######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000373 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: النبوات #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية :: مواضيع عقدية محددة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: النبوات #META# 030.LibURI :: JK_000373 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المطبعة السلفية #META# 044.EdPLACE :: القاهرة #META# 045.EdYEAR :: 1386 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # النبوات لابن تيمية PageV01P001 * بسم الله الرحمن الرحيم * # الحمد لله رب العالمين قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه ~~الله # # | فصل في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم كما سماها الله آيات ~~وبراهين # وللنظار طرق في التمييز بينها وبين غيرها وفي وجه دلالتها # أما الأول فان منهم من رأى أن كل ما يخرج عن الأمر المعتاد فانه معجزة ~~وهو الخارق للعادة إذا إقترن بدعوى النبوة وقد علموا أن الدليل مستلزم ~~للمدلول فيلزم أن يكون كل من خرقت له العادة نبيا فقالت طائفة لا تخرق ~~العادة إلا لنبي وكذبوا بما يذكر من خوارق السحرة والكهان وبكرامات ~~الصالحين وهذه طريقة أكثر المعتزلة وغيرهم كأبي محمد بن حزم وغيره بل يحكى ~~هذا القول عن أبي إسحاق الاسفراييني وأبي محمد بن أبي زيد ولكن كأن في ~~الحكاية عنهما غلطا وإنما أرادوا الفرق بين الجنسين وهؤلاء يقولون إن ما ~~جرى لمريم وعند مولد الرسول فهو إرهاص أي توطئة وإعلام بمجيء الرسول فما ~~خرقت في الحقيقة إلا لنبي فيقال لهم وهكذا الأولياء إنما خرقت لهم ~~لمتابعتهم الرسول فكما أن ما تقدمه هو من معجزاته فكذلك ما تأخر عنه وهؤلاء ~~يستثنون ما يكون أمام الساعة لكن هؤلاء كذبوا بما تواتر من الخوارق لغير ~~الأنبياء والمنازع لهم يقول هي موجودة مشهودة لمن شهدها متواترة عند كثير ~~من الناس أعظم مما تواترت عندهم بعض معجزات الأنبياء وقد شهدها خلق كثير لم ~~يشهدوا معجزات الأنبياء فكيف يكذبون بما شهدوه ويصدقون بما غاب عنهم ~~ويكذبون بما تواتر عندهم أعظم مما تواتر غيره # وقالت طائفة بل كل هذا حق وخرق العادة جائز مطلقا وكل ما خرق لنبي من ~~العادات يجوز أن يخرق لغيره من الصالحين بل ومن السحرة والكهان لكن الفرق ~~أن هذه تقترن بها دعوة النبوة وهو التحدي وقد يقولون إنه لا يمكن ~~PageV01P003 أحد أن يعارضها بخلاف تلك وهذا قول من إتبع جهما على أصله في ~~أفعال الرب من الجهمية وغيرهم حيث جوزوا أن يفعل كل ممكن فلزمهم جواز خرق ms001 ~~العادات مطلقا على يد كل أحد واحتاجوا مع ذلك إلى الفرق بين النبي وغيره ~~فلم يأتوا بفرق معقول بل قالوا هذا يقترن به التحدي فمن إدعى النبوة وهو ~~كاذب لم يجز أن يخرق الله له العادة أو يخرقها له ويكون دليلا على صدقه لما ~~يقترن بها مما يناقض ذلك فان هذين قولان لهم فقيل لهم لم أوجبتم هذا في هذا ~~الموضع دون غيره وأنتم لا توجبون على الله شيئا فقالوا لأن المعجزة علم ~~الصدق فيمتنع أن تكون لغير صادق فالمجموع هو الممتنع وهو خارق العادة ودعوى ~~النبوة أو هذان مع السلامة عن المعارض فقيل لهم ولم قلتم إنه علم الصدق على ~~قولكم فقالوا إما لأنه يفضي منع ذلك إلى عجزه وإما لأنه علم دلالته على ~~الصدق بالضرورة فقيل لهم إنما يلزم العجز لو كان التصديق على قولكم ممكنا ~~وكون دلالتها معلومة بالضرورة هو مسلم لكنه يناقض أصولكم ويوجب أن يكون أحد ~~الشيئين معلوما بالضرورة دون نظيره وهذا ممتنع فإنكم تقولون يجوز أن يخلق ~~على يد مدعي النبوة والساحر والصالح لكن إن إدعى النبوة دلت على صدقه وإن ~~لم يدع النبوة لم تدل على شيء مع أنه لا فرق عند الله بين أن يخلقها على يد ~~مدعي النبوة وغير مدعي النبوة بل كلاهما جائز فيه فاذا كان هذا مثل هذا فلم ~~كان أحدهما دليلا دون الآخر ولم إقترن العلم بأحد المتماثلين دون الآخر ومن ~~أين علمتم أن الرب لا يخرقها مع دعوى النبوة إلا على يد صادق وأنتم تجوزون ~~على أصلكم كل فعل مقدور وخلقها على يد الكذاب مقدور # ثم هؤلاء جوزوا كرامات الصالحين ولم يذكروا بين جنسها وجنس كرامات ~~الأنبياء فرقا بل صرح أئمتهم أن كل ما خرق لنبي يجوز أن يخرق للأولياء حتى ~~معراج محمد وفرق البحر لموسى وناقة صالح وغير ذلك ولم يذكروا بين المعجزة ~~والسحر فرقا معقولا بل قد يجوزون أن يأتي الساحر بمثل ذلك لكن بينهما فرق ~~دعوى النبوة وبين الصالح والساحر البر والفجور وحذاق الفلاسفة ms002 الذين تكلموا ~~في هذا الباب مثل إبن سينا وهو أفضل طائفتهم ولكنه أجهل من تكلم ~~PageV01P004 في هذا الباب فإنهم جعلوا ذلك كله من قوى النفس لكن الفرق أن ~~النبي والصالح نفسه طاهرة يقصد الخير والساحر نفسه خبيثة وأما الفرق بين ~~النبي والصالح فمتعذر على قول هؤلاء # ومن الناس من فرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء بفروق ضعيفه مثل ~~قولهم الكرامة يخفيها صاحبها أو الكرامة لا يتحدى بها ومن الكرامات ما ~~أظهرها أصحابها كإظهار العلاء بن الحضرمي المشي على الماء وإظهار عمر ~~مخاطبة سارية على المنبر وإظهار أبي مسلم لما ألقي في النار أنها صارت عليه ~~بردا وسلاما وهذا بخلاف من يدخلها بالشياطين فإنه قد يطفئها إلا أنها لا ~~تصير عليه بردا وسلاما وإطفاء النار مقدور للإنس والجن ومنها ما يتحدى بها ~~صاحبها أن دين الاسلام حق كما فعل خالد بن الوليد لما شرب السم وكالغلام ~~الذي أتى الراهب وترك الساحر وأمر بقتل نفسه بسهمه باسم ربه وكان قبل ذلك ~~قد خرقت له العادة فلم يتمكنوا من قتله ومثل هذا كثير # فيقال المراتب ثلاثة آيات الأنبياء ثم كرامات الصالحين ثم خوارق الكفار ~~والفجار كالسحرة والكهان وما يحصل لبعض المشركين وأهل الكتاب والضلال من ~~المسلمين أما الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها فتلك ~~خوارقهم من معجزات الأنبياء فإنهم يقولون نحن إنما حصل لنا هذا باتباع ~~الانبياء ولو لم نتبعهم لم يحصل لنا هذا فهؤلاء إذا قدر أنه جرى على يد ~~أحدهم ما هو من جنس ما جرى للأنبياء كما صارت النار بردا وسلاما على أبي ~~مسلم كما صارت على إبراهيم وكما يكثر الله الطعام والشراب لكثير من ~~الصالحين كما جرى في بعض المواطن للنبي صلى الله عليه وسلم أو إحياء الله ~~ميتا لبعض الصالحين كما أحياه للأنبياء وهي أيضا من معجزاتهم بمنزلة ما ~~تقدمهم من الإرهاص ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين فلا تبلغ ~~كرامات أحد قط مثل معجزات المرسلين كما أنهم لا يبلغون PageV01P005 في ~~الفضيلة والثواب إلى درجاتهم ms003 ولكنهم قد يشاركونهم في بعضها كما قد ~~يشاركونهم في بعض أعمالهم وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به ~~الرسول لا تدل على أن الولي معصوم ولا على أنه تجب طاعته في كل ما يقوله ~~ومن هنا ضل كثير من الناس من النصارى وغيرهم فان الحواريين وغيرهم كانت لهم ~~كرامات كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة فظنوا أن ذلك يستلزم عصمتهم كما ~~يستلزم عصمة الأنبياء فصاروا يوجبون موافقتهم في كل ما يقولون وهذا غلط فان ~~النبي وجب قبول كل ما يقول لكونه نبيا إدعى النبوة ودلت المعجزة على صدقه ~~والنبي معصوم وهنا المعجزة ما دلت على النبوة بل على متابعة النبي وصحة دين ~~النبي فلا يلزم أن يكون هذا التابع معصوما ولكن الذي يحتاج إلى الفرقان ~~الفرق بين الأنبياء وأتباعهم وبين من خالفهم من الكفار والفجار كالسحرة ~~والكهان وغيرهم حتى يظهر الفرق بين الحق والباطل وبين ما يكون دليلا على ~~صدق صاحبه كمدعي النبوة وبين مالا يكون دليلا على صدق صاحبه فإن الدليل لا ~~يكون دليلا حتى يكون مستلزما للمدلول متى وجد وجد المدلول وإلا فاذا وجد ~~تارة مع وجود المدلول وتارة مع عدمه فليس بدليل فآيات الأنبياء وبراهينهم ~~لا توجد إلا مع النبوة ولا توجد مع ما يناقض النبوة ومدعي النبوة إما صادق ~~وإما كاذب والكذب يناقض النبوة فلا يجوز أن يوجد مع المناقض لها مثل ما ~~يوجد معها وليس هنا شيء مخالف لها ولا مناقض فإن الكفر والسحر والكهانة كل ~~ذلك يناقض النبوة لا يجتمع هو والنبوة # والناس رجلان رجل موافق لهم ورجل مخالف لهم فالمخالف مناقض وإذا كان كذلك ~~فيقال جنس آيات الأنبياء خارجة عن مقدور البشر بل وعن مقدور جنس الحيوان ~~وأما خوارق مخالفيهم كالسحرة والكهان فإنها من جنس أفعال الحيوان من الإنس ~~وغيره من الحيوان والجن مثل قتل الساحر وتمريضه لغيره فهذا أمر مقدور معروف ~~للناس بالسحر وغير السحر وكذلك ركوب المكنسة أو الخابية وغير ذلك حتى تطير ~~به وطيرانه في الهواء من بلد ms004 إلى بلد هذا PageV01P006 فعل مقدور للحيوان ~~فان الطير يفعل ذلك والجن تفعل ذلك وقد أخبر الله أن العفريت قال لسليمان ~~@QB@ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك @QE@ وهذا تصرف في أعراض الحي فان ~~الموت والمرض والحركة أعراض والحيوان يقبل في العادة مثل هذه الأغراض ليس ~~في هذا قلب جنس إلى جنس ولا في هذا ما يختص الرب بالقدرة عليه ولا ما تختص ~~به الملائكة وكذلك إحضار ما يحضر من طعام أو نفقة أو ثياب أو غير ذلك من ~~الغيب وهذا إنما هو نقل مال من مكان إلى مكان وهذا تفعله الإنس والجن لكن ~~الجن تفعله والناس لا يبصرون ذلك وهذا بخلاف كون الماء القليل نفسه يفيض ~~حتى يصير كثيرا بأن ينبع من بين الأصابع من غير زيادة يزادها فهذا لا يقدر ~~عليه أنسي ولا جني وكذلك الإخبار ببعض الأمور الغائبة مع الكذب في بعض ~~الأخبار فهذا تفعله الجن كثيرا مع الكهان وهو معتاد لهم مقدور بخلاف ~~اخبارهم بما يأكلون وما يدخرون مع تسمية الله على ذلك فهذا لا تظهر عليه ~~الشياطين وبنو إسرائيل كانوا مسلمين يسمون الله وأيضا فخبر المسيح وغيره من ~~الأنبياء ليس فيه كذب قط والكهان لا بد لهم من الكذب والرب قد أخبر في ~~القرآن أن الشياطين تنزل على بعض الناس فتخبره ببعض الأمور الغائبة لكن ذكر ~~الفرق فقال @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم ~~يلقون السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ كذلك مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه الرب من آياته فخاصة الرسول ليست ~~مجرد قطع هذه المسافة بل قطعها ليريه الرب من الآيات الغائبة ما يخبر به ~~فهذا لا يقدر عليه الجن وهو نفسه لم يحتج بالمسرى على نبوته بل جعله مما ~~يؤمن به فأخبرهم به ليؤمنوا به والمقصود إيمانهم بما أخبرهم من الغيب الذي ~~رآه تلك الليلة وإلا فهم كانوا يعرفون المسجد الأقصى ولهذا قال @QB@ وما ~~جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة ms005 الملعونة في القرآن @QE@ ~~قال ابن عباس هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ~~وهذا كما قال في الآية @QB@ ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة ~~المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى @QE@ PageV01P007 وكذلك ما يخبر به الرسول من أنباء الغيب قال تعالى ~~@QB@ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من ~~بين يديه ومن خلفه رصدا @QE@ فهذا غيب الرب الذي اختص به مثل علمه بما ~~سيكون من تفصيل الأمور الكبار على وجه الصدق فان هذا لا يقدر عليه إلا الله ~~والجن غايتها أن تخبر ببعض الأمور المستقبلة كالذي يسترقه الجن من السماء ~~مع ما في الجن من الكذب فلا بد لهم من الكذب والذي يخبرون به هو مما يعلم ~~بالمنامات وغير المنامات فهو من جنس المعتاد للناس وأما ما يخبر به الرسول ~~من الأمور البعيدة الكبيرة مفصلا مثل إخباره إنكم تقاتلون الترك صغار ~~الأعين ذلف الأنوف ينتعلون الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة وقوله لا تقوم ~~الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى ونحو ذلك ~~فهذا لا يقدر عليه جني ولا إنسي والمقصود أن ما يخبر به غير النبي من الغيب ~~معتاد معروف نظيره من الجن والإنس فهو من جنس المقدور لهم وما يخبر به ~~النبي خارج عن قدرة هؤلاء وهؤلاء فهو من غيب الله الذي قال فيه @QB@ فلا ~~يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول @QE@ # والآيات الخارقة جنسان جنس في نوع العلم وجنس في نوع القدرة فما اختص به ~~النبي من العلم خارج عن قدرة الإنس والجن وما اختص به من المقدورات خارج عن ~~قدرة الإنس والجن وقدرة الجن في هذا الباب كقدرة الإنس لأن الجن هم من جملة ~~من دعاهم الأنبياء إلى الإيمان وأرسلت الرسل اليهم قال تعالى @QB@ يا معشر ~~الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ms006 آياتي وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا @QE@ ومعلوم أن النبي اذا دعا الجن إلى الإيمان به فلا بد أن يأتي بآية ~~خارجة عن مقدور الجن فلا بد أن تكون آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الإنس ~~والجن وما يأتي به الكاهن من خبر الجن وغايته أنه سمعه الجني لما استرق ~~السمع مثل الذي يستمع إلى حديث قوم وهم له كارهون وما أعطاه الله سليمان ~~مجموعه يخرج عن قدرة الانس والجن كتسخير الرياح والطير وأما الملائكة ~~فالأنبياء لا تدعو الملائكة إلى الإيمان بهم بل الملائكة تنزل بالوحي على ~~الأنبياء وتعينهم وتؤيدهم والخوارق التي تكون بأفعال الملائكة تختص ~~بالأنبياء PageV01P008 وأتباعهم لا تكون للكفار والسحرة والكهان ولهذا أخبر ~~الله تعالى أن الذي جاء بالقرآن ملك لا شيطان فقال @QB@ إنه لقول رسول كريم ~~ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق ~~المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم @QE@ وقال @QB@ نزل ~~به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين @QE@ وقال @QB@ قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق @QE@ وقال @QB@ من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك ~~بإذن الله @QE@ وقال @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك ~~أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ فينبغي أن يتدبر هذا الموضع وتعرف ~~الفروق الكثيرة بين آيات الأنبياءوبين ما يشتبه بها كما يعرف الفرق بين ~~النبي وبين المتنبي وبين ما يجيء به النبي وما يجيء به المتنبي فالفرق ~~الحاصل بين صفات هذا وصفات هذا وأفعال هذا وأفعال هذا وأمر هذا وأمر هذا ~~وخبر هذا وخبر هذا وآيات هذا وآيات هذا إذ الناس محتاجون إلى هذا الفرقان ~~أعظم من حاجتهم إلى غيره والله تعالى يبينه وييسره ولهذا أخبر أنه أرسل ~~رسله بالآيات البينات وكيف يشبه خير الناس بشر الناس ولهذا لما مثلوا ~~الرسول بالساحر وغيره قال تعالى @QB@ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا @QE@ # وقد تنازع الناس في الخوارق هل تدل على صلاح صاحبها وعلى ولايته لله ~~والتحقيق أن ms007 من كان مؤمنا بالأنبياء لم يستدل على الصلاح بمجرد الخوارق ~~التي قد تكون للكفار والفساق وإنما يستدل بمتابعة الرجل للنبي فيميز بين ~~أولياء الله وأعدائه بالفروق التي بينها الله ورسوله كقوله @QB@ ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ وقد ~~علق السعادة بالإيمان والتقوى في عدة مواضع كقوله لما ذكر السحرة @QB@ ولو ~~أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون @QE@ وقوله عن ~~يوسف @QB@ نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير ~~للذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ وقوله في قصة صالح PageV01P009 @QB@ ونجينا ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ وهذه طريقة الصحابة والسلف # أما دلالتها على ولاية المعين فالناس متنازعون هل الولي والمؤمن من مات ~~على ذلك بحيث إذا كان مؤمنا تقيا وقد علم أنه يموت كافرا يكون في تلك الحال ~~عدوا لله أو ينتقل من إيمان وولاية إلى كفر وعداوة وهما قولان معروفان فمن ~~قال بالأول فالولي عنده كالمؤمن عند من علم أنه يموت على تلك الحال ~~والخوارق لا تدل على ذلك ولذلك قال هؤلاء كالقاضي أبي بكر وأبي يعلى ~~وغيرهما إنها لا تدل وأما من قال الولاية تتبدل فالولاية هنا كالايمان وقد ~~يعلم أن الرجل مؤمن في الباطن تقي بدلائل كثيرة وقد يطلع الله بعض الناس ~~على خاتمة غيره فهذا لا يمتنع لكن هذا مثل الشهادة لمعين بالجنة وفيها ~~ثلاثة أقوال قيل لا يشهد بذلك لغير النبي وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي وعلى ~~بن المديني وغيرهم وقيل يشهد به لمن جاء به نص إن كان خبرا صحيحا كمن شهد ~~له النبي بالجنة فقط وهذا قول كثير من أصحابنا وغيرهم وقيل يشهد به لمن ~~استفاض عند الأمة أنه رجل صالح كعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وغيرهما ~~وكان أبو ثور يشهد لاحمد بن حنبل بالجنة وقد جاء في الحديث الذي في المسند ~~يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار قالوا بماذا يا رسول الله قال ~~بالثناء الحسن والثناء السيء وفي الصحيحين ms008 أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ~~عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت وجبت ومر عليه بجنازة فأثنوا ~~عليها شرا فقال وجبت وجبت فقيل يا رسول الله ما قولك وجبت وجبت قال هذه ~~الجنازة أثنيتم عليها الخير فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها ~~شرا فقلت وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض وفي حديث آخر إذا سمعت ~~جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت ~~وسئل عن الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه فقال تلك عاجل بشرى ~~المؤمن والتحقيق أن هذا قد يعلم بأسباب وقد يغلب على الظن ولا يجوز للرجل ~~أن يقول بما لا يعلم ولهذا لما قالت أم العلاء الأنصارية لما قدم المهاجرون ~~المدينة اقترعت الأنصار على سكناهم فصار لنا عثمان ابن مظعون في السكنى ~~فمرض فمرضناه ثم توفي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل PageV01P010 ~~فقلت رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي أن قد أكرمك الله قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم وما يدريك أن الله قد أكرمه قالت لا والله لا أدري فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم أما هو فقد أتاه اليقين من ربه وإني لأرجو له ~~الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم قالت فوالله لا ~~أزكي بعده أحدا أبدا قالت ثم رأيت لعثمان بعد في النوم عينا تجري فقصصتها ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ذاك عمله # وأما من لم يكن مقرا بالأنبياء فهذا لا يعرف الولي من غيره إذ الولي لا ~~يكون وليا إلا إذا آمن بالرسل لكن قد تدل الخوارق على أن هؤلاء على الحق ~~دون هؤلاء لكونهم من أتباع الأنبياء كما قد يتنازع المسلمون والكفار في ~~الدين فيؤيد الله المؤمنين بخوارق تدل على صحة دينهم كما صارت النار على ~~أبي مسلم بردا وسلاما وكما شرب خالد السم وأمثال ذلك فهذه الخوارق هي من ~~جنس آيات الأنبياء وقد يجتمع كفار ومسلمون ومبتدعة وفجار ms009 فيؤيد هؤلاء ~~بخوارق تعينهم عليها الجن والشياطين ولكن جنهم وشياطينهم أقرب إلى الإسلام ~~فيترجحون بها على أولئك الكفار عند من لا يعرف النبوات كما يجري لكثير من ~~المبتدعة والفجار مع الكفار مثل ما يجري للأحمدية وغيرهم مع عباد المشركين ~~البخشية قدام التتار كانت خوارق هؤلاء أقوى لكونهم كانوا أقرب إلى الاسلام ~~وعند من هو أحق بالاسلام منهم لا تظهر خوارقهم بل تظهر خوارق من هو أتم ~~إيمانا منهم وهذا يشبه رد أهل البدع على الكفار بما فيه بدعة فإنهم وإن ~~ضلوا من هذا الوجه فهم خير من أولئك الكفار لكن من أراد أن يسلك إلى الله ~~على ما جاء به الرسول يضره هؤلاء ومن كان جائرا نفعه هؤلاء بل كلام أبي ~~حامد ينفع المتفلسف ويصير أحسن فان المتفلسف مسلم به إسلام الفلاسفة ~~والمؤمن يصير به إيمانه مثل إيمان الفلاسفة وهذا بخلاف ذاك # والخوارق ثلاثة أنواع إما أن تعين صاحبها على البر والتقوى فهذه أحوال ~~نبينا ومن أتبعه خوارقهم لحجة في الدين أو حاجة للمسلمين والثاني أن تعينهم ~~PageV01P011 على مباحات كمن تعينه الجن على قضاء حوائجه المباحة فهذا متوسط ~~وخوارقه لا ترفعه ولا تخفضه وهذا يشبه تسخير الجن لسليمان والأول مثل إرسال ~~نبينا إلى الجن يدعوهم إلى الإيمان فهذا أكمل من إستخدام الجن في بعض ~~الامور المباحة كاستخدام سليمان لهم في محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي ~~وقدور راسيات قال تعالى @QB@ يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان ~~كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير @QE@ ونبينا صلى ~~الله عليه وسلم أرسل اليهم يدعوهم إلى الإيمان بالله وعبادته كما أرسل إلى ~~الإنس فاذا اتبعوه صاروا سعداء فهذا أكمل له ولهم من ذاك كما أن العبد ~~الرسول أكمل من النبي الملك ويوسف وداود وسليمان أنبياء ملوك أما محمد فهو ~~عبد رسول كابراهيم وموسى والمسيح وهذا الصنف أفضل وأتباعهم أفضل والثالث أن ~~تعينه على محرمات مثل الفواحش والظلم والشرك والقول ms010 الباطل فهذا من جنس ~~خوارق السحرة والكهان والكفار والفجار مثل أهل البدع من الرفاعية وغيرهم ~~فانهم يستعينون بها على الشرك وقتل النفوس بغير حق والفواحش وهذه الثلاثة ~~هي التي حرمها الله في قوله @QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ~~@QE@ ولهذا كانت طريقهم من جنس طريق الكهان والشعراء والمجانين وقد نزه ~~الله نبيه عن أن يكون مجنونا وشاعرا وكاهنا فإن إخبارهم بالمغيبات عن ~~شياطين تنزل عليهم كالكهان وأقوى أحوالهم لمؤلهيهم وهم من جنس المجانين وقد ~~قال شيخهم إن أصحاب الأحوال منهم يموتون على غير الاسلام وأما سماعهم ~~ووجدهم فهو شعر الشعراء ولهذا شبههم من رآهم بعباد المشركين من الهند الذين ~~يعبدون الأنداد # ( فصل ) وحقيقة الأمر أن ما يدل على النبوة هو آية على النبوة وبرهان ~~عليها فلا بد أن يكون مختصا بها لا يكون مشتركا بين الأنبياء وغيرهم فإن ~~الدليل هو مستلزم لمدلوله لا يجب أن يكون أعم وجودا منه بل إما أن يكون ~~مساويا له في العموم والخصوص أو يكون أخص منه وحينئذ فآية النبي لا تكون ~~لغير الأنبياء PageV01P012 لكن إذا كانت معتادة لكل نبي أو لكثير من ~~الانبياء لم يقدح هذا فيها فلا يضرها أن تكون معتادة للأنبياء وكون الآية ~~خارقة للعادة أو غير خارقة هو وصف لم يصفه القرآن والحديث ولا السلف وقد ~~بينا في غير هذا الموضع أن هذا وصف لا ينضبط وهو عديم التأثير فإن نفس ~~النبوة معتادة للأنبياء خارقة للعادة بالنسبة إلى غيرهم إن كون الشخص يخبره ~~الله بالغيب خبرا معصوما هذا مختص بهم وليس هذا موجودا لغيرهم فضلا عن كونه ~~معتادا فآية النبي لا بد أن تكون خارقة للعادة بمعنى أنها ليست معتادة ~~للآدميين وذلك لأنها حينئذ لا تكون مختصة بالنبي بل مشتركة وبهذا احتجوا ~~على أنه لا بد أن تكون خارقة للعادة لكن ليس في هذا ما يدل على أن كل خارق ~~آية فالكهانة والسحر هو معتاد ms011 للسحرة والكهان وهو خارق بالنسبة إلى غيرهم ~~كما أن ما يعرفه أهل الطب والنجوم والفقه والنحو هو معتاد لنظرائهم وهو ~~خارق بالنسبة إلى غيرهم ولهذا إذا أخبر الحاسب بوقت الكسوف والخسوف تعجب ~~الناس إذا كانوا لا يعرفون طريقه فليس في هذا ما يختص بالنبي وكذلك قراءة ~~القرآن بعد أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم صارت مشتركة بين النبي وغيره ~~وأما نفس الإبتداء به فهو مختص بالنبي وكذلك ما يرويه من أنباء الغيب عن ~~الأنبياء لما صار مشتركا بين النبي وغيره لم يبق آية بخلاف الابتداء ~~فالكهانة مثلا وهو الإخبار ببعض الغائبات عن الجن أمر معروف عند الناس وأرض ~~العرب كانت مملوءة من الكهان وإنما ذهب ذلك بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهم يكثرون في كل موضع نقص فيه أمر النبوة فهم كثيرون في أرض عباد الأصنام ~~ويوجدون كثيرا عند النصارى ويوجدون كثيرا في بلاد المسلمين حيث نقص العلم ~~والإيمان بما جاء به الرسول لأن هؤلاء أعداء الأنبياء والله تعالى قد ذكر ~~الفرق بينهم وبين الأنبياء فقال @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل ~~على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ فهؤلاء لا بد أن يكون في ~~أحدهم كذب وفجور وذلك يناقض النبوة فمن ادعى النبوة وأخبر بغيوب من جنس ~~أخبار الكهان كان ما أخبر به خرقا للعادة عند أولئك القوم لكن ليس خرقا ~~لعادة جنسه من الكهان وهم إذا جعلوا ذلك آية لنبوته كان ذلك لجهلهم ~~PageV01P013 بوجود هذا الجنس لغير الأنبياء كالذين صدقوا مسيلمة الكذاب ~~والأسود العنسي والحارث الدمشقي وبابا الرومي وغير هؤلاء من المتنبئين ~~الكذابين وكان هؤلاء يأتون بأمور عجيبة خارقة لعادة أولئك القوم لكن ليست ~~خارقة لعادة جنسهم ممن ليس بنبي فمن صدقهم ظن أن هذا مختص بالأنبياء وكان ~~ذلك من جهله بوجود هذا لغير الأنبياء كما أنهم كانوا يأتون بأمور تناقض ~~النبوة ولهذا يجب في آيات الأنبياء أن لا يعارضها من ليس بنبي فكل من ~~عارضها صادرا ممن ليس من جنس الأنبياء فليس من ms012 أياتهم ولهذا طلب فرعون أن ~~يعارض ما جاء به موسى لما ادعى أنه ساحر فجمع السحرة ليفعلوا مثل ما يفعل ~~موسى فلا تبقى حجته مختصة بالنبوة وأمرهم موسى أن يأتوا أولا بخوارقهم فلما ~~أتت وابتلعتها العصا التي صارت حية علم السحرة أن هذا ليس من جنس مقدورهم ~~فآمنوا إيمانا جازما ولما قال لهم فرعون @QB@ ولأصلبنكم في جذوع النخل ~~ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ~~والذي فطرنا @QE@ وقالوا @QB@ آمنا برب العالمين رب موسى وهارون @QE@ فكان ~~من تمام علمهم بالسحر أن السحر معتاد لأمثالهم وأن هذا ليس من هذا الجنس بل ~~هذا مختص بمثل هذا فدل على صدق دعواه وفرعون وقومه بين معاند وجاهل استخفه ~~فرعون كما قال تعالى @QB@ فاستخف قومه فأطاعوه @QE@ فاذا قيل لهم المعجزة ~~هي الفعل الخارق للعادة أو قيل هي الفعل الخارق للعادة المقرون بالتحدي أو ~~قيل مع ذلك الخارق للعادة السليم عن المعارضة فكونه خارقا للعادة ليس أمرا ~~مضبوطا فإنه إن أريد به أنه لم يوجد له نظير في العالم فهذا باطل فإن آيات ~~الأنبياء بعضها نظير بعض بل النوع الواحد منه كاحياء الموتى وهو آية لغير ~~واحد من الأنبياء وإن قيل إن بعض الأنبياء كانت آيته لا نظير لها كالقرآن ~~والعصا والناقة لم يلزم ذلك في سائر الآيات ثم هب أنه لا نظير لها في نوعها ~~لكن وجد خوارق العادات للأنبياء غير هذا فنفس خوارق العادات معتاد جميعه ~~للأنبياء بل هو من لوازم نبوتهم مع كون الأنبياء كثيرين وقد روي أنهم مائة ~~ألف وأربعة وعشرون ألف نبي وما يأتي به كل واحد من هؤلاء لا يكون معدوم ~~النظير في العالم PageV01P014 بل ربما كان نظيره وإن عني بكون المعجزة هي ~~الخارقة للعادة أنها خارقة لعادة أولئك المخاطبين بالنبوة بحيث ليس فيهم من ~~يقدر على ذلك فهذا ليس بحجة فإن أكثر الناس لا يقدرون على الكهانة والسحر ~~ونحو ذلك وقد يكون المخاطبون بالنبوة ليس فيهم هؤلاء كما كان أتباع مسيلمة ~~والعنسي وأمثالهما ms013 لا يقدرون على ما يقدر عليه هؤلاء والمبرز في فن من ~~الفنون يقدر على ما لا يقدر عليه أحد في زمنه وليس هذا دليلا على النبوة ~~فكتاب سيبويه مثلا مما لا يقدر على مثله عامة الخلق وليس بمعجز إذ كان ليس ~~مختصا بالأنبياء بل هو موجود لغيرهم وكذلك طب أبقراط بل وعلم العالم الكبير ~~من علماء المسلمين خارج عن عادة الناس وليس هو دليلا على نبوته # وأيضا فكون الشيء معتادا هو مأخوذ من العود وهذا يختلف بحسب الأمور ~~فالحائض المعتادة من الفقهاء من يقوم تثبت عادتها بمرة ومنهم من يقول ~~بمرتين ومنهم من يقول لا تثبت إلا بثلاث وأهل كل بلد لهم عادات في طعامهم ~~ولباسهم وأبنيتهم لم يعتدها غيرهم فما خرج عن ذلك فهو خارق لعادتهم لا ~~لعادة من اعتاده من غيرهم فلهذا لم يكن في كلام الله ورسوله وسلف الامة ~~وأئمتها وصف آيات الأنبياء بمجرد كونها خارقة للعادة ولا يجوز أن يجعل مجرد ~~خرق العادة هو الدليل فان هذا لا ضابط له وهو مشترك بين الأنبياء وغيرهم ~~ولكن إذا قيل من شرطها أن تكون خارقة للعادة بمعنى أنها لا تكون معتادة ~~للناس فهذا ظاهر يعرفه كل أحد ويعرفون أن الأمر المعتاد مثل الأكل والشرب ~~والركوب والسفر وطلوع الشمس وغروبها ونزول المطر في وقته وظهور الثمرة في ~~وقتها ليس دليلا ولا يدعي أحد أن مثل هذا دليل له فان فساد هذا ظاهر لكل ~~أحد ولكن ليس مجرد كونه خارقا للعادة كافيا لوجهين أحدهما أن كون الشيء ~~معتادا وغير معتاد أمر نسبي إضافي ليس بوصف مضبوط تتميز به الآية بل يعتاد ~~هؤلاء مالم يعتد هؤلاء مثل كونه مألوفا ومجربا ومعروفا ونحو ذلك من الصفات ~~الإضافية الثاني أن مجرد ذلك مشترك بين الأنبياء وغيرهم وإذا خص ذلك بعدم ~~المعارضة فقد يأتي الرجل بما لا يقدر الحاضرون على معارضته ويكون معتادا ~~لغيرهم كالكهانة والسحر وقد يأتي بما PageV01P015 يمكن معارضته وليس بآية ~~لشيء لكونه لم يختص بالأنبياء وقد يقال في طب أبقراط ونحو ms014 سيبويه إنه لا ~~نظير له بل لا بد أن يقال إنه مختص بالأنبياء بل معروف أن هذا تعلم بعضه من ~~غيره واستخرج سائره بنظره واذا خص الله طبيبا أو نحويا أو فقيها بما ميزه ~~به على نظرائه لم يكن ذلك دليلا على نبوته وإن كان خارقا للعادة فان ما ~~يقوله الواحد من هؤلاء قد علمه بسماع أو تجربة أو قياس وهي طرق معروفة لغير ~~الأنبياء والنبي قد علمه الله من الغيب الذي عصمه الله فيه عن الخطأ ما لم ~~يعلمه إلا نبي مثله فان قيل فحينئذ لا يعرف أن الآية مختصة بالنبي حتى تعرف ~~النبوة قيل أما بعد وجود الأنبياء في العالم فهكذا هو ولهذا يبين الله عز ~~وجل نبوة محمد في غير موضع باعتبارها بنبوة من قبله وتارة يبين أنه لم يرسل ~~ملائكة بل رجالا من أهل القرى ليبين أن هذا معتاد معروف ليس هو أمرا لم تجر ~~به عادة الرب كقوله تعالى @QB@ وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ كما ذكره في سورة النحل ~~والأنبياء وقال في يوسف @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من ~~أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون @QE@ فان الكفار كانوا يقولون ~~إنما يرسل الله ملكا أو يرسل مع البشر ملكا كما قال فرعون @QB@ أم أنا خير ~~من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء ~~معه الملائكة مقترنين @QE@ وقال قوم نوح @QB@ ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن ~~يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ~~@QE@ وقال مشركو العرب لمحمد @QB@ ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له ~~جنة يأكل منها @QE@ وقال تعالى @QB@ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى إلا أن قالوا أبعث ms015 الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ~~مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا @QE@ وقال تعالى @QB@ وقالوا ~~لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ~~ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون @QE@ PageV01P016 بين أنهم لا ~~يطيقون الأخذ عن الملائكة إن لم يأتوا في صورة البشر ولو جاءوا في صورة ~~لبشر لحصل اللبس وقال تعالى @QB@ أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس @QE@ وكانت العرب لا عهد لها بالنبوة من زمن إسماعيل فقال ~~الله لهم @QB@ فاسألوا أهل الذكر @QE@ يعني أهل الكتاب @QB@ إن كنتم لا ~~تعلمون @QE@ هل أرسل اليهم رجالا أو ملائكة ولهذا قال له @QB@ قل ما كنت ~~بدعا من الرسل @QE@ وقال @QB@ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل @QE@ ~~بين أن هذا الجنس من الناس معروف قد تقدم له نظراء وأمثال وهو سبحانه أمر ~~أن يسأل أهل الكتاب وأهل الذكر عما عندهم من العلم في أمور الأنبياء هل هو ~~من جنس ما جاء به محمد أو هو مخالف له ليتبين بإخبار أهل الكتاب المتواترة ~~جنس ما جاءت به الأنبياء وحينئذ فيعرف قطعا أن محمدا نبي بل هو أحق بالنبوة ~~من غيره والثاني أن يسألوهم عن خصوص محمد وذكره عندهم وهذا يعرفه الخاصة ~~منهم ليس هو معروفا كالأول يعرفه كل كتابي قال تعالى @QB@ قل أرأيتم إن كان ~~من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله @QE@ وقوله @QB@ ~~وشهد شاهد @QE@ ليس المقصود شاهدا واحدا معينا بل ولا يحتم كونه واحدا وقول ~~من قال إنه عبد الله بن سلام ليس بشيء فان هذه نزلت بمكة قبل أن يعرف إبن ~~سلام ولكن المقصود جنس الشاهد كما تقول قام الدليل وهو الشاهد الذي يجب ~~تصديقه سواء كان واحدا قد يقترن بخبره ما يدل على صدقه أو كان عددا يحصل ~~بخبرهم العلم بما تقول فان خبرك بهذا صادق وقوله على مثله فان الشاهد من ~~بني إسرائيل على مثل القرآن وهو أن ms016 الله بعث بشرا وأنزل عليه كتابا أمر فيه ~~بعبادة الله وحده لا شريك له ونهى فيه عن عبادة ما سواه واخبر فيه أنه خلق ~~هذا العالم وحده وأمثال ذلك وقد ذكر في أول هذه السورة التوحيد وبين أن ~~المشركين ليس معهم على الشرك لا دليل عقلي ولا سمعي فقال تعالى @QB@ ما ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما ~~أنذروا معرضون قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض ~~أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم ~~صادقين ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم ~~عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ~~وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين ~~أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما ~~تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم قل ما كنت بدعا من ~~الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا ~~نذير مبين قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله @QE@ PageV01P017 الى آخره ومثل ذلك قوله تعالى @QB@ ~~ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم ~~الكتاب @QE@ فمن عنده علم الكتاب شهد بما في الكتاب الأول وهو يوجب تصديق ~~الرسول لانه يشهد بالمثل ويشهد أيضا بالعين وكل من الشهادتين كافية فمتى ~~ثبت الجنس علم قطعا أن العين منه وقال تعالى @QB@ فإن كنت في شك مما أنزلنا ~~إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين @QE@ وهذا ~~سواء كان خطابا للرسول والمراد به غيره أو خطابا له وهو لغيره بطريق ms017 الأولى ~~والمقدر قد يكون معدوما أو ممتنعا وهو بحرف ان كقوله @QB@ قل إن كان للرحمن ~~ولد فأنا أول العابدين @QE@ و @QB@ إن كنت قلته فقد علمته @QE@ والمقصود ~~بيان الحكم على هذا التقدير إن كنت قلته فانت عالم به وبما في نفسي وإن كان ~~له ولد فأنا عابده وان كنت شاكا فاسأل ان قدر امكان ذلك فسؤال الذين يقرءون ~~الكتاب قبله اذا أخبروا فما عندهم شاهد له ودليل وحجة ولهذا نهى بعد ذلك عن ~~الإمتراء والتكذيب وأما تقدير الممتنع بحرف ان فكثير ومن ذلك قوله @QB@ فإن ~~استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية @QE@ @QB@ ~~فإن كان لكم كيد فكيدون @QE@ @QB@ أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من ~~السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين @QE@ ~~PageV01P018 @QB@ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك ~~أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين @QE@ @QB@ فأتوا بسورة مثله ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين @QE@ وقد قال تعالى @QB@ أو ~~لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين ~~آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق @QE@ وقال تعالى @QB@ إن ~~الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون ~~سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين آتيناهم ~~الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ~~ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا @QE@ وهذا ~~كله في السور المكية والمقصود الجنس فاذا شهد جنس هؤلاء مع العلم بصدقهم ~~حصل المطلوب لا يقف العلم على شهادة كل واحد واحد فان هذا متعذر ومن أنكر ~~أو قال لا أعلم لم يضر إنكاره وإن قال بل أعلم عدم ما شهدوا به علم افتراؤه ~~في الجنس وعلم في الشخص اذ كان لم يحط علما بجميع نسخ الكتب المتقدمة وما ~~في النبوات كلها فلا سبيل لأحد من أهل الكتاب أن يعلم ms018 انتفاء ذكر محمد في ~~كل نسخة نسخة بكل كتاب من كتب الأنبياء إذ العلم بذلك متعذر ثم هذه النسخ ~~الموجود فيها ذكره في مواضع كثيرة قد ذكر قطعة منها في غير هذا الموضع ومما ~~ينبغي أن يعلم أن أعظم ما كان عليه المشركون قبل محمد وفي مبعثه هو دعوى ~~الشريك لله والولد والقرآن مملوء من تنزيه الله عن هذين وتنزيهه عن المثل ~~والولد يجمع كل التنزيه فهذا في سورة الإخلاص وفي سورة الأنعام في مثل قوله ~~@QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ~~وتعالى عما يصفون @QE@ وفي سورة سبحان @QB@ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ~~ولدا ولم يكن له شريك في الملك @QE@ وفي سورة الكهف في أولها @QB@ وينذر ~~الذين قالوا اتخذ الله ولدا @QE@ وفي آخرها @QB@ أفحسب الذين كفروا أن ~~يتخذوا عبادي من دوني أولياء @QE@ @QB@ ولا يشرك بعبادة ربه أحدا @QE@ وفي ~~مريم تنزيهه عن الولد في أول السورة وآخرها ظاهر وعن الشريك في مثل قصة ~~PageV01P019 إبراهيم وفي تنزيل وغير ذلك وفي الأنبياء تنزيهه عن الشريك ~~والولد وكذلك في المؤمنين @QB@ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ~~@QE@ وأول الفرقان @QB@ الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن ~~له شريك في الملك @QE@ وأما طه والشعراء مما بسط فيه قصة موسى فالمقصود ~~الأعظم بقصة موسى إثبات الصانع ورسالته إذ كان فرعون منكرا ولهذا عظم ذكرها ~~في القرآن بخلاف قصة غيره فإن فيها الرد على المشركين المقرين بالصانع ومن ~~جعل له ولدا من المشركين وأهل الكتاب ومذهب الفلاسفة الملحدة دائر بين ~~التعطيل وبين الشرك والولادة كما يقولونه في الإيجاب الذاتي فانه أحد أنواع ~~الولادة وهم ينكرون معاد الأبدان وقد قرن بين هذا وهذا في الكتاب والسنة في ~~مثل قوله @QB@ ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان ~~أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا @QE@ إلى قوله @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~@QE@ وهذه في سورة مريم المتضمنة خطاب النصارى ومشركي العرب لأن الفلاسفة ~~داخلون ms019 فيهم فإن اليونان اختلطوا بالروم فكان فيها خطاب هؤلاء وهؤلاء وفي ~~الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى ~~شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك فاما شتمه ~~إياي فقوله إني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي ~~كفوا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون ~~علي من إعادته رواه البخاري عن إبن عباس # ولما كان الشرك أكثر في بني آدم من القول بأن له ولدا كان تنزيهه عنه ~~أكثر وكلاهما يقتضي إثبات مثل وند من بعض الوجوه فان الولد من جنس الوالد ~~ونظير له وكلاهما يستلزم الحاجة والفقر فيمتنع وجود قادر بنفسه فالذي جعل ~~لله شريكا لو فرض مكافئا لزم إفتقار كل منهما وهو ممتنع وإن كان غير مكافئ ~~فهو مقهور والولد يتخذ المتخذ لحاجته إلى معاونته له كما يتخذ المال فان ~~الولد إذا اشتد أعان والده قال تعالى @QB@ قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو ~~الغني له ما في السماوات وما في الأرض @QE@ وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا @QE@ إلى قوله @QB@ إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا @QE@ PageV01P020 وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ ~~الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون @QE@ فان كون ~~المخلوق مملوكا لخالقه وهو مفتقر اليه من كل وجه والخالق غني عنه يناقض ~~اتخاذ الولد لانه انما يكون لحاجته اليه في حياته أو ليخلفه بعد موته والرب ~~غني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير اليه وهو الحي الذي لا يموت والوالد في ~~نفسه مفتقر إلى ولد مخلوق لا حيلة له فيه بخلاف من يشتري المملوك فانه ~~بإختياره ملكه ويمكنه إزالة ملكه فتعلقه به من جنس تعلقه بالاجانب والولادة ~~بغير اختيار الوالد والرب يمتنع ان يحدث شيء بغير اختياره # واتخاذ الولد هو عوض عن الولادة لمن لم يحصل له فهو أنقص ms020 في الولادة ~~ولهذا من قال بالإيجاب الذاتي بغير مشيئته وقدرته فقوله من جنس قول ~~القائلين بالولادة الحاصلة بغير الاختيار بل قولهم شر من قول النصارى ~~ومشركي العرب من بعض الوجوه كما قد بسط الكلام على هذا في تفسير قل هو الله ~~أحد وغيره # والمقصود أن الله قال لمحمد @QB@ قل ما كنت بدعا من الرسل @QE@ وقال @QB@ ~~وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل @QE@ فبين أن هذا الجنس من الناس ~~معروف قد تقدم له نظراء وأمثال فهو معتاد في الآدميين وان كان قليلا فيهم ~~وأما من جاءهم رسول ما يعرفون قبله رسولا كقوم نوح فهذا بمنزلة ما يبتدئه ~~الله من الأمور وحينئذ فهو يأتي بما يختص به مما يعرفون أن الله صدقه في ~~إرساله فهذا يدل على النوع والشخص وان كانت آيات غيره تدل على الشخص إذ ~~النوع قد عرف قبل هذا فالمقصود أن آيته وبرهانه لا بد أن يكون مختصا بهذا ~~النوع لا يجب أن يختص بواحد من النوع ولا يجوز أن يوجد لغير النوع وقد قلنا ~~إن ما يأتي به أتباع الانبياء من ذلك هو مختص بالنوع فأنا نقول هذا لا يكون ~~إلا لمن اتبع الأنبياء فصار مختصا بهم وأما ما يوجد لغير الانبياء وأتباعهم ~~فهذا هو الذي لا يدل على النبوة كخوارق السحرة والكهان # وقد عرف الناس أن السحرة لهم خوارق ولهذا كانوا إذا طعنوا في نبوة نبي ~~واعتقدوا علمه قالوا هو ساحر كما قال الملأ من قوم فرعون لموسى @QB@ إن هذا ~~لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون @QE@ PageV01P021 ~~وقال للسحرة لما آمنوا @QB@ إنه لكبيركم الذي علمكم السحر @QE@ و @QB@ إن ~~هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها @QE@ كل هذا من كذب فرعون ~~وكانوا يقولون @QB@ يا أيها الساحر ادع لنا ربك @QE@ وكذلك المسيح قال ~~تعالى @QB@ وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ~~مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما ~~جاءهم بالبينات قالوا ms021 هذا سحر مبين @QE@ وقال تعالى عن كفار العرب @QB@ وإن ~~يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر @QE@ وان نسبوه إلى عدم العلم قالوا ~~مجنون كما قالوا عن نوح @QB@ مجنون وازدجر @QE@ وقالوا عن موسى @QB@ إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون @QE@ وقال عن مشركي العرب @QB@ وإن يكاد ~~الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون @QE@ ~~وقد قال تعالى @QB@ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون @QE@ فالسحر أمر معتاد في بني آدم كما أن ~~النبوة معتادة في بني آدم والمجانين معتادون فيهم فاذا قالوا عن الشخص انه ~~مجنون فانه يعلم هل هو من العقلاء أو من المجانين بنفس ما يقوله ويفعله ~~وكذلك يعرف هل هو من جنس الانبياء أو من جنس السحرة وكذلك لما قالوا عن ~~محمد انه شاعر فان الشعراء جنس معروفون في الناس وقالوا إنه كاهن وشبهة ~~الشعر أن القرآن كلام موزون والشعر موزون وشبهة الكهانة أن الكاهن يخبر ~~ببعض الامور الغائبة فذكر الله تعالى الفرق بين هذين وبين النبي فقال @QB@ ~~هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم ~~كاذبون والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ~~ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا @QE@ وقال ~~@QB@ وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون تنزيل من رب العالمين @QE@ ولهذا لما عرض الكفار على كبيرهم الوحيد ~~أن يقولوا للناس هو شاعر PageV01P022 ومجنون وساحر وكاهن صار يبين لهم أن ~~هذه أقوال فاسدة وأن الفرق معروف بينه وبين هذه الأجناس # فالمقصود أن هذه الأجناس كلها موجودة في الناس معتادة معروفة وكل واحد ~~منها يعرف بخواصه المستلزمة له وتلك الخواص آيات له مستلزمة له فكذلك ~~النبوة لها خواص مستلزمة لها تعرف بها وتلك الخواص خارقة لعادة غير ~~الانبياء وان كانت ms022 معتادة للانبياء فهي لا توجد لغيرهم فهذا هذا والله أعلم # فاذا أتى مدعي النبوة بالأمر الخارق للعادة الذي لا يكون إلا لنبي لا ~~يحصل مثله لساحر ولا كاهن ولا غيرهما كان دليلا على نبوته وكل من الساحر ~~والكاهن يستعين بالشياطين فان الكهان تنزل عليهم الشياطين تخبرهم والسحرة ~~تعلمهم الشياطين قال تعالى @QB@ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ~~وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على ~~الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا ~~تكفر @QE@ والساحر لا يتجاوز سحره الامور المقدورة للشياطين كما تقدم بيانه ~~والساحر كما قال تعالى @QB@ ولا يفلح الساحر حيث أتى @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق @QE@ فهم يعلمون أن السحر ~~لا ينفع في الآخرة ولا يقرب إلى الله وأن من اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ~~فإن مبناه على الشرك والكذب والظلم مقصود صاحبه الظلم والفواحش وهذا مما ~~يعلم بصريح العقل أنه من السيئات فالنبي لا يأمر به ولا يعمله يستعين على ~~ذلك صاحبه بالشرك والكذب وقد علم بصريح العقل مع ما تواتر عن الانبياء أنهم ~~حرموا الشرك فمتى كان الرجل يأمر بالشرك وعبادة غير الله أو يستعين على ~~مطالبه بهذا وبالكذب والفواحش والظلم علم قطعا أنه من جنس السحرة لا من جنس ~~الانبياء وخوارق هذا يمكن معارضتها وإبطالها من بني جنسه وغير بني جنسه ~~وخوارق الانبياء لا يمكن غيرهم أن يعارضها ولا يمكن أحدا إبطالها لا من ~~جنسهم ولا من غير جنسهم فإن الأنبياء يصدق بعضهم بعضا فلا يتصور أن نبيا ~~يبطل معجزة آخر وإن أتى بنظيرها فهو يصدقه ومعجزة كل منهما آية له وللآخر ~~أيضا PageV01P023 كما أن معجزات أتباعهم آيات لهم بخلاف خوارق السحرة فإنها ~~إنما تدل على أن صاحبها ساحر يؤثر آثارا غريبة مما هو فساد في العالم ويسر ~~بما يفعله من الشرك والكذب والظلم ويستعين على ذلك بالشياطين فمقصوده الظلم ~~والفساد والنبي مقصوده العدل والصلاح وهذا ms023 يستعين بالشياطين وهذا بالملائكة ~~وهذا يأمر بالتوحيد لله وعبادته وحده لا شريك له وهذا إنما يستعين بالشرك ~~وعبادة غير الله وهذا يعظم إبليس وجنوده وهذا يذم إبليس وجنوده والإقرار ~~بالملائكة والجن عام في بني آدم لم ينكر ذلك إلا شواذ من بعض الامم ولهذا ~~قالت الامم المكذبة @QB@ ولو شاء الله لأنزل ملائكة @QE@ حتى قوم نوح وعاد ~~وثمود وقوم فرعون قال قوم نوح @QB@ ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل ~~عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة @QE@ وقال @QB@ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم ~~صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا ~~تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون ~~@QE@ وفرعون وإن كان مظهرا لجحد الصانع فإنه ما قال @QB@ فلولا ألقي عليه ~~أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين @QE@ إلا وقد سمع بذكر الملائكة ~~إما معترفا بهم وإما منكرا لهم فذكر الملائكة والجن عام في الأمم وليس في ~~الأمم أمة تنكر ذلك إنكارا عاما وإنما يوجد إنكار ذلك في بعضهم مثل من قد ~~يتفلسف فينكرهم لعدم العلم لا للعلم بالعدم فلا بد في آيات الانبياء من أن ~~تكون مع كونها خارقة للعادة أمرا غير معتاد لغير الانبياء بحيث لا يقدر ~~عليه إلا الله الذي أرسل الانبياء ليس مما يقدر عليه غير الانبياء لا بحيلة ~~ولا عزيمة ولا استعانة بشياطين ولا غير ذلك ومن خصائص معجزات الانبياء أنه ~~لا يمكن معارضتها فإذا عجز النوع البشري غير الانبياء عن معارضتها كان ذلك ~~أعظم دليل على اختصاصها بالانبياء بخلاف ما كان موجودا لغيرها فهذا لا يكون ~~آية البتة فأصل هذا أن يعرف وجود الانبياء في العالم وخصائصهم كما يعلم ~~وجود السحرة وخصائصهم ولهذا من لم يكن عارفا بالانبياء من فلاسفة اليونان ~~والهند وغيرهم لم يكن له فيهم كلام يعرف كما لم يعرف لارسطو وأتباعه فيهم ~~كلام يعرف بل غاية PageV01P024 من أراد أن يتكلم في ذلك كالفارابي وغيره أن ~~يجعلوا ذلك من جنس المنامات ms024 المعتادة ولما أراد طائفة كأبي حامد وغيره أن ~~يقرروا إمكان النبوة على أصلهم احتجوا بأن مبدأ الطب ومبدأ النجوم ونحو ذلك ~~كان من الانبياء لكون المعارف المعتادة لا تنهض بذلك وهذا إنما يدل على ~~اختصاص من أتى بذلك بنوع من العلم وهذا لا ينكره عاقل وعلى هذا بنى ابن ~~سينا أمر النبوة أنها من قوى النفس وقوى النفوس متفاوتة وكل هذا كلام من لا ~~يعرف النبوة بل هو أجنبي عنها وهو أنقص ممن أراد أن يقرر أن في الدنيا ~~فقهاء وأطباء وهو لم يعرف غير الشعراء فاستدل بوجود الشعراء على وجود ~~الفقهاء والاطباء بل هذا المثال أقرب فإن بعد النبوة عن غير الانبياء أعظم ~~من بعد الفقيه والطبيب عن الشاعر ولكن هؤلاء من أجهل الناس بالنبوة ورأوا ~~ذكر الانبياء قد شاع فأرادوا تخريج ذلك على أصول قوم لم يعرفوا الانبياء # فان قيل موسى وغيره كانوا موجودين قبل أرسطو فان أرسطو كان قبل المسيح ~~بنحو ثلاثمائة سنة وأيضا فقد قال الله تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت ~~عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين @QE@ وقال ~~@QB@ إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا @QE@ @QB@ وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير @QE@ فهذا يبين أن كل أمة قد جاءها رسول فكيف لم يعرف هؤلاء الرسل قلت ~~عن هذا جوابان أحدهما أن كثيرا من هؤلاء لم يعرفوا الرسل كما قال @QB@ ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ~~@QE@ فلم تبق أخبار الرسول وأقواله معروفة عندهم الثاني أنه قال تعالى @QB@ ~~تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم ~~اليوم @QE@ فاذا كان الشيطان قد زين لهم أعمالهم كان في هؤلاء من درست ~~أخبار الأنبياء عندهم فلم يعرفوها وأرسطو لم يأت إلى أرض الشام ويقال ان ~~الذين كانوا قبله كانوا يعرفون الانبياء لكن المعرفة المجملة لا تنفع ~~كمعرفة قريش كانوا قد سمعوا بموسى وعيسى ms025 وابراهيم سماعا من غير معرفة ~~بأحوالهم PageV01P025 وأيضا فهم وأمثالهم المشاءون أدركوا الاسلام وهم من ~~أكفر الناس بما جاءت به الرسل إما أنهم لا يطلبون معرفة أخبارهم وما سمعوه ~~حرفوه أو حملوه على أصولهم وكثير من المتفلسفة هم من هؤلاء فإذا كان هذا ~~حال هؤلاء في ديار الاسلام فما الظن بمن كان ببلاد لا تعرف فيها شريعة نبي # بل طريق معرفة الانبياء كطريق معرفة نوع من الآدميين خصهم الله بخصائص ~~يعرف ذلك من أخبارهم واستقراء أحوالهم كما يعرف الأطباء والفقهاء ولهذا ~~إنما يقرر الرب تعالى في القرآن أمر النبوة وإثبات جنسها بما وقع في العالم ~~من قصة نوح وقومه وهود وقومه وصالح وقومه وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وغيرهم ~~فيذكر وجود هؤلاء وأن قوما صدقوهم وقوما كذبوهم ويبين حال من صدقهم وحال من ~~كذبهم فيعلم بالاضطرار حينئذ ثبوت هؤلاء ويتبين وجود آثارهم في الأرض فمن ~~لم يكن رأى في بلدة آثارهم فليسر في الأرض ولينظر آثارهم وليسمع أخبارهم ~~المتواترة يقول الله تعالى @QB@ وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد ~~وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم ~~أخذتهم فكيف كان نكير فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على ~~عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون ~~بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة ~~مما تعدون وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير @QE@ ~~ولهذا قال مؤمن آل فرعون لما أراد إنذار قومه @QB@ يا قوم إني أخاف عليكم ~~مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ~~ظلما للعباد @QE@ ولهذا لما سمع ورقة بن نوفل والنجاشي وغيرهما القرآن قال ~~ورقة بن نوفل هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى وقال النجاشي إن هذا والذي ~~جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة فكان ms026 عندهم علم بما جاء به موسى اعتبروا ~~به ولولا ذلك لم يعلموا هذا وكذلك الجن لما سمعت القرآن @QB@ ولوا إلى ~~قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما ~~بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم @QE@ PageV01P026 ولما أراد ~~سبحانه تقرير جنس ما جاء به محمد قال @QB@ إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا ~~عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على ~~بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه ~~قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ~~ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ~~ولتنذر أم القرى ومن حولها @QE@ فهو سبحانه يثبت وجود جنس الانبياء ابتداء ~~كما في السور المكية حيث يثبت وجود هذا الجنس وسعادة من اتبعه وشقاء من ~~خالفه ثم نبوة عين هذا النبي تكون ظاهرة لأن الذي جاء به أكمل مما جاء به ~~جميع الانبياء فمن أقر بجنس الانبياء كان إقراره بنبوة محمد في غاية الظهور ~~أبين مما أقر أن في الدنيا نحاة وأطباء وفقهاء فإذا رأى نحو سيبويه وطب ~~أبقراط وفقه الأئمة الاربعة ونحوهم كان إقراره بذلك من أبين الامور ولهذا ~~كان من نازع من اهل الكتاب في نبوة محمد إما أن يكون لجهله بما جاء به وهو ~~الغالب على عامتهم أو لعناده وهو حال طلاب الرياسة بالدين منهم والعرب ~~عرفوا ما جاء به محمد فلما أقروا بجنس الانبياء لم يبق عندهم في محمد شك ~~وجميع ما يذكره الله تعالى في القرآن من قصص الانبياء يدل على نبوة محمد ~~بطريق الاولى إذ كانوا من جنس واحد ونبوته أكمل فينبغي معرفة هذا فإنه أصل ~~عظيم ولهذا جميع مشركي العرب آمنوا به فلم يحتج أحد منهم أن تؤخذ منه جزية ~~فإنهم لما عرفوا نبوته وأنه لا بد من متابعته ms027 أو متابعة اليهود والنصارى ~~عرفوا أن متابعته أولى ومن كان من أهل الكتاب بعضهم آمن به وبعضهم لم يؤمن ~~جهلا وعنادا وهؤلاء كان عندهم كتاب ظنوا استغناءهم به فلم يستقرئوا أخبار ~~محمد وما جاء به خالين من الهوى بخلاف من لم يكن له كتاب فإنه نظر في ~~الأمرين نظر خال من الهوى فعرف فضل ما جاء به محمد على ما جاء به غيره ~~ولهذا لا تكاد توجد أمة لا كتاب لها يعرض عليها دين المسلمين واليهود ~~والنصارى إلا رجحت دين المسلمين كما يجري لأنواع الامم التي لا كتاب لها ~~فأهل الكتاب مقرون بالجنس منازعون في العين والمتفلسفة من PageV01P027 ~~اليونان والهند منازعون في وجود كمال الجنس وإن أقروا ببعض صفات الانبياء ~~فإنما أقروا منها بما لا يختص بالانبياء بل هو مشترك بينهم وبين غيرهم فلم ~~يؤمن هؤلاء بالانبياء البتة هذا هو الذي يجب القطع به ولهذا يذكرون معهم ~~ذكر الجنس الخارج عن أتباعهم فيقال قالت الانبياء والفلاسفة واتفقت ~~الانبياء والفلاسفة كما يقال المسلمون واليهود والنصارى وقال أيضا رضي الله ~~عنه & فصل ومن آياته نصر الرسل على قومهم & # وهذا على وجهين تارة يكون بإهلاك الامم وإنجاء الرسل وأتباعهم كقوم نوح ~~وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى ولهذا يقرن الله بين هذه القصص في سور الاعراف ~~وهود والشعراء ولا يذكر معها قصة إبراهيم وإنما ذكر قصة إبراهيم في سورة ~~الانبياء ومريم والعنكبوت والصافات فإن هذه السور لم يقتصر فيها على ذكر من ~~أهلك من الامم بل في سورة الانبياء كان المقصود ذكر الانبياء ولهذا سميت ~~سورة الانبياء فذكر فيها إكرامه للأنبياء وإن لم يذكر قومهم كما ذكر قصة ~~داود وسليمان وايوب وذكر آخر الكل @QB@ إن هذه أمتكم أمة واحدة @QE@ وبدأ ~~فيها بقصة إبراهيم إذ كان المقصود ذكر إكرامه للانبياء قبل محمد وابراهيم ~~أكرمهم على الله تعالى وهو خير البرية وهو أبو أكثرهم إذ ليس هو أب نوح ~~ولوط لكن لوط من أتباعه وأيوب من ذريته بدليل قوله في سورة الانعام @QB@ ~~ومن ذريته داود وسليمان ms028 وأيوب @QE@ وأما سورة مريم فذكر الله تعالى فيها ~~انعامه على