######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012081 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مقدمة في أصول التفسير #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012081 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12081 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12081 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: 1490هـ/ 1980م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # مقدمة في أصول التفسير # التأليف: أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني # بسم الله الرحمن الرحيم # فصل [ ### | في عناية الصحابة والتابعين بمعاني القرآن # يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه معاني القرآن كما ~~بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] ~~يتناول هذا وهذا، وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا ~~يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا ~~إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ~~ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا. ~~ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة. وقال أنس: كان الرجل إذا قرا البقرة ~~وأل عمران جل في أعيننا. وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين، قيل: ~~ثماني سنين، ذكره مالك. # وذلك أن الله تعالى قال: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته} [ص: ~~29] ، وقال: {أفلا يتدبرون القرآن} [النساء: 82،محمد: 24] ، وقال: {أفلم ~~يدبروا القول} [المؤمنون: 68] ، وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، ~~وكذلك قال تعالى: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} [يوسف: 2] وعقل ~~الكلام متضمن لفهمه. # PageV01P009 # ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، ~~فالقرآن أولى بذلك. وأيضا، فالعادة تمنع أن يقرآ قوم كتابا في فن من العلم ~~كالطب والحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم ~~وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟ ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير ~~القرآن قليلا جدا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل ~~بالنسبة إلى من بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم ~~والبيان فيه أكثر. ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال ~~مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها؛ ولهذا ~~قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به؛ ولهذا يعتمد على تفسيره ~~الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، وكذلك الإمام أحمد وغيره ms01 ممن صنف ~~في التفسير يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره. # والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة، كما تلقوا عنهم # PageV01P010 # علم السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال، كما ~~يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال. # PageV01P011 # فصل [ ### | في اختلاف السلف في التفسير اختلاف تنوع # الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في ~~التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف ~~تضاد، وذلك صنفان: # أحدهما: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على ~~معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى بمنزلة الأسماء المتكافئة ~~التي بين المترادفة والمتباينة كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك ~~مثل أسماء الله الحسنى، وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن، ~~فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد، فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى ~~مضادا لدعائه باسم آخر، بل الأمر كما قال تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} [الإسراء: 110] . # وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة، وعلى الصفة التي تضمنها الاسم، ~~كالعليم يدل على الذات والعلم، والقدير يدل على الذات والقدرة، والرحيم يدل ~~على الذات والرحمة. ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر، ~~فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون: لا يقال: هو حي، ~~ولا ليس بحي، بل ينفون عنه النقيضين؛ فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ~~ينكرون اسما هو علم محض كالمضمرات، وإنما ينكرون ما في أسمائه الحسنى من ~~صفات الإثبات، فمن وافقهم على مقصودهم كان مع دعواه الغلو # PageV01P011 # في الظاهر موافقا لغلاة الباطنية في ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك. # وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته، وعلى ما في الاسم من ~~صفاته، ويدل أيضا على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم، وكذلك أسماء ~~النبي صلى الله عليه وسلم، مثل محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب. ~~وكذلك أسماء ms02 القرآن: مثل القرآن، والفرقان، والهدى، والشفاء، والبيان، ~~والكتاب، وأمثال ذلك. # فإذا كان مقصود السائل تعيين المسمى عبرنا عنه بأي اسم كان إذا عرف مسمى ~~هذا الاسم، وقد يكون الاسم علما وقد يكون صفة كمن يسأل عن قوله: {ومن أعرض ~~عن ذكري} [طه: 124] ما ذكره؟ فيقال له: هو القرآن مثلا، أو هو ما أنزله من ~~الكتب. فإن الذكر مصدر، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل وتارة إلى المفعول. ~~فإذا قيل ذكر الله بالمعني الثاني كان ما يذكر به مثل قول العبد: سبحان ~~الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وإذا قيل بالمعنى الأول ~~كان ما يذكره هو وهو كلامه، وهذا هو المراد في قوله: {ومن أعرض عن ذكري} ؛ ~~لأنه قال قبل ذلك: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} ~~[طه: 123] وهداه هو ما أنزله من الذكر، وقال بعد ذلك: {قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها} [طه: 125، 126] . # والمقصود أن يعرف أن الذكر هو كلامه المنزل، أو هو ذكر العبد له، # PageV01P012 # فسواء قيل: ذكري كتابي أو كلامي أو هداي أو نحو ذلك، كان المسمى واحدا. # وإن كان مقصود السائل معرفة ما في الاسم من الصفة المختصة به، فلابد من ~~قدر زائد على تعيين المسمى، مثل أن يسأل عن القدوس السلام المؤمن، وقد علم ~~أنه الله، لكن مراده ما معنى كونه قدوسا سلاما مؤمنا ونحو ذلك. # إذا عرف هذا، فالسلف كثيرا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه، وإن ~~كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر، كمن يقول: أحمد هو الحاشر ~~والماحي والعاقب. والقدوس هو الغفور، والرحيم، أي أن المسمى واحد، لا أن ~~هذه الصفة هي هذه الصفة. ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض ~~الناس، مثال ذلك: تفسيرهم للصراط المستقيم: # فقال بعضهم: هو القرآن، أي أتباعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حديث علي الذي رواه الترمذي، ورواه أبو نعيم من طرق متعددة: " هو حبل ms03 الله ~~المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم ". وقال بعضهم: هو الإسلام؛ ~~لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث النواس ابن سمعان الذي رواه الترمذي ~~وغيره: " ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي ~~السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو من فوق الصراط، ~~وداع يدعو على رأس الصراط "، قال: " فالصراط المستقيم هو الإسلام، والسوران ~~حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب ~~الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن "، # PageV01P013 # فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو إتباع القرآن، ولكن كل منهما ~~نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ " صراط " يشعر بوصف ثالث، وكذلك ~~قول من قال: هو السنة والجماعة. وقول من قال: هو طريق العبودية. وقول من ~~قال: هو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم ~~أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها. # الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل ~~التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في ~~عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى [لفظ الخبز] فأرى رغيفا، وقيل ~~له: هذا، فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده مثال ذلك: ما نقل في ~~قوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ~~مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] # فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات، والمنتهك للمحرمات، ~~والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق ~~فتقرب بالحسنات مع الواجبات، فالمقتصدون هم أصحاب اليمين {والسابقون ~~السابقون أولئك المقربون} [الواقعة: 10، 11] # ثم إن كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل: السابق ~~الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي ~~يؤخر العصر إلى الاصفرار، ويقول الآخر: السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم ~~في آخر سورة البقرة، فإنه ذكر # PageV01P014 # المحسن بالصدقة، والظالم بأكل الربا، والعادل بالبيع. والناس ms04 في الأموال ~~أما محسن، وأما عادل، وإما ظالم، فالسابق المحسن بأداء المستحبات مع ~~الواجبات. والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة. والمقتصد الذي يؤدي الزكاة ~~المفروضة، ولا يأكل الربا، وأمثال هذه الأقاويل. # فكل قول فيه ذكر نوع داخل في الآية ذكر لتعريف المستمع بتناول الآية له ~~وتنبيهه به على نظيره، فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد ~~المطلق، والعقل السليم يتفطن للنوع، كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف، فقيل ~~له: هذا هو الخبز. # وقد يجيء كثيرا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لاسيما إن ~~كان المذكور شخصا؛ كأسباب النزول المذكورة في التفسير، كقولهم: إن آية ~~الظهار نزلت في امرأة اوس بن الصامت، وإن آية اللعان نزلت في عويمر ~~العجلاني أو هلال بن أمية، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وإن ~~قوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] نزلت في بني قريظة ~~والنضير، وأن قوله: {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] نزلت في بدر، وأن ~~قوله: {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} [المائدة: 106] نزلت في قضية تميم ~~الداري وعدي بن بداء، وقول أبي أيوب إن قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة} [البقرة: 195] : نزلت فينا معشر الأنصار، الحديث. ونظائر هذا كثير ~~مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من أهل الكتاب ~~اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين. # فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص # PageV01P015 # بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق، ~~والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ ~~فلم يقل أحد من علماء المسلمين: إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص ~~المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا ~~يكون العموم فيها بحسب اللفظ. # والآية التي لها سبب معين، إن كانت أمرا ونهيا فهي متناولة لذلك الشخص ~~ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبرا بمدح أو ذم فهي ms05 متناولة لذلك الشخص ~~وغيره ممن كان بمنزلته أيضا. # ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم ~~بالمسبب؛ ولهذا كان أصح قولي الفقهاء: أنه إذا لم يعرف ما نواه الحالف، رجع ~~إلى سبب يمينه وما هيجها وأثارها. # وقولهم: نزلت هذه الآية في كذا، يراد به تارة أنه سبب النزول، ويراد به ~~تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب، كما تقول: عني بهذه الآية ~~كذا. # وقد تنازع العلماء في قول الصاحب [أى الصحابى] : نزلت هذه الآية في كذا، ~~هل يجري مجرى المسند كما يذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى ~~التفسير منه الذي ليس بمسند؟ # فالبخاري يدخله في المسند وغيره لا يدخله في المسند. # وأكثر المساند على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببا ~~نزلت عقبة، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند. # وإذا عرف هذا، فقول أحدهم: نزلت في كذا، لا ينافي قول الآخر: نزلت في ~~كذا، إذا كان اللفظ يتناولهما، كما ذكرناه في التفسير بالمثال، وإذا ذكر ~~أحدهم لها سببا نزلت لأجله وذكر الآخر # PageV01P016 # سببا، فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب، أو تكون نزلت ~~مرتين، مرة لهذا السبب ومرة لهذا السبب. # وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير، تارة لتنوع الأسماء ~~والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه، كالتمثيلات هما الغالب في ~~تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف. # ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين؛ إما لكونه ~~مشتركا في اللفظ كلفظ {قسورة} الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد، ولفظ ~~{عسعس} الذي يراد به إقبال الليل وإدباره، وإما لكونه متواطئا في الأصل، ~~لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين، كالضمائر في قوله: {ثم دنا ~~فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى} [النجم: 8، 9] ، وكلفظ {والفجر وليال عشر ~~والشفع والوتر} [الفجر: 1-3] وما أشبه ذلك. # فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، ووقد لا يجوز ~~ذلك، فالأول إما لكون ms06 الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة، وإما ~~لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه؛ إذ قد جوز ذلك أكثر الفقهاء ~~المالكية، والشافعية، والحنبلية وكثير من أهل الكلام، وإما لكون اللفظ ~~متواطئا فيكون عاما، إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النوع إذا صح فيه ~~القولان كان من الصنف الثاني. # ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافا أن يعبروا عن ~~المعاني بألفاظ متقاربة لا مترادفة؛ فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ~~ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم، وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد ~~يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن. ~~فإذا قال القائل: {يوم تمور السماء # PageV01P017 # مورا} [الطور: 9] : إن المور هو الحركة كان تقريبا؛ إذ المور حركة خفيفة ~~سريعة. # وكذلك إذا قال: الوحي: الإعلام، أو قيل: {أوحينا إليك} [النساء: 163] : ~~أنزلنا إليك، أو قيل: {وقضينا إلى بني إسرائيل} [الإسراء: 4] أي: أعلمنا، ~~وأمثال ذلك، فهذا كله تقريب لا تحقيق؛ فإن الوحي هو إعلام سريع خفي، ~~والقضاء إليهم أخص من الإعلام؛ فإن فيه إنزالا إليهم وإيحاء إليهم. # والعرب تضمن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته، ومن هنا غلط من جعل بعض ~~الحروف تقوم مقام بعض، كما يقولون في قوله: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى ~~نعاجه} [ص: 24] أي: مع نعاجه و {من أنصاري إلى الله} [الصف: 14] أي: مع ~~الله ونحو ذلك. والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين، فسؤال النعجة ~~يتضمن جمعها وضمها إلى نعاجه، وكذلك قوله: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي ~~أوحينا إليك} [الإسراء: 73] ضمن معنى يزيغونك ويصدونك، وكذلك قوله: ~~{ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا} [الأنبياء: 77] ، ضمن معنى نجيناه ~~وخلصناه، وكذلك قوله: {يشرب بها عباد الله} [الإنسان: 6] ضمن يروى بها، ~~ونظائره كثيرة. # ومن قال: {لاريب} : لا شك، فهذا تقريب، وإلا