######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0096844 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المسائل الماردينية - وهي مسائل يكثر وقوعها ويحصل الابتلاء بها #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الفتاوى #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0096844 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-96844 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/96844 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفلاح، مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # [بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين] (1) # سئل [الشيخ الإمام العلامة] (2) شيخ الإسلام، بركلة الأنام، بقية السلف ~~الكرام، ناصر السنة، [قامع] (3) البدعة، مفتي المسلمين، تقي الدين أبو ~~العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني عن مسائل (4) ~~يكثر وقوعها ويحصل الابتلاء [بها] (5)، و [يحصل] (6) الضيق والحرج بالعمل ~~بها على [رأي] (7) إمام بعينه. # (1) فمنها: مسألة المياه اليسيرة ووقوع النجاسة فيها من غير تغير، و ~~[تغيرها] (8) بالطاهرات؟ # (2) ومنها: بول مأكول [لحمه] (9)؟ # (3) ومنها: طين الشوارع؟ # (4) ومنها: وقوع الفأرة، ونحوها في المائعات، كالزيت والدبس، [وغيرها] ~~(10). # (5) ومنها: المشقة الحاصلة بالكلاب حال المطر وغيره وعسر PageV01P047 #
# الاحتراز [منها] (1). # (6) ومنها: [عظام] (2) الميتة، وحافرها، وقرنها، وظفرها، وشعرها، وريشها، ~~وإنفحتها (3)؛ هل ذلك كله نجس أم طاهر، أم البعض منه طاهر والبعض نجس؟ # (7) ومنها: سؤر الحمار والبغل، هل يجوز [التوضئ] (4) به، أم لا؟ # (8) ومنها: إزالة النجاسة بمائع غير الماء، هل يطهر [محله] (5) أم لا؟ # (9) ومنها: الصلاة في النعل [والجمجم (6)، والمداس] (7)، هل يكره أم لا؟ # (10) ومنها: صيام يوم [الإغمام] (8)، هل هو واجب أم لا؟ وهل هو [يوم] (9) ~~شك منهي عنه أم لا؟ # (11) ومنها المرأة يجامعها بعلها، ولا [تتمكن] (10) من دخول PageV01P048 #
# الحمام كلما جامعها لعدم الأجرة [وغيره] (1)، فهل لها أن تتيمم؟ هل يكره ~~لبعلها [كثرة] (2) مجامعتها والحالة هذه؟ # (12) ومنها: المرأة أيضا يدخل عليها وقت الصلاة ولم # تغتسل، وتخاف إن دخلت إلى الحمام أن يفوتها الوقت، [فهل] (3) لها تصلي ~~بالتيمم، أو تصلي في الحمام؟ # (13) ومنها: الصلاة خلف أهل [الأهواء] (4) والبدع، وخلف من يلحن في ~~الفاتحة أو يبدل بعض حروفها؟ # (14) ومنها: المرأة تطهر عن الحيض، ولم تجد ماء تغتسل به، هل لزوجها أن ~~يطأها قبل غسلها من غير شرط؟ # (15) ومنها: عادم الماء إذا لم يجد ترابا، هل له أن يتيمم بالرمل ونحوه؟ # (16) ومنها: الرجل يستيقظ من النوم وعليه [جنابة] (5) وقد [زاحمه] (6) ~~الوقت، فإن اغتسل خرج الوقت؛ فهل له أن يصلي بالتيمم؟ # [وكذا المسافر يصل إلى الماء، وقد ضاق الوقت، فإن تشاغل بتحصيله خرج ~~الوقت، هل له أن ms01 يصلي بالتيمم؟] (7). # وهل له أن يصلي في الحمام إذا خاف خروج الوقت أم لا؟ PageV01P049 #
# (17) ومنها: مسألة المني، هل هو طاهر أم لا؟ وإذا كان طاهرا، فما حكم ~~رطوبة فرج المرأة إذا خالطته؟ # (18) ومنها: مسألة استحالة النجاسة كرماد السرجين النجس والزبل النجس ~~[يصيبه] (1) الريح والشمس والماء فيستحيل ترابا، فهل تجوز الصلاة عليه؟ # (19) ومنها: الخف إذا كان فيه خرق يسير، هل يجوز المسح عليه أم لا؟ # (20) ومنها: الثوب أو البدن تصيبه النجاسة ويتعذر غسله، هل يقوم التيمم ~~مقام غسله أم لا؟ # (21) ومنها: صلاة المأموم خلف الإمام خارج المسجد، أو صلاته خلفه في ~~المسجد وبينهما حائل؟ وصلاته (2) أمامه في الجمعة والجنازة، هل يجوز ذلك؟ # (22) ومنها: قوم مقيمون بقرية وهم دون أربعين، ماذا يجب عليهم: أجمعة أم ~~ظهر؟ # (23) ومنها: مسألة الجماعة للصلاة، هل هي واجبة أم سنة؟ وإذا قلنا: ~~واجبة، هل تصح الصلاة بدونها مع القدرة عليها؟ # (24) ومنها: مسألة تضمين البساتين قبل إدراك الثمرة، هل يجوز أم لا؟ ~~PageV01P050 #
# (25) ومنها: زكاة العشر يأخذه السلطان يصرفها حيث يشاء، ولا يعطيه ~~الفقراء والمساكين، هل يسقط [الفرض] (1) أم لا؟ # (26) ومنها: نصيب العامل في المزارعة، هل فيه زكاة أم لا؟ # (27) ومنها: بيع ما في بطن الأرض من اللفت والجزر والقلقاس، ونحوه، هل ~~يجوز أم لا؟ # (28) ومنها: الرجل يسلم في شيء، فهل له أن يأخذ من المسلم إليه غيره؟ كمن ~~أسلم في حنطة، فهل يأخذ بدلها شعيرا سواء تعذر المسلم فيه أم لا؟ # (29) ومنها: الرجل يكتري أرضا للزرع فيصيبه آفة فيهلك، فهل فيه جائحة أم ~~لا؟ # (30) ومنها: إجبار الأب [لبنته البالغة] (2) على النكاح، هل يجوز أم لا؟ # (31) ومنها: مسألة الفلوس وبيع بعضها ببعض متفاضلة، وصرفها بالدراهم من ~~غير تقابض في الحال؟ ودفع الدرهم يأخذ [بعضه] (3) فلوسا و [بعضه] (4) قطعة ~~من فضة؟ # (32) ومنها: المتهمون بالفجور والسرقة والقتل وغير ذلك، هل يعاقبون أم ~~لا؟ # (33) ومنها: الرجل يكون له على الرجل دين، فيجحده [أو PageV01P051 #
# يغصبه شيئا، ثم يصيب له مالا من جنس ماله أومن ms02 غير جنسه] (1)، فهل له أن ~~يأخذ منه مقدار حقه أم لا؟ # (34) ومنها: دفع الزكاة إلى أقاربه المحتاجين الذين لا تلزمه نفقاتهم، هل ~~هو أفضل، أم دفعها إلى الأجنبي؟ # (35) ومنها: [دفعها] (2) إلى والديه وولده الذين لا تلزمه نفقتهم، هل ~~يجوز أم لا؟ # (36) ومنها: الرجل يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها من المشتري بأقل من ~~ذلك الثمن حالا، هل يجوز أم لا؟ # (37) ومنها: المسكين يحتاج إلى الزكاة من [الزروع] (3)، فهل يسقط الفرض ~~عن صاحب الزرع إذا عجلها له قبل إدراك زرعه أم لا؟ # (38) ومنها: إخراج القيمة عن الزكاة، فإنه كثيرا ما يكون أنفع للفقراء، ~~هل هو جائز أم لا؟ # (39) ومنها: الواقف والناذر يوقف [أو ينذر] (4) شيئا ثم يرى غيره أحظ (5) ~~لموقوف عليه [والمنذور له] (6) هل يجوز له إبداله كما في الأضحية؟ # (40) ومنها: الرجل يلطم الرجل أو يلكمه أو يسبه، هل يجوز له أن يفعل به ~~كما فعل، أو كما يخرق ثوبه [كما يخرق ثوبه] (7). PageV01P052 #
# (42) ومنها حرف [الوقف] (1) على [وجهه في] (2) جهة [أخرى] (3) لمصلحة ~~راجحة أو مساوية؟ # (42) ومنها: أرزاق التتار، هل هي مباحة لمن يرزقونه إياها؟ # (43) ومنها: إسقاط الدين عن الفقير المعسر، هل يجوز أن يحسبه من الزكاة؟ # فأجاب [رحمه الله تعالى] (4): # الحمد لله رب العالمين # أما مسألة [تغير] (5) الماء اليسير والكثير بالطاهرات: # كالأشنان (6)، والصابون، والسدر (7)، والخطمي (8)، والتراب، والعجين وغير ~~ذلك مما قد [يغير] (9) الماء، مثل الإناء إذا كان فيه أثر PageV01P053 #
# سدر أو خطمي ووضع فيه ماء فتغير به، مع بقاء اسم الماء فهذا فيه قولان ~~معروفان للعلماء: # أحدهما: أنه لا يجوز التطهير به، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد في ~~إحدى الروايتين التي اختارها الخرقي والقاضي، وأكثر متأخري أصحابه؛ لأن هذا ~~ليس بماء مطلق فلا يدخل في قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} [النساء: 43] ثم إن ~~أصحاب هذا القول استثنوا من هذا أنواعا، بعضها متفق عليها بينهم وبعضها ~~مختلف فيه، فما كان من التغير حاصلا بأصل الخلقة أو بما يشق صون الماء عنه، ~~فهو طهور باتفاقهم. # وما ms03 تغير بالأدهان والكافور، ونحو ذلك، ففيه قولان معروفان في مذهب ~~الشافعي وأحمد وغيرهما. # وما كان [تغيره] (1) يسيرا، [فهل] (2) يعفى عنه أو لا يعفى عنه؟ أو يفرق ~~بين الرائحة وغيرها؟ على ثلاثة أوجه، إلى غير ذلك من المسائل. # والقول الثاني: أنه لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره، ولا بما يشق ~~الاحتراز عنه، ولا بما يشق فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره، كان ~~طهورا، كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه، وهي التي نص ~~عليها في أكثر أجوبته. PageV01P054 #
# وهذا القول هو الصواب؛ لأن الله تعالى قالت: {وإن كنتم مرضى أو على سفر ~~أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6]، وقوله: {فلم تجدوا ماء} ~~نكرة في سياق النفي فيعم كل ما هو ماء، لا [يفرق] (1) في ذلك بين نوع ونوع. # فإن قيل: إن المتغير لا يدخل في اسم الماء؟ # قيل: تناول الاسم لمسماه لا فرق فيه بين التغير الأصلي والطارئ، ولا بين ~~[المتغير] (2) الذي يمكن الاحتراز منه، والذي لا يمكن الاحتراز منه؛ فإن ~~الفرق بين هذا وهذا إنما هو من جهة القياس لحاجة الناس إلى استعمال هذا ~~المتغير دون هذا، فأما من جهة اللغة وعموم الاسم وخصوصه فلا فرق بين هذا ~~وهذا، ولهذا لو وكله في شراء ماء أو حلف لا يشرب ماء أو غير ذلك، لم يفرق ~~بين هذا وهذا، بل إن دخل هذا دخل هذا، وإن خرج هذا خرج هذا، فلما حصل ~~الاتفاق على دخول [المتغير] (3) تغيرا أصليا أو حادثا بما يشق صونه عنه، ~~علم أن هذا النوع داخل في عموم الآية. # وقد ثبت بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في البحر: "هو ~~الطهور ماؤه الحل ميتته" (4)، والبحر متغير الطعم تغيرا شديدا لشدة ملوحته، ~~PageV01P055 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P056 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P057 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P058 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P059 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P060 #
# [فإن] (1) كان النبي ms04 - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر أن ماءه طهور -مع ~~هذا التغير- كان ما هو أخف ملوحة منه أولى أن يكون طهورا، وإن كان الملح ~~وضع فيه قصدا؛ إذ لا فرق بينهما في الاسم من جهة اللغة. # وبهذا يظهر ضعف حجة المخالفين؛ فإنه لو استقى ماء أو وكله في شراء ماء لم ~~يتناول ذلك ماء البحر؛ ومع هذا فهو داخل في عموم الآية فكذلك ما كان مثله ~~في الصفة (2). # وأيضا فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل المحرم بماء ~~وسدر (3)، وأمر بغسل ابنته بماء وسدر (4)، وأمر الذي أسلم إن يغتسل بماء ~~PageV01P061 #
# وسدر (1)، ومن المعلوم: أن [السدر] (2) لا بد أن يغير الماء؛ فلو كان ~~التغير يفسد الماء لم يأمر به. PageV01P062 #
# وقول القائل: إن هذا تغير في محل الاستعمال فلا يؤثر تفريق بوصف غير مؤثر ~~لا في اللغة ولا في الشرع، فإن المتغير إن كان يسمى ماء مطلقا وهو على ~~البدن، [ويسمى] (1) ماء مطلقا وهو في الإناء؛ وإن لم يسم ماء مطلقا في ~~أحدهما لم يسم مطلقا في الموضع الآخر؛ [فإنه] (2) من المعلوم أن أهل اللغة ~~لا يفرقون في التسمية بين محل ومحل. # وأما الشرع: فإن هذا فرق لم يدل عليه دليل شرعي فلا يلتفت إليه، والقياس ~~عليه إذا جمع أو فرق: أن يبين أن ما جعله مناط الحكم جمعا أو فرقا مما دل ~~عليه الشرع، وإلا فمن علق الأحكام بأوصاف جمعا وفرقا بغير دليل شرعي، كان ~~واضعا لشرع منا تلقاء نفسه شارعا في الدين ما لم يأذن به الله. # ولهذا كان على القائس أن يبين تأثير الوصف المشترك الذي جعله مناط الحكم ~~بطريق من [الطرق] (3) الدالة على كون الوصف المشترك هو [علة] (4) الحكم؛ ~~وكذلك في الوصف الذي فرق فيه بين الصورتين، عليه أن يبين تأثيره بطريق من ~~الطرق الشرعية. # وأيضا: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ من قصعة فيها أثر العجين ~~(5). # ومن المعلوم: أنه لابد في العادة من تغير الماء بذلك لا ms05 سيما PageV01P063 #
# في آخر الأمر إذا قل الماء وانحل العجين. # فإن قيل: ذلك التغير كان يسيرا؟ # قيل (1): وهذا أيضا دليل في المسألة، فإنه إن سوى بين التغير اليسير ~~والكثير مطلقا كان مخالفا للنص، وإن فرق بينهما لم يكن للفرق بينهما حد ~~مضبوط لا بلغة، ولا بشرع، ولا عقل، ولا عرف؛ ومن فرق بين الحلال والحرام ~~بفرق غير معلوم لم يكن قوله صحيحا. # وأيضا: فإن المانعين مضطربون اضطرابا يدل على فساد أصل PageV01P064 #
# [قولهم] (1)، منهم من يفرق بين الكافور والدهن وغيره ويقول: إن هذا ~~التغير عن مجاورة لا عن مخالطة، ومنهم من يقول: بل نحن نجد في الماء أثر ~~ذلك، ومنهم من يفرق بين الورق الربيعي والخريفي، ومنهم من يسوي بينهما، ~~ومنهم من يسوي بين الملحين: الجبلي والمائي، ومنهم من يفرق [بينهما] (2). # وليس على شيء من هذه الأقوال دليل يعتمد عليه، لا من نص ولا قياس ولا ~~إجماع، إذ لم يكن الأصل الذي تفرعت عليه مأخوذا من جهة الشرع، وقد قال ~~تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82]؛ ~~وهذا بخلاف ما جاء من عند الله فإنه [محفوظ] (3)، كما قال تعالى: {إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9)} [الحجر: 9]، فدل ذلك على ضعف هذا القول. # وأيضا، فإن القول بالجواز موافق للعموم اللفظي والمعنوي مدلول عليه ~~بالظواهر والمعاني؛ فإن تناول اسم الماء لمواقع الإجماع كتناوله لموارد ~~النزاع في اللغة، وصفات هذا كصفات هذا في الجنس، فتجب التسوية بين ~~المتماثلين (4). PageV01P065 #
# وأيضا: فإنه على قول المانعين، يلزم مخالفة الأصل وترك العمل بالدليل ~~الشرعي لمعارض راجح، إذ كان يقتضي القياس عندهم أنه لا يجوز استعمال شيء من ~~المتغيرات في طهارتي الحدث والخبث؛ لكن استثني المتغير بأصل الخلقة، وبما ~~يشق صون الماء عنه للحرج والمشقة، فكان هذا موضع استحسان ترك له القياس، ~~وتعارض الدلالة على خلاف الأصل وعلى القول الأول: يكون رخصة ثابتة على وفق ~~القياس من غير تعارض بين أدلة الشرع؛ فيكون هذا أقوى ms06 (1). PageV01P066 #
# فصل # وأما الماء إذا تغير بالنجاسات، فإنه ينجس بالاتفاق. # وأما ما لم يتغير ففيه أقوال معروفة: # أحدها: لا ينجس؛ وهو قول أهل المدينة، ورواية المدنيين عن مالك، وكثير من ~~أهل الحديث، واحدى [الروايات] (1) عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه ونصرها ~~في المفردات: ابن عقيل، وابن [البناء] (2) وغيرهما. # والثاني: ينجس قليل الماء بقليل النجاسة؛ وهي رواية البصريين عن مالك. # والثالث: وهو مذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى -اختارها طائفة من ~~أصحابه- الفرق بين القلتين (3) وغيرهما؛ فمالك لا يحد الكثير بالقلتين، ~~والشافعي وأحمد يحدان الكثير بالقلتين. PageV01P067 #
# والرابع: الفرق بين البول والعذرة المائعة وغيرهما؛ فالأول: ينجس منه ما ~~أمكن نزحه، دون ما لم يمكن نزحه، بخلاف الثاني: فإنه لا ينجس القلتين ~~فصاعدا، وهذا أشهر الروايات عن أحمد واختيار أكثر أصحابه (1). # والخامس: أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة سواء كان قليلا أو كثيرا؛ [وهذا ~~قول أبي حنيفة وأصحابه] (2)، لكن ما لم يصل إليه لا ينجسه. # ثم حدوا ما لم يصل إليه بما لا يتحرك [أحد] (3) طرفيه بتحريك الطرف ~~الآخير. # ثم تنازعوا: هل يحد بحركة المتوضئ أو المغتسل؟ وقدر ذلك محمد بن الحسن ~~[بقدر] (4) مسجده [فوجده] (5) عشرة أذرع في عشرة أذرع. # وتنازعوا في [الأبيار] (6) إذا وقع فيها نجاسة، هل يمكن PageV01P068 #
# تطهيرها؟ فزعم [المزني] (1): أنه لا يمكن؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه: يمكن ~~تطهيرها بالنزح، ولهم في تقدير الدلاء أقوال معروفة. # والسادس: قول أهل الظاهر، الذين ينجسون ما بال فيه البائل دون ما ألقي ~~فيه البول [ولا ينجسون ما سوى ذلك إلا بالتغير] (2). # وأصل هذه المسألة من جهة المعنى: أن اختلاط الخبيث -وهو النجاسة- بالماء: ~~هل يوجب تحريم الجميع أم يقال: بل قد استحال في الماء فلم يبق له حكم؟ # فالمنجسون ذهبوا إلى القول الأول؛ ثم من استثنى الكثير قال: هذا يشق ~~الاحتراز من وقوع النجاسة فيه، فجعلوا ذلك موضع استحسان، كما ذهب إلى ذلك ~~طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد. # وأما أصحاب أبي حنيفة فبنوا الأمر على وصول النجاسة وعدم وصولها ms07 وقدروه ~~بالحركة أو بالمساحة في الطول والعرض دون العمق. # والصواب: هو القول الأول، وأنه متى علم أن النجاسة قد استحالت فالماء ~~طاهر سواء كان قليلا أو كثيرا، وكذلك في المائعات كلها، وذلك لأن الله ~~تعالى أباح الطيبات وحرم الخبائث؛ والخبيث متميز عن الطيب بصفاته، فإذا ~~كانت صفات الماء وغيره صفات PageV01P069 #
# الطيب دون الخبيث: وجب دخوله في الحلال دون الحرام. # وأيضا: فقد ثبت من حديث أبى سعيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل ~~له: أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب والنتن ~~(1)، فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (2). قال أحمد: PageV01P070 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P071 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P072 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P073 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P074 #
# حديث بئر بضاعة صحيح؛ وهو في المسند أيضا عن ابن عباس: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء" وهذا اللفظ عام في القليل ~~والكثير وهو عام في جميع النجاسات. # وأما إذا تغير بالنجاسة فإنما حرم استعماله لأن جرم النجاسة باق ففي ~~استعماله استعمالها بخلاف ما إذا استحالت النجاسة فإن الماء طهور، وليس ~~هناك نجاسة قائمة. # ومما يبين ذلك: أنه لو وقع خمر في ماء واستحالت، ثم شربها شارب لم يكن ~~شاربا للخمر؛ ولم يجب عليه حد الخمر إذا لم يبق شيء من طعمها ولونها ~~وريحها؛ ولو صب لبن امرأة في ماء واستحالت حتى لم يبق له أثر وشرب طفل من ~~ذلك الماء لم يصر ابنها من الرضاعة بذلك. # وأيضا: فإن هذا باق على أوصاف خلقته؛ فيدخل في عموم PageV01P075 #
# قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} فإن الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة: ~~لا طعمه ولا لونه ولا ريحه. # فإن قيل: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن البول في الماء ~~الدائم، وعن الاغتسال فيه (1). # قيل: نهيه عن البول في الماء الدائم لا يدل على أنه ينجس بمجرد البول؛ إذ ~~ليس في اللفظ ما يدل على ذلك بل قد يكون ms08 نهيه [سدا للذريعة] (2)؛ لأن البول ~~ذريعة إلى تنجيسه، فإنه إذا بال هذا ثم بال هذا تغير الماء بالبول فكان ~~نهيه سدا للذريعة، [أو يقال: إنه مكروه بمجرد الطبع، لا لأجل أنه ينجسه] ~~(3) (4). # وأيضا: [فيدل] (5) نهيه عن البول في الماء الدائم أنه يعم القليل ~~والكثير، فيقال لصاحب القلتين: [أتجوز] (6) بوله فيما فوق القلتين؟ إن ~~جوزته فقد خالفت ظاهر النص، وإن حرمته فقد نقضت دليلك. # وكذلك يقال لمن فرق بين ما يمكن نزحه وما لا يمكن: أتسوغ للحجاج أن ~~يبولوا في المصانع (7) المبنية بطريق مكة إن جوزته خالفت PageV01P076 #
# ظاهر النصر؛ فإن هذا ماء دائم والحديث لم يفرق بين القليل والكثير، وإلا ~~نقضت قولك. # وكذلك يقال للمقدر بعشرة أذرع: إذا كان [لأهل القرية] (1) غدير مستطيل ~~أكثر من عشرة أذرع رقيق أتسوغ لأهل القرية البول فيه؟ فإن سوغته خالفت ظاهر ~~النص؛ وإلا نقضت قولك. # [فإذا كان النص بل والإجماع، دل على أنه نهى عن البول فيما ينجسه البول؛ ~~بل تقدير الماء وغير ذلك فيما يشترك فيه القليل والكثير: كان هذا الوصف ~~المشترك بين القليل والكثير مستقلا بالنهي فلم يجز تعليل النهي بالنجاسة، ~~ولا يجوز أن يقال: إنه - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن البول فيه، لأن ~~البول ينجسه فإن هذا خلاف النص والإجماع] (2). # وأما من فرق بين البول فيه وبين صب البول، فقوله ظاهر الفساد فإن صب ~~البول أبلغ من أن [ينهى] (3) عنه من مجرد البول؛ إذ الإنسان قد يحتاج إلى ~~أن يبول، وأما صب الأبوال في المياه فلا حاجة إليه. # فإن قيل: ففي حديث القلتين أنه سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة، وما ينوب ~~من السباع والدواب، فقال: "إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث" وفي لفظ: "لم ~~ينجسه شيء" (4)؟ PageV01P077 #
# قيل: حديث القلتين [فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع؛ وبين أنه من كلام ~~ابن عمر، لا من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -] (1)، فإذا صح فمنطوقه ~~موافق لغيره، وهو أن الماء إذا بلغ القلتين لم ms09 ينجسه شيء؛ وأما مفهومه -إذا ~~قلنا بدلالة مفهوم العدد- فإنما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه مخالف ~~للحكم في المنطوق بوجه من الوجوه، لا لتظهر فائدة التخصيص بالقدر المعين، ~~ولا يشترط أن يكون الحكم في كل صورة من صور المسكوت [عنه] (2) مناقضة للحكم ~~في كل صورة من صور المنطوق. # وهذا معنى قولهم: المفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن يكون كل ما لم يبلغ ~~القلتين ينجس، بل إذا قيل بالمخالفة في بعض الصور حصل المقصود، [والمقدار ~~الكثير لا يغيره ورود ما ورد عليه في العادة، بخلاف القليل فإنه قد يغيره، ~~وذلك إذا ما صال عنه فإنه لا يحمل النجاسة في العادة؛ فلا ينجسه، وما دونه ~~قد يحمل وقد لا يحمل فإن حملها تنجس، وإلا فلا، وحمل النجاسة هو كونها ~~محمولة فيه؛ PageV01P078 #
# ويحقق ذلك] (1) أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر هذا ~~التقدير ابتداء؛ وإنما ذكره في جواب من سأله عن مياه الفلاة التي تردها ~~السباع والدواب؛ والتخصيص إذا كان له سبب غير اختصاص الحكم لم يبق حجة ~~بالاتفاق، كقوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31]، ~~فإنه خص هذه الصورة بالنهي، لأنها هي الواقعة، [لا] (2) لأن التحريم يختص ~~بها. # وكذلك قوله تعالى {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان # مقبوضة} [فذكر] (3) الرهن في هذه الصورة للحاجة [لا للكثرة] (4) # مع أنه قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات ودرعه [مرهون (5)] ~~(6)، فهذا رهن # في الحضر، فكذلك قوله: "إذا بلغ الماء قلتين"، في جواب سائل # معين بيان لما احتاج السائل إلى بيانه، فلما كان ذلك المسئول عنه # كثيرا قد بلغ قلتين؛ ومن شأن الكثير أنه لا يحمل الخبث، فلا يبقى # الخبث فيه محمولا، [بل يستحيل الخبث فيه] (7) لكثرته، بين لهم # أن ما سألتم عنه لا خبث فيه؛ فلا ينجس. # ودل كلامه على أن مناط التنجيس هو كون الخبث محمولا فحيث كان الخبث ~~محمولا موجودا في الماء كان نجسا؛ وحيث كان الخبث PageV01P079 #
# مستهلكا ms10 [فيه] (1) غير محمول في الماء، كان باقيا على طهارته. # [والمنازع يقول: المؤثر في التنجيس في القليل ولو مطلقا هو نفس الملاقاة، ~~وهي موجودة لحمل الخبث كان القليل والكثير سواء في ذلك، وكونه لا يحمل ~~الخبث ليس هو لعجزه عنه، كما يظنه بعض الناس؛ فإنه لو كان كذلك لكان القليل ~~أولى أن يحمله] (2)؛ فصار حديث القلتين موافقا لقوله: "الماء طهور لا ينجسه ~~شيء" (3)، والتقدير: فيه لبيان أنه في صورة [السؤال] (4) لم ينجس، لا أنه ~~أراد أن كل ما لم يبلغ قلتين، فإنه يحمل الخبث؛ فإن هذا مخالفة للحس، إذ ما ~~دون القلتين قد يحمل الخبث وقد لا يحمله، فإن كان الخبث كثيرا وكان الماء ~~يسيرا يحمل الخبث، وإن كان الخبث يسيرا، والماء كثيرا لم يحمل الخبث، بخلاف ~~القلتين، فإنه لا يحمل في العادة الخبث الذي سألوه عنه. # ونكتة الجواب: أن كونه يحمل الخبث أو لا يحمله: أمر حسي يعرف بالحس، فإنه ~~إذا كان الخبث موجودا فيه كان محمولا؛ وإن كان مستهلكا لم يكن محمولا، فإذا ~~علم كثرة الماء، وضعف الملاقي، علم أنه لا يحمل الخبث. # والدليل على هذا: اتفاقهم على أن الكثير إذا تغير ريحه حمل الخبث؛ فصار ~~قوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ولم ينجسه PageV01P080 #
# شيء" كقوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، وهو إنما أراد: إذا لم يتغير في ~~الموضعين؛ وأما إذا كان قليلا فقد يحمل الخبث لضعفه، وعلى هذا يخرج أمره ~~بتطهير الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبعا إحداهن بالتراب، والأمر بإراقته. # فإن قوله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه -أو فليغسله- سبعا أولاهن ~~بالتراب" (1)، كقوله: "إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى ~~يغسلها ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (2). # فإذا كان النهي عن غمس اليد في الإناء هو في الإناء المعتاد للغمس، وهو ~~الواحد من آنية المياه؛ فكذلك تلك الآنية المعتادة للولوغ وهي آنية الماء، ~~وذلك: أن الكلب يلغ بلسانه بعد شيء، فلا بد أن يبقى في ms11 الماء من ريقه ~~ولعابه ما يبقى وهو لزج، فلا يحيله الماء القليل بل يبقى فيكون ذلك الخبث ~~محمولا في ماء يسير في ذلك الماء، [فيراق ذلك الماء] (3) لأجل كون الخبث ~~محمولا فيه [لما يروى في ذلك] (4) ويغسل الإناء الذي لاقاه الخبث. # وهذا بخلاف الخبث المستهلك المستحيل كاستحالة الخمر؛ فإن الخمر إذا ~~انقلبت في الدن بإذن الله تعالى، كانت ظاهرة باتفاق PageV01P081 #
# العلماء، وكذلك جوانب الدن فهناك يغسل الإناء، وهنا لا يغسل، لأن ~~الاستحالة حصلت في أحد الموضعين دون الآخر. # وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو أراد الفصل بين [المقدار] (1) ~~الذي ينجس بمجرد الملاقاة، و [بين] (2) ما لا ينجس إلا بالتغير، لقال: إذا ~~لم يبلغ قلتين نجس، وما بلغهما لا ينجس إلا بالتغير، أو نحو ذلك من الكلام ~~الذي يدل على ذلك. # [فإن] (3) مجرد قوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث"، مع أن الكثير ~~ينجس بالتغير بالاتفاق، فلا يدل على أن هذا هو المقصود، بل يدل على أنه في ~~العادة لا يحمل الأخباث، فلا تنجسه، فهو إخبار عن انتفاء سبب التنجيس، ~~وبيان لكون المنجس في نفس الأمر هو حمل الخبث، والله أعلم. PageV01P082 #
# [(فصل)] (1) # [وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - أن يغمس القائم من نوم الليل يده في ~~الإناء قبل أن يغسلها ثلاثا، فهو لا يقتضي تنجيس الماء بالاتفاق، بل قد ~~يكون لأنه يؤثر في الماء أثرا، وأنه قد يفضي إلى التأثير؛ وليس ذلك بأعظم ~~من النهي عن البول في الماء الدائم، وقد تقدم أنه لا يدل على التنجيس. # وأيضا، ففي الصحيحين عن أبي هريرة: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ~~بمنخريه من الماء، فإن الشيطان يبيت على خيشومه" (2). # فعلم أن ذلك الغسل ليس مسببا عن النجاسة، بل هو معلل بمبيت الشيطان على ~~خيشومه. # والحديث المعروف: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (3)، يمكن أن يراد به ~~ذلك (4)، فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار] ~~(5). PageV01P083 #
# وأما نهيه ms12 عن الاغتسال فيه بعد البول، فهذا إن صح عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فهو كنهيه عن البول في المستحم، وقوله: "فإن عامة الوسواس منه" ~~(1)، فإنه إذا بال في المستحم ثم اغتسل حصل له وسواس، وربما PageV01P084 #
# [يبقى] (1) شيء عن أجزاء البول فعاد عليه رشاشها. # وكذلك إذا بال في [ماء] (2) ثم اغتسل فيه؛ فقد يغتسل قبل PageV01P085 #
# الاستحالة، مع بقاء أجزاء البول، فنهى عنه لذلك. # ونهيه عن الاغتسال في الماء الدائم -إن صح- يتعلق بمسألة الماء المستعمل، ~~وهذا قد يكون لما فيه من تقدير الماء على غيره، لا لأجل نجاسته، ولا ~~[لصيرورته] (1) مستعملا، فإنه قد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: " [إن] (2) ~~الماء لا [يجنب] (3) (4). PageV01P086 #
# (فصل) # وأما بول ما يؤكل لحمه و [روث ذلك] (1)، [فأكثر] (2) السلف على أن ذلك ~~ليس بنجس، وهو مذهب مالك وأحمد، وغيرهما (3)؛ ويقال: أنه لم يذهب [أحد] (4) ~~من [الصحابة] (5) إلى [تنجيس] (6) ذلك، بل القول بنجاسة ذلك قول محدث، لا ~~سلف له عن الصحابة. PageV01P087 #
# وقد بسطنا القول في هذه المسألة في كتاب مفرد، وبينا فيه # بضعة عشر دليلا شرعيا على أن ذلك ليس بنجس (1). والقائل بتنجيس # ذلك ليس معه على نجاسته دليل شرعي أصلا؛ فإن غاية ما آعتمدوا # عليه: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "تنزهوا من البول، [فإن عامة عذاب ~~القبر منه] (2) (3)؛ PageV01P088 #
# و [ظنوا] (1) أن هذا عام في جميع الأبوال، وليس كذلك، فإن اللام لتعريف ~~العهد، والبول المعهود هو بول الآدمي؛ ودليله قوله: "تنزهوا من البول فإن ~~عامة عذاب القبر منه". # ومعلوم أن عامة عذاب القبر إنما هو من بول الآدمي نفسه الذي يصيبه كثيرا، ~~لا من بول البهائم الذي لا يصيبه إلا نادرا. # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه أمر العرنيين ~~الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام بإبل [الصدقة] (2)، وأمرهم أن يشربوا من ~~أبوالها وألبانها (3). # ولم يأمرهم مع ذلك بغسل ما يصيب أفواههم وأيديهم، ولا بغسل الأوعية التي ~~فيها الأبوال ms13 مع حدثان عهدهم بالإسلام. # ولو كان بول الأنعام كبول الإنسان لكان بيان ذلك واجبا؛ و [لا يجوز] (4) ~~تأخير البيان عن وقت الحاجة، لا سيما مع أنه قرنها بالألبان التي هي حلال ~~طاهر، مع أن التداوي بالخبائث، قد ثبت فيه النهي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من وجوه كثيرة. # وأيضا، فقد ثبت في الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في ~~PageV01P089 #
# مرابض الغنم (1)؛ وأنه أذن بالصلاة في مرابض الغنم (2)؛ من غير اشتراط ~~حائل، ولو كانت أبعارها نجسة لكانت مرابضها كحشوش بني آدم، وكان النهي عن ~~الصلاة فيها مطلقا، ولا يصلى فيها إلا مع الحائل المانع؛ فلما جاءت السنة ~~بالرخصة في ذلك، كان [من] (3) سوى بين أبوال الآدميين وأبوال الغنم مخالفا ~~للسنة. # وأيضا، فقد طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبيت على [بعير] (4)، مع ~~إمكان أن يبول البعير. # وأيضا، فما زال المسلمون يدوسون حبوبهم بالبقر مع كثرة ما يقع في الحب من ~~البول و [أخثاء] (5) (6) البقر. # وأيضا، فالأصل في الأعيان: الطهارة، فلا يجوز التنجيس إلا بدليل، ولا ~~دليل على النجاسة، إذ ليس في ذلك نص، ولا إجماع، ولا قياس صحيح (7). ~~PageV01P090 #
# (فصل) # وأما طين الشوارع، فمبني على أصل، وهو: أن الأرض إذا أصابتها نجاسة، ثم ~~ذهبت بالشمس أو الريح ونحو ذلك، هل تطهر الأرض؟ على قولين للفقهاء، وهما ~~قولان في مذهب الشافعي وأحمد [وغيرهما] (1). # أحدهما: أنها تطهر، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره، ولكن عند أبي حنيفة يصلي ~~عليها ولا يتيمم بها؛ والصحيح: أنه يصلي عليها ويتمم بها، وهذا هو الصواب؛ ~~لأنه قد ثبت في (2) الصحيح عن ابن عمر: أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في ~~مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (3). # ومن المعلوم: أن النجاسة لو كانت باقية لوجب غسلها، وهذا لا ينافي ما ثبت ~~في الصحيح: من أنه أمرهم أن يصبوا على بول الأعرابي الذي بال في المسجد ~~ذنوبا من ماء (4)، فإن هذا يحصل به تعجيل ms14 تطهير الأرض، وهذا مقصود، بخلاف ~~ما إذا لم يصب الماء، فإن النجاسة تبقى [إلي] (5) أن تستحيل. PageV01P091 #
# وأيضا: ففي السنن: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أتى أحدكم ~~المسجد فلينظر في نعليه، فإن وجد بهما أذى، فليدلكهما بالتراب، فإن التراب ~~لهما طهور" (1)؛ وفي "السنن" أيضا: أنه سئل عن المرأة تجر PageV01P092 #
# ذيلها على المكان القذر، ثم على المكان الطاهر، فقال: "يطهره ما ~~PageV01P093 #
# بعده" (1)؛ وقد نص أحمد على الأخذ بهذا الحديث الثاني، "ونص في إحدى ~~الروايتين عنه على الأخذ بالحديث الأول، وهو قول من يقول به من أصحاب مالك ~~والشافعي وغيرهما. # فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعل التراب يطهر أسفل النعل ~~وأسفل PageV01P094 #
# الذيل، وسماه طهورا، فلأن يطهر نفسه بطريق الأولى والأخرى، فالنجاسة إذا ~~استحالت في التراب فصارت ترابا، [لم يبق] (1) نجاسة (2). # وأيضا: فقد تنازع العلماء فيما إذا استحالت حقيقة النجاسة، واتفقوا على ~~أن الخمر إذا انقلبت بفعل الله تعالى بدون قصد صاحبها، وصارت خلا أنها ~~تطهر، ولهم فيها إذا قصد التخليل نزاع وتفصيل، والصحيح: أنه إذا قصد ~~تخليلها لا تطهر بحال (3)، كما ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~لما صح من نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تخليلها، ولأن حبسها معصية، ~~والطهارة نعمة، والمعصية لا تكون سببا للنعمة. # وتنازعوا فيما إذا صارت النجاسة ملحا في الملاحة، أو PageV01P095 #
# صارت رمادا، أو صارت الميتة والدم والصديد ترابا، كتراب المقبرة؛ فهذا ~~فيه قولان في مذهب مالك وأحمد. # أحدهما: أن ذلك طاهر، كمذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر. # والثاني: أنه نجس كمذهب الشافعي (1). PageV01P096 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P097 #
# والصواب: أن ذلك كله طاهر إذ لم يبق شيء من أثر النجاسة لا طعمها ولا ~~لونها ولا ريحها؛ لأن الله أباح الطيبات وحرم الخبائث، وذلك يتبع صفات ~~الأعيان وحقائقها؛ فإذا كانت العين ملحا أو خلا دخلت في الطيبات التي ~~أباحها الله تعالى، ولم تدخل في ms15 الخبائث التي حرمها الله، وكذلك الرماد ~~والتراب وغير ذلك، لا يدخل في نصوص التحريم. # [ثم] (1)، وإذا لم يتناولها أدلة التحريم لا لفظا ولا معنى لم يجز القول ~~[بتحريمه] (2)، [ولا] (3) [تنجيسه] (4)، [فيكون طاهرا] (5)، وإذا كان هذا ~~في غير التراب، فالتراب أولى بذلك. # وحينئذ فطين الشوارع إذا قدر أنه لم يظهر به أثر النجاسة فهو طاهر؛ وإن ~~تيقن أن النجاسة فيه، فهذا يعف عن يسيره، فإن PageV01P098 #
# الصحابة -رضوان الله عليهم- كان أحدهم يخوض في الوحل، ثم يدخل المسجد، ~~فيصلي، ولا يغسل رجليه؛ وهذا معروف عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ~~وغيره من الصحابة [كما تقدم] (1). # وقد حكاه عنهم مالك مطلقا، وذكر أنه لو كان في الطين عذرة منبثة لعفي عن ~~ذلك، وهكذا قال غيره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: أنه يعفى ~~عن يسير طين الشوارع، مع تيقن نجاسته، والله تعالى أعلم (2). PageV01P099 #
# (فصل) # وأما المائعات: كالزيت والسمن وغيرهما كالخل، واللبن وغيرهما؛ إذا وقعت ~~فيه نجاسة، مثل الفأرة الميتة ونحوها من [النجاسة أو] (1) النجاسات، ففي ~~ذلك قولان للعلماء: # أحدهما: أن حكم ذلك حكم الماء، وهذا قول الزهري وغيره من السلف، وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد، ويذكر [رواية] (2) عن مالك في بعض المواضع، وهذا هو أصل ~~قول أبي حنيفة، حيث قاس الماء على المائعات. # والثاني: أن المائعات تنجس بوقوع النجاسة فيها، بخلاف الماء فإنه يفرق ~~بين قليله وكثيره، وهذا مذهب الشافعي، وهو الرواية الأخرى عن مالك وأحمد. # وفيها قول ثالث: وهو رواية عن أحمد، وهو الفرق بين المائعات المائية ~~وغيرها، فخل التمر يلحق بالماء، وخل العنب لا يلحق به. # وعلى القول الأول: إذا كان الزيت كثيرا، مثل أن يكون قلتين فإنه لا ينجس ~~إلا بالتغير، كما نص على ذلك أحمد: في كلب ولغ في زيت كثير، فقال: لا ينجس. # وإن كان المائع قليلا انبنى على النزاع المتقدم في الماء القليل، فمن ~~قال: إن الماء القليل لا ينجس إلا بالتغير، قال ذلك في الزيت PageV01P100 #
ms16 # وغيره؛ وبذلك أفتى الزهري لما [سئل] (1) عن الفأرة أو غيرها من الدواب ~~تموت في سمن أو غيره من الأدهان؟ فقال: تلقى وما قرب منها، ويؤكل، سواء كان ~~قليلا أو كثيرا، وسواء كان جامدا أو مائعا؛ وقد ذكر ذلك البخاري عنه في ~~صحيحه لمعنى سنذكره إن شاء الله تعالى. # ومن قال: إن المائع القليل ينجس بوقوع النجاسة، قال: إنه كالماء، فإنه ~~يطهر بالمكاثرة كما يطهر الماء بالمكاثرة، فإذا صب عليه زيت كثير طهر ~~الجميع. # والقول بان المائعات [لا] (2) تنجس كما لا ينجس الماء: هو القول الراجح ~~بل هي أولي بعدم [التنجيس] (3) من الماء؛ وذلك أن الله تعالى أحل لنا ~~الطيبات وحرم علينا الخبائث، والأطعمة والأشربة، من الأدهان والألبان ~~والزيت والخلول والأطعمة المائعة هي: من الطيبات التي أحلها الله لنا؛ فإذا ~~لم يظهر فيها صفة الخبث، لا لونه ولا طعمه ولا ريحه ولا شيء من أجزائه، ~~كانت على حالها في الطيب، فلا يجوز أن تجعل من الخبائث المحرمة، مع أن ~~صفاتها صفات [الطيبات] (4) لا صفات [الخبائث] (5)؛ فإن الفرق بين [الطيبات] ~~(6)، و [الخبائث] (7) بالصفات المميزة بينهما؛ ولأجل تلك PageV01P101 #
# الصفات حرم هذا وأحل هذا؛ وإذا كان هذا الخبث وقع منه قطرة # كقطرة دم أو قطرة خمر، وقد استحالت، واللبن باق على صفته، والزيت باق على ~~صفته، لم يكن لتحريم ذلك وجه، فإن تلك قد استهلكت واستحالت ولم يبق لها ~~حقيقة يترتب عليها شيء من أحكام الدم والخمر. # وإنما كانت أولى بالطهارة من الماء لأن الشارع رخص في إراقة الماء ~~وإتلافه، حيث لم يرخص في إتلاف المائعات، كالاستنجاء فإنه يستنجي بالماء ~~دون هذه، وكذلك إزالة سائر النجاسات بالماء. # وأما استعمال المائعات في ذلك فلا يصح سواء قيل: تزول النجاسة أو لا ~~تزول، ولهذا قال من قال من العلماء: إن الماء يراق إذا ولغ فيه الكلب، ولا ~~تراق آنية الطعام والشراب. # وأيضا، فإن الماء أسرع تغيرا بالنجاسة من الملح؛ والنجاسة أشد استحالة في ~~غير الماء منها في المائعات؛ فالمائعات أبعد عن قبول التنجيس ms17 حسا وشرعا من ~~الماء، فحيث لا ينجس الماء فالمائعات أولى أن لا تنجس. # وأيضا، فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن، فقال: "ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم" (1)، ~~فأجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - جوابا عاما مطلقا بأن يلقوها وما ~~PageV01P102 #
# حولها، وأن يأكلوا سمنهم، ولم يستفصلهم: هل كان جامدا أو مائعا؟ وترك ~~الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال، يتنزل منزلة عموم في المقال، ~~مع أن الغالب على سمن الحجاز أن يكون ذائبا، وقد قيل: إنه لا يكون إلا ~~ذائبا، والغالب على السمن أنه لا يبلغ القلتين، مع أنه لم يستفصل: هل كان ~~قليلا أو كثيرا؟ # فإن قيل: فقد روي في الحديث: "إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوا ~~سمنكم، وإن كان مائعا فلا تقربوه" (1)، رواه أبو داود وغيره. # قيل: هذه الزيادة؛ التي أعتمد عليها من فرق بين الجامد والمائع، واعتقدوا ~~أنها ثابتة من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا في ذلك مجتهدين ~~قائلين بمبلغ علمهم واجتهادهم. PageV01P103 #
# وقد ضعف محمد بن يحيى الذهلي حديث الزهري. وصحح هذه الزيادة، لكن قد تبين ~~لغيرهم أن هذه الزيادة وقعت خطأ في الحديث، ليست من كلام النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وهذا هو الذي تبين لنا ولغيرنا، ونحن جازمون بأن هذه الزيادة ~~ليست من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلذلك رجعنا عن الإفتاء بها، ~~بعد أن كنا نفتي بها أولا، "فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ~~(1). # والبخاري والترمذي -رحمة الله عليهما- وغيرهما من أئمة الحديث قد بينوا ~~لنا: أنها باطلة، وأن معمرا غلط في روايته لها عن الزهري، وكان معمر كثير ~~الغلط؛ والإثبات من أصحاب الزهري كمالك ويونس وابن عيينة خالفوه في ذلك؛ ~~وهو نفسه اضطربت روايته في هذا الحديث إسنادا ومتنا، فجعله عن سعيد بن ~~المسيب عن أبي هريرة، وإنما هو عن [عبيد الله بن] (2) عبد الله [عباس عن] ~~(3) ميمونة؛ وروي عنه ms18 في بعض طرقه أنه قال: "إن كان مائعا فاستصبحوا به"، ~~وفي بعضها: "فلا تقربوه". # والبخاري بين غلطه في هذا، بأن ذكر في صحيحه عن يونس عن الزهري نفسه: أنه ~~سئل عن فأرة: وقعت في السمن؟ فقال: إن كان جامدا أو مائعا، قليلا أو كثيرا، ~~تلقى وما قرب منها، ويؤكل؛ PageV01P104 #
# لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن فأرة وقعت في سمن؟، فقال: ~~"ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم". # فالزهري -الذي مدار الحديث عليه- قد أفتى في الجامد والمائع بأن تلقى ~~الفأرة وما قرب منها ويؤكل، واستدل بهذا الحديث كما رواه عنه جمهور أصحابه، ~~فتبين أن من ذكر عنه الفرق بين النوعين فقد غلط. # وأيضا: فالجمود والميعان أمر لا ينضبط، بل يقع الاشتباه في كثير من ~~الأطعمة، هل تلحق الجامد أو المائع؟ والشارع لا يفصل بين الحلال والحرام ~~إلا بفصل مبين لا اشتباه فيه، كما قال تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد ~~إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115]، والمحرمات مما يتقون، فلا ~~بد أن يبين لهم المحرمات [تبيانا] (1) فاصلا بينها وبين الحلال. # وقد قال تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} [الأنعام: 119]، وأيضا فإذا ~~كانت الخمر -التي هي أم الخبائث- إذا انقلبت بنفسها حلت باتفاق المسلمين، ~~فغيرها من النجاسات أولى أن تطهر بالانقلاب، وإذا قدر أن قطرة خمر وقعت في ~~خل مسلم بغير اختياره، فاستحالت، كانت أولى بالطهارة. # فإن قيل: الخمر لما نجست بالاستحالة طهرت بالاستحالة، بخلاف غيرها، ~~والخمر إذا قصد تخليلها لم تطهر. PageV01P105 #
# قيل: في الجواب عن الأول: إن جميع النجاسات نجست بالاستحالة؛ فإن الإنسان ~~يأكل الطعام ويشرب الشراب، وهي طاهرة ثم تستحيل دما وبولا وغائطا، فتنجس، ~~وكذلك الحيوان يكون طاهرا، فإذا مات احتبست فيه الفضلات، وصار حاله بعد ~~الموت خلاف حاله حال الحياة، فتنجس، ولهذا يطهر الجلد بالدباغ عند الجمهور، ~~وسواء قيل: إن الدباغ كالحياة، أو قيل: إنه كالذكاة، فإن ذلك قولين مشهورين ~~للعلماء، والسنة تدل على أن الدباغ كالذكاة؛ وأما قصد تخليله ms19 فذلك أن حبس ~~الخمر حرام، سواء حبست لقصد التخليل أو لا؛ والطهارة نعمة، فلا تثبت النعمة ~~بالفعل المحرم (1). PageV01P106 #
# (فصل) # وأما الكلب: فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال معروفة: # أحدها: أنه نجس كله، حتى شعرء، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ~~عنه. # والثاني: أنه طاهر، حتى ريقه، كقول مالك في المشهور عنه. # والثالث: أن ريقه نجس وشعره طاهر، وهذا مذهب أبي حنيفة في المشهور عنه، ~~[وهذه هي الرواية المنصورة عند أكثر أصحابه] (1)، وهو الرواية الأخرى عن ~~أحمد، وهذا أرجح الأقوال. # [فإذا أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك؛ وإذا ولغ في الماء ~~أريق، وإذا ولغ في اللبن ونحوه: فمن العلماء من يقول: يؤكل ذلك الطعام، ~~كقول مالك وغيره، ومنهم من يقول: يراق كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد؛ ~~فأما إن كان اللبن كثيرا، فالصحيح أنه لا ينجس] (2). # وله في الشعور النابتة [على محل نجس] (3) ثلاث روايات: # إحداها: أن جميعها طاهر، حتى شعر الكلب والخنزير؛ وهي اختيار أبي بكر عبد ~~العزيز. # والثانية: أن جميعها نجس، كقول الشافعي. # والثالثة: أن شعر الميتة أن كانت طاهرة في الحياة [فطاهر] (4)، ~~PageV01P107 #
# كالشاة [ونحوها] (1)؛ وشعر ما هو نجس في حال الحياة نجس كالكلب والخنزير، ~~وهذه الرواية هي [المنصورة] (2) عند أكثر أصحابه. # والقول الراجح: هو طهارة الشعور كلها: شعر الكلب والخنزير وغيرهما، بخلاف ~~الريق. # وعلى هذا: فإذا كان شعر الكلب رطبا وأصاب ثوب الإنسان فلا شيء عليه، كما ~~هو مذهب جمهور الفقهاء: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. # وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة، فلا يجوز تنجيس شيء، ولا تحريمه إلا ~~بدليل، كما قال تعالى: [{وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} ~~(3) [الأنعام 119]، وقال الله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ~~حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115]؛ وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إن من أعظم [المسلمين بالمسلمين] (4) جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من ~~أجل مسألته" (5) وفي السنن عن سلمان الفارسي مرفوعا ms20 -ومنهم من يجعله ~~موقوفا- أنه قال: "الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما PageV01P108 #
# حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" (1). # فإذا كان كذلك فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "طهور إناء أحدكم إذا ~~ولغ فيه الكلب: أن يغسله سبعا، أولاهن بالتراب" (2)، وفي الحديث الآخر: ~~"إذا ولغ الكلب" (3)، فأحاديثه كلها ليس فيها إلا ذكر الولوغ، لم يذكر سائر ~~الأجزاء، فتنجيسها إنما هو بالقياس. # فإذا قيل: إن البول أعظم من الريق، كان هذا متجها، وأما إلحاق الشعر ~~بالريق، فلا يسوغ؛ لأن الريق متحلل من باطن الكلب بخلاف الشعر، فإنه نابت ~~على ظهره؛ والفقهاء كلهم يفرقون بين هذا وهذا، فإن جمهورهم يقول: إن شعر ~~الميتة طاهر، بخلاف ريقها، والشافعي وأكثرهم يقولون: إن الزرع النابت في ~~الأرض النجسة طاهر. # فغاية شعر الكلب أن يكون [نابتا] (4) في منبت نجس، كالزرع النابت في ~~الأرض النجسة، فإذا كان الزرع طاهرا، فالشعر أولى بالطهارة؛ لأن الزرع فيه ~~رطوبة ولين يظهر فيه أثر النجاسة، بخلاف الشعر، فإن فيه من اليبوسة والجمود ~~ما يمنع ظهور ذلك. PageV01P109 #
# فمن قال من أصحاب أحمد، كابن عقيل وغيره: إن الزرع طاهر، فالشعر عنده ~~أولى؛ ومن قال: إن الزرع نجس، فإن الفرق بينهما ما ذكر، فإن الزرع يلحق ~~بالجلالة التي تأكل النجاسة، وهذا أيضا حجة في المسألة، فإن الجلالة التي ~~تأكل النجاسة قد نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها (1)، فإذا حبست حتى ~~تطيب كانت حلالا باتفاق المسلمين؛ PageV01P110 #
# لأنها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة في لبنها وبيضها وعرقها، فيظهر نتن ~~النجاسة وخبثها فإذا زال عادت طاهرة، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، ~~والشعر لا يظهر فيه شيء من آثار النجاسة أصلا، فلم يكن لتنجيسه معنى. # وهذا يتبين بالكلام في شعور الميتة -كما سنذكره إن شاء تعالى- وكل حيوان ~~قيل بنجاشه، فالكلام في شعره وريشه كالكلام في شعر الكلب. # فإذا قيل بنجاسة كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (1)، إلا ms21 الهر ~~(2)، وما دونها في [الخلقة] (3)؛ كما هو مذهب كثير من علماء أهل العراق، ~~وهو أشهر الروايتين عن أحمد؛ فإن الكلام PageV01P111 #
# في ريش ذلك وشعره فيه هذا النزاع: هل يكون نجسا؟ على روايتين عن أحمد ~~إحداهما: أنه طاهر، وهو مذهب الجمهور كأبي حنيفة ومالك والشافعي؛ والرواية ~~الثانية: أنه نجس، كما هو اختيار كثير من متأخري أصحاب أحمد، والقول بطهارة ~~ذلك هو الصواب، كما تقدم. # وأيضا: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في اقتناء الكلب الذي يكون ~~للصيد والماشية والحرث (1)، ولابد لمن اقتناه من أن تصيبه رطوبة شعره، كما ~~[يصيبه رطوبة] (2) البغل والحمار وغير ذلك؛ فالقول بنجاسة شعورها -والحال ~~هذه- من الحرج المرفوع عن الأمة. # وأيضا: فإن لعاب الكلب إذا أصاب الصيد لم يجب غسله في أظهر أقوال ~~العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يأمر أحدا بغسله ذلك، فقد عفا عن لعاب الكلب في موضع الحاجة وأمر بغسل في ~~غير موضع الحاجة؛ فدل على أن الشارع [وافق] (3) [على] (4) مصلحة الخلق ~~وحاجتهم (5). PageV01P112 #
# (فصل) # وأما عظم الميتة وقرنها وظفرها وما هو من جنس ذلك، كالحافر ونحوه، وشعرها ~~وريشها ووبرها. # ففي هذين النوعين للعلماء ثلاثة أقوال: # أحدها: نجاسة الجميع، كقول الشافعي المشهور عنه، وذلك رواية عن أحمد. # والثاني: أن العظام ونحوها نجسة، والشعور ونحوها طاهرة، وهذا هو المشهور ~~من مذهب مالك وأحمد. # والثالث: أن جميع طاهر، كقول أبي حنيفة، وهو قول في مذهب مالك وأحمد، ~~وهذا القول هو الصواب؛ وذلك لأن الأصل فيها الطهارة، ولا دليل على النجاسة. # وأيضا: فإن هذه الأعيان هي من الطيبات ليست من الخبائث، فتدخل في آية ~~التحليل، وذلك لأنها لم تدخل فيما حرمه الله من الخبائث، لا لفظا ولا معنى، ~~فإن الله تعالى حرم الميتة. # وهذه الأعيان لا تدخل فيما حرمه الله لا لفظا ولا معنى: # أما اللفظ فلأن قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3]، لا يدخل ~~فيها الشعور وما أشبها؛ وذلك لأن الميت ضد الحي، والحياة نوعان: ms22 حياة ~~الحيوان وحياة النبات؛ فحياة الحيوان: خاصتها الحس والحركة الإرادية؛ وحياة ~~النبات: خاصتها النمو والاغتذاء. # PageV01P113 #
# وقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة}، إنما هو ما فارقته الحياة الحيوانية ~~دون النباتية، فإن الشجر والزرع إذا يبس لم ينجس باتفاق المسلمين. # وقال تعالى: {والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} ~~[النحل: 65] وقال تعالى: {اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها} [الحديد: ~~17]، فموت الأرض لا يوجب نجاستها باتفاق المسلمين. # [وإنما] (1) الميتة المحرمة: [ما فارقها] (2) الحس والحركة الإرادية، ~~[وإذا كان كذلك فالشعر حياته من جنس حياة النبات، لا من جنس حياة الحيوان] ~~(3)، فإنه ينمو ويغتذي ويطول كالزرع؛ وليس فيه حس، ولا [يتحرك بإرادته] ~~(4)، فلا تحله الحياة الحيوانية، حتى يموت بمفارقتها، فلا وجه لتنجيسه. # وأيضا: فلو كان الشعر جزءا من الحيوان لما أبيح أخذه في # حال الحياة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -: سئل عن قوم [يجبون] (5) ~~[أسنمة] (6) PageV01P114 #
# الإبل وأليات الغنم؟ فقال: "ما أبين من البهيمة وهي حية فهو ميت" (1) ~~PageV01P115 #
# رواه أبو داود وغيره، وهذا متفق عليه بين العلماء، فلو كان حكم الشعر حكم ~~السنام والألية لما جاز قطعه في حال الحياة، فلما اتفق العلماء على أن ~~الشعر والصوف إذا جز من الحيوان كان طاهرا حلالا، علم أنه ليس مثل اللحم. # وأيضا: فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى شعره لما حلق رأسه ~~المسلمين (1)؛ وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستنجي ويستجمر، فمن سوى ~~بين الشعر والبول والعذرة، فقد أخطأ خطأ بينا. # وأما العظام ونحوها؛ فإذا قيل: هي داخلة في الميتة لأنها تحس وتألم، قيل ~~لمن قال ذلك: أنتم لم تأخذوا بعموم اللفظ، فإن ما لا نفس له سائله، كالذباب ~~والعقرب والخنفساء لا ينجس عندكم، وعند جمهور العلماء، مع أنها ميتة موتا ~~حيوانيا، وقد ثبت في PageV01P116 #
# الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا وقع اللباب في إناء ~~أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء" (1)، ومن ms23 نجس هذا ~~قال في أحد القولين: إنه لا ينجس المائعات الواقعة فيها، لهذا الحديث. # وإذا كان كذلك علم أن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم فيها، فما لا ~~نفس له سائلة ليس فيه دم سائل، فإذا مات لم يحبس فيه دم سائل، وما لا يحتبس ~~فيه دم سائل فلا ينجس، فالعظم أو نحوه أولى بعدم التنجيس من هذا، فإن العظم ~~ليس فيه دم سائل، ولا كان متحركا بالإرادة إلا على وجه التبع، فإذا كان ~~الحيوان الكامل الحساس المتحرك بالإرادة لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل، ~~فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل. # ومما يبين صحة قول الجمهور: أن الله سبحانه إنما حرم علينا الدم المسفوح، ~~كما قال تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} [الأنعام: 145]، فإذا عفي عن الدم ~~غير المسفوح، مع أن جنس الدم خبيث، علم أن الله سبحانه فرق بين الدم ~~[المصروف] (2) الذي [يسيل] (3)، وبين غيره. # ولهذا كان المسلمون يضعون اللحم في المرق وخطوط الدم PageV01P117 #
# في القدور بينه، ويأكلون ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~كما أخبرت بذلك عائشة، ولولا هذا لاستخرجوا الدم من العروق، كما يفعل ~~اليهود، والله تعالى حرم ما مات حتف أنفه، أو بسبب غير جارح محدد، فحرم ~~المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة؛ وحرم النبي ما صيد بعرض المعراض، ~~وقال: "إنه وقيذ" (1)، دون ما صيد بحده؛ والفرق بينهما إنما هو سفح الدم؛ ~~فيدل على أن سبب التنجيس هو احتقان الدم واحتباسه وإذا سفح بوجه خبيث، بأن ~~ذكر عليه غير اسم الله، كان الخبث هنا من جهة أخرى؛ فإن التحريم يكون تارة ~~لوجود الدم، وتارة لفساد التذكية، كذكاة المجوس والمرتد، والذكاة في غير ~~المحل. # وإذا كان كذلك فالعظم والقرن والظفر والظلف ونحو ذلك، ليس فيه دم مسفوح، ~~فلا وجه لتنجيسه. # وهذا قول جمهور السلف، قال الزهري: كان خيار هذه الأمة يمتشطون بأمشاط من ms24 ~~عظام الفيل (2)؛ وقد روي في العاج حديث معروف، لكن فيه نظر ليس هذا موضعه، ~~فإنا لا نحتاج إلى الاستدلال بذلك. # وأيضا: فقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال -في ~~شاة PageV01P118 #
# ميمونة-: "هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به؟ " فقالوا: إنها ميتة، فقال: ~~"إنما حرم أكلها (1) " وليس في صحيح البخاري ذكر الدباغ، ولم يذكره عامة ~~أصحاب الزهري عنه، ولكن ذكره ابن عيينة عنه، ورواه مسلم في صحيحه، وقد طعن ~~الإمام أحمد في ذلك، وأشار إلى غلط ابن عيينة فيه، وذكر أن الزهري وغيره، ~~كانوا يبيحون الانتفاع بجلود الميتة بلا دباغ؛ لأجل هذا الحديث. # وحينئذ فهذا النص يقتضي جواز الانتفاع بالعظام، وغيرها بطريق الأولى، لكن ~~إذا قيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك حرم الانتفاع ~~بالجلود حتى تدبغ (2)، أو قيل: إنها لا تطهر بالدباغ، لم يلزم تحريم ~~PageV01P119 #
# العظام ونحوها، لأن الجلد جزء من الميتة فيه الدم، كما في سائر أجزائها؛ ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل دباغة ذكاته، لأن الدباغ ينشف رطوباته، ~~فدل ذلك على أن سبب التنجيس هو الرطوبات، والعظم ليس فيه رطوبة سائلة؛ وما ~~كان فيه منها فإنه يجف وييبس، وهو يبقى ويحفظ أعظم من الجلد، فهو أولى ~~بالطهارة من الجلد. # والعلماء تنازعوا في الدباغ، هل يطهر؟ فمذهب مالك وأحمد في المشهور ~~عنهما: أنه لا يطهر؛ ومذهب أبي حنيفة والشافعي PageV01P120 #
# والجمهور: أنه يطهر؛ وإلى هذا القول رجع أحمد، كما ذكر ذلك أحمد ابن ~~[الحسين] (1) الترمذي عنه. # وحديث ابن عكيم يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاهم أن ~~ينتفعوا من الميتة بإهاب أو عصب (2)؛ بعد أن كان أذن لهم في ذلك؛ لكن هذا ~~PageV01P121 #
# قد يكون قبل الدباغ، فيكون قد رخص فيه، فإن حديث الزهري PageV01P122 #
# الصحيح: يبين أنه كان قد رخص في جلود الميتة قبل الدباغ، فيكون قد رخص ~~لهم في ذلك، ثم لما نهي عن الانتفاع بها قبل ms25 الدباغ نهاهم عن ذلك؛ ولهذا ~~قالت طائفه من أهل اللغه: إن الإهاب اسم لما لم يدبغ (1)، ولهذا قرن معه ~~العصب، والعصب لا يدبغ (2). PageV01P123 #
# (فصل) # وأما لبن الميتة وإنفحتها (1): [ففيهما] (2) قولان مشهوران للعلماء: ~~أحدهما: أن ذلك طاهر، كقول أبي حنيفة وغيره، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. # والثاني: أنه نجس، كقول مالك والشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد. # وعلى هذا النزاع انبنى نزاعهم في جبن المجوس، فإن [ذبائح] (3) المجوس ~~حرام عند جماهير السلف والخلف، وقد قيل: إن ذلك مجمع عليه بين الصحابة، ~~فإذا صنعوا جبنا، والجبن يصنع بالإنفحة، كان فيه هذان القولان. # والأظهر: أن جبنهم حلال، وأن إنفحة الميتة ولبنها طاهرة: وذلك لأن ~~الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا ظاهرا شائعا ~~بينهم، وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر، فإنه من نقل بعض ~~الحجازيين [وفيه نظر] (4)، وأهل العراق كانوا أعلم بهذا، فإن المجوس كانوا ~~ببلادهم، ولم يكونوا بأرض الحجاز، ويدل على ذلك: أن سلمان الفارسي -وكان ~~نائب عمر بن PageV01P124 #
# الخطاب على المدائن، وكان يدعوا الفرس إلى الإسلام- قد ثبت # عنه: أنه سئل عن شىء من السمن والجبن والفراء؛ فقال: "الحلال ما # أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو # مما عفا عنه" (1)، وقد رواه أبو داود مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ومعلوم أنه لم يكن السؤال من جبن المسلمين وأهل الكتاب فإن هذا أمره بين، ~~وإنما كان السؤال عن جبن المجوس؛ فدل ذلك على أن سلمان كان يفتي بحلها، ~~وإذا كان قد روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # انقطع النزاع بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وأيضا: فاللبن والإنفحة لم يموتا، وإنما نجسهما من نجسهما لكونهما من ~~وعاء نجس، فيكون مائعا في وعاء نجس، فالتنجيس مبني على مقدمتين: على أن ~~المائع لاقى وعاء نجسا، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجسا. # فيقال أولا: لا نسلم أن المائع ينجس بملاقاة النجاسة، وقد تقدم ms26 أن السنة ~~دلت على طهارته، لا على نجاسته. # ويقال ثانيا: الملاقاة [في] (2) الباطن لا حكم لها، كما قال تعالى: ~~{نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} [النحل: ~~66]. # ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ما في [بطنه] (3). PageV01P125 #
# (فصل) # وأما سؤر البغل والحمار: فأكثر العلماء يجوزون التوضأ به، كمالك ~~والشافعي، وأحمد في إحدى [الروايات] (1) عنه، والرواية الأخرى: أنه مشكوك ~~فيه، كقول أبي حنيفة، فيتوضأ به ويتيمم، والثالثة: أنه نجس؛ لأنه متولد من ~~باطن حيوان نجس، فيكون نجسا كلعاب الكلب، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال في الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (2)، فعلل طهارة سؤرها ~~بكونها من الطوافين علينا PageV01P126 #
# والطوافات، وهذا يقتضي أن الحاجة مقتضية للطهارة، وهذا من حجة من يبيح ~~سؤر [البغل] (1) والحمار، فإن الحاجة داعية إلى ذلك (2). PageV01P127 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P128 #
# والمانع يقول: ذلك مثل سؤر الكلب، فإنه مع إباحة قنيته لما يحتاج فيه ~~إليه نهى عن سؤره. # والمرخص يقول: الكلب إباحته للحاجة، ولهذا حرم ثمنه، بخلاف البغل ~~والحمار، فإن بيعهما جائز باتفاق المسلمين؛ والمسألة مبنية على آثار السباع ~~وما لا يؤكل لحمه (1). PageV01P129 #
# (فصل) # وأما إزالة النجاسة بغير الماء ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد: # أحدها: المنع، كقول الشافعي وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد. # والثاني: الجواز، كقول أبي حنيفة، وهو القول الثاني في مذهب مالك وأحمد. # والقول الثالث في مذهب أحمد: أن ذلك يجوز للحاجة، كما في طهارة فم الهرة ~~بريقها، وطهارة أفواه الصبيان بأرياقهم، ونحو ذلك، والسنة قد جاءت بالأمر ~~بالتطهير بالماء في قوله لأسماء: "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" (1). # وقوله في آنية المجوس: "ارحضوها ثم اغسلوها بالماء" (2) PageV01P130 #
# وقوله في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد: "صبوا على بوله ذنوبا من ~~ماء" (1)، فأمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمرا عاما بأن ~~تزال كل نجاسة بالماء، وقد أذن في إزالتها بغير الماء في ms27 مواضع: # منها: الاستجمار بالحجارة. # ومنها قوله في النعلين: "ثم ليدلكهما بالتراب، فإن التراب لهما طهورا" ~~(2)، ومنها قوله في ذيل الثوب: "يطهره ما بعده" (3). # ومنها: أن الكلاب كانت تقبل و [تدبر] (4) وتبول في مسجد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ثم لم يكونوا يغسلون ذلك (5). PageV01P131 #
# ومنها: قوله: في الهر "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (1) مع أن ~~الهرة في العادة تأكل الفأر، ولم يكن هناك قناة ونحوها ترد عليها تطهر بها ~~أفواهها بالماء فإن طهورها ريقها. # ومنها: أن الخمر المنقلبة بنفسها تطهر باتفاق المسلمين. # وإذا كان كذلك فالراجح في هذه المسألة: أن النجاسة متى زالت بأي وجه زال ~~بذلك حكمها، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال ~~الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة؛ لما في ذلك من إفساد ~~الأموال، كما لا يجوز الاستنجاء بها. # والذين قالوا: لا يزول إلا بالماء، منهم من قال: إن هذا تعبد، وليس الأمر ~~كذلك، فإن صاحب الشريعة أمر بالماء في قضايا معينة [لتعينه] (2)، لأن ~~إزالتها بالأشربة التي ينتفع بها المسلمون إفساد لها، وإزالتها بالجامدات ~~كانت متعذرة، كغسل الثوب والإناء والأرض بالماء، فإنه من المعلوم أنه لو ~~كان عندهم ماء ورد وخل وغير ذلك لم يأمرهم بإفساده، فكيف إذا لم يكن عندهم؟ # ومنهم من قال: إن الماء له من اللطف ما ليس لغيره من المائعات فلا يلحق ~~غيره به؛ وليس الأمر كذلك، بل الخل وماء الورد وغيرهما يزيلان ما في الأنية ~~من النجاسة كالماء وأبلغ، والاستحالة PageV01P132 #
# أبلغ في الإزالة من الغسل بالماء، فإن الإزالة بالماء قد يبقى معها لون ~~النجاسة فيعفى عنه، كما قال، لأسماء: "يكفيك الماء ولا يضرك أثره" (1)، ~~وغير الماء يزيل الطعم واللون والريح. # ومنهم من قال: كان القياس أن لا يزول بالماء لتنجسه بالملاقاة، لكن رخص ~~في الماء للحاجة، فجعل الإزالة بالماء صورة استحسان فلا يقاس عليها. # وكلا المقدمتين باطل: فليست إزالتها على خلاف القياس، بل القياس أن الحكم ~~إذا ثبت بعلة زال بزوالها. ms28 # وقولهم: إنه ينجس بالملاقاة ممنوع، ومن سلم فرق بين الوارد والمورود ~~عليه، أو بين البخاري والواقف. # ولو قيل: إنها على خلاف القياس؛ فالصواب: أن ما خالف القياس يقاس عليه، ~~إذا عرفت علته، إذ الاعتبار في القياس بالجامع والفارق، واعتبار طهارة ~~الخبث بطهارة الحدث ضعيف، فإن طهارة الحدث من باب الأفعال المأمور بها، ~~ولهذا لم تسقط بالنسيان والجهل، واشترط فيها النية عند الجمهور. # وأما طهارة الخبث فإنها من باب التروك، فمقصودها اجتناب الخبيث، ولهذا لا ~~يشترط فيها فعل العبد ولا قصده، بل لو زالت بالمطر النازل من السماء حصل ~~المقصود، كما ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم؛ ومن قال من أصحاب ~~الشافعي وأحمد: PageV01P133 #
# إنه يعتبر فيها النية فهو قول شاذ مخالف للإجماع السابق، مع مخالفته أئمة ~~المذاهب، وإنما قيل مثل هذا من ضيق المجال في المناظرة، فإن المنازع لهم في ~~مسألة النية قاس طهارة الحدث على طهارة الخبث، فمنعوا الحكم [في الأصل] ~~(1)، وهذا ليس بشيء. # ولهذا كان أصح [أقوال] (2) العلماء: أنه إذا صلى بالنجاسة جاهلا أو ناسيا ~~فلا إعادة عليه، كما هو مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه: لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - خلع نعليه في الصلاة للأذى الذي كان فيهما (3)، ولم ~~يستأنف الصلاة، وكذلك في الحديث الآخر لما وجد في ثوبه نجاسة أمرهم بغسله ~~ولم يعد الصلاة. # وذلك لأن ما كان مقصوده اجتناب [المحظور] (4) إذا فعله العبد ناسيا أو ~~مخطئا فلا إثم عليه، كما دل عليه الكتاب والسنة. # قال تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} [الأحزاب: 5] وقال تعالى: ~~{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال الله -عز وجل-: ~~"قد فعلت"، رواه مسلم في صحيحه. # ولهذا كان أقوى الأقوال: أن ما فعله العبد ناسيا أو مخطئا من محظورات ~~الصلاة والصيام والحج لا يبطل العبادة، كالكلام ناسيا، والأكل ناسيا، ~~واللباس، والطيب ناسيا، وكذلك إذا فعل المحلوف PageV01P134 #
# عليه ناسيا. # وفي هذه المسائل نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه، وإنما المقصود هنا التنبيه ~~على ms29 أن النجاسة من باب ترك المنهي عنه، وحينئذ فإذا زال الخبث بأي طريق ~~كان، حصل المقصود، ولكن إن زال بفعل العبد [ونيته] (1) أثيب على ذلك، وإذا ~~عدمت بغير فعله ولا نيته، فقد زالت المفسدة، [لم يكن] (2) له ثواب، [ولا] ~~(3) عليه عقاب. PageV01P135 #
# (فصل) # وأما الصلاة في النعل ونحوه: مثل الجمجم والمداس والزربول وغير ذلك فلا ~~يكره، بل هو مستحب؛ لما ثبت في الصحيح عن أنس عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أنه كان يصلي في نعليه" (1)، وفي السنن عن أبي سعيد، عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: "إن اليهود لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم ~~فخالفوهم وصلوا في الخفاف والنعال" (2)، فأمر بالصلاة في النعال مخالفة ~~لليهود، وإذا علمت طهارتها لم تكره الصلاة فيها باتفاق المسلمين، وأما إذا ~~تيقن نجاستها فلا يصلي فيها حتى تطهر، لكن الصحيح أنه إذا دلك النعل بالأرض ~~[طهره بالدلك] (3)، كما جاءت به السنة، سواء كانت النجاسة عذرة أو غير ~~عذرة، فإن أسفل النعل محل تتكرر ملاقاة النجاسات له، فهو بمنزلة السبيلين ~~فلما كانت إزالة الخبث عنها بالحجارة ثابتة بالسنة المتواترة، فكذلك هذا، ~~وإذا شك في نجاسة أسفل الخف لم تكره الصلاة فيه، ولو تيقن بعد الصلاة أنه ~~كان نجسا فلا إعادة عليه على الصحيح، وكذلك غيره: كالبدن والثياب والأرض ~~(4). PageV01P136 #
# (فصل) # وأما صوم يوم الغيم إذا حال دون [رؤية] (1) الهلال غيم، أو قتر فللعلماء ~~فيه عدة أقوال، وهي مذهب [في] (2) أحمد وغيره: # [أحدها] (3): أن صومه منهي عنه، ثم هل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ على قولين. # وهذا هو المشهور في مذهب مالك والشافعي، وأحمد، في إحدى [الروايات عنهم،] ~~(4) واختار ذلك طائفة من أصحابه، كأبي الخطاب [وابن عقيل] (5) وأبي القاسمم ~~بن مندة الأصفهاني وغيرهم. # والقول الثاني: أن صيامه واجب، كاختيار الخرقي والقاضي وغيرهما من أصحاب ~~أحمد، وهذا يقال: أنه أشهر الروايات عن أحمد، لكن الثابت عن أحمد، لمن عرف ~~نصوصه وألفاظه: أنه كان يستحب صيام يوم الغيم، اتباعا لعبد الله بن عمر ms30 ~~وغيره من الصحابة، ولم يكن عبد الله بن عمر يوجبه على الناس، بل كان يفعله ~~احتياطا (6)، وكان الصحابة فيهم من يصومه احتياطا، ونقل ذلك عن PageV01P137 #
# عمر، وعلي، ومعاوية، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وأسماء، PageV01P138 #
# وغيرهم (1)، ومنهم من كان لا يصومه، مثل كثير من الصحابة (2)؛ ومنهم من ~~كان ينهى عنه كعمار بن ياسر وغيره، فأحمد - رضي الله عنه - كان يصومه ~~احتياطا. # وأما إيجاب صومه فلا أصل له في كلام أحمد، ولا كلام أحد من أصحابه، لكن ~~كثير من أصحابه اعتقدوا أن مذهبه إيجاب صومه، [ونصروا] (3) ذلك [القول] (4) ~~(5). # و [القول الثالث] (6): أنه يجوز صومه ويجوز فطره، وهذا مذهب أبي حنيفة ~~وغيره، وهو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه، PageV01P139 #
# وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين وأكثرهم، وهذا كما أن الإمساك عند ~~الحائل عن رؤية الفجر جائز، فإن شاء أمسك وإن شاء أكل حتى [يتيقن] (1) طلوع ~~الفجر. # وكذلك إذا شك، هل أحدث أم لا؟ إن شاء توضأ، وإن شاء لم يتوضأ، وكذلك إذا ~~شك، هل حال حول الزكاة أو لم يحل؟ وإذا شك هل الزكاة الواجبة عليه مائة أو ~~مائة وعشرون؟ فأدى الزكاة. # وأصول الشريعة كلها مستقرة على أن الآحتياط ليس بواجب ولا محرم. # ثم إذا صامه بنية مطلقة أو بنية معلقة، بأن ينوي إن كان من شهر رمضان كان ~~عن رمضان، وإلا فلا، فإن ذلك يجزيه في مذهب أبي حنيفة، وأحمد في أصح ~~[الروايات أو] (2) الروايتين عنه، وهي التي نقلها المروزي وغيره، وهذا ~~اختيار الخرقي في شرحه للمختصر، واختيار أبي البركات وغيرهما. # والقول الثاني: أنه لا يجزيه إلا بنية من رمضان، كإحدى الروايتين عن ~~أحمد، اختارها القاضي وجماعة من أصحابه (3). # وأصل هذه المسألة (4): أن تعيين النية لشهر رمضان، هل هو واجب؟ فيه ثلاثة ~~أقوال في مذهب أحمد. PageV01P140 #
# أحدها: أنه لا يجزيه إلا أن ينوي رمضان، فإن صام بنية مطلقة أو معلقة، أو ~~بنية النفل والنذر، لم يجزئه ذلك، كالمشهور من مذهب الشافعي، ms31 وأحمد في إحدى ~~الروايات. # والثانية: يجزئه مطلقا، كمذهب أبي حنيفة. # والثالثة: أنه [لا] (1) يجزي بنية مطلقة، لا بنية [تعيين] (2) غيره ~~رمضان، وهذه الرواية الثالثة عن أحمد، وهي اختيار الخرقي وأبي البركات. # وتحقيق هذه المسألة: أن النية تتبع العلم، فإن علم أن غدا من رمضان، ~~فلابد من التعيين في هذه الصورة، فإن نوى نفلا أو صوما مطلقا، لم [يجزئه] ~~(3)، لأن الله -عز وجل- أمره أن يقصد أداء الواجب عليه، وهو شهر رمضان الذي ~~علم وجوبه، فإن لم يفعل الواجب لم تبرأ ذمته. # وأما إذا كان لم يعلم أن غدا من شهر رمضان فهنا لا يجب عليه التعيين، ومن ~~أوجب التعيين عدم العلم فقد أوجب الجمع بين الضدين، فإذا قيل: إنه يجوز ~~صومه وصام في هذه الصورة بنية مطلقة أو معلقة، أجزأه. # وأما إذا قصد صوم ذلك تطوعا ثم تبين أنه كان من شهر رمضان، فالأشبه أنه ~~يجزيه أيضا، كمن كان لرجل عنده وديعة، ولم، PageV01P141 #
# يعلم ذلك فأعطاه ذلك على طريق التبرع، ثم تبين له أنه حقه، فإنه لا يحتاج ~~إلى إعطاء ثان، بل يقول له: ذلك الذي وصل إليك هو حق كان لك عندي، والله ~~[يعلم حقائق] (1) الأمور. # والرواية التي تروى عن أحمد [فيه] (2): أن الناس تبع للإمام في نيته على ~~أن الصوم والفطر بحسب ما يعلمه الناس، كما في السنن عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم ~~تضحون". # وقد تنازع الناس في الهلال، هل هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يره ~~أحد، أو لا يسمى هلالا حتى يستهل به الناس ويعلموه؟ # على قولين في مذهب أحمد وغيره. # وعلى هذا ينبني النزاع فيما إذا كانت السماء مطبقة بالغيم، أو في يوم ~~الغيم مطلقا، هل هو يوم شك؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: # أحدها: أنه ليس بشك، بل الشك إذا أمكنت رؤيته، وهذا قول كثير من أصحاب ~~الشافعي وغيرهم. # والثاني: أنه شك لإمكان طلوعه. # والثالث: أنه من ms32 رمضان حكما، فلا يكون يوم شك، وهو اختيار طائفة من أصحاب ~~أحمد وغيرهم. PageV01P142 #
# وقد تنازع الفقهاء في المنفرد برؤية هلال الصوم والفطر، هل يصوم ويفطر ~~وحده، أو لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس، أو يصوم وحده ويفطر مع الناس؟ على ~~ثلاثة أقوال [معروفة] (1) في مذهب أحمد وغيره. PageV01P143 #
# (فصل) # وأما الجنب سواء كان رجلا أو امرأة: فإنه إذا عدم الماء أو خاف الضرر ~~باستعماله، فإن كان لا يمكنه دخول الحمام لعدم الأجرة، أو لغير ذلك فإنه ~~يصلي بالتيمم، ولا يكره للرجل وطء امرأته لذلك، بل له أن يطأها، كما له أن ~~يطأها في السفر، وإن صليا بالتيمم. # وإذا أمكن الرجل أو المرأة أن يغتسل ويصلي خارج الحمام فعل ذلك، فإن لم ~~يمكن ذلك مثل أن لا يستيقظ أول الفجر، وإن اشتغل بطلب الماء خرج الوقت، وإن ~~طلب حطبا يسخن به الماء، أو ذهب إلى الحمام، فات الوقت، فإنه يصلي [هنا] ~~(1) بالتيمم عند جمهور العلماء، إلا بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد، ~~فإنهم قالوا: يشتغل بتحصيل الطهارة، وإن فات الوقت، وهكذا قالوا في اشتغاله ~~بخياطة اللباس، وتعلم دلائل القبلة ونحو ذلك. # وهذا القول خطأ، فإن قياس هذا القول: أن المسافر يؤخر الصلاة في تحصيل ~~الماء حتى يصلي بعد الوقت بالوضوء، وأن العريان يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد ~~الوقت باللباس. # وهذا خلاف إجماع المسلمين، بل على العبد أن يصلي في الوقت بحسب الإمكان، ~~وما عجز عنه من واجبات الصلاة سقط عنه. PageV01P144 #
# وأما إذا استيقظ آخر الوقت، [أو] (1) إن اشتغل باستقاء الماء من البئر ~~خرج الوقت، أو إن ذهب إلى الحمام للغسل خرج الوقت، [فهذا يغتسل] (2) عند ~~جمهور العلماء، ومالك رحمه الله يقول: بل يصلي بالتيمم؛ محافظة على الوقت، ~~والجمهور يقولون: إذا استيقظ آخر الوقت فهو حينئذ مأمور بالصلاة بالطهارة، ~~والوقت في حقه من حين استيقظ، وهو ما يمكنه فعل الصلاة فيه، كما أمر؛ وقد ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من نام عن ms33 صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها، فإن ذلك وقتها" (3). # فالوقت المأمور بالصلاة فيه في حق النائم هو إذا استيقظ، لا ما قبل ذلك، ~~وفي حق الناسي إذا ذكر، والله أعلم (4). PageV01P145 #
# (فصل) # وأما إن كانت المرأة أو الرجل يمكنه الذهاب إلى الحمام، لكن إن دخل لا ~~يمكنه الخروج حتى يفوت الوقت، إما لكونه مقهورا مثل الغلام الذي لا يخليه ~~سيده يخرج حتى يصلي، ومثل المرأة التي معها أولادها، فلا يمكنها الخروج حتى ~~تغسلهم ونحو ذلك، فهؤلاء لابد لهم من أحد أمور: # إما أن يغتسلوا ويصلوا في الحمام في الوقت، [وإما أن يصلوا خارج الحمام ~~بعد خروج الوقت، وإما أن يصلوا خارج الحمام بالتيمم] (1)، وبكل قول من هذه ~~الأقوال يفتي طائفة. # لكن الأظهر أنهم يصلون بالتيمم خارج الحمام؛ لأن الصلاة في الحمام منهي ~~عنها (2)، وتفويت الصلاة حتى يخرج الوقت أعظم من ذلك؛ ولا يمكن الخروج عن ~~هذين النهيين إلا بالصلاة بالتيمم في الوقت خارج الحمام (3). PageV01P146 #
# وصار هذا كما لو لم يمكنه الصلاة إلا في موضع نجس في الوقت، أو في موضع ~~طاهر بعد الوقت [إذا اغتسل] (1)، أو يصلي [بالتيمم] (2) في [المكان النجس] ~~(3) في الوقت؟ فهذا أولى: لأن كلا من ذينك منهي عنه. # وتنازع الفقهاء فيمن حبس في موضع نجس وصلى فيه، هل يعيد؟ على قولين ~~أصحهما: أنه لا إعادة عليه، بل الصحيح الذي عليه أكثر العلماء: أن من يصلي ~~في الوقت كما أمر بحسب الإمكان، فلا إعادة عليه، سواء كان الحذر نادرا أو ~~معتادا. # فإن الله تعالى لم يوجب على العبد الصلاة المعينة مرتين، إلا إذا كان قد ~~حصل منه إخلال بواجب، أو بفعل محرم، فأما إذا فعل الواجب بحسب الإمكان، فلم ~~يأمره بها مرتين، ولا أمر الله تعالى أحدا أن يصلي الصلاة ويعيدها، بل حيث ~~أمره بالإعادة لم يأمره بذلك ابتداء، كمن صلى بلا وضوء ناسيا، فإن هذا لم ~~يكن مأمورا بتلك الصلاة، بل اعتقد أنه مأمور خطأ منه، وإنما أمره الله ~~تعالى أن يصلي ms34 بالطهارة؛ فإن صلى بغير طهارة كان عليه الإعادة؛ كما أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي توضأ وترك موضع ظفر من قدمه لم يصبه ~~الماء أن يعيد الوضوء والصلاة (4)، وكما أمر المسيء في صلاته أن يعيد ~~PageV01P147 #
# الصلاة (1) وكما أمر المصلي خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة (2). ~~PageV01P148 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P149 #
# فأما العاجز عن الطهارة [و] (1) الستار [و] (2) استقبال القبلة، أو ~~اجتناب النجاسة، أو عن إكمال الركوع والسجود، أو عن قراءة الفاتحة ونحو ~~هؤلاء، ممن يكون عاجزا عن [بعض] (3) واجباتها، فإن هذا يفعل ما قدر عليه، ~~ولا إعادة عليه، كما قال تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن 16] وكما ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم" ~~(4) (5). PageV01P150 #
# (فصل) # وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور: ففيه نزاع مشهور ~~وتفضيل: ليس هذا موضع بسطه؛ لكن أوسط الأقوال في هؤلاء: أن تقديم الواحد من ~~هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره، فإن من كان مظهرا للفجور أو ~~البدع، يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك. # وأقل مراتب الإنكار: هجره، لينتهي عن فجوره وبدعته. # ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية، فإن الداعية أظهر ~~المنكر، فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت، فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، ~~فهذا لا ينكر عليه في الظاهر، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ~~ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة. # ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى، ~~بخلاف من أظهر الكفر، فإذا كان داعية منع من ولايته وإمامته وشهادته ~~وروايته، لما في ذلك من النهي عن المنكر، لا لأجل فساد الصلاة أو اتهامه في ~~شهادته وروايته. # فإذا أمكن لإنسان أن لا يقدم مظهرا للمنكر في الإمامة، وجب ذلك، لكن إذا ~~ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشر ~~أعظم ضررا من ضرر ما أظهره من المنكر فلا يجوز دفع الفساد ms35 القليل بالفساد ~~الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فإن الشريعة جاءت بتحصيل ~~المصالح # PageV01P151 #
# وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها ترجيج خير ~~الخيرين، إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعا، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا ~~جميعا، فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر ~~إمامته، لم يجز ذلك بل يصلي خلفه، ما لا [يمكن] (1) [فعله] (2) إلا خلفه، ~~كالجمع والأعياد والجماعة، إذا لم يكن هناك إمام غيره؛ ولهذا كان الصحابة ~~يصلون خلف الحجاج (3) والمختار بن أبي عبيد الثقفي (4) وغيرهما الجمعة ~~والجماعة، فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم إفسادا من الاقتداء فيهما بإمام ~~فاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره، فيبقى ترك المصلحة ~~الشرعية بدون دفع تلك المفسدة. # ولهذا كان التاركون للجمعات والجماعات خلف أئمة الجور PageV01P152 #
# مطلقا معدودين عند السلف والأئمة من أهل البدع. # وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر، فهو أولى من فعلها خلف ~~الفاجر، وحينئذ إذا صلى خلف الفاجر من غير عذر، فهو موضع اجتهاد للعلماء. # منهم من قال: إنه يعيد؛ لأنه فعل ما لا يشرع بحيث ترك ما يجب عليه من ~~الإنكار بصلاته خلف هذا، فكانت صلاته خلفه منهيا عنها، فيعيدها. # ومنهم من قال: لا يعيد؛ لأن الصلاة في نفسها صحيحة، وما ذكر من ترك ~~الإنكار هو أمر منفصل عن الصلاة، وهو يشبه البيع عند نداء الجمعة، وأما إذا ~~لم يمكنه الصلاة إلا خلفه: كالجمعة، فهنا لا تعاد الصلاة وإعادتها من فعل ~~أهل البدع. # وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه إذا قيل: إن الصلاة خلف الفاسق لا تصح، ~~أعيدت الجمعة خلفه وإلا لم تعد، وليس كذلك، بل النزاع في الإعادة، حيث ينهى ~~الرجل عن الصلاة. # فأما إذا أمر بالصلاة خلفه، فالصحيح هنا: أنه لا إعادة عليه، لما تقدم من ~~أن العبد لم يؤمر بالصلاة مرتين. # وأما الصلاة خلف من يكفر ببدعته من أهل الأهواء فهناك قد تنازعوا في نفس ~~صلاة الجمعة خلفه، ومن ms36 قال: إنه يكفر. أمر بالإعادة؛ لأنها صلاة خلف كافر، ~~لكن هذه المسألة متعلقة بتكفير أهل الأهواء، والناس مضطربون في هذه ~~المسألة، وقد حكي عن مالك فيها روايتان وعن الشافعي فيها قولان، وعن الإمام ~~أحمد أيضا # PageV01P153 #
# فيها روايتان، وكذلك أهل الكلام، فذكروا للأشعري فيها [قولين] (1)، وغالب ~~مذاهب الأئمة فيها تفصيل. # وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول قد يكون كفرا، فيطلق القول بتكفير صاحبه، ~~فيقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، ~~حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله ~~-عز وجل- يقول: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا} [النساء: 10]. # فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، ~~فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار، لجواز أن لا يلحقه الوعيد، لفوات شرط ~~أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلغه، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون ~~له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه، وقد ~~يشفع فيه شفيع مطاع، وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم ~~تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده، أو لم ~~يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله تعالى بها، فمن كان من ~~المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله -عز وجل- يغفر له خطأه كائنا ~~ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم PageV01P154 #
# وجماهير أئمة الإسلام، وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها، ~~ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها، فأما التفريق بين نوع، وتسميته مسائل ~~الفروع، فهذا الفرق ليس له أصل، لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان، ~~ولا عن أئمة الإسلام. # وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره ~~عن الفقهاء في كتبهم، وهو تفريق متناقض. # فإنه يقال ms37 لمن فرق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطئ ~~فيها؟ وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟ # فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد ومسائل الفروع هي مسائل العمل. # قيل له: فتنازع الناس في محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هل رأى ربه، أم ~~لا؟ وفي أن عثمان أفضل من علي، أم علي أفضل؟ وفي كثير من معاني القرآن ~~وتصحيح بعض الأحاديث، وهي من المسائل الاعتقادية العلمية، وما كفر فيها أحد ~~بالاتفاق، ووجوب الصلاة والصيام والحج وتحريم الفواحش والخمر: هي مسائل ~~[علمية] (1)، والمنكر لها يكفر بالاتفاق. # وإن قال: الأصول هي المسائل القطعية. # قيل [له] (2): كثير من مسائل العمل قطعية، وكثير من مسائل PageV01P155 #
# [العلم] (1) ليست قطعية، [وكون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور ~~الإضافية] (2). # وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له، كمن سمع النص من ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتيقن مراده منه، وعند رجل لا تكون ظنية، ~~فضلا عن أن تكون قطعية، لعدم بلوغ النص إياه، أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم ~~تمكنه من العلم بدلالته، وقد ثبت في [الصحيح] (3) عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم حديث الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ~~ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لم يعذبه أحدا من ~~العالمين؛ فأمر الله تعالى البر برد ما أخذ منه والبحر برد ما أخذ منه، ~~وقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب؛ فغفر الله تعالى له" (4) ~~فهذا [ظاهره] (5) شك في قدرة الله تعالى وفي المعاد، بل ظن أنه لا يعود، ~~وأنه لا يقدر الله تعالى عليه إذا فعل ذلك، وغفر الله له. # وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع، ولكن المقصود هنا أن مذاهب ~~الأئمة مبنية. على هذا التفصيل بين النوع والعين، ولهذا حكى طائفة عنهم ~~الخلاف في ذلك، ولم يفهموا غور قولهم، PageV01P156 #
# فطائفة تحكي عن أحمد في تكفير أهل البدع روايتين مطلقا، حتي ms38 تجعل الخلاف ~~في تكفير المرجئة والشيعة [المفضلة] (1) لعلي، وربما رجحت التكفير والتخليد ~~[في النار] (2)، وليس هذا مذهب أحمد ولا غيره من أئمة الإسلام، بل لا يختلف ~~قوله: أنه لا يكفر المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، ولا يكفر من ~~يفضل عليا على عثمان، بل نصوصه صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية ~~وغيرهم، وإنما كان يكفر [الجهمية] (3) المنكرين لأسماء الله تعالى وصفاته؛ ~~لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ظاهر بينة، ~~ولأن حقيقة قولهم: تعطيل الخالق، وكان قد ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم، ~~وأنه يدور على التعطيل (4). # وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة، لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإن ~~الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقوله، والذي يعاقب مخالفه أعظم عن الذي ~~يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه؛ ومع هذا فالذين كانوا من ~~ولاة الأمور يقولون بقول PageV01P157 #
# الجهمية: إن القرآن مخلوق، وإن الله -عز وجل- لا يرى في الآخرة وغير ذلك، ~~ويدعون الناس إلى ذلك، ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم [يجيبوهم] (1) ويكفرون ~~من لم [يجبهم] (2) حتى إنهم كانوا إذا افتكوا الأسير لا يطلقونه حتى يقر ~~بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق وغير ذلك ولا يولون متوليا، ولا يعطون رزقا ~~من بيت المال إلا لمن يقول ذلك، ومع هذا فالإمام أحمد رضي الله تعالى عنه ~~ترحم عليهم، واستغفر لهم لعلمه بأنهم لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا ~~جاحدون لما جاء به ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال ذلك لهم (3). # وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد -حين قال القرآن مخلوق-: كفرت بالله ~~العظيم. بين [ذلك] (4): أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك؛ ~~لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، ~~وقد صرح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم، وكذلك قال مالك ~~والشافعي وأحمد في القدري: إن جحد علم الله كفر، ولفظ بعضهم: ناظروا ~~القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، ms39 وإن جحدوه كفروا. PageV01P158 #
# وشئل أحمد عن القدري، هل يكفر؟ فقال: إن جحد العلم كفر (1)، وحينئذ فجاحد ~~العلم هو من جنس الجهمية. # وأما قتل الداعية إلى البدع فقد يقتل لكف ضرره عن الناس كما يقتل ~~المحارب، وان لم يكن في نفس الأمر كافرا، فليس كل من أمر بقتله يكون قتله ~~لردته، وعلى هذا قتل غيلان القدري وغيره، قد يكون على هذا الوجه، وهذه ~~المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع، وإنما نبهنا عليها تنبيها (2). ~~PageV01P159 #
# (فصل) # وأما من لا يقيم قراءة الفاتحة فلا يصلي خلفه إلا من هو مثله، فلا يصلي ~~خلف الألثغ الذي يبدل حرفا بحرف، إلا حرف الضاد إذا أخرجه من طرف الفم، كما ~~هو عادة كثير من الناس، فهذا فيه وجهان: # منهم من قال: لا يصلي خلفه، ولا تصح صلاته في نفسه؛ لأنه أبدل حرفا بحرف، ~~فإن مخرج الضاد [الشفتان مع حافتي اللسان وأطراف الأسنان العليا] (1)، ~~ومخرج الظاء طرف اللسان، فإذا قال: ولا الظالين، كان معناه: ظل يفعل كذا. # والوجه الثاني: تصح، وهذا أقرب؛ لأن الحرفين في السمع شيء واحد، وحس ~~أحدهما من جنس حس الآخر، لتشابه المخرجين، والقارئ إنما يقصد الضلال ~~المخالف للهدى، وهو الذي يفهمه المستمع. # فأما المعنى المأخوذ من "ظل" فلا يخطر ببال أحد، وهذا بخلاف الحرفين ~~المختلفين صوتا ومخرجا وسمعا، كإبدال الراء بالغين، فإن هذا لا يحصل به ~~مقصود القراءة (2) (3). PageV01P160 #
# (فصل) # وأما المرأة الحائض إذا انقطع دمها: فلا يطؤها زوجها حتى تغتسل إن كانت ~~قادرة على الاغتسال، وإلا تيممت، كما هو مذهب جمهور العلماء: مالك والشافعي ~~وأحمد. # وهذا معنى ما يروى عن الصحابة، حيث روي عن بضعة عشر من الصحابة، منهم ~~الخلفاء، أنهم قالوا في المعتدة: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة ~~الثالثة، والقرآن يدل على ذلك. # قال الله {ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} ~~[البقرة: 222]، قال مجاهد: "حتى يطهرن": ينقطع الدم، "فإذا تطهرن"، أي: ~~اغتسلن بالماء (1)، وهو كما قال ms40 مجاهد. PageV01P161 #
# وإنما ذكر الله تعالى غايتين على قراءة الجمهور؛ لأن قوله: {حتى يطهرن} ~~غاية التحريم الحاصل بالحيض، وهو تحريم لا يزول بالاغتسال ولا غيره، فهذا ~~التحريم يزول بانقطاع الدم، ثم يبقى الوطء بعد ذلك جائزا، بشرط الاغتسال، ~~لا يبقى محرما على الإطلاق، فلهذا قال: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم ~~الله}. # وهذا كقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن ~~طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} [البقرة: 230]، فقوله تعالى {حتى تنكح ~~زوجا غيره} غاية التحريم الحاصل بالثلاث، فإن نكحت الزوج الثاني زال ذلك ~~التحريم، لكن صارت في عصمة الثاني؛ فحرمت لأجل حقه، لا لأجل الطلاق الثالث، ~~فإن طلقها جاز للأول أن يتزوجها. # وقد قال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله تعالى: {فإذا تطهرن} أي: غسلن ~~فروجهن بالماء، وهذا ليس بشيء (1)، لأنه تعالى قد PageV01P162 #
# قال: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6]، فالتطهير في كتاب الله تعالى ~~هو الاغتسال. # وأما قوله تعالى {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة: 222]، ~~فهذا يدخل فيه المتوضئ والمغتسل والمستنجي، لكن التطهر المقرون بالحيض ~~كالتطهر المقرون بالجنابة، المراد به الاغتسال. # وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: إذا اغتسلت، أو مضى PageV01P163 #
# عليها وقت الصلاة، أو انقطع الدم لعشرة أيام، حلت، بناء على أنه يحكم ~~بطهارتها في هذه الأحوال (1). # وقول الجمهور: هو الصواب، كما تقدم والله أعلم (2). PageV01P164 #
# (فصل) (1) # وأما عادم الماء إذا لم يجد ترابا وعنده رمل: فإنه يتيمم به ويصلي ولا ~~إعادة عليه، عند جمهور العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد، في أظهر الروايتين ~~عنه (2)؛ لأن النبي صلى الله عليه تعالى PageV01P165 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P166 #
# وسلم قال: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة ~~فعنده مسجده وطهوره (1)، وكثير من الطرق التي كان النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم وأصحابه يسافرون بها قد لا يوجد فيها إلا رمل؛ وحمل التراب بدعة. ~~لم يفعله أحد [من المسافرين ولا أحد] ms41 (2) من السلف. # فعلم أنه كان عند أحدهم مسجده وطهوره، والله أعلم. PageV01P167 #
# (فصل) # وأما إذا استيقظ وعليه غسل وقد ضاق الوقت [فقد تقدم جوابها، وأما المسافر ~~إذا وصل إلى ماء، وقد ضاق الوقت] (1)، فإنه يصلي بالتيمم على قول جمهور ~~العلماء، كذلك لو كان هنالك بئر لكن لا يمكن أن يصنع له حبلا حتى يخرج ~~الوقت، أو يمكن حفر الماء [ولا يحفر] (2) حتى يخرج الوقت، فإنه يصلي ~~بالتيمم. # وقد قال بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد: إنه يغتسل ويصلي بعد خروج ~~الوقت، لاشتغاله بتحصيل الشرط، وهذا ضعيف؛ لأن المسلم أمر أن يصلي في الوقت ~~بحسب الإمكان، فإن المسافر إذا علم أنه لا يجد الماء حتى يفوت الوقت كان ~~فرضا عليه أن يصلي بالتيمم في الوقت باتفاق الأئمة، وليس له أن يؤخر الصلاة ~~حتى يصل إلى الماء، وقد ضاق الوقت بحيث لا يمكنه الاغتسال والصلاة حتى يخرج ~~الوقت، بل إذا فعل ذلك كان عاصيا بالاتفاق، وحينئذ فإذا وصل إلى الماء وقد ~~ضاق الوقت، ففرضه: إنما هو الصلاة بالتيمم في الوقت، وليس هو مأمور بهذا ~~الاستعمال الذي يفوت معه الوقت، بخلاف المستيقظ آخر الوقت، والماء حاضر، ~~فإن هذا مأمور أن يغتسل ويصلي، ووقته من حين استيقظ، لا من حين طلع الفجر، ~~بخلاف من كان يقظان عند طلوع الفجر، أو عند زوال الشمس، مقيما كان أو ~~مسافرا، فإن الوقت في حقه من حينئذ، والله أعلم (3). PageV01P168 #
# (فصل) # وأما إذا ذهب إلى الحمام ليغتسل ويخرج ويصلي خارج الحمام في الوقت، فلم ~~يمكنه إلا أن يصلي في الحمام، أو تفوت الصلاة: فالصلاة في الحمام خير من ~~تفويت الصلاة، فإن الصلاة في الحمام كالصلاة في الحش والمواضع النجسة ونحو ~~ذلك، ومن كان في موضع نجس ولم يمكنه أن يخرج منه حتى يفوت الوقت، فإنه يصلي ~~فيه ولا يفوت الوقت؛ لأن مراعاة الوقت مقدمة على مراعاة جميع الواجبات. # وأما إن كان يعلم أنه إذا ذهب إلى الحمام لم يمكنه الخروج حتى يخرج ~~الوقت، فقد ms42 تقدمت هذه المسألة. # والأظهر: أنه يصلي بالتيمم، فإن الصلاة بالتيمم خير من الصلاة في الأماكن ~~التي نهي عنها، وعن الصلاة بعد خروج الوقت (1). PageV01P169 #
# (فصل) # وأما المني: فالصحيح: أنه طاهر، كما هو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور ~~عنه. # وقد قيل: إنه نجس يجزئ فركه، كقول أبي حنيفة وأحمد في رواية أخرى، وهل ~~يعفى عن يسيره كالدم، أو لا يعفى عنه كالبول؟ على قولين: هما روايتان عن ~~أحمد. # وقد قيل: إنه يجب غسله، كقول مالك: والأول هو الصواب. # فإنه من المعلوم أن الصحابة كانوا يحتلمون على عهد النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم، وأن المني يصيب بدن أحدهم وثيابه، وهذا مما تعم به البلوى، فلو ~~كان ذلك نجسا لكان يجب على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمرهم بإزالة ~~ذلك من أبدانهم وثيابهم، كما أمرهم بالاستنجاء وكما أمر الحائض بأن تغسل دم ~~الحيض من ثوبها، بل إصابة المني [للثياب والبدن] (1) أعظم بكثير من إصابة ~~دم الحيض لثوب الحائض. # ومن المعلوم: أنه لم ينقل أحد أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمر ~~أحدا من الصحابة أن يغسل المني من بدنه ولا ثيابه، فعلم يقينا أن هذا لم ~~يكن واجبا، وهذا قاطع لمن تدبره. # وأما كون عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تغسله، تارة من ثوب النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم (2)، وتفركه تارة (3)، فهذا لا PageV01P170 #
# يقتضي نجاسته، فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ. # وهكذا قال غير واحد من الصحابة، كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وغيرهما: ~~"إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، أمطه عنك ولو بإذخرة" (1)، وسواء كان ~~الرجل مستنجيا أو مستجمرا فإن منيه طاهر. # ومن قال من أصحاب الشافعي وأحمد: إن مني المستجمر نجس لملاقاته رأس ~~الذكر، فقوله ضعيف؛ فإن الصحابة كان عامتهم يستجمرون، ولم يكن يستنجي ~~بالماء منهم إلا قليل جدا، بل كان كثير منهم لا يعرفون الاستنجاء بل ~~أنكروه، ومع هذا فلم يأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أحدا منهم بغسل ~~أثر ms43 منيه، بل ولا فركه، والاستنجاء بالأحجار، هل هو مطهر أو مجفف؟ فيه ~~قولان معروفان. # فإن قيل: هو مطهر فلا كلام. # وإن قيل: هو مجفف وأنه يعفى عن أثره للحاجة، فإنه يعفى عنه في محله، ~~وفيما يشق الاحتراز عنه، والمني يشق الاحتراز عنه، فألحق بالمخرج (2). ~~PageV01P171 #
# (فصل) # وأما آستحالة النجاسة، كرماد السرجين النجس، والزبل النجس، يستحيل ترابا، ~~فقد تقدمت هذه المسألة: # وقد ذكرنا أن فيها قولين في مذهب مالك وأحمد، أحدهما: أن ذلك طاهر، وهو ~~قول أبي حنيفة، وأهل الظاهر وغيرهم؛ وذكرنا أن هذا القول هو الراجح. # وأما الأرض إذا أصابتها نجاسة، فمن أصحاب الشافعي وأحمد من يقول: إنها ~~تطهر، وإن لم يقل بالاستحالة. # وفي هذه المسألة مع مسألة الاستحالة ثلاثة أقوال. # والصواب: الطهارة في الجميع؛ كما تقدم (1). PageV01P172 #
# (فصل) # وأما الخف إذا كان فيه خرق يسير: ففيه نزاع مشهور. # فأكثر الفقهاء: على أنه يجوز المسح عليه، كقول أبي حنيفة ومالك. # والقول الثاني: لا يجوز، كما هو المعروف من مذهب الشافعي وأحمد قالوا: ~~لأن ما ظهر من القدم فرضه الغسل، وما استتر فرضه المسح، ولا يمكن الجمع بين ~~البدل والمبدل منه. # والقول الأول: أرجح؛ فإن الرخصة عامة، ولفظ الخف يتناول ما فيه الخرق، ~~وما لا خرق فيه، لا سيما والصحابة كان فيهم فقراء كثيرون، وكانوا يسافرون، ~~وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون في بعض خفافهم خروق، والمسافرون قد يتخرق خف ~~أحدهم، ولا يمكنه إصلاحه في السفر فإن [لم] (1) يجز المسح عليه لم يحصل ~~مقصود الرخصة. # وأيضا: فإن جمهور العلماء يعفون عن ظهور يسير العورة، وعن يسير النجاسة ~~التي يشق الاحتراز عنها، فالخرق اليسير في الخف كذلك. # وقول القائل: إن ما ظهر فرضه الغسل: ممنوع؛ فإن الماسح على الخف لا ~~يستوعبه بالمسح، كالمسح على الجبيرة، بل يمسح أعلاه [دون أسفله وعقبه] (2)، ~~وذلك يقوم مقام غسل الرجل، فمسح PageV01P173 #
# بعض الخف كاف عما يحاذي المسموح به وما لا يحاذيه، فإذا كان الخرق في ~~العقب لم يجز ms44 غسل ذلك الموضع ولا مسحه، ولو كان على ظهر القدم لم يجب مسح ~~كل جزء من ظهر القدم، وباب المسح على الخفين مما قد جاءت السنة فيه ~~بالرخصة، حتى جاءت بالمسح على الجوارب والعمائم وغير ذلك، فلا يجوز أن ~~[يتناقض] (1) مقصود الشارع من التوسعة بالحرج والتضييق (2) (3). ~~PageV01P174 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P175 #
# (فصل) (1) # وأما التيمم للنجاسة بالبدن أو الثوب. # فالتيمم لنجاسة الثوب لم نعلم قائلا به من العلماء، بل كلهم متفقون على ~~أن النجاسة في الثوب لا يتيمم لها. # وأما النجاسة في البدن فهل يتيمم لها؟ فيه قولان، هما روايتان عن أحمد ~~أحدهما: لا يتيمم لها، وهذا قول جمهور العلماء، كمالك وأبي حنيفة والشافعي؛ ~~لأن التيمم إنما جاء في طهارة الحدث، دون طهارة الخبث. # والثاني: يتيمم لها: لأنها طهارة شرعية متعلقة بالبدن، فأشبهت طهارة ~~الحدث. # وقول الجمهور أصح؛ لأنه لو شرع التيمم لذلك لشرع للمستحاضة ولمن به سلس ~~البول، ولمن عجز عن الاستنجاء. وقد علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يأمر المستحاضة بالتيمم، وعمر بن الخطاب صلى وجرحه يثعب (2) دما (3) ولم ~~يتيمم، فلو كان التيمم كالماء لكان تيممه PageV01P176 #
# للنجاسة كغسلها بالماء، بل لو كان يتيمم ويصلي لما كان عاجزا عن إزالة ~~النجاسة ولسقط وجوب إزالتها، وجازت الصلاة معها بدون تيمم، ولأن إزالة ~~النجاسة طهارة حسية، وهي من باب التروك، كما تقدم. # وقد رجحنا أنها تزول بكل مزيل والتيمم إنما أقيم مقام الماء المختص ~~بطهارة الحدث. PageV01P177 #
# (فصل) # وأما صلاة المأموم قدام الإمام، ففيها ثلاثة أقوال للعلماء: # أحدها: أنها تصح مطلقا، وإن قيل: إنها تكره، وهذا هو المشهور من مذهب ~~مالك، والقول القديم للشافعي. # والثاني: أنها لا تصح مطلقا، كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور ~~من مذهبهما. # والثالث: أنها تصح مع العذر، دون غيره، مثل ما إذا كانت زحمة فلم يمكنه ~~أن يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام، فتكون صلاته قدام الإمام خيرا ~~له من تركه للصلاة، وهذا قول طائفة من العلماء، ms45 وهو قول في مذهب أحمد ~~وغيره، وهو أعدل الأقوال وأرجحها. # وذلك لأن ترك المتقدم على الإمام: غايته أن يكون واجبا من واجبات الصلاة ~~في الجماعة، والواجبات كلها تسقط بالعذر، وإن كانت واجبة في أصل الصلاة ~~فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط، ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من ~~القيام والقراءة واللباس والطهارة واستقبال المقبلة وغير ذلك. # وأما الجماعة فإنه يجلس في [الأوتار] (1) لمتابعة الإمام، ولو فعل ذلك ~~منفردا عمدا بطلت صلاته، وإذا أدركه ساجدا أو قاعدا كبر وسجد معه وقعد معه؛ ~~لأجل المتابعة، مع أنه لا يعتد له بذلك، PageV01P178 #
# ويسجد لسهو الإمام، وإن كان هو لم يسه. # وأيضا ففي صلاة الخوف [يستدير] (1)، ويعمل العمل الكثير، ويفارق الإمام ~~قبل السلام، ويقضي الركعة الأولى قبل سلام الإمام، وغير ذلك مما يفعله لأجل ~~الجماعة، ولو فعله لغير عذر بطلت صلاته. # وأبلغ من ذلك: أن مذهب أكثر البصريين وأكثر أهل الحديث أن الإمام الراتب ~~إذا صلى جالسا صلى المأمومون جلوسا؛ لأجل متابعته فيتركون القيام الواجب ~~لأجل المتابعة، كما استفاضت السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ~~قال: "وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون" (2). # والناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: # قيل: لا يؤم القاعد القائم، وأن ذلك من خصائص النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم، كقول مالك ومحمد بن الحسن. # وقيل: يؤمهم ويقومون، وأن الأمر بالقعود منسوخ، كقول أبي حنيفة والشافعي. # وقيل: بل ذلك محكم، وقد فعله غير واحد من الصحابة بعد موت النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم، كأسيد بن حضير وغيره، PageV01P179 #
# وهذا مذهب حماد بن زيد وأحمد بن حنبل وغيرهما. # وعلى هذا فلو صلوا قياما ففي صحة صلاتهم قولان. # والمقصود هنا: أن الجماعة تفعل بحسب الإمكان، فإذا كان المأموم لا يمكنه ~~الائتمام بإمامه إلا قدامه، فغاية ما في هذا: أنه يترك الموقف لأجل ~~الجماعة، وهذا أخف من غيره، ومثل هذا: أنه منهي عن الصلاة خلف الصف وحده، ~~فلو لم يجد من يصافه، صلى وحده ms46 خلف الصف، ولم يدع الجماعة [ولم يجذب أحدا ~~يصلي معه] (1) كما أن المرأة إذا لم تجد امرأة تصافها، فإنها تقف وحدها خلف ~~الصف باتفاق الأئمة، وهو إنما أمر بالمصافة مع الإمكان، لا عند العجز عن ~~المصافة (2). PageV01P180 #
# (فصل) # وأما [صلاة] (1) المأموم خلف الإمام خارج المسجد، أو في المسجد وبينهما ~~حائل. # فإن كانت الصفوف متصلة جاز ذلك باتفاق الأئمة، وإن كان بينهما طريق أو ~~نهر تجري فيه السفن، ففيه قولان معروفان، هما روايتان عن أحمد: # أحدهما: المنع، كقول أبي حنيفة. # والثاني: الجواز، كقول الشافعي، وإن كان بينهما حائل يمنع الرؤية ~~والاستطراق، ففيه عدة أقوال في مذهب أحمد وغيره، قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز، ~~وقيل: يجوز في المسجد دون غيره، وقيل: يجوز للحاجة، ولا يجوز بدون الحاجة، ~~ولا ريب أن ذلك جائز مع الحاجة مطلقا، مثل أن تكون أبواب المسجد مغلقة، أو ~~تكون المقصورة التي فيها الإمام مغلقة، ونحو ذلك، فهذا لو كانت الرؤية ~~واجبة لسقطت للحاجة كما تقدم. # فإنه قد تقدم أن واجبات الصلاة والجماعة تسقط بالعذر، وأن الصلاة في ~~الجماعة خير من صلاة الإنسان وحده بكل حال (2). PageV01P181 #
# (فصل) # وأما إذا كان بالقرية أقل من أربعين رجلا، فإنهم يصلون ظهرا عند أكثر ~~العلماء، كالشافعي وأحمد في المشهور عنه وكذلك أبو حنيفة لكنه يشترط المصر، ~~لكن الشافعي وأحمد وأكثر العلماء يقولون: إن كانوا أربعين صلوا جمعة (1). ~~PageV01P182 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P183 #
# [مسألة] (1) # وأما الجماعة فقد قيل: إنها سنة، وقيل: واجبة على الكفاية، وقيل: إنها ~~[واجبة] (2) على الأعيان. # وهذا الذي يدل عليه الكتاب والسنة، فإن الله تعالى أمر بها في حال الخوف، ~~ففي حال الأمن أولى وأوكد. # وأيضا فقد قال تعالى: {واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43]. # وهذا أمر بها. # وأيضا فقد ثبت في الصحيح: أن ابن أم مكتوم سأل النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم أن يرخص له أن يصلى في بيته، فقال: "هل تسمع النداء؟ "، قال: نعم. ~~فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما أجد لك ms47 رخصة" (3)، وابن أم ~~مكتوم كان رجلا صالحا، فيه نزل قوله تعالى: {عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى ~~(2)} [عبس: 1 - 2] وكان من المهاجرين، ولم يكن في المهاجرين من يتخلف عنها ~~إلا منافق، فعلم أن لا رخصة لمؤمن في تركها. # وأيضا فقد ثبت في الصحاح: أن النبي صلى الله تعالى عليه PageV01P184 #
# وسلم قال: "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر وجلا يصلي بالناس، ثم ~~أنطلق، ومعي رجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم ~~بيوتهم بالنار" (1)، وفي رواية: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية" ~~(2)، فبين أنه إنما يمنعه من تحريق المتخلفين عن الجماعة ما في بيوتهم من ~~النساء والأطفال، فإن تعذيب أولئك لا يجوز: لأنه لا جماعة عليهم. # ومن قال: إن هذا كان في الجمعة، أو كان لأجل نفاقهم؛ فقوله ضعيف؛ فإن ~~المنافقين لم يكن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقتلهم على النفاق، بل لا ~~يعاقبهم إلا بذنب ظاهر. # فلولا أن التخلف عن الجماعة ذنب يستحق صاحبه العقاب لما عاقبهم، والحديث ~~قد بين فيه التخلف عن صلاة العشاء والفجر. # وقد تقدم حديث ابن أم مكتوم، وأنه لم يرخص له في التخلف عن الجماعة. # [وأيضا فإن الجماعة يترك لها أكثر واجبات الصلاة في صلاة الخوف وغيرها، ~~فلولا وجوبها لم يؤمر بترك بعض الواجبات؛ لأنه لا يؤمر بترك الواجبات لما ~~ليس بواجب] (3). PageV01P185 #
# (فصل) # وإذا ترك الجماعة من غير عذر، ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره. # أحدهما: تصح صلاته، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "تفضل صلاة الرجل في ~~الجماعة على صلاته وحده بسبع وعشرين درجة" (1). # والثاني: لا تصح لما في السنن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~"من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له" (2)، ولقوله: "لا صلاة ~~لجار المسجد إلا في PageV01P186 #
# المسجد" (1) وقد قواه عبد الحق الإشبيلي. # وأيضا فإذا كانت واجبة فمن يترك واجبا في الصلاة لم تصح صلاته، وحديث ~~التفضيل محمول ms48 على حال العذر، كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "صلاة ~~القاعد على النصف من صلاة القائم، وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد" ~~(2). # وهذا عام في الفرض والنفل؛ وإلانسان ليس له أن يصلي الفرض قاعدا أو نائما ~~إلا في حال العذر، وليس له أن يتطوع نائما عند جماهير السلف والخلف، إلا ~~وجها في مذهب الشافعي وأحمد. # ومعلوم أن التطوع بالصلاة مضطجعا بدعة لم يفعل أحد من السلف. PageV01P187 #
# وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ~~ما كان يعمل وهو صحيح مقيم" (1)، يدل على أنه [يكتب] (2) له لأجل نيته، وإن ~~كان لم يعمل عادته قبل المرض والسفر. # فهذا يقتضي أن من ترك الجماعة لمرض أو سفر، وكان معتادا لها كتب له أجر ~~الجماعة، وأن لم يكن يعتادها لم يكتب له، وإن كان في الحالين إنما له بنفس ~~الفعل صلاة منفرد، وكذلك المريض إذا صلى قاعدا أو مضجعا. # وعلى هذا القول: فإذا صلى الرجل وحده، وأمكنه أن يصلي بعد ذلك في جماعة ~~فعل ذلك، وإن لم يمكنه فعل الجماعة استغفر الله تعالى كمن فاتته الجمعة ~~وصلى ظهرا، وإذا قصد الرجل الجماعة فوجدهم قد صلوا كان له أجر من صلى في ~~جماعة كما وردت به السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (3). # وإذا [أدرك] (4) مع الإمام ركعة فقد أدرك الجماعة، وإن أدرك أقل من ركعة ~~فله بنيته أجر الجماعة، لكن هل يكون مدركا للجماعة، أو يكون بمنزلة من صلى ~~وحده؟ فيه قولان للعلماء في مذهب PageV01P188 #
# الشافعي وأحمد: # أحدهما: أن يكون كمن صلى جماعة، كقول أبي حنيفة. # والثاني: يكون كمن صلى منفردا، كقول مالك، وهذا أصح لما ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك ~~الصلاة" (1). # ولهذا قال الشافعي وأحمد ومالك وجمهور العلماء: إنه لا يكون محركا للجمعة ~~ألا بإدراك ركعة، ولكن أبو حنيفة ومن وافقه يقولون: ms49 إنه يكون مدركا لها إذا ~~أدركهم في التشهد. # ومن فوائد النزاع في ذلك: أن المسافر إذا صلى خلف المقيم # أتم الصلاة، إذا أدرك ركعة فإن أدرك أقل من ركعة، فعلى القولين ~~المتقدمين. # والصحيح: أنه لا يكون مدركا للجمعة ولا للجماعة إلا بإدراك ركعة، وما دون ~~ذلك لا يعتد له به، وإنما يفعله متابعة للإمام [وهو] (2) بعد سلام الإمام ~~كالمنفرد باتفاق الأئمة، والله أعلم (3). PageV01P189 #
# (فصل) # وأما تضمين حديقته أو بستانه الذي فيه النخيل والأعناب وغير ذلك من ~~الأشجار لمن يقوم عليها ويزرع أرضها بعوض معلوم. # فمن العلماء من نهى عن ذلك، واعتقد أنه داخل في نهي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن بيع الثمر قبل بدو صلاحها (1). # ثم من هؤلاء من جوز ذلك، إذا كان البياض هو المقصود والشجر تابع، كما ~~يذكر عن مالك، ومن هؤلاء من يجوز الاحتيال على ذلك، بأن يؤجر الأرض، ويساقي ~~على الشجر بجزء من الخارج منه. # ولكن هذا إن شرط فيه أحد العقدين في الآخر لم يصح، وإن لم يشترط كان لرب ~~البستان أن يلزمه بالأجرة عن الأرض بدون المساقاة، وأكثر مقصود الضامن هو ~~الثمر، وهو جزء كبير من مقصوده، وقد يكون المكان وقفا أو مال يتيم، فلا ~~يجوز المحاباة في مساقاته. # وهذه الحيلة -وإن كان القاضي أبو يعلي ذكرها في كتابه إبطال الحيل موافقة ~~لغيره- فالمنصوص عن أحمد أنها باطلة. # وقد بينا بطلان الحيل التي يكون ظاهره مخالفا لباطنها، ويكون PageV01P190 #
# المقصود بها فعل ما حرم الله ورسوله، كالحيل على الربا، وعلى أسقاط ~~الشفعة وغير ذلك، بالأدلة الكثيرة في غير هذا الموضع (1). # ومن العلماء من جوز الضمان للأرض والشجر مطلقا، وإن كان الشجر مقصودا، ~~كما ذكر ذلك ابن عقيل وهذا القول أصح، وله مأخذان: # أحدهما: أنه إذا اجتمع الشجر والأرض، فتجوز الإجارة لهما جميعا لتعذر ~~التفريق بينهما في العادة. # والمأخذ الثاني: أن هذه الصورة لم تدخل في نهي النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم، فإن رب الأرض لم يبع ثمره، بل ms50 آجر أصلا، والفرق بينهما من وجوه: # أحدها: أنه لو استأجر الأرض جاز، ولو اشترى الزرع قبل اشتداد الحب بشرط ~~البقاء لم يجز، فكذلك يفرق في الشجر. # الثاني: أن البائع عليه السقي وغيره، مما فيه صلاح الثمرة حتى ~~PageV01P191 #
# يكمل صلاحها، وليس على المشتري شيء من ذلك. # وأما الضامن والمستأجر، فإنه هو الذي يقوم بالسقي والعمل، حتى تحصل ~~الثمرة أو الزرع فاشتراء الثمرة اشتراء للعنب والرطب، فإن البائع عليه تمام ~~العمل حتى يصلح، بخلاف من دفع إليها الحديقة، وكان هو القائم عليها. # الثالث: أنه لو دفع البستان إلى من يعمل عليه بنصف ثمره وزرعه، كان هذا ~~مساقاة ومزارعة، واستحق نصف الثمر والزرع بعمله، وليس هذا اشتراء للحب ~~والثمر. # الرابع: أنه لو أعار أرضه لمن يزرعها، أو أعطى شجرته لمن يستغلها ثم ~~يدفعها إليه، كان هذا من جنس العارية، لا من جنس هبة الأعيان. # الخامس: أن ثمرة الشجر من مغل الوقف، كمنفعة الأرض ولبن الظئر، واستئجار ~~الظئر جائز بالكتاب والسنة والإجماع، واللبن لما كان يحدث شيئا بعد شيء، صح ~~عقد الإجارة عليه، كما يصح على المنافع وإن كان أعيانا. # ولهذا يجوز ملك إجارة الماشية بلبنها، فإجارة البستان لمن يستغله بعمله ~~هو من هذا الباب، ليس هو من باب الشراء. # وإذا قيل: إن في ذلك غررا، قيل: هو كالغرر في الإجارة، فإنه إذا أستأجر ~~أرضا ليزرعها، فإنما مقصوده الزرع، فقد يحصل، وقد لا يحصل. # وقد ثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه ضمن حديقة أسيد بن # PageV01P192 #
# حضير بعد موته ثلاث سنين، وأخذ الضمان فصرفه في دينه (1)، ولم ينكر ذلك ~~عليه أحد من الصحابة. # وأيضا فإن أرض العنوة لما فتحها المسلمون دفعها عمر إليهم -وفيها النخيل ~~والأعناب- لمن يعمل عليها بالخراج، وهذه إجارة عند أكثر العلماء (2). ~~PageV01P193 #
# (فصل) # وأما ما يأخذه ولاة المسلمين من العشر وزكاة الماشية والتجارة وغير ذلك، ~~[فإنه يسقط] (1) عن صاحبه إذا كان الإمام عادلا يصرفه في مصارفه الشرعية ~~باتفاق العلماء، فإن كان ms51 ظالما لا يصرفه في مصارفه فينبغي لصاحبه أن لا ~~يدفع الزكاة إليه، بل يصرفها هو إلى مستحقيها، فإن أكره على دفعها إلى ~~الظالم، بحيث لو لم يدفعها إليه لحصل له ضرر، فإنها تجزيه في هذه الصورة ~~عند أكثر العلماء، وهم في هذه الحالة ظلموا مستحقيها، كولي اليتيم، وناظر ~~الوقف، إذا قبضوا ماله وصرفوه في غير مصارفه (2). PageV01P194 #
# (فصل) # أما الزكاة في المساقاة والمزارعة. # فهذا مبني على أصل، وهو: أن المزارعة والمساقاة هل هي جائزة أم لا؟ على ~~قولين مشهورين: # أحدهما: قول من قال: إنها لا تجوز، [اعتقدوا] (1) أنها نوع من الإجارة ~~بعوض مجهول، ثم من هؤلاء من أبطلها مطلقا، كأبي حنيفة. # ومنهم من استثني ما تدعو إليه الحاجة: فجوزوا المساقاة للحاجة؛ لأن الشجر ~~لا يمكن إجارته، بخلاف الأرض، وجوزوا المزارعة على الأرض التي فيها شجر، ~~تبعا للمساقاة، إما مطلقا، كقول الشافعي، وإما إذا كان البياض قدر الثلث ~~فما دونه، كقول مالك. # ثم منهم من جوز المساقاة مطلقا، كقول مالك والشافعي في القديم؛ وفي ~~الجديد [قصر] (2) الجواز على النخل والعنب. # والقول الثاني: قول من يجوز المساقاة والمزارعة، ويقولون: إن هذا مشاركة، ~~وهو جنس غير جنس الإجارة التي يشترط فيها معرفة قدر النفع والأجرة، فإن ~~العمل في هذه العقود ليس بمقصود، بل المقصود هو الثمر الذي يشتركان فيه، ~~ولكن هذا شارك بنفع ماله، وهذا بنفع بدنه، وهكذا المضاربة. PageV01P195 #
# وعلى هذا فإذا افترق أصحاب هذه العقود وجب للعامل قسط مثله من الربح، إما ~~ثلث الربح وإما نصفه، ولم تجب أجرة المثل للعامل وهذا القول هو الصواب ~~المقطوع به، وعليه إجماع الصحابة. # والقول بجواز المساقاة والمزارعة: قول جمهور السلف: من الصحابة والتابعين ~~وغيرهم، وهو مذهب الليث بن سعد وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد وفقهاء ~~الحديث: كأحمد بن حنبل وإسحق ابن راهوية ومحمد بن إسحق بن خزيمة وأبي بكر ~~بن المنذر والخطابي وغيرهم. # والصواب: أن المزارعة أحل من المؤاجرة بثمن مسمى؛ لأنها أقرب إلى العدل ~~وأبعد عن الخطر، فإن ms52 الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من العقود، ~~[منه] (1) ما يدخل في جنس الربا المحرم في القرآن، ومنه ما يدخل في جنس ~~الميسر الذي هو القمار؛ وبيع الغرر هو من نوع القمار والميسر، فالأجرة، ~~والثمن إذا كانت غررا، مثل ما لم يوصف، ولم ير، ولم يعلم جنسه كان ذلك غررا ~~وقمارا. # ومعلوم أن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالأرض بحصول الزرع له، فإذا أعطي ~~الأجرة المسماة كان المؤجر قد حصل له مقصوده بيقين. # وأما المستأجر فما يدري: هل يحصل له الزرع أم لا؟ بخلاف المزارعة، فإنهما ~~يشتركان في المغنم، وفي الحرمان، كما في PageV01P196 #
# المضاربة، فإن حصل شيء اشتركا فيه، وإن لم يحصل اشتركا في الحرمان، وكان ~~ذهاب نفع مال هذا في مقابلة ذهاب نفع بدن هذا، ولهذا لم يجز أن يشترط ~~لأحدهما شيء مقدر من [النماء] (1)، لا في المضاربة ولا في المساقاة ولا في ~~المزارعة؛ لأن ذلك مخالف للعدل، اذ قد يحصل لأحدهما شيء والآخر لا يحصل له ~~شيء، وهذا هو الذى نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الأحاديث ~~التى روي فيها: أنه نهى عن المخابرة (2)، أو عن كرى الأرض أو عن المزارعة ~~كحديث رافع بن خديج (3) وغيره؛ فإن ذلك قد جاء مفسرا، فإنهم PageV01P197 #
# كانوا يعاملون عليها بزرع بقعة معينة من الأرض للمالك، ولهذا قال الليث ~~بن سعد: إن الذي نهى عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك أمر ~~إذا نظر فيه ذو العلم بالحلال والحرام [علم] (1) أنه لا يجوز، فأما ~~المزارعة فجائزة بلا ريب، سواء كان البذر من المالك أو العامل أو منهما، ~~وسواء كان بلفظ الإجارة أو المزارعة أو غير ذلك (2). # هذا أصح الأقوال في هذه المسألة، وكذلك كل ما كان من هذا الجنس: مثل أن ~~يدفع دابته أو سفينته إلى من يكتسب عليها PageV01P198 #
# والربح بينهما، أو من يدفع ماشيته أو نخله إلى من يقوم عليها، والصوف ~~واللبن والولد والعسل بينهما. # فإذا ms53 عرف هذان القولان في المزارعة، فمن قال من العلماء: إن المزارعة ~~باطلة قال: الزرع كله لرب الأرض، إذا كان البذر منه، أو للعامل إذا كان ~~البذر منه، ومن كان له الزرع كان عليه العشر. # وأما من قال: إن رب الأرض يستحق جزءا مشاعا من الزرع، فإن عليه عشره ~~باتفاق الأئمة، ولم يقل أحد من المسلمين: إن رب الأرض يقاسم العامل، ويكون ~~العشر كله على العامل، فمن قال هذا فقد خالف إجماع المسلمين (1). ~~PageV01P199 #
# (فصل) # وأما بيع المغروس في الأرض الذي يظهر ورقه: كاللفت والجزر والقلقاس، ~~والفجل والثوم، والبصل، وشبه ذلك ففيه قولان للعلماء: أحدهما: أنه لا يجوز، ~~كما هو المشهور عند أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، قالوا: لأن هذه أعيان ~~[غائبة] (1) لم تر، ولم توصف، فلا يجوز بيعها، كغيرها من الأعيان الغائبة، ~~وذلك داخل في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر. # والثاني: أن بيع ذلك جائز، كما يقوله من يقوله من أصحاب مالك وغيره، وهو ~~قول في مذهب أحمد وغيره، وهذا القول هو الصواب لوجوه: # منها: أن هذا ليس من الغرر، بل أهل الخبرة يستدلون بما يظهر من الورق على ~~المغيب في الأرض، كما يستدلون بما يظهر في العقار من ظواهره على بواطنه، ~~وكما يستدلون بما يظهر من الحيوان على بواطنه، ومن سأل أهل الخبرة أخبروه ~~بذلك، والمرجع في ذلك إليهم. # الثاني: أن العلم في المبيع يشترط في كل شيء بحسبه، فما ظهر بعضه وخفي ~~بعضه، وكان في إظهار باطنه مشقة وحرج، اكتفي بظاهره كالعقار، فإنه لا يشترط ~~رؤية أساسه ودواخل الحيطان، وكذلك الحيوان. وأمثال ذلك. PageV01P200 #
# الثالث: [أن] (1) ما [احتيج] (2) إلى بيعه، فإنه يوسع فيه ما لا يوسع في ~~غيره، فيبيحه الشارع للحاجة، مع قيام السبب الحاضر، كما أرخص في العرايا ~~بخرصها، وأقام الخرص مقام الكيل عند الحاجة، ولم يجعل ذلك من المزابنة التي ~~نهى عنها، فإن المزابنة هي بيع المال بجنسه مجازفة، إذا كان ربويا ~~بالاتفاق، وإن كان غيره ربوي فعلى قولين. ms54 # وكذلك رخص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في ابتياع الثمر [بعد بدو] (3) ~~صلاحه بشرط [السبقية] (4) مع أن تمام الثمرة لم يخلق بعد ولم ير، فجعل ما ~~لم يوجد ولم يعلم تابعا لذلك والناس محتاجون إلى بيع هذه النباتات في ~~الأرض. # ومما يشبه ذلك: بيع المقاثي: كمقاثي البطيخ والخيار والقثاء وغير ذلك. # فمن أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم من يقول: لا يجوز بيعها إلا لقطة لقطة، ~~وكتير من العلماء من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم قالوا: إنه يجوز بيعها مطلقا ~~على الوجه المعتاد، وهذا هو الصواب، فإن بيعها لا يمكن في العادة إلا على ~~هذا الوجه، وبيعها لقطة لقطة إما متعذر وإما متعسر، فإنه لا يتميز لقطة عن ~~لقطة، إذ أكثر ذلك لا يمكن التقاطه ويمكن تأخيره، فبيع المقاثي بعد ظهور ~~PageV01P201 #
# صلاحها كبيع ثمرة البستان بعد بدو صلاحها، وإن كان بعض المبيع لم يخلق ~~بعد، ولم ير؛ ولهذا إذا بدا صلاح بعض الشجرة كان صلاحا لباقيها باتفاق ~~العلماء، ويكون صلاحها كسائر ما في البستان من ذلك النوع في أظهر قولي ~~جمهورهم، بل يكون صلاحا لجميع ثمر البستان الذي جرت العادة أن يباع جملة ~~واحدة، في أحد قولي العلماء. # وهذه المسائل وغيرها مما ذكرناه في هذا الجواب مبسوطة في غير هذا الموضع ~~(1). PageV01P202 #
# (فصل) # وإما أذا أسلم في حنطة فاعتاض عنها بشعير ونحو ذلك، فهذه فيها قولان ~~للعلماء: # أحدهما: أنه لا يجوز الاعتياض عن دين السلم بغيره، كما هو مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. # والثانية: يجوز الاعتياض عنه في الجملة، إذا كان بسعر الوقت أو أقل، وهذا ~~هو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، حيث جوز إذا أسلم في شيء أن ~~يأخذ عوضا بقيمته، ولا يربح مرتين، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، حيث جوز ~~أخذ الشعير عن الحنطة إذا لم يكن أعلى من قيمة الحنطة، وقال بقول ابن عباس ~~في ذلك، ومذهب مالك: يجوز الاعتياض عن الطعام والعرض [بعوض] (1). # والأولون احتجوا بما ms55 في السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ~~قال: "من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره" (2)، قالوا: PageV01P203 #
# وهذا يقتضي أنه لا يبيع دين السلم، لا من صاحبه ولا من غيره. # والقول، الثاني: أصح، وهو قول ابن عباس، ولا يعرف له في الصحابة مخالف؛ ~~وذلك لأن دين [السلم] (1) دين ثابت، فجاز الاعتياض عنه، كبدل القرض، ~~وكالثمن في البيع؛ ولأنه أحد العوضين في البيع فجاز الاعتياض عنه كالعوض ~~الآخر. # وأما الحديث: ففي إسناده نظر، فإن صح، فالمراد به: أنه لا يجعل دين السلم ~~سلفا في شيء آخر، ولهذا قال: "فلا يصرفه إلى غيره"، أي: لا يصرفه إلى سلف ~~آخر، وهذا لا يجوز؛ لأنه يتضمن الربح فيما لم يضمن وكذلك إذا اعتاض عن ثمن ~~المبيع والقرض، فإنما يعتاض عنه بسعره لما في السنن عن ابن عمر: رضي الله ~~عنهما أنهم سألوا النبي صلى الله تعالي عليه وسلم، فقالوا: إنا نبيع الإبل ~~بالبقيع بالذهب، ونقبض الورق، ونبيع بالورق ونقبض الذهب؟ فقال: "لا (2) بأس ~~إذا كان بسعر يومه، إذا افترقتما وليس بينكما شيء" (3) فجوز الاعتياض ~~بالسعر؛ لئلا يربح فيما لم يضمن. PageV01P204 #
# فإن قيل: فبائع دين السلم يبيع ذلك، فنهى عن بيع ما لم يقبض. # قيل: النهى إنما كان في الأعيان لا في الديون. PageV01P205 #
# (فصل) # وأما إذا اكترى أرضا للزرع فأصابته آفة. # فهذه مسألة وضع الجوائح في الثمر، فإن اشترى ثمرا [قد بدا صلاحه] (1) ~~فأصابته جائحة أتلفته قبل كمال صلاحه، فإنه يتلف من ضمان البائع عند فقهاء ~~المدينة: كمالك وغيره، وفقهاء الحديث: كأحمد وغيره، وهو قول معلق للشافعي، ~~فإن الشافعي علق القول بصحة الحديث (2). PageV01P206 #
# والحديث قد ثبت في "صحيح مسلم" عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ~~"إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك ~~شيئا، بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ " (1)، والاعتبار يؤيد هذا القول، ~~فإن المبيع تلف قبل تمكن المشتري ms56 من قبضه، فأشبه ما لو تلفت منافع العين ~~المؤجرة قبل التمكن من استيفائها. # فإذا قيل: هذه الثمرة تلفت بعد القبض، قيل: قبض الثمرة التي لم يكمل ~~صلاحها من جنس قبض المنافع، فإن المقصود: إنما هو جذاذها بعد كمال الصلاح، ~~ولهذا إذا شرط المشتري في قبضها [بعد كمال الصلاح] (2) كانت من ضمانه. # وقد تنازع الفقهاء: هل يجوز له أن يبيعها قبل الجذاذ؟ على قولين: هما ~~روايتان عن أحمد: PageV01P207 #
# أحدهما: لا يجوز، لأنه بيع للمبيع قبل قبضه، إذ لو كانت مقبوضة لكانت من ~~ضمانه. # والثاني: يجوز بيعها، وهو الصحيح. لأنه قبضها القبض المبيح للتصرف، وإن ~~لم يقبضها القبض الناقل للضمان، كقبض العين المؤجرة فإنه إذا قبضها صار له ~~التصرف في المنافع وإن كانت إذا تلفت تكون من ضمان المؤجر. # لكن تنازع الفقهاء، هل له أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها به؟ # على ثلاثة أقوال: هي ثلاث روايات عن أحمد، قيل: يجوز كقول الشافعي، وقيل: ~~لا يجوز، كقول أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأنه ربح ما لم يضمن؛ لأن المنافع لم ~~يضمنها. # وقيل: إن أحدث فيها عمارة جاز، وإلا فلا. # والأول: أصح، لأنها مضمونة عليه بالقبض، بمعنى أنه إذا لم يستوفها تلفت ~~من ضمانه لا من ضمان المؤجر، كلما لو تلفت الثمرة بعد صلاحها والتمكن من ~~جذاذها، ولكن إذا تلفت العين المؤجرة كانت المنافع تالفة من ضمان المؤجر؛ ~~لأن المستأجر لم يتمكن من استيفائها، [فيفرق] (1) بين ما قبل التمكن وبعده ~~(2). PageV01P208 #
# (فصل) # وأما إذا استأجر أرضا للازدراع فأصابتها آفة، فإذا تلف الزرع بعد تمكن ~~المستأجر من أخذه، مثل أن يكون في البيدر، فيسرقه اللص أو يؤخر حصاده عن ~~وقته حتى يتلف، فهنا يجب على المستأجر الأجرة. # وأما إذا كانت الآفة مانعة من الزرع، فهنا لا أجرة عليه بلا نزاع. # وأما إذا نبت الزرع، ولكن الآفة منعته من تمام صلاحه، مثل نار أو ريح أو ~~برد، أو غير ذلك مما يفسده، بحيث لو كان هناك زرع غيره لأتلفته، فهنا فيه ~~قولان: # أظهرهما: ms57 أن يكون من ضمان المؤجر؛ لأن هذه الآفة أتلفت المنفعة المقصودة ~~بالعقد؛ لأن المقصود بالعقد هو المنفعة التي يثبت بها الزرع حتى يتمكن من ~~حصاده، فإذا حصل للأرض ما يمنع هذه المنفعة مطلقا، بطل المقصود قبل التمكن ~~من استيفائه، ومثل هذا ما لو صارت الأرض سبخة فتلف الزرع أو كانت إلى جانب ~~بحر أو نهر فأتلف الماء تلك الأرض قبل كمال الزرع ونحو ذلك، ففي هذه الصور ~~كلها تتلف من ضمان المؤجر، وليس على المستأجر أجرة ما تعطل الانتفاع به، ~~كما لو ماتت الدابة المستأجرة، أو انقطع الماء، ولم يمكن الانتفاع بها في ~~شيء من المنفعة المقصودة بالعقد، وأمثال هذه الصور. # PageV01P209 #
# وليس هذا مثل أن يسرق ماله أو يحترق من الدار؛ فإن المنفعة المقصودة ~~بالعقد لم تتغير، فإنه يمكن أن ينتفع بها هو وغيره، بأن يحفظها من اللص، أو ~~الحريق. # ونظير ذلك: أن يتلف المال الذي اكترى الدابة لحمله، فإن الأجرة عليه، ~~بخلاف ما إذا كانت الآفة مانعة من الانتفاع مطلقا له ولغيره، فإن هذا ~~بمنزلة موت الدابة واحتراق الدار المؤجرة. # ونظير سرقة متاعه من الدار: أن يسرق سارق زرعه، وأما إذا جاء جيش عام ~~فأفسد الزرع، فهذا آفة سماوية، فإن هذا لا يمكن تضمينه ولا الاحتراز منه. # ونظيره: أن يجيء جيش عام فيخرج الناس من مساكنهم التي يسكنونها (1). ~~PageV01P210 #
# (فصل) # وأما إجبار الأب لابنته البكر [البالغة] (1) على النكاح: ففيه قولان ~~مشهوران، هما روايتان عن أحمد: # أحدهما: أنه يجبر البكر البالغ، كما هو مذهب مالك والشافعي، وهو اختيار ~~الخرقي والقاضي وأصحابه. # والثاني: لا يجبرها، كمذهب أبي حنيفة وغيره، وهو اختيار أبي بكر [عبد ~~العزيز بن جعفر] (2). # وهذا القول هو الصواب. # والناس متنازعون في مناط الإجبار: هل هو البكارة، أو الصغر أو مجموعهما، ~~أو كل منهما؟ على أربعة أقوال، وهي أربعة أقوال في مذهب أحمد وغيره. # والصحيح: أن مناط الإجبار: هو الصغر، وأن البكر البالغ، لا يجبرها أحد ~~على النكاح، فقد ثبت في الصحيح عن النبي ms58 صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ~~"لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر"، فقيل له: البكر تستحي، ~~فقال: "إذنها صماتها" (3)، وفي لفظ في الصحيح: "والبكر يستأذنها أبوها" ~~(4)، فهذا نهي النبي PageV01P211 #
# صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا تنكح حتى تستأذن"، وهذا يتناول الأب ~~وغيره، وقد صرح بذلك في الرواية الأخرى الصحيحة، وأن الأب نفسه يستأذنها. # وأيضا: فإن الأب ليس له أن يتصرف في مالها، فكيف يجوز أن يتصرف في بضعها، ~~مع كراهتها ورشدها؟! # وأيضا: فإن الصغر سبب للحجر بالنص والإجماع، فتعليل الإجبار به تعليل ~~بعلة ثابتة بالنص والإجماع. # وأما جعل البكارة موجبة للحجر، فهذا مخالف [لأصول] (1) الإسلام فإن ~~الشارع لم يجعل البكارة سببا للحجر في موضع من المواضع المجمع عليها، ~~فتعليل الحجر بذلك تعليل بوصف لا تأثير له بالشرع. # وأيضا: فالذين قالوا بالإجبار: اضطربوا فيما إذا عينت كفؤا، وعين الأب ~~كفؤا آخر، هل يؤخذ بتعيينها أو بتعيين الأب؟ على وجهين في مذهب الشافعي ~~وأحمد، فمن جعل العبرة بتعيينها نقض PageV01P212 #
# أصله، ومن جعل العبرة بتعيين الأب، كان في قوله من الفساد والضرر ما لا ~~يخفى. # فإن قيل: قد قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الصحيح: ~~"الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن، وإذنها صماتها"، وفي رواية: ~~"الثيب أحق بنفسها من وليها" (1)، فلما جعل الثيب أحق بنفسها من وليها دل ~~على أن البكر ليست أحق، وليس ذلك إلا للأب والجد، وهذا عمدة المجبرين وهم ~~تركوا العمل بنص الحديث وظاهره، وتمسكوا بدليل خطابه، ولم يعلموا مراد ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. # [وذلك أن] (2) قوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها"، يعم كل ولي، وهم ~~يخصونه بالأب والجد. # الثاني: [قوله:] (3) "والبكر تستأذن"، و [هم] (4) لا يوجبون استئذانها، ~~بل قالوا: هو مستحب، حتى طرد بعضهم قياسه، وقالوا: لما كان مستحبا اكتفى ~~فيه بالسكوت، وادعى أنه حيث يجب استئذان البكر فلابد من النطق. # وهذا قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد، وهو مخالف PageV01P213 #
# لإجماع ms59 المسلمين قبلهم، ولنصوص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه ~~قد ثبت بالسنة المستفيضة واتفاق الأئمة قبل هؤلاء: أنه إذا زوج البكر أخوها ~~أو عمها، فإنه يستأذنها، وإذنها صماتها. # وأما المفهوم: فالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فرق بين البكر والثيب، ~~كما قال في الحديث الآخر: "لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى ~~تستأمر"، فذكر في هذه لفظ الإذن، وفي هذه لفظ [الأمر] (1)، وجعل إذن هذه: ~~الصمات، كما أن إذن تلك: النطق. # فهذان هما الفرقان اللذان فرق بهما النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بين ~~البكر والثيب، لم يفرق بينهما في الإجبار وعدم الإجبار، وذلك لأن البكر لما ~~كانت تستحي أن تتكلم في أمر نكاحها لم تخطب إلى نفسها، بل تخطب إلى وليها، ~~ووليها يستأذنها، فتأذن له، لا تأمره ابتداء، بل تأذن له إذا استأذنها، ~~وإذنها صماتها. # وأما الثيب فقد زال عنها حياء [البكر] (2) فتتكلم بالنكاح، فتخطب إلى ~~نفسها، وتأمر الولي أن يزوجها، فهي آمرة له، وعليه أن يطيعها، فيزوجها من ~~الكفء إذا أمرته بذلك، فالولي مأمور من جهة الثيب، ومستأذن للبكر، فهذا هو ~~الذي دل عليه كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وأما تزويجها مع كراهتها للنكاح، فهذا مخالف [للأصول] (3) و [المعقول] ~~(4)، والله لم يسوغ لوليها أن يكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها، ولا على ~~طعام أو شراب أو لباس لا تريده، فكيف يكرهها PageV01P214 #
# على مباضعة ومعاشرة من تكره معاشرته؟! والله قد جعل بين الزوجين مودة ~~ورحمة، فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له ونفورها عنه، فأي مودة ورحمة في ~~ذلك؟! (1). # ثم إنه إذا وقع الشقاق بين الزوجين، فقد أمر الله ببعث حكم من أهله وحكم ~~من أهلها، والحكمان كما سماهما الله -عز وجل- هما حكمان عند أهل المدينة، ~~وهو أحد القولين للشافعي وأحمد وعند أبي حنيفة. # والقول الآخر: هما وكيلان، والأول أصح؛ لأن الوكيل ليس بحكم، ولا يحتاج ~~فيه إلى أمر الأئمة، ولا يشترط أن يكون من الأهل ولا يختص بحال الشقاق، ms60 ولا ~~يحتاج في ذلك إلى نص خاص، ولكن إذا وقع الشقاق، فلابد من ولي يتولى أمرهما؛ ~~لتعذر اختصاص أحدهما بالحكم على الآخر، فأمر الله تعالى أن يجعل أمرهما إلى ~~اثنين من أهلهما، يفعلان ما هو الأصلح، من [جمع أو] (2) تفريق بعوض، أو ~~بغيره (3). PageV01P215 #
# وهنا يملك الحكم الواحد مع الآخر: الطلاق بدون إذن الرجل. # ويملك الحكم الآخر مع الأول: [بذل] (1) العوض من مالها، بدون إذنها؛ ~~لكونهما صارا وليين لهما. # وطرد هذا القول: أن الأب يطلق على ابنه الصغير والمجنون، إذا رأى ~~المصلحة، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد، وكذلك يخالع عن ابنته، إذا رأى ~~المصلحة لها. # وأبلغ من ذلك: أنه إذا طلقها قبل الدخول فللأب أن يعفو عن نصف الصداق، ~~إذا قيل: هو الذي بيده عقدة النكاح، كما هو قول مالك وأحمد، في إحدى ~~الروايتين عنه، والقرآن يدل على صحة هذا القول، وليس الصداق كسائر مالها، ~~فإنه وجب في الأصل نحلة، وبضعها عاد إليها من غير نقص، وكان إلحاق الطلاق ~~بالفسوخ، فوجب أن لا يتنصف، لكن الشارع جبرها بتنصيف الصداق لما حصل لها من ~~الانكسار به، ولهذا جعل ذلك عوضا عن المتعة، عن ابن عمر والشافعي وأحمد في ~~إحدى الروايات، فأوجبوا المتعة لكل PageV01P216 #
# مطلقة، إلا لمن طلقت بعد الفرض وقبل الدخول والمسيس، فحسبها ما فرض لها، ~~وأحمد في الرواية الأخرى مع أبي حنيفة وغيره: لا يوجبون المتعة إلا لمن ~~طلقت قبل الفرض والدخول، ويجعلون المتعة عوضا عن نصف الصداق، ويقولون: كل ~~مطلقة فإنها تأخذ صداقا إلا هذه. # وأولئك يقولون: الصداق استقر قبل الطلاق بالعقد والدخول، والمتعة سببها ~~الطلاق، فتجب لكل مطلقة، لكن المطلقة بعد الفرض وقبل المسيس متعت بنصف ~~الصداق، فلا تستحق زيادة، وهذا القول أقوى من ذلك القول، فإن الله جعل ~~الطلاق سبب المتعة، فلا يجعل عوضا عما سببه العقد والدخول. # لكن يقال على هذا: فالقول الثالث أصح -وهو الرواية الأخرى عن أحمد-: أن ~~كل مطلقة لها متعة كما دل عليه ظاهر القرآن وعمومه ms61 حيث قال: {وللمطلقات ~~متاع بالمعروف حقا} [البقرة: 241] وأيضا فأنه قال: {إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن ~~سراحا جميلا} [الأحزاب: 49]. فأمر بتمتيع المطلقات قبل المسيس، ولم يخص ذلك ~~بمن لم يفرض لها، مع أن غالب النساء يطلقن بعد الفرض. # وأيضا: فإذا كان سبب المتعة هو الطلاق، وسبب المهر هو العقد، فالمفوضة ~~التي لم يسم لها مهر، يجب لها مهر المثل بالعقد، # PageV01P217 #
# ويستقر بالموت على القول الصحيح الذي دل عليه حديث: "بروع بنت واشق التي ~~تزوجت ومات عنها زوجها قبل أن يفرض لها مهرا، فقضى لها النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم بأن لها مهر امرأة من نسائها، لا وكس، ولا شطط" (1)، لكن ~~هذه لو طلقت قبل المسيس لم يجب لها نصف المهر بنص القرآن، لكونها لم يشترط ~~لها مهر مسمى، والكسر الذي حصل لها بالطلاق أنجبر بالمتعة، وليس هذا موضع ~~بسط هذه المسائل. # ولكن المقصود: أن الشارع لا يكره المرأة على النكاح إذا لم ترده، بل إذا ~~كرهت الزوج وحصل بينهما شقاق، فإنه يجعل أمرها إلى غير الزوج، ممن ينظر في ~~المصلحة من أهلها، فيخلصها لها من الزوج بدون أمره، فكيف تؤسر معه أبدا ~~بدون أمرها؟ # والمرأة أسيرة مع الزوج، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "اتقوا ~~الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، وإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم ~~فروجهن بكلمة الله" (2). PageV01P218 #
# (فصل) # وأما إذا دفع الدرهم، فقال: أعطني بنصفه فضة، وبنصفه فلوسا، وكذلك لو ~~قال: أعطني بوزن هذه الدراهم الثقيلة أنصافا، أو دراهم خفافا. # فإنه يجوز، سواء كانت مغشوشة أو خالصة، ومن الفقهاء من يكره ذلك، ويجعله ~~من باب مد عجوة لكونه باع فضة ونحاسا بفضة. # وأصل مسألة مد عجوة: أن يبيع مالا ربويا بجنسه، ومعهما، أو مع أحدهما من ~~غير جنسه، فإن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: المنع منه مطلقا، كما هو قول الشافعي ورواية عن أحمد. # والثاني: الجواز مطلقا، ms62 كما هو مذهب أبي حنيفة وتذكر رواية عن أحمد. # والثالث: الفرق بين أن يكون المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلا أو لا ~~يكون، وهذا هو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، فإذا باع تمرا في نواه ~~بنوى، أو بتمر منزوع النوى، أو شاة فيها لبن بشاة فيها لبن، أو بلبن أو نحو ~~ذلك، فإنه يجوز عندهما، بخلاف ما إذا باع ألف درهم بخمسمائة درهم في منديل، ~~فإن هذا لا يجوز. # [فمن كان قصده] (1) بيع الربوي بجنسه متفاضلا، لم يجز، وإن كان [بيعا] ~~(2) غيره مقصود جاز، ومالك رحمه الله يقدر ذلك بالثلث. PageV01P219 #
# وهذا إذا باع حنطة فيها شعير يسير بحنطة فيها شعير يسير، فإن ذلك يجوز ~~عند الجمهور. # وكذلك إذا باع الدراهم التي فيها غش بجنسها، فإن الغش غير مقصود، ~~والمقصود بيع الفضة بالفضة، وهما متماثلان. # وكذلك صرف الفلوس بالدراهم المغشوشة، يقول من يكرهه: إنه بيع فضة ونحاس ~~بنحاس، والصحيح الذي عليه الجمهور: أن هذا كله جائز (1). PageV01P220 #
# (فصل) # وأما بيع الفضة بالفلوس النافقة، هل يشترط فيه الحلول [والتقابض] (1) ~~كصرف الدراهم بالدنانير؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد: # أحدهما: لا بد من الحلول [والتقابض] (2)، فإن هذا من جنس الصرف، فإن ~~الفلوس النافقة تشبه الأثمان، فيكون بيعها بجنس الأثمان صرفا. # والثاني: لا يشترط الحلول والتقابض، فإن ذلك معتبر في جنس الذهب والفضة، ~~سواء كان ثمنا أو كان مصاغا، أو كان مكسورا، بخلاف الفلوس؛ ولأن الفلوس هي ~~في الأصل من باب العروض، والثمنية عارض لها. # وأيضا هذا مبني على أصل آخر، وهو: أن بيع النحاس بالنحاس متفاضلا، هل ~~يجوز على قولين معروفين فيه وفي سائر الموزونات، كالحديد بالرصاص بالرصاص، ~~والقطن بالقطن، والكتان بالكتان، والحرير بالحرير. # أحدهما: لا يجوز بيع الجنس بجنسه متفاضلا وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ~~وأحمد في أشهر الروايتين عنه. # والثاني: أن ذلك جائز، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى ~~عنه، اختارها طائفة من أصحابه. PageV01P221 #
# ومن قال بالتحريم: اختلفوا في المعمول من ms63 ذلك، كثياب القطن والكتاب و ~~[الأسطال] (1)، وقدور النحاس وغير ذلك، هل يجري فيه الربا؟ على ثلاثة ~~أقوال. # أصحها: الفرق بين ما يقصد وزنه بعد الصنعة، كثياب الحرير و [الأسطال] ~~(2)، ونحوهما، وبين ما لا يقصد وزنه، كثياب القطن والكتان والإبر وغيرها. # وعلى هذا، فالفلوس يجري فيها الربا عند من يقول: إن معمول النحاس يجري ~~فيه، ومن اعتبر قصد الوزن لم يجر الربا فيها عنده؛ [لأنهم لا يقصدونه] (3) ~~في العادة، وإنما تنفق عددا، لكن من قال: هي أثمان، فهل يجري الربا فيها من ~~هذه الجهة؟ على وجهين لهم، وكذلك فيها وجهان في وجوب الزكاة فيها، وفي ~~إخراجها من الزكاة وغير ذلك، والوجهان في مذهب أحمد وغيره (4). PageV01P222 #
# (فصل) # وأما إذا كان [للرجل عند غيره] (1) حق من عين أو دين، فهل يأخذه أو نظيره ~~بغير إذنه؟ فهذا فيه نوعان. # أحدهما: أن يكون سبب الاستحقاق ظاهرا لا يحتاج إلى إثبات، مثل استحقاق ~~المرأة النفقة على زوجها، واستحقاق الولد أن ينفق عليه والده، واستحقاق ~~الضيف الضيافة على من نزل به، فهنا له أن يأخذ بدون إذن من عليه الحق بلا ~~ريب، لما ثبت في الصحيحين: أن هند بنت عتبة بن [ربيعة] (2) قالت: يا رسول ~~الله، إن أبا سفيان رجل شحيح وذو مال، وأنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ~~وبني، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (3)، فأذن لها أن تأخذ نفقتها ~~من ماله بالمعروف بدون إذنه. # وهكذا من علم أنه غصب من ماله غصبا ظاهرا يعرفه الناس، [فأخذ عين] (4) ~~المغصوب أو نظيره من مال الغاصب. # وكذلك لو كان له دين عند [الحاكم،] (5) وهو يمطله فأخذ من ماله بقدره ~~ونحو ذلك. PageV01P223 #
# والثاني: لا يكون السبب ظاهر الاستحقاق، مثل أن يكون قد جحد دينه أو جحد ~~الغصب، ولا بينة للمدعي، فهذا فيه قولان: أحدهما: ليس له أن يأخذ، وهو قول ~~مالك وأحمد. # والثانى: له أن يأخذ، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة -رحمهما الله تعالى-، ~~فيسوغ عندهما الأخذ من جنس الحق، لأنه استيفاء، ms64 ولا يسوغ الأخذ من غير ~~الجنس، لأنه معاوضة، فلا يجوز إلا برضا الغريم. # والمجوزون يقولون: إذا امتنع من أداء الواجبات عليه ثبتت المعاوضة بدون ~~إذنه للحاجة، لكن من منع الأخذ مع عدم ظهور الحق استدل بما في السنن عن أبي ~~هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أد ~~الأمانة إلى من أئتمنك، ولا تخن من خانك" (1). PageV01P224 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P225 #
# وفي المسند عن بشير بن الخصاصية أنه قال: يا رسول الله إن لنا جيرانا لا ~~يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها، فإذا قدرنا لهم على شيء أفناخذه؟ ~~فقال: "لا، أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" (1). # وفي السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أنه قيل له: إن أهل الصدقة ~~يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ قال: "لا" (2)، ~~رواه أبو. داود وغيره. PageV01P226 #
# فهذه الأحاديث تبين أن [حق] (1) المظلوم في نفس الأمر إذا كان [سببه ليس ~~ظاهرا] (2) [و] (3) أخذه خيانة، لم يكن له ذلك، وإن كان هو يقصد أخذ نظير ~~حقه [لكنه] (4) خان الذي ائتمنه، فإنه لما سلم إليه ماله فأخذ بعضه بغير ~~إذنه و [لا استحقاق ظاهر] (5)، كان خائنا، وإذا قال: أنا مستحق لما أخذته ~~في نفس الأمر، لم يكن ما ادعاه ظاهرا معلوما، وصار كما لو تزوج امرأة ~~فأنكرت نكاحه، ولا بينة له، فإذا قهرها على الوطء من غير حجة ظاهرة، فإنه ~~ليس له ذلك، ولو قدر أن الحاكم حكم على رجل بطلاق امرأته لبينة أعتقد ~~صدقها، فكانت كاذبة في الباطن، لم يكن له أن يطأها لما هو الأمر عليه في ~~الباطن. # فإن قيل: لا ريب أن هذا يمنع منه ظاهرا، وليس له أن يظهر ذلك أمام الناس؛ ~~لأنهم مأمورون بإنكار ذلك؛ لأنه حرام في الظاهر، لكن الإنسان إذا كان يعلم ~~ذلك سرا فيما بينه وبين الله تعالى، قيل: فعل ذلك سرا يقتضي مفاسد كثيرة، ~~[منهي] (6) عنها، فإن [فعل] (7) ذلك في مظنة ms65 الظهور والشهرة، وأن يتشبه به ~~من ليس PageV01P227 #
# حاله كحاله في الباطن، وقد يظن الإنسان خفاء ذلك، فيظهر، فيورث مفاسد ~~كثيرة - ويفتح أيضا باب التأويل. # وصار هذا كالمظلوم الذي لا يمكنه الانتصار إلا بالظلم، كالمقتص الذي لا ~~يمكنه الاقتصاص إلا بعدوان، فإنه لا يجوز له الاقتصاص، وذلك أن نفس الخيانة ~~محرمة الجنس، فلا يجوز استيفاء الحق بها، كما لو جرعه خمرا، أو تلوط به أو ~~شهد عليه بالزور، لم يكن له أن يفعل به ذلك، فإن هذا محرم الجنس، والخيانة ~~من جنس الكذب. # فإن قيل: هذا ليس بخيانة بل هو استيفاء حق والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن خيانة من خان، وهو أن تأخذ من ماله ما لا تستحق نظيره. # قيل: هذا ضعيف؛ لوجوه: # أحدها: أن الحديث فيه: أن قوما لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها ~~أفنأخذ من أموالهم بقدر ما يأخذون؟ فقال: "لا، أد الأمانة إلى من ائتمنك ~~ولا تخن من خانك" وكذلك قوله في حديث الزكاة: أفنكتم من أموالنا وبقدر ما ~~يأخذون منا؟ فقال: "لا". # الثاني: أنه قال: "ولا تخن من خانك"، ولو أراد بالخيانة: الأخذ على طريق ~~المقابلة لم يكن فرق بين من خانه ومن لم يخنه، وتحريم مثل هذا ظاهر، لا ~~يحتاج إلى بيان ولا سؤال، وهو قوله: "ولا تخن من خانك"، فعلم منه أنه أراد: ~~أنك لا تقابله على خيانته فتفعل به مثل ما فعل بك، فإذا أودع الرجل الرجل ~~مالا فخانه في بعضه، ثم أودع الأول نظيره ففعل به مثل ما فعل، فهذا هو ~~المراد # PageV01P228 #
# بقوله: "ولا تخن من خانك". # الثالث: أن كون هذه خيانة لا ريب فيه، وإنما الشأن في جوازه على وجه ~~القصاص، فإن الأمور منها: ما يباح فيه القصاص كالفواحش والكذب ونحو ذلك، ~~قال الله تعالى في الأول {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40]، وقال ~~تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126]، وقال: {فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ms66 [البقرة: 194] فأباح ~~العقوبة والاعتداء بالمثل، فلما قال هنا: "ولا تخن من خانك" علم أن هذا مما ~~لا يباح فيه العقوبة بالمثل (1). PageV01P229 #
# (فصل) # وأما دفع الزكاة، [فإذا كان القريب الذي لا يجوز] (1) دفعها إليه: ~~[حاجته] (2) مثل حاجة الأجنبي إليها، فالقريب أولى، وإن كان البعيد أحوج لم ~~يحاب بها القريب، قال أحمد عن سفيان بن عيينة: كانوا يقولون لا يحابي بها ~~قريبا، ولا يدفع بها مذمة، ولا يقي بها ماله (3). PageV01P230 #
# (فصل) # والذين يأخذون الزكاة صنفان: صنف [يأخذها] (1)؛ لحاجته، كالفقير والغارم ~~لمصلحة نفسه، وصنف يأخذها؛ لحاجة المسلمين، كالمجاهد والغارم في إصلاح ذات ~~البين، فهؤلاء يجوز دفعها إليهم، وإن كانوا من أقاربه. # وأما دفعها إلى الوالدين إذا كانا غارمين أو مكاتبين ففيها وجهان ~~والأظهر: جواز ذلك. # وأما إن كانوا فقراء، وهو عاجز عن نفقتهم، فالأقوى: جواز دفعها إليهم في ~~هذه الحالة؛ لأن المقتضى موجود والمانع مفقود. # فوجب العمل بالمقتضى السالم عن المعارض المقاوم (2). PageV01P231 #
# (فصل) # وأما إذا باع سلعة إلى أجل واشتراها من المشتري بأقل من ذلك حالا، فهذه ~~المسألة تسمى مسألة العينة، وهي غير جائزة عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ~~ومالك وأحمد وغيرهم، وهو المأثور عن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس بن ~~مالك، فإن ابن عباس سئل عن حريرة بيعت إلى أجل ثم اشتريت بأقل، فقال: ~~"دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة" (1). # وأبلغ من ذلك: أن ابن عباس قال: "إذ [استقمت بنقد] (2) ثم بعت بنقد، فلا ~~بأس، وإذا [استقمت بنقد] (3)، بعت بنسيئة، فتلك دراهم بدراهم" (4)، فبين ~~أنه إذا قوم السلعة بدراهم ثم باعها إلى أجل، فيكون مقصوده دراهم بدراهم، ~~والأعمال بالنيات، وهذه تسمى التورق فإن المشتري تارة يشترى السلعة لينتفع ~~بها؛ وتارة يشتريها؛ ليتجر فيها، فهذان جائزان باتفاق المسلمين، وتارة لا ~~يكون مقصوده إلا أخذ دراهم، فينظر كم تساوى نقدا فيشتريها إلى أجل ثم ~~يبيعها في السوق نقدا، فمقصوده الورق، وهذا مكروه في أظهر [قولي] (5) ~~العلماء، كما نقل ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وهو إحدى ms67 الروايتين عن أحمد. ~~PageV01P232 #
# وأما عائشة فإنها قالت لأم ولد زيد بن أرقم لما قالت لها: "إني ابتعت من ~~زيد بن أرقم غلاما إلى العطاء بثمانمائة وبعته منه بستمائة"، فقالت لها ~~عائشة: "بئسما شريت وبئسما اشتريت، أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وسلم، إلا أن يتوب"، قالت: يا أم المؤمنين، أرأيت ~~إن لم آخذ إلا رأس مالى؟، فقالت لها عائشة {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ~~فله ما سلف وأمره إلى الله} (1) [البقرة: 275]. # وفي السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "من باع بيعتين في ~~بيعة فله أوكسهما أو الربا" (2)، وهذان PageV01P233 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P234 #
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P235 #
# [تواطآ] (1) على أن [من] (2) يبيع ثم يبتاع فله الأوكس، وهو الثمن الأقل ~~أو الربا. # وأصل هذا الباب: أن الأعمال بالنيات، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (3)، فإن كان قد نوى ~~ما أحله الله فلا بأس، وإن نوى ما حرم الله وتوسل إليه بحيلة، فإنما له ما ~~نوى، والشرط بين الناس ما عدوه شرطا، كما أن البيع بينهم على الصحيح ما ~~عدوه بيعا، والإجارة بينهم ما عدوها إجارة، وكذلك النكاح بينهم على الصحيح ~~ما عدوه نكاحا. # فإن الله تعالى ذكر البيع والنكاح وغيرهما في كتابه، ولم يرد لذلك حد في ~~الشرع، ولا حد في اللغة. # والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع: كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وتارة ~~باللغة: كالشمس والقمر والبر والبحر، وتارة بالعرف: كالقبض والتفرق. # وكذلك العقود: كالبيع والإجارة والنكاح والهبة وغير ذلك، فإذا تواطأ ~~الناس على شرط وتعاقدوا عليه، فهذا شرط عند أهل العرف والله أعلم. # [واستدل على مثل ذلك بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} ~~[المائدة: 1] وأنه داخل في عمومه، وبقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ~~"المؤمنون عند شروطهم" (4)، ولهذا كان شرط PageV01P236 #
# مذهبه جواز تأجيل القرض ولزومه وفاقا لمالك، لكنه يمنع الحط إذا ms68 أراد ~~صاحب القرض أن يتعجله قبل حلوله؛ ولأن مذهبه في غير هذه المسألة جواز الحط ~~من الدين المؤجل، إذا أراد صاحب الدين أن يتعجله؛ استدلالا بقضية بني ~~النضير، لما عزموا على الجلاء، وإذا بينهم وبين الصحابة ديون لم تحل ~~آجالها، فرفعوا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم: "حطوا ~~وتعجلوا" (1)، ففعلوا ذلك على عهده. # وهذه المسألة فيها خلاف بين السلف والخلف، كما هو (2) مبسوط في موضعه. ~~فهذا شرط عند أهل العرف. والله أعلم.] PageV01P237 #
# (فصل) # وأما تعجيل الزكاة قبل وجوبها بعد سبب الوجوب: فيجوز عند جمهور العلماء ~~كأبي حنيفة والشافعي وأحمد، فيجوز تعجيل زكاة الماشية والنقدين، وعروض ~~التجارة، إذا ملك النصاب، ويجوز تعجيل المعشرات قبل وجوبها، إذا كان قد طلع ~~الثمر قبل بدو صلاحه، ونبت الزرع قبل اشتداد حبه، فأما إذا اشتد الحب وبدا ~~صلاح الثمرة فقد وجبت الزكاة [والكفارة ونحو ذلك] (1). PageV01P238 #
# (فصل) # وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك: فالمعروف من مذهب مالك ~~والشافعي: أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد -رحمه الله- قد منع ~~القيمة في مواضع، وجوزها في مواضع، فمن أصحابه من أقر النص، ومنهم من جعلها ~~على روايتين. # والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه، ~~ولهذا قدر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الحيوان بشاتين، أو عشرين درهما، ~~ولم يعدل إلى القيمة؛ ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقا، فقد يعدل المالك ~~إلى أنواع رديئة، وقد يقع في التقويم ضرر؛ ولأن الزكاة مبناها على ~~المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه. # وأما إخراج القيمة للحاجة والمصلحة أو القدر، فلا بأس به، مثل أن يبيع ~~ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزيه، ولا يكلف أن ~~يشترى ثمرا أو حنطة، إذا كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ~~ذلك، ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، ~~فإخراج القيمة هنا كاف، ولا يكلف ms69 السفر إلى مدينة أخرى؛ ليشتري شاة. # ومثل: أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة؛ لكونها أنفع، ~~فيعطيهم إياها، أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء. # كما نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل اليمن: "ائتوني # PageV01P239 #
# بخميس أو لبيس آخذه منكم في الصدقة، أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من ~~المهاجرين والأنصار" (1)، وهذا قد قيل: إنه قاله في الزكاة، وقيل: في ~~الجزية (2). PageV01P240 #
# (فصل) # وأما إبدال المنذور والموقوف بخير منه، كما في إبدال الهدي. # فهذا نوعان: أحدهما: أن يكون الابدال للحاجة، مثل أن يتعطل، فيباع ويشترى ~~بثمنه ما يقوم مقامه، كالفرس الحبيس للغزو، إذا لم يمكن الانتفاع به في ~~الغزو، فإنه يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، والمسجد إذا تخرب، فتنقل ~~آلته إلى مكان آخر، أو يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، وإذا خرب ولم يمكن ~~عمارته فتباع العرصة، ويشترى بثمنها ما يقوم مقامها: فهذا كله جائز. # فإن الأصل إذا لم يحصل به المقصود قام بدله مقامه. # والثانى: الإبدال؛ لمصلحة راجحة، مثل أن يبدل الهدي بخير منه، ومثل ~~المسجد إذا بني بدله مسجدا آخر أصلح لأهل البلد منه [وبيع الأول] (1)، فهذا ~~ونحوه جائز عند أحمد وغيره من العلماء. # واحتج أحمد بأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه نقل مسجد الكوفة القديم ~~إلى مكان آخر، وصار الأول سوقا للتمارين، فهذا إبدال لعرصة (2) المسجد. # وأما إبدال بنائه ببناء آخر، فإن عمر وعثمان بنيا مسجد النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم، على غير بنائه الأول، وزادوا فيه، PageV01P241 #
# وكذلك المسجد الحرام. # وقد ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لعائشة: ~~"لولا قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض، ولجعلت لها ~~بابين: بابا يدخل الناس منه، وبابا يخرج منه الناس" (1)، فلولا المعارض ~~الراجح لكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غير بناء الكعبة، فيجوز تغيير ~~بناء الوقف من صورة إلى صورة؛ لأجل المصلحة الراجحة. # أما إبدال العرصة بعرصة أخرى: ms70 فهذا قد نص أحمد وغيره على جوازه، اتباعا ~~لأصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حيث فعل ذلك عمر رضي الله ~~تعالى عنه واشتهرت القضية، ولم ينكر. # وأما إذا كان المغل قليلا، فيبدل بخير منه، مثل أن يقف دارا أو حانوتا أو ~~بستانا، أو قرية مغلها قليل، فيبدلها بما هو أنفع الموقف. # فقد أجاز ذلك أبو ثور وغيره من العلماء، مثل أبي عبيد [بن حربويه] (2) ~~قاضي مصر، وحكم بذلك، وهو قياس قول أحمد في تبديل المسجد من عرصة إلى عرصة؛ ~~للمصلحة، بل إذا جاز أن يبدل المسجد بما ليس بمسجد للمصلحة، بحيث يصير ~~المسجد سوقا، فلأن يجوز إبدال [المستغل بمستغل] (3) آخر أولى وأحرى، وهو ~~قياس قوله في إبدال الهدى بخير منه، وقد نص على أن المسجد PageV01P242 #
# اللاصق بالأرض إذا رفعوه وبنوا تحته سقاية، واختار ذلك الجيران: فعل ذلك ~~(1). # لكن من أصحابه من منع إبدال المسجد والهدي والأرض الموقوفة، وهو قول ~~الشافعي وغيره، لكن النصوص والآثار والقياس تقتضي جواز الإبدال؛ للمصلحة، ~~والله أعلم (2). PageV01P243 #
# (فصل) # وأما القصاص في اللطمة والضربة ونحو ذلك: # فمذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين أن القصاص ثابت في ~~ذلك، وهو المنصوص عن أحمد في رواية إسمعيل بن سعيد الشالنجي، وذهب كثير من ~~الفقهاء إلى أنه لا يشرع في ذلك قصاص؛ لأن المساواة فيه متعذرة في الغالب، ~~وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. # والأول: أصح، فإن سنة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مضت بالقصاص في ~~ذلك، وكذلك سنة خلفائه الراشدين، وقد قال الله -عز وجل-: {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها} [الشورى: 40] وقد قال تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم} [البقرة: 194] ونحو ذلك. # وأما قول القائل: إن المماثلة في ذلك متعذرة، فيقال له: لا بد لهذه ~~الجناية من عقوبة، إما قصاص وإما تعزير، فإذا جوز أن يعزر تعزيرا غير مضبوط ~~الجنس والقدر، فلأن يعاقب بما هو أقرب إلى الضبط من ذلك أولى وأحرى، والعدل ms71 ~~في القصاص معتبر بحسب الإمكان. # ومن المعلوم أن الضارب إذا ضرب ضربة مثل ضربته أو قريب منها، كان هذا ~~أقرب إلى العدل من أن يعزر بالضرب بالسوط. # فالذي يمنع القصاص في ذلك خوفا من الظلم: يبيح ما هو # PageV01P244 #
# أعظم ظلما مما فر منه، فعلم أن ما جاءت به السنة أعدل وأمثل، وكذلك له أن ~~يسبه كما سبه، مثل أن يلعنه كما لعنه، أو يقول: قبحك الله، فيقول له: قبحك ~~الله، أو أخزاك الله، فيقول له: أخزاك الله، أو يقول: يا كلب يا خنزير. ~~فيقول له: يا كلب يا خنزير (1). # فأما إذا كان محرم الجنس مثل تكفيره والكذب عليه، فليس له أن يكفره، ولا ~~يكذب عليه، وإذا لعن أباه لم يكن له أن يلعن أباه؛ لأن أباه لم يظلمه (2). ~~PageV01P245 #
# (فصل) # وأما القصاص في إتلاف الأموال، مثل أن يخرق ثوبه المماثل له، أو يهدم ~~داره، فيهدم داره ونحو ذلك. # فهذا فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد: # أحدهما: أن ذلك غير مشروع. لأنه إفساد؛ ولأن العقار والثياب غير متماثلة. # الثاني: أن ذلك مشروع؛ لأن الأنفس والأطراف أعظم [قدرا] (1) من الأموال، ~~وإن جاز إتلافها على سبيل القصاص؛ لأجل استيفاء المظلوم فالأموال أولى، ~~ولهذا يجوز لنا أن نفسد أموال أهل الحرب إذا أفسدوا أموالنا، بقطع الشجر ~~المثمر، وإن قيل: بالمنع من ذلك لغير حاجة. # [وأما التماثل] (2)، فهذا فيه نزاع، فإنه إذا أتلف لنا ثيابا أو حيوانا ~~أو عقارا ونحو ذلك، هل يضمنه بالقيمة، أو يضمنه بجنسه مع القيمة؟ على قولين ~~معروفين للعلماء، وهما قولان في مذهب الشافعي وأحمد، فإن الشافعي قد نص على ~~أنه إذا هدم داره بناها كما كانت، فضمنه بالمثل، وقد روي عنه في الحيوان ~~نحو ذلك، وكذلك أحمد يضمن أولاد المغرور [بجنسهم] (3)، في المشهور عنه، ~~وإذا اقترض حيوانا رد مثله في المنصوص، وقصة داود وسليمان [عليهما الصلاة ~~PageV01P246 #
# والسلام] (1) هي من هذا الباب. # فإن داود [عليه الصلاة والسلام] (2) كان قد ضمن الحرث الذي ms72 نفشت [فيه] ~~(3) (4) غنم القوم بالقيمة، وأعطاهم الماشية مكان القيمة، وسليمان [عليه ~~الصلاة والسلام] (5) أمرهم أن يعمروا الحرث حتى يعود كما كان وينتفعوا ~~بالماشية بدل ما فاتهم عن منفعة الحرث (6). # [بهذا] (7) أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز -لما كان قد اعتدى ~~PageV01P247 #
# بعض بني أمية على بستان له اقتلعوه- فسألوه: ما يجب في ذلك؟ فقال: "يغرسه ~~كما كان: فقيل له: إن ربيعة وأبا الزناد قالا: يجب القيمة، فتكلم الزهري ~~[فيهما] (1) بكلام مضمونه: أنهما خالفا السنة". # ولا ريب أن ضمان المال بجنسه مع اعتبار القيمة أقرب إلى العدل من ضمانه ~~بغير جنسه، وهو الدراهم والدنانير، مع اعتبار القيمة فإن القيمة معتبرة في ~~[الموضعين] (2)، والجنس مختص بأحدهما، ولا ريب أن الأغراض متعلقة بالجنس، ~~فمن له غرض في كتاب أو فرس أو بستان، ماذا يصنع بالدراهم؟ فإن قيل: يشتري ~~بها مثله، قيل: الظالم الذي فوته مثله هو أحق بأن يضمن له بمثل ما فوته ~~إياه، ونظير ما أفسده من ماله (3). PageV01P248 #
# (فصل) # وأما الوقف: فما فضل من ريعه واستغنى عنه فإنه [يصرفه] (1) في نظير تلك ~~الجهة، كالمسجد إذا فضل [مغل وقفه عن] (2) مصالحه صرف في مسجد آخر؛ لأن ~~الواقف [له غرضه] (3) في الجنس، والجنس واحد، فلو قدر أن المسجد الأول خرب، ~~ولم ينتفع به أحد، صرف ريعه في مسجد آخر، فكذلك إذا فضل عن مصلحته شيء، فإن ~~هذا الفاضل لا سبيل إلى صرفه إليه، ولا إلى تعطيله، فصرفه في جنس المقصود ~~أولى، وهو أقرب الطرق إلى مقصود الواقف. # وقد روى أحمد عن علي رضي الله تعالى عنه: "أنه حض الناس على إعطاء [مكاتب ~~في كتابته] (4)، ففضل شيء عن حاجته، فصرفه في المكاتبين" (5) (6). ~~PageV01P249 #
# (فصل) # وأما إسقاط الدين عن المعسر، فلا يجزئ عن زكاة العين بلا نزاع، لكن إذا ~~كان له دين على من استحق الزكاة، فهل يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك الدين، ~~ويكلون ذلك زكاة ذلك الدين؟ # فهذا فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره، أظهرهما: # الجواز؛ ms73 لأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا قد أخرج من جنس ما يملكه، ~~بخلاف ما إذا كان ما له عينا وأخرج دينا، فإن الذي أخرجه دون الذي يملكه، ~~فكان بمنزلة إخراج الخبيث عن الطيب، وهذا لا يجوز، كما قال الله -عز وجل-: ~~{ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} [البقرة: ~~267]. # ولهذا كان على المزكي أن يخرج من جنس ماله، لا يخرج أدنى منه. فإذا كان ~~له ثمرة أو حنطة جيدة لم يخرج عنها، ما هو دونها (1). PageV01P250 #
# (فصل) # وأما معاملة [التتر] (1): # فيجوز فيها ما يجوز في معاملة أمثالهم، ويحرم فيها ما يحرم في معاملة ~~أمثالهم، فيجوز أن يبتاع الرجل عن مواشيهم وخيلهم ونحو ذلك، كما يبتاع من ~~مواشي الأعراب والتركمان والأكراد وخيلهم، ويجوز أن يبيعهم من الطعام ~~والثياب ونحو ذلك ما يبيعه لأمثالهم. # فأما إن باعهم أو باع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات كبيع الخيل ~~والسلاح لمن يقاتل به قتالا محرما، فهذا لا يجوز، قال الله -عز وجل- ~~{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب} [المائدة: 2]، وفي السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم: إنه لعن في الخمر عشرة لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها ~~والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها" (2)، ~~وقد لعن العاصر، وهو إنما PageV01P251 #
# يعصر عنبا يصير عصيرا، والعصير يمكن أن يتخذ خلا ودبسا وغير ذلك، لكن لما ~~علم قصده من العصير: أنه يتخذه خمرا، وأعانه على ذلك، لعنه النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم على ذلك. # وإن كان الذي معهم أو مع غيرهم أموال يعرف أنهم غصبوها من معصوم، فتلك لا ~~يجوز اشتراؤها لمن يتملكها، لكن إذا اشتريت على طريق الاستنقاذ؛ لتصرف في ~~مصارفها الشرعية، فتعاد إلى أصحابها إن أمكن، وإلا صرفت في مصالح المسلمين، ~~جاز هذا. # وإذا علم أن في أموالهم شيئا محرما لا تعرف عينه، فهذا لا تحرم معاملتهم ~~فيه، كما إذا علم أن في الأسواق ما ms74 هو مغصوب أو مسروق، ولم يعلم عينه، ~~والحرام إذا اختلط بالحلال فهذا نوعان: # أحدهما: أن يكون محرما لعينه: كالميتة والأخت من الرضاعة، فهذا إذا اشتبه ~~بما لم يحصر لم يحرم، مثل أن يعلم أن في البلد الفلانية أختا له من ~~الرضاعة، لا يعلم عينها، أو فيها من يبيع ميتة، لا يعلم عينها فهذا لا يحرم ~~عليه النساء ولا اللحم، وأما إذا اشتبهت أخته بأجنبية أو المذكى بالميت، ~~فإنه يجتنبهما. # والثاني: ما حرم لصفته كالمأخوذ غصبا، والمقبوض بعقود محرمة كالربا ~~والميسر، فهذا إذا اختلط أو اشتبه بغيره، لم يحرم PageV01P252 #
# الجميع، بل يميز قدر هذا من [قدر] (1) هذا، فيصرف هذا إلى مستحقه، [وهذا ~~إلى مستحقه،] (2) [مثل اللص الذي أخذ أموال الناس فخلطها، أو أخذ (3) حنطة ~~الناس أو دقيقهم فخلطه، فإنه يقسم بينهم على قدر الحقوق، وإذا علم أن في ~~البلد من هذا شيء لم يعلم عينه، لم يحرم على الناس الشراء من ذلك البلد. # لكن إذا كان أكثر مال الرجل حراما، فهل تكره معاملته، أو تحرم؟ على ~~وجهين. # وإن كان الغالب على ماله الحلال، لم تحرم معاملته، لكن قد قيل: إنه [من ~~المشتبهات التي يستحب تركها] (4). # والله -عز وجل- أعلم. # [كملت والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما كثيرا إلى يوم الدين] (5). # وكان الفراغ من نسخها يوم الجمعة من عشرين خلت من شهر جمادى الأول، سنة ~~أربعين وسبعمائة. PageV01P253 ms75