الانبياء المذكورين فيها فذكر فيها رحمته زكريا وهبته يحيى وأنه ~~ورث نبوته وغيرها من علم آل يعقوب وأنه آتاه الحكم صبيا وذكر بدء خلق عيسى ~~وما اعطاه الله تعالى من تعليم الكتاب وهو التوراة النبوة وأن الله تعالى ~~جعله مباركا أينما كان وغير ذلك وذكر قصة إبراهيم وحسن خطابه لأبيه وأن ~~الله تعالى وهبه اسحاق ويعقوب نبيين ووهبه من رحمته وجعل له لسان صدق عليا ~~ثم ذكر موسى وأنه خصه الله تعالى بالتقريب والتكليم ووهبه أخاه وغير ذلك ~~وذكر اسماعيل PageV01P028 وأنه كان صادق الوعد وكأنه والله أعلم من ذلك أو ~~أعظمه صدقه فيما وعد به أباه من صبره عند الذبح فوفى بذلك وذكر إدريس وأن ~~الله تعالى رفعه مكانا عليا ثم قال @QB@ أولئك الذين أنعم الله عليهم @QE@ ~~وأما سورة العنكبوت فإنه ذكر فيها امتحانه للمؤمنين ونصره لهم وحاجتهم إلى ~~الصبر والجهاد وذكر فيها حسن العاقبة لمن صبر وعاقبة من كذب الرسل فذكر قصة ~~إبراهيم لانها من النمط الاول ونصرة الله له على قومه وكذلك سورة الصافات ~~قال فيها @QB@ ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر ~~كيف كان عاقبة المنذرين @QE@ وهذا يقتضي أنها عاقبة رديئة إما بكونهم غلبوا ~~وذلوا وإما بكونهم أهلكوا ولهذا ذكر فيها قصة إلياس ولم يذكرها في غيرها ~~ولم يذكر هلاك قومه بل قال @QB@ فكذبوه فإنهم لمحضرون إلا عباد الله ~~المخلصين @QE@ وإلياس قد روي ان الله تعالى رفعه وهذا يقتضي عذابهم في ~~الآخره فان إلياس لم يقم فيهم وإلياس المعروف بعد موسى من بني إسرائيل وبعد ~~موسى لم يهلك المكذبين بعذاب الاستئصال وبعد نوح لم يهلك جميع النوع وقد ~~بعث في كل أمة نذيرا والله تعالى لم يذكر قط عن قوم إبراهيم أنهم أهلكوا ~~كما ذكر عن غيرهم بل ذكر أنهم ألقوه في النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما ~~وأرادوا به كيدا فجعلهم الله الأسفلين الأخسرين وفي هذا ظهور برهانه وآيته ~~وأنه أظهره عليهم بالحجة ms029 والعلم وأظهره أيضا بالقدرة حيث أذلهم ونصره وهذا ~~من جنس المجاهد الذي هزم عدوه وتلك من جنس المجاهد الذي قتل عدوه وابراهيم ~~بعد هذا لم يقم بينهم بل هاجر وتركهم وأولئك الرسل لم يزالوا مقيمين بين ~~ظهراني قومهم حتى هلكوا فلم يوجد في حق قوم إبراهيم سبب الهلاك وهو إقامته ~~فيهم وانتظار العذاب النازل وهكذا محمد مع قومه لم يقم فيهم بل خرج عنهم ~~حتى أظهره الله تعالى عليهم بعد ذلك ومحمد وابراهيم أفضل الرسل فإنهم إذا ~~علموا الدعوة حصل المقصود وقد يتوب منهم من يتوب بعد ذلك كما تاب من قريش ~~من تاب وأما حال إبراهيم فكانت إلى الرحمة أميل فلم يسعى في هلاك قومه لا ~~بالدعاء ولا بالمقام ودوام إقامة الحجة عليهم وقد قال تعالى @QB@ وقال ~~الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم ~~لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم @QE@ PageV01P029 وكان كل قوم لا ~~يطلبون هلاك نبيهم الا عوقبوا وقوم إبراهيم أوصوله إلى العذاب لكن جعله ~~الله عليه بردا وسلاما ولم يفعلوا بعد ذلك ما يستحقون به العذاب أذ الدنيا ~~ليست دار الجزاء التام وانما فيها من الجزاء ما تحصل به الحكمة والمصلحة ~~كما في العقوبات الشرعية فمن أراد أعداؤه من أتباع الانبياء أن يهلكوه ~~فعصمه الله وجعل صورة الهلاك نعمة في حقه ولم يهلك أعداءه بل أخزاهم ونصره ~~فهو أشبه بإبراهيم واذا عصمه من كيدهم وأظهره حتى صارت الحرب بينه وبينهم ~~سجالا ثم كانت العاقبة له فهو أشبه بحال محمد صلى الله عليه وسلم فان محمدا ~~سيد الجميع وهو خليل الله كما أن إبراهيم خليله والخليلان هما أفضل الجميع ~~وفي طريقتهما من الرأفة والرحمة ما ليس في طريقة غيرهما ولم يذكر الله عن ~~قوم إبراهيم دينا غير الشرك وكذلك عن قوم نوح وأما عاد فذكر عنهم التجبر ~~وعمارة الدنيا وقوم صالح ذكر عنهم الاشتغال بالدنيا عن الدين لم يذكر عنهم ~~من التجبر ما ذكر عن عاد وإنما أهلكهم لما عقروا الناقة وأما ms030 أهل مدين فذكر ~~عنهم الظلم في الاموال مع الشرك @QB@ قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ~~ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء @QE@ وقوم لوط ذكر عنهم ~~استحلال الفاحشة ولم يذكروا بالتوحيد بخلاف سائر الامم وهذا يدل على أنهم ~~لم يكونوا مشركين وانما ذنبهم استحلال الفاحشة وتوابع ذلك وكانت عقوبتهم ~~أشد إذ ليس في ذلك تدين بل شر يعلمون أنه شر وهذه الامور تدل على حكمة الرب ~~وعقوبته لكل قوم بما يناسبهم فان قوم نوح أغرقهم اذ لم يكن فيهم خير يرجى & ~~فصل في آيات الانبياء وبراهينهم & # وهي الادلة والعلامات المستلزمة لصدقهم والدليل لا يكون إلا مستلزما ~~للمدلول عليه مختصا به لا يكون مشتركا بينه وبين غيره فإنه يلزم من تحققه ~~تحقق للمدلول وإذا انتفى المدلول انتفى هو فما يوجد مع وجود الشيء ومع عدمه ~~لا يكون دليلا عليه بل الدليل لا يكون الا مع وجوده فما وجد مع النبوة تارة ~~ومع عدم النبوة تارة لم يكن دليلا على النبوة بل دليلها ما يلزم من وجوده ~~وجودها وهنا اضطرب PageV01P030 الناس فقيل دليلها جنس يختص بها وهو الخارق ~~للعادة فلا يجوز وجوده لغير نبي لا ساحر ولا كاهن ولا ولي كما يقول ذلك من ~~يقوله من المعتزلة وغيرهم كابن حزم وغيره وقيل بل الدليل هو الخارق للعادة ~~بشرط الاحتجاج به على النبوة والتحدي بمثله وهذا منتف في السحر والكرامة ~~كما يقول ذلك من يقوله من متكلمي أهل الاثبات كالقاضيين أبي بكر وأبي يعلى ~~وغيرهما وقد بسط القاضي أبو بكر الكلام في ذلك في كتابه المصنف في الفرق ~~بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانات والسحر والنيرنجيات وهؤلاء جعلوا ~~مجرد كونه خارقا للعادة هو الوصف المعتبر وفرق بين أن يقال لا بد أن يكون ~~خارقا للعادة وبين أن يقال كونه خارقا للعادة هو المؤثر فإن الاول يجعله ~~شرطا لا موجبا والثاني يجعله موجبا وفرق بين أن يقال العلم والبيان وقراءة ~~القرآن لا يكون إلا من حي وبين أن يقال كونه حيا ms031 يوجب أن يكون عالما قارئا ~~ومن هنا دخل الغلط على هؤلاء وليس في الكتاب والسنة تعليق الحكم بهذا الوصف ~~بل ولا ذكر خرق العادة ولا لفظ المعجز وانما فيه آيات وبراهين وذلك يوجب ~~اختصاصها بالانبياء # وأيضا فقالوا في شرطها أن لا يقدر عليها إلا الله لا تكون مقدورة ~~للملائكة ولا للجن ولا للإنس بأن يكون جنسها مما لا يقدر عليه إلا الله ~~كاحياء الموتى وقلب العصا حية واذا كانت من أفعال العباد لكنها خارقة ~~للعادة مثل حمل الجبال والقفز من المشرق إلى المغرب والكلام المخلوق الذي ~~يقدر على مثله البشر ففيه لهم قولان أحدهما أن ذلك يصح أن يكون معجزة ~~والثاني أن المعجزة انما هي إقدار المخلوق على ذلك بأن يخلق فيه قدرة خارجة ~~عن قدرته المعتادة وهذا اختيار القاضي أبي بكر ومن اتبعه كالقاضي أبي يعلى ~~وظنوا أن هذا يوجب طرد قولهم إنها لا تكون مقدورة لغير الله بخلاف القول ~~الاول فانه تقع فيه شبهة اذ كان الجنس معتادا وانما الخارق هو الكثير ~~الخارج عن العادة وهذا الفرق الذي ذكره ضعيف فإنه إذا كان قادرا على اليسير ~~فخرق العادة في قدرته حتى جعله قادرا على الكثير فجنس القدرة معتاد مثل جنس ~~المقدور وانما خرقت العادة بقدرة خارجة عن العادة كما خرقت بفعل خارج عن ~~القدرة وعنده أن خلق القدرة خلق PageV01P031 لمقدورها والقدرة عنده مع ~~الفعل فلا فرق وهذا القول وهو أن المعجزة لا تكون إلا مقدورة للرب لا ~~للعباد قول كثير من أهل الكلام من القدرية والمثبتة للقدر وغيرهم ثم انهم ~~لما طولبوا بالدليل على أنه لا يجوز أن تقدر العباد على مثل إبراء الأكمه ~~والأبرص وإحياء الموتى ونحو ذلك مما ذكروا أنه يمتنع أن يكون مقدورا لغير ~~الله اعتمدوا في الدلالة على أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده فلو جاز ~~أن يكون العبد قادرا على هذه الامور لوجب أن لا يخلو من ذلك ومن ضده وهو ~~العجز أو القدرة على ضد ذلك الفعل كما يقولونه في ms032 فعل العبد انه اذا لم ~~يقدر على الفعل فلا بد أن يكون عاجزا أو قادرا على ضده هذا احتجاج من يقول ~~القدرة مع الفعل والقدرة عنده لا تصلح للضدين كالاشعرية فيقول لا يخلو من ~~القدرة أو العجز فهذه مقدمة والمقدمة الثانية ونحن لا نحس من أنفسنا عجزا ~~عن إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ونحو هذه الامور لكنا غير قادرين ~~عليها ولا يجوز أن نقدر عليها وهؤلاء يقولون لا يكون الشيء عاجزا إلا عما ~~يصح أن يكون قادرا عليه بخلاف مالا يصح أن يكون قادرا عليه فلا يصح أن يكون ~~عاجزا عنه ولهذا قالوا لا ينبغي أن تسمى هذه معجزات لان ذلك يقتضي أن الله ~~أعجز العباد عنها وإنما يعجز العباد عما يصح قدرتهم عليه هذا كلام القاضي ~~أبي بكر ومن وافقه وكلا المتقدمين دعوى مجردة لم يقم على واحدة منها حجة ~~فكيف يجوز أن يكون الفرق بين المعجزة وغيرها مبنيا على مثل هذا الكلام الذي ~~ينازعه فيه أكثر العقلاء ولو كان صحيحا لم يفهم إلا بكلفة ولا يفهمه إلا ~~قليل من الناس فكيف اذا كان باطلا والذين آمنوا بالرسل لما رأوه وسمعوه من ~~الآيات لم يتكلموا بمثل هذا الفرق بل ولا خطر بقلوبهم ولهذا لما رأى ~~المتأخرون ضعف هذا الفرق كأبي المعالي والرازي والآمدي وغيرهم حذفوا هذا ~~القيد وهو كون المعجزة مما ينفرد الباري بالقدرة عليها وقالوا كل حادث فهو ~~مقدور للرب وأفعال العباد هي أيضا مقدورة للرب وهو خالقها والعبد ليس خالقا ~~لفعله فالاعتبار بكونها خارقة للعادة قد استدل بها على النبوة وتحدى بمثلها ~~فلم يمكن أحدا معارضته هذه القيود الثلاثة وحذفوا ذلك القيد وزعم القاضي ~~أبو بكر أن ما يستدل به على أن المعجزات يمتنع دخولها تحت قدرة العباد لا ~~PageV01P032 يصح على أصول القدرية وبسط القول في ذلك بكلام يصح بعضه دون ~~بعض كعادته في أمثال ذلك ثم جعل هذا الفرق هو الفرق بين المعجزات وبين ~~السحر والحيل فقال وأما على قولنا إن المعجز لا يكون إلا من ms033 مقدورات القديم ~~ومما يستحيل دخوله ودخول مثله تحت قدرة العباد فاذا كان كذلك استحال أن ~~يفعل أحد من الخلق شيئا من معجزات الرسل أو ما هو من جنسها لان المحتال ~~إنما يحتال ويفعل ما يصح دخوله تحت قدرته دون ما يستحيل كونه مقدورا له قال ~~وأما القائلون بأنه يجوز أن يكون في معجزات الرسل ما يدخل جنسه تحت قدرة ~~العباد وان لم يقدروا على كثيره وما يخرق العادة منه فانهم يقولون قد علمنا ~~انه لا حيلة ولا شيء من السحر يمكن أن يتوصل به الساحر والمشعبذ إلى فعل ~~الصعود في السماء ولا قفز من المشرق إلى المغرب وقفز الفراسخ الكثيرة ~~والمشي على الماء وحمل الجبال الراسيات هذا أمر لا يتم بحيلة محتال ولا سحر ~~ساحر وتكلم على إبطال قول من قال ان السحر لا يكون إلا تخييلا لا حقيقة له ~~وذكر أقوال العلماء والآثار عن الصحابة بأن الساحر يقتل بسحره وقول إنه ~~يقتل حدا عند أكثرهم وقصاصا عند بعضهم ثم قال باب القول في الفصل بين ~~المعجزة والسحر وهو لم يفرق بين الجنسين بل يجوز أن يكون ما هو معجزة ~~للرسول يظهر على يد الساحر لكن قال الفرق هو تحدي الرسول بالاتيان بمثله ~~وتقريع مخالفه بتعذر مثله عليه فمتى وجد الذي ينفرد الله بالقدرة عليه من ~~غير تحد منه واحتجاج لنبوته بظهوره لم يكن معجزا واذا كان كذلك خرج السحر ~~عن أن يكون معجزا ومشبها لآيات الانبياء وكان ما يظهر عند فعل الساحر من ~~جنس بعض معجزات الرسل وما يفعله الله عند تحديهم به غير أن الساحر إذا احتج ~~بالسحر وادعى به النبوة أبطله الله بوجهين أحدهما أن ينسيه عمل السحر أولا ~~يفعل عند سحره شيئا في المسحور من موت أو سقم أو بغض ولم يخلق فيه الصعود ~~إلى جهة العلو والقدرة على الدخول في بقرة فاذا منعه هذه الاسباب بطل السحر ~~والثاني أن الساحر تمكن معارضته فان أبواب السحر معلومة عند السحرة فاذا ~~تحدى ساحر بشيء يفعل عند سحره ms034 لم يلبث أن يجد خلقا من السحرة يفعلون مثل ~~فعله ويعارضونه بأدق وأبلغ مما أورده والرسول اذا ظهر عليه مثل ذلك وادعاه ~~آية PageV01P033 له قال لهم هذا آيتي وحجتي ودليل ذلك أنكم لا تقدرون على ~~مثله ولا يفعله الله في وقتي هذا ومع تحدي ومطالبتي بمثله عند سحر ساحر ~~وفعل كاهن وقد كان يظهر من سحرتكم وكهانكم وهي آية لا تظهر اليوم على أحد ~~من الخلق وان دق سحره وعظم في الكهانة علمه فاذا ظهر ذلك عليه وامتنع ظهور ~~مثله على يد ساحر أو كاهن مع أنه قد كان يظهر من قبل صار هذا خرق عادة ~~البشر وعادة السحرة والكهنة خاصة قال ولم يبعد أن يقال هذه الآية أعظم من ~~غيرها وان لها فضل مزية ذكر هذا بعد أن قال فان قال قائل فاذا أجزتم أن ~~يكون من عمل السحر ما يفعل الله عنده سقم الصحيح وموته ويفعل عنده بغض ~~المحب وحب المبغض وبغض الوطن والرد اليه من السفر وضيق الصدر والعجز عن ~~الوطء بالربط والشد الذي يعلمه السحرة والصعود في جهة العلو على خيط أو بعض ~~الآلات في الفصل بين هذا وبين معجزات الرسل وكيف تنفصل مع ذلك المعجزات من ~~السحر ويمكن الفرق بين النبي والساحر أو ليس لو قال نبي مبعوث أني أصعد على ~~هذا الخيط نحو السماء وأدخل جوف هذه البقرة وأخرج وأني أفعل فعلا أفرق به ~~بين المرء وزوجه وأفعل فعلا أقتل به هذا الحي وأسقم هذا الصحيح فهل كان ~~يكون ذلك لو ظهر على يده آيه ودليلا على صدقه وما الفصل اذا بين السحر ~~والمعجز ثم قال في الجواب يقال له جواب هذا قريب وذلك أنا قد بينا في صدر ~~هذا الكتاب أن من حق المعجز ألا يكون معجزا حتى يكون واقعا من فعل الله على ~~وجه خرق عادة البشر مع تحدي الرسول بالايتان إلى آخر ما كتب # قلت هذا عمدة القوم ولهذا طعن الناس في طريقهم وشنع عليهم ابن حزم وغيره ~~وذلك أن هذا ms035 الكلام مستدرك من وجوه # أحدها أنه إذا جوز أن يكون ما ينفرد الرب بالقدرة عليه على قوله يأتي به ~~النبي تارة والساحر تارة ولا فرق بينهما إلا دعوى النبوة والاستدلال به ~~والتحدي بالمثل فلا حاجة إلى كونه مما انفرد الباري بالقدرة عليه لا سيما ~~وقد ظهر ضعف الفرق بين ما يمتنع قدرة العباد عليه وما لا يمتنع ولهذا أعرض ~~المتأخرون عن هذا القيد PageV01P034 # الوجه الثاني وبه تنكشف حقيقة طريقهم انه على هذا لم تتميز المعجزات بوصف ~~نختص به وانما امتازت باقترانها بدعوى النبوة وهذا حقيقة قولهم وقد صرحوا ~~به فالدليل والبرهان إن استدل به كان دليلا وان لم يستدل به لم يكن دليلا ~~وان اقترنت به الدعوى كان دليلا وان لم تقترن به الدعوى لم يكن دليلا عندهم ~~ولهذا لم يجعلوا دلالة المعجز دلالة عقلية بل دلالة وضعية كدلالة الالفاظ ~~بالاصطلاح وهذا مستدرك من وجوه منها أن كون آيات الانبياء مساوية في الحد ~~والحقيقة لسحر السحرة أمر معلوم الفساد بالاضطرار من دين الرسل الثاني أن ~~هذا من أعظم القدح في الانبياء إذا كانت آياتهم من جنس سحر السحرة وكهانة ~~الكهان # الثالث أنه على هذا التقدير لا تبقى دلالة فان الدليل ما يستلزم المدلول ~~ويختص به فاذا كان مشتركا بينه وبين غيره لم يبق دليلا فهؤلاء قدحوا في ~~آيات الانبياء ولم يذكروا دليلا على صدقهم # الرابع أنه على هذا التقدير يمكن الساحر دعوى النبوة وقوله إنه عند ذلك ~~يسلبه الله القدرة على السحر أو يأتي بمن يعارضه دعوى مجردة فان المنازع ~~يقول لا نسلم أنه أذا ادعى النبوة فلا بد أن يفعل الله ذلك لا سيما على ~~أصله وهو أن الله يجوز أن يفعل كل مقدور وهذا مقدور للرب فيجوز أن يفعله ~~وادعى أن ما يخرق العادة من الامور الطبيعية والطلمسات هي كالسحر فقال ~~ولاجل ذلك لم تلتبس آيات الرسل بما يظهر من جذب حجر المغناطيس وما يوجد ~~ويكون عند كتب الطلمسات قال وذلك أنه لو ابتدأ نبي باظهار حجر المغناطيس ms036 ~~لوجب أن يكون ذلك آية له ولو أن أحدا أخذ هذا الحجر وخرج إلى بعض البلاد ~~وادعى أنه آية له عند من لم يره ولم يسمع به لوجب أن ينقضه الله عليه ~~بوجهين أحدهما أن يؤثر دواعي خلق من البشر إلى حمل جنس تلك الحجارة إلى ذلك ~~البلد وكذلك سبيل الزناد الذي يقدح النار وتعرفه العرب وكذلك سبيل الطلمسات ~~التي يقال انها تنفي الذباب والبق والحيات والوجه الآخر أن لا يفعل الله ~~عند ذلك ما كان يفعله من قبل فيقال هذه دعوى مجردة # ومما يوضح ذلك الوجه الخامس وهو أن جعل قدح الزناد وجذب حجر PageV01P035 ~~المغناطيس والطلمسات من جنس معجزات الانبياء وأنه لو بعث نبي ابتداء وجعل ~~ذلك آية له جاز ذلك غلط عظيم وعدم علم بقدر معجزات الانبياء وآياتهم وهذا ~~إنما أتاهم حيث جعلوا جنس الخارق هو الآية كما فعلت المعتزلة وأولئك كذبوا ~~بوجود ذلك لغير الانبياء وهؤلاء ما أمكنهم تكذيب ذلك لدلالة الشرع والاخبار ~~المتواترة والعيان على وجود حوادث من هذا النوع فجعلوا الفرق افتراق الدعوى ~~والاستدلال والتحدي دون الخارق ومعلوم أن ما ليس بدليل لا يصير دليلا بدعوى ~~المستدل أنه دليل وقد بسط الكلام في ذلك وجوز أن تظهر المعجزات على يد كاذب ~~إذا خلق الله مثلها على يد من يعارضه فعمدته سلامتها من المعارضة بالمثل مع ~~أن المثل عنده موجود وآيات الانبياء لها أمثال كثيرة لغير الانبياء لكن ~~يقول إن من ادعى الإتيان فإما أن لا يظهرها الله على يديه وإما أن يقيض من ~~يعارضه بمثلها هذا عمدة القوم وليس فرقا حقيقيا بين النبي والساحر وانما هو ~~مجرد دعوى # وهذا يظهر بالوجه السادس وهو أن من الناس من ادعى النبوة وكان كاذبا ~~وظهرت على يده بعض هذه الخوارق فلم يمنع منها ولم يعارضه أحد بل عرف أن هذا ~~الذي أتى به ليس من آيات الانبياء وعرف كذبه بطرق متعددة كما في قصة الاسود ~~العنسي ومسيلمة الكذاب والحارث الدمشقي وبابا الرومي وغير هؤلاء ممن ادعى ~~النبوة فقولهم ms037 إن الكذاب لا يأتي بمثل هذا الجنس ليس كما ادعوه # الوجه السابع أنه إنما أوجب أن لا يظهر الله الخوارق على يد الكذاب لأن ~~ذلك يفضي إلى عجز الرب وهذه عمدة الاشعري في أظهر قوليه وهي المشهورة عند ~~قدمائهم وهي التي سلكها القاضي أبو يعلى ونحوه قال القاضي أبو بكر فان قال ~~قائل من القدرية فلم لا يجوز أن تظهر المعجزات على يد مدعي النبوة ليلبس ~~بذلك على العباد ويضل به عن الدين وأنتم تجوزون خلقه الكفر في قلوب الكفار ~~وإضلالهم فما الفصل بين إضلالهم بهذا وبين اضلالهم باظهار المعجزات على يد ~~الكاذبين قال فيقال لمن سأل عن هذا من القدرية الفصل بين الامرين ظاهر ~~معلوم وقد نص القرآن والأخبار بأنه يضل ويهدي ويختم على القلوب والأسماع ~~والأبصار فاما مطالبتهم بالفرق بين إضلال العباد بهذه الضروب من الأفعال ~~وبين إضلالهم PageV01P036 بإظهار المعجزات على أيدي الكذابين فجوابه أنا لم ~~تحل إضلالهم بهذا الضرب لأنه إضلال عن الدين أو لقبحه من الله لو وقع أو ~~لاستحقاقه الذم عليه تعالى عن ذلك أو لكونه ظالما لهم بالتكليف مع هذا ~~الفعل كل ذلك باطل محال من تمويههم وإنما احلناه لأنه يوجب عجز القديم عن ~~تمييز الصادق من الكادب وتعريفنا الفرق بين النبي والمتنبي من جهة الدليل ~~إذ لا دليل في قول كل أحد أثبت النبوة على نبوة الرسل وصدقهم إلا ظهور ~~أعلام المعجزة على أيديهم أو خبر من ظهرت المعجزة على يده عن نبوة آخر مرسل ~~فهذا إجماع لا خلاف فيه فلو أظهر الله على يد المتنبي الكاذب ذلك لبطلت ~~دلائل النبوة وخرجت المعجزات عن كونها دلالة على صدق الرسول ولوجب لذلك عجز ~~القديم عن الدلالة على صدقهم ولما لم يجز عجزه وارتفاع قدرته عن بعض ~~المقدورات لم يجز لذلك ظهور المعجزات على أيدي الكذابين بخلاف خلق الكفر في ~~قلوب الكافرين # قلت هذا عمدة القوم والمتأخرون عرفوا ضعف هذا فلم يسلكوه كأبي المعالي ~~والرازي وغيرهما بل سلكوا الجواب الآخر وهو أن العلم بالصدق عند ms038 المعجز ~~يحصل ضرورة فهو علم ضروري وبين ضعف هذا الجواب مع أنه يحتج به وقال فهذا ~~هذا من وجوه أحدها أن يقال إن كان الامر كما زعمتم فانما يلزم العجز إذا ~~كان خلق الدليل دال على صدقهم جنسه لا يدل بل جنسه يقع مع عدم النبوة ولم ~~يبق عندكم جنس من الادلة يخص النبوة فلم قلتم إن تصديقهم والحال هذه ممكن ~~ولا ينفعكم هذا الاستدلال بالاجماع ونحوه من الادلة السمعية لان كلامكم مع ~~منكري النبوات فيجب أن تقيموا عليهم كون المعجزات دليلا على صدق النبي وأما ~~من أقر بنبوتهم بطريق غير طريقكم فإنه لا يحتاج إلى كلامكم فاذا قال لكم ~~منكرو النبوة لا نسلم إمكان طريق يدل على صدقهم لم يكن معكم ما يدل على ذلك ~~وقد أورد هذا السؤال وأجاب عنه بأنه يمكنه تصديقهم بالقول والمعجزات تقوم ~~مقام التصديق بالقول بل التصديق بالفعل أوكد وضرب المثل بمدعي الوكالة اذا ~~قال قم أو اقعد ففعل ذلك عند استشهاد وكيله فان العقلاء كلهم يعلمون أنه ~~أقام تلك الأفعال مقام القول PageV01P037 قلت وهذا يعود إلى الاحتجاج ~~بالطريقة الثانية وهي العلم بالتصديق ضرورة فلا حاجة إلى طريقة المعجزات ~~الثاني انه يمكن أن يخلق علما ضروريا بصدقهم وقد سلم القاضي أبو بكر ذلك ~~لكن قال إذا اضطررنا إلى العلم بصدق مدعي النبوة وأنه أرسله الينا كان في ~~ضمن هذا العلم اضطراره لنا إلى العلم بذاته والى أنه قد أرسل مدعي النبوة ~~وإذا علمنا ذلك اضطرارا لم يكن للتكليف بالعلم بصدقه وجه وخرجنا بذلك عن أن ~~نكون مكلفين بالعلم بالدين وهذا كلام يؤدي إلى خروجنا عن حد المحنة ~~والتكليف فيقال له اذا حصل العلم الضروري بوجود الخالق وبصدق رسوله كان ~~التكليف بالاقرار بالصانع وعبادته وحده لا شريك له وبتصديق رسله وطاعة أمره ~~وهذا هو الذي أمرت به الرسل أمرت الخلق أن يعبدوا الله وحده وأن يطيعوا ~~رسله ولم يأمروا جميع الخلق بأن يكتسبوا علما نظريا بوجود الخالق وصدق رسله ~~لكن من جحد الحق امروه بالاقرار ms039 به وأقاموا الحجة عليه وبينوا معاندته وأنه ~~جاحد للحق الذي يعرفه وكذلك الرسول كانوا يعلمون أنه صادق ويكذبونه فليتدبر ~~هذا الموضع فانه موضع عظيم الوجه الثالث أن يقال نحن نسلن أن المعجزات تدل ~~على الصدق وأنه لا يجوز إظهارها على يد الكاذب لكن هو لأن الله منزه عن ذلك ~~وأن حكمته تمنع ذلك ولا يجوز عليه كل فعل ممكن وأنتم مع تجويزكم عليه كل ~~ممكن يلزمكم تجويز خلق المعجزة على يد الكاذب فما علم بالعقل والاجماع من ~~امتناع ظهورها على يد الكاذب يدل على فساد أصلكم الوجه الرابع أن يقال لم ~~قلتم إنه لا دليل على صدقهم إلا المعجزات وما ذكرتم من الاجماع على ذلك لا ~~يصح الاستدلال به لوجهين أحدهما أنه لا إجماع في ذلك بل كثير من الطوائف ~~يقولون إن صدقهم بغير المعجزات الثاني أنه لا يصح الاحتجاج بالاجماع في ذلك ~~فان الاجماع إنما يثبت بعد ثبوت النبوة والمقدمات التي تعلم بها النبوة لا ~~يحتج عليها بالاجماع وقولكم لا دليل سوى المعجز مقدمة ممنوعة وذكر عن ~~الأشعري أنه ذكر جوابا آخر فقال وأيضا فإن قول القائل ما أنكرتم من جواز ~~إظهار المعجزات على أيدي الكذابين قول متناقض والله على كل شيء قدير ولكن ~~ما طالب السائل باجازته محال لا تصح القدرة عليه ولا العجز عنه لأنه بمنزلة ~~كونه PageV01P038 أظهر المعجزات على أيديهم فانه أوجب أنهم صادقون لان ~~المعجز دليل على الصدق ومتضمن له وقوله مع ذلك إنهم كاذبون نقض لقوله إنهم ~~صادقون قد ظهرت المعجزات على أيديهم فوجب إحالة هذه المطالبة وصار هذا ~~بمثابة قول من قال ما أنكرتم من صحة ظهور الأفعال المحكمة الدالة على علم ~~فاعلها والمتضمنة لذلك من جهة الدليل من الجاهل بها في أنه قول باطل متناقض ~~فيجب اذا كان الامر كذلك استحالة ظهور المعجزات على يدي الكاذبين واستحالة ~~ثبوت قدرة قادر عليه وكيف يصح على هذا الجواب أن يقال ما أنكرتم وزعمتم أنه ~~من فعل المحال الذي لا يصح حدوثه وتناول القدرة له ms040 هو من قبيل الجائز قياسا ~~على صحة خلق الكفر وضروب الضلال التي يصح حدوثها وتناول القدرة لها قلت هذا ~~كلام صحيح اذا علم أنها دليل الصدق يستحيل وجوده بدون الصدق والممتنع غير ~~مقدور فيمتنع أن يظهر على أيدي الكاذبين ما يدل على صدقهم لكن المطالب يقول ~~كيف يستقيم على أصلكم أن يكون ذلك دليل الصدق وهو أمر حادث مقدور وكل مقدور ~~يصح عندكم أن يفعله الله ولو كان فيه من الفساد ما كان فانه عندكم لا ينزه ~~عن فعل ممكن ولا يقبح منه فعل فحينئذ اذا خلق على يد الكاذب مثل هذه ~~الخوارق لم يكن ممتنعا على أصلكم وهي لا تدل على الصدق البتة على أصلكم ~~ويلزمكم إذا لم يكن دليل إلهي ألا يكون في المقدور دليل على صدق مدعي ~~النبوة فيلزم أن الرب سبحانه لا يصدق أحدا ادعى النبوة واذا قلتم هذا ممكن ~~بل واقع ونحن نعلم صدق الصادق اذا ظهرت هذه الاعلام على يده ضرورة قيل فهذا ~~يوجب أن الرب لا يجوز عليه إظهارها على يد كاذب وهذا فعل من الأفعال هو ~~قادر عليه وهو سبحانه لا يفعله بل هو منزه عنه فأنتم بين أمرين ان قلتم لا ~~يمكنه خلقها على يد الكاذب وكان ظهورها ممتنعا فقد قلتم إنه لا يقدر على ~~إحداث حادث قد فعل مثله وهذا تصريح بعجزه وأنتم قلتم فليست بدليل فلا يلزم ~~عجزه فصارت دلالتها مستلزمة لعجزه على أصلكم وان قلتم يقدر لكنه لا يفعل ~~فهذا حق وهو ينقض أصلكم وحقيقة الامر أن نفس ما يدل على صدق الصادق بمجموعه ~~امتنع أن يحصل للكاذب وحصوله له ممتنع غير مقدور وأما خلق مثل تلك الخارقة ~~على يد الكاذب فهو ممكن والله سبحانه وتعالى قادر عليه PageV01P039 لكنه لا ~~يفعله لحكمته كما أنه سبحانه يمتنع عليه أن يكذب أو يظلم والمعجز تصديق ~~وتصديق الكاذب هو منزه عنه والدال على الصدق قصد الرب تصديق الصادق وهذا ~~القصد يمتنع حصوله للكاذب فيمتنع جعل من ليس برسول رسولا وجعل الكاذب ms041 صادقا ~~ويمتنع من الرب قصد المحال وهو غير مقدور وهو اذا صدق الصادق بفعله علم ~~بالاضطرار والدليل أنه صدقه وهذا العلم يمتنع حصوله للكاذب واستشهادكم ~~بالعلم هو من هذا الباب فانتم تقولون إن الرب لا يخلق شيئا لشيء وحينئذ فلا ~~يكون قاصدا لما في المخلوقات من الإحكام فلا يكون الإحكام دالا على العلم ~~على أصلكم فان الإحكام إنما هو جعل الشيء محصلا للمطلوب بحيث يجعل لأجل ذلك ~~المطلوب وهذا عندهم لا يجوز فاثباته علمه وتصديق رسله مشروط بأن يفعل شيئا ~~لشيء وهذا عندكم لا يجوز فلهذا يقال إنكم متناقضون والله سبحانه وتعالى ~~أعلم # الوجه الثامن أن حقيقة الامر على قول هؤلاء الذين جعلوا المعجزة الخارق ~~مع التحدي أن المعجز في الحقيقة ليس الا منع الناس من المعارضة بالمثل سواء ~~كان المعجز في نفسه خارقا أو غير خارق وكثير مما يأتي به الساحر والكاهن ~~أمر معتاد لهم وهم يجوزون أن يكون آية للنبي واذا كان آية منع الله الساحر ~~والكاهن من مثل ما كان يفعل أو قيض له من يعارضه وقالوا هذا أبلغ فانه منع ~~المعتاد وكذلك عندهم أحد نوعي المعجزات منعهم من الأفعال المعتادة وهو مأخذ ~~من يقول بالصرفة واذا كان كذلك جاز أن يكون كل أمر كالأكل والشرب والقيام ~~والقعود معجزة اذا منعهم أن يفعلوا كفعله وحينئذ فلا معنى لكونها خارقا ولا ~~لاختصاص الرب بالقدرة عليها بل الاعتبار بمجرد عدم المعارضة وهم يقرون ~~بخلاف ذلك والله أعلم # الوجه التاسع أنه اذا كانت المعجزة هي مجموع دعوى الرسالة مع التحدي فلا ~~حاجة إلى كونه خارقا كما تقدم ويجب اذا تحدى بالمثل أن يقول فليأت بمثل ~~القرآن من يدعي النبوة فإن هذا هو المعجز عندهم وإلا كان القرآن مجردا ليس ~~بمعجز فلا يطلب مثل القرآن إلا ممن يدعي النبوة كما في الساحر والكاهن اذا ~~ادعى النبوة سلبه الله ذلك أو قيض له من يعارضه وإذا لم يدع النبوة جاز أن ~~يظهر على يده مثل ما يظهر على يد النبي فكذلك يلزمهم ms042 مثل هذا في القرآن ~~وسائر المعجزات والله أعلم PageV01P040 & فصل في أن الرسول لا بد أن يبين ~~أصول الدين & # وهي البراهين الدالة على أن ما يقوله حق من الخبر والأمر فلا بد أن يكون ~~قد بين الدلائل على صدقه في كل ما أخبر ووجوب طاعته في كل ما أوجب وأمر ومن ~~أعظم أصول الضلال الإعراض عن بيان الرسول للأدلة والآيات والبراهين والحجج ~~فإن المعرضين عن هذا إما أن يصدقوه ويقبلوا قوله ويؤمنوا به بلا دليل أصلا ~~ولا علم وإما أن يستدلوا على ذلك بغير أدلته فان لم يكونوا عالمين بصدقه ~~فهم ممن يقال له في قبره ما قولك في هذا الرجل الذي بعث فيكم فأما المؤمن ~~أو الموقن فيقول هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به ~~واتبعناه وأما المنافق أو المرتاب فيقول هاء هاء لا أدري سمعت الناس يقولون ~~شيئا فقلته فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين وان ~~استدل