فالريب فيه اضطراب وحركة، ~~كما قال: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "، وفي الحديث أنه مر بظبي حاقف ~~[أي: نائم قد انحنى في نومه] فقال: " لا يريبه أحد "، فكما أن ms07 اليقين ضمن ~~السكون والطمأنينة فالريب ضده ضمن الاضطراب والحركة. ولفظ [الشك] وإن قيل: ~~إنه يستلزم هذا المعنى، لكن لفظه لا يدل عليه. # وكذلك إذا قيل: {ذلك الكتاب} : هذا القرآن، فهذا # PageV01P018 # تقريب؛ لأن المشار أليه وإن كان واحدا، فالإشارة بجهة الحضور غير الإشارة ~~بجهة البعد والغيبة، ولفظ [الكتاب] يتضمن من كونه مكتوبا مضمونا ما لا ~~يتضمنه لفظ القرآن من كونه مقروءا مظهرا باديا. فهذه الفروق موجودة في ~~القرآن. فإذا قال أحدهم: {أن تبسل} : أي تحبس، وقال الآخر: ترتهن، ونحو ~~ذلك، لم يكن من اختلاف التضاد، وإن كان المحبوس قد يكون مرتهنا وقد لا ~~يكون، إذ هذا تقريب للمعنى كما تقدم، وجمع عبارات السلف في مثل هذا نافع ~~جدا، فإن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين، ومع هذا ~~فلابد من اختلاف محقق بينهم، كما يوجد مثل ذلك في الأحكام. # ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الاختلاف معلوم بل متواتر ~~عند العامة أو الخاصة، كما في عدد الصلوات ومقادير ركوعها ومواقيتها، ~~وفرائض الزكاة ونصبها، وتعيين شهر رمضان، والطواف والوقوف، ورمي الجمار، ~~والمواقيت وغير ذلك. # ثم اختلاف الصحابة في الجد والإخوة وفي المشركة ونحو ذلك، لا يوجب ريبا ~~في جمهور مسائل الفرائض، بل ما يحتاج إليه عامة الناس هو عمود النسب من ~~الآباء والأبناء، والكلالة من الأخوة والأخوات، ومن نسائهم كالأزواج؛ فإن ~~الله أنزل في الفرائض ثلاث آيات مفصلة، ذكر في الأولى الأصول والفروع، وذكر ~~في الثانية الحاشية التي ترث بالفرض كالزوجين وولد الأم، وفي الثالثة ~~الحاشية الوارثة بالتعصيب # PageV01P019 # وهم الأخوة لأبوين أو لأب، واجتماع الجد والأخوة نادر؛ ولهذا لم يقع في ~~الإسلام إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم؛ والاختلاف قد يكون لخفاء ~~الدليل أو لذهول عنه، وقد يكون لعدم سماعه، وقد يكون للغلط في فهم النص، ~~وقد يكون لاعتقاد معارض راجح، فالمقصود هنا التعريف بجمل الأمر دون ~~تفاصيله. # PageV01P020 # فصل [ ### | في نوعي الاختلاف في التفسير ### | النوع الأول: الخلاف الواقع في التفسير من جهة النقل # الاختلاف ms08 في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم ~~بغير ذلك؛ إذ العلم إما نقل مصدق وإما استدلال محقق، والمنقول إما عن ~~المعصوم وإما عن غير المعصوم، والمقصود بأن جنس المنقول سواء كان عن ~~المعصوم أو غير المعصوم، وهذا هو النوع الأول منه ما يمكن معرفة الصحيح منه ~~والضعيف، ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه. وهذا القسم الثاني من المنقول؛ ~~وهو ما لاطريق لنا إلى الجزم بالصدق منه عامته مما لا فائدة فيه، فالكلام ~~فيه من فضول الكلام. # وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته، فإن الله نصب على الحق فيه دليلا، ~~فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه: اختلافهم في لون كلب أصحاب ~~الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، # PageV01P020 # وفي مقدار سفينة نوح وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ~~ونحو ذلك. فهذه الأمور طريق العلم بها النقل، فما كان من هذا منقولا نقلا ~~صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم كاسم صاحب موسى أنه الخضر فهذا معلوم، ~~وما لم يكن كذلك بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب كالمنقول عن كعب ووهب ومحمد ~~بن إسحاق وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه ~~إلا بحجة، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا ~~حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، ~~وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه ". # وكذلك ما نقل عن بعض التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى ~~اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل في ذلك عن بعض ~~الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه # PageV01P021 # أسكن مما نقل عن بعض التابعين؛ لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى؛ ولأن نقل الصحابة عن أهل ~~الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصاحب فيما يقوله، فكيف يقال: إنه ~~أخذه عن ms09 أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم؟ # والمقصود أن مثل هذا الاختلاف الذي لا يعلم صحيحه، ولا تفيد حكاية ~~الأقوال فيه، هو كالمعرفة لما يروي من الحديث الذي لا دليل على صحته وأمثال ~~ذلك. # وأما القسم الأول، الذي يمكن معرفة الصحيح منه، فهذا موجود فيما يحتاج ~~إليه ولله الحمد، فكثيرا ما يوجد في التفسير والحديث والمغازي أمور منقولة ~~عن نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ~~والنقل الصحيح يدفع ذلك، بل هذا موجود فيما مستنده النقل، وفيما قد يعرف ~~بأمور أخرى غير النقل. # فالمقصود أن المنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على ~~بيان ما فيها من صحيح وغيره، ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول ~~في المغازي والملاحم؛ ولهذا قال الإمام أحمد: ثلاثة أمور ليس لها إسناد: ~~التفسير، والملاحم، والمغازي. ويروي: ليس لها أصل، أي إسناد؛ لأن الغالب ~~عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، وموسى بن ~~عقبة، وابن إسحاق، ومن بعدهم، # PageV01P022 # كيحيى بن سعيد الأموي، والوليد بن مسلم، والواقدي، ونحوهم في المغازي؛ ~~فإن أعلم الناس بالمغازي أهل المدينة، ثم أهل الشام، ثم أهل العراق، فأهل ~~المدينة أعلم بها لأنها كانت عندهم، وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد، فكان ~~لهم من العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم؛ ولهذا عظم الناس كتاب أبي ~~إسحاق الفزاري الذي صنفه في ذلك، وجعلوا الأوزاعي أعلم بهذا الباب من غيره ~~من علماء الأمصار. # PageV01P023 # وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد ~~وعطاء ابن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من أصحاب أبن عباس، ~~كطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ~~ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير ~~مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضا ابنه عبد # PageV01P024 # الرحمن، وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله بن وهب. # والمراسيل إذا تعددت طرقها وخلت عن ms10 المواطأة قصدا أو الاتفاق بغير قصد ~~كانت صحيحة قطعا، فان النقل إما أن يكون صدقا مطابقا للخبر، وإما أن يكون ~~كذبا تعمد صاحبه الكذب، أو أخطأ فيه، فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان ~~صدقا بلا ريب. # فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات، وقد علم أن المخبرين لم يتواطئا ~~على اختلاقه، وعلم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقا بلا قصد علم أنه ~~صحيح، مثل شخص يحدث عن واقعة جرت، ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال ~~والأفعال، ويأتي شخص آخر قد علم أنه لم يواطئ الأول، فيذكر مثل ما ذكره ~~الأول من تفاصيل الأقوال والأفعال، فيعلم قطعا أن تلك الواقعة حق في ~~الجملة؛ فإنه لو كان كل منهما كذبها عمدا أو خطأ، لم يتفق في العادة أن ~~يأتي كل منهما بتلك التفاصيل التي تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا ~~مواطأة من أحدهما لصاحبه، فإن الرجل قد يتفق أن ينظم بيتا وينظم الآخر ~~مثله، أو يكذب كذبة ويكذب الآخر مثلها، أما إذا أنشأ قصيدة طويلة ذات فنون ~~على قافية وروي فلم تجر العادة بأن غيره ينشئ مثلها لفظا ومعني مع الطول ~~المفرط، بل يعلم بالعادة أنه أخذها منه، وكذلك إذا حدث حديثا طويلا فيه ~~فنون، وحدث آخر بمثله، فإنه إما أن يكون واطأه عليه أو أخذه منه، أو يكون ~~الحديث صدقا، وبهذه الطريق يعلم صدق عامة ما تتعدد جهاته المختلفة على هذا ~~الوجه من المنقولات، وإن لم يكن أحدها كافيا إما لإرساله وإما لضعف ناقله، ~~لكن مثل هذا لا تضبط به الألفاظ والدقائق التي لا تعلم بهذه الطريق فلا ~~يحتاج # PageV01P025 # ذلك إلى طريق يثبت بها مثل تلك الألفاظ والدقائق؛ ولهذا ثبتت بالتواتر ~~غزوة بدر وأنها قبل أحد، بل يعلم قطعا أن حمزة وعليا وعبيدة برزوا إلى عتبة ~~وشيبة والوليد، وأن عليا قتل الوليد، وأن حمزة قتل قرنه، ثم يشك في قرنه هل ~~هو عتبة أو شيبة. # وهذا الأصل ينبغي أن يعرف؛ فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من ms11 المنقولات في ~~الحديث والتفسير والمغازي، وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك. # ولهذا إذا روى الحديث الذي يتأتى فيه ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~وجهين، مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر، جزم بأنه حق، لا سيما إذا ~~علم أن نقلته ليسوا ممن يتعمد الكذب، وإنما يخاف على أحدهم النسيان والغلط؛ ~~فإن من عرف الصحابة كابن مسعود وأبي بن كعب، وابن عمر، وجابر، وأبي سعيد، ~~وأبي هريرة وغيرهم علم يقينا أن الواحد من هؤلاء لم يكن ممن يتعمد الكذب ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضلا عمن هو فوقهم، كما يعلم الرجل من ~~حال من جربه وخبره خبره باطنة طويلة أنه ليس ممن يسرق أموال الناس، ويقطع ~~الطريق، ويشهد بالزور ونحو ذلك. # وكذلك التابعون بالمدينة ومكة، والشام والبصرة، فإن من عرف مثل أبي صالح ~~السمان، والأعرج، وسليمان بن يسار، وزيد بن أسلم وأمثالهم، علم قطعا أنهم ~~لم يكونوا ممن يتعمد الكذب في الحديث، # PageV01P026 # فضلا عمن هو فوقهم، مثل محمد بن سيرين، والقاسم بن محمد، أو سعيد بن ~~المسيب، أو عبيدة السلماني، أو علقمة، أو الأسود أو نحوهم. وإنما يخاف على ~~الواحد من الغلط؛ فإن الغلط والنسيان كثيرا ما يعرض للإنسان، ومن الحفاظ من ~~قد عرف الناس بعده عن ذلك جدا، كما عرفوا حال الشعبي والزهري وعروة وقتادة ~~والثوري وأمثالهم، لا سيما الزهري في زمانه، والثوري في زمانه، فإنه قد ~~يقول القائل: أن ابن شهاب الزهري لا يعرف له غلط، مع كثرة حديثه وسعة حفظه. # PageV01P027 # والمقصود أن الحديث الطويل إذا روي مثلا من وجهين مختلفين، من غير مواطأة ~~امتنع عليه أن يكون غلطا، كما امتنع أن يكون كذبا؛ فإن الغلط لا يكون في ~~قصة طويلة متنوعة، وإنما يكون في بعضها، فإذا روى هذا قصة طويلة متنوعة ~~ورواها الآخر مثلما رواها الأول من غير مواطأة امتنع الغلط في جميعها، كما ~~امتنع الكذب في جميعها من غير مواطأة. # ولهذا إنما يقع في مثل ذلك غلط في بعض ms12 ما جرى في القصة، مثل حديث اشتراء ~~النبي صلى الله عليه وسلم البعير من جابر؛ فإن من تأمل طرقه علم قطعا أن ~~الحديث صحيح، وإن كانوا قد اختلفوا في مقدار الثمن. وقد بين ذلك البخاري في ~~صحيحه، فإن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قاله؛ لأن غالبه من هذا النحو؛ ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول ~~والتصديق، والأمة لا تجتمع على خطأ، فلو كان الحديث كذبا في نفس الأمر، ~~والأمة مصدقة له قابلة له، لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر ~~كذب، وهذا إجماع على الخطأ وذلك ممتنع، وإن كنا نحن بدون الإجماع نجوز ~~الخطأ أو الكذب على الخبر، فهو كتجويزنا قبل أن نعلم الإجماع على العلم ~~الذي ثبت بظاهر أو قياس ظني أن يكون الحق في الباطن، بخلاف ما اعتقدناه، ~~فإذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأن الحكم ثابت باطنا وظاهرا. # ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن " خبر الواحد " إذا ~~تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا به أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ~~ذكره المصنفون في أصول الفقه، من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، ~~إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ~~ذلك، ولكن كثيرا من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء، وأهل الحديث ~~والسلف على ذلك، وهو قول أكثر # PageV01P028 # الأشعرية، كأبي إسحاق وابن فورك، وأما ابن الباقلاني فهو الذي أنكر ذلك، ~~وتبعه مثل أبي المعالي وأبي حامد وابن عقيل وابن الجوزي وابن الخطيب ~~والآمدي ونحو هؤلاء، والأول هو الذي ذكره الشيخ أبوحامد وأبو الطيب وأبو ~~إسحاق وأمثاله من أئمة الشافعية، وهو الذي ذكره القاضي عبد الوهاب وأمثاله ~~من المالكية، وهو الذي ذكره أبو يعلي وأبو الخطاب، وأبو الحسن ابن ~~الزاغوني، وأمثالهم من الحنبلية، وهو الذي ذكره شمس الدين السرخسي وأمثاله ~~من الحنفية، وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبا للقطع به، فالاعتبار ~~في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث، ms13 كما أن الاعتبار في الإجماع على الأحكام ~~بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة. # والمقصود هنا أن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو الاتفاق في العادة، يوجب ~~العلم بمضمون المنقول، لكن هذا ينتفع به كثيرا في علم أحوال الناقلين. وفي ~~مثل هذا ينتفع برواية المجهول والسيئ الحفظ، وبالحديث المرسل ونحو ذلك؛ ~~ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلح للشواهد ~~والاعتبار ما لا يصلح لغيره. قال أحمد: قد أكتب حديث الرجل لأعتبره، ومثل ~~هذا بعبد الله بن لهيعة قاضي مصر؛ فإنه كان من أكثر الناس حديثا ومن خيار ~~الناس، لكن بسبب احتراق كتبه وقع في حديثه المتأخر غلط، فصار يعتبر بذلك ~~ويستشهد به، وكثيرا ما يقترن هو والليث بن سعد والليث حجة ثبت إمام. # وكما أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ، فإنهم أيضا يضعفون ~~من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها بأمور يستدلون ~~بها، ويسمون هذا " علم علل الحديث "، # PageV01P029 # وهو من أشرف علومهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه، وغلطة ~~فيه عرف؛ إما بسبب ظاهر، كما عرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ~~ميمونة وهو حلال. وأنه صلى في البيت ركعتين. وجعلوا رواية ابن عباس لتزوجها ~~حراما؛ ولكونه لم يصل مما وقع فيه الغلط، وكذلك أنه اعتمر أربع عمر. وعلموا ~~أن قول ابن عمر: إنه اعتمر في رجب، مما وقع فيه الغلط، وعلموا أنه تمتع وهو ~~آمن في حجة الوداع، وأن قول عثمان لعلي: كنا يومئذ خائفين، مما وقع فيه ~~الغلط، وإن ما وقع في بعض طرق البخاري " أن النار لا تمتلئ حتى ينشئ الله ~~لها خلقا آخر " مما وقع فيه الغلط وهذا كثير. # والناس في هذا الباب طرفان: # طرف من أهل الكلام ونحوهم، ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله، لا يميز ~~بين الصحيح والضعيف، فيشك في صحة أحاديث، أو في القطع بها، مع كونها معلومة ~~مقطوعا بها عند أهل العلم به. # وطرف ممن يدعي اتباع الحديث ms14 والعمل به كلما وجد لفظا في حديث قد رواه ثقة ~~أو رأي حديثا بإسناد ظاهره الصحة، يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل ~~العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة، ~~أو يجعله دليلا له في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل ~~هذا غلط. # وكما أن على الحديث أدلة يعلم بها أنه صدق وقد يقطع بذلك، فعليه أدلة ~~يعلم بها أنه كذب ويقطع بذلك، مثل ما يقطع بكذب ما يرويه الوضاعون من أهل ~~البدع والغلو في الفضائل، مثل حديث يوم عاشوراء وأمثاله مما فيه أن من صلى ~~ركعتين كان له كأجر كذا وكذا # PageV01P030 # نبيا. وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة، مثل الحديث الذي يرويه ~~الثعلبي والواحدي والزمخشري في فضائل سور القرآن سورة سورة، فإنه موضوع ~~باتفاق أهل العلم. # والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في ~~كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع، والواحدي صاحبه كان أبصر منه بالعربية، ~~لكن هو