب، والأمير مستشعر ظهور الحق عند التحقيق، فأعاد الرسول لي مرة ثانية ~~فبلغه أنا في الطريق، وكان كثير من أهل البدع الأضداد، كطوائف من المتفقهة ~~والمتفقرة وإتباع أهل الاتحاد، مجدين في نصرهم بحسب مقدورهم مجهزين لمن ~~يعينهم في حضورهم فلما حضرت # PageV01P131 # وجدت النفوس في غاية الشوق إلى هذا الاجتماع، متطلعين إلى ما سيكون ~~طالبين للإطلاع، فذكر لي نائب السلطان وغيره من الأمراء، بعض ما ذكروه من ~~الأقوال المشتملة على الافتراء، وقال إنهم قالوا: إنك طلبت منهم الامتحان، ~~وأن يحموا الأطواق نارا ويلبسوها فقلت هذا من البهتان. # وها أنا ذا أصف ما كان قلت للأمير: نحن لا نستحل أن نأمر أحدا بأن يدخل ~~نارا ولا يجوز طاعة من يأمر بدخول النار، وفي ذلك الحديث الصحيح، وهؤلاء ~~يكذبون في ذلك وهم كذابون مبتدعون قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ms111 ~~ما الله به عليم، وذكرت تلبيسهم على طوائف من الأمراء وأنهم لبسوا على ~~الأمير المعروف بالأيدمري وعلى قفجق نائب السلطنة وعلى غيرهما وقد لبسوا ~~أيضا على الملك العادل كتفا في ملكه وفي حالة ولاية حماه وعلى أمير السلاح ~~أجل أمير بديار مصر، وضاق المجلس عن حكاية جمع تلبيسهم على الأيدمري وأنهم ~~كانوا يرسلون من النساء من يستخبر عن أحوال بيته الباطنة، ثم يخبرونه بها ~~على طريق المكاشفة، ووعدوه بالملك، وأنهم وعدوه أن يروه رجال الغيب، فصنعوا ~~خشبا طوالا وجعلوا عليها من يمشي كهيئة الذي يلعب باكر الزجاج فجعلوا يمشون ~~على جبل المزة وذاك يرى من بعيد قوما يطوفون على الجبل وهم يرتفعون عن ~~الأرض وأخذوا منه مالا كثيرا ثم انكشف له أمرهم. # قلت للأمير وولده: هو الذي في حلقة الجيش يعلم ذلك وهو ممن حدثني بهذه ~~القصة، وأما قفجق فإنهم أدخلوا رجلا في القبر يتكلم وأوهموه أن الموتى ~~تتكلم، وأتوا به في مقابر باب الصغير إلى رجل زعموا أنه الرجل # PageV01P132 # الشعراني الذي بجبل لبنان ولم يقربوه منه بل من بعيد لتعود عليه بركته ~~وقالوا أنه طلب منه جملة من المال، فقال قفجق الشيخ يكاشف وهو يعلم أن ~~خزائني ليس فيها هذا كله، وتقرب قفجق منه وجذب الشعر فانقلع الجلد الذي ~~ألصقوه على جلده من جلد الماعز، فذكرت للأمير هذا، ولهذا قيل لي إنه لما ~~انقضى المجلس وانكشف حالهم للناس كتب أصحاب قفجق إليه كتابا وهو نائب ~~السلطنة بحماه يخبره بصورة ما جرى. # وذكرت للأمير انهم مبتدعون بأنواع من البدع مثل الغلال ونحوها وأنا ~~نهيناهم عن البدع الخارجة عن الشريعة فذكر الأمير حديث البدعة وسألني عنه ~~فذكرت حديث العرباض بن سارية وحديث جابر بن عبد الله وقد ذكرتهما بعد ذلك ~~في المجلس العام كما سأذكره. # قلت للأمير: أنا ما امتحنت هؤلاء لكن هم يزعمون أن لهم أحوالا يدخلون بها ~~النار وأن أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك ويقولون لنا هذه الأحوال التي ~~يعجز عنها أهل الشرع فليس لهم أن يعترضوا علينا ms112 بل يسلم إلينا ما نحن عليه ~~سواء وافق الشرع أو خالفه، وأنا قد استخرت الله سبحانه أنهم إن دخلوا النار ~~أدخل أنا وهم، ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله وكان مغلوبا، وذلك بعد ~~أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار، فقال الأمير: ولم ذاك؟ قلت: لأنهم ~~يطلون أجسامهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج وحجر ~~الطلق وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم، وأنا لا أطلي جلدي بشيء فإذا اغتسلت ~~أنا وهم بالخل والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق، فاستعظم الأمير هجومي ~~على النار وقال: أتقبل ذلك؟ فقلت له: نعم قد استخرت الله في ذلك وألقى في ~~قلبي أن أفعله، # PageV01P133 # ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم المتبعين له باطنا وظاهرا لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة ~~دين الله، والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، ~~وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين ~~الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ونقوم ~~في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا، فلنا ~~حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيد الله به من الآيات. # وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى السحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى ~~بالعصا التي ابتلعت سحرهم، فجعل الأمير يخاطب من حضره من الأمراء على ~~السماط بذلك وفرح بذلك وكأنهم كانوا قد أوهموه أن هؤلاء لهم حال على رده، ~~وسمعته يخاطب الأمير الكبير الذي قدم من مصر الحاج بهادر وأنا جالس بينهما ~~على رأس السماط بالتركي ما فهمته منه أنه قال اليوم ترى حربا عظيما ولعل ~~ذلك كان جوابا لمن كان خاطبه فيهم على ما قيل. # وحضر شيوخهم الأكابر فجعلوا يطلبون من الأمير الإصلاح وإطفاء هذه القضية ~~ويترفقون، فقال الأمير: إنما يكون الصلح بعد ظهور الحق؛ وقمنا إلى مقعد ~~الأمير بزاوية القصر أنا وهو وبهادر ms113 فسمعته يذكر له أيوب الحمال بمصر ~~والمولهين ونحو ذلك فدل ذلك على أنه كان عند هذا الأمير لهم صورة معظمة، ~~وأن له فيهم ظنا حسنا والله أعلم بحقيقة الحال فإنه ذكر لي ذلك وكان الأمير ~~أحب أن يشهد بهادر هذه الواقعة ليتبين له الحق فإنه # PageV01P134 # من أكابر الأمراء وأقدمهم وأعظمهم حرمة عنده وقد قدم الآن وهو يحب تأليفه ~~وإكرامه فأمر ببساط يبسط في الميدان، وقد قدم البطائحية وهم جماعة كثيرون ~~وقد أظهروا أحوالهم الشيطانية من الإزباد والإرغاء وحركة الرؤوس والأعضاء ~~والطفر والحبو والتقلب، ونحو ذلك من الأصوات المنكرات، والحركات الخارجة عن ~~العادات، المخالفة لما أمر به لقمان لابنه في قوله: " واقصد في مشيك واغضض ~~من صوتك " فلما جلسنا وقد حضر خلق عظيم من الأمراء والكتاب والعلماء ~~والفقراء والعامة وغيرهم وحضر شيخهم الأول المشتكي وشيخ آخر يسمى نفسه ~~خليفة سيده أحمد ويركب بعلمين وهم يسمونه عبد الله الكذاب ولم أكن أعرف ذلك ~~وكان من مدة قد قدم علي منهم شيخ بصورة لطيفة وأظهر ما جرت به عادتهم من ~~المسائلة فأعطيته طلبته ولم أتفطن لكذبه حتى فارقني فبقي في نفسي أن هذا ~~خفي على تلبيسه إلى أن غاب وما يكاد يخفى علي تلبيس أحد بل أدركه في أول ~~الأمر فبقي ذلك في نفسي ولم أره قط إلى حين ناظرته، ذكر لي أنه ذاك كان ~~اجتمع بي قديما فتعجبت من حسن صنع الله أنه هتكه في أعظم مشهد يكون حيث كتم ~~تلبيسه بيني وبينه، فلما حضروا تكلم منهم شيخ يقال له حاتم بكلام مضمون طلب ~~الصلح والعفو عن الماضي والتوبة وإنا مجيبون إلى ما طلب من ترك هذه الأغلال ~~وغيرها من البدع ومتبعون للشريعة فقلت: أما التوبة فمقبولة قال الله تعالى: ~~" غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب " هذه إلى جنب هذه، وقال تعالى: " ~~نبئ عبادي إني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم " فأخذ شيخهم ~~المشتكي ينتصر للبسهم الأطواق وذكر أن وهب # PageV01P135 # ابن منبه أنه كان في بني إسرائيل عابد وأنه جعله ms114 في عنقه طوقا في حكاية ~~من حكايات بين إسرائيل لا تثبت، فقلت: لهم ليس لنا أن نتعبد في ديننا بشيء ~~من الإسرائيليات المخالفة لشرعنا قد روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن ~~عبد الله أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من ~~التوراة فقال: " أمتهوكون يا ابن الخطاب لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان ~~موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ". # وفي مراسيل أبي داود أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رأى مع بعض ~~أصحابه شيئا من كتب أهل الكتاب فقال: " كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير ~~كتابهم أنزل إلى نبي غير نبيهم " وأنزل الله تعالى: " أو لم يكفهم أنا ~~أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم " فنحن لا يجوز لنا إتباع موسى ولا عيسى ~~فيما علمنا أنه أنزل عليهما من عند الله إذا خالف شرعنا وإنما علينا أن ~~نتبع ما أنزل علينا من ربنا ونتبع الشرعة والمنهاج الذي بعث الله به إلينا ~~رسولنا كما قال تعالى: " وإن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا نتبع أهواءهم ~~عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعا ومنهاجا " فكيف يجوز لنا أن نتبع ~~عباد بني إسرائيل في حكاية لا تعلم صحتها وما علينا من عباد بني إسرائيل " ~~تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون " ~~هات ما في القرآن وما في الأحاديث الصحاح كالبخاري ومسلم وذكرت هذا وشبهه ~~بكيفية قوية. فقال هذا الشيخ منهم يخاطب الأمير نحن نريد أن تجمع لنا ~~القضاة الأربعة والفقهاء ونحن قوم شافعية، فقلت: له هذا غير مستحب ولا ~~مشروع عند أحد من علماء المسلمين بل كلهم ينهى عن التعبد به ويعده # PageV01P136 # بدعة، وهذا الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مفتي الشافعية ودعوته وقلت: يا ~~كمال الدين ما تقول في هذا؟ فقال: هذا بدعة غير مستحبة بل مكروهة أو كما ~~قال، وكان مع بعض الجماعة فتوى فيها خطوط طائفة من العلماء بذلك. # وقلت: ليس لأحد الخروج ms115 عن شريعة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولا ~~الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وأشك هل تكلمت ~~هنا في قصة موسى والخضر فإني تكلمت بكلام بعد عهدي به فانتدب ذلك الشيخ عبد ~~الله ورفع صوته وقال: نحن لنا أحوال وأمور باطنة لا يوقف عليها، وذكر كلاما ~~لم أضبط لفظه مثل المجالس والمدارس والباطن والظاهر، ومضمونه أن لنا الباطن ~~ولغيرنا الظاهر، وأن لنا أمرا لا يقف (1) عليه أهل الظاهر فلا ينكرونه ~~علينا، فقلت له ورفعت صوتي وغضبت: الباطن والظاهر والمجالس والمدارس ~~والشريعة والحقائق كل هذا مردود إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم ليس لأحد الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا من ~~المشايخ والفقراء، ولا من الملوك والأمراء، ولا من العلماء والقضاة وغيرهم، ~~بل جميع الخلق عليهم طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وذكرت هذا ~~ونحوه. # فقال ورفع صوته: نحن لنا الأقوال وكذا وكذا وادعى الأحوال الخارقة كالنار ~~وغيرها واختصاصهم بها وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها، فقلت ورفعت ~~صوتي وغضبت: أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في ~~النار فأنا أصنع مثل PageV01P137 # ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب وربما قلت فعليه لعنة الله، ولكن بعد أن ~~نغسل جسومنا بالخل والماء الحار، فسألني الأمراء والناس عن ذلك فقلت: لأن ~~لهم حيلا في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء من دهن الضفادع وقشر النارنج ~~وحجر الطلق، فضج الناس بذلك فأخذ يظهر القدرة على ذلك، فقال: أنا وأنت نلف ~~في بارية بعد أن تطلى جسومنا بالكبريت، فقلت: فقم، وأخذت أحرز (1) عليه في ~~القيام إلى ذلك فمد يده يظهر خلع القميص، فقلت: لا حتى تغتسل في الماء ~~الحار والخل، فظهر الوهم على عادتهم، فقال: من كان يحب الأمير فليحضر خشبا ~~أو يقال حزمة حطب، فقلت: هذا تطويل وتفريق للجمع ولا يحصل به مقصود، بل ~~قنديل يوقد وأدخل إصبعي وإصبعك فيه بعد الغسل ومن احترقت إصبعه فعليه ms116 لعنة ~~الله، أو قلت فهو مغلوب، فلما قلت ذلك تغير وذل وذكر لي أن وجهه اصفر. # ثم قلت لهم: ومع هذا فلو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة ولو طرتم ~~في الهواء، ومشيتم على الماء، ولو فعلتم ما فعلتم لم يكن في ذلك ما يدل على ~~صحة ما تدعونه من مخالفة الشرع ولا على إبطال الشرع فإن الدجال الأكبر يقول ~~للسماء أمطري فتمطر، وللأرض انبتي فتنبت، وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج كنوزها ~~تتبعه، ويقتل رجلا ثم يمشي بين شقيه، ثم يقول له قم فيقوم (2) ، ومع هذا ~~فهو دجال كذاب ملعون PageV01P138 # لعنه الله، ورفعت صوتي بذلك فكان لذلك وقع عظيم في القلوب. # وذكرت قول أبي يزيد البسطامي: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي على ~~الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف وقوفه عند الأوامر والنواهي. # وذكرت عن يونس بن عبد الأعلى أنه قال للشافعي: أتدري ما قال صاحبنا - ~~يعني الليث بن سعد - قال: لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به، ~~فقال الشافعي: لقد قصر الليث لو رأيت صاحب هوى يطير في الهواء فلا تغتر به، ~~وتكلمت في هذا ونحوه بكلام بعد عهدي به، ومشايخهم الكبار يتضرعون عند ~~الأمير في طلب الصلح وجعلت ألح عليه في إظهار ما ادعوه من النار مرة بعد ~~مرة وهم لا يجيبون وقد اجتمع عامة مشايخهم الذين في البلد والفقراء ~~المولهون منهم وهم عدد كثير والناس يضجون في الميدان ويتكلمون بأشياء لا ~~أضبطها. # فذكر بعض الحاضرين أن الناس قالوا ما مضمونه " فوقع الحق وبطل ما كانوا ~~يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين " وذكروا أيضا أن هذا الشيخ يسمى عبد ~~الله الكذاب، وأنه الذي قصدك مرة فأعطيته ثلاثين درهما. فقلت: ظهر لي حين ~~أخذ الدراهم وذهب إنه ملبس، وكان قد حكى حكاية عن نفسه مضمونها أنه أدخل ~~النار في لحيته قدام صاحب حماة، ولما فارقني وقع في قلبي أن لحيته مدهونة ~~وأنه دخل الروم واستحوذ عليهم، فلما ظهر للحاضرين عجزهم وكذبهم وتلبيسهم ~~وتبين للأمراء الذين # PageV01P139 # كانوا ms117 يشدون منهم أنهم مبطلون فرجعوا وتخاطب الحاج بهادر ونائب السلطان ~~وغيرهما بصورة الحال وعرفوا حقيقة المحال وقمنا إلى داخل ودخلنا وقد طلبوا ~~التوبة عما مضى وسألني الأمير عما يطلب منهم فقلت: متابعة الكتاب والسنة ~~مثل أن يعتقد (1) أنه لا يجب عليه إتباعهما أو أنه يسوغ لأحد الخروج من ~~حكمهما ونحو ذلك أو أنه يجوز إتباع طريقة تخالف بعض حكمها ونحو ذلك من وجوه ~~الخروج عن الكتاب والسنة التي توجب الكفر وقد توجب القتل دون الكفر وقد ~~توجب قتال الطائفة الممتنعة دون قتل الواحد المقدور عليه. # فقالوا: نحن ملتزمون الكتاب والسنة أتنكر علينا غير الأطواق، نحن نخلعها. ~~فقلت: الأطواق وغير الأطواق ليس المقصود شيئا معينا وإنما المقصود أن يكون ~~جميع المسلمين تحت طاعة الله ورسوله صلى تعالى الله عليه وسلم، فقال ~~الأمير: فأي شيء الذي يلزمهم من الكتاب والسنة؟ فقلت: حكم الكتاب والسنة ~~كثير لا يمكن ذكره في هذا المجلس لكن المقصود أن يلتزموا هذا التزاما عاما ~~ومن خرج عنه ضربت عنقه - وكرر ذلك وأشار بيده إلى ناحية الميدان - وكان ~~المقصود أن يكون هذا حكما عاما في حق جميع الناس فإن هذا مشهد عام مشهور ~~وقد توفرت الهمم عليه فيتقرر عند المقاتلة وأهل الديوان والعلماء والعباد ~~وهؤلاء وولاة الأمور أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه. PageV01P140 # قلت: ومن ذلك الصلوات الخمس في مواقيتها كما أمر الله ورسوله فإن من ~~هؤلاء من لا يصلي ومنهم من يتكلم في صلاته حتى إنهم بالأمس بعد أن اشتكوا ~~علي في عصر الجمعة جعل أحدهم يقول في صلب الصلاة: يا سيدي أحمد شيء لله، ~~وهذا مع أنه مبطل للصلاة فهو شرك بالله ودعاء لغيره في حال مناجاته التي ~~أمرنا أن نقول فيها (إياك نعبد وإياك نستعين) وهذا قد فعل بالأمس بحضرة ~~شيخهم فأمر قائل ذلك لما أنكر عليه المسلمون بالاستغفار على عادتهم في صغير ~~الذنوب ولم يأمره بإعادة الصلاة وكذلك يصيحون في الصلاة صياحا عظيما وهذا ~~منكر يبطل الصلاة. # (فقال) هذا يغلب على أحدهم كما ms118 يغلب العطاس (فقلت) العطاس من الله والله ~~يحب العطاس ويكره التثاؤب ولا يملك أحدهم دفعه، وأما هذا الصياح فهو من ~~الشيطان وهو باختيارهم وتكلفهم ويقدرون على دفعه، ولقد حدثني بعض الخبيرين ~~بهم بعد المجلس أنهم يفعلون في الصلاة # ما لا تفعله اليهود والنصارى مثل قول أحدهم أنا على بطن امرأة الإمام ~~وقول الآخر كذا وكذا من الإمام ونحو ذلك من الأقوال الخبيثة، وأنهم إذا ~~أنكر عليهم المنكر ترك الصلاة يصلون بالتوبة وأنا أعلم أنهم متولين (1) ~~شياطين ليسوا مغلوبين على ذلك كما يغلب الرجل في بعض الأوقات على صيحة أو ~~بكاء في الصلاة أو غيرها. # فلما أظهروا التزام الكتاب والسنة وجموعهم بالميدان بأصواتهم وحركاتهم ~~الشيطانية يظهرون أحوالهم # (قلت) له أهذا موافق للكتاب PageV01P141 # والسنة؟ # (فقال) هذا من الله حال يرد عليهم # (فقلت) هذا من الشيطان الرجيم لم يأمر الله به تعالى ولا رسوله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم ولا أحبه الله ولا رسوله # (فقال) ما في السموات والأرض حركة ولا كذا ولا كذا إلا بمشيئته وإرادته # (فقلت) له هذا من باب القضاء والقدر وهكذا كل ما في العالم من كفر وفسوق ~~وعصيان هو بمشيئته وإرادته وليس ذلك بحجة لأحد في فعله بل ذلك مما زينه ~~الشيطان وسخطه الرحمن. # (فقال) فبأي شيء تبطل هذه الأحوال # (فقلت) بهذه السياط الشرعية. فأعجب الأمير وضحك وقال أي والله بالسياط ~~الشرعية، تبطل # هذه الأحوال الشيطانية، كما قد جرى مثل ذلك لغير واحد ومن لم يجب إلى ~~الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية. وأمسكت سيف الأمير وقلت هذا نائب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلامه وهذا السيف سيف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فمن خرج عن كتاب الله وسنة # رسوله ضربناه بسيف الله وأعاد الأمير هذا الكلام وأخذ بعضهم يقول فاليهود ~~والنصارى يقرون ولا نقر نحن؟ # (فقلت) اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دورهم ~~والمبتدع لا يقر على بدعته فافحموا لذلك وحقيقة الأمر أن من أظهر منكرا في ~~دار الإسلام لم يقر على ذلك فمن ms119 دعا إلى بدعة وأظهرها لم يقر ولا يقر من ~~أظهر الفجور وكذلك أهل الذمة لا يقرون على إظهار منكرات دينهم، ومن سواهم ~~فإن كان مسلما أخذ بواجبات الإسلام وترك محرماته، وإن لم يكن مسلما ولا ~~ذميا فهو إما مرتد وإما مشرك وإما زنديق ظاهر الزندقة وذكرت ذم المبتدعة ~~فقلت روى مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه أبي جعفر الباقر # PageV01P142 # عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته ~~"إن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها (1) ~~وكل بدعة ضلالة" وفي السنن عن العرباض بن سارية قال خطبنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خطبة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل يا ~~رسول الله كان هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال # "أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ~~فعليكم نسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا ~~عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ~~وفي رواية (2) " وكل ضلالة في النار" (فقال) لي البدعة مثل الزنا وروى ~~حديثا في ذم الزنا (فقلت) هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله تعالى # عليه وسلم والزنا معصية والبدعة شر من المعصية كما قال سفيان الثوري ~~البدعة أحب إلى إبليس من المعصية فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب ~~منها. وكان قد (قال) بعضهم نحن نتوب الناس (فقلت) مماذا تتوبنهم؟ قال من ~~قطع الطريق والسرقة ونحوذلك (فقلت) حالهم قبل تتويبكم خير من حالهم بعد ~~تتويبكم فإنهم كانوا فساقا يعتقدون تحريم ماهم عليه ويرجون رحمة الله # ويتوبون إليه أو ينوون التوبة، فجعلتموهم بتتويبكم ضالين. مشركين خارجين ~~عن شريعة الإسلام، يحبون ما يبغضه الله ويبغضون ما يحبه الله، ونثبت أن هذه ~~الشريعة التي هم وغيرهم عليها شر من المعاصي PageV01P143 # قلت مخاطبا للأمير والحاضرين: أما المعاصي فمثل ما روى البخاري في صحيحه ~~عن عمر ابن الخطاب أن رجلا كان ms120 يدعى حمارا وكان يشرب الخمر وكان يضحك النبي ~~صلى الله تعالى عليه وسلم وكان كلما أتي به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~جلده الحد، فلعنه رجل مرة وقال: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي ~~صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا ~~تلعنه فإنه يحب الله ورسوله " قلت: فهذا رجل كثير الشرب للخمر ومع هذا فلما ~~كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله شهد له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~بذلك ونهى عن لعنته. # وأما المبتدع فمثل ما أخرجا في الصحيحين عن علي بن أبي طالب وعن أبي سعيد ~~الخدري وغيرهما - دخل حديث بعضهم في بعض - أن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم كان يقسم فجاءه رجل ناتئ الجبين كث اللحية محلوق الرأس بين عينيه أثر ~~السجود وقال ما قال، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: " يخرج من ضئضئ ~~هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ~~يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " وفي رواية: " لو يعلم الذين ~~يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل " وفي رواية " شر قتلى ~~تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه " قلت: فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم ~~وقراءتهم وما هم عليه من العبادة والزهادة أمر النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم بقتلهم وقتلهم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم وذلك لخروجهم عن سنة النبي وشريعته وأظن أني ذكرت قول الشافعي: ~~لأن يبتلى العبد بكل ذنب # PageV01P144 # ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى من هذه الأهواء، فلما ظهر قبح البدع ~~في الإسلام وإنها أظلم من الزنا والسرقة وشرب الخمر وأنهم مبتدعون بدعا ~~منكرة فيكون حالهم أسوأ من حال الزاني والسارق وشارب الخمر. # أخذ شيخهم عبد الله يقول: يا مولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز - يعني ~~أتباع أحمد بن ms121 الرفاعي - فقلت منكرا بكلام غليظ: ويحك أي شيء هو الجناب ~~العزيز وجناب من خالفه أولى بالعزبار والرزجنة (1) تريدون أن تبطلوا دين ~~الله ورسوله، فقال: يا مولانا يحرقك الفقراء بقلوبهم، فقلت: مثل ما أحرقني ~~الرافضة لما قصدت الصعود إليهم وصار جميع الناس يخوفوني منهم ومن شرهم ~~ويقول أصحابهم: إن لهم سرا مع الله فنصر الله وأعان عليهم، وكان الأمراء ~~الحاضرون قد عرفوا بركة ما يسره الله في أمر غزو الرافضة بالجبل. وقلت لهم: ~~يا شبه الرافضة يا بيت الكذب - فإن فيهم من الغلو والشرك والمروق عن ~~الشريعة ما شاركوا به الرافضة في بعض صفاتهم وفيهم من الكذب ما قد يقاربون ~~به الرافضة في ذلك أو يساوونهم أو يزيدون عليهم فإنهم من أكذب الطوائف حتى ~~قيل فيهم: لا تقولوا أكذب من اليهود على الله ولكن قولوا أكذب من الأحمدية ~~على شيخهم، وقلت لهم: أنا كافر بكم وبأحوالكم " فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ~~". # ولما رددت عليهم الأحاديث المكذوبة أخذوا يطلبون مني كتبا صحيحة ليهتدوا ~~بها فبذلت لهم ذلك، وأعيد الكلام أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه، ~~وأعاد الأمير هذا الكلام واستقر الكلام PageV01P145 # على ذلك، والحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. # هذا آخر ما جرى مع البطائحية لشيخ الإسلام وإمام الأئمة الأعلام، الشيخ ~~تقي الدين أحمد الشهير بابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه ورضي عنه. # PageV01P146 ### | لباس الفتوة والخرقة عند المتصوفة ومسائل أخرى فشت فيهم # بسم الله الرحمن الرحيم # مسألة: سئلها الشيخ الإمام العالم العلامة، إمام الوقت، فريد الدهر، جوهر ~~العلم، لب الإيمان، قطب الزمان، مفتي الفرق، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو ~~العباس أحمد بن الشيخ الإمام شهاب الدين عبد الحليم ابن الشيخ الإمام ~~العلامة مؤيد السنة مجد الدين عبد السلام ابن تيمية الحراني رضي الله عنه ~~ونفع به آمين: في جماعة يجتمعون في مجلس ويلبسون لشخص منهم لباس الفتوة ~~ويديرون بينهم في مجلسهم شربة فيها ملح وماء يشربونها، ويزعمون أن هذا من ~~الدين، ويذكرون في مجلسهم ألفاظا ms122 لا تليق بالعقل والدين فمنها أنهم يقولون ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبس علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ~~لباس الفتوة ثم أمره أن يلبس من شاء، ويقولون إن اللباس أنزل على النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم في صندوق ويستدلون عليه بقوله تعالى: " يا بني آدم قد ~~أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم " الآية - فهل كما زعموا أم كذب مختلق؟ ~~وهل هو من الدين أم لا؟ وإذا لم يكن من الدين فما يجب على من يفعل ذلك أو ~~يعين عليه؟ ومنهم من ينسب ذلك إلى الخليفة الناصر لدين الله إلى عبد الجبار ~~ويزعم أن ذلك من الدين، فهل لذلك أصل أم لا؟ وهل الأسماء التي يسمون بها ~~بعضهم بعضا من اسم الفتوة ورؤوس الأحزاب والزعماء فهل لهذا أصل أم لا؟ ~~ويسمون المجلس الذي يجتمعون فيه دسكرة، ويقوم للقوم # PageV01P147 # نقيب إلى الشخص الذي يلبسونه فينزعه اللباس الذي عليه بيده ويلبسه اللباس ~~الذي يزعمون أنه لباس الفتوة بيده، فهل هذا جائز أم لا؟ وإذا قيل لا يجوز ~~فعل ذلك ولا الإعانة عليه فهل يجب على ولي الأمر منعهم من ذلك؟ وهل للفتوة ~~أصل في الشريعة أم لا؟ وإذا قيل: لا أصل لها في الشريعة فهل يجب على غير ~~ولي الأمر أن ينكر عليهم ويمنعهم من ذلك أم لا؟ مع إمكانه من الإنكار (1) ~~وهل أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنه أو من التابعين أو من بعدهم من أهل ~~العلم فعل هذه الفتوة المذكورة أو أمر بها أم لا؟ وهل خلق النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم من النور أم خلق من الأربع عناصر أم من غير ذلك؟ وهل ~~الحديث الذي يذكره بعض الناس لولاك ما خلق الله عرشا ولا كرسيا ولا أرضا ~~ولا سماء ولا شمسا ولا قمرا ولا غير ذلك صحيح هو أم لا؟ وهل الأخوة التي ~~يؤاخيها المشايخ بين الفقراء في السماع وغيره يجوز فعلها في السماع ونحوه ~~أم لا؟ وهل آخى رسول الله صلى الله ms123 تعالى عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ~~أم بين كل مهاجري وأنصاري؟ وهل آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم علي ~~بن أبي طالب كرم الله وجهه أم لا؟ بينوا لنا ذلك بالتعليل والحجة المبينة ~~وابسطوا لنا الجواب في ذلك بسطا شافيا مأجورين أثابكم الله تعالى. # لباس خرقة الفتوة مبتدع: # الجواب: الحمد لله أما ما ذكر من إلباس لباس الفتوة والسراويل أو غيره ~~وإسقاء الملح والماء فهذا باطل لا أصل له ولم يفعل هذا رسول الله ~~PageV01P148 # صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أحد من أصحابه لا علي بن أبي طالب ولا غيره ~~ولا من التابعين لهم بإحسان، والإسناد الذي يذكرونه من طريق الخليفة الناصر ~~إلى عبد الجبار إلى ثمامة فهو إسناد لا تقوم به حجة، وفيه من لا يعرف ولا ~~يجوز لمسلم أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الإسناد المجهول ~~الرجال أمرا من الأمور التي لا تعرف عنه فكيف إذا نسب إليه ما يعلم أنه كذب ~~وافتراء عليه، فإن العالمين بسنته وأحواله متفقون على أن هذا من الكذب ~~المختلق عليه وعلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وما ذكروه من نزول ~~هذا اللباس في صندوق هو من أظهر الكذب باتفاق العارفين بسنته، واللباس الذي ~~يواري السوءة هو كل ما ستر العورة من جميع أصناف اللباس المباح، أنزل الله ~~تعالى هذه الآية لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يقولون: ثياب عصينا ~~الله فيها لا نطوف فيها؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل قوله: " خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد " والكذب في هذا أظهر من الكذب فيما ذكر من لباس ~~الخرقة، وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن ~~ردائه، وإنه فرق الخرق على أصحابه، وأن جبريل أتاه وقال له: إن ربك يطلب ~~نصيبه من زيق الفقر، وأنه علق ذلك بالعرش، فهذا أيضا كذب باتفاق أهل ~~المعرفة فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يجتمع هو وأصحابه على سماع ~~كف ولا سماع ms124 دفوف وشبابات ولا رقص، ولا سقط عنه ثوب من ثيابه في ذلك ولا ~~قسمه على أصحابه وكل ما يروى من ذلك مختلق باتفاق أهل المعرفة بسنته. # PageV01P149 # فصل: شروط لباس خرقة الفتوة: والشروط التي تشترطها شيوخ الفتوة ما كان ~~منها مما أمر الله به ورسوله كصدق الحديث وأداء الأمانة وأداء الفرائض ~~واجتناب المحارم ونصر المظلوم وصلة الأرحام والوفاء بالعهد أو كانت مستحبة ~~كالعفو عن الظالم واحتمال الأذى، وبذل المعروف الذي يحبه الله ورسوله وأن ~~يجتمعوا على السنة ويفارق أحدهما الآخر إذا كان على بدعة ونحو ذلك فهذه ~~يؤمن بها كل مسلم سواء شرطها شيوخ الفتوة أو لم يشرطوها، وما كان منها مما ~~نهى الله عنه ورسوله مثل التحالف الذي يكون بين أهل الجاهلية إن كلا منهما ~~يصادق صديق الآخر في الحق والباطل، ويعادي عدوه في الحق والباطل، وينصره ~~على كل من يعاديه سواء كان الحق معه أو كان مع خصمه، فهذه شروط تحلل الحرام ~~وتحرم الحلال، وهي شروط ليست في كتاب الله (1) وفي الصحيح عنه أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: " ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط ~~شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله ~~أوثق " رواه البخاري. وفي السنن عنه أنه قال: " المسلمون عند شروطهم إلا ~~شرطا أحل حراما أو حرم حلالا " وكل ما كان من الشروط التي بين القبائل ~~والملوك والشيوخ والأحلاف وغير ذلك فإنها على هذا الحكم باتفاق علماء ~~المسلمين، ما كان PageV01P150 # من الأمر المشروط الذي قد أمر الله به ورسوله فإنه يؤمر به كما أمر الله ~~به ورسوله، وإن كان مما نهى عنه ورسوله فإنه ينهى عنه كما نهى الله عنه ~~ورسوله، وليس لبني آدم أن يتعاهدوا ولا يتعاقدوا ولا يتحالفوا ولا يتشارطوا ~~على خلاف ما أمر الله به ورسوله، بل على كل منهم أن يوفوا بالعقود والعهود ~~التي عهدها الله إلى بني آدم كما قال الله تعالى: " واوفوا بعهدي اوف ~~بعهدكم " وكذلك ما ms125 يعقده المرء على نفسه كعقد النذر أو يعقده الاثنان كعقد ~~البيع والإجارة والهبة وغيرهما أو ما يكون تارة من واحد وتارة من اثنين ~~كعقد الوقف والوصية، فإنه في جميع هذه العقود متى اشترط العاقد شيئا مما ~~نهى الله عنه ورسوله كان شرطه باطلا. # وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~أنه قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " ~~والعقود المخالفة لما أمر الله به ورسوله هي من جنس دين الجاهلية وهي شعبة ~~من دين المشركين وأهل الكتاب الذين عقدوا عقودا أمروا فيها بما نهى الله ~~عنه ورسوله، ونهوا فيها عما أمر الله به ورسوله فهذا أصل عظيم يجب على كل ~~مسلم أن يتجنبه. # فصل: الفتى والفتوة والزعيم والحزب والدسكرة وما قالوه فيها: وأما لفظ ~~الفتى فمعناه في اللغة الحدث كقوله تعالى: " إنهم فتية آمنوا بربهم ". # وقوله تعالى: " قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ". # ومنه قوله تعالى: " وإذ قال موسى لفتاه " لكن لما كانت أخلاق الأحداث ~~اللين صار # PageV01P151 # كثير من الشيوخ يعبرون بلفظ الفتوة عن مكارم الأخلاق كقول بعضهم: طريقنا ~~نتفتى وليس بتقوى، وقول بعضهم: الفتوة أن تقرب من يقصيك وتكرم من يؤذيك، ~~وتحسن إلى من يسيء إليك، سماحة لا كظما، ومودة لا مضارة، قول بعضهم: الفتوة ~~ترك ما تهوى لما تخشى، وأمثال هذه الكلمات التي توصف فيها الفتوة بصفات ~~محمودة محبوبة سواء سميت فتوة أو لم تسم، وهي لم تستحق المدح في الكتاب ~~والسنة إلا لدخولها فيما حمده الله ورسوله من الأسماء كلفظ الإحسان والرحمة ~~والعفو والصفح والحلم وكظم الغيظ والبر والصدقة والزكاة والخير ونحو ذلك من ~~الأسماء الحسنة التي تتضمن هذه المعاني، فكل اسم علق الله به المدح والثواب ~~في الكتاب والسنة كان أهله ممدوحين، وكل اسم علق به الذم والعقاب في الكتاب ~~والسنة كان أهله مذمومين، كلفظ الكذب والخيانة والفجور والظلم والفاحشة ~~ونحو ذلك. # وأما لفظ الزعيم فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين ms126 قال تعالى: " ولمن ~~جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال: هو زعيم ~~فإن كان قد تكفل بخير كان محمودا على ذلك وإن كان شرا كان مذموما على ذلك. # وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزبا فإن كانوا ~~مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ~~ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن ~~دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على ~~الحق والباطل، فهذا من التفرق # PageV01P152 # الذي ذمه الله تعالى ورسوله فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ~~ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن ~~التعاون على الإثم والعدوان. # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " مثل المؤمنين ~~في توادهم وتراحمه وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر ~~الجسد بالحمى والسهر ". # وفي الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " المؤمن للمؤمن ~~كالبنيان يشد بعضه بعضا " وشبك بين أصابعه. # وفي الصحيح عنه أنه قال: " المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله ". # وفي الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما " قيل: يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: " تمنعه ~~من الظلم فذلك نصرك إياه ". # وفي الصحيح عنه أنه قال: " خمس تجب للمسلم على المسلم: يسلم عليه إذا ~~لقيه، ويعوده إذا مرض، ويشتمه إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه ويشيعه إذا مات ". # وفي الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " والذي نفسي بيده لا ~~يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". # فهذه الأحاديث وأمثالها فيها أمر الله ورسوله بما أمر به من حقوق ~~المؤمنين بعضهم على بعض. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~أنه قال: " لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد ~~الله أخوانا ms127 ". # وفي الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " إن الله يرضى لكم ~~ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وإن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا، وإن تناصحوا من ولاه الله أمركم ". # PageV01P153 # وفي السنن عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " ألا أنبئكم بأفضل من ~~درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ " قالوا: ~~بلى يا رسول الله، قال: " صلاح ذات البين، هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ~~ولكن تحلق الدين " فهذه الأمور مما نهى الله ورسوله عنها. # وأما لفظة الدسكرة فليست من الألفاظ التي لها أصل في الشريعة فيتعلق بها ~~حمد أو ذم ولكن هي في عرف الناس يعبر عنها عن المجامع كما في حديث هرقل أنه ~~جمع الروم في دسكرة، ويقال للمجتمعين على شرب الخمر أنهم في دسكرة، فلا ~~يتعلق بهذا اللفظ حمد ولا ذم، وهو إلى الذم أقرب لأن الغالب في عرف الناس ~~أنهم يسمون بذلك الاجتماع (1) على الفواحش والخمر والغناء. # والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على كل مسلم لكنه من فروض الكفايات ~~فإن قام من يسقط به الفرض من ولاة الأمر أو غيرهم والأوجب على غيرهم أن ~~يقوم من ذلك بما يقدر عليه. # فصل: مم خلق النبي صلى الله عليه وسلم وبم تتفاضل المخلوقات: والنبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم خلق مما يخلق منه البشر ولم يخلق أحد من البشر من نور ~~بل قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " إن الله ~~خلق الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم " ~~وليس تفضيل بعض المخلوقات على بعض PageV01P154 # باعتبار ما خلقت منه فقط بل قد يخلق المؤمن من كافر والكافر من مؤمن كابن ~~نوح منه وكإبراهيم من آزر، وآدم خلقه الله من طين فلما سواه ونفخ فيه من ~~روحه وأسجد له الملائكة وفضله عليهم بتعليمه أسماء كل شيء، وبأن خلقه ~~بيديه، وبغير ذلك، فهو وصالحوا ذريته أفضل من الملائكة وإن ms128 كان هؤلاء ~~مخلوقين من طين وهؤلاء من نور، وهذه مسألة كبيرة مبسوطة في غير هذا الموضع ~~فإن فضل بني آدم هو بأسباب يطول شرحها هنا وإنما يظهر فضلهم إذا دخلوا دار ~~القرار " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى ~~الدار " والآدمي خلق من نطفة ثم من مضغة ثم من علقة ثم انتقل من صغر إلى ~~كبر، ثم من دار إلى دار، فلا يظهر فضله وهو في ابتداء أحواله وإنما يظهر ~~فضله عند كمال أحواله، بخلاف الملك الذي تشابه أول أمره وآخره، ومن هنا غلط ~~من فضل الملائكة على الأنبياء حيث نظر إلى أحوال الأنبياء وهم في أثناء ~~الأحوال، قبل أن يصلوا إلى ما وعدوا به في الدار الآخرة من نهايات الكمال. # وقد ظهر فضل نبينا على الملائكة ليلة المعراج لما صار بمستوى يسمع فيه ~~صريف الأقلام، وعلا على مقامات الملائكة والله تعالى أظهر من عظيم قدرته ~~وعجيب حكمته من صالحي الآدميين من الأنبياء والأولياء ما لم يظهر مثله من ~~الملائكة حيث جمع فيهم ما تفرق في المخلوقات، فخلق بدنه من الأرض وروحه من ~~الملأ الأعلى، ولهذا يقال هو العالم الصغير وهو نسخة العالم الكبير ومحمد ~~سيد ولد آدم وأفضل الخلق وأكرمهم عليه ومن هنا قال من قال إن الله من أجله ~~العالم، أو إنه لولا هو لما خلق عرشا ولا كرسيا ولا سماء ولا أرضا ولا شمسا ~~ولا قمرا، لكن ليس هذا حديثا عن النبي صلى الله # PageV01P155 # تعالى عليه وسلم لا صحيحا ولا ضعيفا ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث ~~عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بل ولا يعرف عن الصحابة بل هو كلام لا ~~يدرى قائله، ويمكن أن يفسر بوجه صحيح كقوله: " سخر لكم ما في السموات وما ~~في الأرض وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة " وقوله (1) : " الله الذي خلق ~~السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم ~~الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار، وسخر ms129 لكم الشمس والقمر ~~دائبين وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا الله ~~لا تحصوها " وأمثال ذلك من الآيات التي يبين فيها أنه خلق المخلوقات لبني ~~آدم ومعلوم أن لله فيها حكما عظيمة غير ذلك وأعظم من ذلك، لكن يبين لبني ~~آدم ما فيها من المنفع وما أسبغ عليهم من النعمة، فإذا قيل فعل كذا لكذا لم ~~يقتض أن لا يكون فيه حكمة أخرى وكذلك قول القائل لولا كذا ما خلق كذا، لا ~~يقتضي أن لا يكون فيه حكم أخرى عظيمة، بل يقتضي إذا كان أفضل صالحي بني آدم ~~وأفضلهم محمد، وكانت خلقته غاية مطلوبة، وحكمة بالغة مقصودة من غيره، وصار ~~تمام الخلق، ونهاية الكمال به حصل لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم (2) ~~والله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وكان آخر الخلق يوم ~~الجمعة وفيه خلق آدم وهو آخر ما خلق، خلق يوم الجمعة بعد العصر في آخر يوم ~~الجمعة. وسيد ولد آدم هو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم آدم فمن دونه تحت ~~لوائه قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين ~~وإن آدم PageV01P156 # لمنجدل في طينته " أي كتبت نبوتي وأظهرت لما خلق آدم قبل نفخ الروح فيه ~~كما يكتب الله رزق العبد وأجله وعمله وشقي أو سعيد إذا خلق الجنين قبل نفخ ~~الروح فيه، فإذا كان الإنسان هو خاتم المخلوقات وآخرها هو الجامع لما فيها، ~~وفاضله هو فاضل المخلوقات مطلقا، ومحمد إنسان هذا العين، وقطب هذه الرحى، ~~وأقسام هذا الجمع كان كأنها غاية الغايات في المخلوقات، فما ينكر أن يقال ~~أنه لأجله حلقت جميعها، وإنه لولاه لما خلقت، فإذا فسر هذا الكلام ونحوه ~~بما يدل عليه الكتاب والسنة قبل ذلك. # وأما إذا حصل في ذلك غلو من جنس غلو النصارى بإشراك بعض المخلوقات في شيء ~~من الربوبية كان ذلك مردودا غير مقبول فقد صح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم ~~أنه قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ms130 بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا ~~عبد الله ورسوله " وقد قال تعالى: " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا ~~تقولوا على الله الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها ~~إلى مريم وروح منه، فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم، ~~إنما الله إله واحد " والله قد جعل له حقا لا يشركه فيه مخلوق فلا تصلح ~~العبادة إلا له، ولا الدعاء إلا له، ولا التوكل إلا عليه، ولا الرغبة إلا ~~إليه، ولا الرهبة إلا منه، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه، ولا يأتي ~~بالحسنات إلا هو، ولا يذهب السيئات إلا هو، ولا حول ولا قوة إلا به " ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، إن كل ~~من في السموات والأرض # PageV01P157 # إلا آتي الرحمن عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ~~". # وقال تعالى: " ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون " ~~فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده، وكذلك في قوله: " ~~ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا: حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون " فالإيتاء لله والرسول، وأما التوكل فعلى ~~الله وحده، والرغبة إلى الله وحده. # فصل: وأما المؤاخاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين ~~والأنصار لما قدم المدينة كما آخى بين سلمان الفارسي وبين أبي الدرداء، ~~وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة حتى ~~أنزل الله تعالى: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " فصاروا ~~يتوارثون بالقرابة وفي ذلك أنزل الله تعالى: " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم " وهذا هو المحالفة واختلف العلماء عل التوارث بمثل ذلك عند عدم ~~القرابة والولاء محكم أو منسوخ؟ على قولين: أحدهما أن ذلك منسوخ وهو مذهب ~~مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه ولما ثبت في صحيح مسلم عنه أنه ~~قال: " لا حلف في الإسلام وما كان من حلف ms131 في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلى ~~شدة ". # والثاني: أن ذلك محكم وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه. # وأما المؤاخاة بين المهاجرين كما يقال أنه آخى بين أبي بكر وعمر وأنه آخى ~~عليا ونحو ذلك فهذا كله باطل وإن كان بعض الناس ذكر أنه فعل # PageV01P158 # بمكة وبعضهم ذكر أنه فعل بالمدينة وذلك نقل ضعيف إما منقطع وإما بإسناد ~~ضعيف والذي في الصحيح هو ما تقدم ومن تدبر الأحاديث الصحيحة والسيرة ~~النبوية الثابتة تيقن أن ذلك كذب. # وأما عقد الأخوة بين الناس في زماننا فإن كان المقصود منها التزام الأخوة ~~الإيمانية التي أثبتها الله بين المؤمنين بقوله: " إنما المؤمنين أخوة " ~~وقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: " المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا ~~يظلمه " وقوله: " لا يبيع أحدكم على بيع أخيه، ولا يستام على سوم أخيه، ولا ~~يخطب على خطبة أخيه " وقوله: " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه " ونحو ذلك من الحقوق الإيمانية التي تجب ~~للمؤمن على المؤمن، فهذه الحقوق واجبة بنفس الإيمان، والتزامها بمنزلة ~~الصلاة والزكاة والصيام والحج، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ~~ورسوله، وهذه ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن، وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة، ~~وإن كان المقصود منها إثبات حكم خاص كما كان بين المهاجرين والأنصار، فهذه ~~فيها للعلماء قولان بناء على أن ذلك منسوخ أم لا، فمن قال: إنه منسوخ - ~~كمالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه - قال: إن ذلك غير مشروع. ومن قال إنه ~~لم ينسخ - كما قال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى - قال: إنه مشروع. # وأما الشروط التي يلتزمها كثير من الناس في السماع وغيره مثل أن يقول: ~~على المشاركة في الحسنات، وأينا خلص يوم القيامة خلص صاحبه ونحو ذلك، فهذه ~~كلها شروط باطلة فإن الأمر يومئذ لله، هو " يوم لا تملك # PageV01P159 # نفس لنفس شيئا " وكما قال تعالى: " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول ~~مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم، وما نرى ms132 معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم ~~فيكم شركاء، لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ". # وكذلك يشترطون شروطا من الأمور الدنيوية ولا يوفون بها وما أعلم أحدا ممن ~~دخل في هذه الشروط الزائدة على ما شرطه الله ورسوله وفى بها بل هو كلام ~~يقولونه عند غلبة الحال، لا حقيقة له في المال وأسعد الناس من قام بما ~~أوجبه الله ورسوله فضلا عن أن يوجب على نفسه زيادات على ذلك - وهذه المسائل ~~قد بسطت في غير هذا الموضع والله أعلم. # قاله أحمد بن تيمية الحراني. # PageV01P160 ### | كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى العارف بالله الشيخ نصر المنبجي # قال الراوي: كتاب كتبه الشيخ الإمام وحيد دهره، وفريد عصره، علامة زمانه ~~ناصر السنة مؤيد الشريعة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ~~الحراني فسح الله تعالى في مدته وأعاد علينا من بركته إلى الشيخ القدوة أبي ~~الفتح نصر المنبجي سنة أربع وسبعمائة. # بسم الله الرحمن الرحيم: من أحمد بن تيمية إلى الشيخ العارف القدوة ~~السالك الناسك أبي الفتح نصر، فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على ~~قلوب أوليائه، ونصره على شياطين الإنس والجن في جهره وإخفائه، ونهج به ~~الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته، وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين ~~خلقه وطاعته، وإرادته ومحبته، حتى يظهر للناس الفرق بين الكلمات الكونية ~~والكلمات الدينية، وبين المؤمنين الصادقين الصالحين، ومن تشبه بهم من ~~المنافقين، كما فرق الله بينهما في كتابه وسنته. # أما بعد فإن الله تعالى قد أنعم على الشيخ وأنعم به نعمة باطنة وظاهرة في ~~الدين والدنيا، وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا منزلة عليه، ومودة إليه لما منحه الله تعالى به من حسن المعرفة ~~والقصد، فإن العلم والإرادة، أصل لطريق الهدى # PageV01P161 # والعبادة وقد بعث الله محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بأكمل محبة في ~~أكمل معرفة، فأخرج بمحبة الله ورسوله هي أصل الأعمال، المحبة التي فيها ~~إشراك وإجمال، كما قال تعالى: " ومن الناس من يتخذ ms133 من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حبا لله " وقال تعالى: " قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال افترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ". # ولهذا كانت المحبة الإيمانية هي الموجبة للذوق الإيماني والوجد الديني ~~كما في الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ~~ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان في قلبه، من كان الله ورسوله أحب إليه ~~مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في ~~الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار " فجعل صلى الله ~~تعالى عليه وسلم وجود حلاوة الإيمان معلقا بمحبة الله ورسوله الفاضلة ~~وبالمحبة فيه في الله وبكراهة ضد الإيمان. # وفي صحيح مسلم عن العباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ~~ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا " فجعل ~~ذوق طعم الإيمان معلقا بالرضى بهذه الأصول كما جعل الوجد معلقا بالمحبة ~~ليفرق صلى الله تعالى عليه وسلم بين الذوق والوجد الذي هو أصل الأعمال ~~الظاهرة وثمرة الأعمال الباطنة، وبين ما أمر الله به ورسوله وبين غيره كما ~~قال سهل بن عبد الله التستري: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل، ~~إذ كان كل من أحب شيئا فله ذوق بحسب محبته # PageV01P162 # ولهذا طالب الله تعالى مدعي محبته بقوله: " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ". # قال الحسن البصري: ادعى قوم على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~أنهم يحبون الله فطالبهم بهذه الآية فجعل محبة العبد لله موجبة لمتابعة ~~رسوله، وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الرب عبده، وقد ذكرت نعت المحبين في ~~قوله: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم " فنعت المحبين ~~المحبوبين بوصف ms134 الكمال الذي نعت لله به رسوله الجامع بين معنى الجلال ~~والجمال المفرق في الملتين، قلنا وهو الشدة والعزة على أعداء الله، والذلة ~~والرحمة لأولياء الله ورسوله ولهذا يوجد كثير ممن له وجد وحب مجمل مطلق كما ~~قال فيه كبير من كبرائهم: مشرد عن الوطن، مبعد عن السكن، يبكي الطلول ~~والدمن، يهوى ولا يدري لمن. # فالشيخ أحسن الله إليه قد جعل فيه من النور والمعرفة الذي هو أصل المحبة ~~والإرادة ما تتميز به المحبة الإيمانية المحمدية المفصلة، عن المجملة ~~المشتركة، وكما يقع هذا الإجمال في المحبة يقع أيضا في التوحيد، قال الله ~~تعالى في أم الكتاب التي هي مفروضة على العبد وواجبة في كل صلاة أن يقول: " ~~إياك # PageV01P163 # نعبد وإياك نستعين " وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول: " قسمت ~~الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، فإذا ~~قال العبد " الحمد لله رب العالمين " قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: " ~~الرحمن الرحمين " قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: " مالك يوم الدين " ~~قال: مجدني عبدي، أو قال فوض إلي عبدي، وإذا قال: " إياك نعبد وإياك نستعين ~~" قال: فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: " اهدنا ~~الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " ~~قال: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل ". # ولهذا روي أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في القرآن ~~ومعاني القرآن في المفصل في أم الكتاب، ومعاني أم الكتاب في هاتين الكلمتين ~~" إياك نعبد وإياك نستعين " وهذا المعنى قد ثناه الله في مثل قوله: " ~~فاعبده وتوكل عليه " وفي مثل قوله: " عليه توكلت وإليه أنيب " وقوله: " ~~عليه توكلت وإليه متاب ". # وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في نسكه: " اللهم هذا منك ~~وإليك " فهو سبحانه مستحق التوحيد الذي هو دعاؤه وإخلاص الدين له دعاء ~~العباد بالمحبة والإنابة والطاعة والإجلال والإكرام والخشية والرجاء ونحو ~~ذلك من معاني تألهه وعبادته ودعاء المسألة والاستعانة بالتوكل عليه، ~~والالتجاء إليه، والسؤال ms135 له، ونحو ذلك مما يفعل سبحانه بمقتضى ربوبيته، وهو ~~سبحانه الأول والآخر والباطن والظاهر. # ولهذا جاءت الشريعة الكاملة في العبادة باسم الله وفي السؤال باسم الرب ~~فيقول المصلي والذاكر الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا ~~الله، وكلمات الآذان: الله أكبر الله أكبر إلى آخرها ونحو ذلك. # وفي السؤال: " ربنا ظلمنا أنفسنا - رب اغفر لي ولوالدي - رب بما أنعمت ~~علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين - رب ظلمت نفسي فاغفر لي "، " ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا، رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين " ~~ونحو ذلك، وكثير من المتوجهين السالكين يشهد # PageV01P164 # في سلوكه الربوبية والقيومية الكاملة الشاملة لكل مخلوق من الأعيان ~~والصفات، وهذه الأمور قائمة بكلمات الله الكونية التي كان النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم يستعيذ بها فيقول: " أعوذ بكلمات الله التامات التي لا ~~يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء وما ~~يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل ~~والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن " فيغيب ويفنى بهذا ~~التوحيد الرباني عما هو مأمور به أيضا ومطلوبه وهو محبوب الحق ومرضيه من ~~التوحيد الإلهي الذي هو عبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله، ~~والأمر بما أمر به، والنهي عما نهى عنه، والحب فيه، والبغض فيه، ومن أعرض ~~عن هذا التوحيد وأخذ بالأول فهو يشبه القدرية المشركية الذين قالوا " لو ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا " ومن أخذ بالثاني دون الأول فهو من القدرية ~~المجوسية الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال العباد ولا شاء جميع الكائنات ~~كما تقول المعتزلة والرافضة ويقع في كلام كثير من المتكلمة والمتفقهة، ~~والأول ذهب إليه طوائف من الإباحية المنحلين عن الأوامر والنواهي، وإنما ~~يستعملون ذلك عند أهوائهم وإلا فهو لا يستمر، وهو كثير في المتألهة ~~الخارجين عن الشريعة خفو العدو وغيرهم فإن لهم زهادات وعبادات فيها ما هو ~~غير مأمور ms136 به فيفيدهم أحوالا فيها ما هو فاسد يشبهون من بعض الوجوه الرهبان ~~وعباد البدود (1) . PageV01P165 # ولهذا قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه كثير من الرجال إذا دخلوا إلى ~~القضاء والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق ~~للحق، والولي من يكون منازعا للقدر لا من يكون موافقا له. وهذا الذي قاله ~~الشيخ تكلم به على لسان المحمدية (1) ، أي أن المسلم مأمور أن يفعل ما أمر ~~الله به، ويدفع ما نهى الله عنه، وإن كانت أسبابه قد قدرت، فيدفع الله بقدر ~~الله كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم: " إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض " ~~وفي الترمذي قيل: يا رسول الله؟ أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقي نسترقي بها ~~وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: " هن من قدر الله " (2) وإلى ~~هذين المعنيين أشار الحديث الذي رواه الطبراني أيضا عن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم أنه قال: " يقول الله يا ابن آدم إنما هي أربع: واحدة لي، ~~وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي. فأما التي لي: ~~فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، ~~وأما التي هي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين ~~خلقي فأت الناس بما تحب أن يؤتوه إليك ". # ثم إن التوحيد الجامع لتوحيد الألوهية والربوبية أو توحيد أحدهما للعبد ~~فيه ثلاث مقامات: أحدها مقاما الفرق والكثرة بإنعامه من كثرة المخلوقات ~~والمأمورات. # والثاني مقام الجمع والفناء بحيث يغيب بمشهوده PageV01P166 # عن شهوده، وبمعبوده عن عبادته، وبموحده عن توحيده، وبمذكوره عن ذكره، ~~وبمحبوبه عن حبه، فهذا فناء عن إدراك السوى وهو فناء القاصرين. # وأما الفناء الكامل المحمدي فهو الفناء عن عبادة السوى والاستعانة بالسوى ~~وإرادة وجه السوى، وهذا في الدرجة الثالثة وهو شهود التفرقة في الجمع، ~~والكثرة في الوحدة، فيشهد قيام الكائنات مع تفرقها بإقامة الله تعالى وحده ~~وربوبيته، ويرى أنه ms137 ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وأنه على كل شيء ~~وكيل، وأنه رب العالمين، وأن قلوب العباد ونواصيهم بيده، لا خالق غيره ~~ونافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع ولا حافظ ولا معز ولا مذل سواه، ويشهد ~~أيضا فعل المأمورات مع كثرتها وترك الشبهات (1) مع كثرتها لله وحده لا شريك ~~له. # وهذا هو الدين الجامع العام الذي اشترك فيه جميع الأنبياء والإسلام العام ~~والإيمان العام، وبه أنزلت السور المكية وإليه الإشارة بقوله تعالى: " شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه " وبقوله: " واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا: أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟ " وبقوله تعالى: " ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " ولهذا ترجم ~~البخاري عليه: " باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد ". # وقد قال تعالى: " إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون " فجمع في الملل الأربع: " من آمن بالله واليوم PageV01P167 # الآخر وعمل صالحا " وذلك قبل النسخ والتبديل وخص في أول الآية المؤمنين ~~وهو الإيمان الخاص الشرعي الذي قال فيه: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " ~~والشرعة هي الشريعة، والمنهاج هو الطريقة، والدين الجامع هو الحقيقة ~~الدينية، وتوحيد الربوبية، هو الحقيقة الكونية، فالحقيقة المقصودة الدينية ~~الموجودة الكونية متفق عليها بين الأنبياء والمرسلين. # فأما الشرعة والمنهاج الإسلاميان فهو لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ~~" خير أمة أخرجت للناس " وبها أنزلت السور المدنية إذ في المدينة النبوية ~~شرعت الشرائع وسنت السنن ونزلت الأحكام والفرائض والحدود فهذا التوحيد هو ~~الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وإليه تشير مشايخ الطريقة وعلماء الدين، ~~لكن بعض ذوي الأحوال قد يحصل له في حال الفناء القاصر سكر وغيبة عن السوى، ~~والسكر وجد بلا تمييز فقد يقول في تلك الحال سبحاني، أو ما في الجبة إلا ~~الله، أو ms138 نحو ذلك من الكلمات التي تؤثر عن أبي يزيد البسطامي أو غيره من ~~الأصحاء، وكلمات السكر أن تطوى ولا تروى ولا تؤدى إذا لم يكن سكره بسبب ~~محظور من عبادة أو وجه منهي عنه. # فأما إذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا، لا فرق في ذاك بين ~~السكر الجسماني والروحاني فسكر الأجسام بالطعام والشراب، وسكر النفوس ~~بالصور، وسكر الأرواح بالأصوات، وفي مثل هذا الحال غلط من غلط بدعوى ~~الاتحاد والحلول العيني في مثل دعوى النصارى في المسيح، ودعوى الغالية في ~~علي وأهل البيت، ودعوى قوم من الجهال # PageV01P168 # الغالية في مثل الحلاج أو الحاكم بمصر أو غيرهما، وربما اشتبه عليهم ~~الاتحاد النوعي الحكمي بالاتحاد العيني الذاتي. # فالأول كما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم قال: " يقول الله: عبدي! مرضت فلم تعدني فيقول: كيف أعودك وأنت ~~رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أنه مرض عبدي فلان فلو عدته لوجدتني عنده، ~~عبدي! جعت فلم تطعمني، فيقول: ربي كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما ~~علمت أن عبدي فلانا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي " ففسر ما تكلم به في ~~هذا الحديث أن جوع عبده ومحبوبه لقوله: " لوجدت ذلك عندي " ولم يقل لوجدتني ~~قد أكلته ولقوله: " لوجدتني عنده " ولم يقل لوجدتني إياه وذلك لأن المحب ~~يتفق هو ومحبوبه بحيث يرضى أحدهما بما يرضاه الآخر ويأمر بما يأمر به ويبغض ~~ما يبغضه ويكره ما يكرهه وينهى عما ينهى عنه. # وهؤلاء هم الذين يرضى الحق لرضاهم ويغضب لغضبهم، والكامل المطلق في هؤلاء ~~محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولهذا قال تعالى فيه: " إن الذين يبايعونك ~~إنما يبايعون الله " وقال: " والله ورسوله أحق أن يرضوه " وقال: " من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله ". # وقد جاء في الإنجيل الذي بأيدي النصارى كلمات مجملة إن صح أن المسيح ~~قالها فهذا معناها كقوله: أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي. ونحو ذلك ~~وبها ضلت النصارى حيث اتبعوا المتشابه كما ذكر الله عنهم ms139 في القرآن لما قدم ~~وفد نجران على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وناظروه في المسيح. # وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة # PageV01P169 # قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من عادى لي وليا فقد ~~بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ~~وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي ~~يبصر وبي يبطش وبي يمشي " فأخبر في هذا الحديث أن الحق سبحانه إذا تقرب ~~إليه العبد بالنوافل المستحبة التي يحبها الله بعد الفرائض أحبه الحق على ~~هذا الوجه. وقد غلط من زعم أن هذا قرب النوافل وإن قرب الفرائض أن يكون هو ~~إياه فإن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة فهذا القرب يجمع الفرائض ~~والنوافل، فهذه المعاني وما يشبهها هي أصول مذهب أهل الطريقة الإسلامية ~~أتباع الأنبياء والمرسلين. # وقد بلغني أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب الاتحادية وكنت قد ~~كتبت إلى خدمتكم كتابا اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه إشارة لطيفة إلى ~~حال هؤلاء ولم يكن القصد به والله واحدا بعينه وإنما الشيخ هو مجمع ~~المؤمنين فعلينا أن نعينه في الدين والدنيا بما هو اللائق به، وأما هؤلاء ~~الاتحادية فقد أرسل إلى الداعي من طلب كشف حقيقة أمرهم وقد كتبت في ذلك ~~كتابا ربما يرسل إلى الشيخ وقد كتب سيدنا الشيخ عماد الدين في ذلك رسائل ~~والله تعالى يعلم وكفى به عليما لولا أني أرى دفع ضرر هؤلاء عن أهل طريق ~~الله تعالى السالكين إليه من أعظم الواجبات - وهو شبيه بدفع التتار عن ~~المؤمنين - لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجة إلى أن تكشف أسرار الطريق ~~وتهتك أستارها ولكن # PageV01P170 # الشيخ أحسن الله تعالى إليه يعلم أن المقصود الدعوة النبوية بل المقصود ~~بخلق الخلق وإنزال الكتب وإرسال الرسل أن يكون الدين كله لله هو ms140 دعوة ~~الخلائق إلى خالقهم بما قال تعالى: " إنا أرسلنا شاهدا ومبشرا ونذيرا، ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا " وقال سبحانه: " قل هذه سبلي أدعو إلى ~~الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ". # وقال تعالى: " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في ~~السموات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور " وهؤلاء موهوا على ~~السالكين التوحيد الذي أنزل الله تعالى به الكتب، وبعث به الرسل بالاتحاد ~~الذي سموه توحيدا وحقيقته تعطيل الصانع وجحود الخالق، وإنما كنت قديما ممن ~~يحسن الظن بابن عربي ويعظمه لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير ~~من الفتوحات والكنة والمحكم المربوط والدرة الفاخرة ومطالع النجوم ونحو ذلك ~~ولم نكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده ولم نطالع الفصوص ونحوه وكنا نجتمع مع ~~إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه ونكشف حقيقة الطريق فلما تبين الأمر ~~عرفنا نحن ما يجب علينا فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون وسألوا عن حقيقة ~~الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء وجب البيان، وكذلك كتب ~~إلينا من أطراف الشام رجال سالكون أهل صدق وطلب أن أذكر النكت الجامعة ~~لحقيقة مقصودهم والشيخ أيده الله تعالى بنور قلبه وذكاء نفسه وحق قصده من ~~نصحه للإسلام وأهله ولإخوانه السالكين يفعل في ذلك ما يرجو به رضوان الله ~~سبحانه ومغفرته في الدنيا والآخرة. هؤلاء الذين تكلموا في هذا الأمر لم ~~يعرف لهم خبر من حين ظهرت # PageV01P171 # دولة التتار وإلا فكان الاتحاد القديم هو الاتحاد المعين وذلك أن القسمة ~~رباعية فإن كل واحد من الاتحاد والحلول إما معين في شخص وإما مطلق، أما ~~الاتحاد والحلول المعين كقول النصارى والغالية في الأئمة من الرافضة وفي ~~المشايخ من جهال الفقراء والصوفية فإنهم يقولون به في معنى إما بالاتحاد ~~كاتحاد الماء واللبن وهو قول اليعقوبية وهم السودان ومن الحبشة والقبط، ~~وإما بالحلول وهو قول النسطورية، وإما بالاتحاد من وجه دون وجه وهو قول ~~الملكانية. # وأما الحلول المطلق: وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء ms141 فهذا تحكيه ~~أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانوا يكفرون بذلك. # وأما ما جاء به هؤلاء من الاتحاد العام فما علمت أحدا سبقهم إليه إلا من ~~أنكر وجود الصانع مثل فرعون والقرامطة، وذلك أن حقيقة أمرهم أنهم يرون أن ~~عين وجود الحق هو عين وجود الخلق، وإن وجود ذات الله خالق السموات والأرض ~~هي نفس وجود المخلوقات فلا يتصور عندهم أن يكون الله تعالى خلق غيره ولا ~~أنه رب العالمين ولا أنه غني وما سواه فقير، لكن تفرقوا على ثلاثة طرق ~~وأكثر من ينظر في كلامهم لا يفهم حقيقة أمرهم لأنه أمر مبهم: الأول أن ~~يقولوا إن الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم ذاتها أبدية أزلية حتى ذوات ~~الحيوان والنبات والمعادن والحركات والسكنات وأن وجود الحق فاض على تلك ~~الذوات فوجودها وجود الحق وذواتها ليست ذوات الحق، ويفرقون بين الوجود ~~والثبوت فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك، ويقولون إن الله سبحانه لم ~~يعط أحدا شيئا ولا # PageV01P172 # أغنى أحدا ولا أسعده ولا أشقاه وإنما وجوده فاض على الذوات فلا تحمد إلا ~~نفسك ولا تذم إلا نفسك، ويقولون إن هذا هو سر القدر وإن الله تعالى إنما ~~علم الأشياء من جهة رؤيته لها ثابتة في العدم خارجا عن نفسه المقدسة، ~~ويقولون إن الله تعالى لا يقدر أن يغير ذرة من العالم، وإنهم قد يعلمون ~~الأشياء من حيث علمها سبحانه فيكون علمهم وعلم الله تعالى من معدن واحد، ~~وإنهم يكونون أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه لأنهم يأخذون من المعدن ~~الذي أخذ منه الملك الذي يوحى به الرسل، ويقولون إنهم لم يعبدوا غير الله ~~ولا يتصور أن يعبدوا غير الله تعالى، وإن عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله ~~سبحانه، وإن قوله تعالى: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " معنى حكم لا ~~معنى أمر فما عبد غير الله في كل معبود فإن الله تعالى ما قضى بشيء إلا ~~وقع، ويقولون إن الدعوة إلى الله تعالى المكر بالمدعو فإنه ما عدم ms142 من ~~البداية، فيدعى إلى الغاية، وإن قوم نوح قالوا: " لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ~~ودا ولا سواعا " لأنهم لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منهم، لأن ~~الحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه وينكره من أنكره وإن التفريق والكثرة ~~كالأعضاء في الصورة المحسوسة، كالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، وإن ~~العارف منهم يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد، فإن الجاهل يقول هذا حجر ~~وشجر، والعارف يقول هذا محل إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر، فإن النصارى إنما ~~كفروا لأنهم خصصوا، وإن عباد الأصنام ما أخطأوا إلا من حيث اقتصارهم على ~~عبادة بعض المظاهر، والعارف يعبد كل شيء، والله يعبد أيضا كل شيء لأن ~~الأشياء غذاؤه بالأسماء والأحكام وهو غذاؤها بالوجود، وهو فقير إليها وهي ~~فقيرة إليه، # PageV01P173 # وهو خليل كل شيء بهذا المعنى ويجعلون أسماء الله الحسنى وهي مجرد نسبة ~~وإضافة بين الوجود والثبوت وليست أمورا عدمية، ويقولون: من أسمائه الحسنى ~~العلي عن ماذا وما ثم إلا هو؟ وعلى ماذا وما ثم غيره؟ فالمسمى محدثات وهي ~~العلية لذاتها وليست إلا هو، وما نكح سوى نفسه، وما ذبح سوى نفسه، والمتكلم ~~هو عين المستمع. وإن موسى إنما عتب على هارون حيث نهاهم عن عبادة العجل ~~لضيقه وعدم اتساعه، وإن موسى كان أوسع في العلم فعلم أنهم لم يعبدوا إلا ~~الله، وإن أعلى ما عبد الهوى، وإن كل من اتخذ إلهه هواه فما عبد إلا الله، ~~وفرعون كان عندهم من أعظم العارفين وقد صدقه السحرة في قوله أنا ربكم ~~الأعلى، وفي قوله: ما علمت لكم من إله غيري، وكنت أخاطب بكشف أمرهم لبعض ~~الفضلاء الضالين وأقول إن حقيقة أمرهم هو حقيقة قول فرعون المنكر لوجود ~~الخالق الصانع حتى حدثني بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون ويقولون نحن ~~على قول فرعون (1) ، وهذه المعاني كلها هي قول صاحب الفصوص والله تعالى ~~أعلم بما مات الرجل عليه، والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين ~~والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات " ربنا اغفر لنا ولإخواننا ms143 الذي سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ". # والمقصود أن حقيقة ما تضمنه كتاب الفصوص المضاف إلى النبي PageV01P174 # صلى الله تعالى عليه وسلم أنه جاء به وهو ما إذا فهم المسلم بالاضطرار ~~(1) أن جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الأولياء والصالحين بل جميع عوام أهل ~~الملل من اليهود والنصارى والصابئين يبرؤون إلى الله تعالى من بعض هذا ~~القول فكيف منه كله، ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب ~~يعترفون بوجود الصانع الخالق البارئ المصور - الذي خلق السموات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور - ربهم ورب آبائهم الأولين - رب المشرق والمغرب. ولا يقول ~~أحد منهم أنه عين المخلوقات، ولا نفس المصنوعات، كما يقوله هؤلاء، حتى أنهم ~~يقولون لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله، وهذا مركب من أصلين: ~~أحدهما أن المعدوم شيء ثابت في العدم كما يقوله كثير من المعتزلة والرافضة ~~وهو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب والسنة والإجماع وكثير من متكلمة أهل ~~الإثبات كالقاضي أبي بكر: كفر من يقول بهذا وإنما غلط هؤلاء من حيث لم ~~يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها وإنها مثبتة عنده في أم الكتاب في ~~اللوح المحفوظ وبين ثبوتها في الخارج عن ظلم الله تعالى فإن مذهب المسلمين ~~أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير ~~الخلائق قبل أن يخلقها فيفرقون بين الوجود العلمي وبين الوجود العيني ~~الخارجي ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة ~~PageV01P175 # " اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي ~~علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم " فذكر المراتب الأربع وهي الوجود ~~العيني الذي خلقه، والوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي، وبين أن ~~الله تعالى علمه، ولهذا ذكر أن التعليم بالقلم، فإنه مستلزم للمراتب ~~الثلاثة وهذا القول - أعني قول من يقول: إن المعدوم شيء ثابت في نفسه خارج ~~عن علم الله تعالى - وإن كان باطلا ودلالته واضحة لكنه قد ابتدع في الإسلام ms144 ~~من نحو أربعمائة سنة، وابن العربي وافق أصحابه به وهو أحد أصلي مذهبه الذي ~~في الفصوص. # والأصل الثاني: أن وجود المحدثات المخلوقات هو عين وجود الخالق ليس غيره ~~ولا سواه، وهذا هو الذي ابتدعه وانفرد به عن جميع من تقدمه من المشايخ ~~والعلماء، وهو قول بقية الاتحادية، لكن ابن العربي أقربهم إلى الإسلام ~~وأحسن كلاما في مواضع كثيرة، فإنه يفرق بين الظاهر والمظاهر فيقر الأمر ~~والنهي والشرائع على ما هي عليه، ويأمر بالسلوك بكثير مما أمر به المشايخ ~~من الأخلاق والعبادات، ولهذا كثير من العباد يأخذون من كلامه سلوكهم ~~فينتفعون بذلك وإن كانوا لا يفقهون حقائقه، ومن فهمها منهم ووافقه فقد تبين ~~قوله. # وأما صاحبه الصدر الرومي فإنه كان متفلسفا فهو أبعد عن الشريعة والإسلام، ~~ولهذا كان الفاجر التلمساني الملقب بالعفيف يقول: كان شيخي القديم متروحنا ~~متفلسفا والآخر يقول متفلسفا متروحنا - يعني الصدر الرومي - فإنه كان قد ~~أخذ عنه ولم يدرك ابن عربي في كتاب مفتاح غيب الجمع # PageV01P176 # والوجود (1) وغيره يقول: إن الله تعالى هو الوجود المطلق والمعين كما ~~يفرق بين الحيوان المطلق والحيوان المعين والجسم المطلق والجسم المعين، ~~والمطلق لا يوجد إلا في الخارج مطلقا لا يوجد المطلق إلا في الأعيان ~~الخارجة. فحقيقة قوله أنه ليس لله سبحانه وجود أصلا ولا حقيقة ولا ثبوت إلا ~~نفس الوجود القائم بالمخلوقات، ولهذا يقول هو وشيخه أن الله تعالى لا يرى ~~أصلا، وأنه ليس له في الحقيقة اسم ولا صفة، ويصرحون بأن ذات الكلب والخنزير ~~والبول والعذرة عين وجوده - تعالى الله عما يقولون. # وأما الفاجر التلمساني فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر فإنه لا يفرق بين ~~الوجود والثبوت كما يفرق ابن عربي، ولا يفرق بين المطلق والمعين كما يفرق ~~الرومي، ولكن عنده ما ثم غير ولا سوى بوجه من الوجوه، وإن العبد إنما يشهد ~~السوى ما دام محجوبا فإذا انكشف حجابه رأى أنه ما ثم غير يبين له الأمر، ~~ولهذا كان يستحل جميع المحرمات حتى حكى عنه الثقات أنه كان يقول البنت ms145 ~~والأم والأجنبية شيء واحد ليس في ذلك حرام علينا وإنما هؤلاء المحجوبون ~~قالوا حرام فقلنا حرام عليكم، وكان يقول القرآن كله شرك ليس فيه توحيد ~~وإنما التوحيد في كلامنا، وكان يقول: أنا ما أمسك شريعة واحدة، وإذا أحسن ~~القول يقول القرآن يوصل إلى الجنة، وكلامنا يوصل إلى الله تعالى، وشرح ~~الأسماء الحسنى على هذا الأصل الذي له، وله ديوان شعر قد صنع فيه أشياء ~~وشعره في صناعة الشعر جيد ولكنه PageV01P177 # كما قيل: لحم خنزير في طبق صيني، وصنف للنصيرية عقيدة، وحقيقة أمرهم أن ~~الحق بمنزلة البحر وأجزاء الموجودات بمنزلة أمواجه. # وأما ابن سبعين فإنه في البدو والإحاطة يقول أيضا بوحدة الوجود وأنه ما ~~ثم غير، وكذلك ابن الفارض في آخر نظم السلوك لكن لم يصرح هل يقول بمثل قول ~~التلمساني أو قول الرومي أو قول ابن العربي وهو إلى كلام التلمساني أقرب، ~~لكن ما رأيت فيهم من كفر هذا الكفر الذي ما كفره أحد قط مثل التلمساني وآخر ~~يقال له البلباني من مشايخ شيراز ومن شعره: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه عينه # وأيضا: # وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هذا السر من هو ذائقه # وأيضا: # وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ... لأني في التحقيق لست سواكم # وأيضا: # ما بال عيسك لا يقر قرارها ... وإلام ظلك لا يني متنقلا # فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغت المنزلا # وأيضا: # ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من حمد ولا ذم # وإنما العادة قد خصصت ... والطبع والشارع في الحكم # وأيضا: # يا عاذلي أنت تنهاني وتأمرني ... والوجد أصدق نهاء وأمار # فإن أطعك وأعص الوجد عدت عمي ... عن العيان إلى أوهام أخبار # PageV01P178 # فعين ما أنت تدعوني إليه إذا ... حققته تره المنهي يا جاري # وأيضا: # وما البحر إلا الموج لا شيء غيره ... وإن فرقته كثرة المتعدد # إلى أمثال هذه الأشعار، وفي النثر ما لا يحصى، ويوهمون الجهال أنهم مشايخ ~~الإسلام وأئمة الهدى الذين جعل الله تعالى لهم لسان ms146 صدق في الأمة مثل سعيد ~~بن المسيب والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس والأوزاعي ~~وإبراهيم بن أدهم وسفيان الثوري والفضيل ابن عياض ومعروف الكرخي والشافعي ~~وأبي سليمان وأحمد بن حنبل وبشر الحافي وعبد الله ابن المبارك وشقيق البلخي ~~ومن لا يحصى كثرة - إلى مثل المتأخرين مثل الجنيد بن محمد القواريري وسهل ~~بن عبد الله التستري وعمر بن عثمان المكي ومن بعدهم - إلى أبي طالب المكي ~~إلى مثل الشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ عدي والشيخ أبي البيان والشيخ ~~أبي مدين والشيخ عقيل والشيخ أبي الوفاء والشيخ رسلان والشيخ عبد الرحيم ~~والشيخ عبد الله اليونيني والشيخ القرشي وأمثال هؤلاء المشايخ الذين كانوا ~~بالحجاز والشام والعراق ومصر والمغرب وخراسان من الأولين والآخرين. # كل هؤلاء متفقون على تكفير هؤلاء ومن هو أرجح منهم وإن الله سبحانه ليس ~~هو خلقه ولا جزءا من خلقه ولا صفة لخلقه بل هو سبحانه وتعالى مميز بنفسه ~~المقدسة، بائن بذاته المعظمة عن مخلوقاته، وبذلك جاءت الكتب الأربعة ~~الإلهية من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وعليه فطر الله تعالى عباده ~~وعلى ذلك دلت العقول. # وكثيرا ما كنت أظن أن ظهور مثل هؤلاء أكبر أسباب ظهور التتار # PageV01P179 # واندراس شريعة الإسلام وإن هؤلاء مقدمة الدجال الأعور الكذاب الذي يزعم ~~أنه هو الله فإن هؤلاء عندهم كل شيء هو الله ولكن بعض الأشياء أكبر من بعض ~~وأعظم، وأما على رأي صاحب الفصوص فإن بعض المظاهر والمستجليات يكون أعظم ~~لعظم ذاته الثابتة في العدم، وأما على رأي الرومي فإن بعض المتعينات يكون ~~أكبر، فإن بعض جزئيات الكلي أكبر من بعض، وأما على البقية فالكل أجزاء منه، ~~وبعض الجزء أكبر من بعض، فالدجال عند هؤلاء مثل فرعون من كبار العارفين ~~وأكبر الرسل بعد نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وإبراهيم وموسى وعيسى ~~عليهم السلام فموسى قاتل فرعون الذي يدعي الربوبية، ويسلط الله تعالى مسيح ~~الهدى الذي قيل فيه إنه الله تعالى وهو برئ من ذلك على مسيح الضلالة الذي ~~قال إنه الله. ms147 # ولهذا كان بعض الناس يعجب من كون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: " ~~إنه أعور (1) " وكونه قال: " واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت " ~~وابن الخطيب أنكر أن يكون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال هذا لأن ظهور ~~دلائل الحدوث والنقص على الدجال أبين من أن يستدل عليه بأنه أعور فلما ~~رأينا حقيقة قول هؤلاء الاتحادية وتدبرنا ما وقعت فيه النصارى والحلولية ~~ظهر سبب دلالة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأمته بهذه العلامة فإنه بعث ~~رحمة لعالمين فإذا كان كثير من الخلق يجوز ظهور PageV01P180 # الرب في البشر أو يقول إنه هو البشر كان الاستدلال على ذلك بالعور دليلا ~~على انتفاء الإلهية عنه. # وقد خاطبني قديما شخص من خيار أصحابنا كان يميل إلى الاتحاد ثم تاب منه ~~وذكر هذا الحديث فبينت له وجهه وجاء إلينا شخص كان يقول إنه خاتم الأولياء ~~فزعم أن الحلاج لما قال أنا الحق كان الله تعالى هو المتكلم على لسانه كما ~~يتكلم الجني على لسان المصروع وأن الصحابة لما سمعوا كلام الله تعالى من ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان من هذا الباب. فبينت له فساد هذا وإنه ~~لو كان كذلك كان الصحابة بمنزلة موسى بن عمران وكان من خاطبه هؤلاء أعظم من ~~موسى لأن موسى سمع الكلام الإلهي من الشجرة وهؤلاء يسمعون من الجن الناطق، ~~وهذا يقوله قوم من الاتحادية لكن أكثرهم لا يفرقون بين الاتحاد العام ~~المطلق الذي يذهب إليه الفاجر التلمساني وذووه وبين الاتحاد المعين الذي ~~يذهب إليه النصارى والغالية، وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة يرون كفر ~~الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله ابن المبارك والبخاري وغيرهما ~~وإنما كانوا يلوحون تلويحا وقل إن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان. # وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية ولكن السلف ~~والأئمة أعلم بالإسلام وبحقائقه فإن كثيرا من الناس قد لا يفهم تغليظهم في ~~ذم المقالة حتى يتدبرها ويرزق نور الهدى فلما اطلع السلف ms148 على سر القول ~~نفروا منه، وهذا كما قال بعض الناس: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا ومتعبدة ~~الجهمية كل شيء، وذلك لأن متكلمهم ليس في قلبه # PageV01P181 # تأله ولا تعبد فهو يصف ربه بصفات العدم والموات. # وأما المتعبد ففي قلبه تأله وتعبد والقلب لا يقصد إلا موجودا لا معدوما ~~فيحتاج أن يعبد المخلوقات إما الوجود المطلق وإما بعض المظاهر كالشمس ~~والقمر والبشر والأوثان وغير ذلك، فإن قول الاتحادية يجمع كل شرك في ~~العالم، وهم لا يوحدون الله سبحانه وتعالى وإنما يوحدون القدر المشترك بينه ~~وبين المخلوقات، فهم بربهم يعدلون، ولهذا حدث الثقة أن ابن سبعين كان يريد ~~الذهاب إلى الهند وقال إن أرض الإسلام لا تسعه، لأن الهند مشركون يعبدون كل ~~شيء حتى النبات والحيوان. # وهذا حقيقة قول الاتحادية وأعرف ناسا لهم اشتغال بالفلسفة والكلام وقد ~~تألهوا على طريق هؤلاء الاتحادية فإذا أخذوا يصفون الرب سبحانه بالكلام ~~قالوا: ليس بكذا ليس بكذا ووصفوه بأنه ليس هو رب المخلوقات كما يقوله ~~المسلمون، لكن يجحدون صفات الخالق التي جاءت بها الرسل عليهم السلام وإذا ~~صار لأحدهم ذوق ووجد تأله وسلك طريق الاتحادية وقال إنه هو الموجودات كلها ~~فإذا قيل له أين ذلك النفي من هذا الإثبات؟ قال: ذلك جدي، وهذا ذوقي فيقال ~~لهذا الضال: كل ذوق ووجد لا يطابق لاعتقاد فأحدهما أو كلاهما باطل وإنما ~~الأذواق والمواجيد نتائج المعارف والاعتقادات فإن علم القلب حاله متلازمان ~~فعلى قدر العلم والمعرفة يكون الوجد والمحبة والحال، ولو سلك هؤلاء طريق ~~الأنبياء والمرسلين عليهم السلام الذين أمروا بعبادة الله تعالى وحده لا ~~شريك له ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله، واتبعوا طريق السابقين ~~الأولين، لسلكوا طريق الهدى ووجدوا برد اليقين وقرة العين فإن الأمر كما ~~قال بعض الناس إن الرسل # PageV01P182 # جاؤوا بإثبات مفصل، ونفي مجمل، والصابئة المعطلة جاؤوا بنفي مفصل وإثبات ~~مجمل، فالقرآن مملوء من قوله تعالى في الإثبات: " إن الله بكل شيء عليم، ~~وعلى كل شيء قدير، وإنه سميع بصير، وسع كل شيء رحمة ms149 وعلما " وفي النفي " ~~ليس كمثله شيء - ولم يكن له كفوا أحد - هل تعلم له سميا سبحان ربك رب العزة ~~عما يصفون وسلام على المرسلين ". # وهذا الكتاب مع أني قد أطلت فيه الكلام على الشيخ أيده الله تعالى ~~بالإسلام، ونفع المسلمين ببركة أنفاسه وحسن مقاصده ونور قلبه فإن ما فيه ~~نكت مختصرة، فلا يمكن شرح هذه الأشياء في كتاب، ولكن ذكرت للشيخ أحسن الله ~~تعالى إليه ما اقتضى الحال أن أذكره - وحامل الكتاب مستوفز عجلان، وأنا ~~أسأل الله العظيم أن يصلح أمر المسلمين عامتهم وخاصتهم، ويهديهم إلى ما ~~يقربهم، وأن يجعل الشيخ من دعاة الخير الذين قال الله سبحانه فيهم: " ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون ". انتهى. # PageV01P183 ### | مسألة صفات الله تعالى وعلوه على خلقه بين النفي والإثبات # PageV01P185 # بسم الله الرحمن الرحيم # السؤال: ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين، في رجلين تباحثا في مسألة ~~الإثبات للصفات والجزم بإثبات العلو، فقال أحدهما يجب على أحد معرفة هذا، ~~ولا البحث عنه، ويعتقد أن الله واحد في ملكه، وهو رب كل شيء وخالقه ومليكه، ~~ومن تكلم في شيء من هذا فهو مجسم حشوي، فهل هذا القائل لهذا الكلام مصيب أم ~~مخطئ؟ فإذا كان مخطئا فما الدليل على أنه يجب على الناس أن يعتقدوا إثبات ~~الصفات والعلو ويعرفوه؟ وما معنى التجسيم والحشو؟ أفتونا وابسطوا القول في ~~هذا مأجورين إن شاء الله تعالى. # الجواب: الحمد لله رب العالمين يجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فما جاء به القرآن أو السنة المعلومة وجب على الخلق ~~الإقرار به جملة، وتفصيلا عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمنا حتى ~~يقر بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا ~~الله، وأن محمدا رسول الله، فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر # PageV01P186 # به عن الله، فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة، إذ الكاذب ليس برسول فيما ~~يكذبه، وقد قال ms150 الله تعالى: " ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه ~~باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين ". # وفي الجملة فهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام لا يحتاج إلى تقريره هنا ~~وهو الإقرار بما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما جاء به من القرآن ~~والسنة كما قال تعالى: " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ". # وقال تعالى: " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة " وقال تعالى: " واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل ~~الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ". # وقال تعالى: " وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ". # وقال تعالى: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ". # وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ". # ومما جاء به الرسول رضاه عن السابقين الأولين، وعن من اتبعهم بإحسان إلى ~~يوم الدين، كما قال: " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ". # وما جاء به الرسول إخباره بأنه تعالى قد أكمل الدين بقوله: " اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " ومما جاء به الرسول ~~أمر الله له بالبلاغ المبين كما قال تعالى: " وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين ". # وقال تعالى: " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ". # وقال # PageV01P187 # تعالى: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس ". # ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئا، فإن كتمان ما ~~أنزله الله إليه يناقض موجب الرسالة كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة، ومن ~~المعلوم في دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من الرسالة كما أنه ~~معصوم من الكذب فيها، والأمة تشهد له بأنه بلغ الرسالة كما ms151 أمره الله، وبين ~~ما أنزل إليه من ربه، وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين، وإنما كمل بما ~~بلغه إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه الله ~~لعباده كما قال صلى الله عليه وسلم: " تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا ~~يزيغ عنها بعدي إلا هالك " وقال: " ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا ~~وقد حدثتكم به، وما من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به ". # وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب ~~جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما. # فإذا تبين هذا فقد صح ووجب على كل مسلم تصديقه فيما أخبر به عن الله ~~تعالى من أسماء وصفاته مما جاء في القرآن وفي السنة الثابتة عنه كما كان ~~عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان الذي ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه فإن هؤلاء الذين تلقوا عنه القرآن والسنة وكانوا ~~يتلقون عنه ما في ذلك من العلم والعمل كما قال أبو عبد الرحمن السلمي لقد ~~حدثنا الذين كانوا يقرؤننا القرآن كعثمان بن عفان وغيره أنهم كانوا إذا ~~تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما ~~فيها من العلم والعمل، قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل # PageV01P188 # جميعا، وقد قام عبد الله بن عمر وهو من أصاغر الصحابة في تعلم البقرة ~~ثماني سنين وإنما ذلك لأجل الفهم والمعرفة وهذا معلوم من وجوه: أحدها: أن ~~العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم توجب اعتناءهم بالقرآن المنزل ~~عليهم لفظا ومعنى، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد، فإنه قد علم أنه من ~~قرأ في الطب أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ذلك فإنه لا بد أن يكون ~~راغبا في فهمه وتصور معانيه، فكيف من قرأ كتاب الله تعالى المنزل إليهم ~~الذي به هداهم الله وبه عرفهم الحق والباطل والخير والشر والهدى والضلال ~~والرشاد والغي؟ فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور ms152 معانيه أعظم الرغبات ~~بل إذا سمع المتعلم من العالم حديثا فإنه يرغب في فهمه فكيف بمن يسمعون ~~كلام الله من المبلغ عنه، بل ومن المعلوم أن رغبة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في تعرفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعرفهم حروفه، فإن معرفة ~~الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود إذا اللفظ إنما يراد للمعنى. # الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى قد حضهم على تدبره وتعقله وإتباعه ~~في غير موضع كما قال تعالى: " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ". # وقال تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ". # وقال تعالى: " أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ". # وقال تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا " فإذا كان قد حض الكفار والمنافقين على تدبره علم أن معانيه ~~مما يمكن الكفار والمنافقين على تدبره (1) وعلم أن معانيه مما يمكن فهمها ~~ومعرفتها PageV01P189 # فكيف لا يكون ذلك للمؤمنين، وهذا يتبين أن معانيه كانت معروفة بينة لهم. # الوجه الثالث: أنه قال تعالى: " إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ". ~~وقال تعالى: " إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون " فبين أنه أنزله عربيا ~~لأن يعقلوا، والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه. # الوجه الرابع: أنه ذم من لا يفقهه فقال تعالى: " وإذا قرأت القرآن جعلنا ~~بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا، وجعلنا على قلوبهم أكنة ~~أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ". وقال تعالى: " فما لهؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون حديثا " فلو كان المؤمنون لا يفقهونه أيضا لكانوا مشاركين للكفار ~~والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى به. # الوجه الخامس: أنه ذم من لم يكن حظه من السماع إلا سماع الصوت دون فهم ~~المعنى وإتباعه فقال تعالى: " ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ~~إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ". # وقال تعالى: " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟ إن هم إلا كالأنعام ~~بل هم أضل سبيلا " وقال تعالى: " ومنهم من يستمع إليك حتى إذا ms153 خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا؟ أولئك الذين طبع الله على ~~قلوبهم واتبعوا أهواءهم " وأمثال ذلك. وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ولم يفهموا وقالوا: ماذا قالوا آنفا؟ أي الساعة، وهذا ~~كلام من لم يفقه. # قال تعالى: " أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم " فمن جعل ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان غير عالمين ~~بمعاني القرآن جعلهم بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى عليه. # PageV01P190 # الوجه السادس: أن الصحابة رضي الله عنهم قرؤوا للتابعين القرآن كما قال ~~مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أقف عند كل آية منه ~~وأسأله عنها، ولهذا قال سفيان الثوري وإذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، ~~وكان ابن مسعود وابن عباس نقلوا عنه (1) من التفسير ما لا يحصيه إلا الله، ~~والتقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها. # أسباب الاختلاف في التفسير المأثور: فإن قال قائل قد اختلفوا في تفسير ~~القرآن اختلافا كثيرا ولو كان ذلك معلوما عندهم عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ولم يختلفوا فيقال الاختلاف الثابت عن الصحابة بل وعن أئمة التابعين ~~في القرآن أكثره لا يخرج عن وجوه: أحدها: أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم ~~بعبارة غير عبارة صاحبه فالمسمى واحد وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه ~~الاسم الأخر مع أن كلاهما حق بمنزلة تسمية الله تعالى بأسمائه الحسنى ~~وتسمية الرسول صلى الله عليه وسلم بأسمائه وتسمية القرآن العزيز بأسمائه ~~فقال تعالى: " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى " فإذا قيل الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام فهي كلها أسماء لمسمى ~~واحد سبحانه وتعالى وإن كل اسم يدل على نعت لله لا يدل عليه الاسم الآخر ~~ومثال هذا من التفسير كلام العلماء في تفسير الصراط المستقيم، فهذا يقول هو ~~الإسلام PageV01P191 # وهذا يقول هو القرآن أي إتباع القرآن، وهذا يقول السنة والجماعة وهذا ~~يقول طريق العبودية، وهذا يقول ms154 طاعة الله ورسوله، ومعلوم أن الصراط يوصف ~~بهذه الصفات كلها ويسمى بهذه الأسماء كلها، ولكن كل واحد منهم دل المخاطب ~~على النعت الذي به يعرف الصراط وينتفع بمعرفة ذلك النعت. # الوجه الثاني: أن يذكر كل منهم من تفسير الاسم بعض أنواعه أو أعيانه على ~~سبيل التمثيل للمخاطب لا على الحصر والإحاطة كما لو سأل أعجمي عن معنى لفظ ~~الخبز فأري رغيفا وقيل هذا هو فذاك مثال للخبز وإشارة إلى جنسه لا إلى ذلك ~~الرغيف خاصة، ومن هذا ما جاء عنهم في قوله تعالى: " فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ~~مقتصد ومنهم سابق بالخيرات " فالقول الجامع أن الظالم لنفسه: المفرط بترك ~~مأمور أو فعل محظور، والمقتصد: القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات، ~~والسابق بالخيرات بمنزلة المقرب الذي يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض ~~حتى يحبه الحق، ثم إن كلا منهم يذكر نوعا من هذا فإن قال قائل الظالم ~~المؤخر للصلاة عن وقتها، والمقتصد المصلي لها في وقتها، والسابق المصلي لها ~~في أول وقتها حيث يكون التقديم أفضل، وقال آخر الظالم لنفسه هو البخيل الذي ~~لا يصل رحمه ولا تمام (1) زكاته، والمقتصد القائم بما يجب عليه من الزكاة ~~وصلة الرحم وقرى الضيف والإعطاء في النائبة، والسابق الفاعل المستحب بعد ~~الواجب كما فعل الصديق الأكبر حين جاء بماله كله، ولم يكن مع هذا يأخذ من ~~أحد شيئا وقال آخر الظالم لنفسه الذي يصوم عن الطعام لا عن PageV01P192 # الآثام، والمقتصد الذي يصوم عن الطعام والآثام، والسابق الذي يصوم عن كل ~~ما لا يقربه إلى الله تعالى وأمثال ذلك، لم تكن الأقوال (1) متنافية بل كل ~~ذكر نوعا مما تناولته الآية. # الوجه الثالث: أن يذكر أحدهم لنزول الآية سببا ويذكر الآخر سببا آخر لا ~~ينافي الأول، ومن الممكن نزولها لأجل السببين جميعا أو نزولها مرتين مرة ~~لهذا ومرة لهذا، وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه اختلاف تناقض، فهذا ~~قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه كما أن تنازعهم في بعض مسائل السنة ~~كبعض مسائل الصلاة والزكاة والصيام ms155 والحج والفرائض والطلاق ونحو ذلك لا ~~يمنع أن يكون أن يكون أصل هذه السنن مأخوذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وجملها منقولة عنه بالتواتر. # وقد تبين أن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة، وأمر أزواج نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن يذكرن ما يتلى في بيوتكهن من آيات الله والحكمة، وقد قال ~~غير واحد من السلف أن الحكمة هي السنة وقد قال صلى الله عليه وسلم: ألا إني ~~أوتيت الكتاب ومثله معه " فما ثبت عنه من السنة فعلينا إتباعه سواء قيل إنه ~~من القرآن ولم نفهمه نحن، أو قيل ليس في القرآن، كما أن ما اتفق عليه ~~السابقون الأولون والذين اتبعوهم بإحسان فعلينا أن نتبعهم فيه سواء قيل إنه ~~كان منصوصا في السنة ولم يبلغنا ذلك أو قيل إنه مما استنبطوه واستخرجوه ~~باجتهادهم من الكتاب والسنة. # انتهت المقدمة. PageV01P193 # فصل: فإذا تبين ذلك فوجوب إثبات العلو لله تعالى ونحوه يتبين من وجوه: ~~أحدها أن يقال إن القرآن والسنن المستفيضة المتواترة وكلام السابقين ~~والتابعين بل وسائر القرون الثلاثة بما فيه إثبات العلو لله على عرشه ~~بأنواع من الدلالات، ووجوه من الصفات، وأصناف من العبارات، تارة يخبر أنه ~~خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وقد ذكر الاستواء على ~~العرش في سبعة مواضع، وتارة يخبر بعروج الأشياء وصعودها وارتفاعها إليه ~~كقوله تعالى: " بل رفعه الله إليه، إني متوفيك ورافعك إلي، تعرج الملائكة ~~والروح إليه " وقوله: " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " وتارة ~~يخبر بنزولها منه أو من عنده كقوله تعالى: " والذين آتيناهم الكتاب يعلمون ~~أنه منزل من ربك بالحق، قل نزله روح القدس من ربك بالحق - حم، تنزيل الكتاب ~~من الرحمن الرحيم - حم، تنزيل من الله العزيز الحكيم " وتارة يخبر بأنه ~~الأعلى والعلي كقوله تعالى: " سبح اسم ربك الأعلى " وقوله " وهو العلي ~~العظيم ". # وتارة يخبر بأنه في السماء كقوله تعالى: " أأمنتم من السماء أن يخسف بكم ~~الأرض؟ أأمنتم من في السماء يرسل عليكم حاصبا " فذكر السماء دون الأرض ms156 ولم ~~يعلق بذلك ألوهية أو غيرها كما ذكر في قوله تعالى: " وهو الذي في السماء ~~إله وفي الأرض إله ". # وقال تعالى: " وهو الله في السموات وفي الأرض ". # وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا # PageV01P194 # تأمنونني وأنا أمين من في السماء؟ " وقال للجارية: " أين الله؟ قالت: في ~~السماء، قال: " اعتقها فإنها مؤمنة ". # وتارة يجعل بعض الخلق عنده دون بعض ويخبر عمن عنده بالطاعة كقوله: " إن ~~الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون " فلو كان موجب ~~العناية معنى عاما كدخولهم تحت قدرته ومشيئته وأمثال ذلك لكان كل مخلوق ~~عنده، ولم يكن أحد مستكبرا عن عبادته، بل مسبحا له ساجدا وقد قال تعالى: " ~~إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون داخرين " وهو سبحانه وصف الملائكة ~~بذلك ردا على الكفار والمستكبرين عن عبادته، وأمثال هذا في القرآن لا يحصى ~~إلا بكلفة وأما الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين فلا يحصيها إلا الله ~~تعالى فلا يخلو إما أن يكون ما اشتركت فيه هذه النصوص من إثبات علو الله ~~نفسه وعلى خلقه هو الحق أو الحق نقيضه إذ الحق لا يخرج عن النقيضين وإما أن ~~يكون نفسه فوق الخلق أو لا يكون فوق الخلق كما تقول الجهمية، ثم تارة ~~يقولون لا فرقهم ولا فيهم، ولا داخل ولا خارج ولا مباين ولا محايث، وتارة ~~يقولون هو بذاته في كل مكان وفي المقالتين كلتيهما يدفعون أن يكون هو نفسه ~~فوق خلقه. # فإما أن يكون الحق إثبات ذلك أو نفيه، فإن كان نفي ذلك هو الحق، فمعلوم ~~أن القرآن لم يبين هذا قط لا نصا ولا ظاهرا، ولا الرسول ولا أحد من الصحابة ~~والتابعين وأئمة المسلمين، لا أئمة المذاهب الأربعة ولا غيرهم ولا يمكن ~~أحدا أن ينقل عن واحد من هؤلاء إنه نفي ذلك أو أخبر به، وأما ما نقل من ~~الإثبات عن هؤلاء فأكثر من أن يحصى أو يحصر، # PageV01P195 # فإن كان الحق النفي دون الإثبات - والكتاب والسنة والإجماع إنما دل على ~~الإثبات ولم يذكر النفي أصلا ms157 - لزم أن يكون للرسول والمؤمنون لم ينطقوا ~~بالحق في هذا الباب، بل نطقوا بما يدل إما نصا وإما ظاهرا على الضلال ~~والخطأ المناقض للهدى والصواب. # ومعلوم أن من اعتقد هذا في الرسول والمؤمنين فله أوفر حظ من قوله تعالى " ~~ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ". # فإن القائل إذا قال هذه النصوص أريد بها خلاف ما يفهم منها، أو خلاف ما ~~دلت عليه، أو إنه لم يرد إثبات علو الله نفسه على خلقه، وإنما أريد بها علو ~~المكانة، ونحو ذلك كما قد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، فيقال ~~له فكان يجب أن يبين للناس الحق الذي يجب التصديق به باطنا وظاهرا بل ويبين ~~لهم ما يدلهم على أن هذا الكلام لم يرد به مفهومه ومقتضاه، فإن غاية ما ~~يقدر إنه تكلم بالمجاز المخالف للحقيقة، والباطن المخالف للظاهر، ومعلوم ~~باتفاق العقلاء أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز فلا بد أن يقرن بخطابه ما ~~يدل على إرادة المعنى المجازي، فإذا كان الرسول المبلغ المبين الذي بين ~~للناس ما نزل إليهم يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه ومقتضاه، كان عليه ~~أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرد لا سيما إذا كان ~~باطلا لا يجوز اعتقاده في الله، فإن عليه أن ينهاهم عن أن يعتقدوا في الله ~~ما لا يجوز اعتقاده إذا كان ذلك مخوفا عليهم، ولو لم يخاطبهم بما يدل على ~~ذلك، فكيف إذا كان خطابه هو الذي يدلهم على ذلك الاعتقاد الذي تقول النفاة ~~هو اعتقاد باطل، فإذا لم يكن في الكتاب ولا السنة ولا # PageV01P196 # كلام أحد من السلف والأئمة ما يوافق قول النفاة أصلا، بل هم دائما لا ~~يتكلمون إلا بالإثبات، امتنع حينئذ أن لا يكون مرادهم الإثبات، وأن يكون ~~النفي هو الذي يعتقدونه ويعتمدونه، وهم لم يتكلموا به قط ولم يظهروه، وإنما ~~أظهروا ما يخالفه وينافيه، وهذا كلام مبين ms158 لا مخلص لأحد عنه لكن للجهمية ~~المتكلمة هنا كلام وللجهمية المتفلسفة كلام. # مذاهب متفلسفة القرامطة في الصفات: # أما المتفلسفة القرامطة فيقولون: إن الرسل كلموا الخلق بخلاف ما هو الحق ~~وأظهروا لهم خلاف ما يبطنون، وربما يقولون أنهم كذبوا لأجل مصلحة العامة ~~فإن مصلحة العامة لا تقوم إلا بإظهار الإثبات، وإن كان في نفس الأمر باطلا، ~~وهذا مع ما فيه من الزندقة البينة والكفر الواضح قول متناقض في نفسه، فإنه ~~يقال لو كان الأمر كما تقولون والرسل من جنس رؤسائكم، لكان خواص الرسل ~~يطلعون على ذلك، ولكانوا يطلعون خواصهم على هذا الأمر، فكان يكون النفي ~~مذهب خاصة الأمة وأكملها عقلا وعلما ومعرفة، والأمر بالعكس، فإن من تأمل ~~كلام السلف والأئمة وجد أعلم الأمة عند الأمة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ~~وابن مسعود ومعاذ بن جبل وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأبي بن كعب ~~وأبي الدرداء وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو ~~وأمثالهم هم أعظم الخلق إثباتا، وكذلك أفضل التابعين مثل سعيد بن المسيب ~~وأمثاله والحسن البصري وأمثاله وعلي بن الحسين وأمثاله وأصحاب ابن مسعود ~~وأصحاب ابن عباس وهم من أجل التابعين، بل النقول # PageV01P197 # عن هؤلاء في الإثبات يجبن عن إظهاره كثير من الناس، وعلى ذلك تأول يحيى ~~بن عمار وصاحبه شيخ الإسلام أو إسماعيل الأنصاري ما يروى أن من العلم كهيئة ~~المكنون لا يعرفه إلا أهل العلم بالله، فإذا ذكروه لم ينكره إلا أهل الغرة ~~بالله، تأولوا ذلك على ما جاء من الإثبات، لأن ذلك ثابت، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والسابقين والتابعين لهم بإحسان، بخلاف النفي فإنه لا يؤخذ ~~عنهم، ولا يمكن حمله عليه. # وقد جمع علماء الحديث من النقول عن السلف في الإثبات ما لا يحصي عدده إلا ~~رب السموات ولم يقدر أحد أن يأتي عنهم في النفي بحرف واحد إلا أن يكون من ~~الأحاديث المختلفة التي ينقلها من هو أبعد الناس عن معرفة كلامهم. # ومن هؤلاء من يتمسك بمجملات ms159 سمعها، بعضها كذب وبعضها صدق، مثل ما ينقلونه ~~عن عمر أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يتحدثان وكنت ~~كالزنجي بينهما، فهذا كذب باتفاق أهل العلم بالأثر، وبتقدير صدقه فهو مجمل، ~~فإذا قال أهل الإثبات كان ما يتكلمان فيه من هذا الباب لموافقته ما نقل ~~عنهما كان أولى من قول النفاة أنهما يتكلمان بالنفي، وكذلك حديث جراب أبي ~~هريرة لما قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين أما أحدهما ~~فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم - فإذن هذا حديث صحيح ~~لكنه مجمل قد جاء مفسرا أن الجراب الآخر كان فيه حديث الملاحم والفتن، ولو ~~قدر أن فيه ما يتعلق بالصفات فليس فيه ما يدل على النفي بل الثابت المحفوظ ~~من أحاديث # PageV01P198 # أبي هريرة كحديث إتيانه يوم القيامة وحديث النزول والضحك وأمثال ذلك كلها ~~على الإثبات، ولم ينقل عن أبي هريرة حرف واحد في النفي من جنس قول النفاة. # مذهب الجهمية في الصفات: وأما الجهمية المتكلمة فيقولون أن القرينة ~~الصارفة لهم عما دل عليه الخطاب هو العقل، فاكتفى بالدلالة العقلية ~~الموافقة لمذهب النفاة: فيقال لهم أولا: فحينئذ إذا كان ما تكلم به إنما ~~يفيدهم مجرد الضلال وإنما يستفيدون الهدى من عقولهم، كان الرسول قد نصب لهم ~~أسباب الضلال، ولم ينصب لهم أسباب الهدى، وأحالهم في الهدى على نفوسهم، ~~فيلزم على قولهم إن تركهم في الجاهلية خير لهم من هذه الرسالة التي لم ~~تنفعهم بل ضرتهم. # ويقال لهم ثانيا: فالرسول صلى الله عليه وسلم قد بين الإثبات الذي هو ~~أظهر في العقل من قول النفاة، مثل ذكره لخلق الله وقدرته ومشيئته وعلمه ~~ونحو ذلك من الأمور التي تعلم بالعقل أعظم مما يعلم نفي الجهمية، وهو لم ~~يتكلم بما يناقض هذا الإثبات، فكيف يحيلهم على مجرد العقل في النفي الذي هو ~~أخفى وأدق، وكلامه لم يدل عليه بل دل على نقيضه وضده ومن نسب هذا إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فالله حسيبه على ما ms160 يقول. # والمراتب ثلاث، إما أن يتكلم بالهدى أو بالضلال أو يسكت عنهما، ومعلوم أن ~~السكوت عنهما خير من التكلم بما يضل، وهنا يعرف بالعقل أن الإثبات لم يسكت ~~عنه بل بينه، وكان ما جاء به السمع موافقا للعقل، فكان الواجب فيما ينفيه ~~العقل، أن يتكلم فيه بالنفي كما فعل فيما يثبته العقل، وإذا لم يفعل ذلك ~~كان السكون عنه أسلم للأمة. # PageV01P199 # أما إذا تكلم فيه بما يدل على الإثبات، وأراد منهم أن لا يعتقدوا إلا ~~النفي، لكون مجرد عقولهم تعرفهم به فإضافة هذا إلى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من أعظم أبواب الزندقة والنفاق. # ويقال لهم ثالثا: من الذي سلم لكم أن العقل يوافق مذهب النفاة بل العقل ~~الصريح إنما يوافق ما أثبته الرسول، وليس بين المعقول الصريح والمنقول ~~الصحيح تناقض أصلا، وقد بسطنا هذا في مواضع بينا فيها أم ما يذكرون من ~~المعقول المخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما جهل وضلال ~~تقلده متأخروهم عن متقدميهم، وسموا ذلك عقليات، إنما هي جهليات، ومن طلب من ~~تحقيق ما قاله أئمة الضلال بالمعقول لم يرجع إلا إلى مجرد تقليدهم، فهم ~~يكفرون بالشرع ويخالفون العقل تقليدا لمن توهموا إنه عالم بالعقليات، وهم ~~مع أئمتهم الضلال كقوم فرعون معه، حيث قال: " فاستخف قومه فأطاعوه " قال ~~تعالى عنه: " فاستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون، فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، واتبعناهم في هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين " وفرعون هو إمام النفاة ولهذا ~~صرح محققوا النفاة بأنهم على قوله، كما يصرح به الاتحادية من الجهمية من ~~النفاة، إذ هو الذي أنكر العلو وكذب موسى فيه وأنكر تكليم الله لموسى قال ~~تعالى: " وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب، أسباب ~~السموات والأرض فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا " والله تعالى قد أخبر ~~عن فرعون أنه أنكر الصانع ms161 وقال " وما رب العالمين " وطلب أن يصعد ليطلع إلى ~~إله موسى، فلو لم يكن # PageV01P200 # موسى أخبره أن إلهه فوق لم يقصد ذلك، فإنه هو لم يكن مقرا به، فإذا لم ~~يخبره موسى به لم يكن إثبات العلو لا منه ولا من موسى عليه الصلاة والسلام، ~~فلا يقصد الإطلاع ولا يحصل به ما قصده من التلبيس على قومه، بأنه صعد إلى ~~إله موسى، ولكان صعوده إليه كنزوله إلى الآبار والأنهار، وكان ذلك أهون ~~عليه، فلا يحتاج إلى تكليف الصرح. # وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه عرج به ليلة الإسراء ووجد في السماء ~~الأولى آدم عليه السلام وفي الثانية يحيى وعيسى ثم في الثالثة يوسف ثم في ~~الرابعة إدريس ثم في الخامسة هارون ثم وجد موسى (1) ثم عرج إلى ربه وفرض ~~عليه خمسين صلاة ثم رجع إلى موسى فقال له: ارجع إلى ربك فاسأل التخفيف ~~لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: " فرجعت إلى ربي فسألته التخفيف لأمتي " ~~وذكر أنه رجع إلى موسى ثم رجع إلى ربه مرارا فصدق موسى في أن ربه فوق ~~السموات وفرعون كذب موسى في ذلك والجهمية النفاة موافقون لآل فرعون أئمة ~~الضلال، وأهل السنة والإثبات موافقون لآل إبراهيم أئمة الهدى وقال تعالى: " ~~ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا ~~خاشعين " وموسى ومحمد من آل إبراهيم بل هم سادات آل إبراهيم صلوات الله ~~عليهم أجمعين. PageV01P201 # الوجه الثاني: في تبيين وجوب الإقرار بالإثبات، وعلو الله على السموات أن ~~يقال: من المعلوم أن الله تعالى أكمل الدين وأتم النعمة وأن الله أنزل ~~الكتاب تبيانا لكل شيء وأن معرفة ما يستحقه الله وما تنزه عنه هو من أجل ~~أمور الدين وأعظم أصوله وأن بيان هذا وتفصيله أولى من كل شيء فكيف يجوز أن ~~يكون هذا الباب لم يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفصله ولم يعلم ~~أمته ما يقولون في هذا الباب؟ وكيف يكون ms162 الدين قد كمل وقد تركوا على ~~البيضاء ولا يدرون بماذا يعرفون ربهم أبما تقوله النفاة، أو بأقوال أهل ~~الإثبات؟. # الثالث: أن يقال كل من فيه أدنى محبة للعلم أو أدنى محبة للعبادة لا بد ~~أن يخطر بقلبه هذا الباب ويقصد فيه الحق ومعرفة الخطأ من الصواب، فلا يتصور ~~أن يكون الصحابة والتابعون كلهم كانوا معرضين عن هذا لا يسألون عنه، ولا ~~يشتاقون إلى معرفته، ولا تطلب قلوبهم الحق منه، وهم ليلا ونهارا يتوجهون ~~بقلوبهم إليه ويدعونه تضرعا وخيفة ورغبا ورهبا، والقلوب مجبولة مفطورة على ~~طلب العلم، فهذا ومعرفة الحق فيه، وهي مشتاقة إليه أكثر من شوقها إلى كثير ~~من الأمور ومع الإرادة الجازمة والقدرة يجب حصول المراد وهم قادرون على ~~سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم وسؤال بعضهم بعضا، وقد سألوه عما هو دون ~~هذا سألوه: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم، وسأله أبو رزين: أيضحك ربنا؟ ~~فقال: " نعم "، فقال: لن نعدم من رب يضحك خيرا. ثم إنهم لما سألوه عن ~~الرؤية قال: " إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر " فشبه الرؤية ~~بالرؤية، والنفاة لا يقولون: يرى كما ترى الشمس والقمر بل قولهم الحقيقي ~~أنه لا يرى بحال # PageV01P202 # ومن قال يرى موافقة لأهل الإثبات ومنافقة لهم فسر الرؤية بمزيد علم فلا ~~تكون كرؤية الشمس والقمر. # والمقصود هنا أنهم لا بد أن يسألوا عن ربهم الذي يعبدونه - إن كان ما ~~تقوله الجهمية حقا - وإذا سألوه فلا بد أن يجيبهم، ومن المعلوم بالاضطرار ~~أن تقوله الجهمية النفاة لم ينقله عنه أحد من أهل التبليغ عنه وإنما نقلوا ~~عنه ما يوافق قول أهل الإثبات. # الوجه الرابع: أن يقال إما أن يكون الله يحب منا أن نعتقد قول النفاة أو ~~نعتقد قول أهل الإثبات أو لا نعتقد واحدا منهما، فإن كان مطلوبه منا اعتقاد ~~قول النفاة وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه وإنه ليس فوق السموات رب ولا ~~على العرش إله، وأن محمدا لم يعرج به إلى الله وإنما عرج به إلى السموات ms163 ~~فقط لا إلى الله، فإن الملائكة لا تعرج إلى الله بل إلى ملكوته، وإن الله ~~لا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء، وأمثال ذلك وإن كانوا يعبرون عن ذلك ~~بعبارات مبتدعة فيها أجمال وإبهام وإيهام كقولهم ليس بمتحيز ولا جسم ولا ~~جوهر ولا هو في جهة ولا مكان وأمثال هذه العبارات التي تفهم منها العامة ~~تنزيه الرب تعالى عن النقائص، ومقصدهم هم أنه ليس فوق السموات رب ولا على ~~العرش إله يعبد، ولا عرج بالرسول إلى الله، وإنما المقصود أنه إن كان الذي ~~يحبه الله لنا أن نعتقد هذا النفي فالصحابة والتابعون أفضل منا فقد كانوا ~~يعتقدون هذا النفي والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعتقده، وإذا كان الله ~~ورسوله يرضاه لنا وهو إما واجب علينا أو مستحب لنا فلا بد أن يأمرنا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بما هو واجب علينا، ويدنينا إلى ما هو مستحب لنا، # PageV01P203 # ولا بد أن يظهر عنه وعن المؤمنين ما فيه إثبات لمحبوب الله ومرضاته وما ~~يقرب إليه لا سيما مع قوله عز وجل " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي " لا سيما والجهمية تجعل هذا أصل الدين وهو عندهم التوحيد الذي لا ~~يخالفه إلا شقي فكيف لا يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أمته التوحيد؟ وكيف ~~لا يكون التوحيد معروفا عند الصحابة والتابعين؟ والفلاسفة والمعتزلة ومن ~~اتبعهم يسمون مذهب النفاة التوحيد وقد سمى صاحب المرشدة أصحابه الموحدين إذ ~~عندهم مذهب النفاة هو التوحيد، وإذا كان كذلك كان من المعلوم أنه لا بد أن ~~يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم وقد علم بالاضطرار أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه لم يتكلموا بمذهب النفاة، فعلم أنه ليس بواجب ولا مستحب ~~بل علم أنه ليس من التوحيد الذي شرعه الله تعالى لعباده. # وإن كان يحب منا مذهب الإثبات وهو الذي أمرنا به فلا بد أيضا أن يبين ذلك ~~لنا ومعلوم أن في الكتاب والسنة من إثبات العلو والصفات أعظم مما فيهما من ~~إثبات الوضوء ms164 والتيمم والصيام وتحريم ذوات المحارم وخبيث المطاعم ونحو ذلك ~~من الشرائع، فعلى قول أهل الإثبات يكون الدين كاملا، والرسول صلى الله عليه ~~وسلم مبلغا مبينا والتوحيد عند السلف مشهورا معروفا، والكتاب والسنة يصدق ~~بعضه بعضا والسلف خير هذه الأمة، وطريقهم أفضل الطرق، والقرآن كله حق ليس ~~فيه إضلال، ولا دل على كفر بل هو الشفاء والهدى والنور، وهذه كلها لوازم ~~ملتزمة ونتائج مقبولة فقولهم مؤتلف غير مختلف ومقبول غير مردود وإن كان ~~الذي يحبه الله ألا نثبت ولا ننفي بل نبقى في الجهل # PageV01P204 # البسيط وفي ظلمات بعضها فوق بعض لا نفرق الحق من الباطل ولا الهدى من ~~الضلال ولا الصدق من الكذب بل نقف بين المثبتة والنفاة موقف الشاكين ~~الحيارى " مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء " لا مصدقين ولا ~~مكذبين - لزم من ذلك أن يكون الله يحب منا عدم العلم بما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وعدم العلم بما يستحقه الله سبحانه وتعالى من الصفات ~~التامات، وعدم العلم بالحق من الباطل، ويحب منا الحيرة والشك، ومن المعلوم ~~أن الله لا يحب الجهل ولا الشك ولا الحيرة ولا الضلال وإنما يحب الدين ~~والعلم واليقين، وقد ذم الحيرة بقوله تعالى " قل أندعوا من دون الله ما لا ~~ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته ~~الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا، قل إن هدى الله ~~هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين، وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي ~~إليه تحشرون " وقد أمرنا الله تعالى أن نقول: " اهدنا الصراط المستقيم، ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ". # وفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا قام من الليل يصلي يقول: " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل عالم ~~الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف ~~فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ms165 " فهو يسأل ربه أن ~~يهديه لما اختلف فيه من الحق، فكيف يكون محبوب الله عدم الهدى في مسائل ~~الخلاف؟ وقد قال الله له: " وقل رب زدني علما " وما يذكره بعض الناس عنه ~~أنه قال: " زدني فيك تحيرا " كذب باتفاق أهل العلم بحديثه، بل هذا سؤال من ~~هو حائر وقد سأل المزيد من الحيرة ولا # PageV01P205 # يجوز لأحد أن يسأل ويدعو بمزيد الحيرة إذا كان حائرا بل يسأل الهدى ~~والعلم، فكيف بمن هو هادي الخلق من الضلال، وإنما ينقل هذا عن بعض الشيوخ ~~الذين لا يقتدى بهم في مثل هذا إن صح النقل عنه فهذا يلزم عليه أمور: ~~أحدها: أن من قال هذا فعليه أن ينكر على النفاة فإنهم ابتدعوا ألفاظا ~~ومعاني لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة، وأما المثبتة إذا اقتصروا على ~~النصوص فليس له الإنكار عليهم - وهؤلاء الواقفة هم في الباطن يوافقون ~~النفاة أو يقرونهم، وإنما يعارضون المثبتة فعلم أنهم أقروا أهل البدعة، ~~وعادوا أهل السنة. # الثاني: أن يقال عدم العلم بمعاني القرآن والحديث ليس مما يحب الله ~~ورسوله فهذا القول باطل. # الثالث: أن يقال الشك والحيرة ليست محمودة في نفسها باتفاق المسلمين غاية ~~ما في الباب أن من لم يكن عنده علم بالنفي ولا الإثبات يسكت فأما من علم ~~الحق بدليله الموافق لبيان رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فليس للواقف ~~الشاك الحائر أن ينكر على العالم الجازم المستبصر المتبع للرسول العالم ~~بالمنقول والمنقول. # الرابع: أن يقال السلف كلهم أنكروا على الجهمية النفاة وقالوا بالإثبات ~~وأفصحوا به، وكلامهم في الإثبات والإنكار على النفاة أكثر من أن يمكن ~~إثباته في هذا المكان وكلام الأئمة المشاهير مثل مالك والثوري والأوزاعي ~~وأبي حنيفة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن ~~الجراح والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيدة وأئمة أصحاب ~~مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد موجود كثير لا يحصيه أحد. # PageV01P206 # وجواب مالك في ذلك في الإثبات فإن السائل قال له: يا أبا عبد ms166 الله " ~~الرحمن على العرش استوى " كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف ~~مجهول، وفي لفظ: استواؤه معلوم أو معقول، والكيف غير معقول والإيمان به ~~واجب، والسؤال عنه بدعة، فقد أخبر رضي الله عنه بأن نفس الاستواء معلوم وأن ~~كيفية الاستواء مجهولة وهذا بعينه قول أهل الإثبات، وأما النفاة فما يثبتون ~~استواء حتى تجهل كيفيته بل عند هذا القائل الشاك وأمثاله أن الاستواء مجهول ~~غير معلوم وإن كان الاستواء مجهولا لم يحتج أن يقال الكيف مجهول لا سيما ~~إذا كان الاستواء منفيا فالمنفي المعدوم لا كيفية له حتى يقال هي مجهولة أو ~~معلومة وكلام مالك صريح في إثبات الاستواء وإنه معلوم وإن له كيفية لكن تلك ~~الكيفية مجهولة لنا لا نعلمها نحن، ولهذا بدع السائل الذي سأله عن هذه ~~الكيفية، فإن السؤال إنما يكون عن أمر معلوم لنا ونحن لا نعلم كيفية ~~استوائه وليس كل ما كان معلوما وله كيفية تلك الكيفية معلومة لنا يبين ذلك ~~أن المالكية وغير المالكية نقلوا عن مالك أنه قال: الله في السماء وعلمه في ~~كل مكان حتى ذكر مكي في كتاب التفسير الذي جمعه من كلام مالك ونقله أبو عمر ~~والطلمنكي وأبو عمر بن عبد البر وابن أبي زيد في المختصر وغير واحد ولو كان ~~مالك من الواقفة أو النفاة لم ينقل هذا الإثبات، والقول الذي قاله مالك ~~قاله قبله ربيعة بن عبد الرحمن شيخه كما رواه عنه سفيان بن عيينة وقال عبد ~~العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشوني، كلاما طويلا يقرر مذهب الإثبات ~~ويرد على النفاة وقد ذكرناه في غير هذا الموضع. # وكلام المالكية في ذم الجهمية النفاة مشهور في كتبهم وكلام أئمة # PageV01P207 # المالكية وقدمائهم في الإثبات كثير مشهور لأن علماءهم حكوا إجماع أهل ~~السنة والجماعة على أن الله بذاته فوق عرشه، وابن أبي زيد إنما ذكر ما ذكره ~~سائر أهل أئمة السنة ولم يكن من أئمة المالكية من خالف ابن أبي زيد في هذا ~~وهو إنما ذكر هذا في مقدمة الرسالة ms167 لتلقن لجميع المسلمين لأنه عند أئمة ~~السنة من الاعتقادات التي يلقنها كل أحد، ولم يرد على ابن أبي زيد في هذا ~~إلا من كان من أتباع الجهمية النفاة لم يعتمد من خالفه على أنه بدعة ولا ~~أنه مخالف للكتاب والسنة، ولكن زعم من خالف ابن أبي زيد وأمثاله إنما خالفه ~~مخالف للعقل (1) ، وقالوا إن ابن أبي زيد لم يكن يحسن الكلام الذي يعرف فيه ~~ما يجوز على الله وما لا يجوز، والذين أنكروا على ابن أبي زيد وأمثاله من ~~المتأخرين تلقوا هذا الإنكار عن متأخري الأشعرية كأبي المعالي وأتباعه ~~وهؤلاء تلقوا هذا الإنكار عن الأصول التي شركوا فيها المعتزلة ونحوهم من ~~الجهمية، فالجهمية من المعتزلة وغيرهم هم أصل هذا الإنكار. # وسلف الأمة وأئمتها متفقون على الإثبات، رادون على الواقفة والنفاة، مثل ~~ما رواه البيهقي وغيره عن الأوزاعي قال: كنا - والتابعون متوافرون - نقول: ~~إن الله فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. # وقال أبو مطيع البلخي في كتاب الفقه الأكبر: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا ~~أعرف ربي في السماء أو في الأرض، قال: كفر، لأن الله يقول " الرحمن على ~~العرش استوى " وعرشه فوق سبع سمواته، فقلت: إنه يقول على العرش ولكن لا ~~أدري العرش في السماء أو في الأرض، فقال: إنه إذا أنكر أنه في السماء كفر، ~~لأنه تعالى في أعلى عليين، وإنه يدعى من أعلى لا من PageV01P208 # أسفل. # قال عبد الله بن نافع: كان مالك بن أنس يقول: الله في السماء وعلمه كل ~~مكان. # وقال معدان: سألت سفيان الثوري عن قوله تعالى: " وهو معكم أيضا " قال ~~علمه. # وقال حماد بن زيد فيما ثبت عنه من غير وجه رواه ابن أبي حاتم والبخاري ~~وعبد الله بن أحمد وغيرهم: إنما يدور كلام الجهمية على أن يقولوا ليس في ~~السماء شيء. # وقال علي بن الحسن بن شقيق: قلت لعبد الله بن المبارك بماذا نعرف ربنا؟ ~~قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه. قلت بحد؟ قال: بحد لا يعلمه ms168 ~~غيره، وهذا مشهور عن ابن المبارك ثابت عنه من غير وجه، وهو نظر صحيح ثابت ~~عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغير واحد من الأئمة. # وقال رجل لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن قد خفت الله من كثرة ~~ما أدعو على الجهمية، قال: لا تخف فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس ~~بشيء. # وقال جرير بن عبد الحميد: كلام الجهمية أوله شهد وآخره سم، وإنما يحاولون ~~أن يقولوا ليس في السماء إله. رواه ابن أبي حاتم ورواه هو وغيره بأسانيد ~~ثابتة عن عبد الرحمن بن مهدي قال: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله ~~كلم موسى بن عمران، وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ~~ضربت أعناقهم. # وقال يزيد بن هارون: من زعم أن الله على العرش استوى بخلاف ما يقر في ~~قلوب العامة فهو جهمي. # وقال سعيد بن عامر الضبعي - وذكر عنده الجهمية فقال - هم شر قول من ~~اليهود والنصارى، قد أجمع أهل الأديان مع المسلمين أن الله على العرش ~~وقالوا هم: ليس عليه شيء. # وقال عباد بن العوام الواسطي: كلمت بشر المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ~~ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى أن لا يناكحوا ولا يوارثوا، ~~وهذا كثير من كلامهم # PageV01P209 # وهكذا ذكر أهل الكلام الذين ينقلون مقالات الناس مقالة أهل السنة وأهل ~~الحديث، كما ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي صنفه في اختلاف المصلين، ~~ومقالات الإسلاميين، فذكر فيه أقوال الخوارج والرافضة والمعتزلة والمرجئة ~~وغيرهم، ثم قال: ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث وجملة قولهم: الإقرار ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء من عند الله، وبما رواه الثقات عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون من ذلك شيئا - إلى أن قال - وأن ~~الله على عرشه كما قال " الرحمن على العرش استوى " وأن له يدين بلا كيف كما ~~قال تعالى: " لما خلقت بيدي " وأقروا أن لله علما كما قال: " أنزله بعلمه ~~وما تحمل من أنثى ms169 ولا تضع إلا بعلمه " وأثبتوا السمع والبصر؛ ولم ينفوا ذلك ~~عن الله كما نفته المعتزلة، وقالوا: إنه لا يكون في الأرض خير ولا شر إلا ~~ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله، كما قال: " وما تشاؤون إلا أن ~~يشاء الله " إلى أن قال: ويقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق، ويصدقون ~~بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل: " إن الله ينزل ~~إلى سماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له " كما جاء في الحديث. ويقرون ~~أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: " وجاء ربك والملك صفا صفا " وأن الله ~~يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " وذكر ~~أشياء كثيرة، إلى أن قال: فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ~~ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب. # قال الأشعري أيضا في مسألة الاستواء: قال أهل السنة وأصحاب الحديث ليس ~~بجسم، ولا يشبه الأشياء، وأنه على عرشه كما قال " الرحمن # PageV01P210 # على العرش استوى " ولا نتقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا ~~كيف، وأنه له يدين بلا كيف كما قال تعالى " لما خلقت بيدي " وأن الله ينزل ~~إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث. قال: وقالت المعتزلة استوى على عرشه ~~بمعنى استولى. وقال الأشعري أيضا في كتاب الإبانة في أصول الديانة في باب ~~الاستواء إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل: نقول له إن الله مستو ~~على عرشه كما قال " الرحمن على العرش استوى " وقال: إليه يصعد الكلم الطيب، ~~وقال بل رفعه الله إليه، وقال حكاية عن فرعون " يا هامان ابن لي صرحا لعلي ~~أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا " كذب ~~فرعون موسى في قوله إن الله فوق السموات، وقال الله تعالى: " أأمنتم من في ~~السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور " فالسموات فوقها العرش، وكل ما علا ~~فهو سماء وليس إذا قال " أأمنتم من في السماء " يعني جميع السموات وإنما ms170 ~~أراد العرش الذي هو أعلى السموات ألا ترى أنه ذكر السموات فقال وجعل القمر ~~فيهن نورا ولم يردانه يملأ السموات جميعا ورأينا المسلمين جميعا يرفعون ~~أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السموات ~~فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش وقد قال قائلون من ~~المعتزلة والجهمية والحرورية أن معنى استوى استولى وملك وقهر وأن الله في ~~كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء ~~إلى القدرة فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأن ~~الله قادر على كل شيء والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش والأخلية فلو ~~كان مستويا على العرش بمعنى # PageV01P211 # الاستيلاء لجاز أن يقال هو مستو على الأشياء كلها وعلى الحشوش والأخلية ~~فبطل أن يكون معنى الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء ~~كلها، وقد نقل هذا عن الأشعري غير واحد من أئمة أصحابه كابن فورك والحافظ ~~بن عساكر في كتابه الذي جمعه في تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي ~~الحسن الأشعري، وذكر اعتقاده الذي ذكره في الإبانة وقوله فيه فإن قال قائل ~~قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحلولية والرافضة والمرجئة ~~فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون قيل له قولنا الذي ~~به نقول، وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث ونحن بذلك ~~معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون، ولما خالف فيه ~~مجانبون لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ~~ظهور الضلال وأوضح المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك ~~الشاكين ورحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم على جميع أئمة المسلمين. # وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله ~~وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر ms171 ما تقدم وغيره جمل ~~كبيرة أوردت في غير هذا الموضع، وقال أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة الذي ~~يذهب إليه أهل العلم: أن الله تعالى على عرشه فوق سمواته وعلمه محيط بكل ~~شيء قد أحاط بكل شيء قد أحاط بجميع ما خلق في السموات العلى وجميع ما في ~~سبع أرضين يرفع إليه أفعال العباد، فإن قال قائل: أي شيء معنى قوله " ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم " الآية، # PageV01P212 # قيل له علمه، والله على عرشه وعلمه محيط بهم كذا فسره أهل العلم والآية ~~يدل أولها على آخرها أنه العلم وهو على عرشه هذا قول المسلمين. # والقول الذي قاله الشيخ محمد بن أبي زيد وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو ~~في كل مكان بعلمه قد تأوله بعض المبطلين بأن رفع المجيد ومراده أن الله هو ~~المجيد بذاته وهذا مع أنه جهل واضح فإنه بمنزلة أن يقال الرحمن بذاته ~~والرحيم بذاته والعزيز بذاته. # وقد صرح ابن أبي زيد في المختصر بأن الله في سمائه دون أرضه هذا لفظه ~~والذي قاله ابن أبي زيد ما زالت تقوله أئمة أهل السنة في جميع الطوائف وقد ~~ذكر أبو عمرو الطلمنكي الإمام في كتابه الذي سماه الوصول إلى معرفة الأصول: ~~أن أهل السنة والجماعة متفقون على أن الله استوى بذاته على عرشه وكذلك ذكره ~~عثمان بن أبي شيبة حافظ الكوفة في طبقة البخاري ونحوه ذكر ذلك عن أهل السنة ~~والجماعة وكذلك ذكره يحيى بن عمار السجستاني الإمام في رسالته المشهورة في ~~السنة التي كتبها إلى ملك بلاده. . . وكذلك ذكر أبو نصر السجزي الحافظ في ~~كتاب الإبانة له قال: وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن سلمة ~~وحماد بن زيد وابن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله ~~فوق العرش بذاته وأن علمه بكل مكان وكذلك ذكر شيخ الإسلام الأنصاري وأبو ~~العباس الطرقي والشيخ عبد القادر ومن لا يحصي عدده إلا الله من أئمة ~~الإسلام وشيوخه. # وقال الحافظ ms172 أبو نعيم الأصبهاني صاحب حلية الأولياء وغير ذلك من الصفات ~~المشهورة في الاعتقاد الذي جمعه: طريقنا طريق السلف # PageV01P213 # المتبعين الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال: وما اعتقدوه أن الله لم يزل ~~كاملا بجميع صفاته القديمة لا يزول ولا يحول لم يزل عالما بعلم بصير أيبصر ~~سميعا يسمع متكلما بكلام أحدث الأشياء من غير شيء وأن القرآن كلام الله ~~وسائر كتبه المنزلة كلامه غير مخلوق وأن القرآن من جميع الجهات مقروءا ~~ومتلوا ومحفوظا ومسموعا وملفوظا كلام الله حقيقة لا حكاية ولا ترجمة وأنه ~~بألفاظنا كلام الله غير مخلوق وأن الواقفة من اللفظية من الجهمية، وإن من ~~قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية، وأن ~~الجهمي عندهم كافر - وذكر أشياء إلى أن قال: وإن الأحاديث التي ثبتت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها ~~من غير تكييف ولا تمثيل وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل ~~فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه وذكر سائر ~~اعتقادات السلف وإجماعهم على ذلك وقال يحيى بن عثمان في رسالته: لا نقول ~~كما قالت الجهمية إنه مداخل الأمكنة وممازج كل شيء ولا نعلم أين هو بل نقول ~~هو بذاته على عرشه وعلمه محيط بكل شيء وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء ~~وهو معنى قوله: " وهو معكم أينما كنتم ". # وقال الشيخ العارف معمر بن أحمد شيخ الصوفية في هذا العصر أحببت أن أوصي ~~أصحابي بوصية من السنة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل المعرفة والتصوف ~~من المتقدمين والمتأخرين فذكر أشياء من الوصية إلى أن قال فيها: وإن الله ~~استوى على عرشه بلا كيف ولا تأويل والاستواء معقول والكيف مجهول وأنه مستو ~~على عرشه بائن من خلقه والخلق بائنون منه بلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة ~~وأنه عز # PageV01P214 # وجل بصير سميع عليم خبير يتكلم، ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده ~~يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة ms173 إلى سماء الدنيا كيف شاء بلا كيف ولا ~~تأويل ومن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال. # وقال الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني النيسابوري في ~~كتاب الرسالة في السنة: ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع ~~سمواته على عرشه كما نطق به كتاب وعلماء الأمة وأعيان سلف الأمة لم يختلفوا ~~أن الله تعالى على عرشه فوق سمواته قال: وأما إمامنا أبو عبد الله الشافعي ~~احتج في كتابه المبسوط في مسألة اعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة وأن ~~الرقبة الكافرة لا يصح التكفير بها بخبر معاوية بن الحكم وأنه أراد أن يعتق ~~الجارية السوداء عن الكفارة، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اعتاقه ~~إياها فامتحنها ليعرف أنها مؤمنة أم لا! فقال لها: " أين ربك؟ " فأشارت إلى ~~السماء، فقال: " اعتقها فإنها مؤمنة " فحكم بإيمانها لما أقرت أن ربها في ~~السماء وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية. # وقال الحافظ أبو بكر البيهقي باب القول في الاستواء. # قال الله تعالى: " الرحمن على العرش استوى " ثم استوى على العرش، وهو ~~القاهر فوق عباده يخافون ربهم من فوقهم، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه " أأمنتم من في السماء " وأراد من فوق السماء كما قال " ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل " بمعنى على جذوع النخل وقال " فسيحوا في الأرض " ~~أي على الأرض، وكل ما علا فهو سماء والعرش أعلى السموات فمعنى الآية: ~~أأمنتم من على العرش كما صرح به في سائر الآيات قال: وفيما # PageV01P215 # كتبنا من الآيات دلالة على إبطال قول من زعم من الجهمية أن الله بذاته في ~~كل مكان وقوله: " وهو معكم أينما كنتم " إنما أراد بعلمه لا بذاته. # وقال أبو عمر بن عبد البر في شرح الموطأ لما تكلم على حديث النزول قال: ~~وهذا حديث لم يختلف أهل الحديث في صحته وفيه دليل أن الله في السماء على ~~العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة قال ~~هذا أشهر عند الخالصة والعامة وأعرف من أن يحتاج إلى ms174 أكثر من حكايته لأنه ~~اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم. # وقال أبو عمر أيضا: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم قالوا ~~في تأويل قوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم هو على العرش وعلمه في ~~كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. # وقال شيخ الإسلام المسؤول أيده الله: فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف إذا ~~لم ينقل عنهم غير ذلك إذ هو الحق الظاهر الذي دلت عليه الآيات الفرقانية ~~والأحاديث النبوية فنسأل الله العظيم أن يختم لنا بخير ولسائر المسلمين وأن ~~لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا بمنه وكرمه إنه أرحم الراحمين والحمد لله ~~وحده. # PageV01P216 # فتاوى لابن تيمية # بسم الله الرحمن الرحيم # وقال رحمه الله ورضي عنه في رجل تزوج بنتا بكرا بالغا ودخل بها فوجدها ~~بكرا ثم إنها ولدت ولدا بعض مضي ستة أشهر بعد دخوله بها فهل يلحق به الولد ~~أم لا وأن الزوج حلف بالطلاق منها أن الولد ولده من صلبه فهل يقع به الطلاق ~~أم لا والولد ابنا سويا كامل الخلقة وعمر سنين؟ أفتونا مأجورين. # أجاب رضي الله عنه: الحمد لله، إذ ولدته لأكثر من ستة أشهر من حين دخل ~~بها ولو بلحظة لحقه الولد باتفاق الأئمة ومثل هذه القصة وقعت في زمن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه واستدل الصحابة على إمكان كون الولد يولد لستة أشهر ~~بقوله تعالى: " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " مع قوله والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين فإذا كان مدة الرضاع من الثلاثين حولين يكون الحمل ~~ستة أشهر فجمع في الآية أقل الحمل وتمام الرضاع ولو لم يستلحقه فكيف إذا ~~استلحقه وأقر به بل لو استلحق مجهول النسب وقال إنه ابني لحقه باتفاق ~~المسلمين إذا كان ذلك ممكنا ولم يذع به أنه ابنه كان بارا في يمينه ولا حنث ~~عليه والله أعلم. # PageV01P217 # بسم الله الرحمن الرحيم: مسألة في الفقر والتصوف: صورتها. ما تقول ~~الفقهاء رضي الله عنهم في رجل يقول: إن الفقر لم يتعبد ms175 به، ولم نؤمر به، ~~ولا جسم له، ولا معنى وأنه غير سبيل موصل إلى رضى الله تعالى وإلى رضى ~~رسوله وإنما تعبدنا بمتابعة أمر الله واجتناب نهيه من كتاب الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وأن أصل كل شيء العلم والتعبد والعمل به، والتقوى ~~والورع عن المحارم، والفقر المسمى على لسان الطائفة والأكابر هو الزهد في ~~الدنيا، والزهد في الدنيا يفيده العلم الشرعي فيكون الزهد في الدنيا العمل ~~بالعلم وهذا هو الفقر، فإذا الفقر فرع من فروع العلم، والأمر على هذا، وما ~~ثم طريق أوصل من العلم، والعمل بالعلم على ما صح وثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويقول إن الفقر المسمى المعروف عند أكثر أهل الزي المشروع في هذه ~~الأعصار من الزي والألفاظ والاصطلاح المعتادة غير مرضي لله ولا لرسوله، فهل ~~الأمر كما قال، أو غير ذلك؟ أفتونا مأجورين. # نسخة جواب الشيخ تقي الدين بن تيمية رضي الله عنه: # الحمد لله، أصل هذه المسألة أن الألفاظ التي جاء بها الكتاب والسنة علينا ~~أن نتبع ما دلت عليه مثل لفظ الإيمان والبر والتقوى والصدق والعدل، ~~والإحسان والصبر، والشكر والتوكل والخوف والرجاء والحب لله والطاعة لله ~~وللرسول وبر الوالدين والوفاء بالعهد ونحو ذلك مما يتضمن ذكر ما أحبه الله ~~ورسوله من القلب والبدن، فهذه الأمور التي يحبها الله ورسوله هي الطريق ~~الموصل إلى الله مع ترك ما نهى الله # PageV01P218 # عنه ورسوله كالكفر والنفاق والكذب والإثم والعدوان والظلم والجزع والهلع ~~والشرك والبخل والجبن وقسوة القلب والغدر وقطيعة الرحم ونحو ذلك فعلى كل ~~مسلم أن ينظر فيما أمر الله به ورسوله فيفعله وما نهى الله عنه ورسوله ~~فيتركه، هذا هو طريق الله وسبيله ودينه والصراط المستقيم صراط الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهذا الصراط المستقيم ~~يشتمل على علم وعمل، علم شرعي وعمل شرعي فمن علم ولم يعمل بعلمه كان فاجرا ~~ومن عمل بغير العلم كان ضالا وقد أمرنا سبحانه أن نقول " اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت ms176 عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ". # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون " ~~وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يعملوا به والنصارى عبدوا الله بغير علم، ~~ولهذا كان السلف يقولون احذر فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن ~~فتنتهما فتنة لكل مفتون، وكانوا يقولون: من فسد من العلماء شبه باليهود، ~~ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى فمن دعا إلى العلم دون العمل ~~المأمور به كان مضلا وأضل منهما من سلك في العلم طريق أهل البدع فيتبع ~~أمورا تخالف الكتاب والسنة يظنها علوما وهي جهالات، وكذلك من سلك في ~~العبادة طريق أهل البدع فيعمل أعمالا تخالف الأعمال المشروعة يظنها عبادات ~~وهي ضلالات فهذا وهذا كثير في المنحرف المنتسب إلى فقه أو فقر، يجتمع فيه ~~أنه يدعو إلى العلم دون العمل، والعمل دون العلم، ويكون ما يدعو إليه فيه ~~بدع تخالف الشريعة، وطريق الله لا تتم إلا بعلم وعمل يكون كلاهما موافق ~~الشريعة فالسالك طريق الفقر والتصوف والزهد والعبادة إن لم يسلك بعلم # PageV01P219 # يوافق الشريعة، وإلا كان ضالا عن الطريق، وكان ما يفسده أكثر مما يصلحه، ~~والسالك من الفقه والعلم والنظر والكلام إن لم يتابع الشريعة ويعمل بعلمه ~~وإلا كان فاجرا، ضالا عن الطريق، فهذا هو الأصل الذي يجب اعتماده على كل ~~مسلم. # وأما التعصب لأمر من الأمور بلا هدى من الله فهو من عمل الجاهلية، ومن ~~أضل ممن اتبع بغير هدى من الله، ولا ريب أن لفظ الفقر في الكتاب والسنة ~~وكلام الصحابة والتابعين وتابعيهم لم يكونوا يريدون به نفس طريق الله، وفعل ~~ما أمر به، وترك ما نهى عنه والأخلاق المحمودة ولا نحو ذلك، بل الفقر عندهم ~~ضد الغنى، والفقراء الذين ذكرهم الله في قوله: " إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين " وفي قوله: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله " وفي قوله: " ~~للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم " والغني هو الذي لا ~~يحل له أخذ الزكاة، أو الذي يجب عليه الزكاة، أو ما يشبه هذا، لكن لما ms177 كان ~~الفقر مظنة الزهد طوعا أو كرها، إذ من العصمة أن لا تقدر، وثار المتأخرون ~~كثيرا ما يقرنون بالفقر معنى الزهد، والزهد قد يكون مع الغنى، وقد يكون مع ~~الفقر، ففي الأنبياء والسابقين الأولين ممن هو زاهد مع غناه كثير. # والزهد المشروع ترك ما لا ينفع في الدار الآخرة، وأما كل ما يستعين به ~~العبد على طاعة الله فليس تركه من الزهد المشروع، بل ترك الفضول التي تشغل ~~عن طاعة الله ورسوله هو المشروع، وكذلك في أثناء المائة الثانية صاروا ~~يعبرون عن ذلك بلفظ الصوفي، لأن لبس # PageV01P220 # الصوف يكثر في الزهاد، ومن قال أن الصوفي نسبة إلى الصفة أو الصفاء أو ~~الصف الأول أو صوفة بن مر بن إد بن طابخة أو صوفة القفا، فهؤلاء أكفر من ~~اليهود والنصارى. لكن من الناس من قد لمحوا الفرق في بعض الأمور دون بعض ~~بحيث يفرق بين المؤمن والكافر، ولا يفرق بين البر والفاجر، أو يفرق بين بعض ~~الأبرار وبين بعض الفجار، ولا يفرق بين آخرين إتباعا لظنه وما يهواه، فيكون ~~ناقص الإيمان بحسب ما سوى بين الأبرار والفجار، ويكون معه من الإيمان بدين ~~الله تعالى الفارق بحسب ما فرق به بين أوليائه وأعدائه. # ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين دون القضاء والقدر وكان من القدرية ~~كالمعتزلة ونحوهم الذين هم مجوسوا هذه الأمة فهؤلاء يشبهون المجوس وأولئك ~~يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو ~~من أتباع إبليس الذي اعترض على الرب سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه فهذا ~~التقسيم من القول والاعتقاد وكذلك هم في الأحوال والأفعال فالصواب منها ~~حالة المؤمن الذي يتقي الله فيفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ما ~~يصيبه من المقدور فهو عند الأمر والدين والشريعة ويستعين بالله على ذلك كما ~~قال تعالى: " إياك نعبد وإياك نستعين " وإذا أذنب استغفر وتاب لا يحتج ~~بالقدر على ما يفعله من السيئات ولا يرى المخلوق حجة على رب الكائنات بل ~~يؤمن بالقدر ولا يحتج به كما في ms178 الحديث الصحيح الذي فيه سيد الاستغفار أن ~~يقول العبد: " اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأن عبدك وأنا على عهدك ~~ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء # PageV01P221 # بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " فيقر بنعمة الله عليه في ~~الحسنات ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها ~~كما قال بعضهم: أطعتك بفضلك والمنة لك وعصيتك بعلمك والحجة لك # فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي إلا ما غفرت لي. # وفي الحديث الصحيح الإلهي " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم ~~أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ~~" وهذا له تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع، وآخرون قد يشهدون الأمر فقط ~~فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة لكن ليس عندهم، من مشاهدة القدر ما ~~يوجب لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر، وآخرون يشهدون القدر فقط فيكون ~~عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك لكنهم لا يلتزمون أمر ~~الله ورسوله وإتباع شريعته وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة من الدين ~~فهؤلاء يستعينون الله ولا يعبدونه والذين من قبلهم يريدون أن يعبدوه ولا ~~يستعينوه والمؤمن يعبده ويستعينه. # والقسم الرابع شر الأقسام وهو من لا يعبده ولا يستعينه فلا هو مع الشريعة ~~الأمرية ولا مع القدر الكوني وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل ~~القدور من توكل واستعانة ونحو ذلك وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك فهم ~~في التقوى وهي طاعة الأمر الديني والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني ~~أربعة أقسام: أحدها: أهل التقوى والصبر وهم الذين أنعم الله عليهم أهل ~~السعادة في الدنيا والآخرة. # والثاني: الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين # PageV01P222 # يمتثلون ما عليهم من الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات لكن إذا أصيب أحدهم ~~في بدنه بمرض ونحوه أو ماله أو في عرضه أو ابتلي بعدو يخيفه عظم جزعه وظهر ~~هلعه. ms179 # والثالث: قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى مثل الفجار الذين يصبرون على ما ~~يصيبهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ما ~~يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك ~~في طلب ما يجعل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها وكذلك طلاب الرياسة والعلو ~~على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر عليها كثير من ~~الناس. # وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يعبدون # في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام وهؤلاء هم ~~الذين يريدون علوا في الأرض أو فسادا من طلاب الرياسة والعلو على الخلق ومن ~~طلاب الأموال بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو مباشرة ~~وغير ذلك يصبرون على أنواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من ~~المأمور، وفعلوه من المحظور، وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصبه من المصائب ~~كالمرض والفقر وغير ذلك ولا يكون فيه تقوى إذا قدر. # وأما القسم الرابع فهو شر الأقسام لا يتقون إذا قدروا لا يتقون إذا قدروا ~~ولا يصبرون إذا ابتلوا بل هم كما قال الله تعالى: " أن الإنسان خلق هلوعا ~~إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا " فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس ~~وأجبرهم إذا قدروا ومن أذل الناس وأجزعهم إذا قهروا إن قهرتهم ذلوا لك ~~ونافقوك # PageV01P223 # وحبوك استرحموك ودخلوا فيما يدفعون به من أنفسهم من أنواع الكذب والذل ~~وتعظيم المسؤول وإن قهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبا وأقلهم رحمة ~~وإحسانا وعفوا كما قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الإيمان أبعد ~~مثل التتار الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم في كثير من أمورهم وإن كان ~~متظاهرا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم فالاعتبار ~~بالحقائق فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى ~~قلوبكم وأعمالكم فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيها ~~لهم من هذا الوجه وكان ما معه ms180 من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم ~~من الإسلام وما يظهرونه منه بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين ~~للإسلام من هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق ~~الإسلامية من التتار وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ~~في خطبة: " خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها ~~وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " وإذ كان خير الكلام كلام الله وخير الهدي ~~هدي محمد فكل من كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه كان إلى الكمال أقرب وهو به ~~أحق، ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه به أضعف، كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق، ~~والكامل هو من كان لله أطوع، وعلى ما يصيبه أصبر، فكلما كان أتبع لما يأمر ~~الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه، وصبرا على ما قدره ~~وقضاه، كان أكمل وأفضل، وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك. # وقد ذكر الله تعالى الصبر والتقوى جميعا في غير موضع من كتابه وبين أنه ~~ينتصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاهدين والمنافقين وعلى من # PageV01P224 # ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة لله تعالى: " بلى إن تصبروا ~~وتتقوا يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " ~~وقال الله تعالى: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من ~~عزم الأمور "، وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ~~لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم ~~أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون، ها أنتم أولاء تحبونهم ولا ~~يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله. وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم ~~الأنامل من الغيظ، قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور، إن تمسسكم ~~حسنة تسوؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ms181 ~~شيئا إن الله بما يعملون محيط ". # وقال أخوة يوسف له: " إنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله ~~علينا، إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " وقد قرن الصبر ~~بالأعمال الصالحة عموما وخصوصا فقال تعالى: " واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى ~~يحكم الله وهو خير الحاكمين " وفي إتباع ما أوحي إليه التقوى كلها تصديقا ~~لخير الله وطاعة لأمره، وقال تعالى: " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين، واصبر فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين ". # وقال تعالى: " فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والأبكار ". وقال تعالى: " فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس # PageV01P225 # وقبل غروبها ومن آناء الليل ". # وقال تعالى: " واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ~~". # وقال تعالى: " استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين " فهذه مواضع ~~قرن فيها الصلاة والصبر وقرن بين الرحمة والصبر في مثل قوله تعالى: " ~~وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ". وفي الرحمة الإحسان إلى الخلق بالزكاة ~~وغيرها فإن القسمة أيضا رباعية إذ من الناس من يصبر ولا يرحم كاهل القوة ~~والقسوة ومنهم من يرحم ولا يصبر كاهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن ~~يشبههن، ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كاهل القسوة والهلع. والمحمود هو الذي ~~يصبر ويرحم كما قال الفقهاء في المتولي ينبغي أن يكون قويا من غير عنف، ~~لينا من غير ضعف، فبصبره يقوى وبلينه يرحم، وبالصبر ينصر العبد فإن النصر ~~مع الصبر، وبالرحمة يرحمه الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~إنما يرحم الله من عباده الرحماء " وقال: " من لا يرحم لا يرحم " وقال: " ~~لا تنزع الرحمة إلا من شقي " " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض ~~يرحمكم من في السماء " والله أعلم. انتهى. # بسم الله الرحمن الرحيم: فصل: في شروط عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ~~التي شرطها على أهل الذمة لما قدم الشام وشارطهم بمحضر من ms182 المهاجرين ~~والأنصار، وعليها العمل عند أئمة المسلمين لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ~~" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنواجذ، وإياكم # PageV01P226 # ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ". # وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر " ~~لأن هذا صار إجماعا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذين لا ~~يجتمعون على ضلالة على ما نقلوه وفهموه من كتاب الله وسنة رسوله، وهذه ~~الشروط مروية من وجوه مختصرة ومبسوطة. # منها ما رواه سفيان الثوري عن مسروق بن عبد الرحمن بن عتبة قال: كتب عمر ~~حين صالح نصارى الشام كتابا وشرط عليهم فيه أن لا يحدثوا في مدنهم ولا ما ~~حولها ديرا ولا صومعة ولا كنيسة ولا قلاية لراهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا ~~يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤوا ~~جاسوسا ولا يكتموا غش المسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركا ~~ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يوقروا المسلمين وأن ~~يقوموا لهم من مجالسهم إن أرادوا الجلوس ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من ~~لباسهم من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا يتكنوا بكناهم ولا ~~يركبوا سرجا ولا يتقلدوا سيفا ولا يتخذوا شيئا من سلاح ولا ينقشوا خواتيمهم ~~بالعربية ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم وأن يلزموا زيهم حيثما ~~كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من ~~كتبهم في شيء من طرق المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيا ~~ولا يرفعوا أصواتهم بقراءتهم في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا ~~يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ولا يظهروا النيران معهم ولا ~~يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين، فإن # PageV01P227 # خالفوا شيئا مما اشترطوا عليهم فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل ~~من أهل المعاندة والشقاق. # وأما ما يرويه بعض العامة عن النبي صلى الله عليه ms183 وسلم أنه قال: " من آذى ~~ذميا فقد آذاني " فهذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يروه أحد ~~من أهل العلم وكيف ذلك وأذاهم قد يكون بحق وقد يكون بغير حق بل قد قال الله ~~تعالى: " والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا " فكيف يحرم أذى ~~الكفار مطلقا وأي ذنب أعظم من الكفر، ولكن في سنن أبي داود عن العرباض بن ~~سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله لم يأذن لكم أن تدخلوا ~~بيوت أهل الكتب إلا بإذن، ولا ضرب أبشارهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم ~~الذين عليهم ". # وكان عمر بن الخطاب يقول: أذلوهم ولا تظلموهم. # وعن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إلا من ظلم معاهدا أو ~~انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم ~~القيامة ". # وفي سنن أبي داود عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس على مسلم جزية، ولا تصلح قبلتان بأرض ~~" وهذه الشروط قد ذكرها أئمة العلماء من أهل المذاهب المتنوعة وغيرها في ~~كتبهم واعتمدوها فقد ذكروا أن على الإمام أن يلزم أهل الذمة بالتمييز عن ~~المسلمين في لباسهم، وشعورهم وكتبهم وركوبهم، بأن يلبسوا ثوبا يخالف ثياب ~~المسلمين كالعسلي، والأزرق والأصفر والأدكن، ويشدوا الخرق في قلانسهم ~~وعمائمهم والزنانير فوق ثيابهم، وقد أطلق طائفة من # PageV01P228 # العلماء أنهم يؤخذون باللبس وشد الزنانير جميعا، ومنهم من قال: هذا يجب ~~إذا شرط عليهم، وقد تقدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك عليهم جميعا حيث ~~قال: ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا غيرها من عمامة ~~ولا نعلين إلى أن قال: ويلزمهم بذلك حيثما كانوا ويشدوا الزنانير على ~~أوساطهم. # وهذه الشروط يجددها عليهم من يوفقه الله تعالى من ولاة أمور المسلمين كما ~~جدد عمر ms184 بن عبد العزيز في خلافته وبالغ في إتباع سنة عمر بن الخطاب حيث كان ~~من العلم والعدل والقيام بالكتاب والسنة بمنزلة ميزه الله بها عن غيره من ~~الأئمة، وجددها هارون الرشيد وجعفر المتوكل وغيرهما وأمروا بهدم الكنائس ~~التي ينبغي هدمها كالكنائس التي بالديار المصرية كلها ففي وجوب هدمها قولان ~~ولا نزاع في جواز هدم ما كان بأرض العنوة إذا فتحت ولو أقرت بأيديهم لكونهم ~~أهل الوطن كما أقرهم المسلمون على كنائس بالشام ومصر ثم ظهرت شعائر ~~المسلمين فيما بعد في تلك البقعة بحيث بنيت فيها المساجد فلا يجتمع شعائر ~~الكفر مع شعائر الإسلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يجتمع ~~قبلتان بأرض " ولهذا شرط عليهم عمر والمسلمون أن لا يظهروا شعائر دينهم ~~وأيضا فلا نزاع بين المسلمين أن أرض المسلمين لا يجوز أن تحبس على الديارات ~~والصوامع ولا يصح الوقف عليها بل لو وقفها ذمي وتحاكم إلينا لم يحكم بصحة ~~الوقف فكيف نحبس أموال المسلمين على معابد الكفار التي يشرك فيها بالرحمن ~~ويسب الله ورسوله فيها أقبح سب وكان من سبب إحداث هذه الكنائس وهذه الأحباس ~~عليها شيئان: أحدهما أن بني # PageV01P229 # عبيد الله القداح الذين كان ظاهرهم الرفض، وباطنهم النفاق يستوزرون تارة ~~يهوديا وتارة نصرانيا واجتلب ذلك النصراني خلقا كثيرا وبنى كنائس كثيرة. # والثاني استيلاء الكتاب من النصارى على أموال المسلمين فيدلسون فيها على ~~المسلمين ما يشاؤون، والله أعلم. قاله أحمد بن تيمية. # بسم الله الرحمن الرحيم: مسألة فيمن يفعل من المسلمين مثل طعام النصارى ~~في النيروز ويفعل سائر المواسم مثل الغطاس، والميلاد وخميس العدس، وسبت ~~النور، ومن يبيعهم شيئا يستعينون به على أعيادهم أيجوز للمسلمين أن يفعلوا ~~شيئا من ذلك أم لا؟ الجواب: الحمد لله، لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في ~~شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام، ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نيران ~~ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك ولا يحل فعل وليمة ولا ~~الإهداء ولا البيع بما يستعان به ms185 على ذلك لأجل ذلك ولا تمكين الصبيان ~~ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن ~~يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر ~~الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصه، وأما إذ أصابه المسلمون قصدا فقد ~~كره ذلك طوائف من السلف والخلف وأما تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين ~~العلماء بل قد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيها ~~من تعظيم شعائر # PageV01P230 # الكفر. # وقال طائفة منهم من ذبح نطيحة يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيرا. # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: من تأسى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ~~ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة. # وفي سنن أبي داود عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هل ~~كان فيها من وثن يعبد من دون الله من أوثان الجاهلية؟ " قال: لا، قال: " ~~فهل كان فيها عيد من أعيادهم " قال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم " ~~فلم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يوفي بنذره مع أن الأصل في الوفاء أن ~~يكون واجبا حتى أخبره أنه لم يكن بها عيد من أعياد الكفار، وقال: " لا وفاء ~~لنذر في معصية الله " فإذا كان الذبح بمكان كان فيه عيدهم معصية فكيف ~~بمشاركتهم في نفس العيد، بل قد شرط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ~~والصحابة وسائر أئمة المسلمين أن لا يظهروا أعيادهم في دار المسلمين وإنما ~~يعملونه سرا في مساكنهم فكيف إذا أظهرها المسلمون حتى قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: لا تتعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا ولا تدخلوا على ~~المشركين في كنائسهم يوم ms186 عيدهم فإن السخط ينزل عليهم، وإذا كان الداخل ~~لفرجة أو غيرها نهي عن ذلك لأن السخط ينزل عليهم فكيف بمن يفعل ما يسخط ~~الله به عليهم مما هي من شعائر دينهم؟ وقد قال غير واحد من السلف في قوله ~~تعالى: " والذين لا يشهدون الزور " قالوا أعياد الكفار فإذا كان هذا في ~~شهودها من غير فعل، فكيف بالأفعال التي هي من خصائصها؟ # PageV01P231 # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسند والسنن أنه قال: " من ~~تشبه بقوم فهو منهم " وفي لفظ " ليس منا من تشبه بغيرنا " وهو حديث جيد ~~فإذا كان هذا في التشبه بهم وإن كان في العادات فكيف التشبه بهم فيما هو ~~أبلغ من ذلك وقد كره جمهور الأئمة إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه أكل ما ~~ذبحوه لأعيادهم وقرابينهم إدخالا له فيما أهل به لغير الله وما ذبح على ~~النصب، وكذلك نهوا عن معاونتهم على أعيادهم بإهداء أو مبايعة وقالوا: إنه ~~لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئا من مصلحة عيدهم لا لحما، ولا دما ~~ولا ثوبا ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من دينهم لأن ذلك من تعظيم ~~شركهم وعونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين على ذلك لأن ~~الله تعالى يقول: " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان " ثم إن المسلم لا يحل له أن يعينهم على شرب الخمور بعصرها أو نحو ~~ذلك فكيف على ما هو من شعائر الكفر؟ وإذا كان لا يحل له أن يعينهم هو فكيف ~~إذا كان هو الفاعل لذلك، والله أعلم. # قاله أحمد بن تيمية. # PageV01P232 ### | الجزء الثاني ### | قاعدة جليلة فيما يتعلق بأحكام السفر والإقامة # مثل قصر الصلاة والفطر في شهر رمضان وغير ذلك # خرج أحاديثه وعلق حواشيه: السيد محمد رشيد رضا # PageV02P001 # بسم الله الرحمن الرحيم # قال شيخنا شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه الحمد لله ~~نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده ~~فلا مضل له، ومن يضلل ms187 فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. # أما بعد، فهذه قاعدة في الأحكام التي تختلف بالسفر والإقامة مثل قصر ~~الصلاة والفطر في شهر رمضان ونحو ذلك، وأكثر الفقهاء من أصحاب الشافعي ~~وأحمد وغيرهم جعلوها نوعين نوعا يختص بالسفر الطويل وهو القصر والفطر، ~~ونوعا يقع في الطويل والقصير كالتيمم والصلاة على الراحلة، وأكل الميتة هو ~~من هذا القسم، وأما المسح على الخفين والجمع بين الصلاتين فمن الأول، وفي ~~ذلك نزاع. # والكلام في مقامين أحدهما الفرق بين السفر الطويل والقصير فيقال: ### | المقام الأول: الفرق بين السفر الطويل والقصير # هذا الفرق لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بل الأحكام التي علقها الله بالسفر به مطلقا كقوله تعالى في آية الطهارة: " ~~وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ". # PageV02P002 # وقاله تعالى في آية الصوم: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر ". # وقوله تعالى: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ". # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر ~~الصلاة " (1) . # وقول عائشة: فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيدت في صلاة الحضر. # وقول عمر: صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان ~~وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ~~ولياليهن ". # وقول صفوان بن عسال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا أو ~~مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط ~~أو بول أو نوم (2) . # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ~~ما كان يعمل وهو صحيح مقيم (3) ". # وقوله صلى الله عليه وسلم: " السفر قطعة من ms188 العذاب يمنع أحدكم نومه ~~وطعامه وشرابه فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليتعجل الرجوع إلى أهله " (4) ~~. PageV02P003 # فهذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة ليس فيها تفريق بين سفر طويل ~~وسفر قصير فمن فرق بين هذا وهذا فقد فرق بين ما جمع الله بينه فرقا لا أصل ~~له في كتاب الله ولا سنة رسوله؛ وهذا الذي ذكر من تعليق الشارع الحكم بمسمى ~~الاسم المطلق وتفريق بعض الناس بين نوع ونوع من غير دلالة شرعية له نظائر ~~منها أن الشارع علق الطهارة بمسمى الماء في قوله: " فلم تجدوا ماءا فتيمموا ~~صعيدا طيبا " ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهرا وطهورا. # ومنها أن الشارع علق المسح بمسمى الخف ولم يفرق بين خف وخف فيدخل في ذلك ~~المفتوق والمخروق وغيرهما من غير تحديد ولم يشترط أيضا أن يثبت بنفسه. # ومن ذلك أنه أثبت الرجعة في مسمى الطلاق بعد الدخول ولم يقسم طلاق ~~المدخول بها إلى طلاق بائن ورجعي. # ومن ذلك أنه أثبت الطلق الثالثة بعد طلقتين وافتداء والافتداء الفرقة ~~بعوض وجعلها موجبة للبينونة بغير طلاق يحسب من الثلاث. وهذا الحكم معلق ~~بهذا المسمى لم يفرق فيه بين لفظ ولفظ. # ومن ذلك أنه علق الكفارة بمسمى أيمان المسلمين في قوله تعالى: " ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم " وقوله: " قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم " ولم ~~يفرق بين يمين ويمين من أيمان المسلمين، فجعل أيمان المسلمين المنعقدة ~~تنقسم إلى مكفرة وغير مكفرة مخالف لذلك. # ومن ذلك أنه علق التحريم بمسمى الخمر ولبين أن الخمر هي المسكر في قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام " (1) ولم يفرق بين مسكر ~~ومسكر. # ومن ذلك أنه علق الحكم بمسمى الإقامة كما علقه بمسمى السفر ولم يفرق بين ~~مقيم ومقيم، فجعل المقيم نوعين نوعا تجب PageV02P004 # عليه الجمعة بغيره ولا تنعقد به، ونوعا تنعقد به، لا أصل له. بل الواجب ~~أن هذه الأحكام لما علقها الشارع بمسمى السفر فهي تتعلق بكل سفر سواء كان ~~ذلك السفر ms189 طويلا أو قصيرا، ولكن ثم أمور ليست من خصائصه السفر بل تشرع في ~~السفر والحضر فإن المضطر إلى أكل الميتة لم يخص الله حكمه بسفر لكن الضرورة ~~أكثر ما تقع به في السفر فهذا لا فرق فيه بين الحضر والسفر الطويل والقصير ~~فلا يجعل هذا معلقا بالسفر. # وأما الجمع بين صلاتين فهل يجوز في السفر القصير؟ فيه وجهان في مذهب ~~أحمد: أحدهما: لا يجوز كمذهب الشافعي قياسا على القصر. # والثاني: يجوز كقول مالك لأن ذلك شرع في الحضر للمرض والمطر فصار كأكل ~~الميتة. # إنما علته الحاجة لا السفر وهذا هو الصواب، فإن الجمع بين الصلاتين ليس ~~معلقا بالسفر وإنما يجوز للحاجة بخلاف القصر. # وأما الصلاة على الراحلة فقد ثبت في الصحيح بل استفاض عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يصلي على راحلته في السفر أي وجه توجهت به ويوتر عليها ~~غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة، وهل يسوغ ذلك في الحضر؟ فيه قولان في مذهب ~~أحمد وغيره فإذا جوز في الحضر ففي القصر أولى وأما إذا منع في الحضر فالفرق ~~بينه وبين القصر والفطر يحتاج إلى دليل. ### | المقام الثاني: حد السفر الذي علق الشارع به الفطر والقصر # وهذا مما اضطرب الناس فيه: ثلاثة أيام، وقيل: يومين قاصدين (1) ، وقيل: ~~أقل من ذلك حتى قيل: ميل. والذين حددوا ذلك بالمسافة منهم من PageV02P005 # قال: ثمانية وأربعون ميلا، وقيل: ستة وأربعون، وقيل: خمسة وأربعون، وقيل ~~أربعون، وهذه أقوال عن مالك، وقد قال أبو محمد المقدسي: لا أعلم لما ذهب ~~إليه الأئمة وجها. وهو كما قال رحمه الله فإن التحديد بذلك ليس ثابتا بنص ~~ولا إجماع ولا قياس وعامة هؤلاء يفرقون بين السفر الطويل والقصير ويجعلون ~~ذلك حدا للسفر الطويل ومنهم من لا يسمي سفرا إلا ما بلغ هذا الحد وما دون ~~ذلك لا يسميه سفرا فالذين قالوا: ثلاثة أيام احتجوا بقوله: " يمسح المسافر ~~ثلاثة أيام ولياليهن " وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: " لا تسافر امرأة ~~مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو ms190 محرم " وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: " ~~مسيرة يومين " وثبت في الصحيح: " مسيرة يوم " وفي السنن: " بريدا " فدل على ~~أن ذلك كله سفر وإذنه له في المسح ثلاثة أيام إنما هو تجويز لمن سافر ذلك ~~وهو لا يقتضي أن ذلك أقل السفر، كما أذن للمقيم أن يمسح يوما وليلة وهو لا ~~يقتضي أن ذلك أقل الإقامة، والذين قالوا: يومين اعتمدوا على قول ابن عمر ~~وابن عباس والخلاف في ذلك مشهور عن الصحابة حتى ابن عمر وابن عباس وما روي ~~" يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان " إنما هو من ~~قول ابن عباس ورواية ابن خزيمة وغيره له مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم باطل بلا شك عند أئمة أهل الحديث وكيف يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أهل مكة بالتحديد وإنما أقام بعد الهجرة زمنا يسيرا وهو بالمدينة لا يحد ~~لأهلها حدا كما حده لأهل مكة وما بال التحديد يكون لأهل مكة دون غيرهم من ~~المسلمين. # وأيضا فالتحديد بالأميال والفراسخ يحتاج إلى معرفة مقدار مساحة # PageV02P006 # الأرض وهذا أمر لا يعلمه إلا خاصة الناس ومن ذكره فإنما يخبر به عن غيره ~~تقليدا وليس هو مما يقطع به والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقدر الأرض ~~بمساحة أصلا فكيف يقدر الشارع لأمته حدا لم يجربه له ذكر في كلامه وهو ~~مبعوث إلى جميع الناس فلا بد أن يكون مقدار السفر معلوما علما عاما، وذرع ~~الأرض مما لا يمكن بل هو إما متعذر وإما متعسر، لأنه إذا أمكن الملوك ~~ونحوهم مسح طريق فإنما يمسحونه على خط مستو أو خطوط منحنية انحناء مضبوطا ~~ومعلوم أن المسافرين قد يعرفون غير تلك الطريق وقد يكون في المسافة صعود ~~وقد يطول سفر بعضهم لبطء حركته ويقصر سفر بعضهم لسرعة حركته والسبب الموجب ~~هو نفس السفر لا نفس مساحة الأرض. # والموجود في كلام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في تقدير الأرض ~~بالأزمنة كقوله في الحوض " طوله شهر وعرضه ms191 شهر " وقوله: " بين السماء ~~والأرض خمسمائة سنة " (1) وفي حديث آخر: " إحدى أو اثنتان PageV02P007 # أو ثلاث وسبعون سنة " فقيل الأول بالسير المعتاد سير الإبل والأقدام ~~والثاني سير البريد فإنه في العادة يقطع بقدر المعتاد سبع مرات، وكذلك ~~الصحابة يقولون يوم تام ويومان ولهذا قال من حده بثمانية وأربعين ميلا ~~مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام لكن هذا لا دليل عليه. # وإذا كان كذلك فنقول كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه ~~إلى العرف فما كان سفرا في عرف الناس فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم ~~وذلك مثل سفر أهل مكة إلى عرفة فإن هذه المسافة بريد وهذا سفر ثبت فيه جواز ~~القصر والجمع بالسنة، والبريد هو نصف يوم بسير الإبل والأقدام وهو ربع ~~مسافة يومين وليلتين وهو الذي قد يسمى مسافة (1) ، وهو الذي يمكن الذاهب ~~إليها أن يرجع من يومه وأما ما دون هذه المسافة إن (2) مسافة القصر محدودة ~~بالمساحة فقد قيل يقصر في ميل، وروي عن ابن عمر أنه قال لو سافرت ميلا ~~لقصرت، قال ابن حزم لم نجد أحدا يقصر في أقل من ميل، ووجد ابن عمرو وغيره ~~يقصرون في هذا القدر، ولم يحد الشارع في السفر حدا فقلنا بذلك إتباعا للسنة ~~مطلقة ولم نجد أحدا يقصر بما دون الميل، ولكن هو على أصله وليس هذا إجماعا ~~فإذا كان ظاهر النص يتناول ما دون ذلك لم يضره أن لا يعرف أحدا ذهب إليه ~~كعادته في أمثاله وأيضا فليس في قول ابن عمر أنه لا يقصر في أقل من ذلك ~~وأيضا فقد ثبت عن ابن عمر أنه كان لا يقصر في يوم أو يومين فإما أن تتعارض ~~أقواله أو تحمل على اختلاف الأحوال والكلام في مقامين: PageV02P008 # المقام الأول أن من سافر مثل سفر أهل مكة إلى عرفات يقصر وأما إذا قيل ~~ليست محدودة بالمسافة بل الاعتبار بما هو سفر فمن سافر ما يسمى سفرا قصر ~~وإلا فلا. # وقد يركب الرجل فرسخا يخرج به لكشف ms192 أمر وتكون المسافة أميالا ويرجع في ~~ساعة أو ساعتين ولا يسمى مسافرا وقد يكون غيره في مثل تلك المسافة بأن يسير ~~على الإبل والأقدام سيرا لا يرجع فيه ذلك اليوم إلى مكانه، والدليل على ذلك ~~من وجوه: أحدها: أنه قد ثبت بالنقل الصحيح المتفق عليه بين علماء أهل ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان يقصر الصلاة بعرفة ~~ومزدلفة وفي أيام منى وكذلك أبو بكر وعمر بعده وكان يصلي خلفهم أهل مكة ولم ~~يأمروهم بإتمام الصلاة ولا نقل أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لأهل مكة لما صلى بالمسلمين ببطن عرنة الظهر ركعتين ~~قصرا وجمعا، ثم العصر ركعتين: " يا أهل مكة أتموا صلاتكم " ولا أمرهم ~~بتأخير صلاة العصر ولا نقل أحد أن أحدا من الحجيج لا أهل مكة ولا غيرهم صلى ~~الله عليه وسلم خلاف ما صلى بجمهور ما صلى بجمهور المسلمين أو نقل أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو عمر قال بهذا اليوم: " يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا ~~قوم سفر " فقد غلط، وإنما نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا في جوف ~~مكة لأهل مكة عام الفتح وقد ثبت أن عمر بن الخطاب (1) لأهل مكة لما صلى في ~~جوف مكة ومن PageV02P009 # المعلوم أنه لو كان أهل مكة قاموا فأتموا وصلوا أربعا وفعلوا ذلك بعرفة ~~ومزدلفة وبمنى أيام منى لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله بالضرورة ~~بل لو أخروا صلاة العصر ثم قاموا دون سائر الحجاج فصلوها قصرا لنقل ذلك ~~فكيف إذا أتموا الظهر أربعا دون سائر المسلمين؟ وأيضا إذا أخذوا في إتمام ~~العصر والنبي صلى الله عليه وسلم قد شرع في الظهر لكان إما أن ينتظرهم ~~فيطيل القيام وإما أن يفوتهم معه بعض العصر بل أكثرها فكيف إذا كانوا يتمون ~~الصلوات؟ وهذا حجة على كل أحد وهو على من يقول إن أهل مكة جمعوا معه أظهر، ~~وذلك أن العلماء تنازعوا في أهل مكة ms193 هل يقصرون ويجمعون بعرفة على ثلاثة ~~أقوال: فقيل لا يقصرون ولا يجمعون وهذا هو المشهور عند أصحاب الشافعي ~~وطائفة من أصحاب أحمد كالقاضي في المجرد وابن عقيل في الفصول لاعتقادهم أن ~~ذلك معلق بالسفر الطويل وهذا قصير. # والثاني انهم يجمعون ولا يقصرون وهذا مذهب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب ~~أحمد ومن أصحاب الشافعي والمنقولات عن أحمد توافق هذا فإنه أجاب في غير ~~موضع بأنهم لا يقصرون ولم يقل لا يجمعون وهذا هو الذي رجحه أبو محمد ~~المقدسي في الجمع وأحسن في ذلك. # والثالث أنهم يجمعون ويقصرون وهذا مذهب مالك وإسحق بن راهويه وهو قول ~~طاوس وابن عيينة وغيرهما من السلف وقول طائفة من أصحاب أحمد والشافعي كأبي ~~الخطاب في العبادات الخمس وهو الذي رجحه أبو محمد المقدسي وغيره من أصحاب ~~أحمد فإن أبا محمد وموافقيه رجحوا الجمع للمكي بعرفة وأما القصر فقال أبو ~~محمد: الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه ~~والمعلوم إن الإجماع لم ينعقد على خلافه # PageV02P010 # وهو اختيار طائفة من علماء أصحاب أحمد كان بعضهم يقصر الصلاة في مسيرة ~~بريد وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه لمن تبين السنة وتدبرها فإن ~~من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها علم علما يقينا أن الذين كانوا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرا وجمعا ولم ~~يفعلوا خلاف ذلك ولم ينقل أحد قط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~بعرفة ولا بمزدلفة ولا منى: " يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم مسافر " ~~وإنما نقل أنه قال ذلك في نفس مكة كما رواه أهل السنن عنه وقوله ذلك في ~~داخل مكة دون عرفة ومزدلفة ومنى دليل على الفرق وقد روي من جهة أهل العراق ~~عن عمر أنه كان يقول بمنى " يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " وليس ~~له إسناد. # وإذا ثبت ذلك فالجمع بين الصلاتين قد يقال أنه لأجل النسك كما تقوله ~~الحنفية ms194 وطائفة من أصحاب أحمد وهو مقتضى نصه فإنه يمنع المكي من القصر ~~بعرفة ولم يمنعه من الجمع، وقال في جمع المسافر أنه يجمع في الطويل كالقصر ~~عنده، وإذا قيل الجمع لأجل النسك ففيه قولان أحدهما لا يجمع إلا بعرفة ~~ومزدلفة كما تقوله الحنفية والثاني أنه يجمع لغير ذلك من الأسباب المقتضية ~~للجمع وإن لم يكن سفرا وهو مذهب الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وقد يقال لأن ~~ذلك سفر قصي وهو يجوز الجمع في السفر القصير كما قال هذا وهذا بعض الفقهاء ~~من أصحاب مالك والشافعي وأحمد فإن الجمع لا يختص بالسفر والنبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يجمع في حجته إلا بعرفة ومزدلفة ولم يجمع بمنى ولا في ذهابه ~~وإيابه ولكن جمع قبل ذلك في غزوة تبوك والصحيح أنه لم يجمع بعرفة لمجرد # PageV02P011 # السفر كما قصر للسفر بل لاشتغاله باتصال الوقوف عن النزول ولاشتغاله ~~بالمسير إلى مزدلفة وكان جمع عرفة لأجل العبادة وجمع مزدلفة لأجل السير ~~الذي جد فيه وهو سيره إلى مزدلفة وكذلك كان يصنع في سفره، كان إذا جد به ~~السير أخر الأولى إلى وقت الثانية، ثم ينزل فيصليهما جميعا كما فعل بمزدلفة ~~وليس في شريعته ما هو خارج عن القياس بل الجمع الذي جمعه هناك يشرع أن يفعل ~~نظيره كما يقوله الأكثرون ولكن أبو حنيفة يقول هو خارج عن القياس وقد علم ~~أن تخصيص العلة إذا لم تكن لفوات شرط أو وجود مانع دل على فسادها وليس فيما ~~جاء من عند الله اختلاف ولا تناقض بل حكم الشيء حكم مثله والحكم إذا ثبت ~~بعلة ثبت بنظيرها. # وأما القصر فلا ريب أنه من خصائص السفر ولا تعلق له بالنسك ولا مسوغ لقصر ~~أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم بسفر وعرفة عن المسجد بريد كما ذكره الذين ~~مسحوا ذلك وذكره الأزرقي في أخبار مكة فهذا قصر في سفر قدره بريد وهم لما ~~رجعوا إلى منى كانوا في الرجوع من السفر وإنما كان غاية قصدهم بريدا وأي ~~فرق بين سفر أهل ms195 مكة إلى عرفة وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من ~~بلادهم والله لم يرخص في الصلاة ركعتين إلا لمسافر فعلم أنهم كانوا مسافرين ~~والمقيم إذا اقتدى بمسافر فإنه يصلي أربعا كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأهل مكة في مكة " أتموا صلاتكم فإنا قوم مسافر " وهذا مذهب الأئمة ~~الأربعة وغيرهم من العلماء ولكن في مذهب مالك نزاع. # الدليل الثاني: أنه قد نهى أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم أو # PageV02P012 # زوج تارة يقدر وتارة يطلق وأقل ما روي في التقدير بريد فدل ذلك على أن ~~البريد يكون سفرا كما أن الثلاثة الأيام تكون سفرا واليومين تكون سفرا ~~واليوم يكون سفرا هذه الأحاديث ليس لها مفهوم بل نهي عن هذا وهذا وهذا. # الدليل الثالث: أن السفر لم يحده الشرع وليس له حد في اللغة فرجع فيه إلى ~~ما يعرفه الناس ويعتادونه فما كان عندهم سفرا فهو سفر والمسافر يريد أن ~~يذهب إلى مقصده ويعود إلى وطنه وأقل ذلك مرحلة يذهب في نصفها ويرجع في ~~نصفها وهذا هو البريد وقد حدوا بهذه المسافة الشهادة على الشهادة وكتاب ~~القاضي إلى القاضي والعدو على الخصم والحضانة وغير ذلك مما هو معروف في ~~موضعه، وهو أحد القولين في مذهب أحمد فلو كانت المسافة محددة لكان أحدها ~~بالبريد أجود لكن الصواب أن السفر ليس محددا بمسافة بل يختلف فيكون مسافرا ~~في مسافة بريد وقد يقطع أكثر من ذلك ولا يكون مسافرا. # الدليل الرابع: أن المسافر رخص الله له أن يفطر في رمضان وأقل الفطر يوم ~~ومسافة البريد يذهب إليها ويرجع في يوم فيحتاج إلى الفطر في شهر رمضان ~~ويحتاج أن يقصر الصلاة بخلاف ما دون ذلك فإنه قد لا يحتاج فيه إلى قصر ولا ~~فطر إذا سافر أول النهار ورجع قبل الزوال وإذا كان غدوه يوما ورواحه يوما ~~فإنه يحتاج إلى القصر والفطر وهذا قد يقتضي أنه قد يرخص له أن يقصر ويفطر ~~في بريد وإن كان قد لا يرخص له في أكثر منه ms196 إذا لم يعد مسافرا. # الدليل الخامس: أنه ليس تحديد من حد المسافة بثلاثة أيام بأولى # PageV02P013 # ممن حدها بيومين ولا اليومان بأولى من يوم فوجب أن لا يكون لها حد بل كل ~~ما يسمى سفرا يشرع، وقد ثبت بالسنة القصر في مسافة بريد فعلم أن في الأسفار ~~ما قد يكون بريدا وأدنى ما يسمى سفرا في كلام الشارع البريد، وأما ما دون ~~البريد كالميل فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يأتي قباء كل سبت وكان يأتيه راكبا وماشيا ولا ريب أهل قباء وغيرهم من أهل ~~العوالي كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ولم يقصر ~~الصلاة هو ولا هم. وقد كانوا يأتون الجمعة من نحو ميل وفرسخ ولا يقصرون ~~الصلاة والجمعة على من سمع النداء والنداء قد يسمع من فرسخ وليس كل من وجبت ~~عليه الجمعة أبيح له القصر والعوالي بعضها من المدينة وإن كان اسم المدينة ~~يتناول جميع المساكن كما قال تعالى: " وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن ~~أهل المدينة مردوا على النفاق " وقال: " ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من ~~الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ". # وأما ما نقل عن ابن عمر فينظر فيه هل هو ثابت أم لا فإن ثبت فالرواية عنه ~~مختلفة وقد خالفه غيره من الصحابة ولعله أراد إذا قطعت من المسافة ميلا ولا ~~ريب أن قباء من المدينة أكثر من ميل وما كان ابن عمر ولا غيره يقصرون ~~الصلاة إذا ذهبوا إلى قباء فقصر أهل مكة الصلاة بعرفة وعدم قصر أهل المدينة ~~الصلاة إلى قباء ونحوها مما حول المدينة دليل على الفرق والله أعلم. # والصلاة على الراحلة إذا كانت مختصة بالسفر لا تفعل إلا فيما يسمى سفرا ~~ولهذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته # PageV02P014 # في خروجه إلى مسجد قباء مع أنه كان يذهب إليه راكبا وماشيا ولا كان ~~المسلمون الداخلون من العوالي يفعلون ذلك وهذا لأن هذه المسافة قريبة ~~كالمسافة في المصر واسم ms197 المدينة يتناول المساكن كلها فلم يكن هناك إلا أهل ~~المدينة والأعراب كما دل عليه القرآن فمن لم يكن من الأعراب كان من أهل ~~المدينة وحينئذ فيكون مسيره إلى قباء كأنه في المدينة فلو سوغ ذلك سوغت ~~الصلاة في المصر على الراحلة وإلا فلا فرق بينهما. # والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يصلي بأصحابه جمعا وقصر ألم يكن يأمر ~~أحدا منهم بنية الجمع والقصر بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير ~~جمع ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها ثم ~~صلى بهم العصر ولم يكونوا نووا الجمع وهذا جمع تقديم وكذلك لما خرج من ~~المدينة صلى بهم بذي الحليفة العصر ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر وفي الصحيح ~~أنه لما صلى إحدى صلاتي العشي وسلم من اثنتين قال له ذو اليدين: أقصرت ~~الصلاة أم نسيت؟ قال: " لم أنس ولم تقصر " قال: بلى قد نسيت، قال: " أكما ~~يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم، فأتم الصلاة ولو كان القصر لا يجوز إلا إذا ~~نووه لبين ذلك ولكانوا يعلمون ذلك والإمام أحمد لم ينقل عنه فيما أعلم أنه ~~اشترط النية في جمع ولا قصر ولكن ذكره طائفة من أصحابه كالخرقي والقاضي. # وأما أبو بكر عبد العزيز وغيره فقالوا إنما يوافق مطلق نصوصه، وقالوا: لا ~~يشترط للجمع ولا للقصر نية وهو قول الجمهور من العلماء كمالك وأبي حنيفة ~~وغيرهما بل قد نص أحمد على أن المسافر له أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق ~~وعلل ذلك بأنه يجوز له الجمع كما نقله عنه # PageV02P015 # أبو طالب والمروزي وذكر ذلك القاضي في الجامع الكبير فعلم أنه لا يشترط ~~في الجمع النية ولا تشترط أيضا المقارنة فإنه لما أباح أن تصلى العشاء قبل ~~مغيب الشفق وعلله بأنه يجوز له الجمع لم يجز إن زاد به الشفق الأبيض لأن ~~مذهبه المتواتر عنه أن المسافر يصلي العشاء بعد مغيب الشفق الأحمر وهو أول ~~وقتها عنده وحينئذ يخرج وقت المغرب عنده فلم يكن مصليا ms198 لها في وقت المغرب ~~بل في وقتها الخاص، وأما في الحضر فاستحب تأخيرها إلى أن يغيب الأبيض قال ~~لأن الحمرة قد تسترها الحيطان فيظن أن الأحمر غاب ولم يغب فإذا غاب الأبيض ~~تيقن مغيب الحمرة فالشفق عنده في الموضعين الحمرة لكن لما كان الشك في ~~الحضر لاستتار الشفق بالحيطان احتاط بدخول الأبيض فهذا مذهبه المتواتر عن ~~نصوصه الكثيرة. # وقد حكى بعضهم رواية أن الشفق في الحضر الأبيض وفي السفر الأحمر وهذه ~~الرواية حقيقتها كما تقدم وإلا فلم يقل أحمد ولا غيره من علماء المسلمين أن ~~الشفق في نفس الأمر يختلف بالحضر والسفر وأحمد قد علل الفرق فلو حكي عنه ~~لفظ مجمل كان المفسر من كلامه يبينه. # وقد حكى بعضهم رواية عنه أن الشفق مطلق البياض وما أظن هذا إلا غلطا عليه ~~وإذا كان مذهبه أن أول الشفق إذا غاب في السفر خرج وقت المغرب ودخل وقت ~~العشاء وهو يجوز للمسافر أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق وعلل ذلك بأنه يجوز ~~له الجمع علم أنه صلاها قبل مغيبها لا بعد مغيب الأحمر فإنه حينئذ لا يجوز ~~التعليل بجواز الجمع. # PageV02P016 # الثاني (1) أن ذلك من كلامه يدل على أن الجمع عنده هو الجمع في الوقت وإن ~~لم يصل إحداهما بالأخرى كالجمع في وقت الثانية على المشهور من مذهبه ومذهب ~~غيره وأنه إذا صلى المغرب في أول وقتها والعشاء في آخر وقت المغرب حيث يجوز ~~له الجمع جاز ذلك، وقد نص أيضا على نظير هذا فقال إذا صلى إحدى صلاتي الجمع ~~في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس وهذا نص منه على أن الجمع هو جمع في ~~الوقت لا تشترط فيه المواصلة وقد تأول ذلك بعض أصحابه على قرب الفصل وهو ~~خلاف النص ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم بالمدينة ثمانيا ~~جميعا وسبعا جميعا لم ينقل أنه أمرهم ابتداء بالنية ولا السلف بعده وهذا ~~قول الجمهور كأبي حنيفة ومالك وغيرهما وهو في القصر مبني على فرض المسافر ~~فصارت الأقوال للعلماء في ms199 اقتران الفعل ثلاثة: أحدها: أنه لا يجب الاقتران ~~لا في وقت الأولى ولا الثانية كما قد نص عليه أحمد كما ذكرناه في السفر ~~وجمع المطر. # والثاني: أنه يجب الاقتران في وقت الأولى دون الثانية وهذا هو المشهور ~~عند أكثر أصحابه المتأخرين وهو ظاهر مذهب الشافعي فإن كان الجمع في وقت ~~الأولى اشترط الجمع وإن كان في وقت الآخرة فإنه يصلي الأولى في وقت الثانية ~~وأما الثانية فيصليها في وقتها فتصح صلاته PageV02P017 # لها وإن أخرها ولا يأثم بالتأخير وعلى هذا تشترط الموالاة في وقت الأولى ~~دون الثانية. # والثالث: تشترط الموالاة في الموضعين كما يشترط الترتيب وهذا وجه في مذهب ~~الشافعي وأحمد ومعنى ذلك أنه إذا صلى الأولى وأخر الثانية أثم وإن كان وقعت ~~صحيحة لأنه لم يكن له إذا أخر الأولى إلا أن يصلي الثانية معها فإذا لم ~~يفعل ذلك كان بمنزلة من أخرها إلى وقت الضرورة ويكون قد صلاها في وقتها معه ~~الإثم. # حكم الموالاة بين صلاتي الجمع: # والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال لا في وقت الأولى ولا في وقت الثانية ~~فإنه ليس لذلك حد في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة، وهو شبيه ~~بقول من حمل الجمع على الجمع بالفعل وهو أن يسلم من الأولى في آخر وقتها ~~ويحرم بالثانية في أول وقتها كما تأول جمعه على ذلك طائفة من العلماء أصحاب ~~أبي حنيفة وغيرهم، ومراعاة هذا من أصعب الأشياء وأشقها فإنه يريد أن يبتدئ ~~فيها إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات أو ثلاث في المغرب، ويريد مع ذلك ~~أن لا يطيلها، وإن كان بنية الإطالة تشرع في الوقت الذي يحتمل ذلك، وإذا ~~دخل في الصلاة ثم بدا له أن يطيلها أو أن ينتظر أحدا ليحصل الركوع والجماعة ~~لم يشرع ذلك ويجتهد في أن يسلم قبل خروج الوقت، ومعلوم أن مراعاة هذا من ~~أصعب الأشياء علما وعملا وهو يشغل قلب المصلي غير مقصود الصلاة والجمع شرع ~~رخصة ودفعا للحرج عن الأمة، فكيف لا يشرع إلا مع ms200 حرج شديد ومع ما ينقض ~~مقصود الصلاة؟ # PageV02P018 # فعلم أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب ~~وعجل العشاء يفعل ذلك على الوجه الذي يحصل به التيسير ورفع الحرج له ولأمته ~~ولا يلتزم أنه لا يسلم من الأولى إلا قبل خروج وقتها الخاص وكيف يعلم ذلك ~~المصلي في الصلاة وآخر وقت الظهر وأول وقت العصر إنما يعرف على سبيل ~~التحديد بالظل والمصلي في الصلاة لا يمكنه معرفة الظل ولم يكن مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم آلات حسابية يعرف بها الوقت، ولا موقت يعرف ذلك بالآلات ~~الحسابية، والمغرب إنما يعرف آخر وقتها بالشفق، فيحتاج إلى أن ينظر إلى جهة ~~الغرب هل غرب الشفق الأحمر أو الأبيض؟ والمصلي في الصلاة منهي عن مثل ذلك ~~وإذا كان يصلي في بيت أو فسطاط أو نحو ذلك مما يستره عن الغرب ويتعذر عليه ~~في الصلاة النظر إلى المغرب فلا يمكنه في هذه الحال أن يتحرى السلام في آخر ~~وقت المغرب بل لا بد أن يسلم قبل خروج الوقت بزمن يعلم أنه معه يسلم قبل ~~خروج الوقت. # ثم الثانية لا يمكنه على قولهم أن يشرع فيها حتى يعلم دخول الوقت وذلك ~~يحتاج إلى عمل وكلفة مما لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يراعيه بل ولا أصحابه، فهؤلاء لا يمكن الجمع على قولهم في غالب الأوقات ~~لغالب الناس إلا مع تفريق الفعل، وأولئك لا يكون الجمع عندهم إلا مع اقتران ~~الفعل، وهؤلاء فهموا من الجمع اقتران الفعلين في وقت واحد أو وقتين، وأولئك ~~قالوا لا يكون الجمع إلا في وقتين، وذلك يحتاج إلى تفريق الفعل وكلا ~~القولين ضعيف. # PageV02P019 # والسنة جاءت بأوسع من هذا وهذا ولم تكلف الناس لا هذا ولا هذا، والجمع ~~جائز في الوقت المشترك فتارة يجمع في أول الوقت كما جمع بعرفة وتارة يجمع ~~في وقت الثانية كما جمع بمزدلفة وفي بعض أسفاره وتارة يجمع فيما بينهما في ~~وسط الوقتين وقد يقعان معا في آخر وقت ms201 الأولى وقد يقعان معا في أول وقت ~~الثانية، وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا وكل هذا جائز لأن أصل هذه المسألة ~~أن الوقت عند الحاجة مشترك والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة ففي عرفة ~~ونحوها يكون التقديم هو السنة وكذلك جمع المطر، السنة أن يجمع للمطر في وقت ~~المغرب حتى اختلف مذهب أحمد هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية؟ على ~~وجهين وقيل إن ظاهر كلامه أنه لا يجمع وفيه وجه ثالث أن الأفضل التأخير وهو ~~غلط مخالف للسنة والإجماع القديم وصاحب هذا القول ظن أن التأخير في الجمع ~~أفضل مطلقا لأن الصلاة يجوز فعلها بعد الوقت عند النوم والنسيان، ولا يجوز ~~فعلها قبل الوقت بحال، بل لو صلاها قبل الزوال وقبل الفجر أعادها، وهذا غلط ~~فإن الجمع بمزدلفة إنما المشروع فيه تأخير المغرب إلى وقت العشاء بالسنة ~~المتواترة واتفاق المسلمين وما علمت أحدا من العلماء سوغ له هناك أن يصلي ~~العشاء في طريقه، وإنما اختلفوا في المغرب هل له أن يصليها في طريقه على ~~قولين، وأما التأخير فهو كالتقديم، بل صاحبه أحق بالذم، ومن نام عن صلاة أو ~~نسيها فإن وقتها في حقه حين يستيقظ ويذكرها، وحينئذ هو مأمور بها لا وقت ~~لها إلا ذلك فلم يصلها إلا في وقتها. # وأما من صلى قبل الزوال وطلوع الفجر الذي يحصل به، فإن كان متعمدا فهذا ~~فعل ما لم يؤمر به، وأما إن كان عاجزا عن معرفة الوقت # PageV02P020 # كالمحبوس الذي لا يمكنه معرفة الوقت فهذا في أجزائه قولان للعلماء وكذلك ~~في صيامه إذا صام حيث لا يمكنه معرفة شهور رمضان كالأسير إذا صام بالتحري ~~ثم تبين له أنه قبل الوقت ففي أجزائه قولان للعلماء وأما من صلى في المصر ~~قبل الوقت غلطا فهذا لم يفعل ما أمر به وهل تنعقد صلاته نفلا أو تقع باطلة؟ ~~على وجهين في مذهب أحمد وغيره. # والمقصود أن الله لم يبح لأحد أن يؤخر الصلاة عن وقتها بحال كما لم يبح ~~له أن يفعلها ms202 قبل وقتها فليس جمع التأخير بأولى من جمع التقديم، بل ذاك ~~بحسب الحاجة والمصلحة فقد يكون هذا أفضل وقد يكون هذا أفضل، وهذا مذهب ~~جمهور العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد المنصوص عنه وغيره، ومن أطلق من أصحابه ~~القول بتفضيل أحدهما مطلقا فقد أخطأ على مذهبه. # الأحاديث في الجمع تقديما وتأخيرا: وأحاديث الجمع الثابتة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مأثورة من حديث ابن عمر وابن عباس وأنس ومعاذ وأبي هريرة ~~وجابر، وقد تأول هذه الأحاديث من أنكر الجمع على تأخير الأولى إلى آخر ~~وقتها وتقديم الثانية إلى أول وقتها، وقد جاءت الروايات الصحيحة بأن الجمع ~~كان يكون في وقت الثانية وفي وقت الأولى وجاء الجمع مطلقا، والمفسر يبين ~~المطلق ففي الصحيحين من حديث سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء. # وروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء. رواه مسلم. # وروى مسلم # PageV02P021 # من حديث يحيى بن سعيد: حدثنا عبيد الله أخبرنا عن ابن عمر أنه كان إذا جد ~~به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق ويذكر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء. # حديث ابن عمر في جمع التأخير: قال الطحاوي: حديث ابن عمر إنما فيه الجمع ~~بعد مغيب الشفق من فعله وذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين ~~الصلاتين ولم يذكر كيف كان جمعه؛ هذا إنما فيه التأخير من فعل ابن عمر لا ~~فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر المثبتون ما رواه محمد ابن ~~يحيى الذهلي حدثنا حماد بن مسعدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع: أن عبد الله ~~بن عمر أسرع السير فجمع بين المغرب والعشاء فسألت نافعا فقال: بعد ما غاب ~~الشفق بساعة وقال: إني رأيت رسول الله ms203 صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك إذا جد ~~به السير، ورواه سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن ابن ~~عمر استصرخ على صفية بنت أبي عبيد وهو بمكة وهي بالمدينة فأقبل فسار حتى ~~غربت وبدت النجوم فقال رجل كان يصحبه: الصلاة الصلاة، فسار ابن عمر فقال له ~~سالم: الصلاة، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عجل به أمر ~~في سفر جمع بين هاتين الصلاتين. فسار حتى إذا غاب الشفق جمع بينهما وسار ما ~~بين مكة والمدينة ثلاثا. # وروى البيهقي هذين بإسناد صحيح مشهور، قال: ورواه معمر عن أيوب وموسى بن ~~عقبة عن نافع، وقال في الحديث فأخر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هوي من ~~الليل ثم نزل فصلى المغرب والعشاء قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يفعل ذلك إذا جد به السير أو # PageV02P022 # حزبه أمر قال: ورواه يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع ~~فذكر أنه سار قريبا من ربع الليل ثم نزل فصلى ورواه من طريق الدارقطني ~~حدثنا ابن صاعد والنيسابوري حدثنا العباس ابن الوليد بن يزيد أخبرني عمر بن ~~محمد بن يزيد حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن ابن عمر أنه أقبل من مكة ~~وجاءه خبر صفية بنت أبي عبيد فأسرع السير فلما غابت الشمس قال له إنسان من ~~أصحابه: الصلاة، فسكت ثم سار ساعة فقال له صاحبه: الصلاة، فقال الذي قال ~~له: الصلاة، إنه ليعلم من هذا علما لا أعلمه فسار حتى إذا كان بعد ما غاب ~~الشفق بساعة نزل فأقام الصلاة وكان لا ينادي لشيء من الصلاة في السفر فأقام ~~فصلى المغرب والعشاء جميعا جمع بينهما ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق بساعة، ~~وكان يصلي على ظهر راحلته أين توجهت به السبحة (1) في السفر ويخبر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان ms204 يصنع ذلك. # قال البيهقي: اتفقت رواية يحيى بن سعيد الأنصاري وموسى بن عقبة وعبيد ~~الله بن عمر وأيوب السختياني وعمر بن محمد بن زيد على أن جمع عبد الله بن ~~عمر بين الصلاتين بعد غيوبة الشفق وخالفهم من لا يدانيهم في حفظ أحاديث ~~نافع، وذكر أن ابن جابر رواه عن نافع ولفظه: حتى إذا كان في آخر الشفق نزل ~~فصلى المغرب ثم أقام الصلاة وقد توارى الشفق فصلى بنا ثم أقبل علينا فقال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عجل به الأمر صنع هكذا، وقال: ~~وبمعناه رواه فضيل بن غزوان وعطاف بن PageV02P023 # خالد عن نافع، ورواية الحفاظ من أصحاب نافع أولى بالصواب فقد رواه سالم ~~بن عبد الله وأسلم مولى عمر وعبد الله بن دينار وإسماعيل بن عبد الرحمن بن ~~ذويب عن ابن عمر نحو روايتهم، أما حديث سالم فرواه عاصم ابن محمد عن أخيه ~~عمر بن محمد عن سالم، وأما حديث ابن أبي مريم: أن محمد بن جعفر أخبرني زيد ~~بن أسلم عن أبيه قال: كنت مع ابن عمر فبلغه عن صفية شدة وجع فأسرع حتى كان ~~بعد غروب الشفق نزل فصلى المغرب والعتمة جمع بينهما وقال: إني رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير أخر المغرب وجمع بينهما، رواه ~~البخاري في صحيحه عن ابن أبي مريم وأسند أيضا من كتاب يعقوب بن سفيان أن ~~أبو صالح وابن بكير قالا: حدثنا الليث قال: قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: ~~حدثني عبد الله بن دينار وكان من صالحي المسلمين صدقا ودينا قال: غابت ~~الشمس ونحن مع عبد الله بن عمر فسرنا فلما رأيناه قد أمسى قلنا له الصلاة، ~~فسكت حتى غاب الشفق وتصوبت النجوم فنزل فصلى الصلاتين جميعا ثم قال: رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير صلى صلاتي هذه، يقول جمع ~~بينهما بعد ليل. # وأما حديث إسماعيل بن عبد الرحمن فأسند من طريق الشافعي وأبي نعيم عن ابن ~~عيينة ms205 عن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذئيب قال: صحبت ابن عمر ~~فلما غابت الشمس هبنا أن نقول له قم إلى الصلاة فلما ذهب بياض الأفق وفحمة ~~العشاء نزل فصلى ثلاث ركعات وركعتين ثم التفت إلينا فقال: هكذا رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يفعل. # PageV02P024 # حديث أنس في جمع التقديم: # وأما حديث أنس ففي الصحيحين عن ابن شهاب عن أنس قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم ~~نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب. هذا لفظ ~~الفعل عن عقيل عنه، ورواه مسلم من حديث ابن وهب حدثني جابر بن إسماعيل عن ~~عقيل عن ابن شهاب عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا عجل ~~به السير (1) يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى ~~يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق. ورواه مسلم من حديث شبابة: حدثنا ~~الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا أراد أن يجمع بين الظهر والعصر في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول ~~وقت العصر ثم يجمع بينهما، ورواه من حديث الإسماعيلي (2) : أنا الفرياني ~~أنا إسحق بن راهويه أنا شبابة بن سوار عن ليث عن عقيل عن أنس كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا كان في السفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ~~ثم ارتحل. قلت: هكذا في هذه الرواية وهي مخالفة للمشهور من حديث أنس. # وأما حديث معاذ فمن إفراد مسلم رواه من حديث مالك وزهير بن معاوية وقرة ~~بن خالد وهذا لفظ مالك عن أبي الزبير المكي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن ~~معاذ بن جبل أخبرهم أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع بين ~~PageV02P025 # الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر ~~ثم ms206 دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء. # قلت: الجمع على ثلاث درجات: إما إذا كان سائرا في وقت الأولى فإنما ينزل ~~في وقت الثانية فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس وابن عمر ~~وهو نظير جمع مزدلفة. # وأما إذا كان وقت الثانية سائرا أو راكبا فجمع في وقت الأولى فهذا نظير ~~الجمع بعرفة، وقد روي ذلك في السنن كما سنذكره إن شاء الله. # وأما إذا كان نازلا في وقتهما جميعا نزولا مستمرا فهذا ما علمت روي ما ~~يستدل به عليه الأحاديث معاذ هذا فإن ظاهره أنه كان نازلا في خيمة في السفر ~~وأنه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل إلى بيته ثم خرج ~~فصلى المغرب والعشاء جميعا فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل وأما ~~السائر فلا يقال دخل وخرج، بل نزل وركب، وتبوك هي آخر غزوات النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يسافر بعدها إلا حجة الوداع، وما نقل أنه جمع فيها إلا بعرفة ~~ومزدلفة وأما بمنى فلم ينقل أحد أنه جمع هناك بل نقلوا أنه كان يقصر الصلاة ~~هناك، ولا نقلوا أنه كان يؤخر الأولى إلى آخر وقتها، ولا يقدم الثانية إلى ~~أول وقتها وهذا دليل على أنه كان يجمع أحيانا في السفر وأحيانا لا يجمع وهو ~~الأغلب على أسفاره أنه لم يكن يجمع بينهما وهذا يبين أن الجمع ليس من سنة ~~السفر كالقصر بل يفعل للحاجة سواء كان في السفر أو في الحضر فإنه قد جمع ~~أيضا في الحضر لئلا يحرج أمته، فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع سواء كان ~~ذلك لسيره وقت الثانية، أو وقت الأولى وشق # PageV02P026 # النزول عليه أو كان مع نزوله لحاجة أخرى مثل أن يحتاج إلى النوم ~~والاستراحة وقت الظهر ووقت العشاء فينزل وقت الظهر وهو تعبان سهران جائع ~~محتاج إلى راحة وأكل ونوم فيؤخر الظهر إلى وقت العصر ثم يحتاج أن يقدم ~~العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك ليستيقظ نصف الليل لسفره، فهذا ونحوه يباح ~~له ms207 الجمع. # وأما النازل أياما في قرية أو مصر وهو في ذلك كأهل المصر فهذا وإن كان ~~يقصر لأنه مسافر فلا يجمع كما أنه لا يصلي على الراحلة ولا يصلي بالتيمم ~~ولا يأكل الميتة، فهذه الأمور أبيحت للحاجة ولا حاجة به إلى ذلك بخلاف ~~القصر فإنه سنة صلاة السفر. # والجمع في وقت الأولى كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة فمأثور في ~~السنن مثل الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث المفضل بن ~~فضالة عن الليث بن سعد عن هاشم بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ ~~بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس ~~قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر ~~حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين ~~المغرب والعشاء وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم ~~نزل فجمع بينهما. قال الترمذي حديث معاذ حديث حسن غريب. قلت وقد رواه قتيبة ~~عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لكن أنكروه على قتيبة. قال ~~البيهقي تفرد به قتيبة عن الليث وذكر عن البخاري، قال قلت لقتيبة مع من ~~كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل فقال: كتبته مع ~~خالد # PageV02P027 # المدائني، قال البخاري: وكان خالد هذا يدخل الأحاديث على الشيوخ. قال ~~البيهقي: وإنما أنكروا من هذا رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفل، فأما ~~رواية أبي الزبير عن أبي الطفيل فهي محفوظة صحيحة، قلت: وهذا الجمع الذي ~~فسره هشام بن سعد عن أبي الزبير، والذي ذكره مالك يدخل في الجمع الذي أطلقه ~~الثوري وغيره فمن روى عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء عام تبوك وهذا ~~الجمع الأول ليس في المشهور من حديث ms208 أنس لأن المسافر إذا ارتحل بعد زيغ ~~الشمس ولم ينزل وقت العصر فهذا مما لا يحتاج إلى الجمع بل يصلي العصر في ~~وقتها وقد يتصل سيره إلى الغروب فهذا يحتاج إلى الجمع بمنزلة جمع عرفة لما ~~كان الوقوف متصلا إلى الغروب صلى العصر مع الظهر إذ كان الجمع بحسب الحاجة. # وبهذا تتفق أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فالنبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يفرق بين متماثلين، ولم ينقل أحد عنه أنه جمع بمنى ولا بمكة عام ~~الفتح ولا في حجة الوداع مع أنه أقام بها بضعة عشر يوما يقصر الصلاة، ولم ~~يقل أحد إنه جمع في حجته إلا بعرفة ومزدلفة فعلم أنه لم يكن جمعه لقصره وقد ~~روي الجمع في وقت الأولى في المصر من حديث ابن عباس أيضا موافقة لحديث معاذ ~~ذكره أبو داود فقال: وروى هشام بن عروة عن حسين بن عبد الله عن كريب عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث الفضل، قلت: هذا الحديث معروف ~~عن حسين وحسين هذا ممن يعتبر بحديثه ويستشهد به ولا يعتمد عليه وحده فقد ~~تكلم فيه علي بن المديني والنسائي ورواه البيهقي من حديث عثمان بن عمر عن ~~ابن # PageV02P028 # جريج عن حسين عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا زالت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر ~~والعصر وإذا لم تزل حتى يرتحل سار حتى إذا دخل وقت العصر نزل فجمع الظهر ~~والعصر وإذا غابت الشمس وهو في منزله جمع بين المغرب والعشاء وإذا لم تغب ~~حتى يرتحل سار حتى أتت العتمة نزل فجمع بين المغرب والعشاء، قال البيهقي: ~~ورواه حجاج بن محمد عن ابن جريج أخبرني حسين عن كريب وكان حسين سمعه منهما ~~جميعا واستشهد على ذلك برواية عبد الرزاق عن ابن جريج وهي معروفة وقد رواها ~~الدارقطني وغيره وهي من كتب عبد الرزاق قال عبد الرزاق: عن ابن جريج حدثني ms209 ~~حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة وعن كريب عن ابن عباس أن ~~ابن عباس قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر؟ ~~قلنا بلى، قال: كان إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن ~~يركب، وإذا لم تزغ له في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر ~~والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينهما وبين العشاء وإذا لم تحن ~~في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما قال الدارقطني: ورواه ~~عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج عن هشام ابن عروة عن حسين عن كريب ~~فاحتمل أن يكون ابن جريج سمعه ولا من هشام بن عروة عن حسين كقول عبد المجيد ~~عنه ثم لقي ابن جريج حسينا فسمعه منه كقول عبد الرزاق وحجاج عن ابن جريج، ~~قال البيهقي: وروي عن محمد بن عجلان ويزيد بن الهادي وأبي أويس المدني عن ~~حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس، وهو بما تقدم من # PageV02P029 # شواهده يقوى، وذكر ما ذكره البخاري تعليقا: حديث إبراهيم بن طهمان عن ~~الحسين عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جمع بن الظهر والعصر في السفر إذا كان على ظهر مسيره، وجمع بين ~~المغرب والعشاء. أخرجه البخاري في صحيحه فقال: وقال إبراهيم بن طهمان ~~فذكره. # قلت: قوله على ظهر سيره قد يراد به على ظهر سيره في وقت الأولى وهذا مما ~~لا ريب ويدخل فيه ما إذا كان على ظهر سيره في وقت الثانية كما جاء صريحا عن ~~ابن عباس، قال البيهقي: وقد روى أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس لا نعلمه ~~إلا مرفوعا بمعنى رواية الحسين وذكر ما رواه إسماعيل بن إسحاق ثنا سليمان ~~بن حرب ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس ولا أعلمه إلا ~~مرفوعا وإلا فهو ms210 عن ابن عباس أنه كان إذا نزل منزلا في السفر فأعجبه المنزل ~~أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، قال إسماعيل: حدثنا عارم حدثنا حماد ~~فذكره، قال عارم هكذا حدث به حماد قال: كان إذا سافر فنزل منزلا فأعجبه ~~المنزل فأقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ورواه حماد بن سلمة عن أيوب ~~من قول ابن عباس قال إسماعيل ثنا الحجاج عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي ~~قلابة عن ابن عباس قال: إذا كنتم سائرين فنبا بكم المنزل فسيروا حتى تصيبوا ~~تجمعون بينهما، وإن كنتم نزولا فعجل بكم أمر فاجمعوا بينهما ثم ارتحلوا. ~~قلت فحديث ابن عباس في الجمع بالمدينة صحيح من مشاهير الصحاح كما سيأتي إن ~~شاء الله. # وأما حديث جابر ففي سنن أبي داود وغيره من حديث عبد العزيز # PageV02P030 # ابن محمد عن مالك عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غابت له الشمس بمكة فجمع بينهما بسرف. قال البيهقي: ورواه من حديث الحماني ~~عن عبد العزيز، ورواه الأجلح عن أبي الزبير كذلك قال أبو داود: حدثنا محمد ~~بن هشام جار أحمد بن حنبل حدثنا جعفر بن عون عن هشام ابن سعيد قال بينهما ~~عشرة أميال يعني بين مكة وسرف، قلت عشرة أميال ثلاثة فراسخ وثلث، والبريد ~~أربعة فراسخ، وهذه المسافة لا تقطع في السير الحثيث حتى يغيب الشفق، فإن ~~الناس يسيرون من عرفة عقب المغرب ولا يصلون إلى جمع إلا وقد غاب الشفق، ومن ~~عرفة إلى مكة بريد، فجمع دون هذه المسافة وهم لا يصلون إليها إلا بعد غروب ~~الشفق فكيف بسرف، وهذا يوافق حديث ابن عمر وأنس وابن عباس أنه إذا كان ~~سائرا أخر المغرب إلى أن يغرب الشفق ثم يصليهما جميعا. # قال البيهقي: والجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة ~~المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين مع الثابت عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ثم عن أصحابه، ثم ما أجمع عليه المسلمون من جمع الناس بعرفة ثم ~~بالمزدلفة، ms211 وذكر ما رواه البخاري من حديث سعيد عن الزهري أخبرني سالم عن ~~عبد الله بن عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أعجله السير ~~في السفر يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء. # قال سالم وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك إذا أعجله السير في السفر يقيم ~~صلاة المغرب فيصليها ثلاثا ثم يسلم، ثم قلما يلبث حتى يقيم صلاة العشاء ~~ويصليها ركعتين ثم يسلم ولا يسبح بينهما بركعة ولا يسبح بعد العشاء بسجدة ~~حتى يقوم من جوف الليل. # PageV02P031 # وروى مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال لسالم بن عبد الله بن عمر ما أشد ما ~~رأيت أباك عبد الله بن عمر أخر المغرب في السفر؟ قال: غربت له الشمس بذات ~~الجيش فصلاها بالعقيق، قال البيهقي رواه عن الثوري عن يحيى بن سعيد وزاد ~~فيه: ثمانية أميال. # ورواه ابن جريج عن يحيى بن سعيد وزاد فيه قال: قلت أي ساعة تلك؟ قال: قد ~~ذهب ثلث الليل أو ربعه، قال ورواه يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن نافع ~~قال: فسار أميالا ثم نزل فصلى، قال يحيى: وذكر لي نافع هذا الحديث مرة أخرى ~~فقال: سار قريبا من ربع الليل ثم نزل فصلى. # وروى من مصنف سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه ~~كان يجمع بين الصلاتين في السفر ويقول هي سنة. # ومن حديث علي بن عاصم أخبرني الجريري وسلمان التيمي عن أبي عثمان النهدي ~~قال: كان سعيد بن زيد وأسامة بن زيد إذا عجل بهما السير جمعا بين الظهر ~~والعصر، وبين المغرب والعشاء. # وروينا في ذلك عن سعيد بن أبي وقاص وأنس بن مالك، وروي عن عمر وعثمان، ~~وذكر ما ذكره مالك في الموطأ عن ابن شهاب أنه قال: سألت سالم بن عبد الله ~~هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال: نعم لا بأس بذلك ألا ترى صلاة ~~الناس بعرفة، وذكر في كتاب يعقوب بن سفيان ثنا ms212 عبد الملك بن أبي سلمة ثنا ~~الداروردي عن زيد بن أسلم وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومحمد بن المنكدر وأبي ~~الزناد في أمثال لهم خرجوا إلى الوليد وكان أرسل إليهم يستفتيهم في شيء ~~فكانوا يجمعون بين الظهر والعصر إذ زالت الشمس. # قلت فهذا استدلال من السلف بجمع عرفة على نظيره وأن الحكم ليس مختصا وهو ~~جمع تقديم للحاجة في السفر. # PageV02P032 # وأما الجمع بالمدينة لأجل المطر أو غيره فقد روى مسلم وغيره من حديث أبي ~~الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا من غير خوف ولا سفر. # وممن رواه عن أبي الزبير مالك في موطأه وقال: أظن ذلك كان في مطر. قال ~~البيهقي: وكذلك رواه زهير بن معاوية وحماد بن سلمة عن أبي الزبير: في غير ~~خوف ولا سفر، إلا إنهما لم يذكرا المغرب والعشاء وقالا: بالمدينة، ورواه ~~أيضا ابن عيينة وهشام بن سعد عن أبي الزبير بمعنى رواية مالك وساق البيهقي ~~طرقها وحديث زهير رواه مسلم في صحيحه ثنا أبو الزبير عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا ~~بالمدينة في غير خوف ولا سفر. # قال أبو الزبير فسألت سعيدا لم فعل ذلك؟ قال: سألت ابن عباس كما سألتني ~~فقال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته. قال وقد خالفهم قرة في الحديث فقال: ~~في سفرة سافرها إلى تبوك. وقد رواه مسلم من حديث قرة عن أبي الزبير عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرها ~~في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقلت لابن عباس: ما ~~حمله على ذلك؟ قال أراد أن لا يحرج أمته. # قال البيهقي: وكان قرة أراد حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ فهذا ~~لفظ حديثه، وروى سعيد بن جبير الحديثين جميعا فسمع قرة أحدهما ومن ms213 تقدم ~~ذكره الآخر، قال: وهذا أشبه فقد روى قرة حديث أبي الطفيل أيضا، قلت: وكذا ~~رواه مسلم فروي هذا المتن من حديث معاذ ومن حديث ابن عباس فإن قرة ثقة حافظ ~~وقد روى الطحاوي حديث قرة # PageV02P033 # عن أبي الزبير فجعله مثل حديث مالك عن أبي الزبير، حديث أبي الطفيل ~~وحديثه هذا عن سعيد، فدل ذلك على أن أبا الزبير حدث بهذا وبهذا، قال ~~البيهقي: ورواه حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير فخالف أبا الزبير في ~~متنه، وذكره من حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد ابن جبير عن ابن ~~عباس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب ~~والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل له: فما أراد بذلك؟ قال: أراد أن ~~لا يحرج أمته. # وفي رواية وكيع قال سعيد: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ قال: كيلا يحرج أمته. ورواه مسلم في صحيحه. # قال البيهقي: ولم يخرجه البخاري مع كون حبيب بن أبي ثابت من شرطه، ولعله ~~إنما أعرض عنه - والله أعلم - لما فيه من الاختلاف على سعيد بن جبير قال: ~~ورواية الجماعة عن أبي الزبير أولى أن تكون محفوظة، فقد رواه عمرو بن دينار ~~عن أبي الشعثاء عن ابن عباس بقريب من معنى رواية مالك عن أبي الزبير، قلت: ~~تقديم رواية أبي الزبير على رواية حبيب ابن أبي ثابت لا وجه له، فإن حبيب ~~بن أبي ثابت من رجال الصحيحين، فهو أحق بالتقديم من أبي الزبير، وأبو ~~الزبير من إفراد مسلم، وأيضا فأبو الزبير اختلف عنه عن سعيد بن جبير في ~~المتن، تارة يجعل ذلك في السفر كما رواه عنه قرة موافقة لحديث أبي الزبير ~~عن أبي الطفيل، وتارة يجعل ذلك في المدينة كما رواه الأكثرون عنه عن سعيد، ~~فهذا أبو الزبير قد روي عنه ثلاثة أحاديث: حديث أبي الطفيل عن معاذ في جمع ~~السفر، وحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله، ms214 وحديث سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس الذي فيه جمع المدينة، ثم قد جعلوا هذا # PageV02P034 # كله صحيحا لأن أبا الزبير حافظ فلم لا يكون حديث حبيب بن أبي ثابت أيضا ~~ثابتا عن سعيد بن جبير وحبيب أوثق من أبي الزبير؟ وسائر أحاديث ابن عباس ~~الصحيحة تدل على ما رواه حبيب، فإن الجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن لأجل ~~المطر، وأيضا فقوله بالمدينة يدل على أنه لم يكن في السفر، فقوله: جمع ~~بالمدينة في غير خوف ولا مطر، أولى بأن يقال من غير خوف ولا سفر، ومن قال ~~أظنه في المطر، فظن ظنه ليس هو في الحديث، بل مع حفظ الرواة، فالجمع صحيح، ~~قال من غير خوف ولا مطر، وقال ولا سفر، والجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن ~~بهذا ولا بهذا، وبهذا استدل أحمد به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، ~~فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه ~~بالفعل، فإنه إذا جمع ليرفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج ~~الحاصل بهذه أولى أن يرفع، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها. # ومما يبين أن ابن عباس لم يرد الجمع للمطر - وإن كان الجمع للمطر أولى ~~بالجواز - بما رواه مسلم من حديث حماد بن زيد عن الزبير بن الخريت عن عبد ~~الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت ~~النجوم، فجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة، قال فجاء رجل من بني تيم لا ~~يفتر: الصلاة - الصلاة - فقال: أتعلمني بالسنة لا أم لك؟ ثم قال: رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبد ~~الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق ~~مقالته. # PageV02P035 # ورواه مسلم أيضا من حديث عمران بن حدير عن ابن شقيق قال: قال رجل لابن ~~عباس: الصلاة، فسكت ثم قال: الصلاة، فسكت ثم قال: لا أم لك أتعلمنا بالصلاة ~~وكنا نجمع بين الصلاتين على ms215 عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فهذا ابن عباس لم يكن في سفر ولا في مطر، وقد استدل بما رواه على ما فعله ~~فعلم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر، ولكن كان ابن عباس في أمر مبهم من ~~أمور المسلمين يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته، ورأى أنه إن قطعه فأتت ~~مصلحته، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع، فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر، بل للحاجة تعرض له كما ~~قال: أراد أن لا يحرج أمته، ومعلوم أن جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ~~ومزدلفة لم يكن لخوف ولا مطر ولا لسفر أيضا، فإنه لو جمعه للسفر، لجمع في ~~الطريق ولجمع بمكة، كما كان يقصر بها، ولجمع لما خرج من مكة إلى منى وصلى ~~بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ولم يجمع بمنى قبل التعريف ولا ~~جمع بها بعد التعريف أيام منى، بل يصلي كل صلاة ركعتين غير المغرب، ويصليها ~~في وقتها، ولا جمعه أيضا كان للنسك، فإنه لو كان كذلك لجمع من حين أحرم ~~فإنه من حينئذ صار محرما فعلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة لم يكن لمطر ~~ولا خوف، ولا لخصوص النسك ولا لمجرد السفر، فهكذا جمعه بالمدينة الذي رواه ~~ابن عباس، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع ~~جمعوا. # قال البيهقي: ليس في رواية ابن شقيق عن ابن عباس من هذين الوجهين ~~الثابتين عنه نفي المطر، ولا نفي السفر، فهو محمول على أحدهما # PageV02P036 # أو على ما أوله عمرو بن دينار، وليس في روايتهما ما يمنع ذلك التأويل ~~فيقال يا سبحان الله! ابن عباس كان يخطب بهم بالبصرة، فلم يكن مسافرا ولم ~~يكن هناك مطر، وهو ذكر جمعا يحتج به على مثل ما فعله، فلو كان ذلك لسفر أو ~~مطر كان ابن عباس أجل قدرا من أن يحتج على جمعه بجمع المطر أو السفر، وأيضا ~~فقد ثبت في الصحيحين عنه أن هذا ms216 الجمع كان بالمدينة، فكيف يقال لم ينف ~~السفر؟ وحبيب ابن أبي ثابت من أوثق الناس وقد روى عن سعيد أنه قال: من غير ~~خوف ولا مطر، وأما قوله أن البخاري لم يخرجه، فيقال هذا من أضعف الحجج فهو ~~لم يخرج أحاديث أبي الزبير وليس كل من كان من شرطه يخرجه. # وأما قوله: ورواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء، قريب من رواية أبي ~~الزبير، فإنه ذكر ما أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد عن عمرو بن ~~دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ~~بالمدينة سبعا وثمانيا: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفي رواية البخاري ~~عن حماد بن زيد فقال لأيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ فقال: عسى، فيقال هذا الظن ~~من أيوب وعمرو، فالظن ليس من مالك وسبب ذلك أن اللفظ الذي سمعوه لا ينفي ~~المطر، فجوزوا أن يكون هو المراد، ولو سمعوا رواية حبيب بن أبي ثابت الثقة ~~الثبت لم يظنوا هذا الظن، ثم رواية ابن عباس هذه حكاية فعل مطلق، لم يذكر ~~فيها نفي خوف ولا مطر، فهذا يدلك على أن ابن عباس كان قصده بيان جواز الجمع ~~بالمدينة في الجملة، ليس مقصوده تعيين سبب واحد، فمن قال إنما أراد جمع ~~المطر وحده فقد غلط عليه، ثم عمرو بن دينار تارة يجوز أن يكون للمطر # PageV02P037 # موافقة لأيوب، وتارة يقول هو وأبو الشعثاء أنه كان جمعا في الوقتين كما ~~في الصحيحين عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار: سمعت جابر ابن زيد يقول سمعت ~~ابن عباس يقول صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانيا جميعا وسبعا ~~جميعا، قال: قلت يا أبا الشعثاء أراه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب ~~وعجل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك، فيقال ليس الأمر كذلك. لأن ابن عباس كان ~~أفقه وأعلم من أن يحتاج إذا كان قد صلى كل صلاة في وقتها الذي تعرف العامة ~~والخاصة جوازه أن يذكر هذا الفعل المطلق دليلا على ms217 ذلك، وأن يقول: أراد ~~بذلك أن لا يخرج أمته. # وقد علم أن الصلاة في الوقتين قد شرعت بأحدايث المواقيت، وابن عباس هو ~~ممن روى أحاديث المواقيت، وإمامة جبريل له عند البيت، وقد صلى الظهر في ~~اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ~~فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم إنما جمع على هذا الوجه فأي غرابة في هذا ~~المعنى؟ ومعلوم أنه كان قد صلى في اليوم الثاني كلا الصلاتين في آخر الوقت ~~وقال: " الوقت ما بين هذين " فصلاته للأولى وحدها في آخر الوقت أولى ~~بالجواز، وكيف يليق بابن عباس أن يقول فعل ذلك كيلا يحرج أمته، والوقت ~~المشهور هو أوسع وأرفع للحرج من هذا الجمع الذي ذكروه، وكيف يحتج على من ~~أنكر عليه التأخير لو كان النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى في الوقت ~~المختص بهذا الفعل وكان له في تأخيره المغرب حين صلاها قبل مغيب الشفق ~~وحدها، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ما يغنيه عن هذا؟ وإنما قصد ~~ابن عباس بيان جواز تأخير المغرب إلى وقت العشاء ليبين أن الأمر في حال ~~الجمع أوسع منه في غيره. وبذلك # PageV02P038 # يرتفع الحرج عن الأمة، ثم ابن عباس قد ثبت عنه في الصحيح أنه ذكر الجمع ~~في السفر. وأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في السفر إذا ~~كان على ظهر سيره. وقد تقدم ذلك مفصلا، فعلم أن لفظ الجمع في عرفة وعادته ~~إنما هو الجمع في وقت إحداهما. # وأما الجمع في الوقتين فلم يعرف أنه تكلم به، فكيف يعدل عن عادته التي ~~يتكلم بها ما ليس كذلك؟ وأيضا فابن شقيق يقول: حاك في صدري من ذلك شيء ~~فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته. أتراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز ~~تأخيرها إلى آخر الوقت؟ وأن العصر لا يجوز تقديمها إلى أول الوقت؟ وهل هذا ~~مما يخفى على أقل الناس علما حتى يحيك في صدره منه؟ ms218 وهل هذا مما يحتاج أن ~~ينقله إلى أبي هريرة أو غيره حتى يسأله عنه؟ إن هذا مما تواتر عند المسلمين ~~وعلموا جوازه، وإنما وقعت شبهة لبعضهم في المغرب خاصة، وهؤلاء يجوزون ~~تأخيرها إلى آخر وقتها، فالحديث حجة عليهم كيفما كان، وجواز تأخيرها ليس ~~معلقا بالجمع، بل يجوز تأخيرها مطلقا إلى آخر الوقت حين يؤخر العشاء أيضا، ~~وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين بين أحاديث المواقيت، وهكذا في ~~الحديث الصحيح " وقت المغرب ما لم يغب نور الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل ~~" كما قال: " وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله ووقت العصر ما لم تصفر ~~الشمس " فهذا الوقت المختص الذي بينه بقوله وفعله وقال: " الوقت ما بين ~~هذين " ليس له اختصاص بالجمع ولا تعلق به. ولو قال قائل: قوله جمع بينهما ~~بالمدينة من غير خوف ولا سفر، المراد به الجمع في الوقتين كما يقول ذلك من ~~يقوله من # PageV02P039 # الكوفيين، لم يكن بينه وبينهم فرق. فلماذا يكون الإنسان من المطففين لا ~~يحتج لغيره كما يحتج لنفسه؟ ولا يقبل لنفسه ما يقبله لغيره؟ وأيضا فقد ثبت ~~هذا من غير حديث ابن عباس ورواه الطحاوي حدثنا ابن خزيمة وإبراهيم بن أبي ~~داود وعمران بن موسى قال أنا الربيع بن يحيى الأشناني حدثنا سفيان الثوري ~~عن محمد ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: جمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة للرخصة من غير خوف ولا ~~علة، لكن ينظر حال هذا الإشناني. # وجمع المطر عن الصحابة، فما ذكره مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان ~~إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء ليلة المطر جمع معهم في ليلة المطر، ~~قال البيهقي: ورواه العمري عن نافع فقال: قبل الشفق وروى الشافعي في ~~القديم، أنبأنا بعض أصحابنا عن أسامة بن زيد عن معاذ بن عبد الله بن حبيب ~~أن ابن عباس جمع بينهما في المطر قبل الشفق، وذكرنا ما رواه أبو شيخ ~~الأصبهاني بالإسناد ms219 الثابت عن هشام بن عروة وسعيد بن المسيب وأبي بكر بن ~~عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة ~~المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين ولا ينكر ذلك، وبإسناده عن موسى بن عقبة أن ~~عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر، وأن ~~سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبا بكر ابن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان ~~كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك، فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من ~~الأمر القديم المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل ~~أن أحدا من الصحابة والتابعين أنكر ذلك فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ~~ذلك، لكن لا يدل على أن النبي # PageV02P040 # صلى الله عليه وسلم لم يجمع إلا للمطر، بل إذا جمع لسبب هو دون المطر مع ~~جمعه أيضا للمطر كان قد جمع من غير خوف ولا مطر، كما أنه إذا جمع في السفر ~~وجمع في المدينة كان قد جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر، فقول ابن عباس ~~جمع من غير كذا ولا كذا ليس نفيا منه للجمع بتلك الأسباب بل إثبات منه لأنه ~~جمع بدونها وإن كان قد جمع بها أيضا. # ولو لم ينقل أنه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق ~~الأولى، فيدل ذلك على الجمع للخوف والمطر، وقد جمع بعرفة ومزدلفة من غير ~~خوف ولا مطر. # فالأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته ~~فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله عن الأمة، وذلك يدل على ~~الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى، ويجمع من ~~لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج كالمستحاضة وأمثال ذلك من ~~الصور (1) . # وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال الجمع بين الصلاتين من غير عذر من ~~الكبائر، وروى الثوري في جامعه عن سعيد عن قتادة عن أبي العالية عن عمر ~~ورواه يحيى ms220 بن سعد عن يحيى بن صبح حدثني حميد بن PageV02P041 # هلال عن أبي قتادة يعني العدوي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل له ثلاث من ~~الكبائر: الجمع بين الصلاتين إلا من عذر، والفرار من الزحف والنهب. قال ~~البيهقي: أبو قتادة أدرك عمر فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم ~~إلى الأول صار قويا. وهذا اللفظ يدل على إباحة الجمع للعذر ولم يخص عمر ~~عذرا من عذر. قال البيهقي: وقد روي فيه حديث موصول عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في إسناده من لا يحتج به وهو من رواية سلمان التيمي عن حنش الصنعائي ~~عن عكرمة عن ابن عباس. # فصل: في تمام الكلام في القصر وسبب إتمام عثمان الصلاة بمنى وقد تقدم ~~فيها بعض أقوال الناس، والقولان الأولان مرويان عن الزهري وقد ذكرهما أحمد، ~~روى عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري قال إنما صلى عثمان بمنى أربعا لأنه قد ~~عزم على المقام بعد الحج، ورجح الطحاوي هذا الوجه مع أنه ذكر الوجهين ~~الآخرين فذكر ما رواه حماد بن سلمة عن أيوب عن الزهري قال: إنما صلى عثمان ~~بمنى أربعا لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام فأحب أن يخبرهم أن الصلاة ~~أربع قال الطحاوي فهذا يخبر أنه فعل ما فعل ليعلم الأعراب به أن الصلاة ~~أربع. فقد يحتمل أن يكون لما أراد أن يريهم ذلك نوى الإقامة فصار مقيما ~~فرضه أربع فصلى بهم أربعا فالسبب الذي حكاه معمر عن الزهري (1) ويحتمل أن ~~يكون فعل ذلك وهو مسافر لتلك العلة قال: والتأويل الأول أشبه عندنا لأن ~~الأعراب كانوا بالصلاة وأحكامها PageV02P042 # في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجهل منهم بها وبحكمها في زمن عثمان ~~وهم بأمر الجاهلية حينئذ أحدث عهدا إذ كانوا في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى العلم بفرض الصلوات أحوج منهم إلى ذلك في زمن عثمان، فلما ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتم الصلاة لتلك العلة، ولكنه قصرها ~~ليصلوا معه ms221 صلاة السفر على حكمها ويعلمهم صلاة الإقامة على حكمها كان عثمان ~~أحرى أن لا يتم بهم الصلاة لتلك العلة قال الطحاوي وقد قال آخرون: إنما ~~إتمام الصلاة لأنه كان يذهب إلى أنه لا يقصرها إلا من حل وارتحل واحتجوا ~~بما رواه عن حماد ابن سلمة عن قتادة قال: قال عثمان بن عفان: إنما يقصر ~~الصلاة من حمل الزاد والمزاد وحل وارتحل. وروى بإسناده المعروف عن سعيد بن ~~أبي عروبة وقد رواه غيره بإسناد صحيح عن عثمان بن سعد عن سعيد بن أبي عروبة ~~عن قتادة عن عباس بن عبد الله بن أبي ربيعة أن عثمان بن عفان كتب إلى ~~عماله: ألا لا يصلين الركعتين جاب ولا تأن ولا تاجر إنما يصلي الركعتين من ~~كان معه الزاد والمزاد. وروي أيضا من طريق حماد بن سلمة أن أيوب السختياني ~~أخبرهم عن أبي قلابة الجرفي عن عمه أبي المهلب قال: كتب عثمان أنه قال ~~بلغني أن قوما يخرجون إما لتجارة وإما لجباية وإما لجريم ثم يقصرون الصلاة ~~وإنما يقصر الصلاة من كان شاخصا أو بحضرة عدو. قال ابن حزم: وهذان ~~الإسنادان في غاية الصحة. قال الطحاوي قالوا وكان مذهب عثمان أن لا يقصر ~~الصلاة إلا من يحتاج إلى حمل الزاد والمزاد ومن كان شاخصا فأما من كان في ~~مصر يستغني به عن حمل الزاد والمزاد فإنه يتم الصلاة قالوا: ولهذا أتم ~~عثمان بمنى لأن أهلها في ذلك الوقت كثروا حتى صارت مصرا يستغني من حل به عن ~~حمل الزاد والمزاد. قال الطحاوي: وهذا المذهب عندنا فاسد، لأن منى لم تصر ~~في زمن عثمان أعمر من مكة في # PageV02P043 # زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي بها ركعتين، ثم صلى بها أبو بكر بعده كذلك، ثم صلى بها عمر بعد أبي ~~بكر كذلك فإذا كانت مع عدم احتياج من حل بها إلى حمل الزاد والمزاد، تقصر ~~فيها الصلاة فما دونها من المواطن أحرى أن يكون كذلك ms222 قال: فقد انتفت هذه ~~المذاهب كلها لفسادها عن عثمان أن يكون من أجل شيء منها قصر الصلاة، غير ~~المذهب الأول، الذي حكاه معمر عن الزهري، فإنه يحتمل أن يكون من أجلها ~~أتمها، وفي الحديث أن إتمامه كان لنيته الإقامة على ما روينا فيه، وعلى ما ~~كشفنا من معناه. قلت: الطحاوي مقصوده أن يجعل ما فعله عثمان موافقا لأصله، ~~وهذا غير ممكن فإن عثمان من المهاجرين والمهاجرون كان يحرم عليهم المقام ~~بمكة ولم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم لهم، إذا قدموا مكة للعمرة أن ~~يقيموا بها أكثر من ثلاث بعد قضاء العمرة كما قال في الصحيحين عن العلاء بن ~~الحضرمي أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه ~~ثلاثا، ولهذا لما توفي ابن عمر بها أمر أن يدفن بالحل ولا يدفن بها. وفي ~~الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد سعد بن أبي وقاص، وقد كان ~~مرض في حجة الوداع، خاف سعد أن يموت بمكة فقال: يا رسول الله أخلف عن ~~هجرتي، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يموت بها. وقال: " إنك لن ~~تموت حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون "، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة. # ومن المعروف عن عثمان أنه كان إذا اعتمر ينيخ راحلته، فيعتمر ثم يركب ~~عليها راجعا فكيف يقال إنه نوى المقام بمكة؟ ثم هذا # PageV02P044 # من الكذب الظاهر، فإن عثمان ما أقام بمكة قط، بل كان إذا حج يرجع إلى ~~المدينة. # وقد حمل الشافعي وأصحابه وطائفة من متأخري أصحاب أحمد، كالقاضي وأبي ~~الخطاب وابن عقيل وغيرهم فعل عثمان على قولهم، فقالوا: لما كان المسافر ~~مخيرا بين الإتمام والقصر، كان كل منهما جائزا، وفعل عثمان هذا، لأن القصر ~~جائز والإتمام جائز، وكذلك حملوا فعل عائشة واستدلوا بما رووه من جهتها، ~~وذكر البيهقي قول من قال أتمها لأجل الأعراب، ورواه من سنن أبي داود، ثنا ~~موسى بن إسماعيل، ms223 ثنا حماد عن أيوب عن الزهري، أن عثمان بن عفان أتم الصلاة ~~بمنى من أجل الأعراب، لأنهم كثروا عامين فصلى بالناس أربعا، ليعلمهم أن ~~الصلاة أربع. وروى البيهقي من حديث إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا يعقوب عن ~~حميد ثنا سليمان بن سالم مولى عبد الرحمن بن حميد عن عبد الرحمن بن حميد عن ~~أبيه عن عثمان بن عفان أنه أتم الصلاة بمنى ثم خطب الناس فقال: أيها الناس ~~إن السنة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة صاحبيه، ولكنه حدث العام ~~من الناس فخفت أن تعيبوا، قال البيهقي وقد قيل غير هذا والأشبه أن يكون رآه ~~رخصة فرأى الإتمام جائزا كما رأته عائشة، قلت: وهذا بعيد فإن عدول عثمان ~~عما داوم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفتاه بعده مع أنه أهون ~~عليه، وعلى المسلمين ومع ما علم من حلم عثمان واختياره له ولرعيته، أسهل ~~الأمور وبعده عن التشديد والتغليظ لا يناسب أن يفعل الأمر الأثقل الأشد مع ~~ترك ما داوم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفتاه بعده، ومع رغبة ~~عثمان # PageV02P045 # في الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وخليفته بعده لمجرد كون هذا ~~المفضول جائزا، إن لم ير أن في فعل ذلك مصلحة راجحة بعثته على أن يفعله، ~~وهب أن له أن يصلي أربعا فكيف يلزم بذلك من يصلي خلفه، فإنهم إذا ائتموا به ~~صلوا بصلاته فيلزم المسلمين بالفعل الأثقل مع خلاف السنة لمجرد كون ذلك ~~جائزا، وكذلك عائشة وقد وافق عثمان على ذلك غيره من السلف أمراؤهم وغير ~~أمرائهم، وكانوا يتمون وأئمة الصحابة لا يختارون ذلك، كما روى مالك عن ~~الزهري أن رجلا أخبره عن عبد الرحمن بن المسور مخرمة وعبد الرحمن بن عبد ~~يغوث كانا جميعا في سفر وكان سعد بن أبي وقاص يقصر الصلاة ويفطر وكانا ~~يتمان الصلاة ويصومان فقيل لسعد نراك تقصر من الصلاة وتفطر ويتمان فقال ~~سعد: نحن أعلم، وروى شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن المسور ms224 قال ~~كنا مع سعد بن أبي وقاص في قرية من قرى الشام فكان يصلي ركعتين فنصلي نحن ~~أربعا فنسأله عن ذلك فيقول سعد: نحن أعلم. # وروى مالك عن ابن شهاب عن صوان بن عبد الله بن صفوان قال: جاء عبد الله ~~بن عمر يعود عبد الله بن صفوان فصلى بنا ركعتين ثم انصرف فأتممنا لأنفسنا، ~~قلت: عبد الله بن صفوان كان مقيما بمكة فلهذا أتموا خلف ابن عمر. # وروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعا وإذا صلى ~~لنفسه ركعتين، قال البيهقي والأشبه أن يكون عثمان رأى القصر رخصة فرأى ~~الإتمام جائزا كما رأته عائشة قال: وقد روي ذلك عن غير واحد من الصحابة مع ~~اختيارهم القصر ثم روى الحديث المعروف من رواية عبد الرزاق عن إسرائيل عن ~~أبي إسحاق السبيعي عن أبي ليلى قال # PageV02P046 # أقبل سلمان في إثني عشر راكبا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فحضرت ~~الصلاة فقالوا تقدم يا أبا عبد الله فقال: إنا لا نؤمكم ولا ننكح نساءكم إن ~~الله هدانا بكم، قال فتقدم رجل من القوم فصلى بهم أربعا، قال: فقال سلمان ~~ما لنا ولا لمربعة إنما كان يكفينا نصف المربعة ونحن إلى الرخصة أحوج قال: ~~فبين سلمان بمشهد هؤلاء الصحابة أن القصر رخصة. قلت: هذه القضية كانت في ~~خلافة (1) . # وسلمان قد أنكر التربيع وذلك أنه كان خلاف السنة المعروفة عندهم فإنه لم ~~تكن الأئمة يربعون في السفر وقوله ونحن إلى الرخصة أحوج؛ يبين أنها رخصة ~~وهي رخصة مأمور بها كما أن أكل الميتة في المخمصة رخصة وهي مأمور بها وفطر ~~المريض رخصة وهو مأمور به والصلاة بالتيمم رخصة مأمور بها والطواف بالصفا ~~والمروة قد قال الله فيه: " فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما " وهو مأمور به إما ركن وإما واجب وإما سنة والذي صلى سلمان أربعا ~~يحتمل أنه لا يرى القصر لمثله إما لأن سفره كان قصرا عنده وإما لأن سفره لم ~~يكن ms225 عنده مما يقصر فيه الصلاة فإن من الصحابة من لا يرى القصر إلا في حج أو ~~عمرة أو غزو وكان لكثير من السلف والخلف نزاع في جنس سفر القصر وفي قدره ~~فهذه القضية المعينة لم يتبين فيها حال الإمام ومتابعة سلمان له تدل على أن ~~الإمام إذا فعل شيئا متأولا اتبع عليه كما إذا قنت متأولا أو كبر خمسا أو ~~سبعا متأولا والنبي صلى الله عليه وسلم صلى خمسا واتبعه أصحابه ظانين أن ~~الصلاة زيد فيها فلما سلم ذكروا ذلك فقال: " إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ~~PageV02P047 # فإن نسيت ذكروني " وقد تنازع العلماء في الإمام إذا قام إلى خامسة هل ~~يتابعه المأموم أو يفارقه ويسلم أو يفارقه وينتظره أو يخير بين هذا وهذا ~~على أقوال معروفة وهي روايات عن أحمد أو رأى أن التربيع مكروه وتابع الإمام ~~عليه فإن المتابعة واجبة ويجوز فعل المكروه لمصلحة راجحة ولا ريب أن تربيع ~~المسافر ليس كصلاة الفجر أربعا فإن المسافر لو اقتدى بمقيم لصلى خلفه أربعا ~~لأجل متابعة إمامه فهذه الصلاة تفعل في حال ركعتين وفي حال أربعا بخلاف ~~الفجر فجاز أن تكون متابعة الإمام المسافر كمتابعة المسافر للمقيم لأن ~~كلاهما اتبع إمامه وهذا القول وهو القول بكراهة التربيع أعدل الأقوال وهو ~~الذي نص عليه أحمد في رواية الأثرم وقد سأله هل للمسافر أن يصلي أربعا ~~فقال: لا يعجبني ولكن السفر ركعتان، وقد نقل عنه المروذي أنه قال: إن شاء ~~صلى أربعا وإن شاء صلى ركعتين. ولا يختلف قول أحمد أن الأفضل هو القصر بل ~~نقل عنه إذا صلى أربعا أنه توقف في الأجزاء ومذهب مالك كراهية التربيع وأنه ~~يعيد في الوقت ولهذا يذكر في مذهبه هل تصح الصلاة أربعا؟ على قولين. # ومذهب الشافعي جواز الأمرين وأيهما أفضل فيه، قولان: أصحهما أن القصر ~~أفضل كإحدى الروايتين عن أحمد، وهو اختيار كثير من أصحابه وتوقف أحمد عن ~~القول بالأجزاء يقتضي أنه يخرج على قوله في مذهبه، وذلك أن غايته أنه زاد ~~زيادة مكروهة وهذا ms226 لا يبطل الصلاة فإنه أتى بالواجب وزيادة والزيادة إذا ~~كانت سهوا لا تبطل الصلاة باتفاق المسلمين، وكذلك الزيادة خطأ إذا اعتقد ~~جوازها وهذه الزيادة لا يفعلها من يعتقد تحريمها وإنما يفعلها من يعتقدها ~~جائزة ولا نص بتحريمها بل # PageV02P048 # الأدلة دالة على كون ذلك مخالفا للسنة لا أنه محرم كالصلاة بدون رفع ~~اليدين ومع الالتفات ونحو ذلك من المكروهات وسنتكلم إن شاء الله على تمام ~~ذلك. # مذهب عثمان رضي الله عنه في قصر الصلاة: # وأما إتمام عثمان فالذي ينبغي أن يحمل حاله على ما كان يقول لا على ما لم ~~يثبت فقوله أنه بلغني أن قوما يخرجون إما لتجارة وإما لجباية وإما لجريم ~~يقصرون الصلاة وإنما يقصر الصلاة من كان شاخصا أو بحضرة عدو، وقوله بين فيه ~~مذهبه وهو أنه لا يقصر الصلاة من كان نازلا في قرية أو مصر إلا إذا كان ~~خائفا بحضرة عدو وإنما يقصر من كان شاخصا أي مسافرا وهو الحامل للزاد ~~والمزاد أي للطعام والشراب، والمزاد وعاء الماء، يقول إذا كان نازلا مكانا ~~فيه الطعام والشراب كان مترفها بمنزلة المقيم فلا يقصر لأن القصر إنما جعل ~~للمشقة التي تلحق الإنسان وهذا لا تلحقه مشقة فالقصر عنده للمسافر الذي ~~يحمل الزاد والمزاد وللخائف، ولما عمرت منى وصار بها زاد ومزاد لم ير القصر ~~بها لا لنفسه ولا لمن معه من الحجاج، وقوله في تلك الرواية: ولكن حدث العام ~~لم يذكر فيها ما حدث فقد يكون هذا هو الحادث، وإن كان قد جاءت الجهال من ~~الأعراب وغيرهم يظنون أن الصلاة أربع فقد خاف عليهم أن يظنوا أنها تفعل في ~~مكان فيه الزاد والمزاد أربعا وهذا عنده لا يجوز، وإن كان قد تأهل بمكة ~~فيكون هذا أيضا موافقا فإنه إنما تأهل بمكان فيه الزاد والمزاد وهو لا يرى ~~القصر لمن كان نازلا بأهله في مكان فيه الزاد والمزاد، وعلى هذا فجميع ما ~~ثبت في هذا الباب من عذره يصدق بعضه بعضا. # PageV02P049 # وأما ما اعتذر به الطحاوي من أن مكة ms227 كانت على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعمر من منى في زمن عثمان فجواب عثمان له أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في عمرة القضية ثم في غزوة الفتح ثم في عمرة الجعرانة كان خائفا من العدو ~~وعثمان يجوز القصر لمن كان خائفا وإن كان نازلا في مكان فيه الزاد والمزاد ~~فإنه يجوزه للمسافر ولمن كان بحضرة العدو، وإما حجة الوداع فقد كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم آمنا لكنه لم يكن نازلا بمكة وإنما كان نازلا بالأبطح ~~خارج مكة هو وأصحابه فلم يكونوا نازلين بدار إقامة ولا بمكان فيه الزاد ~~والمزاد. وقد قال أسامة: أين ننزل غدا؟ هل ننزل بدارك بمكة؟ فقال: " وهل ~~ترك لنا عقيل من دار ننزل بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر وهذا ~~المنزل بالأبطح بين المقابر ومنى. # وكذلك عائشة رضي الله عنها أخبرت عن نفسها أنها إنما تتم لأن القصر لأجل ~~المشقة وأن الإتمام لا يشق عليها، والسلف والخلف تنازعوا في سفر القصر في ~~جنسه وفي قدره فكان قول عثمان وعائشة أحد أقوالهم فيها، وللناس في جنس سفر ~~القصر أقوال أخر مع أن عثمان قد خالفه علي وابن مسعود وعرمان بن الحصين ~~وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وغيرهم من علماء الصحابة فروى سفيان ~~بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: اعتل عثمان وهو بمنى فأتى علي فقيل ~~له: صل بالناس فقال: إن شئتم صليت بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ركعتين، قاولوا: لا إلا صلاة أمير المؤمنين يعنون أربعا، فأبى. وفي ~~الصحيحين عن ابن مسعود (1) . PageV02P050 # الخلاف في جواز إتمام الرباعية في السفر # وقد تنازع الناس في الأربع في السفر على أقوال: أحدها: أن ذلك بمنزلة ~~صلاة الصبح أربعا وهذا مذهب طائفة من السلف والخلف وهو مذهب أبي حنيفة وابن ~~حزم وغيره من أهل الظاهر، ثم عند أبي حنيفة إذا جلس مقدار التشهد تمت صلاته ~~والمفعول بعد ذلك كصلاة منفصلة قد تطوع بها، وإن لم يقعد مقدار ms228 التشهد بطلت ~~صلاته، ومذهب ابن حزم وغيره أن صلاته باطلة كما لو صلى عندهم الفجر أربعا. # وقد روى سعيد في سننه عن الضحاك بن مزاحم قال: قال ابن عباس من صلى في ~~السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين. # قال ابن حزم وروينا عن عمر بن عبد العزيز وقد ذكر الإتمام في السفر لمن ~~شاء فقال: لا، الصلاة في السفر ركعتان حتمان لا يصح غيرهما، وحجة هؤلاء أنه ~~قد ثبت أن الله إنما فرض في السفر ركعتين والزيادة على ذلك لم يأت بها كتاب ~~ولا سنة، وكل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه صلى أربعا أو أقر ~~من صلى أربعا فإنه كذب. # وأما فعل عثمان وعائشة فتأويل منهما أن القصر إنما يكون في بعض الأسفار ~~دون بعض كما تأول غيرهما أنه لا يكون إلا في حج أو عمرة أو جهاد ثم قد ~~خالفهما أئمة الصحابة وأنكروا ذلك. قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " فأمر بقبولها والأمر ~~يقتضي الوجوب، ومن قال يجوز الأمران فعمدتهم قوله تعالى: " وإذا ضربتم في ~~الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة # PageV02P051 # إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا " قالوا: وهذه العبارة إنما تستعمل في ~~المباح لا في الواجب كقوله: " ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو ~~كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم " وقوله: " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما ~~لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة " ونحو ذلك، واحتجوا من السنة بما تقدم من ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم حسن لعائشة إتمامها وبما روي من أنه فعل ذلك ~~واحتجوا بأن عثمان أتم الصلاة بمنى بمحضر الصحابة فأتموا خلفه وهذه كلها ~~حجج ضعيفة. # أما الآية فنقول قد علم بالتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان ~~يصلي في السفر ركعتين وكذلك أبو بكر وعمر بعده وهذا يدل على أن الركعتين ~~أفضل كما عليه جماهير العلماء، وإذا كان القصر طاعة لله ms229 ورسوله وهو أفضل من ~~غيره لم يجز أن يحتج بنفي الجناح على أنه مباح لا فضيلة فيه، ثم ما كان ~~عذرهم عن كونه مستحبا هو عذر لغيرهم عن كونه مأمورا به أمر إيجاب، وقد قال ~~تعالى في السعي: " فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " ~~والطواف بين الصفا والمروة هو السعي المشروع باتفاق المسلمين وذلك إما ركن ~~وإما واجب وإما سنة، وأيضا فالقصر وإن كان رخصة استباحة المحظور فقد تكون ~~واجبة كأكل الميت للمضطر والتيمم لمن عدم الماء ونحو ذلك، هذا إن سلم أن ~~المراد به قصر العدد، فإن للناس في الآية ثلاثة أقوال: قيل المراد به قصر ~~العدد فقط وعلى هذا فيكون التخصيص بالخوف غير مفيد، والثاني أن المراد به ~~قصر الأعمال فإن صلاة الخوف تقصر عن صلاة الأمن والخوف يبيح ذلك، وهذا يرد ~~عليه أن صلاة الخوف جائزة حضرا وسفرا والآية أفادت القصر في السفر. # PageV02P052 # والقول الثالث وهو الأصح أن الآية أفادت قصر العدد وقصر العمل جميعا ~~ولهذا علق ذلك بالسفر والخوف فإذا اجتمع الضرب في الأرض والخوف أبيح القصر ~~الجامع لهذا ولهذا، وإذا انفرد السفر فإنما يبيح قصر العدد، وإذا انفرد ~~الخوف فإنما يفيد قصر العمل. # ومن قال إن الفرض في الخوف والسفر ركعة كأحد القولين في مذهب أحمد وهو ~~مذهب ابن حزم فمراده إذا كان خوف وسفر فيكون السفر والخوف قد أفادا القصر ~~إلى ركعة كما روى أبو داود الطيالسي ثنا المسعودي هو عبد الرحمن هو عبد ~~الرحمن بن عبد الله عن يزيد الفقير قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين ~~في السفر أقصرهما، قال جابر: لا، فإن الركعتين في السفر ليستا بقصر إنما ~~القصر ركعة عند القتال. # وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر ~~أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. قال ابن حزم: ورويناه أيضا من طريق ~~حذيفة وجابر وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عمر عن النبي صلى الله عليه ms230 وسلم ~~بأسانيد في غاية الصحة. قال ابن حزم: وبهذه الآية قلنا إن صلاة الخوف في ~~السفر إن شاء ركعة وإن شاء ركعتين لأنه جاء في القرآن بلفظ " لا جناح " لا ~~بلفظ الأمر والإيجاب وصلاها الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة ركعة ~~فقط ومرة ركعتين فكان ذلك على الاختيار كما قال جابر. # وأما صلاة عثمان فقد عرف إنكار أئمة الصحابة عليه ومع هذا فكانوا يصلون ~~خلفه، بل كان ابن مسعود يصلي أربعا وإن انفرد ويقول: الخلاف شر، وكان ابن ~~عمر إذا انفر صلى ركعتين. وهذا دليل على أن صلاة السفر أربعا مكروهة عندهم ~~ومخالفة للسنة ومع ذلك فلا إعادة على # PageV02P053 # من فعلها وإذا فعلها الإمام اتبع فيها، وهذا لأن صلاة المسافر ليست كصلاة ~~الفجر، بل هي من جنس الجمعة والعيدين، ولهذا قرن عمر بن الخطاب في السنة ~~التي نقلها بين الأربع فقال: صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة ~~الجمعة ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب ~~من افترى. رواه أحمد والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن ~~عجرة قال: قال عمر، ورواه يزيد بن زياد ابن أبي الجعد عن زبيد الأيامي (1) ~~عن عبد الرحمن فهذه الأربعة ليست من جنس الفجر. # ومعلوم أنه يوم الجمعة يصلى ركعتين تارة ويصلي أربعا أخرى، ومن فاتته ~~الجمعة إنما يصلي أربعا لا يصلي ركعتين وكذلك من لم يدرك منها ركعة عند ~~الصحابة وجمهور العلماء كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها " وإذا حصلت شروط الجمعة خطب ~~خطبتين وصلى ركعتين فلو قدر أنه خطب وصلى الظهر أربعا لكان تاركا للسنة ومع ~~هذا فليسوا كمن صلى الفجر أربعا ولهذا يجوز للمريض والمسافر والمرأة وغيرهم ~~ممن لا تجب عليهم الجمعة أن يصلي الظهر أربعا أن يأتم به في الجمعة فيصلي ~~ركعتين فكذلك المسافر له أن يصلي ركعتين وله أن يأتم بمقيم فيصلي خلفه ~~أربعا فإن ms231 قيل الجمعة يشترط لها الجماعة فلهذا كان حكم المنفرد فيها خلاف ~~حكم المؤتم. PageV02P054 # وهذا الفرق ذكره أصحاب الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد قيل لهم اشتراط ~~الجماعة في الصلوات الخمس فيه نزاع في مذهب أحمد وغيره والأقوى أنه شرط مع ~~القدرة وحينئذ المسافر لما ائتم بالمقيم دخل في الجماعة الواجبة فلزمه ~~إتباع الإمام كما في الجمعة، وإن قيل فللمسافرين أن يصلوا جماعة قيل ولهم ~~أن يصلوا يوم الجمعة جماعة ويصلوا أربعا، وصلاة العيد قد ثبت عن علي أنه ~~استخلف من صلى بالناس في المسجد أربعا ركعتين للسنة وركعتين لكونهم لم ~~يخرجوا إلى الصحراء، فصلاة الظهر يوم الجمعة وصلاة العيدين تفعل تارة ثنتين ~~وتارة أربعا كصلاة المسافر بخلاف صلاة الفجر، وعلى هذا تدل آثار الصحابة ~~فإنهم كانوا يكرهون من الإمام أن يصلي أربعا ويصلون خلفه كما في حديث سلمان ~~وحديث ابن مسعود وغيره مع عثمان ولو كان ذلك عندهم كمن يصلي الفجر أربعا ~~لما استجازوا أن يصلوا أربعا كما لا يستجيز مسلم أن يصلي الفجر أربعا. # ومن قال إنهم لما قعدوا قدر التشهد أدوا الفرض والباقي تطوع قيل له: من ~~المعلوم أنه لم ينقل عن أحدهم أنه قال: نوينا التطوع بالركعتين. وأيضا فإن ~~ذلك ليس بمشروع فليس لأحد أن يصلي بعد الفجر ركعتين بل قد أنكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم على من صلى بعد الإقامة السنة وقال الصبح أربعا. # وقد صلى الإمام فكيف إذا وصل الصلاة بصلاة وقد ثبت في الصحيح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بكلام أو قيام. # وقد كان الصحابة ينكرون على من يصلي الجمعة وغيرها بصلاة تطوع فكيف ~~يسوغون أن يصلي الركعتين في السفر إن كان لا يجوز # PageV02P055 # إلا ركعتان بصلاة تطوع، وأيضا فلماذا وجب على المقيم خلف المسافر أن يصلي ~~أربعا كما ثبت ذلك عن الصحابة وقد وافق عليه أبو حنيفة وأيضا فيجوز أن يصلي ~~المقيم أربعا خلف المسافر ركعتين كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه ms232 ~~يفعلون ذلك ويقولون أتموا صلاتكم فإنه قوم سفر. # وهذا مما يبين أن صلاة المسافر من جنس صلاة المقيم فإنه قد سلم جماهير ~~العلماء أن يصلي هذا خلف هذا كما يصلي الظهر خلف من يصلي الجمعة وليس هذا ~~كمن صلى الظهر قضاء خلف من يصلي الفجر. # وأما من قال أن المسافر فرضه أربع وله أن يسقط ركعتين بالقصر فقوله مخالف ~~للنصوص وإجماع السلف والأصول وهو قول متناقض فإن هاتين الركعتين يملك ~~المسافر إسقاطهما لا إلى بدل ولا إلى نظيره وهذا يناقض الوجوب فإنه يمتنع ~~أن يكون الشيء واجبا على العبد ومع هذا لا يلزمه فعله ولا فعل بدله ولا ~~نظيره - فعلم بذلك أن الفرض على المسافر الركعتان فقط، الذي يدل عليه كلام ~~أحمد وقدماء الصحابة فإنه لم يشترط في القصر نية وقال: لا يعجبني الأربع ~~وتوقف في إجزاء الأربع. # ولم ينقل أحد عن أحمد أنه قال لا يقصر إلا بنية وإنما هذا من قول الخرقي ~~ومن اتبعه ونصوص أحمد وأجوبته كلها مطلقة في ذلك كما قاله جماهير العلماء ~~وهو اختيار أبي بكر موافقة لقدماء الأصحاب كالخلال وغيره بل والأثرم وأبي ~~داود وإبراهيم الحربي وغيرهم فإنهم لم يشترطوا النية لا في قصر ولا في جمع، ~~وإذا كان فرضه ركعتين فإذا أتى بهما أجزأه ذلك سواء نوى القصر أو لم ينوه ~~وهذا قول الجماهير كمالك وأبي حنيفة وعامة السلف وما علمت أحدا من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان اشترط نية لا في # PageV02P056 # قصر ولا في جمع ولو نوى المسافر الإتمام كانت السنة في حقه الركعتين، ولو ~~صلى أربعا كان ذلك مكروها كما لو ينوه. # ولم ينقل قط أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه لا بنية ~~القصر ولا نية جمع ولا كان خلفاؤه وأصحابه يأمرون بذلك من يصلي خلفهم مع أن ~~المأمومين أو أكثرهم لا يعرفون ما يفعله الإمام فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما خرج في حجته صلى بهم الظهر بالمدينة أربعا، وصلى بهم العصر بذي ~~الحليفة ركعتين وخلفه ms233 أمم لا يحصي عددهم إلا الله كلهم خرجوا يحجون معه ~~وكثير منهم لا يعرف صلاة السفر إما لحدوث عهده بالإسلام وإما لكونه لم ~~يسافر بعد لا سيما النساء صلوا معه ولم يأمرهم بنية القصر وكذلك جمع بهم ~~بعرفة ولم يقل لهم إني أريد أن أصلي العصر بعد الظهر حتى صلاها. # فصل: الخلاف في السفر الشرعي وحكمه: السفر في كتاب الله وسنة رسوله في ~~القصر والفطر مطلق ثم قد تنازع الناس في جنس السفر وقدره، أما جنسه ~~فاختلفوا في نوعين: أحدهما حكمه فمنهم من قال لا نقصر إلا في حج أو عمرة أو ~~غزو وهذا قول داود وأصحابه إلا ابن حزم، قال ابن حزم وهو قول جماعة من ~~السلف كما روينا من طريق ابن أبي عدي حدثنا جرير عن الأعمش عن عمارة بن ~~عمير عن الأسود عن ابن مسعود قال: لا يقصر الصلاة إلا حاج أو مجاهد. وعن ~~طاوس أنه كان يسأل عن قصر الصلاة فيقول إذا خرجنا # PageV02P057 # حجاجا أو عمارا صلينا ركعتين. # وعن إبراهيم التيمي أنه كان لا يرى القصر إلا في حج أو عمرة أو جهاد، ~~وحجة هؤلاء أنه ليس معنا نص يوجب عموم القصر للمسافر إذا خاف أن يفتنه ~~الذين كفروا وهذا سفر الجهاد، وأما السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قصر ~~في حجه وعمره وغزواته فثبت جواز هذا والأصل في الصلاة الإتمام فلا تسقط إلا ~~حيث أسقطتها السنة. # ومنهم من قال: لا يقصر إلا في سفر يكون طاعة فلا يقصر في مباح كسفر ~~التجارة وهذا يذكر رواية عن أحمد، والجمهور يجوزون القصر في السفر الذي ~~يجوز فيه الفطر وهو الصواب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله ~~وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة " رواه عنه أنس بن مالك الكعبي وقد رواه ~~أحمد وغيره بإسناد جيد، وأيضا فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن يعلى بن أمية ~~أنه قال لعمر بن الخطاب " ليس عليكم جناح أن تقصورا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا ms234 " فقد أمن الناس، فقال عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا ~~صدقته " وهذا يبين أن سفر الأمن يجوز فيه قصر العدد وإن كان ذلك صدقة من ~~الله علينا أمرنا بقبولها. # وقد قال طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد: إن شئنا قبلناها وإن شئنا لم ~~نقبلها، فإن قبول الصدقة لا يجب، ليدفعوا بذلك الأمر بالركعتين وهذا غلط ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نقبل صدقة الله علينا والأمر ~~للإيجاب وكل إحسانه إلينا صدقة علينا فإن لم نقبل ذلك هلكنا وأيضا فقد ثبت ~~عن عمر بن الخطاب أنه قال: صلاة السفر ركعتان تمام # PageV02P058 # غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى، كما قال: صلاة الجمعة ركعتان ~~وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان، وهذا نقل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه سن للمسلمين الصلاة في جنس السفر ركعتين كما سن الجمعة والعيدين ~~ولم يخص ذلك بسفر نسك أو جهاد، وأيضا فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها ~~قالت: فرضت الصلاة ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر، وهذا يبين ~~أن المسافر لم يؤمر بأربع قط وحينئذ فما أوجب الله على المسافر أن يصلي ~~أربعا وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله لفظ يدل على أن المسافر فرض عليه ~~أربع، وحينئذ فمن أوجب على مسافر أربعا فقد أوجب ما لم يوجبه الله ورسوله. # فإن قيل قوله وضع يقتضي أنه كان واجبا قبل هذا كما قال أنه وضع عنه الصوم ~~ومعلوم أنه لم يجب على المسافر صوم رمضان قط لكن لما انعقد سبب الوجوب ~~فأخرج المسافر من ذلك سمي وضعا ولأنه كان واجبا في المقام فلما سافر وضع ~~بالسفر كما يقال: من أسلم وضعت عنه الجزية مع أنها لا تجب على مسلم بحال، ~~وأيضا فقد قال صفوان بن محرز: قلت لابن عمر: حدثني عن صلاة السفر، قال: ~~أتخشى أن يكذب علي؟ قلت: لا، قال: ركعتان من خالف السنة ms235 كفر، وهذا معروف ~~رواه أبو التياح عن مورق العجل عنه وهو مشهور في كتب الآثار، وفي لفظ صلاة ~~السفر ركعتان ومن خالف السنة كفر وبعضهم رفعه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فبين أن صلاة السفر ركعتان وأن ذلك من السنة التي خالفها فاعتقد ~~خلافها فقد كفر، وهذه الأدلة دليل على أن من قال إنه لا يقصر إلا في سفر ~~واجب فقوله ضعيف ومنهم من قال لا يقصر في السفر المكروه ولا المحرم ويقصر ~~في # PageV02P059 # المباح وهذا أيضا رواية عن أحمد وهل يقصر في سفر النزهة؟ فيه عن أحمد ~~راويتان: وأما السفر المحرم فمذهب الثلاثة مالك والشافعي وأحمد لا يقصر ~~فيه، وأما أبو حنيفة وطوائف من السلف والخلف فقالوا: يقصر في جنس الأسفار ~~وهو قول ابن حزم وغيره، وأبو حنيفة وابن حزم وغيرهما يوجبون القصر في كل ~~سفر وإن كان محرما كما يوجب الجميع التيمم إذا عدم الماء في السفر المحرم، ~~وابن عقيل رجح في بعض المواضع القصر والفطر في السفر المحرم. # والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعا في جنس السفر ولم يخص سفرا من سفر ~~وهذا القول هو الصحيح فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر، قال تعالى: " فمن ~~كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " كما قال في آية التيمم: " وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر " الآية، وكما تقدمت النصوص الدالة على أن المسافر ~~يصلي ركعتين، ولم ينقل قط أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خص سفرا من ~~سفر مع علمه بأن السفر يكون حراما ومباحا ولو كان هذا مما يختص بنوع من ~~السفر لكان بيان هذا من الواجبات ولو بين ذلك لنقلته الأمة وما علمت عن ~~الصحابة في ذلك شيئا، وقد علق الله ورسوله أحكاما بالسفر كقوله تعالى في ~~التيمم: " وإن كنتم مرضى أو على سفر " وقوله في الصوم: " فمن كان مريضا أو ~~على سفر " وقوله: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ms236 ". # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن " ~~وقوله: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي ~~محرم " وقوله: " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر # PageV02P060 # الصلاة " ولم يذكر قط في شيء من نصوص الكتاب والسنة تقييد السفر بنوع دون ~~نوع، فكيف يجوز أن يكون الحكم معلقا بأحد نوعي السفر ولا يبين الله ورسوله ~~ذلك؟ بل يكون بيان الله ورسوله متناولا للنوعين، وهكذا في تقسيم السفر إلى ~~طويل وقصير وتقسيم الطلاق بعد الدخول إلى بائن ورجعي، وتقسيم الإيمان إلى ~~يمين مكفرة وغير مكفرة، وأمثال ذلك مما علق الله ورسوله الحكم فيه بالجنس ~~المشترك العام فجعله بعض الناس نوعين نوعا يتعلق به ذلك الحكم ونوعا لا ~~يتعلق من غير دلالة على ذلك من كتاب ولا سنة ولا نصا ولا استنباطا. # والذين قالوا: لا يثبت ذلك في السفر المحرم عمدتهم قوله تعالى في الميتة: ~~" فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه " وقد ذهب طائفة من المفسرين إلى ~~أن الباغي هو الباغي على الإمام الذي يجوز قتاله والعادي هو العادي على ~~المسلمين وهم المحاربون قطاع الطريق، قالوا: فإذا ثبت أن الميتة لا تحل لهم ~~فسائر الرخص أولى، وقالوا: إذا اضطر العاصي بسفره أمرناه أن يتوب ويأكل ولا ~~نبيح له إتلاف نفسه، وهذا القول معروف عن أصحاب الشافعي وأحمد، وأما أحمد ~~ومالك فجوزوا له أكل الميتة دون القصر والفطر، قالوا: ولأن السفر المحرم ~~معصية والرخص للمسافر إعانة على ذلك فلا تجوز الإعانة على المعصية. # وهذه حجج ضعيفة أما الآية فأكثر المفسرين قالوا المراد بالباغي الذي يبغي ~~المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج ~~إليه، وهذا التفسير هو الصواب دون الأول، لأن الله أنزل هذا في السور ~~المكية الأنعام والنحل وفي المدنية، ليبين ما يحل وما يحرم من # PageV02P061 # الأكل والضرورة لا تختص بسفر، ولو كانت في سفر فليس السفر المحرم مختصا ~~يقطع الطريق، والخروج على الإمام، ولم يكن ms237 على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم إمام يخرج عليه ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرا والبغاة الذين أمر ~~الله بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين ~~نزلت الآية فيهم أولا مسافرين بل كانوا من أهل العوالي مقيمين واقتتلوا ~~بالنعال والجريد فكيف يجوز أن يفسر الآية بما لا تختص بالسفر وليس فيها كل ~~سفر محرم؟ فالمذكور في الآية لو كان كما قيل لم يكن مطابقا للسفر المحرم ~~فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرم بدونه، وأيضا فقوله: " غير ~~باغ " حال من " اضطر " فيجب أن يكون حال اضطراره وأكله الذي يأكل فيه غير ~~باغ ولا عاد فإنه قال: " فلا إثم عليه " ومعلوم أن الإثم إنما ينفى عن ~~الأكل الذي هو الفعل لا عن نفس الحاجة إليه فمعنى الآية فمن اضطر فأكل غير ~~باغ ولا عاد، وهذا يبين أن المقصود أنه لا يبغي في أكله ولا يتعدى، والله ~~تعالى يقرن بين البغي والعدوان فالبغي ما جنسه ظلم والعدوان مجاوزة القدر ~~المباح كما قرن بين الإثم والعداون في قوله: " وتعاونوا على البر والتقوى ~~ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " فالإثم جنس الشر والعدوان مجاوزة القدر ~~المباح، فالبغي من جنس الإثم، قال تعالى: " وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ~~إلا من بعد ما جاءهم بغيا بينهم " وقال تعالى: " فمن خاف من موص جنفا أو ~~إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه " فالإثم جنس لظلم الورثة إذا كان مع العمد، ~~وأما الجنف فهو الجنف عليهم بعمد وبغير عمد لكن قال كثير من المفسرين الجنف ~~الخطأ والإثم لأنه لما خص الإثم بالذكر وهو العمد بقي الداخل # PageV02P062 # في الجنف خطأ، ولفظ العدوان من باب تعدي الحدود كما قال تعالى: " تلك ~~حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " ونحو ذلك، ومما ~~يشبه هذا قوله: " ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا " والإسراف ~~مجاوزة الحد في المباح، وأما الذنوب فما كان جنسه شر إثم وأما قولهم إن هذا ~~إعانة على ms238 المعصية فغلط لأن المسافر مأمور بأن يصلي ركعتين كما هو مأمور أن ~~يصلي بالتيمم وإذا عدم الماء في السفر المحرم كان عليه أن يتيمم ويصلي وما ~~زاد على الركعتين ليست طاعة ولا مأمورا بها أحد من المسافرين، وإذا فعلها ~~المسافر كان قد فعل منهيا عنه فصار صلاة الركعتين مثل أن يصلي المسافر ~~الجمعة خلف مستوطن، فهل يصليها إلا ركعتين وإن كان عاصيا بسفره وإن كان إذا ~~صلى وحده صلى أربعا؟ وكذلك صومه في السفر ليس برا ولا مأمورا به فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال: " ليس من البر الصيام في السفر " ~~وصومه إذا كان مقيما أحب إلى الله من صيامه في سفر محرم، ولو أراد أن يتطوع ~~على الراحلة في السفر المحرم لم يمنع من ذلك، وإذا اشتبهت عليه القبلة أما ~~كان يتحرى ويصلي؟ ولو أخذت ثيابه أما كان يصلي عريانا؟ فإن قيل هذا لا ~~يمكنه إلا هذا قيل والمسافر لم يؤمر إلا بركعتين والمشروع في حقه أن لا ~~يصوم، وقد اختلف الناس لو صام هل يسقط الفرض عنه؟ واتفقوا على أنه إذا صام ~~بعد رمضان أجزأه، وهذه المسألة ليس فيها احتياط، فإن طائفة يقولون من صلى ~~أربعا أو صام رمضان في السفر المحرم لم يجزئه ذلك كما لو فعل ذلك في السفر ~~المباح عندهم. # وطائفة يقولون لا يجزيه إلا صلاة أربع وصوم رمضان، وكذلك # PageV02P063 # أكل الميتة واجب على المضطر سواء كان في السفر أو الحضر وسواء كانت ~~ضرورية بسبب مباح أو محرم فلو ألقي ماله في البحر واضطر إلى أكل الميتة كان ~~عليه أن يأكلها، ولو سافر سفرا محرما فأتعبه حتى عجز عن القيام صلى قاعدا، ~~ولو قاتل قتالا محرما حتى أعجزته الجراح عن القيام صلى قاعدا، فإن قيل فلو ~~قاتل قتالا محرما هل يصلي صلاة الخوف؟ قيل يجب عليه أن يصلي ولا يقاتل فإن ~~كان لا يدع القتال المحرم فلا نبيح له ترك الصلاة بل إذا صلى صلاة خائف كان ~~خيرا من ترك الصلاة ms239 بالكلية، ثم هل يعيد؟ هذا فيه نزاع، ثم إن أمكن فعلها ~~بدون هذه الأفعال المبطلة في الوقت وجب ذلك عليه لأنه مأمور بها، وأما إن ~~خرج ولم يفعل ذلك، ففي صحتها وقبولها بعد ذلك نزاع. # النوع الثاني: من موارد النزاع أن عثمان كان لا يرى مسافرا إلا من حمل ~~الزاد والمزاد دون من كان نازلا لا يحتاج فيه إلى ذلك كالتاجر والتاني ~~والجابي الذين يكونون في موضع لا يحتاجون فيه إلى ذلك ولم يقدر عثمان للسفر ~~قدرا بل هذا الجنس عنده ليس بمسافر وكذلك قيل إنه لم ير نفسه والذين معه ~~مسافرين بمنى لما صارت منى معمورة وذكر ابن أبي شبيبة عن ابن سيرين أنه ~~قال: كانوا يقولون السفر الذي تقصر فيه الصلاة الذي يحمل فيه الزاد والمزاد ~~ومأخذ هذا القول والله أعلم أن القصر إنما كان في السفر لا في المقام ~~والرجل إذا كان مقيما في مكان يجد فيه الطعام والشراب لم يكن مسافرا بل ~~مقيما بخلاف المسافر الذي يحتاج أن يحمل الطعام والشراب فإن هذا يلحقه من ~~المشقة ما يلحق المسافر من مشقة السفر وصاحب هذا القول كأنه رأى الرخصة ~~إنما تكون للمشقة # PageV02P064 # والمشقة إنما تكون لمن يحتاج إلى حمل الطعام والشراب، وقد نقل عن غيره ~~كلام يفرق فيه بين جنس وجنس. # روى ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر عن أبي إسحاق الشيباني عن قيس بن مسلم ~~عن طارق ابن شهاب عن عبد الله ابن مسعود قال: لا يغرنكم سوادكم هذا من ~~صلاتكم فإنه من مصركم، فقوله من مصركم يدل على أنه جعل السواد بمنزلة المصر ~~لما كان تابعا، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن ~~أبيه قال: كنت مع حذيفة بالمدائن فاستأذنته أن آتي أهلي بالكوفة فأذن لي ~~وشرط علي أن لا أفطر ولا أصلي ركعتين حتى أرجع إليه وبينهما نيف وستون ~~ميلا. # وعن حذيفة أن لا يقصر إلى السواد وبين الكوفة. والسواد تسعون ميلا. # وعن معاذ بن جبل وعقبة بن عامر: ms240 لا يطأ أحدكم بماشية أحداب الجبال أو ~~بطون الأودية وتزعمون أنكم سفر لا ولا كرامة إنما التقصير في السفر من ~~الباءت (1) من الأفق إلى الأفق. # قلت: هؤلاء لم يذكروا مسافة محدودة للقصر لا بالزمان ولا بالمكان لكان ~~جعلوا هذا الجنس من السير ليس سفرا كما جعل عثمان السفر ما كان فيه حمل زاد ~~ومزاد فإن كانوا قصدوا ما قصده عثمان من أن هذا لا يزال يسير في مكان يحمل ~~فيه الزاد والمزاد فهو كالمقيم فقد وافقوا عثمان لكن ابن مسعود خالف عثمان ~~في إتمامه بمنى، وإن كان قصدهم أن أعمال البلد تبع له كالسواد مع الكوفة ~~وإنما المسافر من خرج من عمل إلى عمل كما في حديث معاذ من أفق إلى أفق فهذا ~~هو الظاهر ولهذا قال ابن مسعود عن السواد: فإنه من مصركم، وهذا كما أن ~~PageV02P065 # ما حول المصر من البساتين والمزارع تابعة له فهم يجعلون ذلك كذلك وإن طال ~~ولا يجدون فيه مسافة وهذا كما أن المخاليف وهي الأمكنة التي يستخلف فيها من ~~هو خليفة عن الأمير العام بالمصر الكبير، وفي حديث معاذ من خرج من مخلاف ~~إلى مخلاف يدل على ذلك ما رواه محمد بن بشار: حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا ~~شعبة سمعت قيس بن عمران بن عمير يحدث عن أبيه عن جده أنه خرج مع عبد الله ~~بن مسعود وهو رديفه على بغلة له مسيرة أربعة فراسخ فصلى الظهر ركعتين، قال ~~شعبة: أخبرني بهذا قيس بن عمران وأبوه عمران بن عمير شاهدوا عمير مولى ابن ~~مسعود، فهذا يدل على أن ابن مسعود لم يحد السفر بمسافة طويلة ولكن اعتبر ~~أمرا آخر كالأعمال وهذا أمر لا يحد بمسافة ولا زمان لكن بعموم الولايات ~~وخصوصها مثل من كان بدمشق فإذا سافر إلى ما هو خارج عن أعمالها كان مسافرا. ~~وأصحاب هذه الأقوال كأنهم رأوا ما رخص فيه للمسافر إنما رخص فيه للمشقة ~~التي تلحقه في السفر، واحتياجه إلى الرخصة، وعلموا أن المنتقل في المصر ~~الواحد من مكان إلى ms241 مكان ليس بمسافر، وكذلك الخارج إلى ما حول المصر كما ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى قبا كل سبت راكبا وماشيا، ولم يكن ~~يقصر وكذلك المسلمون كانوا يتناوبون الجمعة من العوالي، ولم يكونوا يقصرون ~~فكان المنتقل في العمل الواحد بهذه المثابة عندهم. # وهؤلاء يحتج عليهم بقصر أهل مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ~~ومزدلفة ومنى، مع أن هذه تابعة لمكة ومضافة إليها وهي أكثر تبعا لها من ~~السواد للكوفة وأقرب إليها منها فإن بين باب شيبة وموقف الإمام بعرفة عند ~~الصخرات التي في أسفل جبل الرحمة بريد بهذه المسافة وهذا السير وهم مسافرون ~~وإذا # PageV02P066 # قيل المكان الذي يسافرون إليه ليس بموضع مقام قيل بل كان هناك قرية نمرة ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لم يزل بها وكان بها أسواق وقريب منها عرنة التي ~~تصل واديها بعرفة لأنه لا فرق بين السفر إلى بلد تقام فيه وبلد لا تقام فيه ~~إذا لم يقصد الإقامة فإن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين سافروا إلى ~~مكة وهي بلد يمكن الإقامة فيه وما زالوا مسافرين في غزوهم وحجهم وعمرتهم، ~~وقد قصر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في جوف مكة عام الفتح وقال: " يا ~~أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " وكذلك عمر بعده فعل ذلك رواه مالك ~~بإسناد صحيح ولم يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا ~~عمر بمنى (1) ، ومن نقل ذلك عنهم فقد غلط وهذا بخلاف خروج النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى قبا كل سبت راكبا وماشيا وخروجه إلى الصلاة على الشهداء فإنه ~~قبل أن يموت بقليل صلى عليهم وبخلاف ذهابه إلى البقيع وبخلاف قصد أهل ~~العوالي المدينة ليجمعوا (2) بها فإن هذا كله ليس بسفر فإن اسم المدينة ~~متناول لهذا كله وإنما الناس قسمان الأعراب وأهل المدينة ولأن الواحد منهم ~~يذهب ويرجع إلى أهله في يومه من غير أن يتأهب لذلك أهبة السفر فلا يحمل ~~زادا ولا مزادا لا في طريقه ولا ms242 في المنزل الذي يصل إليه ولهذا لا يسمى من ~~ذهب إلى ربض مدينته مسافرا ولهذا تجب الجمعة على من حول المصر عند أكثر ~~العلماء وهو يقدر بسماع النداء وبفرسخ ولو كان ذلك سفرا لم تجب الجمعة على ~~من ينشئ لها سفرا فإن الجمعة لا تجب فكيف يجب أن يسافر لها وعلى هذا ~~فالمسافر لم يكن مسافرا لقطعه مسافة محدودة ولا PageV02P067 # لقطعه أياما محدودة بل كان مسافرا لجنس العمل الذي هو سفر وقد يكون ~~مسافرا من مسافة قريبة ولا يكون مسافرا من أبعد منها مثل أن يركب فرسا ~~سابقا ويسير بريد ثم يرجع من ساعة إلى بلده فهذا ليس مسافرا وإن قطع هذه ~~المسافة في يوم وليلة ويحتاج في ذلك إلى حمل زاد ومزاد فكان مسافرا كما كان ~~سفر أهل مكة إلى عرفة ولو ركب رجل فرسا سابقا إلى عرفة ثم رجع من يومه إلى ~~مكة لم يكن مسافرا يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: " ~~يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن - والمقيم يوما وليلة " فلو قطع بريدا في ~~ثلاثة أيام كان مسافرا ثلاثة أيام ولياليهن فيجب أن يمسح مسح سفر ولو قطع ~~البريد في نصف يوم لم يكن مسافرا فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما اعتبر أن ~~يسافر ثلاثة أيام سواء كان سفره حثيثا أو بطيئا سواء كانت الأيام طوالا أو ~~قصارا ومن قدره ثلاثة أيام أو يومين جعلوا ذلك بسير الإبل والإقدام وجعلوا ~~المسافة الواحدة حدا يشترك فيه جميع الناس حتى لو قطعها في يوم جعلوه ~~مسافرا ولو قطع ما دونها في عشرة أيام لم يجعلوه مسافرا وهذا مخالف النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى قبا والعوالي واحد ومجيء ~~أصحابه من تلك المواضع إلى المدينة إنما كانوا يسيرون في عمران بين الأبنية ~~والحوائط التي هي النخيل وتلك مواضع الإقامة لا مواضع السفر، والمسافر لا ~~بد أن يخرج إلى الصحراء فإن لفظ السفر يدل على ذلك يقال سفرت المرأة ms243 عن ~~وجهها إذا كشفته فإذا لم يبرز إلى الصحراء التي ينكشف فيها بين المساكن لا ~~يكون مسافرا قال تعالى: " وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة ~~مردوا # PageV02P068 # على النفاق " وقال تعالى: " ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه " فجعل الناس قسمين: أهل ~~المدينة والأعراب، والأعراب هم أهل العمود، وأهل المدينة هم أهل المدر، ~~فجميع من كان ساكنا في مدر كان من أهل المدينة ولم يكن للمدينة سور ينهز به ~~داخلها من خارجها بل كانت محال محال وتسمى المحلة دارا، والمحلة القرية ~~الصغيرة فيها المساكن وحولها النخل والمقابر ليست أبنية متصلة، فبنو مالك ~~بن النجار في قريتهم حوالي دورهم أموالهم ونخيلهم، وبنو عدي بن النجار ~~دارهم كذلك، وبنو مازن بن النجار كذلك، وبنو سالم كذلك وبنو ساعدة كذلك، ~~وبنو الحارث بن الخزرج كذلك، وبنو عمرو بن عوف كذلك وبنو عبد الأشهل كذلك، ~~وسائر بطون الأنصار كذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " خير دور ~~الأنصار دار بني النجار ثم دار بني عبد الأشهل ثم دار بني الحارث ثم دار ~~بني ساعدة وفي كل دور الأنصار خير " وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نزل ~~في بني مالك بن النجار وهناك بنى مسجده وكان حائطا لبعض بني النجار فيه نخل ~~وخرب وقبور فأمر بالنخل فقطعت وبالقبور فنبشت وبالخرب فسويت وبنى مسجده ~~هناك وكانت سائر دور الأنصار حول ذلك قال ابن حزم ولم يكن هناك مصر قال: ~~وهذا أمر لا يجهله أحد بل هو نقل الكوافي عن الكوافي وذلك كله مدينة واحدة ~~كما جعل الله الناس نوعين أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب، فمن ليس من ~~الأعراب فهو من أهل المدينة، لم يجعل للمدينة داخلا وخارجا وسورا وربضا كما ~~يقال مثل ذلك في المدائن المسورة، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حرم ~~المدينة بريدا في بريد والمدينة بين # PageV02P069 # لابتين، واللابة الأرض التي ترابها حجارة سود وقال: " ما بين لابتيها ms244 حرم ~~" فما بين لابتيها كله من المدينة وهو حرم فهذا بريد لا يكون الضارب فيه ~~مسافرا، وإن كان المكي إذا خرج إلى عرفات مسافرا فعرفة ومزدلفة ومنى صحاري ~~خارجة عن مكة ليست كالعوالي من المدينة وهذا أيضا مما يبين أنه لا اعتبار ~~بمسافة محدودة فإن المسافر في المصر الكبير لو سافر يومين أو ثلاثة لم يكن ~~مسافرا والمسافر عن القرية الصغيرة إذا سافر مثل ذلك كان مسافرا فعلم أنه ~~لا بد أن يقصد بقعة يسافر من مكان إلى مكان فإذا كان ما بين المكانين صحراء ~~لا مساكن فيها يحمل فيها الزاد والمزاد فهو مسافر وإن وجد الزاد والمزاد ~~بالمكان الذي يقصده. # وكان عثمان جعل حكم المكان الذي يقصده حكم طريقه فلا بد أن يعدم فيه ~~الزاد والمزاد وخالفه أكثر علماء الصحابة وقولهم أرجح فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قصر بمكة عام فتح مكة وفيها الزاد والمزاد وإذا كانت منى قرية ~~فيها زاد ومزاد فبينها وبين مكة صحراء يكون مسافرا من يقطعها كما كان بين ~~مكة وغيرها، ولكن عثمان قد تأول في قصر النبي صلى الله عليه وسلم بمكة أنه ~~كان خائفا لأنه لما فتح مكة والكفار كثيرون وكان قد بلغه أن هوازن جمعت له، ~~وعثمان يجوز القصر لمن كان بحضرة عدو كما يحكى عن عثمان أنه يعني النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما أمرهم بالمتعة لأنهم كانوا خائفين وخالفه علي وعمران ~~بن حصين وابن عمر وابن عباس وغيرهم من الصحابة؛ وقولهم هو الراجح فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان آمنا لا يخاف إلا الله وقد أمر ~~أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة والقصر وقصر العدد إنما هو معلق بالسفر ولكن ~~إذا اجتمع الخوف والسفر أبيح قصر العدد وقصر # PageV02P070 # الركعات وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم هو وعمر بعده لما صليا بمكة: " ~~يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " بين أن الواجب لصلاتهم ركعتين مجرد ~~كونهم سفرا فلهذا الحكم تعلق بالسفر ولم يعلقه بالخوف. فعلم ms245 أن قصر العدد ~~لا يشترط فيه خوف بحال وكلام الصحابة أو أكثرهم من هذا الباب يدل على أنهم ~~لم يجعلوا السفر قطع مسافة محدودة أو زمان محدود يشترط فيه جميع الناس بل ~~كانوا يجيبون بحسب حال السائل فمن رأوه أثبتوا له حكم السفر وإلا فلا. ~~ولهذا اختلف كلامهم في مقدار الزمان والمكان فروى وكيع عن الثوري عن منصور ~~بن المعتمر عن مجاهد عن ابن عباس قال: إذا سافرت يوما إلى العشاء فإن زدت ~~فقصر، ورواه الحجاج بن منهال ثنا أبو عوانة عن منصور بن المعتمر عن مجاهد ~~عن ابن عباس قال: لا يقصر المسافر في مسيرة يوم إلى العتمة إلا في أكثر من ~~ذلك. # وروى وكيع عن شعبة عن شبيل عن أبي جمرة الضبعي قال: قلت لابن عباس أقصر ~~إلى الأيلة؟ قال: تذهب وتجيء في يوم؟ قلت: نعم، قال: لا، إلا يوم متاح. ~~فهنا قد نهى أن يقصر إذا رجع إلى أهله في يوم هذه مسيرة بريد وأذن في يوم ~~وفي الأول نهاه أن يقصر إلا في أكثر من يوم وقد روي نحو الأول عن عكرمة ~~مولاه قال: إذا خرجت من عند أهلك فاقصر فإذا أتيت أهلك فأتمم. # وعن الأوزاعي: لا قصر إلا في يوم تام. # وروى وكيع عن هشام بن ربيعة بن الغاز الجرشي عن عطاء بن أبي رباح قلت ~~لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف وعسفان فذلك ثمانية ~~وأربعون ميلا. # وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء قلت لابن عباس: أقصر إلى منى # PageV02P071 # أو عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف أو جدة أو عسفان فإذا وردت على ماشية ~~لك أو أهل فأتم الصلاة، وهذا الأثر قد اعتمده أحمد والشافعي. # قال ابن حزم: من عسفان إلى مكة بسير الخلفاء الراشدين اثنان وثلاثون ~~ميلا؛ قال: وأخبرنا الثقاة أن من جدة إلى مكة أربعين ميلا، قلت: نهيه عن ~~القصر إلى منى وعرفة قد يكون لمن يقصد ذلك لحاجة ويرجع من يومه إلى مكة حتى ~~يوافق ms246 ذلك ما تقدم من الروايات عنه ويؤيد ذلك أن ابن عباس لا يخفى عليه أن ~~أهل مكة كانوا يقصرون خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الحج ~~إذا خرجوا إلى عرفة ومزدلفة ومنى وابن عباس من أعلم الناس بالسنة فلا يخفى ~~عليه مثل ذلك وأصحابه المكيون كانوا يقصرون في الحج إلى عرفة ومزدلفة كطاوس ~~وغيره وابن عيينة نفسه الذي روى هذا الأثر عن ابن عباس كان يقصر إلى عرفة ~~في الحج وكان أصحاب ابن عباس كطاوس يقول أحدهم: أترى الناس - يعني أهل مكة ~~- صلوا في الموسم خلاف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه حجة قاطعة ~~فإنه من المعلوم أن أهل مكة لما حجوا معه كانوا خلقا كثيرا وقد خرجوا معه ~~إلى منى يصلون خلفه وإنما صلى بمنى أيام منى قصرا والناس كلهم يصلون خلفه ~~أهل مكة وسائر المسلمين لم يأمر أحدا منهم أن يتم صلاته ولم ينقل ذلك أحد ~~لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ثم أبو بكر وعمر بعده كانا يصليان في الموسم بأهل ~~مكة وغيرهم كذلك ولا يأمران أحدا بإتمام مع أنه قد صح عن عمر بن الخطاب أنه ~~لما صلى بمكة قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، وهذا أيضا مروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في أهل مكة عام # PageV02P072 # الفتح لا في حجة الوداع فإنه في حجة الوداع لم يكن يصلي بمكة بل كان يصلي ~~بمنزله وقد رواه أبو داود وغيره وفي إسناده مقال. # والمقصود أن من تدبر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة ومنى ~~بأهل مكة وغيرهم وأنه لم ينقل مسلم قط عنه أنه أمرهم بإتمام علم قطعا أنهم ~~كانوا يقصرون خلفه وهذا من العلم العام الذي لا يخفى على ابن عباس ولا غيره ~~ولهذا لم يعلم أحدا من الصحابة أمر أهل مكة أن يتموا خلف الإمام إذا صلى ~~ركعتين فدل هذا لم يعلم واحد من الصحابة أمر أهل مكة أن يتموا خلف الإمام ~~إذا صلى ms247 ركعتين فدل هذا على أن ابن عباس إنما أجاب به من سأله إذا سافر إلى ~~منى أو عرفة سفرا لا ينزل فيه بمنى وعرفة بل يرجع من يومه فهذا لا يقصر ~~عنده لأنه قد بين أن من ذهب ورجع من يومه لا يقصر وإنما يقصر من سافر يوما ~~ولم يقل مسيرة يوم بل اعتبر أن يكون السفر يوما وقد استفاض عنه جواز القصر ~~إلى عسفان وقد ذكر ابن حزم أنها اثنان وثلاثون ميلا وغيره يقول أربعة برد ~~ثمانية وأربعون ميلا، والذين حدوها ثمانية وأربعين ميلا عمدتهم قول ابن ~~عباس وابن عمر وأكثر الروايات عنهم تخالف ذلك فلو لم يكن إلا قولهما لم يجز ~~أن يأخذ ببعض أقوالهما دون بعض بل إما أن يجمع بينهما وإما أن يطلب دليل ~~آخر فكيف والآثار عن الصحابة أنواع أخر ولهذا كان المحددون بستة عشر فرسخا ~~من أصحاب مالك والشافعي وأحمد إنما لهم طريقان بعضهم يقول لم أجد أحدا قال ~~بأقل من القصر فيما دون هذا فيكون هذا إجماعا وهذه طريقة الشافعي وهذا أيضا ~~منقول عن الليث ابن سعد فهذان الإمامان بينا عذرهما أنهما لم يعلما من قال ~~بأقل من ذلك وغيرهما قد علم من قال بأقل من ذلك. # PageV02P073 # والطريقة الثانية: أن يقولوا هذا قول ابن عمر وابن عباس ولا مخالف لهما ~~من الصحابة فصار إجماعا، وهذا باطل فإنه نقل عنهما هذا وغيره وقد ثبت عن ~~غيرهما من الصحابة ما يخالف ذلك. # وثم طريقة ثالثة سلكها بعض أصحاب الشافعي وأحمد وهي أن هذا التحديد مأثور ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن خزيمة في مختصر المختصر عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يا أهل مكة لا تقصروا في أقل ~~من أربعة برد من مكة إلى عسفان " وهذا ما يعلم أهل المعرفة بالحديث أنه كذب ~~على النبي صلى الله عليه وسلم ولكن هو من كلام ابن عباس، أفترى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إنما حد مسافة القصر لأهل ms248 مكة دون أهل المدينة التي هي ~~دار السنة والهجرة والنصرة ودون سائر المسلمين؟ وكيف يقول هذا وقد تواتر ~~عنه أن أهل مكة صلوا خلفه بعرفة ومزدلفة ومنى؟ ولم يحد النبي صلى الله عليه ~~وسلم قط السفر بمسافة لا بريد ولا غير بريد ولا حدهما بزمان، ومالك قد نقل ~~عنه أربعة برد كقول الليث والشافعي وأحمد وهو المشهور عنه، قال: فإن كانت ~~أرض لا أميال فيها فلا يقصرون في أقل من يوم وليلة للثقل قال: وهذا أحب ما ~~تقصر فيه الصلاة إلي، وقد ذكر عنه لا قصر إلا في خمسة وأربعين ميلا فصاعدا. ~~وروي عنه: لا قصر إلا في اثنين وأربعين ميلا فصاعدا، وروي عنه: لا قصر إلا ~~في أربعين ميلا فصاعدا، وروى عنه إسماعيل ابن أبي أويس: لا قصر إلا في ستة ~~وأربعين ميلا قصدا. ذكر هذه الروايات القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه ~~المبسوط ورأى لأهل مكة خاصة أن يقصروا الصلاة في الحج خاصة إلى منى فما ~~فوقها وهي أربعة أميال. وروى عنه ابن القاسم أنه قال فيمن خرج ثلاثة أميال ~~كالرعاء وغيرهم # PageV02P074 # فتأول فأفطر في رمضان: لا شيء عليه إلا القضاء فقط، وروي عن الشافعي أنه ~~لا قصر في أقل من ستة وأربعين ميلا بالهاشمي. # والآثار عن ابن عمر أنواع فروى محمد بن المثنى: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ~~حدثنا سفيان الثوري سمعت جبلة بن سحيم يقول سمعت ابن عمر يقول: لو خرجت ~~ميلا لقصرت الصلاة. # وروى ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع حدثنا مسعر عن محارب بن زياد سمعت ابن عمر ~~يقول: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر - يعني الصلاة -. محارب قاضي ~~الكوفة من خيار التابعين أحد الأئمة ومسعر أحد الأئمة. # وروى ابن أبي شيبة: حدثنا علي بن مسهر عن أبي إسحاق الشيباني عن محمد بن ~~زيد بن خليدة عن ابن عمر قال: تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال. قال ابن ~~حزم: محمد بن زيد هو طائي ولاه محمد بن أبي طالب القضاء بالكوفة مشهور من ~~كبار التابعين. ms249 # وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قصر إلى ذات النصب قال: وكنت أسافر مع ~~ابن عمر البريد فلا يقصر. # قال عبد الرزاق: ذات النصب من المدينة على ثمانية عشر ميلا فهذا نافع ~~يخبر عنه أنه قصر في ستة فراسخ وأنه كان يسافر بريدا وهو أربعة فراسخ فلا ~~يقصر. وكذلك روى عنه ما ذكره غندر: حدثنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن عن ~~حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال: خرجت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى ~~ذات النصب وهي من المدينة على ثمانية عشر ميلا فلما أتاها قصر الصلاة، وروى ~~معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد. # وما تقدم من الروايات يدل على أنه كان يقصر في هذا وفي ما هو أقل # PageV02P075 # منه. # وروى وكيع عن سعيد بن عبيد الطائي عن علي بن ربيعة الوالبي الأسدي قال: ~~سألت ابن عمر عن تقصير الصلاة قال: حاج أو معتمر أو غاز؟ فقلت: لا ولكن ~~أحدنا يكون له الضيعة في السواد، فقال: تعرف السويداء؟ فقلت: سمعت بها ولم ~~أرها، قال: فإنها ثلاث وليلتان وليلة للمسرع إذا خرجنا إليها قصرنا، قال ~~ابن حزم من المدينة إلى السويداء اثنان وسبعون ميلا أربعة وعشرون فرسخا. # قلت: فهذا مع ما تقدم يبين أن ابن عمر لم يذكر ذلك تحديدا لكن بين بهذا ~~جواز القصر في مثل هذا لأنه كان قد بلغه أن أهل الكوفة لا يقصرون في السواد ~~فأجابه ابن عمر بجواز القصر. # وأما ما روي (1) من طريق ابن جريج أخبرني نافع أن ابن عمر كان أدنى ما ~~يقصر الصلاة إليه مال له بخيبر وهي مسيرة ثلاث قواصد لم يقصر فيما دونه، ~~وكذلك ما رواه حماد بن سلمة عن أيوب بن حميد كلاهما عن نافع عن ابن عمر أنه ~~كان يقصر الصلاة فيما بين المدينة وخيبر وهي بقدر الأهواز من البصرة لا ~~يقصر فيما دون ذلك - قال ابن حزم بين المدينة وخيبر كما ms250 بين البصرة ~~والأهواز وهي مائة ميل غير أربعة أميال قال: وهذا مما اختلف فيه على ابن ~~عمر ثم على نافع أيضا عن ابن عمر. # قلت: هذا النفي وهو أنه لم يقصر فيما دون ذلك غلط قطعا ليس هذا حكاية عن ~~قوله حتى يقال أنه اختلف اجتهاده بل نفي لقصره فيما دون ذلك وقد ثبت عنه ~~بالرواية الصحيحة من طريق نافع وغيره أنه قصر فيما دون ذلك فهذا قد يكون ~~غلطا فمن روى عن أيوب إن قدر أن نافعا روى PageV02P076 # هذا فيكون حين حدث بهذا قد نسي أن ابن عمر قصر فيما دون ذلك فإنه قد ثبت ~~عن نافع عنه أنه قصر فيما دون ذلك. # وروى حماد بن زيد حدثنا أنس بن سيرين قال: خرجت مع أنس بن مالك إلى أرضه ~~وهي على رأس خمسة فراسخ فصلى بنا العصر في سفينة وهي تجري بنا في دجلة ~~قاعدا على بساط ركعتين ثم سلم ثم صلى بنا ركعتين ثم سلم. وهذا فيه أنه إنما ~~خرج إلى أرضه المذكورة ولم يكن سفره إلى غيرها حتى يقال كانت من طريقه فقصر ~~في خمسة فراسخ وهي بريد وربع وفي صحيح مسلم حدثنا ابن أبي شيبة وابن بشار ~~كلاهما عن غندر عن شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي سألت أنس بن مالك عن قصر ~~الصلاة فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال ~~أو ثلاثة فراسخ - شعبة شك - صلى ركعتين ولم ير أنس أن يقطع من المسافة ~~الطويلة هذا لأن السائل سأله عن قصر الصلاة وهو سؤال عما يقصر فيه ليس ~~سؤالا عن أول صلاة يقصرها ثم إنه لم يقل أحد إن أول صلاة لا يقصرها إلا في ~~ثلاثة أميال أو أكثر من ذلك فليس في هذا جواب لو كان المراد ذلك ولم يقل لك ~~أحد فدل على أن أنسا أراد أنه من سافر هذه المسافة قصر، ثم ما أخبر به عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فعل من النبي صلى الله ms251 عليه وسلم لم يبين هل كان ~~ذلك الخروج هو السفر أو كان ذلك هو الذي قطعه من السفر فإن كان أراد به أن ~~ذلك كان سفره فهو نص، وإن كان ذلك الذي قطعه من السفر فأنس بن مالك استدل ~~بذلك على أنه يقصر إليه إذا كان هو السفر يقول أنه لا يقصر إلا في السفر ~~فلولا أن قطع هذه المسافة سفر لما قصر. # PageV02P077 # وهذا يوافق قول من يقول لا يقصر حتى يقطع مسافة تكون سفرا لا يكتفي مجرد ~~قصده المسافة التي هي سفر وهذا قول ابن حزم وداود وأصحابه، وابن حزم يحد ~~مسافة القصر بميل لكن داود وأصحابه يقولون: لا يقصر إلا في حج أو عمرة أو ~~غزو، وابن حزم يقول إنه يقصر في كل سفر، وابن حزم عنده أنه لا يفطر إلا في ~~هذه المسافة وأصحابه يقولون إنه يفطر في كل سفر بخلاف القصر لأن القصر ليس ~~عندهم فيه نص عام عن الشارع وإنما فيه فعله أنه قصر في السفر ولم يجدوا ~~أحدا قصر فيما دون ميل، ووجدوا الميل منقولا عن ابن عمر. # وابن حزم يقول السفر هو البروز عن محلة الإقامة، لكن قد علم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خرج إلى البقيع لدفن الموتى وخرج إلى الفضاء للغائط والناس ~~معه فلم يقصروا ولم يفطروا فخرج هذا عن أن يكون سفرا ولم يحدوا أقل من ميل ~~يسمى سفرا؛ فإن ابن عمر قال لو خرجت ميلا لقصرت الصلاة فلما ثبت أن هذه ~~المسافة جعلها سفرا ولم نجد أعلى منها يسمى سفرا جعلنا هذا هو الحد، قال: ~~وما دون الميل من آخر بيوت قريته له حكم الحضر فلا يقصر فيه ولا يفطر، وإذا ~~بلغ الميل فحينئذ صار له سفر يقصر فيه الصلاة ويفطر فيه فيمن حينئذ يقصر ~~ويفطر وكذلك إذا رجع فكان على أقل من ميل فإنه يتم ليس في سفر يقصر فيه. # قلت: جعل هؤلاء السفر محدودا في اللغة قالوا: وأقل ما سمعنا أنه يسمى ~~سفرا هو الميل وأولئك ms252 جعلوه محدودا بالشرع وكلا القولين ضعيف، أما الشارع ~~فلم يحده، وكذلك أهل اللغة لم ينقل أحد عنهم أنهم قالوا: الفرق بين ما يسمى ~~سفرا وما لا يسمى سفرا هو مسافة محدودة، # PageV02P078 # بل نفس تحديد السفر بالمسافة باطل في الشرع واللغة، ثم لو كان محدودا ~~بمسافة ميل، فإن أريد أن الميل يكون من حدود القرية المختصة به فقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يخرج أكثر من ميل من محله في الحجاز ولا يقصر ولا ~~يفطر، وإن أراد من المكان المجتمع الذي يشتمله اسم مدينة ميلا قيل له فلا ~~حجة لك في خروجه إلى المقابر والغائط لأن تلك لم تكن خارجا عن آخر حد ~~المدينة، ففي الجملة كان يخرج إلى العوالي وإلى أحد كما كان يخرج إلى ~~المقابر والغائط وفي ذلك ما هو أبعد من ميل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه يخرجون من المدينة إلى أكثر من ميل ويأتون إليها أبعد من ميل ولا ~~يقصرون كخروجهم إلى قباء والعوالي وأحد، ودخولهم للجمعة وغيرها من هذه ~~الأماكن. # وكان كثير من مساكن المدينة عن مسجده أبعد من ميل فإن حرم المدينة بريد ~~في بريد حتى كان الرجلان من أصحابه لبعد المكان يتناوبان الدخول يدخل هذا ~~يوما وهذا يوما كما كان عمر بن الخطاب وصاحبه الأنصاري يدخل هذا يوما وهذا ~~يوما، وقول ابن عمر: لو خرجت ميلا قصرت الصلاة هو كقوله أني لأسافر الساعة ~~من النهار فأقصر، وهذا إما أن يريد به ما يقطعه من المسافة التي يقصدها ~~فيكون قصده أني لا أؤخر القصر إلى أن أقطع مسافة طويلة وهذا قول جماهير ~~العلماء إلا من يقول إذا سافر نهارا لم يقصر إلى الليل. # وقد احتج العلماء على هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه صلى الظهر بالمدينة ~~أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين، وقد يحمل حديث أنس على هذا لكن فعله يدل ~~على المعنى الأول، أو يكون مراد ابن عمر من سافر # PageV02P079 # قصر، ولو كان قصده هذه المسافة إذا كان في صحراء بحيث يكون ms253 مسافرا لا ~~يكون متنقلا بين المساكن فإن هذا ليس بمسافر باتفاق الناس، وإذا قدر أن هذا ~~مسافر فلو قدر أنه مسافر أقل من الميل بعشرة أذرع فهو أيضا مسافر، فالتحديد ~~بالمسافة لا أصل له في الشرع ولا لغة، ولا عرف ولا عقل، ولا يعرف عموم ~~الناس مساحة الأرض فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقا بشيء لا ~~يعرفونه، ولم يمسح أحد الأرض على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا قدر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأرض لا بأميال ولا فراسخ والرجل قد يخرج من ~~القرية إلى صحراء لحطب يأتي به فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافرا وإن ~~كانت المسافة أقل من ميل، بخلاف من يذهب ويرجع من يومه فإنه لا يكون في ذلك ~~مسافرا فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد بخلاف الثاني فالمسافة القريبة في ~~المدة الطويلة تكون سفرا، والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرا ~~فالسفر يكون بالعمل الذي سمي سفرا لأجله، والعمل لا يكون إلا في زمان فإذا ~~طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر من الزاد والمزاد سمي ~~مسافرا وإن لم تكن المسافة بعيدة، وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج ~~إلى زاد ومزاد ولم يسم سفرا، وإن بعدت المسافة فالأصل هو العمل الذي يسمى ~~سفرا، ولا يكون العمل إلا في زمان فيعتبر العمل الذي هو سفر ولا يكون ذلك ~~إلا في مكان يسفر عن الأماكن وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم ليس له حد في ~~الشرع ولا اللغة، بل سموه سفرا فهو سفر. # PageV02P080 # فصل: وأما الإقامة فهي خلاف السفر فالناس رجلان مقيم ومسافر، ولهذا كانت ~~أحكام الناس في الكتاب والسنة أحد هذين الحكمين إما حكم مقيم وإما حكم ~~مسافر، وقد قال تعالى: " يوم ظعنكم ويوم إقامتكم " فجعل للناس يوم ظعن ويوم ~~إقامة، والله تعالى أوجب الصوم وقال: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر " فمن ليس مريضا ولا على سفر فهو صحيح المقيم، ولذلك قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ms254 " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة " فمن لم ~~يوضع عنه الصوم وشطر الصلاة فهو المقيم. # وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم في حجته بمكة أربعة أيام ثم ستة أيام ~~بمنى ومزدلفة وعرفة يقصر الصلاة هو وأصحابه فدل على أنهم كانوا مسافرين، ~~وأقام في غزوة الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يوما ~~يقصر الصلاة، ومعلوم بالعادة أن ما كان يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ~~ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال إنه كان يقول اليوم أسافر غدا أسافر، بل فتح ~~مكة، وأهلها وما حولها كفار محاربون له وهي أعظم مدينة فتحها وبفتحها ذلت ~~الأعداء، وأسلمت العرب، وسرى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم، ومثل هذه ~~الأمور مما يعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام، فعلم أنه أقام لأمور يعلم ~~أنها لا تنقضي في أربعة وكذلك في تبوك. # PageV02P081 # وأيضا فمن جعل للمقام حدا من الأيام إما ثلاثة وإما أربعة، وإما عشرة ~~وإما اثني عشر، وإما خمسة عشر، فإن قال قولا لا دليل عليه من جهة الشرع وهي ~~تقديرات متقابلة، فقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: إلى ~~مسافر وإلى مقيم مستوطن وهو الذي ينوي المقام في المكان، وهذا هو الذي ~~تنعقد به الجمعة وتجب عليه، وهذا يجب عليه إتمام الصلاة بلا نزاع فإنه ~~المقيم المقابل للمسافر، والثالث مقيم غير مستوطن أوجبوا عليه إتمام الصلاة ~~والصيام، وأوجبوا عليه الجمعة وقالوا لا تنعقد به الجمعة، وقالوا إنما ~~تنعقد الجمعة بمستوطن. # وهذا التقسيم وهو تقسيم المقيم إلى مستوطن وغير مستوطن تقسيم لا دليل ~~عليه من جهة الشرع، ولا دليل على أنه تجب على من لا تنعقد به، بل من وجبت ~~عليه انعقدت به، وهذا إنما قالوه لما أثبتوا مقيما يجب عليه الإتمام ~~والصيام ووجدوه غير مستوطن فلم يمكن أن يقولوا تنعقد به الجمعة فإن الجمعة ~~إنما تنعقد بالمستوطن، لكن إيجاب الجمعة على هذا، وإيجاب الصيام والإتمام ~~على هذا هو الذي يقال إنه لا دليل عليه؛ بل هو ms255 مخالف للشرع، فإن هذه حال ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في غزوة الفتح وفي حجة الوداع وحاله بتبوك، ~~بل وهذه حال جميع الحجيج الذين يقدمون مكة ليقضوا مناسكهم ثم يرجعوا، وقد ~~يقدم الرجل بمكة رابع ذي الحجة وقد يقدم قبل ذلك بيوم أو أيام، وقد يقدم ~~بعد ذلك، وهم كلهم مسافرون لا تجب عليهم جمعة ولا إتمام، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم قدم رابعة من ذي الحجة وكان يصلي ركعتين لكن من أين لهم أنه لو ~~قدم صبح ثالثة وثانية كان يتم ويأمر أصحابه بالإتمام؟ ليس في قوله وعمله ما ~~يدل على ذلك ولو كان # PageV02P082 # هذا حدا فاصلا بين المقيم والمسافر لبينه للمسلمين كما قال تعالى: " وما ~~كان الله ليضل قوما بعد إذا هداهم حتى يبين لهم ما يتقون " والتمييز بين ~~المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس هو أمرا معلوما لا بشرع ولا ~~لغة ولا عرف وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجر أن يقيم بمكة بعد ~~قضاء نسكه ثلاثا والقصر في هذا جائز عند الجماعة وقد سماه إقامة ورخص ~~للمهاجر أن يقيمها فلو أراد المهاجر أن يقيم أكثر من ذلك بعد قضاء النسك لم ~~يكن له ذلك وليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرق بين المسافر والمقيم ~~بل المهاجر ممنوع أن يقيم بمكة أكثر من ثلاث بعد قضاء المناسك أن الثلاث ~~مقدار يرخص فيه فيما كان محظور الجنس قال صلى الله عليه وسلم: " لا يحل ~~لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج " ~~وقال: " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " وجعل ما تحرم المرأة بعده من ~~الطلاق ثلاثا فإذا طلقها ثلاث مرات حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره لأن ~~الطلاق في الأصل مكروه فأبيح منه للحاجة ما تدعو إليه الحاجة وحرمت عليه ~~بعد ذلك إلى الغاية المذكورة، ثم المهاجر لو قدم مكة قبل الموسم بشهر أقام ~~إلى الموسم فإن كان لم يبح له إلا فيما ms256 يكون سفرا كانت إقامته إلى الموسم ~~سفرا فتقصر فيه الصلاة وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا صبح ~~رابعة من ذي الحجة فلو أقاموا بمكة بعد قضاء النسك ثلاثا كان لهم ذلك ولو ~~أقاموا أكثر من ثلاث لم يجز لهم ذلك وجاز لغيرهم أن يقيم أكثر من ذلك، وقد ~~أقام المهاجرون مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح قريبا من عشرين يوما ~~بمكة ولم يكونوا بذلك مقيمين إقامة خرجوا بها عن السفر ولا كانوا ممنوعين ~~لأنهم كانوا مقيمين # PageV02P083 # لأجل تمام الجهاد وخرجوا منها إلى غزوة حنين وهذا بخلاف من لا يقدم إلا ~~للنسك فإنه لا يحتاج إلى أكثر من ثلاث. # فعلم أن هذا التحديد لا يتعلق بالقصر ولا بتحديد السفر والذين حدوا ذلك ~~بأربعة منهم من احتج بإقامة المهاجر وجعل يوم الدخول والخروج غير محسوب ~~ومنهم من بنى ذلك على أن الأصل في كل من قدم لمصر أن يكون مقيما يتم الصلاة ~~لكن ثبتت الأربعة بإقامة النبي صلى الله عليه وسلم في حجته فإنه أقامها ~~وقصر، وقالوا في غزوة الفتح وتبوك أنه لم يكن عزم على إقامة مدة لأنه كان ~~يريد عام الفتح غزو حنين وهذا الدليل مبني على أنه من قدم لمصر فقد خرج عن ~~حد السفر وهو ممنوع بل هو مخالف للنص والإجماع والعرف، فإن التاجر الذي ~~يقدم ليشتري سلعة أو يبيعها ويذهب هو مسافر عند الناس وقد يشتري السلعة ~~ويبيعها في عدة أيام ولا يحد الناس في ذلك حدا. # والذين قالوا يقصر إلى خمسة عشر قالوا: هذا غاية ما قيل وما زاد على ذلك ~~فهو مقيم بالإجماع، وليس الأمر كما قالوه وأحمد أمر بالإتمام فيما زاد على ~~الأربعة احتياطا واختلفت الرواية عنه إذا نوى إقامة إحدى وعشرين هل يتم أو ~~يقصر لتردد الاجتهاد في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الرابع فإن كان ~~صلى الفجر بمبيته وهو ذو طوى فإنما صلى بمكة عشرين صلاة وإن كان صلى الصبح ~~بمكة فقد صلى بها إحدى وعشرين ms257 صلاة والصحيح أنه إنما صلى الصبح يومئذ بذي ~~طوى ودخل مكة ضحى وكذلك جاء مصرحا به في أحاديث، قال أحمد في رواية الأثرم ~~إذا عزم على أن يقيم أكثر من ذلك إثم واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قدم لصبح رابعة # PageV02P084 # قال فأقام اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم ~~الثامن وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع أن ~~يقيم كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم قصر فلماذا جمع على أكثر من ذلك ~~إثم قال الأثرم قلت له: فلم لم يقصر على ما زاد من ذلك؟ قال: لأنهم اختلفوا ~~فيأخذ بالأحوط فيتم. قال قيل لأبي عبد الله يقول أخرج اليوم أخرج غدا ~~ليقصر؟ فقال: هذا شيء آخر هذا لم يعزم. فأحمد لم يذكر دليلا على وجوب ~~الإتمام إنما أخذ بالاحتياط وهذا لا يقتضي الوجوب وأيضا فإنه معارض يقول من ~~يوجب القصر ويجعله عزيمة في الزيادة، وقد روى الأثرم: حدثنا الفضل ابن دكين ~~حدثنا مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن المسور قال: أقمنا مع سعد ~~بعمان أو بعمان شهرين فكان يصلي ركعتين ونصلي أربعا فذكرنا ذلك له فقال: ~~نحن أعلم. # قال الأثرم: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر ~~أقام بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول قال ~~بعضهم: والثلج الذي يتفق في هذه المدة يعلم أنه لا يذوب في أربعة أيام فقد ~~أجمع إقامة أكثر من أربعة. # قال الأثرم: حدثنا مسلم ابن إبراهيم حدثنا هشام حدثنا يحيى عن حفص بن ~~عبيد الله أن أنس ابن مالك أقام بالشام سنتين يقصر الصلاة. # قال الأثرم: حدثنا الفضل بن دكين حدثنا هشام حدثنا ابن شهاب عن سالم قال: ~~كان ابن عمر إذا أقام بمكة قصر الصلاة إلا أن يصلي مع الإمام وإن أقام ~~شهرين إلا أن يجمع الإقامة، وابن عمر كان يقدم قبل الموسم بمدة طويلة حتى ~~إنه كان أحيانا ms258 يحرم بالحج من هلال ذي الحجة، وهو كان من المهاجرين فما كان ~~يحل له المقام بعد قضاء نسكه أكثر من ثلاث ولهذا # PageV02P085 # أوصى لما مات أن يدفن بسرف لكونها من الحل حتى لا يدفن في الأرض التي ~~هاجر منها. # وقال الأثرم: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع ~~قال: ما كان ابن عمر يصلي بمكة إلا ركعتين إلا أن يرفع المقام ولهذا أقام ~~مرة ثنتي عشر يصلي ركعتين وهو يريد الخروج وهذا يبين أنه كان يصلي قبل ~~الموسم ركعتين مع أنه نوى الإقامة إلى الموسم وكان ابن عمر كثير الحج وكان ~~كثيرا ما يأتي مكة قبل الموسم بمدة طويلة. # قال الأثرم: حدثنا ابن الطباع حدثنا القاسم بن موسى الفقير عن عبد الرحمن ~~بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن ابن محيريز أن أبا أيوب الأنصاري ~~وأبا صرمة الأنصاري وعقبة بن عامر شتوا بأرض الروم فصاموا رمضان وقاموه ~~وأتموا الصلاة. # قال الأثرم: حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن منصور عن أبي وائل قال خرج مسروق ~~إلى السلسلة فقصر الصلاة فأقام سنين يقصر حتى رجع وهو يقصر قيل يا أبا ~~عائشة ما يحملك على هذا؟ قال: إتباع السنة. # فصل: # والذين لم يكرهوا أن يصلي المسافر أربعا ظنوا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فعل ذلك أو فعله بعض أصحابه على عهده، فأقره عليه وظنوا أن صلاة ~~المسافر ركعتين، وأربعا بمنزلة الصوم والفطر في رمضان وقد استفاضت الأحاديث ~~الصحيحة بأنهم كانوا يسافرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فمنهم الصائم ~~ومنهم المفطر، وهذا مما اتفق أهل العلم على صحته وأما ما ذكروه من التربيع ~~فحسبه بعض أهل العلم صحيحا وبذلك استدل الشافعي وبعض أصحاب أحمد قال ~~الشافعي لما ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: " صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته " # PageV02P086 # فدل على أن القصر في السفر بلا خوف صدقة من الله والصدقة رخصة لا حتم من ~~الله أن يقصر ودل على أن يقصر في السفر ms259 بلا خوف إن شاء المسافر أن عائشة ~~قالت: كل ذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم في السفر وقصر، قلت: ~~وهذا الحديث رواه الدارقطني وغيره من حديث أبي عاصم حدثنا عمر بن سعيد عن ~~عطاء بن أبي رباح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ~~ويتم ويفطر ويصوم، قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح، قال البيهقي: ولهذا شاهد ~~من حديث دلهم بن صالح والمغيرة بن زياد وطلحة بن عمر وكلهم ضعيف، وروي حديث ~~دلهم من حديث عبيد الله بن موسى حدثنا دلهم بن صالح الكندي عن عطاء عن ~~عائشة قالت: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرجنا إلى مكة أربعا ~~حتى نرجع. # وروى حديث المغيرة وهو أشهرها عن عطاء عن عائشة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقصر في السفر ويتم، وروى حديث طلحة بن عمر عن عطاء عن عائشة ~~قالت: كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتم وقصر وصام وأفطر. # قال البيهقي وقد قال عمر بن ذر كوفي ثقة: أنا عطاء بن أبي رباح أن عائشة ~~كانت تصلي في السفر المكتوبة أربعا وروى ذلك بإسناده ثم قال وهو كالموافق ~~لرواية دلهم بن صالح وإن كان في رواية دلهم زيادة سند. قلت: أما ما رواه ~~الثقة عن عطاء عن عائشة من أنها كانت تصلي أربعا فهذا ثابت عن عائشة معروف ~~عنها من رواية عروة وغيره عن عائشة وإذا كان إنما أسنده هؤلاء الضعفاء ~~والثقاة وثقوه على عائشة دل ذلك على ضعف المسند ولم يكن ذلك شاهدا للمسند ~~قال ابن حزم في هذا الحديث انفرد به المغيرة بن زياد ولم يروه غيره، وقد ~~قال فيه أحمد بن حنبل: # PageV02P087 # ضعيف كل حديث أسنده منكر. قلت: فقد روي من غير طريقه لكنه ضعيف أيضا وقد ~~ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل أن أباه سئل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث ~~منكر وهو كما قال الإمام أحمد وإن ms260 كان طائفة من أصحابه قد احتجوا به موافقة ~~لمن احتج به كالشافعي ولا ريب أن هذا حديث مكذوب على النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع أن من الناس من يقول لفظه كان يقصر في السفر وتتم ويفطر وتصوم ~~بمعنى أنها هي التي كانت تتم وتصوم وهذا أشبه بما روي عنها من غير هذا ~~الوجه من أنه كذب عليها أيضا. قال البيهقي: وله شاهد قوي بإسناد صحيح وروي ~~من طريق الدارقطني من طريق محمد بن يوسف حدثنا العلاء بن زهير عن عبد ~~الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في عمرة في رمضان، فأفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصمت وقصر ~~وأتممت، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت قال: " ~~أحسنت يا عائشة " ورواه البيهقي من طريق آخر عن القاسم بن الحكم ثنا العلاء ~~بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة لم يذكر إياه. قال الدارقطني: ~~الأول متصل وهو إسناد حسن وعبد الرحمن قد أدرك عائشة فدخل عليها وهو مراهق ~~ورواه البيهقي من وجه ثالث من حديث أبي بكر النيسابوري ثنا عباس الدوري ثنا ~~أبو نعيم حدثنا العلاء بن زهير ثنا عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة أنها ~~اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت ~~قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت، فقال: " أحسنت ~~يا عائشة " وما عاب علي. قال أبو بكر النيسابوري: هكذا قال أبو نعيم عن عبد ~~الرحمن عن عائشة ومن قال عن أبيه # PageV02P088 # في هذا الحديث فقد أخطأ. # قلت: أبو بكر النيسابوري إمام في الفقه والحديث، وكان له عناية بالأحاديث ~~الفقهية وما فيها من اختلاف الألفاظ وهو أقرب إلى طريقه أهل الحديث والعلم ~~التي لا تعصب فيها لقول أحد من الفقهاء مثل أئمة الحديث المشهورين ولهذا ~~رجح هذه الطريق وكذلك أهل السنن المشهورة لم يروه أحد منهم إلا النسائي ~~ولفظه ms261 عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ~~إلى مكة حتى إذا قدمت قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت ~~وصمت، فقال: " أحسنت يا عائشة " وما عاب علي وهذا بخلاف من قد يقصد نصر قول ~~شخص معين فتنطق له من الأدلة ما لو خلا عن ذلك القصد لم يتكلفه ولحكم ~~ببطلانها. # والصواب ما قاله أبو بكر وهو أن هذا الحديث ليس بمتصل وعبد الرحمن إنما ~~دخل على عائشة وهو صبي ولم يضبط ما قالته وقال فيه أبو محمد بن حزم هذا ~~الحديث تفرد به العلاء ابن زهير الأزدي لم يروه غيره وهو مجهول وهذا الحديث ~~خطأ قطعا فإنه قال فيه إنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة ~~في رمضان ومعلوم باتفاق أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يعتمر في رمضان قط ولا خرج من المدينة في عمرة في رمضان بل ولا خرج إلى مكة ~~في رمضان قط إلا عام الفتح فإنه كان حينئذ مسافرا في رمضان وفتح مكة في شهر ~~رمضان سنة ثمان باتفاق أهل العلم وفي ذلك السفر كان أصحابه منهم الصائم ~~ومنهم المفطر فلم يكن يصلي بهم إلا ركعتين ولا نقل أحد من أصحابه عنه أنه ~~صلى في السفر أربعا والحديث المتقدم خطأ كما سنبينه إن شاء الله تعالى، ~~وعام فتح مكة لم يعتمر، بل ثبت بالنقول المستفيضة التي # PageV02P089 # اتفق عليها أهل العلم به إنما اعتمر بعد الهجرة أربع عمر منها ثلاث في ذي ~~القعدة، والرابعة مع حجته: عمرة الحديبية لما صده المشركون فحل بالحديبية ~~بالاحصار ولم يدخل مكة، وكانت في ذي القعدة، ثم اعتمر في العام القابل عمرة ~~القضية، وكانت ذي القعدة أيضا، ثم لما قسم غنائم حنين بالجعرانة اعتمر من ~~الجعرانة، وكانت عمرته في ذي القعدة أيضا، والرابعة مع حجته، ولم يعتمر بعد ~~حجه لا هو ولا أحد ممن حج معه إلا عائشة لما كانت قد حاضت وأمرها أن تهل ms262 ~~بالحج، ثم اعمرها مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم، ولهذا قيل لما بني هناك ~~من المساجد مساجد عائشة فإنه لم يعتمر أحد من الصحابة على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا قبل الفتح ولا بعده عمرة من مكة إلا عائشة، فهذا كله ~~تواترت به الأحاديث الصحيحة مثل ما في الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجه: عمرة من ~~الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من ~~الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنائم حنين، وعمرة مع حجته. وهذا لفظ مسلم. ~~ولفظ البخاري اعتمر أربعا عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون، ~~وعمرة في العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم، وعمرة حنين من الجعرانة ~~حيث قسم غنائم حنين وعمرة مع حجته. # وفي الصحيحين عن البرآء بن عازب قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين. وهذا لفظ البخاري. وأراد بذلك العمرة التي ~~أتمها وهي عمرة القضية والجعرانة، وأما الحديبية فلم يمكن إتمامها بل كان ~~منحصرا لما صده المشركون وفيها أنزل الله آية الحصار # PageV02P090 # باتفاق أهل العلم وقد ثبت في الصحيح عن عائشة لما قيل لها إن ابن عمر ~~قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب فقالت: يغفر الله لأبي ~~عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو معه وما اعتمر ~~في رجب قط ما اعتمر إلا وهو معه. وفي رواية عن عائشة قالت: لم يعتمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا في ذي القعدة وكذلك عن ابن عباس رواهما ابن ~~ماجة. # وقد روى أبو داود عنها قالت: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرتين ~~عمرة في ذي القعدة وعمرة في شوال، وهذا إن كان ثابتا عنها فلعله ابتداء ~~سفره كان في شوال ولم تقل قط أنه اعتمر في رمضان فعلم أن ذلك ms263 خطأ محض. # وإذا ثبت بالأحاديث الصحيحة أنه لم يعتمر إلا في ذي القعدة وثبت أيضا أنه ~~لم يسافر من المدينة إلى مكة ودخلها إلا ثلاث مرات عمرة القضية ثم غزوة ~~الفتح ثم حجة الوداع وهذا مما لا يتنازع فيه أهل العلم بالحديث والسيرة ~~وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسافر في رمضان إلى مكة إلا غزوة ~~الفتح كان كل من هذين دليلا قاطعا على أن هذا الحديث الذي فيه أنها اعتمرت ~~معه في رمضان وقالت: أتممت وصمت فقال: أحسنت، خطأ محض. فعلم قطعا أنه باطل ~~لا يجوز لمن علم حاله أن يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: " من ~~روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " ولكن من حدث من العلماء ~~الذين لا يستحلون هذا فلم يعلموا أنه كذب. # فإن قيل فيكون قوله في رمضان خطأ وسائر الحديث يمكن صدقه قيل بل جميع ~~طرقه تدل على أن ذلك كان في رمضان لأنها قالت: قلت أفطرت وصمت وقصرت وأتممت ~~فقال: أحسنت يا عائشة، وهذا إنما يقال في الصوم الواجب. وأما السفر في غير ~~رمضان فلا يذكر فيه مثل # PageV02P091 # هذا لأنه معلوم أن الفطر فيه جائز، وأيضا فقد روى البيهقي وغيره بالإسناد ~~الثابت عن الشعبي عن عائشة أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إلا ~~المغرب ففرضت ثلاثا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر صلى الصلاة ~~الأولى وإذا قام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب لأنها وتر والصبح ~~لأنها تطول فيها القراءة فقد أخبرت عائشة أنه كان إذا سافر صلى الصلاة ~~الأولى ركعتين ركعتين، فلو كان تارة يصلي أربعا لأخبرت بذلك وهذا يناقض تلك ~~الرواية المكذوبة على عائشة. وأيضا فعائشة كانت حديثة السن على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم مات وعمرها أقل من عشرين ~~سنة لما بنى بها بالمدينة كان لها تسع سنين وإنما أقام بالمدينة عشرا فإذا ~~كان قد بنى بها في أول الهجرة كان ms264 عمرها قريبا من عشرين ولو قدر أنه بنى ~~بها بعد ذلك لكان عمرها حينئذ أقل، وأيضا فلو كانت كبيرة فهي إنما تتعلم ~~الإسلام وشرائعه من النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يتصور أن تصوم وتصلي معه ~~في السفر خلاف ما يفعله هو وسائر المسلمين وسائر أزواجه ولا تخبره بذلك حتى ~~تصل إلى مكة؟ هل يظن مثل هذا بعائشة أم المؤمنين؟ وما بالها فعلت هذا في ~~هذه السفرة دون سائر أسفارها معه؟ وكيف تطيب نفسها بخلافه من غير استئذانه ~~وقد ثبت عنها في الصحيحين بالأسانيد الثابتة باتفاق أهل العلم أنها قالت: ~~فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ثم أتمها في الحضر، وأقرت صلاة السفر على ~~الفريضة. وهذا من رواية الزهري عن عروة عن عائشة ورواية أصحابه الثقات ومن ~~رواية صالح بن كيسان عن عروة وعن عائشة يرويه مثل ربيعة ومن رواية الشعبي ~~عن عائشة، وهذا مما اتفق أهل # PageV02P092 # العلم بالحديث على أنه صحيح ثابت عن عائشة فكيف تقدم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أن تصلي في السفر قبل أن تستأذنه وهي تراه والمسلمين ~~معه لا يصلون إلا ركعتين، وأيضا فهي لما أتمت الصلاة بعد موت النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يحتج بأنها فعلت ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا ذكر ذلك أخبر الناس بها عروة ابن أختها بل اعتذرت بعذر من جهة الاجتهاد ~~كما رواه النيسابوري والبيهقي وغيرهما بالأسانيد الثابتة عن وهب بن جرير ~~ثنا شعبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كانت تصلي في السفر أربعا ~~فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أخي إنه لا يشق علي. # وأيضا فالحديث الثابت عن صالح بن كيسان أن عروة بن الزبير حدثه عن عائشة ~~أن الصلاة حين فرضت كانت ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر على ~~ركعتين وأتمت في الحضر أربعا. # قال صالح: فأخبر بها عمر بن عبد العزيز فقال: إن عروة أخبرني أن عائشة ~~تصلي أربع ركعات في السفر ms265 قال: فوجدت عروة يوما عنده فقلت: كيف أخبرتني عن ~~عائشة فحدث مما حدثني به. فقال عمر: أليس حدثتني أنها كانت تصلي أربعا في ~~السفر قال: بلى. # وفي الصحيحين عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أول ما ~~فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر. قال ~~الزهري: قلت فما شأن عائشة كانت تتم الصلاة؟ قال: أنها تأولت كما تأول ~~عثمان، فهذا عروة يروي عنها أنها اعتذرت عن إتمامها بأنها قالت: لا يشق ~~علي، وقال: إنها تأولت كما تأول عثمان، فدل ذلك على أن إتمامها كان بتأويل ~~من اجتهادها ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حسن لها # PageV02P093 # الإتمام أو كان هو قد أتم لكانت قد فعلت ذلك إتباعا لسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكذلك عثمان، ولم يكن ذلك مما يتأول بالاجتهاد. # ثم إن هذا الحديث أقوى ما اعتمد عليه من الحديث من قال بالإتمام في السفر ~~وقد عرف أنه باطل فكيف بما هو أبطل منه وهو كون النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يتم في السفر ويقصر، وهذا خلاف المعلوم بالتواتر من سنته التي اتفق ~~عليها أصحابه نقلا عنه وتبليغا إلى أمته، لم ينقل عنه قط أحمد من أصحابه ~~أنه صلى في السفر أربعا بل تواترت الأحاديث عنهم أنه كان يصلي في السفر ~~ركعتين هو وأصحابه. # والحديث الذي يرويه زيد العمي عن أنس بن مالك قال: إنا معاشر أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كنا نسافر فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا المتم ~~ومنا المقصر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المتم على المقصر. هو كذب بلا ~~ريب وزيد العمي ممن اتفق العلماء على أنه متروك والثابت عن أنس إنما هو في ~~الصوم، ومما يبين ذلك أنهم في السفر مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا ~~يصلون فرادى بل كانوا يصلون بصلاته بخلاف الصوم فإن الإنسان قد يصوم وقد ~~يفطر فهذا الحديث من الكذب، وإن كان البيهقي روى هذا ms266 فهذا مما أنكر عليه ~~ورآه أهل العلم لا يستوفي الآثار التي لمخالفيه كما يستوفي الآثار التي له، ~~وأنه يحتج بآثار لو احتج بها مخالفوه لأظهر ضعفها وقدح فيها، وإنما أوقعه ~~في هذا مع علمه ودينه ما أوقع أمثاله ممن يريد أن يجعل آثار النبي صلى الله ~~عليه وسلم موافقة لقول واحد من العلماء دون آخر فمن سلك هذه السبيل دحضت ~~حججه وظهر عليه نوع من التعصب بغير الحق كما يفعل ذلك من يجمع الآثار ~~ويتأولها في كثير من المواضع # PageV02P094 # بتأويلات يبين فسادها ليوافق القول الذي ينصره كما يفعله صاحب شرح الآثار ~~أبو جعفر مع أنه يروي من الآثار أكثر مما يروي البيهقي لكن البيهقي ينقي ~~الآثار ويميز بين صحيحها وسقيمها أكثر من الطحاوي. # والحديث الذي فيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقصر ويتم ويفطر ويصوم قد ~~قيل أنه مصحف وإنما لفظه كان يقصر وتتم هي بالتاء ويفطر وتصوم هي ليكون ~~معنى هذا الحديث معنى الحديث الآخر الذي إسناده أمثل منه فإنه معروف عن عبد ~~الرحمن بن الأسود لكنه لم يحفظ عن عائشة. وأما نقل هذا الآخر عن عطاء فغلط ~~على عطاء قطعا وإنما الثابت عن عطاء أن عائشة كانت تصلي في السفر أربعا كما ~~رواه غيره، ولو كان عند عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك سنة ~~لكانت تحتج بها، ولو كان ذلك معروفا من فعله لم تكن عائشة أعلم بذلك من ~~أصحابه الرجال الذين كانوا يصلون خلفه دائما في السفر فإن هذا السفر مما ~~تكون عائشة أعلم به من غيرها من الرجال كقيامه بالليل واغتساله من الإكسال ~~فضلا عن أن تكون مختصة بعلمه، بل أمور السفر أصحابه أعلم بحاله فيها من ~~عائشة لأنها لم تكن تخرج معه في كل أسفاره فإنه قد ثبت في الصحيح عنها أنها ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ~~فأيهن خرج سهمها خرج بها معه، فإنما كان يسافر بها أحيانا وكانت تكون مخدرة ~~في ms267 خدرها وقد ثبت عنها في الصحيح أنها لما سألها شريح بن هاني عن المسح على ~~الخفين قالت: سل عليا فإنه كان يسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم هذا ~~والمسح على الخفين أمر قد يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في منزله في ~~السفر فتراه دون الرجال بخلاف الصلاة المكتوبة فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن يصليها في الحضر ولا في # PageV02P095 # السفر إلا إماما بأصحابه، إلا أن يكون له عذر من مرض أو غيبة لحاجة كما ~~غاب يوم ذهب ليصلح بين أهل قباء وكما غاب في السفر للطهارة فقدموا عبد ~~الرحمن بن عوف فصلى بهم الصبح، ولما حضر النبي صلى الله عليه وسلم حسن ذلك ~~وصوبه، وإذا كان الإتمام إنما كان والرجال يصلون خلفه فهذا مما يعلمه ~~الرجال قطعا وهو # PageV02P096 # مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فإن ذلك مخالف لعادته في عامة أسفاره ~~فلو فعله أحيانا لتوفرت هممهم ودواعيهم على نقله كما نقلوا عنه المسح على ~~الخفين لما فعله، وإن كان الغالب عليه الوضوء وكما نقلوا عنه الجمع بين ~~الصلاتين أحيانا، وإن كان الغالب عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها الخاص، مع ~~أن مخالفة لسنته أظهر من مخالفة بعض الوقت لبعض فإن الناس لا يشعرون بمرور ~~الأوقات كما يشعرون بما يشاهدونه من اختلاف العذر فإن هذا أمر يرى بالعين ~~إلى تأمل واستدلال بخلاف خروج وقت الظهر وخروج وقت المغرب فإنه يحتاج إلى ~~تأمل، ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أن جمعه إنما كان في غير عرفة ~~ومزدلفة بأن يقدم الثانية ويؤخر الأولى إلى آخر وقتها، وقد روي أنه كان ~~يجمع كذلك فهذا مما يقع فيه شبهة بخلاف الصلاة أربعا لو فعل ذلك في السفر ~~فإن هذا لم يكن يقع فيه شبهة ولا نزاع، بل كان ينقله المسلمون ومن جوز عليه ~~أن يصلي في السفر أربعا - ولا ينقله أحد من الصحابة، ولا يعرف قط إلا من ~~رواية واحد مضعف عن آخر عن عائشة، والروايات الثابتة عن عائشة لا ms268 توافقه بل ~~تخالفه - فإنه لو روي له بإسناد من هذا الجنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلى الفجر مرة أربعا لصدق ذلك، ومثل هذا ينبغي أن يصدق بكل الأخبار التي من ~~هذا الجنس التي ينفرد فيه الواحد، مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، ~~ويعلم أنه لو كان حقا لكان ينقل ويستفيض، وهذا في الضعف مثل أن ينقل عنه ~~أنه قال لأهل مكة بعرفة ومزدلفة ومنى: " أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " وينقل ~~ذلك عن عمر ولا ينقل إلا من طريق ضعيف، مع العلم بأن ذلك لو كان حقا لكان ~~مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، وذلك مما روى أبو داود الطيالسي: ~~حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي نضرة، قال: سأل سائل عمران بن ~~الحصين عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فقال: إن هذا الفتى ~~يسألني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر، فاحفظوهن عني، ما ~~سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا قط، إلا صلى ركعتين حتى يرجع، ~~وشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا والطائف فكان يصلي ركعتين، ثم ~~حججت معه واعتمرت فصلى ركعتين ثم قال: " يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم ~~سفر " ثم حججت مع أبي بكر واعتمرت فصلى ركعتين ركعتين، ثم قال: يا أهل مكة ~~أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم حججت مع عمر # واعتمرت فصلى ركعتين وقال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم ~~حججت مع عثمان واعتمرت فصلى ركعتين ركعتين، ثم إن عثمان أتم، فما ذكره في ~~هذا الحديث من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في السفر قط إلا ركعتين، ~~هو مما اتفقت عليه سائر الروايات، فإن جميع الصحابة إنما نقلوا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه صلى في السفر ركعتين. تمرت فصلى ركعتين وقال: يا ~~أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم حججت مع عثمان واعتمرت فصلى ركعتين ~~ركعتين، ثم إن ms269 عثمان أتم، فما ذكره في هذا الحديث من أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يصل في السفر قط إلا ركعتين، هو مما اتفقت عليه سائر ~~الروايات، فإن جميع الصحابة إنما نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~صلى في السفر ركعتين. # وأما ما ذكره من قوله: " يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " فهذا ~~مما قاله بمكة عام الفتح، لم يقله في حجته، وإنما هذا غلط وقع في هذه # PageV02P097 # الرواية. وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن حميد عن حماد بإسناده، رواه ~~البيهقي من طرقه ولفظه: ما سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا إلا صلى ~~ركعتين، حتى يرجع ويقول: " يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " وغزا ~~الطائف وحنين، فصلى ركعتين وأتى الجعرانة فاعتمر منها، وحججت مع أبي بكر ~~واعتمرت، فكان يصلي ركعتين، وحججت مع عمر بن الخطاب فكان يصلي ركعتين، فلم ~~يذكر قوله إلا عام الفتح، قبل غزوة حنين والطائف، ولم يذكر ذلك عن أبي بكر ~~وعمر، وقد رواه أبو داود في سننه صريحا من حديث ابن علية: حدثنا علي بن زيد ~~عن أبي نضرة عن عمران بن حصين قال: عرفت مع النبي صلى الله عليه وسلم وشهدت ~~معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة يصلي ركعتين يقول: " يا أهل البلد ~~صلوا أربعا فإنا قوم سفر " وهذا إنما كان في غزوة الفتح في نفس مكة لم يكن ~~بمنى، وكذلك الثابت عن عمر أنه صلى بأهل مكة في الحج ركعتين، ثم قال عمر ~~بعد ما سلم: أتموا الصلاة يا أهل مكة فإنا قوم سفر. # هذا ومما يبين ذلك أن هذا لم ينقله عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من ~~الصحابة، لا ممن نقل صلاته ولا ممن نقل نسكه وحجه مع توفر الهمم والدواعي ~~على نقله، مع أن أئمة فقهاء الحرمين كانوا يقولون أن المكيين يقصرون الصلاة ~~بعرفة ومزدلفة ومنى، أفيكون كان معروفا عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خلاف ذلك؟ أم كانوا جهالا ms270 بمثل هذا الأمر الذي يشيع ولا يجهله أحد ممن حج ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم؟. # وفي الصحيحين عن حارثة بن خزاعة قال: صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمنى أكثر ما كنا وآمنه ركعتين. حارثة هذا خزاعي وخزاعة منزلها حول مكة. # PageV02P098 # وفي الصحيحين عن عبد الله بن زيد قال: صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات، ~~فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع وقال: صليت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بمنى ~~ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين. # وإتمام عثمان رضي الله عنه قد قيل أنه كان لأنه تأهل بمكة، فصار مقيما، ~~وفي المسند عن عبد الرحمن بن أبي ذآب، أن عثمان صلى بمنى أربع ركعات، فأنكر ~~الناس عليه فقال: يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من تأهل في بلد فليصل صلاة مقيم بمكة ~~ثلاثة أيام ويقصر الرابعة " فإنه يقصر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو لا يمكنه أن يقيم بها أكثر من ذاك، فإن عثمان كان من المهاجرين، وكان ~~المقام بمكة حراما عليهم. # وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد ~~قضاء نسكه ثلاثا، وكان عثمان إذا اعتمر يأمر براحلته، فتهيأ له فيركب عليها ~~عقب العمرة، لئلا يقيم بمكة فكيف يتصور أنه يعتقد أنه صار مستوطنا بمكة إلا ~~أن يقال أنه جعل التأهل إقامة لا إستيطانا، فيقال معلوم أن من أقام بمكة ~~ثلاثة أيام، فإنه يقصر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يمكنه أن ~~يقيم بها أكثر من ذلك، لكن قد يكون نفس التأهل مانعا من القصر، وهذا أيضا ~~بعيد فإن أهل مكة كانوا يقصرون خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه بمنى، ~~وأيضا فالأمراء بعد عثمان من بني أمية كانوا يتمون إقتداء به، ولو كان عذره ~~مختصا به لم يفعلوا ذلك، ms271 وقيل إنه خشي أن الأعراب يظنون أن الصلاة أربع ~~وهذا أيضا ضعيف، فإن الأعراب كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أجهل # PageV02P099 # منهم في زمن عثمان، ولم يتمم الصلاة وأيضا فهم يرون صلاة المسلمين في ~~المقام أربع ركعات، وأيضا فظنهم أن السنة في صلاة المسافر أربع خطأ منهم، ~~فلا يسوغ مخالفة السنة ليحصل بالمخالفة ما هو بمثل ذلك، وعروة قد قال أن ~~عائشة تأولت كما تأول عثمان، وعائشة أخبرت أن الإتمام لا يشق عليها (1) ، ~~أن يكون ذلك كما رآه من رآه لأجل شقة السفر، ورأوا أن الدنيا لما اتسعت ~~عليهم لم يحصل لهم من المشقة ما كان يحصل على من كان صلى أربعا، كما قد جاء ~~عن عثمان من نهيه عن المتعة التي هي الفسخ، أن ذلك كان لأجل حاجتهم، إذ ذاك ~~إلى هذه المتعة فتلك الحاجة قد زالت. # تمت. # جاء في آخر النسخة التي طبعنا عنها هذه الرسالة ما نصه: هذا آخر ما وجدته ~~من هذه القاعدة الجليلة، للشيخ تقي الدين بن تيمية، وكان المنقول عنها يقول ~~كاتبها أنه نقلها من نسخة بخط ابن المقيم رحمهم الله وقد وقع الفراغ غداة ~~يوم الجمعة 8 صفر سنة 1341 في المدرسة الداودية من بغداد المحمية، وأنا ~~الفقير عبد الكريم بن السيد عباس الأزجي والحمد لله رب العالمين. ~~PageV02P100 ### | الجزء الثالث ### | كتاب مذهب السلف القويم في تحقيق مسألة كلام الله الكريم # مجموع من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله سره # وما حققه في مواضع من كتبه ومؤلفاته # علق عليه: السيد محمد رشيد رضا # PageV03P001 # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الإمام أبو الحسن بن عروة رحمه الله تعالى في الكواكب (1) : نقل من ~~سؤال قدم من بلاد كيلان في مسألة القرآن إلى دمشق في سنة أربع وسبعمائة من ~~جهة سلطان تلك البلاد على يد قاضيها، لأجل معرفة الحق من الباطل عندما كثر ~~عندهم الاختلاف والاضطراب، ورغب كل من الفريقين في قبول كلام شيخ الإسلام ~~أبي العباس أحمد ابن تيمية في هذا الباب، فأملاه شيخ ms272 الإسلام في المجلس، ~~وكتبه أحمد بن محمد بن مري الشافعي بخط جيد قوي، ثم إن كاتب هذه الأوراق ~~اطلع على هذه الفتوى يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين ~~وثمانمائة فاخترت لنفسي منها مواضع نقلتها في هذه الأوراق إذا الجواب طويل ~~جدا. # صورة السؤال: ما تقول السادة أئمة الدين رضي الله عنهم في قوم يقولون: إن ~~كلام الناس وغيرهم قديم، سواء كان الكلام (2) صدقا أو كذبا، فحشا أو غير ~~فحش، نظما أو نثرا ولا فرق بين كلام الله عز وجل وكلامهم في القدم إلا من ~~جهة الثواب. # وقال قوم منهم بل أكثرهم: أصوات الحمير والكلاب كذلك (3) لما قرئ عليهم ~~ما نقل عن الإمام أحمد ردا على قولهم تأولوا ذلك القول وقالوا إن أحمد إنما ~~قال ذلك خوفا من الناس، فهل هم مصيبون أو مخطئون؟ فإذا كانوا مخطئين فهل ~~على ولي الأمر PageV03P002 # وفقه الله ردعهم وزجرهم عن ذلك أم لا؟ وإذا وجب زجرهم فهل يكفرون إن ~~أصروا أم لا؟ وهل الذي نقل عن الإمام أحمد حق، أو هو كما يزعمون؟ أفتونا ~~مأجورين. # أجاب الإمام العلامة شيخ الإسلام قامع البدع ومظهر الحق للخلق أبو العباس ~~أحمد بن تيمية: # الحمد لله بل هؤلاء مخطئون في ذلك خطأ محرما فاحشا بإجماع المسلمين، وقد ~~قالوا منكرا من القول وزورا، بل كفرا وضلالا ومحالا، ويجب نهيهم عن هذا ~~القول الفاحش، ويجب على ولاة الأمور عقوبة من لم ينته منهم عن ذلك جزاء بما ~~كسب نكالا من الله، فإن هذا القول مخالف للعقل والنقل والدين، مناقض للكتاب ~~والسنة وإجماع المؤمنين، وهي بدعة شنيعة لم يقلها قط أحد من علماء ~~المسلمين، لا من علماء السنة ولا من علماء البدعة، ولا يقولها عاقل يفهم ما ~~يقول، ولا يحتاج في مثل هذا الكلام الذي فساده معلوم ببداهة العقل أن يحتج ~~له بنقل عن إمام من الأئمة، إلا من جهة أن رده وإنكاره منقول عن الأئمة، ~~وإن قائله مخالف للأمة مبتدع في الدين، ولتزول بذلك شبهة من يتوهم أن قولهم ms273 ~~من لوازم قول أحد من السلف، وليعلم أنهم مخالفون لمذاهب الأئمة المقتدى ~~بهم، بل قول الأئمة مناقض لقولهم، فإن الأئمة كلهم نصوا على أن كلام ~~الآدميين مخلوق، بل نص أحمد على أن فعال العباد مخلوقة عموما وعلى كلام ~~الآدميين خصوصا، لم يمتنعوا عن هذا الإطلاق لأجل الشبهة التي عرضت لمثل ~~هؤلاء المبتدعة. # ثم ساق الشيخ كلاما طويلا إلى أن قال: ومن المشهورفي كتاب صريح السنة ~~لمحمد بن جرير الطبري - وهو متواتر عنه - لما ذكر الكلام في أبواب السنة ~~قال: وأما القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى، ~~ولا عن تابعي قفا، إلا عمن في قوله الشفا والغنى، وفي إتباعه الرشد والهوى، ~~ومن قام مقام الأئمة الأول: أبي عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل، فإن أبا ~~إسماعيل الترمذي # PageV03P003 # حدثني قال: سمعت أبا عبد الله يقول: اللفظية جهمية. # قال ابن جرير: سمعت من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يحكون عنه أنه كان يقول: ~~من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. # قال ابن جرير: القول في ذلك عندنا لا يجوز أن يقول أحد غير قوله، إذ لم ~~يكن إمام قائم به سواه، وفيه كفاية لكل متبع، وقناعة لكل مقتنع، وهو الإمام ~~المتبع. # وقال صالح بن الإمام أحمد: بلغ أبي أن أبا طالب يحكي عن أبي أنه يقول: ~~لفظي بالقرآن غير مخلوق، فقال: ابعث إلى أبي طالب، فوجهت إليه فجاء فقال له ~~أبي: أنا قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ وغضب أبي وجعل يرتعد، فقال له: ~~قرأت عليك: " قل هو الله أحد " فقلت لي: هذا ليس بمخلوق، فقال له: فلم حكيت ~~عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ وبلغني أنك وضعت ذلك في كتابك وكتبت ~~به إلى قوم، فإن كان في كتابك فامحه أشد المحو، واكتب إلى القوم الذين كتبت ~~إليهم أني لم أقل هذا، وغضب وقال له: تحكي عني ما ألم أقل؟ فجعل فوزان ~~يعتذر إليه (1) . وانصرف من عنده وهو مرعوب، فعاد ms274 أبو طالب فذكر أنه حكى ~~ذلك من كتابه وكتب إلى أولئك القوم يخبرانه وهم علي أبي عبد الله في ~~الحكاية عنه، قال أبو عبد الله: القرآن حيث تصرف غير مخلوق. # وقال عبد الوهاب الوراق: من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فإنه يهجر ولا ~~يكلم ويحذر منه، وذكر الخلال في كتاب القراءة عن إسحاق بن إبراهيم قال: قال ~~أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - وكنت سألته عن قوله (2) : من لم يتغن ~~بالقرآن، قال: هو الرجل يرفع صوته به فهذا معناه إذا رفع صوته فقد تغنى به، ~~وعن منصور وصالح أنه قال لأبيه يرفع صوته بالقرآن بالليل؟ قال: نعم إن شاء ~~رفع، ثم ذكر PageV03P004 # حديث أم هانئ: كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا على عريشي ~~من الليل. # وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن القراءة بالألحان فقال: كل شيء محدث ~~فإنه لا يعجبني إلا أن يكون صوت رجل لا يتكلفه. # قال: وأما قول القائل أن أحمد قال ذلك خوفا من الناس فبطلان هذا القول ~~يعلمه كل عاقل بلغه شيء من أخبار أحمد، وقائل هذا هو إلى العقوبة البليغة ~~أحوج منه إلى جوابه لافترائه على الأئمة، فإن الإمام أحمد صار مثلا سائرا ~~يضرب به المثل في المحنة، والصبر على الحق، فإنه لم يكن يأخذه في الله لومة ~~لائم، حتى صارت الإمامة مقرونة باسمه في لسان كل أحد فيقال قال الإمام أحمد ~~وهذا مذهب الإمام أحمد لقوله تعالى: " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون " فإنه أعطي من الصبر واليقين، وينال به ~~الإمامة في الدين، وقد تداوله ثلاثة خلفاء يسلطون عليه من شرق الأرض إلى ~~غربها ومعهم من العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والسعاة والأمراء ~~والولاة ما لا يحصيه إلا الله، فبعضهم تسلط عليه بالحبس، وبعضهم بالتهديد ~~الشديد، وبعضهم يعده بالقتل، وبغيره من الرعب، وبعضهم بالترغيب في الرياسة ~~والمال، وبعضهم بالنفي والتشريد من وطنه، وقد خذله في ذلك أهل الأرض حتى ~~أصحابه العلماء والصالحون، وهو مع ذلك لا يجيبهم ms275 إلى كلمة واحدة مما طلبوا ~~منه، وما رجع عما جاء به الكتاب والسنة ولا كتم العلم، ولا استعمل التقية، ~~بل قد أظهر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثاره ما دفع به البدع ~~المخالفة لذلك مما لم يتأت مثله لعالم من نظرائه، ولهذا قال بعض علماء ~~الشام لم يظهر أحد ما جاء به الرسول كما أظهره أحمد بن حنبل، فكيف يظن به ~~أنه كان يخاف هذه الكلمة التي لا قدر لها، وأيضا فمن أصوله أنه لا يقول في ~~الدين قولا مبتدعا، فكيف بكلمة ما قالها أحد قبله. # قال: فالمنتسبون إلى السنة والحديث وإن كانوا أصلح من غيرهم وفيهم من ~~الخير # PageV03P005 # ما لا يوجد في غيرهم، فإن السنة في الإسلام كالإسلام في الملل، فكما أنه ~~يوجد في المنتسبين إلى الإسلام ما يوجد في غيرهم من الخير فهو في المسلمين ~~أكثر وكل شر في المسلمين فهو في غيرهم أكثر، فكذلك المنتسبون إلى السنة قد ~~يوجد فيهم من الخير ما لا يوجد في غيرهم، وإن كان في غيرهم خير فهو فيهم ~~أكثر، وكل شر فيهم فهو في غيرهم أكثر. # قال: ويجب القطع بأن كلام الآدميين مخلوق ويطلق القول بذلك إطلاقا ولا ~~يحتاج إلى تفصيل بأن يقال نظمه أو تأليفه أو غير ذلك، وذلك لأن كلام ~~المتكلم هو عبارة عن ألفاظه ومعانيه، وعامة ما يوجد في كتاب الله وسنة ~~رسوله وكلام السلف وسائر الأمم عربهم وعجمهم فإنه عند إطلاقه يتناول اللفظ ~~والمعنى جميعا لشموله لهما فيقال عن كلام الله وهو القرآن هذا كلام الله ~~وهذا كلام فلان. # قال: وأما الأمة الوسط الباقون على الفطرة فيقولون لما بلغه المبلغ عن ~~غيره وأداه: هذا كلام ذاك لا كلامك وإنما بلغته بقولك، كما قال أبو بكر ~~الصديق لما خرج على قريش فقرأ " ألم، غلبت الروم في أدنى الأرض " الآية. ~~فقالوا هذا كلامك أو كلام صاحبك؟ فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنه ~~كلام الله. # وفي سنن أبي داود من حديث جابر أن رسول الله صلى ms276 الله عليه وسلم كان يعرض ~~نفسه على الناس بالموقف فيقول: " ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، ~~فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي عز وجل " فبين أن ما يبلغه ويتلوه هو ~~كلام الله لا كلامه وإن كان يبلغه بأفعاله وصوته، والأمم متفقون على هذا ~~إذا سمعوا من يروي قصيدة أو كلاما أو قرآنا، أو مسألة قالوا هذا كلام فلان ~~وقوله فإنه هو الذي اتصف به وألفه وأنشأه. # قال: وكذلك من تبع آباءه الذين سلفوا من غير اعتصام منه بالكتاب والسنة ~~والإجماع فإنه ممن ذمه الله في كتابه في مثل قوله: " وإذا قيل لهم تعالوا ~~إلى # PageV03P006 # ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا " وفي قوله: ~~" يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، ~~وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا " الآية. وكذلك من ~~اتبع الظنون والأهواء معتقدا أنها عقليات وذوقيات فهو ممن قال الله فيه: " ~~إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى " وإنما يفصل ~~بين الناس فيما تنازعوا فيه الكتاب المنزل من السماء والرسول المؤيد ~~بالمعجزات كما قال تعالى: " فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه " وقال: " فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا " وقال: " بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه " ~~الآية. وقال: " إن الذين آمنوا والذين هادوا " الآية. فأخبر سبحانه عمن مضى ~~ممن كان متمسكا بدين حق من اليهود والنصارى والصابئين وعن المؤمنين بعد ~~مبعث محمد من جميع الأمم إن من تلبس بهذه الخصال من سائر الأمم وهي جماع ~~الصلاح وهي الإيمان بالله والبعث والمعاد والإيمان بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا وهو أداء المأمورات وترك المحظورات فإن له أجره عند ربه ولا خوف عليه ~~مما أمامه ولا يحزن على ما وراءه، وإسلام الوجه هو إخلاص الدين لله وهو ~~عبادته ms277 وحده لا شريك له وهو حقيقة قول: " إياك نعبد وإياك نستعين " وهو ~~محسن، فالأول وهو إسلام الوجه وهو النية وهذا الثاني وهو الإحسان هو العمل ~~الصالح. وهذا الذي ذكره في هاتين الآيتين هو الإيمان العام والإسلام العام ~~الذي أوجبه على جميع عباده من الأولين والآخرين، وهو دين الله العام الذي ~~بعث به جميع الرسل وأنزل به جميع الكتب. # فكان أول بدعة حدثت في هذه الأمة بدعة الخوارج المكفرة بالذنوب فإنهم ~~يكفرون الفاسق الملي، فزعمت الخوارج والمعتزلة أن الذنوب الكبيرة - ومنهم # PageV03P007 # من قال والصغيرة - لا تجامع الإيمان أبدا بل تنافيه وتفسده كما يفسد ~~الأكل والشرب الصيام، قالوا: والإيمان هو فعل المأمور وترك المحظور فمتى ~~بطل بعضه بطل كله كسائر المركبات فيكون العاصي كافرا لأنه ليس إلا مؤمن أو ~~كافر، وقالت المعتزلة: ننزله منزلة بين المنزلتين: نخرجه من الإيمان ولا ~~ندخله في الكفر، وقابلتهم المرجئة والجهمية ومن اتبعهم من الأشعرية ~~والكرامية فقالوا: ليس من الإيمان فعل الأعمال الواجبة ولا ترك المحظورات ~~البدنية فإن الإيمان لا يقبل الزيادة ولا النقصان، بل هو شيء واحد يستوي ~~فيه جميع المؤمنين من الملائكة والمقتصدين والمقربين والظالمين. # وأما السلف والأئمة فاتفقوا على أن الإيمان قول وعمل، فيدخل في القول قول ~~القلب واللسان، وفي العمل عمل القلب والأركان، وقال المنتصرون لمذهبهم (1) ~~أن للإيمان أصولا وفروعا وهو مشتمل على أركان وواجبات ومستحبات بمنزلة اسم ~~الحج والصلاة وغيرها من العبادات، فإن اسم الحج يتناول كل ما يشرع فيه من ~~فعل أو ترك مثل الإحرام ومثل ترك محظوراته والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى ~~والطواف بالبيت وبين الجبلين المكتنفين له وهما الصفا والمروة. ثم الحج مع ~~هذا اشتمل على أركان متى تركت لم يصح الحج كالوقوف بعرفة، وعلى ترك محظور ~~متى فعله فسد حجه وهي الوطء، ومشتمل على واجبات من فعل وترك يأثم بتركها ~~عمدا، ويجب مع تركها لعذر أو غيره الجبران بدم، كالإحرام من المواقيت ~~المكانية، والجمع بين الليل والنهار بعرفة، وكرمي الجمار ونحو ذلك، ومشتمل ~~على مستحبات من فعل وترك يكمل ms278 الحج بها ولا يأثم بتركها ولا توجب دما، مثل ~~رفع الصوت بالإهلال والإكثار منه وسوق الهدي وذكر الله ودعائه في تلك ~~المواضع، وقلة الكلام إلا في أمر أو نهي أو ذكر: من فعل الواجب PageV03P008 # وترك المحظور فقد تم حجه وعمرته لله وهو مقتصد من أصحاب اليمين في هذا ~~العمل، لكن من أتى بالمستحب فهو أكمل منه وأتم حجا وعملا وهو سابق مقرب، ~~ومن ترك المأمور وفعل المحظور لكنه أتى بأركانه وترك مفسداته فهو حج ناقص ~~يثاب على ما فعله من الحج ويعاقب على ما تركه، وقد سقط عنه أصل الفرض بذلك ~~مع عقوبته على ما ترك، ومن أخل بركن أو فعل مفسدا فحجه فاسد لا يسقط به ~~فرضه بل عليه إعادته، مع أنه قد تنازعوا في إثباته على ما فعله وإن لم يسقط ~~به الفرض، والأشبه أنه يثاب عليه، فصار الحج ثلاثة أقسام كاملا بالمستحبات، ~~وتاما بالواجبات فقط، وناقصا عن الواجب، والفقهاء يقسمون الوضوء إلى كامل ~~فقط ومجزئ، ويريدون بالكامل ما أتى بمفروضه ومسنونه بالمجزئ ما اقتصر على ~~واجبه، فهذا في الأعمال المشروعة وكذلك في الأعيان المشهودة فإن الشجرة ~~مثلا اسم لمجموع الجذع والأغصان وهي بعد ذهاب الورق شجرة كاملة وبعد ذهاب ~~الأغصان شجرة ناقصة، فليكن مثل ذلك في مسمى الإيمان. # والذين قالوا (1) الإيمان ثلاث درجات: إيمان السابقين المقربين، وهو ما ~~أتي فيه بالواجبات والمستحبات من فعل وترك، وإيمان المقتصدين أصحاب اليمين ~~وهو ما ترك صاحبه فيه بعض الواجبات، أو فعل فيه بعض المحظورات، ولهذا قال ~~علماء السنة: لا يكفر أحد بذنب، إشارة إلى بدعة الخوارج الذين يكفرون ~~بالذنب، وإيمان الظالمين لأنفسهم وهو من أقر بأصل الإيمان وهو الإقرار بما ~~جاءت به الرسل عن الله وهو شهادة أن لا إله إلا الله ولم يفعل المأمورات ~~ويجتنب المحظورات، فإن أصل الإيمان التصديق والانقياد فهذا أصل الإيمان ~~الذي من لم يأت به فليس بمؤمن وقد تواتر في الأحاديث: " أخرجوا من النار من ~~كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان - مثقال حبة من ms279 خير - مثقال ذرة من خير " و ~~" الإيمان بضع وستون أو بضع PageV03P009 # وسبعون (1) شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن ~~الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " فعلم أن الإيمان يقبل التبعيض والتجزئة، ~~وإن قليله يخرج به صاحبه من النار إن دخلها، وليس كما يقوله الخارجون عن ~~مقالة أهل السنة أنه لا يقبل التبعيض والتجزئة بل هو شيء واحد إما أن يحصل ~~كله وإما أن لا يحصل منه شيء. # واعلم أن عامة السور المكية التي أنزلها الله بمكة هي في هذا الإيمان ~~العام المشترك بين الأنبياء جميعهم، وهذا القدر المشترك هو في بعض الملل ~~أعظم قدرا ووصفا، فإن ما جاء به محمد من صفات الله وأسمائه وذكر اليوم ~~الآخر أكمل مما جاء به سائر الأنبياء ومنه ما تختلف الشرائع والمناهج ~~كالقبلة والنسك ومقادير العبادات وأوقاتها وصفاتها والسنن والأحكام وغير ~~ذلك، فمسمى الإيمان والدين في أول الإسلام ليس هو مسماه في آخر زمان ~~النبوة، بل مسماه في الآخر أكمل من مسماه في أول البعثة وأوسطها، كما قال ~~تعالى في آخر الأمر: " اليوم أكملت لكم دينكم " وقال بعدها: " ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله " ولهذا قال الإمام أحمد: كان الإيمان في أول ~~الإسلام ناقصا فجعل يتم، وهكذا مسمى الإيمان والدين قد يتنوع بحسب الأشخاص، ~~وبحسب أمر الله كلا منهم، وبحسب ما يفعله مما أمر به، وبحسب إقباله وحضوره ~~وإخلاصه، فإن المؤمنين من الأولين والآخرين مشتركون في الإيمان بالله ~~واليوم الآخر والعمل الصالح ولكن بينهم تفاوت ما في القلوب إذا ذكر الله ~~وما في اليوم الآخر ما تفاوت به الإيمان، فعند ذكر الجنة والنجاة من النار ~~وذم من ترك بعضه ونحو ذلك يزداد الإيمان الواجب لقوله: " إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا " الآية. وقوله: " إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا " ~~الآيات. PageV03P010 # وقوله: " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر ~~جامع " الآية. وقوله في الجنة: " أعدت للذين آمنوا ms280 بالله ورسوله ". # وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " الحديث ~~نفى الإيمان الواجب عنه الذي يستحق به الجنة ولا يستلزم ذلك نفي أصل ~~الإيمان وسائر أجزائه وشعبه هذا معنى قولهم نفي كمال الإيمان، وحقيقة ذلك ~~أن الكمال الواجب ليس هو الكمال المستحب المذكور في قول الفقهاء: الغسل ~~كامل ومجزئ، ومنه قوله عليه السلام: " من غشنا فليس منا " ليس المراد به ~~أنه كافر كما تأولته الخوارج ولا أنه ليس من خيارنا كما تأولته المرجئة، ~~ولكن المضمر يطابق المظهر، والمظهر هو المؤمنون المستحقون للثواب، السالمون ~~من العذاب، والغاش ليس منا (1) لأنه متعرض لعذاب الله وسخطه. # إذا تبين هذا فمن ترك بعض الإيمان الواجب في الجملة لعجزه عنه إما لعدم ~~تمكنه من العلم أو لعدم تمكنه من العمل لم يكن مأمورا بما يعجز عنه، ولم ~~يكن ذلك من الإيمان والدين الواجب في حقه، وإن كان من الدين والإيمان ~~الواجب في الأصل، بمنزلة صلاة المريض والخائف وسائر أهل الأعذار الذين ~~يعجزون عن إتمام الصلاة فإن صلاتهم صحيحة بحسب ما قدروا عليه وبه أمروا، ~~وإن كانت صلاة القادر على الإتمام أفضل، وأكمل كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير " ~~رواه مسلم من حديث أبي هريرة وفي حديث حسن السياق: " إن الله يلوم على ~~العجز ولكن عليك بالكيس " ولو أمكنه العلم به دون العمل لوجب الإيمان به ~~علما واعتقادا وإن لم يعمل به. # قال فإن الله قد بين بنصوص معروفة أن الحسنات يذهبن بالسيئات، وأنه من ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، وإن مصائب الدنيا ~~تكفر الذنوب، وأنه يقبل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر، ~~PageV03P011 # وأنه يغفر الذنوب جميعا، ويغفر ما دون الشرك، وأن الصدقة يبطلها المن ~~والأذى، وأن الرياء يبطل العمل، ونحو ذلك، فجعل للسيئات ما يوجب رفع ~~عقابها، كما قد جعل للحسنات ما قد يبطل ثوابها، لكن ليس شيء ms281 يبطل جميع ~~السيئات إلا التوبة، كما أنه ليس شيء يبطل جميع الحسنات إلا الردة، وبهذا ~~يتبين أنا نشهد بأن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا على الإطلاق والعموم، ولا نشهد لمعين أنه في النار لأنا لا نعلم لحوق ~~الوعيد له بعينه، لأن لحوق الوعيد بالمعين مشروط بشروط وانتفاء موانع، ونحن ~~لا نعلم ثبوت الشروط وانتفاء الموانع في حقه. وفائدة هذا الوعيد أن هذا ~~الذنب سبب مقتض لهذا العذاب، والسبب قد يقف تأثيره على وجود شرطه وانتفاء ~~مانعه. # يبين هذا أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الخمر وعاصرها ~~ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وآكل ~~ثمنها، وثبت عنه في الصحيح أن رجلا كان يكثر شرب الخمر فلعنه رجل فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله " فنهى عن لعن ~~هذا المعين وهو مدمن الخمر لأنه يحب الله ورسوله، وقد لعن أولا شاربها على ~~العموم. # قال فمسألة تكفير أهل البدع والأهواء متفرعة على هذا الأصل فنبدأ بمذاهب ~~الأئمة في ذلك قبل التنبيه على الحجة فنقول: المشهور من مذهب أحمد وعامة ~~أئمة السنة تكفير الجهمية وهم المعطلة لصفات الرحمن، فإن قولهم صريح في ~~مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب، وحقيقة قولهم جحود الصانع وجحود ما ~~أخبر به عن نفسه على لسان رسوله، بل وجميع الرسل، ولهذا قال عبد الله بن ~~المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. ~~وقال غير واحد من الأئمة: أنهم أكفر من اليهود والنصارى، وبهذا كفروا من ~~يقول أن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة، وأن الله ليس على العرش، ~~وأنه ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا غضب # PageV03P012 # ونحو ذلك من صفاته، وأما المرجئة فلا تختلف نصوصه أنه يكفرهم فإن بدعهم ~~من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، وكذلك الذين يفضلون عليا على أبي بكر لا ~~يختلف قوله أنه لا يكفرهم، وذلك قول طائفة من الفقهاء ms282 ولكن يبدعون. # قال: وعنه في تكفير من لم يكفر الجهمية روايتان أصحهما ما لا يكفر، ~~والجهمية عند كثير من السلف مثل ابن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من ~~أصحاب أحمد ليسوا من الثلاث والسبعين فرقة التي افترقت عليها هذه الأمة، بل ~~أصول هذه الفرق هم الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية. # قال: فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها (1) وإثابة قائلها، وعقوبة ~~تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها. # قال: وفي الإدلالة الشرعية ما يوجب أن الله لا يعذب من هذه الأمة مخطئا ~~على خطأه وإن عذب المخطيء من غير هذه الأمة، فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال رجل لم يعمل حسنة قط ~~لأهله إذا مات فحرقوه ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر ~~الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ~~به كما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال: ~~لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر له " وهذا الحديث متواتر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أصحاب الصحيح والمساند من حديث أبي سعيد ~~وحذيفة وعقبة بن عامر وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ~~يعلم أهل الحديث أنها تفيد العلم اليقيني وإن لم يحصل ذلك لغيرهم، فهذا ~~الرجل قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة من يصل إلى ~~الحالة التي أمر أهله أن يفعلوها به، وإن من أحرق وذري لا يقدر الله أن ~~يعيده ويحشره إذا فعل به ذلك، وأنه ظن ذلك ظنا ولم يجزم به. PageV03P013 # وهذا أصلان عظيمان: أحدهما متعلق بالله وهو الإيمان بأنه على كل شيء ~~قدير، والثاني متعلق باليوم الآخر وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ولو ~~صار إلى ما يقدر صيرورته إليه مهما كان فلا بد أن الله يحييه ويجزيه ~~بأعماله، فهذا الرجل مع هذا لما كان ms283 مؤمنا بالله في الجملة ومؤمنا باليوم ~~الآخر في الجملة وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت فهذا عمل صالح وهو خوفه ~~من الله أن يعاقبه على تفريط غفر له بما كان معه من الإيمان بالله واليوم ~~الآخر، وإنما أخطأ من شدة خوفه، كما أن الذي وجد راحلته بعد إياسه منها ~~أخطأ من شدة فرحه. # وقد وقع الخطأ كثيرا لخلق من هذه الأمة واتفقوا على عدم تكفير من أخطأ، ~~مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن ~~يكون المعراج يقظة، ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام، وكذلك لبعضهم في ~~قتال بعض وتكفير بعض أقوال معروفة، وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ " ~~بل عجبت " ويقول أن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال: إنما شريح ~~شاعر يعجبه علمه، كان عبد الله أفقه منه وكان يقرأ " بل عجبت " فهذا قد ~~أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة لله دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على ~~أن شريحا إمام من الأئمة، وكذلك بعض العلماء أنكر حروفا من القرآن كما أنكر ~~بعضهم: " أولم ييأس الذين آمنوا " فقال: إنما هي " أولم يتبين الذين آمنوا ~~" وآخر أنكر " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " فقال: إنما هي " ووصى ربك ~~" وبعضهم كان حذف المعوذتين، وآخر يكتب سورتي القنوت، وهذا الخطأ معفو عنه ~~بالإجماع، وكذلك الخطأ في الفروع العلمية فإن المخطئ فيها لا يكفر ولا يفسق ~~بل ولا يأثم، وإن كان بعض المتكلمة والمتفقهة يجعل المخطئ فيها آثما، وبعض ~~المتفقهة يعتقد أن كل مجتهد فيها مصيب، فهذا القولان شاذان ولم يقل أحد ~~بتكفير المخطئ فيها، فقد أخطأ بعض السلف فيها مثل خطأ بعضهم في بعض # PageV03P014 # أنواع الربا واستحلال آخرين القتال في الفتنة، وقد قال تعالى: " وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث - إلى قوله - ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما ~~وعلما " وفي الصحيح: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ ~~فله أجر ". # والسنة والإجماع منعقد على أن من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه ms284 وسلم ~~فلم يؤمن فهو كافر لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد لظهور أدلة الرسالة ~~وأعلام النبوة، والنصوص إنما وجبت رفع المؤاخذة بالخطأ لهذه الأمة، وإذا ~~كان كذلك فالمخطئ في بعض هذه المسائل إما أن يلحق بالكفار من المشركين وأهل ~~الكتاب مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، وإما أن يلحق بالمخطئين في ~~مسائل الإيجاب والتحريم مع أنها أيضا من أصول الإيمان، فإن الإيمان الذي ~~يوجب الواجبات الظاهرة المتواترة وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة هو ~~أعظم أصول الإيمان وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق، مع أن المجتهد ~~في بعضها إذا أخطأ ليس بكافر بالاتفاق، وإذا كان لا بد من إلحاقه بأحد ~~الصنفين فإلحاقه بالمؤمنين المخطئين أشد شبها من إلحاقه بالمشركين وأهل ~~الكتاب، مع العلم بأن كثيرا من أهل البدع منافقون النفاق الأكبر، فما أكثر ~~ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون (1) وأولئك في الدرك ~~الأسفل من النار. بل أصل هذه البدع من المنافقين الزنادقة ممن يكون أصل ~~زندقته مأخوذا عن الصابئين والمشركين وأصل هؤلاء هو الإعراض عما جاء به ~~الرسول من الكتاب والحكمة وابتغاء الهدى في غير ذلك ممن كان هذا أصله، فهو ~~يعد الرسالة إنما هي للعامة دون الخاصة، كما يقوله قوم من المتفلسفة ~~والمتكلمة والمتصوفة، فنفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله لا يرى في الآخرة ~~PageV03P015 # كفر، وإنكار أن يكون الله على العرش كفر، وكذلك ما كان في معنى ذلك ~~كإنكار تكليم الله لموسى واتخاذ الله إبراهيم خليلا. # قال: فإن الجزاء في الحقيقة إنما هو في الدار الآخرة التي هي دار الثواب ~~والعقاب، وأما الدنيا فإنما يشرع فيها ما شرع من العقوبات دفعا للظلم ~~والعداون وكسرا للنفوس العاتية الباغية ودفعا لشر الجبار الطاغي، وإذا كان ~~الأمر كذلك فعقوبة الدنيا غير ملتزمة لعقوبة الآخرة ولا بالعكس ولهذا أكثر ~~السلف على قتل الداعي إلى البدعة لما يجري على يديه من الفساد في الدين ~~سواء قالوا هو كافر أو ليس بكافر. # وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه ~~بأنه ms285 مع الكفار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة ~~بالرسالة التي يبين بها لهم أنهم مخالفون للرسول، وإن كانت مقالتهم هذه لا ~~ريب أنها كفر، وهكذا الكلام في جميع تكفير المعينين، مع أن بعض هذه البدع ~~أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان والعمل الصالح ما ليس في ~~بعض، والله أعلم. # PageV03P016 # فصل: # في مسألة القرآن العزيز وذكر دلالة الكتاب والسنة على ما اتفق عليه السلف ~~الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن بعدهم من أئمة المسلمين: ~~الأئمة الأربعة وغيرهم والتنبيه على الأقوال التي حدثت بعد السلف الصالح ~~كقول السلف أن القرآن كلام الله. # قال تعالى: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله " ~~وهو منزل من الله، كما قال تعالى: " أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " فأخبر ~~سبحانه أنهم يعلمون ذلك والعلم لا يكون إلا حقا. # وقال تعالى: " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم - حم، تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز العليم - حم تنزيل من الرحمن الرحيم ". # وقال تعالى: " ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ". # وقال تعالى: " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى " ونحو ذلك. # وقال تعالى: " قل نزله روح القدس من ربك بالحق " فأخبر سبحانه أنه منزل ~~من الله ولم يخبر عن شيء وأنه منزل من الله إلا كلامه بخلاف نزول الملائكة ~~والمطر والحديد وغير ذلك، لذا كان القول المشهور عن السلف أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فإن من قال إنه مخلوق يقول أنه خلق في ~~بعض المخلوقات القائمة بنفسها؛ والمخلوق أنزل وبدأ لم ينزل من الله، فإخبار ~~الله تعالى أنه مخلوق # PageV03P017 # من الإرادة والمحبة والمشيئة والرضى والغضب والمقت وغير ذلك من الأمور، ~~لو كان مخلوقا في غيره لم يكن الرب تعالى متصفا به، بل كان يكون صفة لذلك ~~المحل، فإن المعنى إذا قام بمحل كان صفة لذلك ms286 المحل ولم يكن صفة لغيره ~~فيمتنع أن يكون المخلوق أو الخالق موصوفا بصفة موجودة قائمة بغيره لأنه فطر ~~ذلك (1) ، ما وصف به نفسه من الأفعال اللازمة يمتنع أن يوصف الموصوف بأمر ~~لم يقم به، وهذا مبسوط في مواضع أخر. # ومن قول السلف أن الناس من الله تعالى كما يقول ذلك بعض المتأخرين، قال ~~الله تعالى: " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ". # وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: " اقرأ ~~علي القرآن " قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: " إني أحب أن أسمعه من غيري ~~" فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت إلى هذه الآية: " فكيف إذا جئنا من كل ~~أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " قال: " حسبك " فنظرت فإذا عيناه ~~تذرفان من البكاء. # والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل وهو الذي نزل عليه به، وجبريل ~~سمعه من الله تعالى، كما نص على ذلك أحمد وغيره من الأئمة، قال تعالى: " قل ~~من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ". # وقال تعالى: " نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان ~~عربي مبين ". # وقال تعالى: " وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما ~~أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون، قل نزله روح القدس من ربك بالحق " فأخبر ~~سبحانه أنه نزله روح القدس - وهو الروح الأمين وهو جبريل - من الله بالحق، ~~ولم يقل أحد من السلف أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعه من الله وإنما قال ~~ذلك بعض المتأخرين، وقوله تعالى: " إن PageV03P018 # علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه " هو ~~كقوله تعالى: " نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق " وقوله: " نحن نقص ~~عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن " ونحو ذلك مما يكون الرب فعله ~~بملائكته، فإن لفظ نحن هو للواحد المطاع الذي له أعوان يطيعونه، فالرب ~~تعالى خلق الملائكة وغيرها تطيعه الملائكة أعظم مما يطيع ms287 المخلوق أعوانه، ~~فهو سبحانه أحق باسم نحن، وفعلنا ونحو ذلك من كل ما يستعمل. # وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من ~~التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: أنا أحركهما لك كما كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما. وقال سعيد بن جبير: أنا أحركهما كما ~~رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه فأنزل الله " لا تحرك به لسانك لتعجل به ~~إن علينا جمعه وقرآنه " قال: جمعه لك في صدرك وتقرأه " فإذا قرأناه فاتبع ~~قرآنه " فإذا قرأه رسولنا، وفي لفظ: فإذا قرأه جبريل فاستمع له وأنصت " ثم ~~إن علينا بيانه " أي نقرؤه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا ~~أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما ~~قرأه. # وقد بين الله تعالى أنواع تكليمه لعباده في قوله: " وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء " ~~فبين سبحانه أن التكليم تارة يكون وحيا، وتارة من وراء حجاب كما كلم موسى، ~~وتارة يرسل رسولا فيوحي الرسول بإذن الله ما يشاء، وقال تعالى: " الله ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس " فإذا أرسل الله تعالى رسولا كان ذلك ~~مما يكلم به عباده فيتلوه عليهم وينبئهم به كما قال تعالى: " قل لا تعتذروا ~~لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم " وإنما نبأهم بوساطة الرسول، ~~والرسول مبلغ به، كما قال تعالى: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ~~". # وقال تعالى: " ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ". # وقال تعالى: " وما على # PageV03P019 # الرسول إلا البلاغ المبين " والرسول أمر أمته بالتبليغ عنه، ففي صحيح ~~البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بلغوا ~~عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ ~~مقعده من النار ". # وقال صلى الله عليه وسلم لما خطب المسلمين: " ليبلغ الشاهد الغائب، فرب ms288 ~~مبلغ أوعى من سامع ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم ~~يسمعه، فرب حامل فقه إلى غير فقه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ". # وفي السنن عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على ~~الناس فيقول: " ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشا منعوني ~~أن أبلغ كلام ربي " وكما لم يقل أحد من السلف أنه مخلوق فلم يقل أحد منهم ~~أنه قديم، لم يقل واحدا من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ~~ولا من بعدهم من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، بل الآثار متواترة عنهم بأنهم ~~كانوا يقولون القرآن كلام الله، ولما ظهر من قال أنه مخلوق قالوا ردا ~~لكلامه أنه غير مخلوق، ولم يريدوا بذلك أنه مفترى كما ظنه بعض الناس فإن ~~أحدا من المسلمين لم يقل أنه مفترى بل هذا كفر ظاهر يعلمه كل مسلم، وإنما ~~قالوا أنه مخلوق خلقة الله في غيره فرد السلف هذا القول، كما تواترت الآثار ~~عنهم بذلك وصنف في ذلك مصنفات متعددة وقالوا: منه بدأ وإليه يعود. # وأول من عرف أنه قال مخلوق الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان، وأول من ~~عرف أنه قال هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق الذين شاركوه في ~~هذا القول فمنهم من قال الكلام معنى واحد قائم بذات الرب ومعنى القرآن كله ~~والتوراة والإنجيل وسائر كتب الله وكلامه وهو ذلك المعنى الواحد الذي لا ~~يتعدد ولا يتبعض، والقرآن العربي لم يتكلم الله به بل هو مخلوق خلقه في ~~غيره. # وقال جمهور العقلاء: هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار فإنه من المعلوم ~~بصريح العقل أن معنى آية الكرسي ليس معنى آية الدين، ولا معنى قل هو الله ~~أحد معنى تبت يدا # PageV03P020 # أبي لهب، فكيف بمعاني كلام الله في الكتب المنزلة وخطابه لملائكته وحسابه ~~لعباده يوم القيامة وغير ذلك من كلامه، ومنهم من قال: هو حروف أو حروف ms289 ~~وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفا بها، وكلا الحزبين ~~يقول: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنه لم يزل ولا يزال يقول: ~~يا نوح، يا إبراهيم، يا أيها المزمل، أيها المدثر، كما قد بسطت أقوالهم في ~~غير هذا الموضع، ولم يقل أحد من السلف بواحد من القولين ولم يقل أحد من ~~السلف أن هذا القرآن عبارة عن كلام الله ولا حكاية له، ولا قال أحد منهم أن ~~لفظي بالقرآن قديم أو غير مخلوق، فضلا عن أن يقول أن صوتي به قديم أو غير ~~مخلوق بل كانوا يقولون بما دل عليه الكتاب والسنة من أن هذا القرآن كلام ~~الله والناس يقرؤونه بأصواتهم ويكتبونه بمدادهم وما بين اللوحين كلام الله ~~وكلام الله غير مخلوق. # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تسافروا بالقرآن ~~إلى أرض العدو ". # وقال تعالى: " بل هو قرآن مجيد، في لوح محفوظ " والمداد الذي يكتب به ~~القرآن مخلوق والصوت الذي يقرأ به صوت العبد والعبد وصوته وحركاته وسائر ~~صفاته مخلوقة، فالقرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام البارئ، والصوت الذي يقرأ ~~به العبد صوت القارئ، كما قال تعالى: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ~~حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " زينوا القرآن بأصواتكم " فبين أن ~~الأصوات التي يقرأ بها القرآن أصواتنا والقرآن كلام الله، ولهذا قال أحمد ~~بن حنبل وغيره من أئمة السنة: يحسنه الإنسان بصوته كما قال أبو موسى ~~الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا، ~~فكان ما قاله أحمد وغيره من أئمة السنة من أن الصوت صوت العبد موافقا ~~للكتاب والسنة، وقد قال تعالى: " واقصد في مشيك واغضض من صوتك ". # وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ". # وقال تعالى: " إن # PageV03P021 # الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ~~". # وقال تعالى: " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ms290 البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا " ففرق سبحانه بين المداد الذي تكتب به ~~كلماته وبين كلماته، فالبحر وغيره من المداد الذي يكتب به الكلمات مخلوق، ~~وكلمات الله غير مخلوقة. # وقال تعالى: " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله " فالأبحر إذا قدرت مدادا تنفد وكلمات الله ~~لا تنفد. ولهذا قال أئمة السنة: لم يزل الله متكلما كيف شاء وبما شاء كما ~~ذكرت الآثار بهذه المعاني عن ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما. # هذا وقد أخبر الله سبحانه عن نفسه بالنداء في أكثر من عشرة مواضع، فقال ~~تعالى: " فلما ذاقا الشجرة بدت سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكم إن الشيطان لكما عدو ~~مبين ". # وقال تعالى: " ويوم يناديهم أين شركائي الذين كنتم تزعمون " " ويوم ~~يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين " وذكر سبحانه نداءه لموسى عليه السلام ~~في سورة طه ومريم والطس الثلاث وفي سورة والنازعات، وأخبر أنه ناداه في وقت ~~بعينه فقال تعالى: " فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ". # وقال تعالى: " هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ". # وقال تعالى: " وما كنت بجانب الطور إذ نادينا " واستفاضت الآثار عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السنة أنه سبحانه ~~ينادي بصوت، نادى موسى وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ~~ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال أن الله يتكلم بلا صوت أو بلا حرف، ولا ~~أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف، كما لم يقل أحد منهم أن الصوت الذي ~~سمعه قديم، ولا أن ذلك النداء قديم، ولا قال أحد منهم أن هذه # PageV03P022 # الأصوات المسموعة من القراء هي الصوت الذي تكلم الله به، بل الآثار ~~مستفيضة عنهم بالفرق بين الصوت الذي يتكلم وبين أصوات ms291 العباد. # وكان أئمة السنة يعدون من أنكر تكلمه بصوت من الجهمية كما قال الإمام ~~أحمد لما سئل عمن قال أن الله لا يتكلم بصوت، فقال: هؤلاء جهمية، إنما ~~يدورون على التعطيل، وذكر بعض الآثار المروية في أنه سبحانه يتكلم بصوت، ~~وقد ذكر من صنف في السنة من ذلك قطعة كما (1) من ذلك قطعة وعلى ذلك ترجم ~~عليه البخاري في صحيحه قوله تعالى: " حتى إذا فزع عن قلوبهم " وقد ذكر ~~البخاري في كتاب خلق الأفعال مما يبين به الفرق بين الصوتين آثارا متعددة، ~~وكانت محنة البخاري مع أصحابه محمد بن يحيى الذهلي وغيره بعد موت أحمد ~~بسنين ولم يتكلم أحمد في البخاري إلا بالثناء عليه، ومن نقل عن أحمد أنه ~~تكلم في البخاري بسوء فقد افترى عليه. # وقد ذكر الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي في كتابه الذي سماه: ~~الفصول في الأصول، قال: سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت أبا ~~حامد الاسفراييني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله ~~والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في ~~صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله ~~غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، عليه لعائن الله والناس أجمعين. # وقد كان طائفة من أهل الحديث والمنتسبين إلى السنة فتنازعوا في اللفظ ~~بالقرآن هل يقال إنه مخلوق، ولما حدث الكلام في ذلك أنكرت أئمة السنة كأحمد ~~PageV03P023 # بن حنبل وغيره أن يقال لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، وقالوا: من قال ~~إنه مخلوق فهو جهمي، ومن قال أنه غير مخلوق فهو مبتدع، وأما صوت العبد فلم ~~يتنازعوا أنه مخلوق، فإن المبلغ لكلام غيره بلفظ صاحب الكلام إنما بلغ ~~غيره، كما يقال روى الحديث بلفظه وإنما يبلغه بصوت نفسه لا بصوت صاحب ms292 ~~الكلام. # واللفظ في الأصل مصدر لفظ يلفظ لفظا وكذلك التلاوة والقراءة مصدران لكن ~~شاع استعمال ذلك في نفس الكلام الملفوظ المقروء المتلو (1) ، وهو المراد ~~باللفظ في إطلاقهم فإذا قيل لفظي أو اللفظ بالقرآن مخلوق أشعر أن هذا ~~القرآن الذي يقرؤه ويلفظ به مخلوق، وإذا قيل لفظي غير مخلوق، أشعر أن شيئا ~~مما يضاف إليه غير مخلوق، وصوته وحركته مخلوقان، لكن كلام الله الذي يقرؤه ~~غير مخلوق، والتلاوة قد يراد بها نفس الكلام الذي يتلى وقد يراد بها نفس ~~حركة العبد، وقد يراد بها مجموعها، فإذا أريد بها الكلام نفسه الذي يتلى ~~فالتلاوة هي المتلو، وإذا أريد بها حركة العبد فالتلاوة ليست هي المتلو، ~~وإذا أريد بها المجموع فهي متناولة للفعل والكلام فلا يطلق عليها أنها ~~المتلو ولا أنها غيره. # ولم يكن أحد من السلف يريد بالتلاوة ومجرد قراءة العباد وبالمتلو مجرد ~~معنى واحد يقوم بذات الباري تعالى، بل الذي كانوا عليه أن القرآن كلام الله ~~تكلم الله به بحروفه ومعانيه ليس شيء منه كلاما لغيره، لا لجبريل ولا لمحمد ~~ولا لغيرهما، بل قد كفر الله من جعله قول البشر، مع أنه سبحانه أضافه تارة ~~إلى رسول من البشر وتارة إلى رسول من الملائكة، فقال تعالى: " إنه لقول ~~رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون، تنزيل من رب العالمين " فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال تعالى: " إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند العرش مكين، مطاع ثم أمين، ~~وما صاحبكم بمجنون، ولقد PageV03P024 # رآه بالأفق المبين، وما هو على الغيب بضنين، وما هو بقول شيطان رجيم، ~~فأين تذهبون، إن هو إلا ذكر للعالمين " فالرسول هنا جبريل وأضافه سبحانه ~~إلى كل منهما باسم رسول لأن ذلك يدل على أنه مبلغ له عن غيره وأنه رسول فيه ~~لم يحدث هو شيئا منه، إذ لو كان قد أحدث منه شيئا لم يكن رسولا فيما أحدثه ~~بل كان منشئا له من تلقاء نفسه، وهو سبحانه يضيف ms293 إلى رسول من الملائكة تارة ~~ومن البشر تارة، فلو كانت الإضافة لكونه أنشأ حروفه لتناقض الخبران، فإن ~~أنشأ أحدهما له يناقض إنشاء الآخر له، وقد كفر الله تعالى من قال إنه قول ~~البشر، فمن قال أن القرآن أو شيئا منه قول بشر أو ملك فقد كذب، ومن قال أنه ~~قول رسول من البشر ومن الملائكة بلغه عن مرسله ليس قول ... (1) ولم يقل أحد ~~من السلف إن جبريل أحدث ألفاظه ومحمدا صلى الله عليه وسلم ولا أن الله ~~تعالى خلقها في الهواء أو غيره من المخلوقات، ولا أن جبريل أخذها من اللوح ~~المحفوظ بل هذه الأقوال هي من أقوال بعض المتأخرين، وقد بسط الكلام في غير ~~هذا الموضع على تنازع المبتدعين الذين اختلفوا في الكتاب وبين فساد ~~أقوالهم، وأن القول السديد هو قول السلف وهو الذي يدل عليه النقل الصحيح ~~والعقل الصريح وإن كان عامة هؤلاء المختلفين في الكتاب لم يعرفوا القول ~~السديد قول السلف بل ولا سمعوه ولا وجوده في كتاب من الكتب التي يتداولونها ~~لأنهم لا يتداولون الآثار السلفية ولا معاني الكتاب والسنة إلا بتحريف بعض ~~المحرفين لها، ولهذا إنما يذكر أحدهم أقوالا مبتدعة إما قولين وإما ثلاثة ~~وإما أربعة وإما خمسة، والقول الذي كان عليه السلف ودل عليه الكتاب والسنة ~~لا يذكره لأنه لا يعرفه ولهذا نجد الفاضل من هؤلاء حائرا مقرا بالحيرة على ~~نفسه وعلى من سبقه من هؤلاء PageV03P025 # المختلفين لأنه لم يجد فيما قالوه قولا صحيحا. # وكان أول من ابتدع الأقوال الجهمية المحضة النفاة الذين لا يثبتون ~~الأسماء والصفات فكانوا يقولون أولا إن الله تعالى لا يتكلم بل خلق كلاما ~~في غيره وجعل غيره يعبر عنه وإن قوله تعالى: " وإذا نادى ربك موسى " وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة إذا ~~بقي ثلث الليل، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من ~~يستغفرني فأغفر له؟ " معناه أن ملكا يقول ذلك عنه، كما يقال: نادى السلطان، ~~أي أمر مناديا ms294 نادى عنه، فإذا تلي عليهم ما أخبر الله تعالى به عن نفسه من ~~أنه يقول ويتكلم. قالوا: هذا مجاز. كقول العربي امتلأ الحوض، وقال قطني، ~~وقالت (1) اتساع بطنه ونحو ذلك. # فلما عرف السلف حقيقته وأنه مضاه لقول المتفلسفة المعطلة الذين يقولون أن ~~الله تعالى لم يتكلم وإنما أضافت الرسل إليه الكلام بلسان الحال كفروهم ~~وبينوا ضلالهم، ومما قالوا لهم أن المنادي عن غيره كمنادي السلطان يقول: ~~أمر السلطان بكذا خرج مرسومه بكذا، لا يقول إني آمركم بكذا وأنهاكم عن كذا، ~~والله تعالى يقول في تكليمه لموسى: " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري " ويقول تعالى إذا نزل الليل الغابر: " من يدعوني ~~فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفر لي فاغفر له " وإذا كان القائل ~~ملكا قال - كما في الحديث الذي في الصحيحين: " إذا أحب الله العبد نادى في ~~السماء يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل وينادي في السماء إن ~~الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض " فقال ~~جبريل في ندائه عن الله تعالى: إن الله يحب فلانا فأحبوه، وفي نداء الرب ~~يقول: " من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " ~~كان قيل: فقد روي أنه يأمر مناديا PageV03P026 # فينادي، قيل هذا ليس في الصحيح، فإن صح أمكن الجمع بين الخبرين بأن ينادي ~~هو ويأمر مناديا ينادي. أما أن يعارض بهذا النقل النقل الصحيح المستفيض ~~الذي اتفق أهل العلم بالحديث على صحته وتلقيه بالقبول مع أنه صريح في أن ~~الله تعالى هو الذي يقول: " من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من ~~يستغفرني فأغفر له؟ " فلا يجوز. # وكذلك جهم كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئا ولا حيا ولا غير ذلك ~~إلا على سبيل المجاز، قال لأنه إذا سمي باسم تسمى به المخلوق كان تشبيها، ~~وكان جهم مجبرا يقول: إن العبد لا يفعل شيئا، فلهذا نقل عنه أنه سمى الله ~~قادرا لأن العبد عنده ليس بقادر. # ثم ms295 إن المعتزلة الذين اتبعوا عمرو بن عبيد على قوله في القدر والوعيد ~~دخلوا في مذهب جهم، فأثبتوا أسماء الله تعالى ولم يثبتوا صفاته، وقالوا ~~نقول أن الله متكلم حقيقة، وقد يذكرون إجماع المسلمين على أن الله متكلم ~~حقيقة، لئلا يضاف إليهم أنهم يقولون أنه غير متكلم، لكن معنى كونه سبحانه ~~متكلما عندهم أنه خلق الكلام في غيره، فمذهبهم ومذهب الجهمية في المعنى ~~سواء، لكن هؤلاء يقولون هو متكلم حقيقة وأولئك ينفون أن يكون متكلما حقيقة. ~~وحقيقة قول الطائفتين أنه غير متكلم، فإنه لا يعقل متكلم إلا من قام به ~~الكلام، ولا مريد إلا من قامت به الإرادة، ولا محب ولا راض ولا مبغض ولا ~~رحيم إلا من قام به الإرادة والمحبة والرضى والبغض والرحمة، وقد وافقهم على ~~ذلك كثير ممن انتسب في الفقه إلى أبي حنيفة من المعتزلة، وغيرهم من أئمة ~~المسلمين ليس فيهم من يقول بقول المعتزلة لا في نفي الصفات ولا في القدر ~~ولا المنزلة بين المنزلتين ولا إنفاذ الوعيد. # ثم تنازع المعتزلة والكلابية في حقيقة المتكلم، فقالت المعتزلة: المتكلم ~~من فعل الكلام ولو أنه أحدثه في غيره، ليقولوا أن الله يخلق الكلام في غيره ~~وهو متكلم به، وقالت الكلابية: المتكلم من قام به الكلام وإن لم يكن متكلما ~~بمشيئته # PageV03P027 # وقدرته ولا فعل فعلا أصلا، بل جعلوا المتكلم بمنزلة الحي الذي قامت به ~~الحياة، وإن لم تكن حياته بمشيئته ولا قدرته الحاصلة بفعل من أفعاله. # وأما السلف وأتباعهم وجمهور العقلاء فالمتكلم المعروف عندهم من قام به ~~الكلام وتكلم بمشيئته وقدرته، لا يعقل متكلم لم يقم به الكلام ولا يعقل ~~متكلم بغير مشيئته وقدرته، فكان كل من تينك الطائفتين المبتدعتين أخذت بعض ~~وصف المتكلم: المعتزلة أخذوا أنه فاعل والكلابية أخذوا أنه محل الكلام، ثم ~~زعمت المعتزلة أنه يكون فاعلا للكلام في غيره وزعموا هم ومن وافقهم من ~~أتباع الكلابية كأبي الحسن وغيره أن الفاعل لا يقوم به الفعل، وكان هذا مما ~~أنكره السلف وجمهور العقلاء، وقالوا لا يكون الفاعل ms296 إلا من قام به الفعل، ~~وإنه يفرق بين الفاعل والفعل والمفعول وذكر البخاري في كتابه خلق أفعال ~~العباد إجماع العلماء على ذلك. والذين قالوا أن الفاعل لا يقوم به الفعل ~~وقالوا مع ذلك أن الله فاعل أفعال العباد كأبي الحسن (1) وغيره أن يكون ~~الرب (2) هو الفاعل لفعل العبد وأن العبد لم يفعل شيئا وأن جميع ما يخلقه ~~العبد فعل له، وهم يصفونه بالصفات الفعلية المنفصلة عنه، ويقسمون صفاته إلى ~~صفات ذات وصفات أفعال مع أن الأفعال عندهم هي المفعولات المنفصلة عنه ~~فلزمهم أن يوصف بما خلقه من الظلم والقبائح مع قولهم أنه لا يوصف بما خلقه ~~من الكلام وغيره فكان هذا تناقضا منهم تسلطت به عليهم المعتزلة. ولما قرروا ~~ما هو من أصول أهل السنة وهو أن المعنى إذا قام بمحل اشتق به منه اسم ولم ~~يشتق لغيره منه اسم كاسم المتكلم نقض عليهم المعتزلة ذلك باسم الخالق ~~والعادل فلم يجيبوا عن النقض بجواب سديد. PageV03P028 # وأما السلف والأئمة فأصلهم مطرد. ومما احتجوا به على أن القرآن غير مخلوق ~~ما احتج به الإمام أحمد وغيره من قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أعوذ ~~بكلمات الله التامات " قالوا والمخلوق لا يستعاذ به، فعورضوا بقوله: " أعوذ ~~برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك " فطرد السلف والأئمة أصلهم ~~وقالوا معافاته فعله القائم به، وأما العافية الموجودة في الناس فهي ~~مفعوله. # وكذلك قالوا أن الله خالق أفعال العباد فأفعال العباد القائمة بهم مفعولة ~~له لا نفس فعله، وهي نفس فعل العبد، وكان حقيقة قول أولئك نفي فعل الرب ~~ونفي فعل العبد. فتسلطت عليهم المعتزلة في مسألة الكلام والقدر تسلطا بينوا ~~به تناقضهم كما بينوا هم تناقض المعتزلة. # وهذا أعظم ما يستفاد من أقوال المختلفين الذين أقوالهم باطلة، فإنه ~~يستفاد من قول كل طائفة بيان فساد قول الطائفة الأخرى، فيعرف الطالب فساد ~~تلك الأقوال، ويكون ذلك داعيا له إلى طلب الحق، ولا تجد الحق إلا موافقا ~~لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ms297 تجد ما جاء به الرسول إلا موافقا ~~لصريح المعقول، فيكون ممن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وممن له قلب يعقل ~~به وأذن يسمع بها، بخلاف الذين قالوا: " لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير ". # وقد وافق الكلابية على قولهم كثير من أهل الحديث والتصوف ومن أهل الفقه ~~المنتسبين إلى الأئمة الأربعة وليس من الأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة ~~المسلمين من يقول بقولهم. # وحدث مع الكلابية ونحوهم طوائف أخرى من الكرامية وغير الكرامية من أهل ~~الفقه والحديث والكلام فقالوا أنه سبحانه متكلم بمشيئته وقدرته كلاما قائما ~~بذاته، وهو يتكلم بحروف وأصوات بمشيئته وقدرته، ليتخلصوا بذلك من بدعتي ~~المعتزلة والكلابية، لكن قالوا أنه لم يكن يمكنه في الأول أن يتكلم بل صار # PageV03P029 # الكلام ممكنا بعد أن كان ممتنعا عليه، من غير حديث سبب أوجب إمكان الكلام ~~وقدرته عليه، وهذا القول مما وافق الكرامية عليه كثير من أهل الكلام والفقه ~~والحديث، لكن ليس من الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة المسلمين من نقل عنه ~~مثل قولهم. وهذا مما شاركوا فيه الجهمية والمعتزلة فإن هؤلاء كلهم يقولون ~~أنه لم يكن الكلام ممكنا له في الأزل ثم صار ممكنا له بعد أن كان ممتنعا ~~عليه من غير حدوث سبب أوجب إمكانه لكن الجهمية والمعتزلة يقولون أنه خلق ~~كلاما في غيره من غير أن يقوم به كلام لأنه لو قام به كلام بمشيئته وقدرته ~~لقامت به الحوادث قالوا: ولا تقوم به الحوادث، قالت الجهمية والمعتزلة لأن ~~الحوادث هي من جملة الصفات التي يسمونها الأعراض، وعندهم لا يقوم به شيء من ~~الصفات قالوا لأن الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا بجسم وليس هو بجسم لأن ~~الجسم لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وقالت الكلابية: بل تقوم به الصفات ولا ~~تقوم به الحوادث، ونحن لا نسمي الصفات أعراضا لأن العرض عندنا لا يبقى ~~زمانين وصفات الله تعالى باقية، وقالوا وأما الحوادث فلو قامت به لم يخل ~~منها لأن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ms298 ضده، وما لا يخلو عن الحوادث فهو ~~حادث. # فقال الجمهور المنازعون للطائفتين أما قول أولئك لأنه لا تقوم به الصفات ~~لأنها أعراض والعرض لا يقوم إلا بجسم وليس بجسم، فتسمية ما يقوم بغيره عرضا ~~اصطلاح حادث، وكذلك تسمية ما يشار إليه جسما اصطلاح حادث أيضا، والجسم في ~~لغة العرب هو البدن وهو الجسد كما قال غير واحد من أهل اللغة منهم الأصمعي ~~وأبو عمرو، فلفظ الجسم يشبه لفظ الجسد وهو الغليظ الكثيف. # والعرب تقول هذا جسيم وهذا أجسم من هذا أي أغلظ منه. قال تعالى: " وزاده ~~بسطة في العلم والجسم ". وقال تعالى: " وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن ~~يقولوا تسمع لقولهم " ثم قد يراد بالجسم نفس الغلظ والكثافة ويراد به ~~الغليظ الكثيف. # PageV03P030 # وكذلك النظار يريدون بلفظ الجسم تارة المقدار وقد يسمونه الجسم التعليمي، ~~وتارة يريدون به الشيء المقدر وهو الجسمي الطبيعي، والمقدار المجرد عن ~~المقدر كالعدد المجرد عن المعدود، وذلك لا يوجد إلا في الأذهان دون ~~الأعيان. وكذلك السطح والخط والنقطة المجردة عن المحل الذي تقوم به لا يوجد ~~إلا في الذهن. قالوا وإذا كان هذا معنى الجسم بلغة العرب فهو أخص من المشار ~~إليه، فإن الروح القائمة بنفسها لا يسمونها جسما، بل يقولون خرجت روحه من ~~جسمه ويقولون إنه جسم وروح ولا يسمون الروح جسما، ولا النفس الخارج من ~~الإنسان جسما، لكن أهل الكلام اصطلحوا على أن كل ما يشار إليه يسمى جسما، ~~كما اصطلحوا على أن كل ما يقوم بنفسه جوهرا، ثم تنازعوا في أن كل ما يشار ~~إليه هل هو مركب من الجواهر الفردة أو من الماردة والصورة أو ليس مركبا لا ~~من هذا ولا من هذا على أقوال ثلاثة قد بسطت في غير هذا الموضع، ولهذا كان ~~كثير منهم يقولون الجسم عندنا هو القائم بنفسه أو هو الموجود لا المركب. # قال أهل العلم والسنة: فإذا قالت الجهمية وغيرهم من نفاة الصفات أن ~~الصفات لا تقوم إلا بجسم والله تعالى ليس بجسم، قيل لهم إن أردتم بالجسم ما ms299 ~~هو مركب من جواهر فردة أو ما هو مركب من المادة والصورة لم نسلم لكم ~~المقدمة الأولى وهي قولكم أن الصفات لا تقوم إلا بما هو كذلك، قيل لكم إن ~~الرب تعالى قائم بنفسه والعباد يرفعون أيديهم إليه في الدعاء ويقصدونه ~~بقلوبهم وهو العلي إلا علا سبحانه، ويراه المؤمنون بأبصارهم يوم القيامة ~~عيانا كما يرون القمر ليلة البدر، فإن قلتم إن ما هو كذلك فهو جسم وهو ~~محدث، - كان هذا بدعة مخالفة للغة والشرع والعقل، وإن قلتم نحن نسمي ما هو ~~كذلك جسما ونقول إنه مركب - قيل تسميتكم التي ابتدعتموها هي من الأسماء ~~التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومن عمد إلى المعاني بالشرع والعقل وسماها ~~بأسماء منكرة لينفر الناس عنها قيل له # PageV03P031 # النزاع في المعاني لا في الألفاظ ولو كانت الألفاظ موافقة للغة، فكيف إذا ~~كانت من ابتداعهم، ومعلوم أن المعاني التي يعلم ثبوتها بالشرع والعقل لا ~~تدفع بمثل هذا النزاع اللفظي الباطل، وأما قولهم إن كل ما كان يقوم به ~~الصفات وترفع الأيدي إليه ويمكن أن يراه الناس بأبصارهم فإنه لا بد أن يكون ~~مركبا من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة فهذا ممنوع بل هو باطل عند ~~جمهور العقلاء من النظار والفقهاء وغيرهم، كما قد بسط في موضعه. # قال الجمهور وإما تفريق الكلابية بين المعاني التي لا تتعلق بمشيئته ~~وقدرته والمعاني التي تتعلق بمشيئته وقدرته التي تسمى الحوادث - ومنهم من ~~يسمي الصفات أعراضا لأن العرض لا يبقى زمانين - فيقال قول القائل أن العرض ~~الذي هو السواد والبياض والطول والقصر ونحو قول محدث في الإسلام، لم يقله ~~أحد من السلف والأئمة، وهو قول مخالف لما عليه جماهير العقلاء من جميع ~~الطوائف، بل من الناس من يقول أنه معلوم الفساد بالاضطرار، كما قد بسط في ~~موضع آخر. # وأما تسمية المسمي للصفات أعراضا فهذا أمر اصطلاحي لمن قاله من أهل ~~الكلام ليس هو عرف أهل اللغة ولا عرف سائر أهل العلم، والحقائق المعلومة ~~بالسمع والعقل لا يؤثر فيها اختلاف ms300 الاصطلاحات، بل يعد هذا من النزاعات ~~اللفظية، والنزاعات اللفظية أصوبها ما وافق لغة القرآن والرسول والسلف، فما ~~نطق به الرسول والصحابة جاز النطق به باتفاق المسلمين، وما لم ينطقوا به ~~ففيه نزاع وتفضيل ليس هذا موضعه. # وأما قول الكلابية ما يقبل الحوادث لا يخلو منها وما لم يخل من الحوادث ~~فهو حادث، فقد نازعهم جمهور العقلاء في كلا المقدمتين حتى أصحابهم ~~المتأخرون نازعوهم في ذلك، واعترفوا ببطلان الأدلة العقلية التي ذكرها ~~سلفهم على نفي # PageV03P032 # حلول الحوادث به، واعترف بذلك المتأخرون ومن أئمة الأشعرية والشيعة ~~والمعتزلة وغيرهم كما قد بسط في غير هذا الموضع. # وحدثت طائفة أخرى من السالمية وغيرهم ممن هو من أهل الكلام والفقه ~~والحديث والتصوف ومنهم كثير ممن هو ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ~~وكثر هذا في بعض المتأخرين المنتسبين إلى أحمد بن حنبل فقالوا بقول ~~المعتزلة وبقول الكلابية: وافقوا هؤلاء في قولهم أنه قديم، ووافقوا أولئك ~~في قولهم أنه حروف وأصوات، وأحدثوا قولا مبتدعا كما أحدث غيرهم فقالوا ~~القرآن قديم وهو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لنفس الله تعالى أزلا ~~وأبدا. واحتجوا على أنه قديم بحجج الكلابية، وعلى أنه حروف وأصوات بحجج ~~المعتزلة. فلما قيل لهم الحروف مسبوقة بعضها ببعض فالباء قبل السين والشين ~~قبل الميم، والقديم لا يسبق بغيره، والصوت لا يتصور بقاؤه فضلا عن قدمه، ~~قالوا الكلام له وجود وماهية، كقول من فرق بين الوجود والماهية من المعتزلة ~~وغيرهم. قالوا: والكلام له ترتيب في وجوده، وترتيب ماهية الباء للسين ~~بالزمان هي في وجوده وهي مقارنة لها في ماهيتها لم تتقدم عليها بالزمان وإن ~~كانت متقدمة بالمرتبة كتقدم بعض الحروف المكتوبة على بعض، فإن الكاتب قد ~~يكتب آخر المصحف قبل أوله ومع هذا فإذا كتبه كان أوله متقدما بالمرتبة على ~~آخره. # فقال لهم جمهور العقلاء هذا مما يعلم فساده بالاضطرار فإن الصوت لا يتصور ~~بقاؤه، ودعوى وجود ماهية غير الوجود في الخارج دعوى فاسدة كما قد بسط في ~~موضع آخر. والترتيب الذي في المصحف ms301 هو ترتيب للحروف المدادية والمداد ~~أجسام، فهو كترتيب الدار والإنسان، وهذا أمر يوجد الجزء الأول منه مع ~~الثاني بخلاف الصوت فإنه لا يوجد الجزء الثاني منه حتى يعدم الأول كالحركة، ~~فقياس هذا بهذا قياس باطل، ومن هؤلاء من يطلق لفظ القديم ولا يتصور معناه، ~~ومنهم من يقول # PageV03P033 # يعني بالقديم أنه بدأ من الله وأنه غير مخلوق، وهذا المعنى صحيح لكن ~~الذين نازعوا هل هو قديم أو قديم لم يعنوا هذا المعنى، فمن قال لهم إنه ~~قديم وأراد هذا المعنى قد أراد معنى صحيحا لكنه جاهل بمقاصد الناس مضل لمن ~~خاطبه بهذا الكلام مبتدع في الشرع واللغة. # ثم كثير من هؤلاء يقولون أن الحروف القديمة والأصوات ليست هي الأصوات ~~المسموعة من القراء ولا المداد الذي في المصحف ومنهم من يقول بل الأصوات ~~المسموعة من القراء هو الصوت القديم، ومنهم من يقول بل يسمع من القارئ ~~شيئان الصوت القديم وهو ما لا بد منه في وجود الكلام والصوت المحدث وهو ما ~~زاد على ذلك، وهؤلاء يقولون المداد الذي في المصحف مخلوق لكن الحروف ~~القديمة ليست هي المداد بل الأشكال والمقادير التي تظهر بالمداد، وقد تنقش ~~في حجر وقد تخرق في ورق، ومنهم من يمنع أن يقال في المداد أنه قديم أو ~~مخلوق، وقد يقول لا أمنع عن ذلك بل أعلم أنه مخلوق لكن أسد باب الخوض في ~~هذا، وهو مع هذا من يتكلم بالحق ومن يبين الصواب الموافق للكتاب والسنة ~~وإجماع سلف الأمة مع موافقته لصريح المعقول، ومع دفعه للشناعات التي يشنع ~~بها بعضهم على بعض، وخوض الناس وتنازعهم في هذا الباب كثير قد بسطناه في ~~مواضع، وإنما المقصود هنا ذكر قول مختصر جامع يبين الأقوال السديدة التي دل ~~عليها الكتاب والسنة وكان عليها سلف الأمة في مسألة الكلام، التي حيرت عقول ~~الأنام، والله تعالى أعلم. # PageV03P034 # مسألة الأحرف التي أنزلها الله على آدم # عليه السلام # وسئل شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه عن رجلين ~~تجادلا في الأحرف ms302 التي أنزلها الله على آدم، فقال أحدهما: إنهما قديمة ليس ~~لها مبتدأ وشكلها ونقطها محدث. فقال الآخر ليست بكلام الله وهي مخلوقة ~~بشكلها ونقطها، والقديم هو الله وكلامه منه بدأ وإليه يعود، منزل غير ~~مخلوق، ولكنه كتب بها، وسألا أيهما أصوب قولا وأصح اعتقادا؟ فأجاب: # الحمد لله رب العالمين. أصل هذه المسألة هو معرفة كلام الله تعالى ومذهب ~~سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين ~~كالأئمة الأربعة وغيرهم ما دل عليه الكتاب والسنة، وهو الذي يوافق الأدلة ~~العقلية الصريحة، أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ~~فهو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه ليس مخلوقا ~~منفصلا عنه، وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته، فكلامه قائم بذاته، ليس ~~مخلوقا بائنا عنه، وهو يتكلم بمشيئته وقدرته، لم يقل أحد من سلف الأمة أن ~~كلام الله مخلوق بائن عنه، ولا قال أحد منهم أن القرآن أو التوراة أو ~~الإنجيل لازمة لذاته أزلا وأبدا، وهو لا يقدر أن يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا ~~قالوا أن نفس ندائه لموسى أو نفس الكلمة المعينة قديمة أزلية، بل قالوا لم ~~يزل الله متكلما إذا شاء فكلامه قديم بمعنى أنه لم يزل متكلما إذا شاء، ~~وكلمات الله لا نهاية لها كما قال تعالى: " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا " والله سبحانه ~~تكلم بالقرآن العربي وبالتوراة العبرية، فالقرآن العربي كلام الله، كما قال ~~تعالى: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم - إلى قوله - ~~لسان # PageV03P035 # عربي مبين " فقد بين سبحانه أن القرآن الذي يبدل منه آية مكان آية نزله ~~الروح القدس وهو جبريل - وهو الروح الأمين كما ذكر ذلك في موضع آخر - من ~~الله بالحق، وبين بعد ذلك أن من الكفار من قال: " إنما يعلمه بشر " كما قال ~~بعض المشركين يعلمه رجل بمكة أعجمي، فقال تعالى: " لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي " أي الذي يضيفون إليه هذا التعليم أعجمي " وهذا ms303 لسان عربي مبين " ~~ففي هذا ما يدل على أن الآيات التي هي لسان عربي مبين نزلها روح القدس من ~~الله بالحق كما قال في الآية الأخرى: " أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي ~~أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق فلا تكونن من الممترين " والكتاب الذي أنزل مفصلا هو القرآن العربي ~~باتفاق الناس، وقد أخبر أن الذين أتاهم الكتاب يعلمون أنه منزل من الله ~~بالحق، والعلم لا يكون إلا حقا فقال " يعلمون " ولم يقل يقولون، فإن العلم ~~لا يكون إلا حقا بخلاف القول، وذكر علمهم ذكر مستشهدا به، وقد فرق سبحانه ~~بين إيحائه إلى غير موسى وبين تكليمه لموسى في قوله تعالى: " إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح - إلى قوله - حجة بعد الرسل " فرق سبحانه بين ~~تكليمه لموسى وبين إيحائه لغيره ووكد تكليمه لموسى بالمصدر، وقال تعالى: " ~~تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض - إلى قوله - روح القدس ". # وقال تعالى: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " إلى آخر السورة، ~~فقد بين سبحانه أنه لم يكن لبشر أن يكلمه الله إلا على أحد الأوجه الثلاثة، ~~إما حيا وإما من وراء حجاب وإما أن يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، فجعل ~~الوحي غير التكليم والتكليم من وراء حجاب كان لموسى، وقد أخبر في غير موضع ~~أنه ناداه كما قال: " وناديناه من جانب الطور " الآية. وقال: " فلما أتاها ~~نودي من شاطئ الوادي الأيمن " الآية، والنداء باتفاق أهل اللغة لا يكون إلا ~~صوتا مسموعا، فهذا مما اتفق عليه سلف المسلمين وجمهورهم، وأهل الكتاب ~~يقولون إن موسى ناداه ربه نداء سمعه # PageV03P036 # بأذنه وناداه بصوت سمعه موسى، والصوت لا يكون إلا كلاما والكلام لا يكون ~~إلا حروفا منظومة، وقال قال تعالى: " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " ~~وقال: " حم تنزيل من الرحمن الرحيم " وقال: " حم تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم " فقد بين في غير موضع أن الكتاب والقرآن العربي منزل من ~~الله، وهذا معنى قول السلف: منه بدا، ms304 قال أحمد ابن حنبل رحمه الله: منه أي ~~هو المتكلم به، فإن الذين قالوا إنه مخلوق قالوا خلقه في غيره عبدا فبدا من ~~ذلك المخلوق، فقال السلف: منه بدا، أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره ~~فيكون كلاما لذلك المحل الذي خلقه فيه، فإن الله تعالى إذا خلق صفة من ~~الصفات في محل كانت الصفة صفة لذلك المحل ولم تكن صفة لرب العالمين، فإذا ~~خلق طعما أو لونا في محل كان ذلك المحل هو المتحرك (1) المتكون به، وكذلك ~~إذا خلق حياة أو إرادة أو قدرة أو علما أو كليهما في محل كان ذلك المحل هو ~~المريد القادر العالم المتكلم بذلك الكلام، ولم يكن ذلك المعنى المخلوق في ~~ذلك المحل صفة لرب العالمين، وإنما يتصف الرب تعالى بما يقوم به من الصفات، ~~لا بما يخلقه في غيره من المخلوقات، فهو الحي العليم القدير السميع البصير ~~الرحيم المتكلم بالقرآن وغيره من الكلام، بحياته وعلمه وقدرته وكلامه ~~القائم به لا بما يخلقه في غيره من هذه المعاني، ومن جعل كلامه مخلوقا لزمه ~~أن يقول المخلوق هو القائل لموسى: " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري " وهذا ممتنع لا يجوز أن يكون هذا كلاما إلا لرب ~~العالمين، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن والتوراة وغير ذلك من الكتب ~~بمعانيها وألفاظها المنتظمة من حروفها لم يكن شيء من ذلك مخلوقا بل كان ذلك ~~لرب العالمين (2) ، وقد قيل للإمام أحمد PageV03P037 # بن حنبل أن فلانا يقول لما خلق الله الأحرف سجدت له إلا ألف، فقالت: لا ~~أسجد حتى أؤمر، فقال: هذا كفر. فأنكر على من قال أن الحروف مخلوقة، لأنه ~~إذا كان جنس الحروف مخلوقا لزم أن يكون القرآن العربي والتوراة العبرية ~~وغير ذلك مخلوقا وهذا باطل مخالف لقول السلف والأئمة، مخالف للأدلة العقلية ~~والسمعية، كما قد بسط في غير هذا الموضع. # والناس قد تنازعوا في كلام الله نزاعا كثيرا، والطوائف الكبار نحو ست ~~فرق، فأبعدها عن الإسلام قول من يقول من ms305 المتفلسفة والصابئة أن كلام الله ~~إنما هو ما يفيض على النفوس إما من العقل الفعال، وإما من غيره، وهؤلاء ~~يقولون: إنما كلم الله موسى من سماء عقله أي بكلام حدث في نفسه لم يسمعه من ~~خارج، وأصل قول هؤلاء أن الأفلاك قديمة أزلية، وأن الله لم يخلقها بمشيئته ~~وقدرته في ستة أيام كما أخبرت به الأنبياء، بل يقولون أن الله لا يعلم ~~الجزئيات، فلما جاءت الأنبياء بما جاؤوا به من الأمور الباهرة جعلوا ~~يتأولون ذلك تأويلات يحرفون فيها الكلم عن مواضعه، ويريدون أن يجمعوا بينها ~~وبين أقوال سلفهم الملاحدة، فقالوا مثل ذلك، وهؤلاء أكفر من اليهود ~~والنصارى، وهم كثيروا التناقض، كقولهم أن الصفة هي الموصوف، وهذه الصفة هي ~~الأخرى فيقولون: هو عقل وعاقل ومعقول، ولذيذ وملتذ ولذة، وعاشق ومعشوق ~~وعشق، وقد يعبرون عن ذلك بأنه حي عالم معلوم محب محبوب، ويقولون نفس العلم ~~هو نفس المحبة، وهو نفس القدرة، ونفس العلم هو نفس العالم، ونفس المحبة هي ~~نفس المحبوب، ويقولون أنه علة تامة في الأزل، فيجب أن يقارنها معلولها في ~~الأزل في الزمن وإن كان متقدما عليها بالعلة لا بالزمان، ويقولون إن العلة ~~التامة ومعلولها يقترنان في الزمان ويتلازمان، فلا يوجد معلول إلا بعلة ~~تامة، ولا تكون علة تامة إلا مع معلولها في الزمان، ثم يعترفون بأن حوادث ~~العالم حدثت شيئا بعد # PageV03P038 # شيء من غير أن يتجدد من المبدع الأول ما يوجب أن يصير للحوادث المتعاقبة، ~~بل حقيقة قولهم أن الحوادث حدثت بلا محدث، وكذلك عدمت بعد حدوثها من غير ~~سبب يوجب عدمها على أصلهم. # وهؤلاء قابلهم طوائف من أهل الكلام ظنوا أن المؤثر التام يتراخى عنه ~~أثره، وأن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، والحوادث ~~لها ابتداء وقد حدثت بعد أن لم تكن بدون سبب حادث، ولم يهتد الفريقان للقول ~~الوسط، وهو أن المؤثر التام مستلزم أن يكون أثره عقب تأثيره التام لا مع ~~التأثير ولا متراخيا عنه، كما قال تعالى: " إنما أمره إذا أراد شيئا ms306 أن ~~يقول له كن فيكون " فهو سبحانه يكون كل شيء فيكون عقب تكوينه لا مع تكوينه ~~في الزمان ولا متراخيا عن تكوينه، كما يكون الانكسار عقب الكسر والانقطاع ~~عقب القطع ووقوع الطلاق عقب التطليق لا متراخيا عنه ولا مقارنا له في ~~الزمان. # والقائلون بالتراخي ظنوا امتناع حوادث لا تتناهى، فلزمهم أن الرب لا ~~يمكنه فعل ذلك، فالتزموا أن الرب يمتنع أن يكون لم يزل متكلما بمشيئته، ~~ويمتنع أن يكون لم يزل قادرا على الفعل والكلام بمشيئته، فافترقوا بعد ذلك، ~~منهم من قال كلامه لا يكون إلا حادثا، لأن الكلام لا يكون إلا مقدورا ~~مرادا، وما كان كذلك لا يكون إلا حادثا، وما كان حادثا كان مخلوقا منفصلا ~~عنه لامتناع قيام الحوادث به وتسلسلها في ظنهم. # ومنهم من قال: بل كلامه لا يكون إلا قائما به، وما كان قائما به لم يكن ~~متعلقا بمشيئته وإرادته، بل لا يكون إلا قديم العين، لأنه لو كان مقدورا ~~مرادا لكان حادثا فكانت الحوادث تقوم به، ولو قامت به لم يسبقها ولم يخل ~~منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها. # ومنهم من قال: بل هو متكلم بمشيئته وقدرته، لكنه يمتنع أن يكون متكلما في ~~الأزل أو أنه لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته، لأن ذلك يلتزم وجود حوادث لا ~~أول لها، وذلك ممتنع. # PageV03P039 # قالت هذه الطوائف: ونحن بهذا الطريق علمنا حدوث العالم فاستدللنا على ~~حدوث الأجسام بأنها لا تخلو من الحوادث ولا تسبقها، وما لم يسبق الحوادث ~~فهو حادث، ثم من هؤلاء من ظن أن هذه قضية ضرورية ولم يتفطن لإجمالها. # ومنهم من تفطن للفرق بين ما لم يسبق الحوادث المحصورة المحدودة، وما يسبق ~~جنس الحوادث المتعاقبة شيئا بعد شيء، أما الأول فهو حادث بالضرورة لأن تلك ~~الحوادث لها مبدأ معين فما لم يسبقها يكون معها أو بعدها وكلاهما حادث. # وأما جنس الحوادث شيئا بعد شيء تنازع فيه الناس، فقيل أن ذلك ممتنع في ~~الماضي والمستقبل كقول الجهم وأبي الهذيل، ms307 فقال الجهم: بفناء الجنة والنار. ~~وقال أبو الهذيل: بفناء حركات أهلهما، وقيل بل هو جائز في المستقبل دون ~~الماضي لأن الماضي دخل في الوجود دون المستقبل، وهو قول كثير من طوائف ~~النظار. وقيل بل هو جائز في الماضي والمستقبل، وهذا قول أئمة أهل الملل ~~وأئمة السنة كعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما ممن يقول بأن الله ~~لم يزل متكلما إذا شاء، وإن كلمات الله لا نهاية لها وهي قائمة بذاته وهو ~~متكلم بمشيئته وقدرته. وهو أيضا قول أئمة الفلاسفة، لكن أرسطو وأتباعه ~~مدعون ذلك في حركات الفلك ويقولون إنه قديم أزلي، وخالفوا في ذلك جمهور ~~الفلاسفة مع مخالفة الأنبياء والمرسلين وجماهير العقلاء، فإنهم متفقون على ~~أن الله خلق السموات والأرض بل هو خالق كل شيء وكل ما سوى الله مخلوق حادث ~~كائن بعد أن لم يكن. وأن القديم الأزلي هو الله تعالى بما هو متصف به من ~~صفات الكمال وليست صفاته خارجة عن مسمى اسمه، بل من قال عبدت الله ودعوت ~~الله فإنما عبد ذاته المتصفة بصفات الكمال التي تستحقها ويمتنع وجود ذاته ~~بدون صفاتها اللازمة لها. # ثم لما تكلم في النبوات من اتبع أرسطو كابن سينا وأمثاله ورأوا ما جاءت ~~به الأنبياء من أخبارهم بأن الله يتكلم وأنه كلم موسى تكليما وأنه خالق كل ~~شيء، # PageV03P040 # أخذوا يحرفون كلام الأنبياء عن مواضعه، فيقولون: الحدوث نوعان، ذاتي ~~وزماني، ونحن نقول أن الفلك محدث الحدوث الزماني بمعنى أنه معلول وإن كان ~~أزليا لم يزل مع الله، وقالوا: إنه مخلوق بهذا الاعتبار، والكتب الإلهية ~~أخبرت بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، والقديم الأزلي لا يكون في ~~أيام، وقد علم بالاضطرار أن ما أخبرت به الرسل من أن الله خلق كل شيء وأنه ~~خلق كذا إنما أرادوا بذلك أنه خلق المخلوق وأحدثه بعد أن لم يكن كما قال: " ~~وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا " والعقول الصريحة توافق ذلك وتعلم أن ~~المفعول المخلوق المصنوع لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان ms308 ولا يكون إلا ~~بعده، وإن الفعل لا يكون إلا بإحداث المفعول، وقالوا لهؤلاء قولكم: " إنه ~~مؤثر تام في الأزل " لفظ مجمل يراد به التأثير العام في كل شيء، ويراد به ~~التأثير المطلق في شيء بعد شيء، ويراد به التأثير في شيء معين دون غيره، ~~فإن أردتم الأول لزم أن لا يحدث في العالم حادث، وهذا خلاف المشاهدة، وإن ~~أردتم الثاني لزم أن يكون كل ما سوى الله مخلوقا حادثا كائنا بعد أن لم ~~يكن، وإن كان الرب لم يزل متكلما بمشيئته فعالا لما يشاء، وهذا يناقض قولكم ~~ويستلزم أن كل ما سواه مخلوق ويوافق ما أخبرت به الرسل، وعلى هذا يدل العقل ~~الصريح، فتبين أن العقل الصريح يوافق ما أخبرت به الأنبياء، وإن أردتم فسد ~~قولكم لأنه يستلزم أنه يشاء حدوثها بعد أن لم يكن فاعلا لها من غير تجدد ~~سبب يوجب الأحداث، وهذا يناقض قولكم، فإن صح هذا جاز أن يحدث كل شيء بعد أن ~~لم يكن محدثا لشيء، وإن لم يصح هذا بطل، فقولكم باطل على التقديرين، وحقيقة ~~قولكم أن المؤثر التام لا يكون إلا مع أثره ولا يكون الأثر إلا مع المؤثر ~~التام في الزمن وحينئذ فيلزمكم أن لا يحدث شيء، ويلزمكم أن كل ما حدث حدث ~~بدون مؤثر، ويلزمكم بطلان الفرق بين أثر وأثر، وليس لكم أن تقولوا بعض ~~الآثار يقارن المؤثر التام وبعضها يتراخى عنه. # PageV03P041 # وأيضا فكونه فاعلا لمفعول معين مقارن له أزلا وأبدا في صريح العقل، وأيضا ~~فأنتم وسائر العقلاء موافقون على أن الممكن الذي لا يكون ممكنا يقبل الوجود ~~والعدم وهو الذي جعلتموه الممكن الخاص الذي قسيمه الضروري الواجب والضروري ~~الممتنع لا يكون إلا موجودا تارة ومعدوما أخرى، وأن القديم الأزلي لا يكون ~~إلا ضروريا واجبا يمتنع عدمه، وهذا مما اتفق عليه أرسطو وأتباعه حتى ابن ~~سينا، وذكره في كتبه المشهورة كالشفاء وغيره، ثم تناقض فزعم أن الفلك ممكن ~~مع كونه قديما أزليا ولا يزال، وزعم أن الواجب بغيره القديم الأزلي الذي ~~يمتنع ms309 عدمه يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم، وزعم أنه له ماهية غير وجوده، ~~وقد بسط الكلام على فساد قول هؤلاء وتناقضه في غير هذا الموضع. # والقول الثاني للناس في كلام الله تعالى قول من يقول إن الله لم يقم به ~~صفة من الصفات، لا حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام ولا إرادة ولا رحمة ولا ~~غضب ولا غير ذلك، بل خلق كلاما في غيره فذلك المخلوق هو كلامه، وهذا قول ~~الجهمية والمعتزلة. وهذا القول أيضا مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف، وهو ~~مناقض لأقوال الأنبياء ونصوصهم، وليس مع هؤلاء عن الأنبياء قول يوافق ~~قولهم، بل لهم شبه عقلية فاسدة قد بينا فسادها في غير هذا الموضع، وهؤلاء ~~زعموا أنهم يقيمون الدليل على حدوث العالم بتلك الحجج، وهم لا الإسلام ~~نصروا، ولا لأعدائه كسروا. # والقول الثالث قول من يقول أنه يتكلم بغير مشيئته وقدرته بكلام قائم ~~بذاته أزلا وأبدا، وهؤلاء موافقون لمن قبلهم في أصل قولهم، لكن قالوا الرب ~~يقوم به الصفات ولا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الصفات الاختيارية. # وأول من اشتهر عنه أنه قال هذا القول في الإسلام عبد الله بن سعيد بن # PageV03P042 # كلاب، ثم افترق موافقوه، فمنهم من قال ذلك الكلام معنى واحد هو الأمر بكل ~~مأمور، والنهي عن كل محظور، والخبر عن كل مخبر عنه، إن عبر عنه بالعربية ~~كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وقالوا معنى القرآن والتوراة ~~والإنجيل واحد، ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، وقالوا الأمر والنهي ~~والخبر صفات الكلام لا أنواع له، ومن محققيهم من جعل المعنى يعود إلى الخبر ~~والخبر يعود إلى العلم. # وجمهور العقلاء يقولون قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة، وهؤلاء يقولون ~~تكليمه لموسى ليس إلا خلق إدراك يفهم به موسى ذلك المعنى، فقيل لهم: أفهم ~~كل الكلام أم بعضه؟ إن كان فهمه كله فقد علم علم الله، وإن كان فهم بعضه ~~فقد تبعض، وعندهم كلام الله لا يتبعض ولا يتعدد، وقيل لهم: لقد فرق الله ~~بين ms310 تكليمه لموسى وإيحائه لغيره، وعلى أصلكم لا فرق، وقيل لهم: قد كفر الله ~~من جعل القرآن العربي قول البشر، وقد جعله تارة قول رسول من البشر، وتارة ~~قول رسول من الملائكة، فقال في موضع: " إنه لقول رسول كريم وما هو بقول ~~شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون " فهذا الرسول محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقال في الآية الأخرى: " إنه لقول رسول كريم، ذي قوة ~~عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين " فهذا جبريل، فأضافه تارة إلى الرسول ~~الملكي وتارة إلى الرسول البشري، والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، ~~وكان بعض هؤلاء ادعى أن القرآن العربي أحدثه جبريل أو محمد فقيل لهم: لو ~~أحدثه أحدهما لم يجز إضافته إلى الآخر، وهو سبحانه إضافة إلى كل منهما باسم ~~الرسول الدال على مرسله لا باسم الملك والنبي، فدل على ذلك على أنه قول ~~رسول بلغه عن مرسله لا قول ملك أو نبي أحدثه من تلقاء نفسه، بل قد كفر من ~~قال أنه قول البشر. # والطائفة الأخرى التي وافقت ابن كلاب على أن الله لا يتكلم بمشيئته ~~وقدرته # PageV03P043 # قالت بل الكلام القديم هو حروف أو حروف وأصوات لازمة لذات الرب أزلا ~~وأبدا لا يتكلم بها بمشيئته وقدرته ولا يتكلم بها شيئا بعد شيء، ولا يفرق ~~هؤلاء بين جنس الحروف وجنس الكلام وبين عين الحروف قديمة أزلية، وهذا أيضا ~~مما يقول جمهور العقلاء أنه معلوم الفساد بالضرورة، فإن الحروف المتعاقبة ~~شيئا بعد شيء يمتنع أن يكون كل منها قديما أزليا وإن كان جنسها قديما، ~~لإمكان وجود كلمات لا نهاية لها وحروف متعاقبة لا نهاية لها، وامتناع كون ~~كل منها قديما أزليا، فإن المسبوق بغيره لا يكون أزليا، وقد فرق بعضهم بين ~~وجودها وماهيتها فقال: الترتيب في ماهيتها لا في وجودها، وبطلان هذا القول ~~معلوم بالاضطرار لمن تدبره، فإن ماهية الكلام هو حروف لا يكون شيئا بعد ~~شيء، والصوت لا يكون إلا شيئا بعد شيء، فامتنع أن يكون وجود الماهية ~~المعينة ms311 أزليا متقدما عليها به، مع أن الفرق بينهما لو قدر الفرق بينهما، ~~ويلزم من هذين الوجهين أن يكون وجودها أيضا مترتبا متعاقبا. # ثم من هؤلاء من يزعم أن ذلك القديم هو ما يسمع من العباد من الأصوات ~~بالقرآن والتوراة والإنجيل أو بعض ذلك، وكان أظهر فسادا مما قبله، فإنه ~~يعلم بالضرورة حدوث أصوات العباد. # وطائفة خامسة قالت: بل الله يتكلم بمشيئته وقدرته بالقرآن العربي وغيره ~~لكن لم يكن يمكنه أن يتكلم بمشيئته في الأزل لامتناع حوادث لا أولها، ~~وهؤلاء جعلوا الرب في الأزل غير قادر على الكلام بمشيئته ولا على الفعل كما ~~فعله أولئك. ثم جعلوا الفعل والكلام ممكنا مقدورا من غير تجدد شيء، أوجب ~~القدرة والإمكان كما قال أولئك في المفعولات المنفصلة. # وأما السلف فقالوا: لم يزل الله متكلما إذا شاء، وإن الكلام صفة كمال، ~~ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما أن من يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا ~~يقدر، ومن # PageV03P044 # يتكلم بمشيئته وقدرته ممن يكون الكلام لازما لذاته ليس عليه قدرة ولا له ~~فيه مشيئته، والكمال إنما يكون بالصفات القائمة بالموصوف لا بالأمور ~~المباينة له، ولا يكون الموصوف متكلما عالما قادرا إلا بما يقوم به من ~~الكلام والعلم والقدرة، وإذا كان كذلك فمن لم يزل موصوفا بصفات الكمال أكمل ~~ممن حدثت له بعد أن لم يكن متصفا بها لو كان حدوثها ممكنا، فكيف إذا كان ~~ممتنعا؟ فتبين أن الرب لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال، منعوتا بنعوت ~~الجلال، ومن أجلها الكلام، فلم يزل متكلما إذا شاء ولا يزال كذلك، وهو ~~يتكلم إذا شاء بالعربية كما تكلم بالقرآن العربي، وما تكلم الله به فهو ~~قائم به ليس مخلوقا منفصلا عنه، فلا تكون الحروف التي هي مباني أسماء الله ~~الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة لأن الله تكلم بها. # فصل: ثم تنازع بعض المتأخرين في الحروف الموجودة في كلام الآدميين، وسبب ~~نزاعهم أمران: أحدهما أنهم لم يفرقوا بين الكلام الذي يتكلم الله به فيسمع ~~منه، وبين ما إذا بلغه ms312 عنه مبلغ فسمع من ذلك المبلغ، فإن القرآن كلام الله ~~تكلم به بلفظه ومعناه بصوت نفسه، فإذا قرأه القراء قرؤوه بأصوات أنفسهم. ~~فإذا قال القارئ " الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم " كان هذا الكلام ~~المسموع منه كلام الله لا كلام نفسه، وكان هو قرأه بصوت نفسه لا بصوت الله، ~~فالكلام كلام البارئ، والصوت صوت القارئ، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " زينوا القرآن بأصواتكم " وكان يقول: " ألا رجل يحملني إلى قومه ~~لأبلغ كلام ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " وكلا الحديثين ~~ثابت، فبين أن الكلام الذي بلغه كلام ربه وبين أن القارئ يقرأه بصوت نفسه، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " قال أحمد ~~والشافعي وغيرهما: هو تحسينه بالصوت، قال أحمد بن حنبل: # PageV03P045 # يحسنه بصوته، فبين أن القارئ يحسن القرآن بصوته نفسه. # والسبب الثاني أن السلف قالوا كلام الله منزل غير مخلوق، وقالوا لم يزل ~~متكلما إذا شاء، فبينوا أن كلام الله قديم، أي جنسه قديم لم يزل، ولم يقل ~~أحد منهم أن نفس الكلام المعين قديم، ولا قال أحد منهم القرآن قديم، بل ~~قالوا إنه كلام الله منزل غير مخلوق، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن ~~بمشيئته كان القرآن كلامه، وكان منزلا منه غير مخلوق، ولم يكن مع ذلك أزليا ~~قديما بقدم الله وإن كان الله لم يزل متكلما إذا شاء، فجنس كلامه قديم، فمن ~~فهم قول السلف وفرق بين هذه الأقوال زالت عنه الشبهات في هذه المسائل ~~المعضلة التي اضطرب فيها أهل الأرض. # فمن قال أن حروف المعجم كلها مخلوقة وأن الله تعالى (1) مخالفا للمعقول ~~الصريح، والمنقول الصحيح، ومن قال أن نفس أصوات العباد أو مدادهم أو شيئا ~~من ذلك قديم فقد خالف أيضا أقوال السلف، وكان فساد قوله ظاهرا لكل أحد، ~~وكان مبتدعا قولا لم يقله أحد من أئمة المسلمين ولا قالته طائفة كبيرة من ~~طوائف المسلمين، بل الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم بريئون من ذلك، ومن قال ~~أن الحرف ms313 المعين أو الكلمة المعينة قديمة العين، فقد ابتدع قولا باطلا في ~~الشرع والعقل، ومن قال أن جنس الحروف التي كلم الله بها بالقرآن وغيره ليست ~~مخلوقة وأن الكلام العربي الذي تكلم به ليس مخلوقا والحروف المنتظمة منه ~~جزء منه ولازمة له وقد تكلم الله بها فلا تكون مخلوقة فقد أصاب. # وإذا قال أن الله هدى عباده وعلمهم البيان فأنطقهم بها باللغات المختلفة ~~وأنعم عليهم بأن جعلهم ينطقون بالحروف التي هي مباني كتبه وكلامه ~~PageV03P046 # وأسمائه فهذا قد أصاب، فالإنسان وجميع ما يقوم به من الأصوات والحركات ~~وغيرها مخلوق كائن بعد أن لم يكن، والرب تعالى بما يقوم به من صفاته ~~وكلماته وأفعاله غير مخلوق، والعباد إذا قرؤوا كلامه فإن كلامه الذي ~~يقرؤونه هو كلامه لا كلام غيره، وكلامه الذي تكلم به لا يكون مخلوقا وكان ~~ما يقرؤون به كلامه من حركاتهم وأصواتهم مخلوقا، وكذلك ما يكتب في المصاحف ~~من كلامه فهو كلامه مكتوبا في المصاحف وكلامه غير مخلوق، والمداد الذي يكتب ~~به كلامه وغير كلامه مخلوق، وقد فرق سبحانه وتعالى بين كلامه وبين مداد ~~كلماته بقوله تعالى: " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن ~~تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا " وكلمات الله غير مخلوقة والمداد الذي ~~يكتب به كلمات الله مخلوق والقرآن المكتوب في المصاحف غير مخلوق، وكذلك ~~المكتوب في اللوح المحفوظ وغيره قال تعالى: " بل هو قرآن مجيد، في لوح ~~محفوظ " وقال: " كلا إنها تذكرة، فمن شاء ذكره، في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة ~~". وقال تعالى: " يتلو صحفنا مطهرة، فيها كتب قيمة " وقال: " إنه لقرآن ~~كريم في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون ". # فصل: فهذا المتنازعان اللذان تنازعا في الأحرف التي أنزلها الله على آدم، ~~فقال أحدهما: إنها قديمة وليس لها مبتدأ وشكلها ونقطها محدث. وقال الآخر: ~~إنها ليست بكلام وإنها مخلوقة بشكلها ونقطها وإن القديم هو الله وكلامه منه ~~بدأ وإليه يعود منزل غير مخلوق، ولكنه كتب بها، وسؤالهما أن نبين لهما ~~الصواب وأيهما أصح ms314 اعتقادا، يقال لهما: يحتاج بيان الصواب إلى بيان ما في ~~السؤال من الكلام المجمل فإن كثيرا من نزاع العقلاء لكونهما (1) لا يتصوران ~~مورد النزاع تصورا PageV03P047 # بينا، وكثير من النزاع قد يكون الصواب فيه في قول آخر غير القولين اللذين ~~قالاهما، وكثير من النزاع قد يكون مبنيا على أصل ضعيف إذا بين فساده ارتفع ~~النزاع فأول ما في هذا السؤال قولهما: الأحرف التي أنزلها الله على آدم، ~~فإنه قد ذكر بعضهم أن الله أنزل عليه حروف المعجم مفرقة مكتوبة، وهذا ذكره ~~ابن قتيبة في المعارف وهو ومثله يوجد في التواريخ كتاريخ ابن جرير الطبري ~~ونحوه، وهذا ونحوه منقول عمن ينقل الأحاديث الإسرائيلية ونحوها من أحاديث ~~الأنبياء المتقدمين، مثل وهب بن منبه وكعب الأحبار، ومالك ابن دينار، ومحمد ~~بن إسحاق وغيرهم. وقد أجمع المسلمون على أن ما ينقله هؤلاء عن الأنبياء ~~المتقدمين لا يجوز أن يجعل عمدة في دين المسلمين إلا إذا ثبت ذلك بنقل ~~متواتر، أو أن يكون منقولا عن خاتم المرسلين، وأيضا فهذا النقل قد عارضه ~~نقل آخر وهو أن من خط وخاط إدريس، فهذا منقول عن بعض السلف وهو مثل ذلك ~~وأقوى، فقد ذكروا فيه إن إدريس أول من خاط الثياب وخط بالقلم، وعلى هذا ~~فبنو آدم من قبل إدريس لم يكونوا يكتبون بالقلم ولا يقرؤون كتبا. والذي في ~~حديث أبي ذر المعروف عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن آدم كان ~~نبيا مكلما كلمه الله قبلا " وليس فيه أنه أنزل عليه شيئا مكتوبا، فليس فيه ~~أن الله أنزل على آدم صحيفة ولا كتابا ولا هذا معروف عند أهل الكتاب، فهذا ~~يدل على أن هذا لا أصل له ولو كان هذا معروفا عند أهل الكتاب لكان هذا ~~النقل ليس هو في القرآن ولا في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإنما هو من جنس الأحاديث الإسرائيلية التي لا يجب الإيمان بها، بل ~~ولا يجوز التصديق بصحتها إلا بحجة، كما قال النبي صلى الله عليه ms315 وسلم في ~~الحديث الصحيح " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن ~~يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه ". # والله سبحانه علم آدم الأسماء كلها وأنطقه بالكلام المنظوم، وأما تعليم ~~حروف # PageV03P048 # مقطعة لا سيما إذا كانت مكتوبة فهو تعليم لا ينفع، ولكم لما أرادوا تعليم ~~المبتدئ بالخط صاروا يعلمونه الحروف المفردة حروف الهجاء، ثم يعلمونه تركيب ~~بعضها إلى بعض فيعلم أبجد هوز، وليس هذا وحده كلاما. # فهذا المنقول عن آدم من نزول حروف الهجاء عليه لم يثبت به نقل، ولم يدل ~~عليه عقل، بل الأظهر في كليهما نفيه، وهو من جنس ما يروونه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من تفسير اب ت ث، وتفسير أبجد هوز حطي، ويروونه عن المسيح ~~أنه قال لمعلمه في الكتاب، وهذا كله من الأحاديث الواهية بل المكذوبة، ولا ~~يجوز باتفاق أهل العلم بالنقل أن يحتج بشيء من هذه وإن كان قد ذكرها طائفة ~~من المصنفين في هذا الباب كالشريف المزيدي والشيخ أبي الفرج وابنه عبد ~~الوهاب وغيرهم، وقد يذكر ذلك طائفة من المفسرين والمؤرخين، فهذا كله عند ~~أهل العلم بهذا الباب باطل لا يعتمد عليه في شيء من الدين، وهذا وإن كان قد ~~ذكره أبو بكر النقاش وغيره من المفسرين عن النقاش ونحوه نقله الشريف ~~المزيدي الحراني وغيره (1) فأجل من ذكر ذلك من المفسرين أبو جعفر محمد بن ~~جرير الطبري وقد بين في تفسيره أن كل ما نقل في ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فهو باطل، فذكر في آخر تفسيره اختلاف الناس في تفسير أبجد هوز حطي، ~~وذكر حديثا رواه من طريق محمد بن زياد الجزري عن فرات ابن أبي الفرات عن ~~معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا ~~أبا جاد وتفسيرها، ويل لعالم جهل تفسير أبي جاد " قال: قالوا يا رسول الله ~~وما تفسيرها؟ قال: " أما الألف فآلاء الله وحرف من أسمائه، وأما الباء ~~فبهاء الله، وأم الجيم فجلال الله، وأما ms316 الدال فدين الله، PageV03P049 # وأما الهاء فالهاوية، وأما الواو فويل لمن سها، وأما الزاي فالزاوية، ~~وأما الحاء فحطوط الخطايا عن المستغفرين بالأسحار " وذكر تمام الحديث من ~~هذا الجنس. وذكر حديثا ثانيا من حديث عبد الرحيم بن واقد حدثني الفرات بن ~~السائب عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: ليس شيء إلا وله سبب وليس كل ~~أحد يفطن له ولا بلغه ذلك، إن لأبي جاد حديثا عجيبا، أما أبو جاد فأبى آدم ~~الطاعة وجد في أكل الشجرة، وأما هوز فزل آدم فهوى من السماء إلى الأرض، ~~وأما حطي فحطت عنه خطيئته، وأما كلمن فأكله من الشجرة ومن عليه بالتوبة " ~~وساق تمام الحديث من هذا الجنس. وذكر حديثا ثالثا من حديث إسماعيل بن عياش ~~عن إسماعيل بن يحيى عن ابن أبي مليكة عمن حدثه عن ابن مسعود ومسعر بن كدام ~~عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن عيسى بن مريم ~~أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب بسم الله، فقال له ~~عيسى: وما بسم الله؟ فقال له المعلم: ما أدري. فقال له عيسى: الباء بهاء ~~الله، والسين سناؤه، والميم ملكه، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا ~~والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة، أبو جاد ألف آلاء الله، وباء بهاء الله، ~~وجيم جمال الله، ودال الله الدائم، وهوز هاء الهاوية " وذكر حديثا من هذا ~~الجنس وذكره عن الربيع بن أنس موقوفا عليه. # وروى أبو الفرج المقدسي عن الشريف المزيدي حديثا عن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في تفسير اب ت ث من هذا الجنس. # ثم قال ابن جرير: ولو كانت الأخبار التي رويت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك صحاح الأسانيد لم يعدل عن القول بها إلى غيرها، ولكنها واهية ~~الأسانيد غير جائز الاحتجاج بمثلها، وذلك أن محمد بن زياد الحزري الذي حدث ~~حديث معاوية بن قرة عن فرات عنه غير موثوق بنقله، وأن عبد الرحيم بن واقد ~~الذي خالفه في رواية ذلك عن ms317 الفرات مجهول غير معروف عند أهل النقل، وإن ~~إسماعيل # PageV03P050 # بن يحيى الذي حدث عن ابن أبي مليكة غير موثوق بروايته ولا جائز عند أهل ~~النقل الاحتجاج بأخباره. # قلت: إسماعيل بن يحيى هذا يقال له التيمي كوفي معروف بالكذب، ورواية ~~إسماعيل بن عياش في غير الشاميين لا يحتج بها، بل هو ضعيف فيما ينقله عن ~~أهل الحجاز وأهل العراق بخلاف ما ينقله عن شيوخه الشاميين فإنه حافظ لحديث ~~أهل بلده كثير الغلط في حديث أولئك، وهذا متفق عليه بين أهل العلم بالرجال، ~~وعبد الرحمن بن واقد لا يحتج به باتفاق أهل العلم، وفرات بن السائب ضعيف ~~أيضا لا يحتج به فهو فرات بن أبي الفرات، ومحمد بن زياد الجزري ضعيف أيضا. # وقد تنازع الناس في أبجد هوز حطي، فقال طائفة هي أسماء قوم، قيل أسماء ~~ملوك مدين أو أسماء قوم كانوا ملوكا جبابرة، وقيل هي أسماء الستة أيام التي ~~خلق الله فيها الدنيا، والأول اختيار الطبري، وزعم هؤلاء أن أصلها أبو جاد ~~مثل أبي عاد وهواز مثل رواد وجواب، وأنها لم تعرب لعدم العقد والتركيب. # والصواب أن هذه ليست أسماء لمسميات وإنما ألفت ليعرف تأليف الأسماء من ~~حروف المعجم بعد معرفة حروف المعجم، ولفظها: أبجد، هوز، حطي. ليس لفظها أبو ~~جاد هواز. # ثم كثير من أهل الحساب صاروا يجعلونها علامات على مراتب العدد، فيجعلون ~~الألف واحدا، والباء اثنين، والجيم ثلاثة، إلى الياء، ثم يقولون الكاف ~~عشرون. . . وآخرون من أهل الهندسة والمنطق يجعلونها علامات على الخطوط ~~المكتوبة، أو على ألفاظ الأقيسة المؤلفة كما يقولون كل ألف ب وكل ب ج فكل ~~ألف ج. ومثلوا بهذه لكونها ألفاظا تدل على صورة الشكل. والقياس لا يختص ~~بمادة دون مادة، كما جعل أهل التصريف لفظ فعل تقابل الحروف الأصلية، ~~والزائدة ينطقون بها ويقولون وزن استخرج استفعل، وأهل العروض يزنون بألفاظ ~~مؤلفة من ذلك لكن يراعون الوزن من غير اعتبار بالأصل # PageV03P051 # والزائد ولهذا سئل بعض هؤلاء عن وزن نكتل فقال نفعل، وضحك منه أهل ~~التصريف ووزنه ms318 عندهم نفتل فإن أصله نكتال، وأصل نكتال نكتيل تحركت الياء ~~وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ثم لما جزم الفعل سقطت، كما نقول مثل ذلك في ~~نعتد ونقتد من اعتاد يعتاد واقتاد البعير يقتاده. # ونحو ذلك في نقتيل فلما حذفوا الألف التي تسمى لام الكلمة صار وزنها ~~وجعلت ثمانية تكون متحركة وهي الهمزة (1) ، وتكون ساكنة وهي حرفان على ~~الاصطلاح الأول وحرف واحد على الثاني، والألف تقرن بالواو والياء لأنهن ~~حروف العلة، ولهذا ذكرت في آخر حروف المعجم ونطقوا بأول لفظ كل حرف منها ~~إلا الألف فلم يمكنهم أن ينطقوا بها ابتداء فجعلوا اللام قبلها فقالوا لا، ~~والتي في الأول هي الهمزة المتحركة فإن الهمزة في أولها، وبعض الناس ينطق ~~بها لام ألف، والصواب أن ينطق بها لا، وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا أن العلم لا بد فيه من نقل مصدق ونظر محقق، وأما النقول ~~الضعيفة لا سيما المكذوبة فلا يعتمد عليها، وكذلك النظريات الفاسدة ~~والعقليات الجهلية الباطلة لا يحتج بها. # الثاني أن يقال هذه الحروف الموجودة في القرآن العربي قد تكلم الله بها ~~بأسماء حروف مثل قوله " الم "، وقوله " المص " قوله " الم طس - حم - كهيعص ~~- حمعسق - ن - ق " فهذا كله كلام الله غير مخلوق. # الثالث أن هذه الحروف إذا وجدت في الكلام العباد، وكذلك الأسماء الموجودة ~~PageV03P052 # في القرآن إذا وجدت في كلام العباد مثل آدم ونوح ومحمد وإبراهيم وغير ~~ذلك، فيقال هذه الأسماء وهذه الحروف قد تكلم الله بها لكن لم يتكلم بها ~~مفردة، فإن الاسم وحده ليس بكلام ولكن يتكلم بها في كلامه الذي أنزله في ~~مثل قوله: " محمد رسول الله " وقوله: " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد ~~آمنا - إلى قوله - رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي " وقوله: " إن الله ~~اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " ونحو ذلك ونحن إذا ~~تكلمنا بكلام ذكرنا فيه هذه الأسماء فكلامنا مخلوق وحروف كلامنا مخلوقة، ~~كما قال أحمد بن حنبل لرجل: ألست مخلوقا؟ قال: بلى، قال: أليس كلامك ms319 منك؟ ~~قال: بلى، قال: أليس كلامك مخلوقا؟ قال: بلى، قال: فالله تعالى غير مخلوق، ~~وكلامه منه ليس بمخلوق. # فقد نص أحمد وغيره على أن كلام العباد مخلوق وهم إنما يتكلمون بالأسماء ~~والحروف التي يوجد نظيرها في كلام الله تعالى، لكن الله تعالى تكلم بها ~~بصوت نفسه وحروف نفسه وذلك غير مخلوق، وصفات الله تعالى لا تماثل صفات ~~العباد. فإن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، ~~والصوت الذي ينادي به عباده يوم القيامة والصوت الذي سمعه منه موسى ليس ~~كأصوات شيء من المخلوقات، والصوت المسموع هو حروف مؤلفة وتلك لا يماثلها ~~شيء من صفات المخلوقين، كما أن علم الله القائم بذاته ليس مثل علم عباده، ~~فإن الله لا يماثل المخلوقين في شيء من الصفات، وهو سبحانه فقد علم العباد ~~من علمه ما شاء كما قال تعالى: " ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " ~~وهم إذا علمهم الله ما علمهم من علمه فنفس علمه الذي اتصف به ليس مخلوقا ~~ونفس العباد وصفاتهم مخلوقة، لكن قد ينظر الناظر إلى مسمى العلم مطلقا، فلا ~~يقال إن ذلك العلم مخلوق لاتصاف الرب به وإن كان ما يتصف به العبد مخلوقا. # PageV03P053 # وأصل هذا أن ما يوصف الله به ويوصف به العباد يوصف الله به على ما يليق ~~(1) به ويوصف به العباد بما يليق بهم من ذلك، مثل الحياة والعلم والقدرة ~~والسمع والبصر والكلام، فإن الله له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام، ~~فكلامه يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه، والعبد له حياة وعلم وقدرة ~~وسمع وبصر وكلام، وكلام العبد يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه. فهذه ~~الصفات لها ثلاث اعتبارات: تارة تعتبر مضافة إلى الرب. وتارة تعتبر مضافة ~~إلى العبد، وتارة تعتبر مطلقة لا تختص بالرب والعبد، فإذا قال العبد: حياة ~~الله وعلم الله وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك، فهذا كله غير مخلوق ولا ~~يماثل صفات المخلوقين، وإذا قال علم العبد وقدرة العبد وكلام العبد، فهذا ms320 ~~كله مخلوق ولا يماثل صفات الرب، وإذا قال العلم والقدرة والكلام، فهذا مجمل ~~مطلق لا يقال PageV03P054 # عليه كله أنه مخلوق ولا أنه غير مخلوق، بل ما اتصف به الرب من ذلك فهو ~~غير مخلوق، وما اتصف به العبد من ذلك فهو مخلوق، فالصفة تتبع الموصوف؛ فإن ~~كان الموصوف هو الخالق فصفاته غير مخلوقة، وإن كان الموصوف هو العبد ~~المخلوق فصفاته مخلوقة، ثم إذا قرأ بأم القرآن وغيرها من كلام الله فالقرآن ~~في نفسه كلام الله غير مخلوق، وإن كان حركات العباد وأصواتهم مخلوقة، ولو ~~قال الجنب: " الحمد لله رب العالمين " ينوي به القرآن منع من ذلك وكان ~~قرآنا، ولو قاله ينوي به حمد الله لا يقصد به القراءة لم يكن قارئا وجاز ~~ذلك، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أفضل الكلام بعد القرآن أربع ~~وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " ~~رواه مسلم في صحيحه. فأخبر أنها أفضل الكلام بعد القرآن وقال هي من القرآن، ~~فهي من القرآن باعتبار، وليست من القرآن باعتبار، ولو قال القائل: " يا ~~يحيى خذ الكتاب " ومقصوده القرآن كان قد تكلم بكلام الله ولم تبطل صلاته ~~باتفاق العلماء، وإن قصد مع ذلك تنبيه غيره لم تبطل صلاته عند جمهور ~~العلماء، ولو قال لرجل اسمه يحيى وبحضرته كتاب: يا يحيى خذ الكتاب لكان هذا ~~مخلوقا لأن لفظ يحيى هنا مراد به ذلك الشخص وبالكتاب ذلك الكتاب، ليس مرادا ~~به ما أراده الله بقوله: " يا يحيى خذ الكتاب " والكلام كلام المخلوق بلفظه ~~ومعناه. # وقد تنازع الناس في مسمى الكلام في الأصل، فقيل هو اسم اللفظ الدال على ~~المعنى، وقيل المعنى المدلول عليه باللفظ، وقيل لكل منهما بطريق الاشتراك ~~اللفظي، وقيل بل هو اسم عام لهما جميعا يتناولهما عند الإطلاق وإن كان مع ~~التقييد يراد به هذا تارة وهذا تارة. هذا قول السلف وأئمة الفقهاء وإن كان ~~هذا القول لا يعرف في كثير من الكتب، وهذا كما تنازع الناس في مسمى الإنسان ms321 ~~هل هو الروح فقط أو الجسد فقط؟ والصحيح أنه اسم للروح والجسد جميعا، وإن ~~كان # PageV03P055 # مع القرينة قد يراد به هذا تارة وهذا تارة، فتنازعهم في مسمى النطق ~~كتنازعهم في مسمى الناطق، فمن سمى شخصا محمدا وإبراهيم، وقال: جاء محمد ~~وجاء إبراهيم لم يكن هذا محمد وإبراهيم المذكورين في القرآن، ولو قال: محمد ~~رسول الله، وإبراهيم خليل الله، يعني به خاتم الرسل وخليل الرحمن لكان قد ~~تكلم بمحمد وإبراهيم الذي في القرآن لكن قد تكلم بالاسم وألفه كلامه فهو ~~كلامه لم يتكلم به في القرآن العربي الذي تكلم الله به. # ومما يوضح ذلك أن الفقهاء قالوا في آداب الخلاء أنه لا يستصحب ما فيه ذكر ~~الله واحتجوا بالحديث الذي في السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~دخل الخلاء نزع خاتمه، وكان خاتمه مكتوبا عليه " محمد رسول الله " محمد ~~سطر، رسول سطر، الله سطر. # ولم يمنع أحد من العلماء أن يستصحب ما يكون فيه كلام العباد وحروف الهجاء ~~(1) مثل ورق الحساب الذي يكتب فيه أهل الديوان الحساب. ومثل الأوراق التي ~~يكتب فيها الباعة ما يبيعونه ونحو ذلك، وفي السيرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما صالح غطفان على نصف تمر المدينة أتاه سعد فقال له: أهذا شيء أمر ~~الله به فسمعا وطاعة، أم شيء تفعله لمصلحتنا؟ فبين له النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه لم يفعل ذلك بوحي بل فعله باجتهاده فقال: " لقد كنا في الجاهلية ~~وما كانوا يأكلون منها تمرة إلا بقرى أو بشراء، فلما أعزنا الله بالإسلام ~~يريدون أن يأكلون تمرنا؟ لا يأكلون تمرة واحدة " وبصق سعد في الصحيفة ~~وقطعها فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يقل هذه حروف، فلا يجوز ~~إهانتها والبصاق فيها. وأيضا فقد كره السلف محو القرآن بالرجل ولم يكرهوا ~~محو ما فيه كلام الآدميين. # وأما قول القائل: إن الحروف قديمة أو حروف المعجم قديمة فإن أراد جنسها ~~فهذا صحيح، وإن أراد الحرف المعين فقد أخطأ فإن له مبدأ ms322 ومنتهى، وهو مسبوق ~~بغيره، وما كان كذلك لم يكن إلا محدثا. PageV03P056 # وأيضا فلفظ الحروف مجمل، يراد بالحروف الحروف المنطوقة المسموعة التي هي ~~مباني الكلام، ويراد بها الحروف المكتوبة، ويراد بها الحروف المتخيلة في ~~النفس، والصوت لا يكون كلاما إلا بالحروف باتفاق الناس. وأما الحروف فهل ~~تكون كلاما بدون الصوت؟ فيه نزع. والحرف قد يراد به الصوت المقطع، وقد يراد ~~به نهاية الصوت وحده، وقد يراد بالحروف المداد، وقد يراد بالحروف شكل ~~المداد، فالحروف التي تكلم الله بها غير مخلوقة وإذا كتبت في المصحف قيل ~~كلام الله المكتوب في المصحف غير مخلوق، وأما نفس أصوات العباد فمخلوقة ~~والمداد مخلوق وشكل المداد مخلوق، فالمداد مخلوق بمادته وصورته، وكلام الله ~~المكتوب بالمداد غير مخلوق، ومن كلام الله الحروف التي تكلم الله بها فإذا ~~كتبت بالمداد لم تكن مخلوقة وكان المداد مخلوقا. وأشكال الحروف المكتوبة ~~مما يختلف فيها اصطلاح الأمم. # والخط العربي قد قيل أن مبدأه كان من الأنبار ومنها انتقل إلى مكة ~~وغيرها، والخط العربي تختلف صورته: العربي القديم فيه تكوف، وقد اصطلح ~~المتأخرون على تغيير صوره، وأهل المغرب لهم اصطلاح ثالث حتى في نقط الحروف ~~وترتيبها، وكلام الله المكتوب بهذه الخطوط كالقرآن العربي هو في نفسه لا ~~يختلف باختلاف الخطوط التي يكتب بها. # فإن قيل: فالحرف من حيث هو مخلوق أو غير مخلوق مع قطع النظر عن كونه في ~~كلام الخالق أو كلام المخلوق؟ فإن قلتم هو من حيث هو مخلوق لزم أن يكون غير ~~مخلوق في كلام العباد، وإن قلتم مخلوق لزم أن يكون مخلوقا في كلام الله؟ ~~قيل: قول القائل بل الحرف من حيث هو هو كقوله الكلام من حيث هو هو والعلم ~~من حيث هو هو والقدرة من حيث هي هي، والوجود حيث هو هو، ونحو ذلك. # PageV03P057 # والجواب عن ذلك أن هذه الأمور وغيرها إذا أخذت مجردة مطلقة غير مقيدة ولا ~~مشخصة لم يكن لها حقيقة في الخارج عن الأذهان إلا شيء معين، فليس ثم وجود ~~إلا وجود الخالق ms323 أو وجود المخلوق، ووجود كل مخلوق مختص مختص به وإن كان اسم ~~الوجود عاما يتناول ذلك كله، وكذلك العلم والقدرة اسم عام يتناول أفراد ذلك ~~وليس في الخارج إلا علم الخالق وعلم المخلوق، وعلم كل مخلوق مختص به قائم ~~به، واسم الكلام والحروف يعم كل ما يتناوله لفظ الكلام والحرف وليس في ~~الخارج إلا كلام الخالق وكلام المخلوقين، وكلام كل مخلوق مختص به واسم ~~الكلام يعم كل ما يتناوله هذا اللفظ، وليس في الخارج إلا الحروف التي تكلم ~~الله بها الموجودة في كلام الخالق، والحروف الموجودة في كلام المخلوقين، ~~فإذا قيل إن علم الرب وقدرته وكلامه غير مخلوق وحروف كلامه غير مخلوقة لم ~~يلزم من ذلك أن يكون علم العبد وقدرته وكلامه غير مخلوق وحروف كلامه غير ~~مخلوقة. # وأيضا فلفظ الحرف يتناول الحرف المنطوق والحرف المكتوب، وإذا قيل إن الله ~~تكلم بالحروف المنطوقة كما تكلم بالقرآن العربي وبقوله: " الم - وحم - وطسم ~~- وطس - ويس - وق - ون " ونحو ذلك فهذا كلامه وكلامه غير مخلوق، وإذا كتب ~~في المصاحف كان ما كتب من كلام الرب غير مخلوق وإن كان المداد وشكله ~~مخلوقا. # وأيضا فإذا قرأ الناس كلام الله فالكلام في نفسه غير مخلوق إذا كان الله ~~قد تكلم به، وإذا قرأه المبلغ لم يخرج عن أن يكون كلام الله، فإن الكلام ~~كلام من قاله مبتدئا، أمرا يأمر به أو خبرا يخبره ليس هو كلام المبلغ له عن ~~غيره إذ ليس على الرسول إلا البلاغ المبين، وإذا قرأه المبلغ فقد يشار إليه ~~من حيث هو كلام الله فيقال هذا كلام الله مع قطع النظر عما بلغه به العباد ~~من صفاتهم، وقد يشار إلى نفس صفة العبد كحركته وحياته، وقد يشار إليهما، ~~فالمشار إليه # PageV03P058 # الأول غير مخلوق، والمشار إليه الثاني مخلوق، والمشار إليه الثالث فمنه ~~مخلوق ومنه غير مخلوق، وما يوجد في كلام الآدميين من نظير هذا هو نظير صفة ~~العبد لا نظير صفة الرب أبدا، وإذا قال القائل القاف في قوله: " أقم الصلاة ~~لذكري ms324 " كالقاف في قوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # قيل وما تكلم الله به وسمع منه لا يماثل صفة المخلوقين، ولكن إذا بلغنا ~~كلام الله فإنما بلغناه بصفاتنا وصفاتنا مخلوقة والمخلوق يماثل المخلوق. # وفي هذا جواب للطائفتين لمن قاس ثفة المخلوق بصفة الخالق فجعلها غير ~~مخلوقة، فإن الجهمية المعطلة أشباه اليهود، والحلولية الممثلة أشباه ~~النصارى دخلوا في هذا وهذا، أولئك مثلوا الخالق بالمخلوق فوصفوه بالنقائض ~~التي تختص بالمخلوق كالفقر والبخل، وهؤلاء مثلوا المخلوق بالخالق فوصفوه ~~بخصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله، والمسلمون يصفون الله بما وصف به ~~نفسه وبما وصفته به رسله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ~~بل يثبتون له ما يستحقه من صفات الكمال، وينزهونه عن الأكفاء والأمثال، فلا ~~يعطلون الصفات ولا يمثلونها بصفات المخلوقات، فإن المعطل يعبد عدما، ~~والممثل يعبد صنما، والله تعالى " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ". # ومما ينبغي أن يعرف أن كلام المتكلم في نفسه واحد، وإذا بلغه المبلغون ~~تختلف أصواتهم به فإذا أنشد المنشد قول لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # كان هذا الكلام كلام لبيد لفظه ومعناه مع أن أصوات المنشدين له تختلف ~~وتلك الأصوات ليست صوت لبيد، وكذلك من روى حديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~بلفظه كقوله: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " كان هذا ~~الكلام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظه ومعناه، ويقال لمن رواه أدى ~~الحديث بلفظه وإن كان صوت المبلغ ليس هو صوت الرسول، فالقرآن أولى أن يكون ~~كلام # PageV03P059 # الله لفظه ومعناه، وإذا قرأه القراء فإنما يقرؤونه بأصواتهم، ولهذا كان ~~الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة يقولون: من قال اللفظ بالقرآن أو ~~لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع، وفي بعض ~~الروايات عنه: من قال لفظي بالقرآن مخلوق يعني به القرآن فهو جهمي، لأن ~~اللفظ يراد به المصدر لفظ يلفظ لفظا، ومسمى هذا فعل العبد وفعل العبد ~~مخلوق، ويراد ms325 باللفظ القول الذي يلفظ به اللافظ وذلك كلام الله لا كلام ~~القارئ، فمن قال إنه مخلوق فقد قال إن الله لم يتكلم بهذا القرآن، وإن هذا ~~الذي يقرأه المسلمون ليس هو كلام الله، ومعلوم أن هذا مخالف لما علم ~~الاضطرار من دين الرسول. # وأما صوت العبد فهو مخلوق، وقد صرح أحمد وغيره بأن الصوت المسموع صوت ~~العبد ولم يقل أحمد قط: من قال إن صوتي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، وإنما قال: ~~من قال لفظي بالقرآن، والفرق بين لفظ الكلام وصوت المبلغ له فرق واضح، فكل ~~من بلغ كلام غيره بلفظ ذلك الرجل فإنما بلغ لفظ ذلك الغير لا لفظ نفسه، وهو ~~إنما بلغه بصوت نفسه لا بصوت ذلك الغير، ونفس اللفظ والتلاوة والقراءة ~~والكتابة ونحو ذلك لما كان يراد به المصدر الذي هو حركات العباد وما يحدث ~~عنها من أصواتهم وشكل المداد، ويراد به نفس الكلام الذي يقرأه التالي ~~ويتلوه ويلفظ به ويكتبه، منع أحمد وغيره من إطلاق النفي الإثبات الذي يقتضي ~~جعل صفات الله مخلوقة أو جعل صفات العباد ومدادهم غير مخلوق، وقال أحمد: ~~نقول القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف أي حيث تلي وكتب وقرئ مما هو في ~~نفس الأمر كلام الله فهو كلامه وكلامه غير مخلوق، وما كان من صفات العباد ~~وأفعالهم التي يقرؤون ويكتبون بها كلامه كأصواتهم ومدادهم فهو مخلوق، ولهذا ~~لم يهتد إلى هذا الفرق يحار، فإنه معلوم أن القرآن واحد ويقرأه خلق كثير، ~~والقرآن لا يكثر في نفسه بكثرة القراء وإنما يكثر # PageV03P060 # ما يقرؤون به القرآن فما يكثر ويحدث في العباد فهو مخلوق، والقرآن نفسه ~~لفظه ومعناه الذي تكلم الله به وسمعه جبريل من الله وسمعه محمد من جبريل ~~وبلغه محمد إلى الناس وأنذر به الأمم لقوله تعالى: " لأنذركم به ومن بلغ " ~~قرآن واحد، وهو كلام الله ليس بمخلوق، وليس هذا من باب ما هو واحد بالنوع ~~متعدد الأعيان، كالإنسانية الموجودة في زيد وعمر، ولا من باب ما يقول ~~الإنسان مثل قول غيره ms326 كما قال تعالى: " كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ~~" فإن القرآن لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، كما قال تعالى: " قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا ". فالإنس والجن إذا اجتمعوا لم يقدروا أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن مع قدرة كل قارئ على أن يقرأه ويبلغه، فعلم أن ما قرأه هو القرآن ~~ليس مثل ذلك القرآن، وأما الحروف الموجودة في القرآن إذا وجد نظيرها في ~~كلام غيره فليس هذا هو ذاك بعينه بل هو نظيره، وإذا تكلم الله باسم من ~~الأسماء كآدم ونوح وإبراهيم وتكلم بتلك الحروف والأسماء التي تكلم الله بها ~~فإذا قرئت في كلامه فقد بلغ كلامه، فإذا أنشأ الإنسان لنفسه كلاما لم يكن ~~عين ما تكلم الله به من الحروف والأسماء هو عين ما تكلم به العبد حتى يقال ~~إن هذه الأسماء والحروف الموجودة في كلام العباد غير مخلوقة، فإن بعض من ~~قال أن الحروف والأسماء غير مخلوقة في كلام العباد ادعى أن المخلوق إنما هو ~~النظم والتأليف دون المفردات، وقائل هذا يلزمه أن يكون أيضا النظم والتأليف ~~غير مخلوق إذا وجد نظيره في القرآن كقوله: " يا يحيى خذ الكتاب " وإن أراد ~~بذلك شخصا اسمه يحيى وكتابا بحضرته. # فإن قيل يحيى هذا والكتاب الحاضر ليس هو يحيى والكتاب المذكور في القرآن ~~وإن كان اللفظ نظير اللفظ، قيل كذلك سائر الأسماء والحروف إنما يوجد # PageV03P061 # نظيرها في كلام العباد لا في كلام الله، وقولنا يوجد نظيرها في كلام الله ~~تقريب أي يوجد فيما نقرأه ونتلوه، فإن الصوت المسموع من لفظ محمد ويحيى ~~وإبراهيم هو مثل الصوت المسموع من ذلك في غير القرآن، وكلا الصوتين مخلوق، ~~وأما الصوت الذي يتكلم الله به فلا مثل له لا يماثل صفات المخلوقين، وكلام ~~الله هو كلامه بنظمه ومعانيه، وذلك الكلام ليس مثل كلام المخلوقين، فإذا ~~قلنا: " الحمد لله رب العالمين " وقصد بذلك قراءة القرآن الذي تكلم الله به ~~فذلك القرآن ms327 تكلم الله بلفظه ومعناه لا يماثل لفظ المخلوقين ومعناهم، وأما ~~إذا قصدنا به الذكر ابتداء من غير أن يقصد قراءة كلام الله فإنما نقصد ذكرا ~~ننشئه نحن يقوم معناه بقلوبنا، وننطق بلفظه بألسنتنا، وما أنشأناه من الذكر ~~فليس هو من القرآن وإن كان نظيره في القرآن، ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح " أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان ~~الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " فجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم هذه الكلمات أفضل الكلام بعد القرآن فجعل درجتها دون درجة ~~القرآن، وهذا يقتضي أنها ليست من القرآن. ثم قال: " هي من القرآن " وكلا ~~قوليه حق وصواب، ولهذا منع أحمد أن يقال الإيمان مخلوق، وقال لا إله إلا ~~الله من القرآن، وهذا الكلام لا يجوز أن يقال إنه مخلوق وإن لم يكن من ~~القرآن، ولا يقال في التوراة والإنجيل إنهما مخلوقان، ولا يقال في الأحاديث ~~الإلهية التي يرويها عن ربه أنها مخلوقة كقوله: " يا عبادي إني حرمت الظلم ~~على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا " فكلام الله قد يكون قرآنا وقد ~~لا يكون قرآنا والصلاة إنما تجوز وتصح بالقرآن، وكلام الله كله غير مخلوق. # فإذا فهم هذا في مثل هذا فليفهم في نظائره وإن ما يوجد من الحروف ~~والأسماء في كلام الله ويوجد في غير كلام الله يجوز أن يقال إنه من كلام ~~الله # PageV03P062 # باعتبار كما أنه يكون من القرآن باعتبار وغير القرآن باعتبار، لكن كلام ~~الله القرآن وغير القرآن غير مخلوق، وكلام المخلوقين كله مخلوق، فما كان من ~~كلام الله فهو غير مخلوق وما كان من كلام غيره فهو مخلوق. # وهؤلاء الذين يحتجون على نفي الخلق أو إثبات القدم بشيء من صفات العباد ~~وأعمالهم لوجود نظير ذلك فيما يضاف إلى الله وكلامه والإيمان به، شاركهم في ~~هذا الأصل الفاسد من احتج على خلق ما هو من كلام الله وصفاته بأن ذلك قد ~~يوجد نظيره فيما يضاف إلى العبد، مثل ذلك ms328 أن القرآن الذي يقرأه المسلمون هو ~~كلام الله قرؤوه بحركاتهم وأصواتهم، فقال الجهمي: أصوات العباد ومدادهم ~~مخلوقة وهذا هو المسمى بكلام الله أو يوجد نظيره في المسمى بكلام الله ~~فيكون كلام الله مخلوقا. # وقال الحلواني الاتحادي الذي يجعل صفة الخالق هي عين صفة المخلوق الذي ~~نسمعه من القراء هو كلام الله وغنما نسمع أصوات العباد فأصوات العباد ~~بالقرآن كلام الله وكلام الله غير مخلوق فأصوات العباد بالقرآن غير مخلوقة، ~~والحروف المسموعة منهم غير مخلوقة، ثم قالوا الحروف الموجودة في كلامهم هي ~~هذه أو مثل هذه فتكون غير مخلوقة، وراد بعض غلاتهم فجعل أصوات كلامهم غير ~~مخلوقة كما زعم بعضهم أن الأعمال من الإيمان وهو غير مخلوق والأعمال غير ~~مخلوقة. # وزاد بعضهم أعمال الخير والشر وقال هي القدر والشرع والمشروع وقال عمر: ~~ما مرادنا بالأعمال الحركات بل الثواب الذي يأتي يوم القيامة كما ورد في ~~الحديث الصحيح " إنه تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو ~~فرقان من طير صواف " فيقال له وهذا الثواب مخلوق، وقد نص أحمد وغيره من ~~الأئمة على أنه غير مخلوق. وبذلك أجابوا من احتج على خلق القرآن بمثل هذا ~~الحديث فقالوا له الذي يجيء يوم القيامة هو ثواب القرآن لا نفس القرآن ~~وثواب القرآن مخلوق، # PageV03P063 # إلى أمثال هذه الأقوال التي ابتدعها طوائف والبدع تنشأ شيئا فشيئا وقد ~~بسط الكلام في هذا الباب في مواضع آخر. # وقد بينا أن الصواب في هذا الباب هو الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع ~~السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان، وهو ما كان عليه الإمام أحمد بن ~~حنبل ومن قبله من أئمة الإسلام ومن وافق هؤلاء، فإن قول الإمام أحمد وقول ~~الأئمة قبله هو القول الذي جاء به الرسول ودل عليه الكتاب والسنة، ولكن لما ~~امتحن الناس بمحنة الجهمية وطلب منهم تعطيل الصفات وأن يقولوا بأن القرآن ~~مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة ونحو ذلك، ثبت الله الإمام أحمد في تلك ~~المحنة فدفع حجج المعارضين النفاة وأظهر دلالة الكتاب والسنة ms329 وأن السلف ~~كانوا على الإثبات فآتاه الله من الصبر واليقين ما صار به إماما كما قال ~~تعالى: " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون " ~~ولهذا قيل فيه رحمة الله: عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، ~~أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها، فلما ظهر به من السنة ما ظهر كان له من ~~الكلام في بيانها وإظهارها أكثر وأعظم مما لغيره فصار أهل السنة من عامة ~~الطوائف يعظمونه وينتسبون إليه. # وقد ذكرت كلامه وكلام غيره من الأئمة ونصوص الكتاب والسنة في هذه الأبواب ~~في غير هذا الموضع وبينا أن كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح ~~المعقول، وأن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، ولكن كثيرا من الناس ~~يغلطون إما في هذا وإما في هذا، فمن عرف قول الرسول ومراده به كان عارفا ~~بالأدلة الشرعية وليس في المعقول ما يخالف المنقول، ولهذا كان أئمة السنة ~~على ما قاله أحمد بن حنبل قال: معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلي من حفظه، ~~أي معرفته بالتمييز بين صحيحه وسقيمه، والفقه فيه معرفة مراد الرسول ~~وتنزيله على المسائل الأصولية والفروعية أحب إلي من أن تحفظ من غير معرفة ~~وفقه، وهكذا قال # PageV03P064 # علي بن المديني وغيره من العلماء فإنه من احتج بلفظ ليس بثابت عن الرسول ~~أو بلفظ ثابت عن الرسول وحمله على ما لم يدل عليه فإنما أتي من نفسه. # وكذلك العقليات الصريحة إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحا لم تكن إلا حقا ~~لا تناقض شيئا مما قاله الرسول، والقرآن قد دل على الأدلة العقلية التي بها ~~لم تكن إلا حقا وتوحيده وصفاته وصدق رسله وبها يعرف إمكان المعاد، ففي ~~القرآن من بيان أصول الدين التي تعلم مقدماتها بالعقل الصريح ما لا يوجد ~~مثله في كلام أحد من الناس، بل عامة ما يأتي به حذاق النظار من الأدلة ~~العقلية يأتي القرآن بخلاصتها وبما هو أحسن منها، قال تعالى: " ولا يأتونك ~~بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا " وقال: " ولقد صرفنا للناس في ms330 هذا ~~القرآن من كل مثل " وقال: " وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ". # وأما الحجج الداحضة التي يحتج بها الملاحدة وحجج الجهمية معطلة الصفات ~~وحجج الدهرية وأمثالها كما يوجد مثل ذلك في كلام المتأخرين الذين يصنعون في ~~الكلام المبتدع وأقوال المتفلسفة ويدعون أنها عقليات ففيها من الجهل ~~والتناقض والفساد، ما لا يحصيه إلا رب العباد، وقد بسط الكلام على هؤلاء في ~~مواضع أخر. # وكان من أسباب ضلال هؤلاء تقصير الطائفتين أو قصورهم عن معرفة ما جاء به ~~الرسول وما كان عليه السلف ومعرفة المعقول الصريح فإن هذا هو الكتاب وهذا ~~هو الميزان وقد قال تعالى: " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع ~~للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز " وهذه المسألة ~~لا تحتمل البسط على هذه الأمور إذا كان المقصود هنا التنبيه على أن هؤلاء ~~المتنازعين أجمعوا على أصل فاسد، ثم تفرقوا فأجمعوا على أن جعلوا عين صفة ~~الرب الخالق هي عين # PageV03P065 # صفة المخلوق، ثم قال هؤلاء: وصفة المخلوق مخلوقة فصفة الرب مخلوقة، فقال ~~هؤلاء: صفة الرب قديمة فصفة المخلوق قديمة، ثم احتاج كل منهما إلى طرد أصله ~~فخرجوا إلى أقواله ظاهرة الفساد، خرج النفاة إلى أن الله لم يتكلم بالقرآن ~~ولا شيء من الكتب الإلهية ولا التوراة ولا الإنجيل ولا غيرهما، وأنه لم ~~يناد موسى بنفسه نداء يسمعه منه موسى ولا تكلم بالقرآن العربي ولا التوراة ~~العبرية، وخرج هؤلاء إلى أن ما يقوم بالعباد ويتصفون به يكون قديما أزليا، ~~وأن ما يقوم بهم ويتصفون به لا يكون قائما بهم بل يكون ظاهرا فيهم من غير ~~قيام بهم، ولما تكلموا في حروف المعجم صاروا بين قولين: طائفة فرقت بين ~~المتماثلين فقالت الحرف حرفان هذا قديم وهذا مخلوق، كما قال ابن حامد ~~والقاضي أبو يعلى وابن عقيل وغيرهم، فأنكر ذلك عليهم الأكثرون وقالوا هذا ~~مخالفة للحس والعقل فإن حقيقة هذا الحرف هي حقيقة هذا الحرف، وقالوا الحرف ~~حرف ms331 واحد. وصنف في ذلك القاضي يعقوب البرزيني مصنفا خالف به شيخه القاضي ~~أبا يعلى مع قوله في مصنفه، وينبغي أن يعلم أن ما سطرته في هذه المسألة أن ~~ذلك مما استفدته وتفرع عندي من شيخنا وإمامنا القاضي أبي يعلى ابن الفراء، ~~وإن كان قد نصر خلاف ما ذكرته في هذا الباب، فهو العالم المقتدى به في علمه ~~ودينه، فإني ما رأيت أحسن سمتا منه، ولا أكثر اجتهادا منه، ولا تشاغلا ~~بالعلم، مع كثرة العلم والصيانة، والانقطاع عن الناس والزهادة فيما ~~بأيديهم، والقناعة في الدنيا باليسير، مع حسن التجمل، وعظم حشمته عند الخاص ~~والعام، ولم يعدل بهذه الأخلاق شيئا من نفر من الدنيا. # وذكر القاضي يعقوب في مصنفه أن ما قاله قول أبي بكر أحمد بن المسيب ~~الطبري وحكاه عن جماعة من أفضل أهل طبرستان، وأنه سمع الفقيه عبد الوهاب بن ~~حلبة قاضي حران يقول هو مذهب العلوي الحراني وجماعة من أهل # PageV03P066 # حران. # وذكره أبو عبد الله بن حامد عن جماعة من أهل طبرستان ممن ينتمي إلى ~~مذهبنا كأبي محمد الكشفل وإسماعيل الكاوذري في خلق من أتباعهم يقولون إنها ~~قديمة. # قال القاضي أبو يعلى: وكذلك حكي لي عن طائفة بالشام أنها تذهب إلى ذلك ~~منهم النابلسي وغيره، وذكر القاضي حسين أن أباه رجع في آخر عمره إلى هذا. ~~وذكروه عن الشريف أبي علي بن أبي موسى وتبعهم في ذلك الشيخ أبو الفرج ~~المقدسي وابنه عبد الوهاب وسائر أتباعه وأبو الحسن بن الزاغوني وأمثاله. ~~وذكر القاضي يعقوب أن كلام أحمد يحتمل القولين وهؤلاء تعلقوا بقول أحمد لما ~~قيل له أن سريا السقطي قال لما خلق الله الأحرف سجدت له إلا الألف فقالت: ~~لا أسجد حتى أؤمر. فقال أحمد هذا كفر. وهؤلاء تعلقوا من قول أحمد بقوله: كل ~~شيء من المخلوقين على لسان المخلوقين فهو مخلوق، وبقوله: لو كان كذلك لما ~~تمت صلاته بالقرآن كما لا تتم بغيره من كلام الناس، ويقول أحمد لأحمد بن ~~الحسن الترمذي: ألست مخلوقا؟ قال: بلى، قال: أليس ms332 كل شيء منك مخلوقا؟ قال: ~~بلى، قال: فكلامك منك وهو مخلوق. # قلت: الذي قاله أحمد في هذا الباب صواب يصدق بعضه بعضا، وليس في كلامه ~~تناقض، وهو أنكر على من قال أن الله خلق الحروف، فإن من قال أن الحروف ~~مخلوقة كان مضمون قوله إن الله لم يتكلم بقرآن عربي، وأن القرآن العربي ~~مخلوق، ونص أحمد أيضا على أن كلام الآدميين مخلوق، ولم يجعل شيئا منه غير ~~مخلوق، وكل هذا صحيح، والسري رحمه الله إنما ذكر ذلك عن بكر بن خنيس ~~العابد، فكان مقصودهما بذلك أن الذي لا يعبد الله إلا بأمره، هو أكمل ممن ~~يعبده برأيه من غير أمر من الله، واستشهدا على ذلك بما بلغهما أنه لما خلق ~~الله الحروف سجدت له إلا الألف فقالت: لا أسجد حتى أؤمر، وهذا الأثر لا ~~يقوم بمثله حجة في شيء، ولكن مقصودهما ضرب المثل أن # PageV03P067 # الألف منتصبة في الخط ليس هي مضجعة كالباء والتاء، فمن لم يفعل حتى يؤمر ~~أكمل ممن فعل بغير أمر، وأحمد أنكر قول القائل أن الله لما خلق الحروف، ~~وروي عنه أنه قال: من قال إن حرفا من حروف المعجم مخلوق فهو جهمي، لأنه سلك ~~طريقا إلى البدعة، ومن قال إن ذلك مخلوق فقد قال إن القرآن مخلوق. وأحمد قد ~~صرح هو وغيره من الأئمة أن الله لم يزل متكلما إذا شاء، وصرح أن الله يتكلم ~~بمشيئته، ولكن أتباع ابن كلاب كالقاضي وغيره تأولوا كلامه على أنه أراد ~~بذلك إذا شاء الأسماع لأنه عندهم لم يتكلم بمشيئته وقدرته. وصرح أحمد وغيره ~~من السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولم يقل أحد من السلف أن الله ~~تكلم بغير مشيئته وقدرته، ولا قال أحد منهم أن نفس الكلام المعين كالقرآن ~~أو ندائه لموسى أو غير ذلك من كلامه المعين أنه قديم أزلي لم يزل ولا يزال، ~~وأن الله قامت به حروف معينة أو حروف وأصوات معينة قديمة أزلية لم تزل ولا ~~تزال، فإن هذا لم يقله ولا دل ms333 عليه قول أحمد ولا غيره من أئمة المسلمين، بل ~~كلام أحمد وغيره من الأئمة صريح في نقيض هذا، وأن الله يتكلم بمشيئته ~~وقدرته، وأنه لم يزل يتكلم إذا شاء، مع قولهم أن كلام الله غير مخلوق، وأنه ~~منه بدا ليس بمخلوق ابتدأ من غيره، ونصوصهم بذلك كثيرة معروفة في الكتب ~~الثابتة عنهم، مثل ما صنف أبو بكر الخلال في كتاب السنة وغيره، وما صنفه ~~عبد الرحمن بن أبي حاتم من كلام أحمد وغيره، وما صنفه أصحابه وأصحاب أصحابه ~~كابنيه صالح وعبد الله، وحنبل وأبي داود السجستاني صاحب السنن، والأثرم ~~والمروذي وأبي زرعة وأبي حاتم والبخاري صاحب الصحيح وعثمان بن سعيد ~~الدارمي، وإبراهيم الحربي، وعبد الوهاب الوراق وعباس بن عبد العظيم ~~العنبري، وحرب بن إسماعيل الكرماني، ومن لا يحصى عدده من أكابر أهل العلم ~~والدين، وأصحاب أصحابه ممن جمع كلامه واختاره كعبد الرحمن # PageV03P068 # بن أبي حاتم وأبي بكر الخلال، وأبي الحسن البناني الأصهباني وأمثال ~~هؤلاء، ومن كان أيضا يأتم به وبأمثاله من الأئمة في الأصول والفروع كأبي ~~عيسى الترمذي صاحب الجامع وأبي عبد الرحمن النسائي وأمثالهما، ومثل أبي ~~محمد بن قتيبة وأمثاله، وبسط هذا له موضع آخر، وقد ذكرنا في المسائل ~~الطبرستانية والكيلانية بسط مذاهب الناس وكيف تشعبت وتفرعت في هذا الأصل. # والمقصود هنا أن كثيرا من الناس المتأخرين لم يعرفوا حقيقة كلام السلف ~~والأئمة، فمنهم من يعظمهم ويقول إنه متبع لهم مع أنه مخالف لهم من حيث لا ~~يشعر، ومنهم من يظن أنهم كانوا لا يعرفون أصول الدين ولا تقريرها بالدلائل ~~البرهانية وذلك لجهله بعلمهم بل لجهله بما جاء به الرسول من الحق الذي تدل ~~عليه الدلائل العقلية مع السمعية، فلهذا يوجد كثير من المتأخرين يشتركون في ~~أصل فاسد، ثم يفرع كل قوم عليه فروعا فاسدة يلتزمونها كما صرحوا في تكلم ~~الله تعالى بالقرآن العربي وبالتوراة العبرية وما فيهما من حروف الهجاء ~~مؤلفا أو مفردا لما رأوا أن ذلك بلغ بصفات المخلوقين اشتبه بصفات ~~المخلوقين، فلم يهتدوا لموضع الجمع والفرق، ms334 فقال هؤلاء: هذا الذي يقرأ ~~ويسمع مثل كلام المخلوقين فهو مخلوق وقال هؤلاء: هذا الذي من كلام الآدميين ~~هو مثل كلام الله فيكون غير مخلوق، كما ذكر ابن عقيل في كتاب الإرشاد عن ~~بعض القائلين بأن القرآن مخلوق فهو شبهة اعترض بها على بعض أئمتهم فقال: ~~أقل ما في القرآن من إمارات الحدث كونه مشبها لكلامنا، والقديم لا يشبه ~~المحدث، ومعلوم أنه لا يمكن دفع ذلك، لأن قول القائل لغلامه يحيى: يا يحيى ~~خذ الكتاب بقوة، يضاهي قوله سبحانه، حتى لا يميز السامع بينهما من حيث حسه، ~~إلا أن يخبره أحدهما بقصده والآخر بقصده، فيميز بينهما بخبر القائل لا ~~بحسه، وإذا اشتبها إلى هذا الحد فكيف يجوز دعوى قدم ما يشابه المحدث ويسد ~~مسده، مع أنه إن جاز دعوى # PageV03P069 # قدم الكلام مع كونه مشاهدا للمحدث جاز دعوى التشبيه بظواهر الآي ~~والأخبار، ولا مانع من ذلك، فلما فزعنا نحن وأنتم إلى نفي التشبيه خوفا من ~~جواب دخول القرآن بالحدث علينا، كذلك يجب أن تفزعوا من القول بالقدم مع ~~وجود الشبه، حتى إن بعض أصحابكم يقول لقوة ما رأى من الشبه بينهما أن ~~الكلام واحد والحروف غير مخلوقة، فكيف يجوز أن يقال في الشيء الواحد إنه ~~قديم محدث. # قلت: وهذا الذي حكى عنه ابن عقيل من بعض الأصحاب المذكورين منهم القاضي ~~يعقوب البرزيني ذكره في مصنفه فقال: دليل عاشر، وهو أن هذه الحروف بعينها ~~وصفتها ومعناها وفائدتها هي التي في كتاب الله تعالى وفي أسمائه وصفاته ~~والكتاب بحروفه قديم، وكذلك ها هنا، قال: فإن قيل لا نسلم أن تلك لها حرمة ~~وهذه لا حرمة لها، قيل: لا نسلم بل لها حرمة. # فإن قيل: لو كان لها حرمة لوجب أن تمنع الحائض والنفساء من مسها ~~وقراءتها، قيل: قد لا تمنع من قراءتها ومسها ويكون لها حرمة كبعض آية لا ~~تمنع من قراءتها ولها حرمة وهي قديمة، وإنما لم تمنع قراءتها ومسها للحاجة ~~إلى تعليمها كما يقال في الصبي يجوز له مس المصحف على ms335 غير طهارة للحاجة إلى ~~تعليمه. # فإن قيل: فيجب إذا حلف بها حالف أن ينعقد يمينه وإذا خالف يمينه أن يحنث، ~~قيل له: كما في حروف القرآن مثله نقول هنا. # فإن قيل: أليس إذا وافقها في هذه المعاني دل على أنها هي، ألا ترى أنه ~~إذا تكلم متكلم بكلمة يقصد بها خطاب آدمي فوافق صفتها صفة ما في كتاب الله ~~تعالى مثل قوله: يا داود، يا نوح، يا يحيى، وغير ذلك فإنه موافق لهذه ~~الأسماء التي في كتاب الله وإن كانت في كتاب الله قديمة وفي خطاب الآدمي ~~محدثة؟ قيل: كل ما كان موافقا لكتاب الله من الكلام في لفظه ونظمه وحروفه ~~فهو من كتاب الله وإن قصد به خطاب آدمي. # PageV03P070 # فإن قيل: فيجب إذا أراد بهذه الأسماء آدميا وهو في الصلاة أن لا تبطل ~~صلاته، قيل له: كذلك نقول قد ورد ذلك عن علي وغيره إذ ناداه رجل من الخوارج ~~" لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " قال فأجابه علي وهو في ~~الصلاة " فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخلفنك الذين لا يوقنون " وعن ابن ~~مسعود أنه استأذن عليه بعض أصحابه فقال: " ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ". # قال: فإن قيل أليس إذا قال: " يا يحيى خذ الكتاب بقوة " ونوى به خطاب ~~غلام اسمه يحيى يكون الخطاب مخلوقا؟ وإن نوى به القرآن يكون قديما، قيل له: ~~في كلا الحالين يكون قديما لأن القديم عبارة عما كان موجودا فيما لم يزل، ~~والمحدث عبارة عما حدث بعد أن لم يكن، والنية لا تجعل المحدث قديما ولا ~~القديم محدثا، قال: ومن قال هذا فقد بالغ في الجهل والخطأ. # وقال أيضا: كل شيء يشبه بشيء ما فإنما يشبهه في بعض الأشياء دون بعض ولا ~~يشبهه من جميع أحواله لأنه إذا كان مثله في جميع أحواله كان هو لا غيره، ~~وقد بينا أن هذه الحروف تشبه حروف القرآن فهي غيرها. # قلت: هذا كلام القاضي يعقوب وأمثاله مع أنه أجل من تكلم في هذه المسألة ~~ولما ms336 كان جوابه مشتملا على ما يخالف النص والإجماع والعقل خالفه ابن عقيل ~~وغيره من أئمة المذهب الذين هم أعلم به. # وأجاب ابن عقيل عن سؤال الذين قالوا هذا مثل هذا بأن قال: الاشتراك في ~~الحقيقة لا يدل على الاشتراك في الحدوث، كما أن كونه عالما هو تبينه للشيء ~~على أصلكم، ومعرفته به على قولنا على الوجه الذي يبينه الواحد منا، وليس ~~مماثلا لنا في كوننا عالمين، وكذلك كونه قادرا هو صحة الفعل منه سبحانه ~~وتعالى، وليس قدرته على الوجه الذي قدرنا عليها، فليس الاشتراك في الحقيقة ~~حاصلا، والافتراق في القدم والحدوث حاصل. # PageV03P071 # قال: وجواب آخر، لا نقول إن الله يتكلم بكلامه على الوجه الذي يتكلم به ~~زيد، بمعنى أنه يقول يا يحيى فإذا فرغ من ذلك انتقل إلى قوله خذ الكتاب ~~بقوة وترتب في الوجود كذلك، بل هو سبحانه وتعالى يتكلم به على وجه تعجز عن ~~مثله أدواتنا، فما ذكرته من الاشتباه من قول القائل: يا يحيى خذ الكتاب، ~~يعود إلى اشتباه التلاوة بالكلام المحدث، فأما أنه شابه الكلام القائم ~~بذاته فلا. # قال ابن عقيل: قالوا فهذا لا يجيء على مذهبكم، فإن عندكم التلاوة هي ~~المتلو والقراءة هي المقروء، قيل: ليس معنى قولنا هي المتلو أنها هذه ~~الأصوات المقطعة وإنما نريد به ما يظهر من الحروف القديمة في الأصوات ~~المحدثة، وظهورها في المحدث لا بد أن يكسبها صفة التقطيع لاختلاف الأنفاس ~~وإدارة اللهوات، لأن الآلة التي تظهر عليها لا تحمل الكلام إلا على وجه ~~التقطيع، وكلام الباري قائم بذاته على خلاف هذا التقطيع والابتداء ~~والانتهاء والتكرار والبعدية والقبلية، ومن قال ذلك لم يعرف حد القديم ~~وادعى قدم الأعراض وتقطع القديم، وتقطع القديم عرض لا يقوم بقديم، ومن ~~اعتقد أن كلام الله القائم بذاته على حد تلاوة التالي من القطع والوصل ~~والتقريب والتبعيد والبعدية والقبلية فقد شبه الله بخلقه، ولهذا روي في ~~الخير أن موسى سأله بنو إسرائيل: كيف سمعت كلام ربك؟ قال: كالرعد الذي لا ~~يراجع، يعني ينقطع لعدم قطع ms337 الأنفاس وعدم الأنفاس والآلات والشفاه واللهوات ~~ومن قال غير ذلك وتوهم أن الله تكلم على لسان التالي أو الكلام الذي قام ~~بذاته على هذه الصفة من التقطيع والتقريب والتبعيد فقد حكم به محدثا لأن ~~الدلالة على حدوث العالم هو الاجتماع والافتراق، ولأن هذه من صفات الأدوات. # قلت: فهذا الذي قاله ابن عقيل أقل خطأ مما قاله البرزيني، فإن ذلك مخالف ~~للنص والإجماع والعقل مخالفة ظاهرة، فإنه قد ثبت بالنص والإجماع أن من تكلم ~~في الصلاة بكلام الآدميين عامدا لغير مصلحتها عالما بالتحريم بطلت صلاته # PageV03P072 # بالإجماع خلاف ما ذكره القاضي يعقوب، ومتى قصد به بالتلاوة لم تبطل ~~بالإجماع وإن قصد به التلاوة والخطاب ففيه نزاع، وظاهر مذهب أحمد لا تبطل ~~كمذهب الشافعي وغيره، وقيل تبطل كقول أبي حنيفة وغيره. وما ذكروه عن ~~الصحابة حجة عليهم، فإن قال علي بن أبي طالب " فاصبر إن وعد الله حق ولا ~~يستخفنك الذين لا يوقنون " هو كلام الله ولم يقصد علي أن يقول للخارجي ولا ~~يستخفنك الخوارج وإنما قصد أن يسمعه الآية وأنه عامل بها صابر لا يستخفه ~~الذين لا يوقنون، وابن مسعود قال لهم وهو بالكوفة " ادخلوا مصر إن شاء الله ~~آمنين " ومعلوم أن مصر بلا تنوين هي مصر المدينة وهذه لم تكن بالكوفة، وابن ~~مسعود إنما كان بالكوفة فعلم أنه قصد تلاوة الآية وقصد مع ذلك تنبيه ~~الحاضرين على الدخول فإنهم سمعوا قوله ادخلوا، فعلموا أنه أذن لهم في ~~الدخول، وإن كان هو تلا الآية فهذا هذا. # وأما جواب ابن عقيل فبناه على أصل ابن كلاب الذي يعتقده هو وشيخه وغيرهما ~~وهو الأصل الذي وافقوه فيه ابن كلاب ومن اتبعه كالأشعري وغيره وهو أن الله ~~لا يتكلم بمشيئته وقدرته وأنه ليس فيما يقوم به شيء يكون بمشيئته وقدرته ~~لامتناع قيام الأمور الاختيارية عندهم لأنها حادثة والله لا يقوم به حادث ~~عندهم، ولهذا تأولوا النصوص المناقضة لهذا الأصل، كقوله تعالى: " وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " فإن هذا يقتضي أنه سيرى ~~الأعمال في ms338 المستقبل وكذلك قوله: " ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ~~لننظر كيف تعملون " وقوله " اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله " وكذلك قوله: ~~" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " فإن هذا يقتضي أنه يحبهم ~~بعد إتباع الرسول، وكذلك قوله تعالى: " ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم " فإن هذا يقتضي أنه قال لهم بعد خلق آدم وكذلك قوله ~~تعالى: " فلما أتاها نودي " يقتضي أنه نودي # PageV03P073 # لما أتاها، لم يناد قبل ذلك، وكذلك قوله: " إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون " ومثل هذا في القرآن كثير. # وهذا الأصل هو مما أنكره الإمام أحمد على ابن كلاب وأصحابه حتى على ~~الحارث المحاسبي مع جلالة قدر الحارث، وأمر أحمد بهجره وهجر الكلابية، ~~وقال: احذروا من حارث، الآفة كلها من حارث، فمات الحارث وما صلى عليه إلا ~~نفر قليل بسبب تحذير الإمام أحمد عنه، مع أن فيه من العلم والدين ما هو ~~أفضل من عامة من وافق ابن كلاب على هذا الأصل، وقد قيل أن الحارث رجع عن ~~ذلك وأقر بأن الله يتكلم بصوت كما حكى عنه ذلك صاحب: التعرف لمذهب التصوف، ~~أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي. # وكثير من المتأخرين من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وافقوا ابن ~~كلاب على هذا الأصل، كما قد بسط الكلام على ذلك في مواضع أخر. # واختلف كلام ابن عقيل في هذا الأصل، فتارة يقول بقول ابن كلاب وتارة يقول ~~بمذهب السلف وأهل الحديث أن الله تقوم به الأمور الاختيارية، ويقول أنه قام ~~به بأبصار متجددة حين تجدد المرئيات لم تكن قبل ذلك، وقام به علم بأن كل ~~شيء وجد غير العلم الذي كان أولا أنه سيوجد، كما دل على ذلك عدة آيات في ~~القرآن كقوله تعالى " لنعلم من يتبع الرسول " وغير ذلك، وكلامه في هذا ~~الأصل وغيره يختلف، تارة هذا وتارة يقول هذا، فإن هذه المواضع مواضع مشكلة ~~كثر فيها غلط الناس لما فيها من الاشتباه والالتباس. # والجواب الحق أن كلام ms339 الله لا يماثل كلام المخلوقين، كما لا يماثل في شيء ~~من صفاته صفات المخلوقين، وقول القائل أن الاشتراك في الحقيقة لا يدل على ~~الاشتراك في الحدوث لفظ مجمل، فإنا إذا قلنا: لله علم ولنا علم، أو له قدرة ~~ولنا قدرة، أو له كلام ولنا كلام، أو تكلم بصوت ونحن نتكلم بصوت، وقلنا صفة ~~الخالق # PageV03P074 # وصفة المخلوق اشتركتا في الحقيقة - فإن أريد بذلك أن حقيقتهما واحدة ~~بالعين فهذا مخالف للحس والعقل والشرع، وإن أريد بذلك أن هذه مماثلة لهذه ~~في الحقيقة وإنما اختلفتا في الصفات العرضية، كما قال ذلك طائفة من أهل ~~الكلام - وقد بين فساد ذلك في الكلام على الأربعين للرازي وغير ذلك - فهذا ~~أيضا من أبطل الباطل، وذلك يستلزم أن تكون حقيقة ذات الباري عز وجل مماثلة ~~الحقيقة ذوات المخلوقين. # وإن أريد بذلك أنهما اشتركا في مسمى العلم والقدرة والكلام فهذا صحيح، ~~كما أنه إذا قيل إنه موجود أو أن له ذاتا فقد اشتركا في مسمى الوجود ~~والذات، لكن هذا المشترك أمر كلي لا يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان (1) ~~فليس في الخارج شيء اشترك فيه مخلوقان كاشتراك الجزئيات في كلياتها بخلاف ~~اشتراك الأجزاء في الكل فإنه يجب الفرق بين قسمة الكلي إلى جزئياته كقسمة ~~الحيوان إلى ناطق وغير ناطق، وقسمة الإنسان إلى مسلم وكافر، وقسمة الاسم ~~إلى معرب ومبني، وقسمة الكل إلى أجزائه كقسمة العقار بين الشركاء وقسمة ~~الكلام إلى اسم وفعل وحرف، ففي الأول إنما اشتركت الأقسام في أمر كلي فضلا ~~عن أن يكون الخالق والمخلوقون مشتركين في شيء موجود في الخارج وليس في ~~الخارج صفة لله يماثل بها صفة المخلوق، بل كل ما يوصف به الرب تعالى فهو ~~مخالف بالحد والحقيقة لما يوصف به المخلوق أعظم مما يخالف المخلوق المخلوق، ~~وإذا كان المخلوق مخالفا بذاته وصفاته لبعض المخلوقات في الحد والحقيقة ~~PageV03P075 # فمخالفة الخالق لكل مخلوق في الحقيقة أعظم من مخالفة أي مخلوق فرض لأي ~~مخلوق فرض، ولكن علمه ثبت له حقيقة العلم ولقدرته حقيقة القدرة ms340 ولكلامه ~~حقيقة الكلام كما ثبت لذاته حقيقة الذاتية ولوجوده حقيقة الوجود، وهو أحق ~~بأن تثبت له صفات الكمال على الحقيقة من كل ما سواه، فهذا هو المراد ~~بقولنا: علمه علم المخلوق في الحقيقة، فليس ما يسمع من العباد من أصواتهم ~~مشابها ولا مماثلا لما سمعه موسى من صوته إلا كما يشبه ويماثل غير ذلك من ~~صفاته لصفات المخلوقين، فهذا في نفس تكلمه سبحانه وتعالى بالقرآن، والقرآن ~~عند الإمام أحمد وسائر أئمة السنة كلامه تكلم به وتكلم بالقرآن العربي بصوت ~~نفسه وكلم موسى بصوت نفسه الذي لا يماثل شيئا من أصوات العباد، ثم إذا ~~قرأنا القرآن فإنما نقرأه بأصواتنا المخلوقة التي لا تماثل صوت الرب، ~~فالقرآن الذي نقرأه هو كلام الله مبلغا عنه لا مسموعا منه، وإنما نقرأه ~~بحركاتنا وأصواتنا، الكلام كلام البارئ، والصوت صوت القارئ، كما دل على ذلك ~~الكتاب والسنة مع العقل، قال الله تعالى: " وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " زينوا القرآن بأصواتكم ". # وقال الإمام أحمد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من لم يتغن ~~بالقرآن " قال: يزينه ويحسنه بصوته كما قال: " زينوا القرآن بأصواتكم " فنص ~~أحمد على ما جاء به الكتاب والسنة أنا نقرأ القرآن بأصواتنا والقرآن كلام ~~الله كله لفظه ومعناه، سمعه جبريل من الله وبلغه إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم وسمعه محمد منه، وبلغه محمد إلى الخلق، والخلق يبلغه بعضهم إلى بعض ~~ويسمعه بعضهم من بعض، ومعلوم أنهم إذا سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~وغيره فبلغوه عنه كما قال: " نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه " ~~فهم سمعوا اللفظ من الرسول بصوت نفسه بالحروف التي تكلم بها وبلغوا لفظه ~~بأصوات أنفسهم، وقد علم الفرق بين من يروي الحديث # PageV03P076 # بالمعنى لا باللفظ واللفظ المبلغ لفظ الرسول وهو كلام الرسول، فإن كان ~~صوت المبلغ ليس صوت الرسول وليس ما قام بالرسول من الصفات والأعراض فارقته ~~وما ms341 قامت بغيره، بل ولا تقوم الصفة والعرض بغير محله، وإذا كان هذا معقولا ~~في صفات المخلوقين فصفات الخالق أولى بكل صفة كمال وأبعد عن كل صفة نقص، ~~والتباين الذي بين صفة الخالق والمخلوق أعظم من التباين الذي بين صفة مخلوق ~~ومخلوق، وامتناع الاتحاد والحلول بالذات للخالق وصفاته في المخلوق عظم من ~~الاتحاد والحلول بالذات للمخلوق وصفاته في المخلوق، وهذه جمل قد بسطت في ~~مواضع أخر. # هذا مع أن احتجاج الجهمية والمعتزلة بأن كلام المخلوق بقوله " يا يحيى خذ ~~الكتاب بقوة " مثل كلام الخالق غلط باتفاق الناس حتى عندهم، فإن الذين ~~يقولون هو مخلوق يقولون أنه خلقه في بعض الأجسام أما الهواء أو غيره، كما ~~يقولون أنه خلق الكلام في نفس الشجرة فسمعه موسى، ومعلوم أن تلك الحروف ~~والأصوات التي خلقها الله ليست مماثلة لما يسمع من العبد وتلك هي كلام الله ~~المسموع منه عندهم، كما أن أهل السنة يقولون الذي تكلم هو الله بمشيئته ~~وليس ذلك مماثلا لصوت العبد، وأما القائلون بعدم الكلام المعين سواء كان ~~معنى أو حروفا أو أصواتا فيقولون خلق لموسى إدراكا أدرك به ذلك القديم، ~~وبكل حال فكلام المتكلم إذا سمع من المبلغ عنه (1) فكيف يكون ذلك في كلام ~~الله تعالى. PageV03P077 # فيجب على الإنسان في مسألة الكلام أن يتحرى أصلين: أحدهما تكلم الله ~~بالقرآن وغيره، هل تكلم به بمشيئته وقدرته أم لا؟ وهل تكلم بكلام قائم ~~بذاته أم خلقه في غيره؟ والثاني بتبليغ ذلك الكلام عن الله وأنه ليس مما ~~يتصف به الثاني وإن كان المقصود بالتبليغ الكلام المبلغ، وبسط هذا له موضع ~~آخر. # وأيضا فهذان المتنازعان إذا قال أحدهما إنها قديمة وليس لها مبتدأ وشكلها ~~ونقطها محدث، وقال الآخر: إنها ليست بكلام الله وإنها مخلوقة بشكلها ~~ونقطها، قد يفهم من هذا أنهما أرادا بالحروف الحروف المكتوبة دون المنطوقة، ~~والحروف المكتوبة قد تنازع الناس في شكلها ونقطها، فإن الصحابة لما كتبوا ~~المصاحف كتبوها غير مشكولة ولا منقوطة لأنهم إنما كانوا يعتمدون في القرآن ~~على حفظه في ms342 صدورهم لا على المصاحف، وهو منقول بالتواتر محفوظ في الصدور، ~~ولو عدمت المصاحف لم يكن للمسلمين بها حاجة، فإن المسلمين ليسوا كأهل ~~الكتاب الذين يعتمدون على الكتب التي تقبل التغير، والله أنزل القرآن على ~~محمد فتلقاه تلقيا وحفظه في قلبه، لم ينزله مكتوبا كالتوراة، وأنزله منجما ~~مفرقا ليحفظ فلا يحتاج إلى كتاب، كما قال تعالى: " وقالوا لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة " الآية، وقال تعالى: " وقرآنا فرقناه " الآية، وقال ~~تعالى: " ولا تعجل بالقرآن " الآية. وقال تعالى: " إن علينا جمعه وقرآنه " ~~الآية وفي الصحيح عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من ~~التنزيل شدة، وكان يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: أنا أحركهما لك كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يحركهما؛ فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى: " لا تحرك ~~به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه " قال جمعه في صدرك ثم تقرأه " ~~فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " قال: فاستمع له وأنصت " ثم إن علينا بيانه " أي ~~نبينه بلسانك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل استمع فإذا ~~انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأه، فلهذا لم تكن ~~الصحابة ينقطون # PageV03P078 # المصاحف ويشكلونها، وأيضا كانوا عربا لا يلحنون فلم يحتاجوا إلى تقييدها ~~بالنقط، وكان في اللفظ الواحد قراءتان يقرأ بالياء والتاء مثل: يعملون، ~~وتعملون، فلم يقيدوه بأحدهما ليمنعوه من الآخرة، ثم إنه في زمن التابعين ~~لما حدث اللحن صار بعض التابعين يشكل المصاحف وينقطها، وكانوا يعلمون ذلك ~~بالحمرة، ويعملون الفتح بنقطة حمراء فوق الحرف، والكسرة بنقطة حمراء تحته، ~~والضمة بنقطة حمراء أمامه، ثم مدوا النقطة وصاروا يعملون الشدة بقولك شد، ~~ويعملون المدة بقولك مد، وجعلوا علامة الهمزة تشبه العين لأن الهمزة أخت ~~العين، ثم خففوا ذلك حتى صارت علامة الشدة مثل رأس السين، وعلامة المدة ~~مختصرة كما يختصر أهل الديوان ألفاظ العدد وغير ذلك، وكما يختصر المحدثون ~~أخبرنا وحدثنا فيكتبون أول اللفظ وآخره على شكل أنا وعلى شكل ثنا. # وتنازع العلماء هل يكره تشكيل المصاحف ms343 وتنقيطها؟ على قولين معروفين وهما ~~روايتان عن الإمام أحمد، لكن لا نزاع بينهم أن المصحف إذا شكل ونقط وجب ~~احترام الشكل والنقط كما يجب احترام الحرف ولا تنازع بينهم أن مداد النقطة ~~والشكل مخلوق كما أن مداد الحرف مخلوق، ولا نزاع بينهم أن الشكل يدل على ~~الإعراب والنقط يدل على الحروف وأن الإعراب من تمام الكلام العربي ويروى عن ~~أبي بكر وعمر أنهما قالا: حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه، ~~ولا ريب أن النقطة والشكلة بمجردهما لا حكم لهما ولا حرمة ولا ينبغي أن ~~يجرد الكلام فيهما، ولا ريب أن إعراب القرآن العربي من تمامه ويجب الاعتناء ~~بإعرابه، والشكل يبين إعرابه كما تبين الحروف المكتوبة للحرف المنطوق، كذلك ~~يبين الشكل المكتوب للإعراب المنطوق. # فهذه المسائل إذا تصورها الناس على وجهها تصورا تاما ظهر لهم الصواب، ~~وقلت الأهواء والعصبيات، وعرفوا موارد النزاع، فمن تبين له الحق في شيء من # PageV03P079 # ذلك اتبعه ومن خفي عليه توقف حتى يبينه الله له، وينبغي له أن يستعين على ~~ذلك بالدعاء لله، ومن أحسن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول: " اللهم رب جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين ~~عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي ~~من تشاء إلى صراط مستقيم ". # وأقول: القائل الآخر كلامه كتب بها يقتضي أنه أراد بالحروف ما يتناول ~~المنطوق والمكتوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من قرأ القرآن فله ~~بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم ~~حرف ". قال الترمذي: حديث صحيح. فهنا لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالحرف نفس المداد وشكل المداد وإنما أراد الحرف المنطوق، وفي مراده بالحرف ~~قولان: قيل هذا اللفظ المفرد، وقيل أراد صلى الله عليه وسلم بالحرف الاسم ~~كما قال ألف حرف ولام حرف ms344 وميم حرف. # ولفظ الحرف والكلمة له في لغة العرب التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يتكلم بها معنى، وله في اصطلاح النحاة معنى، فالكلمة في لغتهم هي الجملة ~~التامة، الجملة الاسمية أو الفعلية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث المتفق على صحته: " كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، ~~حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل ~~شيء ما خلا الله باطل ". وقال " إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما ~~يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب له بها رضوان الله إلى يوم القيامة، وأن العبد ~~ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب له بها سخطه إلى ~~يوم القيامة " وقال لأم المؤمنين (1) : " لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت ~~بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله PageV03P080 # عدد خلقه، سبحان الله رضاء نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد ~~كلماته ". # ومنه قوله تعالى: " كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ". ~~وقوله: " وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ". # وقوله تعالى: " يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا ~~نعبد إلا الله " وقوله: " وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون " وقوله: ~~" وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ". # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو ~~في سبيل الله " ونظائره كثيرة، ولا يوجد قط في الكتاب والسنة وكلام العرب ~~لفظ كلمة إلا والمراد به الجملة التامة، فكثير من النحاة أو أكثرهم لا ~~يعرفون ذلك بل يظنون أن اصطلاحهم في مسمى الكلمة ينقسم إلى اسم وفعل وحرف ~~هو لغة العرب، والفاضل منهم (1) يقول: وكلمة بها كلام قد يؤم، ويقولون: ~~العرب قد تستعمل الكلمة في الجملة التامة وتستعملها في المفرد، وهذا غلط لا ~~يوجد قط في كلام العرب لفظ الكلمة إلا للجملة التامة. # ومثل هذا اصطلاح ms345 المتكلمين على أن القديم هو ما لا أول لوجوده أو ما لم ~~يسبقه عدم، ثم يقول بعضهم وقد يستعمل القديم في المتقدم على غيره سواء كان ~~أزليا أو لم يكن كما قال تعالى: " حتى عاد كالعرجون القديم " وقال: " وإذ ~~لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم " وقوله تعالى: " قالوا تالله إنك لفي ~~ضلالك القديم " وقال: " أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون " ~~وتخصيص القديم بالأول عرف اصطلاحي، ولا ريب أنه أولى بالقدم في لغة العرب، ~~ولهذا كان لفظ المحدث في لغة العرب بإزاء القديم، قال تعالى: " ما يأتيهم ~~من ذكر ربهم محدث " وهذا يقتضي أن الذي نزل قبله ليس بمحدث بل متقدم، وهذا ~~موافق للغة العرب الذي نزل بها القرآن ونظير هذا PageV03P081 # لفظ القضاء فإنه في كلام الله وكلام الرسول المراد به إتمام العبادة وإن ~~كان ذلك في وقتها كما قال تعالى: " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ~~وابتغوا من فضل الله " وقوله " فإذا قضيتم مناسككم " ثم اصطلح طائفة من ~~الفقهاء فجعلوا لفظ القضاء مختصا بفعلها في غير وقتها، ولفظ الأداء مختصا ~~بما يفعل في الوقت، وهذا التفريق لا يعرف قط في كلام الرسول، ثم يقولون قد ~~يستعمل لفظ القضاء في الأداء فيجعلون اللغة التي نزل القرآن بها من النادر، ~~ولهذا يتنازعون في مراد النبي صلى الله عليه وسلم: " فما أدركتم فصلوا وما ~~فاتكم فاقضوا " وفي لفظ " فأتموا " فيظنون أن بين اللفظين خلافا وليس الأمر ~~كذلك بل قوله " فاقضوا " كقوله " فأتموا " لم يرد بأحدهما الفعل بعد الوقت، ~~بل لا يوجد في كلام الشارع أمر بالعبادة في غير وقتها، لكن الوقت وقتان: ~~وقت عام ووقت خاص لأهل الأعذار كالنائم والناسي إذا صليا بعد الاستيقاظ ~~والذكر فإنما صليا في الوقت الذي أمر الله به، وأن هذا ليس وقتا في حق ~~غيرهما. # ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله أن ينشأ الرجل على اصطلاح ~~حادث فيريد أن يفسر كلام الله بذلك الاصطلاح ويحمله على تلك اللغة التي ~~اعتادها، وما ذكر في ms346 مسمى الكلام مما ذكره سيبويه في كتابه عن العرب فقال: ~~واعلم إن قلت في كلام العرب إنما وقعت على أن تحكي وإنما تحكي بعد القول ما ~~كان كلاما قولا وإلا فلا يوجد قط لفظ الكلام والكلمة إلا للجملة التامة في ~~كلام العرب، ولفظ الحرف يراد به الاسم والفعل وحروف المعاني واسم حروف ~~الهجاء، ولهذا سأل الخليل أصحابه: كيف تنطقون بالزاي من زيد؟ فقالوا: زاي ~~فقال: نطقتم بالاسم، والحرف زه (1) فبين الخليل أن هذه التي تسمى حروف ~~الهجاء هي أسماء. PageV03P082 # وكثيرا ما يوجد في كلام المتقدمين هذا حرف من الغريب يعبرون بذلك عن ~~الاسم التام، فقوله صلى الله عليه وسلم: " فله بكل حرف مثله " بقوله (1) " ~~ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " وعلى نهج ذلك، وذلك حرف والكتاب حرف ونحو ~~ذلك وقد قيل إن ذلك أحرف والكتاب أحرف وروي ذلك مفسرا في بعض الطرق، ~~والنحاة اصطلحوا خاصا فجعلوا لفظ الكلمة يراد به الاسم أو الفعل أو الحرف ~~الذي هو من حروف المعاني، لأن سيبويه قال في أول كتابه: الكلام اسم وفعل ~~وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، فجعل هذا حرفا خاصا، وهو الحرف الذي جاء ~~لمعنى ليس باسم ولا فعل، لأن سيبويه كان حديث العهد بلغة العرب، وقد عرف ~~أنهم يسمون الاسم أو الفعل حرفا، فقيد كلامه بأن قال: وقسموا الكلام إلى ~~اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، وأراد سيبويه أن الكلام ينقسم ~~إلى ذلك قسمة الكل إلى أجزائه لا قسمة الكلي إلى جزئياته كما يقول الفقهاء ~~بأن القسمة كما يقسم العقار والمنقول بين الورثة فيعطى هؤلاء قسم غير قسم ~~هؤلاء، كذلك الكلام هو مؤلف من الأسماء والأفعال وحروف المعاني فهو مقسوم ~~إليها، وهذا التقسيم غير تقسيم الجنس إلى أنواعه كما يقال الاسم ينقسم إلى ~~معرب ومبني. # وجاء الجزولي وغيره فاعترضوا على النحاة في هذا ولم يفهموا كلامهم فقالوا ~~كل جنس قسم إلى أنواعه أو أشخاص أنواعه، فاسم المقسوم صادق على الأنواع ~~والأشخاص وإلا فليست أقساما له، ms347 وأراد بذلك الاعتراض على قول الزجاج: ~~الكلام اسم وفعل وحرف، والذي ذكره الزجاج هو الذي ذكره سيبويه وسائر أئمة ~~النحاة وأرادوا بذلك القسمة الأولى المعروفة وهي قسمة الأمور الموجودة إلى ~~أجزائها كما يقسم العقار والمال، ولم يريدوا بذلك قسمة الكليات التي لا ~~توجد كليات إلا في الذهن، كقسمة الحيوان إلى ناطق وبهيم، وقسمة الاسم إلى ~~المعرب والمبني، فإن المقسم هنا هو معنى عقلي كلي لا يكون كليا إلا في ~~الذهن. PageV03P083 # فصل: ولفظ الحرف يراد به حروف المعاني التي هي قسيمة الأسماء والأفعال، ~~مثل حروف الجر والجزم، وحرفي التنفيس، والحروف المشبهة للأفعال مثل إن ~~وأخواتها، وهذه الحروف لها أقسام معروفة في كتب العربية كما يقسمونها بحسب ~~الإعراب إلى ما يختص بالأسماء وإلى ما يختص بالأفعال، ويقولون ما اختص بأحد ~~النوعين ولم يكن كالجزء منه كان عاملا كما تعمل حروف الجر وإن وأخواتها في ~~الأسماء، وكما تعمل النواصب والجوازم في الأفعال، بخلاف حرف التعريف وحرفي ~~التنفيس كالسين وسوف فإنهما لا يعملان لأنهما كالجزء من الكلمة، ويقولون ~~كان القياس في " ما " أنها لا تعمل لأنها تدخل على الجمل الاسمية والفعلية، ~~ولكن أهل الحجاز أعملوها لمشابهتها لليس وبلغتهم جاء القرآن في قوله " ما ~~هذا بشرا - ما هن أمهاتهم " ويقسمون الحروف باعتبار معانيها إلى حروف ~~استفهام وحروف نفي وحروف تحضيض وغير ذلك، ويقسمونها باعتبار بنيتها كما ~~تقسم الأفعال والأسماء إلى مفرد وثنائي وثلاثي ورباعي وخماسي، فاسم الحرف ~~هنا منقول عن اللغة إلى عرف النحاة بالتخصيص، وإلا فلفظ الحرف في اللغة ~~يتناول الأسماء والحروف والأفعال، وحروف الهجاء تسمى حروفا وهي أسماء ~~كالحروف المذكورة في أوائل السور لأن مسماها هو الحرف الذي هو حرف الكلمة. # وتقسيم تقسيما آخر إلى حروف حلقية وشفهية والمذكورة في أوائل السور في ~~القرآن هي نصف الحروف واشتملت من كل صنف على أشرف نصفيه: على نصف الحلقية ~~والشفهية والمطبقة والمصمتة، وغير ذلك من أجناس الحروف. # فإن لفظ الحرف أصله في اللغة هو الحد والطرف كما يقال حروف الرغيف وحروف ~~الجبل، قال الجوهري: حرف ms348 كل شيء طرفه وشفيره وحده، ومنه # PageV03P084 # حرف الحبل وهو أعلاه المحدد، ومنه قوله تعالى: " ومن الناس من يعبد الله ~~على حرف - إلى قوله - والآخرة " فإن طرف الشيء إذا كان الإنسان عليه لم يكن ~~مستقرا فلهذا كان من عبد الله على السراء دون الضراء عابدا له على حرف تارة ~~يظهره وتارة ينقلب على وجهه كالواقف على حرف الجبل، فسميت حروف الكلام ~~حروفا لأنها طرف الكلام وحده ومنتهاه، إذا كان مبدأ الكلام من نفس المتكلم ~~ومنتهاه حده وحرفه القائم بشفتيه ولسانه، ولهذا قال تعالى: " ألم نجعل له ~~عينين ولسانا وشفتين " فلفظ الحرف يراد به هذا وهذا وهذا. # ثم إذا كتب الكلام في المصحف سموا ذلك حرفا فيراد بالحرف الشكل المخصوص ~~ولكلامه شكل مخصوص هي خطوطهم التي يكتبون بها كلامهم ويراد به المادة ويراد ~~به مجموعهما، وهذه الحروف المكتوبة تطابق الحروف المنطوقة وتبينها وتدل ~~عليها فسميت بأسمائها إذ كان الإنسان يكتب اللفظ بقلمه، ولهذا كان أول ما ~~أنزل الله على نبيه " اقرأ باسم ربك الذي خلق - إلى قوله - ما لم يعلم " ~~فبين سبحانه في أول ما أنزله أنه سبحانه هو الخالق الهادي الذي خلق فسوى، ~~والذي قدر فهدى، كما قال موسى " ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى " ~~فالخالق يتناول كل ما سواه من المخلوقات ثم خص الإنسان فقال: " خلق الإنسان ~~من علق " ثم ذكر إنه علم فإن الهدى والتعليم هو كمال المخلوقات. # والعلم له ثلاث مراتب: علم بالجنان، وعبارة باللسان، وخط بالبنان (1) ، ~~ولهذا قيل إن لكل شيء أربع وجودات: وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي، وجود في ~~الأعيان، ووجود في الأذهان، واللسان والبنان، لكن الوجود العيني هو وجود ~~الموجودات PageV03P085 # في أنفسها والله خالق كل شيء، وأما الذهني الجناني فهو العلم بها الذي في ~~القلوب، والعبارة عن ذلك هو اللساني، وكتابة ذلك هو الرسمي البناني، وتعليم ~~الخط يستلزم تعليم العبارة واللفظ وذلك يستلزم تعليم العلم فقال: " علم ~~بالقلم " لأن التعليم بالقلم يستلزم المراتب الثلاث، وأطلق التعليم ثم خص ~~فقال " علم الإنسان ما لم ms349 يعلم " وقد تنازع الناس في وجود كل شيء، هل هو ~~عين ماهيته أم لا، وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وبين أن ~~الصواب من ذلك أنه قد يراد بالوجود ما هو ثابت في الأعيان، ليس ما هو ~~ماهيتها المتصورة في الأذهان، لكن الله خلق الموجود الثابت في الأعيان وعلم ~~الماهيات المتصورة في الأذهان، كما أنزل بيان ذلك في أول سورة أنزلها من ~~القرآن، وقد يراد بالوجوه والماهية كليهما ما هو متحقق في الأعيان، وما هو ~~متحقق في الأذهان، فإذا أريد بهذا وهذا ما هو متحقق في الأعيان أو ما هو ~~متصور في الأذهان، فليس هما اثنين (1) بل هذا هو هذا، وكذلك الذهن إذا تصور ~~شيئا فتلك الصورة هي المثال الذي تصورها وذلك هو وجودها الذهني الذي تتصوره ~~الأذهان، فهذا فصل الخطاب في هذا الباب ومن تدبر هذه المسائل وأمثالها تبين ~~له أن أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء " ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما من نور " وقد بسط الكلام على أصول هذه المسائل وتفاصيلها في مواضع ~~أخرى، فإن الناس كثر نزاعهم فيها حتى قيل: مسألة الكلام، حيرت عقول الأنام، ~~ولكن سؤال هذين لا يحتمل البسط الكثير فإنهما يسألان بحسب ما سمعاه ~~واعتقداه وتصوراه، فإذا عرف السائل أصل مسألته ولوازمها وما فيها من ~~الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة تبين له أن من الخلق من تكلم في مثل هذه ~~الأسماء بالنفي والإثبات من غير تفصيل فلا بد له أن يقابله آخر بمثل ~~إطلاقه. PageV03P086 # ومن الأصول الكلية أن يعلم أن الألفاظ نوعان: نوع جاء به الكتاب والسنة ~~فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله وينفي ما ~~نفاه الله ورسوله، فاللفظ الذي أثبته الله، أو نفاه (1) فإن الله يقول الحق ~~وهو يهدي السبيل والألفاظ الشرعية لها حرمة، ومن تمام العلم أن يبحث عن ~~مراد رسوله بها ليثبت ما أثبته وينفي ما نفاه من المعاني، فإنه يجب علينا ~~أن نصدقه في كل ما أخبر، ونطيعه ms350 في كل ما أوجب وأمر، ثم إذا عرفنا تفصيل ~~ذلك كان ذلك من زيادة العلم والإيمان، وقد قال تعالى: " يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ". # وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو ~~إثباتها فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن ~~مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به وإن أراد بها معنى يخالف ~~خبر الرسول أنكره. # ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو جمال عبر بغيرها ~~أو بين مراده بها، بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي، فإن كثيرا من نزاع ~~الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة، حتى تجد الرجلين يتخاصمان ~~ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم ~~يتصوره فضلا عن أن يعرف دليله، ولو عرف دليله لم يلزم أن من خالفه يكون ~~مخطئا بل يكون في قوله نوع من الصواب، وقد يكون هذا مصيبا من وجه، وقد يكون ~~الصواب في قول ثالث. # وكثير من الكتب المصنفة في أصول العلوم الدين وغيرها تجد الرجل المصنف ~~فيها في المسألة العظيمة كمسألة القرآن والرؤية والصفات والمعاد وحدوث ~~العالم وغير ذلك يذكر أقوالا متعددة، والقول الذي جاء به الرسول وكان عليه ~~PageV03P087 # سلف الأمة ليس في تلك الكتب ولا عرفه مصنفوها ولا شعروا به، وهذا من ~~أسباب توكيد التفريق والاختلاف بين الأمة وهو مما نهيت الأمة عنه، كما في ~~قوله تعالى " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وأولئك لهم عذاب عظيم، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " قال ابن عباس: تبيض وجوه ~~أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة، وقد قال تعالى: " إن ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله " وقال ~~تعالى: " وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ". # وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، ~~وهذا يقول ألم ms351 يقل الله كذا؟ وهذا يقول ألم يقل الله كذا؟ فقال: " أبهذا ~~أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا أن ضربوا كتاب الله ~~بعضه ببعض، انظروا ما أمرتم به فافعلوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه " ومما أمر ~~الناس به أن يعملوا بمحكم القرآن ويؤمنوا بمتشابهه. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد كتب في أصول هذه المسائل قواعد متعددة ~~وأصول كثيرة، ولكن هذا الجواب كتب وصاحبه مستوفز في قعدة واحدة، والله ~~تعالى يهدينا وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه. والحمد لله رب العالمين. # فصل: في بيان أن القرآن كلام الله العزيز العليم ليس شيء منه كلاما لغيره ~~لا جبريل ولا محمد ولا غيرهما، قال الله تعالى " فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم، إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون، إنما سلطانه على الدين يتولونه والذي هم به مشركون، وإذا بدلنا ~~آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا ~~يعلمون، قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى ~~للمسلمين، ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي وهذا لسان عربي مبين ". # PageV03P088 # فأمره أن يقول: " نزله روح القدس من ربك بالحق " والضمير في قوله " نزله ~~" عائد على " ما " في قوله " بما ينزل " فالمراد به القرآن كما يدل عليه ~~سياق الكلام، وقوله: " والله أعلم بما ينزل " فيه إخبار بأنه أنزله، لكن ~~ليس في هذه اللفظة بيان أن روح القدس نزل به ولا أنه منزل منه. # ولفظ الإنزال في القرآن قد يرد مقيدا بالإنزال منه كنزول القرآن، وقد يرد ~~مقيدا بالإنزال من السماء ويراد به العلو، فيتنازل نزول المطر من السحاب ~~ونزول الملائكة من عند الله وغير ذلك، وقد يرد مطلقا فلا يختص بنوع من ~~الإنزال بل ربما يتناول الإنزال من رؤوس الجبال كقوله تعالى: " وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد " والإنزال من ظهور الحيوان كإنزال الفحل الماء وغير ~~ذلك فقوله " نزله روح القدس من ربك ms352 " بيان لنزول جبريل من الله عز وجل، فإن ~~روح القدس هنا هو جبريل بدليل قوله تعالى: " من كان عدوا لجبريل فإنه نزله ~~على قلبك بإذن الله " وهو الروح الأمين كما في قوله تعالى " وإنه لتنزيل رب ~~العالمين، نزل به روح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين ~~" وفي قوله الأمين دلالة على أنه مؤتمن على ما أرسل به لا يزيد فيه ولا ~~ينقص، فإن الرسول الخائن قد يغير الرسالة كما قال تعالى في صفته في الآية ~~الأخرى: " إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين ". # وفي قوله " منزل من ربك " دلالة على أمور: منها بطلان قول من يقول إنه ~~كلام مخلوق خلقه في جسم من الأجسام المخلوقة كما هو قول الجهمية الذين ~~يقولون بخلق القرآن من المعتزلة والبخارية والضرارية وغيرهم، فإن السلف ~~كانوا يسمون كل من نفى الصفات وقال إن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في ~~الآخرة جهميا، فإن جهما أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات، وبالغ ~~في نفي ذلك، فله في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي والابتداء بكثرة ~~إظهار ذلك # PageV03P089 # والدعوة إليه، وإن كان الجعد بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك، فإن الجعد أول ~~من أحدث ذلك في الإسلام فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم النحر، ~~وقال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم إنه ~~زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما ~~يقول الجعد علوا كبيرا " ثم نزل فذبحه، ولكن المعتزلة إن وافقوا جهما في ~~بعض ذلك فهم يخالفونه في مسائل غير ذلك، كمسائل الإيمان والقدر وبعض مسائل ~~الصفات أيضا، ولا يبالغون في النفي مبالغته، وجهم يقول: إن الله لا يتكلم ~~أو يقول أنه متكلم بطريق المجاز، وأما المعتزلة فيقولون أنه يتكلم حقيقة ~~لكن قولهم في المعنى هو قول جهم، وجهم ينفي الأسماء أيضا كما نفتها ~~الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة، وأما ms353 جمهور المعتزلة فلا تنفي الأسماء. # فالمقصود أن قوله " منزل من ربك " فيه بيان أنه منزل من الله لا من مخلوق ~~من المخلوقات، ولهذا قال السلف: منه بدأ، أي هو الذي تكلم به لم يبتدئ من ~~غيره كما قال الخلقية. # ومنها أن قوله " منزل من ربك " فيه بطلان قول من يجعله فاض على نفس النبي ~~من العقل الفعال أو غيره (1) كما يقول ذلك طوائف من الفلاسفة والصابئة وهذا ~~القول أعظم كفرا وضلالا من الذي قبله. # ومنها أن هذه الآية أيضا تبطل قول من قال أن القرآن العربي ليس منزلا ~~PageV03P090 # من الله بل مخلوق إما في جبريل أو محمد أو جسم آخر غيرهما، كما يقول ذلك ~~الكلابية والأشعرية الذين يقولون: القرآن العربي ليس هو كلام الله وإنما ~~كلامه المعنى القائم بذاته والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى، ثم إما ~~أن يكون خلق في بعض الأجسام: الهواء أو غيره، أو ألهمه جبريل فعبر عنه ~~بالقرآن العربي، أو ألهمه محمد فعبر عنه بالقرآن العربي، أو يكون جبريل ~~أخذه من اللوح المحفوظ أو غيره. # فهذه الأقوال التي تقدمت هي تفريع هذا القول، فإن هذا القرآن العربي لا ~~بد له من متكلم تكلم به أولا قبل أن يصل إلينا، وهذا القول يوافق قول ~~المعتزلة ونحوهم في إثبات خلق القرآن العربي، وكذلك التوراة العبرية، ~~ويفارقه من وجهين: أحدهما أن أولئك يقولون أن المخلوق كلام الله وهم يقولون ~~إنه ليس كلام الله لكن يسمى كلام الله مجازا هذا قول أئمتهم وجمهورهم، وقال ~~طائفة من متأخريهم: بل لفظ الكلام يقال على هذا وهذا بالاشتراك اللفظي، لكن ~~لفظ هذا الكلام ينقض أصلهم في إبطال قيام الكلام بغير المتكلم به، ومع هذا ~~لا يقولون أن المخلوق كلام الله حقيقة كما يقولوه المعتزلة مع قولهم أنه ~~كلام حقيقة، بل يجعلون القرآن العربي كلاما لغير الله وهو كلام حقيقة، وهذا ~~شر من قول المعتزلة وهذا حقيقة قول الجهمية، ومن هذا الوجه نقول: المعتزلة ~~أقرب، وقول الآخرين هو قول الجهمية المحضة، لكن المعتزلة ms354 في المعنى موافقون ~~لهؤلاء وإنما ينازعونهم في اللفظ الثاني أن هؤلاء يقولون: لله كلام هو معنى ~~قديم قائم بذاته والخلقية يقولون لا يقوم بذاته كلام، ومن هذا الوجه ~~الكلابية خير من الخلقية في الظاهر، لكن جمهور الناس يقولون إن أصحاب هذا ~~القول عند التحقيق لم يثبتوا كلاما له حقيقة غير المخلوق، فإنهم يقولون إنه ~~معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر ~~عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا، ومنهم من قال ~~هو خمس معان. # PageV03P091 # وجمهور العقلاء أن فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام والعقلاء ~~الكثيرون لا يتفقون على الكذب وجحد الضرورات من غير تواطؤ واتفاق كما في ~~الأخبار المتواترة، وأما مع التواطؤ فقد يتفقون على الكذب عمدا، وقد يتفقون ~~على جحد الضرورات وإن لم يعلم كل منهم أنه جاحد للضرورة ولم يفهم حقيقة ~~القول الذي يعتقده لحسن ظنه فيمن يقلد قوله ومحبته ليصير (1) ذلك القول كما ~~اتفقت النصارى والرافضة وغيرهم من الطوائف على مقالات يعلم فسادها ~~بالضرورة. # وقال جمهور العقلاء: نحن إذا عربنا التوراة والإنجيل لم يكن ذلك معنى ~~القرآن بل معاني هذا ليست معاني هذا (2) وكذلك معنى " قل هو الله أحد " ليس ~~هو معنى " تبت يدا أبي لهب "، ولا معنى آية الكرسي معنى آية الدين، وقالوا: ~~إذا جوزتم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئا واحدا فجوزوا أن يكون العلم ~~والقدرة والكلام والسمع والبصر صفة واحدة، فاعترف أئمة هذا القول بأن هذا ~~الإلزام ليس لهم عنه جواب عقلي. # ثم منهم من قال الناس في الصفات إما مثبت لها قائل بالتعدد وإما ناف بها، ~~وأما إثباتها واتحادها فخلاف الإجماع، وهذه طريقة القاضي أبي بكر وأبي ~~المعالي وغيرهما، ومنهم من اعترف بأنه ليس له عنه جواب كأبي حسن الآمدي ~~وغيره. # والمقصود هنا أن هذه الآية تبين بطلان هذا القول كما تثبت بطلان غيره فإن ~~قوله " نزله روح القدس من ربك " يقتضي نزول القرآن من ربه والقرآن اسم ~~للقرآن العربي لفظه ومعناه، بدليل ms355 قوله " فإذا قرأت القرآن " وإنما يقرأ ~~القرآن العربي لا يقرأ معانيه المحددة، وأيضا فضمير المفعول في قوله " نزله ~~" PageV03P092 # عائد إلى " ما " في قوله " والله أعلم بما ينزل " فالذي أنزله الله هو ~~الذي نزله روح القدس، فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي لزم أن يكون ~~نزله من الله، فلا يكون شيء منه نزله من عين من الأعيان المخلوقة ولا نزله ~~من نفسه. # وأيضا فإنه قال عقب هذه الآية " ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ~~لسان الذين يلحدون إليه أعجمي " الآية. وهم كانوا يقولون إنما يعلمه هذا ~~القرآن العربي بشر، ولم يكونوا يقولون إنما يعلمه بشر معانيه فقط، بدليل ~~قوله " لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين " فإنه تعالى ~~أبطل قول الكفار بأن لسان الذي ألحدوا إليه فجعلوه هو الذي يعلم محمدا ~~القرآن لسان أعجمي، والقرآن لسان عربي مبين، فلو كان الكفار قالوا يعلمه ~~معانيه فقط لم يكن هذا ردا لقولهم، فإن الإنسان قد يتعلم من الأعجمي شيئا ~~بلغة ذلك الأعجمي ويعبر عنه بعباراته، وقد اشتهر في التفسير أن بعض الكفار ~~كانوا يقولون هو تعلمه من شخص كان بمكة أعجمي، قيل إنه كان مولى لابن ~~الحضرمي. # وإذا كان الكفار جعلوا الذي يعلمه ما نزل به روح القدس بشرا والله أبطل ~~ذلك بأن لسان ذاك أعجمي وهذا لسان عربي مبين، علم أن روح القدس نزل باللسان ~~العربي المبين، وأن محمدا لم يؤلف نظم القرآن بل سمعه من روح القدس، وإذا ~~كان روح القدس نزل به من الله، علم أنه سمعه منه ولم يؤلفه هو، وهذا بيان ~~من الله أن القرآن الذي هو اللسان العربي المبين سمعه روح القدس من الله، ~~وكذلك قوله " هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا " الآية. والكتاب اسم للكلام ~~العربي بالضرورة والاتفاق، فإن الكلابية أو بعضهم يفرق بين كلام الله وكتاب ~~الله، فيقول كلام الله هو المعنى القائم بالذات وهو غير مخلوق، وكتابه هو ~~المنظوم المؤلف العربي وهو المخلوق، والقرآن يراد به تارة وهذا وتارة هذا، ms356 ~~والله تعالى قد سمى نفس مجموع اللفظ والمعنى قرآنا وكتابا وكلاما، فقال ~~تعالى # PageV03P093 # " تلك آيات القرآن وكتاب مبين " وقال " طسم، تلك آيات الكتاب المبين " ~~وقال " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن " الآية، فبين أن الذي سمعوه هو القرآن ~~وهو الكتاب وقال " بل هو قرآن " الآية، وقال " إنه لقرآن كريم " الآية وقال ~~" يتلو صحفا " الآية، وقال " والطور " الآية، وقال " ولو نزلنا عليك كتابا ~~" الآية، لكن لفظ الكتاب قد يراد به المكتوب فيكون هو الكلام وقد يراد به ~~ما يكتب فيه كقوله " إنه لقرآن كريم " الآية، وقال " ونخرج له يوم القيامة ~~كتابا " الآية. # والمقصود هنا أن قوله " وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا " يتناول نزول ~~القرآن العربي على كل قول، وقد أخبر أن " الذين آتاهم الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق " إخبار مستشهد بهم لا مكذب لهم. وقال إنهم يعلمون ذلك ~~لم يقل إنهم يظنونه أو يقولونه، والعلم لا يكون إلا حقا مطابقا للمعلوم ~~بخلاف القول والظن الذي ينقسم إلى حق وباطل، فعلم أن القرآن العربي ينزل من ~~الله لا من الهواء ولا من اللوح ولا من جسم آخر ولا من جبريل ولا محمد ولا ~~غيرهما، وإذا كان أهل الكتاب يعلمون ذلك فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة كان ~~أهل الكتاب المقرون بذلك خيرا منه من هذا الوجه. # وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله " إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر " أنه أنزله إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم ~~أنزله بعد ذلك منجما مفرقا بحسب الحوادث، ولا ينافي أنه مكتوب في اللوح ~~المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى " بل هو قرآن مجيد " الآية. وقال " إنه ~~لقرآن كريم " الآية، وقال: " إنها تذكرة " الآية، وقال " وإنه في أم الكتاب ~~" الآية، وكونه مكتوبا في اللوح المحفوظ وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ~~ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل ~~أو غير ذلك، وإذا كان قد أنزله مكتوبا ms357 إلى # PageV03P094 # بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله، والله ~~تعالى يعلم ما كان وما لا يكون إن لو كان كيف كان يكون، وهو سبحانه قدر ~~مقادير الخلائق وكتب أعمال العباد قبل أن يعملوها، كما ثبت ذلك بالكتاب ~~والسنة وآثار السلف، ثم إنه يأمر الملائكة بكتابتها بعد ما يعملونها، ~~فيقابل من الكتابة المتقدمة على الوجود والكتابة المتأخرة عنها فلا يكون ~~بينهما تفاوت، هكذا قال ابن عباس وغيره من السلف وهو حق، فإذا كان ما يخلقه ~~ثابتا عنه قبل كتبه أن يخلقه فكيف يستبعد أن يكتب كلامه الذي يرسل به ~~ملائكته قبل أن يرسلهم به. # ومن قال إن جبريل أخذ القرآن عن الكتاب لم يسمعه من الله كان هذا باطلا ~~من وجوه: منها أن يقال إن الله تعالى كتب التوراة لموسى بيده فبنوا إسرائيل ~~أخذوا كلام الله من الكتاب الذي كتبه هو سبحانه فيه (1) ، فإن كان محمد ~~أخذه من جبريل وجبريل عن الكتاب كان بنو إسرائيل أعلا من محمد بدرجة، ومن ~~قال إنه ألقي إلى جبريل معاني وأن جبريل عبر عنها بالكلام العربي، فقوله ~~يستلزم أن يكون جبريل ألهمه إلهاما، وهذا الإلهام يكون لآحاد المؤمنين كما ~~قال تعالى: " وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي " وقال " ~~وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه " وقد أوحى إلى سائر النبيين، فيكون هذا ~~الوحي الذي لا يكون لآحاد الأنبياء والمؤمنين أعلا من أخذ محمد القرآن عن ~~جبريل لأن جبريل الذي علمه لمحمد هو بمنزلة الواحد من هؤلاء، ولهذا زعم ابن ~~عربي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، قال: لأنه يأخذ من المعدن ~~الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول، فجعل أخذه وأخذ الملك الذي ~~جاء إلى الرسول من معدن واحد، وادعى أن أخذه عن الله أعلا من أخذ الرسول ~~للقرآن، ومعلوم أن هذا من أعظم الكفر، وإن هذا القول من جنسه. PageV03P095 # وأيضا فالله تعالى يقول " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح " الآية. ~~ففضل موسى بالتكليم ms358 على غيره ممن أوحى إليهم، وهذا يدل على أمور على أن ~~الله يكلم عبده تكليما زائدا على الوحي الذي هو قسيم التكليم الخاص، فإن ~~لفظ التكليم والوحي كل منهما ينقسم إلى عام وخاص، والتكليم العام هو المقسم ~~في قوله " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " الآية، والتكليم المطلق ~~هو قسيم الوحي الخاص ليس قسما منه، وكذلك لفظ الوحي قد يكون عاما فيدخل فيه ~~التكليم الخاص كما في قوله لموسى " فاستمع لما يوحى " وقد يكون قسيم ~~التكليم الخاص كما في سورة الشورى، وهذا يبطل قول من يقول الكلام معنى واحد ~~قائم بالذات، فإنه حينئذ لا فرق بين التكليم الذي خص به موسى، والوحي العام ~~الذي هو لآحاد العباد، ومثل هذا قوله في الآية الأخرى: " وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء " ~~فإنه فرق بين الإيحاء وبين التكليم وراء من حجاب وبين إرسال الرسول يوحى ~~بإذنه ما يشاء، فدل على أن التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى أمر غير ~~الإيحاء. # وأيضا فقوله " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " وقوله " حم تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز الحكيم " وقوله " حم تنزيل من الرحمن الرحيم " ~~وأمثال ذلك يدل على أنه منزل من الله لا من غيره، وكذلك قوله تعالى " بلغ ~~ما أنزل إليك من ربك " فإنه يدل على أنه مبلغ ما أنزل إليه من ربه وأنه ~~مأمور بتبليغ ذلك. # وأيضا فهم يقولون أنه معنى واحد فإن كان موسى سمع جميع المعنى فقد سمع ~~جميع كلام الله، وإن كان سمع البعض فقد استمع بعضه فقد تبعض، وكلاهما ينقض ~~قولهم، فإنهم يقولون أنه معنى واحد ولا يتعدد ولا يتبعض، فإن كان ما سمعه ~~موسى والملائكة هو ذلك المعنى كله كان كل منهم علم جميع كلام الله وكلامه ~~متضمن لجميع خبره وجميع أمره فيلزم أن يكون كل واحد ممن كلمه الله # PageV03P096 # وأنزل عليه شيئا في كلامه عالما بجميع أخبار الله وأوامره وهذا معلوم ms359 ~~الفساد بالضرورة، وإن كان الواحد من هؤلاء إنما سمع بعضه فقد تبعض كلامه ~~وذلك يناقض قولهم. # وأيضا فقوله " وكلم الله موسى تكليما " وقوله " ولما جاء موسى لميقاتنا " ~~وقوله تعالى " وناديناه من جانب الطور الأيمن " وقوله " فلما أتاها نودي " ~~الآيات دليل على تكليم موسى، والمعنى المجرد لا يسمع بالضرورة، ومن قال إنه ~~يسمع فهو مكابر - ودليل أنه ناداه والنداء لا يكون إلا صوتا مسموعا لا يعقل ~~في لغة العرب لفظ النداء بغير صوت مسموع لا حقيقة ولا مجازا، وقد قال تعالى ~~" فلما جاءها نودي أن بورك من في النار - إلى قوله - رب العالمين ". # وأيضا فقوله " فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك " وفي هذا دليل على ~~أنه حينئذ نودي ولم يناد قبل ذلك و " لما " فيها من معنى الظرف، كما في ~~قوله " وإنه لما قام عبد الله يدعوه " ومثل هذا قوله " ويوم يناديهم فيقول ~~أين شرائي الذين كنتم تزعمون " " ويم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين " ~~فإن النداء وقت بظرف محدود، فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين دون غيره ~~وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه. # ومثل هذا قوله تعالى " وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " ~~وقوله " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم " وأمثال ذلك مما فيه توقيت بعض ~~أقوال الرب بوقت معين فإن الكلابية ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة ~~يقولون إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل الكلام المعين لازم لذاته كلزوم ~~الحياة لذاته، ومن هؤلاء من قال إنه معنى واحد لأن الحروف والأصوات متعاقبة ~~يمتنع أن تكون قديمة، ومنهم من قال بل الحروف والأصوات قديمة الأعيان وأنها ~~مترتبة في مقارنة وجودها لم تزل ولا تزال قائمة بذاته. # PageV03P097 # ومنهم من قال بل الحروف قديمة الأعيان بخلاف الأصوات، وكل هؤلاء يقولون ~~أن التكليم والنداء ليس إلا مجرد خلق إدراك في المخلوق بحيث يسمع ما لم يزل ~~ولا يزال لا أنه يكون هناك كلام يتكلم الله به بمشيئته وقدرته ولا تكليم ~~بكلام الله بمشيئته وقدرته، بل تكليمه ms360 عندهم جعل العبد سامعا لما كان ~~موجودا قبل سمعه بمنزلة ما يجعل الأعمى بصيرا لما كان موجودا قبل رؤيته من ~~غير إحداث شيء منفصل عنه، وعندهم لما جاء موسى لميقات ربه سمع النداء ~~القديم، لا إنه حينئذ نودي، ولهذا يقولون إنه يسمع كلامه لخلقه بدل قول ~~الناس يكلم خلقه، وهؤلاء يردون على الخلقية الذين يقولون القرآن مخلوق ~~ويقولون عن أنفسهم أنهم أهل السنة الموافقون للسلف الذين قالوا القرآن كلام ~~الله غير مخلوق وليس قولهم قول السلف لكن قولهم أقرب إلى قول السلف من وجه. # أما كون قولهم أقرب فأنهم يثبتون كلاما قائما بنفس الله وهذا قول السلف ~~بخلاف الخليقة الذين يقولون ليس كلامه إلا ما خلقه في غيره، فإن قول هؤلاء ~~مخالف لقول السلف، وأما كون الخلقية أقرب فلأنهم يقولون أن الله يتكلم ~~بمشيئته وقدرته، وهذا قول السلف، وهؤلاء عندهم لا يقدر الله على شيء من ~~كلامه فليس كلامه بمشيئته واختياره بل كلامه عندهم كحياته، وهم يقولون ~~الكلام عندنا صفة ذات لا صفة فعل، والخلقية يقولون صفة فعل لا صفة ذات، ~~ومذهب السلف أنه صفة فعل وصفة ذات معا، فكل منهما موافق للسلف من وجه دون ~~وجه. # واختلافهم في أفعاله ومسائل القدر بنسبة اختلافهم في كلامه تعالى فإن ~~المعتزلة أنه يفعل لحكمة مقصودة وإرادة الإحسان إلى العباد، لكن لا يثبتون ~~لفعله حكمة تعود إليه، وأولئك يقولون لا يفعل لحكمة ولا لمقصود أصلا فأولئك ~~أثبتوا حكمة لكن لا تقوم به، وهؤلاء لا يثبتون له قصدا يتصف به # PageV03P098 # ولا حكمة تعود إليه، وكذلك في الكلام أولئك أثبتوا كلاما هو فعله لا يقوم ~~به، وهؤلاء يقولون ما لا يقوم به لا تعود حكمته إليه، والفريقان يمنعون أن ~~تقوم به حكمة مرادة له، كما يمنع الفريقان أن يقوم به كلام وفعل يريده، ~~وقول أولئك أقرب إلى قول السلف والفقهاء إذ أثبتوا الحكمة والمصلحة في ~~أفعاله وأحكامه، وأثبتوا كلاما يتكلم به بقدرته ومشيئته، وقول هؤلاء أقرب ~~إلى قول السلف إذ أثبتوا الصفات وقالوا: لا يوصف ms361 بمجرد المخلوق المفصل عنه ~~الذي لم يقم به أصلا، ولا يعود إليه حكم شيء لم يقم به، فلا يكون متكلما ~~بكلام لم يقم به، ولا قديرا بقدرة لم تقم به، فكل من المعتزلة والأشعرية في ~~مسائل كلام الله وأفعال الله وافقوا السلف والأئمة من وجه وخالفوهم من وجه، ~~وليس قول أحدهم قول السلف دون الآخر، لكن الأشعرية في جنس مسائل الصفات ~~والقدر أقرب إلى قول السلف والأئمة من المعتزلة. # فإن قيل: فقد قال تعالى " إنه لقول رسول كريم " وهذا يدل على أن الرسول ~~أحدث الكلام العربي، قيل: هذا باطل، وذلك أن الله ذكر هذا في موضعين ~~والرسول في أحد الموضعين محمد والرسول في الآية الأخرى جبريل، قال تعالى في ~~سورة الحاقة " إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون " ~~الآية، فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقال في سورة التكوير " إنه ~~لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين " فالرسول هنا ~~جبريل، فلو كان أضافه إلى الرسول لكونه أحدث حروفه أو أحدث منه شيئا لكان ~~الخبران متناقضين، فإنه إن كان أحدهما الذي أحدثها امتنع أن يكون الآخر هو ~~الذي أحدثها. # وأيضا فإنه قال " لقول رسول كريم " ولم يقل لقول ملك ولا نبي، ولفظ ~~الرسول يستلزم مرسلا له، فدل ذلك على أن الرسول مبلغ له عن مرسله لا إنه ~~أنشأ منه شيئا من جهة نفسه، وهذا يدل على أنه أضافه إلى الرسول لأنه بلغه ~~وأداه، لا لأنه أنشأ منه شيئا وابتدأه # PageV03P099 # وأيضا فإن الله قد كفر من جعله قول البشر بقوله " إنه فكر وقدر، فقتل كيف ~~قدر " (1) ، ومحمد بشر، فمن قال إنه قول محمد فقد كفر، ولا يفرق بين أن ~~يقول بشر أو جني أو ملك، فمن جعله قولا لأحد من هؤلاء فقد كفر، ومع هذا فقد ~~قال " إنه لقول رسول كريم، ما هو بقول شاعر " فجعله قول الرسول البشري مع ~~تكفيره من يقول إنه قول البشر، فعلم أن المراد بذلك أن الرسول ms362 بلغه عن ~~مرسله، لا أنه قوله من تلقاء نفسه، وهو كلام الله تعالى الذي أرسله، كما ~~قال تعالى " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله " فالذي ~~بلغه الرسول هو كلام الله تعالى لا كلامه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف ويقول " ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ ~~كلام ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " رواه أبو داود وغيره، ~~والكلام كلام من قاله مبتدئا لا كلام من قاله مبلغا مؤديا. # وموسى سمع كلام الله بلا واسطة والمؤمنون يسمعه بعضهم من بعض، فسماع موسى ~~سماع مطلق بلا واسطة، وسماع الناس سماع مقيد بواسطة، كما قال تعالى " وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا التكليم أو من وراء حجاب " ففرق بين ~~التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى بين التكليم بواسطة الرسول كما كلم ~~الأنبياء بإرسال رسوله إليهم، والناس يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا تكلم بكلام تكلم بحروفه ومعانيه بصوته صلى الله عليه وسلم ثم المبلغون ~~عنه يبلغون كلامه بحركاتهم وأصواتهم كما قال صلى الله عليه وسلم: " نضر ~~الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه " فالمستمع منه مبلغ حديثه كما ~~سمعه، لكن بصوت نفسه لا بصوت الرسول، فالكلام هو كلام الرسول تكلم به ~~بصوته، والمبلغ بلغ كلام رسول الله بصوت نفسه. PageV03P100 # وإذا كان هذا معلوما في تبليغ كلام المخلوق فكلام الخالق أولى بذلك، ~~ولهذا قال تعالى: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ~~" وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " زينوا القرآن بأصواتكم " فجعل الكلام ~~كلام البارئ، وجعل الصوت الذي يقرؤه به العبد صوت القارئ، وأصوات العباد ~~ليست هي الصوت الذي ينادي الله به ويتكلم به، كما نطقت النصوص بذلك بل ولا ~~مثله، فإن الله تعالى " ليس كمثله شيء " لا في ذاته ولا أفعاله، فليس علمه ~~مثل علم المخلوقين ولا قدرته مثل قدرتهم، ولا كلامه مثل كلامهم، ولا نداؤه ~~مثل ندائهم، ولا صوته مثل ms363 أصواتهم، فمن قال عن القرآن الذي يقرؤه المسلمون ~~ليس هو كلام الله أو هو كلام غير الله فهو ملحد مبتدع ضال، ومن قال إن ~~أصوات العباد أو المداد الذي يكتب به القرآن قديم أزلي فهو ملحد مبتدع، بل ~~هذا القرآن هو كلام الله وهو مثبت في المصاحف، وكلام الله مبلغ عنه، مسموع ~~من القراء ليس مسموعا منه، فالإنسان يرى الشمس والقمر والكواكب بطريق ~~المباشرة ويراها في ماء أو مرآة، فهذه رؤية مقيدة بالواسطة، وتلك مطلقة ~~بطريق المباشرة، ويسمع من المبلغ عنه بواسطة، والمقصود بالسماع هو كلامه في ~~الموضعين كما أن المقصود بالرؤية هو المرئي في الموضعين. # فمن عرف ما بين الحالين من الاجتماع والافتراق والاختلاف والاتفاق زالت ~~عنه الشبهة التي تصيب كثيرا من الناس في هذا الباب، فإن طائفة قالت هذا ~~المسموع كلام الله، والمسموع صوت العبد وصوته مخلوق، فكلام الله مخلوق، ~~وهذا جهل فإنه مسموع من المبلغ، ولا يلزم إذا كان صوت المبلغ مخلوقا أن ~~يكون نفس الكلام مخلوقا، وطائفة قالت: هذا المسموع صوت العبد وهو مخلوق ~~والقرآن ليس بمخلوق، ولا يكون هذا المسموع كلام الله، وهذا جهل، فإن ~~المخلوق هو الصوت لا نفس الكلام الذي يسمع من المتكلم به ومن المبلغ عنه، ~~وطائفة قالت: هذا # PageV03P101 # كلام الله وكلام الله غير مخلوق، فيكون هذا الصوت غير مخلوق، وهذا جهل، ~~فإنه إذا قيل هذا كلام الله فالمشار إليه هو الكلام من حيث هو، وهو الثابت ~~إذا سمع من الله وإذا سمع من المبلغ عنه، وإذا قيل للمسموع أنه كلام الله ~~فهو كلام الله مسموعا من المبلغ عنه لا مسموعا منه، فهو مسموع بواسطة صوت ~~العبد وصوت العبد مخلوق، وأما كلام الله منه فهو غير مخلوق حيث ما تصرف، ~~وهذه نكت قد بسط الكلام فيها في غير هذا الموضع. # فصل: فإن قيل: ما منشأ هذا النزاع والاشتباه والتفريق والاختلاف؟ قيل: ~~منشؤه هو الكلام الذي ذمه السلف وعابوه، وهو الكلام المشتبه المشتمل على حق ~~وباطل، فيه ما يوافق العقل والسمع، وفيه ما ms364 يخالف العقل والسمع، فيأخذ ~~هؤلاء جانب النفي المشتمل على نفي الحق والباطل، وهؤلاء جانب الإثبات ~~المشتمل على إثبات حق وباطل، وجماعه هو الكلام المخالف للكتاب والسنة ~~وإجماع السلف، فكل كلام خالف ذلك فهو باطل، ولا يخالف ذلك إلا كلام مخالف ~~للعقل والسمع. # وذلك أنه لما تناظروا في مسألة حدوث العالم وإثبات الصانع استدلت الجهمية ~~والمعتزلة ومن وافقهم من طوائف الكلام على (1) بأن ما لا يخلو عن الحوادث ~~فهو حادث، ثم إن المستدلين بذلك على حدوث الأجسام قالوا إن الأجسام لا تخلو ~~عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، ثم تنوعت طرقهم في الأدلة في ~~المسألة المتقدمة فتارة يثبتونها بان الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون ~~وهما حادثان، وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الاجتماع والافتراق ~~وهما حادثان، وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الأكوان الأربعة: ~~الاجتماع والافتراق والحركة والسكون، PageV03P102 # وهي حادثة، وهذه طرق المعتزلة ومن وافقهم على أن الأجسام قد تخلو عن بعض ~~أنواع الأعراض، وتارة يثبتونها بأن الجسم لا يخلو من كل جنس من الأعراض عن ~~عرض منه، ويقولون إن الأعراض يمتنع بقاؤها لأن العرض لا يبقى زمانين، وهي ~~الطريقة التي اختارها الأمدي وزيف ما سواها، وذكر أن جمهور أصحابه اعتمدوا ~~عليها، وقد وافقهم عليها طائفة من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة كالقاضي ~~أبي يعلى والجويني والباجي وغيرهم. # وأما الهشامية والكرامية وغيرهما من الطوائف الذين لا يقولون بحدوث كل ~~جسم يقولون أن القديم تقوم به الحوادث، فهؤلاء إذا قالوا بأن ما لا يخلو عن ~~الحوادث فهو حادث كما في قول الكرامية وغيرهم موافقة للمعتزلة في هذا الأصل ~~فإنهم قالوا أن الجسم القديم لا يخلو عن الحوادث بخلاف الأجسام المحدثة. # والناس متنازعون في السكون هل هو أمر وجودي أو عدمي، فمن قال إنه وجودي ~~قال الجسم الذي لا يخلو عن الحركة والسكون فإذا انتفت عنه الحركة فالسكون ~~به وجودي، وهذا قول من يحتج بتعاقب الحركة والسكون على حدوث المتصف بذلك، ~~ومن قال إنه عدمي لم يلزم ms365 من عدم الحركة عن المحل ثبوت أن السكون وجودي، ~~فمن قال إنه تقوم به الحركة أو الحوادث بعد أن لم تكن مع قوله بامتناع ~~تعاقب الحوادث كما هو في قول الكرامية. وغيرهم يقولون: إذا قامت به الحركة ~~لم يعدم بقيامها سكون وجودي، بلى ذلك عندهم بمنزلة قولهم مع المعتزلة ~~والأشعرية وغيرهم فإنه يفعل بعد أن لم يكن فاعلا، ولا يقولون إن عدم الفعل ~~أمر وجودي كذلك الحركة عند هؤلاء. # وكان كثير من أهل الكلام يقولون ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، أو ما ~~لا يسبق الحوادث فهو حادث، بناء على أن هذه مقدمة ظاهرة بأن ما لا يسبق ~~الحادث فلا بد أن يقارنه أو يكون بعده، وقارن الحوادث فهو حادث، وما كان ~~بعده فهو حادث، وهذا # PageV03P103 # الكلام مجمل، فإنه إذا أريد به ما لا يخلو عن الحوادث المعينة أو ما لا ~~يسبق الحادث المعين فهو حق بلا ريب ولا نزاع فيه، وكذلك إذا أريد بالحادث ~~حكم ما له أول أو ما كان بعد العدم ونحو ذلك، وأما إذا ما أريد الحوادث ~~الأمور التي تكون شيئا بعد شيء لا إلى أول وقيل إنه لا يخلو عنها وما لم ~~يخل فهو حادث لم يكن ذلك ظاهرا ولا بينا، بل هذا المقام، حار فيه كثير من ~~الأفهام، وكثر فيه النزاع والخصام، ولهذا صار المستدلون بقولهم، ما لا يخطر ~~عن الحوادث فهو حادث، يعلمون أن هذا الدليل لا يتم إلا إذا أثبتوا امتناع ~~حوادث لا أول لها، فذكروا في ذلك طرقا قد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع. # وهذا الأصل تنازع الناس فيه على ثلاثة أقوال: فقيل ما لا يخلو عن الحوادث ~~فهو حادث، وبامتناع حوادث لا أول لها مطلقا، وهذا قول المعتزلة ومن اتبعهم ~~من الكرامية والأشعرية، ومن دخل معهم من الفقهاء وغيرهم. # وقيل: بل يجوز دوام الحوادث مطلقا، وليس كل ما يقارب حادثا بعد حادث لا ~~إلى أول يجوز أن يكون حادثا، بل يجوز أن يكون قديما سواء كان واجبا بنفسه ms366 ~~أو بغيره، وربما عبر عنه بالعلة والمعلول والفاعلية ونحو ذلك، وهذا قول ~~الفلاسفة القائلين بقدم العالم والأفلاك كأرسطو وأتباعه ثامبطوس والإسكندر ~~الأفرديوسي وبوملس والفارابي وابن سينا وأمثالهم، وأما جمهور الفلاسفة ~~المتقدمين على أرسطو فلم يكونوا يقولون بهذا وقيل بل إن كان الملتزم ~~للحوادث ممكنا بنفسه وجب أن يكون حادثا فإن كان واجبا بنفسه لم يجز أن يكن ~~حادثا، وهذا قول أئمة أهل الملل وأساطين الفلاسفة وهو قول جماهير أهل ~~الحديث. # وصاحب هذا القول يقول ما لا يخلو عن الحوادث وهو ممكن بنفسه فهو حادث، ~~وما لا يخلو عن الحوادث وهو معلول أو مفعول أو مبتدع أو مصنوع فهو حادث، ~~لأنه إن كان مفعولا ملتزما للحوادث امتنع أن يكون قديما، فإن القديم ~~المعلول لا يكون قديما إلا إذا كان له موجب قديم بذاته يستلزم معلوله بحيث ~~يكون # PageV03P104 # معه أزليا لا يتقدم عنه، وهذا ممتنع فإن من استلزم الحوادث يمتنع أن يكون ~~فاعله موجبا بذاته يستلزم معلوله في الأزل فإن الحوادث المتعاقبة شيئا بعد ~~شيء لا يكون مجموعها في الأول ولا يكون شيء منها أزليا بل الأزلي هو ذاتها ~~واحد بعد واحد الموجب بذاته الملتزم لمعلوله في الأزل لا يكون معلوله شيئا ~~بعد شيء سواء كان صادرا عنه بواسطة أو بغير واسطة فإن ما كان واحدا بعد ~~واحد يكون متعاقبا حادثا شيئا بعد شيء فيمتنع أن يكون معلولا مقاربا لعلته ~~في الأزل بخلاف ما إذا قيل أن المقارن لذلك هو الموجب بذاته الذي يفعل شيئا ~~بعد شيء فإنه على هذا لا يكون في الأزل موجبا بذاته ولا علة سابقة تامة فلا ~~يكون معه في أول شيء من المخلوقات، لكن فاعليته للمفعولات تكون شيئا بعد ~~شيء، وكل مفعول يأخذ عنده وجود كمال فاعليته، إذ المؤثر التام الملتزم ~~لجميع شروط التأثير لا يتخلف عنه أثره إذ لو تخلف لم يكن مؤثرا تاما، فوجود ~~الأثر يستلزم وجود المؤثر التام، ووجود المؤثر التام، يستلزم وجود الأثر، ~~فليس في الأول مؤثر تام، فليس مع الله شيء من ms367 مخلوقاته قديم بقدمه، والأول ~~ليس هو حدا محدودا ولا وقتا معينا بل كل بتقدير العقل من الغاية التي ينتهي ~~إليها، فالأول قبل ذلك كما هو قبل ما قدره، فالأزل لا أول له، كما أن الأبد ~~لا آخر له، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " أنت ~~الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء " فلو قيل أنه مؤثر تام في ~~الأزل لشيء من الأشياء لزم أن يكون مقارنا له دائما، وامتنع أن يقوم بالأثر ~~شيء من الحوداث، لأن كل حادث يحدث لا يحدث إلا إذا وجد مؤثره التام عند ~~حدوثه، وإن كانت ذات المؤثر وموجودة قبل ذلك لكن لا بد من وجود شروط ~~التأثير عند وجود الأثر والألزم الترجيح من غير مرجح وتخلف المعلول عن ~~العلة التامة ووجود الممكن بدون المرجح التام وكل هذا ممتنع وهذا مبسوط في ~~غير هذا الموضع. # PageV03P105 # فصل: وإذا عرف الأصل الذي منه تفرع نزاع الناس فالذين قالوا ما لا يسبق ~~الحوادث فهو حادث، تنازعوا في كلام الله تعالى، فقال كثير من هؤلاء: الكلام ~~لا يكون إلا بمشيئته المتكلم وقدرته فيكون حادثا كغيره من الحوادث، ثم قالت ~~طائفة والرب تعالى لا يقوم به الحوادث فيكون الكلام مخلوقا في غيره، فجعلوا ~~كلامه مخلوقا من المخلوقات، ولم يفرقوا بين قال وفعل، وقد علم أن المخلوقات ~~لا يتصف بها الخالق فلا يتصف بما يخلقه في غيره من الألوان والأصوات ~~والروائح والحركة العلم والقدرة والسمع والبصر، فكيف يتصف بما يخلقه في ~~غيره من الكلام، ولو جاز ذلك لكان ما يخلقه من إنطاق الجمادات علامة، ومن ~~علم أنه خالق كلام العباد وأفعالهم يلزمه أن يقول كل كلام في الوجود فهو ~~كلامه كما قال بعض الاتحادية (1) : # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه # وهذا قول الجهمية والنجارية والضرارية وغيرهم فإن هؤلاء يقولون إنه خالق ~~أفعال العباد وكلامهم مع قولهم أن كلامه مخلوق فيلزمهم هذا، وأما المعتزلة ~~فلا يقولون أن الله تعالى خالق أفعال العباد لكن ms368 الحجة توجب القول بذلك، ~~وقالت طائفة: بل الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم ويمتنع أن لا يكون كلامه ~~إلا مخلوقا في غيره، وهو متكلم بمشيئته وقدرته، فيكون كلامه حادثا بعد أن ~~لم يكن لامتناع حوادث لا أول لها، وهذا قول الكرامية وغيرهم، وقال كثير من ~~هؤلاء الذين يقولون بامتناع حوادث لا أول لها مطلقا الكلام لازم لذات الرب ~~كلزوم الحياة ليس هو متعلقا بمشيئته وقدرته بل هو قديم كقدم الحياة إذ لو ~~قلنا أنه بمشيئته وقدرته لزم أن يكون حادثا وحينئذ يلزم أن يكون مخلوقا أو ~~قائما بذاته فيلزمه قيام الحوادث به وذلك مستلزم لتسلسل الحوادث لأن القابل ~~للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده، قالوا وتسلسل الحوادث ممتنع إذ التفريع على ~~هذا الأصل. PageV03P106 # ثم إن هؤلاء لما قالوا بقدم عين الكلام تنازعوا فيه، فقالت طائفة القديم ~~لا يكون حروفا ولا أصواتا، لأن تلك الحروف لا تكون كلاما إلا إذا كانت ~~متعاقبة والقديم لا يكون مسبوقا بغيره، فلو كانت الميم من " بسم " قديمة مع ~~كونها مسبوقة بالسين والباء لكان القديم مسبوقا بغيره وهذا ممتنع فيلزم أن ~~يكون القديم هو المعنى فقط ولا يجوز تعدده، لأنه لو تعدد لكان اختصاصه بقدر ~~دون قدر ترجيحا من غير مرجح، وإلا كان لا ينافي لزوم وجود أعداد لا نهاية ~~لها في آن واحد، قالوا وهذا ممتنع، فيلزم أن يكون معنى واحدا هو الأمر ~~والخبر ومعنى التوراة والإنجيل والقرآن وهذا أصل قول الكلابية والأشعرية. # وقالت طائفة من أهل الكلام والحديث والفقهاء وغيرهم بل هو حروف قديمة ~~الأعيان لم تزل ولا تزال، وهي مترتبة في ذاتها لا في وجودها كالحروف ~~الموجودة في المصحف وليس بأصوات قديمة، ومنهم من قال بل هو أيضا أصوات ~~قديمة، ولم يفرق هؤلاء بين الحروف المنطوقة التي لا توجد إلا متعاقبة وبين ~~الحروف المكتوبة التي توجد في وقت واحد كما يفرق بين الأصوات والمداد، فإن ~~الأصوات لا تبقى بخلاف المداد فإنه جسم يبقى، فإذا كان الصوت لا يبقى امتنع ~~أن يكون الصوت ms369 المعين قديما، لأن ما وجب قدمه، لزم بقاؤه وامتنع عدمه. # والحروف المكتوبة قد يراد بها نفس الشكل القائم بالمداد وما يقدر تقدير ~~المداد كالشكل المصنوع في حجر وورق فإزالة بعض أجزائه (1) . # وقد يراد بالحروف نفس المداد، وأما الحروف المنطوقة فقد يراد بها أيضا ~~الأصوات المقطعة المؤلفة وقد يراد بها حدود الأصوات وأطرافها كما يراد ~~بالحروف في الجسم حده ومنتهاه فيقال حرف الرغيف وحرف الجبل ومنه قوله تعالى ~~" ومن الناس من يعبد الله على حرف " ونحو ذلك، وقد يراد بالحروف الحروف ~~الخيالية وهي ما يسجل في باطن الإنسان من الكلام المؤلف المنظوم قبل أن ~~يتكلم به وقد تنازع الناس هل يتمكن وجود حروف بدون أصوات قديمة لم تزل ~~PageV03P107 # ولا تزال، ثم القائلون بقدم الأصوات المعينة تنازعوا في المسموع من ~~القارئ هل سمع منه الصوت القديم؟ قيل المسموع هو الصوت القديم، وقيل بل ~~المسموع هو صوتان أحدهما القديم والآخر المحدث، فما لا بد منه في وجود ~~القرآن فهو القرآن وما زاد على ذلك فهو المحدث، وتنازعوا في القرآن هل يقال ~~أنه حال في المصحف والصدور أم لا؟ يقال على قولين: فقيل هو ظاهر في المحدث ~~ليس بحال فيه، وقيل بل القرآن حال في الصدور والمصاحف. # فهؤلاء الخلقية والحادثية والاتحادية والإقرائية أصل قولهم إن ما لا يسبق ~~الحوادث فهو حادث مطلقا، ومن قال بهذا الأصل فإنه يلزم بعض هذه الأقوال أو ~~ما يشبه ذلك، فإنه إما أن يجعل كلام الله حادثا أو قديما، وإذا كان حادثا ~~إما أن يكون حادثا في غيره، وإما أن يكون حادثا في ذاته، وإذا كان قديما ~~فإما أن يكون القديم المعني فقط أو اللفظ، أو كلاهما، فإذا كان القديم هو ~~المعنى فقط لزم أن لا يكون الكلام المقروء كلام الله ثم الكلام في ذلك ~~المعنى قد عرف. # وأما قدم اللفظ فقط فهذا لم يقل به أحد لكن من الناس من يقول أن الكلام ~~القديم هو اللفظ، وأما معناه فليس هو داخل في مسمى الكلام، فهذا يقول ~~الكلام القديم ms370 هو اللفظ فقط: إما الحروف المؤلفة وإما الحروف والأصوات، ~~لكنه يقول إن معناه قديم. # وأما الفريق الثاني الذين قالوا بجواز حوادث لا أول لها مطلقا، وإن ~~القديم يجوز أن يعتقب عليه الحوادث مطلقا وإن كان ممكنا لا واجبا بنفسه، ~~فهؤلاء هم القائلون بقدم العالم كما يقولون بقدم هذه الأفلاك، وأنها لم تزل ~~ولا تزال معلولة لعلة قديمة أزلية، لكن المنتسبون إلى الملل كابن سينا ~~ونحوه منهم قالوا أنها صادرة عن الواجب بنفسه الموجب لها بذاته. # وأما أرسطو وأتباعه فإنهم قالوا أن لها علة غاثية تتحرك للتشبه بها فهي ~~تحركها كما يحرك المعشوق عاشقه، ولم يثبتوا لها مبدعا بذاته، وإنما أثبت ~~واجب الوجود بطريقة ابن سينا وأتباعه، وحقيقة قول هؤلاء وجود الحوادث بلا ~~محدث أصلا، # PageV03P108 # أما على قول من جعل الأزل علة غائية للحركة فظاهر، فإنه لا يلزم من ذلك ~~أن يكون هو فاعلا لها، فقولهم في حركات الأفلاك نظير قول القدرية في حركة ~~الحيوان، وكل من الطائفتين قد تناقض قولهم، فإن هؤلاء يقولون بأن فعل ~~الحيوان صادر عن غيره لكون القدرة والداعي يستلزمان وجود الفعل، والقدرة ~~والداعي كلاهما من غير العبد، فيقال لهم تقولون هكذا في حركة الفلك بقدرته ~~وداعيه أنه يجب أن يكونا صادرين عن غيره، وحينئذ فيكون الواجب بنفسه هو ~~المحدث لتلك الحوادث شيئا بعد شيء، وإن كان ذلك بواسطة العقول، وهذا القول ~~الذي يقوله ابن سينا وأتباعه باطل أيضا لأن الموجب بذاته القديم الذي ~~يقارنه موجبه ومقتضاه يمتنع أن يصدر عنه حادث بواسطة أو بلا واسطة، فإن ~~صدور الحوادث عن العلة التامة الأزلية ممتنع بذاته، وإذا قالوا بحركة توسطه ~~قيل لهم إنما هو في حدوث الحركة، فإن الحركة الحادثة شيئا بعد شيء يمتنع أن ~~يكون المقتضي لها علة تامة أزلية مستلزمة لمعلولها، فإن ذلك جمع بين ~~النقيضين، إذا القول بمقارنة المعلول لعلته في الأزل ووجوده معها يناقض أن ~~يتخلف المعلول أو شيء من المعلول عن الأزل، فصار حقيقة قولهم أن الحوادث ~~العلوية والسفلية لا يحدث بها. وهؤلاء ms371 يقولون كلام الله ما يفيض على النفوس ~~الصافية كما أن ملائكة الله عندهم ما يتشكل فيها من الصور النورانية، فلا ~~يثبتون له كلاما خارجا عما في نفوس البشر، ولا ملائكة خارجة عما في نفوسهم ~~غير العقول العشرة والنفوس الفلكية التسعة، مع أن أكثرهم يقولون أنها ~~أعراض. # وقد تبين في غير هذا الموضع أن ما يثبتونه من المجردات العقلية الحوادث ~~(1) التي هي العقول والنفوس والمواد والصور إنما وجودها في الأذهان لا في ~~الأعيان. # وأما الصنف الثالث الذين فرقوا بين الواجب والممكن والخالق والمخلوق ~~والغني الذي لا يفتقر إلى غيره، والفقير الذي لا قوام له إلا بالغير، ~~فقالوا: كل ما قارن PageV03P109 # الحوادث من الممكنات فهو حادث كائن بعد إن لم يكن، وهو مخلوق مصنوع ~~مربوب، وأنه يمتنع أن يكون فيما هو فقير ممكن مربوب شيئا قديما فضلا عن أن ~~يقارن حوادث لا أول لها، ولهذا كانت حركة الفلك دليلا على حدوثه كما تقدم ~~التنبيه عليه، وأما الرب تعالى إذا قيل لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل ~~فاعلا، لم يكن دوام كونه متكلما بمشيئته وقدرته ودوام كونه فاعلا بمشيئته ~~وقدرته ممتنعا، بل هذا هو الواجب لأن الكلام صفة كمال لا نقص فيه، فالرب ~~تعالى أحق أن يتصف به من كل موصوف بالكلام، إذ كل كمال يثبت للمخلوق فالحق ~~أولى به، لأن القديم الواجب الخالق أحق بالكمال من المحدث الممكن المخلوق، ~~ولأن كل كمال يثبت للمخلوق فإنما هو من الخالق وما جاز اتصافه به من الكمال ~~وجب له، فإنه لو لم يجب له لكان إما ممتنعا وهو محال بخلاف الفرض، وإما ~~ممكنا يتوقف ثبوته له على غيره والرب تعالى لا يحتاج في ثبوت كماله إلى ~~غيره، فإن معطي الكمال أحق بالكمال، فيلزم أن يكون غيره أكمل منه أو كان ~~غيره معطيا له الكمال وهذا ممتنع، بل هو بنفسه المقدسة مستحق لصفات الكمال ~~فلا يتوقف ثبوت كونه متكلما على غيره، فيجب ثبوت كونه متكلما وأن ذلك لم ~~يزل ولا يزال، والمتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ms372 ممن يكون الكلام لازما له بدون ~~قدرته ومشيئته، والذي لم يزل يتكلم إذا شاء أكمل ممن صار الكلام يمكنه بعد ~~أن لم يكن الكلام ممكنا له (1) . # وحينئذ فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وإن قيل أنه ينادي ~~ويتكلم بصوت لا يلزم من ذلك قدم صوت معين وإذا كان قد تكلم بالقرآن ~~والتوراة والإنجيل بمشيئته وقدرته لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين، وإن ~~كان نوع الباء والسين قديما لم يستلزم أن تكون الباء المعينة والسين ~~المعينة قديمة، لما علم من القرآن من الفرق بين النوع والعين، وهذا الفرق ~~ثابت في الكلام والإرادة والسمع والبصر وغير ذلك من الصفات وبه تحل هذه ~~الإشكالات الواردة على وحدة هذه الصفات وتعددها وقدمها وحدوثها PageV03P110 # وكذلك تزول به الإشكالات الواردة في أفعال الرب وقدمها وحدوثها وحدوث ~~العالم. # وإذا قيل أن حروف المعجم قديمة بمعنى النوع كان ذلك ممكنا بخلاف ما إذا ~~قيل اللفظ الذي نطق به زيد وعمرو قديم، فإن كان هذا مكابرة للحس، والمتكلم ~~يعلم أن حروف المعجم كانت موجودة قبل وجودها بنوعها، وأما نفس الصوت المعين ~~الذي قام به التقطيع والتأليف المعين فيعلم أن عينه لم تكن موجودة قبله. # والمنقول عن الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة مطابق لهذا القول ولهذا ~~أنكروا على من زعم أن حرفا من حروف المعجم مخلوق، وأنكروا على من قال لما ~~خلق الله الحروف سجدت له إلا الألف فقالت: لا أسجد حتى أؤمر، مع أن هذه ~~الحكاية نقلت لأحمد عن سري السقطي وهو نقلها عن بكر بن خنيس العابد، ولم ~~يكن قصد أولئك الشيوخ بها إلا إثبات أن العبد الذي يتوقف فعله على الأمر ~~والشرع هو أكمل من العبد الذي يعبد الله بغير شرع، فإن كثيرا من العباد ~~يعبدون الله بما تحبه قلوبهم وإن لم يكونوا مأمورين به، فقصد أولئك الشيوخ ~~أن من عبد الله بالأمر ولم يفعل شيئا حتى يؤمر بهن فهو أفضل ممن عبده بما ~~لم يؤمر به، وذكروا هذه الحكاية الإسرائيلية شاهدة لذلك، مع ms373 أن هذه لا ~~إسناد لها ولا يثبت بها حكم، ولكن الإسرائيليات إذا ذكرت على طريق ~~الاستشهاد بها لما عرف صحته لم يكن بذكرها بأس. # وقصدوا بذلك الحروف المكتوبة لأن الألف منتصبة وغيرها ليس كذلك مع أن هذا ~~أمر اصطلاحي وخط غير العرب لا يماثل خط العرب، ولم يكن قصد أولئك الأشياخ ~~أن نفس الحروف المنطوقة التي هي مباني أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة ~~مخلوقة ثابتة عن الله، بل هذا شيء لعله لم يخطر بقلوبهم والحروف المنطوقة ~~لا يقال فيها بأنها منتصبة ولا ساجدة، فمن احتج بهذا من قولهم على أنهم ~~يقولون أن الله لم يتكلم بالقرآن العربي ولا بالتوراة العبرية فقد قال عنهم ~~ما لم يقولوه. # وأما الإمام أحمد فإنه أنكر إطلاق هذا القول وما يفهم منه عند الإطلاق ~~وهو # PageV03P111 # أن نفس حروف المعجم مخلوقة كما نقل عنه أنه قال: ومن زعم أن حرفا من حروف ~~المعجم مخلوق فقد سلك طريقا إلى البدعة، قال إن ذلك مخلوق، وقد قال أن ~~القرآن مخلوق ولا ريب أنه من جعل نوع الحروف مخلوقا ثابتا عن الله كائنا ~~بعد إن لم يكن لزم عنده أن يكون كلام الله العربي والعبري ونحوهما مخلوقا، ~~وامتنع أن يكون الله متكلما بكلامه الذي أنزله إلى عباده، فلا يكون شيء من ~~ذلك كلامه فطريقة الإمام أحمد وغيره من السلف مطابقة للقول الثابت الموافق ~~لصريح المعقول وصحيح المنقول. # وقال الشيخ الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي في كتابه الذي ~~سماه الفصول في الأصول: سمعت الشيخ أبا حامد الإسفرايني يقول: مذهبي ومذهب ~~الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو ~~كافر، والقرآن حمله جبريل عليه السلام مسموعا من الله تعالى، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو الذي نتلوه بألسنتنا وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ~~ومحفوظا، وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق، ومن قال ~~مخلوقا فهو كافر ms374 عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين. # والكلام في هذا الأمور مبسوط في غير هذا الموضع وذكر ما يتعلق بهذا الباب ~~من الكلام في سائر الصفات كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ~~في تعدد الصفات وإيجادها وقدمها وحدوثها، أو قدم النوع دون الأعيان، أو ~~إثبات صفة كلية، فإن عمومها متأولة بالأعيان مع تجدد كل معين من الأعيان أو ~~غير ذلك مما قيل في هذا الباب فإن هذه أمور مشكلة ومحارات للعقول ولهذا ~~اضطرب فيها طوائف من الناس ونظارهم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~والله سبحانه أعلم. # PageV03P112 # ذكر ما لخصه الإمام شيخ الإسلام # في كتابه منهاج السنة في مسألة الكلام # هذه مسألة كلام الله تعالى الناس فيها مضطربون، قد بلغوا فيها إلى سبعة ~~أقوال: أحدها قول من يقول: إن كلام الله ما يفيض على النفوس من المعاني ~~التي تفيض، إما من العقل الفعال عند بعضهم، وإما من غيره، وهذا قول الصائبة ~~والمتفلسفة الموافقين لهم كابن سينا وأمثاله، ومن دخل مع هؤلاء من متصوفة ~~الفلاسفة ومتكلميهم، كأصحاب وحدة الوجود، وفي كلام صاحب الكتب " المضنون ~~بها على غير أهلها " (1) ورسالة " مشكاة الأنوار " وأمثاله ما قد يشار به ~~إلى هذا، وهو في غير ذلك من كتبه يقول ضد هذا، لكن كلامه يوافق هؤلاء تارة ~~وتارة يخالفه، وآخر أمره استقر على مخالفتهم ومطابقة الأحاديث النبوية. # وثانيها قول من يقول: بأنه معنى واحد قديم قائم بذات الله، هو الأمر ~~والنهي والخبر والاستخبار، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه ~~بالعبرانية كان توراة، وهذا قول ابن كلاب ومن وافقه كالأشعري وغيره. # ورابعها (2) قول من يقول: إنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا ~~قول طائفة من أهل الكلام وأهل الحديث، ذكره الأشعري في المقالات (3) عن ~~طائفة. وهو الذي يذكر عن السالمية ونحوهم، وهؤلاء PageV03P113 # قال طائفة منهم: إن تلك الأصوات القديمة هي الصوت المسموع من النار، أو ~~هي بعض الصوت المسموع من النار (1) ، وأما جمهورهم مع جمهور العقلاء ~~فأنكروا ذلك، وقالوا هذا مخالفة لضرورة العقل. ms375 # وخامسها وسادسها قول من يقول: إنه حروف وأصوات، لكن تكلم بعد أن لم يكن ~~متكلما، وكلامه حادث في ذاته كما أن فعله حادث في ذاته، بعد أن لم يكن ~~متكلما ولا فاعلا، وهذا قول الكرامية وغيرهم، وهو قول هشام بن الحكم ~~وأمثاله من الشيعة. # وسابعها قول من يقول: إنه لم يزل متكلما إذا شاء بكلام يقوم به، وهو ~~متكلم بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يجعل نفس الصوت المعين ~~قديما، وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة. # وبالجملة أهل السنة والجماعة - أهل الحديث ومن انتسب إلى السنة والجماعة ~~كالكلابية والكرامية والأشعرية والسالمية - يقولون أن الكلام غير مخلوق، ~~وهذا هو المتواتر عن السلف والأئمة من أهل البيت وغير أهل البيت، ولكن ~~تنازعوا بعد ذلك على الأقوال الخمسة المتأخرة. # أما القولان الأولان قول الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم والصابئة ~~المتفلسفة ونحوهم، والثاني قول الجهمية من المعتزلة ومن وافقهم كالنجارية ~~والضرارية. # وأما الشيعة فمتنازعون في هذه المسألة، وقد حكينا النزاع عنهم فيما تقدم ~~(2) وقدماؤهم كانوا يقولون القرآن غير مخلوق كما يقوله أهل السنة والحديث، ~~وهذا هو المعروف عند أهل البيت كعلي بن أبي طالب وغيره مثل أبي جعفر الباقر ~~وجعفر الصادق وغيرهم، ولكن الإمامية تخالف أهل البيت في عامة أصولهم فليس ~~من أئمة أهل البيت مثل علي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وابنه جعفر بن محمد ~~PageV03P114 # من كان ينكر الرؤية، ولا يقول بخلق القرآن ولا ينكر القدر ولا يقول بالنص ~~على علي (1) ولا بعصمة الأئمة الاثني عشر، ولا يسب أبا بكر وعمر، ~~والمنقولات الثابتة المتواترة عن هؤلاء معروفة موجودة، وكانت مما يعتمد ~~عليه أهل السنة، وشيوخ الرافضة معترفون بأن هذا الاعتقاد في التوحيد ~~والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا سنة ولا عن أئمة أهل البيت وإنما ~~يزعمون أن العقل دلهم عليه كما يقول ذلك المعتزلة وإنما يزعمون أنهم تلقوا ~~عن الأئمة الشرائع، وقولهم في الشرائع غالبه موافق لمذهب أهل السنة، ولهم ~~مفردات شنيعة لم يوافقهم عليها أحد، ولهم مفردات ms376 عن المذاهب الأربعة قد قال ~~بها غيرهم من السلف وأهل الظاهر وفقهاء المعتزلة وغير هؤلاء، فهذه ونحوها ~~من مسائل الاجتهاد التي يهون الأمر فيها، بخلاف الشاذ الذي يعفر أنه لا أصل ~~له لا في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا سبقهم إليه أحد. # وإذا عرفت المذاهب فيقال لهذا - أي ابن المطهر الذي رد عليه ابن تيمية في ~~هذا البحث -: قولك " إن أمره ونهيه وأخباره حادث لاستحالة أمر المعدوم ~~ونهيه وأخباره، أتريد به أنه حادث في ذاته، أم حادث منفصل عنه؟ والأول قول ~~أئمة الشيعة المتقدمة والجهمية والمرجئة والكرامية، مع كثير من أهل الحديث ~~وغيرهم. ثم إذا قيل حادث، أهو حادث النوع، فيكون الرب قد صار متكلما بعد أن ~~لم يكن متكلما، أو حادث الأفراد وأنه لم يزل متكلما إذا شاء؟ والكلام الذي ~~كلم به موسى هو حادث، وإن كان نوع كلامه قديما لم يزل؟ فهذه ثلاثة أنواع ~~تحت قولك، وقد علم أنك أردت النوع الأول وهو قول الذين جمعوا بين التشيع ~~والاعتزال، فقالوا: إنه مخلوق خلقه الله منفصلا عنه، فيقال لك: إذا كان ~~الله قد خلقه منفصلا عنه لم يكن كلامه، فإن الكلام والقدرة والعلم وسائر ~~الصفات إنما يتصف بها من قامت به لا من خلقها وفعلها في غيره، ولهذا إذا ~~خلق الله حركة PageV03P115 # وعلما وقدرة في جسم كان ذلك الجسم هو المتحرك العالم القادر بتلك الصفات ~~ولم تكن تلك صفات الله بل مخلوقات له، ولو كان متصفا بمخلوقاته المنفصلة ~~عنه لكان إذا أنطق الجامدات - كما قال " يا جبال أوبي معه والطير " وكما ~~قال: " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء " وكما قال: " ~~اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " ~~ومثل تسليم الحجر على النبي صلى الله عليه وسلم أو تسبيح الحصى بيده، ~~وتسبيح الطعام وهم يأكلونه، فإذا كان كلام الله لا يكون إلا ما خلقه في ~~غيره وجب أن يكون هذا ms377 كله كلام الله فإنه خلقه في غيره، وإذا تكلمت الأيدي ~~فينبغي أن يكون ذاك كلام الله كما يقولون أنه خلق كلاما في الشجرة كلم الله ~~به موسى بن عمران. # وأيضا فإذا كان الدليل قد قام على أن الله تعالى خالق أفعال العباد ~~وأقوالهم وهو المنطق لكل ناطق وجب أن يكون كل كلام في الوجود كلامه، وهذا ~~ما قالته الحلولية (1) ، من الجهمية كصاحب الفصوص ابن عربي قال: # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه # وحينئذ فيكون قول فرعون " أنا ربكم الأعلى " كلام الله كما أن الكلام ~~المخلوق في الشجرة: " إنني أنا الله لا إله إلا أنا " كلام الله. # وأيضا فالرسل الذين خاطبوا الناس وأخبروهم أن الله قال ونادى وناجى ~~ويقول، لم يفهموهم أن هذه المخلوقات منفصلة عنه بل الذي أفهموهم إياه أن ~~الله نفسه الذي تكلم، والكلام قائم به لا بغيره، ولهذا عاب الله من يعبد ~~إلها لا يتكلم فقال PageV03P116 # : " أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا " وقال: ~~" ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا " ولا يحمد شيء بأنه متكلم ويذم ~~بأنه غير متكلم إلا إذا كان الكلام قائما به، وبالجملة لا يعرف في لغة ولا ~~عقل قائل متكلم إلا من يقوم به القول والكلام، كما لا يعقل حي إلا من تقوم ~~به الحياة، ولا عالم إلا من يقوم به العلم، ولا متحرك إلا من تقوم به ~~الحركة ولا فاعل إلا من يقوم به الفعل، فمن قال: أن المتكلم هو الذي يكون ~~كلامه منفصلا عنه. قال ما لا يعقل، ولم يفهم الرسل الناس هذا، بل كل من سمع ~~ما بلغته الرسل عن الله يعلم بالضرورة أن الرسل لم ترد بكلام الله ما هو ~~منفصل بل ما هو متصف به. # قالوا: المتكلم من فعل الكلام والله تعالى لما أحدث الكلام في غيره صار ~~متكلما فيقال لهم: للمتأخرين المختلفين هنا ثلاثة أقوال: قيل المتكلم من ~~فعل الكلام ولو كان منفصلا عنه، وهذا إنما قاله ms378 هؤلاء. # وقيل المتكلم من قام به الكلام ولو لم يكن بفعله ولا هو بمشيئته ولا ~~قدرته، وهذا قول الكلابية والسالمية ومن وافقهم. # وقيل المتكلم من تكلم بفعله ومشيئته وقدرته فقام به الكلام، وهذا قول ~~أكثر أهل الحديث وطوائف من الشيعة والمرجئة والكرامية وغيرهم، فأولئك ~~يقولون هو صفة فعل منفصل عن الموصوف لا صفة ذات، والصنف الثاني يقولون: صفة ~~ذات لازمة للموصوف لا تتعلق بمشيئته ولا قدرته، والآخرون يقولون هو صفة ذات ~~وصفة فعل، وهو قائم به يتعلق بمشيئته وقدرته. # إذا كان كذلك فقولكم أنه صفة فعل ينازعكم فيه طائفة، وإذا لم ينازعوا في ~~هذا فيقال: هب أنه صفة فعل منفصل عن القائل الفاعل أو قائم به؟ أما الأول ~~فهو قولكم الفاسد، وكيف تكون الصفة غير قائمة بالموصوف، أو القول غير قائم ~~بالقائل؟ فإن قلتم: هذا بناء على أن فعل الله لا يقوم به لأنه لو قام به ~~لقامت به # PageV03P117 # الحوادث؟ قيل: والجمهور ينازعونكم في هذا الأصل، ويقولون: كيف يعقل فعل ~~لا يقوم بفاعل (1) ونحن نعقل الفرق بين نفس التكوين وبين المخلوق المكون؟ ~~وهذا قول جمهور الناس كأصحاب أبي حنيفة وهو الذي حكاه البغوي وغيره من ~~أصحاب الشافعي عن أهل السنة، وهو قول أئمة أصحاب أحمد كأبي إسحاق بن شاقلا ~~وأبي بكر بن عبد العزيز وأبي عبد الله بن حامد والقاضي أبي يعلى في آخر ~~قويه وقول أئمة الصوفية وأئمة أصحاب الحديث، وحكاه البخاري في كتاب أفعال ~~العباد عن العلماء مطلقا، وهو قول طوائف من المرجئة والشيعة والكرامية. # ثم القائلون بقيام فعله به منهم من يقول فعله قديم والمفعول متأخر، كما ~~أن إرادته قديمة والمراد متأخر، كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب أبي حنيفة ~~وأحمد وغيرهم، ومنهم من يقول بل هو حادث النوع كما يقول ذلك من يقوله من ~~الشيعة والمرجئة والكرامية، ومنهم من يقول بمشيئته وقدرته شيئا فشيئا لكنه ~~لم يزل متصفا به فهو حادث الآحاد قديم النوع، كما يقول ذلك من يقوله من ~~أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من ms379 أصحاب الشافعي وأحمد وسائر الطوائف. # وإذا كان الجمهور ينازعونكم فتقدر المنازعة بينكم وبين أئمتكم من الشيعة ~~ومن وافقهم، فإن هؤلاء يوافقونكم على أنه حادث لكن يقولون هو قائم بذات ~~الله فيقولون قد جمعنا حجتنا وحجتكم فقلنا العدم لا يؤمر ولا ينهى، وقلنا ~~الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم. # فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب قلنا لكم: نعم، وهذا قولنا ~~الذي دل عليه الشرع والعقل، ومن لم يقل أن الباري يتكلم ويريد ويحب ويبغض ~~ويرضى ويأتي ويجيء، فقد ناقض كتاب الله. ومن قال أنه لم يزل ينادي موسى ~~PageV03P118 # في الأزل فقد خالف كلام الله مع مكابرة العقل، لأن الله تعالى يقول: " ~~فلما جاءها نودي " وقال " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " ~~فأتى بالحروف الدالة على الاستقبال. # قالوا وبالجملة فكل ما يحتج به المعتزلة والشيعة مما يدل على أن كلامه ~~متعلق بمشيئته وقدرته وأنه يتكلم إذا شاء وأنه يتكلم شيئا بعد شيء، فنحن ~~نقول به، وما يقول به من يقول أن كلام الله قائم بذاته وأنه صفة له والصفة ~~لا تقوم إلا بالموصوف فنحن نقول به، وقد أخذنا بما في قول كل من الطائفتين ~~من الصواب وعدلنا عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما، فإذا قالوا لنا: ~~فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به، قلنا ومن أنكر هذا قبلكم من السلف ~~والأئمة، ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل، وهو قول لازم لجميع ~~الطوائف، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزوماته. # ولفظ الحوادث مجمل، فقد يراد به الأعراض والنقائص والله منزه عن ذلك ولكن ~~يقوم به ما شاءه ويقدر عليه من كلامه وأفعاله ونحو ذلك مما دل عليه الكتاب ~~والسنة. # ونحن نقول لمن أنكر قيام ذلك به: أتنكره لإنكارك قيام الصفة به كإنكار ~~المعتزلة أم تنكره لأن من قامت به الحوادث لم يخل منها ونحو ذلك مما يقوله ~~الكلابية؟ فإذا قال الأول كان الكلام في أصل الصفات وفي كون الكلام قائما ~~بالمتكلم لا منفصلا ms380 منه كافيا في هذا الباب. # وإن كان الثاني قلنا لهؤلاء: أتجوزون حدوث الحوادث بلا سبب حادث أم لا؟ ~~فإن جوزتم ذلك وهو قولكم لزم أن يفعل الحوادث ما لم يكن فاعلا لها ولا ~~لضدها؟ فإذا جاز هذا فلم لا يجوز أن تقوم الحوادث بمن لم تكن قائمة به هي ~~ولا ضدها؟ ومعلوم أن الفعل أعظم من القبول فإذا جاز فعلها بلا سبب حادث ~~فكذلك قيامها بالمحل، فإن قلتم: القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده لزم ~~تسلسل الحوادث، وتسلسل # PageV03P119 # الحوادث إن كان ممكنا كان القول الصحيح قول أهل الحديث الذين يقولون لم ~~يزل متكلما إذا شاء، كما قاله ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما من أئمة ~~السنة، وإن لم يكن جائزا كان قولنا هو الصحيح، فقولكم أنتم باطل على كلا ~~التقديرين. # فإن قلت: أنتم توافقوننا على امتناع تسلسل الحوادث وهو حجتنا وحجتكم على ~~قدم العالم، قلنا لكم: موافقتنا لكم حجة جدلية، وإذا كنا قد قلنا بامتناع ~~تسلسل الحوادث موافقة لكم وقلنا بأن الفاعل للشيء قد يخلو عنه وعن ضده ~~مخالفة لكم، وأنتم تقولون: إن قيل بالحوادث لزم تسلسلها وأنتم لا تقولون ~~بذلك، قلنا: إن صحت هاتان المقدمتان ونحن لا نقول بموجبهما لزم خطؤنا إما ~~في هذه وإما في هذه، وليس خطؤنا فيما سلمناه لكم بأولى من خطئنا فيما ~~خالفناكم فيه، فقد يكون خطؤنا في منع تسلسل الحوادث لا في أن القابل للشيء ~~يخلو عنه وعن ضده، فلا يكون خطؤنا في إحدى المسألتين دليلا على جوابكم في ~~الأخرى التي خالفناكم فيها، أكثر ما في هذا الباب أن نكون متناقضين ~~والتناقض شامل لنا ولكم ولأكثر من تكلم في هذه المسألة ونظائرها، وإذا كنا ~~متناقضين فرجوعنا إلى قول نوافق فيه العقل والنقل أولى من رجوعنا إلى قول ~~نخالف فيه العقل والنقل. # فنقول: إن كون المتكلم يتكلم بكلام لا يتعلق بمشيئته وقدرته، أو منفصل ~~عنه لا يقوم به، مخالف للعقل والنقل، بخلاف تكلمه بكلام يتعلق بمشيئته ~~وقدرته قائم به فإن هذا لا يخالف لا ms381 عقلا ولا نقلا، لكن قد نكون ممن نقله ~~بلوازمه فنكون متناقضين، وإذا كنا متناقضين كان الواجب أن نرجع عن القول ~~الذي أخطأنا فيه لنوافق ما أصبنا فيه، لا نرجع عن الصواب ليطرد الخطأ، فنحن ~~نرجع عن تلك المناقضات ونقول بقول أهل الحديث. # فإن قلتم: إثبات حادث بعد حادث لا إلى أول قول الفلاسفة الدهرية؟ قلنا: ~~بل قولكم أن الرب تعالى لم يزل معطلا لا يمكنه أن يتكلم بشيء ولا أن يفعل ~~شيئا # PageV03P120 # ثم صار يمكنه أن يتكلم وأن يفعل بلا حدوث سبب يقتضي ذلك قول مخالف لصريح ~~العقل ولما عليه المسلمون، فإن المسلمين يعلمون أن الله لم يزل قادرا، ~~وإثبات القدرة مع كون المقدور ممتنعا غير ممكن لأنه جمع بين النقيضين فكان ~~فيما عليه المسلمون من أنه لم يزل قادرا ما يبين أنه لم يزل قادرا على ~~الفعل والكلام بقدرته ومشيئته، والقول بدوام كونه متكلما ودوام كونه فاعلا ~~بمشيئته منقول عن السلف وأئمة المسلمين من أهل البيت وغيرهم كابن المبارك ~~وأحمد بن حنبل والبخاري وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم، وهو منقول عن جعفر ~~الصادق بن محمد في الأفعال المتعدية فضلا عن اللازمة وهو دوام إحسانه. # والفلاسفة الدهيرة قالوا بقدم العالم وأن الحوادث فيه لا إلى أول وأن ~~الباري موجب بذاته للعالم ليس فاعلا بمشيئته وقدرته ولا يتصرف بنفسه، وأنتم ~~وافقتموهم على طائفة باطلهم، حيث قلتم إنه لا يتصرف بنفسه ولا يقوم به أمر ~~يختار، ويقدر عليه، وجعلتموه كالجماد الذي لا تصرف له ولا فعل، وهم جعلوه ~~كالجماد الذي لزمه وعلق به ما لا يمكنه دفعه عنه ولا قدرة له على التصرف ~~فيه فوافقتموهم على بعض باطلهم. # ونحن قلنا بما يوافق العقل والنقل، من كمال قدرته ومشيئته وأنه قادر على ~~الفعل بنفسه كيف شاء، وقلنا أنه لم يزل موصوفا بصفات الكمال متكلما ذاتا ~~فلا نقول أن كلامه مخلوق منفصل عنه، فإن حقيقة هذا القول أنه لا يتكلم، ولا ~~نقول أنه شيء واحد أمر ونهي وخبر، وأن معنى التوراة والإنجيل واحد، وأن ms382 ~~الأمر والنهي صفة لشيء واحد، فإن هذا مكابرة للعقل، ولا نقول أنه أصوات ~~متقطعة متضادة أزلية فإن الأصوات لا تبقى زمانين. # وأيضا فلو قلنا بهذا القول والذي قبله لزم أن يكون تكليم الله للملائكة ~~ولموسى ولخلقه يوم القيامة ليس إلا مجرد خلق الإدراك لهم لما كان أزليا لم ~~يزل، ومعلوم أن النصوص دلت على ضد ذلك، ولا نقول أنه صار متكلما بعد أن لم # PageV03P121 # يكن متكلما فإنه وصف له بالكمال بعد النقص وأنه صار محلا للحوادث التي كل ~~بها بعد نقصه، ثم حدوث ذلك الكمال لا بد له من سبب، والقول في الثاني ~~كالقول في الأول، ففيه تجدد جلاله ودوام أفعاله وبهذا يمكن أن يكون العالم ~~وكل ما فيه مخلوقا له حادثا بعد أن لم يكن، لأنه يكون سبب الحدوث وهو ما ~~قام بذاته من كلماته وأفعاله وغير ذلك، فيعقل سبب حدوث الحوادث، ومع هذا ~~يمتنع أن يقال بقدم شيء من العالم لأنه لو كان قديما لكان مبدعه موجبا ~~بذاته يلزمه موجبه ومقتضاه، فإذا كان الخالق فاعلا بفعل يقوم بنفسه بمشيئته ~~واختياره امتنع أن يكون موجبا بذاته لشيء من الأشياء، فامتنع قدم شيء من ~~العالم، وإذا امتنع من الفاعل المختار أن يفعل شيئا منفصلا عنه مقارنا مع ~~أنه لا يقوم به فعل اختياري فلأن يمتنع ذلك إذا قام به فعل اختياري بطريق ~~الأولى والأحرى، لأنه على هذا التقدير الأول يكفي في نفس المشيئة والفعل ~~الاختياري والقدرة، ومعلوم أن ما يتوقف على المشيئة والفعل الاختياري ~~القائم به أن يكون أولى بالحدوث والتأخر مما لم يتوقف إلا على بعض ذلك. # والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع. # وأكثر الناس لا يعلمون كثيرا من هذه الأقوال ولذلك كثر بينهم القيل ~~والقال وما ذكرناه إشارة إلى مجامع المذاهب. انتهى. # PageV03P122 # فصل آخر # فيما قال في مسألة اللفظ كما في كتابه: موافقة صريح المعقول لصحيح ~~المنقول (1) ، وهذا نصه: # لما كان السلف والأئمة متفقين على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقد ~~علم المسلمون أن ms383 القرآن بلغه جبريل عن الله إلى محمد وبلغه محمد إلى الخلق ~~وأن الكلام إذا بلغه المبلغ عن قائله لم يخرج عن كونه كلام المبلغ عنه، بل ~~هو كلام لمن قاله مبتدئا، لا كلام من بلغه عنه مؤديا، فالنبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا قال: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " وبلغ هذا ~~الحديث عنه واحد بعد واحد حتى وصل إلينا كان من المعلوم أنا إذا سمعناه من ~~المحدث به إنما سمعنا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تكلم به ~~بلفظه ومعناه، وإنما سمعناه عن المبلغ عنه بفعله وصوته، ونفس الصوت الذي ~~تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم لم نسمعه، وإنما سمعنا صوت المحدث عنه ~~والكلام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا كلام المحدث، فمن قال أن هذا ~~الكلام ليس كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مفتريا، وكذلك من قال إن ~~هذا لم يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أحدثه في غيره أو أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بلفظه وحروفه بل كان ساكتا أو عاجزا عن ~~التكلم بذلك فعلم غيره ما في نفسه فنظم هذه الألفاظ ليعبر عما في نفس النبي ~~صلى الله عليه وسلم ونحو هذا الكلام - فمن قال هذا كان مفتريا ومن قال أن ~~هذا الصوت المسموع صوت النبي صلى الله عليه وسلم كان مفتريا، فإذا كان هذا ~~معقولا في كلام المخلوق فكلام الخالق أولى بإثبات ما يستحقه من صفات الكمال ~~وتنزيه الله أن تكون صفاته وأفعاله هي صفات العباد وأفعالهم أو مثل صفات ~~العباد وأفعالهم. # فالسلف والأئمة كانوا يعلمون أن هذا القرآن المنزل المسموع من القارئين ~~كلام الله كما قال تعالى: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله PageV03P123 # " ليس هو كلاما لغيره لا لفظه ولا معناه، ولكن بلغه عن الله جبريل وبلغه ~~محمد عن جبريل، ولهذا أضافه الله إلى كل من الرسولين، لأنه بلغه وأداه لا ~~لأنه أحدثه لا لفظه ms384 ولا معناه، إذ لو كان أحدهما هو الذي أحدث ذلك لم يصح ~~إضافة الأحداث إلى الآخر فقال تعالى: " إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول ~~شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون، تنزيل من رب ~~العالمين " فهذا محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال تعالى: " إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم ~~أمين " فهذا جبريل عليه السلام وقد توعد تعالى من قال " إن هذا إلا قول ~~البشر ". # فمن قال أن هذا القرآن قول البشر فقد كفر، وقال بقول الوحيد الذي أوعده ~~الله سقر، ومن قال أن شيئا منه قول البشر فقد قال ببعض قوله، ومن قال إنه ~~ليس بقول رسول كريم وإنما هو قول شاعر أو مجنون أو مفتر أو قال هو قول ~~شيطان نزل به عليه ونحو ذلك فهذا أيضا كافر ملعون. # وقد علم المسلمون الفرق بين أن يسمع كلام المتكلم منه أو من المبلغ عنه، ~~وأن موسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة، وإنا نحن إنما نسمع كلام الله ~~من المبلغين عنه، وإن كان الفرق ثابتا بين من سمع كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم منه ومن سمعه من الصاحب المبلغ عنه فالفرق هنا أولى، لأن أفعال ~~المخلوق وصفاته أشبه بأفعال المخلوق وصفاته، من أفعاله وصفاته بأفعال الله ~~وصفاته. # ولما كان الجهمية يقولون إن الله لم يتكلم في الحقيقة بل خلق كلاما في ~~غيره ومن أطلق منهم أن الله تكلم حقيقة فهذا مراده فالنزاع بينهم لفظي، كان ~~من المعلوم أن القائل إذا قال هذا القرآن مخلوق كان مفهوم كلامه أن الله لم ~~يتكلم بهذا القرآن، وأنه هو ليس بكلامه بل خلقه في غيره، وإذا فسر مراده ~~بأني أردت أن حركات العبد وصوته والمداد مخلوق كان هذا المعنى وإن كان ~~صحيحا ليس هو مفهوم كلامه ولا معنى قوله، فإن المسلمين إذا قالوا هذا ~~القرآن كلام الله، لم # PageV03P124 # يريدوا بذلك أن أصوات القائلين وحركاتهم قائمة بذات الله، كما أنهم إذا ~~قالوا هذا ms385 الحديث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يريدوا بذلك أن ~~حركات المحدث وصوته قامت بذات رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وكذلك إذ ~~قالوا في إنشاد المنشد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # هذا شعر لبيد وكلام لبيد، لم يريدوا بذلك أن صوت المنشد هو صوت لبيد بلى ~~أرادوا أن هذا القول المؤلف لفظه ومعناه هو للبيد وهذا منشد له، فمن قال: ~~إن هذا القرآن مخلوق أو أن القرآن المنزل مخلوق أو نحو هذه العبارات كان ~~بمنزلة من قال إن هذا الكلام ليس هو كلام الله، وبمنزلة من قال عن الحديث ~~المسموع من المحدث: إن هذا ليس كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بهذا الحديث، وبمنزلة من قال إن هذا ~~الشعر ليس هو شعر لبيد ولم يتكلم به لبيد، ومعلوم أن هذا كله باطل. # ثم إن هؤلاء صاروا يقولون: هذا القرآن المنزل المسموع هو تلاوة القرآن ~~وقراءة القرآن مخلوقة، ويقولون: تلاوتنا للقرآن مخلوقة، وقراءتنا له ~~مخلوقة، ويدخلون في ذلك نفس الكلام المسموع ويقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق. # ويدخلون في ذلك القرآن الملفوظ المتلو المسموع فأنكر الإمام أحمد وغيره ~~من أئمة السنة هذا وقالوا: اللفظية جهمية، وقالوا: افترقت الجهمية ثلاث ~~فرق: فرقة قالت القرآن مخلوق، وفرقة قالت: نقف فلا نقول مخلوق ولا غير ~~مخلوق، وفرقة قالت: تلاوة القرآن واللفظ بالقرآن مخلوق، فلما انتشر ذلك عن ~~أهل السنة غلطت طائفة فقالت: لفظنا بالقرآن غير مخلوق وتلاوتنا له غير ~~مخلوقة. فبدع الإمام أحمد هؤلاء وأمر بهجرهم، ولهذا ذكر الأشعري في مقالاته ~~هذا عن أهل السنة وأصحاب الحديث فقال: والقول باللفظ والوقف عندهم بدعة: من ~~قال اللفظ بالقرآن مخلوق فهو مبتدع عندهم ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. # وكذلك ذكر محمد بن جرير الطبري في صريح السنة، أنه سمع غير واحد من # PageV03P125 # أصحابه يذكر عن الإمام أحمد أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو ~~جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فهو ms386 مبتدع، وصنف أبو محمد بن قتيبة في ذلك ~~كتابا وقد ذكر أبو بكر الخلال هذا في كتاب السنة وبسط القول في ذلك وذكر ما ~~صنفه أبو بكر المروذي في ذلك، وذكر قصة أبي طالب المشهورة عن أحمد التي ~~نقلها عنه أكابر أصحابه كعبد الله وصالح ابنيه والمروذي وأبي محمد فوزان ~~ومحمد بن إسحاق الصنعاني وغير هؤلاء. # وكان أهل الحديث قد افترقوا في ذلك فصار طائفة منهم يقولون لفظنا بالقرآن ~~غير مخلوق، ومرادهم أن القرآن المسموع غير مخلوق، وليس مرادهم صوت العبد، ~~كما يذكر ذلك عن أبي حاتم الرازي ومحمد بن داود المصيصي وطوائف غير هؤلاء ~~وفي أتباع هؤلاء من قد يدخل صوت العبد أو فعله في ذلك أو يقف، ففهم ذلك بعض ~~الأئمة فصار يقول: أفعال العباد أصواتهم مخلوقة ردا لهؤلاء كما فعل البخاري ~~ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما من أهل العلم والسنة وصار يحصل بسبب كثرة ~~الخوض في ذلك ألفاظ مشتركة وأهواء للنفوس حصل بذلك نوع من الفرقة والفتنة. # وحصل بين البخاري وبين محمد بن يحيى الذهلي في ذلك ما هو معروف وصار قوم ~~مع البخاري كمسلم بن الحجاج ونحوه وقوم عليه كأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهما، ~~وكل هؤلاء من أهل العلم والسنة والحديث وهم من أصحاب أحمد بن حنبل ولهذا ~~قال ابن قتيبة: إن أهل السنة لم يختلفوا في شيء من أقوالهم إلا في مسألة ~~اللفظ. # وصار قوم يطلقون القول بأن التلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء وليس ~~مرادهم بالتلاوة المصدر ولكن الإنسان إذا تكلم بالكلام فلا بد له من حركة ~~ومما يكون عن الحركة من أقواله التي هي حروف منظومة ومعان مفهومة. # والقول والكلام يراد به تارة المجموع فتدخل الحركة في ذلك ويكون الكلام # PageV03P126 # نوعا من العمل وقسما منه، ويراد به تارة ما يقترن بالحركة ويكون عنها لا ~~نفس الحركة فيكون الكلام قسيما للعمل ونوعا آخر ليس هو منه. # ولهذا تنازع العلماء في لفظ العمل المطلق هل يدخل فيه الكلام على قولين ~~معروفين لأصحاب أحمد وغيرهم وبنوا ms387 على ذلك ما إذا حلف لا يعمل اليوم عملا ~~فتكلم هل يحنث؟ على قولين: وذلك لأن لفظ الكلام قد يدخل في العمل وقد لا ~~يدخل، فالأول كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تحاسد إلا في ~~اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار فهو يقول لو ~~أوتيت مثل ما أوتي هذا لعملت مثل ما يعمل " كما أخرجه الشيخان في الصحيحين، ~~فقد جعل فعل هذا الذي يتلوه آناء الليل والنهار عملا كما قال لعملت فيه مثل ~~ما يعمل الثاني كما في قوله تعالى: " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه " وقوله تعالى: " وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون ~~من عمل إلا كنا شهودا إذ تفيضون فيه " فالذين قالوا التلاوة هي المتلو من ~~أهل العلم والسنة قصدوا أن التلاوة هي القول والكلام المتلو، وآخرون قالوا: ~~بل التلاوة غير المتلو والقراءة غير المقروء. والذين قالوا ذلك من أهل ~~السنة والحديث أرادوا بذلك أن أفعال العباد ليست هي كلام الله ولا أصوات ~~العباد هي صوت الله، وهذا الذي قصده البخاري وهو مقصود صحيح. # وسبب ذلك أن لفظ التلاوة والقراءة واللفظ مجمل مشترك، يراد به المصدر ~~ويراد به المفعول، فمن قال اللفظ ليس هو الملفوظ والقول ليس هو المقول ~~وأراد باللفظ والقول المصدر كان معنى كلامه أن الحركة ليست هي الكلام ~~المسموع وهذا صحيح، ومن قال اللفظ هو الملفوظ والقول هو نفس المقول وأراد ~~باللفظ والقول مسمى المصدر، صار حقيقة مراده أن اللفظ والقول هو الكلام ~~المقول الملفوظ وهذا صحيح. # PageV03P127 # فمن قال اللفظ بالقرآن أو القراءة أو التلاوة مخلوقة أو لفظي بالقرآن أو ~~تلاوتي دخل في كلامه نفس الكلام المقروء المتلو، وذلك هو كلام الله تعالى، ~~وإن أراد بذلك مجرد فعله وصوته كان المعنى صحيحا، لكن إطلاق اللفظ يتناول ~~هذا وغيره ولهذا قال أحمد في بعض كلامه: من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به ~~القرآن فهو جهمي، احتراز عما إذا أراد به فعله وصوته. # وذكر ms388 اللالكائي: إن بعض من كان يقول ذلك رأى في منامه كأن عليه فروة ورجل ~~يضربه فقال له: لا تضربني، فقال: إني لا أضربك وإنما أضرب الفروة، فقال: إن ~~الضرب إنما يقع ألمه علي، فقال: هكذا إذا قلت لفظي بالقرآن مخلوق وقع الخلق ~~على القرآن. # ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق أو تلاوتي دخل في ذلك المصدر الذي هو ~~عمله، وأفعال العباد مخلوقة، ولو قال: أردت به أن القرآن المتلو غير مخلوق ~~لا نفس حركاتي، قيل: لفظك هذا بدعة وفيه إجمال وإيهام، وإن كان مقصودك ~~صحيحا فلهذا منع أئمة السنة الكبار إطلاق هذا وهذا وكان هذا وسطا بين ~~الطرفين. # وكان أحمد وغيره من الأئمة يقولون القرآن حيث تصرف كلام الله غير مخلوق، ~~ومن غير أن يقرن بذلك ما يشعر أن أفعال العباد وصفاتهم غير مخلوقة وصارت كل ~~طائفة من النفاة والمثبتة في مسألة التلاوة تحكي قولها عن أحمد، وهم كما ~~ذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال، وقال: إن كل واحدة من هاتين الطائفتين ~~تذكر قولها عن أحمد وهم لا يفقهون قوله لدقة معناه. # ثم صار ذلك التفرق موروثا في أتباع الطائفتين، فصارت طائفة تقول أن اللفظ ~~بالقرآن غير مخلوق موافقة لأبي حاتم الرازي ومحمد بن داود المصيصي ~~وأمثالهما كأبي عبد الله بن منده وأهل بيته وأبي عبد الله بن حامد وأبي نصر ~~السجزي وأبي إسماعيل الأنصاري وأبي يعقوب الفرات الهروي وغيرهم، وقوم ~~يقولون # PageV03P128 # نقيض هذا القول من غير دخول في مذهب ابن كلاب مع اتفاق الطائفتين على أن ~~القرآن كله كلام الله لم يحدث غيره شيئا منه، ولا خلق منه شيئا في غيره، لا ~~حروفه ولا معانيه، مثل حسين الكرابيسي وداود بن علي الأصبهاني وأمثالهما. # وحدث مع هذا من يقول بقول ابن كلاب: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفس ~~المتكلم هو الأمر بكل ما أمر به والنهي عن كل ما نهى عنه والإخبار بكل ما ~~أخبر به، وأنه إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن وإن عبر عنه بالعبرية كان ms389 ~~هو التوراة. # وجمهور الناس من أهل السنة والمعتزلة وغيرهم أنكروا ذلك وقالوا إن فساد ~~هذا معلوم بصريح العقل فإن التوراة إذا عربت لم تكن هي القرآن ولا معنى " ~~قل هو الله أحد " هو معنى " تبت " وكان يوافقهم على إطلاق القول بأن ~~التلاوة غير المتلو وأنها مخلوقة من لا يوافقهم على هذا المعنى، بل قصده أن ~~التلاوة أفعال العباد وأصواتهم، وصار أقوام يطلقون القول بأن التلاوة غير ~~المتلو وأن اللفظ بالقرآن مخلوق فمنهم من يعرف أنه موافق لابن كلاب ومنهم ~~من يعرف مخالفته له، ومنهم من لا يعرف منه هذا ولا هذا، وصار أبو الحسن ~~الأشعري ونحوه ممن يوافق ابن كلاب على قوله موافقا للإمام أحمد وغيره من ~~أئمة السنة في المنع من إطلاق هذا وهذا، فيمنعون أن يقال اللفظ بالقرآن ~~مخلوق أو غير مخلوق، وهؤلاء منعوه من جهة كونه يقال في القرآن أنه بلفظ أو ~~لا بلفظ، وقالوا: اللفظ الطرح والرمي، ومثل هذا لا يقال في القرآن، ووافق ~~هؤلاء على التعليل بهذا طائفة ممن لا يقول بقول ابن كلاب في الكلام كالقاضي ~~أبي يعلى وأمثاله، ووقع بين أبي نعيم الأصبهاني وأبي عبد الله بن منده في ~~ذلك ما هو معروف وصنف أبو نعيم في ذلك كتابه في الرد على اللفظ والحلولية ~~ومال فيه إلى جانب النفاة القائلين بأن التلاوة مخلوقة، كما مال ابن منده ~~إلى جانب من يقول إنها غير مخلوقة، وحكى كل منهما # PageV03P129 # عن الأئمة ما يدل على كثير من مقصوده لا على جميعه، فما قصده كل منهما من ~~الحق وجد فيه من المنقول الثابت عن الأئمة ما يوافقه. # وكذلك وقع بين أبي ذر الهروي وأبي نصر السجزي في ذلك حتى صنف أبو نصر ~~السجزي كتابه الكبير في ذلك المعروف بالإبانة وذكر فيه من الفوائد والآثار ~~والانتصار للسنة وأهلها أمورا عظيمة المنفعة، لكنه نصر فيه قول من يقول ~~لفظي بالقرآن غير مخلوق، وأنكر على ابن قتيبة وغيره ما ذكروه من التفصيل، ~~ورجح طريقة من هجر البخاري، وزعم أن أحمد ms390 بن حنبل كان يقول لفظي بالقرآن ~~غير مخلوق، وأنه رجع إلى ذلك، وأنكر ما نقله الناس عن أحمد من إنكاره على ~~الطائفتين وهي مسألة أبي طالب المشهورة، وليس الأمر كما ذكره، فإن الإنكار ~~على الطائفتين مستفيض عن أحمد عند أخص الناس به من أهل بيته وأصحابه الذين ~~اعتنوا بجمع كلام أحمد، كالمروذي والخلال وأبي بكر عبد العزيز وأبي عبد ~~الله بن بطة وأمثالهم، وقد ذكروا من ذلك ما يعلم كل عارف له أنه من أثبت ~~الأمور عن أحمد، وهؤلاء العراقيون أعلم بأقوال أحمد من المنتسبين إلى السنة ~~والحديث من أهل خراسان الذين كان ابن منده وأبو نصر وأبو إسماعيل الهروي ~~وأمثالهم يسلكون حذوهم، ولهذا صنف عبد الله بن عطاء الإبراهيمي كتابا فيمن ~~أخذ عن أحمد العلم، فذكر طائفة ذكر منهم أبا بكر الخلال وظن أنه أبو محمد ~~الخلال شيخ القاضي أبي يعلى وأبي بكر الخطيب فاشتبه عليه هذا بهذا، وهذا ~~كما أن العراقيين المنتسبين إلى أهل الإثبات من أتباع ابن كلاب كأبي العباس ~~القلانسي وأبي الحسن الأشعري وأبي الحسن علي بن مهدي الطبري والقاضي أبي ~~بكر الباقلاني وأمثالهم أقرب إلى السنة وأتبع لأحمد بن حنبل وأمثاله من أهل ~~خراسان الماثلين إلى طريقة ابن كلاب، ولهذا كان القاضي أبو بكر بن الطيب ~~يكتب في أجوبته أحيانا محمد بن الطيب الحنبلي كما كان يقول الأشعري إذ كان ~~الأشعري وأصحابه منتسبين إلى أحمد بن حنبل # PageV03P130 # وأمثاله من أئمة السنة، وكان الأشعري أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل ~~السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام ~~المعتزلة كابن عقيل وصدقة بن الحسين وابن الجوزي وأمثالهم. # وكان أبو ذر الهروي قد أخذ طريقة الباقلاني وأدخلها إلى الحرم، ويقال أنه ~~أول من أدخلها إلى الحرم، وعنه أخذ ذلك من أخذه من أهل المغرب، فإنهم كانوا ~~يسمعون عليه البخاري ويأخذون ذلك عنه كما أخذه أبو الوليد الباجي، ثم رحل ~~الباجي إلى العراق فأخذ طريقة الباقلاني عن أبي جعفر السمناني الحنفي قاضي ms391 ~~الموصل صاحب الباقلاني. # ونحن قد بسطنا الكلام في هذه المسائل وبينا ما حصل فيها من النزاع ~~والاضطراب في غير هذا الموضع. # فصل آخر # أو ### | فتوى في مسألة الكلام # لشيخ الإسلام رحمه الله: # سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رجل قال: إن الله لم يكلم ~~موسى تكليما، وإنما خلق الكلام والصوت في الشجرة وموسى عليه السلام سمع من ~~الشجرة لا من الله، وأن الله عز وجل لم يكلم جبريل بالقرآن وإنما أخذه من ~~اللوح المحفوظ، فهل هو على الصواب أم لا؟ فأجاب: الحمد الله، ليس هذا على ~~الصواب، بل هذا ضال مفتر كاذب باتفاق سلف الأمة وأئمتها، بل هو كافر يجب أن ~~يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإذا قال لا أكذب بلفظ القرآن وهو قوله " وكلم ~~الله موسى تكليما " بل أقر بأن هذا اللفظ حق لكن أنفي معناه وحقيقته (1) ~~PageV03P131 # فإن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شر أهل ~~الأهواء والبدع حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الثنتين والسبعين فرقة. # وأول من قال هذه المقالة في الإسلام كان يقال له الجعد بن درهم فضحى به ~~خالد بن عبد الله القسري يوم أضحى، فإنه خطب الناس فقال في خطبته: ضحوا ~~أيها الناس، تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله ~~لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد ~~علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه. وكان ذلك في زمن التابعين فشكروا ذلك، وأخذ هذه ~~المقالة عنه جهم بن صفوان وقتله بخراسان سلمة بن أحور، وإليه نسبت هذه ~~المقالة التي تسمى مقالة الجهمية، وهي نفي صفات الله تعالى، فإنهم يقولون: ~~إن الله لا يرى في الآخرة ولا يكلم عباده، وأنه ليس له علم ولا حياة ولا ~~قدرة ونحو ذلك من الصفات، ويقولون القرآن مخلوق. # ووافق الجهم على ذلك المعتزلة أصحاب عمرو بن عبيد وضموا إليها بدعا أخرى ~~في القدر وغيره، لكن المعتزلة يقولون أن الله كلم موسى حقيقة وتكلم حقيقة، ms392 ~~لكن حقيقة ذلك عندهم أنه خلق كلاما في غيره إما في شجرة وإما في هواء وإما ~~في غير ذلك من غير أن يقوم بذات الله عندهم كلام ولا علم ولا قدرة ولا رحمة ~~ولا مشيئة ولا حياة ولا شيء من الصفات. # والجهمية تارة يبوحون بحقيقة القول، فيقولون: أن الله لم يكلم موسى ~~تكليما ولا يتكلم، وتارة لا يظهرون هذا اللفظ لما فيه من الشناعة المخالفة ~~لدين الإسلام واليهود والنصارى، فيقرون باللفظ ولكن يقرنونه بأنه خلق في ~~غيره كلاما. # وأئمة الدين كلهم متفقون على ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف ~~الأمة من أن الله كلم موسى تكليما وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن ~~المؤمنين # PageV03P132 # يرون ربهم في الآخرة كما تواترت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأن لله علما وقدرة ونحو ذلك. # ونصوص الأئمة في ذلك مشهورة متواترة حتى أن أبا القاسم الطبري الحافظ لما ~~ذكر في كتابه في شرح أصول السنة مقالات السلف والأئمة في الأصول ذكر من قال ~~القرآن كلام الله غير مخلوق، وقال: فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفسا أو أكثر من ~~التابعين والأئمة المرضيين سوى الصحابة، على اختلاف الأعصار ومضي السنين ~~والأعوام، وفيهم نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتدينوا بمذاهبهم، ~~ولو اشتغلت بنقل قول أهل الحديث لبلغت أسماؤهم الوفا، لكني اختصرت فنقلت عن ~~هؤلاء عصرا بعد عصر لا ينكر عليهم منكر، ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا ~~بقتله أو نفيه أو صلبه، قال: ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال القرآن ~~مخلوق جعد بن درهم في سني نيف وعشرين ومائة، ثم جهم بن صفوان، فأما جعد ~~فقتله خالد بن عبد الله القسري، وأما جهم فقتل بمرو في خلافه هشام بن عبد ~~الملك. # وروى بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من وجهين أنهم قالوا له ~~يوم صفين: حكمت رجلين؟ فقال: ما حكمت مخلوقا ما حكمت إلا القرآن، وعن عكرمة ~~قال: كان ابن عباس في جنازة فلما وضع الميت ms393 في لحده قام رجل وقال: اللهم رب ~~القرآن اغفر له، فوثب إليه ابن عباس فقال: مه، القرآن منه. # وعن عبد الله بن مسعود قال: من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين. وهذا ~~ثابت عن ابن مسعود. # وعن سفيان بن عيينة قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا والناس ~~منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود. وفي لفظ ~~يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. # وقال حرب الكرماني ثنا إسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه عن سفيان بن ~~عيينة عن عمرو ابن دينار قال: أدركت الناس منذ سبعين # PageV03P133 # سنة أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فمن دونهم يقولون: الله الخالق ~~وما سواه مخلوق إلا القرآن فإنه كلام الله منه خرج وإليه يعود. # وهذا قد رواه عن ابن عيينة إسحاق، وإسحاق إما أن يكون سمعه منه أو من بعض ~~أصحابه عنه. # وعن جعفر الصادق بن محمد - وهو مشهور عنه - أنهم سألوه عن القرآن أخالق ~~هو أم مخلوق؟ فقال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله. وهكذا روى عن ~~الحسن البصري وأيوب السختياني وسليمان التيمي وخلق من التابعين. # وعن مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وأبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأمثال هؤلاء من الأئمة وكلام ~~هؤلاء الأئمة وأتباعهم في ذلك كثير مشهور بل اشتهر عن أئمة السلف تكفير من ~~قال القرآن مخلوق وأنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، كما ذكروا ذلك عن مالك بن ~~أنس وغيره، ولذلك قال الشافعي لحفص الفرد وكان من أصحاب ضرار بن عمرو ممن ~~يقول القرآن مخلوق، فلما ناظر الشافعي وقال له القرآن مخلوق، قال له ~~الشافعي: كفرت بالله العظيم. ذكره ابن أبي حاتم في الرد على الجهمية، قال ~~كان في كتابي عن الربيع بن سليمان قال: حضرت الشافعي أو حدثني أبو شعيب ألا ~~أني أعلم حضر عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد فسأل حفص عبد ~~الله قال: ما تقول في ms394 القرآن؟ فأبى أن يجيبه، فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه، ~~وكلاهما أشار إلى الشافعي، فسأل الشافعي فاحتج عليه وطالت فيه المناظرة، ~~فقال الشافعي بالحجة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وكفر حفصا الفرد، قال ~~الربيع فلقيت حفصا في المسجد بعد هذا فقال: أراد الشافعي قتلي. # وأما مالك بن أنس فنقل عنه من غير وجه الرد على من يقول القرآن مخلوق ~~واستتابته، وهذا المشهور عنه متفق عليه بين أصحابه، وأما أبو حنيفة وأصحابه ~~فقد ذكر أبو جعفر الطحاوي في الاعتقاد الذي قال في أوله: ذكر بيان اعتقاد ~~أهل # PageV03P134 # السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة، أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي ~~وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني ~~قال فيه: وإن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولا، وأنزله على نبيه ~~وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأثبتوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ~~ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفره، وقد ذمه ~~الله وعابه وأوعده عذابه وتوعده حيث قال: " سأصليه سقر " فلما أوعد الله ~~سقر لمن قال: " إن هذا إلا قول البشر " علمنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه ~~قول البشر. # وأما أحمد بن حنبل فكلامه في مثل هذا مشهور متواتر، وهو الذي اشتهر بمحنة ~~هؤلاء الجهمية، فإنهم أظهروا القول بإنكار صفات الله تعالى وحقائق أسمائه ~~وأن القرآن مخلوق، حتى صار حقيقة قولهم تعطيل الخالق سبحانه وتعالى، ودعوا ~~الناس إلى ذلك، وعاقبوا من لم يحبهم إما بالقتل وإما بقطع الرزق وإما ~~بالعزل عن الولاية وإما بالحبس أو بالضرب وكفروا من خالفهم، فثبت الله ~~تعالى الإمام أحمد حتى أظهر الله به باطلهم، ونصر أهل الإيمان والسنة ~~عليهم، وأذلهم بعد العز وأخملهم بعد الشهرة، واشتهر عند خواص الأمة وعوامها ~~أن القرآن كلام الله غير مخلوق وإطلاق القول أن من قال أنه مخلوق فقد كفر. # وأما إطلاق القول بأن الله لم يكلم موسى فهذه مناقضة لنص القرآن فهو أعظم ~~من القول بأن القرآن ms395 مخلوق، وهذا بلا ريب يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإنه ~~أنكر نص القرآن، وبذلك أفتى الأئمة والسلف في مثله، والذي يقول القرآن ~~مخلوق فهو في المعنى موافق له فلذلك كفره السلف. # قال البخاري في كتاب خلق الأفعال قال سفيان الثوري: من قال القرآن مخلوق ~~فهو كافر، قال: وقال عبد الله بن المبارك من قال " إني أنا الله لا إله إلا ~~أنا " مخلوق فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك، قال: وقال ابن ~~المبارك: لا نقول # PageV03P135 # كما قالت الجهمية أنه في الأرض ههنا، بل على العرش استوى، وقيل له كيف ~~نعرف ربنا؟ قال فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه. # وقال: من قال " لا إله إلا الله " مخلوق فهو كافر، وإنا نحكي كلام اليهود ~~والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. قال: وقال علي بن عاصم: ما ~~الذين قالوا أن لله ولدا أكفر من الذين قالوا إن الله لا يتكلم. # قال البخاري وكان إسماعيل بن أبي إدريس يسميهم زنادقة العراق، وقيل له: ~~سمعت أحدا يقول القرآن مخلوق؟ فقال: هؤلاء الزنادقة. قال: وقال أبو الوليد ~~سمعت يحيى بن سعيد - وذكر له أن قوما يقولون القرآن مخلوق - فقال: كيف ~~يصنعون ب " قل هو الله أحد " كيف يصنعون بقوله " إني أنا الله لا إله إلا ~~أنا "؟ قال: وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: نظرت في كلام اليهود والمجوس ~~فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا ~~يعرف كفرهم، قال: وقال سليمان بن داود الهاشمي: من قال القرآن مخلوق فهو ~~كافر، وإن كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في ~~النار إذ قال " أنا ربكم الأعلى "؟ وزعموا أن هذا مخلوق والذي قال " إنني ~~أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني " هذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون، فلم ~~صار فرعون أولى أن يخلد في النار من هذا؟ وكلاهما عنده مخلوق. فأخبر بذلك ~~أبو عبيد فاستحسنه وأعجبه. # ومعنى كلام هؤلاء السلف رضي الله عنهم: ms396 إن من قال أن كلام الله مخلوق ~~خلقه في الشجرة أو غيرها كما قال هذا الجهمي المعتزلي المسؤول عنه، كان ~~حقيقة قوله أن الشجرة هي التي قالت لموسى " إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدوني " ومن قال هذا مخلوق قال ذلك، فهذا المخلوق عنده كفرعون الذي قال: ~~أنا ربكم الأعلى، كلاهما مخلوق، وكلاهما قال ذلك، فإن كان قول فرعون كفرا ~~فقول هؤلاء أيضا كفر. ولا ريب أن قول هؤلاء يؤول إلى قول فرعون وإن كانوا ~~لا يفهمون # PageV03P136 # ذلك، فإن فرعون كذب وموسى فيما أخبر به: من أن ربه هو الأعلى، وأنه كلمه ~~كما قال تعالى " وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب، أسباب ~~السموات فأطلع على إله موسى وإني لأظنه كاذبا " وهو قد كذب موسى في أن الله ~~كلمه، ولكن هؤلاء يقولون إذا خلق كلاما في غيره صار هو المتكلم به وذلك ~~باطل وضلال من وجوه كثيرة: أحدها أن الله سبحانه أنطق الأشياء كلها نطقا ~~معتادا ونطقا خارجا عن المعتاد، قال تعالى " اليوم نختم على أفواههم ~~وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " وقال تعالى: " حتى إذا ما ~~جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، وقالوا لجلودهم ~~لم شهدتم علينا؟ قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ". # وقال تعالى: " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ~~". # وقد قال تعالى: " إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق " وقد ثبت ~~أن الحصى كان يسبح في يد النبي صلى الله عليه وسلم وأن الحجر كان يسلم ~~عليه، وأمثال ذلك من إنطاق الجمادات، فلو كان إذا خلق كلاما في غيره كان هو ~~المتكلم به كان هذا كله كلام الله تعالى، ويكون قد كلم من سمع هذا الكلام ~~كما كلم موسى بن عمران، بل قد ثبت أن الله خالق أفعال العباد، فكل ناطق ~~فالله خالق نطقه وكلامه فلو كان متكلما بما خلقه من الكلام لكان كل كلام في ~~الوجود كلامه حتى كلام إبليس والكفار وغيرهم، وهذا تقوله ms397 غلاة الجهمية كابن ~~عربي وأمثاله (1) يقولون: PageV03P137 # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه # وهكذا أشباه هؤلاء من غلاة المشبهة الذي يقولون: إن كلام الآدميين غير ~~مخلوق، فإن كل واحد من الطائفتين يجعلون كلام المخلوق بمنزلة كلام الخالق ~~فأولئك يجعلون الجميع مخلوقا وأن الجميع كلام الله، وهؤلاء يجعلون الجميع ~~كلام الله وهو غير مخلوق، ولهذا كان قد حصل اتصال بين شيخ الجهمية الحلولية ~~وشيخ المشبهة الحلولية بسبب هذه البدع وأمثالها من المنكرات المخالفة لدين ~~الإسلام سلط الله أعداء الدين (1) فإن الله يقول: " ولينصرن الله من ينصره ~~إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " وأي معروف وأعظم من ~~الإيمان بالله وأسمائه وآياته؟ وأي منكر أعظم من الإلحاد في أسماء الله ~~وآياته؟ # الوجه الثاني أن يقال لهؤلاء الضالين: ما خلقه الله في غيره من الكلام ~~وسائر الصفات فإنما يعود حكمه على ذلك المحل لا على غيره، فإذا خلق الله في ~~بعض الأجسام حركة أو طعما أو لونا أو ريحا كان ذلك الجسم هو المتحرك ~~المتلون المطعوم، وإذا خلق بمحل حياة أو علما أو قدرة أو إرادة أو كلاما ~~كان ذلك المحل هو الحي العالم القادر المريد المتكلم، فإذا خلق كلاما في ~~الشجرة أو في غيرها من الأجسام كان ذلك الجسم هو المتكلم بذلك الكلام، كما ~~لو خلق فيه إرادة أو حياة أو علما، ولا يكون الله هو المتكلم به، كما إذا ~~خلق فيه حياة أو قدرة أو سمعا أو بصرا كان ذلك المحل هو الحي به والقادر به ~~والسميع به والبصير به، فكما أنه سبحانه لا يجوز أن يكون متصفا بما خلقه من ~~الصفات المشروطة بالحياة وغير المشروطة بالحياة، فلا يكون هو المتحرك بما ~~خلقه في غيره من الحركات، ولا المصوت بما خلقه في غيره من PageV03P138 # الأصوات ولا سمعه ولا بصره وقدرته ما خلقه في غيره من السمع والبصر ~~والقدرة فكذلك لا يكون كلامه ما خلقه في ms398 غيره من الكلام ولا يكون متكلما ~~بذلك الكلام. # الوجه الثالث أن الاسم المشتق من معنى لا يتحقق بدون ذلك المعنى، فاسم ~~الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعال التفضيل يمتنع ثبوت معناها دون ~~معنى المصدر التي هي مشتقة منه، والناس متفقون على أنه لا يكون متحرك ولا ~~متكلم إلا بحركة وكلام، فلا يكون مريد إلا بإرادة، وكذلك لا يكون عالم إلا ~~بعلم ولا قادر إلا بقدرة ونحو ذلك. # ثم هذه الأسماء المشتقة من المصدر إنما يسمى بها من قام به مسمى المصدر، ~~فإنما يسمى بالحي من قامت به الحياة، وبالمتحرك من قامت به الحركة، ~~وبالعالم من قام به العلم، وبالقادر من قامت به القدرة، فأما من لم يقم به ~~مسمى المصدر فيمتنع أن يسمى باسم الفاعل ونحوه من الصفات، وهذا معلوم ~~بالاعتبار في جميع النظائر، وذلك لأن اسم الفاعل ونحوه من المشتقات هو مركب ~~يدل على الذات وعلى الصفة والمركب يمتنع تحققه بدون تحقق مفرداته، وهذا كما ~~أنه ثابت في الأسماء المشتقة فكذلك في الأفعال مثل تكلم وكلم ويتكلم وعلم ~~ويعلم وسمع ويسمع ورأى ويرى ونحو ذلك سواء، قيل أن الفعل المشتق من المصدر ~~أو المصدر مشتق من الفعل، لا نزاع بين الناس أن الفاعل الفعل هو فاعل ~~المصدر، فإذا قيل كلم أو علم أو تكلم أو تعلم ففاعل التكليم والتعليم هو ~~المكلم والمعلم، وكذلك التعلم والتكلم، والفاعل هو الذي قام به المصدر الذي ~~هو التكليم والتعليم والتكلم والتعلم، فإذا قيل: تكلم فلان أو كلم فلان ~~فلانا ففلان هو المتكلم والمكلم، فقوله تعالى: " وكلم الله موسى تكليما " ~~وقوله: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله، ورفع بعضهم ~~درجات " وقوله: " ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه " يقتضي أن الله هو ~~المكلم، فكما يمتنع أن يقال: هو المتكلم بكلام قائم بغيره يمتنع أن يقال ~~كلم بكلام قائم بغيره # PageV03P139 # فهذه ثلاثة أوجه (1) : أحدها أنه يلزم الجهمية على قولهم أن يكون كل كلام ~~خلقه الله كلاما له إذ لا معنى لكون القرآن ms399 كلام الله إلا كونه خلقه، وكل ~~من فعل كلاما ولو في غيره كان متكلما به عندهم، وليس للكلام عندهم مدلول ~~يقوم بذات الرب تعالى لو كان مدلول قائما يدل لكونه خلق صوتا في محل ~~والدليل يجب طرده فيجب أن يكون كل صوت يخلقه له كذلك وهم يجوزون أن يكون ~~الصوت المخلوق على جميع الصفات، فلا يبقى فرق بين الصوت الذي هو كلام الله ~~تعالى على قولهم والصوت الذي هو ليس بكلام. # الثاني أن الصفة إذا قامت بمحل كالعلم والقدرة والكلام والحركة عاد حكمه ~~إلى ذلك المحل ولا يعود حكمه إلى غيره. # الثالث أنه مشتق المصدر منه اسم الفاعل والصفة المشبهة به ونحو ذلك ولا ~~يشتق ذلك لغيره وهذا كله بين ظاهر وهو ما يبين قول السلف والأئمة أن من قال ~~أن الله خلق كلاما في غيره لزمه أن يكون حكم التكلم عائدا إلى ذلك المحل لا ~~إلى الله. # الرابع أن الله أكد تكليم موسى بالمصدر فقال " تكليما "، قال غير واحد من ~~العلماء: التوكيد بالمصدر ينفي المجاز، لئلا يظن أنه أرسل إليه رسولا أو ~~كتب إليه كتابا بل كلمه منه إليه. # والخامس أن الله فضل موسى بتكليمه إياه على غيره ممن لم يكلمه وقال " وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا " الآية، ~~فكان تكليم موسى من وراء الحجاب، وقال " يا موسى إني اصطفيتك على الناس ~~برسالاتي وبكلامي " وقال " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من ~~بعد - إلى قوله - وكلم الله موسى تكليما " والوحي هو ما نزله الله على قلوب ~~PageV03P140 # الأنبياء بلا واسطة فلو كان تكليمه لموسى إنما هو صوت خلقه في الهواء ~~لكان وحي الأنبياء أفضل منه، لأن أولئك عرفوا المعنى المقصود بلا واسطة، ~~وموسى إنما عرفه بواسطة، ولهذا كان غلاة الجهمية من الاتحادية ونحوهم يدعون ~~أن ما يحصل لهم من الإلهام أفضل مما حصل لموسى بن عمران وهذا من أعظم الكفر ~~باتفاق المسلمين. # ولما فهم السلف حقيقة مذهب هؤلاء وأنه ms400 يقتضي تعطيل الرسالة (1) فإن الرسل ~~إنما بعثوا ليبلغوا كلام الله، بل يقتضي تعطيل التوحيد، فإن من لا يتكلم ~~ولا يقوم به علم ولا حياة هو كالموات، بل من لا تقوم به الصفات فهو عدم محض ~~إذ ذات لا صفة لها إنما يمكن تقديرها في الذهن لا في الخارج كتقدير وجود ~~مطلق لا يتعين ولا يتخصص. # فكان قول هؤلاء مضاهيا لقول المتفلسفة الدهرية الذي يجعلون وجود الرب ~~وجودا مطلقا بشرط الإطلاق لا صفة له، وقد علم أن المطلق بشرط الإطلاق لا ~~يوجد إلا في الذهن، وهؤلاء الدهرية ينكرون أيضا حقيقة تكليمه لموسى ويقولون ~~إنما هو فيض فاض عليه من العقل الفعال، وهكذا يقولون في الوحي إلى جميع ~~الأنبياء وحقيقة قولهم أن القرآن قول البشر لكنه صدر عن نفس صافية شريفة، ~~وإذا كانت المعتزلة خيرا من هؤلاء وقد كفر السلف من يقول بقولهم فكيف ~~هؤلاء؟ وكلام السلف والأئمة في مثل هؤلاء لا يحصى قال حرب بن إسماعيل ~~الكرماني: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: بين أهل العلم اختلاف أن القرآن كلام ~~الله وليس بمخلوق، وكيف يكون شيء من الرب عز ذكره مخلوقا؟ ولو كان كما ~~قالوا لزمهم أن يقولوا علم الله وقدرته ومشيئته مخلوقة، فإن قالوا ذلك ~~لزمهم أن يقولوا كان الله تبارك اسمه ولا علم ولا قدرة ولا مشيئة، وهو ~~الكفر المحض الواضح PageV03P141 # لم يزل الله عالما متكلما له المشيئة في خلقه، والقرآن كلام الله وليس ~~بمخلوق فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر. # وقال وكيع بن الجراح: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئا من الله ~~مخلوق، فقيل له: من أين قلت هذا؟ قال: لأن الله يقول " ولكن حق القول مني " ~~ولا يكون من الله شيء مخلوق، وهذا القول قاله غير واحد من السلف. # وقال أحمد بن حنبل: كلام الله من الله ليس ببائن منه، وهذا معنى قول ~~السلف القرآن كلام الله منه بدا ومنه خرج وإليه يعود كما في الحديث الذي ~~رواه أحمد غيره عن جبير بن نفير قال ms401 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه " يعني القرآن. وقد روي عن ~~أبي أمامة مرفوعا. # وقال أبو بكر الصديق لأصحاب مسيلمة الكذاب، لما سمع قرآن مسيلمة: ويحكم ~~أين يذهب بعقولكم؟ إن هذا كلاما لم يخرج من إل " أي من رب. # وليس معنى قول السلف والأئمة: أنه منه خرج ومنه بدا، أنه فارق ذاته وحل ~~بغيره فإن كلام المخلوق إذا تكلم به لا يفارق ذاته ويحل بغيره، فكيف يكون ~~كلام الله؟ قال تعالى: " كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا " ~~فقد أخبر أن الكلمة تخرج من أفواههم ومع هذا فلم تفارق ذاتهم. # وأيضا فالصفة لا تفارق الموصوف وتحل بغيره، لا صفة الخالق ولا صفة ~~المخلوق، والناس إذا سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم ثم بلغوه عنه كان ~~الكلام الذي بلغوه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغوه بحركاتهم ~~وأصواتهم فالقرآن أولى بذلك، فالكلام كلام البارئ والصوت صوت القارئ قال ~~تعالى: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ". وقال ~~صلى الله عليه وسلم: " زينوا القرآن بأصواتكم ". # ولكن مقصود السلف الرد على هؤلاء الجهمية فإنهم زعموا أن القرآن خلقه ~~الله في غيره فيكون قد ابتدأ وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه لا من الله، ~~كما # PageV03P142 # يقولون كلامه لموسى خرج من الشجرة، فبين السلف والأئمة أن القرآن من الله ~~بدأ وخرج وذكروا قوله " ولكن حق القول مني " فأخبر أن القول منه لا من غيره ~~من المخلوقات. # ومن هي لابتداء الغاية، فإن كان المجرور بها عينا يقوم بنفسه لم يكن صفة ~~لله كقوله " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه " وقوله في ~~المسيح " وروح منه " وكذلك ما يقوم بالأعيان كقوله " وما بكم من نعمة فمن ~~الله " وأما إذا كان المجرور بها صفة ولم يذكر لها محل كان صفة لله كقوله " ~~ولكن حق القول مني " وكذلك قد أخبر في غير موضع من القرآن أن ms402 القرآن نزل ~~منه وأنه نزل به جبريل منه ردا على هذا المبتدع المفتري وأمثاله ممن يقول ~~أنه لم ينزل منه قال تعالى: " قل أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " ~~وقال تعالى " قل نزله روح القدس من ربك بالحق " وروح القدس هو جبريل، كم ~~قال في الآية الأخرى " نزل به الروح الأمين على قلبك " وقال: " من كان عدوا ~~لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله " وقال هنا " نزله روح القدس من ربك " ~~فبين أن جبريل نزله من الله لا من هواء ولا من لوح ولا غير ذلك، وكذلك سائر ~~آيات القرآن كقوله " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " وقوله " حم، ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم " وقوله " حم، تنزيل من الرحمن الرحيم ~~" وقوله " الم، تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين " وقوله " يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " فقد بين في غير موضع أنه منزل من الله، ~~فمن قال أنه منزل من بعض المخلوقات كاللوح والهواء فهو مفتر على الله مكذب ~~لكتاب الله متبع لغير سبيل المؤمنين، ألا ترى أن الله فرق بين ما نزل وما ~~نزله من بعض المخلوقات كالمطر بأن قال " أنزل من السماء ماء " فذكر المطر ~~في غير وأخبر أنه نزله من السماء، والقرآن # PageV03P143 # أخبر أنه منزل منه، وأخبر بتنزيل مطلق في مثل قوله: " وأنزلنا الحديد " ~~لأن الحديد ينزل من رؤوس الجبال لا ينزل من السماء، وكذلك الحيوان فإن ~~الذكر ينزل الماء في الإناث، فلم يقل فيه من السماء، ولو كان جبريل أخذ ~~القرآن من اللوح المحفوظ لكان اليهود أكرم على الله من أمة محمد، لأنه قد ~~ثبت بالنقل الصحيح أن الله كتب لموسى التوراة وأنزلها مكتوبة (1) فيكون بنو ~~إسرائيل قد أقروا الألواح التي كتبها الله، وأما المسلمون فأخذوه عن محمد ~~صلى الله عليه وسلم، ومحمد أخذه عن جبريل وجبريل عن اللوح، فيكون بنو ~~إسرائيل بمنزلة جبريل، وتكون منزلة بني إسرائيل ms403 أرفع من منزلة محمد صلى ~~الله عليه وسلم على قول هؤلاء الجهمية، والله سبحانه جعل من فضائل أمة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه أنزل عليهم كتابا لا يغسله الماء وإنه أنزله ~~عليهم تلاوة لا كتابة، وفرقه عليهم لأجل ذلك، فقال: " وقرآنا فرقناه لتقرأه ~~على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا " وقال تعالى: " وقالوا لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ". # ثم إن كان جبريل لم يسمعه من الله وإنما وجده مكتوبا كانت العبارة عبارة ~~جبريل وكان القرآن كلام جبريل ترجم به عن الله كما يترجم عن الأخرس الذي ~~كتب كلاما ولم يقدر أن يتكلم به وهذا خلاف دين المسلمين. # وإن احتج محتج بقوله " إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند العرش مكين " قيل ~~له فقد قال في الآية الأخرى " إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ~~ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون " فالرسول في هذه الآية محمد صلى ~~الله عليه وسلم والرسول في الأخرى جبريل، فلو أريد به أن الرسول أحدث ~~عبارته لتناقض PageV03P144 # الخبران، فعلم أنه أضافه إليه إضافة تبليغ لا إضافة إحداث ولهذا قال " ~~لقول رسول " ولم يقل ملك ولا نبي، ولا ريب أن الرسول بلغه كما قال " يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض ~~على الناس في الموسم ويقول: " ألا رجل يحملني إلى قومه لا بلغ كلام ربي، ~~فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " ولما أنزل الله " الم غلبت الروم " ~~خرج أبو بكر الصديق فقرأها على الناس فقالوا: هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ ~~فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنه كلام الله. # وإن احتج بقوله " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " قيل له هذه الآية حجة ~~عليك، فإنه لما قال " ما يأتيهم من ذكر ربهم محدث " علم أن الذكر منه محدث ~~ومنه ما ليس بمحدث، لأن النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره، كما لو ms404 ~~قال ما يأتيني من رجل مسلم إلا أكرمته، وما آكل إلا طعاما حلالا ونحو ذلك، ~~ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي ولكنه الذي ~~أنزل جديدا، فإن الله كان ينزل القرآن شيئا بعد شيء، فالمنزل أولا هو قديم ~~بالنسبة إلى المنزل آخرا، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، كما ~~قال " كالعرجون القديم " وقال " تالله إنك لفي ضلالك القديم " وقال " وإذا ~~لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم " وقال " أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم ~~وآباؤكم الأقدمون " وكذلك قوله " جعلناه قرآنا عربيا " لم يقل جعلناه فقط ~~حتى يظن أنه بمعنى خلقناه ولكن قال " جعلناه قرآنا عربيا " أي صيرناه عربيا ~~لأنه قد كان قادرا على أن ينزله عجميا، فلما أنزله عربيا كان قد جعله عربيا ~~دون عجمي. وهذه المسألة في أصول أهل الإيمان والسنة التي فارقوا بها ~~الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوهم، والكلام عليها مبسوط في غير هذا ~~الموضع والله أعلم. # PageV03P145 # فتوى أخرى لشيخ الإسلام # في تكليم الله لموسى عليه السلام # وهل هو بحرف وصوت أم لا؟ ومن أنكره: مسألة فيمن قال: إن الله لم يكلم ~~موسى تكليما، فقال له آخر: بل كلمه تكليما، فقال: إن قلت كلمه فالكلام لا ~~يكون إلا بحرف وصوت، والحرف والصوت محدث، ومن قال: أن الله كلم موسى بحرف ~~وصوت فهو كافر، فهو كما قال أولا؟ الجواب: الحمد لله، أما من قال أن الله ~~لم يكلم موسى تكليما فهذا إن كان لم يسمع القرآن فإنه يعرف أن هذا نص ~~القرآن، فإن أنكره بعد ذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل، ولا يقبل منه إن كان ~~كلامه بعد (1) أن يجحد نص القرآن، بل لو قال: إن معنى كلامي أنه خلق صوتا ~~في الهواء فأسمعه موسى كان كلامه أيضا كفرا، وهو قول الجهمية الذين كفرهم ~~السلف قالوا: يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا، لكن من كان مؤمنا بالله ~~ورسوله مطلقا ولم يبلغه من العلم ما يبين له الصواب فإنه لا يحكم بكفره حتى ~~تقوم ms405 عليه الحجة التي من خالفها كفر، إذ كثير من الناس يخطئ فيما يتأوله من ~~القرآن ويجهل كثيرا مما يرد من معاني الكتاب والسنة، والخطأ والنسيان ~~مرفوعان عن هذه الأمة، والكفر لا يكون إلا بعد البيان. # والأئمة الذين أمروا بقتل مثل هؤلاء الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة ~~ويقولون القرآن مخلوق ونحو ذلك، قيل إنهم أمروا بقتلهم لكفرهم، وقيل لأنهم ~~إذا دعوا الناس إلى بدعتهم أضلوا الناس فقتلوا لأجل الفساد في الأرض وحفظا ~~لدين الناس أن يضلوهم. PageV03P146 # وبالجملة فقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الجهمية من شر طوائف أهل ~~البدع، حتى أخرجهم كثير عن الثنتين والسبعين فرقة. # ومن الجهمية المتفلسفة والمعتزلة الذين يقولون أن كلام الله مخلوق وأن ~~الله وإنما كلم موسى بكلام مخلوق خلقه في الهواء، وأنه لا يرى في الآخرة، ~~وأنه ليس مباينا لخلقه، وأمثال هذه المقالات التي تستلزم تعطيل الخالق ~~وتكذيب رسله وإبطال دينه. # وأما قول الجهمي: إن قلت كلمه فالكلام لا يكون إلا بحرف وصوت، والحرف ~~والصوت محدث، ومن قال أن الله كلم موسى بحرف وصوت فهو كافر، فيقال لهذا ~~الملحد: أنت تقول إنه كلمه بحرف صوت، لكن تقول بحرف وصوت خلقه في الهواء ~~وتقول أنه لا يجوز أن تقوم به الحروف والأصوات لأنها لا تقوم إلا بمتحيز، ~~والباري ليس بمتحيز ومن قال أنه متحيز فقد كفر. ومن المعلوم أن من جحد ما ~~نطق به الكتاب والسنة كان أولى بالكفر ممن أقر بما جاء به الكتاب والسنة. # وإن قال الجاحد لنص الكتاب والسنة أن العقل معه قال له الموافق للنصوص: ~~بل العقل معي وهو موافق للكتاب والسنة فهذا يقول إن معه السمع والعقل، وذاك ~~إنما يحتاج لقوله بما يدعيه من العقل الذي يبين منازعه فساده، ولو قدر أن ~~العقل معه. # والكفر هو من الأحكام الشرعية وليس كل من خالف شيئا علم بنظر العقل يكون ~~كافرا، ولو قدر أنه جحد بعض صرائح العقول لم يحكم بكفره حتى يكون قوله كفرا ~~في الشريعة. # وأما من خالف ما علم ms406 أن الرسول جاء به فهو كافر بلا نزاع، وذلك أنه ليس ~~في الكتاب والسنة ولا في قول أحد من سلف الأمة وأئمتها الإخبار عن الله ~~بأنه متحيز أو أنه ليس بمتحيز، ولا في الكتاب والسنة أن من قال هذا وهذا ~~يكفر، وهذا اللفظ مبتدع والكفر لا يتعلق بمجرد أسماء مبتدعة لا أصل لها في ~~الكتاب والسنة، بل يستفسر هذا القائل إذا قال أن الله متحيز أو ليس بمتحيز ~~فإن قال أعني بقولي أنه # PageV03P147 # متحيز: أنه دخل في المخلوقات وإن المخلوقات قد حازته وأحاطت به فهذا ~~باطل، وإن قال أعني أنه محاز عن المخلوقات مباين لها، فهذا خلق. # وكذلك قوله ليس بمتحيز، إن أراد به أن المخلوق لا يجوز الخالق فقد أصاب ~~وإن قال أن الخالق لا يباين المخلوق وينفصل عنه فقد أخطأ. # وإذا عرف ذلك فالناس في الجواب عن حجته الداحضة وهي قوله: لو قلت أنه ~~كلمه فالكلام لا يكون إلا بحرف وصوت والحرف والصوت محدث، ثلاثة أصناف: صنف ~~منعوه المقدمة الأولى، وصنف منعوه المقدمة الثانية، وصنف لم يمنعوه ~~المقدمتين بل استفسروه وبينوا أن ذلك لا يمنع أن يكون الله كلم موسى ~~تكليما. # فالصنف الأول أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبو الحسن علي بن ~~إسماعيل الأشعري ومن اتبعهما قالوا: لا نسلم أن الكلام لا يكون إلا بحرف ~~وصوت بل الكلام معنى قائم بذات المتكلم والحروف والأصوات عبارة عنه، وذلك ~~المعنى القائم بذات الله تعالى يتضمن الأمر بكل ما أمر به والخبر عن كل ما ~~أخبر عنه، فإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا، وقالوا: إنه اسم الكلام ~~حقيقة، فيكون اسم الكلام مشتركا أو مجازا في كلام الخالق، وحقيقة في كلام ~~المخلوق. # والصنف الثاني سلموا لهم أن الكلام لا يكون إلا بحرف وصوت ومنعوهم ~~المقدمة الثانية، وهو أن الحرف والصوت لا يكون إلا محدثا، وصنف (1) قالوا ~~إن المحدث كالحادث سواء كان قائما بنفسه أو بغيره وهو يتكلم بكلام لا يكون ~~قديما وهو بحرف وصوت، وهذا قول من يقول القرآن ms407 قديم وهو بحرف وصوت كأبي ~~الحسن بن سالم وأتباعه السالمية وطوائف ممن اتبعه، وقال هؤلاء في الحرف ~~والصوت نظير ما قاله الذين قبلهم في المعاني. PageV03P148 # وقالوا كلام لا بحرف ولا صوت لا يعقل، ومعنى يكون أمرا ونهيا وخبرا ممتنع ~~في صريح العقل، ومن ادعى أن معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحد وإنما ~~اختلفت العبارات الدالة عليه فقوله معلوم الفساد بالاضطرار عقلا وشرعا ~~وإخراج الحروف عن مسمى الكلام مما يعلم فساده بالاضطرار من جميع اللغات وإن ~~جاز أن يقال: إن الحروف والأصوات المخلوقة في غير كلام الله حقيقة أمكن ~~حينئذ أن يكون كلم موسى بكلام مخلوق في غيره. # وقالوا لإخوانهم الأولين: إذا قلتم أن الكلام هو مجرد المعنى وقد خلق ~~عبارة بيان (1) فإن قلتم أن تلك العبارة كلامه حقيقة بطلت حجتكم على ~~المعتزلة فإن أعظم حجتكم عليهم قولكم أنه يمتنع أن يكون متكلما بكلام يخلقه ~~في غيره، كما يمتنع أن يعلم بعلم قائم بغيره، وأن يقدر بقدرة قائمة بغيره، ~~وأن يريد بإرادة قائمة بغيره، وإن قلتم هي كلام مجازا لزم أن يكون الكلام ~~حقيقة في المعنى مجازا في اللفظ، وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من جميع ~~اللغات. # والصنف الثالث: الذين لم يمنعوا المقدمتين ولكن استفسروهم وبينوا أن هذا ~~لا يستلزم صحة قولكم، بل قالوا: إن قلتم أن الحرف والصوت محدث بمعنى أنه ~~يجب مخلوقا منه منفصلا عنه، فهذا دليل على فساد قولكم وتناقضه، وهذا قول ~~ممنوع، وإن قلتم بمعنى أنه لا يكون قديما فهو مسلم لكن هذه التسمية محدثة. # وهؤلاء صنفان: صنف قالوا أن المحدث هو المخلوق المنفصل عنه فإذا قلنا: ~~الحرف والصوت لا يكون إلا محدثا كان بمنزلة قولنا لا يكون إلا مخلوقا ~~وحينئذ فيكون هذا المعتزلي أبطل قوله بقوله حيث زعم أنه يتكلم بحرف وصوت ~~مخلوق، ثم استدل على ذلك بما يقتضي أنه يتكلم بكلام مخلوق وفيه تلبيس. # ونحن لا نقول كلم موسى بكلام قديم ولا بكلام مخلوق، بل هو سبحانه ~~PageV03P149 # يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء كما أنه سبحانه ms408 وتعالى خلق السموات والأرض ~~في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه سبحانه استوى إلى السماء وهي دخان ~~وأنه سبحانه يأتي في ظلل من الغمام والملائكة، كما قال " وجاء ربك والملك ~~صفا صفا " وقال: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي ~~بعض آيات ربك " وقال تعالى " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ~~" وقال تعالى " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " وأمثال ذلك ~~في القرآن والحديث كثير، يبين الله سبحانه أنه إذا شاء فعل ما أخبر عنه من ~~تكليمه وأفعاله القائمة بنفسه، وما كان قائما بنفسه هو كلامه لا كلام غيره، ~~والمخلوق لا يكون قائما بالخالق، ولا يكون الرب محلا للمخلوقات، بل هو ~~سبحانه يقوم به ما شاء من كلماته وأفعاله، وليس من ذلك شيء مخلوقا، إنما ~~المخلوق ما كان بائنا عنه، وكلام الله من الله ليس ببائن منه، ولهذا قال ~~السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فقالوا: منه بدا، ~~أي هو المتكلم به لا أنه خلقه في بعض الأجسام المخلوقة. # وهذا الجواب هو جواب أئمة أهل الحديث والتصوف والفقه وطوائف من أهل ~~الكلام من أئمتهم من الهشامية والكرامية وغيرهم وأتباع الأئمة الأربعة ~~أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، منهم من يختار جواب الصنف الأول، ~~وهم الذين يرتضون قول ابن كلاب في القرآن، وهم طوائف من متأخري أصحاب مالك ~~والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، ومنهم من يختار جواب الصنف الثاني، وهم الطوائف ~~الذين ينكرون قول ابن كلاب ويقولون أن القرآن قديم كالساليمة وطوائف من ~~أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، ومنهم من يختار جواب الطائفة ~~الثالثة، وهم الذين ينكرون قول الطائفتين المتقدمتين الكلابية والسالمية. # ثم من هؤلاء من يقول بقول الكرامية، والكرامية ينتسبون إلى أبي حنيفة، ~~ومنهم من لا يختار قول الكرامية أيضا لما فيه من تناقض آخر، بل يقول بقول ~~أئمة # PageV03P150 # الحديث كالبخاري وعثمان بن سعيد الدارمي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ومن ~~قبلهم من السلف، كأبي بكر ms409 بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام ومحمد بن كعب ~~القرظي والزهري وعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وما ~~نقل من ذلك عن الصحابة والتابعين، وفي ذلك آثار كثيرة معروفة في كتب السنن ~~والآثار تضيق عنها هذه الورقة. # وبين الأصناف الثلاثة منازعات ودقائق تضيق عنها هذه الورقة، وقد بسطنا ~~الكلام عليها في مواضع وبينا حقيقة كل قول، وما هو القول الصواب في صريح ~~المعقول وصحيح المنقول (1) لكن هؤلاء الطوائف كلهم متفقون على تضليل من ~~يقول أن كلام الله مخلوق، والأمة متفقة على أن من قال أن كلام الله مخلوق ~~لم يكلم موسى تكليما يستتاب فإن تاب وإلا يقتل. # والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما ~~كثيرا. # فتوى أخرى لشيخ الإسلام رحمه الله # في القرآن هل هو بحرف وصوت أم لا؟ # وفي نقط المصحف وشكله هل هما منه أم لا؟ # سئل رحمه الله تعالى عن رجلين تباحثا، فقال أحدهما: القرآن حرف وصوت، ~~وقال الآخر: ليس هو بحرف ولا صوت، وقال أحدهما: النقط التي في المصحف ~~والشكل من القرآن، وقال الآخر: ليس ذلك من القرآن، فما الصواب في ذلك؟ ~~فأجاب رضي الله عنه: الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة يتنازع فيها كثير ~~من الناس ويخلطون الحق بالباطل، فالذي قال: إن القرآن حرف وصوت إن أراد ~~بذلك أن هذا القرآن الذي يقرأ للمسلمين هو كلام الله الذي نزل به ~~PageV03P151 # الروح الأمين على محمد صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين والمرسلين وأن ~~جبريل سمعه من الله والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل، والمسلمون ~~سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: " قل نزله روح القدس من ~~ربك بالحق " وقال: " والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " ~~فقد أصاب في ذلك، فإن هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها والدلائل على ذلك كثيرة ~~من الكتاب والسنة والإجماع. # ومن قال: إن القرآن العرب لم يتكلم الله به وإنما هو كلام جبريل أو غيره ms410 ~~عبر به عن المعنى القائم بذات الله، كما يقول ذلك ابن كلاب والأشعري ومن ~~وافقهما فهو قول باطل من وجوه كثيرة. # فإن هؤلاء يقولون: إنه معنى واحد قائم بالذات، وأن معنى التوراة والإنجيل ~~والقرآن واحد، وأنه لا يتعدد ولا يتبعض، وأنه إن عبر عنه بالعربية كان ~~قرآنا وبالعبرانية كان توراة وبالسريانية كان إنجيلا فيجعلون معنى آية ~~الكرسي وآية الدين و " قل هو الله أحد " " تبت يدا أبي لهب " والتوراة ~~والإنجيل وغيرهما معنى واحدا، وهذا قول فاسد بالعقل والمشاهدة وهو قول ~~أحدثه ابن كلاب لم يسبقه إليه غيره من السلف. # وإن أراد القائل بالحرف والصوت أن الأصوات المسموعة من القراء، والمداد ~~الذي في المصاحف قديم أزلي، أخطأ وابتدع، وقال ما يخالف العقل والشرع، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " زينوا القرآن بأصواتكم " فبين أن الصوت ~~صوت القارئ، والكلام كلام البارئ، كما قال تعالى " وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله " فالقرآن الذي يقرأه المسلمون كلام الله ~~لا كلام غيره كما ذكر الله ذلك، وفي السنن عن جابر بن عبد الله أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول: " ألا رجل ~~يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ". # وقالوا لأبي بكر الصديق لما قرأ عليهم # PageV03P152 # " ألم غلبت الروم " أهذا كلامك أم كلام صاحبك؟ فقال: ليس بكلامي ولا كلام ~~صاحبي ولكنه كلام الله تعالى. # والناس إذ بلغوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: " إنما الأعمال ~~بالنيات " أن الحديث الذي يسمعونه حديث النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به ~~بصوته وبحروفه ومعانيه، والمحدث بلغه عنه بصوت نفسه لا بصوت النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فالقرآن أولى أن يكون كلام الله إذا بلغته الرسل عنه وقرأته ~~الناس بأصواتهم. # والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه ونادى موسى بصوت نفسه، كما ~~ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، وصوت العبد ليس هو صوت الرب ولا مثل ~~صوته، فإن الله ليس كمثله ms411 شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. # وقد نص أئمة الإسلام أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب ~~والسنة من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه تكلم بحرف وصوت ليس منه ~~شيء كلاما لغيره، لا جبريل ولا غيره، وأن العباد يقرؤونه بأصوات أنفسهم ~~وأفعالهم، فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ والكلام كلام البارئ. # وكثير من الخائضين في هذه المسألة لا يميز بين صوت العبد وصوت الرب بل ~~يجعل هذا هو هذا فينفيهما جميعا أو يثبتهما، جميعا، فإذا نفى الحرف والصوت ~~نفى أن يكون القرآن العربي كلام الله، وأن يكون مناديا لعباده بصوته، وأن ~~يكون القرآن الذي يقرأه المسلمون هو كلام الله كما نفى أن يكون صوت العبد ~~صفة لله عز وجل، ثم جعل كلام الله المتنوع شيئا واحدا لا فرق بين القديم ~~والحادث، وهو مصيب في هذا الفرق دون ذاك الثاني الذي فيه نوع من الإلحاد ~~والتعطيل، حيث جعل الكلام المتنوع شيئا واحدا لا حقيقة له عند التحقيق. # وإذا ثبت جعل صوت الرب هو العبد أو سكت عن التمييز بينهما مع قوله أن ~~الحروف متعاقبة في الوجود مقترنة في الذات قديمة أزلية الأعيان فجعل # PageV03P153 # عين صفة الرب تحل في العبد أو يتحد بصفته فقال بنوع من الحلول والاتحاد ~~يفضي إلى نوع من التعطيل. # وقد علم أن عدم الفرق والمباينة بين الخالق وصفاته والمخلوق وصفاته خطأ ~~وضلال لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هم متفقون على التمييز ~~بين صوت الرب وصوت العبد، ومتفقون أن الله تكلم بالقرآن الذي أنزله على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم حروفه ومعانيه، وأنه ينادي عباده بصوته، ومتفقون ~~على أن الأصوات المسموعة من القراء أصوات العباد، وعلى أنه ليس شيء من ~~أصوات العباد ولا مداد المصاحف قديما، بل القرآن مكتوب في مصاحف المسلمين ~~مقروء بألسنتهم محفوظ بقلوبهم وهو كله كلام الله. والصحابة كتبوا المصاحف ~~لما كتبوها بغير شكل ولا نقط لأنهم كانوا عربا لا يلحنون، ثم لما ms412 أحدث ~~اللحن نقط المصاحف وشكلوها، فإن كتبت بلا شكل ولا نقط جاز، وإن كتبت بنقط ~~وشكل جاز ولم يكره في أظهر قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد. # وحكم النقط والشكل حكم الحروف، فإن الشكل يبين إعراب القرآن كما يبين ~~النقط الحروف، والمداد الذي يكتب به الحروف ويكتب به الشكل والنقط مخلوق، ~~وكلام الله العربي الذي أنزله وكتب في المصاحف بالشكل والنقط وبغير شكل ~~ونقط ليس بمخلوق، وحكم الإعراب حكم الحروف، لكن الإعراب لا يستقل بنفسه بل ~~هو تابع للحروف المرسومة فلهذا يحتاج لتجريدهما وإفرادهما بالكلام، بل ~~القرآن الذي يقرأه المسلمون هو كلام الله معانيه وحروفه وإعرابه، والله ~~تكلم بالقرآن العربي الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم والناس ~~يقرؤونه بأفعالهم وأصواتهم، والمكتوب في مصاحف المسلمين هو كلام الله وهو ~~القرآن العربي الذي أنزل على نبيه سواء كتب بشكل ونقط أو بغير شكل ونقط، ~~والمداد الذي كتب به القرآن ليس بقديم بل هو مخلوق، والقرآن الذي كتب في ~~المصحف بالمداد هو كلام الله منزل غير مخلوق، والمصاحف يجب احترامها # PageV03P154 # باتفاق المسلمين لأن كلام الله مكتوب فيها، واحترام النقط والشكل إذا كتب ~~المصحف مشكلا منقوطا كاحترام الحروف باتفاق علماء المسلمين، كما أن حرمة ~~إعراب القرآن كحرمة حروفه المنقوطة باتفاق المسلمين، ولهذا قال أبو بكر ~~وعمر: حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه. # والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه فجميعه كلام الله فلا يقال بعضهم كلام ~~الله وبعضه ليس بكلام الله وهو سبحانه نادى موسى بصوت سمعه موسى، فإنه قد ~~أخبر أنه نادى موسى في غير موضع من القرآن كما قال تعالى: " هل أتاك حديث ~~موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى " والنداء لا يكون إلا صوتا باتفاق ~~أهل اللغة، وقد قال تعالى " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين ~~من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ~~ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا، ورسلا قد قصصناهم من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك، وكلم الله موسى ms413 تكليما " فقد فرق الله بين إيحائه إلى النبيين ~~وبين تكليمه لموسى فمن قال إن موسى لم يسمع صوتا بل ألهم معناه، لم يفرق ~~بين موسى وغيره وقد قال تعالى: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من ~~كلم الله ورفع بعضهم درجات " وقال تعالى: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء " فقد فرق بين ~~الإيحاء والتكلم من وراء حجاب كما كلم الله موسى، فمن سوى بين هذا وهذا كان ~~ضالا، وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه وغيره: لم يزل متكلما إذا شاء وهو ~~يتكلم بمشيئته وقدرته، يتلكم بشيء بعد شيء، كما قال تعالى " فلما أتاها ~~نودي يا موسى " فناداه حين أتاها ولم يناده قبل ذلك، وقال تعالى: " فأكلا ~~منها فبدت لهما سوأتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ~~ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما عدو مبين " فهو سبحانه ناداهما حين ~~أكلا # PageV03P155 # منها ولم ينادهما قبل ذلك، وكذلك قال تعالى: " ولقد خلقناكم ثم صورناكم ~~ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم " بعد أن خلق آدم وصوره ولم يأمرهم قبل ذلك، ~~وكذا قوله " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون " فأخبر أنه قال له كن فيكون بعد أن خلقه من تراب، ومثل هذا الخبر في ~~القرآن كثير يخبر أنه تكلم في وقت معين ونادى في وقت معين، وقد ثبت في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما خرج إلى الصفا قرأ قوله ~~تعالى " إن الصفا والمروة من شعائر الله " وقال: " نبدأ بما بدأ الله به " ~~فأخبر أن الله بدأ بالصفا قبل المروة. # والسلف اتفقوا على أن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. فظن ~~بعض الناس أن مرادهم أنه قديم العين، ثم قالت طائفة: هو معنى واحد وهو ~~الأمر بكل مأمور والنهي عن كل منهي، والخبر بكل مخبر، إن عبر عنه بالعربية ~~كان قرآنا، وإن عبر ms414 عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان ~~إنجيلا، وهذا القول مخالف للشرع والعقل. # وقالت طائفة: هو حروف وأصوات قديمة الأعيان لازمة لذات الله لم تزل لازمة ~~لذاته، وإن الباء والسين والميم موجودة مقترنة بعضها ببعض معا أزلا وأبدا ~~لم تزل ولا تزال لم يسبق منها شيء شيئا، وهذا مخالف للشرع والعقل. # وقالت طائفة: إن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وأنه في الأزل كان متكلما ~~بالنداء الذي سمعه موسى، وإنما تجدد استماع موسى لا أنه ناداه حين أتى ~~الوادي المقدس بل ناداه قبل ذلك بما لا يتناهى ولكن تلك الساعة سمع النداء. ~~وهؤلاء وافقوا الذين قالوا أن القرآن مخلوق في أصل قولهم، فإن أصل قولهم أن ~~الرب لا تقوم به الأمور الاختيارية فلا يقوم به كلام لا فعل باختياره ~~ومشيئته، وقالوا هذه حوادث والرب لا تقوم به الحوادث فخالفوا صحيح المنقول ~~وصريح المعقول واعتقدوا أنهم بهذا يردون على الفلاسفة ويثبتون حدوث العالم، ~~وأخطأوا في ذلك، فلا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا # PageV03P156 # وادعوا أن الرب لم يكن قادرا في الأزل على كلام يتكلم به ولا فعل يفعله، ~~وأنه صار قادرا بعد أن لم يكن قادرا بغير أمر حدث، أو يغيرون العبارة ~~فيقولون لم يزل قادرا، لكن يقولون أن المقدور كان ممتنعا وأن الفعل صار ~~ممكنا له بعد أن صار ممتنعا عليه من غير تجدد شيء، وقد يعبرون عن ذلك بأن ~~يقولوا كان قادرا في الأزل على ما يمكن فيما لا يزال، لا على ما لا يمكن في ~~الأزل، فيجمعون بين النقيضين حيث يثبتونه قادرا في حال كون المقدور عليه ~~ممتنعا عندهم، ولم يفرقوا بين نوع الكلام والفعل وبين عينه كما لم يفرق ~~الفلاسفة بين هذا وهذا بل الفلاسفة ادعوا أن مفعوله المعين قديم بقدمه، ~~فضلوا في ذلك وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول، فإن الأدلة لا تدل على ~~قدم شيء بعينه من العالم بل تدل على أن ما سوى الله مخلوق حادث بعد أن لم ~~يكن، إذ هو فاعل بقدرته ومشيئته ms415 كما تدل على ذلك الدلائل القطعية، والفاعل ~~بمشيئته لا يكون شيئا من مفعوله لازما بصريح العقل واتفاق عامة العقلاء، بل ~~وكل فاعل لا يكون شيء من مفعوله لازما لذاته، ولا يتصور مقارنة مفعوله ~~المعين له، ولو قدر أنه فاعل بغير إرادة فكيف الفاعل بالإرادة. # وما يذكر بأن المعلول يقارن علته إنما يصح فيما كان من العلل يجري مجرى ~~الشروط فإن الشرط لا يلزمه أن يتقدم على المشروط بل قد يقارنه كما تقارن ~~الحياة العلم، وأما ما كان فاعلا سواء سمي أو لم يسمى علة فلا بد أن يتقدم ~~على الفعل المعين، والفعل المعين لا يجوز أن يقارنه شيء من مفعولاته، ولا ~~يعرف العقلاء فاعلا قط يلتزمه مفعول معين، وقول القائل حركت يدي فتحرك ~~الخاتم هو من باب الشروط لا من باب الفاعلين (1) ولأنه لو كان قديما فاعله ~~موجبا بذاته في الأزل ولم يتأخر عنه موجبه ومقتضاه، ولو كان كذلك لم يحدث ~~شيء من الحوادث وهذا خلاف المشاهدة، وإن كان هو سبحانه لم يزل قادرا على ~~الكلام والفعل بل لم يزل متكلما إذا شاء فاعلا لما يشاء، ولم يزل موصوفا ~~بصفات الكمال، PageV03P157 # منعوتا بنعوت الجلال والإكرام، والعالم فيه من الإحكام والإتقان ما دل ~~على علم الرب، وفيه من الاختصاص ما دل على مشيئته، وفيه من الإحسان ما دل ~~على رحمته، وفيه من العواقب الحميدة ما دل على قدرة الرب تعالى مع أن الرب ~~مستحق لصفات الكمال لذاته، فإنه مستحق لكل كمال ممكن للوجود لا نقص فيه ~~منزه عن كل نقص، وهو سبحانه ليس له كف في شيء من أموره، فهو موصوف بصفات ~~الكمال على وجه التفصيل منزه فيها عن التشبيه والتمثيل، ومنزه عن النقائص ~~مطلقا، فإن وصفه بها من أعظم الأباطيل، وكماله من لوازم ذاته المقدسة لا ~~يستفيده من غيره بل هو المنعم على خلقه بالخلق والإنشاء وما جعله فيهم من ~~صفات الأحياء، وخالق صفات الكمال أحق بها، ولا كفؤ له فيها. # وأصل اضطراب الناس في مسألة كلام الله أن الجهمية ms416 والمعتزلة لما ناظرت ~~الفلاسفة في مسألة حدوث العالم اعتقدوا أن ما يقوم به من الصفات والأفعال ~~المتعاقبة لا يكون إلا حادثا بناء على أن ما لا يتناهى لا يمكن وجوده (1) ~~والتزموا أن الرب كان في الأزل غير قادر على الفعل والكلام بل كان ذلك ~~ممتنعا عليه وكان معطلا عن ذلك وقد يعبرون عن ذلك بأنه كان قادرا في الأزل ~~على الفعل فيما لا يزال مع امتناع الفعل عليه في الأول فيجمعون بين ~~النقيضين حيث يصفونه بالقدرة في حال امتناع المقدور لذاته إذ كان الفعل ~~يستلزم أن يكون له أول والأزل لا أول له والجمع بين إثبات الأولية ونفيها ~~جمع بين النقيضين. # ولم يهتدوا إلى الفرق بين ما يستلزم الأولية والحدوث وهو الفعل المعين ~~والمفعول المعين، وبين ما لا يستلزم ذلك وهو نوع الفعل والكلام بل هذا يكون ~~دائما وإن كان كل من آحاده حادثا كما يكون دائما في المستقبل وإن كان كل من ~~آحاده فانيا، بخلاف خالق يلزمه مخلوقه المعين دائما فإن هذا هو الباطل في ~~صريح العقل PageV03P158 # وصحيح النقل ولهذا اتفقت فطر العقلاء على إنكار لم ينازع فيه الأشرذمة من ~~المتفلسفة كابن سينا وأمثاله الذين زعموا أن الممكن المفعول قد يكون قديما ~~واجب لوجوده فخالفوا في ذلك جماهير العقلاء مع مخالفتهم لسلفهم أرسطو ~~وأتباعه فإنه لم يكونوا يقولون ذلك وإن قالوا بقدم الأفلاك، وأرسطو أول من ~~قال بقدمها من الفلاسفة المشائين بناء على إثبات علة غائية لحركة الفلك ~~يتحرك الفلك للتشبه بها لم يثبتوا له فاعلا ولم يثبتوا ممكنا قديما واجبا ~~بغيره وهم وإن كانوا أجهل بالله وأكفر من متأخريهم فيهم يسلمون لجمهور ~~العقلاء أن ما كان ممكنا بذاته فلا يكون إلا محدثا مسبوقا بالعدم فاحتاجوا ~~أن يقولوا كلامه مخلوق منفصل. # وطائفة وافقتهم على امتناع وجود ما لا نهاية له لكن قالوا تقوم به الأمور ~~الاختيارية فقالوا أنه في الأزل لم يكن متكلما بل ولا كان الكلام مقدورا له ~~ثم صار متكلما بلا حدوث حادث بكلام يقوم به وهو ms417 قول الهاشمية والكرامية ~~وغيرهم. # وطائفة قال: إذا كان القرآن غير مخلوق فلا يكون إلا قديم العين لازما ~~لذات الرب فلا يتكلم بمشيئته وقدرته، ثم منهم من قال هو معنى واحد قديم، ~~فجعل آية الكرسي وآية الدين وسائر آيات القرآن التوراة والإنجيل وكل كلام ~~يتكلم الله به معنى واحدا لا يتعدد ولا يتبعض، ومنهم من قال أنه حروف ~~وأصوات مقترنة لازمة للذات، وهؤلاء أيضا وافقوا الجهمية والمعتزلة في أصل ~~قولهم أنه متكلم بكلام لا يقوم بنفسه ومشيئته وقدرته وأنه لا تقوم به ~~الأمور الاختيارية، وأنه لم يستو على عرشه بعد أن خلق السموات والأرض، ولا ~~يأتي يوم القيامة، ولم يناد موسى حين ناداه، ولا تغضبه المعاصي ولا ترضيه ~~الطاعات ولا تفرحه توبة التائبين، وقالوا في قوله " وقل اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون " ونحو ذلك، إنه لا يراها إذا وجدت بل إما أنه لم ~~يزل رائيا لها وإما # PageV03P159 # أنه لم يتجدد شيء موجود بل تعلق معدوم، إلى أمثال هذه المقالات التي ~~خالفوا فيها نصوص الكتاب والسنة مع مخالفة صريح العقل. # والذي ألجأهم لذلك موافقتهم للجهمية على أصل قولهم في أنه سبحانه لا يقدر ~~في الأزل على الفعل والكلام وخالفوا السلف والأئمة في قولهم: لم يزل الله ~~متكلما إذا شاء ثم افترقوا أحزابا أربعة كما تقدم: الخلقية، والحدوثية، ~~والاتحادية، والاقترانية. # وشر من هؤلاء الصابئة والفلاسفة الذين يقولون أن الله لم يتكلم لا بكلام ~~قائم بذاته ولا بكلام يتكلم به بمشيئته وقدرته لا قديم النوع ولا قديم ~~العين ولا حادث ولا مخلوق بل كلامه عندهم ما يفيض على نفوس الأنبياء، ~~ويقولون أنه كلم موسى من سماء عقله، وقد يقولون أنه تعالى يعلم الكليات دون ~~الجزئيات فإنه إنما يعلمها على وجه كلي، ويقولون مع ذلك أنه يعلم نفسه ~~ويعلم ما يفعله. # وقولهم بعلم نفسه ومفعولاته حقن كما قال تعالى " ألا يعلم من خلق وهو ~~اللطيف الخبير " لكن قولهم مع ذلك: إنه لا يعلم الأعيان المعينة جهل وتناقض ~~فإن نفسه المقدسة معينة والأفلاك معينة وكل ms418 موجود معين، فإن لم يعلم ~~المعينات لم يعلم شيئا من الموجودات، إذ الكليات إنما تكون في الأذهان لا ~~في الأعيان، فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات تعالى الله ~~عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وهم إنما ألجأهم إلى هذا الحد فرارهم من تجدد الأحوال للبارئ تعالى، مع ~~أن هؤلاء يقولون أن الحوادث تقويم بالقديم وأن الحوادث لا أول لها، لكن ~~نفوا ذلك عن البارئ لاعتقادهم أنه لا صفة له بل هو وجود مطلق، وقالوا أن ~~العلم نفس عين العالم، والقدرة نفس عين القادر والعلم والعالم شيء واحد، ~~والمريد والإرادة شيء واحد، فجعلوا هذه الصفة هي الأخرى وجعلوا الصفات هي ~~الموصوف. # ومنهم من يقول بل العلم كل المعلوم كما يقوله الطوسي صاحب شرح الإشارات ~~فإنه أنكر على ابن سينا إثباته لعلمه بنفسه وما يصدر عن نفسه، وابن # PageV03P160 # سينا أقرب إلى الصواب لكنه تناقض مع ذلك حيث نفى قيام الصفات به، وجعل ~~الصفة عين الموصوف وكل صفة هي الأخرى. # ولهذا كان هؤلاء هم أوغل في الاتحاد والإلحاد ممن يقول معاني الكلام شيء ~~واحد، لكنهم ألزموا قولهم لأولئك، فقالوا إذا جاز أن تكون المعاني المتعددة ~~شيئا واحدا، جاز أن يكون العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة، فاعترف حذاق ~~أولئك بأن هذا الإلزام لا جواب عنه. # ثم قالوا وإذا جاز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى والصفة هي الموصوف جاز أن ~~يكون الموجود الواجب القديم الخالق هو الموجود الممكن المحدث المخلوق، ~~فقالوا: إن وجود كل مخلوق هو عين وجود الخالق، وقالوا الوجود واحد، ولم ~~يفرقوا بين الواحد بالنوع والواحد بالعين، كما لم يفرق أولئك بين الكلام ~~الواحد بالعين والكلام الواحد بالنوع. # وكان منتهى أمر أهل الإلحاد في الكلام إلى هذا التعطيل والكفر والاتحاد ~~الذي قاله أهل الوحدة والحلول في الخالق والمخلوقات، كما أن الذين لم ~~يفرقوا بين نوع الكلام وعينه وقالوا هو يتكلم بحرف وصوت قديم، قالوا أولا ~~أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا تسبق الباء السين، بل لما نادى موسى ms419 فقال ~~" إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني - إلى (1) - أنا الله رب العالمين " ~~كانت الهمزة والنون وما بينهما موجودات في الأزل بعضا بعضها، لم تزل ولا ~~تزال لازمة لذات الله. # ثم قال فريق منهم: إن ذلك القديم هو نفس الأصوات المسموعة من PageV03P161 # القراء. # وقال بعضهم: بل المسموع صوتان قديم ومحدث. # وقال بعضهم: أشكال المداد قديمة أزلية. # وقال بعضهم: محل المداد قديم أزلي. # وحكي عن بعضهم أنه قال: المداد قديم أزلي، وأكثرهم يتكلمون بلفظ القديم ~~ولا يفهمون معناه بل منهم من يظن أن معناه متقدم على غيره، ومنهم من يظن أن ~~معنى اللفظ أنه غير مخلوق، ومنهم لا يميز بين ما يقول، فصار هؤلاء حلولية ~~اتحادية في الصفات، ومنهم من يقول بالحلول والاتحاد في الذات والصفات، وكان ~~منتهى أمر هؤلاء وهؤلاء إلى التعطيل. # والصواب في هذا الباب وغيره مذهب سلف الأمة وأئمتها أنه سبحانه لم يزل ~~متكلما إذا شاء، وأنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن كلماته لا نهاية لها، وأنه ~~نادى موسى بصوت سمعه موسى، وإنما ناداه حين أتى لم يناده قبل ذلك، وأن صوت ~~الرب لا يماثل أصوات العباد، كما أن علمه لا يماثل علمهم وقدرته لا تماثل ~~قدرتهم، وأنه سبحانه بائن عن مخلوقاته بذاته وصفاته ليس في مخلوقاته شيء من ~~ذاته وصفاته القائمة بذاتها، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وإن أقوال أهل ~~التعطيل والاتحاد، الذين عطلوا الذات أو الصفات أو الكلام أو الأفعال ~~باطلة، وأقوال أهل الحلول الذين يقولون بالحلول في الذات أو الصفات باطلة، ~~وهذه أمور مبسوطة في غير هذا الموضع وقد بسطناها في الواجب الكبير والله ~~أعلم بالصواب. # فتوى أخرى لشيخ الإسلام # في إثبات أن الكلام صفة المتكلم # لا عينه ولا غيره # سئل أيضا رضي الله عنه: ما تقول السادة العلماء الجهابذة أئمة الدين رضي ~~الله عنهم أجمعين فيمن يقول الكلام غير المتكلم، والقول غير القائل، ~~والقرآن والمقروء والقارئ كل واحد منها له المعنى، بينوا لنا ذلك بيانا ~~شافيا ليصل إلى ذهن الحاذق والبليد أثابكم الله ms420 بمنه. # PageV03P162 # فأجاب رضي الله عنه: الحمد لله، من قال: أن الكلام غير المتكلم والقول ~~غير القائل وأراد أنه مباين له منفصل عنه فهذا خطأ وضلال، وهو قول من يقول ~~أن القرآن مخلوق فإنهم يزعمون أن الله لا يقوم به صفة من الصفات لا القرآن ~~ولا غيره، ويوهمون الناس بقولهم العلم غير العالم والقدرة غير القادر ~~والكلام غير المتكلم، ثم يقولون: وما كان غير الله فهو مخلوق وهذا تلبيس ~~منهم. # فإن لفظ الغير يراد به ما يجوز مباينته للآخر ومفارقته له، وعلى هذا فلا ~~يجوز أن يقال علم الله غيره، ولا يقال أن الواحد من العشرة غيرها، وأمثال ~~ذلك، وقد يراد بلفظ الغير ما ليس هو الآخر، وعلى هذا فتكون الصفة غير ~~الموصوف لكن على هذا المعنى لا يكون ما هو غير ذات الله الموصوفة بصفاته ~~مخلوقا، لأن صفاته ليست هي الذات لكن قائمة بالذات، والله سبحانه وتعالى هو ~~الذات المقدسة الموصوفة بصفات كماله، وليس الاسم اسما لذات لا فات ها بل ~~يمتنع وجود ذات لا صفات لها. # والصواب في مثل هذا أن يقال الكلام صفة المتكلم، والقول صفة القائل، ~~وكلام الله ليس منه بل أسمعه لجبريل ونزل به على محمد صلى الله عليه وسلم ~~كما قال تعالى " والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " ولا ~~يجوز أن يقال أن كلام الله فارق ذاته وانتقل إلى غيره، بل يقال كما قال ~~السلف: أنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، فقولهم منه بدأ رد على ~~من قال: أنه مخلوق في بعض الأجسام ومن ذلك المخلوق ابتدأ، فبينوا أن الله ~~هو المتكلم به، ومنه بدأ، لا من بعض المخلوقات، وإليه يعود أي فلا يبقى في ~~الصدور منه آية ولا في المصاحف حرف، وأما القرآن فهو كلام الله. # فمن قال أن القرآن الذي هو كلام الله غير الله فخطؤه وتلبيسه كخطأ من قال ~~أن الكلام غير المتكلم، وكذلك من قال أن كلام الله له مقروء غير القرآن ~~الذي تكلم به ms421 فخطؤه # PageV03P163 # ظاهر، وكذلك من قال أن القرآن الذي يقرأه المسلمون غير المقروء الذي ~~يقرأه المسلمون فقد أخطأ. # وإن أراد بالقرآن مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا وقال أردت أن القراءة غير ~~المقروء فلفظ القراءة مجمل، قد يراد بالقراءة القرآن وقد يراد بالقراءة ~~المصدر، فمن جعل القراءة التي هي المصدر غير المقروء كما يجعل التكلم الذي ~~فعله غير الكلام الذي يقوله، وأراد بالغير أنه ليس هو إياه فقد صدق، فإن ~~الكلام الذي يتكلم به الإنسان يتضمن فعلا كالحركة ويتضمن ما يقترن بالفعل ~~من الحروف والمعاني، ولهذا يجعل القول قسيما للفعل تارة وقسما منه أخرى، ~~فالأول كما يقول: الإيمان قول وعمل، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " إن ~~الله تجاوز لا متى ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به " ومنه قوله ~~تعالى: " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " ومنه قوله تعالى: " ~~وما تكون في شأن وما نتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل " وأمثال ذلك فيما ~~يفرق بين القول والعمل، وأما دخول القول في العمل ففي مثل قوله تعالى: " ~~فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون " وقد فسروه بقول لا إله إلا الله، ~~ولما سئل صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: " الإيمان بالله " مع ~~قوله " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة ~~الأذى عن الطريق " ونظائر ذلك متعددة. # وقد تتوزع فيمن حلف لا يعمل عملا إذا قال قولا كالقراءة ونحوها هل يحنث؟ ~~على قولين في مذهب أحمد وغيره بناء على هذا. # فهذه الألفاظ التي فيها إجمال واشتباه إذا فصلت معانيها وإلا وقع فيها ~~نزاع واضطراب والله سبحانه وتعالى أعلم. # تم الكتاب المجموع ولله الحمد # PageV03P164 # يقول محمد رشيد آل رضا: قد جمع هذه المباحث والفتاوى عالم الشام السلفي # الاثري، الأستاذ الشيخ جمال الدين القاسمي الشهير (رح) من كتاب الكواكب ~~وغيره # من كتب شيخ الإسلام وفتاويه، وأرسله إلى صديقنا السلفي الاثري السري، # صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف الحجازي. وقد رفعه هذا إلى الإمام الهمام، ms422 # ومحي مذهب السلف وسنة خير الأنام، عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل # سعود ملك الحجاز ونجد وملحقاتها فبادر إلى اصدار أمره الينا بطبعه مع ~~رسائل أخرى # لشيخ الإسلام قدس الله روحه لنشره في مملكته وغيرها كسائر مطبوعاته ~~النافعة (وهي # ماحواه هذا المجموع) وكنا نظن أن المرحوم القاسمي عني بقراءته وتصحيحه ~~بنفسه، # أن يكون عني بتصحيحه، وقد هون علينا تصحيحه ما فيه من تكرار المسائل ~~فاستفدنا # من مقابلة بعضها ببعض. # وأما قيمة هذا المجموع الدينية العلمية فهي لا تقدر، والتكرار فيه مفيد ~~فان # هذه التحقيقات الواسعة قلما يعيها أحد إلا إذا تكررت على ذهنه مرارا ~~كثيرة # ومن الغريب أن هذه المسائل كان يكتبها شيخ الاسلام قدس الله روحه # أو يمليها من غير مراجعه كتاب من الكتب، وهي من الآيات البينات، ~~والبراهين # الواضحات، على أن هذا الرجل من أكبر آيات الله في خلقه، أيد بها كتابه ~~الذي # قال فيه انه (يهدي للتي هي أقوم) وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان # عليه السلف الصالح من فهمها، والاعتصام بها. # ويعلم من كل فتوى منها - بله جملتها ومجموعها - انه رحمه الله تعالى قد # جمع من العلوم النقلية والعقلية الشرعية والتاريخية والفلسفية من الإحاطة ~~بمذاهب # الملل والنحل وآراء المذاهب ومقالات الفرق حفظا وفهما ما لا نعلم مثله عن # أحد من علماء الأرض قبله ولا بعده، وأغرب من ذلك ما آتاه الله من قوة ~~الحكم في # إبطال الباطل وإحقاق الحق في كل منها بالبراهين النقلية والعقلية، ونصر ~~مذهب السلف # في فهم الكتاب والسنة على كل ما خالفه من مذاهب المتكلمين والفلاسفة ~~وغيرهم # (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) # PageV03P165 # فهرس عناوين الكتاب # (مذهب السلف القويم، في تحقيق مسألة كلام الله الكريم) # (1) سؤال من كيلان عن كلام الله عز وجل وكلام البشر وحكم من قال كل منهما # قديم وما نقل عن الإمام أحمد في المسألة - وجوابه ص 2 - 16. # (2) فصل في مسألة القرآن العزيز ودلالة الكتاب والسنة على ما اتفق عليه # السلف الصالح ms423 فيها من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم وما حدث # فيها من الأقوال بعدهم 17 - 34. # (3) مسألة الأحرف التي أنزلها الله على آدم (ع. م) وهل هي قديمة أو ~~مخلوقة 35 # فصل منه في نزاع المتأخرين في الحروف من كلام البشر وسببه 45 # فصل في الحكم بين المتنازعين في ذلك أيهم المصيب 47 # فصل في حروف المعاني التي هي قسمة الأسماء والأفعال 84 # فصل في بيان أن القرآن كلام الله لا كلام جبريل ولا محمد ومعنى إنزاله 89 # فصل في منشأ النزاع والاختلاف وهو علم الكلام الذي ذمه السلف ونظرياته ~~الباطلة. 102 # فصل في فروع الاختلاف وفرق الناس فيه 106 # مسألة كلام الله تعالى في كتاب منهاج السنة ومذاهب الشيعة فيها 113 # فصل في كتاب موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول 123 # فتوى في مسألة الكلام 131 # فتوى ثانية في مسألة الكلام 146 # فتوى ثالثة في مسألة الكلام 151 # فتوى رابعة في إثبات أن الكلام صفة المتكلم لا عينه ولا غيره 162 # PageV03P166 ### | الجزء الرابع ### | حقيقة مذهب الاتحاديين أو وحدة الوجود وبيان بطلانه بالبراهين النقلية والعقلية # من رسائل: شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله سره # علق عليه: السيد محمد رشيد رضا # PageV04P001 # بسم الله الرحمن الرحيم # (رسالة شيخ الإسلام إلى من سأله عن حقيقة مذهب الاتحاديين أي القائلين ~~بوحدة الوجود) # الحمد الله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * وأشهد أن لا ~~إله إلا الله # الأحد الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين صلى الله ~~عليه وسلم تسليما # كثيرا وعلى سائر إخوانه المرسلين. # (أما بعد) فقد وصل كتابك تلتمس فيه بيان حقيقة مذهب هؤلاء الاتحادية # وبيان بطلانه، وانك كنت قد سمعت مني بعض البيان لفساد قولهم، وضاق الوقت # بك عن استتمام بقية البيان، وأعجلك السفر، حتى رأيت عندكم بعض من ينصر # قولهم ممن ينتسب إلى الطريقة والحقيقة، وصادف مني كتابك موقعا، ووجد محلا # قابلا، وقد كتبت إليك بما أرجو من الله أن ينفع به المؤمنين، ويدفع به ~~بأس # هؤلاء الملاحدة المنافقين، الذين يلحدون ms424 في أسماء الله وآياته المخلوقات ~~والمنزلات # في كتابه المبين، ويبين الفرق بين ما عليه أهل التحقيق واليقين، من أهل ~~العلم # والمعرفة المهتدين، وبين ما عليه هؤلاء الزنادقة المتشبهين بالعارفين، ~~كما تشبه بالأنبياء # من تشبه من المتنبئين، وكما شبهوا بكلام الله ما شبهوه به من الشعر ~~المفتعل وأحاديث # المفتريين، لتبيين أن هؤلاء من جنس الكفار المنافقين المرتدين، اتباع ~~فرعون # والقرامطة الباطنيين، وأصحاب مسيلمة والعنسي ونحوهما من المفترين، وأن ~~أهل # العلم والإيمان من الصديقين والشهداء والصالحين، سواء كانوا من المقربين ~~السابقين # أو من المقتصدين أصحاب اليمين، وهم من أتباع إبراهيم الخليل وموسى ~~الكليم، # ومحمد المبعوث إلى الناس أجمعين. وقد فرق الله في كتابه المبين الذي جعله ~~حاكما # بين الناس فيما اختلفوا فيه من الحق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ~~والمؤمنين # والكافرين، وقال تعالى (ام حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا # وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون؟) وقال (ام نجعل # PageV04P002 # الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار؟) # وقال (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون؟) # وقد بين حال من تشبه بالأنبياء وبأهل العلم والإيمان من أهل الكذب # والفجور الملبوس عليهم اللابسين. وأخبر أن لهم تنزلا ووحيا ولكن من ~~الشياطين، # فقال تعالى (وأن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم ~~إنكم # لمشركون) وقال تعالى (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين؟ تنزل على كل أفاك # أثيم) وأخبر أن كل من ارتد عن دين الله فلابد أن يأتي الله بدله بمن يقيم ~~دينه المبين، # فقال (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم # ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون # لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم) . # وذلك أن مذهب هؤلاء الملاحدة فيما يقولونه من الكلام وينظمونه من الشعر ~~بين # حديث مفترى وشعر مفتعل. واليهما اشار أبو بكر الصديق رضي الله عنه - لما # قال له عمر بن الخطاب في بعض ما يخاطبه ms425 به: يا خليفة رسول الله تألف ~~الناس. فأخذ # بلحيته وقال: يا ابن الخطاب، أجبارا في الجاهلية خوارا في الإسلام؟ علام ~~أتألفهم؟ # أعلى حديث مفترى؟ أم شعر مفتعل؟ يقول: إني لست أدعوهم إلى حديث مفترى # كقرآن مسيلمة، ولا شعر مفتعل كشعر طليحة الاسدي. # وهذان النوعان هما اللذان يعارض بهما القرآن أهل الفجور والافك المبين، # قال تعالى (فلا أقسم بما تبصرون ومالا تبصرون إنه لقول رسول كريم) إلى ~~آخر # الآية وقال تعالى (وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين) ~~الآيات إلى # قوله تعالى (وما تنزلت به الشياطين) إلى آخر السورة. فذكر في السورة ~~علامة الكهان # الكاذبين، والشعراء الغاوين، ونزهة عن هذين الصنفين كما في سورة الحاقة. ~~وقال تعالى # (إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين) إلى آخر السورة. ~~فالرسول # هنا جبريل. وفي الآية الأولى محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا نزه محمدا ~~هناك أن يكون شاعرا # أو كاهنا ونزه هنا الرسول إليه أن يكون من الشياطين # PageV04P003 # فصل # اعلم - هداك الله وأرشدك - أن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده ولا ~~يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر، وإنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا ~~يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم، لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة، بل وهم ~~أيضا لا يفهمون حقيقة ما يقصدونه ويقولونه، ولهذا يتناقضون كثيرا في قولهم، ~~وإنما يتخيلون شيئا ويقولونه أو يتبعونه، ولهذا قد افترقوا بينهم على فرق، ~~ولا يهتدون إلى التمييز بين فرقهم، مع استشعارهم أنهم مفترقون، ولهذا لما ~~بينت لطوائف من أتباعهم ورؤسائهم حقيقة قولهم، وسر مذهبهم، صاروا يعظمون ~~ذلك، ولولا ما أقرنه بذلك من الذم والرد لجعلوني من أئمتهم، وبذلوا لي من ~~طاعة نفوسهم وأموالهم ما يجل عن الوصف، كما تبذله النصارى لرؤسائهم، ~~والإسماعيلية لكبرائهم، وكما بذل آل فرعون لفرعون. # وكل من يقبل قول هؤلاء فهو أحد رجلين إما جاهل بحقيقة أمرهم، وإما ظالم ~~يريد علوا في الأرض وفسادا، أو جامع بين الوصفين. وهذه حال أتباع فرعون ~~الذين قال الله فيهم " فاستخف قومه ms426 فأطاعوه " وحال القرامطة مع رؤسائهم، ~~وحال الكفار والمنافقين في أئمتهم الذين يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ~~ينصرون " إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا " إلى آخر الآية وقوله " ~~وألعنهم لعنا كبيرا " وقال تعالى " ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا - ~~إلى قوله - وما هم بخارجين من النار ". # فصل # اعلم أن حقيقة قول هؤلاء أن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى ليس ~~وجودها غيره ولا شيء سواه البتة، ولهذا من سماهم حلولية أو قال هم قائلون ~~بالحلول رأوه محجوبا عن معرفة قولهم خارجا عن الدخول إلى باطن أمرهم، لأن ~~من قال أن الله يحل في المخلوقات فقد قال بأن المحل غير الحال، وهذا تثنية ~~عندهم وإثبات لموجودين (أحدهما) وجود الحق الحال (والثاني) وجود المخلوق ~~المحل # PageV04P004 # وهم لا يقرون بإثبات وجودين البتة. ولا ريب أن هذا القول أقل كفرا من ~~قولهم، وهو قول كثير من الجهمية الذين كان السلف يردون قولهم، وهم الذين ~~يزعمون أن الله بذاته في كل مكان. وقد ذكره جماعات من الأئمة والسلف عن ~~الجهمية وكفروهم به، بل جعلهم خلق من الأئمة - كابن المبارك ويوسف ابن ~~اسباط وطائفة من أهل العلم والحديث من أصحاب أحمد وغيره - خارجين بذلك عن ~~الثنتين والسبعين فرقة. وهو قول بعض متكلمة الجهمية وكثير من متعبديهم. ولا ~~ريب إن إلحاد هؤلاء المتأخرين وتجهمهم وزندقتهم تفريع وتكميل لإلحاد هذه ~~الجهمية الأولى وتجهمها وزندقتها. # وأما وجه تسميتهم اتحادية ففيه طريقان (أحدهما) لا يرضونه لأن الاتحاد ~~على وزن الاقتران والاقتران يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر وهم لا يقرون ~~بوجودين أبدا (والطريق الثاني) صحة ذلك بناء على أن الكثرة صارت وحدة كما ~~سأبينه من اضطرابهم. # وهذه الطريقة إما على مذهب ابن عربي فإنه يجعل الوجود غير الثبوت ويقول ~~أن وجود الحق قاض على ثبوت الممكنات، فيصح الاتحاد بين الوجود والثبوت وأما ~~على قول من لا يفرق فيقول أن الكثرة الخيالية صارت وحدة بعد الكشف أو ~~الكثرة العينية صارت وحدة إطلاقية. # فصل # ولما كان أصلهم الذي بنوا ms427 عليه أن وجود المخلوقات والمصنوعات حتى وجود ~~الجن والشياطين والكافرين والفاسقين والكلاب والخنازير والنجاسات والكفر ~~والفسوق والعصيان عين وجود الرب، لا أنه متميز عنه منفصل عن ذاته، وإن كان ~~مخلوقا له مربوبا مصنوعا له قائما به، وهم يشهدون أن في الكائنات تفرقا ~~وكثرة ظاهرة بالحس والعقل، فاحتاجوا إلى جمع يزيل الكثرة، ووحدة ترفع ~~التفرق مع ثبوتها، فاضطربوا على ثلاث مقالات، أنا أبينها لك وإن كانوا هم ~~لا يبين بعضهم مقالة نفسه ومقالة غيره لعدم كمال شهود الحق وتصوره. # PageV04P005 # المقالة الأولى # مقالة ابن عربي صاحب فصوص الحكم # وهي مع كونها كفرا فهو أقربهم إلى الإسلام لما يوجد في كلامه من الكلام ~~الجيد الكثير، ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره، بل هو كثير الاضطراب ~~فيه، وإنما هو قائم مع خياله الواسع الذي يتخيل فيه الحق تارة والباطل ~~أخرى. والله أعلم بما مات عليه. فإن مقالته مبنية على أصلين. # الأصل الأول لمذهب ابن عربي # أحدهما أن المعدوم شيء ثابت في العدم، موافقة لمن قال ذلك من المعتزلة ~~والرافضة. وأول من ابتدع هذه المقالة في الإسلام أبو عثمان الشحام شيخ أبي ~~علي الجبائي وتبعه عليها طوائف من القدرية المبتدعة من المعتزلة والرافضة، ~~وهؤلاء يقولون أن كل معدوم يمكن وجوده فإن حقيقته وماهيته وعينه ثابتة في ~~العدم، لأنه لولا ثبوتها لما تميز المعلوم المخبر عنه من غير المعلوم ~~المخبر عنه، ولما صح قصد ما يراد إيجاده، لأن القصد يستدعي التمييز، ~~والتمييز لا يكون إلا في شيء ثابت، لكن هؤلاء وإن ابتدعوا هذه المقالة التي ~~هي باطلة في نفسها وقد كفرهم بها طوائف مت متكلمة السنة - فهم يعترفون بأن ~~الله خلق وجودها، ولا يقولون أن عين وجودها عين وجود الحق. وأما صاحب ~~الفصوص وأتباعه فيقولون: عين وجودها عين وجود الحق، فهي متميزة بذواتها ~~الثابتة في العدم متحدة بوجود الحق العالم بها. وعامة كلامه ينبني على هذا ~~لمن تدبره وفهمه. # وهؤلاء القائلون بأن المعدوم شيء ثابت في العدم سواء قالوا بأن وجودها ~~خلق الله أو هو ms428 الله، يقولون إن الماهيات والأعيان غير مجعولة ولا مخلوقة ~~وأن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته، وقد يقولون الوجود صفة للموجود. # وهذا القول وإن كان فيه شيه بقول القائلين بقدم العالم أو القائلين بقدم ~~مادة # PageV04P006 # العالم وهيولاه المتميزة عن صورته فلس هو إياه، وإن كان بينهما قدر ~~مشترك، فإن هذه الصورة المحدثة من الحيوان والنبات والمعادن ليست قديمة ~~باتفاق جميع العقلاء، بل هي كائنة بعد أن لم تكن، وكذلك الصفات والأعراض ~~القائمة بأجسام السموات والاستحالات القائمة بالعناصر من حركات الكواكب ~~والشمس والقمر والسحاب والمطر والرعد والبرق وغير ذلك، كل هذا حادث غير ~~قديم، عند كل ذي حس سليم، فإنه يرى ذلك بعينه. والذين يقولون بأن عين ~~المعدوم ثابتة في القدم أو بأن مادته قديمة يقولون بأن أعيان جميع هذه ~~الأشياء ثابتة في القدم، ويقولون أن مواد جميع العالم قديمة دون صوره. # واعلم أن المذهب إذا كان باطلا في نفسه لم يكن الناقد له أن ينقله على ~~وجه يتصور تصورا حقيقيا فإن هذا لا يكون إلا للحق. فأما القول الباطل فإذا ~~بين فبيانه يظهر فساده، حتى يقال كيف اشتبه هذا على أحد ويتعجب من اعتقادهم ~~إياه، ولا ينبغي للإنسان أن يعجب. فما من شيء يتخيل من أنواع الباطل إلا ~~وقد ذهب إليه فريق من الناس. ولهذا وصف الله أهل الباطل بأنهم أموات وأنهم ~~(صم بكم عمي) وأنهم (لا يفقهون، ولا يعقلون) وأنهم (في قول مختلف يؤفك عنه ~~من أفك) وأنهم (في ريبهم يترددون) وأنهم (يعمهون) . # وإنما نشأ - والله أعلم - الاشتباه على هؤلاء من حيث رأوا أن الله سبحانه ~~يعلم ما لم يكن قبل كونه - أو (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون) فرأوا أن المعدوم الذي يخلقه يتميز في علمه وإرادته وقدرته، فظنوا ~~ذلك لتميز ذات له ثابتة وليس الأمر كذلك. وإنما هو متميز في علم الله ~~وكتابه، والواحد منا يعلم الموجود والمعدوم الممكن والمعدوم المستحيل، ~~ويعلم ما كان كآدم والأنبياء، ويعلم ما يكون كالقيامة والحساب، ويعلم ms429 ما لم ~~يكن لو كان كيف كان يكون، كما يعلم ما أخبر الله عن أهل النار (ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه) وأنهم (لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم) وأنه (لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) وأنه (لو كان فيهما آلهة كما يقولون إذا إلا ~~ابتغوا إلى ذي العرش سبيلا) وأنهم (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا) ~~وأنه (لولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) # PageV04P007 # ونحو ذلك من الجمل الشرطية التي يعلم فيها انتفاء الشرط أو ثبوته. # فهذه الأمور التي نعلمها نحن ونتصورها، إما نافين لها أو مثبتين لها في ~~الخارج أو مترددين - ليس بمجرد تصورنا يكون لأعيانها ثبوت في الخارج عن ~~علمنا وأذهاننا، كما نتصور جبل ياقوت وبحر زئبق وإنسانا من ذهب وفرسا من ~~حجر. فثبوت الشيء في العلم والتقدير ليس هو ثبوت عينه في الخارج، بل العالم ~~يعلم الشيء ويتكلم به ويكتبه وليس لذاته في الخارج ثبوت ولا وجود أصلا. ~~وهذا هو تقدير الله السابق لخلقه كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخميس ألف سنة ". # وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ~~أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب قال: رب وما أكتب؟ قال، اكتب ما هو كائن ~~إلى يوم القيامة " وقال ابن عباس " إن الله خلق الخلق وعلم ما هو عاملون، ~~ثم قال لعلمه " كن كتابا " فكان كتابا؟ ثم أنزل تصديق ذلك في كتابه فقال ~~(ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض، إن ذلك في كتاب) ". # وهذا هو معنى الحديث الذي رواه أحمد في مسنده عن ميسرة الفجر قال: قلت يا ~~رسول الله متى كنت نبيا، وفي رواية متى كتبت نبيا؟ - قال " وآدم بين الروح ~~والجسد " هكذا لفظ الحديث الصحيح. وما ما يرويه هؤلاء الجهال (1) كابن عربي ~~في الفصوص وغيره من ms430 جهال العامة " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " " كنت ~~نبيا وآدم لا ماء ولا طين " فهذا لا أصل له ولم يروه أحد من أهل العلم ~~الصادقين، ولا هو في شيء من كتب العلم المعتمدة بهذا اللفظ بل هو باطل، فإن ~~آدم لم يكن بين الماء والطين قط فإن الله خلقه من تراب، وخلط التراب بالماء ~~حتى صار طينا ويبس الطين حتى صار صلصالا كالفخار، فلم يكن له حال بين الماء ~~والطين مركب من الماء والتراب، ولو قيل بين الماء والترب لكان أبعد عن ~~المحال، مع أن هذه الحال لا اختصاص لها، وإنما قال " بين الروح والجسد " ~~وقال " وإن آدم لمنجدل في طينته " لأن آدم بقي أربعين سنة قبل نفخ الروح ~~فيه كما PageV04P008 # قال تعالى " هل أتى على الإنسان حين من الدهر " الآية وقال تعالى (وإذ ~~قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال) الآيتين. وقال تعالى (الذين أحسن ~~كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين) الآيتين وقال تعالى (إذ قال ربك ~~للملائكة إني خالق بشرا من طين) الآية. والأحاديث في خلق آدم ونفه الروح ~~فيه مشهورة في كتب الحديث والتفسير وغيرهما. # فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه كان نبيا أي كتب نبيا وآدم بين الروح ~~والجسد. وهذا والله أعلم لأن هذه الحالة فيها يقدر التقدير الذي يكون بأيدي ~~ملائكة الخلق فيقدر لهم ويظهر لهم ويكتب ما يكون من المخلوق قبل نفخ الروح ~~فيه، كما أخرج الشيخان في الصحيحين وفي سائر الكتب الأمهات حديث الصادق ~~المصدوق وهو من الأحاديث المستفيضة التي تلقاها أهل العلم بالقبول وأجمعوا ~~على تصديقها وهو حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: ~~حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق " إن أحدكم يجمع ~~خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ~~ذلك، ثم يبعث الله الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال: اكتب رزقه وأجله وعمله ~~وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح ms431 - وقال - فوالذي نفسي بيده أن أحدكم ليعمل ~~بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل ~~بعمل أهل النار فيدخل النار، وأن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة ~~" فلما أخبر الصادق المصدوق أن الملك يكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد ~~بعد خلق الجسد وقبل نفخ الروح، وآدم هو أبو البشر كان أيضا من المناسب لهذا ~~أن يكتب بعد خلق جسده وقبل نفخ الروح فيه ما يكون منه، ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم سيد ولد آدم فهو أعظم الذرية قدرا وأرفعهم ذكرا، فأخبر صلى الله عليه ~~وسلم أنه كتب نبيا حينئذ، وكتابة نبوته هو معنى كون نبوته فإنه كون في ~~التقدير الكتابي، ليس كونا في الوجود العيني، إذ نبوته لم يكن وجودها حتى ~~نبأه الله تعالى على رأس أربعين من عمره صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى ~~(وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) الآية. وقال (ألم يجدك يتيما فآوى) # PageV04P009 # الآية. وقال (نحن نقص عليك أحسن القصص) الآية. ولذلك جاء هذا المعنى ~~مفسرا في حديث العرباض بن سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " ~~إني عبد الله مكتوب خاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول ~~أمري: دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج ~~لها نور أضاءت لها منه قصور الشام " هذا لفظ الحديث من رواية ابن وهب. # حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن ~~العرباض رواه البغوي في شرح السنة هكذا، ورواه الليث بن سعد عنه نحوه، ~~ورواه الإمام أحمد في المسند عن ابن مهدي: حدثنا معاوية بن صالح بالإسناد ~~عن العرباض قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن عبد الله خاتم ~~النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم " ~~الحديث. وفيه " كذلك أمهات النبيين يرين ms432 " وقوله " لمنجدل في طينته " أي ~~ملتف ومطروح على وجه الأرض صورة من طين لم تجر فيه الروح بعد. # وقد روي أن الله كتب اسمه على العرش وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب ~~والأوراق، وروي في ذلك عدة آثار توافق هذه الأحاديث الثابتة التي تبين ~~التنويه باسمه وإعلاء ذكره حينئذ. # وقد تقدم لفظ الحديث الذي في المسند عن ميسرة الفجر لما قيل له متى كنت ~~نبيا؟ قال " وآدم بين الروح والجسد " وقد رواه أبو الحسن بن بشر أن من طريق ~~الشيخ أبي الفرج بن الجوزي في (الوفا، بفضائل المصطفى) صلى الله عليه وسلم: ~~حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح ثنا محمد بن صالح ~~ثنا محمد بنا سنان العوفي ثنا إبراهيم بن طهمان عن يزيد بن ميسرة عن عبد ~~الله ابن سفيان عن ميسرة قال قلت: يا رسول الله، متى كنت نبيا؟ قال " لما ~~خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وخلق العرش وكتب على ~~ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء وخلق الله الجنة التي أسكنها آدم ~~وحواء فكتب اسمي على الأبواب والأوراق والقباب والخيام وآدم بين الروح ~~والجسد، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمي فأخبره الله أنه ~~سيد ولدك، فلما # PageV04P010 # غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه ". # وروى أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة: ومن طريق الشيخ أبي الفرج ~~حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن رشدين ثنا أحمد بن سعيد الفهري ثنا عبد ~~الله ابن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن ~~الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما أصاب آدم الخطيئة رفع ~~رأسه فقال يا رب بحق محمد إلا غفرت لي، فأوحى إليه وما محمد؟ ومن محمد؟ ~~فقال: يا رب إنك لما أتممت خلقي رفعت رأسي إلى عرشك فإذا عليه مكتوب: لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك، إذ قرنت اسمه مع ms433 ~~اسمك. فقال: نعم، قد غفرت لك وهو آخر الأنبياء من ذريتك ولولاه ما خلقتك " ~~فهذا الحديث يؤيد الذي قبله وهما كالتفسير للأحاديث الصحيحة. (1) # وفي الصحيحين عن عائشة قالت " أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ~~ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي غار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ~~ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود ~~لمثلها حتى فجأه الحق، وهو بحراء، فأتاه الملك فقال له: اقرأ. قال لست ~~بقارئ. قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ~~لست بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. ~~فقلت لست بقارئ، ثم أخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق) فرجع لها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ترجف بوادره " الحديث بطوله، فقد أخبر في هذا الحديث الصحيح أنه لم ~~يكن قارئا، وهذه السورة أول ما أنزل PageV04P011 # الله عليه وبها صار نبيا، ثم أنزل عليه سورة المدثر، وبها صار رسولا ~~لقوله (ثم فأنذر) ولهذا ذكر سبحانه في هذه السورة الوجود العيني والوجود ~~العلمي. وهذا أمر بين يعقله الإنسان بقلبه لا يحتاج فيه إلى سمع، فإن الشيء ~~لا يكون قبل كونه. وأما كون الأشياء معلومة لله قبل كونها فهذا حق لا ريب ~~فيه. وكذلك كونها مكتوبة عنده أو عند ملائكته، كما دل على ذلك الكتاب ~~والسنة وجاءت به الآثار. # وهذا العلم والكتاب هو القدر الذي ينكره غالية القدرية ويزعمون أن الله ~~لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وهم كفار، كفرهم الأئمة كالشافعي ~~وأحمد وغيرهما. # وقد بين الكتاب والسنة هذا القدر وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~السؤال الوارد عليه، وهو ترك العمل لأجله، فأجاب صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك، ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال: كنا في ms434 جنازة في بقيع الغرقد، ~~فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة (1) ~~فجعل ينكت بمخصرته ثم قال " ما منكم من أحد - أو قال - ما نفس منفوسة إلا ~~قد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتب شقية أو سعيدة " قال فقال ~~رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل، فمن كان من أهل ~~السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى ~~عمل أهل الشقاوة؟ فقال " اعملوا فكل ميسر: أما أهل السعادة فييسرون لعمل ~~أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة - ثم قرأ (فأما من ~~أعطى واتقى) إلى آخر الآيات " وفي رواية: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم جالسا وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال " ما منكم من نفس ~~إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار " قالوا يا رسول الله فلم نعمل؟ أفلا ~~نتكل؟ قال " لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له - ثم قرأ (فأما من أعطى) الآية ~~". # وفي الصحيحين أيضا عن عمران بن حصين قال: قيل يا رسول الله، أعلم أهل ~~PageV04P012 # الجنة من أهل النار؟ قال " نعم " قال فقيل: ففيم يعمل العاملون؟ فقال " ~~كل ميسر لما خلق له " وفي رواية: أن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون ~~فيه، أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما ~~أتاهم به نبيهم وتثبت الحجة عليهم؟ فقال " لا. بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، ~~وتصديق ذلك في كتاب الله (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها) ". # وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال: ~~يا رسول الله، بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت ~~به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما يستقبل؟ قال " لا. بل فيما جفت به ~~الأقلام وجرت به المقادير " قال: ms435 ففيم العمل؟ قال " اعملوا فكل ميسر ". # وفي صحيح مسلك عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ر يقول " كتب ~~الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة - قال: وعرشه ~~على الماء ". # وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: يا بني، إنك لن تجد ~~طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ~~ليصيبك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن أول ما خلق الله ~~القلم فقال له " اكتب، قال: رب، ما أكتب؟ قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم ~~الساعة " يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من مات على غير ~~هذا فليس مني " ورواه الترمذي من وجه آخر عن الوليد بن عبادة أنه قال: ~~دعاني - يعني أباه - عند الموت فقال: يا بني اتق الله، واعلم أنك إن تتق ~~الله تؤمن بالله وتؤمن بالقدر كله، خيره وشره، وإن مت على غير هذا دخلت ~~النار، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن أول ما خلق الله ~~القلم فقال اكتب، قال ما أكتب؟ قال اكتب القدر، ما كان وما هو كائن إلى ~~الأبد ". # وفي الترمذي أيضا عن أبي حراثة عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من ~~قضاء الله تعالى # PageV04P013 # شيئا؟ قال " هي من قدر الله ". # لكن إنما ثبتت في التقدير المعدوم الممكن الذي سيكون، فأما المعدوم ~~الممكن الذي لا يكون فمثل إدخال المؤمنين النار وإقامة القيامة قبل وقتها، ~~وقلب الجبال يواقيت ونحو ذلك، فهذا المعدوم ممكن وهو شيء ثابت في العدم عند ~~من يقول المعدوم شيء، ومع هذا فليس بمقدر كونه، والله يعلمه على ما هو ~~عليه، يعلم أنه ممكن وأنه لا يكون، وكذلك الممتنعات مثل شريك الباري وولده، ~~فإن الله يعلم أنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ويعلم أنه ms436 ليس له ~~شريك في الملك ولا ولي من الذل ويعلم أنه حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، ~~ويعلم أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. وهذه المعدومات ~~الممتنعة ليست شيئا باتفاق العقلاء مع ثبوتها في العلم، فظهر أنه قد ثبت في ~~العلم ما لا يوجد وما يمتنع أن يوجد إذ العلم واسع، فإذا توسع المتوسع وقال ~~المعدوم شيء في العلم أو موجود في العلم أو ثابت في العلم فهذا صحيح، أما ~~أنه في نفسه شيء فهذا باطل، وبهذا تزول الشبهة الحاصلة في هذه المسألة. # والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف: أن ~~المعدوم ليس في نفسه شيئا وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء واحد، وقد دل على ~~ذلك الكتاب والسنة والإجماع القديم، قال الله تعالى لزكريا (وقد خلقتك من ~~قبل ولم تك شيئا) فأخبر أنه لم يك شيئا. وقال تعالى (أولا يذكر الإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا) وقال تعالى (أم خلقوا من غير شيء أم هم ~~الخالقون) فأنكر عليهم اعتقاد أن يكونوا خلقوا من غير شيء خلقهم أم خلقوا ~~هم أنفسهم، ولهذا قال جبير بن مطعم: لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قرأ هذه السورة أحسست بفؤادي قد انصدع. ولو كان المعدوم شيئا لم يتم ~~الإنكار، إذا جاز أن يقال ما خلقوا إلا من شيء، لكن هو معدوم يكون الخالق ~~لهم شيئا معدوما. وقال تعالى (فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا) ولو ~~كان المعدوم شيئا لكان التقدير: لا يظلمون موجودا ولا معدوما، والمعدوم لا ~~يتصور أن يظلموه فإنه ليس لهم. # وأما قوله (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) فهو إخبار عن الزلزلة الواقعة # PageV04P014 # أنها شيء عظيم ليس إخبارا عن الزلزلة في هذه الحال ولهذا قال (يوم ترونها ~~تذهل كل مرضعة عما أرضعت) ولو أريد به الساعة لكان المراد بها شيء عظيم في ~~العلم والتقدير. # وقوله تعالى (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) قد ms437 استدل ~~به من قال المعدوم شيء وهو حجة عليه، لأنه أخبر أنه يريد الشيء وأنه يكونه، ~~وعندهم أنه ثابت في العدم وإنما يراد وجوده لا عينه ولا نفسه. والقرآن قد ~~أخبر أن نفسه تراد وتكون وهذا من فروع هذه المسألة. # فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة العقلاء أن الماهيات مجعولة وأن ~~ماهية كل شيء عين وجوده، وأنه ليس وجود الشيء قدرا زائدا على ماهيته، بل ~~ليس في الخارج إلا الشيء الذي هو الشيء وهو عينه ونفسه وماهيته وحقيقته، ~~وليس وجوده وثبوته في الخارج زائدا على ذلك. # وأولئك يقولون الوجود قدر زائد على الماهية ويقولون الماهيات غير مجعولة، ~~ويقولون وجود كل شيء زائد على ماهيته، ومن المتفلسفة من يفرق بين الوجود ~~والواجب والممكن فيقول: الوجود الواجب عين الماهية. وأما الوجود الممكن فهو ~~زائد على الماهية. وشبهة هؤلاء ما تقدم من أن الإنسان قد يعلم ماهية الشيء ~~ولا يعلم وجوده، وأن الوجود مشترك بين الموجودات وماهية كل شيء مختصة به. # ومن تدبر تبين له حقيقة الأمر فإنا قد قدمنا الفرق بين الوجود العلمي ~~والعيني. وهذا الفرق ثابت في الوجود والعين والثبوت والماهية وغير ذلك. ~~فثبوت هذه الأمور في العلم والكتاب والكلام ليس هو ثبوتها في الخارج عن ذلك ~~(1) وهو ثبوت حقيقتها وماهيتها التي هي هي، والإنسان إذا تصور ماهية فقد ~~علم وجودها الذهني، ولا يلزم من ذلك الوجود الحقيقي الخارجي. فقول القائل: ~~قد تصورت حقيقة الشيء وعينه ونفسه وماهيته وما علمت وجوده حصل وجوده ~~العلمي، وما حصل وجوده العيني الحقيقي ولم يعلم ماهيته الحقيقية ولا عينه ~~الحقيقية ولا نفسه الحقيقية الخارجية فلا فرق بين لفظ وجوده ولفظ ماهيته ~~إلا أن اللفظين قد يعبر به عن الذهني والآخر عن الخارجي فجاء الفرق من جهة ~~المحل لا من جهة الماهية والوجود. PageV04P015 # وأما قولهم: إن الوجود مشترك والحقيقة لا اشتراك فيا، - فالقول فيه كذلك ~~فإن الوجود المعين الموجود في الخارج لا اشتراك فيه، كما أن الحقيقة ~~المعينة الموجودة في الخارج لا اشتراك فيها. وإنما ms438 العلم يدرك الوجود ~~المشترك كما يدرك الماهية المشتركة، فالمشترك ثبوته في الذهن لا في الخارج، ~~وما في الخارج ليس فيه اشتراك البتة، والذهن إن أدرك الماهية المعينة ~~الموجودة في الخارج لم يمكن فيها اشتراك وإنما الاشتراك فيما يدركه من ~~الأمور المطلقة العامة وليس في الخارج شيء مطلق عام بوصف بالإطلاق والعموم؟ ~~وإنما فيه المطلق لا بشرط الإطلاق وذلك لا يوجد في الخارج إلا معينا، ~~فينبغي للعاقل أن يفرق بين ثبوت الشيء ووجوده في نفسه، وبين ثبوته ووجوده ~~في العلم، فإن ذاك هو الوجود العيني الخارجي الحقيقي، وأما هذا فيقال له ~~الوجود الذهني والعلمي. وما من شيء إلا له هذان الثبوتان والعلم يعبر عنه ~~باللفظ ويكتب اللفظ بالخط فيصير لكل شيء أربعة مراتب: وجود في الأعيان، ~~ووجود في الأذهان، ووجود في للسان، ووجود في البنان، وجود عيني، وعلمي، ~~ولفظي، ورسمي. # ولهذا كان أول ما أنزل الله على نبيه سورة (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ذكر ~~فيها النوعين فقال (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق) فذكر جميع ~~المخلوقات بوجودها العيني عموما ثم خصوصا، فخص الإنسان بالخلق بعدما عم ~~غيره، ثم قال (اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) ~~فخص التعليم للإنسان بعد تعميم التعليم بالقلم، وذكر القلم لأن التعليم ~~بالقلم هو الخط وهو مستلزم لتعليم اللفظ، فإن الخط يطابقه، وتعليم اللفظ هو ~~البيان وهو مستلزم لتعليم العلم، لأن العبارة تطابق المعنى، فصار تعليمه ~~بالقلم مستلزما للمراتب الثلاث: اللفظي، والعلمي، والرسمي، بخلاف ما لو ~~أطلق التعليم أو ذكر تعليم العلم فقط لم يكن ذلك مستوعبا للمراتب. # فذكر في هذه السورة الوجود العيني والعلمي وأن الله سبحانه هو معطيهما ~~فهو خالق الخلق وخالق الإنسان، وهو المعلم بالقلم ومعلم الإنسان. # فأما إثبات وجود الشيء في الخارج قبل وجوده فهذا أمر معلوم الفساد بالعقل ~~والسمع وهو مخالف للكتاب والسنة والإجماع. # PageV04P016 # فصل # الأصل الثاني لمذهب ابن عربي # هذا أحد أصلي ابن عربي. وأما الأصل الآخر فقولهم أن وجود الأعيان نفس ms439 ~~وجود الحق وعينه. وهذا انفردوا به عن جميع مثبتة الصانع من المسلمين ~~واليهود والنصارى والمجوس والمشتركين، وإنما هو حقيقة قول فرعون والقرامطة ~~المنكرين لوجود الصانع كما سنبينه إن شاء الله. # فمن فهم هذا فهم جميع كلام ابن عربي نظمه ونثره (1) وما يدعيه من أن الحق ~~يغتذي بالخلق، لأن وجود الأعيان معتمد بالأعيان الثابتة في العدم، ولهذا ~~يقول بالجمع من حيث الوجود، وبالفرق من حيث الماهية والأعيان، ويزعم أن هذا ~~هو سر القدر، لأن الماهيات لا تقبل إلا ما هو ثابت لها في العدم في أنفسها، ~~فهي التي أحسنت وأساءت، وحمدت وذمت، والحق لم يعطها شيئا إلا ما كانت عليه ~~في حال العدم. # فتدبر كلامه كيف انتظم شيئين: إنكار وجود الحق، وإنكار خلقه لمخلوقاته، ~~فهو منكر للرب الذي خلق فلا يقر برب ولا بخلق، ومنكر لرب العالمين، فلا رب ~~ولا عالمون مربوبون، إذ ليس إلا أعيان ثابتة ووجود قائم بها، فلا الأعيان ~~مربوبة ولا الوجود مربوب، ولا الأعيان مخلوقة ولا الوجود مخلوق. وهذا يفرق ~~بين المظاهر والظاهر والمجلي والمتجلي، لأن المظاهر عنده هي الأعيان ~~الثابتة في العدم، وأما الظاهر فهو وجود الخلق. PageV04P017 # فصل # وأما صاحبه الصدر الفخر الرومي فإنه لا يقول أن الوجود زائد على الماهية، ~~فإنه كان أدخل في النظر والكلام من شيخه، لكنه أكفر وأقل علما وإيمانا، ~~وأقل معرفة بالإسلام وكلام المشايخ. ولما كان مذهبهم كفرا كان كل من حذق ~~فيه كان أكفر، فلما رأى أن التفريق بين وجود الأشياء وأعيانها لا يستقيم ~~وعنده أن الله هو الوجود ولا بد من فرق بين هذا وهذا، فرق بين المطلق ~~والمعين، فعنده أن الله هو الوجود المطلق الذي لا يتعين ولا يتميز، وأنه ~~إذا تعين وتميز فهو الحق سواء تعين في مرتبة الإلهية أو غيرها. وهذا القول ~~قد صرح فيه بالكفر أكثر من الأول، وهو حقيقة مذهب فرعون والقرامطة، وإن كان ~~الأول أفسد من جهة تفرقته بين وجود الأشياء وثبوتها، وذلك أنه على القول ~~لأول يمكن أن يجعل للحق وجودا خارجا ms440 عن أعيان الممكنات، وأنه فاض عليها ~~فيكون فيه اعتراف بوجود الرب القائم بنفسه الغني عن خلقه، وإن كان فيه كفر ~~من جهة أنه جعل المخلوق هو الخالق، والمربوب هو الرب، بل لم يثبت خلقا أصلا ~~ومع هذا فما رأيته صرح بوجود الرب متميزا عن الوجود القائم بأعيان ~~الممكنات. # وأما هذا فقد صرح بأنه ما ثم سوى الوجود المطلق الساري في الموجودات ~~المعينة. والمطلق ليس له وجود مطلق، فما في الخارج جسم مطلق بشرط الإطلاق، ~~ولا إنسان مطلق ولا حيوان مطلق بشرط الإطلاق، بل لا يوجد إلا في شيء معين ~~والحقائق لها ثلاث اعتبارات: اعتبار العموم، والخصوص، والإطلاق، فإذا قلنا: ~~حيوان عام أو إنسان عام، أو جسم عام، ووجود عام، فهذا لا يكون إلا في العلم ~~واللسان، وأما الخارج عن ذلك فما ثم شيء موجود في الخارج يعم شيئين، ولهذا ~~كان العموم من عوارض صفات الحي فيقال: علم عام، وإرادة عامة، وغضب عام، ~~وخبر عام، وأمر عام، ويوصف صاحب الصفة بالعموم أيضا كما في الحديث الذي # PageV04P018 # في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بعلي وهو يدعو فقال " يا ~~علي عم، فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض " وفي الحديث أنه ~~لما نزل قوله (وأنذر عشيرتك الأقربين) عم وخص. رواه مسلم من حديث موسى بن ~~طلحة عن أبي هريرة، وتوصف الصفة بالعموم كما في حديث التشهد " السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قلتم ذلك فقد أصابت كل عبد صالح لله في ~~السماء والأرض ". # وأما إطلاق من أطلق أن العموم من عوارض الألفاظ فقط، فليس كذلك إذ معاني ~~الألفاظ القائمة بالقلب أحق بالعموم من الألفاظ. وسائر الصفات: الإرادة ~~والحب والبغض والغضب والرضاء يعرض لها من العموم والخصوص ما يعرض للقول، ~~وإنما المعاني الخارجة عن الذهن هي الموجودة في الخارج، كقولهم: مطر عام ~~وخصب عام. هذه التي تنازع الناس: هل وصفها بالعموم حقيقة أو مجاز؟ على ~~قولين (أحدهما) مجاز لأن كل جزء من أجزاء المطر والخصب لا ms441 يقع إلا حيث يقع ~~الآخر فليس هناك عموم، وقيل بل حقيقة لأن المطر المطلق قد عم. # وأما الخصوص فيعرض لها إذا كانت موجودة في الخارج، فإن كل شيء له ذات ~~وعين تختص به ويمتاز بها عن غيره، أعني الحقيقة العينية الشخصية التي لا ~~اشتراك فيها، مثل: هذا الرجل وهذه الحبة وهذا الدرهم، وما عرض لها في ~~الخارج فإنه يعرض لها في الذهن. فإن تصور الذهنية أوسع من الحقائق الخارجية ~~فإنها تشمل الموجود والمعدوم والممتنع والمقدرات. # وأما الإطلاق فيعرض لها إذا كانت في الذهن بلا ريب فإن العقل يتصور ~~إنسانا مطلقا ووجودا مطلقا. وأما في الخارج فهل يتصور شيء مطلق؟ هذا فيه ~~قولان، المطلق له وجود في الخارج فإنه جزء من المعين، وقيل لا وجود له في ~~الخارج، إذ ليس في الخارج إلا معين مقيد، والمطلق الذي يشترك فيه العدد لا ~~يكون جزءا من المعين الذي لا يشركه فيه. # PageV04P019 # والتحقيق أن المطلق بلا شرط أصلا يدخل فيه المقيد المعين، وأما المطلق ~~بشرط الإطلاق فلا يدخل فيه المعين المقيد، وهذا كما يقول الفقهاء: الماء ~~المطلق، فإنه بشرط الإطلاق فلا يدخل فيه المضاف. فإذا قلنا: الماء ينقسم ~~إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر ونجس، فالثلاثة أقسام الماء. الطهور هو الماء ~~المطلق الذي لا يدخل ما ليس بطهور كالعصارات والمياه النجسة. فالماء ~~المقسوم هو المطلق لا بشرط، والماء الذي هو قسيم للمائين هو المطلق بشرط ~~الإطلاق. # لكن هذا الإطلاق والتقييد الذي قاله الفقهاء في اسم الماء إنما هو في ~~الإطلاق والتقييد اللفظي وهو ما دخل في اللفظ المطلق كلفظ ماء، أو في اللفظ ~~المقيد كلفظ ماء نجس، أو ماء ورد. # وأما ما كان كلامنا فيه أولا فإنه الإطلاق والتقييد في معاني اللفظ، ففرق ~~بين النوعين. فإن الناس يغلطون لعدم التفريق بين هذين غلطا كثيرا جدا، وذلك ~~أن كل اسم فإما أن يكون مسماه معينا لا يقبل الشركة كأنا وهذا وزيد، ويقال ~~له المعين والجزء، وإما أن يقبل الشركة فهذا الذي يقبل الشركة هو المعنى ~~الكلي ms442 المطلق وله ثلاث اعتبارات كما تقدم. # وأما اللفظ المطلق والمقيد فمثال تحرير رقبة، ولم تجدوا ماء، وذلك أن ~~المعنى قد يدخل في مطلق اللفظ، ولا يدخل في اللفظ المطلق، أي يدخل في اللفظ ~~لا بشرط الإطلاق، ولا يدخل في اللفظ بشرط الإطلاق، كما قلنا في لفظ الماء، ~~وأن الماء يقال على المني وغيره كما قال (من ماء دافق) ويقال: ماء الورد، ~~لكن هذا لا يدخل في لفظ الماء عند الإطلاق لكن عند التقييد. فإذا أخذ القدر ~~المشترك بين لفظ الماء المطلق ولفظ الماء المقيد فهو المطلق بلا شرط ~~الإطلاق، فيقال: الماء ينقسم إلى مطلق ومضاف، ومورد التقسيم ليس له اسم ~~مطلق لكن بالقرينة يقتضي الشمول والعموم، وهو قولنا الماء ثلاثة أقسام. ~~فهنا أيضا # PageV04P020 # ثلاثة أشياء: مورد التقسيم وهو العام وهو المطلق بلا شرط، ولكن ليس له ~~لفظ مفرد إلا لفظ مؤلف، والقسم المطلق وهو اللفظ بشرط إطلاقه، والثاني ~~المقيد وهو اللفظ بشرط تقييده. # وإنما كان كذلك لأن المتكلم باللفظ إما أن يطلقه أو يقيده، ليس له حال ~~ثالثة، فإذا أطلقه كان له مفهوم وإذا قيده كان له مفهوم، ثم إذا قيده إما ~~أن يقيده بقيد العموم أو بقيد الخصوص. فقيد العموم كقوله: الماء ثلاثة ~~أقسام، وقيد الخصوص كقوله: ماء الورد. # وإذا عرف الفرق بين تقييد اللفظ وإطلاقه وبين تقييد المعنى وإطلاقه عرف ~~أن المعنى له ثلاثة أحوال: إما أن يكون أيضا مطلقا، أو مقيدا بقيد العموم، ~~أو مقيدا بقيد الخصوص، والمطلق من المعاني نوعان: مطلق بشرط الإطلاق، ومطلق ~~لا بشرط، وكذلك الألفاظ المطلق منها قد يكون مطلقا بشرط الإطلاق كقولنا ~~الماء المطلق والرقبة المطلقة، وقد يكون مطلقا لا بشرط الإطلاق كقولنا ~~إنسان. # فالمطلق المقيد بالإطلاق لا يدخل فيه المقيد بما ينافي الإطلاق، فلا يدخل ~~ماء الورد في الماء المطلق. وأما المطلق لا بقيد فيدخل فيه المقيد كما يدخل ~~الإنسان الناقص في اسم الإنسان. # فقد تبين أن المطلق بشرط الإطلاق من المعاني ليس له وجود في الخارج، فليس ~~في الخارج إنسان ms443 مطلق، بل لا بد أن يتعين بهذا أو ذاك، وليس فيه حيوان ~~مطلق، وليس فيه مطر مطلق بشرط الإطلاق. # وأما المطلق بشرط الإطلاق من الألفاظ كالماء المطلق فمسماه موجود في ~~الخارج لأن شرط الإطلاق هنا في اللفظ فلا يمنع أن يكون معناه معينا، وبشرط ~~الإطلاق هناك في المعنى، والمسمى المطلق بشرط الإطلاق لا يتصور إذ لكل ~~موجود حقيقة يتميز بها، وما لا حقيقة له يتميز بها ليس بشيء، وإذا كان له # PageV04P021 # حقيقة يتميز بها فتمييزه يمنع أن يكون مطلقا من كل وجه، فإن المطلق من كل ~~وجه لا تمييز له، فليس لنا موجود هو مطلق بشرط الإطلاق ولكن العدم المحض قد ~~يقال هو مطلق بشرط الإطلاق إذ ليس هناك حقيقة تتميز ولا ذات تتحقق حتى يقال ~~تلك الحقيقة تمنع غيرها بحدها أن تكون إياها، وأما المطلق من المعاني لا ~~بشرط فهذا إذا قيل بوجوده في الخارج فإنما يوجد معينا متميزا مخصوصا، ~~والمعين المخصوص يدخل في المطلق لا بشرط ولا يدخل في المطلق بشرط الإطلاق، ~~إذ المطلق لا بشرط أعم، ولا يلزم إذا كان المطلق بلا شرط موجودا في الخارج ~~أن يكون المطلق المشروط بالإطلاق موجودا في الخارج لأن هذا أخص منه، فإذا ~~قلنا: حيوان، أو إنسان، أو جسم، أو وجود مطلق، فإن عنينا به المطلق بشرط ~~الإطلاق فلا وجود له في الخارج، وإن عنينا المطلق لا بشرط فلا يوجد إلا ~~معينا مخصوصا، فليس في الخارج شيء إلا معين متميز منفصل عما سواه بحده ~~وحقيقته. # فمن قال: إن وجود الحق هو الوجود المطلق دون المعين فحقيقة قوله أنه ليس ~~للحق وجود أصلا ولا ثبوت إلا نفس الأشياء المعينة المتميزة، والأشياء ~~المعينة ليست إياه فليس شيئا أصلا. # وتلخيص النكتة أنه لو عني به المطلق بشرط الإطلاق فلا وجود له في الخارج ~~فلا يكون للحق وجود أصلا، وإن عني به المطلق بلا شرط، فإن قيل بعدم وجوده ~~في الخارج فلا كلام، وإن قيل بوجوده فلا يوجد إلا معينا فلا يكون للحق وجود ~~إلى ms444 وجود الأعيان. فيلزم محذوران (أحدهما) أنه ليس للحق وجود سوى وجود ~~المخلوقات (والثاني) التناقض وهو قوله أنه الوجود المطلق دون المعين. # فتدبر قول هذا فإنه يجعل الحق في الكائنات بمنزلة الكلي في جزئياته ~~وبمنزلة الجنس والنوع والخاصة والفصل في سائر أعيانه الموجودة الثابتة في ~~العدم. وصاحب هذ القول يجعل المظاهر والمراتب في المتعينات كما جعله الأول ~~في الأعيان. # PageV04P022 # فصل # وأما التلمساني ونحوه فلا يفرق بين ماهية ووجود ولا بين مطلق ومعين، بل ~~عنده ما ثم سوى، ولا غير بوجه من الوجه، وإنما الكائنات أجزاء منه وأبعاض ~~له بمنزلة أمواج البحر في البحر، وآخر البيت من البيت، فمن شعرهم: # البحر لا شك عندي في توحده ... وإن تعدد بالأمواج والزبد # فلا يغرنك ما شاهدت من صور ... فالواحد الرب ساري العين في العدد # ومنه: # فما البحر إلى الموج لا شيء غيره ... وإن فرقته كثرة المتعدد # ولا ريب أن هذا القول هو أحق في الكفر والزندقة، فإن التمييز بين الوجود ~~والماهية، وجعل المعدوم شيئا أو التمييز في الخارج بين المطلق والمعين وجعل ~~المطلق شيئا وراء المعينات في الذهن قولان ضعيفان باطلان، وقد عرف من حدد ~~النظر أن من جعل في هذه الأمور الموجودة في الخارج شيئين (أحدهما) وجودها ~~(والثاني) ذواتها، أو جعل لها حقيقة مطلقة موجودة زائدة على عينها الموجودة ~~فقد غلط غلطا قويا، واشتبه عليه ما يأخذه من العقل من المعاني المجردة ~~المطلقة عن التعيين، ومن الماهيات المجردة عن الوجود الخارجي بما هو موجود ~~في الخارج من ذلك، ولم يدر أن متصورات العقل ومقدراته أوسع مما هو موجود ~~حاصل بذاته، كما يتصور المعدومات والممتنعات والمشروطات، وبقدر ما لا وجود ~~له البتة مما يمكن أو لا يمكن، ويأخذ من المعينات صفات مطلقة فيه. فإن ~~الموجودات ذوات متصورة فيه، لكن هذا القول أشد جهلا وكفرا بالله تعالى، فإن ~~صاحبه لا يفرق بين المظاهر والظاهر، ولا يجعل الكثرة والتفرقة إلا في ذهن ~~الإنسان لما كان محجوبا عن شهود الحقيقة، فلما انكشف غطاؤه عاين أنه لم يكن ms445 ~~غير، وإن الرائي عين المرئي والشاهد عين المشهود. # PageV04P023 # فصل # واعلم أن هذه المقالات لا أعرفها لأحد من أمة قبل هؤلاء على هذا الوجه، ~~ولكن رأيت في بعض كتب الفلسفة المنقولة عن أرسطو أنه حكى عن بعض الفلاسفة ~~قوله: أن الوجود واحد ورد ذلك، وحسبك بمذهب لا يرضاه متكلمة الصابئين. # وإنما حدثت هذه المقالات بحدوث دولة التتار، وإنما كان الكفر الحلول ~~العام أو الاتحاد أو الحلول الخاص. وذلك أن القسمة رباعية لأن من جعل الرب ~~هو العبد حقيقة، فأما أن يقول بحلوله فيه أو اتحاده به، وعلى التقديرين ~~فإما أن يجعل ذلك مختصا ببعض الخلق كالمسيح أو يجعله عاما لجميع الخلق. ~~فهذه أربعة أقسام: الأول: هو الحلول الخاص وهو قول النسطورية من النصارى ~~ونحوهم ممن يقول: أن اللاهوت حل في الناسوت وتدرع به كحلول الماء في ~~الإناء، وهؤلاء حققوا كفر النصارى بسبب مخالطتهم للمسلمين، وكان أولهم في ~~زمن المأمون. وهذا قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة، كغالية ~~الرافضة الذين يقولون أنه حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته، وغالية ~~النساك الذين يقولون بالحلول في الأولياء ومن يعتقدون فيه الولاية، أو في ~~بعضهم كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء. # والثاني: هو الاتحاد الخاص وهو قول يعقوبية النصارى وهم أخبث قولا وهم ~~السودان والقبط، يقولون أن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كاختلاط اللبن ~~بالماء، وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام. # والثالث: هو الحلول العام، وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث ~~عن طائفة من الجهمية المتقدمين، وهو قول غالب متعبدة الجهمية الذين يقولون ~~أن الله بذاته في كل مكان ويتمسكون بمتشابه القرآن كقوله (وهو الله في ~~السموات وفي الأرض) وقوله (وهو معكم) والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام ~~أئمة السنة وأهل المعرفة وعلماء الحديث. # PageV04P024 # الرابع: الاتحاد العام وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود ~~الكائنات، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين: من جهة أن أولئك قالوا ~~أن الرب يتحد بعبده الذي قربه ms446 واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين، وهؤلاء ~~يقولون ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره (والثاني) من ~~جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح وهؤلاء جعلوا ذلك ساريا في الكلاب ~~والخنازير والقذر والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قال (لقد كفر الذين قالوا ~~أن الله هو المسيح بن مريم) الآية. فكيف بمن قال أن الله هو الكفار ~~والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس والأنتان وكل شيء؟ وإذا كان الله ~~قد رد قول اليهود والنصارى لما قالوا (نحن أبناء الله وأحباؤه) وقال لهم ~~(قلم فلم يعذبكم بذنوبكم؟ بل أنتم بشر ممن خلق) الآية. فكيف بمن يزعم أن ~~اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق ليسوا غيره ولا سواه؟ ولا يتصور ~~أن يعذب إلا نفسه؟ وأن كل ناطق في الكون فهو عين السامع؟ كما في قوله صلى ~~الله عليه وسلم " إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت بها أنفسها " وإن الناكح ~~عين المنكوح، حتى قال شاعرهم. (1) # واعلم أن هؤلاء لما كان كفرهم في قولهم: أن الله هو مخلوقاته كلها أعظم ~~من كفر النصارى بقولهم (أن الله هو المسيح بن مريم) فكان النصارى ضلال ~~أكثرهم لا يعقلون مذهبهم في التوحيد إذ هو شيء متخيل لا يعلم ولا يعقل، حيث ~~يجعلون الرب جوهرا واحدا ثم يجعلونه ثلاثة جواهر، ويتأولون ذلك بتعدد ~~الخواص والأشخاص التي هي الأقانيم، والخواص عندهم ليست جواهر، فيتناقضون مع ~~كفرهم، كذلك هؤلاء الملاحدة الاتحادية ضلال أكثرهم لا يعقلون قول رؤوسهم ~~ولا يفقهونه، وهم في ذلك كالنصارى، كلما كان الشيخ أحمق وأجهل، كان بالله ~~أعرف، وعندهم أعظم، ولهم حظ من عبادة الرب الذي كفروا به كما للنصارى. هذا ~~ما دام أحدهم PageV04P025 # في الحجاب، فإذا ارتفع عن قلبه وعرف أنه هو فهو بالخيار بين أن يسقط عن ~~نفسه الأمر والنهي ويبقى سدى يفعل ما أحب وبين أن يقوم بمرتبة الأمر والنهي ~~لحفظ المراتب، وليقتدي به الناس المحجوبون، وهم غالب الحق. ويزعمون أن ~~الأنبياء كانوا كذلك إذ عدوهم كاملين. # فصل # مذهب هؤلاء الاتحادية ms447 كابن عربي وابن سبعين والقونومي والتلمساني مركب من ~~ثلاثة مواد: سلب الجهمية وتعطيلهم، ومجملات الصوفية، وهو ما يوجد في كلام ~~بعضهم من الكلمات المجملة المتشابهة، كما ضلت النصارى بمثل ذلك فيما يروونه ~~عن المسيح فيتبعون المتشابه ويتركون المحكم، وأيضا كلمات المغلوبين على ~~عقلهم الذين تكلموا في حال سكر، ومن الزندقة الفلسفة التي هي أصل التجهم، ~~وكلامهم في الوجود المطلق والعقول والنفوس والوحي والنبوة والوجوب ~~والإمكان، وما في ذلك من حق وباطل. فهذه المادة أغلب على ابن سبعين ~~والقونوي، والثانية أغلب على ابن عربي، ولهذا هو أقربهم إلى الإسلام، والكل ~~مشتركون في التجهم. والتلمساني أعظمهم تحقيقا لهذه الزندقة والاتحاد التي ~~انفردوا بها، وأكفرهم بالله وكتبه ورسله وشرائعه واليوم الآخر. # وبيان ذلك أنه قال: هو في كل متجل بوحدته الذاتية، عالما بنفسه وبما يصدر ~~عنه، وأن المعلومات بأسرها كانت منكشفة في حقيقة العلم شاهدا لها. # فيقال له: قد أثبت علمه بما يصدر منه وبمعلومات يشهدها غير نفسه، ثم ذكرت ~~أنه عرض نفسه على هذه الحقائق الكونية المشهودة المعدودة، فعند ذلك عبر " ~~بأنا " وظهرت حقيقة النبوة التي ظهر فيها الحق واضحا، وانعكس فيها الوجود ~~المطلق، وأنه هو المسمى باسم الرحمن كما أن الأول هو المسمى باسم الله، ~~وسقت الكلام # PageV04P026 # إلى أن قلت: وهو الآن على ما عليه كان فهذا الذي علم أنه يصدر عنه وكان ~~مشهودا له معدوما في نفسه هو الحق أو غيره؟ فإن كان الحق؟ فقد لزم أن يكون ~~الرب كان معدوما وأن يكون صادرا عن نفسه، ثم أنه تناقض. وإن كان غيره، فقد ~~جعلت ذلك الغير هو مرآة لانعكاس الوجود المطلق، وهو الرحمن، فيكون الخلق هو ~~الرحمن، فأنت حائر بين أن تجعله قد علم معدوما صدر عنه، فيكون له غير وليس ~~هو الرحمن، وبين أن تجعل هذا الظاهر الواصف هو إياه وهو الرحمن، فلا يكون ~~معدوما ولا صادرا عنه، وإما أن تصف الشيء بخصائص الحق الخالق تارة وبخصائص ~~العبد المخلوق تارة، فهذا مع تناقضه كفر من أغلظ الكفر، وهو نظير ms448 قول ~~النصارى اللاهوت الناسوت. لكن هذا أكفر من وجوه متعددة. # فصل # الوجه الأول: أن هذه الحقائق الكونية التي ذكرت أنها كانت معدومة في ~~نفسها مشهودة أعيانها في علمه في تجليه المطلق الذي كان فيه متحدا بنفسه ~~بوحدته الذاتية، هل خلقها وبراها وجعلها موجودة بعد عدمها أم لم تزل ~~معدومة؟ فإن كانت لم تزل معدومة فيجب أن لا يكون شيء من الكونيات موجودا، ~~وهذا مكابر للحس والعقل والشرع، ولا يقوله عاقل، ولم يقله عاقل. وإن كانت ~~صادرة موجودة بعد عدمها امتنع أن تكون هي إياه، لأن الله لم يكن معدوما ~~فيوجد. وهذا يبطل الاتحاد، ووجب حينئذ أن يكون (1) به موجودا ليس هو الله، ~~بل هو خلقه ومماليكه وعبيده. وهذا يبطل قولك! وهو الآن لا شيء معه على ما ~~عليه كان. # الثاني أن قولك تركبت الخلقة الإلهية من كان إلى سر شأنه (2) ، أو قولك: ~~ظهر PageV04P027 # الحق فيه، أو نحو ذلك من الألفاظ التي يطلقها هؤلاء الاتحادية في هذا ~~الموضع مثل قولهم: ظهر الحق، وتجلى، وهذه مظاهر الحق ومجاليه، وهذا مظهر ~~إلهي ومجلى إلهي، ونحو ذلك - أتعني به أن عين ذاته حصلت هناك؟ أو تعني به ~~أنه صار ظاهرا متجليا لها بحيث تعلمه؟ أو تعني به أن ظهر لخلقه بها وتجلى ~~بها وأنه ما ثم قسم رابع؟ فإن عنيت الأول - وهو قول الاتحادية - فقد صرحت ~~بأن عين المخلوقات حتى الكلاب والخنازير والنجاسات والشياطين الكفار هي ذات ~~الله، أو هي ودات الله متحدتان، أو ذات الله حالة فيها، وهذا الكفر أعظم من ~~كفر الذين قالوا (إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله هو ثالث ثلاثة) وإن ~~الله يلد ويولد. وأن له بنين وبنات. وإذا صرحت بهذا عرف المسلمون قولك ~~فألحقوك ببني جنسك (1) فلا حاجة إلى ألفاظ مجملة يحسبها الظمآن ماء. ويا ~~ليته إذا جاءها لم يجدها شيئا، بل يجدها سما نافعا. # وإن عنيت أنه صار ظاهرا متجليا لها، فهذا حقيقة أمر صار معلوما لها، ولا ~~ريب أن الله يصير معروفا لعبده. لكن كلامك ms449 في هذا باطل من وجهين: من جهة ~~أنك جعلته معلوما للمعدومات التي لا وجود لها لكونه قد علمها، واعتقدت أنها ~~إذا كانت معلومة يجوز أن تصير عالمة، وهذا عين الباطل: من جهة أنه إذا علم ~~أن الشيء سيكون لم يجز أن يكون هذا قبل وجوده عالما قادرا فاعلا. ومن جهة ~~أن هذا ليس حكم جميع الكائنات المعلومة، بل بعضها هو الذي يصح منه العلم. # وأما إن قلت أن الله يعلم بها لكونها آيات دالة عليه، فهذا حق، وهو دين ~~المسلمين PageV04P028 # وشهود العارفين، لكنك لم تقل هذا لوجهين (أحدهما) أنها لا تصير آيات إلا ~~بعد أن يخلقها ويجعلها موجودة، لا في حال كونها معدومة معلومة، وأنت لم ~~تثبت أنه خلقها ولا جعلها موجودة، ولا أنه أعطى شيئا خلقه، بل جعلت نفسه هو ~~هي المتجلية له. # الوجه الثاني: أنك قد صرحت بأنه تجلى لها وظهر لها، لا أنه دل بها خلقه ~~وجعلها آيات تكون تبصرة وذكرى لكل عبد منيب. والله قد أخبر في كتابه أنه ~~يجعل في هذه المصنوعات آيات، والآية مثل العلامة والدلالة كما قال (وإلهكم ~~إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم. إلى قوله. لآيات لقوم يعقلون) وتارة ~~يسميها نفسها آية كما قال تعالى (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها) وهذا ~~الذي ذكره الله في كتابه هو الحق. # فإذا قيل في نظير ذلك: تجلى بها وظهر بها كما يقال علم وعرف بها، كان ~~المعنى صحيحا لكن لفظ التجلي والظهور في مثل هذا الموضع غير مأثور. وفيه ~~إيهام وإجمال. فإن الظهور والتجلي يفهم منه الظهور والتجلي للعين لا سيما ~~لفظ المتجلي وأن استعماله في التجلي للعين هو الغالب. وهذا مذهب الاتحادية، ~~صرح به ابن عربي وقال: فلا تقع العين إلا عليه. (1) # وإذا كان عندهم أن المرئي بالعين هو الله فهذا كفر صريح باتفاق المسلمين. ~~بل قد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " واعلموا أن أحدا ~~منكم لن يرى ربه حتى يموت " ولا سيما إذا قيل: ظهر ms450 فيها وتجلى، فإن اللفظ ~~يصير مشتركا بين أن تكون ذاته فيها أو تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي ~~يظهر فيها مثال المرئي، وكلاهما باطل. فإن ذات الله ليست في المخلوقات، ولا ~~في نفس ذاته ترى المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة، ولكن ظهورها دلالتها ~~عليه وشهادتها له، وإنها آيات له على نفسه وصفاته سبحانه وبحمده، كما نطق ~~بذلك كتاب الله. PageV04P029 # الوجه الثالث: أن مقارنة الألف والنون المعبر عنها " بأنا " واللفظة التي ~~هي " حقيقة النبوة " و " الروح الإضافي " هذه الأشياء داخلة في مسمى أسمائه ~~الظاهرة والمضمرة أم ليست داخلة في مسمى أسمائه؟ فإن كان الأول فتكون جميع ~~المخلوقات داخلة في مسمى أسماء الله، وتكون المخلوقات جزءا من الله وصفة ~~له، وإن كان الثاني فهذه الأشياء معدومة ليس لها وجود في أنفسها، فكيف ~~يتصور أن تكون موجودة لا موجودة، ثابتة لا ثابتة، منتفية لا منتفية؟ وهذا ~~القسم بين، وهو أحد ما يكشف حقيقة هذا التلبيس. # فإن هذه الأمور التي كانت معلومة له معدومة عند نزول الخلية ظهرت هذه ~~الأمور التي ذكرها، فهذه الأمور الظاهرة المعلومة بعد هذا النزول قد صارت " ~~أنا " وحقيقة نبوة، وروحا إضافيا، وفعل ذات، ومفعول ذات، ومعنى وسائط، فإن ~~كان جميع ذلك في الله، ففيه كفران عظيمان: كون جميع المخلوقات جزءا من ~~الله، وكونه متغيرا هذه التغيرات التي هي من نقص إلى كمال ومن كمال إلى ~~نقص، وإن كانت خارجة من ذاته فهذه الأشياء كانت معدومة، ولم يخلقها عندهم ~~خارجة عنه، فكيف يكون الحال؟ الوجه الرابع: أن عنده حقيقة النبوة وما معها ~~إما أن يكون شيئا قائما بنفسه، أو صفة له أو لغيره، فإن كان قائما بنفسه ~~فإما أن يكون هو الله أو غيره، فإن كان ذلك هو الله فيكون الله هو النقطة ~~الظاهرة، وهو حقيقة النبوة، وهو الروح الإضافي، وقد قال بعد هذا: أنه جعل ~~الروح الإضافي في صورة فعل ذاته، وأنه أعطى محمدا عقدة نبوته، فيكون قد جعل ~~نفسه صورة فعله وأعطى محمدا ذاته، وهذا مع أنه ms451 من أبين الكفر وأقبحه فهو ~~متناقض، فمن المعطي ومن المعطى؟ إذا كان أعطى ذاته لغيره، وإن كانت هذه ~~الأشياء أعيانا قائمة بنفسها وهي غير الله فسواء كانت ملائكة أو غيرها من ~~كل ما سوى الله من الأعيان فهو خلق من خلق الله # PageV04P030 # مصنوع مربوب، والله خالق كل شيء، فهو قد جعل ظهور الحق وصفا، وأنه المسمى ~~باسم الرحمن، فيكون المسمى باسم الرحمن الواصف لنفسه مخلوقا، وهذا كفر صريح ~~وهو أعظم من إلحاد الذين (قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن؟) ومن ~~إلحاد الذين قيل فيهم (وهم يكفرون بالرحمن) فإن أولئك كفروا باسمه وصفته مع ~~إقرارهم برب العالمين، وهؤلاء أقروا بالاسم وجعلوا المسمى مخلوقا من ~~مخلوقاته. # وأما أن كان المراد بهذه الحقيقة وما معها صفة فإما أن تكون صفة لله أو ~~لغيره، فإن كان صفة لله لم يجز أن تكون هي المسمى باسم الرحمن، فإن ذلك اسم ~~لنفس الله لا لصفاته، والسجود لله لا لصفاته، والدعاء لله لا لصفاته، وإن ~~كانت صفة لغيره فهذا الإلزام أعظم وأعظم. # وهذا تقسيم لا محيص عنه، فإن هذا الملحد في أسماء الله جعل هذه العقدة ~~التي سماها (عقدة حقيقة النبوة) وجعلها صورة علم الحق بنفسه، وجعلها مرآة ~~لانعكاس الوجود المطلق، محلا لتميز صفاته القديمة (1) وأن الحق ظهر فيه ~~بصورته وصفته واصفا يصف نفسه ويحيط به، وهو المسمى باسم الرحمن، ثم ذكر أنه ~~أعطى محمدا هذه العقدة، ومعلوم أن المسمى باسم الرحمن هو المسمى باسم الله ~~كما قال تعالى (ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى) فيكون هو سبحانه هذه العقدة التي أعطاها لمحمد، وإن كانت صفة له أو ~~غيره فتكون هي الرحمن، فهذا الملحد دائر بين أن يكون الرحمن هو خلق من خلق ~~الله أو صفة من صفاته، وبين أن يكون الرحمن قد وهبه الله لمحمد، وكل من ~~القسمين من أسمج الكفر وأشنعه. # الوجه الخامس: أن قوله لهذه الحقيقة طرفان: طرف إلى الحق المواجه إليها ~~الذي ظهر فيه الوجود الأعلى واصفا، ms452 وطرف إلى ظهور العالم منه وهو ~~PageV04P031 # المسمى بالروح الإضافي، فذكر في هذا الكلام ظهور الوجود وظهور العالم، ~~وقد تقدم أن الحق كان ولم يكن معه شيء، وهو متجلى بنفسه بوحدته الذاتية، ~~وأنه لما نزلت الخلية ظهرت عقدة حقيقة النبوة، فصارت مرآة لانعكاس الوجود ~~فظهر الحق فيه بصورة وصفة واصفا. # وقد ذكر في هذا الكلام الحق المواجه إليها والوجود الأعلى الذي ظهر، فهذا ~~الحق والطرف الذي لها إلى الحق، فقد ذكر هنا ثلاثة أشياء: الحق، والوجود، ~~والطرف، وقد جعل فيما تقدم الحق هو الوجود المطلق الذي انعكس، وهو الحق ~~الذي ظهر فيه واصفا، فتارة يجعل الحق هو الوجود المطلق، وتارة يجعل الوجود ~~المطلق قد ظهر في هذا الحق، وهذا تناقض. # ثم يقال له: هذان عندك عبارة عن الرب تعالى فقد جعلته ظاهرا وجعلته ~~مظهرا، فإن عنيت بالظهور الوجود فيكون الرب قد وجد مرة بعد مرة، وهذا كفر ~~شنيع، فكيف يتصور تكرر وجوده؟ وكيف يتصور أن يكون قد وجد في نفسه بعد أن لم ~~يكن موجودا في نفسه؟ وإن عنيت الوضوح والتجلي، وليس (1) هناك مخلوق يظهر له ~~ويتجلى إذ العالم بعد لم يخلق، وأنت قلت ظهر الحق فيه واصفا، وسميته ~~الرحمن، ولم تجعل ظهوره معلوما ولا مشهورا، فكيف يتصور أن يكون متجليا ~~لنفسه بعد أن لم يكن متجليا؟ فإن هذا وصف له بأنه لم يكن يعلم نفسه حتى ~~علمها. # وأيضا فقد قلت: أنه كان متجليا لنفسه بوحدته، فهذا كفر وتناقض. # الوجه السادس: أن هذا التحير والتناقض مثل تحير النصارى وتناقضهم في ~~الأقانيم. فإنهم يقولون: الأب والابن وروح القدس ثلاثة آلهة، وهي إله واحد. ~~والمتدرع بناسوت المسيح هو الابن، ويقولون: هي الوجود، والعلم، والحياة، ~~والقدرة. PageV04P032 # فيقال لهم: إن كانت هذه صفات فليست آلهة، ولا يتصور أن يكون المتدرع ~~بالمسيح إلها إلا أن يكون هو الأب، وإن كانت جواهر وجب أن لا تكون إلها ~~واحدا، لأن الجواهر الثلاثة لا تكون جوهرا واحدا. وقد يمثلون ذلك بقولنا ~~زيد العالم القادر الحي، فهي بكونه عالما ليس ms453 هو بكونه قادرا. فإذا قيل لهم ~~هذا كله لا يمنع أن يكون ذاتا واحدة لها صفات متعددة وأنهم لا يقولون ذلك. ~~(1) # وأيضا فالمتحد بالمسيح إذا كان إلها امتنع أن يكون صفة، وإنما يكون هو ~~الموصوف. وأنتم لا تقولون بذاك، فما هو الحق لا تقولونه وما تقولونه ليس ~~بحق، وقد قال تعالى (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله ~~إلا الحق) فالنصارى حيارى متناقضون، إن جعلوا الأقنوم صفة امتنع أن يكون ~~المسيح إلها، وإن جعلوه جوهرا امتنع أن يكون الإله واحدا، وهم يريدون أن ~~يجعلوا المسيح الله ويجعلوه ابن الله، ويجعلوا الأب والابن وروح القدس إلها ~~واحدا. ولهذا وصفهم الله في القرآن بالشرك تارة، وجعلهم قسما غير المشركين ~~تارة، لأنهم يقولون الأمرين وإن كانوا متناقضين. # وهكذا حال هؤلاء فإنهم يريدون أن يقولوا بالاتحاد وأنه ما ثم غيره، ~~ويريدون أن يثبتوا وجود العالم، فجعلوا ثبوت العالم في علمه وهو شاهد له، ~~وجعلوه متجليا لذلك المشهود له، فإذا تجلى فيه كان هو المتجلى لا غيره. ~~وكانت تلك الأعيان المشهودة هي العالم. # وهذا الرجل وابن عربي يشتركان في هذا ولكن يفترقان من وجه آخر. فإن ابن ~~عربي يقول: وجود الحق ظهر في الأعيان الثابتة في نفسها. فإن شئت قلت هو ~~الحق، وإن شئت قلت هو الخلق، وإن شئت قلت هو الحق والخلق، وإن شئت قلت لا ~~حق من كل وجه ولا خلق من كل وجه، وإن شئت قلت PageV04P033 # بالحيرة في ذلك. وأما هذا فإنه يقول: تجلى الأعيان المشهودة له، فقد قالا ~~في جميع الخلق ما يشبه قول ملكية (1) النصارى في المسيح، حيث قالوا: بأن ~~اللاهوت والناسوت صارا جوهرا واحدا له اقنومان. وأما التلمساني فإنه لا ~~يثبت بعد ذلك بحال فهو مثل يعاقبة النصارى، وهم أكفرهم، والنصارى قالوا ~~بذلك في شخص واحد، وقالوا أن اللاهوت به يتدرع الناسوت بعد أن لم يكن ~~متدرعا به. وهؤلاء قالوا أنه في جميع العالم، وأنه لم يزل، فقالوا بعموم ~~ذلك ولزومه، والنصارى قالوا بخصومه وحدوثه، ms454 حتى قال قائلهم: النصارى إنما ~~كفروا لأنهم خصصوا، وهذا المعنى قد ذكره ابن عربي في غير موضع من الفصوص، ~~وذكر أن إنكار الأنبياء على عباد الأصنام إنما كان لأجل التخصيص، وإلا ~~فالعارف المكمل من عبده في كل مظهر وهو العابد والمعبود، وإن عباد الأصنام ~~لو تركوا عبادتهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منها، وأن موسى إنما أنكر ~~على هارون لكون هارون نهاهم عن عبادة العجل لضيق هارون وعلم موسى بأنهم ما ~~عبدوا إلا الله، وأن هارون إنما لم يسلط على العجل ليعبدوا الله في كل ~~صورة، وأن أعظم مظهر فيه هو الهوى فما عبد أعظم من الهوى. لكن ابن عربي ~~يثبت أعيانا ثابتة في العدم. # وهذا ابن حمويه إنما أثبتها مشهودة في العلم فقط، وهذا القول هو الصحيح ~~لكن لا يتم له معه ما صلبه من الاتحاد، ولهذا كان هو أبعدهم عن تحقيق ~~الاتحاد والقرب إلى الإسلام، وإن كان أكثرهم تناقضا وهذيانا، فكثرة الهذيان ~~خير من كثرة الكفر. ومقتضى كلامه هذا أنه جعل وجوده مشروطا بوجود العالم، ~~وإن كان له وجود ما غير العالم، كما أن نور العين مشروط بوجود الأجفان وإن ~~كان قائما بالحدقة، فعلى هذا يكون الله مفتقرا إلى العالم محتاجا إليه ~~كاحتياج نور العين إلى الجفنين. وقد قال الله تعالى (لقد سمع الله قول ~~الذين قالوا إن الله فقير PageV04P034 # ونحن أغنياء) إلى آخر الآية. فإذا كان هذا قوله فيمن وصفه بأنه فقير إلى ~~أموالهم ليعطيها الفقراء، فكيف قوله فيمن جعل ذاته مفتقرة إلى مخلوقاته، ~~بحيث لولا مخلوقاته لانتشرت ذاته وتفرقت وعدمت، كما ينتشر نور العين ويتفرق ~~ويعدم إذا عدم الجفن؟ وقد قال في كتابه (إن الله يمسك السموات والأرض أن ~~تزولا ولئن زالتا) الآية. فمن يمسك السموات؟ وقال في كتابه (ومن آياته أن ~~تقوم السماء والأرض بأمره) الآية. وقال (رفع السموات بغير عمد ترونها) وقال ~~(وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) لا يؤده لا ~~يثقله ولا يكرثه، وقد جاء في الحديث حديث ms455 أبي داود " ما السموات والأرض وما ~~بينهما في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والكرسي في العرش كتلك الحلقة ~~في الفلاة " وقد قال في كتابه " وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة) الآية. وقد ثبت في الصحاح من حديث أبي هريرة وابن عمر وابن ~~مسعود " إن الله يمسك السموات والأرض بيده " فمن يكون في قبضته السموات ~~والأرض، وكرسيه قد وسع السموات والأرض، ولا يؤده حفظهما، وبأمره تقوم ~~السماء والأرض، وهو الذي يمسكها أن تزولا، أيكون محتاجا إليهما مفتقرا ~~إليهما، إذا زالا تفرق وانتشر؟ وإذا كان المسلمون يكفرون من يقول: إن ~~السموات تقله أو تظله لما في ذلك من احتياجات إلى مخلوقاته، فمن قال: إنه ~~في استوائه على العرش محتاج إلى العرش كاحتياج المحمول إلى حامله فإنه ~~كافر؟ لأن الله غني عن العالمين، حي قيوم، هو الغني المطلق وما سواه فقير ~~إليه، مع أن أصل الاستواء على العرش ثابت بالكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة ~~وأئمة السنة، بل هو ثابت في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل، فكيف بمن يقول ~~أنه مفتقر إلى السموات والأرض، وأنه إذا ارتفعت السموات والأرض تفرق وانتشر ~~وعدم؟ فإن حاجته في الحمل إلى العرش أبعد من حاجة ذاته إلى ما هو دون ~~العرش. # PageV04P035 # ثم يقول هؤلاء: إن كنتم تقولون بقدم العالم وإنكار انفطار السموات والأرض ~~وانشقاقهما، وإن كنتم تقولون بحدوثهما فكيف كان قبل خلقهما؟ هل كان منتشرا ~~متفرقا معدوما، ثم لما خلقهما صار موجودا مجتمعا؟ هل يقول هذا عاقل؟ فأنتم ~~دائرون بين نوعين من الكفر، مع غاية الجهل والضلال، فاختاروا أيهما شئتم: ~~إن صور العالم لا تزال تفنى ويحدث في العالم بدلها مثل الحيوان والنبات ~~والمعادن، ومثل ما يحدثه الله في الجو من السحاب والرعد والبرق والمطر وغير ~~ذلك، فكلما عدم شيء من ذلك انتقص من نور الحق ويتفرق ويعدم بقدر ما عدم من ~~ذلك، وكلما زاد شيء من ذلك زاد نوره واجتمع ووجد. # وأما إن عني أن نور الله باق بعد زوال ms456 السموات والأرض لكن لا يظهر فيه ~~شيء، - فما الشيء الذي يظهر بعد عدم هذه الأشياء؟ وأي تأثير للسموات والأرض ~~في حفظ نور الله، وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ~~ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، ~~حجابه النور - أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ~~" وقال عبد الله بن مسعود " إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات من ~~نور وجهه " فقد أخبر الصادق المصدوق أن الله لو كشف حجابه لأحرقت سبحات ~~وجهه ما أدركه بصره من السموات والأرض وغيرهما، فمن يكون سبحات وجهه تحرق ~~السموات والأرض وإنما حجابه هو الذي يمنع هذا الإحراق، أيكون نوره إنما ~~يحفظ بالسموات والأرض؟ الوجه السابع: قوله فالعلويات جفنها الفوقاني، ~~والسفليات جفنها التحتاني، والتفرقة البشرية في السفليات، أهداب الجفن ~~الفوقاني، والنفس الكلية سوادها، والروح الأعظم بياضها. يقال له: فإذا كان ~~العالم هو هذه العين فالعين الأخرى أي # PageV04P036 # شيء هي؟ وبقية الأعضاء أين هي؟ هذا على قولك إن عنيت بالعين المتعين، وإن ~~عنيت الذات والنفس وهو ما تعين به، فقد جعلت نفس السموات والأرض والحيوان ~~والملائكة أبعاضا من الله وأجزاء منه، وهذا قول هؤلاء الزنادقة والفرعونية ~~الاتحادية الذين أتبعهم الله في الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين. # فيقال له: فعلى هذا لم يخلق الله شيئا ولا هو رب العالمين، لأنه إما أن ~~يخلق نفسه أو غيره، فخلقه لنفسه محال وهذا معلوم بالبديهة أن الشيء لا يخلق ~~نفسه، ولهذا قال تعالى (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) يقول أخلقوا ~~من غير خالق أم هم خلقوا أنفسهم؟ ولهذا قال جبير بن مطعم لما سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية أحسست بفؤادي قد انصدع. فقد علموا أن ~~الخالق لا يكون هو المخلوق بالبديهة وخلقه لغيره ممتنع على أصلهم لأن ms457 هذه ~~الأشياء هي أجزاء منه ليست غيرا له. # الوجه الثامن: أنه جعل البشر أهداب جفن حقيقة الله وهم دائما يزيدون ~~وينقصون ويموتون ويحيون، وفيهم الكافر والمؤمن والفاجر والبر، فتكون أهداب ~~جفن حقيقة الله لا تزال منتوفة كاشرة فاسدة، ويكون المشركون واليهود ~~والنصارى أجفان حقيقته، وقد لعن من جعلهم أبناءه على سبيل الاصطفاء فكيف ~~بمن جعلهم من نفسه. # الوجه التاسع: أنه متناقص من حيث جعل الروح بياضها والنفس الكلية سوادها ~~والسموات الجفن الأعلى والأرضون الجفن الأسفل. ومعلوم أن جفني عين الإنسان ~~محيطان بالسواد والبياض، والروح والنفس عنده هي فوق السموات والأرض ليست ~~بين السماء والأرض، كما أن سواد العين وبياضها بين الجفنين، فهذا التمثيل ~~مع أنه من أقبح الكفر ففيه من الجهالة والتناقض ما تراه. # الوجه العاشر: أن النفس الكلية اسم تلقاه عن الصابئة الفلاسفة. وأما ~~الروح فإن مقصوده بها هو الذي يسمونه العقل وهو أول الصادرات. وسماه هو ~~روحا، وهذا بناه على مذهب الصابئة، وليس هذا من دين الحنفاء، وقد بينا فساد # PageV04P037 # ذلك في غير هذا الموضع. لكن الصابئة الفلاسفة خير من هؤلاء فإنهم يقرون ~~بواجب الوجود الذي صدرت عنه العقول والنفوس والأفلاك والأرض لا يجعلونها ~~إياه وهؤلاء يجعلونا إياه. فقولهم إنما ينطبق على المعطلة مثل فرعون وحزبه ~~الذي قال (وما رب العالمين) وقال (ما علمت لكم من إله غيري) وقال (يا هامان ~~ابن لي صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات) الآية، فإن فرعون يقر بوجود ~~هذا العالم ويقول ما فوق رب ولا له خالق غيره. فهؤلاء إذا قالوا أنه عين ~~السموات والأرض، فقد جحد وأما جحده فرعون وأقروا بما أقر به فرعون، إلا أن ~~فرعون لم يسمه إلها ولم يقل هو الله. وهؤلاء قالوا هذا هو الله. فهم مقرون ~~بالصانع لكن جعلوه هو الصنعة. فهم في الحقيقة معطلون، وفي اعتقادهم مقرون، ~~وفرعون بالعكس كان منكرا للصانع في الظاهر وكان في الباطن مقرا به. فهو ~~أكفرهم منهم، وهم أضل منه وأجهل. ولهذا يعظمونه جدا. # الوجه الحادي عشر: قول القائل بل ms458 هذا هو الحق الصريح المتبع، لا ما يرى ~~المنحرف عن مناهج الإسلام ودينه، المتحير في بيداء ضلالته وجهله. فيقال: من ~~الذي قال هذا الحق من الأولين والآخرين؟ وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره ~~الذي هو كلام الله ووحيه وتنزيله ليس فيه شيء من هذا، ولا في حديث واحد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أئمة الإسلام ومشايخه، إلا عن ~~هؤلاء المفترين على الله الذين هم في مشايخ الدين نظير جنكسخان في أمر ~~الحرب، فديانتهم تشبه دولته، ولعل إقراره بالصانع خير من إقرارهم، لكن ~~بعضهم قد يوجب الإسلام فيكون خيرا من التتار في هذا الوجه. # وأما محققوهم وجمهورهم فيجوز عندهم التهود والتنصر والإسلام والإشراك، لا ~~يحرمون شيئا من ذلك، بل المحقق عندهم لا يحرم عليه شيء ولا يجب عليه شيء، ~~ومعلوم أن التتار الكفار خير من هؤلاء، فإن هؤلاء مرتدون عن الإسلام من # PageV04P038 # أقبح أهل الردة، والمرتد شر من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة، وإذا كان ~~أبو بكر الصديق. (1) # وأما ما حكاه عن الذي سماه الشيخ المحقق العالم الرباني الغوث السابع في ~~الشمعة من أنه قال: اعلم أن العالم بمجموعه حدقة عين الله التي لا تنام الخ ~~فالكلام عليه من وجوه. # أحدها أن تسمية قائل مثل هذا المقال محققا وعالما وربانيا عين الضلالة ~~والغواية، بل هذا كلام لا تقوله لا اليهود ولا النصارى ولا عباد الأوثان، ~~فإن كان الذي قاله مسلوب العقل كان حكمه حكم غيره في أن الله رفع عنه ~~القلم، وإن كان عاقلا فجرأة على الله الذي يقول (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، ~~لقد جئتم شيئا أدا، تكاد السموات يتفطرن منه) إلى آخر الآيات وقال (وقالوا ~~اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول) إلى قوله ~~(الظالمين) وقال (لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح بن مريم، قل فمن ~~يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم) إلى قوله (وإليه ~~المصير) فإذا كان هذا قوله فيمن يقول إنهم أبناؤه ms459 وأحباؤه، فكيف قوله فيمن ~~يقول إنهم أهداب جفنه؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # الوجه الثاني: أن هذا الشيخ الضال الذي قال هذا الكفر والضلال قد نقض آخر ~~كلامه بأوله، فإن لفظ العين مشترك بين الشيء وبين العضو المبصر وبين مسميات ~~أخر، وإذا قال بعين الشيء، فهو من العين التي بمعنى النفس أي تميز بنفسه عن ~~غيره، فإذا قال إن العالم بمجموعه حدقة عين الله التي لا تنام فالعين هنا ~~بمعنى البصر. # ثم قال في آخر كلامه: ونعني بعين الله ما يتعين الله فيه. فهذا من العين ~~PageV04P039 # بمعنى النفس، وهذه العين ليس لها حدقة ولا أجفان، وإنما هذا بمنزلة من ~~قال نبعت العين وفاضت وشربنا منها واغتسلنا، ووزنتها في الميزان فوجدتا ~~عشرة مثاقيل وذهبها خالص، وسبب هذا أنه كثيرا ما كان يتصرف في حروف بلا ~~معان. # الوجه الثالث: أنه تناقض من وجه آخر فإنه إذا كان العالم هو حدقة العين ~~فينبغي أن يكون قد بقي من الله بقية الأعضاء غير العين، فإذا قال في آخر ~~كلامه: والله هو نور العين، كان الله جزءا من العين أو صفة له، فقد جعل في ~~أول كلامه العالم جزءا من الله، وفي آخر كلامه جعل الله جزء من العالم، وكل ~~من القولين كفر، بل هذا أعظم من كفر الذين ذكرهم الله بقوله (وجعلوا له من ~~عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين، أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين) ~~فإذا كان الله كفر من جعل له من عباده جزءا فكيف من جعل عباده تارة جزءا ~~منه تارة جعله هو جزءا منهم؟ فلعن الله أرباب هذه المقالات وانتصر لنفسه ~~ولكتابه ولرسوله ولعباده المؤمنين منهم. # الوجه الرابع: إنه تناقض من جهة أخرى، فإنه إذا قال العين: ما يتعين الله ~~فيه، والعالم كله حدقة عينه التي لا تنام، فقد جعله متعينا في جميع العالم، ~~فإذا قال بعدها وهو نور العين، بقيت سائر أجزاء العين من الأجفان والأهداب ~~والسواد والبياض لم يتعين فيها، فقد جعله متعينا فيها غير ms460 متعين فيها. # الوجه الخامس: أن نور العين مفتقر إلى العين محتاج إليها لقيامه بها، ~~فإذا كان الله في العالم كالنور في العين وجب أن يكون محتاجا إلى العالم. # واعلم أن هذا القول يشبه قول الحلولية الذين يقولون هو في العالم كالماء ~~في الصوفة وكالحياة في الجسم ونحو ذلك، ويقولون هو بذاته في كل مكان، وهذا ~~قول قدماء الجهمية الذين كفرهم أئمة الإسلام. وحكى عن الجهم أنه كان يقول ~~هو مثل هذا الهواء، أو قال هو هذا الهواء. # وقوله أولا: هو حدقة عين الله، يشبه قول الاتحادية فإن الاتحادية يقولون # PageV04P040 # هو مثل الشمعة التي تتصور في صور مختلفة وهي واحدة، فهو عندهم الوجود، ~~واختلاف أحواله كاختلاف أحوال الشمعة، ولهذا كان صاحب هذه المقالات متخبطا ~~لا يستقر عند المسلمين الموحدين المخلصين، ولا هو عند هؤلاء الملاحدة ~~الاتحادية من محققيهم العارفين. فإن هؤلاء كلهم من جنس النصيرية ~~والإسماعيلية، مقالات هؤلاء في الرب من جنس مقالات أولئك، وأولئك فيهم ~~المتمسك بالشريعة وفيهم المتخلي عنها، وهؤلاء كذلك، لكن أولئك أحذق في ~~الزندقة، وهم يعلمون أنهم معطلون مثل فرعون، وهؤلاء جهال يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا. # الوجه السادس: قوله من العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله ~~تعالى بحيث لا يظهر فيه شيء أصلا. وهذا كلام مجمل، ولا ريب أن قائل هذه ~~المقالة من المذبذبين بين الكافرين والمؤمنين، لا هو من المؤمنين ولا من ~~الاتحادية المحضة، لكنه قد لبس الحق بالباطل، وذلك أن الاتحادية يقولون أن ~~عين السموات والأرض لو زالت لعدم الله، واللفظ يصرح به بعضهم، وأما غالبهم ~~فيشيرون إليه إشارة وعوامهم لا يفهمون هذا من مذهب الباقين فإن هؤلاء من ~~جنس القرامطة والباطنية، وأولئك إنما يصل إلى البلاغ الأكبر الذي هو آخر ~~المراتب خواصهم. ولهذا حدثني بعض أكابر هؤلاء الاتحادية عن صاحب هذه ~~المقالة أنه كان يقول ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف، فقلت له: هذا ~~من أبطل الباطل، بل ليس بين مذهبين من الفرق أعظم مما بين التوحيد ~~والإلحاد. وهذا قاله بناء على ms461 هذا الخلط واللبس الذي خلطه، مثل قوله أن ~~العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله بحيث لا يظهر فيه شيء. # فيقال له: إذا ارتفعت العلويات والسفليات فما تعني بانبساطه؟ أتعني تفرقه ~~وعدمه كما يتفرق نور العين عند عدم الأجفان؟ أم تعني أنه ينبسط شيء موجود؟ # PageV04P041 # وما الذي ينبسط حينئذ؟ هو نفس الله أم صفة من صفاته؟ وعلى أي شيء ينبسط؟ ~~وما الذي يظهر فيه أو لا يظهر؟ فإن عنيت الأول وهو مقتضى أول كلامك، لأنك ~~قلت: وإنما قلنا أن العلويات والسفليات أجفان عين الله لأنهما يحافظان على ~~ظهور النور، فلو قطعت أجفان عين الإنسان لتفرق نور عينه وانتشر بحيث لا يرى ~~شيئا أصلا، فكذلك العلويات والسلفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله بحيث لا ~~يظهر فيه شيء أصلا. # وقد قلت: إن الله هو نور العين والروح الأعظم بياضها والنفس الكلية ~~سوادها. ومعلوم أن نور العين على ما ذكرته بشرط وجوده هو الأجفان، فإذا ~~ارتفع الشرط ارتفع المشروط، فيكون العالم عندك شرطا في وجود الله، فإذا ~~ارتفع العالم ارتفعت حقيقة الله لانتفاء شرطه، وإن أثبت له ذاتا غير العالم ~~فهذا أحد قولي الاتحادية، فإنهم تارة يجعلون وجود الحق هو عين وجود ~~المخلوقات ليس غيرها. وعلى هذا فلا يتصور وجوده مع عدم المخلوقات، وهذا ~~تعطيل محض للصانع، وهو قول القونوي والتلمساني، وهو قول صاحب الفصوص في ~~كثير من كلامه، وتارة يجعلونه وجودا قائما بنفسه، ثم يجعلون نفس ذلك الوجود ~~هو أيضا وجود المخلوقات بمعنى أنه فاض عليها. وهذا أقل كفرا من الأول، وأن ~~كان كلاهما من أغلظ الكفر وأقبحه. # وي كلام صاحب الفصوص وغيره في بعض المواضع ما يوافق هذا القول. وكذلك ~~كلام هذا فإنه قد يشير إلى هذا المعنى. # ثم مع ذلك هل يجعلون وجوده مشروطا بوجود العالم فيكون محتاجا إلى العالم ~~أو لا يجعلون؟ قد يقولون هذا وقد يقولون هذا. # السابع إنهم يمدحون الضلال والحيرة والظلم والخطأ والعذاب الذي عذب الله ~~به الأمم، ويقلبون كلام الله وكلام رسوله قلبا يعلم فساده ms462 بضرورات العقول، ~~مثل قول صاحب الفصوص: لو أن نوحا ما جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه، ~~فدعاهم جهارا، ثم دعاهم # PageV04P042 # إسرارا - إلى أن قال: وذكر عن قومه أنهم تصاموا عن دعوته، لعلمهم بما يجب ~~عليهم من إجابة دعوته، فعلم العلماء بالله ما أشار إليه نوح في حق قومه من ~~الثناء عليهم بلسان الذم، وعلم أنهم إنما لم يجيبيوا دعوته لما فيها من ~~الفرقان، والأمر قرآن لا فرقان ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان وإن ~~كان فيه. # فيمدحون ويحمدون ما ذمه الله ولعنه ونهى عنه، ويأتون من الأفك والفرية ~~على الله الإلحاد في أسماء الله وآياته بما تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هدا، كقول صاحب الفصوص في فص نوح: " مما خطيئاتهم أغرقوا ~~" فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العالم بالله وهو الحيرة (فادخلوا نارا) ~~في عين الماء في المحمدتين، (فإذا البحار سجرت - سجرت التنور إذا أوقدته ~~(فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا) فكان الله عين أنصارهم، فهلكوا فيه إلى ~~الأبد، فلو أخرجتهم إلى السيف سيف الطبيعة لنزلوا عن هذه الدرجة الرفيعة ~~وإن كان الكل لله وبالله بل هو الله (قال نوح رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين) الذين استغشوا ثيابهم وجعلوا أصابعهم في آذانهم، طلبا للستر لأنه ~~دعاهم ليغفر لهم، والغفر الستر (ديارا) أحدا حتى تعم المنفعة كما عمت ~~الدعوة (إنك إن تذرهم) أي تدعهم وتتركهم (يضلوا عبادك) أي يحيروهم ويخرجوهم ~~من العبودية، إلى ما فيهم من أسرار الربوبية، فينظروا أنفسهم أربابا، بعدما ~~كانوا عند أنفسهم عبيدا، فهم العبيد الأرباب (ولا يلدوا) أي ما ينتجون ولا ~~يظهرون (إلا فاجرا) أي مظهر ما ستر (كفارا) أي ساترا ما ظهر بعد ظهوره، ~~فينظرون ما سترهم ثم يسترون بعد ظهوره. فيحار الناظر، ولا يعرف قصد الفاجر ~~في فجوره ولا الكافر في كفره، والشخص وحد (رب اغفر لي) أي استرني واستر ~~مراحلي، فيجعل مقامي وقدري كما جهل قدرك في قولك " وما قدروا لله حق قدره " ~~(ولوالدي) أي من ms463 كنت تنتجه عنهما وهما العقل والطبيعة (ولمن دخل بيتي) أي ~~قلبي (مؤمنا) مصدقا بما يكون فيه من الأخبار الإلهية وهو ما # PageV04P043 # حدثت به أنفسها (وللمؤمنين) من العقول (والمؤمنات) من النفوس (ولا تزد ~~الظالمين) من الظلمات أهل العنت المكتنفين داخل الحجب الظلمانية (إلا ~~تبارا) أي هلاكا، فلا يعرفون نفوسهم، لشهودهم وجه الحق دونهم. # وهذا كله من أقبح تبديل كلام الله وتحريفه، ولقد ذم الله أهل الكتاب في ~~القرآن على ما هو دون هذا، فإنه ذمهم على أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه وأنهم ~~(يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) وهؤلاء قد حرفوا كلام الله عن مواضعه ~~أقبح تحريف، وكتبوا كتب النفاق والإلحاد بأيديهم وزعموا أنها من عند الله، ~~تارة يزعمون أنهم يأخذون من حيث يأخذ الملك الذي يوحي به إلى النبي، فيكون ~~فوق النبي بدرجة، وتارة يزعمون أنهم يأخذون من حيث يأخذ الله، فيكون أحدهم ~~في عمله بنفسه بمنزله علم الله به، لأن الأخذ من معدن واحد، وتارة يزعم ~~أحدهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه في منامه هذا النفاق العظيم، ~~والإلحاد البليغ، وأمره أن يخرج به إلى أمته وأنه أبرزه كما حد له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان، وكان جماعة من الفضلاء - ~~حتى بعض من خاطبني فيه وانتصر له - يرى أنه كان يستحل الكذب، ويختارون أن ~~يقال كان يتعمد الكذب، وأن ذلك هو أهون من الكفر، ثم صرحوا بأن مقالته كفر. ~~وكان ممن يشهد عليه بتعمد الكذب غير واحد من عقلاء الناس وفضلائهم من ~~المشايخ والعلماء. # ومعلوم أن هذا من أبلغ الكذب على الله ورسوله وأنه من أحق الناس بقوله ~~(ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء) ~~وكثير من المتنبئين الكذابين كالمختار بن أبي عبيد وأمثاله لم يبلغ كذبهم ~~وافتراؤهم إلى هذا الحد، بل مسيلمة الكذاب لم يبلغ كذبه وافتراؤه إلى هذا ms464 ~~الحد، وهؤلاء كلهم كان يعظم النبي صلى الله عليه وسلم ويقر له بالرسالة، ~~لكن كان يدعي أنه رسول آخر، ولا ينكر وجود الرب # PageV04P044 # ولا ينكر القرآن في الظاهر، وهؤلاء جحدوا الرب وأشركوا به كل شيء وافتروا ~~هذه الكتب التي قد يزعمون أنها أعظم من القرآن، ويفضلون نفوسهم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم من بعض الوجوه، كما قد صرح به صاحب الفصوص عن خاتم ~~الأولياء. # وحدثني الثقة عن الفاجر التلمساني أنه كان يقول: القرآن كله شرك ليس فيه ~~توحيد وإنما التوحيد في كلامنا. # وأما الضلال والحيرة فما مدح لله ذلك قط ولا قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم " زدني فيك تحيرا " ولم يرو هذا الحديث أحد من أهل العلم بالحديث، ولا ~~هو في شيء من كتب الحديث، ولا في شيء من كتب من يعلم الحديث، بل ولا من ~~يعرف الله ورسوله، وكذلك احتجاجه بقوله (كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم ~~عليهم قاموا) وإنما هذا حال المنافقين المرتدين، فإن الضلال والحيرة مما ~~ذمه الله في القرآن، قال الله تعالى في القرآن (قل أندعو من دون الله ما لا ~~ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استوته ~~الشياطين في الأرض حيران) الآية. # وهكذا يريد هؤلاء الضالون أن يفعلوا بالمؤمنين، يريدون أن يدعوا من دون ~~الله ما لا يضربهم ولا ينفعهم، وهي المخلوقات والأوثان، والأصنام وكل ما ~~عبد من دون الله، ويريدون أن يردوا المؤمنين على أعقابهم، يردونهم عن ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، ويصيروا حائرين ~~ضالين كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى: ~~ائتنا وقال تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم - إلى قوله - يعمهون) أي يحارون ~~ويترددون وقال تعالى (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين) فأمر بأن نسأله هداية الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعم عليهم المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين. وهؤلاء يذمون الصراط ~~المستقيم ويمدحون طريق أهل الضلال والحيرة، مخالفة لكتب الله ورسله، ولما ~~فطر الله عليه ms465 عباده من العقول والألباب. # PageV04P045 # فصل # " في ذكر بعض ألفاظ ابن عربي التي تبين ما ذكرنا من مذهبه، فإن أكثر ~~الناس قد لا يفهمونه ". # قال في فص يوسف - بعد أن جعل العالم بالنسبة إلى الله كظل الشخص، وتناقض ~~في التشبيه: فكل ما تدركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات، فمن حيث هوية ~~الحق هو وجوده، ومن حيث اختلاف الصور فيه هو أعيان الممكنات، فكما لا يزول ~~عنه باختلاف الصور اسم الظل، كذلك لا يزول عنه باختلاف الصور اسم العالم أو ~~اسم سوى الحق، فمن حيث أحدية كونه ظلا هو الحق، لأنه الواحد الأحد، ومن حيث ~~كثرة الصور هو العالم، فتفطن وتحقق ما أوضحناه لك. وإذا كان الأمر على ما ~~ذكرته لك فالعالم متوهم ماله وجود حقيقي، وهذا معنى الخيال، أي خيل لك أنه ~~أمر زائد قائم بنفسه خارج عن الوجود الحق، وليس كذلك في نفس الأمر. ألا ~~تراه في الحس متصلا بالشخص الذي امتد عنه يستحيل عليه الانفكاك عن ذلك ~~الاتصال، لأنه يستحيل على الشيء الانفكاك عن ذاته، فاعرف عينك ومن أنت وما ~~هويتك؟ وما نسبتك إلى الحق وبما أنت حق وبما أنت عالم وسوى وغير؟ وماشا كل ~~هذه الألفاظ. # وقال في أول الفصوص بعد (فص حكمة إلهية في كلمة آدمية) وهو (فص حكمة ~~نفثية، في كلمة شيئية) وقد قسم العطاء بأمرالله وإنما يكون عن سؤال وعن غير ~~سؤال وذكر القسم الذي لإنسان (1) لأن شيئا هو هبة الله - إلى أن قال: " ومن ~~هؤلاء من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت ~~PageV04P046 # عينه قبل وجودها ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به، ~~وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم علم الله به من أين حصل، وما ثم صنف ~~من أهل الله أعلا وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سر القدر، وهم على ~~قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملا، ومنهم من يعلم ذلك مفصلا، والذي يعلمه ~~مفصلا أعلا ms466 وأتم من الذي يعلمه مجملا، فإنه يعلم ما تعين في علم الله فيه، ~~إما بإعلام الله إياه بما أعطاه عينه من العلم به، وإما بأن يكشف له عن ~~عينه الثابتة وغن انتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى، وهو أعلا، فإنه ~~يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به، لأن الأخذ من معدن واحد، إلا أنه ~~من جهة العبد عناية من الله سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا ~~الكشف إذا أطلعه الله على ذلك (أي على أحوال عينه) فإنه ليس في وسع المخلوق ~~إذا أطلعه الله على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطلع ~~في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها، لأنها ~~نسب ذاتية لا صورة لها، فبهذا القدر نقول: أن العناية الإلهية سبقت لهذا ~~العبد بهذه المساواة في إفادتها العلم، ومن هنا يقول (الله حتى نعلم) وهي ~~كلمة محققة المعنى، ما هي كما يتوهم من ليس له هذا المشرب، وغاية المنزه أن ~~يجعل ذلك الحدوث في العلم للتعلق، وهو أعلا وجه يكون للمتكلم يعقله في هذه ~~المسألة، لولا أنه أثبت العلم زائدا على الذات فجعل التعلق له لا للذات، ~~وبهذا انفصل عن المحقق من أهل الله صاحب الكشف والوجود. # ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول: إن الأعطيات إما ذاتية أو اسمائية، فأما ~~المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجلي إلهي، والتجلي ~~من الذات لا يكون أبدا إلا لصورة استعداد العبد المتجلى به، وغير ذلك لا ~~يكون، فإذن المتجلى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق وما رأى الحق ولا ~~يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه، كالمرآة في الشاهد إذا ~~رأيت الصور فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها، ~~فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه # PageV04P047 # الذاتي، ليعلم المتجلى له أنه ما رآه، وما ثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية ~~والتجلي من هذا، وأجهد ms467 في نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم ~~المرآة لا تراه أبدا البتة، حتى أن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرئي ذهب ~~إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة، هذا أعظم ما قدر عليه ~~من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية، ~~وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق، فلا تطمع ولا ~~تتعب نفسك في أن ترقى أعلا من هذا الدرج فما هو ثم أصلا وما بعده إلا العدم ~~المحض، فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور ~~أحكامها، وليست سوى عينه فاختلط الأمر وانبهم، فمنا من جهل في علمه فقال ~~والعجز عن درك الإدراك إدراك (1) ومنا من علم فلم يقل مثل هذا القول وهو ~~أعلا القول، بل أعطاه العلم السكوت ما أعطاه العجز، وهذا هو أعلا عالم ~~بالله. # وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من ~~الأنبياء والرسل إلا منن مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء ~~إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة ~~خاتم الأولياء، فإن الرسالة والنبوة - أعني نبوة التشريع ورسالته - ~~ينقطعان، والولاية لا تنقطع أبدا. والمرسلون من حيث كونهم أولياء لا يرون ~~ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء، وإن كان ~~خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا ~~يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل، كما أنه من ~~وجه يكون أعلا. وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في ~~أساري بدر بالحكم فيهم، وفي PageV04P048 # تأبير النخل. فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء وفي كل مرتبة. ~~وإنما نظر الرجال إلى التقدم في مرتبة العلم بالله، هنالك مطلبهم، وأما ~~حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها، فتحقق ما ذكرناه. ms468 # " ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن وقد كمل ~~سوى موضع لبنة فكان النبي صلى الله عليه وسلم تلك اللبنة، غير أنه صلى الله ~~عليه وسلم لا يراها إلا كما قال لبنة واحدة. وأما خاتم الأولياء فلا بد له ~~من هذه الرؤية ما مثل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرى في الحائط موضع ~~لبنتين واللبن من ذهب وفضة فيرى اللبنتين اللتين ينقص الحائط عنهما ويكمل ~~بهما لبنة ذهب ولبنة فضة، فلا بد من أن يري نفسه تنطبع في موضع تينك ~~اللبنتين فيكون خاتم الأولياء تينك للبنتين، ليكمل الحائط. # " والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر، ~~وهو موضع اللبنة الفضة وهو ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن ~~الله تعالى في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه، لأنه رأى الأمر على ما ~~هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإنه آخذ ~~من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول. # " فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع فكل نبي من لدن آدم إلى ~~آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر وجود طينته، ~~فإنه بحقيقته موجود، وهو قوله صلى الله عليه وسلم " كنت نبيا وآدم بين ~~الماء والطين " وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلى حين بعث. وكذلك خاتم ~~الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين، وغيره من الأولياء ما كان وليا ~~إلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية والاتصاف بها من أجل كون ~~الله يسمى بالولي الحميد. # " فخاتم الرسل من حيث ولايته نسبته مع الختم للولاية مثل نسبة الأنبياء ~~والرسل # PageV04P049 # معه، وأنه الولي الرسول النبي. وخاتم الأولياء الولي الوارث الآخذ عن ~~الأصل المشاهد المراتب وهو حسنة من حسنات خاتم الرسل محمد صلى الله عليه ~~وسلم، مقدم الجماعة، وسيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة. فعين بشفاعته حالا ~~خاصا ms469 ما عمم. وفي هذا لحال الخاص تقدم على الأسماء الإلهية. فإن الرحمن ما ~~شفع عند المتقم في أهل البلاء إلا بعد شفاعة الشافعين، ففاز محمد بالسيادة ~~في هذا المقام الخاص. # " فمن فهم المراتب والمقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام " فهذا ~~الفص قد ذكر فيه حقيقة مذهبه التي يبنى عليها سائر كلامه فتدبر ما فيه من ~~الكفر الذي (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا) وما فيه ~~من جحد خلق الله وأمره، وجحود ربوبيته وألوهيته وشتمه وسبه،، وما فيه من ~~الإزراء برسله وصديقيه والتقدم عليهم بالدعاوي الكاذبة، التي ليس عليها ~~حجة، بل هي معلومة الفساد بأدنى عقل وإيمان، وأيسر ما يسمع من كتاب وقرآن، ~~وجعل الكفار والمنافقين والفراعنة هم أهل الله وخاصته أهل الكشوف وذلك باطل ~~من وجوه. # إحداها أنه أثبت له عينا ثابتة قبل وجوده ولسائر الموجودات وإن ذلك ثابت ~~له ولسائر أحواله وكل ما كان موجودا من الأعيان والصفات والجواهر والأعراض ~~فعينه ثابتة قبل وجوده. وهذا ضلال قد سبق إليه كما تقدم. # الثاني أنه جعل علم الله بالعبد إنما حصل له من علمه بتلك العين الثابتة ~~في العدم التي هي حقيقة العبد، لا من نفسه المقدسة، وأن علمه بالأعيان ~~الثابتة في العدم وأحوالها تمنعه أن يفعل غير ذلك، وأن هذا هو سر القدر. ~~فتضمن هذا وصف الله تعالى بالفقر إلى الأعيان وغناها عنه، ونفى ما استحقه ~~بنفسه من كمال علمه وقدرته، ولزوم التجهيل والتعجيز، وبعض ما في هذا الكلام ~~المضاهاة لما ذكره الله عمن قال (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنياء) الآية، فإنه جعل حقائق الأعيان الثابتة في العدم غنية عن ~~الله في حقائقها وأعيانها، وجعل الرب # PageV04P050 # مفتقرا إليه في علمه بها، فما استفاد علمه بها إلا منها، كما يستفيد ~~العبد العلم بالمحسوسات من إدراكه لها، مع غنى تلك المدركات عن المدرك. ~~والمسلمون يعلمون أن الله عالم بالأشياء قبل كونها بعلمه القديم الأزلي ~~الذي هو من لوازم نفسه المقدسة لم ms470 يستفد علمه بها منها (ألا يعلم من خلق ~~وهو اللطيف الخبير) فقد دلت هذه الآية على وجوب علمه بالأشياء من وجوه ~~انتظمت البراهين المذكورة لأهل النظر والاستدلال القياسي العقلي من أهل ~~الكلام والفلسفة وغيرهم. # أحدها أنه خالق لها والخلق هو الإبداع بتقدير، وذلك يتضمن تقديرها في ~~العلم قبل كونها في الخارج. # الثاني أن ذلك مستلزم للإرادة والمشيئة، والإرادة مستلزمة لتصور المراد ~~والشعور به، وهذه الطريقة المشهورة عند أكثر أهل الكلام. # الثالث أنها صادرة عنه وهو سببها التام والعلم بأصل الأمر وسببه يوجب ~~العلم بالفرع المسبب. فعلمه بنفسه مستلزم العلم بكل ما يصدر عنه. # الرابع أنه في نفسه لطيف يدرك الدقيق، خبير يدرك الخفي، وهذا هو مقتضى ~~العلم بالأشياء، فيجب وجود المقتضى لوجود السبب التام، فهو في علمه ~~بالأشياء مستغن بنفسه عنها كما هو غني بنفسه في جميع صفاته. ثم إذا رأى ~~الأشياء بعد وجودها وسمع كلام عباده ونحو ذلك فإنما يدرك ما أبدع وما خلق ~~وما هو مفتقر إليه ومحتاج من جميع وجوهه، لم يحتج في علمه وإدراكه إلى غيره ~~البتة. فلا يجوز القول بأن علمه بالأشياء استفاده من نفس الأشياء الثابتة ~~الغنية في ثبوتها عنه. # وأما جحود قدرته فلأنه جعل الرب لا يقدر إلا على تجليه في تلك الأعيان ~~الثابتة في العدم الغنية عنه، فقدرته محدودة بها مقصورة عليها مع غناها ~~وثبوت حقائقها بدونه. وهذا عنده هو السر الذي أعجز الله أن يقدر على غير ما ~~خلق، فلا يقدر عنده على أن يزيد في العالم ذرة ولا ينقص منه ذرة، ولا يزيد ~~في المطر قطرة # PageV04P051 # ولا ينقص منه قطرة، ولا يزيد في طول الإنسان ولا ينقص منه، ولا يغير شيئا ~~من صفاته ولا حركاته ولا سكناته، ولا ينقل حجرا عن مقره، ولا يحول ماء عن ~~ممره، ولا يهدي ضالا ولا يضل مهتديا، ولا يحرك ساكنا ولا يسكن متحركا. ففي ~~الحملة لا يقدر إلا على ما وجد، لأن ما وجد فعينه ثابتة في العدم ولا يقدر ~~على أكثر من ظهوره ms471 في تلك الأعيان. # وهذا التجلي والتعجيز الذي ذكره وزعم أنه هو سر القدر وإن كان قد تضمن ~~بعض ما قاله غيره من الضلال ففيه من الكفر ما لا يرضاه غيره من الضالين. ~~فإن القائلين بأن المعدوم شيء يقولون ذلك في كل ممكن كان أو لم يكن، ولا ~~يجعلون علمه بالأشياء مستفادا من الأشياء قبل أن يكون وجودها، ولا خلقه ~~وقدرته مقصورة على ما علمه منها، فإنه يعلم أنواعا من الممكنات لم يخلقها. ~~فمعلومه من الممكنات أوسع مما خلقه، ولا يجعلون المانع من أن يخلق غير ما ~~خلق هو كون الأعيان الثابتة في العدم لا تقبل سوى هذا الوجود، بل يمكن ~~عندهم وجودها على صفة أخرى، هي أيضا من الممكن الثابت في العدم. فلا يفضي ~~قولهم لا إلى تجهيل ولا إلى تعجيز من هذا الوجه. وإنما قد يقولون المانع من ~~ذلك أن هذا هو أكمل الوجوه وأصلحها، فعلمه بأنه لا أكمل من هذا يمنعه أن ~~يريد ما ليس أكمل بحكمته فيجعلون المانع أمرا يعود إلى نفسه المقدسة حتى لا ~~يجعلونه ممنوعا من غيره، فأين من لا يجعل له مانعا من غيره ولا راد لقضائه ~~ممن يجعله ممنوعا مصدودا؟ وأين من يجعله عالما بنفسه ممن يجعله مستفيدا ~~للعلم من غيره؟ وممن هو عني عنه؟ هذا مع أن أكثر الناس أنكروا على من قال: ~~ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم. # الثالث أنه رغم أن من الصنف الذي جعله أعلا أهل الله من يكون في علمه ~~بمنزلة علم الله، لأن الأخذ من معدن واحد إذا كشف له عن أحوال الأعيان ~~الثابتة في العدم فيعلمها من حيث علمها الله، إلا أنه من جهة العبد عناية ~~من الله سبقت له # PageV04P052 # هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك ~~فجعل علمه وعلم الله من معدن واحد. # الرابع أنه جعل الله عالما بها بعد أن لم يكن عالما واتبع المتشابه الذي ~~هو قوله: (حتى يعلم) وزعم أنها كلمة محققة المعنى بناء ms472 على أصله الفاسد أن ~~وجود العبد هو عين وجود الرب، فكل مخلوق علم ما لم يكن علمه فهو الله علم ~~ما لم يكن علمه وهذا الفكر ما سبقه إليه كافر، فإن غاية المكذب بقدر الله ~~أن يقول أن الله علم ما لم يكن عالما، أما أنه يجعل كل ما تجد لمخلوق من ~~العلم فإنما تجدد لله، وأن الله لم يكن عالما بما علمه كل مخلوق حتى علمه ~~ذلك المخلوق. # الخامس أنه زعم أن التجلي الذاتي بصورة استعداد المتجلى والمتجلى له ما ~~رأى سوى صورته في مرآة الحق، وأنه لا يمكن أن يرى الحق مع علمه بأنه ما رأى ~~صورته إلا فيه، وضرب المثل بالمرآة فجعل الحق هو المرآة والصورة في المرآة ~~هي صورته. # وهذا تحقيق ما ذكرته من مذهبه: أن وجود الأعيان عنده وجود الحق، والأعيان ~~كانت ثابتة في العدم، فظهر فيها وجود الحق بالمتجلى له، والعبد لا يرى ~~الوجود مجردا عن الذوات، ما يرى إلا الذوات التي ظهر فيها الوجود، فلا سبيل ~~له إلى رؤية الوجود أبدا، وهذا عنده هو الغاية التي ليس فوقها غاية في حق ~~المخلوق وما بعده إلا العدم المحض، فهو مرآتك في رؤيتك نفسك وأنت مرآته في ~~رؤيته أسماءه وظهور أحكامها. وذلك لأن العبد لا يري نفسه التي هي عينه إلا ~~في وجود الحق الذي هو وجوده، والعبد مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها، ~~لأن أسماء الحق عنده هي النسب والإضافات التي بين الأعيان وبين وجود الحق، ~~وأحكام الأسماء هي الأعيان الثابتة في العدم، وظهور هذه الأحكام يتجلى الحق ~~في الأعيان، والأعيان التي هي حقيقة العيان هي مرآة الحق التي بها يرى ~~أسماءه وظهور أحكامها، فإنه إذا ظهر في الأعيان حصلت النسبة التي بين # PageV04P053 # الوجود والأعيان وهي الأسماء، وظهرت أحكامها وهي الأعيان، ووجود هذه ~~الأعيان هو الحق، فلهذا قال وليست سوى عينه، فاختلط الأمر وانبهم. # فتدبر هذا من كلامه وما يناسبه لتعلم ما يعتقده من ذات الحق وأسمائه، وأن ~~ذات الحق عنده هي نفس وجود ms473 المخلوقات، وأسماءه هي النسب التي بين الوجود ~~والأعيان، وأحكامها هي الأعيان. لتعلم كيف اشتمل كلامه على الجحود لله ~~ولأسمائه ولصفاته وخلقه وأمره، وعلى الإلحاد في أسماء الله وآياته، فإن هذا ~~الذي ذكره غاية الإلحاد في أسماء الله وآياته الآيات المخلوقة والآيات ~~المتلوة، فإنه لم يثبت له اسما ولا آية، إذ ليس إلا وجودا واحدا وذاك ليس ~~هو اسما ولا آية، والأعيان الثابتة ليست هي أسماءه ولا آياته، ولما أثبتت ~~شيئين فرق بينها الوجود والثبوت وليس بينهما فرق اختلط الأمر عليه وانبهم. # وهذه حقيقة قوله وسر مذهبه الذي يدعى أنه به أعلم العالم بالله، وأنه ~~تقدم بذلك على الصديق الذي جهل فقال: العجز عن الإدراك إدراك، وتقدم به على ~~المرسلين الذين علموا ذلك من مشاكته (1) وفيه من أنواع الكفر والضلال ما ~~يطول عدها (منها) الكفر بذات الله إذ ليس عنده إلا وجود المخلوق (ومنها) ~~الكفر بأسماء الله وأنها ليست عنده إلا أمور عدميه فإذا قلنا الحمد لله رب ~~العالمين الرحمن الرحيم فليس الرب إلا نسبة إلى. (2) # السادس أنه قال واختلط الأمر وانبهم، أو هو على أصله الفاسد مختلط منبهم ~~PageV04P054 # وعلى أصل الهدى والإيمان متميز متبين، قد بين الله بكتابه الحق من الباطل ~~والهدى من الضلال. # قال: فمنا من جهل علمه فقال العجز عن درك الإدراك إدراك. وهذا الكلام ~~مشهور عندهم ونسبته إلى أبي بكر الصديق، فجعله جاهلا وإن كان هذا اللفظ لم ~~ينقل عن أبي بكر ولا هو مأثور عنه في شيء من النقول المعتمدة، وإنما ذكر ~~ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر نحوا من ذلك عن بعض التابعين غير مسمى وإنما ~~يرسل إرسالا من جهة من يكثر الخطأ في مراسليهم، كما يحكون عن عمر أنه قال: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إذا تخاطبا كنت كالزنجي بينهما ". ~~وهذا أيضا كذب باتفاق أهل المعرفة، وإنما الذي في الصحيح عن أبي سعيد ~~الخدري قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر " فقال أن عبدا ~~خيره الله بين الدنيا ms474 والآخرة فاختار ذلك العبد ما عند الله " فبكى أبو ~~بكر، فقال: بل نفديك بأنفسنا وأموالنا، أو كما قال، فجعل الناس يقولون: ~~عجبا لهذا الشيخ يبكي إن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا خيره الله ~~بين الدنيا والآخرة. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو ~~بكر هو أعلمنا به. وكان أبو بكر هو أعلمهم بمراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومقاصده في كلامه. وإن كانوا كلهم مشتركين في فهمه. # وهذا كما في الصحيح أنه قيل لعلي عليه السلام: هل ترك عندكم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شيئا؟ وفي لفظ: هل عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس؟ فقال " لا والذي فلق الحبة وبرا النسمة، إلا ~~فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه، وما في هذه الصحيفة (1) وبهذا ونحو من ~~الأحاديث الصحيحة استدل العلماء على أن ما ذكر عن علي وأهل البيت من أنهم ~~اختصوا بعلم خصهم به النبي صلى الله عليه وسلم دون PageV04P055 # غيرهم كذب عليهم، مثل ما يذكر من الجفر والبطاقة والجدول، وغير ذلك وما ~~أثره القرامطة الباطنية عنهم، فإنه قد كذب على جعفر الصادق رضي الله عنه ما ~~لم يكذب على غيره. وكذلك كذب على عليه السلام وغيره من أئمة أهل البيت رضي ~~الله عنهم، كما قد بين هذا وبسط في غير هذا الموضع. # وهكذا يكذب قوم من النساك ومدعي الحقائق على أبي بكر وغيره وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يخاطبه بحقائق لا يفهمها عمر مع حضوره. ثم قد يدعون ~~أنهم عرفوها وتكون حقيقتها زندقة وإلحادا. وكثير من هؤلاء الزنادقة والجهال ~~قد يحتج على ذلك بحديث أبي هريرة " حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جرابين أحدهما فبثثته فيكم. وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا الحلقوم " ~~وهذا الحديث صحيح، لكن الجراب الآخر لم يكن فيه شيء من علم الدين ومعرفة ~~الله وتوحيده ومعرفة الله وتوحيده الذي يختص به أولياؤه، ولم يكن أبو هريرة ms475 ~~من أكابر الصحابة الذين يخصون بمثل ذلك لو كان هذا مما يخص به، بل كان في ~~ذلك الجراب أحاديث الفتن التي تكون بين المسلمين، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبرهم بما سيكون من الفتن بين المسلمين، ومن الملاحم التي تكون بينهم ~~وبين الكفار. ولهذا لما كان مقتل عثمان وفتنة ابن الزبير ونحو ذلك قال ابن ~~عمر: لو أخبركم أبو هريرة أنكم تقتلون خليفتكم وتهدمون البيت (1) وغير ذلك ~~لقلتم: كذب أبو هريرة، فكان أبو هريرة يمتنع من التحديث بأحاديث الفتن قبل ~~وقوعها لأن ذلك مما لا يحتمله رؤوس الناس وعوامهم. وكذلك يحتجون بحديث ~~حذيفة بن اليمان وأنه صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، وحديث حذيفة معروف، ~~لكن السر الذي لا يعلمه غيره هو معرفته بأعيان المنافقين الذين كان كانوا ~~في غزوة تبوك. ويقال أنهم كانوا أهموا PageV04P056 # بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم فأوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمرهم، فأخبر حذيفة بأعيانهم. ولهذا كان عمر لا يصلي إلا على من صلى عليه ~~حذيفة، لأن الصلاة على المنافقين منهي عنها. # وقد ثبت في الصحيح عن حذيفة أنه لما ذكر الفتن وأنه أعلم الناس بها بين ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخصه بحديثها ولكن حدث الناس كلهم، قال " ~~وكنا أعلمنا أحفظنا ". # ومما بين هذا أن في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عام الفتح قد ~~أهدر دم جماعة: منهم عبد الله بن أبي سرح، فجاء به عثمان إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليبايعه، فتوقف عنه النبي صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم ~~بايعه وقال " أما كان فيكم رجل رشيد ينظر إلي وقد أمسكت عن هذا فيضرب عنقه ~~" فقال رجل من الأنصار. يا رسول الله، هلا أومأت إلي؟ فقال " ما ينبغي لنبي ~~أن تكون له خائنة الأعين " فهذا ونحوه مما يبين أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يستوي ظاهره وباطنه، لا يظهر للناس خلاف ما يبطنه، كما تدعيه الزنادقة ~~من المتفلسفة والقرامطة وضلال المتنكسة ونحوهم. # السابع أنه ms476 " قال ومنا من علم فلم يقل مثل هذا، وهو أعلى القول، بل أعطاه ~~العلم والسكوت ما أعطاه العجز. وهذا هو أعلا عالم بالله. وليس هذا العلم ~~إلا الخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأولياء والرسل إلا من ~~مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم. ~~حتى إن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء. فإن الرسالة ~~والنبوة أعني نبوة التشريع ورسالته ينقطعان، والولاية لا تنقطع أبدا. ~~فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء ~~فكيف من دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء ~~به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه، ~~فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلا - إلى قوله - ولما مثل ~~النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن. # PageV04P057 # ففي هذا الكلام من أنواع الإلحاد والكفر وتنقيص الأنبياء والرسل ما لا ~~تقوله لا اليهود ولا النصارى. وما أشبهه في هذا الكلام بما ذكر في قول ~~القائل: فخر عليهم السقف من تحتهم أن هذا لا عقل ولا قرآن. وكذلك ما ذكره ~~هنا من أن الأنبياء والرسل تستفيد من خاتم الأولياء الذي بعدهم هو مخالف ~~للعقل فإن المتقدم لا يستفيد من المتأخر. ومخالف للشرع، فإنه معلوم ~~بالاضطرار من دين الإسلام أن الأنبياء والرسل أفضل من الأولياء الذين ليسوا ~~أنبياء ولا رسلا. وقد يزعم أن هذا العلم الذي هو عنده أعلى العلم وهو القول ~~بوحدةالوجود، وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق وهو تعطيل الصانع حقيقة ~~وجحده، وهو القول الذي يظهره فرعون فلم يكفه زعمه أن هذا حق، حتى زعم أنه ~~أعلا العلم، ولم يكفه ذلك حتى زعم أن الرسل إنما يرونه من مشكاة خاتم ~~الأولياء. فجعل خاتم الأولياء أعلم بالله من جميع الأنبياء والرسل، وجعلهم ~~يرون العلم بالله من مشكاته. # ثم أخذ يبين ذلك فقال: فإن الرسالة والنبوة أعني نبوة ms477 التشريع ورسالته ~~ينقطعان والولاية لا تنقطع أبدا. فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ~~ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، وذلك أنه لم يمكنهم أن يجعلوا بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم نبيا ولا رسولا فإن هذا كفر ظاهر، فزعموا أنه ~~إنما تنقطع نبوة التشريع ورسالته، يعني وأما نبوة التحقيق ورسالة التحقيق ~~وهي الولاية عندهم فلم تنقطع، وهذه الولاية هي أفضل من النبوة والرسالة، ~~ولهذا قال ابن عربي في بعض كلامه: # مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي # وقال في الفصوص في كلمة عزيرية فإذا سمعت أحدا من أهل الله تعالى يقول أو ~~ينقل إليك عنه أنه قال الولاية أعلى من النبوة فليس يريد ذلك القائل إلا ما ~~ذكرناه، أو يقول: إن الولي فوق النبي والرسول فإنه يعني بذلك في شخص واحد، ~~وهو أن الرسول عليه السلام من حيث هو ولي أتم منه من حيث هو نبي ورسول، لا ~~أن # PageV04P058 # الولي التابع له أعلا منه، فإن التابع لا يدرك المتبوع أبدا فيما هو تابع ~~له فيه (1) إذ لو أدركه لم يكن تابعا له ". وإذا حوققوا على ذلك قالوا: إن ~~ولاية النبي فوق نبوته وإن نبوته فوق رسالته، لأنه يأخذ بولايته عن الله، ~~ثم يجعلون مثل ولايته ثابتة لهم، ويجعلون ولاية خاتم الأولياء أعظم من ~~ولايته، وأن ولاية الرسول تابعة لولاية خاتم الأولياء الذي أدعوه ". # وفي هذا الكلام أنواع قد بيناها في غير هذا الموضع منها أن دعوى المدعي ~~وجود خاتم الأولياء على ما أدعوه باطل لا أصل له، ولم يذكر هذا أحد من ~~المعروفين قبل هؤلاء إلا أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في كتاب ~~" ختم الولاية " وقد ذكر في هذا الكتاب ما هو خطأ وغلط مخالف للكتاب والسنة ~~والإجماع وهو رحمه الله تعالى وإن كان فيه فضل ومعرفة ومن الكلام الحسن ~~المقبول والحقائق النافعة أشياء محمودة ففي كلامه من الخطأ ما يجب رده ومن ~~أشنعها ما ذكره في ختم الولاية، مثل دعوه فيه أنه يكون في ms478 المتأخرين من ~~درجته عند الله أعظم من درجة أبي بكر وعمر وغيرهما. ثم أنه تناقض في موضع ~~آخر لما حكى عن بعض الناس أن الولي يكون منفردا عن الناس، فأبطل ذلك واحتج ~~بأبي بكر وعمر وقال يلزم هذا أن يكون أفضل من أبي بكر وعمر، وأبطل ذلك " ~~ومنها " أنه ذكر في كتابه ما يشعر أن ترك الأعمال الظاهرة ولو أنها ~~التطوعات المشروعة أفضل في حق الكامل ذي الأعمال القلبية وهذا أيضا خطأ عند ~~أئمة الطريق، فإن أكمل الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وخير الهدي هدي ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وما زال محافظا على ما PageV04P059 # يمكنه من الأوراد والتطوعات البدنية إلى مماته " ومنها " ما ادعاه من ~~خاتم الأولياء الذي يكون في آخر الزمان وتفضيله وتقديمه على من تقدم من ~~الأولياء، وأنه يكون معهم كخاتم الأنبياء مع الأنبياء. وهذا ضلال واضح. فإن ~~أفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأمثالهم من ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، كما ثبت ذلك بالنصوص المشهورة. ~~وخير القرون قرنه صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح " خير القرون ~~القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " وفي الترمذي وغيره ~~أنه قال في أبي بكر وعمر " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ~~إلا النبيين والمرسلين " قال الترمذي حديث حسن وفي صحيح البخاري عن علي ~~عليه السلام أنه قال له ابنه يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقال " يا بني أبو بكر " قال: ثم من؟ قال " ثم عمر " وروى بضع ~~وثمانون نفسا عنه أنه قال " خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ". # وهذا باب واسع وقد قال تعالى: (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) وهذه الأربعة هي مراتب العباد: ~~أفضلهم الأنبياء ثم الصديقون ثم الشهداء ثم الصالحون. وقد نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يفضل أحد منا نفسه على يونس ابن متى مع ms479 قوله (ولا تكن ~~كصاحب الحوت) وقوله (وهو مليم) تنبيها على أن غيره أولى أن لا يفضل أحد ~~نفسه عليه. ففي صحيح البخاري عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~" لا يقولن أحدكم أني خير من يونس بن متى " وفي صحيح البخاري أيضا عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما ينبغي لعبد أن يكون خيرا من يونس بن ~~متى " وفي لفظ " أن يقول أنا خير من يونس بن متى " وفي البخاري أيضا عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من قال أنا خير من يونس بن متى ~~فقد كذب " وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~- يعني رسول الله " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " وفي ~~الصحيحين عن ابن عباس # PageV04P060 # عن النبي صلى الله عليه وسلم - وفي لفظ: فيما يرويه عن ربه " لا ينبغي ~~لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " وهذا فيه نهي عام. # وأما ما يرويه بعض الناس " لا تفضلوني على يونس بن متى " ويفسره باستواء ~~حال صاحب المعراج وصاحب الحوت فنقل باطل وتفسير باطل. وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " اثبت حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد " وأبو بكر ~~أفضل الصديقين. # ولفظ خاتم الأولياء لا يوجد في كلام أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا له ~~ذكر في كتاب الله ولا سنة رسوله وموجب هذا اللفظ أنه آخر مؤمن تقي، فإن ~~الله يقول (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) الآية (1) فكل ~~من كان مؤمنا " تقيا " كان لله وليا، وهم على درجتين: السابقون المقربون ~~وأصحاب اليمين المقتصدون، كما قسمهم الله تعالى في سورة فاطر، وسورة ~~الواقعة، والإنسان، والمطففين. # وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ~~يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلى عبدي ~~بمثل أداء ما ms480 افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، ~~فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش ~~بها، ورجله التي يمشي بها، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس ~~عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه " فالمتقربون إلى الله ~~بالفرائض هم الأبرار المقتصدون أصحاب اليمين، والمتقربون إليه بالنوافل ~~التي يحبها بعد الفرائض هم السابقون المقربون، وإنما تكون النوافل بعد ~~الفرائض. وقد قال أبو بكر الصديق في وصيته لعمر بن الخطاب " اعلم أن لله ~~عليك حقا بالليل لا يقبله بالنهار، وحقا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنها لا ~~تقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة. # والاتحادية يزعمون أن قرب النوافل يوجب أن يكون عين الحق عين أعضائه، وأن ~~PageV04P061 # قرب الفرائض يوجب أن يكون الحق عين وجوده كله. وهذا فاسد من وجوه كثيرة، ~~بل كفر صريح كما بيناه في غير هذا الموضع. وإذا كان خاتم الأولياء آخر مؤمن ~~تقي في الدنيا فليس الرجل أفضل الأولياء ولا أكملهم بل أفضلهم وأكملهم ~~سابقوهم الذين هم أخص بأفضل الرسل من غيرهم، فإن كلما كان الولي أعظم ~~اختصاصا بالرسول وآخذا عنه وموافقة له كان أفضل، إذ الولي لا يكون وليا لله ~~إلا بمتابعة الرسول باطنا وظاهرا. فعلى قدر المتابعة للرسول يكون قدر ~~الولاية لله. # والأولياء وإن كان فيهم محدث كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال " إنه كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر " فهذا ~~الحديث يدل على أن أول المحدثين من هذه الأمة عمر وأبو بكر أفضل منه، إذ هو ~~الصديق والمحدث وإن كان يلهم ويحدث من جهة الله تعالى فعليه أن يعرض ذلك ~~على الكتاب والسنة فإنه ليس بمعصوم كما قال أبو الحسن الشاذلي: قد ضمنت لنا ~~العصمة فيما جاء به الكتاب والسنة ولم تضمن لنا العصمة في الكشوف والإلهام. ~~ولهذا كان عمر بن الخطاب وقافا عند كتاب الله وكان أبو بكر الصديق يبين ~~أشياء تخالف ms481 ما يقع له كما بين له يوم الحديبية ويوم موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويوم قتال مانعي الزكاة وغير ذلك، وكان عمر بن الخطاب يشاور ~~الصحابة فتارة يرجع إليهم وتارة يرجعون إليه وربما قال القول وترد عليه ~~امرأة من المسلمين قوله وتبين له الحق فيرجع إليها ويدع قوله كما قدر ~~الصداق، وربما يرى رأيا فيذكر له حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيعمل ~~به ويدع رأيه وكان يأخذ بعض السنة عمن هو دونه في قضايا متعددة، وكان يقول ~~القول فيقال له: أصبت فيقول: ما يدري عمر أصاب الحق أم أخطأه. فإذا كان هذا ~~إمام المحدثين، فكل ذي قلب يحدثه قلبه عن ربه إلى يوم القيامة هو دون عمر ~~فليس فيهم معصوم بل الخطأ يجوز عليهم كلهم وإن كان طائفة تدعي أن الولي ~~محفوظ وهو نظير ما يثبت للأنبياء من العصمة، والحكيم الترمذي قد أشار إلى ~~هذا - فهذا # PageV04P062 # باطل مخالف للسنة والإجماع، ولهذا اتفق المسلمون على أن كل أحد من الناس ~~يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانوا متفاضلين ~~في الهدى والنور والإصابة، ولهذا كان الصديق أفضل من المحدث، لأن الصديق ~~يأخذ من مشكاة النبوة فلا يأخذ إلا شيئا معصوما محفوظا، وأما المحدث فيقع ~~له صواب وخطأ، والكتاب والسنة تميز صوابه من خطئه. وبهذا صار جميع الأولياء ~~مفترقين إلى الكتاب والسنة، لا بد لهم أن يزنوا جميع أمورهم بآثار الرسول، ~~فما وافق آثار الرسول فهو الحق وما خالف ذلك فهو باطل وإن كانوا مجتهدين ~~فيه والله تعالى يثيبهم على اجتهادهم ويغفر لهم خطأهم. # ومعلوم أن السابقين الأولين أعظم اهتداء واتباعا للآثار النبوية فهم أعظم ~~إيمانا وتقوى. وأما آخر الأولياء فلا يحصل له مثل ما حصل لهم. # والحديث الذي يروى " مثل أمتي كمثل الغيث لا يدرى أوله خير أو آخره " قد ~~تكلم في إسناده، وبتقدير صحته إنما معناه بما في آخر الأمة من يقارب أولها ~~(1) حتى يشتبه على بعض الناس أيهما خير كما يشتبه ms482 على بعض الناس طرفا ~~الثوب، مع القطع بأن الأول خير من الآخر ولهذا قال " لا يدرى " ومعلوم أن ~~هذا السلب ليس عاما لها فإنه لا بد أن يكون معلوما أيهما أفضل. # ثم أن هذا خاتم الأولياء صار مرتبة موهومة لا حقيقة له وصار يدعيها لنفسه ~~أو لشيخه طوائف، وقد ادعاها غير واحد ولم يدعها إلا من في كلامه من الباطل ~~ما لم تقله اليهود ولا النصارى، كما ادعاها صاحب الفصوص، وتابعه صاحب ~~الكلام في PageV04P063 # الحروف، وشيخ من أتباعهم كان بدمشق، وآخر كان يزعم أنه المهدي الذي يزوج ~~ابنته بعيسى بن مريم، وأنه خاتم الأولياء. ويدعي هؤلاء وأمثالهم من الأمور ~~ما لا يصلح إلا لله وحده، كما قد يدعي المدعي منهم لنفسه أو لشيخه ما ادعته ~~النصارى في المسيح. # ثم صاحب الفصوص وأمثاله بنوا الأمر على أن الولي يأخذ عن الله بلا واسطة، ~~والنبي يأخذ بواسطة الملك، فلهذا صار خاتم الأولياء أفضل عندهم من هذه ~~الجهة، وهذا باطل وكذب، فإن الولي لا يأخذ عن الله إلا بواسطة الرسول إليه، ~~وإذا كان محدثا قد ألقي إليه شيء وجب عليه أن يزنه بما جاء به الرسول من ~~الكتاب والسنة. # وتكليم الله لعباده على ثلاثة أوجه: من وراء حجاب كما كلم موسى، وبإرسال ~~رسول كما أرسل الملائكة إلى الأنبياء، وبالإيحاء، وهذا فيه للولي نصيب، ~~وأما المرتبتان الأوليان فإنهما للأنبياء خاصة، والأولياء الذين قامت عليهم ~~الحجة بالرسل لا يأخذون علم الدين إلا بتوسط رسل الله إليهم، ولو لم يكن ~~إلا عرضه على ما جاء به الرسول (1) ولن يصلوا في أخذهم عن الله إلى مرتبة ~~نبي أو رسول، فكيف يكونون آخذين عن الله بلا واسطة ويكون هذا الأخذ أعلى ~~وهم لا يصلون إلى مقام تكليم موسى ولا إلى مقام نزول الملائكة عليهم كما ~~نزلت على الأنبياء، وهذا دين المسلمين واليهود والنصارى. # وأما هؤلاء الجهمية الاتحادية فبنوا على أصلهم الفاسد: أن الله هو الوجود ~~المطلق الثابت لكل موجود، وصار ما يقع في قلوبهم من الخواطر - وإن كانت ms483 ~~PageV04P064 # من وساوس الشيطان - يزعمون أنهم أخذوا ذلك عن الله بلا واسطة، وأنهم ~~يكلمون كما كلم موسى بن عمران، وفيهم من يزعمون أن حالهم من حال موسى ابن ~~عمران، لأن موسى سمع الخطاب من الشجرة وهم على زعمهم يسمعون الخطاب من حي ~~ناطق كما يذكر عن صاحب الفصوص أنه قال: # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه # وأعانهم على ذلك ما اعتقدوه من مذاهب الجهمية وأتباعهم الذين يزعمون أن ~~تكليم الله لموسى إنما كان من جنس الإلهام، وأن العبد قد يرى الله في ~~الدنيا إذا زال عن عينه المانع إذ لا حجاب عندهم للرؤية منفصل عن العبد، ~~وإنما الحجاب متصل به، فإذا ارتفع شاهد الحق، وهم لا يشاهدون إلا ما ~~يتمثلونه من الوجود المطلق الذي لا حقيقة له إلا في أذهانهم أو لا وجود له ~~إلى وجود المخلوقات. هذا هو التعطيل للرب تعالى ولكتبه ولرسله، والبدع ~~دهليز الكفر والنفاق، كما أن التشيع دهليز الرفض، والرفض دهليز القرمطة ~~والتعطيل، فالكلام الذي فيه تجهم دهليز الزندقة والتعطيل. وقد ثبت في صحيح ~~مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ~~ربه حتى يموت " ولهذا اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الله يرى في الآخرة، ~~وأنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه. # وفي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه كلام معروف لعائشة وابن عباس، ~~فعائشة أنكرت الرؤية، وابن عباس ثبت عنه صحيح مسلم أنه قال: رأى محمد ربه ~~بفؤاده مرتين. وكذلك ذكر أحمد عن أبي ذر وغيره أنه أثبت رؤيته بفؤاده. وهذا ~~المنصوص عن ابن عباس وأبي ذر وغيرهما هو المنصوص عن أحمد وغيره من أئمة ~~السنة، ولم يثبت عن أحد منهم إثبات الرؤية بالعين في الدنيا، كما لم يثبت ~~عن أحد منهم إنكار الرؤية في الآخرة، ولكن كلا القولين تقول به طوائف من ~~الجهمية، فالنفي يقول به متكلمة الجهمية، # PageV04P065 # والإثبات يقول به بعض متصوفة الجهمية كالاتحادية وطائفة من غيرهم، وهؤلاء ~~الاتحادية يجمعون بين النفي ms484 والإثبات، كما يقول ابن سبعين: عين ما ترى ذات ~~لا ترى، وذات لا ترى عين ما ترى. ونحو ذلك، لأن مذهبهم مستلزم الجمع بين ~~النقيضين، فهم يقولون في عموم الكائنات ما قالته النصارى في المسيح، ولهذا ~~تنوعوا في ذلك تنوع النصارى في المسيح. # ومن الأنواع التي في دعواهم أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من ~~بعض الوجوه، إن هذا لم يقله أبو عبد الله الحكيم الترمذي ولا غيره من ~~المشايخ المعروفين، بل الرجل أجل قدرا وأعظم إيمانا من أن يفتري هذا الكفر ~~الصريح، ولكن أخطأ شبرا، ففرعوا على خطئه ما صار كفرا. # وأعظم من ذلك زعمه أن الأولياء والرسل من حيث ولا يتهم تابعون لخاتم ~~الأولياء وأخذوا من مشكاته، فهذا باطل بالعقل والدين، فإن المتقدم لا يأخذ ~~من المتأخر، والرسل لا يأخذون من غيرهم. وأعظم من ذلك أنه جعلهم تابعين له ~~في العلم بالله الذي هو أشرف علومهم، وأظهر من ذلك أن جعل العلم بالله هو ~~مذهب أهل وحدة الوجود القائلين بأن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق. # فليتدبر المؤمن هذا الكفر القبيح درجة بعد درجة. واستشهاده على تفضيل غير ~~النبي عليه بقصة عمر وتابير النخل، فهل يقول مسلم أن عمر كان أفضل من النبي ~~صلى الله عليه وسلم برأيه في الأسرى؟ وأن الفلاحين الذين يحسنون صناعة ~~التأبير أفضل من الأنبياء في ذلك؟ ثم ما قنع بذلك حتى قال: فما يلزم الكامل ~~أن يكون له التقديم في كل علم وكل مرتبة، وإنما نظر الرجال إلى التقدم في ~~مرتبة العلم بالله، هنالك مطالبهم. # فقد زعم أنه أعلم بالله من خاتم الأنبياء، وأن تقدمه عليه بالعلم بالله، ~~وتقدم خاتم الأنبياء عليه بالتشريع فقط. وهذا من أعظم الكفر الذي يقع فيه ~~غالية المتفلسفة # PageV04P066 # وغالية المتصوفة وغالية المتكلمة الذين يزعمون أنهم في الأمور العلمية ~~أكمل من الرسل، كالعلم بالله ونحو ذلك، وأن الرسل إنما تقدموا عليهم ~~بالتشريع العام الذي جعل لصلاح الناس في دنياهم. وقد يقولون أن الشرائع ~~قوانين عدلية وضعت لمصلحة الدنيا، ms485 فأما المعارف والحقائق والدرجات العالية ~~في الدنيا والآخرة فيفضلون فيها أنفسهم وطرقهم على الأنبياء وطرق الأنبياء. # وقد علم بالاضطرار من دين المسلمين أن هذا من أعظم الكفر والضلال، وكان ~~من سبب جحد حقائق ما أخبرت به الرسل من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ~~وزعمهم أن ما يقوله هؤلاء في هذا الباب هو الحق وصاروا في أخبار الرسل، ~~تارة يكذبونها، وتارة يحرفونها، وتارة يفوضونها، وتارة يزعمون أن الرسل ~~كذبوا لمصلحة العموم. # ثم عامة الذين يقولون هذه المقالات يفضلون الأنبياء والرسل على أنفسهم ~~إلا الغالية منهم كما تقدم، فهؤلاء من شر الناس قولا واعتقادا. # وقد كان عندهم شيخ من أجهل الناس كان يعظمه طائفة من الأعاجم ويقال أنه ~~خاتم الأولياء، يزعم أنه يفسر العلم بوجهين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما فسره بوجه واحد وأنه هو أكمل من النبي صلى الله عليه وسلم وهذا تلقاه ~~من صاحب الفصوص وأمثال هذا في هذه الأوقات كثير، وسبب ضلال المتفلسفة وأهل ~~التصوف والكلام الموافقة لضلالهم، وليس هذا موضع الأطناب في بيان ضلال هذا ~~وإنما الغرض التنبيه على أن صاحب الفصوص وأمثاله قالوا قول هؤلاء. # فأما كفر من يفضل نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر صاحب الفصوص ~~فظاهر ولكن من هؤلاء من لا يرى ذلك ولكن يرى أن له طريقا إلى الله غير ~~اتباع الرسول، ويسوغ لنفسه اتباع تلك الطريق وإن خالف شرع الرسول، ويحتجون ~~بقصة موسى والخضر. # ولا حجة فيها لوجهين (أحدهما) أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولا # PageV04P067 # كان يجب على الخضر اتباع موسى فإن موسى كان مبعوثا إلى بني إسرائيل ولهذا ~~جاء في الحديث الصحيح " أن موسى لما سلم على الخضر قال وأنى بأرضك السلام؟ ~~قال أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال نعم، قال إنك على علم من علم ~~الله علمكه الله لا أعلمه. وأنا على علم من الله علمنيه لا تعلمه " ولهذا ~~قال نبينا صلى الله عليه وسلم " فضلنا على الناس بخمس: جعلت صفوفنا كصفوف ~~الملائكة، ms486 وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأي رجل أدركته الصلاة فعنده مسجده ~~وطهوره، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة (1) " وقد قال ~~تعالى (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) وقال تعالى (قل يا أيها ~~الناس إني رسول الله إليكم جميعا) الآية. # فمحمد صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى جميع الثقلين: انسهم وجنهم، ~~عربهم وعجمهم، ملوكهم وزهادهم، الأولياء منهم وغير الأولياء. فليس لأحد ~~الخروج عن مبايعته باطنا وظاهرا، ولا عن متابعة ما جاء به من الكتاب والسنة ~~في دقيق ولا جليل، لا في العلوم ولا الأعمال، وليس لأحد أن يقول له كما قال ~~الخضر لموسى، وأما موسى فلم يكن مبعوثا إلى الخضر. # الثاني أن قصة الخضر ليس فيها مخالفة للشريعة بل الأمور التي فعلها تباح ~~في الشريعة، إذا علم العبد أسبابها كما علمها الخضر، ولهذا لما بين أسبابها ~~لموسى وافقه على ذلك، ولو كان مخالفا لشريعته لم يوافقه بحال. # وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع. فإن خرق السفينة مضمونه أن المال ~~المعصوم يجوز للإنسان أن يحفظه لصاحبه بإتلاف بعضه فإن ذلك خير من ذهابه ~~بالكلية كما جاز للراعي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يذبح الشاة ~~التي خاف عليها الموت. وقصة الغلام مضمونها جواز قتل الصبي الصائل، ولهذا ~~قال ابن عباس: وأما الغلمان فإن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام ~~فاقتلهم وإلا فلا تقتلهم. وأما إقامة الجدار PageV04P068 # ففيها فعل المعروف بلا أجرة مع الحاجة إذا كان لذرية قوم صالحين. # الوجه الثامن أنه قال: ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط ~~إلى آخر كلامه وهو متضمن أن العلم نوعان (أحدهما) علم الشريعة وهو يأخذه عن ~~الله كما يأخذ النبي فإنه قال والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع ~~لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو موضع اللبنة الفضية وهو ظاهره وما يتبعه فيه ~~من الأحكام كما هو آخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه ~~لأنه يرى الأمر على ms487 عليه فلا بد أن يراه هكذا. # وهذا الذي زعمه من أن الولي يأخذ عن الله في السر ما يتبع فيه الرسل ~~كأئمة العلماء مع اتباعهم، فيه من الاتحاد ما لا يخفى على من يؤمن بالله ~~ورسله، فإن هذا يدعي أنه أوتي مثل ما أوتي رسل الله، ويقول أنه أوحي إلي ~~ولم يوح إليه شيء، ويجعل الرسل بمنزلة معلمي الطب والحساب والنحو وغير ذلك ~~إذا عرف المتعلم الدليل الذي قال به معلمه فينبغي موافقته لمشاركته له في ~~العلم لا لأنه رسول وواسطة من الله إليه في تبليغ الأمر والنهي. وهذا الكفر ~~يشبه كفر مسيلمة الكذاب ونحو ممن يدعي أنه مشارك للرسول في الرسالة، وكان ~~يقول مؤذنه أشهد أن محمد ومسيلمة رسولا الله. # والنوع الثاني علم الحقيقة وهو فيه فرق الرسول كما قال هو موضع اللبنة ~~الذهبية في الباطن، فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به ~~إلى الرسول، فقد ادعى أن هذا العلم الذي هو موضع اللبنة الذهبية وهو علم ~~الباطن والحقيقة هو فيه فوق الرسول لأنه يأخذه من حيث يأخذ الملك العلم ~~الذي يوحي به إلى الرسول، والرسول يأخذه من الملك، وهو أخذه من فوق الملك، ~~من حيث يأخذه الملك، وهذا فوق دعوى مسيلمة الكذاب، فإن مسيلمة لم يدع أنه ~~أعلا من الرسول في علم من العلوم الإلهية، وهذا ادعى أنه فوقه في العلم ~~بالله. # PageV04P069 # ثم قال: فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع. ومعلوم أن هذا ~~الكفر فوق كفر اليهود والنصارى فإن اليهود والنصارى لا ترضى أن تجعل أحدا ~~من المؤمنين فوق موسى وعيسى، وهذا يزعم هو وأمثاله ممن يدعي أنه خاتم ~~الأولياء أنه فوق جميع الرسل، وأعلم بالله من جميع الرسل، وعقلاء الفلاسفة ~~لا يرضون بهذا وإنما يقول مثل هذا غلاتهم وأهل الحق منهم الذين هم من أبعد ~~الناس عن العقل والدين. # التاسع قوله: فكل نبي من لدن آدم - إلى آخر الفصل - تضمن أن جميع ~~الأنبياء والرسل لا يأخذون إلا من مشكاة ms488 خاتم النبيين، ليوطن نفسه بذلك أن ~~جميع الأنبياء لا يأخذون إلا من مشكاة خاتم الأولياء، وكلاهما ضلال، فإن ~~الرسل ليس منهم من يأخذ من آخر إلا من كان مأمورا باتباع شريعته كأنبياء ~~بني إسرائيل والرسل الذين فيهم الذين أمروا باتباع التوراة كما قال تعالى ~~(إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) الآية. # وأما إبراهيم فلم يأخذ من موسى وعيسى، ونوح لم يأخذ عن إبراهيم، ونوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى لم يأخذوا عن محمد وأن بشروا به وآمنوا به كما قال ~~تعالى (وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة) الآية قال ~~ابن عباس: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد وأخذ العهد على ~~قومه ليؤمنن به، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنا. # العاشر قوله: فإن تحقيقه موجود، وهو قوله " كنت نبيا وآدم بين الماء ~~والطين " بخلاف غيره من الأنبياء، وكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين ~~الماء والطين. - كذب واضح مخالف لإجماع أئمة الدين، وإن كان هذا يقوله ~~طائفة من أهل الضلال والإلحاد، فإن الله علم الأشياء وقدرها قبل أن يكونها # PageV04P070 # ولا تكون موجود بحقائقها إلا حين توجد ولا فرق في ذلك بين الأنبياء ~~وغيرهم، ولم تكن حقيقته صلى الله عليه وسلم موجودة قبل أن يخلق إلا كما ~~كانت حقيقة غيره بمعنى أن الله علمها وقدرها، لكن كان ظهور خبره واسمه ~~مشهورا أعظم من غيره فإنه كان مكتوبا في التوراة والإنجيل وقبل ذلك، كما ~~روى الإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال " إني لعبد الله مكتوب خاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته ~~وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي، رأت حين ولدتني ~~كأنها خرج منها نورا ضاءت له قصور الشام " وحديث ميسرة الفجر: قلت يا رسول ~~الله، متى كنت نبيا؟ وفي لفظ متى كتبت نبيا؟ قال " وآدم بين الروح والجسد " ~~وهذا لفظ الحديث. # وأما قوله " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " فلا أصل له، لم ms489 يروه أحد ~~من أهل العلم بالحديث بهذا اللفظ وهو باطل، فإنه لم يكن بين الماء والطين ~~إذ الطين ماء وتراب، ولكن لما خلق الله جسد آدم قبل نفخ الروح فيه كتب نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقدرها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال ~~حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق " إن خلق أحدكم ~~يجعل في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ~~ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، فيقال: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقي ~~أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح " وروي أنه كتب اسمه على ساق العرش ومصاريع ~~الجنة (1) فأين الكتاب والتقدير من وجود الحقيقة؟ وما يروي في هذا الباب من ~~الأحاديث هو من هذا الجنس مثل كونه كان نورا يسبح حول العرش أو كوكبا يطلع ~~في السماء ونحو ذلك كما ذكره ابن حمويه صاحب ابن عربي وذكر بعضه عمر الملا ~~في وسيلة المتعبدين وابن سبعين وأمثالهم ممن يروي الموضوعات PageV04P071 # المكذوبات باتفاق أهل المعرفة بالحديث. فإن هذا المعنى رووا فيه أحاديث ~~كلها كذب حتى أنه اجتمع بي قديما شيخ معظم من أصحاب ابن حمويه يسميه أصحابه ~~سلطان الأقطاب وتفاوضنا في كتاب الفصوص وكان معظما له ولصاحبه حتى أبديت له ~~بعض ما فيه فهاله ذلك وأخذ يذكر مثل هذه الأحاديث فبينت له أن هذا كله كذب. # الحادي عشر قوله: وخاتم الولاية كان وليا وآدم بين الماء والطين - إلى ~~قوله - فخاتم الرسل من حيث ولايته نسبته مع الختم للولاية كنسبة الأولياء ~~والرسل معه - إلى آخر كلامه - ذكر فيه ما تقدم من كون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مع هذا الختم المدعى كسائر الأنبياء والرسل معه يأخذ من مشكاته ~~العلم بالله الذي هو أعلا العلم وهو وحدة الوجود أنه مقدم الجماعة وسيد ولد ~~آدم في فتح باب الشفاعة. فعين حالا خاصا ما عمم - إلى قوله - ففاز محمد ~~بالسيادة في هذا المقام الخاص فكذب على رسول اله صلى الله ms490 عليه وسلم في ~~قوله: إنه قال: سيد ولد آدم في الشفاعة فقط لا في بقية المراتب " بخلاف ~~الختم المفتري فإنه سيد في العلم بالله وغير ذلك من المقامات. # ولقد كنت أقول: لو كان المخاطب لنا ممن يفضل إبراهيم أو موسى أو عيسى على ~~محمد صلى الله عليه وسلم لكانت مصيبة عظيمة لا يحملها المسلمون فكيف بمن ~~يفضل رجلا من أمة محمد على محمد وعلى جميع الأنبياء والرسل في أفضل العلوم ~~ويدعي أنهم يأخذون ذلك من مشكاته؟ وهذا العلم هو غاية الإلحاد والزندقة. ~~وهذا المفضل من أضل بني آدم وأبعدهم عن الصراط المستقيم، وإن كان له كلام ~~كثير ومصنفات متعددة، وله معرفة بأشياء كثيرة، وله استحواذ على قلوب طوائف ~~من أصناف المتفلسفة والمتصوفة والمتكلمة والمتفقهة والعامة، فإن هذا الكلام ~~من أعظم الكلام ضلالا عند أهل الكلام والإيمان والله أعلم. # PageV04P072 # وقد تبين أن في هذا الكلام من الكفر والتنقيص بالرسل والاستخفاف بهم ~~والغض منهم والكفر بهم وبما جاؤوا به ما لا يخفى على مؤمن، وقد حدثني أحد ~~أعيان الفضلاء أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبري رحمة الله عليه يقول: رأيت ~~ابن عربي وهو شيخ نجس يكذب بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي أرسله الله. ولقد ~~صدق فيما قال، ولكن هذا بعض الأنواع التي ذكرها من الكفر، وكذلك قول أبي ~~محمد بن عبد السلام: هو شيخ سوء مقبوح كذاب يقول بقدم العلم ولا يحرم فرجا ~~- هو حق عنه ولكنه بعض أنواع ما ذكره من الكفر، فإن قوله لم يكن قد تبين له ~~حاله وتحقق، وإلا فليس عنده رب وعالم كما تقوله الفلاسفة الإلهيون الذين ~~يقولون بواجب الوجود، وبالعالم الممكن الوجود بل عنده وجود العالم هو وجود ~~الله، وهذا يطابق قول الدهرية الطبائعية الذين ينكرون وجود الصانع مطلقا ~~ولا يقرون بوجود واجب غير العالم كما ذكر الله عن فرعون وذويه، وقوله مطابق ~~لقول فرعون، لكن فرعون لم يكن مقرا بالله وهؤلاء يقرون بالله، ولكن يفسرونه ~~بالوجود الذي أقر به فرعون، فهم أجهل من فرعون وأضل، ms491 وفرعون أكفر منهم، في ~~كفره من العناد والاستكبار ما ليس في كفرهم، كما قال تعالى (وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) وقال له موسى (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا ~~رب السموات والأرض بصائر) وجماع أمر صاحب الفصوص وذويه هدم أصول الإيمان ~~الثلاثة فإن أصول الإيمان: الإيمان بالله والإيمان برسله والإيمان باليوم ~~الآخر. # فأما الإيمان بالله فزعموا أن وجوده وجود العالم ليس للعالم صانع غير ~~العالم، وأما الرسول فزعموا أنهم أعلم بالله منه ومن جميع الرسل، ومنهم من ~~يأخذ العلم بالله الذي هو التعطيل ووحدة الوجود من مشكاته، وأنهم يساوونه ~~في أخذ العلم بالشريعة عن الله. وأما الإيمان باليوم الآخر فقد قال: # PageV04P073 # فلم يبق إلا صادق الوعد وحده ... وبالوعيد الحق عين تعاين # وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ... على لذة فيها نعيم يباين # وهذا يذكر عن بعض أهل الضلال قبله أنه قال: إن النار تصير لأهلها طبيعة ~~نارية يتمتعون بها، وحينئذ فلا خوف ولا محذور ولا عذاب لأنه أمر مستعذب ثم ~~إنه في الأمر والنهي عنده الآمر والناهي والمأمور والمنهي واحد، ولهذا كان ~~أول ما قاله في الفتوحات المكية التي هي أكبر كتبه: # الرب حق والعبد حق ... يا ليت شعري من المكلف # إن قلت عبد فذاك رب ... أو قلت رب أني يكلف؟ # وفي موضع آخر فذاك ميت، رأيته بخطه. # وهذا مبني على أصله فإن عنده ما ثم عبد ولا وجود إلا وجود الرب فمن ~~المكلف؟ وعلى أصله هو المكلف كما يقولون أرسل من نفسه إلى نفسه رسولا، وكما ~~قال ابن الفارض في قصيدته التي نظمها على مذهبهم وسماها نظم السلوك: # إلي رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي علي استدلت # ومضمونها هو القول بوحدة الوجود ومذهب ابن عربي وابن سبعين وأمثالهم كما ~~قال: # لها صلاتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت # كلانا مصل عابد ساجد إلى ... حقيقة الجمع في كل سجدة (1) # وما كان لي صلى سواي فلم تكن ... صلاتي لغيري في أداكل ركعة # إلى قوله: # وما زلت إياها وإياي لم تزل ms492 ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت # ومثل هذا كثير والله أعلم. PageV04P074 # وحدثني صاحبنا الفقيه الصوفي أبو الحسن علي بن قرباص أنه دخل على الشيخ ~~قطب الدين بن القسطلاني فوجده يصنف كتابا فقال: ما هذا؟ فقال هذا في الرد ~~على ابن سبعين وابن الفارض وأبي الحسن الجربي والعفيف التلمساني، وحدثني عن ~~جمال الدين بن واصل وشمس الدين الأصبهاني أنهما كانا ينكران كلام ابن عربي ~~ويبطلانه ويردان عليه وأن الأصبهاني رأى معه كتابا من كتبه فقال: إن اقتنيت ~~شيئا من كتبه فلا تجيء إلي، أو ما هذا معناه. وأن ابن واصل لما ذكر كلامه ~~في التفاحة التي انقلبت عن جوار معلم معها فقال: والله الذي لا إله إلا هو ~~يكذب ولقد بر في يمينه. # وحدثني صاحبنا الفاضل أبو بكر بن سالار عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ~~شيخ وقته عن الإمام أبي محمد بن عبد السلام أنهم سألوه عن ابن عربي، لما ~~دخل مصر، فقال: شيخ سوء مقبوح يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا، وكان تقي ~~الدين يقول: هو صاحب خيال واسع. حدثني بذلك غير واحد من الفقهاء ممن سمع ~~كلام ابن دقيق العيد. وحدثني ابن بحير عن رشيد الدين سعيد وغيره أنه قال: ~~كان يستحل الكذب، هذا أحسن أحواله، وحدثني الشيخ العالم العارف كمال الدين ~~المراغي شيخ زمانه أنه لما قدم وبلغه كلام هؤلاء في التوحيد قال: قرأت على ~~العفيف التلمساني من كلامهم شيئا فرأيته مخالفا للكتاب والسنة، فلما ذكرت ~~ذلك له قال القرآن ليس فيه توحيد بل القرآن كله شرك، ومن اتبع القرآن لم ~~يصل إلى التوحيد، قال فقلت له: ما الفرق عندكم بين الزوجة والأجنبية والأخت ~~والكل واحدد؟ قال لا فرق بين ذلك عندنا وإنما هؤلاء المحجوبون اعتقدوه ~~حراما فقلنا هو حرام عليهم عندهم، وأما عندنا فما ثم حرام. # وحدثني كمال الدين بن المراغي أنه لما تحدث مع التلمساني في هذا المذهب ~~قال: وكنت أقرأ عليه في ذلك فإنهم كانوا قد عظموه عندنا ونحن مشتاقون # PageV04P075 # إلى معرفة فصوص ms493 الحكم فلما صار يشرحه لي قول هذا خلاف القرآن والأحاديث، ~~فقال ارم هذا كله خلف الباب واحضر بقلب صاف حتى تتلقى هذا التوحيد - أو كما ~~قال - ثم خاف أن أشيع ذلك عنه فجاء إلي باكيا وقال استر عني ما سمعته مني. # وحدثني أيضا كمال الدين أنه اجتمع بالشيخ أبي العباس الشاذلي تلميذ الشيخ ~~أبي الحسن فقال عن التلمساني: هؤلاء كفار هؤلاء يعتقدون أن الصنعة هي ~~الصانع، قال وكنت قد عزمت على أن أدخل الخلوة على يده فقلت أنا لا آخذ عنه ~~هذا وإنما أتعلم منه أدب الخلوة، قال لي: مثلك مثل من يريد أن يتقرب إلى ~~السلطان على يد صاحب الأتون والزبال فإذا كان الزبال هو الذي يقربه إلى ~~السلطان كيف يكون حاله عند السلطان؟ وحدثنا أيضا قال قال لي قاضي القضاة ~~تقي الدين بن دقيق العيد إنما استولت التتار على بلاد المشرق لظهور الفلسفة ~~فيهم وضعف الشريعة، فقلت له ففي بلادكم مذهب هؤلاء الذين يقولون بالاتحاد ~~وهو شر من مذهب الفلاسفة؟ فقال قول هؤلاء لا يقوله عاقل بل كل عاقل يعلم ~~فساد قول هؤلاء - يعني أن فساده ظاهر فلا يذكر هذا فيما يشتبه على العقلاء ~~بخلاف مقالة الفلاسفة فإن فيها شيئا من المعقول وإن كانت فاسدة. # وحدثني تاج الدين الأنباري الفقيه المصري الفاضل أنه سمع الشيخ إبراهيم ~~الجعبري يقول رأيت ابن عربي شيخا مخضوب اللحية وهو شيخ نجس يكفر بكل كتاب ~~أنزله الله، وكل نبي أرسله الله. وحدثني الشيخ رشيد الدين بن المعلم أنه ~~قال كنت وأنا شاب بدمشق أسمع الناس يقولون عن ابن عربي والخسر وشاهى أن ~~كلاهما زنديق - أو كلاما هذا معناه - وحدثني عن الشيخ إبراهيم الجعبري أنه ~~حضر ابن الفارض عند الموت وهو ينشد: # إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي # أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام # PageV04P076 # وحدثني الفقيه الفاضل تاج الدين الزنباري أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبري ~~يقول رأيت في منامي ابن عربي وابن الفارض وهما شيخان ms494 أعميان يمشيان ~~ويتعثران ويقولن كيف الطريق؟ أين الطريق؟ وحدثني شهاب الدين المزي عن شرف ~~الدين بن الشيخ نجم الدين بن الحكيم عن أبيه أنه قال قدمت دمشق فصادفت موت ~~ابن عربي فرأيت جنازته كأنما ذر عليها الرماد فرأيتها لا تشبه جنائز ~~الأولياء - أو قال - فعلمت أن هذا، وعن أبيه عن الشيخ إسماعيل الكوراني أنه ~~كان يقول ابن عربي شيطان، وعنه أنه كان يقول عن الحريري أنه شيطان، وحدثني ~~شهاب الدين عن القاضي شرف الدين الباربلي أن أباه كان ينهاه عن كلام ابن ~~عربي وابن الفارض وابن سبعين. # فصل # في بعض ما يظهر به كفرهم، وفساد قولهم. وذلك من وجوه (أحدها) أن حقيقة ~~قولهم: أن الله لم يخلق شيئا ولا ابتدعه ولا برأه ولا صوره، لأنه إذا لم ~~يكن وجود إلا وجوده فمن الممتنع أن يكون خالقا لوجود نفسه، أو بارئا لذاته، ~~فإن العلم بذلك من أبين العلوم وأبدهها للعقول أن الشيء لا يخلق نفسه، ~~ولهذا قال سبحانه (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون؟) فإنهم يعلمون أنهم ~~لم يكونوا مخلوقين من غير خالق، ويعلمون أن الشيء لا يخلق نفسه فتعين أن ~~لهم خالقا، وعند هؤلاء الكفار الملاحدة الفرعونية أنه ما ثم شيء يكون الرب ~~قد خلقه وبرأه أو أبدعه إلا نفسه المقدسة، ونفسه المقدسة لا تكون مخلوقة ~~مربوبة مصنوعة مبروءة لامتناع ذلك في بدائه العقول، وذلك من أظهر الكفر عند ~~جميع أهل الملل، وأما على رأي صاحب الفصوص فما ثم إلا وجوده والذوات ~~الثابتة في العدم الغنية عنه، ووجوده لا يكون مخلوقا والذوات غنية عنه فلم ~~يخلق الله شيئا. # PageV04P077 # الثاني أن عندهم أن الله ليس رب العالمين ولا مالك الملك أو ليس إلا ~~وجوده وهو لا يكون رب نفسه ولا يكون الملك المملوك هو الملك المالك، وقد ~~صرحوا بهذا الكفر مع تناقضه وقالوا أنه هو ملك الملك، بناء على أن وجوده ~~مفتقر إلى ذوات الأشياء، وذوات الأشياء مفتقرة إلى وجوده، فالأشياء مالكة ~~لوجوده، فهو ملك الملك. # الثالث أن عندهم ms495 أن الله لم يرزق أحدا شيئا، ولا أعطى أحدا شيئا، ولا رحم ~~أحدا، ولا أحسن إلى أحد، ولا هدى أحدا، ولا أنعم على أحد نعمة، ولا علم ~~أحدا علما ولا علم أحدا البيان، وعندهم في الجملة لم يصل منه إلى أحد لا ~~خير ولا شر، ولا نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا هدى ولا إضلال أصلا. ~~وإن هذه الأشياء جميعها عين نفسه ومحض وجوده. فليس هناك غير يصل إليه، ولا ~~أحد سواه ينتفع بها، ولا عبد يكون مرزوقا أو منصورا أو مهديا. # ثم على رأي صاحب الفصوص أن هذه الذوات ثابتة في العدم، والذوات هي أحسنت ~~وأساءت، ونفعت وضرت، وهذا عنده سر القدر. وعلى رأي الباقين ما ثم ذات ثابتة ~~غيره أصلا، بل هو ذام نفسه بنفسه، ولاعن نفسه بنفسه، وهو المرزوق المضروب ~~المشتوم، وهو الناكح والمنكوح والآكل والمأكول، وقد صرحوا بذلك تصريحا ~~بينا. # الرابع أن عندهم أن الله هو الذي يركع ويسجد ويخضع ويعبد ويصوم ويجوع ~~ويقوم وينام. وتصيبه الأمراض والأسقام وتبتليه الأعداء ويصيبه البلاء وتشتد ~~به اللأواء، وقد صرحوا بذلك وصرحوا بأن كل كرب يصيب النفوس فإنه هو الذي ~~يصيبه. وأنه إذا نفس الكرب فإنما يتنفس عنه، ولهذا كره بعض هؤلاء الذين هم ~~من أكفر خلق الله وأعظمهم نفاقا وإلحادا وعتوا على الله وعنادا أن يصبر ~~الإنسان على البلاء لأن عندهم هو المصاب المبتلى. وقد صرحوا بأنه # PageV04P078 # موصوف بكل نقص وعيب فإن ما ثم من يتصف بالنقائض والعيوب غيره. فكل عيب ~~ونقص وكفر وفسوق في العالم فإنه هو المتصف به لا متصف به غيره. كلهم متفقون ~~على هذا في الوجود. # ثم صاحب الفصوص يقول: أن ذلك ثابت في العدم، وغيره يقول ما ثم سوى وجود ~~الحق الذي هو متصف بهذه المعايب والمثالب. # الخامس أن عندهم أن الذين عبدوا اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ~~والذين عبدوا ودا وسواع ويغوث ويعوق ونسرا. والذين عبدوا الشعرى والنجم ~~والشمس والقمر والذين عبدوا المسيح وعزيرا والملائكة وسائر من عبد الأوثان ~~والأصنام: ms496 قوم نوح وعاد وثمود وقوم فرعون وبني إسرائيل وسائر المشركين ~~والعرب ما عبدوا إلا الله. ولا يتصور أن يعبدوا غير الله، وقد صرحوا بذلك ~~في مواضع كثيرة مثل قول صاحب الفصوص الكلمة النوحية: (ومكروا مكرا كبارا) ~~لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو، لأنه ما عدم من البداية فيدعي إلى الغاية ~~(ادعوا إلى الله) هنا عدة المكر (على بصيرة) ففيه أن الأمر له كله فأجابوه ~~مكرا كما دعاهم - إلى إن قال - فقالوا في مكرهم (لا تذرون آلهتكم ولا تذرن ~~ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا) فإنه إذا تركوهم جهلوا من الحق على ~~قدر ما تركوا من هؤلاء فإن الحق في كل معبود وجها خاصا يعرفه من عرفه ~~ويجهله من جهلة في المحمديين (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) أي حكم ~~فالعالم يعلم من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق والكثرة كالأعضاء ~~في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية. فما عبد غير ~~الله في كل معبود. فالأدنى من تخيل فيه الألوهية. فلولا هذا التخيل ما عبد ~~الحجر ولا غيره. ولهذا قال تعالى (قل سموهم) فلو سموهم لسموهم حجرا وشجرا ~~وكوكبا. ولو قيل من عبدتهم لقالوا إلها واحدا كما كانوا يقولون الله ولا ~~الإله، والأعلى ما تخيل بل # PageV04P079 # قال هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر. فالأدنى صاحب التخيل يقول: ~~(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) والأعلى العالم يقول (إنما إلهكم ~~إله واحد فله أسلموا) حيث ظهر (وبشر المخبتين الذين) خبت نار طبيعتهم ~~فقالوا " إلها " ولم يقولوا " طبيعة ". # وقال أيضا في فص الهارونية: ثم قال هارون لموسى (إني خشيت أن تقول فرقت ~~بين بني إسرائيل) فتجعلني سببا في تفريقهم، فإن عبادة العجل فرقت بينهم، ~~وكان فيهم من عبده اتباعا للسامري وتقليدا له، ومنهم من توقف عن عبادته حتى ~~يرجع موسى إليهم فيسألونه في ذلك، فخشى هارون أن ينسب ذلك التفريق إليه، ~~فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه بأن ~~الله ms497 قد قضى أن لا يعبد إلا إياه وما حكم الله بشيء إلا وقع، فكان عتب موسى ~~أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه، فإن العارف من يرى الحق ~~في كل شيء، بل يراه عين كل شيء، فكان موسى يربي هارون تربية علم وإن كان ~~أصغر منه في السن، ولذلك لما قال له هارون ما قال رجع إلى السامري فقال ~~(فما خطبك يا سامري) يعني فيما صنعت من عدولك إلى صورة العجل على الاختصاص ~~- وساق الكلام - إلى أن قال - فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن تنفذ في ~~أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سلط موسى عليه - حكمة من الله ظاهرة في ~~الوجود ليعبد في كل صورة، وإن ذهبت تلك الصورة فما ذهبت إلا بعدما تلبست ~~عند عابدها بالأولوهية، ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا وعبد، إما عبادة ~~تأله، وإما عبادة تسخير، ولا بدل من ذلك لمن عقل، وما عبد شيء من العام إلا ~~بعد التلبيس بالرفعة عند العابد والظهور بالدرجة في قلبه، ولذلك تسمى الحق ~~لنا برفيع الدرجات ولم يقل رفيع الدرجة فكثر الدرجات في عين واحدة فإنه قضى ~~أن لا يعبد إلا إياه في درجات له كثيرة مختلفة أعطت كل درجة مجلى إلهيا عبد ~~فيها وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه الهوى كما قال (أفرأيت من اتخذ إلهه # PageV04P080 # هواه) فهو أعظم معبود، فإنه لا يعبد شيء إلا به ولا يعبد هو إلا بذاته. ~~وفيه أقول: # وحق الهوى إن الهوى سبب الهوى ... ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى # ألا ترى علم الله بالأشياء ما أكمله كيف تمم في حق من عبد هواء واتخذ ~~إلها فقال (وأضله الله على علم) والضلالة الحيرة، وذلك أنه لما رأى هذا ~~العبد ما عبد إلا هواه بانقياد لطاعته فيما يأمر به من عبادة من عبده من ~~الأشخاص، حتى إن عبادة الله كانت عن هوى أيضا فإنه لو لم يقع له في ذلك ~~الجناب المقدس هوى وهو الإرادة بمحبة ما عبد الله ولا ms498 آثره على غيره، وكذلك ~~كل من عبد صورة من صور العالم واتخذها إلها ما اتخذها إلا بالهوى، فالعابد ~~لا يزال تحت سلطان هواه ثم رأى المعبودات تتنوع في العابدين وكل عابد أمرا ~~ما يكفر من يعبد سواه، والذي عنده أدنى تنبيه لا يحار لاتحاد الهوى بل لا ~~حدية الهوى كما ذكر فإنه عين واحدة في كل عابد (فأضله الله) أي حيره على ~~علم بأن كل عابد ما عبد إلا هواه، ولا استعبده إلا هواه، سواء صادف الأمر ~~المشروع أو لم يصادف، والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد فيه. ~~ولذلك سموه كلهم إله مع اسمه الخاص شجر أو حجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب ~~أو ملك هذا اسم الشخصية فيه والألوهية مرتبة تخيل العابد له أنها مرتبة ~~معبوده وهي على الحقيقة مجلى الحق لبصر هذا العابد المعتكف على هذا المعبد ~~في هذا المحلى المختص بحجر ولهذا قال بعض من لم يعرف مقاله جهالة (ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) مع تسميتهم إياهم آلهة، كما قالوا ~~(اجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب) فما أنكروه بل تعجبوا من ذلك ~~فإنهم وقفوا على كثرة الصور ونسبة الألوهية لها، فجاء الرسول ودعاهم إلى ~~إله واحد يعرف، ولا يشهد أيضا بشهادتهم أنهم أثبتوه عندهم واعتقدوه في ~~قولهم (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) لعلمهم بأن تلك الصور حجارة، ~~ولذلك قامت الحجة عليهم بقوله (قل سموهم) فما يسمونهم إلا بما يعلمون أن ~~تلك الأسماء لهم حقيقة. كحجر وخشب وكوكب # PageV04P081 # وأمثالها، وأما العارفون على ما هو عليه فيظهرون بصورة الإنكار لما عبد ~~من الصور لأن مرتبتهم في العلم تعطيهم أن يكونوا بحكم الوقت لحكم الرسول ~~الذي آمنوا به عليهم الذي به سموا مؤمنين، فهم عباد الوقت، مع علمهم بأنهم ~~ما عبدوا من تلك الصور أعيانها وإنما عبدوا الله فيها بحكم سلطان التجلي ~~الذي عرفوه منهم، وجهله المنكر الذي لا علم له بما يتجلى، وستره العارف ~~المكمل من نبي أو رسول ms499 أو وارث عنهم، فأمرهم بالانتزاح عن تلك الصور لما ~~انتزح عنها رسول الوقت اتباعا للرسول طمعا في محبة الله إياهم بقوله (قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) فدعا إلى إله يصمد إليه ويعلم من ~~حيث الجملة ولا يشهد ولا تدركه الأبصار، بل هو يدرك الأبصار للطفه وسريانه ~~في أعيان الأشياء، فلا تدركه الأبصار كما أنها لا تدرك أرواحها المدبرة ~~أشباحها، وصورها الظاهرة، فهو اللطيف الخبير، والخبرة ذوق، والذوق تجلى ~~والتجلي في الصور، فلا بد منها ولا بد منه، فلا بد أن يعبده من رآه بهواه. ~~إن فهمت هذا. # فتدبر حقيقة ما عليه هؤلاء فإنهم أجمعوا على كل شرك في العالم وعدلوا ~~بالله كل مخلوق وجوزوا أن يعبد كل شيء ومع كونهم يعبدون كل شيء فيقولون ما ~~عبدنا إلا الله، فاجتمع في قولهم أمران: كل شرك، وكل جحود وتعطيل مع ظنهم ~~أنهم ما عبدوا إلا الله، ومعلوم أن هذا خلاف دين المرسلين كلهم وخلاف دين ~~أهل الكتاب كلهم، والملل كلها، بل وخلاف دين المشركين أيضا وخلاف ما فطر ~~الله عليه عباده مما يعقلونه بقلوبهم ويجدونه في نفوسهم، وهو في غاية ~~الفساد والتناقض والسفسطة والجحود لرب العالمين. # وذلك أنه علم بالاضطرار أن الرسل كانوا يجعلون ما عبده المشركون غير ~~الله، ويجعلون عابده عابدا لغير الله مشركا بالله عادلا به جاعلا له ندا. ~~فإنهم دعوا الخلق إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وهذا هو دين الله الذي ~~أنزل به كتبه وأرسل به # PageV04P082 # رسله وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين غيره، ولا ~~يغفر لمن تركه بعد بلاغ الرسالة كما قال (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك من يشاء) وهو الفارق بين أهل الجنة وأهل النار والسعداء ~~والأشقياء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " من كان آخر كلامه لا إله إلا ~~الله وجبت له الجنة " وقال " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله وجبت له ~~الجنة " وقال " إني لأعلم كلمة ms500 لا يقولها عبد عند الموت إلا وجد لها روحا ~~وهي رأس الدين " وكما قال " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا ~~الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها ~~وحسابهم على الله ". # وفضائل هذه الكلمة وحقائقها وموقعها من الدين فوق ما يصفه الواصفون ~~ويعرفه العارفون، وهي حقيقة الأمر كله كما قال تعالى (وما أرسلنا من رسول ~~إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) فأخبر سبحانه أنه يوحي إلى كل ~~رسول بنفي الألوهية عما سواه وإثباتها له وحده. وزعم هؤلاء الملاحدة ~~المشركون أن كل شيء يستحق الألوهية كاستحقاق الله لها، وقال تعالى (واسأل ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟) وزعم هؤلاء ~~الملاحدة أن كل شيء فإنه إله معبود. فأخبر سبحانه أنه لم يجعل من دون ~~الرحمن آلهة. وقال تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت) فأمر الله سبحانه بعبادته واجتناب الطاغوت. وعند هؤلاء: ~~أن الطواغيت جميعها فيها الله أو هي الله ومن عبدها فما عبد إلا الله. وقال ~~تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم) الآيتين ~~وأمر سبحانه بعبادة الرب الخالق لهذه الآيات. وعند هؤلاء الملاحدة الملاعين ~~هو عين هذه االآيات. ونهى سبحانه أن يجعل الناس له أندادا وعندهم هذا لا ~~يتصور فإن الأنداد هي عينه فكيف يكون ندا لنفسه؟ والذين عبدوا الأنداد فما ~~عبدوا سواه. # ثم أن هؤلاء الملاحدة احتجوا بتسمية المشركين لما عبدوه إلها كما قال # PageV04P083 # (أجعل الآلهة إلها واحدا؟) واعتقدوا أنهم لما سموهم آلهة كانت تسمية ~~المشركين دليلا على أن آلهية الله لهم. وهذه الحجة قد ردها الله على ~~المشركين في غير موضع كقوله سبحانه عن هود في مخاطبته للمشركين من قومه ~~(أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) الآية هذا ردا لقولهم (أجئتنا ~~لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا) فأخبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن تسميتهم إياها آلهة ومعبودين تسمية ms501 ابتدعوها هم وآباؤهم ما أنزل ~~الله بها من حجة ولا سلطان، والحكم ليس إلا لله وحده، وقد أمر هو سبحانه أن ~~لا يعبد إلا إياه، فكيف يحتج بقول مشركين لا حجة لهم؟ وقد أبطل الله قولهم؟ ~~وأمر الخلق أن لا يعبدوا إلا إياه دون هذه الأوثان التي سماها المشركون ~~آلهة، وعند الملاحدة عابدو الأوثان ما عبدوا إلا الله. # ثم أن المشركين أنكروا على الرسول حيث جاءهم ليعبدوا الله وحده ويذروا ما ~~كان يعبد آباءهم، فإذا كانوا هم ما زالوا يعبدون الله وحده كما تزعمه ~~الملاحدة، فلم - يدعو إلى ترك ما يعبده آباؤهم هو وغيره من الأنبياء؟ وكذلك ~~قال سبحانه في سورة يوسف عنه (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل ~~الله بها من سلطان - إلى قوله - ولكن أكثر الناس لا يعلمون) وقال سبحانه ~~(أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى - إلى قوله - ولقد جاءهم من ~~ربهم اله وهذه الثلاثة المذكورة في هذه السورة هي الأوثان العظام الكبار ~~التي كان المشركون ينتابونها من أمصارهم، فاللات كانت حذو قديد بالساحل ~~لأهل المدينة، والعزى كانت قريبة من عرفات لأهل مكة، ومناة كانت بالطائف ~~لثقيف، وهذه الثلاثة هي أمصار أرض الحجاز. # أخبر سبحانه أن الأسماء التي سماها المشركون أسماء ابتدعوها لا حقيقة ~~لها، فهم إنما يعبدون أسماء لا مسميات لها، لأنه ليس في المسمى من الألوهية ~~ولا العزة # PageV04P084 # ولا التقدير شيء، ولم ينزل الله سلطانا بهذه الأسماء، إن يتبع المشركون ~~إلا ظنا لا يغني من الحق شيئا في أنها آلهة تنفع وتضر ويتبعوا أهواء ~~أنفسهم. وعند الملاحدة أنهم إذا عبدوا أهواءهم فقد عبدوا الله، وقد قال ~~سبحانه عن إمام الأئمة وخليل الرحمن وخير البرية بعد محمد صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لأبيه (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك) إلى قوله (فتكون للشيطان ~~وليا) ms502 فنهاه وأنكر عليه أن يعبد الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني ~~عنه شيئا. # وعلى زعم هؤلاء الملحدين فما عبدوا غير الله في كل معبود فيكون الله هو ~~الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئا وهو الذي نهاه عن عبادته وهو الذي ~~أمر بعبادته. وهكذا قال أحذق طواغيتهم الفاجر التلمساني في قصيدة له: # يا عاذلي أنت تنهاني وتأمرني ... والوجد أصدق نهاء وأمار # فإن أطعك وأعص الوجد عذرني ... عمى عن العيان إلى أوهام أخبار (1) # وعين ما أنت تدعوني إليه إذا ... حققته تره المنهي يا جاري # وقد قال أيضا إبراهيم لأبيه (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان ~~للرحمن عصيا) وعندهم أن الشيطان مجلى إلهي ينبغي تعظيمه ومن عبده فما عبد ~~غير الله، وليس الشيطان غير الرحمن حتى تعصيه، وقد قال سبحانه (ألم أعهد ~~إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني هذا ~~صراط مستقيم) إلى قوله (يعقلون) فنهاهم عن عبادة الشيطان وأمرهم بعبادة ~~الله سبحانه، وعندهم عبادة الشيطان هي عبادته أيضا، فينبغي أن يعبد الشيطان ~~وجميع الموجودات إنها عينه. # وقال تعالى أيضا عن إمام الخلائق خليل الرحمن أنه لما (رأى كوكبا قال هذا ~~ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي، فلما ~~PageV04P085 # أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، فلما رأى الشمس بازغة ~~قال هذا ربي هذا أكبر، فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون، إن وجهت ~~وجهي) إلى قوله (وهم مهتدون) وقال أيضا (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم) إلى قوله (حتى تؤمنوا بالله ~~وحده) وقال تعالى (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا ~~الذي فطرني) الآية. وقال تعالى (أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباءكم ~~الأقدمون) إلى قوله (إذ نسويكم برب العالمين) وقال تعالى (إذ قال لأبيه ~~وقومه ما تبعدون، قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين) إلى قوله ms503 (قالوا ~~حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) . # فهذا الخليل الذي جعله الله إمام الأئمة الذين يهتدون بأمره من الأنبياء ~~والمرسلين بعده وسائل المؤمنين قال (إنني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السموات والأرض حنيفا) وعند الملاحدة الذي أشركوه هو عين الحق ليس ~~غيره، فكيف يتبرأ من الله الذي وجه وجهه إليه؟ وأحد الأمرين لازم على أصلهم ~~إما أن يعبده في كل شيء من المظاهر بدون تقيد ولا اختصاص وهو حال المكمل ~~عندهم فلا يتبرأ من شيء، وإما أن يعبده في بعض المظاهر كفعل الناقصين ~~عندهم. # وأما التبرئ منن بعض الموجودات فقد قال: إن قوم نوح لو تركوهم لتركوا من ~~الحق بقدر ما تركوا من تلك الأوثان، والرسل قد تبرأت من الأوثان فقد تركت ~~الرسل من الحق شيئا كثيرا وتبرؤوا من الله الذي دعوا الخلق إليه، والمشركون ~~على زعمهم أحسن حالا من المرسلين، لأن المشركين عبدوه في بعض المظاهر ولم ~~يتبرءوا من سائرها، والرسل يتبرءون منه في عامة المظاهر. # ثم قول إبراهيم (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض) باطل على أصلهم، ~~فإنه لم يفطرها إذ هي ليست غيره، فما أجدرهم بقوله (ألم تر إلى الذين أوتوا # PageV04P086 # نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت) الآية. # ثم قول الخليل (وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون إنكم أشركتم بالله) الآية ~~وهذه حجة الله التي أتاها إبراهيم على قومه بقوله: كيف أخاف ما عبدتموه من ~~دون الله؟ وهي المخلوقات المعبودة من دونه، وعندهم ليست معبودة من دونه، ~~ومن لم يقم بحقها فلم يخف الله، والرسل لم يخافوا الله. # وقول الخليل (إنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به سلطانا) لم يصح عندهم ~~فإنهم لم يشركوا بالله شيئا إذ ليس ثم غيره حتى يشركوا به، بل المعبود الذي ~~عبدوه هو الله وأكثر ما فعلوه أنهم عبدوه في بعض المظاهر وليس في هذا أنهم ~~جعلوا غيره شريكا له في العبادة. # وقوله (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) ورد في الصحيحين عن عبد ~~الله بن مسعود قال: لما ms504 نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ألم ~~تسمعوا إلى قول العبد الصالح (لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) " فقد ~~أخبر الله ورسوله أن الشرك ظلم عظيم، وأن الأمن هو لمن آمن بالله ولم يخلط ~~إيمانه بشرك، وعلى زعم هؤلاء الملاحدة فإيمان الذين خلطوا إيمانهم بشرك هو ~~الإيمان الكامل التام، وهو إيمان المحقق العارف عندهم، لأن من آمن بالله في ~~جميع مظاهره وعبده في كل موجود هو أكمل ممن لم يؤمن بالأمر حيث لم يظهر، ~~ولم يعبده إلا من حيث لا يشهد ولا يعرف (1) وعندهم PageV04P087 # لا يتصور أن يوجد إلا في المخلوق، فمن لم يعبده في شيء من المخلوقات أصلا ~~فما عبده في الحقيقة، وإذا أطلقوا أنه عبده فهو لفظ لا معنى له، أي إذا ~~فسروه فيكون بالتخصيص بمعنى أنه خصص بعض المظاهر بالعبادة، وهذا عندهم نقص ~~لا من جهة ما أشركه وعبده، وإنما من جهة ما تركه، فليس عندهم في الشرك ظلم ~~ولا نقص إلا من جهة قلته، وإلا فإذا كان الشرك عاما كان أكمل وأفضل. # وكذلك أيضا قول الخليل لقومه (إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله) ~~تبرأ عندهم من الحق الذي ظهر فيهم وفي آلهتهم، وكذلك كفره به ومعاداته لهم ~~كفر بالحق عندهم ومعاداة له. # ثم قوله (حتى تؤمنوا بالله وحده) كلام لا معنى له عندهم، فإنهم كانوا ~~مؤمنين بالله وحده، إذ لا يتصور عندهم غيره، وإنما غايتهم أنهم عبدوه في ~~بعض المظاهر وتركوا بعضها من غير كفر به فيها، وكذلك سائر ما قصه عن ~~إبراهيم من معاداته لما عبده أولئك هو عندهم معاداة لله لأنه ما عبد غير ~~الله كما زعم الملحدون محتجين بقوله (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) ~~قالوا: وما قضى الله شيئا إلا وقع. وهذا هو الإلحاد في آيات الله، وتحريف ~~الكلم عن مواضعه، والكذب على الله، فإن " قضى " هنا ليست بمعنى القدر ~~والتكوين ms505 بإجماع المسلمين بل وبإجماع العقلاء حتى يقال ما قدر الله شيئا ~~إلا وقع، وإنما هي بمعنى أمر، وما أمر الله به فقد يكون وقد لا يكون. فتدبر ~~هذا التحريف، وكذلك قوله ما حكم الله بشيء إلا وقع كلام مجمل فإن الحكم ~~يكون بمعنى الأمر الديني وهو الأحكام الشرعية كقوله (يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام) الآية، وقوله (ومن أحسن من الله ~~حكما) وقوله (ذلكم حكم الله يحكم بينكم) ويكون الحكم حكما بالحق والتكوين ~~والعقل كقوله (لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي) وقوله (قل ~~رب احكم بالحق) . # PageV04P088 # ولهذا كان بعض السلف يقرؤون (ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) وذكروا ~~أنها كذلك في بعض المصاحف، ولهذا قال في سياق الكلام (وبالوالدين إحسانا) ~~الآية وساق أمره ووصاياه إلى أن قال (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا ~~تجعل مع الله إلها فتلقى في جهنم ملوما مدحورا) فختم الكلام بمثل ما فتحه ~~به من أمره بالتوحيد ونهيه عن الشرك ليس هو إخبارا أنه ما عبد أحد إلا الله ~~وإن الله قدر ذلك وكونه، وكيف وقد قال (ولا تجعل مع الله إلها آخر) ؟ ~~وعندهم ليس في الوجود شيء يجعل إلها آخر فأي شيء عبد فهو نفس الإله ليس آخر ~~غيره. # ومثل معاداة إبراهيم والمؤمنين لله على زعمهم حيث عادى العابدين ~~والمعبودين وما عبد غير الله، وما عبد الله غير الله، فهو عين كل عابد وعين ~~كل معبود وقوله تعالى (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) ~~وعلى زعمهم ما لله عدو أصلا، وأنه ما ثم غير ولا سوى بحيث يتصور أن يكون ~~عدو نفسه أو عدو الذوات التي لا يظهر إلا بها. # السادس أن عندهم أن دعوة العباد إلى الله مكر بهم كما صرح به حيث قال: إن ~~الدعوة إلى الله مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية. # وقال أيضا صاحب الفصوص (وبشر المخبتين) الذين خبت نار طبيعتهم فقالوا ~~إلها ms506 ولم يقولوا طبيعة (وقد أضلوا كثيرا) أي حيروهم في تعداد الواحد ~~بالوجوه والنسب (ولا تزد الظالمين) لأنفسهم المصطفين الذين أورثوا الكتاب ~~فهم أول الثلاثة فقدمه على المقتصد والسابق (إلا ضلالا) أي إلا حيرة. وفي ~~المحمدي زدني فيك تحيرا (كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا) له ~~فالمحير له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا تبرح منه، وصاحب الطريق ~~المستطيل مائل خارج عن المقصود طالب ما هو فيه، صاحب خيال إليه غايته، فله ~~" من " و " إلى " وما بينهما، وصاحب الحركة الدورية لا بدء له فيلزمه " من ~~" ولا غاية فتحكم عليه " إلى " فله الوجود إلا ثم وهو المؤتى جوامع الكلم ~~". # PageV04P089 # وقال بعض شعرائهم: # ما بال عينك لا يقر قرارها ... وإلام خطوك لا يني متنقلا # فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغت المنزلا # فعندهم الإنسان هو غاية نفسه، وهو معبود نفسه وليس وراءه شيء يعبده أو ~~يقصده، أو يدعوه أو يستجيب له، ولهذا كان قولهم حقيقة قول فرعون. # وكنت أقول لمن أخاطبه أن قولهم هو حقيقة قول فرعون حتى حدثني بعض من ~~خاطبته في ذلك من الثقات العارفين: أن بعض كبرائهم لما دعا هذا المحدث إلى ~~مذهبهم وكشف له حقيقة سرهم قال: فقلت له هذا قول فرعون، قال: نعم، ونحن على ~~قول فرعون، قلت له والحمد لله الذي اعترفوا بهذا، فإنه مع إقرار الخصم لا ~~يحتاج إلى بينه. # وقد جعل صاحب الطريق المستطيل صاحب خيال، ومدح الحركة المستديرة الحائرة، ~~والقرآن يأمر بالصراط المستقيم ويمدحه ويثني على أهله لا على المستدير. ففي ~~أم الكتاب (اهدنا الصراط المستقيم) وقال (وإن هذا صراطي مستقميما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل) وقال (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا) الآيتين (1) وقال تعالى في موسى وهارون (وآتيناهما الكتاب ~~المستبين، وهديناهما الصراط المستقيم) وقال تعالى (وهذا صراط ربك مستقيما، ~~قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون) وقال عن إبليس (فيما أغويتني لأقعدن لهم ~~صراطك المستقيم ثم لآتينهم) الآية وقال تعالى (ولقد صدق عليهم إبليس ms507 ظنه ~~فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) وهؤلاء الملحدون من أكابر متبعيه، وأنه ~~قعدهم على صراط الله المستقيم فصدهم عنه حتى كفروا بربهم، وآمنوا أن نفوسهم ~~هي معبودهم وإلههم. وقال تعالى في حق خاتم الرسل (وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم، صراط الله) الآية. # وأيضا فإن الله يقول (وردوا إلى الله مولاهم الحق) وقال تعالى (إن إلينا ~~إيابهم PageV04P090 # ثم علينا حسابهم) وقال تعالى (إلى الله مرجعكم جميعا) الآية وقال تعالى ~~(يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) وهؤلاء عندهم ما ثم إلا ~~أنت، وأنت من الآن مردود إلى الله، وما رأيت مردودا إليه وليس هو شيء غيرك ~~حتى ترد إليه أو ترجع إليه، أو تكدح إليه أو تلاقيه، ولهذا حدثونا أن ابن ~~الفارض لما احتضر أنشد بيتين: # إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي # أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام # وذلك أنه كان يتوهم أنه الله، وأنه ما ثم مرد إليه ومرجع إليه غير ما كان ~~عليه، فلما جاءته ملائكة الله تنزع روحه من جسمه، وبدا له من الله ما لم ~~يكن يحتسب، تبين له أن ما كان عليه أضغاث أحلام من الشيطان. # وكذلك حدثني بعض أصحابنا عن بعض من أعرفه وله اتصال بهؤلاء عن الفاجر ~~التلمساني أنه وقت الموت تغير واضطرب، قال: دخلت عليه وقت الموت فوجدته ~~يتأوه، فقلت له: مم تتأوه؟ فقال من خوف الفوت، فقلت سبحان الله، ومثلك يخاف ~~الفوت وأنت تدخل الفقير إلى الخلوة فتوصله إلى الله في ثلاثة أيام؟ فقال ما ~~معناه: زال ذلك كله وما وجدت لذلك حقيقة. # الثامن (1) أن عندهم من يدعي الإلهية من البشر كفرعون والدجال المنتظر، ~~أو ادعيت فيه وهو من أولياء الله نبيا كالمسيح، أو غير نبي كعلي، أو ليس من ~~أولياء الله كالحاكم بمصر وغيرهم، فإنه عند هؤلاء الملاحدة المنافقين يصحح ~~هذه الدعوى، وقد صرح صاحب الفصوص أن هذه الدعوى كدعوى فرعون، وهم كثيرا ما ~~يعظمون فرعون فإنه لم يتقدم لهم ms508 رأس في الكفر مثله، ولا يأتي متأخر لهم مثل ~~الدجال الأعور الكذاب، وإذا نافقوا المؤمنين وأظهروا الإيمان قالوا أنه مات ~~مؤمنا وأنه لا يدخل النار، وقالوا PageV04P091 # ليس في القرآن ما يدل على دخوله النار. وأما في حقيقة أمرهم فما زال ~~عندهم عارفا بالله، بل هو الله، وليس عندهم نار فيها ألم أصلا كما سنذكره ~~أن شاء الله عنهم، ولكي يتفطن بهذا لكون البدع مظان النفاق، كما أن السنن ~~شعائر الإيمان. # قال صاحب الفصوص في فص الحكم التي في الكلمة الموسوية لما تكلم على قوله ~~(وما رب العالمين) " وهنا سر كبير فإنه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحد الذاتي ~~فجعل الحد الذاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم أو ما ظهر فيه من ~~صور العالم، فكأنه قال له في جواب قوله (وما رب العالمين) قال الذي يظهر ~~فيه صور العالمين من علو وهو السماء وسفل وهو الأرض (إن كنتم موقنين) أو ~~يظهر هو بها، فلما قال فرعون لأصحابه أنه لمجنون كما قلنا في معنى كونه ~~مجنونا أي لمستور عنه علم ما سألته عنه أو لا يتصور أن يعلم أصلا، زاد موسى ~~في البيان ليعلم فرعون رتبته في العلم الإلهي لعلمه بأن فرعون يعلم ذلك ~~فقال (رب المشرق والمغرب) فجاء بما يظهر ويستر وهو الظاهر والباطن (وما ~~بينهما) وهو قوله " وهو لكل شيء عليم " (إن كنتم تعقلون) أي إن كنتم أصحاب ~~تقييد فإن العقل للتقييد. # " والجواب الأول جواب الموقنين وهم أهل الكشف والوجود، فقال له (إن كنتم ~~موقنين) أي أهل الكشف ووجود فقد أعلمتكم ما تيقنتموه في كشفكم ووجودكم " ~~فإن لم تكونوا من هذا النصف فقد أجبتكم بالجواب الثاني إن كنتم أهل عقل ~~وتقييد وحصرتم الحق فيما تعطيه أدلة عقولكم، فظهر موسى بالوجهين ليعلم ~~فرعون فضله وصدقه، وعلم موسى أن فرعون لكونه سأل عن ذلك من الماهية فعلم ~~أنه سؤاله ليس على اصطلاح القدماء في السؤال فلذلك أجاب فلو علم منه غير ~~ذلك لخطأ في السؤال، فلما جعل موسى ms509 المسؤول عنه عين العالم خاطبه فرعون ~~بهذا اللسان والقوم لا يشعرون فقال له (لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين) والسين من حروف الزوائد، أي لأسترنك فإنك أجبت بما أيدتني به أن ~~أقول مثل # PageV04P092 # هذا القول فإن قلت ليس بلسان الإشارة: فقد جهلت يا فرعون بوعيدك إياي ~~والعين واحدة فكيف فرعت فيقول فرعون إنما فرقت المراتب العين ما تفرقت ~~العين ولا انقسمت في ذاتها، ومرتبتي الآن التحكم فيك يا موسى بالفعل، وأنا ~~أنت بالعين، وأنا غيرك بالرتبة - وساق الكلام إلى أن قال: ولما كان فرعون ~~في منصب الحكم صاحب الوقت وأنه الخليفة بالسيف وإن جار في العرف الناموسي ~~لذلك قال (أنا ربكم الأعلى) وإن كان الكل أربابا بنسبة ما، فأنا الأعلى ~~منهم بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم، ولما علمت السحرة صدقه فيما قال ~~لهم لم ينكروه وأقروا له بذلك وقالوا له (فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه ~~الحياة الدنيا) فالدولة لك فصح قوله (أنا ربكم الأعلى) وإن كان عين الحق ~~فالصورة لفرعون فقطع الأيدي والأرجل وصلب بعين حق في صورة باطل لنيل مراتب ~~لا تنال إلا بذلك الفعل فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأن الأعيان ~~الثابتة اقتضتها، فلا تظهر في الوجود إلا بصورة ما هي عليه في الثبوت إذ لا ~~تبديل لكلمات الله، وليست كلمة الله سوى أعيان الموجودات ". # فصل # ومن أعظم الأصول التي يعتمدها هؤلاء الاتحادية الملاحدة المدعون للتحقيق ~~والعفان ما يأثرونه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " كان الله ولا شيء ~~معه وهو الآن على ما عليه كان " وهذه الزيادة وهو قوله " وهو الآن على ما ~~عليه كان " كذب مفتري على رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفق أهل العلم ~~بالحديث على أنه موضوع مختلق، وليس هو في شيء من دواوين الحديث، لا كبارها ~~ولا صغارها. ولا رواه أحد من أهل العلم بإسناد لا صحيح ولا ضعيف، ولا ~~بإسناد مجهول، وإنما تكلم بهذه الكلمة بعض متأخري متكلمة الجهمية. فتلقاه ~~هؤلاء الذين وصلوا إلى ms510 آخر التجهم # PageV04P093 # وهو التعطيل والإلحاد، ولكن أولئك قد يقولون: كان الله ولا مكان ولا ~~زمان، وهو الآن على ما عليه كان، فقال هؤلاء: كان الله ولا شيء معه وهو ~~الآن على ما عليه كان، وقد عرف بأن هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعلم هؤلاء بالإسلام ابن عربي فقال " ما لا بد للمريد منه وكذلك، جاء ~~في السنة " كان الله ولا شيء معه " قال: وزاد العلماء وهو الآن على ما عليه ~~كان، ولم يرجع إليه من خلقه العالم وصف لم يكن عليه ولا عالم موجود، فاعتقد ~~فيه من التنزيه مع وجود العالم ما يعتقده فيه ولا عالم ولا شيء سواه ". ~~وهذا الذي قاله هو قول كثير من أهل القبلة. ولو ثبت على هذا لكان قوله من ~~جنس قول غيره. لكنه متناقض، ولهذا كان مقدم الاتحادية الفاجر التلمساني يرد ~~عليه في مواضع يقرب فيها إلى المسلمين، كما يرد عليه المسلمون المواضع التي ~~خرج فيها إلى الاتحاد، وإنما الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما أخرجه البخاري ومسلم عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال " كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل ~~شيء، ثم خلق السموات والأرض " وهذه الزيادة الإلحادية، وهو قولهم: وهو الآن ~~على ما عليه كان، قصد بها المتكلمة المتجهمة نفى الصفات التي وصف بها نفسه ~~من استوائه على العرش ونزوله إلى السماء الدنيا، وغير ذلك فقالوا: كان في ~~الأزل ليس مستويا على العرش، وهو الآن على ما عليه كان، فلا يكون على العرش ~~لما يقتضي ذلك من التحول والتغير، ويجيبهم أهل السنة والإثبات بجوابين. # أحدهما أن المتجدد نسبة إضافية بينه وبين العرش بمنزلة المعية ويسميها ~~ابن عقيل الأحوال، وتجدد النسب والإضافات متفق عليه بين جميع أهل الأرض من ~~المسلمين وغيرهم. إذا لا يقتضي ذلك تغيرا ولا استحالة. # والثاني أن ذلك وإن اقتضى تحولا من حال إلى حال، ومن شأن إلى شأن، فهو ms511 ~~مثل مجيئه وإتيانه ونزوله. وتكليمه لموسى وإتيانه يوم القيامة في صورة ونحو ~~ذلك مما # PageV04P094 # دلت عليه النصوص. وقال به أكثر أهل السنة في الحديث. وكثير من أهل الكلام ~~وهو لازم لسائر الفرق. وقد ذكرنا نزاع الناس في ذلك في قاعدة الفرق بين ~~الصفات والمخلوقات والصفات الفعلية، وأما هؤلاء الجهمية الاتحادية فقالوا: ~~وهو الآن على ما عليه كان، ليس معه غيره كما كان في الأزل ولا شيء معه، ~~قالوا: إذ الكائنات ليست غيره ولا سواه، فليس إلا هو، فليس معه شيء آخر لا ~~أزلا ولا أبدا بل هو عين الموجودات، ونفس الكائنات، وجعلوا المخلوقات ~~المصنوعات هي نفس الخالق البارئ المصور، وهم دائما يهذون بهذه الكلمة: " ~~وهو الآن على ما عليه كان " وهي أجل عندهم من " قل هو الله أحد " ومن آية ~~الكرسي لما فيها من الدلالة على الاتحاد الذي هو إلحادهم، وهم يعتقدون أنها ~~ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنها من كلامه ومن أسرار معرفته، وقد ~~بينا أنها كذب مختلق، ولم يروها أحد من أهل العلم ولا في شيء من دواوين ~~الحديث. بل اتفق العارفون بالحديث على أنها موضوعة، ولا تنقل هذه الزيادة ~~عن إمام مشهور في الأمة بالإمامة، وإنما مخرجها ممن يعرف بنوع من التجهم، ~~وتعطيل بعض الصفات، ولفظ الحديث المعروف عند علماء الحديث الذي أخرجه أصحاب ~~الصحيح " كان الله ولا شيء معه، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ~~" وهذا إنما ينفي وجود المخلوقات من السموات والأرض. وما فيهما من الملائكة ~~والإنس والجن. لا ينفي وجود العرش. ولهذا ذهب كثير من السلف والخلف إلى أن ~~العرش متقدم على القلم واللوح. مستدلين بهذا الحديث وحملوا قوله " أول ما ~~خلق الله القلم فقال له: اكتب. فقال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى ~~يوم القيامة " على هذا الخلق المذكور في قوله (وهو الذي خلق السموات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام وكان عرشه على الماء) وهذا نظير حديث أبي رزين ~~العقيلي المشهور في كتب المسانيد والسنن ms512 أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ فقال # PageV04P095 # " كان في عماء، ما فوقه هواء وما تحته هواء " فالخلق المذكور في هذا ~~الحديث لم يدخل فيه الغمام، وذكر بعضهم أن هذا هو السحاب المذكور في قوله ~~(هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) وفي ذلك آثار معروفة. # والدليل على أن هذا الكلام وهو قولهم " وهو الآن على ما عليه الآن " كلام ~~باطل مخالف للكتاب والسنة والإجماع والاعتبار وجوه. # أحدها أن الله قد أخبر بأنه مع عباده في غير موضع من الكتاب عموما وخصوصا ~~مثل قوله (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وهو ~~معكم أينما كنتم) وقوله (ما يكون من نجوي ثلاثة إلا هو رابعهم - إلى قوله - ~~أينما كانوا) وقوله (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، والله مع ~~الصابرين) في موضعين وقوله (إنني معكما أسمع وأرى، لا تحزن إن الله معنا، ~~وقال الله إني معكم، إن معي ربي سيهديني) وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا سافر يقول " اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم ~~اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا " فلو كان الخلق عموما وخصوصا ليسوا ~~غيره ولا هم معه بل ما معه شيء آخر امتنع أن يكون هو مع نفسه وذاته، فإن ~~المعية توجب شيئين كون أحدهما مع الآخر فكما أخبر الله أنه مع هؤلاء امتنع ~~علم بطلان قولهم " هو الآن على ما عليه كان " لا شيء معه. بل هو عين ~~المخلوقات، وأيضا فإن المعية لا تكون إلا من الطرفين، فإن معناها المقارنة ~~والمصاحبة، فإذا كان أحد الشيئين مع الآخر امتنع ألا يكون الآخر معه، فمن ~~الممتنع أن يكون الله مع خلقه ولا يكون لهم وجود معه ولا حقيقة أصلا بل هم ~~هو. # الوجه الثاني أن الله قال في كتابه (ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في ~~جهنم ملوما مدحورا) وقال تعالى (فلا تدع مع ms513 الله إلها آخر فتكون من ~~المعذبين) وقال (ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا ~~وجهه) # PageV04P096 # فنهاه أن يجعل أو يدعو معه إلها آخر، ولم ينهه أن يثبت معه مخلوقا، أو ~~يقول أن معه عبدا مملوكا أو مربوبا فقيرا، أو معه شيئا موجودا خلقه، كما ~~قال: (لا إله إلا هو) ولم يقل لا موجود إلا هو، ولا هو إلا هو، ولا شيء معه ~~إلا هو، بمعنى أنه نفس الموجودات وعينها. وهذا كما قال (إلهكم إله واحد) ~~فأثبت وحدانيته في الألوهية ولم يقل أن الموجودات واحد فهذا التوحيد الذي ~~في كتاب الله هو توحيد الألوهية وهو أن لا تجعل معه ولا تدعو معه إلها ~~غيره، فأين هذا من أن يجعل نفس الوجود هو إياه، وأيضا فنهيه أن يجعل معه أو ~~يدعو معه إلها آخر دليل على أن ذلك ممكن كما فعله المشركون الذين دعوا مع ~~الله آلهة أخرى. # فهذه النصوص تدل على أن معه أشياء ليست بآلهة، ولا يجوز أن تجعل آلهة ولا ~~تدعى آلهة، وأيضا فعند الملحد يجوز أن يعبد كل شيء ويدعى كل شيء إذ لا ~~يتصور أن يعبد غيره فإنه هو الأشياء، فيجوز للإنسان حينئذ أن يدعو كل شيء ~~من الآلهة المعبودة من دون الله، وهو عند الملحد ما دعا معه إلها آخر فجعل ~~نفس ما حرمه الله وجعله شركا جعله توحيدا، والشرك عنده لا يتصور بحال. # الوجه الثالث أن الله لما كان ولا شيء معه لم يكن معه سماء ولا أرض ولا ~~شمس ولا قمر، ولا جن ولا إنس ولا ذوات ولا شجر ولا جنة ولا نار ولا جبال ~~ولا بحار. فإن كان الآن على ما عليه كان، فيجب أن لا يكون معه شيء من هذه ~~الأعيان، وهذا مكابرة للعيان، وكفر بالقرآن والإيمان. # الوجه الرابع أن الله كان ولا شيء معه ثم كتب في الذكر كل شيء كما جاء في ~~الحديث الصحيح فإن كان لا شيء معه فيما بعد فما الفرق ms514 بين حال الكتابة ~~وقبلها، وهو عين الكتابة واللوح عند الفراعنة الملاحدة؟ # PageV04P097 # فصل # وزعمت طائفة من هؤلاء الاتحادية الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته أن ~~فرعون كان مؤمنا وأنه لا يدخل النار، وزعموا أنه ليس في القرآن ما يدل على ~~عذابه بل فيه ما ينفيه كقوله (ادخلوا آل فرعون أشد العذاب) قالوا فإنما ~~أدخل آله دونه وقوله (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار) قالوا إنما ~~أوردهم ولم يدخلها قالوا ولأنه قد آمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو ~~إسرائيل، ووضع جبريل الطين في فمه لا يرد إيمان قلبه. # وهذا القول كفر معلوم فساده بالاضطرار من دين الإسلام لم يسبق ابن عربي ~~إليه فيما أعلم أحد من أهل القبلة ولا من اليهود ولا من النصارى بل جميع ~~أهل الملل مطبقون على كفر فرعون. فهذا عند الخاصة والعامة أبين من أن يستدل ~~عليه بدليل، فإنه لم يكفر أحد بالله ويدعي لنفسه الربوبية والإلهية مثل ~~فرعون، ولهذا ثنى الله قصته في القرآن في مواضع فإن القصص هي أمثال مضروبة ~~للدلالة على الإيمان، وليس في الكفار أعظم من كفره، والقرآن قد دل على كفره ~~وعذابه في الآخرة في مواضع. # أحدها قوله تعالى في القصص (فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه أنهم ~~كانوا قوما فاسقين - إلى قوله - وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ~~هم من المقبوحين) فأخبر سبحانه أنه أرسله إلى فرعون وقومه، وأخبر أنهم ~~كانوا قوما فاسقين، وأخبر أنهم (قالوا ما هذا إلا سحر مفترى) وأخبر أن ~~فرعون (قال ما علمت لكم من إله غيري) وأنه أمر باتخاذ الصرح ليطلع إلى إله ~~موسى وأنه يظنه كاذبا، وأخبر أنه استكبر فرعون وجنوده وظنوا أنهم لا يرجعون ~~إلى الله، وأنه أخذ فرعون وجنوده فنبذهم في أليم فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين، وأنه جعلهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وأنه # PageV04P098 # أتبعهم في الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين. # لهذا نص في أن فرعون من الفاسقين المكذبين لموسى الظالمين الداعين إلى ms515 ~~النار الملعونين في الدنيا بعد غرقهم المقبوحين في الدار الآخرة. وهذا نص ~~في أن فرعون بعد غرقه ملعون، وهو في الآخرة مقبوح غير منصور. وهذا إخبار عن ~~غاية العذاب، وهو موافق للموضع الثاني في سورة المؤمن وهو قوله (وحاق بآل ~~فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب) وهذا إخبار عن فرعون وقومه أنه حاق بهم سوء العذاب في ~~البرزخ وأنهم في القيامة يدخلون أشد العذاب، وهذه الآية إحدى ما استدل به ~~العلماء على عذاب البرزخ. # وإنما دخلت الشبهة على هؤلاء الجهال لما سمعوا آل فرعون فظنوا أن فرعون ~~يخرج منهم. وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، بل فرعون داخل في آل فرعون بلا ~~نزاع بين أهل العلم والقرآن واللغة يتبين ذلك بوجوه. # أحدها أن لفظ آل فلان يدخل فيها ذلك الشخص مثل قوله في الملائكة الذين ~~ضافوا إبراهيم (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين، إلا آل لوط لمنجوهم أجمعين، إلا ~~امرأته) ثم قال (فلما جاء آل لوط المرسلون قال) يعني لوكا (إنكم قوم ~~منكرون) وكذلك قوله (إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر) ثم ~~قال بعد ذلك (ولقد جاء آل فرعون النذر، كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ ~~عزيز مقتدر) ومعلوم أن لوطا داخل في آل لوط في هذه المواضع وكذلك فرعون ~~داخل في آل فرعون المكذبين المأخوذين، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم " ~~قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم " وكذلك ~~قوله " كما باركت على آل إبراهيم " فإبراهيم داخل في ذلك، وكذلك قوله للحسن ~~" إن الصدقة لا تحل لآل محمد ". # وفي الصحيح عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان القوم إذا أتوا رسول الله # PageV04P099 # صلى الله عليه وسلم بصدقة يصلي عليهم، فأتى أبي بصدقة فقال " اللهم صل ~~على آل أبي أوفى " وأبو أوفى هو صاحب الصدقة. # ونظير هذا الاسم أهل البيت اسما، فالرجل يدخل في أهل بيته كقول الملائكة ~~(رحمة الله وبركاته عليكم ms516 أهل البيت) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ~~سلمان منا أهل البيت " وقوله تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت) وذلك لأن آل الرجل من يتولى أباه ونفسه ممن يؤول إليه، وأهل بيته هم ~~من يأهله وهو من يأهل أهل بيته. # فقد تبين أن الآية التي ظنوا أنها حجة لهم هي حجة عليهم في تعذيب فرعون ~~ما سائر آل فرعون في البرزخ وفي القيامة، ويبين ذلك أن الخطاب في القصة ~~كلها إخبار عن فرعون وقومه. قال تعالى (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ~~مبين، إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب) إلى قوله (قال الذين ~~استكبروا إنا كل فيها أن الله قد حكم بين العباد) فأخبر عقب قوله (ادخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب) عن محاجتهم في النار وقول الضعفاء للذين استكبروا ~~وقول المستكبرين للضعفاء (إنا كل فيها) ومعلوم أن فرعون هو رأس المستكبرين، ~~وهو الذي استخف قومه فأطاعوه، ولم يستكبر أحد استكبار فرعون فهو أحق بهذا ~~النعت والحكم من جميع قومه. # الموضع الثاني وهو حجة عليهم لا لهم قوله (فاتبعوا أمر فرعون وما أمر ~~فرعون برشيد، يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس لورد المورود) إلى ~~قوله (بئس الرفد المرفود) أخبر أنه يقدم قومه ولم يقل يسوقهم وأنه أوردهم ~~النار. ومعلوم أن المتقدم إذا أورد المتأخر النار كان هو أول من يردها وإلا ~~لم يكن قادما بل كان سائقا. يوضح ذلك أنه قال (وأتبعوا في هذه لعنة ويوم ~~القيامة) فعلم أنه وهم يردون النار وأنهم جميعا معلونون في الدنيا والآخرة. ~~وما أخلق # PageV04P100 # المحاج عن فرعون أن يكون بهذه المثابة فإن المرء مع من أحب (والذين كفروا ~~بعضهم أولياء بعض) وأيضا فقد قال تعالى (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ~~إيمانها إلا قوم يونس) يقول: هلا آمن قوم فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس. ~~وقال تعالى (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض - إلى قوله - سنة الله التي قد ~~خلت ms517 في عباده) فأخبر عن الأمم المكذبين للرسل أنهم آمنوا عند رؤية البأس ~~وأنه لم يك ينفعهم إيمانهم حينئذ، وأن هذه سنة الله الخالية في عباده، وهذا ~~مطابق لما ذكر الله في قوله لفرعون (الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) ~~فإن هذا الخطاب هو استفهام إنكار أي الآن تؤمن وقد عصيت قبل؟ فأنكر أن يكون ~~هذا الإيمان نافعا أو مقبولا، فمن قال أنه نافع مقبول فقد خالف نص القرآن ~~وخالف سنة الله التي قد خلقت في عباده. # يبين ذلك أنه لو كان إيمانه حينئذ مقبولا لدفع عنه العذاب كما دفع عن قوم ~~يونس، فإنهم لما قبل إيمانهم متعوا إلى حين، فإن الإغراق هو عذاب على كفره ~~فإذا لم يك كافرا لم يستحق عذابا. وقوله بعد هذا (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون ~~لمن خلفك آية) فوجب أن يعتبر به من خلفه، ولو كان إنما مات مؤمنا لم يكن ~~المؤمن مما يعتبر بإهلاكه وإغراقه. وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~أخبره ابن مسعود بقتل أبي جهل قال " هذا فرعون هذه الأمة " فضرب النبي صلى ~~الله عليه وسلم المثل في رأس الكفار المكذبين له برأس الكفار المكذبين ~~لموسى. فهذا يبين أنه هو الغاية في الكفر فكيف يكون قد مات مؤمنا؟ ومعلوم ~~أن من مات مؤمنا لا يجوز أن يوسم بالكفر ولا يوصف لأن الإسلام يهدم ما كان ~~قبله، وفي مسند أحمد وإسحاق وصحيح ابن أبي حاتم عن عوف بن مالك عن عبد الله ~~بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة " يأتي مع قارون ~~وفرعون وهامان وأبي بن خلف " هذا آخر ما وجد من هذه الرسالة # PageV04P101 # عرش الرحمن # وما ورد فيه من الآيات والأحاديث # وكونه فوق العالم كله، ومعنى التوجه في الدعاء إلى جهة العلو وبطلان ما ~~قيل من أن العرش هو الفلك التاسع عند علماء الهيئة اليونانية تأليف شيخ ~~الإسلام ابن تيمية قدس سره # PageV04P103 # بسم الله الرحمن الرحيم سئل شيخنا وسيدنا شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن ~~تيمية ms518 أعاد الله تعالى من بركته آمين: ما تقول في العرش، هل هو كري أم لا؟ ~~فإذا كان كريا والله من ورائه محيط بائن عنه، فما فائدة أن العبد يتوجه إلى ~~الله حين دعائه وعبادته فيقصد العلو دون غيره؟ فلا فرق حينئذ وقت الدعاء ~~بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التي تحيط بالداعي، ومع هذا نجد في ~~قلوبنا قصدا بطلب العلو لا يلتفت يمينه ولا يساره، فأخبرنا عن هذه الضرورة ~~التي نجدها في قلوبنا وقد فطرنا عليها، وابسطوا لنا الجواب في ذلك. # أجاب رضي الله تعالى عنه: الحمد لله رب العالمين، الجواب عن هذا بثلاث ~~مقامات: # أحدها أن لقائل أن يقول لم يثبت بدليل يعتمد عليه أن العرش فلك من ~~الأفلاك المستديرة الكرية الشكل لا بدليل شرعي ولا دليل عقلي، وإنما ذكر ~~طائفة من المتأخرين الذين نظروا في علم الهيئة وغيره من أجزاء الفلسفة ~~فرأوا أن الأفلاك تسعة وأن التاسع - وهو الأطلس - محيط بها مستدير ~~كاستدارتها، وهو الذي يحركها الحركة المشرقية، وإن كان لكل فلك حركة تخصه ~~غير هذه الحركة العامة، ثم سمعوا في أخبار الأنبياء ذكر عرش الله وذكر ~~كرسيه وذكر السموات السبع، فقالوا بطريق الظن: أن العرش هو الفلك التاسع، ~~لاعتقادهم أن ليس وراء ذلك التاسع شيء إما مطلقا وإما أنه ليس وراءه مخلوق، ~~ثم أن منهم من رأى أن التاسع هو الذي يحرك الأفلاك كلها فجعلوه مبدأ ~~الحوادث وزعموا أن الله تعالى يحدث فيه ما يقدره في الأرض أو يحدثه في ~~النفس التي زعموا أنها متعلقة به، أو في العقل الذي زعموا أنه صدر عنهاااا # PageV04P104 # هذا الفلك، وربما سماه بعضهم الروح، وربما جعل بعضهم ذلك النفس هو اللوح ~~المحفوظ كما جعل العقل هو العلم، وتارة يجعلون اللوح هو العقل الفعال ~~العاشر الذي لفلك القمر والنفس المتعلقة به. وربما جعلوا ذلك بالنسبة إلى ~~الحق كالدماغ بالنسبة إلى الإنسان يقدر فيه ما يفعله قبل أن يكون، إلى غير ~~ذلك من المقالات التي قد شرحناها وبينا فسادها في غير هذا ms519 الموضع. ومنهم من ~~يدعي أنه علم ذلك بطريق الكشف والمشاهدة ويكون كاذبا فيما يدعيه، وإنما أخذ ~~ذلك عن هؤلاء المتفلسفة تقليدا لهم أو موافقة لهم على طرقهم الفاسدة، كما ~~فعل أصحاب رسائل أخوان الصفا وأمثالهم. # وقد ينتحل المرء في نفسه ما تقلده عن غيره فيظنه كشفا كما ينتحل النصر ~~أبي التثليث الذي يعتقده، وقد يرى ذلك في منامه فيظنه كشفا، وإنما يخيل لما ~~اعتقده (1) وكثير من أرباب الاعتقادات الفاسدة إذا ارتاضوا صقلت الرياضة ~~نفوسهم فتتمثل لهم اعتقاداتهم فيظنونها كشفا، وقد بسطنا الكلام على هذا في ~~غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أن ما ذكروه من أن العرش هو الفلك التاسع قد يقال أنه ليس ~~لهم عليه دليل لا عقلي ولا شرعي، أما العقلي فإن أئمة الفلسفة مصرحون بأنه ~~لم يقم عندهم دليل على أن الأفلاك هي تسعة فقط، بل يجوز أن تكون أكثر من ~~ذلك، ولكن دلتهم الحركات المختلفة والكسوفات ونحو ذلك ما ذكروه. وما لم يكن ~~لهم دليل على ثبوته فهم لا يعلمون لا ثبوته ولا انتفاءه. # مثال ذلك أنهم علموا أن هذا الكوكب تحت هذا بأن السفلي يكسف العلوي من ~~غير عكس، فاستدلوا بذلك على أنه من فلك فوقه، كما استدلوا بالحركات ~~المختلفة على أفلاك مختلفة، حتى جعلوا في الفلك الواحد عدة أفلاك كفلك ~~التدوير وغيره، PageV04P105 # فأما ما كان موجودا فوق هذا ولم يكن لهم ما يستدلون به على ثبوته فهم لا ~~يعلمون نفيه ولا إثباته بطريقه. وكذلك قول القائل أن حركة التاسع مبدأ ~~الحوادث خطأ وضلال على أصولهم، فإنهم يقولون أن الثامن له حركة تخصه بما ~~فيه من الثوابت، ولتلك الحركة قطبان غير قطبي التاسع، وكذلك السابع ~~والسادس. # وإذا كان لكل فلك حركة تخصه والحركات المختلفة هي سبب الأشكال الحادثة ~~المختلفة الفلكية، وتلك الأشكال سبب الحوادث السفلية، كانت حركة التاسع جزء ~~السبب كحركته، فالأشكال الحادثة في الفلك كمقارنة الكوكب للكوكب في درجة ~~واحدة ومقابلته له إذا كان بينهما نصف الفلك وهو مائة وثمانون درجة وتثليثه ~~إذا كان بينهما ms520 ثلث الفلك مائة وعشرون درجة، وتربيعه له إذا كان بينهما ~~ربعه تسعون درجة، وتسديسه له إذا كان بينهما ستون درجة - وأمثال ذلك من ~~الأشكال - إنما حدثت بحركات مختلفة، وكل حركة ليست عن الأخرى، إذ حركة ~~الثامن التي تخصه ليست عن حركة التاسع وإن كان تابعا له في الحركة الكلية ~~كالإنسان المتحرك في السفينة إلى خلاف حركتها. وكذلك حركة السابع التي تخصه ~~ليست عن التاسع ولا عن الثامن، وكذلك سائر الأفلاك فإن حركة كل واحد التي ~~تخصه ليست عما فوقه من الأفلاك، فكيف يجوز أن يجعل مبدأ الحوادث كلها مجرد ~~حركة التاسع كما زعمه من ظن أنه العرش؟ كيف والفلك التاسع عندهم بسيط ~~متشابه الأجزاء لا اختلاف فيه أصلا، فكيف يكون سببا لأمور مختلفة لا ~~باعتبار القوابل وأسباب أخر، ولكن هم قوم ضالون يجعلونه مع هذا ثلثمائة ~~وستين درجة، ويجعلون لكل درجة من الأثر ما يخالف الأخرى لا باختلاف ~~القوابل، كمن يجيء إلى ماء واحد فيجعل لبعض أجزائه من الأثر ما يخالف الآخر ~~لا بحسب القوابل بل يجعل أحد جزئيه مسخنا والآخر مبردا، والآخر مسعدا، ~~والآخر مشقيا، وهذا مما يعلمون هم وكل # PageV04P106 # عاقل أنه باطل وضلال، وإذا كان هؤلاء ليس عندهم ما ينفي وجود شيء آخر فوق ~~الأفلاك التسعة كان يجزم (1) أن ما أخبرت به الرسل من العرش هو الفلك ~~التاسع رجما بالغيب وقولا بلا علم. # هذا كله على تقدير ثبوت الأفلاك التسعة على المشهور عند أهل الهيئة، إذ ~~في ذلك من النزاع والاضطراب وفي أدلة ذلك ما ليس هذا موضعه، وإنما نتكلم ~~على هذا التقدير أيضا (2) فالأفلاك في أشكالها وإحاطة بعضها ببعض من جنس ~~واحد فنسبة السابع إلى السادس كنسبة السادس إلى الخامس. وإذا كان هناك فلك ~~تاسع فنسبته إلى الثامن كنسبة الثامن إلى السابع. # وأما العرش فالأخبار تدل على مباينته لغيره من المخلوقات وأنه ليس نسبته ~~إلى بعضها كنسبة بعضها إلى بعض، قال الله تعالى (الذين يحملون العرش ومن ~~حوله يسحبون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا ms521 وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتعبوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) وقال تعالى ~~(ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) فأخبر أن للعرش حملة اليوم ويوم ~~القيامة، وأن حملته ومن حوله يسحبون ويستغفرون للمؤمنين، والمعلوم أن قيام ~~فلك من الأفلاك بقدرة الله تعالى كقيام سائر الأفلاك لا فرق في ذلك بين كرة ~~وكرة، وإن قدر أن لبعضها في نفس الأمر ملائكة تحملها فحكمه حكم نظيره. ~~PageV04P107 # قال الله تعالى (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي ~~بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين) فذكر هنا أن الملائكة تحف من ~~حوله، وذكر في موضع آخر أن له حملة، وجمع في موضع ثالث بين حملته ومن حوله، ~~فقال (الذين يحملون العرش ومن حوله) وأيضا فقد أخبر أن عرشه كان على الماء ~~قبل أن يخلق السماوات والأرض كما قال تعالى (وهو الذي خلق السموات والأرض ~~في ستة أيام وكان عرشه على الماء) . # وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال " كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في ~~الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض " وفي رواية له " كان الله ولم يكن شيء ~~قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء " ~~وفي رواية لغيره صحيحة " كان الله ولم يكن شيء معه، وكان عرشه على الماء ثم ~~كتب في الذكر كل شيء ". # وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف ~~سنة، وكان عرشه على الماء " فهذا التقدير بعد وجود العرش وقبل خلق السموات ~~والأرض بخمسين ألف سنة، وهو سبحانه وتعالى يتمدح بأنه ذو العرش المجيد ~~كقوله سبحانه (قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا) وقوله تعالى (رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على ms522 من يشاء ~~من عباده لينذر يوم التلاق، يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء، لمن ~~الملك اليوم؟ لله الواحد القهار) . # وقال سبحانه (وهو الغفور الودود، ذو العرش المجيد، فعال لما يريد) وقد ~~قرئ المجيد بالرفع صفة لله، وقرئ بالخفض صفة للعرش وقال تعالى (قل من # PageV04P108 # رب السموات السبع ورب العرش العظيم؟ سيقولون لله قل أفلا تتقون) فوصف ~~العرش بأنه مجيد وأنه عظيم. # وقال تعالى (فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) ~~فوصفه بأنه كريم أيضا، وكذلك في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب " لا إله إلا الله رب العرش ~~العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم " فوصفه في ~~الحديث بأنه عظيم وكريم أيضا. # فيقول القائل المنازع: إن نسبة الفلك الأعلى إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ~~ما دونه، فلو كان العرش من جنس الأفلاك لكانت نسبته إلى ما دونه كنسبة ~~الآخر إلى ما دونه، وهذا لا يوجب خروجه عن الجنس وتخصيصه بالذكر كما لم ~~يوجب ذلك تخصيص سماء دون سماء، وإن كانت العليا بالنسبة إلى السفلى كالفلك ~~على قول هؤلاء. # وإنما امتاز عما دونه بكونه أكبر كما تمتاز السماء العليا على الدنيا بل ~~نسبة السماء إلى الهواء ونسبة الهواء إلى الماء والأرض كنسبة فلك إلى فلك. ~~ومع هذا فلا يخص واحد من هذه الأجناس عما يليه بالذكر ولا بوصفه بالكرم ~~والمجد والعظمة، وقد علم أنه ليس سببا لذاتها ولا لحركاتها، بل لها حركات ~~تخصها فلا يجوز أن يقال إن حركته هي سبب الحوادث، بل إن كانت حركة الأفلاك ~~سببا للحوادث فحركات غيره التي تخصه أكثر ولا يلزم من كونه محيطا بها أن ~~يكون أعظم من مجموعها، إلا إذا كان له من الغلظ ما يقاوم ذلك، وإلا فمن ~~المعلوم أن الغليظ إذا كان متقاربا مجموع الداخل أعظم من المحيط بل قد يكون ~~بقدره أضعافا، بل الحركات المختلفة التي ليست ms523 عن حركته أكثر لكن حركته ~~تشملها كلها. # وقد ثبت في صحيح مسلم عن جويرية بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~دخل---- # PageV04P109 # عليها وكانت تسبح بالحصى إلى الضحى فقال " لقد قلت كلمة تعدل كلمات لو ~~وزنت بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضى الله نفسه، ~~سبحان الله مداد كلماته" (1) فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان، وهم ~~يقولون إن الفلك التاسع لا خفيف ولا ثقيل، بل يدل على أنه وحده أثقل ما ~~يمثل به كما أن عدد المخلوقات أكثر ما يمثل به. # وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقد لطم وجهه فقال: يا محمد رجل من أصحابك لطم وجهي. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم " ادعوه " فقال " لم لطمت وجهه؟ " فقال يا رسول الله ~~إني مررت بالسوق وهو يقول: والذي اصطفى موسى على البشر، فقالت يا خبيث وعلى ~~محمد؟ فأخذتني غضبة فلطمته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تخيروا بين ~~الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى ~~آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقته " فهذا فيه ~~بيان أن للعرش قوائم وجاء ذكر القائمة بلفظ الساق والأفلاك متشابهة في هذا ~~الباب. # وقد أخرجا في الصحيحين عن جابر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول " ~~اهتز PageV04P110 # عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ " قال فقال رجل لجابر أن البراء يقول اهتز ~~السرير قال: إنه كان بين هذين الحيين الأوس والخزرج ضغائن. سمعت نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول " اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ " ورواه مسلم ~~في صحيحه من حديث أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال - وجنازة سعد ~~موضوعة - " اهتز لها عرش الرحمن " وعندهم أن حركة الفلك التاسع دائمة ~~متشابهة ومن تأول ذلك على أن المراد به استبشار حملة العرش وفرحهم فلا بد ~~له من دليل على ما قال كما ذكر أبو ms524 الحسين الطبري وغيره أن سياق الحديث ~~ولفظه ينفي هذا الاحتمال وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام ~~رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه ~~التي ولد فيها " قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس بذلك؟ قال " إن في ~~الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين بينهما كما بين ~~السماء والأرض. فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى ~~الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة ". # وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يا أبا ~~سعيد، من رضي بالله وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة " فعجب لها ~~أبو سعيد فقال: أعدها علي يا رسول الله، ففعل قال " وأخرى يرفع بها العبد ~~مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض " قال وما هي يا رسول ~~الله قال " الجهاد في سبيل الله " وفي صحيح البخاري أن أم الربيع بنت ~~البراء وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ~~الله ألا تحدثني عن حارثة، وكان قتل يوم بدر - أصابه سهم غرب (1) ، فإن كان ~~في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء. قال " يا أم حارثة، ~~إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى ". PageV04P111 # فهذا قد بين أن العرش فوق الفردوس الذي هو أوسط الجنة وأعلاها، وأن الجنة ~~مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها. ~~والحديث الثاني يوافقه في وصف الدرج المائة، والثالث يوافقه في أن الفردوس ~~أعلاها. # وإذا كان العرش فوقه فلقائل أن يقول: إذا كان كذلك كان في هذا من العلو ~~والارتفاع ما لم يعلم بالهيئة، إذ لا يعلم بالحساب أن بين التاسع والأول ~~كما بين السماء والأرض مائة مرة، بل عندهم أن التاسع ملاصق للثامن. فهذا قد ms525 ~~بين أن العرش فوق الفردوس الذي هو أوسط الجنة وأعلاها. وفي حديث أبي ذر ~~المشهور قال: قلت يا رسول الله، أيما أنزل عليك أعظم؟ قال " آية الكرسي " ~~ثم قال يا أبا ذر " ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ~~وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة " والحديث له طرق وقد رواه ~~أبو حاتم بن حبان في صحيحه وأحمد في المسند وغيرهما. # وقد استدل من استدل على أن العرش مقبب بالحديث الذي في سنن أبي داود ~~وغيره عن جبير بن مطعم قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: ~~يا رسول الله، جهدت الأنفس وجاع العيال، وهلك المال، فادع الله لنا. فإنا ~~نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك. فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال " ويحك، أتدري ما تقول؟ إن الله لا يستشفع ~~به على أحد من خلقه. شأن الله أعظم من ذلك. إن الله على عرشه، وإن عرشه على ~~سماواته، وسماواته فوق أرضه، لهكذا " وقال بأصابعه مثل القبة. وفي لفظ " ~~وإن عرشه فوق سماواته، وسماواته فوق أرضه لهكذا " وقال بأصابعه مثل القبة ~~(1) وهذا الحديث إن دل على PageV04P112 # التقبب وكذلك قوله عن الفردوس " إنها أوسط الجنة وأعلاها " مع قوله " وإن ~~سقفها عرش الرحمن " أو " إن فوقها عرش الرحمن " والأوسط لا يكون الأعلى إلا ~~في المستدير، فهذا لا يدل على أنه فلك من الأفلاك، بل إذا قدر أنه فوق ~~الأفلاك كلها أمكن هذا فيه سواء قال القائل أنه محيط بالأفلاك أو قال أنه ~~فوقها. وليس يحيط بها، كما أن وجه الأرض فوق النصف الأعلى من الأرض مثل ~~القبة. ومعلوم أن الفلك مستدير مثل ذلك، لكن لفظ القبة يستلزم استدارة من ~~العلوم لا يستلزم استدارة من جميع الجوانب إلا بدليل منفصل، ولفظ الفلك ~~يستدل به على الاستدارة مطلقا، فقوله تعالى (وهو الذي خلق الليل والنهار ~~والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) وقوله تعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك ms526 ~~القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) يقتضي أنها في فلك مستديرة ~~مطلقا كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في فلكة مثل فلكة المغزل. وأما ~~لفظ القبة فإنه لا يعترض هذا المعنى لا بنفي ولا إثبات، لكن يدل على ~~الاستدارة # PageV04P113 # من العلو كالقبة الموضوعة على الأرض، وقد قال بعضهم أن الأفلاك غير ~~السموات لكن رد عليه غيره هذا القول بأن الله تعالى قال (ألم تروا كيف خلق ~~الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا) فأخبر أنه ~~جعل القمر فيهن، وقد أخبر أنه في الفلك (1) . # وليس هذا موضع بسط الكلام في ذلك وتحقيق الأمر فيه وبيان أن ما علم ~~بالحساب علما صحيحا لا ينافي ما جاء به السمع وأن العلوم السمعية الصحيحة ~~لا تنافي معقولا صحيحا، إذ قد بسطنا الكلام على هذا وأمثاله في غير هذا ~~الموضع، فإن ذلك يحتاج إليه في هذا ونظائره مما قد أشكل على كثير من الناس ~~حيث يرون ما يقال أنه معلوم بالعقل مخالفا لما يقال أنه معلوم بالسمع، ~~وأوجب ذلك إن كذبت كل طائفة بما لم تحط بعلمه. حتى آل الأمر بقوم من أهل ~~الكلام إن تكلموا في معارضة الفلاسفة في الأفلاك بكلام ليس معهم به حجة لا ~~من شرع ولا من عقل، وظنوا أن ذلك من نصر الشريعة وكان ما جحدوه معلوما ~~بالأدلة الشرعية أيضا. # وأما المتفلسفة وأتباعهم فغايتهم أن يستدلوا بما شاهدوه من الحسيات ولا ~~يعملون ما وراء ذلك، مثل أن يعلموا أن البخار المتصاعد ينعقد سحابا وأن ~~السحاب إذا اصطك حدث عنه صوت (2) به ونحو ذلك، لكن علمهم بهذا كعلمهم بأن ~~المني يصير PageV04P114 # في الرحم (جنينا) لكن ما الموجب للمني المتشابه الأجزاء أن يخلق منه هذه ~~الأعضاء المختلفة والمنافع المختلفة على هذا الترتيب المحكم المتقن الذي ~~فيه من الحكمة والرحمة ما بهر الألباب وكذلك ما الموجب لأن يكون الهواء أو ~~البخار ينعقد سحابا مقدرا بقدر مخصوص في وقت مخصوص على مكان يختص به وينزل ms527 ~~على قوم عند حاجتهم إليه فيسقيهم بقدر الحاجة لا يزيد فيهلكوا ولا ينقص ~~فيعوزوا. وما الموجب لأن يساق إلى الأرض الجرز التي لا تمطر أو تمطر مطرا ~~لا يغنيها كأرض مصر أو كان المطر القليل لا يكفيها والكثير يهدم أبنيتها ~~(1) قال تعالى (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا ~~تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون) . # وكذلك السحاب المتحرك وقد علم أن كل حركة فإما أن تكون قسرية وهي تابعة ~~للقاسر، أو طبيعية، وإنما تكون إذا خرج المطبوع من مركزه فيطلب عوده إليه ~~أو إرادته وهي الأصل، فجميع الحركات تابعة للحركة الإرادية التي تصدر عن ~~ملائكة الله تعالى التي هي المدبرات أمرا والمقسمات أمرا، وغير ذلك مما ~~أخبر الله تعالى به عن الملائكة. وفي المعقول ما يصدق ذلك. فالكلام في هذا ~~وأمثاله له موضع غير هذا. # والمقصود هنا أن نبين أن ما ذكر في السؤال زائل على كل تقدير فيكون ~~الكلام في الجواب مبنيا على حجج علمية لا تقليدية ولا مسلمة، وإذا بينا ~~حصول الجواب على كل تقدير كما سنوضحه لم يضرنا بعد ذلك أن يكون بعض ~~التقديرات هو الواقع وأن كنا نعلم ذلك، لكن تحرير الجواب على تقدير دون ~~تقدير وإثبات ذلك فيه طول لا يحتاج إليه هنا، فإن الجواب إذا كان حاصلا على ~~كل تقدير كان أحسن وأوجز. PageV04P115 # المقام الثاني # أن يقال: العرش سواء كان هذا الفلك التاسع، أو جسما محيطا بالفلك التاسع، ~~أو كان فوقه من جهة وجه الأرض محيطا به، أو قيل فيه غير ذلك، فيجب أن يعلم ~~أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصغر كما قال ~~تعالى (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات ~~مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم ~~القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟ " وفي ~~الصحيحين - واللفظ ms528 لمسلم - عن عبد الله بن عمر: قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم ~~يقول: أنا الملك، أين الجبارون أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم ~~يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ " وفي لفظ في الصحيح عن عبد ~~الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال " يأخذ الله سماوته وأرضه بيده ويقول: أنا الملك، ويقبض أصابعه ~~ويبسطها، أنا الملك " حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى أني ~~أقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم وفي لفظ قال " رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول يأخذ الجبار سماواته وأرضه - وقبض ~~بيده وجعل يقبضها ويبسطها - ويقول أنا الرحمن، أنا الملك، أنا السلام، أنا ~~المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار المتكبر، أنا الذي بدأت ~~الدنيا ولم تكن شيئا، أنا الذي أعدنها أين الملوك؟ أين الجبارون؟ أين ~~المتكبرون؟ " ويتميل رسول الله صلى الله عليه وسلم على يمينه وعلى شماله، ~~حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى أني لأقول أساقط # PageV04P116 # هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والحديث مروي في الصحيح والمسانيد ~~وغيرها بألفاظ يصدق بعضها بعضا، وفي بعض ألفاظه قال: قرأ على المنبر ~~(والأرض جميعا قبضته يوم القيامة) الآية، قال " مطوية في كفه يرمي بها كما ~~يرمي الغلام بالكرة " وفي لفظ " يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيده فيجعلها في ~~كفه ثم يقول بها هكذا كما يقول الصبان بالكرة، أنا الله الواحد " وقال ابن ~~عباس " يقبض عليهما فما يرى طرفاهما بيده " وفي لفظ عنه " ما السموات السبع ~~والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن بيد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم " ~~وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث. # وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~رجل يهودي، فقال: يا محمد إن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين ms529 على ~~إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على ~~إصبع، فيهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الملك، قال: فضحك النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر (1) ثم قال (وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة) إلى آخر الآية. # ففي هذه الآية والأحاديث الصحيحة المفسرة لها المستفيضة التي اتفق أهل ~~العلم على صحتها وتلقيها بالقبول ما يبين أن السموات والأرض وما بينهما ~~بالنسبة إلى عظمة الله تعالى أصغر من أن يكون مع قبضه لها إلا كالشيء ~~الصغير في يد أحدنا حتى يدحوها كما تدحى الكرة. (2) PageV04P117 # قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون الإمام - نظير مالك - ~~في كلامه المشهور الذي رد فيه على الجهمية ومن خلفها (1) قال: فأما الذي ~~جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا قد استهوته الشياطين في الأرض حيران، ~~فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان ~~له كذا من أن يكون له كذا، فعمي عن البين بالخفي، فجحد ما سمى البر من نفسه ~~فصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل يمثل له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى ~~(وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة) فقال لا يراه أحد يوم القيامة فجحدوا ~~الله أفضل كرامته التي أكرم الله أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ~~ونظرته له إياهم (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) وقد قضى أنهم لا يموتون فهم ~~بالنظر إليه ينضرون - إلى أن قال - وإنما جحدوا رؤية الله يوم القيامة ~~إقامة للحجة الضالة المضلة، لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ~~ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين وكان له جاحدا. # وقال المسلمون: يا رسول الله، هل نرى ربنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " هل تضارن (2) في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا لا، قال " فهل ~~تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ " قالوا له، قال " فإنكم ms530 ~~ترون ربكم كذلك " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تمتلئ النار حتى ~~يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض ". PageV04P118 # وقال لثابت بن قيس " قد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة " وقال فيما ~~بلغنا عنه " إن الله يضحك من أز لكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم " (1) وقال له ~~رجل من العرب: إن ربنا يضحك؟ قال " نعم " قال: لن نعدم من رب يضحك خيرا. ~~وفي أشباه لهذا مما لم نحصه. وقال تعالى (وهو السميع البصير، واصبر لحكم ~~ربك فإنك بأعيننا) وقال (ولتصنع على عيني) وقال (ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي) وقال (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه ~~وتعالى عما يشركون) فو الله ما دلهم على عظم ما وصف به نفسه وما تحيط به ~~قبضته الأصغر نظيرها منهم عندهم أن ذلك الذي ألقي في روعهم وخلق على معرفة ~~قلوبهم. فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله سميناه كما سماه، ولم ~~نتكلف منه علم ما سواه لا هذا ولا هذا، لا تجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما ~~لم يصف. انتهى. # وإذا كان كذلك فإذا قدر أن المخلوقات كالكرة فهذا قبضه لها ورميه بها. # وإنما بين لنا من عظمته وصغر المخلوقات بالنسبة إليه ما يعقل نظيره منا. # ثم الذي في القرآن والحديث يبين أنه إن شاء قبضها وفعل بها ما ذكر كما ~~يفعل ذلك يوم القيامة، وإن شاء لم يفعل ذلك، فهو قادر على أن يقبضها ~~ويدحوها كالكرة، وفي ذلك من الإحاطة بها ما لا يخفى، وإن شاء لم يفعل ذلك، ~~وبكل حال فهو مباين لها ليس بمحايث لها. # ومن المعلوم أن الواحد من - ولله المثل الأعلى - إذا كان عنده خردلة إن ~~شاء قبضها فأحاطت بها قبضته، وإن شاء لم يقبضها بل حولها تحته فهو في ~~الحالتين مباين لها، وسواء قدر أن العرش هو محيط بالمخلوقات كإحاطة الكرة ~~بما فيها أو قيل PageV04P119 # أنه فوقها وليس محيطا بها كوجه الأرض الذي نحن عليه بالنسبة ms531 إلى جوفها ~~وكالقبة بالنسبة إلى ما تحتها أو غير ذلك فعلى التقديرين يكون العرش فوق ~~المخلوقات والخالق سبحانه وتعالى فوقه، والعبد في توجهه إلى الله يقصد ~~العلو دون التحت. # وتمام هذا ببيان (المقام الثالث) وهو أن يقول لا يخلو إما أن يكون العرش ~~كريا كالأفلاك ويكون محيطا بها، وأما أن يكون فوقها وليس هو كريا، فإن كان ~~الأول فمن المعلوم باتفاق من يعلم هذا أن الأفلاك مستديرة كرية الشكل وأن ~~الجهة العليا هي جهة المحيط وهو المحدب، وأن الجهة السفلى هي المركز (1) ~~وليس للأفلاك إلا جهتان العلو والسفل فقط. # وأما الجهات الست فهي للحيوان فإن له ستة جوانب يؤم جهة فتكون أمامه ~~ويخلف أخرى فتكون خلفه، وجهة تحاذي يمينه وجهة تحاذي شماله، وجهة تحاذي ~~رأسه، وجهة تحاذي رجليه. وليس لهذه الجهات الست في نفسها صفة لازمة، بل هي ~~بحسب النسبة والإضافة، فيكون يمين هذا ما يكون يسار هذا، ويكون أمام هذا ما ~~يكون خلف هذا، ويكون فوق هذا ما يكون تحت هذا. لكن جهة العلو والسفل ~~للأفلاك لا تتغير، فالمحيط هو العلو والمركز هو السفل، مع أن وجه الأرض ~~PageV04P120 # التي وضعها الله للأنام وأرساها بالجبال هو الذي عليه الناس والبهائم ~~والشجر والنبات والجبال والأنهار الجارية. # فأما الناحية الأخرى من الأرض فالبحر محيط بها وليس هناك شيء من الآدميين ~~وما يتبعهم. ولو قدر أن هناك أحد لكان على ظهر الأرض ولم يكن من في هذه ~~الجهة تحت من في هذه الجهة، ولا من في هذه تحت من في هذه، كما أن الأفلاك ~~محيطة بالمركز وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر، ولا القطب الشمالي تحت ~~الجنوبي ولا بالعكس، وإن كان الشمالي هو الظاهر لنا فوق الأرض وارتفاعه ~~بحسب بعد الناس عن خط الاستواء، فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة ~~مثلا كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة وهو الذي يسمى عرض البلد. فكما أن ~~جوانب الأرض المحيطة بها وجوانب الفلك المستدير ليس بعضها فوق بعض ولا ~~تحته، فكذلك من يكون على ms532 الأرض من الحيوان والنبات لا يقال أنه تحت أولئك، ~~وإنما هذا خيال يتخيله الإنسان، وهو تحت إضافي، كما لو كانت نملة يمشي تحت ~~سقف فالسقف فوقها وإن كانت رجلاها تحاذيه، وكذلك من علق منكوسا فإنه تحت ~~السماء، وإن كانت رجلاه على السماء، وكذلك قد يتوهم الإنسان إذا كان في أحد ~~جانبي الأرض أو الفلك أن الجانب الآخر تحته. (1) PageV04P121 # وهذا أمر لا يتنازع فيه اثنان ممن يقول أن الأفلاك مستديرة، واستدارة ~~الأفلاك كما أنه قول أهل الهيئة والحساب فهو الذي عليه علماء المسلمين كما ~~ذكره أبو الحسين بن المنادى وأبو محمد بن حزم وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم ~~أنه متفق عليه بين علماء المسلمين، وقد قال تعالى (وهو الذي خلق الليل ~~والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) قال ابن عباس في فلكة مثل فلكة ~~المغزل، والفلك في اللغة هو المستدير (1) ومنه قولهم: تفلك ثدي الجارية إذا ~~استدار. وكل من جعل الأفلاك مستديرة يعلم أن المحيط هو العالي على المركز ~~في كل جانب. ومن توهم أن من يكون في الفلك من ناحيته يكون تحته من في الفلك ~~من الناحية الأخرى في نفس الأمر فهو متوهم عندهم. # وإذا كان الأمر كذلك فإذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات كان هو ~~أعلاها وسقفها وهو فوقها مطلقا فلا يتوجه إليه وإلى ما فوقه الإنسان إلا من ~~العلو لا من جهته الباقية أصلا. # ومن توجه إلى الفلك التاسع أو الثامن أو غيره من الأفلاك من غير جهة ~~العلو كان جاهلا باتفاق العقلاء، فكيف بالتوجه إلى العرش أو إلى ما فوقه، ~~وغاية PageV04P122 # ما يقدر أن يكون كري الشكل والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق ~~بجلاله (1) فإن السموات السبع في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا. # وأما قول القائل: إذا كان كريا والله من ورائه محيط به بائن عنه، فما ~~فائدة أن العبد يتوجه إلى الله حين دعائه وعبادته فيقصد العلو دون التحت، ~~فلا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات ms533 التي تحيط ~~بالداعي؟ ومع هذا نجد في قلوبنا قصدا بطلب العلو، لا نلتفت يمنة ولا يسرة ~~فأخبرونا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا وقد فطرنا عليها؟ # فيقال له: هذا السؤال إنما ورد لتوهم المتوهم أن نصف الفلك يكون تحت ~~الأرض وتحت ما على وجه الأرض من الآدميين والبهائم، وهذا غلط عظيم، فلو كان ~~الفلك تحت الأرض من جهة لكان تحتها من كل جهة، فكان يلزم أن يكون الفلك تحت ~~الأرض مطلقا، وهذا قلب للحقائق، إذ الفلك هو فرق الأرض مطلقا، وأهل الهيئة ~~يقولون: لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية أرجلنا وألقي في الخرق شيء ثقيل ~~كالحجر ونحوه لكان ينتهي إلى المركز، حتى لو ألقي من تلك الناحية حجر آخر ~~لالتقينا جميعا في المركز (2) ولو قدر أن إنسانين التقيا في المركز بدل ~~الحجر لالتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت الآخر بل كلاهما فوق المركز ~~وكلاهما تحت الفلك كالمشرق والمغرب، فإنه لو قدر أن رجلا بالمشرق ~~PageV04P123 # في السماء أو الأرض، ورجلا بالمغرب في السماء أو الأرض لم يكن أحدهما تحت ~~الآخر، وسواء كان رأسه أو رجلاه أو بطنه أو ظهره أو جنبه مما يلي السماء أو ~~مما يلي الأرض، وإذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه الآخر إلا من ~~الجهة العليا، لم يطلبه من جهة رجليه أو يمينه أو يساره. لوجهين: أحدهما أن ~~مطلوبه من الجهة العليا أقرب إليه من جميع الجهات، فلو قدر رجل أو ملك يصعد ~~إلى السماء أو إلى ما فوق كان صعوده مما يلي رأسه إذا أمكنه ذلك ولا يقول ~~عاقل أن يخرق الأرض ثم يصعد من تلك الناحية، ولا أنه يذهب يمينا أو شمالا ~~أو أماما أو خلفا إلى حيث أمكن من الأرض ثم يصعد، لأن أي مكان ذهب إليه كان ~~بمنزله مكانه أو هو دونه، وكان الفلك هناك فوقه، فيكون ذهابه إلى الجهات ~~الخمس تطويلا وتعبا من غيره فائدة، ولو أن رجلا أراد أن يخاطب الشمس والقمر ~~فإنه لا يخاطبه إلا من الجهة ms534 العليا، مع أن الشمس والقمر قد تشرق وقد تغرب ~~فتنحرف عن سمت الرأس، فكيف بما هو فوق كل شيء دائما لا يأفل ولا يغيب ~~سبحانه وتعالى؟ وكما أن الحركة كحركة الحجر تطلب مركزها بأقصر طريق وهو ~~الخط المستقيم، فالطلب الإرادي الذي يقوم بقلوب العباد كيف يعدل عن الصراط ~~المستقيم القريب؟ ويعدل إلى طريق منحرف طويل؟ والله فطر عباده على الصحة ~~والاستقامة إلا من اجتالته الشياطين فأخرجته عن فطرته التي فطر عليها. # الوجه الثاني أنه إذا قصد السفل بلا علو كان منتهى قصده المركز، وإن قصده ~~أمامه أو وراءه أو يمينه أو يساره من غير قصد العلو كان منتهى قصده أجزاء ~~الهواء فلا بد له من قصد العلو ضرورة، سواء قصد مع ذلك هذه الجهات أو لم ~~يقصدها، ولو فرض أنه قال: أقصده من اليمين مع العلو، أو من السفل مع العلو ~~كان هذا # PageV04P124 # بمنزلة من يقول، أريد أن أحج من الغرب فأذهب إلى خراسان (1) ثم أذهب إلى ~~مكة، بل بمنزلة من يقول أصعد إلى الأفلاك فأنزل في الأرض لأصعد إلى الفلك ~~من الناحية الأخرى، فهذا وإن كان ممكنا في المقدار، لكنه يستحيل من جهة ~~امتناع إرادة القاصد له، وهو مخالف للفطرة، فإن القاصد يطلب مقصوده بأقرب ~~طريق لا سيما إذا كان مقصوده معبوده الذي يعبده ويتوكل عليه. وإذا توجه ~~إليه على غير السراط المستقيم كان مسيره منكوسا معكوسا. # وأيضا فإن هذا الجمع في سيره وقصده بين النفي والإثبات بين أن يتقرب إلى ~~المقصود ويتباعد عنه، ويريده وينفر منه، فإنه إذا توجه إليه من الوجه الذي ~~هو عنه أبعد وأقصى، وعدل عن الوجه الأقرب الأدنى، كان جامعا بين قصدين ~~متناقضين، فلا يكون قصده له تاما، إذ القصد التام ينفي نقيضه وضده، وهذا ~~معلوم بالفطرة، فإن الشخص إذا كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم محبة تامة ~~ويقصده أو يحب غيره مما يحب - سواء كانت محبة محمودة أو مذمومة - ومتى كانت ~~المحبة تامة، وطلب المحبوب طلبه من أقرب طريق يصل إليه (2) بخلاف ms535 ما إذا ~~كانت المحبة مترددة مثل أن يحب ما يكره محبته في الدين فتبقى شهوته تدعوه ~~إلى قصده وعقله PageV04P125 # ينهاه عن ذلك فتراه يقصده من بعيد، كما يقول العامة: رجل إلى قدام، ورجل ~~إلى خلف (1) وكذلك إذا كان في دينه نقص وعقله يأمره بقصد المسجد أو الجهاد ~~أو غير ذلك من المقصودات التي تحب في الدين، وتكرهها النفس، فإنه يبقى ~~قاصدا لذلك من طريق بعيد: متباطئا في السير، وهذا كله معلوم بالفطرة. # وكذلك إذا لم يكن القاصد يريد الذهاب بنفسه، بل يريد خطاب المقصود ودعاءه ~~ونحو ذلك. فإنه يخاطبه من أقرب جهة يسمع دعاءه منها وينال به مقصوده إذا ~~كان القصد تاما، ولو كان رجلا في مكان عال، وآخر يناديه لتوجه إليه وناداه ~~ولو حط رأسه في بئر وناداه بحيث يسمع صوته لكان هذا ممكنا، لكن ليس في ~~الفطرة أن يفعل ذلك من يكون قصده إسماعه من غير مصلحة راجحة ولا يفعل نحو ~~ذلك إلا عند ضعف القصد نحوه. # وحديث الأدلاء الذي روي من حديث أبي هريرة وأبي ذر قد رواه الترمذي وغيره ~~من حديث الحسن عن أبي هريرة وهو منقطع، فإن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ~~ولكن يقويه حديث أبي ذر المرفوع، فإن كان ثابتا فمعناه موافق لهذا (2) فإن ~~قوله " لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله " إنما هو تقدير مفروض: لو وقع ~~الإدلاء لوقع عليه، لكنه لا يمكن أن يدلي أحد على الله شيئا لأنه عال ~~بالذات، وإذا هبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز ولم يصعد إلى ~~PageV04P126 # الجهة الأخرى لكن بتقدير فرض الإدلاء، لا يكون ما ذكر من الجزاء. # فهكذا ما ذكره السائل إذا قدر أن العبد يقصده من تلك الجهة كان هو سبحانه ~~يسمع كلامه، وإن كان متوجها إليه بقلبه، لكن هذا ما يمتنع من الفطرة لأن ~~قصده للشيء التام ينافي قصد ضده. فكما أن الجهة العليا بالذات تنافي الجهة ~~السفلى، فكذلك قصد الأعلى بالذات ينافي قصده من أسفل، فكما أن ما يهبط إلى ms536 ~~جوف الأرض يمتنع صعوده إلى تلك الناحية لأنها عالية فترد الهابط بعلوها، ~~كما أن الجهة العليا من عندنا ترد ما يصعد إليها من الثقيل فلا يصعد الثقيل ~~إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط، فكذلك ما يهبط من أعلى ~~الأرض إلى أسفلها وهو المركز، لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع ~~يرفعه يدافع به ما في قوته من تلك الناحية، وصعد به إلى الله. # وإنما يسمى هبوطا باعتبار ما في أذهان المخاطبين أن ما يحاذي أرجلهم يكون ~~هابطا ويسمى هبوطا مع تسمية إهباطه إدلاء، وهو إنما يكون إدلاء حقيقيا إلى ~~المركز، ومن هناك إنما يكون مدخلا للحبل والدلو لا إدلاء له (1) . # لكن الجزاء والشرط مقدران لا محققان، فإنه قال: لو أدلى لهبط، أي لو فرض ~~أن هناك هبوطا وهو يكون إدلاء وهبوطا إذا قدر أن السموات تحت الأرض وهذا ~~التقدير منتف ولكن فائدته بيان الإحاطة والعلو من كل جانب. # وهذا المفروض ممتنع في حقنا لا نقدر عليه، فلا يتصور أن يهبط على الله ~~شيء PageV04P127 # لكن الله قادر على أن يخرق من هنا إلى هناك بحبل، ولكن لا يكون في حقه ~~إدلاء فلا يكون في حقه هبوطا عليه، كما لو خرق بحبل من القطب أو من مشرق ~~الشمس إلى مغربها، وقدرنا أن الحبل مر في وسط الأرض فإن الله قادر على ذلك ~~كله، ولا فرق بالنسبة إليه على هذا التقدير بين أن يخرق من جانب اليمين منا ~~إلى جانب اليسار، أو من جهة أمامنا إلى جهة خلفنا، ومن جهة رؤوسنا إلى جهة ~~أرجلنا إذا مر الحبل بالأرض. فعلى كل تقدير قد خرق بالحبل من جانب المحيط ~~إلى جانبه الآخر مع خرق المركز وتقدير إحاطة قبضته بالسموات والأرض. فالحبل ~~الذي قدر أنه خرق به العالم وصل إليه، ولا يسمى شيء من ذلك بالنسبة إليه لا ~~إدلاء وهبوطا. # وأما بالنسبة إلينا فإن ما تحت أرجلنا تحت لنا، وما فوق رؤوسنا فوق لنا، ~~وما ندليه من ناحية رؤوسنا إلى ms537 ناحية أرجلنا نتخيل أنه هابط (1) فإذا قدر ~~أن أحد أدلى بحبل كان هباطا على ما هناك، لكن هذا تقدير ممتنع في حقنا. # والمقصود به بيان إحاطة الخالق تعالى كما بين أنه يقبض السموات ويطوي ~~الأرض ونحو ذلك مما فيه بيان إحاطته بالمخلوقات، ولهذا قرأ في تمام هذا ~~الحديث (وهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) . # وهذا كله كلام على تقدير صحته فإن الترمذي لما رواه قال: وفسره بعض أهل ~~العلم بأنه هبط على علم الله. # وبعض الحلولية والاتحادية يظن أن في هذا الحديث ما يدل على قولهم الباطل ~~وهو أنه حال بذاته في كل مكان، أو أن وجوده وجود الأمكنة ونحو ذلك. # والتحقيق أن الحديث لا يدل على شيء من ذلك إن كان ثابتا، فإن قوله " لو ~~PageV04P128 # دلي بحبل لهبط " يدل على أنه (1) ليس في المدلي ولا في الحبل ولا في ~~الدلو ولا في غير ذلك. وإنما يقتضي أنه من تلك الناحية. # وكذلك تأويله بالعلم تأويل ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية. بل تقدير ~~ثبوته يكون دالا على الإحاطة، والإحاطة قد علم أن الله قادر عليها، وعلم ~~أنها تكون يوم القيامة بالكتاب والسنة (2) فليس في إثباتها في الجملة ما ~~يخالف العقل ولا الشرع، لكن لا نتكلم إلا بما نعلم، وما لم نعلمه أمسكنا ~~عنه، وما كان مقدمة دليله مشكوكا فيها عند بعض الناس، كان حقه أن يشك فيه ~~حتى يتبين له الحق، وإلا فليسكت عما لا يعلم. # وإذا تبين هذا، فكذلك قصده بقصده إلى تلك الناحية، ولو فرض أنا فعلناه ~~قاصدين له على هذا التقدير لكن قصدنا له بالقصد إلى تلك الجهة ممتنع في ~~حقنا لأن القصد التام الجازم يوجب طلب المقصود بحسب الإمكان. # ولهذا قد بينا في غير هذا الموضع لما تكلمنا على تنازع الناس في النية ~~المجردة عن الفعل هل يعاقب عليها أم لا يعاقب؟ بينا أن الإرادة الجازمة ~~توجب أن يفعل المريد ما يقدر عليه من المراد، ومتى لم يفعل مقدوره لم تكن ~~إرادته جازمة ms538 بل يكون هما " ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم تكتب عليه فإن ~~تركها لله كتب له حسنة " ولهذا وقع الفرق بين هم يوسف عليه السلام وهم ~~امرأة العزيز كما قال الإمام أحمد: " الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار، ~~فيوسف عليه السلام هم هما تركه لله PageV04P129 # فأثيب عليه، وتلك همت هم إصرار ففعلت ما قدرت عليه من تحصيل مرادها وإن ~~لم يحصل لها المطلوب ". # والذين قالوا يعاقب بالإرادة احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم " إذا ~~التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار " قالوا يا رسول الله ~~هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال " إنه أراد قتل صاحبه " وفي لفظ " إنه كان ~~حريصا على قتل صاحبه " فهذا أراد إرادة جازمة وفعل ما يقدر عليه وإن لم ~~يدرك مطلوبه، فهو بمنزله امرأة العزيز، فمتى كان القصد جازما لزم أن يفعل ~~القاصد ما يقدر عليه في حصول المقصود، وإذا كان قادرا على حصول مقصوده ~~بطريق مستقيم امتنع مع القصد التام أن يحصله بطريق معكوس بعيد. # ولهذا امتنع في فطر العباد عند ضرورتهم ودعائهم لله تعالى وتمام قصدهم له ~~أن يتوجهوا إليه إلا توجها مستقيما، فيتوجهون إلى العلو دون سائر الجهات، ~~لأنه الصراط المستقيم القريب، وما سواه فيه من البعد والانحراف والطول ما ~~فيه، فمع القصد التام الذي هو حال الداعي العابد والسائر المضطر يمتنع أن ~~يتوجه إليه إلا إلى العلو، ويمتنع أن يتوجه إليه إلى جهة أخرى، كما يمتنع ~~أن يدلي بحبل يهبط عليه، فهذا هذا والله أعلم. # وأما من جهة الشريعة فإن الرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتكميل الفطرة ~~وتقريرها، لا بتبديل الفطرة وتغييرها. قال صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~المتفق عليه " كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء " أي مجتمع الخلق سوية الأطراف ليس ~~فيها نقص كجدع وغيره " هل ترون فيها من نقص؟ هل تحسون فيها من جدعاء ". # وقال تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق ms539 الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) . فجاءت # PageV04P130 # الشريعة بالعبادة والدعاء بما يوافق الفطرة، بخلاف ما عليه أهل الضلال من ~~المشركين والصابئين المتفلسفة وغيرهم فإنهم غيروا الفطرة في العلم والإرادة ~~جميعا، وخالفوا العقل والنقل، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع. # وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا ~~قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه ~~فإن عن يمينه ملكا، ولكن ليبصق عن يساره أو تحت رجله " وفي رواية أنه أذن ~~أن يبصق في ثوبه. # وفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم " أنه ما من أحد إلا سيخلو به ربه " فقال له ~~أبو رزين: كيف يسمعنا يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع؟ فقال " سأنبئك بمثل ~~ذلك في آلاء الله، هذا القمر آية من آيات الله كلهم يراه مخليا به، فالله ~~أكبر " ومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وخاطبه إذا قدر أن يخاطبه لا ~~يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه. ومن الممتنع في الفطرة أن يستدبره ~~ويخاطبه مع قصده التام له وإن كان كل ذلك ممكنا، وإنما يفعل ذلك من ليس ~~مقصوده مخاطبته كما يفعل من ليس مقصوده الخطاب، فإما مع زوال المانع فإنما ~~يتوجه إليه، فكذلك العبد إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه وهو فوقه ~~فيدعوه من تلقائه لا من يمينه ولا من شماله، ويدعوه من العلو لا من السفل، ~~كما إذا قدر أنه يخاطب القمر. # وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال " لينتهين أقوام عن ~~رفع أبصارهم في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم " واتفق العلماء على أن ~~رفع المصلي بصره إلى السماء منهي عنه، وروى أحمد عن محمد بن سيرين أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء حتى أنزل الله ~~تعالى (قد أفلح المؤمنون ms540 الذين هم في صلاتهم خاشعون) فكان بصره لا يجاوز ~~موضع سجوده. # PageV04P131 # فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلا للفطرة، لأن الداعي السائل الذي يؤمر ~~بالخشوع - وهو الذل والسكون - لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ~~ويسأله، بل يناسب حاله الإطراق وغض البصر أمامه. وليس نهي المصلي عن رفع ~~بصره في الصلاة ردا على أهل الإثبات الذي يقولون أنه على العرش كما يظنه ~~بعض جهال الجهمية، فإن الجهمية عندهم لا فرق بين العرش وقعر البحر فالجميع ~~سواء. ولو كان كذلك لم ينه عن رفع البصر إلى جهة ويؤمر برده إلى أخرى لأن ~~هذه وهذه عند الجهمية سواء. # وأيضا فلو كان الأمر كذلك لكان النهي عن رفع البصر شاملا لجميع أحوال ~~العبد. وقد قال تعالى (قد نرى تقلب وجهك في السماء) فليس العبد بمنهي عن ~~رفع بصره مطلقا، وإنما نهي في الوقت الذي يؤمر فيه بالخشوع لأن خفض البصر ~~من تمام الخشوع، كما قال تعالى (خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث) وقال ~~تعالى (وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي) . # وأيضا فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء وليس في السماء إله لكان لا ~~فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات. # ولو كان مقصوده أن ينهى الناس أن يعتقدوا أن الله في السماء أو يقصدوا ~~بقلوبهم التوجه إلى العلو لبين لهم ذلك كما بين لهم سائر الأحكام، فكيف ~~وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في قول سلف الأمة حرف واحد يذكر فيه ~~أنه ليس الله فوق العرش، أو أنه ليس فوق السماء، أو أنه لا داخل العالم ولا ~~خارجه، ولا محايث له، ولا مبين له، أو أنه لا يقصد العبد إذا دعاه العلو ~~دون سائر الجهات؟ بل جميع ما يقوله الجهمية من النفي ويزعمون أنه الحق ليس ~~معهم به حرف من كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها، ~~بل الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة مملوءة بما يدل على نقض ms541 قولهم، وهم ~~يقولون أن ظاهر ذلك كفر فنؤول أو نفوض. # PageV04P132 # فعلى قولهم ليس في الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة في هذا الباب إلا ~~ما ظاهره كفر، وليس فيها من الإيمان في هذا الباب شيء. # والسلب الذي يزعمون أنه الحق الذي يجب على المؤمن أو خواص المؤمنين ~~اعتقاده عندهم، لم ينطق به رسول ولا نبي ولا أحد من ورثة الأنبياء ~~والمرسلين، والذي نطقت به الأنبياء وورثتهم ليس عندهم هو الحق بل هو مخالف ~~للحق في الظاهر، بل حذاقهم يعلمون (1) أنه مخالف للحق في الظاهر والباطن، ~~لكن هؤلاء منهم من يزعم أن الأنبياء لم يمكنهم أن يخاطبوا الناس إلا بخلاف ~~الحق الباطن فلبسوا أو كذبوا لمصلحة العامة. # فيقال لهم: فهلا نطقوا بالباطن لخواصهم الأذكياء والفضلاء إن كان ما ~~تزعمونه حقا؟ وقد علم أن خواص الرسل هم على الإثبات أيضا وأنه لم ينطق ~~بالنفي أحد منهم إلا أن يكذب على أحدهم كما يقال عن عمر: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبا بكر كانا يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما. وهذا مختلق باتفاق ~~أهل العلم، وكذلك ما نقل عن علي وأهل بيته أن عندهم علما باطنا يختلف عن ~~الظاهر الذي عند جمهور الأمة. # وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن علي رضي الله تعالى عنه أنه لم يكن عندهم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم شيء ليس عند الناس، ولا كتاب مكتوب إلا ما كان في ~~الصحيفة، وفيها الديات وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر (2) . # ثم أنه من المعلوم أن من جعله الله هاديا مبلغا بلسان عربي مبين إذا كان ~~PageV04P133 # إلا يتكلم أبدا قط بما يخالف الحق الباطن الحقيقي فهو إلى الضلال ~~والتدليس أقرب منه إلى الهدى والبيان، وبسط الرد عليهم له موضع غير هذا. # والمقصود أن ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وغيره كله ~~حق يصدق بعضه بعضا وهو موافق لفطرة الخلائق وما جعل فيهم من العقول ~~الصريحة، وليس العقل الصحيح ولا الفطرة المستقيمة بمعارضة النقل الثابت عن ~~رسول ms542 الله صلى الله عليه وسلم، فإنما يظن تعارضهما من صدق بباطل من المنقول ~~وفهم منه ما لم يدل عليه، أو إذا اعتقد شيئا ظنه من العقليات وهو من ~~الجهليات، أو من المكشوفات وهو من المكسوفات، إذا كان ذلك معارضا لمنقول ~~صحيح، وإلا عارض بالعقل الصريح، أو الكشف الصحيح، ما يظنه منقولا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويكون كذبا عليه، أو ما يظنه لفظا دالا على معنى ولا ~~يكون دالا عليه، كما ذكروه في قوله صلى الله عليه وسلم " الحجر الأسود يمين ~~الله في الأرض فمن صافحة وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه " حيث ظنوا أن ~~هذا وأمثاله محتاج إلى التأويل، وهذا غلط من هم لو كان هذا اللفظ ثابتا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإن هذا اللفظ صريح في أن الحجر الأسود ليس هو من ~~صفات الله إذ قال هو " يمين الله في الأرض " فتقييده بالأرض يدل على أنه ~~ليس هو يده على الإطلاق فلا يكون اليد الحقيقة. وقوله " فمن صافحه وقبله ~~فكأنما صافح الله وقبل يمينه " صريح في أن مصافحه ومقبله ليس مصافحا الله ~~ولا مقبلا ليمينه لأن المشبه ليس هو المشبه به، وقد أتى بقوله " فكأنما " ~~وهو صريحة في التشبيه. وإذا كان اللفظ صريحا في أنه جعله بمنزله اليمين لا ~~أنه نفس اليمين، كان من اعتقد أن ظاهره أنه حقيقة اليمين، قائلا للكذب ~~المبين. # فهذا كله بتقدير أن يكون العرش كري الشكل سواء كان هو الفلك التاسع أو ~~غير الفلك التاسع. وقد تبين أن سطحه هو سقف المخلوقات وهو العالي عليها من ~~جميع الجوانب وأنه لا يجوز أن يكون شيء مما في السماء والأرض فوقه، وأن ~~القاصد إلى ما فوق العرش بهذا التقدير إنما يقصد إلى العلو لا يجوز في ~~الفطرة ولا في الشريعة مع تمام قصده أن يقصد جهة أخرى من جهاته الست، بل هو ~~أيضا # PageV04P134 # يستقبله بوجهه مع كونه أعلى منه كما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم من ~~المثل بالقمر ولله المثل الأعلى ms543 وبين أن مثل هذا إذا جاز في القمر وهو آية ~~من آيات الله فالخالق أعلى وأعظم. # وأما إذا قدر أن العرش ليس كري الشكل بل هو فوق العالم من الجهة التي هي ~~وجه، وإنه فوق الأفلاك الكرية كما أن وجه الأرض الموضوع للأنام فوق نصف ~~الأرض الكري، أو غير ذلك من المقادير التي يقدر فيها أن العرض فوق ما سواه ~~وليس كري الشكل، فعلى كل تقدير لا يتوجه إلى الله إلا إلى العلو لا إلى غير ~~ذلك من الجهات. # فقد ظهر أنه على كل تقدير لا يجوز أن يكون التوجه إلى الله إلا إلى العلو ~~مع كونه على عرشه مباينا لخلقه، وسواء قدر مع ذلك أنه محيط بالمخلوقات كما ~~يحيط بها إذا كانت في قبضته أو قدر مع ذلك أنه فوقها من غير أن يقبضها ~~ويحيط بها فهو على التقديرين يكون فوقها مباينا لها. # فقد تبين أنه على هذا التقدير في الخالق وهذا التقدير في العرش لا يلزم ~~شيء من المحذور والتناقض، وهذا يزيل كل شبهة. وإنما تنشأ الشبهة من ~~اعتقادين فاسدين (أحدهما) أن يظن أن العرش إذا كان كريا والله فوقه وجب أن ~~يكون الله كريا، ثم يعتقد أنه إذا كان كريا فيصح التوجه إلى ما هو كري ~~كالفلك التاسع من جميع الجهات. # وكل من هذين الاعتقادين خطأ وضلال فإن الله تعالى مع كونه فوق العرش ومع ~~القول بأن العرش كري سواء كان هو التاسع أو غيره لا يجوز أن يظن أنه مشابه ~~للأفلاك في أشكالها، كما لا يجوز أن يظن أنه مشابه لها في أقدارها، ولا في ~~صفاتها (سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا) . # بل قد تبين أنه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده بمنزلة داخل الفلك ~~في الفلك وأنها أصغر عنده من الحمصة والفلفلة ونحو ذلك في يد أحدنا، فإذا ~~كانت الحمصة أو الفلفلة بل الدرهم والدينار، أو الكرة التي يلعب بها ~~الصبيان، ونحو ذلك في يد الإنسان أو تحته أو نحو ذلك، هل يتصور ms544 عاقل إذا ~~استشعر علو الإنسان على ذلك وإحاطته، هل يكون الإنسان كالفلك؟ فالله - وله ~~المثل الأعلى - أعظم من أن يظن ذلك به، وإنما يظنه الذين لم يقدروا الله حق ~~قدره (والأرض جميعا # ---- # PageV04P135 # قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) . # وكذلك اعتقادهم الثاني وهو أن ما كان فلكا فإنه يصح التوجه إليه من ~~الجهات الست الخطأ باتفاق أهل العقل الذين يعلمون الهيئة وأهل العقل الذين ~~يعلمون أن القصد الجازم يوجب فعل المقصود بحسب الإمكان. # فقد تبين أن كل واحدة من المقدمتين خطأ في العقل والشرع، وأنه لا يجوز أن ~~تتوجه القلوب إليه إلا إلى العلو لا إلى غيره من الجهات على كل تقدير يفرض ~~من التقديرات، سواء كان العرش هو الفلك التاسع أو غيره، وسواء كان محيطا ~~بالفلك كري الشكل أو كان فوقه من غير أن يكون كريا، وسواء كان الخالق ~~سبحانه محيطا بالمخلوقات كما يحيط بها في قبضته أو كان فوقها من جهة العلو ~~منا التي تلي رؤوسنا دون الجهة الأخرى. # فعلى أي تقدير فرض به كان كل من مقدمتي السؤال باطلة وكان الله تعالى إذا ~~دعوناه إنما ندعوه بقصد العلو دون غيره كما فطرنا على ذلك، وبهذا يظهر ~~الجواب عن السؤال من وجوه متعددة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # تم كتاب العرش # PageV04P136 ### | الجزء الخامس # من قواعد شيخ الإسلام ابن تيمية # قدس الله سره # قاعدة في المعجزات والكرامات وأنواع خوارق العادات ومنافعها ومضارها # علق عليه: السيد محمد رشيد رضا # PageV05P001 # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين # قال الشيخ الإمام، العالم العلامة، العارف الرباني، المقذوف في قلبه ~~النور القرآني، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله ~~عنه وأرضاه. # الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضاه، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا إله سواه، وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله الذي اصطفاه واجتباه وهداه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~تسليما كثيرا إلى يوم الدين. ### | قاعدة شريفة ms545 في المعجزات والكرامات # وإن كان اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة وعرف الأئمة المتقدمين ~~كالإمام أحمد بن حنبل وغيره - ويسمونها: الآيات - لكن كثير من المتأخرين ~~يفرق في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي، والكرامة للولي. وجماعهما ~~الأمر الخارق للعادة. # فنقول: صفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى، وإن شئت أن ~~تقول: العلم والقدرة، والقدرة إما على الفعل وهو التأثير، وإما على الترك ~~وهو الغنى، والأول أجود. وهذه الثلاثة لا تصلح على وجه الكمال إلا لله ~~وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير، وهو غني عن ~~العالمين. وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة ~~بقوله (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول لكم أني ~~ملك، أن أتبع إلا ما يوحى إلي) وكذلك قال نوح عليه السلام. فهذا أول أولي ~~العزم، وأول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض. وهذا خاتم الرسل وخاتم ~~أولي العزم، كلاهما يتبرأ من ذلك. # PageV05P002 # وهذا لأنهم يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم تارة بعلم الغيب كقوله ~~(ويقولن متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، ويسألونك عن الساعة أيان مرساها؟ قل ~~إنما علمها عند ربي) وتارة بالتأثير كقوله (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ~~من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها ~~تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ~~- إلى قوله - قل سبحان ربي، هل كنت إلا بشرا رسولا؟) وتارة يعيبون عليه ~~الحاجة والبشرية، كقوله (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق؟ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا، أو يلقى إليه كنز أو تكون له ~~جنة يأكل منها؟) فأمره أن يخبر أنه لا يعلم الغيب، ولا يملك خزائن الله، ~~ولا هو ملك غني عن الأكل والمال، إن هو إلا متبع لما أوحي إليه، واتباع ما ~~أوحي إليه هو الدين، وهو طاعة الله، وعبادته علما وعملا بالباطن ms546 والظاهر. ~~وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله تعالى فيعلم منه ما علمه ~~إياه، ويقدر منه على ما أقدره الله عليه، ويستغني عما أغناه الله عنه من ~~الأمور المخالفة للعادة المطردة أو لعادة غالب الناس. # فما كان من الخوارق من باب العلم، فتارة بأن يسمع العبد ما لا يسمعه ~~غيره، وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة ومناما، وتارة بأن يعلم ما لا ~~يعلم غيره وحيا وإلهاما، أو إنزال علم ضروري، أو فراسة صادقة، ويسمى كشفا ~~ومشاهدات، ومكاشفات ومخاطبات. فالسماع مخاطبات، والرؤية مشاهدات، والعلم ~~مكاشفة، ويسمى ذلك كله كشفا ومكاشفة، أي كشف له عنه. # وما كان من باب القدرة فهو التأثير، وقد يكون همة وصدقا ودعوة مجابة، وقد ~~يكون من فعل الله الذي لا تأثر له فيه بحال، مثل هلاك عدوه بغير أثر منه ~~كقوله (1) " من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة - وإني لأثأر لأوليائي ~~كما يثأر الليث PageV05P003 # المجرد (1) " ومثل تذليل النفوس له ومحبتها إياه ونحو ذلك. وكذلك ما كان ~~من باب العلم والكشف قد يكشف لغيره من حاله بعض أمور، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في المبشرات " هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى ~~له " وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم " أنتم شهداء الله في الأرض ". # وكل واحد من الكشف والتأثير قد يكون قائما به وقد لا يكون قائما به بل ~~يكشف الله حاله ويصنع له من حيث لا يحتسب، كما قال يوسف بن اسباط " ما صدق ~~الله عبد إلا صنع له " وقال أحمد بن حنبل " لو وضع الصدق على جرح لبرأ " ~~لكن من قام بغيره له من الكشف والتأثير فهو سببه أيضا، وإن كان خرق عادة في ~~ذلك الغير، فمعجزات الأنبياء وأعلامهم ودلائل نبوتهم تدخل في ذلك. # وقد جمع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم جميع أنواع المعجزات والخوارق. ~~أما العلم والأخبار الغيبية والسماع والرؤية فمثل أخبار نبينا صلى الله ~~عليه وسلم عن الأنبياء المتقدمين وأممهم ومخاطباته لهم وأحواله معهم، وغير ms547 ~~الأنبياء من الأولياء وغيرهم بما يوافق ما عند أهل الكتاب الذين ورثوه ~~بالتواتر أو بغيره من غير تعلم له منهم، وكذلك إخباره عن أمور الربوبية ~~والملائكة والجنة والنار بما يوافق الأنبياء قبله من غير تعلم منهم. ويعلم ~~أن ذلك موافق لنقول الأنبياء، تارة بما في أيديهم من الكتب الظاهرة ونحو ~~ذلك من النقل المتواتر، وتارة بما يعمله الخاصة من علمائهم، وفي مثل هذا قد ~~يستشهد أهل الكتاب وهو من حكمة إبقائهم بالجزية وتفصيل ذلك ليس هذا موضعه. # فأخباره عن الأمور الغائبة ماضيها وحاضرها هو من باب العلم الخارق، وكذلك ~~أخباره عن الأمور المستقبلة مثل مملكة أمته وزوال مملكة فارس والروم، وقتلا ~~الترك، وألوف مؤلفة من الأخبار التي أخبر بها مذكور بعضها في كتب دلائل ~~النبوة وسيرة الرسول وفضائله وكتب التفسير والحديث والمغازي، مثل دلائل ~~النبوة PageV05P004 # لأبي نعيم والبيهقي وسيرة ابن إسحاق، وكتب الأحاديث المسندة كمسند الإمام ~~أحمد، والمدونة كصحيح البخاري وغير ذلك مما هو مذكور أيضا في كتب أهل ~~الكلام والجدل كأعلام النبوة للقاضي عبد الجبار وللماوردي، والرد على ~~النصارى للقرطبي، ومصنفات كثيرة جدا. وكذلك ما أخبر عنه غيره مما وجد في ~~كتب الأنبياء المتقدمين، وهي في وقتنا هذا اثنان وعشرون نبوة بأيدي اليهود ~~والنصارى كالتوراة والإنجيل والزبور وكتاب شعيا وحبقوق ودانيال وأرميا. ~~وكذلك أخبار غير الأنبياء من الأحبار والرهبان، وكذلك أخبار الجن والهواتف ~~المطلقة، وأخبار الكهنة كسطيح وشق وغيرهما، وكذلك المنامات وتعبيرها كمنام ~~كسرى وتعبير الموبذان، وكذا أخبار الأنبياء المتقدمين بما مضى وما عبر هو ~~من أعلامهم. # وأما القدرة والتأثير فإما أن يكون في العالم العلوي أو ما دونه، وما ~~دونه إما بسيط أو مركب، والبسيط إما الجو وإما الأرض، والمركب إما حيوان ~~وإما نبات وإما معدن. والحيوان إما ناطق وإما بهيم، فالعلوي كانشقاق القمر ~~ورد الشمس ليوشع بن نون، وكذلك ردها لما فاتت عليا الصلاة والنبي صلى الله ~~عليه وسلم نائم في حجره - إن صح الحديث - فمن الناس من صححه كالطحاوي ~~والقاضي عياض. ومنهم من جعله موقوفا كأبي ms548 الفرج بن الجوزي، وهذا أصح. وكذلك ~~معراجه إلى السماوات. وأما الجو فاستسقاؤه واستصحاؤه غير مرة، كحديث ~~الأعرابي الذي في الصحيحين وغيرهما، وكذلك كثرة الرمي بالنجوم عند ظهوره، ~~وكذلك إسراؤه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. # وأما الأرض والماء فكاهتزاز الجبل تحته وتكثير الماء في عين تبوك وعين ~~الحديبية، ونبع الماء من بين أصابعه غير مرة، ومزادة المرأة. # وأما المركبات فتكثيره للطعام غير مرة في قصة الخندق من حديث جابر وحديث ~~أبي طلحة، وفي أسفاره، وجراب أبي هريرة، ونخل جابر بن عبد الله، وحديث جابر # PageV05P005 # وابن الزبير في انقلاع النخل له وعوده إلى مكانه، وسقياه لغير واحد من ~~الأرض كعين أبي قتادة. وهذا باب واسع لم يكن الغرض هنا ذكر أنواع معجزاته ~~بخصوصه وإنما الغرض التمثيل. # وكذلك من باب القدرة عصا موسى صلى الله عليه وسلم وفلق البحر والقمل ~~والضفادع والدم، وناقة صالح، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى، ~~كما أن من باب العلم إخبارهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. وفي الجملة ~~لم يكن المقصود هنا ذكر المعجزات النبوية بخصوصها، وإنما الغرض التمثيل ~~بها. # وأما المعجزات التي لغير الأنبياء من باب الكشف والعلم فمثل قول عمر في ~~قصة سارية، وأخبار أبي بكر بأن ببطن زوجته أنثى، وأخبار عمر بمن يخرج من ~~ولده فيكون عادلا. وقصة صاحب موسى في علمه بحال الغلام، والقدرة مثل قصة ~~الذي عنده علم من الكتاب. وقصة أهل الكهف، وقصة مريم، وقصة خالد بن الوليد ~~وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي مسلم الخولاني، وأشياء يطول ~~شرحها. فإن تعداد هذا مثل المطر. وإنما الغرض التمثيل بالشيء الذي سمعه ~~أكثر الناس. وأما القدرة التي لم تتعلق بفعله فمثل نصر الله لمن ينصره ~~وإهلاكه لمن يشتمه. # فصل # الخارق كشفا كان أو تأثيرا إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من ~~الأعمال الصالحة المأمور بها دينا وشرعا، إما واجب وإما مستحب. وإن حصل به ~~أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرا، وإن كان على ms549 وجه يتضمن ~~ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه كان سببا للعذاب أو البغض، كقصة ~~الذي أوتي الآيات فانسلخ منها: بلعام بن عوراء، لكن قد يكون صاحبها معذورا ~~لاجتهاد أو تقليد أو نقص عقل أو علم أو غلبة حال أو عجز أو ضرورة فيكون # PageV05P006 # من جنس برح العابد، والنهي قد يعود إلى سبب الخارق وقد يعود إلى مقصوده ~~فالأول مثل أن يدعو الله دعاء منهيا عنه اعتداء عليه. وقد قال تعالى (ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين) ومثل الأعمال المنهي عنها إذا أورثت ~~كشفا أو تأثيرا (والثاني) أن يدعو على غيره بما لا يستحقه، أو يدعو للظالم ~~بالإعانة ويعينه بهمته، كخفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال. فإن ~~كان صاحبه من عقلاء المجانين والمغلوبين غلبة بحيث يعذرون والناقصين نقصا ~~لا يلامون عليه كانوا برحية (1) . وقد بينت في غير هذا الموضع ما يعذرون ~~فيه وما لا يعذرون فيه، وإن كانوا عالمين قادرين كانوا بلعامية، فإن من أتى ~~بخارق على وجه منهي عنه أو لمقصود منهي عنه فإما أن يكون معذورا معفوا عنه ~~كبرح أو يكون متعمدا للكذب كبلعام. # فتخلص أن الخارق ثلاثة أقسام: محمود في الدين، ومذموم في الدين، ومباح لا ~~محمود ولا مذموم في الدين. فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة وإن لم يكن ~~فيه منفعة كان كسائر المباحات التي لا منفعة فيها كاللعب والعبث. # قال أبو علي الجوزجاني: كن طالبا للاستقامة لا طالبا للكرامة، فإن نفسك ~~منجلية على طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة. # قال الشيخ السهروردي في عوارفه: وهذا الذي ذكره أصل عظيم كبير في الباب، ~~وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلاب، وذلك أن المجتهدين ~~والمتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما منحوا به من الكرامات ~~وخوارق العادات فأبدا نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن ~~يرزقوا شيئا من ذلك، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهما لنفسه في صحة عمله ~~حيث لم يكاشف بشيء من ذلك، ولو ms550 علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر، فيعلم ~~PageV05P007 # أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابا. والحكمة فيه أن ~~يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة تفننا، فيقوى عزمه على هذا ~~الزهد في الدنيا، والخروج من دواعي الهوى، وقد يكون بعض عباده يكاشف بصدق ~~اليقين، ويرفع عن قلبه الحجاب، ومن كوشف بصدق اليقين أغني بذلك عن رؤية خرق ~~العادات، لأن المراد منها كان حصول اليقين، وقد حصل اليقين فلو كوشف هذا ~~المرزوق صدق اليقين بشيء من ذلك لازداد يقينا، فلا تقتضي الحكمة كشف القدرة ~~بخوارق العادات لهذا الموضع استغناء به، وتقتضي الحكمة كشف ذلك لآخر لموضع ~~حاجته، وكان هذا الثاني يكون أتم استعدادا وأهلية من الأول، فسبيل الصادق ~~مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة. ثم إذا وقع في طريقه شيء خارق ~~كان كأن لم يقع فما يبالي ولا يقنص بذلك، وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق ~~الاستقامة. # فتعلم هذا لأنه أصل كبير للطالبين، والعلماء الزاهدين، ومشايخ الصوفية. # فصل # كلمات الله تعالى نوعان: كلمات كونية، وكلمات دينية. فكلماته الكونية هي ~~التي استعاذ بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " أعوذ بكلمات الله ~~التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر " وقال سبحانه (إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون) وقال تعالى (وتمت كلمات (1) ربك صدقا وعدلا) ~~والكون كله داخل تحت هذه الكلمات وسائر الخوارق الكشفية التأثيرية. # والنوع الثاني الكلمات الدينية وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله ~~وهي: أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها العلم بها والعمل، والأمر ~~PageV05P008 # بما أمر الله به، كما أن حظ العبد عموما وخصوصا من الأول العلم بالكونيات ~~والتأثير فيها. أي بموجبها. # فالأولى قدرية كونية، والثانية شرعية دينية، وكشف الأولى العلم بالحوادث ~~الكونية، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية، وقدرة الأولى التأثير في ~~الكونيات، وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات، وكما أن الأولى تنقسم إلى ~~تأثير في نفسه، كمشيه على الماء وطيرانه في الهواء، وجلوسه على الناس، وإلى ~~تأثير في غيره بإسقام وإصحاح، وإهلاك ms551 وإغناء وإفقار، فكذلك الثانية تنقسم ~~إلى تأثير في نفسه بطاعته لله ورسوله. والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطنا ~~وظاهرا، وإلى تأثير في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة ~~شرعية، بحيث تقبل النفوس ما يأمرها به من طاعة الله ورسوله في الكلمات ~~الدينيات. كما قبلت من الأول ما أراد تكوينه فيها بالكلمات الكونيات. # وإذا تقرر ذلك فاعلم أن عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه، ~~فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيء من الكونيات، لا ينقصه ~~ذلك في مرتبته عند الله. بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دينه إذا لم يكن ~~وجود ذلك في حقه مأمورا به أمر إيجاب ولا استحباب، وأما عدم الدين والعمل ~~به فيصير الإنسان ناقصا مذموما إما أن يجعله مستحقا للعقاب، وإما أن يجعله ~~محروما من الثواب، وذلك لأن العلم بالدين وتعليمه والأمر به ينال به العبد ~~رضوان الله وحده وصلاته وثوابه، وأما العلم بالكون والتأثير فيه فلا ينال ~~به ذلك إلا إذا كان داخلا في الدين، بل قد يجب عليه شكره، وقد يناله به ~~إثم. # إذا عرف هذا فالأقسام ثلاثة: إما أن يتعلق بالعلم والقدرة بالدين فقط، أو ~~بالكون فقط. # فالأول كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم (وقل رب ادخلني مدخل صدق ~~وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) فإن السلطان النصير يجمع ~~الحجة # PageV05P009 # والمنزلة عند الله، وهو كلماته الدينية والقدرية الكونية عند الله ~~بكلماته الكونيات، ومعجزات الأنبياء عليهم السلام تجمع الأمرين، فإنهما حجة ~~على النبوة من الله وهي قدرة. وأبلغ ذلك القرآن الذي جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فإنه هو شرع الله وكلماته الدينيات، وهو حجة محمد صلى الله عليه ~~وسلم على نبوته ومجيئه من الخوارق للعادات. فهو الدعوة وهو الحجة والمعجزة. # وأما القسم الثاني فمثل من يعلم بما جاء به الرسول خبرا وأمرا ويعمل به ~~ويأمر به الناس، ويعلم بوقت نزول المطر وتغير السعر، وشفاء المريض، وقدوم ms552 ~~الغائب، ولقاء العدو، وله تأثير إما في الأناسي، وإما في غيرهم بإصحاح ~~وإسقام وإهلاك، أو ولادة أو ولاية أو عزل. وجماع التأثير إما جلب منفعة ~~كالمال والرياسة، وإما دفع مضرة كالعدو والمرض، أو لا واحد منهما مثل ركوب ~~أسد بلا فائدة، أو إطفاء نار ونحو ذلك. # وأما الثالث فمن يجتمع له الأمران، بأن يؤتى من الكشف والتأثير الكوني، ~~ما يؤيد به الكشف والتأثير الشرعي. وهو علم الدين والعمل به، والأمر به، ~~ويؤتى من علم الدين والعمل به، ما يستعمل به الكشف والتأثير الكوني، بحيث ~~تقع الخوارق الكونية تابعة للأوامر الدينية، أو أن تخرق له العادة في ~~الأمور الدينية، بحيث ينال من العلوم الدينية، ومن العمل بها، ومن الأمر ~~بها، ومن طاعة الخلق فيها، ما لم ينله غيره في مطرد العادة، فهذه أعظم ~~الكرامات والمعجزات وهو حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق ~~وعمر وكل المسلمين. # فهذا القسم الثالث هو مقتضى (إياك نعبد وإياك نستعين) إذ الأول هو ~~العبادة، والثاني هو الاستعانة، وهو حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~والخواص من أمته المتمسكين بشرعته ومنهاجه باطنا وظاهرا، فإن كراماتهم ~~كمعجزاته لم يخرجها إلا لحجة أو حاجة، فالحجة ليظهر بها دين الله ليؤمن ~~الكافر ويخلص المنافق ويزداد الذين # PageV05P010 # آمنوا إيمانا، فكانت فائدتها اتباع دين الله علما وعملا كالمقصود ~~بالجهاد، والحاجة كجلب منفعة يحتاجون إليها كالطعام والشراب وقت الحاجة ~~إليه أو دفع مضرة عنهم ككسر العدو بالحصى الذي رماهم به فقيل: (وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى) وكل من هذين يعود إلى منفعة الدين كالأكل والشرب وقتال ~~العدو والصدقة على المسلمين فإن هذا من جملة الدين والأعمال الصالحة. # وأما القسم الأول وهو المتعلق بالدين فقط فقد يكون منه ما لا يحتاج إلى ~~الثاني ولا له فيه منفعة، كحال كثير من الصحابة والتابعين وصالحي المسلمين ~~وعلمائهم وعبادهم، مع أنه لا بد أن يكون لهم شخصا أو نوعا بشيء من الخوارق، ~~وقد يكون منهم من لا يستعمل أسباب الكونيات ولا ms553 عمل بها، فانتفاء الخارق ~~الكوني في حقه إما لانتفاء سببه وإما لانتفاء فائدته، وانتفاؤه لانتفاء ~~فائدته لا يكون نقصا، وأما انتفاؤه لانتفاء سببه فقد يكون نقصا وقد لا يكون ~~نقصا، فإن كان لإخلاله بفعل واجب وترك محرم كان عدم الخارق نقصا وهو سبب ~~الضرر، وإن كان لإخلاله بالمستحبات فهو نقص عن رتبة المقربين السابقين وليس ~~هو نقصا عن رتبة أصحاب اليمين المقتصدين، وإن لم يكن كذلك بل لعدم اشتغاله ~~بسب بالكونيات التي لا يكون عدمها ناقصا لثواب لم يكن ذلك نقصا، مثل من ~~يمرض ولده ويذهب ماله فلا يدعو ليعافى أو يجيء ماله، أو يظلمه ظالم فلا ~~يتوجه عليه لينتصر عليه. # وأما القسم الثاني وهو صاحب الكشف والتأثير الكوني فقد تقدم أنه تارة ~~يكون زيادة في دينه، وتارة يكون نقصا، وتارة لا له ولا عليه، وهذا غالب حال ~~أهل الاستعانة، كما أن الأول غالب حال أهل العبادة، وهذا الثاني بمنزلة ~~الملك والسلطان الذي قد يكون صاحبه خليفة نبيا، فيكون خير أهل الأرض، وقد ~~يكون ظالما من شر الناس، وقد يكون ملكا عادلا فيكون من أوساط الناس فإن ~~العلم بالكونيات والقدرة على التأثير فيها بالحال والقلب كالعلم بأحوالها ~~والتأثير فيها بالملك وأسبابه، # PageV05P011 # فسلطان الحال والقلب كسلطان الملك واليد، إلا أن أسباب هذا باطنة ~~روحانية، وأسباب هذا ظاهرة جثمانية. وبهذا تبين لك أن القسم الأول إذا صح ~~فهو أفضل من هذا القسم، وخير عند الله وعند رسوله وعباده الصالحين المؤمنين ~~العقلاء. # وذلك من وجوه: (أحدها) أن علم الدين طلبا وخبرا لا ينال إلا من جهة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما العلم بالكونيات فأسبابه متعددة، وما اختص ~~به الرسول وورثتهم أفضل مما شركهم فيه بقية الناس، فلا ينال علمه إلا هم ~~وأتباعهم، ولا يعلمه إلا هم وأتباعهم. # الثاني أن الدين لا يعمل به إلا المؤمنون الصالحون الذين هم أهل الجنة ~~وأحباب الله وصفوته وأحباؤه وأولياؤه ولا يأمر به إلا هم. # وأما التأثير الكوني فقد يقع من كافر ومنافق وفاجر، تأثيره في نفسه ms554 وفي ~~غيره كالأحوال الفاسدة والعين والسحر، وكالملوك والجبابرة المسلطين ~~والسلاطين الجبابرة، وما كان من العلم مختصا بالصالحين أفضل مما يشترك فيه ~~المصلحون والمفسدون. # الثالث أن العلم بالدين والعمل به ينفع صاحبه في الآخرة ولا يضره. وأما ~~الكشف والتأثير فقد لا ينفع في الآخرة بل قد يضره كما قال تعالى (ولو أنهم ~~آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) . # الرابع أن الكشف والتأثير إما أن يكون فيه فائدة أو لا يكون، فإن لم يكن ~~فيه فائدة كالاطلاع على سيئات العباد وركوب السباع لغير حاجة والاجتماع ~~بالجن لغير فائدة والمشي على الماء مع إمكان العبور على الجسر فهذا لا ~~منفعة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو بمنزلة العبث واللعب وإنما ~~يستعظم هذا من لم ينله وهو تحت القدرة والسلطان في الكون مثل من يستعظم ~~الملك أو طاعة الملوك لشخص وقيام الحالة عند الناس بلا فائدة فهو يستعظمه ~~من جهة سببه لا من جهة منفعته كالمال والرياسة، ودفع مضرة كالعدو والمرض، ~~فهذه المنفعة تنال غالبا بغير الخوارق أكثر مما تنال بالخوارق، ولا يحصل ~~بالخوارق منها إلا القليل، ولا تدوم إلا بأسباب # PageV05P012 # أخرى. وأما الآخر أيضا فلا يحصل بالخوارق إلا مع الدين، والدين وحده موجب ~~للآخرة بلا خارق، بل الخوارق الدينية الكونية أبلغ من تحصيل الآخرة كحال ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك المال والرياسة التي تحصل لأهل الدين ~~بالخوارق إنما هو مع الدين وإلا فالخوارق وحدها لا تؤثر في الدنيا إلا أثرا ~~ضعيفا. # فإن قيل: مجرد الخوارق إن لم تحصل بنفسها منفعة لا في الدين ولا في ~~الدنيا فهي علامة طاعة النفوس له، فهو موجب الرياسة والسلطان، ثم يتوسط ذلك ~~فتجتلب المنافع الدينية والدنيوية، وتدفع المضار الدينية والدنيوية. # قلت: نعم لم نتكلم إلا في منفعة الدين أو الخارق في نفسه من غير فعل ~~الناس. وأما إن تكلمنا فيما يحصل بسببها من فعل الناس فنقول، أولا: الدين ~~الصحيح أوجب لطاعة النفوس وحصول الرياسة من الخارق المجرد كما هو ms555 الواقع، ~~فإنه لا نسبة لطاعة من أطيع لدينه إلى طاعة من أطيع لتأثيره، إذ طاعة الأول ~~أعم وأكثر، والمطيع بها خيار بني آدم عقلا ودينا، وأما الثانية فلا تدوم ~~ولا تكثر ولا يدخل فيها إلا جهال الناس، كأصحاب مسيلمة الكذاب وطليحة ~~الأسدي ونحوهم وأهل البوادي والجبال ونحوم ممن لا عقل له ولا دين. # ثم نقول ثانيا: لو كان صاحب الخارق يناله من الرياسة والمال أكثر من صاحب ~~الدين لكان غايته أن يكون ملكا من الملوك، بل ملكه إن لم يقرنه بالدين فهو ~~كفرعون وكمقدمي الإسماعيلية ونحوهم، وقد قدمنا أن رياسة الدنيا التي ينالها ~~الملوك بسياستهم وشجاعتهم وإعطائهم أعظم من الرياسة بالخارق المجرد، فإن ~~هذه أكثر ما يكون مدة قريبة. # الخامس أن الدين ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة ويدفع عنه مضرة الدنيا ~~والآخرة من غير أن يحتاج معه إلى كشف أو تأثير. # وأما الكشف أو التأثير فإن لم يقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا # PageV05P013 # والآخرة، أما في الآخرة فلعدم الدين الذي هو أداء الواجبات وترك ~~المحرمات، وأما في الدنيا فإن الخوارق هي من الأمور الخطرة التي لا تنالها ~~النفوس إلا بمخاطرات في القلب والجسم والأهل والمال، فإنه إن سلك طريق ~~الجوع والرياضة المفرطة خاطر بقلبه ومزاجه ودينه، وربما زال عقله ومرض جسمه ~~وذهب دينه، وإن سلك طريق الوله والاختلاط بترك الشهوات ليتصل بالأرواح ~~الجنية وتغيب النفوس عن أجسامها، كما يفعله مولهو الأحمدية - فقد أزال عقله ~~وأذهب ماله ومعيشته، وأشقي نفسه شقاء لا مزيد عليه، وعرض نفسه لعذاب الله ~~في الآخرة لما تركه من الواجبات وما فعله من المحرمات، وكذلك إن قصد تسخير ~~الجن بالأسماء والكلمات من الأقسام والعزائم فقد عرض نفسه لعقوبتهم ~~ومحاربتهم، بل لو لم يكن الخارق إلا دلالة صاحب المال المسروق والضال على ~~ماله أو شفاء المريض أو دفع العدو من السلطان والمحاربين - فهذا القدر إذا ~~فعله الإنسان مع الناس ولم يكن عمله دينا يتقرب به إلى الله كان كأنه ~~قهرمان (1) للناس يحفظ أموالهم، أو طبيب أو ms556 صيدلي يعالج أمراضهم، أو أعوان ~~سلطان يقاتلون عنه، إذ عمله من جنس عمل أولئك سواء. # ومعلوم أن من سلك هذا المسلك على غير الوجه الديني فإنه يحابي بذلك ~~أقواما ولا يعدل بينهم، وربما أعان الظلمة بذلك كفعل بلعام وطوائف من هذه ~~الأمة وغيرهم. وهذا يوجب له عداوة الناس التي هي من أكثر أسباب مضرة ~~الدنيا، ولا يجوز أن يحتمل المرء ذلك إلا إذا أمر الله به ورسوله لأن ما ~~أمر الله به ورسوله وإن كان فيه مضرة فمنفعته غالبة على مضرته والعاقبة ~~للتقوى. # السادس أن الدين علما وعملا إذا صح فلا بد أن يوجب خرق العادة إذا احتاج ~~إلى ذلك صاحبه. قال الله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب) وقال تعالى (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) وقال تعالى ~~PageV05P014 # (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا، وإذا لآتيناهم ~~من لدنا أجرا عظيما، ولهديناهم صراطا مستقيما) وقال تعالى (ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة) . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور ~~الله - ثم قرأ قوله تعالى - إن في ذلك لآيات للمتوسمين " رواه الترمذي ~~وحسنه من رواية أبي سعيد. # وقال الله تعالى فيما روى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم " من عادى لي ~~وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ~~ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ~~فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ ~~بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره ~~الموت وأكره مساءته ولا بد له منه " فهذا فيه محاربة الله لمن حارب وليه، ~~وفيه أن محبوبه به يعلم ms557 سمعا وبصرا، وبه يعمل بطشا وسعيا، وفيه أنه يجيبه ~~إلى ما يطلبه منه من المنافع، ويصرف عنه ما يستعيذ به من المضار. وهذا باب ~~واسع. # وأما الخوارق فقد تكون مع الدين وقد تكون مع عدمه أو فساده أو نقصه. # السابع أن الدين هو إقامة حق العبودية وهو فعل ما عليك وما أمرت به، وأما ~~الخوارق فهي من حق الربوبيبة إذا لم يؤمر العبد بها، وإن كانت بسعي من ~~العبد فإن الله هو الذي يخلقها بما ينصبه من الأسباب، والعبد ينبغي له أن ~~يهتم بما عليه وما أمر به، وأما اهتمامه بما يفعله الله إذا لم يؤمر ~~بالاهتمام به فهو إما فضول فتكون لما فيها من المنافع كالمنافع السلطانية ~~المالية التي يستعان بها على الدين كتكثير الطعام والشراب وطاعة الناس إذا ~~رأوها. ولما فيها من دفع المضار عن الدين # PageV05P015 # بمنزلة الجهاد الذي فيه دفع العدو وغلبته. # ثم هل الدين محتاج إليها في الأصل، ولأن الإيمان بالنبوة لا يتم إلا ~~بالخارق أو ليس بمحتاج في الخاصة بل في حق العامة؟ هذا نتكلم عليه. # وأنفع الخوارق الخارق الديني وهو حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال ~~صلى الله عليه وسلم " ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله ~~البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم ~~تابعا يوم القيامة " أخرجاه في الصحيحين. وكانت آيته هي دعوته وحجته بخلاف ~~غيره من الأنبياء. ولهذا يجد كثيرا من المنحرفين منا إلى العيسوية يفرون من ~~القرآن والقال إلى الحال، كما أن المنحرفين منا إلى الموسوية يفرون من ~~الإيمان والحال إلى القال، ونبينا صلى الله عليه وسلم صاحب القال والحال، ~~وصاحب القرآن والإيمان. # ثم بعده الخارق المؤيد للدين المعين له، لأن الخارق في مرتبة (إياك ~~نستعين) والدين في مرتبة (إياك نعبد) فأما الخارق الذي لم يعن الدين فإما ~~متاع دنيا أو معبد صاحبه عن الله تعالى. # فظهر بذلك أن الخوارق النافعة تابعة للدين حادثة له كما أن الرياسة ms558 ~~النافعة هي التابعة للدين، وكذلك المال النافع، كما كان السلطان والمال بيد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فمن جعلها هي ~~المقصودة وجعل الدين تابعا لها ووسيلة إليها لا لأجل الدين في الأصل فهو ~~يشبه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب أو رجاء ~~الجنة فإن ذلك مأمور به وهو على سبيل نجاة وشريعة صحيحة. # والعجب أن كثيرا ممن يزعم أن همه قد ارتفع وارتقى عن أن يكون دينه خوفا ~~من النار أو طلبا للجنة يجعل همه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا ولعله ~~اجتهادا عظيما في مثله وهذا عرف، ولكن منهم من يكون قصده # PageV05P016 # بهذا تثبيت قلبه وطمأنينته وإيقانه بصحة طريقه وسلوكه، فهو يطلب الآية ~~علامة وبرهانا على صحة دينه، كما تطلب الأمم من الأنبياء الآيات دلالة على ~~صدقهم، فهذا أعذر لهم في ذلك. # ولهذا لما كان الصحابة رضي الله عنهم مستغنين في علمهم بدينهم وعملهم به ~~عن الآيات بما رأوه من حال الرسول ونالوه من علم، صار كل من كان عنهم أبعد ~~مع صحة طريقته يحتاج إلى ما عندهم في علم دينه وعمله. # فيظهر مع الأفراد في أوقات الفترات وأماكن الفترات من الخوارق ما لا يظهر ~~لهم ولا لغيرهم من حال ظهور النبوة والدعوة. # فصل # العلم بالكائنات وكشفها له طرق متعددة: حسية وعقلية وكشفية وسمعية ضرورية ~~ونظرية وغير ذلك، وينقسم إلى قطي وظني وغير ذلك، وسنتكلم إن شاء الله تعالى ~~على ما يتبع منها وما لا يتبع في الأحكام الشرعية، أعني الأحكام الشرعية ~~على العلم بالكائنات من طريق الكشف يقظة ومناما كما كتبه في الجهاد. # أما العلم بالدين وكشفه فالدين نوعان: أمور خبرية اعتقادية وأمور طلبية ~~عملية. فالأول كالعلم بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، ويدخل ~~في ذلك أخبار الأنبياء وأممهم ومراتبهم في الفضائل، وأحوال الملائكة ~~وصفاتهم وأعمالهم، ويدخل في ذلك صفة الجنة والنار، وما في الأعمال من ~~الثواب والعقاب، وأحوال الأولياء والصحابة وفضائلهم ومراتبهم وغير ذلك. # وقد يسمى ms559 هذا النوع أصول دين، ويسمى العقد الأكبر، ويسمى الجدال فيه ~~بالعقل كلاما. ويسمى عقائد واعتقادات، ويسمى المسائل العلمية والمسائل ~~الخبرية، ويسمى علم المكاشفة. # PageV05P017 # والثاني الأمور العملية الطلبية من أعمال الجوارج والقلب كالواجبات ~~والمحرمات والمستحبات والمكروهات والمباحات، فإن الأمر والنهي قد يكون ~~بالعلم والاعتقاد، فهو من جهة كونه علما واعتقادا أو خبرا صادقا أو كاذبا ~~يدخل في القسم الأول، ومن جهة كونه مأمورا به أو منهيا عنه يدخل في القسم ~~الثاني، مثل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فهذه الشهادة ~~من جهة كونها صادقة مطابقة لمخبرها فهي من القسم الأول، ومن جهة أنها فرض ~~واجب وأن صاحبها بها يصير مؤمنا يستحق الثواب، وبعدمها يصير كافرا يحل دمه ~~وماله، فهي من القسم الثاني. # وقد يتفق المسلمون على بعض الطرق الموصلة إلى القسمين كاتفاقهم على أن ~~القرآن دليل فيهما في الجملة، وقد يتنازعون في بعض الطرق كتنازعهم في أن ~~الأحكام العملية من الحسن والقبيح والوجوب والحظر هل تعلم بالعقل كما تعلم ~~بالسمع أم لا تعلم إلا بالسمع؟ وأن السمع هل هو منشأ الأحكام أو مظهر لها ~~كما هو مظهر للحقائق الثابتة بنفسها؟ وكذلك الاستدلال بالكتاب والسنة ~~والإجماع على المسائل الكبار في القسم الأول، مثل مسائل الصفات والقدر ~~وغيرهما مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف، وأبى ذلك كثير ~~من أهل البدع المتكلمين بما عندهم على أن السمع لا يثبت إلا بعد تلك ~~المسائل فإثباتها بالسمع (1) حتى يزعم كثيرة من القدرية والمعتزلة أنه لا ~~يصح الاستدلال بالقرآن على حكمة الله وعدله وأنه خالق كل شيء وقادر على كل ~~شيء، وتزعم الجهمية من هؤلاء ومن اتبعهم من بعض الأشعرية وغيرهم أنه لا يصح ~~الاستدلال بذلك على علم الله وقدرته وعبادته، وأنه مستو على العرش. # وبزعم قوم من غالية أهل البدع أنه لا يصح الاستدلال بالقرآن والحديث على ~~المسائل القطعية مطلقا بناء على أن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين بما ~~زعموا. PageV05P018 # ويزعم كثير من أهل البدع أنه لا يستدل بالأحاديث ms560 المتلقاة بالقبول على ~~مسائل الصفات والقدر ونحوهما مما يطلب فيه القطع واليقين. # ويزعم قوم من غالية المتكلمين أنه لا يستدل بالإجماع على شيء، ومنهم من ~~يقول لا يصح الاستدلال به على الأمور العلمية لأنه ظني. وأنواع من هذه ~~المقالات التي ليس هذا موضعها. # فإن طرق العلم والظن وما يتوصل به إليهما من دليل أو مشاهدة، باطنة أو ~~ظاهرة، عام أو خاص، فقد تنازع فيه بنو آدم تنازعا كثيرا. # وكذلك كثير من أهل الحديث والسنة قد ينفي حصول العلم لأحد بغير الطريق ~~التي يعرفها، حتى ينفي أكثر الدلالات العقلية من غير حجة على ذلك. وكذلك ~~الأمور الكشفية التي للأولياء، من أهل الكلام من ينكرها، ومن أصحابنا من ~~يغلو فيها، وخيار الأمور أوساطها. # فالطريق العقلية والنقلية والكشفية والخبرية والنظرية طريقة أهل الحديث ~~وأهل الكلام وأهل التصوف قد تجاذبها الناس نفيا وإثباتا، فمن الناس من ينكر ~~منها ما لا يعرفه، ومن الناس من يغلو فيما يعرفه، فيرفعه فوق قدره وينفي ما ~~سواه. فالمتكلمة والمتفلسفة تعظم الطرق العقلية وكثير منها فاسد متناقض وهم ~~أكثر خلق الله تناقضا واختلافا، وكل فريق يرد على الآخر فيما يدعيه قطعيا. # وطائفة ممن تدعي السنة والحديث يحتجون فيها بأحاديث موضوعة وحكايات ~~مصنوعة يعلم أنها كذب. وقد يحتجون بالضعيف في مقابلة القوي، وكثير من ~~المتصوفة والفقراء يبني على منامات وأذواق وخيالات يعتقدها كشفا وهي خيالات ~~غير مطابقة، وأوهام غير صادقة (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا) فنقول: # أما طرق الأحكام الشرعية التي نتكلم عليها في أصول الفقه فهي – بإجماع # PageV05P019 # المسلمين: الكتاب، لم يختلف أحد من الأئمة في ذلك كما خالف بعض أهل ~~الضلال في الاستدلال على بعض المسائل الإعتقادية. # والثاني السنة المتواترة التي لا تخالف ظاهر القرآن بل تفسره، مثل أعداد ~~الصلاة وأعداد ركعاتها، ونصب الزكاة وفرائضها، وصفة الحج والعمرة وغير ذلك ~~من الأحكام التي لم تعلم إلا بتفسير السنة. # وأما السنة المتواترة التي لا تفر ظاهر القرآن، أو يقال تخالف ظاهره ~~كالسنة في تقدير ms561 نصاب السرقة ورجك الزاني وغير ذلك، فمذهب جميع السلف العمل ~~بها أيضا إلا الخوارج، فإن من قولهم - أو قول بعضهم - مخالفة السنة، حيث ~~قال أولهم للنبي صلى الله عليه وسلم في وجهه: إن هذه القسمة ما أريد بها ~~وجه الله. ويحكي عنهم أنهم لا يتبعونه صلى الله عليه وسلم إلا فيما بلغه عن ~~الله من القرآن والسنة المفسرة له، وأما ظاهر القرآن إذا خالفه الرسول فلا ~~يعملون إلا بظاهره، ولهذا كانوا مارقة مرقوا من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأولهم " لقد خبت وخسرت إن لم أعدل ~~" فأجوز جوز أن الرسول يجوز أن يخون ويظلم فيما ائتمنه الله عليه من ~~الأموال، وهو معتقد أنه أمين الله على وجيه، فقد اتبع ظالما كاذبا وجوز أن ~~يخون ويظلم فيما ائتمنه من المال من هو صادق أمين فيما ائتمنه الله عليه من ~~خبر السماء، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " أيأمنني من في السماء ~~ولا تأمنوني؟ " أو كما قال، يقول صلى الله عليه وسلم إن أداء الأمانة في ~~الوحي. أعظم والوحي الذي أوجب الله طاعته هو الوحي بحكمه وقسميه. # وقد ينكر هؤلاء كثيرا من السنن طعنا في النقل لا ردا للمنقول كما ينكر ~~كثير من أهل البدع السنن المتواترة عند أهل العلم كالشفاعة والحوض والصراط ~~والقدر وغير ذلك. # الطريق الثالث السنن المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إما ~~متلقاة بالقبول # PageV05P020 # من أهل العلم بها، أو برواية الثقات لها. وهذه أيضا مما اتفق أهل العلم ~~على اتباعها من أهل الفقه والحديث والتصوف وأكثر أهل العلم، وقد أنكرها بعض ~~أهل الكلام، وأنكر كثير منهم أن يحصل العلم بشيء منها وإنما يوجب العلم، ~~فلم يفرقوا بين المتلقى بالقبول وغيره، وكثير من أهل الرأي قد ينكر كثيرا ~~منها بشروط اشترطها، ومعارضات دفعها بها ووضعها، كما يرد بعضهم بعضا، لأنه ~~بخلاف ظاهر القرآن فيما زعم، أو لأنه خلاف الأصول، أو قياس الأصول، أو لأن ~~عمل متأخري أهل المدينة على ms562 خلافه أو غير ذلك من المسائل المعروفة في كتب ~~الفقه والحديث وأصول الفقه. # الطريق الرابع الإجماع وهو متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء ~~والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم في الجملة، وأنكره بعض أهل البدع من ~~المعتزلة والشيعة، لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة، وأما ما بعد ~~ذلك فتعذر العلم به غالبا، ولهذا اختلف أهل العلم فيما يذكر من الإجماعات ~~الحادثة بعد الصحابة واختلف في مسائل منه كإجماع التابعين على أحد قولي ~~الصحابة، والإجماع الذي لم ينقرض عصر أهله حتى خالفهم بعضهم، والإجماع ~~السكوتي وغير ذلك. # الطريق الخامس القياس على النص والإجماع، وهو حجة أيضا عند جماهير ~~الفقهاء، لكن كثيرا من أهل الرأي أسرف فيه حتى استعمله قبل البحث عن النص، ~~وحتى رد به النصوص، وحتى استعمل منه الفاسد، ومن أهل الكلام وأهل الحديث ~~وأهل القياس من ينكره رأسا، وهي مسئلة كبيرة والحق فيها متوسط بين الإسراف ~~والنقض. # الطريق السادس الاستصحاب، وهو البقاء على الأصل فيما لم يعلم ثبوته ~~وانتفاؤه بالشرع، وهو حجة على عدم الاعتقاد بالاتفاق، وهل هو حجة في اعتقاد ~~العدم؟ فيه خلاف، ومما يشبهه الاستدلال بعدم الدليل السمعي على عدم الحكم ~~الشرعي، مثل أن يقال: لو كانت الأضحية أو الوتر واجبا لنصب الشرع عليه ~~دليلا شرعيا، إذ وجوب هذا لا يعلم بدون الشرع، ولا دليل، فلا وجوب. # PageV05P021 # فالأول يبقى على نفي الوجوب والتحريم المعلوم بالعقل حتى يثبت المغير له. ~~وهذا استدلال بعدم الدليل السمعي المثبت على عدم الحكم، إذ يلزم من ثبوت ~~مثل هذا الحكم ثبوت دليله السمعي، كما يستدل بعدم النقل لما تتوفر الهمم ~~والدواعي على نقله وما توجب الشرعية نقله، وما يعلم من دين أهلها وعادتهم ~~أنهم ينقلونه على أنه لم يكن، كالاستدلال بذلك على عدم زيادة في القرآن وفي ~~الشرائع الظاهرة وعدم النص الجلي بالإمامة على علي أو العباس أو غيرهما، ~~ويعلم الخاصة من أهل العلم بالسنن والآثار وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخلفائه انتفاء أمور من هذا هذا، لا يعلم ms563 انتفاءها غيرهم، ولعلمهم بما ~~بنفيها من أمور منقولة يعلمونها هم، ولعلمهم بانتفاء لوازم نقلها؛ فإن وجود ~~أحد الضدين ينفي الآخر، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم. # الطريق السابع المصالح المرسلة، وهو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب ~~منفعة راجحة، وليس في الشرع ما ينفيه، فهذه الطريق فيها خلاف مشهور، ~~فالفقهاء يسمونها المصالح المرسلة، ومنهم من يسميها الرأي، وبعضهم يقرب ~~إليها الاستحسان، وقريب منها ذوق الصوفية ووجدهم وإلهاماتهم، فإن حاصلها ~~أنهم يجدون في القول والعمل مصلحة في قلوبهم وأديانهم ويذوقون طعم ثمرته، ~~وهذه مصلحة، لكن بعض الناس يخص المصالح المرسلة بحفظ النفوس والأموال ~~والأعراض والعقول والأديان. وليس كذلك، بل المصالح المرسلة في جلب المنافع ~~وفي دفع المضار، وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد ~~القسمين. # وجلب المنفعة يكون في الدنيا وفي الدين، ففي الدنيا كالمعاملات والأعمال ~~التي يقال فيها مصلحة للخلق من غير حظر شرعي. وفي الدين ككثير من المعارف ~~والأحوال والعبادات والزهادات التي يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع ~~شرعي. فمن قصر المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ~~ليحفظ الجسم فقط فقد قصر. # PageV05P022 # وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به فإن من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم، ~~وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا ~~الأصل وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه، وربما قدم على ~~المصالح المهدية كلاما بخلاف النصوص، وكثير منهم من أهمل مصالح يجب ~~اعتبارها شرعا بناء علىأن الشرع لم يرد بها، ففوت واجبات ومستحبات، أو وقع ~~في محظورات ومكروهات، وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه. # وحجة الأول: أن هذه مصلحة والشرع لا يهمل المصالح، بل قد دل الكتاب ~~والسنة والإجماع على اعتبارها، وحجة الثاني: أن هذا أمر لم يرد به الشرع ~~نصا ولا قياسا. # والقول بالمصالح المرسلة يشرع من الدين ما لم يأذن به الله. وهي تشبه من ~~بعض الوجوه مسئلة الاستحسان والتحسين العقلي والرأي ونحو ذلك، فإن ~~الاستحسان ms564 طلب الحسن والأحسن كالاستخراج، وهو رؤية الشيء حسنا كما أن ~~الاستقباح رؤيته قبيحا، والحسن هو المصلحة، فالاستحسان والاستصلاح ~~متقاربان، والتحسين العقلي قول بأن العقل يدرك الحسن، لكن بين هذه فروق. # والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا ~~الدين وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا ~~هالك، لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين ~~لازم له، إما أن الشرع دل عليه هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة، وكثيرا ما ~~يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة ~~بالمضرة، كما قال تعالى في الخمر والميسر (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما) . # PageV05P023 # وكثير مما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل ~~التصوف وأهل الرأي وأهل الملك حسبوه منفعة أو مصلحة نافعا وحقا وصوابا ولم ~~يكن كذلك، بل كثير من الخارجين عن الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين ~~والصابئين والمجوس يحسب كثير منهم أن ما هم عليه من الاعتقادات والمعاملات ~~والعبادات مصلحة لهم في الدين والدنيا، ومنفعة لهم، فقد (ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) وقد زين لهم سوء عملهم فرأوه ~~حسنا. فإذا كان الإنسان يرى حسنا ما هو سيئ كان استحسانه أو استصلاحه قد ~~يكون من هذا الباب. وهذا بخلاف الذين جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا. فإن باب جحود الحق ومعاندته من باب جهله والعمى عنه، والكفار فيهم ~~هذا وفيهم هذا، وكذلك في أهل الأهواء من المسلمين القسمان. فإن الناس كما ~~أنهم في باب الفتوى والحديث يخطئون تارة ويتعمدون الكذب أخرى، فكذلك هم في ~~أحوال الديانات، وكذلك في الأفعال قد يفعلون ما يعلمون أنه ظلم، وقد ~~يعتقدون أنه ليس بظلم وهو ظلم، فإن الإنسان كما قال الله تعالى (وحملها ~~الإنسان أنه كان ظلوما جهولا) فتارة يجهل ms565 وتارة يظلم: ذلك في قوة علمه، ~~وهذا في قوة عمله. # واعلم أن هذا الباب مشترك بين أهل العلم والقول، وبين أهل الإرادة ~~والعمل، فذلك يقول هذا جائز أو حسن، بناء على ما رآه، وهذا يفعله من غير ~~اعتقاد تحريمه أو اعتقاد أنه خير له كما يجد نفعا في مثل السماع المحدث: ~~سماع المكاء والتصدية واليراع التي يقال لها الشبابة والصفارة والأوتار ~~وغير ذلك، وهذا يفعله لما يجده من لذته، وقد يفعله لما يجده من منفعة دينه ~~بزيادة أحواله الدينية كما يفعل مع القرآن. # وهذا يقول جائز لما يرى من تلك المصلحة والمنفعة، وهو نظير المقالات ~~المبتدعة. وهذا يقول هو حق لدلالة القياس العقلي عليه. وهذا يقول يجوز ويجب # PageV05P024 # اعتقادها وإدخالها في الدين إذ كانت كذلك، وكذلك سياسات ولاة الأمور من ~~الولاة والقضاء وغير ذلك. # واعلم أنه لا يمكن العاقل أن يدفع عن نفسه أنه قد يميز بعقله بين الحق ~~والباطل، والصدق والكذب، وبين النافع والضار، والمصلحة والمفسدة، ولا يمكن ~~المؤمن أن يدفع عن إيمانه أن الشريعة جاءت بما هو الحق والصدق في ~~المعتقدات، وجاءت بما هو النافع والمصلحة في الأعمال التي تدخل فيها ~~الاعتقادات، ولهذا لم يختلف الناس أن الحسن أو القبيح إذا فسر بالنافع ~~والضار والملائم للإنسان والمنافي له واللذيذ والأليم - فإنه قد يعلم ~~بالعقل، هذا في الأفعال. # وكذلك إذا فسر حسنه بأنه موجود أو كمال الموجود يوصف بالحسن. ومنه قوله ~~تعالى (ولله الأسماء الحسنى) وقوله (الذي أحسن كل شيء خلقه) كما نعلم أن ~~الحي أكمل من الميت في وجوده، وأن العالم أكمل من الجاهل، وأن الصادق أكمل ~~من الكاذب - فهذا أيضا قد يعلم بالعقل. وإنما اختلفوا في أن العقل هل يعتبر ~~المنفعة والمضرة. وأنه هل باب التحسين واحد في الخالق والمخلوق؟ # فأما الوجهان الأولان فثابتان في أنفسهما، ومنهما ما يعلم بالعقل الأول ~~في الحق المقصود، والثاني في الحق الموجود (الأول) متعلق بحب القلب وبغضه ~~وإرادته وكراهته وخطابه بالأمر والنهي (الثاني) متعلق بتصديقه وتكذيبه ~~وإثباته ونفيه وخطابه الخبري المشتمل ms566 على النفي والإثبات، والباطل بمعنى ~~المعدوم المنتفي، والحق بإزاء ما ينبغي قصده وطلبه وعمله، وهو النافع، ~~والباطل بإزاء ما لا ينبغي قصده ولا طلبه ولا عمله وهو غير النافع. ~~والمنفعة تعود إلى حصول النعمة واللذة والسعادة التي هي حصول اللذة، ودفع ~~الألم هو حصول المطلوب، وزوال المرهوب حصول النعيم وزوال العذاب، وحصول ~~الخير وزوال الشر، ثم الموجود والنافع قد يكون ثابتا # دائما # PageV05P025 # وقد يكون منقطعا لا سيما إذا كان زمنا يسيرا فيستعمل الباطل كثيرا بإزاء ~~ما لا يبقى من المنفعة، وبإزاء ما لا يدوم من الوجود، كما يقال الموت حق ~~والحياة باطل وحقيقته أنه يستعمل بإزاء ما ليس من المنافع خالصا أو راجحا ~~كما تقدم القول فيه فيما يزهد فيه، وهو ما ليس بنافع، والمنفعة المطلقة هي ~~الخالصة أو الراجحة، وأما ما يفوت أرجح منها أو يعقب ضررا ليس هو دونها ~~فإنها باطل في الاعتبار والمضرة أحق باسم الباطل من المنفعة. وأما ما يظن ~~فيه منفعة وليس كذلك أو يحصل به لذة فاسدة فهذا لا منفعة فيه بحال، فهذه ~~الأمور التي يشرع الزهد فيها وتركها وهي باطل، ولذلك ما نهى الله عنه ~~ورسوله باطل ممتنع أن يكون مشتملا على منفعة خالصة أو راجحة. ولهذا صارت ~~أعمال الكفار والمنافقين باطلة لقوله (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ~~كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان ~~عليه تراب) الآية. أخبر أن صدقة المرائي والمنان باطلة لم يبق فيها منفعة ~~له، وكذلك قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا ~~تبطلوا أعمالكم) وكذلك الإحباط في مثل قوله (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط ~~عمله) ولهذا تسميه الفقهاء العقود. # والعبادات بعضها صحيح وبعضها باطل وهو ما لم يحصل به مقصوده ولم يترتب ~~عليه أثره، فلم يكن فيه المنفعة المطلوبة منه، ومن هذا قوله (والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء) الآية وقوله (مثل ما ينفقون في هذه ~~الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا ms567 أنفسهم فأهلكته) وقوله ~~(وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) ولذلك وصف الاعتقادات ~~والمقالات بأنها باطلة ليست مطابقة ولا حقا كما أن الأعمال ليست نافعة. # وقد توصف الاعتقادات والمقالات بأنها باطلة إذا كانت غير مطابقة إن لم ~~يكن فيها منفعة كقوله صلى الله عليه وسلم " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ~~ينفع " فيعود الحق فيما # PageV05P026 # يتعلق بالإنسان إلى ما ينفعه من علم وقول وعمل وحال، قال الله تعالى ~~(أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها - إلى قوله - كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال) وقال تعالى (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل ~~أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد - إلى قوله ~~- كذل يضرب الله للناس أمثالهم) . # وإذا كان كذلك وقد علم أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل حابط لا ~~ينفع صاحبه وقت الحاجة إليه، فكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، لأن ما ~~لم يرد به وجهه إما أن لا ينفع بحال، وإما أن ينفع في الدنيا أو في الآخرة. ~~فالأول ظاهر وكذلك منفعته في الآخرة بعد الموت، فإنه قد ثبت بنصوص المرسلين ~~أنه بعد الموت لا ينفع الإنسان من العمل إلا ما أراد به وجه الله. وأما في ~~الدنيا فقد يحصل له لذات وسرور، وقد يجزى بأعماله في الدنيا، لكن تلك ~~اللذات إذا كانت تعقب ضررا أعظم منها وتفوت أنفع منها وأبقاه، فهي باطلة ~~أيضا، فثبت أن كل عمل لا يرد به وجه الله فهو باطل وإن كان فيه لذة ما. # وأما الكائنات فقد كانت معدومة منفية فثبت أن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة ~~لبيد: " ألا كل شيء ما خلا الله باطل " وكما قال صلى الله عليه وسلم " أصدق ~~كلمة قالها شاعر قول لبيد " ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وكل مقصود بدون ~~قصد الله فهو باطل، وعلى هذين فقد فسر قوله ms568 (كل شيء هالك إلا وجهه) إلا ما ~~أريد به وجهه وكل شيء معدوم إلا من جهته. هذا على قول، وأما القول الآخر ~~وهو المأثور عن طائفة من السلف وبه فسر الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رده ~~على الجهمية والزنادقة (1) PageV05P027 # قال أحمد: وأما قوله (كل شيء هالك إلا وجهه) وذلك أن الله أنزل (كل من ~~عليها فان) فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض، وطمعوا في البقاء، فأنزل الله ~~تعالى أنه يخبر عن أهل السموات والأرض أنكم تموتون فقال: كل شيء من الحيوان ~~هالك - يعني ميتا - إلا وجهه، فإنه حي لا يموت، فلما ذكر ذلك أيقنوا عند ~~ذلك بالموت " ذكر ذلك في رده على الجهمية قولهم أن الجنة والنار تفنيان. # وقد تبين مما ذكرناه أن الحسن هو الحق والصدق والنافع والمصلحة والحكمة ~~والصواب. وأن الشيء القبيح هو الباطل والكذب والضار والمفسدة والسفه ~~والخطأ. # وأما مواضع الاشتباه والنزاع واختلاف الخلائق فموضع واحد وذلك أن فعل ~~الله كله حسن جميل، قال الله عز وجل (الذي أحسن كل شيء خلقه) وقال تعالى ~~(صنع الله الذي أتقن كل شيء) وقال تعالى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ~~وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله جميل يحب الجمال " وهو حكم عدل ~~قال الله تعالى (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) وقال تعالى (إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة وإن تك حسنة يضاعفها) وقال تعالى (وهو الحكيم الخبير) وهذا كله متفق ~~عليه بين الأمة مجملا غير مفسر فإذا فسر تنازعوا فيه. # وذلك أن هذه الأعمال الفاسدة والآلام وهذا الشر الوجودي المتعلق ~~بالحيوان، وأنه لا يخلوا عن أن يكون عملا من الأعمال، أو أن يكون ألما من ~~الآلام الواقعة بالحيوان، وذلك العمل القبيح والألم شره من ضرره، وهذا ~~العامل والمعالم، فالمعتزلة ومن اتبعها من الشيعة تزعم أن الأعمال ليست من ~~خلقه ولا كونها شيء، وأن الآلام لا يجوز ms569 أن يفعلها إلا جزاء على عمل سابق. ~~أو تعوض بنفع لاحق، وكثير من أهل الإثبات ومن اتبعهم من الجبرية يقولون بل ~~الجميع # PageV05P028 # خلقه وهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا فرق بين خلق المضار والمنافع، ~~والخير والشر بالنسبة إليه. ويقول هؤلاء: إنه لا يتصور أن يفعل ظلما ولا ~~سفها أصلا، بل لو فرض أنه فعل أي شيء كان فعله حكمة وعدلا وحسنا، إذ لا ~~قبيح إلا ما نهى عنه وهو لم ينهه أحد، ويسوون بين تنعيم الخلائق وتعذيبهم، ~~وعقوبة المحسن، ورفع درجات الكفار والمنافقين. # والفريقان متفقان على أنه لا ينتفع بطاعات العباد ولا يتضرر بمعصيتهم، ~~لكن الأولون يقولو: الإحسان إلى الغير حسن لذاته وإن لم يعد إلى المحسن منه ~~فائدة. # والآخرون يقولون: ما حسن منا حسن منه، وما قبح منا قبح منه، والآخرون مع ~~جمهور الخلائق ينكرون، والأولون يقولون: إذا أمر بالشيء فقد أراده منا. لا ~~يعقل الحسن والقبيح إلا ما ينفع أو يضر، كنحو ما يأمر الواحد منا غيره بشيء ~~فإنه لا بد أن يريده منه ويعينه عليه، وقد أقدر الكفار بغاية القدرة، ولم ~~يبق يقدر على أن يجعلهم يؤمنون اختيارا، وإنما كفرهم وفسوقهم وعصيانهم بدون ~~مشيئته واختياره. وآخرون يقولون: الأمر ليس بمستلزم الإرادة أصلا، وقد بينت ~~التوسط بين هذين في غير هذا الموضع، وكذلك أمره. والأولون يقولون لا يأمر ~~إلا بما فيه مصلحة العباد، والآخرون يقولون أمره لا يتوقف على المصلحة. # وهنا مقدمات، تكشف هذه المشكلات. # إحداها أنه ليس ما حسن منه حسن منا وليس ما قبح منه يقبح منا، فإن ~~المعتزلة شبهت الله بخلقه، وذلك أن الفعل يحسن منا لجلبه المنفعة، ويقبح ~~لجلبه المضرة، ويحسن لأنا أمرنا به، ويقبح لأنا نهينا عنه، وهذان الوجهان ~~منتفيان في حق الله تعالى قطعا، ولو كان الفعل يحسن باعتبار آخر كما قال ~~بعض الشيوخ:؟ ويقبح من سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا # المقدمة الثانية أن الحسن والقبح قد يكونان صفة لأفعالنا وقد يدرك # PageV05P029 # بعض ذلك بالعقل وإن فسر ذلك ms570 بالنافع والضار والمكمل والمنقص، فإن أحكام ~~الشارع فيما يأمر به وينهي عنه تارة تكون كاشفة للصفات الفعلية ومؤكدة لها ~~وتارة تكون مبينة للفعل صفات لم تكن له قبل ذلك، وإن الفعل تارة يكون حسنه ~~من جهة نفسه وتارة من جهة الأمر به وتارة من الجهتين جميعا. ومن أنكر أن ~~يكون للفعل صفات ذاتية لم يحسن إلا لتعلق الأمر به وإن الأحكام بمجرد نسبة ~~الخطاب إلى الفعل فقط، فقد أنكر ما جاءت به الشرائع من المصالح والمفاسد ~~والمعروف والمنكر وما في الشريعة من المناسبات بين الأحكام وعللها، وأنكر ~~خاصة الفقه في الدين الذي هو معرفة حكمة الشريعة مقاصدها ومحاسنها. # المقدمة الثالثة إن الله خلق كل شيء وهو على كل شيء قدير ومن جعل شيئا من ~~الأعمال خارجا عن قدرته ومشيئته فقد ألحد في أسمائه وآياته بخلاف ما عليه ~~القدرية. # المقدمة الرابعة إن الله إذا أمر العبد بشيء فقد أراده منه إرادة شرعية ~~دينية وإن لم يرده منه إرادة قدرية كونية فإثبات إرادته في الأمر مطلقا خطأ ~~ونفيها عن الأمر مطلقا خطأ وإنما الصواب التفصيل كما جاء في التنزيل (يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، يريد الله ليخفف عنكم، ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج) وقال (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) وقال (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم) وقال (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) وأمثال ذلك ~~كثير. # المقدمة الخامسة إن محبته ورضاه مستلزم للإرادة الدينية والأمر الديني ~~وكذلك بغضه وغضبه وسخطه مستلزم لعدم الإرادة الدينية فالمحبة والرضا والغضب ~~والسخط ليس هو مجرد الإرادة. هذا قول جمهور أهل السنة. ومن قال أن هذه ~~الأمور بمعنى الإرادة كما يقوله كثير من القدرية وكثير من أهل الإثبات # PageV05P030 # فإنه يستلزم أحد أمرين: إما الكفر والفسوق والمعاصي مما يكرهها دينا فقد ~~كره كونها وأنها واقعة بدون مشيئته وإرادته. وهذا قول القدرية، أو يقول أنه ~~لما كان ms571 مريدا لها شاءها فهو محب راض بها كما تقوله طائفة من أهل الإثبات، ~~وكلا القولين فيه ما فيه، فإن الله تعالى يحب المتقين ويحب المقسطين وقد ~~رضي عن المؤمنين، ويحب ما أمر به أمر إيجاب واستحباب، وليس هذا المعنى ~~ثابتا في الكفار والفجار والظالمين، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب كل ~~مختال فخور، ومع هذا فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. # وأحسن ما يعتذر به من قال هذا القول من أهل الإثبات: أن المحبة بمعنى ~~الإرادة أنه أحبها كما أرادها كونا، فكذلك أحبها ورضيها كونا، وهذا فيه نظر ~~مذكور في غير هذا الموضع. # فإن قيل: تقسيم الإرادة لا يعرف في حينا بل أن الأمر منه بالشيء إما أن ~~يريده أو لا يريده، وأما الفرق بين الإرادة والمحبة فقد يعرف في حقنا ~~(فيقال) وهذا هو الواجب فإن الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس أمره لنا كأمر ~~الواحد منا لعبده وخدمه، وذلك أن الواحد منا إذا أمر عبده فإما أن يأمره ~~لحاجته إليه أو إلى المأمور به، أو لحاجته إلى الأمر فقط، فالأول كأمر ~~السلطان جنده بما فيه حفظ ملكه ومنافعهم له، فإن هداية الخلق وإرشادهم ~~بالأمر والنهي هي من باب الإحسان إليهم، والمحسن من العباد يحتاج إلى ~~إحسانه قال الله تعالى (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) وقال (من ~~عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها) .والله تعالى لم يأمر عباده لحاجته إلى ~~خدمتهم ولا هو محتاج إلى أمرهم وإنما أمرهم إحسانا منه ونعمة أنعم بها ~~عليهم، فأمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم. وإرسال الرسل، وإنزال ~~الكتب من أعظم نعمه على خلقه كما قال (وما # PageV05P031 # أرسلناك إلى رحمة للعالمين) وقال تعالى (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث ~~فيهم رسولا من أنفسهم) وقال (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء ~~لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) ~~فمن أنعم الله عليه مع الأمر بالامتثال فقد تمت النعمة في حقه ms572 كما قال ~~(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) وهؤلاء هم المؤمنون. ومن لم ~~ينعم عليه بالامتثال بل خذله حتى كفر وعصى فقد شقي لما بدل نعمة الله كفرا ~~كما قال (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار) ~~والأمر والنهي الشرعيان لما كانا نعمة ورحمة عامة لم يضر ذلك عدم انتفاع ~~بعض الناس بهما من الكفار، كإنزال المطر وإنبات الرزق هو نعمة عامة وإن ~~تضرر بها بعض الناس لحكمة أخرى، كذلك مشيئته لما شاءه من المخلوقات ~~وأعيانها وأفعالها لا يوجب أن يحب كل شيء منها فإذا أمر العبد بأمر فذاك ~~إرشاد ودلالة، فإن فعل المأمور به صار محبوبا لله وإلا لم يكن محبوبا له ~~وإن كان مرادا له، وإرادته له تكوينا لمعنى آخر. فالتكوين غير التشريع. ~~(فإن قيل) المحبة والرضا يقتضيان ملاءمة ومناسبة بين المحب والمحبوب ويوجب ~~للمحب بدرك محبوبه فرحا ولذة وسرورا، وكذلك البغض لا يكون إلا عن منافرة ~~بين المبغض والمبعض، وذلك يقتضي للمبغض بدرك المبغض أذى وبغضا ونحو ذلك، ~~والملاءمة والمنافرة تقتضي الحاجة، إذ ما لا يحتاج الحي إليه لا يحبه، وما ~~لا يضره كيف يبغضه؟ والله غني لا تجوز عليه الحاجة، إذ لو جازت عليه الحاجة ~~للزم حدوثه وإمكانه وهو غني عن العالمين، وقد قال تعالى - أي في الحديث ~~القدسي - " يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ~~" فلهذا فسرت المحبة والرضا بالإرادة إذ يفعل النفع والضر. فيقال الجواب من ~~وجهين: (أحدهما) الإلزام وهو أن نقول: الإرادة لا تكون إلا للمناسبة بين ~~المريد # PageV05P032 # والمراد وملاءمته في ذلك تقتضي الحاجة، وإلا فما لا يحتاج إليه الحي لا ~~ينتفع به ولا يريده، ولذلك إذا أراد به العقوبة والإضرار لا يكون إلا لنفرة ~~وبغض، وإلا فما لم يتألم به الحي أصلا لا يكرهه ولا يدفعه، وكذلك نفس نفع ~~الغير وضرره هو في الحي متنافر من الحاجة، فإن الواحد منا إنما يحن إلى ~~غيره لجلب منفعة أو لدفع مضرة، وإنما يضر غيره ms573 لجلب منفعة أو دفع مضرة، ~~فإذا كان الذي يثبت صفة وينفي أخرى يلزمه فيما أثبته نظير ما يلزمه فيما ~~نفاه لم يكن إثبات إحداهما ونفي الآخر أولى من العكس، ولو عكس عاكس فنفى ما ~~أثبته من الإرادة وأثبت ما نفاه من المحبة لما ذكره لم يكن بينهما فرق، ~~وحينئذ فالواجب إما نفي الجميع ولا سبيل إليه للعلم الضروري بوجود نفع ~~الخلق والإحسان إليهم وإن ذلك يستلزم الإرادة، وإما إثبات الجميع كما جاءت ~~به النصوص، وحينئذ فمن توهم (1) أنه يلزم من ذلك محذور أو أحد الأمرين ~~لازم: إما أن ذلك المحذور لا يلزم أو أنه إن لزم فليس بمحذور. # الجواب الثاني: أن الذي يعلم قطعا هو أن الله قديم واجب الوجود كامل، ~~وأنه لا يجوز عليه الحدوث ولا الإمكان ولا النقص، لكن كون هذه الأمور التي ~~جاءت بها النصوص مستلزمة للحدوث والإمكان أو النقص هو موضع النظر، فإن الله ~~غني واجب بنفسه، وقد عرف أن قيام الصفات به لا يلزم حدوثه ولا إمكانه ولا ~~حاجته. وإن قول القائل بلزوم افتقاره إلى صفاته اللازمة بمنزلة قوله مفتقر ~~إلى ذاته، ومعلوم أنه غني بنفسه، وأنه واجب الوجود بنفسه، وأنه موجود ~~بنفسه، فتوهم حاجة نفسه إلى نفسه، إن عني به أن ذاته لا تقوم إلا بذاته ~~فهذا حق، فإن الله غني عن العالمين وعن خلقه، وهو غني بنفسه. PageV05P033 # وأما إطلاق القول بأنه غني عن نفسه فهو باطل فإنه محتاج إلى نفسه، وفي ~~إطلاق كل منهما إيهام معنى فاسد، ولا خالق إلا الله تعالى، فإذا كان سبحانه ~~عليما يحب العلم، عفوا يحب العفو، جميلا يحب الجمال، نظيفا يحب النظافة، ~~طيبا يحب الطيب، وهو يحب المحسنين والمتقين والمقسطين، وهو سبحانه الجامع ~~لجميع الصفات المحبوبة، والأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو يحب نفسه ويثني ~~بنفسه على نفسه، والخلق لا يحصون ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه. ~~فالعبد المؤمن يحب نفسه، ويحب في الله من أحب الله وأحبه الله، فالله ~~سبحانه أولى بأن يحب نفسه، ويحب في ms574 نفسه عباده المؤمنين، ويبغض الكافرين، ~~ويرضى عن هؤلاء ويفرح بهم، ويفرح بتوبة عبده التائب من أولئك، ويمقت الكفار ~~ويبغضهم، ويحب حمد نفسه والثناء عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للأسود بن سريع لما قال: إنني حمدت ربي بمحامد فقال " إن ربك يحب الحمد " ~~وقال صلى الله عليه وسلم " لا أحد أحب إليه المدح من الله، ولا أحد أحب ~~إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل، ولا أحد أصبر على أذى من الله، ~~يجعلوه له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم " فهو يفرح بما يحبه، ويؤذيه ما ~~يبغضه، ويصبر على ما يؤذيه، وحبه ورضاه وفرحه وسخطه وصبره على ما يؤذيه كل ~~ذلك من كماله وكل ذلك من صفاته وأفعاله، وهو الذي خلق الخلائق وأفعالهم، ~~وهم لن يبلغوا ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه. # وإذا فرح ورضي بما فعله بعضهم فهو سبحانه الذي خلق فعله، كما أنه إذا فرح ~~ورضي بما يخلقه فهو الخالق، وكل الذين يؤذون الله ورسوله هو الذي مكنهم ~~وصبر على أذاهم بحكمته، فلم يفتقر إلى غيره ولم يخرج شيء عن مشيئته ولم ~~يفعل أحد ما لا يريد، وهذا قول عامة القدرية (1) ونهاية الكمال والعزة. ~~PageV05P034 # وأما الإمكان (1) لو افتقر وجوده إلى فرح غيره، وأما الحدوث فيبنى على ~~قيام الصفات فيلزم منه حدوثه (2) وقد ذكر في غير هذا الموضع أن ما سلكه ~~الجهمية في نفي الصفات فمبناه على القياس الفاسد المحض وله شرح مذكور في ~~غير هذا الموضع. ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة وجدها في غاية الإحكام ~~والإتقان وأنها مشتملة على التقديس لله عن كل نقص، والإثبات لكل كمال، وأنه ~~تعالى ليس له كمال ينتظر بحيث يكون قبله ناقصا بل من الكمال أنه يفعل ما ~~يفعله بعد أن لم يكن فاعله، وإنه إذا كان كاملا بذاته وصفاته وأفعاله لم ~~يكن كاملا بغيره ولا مفتقرا إلى سواه، بل هو الغني ونحن الفقراء، وقال ~~تعالى (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، سنكتب ما ~~قالوا ms575 وقتلهم الأنبياء بغير حق) وهو سبحانه في محبته ورضاه ومقته وسخطه ~~وفرحه وأسفه وصبره وعفوه ورأفته له الكمال الذي لا تدركه الخلائق وفوق ~~الكمال، إذ كل كمال فمن كماله يستفاد، وله الثناء الحسن الذي لا تحصيه ~~العباد، وإنما هو كما أثنى على نفسه، له الغني الذي لا يفتقر إلى سواه، (إن ~~كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم ~~آتيه يوم القيامة فردا) .فهذا الأصل العظيم وهو مسئلة خلقه وأمره وما يتصل ~~به من صفاته وأفعاله من محبته ورضاه وفرحه بالمحبوب وبغضه وصبره على ما ~~يؤذيه هي متعلقة بمسائل القدر ومسائل الشريعة. والمنهاج الذي هو المسؤول ~~عنه ومسائل الصفات ومسائل PageV05P035 # الثواب والعقاب والوعد والوعيد، وهذه الأصول الأربعة كلية جامعة وهي ~~متعلقة به وبخلقه. وهي في عمومها وشمولها وكشفها للشبهات تشبه مسئلة الصفات ~~الذاتية والفعلية، ومسئلة الذات والحقيقة والحد وما يتصل بذلك من مسائل ~~الصفات والكلام في حلول الحوادث ونفي الجسم وما في ذلك من تفصيل وتحقيق. ~~فإن المعطلة والملحدة في أسمائه وآياته كذبوا بحق كثير جاءت به الرسل بناء ~~على ما اعتقدوه منن نفي الجسم والعرض ونفي حلول الحوادث ونفي الحاجة. وهذه ~~الأشياء يصح نفيها باعتبار ولكن ثبوتها يصح باعتبار آخر، فوقعوا في نفي ~~الحق الذي لا ريب فيه الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وفطره عليه ~~الخلائق ودلت عليه الدلائل السمعية والعقلية والله أعلم. # (انتهى) # PageV05P036 ### | تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال # والفصل فيما اتفق عليه وما اختلف فيه أهل الملل والنحل والمذاهب منها ~~باختلاف الدلائل العقلية والنقلية فيها من فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية قدس ~~الله سره # PageV05P037 # بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن يا كريم نص الاستفتاء المسؤول من ~~علماء الإسلام، والسادة الأعلام، أحسن الله ثوابهم، وأكرم نزلهم ومآبهم: أن ~~يرفعوا حجاب الإجمال، ويكشفوا قناع الأشكال، عن مقدمة جميع أرباب الملل ~~والنحل متفقون عليها، ومستندون في آرائهم إليها، حاشى مكابرا منهم معاندا، ~~وكافرا بربوبية الله جاحدا. وهي: أن يقال ms576 " هذه صفة كمال فيجب لله إثباتها، ~~وهذه صفة نقص فيتعين انتفاؤها " لكنهم في تحقيق مناطها في أفراد الصفات ~~متنازعون، وفي تعيين الصفات لأجل القسمين مختلفون. فأهل السنة يقولون: ~~إثبات السمع والبصر والحياة والقدرة والعلم والكلام وغيرها من الصفات ~~الخبرية، كالوجه واليدين والعينين والغضب والرضا - والصفات الفعلية كالضحك ~~والنزول والاستواء - صفات كمال وأضدادها صفات نقصان. والفلاسفة تقول: ~~اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالا فقد استكمل بغيره فيكون ناقصا بذاته، ~~وإن أوجب له نقصا لم يجز اتصافه بها. والمعتزلة يقولون: لو قامت بذاته صفات ~~وجودية لكان مفتقرا إليها وهي مفتقرة إليه، فيكون الرب مفتقرا إلى غيره، ~~ولأنها أعراض لا تقوم إلا بجسم. والجسم مركب، والمركب ممكن محتاج، وذلك عين ~~النقص. ويقولون أيضا: لو قدر على العباد أعمالهم وعاقبهم عليها كان ظالما ~~وذلك نقص وخصومهم يقولون: لو كان في ملكه ما لا يريده لكان ناقصا. # PageV05P038 # والكلابية ومن اتبعهم ينفون صفات أفعاله ويقولون: لو قامت به لكان محلا ~~للحوادث، والحادث إن أوجب له كمالا فقد عدمه قبله، وهو نقص، وإن لم يوجب له ~~كمالا لم يجز وصفه به. وطائفة منهم ينفون صفاته الخبرية لاستلزامها التركيب ~~المستلزم للحاجة والافتقار. وهكذا نفيهم أيضا لمحبته لأنها مناسبة بين ~~المحب والمحبوب، ومناسبة الرب للخلق نقص، وكذا رحمته لأن الرحمة رقة تكون ~~في الراحم، وهي ضعف وخور في الطبيعة، وتألم على المرحوم، وهو نقص. وكذا ~~غضبه، لأن الغضب غليان دم القلب طلبا للانتقام، وكذا نفيهم لضحكه وتعجبه ~~لأن الضحك خفة روح يكون لتجدد ما يسر واندفاع ما يضر. والتعجب استعظام ~~للمتعجب منه. ومنكرو النبوات يقولون: ليس الخلق بمنزلة أن يرسل إليهم ~~رسولا، كما أن أطراف الناس ليسوا أهلا أن يرسل السلطان إليهم رسولا. ~~والمشركون يقولون: عظم الرب يقتضي أن لا يتقرب إليه إلا بواسطة وحجاب، ~~فالتقرب إليه ابتداء من غير شفعاء ووسائط غض من جنابه الرفيع. هذا وإن ~~القائلين بهذه المقدمة لا يقولون بمقتضاها ولا يطردونها، فلو قيل لهم: أيما ~~أكمل؟ ذات توصف بسائر أنواع الإدراكات: من الشم ms577 والذوق واللمس أم ذات لا ~~توصف بها كلها؟ لقالوا الأولى أكمل، ولم يصفوا بها كلها الخالق. وبالجملة ~~فالكمال والنقص من الأمور النسبية، والمعاني الإضافية، فقد تكون الصفة ~~كمالا لذات ونقصا لأخرى، وهذا نحو الأكل والشرب والنكاح. كمال للمخلوق، نقص ~~للخالق، وكذا التعاظم والتكبر والتفاعل النفسي كمال للخالق نقص للمخلوق، ~~وإذا كان الأمر كذلك فلعل ما تذكرونه من صفات الكمال إنما يكون كمالا ~~بالنسبة إلى الشاهد، ولا يلزم أن يكون كمالا للغائب كما بين، لا سيما مع ~~تباين الذاتين. # PageV05P039 # وإن قلتم: نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وننظر فيها، هل هي كمال أو نقص؟ ~~فلذلك نحيل الحكم عليها بأحدهما لأنها قد تكون كمالا لذات نقصا لأخرى على ~~ما ذكر. وهذا من التعجب أن مقدمة وقع عليها الإجماع، هي منشأ الاختلاف ~~والنزاع، فرضي الله عمن يبين لنا بيانا يشفي العليل، ويجمع بين معرفة الحكم ~~وإيضاح الدليل، أنه تعالى سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل. أجاب رضي الله عنه: # فتوى شيخ الإسلام # الحمد لله، الجواب عن هذا السؤال مبني على مقدمتين (إحداهما) أن يعلم أن ~~الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية بحيث لا يكون ~~وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ~~ذلك مستلزم نفي نقيضه، فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم ~~نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى ~~الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك. ودلالة القرآن ~~على الأمور نوعان (أحدهما) خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو ~~حق كما أخبر الله به (والثاني) دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة ~~العقلية لدالة على المطلوب. فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي شرعية لأن الشرع ~~دل عليها، وأرشد إليها. وعقلية لأنها تعلم صحتها بالعقل. ولا يقال أنها لم ~~تعلم إلا بمجرد الخبر. وإذا أخبر الله بالشيء ودل عليه بالدلالات العقلية ~~صار مدلولا عليه بخبره، ومدلولا عليه بدليله العقلي الذي ms578 يعلم به، فيصير ~~ثابتا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى الدلالة ~~الشرعية. # PageV05P040 # وثبوت معنى الكمال قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة دالة على معاني ~~متضمنة لهذا المعنى. فما في القرآن من إثبات الحمد له وتفصيل محامده وأن له ~~المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه ونحو ذلك كله دال على هذا المعنى. وقد ~~ثبت لفظ الكامل فيما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير (قل هو الله ~~أحد، الله الصمد) أن الصمد المستحق للكمال، وهو السيد الذي كمل في سؤدده، ~~والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحكم الذي ~~قد كمل في حكمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في ~~جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو ~~الشريف الذي قد كمل في جميع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه وتعالى. وهذه ~~صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كفؤ ولا كمثله شيء. وهكذا سائر صفات الكمال ~~ولم يعلم أحد من الأمة نازع في هذا المعنى، بل هذا المعنى مستقر في فطر ~~الناس، بل هم مفطورون عليه، فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق، ~~فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر وأعلى وأعلم وأكمل من كل شيء. وقد بينا في ~~غير هذا الموضع أن الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريا ضروريا في حق من سلمت ~~فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة ~~عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها. وأما لفظ الكامل فقد ~~نقل الأشعري عن الجبائي أنه كان يمنع أن يسمى الله كاملا، ويقول: الكامل ~~الذي له أبعاض مجتمعة. وهذا النزاع إن كان في المعنى فهو باطل، وإن كان في ~~اللفظ فهو نزاع لفظي. والمقصود هنا أن ثبوت الكمال له ونفى النقائص عنه مما ~~يعلم بالعقل. وزعمت طائفة من أهل الكلام كأبي المعالي والرازي والآمدي ~~وغيرهم أن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو الإجماع، ms579 وإن نفى الآفات ~~والنقائص عنه لم # PageV05P041 # يعلم إلا بالإجماع، وجعلوا الطريق التي بها نفوا عنه ما نفوه إنما هو نفي ~~مسمى الجسم ونحو ذلك، وخالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية كالأشعري ~~والقاضي وأبي بكر وأبي إسحاق ومن قبلهم من السلف والأئمة في إثبات السمع ~~والبصر والكلام له بالأدلة العقلية وتنزيهه عن النقائص بالأدلة العقلية، ~~ولهذا صار هؤلاء يعملون في إثبات هذه الصفات على مجرد السمع ويقولون إذا ~~كنا نثبت هذه الصفات بناء على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع ~~الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب والسنة، ~~قالوا والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام أعظم من الآيات الدالة على كون ~~الإجماع حجة، فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل السمعي الذي هو ~~القرآن أولى وأحرى. والذي اعتمدوا عليه في النفي من نفى مسمى التحيز ونحوه ~~- مع أنه بدعة في الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة ولا أثر عن أحد من الصحابة ~~والتابعين - هو متناقض في العقل لا يستقيم في العقل، فإنه ما من أحد ينفي ~~شيئا خوفا من كون ذلك يستلزم أن يكون الموصوف به جسما إلا قيل له فيما ~~أثبته نظير ما قاله فيما نفاه، وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما ~~أثبته، كالمعتزلة لما أثبتوا أنه حي عليم قدير، وقالوا أنه لا يوصف بالحياة ~~والعلم والقدر # والصفات لأن هذه أعراض لا يوصف بها إلا ما هو جسم ولا يعقل موصوف إلا ~~جسم. فقيل لهم: فأنتم وصفتموه بأنه حي عليم قدير ولا يوصف شيء بأنه عليم حي ~~قدير إلا ما هو جسم، ولا يعقل موصوف بهذه الصفات إلا ما هو جسم، فما كان ~~جوابكم عن الأسماء كان جوابنا عن الصفات. فإن جاز أن يقال ما يسمى بهذه ~~الأسماء ليس بجسم، جاز أن يقال فكذلك يوصف بهذه الصفات ما ليس بجسم، وأن ~~يقال: هذه الصفات ليست أعراضا، وإن قيل لفظ الجسم مجمل أو مشترك وأن المسمى # PageV05P042 # بهذه الأسماء لا يجب أن يماثله غيره ولا ms580 أن يثبت له خصائص غيره جاز أن ~~يقال الموصوف بهذه الصفات لا يجب أن يماثله غيره ولا أن يثبت له خصائص ~~غيره، وكذلك إذا قال نفاة الصفات المعلومة بالشرع أو بالعقل مع الشرع، ~~كالرضى والغضب والحب والفرح ونحو ذلك: هذه الصفات لا تعقل إلى لجسم. قيل ~~لهم هذه بمنزلة الإرادة والسمع والبصر والكلام، فما لزم في أحدهما لزم في ~~الآخر مثله. وهكذا نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم إذا قالوا ثبوت هذه ~~الصفات يستلزم كثرة المعاني فيه، وذلك يستلزم كونه جسما أو مركبا، قيل لهم ~~هذا كما أثبتم أنه موجود واجب قائم بنفسه وأنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ ~~وملتذ ولذة، وعاشق ومعشوق وعشق، ونحو ذلك، فإن قالوا هذه ترجع إلى معنى ~~واحد، قيل لهم أن كان هذا ممتنعا بطل الفرق، وإن كان ممكنا أمكن أن يقال في ~~تلك مثل هذه، فلا فرق بين صفة وصفة. والكلام على ثبوت الصفات وبطلان أقوال ~~النفاة مبسوط في غير هذا الموضع. فات لأن هذه أعراض لا يوصف بها إلا ما هو ~~جسم ولا يعقل موصوف إلا جسم. فقيل لهم: فأنتم وصفتموه بأنه حي عليم قدير ~~ولا يوصف شيء بأنه عليم حي قدير إلا ما هو جسم، ولا يعقل موصوف بهذه الصفات ~~إلا ما هو جسم، فما كان جوابكم عن الأسماء كان جوابنا عن الصفات. فإن جاز ~~أن يقال ما يسمى بهذه الأسماء ليس بجسم، جاز أن يقال فكذلك يوصف بهذه ~~الصفات ما ليس بجسم، وأن يقال: هذه الصفات ليست أعراضا، وإن قيل لفظ الجسم ~~مجمل أو مشترك وأن المسمى بهذه الأسماء لا يجب أن يماثله غيره ولا أن يثبت ~~له خصائص غيره جاز أن يقال الموصوف بهذه الصفات لا يجب أن يماثله غيره ولا ~~أن يثبت له خصائص غيره، وكذلك إذا قال نفاة الصفات المعلومة بالشرع أو ~~بالعقل مع الشرع، كالرضى والغضب والحب والفرح ونحو ذلك: هذه الصفات لا تعقل ~~إلى لجسم. قيل لهم هذه بمنزلة الإرادة والسمع والبصر والكلام، فما لزم في ~~أحدهما لزم ms581 في الآخر مثله. وهكذا نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم إذا قالوا ~~ثبوت هذه الصفات يستلزم كثرة المعاني فيه، وذلك يستلزم كونه جسما أو مركبا، ~~قيل لهم هذا كما أثبتم أنه موجود واجب قائم بنفسه وأنه عاقل ومعقول وعقل، ~~ولذيذ وملتذ ولذة، وعاشق ومعشوق وعشق، ونحو ذلك، فإن قالوا هذه ترجع إلى ~~معنى واحد، قيل لهم أن كان هذا ممتنعا بطل الفرق، وإن كان ممكنا أمكن أن ~~يقال في تلك مثل هذه، فلا فرق بين صفة وصفة. والكلام على ثبوت الصفات ~~وبطلان أقوال النفاة مبسوط في غير هذا الموضع. ### | ثبوت الكمال لله تعالى بالعقل من وجوه # وجوب وجوده وقيوميته وقدمه والمقصود هنا أن نبين أن ثبوت الكمال لله ~~معلوم بالعقل وأن نقيض ذلك منتف عنه، فإن الاعتماد في الإثبات والنفي على ~~هذه الطريق مستقيم في العقل والشرع دون تلك، خلاف ما قاله هؤلاء المتكلمون. ~~وجمهور أهل الفلسفة والكلام يوافقون على أن الكمال لله ثابت بالعقل ~~والفلاسفة تسميه التمام، وبيان ذلك من وجوه: (منها) أن يقال: قد ثبت أن ~~الله قديم بنفسه، واجب الوجود بنفسه، قيوم بنفسه، خالق بنفسه إلى غير ذلك ~~من خصائصه. والطريقة المعروفة في وجوب الوجود تقال في جميع هذه المعاني. # PageV05P043 # فإذا قيل: الوجود إما واجب وإما ممكن والممكن لا بد له من واجب فيلزم ~~ثبوت الواجب على التقديرين، فهو مثل أن يقال. الموجود إما قديم وإما حادث ~~والحادث لا بد له من قديم فيلزم ثبوت القديم على التقديرين، والموجود إما ~~غني وإما فقير، والفقير لا بد له من الغنى، فلزم وجود الغني على التقديرين. ~~والموجود إما قيوم بنفسه وإما غير قيوم، وغير القيوم لا بد له من القيوم. ~~فلزم ثبوت القيوم على التقديرين. والموجود إما مخلوق وإما غير مخلوق، ~~والمخلوق لا بد له من خالق غير مخلوق، فلزم ثبوت غير المخلوق على التقديرين ~~ونظائر ذلك متعددة. ثم يقال: هذا الواجب القديم الخالق إما أن يكون ثبوت ~~الكمال الذي لا نقص فيه الممكن الوجود ممكنا له وإما أن لا ms582 يكون والثاني ~~ممتنع لأن هذا ممكن للموجود المحدث الفقير الممكن، فلأن يمكن للواجب الغني ~~القديم بطريق الأولى والأحرى، فإن كلاهما موجود، والكلام في الكمال الممكن ~~الوجود الذي لا نقص فيه فإذا كان الكمال الممكن الوجود ممكنا للمفضول فلأن ~~يمكن للفاضل بطريق الأولى، لأن ما كان ممكنا لما وجوده ناقص فلأن يمكن لما ~~وجوده أكمل منه بطريق الأولى، لا سيما وذلك أفضل من كل وجه فيمتنع اختصاص ~~المفوض لمن كل وجه بكمال لا يثبت للأفضل من كل وجه، بل ما قد ثبت من ذلك ~~للمفضول فالفاضل أحق به فلأن يثبت للفاضل بطريق الأولى، ولأن ذلك الكمال ~~إنما استفاده المخلوق من الخالق والذي جعل غيره كاملا هو أحق بالكمال منه، ~~فالذي جعل غيره قادرا أولى بالقدرة، والذي علم غيره أولى بالعلم، والذي ~~أحيا غيره أولى بالحياة. والفلاسفة توافق على هذا، ويقولون: كل كمال ~~للمعلول فهو من آثار العلة والعلة أولى به. وإذا ثبت إمكان ذلك له فما توقف ~~على غيره لم يكن موجودا له إلا بذلك الغير، وذلك الغير إن كان مخلوقا له ~~لزم الدور القبلي الممتنع فإن ما في ذلك الغير # PageV05P044 # من الأمور الوجودية فهي منه، ويمتنع أن يكون كل من الشيئين فاعلا للآخر، ~~وهذا هو الدور القبلي فإن الشيء يمتنع أن يكون فاعلا لنفسه فلأن يمتنع أن ~~يكون فاعلا لفاعله بطريق الأولى والأحرى، وكذلك يمتنع أن يكون كل من ~~الشيئين فاعلا لما به يصير للآخر فاعلا، ويمتنع أن يكون كل من الشيئين ~~معطيا الآخر كماله فإن معطي الكمال أحق بالكمال فيلزم أن يكون كل منهما ~~أكمل من الآخر، وهذا ممتنع لذاته، فإن كون هذا أكمل يقتضي أن هذا أفضل من ~~هذا، وهذا أفضل من هذا، وفضل أحدهما يمنع مساواة الآخر له، فلأن يمنع كون ~~الآخر أفضل بطريق الأولى، وأيضا فلو كان له موقوفا على ذلك الغير للزم أن ~~يكون كماله موقوفا على فعله لذلك الغير وعلى معاونة ذلك الغير في كماله ~~ومعاونة ذلك الغير في كماله موقوف عليه، إذ فعل ms583 ذلك الغير وأفعاله موقوفة ~~على فعل المبدع لا تفتقر إلى غيره، فيلزم أن لا يكون كماله موقوفا على ~~غيره، فإذا قيل كماله موقوف على مخلوقه لزم أن لا يتوقف على مخلوقه، وما ~~كان ثبوته مستلزما لعدمه كان باطلا من نفسه، وأيضا فذلك الغير كل كمال له ~~فمنه، وهو أحق بالكمال منه، ولو قيل يتوقف كماله عليه لم يكن متوقفا إلا ~~على ما هو من نفسه، وذلك متوقف عليه لا على غيره. وإن قيل ذلك الغير ليس ~~مخلوقا بل واجبا آخر قديما بنفسه فيقال: إن كان أحد هذين هو المعطي دون ~~العكس فهو الرب والآخر عبده، وإن قيل: بل كل منهما يعطي للآخر الكمال لزم ~~الدور في التأثير، وهو باطل، وهو من الدور القبلي لا من الدور المعي ~~الاقتراني، فلا يكون هذا كاملا حتى يجعله الآخر كاملا، والآخر لا يجعله ~~كاملا حتى يكون في نفسه كاملا، لأن جاعل الكامل كاملا أحق بالكمال، ولا ~~يكون الآخر كاملا حتى يجعله كاملا، فلا يكون واحد منهما كاملا # بالضرورة، فإنه لو قيل لا يكون كاملا حتى يجعل نفسه كاملا ولا يجعل نفسه ~~كاملا حتى يكون كاملا لكان ممتنعا، فكيف إذا قيل حتى يجعل ما يجعله كاملا ~~كاملا. # PageV05P045 # وإن قيل كل واحد له آخر يكمله إلى غير نهاية لزم التسلسل في المؤثرات، ~~وهو باطل بالضرورة واتفاق العقلاء، فإن تقدير مؤثرات لا تتناهى ليس فيها ~~مؤثر بنفسه لا يقتضي وجود شيء منها ولا وجود جميعها ولا وجود اجتماعها، ~~والمبدع للموجودات لا بد أن يكون موجودا بالضرورة، فلو قدر أن هذا كامل ~~فكماله ليس من نفسه بل من آخر، وهلم جرا، للزم أن لا يكون لشيء من هذه ~~الأمور كمال، وقد قدر أن الأول، كامل فلزم الجمع بين النقيضين، وإذا كان ~~كماله بنفسه لا يتوقف على غيره كان الكمال له واجبا بنفسه، وامتنع تخلف شيء ~~من الكمال الممكن عنه، بل ما جاز له من الكمال وجب له، كما أقر بذلك ~~الجمهور من أهل الفقه والحديث والتصوف والكلام والفلسفة ms584 وغيرهم. بل هذا ~~ثابت في مفعولاته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وكان ممتنعا بنفسه أو ~~ممتنعا لغيره فما ثم إلا موجود واجب إما بنفسه وإما بغيره، أو معدوم إما ~~لنفسه وإما لغيره، والممكن إن حصل مقتضيه التام وجب بغيره وإلا كان ممتنعا ~~لغير، والممكن بنفسه إما واجب لغيره وإما ممتنع لغيره.، فإنه لو قيل لا ~~يكون كاملا حتى يجعل نفسه كاملا ولا يجعل نفسه كاملا حتى يكون كاملا لكان ~~ممتنعا، فكيف إذا قيل حتى يجعل ما يجعله كاملا كاملا. وإن قيل كل واحد له ~~آخر يكمله إلى غير نهاية لزم التسلسل في المؤثرات، وهو باطل بالضرورة ~~واتفاق العقلاء، فإن تقدير مؤثرات لا تتناهى ليس فيها مؤثر بنفسه لا يقتضي ~~وجود شيء منها ولا وجود جميعها ولا وجود اجتماعها، والمبدع للموجودات لا بد ~~أن يكون موجودا بالضرورة، فلو قدر أن هذا كامل فكماله ليس من نفسه بل من ~~آخر، وهلم جرا، للزم أن لا يكون لشيء من هذه الأمور كمال، وقد قدر أن ~~الأول، كامل فلزم الجمع بين النقيضين، وإذا كان كماله بنفسه لا يتوقف على ~~غيره كان الكمال له واجبا بنفسه، وامتنع تخلف شيء من الكمال الممكن عنه، بل ~~ما جاز له من الكمال وجب له، كما أقر بذلك الجمهور من أهل الفقه والحديث ~~والتصوف والكلام والفلسفة وغيرهم. بل هذا ثابت في مفعولاته، فما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن وكان ممتنعا بنفسه أو ممتنعا لغيره فما ثم إلا موجود ~~واجب إما بنفسه وإما بغيره، أو معدوم إما لنفسه وإما لغيره، والممكن إن حصل ~~مقتضيه التام وجب بغيره وإلا كان ممتنعا لغير، والممكن بنفسه إما واجب ~~لغيره وإما ممتنع لغيره. ### | ثبوت الكمال لله تعالى بالنقل من كتابه # وقد بين لله سبحانه أنه أحق بالكمال من غيره وأن غيره لا يساويه في ~~الكمال في مثل قوله تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفلا تذكرون) وقد بين أن ~~الخلق صفة كمال، وأن الذي يخلق أفضل من الذي لا ms585 يخلق، وأن من عدل هذا بهذا ~~فقد ظلم. وقال تعالى (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا - هل يستوون؟ الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون) فبين أن كونه مملوكا عاجزا صفة نقص، وإن القدرة والملك ~~والإحسان صفة كمال، وأنه ليس هذا مثل هذا، وهذا لله، وذاك لما يعبد من ~~دونه. # PageV05P046 # وقال تعالى (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل ~~على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم؟) وهذا مثل آخر فالأول مثل العاجز عن الكلام، وعن الفعل الذي ~~لا يقدر على شيء، والآخر المتكلم الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم، ~~فهو عادل في أمره، مستقيم في فعله، فبين أن التفضيل بالكلام المتضمن للعدل ~~والعمل المستقيم، فإن مجرد الكلام والعمل قد يكون محمودا، وقد يكون مذموما. ~~فالمحمود هو الذي يستحق صاحبه الحمد، فلا يستوي هذا والعاجز عن الكلام ~~والفعل. # وقال تعالى (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكن أيمانكم من شركاء ~~فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات ~~لقوم يعقلون) يقول تعالى: إذا كنتم أنتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه ~~لما في ذلك من النقص والظلم، فكيف ترضون ذلك لي وأنا أحق بالكمال والغنى ~~منكم؟ وهذا يبين أنه تعالى أحق بكل كمال من كل أحد، وهذا كقوله (وإذا بشر ~~أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، ~~أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟ ألا ساء ما يحكمون، للذين لا يؤمنون ~~بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم، ولو يؤاخذ الله ~~الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء ~~أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، ويجعلون لله ما يكرهون، وتصف ألسنتهم ~~الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون) ms586 حيث كانوا يقولون: ~~الملائكة بنات الله، وهم يكرهون أن يكون لأحدهم بنت فيعدون هذا نقصا وعيبا، ~~والرب تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم، فإن له المثل الأعلى. فكل ~~كما ثبت للمخلوق فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجردا عن النقص، وكل ما ~~ينزه عنه المخلوق # PageV05P047 # من نقص وعيب فالخالق أولى بتنزيهه عنه. وقال تعالى (هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون) وهذا يبين أن العالم أكمل ممن لا يعلم، وقال ~~تعالى (وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا ~~الحرور) فبين أن البصير أكمل والنور أكمل والظل أكمل، وحينئذ فالمتصف به ~~أولى، ولله المثل الأعلى. وقال تعالى (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم ~~عجلا جسدا له خوار، ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا؟ اتخذوه ~~وكانوا ظالمين) فدل ذلك على أن عدم التكلم والهداية نقص، وأن الذي يتكلم ~~ويهدي أكمل ممن لا يتكلم ولا يهدي، والرب أحق بالكمال. وقال تعالى (قل هل ~~من شركائكم من يهدي إلى الحق؟ قل الله يهدي للحق. أفمن يهدي إلى الحق أحق ~~أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدي؟ فما لم كيف تحكمون) فبين سبحانه بما هو ~~مستقر في الفطر أن الذي يهدي إلى الحق أحق بالاتباع ممن لا يهدي إلا أن ~~يهديه غيره، فلزم أن يكون الهادي بنفسه هو الكامل دون الذي لا يهدي إلا ~~بغيره. وإذا كان لا بد من وجوب الهادي لغير المهتدي بنفسه فهو الأكمل، وقال ~~تعالى في الآية الأخرى (أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ~~ولا نفعا) فدل على أن الذي يرجع إليه القول ويملك الضر والنفع أكمل منه. # وقال إبراهيم لأبيه (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا) فدل على أن السميع البصير الغني أكمل، وأن المعبود يجب أن يكون كذلك، ~~ومثل هذا في القرآن متعدد من وصف الأصنام بسلب صفات الكمال كعدم التكلم ~~والفعل وعدم الحياة ونحو ذلك ms587 مما يبين أن التصف بذلك منتقص معين كسائر ~~الجمادات، وأن هذه الصفات لا تسلب إلا عن ناقص معيب. وأما رب الخلق الذي هو ~~أكمل من كل موجود فهو أحق الموجودات بصفات الكمال، وأنه لا يستوي المتصف ~~بصفات الكمال والذي لا يتصف بها، وهو يذكر أن الجمادات في # PageV05P048 # العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات، فمن جعل الواجب الوجود لا يقبل ~~الاتصاف (1) فقد جعله من جنس الأصنام الجامدة التي عابها الله تعالى وعاب ~~عباديها. ولهذا كانت القرامطة الباطنية من أعظم الناس شركا وعبادة لغير ~~الله، إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر أو يغني عنهم شيئا. ~~والله سبحانه لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له، بل ذكرها ~~لبيان أنه المستحق للعبادة دون سواه، فأفاد الأصلين اللذين بهما يتم ~~التوحيد وهو إثبات صفات الكمال ردا على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق ~~للعبادة لا إله إلا هو ردا على المشركين، والشرك في العالم أكثر من ~~التعطيل، ولا يلزم من إثبات التوحيد المنافي للإشراك إبطال قول أهل ~~التعطيل، ولا يلزم من مجرد الإثبات المبطل لقول المعطلة الرد على المشركين ~~إلا ببيان آخر. والقرآن يذكر فيه الرد على المعطلة تارة كالرد على فرعون ~~وأمثاله، ويذكر فيه الرد على المشركين وهذا أكثر، لأن القرآن شفاء لما في ~~الصدور، ومرض الإشراك أكثر في الناس من مرض التعطيل، وأيضا فإن الله سبحانه ~~أخبر أن له الحمد وأنه حميد مجيد وأن له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم ~~ونحو ذلك من أنواع المحامد. والحمد نوعان: حمد على إحسانه إلى عباده وهو من ~~الشكر، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كمال، وهذا الحمد لا يكون إلا على ~~ما هو في نفسه مستحق للحمد، وإنما يستحق ذلك ما هو متصف بصفات الكمال، وهي ~~أمور وجودية فإن الأمور العدمية المحضة لا حمد فيها ولا خير ولا كمال. ~~ومعلوم أن كل ما يحمد فإنما يحمد على ما له من صفات الكمال، فكل ما يحمد به ~~الخلق فهو من ms588 الخالق، والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد فثبت أن ~~المستحق (2) للمحامد الكاملة وهو أحق من كل محمود والحمد والكمال من كامل ~~وهو المطلوب. PageV05P049 # فصل # وأما المقدمة الثانية فتقول: لا بد من اعتبار أمرين (أحدهما) أن يكون ~~الكمال ممكن الوجود، و (الثاني) أن يكون سليما عن النقص، فإن النقص ممتنع ~~على الله، لكن بعض الناس قد يسمى ما ليس بنقص نقصا، فهذا يقال له إنما ~~الواجب إثبات ما أمكن ثبوته من الكمال السليم عن النقص، فإذا سميت أنت هذا ~~نقصا وقدر أن انتفاءه يمتنع لم يكن نقصه من الكمال الممكن، والذات التي لا ~~تكون حية عليمة قديرة سميعة بصيرة متكلمة ليست أكمل من الذات التي تكون حية ~~عليمة سميعة بصيرة قديرة متكلمة. وإذا كان صريح العقل يقضي بأن الذات ~~المسلوبة هذه الصفات ليست مثل الذات المتصفة بها فضلا عن أن تكون أكمل ~~منها، ويقضي بأن الذات المتصفة بها أكمل، علم بالضرورة امتناع كمال الذات ~~بدون هذه الصفات. فإذا قيل بعد ذلك: لا تكون ذاته ناقصة متساوية الكمال إلا ~~بهذه الصفات. قيل الكمال بدون هذه الصفات ممتنع، وعدم الممتنع ليس نقصا، ~~وإنما النقص عدم ما يمكن، وأيضا فإذا ثبت أنه يمكن اتصافه بالكمال، وما ~~اتصف به وجب له، امتنع تجرد ذاته عن هذه الصفات، فكان تقدير ذاته منفكة عن ~~هذه الصفات تقديرا ممتنعا، وإذا قدر للذات تقدير ممتنع وقيل أنها ناقصة صفة ~~كان ذلك مما يدل على امتناع ذلك التقدير لا على امتناع نقيضه، كما لو قيل ~~إذا مات ناقصا فهذا يقتضي وجوب كونه حيا، كذلك إذا كان تقدير ذاته خالية عن ~~هذه الصفات يوجب أن تكون ناقصة كان ذلك مما يستلزم أن يوصف بهذه الصفات. ~~وأيضا فقول القائل اكتمل بغيره ممنوع فإنا لا نطلق على صفاته أنها غيره ولا ~~أنا ليست غيره على ما عليه أئمة السلف كالإمام أحمد بن حنبل وغيره، وهو ~~اختيار حذاق المثبتة كابن كلاب وغيره، ومنهم من يقول: أنا أطلق عليها أنها ~~ليست هي هو ms589 ولا أطلق عليها أنها ليست غيره، ولا أجمع بين السلبين فأقول لا ~~هي هو ولا هي غيره، وهو اختيار طائفة من المثبتة كالأشعري وغيره، وأظن قول ~~أبي الحسن التمتي هو هذا # PageV05P050 # أو ما يشبه هذا. ومنهم من يجوز إطلاق هذا السلب وهذا السلب في إطلاقهما ~~جميعا كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى. ومنشأ هذا أن لفظ الغير يراد به ~~المغاير للشيء، ويراد به ما ليس هو إياه، وكان في إطلاق الألفاظ المجملة ~~إيهام لمعاني فاسدة. ويراد به ما ليس هو إياه، وكان في إطلاق الألفاظ ~~المجملة إيهام لمعاني فاسدة. ونحن نجيب بجواب علمي فنقول: قول القائل: ~~يتكمل بغيره. أيريد به بشيء منفصل عنه أم يريد بصفة لوازم ذاته. أما الأول ~~فممتنع وأما الثاني فهو حق، ولوازم ذاته لا يمكن وجود ذاته بدونها كما لا ~~يمكن وجودها بدونه، وهذا كما نفسه لا شيء مباين لنفسه. وقد نص الأئمة كأحمد ~~بن حنبل وغيره وأئمة المثبتة كأبي محمد بن كلاب وغيره على أن القائل إذا ~~قال الحمد لله أو قال دعوت الله وعدبته أو قال بالله فاسم الله متناول ~~لذاته المتصفة بصفاته، وليست صفاته زائدة على مسمى أسمائه الحسنى. وإذا قيل ~~هل صفاته زائدة على الذات أم لا؟ قيل: إن أريد بالذات المجردة التي يقربها ~~نفات الصفات فالصفات زائدة عليها، وإن أريد بالذات الذات الموجودة في ~~الخارج فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة. والصفات ليست زائدة على ~~الذات المتصفة بالصفات، وإن كانت زائدة على الذات التي يقدر تجردها عن ~~الصفات. # فصل # وأما قول القائل: لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا إليها وهي مفتقرة ~~إليه، فيكون الرب مفتقرا إلى غيره، فهو من جنس السؤال الأول. فيقال أولا: ~~قول القائل لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا إليها يقتضي إمكان جوهر ~~تقوم به الصفات وإمكان ذات لا تقوم بها الصفات، فلو كان أحدهما ممتنعا لبطل ~~هذا الكلام فكيف إذا كان كلاهما ممتنعا، فإن تقدير ذات مجردة عن جميع ~~الصفات إنما يمكن في الذهن ms590 لا في الخارج، كتقدير وجود مطلق لا يتعين في ~~الخارج. ولفظ ذات تأنيث ذو، وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافا إلى غيره، ~~فهم يقولون فلان ذو علم وقدرة، ونفس ذات علم وقدرة. وحيث جاء في القرآن أو ~~لغة العرب لفظ ذو ولفظ ذات لم يجيء إلا مقرونا بالإضافة كقوله (فاتقوا الله # PageV05P051 # وأصلحوا ذات بينكم) وقوله (عليم بذات الصدور) وقول خبيب رضي الله عنه (1) ~~وذلك في ذات الإله. ونحو ذلك. لكن لما صار النظار يتكلمون في هذا الباب ~~قالوا أنه يقال أنها ذات علم وقدرة، ثم أنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة ~~وعرفوا فقالوا: الذات، وهي لفظ مولد ليس من لفظ العرب العرباء، ولهذا أنكره ~~طائفة من أهل العلم كأبي الفتح ابن برهان وابن الدهان وغيرهما وقالوا ليست ~~هذه اللفظة عربية، ورد عليهم آخرون كالقاضي وابن عقيل وغيرهما. وفصل الخطاب ~~أنها ليست من العربية العرباء بل من المولدة كلفظ الموجود ولفظ الماهية ~~والكيفية ونحو ذلك اللفظ يقتضي وجود صفات تضاف الذات إليها فيقال ذات علم ~~وذات قدرة وذات كلام والمعنى كذلك، فإنه لا يمكن وجود شيء قائم بنفسه في ~~الخارج لا يتصف بصفة ثبوتية أصلا، بل فرض هذا في الخارج كفرض عرض يقوم ~~بنفسه لا بغيره. ففرض عرض قائم بنفسه لا صفة له كفرض صفة لا تقوم بغيرها، ~~وكلاهما ممتنع، فما هو قائم بنفسه فلا بدله من صفة، وما كان صفة فلا بد له ~~من قائم بنفسه متصف به. ولهذا سلم المنازعون أنهم لا يعلمون قائما بنفسه لا ~~صفة له سواء سموه جوهرا أو جسما أو غير ذلك، ويقولون وجود جوهر معرى عن ~~جميع الأعراض ممتنع، فمن قدر إمكان موجود قائم بنفسه لا صفة له فقد قدر ما ~~لا يعلم وجوده في الخارج ولا يعلم إمكانه في الخارج، فكيف إذا علم أنه ~~ممتنع في الخارج عن الذهن. وكلام نفاة الصفات جميعه يقتضي أن ثبوته ممتنع ~~وإنما يمكن فرضه في العقل، فالعقل يقدره في نفسه كما يقدر الممتنعات لا ~~يعقل وجوده ms591 في الوجود ولا إمكانه في الوجود. وأيضا فالرب تعالى إذا كان ~~اتصافه بصفات الكمال ممكنا، وما أمكن له وجب - امتنع أن يكون مسلوبا صفات ~~الكمال، ففرض ذاته بدون صفاته اللازمة PageV05P052 # الواجبة له فرض ممتنع، وحينئذ فإذا كان فرض عدم هذا ممتنعا عموما وخصوصا ~~فقول القائل يكون مفتقرا إليها وتكون مفتقرة إليه إنما يعقل مثل هذا في ~~شيئين يمكن وجود كل واحد منهما دون الآخر، فإذا امتنع هذا بطل هذا التقدير. ~~ثم يقال: ما تعني بالافتقار؟ أتعني أن الذات تكون فاعلة للصفات مبدعة لها ~~أو بالعكس؟ أم تعني التلازم وهو أن لا يكون أحدهما إلا بالآخر؟ فإن عنيت ~~افتقار المفعول إلى الفاعل فهذا باطل، فإن الرب ليس بفاعل لصفاته اللازمة ~~له بل لا يلزمه شيء معين من أفعاله ومفعولاته؟ فكيف تجعل صفاته مفعولة له، ~~وصفاته لازمة لذاته ليست من مفعولاته؟ وإن عنيت التلازم فهو حق. وهذا كما ~~يقال لا يكون موجودا ويقال أيضا لا يكون موجودا إلا أن يكون قديما واجبا ~~بنفسه ولا يكون عالما قادرا إلا أن يكون حيا، فإذا كانت صفاته متلازمة كان ~~ذلك أبلغ في الكمال من جواز التفريق بينهما، فإنه لو جاز وجوده بدون صفات ~~الكمال لم يكن الكمال واجبا له بل ممكنا له، وحينئذ فكان يفتقر في ثبوته له ~~إلى غيره، وذلك نقص ممتنع عليه كما تقدم بيانه، فعلم أن التلازم بين الذات ~~وصفات الكمال هو كمال الكمال. # فصل # وأما القائل: إنها أعراض لا تقوم إلا بجسم مركب والمركب ممكن محتاج، وذلك ~~عين النقص. فللمثبتة للصفات في إطلاق لفظ العرض على صفاته ثلاث طرق: منهم ~~من يمنع أن تكون أعراضا ويقول: بل هي صفات وليس أعراضا كما يقول ذلك ~~الأشعري وكثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره، ومنهم من يطلق عليها لفظ ~~الأعراض كهشام وابن كرام وغيرهما، ومنهم من يمتنع من الإثبات والنفي كما ~~قالوا في لفظ الغير، وكما امتنعوا عن مثل ذلك في لفظ الجسم ونحوه، فإن قول ~~القائل " العلم عرض " بدعة، وقوله: ليس بعرض ms592 - بدعة - كما أن قوله " الرب ~~جسم " بدعة، وقوله " ليس بجسم " بدعة. وكذلك أن لفظ الجسم يراد به في ~~اللغة: البدن والجسد، كما ذكر ذلك الأصمعي وأبو زيد وغيرهما من أهل اللغة. ~~وأما أهل الكلام فمنهم من يريد به # PageV05P053 # المركب ويطلقه على الجوهر الفرد بشرط التركيب أو على الجوهرين أو على ~~أربعة جواهر أو ستة أو ثمانية أو ستة عشر أو اثنين وثلاثين، والمركب من ~~المادة والصورة ومنهم من يقول: هو الموجود أو القائم بنفسه. وعامة هؤلاء ~~وهؤلاء يجعلون المشار إليه مساويا في العموم والخصوص، فلما كان اللفظ قد ~~صار يفهم منه معان بعضها حق وبعضها باطل - صار مجملا، وحينئذ فالجواب ~~العلمي أن يقال: أتعني بقولك أنها أعراض أنها قائمة بالذات أو صفة للذات ~~ونحو ذلك من المعاني الصحيحة؟ أم تعني بها أنها آفات ونقائص؟ أم تعني بها ~~أنها تعرض وتزول وتبقى زمانين؟ فإن عنيت الأول فهو صحيح، وإن عنيت الثاني ~~فهو ممنوع، وإن عنيت الثالث فهذا مبنى على قول من يقول: العرض لا يبقى ~~زمانين. فإن قال ذلك وقال هي باقية قال اسميها أعراضا - لم يكن هذا مانعا ~~من تسميتها أعراضا. وقولك: العرض لا يقوم إلا بجسم. فيقال: يقال للحي عليم ~~قدير عندك وهذه الأسماء لا يتسمى بها إلا جسم كما أن هذه الصفات التي ~~جعلتها أعراضا لا يوصف بها إلا جسم؟ فما كان جوابك عن ثبوت الأسماء كان ~~جوابا لأهل الإثبات عن إثبات الصفات. ويقال له: ما تعني بقولك هذه الصفات ~~أعراض لا تقوم إلا بجسم؟ أتعني بالجسم المركب الذي كان مفترقا فاجتمع؟ أو ~~ركبه مركب فجمع أجزاءه؟ أو ما أمكن تفريقه وتبعيضه وانفصال بعضه عن بعض ~~ونحو ذلك؟ أم تعني به ما هو مركب من الجواهر الفردة، أو من المادة والصورة؟ ~~أو تعني به ما يمكن الإشارة إليه؟ أو ما كان قائما بنفسه؟ أو ما هو موجود؟ ~~فإن عنيت الأول لم نسلم أن هذه الصفات التي سميتها أعراضا لا تقوم إلا بجسم ~~بهذا التفسير، وإن عنيت به الثاني ms593 لم نسلم امتناع التلازم فإن الرب تعالى ~~موجود قائم بنفسه مشار إليه عندنا، فلا نسلم التلازم على هذا التقدير. وقول ~~القائل: المركب ممكن، إن أراد بالمركب المعاني المتقدمة مثل كونه كان ~~مفترقا فاجتمع، أو ركبه مركب أو يقبل الانفصال - فلا نسلم المقدمة الأولى # PageV05P054 # التلازمية، وإن عنى به ما يشار إليه وما يكون قائما بنفسه موصوفا بالصفات ~~- فلا نسلم انتفاء الثانية. فالقول بالأعراض مركب من مقدمتين تلازمية ~~واستثنائية بألفاظ مجملة فإذا استفصل عن المراد حصل المنع والإبطال ~~لإحداهما أو لكليهما. وإذا بطلت إحدى المقدمتين على كل تقدير بطلت الحجة. # فصل # وأما قول القائل: لو قامت به الأفعال لكان محلا للحوادث، إن أوجب له ~~كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالا لم يجز وصفه به -: ~~فيقال أولا: هذا معارض بنظيره من الحوادث التي فعلها فإن كليهما حادث ~~بقدرته ومشيئته، وإنما يفترقان في المحل، وهذا التقسيم وارد على الجهتين. ~~وإن قيل في الجواب: بل هم يصفونه بالصفات الفعلية. ويقسمون الصفات إلى ~~نفسية وفعلية، فيصفونه بكونه خالقا ورازقا بعد أن لم يكن كذلك، وهذا ~~التقسيم وارد عليهم، وقد أورده عليهم الفلاسفة في مسألة حدوث العالم فزعموا ~~أن صفات الأفعال ليست صفة كمال ولا نقص -: فيقال لهم: كما قالوا لهؤلاء في ~~الأفعال التي تقوم بها أنها ليست كمالا ولا نقصا. فإن قيل: لا بد أن يتصف ~~إما بنقص وإما بكمال، فإن جاز خلو أحدهما عن القسمين أمكن الدعوى في الآخر ~~مثله وإلا فالجواب مشترك. وأما المتفلسفة فيقال لهم: القديم لا تحله ~~الحوادث، ولا يزال محلا للحوادث عندكم، فليس القدم مانعا من ذلك عندكم، بل ~~عندكم هذا هو الكمال الممكن الذي لا يمكن غيره. وإنما نفوه عن واجب الوجود ~~لظنهم اتصافه به، وقد تقدم التنبيه على إبطال قولهم في ذلك لا سيما وما ~~قامت به الحوادث المتعاقبة يمتنع وجوده عن علة تامة أزلية موجبة لمعلولها، ~~فإن العلة التامة الموجبة يمتنع أن يتأخر عنها معلولها أو شيء من معلولها، ~~ومتى تأخر عنها شيء ms594 من معلولها كانت علة له بالقوة، هذا عند ما سماه نقصا ~~من النقص الممكن انتفاؤه، فإذا قيل: خلق المخلوقات في الأزل صفة كمال فيجب ~~أن تثبت له، قيل: وجود الجمادات كلها أو واحد منها # PageV05P055 # يستلزم الحوادث كلها أو واحدا منها في الأزل، فيمتنع وجود الحوادث ~~المتعاقبة كلها في آن واحد سواء قدر ذلك الآن ماضيا أو مسقبلا، فضلا عن أن ~~يكون أزليا، وما يستلزم الحوادث المتعاقبة يمتنع وجود في آن واحد فضلا عن ~~أن يكون أزليا، فليس هذا ممكن الوجود فضلا عن أن يكون كمالا، لكن فعل ~~الحوادث شيئا بعد شيء أكمل من التعطيل عن فعلها بحيث لا يحدث شيئا بعد أن ~~لم يكن، فإن الفاعل القادر على الفعل أكمل الفاعل العاجز عن الفعل. فإذا ~~قيل لا يمكنه إحداث الحوادث بل مفعوله لازم لذاته، كان هذا نقصا بالنسبة ~~إلى القادر الذي يفعل شيئا بعد شيء، وكذلك إذا قيل: جعل الشيء الواحد ~~متحركا ساكنا موجودا معدوما صفة كمال، قيل هذا ممتنع لذاته. وكذلك إذا قيل ~~إبداع قديم واجب بنفسه صفة كمال، قيل هذا ممتنع لنفسه، فإن كونه مبدعا ~~يقتضي أن لا يكون واجبا بنفسه بل واجبا بغيره، فإذا قيل هو واجب موجود ~~بنفسه وهو لم يوجد إلا بغيره كان هذا جمعا بين النقيضين. وكذلك إذا قيل: ~~الأفعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه إذا كان اتصافه بها صفة كما فقد ~~فاتته في الأزل، وإن كان صفة نقص فقد لزم اتصافه بالنقائص. قيل الأفعال ~~المنفعلة بمشيئته وقدرته يمتنع أن يكون كل منها أزليا. وأيضا فلا يلزم أن ~~يكون وجود هذه في الأزل صفة كمال بل الكمال أن توجد حيث اقتضت الحكمة ~~وجودها، وأيضا فلو كانت أزلية لم تكن موجودة شيئا بعد شيء، فقول القائل ~~فيما حقه أن يوجد شيئا بعد شيء فينبغي أن يكون في الأزل جمع بين النقيضين. ~~وأمثال هذا كثير، فلهذا قلنا الكمال الممكن الوجود، فما هو ممتنع في نفسه ~~فلا حقيقة له فضلا عن أن يقال هو موجود أو يقال هو ms595 كمال للموجود. وأما ~~الشرك الآخر وهو قولنا الكمال الذي لا يتضمن نقصا على التعبير بالعبارة ~~السديدة أو الكمال الذي لا يتضمن نقصا يمكن انتفاؤه على عبارة من يجعل ما ~~ليس بنقص نقصا - فاحتراز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض، وهو نقص ~~بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصا كالأكل والشرب مثلا، فإن الصحيح الذي ~~يشتهي الأكل والشرب من الحيوان أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل # PageV05P056 # والشرب لأن قوامه بالأكل والشرب، فإذا قدر غير قابل له كان ناقصا عن ~~القابل لهذا الكمال، لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره، وهو ما ~~يدخل فيه من الطعام والشراب، وهو مستلزم لخروج شيء منه كالفضلات وما لا ~~يحتاج إلى دخول شيء فيه أكمل ممن يحتاج إلى دخول شيء فيه، وما يتوقف كماله ~~على غيره أنقص مما لا يحتاج في كمال إلى غيره، فإن الغني عن شيء أعلى من ~~الغني به. والغني بنفسه أكمل من الغني بغيره. ولهذا كان من الكمالات ما هو # كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق وهو كل ما كان مستلزما لإمكان ~~العدم عليه المنافي لوجوبه وقيوميته، أو مستلزما للحدوث المنافي لقدمه، أو ~~مستلزما لفقره المنافي لغناه. مال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق وهو ~~كل ما كان مستلزما لإمكان العدم عليه المنافي لوجوبه وقيوميته، أو مستلزما ~~للحدوث المنافي لقدمه، أو مستلزما لفقره المنافي لغناه. # فصل # في نتيجة ما تقدم وهو كون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق ~~وكون أولى الناس به سلف هذه الأمة (1) إذا تبين هذا تبين أن ما جاء به ~~الرسول هو الحق الذي يدل عليه المعقول وأن أولى الناس بالحق أتبعهم له ~~وأعظمهم له موافقة، وهم سلف الأمة وأئمتها الذين أثبتوا ما دل عليه الكتاب ~~والسنة من الصفات، ونزهوه عن مماثلة المخلوقات، فإن الحياة والعلم والقدرة ~~والسمع والبصر والكلام صفات كمال ممكنة بالضرورة ولا نقص فيها، فإن ما اتصف ~~بهذه فهو أكمل مما لا يتصف بها، والنقص في انتفائها لا في ثبوتها. ms596 والقابل ~~للاتصاف بها كالحيوان أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بها كالجماد. وأهل الإثبات ~~يقولون للنفاة: لو لم يتصف بهذه الصفات لاتصف بأضدادها من الجهل والبكم ~~والعمى والصم، فقال لهم النفاة: هذه الصفات متقابلة تقابل العدم والملكة لا ~~تقابل السلب والإيجاب، والمتقابلات تقابل العدم والملكة إنما يلزم من ~~انتفاء أحدهما ثبوت الآخر إذا كان المحل قابلا لهما كالحيوان الذي لا يخلوا ~~إما أن يكون أعمى وإما أن يكون بصيرا لأنه قابل لهما بخلاف الجماد فإنه لا ~~يوصف لا بهذا ولا بهذا. PageV05P057 # فيقول لهم أهل الإثبات: هذا باطل من وجوه. # أحدها أن يقال الموجودات نوعان: نوع يقبل الاتصاف بالكمال كالحي ونوع لا ~~يقبله كالجماد. ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل مما لا يقبل ~~ذلك، وحينئذ فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها، ~~وأن يكون القابل لها وهو الحيوان الأعمى الأصم الذي لا يقبل السمع والبصر ~~أكمل منه، فإن القابل للسمع والبصر في حال عدم ذلك أكمل ممن لا يقبل ذلك ~~فكيف المتصف بها؟ فلزم من ذلك أن يكون مسلوبا لصفات الكمال على قولهم ~~ممتنعا عليه صفات الكمال، فأنتم فررتم من تشبيهه بالإحياء فشبهتموه ~~بالجمادات وزعمتم أنكم تنزهونه عن النقائص فوصفتموه بما هو أعظم النقص. # الوجه الثاني أن يقال: هذا التفريق بين السلب والإيجاب وبين العدم ~~والملكة أمر اصطلاحي، وإلا فكل ما ليس بحي فإنه يسمى ميتا كما قال تعالى ~~(والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، أموات غير أحياء وما ~~يشعرون أيان يبعثون) . (الوجه الثالث) أن يقال: نفي سلب هذه الصفات نقص وإن ~~لم يقدر هناك ضد ثبوتي فنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون حيا عليما قديرا ~~متكلما سميعا بصيرا أكمل ممن لا يكون كذلك، وإن ذلك لا يقال سميع ولا أصم ~~كالجماد، وإذا كان مجرد إثبات هذه الصفات من الكمال ومجرد سلبها من النقص ~~وجب ثبوتها لله تعالى لأنه كما ممكن للوجود ولا نقص فيه بحال بل النقص في ~~عدمه، وكذلك إذا قدرنا ms597 موصوفين بهذه الصفات أحدهما يقدر على التصرف بنفسه ~~فيأتي ويجيء وينزل ويصعد ونحو ذلك من أنواع الأفعال القائمة به والآخر ~~يمتنع ذلك منه فلا يمكن أن يصدر منه شيء من هذه الأفعال كان هذا القادر على ~~الأفعال التي تصدر عنه أكمل ممن يمتنع صدورها عنه. وإذا قيل قيام هذه ~~الأفعال يستلزم قيام الحوادث به كان كما إذا قيل قيام الصفات به يستلزم ~~قيام الأعراض به، والأعراض والحوادث لفظان مجملان، فإن أريد بذلك ما يعقله ~~أهل اللغة من أن الأعراض والحوادث هي الأمراض # PageV05P058 # والآفات، كما يقال: فلان قد عرض له مرض شديد، وفلان قد أحدث حدثا عظيما، ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة ~~بدعة وكل بدعة ضلالة " وقال " لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا " وقال " ~~إذا أحدث أحدكم فلا يصلي حتى يتوضأ " ويقول الفقهاء: الطهارة نوعان، طهارة ~~الحديث وطهارة الخبث. ويقول أهل الكلام: اختلف الناس في أهل الأحداث من أهل ~~القبلة، كالربا والسرقة وشرب الخمر، ويقال فلان به عارض من الجن، وفلان حدث ~~له مرض. فهذه من النقائص التي تنزه الله عنها. # وإن أريد بالأعراض والحوادث اصطلاح خاص فإنما أحدث ذلك الاصطلاح من أحدثه ~~من أهل الكلام، وليست هذه لغة العرب ولا لغة أحد من الأمم، لا لغة القرآن ~~ولا غيره ولا العرف العام ولا اصطلاح أكثر الخائضين في العلم، بل مبتدعو ~~هذا الاصطلاح هم من أهل البدع المحدثين في الأمة الداخلين في ذم النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وبكل حال مجرد هذا الاصطلاح وتسمية هذه أعراضا وحوادث لا ~~يخرجها عن أنها من الكمال الذي يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف ~~بها أو يمكنه ذلك ولا يتصف بها. وأيضا فإذا قدر اثنان أحدهما موصوف بصفات ~~الكمال التي هي أعراض وحوادث على اصطلاحهم كالعلم والقدرة والفعل والبطش، ~~والآخر يمتنع أن يتصف بهذه الصفات التي هي أعراض وحوادث كان الأول أكمل، ~~كما أن الحي المتصف بهذه الصفات أكمل من الجمادات. وكذلك إذا ms598 قدر اثنان ~~أحدهما يحب نعوت الكمال ويفرح بها ويرضاها والآخر لا فرق عنده بين صفات ~~الكمال وصفات النقص فلا يحب لا هذا ولا هذا ولا يرضى لا هذا ولا هذا، ولا ~~يفرح لا بهذا ولا بهذا كان الأول أكمل من الثاني. ومعلوم أن الله تبارك ~~وتعالى يحب المحسنين والمتقين والصابرين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وهذه كلها صفات كمال. وكذلك إذا قدر اثنان أحدهما يبغض ~~المتصف بضد الكمال كالظلم والجهل والكذب ويغضب على من يفعل ذلك، والآخر لا ~~فرق عنده بين الجاهل الكاذب # PageV05P059 # الظالم وبين العالم الصادق العادل لا يبغض لا هذا ولا هذا، ولا يغضب لا ~~على هذا ولا على هذا كان الأول أكمل. وكذلك إذا قدر اثنان أحدهما يقدر أن ~~يفعل بيديه ويقبل بوجهه والآخر لا يمكنه ذلك إما لامتناع أن يكون له وجه ~~ويدان، وإما لامتناع الفعل والإقبال عليه باليدين والوجه كان الأول أكمل. ~~فالوجه واليودان لا يعدان من صفات النقص في شيء مما يوصف بذلك، ووجه كل شيء ~~بحسب ما يضاف إليه وهو ممدوح به. لا مذموم كوجه النهار، ووجه الثوب، ووجه ~~القوم، ووجه الخيل، ووجه الرأي، وغير ذلك، وليس الوجه المضاف إلى غيره هو ~~نفس المضاف إليه في شيء من موارد الاستعمال سواء كان الاستعمال حقيقة أو ~~مجازا. فإن قيل: من يمكنه الفعل بكلامه أو بقدرته بدون يديه أكمل ممن يفعل ~~بيديه. # قيل من يمكنه الفعل بقدرته أو تكليمه إذا شاء وبيديه إذا شاء هو أكمل ممن ~~لا يمكنه الفعل إلا بقدرته أو تكليمه، ولا يمكنه أن يفعل باليد، ولهذا كان ~~الإنسان أكمل من الجمادات التي تفعل بقوى فيها كالنار والماء، فإذا قدر ~~اثنان أحدهما لا يمكنه الفعل إلا بقوة فيه، والآخر يمكنه الفعل بقوة فيه ~~وبكلامه فهذا أكمل، فإذا قدر آخر يفعل بقوة فيه وبكلامه وبيديه إذا شاء فهو ~~أكمل وأكمل. وأما صفات النقص فمثل النوم، فإن الحي اليقظان أكمل من النائم ~~والوسنان والله لا تأخذه سنة ولا نوم، وكذلك من يحفظ ms599 بلا اكتراث أكمل ممن ~~يلزمه ذلك والله تعالى وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما، وكذلك ~~من يفعل ولا يتعب أكمل ممن يتعب والله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما ~~في ستة أيام وما مسه من لغوب. ولهذا وصف الرب بالعلم دون الجهل والقدرة دون ~~العجز، والحياة دون الموت، والسمع والبصر والكلام دون الصم والعمي والبكم، ~~والضحك دون البكاء، والفرح دون الحزن. وأما الغضب مع الرضاء والبغض مع الحب ~~فهو أكمل ممن لا يكون منه إلا الرضى والحب دون البغض والغضب للأمور التي ~~تستحق أن تذم وتبغض، # PageV05P060 # ولهذا كان اتصافه بأنه يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، أكمل من ~~اتصافه بمجرد الإعطاء والإعزاز والرفع، لأن الفعل الآخر حيث تقتضي الكلمة ~~ذلك أكمل من لا يفعل إلا أحد النوعين ويخل بالآخر في المحل المناسب له. من ~~اعتبر هذا الباب، وجده على قانون الصواب، والله الهادي لأولي الألباب. # فصل # وأما قول ملاحدة الفلاسفة وغيرهم: إن اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له ~~كمالا فقد استكمل بغيره فيكون ناقصا بذاته، وإن أوجب له نقصا لم يجز اتصافه ~~بها - فيقال: الكمال المعين هو الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه. ~~وحينئذ فقول القائل يكون نقصا بذاته إن أراد به أنه يكون بدون هذه الصفات ~~ناقصا فهذا حق، لكن من هذا فررنا وقدرنا أنه لا بد من صفات الكمال وإلا كان ~~نقصا. وإن أراد به أنه إنما صار كاملا بالصفات التي اتصف بها فلا يكون ~~كاملا بذاته المجردة عن هذه الصفات - فيقال: (أولا) : هذا إنما يتوجه أن لو ~~أمكن وجود ذات مجردة عن هذه الصفات أو أمكن وجود ذات كاملة مجردة عن هذه ~~الصفات، فإذا كان أحد هذين ممتنعا امتنع كماله بدون هذه الصفات فكيف إذا ~~كان كلاهما ممتنعا، فإن وجود ذات كاملة بدون هذه الصفات ممتنع، فإنا نعلم ~~بالضرورة أن الذات التي لا تصير علة بالفعل واحتاج مصيرها علة بالفعل إلى ~~سبب آخر فإن كان المخرج لها من القوة إلى الفعل هو نفسه صار فيه ms600 ما هو ~~بالقوة وهو المخرج له إلى الفعل، وذلك يستلزم أن يكون قابلا أو فاعلا، وهم ~~يمنعون ذلك لامتناع الصفات التي يسمونها التركيب، وإن كان المخرج له غيره ~~كان ذلك ممتنعا بالضرورة والاتفاق، لأن ذلك ينافي وجوب الوجود ولأنه يتضمن ~~الدور المعي والتسلسل في المؤثرات، وإن كان هو الذي صار فاعلا للمعين بعد ~~أن لم يكن امتنع أن يكون علة تامة أزلية، فقدم شيء من العالم يستلزم كونه ~~علة تامة في الأزل وذلك يستلزم أن لا يحدث عنه شيء بواسطة وبغير واسطة وهذا ~~مخالف للمشهود. ويقال (ثانيا) في إبطال قول من جعل حدوث الحوادث ممتنعا: - ~~هذا مبني على # PageV05P061 # تجدد هذه الأمور بتجدد الإضافات والأحوال والأعدام فإن الناس متفقون على ~~تجدد هذه الأمور، وفرق الآمدي بينهما من جهة اللفظ، فقال هذه حوادث وهذه ~~متجددات، والفروق اللفظية، لا تؤثر في الحقائق العلمية، فيقال: تجدد هذه ~~المتجددات إن أوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن أوجب له نقصا لم ~~يجز وصفه به. ويقال (ثالثا) : الكمال الذي يجب اتصافه به هو الممكن الوجود، ~~وأما الممتنع فليس من الكمال الذي يتصف به موجود، والحوادث المتعلقة بقدرته ~~ومشيئته يمتنع وجودها جميعا في الأزل، فلا يكون انتفاؤها في الأزل نقصا لأن ~~انتفاء الممتنع ليس بنقص. ويقال (رابعا) : إذا قدر ذات تفعل شيئا بعد شيء ~~وهي قادرة على الفعل بنفسها وذات لا يمكنها أن تفعل بنفسها شيئا بل هي ~~كالجماد الذي لا يمكنه أن يتحرك كانت الأولى أكمل من الثانية. فعدم هذه ~~الأفعال نقص بالضرورة. وأما وجودها بحسب الإمكان فهو الكمال. ويقال (خامسا) ~~: لا نسلم أن عدم هذه مطلقا نقص ولا كمال ولا وجودها مطلقا نقص ولا كمال، ~~بل وجودها في الوقت الذي اقتضته مشيئته وقدرته وحكمته هو الكمال ووجودها ~~بدون ذلك نقص، وعدمها مع اقتضاء الحكمة كمال، وإذن فالشيء الواحد يكون ~~وجوده تارة كمالا وتارة نقصا، وكذلك عدمه. فبطل التقسيم المطلق، وهذا ~~كالماء يكون رحمة بالخلق إذا احتاجوا إليه كالمطر ويكون عذابا إذا ضرهم، ~~فيكون ms601 إنزاله لحاجتهم رحمة وإحسانا، والمحسن الرحيم متصف بالكمال ولا يكون ~~عدم إنزاله حيث يضرهم نقصا، بل هو أيضا رحمة وإحسان فهو محسن بالوجود حين ~~كان رحمة، وبالعدم حين كان العدم رحمة. # فصل # وأما نفي النافي للصفات الخبرية المعينة فلاستلزامها التركيب المستلزم ~~للحاجة والافتقار فقد تقدم جواب نظيره، فإنه إن أريد بالتركيب ما هو ~~المفهوم منه في اللغة أو في العرف العام أو عرف بعض بالناس وهو ما ركبه ~~غيره أو كان مفترقا # PageV05P062 # فاجتمع، أو ما جمع الجواهر الفردة أو المادة والصورة، أو ما أمكن مفارقة ~~بعضه لبعض، فلا نسلم المقدمة الأولى ولا نسلم أن إثبات الوجه واليد مستلزم ~~للتركيب بهذا الاعتبار، وإن أريد به التلازم على معنى امتياز شيء عن شيء في ~~نفسه وأن هذا ليس هذا، فهذا لازم له في الصفات المعنوية المعلومة بالعقل ~~كالعلم والقدرة والسمع والبصر، فإن الواحدة من هذه الصفات ليست هي الأخرى ~~بل كل صفة ممتازة بنفسها عن الأخرى، وإن كانتا متلازمتين يوصف بهما موصوف ~~واحد. ونحن نعقل هذا في صفات المخلوقين كأبعاض الشمس وأعراضها. وأيضا فإن ~~أريد أنه لا بد من وجود ما بالحاجة والافتقار إلى مباين له فهو ممنوع، وإن ~~أريد أنه لا بد من وجود ما هو داخل في مسمى اسمه وأنه يمتنع وجود الواجب ~~بدون تلك الأمور الداخلة في مسمى اسمع فمعلوم أنه لا بد من نفسه فلا بد له ~~مما يدخل في مسماها بطريقة الأولى والأحرى. وإذا قيل هو مفتقر إلى نفسه لم ~~يكن معناه أن نفسه تفعل نفسه. فكذلك ما هو داخل فيها ولكن العبارة موهمة ~~مجملة فإذا فسر المعنى زال المحذور. ويقال أيضا: نحن لا نطلق على هذا اللفظ ~~الغير فلا يلزمه أن يكون محتاجا إلى الغير، فهذا من جهة الإطلاق اللفظي، ~~وأما من جهة الدليل العلمي فالدليل دل على وجود موجود بنفسه لا فاعل ولا ~~علة فاعلة وأنه مستغن بنفسه عن كل ما يباينه. أما الوجود الذي لا يكون له ~~صفة ولا يدخل في مسمى اسمه معنى ms602 من المعاني الثبوتية فهذا إذا ادعى المدعي ~~أنه المعني بوجوب الوجود وبالغني، قيل له لكن هذا المعني ليس هو مدلول ~~الأدلة، ولكن أنت قدرت أن هذا مسمى الاسم، وجعل اللفظ دليلا على هذا المعنى ~~لا ينفعك إن لم يثبت أن المعنى حق في نفسه، ولا دليل على ذلك بل الدليل يدل ~~على نقيضه. فهؤلاء عمدوا إلى لفظ الغني والقديم والواجب بنفسه فصاروا ~~يجعلونها على معاني (1) تستلزم معاني تناقض ثبوت الصفات وتوسعوا في التعبير ~~ثم ظنوا أن هذا الذي فعلوه هو موجب الأدلة العقلية وغيرها. وهذا غلط منهم. ~~فموجب الأدلة العقلية لا يتلقى من مجرد التعبير، وموجب الأدلة السمعية ~~PageV05P063 # يتلقى من عرف المتكلم بالخطاب لا من الوضع المحدث، فليس لأحد أن يقول أن ~~الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة لمعاني (1) ثم يريد أن يفسر مراد الله ~~بتلك المعاني هذا من فعل أهل الإلحاد المفترين فإن هؤلاء عمدوا إلى المعاني ~~وظنوها ثابتة فجعلوها هي معنى الواحد والوجوب والغنى والقدم ونفي المثل، ثم ~~عمدوا إلى ما جاء في القرآن والسنة من تسمية الله تعالى بأنه أحد وواحد علي ~~ونحو ذلك من نفي المقل والكفؤ عنه فقالوا هذا يدل على المعاني التي سميناها ~~بهذه الأسماء وهذا، من أعظم الافتراء على الله. وكذلك المتفلسفة عمدوا إلى ~~لفظ الخالق والفاعل والصانع والمحدث ونحو ذلك فوضعوها لمعنى ابتدعوه، ~~وقسموا الحدوث إلى نوعين: ذاتي وزماني، وأرادوا بالذاتي كون المربوب مقارنا ~~للرب أزلا وأبدا، وإن اللفظ على هذا المعنى لا يعرف في لغة أحد من الأمم، ~~ولو جعلوا هذا اصطلاحا لهم لم ننازعهم فيه، لكن قصدوا بذلك التلبيس على ~~الناس، وأن يقولوا نحن نقول بحدوث العالم وأن لا خالق له ولا فاعل له ولا ~~صانع ونحو ذلك من المعاني التي يعلم بالاضطرار أنها تقتضي تأخير المفعول لا ~~يطلق على ما كان قديما بقدم الرب مقارنا له أزلا وأبدا، وكذلك فعل من فعل ~~بلفظ المتكلم وغير ذلك من الأسماء ولو فعل هذا بكلام سيبويه وبقراط لفسد ما ~~ذكروه من النحو ms603 والطب، ولو فعل هذا بكلام آحاد العلماء كمالك والشافعي ~~وأحمد وأبي حنيفة لفسد العلم بذلك ولكان ملبوسا عليهم فكيف إذا فعل هذا ~~بكلام رب العالمين؟ وهذه طريقة الملاحدة الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته ~~ومن شاركهم في بعض ذلك مثل قول من يقول الواحد الذي لا ينقسم، ومعنى قوله: ~~لا ينقسم، أي لا يتميز منه شيء عن شيء، ويقول لا تقوم به صفة. ثم زعموا أن ~~الأحد والواحد في القرآن يراد به هذا. ومعلوم أن كل ما في القرآن من اسم ~~الواحد والأحد كقوله تعالى (وإذا كانت واحدة فلها النصف) وقوله (قالت # إحداها يا أبت استأجره) وقوله (ولم PageV05P064 # يكن له كفوا أحد) وقوله (وإن أحد من المشركين استجارك) وقوله (ذرني ومن ~~خلقت وحيدا) وأمثال ذلك يناقض ما ذكروه فإن هذا الأسماء أطلقت على قائم ~~بنفسه مشار إليه يتميز منه شيء عن شيء، وهذا الذي يسمونه في اصطلاحهم جسما. ~~وكذلك إذا قالوا الموصوفات تتماثل والأجسام تتماثل والجواهر تتماثل، ~~وأرادوا أن يستدلوا بقوله تعالى (ليس كمثله شيء) على نفي مسمى هذه الأمور ~~التي سموها بهذه الأسماء في اصطلاحهم الحادث، كان هذا افتراء على القرآن، ~~فإن هذا ليس هو المثل في لغة العرب ولا لغة القرآن ولا غيرهما. قال تعالى ~~(وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) فنفى مماثلة هؤلاء مع ~~اتفاقهم في الإنسانية فكيف يقال أن لغة العرب توجب أن كل ما يشار إليه مثل ~~كل ما يشار إليه، وقال تعالى (ألم ترك كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد) فأخبر أنه لم يخلق مثلها في البلاد وكلاهما ~~بلد فكيف يقال أن كل جسم فهو مثل لكل جسم في لغة العرب، حتى يحمل على ذلك ~~قوله (ليس كمثله شيء) .وقد قال الشاعر: ليس كمثل الفتى زهيروقال: ما إن ~~كمثلهم في الناس من بشرولم يقصد هذا أن ينفي وجود جسم من الأجسام، وكذلك ~~لفظ التشابه ليس هو التماثل في اللغة قال تعالى (وأتوا به متشابها) ms604 وقال ~~تعالى (متشابها وغير متشابه) ولم يرد به شيئا هو مماثل في اللغة، وليس ~~المراد هنا كون الجواهر متماثلة في العقل وليست متماثلة. فإن هذا مبسوط في ~~موضعه بل المراد أن أهل اللغة التي بها نزل القرآن لا يجعلون مجرد هذا ~~موجبا لإطلاق اسم المثل، ولا يجعلون نفي المثل نفيا لهذا فحمل القرآن على ~~ذلك كذب على القرآن. # فصل # وقول القائل " المناسبة " لفظ مجمل فإنه قد يراد بها التولد والقرابة ~~فيقال: هذا نسيب فلان ويناسبه. إذا كان بينهم قرابة مستندة إلى الولادة ~~والآدمية والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، ويراد بها المماثلة فيقال: هذا ~~يناسب هذا # PageV05P065 # أي ماثلة. والله سبحانه وتعالى أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له ~~كفوا أحد. ويراد بها الموافقة في معنى من المعاني (1) وضدها المخالفة. ~~والمناسبة بهذا الاعتبار ثابتة، فإن أولياء الله تعالى يوافقونه فيما يأمر ~~به فيفعلونه وفيما يحبه فيحبونه، وفيما نهى عن فيتركونه، وفيما يعطيه ~~فيصيبونه. والله وتر يحب الوتر، جميل يحب الجمال، عليم يحب العلم، نظيف يحب ~~النظافة، محسن يحب المحسنين، مقسط يحب المقسطين، إلى غير ذلك من المعاني. ~~بل هو سبحانه يفرح بتوبة التائب أعظم من فرح الفاقد لراحلته عليها طعامه ~~وشرابه في الأرض المهلكة إذا وجدها بعد اليأس، فالله أشد فرحا بتوبة عبده ~~من هذا براحلته كما ثبت ذلك في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ~~أريد بالمناسبة هذا وأمثاله فهذه المناسبة حق وهي من صفات الكمال كما تقدم ~~الإشارة إليه. فإن من يحب صفات الكمال أكمل ممن لا فرق عنده بين صفات النقص ~~والكمال أولا يحب صفات الكمال. وإذا قدر موجودان أحدهما يحب العلم والصدق ~~والعدل والإحسان ونحو ذلك، والآخر لا فرق عنده بين هذه الأمور وبين الجهل ~~والكذب والظلم ونحو ذلك لا يحب هذا ولا يبغض هذا، كان الذي يحب تلك الأمور ~~أكمل من هذا. فدل على أن من جرد عن صفات الكمال والوجود بأن لا يكون له علم ~~كالجماد فالذي يعلم أكمل منه والعالم ms605 الذي يحب المحمود ويبغض المذموم أكمل ~~ممن لا يحبهما وأما أن يحبهما (2) ومعلوم أن الذي يحب المحمود ويبغض ~~المذموم أكمل ممن يحبهما أو يبغضهما. وأصل هذه المسئلة هي الفرق بين محبة ~~الله ورضاه وغضبه وسخطه وبين إرادته كما هو مذهب السلف والفقهاء وأكثر ~~المثبتين للقدر من أهل السنة وغيرهم، وصار طائفة من القدرية والمثبتين ~~للقدر إلى أنه لا فرق بينهما. ثم قالت القدرية: هو لا يحب الكفر والفسوق ~~والعصيان ولا يريد ذلك فيكون ما لم يشاء ويشاء ما لم يكن. وقالت المثبتة. ~~ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وإذن قد أراد الكفر والفسوق PageV05P066 # والعصيان، ولم يرده دينا، أو أراده من الكافر ولم يرده من المؤمن، فهو ~~لذلك يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يحبه دينا ويحبه من الكافر ولا يحبه ~~من المؤمن. وكلا القولين خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها ~~فإنهم متفقون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وأنه لا يكون شيء ~~إلا بمشيئته، ومجمعون على أنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر وإن ~~الكفار يبيتون ما لا يرضى من القول والذين نفوا محبته بنوها على هذا الأصل ~~الفاسد. # فصل # وأما قول القائل: الرحمة ضعف وخور في الطبيعة وتألم على المرحوم، فهذا ~~باطل. أما أولا: فلأن الضعف والخوف مذموم من الآدميين، والرحمة ممدوحة وقد ~~قال تعالى (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) وقد نهى الله عباده عن الوهن ~~والحزن فقال تعالى (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) ~~وندبهم إلى الرحمة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح " لا ~~تنزع الرحمة إلا من شقي " وقال " من لا يرحم لا يرحم " وقال " الراحمون ~~يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " ومحال أن يقول لا ~~ينزع الضعف والخور إلا من شقي، ولكن لما كانت الرحمة تقارن في حق كثير من ~~الناس الضعف والخور كما في رحمة النساء ونحو ذلك ظن الغالط أنها كذلك ~~مطلقا. وأيضا فلو قدر أنها ms606 في حق المخلوقين مستلزمة لذلك لم يجب أن تكون في ~~حق الله تعالى مستلزمة لذلك كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام ~~فينا يستلزم من النقص والحاجة ما يجب تنزيه الله عنه. وكذلك الوجود والقيام ~~بالنفس فينا يستلزم احتياجا إلى خالق يجعلنا موجودين والله منزه في وجوده ~~عما يحتاج إليه وجودنا، فنحن وصفاتنا وأفعالنا مقرونون بالحاجة إلى الغير ~~والحاجة لنا أمر ذاتي لا يمكن أن نخلو عنه، وهو سبحانه الغني له أمر ذاتي ~~لا يمكن أن يخلوا عنه، فهو بنفسه حي قيوم واجب الوجود، ونحن بأنفسنا ~~محتاجون فقراء، فإذا كانت ذاتنا وصفاتنا وأفعالنا وما اتصفنا به من الكمال ~~من # PageV05P067 # العلم والقدرة وغيرة ذلك هو مقرون بالحاجة والحدوث والإمكان لم يحب أن ~~يكون لله ذات ولا صفات ولا أفعال، ولا يقدر ولا يعلم، لكون ذلك ملازما ~~للحاجة فينا. فكذلك الرحمة وغيرها إذا قدر أنها في حقنا ملازمة للحاجة ~~والضعف لم يجب أن تكون في حق الله ملازمة لذلك. وأيضا فنحن نعلم بالاضطرار ~~أنا إذا فرضنا موجودين أحدهما يرحم غيره فيجلب له المنفعة ويدفع عنه ~~المضرة، والآخر قد استوى عنده هذا وهذا وليس عنده ما يقتضي جلب منفعة ولا ~~دفع مضرة كان الأول أكمل. # فصل # وأما قول القائل: الغضب غليان دم القلب بطلب الانتقام: فليس بصحيح في ~~حقنا بل الغضب قد يكون لدفع المنافي قبل وجوده فلا يكون هناك انتقام أصلا. ~~وأيضا فغليان دم القلب يقارنه الغضب ليس أن مجرد الغضب هو غليان دم القلب، ~~كما أن الحياء يقارن حمرة الوجه والوجل يقارن صفرة الوجه، لا أنه هو، وهذا ~~لأن النفس إذا قام بها دفع المؤذي فإن استشعرت القدرة فاض الدم إلى خارج ~~فكان منه الغضب وإن استشعرت العجز عاد الدم إلى داخل فاصفر الوجه كما يصيب ~~الحزين. وأيضا فلو قدر أن هذا هو حقيقة غضبنا لم يلزم أن يكون غضب الله ~~تعالى مثل غضبنا، كما أن حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا، فليس هو مماثل لنا ~~لا لذاتنا ولا لأرواحنا، وصفاته ms607 كذاته. ونحن نعلم بالاضطرار أنا إذا قدرنا ~~موجودين أحدهما عنده قوة يدفع بها الفساد والآخر لا فرق عنده بين الصلاح ~~والفساد كان الذي عنده تلك القوة أكمل. ولهذا يذم من لا غيرة له على ~~الفواحش كالديوث، ويذم من لا حمة له يدفع بها الظلم عن المظلومين، ويمدح ~~الذي له غيرة يدفع بها الفواحش وحمية يدفع بها الظلم. ويعلم أن هذا أكمل من ~~ذلك. ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الرب بالأكملية في ذلك فقال في ~~الحديث الصحيح " لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن " وقال " أتعجبون من غيرة سعد؟ أنا أغير منه والله أغير مني ". # PageV05P068 # وقول القائل: إن هذه انفعالات نفسانية. فيقال: كل ما سوى الله مخلوق ~~منفعل ونحن وذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات فينا لغيرنا نعجز عن دفعها، لا ~~يوجب أن يكون الله منفعلا لها عاجزا عن دفعها، وكان كل ما يجري في الوجود ~~فإنه بمشيئته وقدرته لا يكون إلا ما يشاء ولا يشاء إلا ما يكون له الملك ~~وله الحمد. # فصل # وقول القائل: إن الضحك خفة روح - ليس بصحيح وإن كان ذلك قد يقارنه ثم قول ~~القائل " خفة الروح " إن أراد به وصفا مذموما فهذا يكون لا ينبغي أن يضحك ~~منه، وإلا فالضحك في موضعه المناسب له صفة مدح وكمال، وإذا قدر حيان أحدهما ~~يضحك مما يضحك منه والآخر لا يضحك قط، كان الأول أكمل من الثاني، ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم " ينظر إليكم البري قنطين فيظل يضحك، يعلم فرجكم ~~قريب " فقال له أبو رزين العقيلي يا رسول الله " أويضحك الرب؟ قال " نعم " ~~قال لن نعدم من رب يضحك خيرا (1) . فجعل الأعراب العاقل بصحة فطرته ضحكه ~~دليلا على إحسانه وإنعامه، فدل على أن هذا الوصف مقرون بالإحسان المحمود، ~~وأنه من صفات الكمال، والشخص العبوس الذي لا يضحك قط هو مذموم بذلك، وقد ~~قيل في اليوم الشديد العذاب أنه (يوما عبوسا قمطريرا) .وقد روي أن الملائكة ~~قالت لآدم: حياك ms608 الله وبياك، أي أضحكك. والإنسان حيوان ناطق ضاحك، وما يميز ~~الإنسان عن البهيمة صفة كمال، فكما أن النطق صفة كمال فكذلك الضحك صفة ~~كمال، فمن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومن يضحك أكمل ممن لا يضحك، وإذا كان ~~الضحك فينا مستلزما لشيء من النقص فالله منزه عن ذلك، وذلك الأكثر مختص لا ~~عام فليس حقيقة الضحك مطلقا مقرونة بالنقص كما أن ذواتنا وصفاتنا مقرونة ~~بالنقص، ووجودنا مقرونا بالنقص، ولا يلزم أن يكون الرب موجدا وأن لا تكون ~~له ذات. PageV05P069 # ومن هنا ضلة القرامطة الغلاة كصاحب الإقليد وأمثاله فأرادوا أن ينفوا عنه ~~كل ما يعلمه القلب وينطق به اللسان من نفي وإثبات، فقالوا: لا تقول موجود ~~ولا لا موجود، ولا موصوف ولا لا موصوف، لما في ذلك - على زعمهم - من ~~التشبيه، وهذا يستلزم أن يكون ممتنعا وهو مقتضى التشبيه بالممتنع على الله ~~أن يشارك المخلوقات في شيء من خصائصها، وأن يكون مماثلا لها في شيء من ~~صفاته كالحياة والعلم والقدرة، فإن وإن وصف بها فلا تماثل صفة الخالق صفة ~~المخلوق كالحدوث والموت والفناء والإمكان. # فصل # وأما قوله: التعجب استعظام للمتعجب منه - فيقال: نعم وقد يكون مقرونا ~~بجهل بسبب التعجب، وقد يكون لما خرج عن نظائره، والله تعالى بكل شيء عليم، ~~فلا يجوز عليه أن يعلم سبب ما تعجب منه بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيما ~~له. والله تعالى يعظم ما هو عظيم أما العظمة سببه أو لعظمته. فإنه وصف بعض ~~الخير بأنه عظيم. ووصف بعض الشر بأنه عظيم، فقال تعالى (رب العرش العظيم) ~~وقال (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) وقال (ولو أنهم فعلوا ~~ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا، وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا ~~عظيما) وقال (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا ~~بهتان عظيم) وقال (إن الشرك لظلم عظيم) ولهذا قال تعالى (بل عجبت ويسخرون) ~~على قراءة الضم فهنا هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة. وقال النبي صلى الله ~~عليه ms609 وسلم للذي آثر هو وامرأته ضيفهما " لقد عجب الله " وفي لفظ في الصحيح ~~" لقد ضحك الله الليلة من صنعكما البارحة " وقال " إن الرب ليعجب من عبده ~~إذا قال رب اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يقول علم عبدي أنه لا ~~يغفر الذنوب إلا أنا " وقال " عجب ربك من شاب ليست له صبوة " وقال " عجب ~~ربك من راعي غنم على رأس شظية (1) يؤذن ويقيم فيقول الله انظروا إلى عبدي " ~~أو كما قال ونحو ذلك. PageV05P070 # فصل # وأما قول القائل: لو كان في ملكه ما لا يريده لكان نقصا. وقول الآخر لو ~~قدر وعذب لكان ظلما، والظلم نقص - فيقال: أما المقالة الأولى فظاهره فإنه ~~إذا قدر أنه يكون في ملكه ما لا يريده وما لا يقدر عليه وما لا يخلقه ولا ~~يحدثه لكان نقصا من وجوه: (أحدها) أن انفراد شيء من الأشياء عنه بالأحداث ~~نقص لو قدر أنه في غير ملكه فكيف في ملكه؟ فإنا نعلم أنا إذا فرضنا اثنين ~~أحدهما يحتاج إليه كل شيء ولا يحتاج إلى شيء، والآخر يحتاج إليه بعض ~~الأشياء ويستغنى عنه بعضها كان الأول أكمل، فنفس خروج شيء عن قدرته وخلقه ~~نقص، وهذه دلائل الوحدانية، فإن الاشتراك نقص بكل من المشتركين، وليس ~~الكمال المطلق إلا في الوحدانية، فإنا نعلم أن من قدر بنفسه كان أكمل ممن ~~يحتاج إلى معين، ومن فعل الجميع بنفسه فهو أكمل ممن له مشارك ومعاون على ~~فعل البعض، ومن افتقر إليه كل شيء فهو أكمل ممن استغنى عنه بعض الأشياء. ~~ومنها أن يقال: كونه خالقا لكل شيء وقادرا على كل شيء أكمل من كونه خالقا ~~للبعض وقادرا على البعض. والقدرية لا يجعلونه خالقا لكل شيء ولا قادرا على ~~كل شيء. والمتفلسفة القائلون بأنه من علة غائبة شر منهم، فإنهم لا يجعلونه ~~خالقا لشيء من حوادث العالم لا لحركات الأفلاك ولا غيرها من المتحركات، ولا ~~خالقا لما يحدث بسبب ذلك ولا قادرا على شيء من ذلك ولا عالما بتفاصيل ذلك ~~والله سبحانه وتعالى ms610 يقول (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل ~~الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وإن الله قد أحاط بكل شيء ~~علما) وهؤلاء ينظرون في العالم ولا يعلمون أن الله على كل شيء قدير، ولا أن ~~الله قد أحاط بكل شيء علما. (ومنها) أنا إذا قدرنا مالكين أحدهما يريد شيئا ~~فلا يكون ويكون ما لا يريد، والآخر لا يريد شيئا إلا كان ولا يكون إلا ما ~~يريد، علمنا بالضرورة أن هذا أكمل. # PageV05P071 # وفي الجملة قول المثبتة للقدرة يتضمن أنه خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه ~~على كل شيء قدير وأنه ما شاء كان فيقتضي كمال خلقه وقدرته ومشيئته، ونفاة ~~القدرة يسلبونه هذه الكلمات. وأما قوله أن التعذيب على القدر ظلم منه - ~~فهذه دعوى مجردة ليس معهم فيها إلا قياس الرب على أنفسهم، ولا يقول عاقل أن ~~كل ما كان نقصا من أي موجود كان لزم أن يكون نقصا من الله، بل ولا ينتج هذا ~~من الإنسان مطلقا، بل إذا كان له مصلحة في تعذيب بعض الحيوان وأن يفعل به ~~ما فيه تعذيب له حسن ذلك منه، كالذي ينصع القز فإنه هو الذي يسعى في أن دود ~~القز ينسجه، ثم يسعى في أن يلقى في الشمس ليحصل له المقصود من القز، وهو ~~هنا له سعي في حركة الدود التي كانت سبب تعذيبه. وكذلك الذي يسعى في أن ~~يتوالد له ماشية وتبيض له دجاج ثم يذبح ذلك لينتفع به فقد تسبب في وجود ذلك ~~الحيوان تسببا أفضى إلى عذابه لمصلحة له في ذلك. (1) # ففي الجملة: الإنسان يحسن منه إيلام الحيوان لمصلحة راجحة في ذلك، فليس ~~جنس هذا مذموما ولا قبيحا ولا ظلما، وإن كان من ذلك ما هو ظلم. وحينئذ ~~فالظلم من الله إما أن يقال: هو ممتنع لذاته لأن الظلم تصرف المتصرف في غير ~~ملكه والله له كل شيء، أو الظلم مخالفة الأمر الذي يجب طاعته والله تعالى ~~يمتنع منه التصرف في ملك غيره أو مخالفة أمر ms611 من يجب عليه طاعته. فإذا كان ~~الظلم ليس إلا هذا أو هذا امتنع الظلم منه. وإما أن يقال: هو ممكن لكنه ~~سبحانه لا يفعله لغناه وعلمه بقبحه ولإخباره أنه لا يفعله، ولكمال نفسه ~~يمتنع منه وقوع الظلم منه إذ كان العدل والرحمة من لوازم ذاته فيمتنع ~~اتصافه بنقيض صفات الكمال التي هي من لوازمه. على هذا القول، فالذي يفعله ~~لحكمة اقتضت ذلك، كما أن الذي يمتنع منه فعله حكمة تقتضي تنزيهه عنه. وعلى ~~هذا فكل ما فعله علمنا أن له فيه حكمة وهذا يكفينا من حيث الجملة. وإن لم ~~PageV05P072 # نعرف التفصيل، وعدم علمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته، ~~وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا. وأما كنه ذاته فغير معلومة لنا، ~~فلا نكذب بما علمناه ما لم نعلمه، وكذلك نحن نعلم أنه حكيم فيما يفعله ~~ويأمره، وعدم علمنا بالحكمة في بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل ~~حكمته، فلا نكذب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها. ونحن نعلم أن ~~من علم حذق أهل الحساب والطب والنحو ولم يكن متصفا بصفاتهم التي استحقوا ~~بها أن يكونوا # من أهل الحساب والطب والنحو لم يمكنه أن يقدح فيما قالوه لعدم علمه ~~بتوجيهه، والعباد أبعد عن معرفة الله وحكمته في خلقه من معرفة عوامهم ~~بالحساب والطب والنحو، فاعتراضهم في حكمته أعظم جهلا وتكلفا للقول بلا علم ~~من العامي المحض إذا قدح في الحساب والطب والنحو بغير علم بشيء من ذلك. ن ~~أهل الحساب والطب والنحو لم يمكنه أن يقدح فيما قالوه لعدم علمه بتوجيهه، ~~والعباد أبعد عن معرفة الله وحكمته في خلقه من معرفة عوامهم بالحساب والطب ~~والنحو، فاعتراضهم في حكمته أعظم جهلا وتكلفا للقول بلا علم من العامي ~~المحض إذا قدح في الحساب والطب والنحو بغير علم بشيء من ذلك. # وهذا يتبين بالأصل الذي ذكرناه في الكمال وهو قولنا إن الكمال الذي لا ~~نقص فيه الممكن الوجود يجب اتصافه به وتنزيهه عما يناقضه، فيقال خلق بعض ms612 ~~الحيوان وفعله الذي يكون سببا لعذابه هل هو نقص مطلقا أم يختلف. # وأيضا فإذا كان في خلق ذلك حكمة عظيمة لا تحصل إلا بذلك، فأيما أكمل ~~تحصيل ذلك بتلك الحكمة العظيمة أو تفويتها؟ وأيضا فهل يمكن حصول الحكمة ~~المطلوبة بدون حصول هذا؟ فهذه أمور إذا تدبرها الإنسان علم أنه لا يمكنه أن ~~يقول خلق فعل الحيوان الذي يكون بسبب لتعذيبه نقص مطلقا. # والمثبتة للقدر قد تجيب بجواب آخر لكن ينازعهم الجمهور فيه فيقولون كونه ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد صفة كمال بخلاف الذي يكون مأمورا منهيا الذي ~~يؤمر بشيء وينهى عن شيء. ويقولون إنما قبح من غيره أن يفعل ما شاء لما ~~يلحقه من الضرر وهو سبحانه لا يجوز أن يلحقه ضرر. # والجمهور يقولون إذا قدرنا من يفعل ما يريد بلا حكمة محبوبة تعود إليه ~~ولا رحمة وإحسان يعود إلى غيره كان الذي يفعل لحكمة ورحمة أكمل ممن يفعل لا ~~لحكمة ولا لرحمة. # ويقولون إذا قدرنا مريدا لا يميز بين مراده ومراد غيره ومريدا يميز ~~بينهما فيريد # PageV05P073 # ما يصلح أن يراد وينبغي أن يراد دون ما هو بالضد كان هذا الثاني أكمل. # ويقولون: المأمور المني الذي فوقه آمر ناه هو ناقص بالنسبة إلى من ليس ~~فوقه آمر ناه، لكن إذا كان هو الآمر لنفسه بما ينبغي أن يفعل والمحرم عليها ~~ما لا ينبغي أن يفعل، وآخر يفعل يما يريده بدون أمر ونهي من نفسه. فهذا ~~الملتزم لأمره ونهيه الواقعين على وجه الحكمة أكمل من ذلك وقد قال تعالى ~~(كتب ربكم على نفسه الرحمة) وقال " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ~~وجعلته بينكم مجرما فال تظالموا ". # وقالوا أيضا: إذا قيل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد على وجه بيان قدرته، ~~وأنه لا مانع له ولا يقدر غيره أن يمنعه مراده، ولا أن يجعله مريدا، كان ~~هذا أكمل ممن له مانع يمنعه مراده ومعين لا يكون مريدا أو فاعلا لما يريد ~~إلا به. # وأما إذا قيل: يفعل ما يريد باعتبار ms613 أنه لا يفعل على وجه مقتضى العلم ~~والحكمة بل هو متوسل فيما يفعله، وآخر يفعل ما يريد لكن إرادته مقرونة ~~بالعلم والحكمة كان هذا الثاني أكمل. # وجماع الأمر في ذلك: أن كمال القدرة صفة كمال، وكون الإرادة نافذة لا ~~تحتاج إلى معاون ولا يعارضها مانع وصف كمال. # وأما كون الإرادة لا تميز بين مراد ومراد بل جميع الأجناس عندها سواء ~~فهذا ليس يوصف كمال، بل الإرادة المميزة بين مراد ومراد كما يقتضيه العلم ~~والحكمة هي الموصوفة بالكمال، فمن نقصه في قدرته وخلقه ومشيئته فلم يقدره ~~قدره. ومن نقصه من حكمته ورحمته فلم يقدره حق قدره. والكمال الذي يستحقه ~~إثبات هذا وهذا. ### | فصل في الرد على منكري النبوات بالعقل # وأما منكرو النبوات وقولهم: ليس الخلق أهلا أن يرسل الله إليهم رسولا كما ~~أن أطراف الناس ليسوا أهلا أن يرسل السلطان إليهم رسولا. فهذا جهل واضح في ~~حق المخلوق والخالق، فإن من أعظم ما تحمد به الملوك: خطابهم بأنفسهم لضعفاء ~~الرعية فكيف بإرسال رسول إليهم. # PageV05P074 # وأما في حق الخالق فهو سبحانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وهو قادر ~~مع كمال رحمته، فإذا كان كامل القدرة كامل الرحمة فما المانع أن يرسل إليهم ~~رسولا رحمة منه؟ كما قال تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم " إنما أنا رحمة مهداة " ولأن هذا من جملة إحسانه إلى ~~الخلق بالتعليم والهداية وبيان ما ينفعهم وما يضرهم كما قال تعالى (لقد من ~~الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة) فبين تعالى أن هذا من مننه على عباده المؤمنين. # فإن كان المنكر ينكر قدرته على ذلك فهذا قدح في كمال قدرته، وإن كان ينكر ~~إحسانه بذلك فهذا قدح في كمال رحمته وإحسانه. فعلم أن إرسال الرسول من أعظم ~~الدلالة على كمال قدرته وإحسانه، والقدرة والإحسان من صفات الكمال لا ~~النقص. وأما تعذيب المكذبين فذلك داخل في القدر لما له فيه من الحكمة. # فصل # وأما ms614 قول المشركين: إن عظمته وجلاله يقتضي أن لا يتقرب إليه إلا بواسطة ~~وحجاب، والتقرب بدون ذلك غض من جنابه الرفيع: فهذا باطل من وجوه: منها أن ~~الذي لا يتقرب إليه إلا بوسائط وحجاب إما أن يكون قادرا على سماع كلام جنده ~~وقضاء حوائجهم بدون الوسائط والحجاب، وإما أن لا يكون قادرا، فإن لم يكن ~~قادرا كان هذا نقصا والله تعالى موصوف بالكمال فوجب أن يكون متصفا بأنه ~~يسمع كلام عباده بلا وسائط، ويجيب دعاءهم، ويحسن إليهم بدون حاجة إلى حجاب، ~~وإن كان الملك قادرا على فعل أموره بدون الحجاب، وترك الحجاب إحسانا ورحمة ~~كان ذلك صفة كمال. # وأيضا: فقول القائل إن هذا غض منه إنما يكون فيمن يمكن الخلق أن يضروه ~~ويفتقر في نفعه إليهم، فأما مع كمال قدرته واستغنائه عنهم وأمنه أن يؤذوه ~~فليس تقربهم إليه غضا منه، بل إذا كان اثنان أحدهما يقرب إليه الضعفاء ~~إحسانا إليهم ولا يخاف منهم. والآخر لا يفعل ذلك إما خوفا وإما كبرا وإما ~~غير ذلك كان الأول أكمل من الثاني. # PageV05P075 # وأيضا فإن هذا لا يقال إذا كان ذلك بأمر المصاع بل إذا أذن للناس في ~~التقرب منه ودخول داره لم يكن ذلك سوء أدب عليه ولا غضا منه، فهذا إنكار ~~على من تعبده بغير ما شرع. ولهذا قال تعالى (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه) وقال تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله) . # فصل # وأما قول القائل: أنه لو قيل لهم أيما أكمل؟ ذات توصف بسائر أنواع ~~الإدراكات من الذوق والشم واللمس أم ذات لا توصف بها؟ لقاوا: الأول أكمل، ~~ولم يصفوه بها. # فنقول مثبتة الصفات لهم في هذه الإدراكات ثلاثة أقوال معروفة. # أحدها إثبات هذه الإدراكات لله تعالى كما يوصف بالسمع والبصر. وهذا قول ~~القاضي أبي بكر وأبي المعالي وأظنه قول الأشعري نفسه بل هو قول المعتزلة ~~البصريين الذين يصفونه بالإدراكات وهؤلاء وغيرهم يقولون تتعلق به الإدراكات ~~الخمسة أيضا كما تتعلق به ms615 الرؤية. وقد وافقهم على ذلك القاضي أبو يعلى في ~~المعتمد وغيره. # والقول الثاني قول من ينفي هذه الثلاثة كما ينفي ذلك كثير من المثبتة ~~أيضا من الصفاتية وغيرهم: وهذا قول طوائف من الفقهاء من أصحاب الشافعي ~~وأحمد وكثير من أصحاب الأشعري وغيره. # والقول الثالث إثبات إدراك اللمس دون إدراك الذوق لأن الذوق إنما يكون ~~بالمطعوم فلا يتصف به إلا من يأكل ولا يوصف به إلا ما يؤكل والله سبحانه ~~منزه عن الأكل، بخلاف اللمس فإنه بمنزلة الرؤية وأكثر أهل الحديث يصفونه ~~باللمس وكذلك كثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ولا يصفونه ~~بالذوق. # وذلك أن نفاة الصفات من المعتزلة قالوا للمثبتة: إذا قلتم إنه يرى فقولوا ~~أنه يتعلق به سائر أنواع الحس وإذا قلتم إنه سميع بصير فصفوه بالإدراكات ~~الخمسة. # فقال أهل الإثبات قاطبة: نحن نصفه بأنه يرى وأنه يسمع كلامه كما جاءت ~~بذلك النصوص. وكذلك نصفه بأنه يسمع ويرى. وقال جمهور أهل الحديث والسنة ~~تصفه أيضا بإدراك اللمس لأن ذلك كمال لا نقص فيه. وقد دلت عليه # PageV05P076 # النصوص بخلاف إدراك الذوق، فإنه مستلزم للأكل وذلك مستلزم للنقص كما ~~تقدم. وطائفة من نظار المثبتة وصفوه بالأوصاف الخمس من الجانبين. # ومنهم من قال إنه يمكن أن يتعلق به هذه الأنواع كما تتعلق به الرؤية، ~~لاعتقادهم أن مصحح الرؤية الوجود، ولم يقولون أنه متصف بها. # وأكثر مثبتي الرؤية لم يجعلوا مجرد الوجود هو المصحح للرؤية، بل قالوا إن ~~المقتضى أمور وجودية، لا أن كل موجود يصح رؤيته، وبين الأمرين فرق، فإن ~~الثاني يستلزم رؤية كل موجود بخلاف الأول، وإذا كان المصحح للرؤية هي أمور ~~وجودية لا يشترط فيها أمور عدمية، فما كان أحق بالوجود وأبعد عن العدم كان ~~أحق بأن تجوز رؤيته، ومنهم من نفى ما سوى السمع ولبصر من الجانبيين. # فصل # وأما قول القائل: الكمال والنقص من الأمور النسبية - فقد بينا أن الذي ~~يستحقه الرب هو الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وأنه الكمال الممكن ~~للوجود، ومثل هذا لا ms616 ينتفي عن الله أصلا، والكمال النسبي هو المستلزم للنقص ~~فيكون كمالا من وجه دون وجه كالأكل للجائع كمال له وللشبعان نقص فيه، لأنه ~~ليس بكمال محض بل هو مقرون بالنقص. # والتعالي والتكبر والثناء على النفس وأمر الناس بعبادته ودعائه والرغبة ~~إليه ونحو ذلك مما هو من خصائص الربوبية هذا كمال محمود من الرب تبارك ~~وتعالى، وهو نقص مذموم من المخلوق، وهذا كالخبر عما هو من خصائص الربوبية ~~كقوله (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) وقوله تعالى (ادعوني أستجيب ~~لكم) وقوله (إن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) وقوله (أم حسب ~~الذين يعملون السيئات أن يسبقونا) وقوله (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) ~~وقوله (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقود الإشهاد) ~~وقوله (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه) وأمثال هذا الكلام الذي يذكر الرب فيه عن نفسه بعض خصائصه ~~وهو في ذلك صادق # PageV05P077 # في إخباره عن نفسه بما هو من نعوت الكمال - هو أيضا من كماله، فإن بيانه ~~لعباده وتعريفهم ذلك هو أيضا من كمال. وأما غيره فلو أخبر بمثل ذلك عن نفسه ~~لكان كاذبا مفتريا، والكذب من أعظم العيوب والنقائص. # وأما إذا أخبر المخلوق عن نفسه بما هو صادق فيه فهذا لا يذم مطلقا، بل قد ~~يحمد منه إذا كان في ذلك مصلحة كقول النبي صلى الله عليه وسلم " أنا سيد ~~ولد آدم ولا فخر " وأما إذا كان فيه مفسدة راجحة أو مساوية، فيذم لفعله ما ~~هو مفسدة لا لكذبه، والرب تعالى لا يفعل ما هو مذموم عليه بل له الحمد على ~~كل حال فكل ما يفعله هو منه حسن جميل محمود. # وأما قول من يقول: الظلم منه ممتنع لذاته فظاهر. وأما على قول الجمهور من ~~أهل السنة والقدرية فإنه إنما يفعل بمقتضى الحكمة والعدل فأخباره كلها ~~وأقواله وأفعاله كلها حسنة محمودة، واقعة على وجه الكمال الذي يستحق عليه ~~الحمد. ms617 وله من الأمور التي يستحق بها الكبرياء والعظمة ما هو من خصائصه ~~تبارك وتعالى فالكبرياء والعظمة له بمنزلة كونه حيا قيوما قديما واجبا ~~بنفسه وأنه بكل شيء عليهم وعلى كل شيء قدير وأنه العزيز الذي لا ينال وأنه ~~قهار لكل ما سواه فهذه كلها صفات كمال لا يستحقها إلا هو فما لا يستحقه إلا ~~هو كيف يكون كمالا من غيره وهو معدوم لغيره؟ فمن ادعاه كان مفتريا منازعا ~~للربوبية في خواصها كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال " يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا ~~منهما عذبته " وجملة ذلك أن الكمال المختص بالربوبية ليس لغيره فيه نصيب، ~~فهذا تحقيق اتصافه بالكمال الذي لا نصيب لغيره فيه. ومثل هذا الكمال لا ~~يكون لغيره فادعاؤه منازعة للربوبية وفرية على الله. # ومعلوم أن النبوة كمال للنبي وإذا ادعاه المفترون كمسيلمة وأمثاله كان ~~ذلك نقصا منهم لا لأن النبوة نقص ولكن دعواها ممن ليست له هو النقص، وكذلك ~~لو ادعى العلم والقدرة والصلاح من ليس متصفا بذلك كان مذموما ممقوتا، وهذا # PageV05P078 # يقتضي أن الرب تعالى متصف بكمال لا يصلح للمخلوق، وهذا لا ينافي أن ما ~~كان كمالا للموجود من حيث هو موجود فالخلق أحق به ولكن يفيد أن الكمال الذي ~~يوصف به المخلوق بما هو منه إذا وصف الخالق بما هو منه فالذي للخالق لا ~~يماثله ما للمخلوق ولا يقاربه، وهذا حق فالرب تعالى مستحق للكمال مختص به ~~على وجه لا يماثله فيه شيء فليس له سمي ولا كفؤ، سواء كان الكمال مما لا ~~يثبت منه شيء للمخلوق كربوبية العباد والغنى المطلق ونحو ذلك، أو كان مما ~~يثبت منه نوع للمخلوق فالذي يثبت للخالق منه نوع أعظم مما يثبت من ذلك ~~للمخلوق عظمة هي أعظم من فضل أعلى المخلوقات على أدناها. # وملخص ذلك أن المخلوق يذم منه الكبرياء والتجبر وتزكية نفسه أحيانا ونحو ~~ذلك. # وأما قول السائل فإن قلتم نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وننظر ms618 فيها هل ~~هي كمال أم نقص؟ فذلك يحيل الحكم عليها بأحدهما لأنها قد تكون كمالا لذات ~~نقصا لأخرى على ما ذكر - فيقال بل نحن نقول الكمال الذي لا نقص فيه الممكن ~~الوجود هو كمال مطلق لكل ما يتصف به. وأيضا فالكمال الذي هو كمال للموجود ~~من حيث هو موجود يمتنع أن يكون نقصا في بعض الصور، لأن ما كان نقصا في بعض ~~الصور تاما في بعض، هو كمال لنوع من الموجودات دون نوع فلا يكون كمالا ~~للموجود من حيث هو موجود. # ومن الطرق التي بها يعرف ذلك أن نقدر موجودين أحدهما متصف بهذا والآخر ~~بنقيضه فإنه يظهر من ذلك أيهما أكمل، وإذا قيل هذا أكمل من وجه وهذا أنقص ~~من وجه لم يكن كمالا مطلقا. # والله أعلم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # وافق الفراغ من تعليقها يوم الخميس بعد العصر ثامن عشر المحرم من سنة وست ~~وثلاثين وسبعمائة. # PageV05P079 # يقول محمد رشيد رضا # أن هذه الرسالة من أنفس ما كتبه شيخ الإسلام وامتاز به على جميع علماء # الملة، وأدلها على اتقانه لجميع العلوم العقلية ولا سيما المنطق ~~والفلسفة، وهي # حجة من حجج الله تعالى على حقية مذهب السلف في إثبات جميع ما وصف # الله تعالى به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله (ص) من الصفات والافعال ~~بدون # تأويل ولا تعطيل ولا تمثيل، وخطأ نظار المتكلمين والفلاسفة الذي انكروها # أو أولوها، وبطلان نظريتها التي بنوا عليها مذاهبهم. وكونها اصطلاحات ~~مجملة # موهمة أساسها قياس الخالق على المخلوق، فليقرأها المخدوعون بتأويلات كتب # الكلام القائلين بأن مذهبهم السلف اسلم،ومذهب الخلف أعلم، يعلموا أن من ~~قال # هذا فهو لا يعلم ولا يفهم، فمذهب السلف هو الأسلم والأعلم والاحكم، وقد ~~رجح # إليه أكبر علماء نظارهم، في أواخر اعمارهم، ولكن لم يستطع منهم لا من ~~المتقدمين ولا من # المتأخرين أن يثبته بالبراهين العقلية، على الأساليب الفلسفية، والقوانين ~~المنطقية، # PageV05P080 ### | رسالة العبادات الشرعية والفرق بينها وبين البدعة # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين # قال ms619 الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام، بقية السلف الكرام، العالم ~~الرباني، المقذوف في قلبه النور القرآني، أبو العباس أحمد بن تيمية ~~الحراني، قدس الله روحه، ونور ضريحه، وأسكنه فسيح الجنان: الحمد لله ~~نستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. ~~من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا. فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح ~~الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله مخلصا حتى أتاه ~~اليقين من ربه. صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. # فصل # في العبادات، والفرق بين شرعيها فإن هذا باب كثير فيه الاضطراب كما كثر ~~في باب الحلال والحرام. فإن أقواما استحلوا بعض ما حرمه الله، وأقواما ~~حرموا بعض ما أحل الله تعالى، وكذلك أقواما أحدثوا عبادات لم يشرعها الله ~~بل نهى عنها. وأصل الدين أن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه ~~الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، ليس لأحد أن يخرج عن الصراط ~~المستقيم الذي بعث الله به رسوله. قال الله تعالى (وإن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) . # وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه خط خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال " هذه سبيل الله وهذه سبل على ~~كل سبيل # PageV05P081 # منها شيطان يدعو إليه " ثم قرأ " وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) . # وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما ما ذم به المشركين ~~حيث حرموا ما لم يحرمه الله تعالى، كالبحيرة والسائبة، واستحلوا ما حرمه ~~الله كقتل أولادهم، وشرعوا دينا لم يأذن به الله، فقال تعالى (أم لهم شركاء ~~شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ms620 الله) ومنه أشياء هي مرحمة جعلوها عبادات ~~كالشرك والفواحش، مثل الطواف بالبيت عراة وغير ذلك. # والكلام في الحلال والحرام له مواضع أخر. والمقصود هنا العبادات فنقول: ~~العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى منها ما كان محبوبا لله ورسوله ~~مرضيا لله ورسوله، إما واجب وإما مستحب، كما في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى " ما تقرب إلي عبدي بمثل ~~أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إليه بالنوافل حتى أحبه، فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ~~ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، ولئن سألني ~~لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض ~~نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه ". # ومعلوم أن الصلاة منها فرض، وهي الصلوات الخمس، ومنها نافلة كقيام الليل ~~وكذلك الصيام فيه فرض، وهو صوم شهر رمضان، ومن نافلة كصيام ثلاثة أيام من ~~كل شهر، وكذلك السفر إلى المسجد الحرام فرض، وإلى المسجدين الآخرين: مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبيت المقدس - مستحب. # وكذلك الصدقة منها ما هو فرض ومنها ما هو مستحب، وهو العفو كما قال تعالى ~~(ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) . # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " يا ابن آدم إنك ~~إن تنفق الفضل خير لك، وإن متسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، واليد العليا ~~خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول " والفرق بين الواجب والمستحب له موضع ~~آخر غير هذا، # PageV05P082 # والمقصود هنا الفرق بين ما هو مشروع سواء كان واجبا أو مستحبا، وما ليس ~~بمشروع. # فالمشروع هو الذي يتقرب به إلى الله تعالى، وهو سبيل الله، وهو البر ~~والطاعة والحسنات والخير والمعروف، وهو طريق السالكين، ومنهاج القاصدين ~~والعابدين، وهو الذي يسلكه كل من أراد الله وسلك طريق الزهد والعبادة، وما ~~يسمى بالفقر والتصوف ونحو ذلك. ms621 # ولا ريب أن هذا يدخل فيه الصلوات المشروعة واجبها ومستحبها، ويدخل في ذلك ~~قيام الليل المشروع وقراءة القرآن على الوجه المشروع، والإذكار والدعوات ~~الشرعية. وما كان من ذلك موقتا بوقت كرفي النهار، وما كان متعلقا بسبب ~~كتحية المسجد، وسجود التلاوة، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستخارة، وما ورد من ~~الأذكار والأدعية في ذلك. وهذا يدخل فيه أمور كثيرة، وفي ذلك من الصفات ما ~~يطول وصفه، وكذلك يدخل فيه الصيام الشرعي كصيام نصف الدهر وثلثه أو ثلثيه ~~أو عشره وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ويدخل فيه السفر الشرعي، كالسفر ~~إلى مكة وإلى المسجدين الآخرين، ويدخل فيه الجهاد على اختلاف أنواعه، وأكثر ~~الأحاديث النبوية في الصلاة والجهاد، ويدخل فيه قراءة القرآن على الوجه ~~المشروع. # والعبادات الدينية أصولها الصلاة والصيام والقراءة التي جاء ذكرها في ~~الصحيحين في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، لما أتاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال " ألم أحدث أنك قلت لأصومن النهار، ولأقومن الليل، ولأقرأن ~~القرآن في ثلاث؟ " قال بلى. قال " فلا تفعل: فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له ~~العين، ونفهت له النفس (1) " ثم أمره بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فقال إني ~~أطيق أكثر من ذلك، فانتهى به إلى صوم يوم وفطر يوم فقال: إني أطيق أكثر من ~~ذلك فقال " لا أفضل من ذلك " وقال " أفضل الصيام صيام داود عليه السلام، ~~كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى. وأفضل القيام قيام داود، كان ~~ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه " وأمره أن يقرأ القرآن في سبع. ~~PageV05P083 # ولما كانت هذه العبادات هي المعروفة قال في حديث الخوارج الذي في ~~الصحيحين " يحقر أحدكم صلاته وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون ~~القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " فذكر ~~اجتهادهم بالصلاة والصيام والقراءة، وأنهم يغلون في ذلك حتى تحقر الصحابة ~~عبادتهم في جنب عبادة هؤلاء. # وهؤلاء غلوا في العبادة بلا فقه فآل الأمر بهم إلى البدعة فقال " يمرقون ~~من الإسلام كما ms622 يمرق السهم من الرمية. أينما وجدتموهم فاقتلوهم، فإن في ~~قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة " فإنهم قد استحلوا دماء ~~المسلمين وكفروا من خالفهم. وجاءت فيهم الأحاديث الصحيحة، قال الإمام أحمد ~~بن حنبل رحمه الله تعالى: صح فيهم الحديث من عشرة أوجه، وقد أخرجها مسلم في ~~صحيحه وأخرج البخاري قطعة منها. # ثم هذه الأجناس الثلاثة مشروعة (1) ولكن يبقى الكلام في القدر المشروع ~~منها. وله صنف كتاب الاقتصاد في العبادة. وقال أبي بن كعب وغيره " اقتصاد ~~في سنة، خير من اجتهاد في بدعة ". # والكلام في سرد الصوم وصيام الدهر سوى يومي العيد وأيام التشريق وقيام ~~جميع الليل، هل هو مستحب - كما ذهب إلى ذلك طائفة من الفقهاء والصوفية ~~والعباد، أو هو مكروه - كما دلت عليه السنة وإن كان جائزا؟ لكن صوم يوم ~~وفطر يوم أفضل، وقيام ثلث الليل أفضل، ولبسطه موضع آخر. # إذ المقصود هنا الكلام في أجناس عبادات غير مشروعة حدثت في المتأخرين ~~كالخلوات فإنها تشبه بالاعتكاف الشرعي. والاعتكاف الشرعي في المساجد كما ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله هو وأصحابه من العبادات الشرعية. # وأما الخلوات فبعضهم يحتج فيها بتحنثه (2) بغار حراء قبل الوحي وهذا خطأ، ~~PageV05P084 # فإن ما فعله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة إن كان قد شرعه بعد النبوة ~~فنحن مأمورون باتباعه فيه وإلا فلا. وهو من حيث نبأه الله تعالى لم يصعد ~~بعد ذلك إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدون. وقد أقام صلوات الله عليه بمكة ~~قبل الهجرة بضع عشرة سنة ودخل مكة في عمرة القضاء وعام الفتح أقام بها ~~قريبا من عشرين ليلة وأتاها في حجة الوداع وأقام بها أربع ليال، وغار حراء ~~قريب منه ولم يقصده، وذلك أن هذا كانوا يأتونه في الجاهلية ويقال أن عبد ~~المطلب هو سن لهم إتيانه لأنه لم تكن لهم هذه العبادات الشرعية التي جاء ~~بها بعد النبوة صلوات الله عليه كالصلاة والاعتكاف في المساجد، فهذه تغني ~~عن إتيان حراء بخلاف ما كانوا عليه قبل نزول الوحي، فإنه ms623 لم يكن يقرأ بل ~~قال له الملك عليه السلام (اقرأ) قال صلوات الله عليه وسلامه (فقلت لست ~~بقارئ) ولا كانوا يعرفون هذه الصلاة. ولهذا لما صلاها النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهاه عنها من نهاه من المشركين كأبي جهل، قال الله تعالى (أرأيت الذي ~~ينهى عبدا إذا صلى، أرأيت إن كان على الهدى، أو أمر بالتقوى، أرأيت إن كذب ~~وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى، كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية، ناصية ~~كاذبة خاطئة، فليدع ناديه، سندع الزبانية، كلا لا تطعه واسجد واقترب) . # وطائفة يجعلون الخلوة أربعين يوما ويعظمون أمر الأربعينية ويحتجون فيها ~~بأن الله تعالى واعد موسى عليه السلام ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، وقد روي أن ~~موسى عليه السلام صامها وصام المسيح أيضا أربعين لله تعالى وخوطب بعدها. ~~فيقولون يحصل بعدها الخطاب والتنزل كما يقولون في غار حراء حصل بعده نزول ~~الوحي. # وهذا أيضا غلط فإن هذه ليست من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بل شرعت ~~لموسى عليه السلام كما شرع له السبت والمسلمون لا يسبتون، وكما حرم في شرعه ~~أشياء لم تحرم في شرع محمد صلى الله عليه وسلم فهذا تمسك بشرع منسوخ، وذاك ~~تمسك بما كان قبل النبوة. # وقد جرب أن من سلك هذه العبادات البدعية أتته الشياطين وحصل له تنزل ~~شيطاني، وخطاب شيطاني، وبعضهم يطير به شيطانه، وأعرف من هؤلاء عددا طلبوا ~~أن يحصل لهم من جنس ما حصل للأنبياء من التنزل فنزلت عليهم الشياطين لأنهم ~~خرجوا عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم التي أمروا بها. قال تعالى (ثم # PageV05P085 # جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، إنهم ~~لن يغنوا عنك من الله شيئا، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي ~~المتقين) وكثير منهم لا يحد للخلوة مكانا ولا زمانا بل يأمر الإنسان أن ~~يخلو في الجملة. # ثم صار أصحاب الخلوات فيهم من يتمسك بجنس العبادات الشرعية: الصلاة ~~والصيام والقراءة والذكر. وأكثرهم يخرجون إلى أجناس غير مشروعة، فمن ذلك ~~طريقة ms624 أبي حامد ومن تبعه، وهؤلاء يأمرون صاحب الخلوة أن لا يزيد على الفرض، ~~لا قراءة ولا نظرا في حديث نبوي ولا غير ذلك، بل قد يأمرونه بالذكر، ثم قد ~~يقولون ما يقوله أبو حامد: ذكر العامة: لا إله إلا الله، وذكر الخاصة: الله ~~الله، وذكر خاصة الخاصة: هو هو. # والذكر بالاسم المفرد مظهرا ومضمرا بدعة في الشرع وخطأ في القول واللغة، ~~فإن الاسم المجرد ليس هو كلاما لا إيمانا ولا كفرا. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أفضل الكلام ~~بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، ~~والله أكبر " وفي حديث آخر " أفضل الذكر لا إله إلا الله " وقال " أفضل ما ~~قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله ~~الحمد، وهو على كل شيء قدير " والأحاديث في فضل هذه الكلمات كثيرة صحيحة. # وأما ذكر الاسم المفرد فبدعة لم يشرع وليس هو بكلام يعقل ولا فيه إيمان، ~~ولهذا صار بعض من يأمر به من المتأخرين يبين أنه ليس قصدنا ذكر الله تعالى، ~~ولكن جمع القلب على شيء معين حتى تستعد النفس لما يرد عليها، فكان يأمر ~~مريده بأن يقول هذا الاسم مرات، فإذا اجتمع قلبه ألقي عليه حالا شيطانيا ~~فيلبسه الشيطان ويخيل إليه أنه قد صار في الملأ الأعلى، وأنه أعطي ما لم ~~يعطه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ولا موسى عليه السلام يوم ~~الطور، وهذا وأشباهه وقع لبعض من كان في زماننا. # وأبلغ من ذلك من يقول ليس مقصودنا إلا جمع النفس بأي شيء كان، حتى يقول ~~لا فرق بين قولك يا حي وقولك لا جحش. وهذا مما قاله لي شخص منهم وأنكرت ذلك ~~عليه، ومقصودهم بذلك أن تجتمع النفس حتى يتنزل فيها الشيطان. # PageV05P086 # ومنهم من يقول إذا كان قصد وقاصد ومقصود فاجعل الجميع واحدا فيدخله في ~~أول الأمر في وحدة الوجود. # وأما أبو حامد وأمثاله (1) ممن أمروا ms625 بهذه الطريقة فلم يكونوا يظنون أنها ~~تفضي إلى الكفر، لكن ينبغي أن يعرف أن البدع بريد الكفر، ولكن أمروا المريد ~~أن يفرغ قلبه من كل شيء، حتى قد يأمروه أن يقعد في مكان مظلم ويغطي رأسه ~~ويقول: الله الله، وهم يعتقدون أنه إذا فرغ قلبه استعد بذلك فينزل على قلبه ~~من المعرفة ما هو المطلوب، بل قد يقولون: أنه يحصل له من جنس ما يحصل ~~للأنبياء. # ومنهم من يزعم أنه حصل له أكثر مما حصل للأنبياء، وأبو حامد يكثر من مدح ~~هذه الطريقة في الإحياء وغيره (2) كما أنه يبالغ في مدح الزهد، وهذا من ~~بقايا الفلسفة عليه. فإن المتفلسفة كابن سينا وأمثاله يزعمون أن كل ما يحصل ~~في القلوب من العلم للأنبياء وغيرهم فإنهما هو من العقل الفعال. ولهذا ~~يقولون النبوة مكتسبة فإذا تفرغ صفى قلبه عندهم وفاض على قلبه من جنس ما ~~فاض على الأنبياء وعندهم أن موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم كلم من سماء ~~عقله لم يسمع الكلام من خارج فلهذا يقولون إنه يحصل لهم مثل ما حصل لموسى ~~وأعظم مما حصل لموسى. # وأبو حامد يقول إنه سمع الخطاب كما سمعه موسى عليه السلام وإن لم يقصد هو ~~بالخطاب، وهذا كله لنقص إيمانهم بالرسل وأنهم آمنوا ببعض ما جاءت به الرسل ~~وكفروا ببعض، وهذا الذي قالوه باطل من وجوه: أحدها أن هذا الذي يسمونه ~~العقل الفعال باطل لا حقيقة له كما قد بسط هذا في موضع آخر. # الثاني أن ما يجعله الله في القلوب يكون تارة بواسطة الملائكة، إن كان ~~PageV05P087 # حقا، وتارة بواسطة الشياطين إذا كان باطلا (1) والملائكة والشياطين أحياء ~~ناطقون كما قد دلت على ذلك الدلائل الكثيرة من جهة الأنبياء، وكما يدعي ذلك ~~من باشره من أهل الحقائق. وهم يزعمون أن الملائكة والشياطين صفات لنفس ~~الإنسان فقط. وهذا ضلال عظيم. # الثالث أن الأنبياء جاءتهم الملائكة من ربهم بالوحي ومنهم من كلمه الله ~~تعالى فقربه وناداه، كما كلم موسى عليه السلام، لم يكن ما حصل لهم ms626 مجرد فيض ~~كما يزعمه هؤلاء. # الرابع أن الإنسان إذا فرغ قلبه من كل خاطر، فمن أين يعلم أن ما يحصل فيه ~~حق؟ هذا إما أن يعلم بعقل أو سمع، وكلاهما لم يدل على ذلك. (2) # الخامس أن الذي قد علم بالسمع والعقل أنه إذا فرغ قلبه من كل شيء (3) حلت ~~فيه الشياطين ثم تنزلت عليه الشياطين، كما كانت تتنزل على الكهان، فإن ~~الشيطان إنما يمنعه من الدخول إلى قلب ابن آدم ما فيه من ذكر الله الذي ~~أرسل به رسله، فإذا خلا من ذلك تولاه الشيطان، قال الله تعالى (ومن يعش عن ~~ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وأنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون ~~أنهم مهتدون) وقال الشيطان فيما أخبر الله عنه (فبعزتك لأغوينهم أجمعين، ~~إلا عبادك منهم المخلصين) وقال تعالى (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا ~~PageV05P088 # من اتبعك من الغاوين) والمخلصون هم الذين يعبدونه وحده لا يشركون به ~~شيئا، وإنما يعبد الله بما يأمر به على ألسنة رسله، فمن لم يكن كذلك تولته ~~الشياطين. # وهذا باب دخل في أمر عظيم على كثير من السالكين واشتبهت عليهم الأحوال ~~الرحمانية بالأحوال الشيطانية، وحصل لهم من جنس ما يحصل للكهان والسحرة، ~~وظنوا أن ذلك من كرامات أولياء الله المتقين كما قد بسط الكلام على هذا في ~~غير هذا الموضع. # السادس أن هذه الطريقة لو كانت حقا فإنما تكون في حق من لم يأته رسول. ~~فأما من أتاه رسول وأمر بسلوك طريق فمن خالفه ضل. وخاتم الرسل صلى الله ~~عليه وسلم قد أمر أمته بعبادات شرعية من صلاة وذكر ودعاء وقراءة، لم يأمرهم ~~قط بتفريغ القلب من كل خاطر وانتظار ما ينزل. # فهذه الطريقة لو قدر أنها طريق لبعض الأنبياء لكانت منسوخة بشرع محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فكيف وهي طريق جاهلية لا توجب الوصول إلى المطلوب إلا ~~بطريق الاتفاق، بأن يقذف الله تعالى في قلب العبد إلهاماينفعه، وهذا قد ~~يحصل لك أحد ليس هو من لوازم هذه الطريق؟ ولكن التفريغ والتخلية ms627 التي جاء ~~بها الرسول أن يفرغ قلبه مما لا يحبه الله، ويملؤه بما يحبه الله، فيفرغه ~~من عبادة غير الله ويملؤه بعبادة الله، وكذلك يفرغه عن محبة غير الله ~~ويملؤه بمحبة الله، وكذلك يخرج منه عند خوف غير الله ويدخل فيه خوف الله ~~تعالى، وينفي عنه التوكل على غير الله ويثبت فيه التوكل على الله (1) وهذا ~~هو الإسلام المتضمن للإيمان الذي يمده القرآن ويقويه، لا يناقضه وينافيه، ~~كما قال حندب وابن عمر " تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا ~~". # وأما الاقتصار على الذكر المجرد الشرعي مثل قول: لا إله إلا الله - فهذا ~~قد ينتفع به الإنسان أحيانا لكن ليس هذا الذكر وحده هو الطريق إلى الله ~~تعالى PageV05P089 # دون ما عداه، بل أفضل العبادات البدنية الصلاة ثم القراءة ثم الذكر ثم ~~الدعاء (1) والمفضول في وقته الذي شرع فيه أفضل من الفاضل كالتسبيح في ~~الركوع والسجود فإنه أفضل من القراءة، ثم قد يفتح على الإنسان في العمل ~~المفضول ما لا يفتح عليه في العمل الفاضل. وقد ييسر عليه هذا دون هذا فيكون ~~هذا أفضل في حقه لعجزه عن الأفضل كالجائع إذا وجد الخبز المفضول متيسرا ~~عليه والفاضل متعسرا عليه فإنه ينتفع بهذا الخبز المفضول، وشبعه واغتذاؤه ~~به حينئذ أولى به. # السابع أن أبا حامد يشبه ذلك بنقش الصين والروم على تزويق الحائط وأولئك ~~صقلوا حائطهم حتى بمثل ما صقله هؤلاء (2) وهذا قياس فاسد لأن هذا الرأي فرغ ~~قلبه لم يكن هناك قلب آخر يحصل له به التحلية كما حصل لهذا الحائط من هذا ~~الحائط، بل هو يقول أن العلم منقوش في النفس الفلكية ويسمى ذلك اللوح ~~المحفوظ تبعا لابن سينا (3) . PageV05P090 # وقد بينا في غير هذا الموضع أن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله ورسوله ليس ~~هو النفس الفلكية، وابن سينا ومن تبعه أخذوا أسماء جاء بها الشرع فوضعوا ~~لها مسميات مخالفة لمسميات صاحب الشرع ثم صاروا يتكلمون بتلك الأسماء فيظن ~~الجاهل أنهم يقصدون بها ما قصده صاحب الشرع فأخذوا مخ الفلسفة وكسوه لحاء ms628 ~~الشريعة وهذا كلفظ الملك والمكلوت والجبروت واللوح المحفوظ والملك والشيطان ~~والحدوث والقدم وغير ذلك وقد ذكرنا من ذلك طرفا في الرد على الاتحادية لما ~~ذكرنا قول ابن سبعين وابن عربي وما يوجد في كلام أبي حامد ونحوه من أصول ~~هؤلاء الفلاسفة الملاحدة الذين يحرفون كلام الله ورسوله عن مواضعه كما فعلت ~~طائفة القرامطة الباطنية. # والمقصود هنا أنه لو كانت العلوم تنزل على القلوب من النفس الفلكية كما ~~يزعم هؤلاء فلا فرق في ذلك بين الناظر والمستدل والمفرغ قلبه، فتمثيل ذلك ~~بنقش أهل الصين والروم تمثيل باطل (1) . # ومن أهل هذه الخلوات من لهم أذكار معينة وقوت معين ولهم تنزلات معروفة. ~~وقد بسط الكلام علياه ابن عربي الطائي ومن سلك سبيله كالتلمساني وهي تنزلات ~~شيطانية قد عرفتها وخبرت ذلك من وجوه متعددة، لكن ليس هذا موضع بسطها، ~~وإنما المقصود التنبيه على هذا الجنس. # ومما يأمرون به الجوع والسهر والصمت مع الخلوة بلا حدود شرعية، بل سهر ~~مطلق، وجوع مطلق، وصمت مطلق، مع الخلوة، كما ذكر ذلك ابن عربي وغيره وهي ~~تولد لهم أحوالا شيطانية. وأبو طالب قد ذكر بعض ذلك، لكن أبو طالب أكثر ~~اعتصاما PageV05P091 # بالكتاب والسنة من هؤلاء. ولكن يذكر أحاديث كثيرة ضعيفة بل موضوعة، من ~~جنس أحاديث المسبعات التي رواها عن الخضر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~كذب مح وإن كان ليس فيه إلا قراءة قرآن ويذكر أحيانا عبادات بدعية من جنس ~~ما بالغ في معراج الجوع هو وأبو حامد وغيرهما وذكروا أنه يزن الخبز بخشب ~~رطب، كلما جف نقص الأكل (1) . # وذكروا صلوات الأيام والليالي، وكلها كذب موضوعة، ولهذا قد يذكرون مع ذلك ~~شيئا من الخيالات الفاسدة وليس هذا موضع بسط ذلك. # وإنما الغرض التنبيه بهذا على جنس من العبادات البدعية. وهي الخلوات ~~البدعية سواء قدرت بزمان أو لم تقدر لما فيها من العبادات البدعية. إما ~~التي جنسها مشروع ولكن غير مقدرة. وإما ما كان جنسه غير مشروع، فأما الخلوة ~~والعزلة والانفراد المشروع فهو ما كان مأمورا به ms629 أمر إيجاب أو استحباب (2) ~~. # فالأول كاعتزال الأمور المحرمة ومجانبتها كما قال تعالى (وإذا رأيت الذين ~~يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) ومنه قوله تعالى عن ~~الخليل (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب، وكلا ~~جعلنا نبيا) وقوله عن أهل الكهف (وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله ~~فاءوا إلى الكهف) فإن أولئك لم يكونوا في مكان فيه جمعة ولا جماعة، ولا من ~~يأمر بشرع نبي فلهذا أووا إلى الكف وقد قال موسى (وإن لم تؤمنوا لي ~~فاعتزلون) . # وأما اعتزال الناس في فضول المباحات وما لا ينتفع، وذلك بالزهد فيه فهو ~~مستحب وقد قال طاول: نعم صومعه الرجل بيته يكف فيه بصره وسمعه. # وإذا أراد الإنسان تحقيق علم أو عمل فتخلى في بعض الأماكن مع محافظته على ~~الجمعة والجماعة، فهذا حق كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل: أي الناس PageV05P092 # أفضل؟ قال " رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة (1) طار ~~إليها يتتبع الموت مظانه، ورجل معتزل في شعب من الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي ~~الزكاة ويدع الناس إلا من خير " وقوله " يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة " دليل ~~على أن له مالا يزكيه وهو ساكن مع ناس يؤذن بينهم وتقام الصلاة فيهم فقد ~~قال صلوات الله عليه " ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة ~~جماعة إلا وقد استحوذ عليهم الشيطان " وقال " عليكم بالجماعة فإنما يأخذ ~~الذئب القاصية من الغنم ". # فصل # وهذه الخلوات قد يقصد أصحابها الأماكن التي ليس فيها أذان ولا إقامة ولا ~~مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس إما مساجد مهجورة وإما غير مساجد مثل الكهوف ~~والغيران التي في الجبال، ومثل المقابر لا سيما قبر من يحسن به الظن ومثل ~~المقابر التي يقال أن بها أثر نبي أو رجل صالح. ولهذا يحصل لهم في هذه ~~المواضع أحوال شيطانية، يظنون أنها كرامات رحمانية. # فمنهم من يرى أن صاحب القبر قد جاء إليه وقد مات من سنين كثيرة ويقول ms630 أنا ~~فلان، وربما قال له نحن إذا وضعنا في القبر خرجنا كما للتونسي مع نعمان ~~السلامي. # والشياطين كثيرا ما يتصورون بصورة الإنس في اليقظة والمنام، وقد تأتي لمن ~~لا يعرف فتقول: أنا الشيخ فلان أو العالم فلان، وربما قالت: أنا أبو بكر ~~وعمر وربما قال: أنا المسيح أنا موسى أنا محمد، وقد جرى مثل ذلك أنواع ~~أعرفها (2) وثم من يصدق بأن PageV05P093 # الأنبياء يأتون في اليقظة في صورهم، وثم شيوخ لهم زهد وعلم ودين يصدقون ~~بمثل هذا. # ومن هؤلاء من يظن أنه حين يأتي إلي قبر نبي أن النبي يخرج من قبره في ~~صورته فيكلمه. ومن هؤلاء من رأى في دائر الكعبة صورة شيخ قال أنه إبراهيم ~~الخليل، ومنهم من يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الحجرة وكلمه. ~~وجعلوا هذا من كراماته، ومنهم من يعتقد أنه إذا سأل المقبور أجابه. # وبعضهم كان يحكي أن ابن منده كان إذا أشكل عليه حديث جاء إلى الحجرة ~~النبوية ودخل فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجابه. وآخر من أهل ~~المغرب حصل له مثل ذلك، وجعل ذلك من كراماته، حتى قال ابن عبد البر لمن ظن ~~ذلك ويحك أترى هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ فهل في ~~هؤلاء من سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد الموت وأجابه؟ وقد تنازع ~~الصحابة في أشياء، فهلا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأجابهم، وهذه ~~ابنته فاطمة تنازع في ميراثه فهلا سألته فأجابها؟ (1) . # فصل # والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين قد أمرنا أن نؤمن بما أوتوه ~~وأن نقتدي بهم وبهداهم. قال الله تعالى (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ~~وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى ~~وما أوتي PageV05P094 # النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) وقال تعالى (أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده) ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين لا ~~نبي بعده، وقد نسخ بشرعه ما نسخه من شرع غيره، فلم ms631 يبق طريق إلى الله إلا ~~اتباع محمد صلى الله عليه وسلم فما أمر به من العبادات أمر إيجاب أو ~~استحباب فهو مشروع وما رغب فيه وذكر ثوابه وفضله. # ولا يجوز أن يقال أن هذا مستحب أو مشروع إلا بدليل شرعي، ولا يجوز أن ~~يثبت شرعية بحديث ضعيف، لكن إذا ثبت أن العمل مستحب بدليل شرعي، وروي له ~~فضائل بأسانيد ضعيفة جاز أن تروى إذا لم يعلم أنها كذب، وذلك أن مقادير ~~الثواب غير معلومة، فإذا روي في مقدار الثواب حديث لا يعرف أنه كذب لم يجز ~~أن يكذب به، وهذا هو الذي كان للإمام أحمد بن حنبل وغيره يرخصون فيه وفي ~~روايات أحاديث الفضائل. وأما أن يثبتوا أن هذا عمل مستحب مشروع بحديث ضعيف ~~فحاشى لله، كما أنهم إذا عرفوا أن الحديث كذب فإنهم لم يكونون يستحلون ~~روايته إلا أن يثبتوا أنه كذب لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح " من روى عني حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ". # وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التعبد فهو عبادة يشرع التأسي ~~به فيه. فإذا تخصص زمان أو مكان بعبادة كان تخصيصه بتلك العبادة سنة ~~كتخصيصه مقام إبراهيم بالصلاة فيه فالتأسي به أن يفعل مثل ما فعل على الوجه ~~الذي فعل لأنه فعل. # وذلك إنما يكون بأن يقصد مثلما قصد، فإذا سافر لحج أو عمرة أو جهاد ~~وسافرنا لذلك كنا متبعين له، وكذلك إذا ضرب لإقامة حد، بخلاف من شاركه في ~~السفر وكان قصده غير قصده أو شاركه في الضرب وكان قصده غير قصده، فهذا ليس ~~بمتابع له، ولو فعل بحكم الاتفاق مثل نزوله في السفر بمكان، أو أن يصب في ~~أدواته ماء فصبه في أصل شجرة، أو أن تمشي راحلته في أحد جانبي الطريق ونحو ~~ذلك، فهل يستحب قصد متابعته في ذلك؟ كان ابن عمر يحب أن يفعل مثل ذلك. وأما ~~الخلفاء الراشدون وجمهور الصحابة فلم يستحبوا ذلك لأن هذا ليس بمتابعة له، ~~إذ المتابعة ms632 لا بد فيها من القصد، فإذا لم يقصد هو ذلك الفعل # PageV05P095 # بل حصل له بحكم الاتفاق (1) كان في قصده غير متابع له وابن عمر رحمه الله ~~يقول: وإن لم يقصده (2) لكن نفس فعله حسن على أي وجه كان فأحب أن أفعل ~~مثله، إما لأن ذلك زيادة في محبته وإما لتركه مشابهته. # ومن هذا الباب إخراج التمر في صدقة الفطر لمن ليس ذلك قوته وأحمد قد وافق ~~ابن عمر على مثل ذلك وبرخص في مثل ما فعله ابن عمر وكذلك رخص أحمد في ~~التمسح بمقعده من المنبر اتباعا لابن عمر. وعن أحمد في التمسح بالمنبر ~~روايتان: أشهرهما أنه مكروه كقول الجمهور وأما مالك وغيره من العلماء ~~فيكرهون هذه الأمور وإن فعلها ابن عمر فإن أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر ~~وعثمان وغيرهم لم يفعلها فقد ثبت بالإسناد الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه كان في السفر فرآهم ينتابون مكانا يصلون فيه فقال ما هذا؟ ~~قالوا مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتريدون أن تتخذوا ~~آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا من أدركته فيه الصلاة فيه ~~وإلا فليمض. وهكذا للناس قولان فيما فعله من المباحات على غير وجه القصد هل ~~متابعته فيه مباحة فقط أو مستحبة على قولين في مذهب أحمد وغيره كما قد بسط ~~ذلك في موضعه، ولم يكن ابن عمر ولا غيره من الصحابة يقصدون الأماكن التي ~~كان ينزل فيها ويبيت فيها مثل بيوت أزواجه ومثل مواضع نزوله في مغازيه، ~~وإنما كان الكلام في مشابهته في صورة الفعل فقطوان كان هو لم يقصد التعبد ~~به فأما الأمكنة نفسها فالصحابة متفقون على أنه لا يعظم منها إلا ما عظمه ~~الشارع. # فصل # وأما قصد الصلاة والدعاء والعبادة في مكان لم يقصد الأنبياء فيه الصلاة ~~والعبادة بل روي أنهم مروا به ونزلوا فيه أو سكنوه فهذا كما تقدم لم يكن ~~ابن PageV05P096 # عمر ولا غيره يفعله فإنه ليس فيه متابعتهم لا في عمل عملوه ولا ms633 قصد قصدوه ~~ومعلوم أن الأمكنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحل فيها إما في سفر ~~وإما في مقامه مثل طرقه في حجه وغزواته ومنازله في أسفاره، ومثل بيوته التي ~~كان يسكنها والبيوت التي كان يأتي إليها أحيانا (1) فلا تتخذوا القبور ~~مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ". # فهذه نصوصه الصريحة توجب تحريم اتخاذ قبورهم مساجد مع أنهم مدفونون فيها، ~~وهم أحياء في قبورهم، ويستحب إتيان قبورهم للسلام عليهم، ومع هذا يحرم ~~إتيانها للصلاة عندها واتخاذها مساجد. # ومعلوم أن هذا إنما نهى عنه لأنه ذريعة إلى الشرك، وأراد أن تكون المساجد ~~خالصة لله تعالى تبنى لأجل عبادته فقط، لا يشركه في ذلك مخلوق، فإذا بني ~~المسجد لأجل ميت كان حراما، فكذلك إذا كان لأثر آخر، فإن الشرك في الموضعين ~~حاصل، ولهذا كانت النصارى يبنون الكنائس على قبر النبي والرجل الصالح وعلى ~~أثره وباسمه. وهذا الذي خاف عمر رضي الله عنه أن يقع فيه المسلمون هو الذي ~~قصد النبي صلى الله عليه وسلم منع أمته منه، قال الله تعالى (وإن المساجد ~~لله فلا تدعوا مع الله أحدا) وقال تعالى (قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين) وقال تعالى (ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر، أولئك حطبت أعمالهم وفي النار ~~هم خالدون، إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) . # ولو كان هذا مستحبا لكان يستحب للصحابة والتابعين أن يصلوا في جميع حجر ~~أزواجه وفي كل مكان نزل فيه في غزواته أو أسفاره. ولكان يستحب أن يبنوا ~~هناك مساجد، ولم يفعل السلف شيئا من ذلك. PageV05P097 # ولم يشرع الله تعالى للمسلمين مكانا يقصد للصلاة إلا المسجد. ولا مكان ~~يقصد للعبادة إلى المشاعر. فمشاعر الحج كعرفة ومزدلفة ومنى تقصد بالذكر ~~والدعاء والتكبير لا الصلاة، بخلاف المساجد، فإنها هي التي تقصد للصلاة، ~~وما ثم مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر. ms634 وفيها الصلاة والنسك، قال ~~تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك ~~أمرت) وما سوى ذلك من البقاع فإنه لا يستحب قصد بقعة بعينها للصلاة ولا ~~الدعاء ولا الذكر إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك وإن كان مسكنا ~~لنبي أو منزلا أو ممرا. # فإن الدين أصله متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وموافقته بفعل ما أمرنا ~~به وشرعه لنا وسنه لنا، ونقتدي به في أفعاله التي شرع لنا الاقتداء به فيها ~~بخلاف ما كان من خصائص. # فأما الفعل الذي لم شرعه هو لنا ولا أمرنا به ولا فعله فعلا سن لنا أن ~~نتأسى به فيه، فهذا ليس من العبادات والقرب، فاتخاذ هذا قربة مخالفة له صلى ~~الله عليه وسلم وما فعله من المباحات على غير وجه التعبد يجوز لنا أن نفعله ~~مباحا كما فعله مباحا ولكن هل يشرع لنا أن نجعله عبادة وقربة؟ فيه قولان ~~كما تقدم، وأكثر السلف والعلماء على أنا لا نجعله عبادة وقربة بل نتبعه فيه ~~فإن فعله مباحا فعلناه مباحا وإن فعله قربة فعلناه قربة. ومن جعله عبادة ~~رأى أن ذلك من تمام التأسي به والتشبه به ورأى أن في ذلك بركة لكونه مختصا ~~به نوع اختصاص (1) . # فصل # وأهل العبادات البدعية يزين لهم الشيطان تلك العبادات ويبغض إليهم السبل ~~الشرعية، حتى يبغضهم في العلم والقرآن والحديث، فلا يحبون سماع القرآن ~~والحديث ولا ذكره. وقد يبغض إليهم جنس الكتاب فلا يحبون كتابا ولا من معه ~~كتاب ولو كان مصحفا أو حديثا، كما حكى النصر أبا ذي أنهم كانوا يقولون: يدع ~~علم الخرق، PageV05P098 # ويأخذ علم الورق، قال ولست أستر ألواحي منهم، فلما كبرت احتاجوا إلى ~~علمي، وكذلك حكى السري السقطي أن واحدا منهم دخل عليه فلما رأى عنده محبرة ~~وقلما خرج ولم يعقد عنده. ولهذا قال سهل بن عبد الله التستري: يا معشر ~~الصوفية لا تفارقوا السواد على البياض فما فارق أحد السواد على البياض إلا ~~تزندق وقال الجنيد: ms635 علمنا هذا مبني على الكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ~~ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الشأن. وكثير من هؤلاء ينفر ممن يذكر ~~الشرع أو القرآن أو يكون معه كتاب أو يكتب، وذلك أنهم استشعروا أن هذا ~~الجنس فيه ما يخالف طريقهم فصارت شياطينهم تهربهم من هذا، كما يهرب اليهودي ~~والنصراني ابنه أن يسمع كلام المسلمين حتى لا يتغير اعتقاده في دينه، وكما ~~كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم لئلا يسمعوا كلامه ~~ولا يروه وقال الله تعالى عن المشركين (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) وقال تعالى (فما لهم عن التذكرة معرضين، ~~كأنهم حمر مستنفرة، فرت من قسورة) . وهم من أرغب الناس في السماع البدعي ~~سماع المعازف. ومن أزهدهم في السماع الشرعي سماع آيات الله تعالى. # وكان مما زين لهم طريقهم أن وجودوا كثيرا من المشتغلين بالعلم والكتب ~~معرضين عن عبادة الله تعالى وسلك سبيله إما اشتغالا بالدنيا وإما بالمعاصي ~~وإما جهلا وتكذيبا بما يحصل لأهل التأله والعبادة فصار وجود هؤلاء مما ~~ينفرهم وصار بين الفريقين نوع تباغض يشبه من بعض الوجوه ما بين أهل ~~الملتين: هؤلاء يقولون ليس هؤلاء على شيء، وهؤلاء يقولون ليس هؤلاء على ~~شيء، وقد يظنون أنهم يحصلون لهم بطريقهم أعظم مما في الكتب. # فمنهم من يظن أنه يلقن القرآن بل تلقين. ويحكون أن شخصا حصل له ذلك، وهذا ~~كذب. نعم قد يكون سمع آيات الله فلما صفى نفسه تذكرها فتلاها. فإن الرياضة ~~تصقل النفس فيذكر أشياء كان قد نسيها، ويقول بعضهم أو يحكى أن بعضهم قال: ~~أخذوا علمهم ميتا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. وهذا يقع، ~~لكن منهم من يظن ما يلقى إليه من خطاب أو خاطر هو من الله تعالى بلا واسطة، ~~وقد يكون من # PageV05P099 # الشيطان. وليس عندهم فرقان يفرق بين الرحماني والشيطاني فإن الفرق الذي ~~لا يخطئ هو القرآن والسنة فما وافق الكتاب والسنة فهو حق وما خالف ذلك فهو ms636 ~~خطأ. # وقد قال تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون، حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين) . # وذكر الرحمن هو ما أنزله على رسوله قال تعالى (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) ~~وقال تعالى (وما هو إلا ذكر للعالمين) وقال تعالى (فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكر فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى، قال رب لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسبتها وكذلك اليوم تنسى) وقال تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي ~~أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا، وأن الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذابا أليما) وقال تعالى (وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا لإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به ~~من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في ~~السموات وما في الأرض إلا إلى الله تصير الأمور) وقال تعالى (كتاب أنزلناه ~~إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) ~~وقال تعالى (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ~~أولئك هم المفلحون) . # ثم أن هؤلاء لما ظنوا أن هذا يحصل لهم من الله بلا واسطة صاروا عند ~~أنفسهم أعظم من اتباع الرسول. يقول أحدهم فلان عطيته على يد محمد وأنا ~~عطيتي من الله بلا واسطة. ويقول أيضا: فلان يأخذ عن الكتاب وهذا الشيخ يأخذ ~~عن الله ومثل هذا. # وقول القائل يأخذ عن الله وأعطاني الله لفظ مجمل، فإن أراد به الإعطاء ~~والأخذ العام وهو الكوني الخلقي أي بمشيئة الله وقدرته حصل لي هذا، فهو حق، ~~ولكن جميع الناس يشاركونه في هذا، وذلك الذي أخذ عن الكتاب هو أيضا عن الله ~~بهذا الاعتبار. والكفار من المشركين وأهل الكتاب أيضا هم كذلك، وإن أراد أن ~~هذا ms637 الذي حصل لي هو مما يحبه الله ويرضاه ويقرب إليه # PageV05P100 # وهذا الخطاب الذي يلقى إلي هو كلام الله تعالى: فهنا طريقان: أحدهما أن ~~يقال له من أين لك أن هذا إنما هو من الله لا من الشيطان وإلقائه ووسوسته؟ ~~فإن الشياطين يوحون إلى أوليائهم وينزلون عليهم كما أخبر الله تعالى بذلك ~~في القرآن، وهذا موجود كثيرا في عباد المشركين وأهل الكتاب وفي الكهان ~~والسحرة ونحوهم، وفي أهل البدع بحسب بدعتهم. فإن هذه الأحوال قد تكون ~~شيطانية وقد تكون رحمانية، فلا بد من الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء ~~الشيطان، والفرقان إنما هو الفرقان الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه ~~وسلم فهو (الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) وهو الذي فرق ~~الله به بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال وبين الرشاد والغي، وبين طريق ~~الجنة وطريق النار، وبين سبيل أولياء الرحمن، وسبيل أولياء الشيطان. كما قد ~~بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أنه يقال لهم: إذا كان جنس هذه الأحوال مشتركا بين أهل الحق ~~وأهل الباطل فلا بد من دليل يبين أن ما حصل لكم هو الحق. # الطريق الثاني أن يقال: بل هذا من الشيطان لأنه مخالف لما بعث الله به ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وذلك أنه ينظر فيما حصل له وإلى سببه وإلى غايته ~~فإن كان السبب عبادة غير شرعية مثل أن يقال له اسجد لهذا الصنم حتى يحصل لك ~~المراد، أو استشفع بصاحب هذه الصورة حتى يحصل لك المطلوب، أو ادع هذا ~~المخلوق واستغث به مثل أن يدعو الكواكب كما يذكرونه في كتب دعوة الكواكب، ~~أو أن يدعوا مخلوقا كما يدعو الخالق سواء كان المخلوق ملكا أو نبيا أو ~~شيخا، فإذا دعاه كما يدعى الخالق سبحانه إما دعاء أو عبادة وإما دعاء مسئلة ~~صار مشركا به، فحينئذ ما حصل له بهذا السبب حصل بالشرك كما كان يحصل ~~للمشركين، وكانت الشياطين تتراءى لهم أحيانا وقد يخاطبونهم من الصنم ~~ويخبرونهم ببعض الأمور الغائبة ms638 أو يقضون لهم بعض الحوائج، فكانوا يبذلون ~~لهم هذا النفع القليل بما اشتروه منهم من توحيدهم وإيمانهم الذي هلكوا ~~بزواله كالسحر قال الله تعالى (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنا نحن فئة لا ~~تكفر، فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين من أحد ~~إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا # PageV05P101 # ينفعهم، ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق، ولبئس ما شروا ~~به أنفسهم لو كانوا يعلمون) . # وكذلك قد يكون سببه سماع المعازف وهذا كما يذكر عن عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه أنه قال اتقوا الخمر فإنها أم الخبائب. وأن رجلا سأل امرأة فقالت ~~لا أفعل حتى تسجد لهذا الوثن، فقال لا أشرك بالله، فقالت أو تقتل هذه ~~الصبي؟ فقال لا أقتل النفس التي حرم الله، فقالت أو تشرب هذا القدح؟ فقال ~~هذا أهون، فلما شرب الخمر قتل الصبي وسجد للوثن وزنا بالمرأة ". # والمعازف هي خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما نفعل حميا الكؤوس، فإذا ~~سكروا بالأصوات حل فيهم الشرك ومالوا إلى الفواحش وإلى الظلم فيشركون ~~ويقتلون النفس التي حرم الله ويزنون. # وهذه الثلاثة موجودة كثيرا في أهل سماع المعازف: سماع المكاء والتصدية، ~~أما الشرك فغالب عليهم بأن يحبو شيخهم أو غيره مثل ما يحبون الله، ~~ويتواجدون على حبه. # وأما الفواحش فالغناء رقية الزنا وهو من أعظم الأسباب لوقوع الفواحش ~~ويكون الرجل والصبي والمرأة في غاية العفة والحرية حتى يحضره فتنحل نفسه ~~وتسهل عليه الفاحشة ويميل لها فاعلا مفعولا به أو كلاهما كما يحصل بين ~~شاربي الخمر وأكثر. # وأما القتل فإن قتل بعضهم بعضا في السماع كثير يقولون: قتله بحاله ويعدون ~~ذلك من قوته، وذلك أن معهم شياطين تحضرهم فأيهم كانت شياطينه أقوى قتل ~~الآخر، كالذين يشربون الخمر ومعهم أعوان لهم فإذا شربوا عربدوا فأيهم كانت ~~أعوانه أقوى قتل الآخر، وقد جرى مثل هذا لكثير منهم، ومنهم من يقتل إما ~~شخصا وإما فرسا أو غير ذلك بحاله ثم يقول صاحب الثار ويستغيث ms639 بشيخه فيقتل ~~ذلك الشخص وجماعة معه إما عشرة وإما أقل أو أكثر كما جرى مثل هذا لغير ~~واحد، وكان الجهال يحسبون هذا من باب الكرامات. # فلما تبين لهم أن هذه أحوال شيطانية وأن هؤلاء معهم شياطين تعينهم على ~~الإثم والعدوان عرف ذلك من بصره الله تعالى وانكشف التلبيس والغش الذي كان ~~لهؤلاء. # PageV05P102 # وكنت في أوائل عمري حضرت مع جماعة من أهل الزهد والعبادة والإرادة فكانوا ~~من خيار أهل هذه الطبقة فبتنا بمكان وأرادوا أن يقيموا سماعا وأن أحضر معهم ~~فامتنعت من ذلك فجعلوا لي مكانا منفردا قعدت فيه فلما سمعوا وحصل الوجد ~~والحال صار الشيخ الكبير يهتف بي في حال وجده ويقول يا فلان قد جاءك نصيب ~~عظيم تعال خذ نصيبك، فقلت في نفسي ثم أظهرته لهم لما اجتمعنا: أنتم في حل ~~من هذا النصيب فكل نصيب لا يأتي على طريق محمد بن عبد الله فإني لا آكل منه ~~شيئا. وتبين لبعض من كان فيهم ممن له معرفة وعلم أنه كان معهم الشياطين ~~وكان فيهم من هو سكران بالخمر. # والذي قلته معناه أن هذا النصيب وهذه العطية والموهبة والحال سببها غير ~~شرعي ليس هو طاعة لله ورسوله ولا شرعها الرسول فهو مثل من يقول تعال اشرب ~~معنا الخمر ونحن نعطيك هذا المال، أو عظم هذا الصنم ونحن نوليك هذه الولاية ~~ونحو ذلك. # وقد يكون سببه نذر لغير الله سبحانه وتعالى مثل أن ينذر لصنم أو كنيسة أو ~~قبر أو نجم أو شيخ ونحو ذلك من النذور التي فيها شرك فإذا أشرك بالنذر فقد ~~يعطيه الشيطان بعض حوائجه كما تقدم في السحر، وهذا بخلاف النذر لله تعالى ~~فإنه ثبت في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ~~النذر وقال " إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل " وفي الصحيحين ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وفي رواية " فإن النذر ~~يلقي ابن آدم إلى القدر " فهذا المنهي عنه هو النذر الذي ms640 يجب الوفاء به ~~منهي عن عقده، ولكن إذا كان قد عقده فعليه الوفاء به كما في صحيح البخاري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن ~~نذر أن يعصي الله فلا يعصه ". # وإنما نهى عنه صلى الله عليه وسلم لأنه لا فائدة فيه إلا التزام ما ~~التزمه وقد لا يرضى به فيبقى إثما. وإذا فعل تلك العبادات بلا نذر كان خيرا ~~له. والناس يقصدون بالنذر تحصيل مطالبهم، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~النذر لا يأتي بخير، فليس النذر سببا في حصول مطلوبهم، وذلك أنا الناذر إذا ~~قال: لله علي إن حفظني الله القرآن أن أصوم مثلا ثلاثة أيام أو إن عافاني ~~الله من هذا المرض أو إن دفع الله هذا العدو أو إن قضى عني هذا الدين فعلت ~~كذا فقد جعل العبادة التي التزمها عوضا عن ذلك المطلوب # PageV05P103 # والله سبحانه لا يقضي تلك الحاجة بمجرد تلك العبادة المنذورة بل ينعم على ~~عبده بذلك المطلوب ليبتليه أيشكر أم يكفر؟ وشكره يكون بفعل ما أمره به وترك ~~ما نهاه عنه. # وأما تلك العبادة المنذورة فلا تقوم بشكر تلك النعمة ولا بنعم الله، تلك ~~النعمة ليعبده العبد تلك العبادة المنذورة التي كانت مستحبة فصارت واجبة، ~~لأنه سبحانه لم يوجب تلك العبادة ابتداء بل هو يرضى من العبد بأن يؤدي ~~الفرائض ويجتنب المحارم، لكن هذا الناذر يكون قد ضيع كثيرا من حقوق الله ثم ~~بذل ذلك النذر لأجل تلك النعمة، وتلك النعمة أجل من أن ينعم الله بها لمجرد ~~ذلك المنذور المحتقر، وإن كان المبذول كثيرا والعبد مطيع لله فهو أكرم على ~~الله من أن يحوجه إلى ذلك المبذول الكثير فليس النذر سببا لحصول مطلوبه ~~كالدعاء فإن الدعاء من أعظم الأسباب، وكذلك الصدقة وغيرها من العبادات ~~جعلها الله تعالى أسباب لحصول الخير ودفع الشر إذا فعلها العبد ابتداء، ~~وأما ما يفعله على وجه النذر فإنه لا يجلب منفعة ولا يدفع عنه مضرة، لكنه ~~كان بخيلا ms641 فلما نذر لزمه ذلك، فالله تعالى يستخرج بالنذر من البخيل فيعطى ~~على النذر ما لم يكن يعطيه بدونه والله أعلم. # تمت والحمد لله وحده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~تسليما وذلك نهار الثلاثاء آخر شهر صفر من سنة تسع وأربعين وسبعمائة وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل. # PageV05P104 # فتيا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ### | (مسألة في الغيبة) # هل تجوز على أناس معينين أو يعين شخص بعينه؟ وما حكم ذلك؟ أفتونا بجواب ~~بسيط ليعلم ذلك الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، ويستمد كل واحد بحسب ~~قوته بالعلم والحكم. # الجواب: الحمد لله رب العالمين، أصل الكلام في هذا أن يعلم أن الغيبة هي ~~كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما سئل عن الغيبة ~~فقال " هي ذكرك أخاك بما يكره " قيل: يا رسول الله أرأيت إن كان في أخي ما ~~أقول؟ قال " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد ~~بهته ". # بين صلى الله عليه وسلم الفرق بين الغيبة والبهتان وأن الكذب عليه بهت له ~~كما قال سبحانه (لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك ~~هذا بهتان عظيم) وقال تعالى (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) ~~وفي الحديث الصحيح " أن اليهود قوم بهت ". # فالكذب على الشخص حرام كله، سواء كان الرجل مسلما أو كافرا، برا أو ~~فاجرا، لكن الافتراء على المؤمن أشد بل الكذب كله حرام. # ولكن يباح عند الحاجة الشرعية - المعاريض - وقد تسمى كذبا لأن الكلام ~~يعني به المتكلم المحض، وإن كان على ما يعنيه ولكن ليس على ما يفهمه ~~المخاطب فهذه المعاريض، وهي كذب باعتبار الإفهام، وإن لم تكن كذبا باعتبار ~~الغاية السائغة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم " لم يكذب إبراهيم إلا ~~ثلاث كذبات كلهن في ذات الله: قوله لسارة أختي، وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) ~~وقوله (أبي سقيم) " وهذه الثلاثة معاريض، وبها احتج العلماء على جوار ~~التعريض للمظلوم، وهو أن يعني بكلامه ms642 ما يحتمله اللفظ وإن لم يفهمه ~~المخاطب، ولهذا قال من قال من العلماء إن ما رخص فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنما هو من هذا كما في حديث أم كلثوم # PageV05P105 # بنت عقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ليس بالكاذب الذي يصلح ~~بين الناس فيقول خيرا أو ينمي خيرا " ولم يرخص فيما يقول الناس أنه كذب إلا ~~في ثلاث في الإصلاح بين الناس وفي الحرب وفي الرجل يحدث امرأته. # قال فهذا كله من المعاريض خاصة ولهذا نفى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ~~اسم الكذب باعتبار القصد والغاية كما ثبت عنه أنه قال " الحرب خدعة " وأنه ~~كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها. # ومن هذا الباب قول الصديق في سفر الهجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا ~~الرجل يهديني السبيل " وقول النبي صلى الله عليه وسلم للكافر السائل له في ~~غزوة بدر " نحن من ماء " وقوله للرجل الذي حلف على المسلم الذي أراد الكفار ~~أسره " أنه أخي " وعنى أخوة الدين، وفهموا منه أخوة النسب، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " إن كنت لأبرهم وأصدقهم المسلم أخو المسلم ". # والمقصود هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الاغتياب وبين ~~البهتان، وأخبر أن المخبر بما يكره أخوه المؤمن عنه إذا كان صادقا فهو ~~المغتاب، وفي قوله صلى الله عليه وسلم " ذكرك أخاك بما يكره " موافقة لقوله ~~تعالى (ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه) ~~فجعل جهة التحريم كونه أخا أخو الإيمان، ولذلك تغلظت الغيبة بحسب حال ~~المؤمن، فكلما كان أعظم إيمانا كان اغتيابه أشد. # ومن جنس الغيبة الهمز واللمز، فإن كلاهما فيه عيب الناس والطعن عليهم كما ~~في الغيبة، لكن الهمز هو الطعن بشدة وعنف، بخلاف اللمز فإنه قد يخلو من ~~الشدة والعنف، كما قال تعالى (ومنهم من يلمزك في الصدقات) أي يعيبك ويطعن ~~عليك. وقال تعالى (ولا تلمزوا أنفسكم) أي لا يلمز بعضكم بعضا. وقال (هماز ~~مشاء بنميم) وقال (ويل لكل ms643 همزة لمزة) . # إذا تبين هذا فنقول: ذكر الناس بما يكرهون هو في الأصل على وجهين ~~(أحدهما) ذكر النوع (والثاني) ذكر الشخص المعين الحي أو الميت. # أما الأول فكل صنف ذمه الله ورسله يجب ذمه وليس ذلك من الغيبة كما أن كل ~~صنف مدحه الله ورسوله يجب مدحه، وما لعنه الله ورسوله لعن كما أن من صلى ~~الله عليه وملائكته يصلى عليه، فالله تعالى ذم الكافر والفاجر والفاسق ~~والظالم والغاوي والضال والحاسد والبخيل والساحر وآكل الربا وموكله # PageV05P106 # والسارق والزاني والمختال والفخور والمتكبر الجبار وأمثال هؤلاء، كما حمد ~~المؤمن التقي والصادق والبار والعادل والمهتدي والراشد والكريم والمتصدق ~~والرحيم وأمثال هؤلاء، ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله ~~وشاهديه وكاتبه، والمحلل والمحلل له، ولعن من عمل عمل قوم لوط، ولعن من أحد ~~حدثا أو آوى محدثا، ولعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه ~~وبائعها ومشتريها وساقيها وشاربها وآكل ثمنها، ولعن اليهود والنصارى حيث ~~حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها، ولعن الله الذي يكتمون ~~ما أنزل الله من البينات من بعد ما بينه للناس وذكر لعنة الظالمين. # والله هو وملائكته يصلون على النبي ويصلون على الذين آمنوا والصابر ~~المسترجع عليه صلاة من ربه ورحمة، والله وملائكته يصلون على معلم الناس ~~الخير ويستغفر له كل شيء حتى الحيتان والطير، وأمر الله نبيه أن يستغفر ~~لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات. # فإذا كان المقصود الأمر بالخير والترغيب فيه والنهي عن الشر والتحذير منه ~~فلا بد من ذكر ذلك ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه أن أحدا ~~فعل ما ينهي عنه يقول " ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من ~~اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط " " ما بال رجال ~~يتنزهون عن أشياء أترخص فيها؟ والله إني لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده " " ما ~~بال رجال يقول أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر؟ ويقول الآخر أما أنا فأقوم ~~ولا أنام؟ ويقول الآخر: لا أتزوج النساء. ويقول الآخر: لا ms644 آكل اللحم؟ لكني ~~أصوم وأفطر وأقوم وأنا وأتزوج النساء وآكل اللحم؟ فمن رغب عن سنتي فليس مني ~~". # وليس لأحد أن يعلق الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعاداة والصلاة ~~واللعن بغير الأسماء التي علق الله بها ذلك مثل أسماء القبائل والمدائن ~~والمذاهب والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ ونحو ذلك مما يراد به ~~التعريف كما قال تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وقال تعالى (ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون) وقال ~~(تلك الجنة التي نورث من عبادنا # PageV05P107 # من كان تقيا) وقد قال صلى الله عليه وسلم " إن آل أبي فلان ليسوا ليس ~~بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين " وقال " إلا أن أوليائي المتقون ~~حيث كانوا ومن كانوا " وقال " إن الله أذهب عنكم عبية (1) الجاهلية وفخرها ~~بالآباء. الناس رجلان: مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس من آدم وآدم من تراب " ~~وقال " أنه لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ~~ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى ". # فذكر الأزمان والعدل بأسماء الإيثار والولاء والبلد والانتساب إلى عالم ~~أو شيخ إنما يقصد بها التعريف به ليتميز عن غيره، فأما الحمد والذم والحب ~~والبعض والموالاة والمعاداة فإنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها ~~سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمنا وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان ~~كافرا وجبت معاداته من أي صنف كان، قال تعالى (إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتولى ~~الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) وقال تعالى (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) وقال ~~تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) وقال تعالى (لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء) وقال تعالى (افتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو؟ ~~بئس للظالمين بدلا) وقال تعالى (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من ms645 حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) . # ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطى من الموالاة بحسب إيمانه ومن البغض ~~بحسب فجوره ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي كما يقوله ~~الخوارج والمعتزلة، ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة ~~الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة، قال الله ~~تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا ~~بينهما بالعدل واقسطوا إن الله PageV05P108 # يحب المقسطين - إلى قوله - إنما المؤمنون أخوة) فجعلهم أخوة مع وجود ~~الاقتتال والبغي، وقال تعالى (أفنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار؟) وقد قال تعالى (ولا تأخذكم ~~بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) فهذا الكلام في ~~الأنواع. # وأما الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر في مواضع (منها) المظلوم له إن ~~يذكر ظالمه بما فيه إما على وجه دفع ظلمه واستيفاء حقه كما قالت هند: يا ~~رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني ~~وولدي. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " ~~كما قال صلى الله عليه وسلم " لي (1) الواجد يحل عرضه وعقوبته " وقال وكيع: ~~عرضه شكايته وعقوبته حبسه، وقال تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ~~إلا من ظلم) وقد روى: إنها نزلت في رجل نزل بقوم فلم يقروه. فإذا كان هذا ~~فيمن ظلم بترك قراه الذي تنازع الناس في وجوبه وإن كان الصحيح أنه واجب، ~~فكيف بمن ظلم بمنع حقه الذي اتفق المسلمون على استحقاقه إياه؟ أو يذكر ~~ظالمه على وجه القصاص من غير عدوان ولا دخول في كذب ولا ظلم الغير وترك ذلك ~~أفضل. # ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم من الحديث ~~الصحيح عن فاطمة بنت قيس لما ms646 استشارت النبي صلى الله عليه وسلم من تنكج؟ ~~وقالت: أنه خطبني معاوية وأبو جهم فقال " أما معاوية فصعلوك لا مال له، ~~وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء " وروي " لا يضع عصاه عن عاتقه " فبين لها ~~أن هذا فقير قد يعجز عن حقك وهذا يؤذيك بالضرب. وكان هذا نصحا لها - وإن ~~تضمن ذكر عيب الخاطب. # وفي معنى هذا نصح الرجل فيمن يعامله ومن يوكله ويوصي إليه ومن يستشهده، ~~بل ومن يتحاكم إليه. وأمثال ذلك، وإذا كان هذا في مصلحة خاصة فكيف بالنصح ~~فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين من الأمراء والحكام والشهود والعمال أهل ~~الديوان وغيرها؟ فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " الدين النصيحة، الدين النصيحة " قالوا لمن يا رسول الله؟ قال " لله ~~ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". PageV05P109 # وقد قالوا لعمر بن الخطاب: في أهل الشورى أمر فلانا وفلانا، فجعل يذكر في ~~حق كل واحد من الستة - وهم أفضل الأمة - أمرا جعله مانعا له من تعيينه. # وإذا كان النصح واجبا في المصالح الدينية الخاصة والعامة مثل نقلة الحديث ~~الذين يغلطون أو يكذبون كما قال يحيى بن سعيد: سألت مالكا والثوري والليث ~~بن سعد - أظنه - والأوزاعي عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ؟ فقالوا: ~~بين أمره. # وقال بعضهم لأحمد بن حنبل: أنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا، ~~فقال: إذا سكت أنت وسكت أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم. # ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات ~~المخالفة للكتاب والسنة فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق ~~المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو ~~يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم ~~في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين ~~في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبل الله ودينه ومناهجه ~~وشرعته ودفع بغي هؤلاء ms647 وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ~~ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد ~~استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما ~~فيها من الدين إلا تبعا وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ~~وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " وذلك أن الله يقول في كتابه (لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) ~~فأخبر أنه أنزل الكتاب والميزان ليقوم بالقسط، وأنه أنزل الحديد كما ذكر. ~~فقوام الدين بالكتاب الهادي، والسيف الناصر (وكفى بربك هاديا ونصيرا) . # والكتاب هو الأصل ولهذا أول ما بعث الله رسوله أنزل عليه الكتاب ومكث ~~بمكة لم يأمره بالسيف حتى هاجر وصار له أعوان على الجهاد. # PageV05P110 # وأعداء الدين نوعان: الكفار والمنافقون وقد أمر الله نبيه بجهاد ~~الطائفتين في قوله (جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم) في آيتين من ~~القرآن. # فإذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعا تخالف الكتاب ويلبسونها على الناس ~~ولم تبين للناس فسد أمر الكتاب وبدل الدين، كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا ~~بما وقع فيه من التبديل الذي لم ينكر على أهله. وإذا كان أقوام ليسوا ~~منافقين لكنهم سماعون للمنافقين قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوهم قولهم حقا ~~وهو مخالف للكتاب وصاروا دعاء إلى بدع المنافقين كما قال تعالى (لو خرجوا ~~فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولا وضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون ~~لهم) فلا بد أيضا من بيان حال هؤلاء بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم فإن فيهم ~~إيمانا يوجب موالاتهم. وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين ~~فلا بد من التحذير من تلك البدع وإن اقتضى ذلك ذكرهم وتعيينهم بل ولو لم ~~يكن قد تلقوا تلك البدعة عن منافق لكن قالوها ظانين أنها هدى وأنها خير ~~وأنها دين ولم يكن ms648 كذلك لوجب بيان حالها. ولهذا وجب بيان حال من يغلط في ~~الحديث والرواية ومن يغلط في الرأي والفتيا ومن يغلط في الزهد والعبادة، ~~وإن كان المخطئ المجتهد مغفورا له خطؤه، وهو مأجور على اجتهاده، فبيان ~~القول والعمل الذي دل عليه الكتاب والسنة واجب وإن كان في ذلك مخالفة لقوله ~~وعمله. ومن علم منه الاجتهاد السائغ فلا يجوز أن يذكر على وجه الذم ~~والتأثيم له، فإن الله غفر له خطاه بل يجب لما فيه من الإيمان والتقوى ~~موالاته ومحبته والقيام بما أوجب الله من حقوقه من ثناء ودعاء وغير ذلك وإن ~~علم منه النفاق كما عرف نفاق جماعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مثل عبد الله بن أبي وذويه، وكما علم المسلمون نفاق الرافضة عبد الله بن ~~سبأ وأمثاله مثل عبد القدوس بن الحجاج ومحمد بن سعيد المصلوب فهذا يذكر ~~بالنفاق، وإن أعلن بالبدعة ولم يعلم هل كان منافقا أو مؤمنا مخطئا ذكر بما ~~يعلم منه، فلا يحل للرجل أن يقفو ما ليس له به علم، ولا يحل له أن يتكلم في ~~هذا الباب إلا قاصدا بذلك وجه الله تعالى، وأن تكون كلمة الله هي العليا، ~~وأن يكون الدين # PageV05P111 # كله لله، فمن تكلم في ذلك بغير علم أو بما يعلم خلافه كان آثما وكذلك ~~القاضي والشاهد والمفتي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " القضاة ثلاثة: ~~قاضيان في النار وقاض في الجنة: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل ~~قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى بخلاف ذلك فهو في ~~النار " وقد قاتل تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ~~لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما فلا تتبعوا الهوى إن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا) واللي هو الكذب والإعراض كتمان الحق ومثله ما في الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " البيعان بالخيار ms649 ما لم يتفرقا فإن صدقا ~~وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذاب وكتما محقت بركة بيعهما ".ثم القائل في ~~ذلك بعلم لا بد له من حسن النية فلو تكلم بحق لقصد العلو في الأرض أو ~~الفساد كان بمنزلة الذي يقاتل حمية ورياء. وإن تكلم لأجل الله تعالى مخلصا ~~له الدين كان من المجاهدين في سبيل الله من ورثة الأنبياء خلفاء الرسل، ~~وليس هذا الباب مخالفا لقوله " الغيبة ذكرك أخاك بما يكره " فإن الأخ هو ~~المؤمن وأخا المؤمن إن كان صادقا في إيمانه لم يكره ما قلته من هذا الحق ~~الذي يحبه الله ورسوله وإن كان فيه شهادة عليه وعلى ذويه، بل عليه أن يقوم ~~بالقسط ويكون شاهدا لله ولو على نفسه أو والديه أو أقربيه، ومتى كره هذا ~~الحق كان ناقصا في إيمانه، ينقص من أخوته بقدر ما نقص من إيمانه، فلم يعتبر ~~كراهته من الجهة التي نقص منها إيمانه إذ كراهته لما يحبه الله ورسوله توجب ~~تقديم محبة الله ورسوله كما قال تعالى (والله ورسوله أحق أن يرضوه) .ثم قد ~~يقال: هذا لم يدخل في حديث الغيبة لفظا ومعنى وقد يقال دخل في ذلك الذين خص ~~منه كما يخص العموم اللفظي والعموم المعنوي وسواء زال الحكم لزوال سببه أو ~~لوجود مانعه فالحكم واحد والنزاع في ذلك يؤول إلى اللفظ إذ العلة قد يعني ~~بها التامة وقد يعني بها المقتضي والله أعلم وأحكم. وصلى الله على نبينا ~~محمد وآله وصحبه وسلم # PageV05P112 ### | أقوم ما قيل في المشيئة والحكمة والقضاء والقدر والتعليل وبطلان الجبر والتعطيل # مجموع من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله سره وما حققه في مواضع من ~~كتبه ومؤلفاته # PageV05P113 # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # سؤال ورد على الشيخ تقي الدين بن تيمية رضي الله عنه من الديار المصري في ~~شوال سنة أربع عشرة وسبعمائة، في حسن إرادة الله تعالى لخلق الخلق وإنشاء ~~الأنام، وهل يخلق لعلة أو لغير علة؟ فإن قيل لا لعلة فهو عبث تعالى الله ~~عنه، ms650 وإن قيل لعلة، فإن قلتم أنها لم تزل، لزم أن يكون المعلول لم يزل، وإن ~~قلتم أنها محدثة لزم أن يكون لها علة والتسلسل محال. (الجواب) الحمد لله رب ~~العالمين. هذه المسئلة من أجل المسائل الكبار التي تكلم فيها الناس وأعظمها ~~شعبا وفروعا، وأكثرها شبها ومحارات. فإن لها تعلقا بصفات الله تعالى ~~وبأسمائه وأفعاله وأحكامه من الأمر والنهي والوعد والوعيد، وهي داخلة في ~~خلقه وأمره، فكل ما في الوجود متعلق بهذه المسئلة، فإن المخلوقات جميعها ~~متعلقة بها وهي متعلقة بالخالق سبحانه، وكذلك الشرائع كلها: الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد متعلقة بها وهي متعلقة بمسائل القدر والأمر، ومسائل الصفات ~~والأفعال، وهذه جوامع علوم الناس، فعلم الفقه هو الأمر والنهي. وقد تكلم ~~الناس في تعليل الأحكام الشرعية والأمر والنهي كالأمر بالتوحيد والصدق ~~والعدل والصلاة والزكاة والصيام والحج، والنهي عن الشرك والكذب والظلم ~~والفواحش، هل أمر بذلك لحكمة ومصلحة وعلة اقتضت ذلك؟ أم ذلك لمحض المشيئة ~~وصرف الإرادة؟ وهل علل الشرع بمعنى الداعي والباعث؟ أو بمعنى الإمارة ~~والعلامة؟ وهل يسوغ في الحكمة أن ينهى الله عن التوحيد والصدق والعدل، ~~ويأمر بالشرك والكذب والظلم أم لا؟. # PageV05P114 # وتكلم الناس في تنزيه الله تعالى عن الظلم هل هو منزه عنه مع قدرته عليه ~~أم الظلم ممتنع لنفسه لا يمكن وقوعه. وتكلموا في محبة الله ورضاه وغضبه ~~وسخطه هل هو بمعنى إرادته وهو الثواب والعقاب المخلوق، أم هذه صفات أخص من ~~الإرادة. وتنازعوا فيما وقع في الأرض من الكفر والفسوق والعصيان، هل يريده ~~ويحبه ويرضاه كما يريد ويحب سائر ما يحدث؟ أم هو واقع بدون قدرته ومشيئته، ~~وهو لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا؟ أم هو واقع بقدرته ومشيئته؟ ولا ~~يكون في ملكه ما لا يريد وله في جميع خلقه حكمة بالغة، وهو يبغضه ويكرهه ~~ويمقت فاعله ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يريده الإرادة ~~الدينية المتضمنة لمحبته ورضاه، وإن أراده الإرادة الكونية التي تتناول ما ~~قدره وقضاه، وفروع هذه المسئلة كثيرة. ولأجل تجاذب ms651 الأصل ووقوع الاشتباه ~~فيه صار الناس فيه إلى التقديرات الثلاثة المذكورة في سؤال السائل، وكل ~~تقدير قال به طواف بني آدم من المسلمين وغير المسلمين. (فالتقدير الأول) هو ~~قول من يقول خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعة ولا لداع ولا باعث، بل ~~فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة، وهذا قول كثير ممن يثبت القدر، وينتسب ~~إلى السنة من أهل الكلام والفقه وغيرهم. وقد قال بهذا طوائف من أصحاب مالك ~~والشافعي وأحمد وغيرهم، وهو قول الأشعري وأصحابه، وقول كثير من نفاة القياس ~~الظاهرية كابن حزم وأمثاله. ومن حجة هؤلاء أنه لو خلق لعلة لكان ناقصا ~~بدونها مستكملا بها، فإنه إما أن يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه ~~سواء أو يكون وجودها أولى به. فإن كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها، وإن كان ~~الثاني ثبت أن وجودها أولى به، فيكون مستكملا بها، فيكون قبلها ناقصا. # PageV05P115 # ومن حجتهم ما ذكره السائل من أن العلة إن كانت قديمة وجب قدم المعلوم لأن ~~العلة الغائية وإن كانت متقدمة على المعلوم في العلم والقصد كما يقال: أول ~~الفكرة آخر العمل، وأول البغية آخر الدرك. ويقال أن العلة الغائية بها صار ~~الفاعل فاعلا فلا ريب أنها متأخرة في الوجود عن العمل، فمن فعل فعلا لمطلوب ~~يطلبه بذلك الفعل كان حصول المطلوب بعد الفعل، فإذا قدر أن ذلك المطلوب ~~الذي هو العلة قديما كان الفعل قديما بطريق الأولى. فلو قيل أنه يفعل لعلة ~~قديمة لزم أن لا يحدث شيء من الحوادث وهو خلاف المشاهدة، وإن قيل أنه فعل ~~لعلة حادثة لزم محذوران (أحدهما) أن يكون محلا للحوادث فإن العلة إذا كانت ~~منفصلة عنه فإن لم يعد إليه منها حكم امتنع أن يكون وجودها أولى به من ~~عدمها، وإذا قدر أنه عاد إليه منها حكم كان ذلك حادثا فتقوم به الحوادث. ~~(والمحذور الثاني) أن ذلك يستلزم التسلسل من وجهين (أحدهما) أن تلك العلة ~~الحادثة المطلوبة بالفعل هي أيضا مما يحدثه الله تعالى بقدرته # ومشيئته، فإن كانت لغير علة ms652 لزم العبث كما تقدم، وإن كانت لعلة عاد ~~التقسيم فيها، فإذا كان كل ما أحدثه لعلة والعلة مما أحدثه لزم تسلسل ~~الحوادث (الثاني) أن تلك العلة إما أن تكون مرادة لنفسها أو لعلة أخرى، فإن ~~كانت مرادة لنفسها امتنع حدوثها لأن ما أراده الله تعالى لذاته وهو قادر ~~عليه لا يؤخر إحداثه، وإن كانت مرادة لغيرها فالقول في ذلك الغير كالقول ~~فيها ويلزم التسلسل. وهذا نحوه من حجج من ينفي تعليل أفعال الله تعالى ~~وأحكامه. ه، فإن كانت لغير علة لزم العبث كما تقدم، وإن كانت لعلة عاد ~~التقسيم فيها، فإذا كان كل ما أحدثه لعلة والعلة مما أحدثه لزم تسلسل ~~الحوادث (الثاني) أن تلك العلة إما أن تكون مرادة لنفسها أو لعلة أخرى، فإن ~~كانت مرادة لنفسها امتنع حدوثها لأن ما أراده الله تعالى لذاته وهو قادر ~~عليه لا يؤخر إحداثه، وإن كانت مرادة لغيرها فالقول في ذلك الغير كالقول ~~فيها ويلزم التسلسل. وهذا نحوه من حجج من ينفي تعليل أفعال الله تعالى ~~وأحكامه. # والتقدير الثاني قول من يجعل العلة الغائية قديمة كما يجعل العلة ~~الفاعلية قديمة كما يقول ذلك طوائف من المسلمين كما سيأتي بيانه، كما يقول ~~ذلك من يقوله من المتفلسفة القائلين بقدم العالم. وهؤلاء أصل قولهم أن ~~للمبدع للعالم علة تامة تستلزم معلولها لا يجوز أن يتأخر عنها معلولها. ~~وأعظم حججهم قولهم أن جميع الأمور المعتبرة # PageV05P116 # في كونه فاعلا إن كانت موجودة في الأزل لزم وجود المفعول في الأزل لأن ~~العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها، فإنه لو تأخر لم تكن جميع شروط الفعل ~~وجدت في الأزل فإنا لا نعني بالعلة التامة إلا ما يستلزم المعلول، فإذا قدر ~~أنه تخلف عنها المعلول لم تكن تامة، وإن لم تكن العلة التامة التي هي جميع ~~الأمور المعتبرة في الفعل وهي المقتضى التام لوجود الفعل وهيجميع شروط ~~الفعل التي يلزم من وجودها وجود الفعل وإن لم يكن جميعها في الأزل فلا بد ~~إذا وجد المفعول بعد ذلك من تجدد ms653 سبب وإلا لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا ~~مرجح، وإذا كان هناك سبب حادث فالقول في حدوثه كالقول في الحادث الأول ~~ويلزم التسلسل. قالوا فالقول بانتفاء العلة التامة المستلزمة للمفعول يوجب ~~إما التسلسل وإما الترجيح بلا مرجح. # ثم أكثر هؤلاء يثبتون علة غائية للفعل وهي بعينها الفاعلة ولكنهم ~~متناقضون فإنهم يثبتون له العلة الغائية ويثبتون لفعله العلة الغائية، ~~ويقولون مع هذا ليس له إرادة بل هو موجب بالذات، فال فاعل بالاختيار. ~~وقولهم باطل من وجوه كثيرة: منها أن يقال هذا القول يستلزم أن لا يحدث شيء، ~~وإن كل ما حدث حدث بغير إحداث محدث. ومعلوم أن بطلان هذا أبين من بطلان ~~التسلسل وبطلان الترجيح بلا مرجح، وذلك أن العلة التامة المستلزمة لمعلولها ~~يقترن بها معلولها ولا يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها، فكل ما حدث من ~~الحوادث لا يجوز أن يحدث عن هذه العلة التامة، وليس هناك ما يصدر عنه ~~الممكنات سوى الواجب بنفسه الذي سماه هؤلاء علة تامة، فإذا امتنع صدور ~~الحوادث عنه وليس هناك ما يحدثها غيره لزم أن يحدث بلا محدث. # وأيضا فلو قدر أن غيره أحدثها فإن كان واجبا بنفسه كان القول فيه كالقول ~~في الواجب الأول. وأصل قولهم أن الواجب بنفسه علة تامة تستلزم مقارنة ~~معلوله له فلا يجوز أن يصدر على قولهم عن العلة التامة حادث، لا بواسطة ولا ~~بغير واسطة، لأن تلك # PageV05P117 # الواسطة إن كانت من لوازم وجوده كانت قديمة معه، فامتنع صدور الحوادث ~~عنها وإن كانت حادثة كان القول فيها كالقول في غيرها. # وإن قدر أن المحدث للحوادث غير واجب بنفسه كان ممكنا مفتقرا إلى موجب ~~يوجب به. ثم إن قيل أنه محدث كان من الحوادث، وإن قيل أنه قديم كان له علة ~~تامة مستلزمة له، وامتنع حينئذ حدوث الحوادث عنه، فإن الممكن لا يوجد هو ~~ولا شيء من صفاته وأفعاله إلا عن الواجب بنفسه. فإذا قدر حدوث الحوادث عن ~~ممكن قديم معلول لعلة قديمة قيل هل حدث فيه سبب يقتضي ms654 الحدوث أم لا؟ فإن ~~قيل لم يحدث سبب لزم الترجيح بلا مرجح وإن قيل حدث سبب لزم التسلسل كما ~~تقدم. # الوجه الثاني الذي يبين بطلان قولهم أن يقال: مضمون الحجة أنه إذا لم يكن ~~ثم علة قديمة لزم التسلسل أو الترجيح بلا مرجح والتسلسل عندكم جائز. فإن ~~أصل قولهم أن هذه الحوادث متسلسلة شيئا بعد شيء وإن حركات الفلك توجب ~~استعداد القوابل لأن تفيض عليها الصور الحادثة من العلة القديمة سواء قلتم ~~هي العقل الفعال أو هي الواجب الذي يصدر عنه بتوسط العقول أو غير ذلك من ~~الوسائط، وإذا كان التسلسل جائزا عندكم لم يمتنع حدوث الحوادث من غير علة ~~موجبة للمعلول وإن لزم التسلسل، بل هذا خير في الشرع والعقل من قولكم، وذلك ~~أن الشرع أخبر أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام وهذا مما اتفق عليه ~~الملل: المسلمون واليهود والنصارى. فإن قيل بأنه خلقها بسبب حادث قبل ذلك ~~كان خيرا من قولهم أنها قديمة أزلية معه في الشرع، وكان أولى في العقل لأن ~~العقل ليس فيه ما يدل على قدم هذه الأفلاك حتى يعارض الشرع، وهذه الحجة ~~العقلية إنما تقتضي أنه لا يحدث شيء إلا بسبب حادث فإذا قيل أن السموات ~~والأرض خلقها الله تعالى بما حدث قبل ذلك لم يكن في حجتكم العقلية ما يبطل ~~هذا. # الوجه الثالث أن يقال حدوث حادث بعد حادث بلا نهاية إما أن يكون # PageV05P118 # ممكنا في العقل أو ممتنعا، فإن كان ممتنعا في العقل لزم أن الحوادث ~~جميعها لها أول كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام، وبطل قولهم بقدم ~~حركات الأفلاك، وإن كان محدثا أمكن أن يكون حدوث ما أحدثه الله تعالى ~~كالسموات والأرض موقوفا على حوادث قبل ذلك كما تقولون أنتم فيما يحدث في ~~هذا العالم من الحيوان والنبات والمعادن والمطر والسحاب وغير ذلك فيلزم ~~فساد حجتكم على التقديرين. # ثم يقال: إما أن تثبتوا لمبدع العالم حكمة وغاية مطلوبة وإما لا تثبتوا، ~~فإن لم تثبتوا بطل قولكم بإثبات ms655 العلة الغائية وبطل ما تذكرونه من حكمة ~~الباري تعالى في خلق الحيوان وغير ذلك من المخلوقات، وأيضا فالوجود يبطل ~~هذا القول، فإن الحكمة الموجودة في الوجود أمر يفوق العد والإحصاء، كإحداثه ~~سبحانه لما يحدثه من نعمته ورحمته وقت حاجة الخلق إليه، كإحداث المطر وقت ~~الشتاء بقدر الحاجة وإحداثه للإنسان الآلات التي يحتاج إليها بقدر حاجته ~~وأمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه، وإن أثبتم له حكمة مطلوبة - وهي ~~باصطلاحكم العلة الغائية - لزمكم أن تثبتوا له المشيئة والإرادة بالضرورة، ~~فإن القول بأن الفاعل فعل كذا لحكمة كذا بدون كونه مريدا لتلك الحكمة ~~المطلوب جمع بين النقيضين، وهؤلاء المتفلسفة من أكثر الناس تناقضا ولهذا ~~يجعلون العلم هو العالم والعلم هو الإرادة والإرادة هي القدرة وأمثال ذلك. # وأما التقدير الثالث وهو أنه فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة ~~فهذا قول أكثر الناس من المسلمين وغير المسلمين، وقول طوائف من أصحاب أبي ~~حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم، وقول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة ~~والكرامية والمرجئة وغيرهم، وقول أكثر أهل الحديث والتصوف وأهل التفسير ~~وأكثر قدماء الفلاسفة وكثير من متأخريهم كأبي البركات وأمثاله، لكن هؤلاء ~~على أقوال: منهم من قال أن الحكمة المطلوبة مخلوقة منفصلة عنه أيضا كما # PageV05P119 # يقول ذلك من يقوله من المعتزلة والشيعة ومن وافقهم، وقالوا الحكمة في ذلك ~~إحسانه إلى الخلق، والحكمة في الأمر تعريض المكلفين للثواب، وقالوا إن فعل ~~الإحسان إلى الغير حسن محمود في العقل. فخلق الخلق لهذه الحكمة من غير أن ~~يعود إليه من ذلك حكم ولا قام به فعل ولا نعت، فقال لهم الناس أنتم ~~متناقضون في هذا القول لأن الإحسان إلى الغير محمود لكونه يعود منه على ~~فاعله حكم يحمد لأجله، أما لتكميل نفسه بذلك وإما لقصده الحمد والثواب ~~بذلك، وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بذلك الإحسان الألم، وإما للتذاذه ~~وسروره وفرحه بالإحسان، فإن النفس الكريمة تفرح وتسر وتلتذ بالخير الذي ~~يحصل منها إلى غيرها، فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود إليه من ms656 ~~فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله، أما إذا قدر أن وجود الإحسان وعدمه ~~بالنسبة إلى الفاعل سواء لم يعلم أن مثل هذا الفعل يحسن منه بل مثل هذا يعد ~~عبثا في عقول العقلاء، وكل من فعل فعلا ليس فيه لنفسه لذة ولا مصلحة ولا ~~منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة ولا آجلة كان عبثا ولم يكن محمودا على هذا، ~~وأنتم عللتم أفعاله فرارا من العبث فوقعتم في العبث، فإن العبث هو الفعل ~~الذي ليس فيه مصلحة ولا منفعة ولا فائدة تعود على الفاعل، ولهذا لم يأمر ~~الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من العقلاء أحدا بالإحسان ~~إلى غيره ونفعه ونحو ذلك إلا لما له في ذلك من المنفعة والمصلحة، وإلا فأمر ~~الفاعل بفعل لا يعود إليه منه لذة ولا سرور ولا منفعة ولا فرح بوجه من ~~الوجوه لا في العاجل ولا في الآجل لا يستحسن من الآمر. # ونشأ من هذا الكلام نزاع بين المعتزلة وغيرهم ومن وافقهم في مسئلة ~~التحسين والتقبيح العقلي، فأثبت ذلك المعتزلة وغيرهم ومن وافقهم من أصحاب ~~أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث وغيرهم وحكوا ذلك عن أبي حنيفة ~~نفسه، ونفى ذلك الأشعرية ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ~~واتفق الفريقان # PageV05P120 # على أن الحسن والقبح إذا فسرا بكون الفعل نافعا للفاعل ملائما له وكونه ~~ضارا للفاعل منافرا له أنه يمكن معرفته بالعقل كما يعرف بالشرع، وظن من ظن ~~من هؤلاء أن الحسن والقبح المعلوم بالشرع خارج عن هذا، وهذا ليس كذلك، بل ~~جميع الأفعال التي أوجبها الله تعالى وندب إليها هي نافعة لفاعليها ومصلحة ~~لهم، وجميع الأفعال التي نهى الله عنها هي ضارة لفاعليها ومفسدة في حقهم، ~~والثواب المترتب على طاعة الشارع نافع للفاعل ومصلحة له، والذم والعقاب ~~المرتب على معصيته ضار للفاعل ومفسدة له، والمعتزلة أثبتت الحسن في أفعال ~~الله تعالى لا بمعنى حكم يعود إليه من أفعاله. ومنازعوهم لما اعتقدوا أن لا ~~حسن ولا قبح إلا ما عاد ms657 إلى الفاعل منه حكم نفوا ذلك وقالوا القبيح في حق ~~الله تعالى هو الممتنع لذاته، وكل ما يقدر ممكننا من الأفعال فهو حسن، إذ ~~لا فرق بالنسبة إليه عندهم بين مفعول ومفعول، وأولئك أثبتوا حسنا وقبحا لا ~~يعود إلى الفاعل منه حكم يقوم بذاته، إذ عندهم لا يقوم بذاته وصف ولا فعل ~~ولا غير ذلك وإن كانوا قد يتناقضون. # ثم أخذوا يقيسون ذلك على ما يحسن من العبد ويقبح، فجعلوا يوجبون على الله ~~سبحانه ما يوجبون على العبد، ويحرمون عليه من جنس ما يحرمون على العبد، ~~ويسمون ذلك العدل والحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمته، فلا يثبتون له ~~مشيئة عامة، ولا قدرة تامة، فلا يجعلونه (على كل شيء قدير) ولا يقولون " ما ~~شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " ولا يقرون بأنه خالق كل شيء. ويثبتون له ~~من الظلم ما نزه نفسه عنه سبحانه، فإنه قال (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ~~فلا يخاف ظلما ولا هضما) أي لا يخاف أن يظلم فيحمل عليه من سيئات غيره ولا ~~يهضم من حسناته. وقال تعالى (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) وقال ~~صلى الله عليه وسلم في حديث البطاقة الذي رواه الترمذي وغيره " يجاء برجل ~~من أمتي يوم القيامة فتنشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر، فيقال له: ~~هل # PageV05P121 # تنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب، فيقال له لا ظلم عليك اليوم، ويؤتى ~~ببطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في ~~كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~لا يظلم بل يثاب على ما أتى به من التوحيد، كما قال تعالى (فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) . # وجمهور هؤلاء الذين يسمون أنفسهم عدلية يقولون من فعل كبيرة واحدا أحطبت ~~جميع حسناته وخلد في نار جهنم، فهذا الذي سماه الله ورسوله ظلما يصفون الله ~~به مع دعواهم تنزيهه ms658 عن الظلم، ويسمون تخصيصه من يشاء برحمته وفضله وخلقه ~~ما خلقه لما له فيه من الحكمة البالغة ظلما. والكلام في هذه الأمور مبسوطفي ~~غير هذا الموضع (وإنما) نبهنا على مجامع أصول الناس في هذا المقام. # وهؤلاء المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة يوجبون على الله سبحانه أن يفعل ~~بكل عبد ما هو الأصلح له في دينه، وتنازعوا في وجوب الأصلح في دنياه، ~~ومذهبهم أنه لا يقدر أن يفعل مع مخلوق من المصلحة الدينية غير ما فعل، ولا ~~يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا. # وأما سائر الطوائف الذين يقولون بالتعليل من الفقهاء وأهل الحديث ~~والصوفية وأهل الكلام وغيرهم والمتفلسفة أيضا فلا يوافقونهم على هذا بل ~~يقولون أنه يفعل ما يفعل سبحانه لحكمة يعلمها سبحانه، وهو يعلم العباد أو ~~بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه وقد لا يعلمون ذلك. والأمور العامة ~~التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة، كإرسال محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإنه كما قال تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فإن إرساله كان من ~~أعظم النعمة على الخلق وفيه أعظم حكمة للخالق ورحمة منه لعباده كما قال ~~تعالى (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) وقال تعالى (وكذلك فتنا # PageV05P122 # بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين) وقال تعالى (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) قالوا هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # فإذا قال قائل فقد تضرر برسالته طائفة من الناس كالذين كذبوه من المشركين ~~وأهل الكتاب كان عن هذا جوابان. # أحدهما أنه نفعهم بحسب الإمكان فإنه أضعف شرهم الذي كانوا يفعلونه لولا ~~الرسالة بإظهار الحجج والآيات التي زلزلت ما في قلوبهم، وبالجهاد والجزية ~~التي أخافتهم وأذلتهم حتى قل شرهم، ومن قتله منهم مات قبل أن يطول عمره في ~~الكفر فيعظم كفره، وكان ذلك تقليلا لشره، والرسل صلوات الله عليهم بعثوا ~~لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان. # والجواب ms659 الثاني أن ما حصل من الضرر أمر مغمور في جنب ما حصل من النفع، ~~كالمطر الذي عم نفعه إذا خرب به بعض البيوت أو احتبس به بعض المسافرين ~~والمكتسبين كالقاصرين ونحوهم، وما كان نفعه ومصلحته عامة كان خيرا مقصودا ~~ورحمة محبوبة وإن تضرر به بعض الناس. وهذا الجواب أجاب به طوائف من ~~المسلمين وأهل الكلام والفقه وغيرهم من الحنفية والحنبلية وغيرهم ومن ~~الكرامية والصوفية، وهو جواب كثير من المتفلسفة. # وقال هؤلاء جميع ما يحدث في الوجود من الضرر فلا بد فيه من حكمة قال ~~تعالى (صنع الله الذي أتقن كل شيء) وقال (الذي أحسن كل شيء خلقه) والضرر ~~الذي يحصل به حكمة مطلوبة لا يكون شرا مطلقا، وإن كان شرا بالنسبة إلى من ~~تضرر به. ولهذا لا يجيء في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ~~إضافة الشر وحده إلى الله، بل لا يذكر الشر إلا على أحد وجوه ثلاثة، إما أن ~~يدخل في عموم المخلوقات فإنه إذا دخل في العموم أفاد عموم القدرة والمشيئة ~~والخلق وتضمن ما اشتمل عليه من حكمة تعلق بالعموم، وإما أن يضاف إلى السبب ~~الفاعل، وإما أن يحذف فاعله. # PageV05P123 # فالأول كقوله تعالى (الله خالق كل شيء) ونحو ذلك، ومن هذا الباب أسماء ~~الله المقترنة كالمعطي المانع، والضار النافع، المعز والمذل، الخافض ~~الرافع، فلا يفرد الاسم المانع عن قرينه ولا الضار عن قرينه لأن اقترانها ~~يدل على العموم، وكل ما في الوجود من رحمة ونفع ومصلحة فهو من فضله تعالى، ~~وما في الوجود من غير ذلك فمن عدله، فكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، ~~كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " يمين الله ملأى لا ~~يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ ~~فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى يخفض ويرفع " فأخبر أن يده ~~اليمنى فيها الإحسان إلى الخلق، ويده الأخرى فيها العدل والميزان الذي به ~~يخفض ويرفع، فخفضه ورفعه من ms660 عدله، وإحسانه إلى خلقه من فضله. # وأما حذف الفاعل فمثل قول الجن (وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم ~~أراد بهم ربهم رشدا) وقوله تعالى (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين) ونحو ذلك. # وإضافته إلى السبب كقوله (من شر ما خلق) وقوله (فأردت أن أعيبها) مع قوله ~~(فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما) وقوله تعالى (ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) وقوله (ربنا ظلمنا أنفسنا) ~~وقوله تعالى (أو لما أصابتكم مصيبة مثليها قليتم أنى هذا قل هو من عند ~~أنفسكم) وأمثال ذلك. # ولهذا ليس في أسماء الله الحسنى اسم يتضمن الشر وإنما يذكر الشر في ~~مفعولاته كقوله (نبيء عبادي إني أنا لغفور رحيم، وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم) وقوله (إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم) وقوله (اعلموا أن ~~الله شديد العقاب) الآية، وقوله (إن بطش ربك لشديد، إنه هو يبدي ويعيد، وهو ~~الغفور الودود) # PageV05P124 # فبين سبحانه أن بطشه شديد، وأنه هو الغفور الودود. # واسم المنتقم ليس من أسماء الله الحسن الثابتة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإنما جاء في القرآن مقيدا كقوله تعالى (إنا من المجرمين منتقمون) ~~وقوله (إن الله عزيز ذو انتقام) والحديث الذي في عدد الأسماء الحسنى الذي ~~يذكر فيه المنتقم وذكر في سياقه " البر التواب المنتقم العفو الرؤوف " ليس ~~هو عند أهل المعرفة بالحديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل هذا ذكره ~~الوليد بن مسلم عن بعض شيوخه ولهذا لم يروه أحد من أهل الكتب المشهورة إلا ~~الترمذي، رواه من طريق الوليد بن مسلم بسياق، ورواه غيره باختلاف في ~~الأسماء وفي ترتيبها يبين أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وسائر ~~من روى هذا الحديث عن أبي هريرة ثم عن الأعرج ثم عن أبي الزناد لم يذكروا ~~أعيان الأسماء، بل ذكروا قوله صلى الله عليه وسلم " إن لله تسعة وتسعين ~~اسما مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة " وهكذا ms661 أخرجه أهل الصحيح كالبخاري ~~ومسلم وغيرهما، ولكن روي عدد الأسماء من طريق أخرى من حديث محمد بن سيرين ~~عن أبي هريرة ورواه ابن ماجه وإسناده ضعيف يعلم أهل الحديث أنه ليس من كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في عدد الأسماء عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلا هذان الحديثان كلاهما مروي من طريق أبي هريرة وهذا مبسوط في موضعه ~~(1) . # والمقصود هنا التنبيه على أصول تنفع في معرفة هذه المسئلة فإن نفوس بني ~~آدم لا يزال يجول فيها من هذه المسئلة أمر عظيم. # وإذا علم العبد من حيث الجملة أن لله فيما خلقه وما أمر به حكمة عظيمة ~~كفاه هذا، ثم كلما ازداد علما وإيمانا ظهر له من حكمة الله ورحمته ما يبهر ~~عقله ويتبين له تصديق ما أخبر الله به في كتابه حيث قال (سنريهم آياتنا في ~~الآفاق PageV05P125 # وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) فإنه صلى الله عليه وسلم قال في ~~الحديث الصحيح " لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها " وفي الصحيحين عنه أنه ~~قال " إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة، فبها ~~يتراحم الخلق حتى أن الدابة لترفع حافرها عن ولدها من تلك الرحمة، واحتبس ~~عنده تسعا وتسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك فرحم بها ~~عباده " أو كما قال. # ثم هؤلاء الجمهور من المسلمين وغيرهم كأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من ~~السلف والعلماء الذين يثبتون حكمة فلا ينفونها (1) كما نفاها الأشعرية ~~ونحوهم الذين يثبتون إرادة بلا حكمة ومشيئة بلا رحمة ولا محبة ولا رضى، ~~وجعلوا جميع المخلوقات بالنسبة غليه سواء لا يفرقون بين الإرادة والمحبة ~~والرضى بل ما وقع من الكفر والفسوق والعصيان قالوا إنه يحبه ويرضاه كما ~~يريده، وإذا قالوا لا يحبه ولا يرضاه دينا قالوا أنه لا يريده دينا، وما لم ~~يقع من الإيمان والتقوى فإنه لا يحبه ولا يرضاه عندهم كما لا يريده. وقد ~~قال تعالى (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) فأخبر أنه لا ms662 يرضاه، مع أنه ~~قدره وقضاه، ولا يوافقون المعتزلة على إنكار قدر الله تعالى وعموم خلقه ~~ومشيئته وقدرته، ولا يشبهونه بخلقه فيما يوجب ويحرم كما فعل هؤلاء، ولا ~~يسلبونه ما وصف به نفسه من صفاته وأفعاله بل أثبتوا له ما أثبته لنفسه من ~~الصفات والأفعال ونزهوه عما نزه عنه نفسه من الصفات والأفعال، وقالوا إن ~~الله خالق كل شيء ومليكه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء ~~قدير وهو يحب المحسنين والمتقين، ويرضى عن السابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ولا يرضى لعباده الكفر، ولا PageV05P126 # يرضى بالقول المخالف لأمر الله ورسوله، وقالوا مع أنه خالق كل شيء وربه ~~ومليكه فقد فرق بين المخلوقات أعيانها وأفعالها كما قال تعالى (أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين) وكما قال (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم؟ ساء ما يحكمون) وقال ~~تعالى (أم تجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض؟ أم نجعل ~~المتقين كالفجار) وقال (وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ~~ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات) وأمثال ذلك مما يبين ~~الفرق بين المخلوقات وانقسام الخلق إلى شقي وسعيد كما قال تعالى (هو الذي ~~خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) وقال تعالى (فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة) وقال تعالى (يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا ~~أليما) وقال تعالى (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون، فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فهم في روضة يحيرون، وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون) ونظائر هذا في القرآن كثير. # وينبغي أن يعلم أن هذا المقام زل فيه طوائف من أهل الكلام والتصوف وصاروا ~~فيه إلى ما هو شر من قول المعتزلة ونحوهم من القدرية، فإن هؤلاء يعظمون ~~الأمر والنهي والوعد والوعيد وطاعة الله ورسوله، ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر، لكن ضلوا في القدر واعتقدوا أنهم إذا أثبتوا مشيئة عامة وقدرة ~~شاملة وخلقا متناولا لكل شيء لزم ms663 من ذلك القدح أنهم إذا أثبتوا مشيئة عامة ~~وقدرة شاملة وخلقا متناولا لكل شيء لزم من ذلك القدح في عدل الرب وحكمته ~~وغلطوا في ذلك. # فقابل هؤلاء قوم من العلماء والعباد وأهل الكلام والتصوف، فأثبتوا القدر ~~وآمنوا بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ~~وأنه خالق كل شيء، وهذا حسن وصواب. لكنهم قصروا في الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد، وأفرطوا حتى غلا بهم إلى الإلحاد فصاروا من جنس المشركين الذين ~~قالوا (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا # PageV05P127 # ولا حرمنا من شيء) فأولئك القدرية وإن كانوا يشبهون المجوس من حيث أنهم ~~أثبتوا فاعلا لما اعتقدوه شرا غير الله سبحانه، فهؤلاء شابهوا المشركين ~~الذين قالوا (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء) ~~فالمشركون شر من المجوس، فإن المجوس يقرون (1) بالجزية باتفاق المسلمين، ~~وذهب بعض العلماء إلى حل نسائهم وطعامهم، وأما المشركون فاتفقت الأمة على ~~تحريم نكاح نسائهم، ومذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما أنهم لا ~~يقرون بالجزية، وجمهور العلماء على أن مشركي العربي لا يقرون بالجزية وإن ~~أقرت المجوس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل الجزية من المشركين بل ~~قال " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وإني رسول الله، ~~فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل ~~". # والمقصود هنا أن من أثبت القدر واحتج به على إبطال الأمر والنهي فهو شر ~~ممن أثبت الأمر والنهي ولم يثبت القدر، وهذا متفق عليه بين المسلمين وغيرهم ~~من أهل الملل بل من جميع الخلق، فإن من احتج بالقدر وشهود الربوبية العامة ~~لجميع المخلوقات ولم يفرق بين المأمور والمحظور، والمؤمن والكافر، وأهل ~~الطاعة وأهل المعصية، لم يؤمن بأحد من الرسل ولا بشيء من الكتب، وكان عنده ~~آدم وإبليس سواء، ونوح وقومه سواء، وموسى وفرعون سواء، والسابقون الأولون ~~والكافرون سواء. وهذا الضلال قد كثر في كثير من أهل التصوف والزهد ~~والعبادة، لا ms664 سيما إذا قرنوا به توحيد أهل الكلام المثبتين للقدر والمشيئة ~~من غير إثبات المحبة والبغض والرضى والسخط، الذين يقولون التوحيد هو توحيد ~~الربوبية، والآلهية عندهم هي القدرة على الاختراع ولا يعرفون توحيد ~~الآلهية، ولا يعلمون أن الإله هو المألوه المعبود، وأن مجرد الإقرار بأن ~~الله رب كل شيء PageV05P128 # لا يكون توحيدا حتى تشهد أن لا إله إلا الله كما قال تعالى (وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) . قال عكرمة: تسألهم من خلق السموات والأرض؟ ~~فيقولون الله، وهم يعبدون غيره، وهؤلاء يدعون التوحيد والفناء في التوحيد ~~ويقولون أن هذا نهاية المعرفة، وأن العارف إذا صار في هذا المقام لا يستحسن ~~حسنة ولا يستقبح سيئة لشهوده الربوبية العامة والقيومية الشامل. وهذا ~~الموضع وقع فيه من الشيوخ الكبار من شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. # وهؤلاء غاية توحيدهم هو توحيد المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام الذين ~~قال الله عنهم (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا ~~تذكرون، قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله، قل أفلا ~~تتقون، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون، ~~سيقولون لله، قل تسحرون) وقال تعالى (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~وسخر الشمس والقمر ليقولن الله قل فأنى تؤفكون) وقال (ولئن سألتهم من خلق ~~السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) وقال تعالى ~~(قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي ~~من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر؟ فسيقولون الله. فقل أفلا ~~تتقون، فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون، كذلك ~~حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون، قل هل من شركائكم من يبدأ ~~الخلق ثم يعيده؟ قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده، فأنى تؤفكون، قل هل من ~~شركائكم من يهدي إلى الحق؟ قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق ms665 أن ~~يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى؟ فما لكم كيف تحكمون) وقال تعالى (أمن خلق ~~السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان # PageV05P129 # لكم أن تنبتوا شجرها؟ أإله مع الله؟ بل هم قوم يعدلون، أمن جعل الأرض ~~قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا؟ أإله مع ~~الله بل أكثرهم لا يعلمون، أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم ~~خلفاء الأرض؟ أإله مع الله؟ قليلا ما تذكرون، أمن يهديكم في ظلمات البر ~~والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته؟ أإله مع الله؟ تعالى الله عما ~~يشركون، أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض؟ أإله مع ~~الله؟ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) فإن هؤلاء المشركين كانوا مقرين ~~بأن الله خالق السموات والأرض وخالقهم وبيده ملكوت كل شيء، وكانوا مقرين ~~بالقدر، فإن العرب كانوا يثبتون القدر في الجاهلية وهو معروف عنهم في النظم ~~والنثر، ومع هذا فلم يكونوا يعبدون الله وحده لا شريك له، بل عبدوا غيره ~~فكانوا مشركين شرا من اليهود والنصارى، فمن كان غاية توحيده وتحقيقه هو هذا ~~التوحيد كان غاية توحيده توحيد المشركين. # وهذا المقام مقام وأي مقام، زلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام، وبدل فيه دين ~~المسلمين، والتبس فيه أهل التوحيد بعباد الأصنام على كثير ممن يدعون نهاية ~~التوحيد والتحقيق والمعرفة والكلام. ومعلوم عند كل من يؤمن بالله ورسوله أن ~~المعتزلة والشيعة القدرية المثبتين للأمر والنهي والوعد والوعيد خير ممن ~~يسوي بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والنبي الصادق، والمتنبي الكاذب، ~~وأولياء الله وأعدائه الذين ذمهم السلف، بل هم أحق بالذم من المعتزلة، كما ~~قال الخلال في كتاب (السنة والرد على القدرية) وقولهم أن الله أجبر العباد ~~على المعاصي: وذكر المروذي قال قلت لأبي عبد الله: رجل يقول أن الله أجبر ~~العباد، فقال: هكذا لا نقول وأنكر ذلك، وقال (يضل الله من يشاء ويهدي من ~~يشاء) وذكر عن المروذي أن رجلا قال أن ms666 الله لم يجبر العباد على المعاصي، ~~فرد عليه آخر فقال أن الله جبر العباد، أراد بذلك # PageV05P130 # إثبات القدر، فسألوا عن ذلك أحمد بن حنبل فأنكر عليهما جميعا حتى قال - ~~أو أمر أن يقال - (يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) . # وذكر عن عبد الرحمن بن معدي قال أنكر سفيان الثوري " جبر " وقال أن الله ~~جبل العباد. قال المروذي أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم " لأشج عبد ~~القيس " يعني قوله " أن فيك لخلتين يحبهما الله: الحلم والأناءة " فقال: ~~أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما؟ فقال " بل خلقين جبلت عليهما " ~~فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما. # وذكر عن أبي إسحاق الفزاري قال قال الأوزاعي: أتاني رجلان فسألاني عن ~~القدر فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما: قلت رحمك الله أنت أولى ~~بالجواب، قال: فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان فقال، تكلما، فقالا: قدم علينا ~~ناس من أهل القدر فنازعونا في القدر ونازعناهم فيه حتى بلغ بنا وبهم إلى أن ~~قلنا أن الله جبرنا على ما نهانا عنه، وحال بيننا وبين ما أمرنا به، ورزقنا ~~ما حرم علينا، فقلت: يا هؤلاء إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة ~~وأحدثوا حدثا، وإني أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه. فقال: ~~أصبت وأحسنت يا أبا إسحاق. # وذكر عن بقية بن الوليد قال؟ سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر فقال ~~الزبيدي أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر ~~ويخلق ويجبل عبده على ما أحب (1) وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر PageV05P131 # أصلا من القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق ~~والجبل (1) فهذا يعرف في القرآن والحديث. # وقال مطرف بن الشخير: لم نوكل إلى القدر وإليه نصير. وقال ضمرة بن ربيعة ~~لم نؤمر أن نتوكل على القدر وإليه نصير. # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما منكم من أحد ~~إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار " قالوا ms667 يا رسول الله، أفلا ~~ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال " لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له " وهذا ~~باب واسع. # والمقصود هنا أن الخلال وغيره أدخلوا القائلين بالجبر في مسمى القدرية، ~~وإن كانوا لا يحتجون بالقدر على المعاصي، فكيف بمن يحتج به على المعاصي؟ ~~ومعلوم أنه يدخل في ذم من ذم الله من القدرية من يحتج به على إسقاط الأمر ~~والنهي أعظم مما يدخل فيه المنكر له، فإن ضلال هذا أعظم. ولهذا قرنت ~~القدرية بالمرجئة في كلام غير واحد من السلف، وروي في ذلك حديث مرفوع لأن ~~كلا من هاتين البدعتين تفسد الأمر والنهي والوعد والوعيد. فالإرجاء يضعف ~~الإيمان بالوعيد ويهون أمر الفرائض والمحارم، والقدري إن احتج به كان عونا ~~للمرجئ، وإن كذب به كان هو والمرجئ قد تقابلا، هذا يبالغ في التشديد حتى لا ~~يجعل العبد يستعين بالله على فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وهذا يبالغ في ~~الناحية الأخرى. # ومن المعلوم أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لتصديق الرسل فيما ~~أخبرت، وتطاع فيما أمرت، كما قال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله) وقال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله) والإيمان بالقدر من تمام ~~ذلك. فمن أثبت القدر وجعل ذلك معارضا للأمر فقد أذهب الأصل. PageV05P132 # ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث به رسله فهو كافر باتفاق ~~المسلمين واليهود والنصارى، بل هؤلاء قولهم متناقض لا يمكن أحدا منهم أن ~~يعيش به ولا تقوم به مصلحة أحد من الخلق ولا يتعاشر عليه اثنان، فإن القدر ~~إن كان حجة فهو حجة لكل أحد، وإلا فليس حجة لأحد. فإذا قدر أن الرجل ظلمه ~~ظالم أو شتمه شاتم أو أخذ ماله أو أفسد أهله أو غير ذلك فمتى لامه أو ذمه ~~أو طلب عقوبته أبطل الاحتجاج بالقدر. ومن ادعى أن العارف إذا شهد الإرادة ~~سقط عنه الأمر كان هذا الكلام من الفكر الذي لا يرضاه اليهود ولا النصارى، ~~بل ذلك ممتنع في العقل محال في ms668 الشرع، فإن الجائع يفرق بين الخبز والتراب، ~~والعطشان يفرق بين الماء والسراب، فيحب ما يشبعه ويرويه دون ما لا ينفعه، ~~والجميع مخلوق لله تعالى، فالحي وإن كان من كان لا بد وأن يفرق بين ما ~~ينفعه وينعمه ويسره، وبين ما يضره ويشقيه ويؤلمه. هذه حقيقة الأمر فإن الله ~~تعالى أمر العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم. ### | تقسيم الناس في الشرع والقدر إلى أربعة أصناف # والناس في الشرع والقدر على أربعة أنواع، فشر الخلق من يحتج بالقدر لنفسه ~~ولا يراه حجة لغيره، يستند إليه في الذنوب والمعايب، ولا يطمئن إليه في ~~المصائب، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي ~~مذهب وافق هواك تمذهبت به. وبإزاء هؤلاء خير الخلق الذين يصبرون على ~~المصائب ويستغفرون من المعايب، كما قال تعالى (فاصبر إن وعد الله حق ~~واستغفر لذنبك) وقال (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ~~من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا ~~تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور) وقال تعالى (ما أصاب من ~~مصيبة إلا بإذن الله # PageV05P133 # ومن يؤمن بالله يهد قلبه) قال بعض السلف هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم ~~أنها من عند الله فيرضى ويسلم. قال تعالى (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ ولم يصروا ~~على ما فعلوا وهم يعلمون) . # وقد ذكر الله تعالى عن آدم عليه السلام أنه لما فعل ما فعل قال (ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وعن إبليس أنه ~~قال (فبما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين) فمن تاب أشبه ~~أباه آدم، ومن أصر واحتج بالقدر أشبه إبليس. والحديث الذي في الصحيحين في ~~احتجاج آدم وموسى عليهما السلام لما قال له موسى " أنت آدم أبو البشر خلقك ~~الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وعلمك أسماء كل شيء، لماذا أخرجتنا ونفسك من ms669 ~~الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وخط لك ~~التوراة بيده، فبكم وجدت مكتوبا علي قبل أن أخلق (وعصى آدم ربه فغوى؟) قال ~~بكذا وكذا سنة، قال فحج آدم موسى " وهذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي ~~هريرة وقد روي بإسناد جيد عن عمر رضي الله عنه. # فآدم إنما حج موسى لأن موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لهم من المصيبة ~~بسبب أكله من الشجرة، لم يكن لومه لأجل حق الله في الذنب. فإن آدم قد تاب ~~من الذنب كما قال تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) وقال تعالى (ثم ~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) ومن هو دون موسى عليه السلام يعلم أنه بعد ~~التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب، وآدم أعلم بالله من أن يحتج ~~بالقدر على الذنب، وموسى عليه السلام أعلم بالله تعالى من أن يقبل هذه ~~الحجة، فإن هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجة لإبليس عدو آدم، وحجة ~~لفرعون عدو موسى، وحجة لكل كافر، وبطل أمر الله ونهيه، بل إنما كان القدر ~~حجة لآدم # PageV05P134 # على موسى لأنه لام غيره لأجل المصيبة التي حصلت له بفعل ذلك وتلك المصيبة ~~كانت مكتوبة عليه. # وقد قال تعالى (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه) ~~وقال أنس: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط، ولا ~~قال لشيء فعلته - لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله - لم لا فعلته؟ وكان بعض ~~أهله إذا عتبني على شيء يقول " دعوه فلو قضي شيء لكان " وفي الصحيحين عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت " ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ~~خادما ولا امرأة ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل ~~منه قط شيء فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم لله، فإذا انتهكت محارم الله ~~لم يقم لغضبه بشيء حتى ينتقم لله " وقد قال صلى الله عليه ms670 وسلم " لو أن ~~فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " ففي أمر الله ونهيه يساره إلى الطاعة ~~ويقيم حدود على من تعدى حدود الله ولا تأخذه في الله لومة لائم، وإذا آذاه ~~مؤذ أو قصر مقصر في حقه عفا عنه ولم يؤاخذه نظرا إلى القدر (1) . # فهذا سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا. وهذا واجب فيما قدر من المصائب بغير فعل آدمي ~~كالمصائب السماوية، أو بفعل لا سبيل فيه إلى العقوبة كفعل آدم عليه السلام ~~فإنه لا سبيل إلى لومه شرعا لأجل التوبة، ولا قدرا لأجل القضاء والقدر. ~~وأما إذا ظلم رجل رجلا فله أن يستوفي مظلمته على وجه العدل، وإن عفا عنه ~~كان أفضل له كما قال تعالى (والجروح قصاص فمن تصدق فهو كفارة له) . # وأما الصنف الثالث فهم الذين لا ينظرون إلى القدر لا في المعايب ولا في ~~المصائب التي هي من أفعال العباد، بل يضيفون ذلك إلى العبد، وإذا أساءوا ~~PageV05P135 # استغفروا، وهذا أحسن لكن إذا أصابتهم مصيبة بفعل العبد لم ينظروا إلى ~~القدر الذي مضى بها عليهم، ولا يقولون لمن قصر في حقهم دعوه فلو قضي شيء ~~لكان، لا سيما وقد تكون تلك المصيبة بسبب ذنوبهم فلا ينظرون إليها وقد قال ~~تعالى (أو لما أصابتكم مصيبة فقد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند ~~أنفسكم) وقال تعالى (وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم) وقال تعالى ~~(وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور) . # ومن هذا قوله تعالى (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ~~وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، ~~قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا، ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) فإن هذه الآية تنازع فيها كثير ~~من مثبتي القدر ونفاته: هؤلاء يقولون الأفعال كلها من الله لقوله تعالى (قل ~~كل من عند الله) ms671 وهؤلاء يقولون الحسنة من الله والسيئة من نفسك لقوله (ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) . # وقد يجيبهم الأولون بقراءة مكذوبة (فمن نفسك؟) بالفتح على معنى الاستفهام ~~وربما قدر بعضهم تقديرا أي أفمن نفسك؟ وربما قدر بعضهم القول في قوله تعالى ~~(ما أصابك) فيقولون تقدير الآية (فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) ~~يقولون فيحرفون لفظ القرآن ومعناه، ويجعلون ما هو من قول الله - قول الصدق ~~- من قول المنافقين الذين أنكر الله قولهم، ويضمرون في القرآن ما لا دليل ~~على ثبوته بل سياق الكلام ينفيه. فكل من هاتين الطائفتين جاهلة بمعنى ~~القرآن وبحقيقة المذهب ينصره. # وأما القرآن فالمراد (منه) هنا بالحسنات والسيئات النعم والمصائب ليس ~~المراد الطاعات والمعاصي، وهذا كقوله تعالى (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن ~~تصبكم # PageV05P136 # سيئة يفرحوا بها، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا) وكقوله (إن ~~تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم ~~فرحون، قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا) الآية. ومنه قوله ~~تعالى (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) كما قال تعالى (ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) أي بالنعم والمصائب. # وهذا بخلاف قوله (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها) وأمثال ذلك فإن المراد بها الطاع والمعصية، وفي كل موضع ما ~~يبين المراد باللفظ، فليس في القرآن العزيز بحمد الله تعالى إشكال بل هو ~~مبين وذلك أنه إذا قال (ما أصابك) وما مسك ونحو ذلك كان من فعل غيرك بك كما ~~قال (ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك) وكما قال ~~تعالى (إن تصبك حسنة تسؤهم) وقال تعالى (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم) . # وإذا قال (من جاء بالحسنة) كانت من فعله لأنه هو الجائي بها فهذا يكون ~~فيما فعله العبد لا فيما فعل به. وسياق الآيتين يبين ذلك فإنه ذكر هذا في ~~سياق الحض على الجهاد وذم المتخلفين ms672 عنه فقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا ~~خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا، وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم ~~مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا، ولئن أصابكم فضل من الله ~~ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما) ~~. # فأمر سبحانه بالجهاد وذم المثبطين وذكر ما يصيب المؤمن تارة من المصيبة ~~فيه وتارة من فضل الله فيه، كما أصابهم يوم أحد فقال (أو لما أصابتكم مصيبة ~~قد أصبتم مثلها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم) وأصابهم يوم بدر فضل من ~~الله بنصره لهم وتأييده كما قال تعالى (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) ~~ثم أنه سبحانه قال (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا ~~بالآخرة) الآية. # PageV05P137 # (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان) إلى قوله (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن ~~تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك) ~~فهذا من كلام الكفار والمنافقين، إذا أصابهم نصر وغيره من النعم قالوا هذا ~~من عند الله، وإن أصابهم ذل وخوف وغير ذلك من المصائب قالوا هذا من عند ~~محمد بسبب الدين الذي جاء به، فإن الكفار كانوا يضيفون ما أصابهم من ~~المصائب إلى فعل أهل الإيمان. # وقد ذكر نظير ذلك في قصة موسى وفرعون قال تعالى (ولقد أخذنا آل فرعون ~~بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون، فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ~~وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) ونظيرة قوله تعالى في سورة يس (قالوا ~~ربنا يعلم أنا إليكم لمرسلون، وما علينا إلا البلاغ المبين، قالوا إنا ~~تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم) فأخبر الله ~~تعالى أن الكفار كانوا يتطيرون بالمؤمنين فإذا أصابهم بلاء جعلوه بسبب أهل ~~الإيمان، وما أصابهم من الخير جعلوه من الله عز وجل، فقال تعالى (فما ~~لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) والله ms673 تعالى نزل أحسن الحديث، فلو ~~فهموا القرآن لعلموا أن الله أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، أمر بالخير ~~ونهى عن الشر، فليس فيما بعث الله به رسله ما يكون سببا للشر، بل الشر حصل ~~بذنوب العباد، فقال تعالى (ما أصابك من حسنة فمن الله) أي ما أصابك من نصر ~~ورزق وعافية فمن الله نعمة أنعم بها عليك وإن كانت بسبب أعمالك الصالحة فهو ~~الذي هداك وأعانك ويسرك لليسرى. ومن عليك بالإيمان وزينه في قلبك وكره إليه ~~الكفر والفسوق والعصيان. # وفي آخر الحديث الصحيح الإلهي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم ~~أوفيكم إياها فمن وجد # PageV05P138 # خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " وفي الصحيح " سيد ~~الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ~~ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، ~~فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من ~~يومه دخل الجنة، ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة ". # ثم قال تعالى (وما أصابك من سيئة) من ذل وخوف وهزيمة كما أصابهم يوم أحد ~~(فمن نفسك) أي بذنوبك وخطاياك، وإن كان ذلك مكتوبا مقدرا عليك. فإن القدر ~~ليس حجة لأحد على الله ولا على خلقه، ولو جاز لأحد أن يحتج بالقدر على ما ~~يفعله من السيئات لم يعاقب ظالم ولم يقتل مشرك ولم يقم حد ولم يكف أحد عن ~~ظلم أحد، وهذا من الفساد في الدين المعلوم ضرورة فساده بصريح المعقول، ~~المطابق لما جاء به الرسول. # فالقدر يؤمن به ولا يحتج به، فمن لم يؤمن بالقدر ضاع المجوس، ومن احتج به ~~ضارع المشركين، ومن أقر بالأمر والقدر وطعن في عدل الله وحكمته كان شبيها ~~بإبليس، فإن الله ذكر عنه أنه طعن في حكمته وعارضه برأيه وهواه، ms674 وأنه قال ~~(فيما أغويتني لأزينن لهم في الأرض) . # وقد ذكر طائفة من أهل الكتاب وبعض المصنفين في المقالات كالشهرستاني أنه ~~ناظر الملائكة في ذلك معارضا لله تعالى في خلقه وأمره، لكن هذه المناظرة ~~بين إبليس والملائكة التي ذكرها الشهرستاني في أول المقالات ونقلها عن بعض ~~أهل الكتاب والملائكة التي ذكرها الشهرستاني في أول المقالات ونقلها عن بعض ~~أهل الكتاب ليس لها إسناد يعتمد عليه، ولو وجدناها في كتب أهل الكتاب لم ~~يجز أن نصدقها لمجرد ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيح ~~أنه قال " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم ~~بحق فتكذبونه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقونه " ويشبه - والله أعلم - أن ~~تكون تلك المناظرة من وضع بعض المكذبين # PageV05P139 # بالقدر إما من أهل الكتاب وإما من المسلمين. والشهرستاني نقلها من كتب ~~المقالات، والمصنفون في المقالات ينقلون كثيرا من المقالات من كتب المعتزلة ~~كما نقل الأشعري وغيره ما نقله في المقالات من كتب المعتزلة، فإنهم من أكثر ~~الطوائف وأولها تصنيفا في هذا الباب، ولهذا توجد المقالات منقولة بعباراتهم ~~فوضعوا هذه المناظرة على لسان إبليس، كما رأينا كثيرا منهم يضع كتابا أو ~~قصيدة على لسان بعض اليهود أو غيرهم، ومقصودهم بذلك الرد على المثبتين ~~للقدر، يقولون أن حجة الله على خلقه لا تتم إلا بالتكذيب بالقدر، كما وضعوا ~~في مثالب ابن كلاب أنه كان نصرانيا لأنه أثبت الصفات وعندهم من أثبت الصفات ~~فقد أشبه النصارى، وتتلقى أمثال هذه الحكايات بالقبول من المنتسبين إلى ~~السنة ممن لم يعرف حقيقة أمرها. # والمقصود هنا أن الآية الكريمة حجة على هؤلاء وهؤلاء: حجة على من يحتج ~~بالقدر فإن الله تعالى أخبر أنه عذبهم بذنوبهم، فلو كانت حجتهم مقبولة لم ~~يعذبهم، وحجة على من كذب بالقدر، فإن سبحانه أخبر أن الحسنة من الله وأن ~~السيئة من نفس العبد، والقدرية متفقون على أن العبد هو المحدث للمعصية كما ~~هو المحدث للطاعة، والله عندهم ما أحدث هذا ولا هذا، بل أمر ms675 بهذا ونهى عن ~~هذا، وليس عندهم لله نعمة أنعمها على عباده المؤمنين في الدين إلا وقد أنعم ~~بمثلها على الكفار، فعندهم أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبا لهب ~~مستويان في نعمة الله الدينية، إذ كل منهما أرسل إليه الرسول وأجبر على ~~الفعل وأزبحت علته، لكن هذا فعل الإيمان بنفسه من غير أن يخصه بنعمة آمن ~~بها، وهذا فعل الكفر بنفسه من غير أن يفضل الله عليه ذاك المؤمن ولا خصه ~~بنعمة آمن لأجلها، وعندهم أن الله حبب الإيمان إلى الكفار كأبي لهب وأمثاله ~~كما حببه إلى المؤمنين كعلي رضي الله عنه وأمثاله، وزينه في قلوب ~~الطائفتين، وكره الكفر والفسوق والعصيان إلى الطائفتين # PageV05P140 # سواء، لكن هؤلاء كرهوا ما كرهه الله إليهم بغير نعمة خصهم بها، وهؤلاء لم ~~يكرهوا ما كرهه الله إليهم. # ومن توهم منهم أو من نقل عنهم أن الطاعة من الله والمعصية من العبد فهو ~~جاهل بمذهبهم، فإن هذا لم يقله أحد من علماء القدرية ولا يمكن أن يقوله، ~~فإن أصل قولهم أن فعل العبد للطاعة كفعله للمعصية، كلتاهما فعله بقدرة تحصل ~~له من غير أن يخصه بإرادة خلقاه فيه تختص بأحدهما، ولا قوة جعلها فيه تختص ~~بأحدهما، فإذا احتجوا بهذه الآية على مذهبهم كانوا جاهلين بمذهبهم وكانت ~~الآية حجة عليهم لا لهم، لأنه تعالى قال (قل كل من عند الله) وعندهم ليس ~~الحسنات المفعولة ولا السيئات المفعولة من عند الله بل كلاهما من العبد، ~~وقوله تعالى (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) مخالف ~~لقولهم، فإن عندهم الحسنة المفعولة والسيئة المفعولة من العبد لا من الله ~~سبحانه. # وكذلك من احتج من مثبتة القدر بالآية على إثباته إذا احتج بقوله تعالى ~~(قل كل من عند الله) كان مخطئا فإن الله ذكر هذه الآية ردا على من يقول ~~الحسنة من الله والسيئة من العبد، ولم يقل أحد من الناس أن الحسنة المفعولة ~~من الله والسيئة المفعولة من العبد. # وأيضا فإن نفس فعل ms676 العبد وإن قال أهل الإثبات أن الله خلقه وهو مخلوق له ~~ومفعول له فإنهم لا ينكرون أن العبد هو المتحرك بالأفعال، وبه قامت، ومنه ~~نشأت، وإن كان الله خلقها. # وأيضا فإن قوله بعد هذا (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك) يمتنع أن يفسر بالطاعة والمعصية، فإن أهل الإثبات لا يقولون أن ~~الله خالق إحداهما دون الأخرى، بل يقولون بأن الله خالق لجميع الأفعال وكل ~~الحوادث. # PageV05P141 # ومما ينبغي أن يعلم أن مذهب سلف الأمة مع قولهم: الله خالق كل شيء وربيه ~~ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، وأنه هو ~~الذي خلق العبد هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، ونحو ذلك ~~- أن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة وقدرة، قال تعالى (لمن شاء منكم أن ~~يستقيم، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) وقال تعالى (إن هذه ~~تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، وما تشاءون إلا أن يشاء الله) وقال ~~تعالى (إن هذه تذكرة فمن شاء ذكره، وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل ~~التقوى وأهل المغفرة) . # وهذا الموضع اضطرب فيه الخائضون في القدر، فقالت المعتزلة ونحوهم من ~~النفاة: الكفر والفسوق والعصيان أفعال قبيحة والله منزه عن فعل القبيح ~~باتفاق المسلمين فلا يكون فعلا له. # وقال من رد عليهم من المائلين إلى الجبر (1) بل هي فعله وليست أفعالا ~~للعباد بل هي كسب للعبد: وقالوا: إن قدرة العبد لا تأثير لها في حدوث ~~مقدورها ولا في صفة من صفاتها، وإن الله أجرى العادة بخلق مقدورها مقارنا ~~لها، فيكون الفعل خلقا من الله وإبداعا وإحداثا وكسبا من العبد لوقوعه ~~مقارنا لقدرته، وقالوا: أن العبد ليس محدثا لأفعاله ولا موجدا لها، ومع هذا ~~فقد يقولون أنا لا نقول بالجبر المحض، بل نثبت للعبد قدرة حادثة والجبري ~~المحض الذي لا يثبت للعبد قدرة. # وأخذوا يفرقون بين الكسب الذي أثبتوه بين الخلق، فقالوا: الكسب عبارة عن ~~اقتران ms677 المقدور بالقدرة الحادثة، والخلق هو المقدور بالقادرة القديمة، ~~وقالوا: أيضا الكسب هو الفعل القائم بمحل القدرة عليه والخلق هو الفعل ~~الخارج عن محل القدرة عليه. # فقال لهم الناس: هذا لا يوجب فرقا بين كون العبد كسب وبين كونه فعل وأوجد ~~وصنع وعمل ونحو ذلك، فإن فعله وإحداثه وعمله وصنعه PageV05P142 # هو أيضا مقدور بالقدرة الحادثة وهو قائم في محل القدرة الحادثة. وأيضا ~~فهذا فرق لا حقيقة له فإن كون المقدور في محل القدرة أو خارجا عن محلها لا ~~يعود إلى تأثير القدرة فيه: وهو مبني على أصلين: أن الله لا يقدر على فعل ~~يقوم بنفسه، وأن خلقه للعالم هو نفس العالم، وأكثر العقلاء من المسلمين ~~وغيرهم على خلاف ذلك. # والثاني أن قدرة العبد لا يكون مقدورها خارجا عن محلها. وفي ذلك نزاع ~~طويل ليس هذا موضعه. # وأيضا فإذا فسر التأثير بمجرد الاقتران فلا فرق بين أن يكون الفارق في ~~المحل أو خارجا عن المحل. # وأيضا قال لهم المنازعون: من المستقر في فطر الناس أن من فعل العدل فهو ~~عادل، ومن فعل الظلم فهو ظالم، ومن فعل الكذب فهو كاذب، فإذا لم يكن العبد ~~فاعلا لكذبه وظلمه وعدله بل الله فاعل ذلك لزم أن يكون هو المتصف بالكذب ~~والظلم، قالوا وهذا كما قلتم أنتم وسائر الصفاتية: من المستقر في فطر الناس ~~أن من قام به العلم فهو عالم، ومن قامت به القدرة فهو قادر، ومن قامت به ~~الحركة فهو متحرك ومن قام به التكلم فهو متكلم، ومن قامت به الإرادة فهو ~~مريد، وقلتم إذا كان الكلام مخلوقا كان كلاما للمحل الذي خلقه فيه كسائر ~~الصفات، فهذه القاعدة المطردة فيمن قامت به الصفات نظيرها أيضا من فعل ~~الأفعال. # وقالوا أيضا: القرآن مملوء بذكر إضافة هذه الأفعال إلى العباد كقوله ~~تعالى (جزاء بما كنتم تعملون) وقوله (اعملوا ما شئتم) وقوله (وقل اعملوا ~~فسيرى الله عملكم) وقوله (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وأمثال ذلك. # وقالوا أيضا أن الشرع والعقل متفقان على أن العبد يحمد ويذم ms678 على فعله ~~ويكون حسنة له، فلو لم يكن إلا فعل غيره لكان ذلك الغير هو المحمود المذموم ~~عليها. وفي المسئلة كلام ليس هذا موضع بسطه لكن ننبه على نكت نافعة في هذا ~~الموضع المشكل فنقول. # PageV05P143 # قول القائل هذا فعل هذا وفعل هذا لفظ فيه إجمال، فإنه تارة يراد بالفعل ~~نفس الفعل وتارة يراد به مسمى المصدر. فيقول فعلت هذا أفعله فعلا وعملت هذا ~~أعمله عملا، فإذا أريد بالعمل نفس الفعل الذي هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان ~~وصيامه ونحو ذلك فالعمل هنا المعمول، قال تعالى (يعملون له ما يشاء من ~~محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات) فجعل هذه المصنوعات معمولة ~~للجن. ومن هذا الباب قوله تعالى (والله خلقكم وما تعملون) فإنه في أصح ~~القولين (ما) بمعنى الذي، والمراد به ما تنحتونه من الأصنام (1) كما قال ~~تعالى (أتبعدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) أي والله خلقكم وخلق ~~الأصنام التي تنحتونها. ومنه حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن ~~الله خالق كل صانع وصنعته " لكن قد يستدل بالآية على أن الله خلق أفعال ~~العباد من وجه آخر، فيقال: إذا كان خالقا لما يعملونه من المنحوتات لزم أن ~~يكون هو الخالق للتأليف الذي أحدثوه فيها فإنها إنما صارت أوثانا بذلك ~~التأليف وإلا فهي بدون ذلك ليست معمولة لهم، وإذا كان خالقا للتأليف كان ~~خالقا لأفعالهم. # والمقصود أن لفظ الفعل والعمل والصنع أنواع، وذلك كلفظ البناء والخياطة ~~والنجارة تقع على نفس مسمى المصدر وعلى المفعول وكذلك لفظ التلاوة والقراءة ~~PageV05P144 # والكلام والقول يقع على نفس مسمى المصدر وعلى ما يحصل بذلك من نفس القول ~~والكلام، فيراد بالتلاوة والقراءة المقروء والمتلو، كما يراد بها مسمى ~~المصدر. # والمقصود هنا أن القائل إذا قال هذه التصرفات فعل الله أو فعل العبد فإن ~~أراد بذلك أنها فعل الله بمعنى المصدر فهذا باطل باتفاق المسلمين وبصريح ~~العقل، ولكن من قال هي فعل الله أراد به أنها مفعولة مخلوقة لله كسائر ~~المخلوقات. # ثم من هؤلاء من قال أنه ليس ms679 لله فعل يقوم به فلا فرق عنده بين فعله ~~ومفعوله وخلقه ومخلوقه. # وأما الجمهور الذين يفرقون بين هذا وهذا فيقولون هذه مخلوقة لله مفعولة ~~ليست هي نفس فعله، وأما العبد فهي فعله القائم به، وهي أيضا مفعولة له إذا ~~أريد بالفعل المفعول، فمن لم يفرق في حق الرب تعالى بين الفعل والمفعول قال ~~إنها فعل الله تعالى وليس لمسمى فعل الله عنده معنيان، وحينئذ فلا تكون ~~فعلا للعبد ولا مفعولة له بطريق الأولى، وبعض هؤلاء قال هي فعل للرب وللعبد ~~فأثبت مفعولا بين فاعلين. # وأكثر المعتزلة يوافقون هؤلاء على أن فعل الرب تعالى لا يكون إلا بمعنى ~~مفعوله مع أنهم يفرقون في العبد بين الفعل والمفعول، فلهذا عظم النزاع ~~وأشكلت المسئلة على الطائفتين وحاروا فيها. # وأما من قال خلق الرب تعالى لمخلوقاته ليس هو نفس مخلوقاته قال أن أفعال ~~العباد مخلوقة كسائر المخلوقات ومفعولة للرب كسائر المفعولات ولم يقل أنها ~~نفس فعل الرب وخلقه، بل قال أنها نفس فعل العبد، وعلى هذا تزول الشبهة، ~~فإنه يقال الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتصف بها من كانت فعلا له كما ~~يفعلها العبد وتقوم به، ولا يتصف بها من كانت مخلوقة له إذا كان قد جعلها ~~صفة لغيره، كما أن سبحانه # PageV05P145 # لا يتصف بما خلقه في غيره من الطعوم والألوان والروائح والأشكال ~~والمقادير والحركات وغير ذلك، فإذا كان قد خلق لون الإنسان لم يكن هو ~~المتلون به، وإذا خلق رائحة منتنة أو طعما مرا أو صورة قبيحة ونحو ذلك مما ~~هو مكروه مذموم مستقبح لم يكن هو متصفا بهذه المخلوقات القبيحة المذمومة ~~المكروهة والأفعال القبيحة. ومعنى قبحها كونها ضارة لفاعلها، وسببا لذمه ~~وعقابه، وجالبة لألمه وعذابه. وهذا أمر يعود على الفاعل الذي قامت به لا ~~على الخالق الذي خلقها فعلا لغيره. # ثم على قول الجمهور الذين يقولون له حكمة فيما خلقه في العالم مما هو ~~مستقبح وضار ومؤذ يقولون: له فيما خلقه من هذه الأفعال القبيحة الضارة ~~لفاعلها حكمة عظيمة كما له ms680 حكمة عظيمة فيما خلقه من الأمراض والغموم. ومن ~~يقول لا تعلل أفعاله لا يعلل لا هذا ولا هذا. يوضح ذلك أن الله تعالى إذا ~~خلق في الإنسان عمى ومرضا وجوعا وعطشا ووصبا ونصبا ونحو ذلك كان العبد هو ~~المريض الجائع العطشان المتألم، فضرر هذه المخلوقات وما فيها من الأذى ~~والكراهة عاد إليه ولا يعود إلى الله تعالى شيء من ذلك، فكذلك ما خلق فيه ~~من كذب وظلم وكفر ونحو ذلك هي أمور ضارة مكروهة مؤذية. وهذا معنى كونها ~~سيئات وقبائح، أي أنها تسوء صاحبها وتضره، وقد تسود أيضا غيره وتضره كما أن ~~مرضه ونتن ريحه ونحو ذلك قد يسوء غيره ويضره. # يبين ذلك أن القدرية سلموا أن الله قد يخلق في العبد كفرا وفسوقا على ~~سبيل الجزاء كما في قوله تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة) وقوله (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) وقوله (فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم) . # ثم إنه من المعلوم أن هذه المخلوقات تكون فعلا للعبد وكسبا له يجزى عليها ~~ويستحق الذم عليها والعقاب وهي مخلوقة لله تعالى، فالقول عند أهل الإثبات ~~فيما يخلقه # PageV05P146 # من أعمال العباد ابتداء كالقول فيما يخلقه جزاء من هذا الوجه وإن افترقا ~~من وجه آخر، وهم لا يمكنهم أن يفرقوا بينهما بفرق يعود إلى كون هذا فعلا ~~لله دون هذا، وهذا فعلا للعبد دون هذا، لكن يقولون هذا يحسن من الله تعالى ~~لكونه جزاء للعبد، وذلك لا يحسن منه لكونه ابتدأ العبد بما يضره، وهم ~~يقولون لا يحسن منه أن يضر الحيوان إلا بجرم سابق، أو عوض لاحق. # وأما أهل الإثبات للقدر فمن لم يعلل منهم لا يفرق بين مخلوق ومخلوق. وأما ~~القائلون بالحكمة وهم الجمهور فيقولون لله تعالى فيما يخلقه من الحيوان حكم ~~عظيمة كما له حكم في غير هذا، ونحن لا نحصر حكمته في الثواب والعوض فإن هذا ~~قياس لله تعالى على الواحد من الناس وتمثيل لحكمة الله وعدله بحكمة الواحد ~~من الناس وعدله. # والمعتزلة مشبهة ms681 في الأفعال معطلة في الصفات، ومن أصولهم الفاسدة أنهم ~~يصفون الله بما يخلقه في العالم، إذ ليس عندهم صفة لله قائمة به ولا فعل ~~قائم به يسمونه به، ويصفونه بما يخلقه في العالم: مثل قولهم هو متكلم بكلام ~~بخلقه في غيره ومريد بإرادة يحدثها لا في محل، وقولهم أن رضاه وغضبه وحبه ~~وبغضه هو نفس المخلوق الذي يخلقه من الثواب والعقاب، وقولهم أنه لو كان ~~خالقا لظلم العبد وكذبه لكان هو الظالم الكاذب، وأمثال ذلك من الأقوال التي ~~إذا تدبرها العاقل علم فسادها بالضرورة. ولهذا اشتد تكبر السلف والأئمة ~~عليهم، لا سيما لما أظهروا القول بأن القرآن مخلوق، وعلم السلف أن هذا في ~~الحقيقة هو إنكار لكلام الله تعالى، وإنه لو كان كلامه هو ما يخلقه للزم أن ~~يكون كل كلام مخلوق كلاما له، فيكون إنطاقه للجلود يوم القيامة وإنطاقه ~~للجبال والحصى بالتسبيح وشهادة الأيدي والأرجل ونحو ذلك كلاما له، وإذا كان ~~خالقا لكل شيء كان كل كلام موجود كلامه وهذا قول الخلولية والجهمية كصاحب ~~الفصوص وأمثاله ولهذا يقولون: # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه # PageV05P147 # وقد علم بصريح المعقول أن الله تعالى إذا خلق صفة في محل كانت صفة لذلك ~~المحل، فإذا خلق حركة في محل كان ذلك المحل هو المتحرك بها، وإذا خلق لونا ~~أو ريحا في جسم كان هو المتلون المتروح بذلك، وإذا خلق علما أو قدرة أو ~~حياة في محل كان ذلك المحل هو العالم القادر الحي، فكذلك إذا خلق إرادة ~~وحبا وبغضا في محل كان هو المريد المحب المبغض، فإذا خلق فعلا لعبد كان ~~العبد هو الفاعل، فإذا خلق له كذبا وظلما وكفرا كان العبد هو الكاذب الظالم ~~الكافر، وإن خلق له صلاة وصوما وحجا كان العبد هو المصلي الصائم الحاج. # والله تعالى لا يوصف بشيء من مخلوقاته، بل صفاته قائمة بذاته، وهذا مطرد ~~على أصول السلف وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم، ويقولون أن خلق الله ~~للسموات والأرض ليس هو نفس السموات ms682 والأرض بل الخلق غير المخلوق، لا سيما ~~مذهب السلف والأئمة وأهل السنة الذين وافقوهم على إثبات صفات الله وأفعاله. ~~فإن المعتزلة ومن وافقهم من الجهمية القدرية نقضوا هذا الأصل على من لم يقل ~~أن الخلق غير المخلوق كالأشعري ومن وافقه، فقالوا: إذا قلتم أن الصفة إذا ~~قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره، كما ذكرتم في الحركة والعلم ~~والقدرة وسائر الأعراض - انتقض ذلك عليكم بالعدل والإحسان وغيرهما من أفعال ~~الله تعالى، فإنه يسمى عادلا بعدل خلقه في غيره محسنا بإحسان خلقه في غيره، ~~فكذا يسمى متكلما بكلام خلقه في غيره. # والجمهور من أهل السنة وغيرهم يجيبون بالتزام هذا الأصل ويقولون إنما كان ~~عادلا بالعدل الذي قام بنفسه ومحسنا بالإحسان الذي قام بنفسه. وأما المخلوق ~~الذي حصل للعبد فهو أثر ذلك، كما أنه رحمن رحيم بالرحمة التي هي صفته، وأما ~~ما يخلقه من الحرمة فهو أثر تلك الحرمة، واسم الصفة يقع تارة على الصفة ~~التي هي المصدر ويقع تارة على متعلقها الذي هو مسمى المفعول، كلفظ الخلق ~~يقع تارة على # PageV05P148 # الفعل وعلى المخلوق أخرى، والرحمة تقع على هذا وهذا، وكذلك الأمر يقع على ~~أمره الذي هو مصدر أمر يأمر أمرا، ويقع على المفعول تارة كقوله تعالى (وكان ~~أمر الله قدرا مقدورا) وكذلك لفظ العلم يقع على المعلوم والقدرة تقع على ~~المقدور ونظائر هذا متعددة. # وقد استدل أحمد وغيره من أئمة السنة في جملة ما استدلوا على أن كلام الله ~~غير مخلوق بقوله عليه السلام " أعوذ بكلمات الله التامات " ونحو ذلك، ~~وقالوا الاستعاذة لا تحصل بالمخلوق، ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك ". # ومن تدبر هذا الباب وجد أهل البدع والضلال لا يستطيلون على فريق ~~المنتسبين إلى السنة والهدى إلا بما دخلوا فيه من نوع بدعة أخرى وضلال آخر ~~لا سميا إذا وافقوهم على ذلك فيحتجون عليهم بما وافقوهم عليه من ذلك ~~ويطلبون لوازمه حتى يخرجوهم من الدين ms683 إن استطاعوا خروج الشعرة من العجين ~~كما فعلت القرامطة الباطنية والفلاسفة وأمثالهم بفريق فريق من طوائف ~~المسلمين، والمعتزلة استطالوا على الأشعرية ونحوهم من المثبتين للصفات ~~والقدر بما وافقوهم عليه من نفي الأفعال القائمة بالله تعالى فنقضوا بذلك ~~أصلهم الذي استدلوا به عليهم من أن كلام الله غير مخلوق، وأن الكلام وغيره ~~من الأمور إذا خلق بمحل عاد حكمه على ذلك المحل. واستطالوا عليهم بذلك في ~~مسئلة القدر، واضطروهم إلى أن جعلوا نفس ما يفعله العبد من القبيح فعلا لله ~~رب العالمين دون العبد، ثم أثبتوا كسبا لا حقيقة له فإنه لا يعقل من حيث ~~تعلق القدرة بالمقدور فرق بين الكسب والفعل، ولهذا صار الناس يسخرون بمن ~~قال هذا ويقولون: ثلاثة أشياء لا حقيقة لها: طفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، ~~وكسب الأشعري، اضطروهم إلى أن فسروا تأثير القدرة في المقدور بمجرد ~~الاقتران العادي، والاقتران العادي # PageV05P149 # يقع بين كل ملزوم ولازمه، ويقع بين المقدور والقدرة، فليس جعل هذا مؤثرا ~~في هذا الباب بأولى من العكس. ويقع بين المعلول وعلته المنفصلة عنه مع أن ~~قدرة العباد عنده لا يتجاوز بمحلها. ولهذا فر القاضي أبو بكر إلى قول وأبو ~~إسحاق الإسفرائيني إلى قول وأبو المعالي الجويني إلى قول، لما رأوا في هذا ~~القول من التناقض. والكلام على هذا مبسوط في موضعه والمقصود هنا التنبيه. # ومن النكت في هذا الباب أن لفظ التأثير ولفظ الجبر ولفظ الرزق ونحو ذلك ~~ألفاظ مجملة، فإذا قال القائل هل قدرة العبد مؤثرة في مقدورها أم لا؟ قيل ~~له أولا لفظ القدرة يتناول نوعين: (أحدهما) القدرة الشرعية المصححة للفعل ~~التي هي مناط الأمر والنهي (والثاني) القدرة القدرية الموجبة للفعل التي هي ~~مقارنة للمقدور لا يتأخر عنها. فالأولى هي المذكورة في قوله تعالى (ولله ~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فإن هذه الاستطاعة لو كانت هي ~~المقارنة للفعل لم يجب حج البيت إلا على من حج، فلا يكون من لم يحجج عاصيا ~~بترك الحج، سواء كان له زاد وراحلة ms684 وهو قادر على الحج أو لم يكن. وكذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين " صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا ~~فإن لم تستطع فعلى جنب " وكذا قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله ~~صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم " لو أراد ~~استطاعة لا تكون إلا مع الفعل لكان قد قال فافعلوا منه ما تفعلون، فلا يكون ~~من لم يفعل شيئا عاصيا له. وهذه الاستطاعة المذكورة في كتب الفقه ولسان ~~العموم. # والناس متنازعون في مسمى الاستطاعة والقدرة، فمنهم من لا يثبت استطاعة ~~إلا ما قارن الفعل. وتجد كثيرا من الفقهاء يتناقضون فإذا خاضوا مع من يقول ~~من المتكلمين المثبتين للقدر أن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل وافقوهم ~~على ذلك، وإذا خاضوا في الفقه أثبتوا الاستطاعة المتقدمة التي هي مناط ~~الأمر والنهي. # PageV05P150 # وعلى هذا تتفرع مسألة تكليف ما لا يطاق، فإن الطاقة هي الاستطاعة وهي لفظ ~~مجمل فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدا شيئا ~~بدونها فلا يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير، وأما الطاقة التي لا تكون إلا ~~مقارنة للفعل فجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار، فإن هذه ~~ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين. # وكذا تنازعهم في العبد هل هو قادر على خلاف المعلوم، فإذا أريد بالقدرة ~~القدرة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي كالاستطاعة المذكورة في قوله ~~تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) فكل من أمره الله ونهاه فهو مستطيع بهذا ~~الاعتبار وإن علم أنه لا يطيعه. وإن أريد بالقدرة القدرة القدرية التي لا ~~تكون إلا مقارنة للمفعول فمن علم أنه لا يفعل الفعل لم تكن هذه القدرة ~~ثابتة له. # ومن هذا الباب تنازع الناس في الأمر والإرادة هل يأمر بما لا يريد أو لا ~~يأمر إلا بما يريد. فإن الإرادة لفظ فيه إجمال، يراد بالإرادة الإرادة ~~الكونية الشاملة لجميع الحوادث كقول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ ~~لم يكن. ms685 وكقوله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) وقول نوح عليه السلام (ولا ~~ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) ولا ريب أن ~~الله يأمر العبادة بما لا يريده بهذا التفسير، والمعنى كما قال تعالى (ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها) فدل على أنه لم يؤت كل نفس هداها مع أنه أمر كل ~~نفس بهداها، وكما اتفق العلماء على أن من حلف بالله ليقضين دين غريمه غدا ~~إن شاء الله أو ليردن وديعته أو غصبه، أو ليصلين الظهر أو العصر إن شاء ~~الله، أو ليصومن رمضان إن شاء الله ونحو ذلك مما أمره الله به. فإنه إذا لم ~~يفعل المحلوق عليه لا يحنث مع أن الله أمره به لقوله: إن شاء الله، فعلم أن ~~الله لم يشأ مع أمره به. # PageV05P151 # وأما الإرادة الدينية فهي بمعنى المحبة والرضى، وهي ملازمة للأمر كقوله ~~تعالى (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم) ومنه ~~قول المسلمين: هذا يفعل شيئا لا يريده الله، إذا كان يفعل بضع الفواحش، أي ~~أنه لا يحبه ولا يرضاه، بل ينهى عنه ويكرهه. # وكذلك لفظ الجبر فيه إجمال يراد به إكراه الفاعل على الفعل بدون رضاه. ~~كما يقال: إن الأب يجبر المرأة على النكاح، والله تعالى أجل وأعظم من أن ~~يكون مجبرا بهذا التفسير فإنه يخلق للعبد الرضاء والاختيار بما يفعله، وليس ~~ذلك جبرا بهذا الاعتقاد، ويراد بالجبر خلق ما في النفوس من الاعتقادات ~~والإرادات كقول محمد بن كعب القرظي: الجبار الذي جبر العباد على ما أراد ~~كما في الدعاء المأثور عن علي رضي الله عنه " جبار القلوب على فطراتها: ~~شقيها وسعيدها " والجبر ثابت بهذا لتفسير. # فلما كان لفظ الجبر مجملا نهى الأئمة عن إطلاق إثباته أو نفيه. # وكذلك لفظ الرزق فيه إجمال، فقد يراد بلفظ الرزق ما أباحه أو ملكه فلا ~~يدخل الحرام في مسمى ms686 هذا الرزق كما في قوله تعالى (ومما رزقناهم ينفقون) ~~وقوله تعالى (أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت) وقوله (ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا) وأمثال ذلك. وقد يراد بالرزق ~~ما ينتفع به الحيوان وإن لم يكن هناك إباحة ولا تمليك، فيدخل فيه الحرام ~~كما في قوله تعالى (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) وقوله عليه ~~السلام في الصحيح " فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد " ولما كان لفظ ~~الجبر والرزق ونحوهما فيه إجمال منع الأئمة من إطلاق ذلك نفيا وإثباتا كما ~~تقدم عن الأوزاعي وأبي إسحاق الفزاري وغيرهما. # وكذا لفظ التأثير فيه إجمال فإن القدرة مع المقدور كالسبب مع المسبب، ~~والعلة مع المعلول، # PageV05P152 # والشرط مع المشروط، فإن أريد بالقدرة القدرة الشرعية المصحح # PageV05P153 # للفعل المتقدمة عليه فتلك شرط للفعل وسبب من أسبابه، وعلة ناقصة له، وإن ~~أريد بالقدرة القدرة المقارنة للفعل المستلزمة له فتلك علة للفعل وسبب تام، ~~ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيء هو وحده علة تامة وسبب تام للحوادث بمعنى ~~أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث، بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصة فما ~~شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. # وأما الأسباب المخلوقة كالنار في الإحراق، والشمس في الإشراق، والطعام ~~والشراب في الإشباع والإرواء، فجميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث به ~~وحده، بل لا بد أن ينضم إليه سبب آخر، ومع هذا فلهما موانع تمنعهما عن ~~الأثر، فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وانتفاء الموانع. وليس في ~~المخلوقات واحد يصدر عنه وحده شيء. # وهذا يبين لك خطأ المتفلسفة الذين قالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، ~~واعتبروا ذلك بالآثار الطبيعية كالمسخن والمبرد ونحو ذلك، فإن هذا غلط، فإن ~~التسخين لا يكون إلا بشيئين (أحدهما) فاعل كالنار (والثاني) قابل كالجسم ~~القابل للسخونة والاحتراق، وإلا فالنار إذا وقعت على السمندل والياقوت لم ~~تحرقه، وكذلك الشمس فإن شعاعها مشروط بالجسم القابل للشمس الذي ينعكس عليه ~~الشعاع، وله موانع ms687 من السحاب والسقوف وغير ذلك، فهذا الواحد الذي قدروه في ~~أنفسهم لا وجود له في الخارج، وقد بسط هذا في موضع آخر. # فإن الواحد العقلي الذي يثبته الفلاسفة كالوجود المجرد عن الصفات ~~وكالعقول المجردة وكالكليات التي يدعون تركب الأنواع منها وكالمادة والصورة ~~العقليين وأمثال ذلك لا وجود لها في الخارج بل إنما توجد في الأذهان لا في ~~الأعيان، وهي أشد بعدا عن الوجود من الجوهر الفرد الذي يثبته من يثبته من ~~أهل الكلام # PageV05P154 # فإن هذا الواحد لا حقيقة له في الخارج وكذلك الواحد (1) كما قد بسط في ~~موضعه. # والمقصود هنا أن التأثير إذا فسر بوجود شرط الحادث أو بسبب يتوقف حدوث ~~الحادث به على سبب آخر وانتفاء موانع - وكل ذلك بخلق الله تعالى - فهذا حق، ~~وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا الاعتبار. وإن فسر التأثير بأن ~~المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع فليس شيء من ~~المخلوقات مؤثرا، بل الله وحده خالق كل شيء فلا شريك له ولا ند له، فما شاء ~~كان وما لم يشأ لم يكن (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك ~~فلا مرسل له من بعده (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ~~ذرة في السموات ولا في الأرض وما له فيهما من شرك وما له منهم من ظهير، ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله، إن ~~أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره؟ أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته؟ قل ~~حسب الله عليه يتوكل المتوكلون) ونظائر هذا في القرآن كثيرة. # فإذا عرف ما في لفظ التأثير من الإجمال والاشتراك ارتفعت الشبهة وعرف ~~العدل المتوسط بين الطائفتين. فمن قال: إن المؤمن والكافر سواء فيما أنعم ~~الله عليهما من الأسباب المقتضية لللإيمان، وإن المؤمن لم يخصه الله بقدرة ~~ولا إرادة آمن بها، وإن العبد إذ فعل لم تحدث له معونة من الله وإرادة لم ~~تكن قبل الفعل ms688 - فقوله معلوم الفساد، وقيل لهؤلاء: فعل العبد من جملة ~~الحوادث والممكنات، فكل ما به يعلم أن الله تعالى أحدث غيره يعلم به أن ~~الله أحدثه، فكون العبد فاعلا بعد أن لم يكن أمر ممكن حادث فإن أمكن صدور ~~هذا الممكن الحادث بدون محدث واجب يحدثه ويرجح وجوده على عدمه أمكن ذلك في ~~غيره، فانتقض دليل PageV05P155 # إثبات الصانع، ولا ريب أن كثيرا من متكلمة الإثبات القائلين بالقدر سلموا ~~للمعتزلة أن القادر المختار يمكنه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، ~~وقالوا في مسئلة إحداث العالم أن القادر المختار أو الإرادة القديمة التي ~~نسبتها إلى جميع الحوادث والأزمنة نسبة واحدة رجحت أنواعا من الممكنات في ~~الوقت الذي رجحته بلا حدوث سبب اقتضى الرجحان، وادعوا أن القادر المختار ~~يمكنه الترجيح بلا مرجح أو الإرادة القديمة ترجح بلا مرجح آخر، فاعترض ~~عليهم هناك من نازعهم من أهل الملل والفلاسفة القائلين بأن الله لم يحدث ~~الحوادث بأفعال تقوم بنفسه، وإن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام. والقائلين بقدم العالم قالوا: هذا الذي قلتموه معلوم الفساد ~~بالضرورة، وتجويز هذا يقتضي جواز حدوث الحوادث بلا سبب، والترجيح بلا مرجح، ~~وذلك يسد باب إثبات الصانع. # ثم أن هؤلاء المثبتين للقدر احتجوا بهذه الحجة على نفاة القدر، وقالوا: ~~حدوث فعل العبد بعد أن لم يكن لا بد له من محدث مرجح تام غير العبد، فإن ما ~~كان من العبد فهو محدث، وعند وجود ذلك المحدث المرجح التام يجب وجود فعل ~~العبد، وهذا الذي قالوه حق وهو حجة قاطعة على القدرية، لكنهم نقضوه ~~وتناقضوا فيه في فعل الرب تبارك وتعالى، وادعوا هناك أن البديهية فرقت بين ~~فعل القادر وبين الموجب بالذات، فإن كان هذا الفرق صحيحا بطلت حجتهم على ~~المعتزلة ولم تبطل قول القدرية، وإن كان باطلا بطل قولهم في إحداث الله ~~وفعله للعالم، وهذا هو الباطل في نفس الأمر، فإن القول بأن الممكن لا يترجح ~~وجوده على عدمه إلا بمرجح تام أمر معلوم بالفطرة الضرورية لا ms689 يمكن القدح ~~فيه، وهو عام لا تخصيص فيه، فالفرق المذكور باطل، وذلك يبطل قولهم بأن خلق ~~العالم هو العالم، وأنه حدث بعد أن لم يكن بغير سبب حادث. # PageV05P156 # ومن قال أن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله تعالى بها ~~المخلوقات ليست أسبابا، أو أن وجودها كعدمها، وليس هناك إلا مجرد اقتران ~~عادي كاقتران الدليل بالمدلول، فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب ~~والحكم، ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها، ولا في القلب ~~قوة يمتاز بها عن الرجل يعقل بها، ولا في النار قوة تمتاز بها عن التراب ~~تحرق بها، وهؤلاء ينكرون ما في الأجسام المطبوعة من الطبائع والغرائز. # قال بعض الفضلاء: تكلم قوم من الناس في إبطال الأسباب والقوى والطبائع ~~فأضحكوا العقلاء على عقولهم. # ثم أن هؤلاء يقولون لا ينبغي للإنسان أن يقول أنه شبع بالخبز وروي ~~بالماء، بل يقول شبعت عنده ورويت عنده فإن الله يخلق الشبع والري ونحو ذلك ~~من الحوادث عند هذه المقترنات بها عادة لا بها. وهذا خلاف الكتاب والسنة ~~فإن الله تعالى يقول (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا ~~أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل ~~الثمرات) الآية، وقال تعالى (وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها) وقال تعالى (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) وقال (ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا) وقال (ونزلنا من ~~السماء ماء فأنبتنا به جنات وحب الحصيد) وقال (وهو الذي أنزل من السماء ماء ~~فأخرجنا به نبات كل شيء) وقال (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ~~ومنه شجر فيه تسميون، ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل ~~الثمرات) وقال تعالى (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا - إلى قوله - يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا) وقال (قد جاءكم من نور الله نور وكتاب مبين، يهدي به ~~الله من ms690 اتبع رضوانه سبل السلام) ومثل هذا في القرآن # PageV05P157 # كثير. وكذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كقوله " لا يموتن أحد ~~منكم إلا آذنتموني حتى أصلي عليه فإن الله جاعل بصلاتي عليه بركة ورحمة " ~~وقال صلى الله عليه وسلم " إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة وإن الله ~~جاعل بصلاتي عليهم نورا " ومثل هذا كثير. # ونظير هؤلاء الذي أبطلوا الأسباب المقدرة في خلق الله من أبطل الأسباب ~~المشروعة في أمر الله كالذين يظنون أن ما يحصل بالدعاء والأعمال الصالحة ~~وغير ذلك من الخيرات إن كان مقدرا حصل بدون ذلك، وإن لم يكن مقدورا لم يحصل ~~بذلك. وهؤلاء كالذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أفلا ندع العمل ونتكل ~~على الكتاب؟ فال " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ". # وفي السنن أنه قيل: يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي ~~بها، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال " هي من قدر الله " ~~ولهذا قال من قال من العلماء: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو ~~الأسباب أن تكون أسبابا تغبير في وجوه العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية ~~قدح في الشرع. # والله سبحانه خلق الأسباب والمسببات، وجعل هذا سببا لهذا، فإذا قال ~~القائل إن كان هذا مقدورا حصل بدون السبب والألم يحصل، جوابه أنه مقدور ~~بالسبب وليس مقدورا بدون السبب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن ~~الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم ~~لها وهم في أصلاب آبائهم " وقال صلى الله عليه وسلم " اعلموا فكل ميسر لما ~~خلق له " أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة. وأما من كان ~~من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة. # وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو الصادق المصدوق " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ~~نطفة، ثم يكون # PageV05P158 # علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ms691 يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع ~~كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فو الذي ~~نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بين وبينها إلا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل ~~النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل ~~الجنة فيدخلها " فبين صلى الله عليه وسلم أن هذا يدخل الجنة بالعمل الذي ~~يعمله ويختم له به، وهذا يدخل النار بالعمل الذي يعمله ويختم له به، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالخواتيم " وذلك لأن جميع الحسنات ~~تحبط بالردة، وجميع السيئات تغفر بالتوبة، ونظير ذلك من صام ثم أفطر قبل ~~الغروب أو صلى وأحدث عمدا قبل كمال الصلاة ثم (1) أبطل عمله. # وبالجملة فالذي عليه سلف الأمة وأئمتها ما بعث الله به رسله وأنزل كتبه ~~فيؤمنون بخلق الله وأمره بقدره وشرعه بحكمه الكوني وحكمه الديني وإرادته ~~الكونية والدينية، كما قال في الآية (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) وقال ~~نوح عليه السلام (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم) وقال تعالى في الإرادة الدينية (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر) وقال (يريد الله أن يبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب ~~عليكم والله عليم حكيم) وقال (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته عليكم) وهم مع إقرارهم بأن الله خالق كل شيء وربه ~~ومليكه، وأنه خلق الأشياء بقدرته ومشيئته يقرون بأنه لا إله إلا هو، لا ~~يستحق PageV05P159 # العبادة غيره، ويطيعونه ويطيعون رسله، ويحبونه ويرجونه ويخشونه، ويتكلون ~~عليه وينيبون إليه، ويوالون أوليائه ويعادون أعداءه، ويقرون بمحبته لما أمر ~~به ولعباده المؤمنين أيضا ورضاه بذلك، وبغضه لما نهى عنه، وللكافرين وسخطه ~~لذلك ومقته له، ويقرون بما استفاض عن النبي صلى الله ms692 عليه وسلم من " أن ~~الله أشد فرحا بتوبة عبده التائب من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها ~~طعامه وشرابه فطلبها فلم يجدها، فقال تحت شجرة، فلما استيقظ إذا بدابته ~~عليها طعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته " فهو إلههم ~~الذي يعبدونه وربهم الذي يسألونه كما قال تعالى (الحمد لله رب العالمين - ~~إلى قوله - إياك نعبد وإياك نستعين) فهو المعبود المستعان. والعبادة تجمع ~~كمال الحب مع كمال الذل فهم يحبونه أعظم مما يحب كل محب لمحبوبه كما قال ~~تعالى (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله) وكل ما يحبونه سواه فإنما يحبونه لأجله كما في الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: ~~من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا ~~لله: ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن ~~يلقى في النار " وفي الترمذي وغيره " أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض ~~في الله، ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان " ~~وهو سبحانه يحب عباده المؤمنين، وكمال الحب هو الخلة التي جعلها الله ~~لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم. فإن الله اتخذ إبراهيم خليلا. ~~واستفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من غير وجه أنه قال " إن ~~الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا " وقال " لو كنت متخذا خليلا من ~~أهل الأرض لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله " يعني نفسه ولهذا ~~اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة وأهل المعرفة أن الله نفسه يحب ~~ويحب. # PageV05P160 # وأنكرت الجهمية ومن تعبهم محبته. وأول من أنكر ذلك الجعد بن درهم شيخ ~~الجهم بن صفوان، فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط وقال: يا أيها ~~الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله ms693 لم ~~يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا ~~كبيرا. ثم نزل فذبحه. # وهذا أصل مسئلة إبراهيم الذي جعله الله إماما للناس قال تعالى (وإذا ~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما) وقال (ومن ~~أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا) . # ومن قال أن المراد بمحبة الله محبة التقرب إليه فقوله متناقض فإن محبة ~~التقرب إليه تبع لمحبته. فمن أحب الله نفسه أحب التقرب إليه ومن كان لا ~~يحبه نفسه امتنع أن يحب التقرب إليه. وأما من كان لا يطيعه ولا يمتثل أمره ~~إلا لأجل غرض آخر فهو في الحقيقة إنما يحب ذلك الغرض الذي عمل لأجله وقد ~~جعل طاعة الله وسيلة إليه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال " إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند ~~الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا؟ ويثقل ~~موازيننا؟ ويدخل الجنة؟ ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فما ~~أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وهو الزيادة " فأخبر أن النظر إليه ~~أحب إليهم من كل ما يتنعمون فيه، ومحبة النظر إليه تبع لمحبته، فإنما أحبوا ~~النظر إليه لمحبتهم إياه، وما من مؤمن إلا ويجد في قلبه محبة الله وطمأنينة ~~بذكره وتنعما بمعرفته ولذة وسروا بذكره ومناجاته. وذلك يقوى ويضعف ويزيد ~~وينقص بحسب إيمان الخلق. فكل من كان إيمانه أكمل كان تنعمه بهذا أكمل. ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد وغيره " حبب إلي من ~~دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة " وكان صلى الله عليه وسلم ~~يقول " ارحنا بالصلاة يا بلال " وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # PageV05P161 # والمقصود هنا أن عباده المؤمنين يحبوه وهو يحبهم سبحانه، وحبهم له بحسب ~~فعلهم ما يحبه كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليهوسلم قال ms694 " يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما ~~تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ~~حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده ~~التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي ~~يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا ~~فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له ~~منه ". # فقد بين أن العبد إذا تقرب إلى الله بما يحبه من النوافل بعد الفرائض ~~أحبه الله، فحب الله لعبده بحسب فعل العبد لما يحبه الله. وما يحبه الله من ~~عبادته وطاعته فهو تبع لحب نفسه، وحب ذلك هو سبب حب عباده المؤمنين، فكان ~~حبه للمؤمنين تبعا لحب نفسه. # فالمؤمنون وإن كانوا يحمدون ربهم ويثنون عليه فهم لا يحصون ثناء عليه بل ~~هو كما أثنى على نفسه كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ~~اللهم " إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ~~ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك " وفي الصحيح أنه قال " لا أحد أحب إليه ~~المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه " وقال له الأسود بن سريع: إني حمدت ~~ربي، فقال " إن ربك يحب الحمد " فهو يحب حمد العباد له وحمده لنفسه أعظم من ~~حمد العباد له ويحب ثناءهم عليه وثناؤه على نفسه أعظم من ثنائهم عليه. ~~وكذلك حبه لنفسه وتعظيمه لنفسه فهو سبحانه أعلم بنفسه من كل أحد وهو ~~الموصوف بصفات الكمال التي لا تبلغها عقول الخلائق، فالعظمة إزاره ~~والكبرياء رداؤه. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV05P162 # أنه قرأ (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسموات مطويات بيمينه سبحانه) قال " يقبض الله الأرض ويطوي السموات ~~بيمينه ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام، أنا المؤمن، ~~أنا المهيمن، أنا الذي ms695 بدأت الدنيا ولم تك شيئا، أنا الذي أعيدها " وفي ~~رواية " يحمد الرب نفسه " (1) فهو يحمد نفسه ويثني عليها ويمجد نفسه سبحانه ~~وهو الغني بنفسه لا يحتاج إلى أحد غيره، بل كل ما سواه فقير إليه (يسأله من ~~في السموات والأرض كل يوم هو في شان) وهو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم ~~يولد، ولم يكن له كفوا أحد. # فإذا فرح بتوبة التائب وأحب من تقرب إليه بالنوافل ورضي عن السابقين ~~الأولين لم يجز أن يقال: هو مفتقر في ذلك إلى غيره ولا مستكمل بسواه، فإنه ~~هو الذي خلق هؤلاء وهداهم وأعانهم حتى فعلوا ما يحبه ويرضاه ويفرح به. # فهذه المحبوبات لم تحصل إلا بقدرته ومشيئته وخلقه، فله الملك لا شريك له، ~~وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون. # فهذا ونحوه يحتج به الجمهور الذين يثبتون لأفعاله حكمة تتعلق به يحبها ~~ويرضاها ويفعل لأجلها. قالوا: وقول القائل إن هذا يقتضي أنه مستكمل بغيره ~~فيكون ناقصا قبل ذلك فعنه أجوبة. # أحدها أن هذا منقوض بنفس ما يفعله من المفعولات فما كان جوابا في ~~المفعولات كان جوابا عن هذا، ونحن لا نعقل في الشاهد فاعلا إلا مستكملا ~~بفعله. # الثاني أنهم قالوا: كما له أن يكون لا يزال قادرا على الفعل بحكمة، فلو ~~قدر كونه غير قادر على ذلك لكان ناقصا. # الثالث قول القائل إنه مستكمل بغيره باطل، فإن ذلك إنما حصل بقدرته ~~ومشيئته لا شريك له في ذلك فلم يكن في ذلك محتاجا إلى غيره، وإذا قيل ~~PageV05P163 # كمل بفعله الذي لا يحتاج فيه إلى غيره كان كما لو قيل كمل بصفاته أو ~~بذاته. # الرابع قول القائل كان قبل ذلك ناقصا إن أراد به عدم ما تجدد فلا نسلم إن ~~عدمه قبل ذلك الوقت الذي اقتضت الحكمة وجوده فيه يكون نقصا، وإن أراد بكونه ~~ناقصا معنى غير ذلك فهو ممنوع، بل يقال عدم الشيء في الوقت الذي لم تقتض ~~الحكمة وجوده فيه من الكمال، كما أن وجوده في وقت اقتضاء الحكمة وجوده ms696 ~~كمال. فليس عدم كل شيء نقصا، بل عدم ما يصلح وجوده هو النقص، كما أن وجود ~~ما لا يصلح وجوده نقص، فتبين أن وجود هذه الأمور حين اقتضت الحكمة عدمها هو ~~النقص لا أن عدمها هو النقص. ولهذا كان الرب تعالى موصوفا بالصفات الثبوتية ~~المتضمنة لكماله وموصوفا بالصفات السلبية المستلزمة لكماله أيضا. فكان عدم ~~ما ينفي عنه هو من الكمال كما أن وجود ما يستحق ثبوته من الكمال. وإذا عقل ~~مثل هذا في الصفات فكذلك في الأفعال ونحوها، وليس كل زيادة يقدرها الذهن من ~~الكمال، بل كثير من الزيادات تكون نقصا في كمال المزيد، كما يعقل مثل ذلك ~~في كثير من الموجودات. والإنسان قد يكون وجود أشياء في وقت نقصا وعيبا في ~~حقه وفي وقت آخر كمالا ومدحا في حقه، كما يكون في وقت مضرة له وفي وقت ~~منفعة له. # الخامس إنا إذا قدرنا من يقدر على إحداث الحوادث لحكمة ومن لا يقدر على ~~ذلك كان معلوما ببديهة العقل أن القادر على ذلك أكمل، مع أن الحوادث لا ~~يمكن وجودها إلا حوادث لا تكون قديمة، وإذا كانت القدرة على ذلك أكمل وهذا ~~المقدور لا يكون إلا حادثا كان وجوده هو الكمال وعدمه قبل ذلك من تمام ~~الكمال، إذا عدم الممتنع الذي هو شرط في وجود الكمال. # ثم الجمهور القائلون بهذا الأصل هنا ثلاث فرق (فرقة) تقول إرادته وحبه ~~ورضاه ونحو هذا قديم، ولم يزل راضيا عمن علم أنه يموت مؤمنا، ولم يزل ساخطا ~~على من علم أنه يموت كافرا، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية وأهل الحديث # PageV05P164 # والفقهاء والصوفية، فهؤلاء لا يلزمهم التسلسل لأجل حلول الحوادث، لكن ~~يعارضهم الأكثرون الذين ينازعونهم في الحكمة المحبوبة كما ينازعمونهم في ~~الإرادة، فإنهم قالوا: إذا كانت الإرادة قديمة لم تزل ونسبتها إلى جميع ~~الأزمنة والحوادث سواء فاختصاص زمان دون زمان بالحدوث ومفعول دون مفعول ~~تخصيص بلا مخصص. قال أولئك: الإرادة من شأنها أن تخصص. قال لهم المعارضون: ~~من شأنها جنس التخصيص. وأما تخصيص ms697 هذا المعين على هذا المعين فليس من لوازم ~~الإرادة بل لا بد من سبب يوجب اختصاص أحدهما بالإرادة دون الآخر. والإنسان ~~يجد من نفسه أنه يخصص بإرادته، ولكنه يعلم أنه لا يريد هذا دون هذا إلا ~~لسبب اقتضى التخصيص، وإلا فلو تساوى ما يمكن إرادته من جميع الوجوه امتنع ~~تخصيص الإرادة لواحد من ذلك دون أمثاله، فإن هذا ترجيح بلا مرجح. ومتى جوز ~~هذا انسد باب إثبات الصانع، قالوا: ومن تدبر هذا وأمعن النظر فيه علمه ~~حقيقة، وإنما ينازع فيه من يقلد قولا قاله غيره من غير اعتبار لحقيقته. # وهكذا يقول الجمهور إذا كان الله تعالى راضيا في أزله ومحبا وفرحا بما ~~يحدثه قبل أن يحدثه فإذا أحدثه هل حصل بإحداثه حكمة يحبها ويرضاها ويفرح ~~بها أو لم يحصل إلا ما كان في الأزل؟ فإن قلتم لم يحصل إلا ما كان في ~~الأزل. قيل ذاك كان حاصلا بدون ما أحدثه من المفعولات، فامتنع أن تكون ~~المفعولات فعلت لكي يحصل ذاك، فقولكم كما تضمن أن المفعولات تحدث بلا سبب ~~يحدثه الله تتضمن أنه يفعلها بلا حكمة يحبها ويرضاها، قالوا: فقولكم يتضمن ~~نفي إرادته المقارنة ومحبته وحكمته التي لا يحصل الفعل إلا بها. # والفرقة الثاني قالوا إن الحكمة المتعلقة به تحصل بمشيئته وقدرته كما ~~يحصل الفعل بمشيئته وقدرته، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية وأهل الحديث ~~والصوفية، قالوا وإن قام ذلك بذاته فهو كقيام سائر ما أخبر به من صفاته ~~وأفعاله # PageV05P165 # بذاته. والمعتزلة تنفي قيام الصفات والأفعال به وتسمى الصفات أعراضا ~~والأفعال حوادث، ويقولون لا تقوم به الأعراض ولا الحوادث، فيتوهم من لم ~~يعرف حقيقة قولهم أنهم ينزهون الله تعالى عن النقائص والعيوب والآفات. ولا ~~ريب أن الله يحب تنزيهه عن كل عيب ونقص وآفة، فإنه القدوس السلام الصمد ~~السيد الكامل في كل نعت من نعوت الكمال كمالا يدرك الخلق حقيقته، منزه عن ~~كل نقص تنزيها لا يدرك الخلق كماله. وكل كمال ثبت لموجود من غير استلزام ~~نقص فالخالق تعالى أحق ms698 به وأكمل فيه منه، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق ~~أحق بتنزيهه عنه وأولى ببراءته منه. # روينا من طريق غير واحد كعثمان بن سعيد الدارمي وأبي جعفر الطبري ~~والبيهقي وغيرهم في تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى ~~(الصمد) قال: السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، ~~والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، والغني الذي ~~قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في ~~علمه، والحليم الذي قد كمل في حلمه، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف ~~والسؤدد، وهو الله عز وجل، هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفؤ ولا كمثله ~~شيء، سبحانه الواحد القهار. # وهذا التفسير ثابت عن عبد الله بن أبي صالح عن علي بن أبي طلحة الوالبي، ~~لكن يقال أنه لم يسمع التفسير من ابن عباس، ولكن مثل هذا الكلام ثابت عن ~~السلف، وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: الصمد الكامل في صفاته وأفعاله. وثبت ~~عن أبي وائل شقيق بن سلمة أنه قال: الصمد السيد الذي انتهى سؤدده. وهذه ~~الأقوال وما أشبهها لا تنافي ما قاله كثير من السلف كسعيد بن المسيب وابن ~~جبير ومجاهد والحسن والسدي والضحاك وغيرهم من أن الصمد هو الذي لا جوف له، ~~وهذا منقول عن ابن مسعود وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه # PageV05P166 # موقوفا أو مرفوعا، فإن كلا القولين حق كما بسط الكلام عليه. # ولفظ الأعراض في اللغة قد يفهم منه ما يعرض للإنسان من الأمراض ونحوها، ~~وكذلك لفظ الحوادث والمحدثات قد يفهم ما يحدثه الإنسان من الأفعال المذمومة ~~والبدع التي ليست مشروعة، أو ما يحدث للإنسان من الأمراض ونحو ذلك. والله ~~تعالى يجب تنزيهه عما هو فوق ذلك مما فيه نوع نقص فكيف تنزيهه عن هذه ~~الأمور؟ ولكن لم يكن مقصود المعتزلة بقولهم هو منزه عن الأعراض والحوادث ~~إلا نفي صفاته وأفعاله، فعندهم لا يقوم ms699 به علم ولا قدرة ولا مشيئة ولا رحمة ~~ولا حب ولا رضى ولا فرح ولا خلق ولا إحسان ولا عدل ولا إتيان ولا مجيء ولا ~~نزول ولا استواء ولا غير ذلك من صفاته وأفعاله. # وجماهير المسلمين يخالفونهم في ذلك، ومن الطوائف من ينازعهم في الصفات ~~دون الأفعال، ومنهم من ينازعهم في بعض الصفات دون بعض، ومن الناس من ~~ينازعهم في العلم القديم ويقول إن فعله قديم وإن كان المفعول محدثا، كما ~~يقول في نظير من يقوله في الإرادة. وبسط هذه الأقوال وذكر قائليها وأدلتهم ~~مذكورة في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا التنبيه على مجامع أجوبة الناس عن السؤال المذكور. # وهذا الفريق الثاني إذا قال لهم الناس إذا أثبتم حكمة حدثت بعد أن لم تكن ~~لزمكم التسلسل، قالوا: القول في حدوث الحكمة كالقول في سائر ما أحدثه من ~~المفعولات، ونحن نخاطب من يسلم لنا أنه إذا أحدث المحدثات بعد أن لم تكن، ~~فإذا قلنا إنه أحدثها بحكمة حادثة لم يكن له أن يقول هذا يستلزم التسلسل، ~~فإذا قلنا إنه أحدثنا بحكمة حادثة لم يكن له أن يقول هذا يستلزم التسلسل، ~~بل نقول له: القول في حدوث الحكمة كالقول في حدوث المفعول الذي ترتبت عليه ~~الحكمة ما كان جوابك عن هذا كان جوابنا عن هذا. # فلما خصم الفريق الثاني الفريق الأول قال لهم الفريق الثالث من أئمة # PageV05P167 # الحديث والفقهاء والصوفية وأهل الكلام: هذه حجة جدلية إلزامية ولم تشفوا ~~الغليل بهذا الجواب، وليس معكم من الأدلة الشرعية ولا العقلية ما ينفى مثل ~~هذا التسلسل، بل التسلسل نوعان والدور نوعان، أحدهما التسلسل في العلل ~~والمعلولات فهذا ممتنع وفاقا. والثاني التسلسل في الشروط والآثار فهذا في ~~جوازه قولان معروفان للمسلمين وغيرهم. وطوائف من أهل الكلام والحديث ~~والفلسفة يجوزون هذا ومن هؤلاء السلف والأئمة الذين يقولون لم يزل الله ~~متكلما إذا شاء، وأنه لم يزل يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال ~~وغيرها. # وبين هؤلاء أن ما استدل به منازعوهم على نفي التسلسل في الآثار ms700 وامتناع ~~وجود ما لا يتناهى في الماضي أدلة ضعيفة، كدليل المطابقة بين الجملتين مع ~~زيادة أحدهما، وكزيادة الشفع والوتر ونحو ذلك من الأدلة التي بين هؤلاء ~~فسادها ونقضوها عليهم بالحوادث في المستقبل، وبعقود الأعداد وبمعلومات الله ~~مع مقدوراته وغير ذلك مما قد بسط في موضعه. # والدور نوعان: فالدور القبلي السبقي ممتنع، وأما الدور المعي الاقتراني ~~وهو أن لا يكون هذا إلا مع هذا فهذا الدور في الشروط وما أشبهها من ~~المتضايقات والمتلازمات، ومثل هذا جائز. # فهذه مجامع أجوبة الناس عن هذا السؤال. وهي عدة أقوال (الأول) قول من لا ~~يعلل لا أفعاله ولا أحكامه (والثاني) قول من يعلل ذلك بأمور مباينة له ~~منفصلة عنه من جملة مفعولاتها (والثالث) قول من يعلل ذلك بأمور قائمة به ~~متعلقة بقدرته ومشيئته لكن يقول جنسها حادث (والخامس) (1) قول من يعلل ذلك ~~بأمور متعلقة بمشيئته وقدرته. فإن كان الفعل المفضي للحكمة حادث النوع كانت ~~الحكمة كذلك، وإن قدر أنه قام به كلام أو فعل متعلق بمشيئته وأنه لم يزل ~~كذلك كانت الحكمة كذلك، فيكون النوع قديما وإن كانت آحاده حادثة. ~~PageV05P168 # ويمكن الجواب عن السؤال بتقسيم حاصر، بأن يقال: لا ريب أن الله عز وجل ~~يحدث مفعولات لم تكن، فإما أن تكون الأفعال المحدثة يجب أن يكون لها ابتداء ~~ويجوز أن تكون غير متناهية في الابتداء كما هي غير متناهية في الانتهاء، ~~فإن وجب أن يكون لها ابتداء أمكن حدوث الحوادث بدون تسلسلها، فإذا قال ~~القائل لو فعل لعلة محدثة لكان القول في حدوث تلك العلة كالقول في حدوث ~~معلولها ويلزم التسلسل. كان جوابه على هذا التقدير أن الحوادث يجب أن يكون ~~لها ابتداء، وإذا فعل الفعل لحكمة محدثة كان الفعل وحكمته محدثين، ولا يجب ~~أن يكون للعلة المحدثة علة محدثة إلا إذا حاز أن لا يكون للحوادث ابتداء، ~~فأما إذا جاز أن يكون لها ابتداء بطل هذا السؤال، فكيف إذا وجب أن يكون لها ~~ابتداء؟ وإن قيل يجوز أن تكون الحوادث غير متناهية في الابتداء ms701 كما أنها ~~غير متناهية في الانتهاء عند المسلمين وسائر أهل الحق، ولم ينازع في ذلك ~~إلا بعض أهل البدع الذين يقولون بفناء الجنة والنار كما يقوله الجهم بن ~~صفوان، أو بفناء حركات أهل الجنة، كما يقوله أبو الهذيل، فإن هذين أوجبا أن ~~يكون لجنس الحوادث انتهاء كما يجوز أن يكون لها عندهم ابتداء وأكثر الذين ~~وافقوهم على وجوب الابتداء خالفوهم في الانتهاء وقالوا لها ابتداء وليس لها ~~انتهاء. والأقوال الثلاثة معروفة في طوائف المسلمين. # والمقصود هنا أن الجواب يحصل على التقديرين، فمن جوز أن يكون لها نهاية ~~في الابتداء جوز تسلسل الحوادث وقال هذا تسلسل في الآثار والشروط لا تسلسل ~~في العلل والمؤثرات والممتنع إنما هو الثاني دون الأول، وقال أنه لا يقوم ~~دليل على امتناع الثاني كما يقول ذلك طوائف من متقدمي أهل الكلام ~~ومتأخريهم. ومن أوجب أن يكون لها ابتداء. قال في حدوث العلة ما يقوله في ~~حدوث المفعول إذ لا فرق بينهما في هذا المعنى. # ومن الأجوبة الحاصرة أن يقال: خلق الله إما أن يجوز تعليله أو لا، فإن لم ~~يجز # PageV05P169 # تعليله كان هذا هو التقرير الأول. وعلى هذا التقرير فلا يسمى هذا عبثا، ~~وإذا سماه المسمي عبثا لم تكن تسميته عبثا قدحا فيما تحقق، فإنا نتكلم على ~~تقدير امتناع التعليل، وإذا كان التعليل ممتنعا واجب القول به، ولو سماه ~~المسمي بأي شيء سماه، وإن جاز تعليله فلا يخلو إما أن يجوز تعليله بعلة ~~حادثة وإما أن لا يجوز، فإن قيل لا يجوز ذلك لزم كون العلة قديمة وامتنع ~~على هذا التقدير قدم المعلول. فإنا نتكلم على تقدير جواز تعليل المفعول ~~الحادث بعلة قديمة، وإن قيل يجوز تعليله بعلة حادثة أمكن القول بذلك. # ثم إما أن يقال: يجوز تعليل الحوادث بعلة متناهية للفاعل لئلا يلزم أن ~~يقوم به شيء حادث يجب أن يقوم به لحكمة، وإن كانت مقدورة مرادة له، فإن قيل ~~بالأول لزم كون العلة الحادثة منفصلة عنه ولزم على هذا كون الفاعل يحدث ~~الحوادث بعد ms702 أن لم تكن حادثة بغيره من غير حدوث سبب يوجب أول الحوادث ولا ~~قيام حادث بالمحدث وإن قيل بل لا يجوز أن يحدث الحوادث لغير معنى يعود إليه ~~بل يجب أن يقوم به ما هو السبب والحكمة في حدوث الحوادث فإنه يجب القول ~~بذلك. # ثم إما أن يقال هذا يستلزم التسلسل أو لا يستلزمه، فإن قيل لا يستلزمه لم ~~يكن التسلسل على هذا التقدير محذورا لأن التقدير أنه يجوز تعليل أفعاله ~~بعلة حادثة وإن ذلك يستلزم التسلسل. # ومن المعلوم أن الأمر الجائز لا يستلزم ممتنعا، فإنه لو استلزم ممتنعا ~~لكان ممتنعا بغيره وإن كان جائزا بنفسه، والتقدير أنه جائز جوازا مطلقا لا ~~امتناع فيه. وما كان جائزا جوازا مطلقا لا امتناع فيه لم يلزمه ما يمتنع ~~ثبوته فيكون التسلسل على هذا التقدير غير ممتنع. # فهذا جواب عن السؤال من غير التزام قول بعينه، بل نبين أنه ليس في نفس ~~الأمر محذور، ولكن السؤال مبني على ست مقدمات: لزوم العبث، وإنه منتف، ~~ولزوم قدم المفعول، وأنه منتف، ولزوم التسلسل، وأنه منتف. # PageV05P170 # فصاحب القول الأول يقول: لا أسلم أنه يلزم العبث، وصاحب القول الثاني ~~يقول: لا أسلم أنه يلزم قدم المفعول، وصاحب القول الثالث يقول: لا أسلم أنه ~~يلزم التسلسل، أو يقول لا أسلم أن التسلسل في الآثار ممتنع. فهذه أربع ~~ممانعات لا بد منها. ويمتنع أن تكون كلها فاسدة بل لا بد من صحة واحد منها ~~وأيها صح اندفع السؤال به وهو المقصود. وذلك لأن القسمة العقلية تحصر من ~~الأقسام فيما ذكر فمن توجه عنده أحد الأقسام قال به، ونحن قد بسطنا الكلام ~~على أصول هذه المسئلة ولوازمها وأقوال الناس فيها في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا الذب عن مجموع المسلمين، فإن هذا السؤال مما أورده على ~~الناس القائلون بقدم العالم، وقد ذكرنا عنه أجوبة متعددة فيما كتبناه في ~~جواب شبهة القائلين بقدم العالم. # ومن جملة أجوبتهم أن يقال: هذا السؤال ليس مختصا بحدوث العالم بل هو وارد ~~في كل ما ms703 يحدث في الوجود من الحوادث، والحدوث مشهود محسوس متفق عليه بين ~~العقلاء. فكل ما يورده على حدوث خلق السموات والأرض يورد عليه نظيره في ~~الحوادث المشهودة. # وقد نبهنا على جنس ما تحتج به كل طائفة من الطوائف في هذا المقام لكن ~~استقصاء الكلام في ذلك لا تسعه هذه الأوراق، ومن فهم ما كتب انفتح له ~~الكلام في هذا الباب وأمكنه أن يحصل تمام الكلام في جنس هذه المسائل، فإن ~~الكلام فيها بالتدريج مقاما بعد مقام هو الذي يحص به المقصود، وإلا فإذا ~~هجم على القلب الجزم بمقالات لم يحكم أدلتها وطرقها، والجواب عما يعارضها ~~كان إلى دفعها والتكذيب بها أقرب منه إلى التصديق بها. فلهذا يجب أن يكون ~~لخطاب في المسائل المشكلة بطريق ذكر كل قول ومعارضة الآخر له حتى يتبين ~~الحق بطريقه لمن يريد الله هدايته، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ~~نور، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والله سبحانه أعلم. # PageV05P171 ### | شرح حديث عمران بن حصين المرفوع كان الله ولم يكن شيء قبله # من تحقيقات شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله سره منقولة من الجزء الحادي ~~والثلاثين من كتاب الكواكب الدراري الموجود بالمكتبة الظاهرية بدمشق ~~المحروسة # PageV05P172 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~تسليما. # فصل # في صحيح البخاري وغيره من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أنه النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال " يا بني تميم، اقبلوا البشرى " قالوا: قد بشرتنا ~~فاعطنا، فأقبل على أهل اليمن فقال " يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لم ~~يقبلها بنو تميم " فقالوا: قد قبلنا يا رسول الله. قالوا جئناك لنتفقه في ~~الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر، فقال " كان الله ولم يكن شيء قبله " وفي ~~لفظ " معه " وفي لفظ ms704 " غيره " " وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ~~وخلق السموات والأرض " وفي لفظ " ثم خلق السموات والأرض " ثم جاءني رجل ~~فقال: أدرك ناقتك، فذهبت فإذا السراب ينقطع دونها، فوالله لوددت أني تركتها ~~ولم أقم. # قوله " كتب في الذكر " يعني اللوح المحفوظ كما قال (ولقد كتبنا في الزبور ~~من بعد الذكر) أي من بعد اللوح المحفوظ، يسمى ما يكتب في الذكر ذكرا كما ~~يسمى ما يكتب فيه كتابا كقوله عز وجل (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) . # والناس في هذا الحديث على قولين: منهم من قال: إن مقصود الحديث إخباره ~~بأن الله كان موجودا وحده، ثم أنه ابتدأ إحداث جميع الحوادث وإخباره بأن ~~الحوادث لها ابتداء بجنسها وأعيانها مسبوقة بالعدم، وإن جنس الزمان حادث لا ~~في زمان، وجنس الحركات والمتحركات حادث، وإن الله صار فاعلا بعد أن لم يكن # PageV05P173 # يفعل شيئا من الأزل إلى حين ابتدأ الفعل ولا كان الفعل ممكنا. # ثم هؤلاء على قولين: منهم من يقول: وكذلك صار متكلما بعد أن لم يكن يتكلم ~~بشيء، بل ولا كان الكلام ممكنا له. ومنهم من يقول: الكلام أمر يوصف بأنه ~~يقدر عليه، لا أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، بل هو أمر لازم لذاته بدون قدرته ~~ومشيئته. ثم هؤلاء منهم من يقول: هو المعنى دون اللفظ المقروء عبر عنه بكل ~~من التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ومنهم من يقول بل هو حروف وأصوات ~~لازمة لذاته لم تزل ولا تزال، وكل ألفاظ الكتب التي أنزلها وغير ذلك. # والقول الثاني في معنى الحديث: أنه ليس مراد الرسول هذا، بل أن الحديث ~~يناقض هذا، ولكن مراده إخباره عن خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش، كما أخبر القرآن العظيم بذلك في غير موضع، ~~فقال تعالى (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء) ~~وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال " قدر الله مقادير ms705 الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وكان عرشه على الماء " فأخبر صلى الله عليه وسلم أن تقدير خلق هذا العالم ~~المخلوق في ستة أيام وكان حينئذ عرشه على الماء، كما أخبر بذلك القرآن ~~والحديث المتقدم الذي رواه البخاري في صحيحه عن عمران رضي الله عنه. ومن ~~هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن عبادة بن الصامت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أول ما خلق الله القلم، فقال له اكتب. ~~قال وما أكتب؟ قال ما هو كائن إلى يوم القيامة " فهذا القلم خلقه لما أمره ~~بالتقدير المكتوب قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان مخلوقا قبل ~~خلق السموات والأرض، وهو أول ما خلق من هذا العالم، وخلقه بعد العرش كما ~~دلت عليه النصوص، وهو قول جمهور السلف، كما قدر ذكرت أقوال السلف في غير ~~هذا الموضع. والمقصود هنا بيان # PageV05P174 # ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. # والدليل على هذا القول الثاني وجوه (أحدها) أن قول أهل اليمن " جئناك ~~لنسألك عن أول هذا الأمر " إما أن يكون الأمر المشار إليه هذا العالم أو ~~جنس المخلوقات، فإن كان المراد هو الأول كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~أجابهم لأنه أخبرهم عن أول خلق هذا العالم، وإن كان المراد الثاني لم يكن ~~قد أجابهم لأنه لم يذكر أول الخلق مطلقا بل قال " كان الله ولا شيء قبله، ~~وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض " فلم ~~يذكر إلا خلق السموات والأرض، لم يذكر خلق العرش، مع أن العرش مخلوق أيضا، ~~فإنه يقول " وهو رب العرش العظيم " وهو خالق كل شيء: العرش وغيره ورب كل ~~شيء: العرش وغيره. وفي حديث أبي رزين قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بخلق العرش. وأما في حديث عمران فلم يخبر بخلقه، بل أخبر بخلق السموات ~~والأرض، فعلم أنه أخبر بأول خلق هذا العالم لا بأول الخلق مطلقا. # وإذا كان إنما أجابهم بهذا علم أنهم ms706 إنما سألوه عن هذا لم يسألوه عن أول ~~الخلق مطلقا، فإنه لا يجوز أن يكون أجابهم عما لم يسألوه عنه ولم يجبهم عما ~~سألوا عنه بل هو صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك، مع أن لفظه إنما يدل على ~~هذا لا يدل على ذكره أول الخلق، وإخباره بخلق السموات والأرض بعد أن كان ~~عرشه على الماء يقصد به الإخبار عن ترتيب بعض المخلوقات على بعض، فإنهم لم ~~يسألوه عن مجرد الترتيب وإنما سألوه عن أول هذا الأمر، فعلم أنهم سألوه عن ~~مبدأ خلق هذا العالم فأخبرهم بذلك كما نطق في أولها في أول الأمر خلق الله ~~السموات والأرض. وبعضهم يشرحها في البدء أو في الابتداء خلق الله السموات ~~والأرض. # والمقصود أن فيها الإخبار بابتداء خلق السموات والأرض وأنه كان الماء ~~غامرا للأرض، وكانت الريح تهب على الماء، فأخبر أنه حينئذ كان هذا ماء # PageV05P175 # وهواء وترابا، وأخبر في القرآن العظيم أنه خلق السموات والأرض في ستة ~~أيام وكان عرشه على الماء، وفي الآية الأخرى (ثم استوى إلى السماء وهي دخان ~~فقال لها وللأرض: اءتيا طوعا أو كرها، قالتا أتينا طائعين) وقد جاءت الآثار ~~عن السلف بأن السماء خلقت من بخار الماء وهو الدخان. # والمقصود هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابهم عما سألوه عنه ولم يذكر ~~إلا ابتداء خلق السموات والأرض، فدل على أن قولهم " جئنا لنسألك عن أول هذا ~~الأمر " كان مرادهم خلق هذا العالم. والله أعلم. # الوجه الثاني أن قولهم " هذا الأمر " إشارة إلى حاضر موجود، والأمر يراد ~~به المصدر ويراد به المفعول به وهو المأمور الذي كونه الله بأمره، وهذا ~~مرادهم فإن الذي هو قوله (1) ليس مشهودا مشارا إليه بل المشهود المشار ليه ~~هذا المأمور به قال تعالى (وكان أمر الله قدرا مقدورا) وقال تعالى (أتى أمر ~~الله) ونظائره متعددة. ولو سألوه عن أول الخلق مطلقا لم يشيروا إليه بهذا ~~فإن ذاك لم يشهدوه فلا يشيرون إليه بهذا، بل لم يعلموه أيضا فإن ذاك لا ~~يعلم ms707 إلا بخبر الأنبياء، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يخبرهم بذلك، ولو ~~كان قد أخبرهم به لما سألوه عنه، فعلم أن سؤالهم كان عن أول هذا العالم ~~المشهود. # الوجه الثالث أنه قال " كان الله ولم يكن شيء قبله " وقد روي " معه " ~~وروي " غيره " والألفاظ الثلاثة في البخاري، والمجلس كان واحدا، وسؤالهم ~~وجوابه كان في ذلك المجلس، وعمران الذي روى الحديث لم يقم منه حين انقضى ~~المجلس، بل قام لما أخبر بذهاب راحلته قبل فراغ المجلس، وهو المخبر بلفظ ~~الرسول فدل على أنه إنما قال أحد الألفاظ، والآخران رويا بالمعنى. وحينئذ ~~فالذي ثبت عنه لفظ " القبل " فإنه قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم PageV05P176 # أنه كان يقول في دعائه " أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك ~~شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء " وهذا موافق ~~ومفسر لقوله تعالى (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) . # وإذا ثبت في هذا الحديث لفظ القبل فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قاله واللفظان الآخران لم يثبت (1) واحد منهما أبدا، وكان أكثر أهل الحديث ~~إنما يروونه بلفظ القبل " كان الله ولا شيء قبله " مثل الحميدي والبغوى ~~وابن الأثير وغيرهم. وإذا كان إنما قال " كان الله ولم يكن شيء قبله " لم ~~يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث ولا لأول مخلوق. # الوجه الرابع أنه قال فيه " كان الله ولم يكن شيء قبله، أو معه، أو غيره، ~~وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء " فأخبر عن هذه الثلاثة بلفظ ~~الواو، لم يذكر في شيء منها ثم، وإنما جاء ثم في قوله " خلق السموات والأرض ~~" وبعض الرواة ذكر فيه خلق السموات والأرض بثم وبعضهم ذكرها بالواو. فأما ~~الجمل الثلاث المتقدمة فالرواة متفقون على أنه ذكرها بلفظ الواو، ومعلوم أن ~~لفظ الواو لا يفيد الترتيب على الصحيح الذي عليه الجمهور، فلا يفيد الأخبار ~~بتقديم بعض ذلك على بعض، وإن قدر أن الترتيب مقصود، إما ms708 من ترتيب الذكر ~~لكونه قدم بعض ذلك على بعض، وإما من الواو (2) عند من يقول به، فإنما فيه ~~تقديم كونه على كون العرش على الماء، وتقديم كون العرش على الماء على ~~كتابته في الذكر كل شيء، وتقديم كتابه في الذكر كل شيء على تقديم خلق ~~السموات والأرض، وليس في هذا ذكر أول المخلوقات مطلقا، بل ولا فيه الإخبار ~~بخلق العرش والماء وإن كان ذلك كله مخلوقا كما أخبر به في مواضع أخر، لكن ~~في جواب أهل اليمن إنما PageV05P177 # كان مقصوده إخباره إياهم عن بدء خلق السموات والأرض وما بينهما وهي ~~المخلوقات التي خلقت في ستة أيام لا بابتداء ما خلقه الله قبل ذلك. # الوجه الخامس أنه ذكر تلك الأشياء بما يدل على كونها ووجودها، ولم يتعرض ~~لابتداء خلقها، وذكر السموات والأرض بما يدل على خلقها، وسواء كان قوله " ~~وخلق السموات والأرض " أو " ثم خلق السموات والأرض " فعلى التقديرين أخبر ~~بخلق ذلك، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن، وإن كان قد خلق من مادة، كما ~~في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~" خلق الله الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف ~~لكم " فإن كان لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم " ثم خلق " فقد دل على أن خلق ~~السموات والأرض بعد ما تقدم ذكره من كونه عرشه على الماء ومن كتابته في ~~الذكر، وهذا اللفظ أولى بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيه من تمام ~~البيان وحصول المقصود بلفظ الترتيب، وإن كان لفظه الواو فقد دل سياق الكلام ~~على أن مقصوده أنه خلق السموات والأرض بعد ذلك، وكما دل على ذلك سائر ~~النصوص فإنه قد علم أنه لم يكن مقصوده الإخبار بخلق العرش ولا الماء فضلا ~~عن أن يقصد أن خلق ذلك كان مقارنا لخلق السموات والأرض، وإذا لم يكن في ~~اللفظ ما يدل على خلق ذلك إلا مقارنة خلقه لخلق السموات والأرض ms709 وقد أخبر عن ~~خلق السموات مع كون ذلك علم أن مقصوده أنه خلق السموات والأرض حين كان ~~العرش على الماء كما أخبر بذلك في القرآن، وحينئذ يجب أن يكون العرش كان ~~على الماء قبل خلق السموات والأرض كما أخبر بذلك في الحديث الصحيح حيث قال ~~" قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان ~~عرشه على الماء " فأخبر أن هذا التقدير السابق لخلق السموات والأرض بخمسين ~~ألف سنة حين كان عرشه على الماء. # PageV05P178 # الوجه السادس أن النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون قد قال " كان ولم ~~يكن قبله شيء " وإما أن يكون قد قال " ولا شيء معه " " أو غيره " فإن كان ~~إنما قال اللفظ الأول لم يكن فيه تعرض لوجوده تعالى قبل جميع الحوادث. وإن ~~كان قد قال الثاني أو الثالث فقوله " ولم يكن شيء معه وكان عرشه على الماء ~~وكتب في الذكر " إما أن يكون مراده أنه حين كان لا شيء معه كان عرشه على ~~الماء أو كان بعد ذلك كان عرشه على الماء، فإن أراد الأول كان معناه لم يكن ~~معه شيء من هذا الأمر المسؤول عنه وهو هذا العالم. ويكون المراد أنه كان ~~الله قبل هذا العالم المشهود وكان عرشه على الماء. وأما القسم الثالث وهو ~~أن يكون المراد به كان لا شيء معه وبعد ذلك كان عرشه على الماء وكتب في ~~الذكر ثم خلق السموات والأرض، فليس في هذا إخبار بأول ما خلقه الله مطلقا، ~~بل ولا فيه إخباره بخلق العرش والماء، بل إنما فيه إخباره بخلق السموات ~~والأرض، ولا صرح فيه بأن كون عرشه على الماء كان بعد ذلك، بل ذكره بحرف ~~الواو، والواو للجمع المطلق والتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه. وإذا لم ~~يكن لم يبين الحديث أول المخلوقات ولا ذكر ما كان خلق العرش الذي أخبر أنه ~~كان على الماء مقرونا بقوله " كان الله ولا شيء معه "، دل على أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يقصد الإخبار ms710 بوجود الله وحده قبل كل شيء وبابتداء ~~المخلوقات بعد ذلك إذ لم يكن لفظه دالا على ذلك وإنما قصد الإخبار بابتداء ~~خلق السموات والأرض. # الوجه السابع أن يقال لا يجوز أن يجزم بالمعنى الذي أراده الرسول صلى ~~الله عليه وسلم إلا بدليل يدل على مراده، فلو قدر أن لفظه يحتمل هذا المعنى ~~وهذا المعنى لم يجز الجزم بأحدهما إلا بدليل، فيكون إذا كان الراجح هو ~~أحدهما لمن جزم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم إن أراد ذلك المعنى الآخر ~~فهو مخطئ (1) . PageV05P179 # الوجه الثامن أن يقال هذا المطلوب لو كان حقا لكان أجل من أن يحتج عليه ~~بلفظ محتمل في خبر لم يروه إلا واحد، ولكان ذكر هذا في القرآن والسنة من ~~أهم الأمور لحاجة الناس إلى معرفة ذلك لما وقع فيه من الاشتباه والنزاع ~~واختلاف الناس، فلما لم يكن في السنة ما يدل على هذا المطلوب لم يجز إثباته ~~بما يظن أنه معنى الحديث بسياقه وإنما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال " كان ولا شيء معه " فظنوه لفظا ثابتا مع مجرده عن سائر الكلام الصادر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وظنوا معناه الإخبار بتقدمه تعالى على كل شيء، ~~وبنوا على هذين الظنين نسبة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وليس عندهم ~~بواحدة من المقدمتين علم بل ولا ظن يستند إلى إمارة، وهب أنهم لم يجزموا ~~بأن مراده المعنى الآخر فليس عندهم بأنه قاله. وقد قال تعالى (ولا تقف ما ~~ليس لك به علم) وقال تعالى (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون) . وهذا كله لا يجوز. # الوجه العاشر أنه قد زاد فيه بعض الناس " وهو الآن على ما عليه كان " ~~وهذه الزيادة إنما زادها بعض الناس من عنده، وليست في شيء من الروايات. ثم ~~إن منهم من يتأولها على أنه ليس معه الآن موجود ms711 بل وجوده عين وجود ~~المخلوقات كما يقوله أهل وحدة الوجود الذين يقولون عين وجود الخالق هو عين ~~وجود المخلوق، كما يقوله ابن عربي وابن سبعين والقونوي والتلمساني وابن ~~الفارض ونحوهم. وهذا القول مما يعلم بالاضطرار شرعا وعقلا أنه باطل. # الوجه الحادي عاشر إن كثيرا من الناس يجعلون هذا عمدتهم من جهة السمع: أن ~~الحوادث لها ابتداء وأن جنس الحوادث مسبوق بالعدم إذا (1) لم يجدوا ~~PageV05P180 # في الكتاب والسنة ما ينطق به مع أنهم يحكون هذا عن المسلمين واليهود ~~والنصارى، كما يوجد مثل هذا في كتب أكثر أهل الكلام المبتدع في الإسلام ~~الذي ذمه السلف وخالفوا به الشرع والعقل. وبعضهم يحكيه إجماعا للمسلمين، ~~وليس معهم بذلك نقل لا عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا عن ~~الكتاب والسنة، فضلا عن أن يكون هو قول جميع المسلمين. # وبعضهم يظن أن من خالف ذلك فقد قال بقدم العالم ووافق الفلاسفة الدهرية، ~~لأنه نظر في كثير من كتب الكلام فلم يجد فيها لا قولين: قول الفلاسفة ~~القائلين بقدم العالم إما صورته وإما مادته، سواء قيل هو موجود بنفسه أو ~~معلول لغيره. وقول من رد على هؤلاء من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة ~~والكرامية الذين يقولون: إن الرب لم يزل لا يفعل شيئا ولا يتكلم بشيء، ثم ~~أحدث الكلام والفعل بلا سبب أصلا. # وطائفة أخرى كالكلابية ومن وافقهم يقولون: بل الكلام قديم العين إما معنى ~~واحد، وأما أحرف وأصوات قديمة أزلية قديمة الأعيان، ويقول هؤلاء أن الرب لم ~~يزل لا يفعل شيئا ولا يتكلم بمشيئته وقدرته ثم حدث ما يحدث بقدرته ومشيئته، ~~إما قائما بذاته أو منفصلا عنه عند من يجوز ذلك، وإما منفصلا عنه عند من لم ~~يجوز قيام ذلك بذاته. # ومعلوم أن هذا القول أشبه بما أخبرت به الرسل من أن الله خالق كل شيء وأن ~~الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، فمن ظن أنه ليس للناس إلا هذان ~~القولان وكان مؤمنا بأن الرسل لا يقولون إلا حقا بظن أن هذا قول الرسل ms712 ومن ~~اتبعهم. ثم إذا طولب بنقل هذا القول عن الرسل لم يمكنه ذلك ولم يمكن لأحد ~~أن يأتي بآية ولا حديث يدل على ذلك، لا نصا ولا ظاهرا، بل ولا يمكنه أن ~~ينقل ذلك عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان. # PageV05P181 # وقد جعلوا ذلك معنى حدوث العالم الذي هو أول مسائل أصول الدين عندهم. ~~فيبقى أصل الدين الذي هو دين الرسل عندهم ليس عندهم ما يعلمون به أن الرسول ~~قاله ولا في العقل ما يدل عليه. بل العقل والسمع يدل على خلافه. ومن كان ~~أصل دينه الذي هو عنده دين الله ورسوله لا يعلم أن الرسول جاء به كان من ~~أضل الناس في دينه. # الوجه الثاني عشر أنهم لما اعتقدوا أن هذا هو دين الإسلام أخذوا يحتجون ~~عليه بالحجج العقلية المعروفة لهم، وعمدتهم التي هي أعظم الحجج، مبناها على ~~امتناع حوادث لا أول لها، وبها أثبتوا حدوث كل موصوف بصفة وسموا ذلك إثباتا ~~لحدوث الأجسام، فلزمهم على ذلك نفي صفات الرب عز وجل، وأنه ليس له علم ولا ~~قدرة ولا كلام يقوم به، بل كلامه مخلوق منفصل عنه، وكذلك رضاه وغضبه، ~~والتزموا على ذلك أن الله لا يرى في الآخرة، وأنه ليس فوق العرش، إلى غير ~~ذلك من اللوازم التي نفوا بها ما أثبته الله ورسوله، وكان حقيقة قولهم ~~تكذيبا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وتسلط أهل العقول على تلك ~~الحجج التي لهم فبينوا فسادها. # وكان ذلك مما سلط الدهرية القائلين بقدم العالم لما علموا حقيقة قولهم ~~وأدلتهم ونسوا فساده. ثم لما ظنوا أن هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم ~~واعتقدوا أنه باطل قالوا أن الرسول لم يبين الحقائق سواء علمها أو لم ~~يعلمها، وإنما خاطب الجمهور بما يخيل لهم ما ينتفعون به. فصار أولئك ~~المتكلمون النفاة مخطئين في السمعيات والعقليات، وصار خطؤهم من أكبر أسباب ~~تسلط الفلاسفة، لما ظن أولئك الفلاسفة الدهرية أنه ليس في هذا المطلوب إلا ~~قولان: قول ms713 أولئك المتكلمين وقولهم. وقد رأوا أن قول أولئك باطل فجعلوا ذلك ~~حجة في تصحيح قولهم، مع أنه ليس للفلاسفة الدهرية على قولهم بقدم الأفلاك ~~حجة عقلية أصلا وكان من أعظم أسباب هذا أنهم لم يحققوا معرفة ما بعث الله ~~به رسوله صلى الله عليه وسلم. # PageV05P182 # الوجه الثالث عشر إن الغلط في معنى هذا الحديث هو من عدم المعرفة بنصوص ~~الكتاب والسنة، بل المعقول الصريح، فإنه أوقع كثيرا من النظار وأتباعهم في ~~الحيرة والضلال، فإنهم لم يعرفوا إلا قولين قول الدهرية القائلين بالقدم. ~~وقول الجهمية القائلين بأنه لم يزل معطلا عن أن يفعل أو يتكلم بقدرته ~~ومشيئته، ورأوا لوازم كل قول تقتضي فساده وتناقضه، فبقوا حائرين مرتابين ~~جاهلين، وهذه حال من لا يحصى منهم، ومنهم من صرح بذلك عن نفسه كما صرح به ~~الرازي وغيره. # ومن أعظم أسباب ذلك أنهم نظروا في حقيقة قول الفلاسفة فوجدوا أنه لم يزل ~~المفعول الفاعل على فعله، وأن تقدير مفعول الفاعل مع تقدير أنه لم يزل ~~مقارنا له لم يتقدم الفاعل على فعله، وأن تقدير مفعول الفاعل مع تقدير أنه ~~لم يزل مقارنا له لم يتقدم الفاعل عليه بل هو معه أزلا وأبدا أمر يناقض ~~صريح العقل. وقد استقر في الفطر أن كون الشيء المفعول مخلوقا يقتضي أنه كان ~~بعد أن لم يكن. ولهذا كان ما أخبر الله به في كتابه من أنه خلق السموات ~~والأرض بما يفهم (1) جميع الخلائق أنهما حدثتا بعد أن لم يكونا، وأما تقدير ~~كونهما لم يزالا معه مع كونهما مخلوقين له فهذا تنكره الفطر، ولم يقله إلا ~~شرذمة قليلة من الدهرية كابن سينا وأمثاله. # وأما جمهور الفلاسفة الدهرية كأرسطو وأتباعه فلا يقولون أن الأفلاك ~~معلولة لعلة فاعلة كما يقوله هؤلاء، بل قولهم وإن كان أشد فسادا من قول ~~متأخريهم فلم يخالفوا صريح المعقول في هذا المقام الذي خالفه هؤلاء. وإن ~~كانوا خالفوه من جهات أخرى ونظروا في حقيقة قول أهل الكلام الجهمية ~~والقدرية ومن اتبعهم فوجدوا أن الفاعل صار فاعلا ms714 بعد أن لم يكن فاعلا من ~~غير حدوث شيء أوجب كونه فاعلا، ورأوا صريح العقل يقضي بأنه إذا صار فاعلا ~~بعد أن لم يكن فاعلا، فلا بد من حدوث شيء (2) وأنه يمتنع في العقل أن يصير ~~ممكنا بعد أن كان PageV05P183 # ممتنعا بلا حدوث، وأنه لا سبب يوجب حصول وقت حدث وقت الحدوث وأن حدوث جنس ~~الوقت ممتنع، فصاروا يظنون إذا جمعوا بين هؤلاء أنه يلزم الجمع بين ~~النقيضين وهو أن يكون الفاعل قبل الفعل وأنه يمتنع أن يصير فاعلا بعد أن لم ~~يكن فيكون الفعل معه فيكون الفعل مقارنا غير مقارن بأن كان بعد أن لم يكن ~~حادثا مسبوقا بالعدم، فامتنع على هذا التقدير أن يكون فعل الفاعل مسبوقا ~~بالعدم، ووجب على التقدير الأول أن يكون فعل الفاعل مسبوقا بالعدم، ووجدوا ~~عقولهم تقصر بما يوجب هذا الإثبات وما يوجب هذا النفي، والجمع بين النقيض ~~ممتنع، فأوقعهم ذلك في الحيرة والشك. # ومن أسباب ذلك أنهم لم يعرفوا حقيقة السمع والعقل فلم يعرفوا ما دل عليه ~~الكتاب والسنة ولم يميزوا في المعقولات بين المشتبهات، وذلك أن العقل يفرق ~~بين كون المتكلم متكلما بشيء بعد شيء دائما، وكون الفاعل يفعل شيئا بعد شيء ~~دائما، وبين آحاد الفعل والكلام، فيقول كل واحد من أفعاله لا بد أن يكون ~~مسبوقا بالفاعل وأن يكون مسبوقا بالعدم، ويمتنع كون الفعل المعين مع الفاعل ~~أزلا وأبدا، وأما كون الفاعل لم يزل يفعل فعلا بعد فعل فهذا من كمال ~~الفاعل، فإذا كان الفاعل حيا، وقيل أن الحياة مستلزمة الفعل والحركة كما ~~قال ذلك أئمة أهل الحديث كالبخاري والدارمي وغيرهما، وأنه لم يزل متكلما ~~إذا شاء وبما شاء ونحو ذلك، كما قاله ابن المبارك وأحمد وغيرهما من أئمة ~~أهل الحديث والسنة - كان كونه متكلما أو فاعلا من لوازم حياته، وحياته ~~لازمة له، فلم يزل متكلما فعالا مع العلم بأن الحي يتكلم يفعل بمشيئته ~~وقدرته، وأن ذلك يوجب وجود كلام بعد كلام وفعل بعد فعل، فالفاعل يتقدم على ~~كل فعل من ms715 أفعاله وذلك يوجب أن كل ما سواه محدث مخلوق، ولا نقول أنه كان في ~~وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق (1) والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولكن نقول ~~لم يزل الله عالما قادرا مالكا، لا شبه له ولا كيف. PageV05P184 # [وقال في موضع آخر (1) : فقلنا قد أعظمتم على الله الفرية حتى زعمتم أنه ~~لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله لأن الأصنام لا تتكلم ~~ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان فلما ظهرت عليه الحجة قال إن الله قد ~~يتكلم ولكن كلامه مخلوق، وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق فقد شبهتم الله بخلقه ~~حين زعمتم أن كلامه مخلوق ففي مذهبكم قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم ~~حتى خلق التكلم. وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما (2) ~~فتعالى الله عن هذه الصفة بل أنه لم يزل متكلما إذا شاء. ولا نقول أنه كان ~~لا يعلم حتى خلق علما فعلم، ولا نقول أنه كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسه ~~قدرة ثم ساق كلامه رضي الله عنه] . # فليس مع الله شيء (3) من مفعولاته قديم معه. لا بل هو خالق كل شيء وكل ما ~~سواه مخلوق له وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن وإن قدر أنه لم يزل خالقا ~~فعالا. وإذا قيل أن الخلق صفة كمال لقوله تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق) ~~أفلا أمكن أن تكون خالقيته دائمة وكل مخلوق له محدث مسبوق بالعدم وليس مع ~~الله شيء قديم. وهذا أبلغ في الكمال من أن يكون معطلا غير قادر على الفعل ~~ثم يصير قادرا والفعل ممكنا له بلا سبب. وأما جعل المفعول المعين مقارنا له ~~أزلا وأبدا فهذا في الحقيقة تعطيل لخلقه وفعله، فإن كون الفاعل مقارنا ~~لمفعوله أزلا وأبدا مخالف لصريح المعقول. # فهؤلاء الفلاسفة الدهرية وإن ادعوا أنهم يثبتون دوام الفاعلية فهم في ~~الحقيقة معطلون للفاعلية، وهي الصفة التي هي أظهر صفات الرب تعالى. ولهذا ~~PageV05P185 # وقع الإخبار بها في أول ما نزل ms716 على الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن أوله ~~(اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم ~~بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) فأطلق الخلق ثم خص الإنسان، وأطلق التعليم ~~ثم خص التعليم بالقلم، والخلق يتضمن فعله والتعليم يتضمن قوله، فإنه يعلم ~~بتكليمه، وتكليمه بالإيحاء وبالتكلم من وراء حجاب وبإرسال رسول يوحي بإذنه ~~ما يشاء، قال تعالى (وعلمك ما لم تكن تعلم) وقال تعالى (فمن حاجك فيه من ~~بعد ما جاءك من العلم) وقال تعالى (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه وقل ربي زدني علما) وقال تعالى (الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، ~~علمه البيان، الشمس والقمر بحسبان) . # وهؤلاء الفلاسفة يتضمن قولهم في الحقيقة أنه لم يخلق ولم يعلم، فإن ما ~~يثبتونه من الخلق والتعليم إنما يتضمن التعطيل، فإنه على قولهم لم يزل ~~الفلك مقارنا له أزلا وأبدا، فامتنع حينئذ أن يكون مفعولا له، فإن الفاعل ~~لا بد أن يتقدم على فعله، وعندهم أنه لا يعلم شيئا من جزئيات العلم، ~~والتعليم فرع العلم، فمن لم يعلم الجزئيات يمتنع أن يعلمها غيره، وكل موجود ~~فهو جزئي لا كلي، كذا الكليات إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان، فإذا ~~لم يعلم شيئا من الجزئيات لم يعلم شيئا من الموجودات، فامتنع أن يعلم غيره ~~شيئا من العلم بالموجودات المعينة. # ومن قال منهم لا يعلم لا كليا ولا جزئيا فقوله أقبح. ومن قال يعلم ~~الكليات الثابتة دون المتغيرة، فهو عندهم لا يعلم شيئا من الحوادث ولا ~~يعلمها لأحد من خلقه، كما يقتضي قولهم أنه لم يخلقها، فعلى قولهم لا خلق ~~ولا علم، وهذا حقيقة قول مقدمهم أرسطو، فإنه لم يثبت أن الرب مبدع للعالم ~~ولا جعله علة فاعلة، بل الذي أثبته أنه علة غائية يتحرك الفلك لتشبثه به ~~كتحريك المعشوق للعاشق، وصرح بأنه لا يعلم الأشياء. فعنده لا خلق ولا علم. ~~وأول ما أنزل # PageV05P186 # الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (اقرأ باسم ربك الذي خلق، ms717 خلق ~~الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم ~~يعلم) . # الوجه الرابع عشر إن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لدعوة الخلق إلى ~~عبادته وحده لا شريك، وذلك يتضمن معرفته لما أبدعه من مخلوقاته وهي ~~المخلوقات المشهودة الموجودة، من السموات والأرض وما بينهما، فأخبر الكتاب ~~الذي لم يأت من عنده كتاب أهدى منه بأنه خلق أصول هذه المخلوقات الموجودة ~~المشهودة في ستة أيام ثم استوى على العرش. وشرع أهل الإيمان (1) أن يجتمعوا ~~كل أسبوع يوما يعبدون الله فيه ويحتفلون بذلك ويكون ذلك آية على الأسبوع ~~الأول الذي خلق فيه السموات والأرض. ولما لم يعرف الأسبوع إلا بخبر ~~الأنبياء فقد جاء في لغتهم عليهم السلام أسماء أيام الأسبوع فإن النفس يتبع ~~النصوص (2) فالاسم يعبر عما تصوره، فلما كان تصور اليوم والشهر والحول ~~معروفا بالعقل تصورت ذلك الاسم وعبرت عن ذلك، وأما الأسبوع فلما لم يكن في ~~مجرد العقل ما يوجب معرفته فإنما عرف بالسمع صارت معرفته عند أهل السمع ~~المتلقين عن الأنبياء دون غيرهم، وحينئذ فأخبروا الناس بخلق هذا العالم ~~الموجود المشهود وابتداء خلقه وأنه خلقه في ستة أيام، وأما ما خلقه قبل ذلك ~~شيئا بعد شيء فهذا بمنزلة ما سيخلقه بعد قيام القيامة ودخول أهل الجنة وأهل ~~النار منازلهما. وهذا مما لا سبيل للعباد إلى معرفته تفصيلا. ولهذا قال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه. " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما ~~فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم " رواه ~~البخاري. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم ببدء الخلق إلى دخول أهل الجنة ~~والنار منازلهما. PageV05P187 # وقوله " بدأ الخلق " مثل قوله في الحديث الآخر " قدر الله مقادير الخلائق ~~قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة " فإن الخلائق هنا المراد بها ~~الخلائق المعروفة المخلوقة بعد خلق العرش وكونه على الماء. ولهذا كان ~~التقدير للمخلوقات هو التقدير لخلق هذا العالم، كما في حديث القلم: إن الله ~~لما خلقه قال اكتب، ms718 قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم ~~القيامة. وكذلك في الحديث الصحيح " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء " وقوله في الحديث ~~الآخر الصحيح " كان الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر ~~كل شيء، ثم خلق السموات والأرض " يراد به أنه كتب كل ما أراد خلقه من ذلك ~~فإن لفظ كل شيء يعم في كل موضع بحسب ما سيقت له، كما في قوله (بكل شيء عليم ~~- وعلى كل شيء قدير) وقوله (الله خالق كل شيء - وتدمر كل شيء - وأوتيت من ~~كل شيء - وفتحنا عليهم أبواب كل شيء - ومن كل شيء خلقنا زوجين اثنين) ~~وأخبرت الرسل بتقدم أسمائه وصفاته كما في قوله (وكان الله عزيزا حكيما. ~~سميعا بصيرا. غفورا رحيما.) وأمثال ذلك. # قال ابن عباس " كان ولا يزال " ولم يقيد كون بوقت دون وقت، ويمتنع أن ~~يحدث له غيره صفة، بل يمتنع توقف شيء من لوازمه على غيره سبحانه، فهو ~~المستحق لغاية الكمال، وذاته هي المستوجبة لذلك. فلا يتوقف شيء من كمال ~~ولوازم كماله على غيره، بل نفسه المقدسة، وهو المحمود على ذلك أزلا وأبدا، ~~وهو الذي يحمد نفسه ويثني عليها بما يستحقه. وأما غيره فلا يحصي ثناء عليه ~~بل هو نفسه كما أثنى على نفسه، كما قال سيد ولد آدم في الحديث الصحيح " ~~اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ~~ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ". # PageV05P188 # وإذا قيل لم يكن متكلما ثم تكلم، أو قيل كان الكلام ممتنعا ثم صار ممكنا ~~له، كان هذا - مع وصفه له بالنقص في الأزل وأنه تجدد له الكمال ومع تشبيهه ~~له بالمخلوق الذي ينتقل من النقص إلى الكمال - ممتنعا من جهة أن الممتنع لا ~~يصير ممكنا بلا سبب، والعدم المحض لا شيء فيه (1) فامتنع أن يكون الممتنع ~~فيه يصير ممكنا بلا سبب حادث. وكذلك إذا قيل كلامه كله معنى ms719 واحد لازم ~~لذاته ليس له فيه قدرة ولا مشيئة، كان هذا في الحقيقة تعطيلا للكلام وجمعا ~~بين المتناقضين إذ هو إثبات لموجود لا حقيقة له، بل يمتنع أن يكون موجودا ~~مع أنه لا مدح فيه ولا كمال، وكذلك إذا قيل كلامه كله قديم العين وهو حروف ~~وأصوات قديمة لازمة لذاته ليس فيه قدرة ولا مشيئة، كان هذا مع ما يظهر من ~~تناقضه وفساده في المعقول لا كمال فيه إذ لا يتكلم بمشيئته ولا قدرته ولا ~~إذا شاءه. # أما قول من يقول ليس كلامه إلا ما يخلقه في غيره فهذا تعطيل للكلام من كل ~~وجه وحقيقته أنه لا يتكلم كما قال ذلك قدماء الجهمية، وهو سلب للصفات إذ ~~فيه من التناقض والفساد حيث أثبتوا الكلام المعروف ونفوا لوازمه ما يظهر به ~~أنه من أفسد أقوال العالمين، بأنهم أثبتوا أنه يأمر وينهى ويخبر ويبشر ~~وينذر وينادي من غير أن يقوم به شيء من ذلك، كما قالوا أنه يريد ويحب ويبغض ~~ويغضب من غير أن يقوم به شيء من ذلك، وفي هذا من مخافة صريح المعقول وصحيح ~~المنقول ما هو مذكور في غير هذا الموضع. # وأما القائلون بقدم هذا العالم فهم أبعد عن المعقول والمنقول من جميع ~~الطوائف ولهذا أنكروا الكلام القائم بذاته والذي يخلقه في غيره، ولم يكن ~~كلامه عندهم إلا ما يحدث في النفوس من المعقولات والمتخيلات، وهذا (معنى) ~~تكليمه لموسى عليه السلام وعندهم، فعاد التكليم إلى مجرد علم المكلم. ثم ~~إذا قالوا مع ذلك أنه لا يعلم PageV05P189 # الجزئيات، فلا علم ولا أعلام، وهذا غاية التعطيل والنقص، وهم ليس لهم ~~دليل قط على قدم شيء من العالم، بل حججهم إنما تدل على قدم نوع الفعل وأنه ~~لم يزل الفاعل فاعلا أو لم يزل لفعله مدة أو أنه لم يزل للمادة مادة، وليس ~~في شيء من أدلتهم ما يدل على قدم الفلك ولا قدم شيء من حركاته ولا قدم ~~الزمان الذي هو مقدار حركة الفلك. والرسل أخبرت بخلق الأفلاك (1) وخلق ~~الزمان الذي ms720 هو مقدار حركتها، مع إخبارها بأنها خلقت من مادة قبل ذلك، وفي ~~زمان قبل هذا الزمان فإنه سبحانه أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، ~~وسواء قيل أن تلك الأيام بمقدار هذه الأيام المقدرة بطلوع الشمس وغروبها أو ~~قيل أنها أكبر منها كما قال بعضهم: أن كل يوم قدره ألف سنة، فلا ريب أن تلك ~~الأيام التي خلقت فيها السموات والأرض غير هذه الأيام وغير الزمان الذي هو ~~مقدار حركة هذه الأفلاك. وتلك الأيام مقدرة بحركة أجسام موجودة قبل خلق ~~السموات والأرض (2) . PageV05P190 # وقد أخبر سبحانه أنه (استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) فخلقت من الدخان. وقد جاءت الآثار عن ~~السلف أنها خلقت من بخار الماء، وهو الماء الذي كان العرش عليه، المذكور في ~~قوله (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء) فقد ~~أخبر أنه خلق السموات والأرض في مدة ومن مادة ولم يذكر القرآن خلق شيء من ~~لا شيء، بل ذكر أنه خلق المخلوق بعد أن لم يكن شيئا كما قال (وقد خلقتك من ~~قبل ولم تك شيئا) مع إخباره أنه خلقه من نطفة. # وقوله (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) فيها قولان، فالأكثرون على ~~أن المراد أم خلقوا من غير خالق بل من العدم المحض؟ كما قال تعالى (وسخر ~~لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه) كما قال تعالى (وكلمته ألقاها ~~إلى مريم وروح منه) وقال تعالى (وما بكم من نعمة فمن الله) وقيل: أم خلقوا ~~من غير مادة، وهذا ضعيف لقوله بعد ذلك (أم هم الخالقون) فدل ذلك على أن ~~التقسيم أم خلقوا من غير خالق أم هم الخالقون؟ ولو كان المراد من غير مادة ~~لقال: أم خلقوا من غير شيء أم من ماء معين؟ فدل على أن المراد أنا خالقهم ~~لا مادتهم، ولأن كونهم خلقوا من غير مادة ليس فيه تعطيل وجود الخالق، فلو ~~ظنوا ذلك لم يقدح ms721 في إيمانهم بالخالق بل دل على جهلهم، ولأنهم لم يظنوا ذلك ~~ولا يوسوس الشيطان لابن آدم بذلك، بل كلهم يعرفون أنهم خلقوا من آبائهم ~~وأمهاتهم، ولأن اعترافهم بذلك لا يوجب إيمانهم ولا يمنع كفرهم. والاستفهام ~~استفهام إنكار مقصوده تقريرهم أنهم لم يخلقوا من غير شيء، فإذا أقروا بأن ~~خالقا خلقهم نفعهم ذلك، وأما إذا أقروا بأنهم خلقوا من مادة لم يغن ذلك ~~عنهم من الله شيئا. # الوجه الخامس عشر أن الإقرار بأن الله لم يزل يفعل ما يشاء ويتكلم بما ~~يشاء هو وصف الكمال الذي يليق به وما سوى ذلك نقص يجب نفيه عنه، فإن كونه # PageV05P191 # لم يكن قادرا ثم صار قادرة على الكلام أو الفعل مع أنه وصف له فإنه يقتضي ~~أنه كان ناقصا عن صفة القدرة التي هي من لوازم ذاته والتي هي من أظهر صفات ~~الكمال، فهو ممتنع في العقل بالبرهان اليقيني، فإنه إذا لم يكن قادرا ثم ~~صار قادرا فلا بد من أمر جعله قادرا بعد أن لم يكن، فإذا لم يكن هناك إلا ~~العدم المحض امتنع أن يصير قادرا بعد أن لم يكن، وكذلك يمتنع أن يصير عالما ~~بعد أن لم يكن قبل هذا، بخلاف الإنسان فإنه كان غير عالم ولا قادر ثم جعله ~~غيره عالما قادرا وكذلك إذا قالوا كان غير متكلم ثم صار متكلما. # وهذا مما أورده الإمام أحمد على الجهمية إذ جعلوه كان غير متكلم ثم صار ~~متكلما. قال: كالإنسان، قال: فقد جمعتم بين تشبيه وكفر. وقد حكيت ألفاظه في ~~غير هذا الموضع (1) . # وإذا قال القائل: كان في الأزل قادرا على أن يخلق فيما لا يزال، كان هذا ~~كلاما متناقضا لأنه في الأزل عندهم لم يكن يمكنه أن يفعل، ومن لم يمكنه ~~الفعل في PageV05P192 # الأزل امتنع أن يكون قادرا في الأزل، فإن الجمع بين كونه قادرا وبين كون ~~المقدور ممتنعا جمع بين الضدين، فإنه في حال امتناع الفعل لم يكن قادرا. # وأيضا يكون الفعل ينتقل من كونه ممتنعا إلى كونه ممكنا بغير ms722 سبب موجب ~~يحدد ذلك ممتنع. # وأيضا فما من حال يقدرها العقل إلا والفعل فيها ممكن وهو قادر. وإذا قدر ~~قبل ذلك شيئا شاءه الله فالأمر كذلك، فلم يزل قادرا والفعل ممكن وليس ~~لقدرته وتمكينه من الفعل أول، فلم يزل قادرا يمكنه أن يفعل فلم يكن الفعل ~~ممتنعا عليه قط. # وأيضا فإنهم يزعمون أنه يمتنع في الأزل والأزل ليس شيئا محدودا يقف عنده ~~العقل بل ما من غاية ينتهي إليها تقدير الفعل إلا والأزل قبل ذلك بلا غاية ~~محدودة، حتى لو فرض وجود مدائن أضعاف مدائن الأرض في كل مدينة من الخردل ما ~~يملؤها وقدر أنه كلما مضت ألف ألف سنة فنيت خردلة - فني الخردل كله والأزل ~~لم ينته، ولو قدر أضعاف ذلك أضعافا لا ينتهي. فما من وقت يقدر إلا والأزل ~~قبل ذلك. وما من وقت صدر فيه الفعل إلا وقد كان قبل ذلك ممكنا. وإذا كان ~~ممكنا فما الموجب لتخصيص حال الفعل بالخلق دون ما قبل ذلك فيما لا يتناهى؟ ~~وأيضا فالأزل معناه عدم الأولية، ليس الأزل شيئا محدودا، فقولنا لم يزل ~~قادرا بمنزلة قولنا هو قادر دائما، وكونه قادرا وصف دائم لا ابتداء له، ~~فكذلك إذا قيل لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل يفعل ما شاء، يقتضي دوام كونه ~~متكلما وفاعلا بمشيئته وقدرته، وإذا ظن الظان أن هذا يقتضي دوام كونه ~~متكلما وفاعلا بمشيئته وقدرته، وإذا ظن الظان أن هذا يقتضي قدم شيء معه كان ~~من فساد تصوره، فإنه إذا كان خالق كل شيء فكل ما سواه مخلوق مسبوق بالعدم، ~~فليس معه شيء قديم بقدمه. وإذا قيل لم يزل يخلق كان معناه لم يزل يخلق ~~مخلوقا بعد مخلوق، كما لا يزال في الأبد يخلق مخلوقا بعد مخلوق، ننفي ما ~~ننفيه من الحوادث # PageV05P193 # والحركات شيئا بعد شيء. وليس في ذلك إلا وصفه بدوام الفعل لا بأن معه ~~مفعولا من المفعولات بعينه. # وإن قدر أنه نوعها لم يزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل، بل هي ~~من ms723 كماله، قال تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون) والخلق لا يزالون ~~معه، وليس في كونهم لا يزالون معه في المستقبل ما ينافي كماله، وبين الأزل ~~في المستقبل مع أنه في الماضي حدث بعد أن لم يكن إذ كان كل مخلوق فله ~~ابتداء، ولا نجزم أن يكون له انتهاء. وهذا فرق في أعيان المخلوقات، وهو فرق ~~صحيح لكن يشتبه على كثير من الناس النوع بالعين، كما اشتبه ذلك على كثير من ~~الناس في الكلام فلم يفرقوا بين كون كلامه قديما بمعنى أنه لم يزل متكلما ~~إذا شاء وبين كون الكلام المعين قديما، وكذلك لم يفرقوا بين كون الفعل ~~المعين (1) المعين قديما كالفلك محدث مخلوق مسبوق بالعدم، وكذلك كل ما ~~سواه. وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة والآثار وهو الذي تدل عليه ~~المعقولات الصريحة الخالصة من الشبه كما قد بسطنا الكلام عليها في غير هذا ~~الموضع، وبينا مطابقة العقل الصريح للنقل الصحيح. # وإن من غلط أهل الفلسفة والكلام أو غيرهم فإنما هو لغلط فيهما أو في ~~أحدهما، وإلا فالقول الصدق المعلوم بعقل أو سمع يصدق بعضه بعضا لا يكذب ~~بعضه بعضا قال تعالى (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون) بعد ~~قوله: (ومن أظلم ممن افترى على اله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه) وإنما مدح ~~من جاء بالصدق وصدق بالحق الذي جاءه. وهذه حال من لم يقبل إلا الصدق ولم ~~يرد ما يجيئه به غيره من الصدق، بل قبله ولم يعارض بينهما ولم يدفع أحدهما ~~PageV05P194 # بالآخر، وحال من كذب على الله ونسب إليه بالسمع أو العقل ما لا يصح نسبته ~~إليه أو كذب بالحق لما جاءه، فكذب من جاء بحق معلوم من سمع أو عقل، وقال ~~تعالى عن أهل النار (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) فأخبر ~~أنه لو حصل لهم سمع أو عقل ما دخلوا النار، وقال تعالى (أولم يسيروا في ~~الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذن يسمعون بها إنها لا ms724 تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) وقال تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) أي أن القرآن حق، فأخبر أنه سيري عباده ~~الآيات المشهودة المخلوقة حتى يتبين أن الآيات المتلوة المسموعة حق. # ومما يعرف به منشأ غلط هاتين الطائفتين غلطهم في الحركة والحدوث ومسمى ~~ذلك، فطائفة كأرسطو وأتباعه قالت: لا يعقل أن يكون جنس الحركة والزمان ~~والحوادث حادثا وأن يكون مبدأ كل حركة وحادث صار فاعلا لذلك بعد أن لم يكن، ~~وأن يكون الزمان حادثا بعد أن لم يكن حادثا، مع أن قبل وبعد لا يكون إلا في ~~الزمان، وهذه القضايا كلها إنما تصدق كلية لا تصدق معينة، ثم ظنوا أن ~~الحركة المعينة وهي حركة الفلك هي القديمة الأزلية وزمانها قديم، فضلوا ~~ضلالا مبينا مخالفا لصحيح المنقول المتواتر عن الأنبياء صلى الله عليهم ~~وسلم مع مخالفته لصريح المعقول الذي عليه جمهور العقلاء من الأولين ~~والآخرين. # وطائفة ظنوا أنه لا يمكن أن يكون جنس الحركة والحوادث والفعل إلا بعد أن ~~لم يكن شيء من ذلك، أو أنه يجب أن يكون فاعل الجميع لم يزل معطلا ثم حدثت ~~الحوادث بلا سبب أصلا وانتقل الفعل من الامتناع إلى الإمكان بلا سبب، وصار ~~قادرا بعد أن لم يكن بلا سبب، وكان الشيء بعد ما لم يكن في غير زمان، ~~وأمثال ذلك مما يخلف صريح العقل، وهم يظنون مع ذلك أن هذا قول أهل الملل من ~~المسلمين واليهود والنصارى، وليس هذا القول منقولا عن موسى ولا عيسى ولا # PageV05P195 # محمد صلوات الله عليهم وسلامه ولا عن أحد من أصحابهم، إنما هو مما أحدثه ~~بعض أهل البدع وانتشر عند الجهال بحقيقة أقوال الرسل وأصحابهم، فظنوا أن ~~هذا قول الرسل صلى الله عليهم وسلم، وصار نسبة هذا القول إلى الرسل ~~وأتباعهم يوجب القدح فيهم إما بعدم المعرفة بالحق في هذه المطالب العالية، ~~وإما بعدم بيان الحق، وكل منهما يوجب عند هؤلاء أن يعزلوا الكتاب والسنة ~~وآثار السلف عن الاهتداء. # وإنما ضلوا ms725 لعدم علمهم بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان. فإن الله تعالى أرسل رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا. # انتهى # PageV05P196 ### | قاعدة أهل السنة والجماعة في رحمة أهل البدع والمعاصي ومشاركتهم في صلاة الجماعة # قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية رحمه الله: بسم الله الرحمن ~~الرحيم قال الله تعالى وتقدس (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، ~~وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تهتدون، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) قال ابن عباس ~~وغيره: تبيض وجوه أهل السنة، والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة (فأما ~~الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، ~~وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون) . # وفي الترمذي عن أبي أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الخوارج " أنهم كلاب أهل النار " وقرأ هذه الآية (يوم تبيض وجوه وتسود ~~وجوه) قال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه. وقد خرجها مسلم ~~في صحيحه، وخرج البخاري طائفة منها. قال النبي صلى الله عليه وسلم " يحقر ~~أحدكم صلاته مع صلاتهم. وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم. يقرءون ~~القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية - ~~وفي رواية - يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ". # PageV05P198 # والخوارج هم أول من كفر المسلمين بالذنوب. ويكفرون من خالفهم في بدعتهم ~~ويستحلون دمه وماله. وهذه حال أهل البدع يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم في ~~بدعتهم. وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة ويطيعون ms726 الله ورسوله، ~~فيتبعون الحق، ويرحمون الخلق. # وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فعاقب الطائفتين. أما الخوارج فقاتلوه ~~فقتلهم، وأما الشيعة فحرق غاليتهم بالنار وطلب قتل عبد الله بن سبأ فهرب ~~منه، وأمر بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر. وروي عنه من وجوه كثيرة أنه ~~قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. ورواه عنه البخاري في صحيحه. # فصل # ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات، لا ~~يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم، فإن كان ~~الإمام مستورا لم يظهر منه بدعة ولا فجور صلي خلفه الجمعة والجماعة باتفاق ~~الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين، ولم يقل أحد من الأئمة أنه لا ~~تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره، بل ما زال المسلمون من بعد نبيهم ~~يصلون خلف المسلم المستور، ولكن إذا ظهر من المصلي بدعة أو فجور وأمكن ~~الصلاة خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره، فأكثر ~~أهله العلم يصححون صلاة المأموم، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة، وهو أحد ~~القولين في مذهب مالك وأحمد. وأما إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو ~~الفاجر كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى فهذه تصلى ~~خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة. وهذا مذهب الشافعي وأبي ~~حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة أهل الإسلام بلا خلاف عندهم. # PageV05P199 # وكان بعض الناس إذا كثرت الأهواء يحب أن لا يصلي إلا خلف من يعفه على ~~سبيل الاستحباب، كما نقل ذلك عن أحمد أنه ذكر ذلك لمن سأله. ولم يقل أحد ~~أنه لا تصح إلى خلف من عرف حاله. # ولما قدم أبو عمرو عثمان بن مرزوق إلى ديار مصر وكان ملوكها في ذلك ~~الزمان مظهرين للتشيع، وكانوا باطنية ملاحدة، وكان بسبب ذلك قد كثرت البدع ~~وظهرت بالديار المصرية - أمر أصحابه أن لا يصلوا إلا ms727 خلف من يعرفونه لأجل ~~ذلك (1) ثم بعد موته فتحها ملوك السنة قبل صلاح الدين وظهرت فيها كلمة ~~السنة المخالفة للرافضة، ثم صار العلم والسنة يكثر بها ويظهر. # فالصلاة خلف المستور جائزة باتفاق علماء المسلمين، ومن قال أن الصلاة ~~محرمة أو باطلة خلف من لا يعرف حاله فقد خالف إجماع أهل السنة والجماعة. ~~وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره، كما صلى عبد ~~الله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقد كان ~~يشرب الخمر وصلى مرة الصبح أربعا وجلده عثمان بن عفان على ذلك. وكان عبد ~~الله بن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الحجاج بن يوسف. وكان الصحابة ~~والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد وكان متهما بالإلحاد وداعيا إلى الضلال. # فصل # ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع ~~فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، ~~وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) وقد ثبت في الصحيح أن الله ~~تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم. PageV05P200 # والخوارج المارقون الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم قاتلهم ~~أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين. واتفق على قتالهم ~~أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ولم يكفرهم علي بن أبي طالب ~~وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم ~~يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم ~~لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار. ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم. # وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه ~~عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لإحدى هذه الطوائف ~~أن تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها، ms728 وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا ~~كانت المكفرة لها مبتدعة أيضا؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ. والغالب أنهم ~~جميعا جهال بحقائق ما يختلفون فيه. # والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا ~~تحل إلا بإذن الله ورسوله. قال النبي صلى الله عليه وسلم لما خطبهم في حجة ~~الوداع " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم ~~هذا في شهركم هذا " وقال صلى الله عليه وسلم " كل المسلم على المسلم حرام: ~~دمه وماله وعرضه " وقال صلى الله عليه وسلم " من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا ~~وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ذمة الله ورسوله " وقال " إذا التقى المسلمان ~~بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار " قيل يا رسول الله هذا القاتل، فما بال ~~المقتول؟ قال " أنه أراد قتل صاحبه " وقال " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض " وقال " إذا قال المسلم لأخيه لا كافر فقد باء بها أحدهما ~~" وهذه الأحاديث كلها في الصحاح. # وإذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك كما قال عمر ~~بن # PageV05P201 # الخطاب لحاطب (1) بن أبي بلتعة " يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ~~" فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله ~~أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ " وهذا في الصحيحين. ~~وفيهما أيضا: من حديث الأفك: أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة: أنك ~~منافق تجادل عن المنافقين، واختصم الفريقان فأصلح النبي صلى الله عليه وسلم ~~بينهم. فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم أنك منافق، ولم يكفر النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا هذا ولا هذا، بل شهد للجميع بالجنة. # وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قتل رجلا بعد ما قال لا إله ~~إلا الله وعظم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لما أخبره وقال " يا أسامة ~~أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ " وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة: تمنيت ~~أني ms729 لم أكن أسلمت إلا يومئذ. ومع هذا لم يوجب عليه قودا ولا دية ولا كفارة، ~~لأنه كان متأولا ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوذا. # فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضا من أهل الجمل وصفين ونحوهم وكلهم مسلمون ~~مؤمنون كما قال تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) فقد بين الله تعالى ~~أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض أخوة مؤمنون وأمر بالإصلاح بينهم ~~بالعدل. ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضا موالاة الدين لا ~~يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم من بعض، ~~ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما كان ~~بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك. # وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه " أن لا يهلك ~~أمته بسنة عامة أعطاه ذلك، وسأله أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطاه ~~ذلك، وسأله أن PageV05P202 # لا يجعل بأسهم بينهم فلم يعط ذلك " وأخبر أن الله لا يسلط عليهم عدوا من ~~غيرهم يغلبهم كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضا وبعضهم يسبي بعضا. # وثبت في الصحيحين لما نزل قوله (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم) قال " أعوذ بوجهك " (أو من تحت أرجلكم) قال " أعوذ بوجهك " (أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) قال " هاتان أهون ". # هذا ما أن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن البدعة والاختلاف، وقال ~~(إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء) وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة " وقال " الشيطان مع ~~الواحد وهو من الاثنين أبعد " وقال " الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم ~~والذئب إنما يأخذ القاصية والنائية من الغنم ". # فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم ~~الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن ms730 رأى بعضهم ضالا أو غاويا ~~وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وإذا ~~كان قادرا على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من ~~يظهر البدع والفجور منعه. وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب ~~الله وسنة نبيه الأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الصحيح " يؤم القوم أقرأم لكتاب الله. فإن كانوا في القراءة ~~سواء فأعلمهم بالسنة. فإن كانوا سواء فأقدمهم هجرة. فإن كان في الهجرة سواء ~~فأقدمهم سنا " وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره، كما ~~هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم. ~~وأما إذا ولي غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان ~~تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلا وضلالا وكان قد رد بدعة ببدعة. # PageV05P203 # حتى أن المصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة وكرهها ~~أكثرهم، حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع. وهذا ~~أظهر القولين، لأن الصحابة لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل ~~الفجور والبدع، ولم يأمر الله تعالى قط أحدا إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته ~~أن يعيد الصلاة. ولهذا كان صح قولي العلماء أن من صلى بحسب استطاعته أن لا ~~يعيد، حتى المتيمم لخشية البرد، ومن عدم الماء والتراب إذا صلى بحسب حاله، ~~والمحبوس وذوو الأعذار النادرة والمعتادة والمتصلة والمنقطعة لا يجب على ~~أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلى الأولى بحسب استطاعته. # وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا بغير ماء ولا تيمم لما فقدت عائشة ~~عقدها ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة، بل أبلغ من ذلك أن من ~~كان يترك الصلاة جهلا بوجوبها لم يأمره بالقضاء، فعمرو وعمار لما أجنبا ~~وعمرو لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة لم يأمرهما بالقضاء، وأبو ذر لما ~~كان يجنب ولا يصلي لم يأمره بالقضاء، ms731 والمستحاضة لما استحاضت حيضة شديدة ~~منكرة منعتها الصلاة والصوم لم يأمرها بالقضاء، والذين أكلوا في رمضان حتى ~~يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم يأمرهم بالقضاء، وكانوا قد ~~غلطوا في معنى الآية فظنوا أن قوله تعالى (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفكر) هو الحبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنما هو ~~سواد الليل وبياض النهار " ولم يأمرهم بالقضاء، والمسيء في صلاته لم يأمره ~~بإعادة ما تقدم من الصلوات، والذين صلوا إلى بيت المقدس بمكة والحبشة ~~وغيرهما بعد أن نسخت بالأمر بالصلاة إلى الكعبة وصلوا إلى الصخرة حتى بلغهم ~~النسخ لم يأمرهم بإعادة ما صلوا، وإن كان هؤلاء أعذر من غيرهم لتمسكهم بشرع ~~منسوخ. # وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد # PageV05P204 # قبل البلاغ؟ على ثلاثة أقوال، في مذهب أحمد وغيره. قيل يثبت وقيل لا ~~يثبت، وقيل يثبت المبتدأ دون الناسخ. والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله ~~تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وقوله (لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل) وفي الصحيحين " ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك ~~أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ". # فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل قد جعل الله ~~لكل شيء قدرا. # فصل # أجمع المسلمون على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإن ~~ذلك حق يجزم به المسلمون يقطعون به ولا يرتابون، وكل ما علمه المسلم وجزم ~~به فهو يقطع به وإن كان الله قادرا على تغييره، فالمسلم يقطع بما يراه ~~ويسمعه، ويقطع بأن الله قادر على ما يشاء، وإذا قال المسلم أن أقطع بذلك ~~فليس مراده أن الله لا يقدر على تغييره، بل من قال أن الله لا يقدر على مقل ~~إماتة الخلق وإحيائهم من قبورهم وعلى تسيير الجبال وتبديل الأرض غير الأرض ~~فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. # والذين يكرهون لفظ القطع من أصحاب أبي عمرو بن مرزوق هم قوم أحدثوا ms732 ذلك ~~من عندهم ولم يكن هذا الشيخ ينكر هذا، ولكن أصل هذا أنهم كانوا يستثنون في ~~الإيمان كما نقل ذلك عن السلف فيقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ويستثنون ~~في أعمال البر، فيقول أحدهم: صليت إن شاء الله. ومراد السلف من ذلك ~~الاستثناء كونه لا يقطع بأنه فعل الواجب كما أمر الله ورسوله، فيشك في قبول ~~الله لذلك فاستثنى ذلك، أو للشك في العاقبة، أو يستثني لأن الأمور جميعها ~~إنما تكون بمشيئة الله كقوله تعالى (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله) # PageV05P205 # مع أن الله علم بأنهم يدخلون لا شك في ذلك، أو لئلا يزكي أحدهم نفسه. # وكان أولئك يمتنعون عن القطع في مثل هذه الأمور، ثم جاء بعدهم قوم جهال ~~فكرهوا لفظ القطع في كل شيء، ورووا في ذلك أحاديث مكذوبة، وكل من روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه أو واحد من علماء المسلمين أنه كره ~~لفظ القطع في الأمور المجزوم بها فقد كذب عليه. وصار الواحد من هؤلاء يظن ~~أنه إذا أقر بهذه الكلمة فقد أقر بأمر عظيم في الدين، وهذا جهل وضلال من ~~هؤلاء الجهال لم يسبقهم إلى هذا أحد من طوائف المسلمين، ولا كان شيخهم أبو ~~عمرو بن مرزوق ولا أصحابه في حياته ولا خيار أصحابه بعد موته يمتنعون من ~~هذا اللفظ مطلقا، بل إنما فعل هذا طائفة من جهالهم. # كما أن طائفة أخرى زعموا أن من سب الصحابة لا يقبل الله توبته وإن تاب ~~ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " سب أصحاب ذنب لا يغفر " وهذا ~~الحديث كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يروه أحد من أهل العلم ولا ~~هو في شيء من كتبهم المعتمدة وهو مخالف للقرآن لأن الله تعالى قال (إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) هذا في حق من لم يتب. وقال ~~في حق التائبين (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ms733 رحمة ~~الله إن الله لا يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) فثبت بكتاب الله ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن كل من تاب تاب الله عليه. # ومعلوم أن من سب الرسول من الكفار المحاربين وقال: هو ساحر أو شاعر أو ~~مجنون أو معلم أو مفتر وتاب تاب الله عليه. وقد كان طائفة يسبون النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أهل الحرب ثم أسلموا وحسن إسلامهم وقبل النبي صلى الله ~~عليه وسلم منهم: منهم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن عم النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وعبد الله بن سعد بن أبي صرح، وكان قد ارتد وكان يكذب على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: أنا كنت أعلمه القرآن، ثم تاب وأسلم ~~وبايعه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. # PageV05P206 # وإذا قيل: سب الصحابة حق لآدمي: قيل: المستحل لسبهم كالرافضي يعتقد ذلك ~~دينا، كما يعتقد الكافر سب النبي صلى الله عليه وسلم دينا. فإذا تاب وصار ~~يحبهم ويثني عليهم ويدعو لهم محا الله سيئاته بالحسنات. ومن ظلم إنسانا ~~فقذفه أو اغتابه أو شتمه ثم تاب قبل الله توبته. لكن إن عرف المظلوم مكنه ~~من أخذ حقه، وإن قذفه أو اغتابه ولم يبلغه ففيه قولان للعلماء، هما روايتان ~~عن أحمد: أصحهما أنه لا يعلمه أني اغتبتك. وقد قيل بل يحسن غليه في غيبته ~~كما أساء إليه في غيبته. كما قال الحسن البصري: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن ~~اغتبته. فإذا كان الرجل قد سب الصحابة أو غير الصحابة وتاب فإنه يحسن إليهم ~~بالدعاء لهم والثناء عليهم بقدر ما أساء إليهم والحسنات يذهبن السيئات. كما ~~أن الكافر الذي كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم ويقول أنه كاذب إذا تاب ~~وشهد أن محمدا رسول الله الصادق المصدوق وصار يحبه ويثني عليه ويصلي عليه ~~كانت حسناته ماحية لسيئاته والله تعالى (يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن ~~السيئات ويعلم ما تفعلون) وقد قال تعالى (حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~العليم، غافر ms734 الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه ~~المصير) . # آخر كلام شيخ الإسلام بن تيمية، قدس الله روحه الزكية، وأسكننا وإياه ~~بمنه الغرف العلية. وصلى الله على محمد وصحبة وسلم. # [يقول محمد رشيد صاحب المنار] هذه الرسالة من أنفس ما كتبه شيخ # الاسلام وأنفعه في التأليف بين أهل القبلة الذين فرق الشيطان بينهم ~~باهواء البدع # وعصبيات المذاهب، على كونه أقوى أنصار السنة برهانا، وأبلغ المفندين ~~للبدع # قلما ولسانا، ومنهاجه في الرد على المبتدعة ببيان الحق بالأدلة، وحكم ما ~~خالفه من شرك # وكفر وبدعة، مع عدم الجزم بتكفير شخص معين له شبهة تأويل، فضلا عن تكفير # فرقة تقيم أركان الدين. فجزاه الله أفضل الجزاء على ارشاده ونصحه ~~للمسلمين # PageV05P207 ### | المذهب الصحيح الواضح فيما جاء من النصوص في وضع الجوائح في المبايعات والضمانات والمؤجرات # من تحقيقات شيخ الإسلام ابن تيمية # قدس الله سره # منقول من الجزء الحادي والثلاثين من كتاب الكواكب الدراري الموجود ~~بالمكتبة الظاهرية بدمشق المحروسة # PageV05P208 # بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخنا شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ~~بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني رحمه الله تعالى ورضي عنه: ~~الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسله صلى الله عليه وسلم تسليما. # فصل # في وضع الجوائح في المبايعات والضمانات والمؤاجرات مما تمس الحاجة إليه، ~~وذلك داخل في قاعدة تلف المقصود المعقود عليه قبل التمكن من قبضه. # قال الله في كتابه (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وقال تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم ~~تعلمون) وقال تعالى، فيما ذم به بني إسرائيل (فيما نقضهم ميثاقهم - إلى ~~قوله - وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل) ومن أكل ~~أموال الناس بالباطل أخذ أحد العوضين بدون تسليم العوض الآخر، لأن المقصود ~~بالعهود والعقود المالية ms735 هو التقابض، فكل من العاقدين يطلب من الآخر تسليم ~~ما عقد عليه ولهذا قال تعالى (واتقوا الله الذي تساءلون به) أي تتعاهدون ~~وتتعاقدون، وهذا هو موجب العقود ومقتضاها، لأن كلا من المتعاقدين أوجب على ~~نفسه بالعقد ما طلبه الآخر وسأله منه، فالعقود موجبة للقبوض، والقبوض هي ~~المسؤولة المقصودة المطلوبة، ولهذا تتم العقود بالتقابض من الطرفين، حتى لو ~~أسلم الكافران بعد # PageV05P209 # التقابض في العقود التي يعتقدون صحتها أو تحاكما إلينا لم نتعرض لذلك ~~لانقضاء العقود بموجباتها، ولهذا نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، لأنه عقد ~~وإيجاب على النفوس بلا حصول مقصود لأحد الطرفين ولا لهما. ولهذا حرم الله ~~الميسر الذي منع بيع الغرر، ومن الغرر ما يمكنه قبضه وعدم قبضه كالدواب ~~الشاردة، لأن مقصود العقد وهو القبض غير مقدور عليه. # ولهذا تنازع العلماء في بيع الدين على الغير، وفيه عن أحمد روايتان، وإن ~~كان المشهور عند أصحابه منعه، وبهذا وقع التعليل في بيع الثمار قبل بدو ~~صلاحها، كما في الصحيحين عن أنس بن مالك " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهي عن بيع الثمار حتى تزهى " قيل: وما تزهى؟ قال حتى " تحمر " قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال ~~أخيه؟ " وفي لفظ أنه " نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها وعن النخل حتى ~~يزهو؟ قيل: وما يزهو قال يحمار ويصفار " وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم " نهى عن بيع الثمر حتى تزهو " فقلت لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر، ~~أرأيت أن منع الله الثمر، بم تستحل مال أخيك؟ وهذه ألفاظ البخاري. وعند ~~مسلم " نهى عن بيع ثمر النخل حتى يزهو " وعند أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال " إن لم يثمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟ " قال أبو مسعود ~~الدمشقي: جعل مالك والدراوردي قول أنس: أرأيت إن منع الله الثمرة - من حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم. أدرجاه يه، ويرون أنه غلط. وفيما قاله أبو مسعود ~~نظر. # وهذا الأصل ms736 متفق عليه بين المسلمين ليس فيه نزاع، وهو من الأحكام التي ~~يجب اتفاق الأمم والملل فيها في الجملة، فإن مبنى ذلك على العدل والقسط ~~الذي تقوم به السماء والأرض، وبه أنزل الله الكتب وأرسل الرسل، كما قال ~~تعالى (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط) . # PageV05P210 # وذلك أن المعاوضة كالمبايعة والمؤاجرة مبناها على المعادلة والمساواة من ~~الجانبين، لم يبذل أحدهما ما بذله، إلا ليحصل له ما طلبه. فكل منهما آخذ ~~معط طالب مطلوب. فإذا تلف المقصود بالعقد المعقود عليه قبل التمكن من قبضه ~~- مثل تلف العين المؤجرة قبل التمكن من قبضها وتلف ما بيع بكيل أو وزن قبل ~~تمييزه بذلك وإقباضه ونحو ذلك - لم يجب على المؤخر أو المشتري أداء الأجرة ~~أو الثمن. # ثم إن كان التلف على وجه لا يمكن ضمانه وهو التلف بأمر سماوي بطل العقد ~~ووجب رد الثمن إلى المشتري إن كان قبض منه، وبرئ منه إن لم يكن قبض، وإن ~~كان على وجه يمكن فيه الضمان وهو أن يتلفه آدمي يمكن تضمينه فللمشتري الفسخ ~~لأجل تلفه قبل التمكن من قبضه وله الإمضاء لإمكان مطالبة المتلف، فإن فسخ ~~كانت مطالبة المتلف للبائع وكان للمشتري مطالبة البائع بالثمن إن كان قبضه، ~~وإن لم يفسخ كان عليه الثمن وله مطالبة المتلف، لكن المتلف لا يطالب إلا ~~بالبدل الواجب بالإتلاف، والمشتري لا يطالب إلا بالمسمى الواجب بالعقد، ~~ولهذا قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن المتلف إما أن يكون هو البائع أو ~~المشتري أو ثالثا أو يكون بأمر سماوي، فإن كان هو المشتري فإتلافه كقبضه ~~يستقر به العوض، وإن كان بأمر سماوي انفسخ العقد، وإن كان ثالثا فالمشتري ~~بالخيار، وإن كان المتلف هو البائع فأشهر الوجهين أنه كإتلاف الأجنبي، ~~والثاني أنه كالتلف السمائي. # وهذا الأصل مستقر في جميع المعاوضات إذا تلف المعقود عليه قبل التمكن من ~~القبض تلفا لا ضمان فيه انفسخ العقد، وإن كان فيه الضمان كان في العقد ~~الخيار. وكذلك سائر الوجوه التي يتعذر فيها حصول ms737 المقصود بالعقد من غير ~~إياس، مثل أن يغصب المبيع أو المستأجر غاصب، أو يفلس البائع بالثمن، أو ~~يتعذر فياه ما تستحقه الزوجة من النفقة والمتعة والقسم، أو ما يستحقه الزوج ~~من المتعة # PageV05P211 # ونحوها، ولا ينتقض هذا بموت أحد الزوجين، لأن ذلك تمام العقد ونهايته، ~~ولا بالطلاق قبل الدخول لأن نفس حصول الصلة بين الزوجين أحد مقصودي العقد. ~~ولهذا ثبتت به حرمة المصاهرة في غير الربيبة. # فصل # والأصل في أن تلف المبيع والمستأجر قبل التمكن من قبضه ينفسخ به العقد من ~~السنة ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " لو بعث من أخيك تمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ ~~منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " وفي رواية " أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمر بوضع الجوائح ". # فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح أنه إذا باع ثمرا ~~فأصابته جائحة فلا يحل له أن يأخذ منه شيئا، ثم بين سبب ذلك وعلته فقال " ~~بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " وهذا دلالة على ما ذكره الله في كتابه من ~~تحريم أكل المال بالباطل وأنه إذا تلف المبيع قبل التمكن من قبضه كان أخذ ~~شيء من الثمن أخذ ماله بغير حق بل بالباطل، وقد حرم الله أكل المال بالباطل ~~لأنه من الظلم المخالف للقسط الذي تقوم به السماء والأرض. وهذا الحديث أصل ~~في هذا الباب. # والعلماء وإن تنازعوا في حكم هذا الحديث كما سنذكره واتفقوا على أن تلف ~~المبيع قبل التمكن من القبض يبطل العقد ويحرم أخذ الثمن فلست أعلم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحا صريحا في هذه القاعدة وهي (إن تلف المبيع ~~قبل التمكن من القبض يبطل العقد) غير هذا الحديث. # وهذا له نظائر متعددة قد ينص النبي صلى الله عليه وسلم نصا يوجب قاعدة ~~ويخفي النص على بعض العلماء حتى يوافقوا غيرهم على بعض أحكام تلك القاعدة ~~ويتنازعوا فيما ms738 لم # PageV05P212 # يبلغهم فيه النص. مثل اتفاقهم على المضاربة ومنازعتهم في المساقاة ~~والمزارعة وهما ثابتان بالنص، والمضارية ليس فيها نص، وإنما فيها عمل ~~الصحابة رضي الله عنهم. # ولهذا كان فقهاء الحديث يؤصلون أصلا بالنص ويفرعون عليه لا ينازعون في ~~الأصل المنصوص ويوافقون فيما لا نص فيه، ويتولد من ذلك ظهور الحكم المجمع ~~عليه لهيبة الاتفاق في القلوب وأنه ليس لأحد خلافه. # وتوقف بعض الناس في الحكم المنصوص. وقد يكون حكمه أقوى من المتفق عليه. ~~وإن خفي مدركه على بعض العلماء فليس ذلك بمانع من قوته في نفس الأمر حتى ~~يقطع به من ظهر له مدركه. # ووضع الجوائح من هذا الباب، فإنها ثابتة بالنص، وبالعمل القديم الذي لم ~~يعلم فيه مخالف من الصحابة والتابعين، وبالقياس الجلي والقواعد المقررة، بل ~~عند التأمل الصحيح ليس في العلماء من يخالف هذا الحديث على التحقيق. # وذلك أن القول به هو مذهب أهل المدينة قديما وحديثا، وعليه العمل عندهم ~~من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمن مالك وغيره، وهو مشهور عن ~~علمائهم كالقاسم ابن محمد ويحيى بن سعيد القاضي ومالك وأصحابه، وهو مذهب ~~فقهاء الحديث كالإمام أحمد وأصحابه وأبي عبيد والشافعي في قوله القديم. ~~وأما في القول الجديد فإنه علق القول به على ثبوته لأنه لم يعلم صحته، فقال ~~رضي الله عنه: لم يثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع ~~الجوائح، ولو ثبت لم أعده، ولو كنت قائلا بوضعها لوضعتها في القليل ~~والكثير. # فقد أخبر أنه إنما لم يجزم به لأنه لم يعلم صحته. وعلق القول به على ~~ثبوته، فقال: لو ثبت لم أعده. والحديث ثابت عند أهل الحديث لم يقدح فيه أحد ~~من علماء الحديث بل صححوه ورووه في الصحاح والسنن رواه مسلم وأبو داود وابن ~~ماجه والإمام أحمد. فظهر وجوب القول به على أصل الشافعي أصلا. # PageV05P213 # وأما أبو حنيفة فإنه لا يتصور الخلاف معه في هذا الأصل على الحقيقة لأن ~~من أصله: أنه لا يفرق بين ما قبل ms739 بدو الصلاح وبعده، ومطلق العقد عنده وجوب ~~القطع في الحال ولو شرط التبقية بعد بدو الصلاح لم يصح عنده بناء على ما ~~رآه من أن العقد موجب التقابض في الحال، فلا يجوز تأخيره لأنه شرط يخالف ~~مقتضى العقد، فإذا تلف الثمر عنده بعد البيع والتخلية فقد تلف بعد وجوب ~~قطعه كما لو تلف عند غيره بعد كمال إصلاحه، وطرد أصله في الإجارة فعنده لا ~~يملك المنافع فيها إلا بالقبض شيئا فشيئا لا تملك بمجرد العقد وقبض العين ~~ولهذا يفسخها بالموت وغيره. # ومعلوم أن الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متواترة في التفريق بين ~~ما بعد بدو الصلاح وقبل بدوها كما عليه جماهير العلماء حيث نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وذلك ثابت في الصحاح من ~~حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وأنس وأبي هريرة فلو كان أبو حنيفة ممن يقول ~~ببيع الثمار بعد بدو صلاحها مبقاة إلى كمال الصلاح ظهر النزاع معه. # والذين ينازعون في وضع الجوائح لا ينازعون في أن المبيع إذا تلف قبل ~~التمكن من القبض يكون من ضمان البائع، بل الشافعي أشد الناس في ذلك قولا ~~فإنه يقول: إذا تلف قبل القبض كان من ضمان البائع في كل مبيع ويطرد ذلك في ~~غير البيع، وأبو حنيفة يقول به في كل منقول. ومالك وأحمد القائلان بوضع ~~الجوائج يفرقان بين ما أمكن قبضه كالعين الحاضرة وما لم يمكن قبضه لما روى ~~البخاري من رواية الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: مضت السنة إن ما أدركته ~~الصقعة حبا مجموعا فهو من مال المشتري. # وإما النزاع في أن تلف الثمر قبل كمال صلاحه تلف قبل التمكن من القبض أم ~~لا؟ فإنهم يقولون هذا تلف بعد قبضه لأن قبضه حصل بالتخلية بين المشتري ~~وبينه، فإن هذا قبض العقار وما يتصل به بالاتفاق، ولأن المشتري يجوز تصرفه ~~فيه # PageV05P214 # بالبيع وغيره، وجواز التصرف يدل على حصول القبض لأن التصرف في المبيع قبل ~~القبض لا يجوز، فهذا ms740 سر قولهم. # وقد احتجوا بظاهر من أحاديث معتضدين بها، مثل ما رواه مسلم في صحيحه عن ~~أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ~~ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تصدقوا عليه " ~~فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لغرمائه " خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك " ومثل ما روي في الصحيحين ~~أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان ~~فأذهبتها الجائحة فسأله أن يضع عنه فتألى أن لا يفعل، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " تألى أن لا يفعل خيرا ". # ولا دلالة في واحد من الحديثين، أما الأول فكلام مجمل فإنه حكى أن رجلا ~~اشترى ثمارا فكثرت ديونه فيمكن أن السعر كان رخيصا فكثر دينه لذلك، ويحتمل ~~أنها تلفت أو بعضها بعد كمال الصلاح أو حوزها إلى الجرين أو إلى البيت أو ~~السوق، ويحتمل أن يكون هذا قبل نهيه أن تباع الثمار قبل بدو صلاحها. ولو ~~فرض أن هذا كان مخالفا لكان منسوخا، لأنه باق على حكم الأصل وذاك ناقل عنه، ~~وفيه سنة جديدة فلو خولفت لوقع التغيير مرتين، وأما الحديث الثاني فليس فيه ~~إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم " تألى أن لا يفعل خيرا " والخير قد يكون ~~واجبا وقد يكون مستحبا، ولم يحكم عليه لعدم مطالبة الخصم وحضور البينة أو ~~الإقرار، ولعل التلف كان بعد كمال الصلاح. # وقد اعترض بعضهم على حديث الجوائح بأنه مجمول على بيع الثمر قبل بدو ~~صلاحه كما في حديث أنس. وهذا باطل لعدة أوجه. # أحدها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها ~~جائحة " والبيع المطلق لا ينصرف إلا إلى البيع الصحيح. # PageV05P215 # والثاني أنه أطلع بيع الثمرة ولم يقل قبل بدو صلاحها فأما تقييده ببيعها ~~قبل بدوصلاحها فلا وجه له. # الثالث أنه قيد ذلك بحال الجائحة، وبيع الثمر قبل بدو صلاحها ms741 لا يجب فيه ~~ثمن بحال. # الرابع أن المقبوض بالعقد الفاسد مضمون، فلو كان الثمر على الشجر مقبوضا ~~لوجب أن يكون مضمونا على المشتري في العقد الفاسد. وهذا الوجه يوجب أن يحتج ~~بحديث أنس على وضع الجوائح في البيع الصحيح. كما توضع في البيع الفاسد، لأن ~~ما ضمن في الصحيح ضمن في الفاسد، وما لا يضمن في الصحيح لا يضمن في الفاسد. # وأما قولهم: إنه تلف بعض القبض فممنوع، بل نقول ذلك تلف قبل تمام القبض ~~وكماله، بل وقبل التمكن من القبض، لأن البائع عليه تمام التربية من سقي ~~الثمر، حتى لو ترك ذلك لكان مفرطا، ولو فرض أن البائع فعل ما يقدر عليه من ~~التخلية فالمشتري إنما عليه أن يقبضه على الوجه المعروف المعتاد. فقد وجد ~~التسليم دون تمام التسلم. وذلك أحد طرفي القبض. ولم يقدر المشتري إلا على ~~ذلك. وإنما على المشتري أن يقبض المبيع على الوجه المعروف المعتاد الذي ~~اقتضاه العقد، سواء كان القبض مستعقبا للعقد أو مستأخرا وسواء كان جملة أو ~~شيئا فشيئا. # ونحن نطرد هذا الأصل في جميع العقود، فليس من شرط القبض أن يستعقب العقد، ~~بل القبض يجب وقوعه على حسب ما اقتضاه العقد لفظا وعرفا، ولهذا يجوز ~~استثناء بعض منفعة المبيع مدة معينة وإن تأخر بها القبض على الصحيح، كما ~~يجوز بيع العين المؤجرة، ويجوز بيع الشجر واستثناء ثمره للبائع، وإن تأخر ~~معه كمال القبض. ويجوز عقد الإجارة لمدة لا تلي العقد. # وسر ذلك أن القبض هو موجب العقد فيجب في ذلك ما أوجبه العاقدان يحسب ~~قصدهما الذي يظهر بلفظهما وعرفهما. ولهذا قلنا أن شرطا تعجيل # PageV05P216 # القطع جاز إذا لم يكن فيه فساد يحظره الشرع، فإن المسلمين عند شروطهم إلا ~~شرطا أحل حراما وحرم حلالا، وإن أطلقا فالعرف تأخير الجداد والحصاد إلى ~~كمال الصلاح. # وأما استدلالهم بأن القبض هو التخلية فالقبض مرجعه إلى عرف الناس، حيث لم ~~يكن له حد في اللغة ولا في الشرع. وقبض ثمر الشجر لا بد فيه من الخدمة ~~والتخلية ms742 المستمرة إلى كمال الصلاح، بخلاف قبض مجرد الأصول، وتخلية كل شيء ~~بحسبه، ودليل ذلك المنافع في العين المؤجرة. # وأما استدلالهم بجواز التصرف فيه بالبيع، فعن أحمد في هذه المسألة ~~روايتان: (أحدهما) لا يجوز بيعه ما دام مضمونا على البائع لأن بيع ما لم ~~يقبض فلا يجوز وعلى هذا يمنع الحكم في الأصل (والرواية الثانية) يجوز ~~التصرف، وعلى هذه الرواية فذلك بمنزلة منافع الإجارة بأنها لو تلفت قبل ~~الاستيفاء كانت من ضمان المؤجر بالاتفاق، ومع هذا فيجوز التصرف فيها قبل ~~القبض، وذلك لأنه في الموضعين حصل الإقباض الممكن فجاز التصرف باعتبار ~~التمكن، ولم يدخل في الضمان لانتفاء كماله وتمامه الذي به يقدر المشتري ~~والمستأجر على الاستيفاء، وعلى هذا فعندنا لا ملازمة بين جواز التصرف ~~والضمان، بل يجوز التصرف بلا ضمان كما هنا، وقد يحصل الضمان بلا جواز تصرف ~~كما في المقبوض قبضا فاسدا، كما لو اشترى قفيزا من صبرة فقبض الصبرة كلها، ~~وكما في الصبرة قبل نقلها على إحدى الروايتين. اختارها الخرقي. وقد يحصلان ~~جميعا وقد لا يحصلان جميعا. # ولنا في جواز إيجار العين المؤجرة بأكثر من أجرتها روايتان، لما في ذلك ~~من ربح ما لم يضمن، ورواية ثالثة: إن زاد فيها عمارة جازت زيادة الأجرة ~~فتكون الزيادة في مقابلة الزيادة. فالروايتان في بيع الثمار المشتراة نظير ~~الروايتين في إيجار العين المؤجرة، ولو قيل في الثمار إنما يمنع من الزيادة ~~على الثمن كرواية المنع في الإجارة لتوجه ذلك. # PageV05P217 # وبهذا الكلام يظهر المعنى في المسئلة وإن ذلك تلف قبل التمكن من القبض ~~المقصود بالعقد، فيكون مضمونا على البائع كتلف المنافع قبل التمكن من ~~قبضها. وذلك لأن التخلية ليست مقصودة لذاتها وإنما مقصودها تمكن المشتري من ~~قبض المبيع، والثمر على الشجر ليس بمحرز ولا مقبوض، ولهذا لا قطع فيه، ولا ~~المقصود بالعقد كونه على الشجر. وإنما المقصود حصاده وجداده، ولهذا وجب على ~~البائع ما به يتمكن من جداده وسقيه، والأجزاء الحادثة بعد البيع داخلة فيه ~~وإن كانت معدومة كما تدخل المنافع في الإجارة ms743 وإن كانت معدومة، فكيف يكون ~~المعدوم مقبوضا قبضا مستقرا موجبا لانتقال الضمان؟ # فصل # وعلى هذا الأصل تتفرع المسائل، فالجائحة هي الآفات السماوية التي لا يمكن ~~معها تضمين أحد، مثل الريح والبرد والحر والمطر والجليد والصاعقة ونحو ذلك، ~~كما لو تلف بها غير هذا المبيع. فإن أتلفها آدمي يمكن تضمينه، أو غصبها ~~غاصب، فقال أصحابنا كالقاضي وغيره: هي بمنزل إتلاف المبيع قبل التمكن من ~~قبضه، يخير المشتري بين الإمضاء والفسخ كما تقدم، وإن أتلفها من الآدميين ~~من لا يمكن ضمانه كالجيوش التي تنهبها واللصوص الذين يخربونها، فخرجوا فيه ~~وجهين (أحدهما) ليست جائحة لأنها من فعل آدمي (والثاني) وهو قياس أصول ~~المذهب أنها جائحة وهو مذهب مالك كما قلنا مثل ذلك في منافع الإجارة، لأن ~~المأخذ إنما هو إمكان الضمان، ولهذا لو كان المتلف جيوش الكفار أو أهل ~~الحرب كان ذلك كالآفة السماوية، والجيوش واللصوص وإن فعلوا ذلك ظلما ولم ~~يكن تضمينهم فهم بمنزلة البرد في المعنى، ولو كانت الجائحة قد عيبته ولم ~~تتلفه فهو كالعيب الحادث قبل التمكن من القبض، وهو كالعيب القديم يملك به ~~الفسخ أو الأرض حيث يقول به، وإذا كان ذلك بمنزلة تلف المبيع قبل التمكن من ~~قبضه فلا فرق بين قليل الجائحة # PageV05P218 # وكثيرها في أشهر الروايتين، وهي قول الشافعي وأبي عبيدة وغيرهما من فقهاء ~~الحديث لعموم الحديث والمعنى (والثانية) أن الجائحة الثلث فما زاد كقول ~~مالك، لأنه لا بد من تلف بعض الثمر في العادة، فيحتاج إلى تقدير الجائحة ~~فتقدر بالثلث، كما قدر به الوصية والنذر ومواضع في الجراح وغير ذلك، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال " الثلث، والثلث كثير " وعلى الرواية الأولى ~~يقال، الفرق مرجعه إلى العادة، فما جرت العادة بسقوطه أو أكل الطير أو غيره ~~له فهو مشروط في العقد، والجائحة ما زاد على ذلك، وإذا زادت على العادة ~~وضعت جميعها، وكذلك إذا زادت على الثلث وقلنا بتقديره بأنها توضع جميعها، ~~وهل الثلث مقدر بثلث القيمة أو ثلث المقدار؟ على وجهين، وهما قولان في ms744 مذهب ~~مالك. # فصل # والجوائح موضوعة في جميع الشجر عند أصحابنا، وهو مذهب مالك. وقد نقل عن ~~أحمد أنه قال: إنما الجوائح في النخل، وقد تأوله القاضي على أنه أراد إخراج ~~الزرع والخضر من ذلك، ويمكن أنه أراد أن لفظ الجوائح الذي جاء به الحديث هو ~~في الخل وباقي الشجر ثابتة بالقياس لا بالنص، فإن شجر المدينة كان النخل. ~~وأما الجوائح فيما يبتاع من الزرع ففيه وجهان ذكرهما القاضي وغيره (أحدهما) ~~لا جائحة فيها، قال القاضي: وهذا أشبه، لأنها لا تباع إلا بعد تكامل صلاحها ~~وأوان جدادها، بخلاف الثمرة فإن بيعها جائز بمجرد بدو الصلاح ومدته تطول. ~~وعلى هذا الوجه حمل القاضي كلام أحمد: إنما الجوائح في النخل - يعني لما ~~كان ببغداد - وقد سئل عن جوائح الزرع فقال: إنما الجوائح في النخل. وكذلك ~~مذهب مالك أنه لا جائحة في الثمرة إذا يبست، والزرع لا جائحة فيه كذلك، ~~لأنه إنما يباع يابسا، وهذا قول من لا يضع الجوائح في الثمر كأبي حنيفة ~~والشافعي في القول الجديد المعلق (1) . PageV05P219 # والوجه الثاني فيها الجائحة كالثمرة. وهذا هو الذي قطع به غير واحد من ~~أصحابنا كأبي محمد لم يذكروا فيه خلافا ولم يفرقوا بين ذلك وبين الثمرة، ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود، وبيع الحب حتى ~~يشتد، فبيع هذا بعد اسوداده كبيع هذا بعد اشتداده. ومن حين يشتد إلى حين ~~يستحصد مدة قد تصيبه فيها جائحة. ومن أصحابنا من قال: ما تكرر حمله كالقثاء ~~والخيار ونحوهما من الخضر والبقول وغيرهما فهو كالشجر وثمره كثمره في ذلك ~~لصحة بيع أصوله صغارا كانت أو كبارا مثمرة أو غير مثمرة. # فصل # هذا إذا تلفت قبل كمال صلاحها ووقت جدادها، فإن تركها إلى حين الجداد ~~فتلفت حينئذ فكذلك عند أصحابنا. ونقل عن مالك أنها تكون من ضمان المشتري. ~~وللشافعي قولان، وذلك لأنه لم يبق على البائع شيء من التسليم، والمشتري لم ~~يحصل منه تفريط لا خاص ولا عام فإن تأخيرها إلى هذا الحين من ms745 موجب العقد. ~~فأصحابنا راعوا عدم تمكن المشتري وعدم تفريطه، والمنازع راعى تسليم البائع ~~وتمكينه. # وأما إن تركها حتى يجاوز (1) نقلها وتكامل بلوغها ثم تلفت ففياه لأصحابنا ~~ثلاثة أوجه (أحدها) أن يكون من ضمان البائع أيضا لعدم كمال قبض المشتري وهو ~~الذي قطع به القاضي في المجرد وابن عقيل وأكثر الأصحاب وهو مذهب مالك ~~والشافعي، لكن القاضي في المجرد علله بما إذا لم يكن له عذر دون ما إذا ~~عاقه مرضه أو مانع، وأما غيره فذهبوا إلى الوجه الثالث وهو عدم اعتبار ~~إمكان الرفع والجد. قال ابن عقيل: هذا هو الذي يقتضيه مذهبنا وهو ~~PageV05P220 # كما قال، فإن هذه الثمرة بمنزلة المنفعة في الإجارة. ولو حال بين ~~المستأجر الحائل وبينها حائل يخصه مثل مرضه ونحوه لم تسقط عنه الأجرة بخلاف ~~الحائل العالم فإنه يسقط أجرة ما ذهب به من المنفعة. # فصل # هذا إذا اشترى الثمرة والزرع، فإن اشترى الأصل بعد ظهور الثمر أو قبل ~~التأبير واشترط الثمر فلا جائحة في ذلك عند أصحابنا ومالك وغيرهما. ولذلك ~~احترز الخرقي من هذه الصورة فقال: وإذا اشترى الثمرة دون الأصل فتلفت ~~بجائحة من السماء رجع بها على البائع، وذلك لأنه هنا حصل القبض الكامل بقبض ~~الأصل، ولهذا لا يجب على البائع سقي ولا مؤونة أصلا، فإن المبيع عقار ~~والعقار قبض بالتخلية، والثمر دخل ضمنا وتبعا، فإذا جاز بيعه قبل صلاحه جاز ~~هنا تبعا، ولو بيع مقصودا لم يجز بيعه قبل صلاحه. # فصل # هذا الكلام في البيع المحض للثمر والزرع، وأما الضمان والقبالة وهو أن ~~يضمن الأرض والشجر جميعا بعوض واحد لمن يقوم على الشجر والأرض ويكون الثمر ~~والزرع له، فهذا العقد فيه ثلاثة أقوال. # أحدها أنه باطل وهذا القول منصوص عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ~~بناء على أن في ذلك تبعا للثمر قبل بدو صلاحه (والثاني) يجوز إذا كانت ~~الأرض هي المقصودة والشجر تابع لها بأن يكون شجرا قليلا، وهذا قول مالك ~~(والثالث) حواز ذلك مطلقا، قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم، منهم ابن ms746 عقيل، ~~وهذا هو الصواب لأن إجارة الأرض جائزة ولا يمكن ذلك إلا بإدخال الشجر في ~~العقد فجاز للحاجة تبعا، وإن كان في ذلك بيع ثمر قبل بدو صلاحه # PageV05P221 # إذا بيع مع الأصل، ولأن ذلك ليس ببيع للثمر. لأن الضامن هنا هو الذي يسقي ~~الشجر ويزرع الأرض، فهو في الشجر بمنزلة المستأجر في الأرض، والمبتاع للثمر ~~بمنزلة المشتري للزرع، فلا يصح إلحاق أحدهما بالآخر، ولأن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه قبل حديقة أسيد بن الحضير ثلاث سنين بعد موته وأخذ القبالة ~~فوفى بها دينه. رواه حرب الكرماني في مسائله وأبو زرعة لدمشقي في تاريخه ~~بإسناد صحيح، ولأن عمر بن الخطاب ضرب الخراج باتفاق الصحابة على الأرض التي ~~فيها شجر نخل وعنب وجعل للأرض قسطا وللشجر قسطا، وذلك إجارة عند أكثر من ~~ينازعنا في هذه المسئلة، وهو ضمان لأرض وشجر. وقد بسطت الكلام في هذه ~~المسئلة في القواعد الفقهية. # والغرض هنا مسئلة وضع الجوائح، فإذا قلنا لا يصح هذا العقد فكيف الطريق ~~في المعاملة؟ قيل أنه يؤجر الأرض ويساقي على الشجر (والزرع) منها، وهذا قول ~~طائفة من أصحاب الشافعي وغيرهم، وهو قول القاضي أبي يعلى في كتاب إبطال ~~الحيل، والمنصوص عن أحمد إبطال هذه الحيلة وهو الصواب، كما قررنا في كتاب ~~إبطال الحيل فساد ذلك من وجوه كثيرة (منها) أنه إن جعل أحد العقدين شرطا في ~~الآخر لم يصح، وإن عقدهما عقدين مفردين لم تجز له هذه المحاباة في مال ~~موليه كالوقف ومال اليتيم ونحوهما، ولا مال موكله الغائب ونحوه. # ومنها أنه قد علم أن إعطاء العوض العظيم من الضامن لم يكن لأجل منفعة ~~الأرض التي قد لا تساوي عشر العوض وإنما هو لأجل الثمرة، وكذلك المالك قد ~~علم أنه لم يشترط لنفسه من الثمرة شيئا، وهو لا يطالب بذلك القدر النذر ~~الذي لا قيمة له، وإنما جعل الثمرة جميعها للضامن. # وفي الجملة فهذا العقد إما أن يصح على الوجه المعروف بين الناس وإما أن ~~لا # PageV05P222 # يصح بحال، لكن الثاني فيه ms747 فساد عظيم لا تحتمله الشريعة فتعين الأول. وأما ~~هذه الحيلة فيعرف بطلانها بأدنى نظر. # فعلى هذا إذا حصلت جائحة في هذا الضمان، فإن قلنا: العقد فاسد فيكون قد ~~اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها وقد خلي بينه وبينها وتلفت قبل كمال الصلاح أو ~~لم تطلع. وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيع الثمر قبل ~~بدو صلاحه لقوله " أرأيت أن منع الله الثمرة " أو قال " أرأيت إن لم يثمرها ~~الله، فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ " وإذا أصابتها جائحة منعت كمال ~~صلاحها وأفسدتها فقد منع الله الثمرة فيجب أن لا يأخذ مال أخيه بغير حق. ~~ومن قال أن الثمرة تضمن بالقبض في العقد الصحيح فيلزمه أن يقول أنها تضمن ~~بالقبض في العقد الفاسد، فإذا تلفت هنا يكون من ضمانه لأن المقبوض بالعقد ~~الفاسد مضمون على المشتري، لكن يجب أن يضمنوا قيمتها حين تلفت، وقد يكون ~~تلفها في أوائل ظهورها وقيمتها قليلة، وقد يكون بعد بدو صلاحها وهذا مما ~~يلزمهم فيه إلزاما قويا، وهو أنه إذا اشتراها بعد بدو صلاحها مستحقة ~~التبقية فكثير من أجزائها وصفاتها لم يخلق بعد، فإذا تلفت بجائحة ولم نضع ~~عنه الجائحة، فيجب أن لا يضمن إلا ما قبضه دون ما لم يخلق بعد ولم يقبضه، ~~فيجب أن ينظر قيمتها حين أصابتها الجائحة فينسب ذلك إلى قيمتها وقت بدو ~~الصلاح، فيضمن من الثمن بقدر ذلك، بمنزلة من قبض بعض المبيع وبعض منفعة ~~الإجارة دون بعض فإنه يضمن ما قبضه دون ما لم يقبضه بعد. فأما أن يجعل ~~الأجزاء والصفات المعدومة التي لم تخلق بعد من ضمانه وهي لم توجد فهذا خلاف ~~أصول الإسلام، وهو ظلم بين لا وجه له، ومن قاله فعليه أن يقول أنه إذا ~~اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها وقبض أصلها ولم يخلق منها شيء لآفة منعت الطلع ~~أن يضمن الثمن جميعه للبائع، وهذا خلاف النص والإجماع، ويلزمه أن يقول أنه ~~لو بدا صلاحها في العقد الفاسد # PageV05P223 # وتلفت بآفة سماوية أن ms748 يضمن جميع الثمرة كما يضمنها عنده بالعقد الصحيح، ~~فإن ما ضمن بالقبض في أحدهما ضمن بالقبض في الآخر، إلا أنه يضمن هنا ~~بالمسمى وهناك بالبدل. وهذه حجة قوية لا محيص عنها، فإنه إن جعل ما لم يخلق ~~من الأجزاء مقبوضا لزمه أن يضمن في العقد الفاسد، وإن جعله غير مقبوض لزمه ~~أن لا يضمن في العقد الصحيح. والأول باطل قطعا مخالف للنص والإجماع. # ومن قال من الكوفيين أن المعقود عليه هو ما وجد فقط وهو المقبوض فقد سلم ~~من هذا التناقض، لكن لزمه مخالفة النصوص المستفيضة، ومخالفة عمل المسلمين ~~قديما وحديثا، ومخالفة الأصول المستقرة، ومخالفة العدل الذي به تقوم السماء ~~والأرض، كما هو مقرر في موضعه. # وهذا كالحجج القاطعة على وجوب وضع الجوائح في العقود الصحيحة والفاسدة، ~~ووضعها في العقد الفاسد أقوى، وأما إذا جعلنا الضمان صحيحا فإنا نقول بوضع ~~الجوائح فيه، كما نقوله في الشراء وأولى أيضا، وأما من يصحح هذه الحيلة ~~ويرى العقد صحيحا فقد نقول أنت مساق والمساقاة ليس فيها جائحة فيبني هذا ~~على وضع الجوائح في المساقاة. # فصل # وأما الجوائح في الإجارة فنقول: لا نزاع بين الأئمة أن منافع الإجارة إذا ~~تعطلت قبل التمكن من استيفائها سقطت الأجرة، لم يتنازعوا في ذلك كما ~~تنازعوا في تلف الثمرة المبيعة، لأن الثمرة هناك قد يقولون قبضت بالتخلية، ~~وأما المنفعة التي لم توجد فلم تقبض بحال. ولهذا نقل الإجماع على أن العين ~~المؤجرة إذا تلفت قبل قبضها بطلت الإجارة، وكذلك إذا تلفت عقب قبضها وقبل ~~التمكن من الانتفاع، إلا خلافا شاذا حكوه عن أبي ثور. لأن المعقود عليه تلف ~~قبل قبضه فأشبه تلف المبيع بعد القبض جعلا لقبض العين قبضا للمنفعة. # PageV05P224 # وقد يقال: هو قياس قول من يقول بعدم وضع الجوائح، لكن يقولون: المعقود ~~عليه هنا المنافع وهي معدومة لم تقبض، وإنما قبضها باستيفائها أو التمكن من ~~استيفائها، وإنما جعل قبض العين قبضا لها في انتقال الملك والاستحقاق، ~~وجواز التصرف. فإذا تلفت العين فقد تلفت قبل التمكن من استيفاء ms749 المنفعة ~~فتبطل الإجارة. # وهذا يلزمهم مثله في الثمرة باعتبار ما لم يوجد من أجزائها. والأصول في ~~الثمرة كالعين في المنفعة وعدم التمكن من استيفاء المقصود بالعقد موجود في ~~الموضعين. فأبو ثور طرد القياس الفاسد كما كرد الجمهور القياس الصحيح في ~~وضع الجوائح وإبطال الإجارة. # وإن تلفت العين في أثناء المدة انفسخت الإجارة فيما بقى من المدة دون ما ~~مضى. وفي انفساخها في الماضي خلاف شاذ، وتعطل بعض الأعيان المستأجرة يسقط ~~نصيبه من الأجرة كتلف بعض الأعيان المبيعة، مثل موت بعض الدواب المستأجرة ~~وانهدام بعض الدور. # وتعطل المنفعة يكون بوجهين (أحدهما) تلف العين كموت العبد والدابة ~~المستأجرة (والثاني) زوال نفعها بأن يحدث عليها ما يمنع كدار انهدمت وأرض ~~للزرع غرقت أو انقطع ماؤها، فهذه إذا لم يبق فيها نفع فهي كالتالفة سواء لا ~~فرق بينهما عند أحد من العلماء، وإن زال بعض نفعها المقصود وبقي بعضه مثل ~~أن يمكنه زرع الأرض بغير ماء ويكون زرعا ناقصا وكان الماء ينحسر عن الأرض ~~التي غرقت على وجه يمنع بعض الزراعة أو نشوء الزرع، ملك فسخ الإجارة فإن ~~ذلك كالعيب في البيع - ولم تبطل به الإجارة. وفي إمساكه بالأرش قولان في ~~المذهب. وإن تعطل نفعها بعض المدة لزمه من الأجرة بقدر ما انتفع به كما قال ~~الخرقي. # فإن جاء أمر غالب يحجر المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد لزمه من ~~الأجرة # PageV05P225 # بمقدار مدة انتفاعه. وإذا بقي من المنفعة ما ليس هو المقصود بالعقد، مثل ~~أن ينقطع الماء عن الأرض المستأجرة للزرع ويمكن الانتفاع بها بوضع حطب ونصب ~~خيمة، وكذلك الدار المتهدمة يمكن نصب خيمة فيها، والأرض التي غرقت يمكن صيد ~~السمك منها، فهل تبطل الإجارة هنا أو يكون هذا كالنقص الذي يملك به الفسخ؟ ~~على وجهين (أحدهما) تبطل، وهو قول أكثر العلماء، كأبي حنيفة ومالك والشافعي ~~في صورة الهدم، لأن هذه المنفعة لما لم تكن هي المقصودة بالعقد كان وجودها ~~وعدمها سواء (والثاني) يملك الفسخ، وهو نص الشافعي في صورة انقطاع الماء. ~~وقد ms750 اختاره القاضي وابن عقيل في بعض المواضع. والأول اختاره غيرهما من ~~الأصحاب. # فصل # إذا تبين هذا فإذا استأجر أرضا للزرع فقد ينقطع الماء عنها أو تغرق قبل ~~الزرع، وقد ينقطع الماء عنها أو تغرق أو يصيب الزرع آفة بعد زرعها وقبل وقت ~~الحصاد، فما الحكم في هذه المسائل؟ المنصوص عن أحمد والأصحاب وغيرهم في ~~انقطاع الماء - أن انقطاعه بعد الزرع كانقطاعه قبله، إن حصل معه بعض ~~المنفعة وجب من الأجرة بقسط ذلك وإن تعطلت المنفعة كلها فلا أجرة قال أحمد ~~بن القاسم: سألت أبا عبد الله: عن رجل اكترى أرضا يزرعها وانقطع الماء عنها ~~قبل تمام الوقت؟ قال: يحط عنه من الأجرة بقدر ما لم ينتفع بها أو بقدر ~~انقطاع الماء عنها. # فصرح بأن انقطاع الماء بعد الزرع يوجب أن يحط عنه من الأجرة بقدر ما نقص ~~من المنفعة، وعلى هذا أصحابنا من غير خلاف أعلمه. # وذكر القاضي وغيره أنه إذا اكترى أرضا للزرع فزرعها ثم أصابها غرق أو آفة ~~غير الشرب فلم ينبت لزمه الكراء وذكر أن أحمد نص (1) على ذلك PageV05P226 # وأنها لو غرقت في وقت زرعها فلم يمكنه الزراعة لم تلزمه الأجرة لتعذر ~~التسليم وكذلك ذكر صاحب التفريع مذهب مالك في الصورتين، فالقاضي يفرق بين ~~الصورتين كالنصين المفترقين: يفرق بين انقطاع الماء وبين حدوث الغرق وغيره ~~من الآفات، بأن انقطاع الماء المعتاد بمنزلة عدم التسليم المستحق كموت ~~الدابة والأجرة إنما تستحق بدوام التسليم المستحق، وأما الغرق وغيره من ~~الآفات التي تفسد الزرع فهو إتلاف لعين ملك المستأجر فهو كما لو تلف بعد ~~الحصاد. # وسوى طائفة من أصحابنا - كالشيخ أبي محمد - في الإجارة بين انقطاع الماء ~~وحدوث الغرق الذي يمنع الزرع أو يضر الزرع، إن ذلك إن عطل المنفعة أسقط ~~الأجرة وإن أمكن الانتفاع معه على تعب من القصور، مثل أن يكون الغرق يمنع ~~بعض الزراعة أو يسوء الزرع ثبت به الفسخ، وإن كان ذلك لا يضر كغرق بماء ~~ينحسر في قرب من الزمان لا يمنع الزرع ولا يضره ms751 وانقطاع الماء عنها إذا ساق ~~المؤجر إليها الماء من مكان آخر أو كان انقطاعه في زمن لا يحتاج إليه فيه ~~لم يكن له الفسخ. # وعلى هذه الطريقة ينقل جواب أحمد من مسئلة انقطاع الماء إلى مسألة غرق ~~الزرع، ومن مسئلة غرق الزرع إلى مسئلة انقطاع الماء، لأن المعنى في الجميع ~~واحد، وذلك أن غرق الزرع الحادث قبل الزرع إذا منع من الزرع فالحادث بعده ~~يمنع من نبات الزرع، كما أن انقطاع الماء يمنع من نبات الزرع، والمعقود ~~عليه المقصود بالعقد هو التمكن من الانتفاع إلى حين الحصاد ليس إلقاء البذر ~~هو جميع المعقود عليه ولو كان ذلك وحده هو المعقود عليه لوجب إذا انقطع ~~الماء بعد ذلك أن لا يملك الفسخ ولا يسقط شيء من الأجرة ولم يقولوا به ولا ~~يجوز # PageV05P227 # أن يقال به، لأنا نعلم يقينا أن مقصود المستأجر الذي عقد عليه العقد هو ~~تمكنه من الانتفاع بتربة الأرض وهوائها ومائها وشمسها إلى أن يكمل صلاح ~~زرعه، فمتى زالت منفعة التراب أو الماء أو الهواء أو الشمس لم ينبت الزرع ~~ولم يستوف المنفعة المقصودة بالعقدة، كما لو استأجر دارا للسكنى فتعذرت ~~السكنى بها لبعض الأسباب، مثل خراب حائط أو انقطاع ماء أو انهدام سقف ونحو ~~ذلك. # ولا خلاف بين الأمة إن تعطل المنفعة بأمر سماوي يوجب سقوط الأجرة أو ~~نقصها أو الفسخ وإن لم يكن للمستأجر فيه صنع كموت الدابة وانهدام الدار ~~وانقطاع ماء السماء، فكذلك حدوث الغرق وغيره من الآفات المانعة من كمال ~~الانتفاع بالزرع. # يوضح ذلك أن المقصود المعقود عليه ليس هو مجرد فعل المستأجر الذي هو شق ~~الأرض وإلقاء البذر حتى يقال إذا تمكن من ذلك فقد تمكن من المنفعة جميعها ~~وإن حصل بعده ما يفسد الزرع ويمنع الانتفاع به، لأن ذلك منتقض بانقطاع ~~الماء بعد ذلك، ولأن المعقود عليه نفس منفعة الأرض، وانتفاعه بها ليس هو ~~فعله فإن فعله ليس هو منفعة له ولا فيه انتفاع له بل هو كلفة عليه وتعب ~~ونصب يذهب فيه ms752 نفعه وماله، وهذا بخلاف سكنى الدار وركوب الدابة، فإن نفس ~~السكنى والركوب انتفاع وبذلك قد نفعته العين المؤجرة. # وأما شق الأرض فتعب ونصب وإلقاء البذر وإخراج مال، وإنما يفعل ذلك لما ~~يرجوه من انتفاعه بالنفع الذي يخلقه الله في الأرض من الإنبات، كما قال ~~تعالى (سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا ~~يعلمون) وقال (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب) وقال (فأنبتنا ~~فيها حبا وعنبا وقصبا وزيتونا ونخلا) . # وليس لقائل أن يقول: أن إنبات الأرض ليس مقدورا للمستأجر ولا للمؤجر ~~والمعقود عليه يجب أن يكون مقدورا عليه، لأن هذا خلاف إجماع المسلمين بل ~~وسائر العقلاء فإن المعقود عليه المقصود بالإجارة لا يجب أن يكون من فعل ~~أحد # PageV05P228 # المتآجرين، بل يجوز أن يجعل غيرهما من حيوان أو جماد وإن كانا عاجزين عن ~~تلك المنفعة مثل أن يؤجره عبدا أو دابة ونفعها هو باختيارها، ومثل أن يؤجره ~~دارا للسكنى ونفس الانتفاع بها هو بما خلق الله فيها من البقاء على تلك ~~الصورة ليس ذلك من فعل المؤجر، وكذلك جريان الماء من السماء ونبعه من الأرض ~~هو داخل في المعقود عليه وليس هو من مقدور أحدهما. # وكذلك إذا آجره منقولا من سلاح أو كتب أو ثياب أو آلة صناعة أو غير ذلك ~~فإن المنفعة التي فيه ليست من فعل المؤجر ونظائر ذلك كثيرة، فكذلك نفع ~~الأرض الذي يخلقه الله فيها حتى ينبت الزرع بترابها ومائها وهوائها وشمسها، ~~وإن كان أكثره لا يدخل في مقدور البشر - هو المعقود عليه المقصود بالعقد ~~فإذا تلف هذا المعقود عليه بطل العقد وإن بطل بعضه كان كما لو تعطل منفعة ~~غيره من الأعيان المؤجرة بل بطلان الإجارة أو نقص الأجرة هنا أولى منه في ~~جوائح الثمر. # فإن الذين تنازعوا هناك من أصحاب أبي حنيفة والشافعي حجتهم أن الثمرة ~~تلفت بعد القبض فهو كما لو تلفت بعد الجذاذ أو بعد وقته، وأما هنا فقد اتفق ~~الأئمة على أن المنفعة إنما تقبض - القبض المضمون ms753 على المستأجر - شيئا ~~فشيئا. ولهذا اتفقوا على أنه إذا تلفت العين أو تعطلت المنفعة أو بعضها في ~~أثناء المدة سقطت الأجرة أو بعضها أو ملك الفسخ، وإنما دخلت الشبهة على من ~~دخلت عليه حيث ظن أن المنفعة المقصودة بالعقد إثارة الأرض والبذر فيها وظن ~~أن تلف الزرع بعد ذلك بغرق أو غيره بمنزلة تلف زرع الزارع بعد الحصاد ~~وبمنزلة تلف ثوب له في الدار المستأجرة. وهذه غفلة بينة لمن تدبر. # ولهذا ينكر كل ذي فطرة سليمة ذلك حتى من لم يمارس علم الفقه من الفلاحين ~~وشذاذ المتفقهة ونحوهم فإنهم يعلمون أن المعقود عليه هو انتفاع المستأجر ~~منفعة العين المؤجرة لا مجرد تعبه ونفقته الذي هو طريق إلى الانتفاع فإن ~~ذلك بمنزلة إسراجه وإلجامه # PageV05P229 # واقتياده للفرس المستأجرة وذلك طريق إلى الانتفاع بالركوب لا أنه المعقود ~~عليه وإن كان داخلا فيه، وكذلك شد الأحمال وعقد الحبال ونحو ذلك هو طريق ~~إلى الانتفاع بالحمل على الدابة وهو داخل في المعقود عليه بطريق التبع، ~~وإلا فالمعقود عليه المقصود هو نفس حمل الدابة للحمل والركوب وإن كان الحمل ~~نفع الدابة والإسراج والشد فعل المستأجر فكذلك هنا الشق والبذر، وإن كان ~~فعله فهو داخل في الإجارة بطريق التبع لأنه طريق إلى النفع المعقود عليه ~~المقصود بالعقد وهو نفع الأرض بما يخلقه فيها من ماء وهواء وشمس. # فمن ظن أن مجرد فعله هو المعقود عليه فقد غلط غلطا بينا باليقين الذي لا ~~شبهة فيه وسبب غلطه كون فعله أمرا محسوسا لحركته وكون نفع الأرض أمرا ~~معقولا لعدم حركتها فالذهن لما أدرك الحركة المحسوسة توهم أنها هي المعقود ~~عليه وهذا غلط منقوض بسائر صور الإجارة فإن المعقود عليه هو نفع الأعيان ~~المؤجرة سواء كانت جامدة كالأرض والدار والثياب أو متحركة كالأتاسي ~~والدواب، لا عمل الشخص المستأجر وإنما عمل الشخص المستأجر طريق إلى استيفاء ~~المنفعة، فتارة يقترن به الاستيفاء كالركوب واللبس وتارة يتأخر عنه ~~الاستيفاء كالبناء والغراس والزرع. فإن المعقود عليه حصول منفعة الأرض ~~للبناء والغراس والزرع لا مجرد ms754 عمل الباني الغارس الزارع الذي هو حق نفسه، ~~كيف يكون حق نفسه هو الذي بذل الأجرة في مقابلته؟ وإنما يبذل الأجرة فيما ~~يصل إليه من منفعة العين المؤجرة لا فيما هو له من عمل نفسه فإن شراء حقه ~~بحقه محال ومن تصور هذه قطع بما ذكرناه ولم يبق عنده فيه شبهة إن شاء الله. # وإذا كان المعقود عليه نفس منفعة العين من أول المدة إلى آخرها فأي وقت ~~نقصت فيه هذه المنفعة بنقص ما وانقطاعه أو بزيادته وتغريقه أو حدوث جراد أو ~~برد أو حر أو ثلج ونحو ذلك مما يكون خارجا عن العادة ومانعا من المنفعة ~~المعتادة فإن ذلك يمنع المنفعة المستحقة المعقود عليها، فيجب أن يملك الفسخ ~~أو يسقط من الأجرة بقدر ما فات من المنفعة كانقطاع الماء وليس بين انقطاع ~~الماء وزيادته وسائر الموانع فرق يصلح لافتراق الحكم. # PageV05P230 # فصل # إذا تبين ذلك فقد تقدم نص أحمد والخرقي وغيرهما على أنه عليه من الأجرة ~~بقدر ما حصل له من المنفعة وهذا نوعان. # أحدهما حصول المنفعة في بعض زمن الإجارة أو بعض أجزاء العين المستأجرة ~~فهذا تسقط فيه الأجرة على قدر ذلك ويجب بقسط ما حصل من المنفعة وتكون ~~الأجرة مقسومة على قدر قيمة الأمكنة والأزمنة فإن كلا منهما قد يكون ~~متماثلا وقد يكون مختلفا بأن يكون بعض الأرض خيرا من بعض وكرى بعض فصول ~~السنة أغلى من بعض. وقد صرح بذلك أصحابنا وغيرهم. # والثاني نقص المنفعة في نفس المكان الواحد والزمان الواحد مثل أن يقل ماء ~~السماء عن الوجه المعتاد أو يحصل غرق ينقص الزرع ونحو ذلك، فهنا لأصحابنا ~~وجهان (أحدهما) أنه لا يملك إلا الفسخ (والثاني) وهو مقتضى المنصوص وقياس ~~المذهب أنه يخير بين الفسخ وبين الأرش كالبيع، بل هو في الإجارة أوكد، لأنه ~~في البيع يمكنه الرد والمطالبة بالثمن وهنا لا يمكنه رد جميع المنفعة، فإنه ~~لا يردها إلا متغيرة. # فلو قيل هنا: أنه ليس له إلا المطالبة بالأرش كما نقول على إحدى ~~الروايتين: أن تعيب ms755 المبيع عند المشتري يمنع الرد بالعيب القديم ويوجب ~~الأرش - لكان ذلك أوجه وأقيس من قول من يقول ليس له إذا تعقب المنفعة إلا ~~الرد دون المطالبة بالأرش. فهذا قول ضعيف جدا بعيد عن أصول الشريعة وقواعد ~~المذهب وخلاف ما نص عليه أحمد وأئمة أصحابه، وإن كان القاضي قد يقوله في ~~المجرد ويتبعه عليه ابن عقيل أو غيره، فالقاضي رضي الله عنه صنف (المجرد) ~~قديما بعد أن صنف (شرح المذهب) وقبل أن يحكم (التعليق والجامع الكبير) # PageV05P231 # وهو يأخذ المسائل التي وضعها الناس وأجابوا فيها على أصولهم فيجيب فيها ~~بما نص عليه أحمد وأصحابه وبما تقتضيه أصوله عنده. فربما حصل في بعض ~~المسائل التي تتفرع وتتشعب ذهول للمفرع في بعض فروعها عن رعاية الأصول ~~والنصوص في نحو ذلك. # وعلى هذا فإذا حصل من الضرر - كالبرد الشديد والغرق والهواء المؤذي ~~والجراد والجليد والفأر ونحو ذلك - ما نقص المنفعة المقصودة المعتادة ~~المستحقة بالعقد، فيصنع في ذلك كما يصنع في أرش المبيع المعيب: تنظر قيمة ~~الأرض بدون تلك الآفة وقيمتها مع تلك الآفة، وينسب النقص إلى القيمة ~~الكاملة ويحط من الأجرة المسماة بقدر النقص، كأن تكون أجرتها مع السلامة ~~تساوي ألفا ومع الآفة تساوى ثمانمائة، فالآفة قد نقصت خمس القيمة فيحط خمس ~~الأجرة المسماة، وكذلك في جائحة الثمر ينظر كم نقصته الجائحة، هل نقصته ثلث ~~قيمته، أو ربعها، أو خمسها؟ يحط عنه من الثمن بقدره. وكذلك لو تغير الثمر ~~وعاب نظر كم نقصه ذلك العيب من قيمته؟ وحط من الثمن بنسبته. # وأما ما قد يتوهمه بعض الناس أن جائحة الزرع في الأرض المستأجرة توضع من ~~رب الأرض أو يوضع من رب الأرض بعض الزرع قياسا على جائحة المبيع في الثمر ~~والزرع - فهذا غلط. فإن المشتري للثمر والزرع ملك بالعقد نفس الثمر والزرع. ~~فإذا تلفت قبل التمكن من القبض تلفت من ملك البائع. وأما المستأجر فإنما ~~استحق بالعقد الانتفاع بالأرض. وأما الزرع نفسه فهو ملكه الحادث على ملكه ~~لم يملكه بعقد الإجارة، وإنما ملك بعقد الإجارة ms756 المنفعة التي تنبته إلى حين ~~كمال صلاحه. # فيجب الفرق بين جائحة الزرع والثمر المشترى وبين الجائحة في منفعة الأرض ~~المستأجرة المزروعة. فإن هذا مزلة أقدام ومضلة أفهام، غلط فيها خلائق من ~~الحكام والمقومين والمجيحين والملاك والمستأجرين، حتى أن بعضهم يظنون أن ~~جائحة الإجارة للأرض المزروعة بمنزلة جائحة الزرع المشترى. وبعض # PageV05P232 # المتفقهة يظن أن الأرض المزروعة إذا حصل بها آفة منعت من كمال الزرع لم ~~تنقص المنفعة ولم يتلف شيء منها، وكلا الأمرين غلط لمن تدبر. # ونظير الأرض المستأجرة للازدراع الأرض المستأجرة للغراس والبناء فإن ~~المؤجر لا يضمن قيمة الغراس والبناء إذا تلف، ولكن لو حصلت آفة منعت كمال ~~المنفعة المستحقة بالعقد، مثل أن يستولي عدو بمنع الانتفاع بالغراس والبناء ~~أو تحصل آفة من جراد أو آفة تفسد الشجر المغروس، أو حصل ريح يهدم الأبنية ~~ونحو ذلك، فهنا نقصت المنفعة المستحقة بالعقد نظير نقص المنفعة في الأرض ~~المزروعة. # ولما كان كثير من الناس يتوهم أن المستأجر توضع عنه الجائحة في نفس الزرع ~~والبناء والغراس كالمشترى - نفى ذلك العلماء، ويشبه أن يكون هذا معنى ما نص ~~عليه أحمد ونقله أصحابنا كالقاضي وأبي محمد حيث قالوا - واللفظ لأبي محمد - ~~إذا استأجر أرضا فزرعها فتلق الزرع فلا شيء على المؤجر، نص عليه أحمد ولا ~~نعلم فيه خلافا. لأن المعقود عليه منافع الأرض ولم يتلف إنما تلف مال ~~المستأجر فيها فصار كدار استأجرها ليقصر فيها ثيابا فتلفت الثياب فيها. # فهذا الكلام يقتضي أن المؤجر لا يضمن شيئا من زرع المستأجر كما يضمن ~~البائع بزرع المشتري ولذلك ذكر ذلك في باب جوائح الأعيان وعلل ذلك بأن ~~التالف إنما هو عين ملك المستأجر لا المنفعة وهذا حسن في نفي ضمان نفس ~~الزرع، ويظهر ذلك فيما إذا تلف الزرع بعد كماله. وقد بينا فيما تقدم أن نفس ~~المنفعة المعقود عليها تنقص وتتعطل بما يصيب الزرع من الآفة فيحط من الأجرة ~~بقدر ما نقص من المنفعة. # فما نفى فيه الشيخ الخلاف ضمان نفس العين ولم يذكر ضمان نقص المنفعة ms757 هنا، ~~لكن ذكره في كتاب الإجارة والموضع موضع اشتباه وفي كلام أكثر العلماء فيها ~~إجمال وربما حققناه يتضح الصواب. والله سبحانه وتعالى أعلم. # انتهت رسالة الجوائح PageV05P233 ms758