على ذلك بغير الآيات والأدلة التي دعا بها الناس فهو مع كونه مبتدعا ~~لا بد أن يخطئ ويضل فان ظن الظان أنه بأدلة وبراهين خارجة عما جاء به تدل ~~على ما جاء به فهو من جنس ظنه أنه يأتي بعبادات غير ما شرعه توصل إلى ~~مقصوده وهذا الظن وقع فيه طوائف من النظار الغالطين أصحاب الاستدلال ~~والاعتبار والنظر كما وقع في الظن الاول طوائف من العباد الغالطين أصحاب ~~الارادة والمحبة والزهد وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة خير ~~الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ~~يتناول هذا وهذا وقد أرى الله تعالى عباده الآيات في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~تبين لهم أن ما قاله هو حق فأن أرباب العبادة والمحبة والارادة والزهد ~~الذين سلكوا غير ما أمروا به ضلوا كما ضلت النصارى ومبتدعة هذه الأمة من ~~العباد وأرباب النظر والاستدلال الذين سلكوا غير دليله وبيانه أيضا ضلوا ~~قال تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي ms043 فلا يضل ولا يشقى ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ ~~PageV01P041 وفي الكلام المأثور عن الإمام أحمد أصول الاسلام أربعة دال ~~ودليل ومبين ومستدل فالدال هو الله والدليل هو القرآن والمبين هو الرسول ~~قال الله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ والمستدل هم أولو العلم ~~وأولو الألباب الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم وقد ذكره ابن ~~المنى عن أحمد وهو مذكور في العدة للقاضي أبي يعلى وغيرها إما أن أحمد قال ~~له أو قيل له فاستحسنه ولهذا صار كثير من النظار يوجبون العلم والنظر ~~والاستدلال وينهون عن التقليد ويقول كثير منهم إن ايمان المقلد لا يصح أو ~~أنه وان صح لكنه عاص بترك الاستدلال ثم النظر والاستدلال الذي يدعون إليه ~~ويوجبونه ويجعلونه أول الواجبات وأصل العلم هو نظر واستدلال ابتدعوه ليس هو ~~المشروع لا خبرا ولا أمرا وهو استدلال فاسد لا يوصل إلى العلم فانهم جعلوا ~~أصل العلم بالخالق هو الاستدلال على ذلك بحدوث الأجسام والاستدلال على حدوث ~~الأجسام بأنها مستلزمة للأعراض لا تخلو عنا ولا تنفك منها ثم استدلوا على ~~حدوث الاعراض قالوا فثبت أن الأجسام مستلزمة للحوادث لا تخلو عنها فلا تكون ~~مثلها ثم كثير منهم قالوا وما لم يخل من الحوادث أو ما لم يسبق الحوادث فهو ~~حادث وظن أن هذه مقدمة بديهية معلومة بالضرورة لا يطلب عليها دليل وكان ذلك ~~بسبب أن لفظ الحوادث يشعر بان لها ابتداء كالحادث المعين والحوادث المحدودة ~~ولو قدرت ألف ألف ألف حادث فإن الحوادث اذا جعلت مقدرة محدودة فلا بد أن ~~يكون لها ابتداء فإن مالا ابتداء له ليس له حد معين ابتدأ منه اذ قد قيل لا ~~ابتداء له بل هو قديم أزلي دائم ومعلوم أن هذه الحوادث مالم يسبقها فهو ~~حادث فإنه يكون إما معها وإما بعدها وكثير منهم يفطن للفرق بين جنس الحوادث ~~وبين الحوادث المحدودة ms044 فالجنس مثل أن يقال ما زالت الحوادث توجد شيئا بعد ~~شيء أو ما زال جنسها موجودا أو ما زال الله متكلما اذا شاء أو ما زال الله ~~فاعلا لما يشاء أو ما زال قادرا على أن يفعل قدرة يمكن معها اقتران المقدور ~~بالقدرة لا تكون قدرة يمتنع معها المقدور فان هذه في PageV01P042 الحقيقة ~~ليست قدرة ومثل أن يقال في المستقبل لا بد أن الله يخلق شيئا بعد شيء ونعيم ~~أهل الجنة دائم لا يزول ولا ينفد وقد يقال في النوعين كلمات الله لا تنفذ ~~ولا نهاية لها لا في الماضي ولا في المستقبل ونحو ذلك فالكلام في دوام ~~الجنس وبقائه وأنه لا ينفد ولا ينقضي ولا يزول ولا ابتداء له غير الكلام ~~فيما يقدر محدودا له ابتداء أوله ابتداء وانتهاء فإن كثيرا من النظار من ~~يقول جنس الحوادث إذا قدر له ابتداء وجب أن يكون له انتهاء لأنه يمكن فرض ~~تقدمه على ذلك الحد فيكون أكثر مما وجد ومالا يتناهى لا يدخله التفاضل فإنه ~~ليس وراء عدم النهاية شيء أكثر منها بخلاف مالا ابتداء له ولا انتهاء فإن ~~هذا لا يكون شيء فوقه فلا يفضي إلى التفاضل فيما لا يتناهى وبسط هذا له ~~موضع آخر والمقصود هنا أن هؤلاء جعلوا هذا أصل دينهم وإيمانهم وجعلوا النظر ~~في هذا الدليل هو النظر الواجب على كل مكلف وأنه من لم ينظر في هذا الدليل ~~فاما أنه لا يصح إيمانه فيكون كافرا على قول طائفة منهم وإما أن يكون عاصيا ~~على قول آخرين وأما إن يكون مقلدا لا علم له بدينه لكنه ينفعه هذا التقليد ~~ويصير به مؤمنا غير عاص والأقوال الثلاثة باطلة لأنها مفرعة على أصل باطل ~~وهو أن النظر الذي هو أصل الدين والايمان هو هذا النظر في هذا الدليل فان ~~علماء المسلمين يعلمون بالاضطرار أن الرسول لم يدع الخلق بهذا النظر ولا ~~بهدا الدليل لا عامة الخلق ولا خاصتهم فامتنع أن يكون هذا شرطا في الايمان ~~والعلم وقد شهد القرآن ms045 والرسول لمن شهد له من الصحابة وغيرهم بالعلم وأنهم ~~عالمون بصدق الرسول وبما جاء به وعالمون بالله وبأنه لا إله إلا الله ولم ~~يكن الموجب لعلمهم هذا الدليل المعين كما قال تعالى @QB@ ويرى الذين أوتوا ~~العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد @QE@ ~~وقال @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ~~@QE@ وقال @QB@ أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى @QE@ # وقد وصف باليقين والهدى والبصيرة في غير موضع كقوله @QB@ وبالآخرة هم ~~يوقنون @QE@ وقوله @QB@ أولئك على هدى من ربهم @QE@ وقوله @QB@ قل هذه ~~سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني @QE@ PageV01P043 وأمثال ذلك ~~فتبين أن هذا النظر والاستدلال الذي أوجبه هؤلاء وجعلوه أصل الدين ليس مما ~~أوجبه الله ورسوله ولو قدر أنه صحيح في نفسه وأن الرسول أخبر بصحته لم يلزم ~~من ذلك وجوبه اذ قد يكون المطلوب أدلة كثيرة ولهذا طعن الرازي وأمثاله على ~~أبي المعالي في قوله إنه لا يعلم حدوث العالم إلا بهذا الطريق وقالوا هب ~~أنه يدل على حدوث العالم فمن أين يجب أن لا يكون ثم طريق آخر وسلكوا هم ~~طرقا أخر فلو كانت هذه الطريق صحيحة عقلا وقد شهد لها الرسول والمؤمنون ~~الذين لا يجتمعون على ضلالة بأنها طريق صحيحة لم تتعين مع إمكان سلوك طرق ~~أخرى كما أنه في القرآن سور وآيات قد ثبت بالنص والاجماع أنها من آيات الله ~~الدالة على الهدى ومع هذا فاذا اهتدى الرجل بغيرها وقام بالواجب ومات ولم ~~يعلم بها ولم يتمكن من سماعها لم يضره كالآيات المكية التي اهتدى بها من ~~آمن ومات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل سائر القرآن ~~فالدليل يجب طرده ولا يجب عكسه ولهذا أنكر كثير من العلماء على هؤلاء ايجاب ~~سلوك هذه الطريق مع تسليمهم أنها صحيحة كالخطابي والقاضي أبي يعلى وابن ~~عقيل وغيرهم والأشعري نفسه أنكر على من أوجب سلوكها أيضا في رسالته إلى أهل ms046 ~~الثغر مع اعتقاده صحتها واختصر منها طريقة ذكرها في أول كتابه المشهور ~~المسمى باللمع في الرد على أهل البدع وقد اعتنى به أصحابه حتى شرحوه شروحا ~~كثيرة والقاضي أبو بكر شرحه ونقض كتاب عبد الجبار الذي صنفه في نقضه وسماه ~~نقض نقض اللمع وأما أكابر أهل العلم من السلف والخلف فعلموا أنها طريقة ~~باطلة في نفسها مخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول وانه لا يحصل بها العلم ~~بالصانع ولا بغير ذلك بل يوجب سلوكها اعتقادات باطلة توجب مخالفة كثير مما ~~جاء به الرسول مع مخالفة صريح المعقول كما أصاب من سلكها من الجهمية ~~والمعتزلة والكلابية والكرامية ومن تبعهم من الطوائف وان لم يعرفوا غورها ~~وحقيقتها فإن أئمة هؤلاء الطوائف صار كل منهم يلتزم ما يراه لازما ليطردها ~~فيلتزم لوازم مخالفة للشرع والعقل فيجيء الآخر فيرد عليه ويبين فساد ما ~~التزمه ويلتزم هو لوازم أخر لطردها فيقع أيضا في PageV01P044 مخالفة الشرع ~~والعقل فالجهمية التزموا لأجلها نفي أسماء الله وصفاته اذ كانت الصفات ~~أعراضا تقوم بالموصوف ولا يعقل موصوف بصفة إلا الجسم فإذا اعتقدوا حدوثه ~~اعتقدوا حدوث كل موصوف بصفة والرب تعالى قديم فالتزموا نفي صفاته وأسماؤه ~~مستلزمة لصفاته فنفوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى والمعتزلة استعظموا نفي ~~الاسماء لما فيه من تكذيب القرآن تكذيبا ظاهر الخروج عن العقل والتناقض ~~فإنه لا بد من التمييز بين الرب وغيره بالقلب واللسان فما لا يميز من غيره ~~لا حقيقة له ولا إثبات وهو حقيقة قول الجهمية فانهم لم يثبتوا في نفس الامر ~~شيئا قديما البتة كما أن المتفلسفة الذين سلكوا مسلك الامكان والوجوب ~~وجعلوا ذلك بدل الحادث والقديم لم يثبتوا واجبا بنفسه البتة وظهر بهذا فساد ~~عقلهم وعظيم جهلهم مع الكفر وذلك أنه يشهد وجود السماوات وغيرها فهذه ~~الأفلاك إن كانت قديمة واجبة فقد ثبت وجود الموجود القديم الواجب وان كانت ~~ممكنة أو محدثة فلا بد لها من واجب قديم فإن وجود الممكن بدون الواجب ~~والمحدث بدون القديم ممتنع في بدائه العقول فثبت وجود موجود قديم ms047 واجب ~~بنفسه على كل تقدير فاذا كان ما ذكروه من نفي الصفات عن القديم والواجب ~~يستلزم نفي القديم مطلقا ونفي الواجب علم أنه باطل وقد بسط هذا في مواضع ~~وبين أن كل من نفى صفة مما أخبر به الرسول لزمه نفي جميع الصفات فلا يمكن ~~القول بموجب أدلة العقول إلا مع القول بصدق الرسول فأدلة العقول مستلزمة ~~لصدق الرسول فلا يمكن مع عدم تصديقه القول بموجب العقول بل من كذبه فليس ~~معه لا عقل ولا سمع كما أخبر الله تعالى عن أهل النار قال تعالى @QB@ كلما ~~ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ~~وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو ~~نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير @QE@ ~~وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن المعتزلة لما رأوا الجهمية قد نفوا أسماء الله الحسنى ~~استعظموا ذلك وأقروا بالأسماء ولما رأوا هذه الطريق توجب نفي الصفات نفوا ~~الصفات PageV01P045 فصاروا متناقضين فان اثبات حي عليم قدير سميع بصير بلا ~~حياة ولا علم ولا قدرة ولا حكمة ولا سمع ولا بصر مكابرة للعقل كإثبات مصل ~~بلا صلاة وصائم بلا صيام وقائم بلا قيام ونحو ذلك من الاسماء المشتقة ~~كاسماء الفاعلين والصفات المعدولة عنها ولهذا ذكروا في أصول الفقه أن صدق ~~الاسم المشتق كالحي والعليم لا ينفك عن صدق المشتق منه كالحياة والعلم ~~وذكروا النزاع مع من ذكروه من المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم فجاء ابن كلاب ~~ومن اتبعه كالأشعري والقلانسي فقرروا أنه لا بد من إثبات الصفات متابعة ~~للدليل السمعي والعقلي مع إثبات الاسماء وقالوا ليست أعراضا لان العرض لا ~~يبقى زمانين وصفات الرب باقية سلكوا في هذا الفرق وهو أن العرض لا يبقى ~~زمانين مسلكا أنكره عليهم جمهور العقلاء وقالوا إنهم خالفوا الحس وضرورة ~~العقل وهم موافقون لأولئك على صحة هذه الطريقة طريقة الإعراض قالوا وهذه ~~تنفي عن الله أن ms048 يقوم به حادث وكل حادث فانما يكون بمشيئته وقدرته قالوا ~~فلا يتصف بشيء من هذه الامور لا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا يقوم به فعل ~~اختياري يحصل بمشيئته وقدرته كخلق العالم وغيره بل منهم من قال لا يقوم به ~~فعل بل الخلق هو المخلوق كالأشعري ومن وافقه ومنهم من قال بل فعل الرب قديم ~~أزلي وهو من صفاته الأزلية وهو قول قدماء الكلابية وهو الذي ذكره أصحاب ابن ~~خزيمة لما وقع بينه وبينهم بسبب هذا الأصل فكتبوا عقيدة اصطلحوا عليها ~~وفيها إثبات الفعل القديم الأزلي وكان سبب ذلك أنهم كانوا كلابية يقولون ~~إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل كلامه المعين لازم لذاته أزلا وأبدا وكان ~~ابن خزيمة وغيره على القول المعروف للمسلمين وأهل السنة أن الله يتكلم ~~بمشيئته وقدرته وكان قد بلغه عن الإمام أحمد أنه كان يذم الكلابية وأنه أمر ~~بهجر الحارث المحاسبي لما بلغه أنه على قول ابن كلاب وكان يقول حذروا عن ~~حارث الفقير فإنه جهمي واشتهر هذا عن أحمد وكان بنيسابور طائفة من الجهمية ~~والمعتزلة ممن يقولون إن القرآن وغيره من كلام الله مخلوق ويطلقون القول ~~بأنه متكلم بمشيئته وقدرته لكن مرادهم بذلك أنه يخلق كلاما بائنا عنه قائما ~~بغيره كسائر PageV01P046 المخلوقات وكان من هؤلاء من عرف أصل ابن كلاب ~~فاراد التفريق بين ابن خزيمة وبين طائفة من أصحابه فأطلعه على حقيقة قولهم ~~فنفر منه وهم كانوا قد بنوا ذلك على أصل ابن كلاب واعتقدوا أنه لا تقوم به ~~الحوادث بناء على هذه الطريقة طريقة الإعراض وابن خزيمة شيخهم وهو الملقب ~~بإمام الأئمة وأكثر الناس معه ولكن لا يفهمون حقيقة النزاع فاحتاجوا لذلك ~~إلى ذكر عقيدة لا يقع فيها نزاع بين الكلابية وبين أهل الحديث والسنة ~~فذكروا فيها أن كلام الله غير مخلوق وأنه لم يزل متكلما وأن فعله أيضا غير ~~مخلوق فالمفعول مخلوق ونفس فعل الرب له قديم غير مخلوق وهذا قول الحنفية ~~وكثير من الحنبلية والشافعية والمالكية وهو اختيار القاضي أبي يعلى وغيره ~~في آخر ms049 عمره وبسط هذا له موضع آخر والمقصود التنبيه على افتراق الامة بسبب ~~هذه الطريقة ولما عرف كثير من الناس باطن قول ابن كلاب وأنه يقول أن الله ~~لم يتكلم بالقرآن العربي وأن كلامه شيء واحد هو معنى آية الكرسي وآية الدين ~~عرفوا ما فيه من مخالفة الشرع والعقل فنفروا عنه وعرفوا أن هؤلاء يقولون ~~أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته فأنكروه وكان ممن أنكر ذلك الكرامية وغير ~~الكرامية كاصحاب أبي معاذ التومني وزهير البابي وداود بن علي وطوائف فصار ~~كثير من هؤلاء يقولون أنه يتكلم بمشيئته وقدرته فانكروه لكن يراعى تلك ~~الطريقة لاعتقاده صحتها فيقول إنه لن يكن في الأزل متكلما لأنه إذا كان لم ~~يزل متكلما بمشيئته لزم وجود حوادث لا تتناهى وأصل الطريقة أن هذا ممتنع ~~فصار حقيقة قول هؤلاء إنه صار متكلما بعد أن لم يكن متكلما فخالفوا قول ~~السلف والأئمة انه لم يزل متكلما اذا شاء وبسط هذه الأمور له موضع آخر # والمقصود هنا أن كثيرا من أهل النظر صار ما يوجبونه من النظر والاستدلال ~~ويجعلونه أصل الدين والايمان هو هذه الطريقة المبتدعة في الشرع المخالفة ~~للعقل التي انفق سلف الأمة وأئمتها على ذمها وذم أهلها فذمهم للجهمية الذين ~~ابتدعوا هذه الطريقة أولا متواتر مشهور قد صنف فيه مصنفات وذمهم للكلام ~~والمتكلمين مما عني به أهل هذه الطريقة كذم الشافعي لحفص الفرد الذي كان ~~على قول ضرار بن عمرو PageV01P047 وذم أحمد بن حنبل لأبي عيسى محمد بن عيسى ~~برغوث الذي كان على قول حسين النجار وذمهما وذم أبي يوسف ومالك وغيرهم ~~لأمثال هؤلاء الذين سلكوا هذه الطريقة وقد صنف في ذم الكلام وأهله مصنفات ~~أيضا وهو متناول لاهل هذه الطريقة قطعا فكان ايجاب النظر بهذا التفسير ~~باطلا قطعا بل هذا نظر فاسد يناقض الحق والايمان ولهذا صار من يسلك هذه ~~الطريقة من حذاق الطوائف يتبين لهم فسادها كما ذكر مثل ذلك أبو حامد ~~الغزالي وأبو عبد الله الرازي وأمثالهما ثم الذي يتبين له فسادها إذا لم ~~يجد ms050 عند من يعرفه من المتكلمين في أصول الدين غيرها بقي حائرا مضطربا ~~والقائلون بقدم العالم من الفلاسفة والملاحدة وغيرهم تبين لهم فسادها فصار ~~ذلك من أعظم حججهم على قولهم الباطل فيبطلون قول هؤلاء إنه صار فاعلا أو ~~فاعلا ومتكلما بمشيئته بعد أن لم يكن ويثبتون وجوب دوام نوع الحوادث ويظنون ~~أنهم إذا أبطلوا كلام أولئك المتكلمين بهذا حصل مقصودهم وهم أضل وأجهل من ~~أولئك فإن أدلتهم لا توجب قدم شيء بعينه من العالم بل كل ما سوى الله فهو ~~محدث مخلوق كائن بعد أن لم يكن ودلائل كثيرة غير تلك الطريقة وأن كان ~~الفاعل لم يزل فاعلا لما يشاء ومتكلما بما يشاء وصار كثير من أولئك إذا ظهر ~~له فساد أصل أولئك المتكلمين المبتدعين وليس عنده إلا قولهم وقول هؤلاء ~~يميل إلى قول هؤلاء الملاحدة ثم قد يبطن ذلك وقد يظهره لمن يأمنه وابتلى ~~بهذا كثير من أهل النظر والعبادة والتصوف وصاروا يظهرون هذا في قالب ~~المكاشفة ويزعمون أنهم أهل التحقيق والتوحيد والعرفان فأخذوا من نفي الصفات ~~أن صانع العالم لا داخل العالم ولا خارجه ومن قول هؤلاء أن العالم قديم ولم ~~يروا موجودا سوى العالم فقالوا إنه هو الله وقالوا هو الوجود المطلق ~~والوجود واحد وتكلموا في وحدة الوجود وأنه الله بكلام ليس هذا موضع بسطه ثم ~~لما ظهر أن كلامهم يخالف الشرع والعقل صاروا يقولون يثبت عندنا في الكشف ما ~~يناقض صريح العقل ويقولون القرآن كله شرك وإنما التوحيد في كلامنا ومن أراد ~~أن يحصل له هذا العلم اللدني الأعلى فليترك العقل والنقل وصار حقيقة قولهم ~~الكفر بالله وبكتبه ورسله وباليوم الآخر من جنس قول الملاحدة الذين يظهرون ~~التشيع PageV01P048 لكن أولئك لما كان ظاهر قولهم هو ذم الخلفاء أبي بكر ~~وعمر وعثمان صارت وصمة الرفض تنفر عنهم خلقا كثيرا لم يعرفوا باطن أمرهم ~~وهؤلاء صاروا ينتسبون إلى المعرفة والتوحيد وأتباع شيوخ الطريق كالفضيل ~~وابراهيم بن أدهم والتستري والجنيد وسهل بن عبد الله وأمثال هؤلاء ممن له ~~في الامة ms051 لسان صدق فاغتر بهؤلاء من لم يعرف باطن أمرهم وهم في الحقيقة من ~~أعظم خلق الله خلاقا لهؤلاء المشايخ السادة ولمن هو أفضل منهم من السابقين ~~الاولين والانبياء المرسلين وكان من أسباب ذلك أن العبادة والتأله والمحبة ~~ونحو ذلك مما يتكلم فيه شيوخ المعرفة والتصوف أمر معظم في القلوب والرسل ~~إنما بعثوا بدعاء الخلق إلى أن يعرفوا الله ويكون أحب إليهم من كل ما سواه ~~فيعبدوه ويألهوه ولا يكون لهم معبود مألوه غيره وقد أنكر جمهور أولئك ~~المتكلمين أن يكون الله محبوبا أو أنه يحب شيئا أو يحبه أحد وهذا في ~~الحقيقة إنكار لكونه إلها معبودا فان الآله هو المألوه الذي يستحق أن يؤله ~~ويعبد والتأله والتعبد يتضمن غاية الحب بغاية الذل ولكن غلط كثير من أولئك ~~فظنوا أن الآلهية هي القدرة على الخلق وإن الآله بمعنى الآله وإن العباد ~~يألههم الله لا أنهم هم يألهون الله كما ذكر ذلك طائفة منهم الأشعري وغيره ~~وطائفة ثالثة لما رأت ما دل على أن الله يحب أن يكون محبوبا من أدلة الكتاب ~~والسنة وكلام السلف وشيوخ أهل المعرفة صاروا يقرون بأنه محبوب لكنه هو نفسه ~~لا يحب شيئا إلا بمعنى المشيئة وجميع الاشياء مرادة له فهي محبوبة له وهذه ~~طريقة كثير من أهل النظر والعبادة والحديث كأبي إسماعيل الأنصاري وأبي حامد ~~الغزالي وأبي بكر بن العربي وحقيقة هذا القول أن الله يحب الكفر والفسوق ~~والعصيان ويرضاه وهذا هو المشهور من قول الأشعري وأصحابه وقد ذكر أبو ~~PageV01P049 المعالي أنه أول من قال ذلك وكذلك ذكر ابن عقيل أن أول من قال ~~إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان هو الأشعري وأصحابه وهم قد يقولون لا ~~يحبه دينا ولا يرضاه دينا كما يقولون لا يريد أن يكون فاعله مأجورا وأما هو ~~نفسه فهو محبوب له كسائر المخلوقات فإنها عندهم محبوبة له إذ كان ليس عندهم ~~إلا إرادة واحدة شاملة لكل مخلوق فهو عندهم محبوب مرضي # وجماهير المسلمين يعرفون أن هذا القول معلوم الفساد بالضرورة من ms052 دين أهل ~~الملل وان المسلمين واليهود والنصارى متفقون على أن الله لا يحب الشرك ولا ~~تكذيب الرسل ولا يرضى ذلك بل هو يبغض ذلك ويمقته ويكرهه كما ذكر الله في ~~سورة بني إسرائيل ما ذكره من المحرمات ثم قال @QB@ كل ذلك كان سيئه عند ربك ~~مكروها @QE@ وبسط هذه الأمور له مواضع أخر والمقصود هنا أن الذين اعرضوا عن ~~طريق الرسول في العلم والعمل وقعوا في الضلال والزلل وأن أولئك لما أوجبوا ~~النظر الذي ابتدعوه صارت فروعه فاسدة اذ قالوا ان من لم يسلكها كفر أو عصى ~~فقد عرف بالاضطرار من دين الاسلام أن الصحابة والتابعين لهم باحسان لم ~~يسلكوا طريقهم وهم خير الامة وإن قالوا ان من قاله ليس عنده علم ولا بصيرة ~~بالايمان بل قاله تقليدا محضا من غير معرفة يكون مؤمنا فالكتاب والسنة ~~يخالف ذلك ولو أنهم سلكوا طريقة الرسول لحفظهم الله من هذا التناقض فان ما ~~جاء به الرسول جاء من عند الله وما ابتدعوه جاءوا به من عند غير الله وقد ~~قال تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ ~~وهؤلاء بنوا دينهم على النظر والصوفية بنوا دينهم على الارادة وكلاهما لفظ ~~مجمل يدخل فيه الحق والباطل فالحق هو النظر الشرعي والارادة الشرعية فالنظر ~~الشرعي هو النظر فيما بعث به الرسول من الآيات والهدى كما قال @QB@ شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان @QE@ ~~والارادة الشرعية إرادة ما أمر الله به ورسوله والسماع الشرعي سماع ما أحب ~~الله سماعه كالقرآن والدليل الذي يستدل به هو الدليل الشرعي وهو لذي دل ~~الله به عباده وهداهم به إلى صراط مستقيم فانه لما ظهرت البدع والتبس ~~PageV01P050 الحق بالباطل صار اسم النظر والدليل والسماع والارادة يطلق على ~~ثلاثة أمور منهم من يريد به البدعي دون الشرعي فيريدون بالدليل ما ابتدعوه ~~من الأدلة الفاسدة والنظر فيها ومن السماع والارادة ما ابتدعوه من اتباع ~~ذوقهم ووجدهم وما تهواه أنفسهم وسماع الشعر والغناء الذي يحرك هذا ms053 الوجد ~~التابع لهذه الارادة النفسانية التي مضمونها اتباع ما تهوى الأنفس بغير هدى ~~من الله ومنهم من يريد مطلق الدليل والنظر ومطلق السماع والارادة من غير ~~تقييدها لا بشرعي ولا ببدعي فهؤلاء يفسرون قوله @QB@ الذين يستمعون القول ~~@QE@ بمطلق القول الذي يدخل فيه القرآن والغناء ويستمعون إلى هذا وهذا ~~وأولئك يفسرون الارادة بمطلق المحبة للآله من غير تقييدها بشرعي ولا بدعي ~~ويجعلون الجميع من أهل الارادة سواء عبد الله بما أمر الله به ورسوله من ~~التوحيد وطاعة الرسول أو كان عابدا للشيطان مشركا عابدا بالبدع وهؤلاء ~~أوسطهم وهم أحسن حالا من الذين قيدوا ذلك بالبدعي وأما القسم الثالث فهم ~~صفوة الامة وخيارها المتبعون للرسول علما وعملا يدعون إلى النظر والاستدلال ~~والاعتبار بالآيات والأدلة والبراهين التي بعث الله بها رسوله وتدبر القرآن ~~وما فيه من البيان ويدعون إلى المحبة والارادة الشرعية وهي محبة الله وحده ~~وارادة عبادته وحده لا شريك له بما أمر به على لسان رسوله فهم لا يعبدون ~~إلا الله ويعبدونه بما شرع وأمر ويستمعون ما أحب استماعه وهو قوله الذي قال ~~فيه @QB@ أفلم يدبروا القول @QE@ وهو الذي قال فيه @QB@ فبشر عباد الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه @QE@ كما قال @QB@ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم ~~من ربكم @QE@ وقال @QB@ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل ~~شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها @QE@ # سبحانه بين القدرة على الابتداء كقوله @QB@ إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين ~~لكم @QE@ الآية ومثل قوله @QB@ ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا ~~أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا @QE@ PageV01P051 الآية ~~ومثل قوله @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم @QE@ وغير ذلك # فالاستدلال على الخالق بخلق الانسان في غاية الحسن والاستقامة وهي طريقة ~~عقلية صحيحة وهي شرعية دل القرآن عليها وهدى ms054 الناس اليها وبينها وأرشد ~~اليها وهي عقلية فان نفس كون الانسان حادثا بعد أن لم يكن ومولودا ومخلوقا ~~من نطفة ثم من علقة هذا لم يعلم بمجرد خبر الرسول بل هذا يعلمه الناس كلهم ~~بعقولهم سواء أخبر به الرسول أو لم يخبر لكن الرسول أمر أن يستدل به ودل به ~~وبينه واحتج به فهو دليل شرعي لان الشارع استدل به وأمر أن يستدل به وهو ~~عقلي لأنه بالعقل تعلم صحته وكثير من المتنازعين في المعرفة هل تحصل بالشرع ~~أو بالعقل لا يسلكونه وهو عقلي شرعي وكذلك غيره من الادلة التي في القرآن ~~مثل الاستدلال بالسحاب والمطر هو مذكور في القرآن في غير موضع وهو عقلي ~~شرعي كما قال تعالى @QB@ أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج ~~به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون @QE@ فهذا مرئي بالعيون وقال ~~تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ فالآيات التي يريها الناس حتى ~~يعلموا أن القرآن حق هي آيات عقلية يستدل بها العقل على أن القرآن حق وهي ~~شرعية دل الشرع عليها وأمر بها والقرآن مملوء من ذكر الآيات العقلية التي ~~يستدل بها العقل وهي شرعية لان الشرع دل عليها وأرشد اليها ولكن كثيرا من ~~الناس لا يسمي دليلا شرعيا إلا ما دل بمجرد خبر الرسول وهو اصطلاح قاصر ~~ولهذا يجعلون أصول الفقه هو لبيان الأدلة الشرعية الكتاب والسنة والاجماع ~~والكتاب يريدون به أن يعلم مراد الرسول فقط والمقصود من أصول الفقه هو ~~معرفة الأحكام الشرعية العملية فيجعلون الادلة الشرعية ما دلت على الاحكام ~~العملية فقط ويخرجون ما دل باخبار الرسول عن أن يكون شرعيا فضلا عما دل ~~بارشاده وتعليمه ولكن قد يسمون هذا دليلا سمعيا ولا يسمونه شرعيا وهو ~~اصطلاح قاصر والأحكام PageV01P052 العملية أكثر الناس يقولون إنها تعلم ~~بالعقل أيضا وأن العقل قد يعرف الحسن والقبح فتكون الادلة العقلية دالة على ~~الأحكام العملية أيضا ويجوز أن تسمى ms055 شرعية لأن الشرع قررها أو وافقها أو دل ~~عليها وأرشد اليها كما قيل مثل ذلك في المطالب الخبرية كاثبات الرب ~~ووحدانيته وصدق رسله وقدرته على المعاد ان الشرع دل عليها وأرشد اليها وبسط ~~هذا له موضع آخر والمقصود هنا أن الاشعري بنى أصول الدين في اللمع ورسالة ~~الثغر على كون الانسان مخلوقا محدثا فلا بد له من محدث لكون هذا الدليل ~~مذكورا في القرآن فيكون شرعيا عقليا لكنه في نفس الامر سلك في ذلك طريقة ~~الجهمية بعينها وهو الاستدلال على حدوث الانسان بأنه مركب من الجواهر ~~الفردة فلم يخل من الحوادث وما لم يخل من الحوادث فهو حادث فجعل العلم بكون ~~الانسان محدثا وبكون غيره من الأجسام المشهودة محدثا انما يعلم بهذه ~~الطريقة وهو أنه مؤلف من الجواهر الفردة وهي لا تخلو من اجتماع وافتراق ~~وتلك أعراض حادثة وما لم ينفك من الحوادث فهو محدث وهذه الطريقة أصل ضلال ~~هؤلاء فانهم أنكروا المعلوم بالحس والمشاهدة والضرورة العقلية من حدوث ~~المحدثات المشهود حدوثها وادعوا أنه إنما يشهد حدوث أعراض لا حدوث أعيان مع ~~تنازعهم في الأعراض ثم قالوا والأجسام لا تخلوا من الأعراض وهذا صحيح ثم ~~قالوا والأعراض حادثة فاضطربوا هنا ثم قالوا وما لم يخل من الحوادث فهو ~~حادث وهذا أصل دينهم وهو أصل فاسد مخالف للسمع والعقل كما قد بسط في غير ~~هذا الموضع # والمتفلسفة أشد مخالفة للعقل والسمع منهم لكنهم عرفوا فساد طريقتهم هذه ~~العقلية فاستطالوا عليهم بذلك وسلكوا ما هو أفسد منها كطريقة الإمكان ~~والوجوب كما قد بسط في موضع آخر فلبسوا هذا الباطل بالحق الذي جاء به ~~الرسول وهو الاستدلال بحدوث الانسان وغيره من المحدثات التي يشهد حدوثها ~~فصار في كلامهم حق وباطل من جنس ما أحدثه أهل الكتاب حيث لبسوا الحق ~~بالباطل واحتاجوا PageV01P053 في ذلك إلى كتمان الحق الذي جاء به الرسول ~~الذي يخالف ما أحدثوه فصاروا يكرهون ظهور ما جاء به الرسول بل يمنعون عن ~~قراءة الاحاديث وسماعها وقراءة كلام السلف وسماعه ومنهم من ms056 يكره قراءة ~~القرآن وحفظه والذين لا يقدرون على المنع من ذلك صاروا يقرءون حروفه ولا ~~يعلمون حدود ما انزل الله على رسوله بل إن اشتغلوا بعلومه اشتغلوا بتفسير ~~من يشركهم في بدعتهم ممن يحرفون الكلم كلم الله عن مواضعه والاصل العقلي ~~الحسي الذي به فارقوا العقل والسمع هو حدوث ما يشهد حدوثه مثل حدوث الزرع ~~والثمار وحدوث الانسان وغيره من الحيوان وحدوث السحاب والمطر ونحو ذلك من ~~الأعيان القائمة بنفسها غير حدوث الاعراض كالحركة والحرارة والبرودة والضوء ~~والظلمة وغير ذلك بل تلك الأعيان التي يسمونها أجساما وجواهر هي حادثة فانه ~~معلوم أن الانسان مخلوق من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وأن الثمار تخلق من ~~الاشجار وأن الزرع يخلق من الحب والشجر يخلق من النوى قال تعالى @QB@ إن ~~الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله ~~فأنى تؤفكون فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير ~~العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ~~قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع ~~قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات ~~كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان ~~دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره ~~إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون @QE@ فهذا الانسان والشجر ~~والزرع المخلوق من مادة قد خلق منها عين قائمة بنفسها وهم يقولون إنما هي ~~من الجسم القائم بنفسه وهو الجوهر العام في اصطلاحهم الذي يقولون إنه مركب ~~من الجواهر الفردة وهل الذي خلق من المادة هو أعيان أم لم يخلق إلا أعراض ~~قائمة بغيرها وأما الأعيان فهي الجواهر الفردة وتلك منها شيء في هذه ~~الحوادث ولكن أحدث فيها جمع وتفريق فكان خلق الانسان وغيره هو تركيب تلك ~~الجواهر وأحداث هذا PageV01P054 التركيب لا أحداث تلك الجواهر وأما حدوث ms057 ~~تلك الجواهر فانما يعلم بالاستدلال فيستدل عليه بأن الجواهر التي تركبت ~~منها هذه الأجسام لا تخلو من اجتماع وافتراق والاجتماع والافتراق حادث وما ~~لم يخل من الحوادث فهو حادث فهذه طريق هؤلاء الجهمية أهل الكلام المحدث ~~وأما جمهور العقلاء فيقولون بل نحن نعلم حدوث هذه الأعيان القائمة بنفسها ~~لا نقول إنه لم يحدث إلا عرض فان هذا القول يقتضي أن تلك الجواهر التي ركب ~~منها آدم باقية لم يزل في كل آدمي منها شيء وهذا مكابرة فان بدن آدم لا ~~يحتمل هذا كله لا يحتمل أن يكون فيه جواهر بعدد ذريته لا سيما وكل آدمي ~~إنما خلق من مني أبويه وهم يقولون تلك الجواهر التي في مني الابوين باقية ~~بأعيانها في الولد وهم يقولون إن الجواهر لا تفنى بل تنتقل من حال إلى حال ~~وكثير منهم يقول إنها مستغنية عن الرب بعد أن خلقها وتحيروا فيما إذا أراد ~~أن يفنيها وكيف يفنيها كما قد ذكر في غير هذا الموضع اذ المقصود هنا ~~التنبيه على أن أصل الاصول معرفة حدوث الشيء من الشيء كحدوث الانسان من ~~المني فهؤلاء ظنوا أنه لا يحدث إلا الأعراض ولهذا لما ذكر أبو عبد الله بن ~~الخطيب الرازي في كتبه الكبار والصغار الطرق الدالة على إثبات الصانع لم ~~يذكر طريقا صحيحا وليس في كتبه وكتب أمثاله طريق صحيح لإثبات الصانع بل ~~عدلوا عن الطرق العقلية التي يعلمها العقلاء بفطرتهم وهي التي دلتهم عليها ~~الرسل إلى طرق سلكوها مخالفة للشرع والعقل لا سيما من سلك طريقة الوجوب ~~والامكان متابعة لابن سينا كالرازي فان هؤلاء من أفسد الناس استدلالا كما ~~قد ذكرنا طرق عامة النظار في غير هذا الموضع مثل كتاب منع تعارض العقل ~~والنقل وغير ذلك والمقصود هنا أن الرازي ذكر أن ما يستدل به على إثبات ~~الصانع إما حدوث الأجسام وإما حدوث صفاتها وإما إمكانها وإما إمكان صفاتها ~~وذكر في بعض المواضع وإما الأحكام والإتقان لكن الإحكام والإتقان يدل على ~~العلم ابتداء والاستدلال بحدوث الاجسام وإمكانها ms058 وإمكان صفاتها طرق فاسدة ~~فان دلالة حدوثها مبنية على امتناع حوادث لا أول لها ودلالة إمكانها مبنية ~~على ما قامت به الصفات يمتنع أن يكون واجبا بنفسه لأنه مركب ودلالة صفاتها ~~مبنية على تماثلها فلا بد لتخصيص PageV01P055 بعضها بالصفات من مخصص وهذه ~~كلها طرق باطلة قال وأما الاستدلال بحدوث الصفات فهو الاستدلال بحدوث ~~الأعراض وهذه الطريق أجود ما سلكوه من الطرق مع أنها قاصرة فان مدارها على ~~أنهم لم يعرفوا حدوث شيء من الأعيان وإنما علموا حدوث بعض الصفات وهذا يدل ~~على أنه لا بد لها من محدث قال وهذا لا ينفي كون المحدث جسما بخلاف تلك ~~الطرق وهذه الطريق تدل على أن الأعراض كتركيب الانسان لا بد له من مركب ولا ~~ينفي بها شيء من قدم الأجسام والجواهر بل يجوز أن يكون جميع جواهر الانسان ~~وغيره قديمة أزلية لكن حدثت فيها الأعراض ويجوز أن يكون المحدث للأعراض بعض ~~أجسام العالم فهذه الطريق لا تنفي أن يكون الرب بعض أجسام العالم وتلك ~~باطلة مع أن مضمونها أن الرب لا يتصف بشيء من الصفات فهي لا تدل على صانع ~~وإن دلت على صانع فليس بموجود بل معدوم أو متصف بالوجود والعدم كما قد بسط ~~في غير موضع ولهذا يقول الرازي في آخر مصنفاته لقد تأملت الطرق الكلامية ~~والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي غليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق ~~طريقة القرآن اقرأ في الإثبات @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ @QB@ الرحمن ~~على العرش استوى @QE@ وأقرأ في النفي @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ ولا ~~يحيطون به علما @QE@ قال ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي ولما ذكر ~~الرازي الاستدلال بحدوث الصفات كالحيوان والنبات والمطر ذكر أن هذه طريقة ~~القرآن ولا ريب أن القرآن يذكر فيه الاستدلال بآيات الله كقوله @QB@ إن في ~~خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ~~ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث ~~فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر ms059 بين السماء والأرض لآيات ~~لقوم يعقلون @QE@ وهذا مذكور بعد قوله @QB@ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم @QE@ وقبل قوله @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله @QE@ لكن القرآن لم يذكر أن هذه صفات حادثة وأنه ليس فيها ~~أحداث عين قائمة بنفسها بل القرآن يبين أن في خلق PageV01P056 الأعيان ~~القائمة بنفسها آيات ويذكر الآيات في خلق الأعيان والأعراض كقوله @QB@ إن ~~في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر ~~بما ينفع الناس @QE@ وهي أعيان ثم قال @QB@ وما أنزل الله من السماء من ماء ~~@QE@ والماء عين قائمة بنفسها وقوله @QB@ فأحيا به الأرض بعد موتها @QE@ هو ~~بما يخلقه فيها من النبات وهو أعيان وكذلك قوله @QB@ وبث فيها من كل دابة ~~@QE@ وقوله @QB@ وتصريف الرياح @QE@ فالرياح أعيان وتصريفها أعراض وقوله ~~@QB@ والسحاب المسخر بين السماء والأرض @QE@ والسحاب أعيان @QB@ لآيات لقوم ~~يعقلون @QE@ # وقد تقدم أن أصل الاشتباه في هذا أن خلق الشيء من مادة هل هو خلق عين أم ~~إحداث اجتماع وافتراق وأعراض فقط والناس مختلفون في هذا على ثلاثة أقوال # فالقائلون بالجواهر الفردة من أهل الكلام القائلون بأن الأجسام مركبة من ~~الجواهر الصغار التي قد بلغت من الصغر إلى حد لا يتميز منها جانب عن جانب ~~يقولون تلك الجواهر باقية تنقلت في الحوادث ولكن تعتقب عليها الأعراض ~~الحادثة والاستدلال بالأعراض على حدوث ما يلزمه من الجواهر ثم الاستدلال ~~بذلك على المحدث غير الاستدلال بحدوث هذه الأعراض على المحدث لها فتلك هي ~~طريقة الجهمية المشهورة وهي التي سلكها الأشعري في كتبه كلها متابعة ~~للمعتزلة ولهذا قيل الأشعرية مخانيت المعتزلة # وأما الاستدلال بالحوادث على المحدث فهي الطريقة المعروفة لكل أحد لكن ~~تسمية هذه أعراضا هو تسمية القائلين بالجوهر الفرد مع أن الرازي توقف في ~~آخر أمره فيه كما ذكر ذلك في نهاية العقول وذكر أيضا عن أبي الحسين البصري ~~وأبي المعالي أنهما توقفا فيه والمقصود أن القائلين بالجوهر الفرد يقولون ~~إنما أحدث أعراضا كجمع الجواهر وتفريقها فالمادة التي هي ms060 الجواهر المنفردة ~~باقية PageV01P057 عندهم بأعيانها ولكن أحدث صورا هي أعراض قائمة بهذه ~~الجواهر وأما المتفلسفة فيقولون أحدث صورا في مواد باقية كما يقول هؤلاء ~~لكن يقولون أحدث صورا هي جواهر في مادة هي جوهر وعندهم ثم مادة باقية ~~بعينها والصور الجوهرية كصورة الماء والهواء والتراب والمولدات تعتقب عليها ~~وهذه المادة عندهم جوهر عقلي وكذلك الصورة المجردة جوهر عقلي ولكن الجسم ~~مركب من المادة والصورة ولهذا قسموا الموجودات فقالوا إما أن يكون الموجود ~~حالا بغيره أو محلا أو مركبا من الحال والمحل أو لا هذا ولا هذا فالحال في ~~غيره هو الصورة والمحل هو المادة والمركب منهما هو الجسم وما ليس كذلك إن ~~كان متعلقا بالجسم فهو النفس والا فهو العقل وهذا التقسيم فيه خطأ كثير من ~~وجوه ليس هذا موضعها إذ المقصود أنهم يقولون أيضا انه لم يحدث جسما قائما ~~بنفسه بل إنما أحدث صورة في مادة باقية ولا ريب ان الأجسام بينها قدر مشترك ~~في الطول والعرض والعمق وهو المقدار المجرد الذي لا يختص بجسم بعينه ولكن ~~هذا المقدار المجرد هو في الذهن لا في الخارج كالعدد المجرد والسطح المجرد ~~والنقطة المجردة وكالجسم التعليمي وهو الطويل العريض العميق الذي لا يختص ~~بمادة بعينها فهذه المادة المشتركة التي أثبتوها هي في الذهن وليس بين ~~الجسمين في الخارج شيء اشتركا فيه بعينه فهؤلاء جعلوا الأجسام مشتركة في ~~جوهر عقلي وأولئك جعلوها مشتركة في الجواهر الحسية وهؤلاء قالوا اذا خلق كل ~~شيء من شيء فانما أحدثت صورة مع أن المادة باقية بعينها لكن أفسدت صورة ~~وكونت صورة ولهذا يقولون عما تحت الفلك عالم الكون والفساد ولهذا قال ابن ~~رشد إن الأجسام المركبة من المادة والصورة هي في عالم الكون والفساد بخلاف ~~الفلك فانه ليس مركبا من مادة وصورة عند الفلاسفة قال وإنما ذكر أنه مركب ~~من هذا وهذا ابن سينا وهؤلاء وهؤلاء تحيروا في خلق الشيء من مادة كخلق ~~الانسان من النطفة والحب من الحب والشجرة من النواة وظنوا أن هذا لا ms061 يكون ~~إلا مع بقاء اصل تلك المادة إما الجواهر عند قوم وإما المادة المشتركة عند ~~قوم وهم في الحقيقة ينكرون أن يخلق الله شيئا من شيء فانه عندهم لا يحدث ~~إلا الصورة التي هي عرض عند قوم أو جوهر PageV01P058 عقلي عند قوم وكلاهما ~~لم يخلق من مادة والمادة عندهم باقية بعينها لم يخلق ولن يخلق منها شيء وقد ~~ذكروا في قوله @QB@ أم خلقوا من غير شيء @QE@ ثلاثة أمور قال ابن عباس ~~والاكثرون أم خلقوا من غير خالق وهو الذي ذكره الخطابي وقال الزجاج وابن ~~كيسان أم خلقوا عبثا وسدى فلا يبعثون ولا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون كما ~~يقول فعلت هذا من غير شيء أي لغير علة وقيل أم خلقوا من غير مادة أي من غير ~~أب وأم ثم من هؤلاء من قال فهم كالجماد ومنهم من قال كالسماوات ظنا منه ~~أنها خلقت من غير مادة ذكر الأربعة أبو الفرج وذكر البغوي الوجهين الاولين ~~والذي ذكرناه من قول أولئك المتكلمين والفلاسفة معنى آخر وهو أن من قال ~~المادة الباقية بعينها وانما حدث عرض أو صورة وذلك لم يخلق من غيره ولكن ~~أحدث في المادة الباقية فلا يكون الله خلق شيئا من شيء لان المادة عندهم لم ~~تخلق أما المتفلسفة فعندهم المادة قديما أزلية باقية بعينها وأما المتكلمون ~~فالجواهر عندهم موجودة وما زالت موجودة لكن من قال إنها حادثة من أهل الملل ~~وغيرهم قالوا يستدل على حدوثها بالدليل لا أن خلقها معلوم للناس فهو عندهم ~~مما يستدل عليه بالأدلة الدقيقة الخفية مع أن ما يذكرونه منتهاه إلى أن ما ~~لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وهو دليل باطل فلا دليل عندهم على حدوثها وإذا ~~كانت لم تخلق اذ خلق الانسان بل هي باقية في الانسان والاعراض الحادثة لم ~~تخلق من مادة فاذا خلق الانسان لم يخلق من شيء لا جواهره ولا أعراضه وعلى ~~قولهم ما جعل الله من الماء كل شيء حي ولا خلق كل دابة من ماء ولا خلق آدم ms062 ~~من تراب ولا ذريته من نطفة بل نفس الجواهر الترابية باقية بعينها لم تخلق ~~حينئذ ولكن أحدث فيها أعراض أو صورة حادثة وتلك الأعراض ليست من التراب ~~فلما خلق آدم لم يخلق شيء من تراب وكذلك النطفة جواهرها باقية إما الجواهر ~~المنفردة وإما المادة والحادث هو عرض أو صورة في مادة ولا هذا ولا هذا خلق ~~من نطفة وليس قولهم إنه لم يخلق من مادة معناه أن الخالق أبدعه لا من شيء ~~وأنهم قصدوا بها تعظيم الخالق بل الانسان لا ريب أنه جوهر قائم بنفسه ~~وعندهم ذلك القائم بنفسه ما زال موجودا لم يخلق PageV01P059 اذ خلق الانسان ~~والجوهر الحامل لصورته ما زال موجودا أيضا فلم يخلق عند هؤلاء إلا الأعراض ~~وعند هؤلاء إلا صورة مجردة وكلاهما ليس هو الانسان بل صفة له أو صورة له ~~هذا هو المخلوق عندهم بخلق الانسان فقط وقد قال تعالى @QB@ أولا يذكر ~~الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا @QE@ وقال تعالى @QB@ وقد خلقتك من ~~قبل ولم تك شيئا @QE@ فقد أمر الانسان أن يتذكر أن الله خلقه ولم يك شيئا ~~والانسان اذا تذكر إنما يذكر أنه خلق من نطفة وعندهم ما زال جوهر الانسان ~~شيئا وذلك الشيء باق وانما حدث أعراض لتلك الاشياء ومعلوم أن تلك الأعراض ~~وحدها ليست هي الإنسان فإن الإنسان مأمور منهي حي عليم قدير متكلم سميع ~~بصير موصوف بالحركة والسكون وهذه صفات الجواهر والعرض لا يبقى زمانين ~~فالمخلوق على قولهم لا يبقى زمانين بل يفنى عقب ما يخلق ولهذا اضطربوا في ~~المعاد فان معرفة المعاد مبنيه على معرفة المبدأ والبعث مبني على الخلق ~~فقال بعضهم هو تفريق تلك الاجزاء ثم جمعها وهي باقية بأعيانها وقال بعضهم ~~بل يعدمها ويعدم الأعراض القائمة بها ثم يعيدهما وإذا أعادها فإنه يعيد تلك ~~الجواهر التي كانت باقية إلى أن حصلت في هذا الانسان فلهذا اضطربوا لما قيل ~~لهم فالانسان اذا أكله حيوان آخر فان أعيدت تلك الجواهر من الاول نقصت من ~~الثاني وبالعكس أما على ms063 قول من يقول إنها تفرق ثم تجمع فقيل له تلك الجواهر ~~ان جمعت للآكل نقصت من المأكول وإن أعيدت للمأكول نقصت من الآكل وأما الذي ~~يقول تعدم ثم تعاد بأعيانها فقيل له أتعدم لما أكلها الآكل أم قبل أن ~~يأكلها فإن كان بعد أن أن أكلها فإنها تعاد في الآكل فينقص المأكول وان كان ~~قبل الاكل فالآكل لم يأكل إلا أعراضا لم يأكل جواهر فهذا مكابرة ثم إن ~~المشهور أن الإنسان يبلى ويصير ترابا كما خلق من تراب وبذلك أخبر الله فإن ~~قيل إنه إذا صار ترابا عدمت تلك الجواهر فهو لما خلق من تراب عدمت أيضا تلك ~~الجواهر فكونهم يجعلون الجواهر باقية في جميع الاستحالات إلا إذا صار ترابا ~~تناقض بين ويلزمهم عليه الحيوان المأكول وغير ذلك وكأن هذا الضلال أصل ~~ضلالهم في تصور الخلق الاول والنشأة الأولى التي أمرهم الرب أن يتذكروها ~~PageV01P060 ويستدلوا بها على قدرته على الثانية قال تعالى @QB@ تمنون ~~أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على ~~أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا ~~تذكرون أفرأيتم ما @QE@ والفلاسفة أجود تصورا في هذا الموضع حيث قالوا تفسد ~~الصورة الأولى وهي جوهر وتحدث صورة أخرى فإن هذا أجود من أن يقال يزول عرض ~~ويحدث عرض ولكن الفلاسفة غلطوا في توهمهم أن هناك مادة باقية بعينها وإنما ~~تفسد صورتها والحق أن المادة التي منها يخلق الثاني تفسد وتستحيل وتفنى ~~وتتلاشى وينشئ الله الثاني ويبتدئه ويخلق من غير أن يبقى من الاول شيء لا ~~مادة ولا صورة ولا جوهر ولا عرض فاذا خلق الله الانسان من المني فالمني ~~استحال وصار علقة والعلقة استحالت وصارت مضغة والمضغة استحالت إلى عظام ~~وغير عظام والانسان بعد أن خلق خلق كله جواهره وأعراضه وابتدأه الله ابتداء ~~كما قال تعالى @QB@ الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل ~~نسله من سلالة من ماء مهين @QE@ وقال تعالى @QB@ أولا يذكر الإنسان أنا ms064 ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا @QE@ فالانسان مخلوق خلق الله جواهره وأعراضه ~~كلها من المني من مادة استحالت ليست باقية بعد خلقه كما تقول المتفلسفة ان ~~هناك مادة باقية ولفظ المادة مشترك فالجمهور يريدون به ما منه خلق وهو أصله ~~وعنصره وهؤلاء يريدون بالمادة جوهرا باقيا وهو محل للصورة الجوهرية فلم ~~يخلق عندهم الانسان من مادة بل المادة باقية وأحدث صورته فيها كما أن الصور ~~الصناعية كصورة الخاتم والسرير والثياب والبيوت وغير ذلك إنما أحدث الصانع ~~صورته العرضية في مادة لم تزل موجودة ولم تفسد لكن حولت من صفة إلى صفة ~~فهكذا تقول الجهمية المتكلمة المبتدعة أن الله أحدث صورة عرضية في مادة ~~باقية لم تفسد فيجعلون خلق الإنسان بمنزلة عمل الخاتم والسرير والثوب ~~والمتفلسفة تقول أيضا أن مادته باقية لم تفسد كمادة الصورة الصناعية لكن ~~يقولون أنه أحدث صورة جوهرية وهم قد يخلطون ولا يفرقون بين الصور العرضية ~~والجوهرية فإنهم يسمون صورة الانسان صورة في مادة وصورة الخاتم صورة في ~~مادة فيكون خلق الانسان PageV01P061 عند هؤلاء وهؤلاء من جنس ما يحدثه ~~الناس في الصور من المواد ويكون خلقه بمنزلة تركيب الحائط من اللبن ولهذا ~~قال من قال منهم إنه يستغني عن الخالق بعد الخلق كما يستغني الحائط عن ~~البناء والأشعرية عندهم أن البناء والخياط وسائر أهل الصنائع لم يحدثوا في ~~تلك المواد شيئا فإن القدرة المحدثة عندهم لا تتعلق إلا بما هو في محلها لا ~~خارجا عن محلها ويقولون ان تلك المصنوعات كلها مخلوقة لله ليس للانسان فيها ~~صنع وخلق الله لها على أصلهم هو إحداث أعراض فيها كما تقدم فينكرون ما ~~يصنعه الانسان وهو في الحقيقة مثل ما يجعلونه مخلوقا للرحمن وهم لا يشهدون ~~للرحمن إحداثا ولا إفناء بل إنما يحدث عندهم الأعراض وهي تفنى بأنفسها لا ~~بافنائه وهي تفنى عقب إحداثها وهذا لا يعقل وهم حائرون إذا أراد أن يعدم ~~الأجسام كيف يعدمها والمشهور عندهم أنها تعدم بأنفسها اذا لم يخلق لها ~~أعراضا فالعرض يفنى عندهم بنفسه ms065 والجوهر يفنى بنفسه إذا لم يخلق له عرض هذا ~~في الإفناء وأما في الأحداث فانهم إستدلوا على حدوثها بدليل باطل لو كان ~~صحيحا للزم حدوث كل شيء من غير محدث فحقيقة أصل أهل الكلام المتبعين ~~للجهمية أنه لا يحدث شيئا ولا يفنى شيئا بل يحدث كل شيء بنفسه ويفنى بنفسه ~~ويلزمهم جواز أن يكون للرب محدثا أيضا بلا محدث وهذه الاصول هي أصول دينهم ~~العقلية التي بها يعارضون الكتاب والسنة والمعقولات الصريحة وهي في الحقيقة ~~لا عقل ولا سمع كما حكى الله عمن قال @QB@ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير @QE@ والخلق يشهدون إحداث الله لما يحدثه وإفناءه لما يفنيه ~~كالمني الذي استحال وفنى وتلاشى وأحدث منه هذا الانسان وكالحبة التي فنيت ~~واستحالت وأحدث منها الزرع وكالهواء الذي استحال وفنى وحدث منه النار أو ~~الماء وكالنار التي استحالت وحدث منها الدخان فهو سبحانه دائما يحدث ما ~~يحدثه ويكونه ويفني ما يفنيه ويعدمه والانسان إذا مات وصار ترابا فني وعدم ~~وكذلك سائر ما على الأرض كما قال @QB@ كل من عليها فان @QE@ ثم يعيده من ~~التراب كما خلقه ابتداء من التراب ويخلقه خلقا جديدا ولكن للنشأة الثانية ~~أحكام وصفات ليست للأولى فمعرفة الانسان بالخلق الاول وما يخلقه من بني آدم ~~وغيرهم من الحيوان وما يخلقه من PageV01P062 الشجر والنبات والثمار وما ~~يخلقه من السحاب والمطر وغير ذلك هو أصل لمعرفته بالخلق والبعث والمبدأ ~~والمعاد وان لم يعرف أن الله يخلقه كله من المني جواهره وأعراضه وإلا فما ~~عرف أن الله خلقه ومن ظن أن جواهره لم يخلقها اذ خلقه بل جواهر المني ~~وجواهر ما يأكله ويشربه باقية بعينها فيه لم يخلقها أو أن مادته التي تقوم ~~بها صورته لم يخلقها إذ خلقه بل هي باقية أزلية أبدية لم يكن قد عرف أنه ~~مخلوق محدث والعلماء ينكرون على من يقول أن روح الانسان قديمة أزلية من ~~المنتسبين إلى الإسلام وهؤلاء الذين يقولون إن مادة جسمه باقية بعينها وهي ~~أزلية أبدية أبعد ms066 عن العقل والنقل منهم وأولئك أنكروا عليهم حيث قالوا ~~الانسان مركب من قديم ومحدث من لاهوت قديم وناسوت محدث أو هؤلاء جعلوه ~~مركبا من مادة قديمة أزلية وصورة محدثة وجعلوا القديم الأزلي فيه أخس ما ~~فيه وهو المادة فإنها عندهم أخس الموجودات وهي قديمة أزلية وأولئك جعلوا ~~القديم الأزلي أشرف ما فيه وهي النفس الناطقة وكلا الطائفتين وإن كان ضالا ~~فالشريف العالي أولى بالقدم من الخسيس السافل وهذا أولى بالحدوث # وأما المتكلمة الجهمية فهم لا يتصورون ما يشهدونه من حدوث هذه الجواهر في ~~جواهر أخر من مادة ثم يدعون أن الجواهر جميعها أبدعت ابتداء لا من شيء وهم ~~لم يعرفوا قط جوهرا أحدث لا من شيء كما لم يعرفوا عرضا أحدث لا في محل ~~وحقيقة قولهم أن الله لا يحدث شيئا من شيء لا جوهرا ولا عرضا فان الجواهر ~~كلها أحدثت لا من شيء والأعراض كذلك والمشهود المعلوم للناس أنما هو إحداثه ~~لما يحدثه من غير مادة ولهذا قال تعالى @QB@ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ~~@QE@ ولم يقل خلقتك لا من شيء وقال تعالى @QB@ والله خلق كل دابة من ماء ~~@QE@ ولم يقل خلق كل دابة لا من شيء وقال تعالى @QB@ وجعلنا من الماء كل ~~شيء حي @QE@ وهذا هو القدرة التي تبهر العقول وهو أن يقلب حقائق الموجودات ~~فيحيل الاول ويفنيه ويلاشيه ويحدث شيئا آخر كما قال @QB@ فالق الحب والنوى ~~يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي @QE@ ويخرج الشجرة الحية والسنبلة ~~الحية من النواة والحبة الميتة ويخرج النواة الميتة والحبة الميتة من ~~PageV01P063 الشجرة والسنبلة الحية كما يخرج الانسان الحي من النطفة الميتة ~~والنطفة الميتة من الانسان الحي وعندهم لا يخرج حيا من ميت ولا ميتا من حي ~~فان الحي والميت إنما هو الجوهر القائم بنفسه فان الحياة عرض لا يقوم إلا ~~بجوهر والعرض نفسه لا يقوم بعرض آخر وان كان العرض يوصف بأنه حي كما يقال ~~قد أحييت العلم والايمان وأحييت الدين وأحييت السنة والعدل كما يقال أمات ~~البدعة ms067 فهؤلاء عندهم لا يخرج جوهرا من جوهر ولا عرضا من عرض فلا يخرج حيا ~~من ميت ولا ميتا من حي بل الجواهر التي كانت في الميت هي بعينها باقية كما ~~كانت ولكن أحدث فيها حياة لم تكن وتلك الحياة لم تخرج من ميت فما أخرج ~~عندهم حي من ميت ولا ميت من حي ولهذا ينكرون أن يقلب الله جنسا إلى جنس آخر ~~ويقولون الجواهر كلها جنس واحد فإذا خلق النطفة انسانا لم يقلب عندهم جنسا ~~إلى جنس بل نفس الجواهر هي باقية كما كانت وخاصية الخلق انما هي بقلب جنس ~~إلى جنس وهذا لا يقدر عليه إلا الله كما قال تعالى @QB@ يا أيها الناس ضرب ~~مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا ~~له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا ~~الله حق قدره إن الله لقوي عزيز @QE@ ولا ريب أن النخلة ما هي من جنس ~~النواة ولا السنبلة من جنس الحبة ولا الانسان من جنس المني ولا المني من ~~جني الانسان وهو يخرج هذا من هذا وهذا من هذا فيخرج كل جنس من جنس آخر بعيد ~~عن مماثلته وهذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه وهو سبحانه إذا ~~جعل الابيض أسود أعدم ذلك البياض وجعل موضعه السواد لا أن الأجسام تعدم تلك ~~المادة فتحيلها وتلاشيها وتجعل منها هذا المخلوق الجديد ويخلق الضد من ضده ~~كما جعل من الشجر الاخضر نارا فاذا حك الاخضر بالأخضر سخن ما يسخنه بالحركة ~~حتى ينقلب نفس الاخضر فيصير نارا وعلى قولهم ما جعل فيه نارا بل تلك ~~الجواهر باقية بعينها وأحدث فيها عرض لم يكن وخلق الشيء من غير جنسه أبلغ ~~في قدرة القادر الخالق سبحانه وتعالى كما وصف نفسه بذلك في قوله @QB@ قل ~~اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء ~~وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في ms068 النهار وتولج ~~النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء ~~بغير حساب @QE@ PageV01P064 ولهذا قال للملائكة @QB@ إني خالق بشرا من طين ~~فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين @QE@ وقال @QB@ ألم نخلقكم ~~من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون @QE@ ~~ولهذا امتنع اللعين كما قال تعالى @QB@ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا @QE@ وقال @QB@ لم أكن لأسجد ~~لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون @QE@ وأيضا فكون الشيء مخلوقا من مادة ~~وعنصر أبلغ في العبودية من كونه خلق لا من شيء وأبعد عن مشابهة الربوبية ~~فإن الرب هو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فليس له أصل وجد ~~منه ولا فرع يحصل عنه فاذا كان المخلوق له أصل وجد منه كان بمنزلة الولد له ~~وإذا خلق له شيء آخر كان بمنزلة الوالد وإذا كان والدا ومولودا كان أبعد عن ~~مشابهة الربوبية والصمدية فانه خرج من غيره ويخرج منه غيره لا سيما إذا ~~كانت المادة التي خلق منها مهينة كما قال تعالى @QB@ ألم نخلقكم من ماء ~~مهين @QE@ وقال تعالى @QB@ فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من ~~بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ~~ناصر @QE@ وفي المسند عن بشر ابن جحاش قال بصق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال يقول الله تعالى ابن آدم أنى تعجزني ~~وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللارض منك وئيد ~~فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق واني أوان الصدقة وكذلك إذا ~~خلق في محل مظلم وضيق كما خلق الانسان في ظلمات ثلاث كان أبلغ في قدرة ~~القادر وأدل على عبودية الانسان وذله لربه وحاجته اليه وقد يقول المعير ~~للرجل مالك أصل ولا فصل ولكن الانسان أصله التراب وفصله الماء المهين ms069 ولهذا ~~لما خلق المسيح من غير أب وقعت به الشبهة لطائفة وقالوا انه ابن الله مع ~~أنه لم يخلق إلا من مادة أمه ومن الروح التي نفخ فيها كما قال تعالى @QB@ ~~ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا @QE@ PageV01P065 ~~وقال تعالى أيضا @QB@ فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن ~~كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا @QE@ فما خلق من غير ~~مادة تكون كالأب له قد يظن فيه أنه ابن الله وأن الله خلقه من ذاته فلهذا ~~كانت الانبياء مخلوقة من مادة لها أصول ومنها فروع لها والد ومولود والأحد ~~الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وحدوث الشيء لا من مادة قد يشبه ~~حدوثه من غير رب خالق وقد يظن أنه حدث من ذات الرب كما قيل مثل ذلك في ~~المسيح والملائكة انها بنات الله لما لم يكن لها أب مع أنها مخلوقة من مادة ~~كما ثبت في الصحيح صحيح مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم ولما ~~ظن طائفة أنها لم تخلق من مادة ظنوا أنها قديمة أزلية وأيضا فالدليل الذي ~~احتج به كثير من الناس على أن كل حادث لا يحدث إلا من شيء أو في شيء فان ~~كان عرضا لا يحدث إلا في محل وان كان عينا قائمة بنفسها لم تحدث إلا من ~~مادة فان الحادث إنما يحدث إذا كان حدوثه ممكنا وكان يقبل الوجود والعدم ~~فهو مسبوق بامكان الحدوث وجوازه فلا بد له من محل يقوم به هذا الامكان ~~والجواز وقد تنازعوا في هذا هل الامكان صفة خارجية لا بد لها من محل أو هي ~~حكم عقلي لا يفتقر إلى غير الذهن والتحقيق أنه نوعان فالامكان الذهني وهو ~~تجويز الشيء أو عدم العلم بامتناعه محله الذهن والامكان الخارجي المتعلق ~~بالفاعل أو المحل مثل أن تقول يمكن ms070 القادر أن يفعل والمحل مثل أن تقول هذه ~~الأرض يمكن أن تزرع وهذه المرأة يمكن أن تحبل وهذا لا بد له من محل خارجي ~~فاذا قيل عن الرب يمكن أن يخلق فمعناه أنه يقدر على ذلك ويتمكن منه وهذه ~~صفة قائمة به وإذا قيل يمكن أن يحدث حادث فان قيل يمكن حدوثه بدون سبب حادث ~~فهو ممتنع وإذا كان الحدوث لا بد له من سبب حادث فذاك السبب ان كان قائما ~~بذات الرب فذاته قديمة أزلية واختصاص ذلك الوقت بقيام مشيئة أو تمام تمكن ~~ونحو ذلك لا يكون إلا لسبب قد أحدثه قبل هذا في غيره فلا يحدث حادث مباين ~~إلا مسبوقا بحادث مباين له فالحدوث مسبوق بامكانه ولا بد لامكانه من محل ~~ولهذا لم يذكر الله قط PageV01P066 أنه أحدث شيئا إلا من شيء والذي يقول إن ~~جنس الحوادث حدثت لا من شيء هو كقولهم إنها حدثت بلا سبب حادث مع قولهم ~~إنها كانت ممتنعة ثم صارت ممكنة من غير تجدد سبب بل حقيقة قولهم إن الرب ~~صار قادرا بعد أن لم يكن من غير تجدد شيء يوجب ذلك وهذه الامور كلها من ~~أقوال الجهمية أهل الكلام المحدث المبتدع المذموم وهو بناء على قولهم انه ~~تمتنع حوادث لا أول لها وهؤلاء وأمثالهم غلطوا فيما جاء به الشرع وأخبرت به ~~الرسل كما غلطوا في المعقولات فكل واحد مما يسمى شرعا وعقلا وسمعا قد وقع ~~فيه اشتباه فالشرع يطلق تارة على ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة هذا هو ~~الشرع المنزل وهو الحق الذي ليس لأحد خلافه ويطلق على ما يضيفه بعض الناس ~~إلى الشرع إما بالكذب والافتراء