أبعد عن السلامة واتباع السلف، والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي، ~~لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة. # والموضوعات في كتب التفسير كثيرة، مثل الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر ~~بالبسملة، وحديث على الطويل في تصدقه بخاتمه في الصلاة، فإنه موضوع باتفاق ~~أهل العلم، ومثل ما روي في قوله: {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] أنه علي ~~{وتعيها أذن واعية} [الحاقة: 12] أذنك يا علي. # PageV01P031 ### | النوع الثاني: في الاختلاف في التفسير باختلاف طرق الاستدلال # وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف، وهو ما يعلم بالاستدلال لا ~~بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم بإحسان؛ فإن التفاسير التي يذكر فيها # PageV01P031 # كلام هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، مثل تفسير عبد ~~الرزاق، ووكيع، وعبد بن حميد، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم. ومثل تفسير ~~الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وبقي بن مخلد، وأبي بكر ابن المنذر، وسفيان ~~بن عيينة، ms15 وسنيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي سعيد الأشج، وأبي عبد ~~الله بن ماجه، وابن مردويه: # PageV01P032 # إحداهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها. # والثانية: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من ~~الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه ~~والمخاطب به. # فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن ~~من الدلالة والبيان. # والآخرون راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير ~~نظر إلى ما يصلح للمتكلم به ولسياق الكلام. ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في ~~احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن ~~الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن، كما يغلط في ~~ذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى اسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ ~~أسبق. # والأولون صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارة ~~يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا ~~نفيه أو إثباته من المعنى باطلا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون ~~حقا فيكون خطؤهم في الدليل لا في # PageV01P033 # المدلول. وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن، فإنه وقع أيضا في تفسير ~~الحديث، فالذين أخطؤوا في الدليل والمدلول مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا ~~مذهبا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة، كسلف ~~الأمة وأئمتها، وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم. تارة يستدلون بآيات ~~على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به ~~الكلم عن مواضعه، ومن هؤلاء فرق الخوارج، والروافض، والجهمية والمعتزلة، ~~والقدرية، والمرجئة، وغيرهم. # وهذا كالمعتزلة مثلا فإنهم من أعظم الناس كلاما وجدالا، وقد صنفوا تفاسير ~~على أصول مذهبم؛ مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم شيخ إبراهيم بن ~~إسماعيل بن علية الذي كان يناظر الشافعي، ومثل كتاب أبي علي الجبائي، ~~والتفسير الكبير للقاضي ms16 عبد الجابر بن أحمد الهمداني، ولعلي بن عيسى ~~الرماني، والكشاف لأبي القاسم الزمخشري، فهؤلاء وأمثالهم اعتقدوا مذاهب ~~المعتزلة. # وأصول المعتزلة خمسة، يسمونها هم: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين ~~المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وتوحيدهم هو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات وغير ذلك، قالوا: أن ~~الله لا يرى، وأن القرآن مخلوق، وإنه # PageV01P034 # ليس فوق العالم، وإنه لا يقوم به علم ولا قدرة، ولا حياة ولا سمع، ولا ~~بصر ولا كلام، ولا مشيئة ولا صفة من الصفات. # وأما عدلهم فمن مضمونه أن الله لم يشأ جميع الكائنات ولا خلقها كلها، ولا ~~هو قادر عليها كلها، بل عندهم أن أفعال العباد لم يخلقها الله لا خيرها ولا ~~شرها، ولم يرد إلا ما أمر به شرعا، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته، وقد ~~وافقهم على ذلك متأخرو الشيعة، كالمفيد، وأبي جعفر الطوسي وأمثالهما، ولأبي ~~جعفر هذا تفسير على هذه الطريقة، لكن يضم إلى ذلك قول الإمامية الاثني ~~عشرية؛ فإن المعتزلة ليس فيهم من يقول بذلك ولا من ينكر خلافة أبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي. # ومن أصول المعتزلة مع الخوارج: إنفاذ الوعيد في الآخرة، وأن الله لا يقبل ~~في أهل الكبائر شفاعة، ولا يخرج منهم أحدا من النار. ولا ريب أنه قد رد ~~عليهم طوائف من المرجئة والكرامية والكلابية وأتباعهم، فأحسنوا تارة ~~وأساؤوا أخرى، حتى صاروا في طرفي نقيض كما قد بسط في غير هذا الموضع. # والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس ~~لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين لا في ~~رأيهم ولا في تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر ~~من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم ~~بفساد ما فسروا به القرآن، إما دليلا على قولهم أو جوابا على المعارض لهم. # PageV01P035 # ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحا، ويدس البدع في كلامه، وأكثر الناس ~~لا يعلمون كصاحب الكشاف ونحوه، حتى ms17 إنه يروج على خلق كثير ممن لا يعتقد ~~الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله. وقد رأيت من العلماء المفسرين ~~وغيرهم من يذكر في كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التي يعلم أو ~~يعتقد فسادها ولا يهتدي لذلك. # ثم إنه لسبب تطرف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية، ثم الفلاسفة، ثم ~~القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة ~~والرافضة، فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه، فتفسير ~~الرافضة كقولهم: {تبت يدا أبي لهب وتب} [المسد: 1] هما أبو بكر وعمر، و ~~{لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] ، أي بين أبي بكر وعلى في الخلافة، و ~~{إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] هي عائشة، و {فقاتلوا أئمة ~~الكفر} [التوبة: 12] طلحة والزبير، و {مرج البحرين} [الرحمن: 19] على ~~وفاطمة، و {اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22] الحسن والحسين، و {وكل شيء ~~أحصيناه في إمام مبين} [يس: 12] فى علي بن أبي طالب، و {عم يتساءلون عن ~~النبإ العظيم} [النبأ: 1، 2] علي بن أبي طالب، و {إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} [المائدة: 55] ~~هو علي. ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم، وهو تصدقه بخاتمه في ~~الصلاة، وكذلك قوله: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} [البقرة: 157] نزلت ~~في علي لما أصيب بحمزة. # ومما يقارب هذا من بعض الوجوه ما يذكره كثير من المفسرين في مثل قوله: ~~{الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين # PageV01P036 # بالأسحار} [آل عمران: 17] أن الصابرين رسول الله، والصادقين أبو بكر، ~~والقانتين عمر، والمنفقين عثمان، والمستغفرين علي، وفي مثل قوله: {محمد ~~رسول الله والذين معه} أبو بكر {أشداء على الكفار} عمر {رحماء بينهم} عثمان ~~{تراهم ركعا سجدا} [الفتح: 29] علي. # وأعجب من ذلك قول بعضهم {والتين} أبو بكر {والزيتون} عمر {وطور سينين} ~~عثمان {وهذا البلد الأمين} [التين: 1-3] علي، وأمثال هذه الخرافات التي ~~تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال، فإن هذه الألفاظ لا تدل على ~~هؤلاء الأشخاص، وقوله تعالى: {والذين معه أشداء على الكفار رحماء ms18 بينهم ~~تراهم ركعا سجدا} كل ذلك نعت للذين معه، وهي التي يسميها النحاة خبرا بعد ~~خبر. و " المقصود هنا " أنها كلها صفات لموصوف واحد وهم الذين معه، ولا ~~يجوز أن يكون كل منها مرادا به شخص واحد، وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق ~~العام منحصرا في شخص واحد كقوله: إن قوله: {إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا} أريد بها علي وحده، وقول بعضهم: إن قوله: {والذي جاء بالصدق وصدق ~~به} [الزمر: 33] أريد بها أبو بكر وحده، وقوله: {لا يستوي منكم من أنفق من ~~قبل الفتح وقاتل} [الحديد: 10] أريد بها أبو بكر وحده ونحو ذلك. # وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير ~~الزمخشري، ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه ~~لكان أحسن وأجمل، فإنه كثيرا ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري، وهو من ~~أجل التفاسير وأعظمها قدرا، ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا يحكيه ~~بحال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام ~~الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، وإن كانوا # PageV01P037 # أقرب إلى السنة من المعتزلة، لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه، ويعرف أن ~~هذا من جملة التفسير على المذهب. # فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول، وجاء قوم ~~فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل ~~هذا. # وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك ~~كان مخطئا في ذلك، بل مبتدعا، وإن كان مجتهدا مغفورا له خطؤه. فالمقصود ~~بيان طرق العلم وأدلته، وطرق الصواب. ونحن نعلم أن القرآن قرأة الصحابة ~~والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم ~~بالحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن خالف قولهم وفسر ~~القرآن بخلاف تفسيرهم فقد ms19 أخطأ في الدليل والمدلول جميعا. ومعلوم أن كل من ~~خالف قولهم له شبهة يذكرها إما عقلية وإما سمعية، كما هو مبسوط في موضعه. # والمقصود هنا التنبيه على مثار الاختلاف في التفسير، وأن من أعظم أسبابه ~~البدع الباطلة التي دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه، وفسروا كلام ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بغير ما أريد به، وتأولوه على غير تأويله، ~~فمن أصول العلم بذلك أن يعلم الإنسان القول الذي خالفوه وأنه الحق، وأن ~~يعرف أن # PageV01P038 # تفسير السلف يخالف تفسيرهم، وأن يعرف أن تفسيرهم محدث مبتدع، ثم أن يعرف ~~بالطرق المفصلة فساد تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة على بيان الحق. # وكذلك وقع من الذين صنفوا في شرح الحديث وتفسيره من المتأخرين، من جنس ما ~~وقع فيما صنفوه من شرح القرآن وتفسيره. # وأما الذين يخطؤون في الدليل لا في المدلول فمثل كثير من الصوفية والوعاظ ~~والفقهاء وغيرهم، يفسرون القرآن بمعان صحيحة، لكن القرآن لا يدل عليها، مثل ~~كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي في حقائق التفسير، وإن كان فيما ذكروه ~~ما هو معان باطلة، فإن ذلك يدخل في القسم الأول، وهو الخطأ في الدليل ~~والمدلول جميعا، حيث يكون المعنى الذي قصدوه فاسدا. # PageV01P039 # فصل [ ### | تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة، وأقوال الصحابة # فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ # فالجواب: # إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد ~~فسر في موضع آخر، وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك ~~فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد ~~الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما} [النساء: 105] ، ~~وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} ~~[النحل: 44] ، وقال تعالى: {وما أنزلنا ms20 عليك الكتاب إلا لتبين # PageV01P039 # لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [النحل: 64] ، ولهذا قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه " يعني ~~السنة. # والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لا أنها تتلى كما يتلى، ~~وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا ~~موضع ذلك. # والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: " بم تحكم؟ " قال: ~~بكتاب الله. قال: " فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله. قال: " فإن لم تجد؟ ~~" قال: أجتهد رأيي. قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: ~~" الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله "، وهذا الحديث في ~~المساند والسنن بإسناد جيد. # PageV01P040 # فصل [ ### | تفسير القرآن بأقوال الصحابة # وحينئذ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى ~~أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي ~~اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا ~~سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة ~~المهديين؛ مثل عبد الله بن مسعود. قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير ~~الطبري: حدثنا أبو كريب، قال: أنبأنا جابر بن نوح، أنبأنا الأعمش، عن أبي ~~الضحى، عن مسروق؛ قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود: والذي لا إله غيره ما ~~نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان ~~أحد # PageV01P040 # أعلم بكتاب الله مني تناوله المطايا لأتيته. وقال الأعمش أيضا عن أبي ~~وائل، عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى ~~يعرف معانيهن والعمل بهن. # ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وترجمان القرآن، ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له حيث قال: ~~" اللهم فقهه في الدين، ms21 وعلمه التأويل "، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن ~~بشار، أنبانا وكيع، أنبأنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق؛ قال: قال ~~عبد الله يعني ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. ثم رواه عن يحيى بن ~~داود، عن إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح أبي الضحى، ~~عن مسروق، عن ابن مسعود؛ أنه قال: نعم الترجمان للقرآن ابن عباس. ثم رواه ~~عن بندار، عن جعفر بن عون، عن الأعمش به كذلك. فهذا إسناد صحيح إلى ابن ~~مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة. وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث ~~وثلاثين على الصحيح، وعمر بعده ابن عباس ستا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه ~~من العلوم بعد ابن مسعود؟ وقال الأعمش عن أبي وائل: استخلف علي عبد الله بن ~~عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة وفي رواية: سورة ~~النور ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا. # ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي # PageV01P041 # الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين؛ ابن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض ~~الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، حيث قال: " بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ~~ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " رواه البخاري عن عبد ~~الله بن عمرو؛ ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من ~~كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، ~~ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ~~ثلاثة أقسام: # أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح. # والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. # والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن ~~به ولا نكذبه وتجوز حكايته؛ لما تقدم. وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى ms22 ~~أمر ديني؛ ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرا. ويأتي عن ~~المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون ~~كلبهم، وعدتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها ~~الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة ~~التي كلم # PageV01P042 # الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن، مما لا فائدة في ~~تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ~~ذلك جائز، كما قال تعالى: {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم ~~كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما ~~يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا} ~~[الكهف: 22] . # فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي ~~في مثل هذا؛ فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت ~~عن الثالث، فدل على صحته؛ إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما، ثم أرشد إلى أن ~~الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: {قل ربي أعلم بعدتهم} ~~فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: {فلا ~~تمار فيهم إلا مراء ظاهرا} أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم ~~عن ذلك؛ فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب. # فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف؛ أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، ~~وأن ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا ~~يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن الأهم. # فأما من حكى خلافا في مسالة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد ~~يكون الصواب في الذي تركه أو يحكي الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من ~~الأقوال فهو ناقص أيضا. فإن # PageV01P043 # صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب ~~الخلاف ms23 فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالا متعددة لفظا، ويرجع حاصلها إلى ~~قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبي ~~زور. والله الموفق للصواب. # PageV01P044 # فصل [ ### | تفسير القرآن بأقوال التابعين # إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد ~~رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر؛ فإنه كان ~~آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح، عن مجاهد قال: ~~عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل ~~آية منه وأسأله عنها. وبه إلى الترمذي، قال: حدثنا الحسين بن مهدي البصري، ~~حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: مافي القرآن آية إلا وقد سمعت ~~فيها شيئا. وبه إليه قال: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ~~الأعمش؛ قال: قال مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن ~~عباس عن كثير من القرآن مما سألت. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال: ~~حدثنا طلق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مليكة؛ قال: رأيت مجاهدا ~~سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، قال: فيقول له ابن عباس: اكتب، ~~حتى سأله عن التفسير كله؛ ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير ~~عن مجاهد فحسبك به. # PageV01P044 # وكسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ~~ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبى العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، ~~والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، فتذكر أقوالهم ~~في الآية فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ، يحسبها من لا علم عنده ~~اختلافا، فيحكيها أقوالا وليس كذلك. فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو ~~نظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من ~~الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي. # وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست # PageV01P045 # حجة، فكيف ms24 تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن ~~خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة؛ فإن ~~اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك ~~إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك. # PageV01P046 # فصل [ ### | تفسير القرآن بمجرد الرأي # فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام. حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، حدثنا ~~عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " من قال في القرآن بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار ". حدثنا ~~وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قال في القرآن بغير علم، ~~فليتبوأ مقعده من النار ". وبه إلى الترمذي قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثني ~~حبان بن هلال، قال: حدثنا سهيل أخو حزم القطعي قال: حدثنا أبو عمران ~~الجوني، عن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قال في ~~القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ "، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض ~~أهل الحديث في سهيل ابن أبي حزم. # وهكذا روى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، أنهم ~~شددوا في أن يفسر القرآن بغير علم. وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما ~~من أهل العلم: أنهم فسروا القرآن، فليس الظن بهم أنهم قالوا في # PageV01P046 # القرآن وفسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم. وقد روي عنهم ما يدل على ما ~~قلنا، أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم. فمن قال في القرآن برأيه فقد ~~تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به. فلو أنه أصاب المعنى في نفس ~~الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل ~~فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، ms25 لكن يكون أخف جرما ممن ~~أخطأ، والله أعلم. وهكذا سمى الله تعالى القذفة كاذبين، فقال: {فإذ لم ~~يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13] فالقاذف كاذب، ~~ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، ~~وتكلف ما لا علم له به، والله أعلم. # ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة، عن ~~سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن أبي معمر، قال: قال أبو بكر الصديق: أي أرض ~~تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم؟ ! . وقال أبو ~~عبيد القاسم ابن سلام: حدثنا محمود بن يزيد، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم ~~التيمي؛ أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله: {وفاكهة وأبا} [عبس: 31] فقال: أي ~~سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ منقطع ~~وقال أبو عبيد أيضا: حدثنا يزيد، عن حميد، عن أنس؛ أن عمر بن الخطاب قرأ ~~على المنبر: {وفاكهة وأبا} فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع ~~إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر. # PageV01P047 # وقال عبد بن حميد: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ~~ثابت، عن أنس؛ قال: كنا عند عمر بن الخطاب وفي ظهر قميصه أربع رقاع فقرأ: ~~{وفاكهة وأبا} فقال: ما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف، فما عليك ألا ~~تدريه. # وهذا كله محمول على أنهما رضي الله عنهما إنما أرادا استكشاف علم كيفية ~~الأب، وإلا فكونه نبتا من الأرض ظاهر لا يجهل؛ لقوله تعالى: {فأنبتنا فيها ~~حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا} [عبس: 27 30] . # وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، ~~عن ابن أبي مليكة؛ أن ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، ~~فأبى أن يقول فيها. إسناده صحيح. وقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، ~~عن أيوب، ms26 عن ابن أبي مليكة؛ قال: سأل رجل ابن عباس عن: {في يوم كان مقداره ~~ألف سنة مما تعدون} [السجدة: 5] فقال له ابن عباس فما: {يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة} [المعارج: 4] فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن ~~عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما، فكره أن يقول في ~~كتاب الله ما لا يعلم. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب يعني ابن إبراهيم حدثنا ~~ابن علية، عن مهدي بن ميمون، عن الوليد بن مسلم، قال: جاء طلق بن حبيب إلى ~~جندب بن عبد الله، فسأله عن آية من القرآن، فقال: أحرج عليك إن كنت مسلما ~~لما قمت عني، أو قال: أن تجالسني. وقال مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن ~~المسيب؛ أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: "إنا لا نقول في ~~القرآن شيئا". # PageV01P048 # وقال الليث عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه كان لا يتكلم إلا في ~~المعلوم من القرآن. وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال: سأل رجل سعيد بن المسيب ~~عن آية من القرآن، فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفي ~~عليه منه شىء يعني عكرمة. وقال ابن شوذب: حدثني يزيد بن أبي يزيد قال: كنا ~~نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن ~~تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع. # وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد ~~الله بن عمر؛ قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في ~~التفسير، منهم سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع. ~~وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن هشام بن عروة قال: ما ~~سمعت أبي تأول آية من كتاب الله قط. وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائي عن ~~محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن آية من القرآن، فقال: ذهب الذين ~~كانوا يعلمون فيما أنزل ms27 من القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد. # وقال أبو عبيد: حدثنا معاذ، عن ابن عون، عن عبيد الله بن مسلم بن يسار، ~~عن أبيه؛ قال: إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما # PageV01P049 # بعده. حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم؛ قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ~~ويهابونه. وقال شعبة عن عبد الله ابن أبي السفر؛ قال: قال الشعبي: والله ما ~~من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله. وقال أبو عبيد: حدثنا ~~هشيم أنبأنا عمر بن أبى زائدة، عن الشعبي، عن مسروق؛ قال: اتقوا التفسير، ~~فإنما هو الرواية عن الله. # فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف، محمولة على تحرجهم عن ~~الكلام في التفسير بما لا علم لهم به. فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة ~~وشرعا فلا حرج عليه؛ ولهذا روى عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا ~~منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل ~~أحد؛ فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه ~~مما يعلمه؛ لقوله تعالى: {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] ، ~~ولما جاء في الحديث المروي من طرق: " من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة ~~بلجام من نار ". # وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن أبى ~~الزناد، قال: قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من ~~كلامها. وتفسير لا يعذر أحد بجهالته. وتفسير يعلمه العلماء. وتفسير لا ~~يعلمه إلا الله، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P050 # فصل [ ### | أقرب التفاسير إلى الكتاب والسنة # سئل شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيميه رحمه الله تعالى عن أي # PageV01P050 # التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة: الزمخشري، أن القرطبي، أم البغوي، أم ~~غير هؤلاء؟ # فأجاب تغمده الله برحمته ورضوانه: الحمد لله. أما التفاسير التي في أيدي ~~الناس فأصحها (تفسير محمد بن جرير الطبري) . فإنه يذذكر مقالات السلف ~~بالأساانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن ms28 بكير، ~~والكلبي. # والتفاسير غير المأثورة بالأسانيد كثيرة: كتفسير عبد الرزاق، وعبد بن ~~حميد، ووكيع، وابن أبي قتيبة، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. # وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة ~~(البغوي) ، لكنه مختصر من (تفسير الثعلبي) وحذف منه الأحاديث الموضوعة، ~~والبدع التي فيه، وحذف أشياء غير ذلك. # وأما (الواحدي) ، فإنه تلميذ الثعلبي، وهو أخبر منه بالعربية، لكن ~~الثعلبي فيه سلامة من البدع، وإن ذكرها تقليدا لغيره. وتفسيره وتفسير ~~الواحدي البسيط والوسيط والوجيز فيها فوائد جليلة، وفيها غث كثير من ~~المنقولات الباطلة وغيرها. # وأما (الزمخشري) فتفسيره محشو بالبدعة، وعلى طريقة المعتزلة من إنكار ~~الصفات، والرؤية، والقول بخلق القرآن، وأنكر أن الله مريد للكائنات، وخالق ~~لأفعال العباد، وغير ذلك من أصول المعتزلة. # PageV01P051 # وأصولهم خمسة يسمونها: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ ~~الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لكن معنى (التوحيد) عندهم يتضمن ~~نفي الصفات، ولهذا سمى ابن التومرت أصحابه الموحدين وهذا إنما هو إلحاد في ~~أسماء الله وآياته. # ومعنى (العدل) عندهم يتضمن التكذيب بالقدر، وهو خلق أفعال العباد وإرادة ~~الكائنات، والقدرة على شيء، ومنهم من ينكر تقدم العلم والكتاب، لكن هذا قول ~~أئمتهم، وهؤلاء منصب الزمخشري، فإن مذهبه مذهب المغيرة بن علي وأبي هاشم ~~وأتباعهم. ومذهب أبي الحسين - والمعتزلة الذين على طريقته - نوعان: مشايخة ~~وخشبية. # وأما (المنزلة بين المزلتين) فهي عندهم أن الفاسق لا يسمى مؤمنا بوجه من ~~الوجوه، كما لايمى كافرا، فنزلوه بين منزلتين. # و (إنفاذ الوعيد) عندهم معناه أن فساق الملة مخلدون في النار. لايخرجون ~~منها بشفاعة ولا غير ذلك كما تقول الخوارج. # و (الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) يتضمن عندهم جواز الخروج على ~~الأئمة، وقتالهم بالسيف. # وهذه الأصول حشى [بها الزمخشري] كتابه بعبارة لا يهتدي أكثر الناس إليها، ~~ولا لمقاصده فيها، مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة، ومن قلة النقل عن ~~الصحابة والتابعين. # و (تفسير القرطبي) خير منه بكثير، وأقرب إلى طريقة أهل الكتاب والسنة، ~~وأبعد عن البدع. وإن كان كل من هذه الكتب لا بد ms29 أن يشتمل على ما ينقد، لكن ~~يجب العدل بينها وإعطاء كل ذي حق حقه. # PageV01P052 # و (تفسير ابن عطية) خير من تفسير الزمخشري، وأصح نقلا وبحثا، وأبعد من ~~البدع. وإن اشتمل على بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعله أرجح هذه ~~التفاسير، لكن تفسير ابن جرير أصح من هذه كلها. # وثم تفاسير أخرى كثيرة جدا، كتفسير ابن الجوزي، والماوردي. # PageV01P053 # فصل [ ### | جمع القراءات السبع # وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن (جمع القراءات السبع) هل هو سنة ~~أم بدعة، وهل جمعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا، وهل ~~لجامعها مزية ثواب على من قرأ برواية [واحدة] أم لا؟ # فأجاب رحمه الله: الحمد لله، أما نفس معرفة القراءة وحفظها فسنة متبعة ~~يأخذها الآخر عن الأول. فمعرفة القراءة التي كان النبي صلا الله عليه وسلم ~~يقرأ بها، أو فقرهم على القراءة بها، أو يأذن لهم وقد قرأوا بها، سنة. ~~والعارف في القراءات الحافظ لها له مزية على من لم يعرف ذلك ولا يعرف إلا ~~قراءة واحدة. # وأما جمعها في الصلاة أو في التلاوة فهو بدعة مكروهة، وأما جمعها لأجل ~~الحفظ والدرس فهو من الاجتهاد الذي فعله طوائف في القراءة. # تمت بحمد الله ومنه PageV01P053 ms30