وإما بالتأويل والغلط وهذا شرع مبدل لا ~~منزل ولا يجب بل ولا يجوز اتباعه وكذلك لفظ السنة فان السنة التي يجب ~~اتباعها هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والسنة تذكر في الاصول ~~والاعتقادات وتذكر في الأعمال والعبادات وكلاهما يدخل فيما أخبر به وأمر به ~~فما أخبر به وجب تصديقه فيه وما ms071 أوجبه وأمر به وجبت طاعته فيه ثم كثير من ~~الناس يضيف إلى السنة ما أدخله بعض الناس فيها إما بالكذب وإما بالتأويل ~~مثل أحاديث كثيرة ضعيفة بل موضوعة واستدلالات بأقواله على ما لا تدل عليه ~~ومثل أقوال أحدثها قوم انتسبوا إلى السنة في بعض الأمور مثل إثبات الصفات ~~والقدر فإن المنتسبين لذلك يضافون إلى السنة لأن نفاة الصفات والقدر مبتدعة ~~وكذلك حب الخلفاء الراشدين وموالاتهم يضاف أهله إلى السنة لان الطاعنين ~~فيهم أهل بدعة ومثل الاستدلال بالنصوص على موارد النزاع فإن أهل ذلك يضافون ~~إلى السنة لكونهم يقصدون اتباع القرآن والحديث والمخالفون لذلك يردون ~~الأخبار الصحيحة أو لا يحتجون بالقرآن مبتدعون ثم قد يقول المضافون إلى ~~السنة أشياء ليست من السنة مثل أحاديث كثيرة يروونها في فضائل بعض الصحابة ~~وهي كذب ومثل نفي الحكمة والأسباب في مسائل القدر ومثل كلامهم في الأجسام ~~والأعراض وتناهي الحوادث ونحو ذلك مما لم يأخذوه عن الرسول فهذا ليس من ~~السنة وان كان أهلها وافقوا السنة في مواضع خالفهم PageV01P067 فيها من ~~ينازعهم في هذه المسائل فلا يجب اذا كانوا أصابوا حيث وافقوا السنة أن ~~يصيبوا حيث لم يوافقوها وكذلك مسمى العقل فان مسمى العقل قد مدحه الله في ~~القرآن في غير آية لكن لما أحدث قوم من الكلام المبتدع المخالف للكتاب ~~والسنة بل وهو في نفس الامر مخالف للمعقول وصاروا يسمون ذلك عقليات وأصول ~~دين وكلاما في أصول الدين صار من عرف أنهم مبتدعة ضلال في ذلك ينفر عن جنس ~~المعقول والرأي والقياس والكلام والجدل فاذا رأى من يتكلم بهذا الجنس ~~اعتقده مبتدعا مبطلا كما أن هؤلاء لما رأوا ان جنس المنتسبين إلى السنة ~~والشرع والحديث قد أخطأوا في مواضع وخالفوا فيها صريح المعقول وهم يقولون ~~أن السنة جاءت بذلك صار هؤلاء ينفرون عن جنس ما يستدل في الاصول بالشرع ~~والسنة ويسمونهم حشوية وعامة وكل من هؤلاء أدخلوا في مسمى الشرع والعقل ~~والسمع ما هو محمود ومذموم ثم هؤلاء قبلوا من مسمى الشرع والسنة عندهم ms072 ~~محموده ومذمومه وخالفوا مسمى العقل محموده ومذمومه وأولئك قبلوا مسمى العقل ~~عندهم محموده ومذمومه وخالفوا مسمى الشرع محموده ومذمومه فيجب البيان ~~والتفصيل والاستفسار وبيان الفرقان بين الحق والباطل فان ذلك يوجب التصديق ~~بما جاء به الشرع المنزل والسنة الغراء وهو المعقول الحق وهو الكلام الصدق ~~وهو الجدل بالتي هي أحسن ويوجب رد ما أدخل في الشرع والسنة وليس منها ورد ~~ما سمي معقولا وهو باطل وسمي كلاما صدقا وهو كذب وسمي جدلا بالتي هي أحسن ~~وهو جدل بالباطل بغير علم ولهذا حصل من الذين لبسوا الحق بالباطل تبديل لما ~~بدلوه من الدين وتحريف الكلم عن مواضعه ومضاهاة لأهل الكتاب مما ذمهم الله ~~عليه والبخاري في أول كتاب خلق أفعال العباد ذكر الرد على المعطلة الذين ~~يبدلون كلام الله من الجهمية وذكر من كلام السلف والأئمة فيهم ما عرف به ~~مقصودهم # والتبديل نوعان أحدهما ان يناقضوا خبره والثاني أن يناقضوا أمره فان الله ~~بعثه بالهدى ودين الحق وهو صادق فيما أخبر به عن الله آمر بما أمر الله به ~~كما قال @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ وأهل التبديل الذين يضيفون ~~إلى دينه وشرعه ما ليس منه وهم أهل الشرع المبدل تارة يناقضونه في خبره ~~فينفون PageV01P068 ما أثبته أو يثبتون ما نفاه كالجهمية الذين ينفون ما ~~أثبته من صفات الله وأسمائه والقدرية الذين ينفون ما أثبته من قدر الله ~~ومشيئته وخلقه وقدرته والقدرية المجبرة الذين ينفون ما أثبته من عدل الله ~~وحكمته ورحمته ويثبتون ما نفاه من الظلم والعبث والبخل ونحو ذلك عنه وأمثال ~~ذلك ومسسائل أصول الدين عامتها من هذا الباب ثم إنهم ايضا يوجبون مالم ~~يوجبه بل حرمه ويحرمون ما لم يحرمه بل أوجبه فيوجبون اعتقاد هذه الاقوال ~~والمذاهب المناقضة لخبره وموالاة أملها ومعاداة من خالفها ويوجبون النظر ~~المعين في طريقهم الذي أحدثوه كما أوجبوا النظر في دليل الاعراض الذي ~~استدلوا به على حدوث الأجسام وقالوا يجب على كل مكلف أن ينظر فيه ليحصل له ~~العلم بإثبات الصانع قالوا ms073 لان معرفة الله واجبة ولا طريق اليها الا هذا ~~النظر وهذا الدليل ولما علم كثير من موافقيهم أن الاستدلال بهذا الدليل لم ~~يوجه الرسول خالفوهم في إيجابهم مع موافقتهم لهم على صحته والتحقيق ما عليه ~~السلف أنه ليس بواجب أمرا ولا هو صحيح خبرا بل هو باطل منهي عنه شرعا فان ~~الله تعالى لا يأمر بقول الكذب والباطل بل ينهى عن ذلك لكن غلطوا حيث ~~اعتقدوا أنه حق وان الدين لا يقوم الا على هذا الاصل الذي أصلوه كما أن ~~طوائف من أهل العبادة والزهد والارادة والمحبة والتصوف سلكوا طرقا ظنوا أنه ~~لا يوصل إلى الله إلا بها ثم منهم من يوجبها ويذم من لم يسلكها ومنهم من لم ~~ير أن سالكيها أفضل من غيرهم ويوسع الرحمة لانه قد علم أن الرسول والصحابة ~~لم يأمروا بها الناس مع اعتقادهم أنها طرق صحيحة موصلة إلى رضوان الله وهي ~~عند التحقيق طرق مضلة إنما توصل إلى رضى الشيطان وسخط الرحمن كالعبادات ~~التي ابتدعها ضلال أهل الكتاب والمشركين وخالفوا بها دين المرسلين فهؤلاء ~~في الاحوال البدعية وأولئك في الاقوال البدعية والقول الحق هو القرآن ~~والحال الحق هو الايمان كما قال جندب وابن عمر تعلمنا الايمان ثم تعلمنا ~~القرآن فازددنا إيمانا وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها ~~طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ~~ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب PageV01P069 وطعمها ~~مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها # فالناس أربعة أصناف صاحب قول قرآني وحال ايماني فهم أفضل الخلق وصاحب قول ~~قرآني وحال ليس بايماني وصاحب حال ايماني وليس له قول ومن ليس له لا قول ~~قرآني ولا حال ايماني وكثير من المنتسبين إلى القول والكلام والعلم والنظر ~~والفقه والاستدلال ابتدعوا أقوالا تخالف القرآن وكثير من المنتسبين إلى ~~العمل والعبادة ms074 والارادة والمحبة وحسن الخلق والمجاهدة ابتدعوا أحوالا ~~وأعمالا تخالف الايمان وصار مع كل طائفة نوع من الحق الذي جاء به الرسول ~~لكن ملبوس بغيره وصار كثير من الطائفتين ينكر ما عليه الأخرى مطلقا كما ~~@QB@ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ~~@QE@ وفي كل من الطائفتين شبه من أحدى الامتين ففي المنتسبين إلى العلم اذا ~~لم يوافقوا العلم النبوي ويعملوا به شبه من اليهود وفي أهل العمل اذا لم ~~يوافقوا العمل الشرعي ويعملوا بعلم شبه من النصارى وصار كثير من أهل الكلام ~~والرأي ينكرون جنس محبة الله وارادته كما صار كثير من أهل الزهد والتصوف ~~ينكر جنس العلم والكلام والنظر وأولئك الذين أنكروا محبة الله وإرادته بنوا ~~ذلك على أصل لهم للقدرية المجبرة والنافية وهو أن المحبة والارادة والرضا ~~والمشيئة شيء واحد ولا يتعلق ذلك إلا بمعدوم وهو ارادة الفاعل أن يفعل مالم ~~يكن فعله فاعتقدوا أن المحبة والارادة لا تتعلق إلا بمعدوم فالموجود لا يحب ~~ولا يراد والقديم الأزلي لا يحب ولا يراد والباقي لا يحب ولا يراد فانكروا ~~أن يكون الله محبوبا أو مرادا وهم لانكار كونه يحب أبلغ وأبلغ فلا يثبتون ~~إلا مشيئته أن يخلق فقط وهي لا تتعلق إلا بمعدوم فأما أن يحب موجودا من ~~خلقه فهذا باطل عند الطائفتين لكن المجبرة يقولون محبته هي مشيئته وقد شاء ~~خلق كل شيء فهو يحب كل شيء والنفاة يقولون محبته هي إرادته إثابة المطيعين ~~وهي مشيئة خاصة والذي جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الامة وعليه ~~مشايخ المعرفة وعموم المسلمين أن الله يحب ويحب كما نطق بذلك الكتاب والسنة ~~في مثل قوله @QB@ يحبهم ويحبونه @QE@ ومثل قوله @QB@ والذين آمنوا أشد حبا ~~لله @QE@ PageV01P070 وقوله @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله @QE@ بل لا شيء يستحق أن يحب لذاته محبة مطلقة إلا الله وحده وهذا من ~~معنى كونه معبودا فحيث جاء القرآن بالامر بالعبادة والثناء على أهلها أو ~~على المنيبين إلى الله والتوابين اليه أو ms075 الأوابين أو المطمئنين بذكره أو ~~المحبين له ونحو ذلك فهذا كله يتضمن محبته وما لا يحب ممتنع كونه معبودا ~~ومألوها ومطمأنا بذكره ومن أطيع لعوض يؤخذ منه أو لدفع ضرره فهذا ليس ~~بمعبود ولا إله بل قد يكون الشخص كافرا وظالما يبغض ويلعن ومع هذا يعمل معه ~~عامل بعوض فمن جعل العمل لله لا يكون إلا لذلك فلم يثبت الرب إلها معبودا ~~ولا ربا محمودا وهو حقيقة قول النفاة من الجهمية والقدرية النافية والمثبتة ~~والله سبحانه وتعالى رغب في عبادته والعمل له بما ذكره من الوعد ورهب من ~~الكفر به والشرك بما ذكره من الوعيد وهو حق لكنه لم يقل ان العابد لله ~~والعامل له لا يحصل له إلا ما ذكر بل وقد قال تعالى @QB@ فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين @QE@ وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى أعددت لعبادي ~~الصالحين ما لا عين رأت ولا أدن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما ~~أطلعتهم عليه اقرءوا ان شئتم @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ~~جزاء بما كانوا يعملون @QE@ وقد ثبت في الحديث الصحيح عن صهيب عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال يقول الله يا أهل الجنة ان لكم عندي موعدا أريد أن ~~أنجزكموه فيقولون ما هو ألم تنضر وجوهنا وتثقل موازيننا وتدخلنا الجنة ~~وتجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون اليه فما أعطاهم شيئا أحب اليهم ~~من النظر اليه وهي الزيادة وفي الحديث الذي رواه النسائي لما صلى عمار ~~فأوجز وقال دعوت في الصلاة بدعاء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم اللهم ~~بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني اذا ~~كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق ~~في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا ~~تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة ~~النظر إلى وجهك والشوق PageV01P071 الى لقائك ms076 من غير ضراء مضرة ولا فتنة ~~مضلة اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين وروى نحوا هذا من وجه ~~آخر فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لم يعط أهل الجنة أحب إليهم من النظر اليه ~~وسن أن يدعى بلذة النظر إلى وجهه الكريم وأهل الجنة قد تنعموا من أنواع ~~النعيم بالمخلوقات بما هو غاية النعيم فلما كان نظرهم إليه أحب اليهم من كل ~~أنواع النعيم علم أن لذة النظر إليه أعظم عند أهل الجنة من جميع أنواع ~~اللذات والجنة فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين فما لذت أعينهم باعظم من ~~لذتها بالنظر اليه واللذة تحصل بادراك المحبوب فلو لم يكن أحب اليهم من كل ~~شيء ما كان النظر اليه أحب اليهم من كل شيء وكانت لذته أعظم من كل لذة ~~والله تعالى وعد عباده المؤمنين بالجنة وهي اسم لدار فيها جميع أنواع ~~اللذات المتعلقة بالمخلوق وبالخالق كما أن النار اسم لدار فيها أنواع ~~الآلام لكن غلط من ظن أن التنعيم بالنظر اليه ليس من نعيم أهل الجنة وصار ~~هؤلاء حزبين حزبا أنكروا التنعيم بالنظر اليه وهم المنكرون المحبة قال أبو ~~المعالي ونحوه ممن ينكر محبته إنهم اذا رأوه لم يلتذوا بنفس النظر بل يخلق ~~لهم لذة ببعض المخلوقات مع النظر وكذلك قال من شاركهم في التجهم من أهل ~~الوحدة كابن عربي قال ما التذ عارف بمشاهدة قط وادعى أبو المعالي أن إنكار ~~محبته من أسرار التوحيد وهو من أسرار توحيد الجهمية المعطلة المبدلة وحكى ~~عن ابن عقيل أنه سمع رجلا يقول أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم فقال له هب ~~أن له وجها أله وجه يلتذ بالنظر اليه وهذا بناء على هذا الاصل فانه وشيخه ~~أبا يعلى ونحوهما وافقوا الجهمية في إنكار أن يكون الله محبوبا واتبعوا في ~~ذلك قول أبي بكر بن الباقلاني ونحوه ممن ينكر محبة الله وجعل القول ~~باثباتها قول الحلولية والجواب الثاني أن طائفة من الصوفية والعباد شاركوا ~~هؤلاء في أن مسمى الجنة لا يدخل فيه النظر ms077 إلى الله وهؤلاء لهم نصيب من ~~محبة الله تعالى والتلذذ بعبادته وعندهم نصيب من الخوف والشوق والغرام فلما ~~ظنوا أن الجنة لا يدخل فيها النظر اليه صاروا يستخفون بمسمى الجنة ويقول ~~أحدهم ما عبدتك شوقا إلى جنتك ولا خوفا من نارك وهم غلطوا من وجهين أحدهما ~~أن ما يطلبونه من النظر اليه والتمتع بذكره ومشاهدته كل ذلك في الجنة ~~PageV01P072 # الثاني أن الواحد من هؤلاء لو جاع في الدنيا أياما أو القي في بعض عذابها ~~طار عقله وخرج من قلبه كل محبة ولهذا قال سمنون % وليس لي في سواك حظ % ~~فكيفما شئت فامتحني % # ابتلى بعسر البول فصار يطوف على المكاتب ويقول ادعوا لعمكم الكذاب وأبو ~~سليمان لما قال قد أعطيت من الرضا نصيبا لو ألقاني في النار لكنت راضيا ذكر ~~أنه ابتلى بمرض فقال ان لم تعافني وإلا كفرت أو نحو هذا والفضيل بن عياض ~~إبتلي بعسر البول فقال بحبي لك إلا فرجت عني فبذل حبه في عسر البول فلا ~~طاقة لمخلوق بعذاب الخالق ولا غنى به عن رحمته وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لرجل ما تدعو في صلاتك قال أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار أما أني ~~لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال حولها ندندن ودخل على أعرابي قد صار ~~مثل الفرخ فقال هل كنت تدعو الله بشيء قال كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به ~~في الآخره فعجله لي في الدنيا فقال سبحان الله انك لا تستطيعه ولا تطيقه ~~هلا قلت اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ~~والعدوان في الارادة والعبادة والعمل حصل من إعراضهم عن العلم الشرعي ~~واتباع الرسول وقد قال تعال @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله @QE@ قال بعضهم ليس الشأن في أن تحبه الشأن في أن يكون هو يحبك وهو ~~إنما يحب من اتبع الرسول وإلا فالمشركون وأهل الكتاب يدعون أنهم يحبونه ~~وأولئك غلطوا بنفي محبته وهؤلاء أثبتوا محبة شركية لم يثبتوا محبة توحيدية ~~خالصة ms078 وقد قال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ # فالأقسام ثلاثة أولئك معطلة للمحبة وحقيقة قولهم تعطيل العبادة مطلقا ~~وهؤلاء مشركون في المحبة فهم مشركون في العبادة أولئك مستكبرون عن عبادته ~~والكبر لليهود وهؤلاء مشركون في عبادته والشرك للنصارى وكل واحد من ~~المستكبرين والمشركين ليسوا مسلمين بل الاسلام هو الاستسلام لله وحده ولفظ ~~PageV01P073 الاسلام يتضمن الاسلام ويتضمن إخلاصه لله وقد ذكر ذلك غير واحد ~~حتى أهل العربية كأبي بكر بن الأنباري وغيره ومن المفسرين من يجعلهما قولين ~~كما يذكر طائفة منهم البغوي أن المسلم هو المستسلم لله وقيل هو المخلص ~~والتحقيق أن المسلم يجمع هذا وهذا فمن لم يستسلم له لم يكن مسلما ومن ~~استسلم لغيره كما يستسلم له لم يكن مسلما ومن استسلم له وحده فهو المسلم ~~كما في القرآن @QB@ بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ وقال @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ~~وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ ~~والاستسلام له يتضمن الاستسلام لقضائه وأمره ونهيه فيتناول فعل المأمور ~~وترك المحظور والصبر على المقدور @QB@ إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين @QE@ قال ابن أبي حاتم حدثنا عصام بن وراد حدثنا آدم عن أبي ~~جعفر عن الربيع عن أبي العالية في قوله @QB@ بلى من أسلم وجهه لله @QE@ ~~يقول من أخلص لله قال ابن أبي حاتم وروى عن الربيع نحو ذلك وقال ذكر عن ~~يحيى بن آدم حدثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح عن عطاء بن دينار عن سعيد ~~بن جبير @QB@ من أسلم وجهه لله @QE@ من أسلم أخلص وجهه قال دينه وقال أبو ~~الفرج أسلم بمعنى أخلص وفي الوجه قولان أحدهما أنه الدين والثاني العمل ~~وقال البغوي من أسلم وجهه لله أخلص دينه لله وقيل أخلص عبادته لله وقيل خضع ~~وتواضع لله وأصل الاسلام الاستسلام والخضوع وخص الوجه لأنه إذا جاد ms079 بوجهه ~~في السجود لم يبخل بسائر جوارحه وهو محسن في عمله قيل مؤمن وقيل مخلص قلت ~~قول من قال خضع وتواضع لربه هو داخل في قول من قال أخلص دينه أو عمله أو ~~عبادته لله فان هذا إنما يكون اذا خضع له وتواضع له دون غيره فان العبادة ~~والدين والعمل له لا يكون الا مع الخضوع له والتواضع وهو مستلزم لذلك ولكن ~~أولئك ذكروا مع هذا أن يكون هذا الاسلام لله وحده فذكروا المعنيين ~~الاستلزام وأن يكون لله وقول من قال خضع وتواضع لله يتضمن أيضا أنه أخلص ~~عبادته PageV01P074 ودينه لله فان ذلك يتضمن الخضوع والتواضع لله دون غيره ~~وأما ذكر التوجه فقد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع وتبين أن الله ذكر ~~إسلام الوجه له في قوله @QB@ فأقم وجهك للدين @QE@ وذكر توجيه الوجه له في ~~قوله @QB@ إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض @QE@ لان الوجه إنما ~~يتوجه إلى حيث توجه القلب والقلب هو الملك فاذا توجه الوجه نحو جهة كان ~~القلب متوجها اليها ولا يمكن الوجه أن يتوجه بدون القلب فكان إسلام الوجه ~~وإقامته وتوجيهه مستلزما لاسلام القلب وإقامته وتوجيهه وذلك يستلزم اسلام ~~كله لله وتوجيه كله لله وإقامة كله لله وبسط الكلام على ما يناسب ذلك # وهذا حقيقة دين الاسلام لكن الذين أنكروا ذلك لهم شبهتان إحداهما أن ~~المحبة تقتضي المناسبة قالوا وهي منتفية فلا مناسبة بين المحدث والقديم ~~فيقال لهم هذا كلام مجمل تعنون بالمناسبة الولادة أو المماثلة ونحو ذلك مما ~~يجب تنزيه الرب عنه فان الشيء ينسب إلى أصله بأنه ابن فلان والى فرعه بأنه ~~أبو فلان وإلى نظيره بأنه مثل فلان ولما سأل المشركون النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن نسب ربه أنزل الله تعالى @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ~~ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ فلم يخرج من شيء ولا يخرج منه شيء ولا ~~له مثل فان عنيتم هذا لم نسلم أن المحبة لا بد فيها من هذا وإن ms080 أردتم ~~بالمناسبة أن يكون المحبوب متصفا بمعنى يحبه المحب فهذا لازم للمحبة والرب ~~متصف بكل صفة تحب وكل ما يحب فانما هو منه فهو أحق بالمحبة من كل محبوب ~~وإذا كان الانسان يحب الملائكة وهم من غير جنسه لما اتصفوا به من الصفات ~~الحميدة فالسبوح القدوس رب الملائكة والروح الذي كل ما اتصفت به الملائكة ~~وغيرهم فهو من جوده وإحسانه وهو العزيز الرحيم اذ كان المخلوق كثيرا ما ~~يتصف بالعزة دون الرحمة أو تكون فيه رحمة بلا عزة وهو سبحانه العزيز الرحيم ~~الغفور الودود المجيد الودود فعول من الود وقال شعيب @QB@ إن ربي رحيم ودود ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وهو الغفور الودود @QE@ فقرنه بالرحيم في موضع ~~PageV01P075 وبالغفور في موضع قال أبو بكر ابن الانباري الودود معناه المحب ~~لعباده من قولهم وددت الرجل أوده ودا وودا وودا ويقال وددت الرجل ودادا ~~وودادا وودادة وقال الخطابي هو اسم مأخوذ من الود وفيه وجهان أحدهما أن ~~يكون فعولا في محل مفعول كما قيل رجل هيوب بمعنى مهيب وفرس ركوب بمعنى ~~مركوب والله سبحانه وتعالى مودود في قلوب أوليائه لما يعرفونه من إحسانه ~~اليهم والوجه الآخر أن يكون بمعنى الود أي أنه يود عباده الصالحين بمعنى ~~أنه يرضى عنهم ويتقبل أعمالهم ويكون معناه أن يوددهم إلى خلقه كقوله @QB@ ~~سيجعل لهم الرحمن ودا @QE@ قلت قوله @QB@ سيجعل لهم الرحمن ودا @QE@ فسروها ~~بأنه يحبهم ويحببهم إلى عباده كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال إذا أحب الله العبد نادى يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ~~ثم ينادي في السماء إن الله يحب فلانا فأحبه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له ~~القبول في الأرض وقال في البغض مثل ذلك وقال عبد ابن حميد أنبأنا عبيد الله ~~بن موسى عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس @QB@ سيجعل ~~لهم الرحمن ودا @QE@ قال يحبهم ويحببهم ورواه ابن أبي حاتم أيضا وقال عبد ~~أخبرني شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن ms081 مجاهد @QB@ سيجعل لهم الرحمن ودا ~~@QE@ قال يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين أخبرنا عبد الرزاق عن الثوري عن مجاهد ~~عن ابن عباس @QB@ سيجعل لهم الرحمن ودا @QE@ قال محبة وهذا فيه إثبات حبه ~~لهم بعد أعمالهم بقوله @QB@ سيجعل لهم الرحمن ودا @QE@ وهو نظير قوله @QB@ ~~قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ فهو يحبهم إذا اتبعوا ~~الرسول ونظير قوله في الحديث الصحيح ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش ~~بها ورجله التي يمشي بها وكذلك قوله @QB@ وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ~~@QE@ @QB@ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ @QB@ إن الله يحب ~~المتقين @QE@ @QB@ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص @QE@ وهذه الآيات وأشباهها تقتضي أن الله يحب أصحاب هذه الأعمال فهو ~~يحب التوابين وإنما يكونون توابين بعد الذنب ففي هذه الحال PageV01P076 ~~يحبهم وهذا مبني على الصفات الاختيارية فمن نفاها رد هذا كله ولهم قولان ~~أحدهما أن المحبة قديمة فهو يحبهم في الأزل إذا علم أنهم يموتون على حال ~~مرضية ويقولون أن الله يحب الكفار في حال كفرهم اذا علم أنهم يموتون على ~~الايمان ويبغض المؤمن إذا علم أنه يرتد هذا قول ابن كلاب ومن تبعه ثم منهم ~~من يفسر المحبة بالارادة ومنهم من يقول هي صفة زائدة على الارادة والقول ~~الثاني يجعلون هذا من باب الفعل فالمحبة عندهم إحسانه اليهم والاحسان عندهم ~~ليس قائما به بل بائن عنه والكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة والأدلة ~~العقلية إنما تدل على القول الأول كما قد بسط في غير هذا الموضع اذ المقصود ~~هنا ذكر اسمه الودود والاكثرون على ما ذكره ابن الأنباري وأنه فعول بمعنى ~~فاعل أي هو الواد كما قرنه بالغفور وهو الذي يغفر وبالرحيم وهو الذي يرحم ~~قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عيسى بن جعفر قاضي الري حدثنا سفيان في ~~قوله @QB@ إن ربي رحيم ودود @QE@ قال محب وقال قرئ على يونس حدثنا ابن وهب ~~قال ms082 وقال ابن زيد قوله @QB@ الودود @QE@ قال الرحيم وقد ذكر فيه قولين ~~القول الاول رواه من تفسير الوالبي عن ابن عباس قوله الودود قال الحبيب ~~والثاني قول ابن زيد الرحيم وما ذكره الوالبي أنه الحبيب قد يراد به ~~المعنيان أنه يحب ويحب فان الله يحب من يحبه وأولياؤه يحبهم ويحبونه ~~والبغوي ذكر الأمرين فقال وللودود معنيان أن يحب المؤمنين وقيل هو بمعنى ~~المودود أي محبوب المؤمنين وقال أيضا في قوله @QB@ وهو الغفور الودود @QE@ ~~أي المحب لهم وقيل معناه المودود كالحلوب والركوب بمعنى المحلوب والمركوب ~~وقيل يغفر ويود أن يغفر وقيل المتودد إلى أوليائه بالمغفرة قلت هذا للفظ ~~معروف في اللغة أنه بمعنى الفاعل كقول النبي صلى الله عليه وسلم تزوجوا ~~الودود الولود وفعول بمعنى فاعل كثير كالصبور والشكور وأما بمعنى مفعول ~~فقليل وأيضا فان سياق القرآن يدل على أنه أراد أنه هو الذي يود عباده كما ~~أنه هو الذي يرحمهم ويغفر لهم فان شعيبا قال @QB@ واستغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه إن ربي رحيم ودود @QE@ فذكر رحمته ووده كما قال تعالى @QB@ وجعل بينكم ~~مودة ورحمة @QE@ وهو أراد PageV01P077 وصفا يبين لهم أنه سبحانه يغفر الذنب ~~ويقبل على التائب وهو كونه ودودا كما قال @QB@ إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين @QE@ وقد ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن الله يفرح بتوبة التائب أشد من فرح من فقد راحلته بأرض دوية مهلكة ثم ~~وجدها بعد اليأس فهذا الفرح منه بتوبة التائب يناسب محبته له ومودته له ~~وكذلك قوله في الآية الأخرى @QB@ وهو الغفور الودود @QE@ فانه مثل قوله ~~@QB@ وهو الغفور الرحيم @QE@ وأيضا فان كونه مودودا أي محبوبا يذكر على ~~الوجه الكامل الذي يتبين اختصاصه به مثل اسم الآله فإن الآله المعبود هو ~~مودود بذلك ومثل اسمه الصمد ومثل ذي الجلال والاكرام ونحو ذلك وكونه مودودا ~~ليس بعجيب وإنما العجب جوده واحسانه فانه يتودد إلى عباده كما في الاثر يا ~~عبدي كم أتودد اليك بالنعم وأنت تتمقت إلي بالمعاصي ولا يزال ms083 ملك كريم يصعد ~~إلي منك بعمل سيء وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول ~~الله تعالى من تقرب إلي شبرا تقربت اليه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت ~~اليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وجاء في تفسير اسمه الحنان المنان أن ~~الحنان الذي يقبل على من أعرض عنه والمنان الذ يجود بالنوال قبل السؤال ~~وأيضا فمبدأ الحب والود منه لكن اسمه الودود يجمع المعنيين كما قال الوالبي ~~عن ابن عباس انه الحبيب وذلك أنه إذا كان يود عباده فهو مستحق لان يوده ~~العباد بالضرورة ولهذا من قال انه يحب المؤمنين قال انهم يحبونه فان كثيرا ~~من الناس يقول انه محبوب وهو لا يحب شيئا مخصوصا لكن محبته بمعنى مشيئته ~~العامة ومن الناس من قال إنه لا يحب مع أنه يثبت محبته للمؤمنين فالقسمة في ~~المحبة رباعية فالسلف وأهل المعرفة أثبتوا النوعين قالوا إنه يحب ويحب ~~والجهمية والمعتزلة تنكر الأمرين ومن الناس من قال إنه يحبه المؤمنون وأما ~~هو فلا يحب شيئا دون شيء ومنهم من عكس فقال بل هو يحب المؤمنين مع أن ذاته ~~لا يحب كما يقولون إنه يرحم ولا يرحم فاذا قيل إن الودود بمعنى الواد لزم ~~أن يكون مودودا بخلاف العكس فالصواب القطع بأن الودود وان كان ذلك متضمنا ~~لأنه يستحق أن يود ليس هو بمعنى المودود فقط ولفظ الوداد بالكسر هو مثل ~~الموادة والتواد وذاك PageV01P078 يكون من الطرفين كالتحاب وهو سبحانه لما ~~جعل بين الزوجين مودة ورحمة كان كل منهما يود الآخر ويرحمه وهو سبحانه كما ~~ثبت في الحديث الصحيح أرحم بعباده من الوالدة بولدها وقد بين الحديث الصحيح ~~أن فرحه بتوبة التائب أعظم من فرح الفاقد ماله ومركوبه في مهلكة إذا وجدهما ~~بعد اليأس وهذا الفرح يقتضي أنه أعظم مودة لعبده المؤمن من المؤمنين بعضهم ~~لبعض كيف وكل ود في الوجود فهو من فعله فالذي جعل الود في القلوب هو أولى ~~بالود كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما في قوله ms084 @QB@ سيجعل لهم الرحمن ودا ~~@QE@ قال يحبهم وقد دل الحديث الذي في الصحيحين على أن ما يجعله من المحبة ~~في قلوب الناس هو بعد أن يكون هو قد أحبه وأمر جبريل أن ينادي بأن الله ~~يحبه فنادى جبريل في السماء أن الله يحب فلانا فأحبوه وبسط هذا له موضع آخر ~~وفي مناجاة بعض الداعين ليس العجب من حبي لك مع حاجتي إليك العجب من حبك لي ~~مع غناك عني وفي أثر آخر يا عبدي وحقي اني لك محب فبحقي عليك كن لي محبا ~~وروي يا داود حببني إلى عبادي وحبب عبادي إلي مرهم بطاعتي فأحبهم وذكرهم ~~آلائي فيحبوني فانهم لا يعرفون مني إلا الحسن الجميل وهو سبحانه كما قال كل ~~ما خلقه فانه من نعمه على عباده ولهذا يقول @QB@ فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~@QE@ والخير بيديه لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو ولا ~~حول ولا قوة إلا به ولا ملجأ ولا منجا منه إلا اليه ووده سبحانه هو لمن تاب ~~اليه وأناب اليه كما قال @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا @QE@ وقال @QB@ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ فلا ~~يستوحش أهل الذنوب وينفرون منه كأنهم حمر مستنفرة فانه ودود رحيم بالمؤمنين ~~يحب التوابين ويحب المتطهرين ولهذا قال شعيب @QB@ واستغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه إن ربي رحيم ودود @QE@ وقال هنا @QB@ وهو الغفور الودود @QE@ فذكر ~~الودود في الموضعين لبيان مودته للمذنب إذا تاب اليه بخلاف القاسي الجافي ~~الغليظ الذي لا ود فيه # والحجة الثانية لهم قالوا إن الارادة والمحبة لا تتعلق إلا بمعدوم يراد ~~فعله فانه PageV01P079 لو جاز أن يراد الموجود وأن يراد القديم لجاز أن ~~يكون العالم قديما مع كونه مراد مقدورا كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ~~فان القائلين إنه موجب بذاته والعالم قديم منهم من يصفه بالارادة كأبي ~~البركات وغيره قالوا ومن المعلوم بالاضطرار للعقلاء إذ قالوا هذا الامر حصل ~~بالارادة أن يكون محدثا كائنا بعد أن لم يكن ولهذا لا يجوز أن ms085 يقال إن ~~قدرته ومشيئته تعلقت بوجوده ولا ببقائه ولا بكونه حيا ومن قال إن صفاته ~~قديمة الأعيان لا يقول إن كلامه وإرادته حصلت بارادته وقدرته فيقال هذا ~~الذي قالوه صحيح لكن هنا نوعان أحدهما إرادة أن يفعل الشيء ويكون فهذه لا ~~تكون إلا مع حدوثه والثانية محبة نفس ذاته من غير أن يفعل في الذات شيء ~~فهذه التي تتعلق بالموجود والباقي والقديم وارادة الفعل تابعة لهذه فانه ~~لولا أن تكون الارادة متعلقة بنفس الشيء الموجود امتنع أن راد ايجاده فان ~~من أراد أن يبني بيتا ليسكنه إنما مراده نفس البيت لسكناه والانتفاع وانما ~~البناء وسيلة إلى ذلك ولولا إرادة الغاية المقصودة بالذات لم ترد الوسيلة ~~وإذا بناه فهو مريد له بعد البناء ولهذا يكره خرابه وزواله وكذلك من أراد ~~أن يلبس ثوبا فلبسه فهو في حال اللبس مريد له فمن أراد إحداث أمر وفعله ~~كانت إرادة فعله لغاية مقصودة بعد الفعل هي العلة الغائبة والفعل المطلوب ~~لغاية لفاعله ارادتان ارادة الفعل وارادة الغاية وهذه هي الأصل وتلك تبع ~~لهذه والارادة ارادة لا تتعلق بالمعدوم من جهة كونه معدوما بل تتعلق بوجود ~~الفعل لكن يمتنع أن يراد فعله إلا اذا كان معدوما فالعدم شرط في ارادة فعله ~~ولهذا جعل من جملة علل الفعل ولهذا كان جماهير العقلاء مطبقين على أن كل ~~مفعول فهو حادث وكل ما أريد أن يفعل فانه يكون حادثا وكل ما تعلقت المشيئة ~~والقدرة بفعله فهو حادث ثم من الناس من يقول هذا مختص بكونه مفعولا ~~بالاختبار وإلا اذا كان معلولا لعلة موجبة لم يلزم حدوثه وهو غلط بل كل ما ~~فعل فلا يكون الا محدثا سواء كان ذلك ممكنا أو ممتنعا بل نفس كونه مفعولا ~~مستلزم حدوثه ونفس تصور العلم بكونه مفعولا يوجب العلم بحدوثه وان لم يخطر ~~بالباب كونه مفعولا بالقدرة والاختيار ثم قد يقال ما من مفعول إلا وهو ~~مفعول بالاختيار والقديم اذا قدر فاعلا بلا مشيئة كان ذلك PageV01P080 ~~ممتنعا والموجب بالذات اذا قيل هو ms086 موجب بذاته المتصفة بمشيئته وقدرته لما ~~يشاؤه فهذا حق وهو مستلزم لكونه فاعلا بمشيئته وقدرته وأما موجب بلا مشيئة ~~أو موجب يقارنه موجبه فهذان باطلان وبهما ضل من ضل من المتفلسفة القائلين ~~بقدم الفلك ونفي الصفات ولكن من أراد احداث شيء وأحدثه لم يجب أن تنقطع ~~ارادته بل قد يكون مريدا له ما دام موجودا ولولا انه مريد لوجوده لما فعله ~~فكل ما شاء الرب وجوده فهو مريد لاحداثه وبقائه ما دام باقيا وأما الارادة ~~والمحبة المتعلقة بالقديم فليست ارادة فعل فيه بل هي محبة ذاته وكل ارادة ~~ومحبة فلا بد أن تنتهي إلى محبوب لذاته وكل فاعل بالارادة فارادته تستلزم ~~محبة عامة لاجلها فعل فالحب أصل وجود كل موجود والرب تعالى يحب نفسه ومن ~~لوازم حبه نفسه أنها محبة مريدة لما يريد أن يفعله وما أراد فعله فهو يريده ~~لغاية يحبها فالحب هو العلة الغائبة التي لأجلها كان كل شيء والمتفلسفة ~~يصفونه بالابتهاج والفرح كما جاءت به النصوص النبوية لكنهم يقصرون في معرفة ~~هذا وأمثاله من الأمور الالهية فانهم يقولون اللذة إدراك الملائم من حيث هو ~~ملائم وهو مدرك لذاته بأفضل إدراك فهو أفضل مدرك لأفضل مدرك بأفضل إدارك ~~وقد قصروا في ذلك من ثلاثة أوجه أحدها أن اللذة والفرح والسرور والبهجة ليس ~~هو مجرد الادراك بل هو حاصل عقب الادراك فالادراك موجب له ولا بد في وجوده ~~من محبة فهنا ثلاثة أمور محبة وادراك محبوب ولذة تحصل بالادراك وهذا في ~~اللذة الدنيوية الحسية وغيرها فان الانسان يشتهي الحلو ويحبه فاذا ذاقه ~~التذ بذوقه والذوق هو الادراك وكذلك في لذات قلبه يحب الله فانه اذا ذكره ~~وصلى له وجد حلاوة ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم جعلت قرة عيني في الصلاة ~~وأهل الجنة اذا تجلى لهم فنظروا اليه فما أعطاهم شيئا أحب اليهم من النظر ~~اليه والله أعلم & فصل في تمام القول في محبة الله & # | وانقسام المراد إلى ما يراد لذاته والى ما يراد لغيره # ثم ذلك الغير ms087 لا بد أن يكون مرادا لذاته فالمراد لذاته لازم لجنس الارادة ~~PageV01P081 والارادة لازمة لجنس الحركة فان الحركة القسرية مستلزمة للحركة ~~الارادية والحركة الارادية مستلزمة للمراد لذاته فكان جنس الحركات الموجودة ~~في العالم مستلزم للمراد لذاته وهو المعبود الذي يستحق العبادة لذاته وهو ~~الله لا إله إلا هو فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وكل عمل لا يراد به ~~وجهه فهو باطل وكل عامل لا يكون عمله لله بل لغيره فهو المشرك فانه كما قال ~~الله تعالى @QB@ فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في ~~مكان سحيق @QE@ فان قوام الشيء بطبيعته الخاصة به فالحي قوامه بطبيعته ~~المستلزمة لحركته الارادية وقوامها بالمراد لذاته فاذا لم تكن حركتها ~~لارادة المعبود لذاته لم يكن لنفسه قوام بل بقيت ساقطة خارة كما ذكر الله ~~تعالى ولهذا يهوي في الهاوية وهو ذنب لا يغفر لأنه فسد الأصل كالمريض الذي ~~فسد قلبه لا ينفع مع ذلك إصلاح أعضائه ولفظ دعاء الله في القرآن يراد به ~~دعاء العبادة ودعاء المسألة فدعاء العبادة يكون الله هو المراد به فيكون ~~الله هو المراد ودعاء المسألة يكون الله هو المراد منه كما في قول المصلي ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فالعبادة إرادته والاستعانة وسيلة إلى ~~العبادة فالعبادة إرادة المقصود وارادة الاستعانة ارادة الوسيلة إلى ~~المقصود ولهذا قدم قوله @QB@ إياك نعبد @QE@ وان كانت لا تحصل إلا ~~بالاستعانة فان العلة الغائبة مقدمة في التصور والقصد وان كانت مؤخرة في ~~الوجود والحصول وهذا إنما يكون لكونه هو المحبوب لذاته لكن المراد به محبة ~~مختصة به على سبيل الخضوع له والتعظيم وعلى سبيل تخصيصها به فيعبر عنها ~~بلفظ الإنابة والعبادة ونحو ذلك اذ أن لفظ المحبة جنس عام يدخل فيه أنواع ~~كثيرة فلا يرضى لله بالقدر المشترك بل اذا ذكر من يحب غير الله ذكر الله ~~قال تعالى @QB@ والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ واذا ذكر محبتهم لربهم ذكرت ~~محبته لهم وجهادهم كما في قوله @QB@ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على ms088 المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم @QE@ وفي مثل قوله @QB@ أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله @QE@ ~~ولهذا كانت القلوب تطمئن بذكره كما قال تعالى @QB@ ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب @QE@ فتقديم المفعول يدل على أنها لا تطمئن إلا بذكره وهو تعالى ~~PageV01P082 اذا ذكر وجلت فحصل لها اضطراب ووجل لما تخافه من دونه وتخشاه ~~من فوات نصيبها منه فالوجل اذا ذكر حاصل بسبب من الانسان وإلا فنفس ذكر ~~الله يوجب الطمأنينة لانه هو المعبود لذاته والخير كله منه قال تعالى @QB@ ~~نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم @QE@ وقال علي ~~رضي الله عنه لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه فالخوف الذي ~~يحصل عند ذكره هو بسبب من العبد وإلا فذكر الرب نفسه يحصل الطمأنينة والامن ~~فما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك كما قال ذلك المريض ~~الذي سئل كيف تجدك فقال أرجو الله وأخاف ذنوبي فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما اجتمعا في قلب عبد مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه ~~مما يخاف ولم يقل بذكر الله توجل القلوب كما قال @QB@ ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب @QE@ بل قال @QB@ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون @QE@ وإنما يتوكلون عليه لطمأنينتهم إلى ~~كفايته وأنه سبحانه حسب من توكل عليه يهديه وينصره ويرزقه بفضله ورحمته ~~وجوده فالتوكل عليه يتضمن الطمأنينة اليه والاكتفاء به عما سواه وكذلك قال ~~في الآية الأخرى @QB@ فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون @QE@ فهم مخبتون والمخبت المطمئن الخاضع لله والأرض الخبت ~~المطمئنة روى ابن أبي حاتم من حديث ابن مهدي عن الثوري عن ابن أبي نجيح ~~@QB@ وبشر المخبتين @QE@ قال المطمئنين وعن الضحاك المتواضعين فوصفهم ~~بالطمأنينة ms089 مع الوجل كما وصفهم هناك بالتوكل عليه مع الوجل وكما قال في وصف ~~القرآن @QB@ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله @QE@ فذكر أنه بعد الاقشعرار تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ~~فذكره بالذات يوجب الطمأنينة وإنما الاقشعرار والوجل عارض بسبب ما في نفس ~~الانسان من التقصير في حقه والتعدي لحده فهو كالزبد مع ما ينفع الناس الزبد ~~يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في PageV01P083 الارض فالخوف مطلوب لغيره ~~ليدعو النفس إلى فعل الواجب وترك المحرم وأما الطمأنينة بذكره وفرح القلب ~~به ومحبته فمطلوب لذاته ولهذا يبقى معهم هذا في الجنة فيلهمون التسبيح كما ~~يلهمون النفس والمتفلسفة رأوا اللذات في الدنيا ثلاثة حسية ووهمية وعقلية ~~والحسية في الدنيا غايتها دفع الالم والوهمية خيالات واضحات واللذات ~~الحقيقية هي العلم فجعلوا جنس العلم غاية وغلطوا من وجوه أحدها أن العلم ~~بحسب المعلوم فاذا كان المعلوم محبوبا تكمل النفس بحبه كان العلم به كذلك ~~وان كان مكروها كان العلم به لحذره ودفع ضرره كالعلم بما يضر الانسان من ~~شياطين الانس والجن فلم يكن المقصود نفس العلم بل المعلوم ولهذا قد يقولون ~~سعادتها في العلم بالامور الباقية وأنها تبقى ببقاء معلومها ثم يظنون أن ~~الفلك والعقول والنفوس أمور باقية وأن بمعرفة هذه تحصل سعادة النفس وأبو ~~حامد في مثل معراج السالكين ونحوه يشير إلى هذا فان كلامه برزخ بين ~~المسلمين وبين الفلاسفة ففيفه فلسفة مشوبة باسلام وإسلام مشوب بفلسفة ولهذا ~~كان في كتبه كالأحياء وغيره يجعل المعلوم بالأعمال والأعمال كلها إنما ~~غايتها هو العلم فقط وهذا حقيقة قول هؤلاء الفلاسفة وكان يعظم الزهد جدا ~~ويعتني به أعظم من اعتنائه بالتوحيد الذي جاءت به الرسل وهو عبادة الله ~~وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه فان هذا التوحيد يتضمن محبة الله وحده ~~وترك محبة المخلوق مطلقا إلا اذا أحبه الله فيكون داخلا في محبة الله بخلاف ~~من يحبه مع الله فان هذا شرك وهؤلاء المتفلسفة إنما يعظمون تجريد النفس ms090 عن ~~الهيولي وهي المادة وهي البدن وهو الزهد في أغراض البدن وهو الزهد في ~~الدنيا وهذا ليس فيه إلا تجريد النفس عن الاشتغال بهذا فتبقى النفس فارغة ~~فيلقي اليها الشيطان ما يلقيه ويوهمه أن ذلك من علوم المكاشفات والحقائق ~~وغايته وجود مطلق هو في الاذهان لا في الاعيان ولهذا جعل أبو حامد السلوك ~~إلى إلا ثلاثة منازل بمنزلة السلوك إلى مكة فان السالك اليها له ثلاثة ~~أصناف من الشغل الاول تهيئة الاسباب كشراء الزاد والراحلة وخرز الراوية ~~والآخر السلوك ومفارقة الوطن بالتوجه إلى الكعبة منزلا بعد منزل والثالث ~~الاشتغال بأركان الحج ركنا بعد ركن ثم بعد النزوع عن لبسة الاحرام ~~PageV01P084 وطواف الوداع استحق التعرض للملك والسلطنة قال فالعلوم ثلاثة ~~قسم يجري مجرى سلوك البوادي وقطع العقبات وهو تطهير الباطن عن كدورات ~~الصفات وطلوع تلك العقبة الشامخة التي عجز عنها الاولون والآخرون إلا ~~الموفقون قال فهذا سلوك للطريق وتحصيل علمه كتحصيل علم جهات الطريق ومنازله ~~وكما لا يغني علم المنازل وطرق البوادي دون سلكوها فكذا لا يغني علم تهذيب ~~الاخلاق دون مباشرة التهذيب لكن المباشرة دون العلم غير ممكن قال وقسم ثالث ~~يجري مجرى نفس الحج وأركانه وهو العلم بالله وصفاته وملائكته وأفعاله وجميع ~~ما ذكرناه في تراجم علم المكاشفة قال وههنا نجاة وفوز بالسعادة والنجاة ~~حاصلة لكل سالك للطريق اذا كان غرضه المقصد وهو السلامة وأما الفوز ~~بالسعادة فلا ينالها إلا العارفون فهم المقربون المنعمون في جوار الله ~~بالروح والريحان وجنة نعيم وأما الممنوعون دون ذروة الكمال فلهم النجاة ~~والسلامة كما قال الله تعالى @QB@ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ~~وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين @QE@ قال ~~وكل من لم يتوجه إلى المقصد أو انتهض إلى جهته لا على قصد الامتثال بالأمر ~~والعبودية بل لغرض عاجل فهو من اصحاب الشمال ومن الضالين فله نزل من حميم ~~وتصلية جحيم قال واعلم أن هذا هو الحق اليقين عند العلماء الراسخين في ~~العلم أعني أنهم ms091 أدركوه بمشاهدة من الباطن ومشاهدة الباطن أقوى وأجل من ~~مشاهدة الأبصار وترقوا فيه عن حد التقليد إلى الاستبصار قلت وكلامه من هذا ~~الجنس كثير ومن لم يعرف حقيقة مقصده يهوله مثل هذا الكلام لان صاحبه يتكلم ~~بخبرة ومعرفة بما يقوله لا بمجرد تقليد لغيره لكن الشأن فيما خبره هل هو حق ~~مطابق ومن سلك مسلك المتكلمين الجهمية والفلاسفة ولم يكن عنده خبرة بحقائق ~~ما بعق به رسوله وأنزل به كتبه بل ولا بحقائق الأمور عقلا وكشفا فان هذا ~~الكلام غايته وأما من عرف حقيقة ما جاءت به الرسل أو عرف مع ذلك بالبراهين ~~العقلية والمكاشفات الشهودية صدقهم فيما أخبروا به فانه يعلم غاية مثل هذا ~~الكلام وأنه إنما ينتهي إلى التعطيل ولهذا ذاكرني مرة شيخ جليل له معرفة ~~وسلوك وعلم في هذا فقال كلام أبي حامد يشوقك فتسير خلفه وهو PageV01P085 ~~يشوقك فتسير خلفه منزلا بعد منزل فاذا هو ينتهي إلى لا شيء وهذا الذي جعله ~~هنا الغاية وهو معرفة الله وصفاته وأفعاله وملائكته قد ذكره في المضنون به ~~على غير أهله وهو فلسفة محضة قول المشركين من العرب خير منه دع قول اليهود ~~والنصارى بل قوم نوح وهود وصالح ونحوهم كانوا يقرون بالله وبملائكته وصفاته ~~وأفعاله خيرا من هؤلاء لكن لم يقروا بعبادته وحده لا شريك له ولا بأنه أرسل ~~رسولا من البشر وهذا حقيقة قول هؤلاء فانهم لا يأمرون بعبادة الله وحده لا ~~شريك له ولا يثبتون حقيقة الرسالة بل النبوة عندهم فيض من جنس المنامات ~~وأولئك الكفار ما كانوا ينازعون في هذا الجنس فان هذا الجنس موجود لجميع ~~بني آدم ومع هذا فقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم كانوا يقرون بالملائكة كما ~~قال @QB@ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم ~~الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا ~~لأنزل ملائكة @QE@ وقال قوم نوح @QB@ ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل ~~عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما ms092 سمعنا بهذا في آبائنا الأولين @QE@ بل ~~فرعون قال لموسى @QB@ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ~~ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه ~~إنهم كانوا قوما فاسقين @QE@ والعبادات كلها عندهم مقصودها تهذيب الاخلاق ~~والشريعة سياسة مدنية والعلم الذي يدعون الوصول اليه لا حقيقة لمعلومه في ~~الخارج والله أرسل رسوله بالاسلام والايمان بعبادة الله وحده وتصديق الرسول ~~فيما أخبر فالاعمال عبادة الله والعلوم تصديق الرسول وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر تارة بسورتي الاخلاص وتارة @QB@ قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا @QE@ الآية فانها تتضمن الايمان والاسلام وبالآية من ~~آل عمران @QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم @QE@ ~~PageV01P086 والذين سلكوا خلف أبي حامد أو ضاهوه في السلوك كابن سبعين وابن ~~عربي صرحوا بحقيقة ما وصلوا اليه وهو أن الوجود واحد وعلموا أن أبا حامد لا ~~يوافقهم على هذا فاستضعفوه ونسبوه إلى أنه مقيد بالشرع والعقل وأبو حامد ~~بين علماء المسلمين وبين علماء الفلاسفة علماء المسلمين يذمونه على ما شارك ~~فيه الفلاسفة مما يخالف دين الاسلام والفلاسفة يعيبونه على ما بقي معه من ~~الاسلام وعلى كونه لم ينسلخ منه بالكلية إلى قول الفلاسفة ولهذا كان الحفيد ~~ابن رشد ينشد فيه % يوما يمان اذا ما جئت ذا يمن % وان لقيت معديا فعدناني ~~% # وأبو نصر القشيري وغيره ذموه على الفلسفة وأنشدوا فيه أبياتا معروفة ~~يقولون فيها % برئنا إلى الله من معشر بهم مرض من كتاب الشفا % % وكم قلت ~~يا قوم أنتم على % شفا حفرة مالها من شفا % % فلما استهانوا بتعريفنا % ~~رجعنا إلى الله حتى كفى % % فماتوا على دين رسطاليس وعشنا على سنة المصطفى ~~% # ولهذا كانوا يقولون أبو حامد قد أمرضه الشفاء وكذلك الطرطوسي والمازري ~~وابن عقيل وأبو البيان وابن حمدين ورفيق أبي حامد أبو نصر المرغيناني ~~وأمثال هؤلاء لهم كلام كثير في ذمه على ما دخل فيه من الفلسفة ولعلماء ~~الاندلس في ذلك مجموع كبير ولهذا لما ms093 سلك خلفه ابن عربي وابن سبعين كان ابن ~~سبعين في كتاب اليد وغيره يجعل الغاية هو المقرب وهو نظير المقرب في كلام ~~أبي حامد ويجعل المراتب خمسة أدناها الفقيه ثم المتكلم ثم الفيلسوف ثم ~~الصوفي الفيلسوف وهو السالك ثم المحقق وابن عربي له أربع عقائد الأولى ~~عقيدة أبي المعالي وأتباعه مجردة عن حجة والثانية تلك العقيدة مبرهنة ~~بحججها الكلامية والثالثة عقيدة الفلاسفة ابن سينا وأمثاله الذين يفرقون ~~بين الواجب والممكن والرابعة التحقيق الذي وصل اليه وهو أن الوجود واحد ~~وهؤلاء PageV01P087 يسلكون مسلك الفلاسفة الذي ذكره أبو حامد في ميزان ~~العمل وهو أن الفاضل له ثلاث عقائد عقيدة مع العوام يعيش بها في الدنيا ~~كالفقه مثلا وعقيدة مع الطلبة يدرسها لهم كالكلام والثالثة لا يطلع عليها ~~أحد إلا الخواص ولهذا صنف الكتب المضنون بها على أهلها وهي فلسفة محضة سلك ~~فيها مسلك ابن سيا ولهذا يجعل اللوح المحفوظ هو النفس الفلكية إلى امور ~~أخرى قد بسطت في غير هذا الموضع ذكرنا ألفاظه بعينها في مواضع منها الرد ~~على ابن سبعين وأهل الوحدة وغير ذلك فانه لما انتشر الكلام في مذهب أهل ~~الوحدة وكنت لما دخلت إلى مصر بسببهم ثم صرت في الاسكندرية جاءني من ~~فضلائهم من يعرف حقيقة أمرهم وقال ان كنت تشرح لنا كلام هؤلاء وتبين ~~مقصودهم ثم تبطله وإلا فنحن لا نقبل منك كما لا نقبل من غيرك فان هؤلاء لا ~~يفهمون كلامهم فقلت نعم أنا أشرح لك ما شئت من كلامهم مثل كتاب اليد ~~والاحاطة لابن سبعين وغير ذلك فقال لي لا ولكن لوح الاصالة فان هذا يعرفون ~~وهو في رءوسهم فقلت له هاته فلما أحضره شرحته له شرحا بينا حتى تبين له ~~حقيقة الامر وأن هؤلاء ينتهي أمرهم إلى الوجود المطلق فقال هذا حق وذكر لي ~~أنه تناظر اثنان متفلسف سبعيني ومتكلم على مذهب ابن التومرت فقال ذاك نحن ~~شيخنا يقول بالوجود المطلق فقال الآخر ونحن كذلك إمامنا قلت له والمطلق في ~~الاذهان لا في الأعيان فتبين ms094 له ذلك وأخذ يصنف في الرد عليهم ولم أكن أظن ~~ابن التومرت يقول بالوجود المطلق حتى وقفت بعد هذا على كلامه المبسوط ~~فوجدته كذلك وأنه كان يقول الحق حقان الحق المقيد والحق المطلق وهو الرب ~~وتبينت أنه لا يثبت شيئا من الصفات ولا ما يتميز به موجود عن موجود فان ذلك ~~يقيد شيئا من الاطلاق وسألني هذا عما يحتجون به من الحديث مثل الحديث ~~المذكور في العقل وأن أول ما خلق الله تعالى العقل ومثل حديث كنت كنزا لا ~~أعرف فأحببت أن اعرف وغير ذلك فكتبت له جوابا مبسوطا وذكرت أن هذه الاحاديث ~~موضوعة وأبو حامد وهؤلاء لا يعتمدون على هذا وقد نقلوه إما من رسائل ~~PageV01P088 اخوان الصفا أو من كلام أبي حيان التوحيدي أو من نحو ذلك ~~وهؤلاء في الحقيقة هم من جنس الباطنية الاسماعيلية لكن أولئك يتظاهرون ~~بالتشيع والرفض وهؤلاء غالبهم يميلون إلى التشيع ويفضلون عليا ومنهم من ~~يفضله بالعلم الباطن ويفضل أبا بكر في العلم الظاهر كأبي الحسن الحرلي وفيه ~~نوع من مذهب الباطنية الاسماعيلية لكن لا يقول بوحدة الوجود مثل هؤلاء ولا ~~أظنه يفضل غير الانبياء عليهم فهو أنبل من هؤلاء من وجه لكنه ضعيف المعرفة ~~بالحديث والسير وكلام الصحابة والتابعين فيبني له أصولا على أحاديث موضوعة ~~ويخرج كلامه من تصوف وعقليات وحقائق وهو خير من هؤلاء وفي كلامه أشياء حسنة ~~صحيحة وأشياء كثيرة باطلة والله سبحانه وتعالى أعلم # الثاني أن صلاح النفس في محبة المعلوم المعبود وهي عبادته لا في مجرد علم ~~ليس فيه ذلك وهم جعلوا غاية النفس التشبه بالله على حسب الطاقة وكذلك جعلوا ~~حركة الفلك للتشبه به وهذا ضلال عظيم فان جنس التشبه يكون بين اثنين ~~مقصودهما واحد كالإمام والمؤتم به وليس الأمر هنا كذلك بل الرب هو يعرف ~~نفسه ويحب نفسه ويثني على نفسه والعبد نجاته وسعادته في أن يعرف ربه ويحبه ~~ويثني عليه والتشبه به أن يكون هو محبوبا لنفسه مثنيا بنفسه على نفسه وهذا ~~فساد في حقه وضار به ms095 والقوم أضل من اليهود والنصارى بل ومن مشركي العرب ~~فانه ليس الرب عندهم رب العالمين وخالقهم ولا إلههم ومعبودهم ومشركو العرب ~~كانوا يقرون بانه خالق كل شيء وما سواء مخلوق له محدث وهؤلاء الضالون لا ~~يعترفون بذلك كما قد بسط في غير هذا الموضع # الوجه الثالث أنهم يظنون أن ما عندهم هو علم بالله وليس كذلك بل هو جهل ~~والرازي لما شاركهم في بعض أمورهم صار حائرا معترفا بذلك لما ذكر أقسام ~~اللذات وأن اللذة العقلية هي الحق وهي لذة العلم وأن شرف العلم بشرف ~~المعلوم وهو الرب وأن العلم به ثلاث مقامات العلم بالذات والصفات والأفعال ~~قال وعلى كل مقام عقدة فالعلم بالذات فيه أن وجود الذات هل هو زائد عليها ~~أم لا وفي الصفات PageV01P089 هل الصفات زائدة على الذات أم لا وفي الأفعال ~~هل الفعل مقارن أم لا ثم قال ومن الذي وصل إلى هذا الباب أو من الذي ذاق من ~~هذا الشراب % نهاية إقدام العقول عقال % وأكثر سعي العالمين ضلال % % ~~وأرواحنا في وحشة من جسومنا % وغاية دنيانا أذى ووبال % % ولم نستفد من ~~بحثنا طول عمرنا % سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا % # لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفيه فما رأيتها تشفي عليلا ولا ~~تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ واقرأ في النفي @QB@ ليس ~~كمثله شيء @QE@ @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل ~~معرفتي فالسعادة أن يكون العلم المطلوب هو العلم بالله وما يقرب اليه ويعلم ~~أن السعادة في أن يكون الله هو المحبوب المراد المقصود ولا يحتجب بالعلم عن ~~المعلوم كما قال ذلك الشيخ العارف للغزالي لما قال له أخلصت أربعين صباحا ~~فلم يتفجر لي شيء فقال يا بني أنت أخلصت للحكمة لم يكن الله هو مرادك ~~والاخلاص لله أن يكون الله هو مقصود المرء ومراده فحينئذ تتفجر ينابيع ~~الحكمة من قلبه على لسانه كما في حديث مكحول عن النبي صلى الله عليه ms096 وسلم ~~من أخلص لله أربعين صباحا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ولهذا ~~تقول العامة قيمة كل امرئ ما يحسن والعارفون يقولون قيمة كل امرئ ما يطلب ~~وفي الاسرائيليات يقول اني لا أنظر إلى كلام الحكيم وإنما أنظر إلى همته ~~فالنفس لها قوة الإرادة مع الشعور وهما متلازمان وهؤلاء لحظوا شعورها ~~وأعرضوا عن أرادتها وهي تتقوم بمرادها لا بمجرد ما تشعر به فانها تشعر ~~بالخير والشر والنافع والضار ولكن لا يجوز أن يكون مرادها ومحبوبها إلا ما ~~يصلحها وينفعها وهو الآله المعبود الذي لا يستحق العبادة غيره وهو الله لا ~~إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ثم مع هذا يكون ~~العلم حقا وهو ما أخبرت به الرسل فالعلم الحق هو PageV01P090 ما أخبروا به ~~والارادة النافعة إرادة ما أمروا به وذلك عبادة الله وحده لا شريك له فهذا ~~هو السعادة وهو الذي اتفقت عليه الانبياء كلهم فكلهم دعوا إلى عبادة الله ~~وحده لا شريك له وذلك إنما يكون بتصديق رسله وطاعتهم فلهذا كانت السعادة ~~متضمنة لهذين الأصلين الاسلام والايمان عبادة الله وحده وتصديق رسله وهو ~~تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال تعالى @QB@ ~~فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين @QE@ قال أبو العالية هما ~~خصلتان يسأل عنهما كل أحد يقال لمن كنت تعبد وبماذا أجبت المرسلين وقد بسط ~~هذا في غير هذا الموضع والله أعلم # واتبع لها أسعد الناس في الدنيا والآخرة وخير القرون القرن الذي شاهدوه ~~مؤمنين به وبما يقول إذ كانوا أعرف الناس بالفرق بين الحق الذي جاء به وبين ~~ما يخالفه وأعظم محبة لما جاء به وبغضا لما خالفه وأعظم جهادا عليه فكانوا ~~أفضل ممن بعدهم في العلم والدين والجهاد أكمل علما بالحق والباطل وأعظم ~~محبة للحق وبغضا للباطل وأصبر على متابعة الحق واحتمال الأذى فيه وموالاة ~~أهله ومعاداة أعدائه واتصل بهم ذلك إلى القرن الثاني والثالث فظهر ما بعث ~~به من الهدى ودين الحق على كل دين في ms097 مشارق الأرض ومغاربها كما قال صلى ~~الله عليه وسلم زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي ~~منها وكان لا بد أن يظهر في أمته ما سبق به القدر واقتضته نشأة البشر من ~~نوع من التفرق والاختلاف كما كان فيما غبر لكن كانت أمته خير الأمم فكان ~~الخير فيهم أكثر منه في غيرهم والشر فيهم أقل منه في غيرهم كما يعرف ذلك من ~~تأمل حالهم وحال بني إسرائيل قبلهم وبنو إسرائيل هم الذين قال الله فيهم ~~@QB@ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا ~~يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ~~والله ولي المتقين @QE@ PageV01P091 وقال لهم موسى @QB@ يا قوم اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين @QE@ فاذا كان بنو اسرائيل الذين فضلهم على العالمين في تلك ~~الازمان وكانت هذه الامة خيرا منهم كانوا خيرا من غيرهم بطريق الاولى فكان ~~مما خصهم الله به أنه لا يعذبهم بعذاب عام لا من السماء ولا بأيدي الخلق ~~فلا يهلكهم بسنة عامة ولا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم كما كان يسلط ~~على بني إسرائيل عدوا يجتاحهم حتى لا يبقى لهم دين قائم منصور ومن لا يقتل ~~منهم يبقى مقهورا تحت حكم غيرهم بل لا تزال في هذه الامة طائفة ظاهرة على ~~الحق إلى يوم القيامة ولا يجتمعون على ضلالة فلا تزال فيهم أمة يدعون إلى ~~الخبر ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون وقد ثبت في ~~الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سألت ربي ثلاثا فأعطاني ~~اثنتين ومنعني واحدة سألت ربي أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم ms098 فيجتاحهم ~~فأعطانيها وسألته أن لا يهلكهم بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا يجعل ~~بأسهم بينهم فمنعنيها وهذا البأس نوعان أحدهما الفتن التي تجري عليهم ~~والفتنة ترد على القلوب فلا تعرف الحق ولا تقصده فيؤذي بعضهم بعضا بالاقوال ~~والاعمال والثاني أن يعتدي أهل الباطل منهم على اهل الحق منهم فيكون ذلك ~~محنة في حقهم يكفر الله بها سيآتهم ويرفع بالصبر عليها درجاتهم وبصبرهم ~~وتقواهم لا يضرهم كيد الظالمين لهم بل تكون العاقبة للتقوى ويكونون من ~~أولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين وجند الله الغالبين إذا كانوا من ~~أهل الصبر واليقين فانه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين ~~والمتعدي منهم إما أن يتوب الله عليه كما تاب على إخوة يوسف بعد عدوانهم ~~عليه وآثره الله عليهم بصبره وتقواه كما قال لما قالوا @QB@ أئنك لأنت يوسف ~~قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا ~~تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين @QE@ PageV01P092 وكما ~~فعل سبحانه بقادة الاحزاب الذين كانوا عدوا لله وللمؤمنين وقال فيهم @QB@ ~~لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء @QE@ ثم قال @QB@ عسى الله أن يجعل بينكم ~~وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم @QE@ وفي هذا ما ~~دل على أن الشخص قد يكون عدوا لله ثم يصير وليا لله مواليا لله ورسوله ~~والمؤمنين فهو سبحانه يتوب على من تاب ومن لم يتب فالى الله إيابه وعليه ~~حسابه وعلى المؤمنين أن يفعلوا معه ومع غيره ما أمر الله به ورسوله من قصد ~~نصيحتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ~~كما أمر الله ورسوله لا اتباعا للظن وما تهوى الأنفس حتى يكون من خير أمة ~~أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وهؤلاء يعلمون ~~الحق ويقصدونه ويرحمون الخلق وهم أهل صدق وعدل أعمالهم خالصة لله صواب ~~موافقة لأمر الله كما قال ms099 تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ قال ~~الفضيل ابن عياض وغيره أخلصه وأصوبه والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون ~~على السنة وهو كما قالوا فان هذين الأصلين هما دين الإسلام الذي ارتضاه ~~الله كما قال @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ فالذي أسلم وجهه لله هو الذي ~~يخلص نيته لله ويبتغي بعمله وجه الله والمحسن هو الذي يحسن عمله فيعمل ~~الحسنات والحسنات هي العمل الصالح والعمل الصالح هو ما أمر الله به ورسوله ~~من واجب ومستحب فما ليس من هذا ولا هذا ليس من الحسنات والعمل الصالح فلا ~~يكون فاعله محسنا وكذلك قال لمن قال @QB@ لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله ~~وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقالت اليهود @QE@ ~~وقد قال تعالى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة ~~من الخاسرين @QE@ والاسلام هو دين جميع الانبياء والمرسلين ومن اتبعهم من ~~الامم كما PageV01P093 أخبر الله بنحو ذلك في غير موضع من كتابه فأخبر عن ~~نوح وابراهيم واسرائيل انهم كانوا مسلمين وكذلك عن اتباع موسى وعيسى وغيرهم ~~والاسلام هو أن يستسلم لله لا لغيره فيعبد الله ولا يشرك به شيئا ويتوكل ~~عليه وحده ويرجوه ويخافه وحده ويحب الله المحبة التامة لا يحب مخلوقا كحبه ~~لله ويبغض لله ويوالي لله ويعادي لله فمن استكبر عن عبادة الله لم يكن ~~مسلما ومن عبد مع الله غيره لم يكن مسلما وإنما تكون عبادته بطاعته وطاعة ~~رسله من يطع الرسول فقد أطاع الله فكل رسول بعث بشريعة فالعمل بها في وقتها ~~هو دين الاسلام وأما ما بدل منها فليس من دين الاسلام وإذا نسخ منها ما نسخ ~~لم يبق من دين الاسلام كاستقبال بيت المقدس في أول الهجرة بضعة عشر شهرا ثم ~~الامر باستقبال الكعبة وكلاهما في وقته دين ms100 الاسلام فبعد النسخ لم يبق دين ~~الاسلام إلا أن يولي المصلي وجهه شطر المسجد الحرام فمن قصد أن يصلي إلى ~~غير تلك الجهة لم يكن على دين الاسلام لانه يريد أن يعبد الله بما لم يأمره ~~وهكذا كل بدعة تخالف أمر الرسول إما أن تكون من الدين المبدل الذي ما شرعه ~~الله قط أو من المنسوخ الذي نسخه الله بعد شرعه كالتوجه إلى بيت المقدس ~~فلهذا كانت السنة في الاسلام كالاسلام في الدين هو الوسط كما قد شرح هذا في ~~غير موضع والمقصود هنا أنه اذا رد ما تنازع فيه الناس إلى الله والرسول ~~سواء كان في الفروع أو الأصول كان ذلك خيرا وأحمد عاقبة كما قال تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ وقال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ وفي صحيح مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان اذا قام من الليل يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر ~~السماوات PageV01P094 والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما ~~كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك إنك تهدي من تشاء إلى ~~صراط مستقيم وهذه حال أهل العلم والحق والسنة يعرفون الحق الذي جاء به ~~الرسول وهو الذي اتفق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول ويدعون اليه ويأمرون ~~به نصحا للعباد وبيانا للهدى والسداد ومن خالف ذلك لم يكن لهم معه هوى ولم ~~يحكموا عليه بالجهل بل حكمه إلى الله والرسول فمنهم من يكفره الرسول ومنهم ~~من يجعله من أهل الفسق أو العصيان ومنهم من يعذره ويجعله ms101 من أهل الخطأ ~~المغفور والمجتهد من هؤلاء المأمور بالاجتهاد يجعل له أجرا على فعل ما أمر ~~به من الاجتهاد وخطؤه مغفور له كما دل الكتاب وأما أهل البدع فهم أهل أهواء ~~وشبهات يتبعون أهواءهم فيما يحبونه ويبغضونه ويحكمون بالظن والشبه فهم ~~يتبعون الظن وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى فكل فريق منهم قد ~~أصل لنفسه أصل دين وضعه إما برأيه وقياسه الذي يسميه عقليات وإما بذوقه ~~وهواه الذي يسميه ذوقيات وإما بما يتأوله من القرآن ويحرف فيه الكلم عن ~~مواضعه ويقول انه إنما يتبع القرآن كالخوارج وإما بما يدعيه من الحديث ~~والسنة ويكون كذبا وضعيفا كما يدعيه الروافض من النص والآيات وكثير ممن ~~يكون قد وضع دينه برأيه أو ذوقه يحتج من القرآن بما يتأوله على غير تأوله ~~ويجعل ذلك حجة لا عمدة وعمدته في الباطن على رأيه كالجهمية والمعتزلة في ~~الصفات والافعال بخلاف مسائل الوعد والوعيد فانهم قد يقصدون متابعة النص ~~فالبدع نوعان نوع كان قصد أهلها متابعة النص والرسول لكن غلطوا في فهم ~~المنصوص وكذبوا بما يخلف ظنهم من الحديث ومعاني الآيات كالخوارج وكذلك ~~الشيعة المسلمين بخلاف من كان منافقا زنديقا يظهر التشيع وهو في الباطن لا ~~يعتقد الاسلام وكذلك المرجئة قصدوا اتباع الامر والنهي وتصديق الوعيد مع ~~الوعد ولهذا قال عبد الله بن المبارك ويوسف ابن أسباط وغيرهما ان الثنتين ~~والسبعين فرقة أصولها أربعة الشيعة والخوارج والمرجئة والقدرية وأما ~~الجهمية النافية للصفات فلم يكن أصل دينهم اتباع الكتاب والرسول ~~PageV01P095 فانه ليس في الكتاب والسنة نص واحد يدل على قولهم بل نصوص ~~الكتاب والسنة متظاهرة بخلاف قولهم وإنما يدعون التمسك بالرأي المعقول وقد ~~بسط القول على بيان فساد حججهم العقلية وما يدعيه بعضهم من السمعيات وبين ~~أن المعقول الصريح موافق للمنقول الصحيح في بطلان قولهم لا مخالف له ~~والمقصود هنا الكلام في أفعال الرب فان الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم صاروا ~~يسلكون فيه بأصل أصل بالمعقول ويجعلونه العمدة وخاضوا في لوازم القدر ~~برأيهم المحض فتفرقوا فيه تفرقا ms102 عظيما وظهر بذلك حكمة نهي النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأمته عن التنازع في القدر مع أن المتنازعين كان كل منهما يدلي ~~بآية لكن كان ذلك يفضي إلى إيمان كل طائفة ببعض الكتاب دون البعض فكيف إذا ~~كان المتنازعون عمدتهم رأيهم والحديث رواه أهل المسند والسنن مفصلا ورواه ~~مسلم مجملا عن عبد الله بن رباح الانصاري أن عبد الله بن عمرو قال هجرت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فسمع صوت رجلين اختلفا في آية فخرج ~~علينا صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال إنما هلك من كان قبلكم ~~باختلافهم في الكتاب وقال الإمام أحمد في المسند حدثنا أبو معاوية حدثنا ~~داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر قال فكأنما يفقأ في وجهه ~~حب الرمان من الغضب قال فقال مالكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض بهذا هلك من ~~كان قبلكم قال فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~اشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده وهذا حديث محفوظ من رواية ~~عمرو بن شعيب وقد رواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية وكتب أحمد في رسالته ~~إلى المتوكل هذا الحديث وجعل يقول في مناظرته لهم يوم الدار في المحنة إنا ~~قد نهينا عن أن نضرب كتاب الله بعضه ببعض وروى هذا المعنى الترمذي من حديث ~~أبي هريرة وقال حديث حسن غريب قال وفي الباب الذي فررت منه فانه كما قيل ان ~~له حياة وعلما وقدرة وإرادة وغضبا ورضى ونحو ذلك قلت هذا يستلزم أن يكون ~~موافقا للمخلوق في مسمى هذه الاسماء وهذا تشبيه فقيل هذا يلزم مثله في ~~الذات فان قيل بتعطيل الذات فذلك يستلزم PageV01P096 ما فررت منه من ثبوت ~~جسم قديم حامل للاعراض والحركات وإذا كان هذا لازما لك على تقدير نفي الذات ~~كما ثبت انه لازم على تقدير إثباتها ms103 كان لازما على تقدير النقيضين النفي ~~والإثبات وما كان كذلك لم يمكن نفيه وأما نحن فقد بينا أن اللازم على تقدير ~~إثباتها لا محذور فيه وإنما المحذور لازم على تقدير نفيها وهذا قد بسط في ~~غير هذا الموضع والمقصود هنا أنه يقال لهؤلاء الذين ينفون الحكمة ثم ~~الارادة ثم الفعل في الأفعال نظير ما قيل لأولئك في الصفات ويجعل مبدأ ~~الكلام من الارادة في الموضعين فيقال لمن أثبتها ونفي الحكمة من المنتسبين ~~إلى إثبات القدر والمنتسبين إلى السنة والجماعة لم نفيتم الحكمة فاذا قالوا ~~لأنا لا نعرف من يفعل لحكمة إلا من يفعل لغرض يعود اليه وهذا لا يكون إلا ~~فيمن يجوز عليه اللذة والألم والانتفاع والضرر والله منزه عن ذلك فيقال لهم ~~ما قاله نفاة الارادة وأنتم لا تعقلون ارادة إلا فيمن يجوز عليه اللذة ~~والالم والانتفاع والضرر وقد قلتم ان الله تعالى مريد فاما أن تطردوا أصلكم ~~النافي فتنفوا الارادة أو المثبت فتثبتوا اللذة والا فما الفرق فاذا قال ~~نفاة الارادة فلهذا نفينا الارادة كما رجحه الرازي في المطالب العالية ~~واحتج به الفلاسفة قيل لهم فانفوا أن يكون فاعلا فانكم لا تعملون فاعلا غير ~~مقهور إلا بارادة ولا تعقلون ما يفعل ابتداء إلا بارادة أو فاعلا حياء إلا ~~بارادة أو فاعلا مطلقا إلا بارادة فان قال أتباع أرسطو فلهذا قلنا أنه لا ~~يفعل شيئا وليس بموجب بذاته شيئا لكن قلنا ان الفلك يتشبه به أو قال من هو ~~أعظم تعطيلا منهم فلهذا نفينا الأول بالكلية ولم يثبت علة تفعل ولا علة ~~يتشبه بها قيل لهم فهذه الحوادث مشهودة وحركة الكواكب والشمس والقمر مشهودة ~~فهذه الحركات الحادثة وغيرها من الحوادث مثل السحاب والمطر والنبات ~~والحيوان والمعدن وغير ذلك مما يشهد حدوثه أحدث بنفسه من غير أن يحدثه محدث ~~قديم أو لا بد للحوادث من محدث قديم فان قالوا بل حدث كل حادث بنفسه من غير ~~أن يحدثه أحد كان هذا ظاهر الفساد يعلم بضرورة العقل أنه في غاية المكابرة ms104 ~~ونهاية السفسطة مع لزوم ما فروا منه فانهم فروا من أن يكون ثم فاعل محدث ~~PageV01P097 وقد أثبتوا فاعلا محدثا لكن جعلوا كل حادث هو يحدث نفسه ~~ويفعلها فجعلوا ما ليس بشيء يجعل الشيء وجعلوا المعدوم يحدث الموجود فلزمهم ~~ما فروا منه من إثبات فاعل مع ما لزمهم من الكفر العظيم وغاية الجهل وغاية ~~فساد العقل وان قالوا بل كل محدث يحدثه محدث وللمحدث محدث قيل لهم هذا أيضا ~~ممتنع في صريح العقل فان التسلسل في الفاعل ممتنع بصريح العقل واتفاق ~~العقلاء فانه كلما كثر ما يقدر أنه حادث كان أحوج إلى القديم فليس في تقدير ~~حوادث لا تتناهى ما يوجب استغناءها عن القديم بل إذا كان المحدث الواحد لا ~~بد له من محدث غيره فمجموع الحوادث أولى بالافتقار إلى محدث لها خارج عنها ~~كلها فان المحدث لمجموعها يمتنع أن يكون واحدا منها فانه يلزم أن يحدث نفسه ~~ويمتنع أن يكون المجموع أحدث المجموع فان الشيء لا يحدث نفسه والمجموع هي ~~الآحاد الحادثة وهيئتها الاجتماعية وتلك الهيئة محتاجة إلى المجموع الذي هو ~~كل واحد واحد والمجموع ليس إلا الآحاد واجتماعها وكل ذلك مفتقر إلى محدث ~~مباين لها فلا بد للحوادث من قديم ليس بحادث ثم يقال لهم إذا قدر تسلسل ~~الفاعلين وان ما كان محدثا له محدث وهلم جرا فهذا فيه إثبات ما فررتم منه ~~وهو أن هذا المحدث فعل هذا وهذا فعل هذا لكن أثبتم مالا يتناهى من ذلك في ~~آن واحد فركبتم ما فررتم منه مع لزوم هذه الجهالات التي تقتضي غاية فساد ~~العقل والكفر بالسمع وإذا كان المحذور يلزمهم على تقدير أن يكون الحادث ~~أحدث نفسه أو أحدث كل حادث حادثا آخر مع فساد هذين تبين أنه لا ينفعه انكار ~~القديم وان قال بل أقر بالمحدث القديم قيل فقد أقررت بفعل القديم للمحدث ~~وإذا ثبت أن القديم فعل المحدث وأنت لا تعلم فاعلا إلا لجلب منفعة أو دفع ~~مضرة قيل له فما كان جوابك عن هذا كان جوابا ms105 عن كونه يفعل بارادته وقيل ~~لمثبت الارادة ما كان جوابك عن هذا كان جوابا عن حكمته فقد بين أن من نفي ~~الحكمة فلا بد أن ينقض قوله ويلزمه مع التناقض نفي الصانع وهو مع نفي ~~الصانع تناقضه أشد والمحذور الذي فر منه ألزم فلم يغن عنه فراره من إثبات ~~الحكمة إلا زيادة الجهل والشر وهكذا يقال لمن نفى حبه PageV01P098 ورضاه ~~وبغضه وسخطه وهذا مقام شريف من تدبره وتصوره تبين له أنه لا بد من الإقرار ~~بما جاء به الرسول وأنه هو الذي يوافق صريح المعقول وأن من خالفه فهو ممن ~~لا يسمع ولا يعقل وهو أسوأ حالا ممن فر من الملك العادل الذي يلزمه بطعام ~~امرأته وأولاده والزكاة الشرعية إلى بلاد ملكها ظالم ألزمه باخراج أضعاف ~~ذلك لخنايزه وكلابه مع قلة الكسب في بلاده وبمنزلة من فر من معاشرة أقوام ~~أهل صلاح وعدل ألزموه ما يلزم واحدا منهم من الأمور المشتركة إذا كانوا ~~مقيمين أو مسافرين أن يخرج مثلما يخرجه الواحد منهم فكره هذا وفر إلى بلد ~~فألزمه أهلها بأن ينفق عليهم ويخدمهم وإلا قتلوه وما أمكنه الهرب منهم فمن ~~فر من حكم الله ورسوله أمرا وخبرا أو ارتد عن الاسلام أو بعض شرائعه خوفا ~~من محذور في عقله أو علمه أو دينه أو دنياه كان ما يصيبه من الشر أضعاف ما ~~ظنه شرا في اتباع الرسول قال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ~~آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد ~~أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف ~~إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا ~~إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل ~~لهم في أنفسهم قولا بليغا وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم ~~إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك ms106 فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله ~~توابا رحيما فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ # ( فصل ) ويقال لهم لم فررتم من إثبات المحبة والحكمة والارادة والفعل فان ~~قالوا لأن ذلك لا يعقل إلا في حق من يلتذ ويتألم وينتفع ويتضرر والله منزه ~~عن ذلك قيل للفلاسفة فأنتم تثبتون أنه مستلذ مبتهج فهذا غير محذور عندكم ~~وان قلتم لان ذلك يستلزم لذة حادثة قيل لكم في حلول الحوادث قولان وليس ~~معكم في النفي إلا ما يدل على نفي الصفات مطلقا كدليل التركيب وقد عرف ~~فساده من PageV01P099 وجوه وقيل للجهمية والمعتزلة أن أردتم أن ذلك يقتضي ~~حاجته إلى العباد وأنهم يضرونه أو ينفعونه فهذا ليس بلازم ولهذا كان الله ~~منزها عن ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الإلهي يا ~~عبادي انكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني فالله أجل من ~~أن يحتاج إلى عباده لينفعوه أو يخاف منهم أن يضروه واذا كان المخلوق العزيز ~~لا يتمكن غيره من قهره فمن له العزة جميعا وكل عزة فمن عزته أبعد عن ذلك ~~وكذلك الحكيم المخلوق اذا كان لا يفعل بنفسه ما يضرها فالحق جل جلاله أولى ~~أن لا يفعل ذلك لو كان ممكنا فكيف اذا كان ممتنعا قال تعالى @QB@ الذين ~~يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا @QE@ وقال تعالى @QB@ وظللنا ~~عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ~~ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون @QE@ فقد بين أن العصاة لا يضرونه ولا ~~يظلمونه كعصاة المخلوقين فان مماليك السيد وجند الملك وأعوان الرجل وشركاءه ~~اذا عصوه فيما يأمرهم ويطلبه منهم فقد يحصل له بذلك ضرر في نفسه أو ماله أو ~~عرضه أو غير ذلك وقد يكون ذلك ظلما له والله تعالى لا يقدر أحد على أن يضره ~~ولا يظلمه وان كان الكافر على ربه ظهيرا فمظاهرته على ربه ومعاداته له ~~ومشاقته ومحاربته ms107 عادت عليه بضرره وظلمه لنفسه وعقوبته في الدنيا والآخرة ~~وأما النفع فهو سبحانه غني عن الخلق لا يستطيعون نفعه فينفعوه فما أمرهم به ~~اذا لم يفعلوه لم يضروه بذلك كما قال تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين @QE@ وقال @QB@ ومن ~~يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد @QE@ وقال @QB@ إن تكفروا ~~فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى @QE@ وان أردتم أنه سبحانه لا يريد ولا يفعل ما يفرح به ~~ويجعل عباده المؤمنين يفعلون ما يفرح به فمن أين لكم هذا وان سمى هذا لذة ~~فالالفاظ المجملة التي قد يفهم منها معنى فاسد اذا لم ترد في كلام الشارع ~~لم نكن محتاجين PageV01P100 الى اطلاقها كلفظ العشق وان أريد به المحبة ~~التامة وقد أطلق بعضهم على الله أنه يعشق ويعشق وأراد به أنه يحب ويحب محبة ~~تامة فالمعنى صحيح والمعنى فيه نزاع واللذة يفهم منها لذة الاكل والشرب ~~والجماع كما يفهم من العشق المحبة الفاسدة والتصور الفاسد ونحو ذلك مما يجب ~~تنزيه الله عنه فان الذين قالوا لا يجوز وصفه بأنه يعشق منهم من قال لأن ~~العشق هو الإفراط في المحبة والله تعالى لا افراط في حبه ومنهم من قال ~~العشق لا يكون الا مع فساد التصور للمعشوق والا فمع صحة التصور لا يحصل ~~إفراط في الحب وهذا المعنى لا يمدح فاعله فان من تصور في الله ما هو منزه ~~عنه فهو مذموم على تصوره ولوازم تصوره ومنهم من قال لان الشرع لم يرد بهذا ~~اللفظ وفيه إبهام وإيهام فلا يطلق وهذا أقرب وآخرون ينكرون محبة الله وأن ~~يحب ويحب كالمعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الاشعرية وغيرهم فهؤلاء يكون ~~الكلام معهم في كونه يحب ويحب كما نطق به الكتاب والسنة في مثل قوله @QB@ ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه @QE@ لا في لفظ العشق كذلك لفظ اللذة ~~فيه إبهام وإيهام والشرع ms108 لم يرد باطلاقه ولكن استفاض عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ان الله يفرح بتوبة التائب أعظم من فرح من وجد راحلته بعد أن ~~أفقدها وأيس منها في مفازة مهلكة ويئس من الحياة والنجاة من تلك الأرض ومن ~~وجود مركبه ومطعمه ومشربه ثم وجد ذلك بعد اليأس قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكيف تجدون فرحه بدابته قالوا عظيما يا رسول الله قال لله أشد فرحا ~~بتوبة عبده من هذا براحلته وقد نطق الكتاب والسنة بأنه يحب المتقين ~~والمحسنين والصابرين والتوابين والمتطهرين والذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص وأنه يرضى عن المؤمنين فاذا كنتم نفيتم حقيقة الحب ~~والرضى لأن ذلك يستلزم اللذة بحصول المحبوب قيل لكم إن كان هذا لازما فلازم ~~الحق حق وان لم يكن لازما بطل نفيكم والفرح في الانسان هو لذة تحصل في قلبه ~~بحصول محبوبه وقد جاء أيضا وصفه تعالى بأنه يسر في الأثر والكتب المتقدمة ~~وهو مثل لفظ الفرح وأما الضحك فكثير في الأحاديث ولفظ البشبشة جاء أيضا أنه ~~يتبشبش للداخل إلى المسجد كما يتبشبش أهل الغائب PageV01P101 بغائبهم اذا ~~قدم وجاء في الكتاب والسنة ما يلائم ذلك ويناسبه شيء كثير فيقال لمن نفى ~~ذلك لم نفيته ولم نفيت هذا المعنى وهو وصف كمال لا نقص فيه ومن يتصف به ~~أكمل ممن لا يتصف به وإنما النقص فيه أن يحتاج فيه إلى غيره والله تعالى لا ~~يحتاج إلى أحد في شيء بل هو فعال لما يريد لكن القدرية قد يشكل هذا على ~~قولهم فان العباد عندهم مستقلون بإحداث فعلهم ولكن هذا مثل إجابة دعائهم ~~وإثابتهم على أفعالهم ونحو ذلك مما فيه أن أفعالهم تقتضي أمورا يفعلها هو ~~وهم لا يفرون من كونه يجب عليه أشياء وأنه يفعل ما يجب عليه فيكون العبد قد ~~جعله مريدا لما لم يكن مريدا له وحينئذ فاذا كان العبد يجعلونه مريدا عندهم ~~فالقول في لوازم الارادة كالقول فيها وهذا إما أن يدل على فساد قولهم في ~~القدر وهو الصواب ms109 وإما أن يكون هو الذي شاء ذلك من العبد فيلزمهم في ~~لوازمها ما يلزمهم فيها واما على قول المثبتة فكل ما يحدث فهو بمشيئته ~~وقدرته فما جعله أحدا مريدا فاعلا بل هو الذي يحدث كل شيء ويجعل بعض ~~الاشياء سببا لبعض فان قال نافي المحبة والفرح والحكمة ونحو ذلك هذا يستلزم ~~حاجته إلى المخلوق ظهر فساد قوله وان قيل ان ذلك ان كان وصف كمال فقد كان ~~فاقدا له وان كان نقصا فهو منزه عن النقص قيل له هو كمال حين اقتضت الحكمة ~~حدوثه وحدوثه قبل ذلك قد يكون نقصا في الحكمة أو يكون ممتنعا غير ممكن كما ~~يقال في نظائر ذلك وتمام البسط في هذا الأصل مذكور في غير هذا الموضع ~~والمقصود هنا التنبيه على لوازم ذلك فان نفاة ذلك نفوا أن يكون في الممكن ~~فعل ينزه عنه فليس عندهم فعل يحسن منه وفعل ينزه عنه بل عنده تقسيم الأفعال ~~أفعال الرب والعبد إلى حسن وقبيح لا يكون عندهم إلا بالشرع وذلك لا يرجع ~~إلى صفة في الفعل بل الشارع عندهم يرجح مثلا على مثل والحسن والقبيح إنما ~~يعقل إذا كان الحسن ملائما للفاعل وهو الذي يلتذ به والقبيح ينافيه وهو ~~الذي يتألم به والحسن والقبح في أفعال العباد بهذا PageV01P102 الاعتبار ~~متفق على جوازه وإنما النزاع في كونه يتعلق به المدح والثواب وهذا في ~~الحقيقة يرجع إلى الالم واللذة فلهذا سلم الرازي في آخر عمره ما ذكره في ~~كتاب ان الحسن والقبح العقليين ثابتان في أفعال العباد دون الرب اذا كان ~~معناهما يؤول إلى اللدة والالم والمعتزلة أثبتوا حسنا وقبحا عقليين في فعل ~~القادر مطلقا سواء كان قديما أو محدثا وقال الحسن ما للقادر فعله والقبيح ~~ما ليس له فعله وقالوا ان ذلك ثابت بدون كونه مستلزما للذة والألم كما ~~ادعوا ثبوت حكمته للفاعل القادر ولا تعود اليه ولا يستلزم اللذة فادعوا ما ~~هو خلاف الموجود والمعقول ولهذا تسلط عليهم النفاة فكان حجتهم عليهم أن ~~يثبتوا أن هذا أمر ms110 لا يعقل إلا مع اللذة والالم ثم يقولون وذلك في حق الله ~~محال فحجتهم مبنية على مقدمتين أن الحسن والقبح والحكمة مستلزم للذة والالم ~~وذلك في حق الله محال والمعتزلة منعوا المقدمة الأولى فغلبوا معهم والمقدمة ~~الثانية جعلوها محل وفاق وهي مناسبة لاصول المعتزلة لكونهم ينفون الصفات ~~فنفى الفعل القائم به أولى على أصلهم ونفى مقتضي ذلك أولى على أصلهم وهذه ~~المقدمة التي اشتركوا فيها تقتضي نفي كونه مريدا ونفي كونه فاعلا ونفي حدوث ~~شيء من الحوادث كما أن نفي الصفات يقتضي نفي قائم بنفسه موصوف بالصفات فنفي ~~اتصافه بالصفات يستلزم أن لا يكون في الوجود شيء يتصف بصفة ونفي فعله ~~وأحداثه يقتضي أن لا يكون في الوجود شيء حادث فكان ما نفوه مستلزما نهاية ~~السفسطة وجحد الحقائق ولهذا كان من وافق هؤلاء على نفي محبة الله لما أمر ~~به من الصوفية يلزمهم تعطيل الأمر والنهي وان لا ينفي إلا القدر العام وقد ~~التزم ذلك طائفة من محققيهم وكان نفي الصفات يستلزم نفي الصفات وان لا يكون ~~موجودان أحدهما واجب قديم خالق والآخر ممكن أو محدث أو مخلوق وهكذا التزمه ~~طائفة من محققيهم وهم القائلون بوحدة الوجود وهم يقولون بكون العبد أولا ~~يشهد الفرق بين الطاعة والمعصية ثم يشهد طاعة بلا معصية ثم لا طاعة ولا ~~معصية بل الوجود واحد فالذين اثبتوا الحسن والقبح في الافعال وأن لها صفات ~~تقتضي PageV01P103 ذلك قالوا بما قاله جمهور العقلاء من المسلمين وغيرهم ~~قال أبو الخطاب هذا قوله أكثر الفقهاء والمتكلمين لكن تناقضوا فلم يثبوا ~~لازم ذلك فتسلط عليهم النفاء أكثر الفقهاء والمتكلمين لكن تناقضوا فلم ~~يثبوا لازم ذلك فتسلط عليه النفاء لما نفوا الحسن والقبح في نفس الأمر ~~قالوا لا فرق في ما يخلقه الله وما يأمره به بين فعل وفعل وليس في نفس ~~الأمر حسن ولا قبيح ولا صفات توجب ذلك واستثنوا ما يوجب اللذة والألم لكن ~~اعتقدوا ما اعتقدته المعتزلة أن هذا لا يجوز اثباته في حق الرب وأما في حق ms111 ~~العبد فظنوا أن الأفعال لا تقتضي إلا لذة وأما في الدنيا وأما كونها مشتملة ~~على صفات تقتضي لذة وألما في الآخرة فذلك عندهم باطل ولم يمكنهم أن يقولوا ~~إن الشارع يأمر بما فيه لذة مطلقا وينهيى عما فيها ألم مطلقا وكو الفعل ~~يقتضي ما يوجب اللذة هو عندهم من باب التولد وهم لا يقولون به بل قدرة ~~العبد عندهم لا تتعلق إلا بفعل في محلها مع أنها عند شيخهم غير مؤثرة في ~~المقدور ولا يقول إن العبد فاعل في الحقيقة بل كاسب ولم يذكروا بين الكسب ~~والفعل فرقا معقولا بل حقيقة قولهم قول جهم أن العبد لا قدرة له ولا فعل ~~ولا كسب والله عندهم فاعل فعل العبد وعله هو نفس مفعوله فصار الرب عندهم ~~فاعلا لكل ما يوجد من أفعلا العباد ويلزمهم أن يكون هو الفاعل للقبائح وان ~~يتصف بها على قولهم أنه بوصف بالصفات الفعلية القائمة بغيره وقد تناقضوا في ~~هذا الموضع فجعلوه متكلما بكلام يقوم بغيره وجعلوه عادلا ومحسنا بعدل ~~واحسان يقوم بغيره كما قد بسط في غير هذا الموضع وحينئذ فما بقي يمكنهم ان ~~يفرقوا بين ممكن وممكن من جميع الأجناس أي يقولوا هذا يحسن من الرب فعله ~~وهذا ينزه عنه بل يجوز عندهم ان يفعل كل ممكن مقدور والظلم عندهم هو فعل ما ~~نهى المرء عنه أو التصرف في ملك الغير وكلاهما ممتنع في حق الله فأما ان ~~يكون هناك امر ممكن مقدور وهو منزه عنه فهذا عندهم لا يجوز فلهذا جوزوا ~~عليه كل ما يمكن ولا ينزهونه عن فعل لكونه قبيحا أو نقصا أو مذموما ونحو ~~ذلك بل يعلم ما يقع وما لا يقع بالخبر أي بخبر الرسول كما علم بخبره ~~المأمور والمحظور والوعد PageV01P104 والوعيد والثواب والعقاب أوبالعادة مع ~~أن العادة يجوز انتقاضها عندهم لكن قالوا قد يعلم بالضرورة عدم ما يجوز ~~وقوعه من غير فرق لا في الوجود ولا في العلم بين ما علموا انتفاءه وما لم ~~يعلموه إذ كان أصل قولهم هو ms112 جواز التفريق بين التماثلين بلا سبب فالارادة ~~القديمة عندهم ترجح مثلا على مثل بلا سبب في خلق الرب وفي أمره وكذلك عندهم ~~قد يحدث في قلب العبد علما ضروريا بالفرق بين المتماثلين بلا سبب فلهذا ~~قالوا أن الشرع لا يأمر وينهى لحكمة ولم يعتمدوا على المناسبة وقالوا علل ~~الشرع أمارات كما قالوا ان أعفال العباد أمارة على السعادة والشقاء فقط من ~~غير أن يكون في أحد الفعلين معنى يناسب الثواب أو العقاب ومن أثبت المناسبة ~~من متأخريهم كأبي حامد ومن تبعه قالوا عرفنا بالاستقراء أن المأمور به قترن ~~به مصلحة العباد وهو حصول ما ينفعهم والمنهى عنه تقترن به المفسدة فإذا وجد ~~الأمر والنهى علم وجود قرينه الذي علم بعادة الشرع من غير أن يكون الرب أمر ~~به لتلك المصلحة ولا نهى عنه لتلك المفسدة وجمهوة هم وأئمتهم على أنه يمتنع ~~أن يفعل لحكمة لكن الآمدي قال إن ذلك جائز غير واجب فلم يجعله واجبا ولا ~~ممتنعا $ فصل وهذا الأصل دخل في جميع أبواب الدين أصضوله وفروعه في خلق ~~الرب لما يخلقه ورزقه واعطائه ومنعه وسائر ما يفعله تبارك وتعالى وجهل في ~~أمره ونهيه وجميع ما يأمر به وينهى عنه ودخل في المعاد فعندهم يجوز أن يعذب ~~الله جميع أهل العدل والصلاح والدين والأنبياء والمرسلين بالعذاب الأبدي ~~وأن ينعم دميع أهل الكذب والظلم والفواحش بالنعيم الأبدي لكن بمجرد الخبر ~~عرفنا أنه لا يفعل هذا ويجوز عندهم أن يعذب من لا له ذنب أصلا بالعذاب ~~الأبدي بل هذا واقع عند من يقول بأن أطفال الكفار يعذبون في النار مع ~~آبائهم كلهم يجوزون تعذيبهم إذ كان عندهم يجوز تعيب كل حي العذاب المؤبد ~~بلا ذنب ولا غلاض ولا حكمة لكن هل يقع هذا في أطفال المشركين منهم جزم ~~بوقوعه كالقاضي أبي يعلى ومن وافقه ومنهم من توقفت لعدم الدليل السمعى عنده ~~لا لمانع عقلي كالقاضي PageV01P105 أبي بكر ونحوه وليس عندهم من أفعال الرب ~~ما ينزهونه عنه أو ما تقتضي الحكمة وجوده بل ms113 يجوز عندهم أن يفعل كل ممكن ~~ويجوز أن لا يفعل شيئا من الخير لكن إذا أخبر أنه يفعل شيئا أو أنه لا ~~يفعله علم أنه واقع أو غير واقع بالخبر ويجوز عندهم أن يعذب من لا ذنب له ~~ومن هو أبر الناس وأعدلهم وأفضلهم عذابا مؤبدا لا يعذبه أحدا من العالمين ~~ويجوز أن ينعم شر الخلق من شياطين الإنس والجن نعيما في أعلى درجات الجنة ~~لا ينعم مثله لمخلوق لكن لما أخبر بأن المؤمنين يدخلون الجنة والكفار ~~يدخلون النار علم ما يقع مع أنه لو وقع ضده لم يكن بينهما فرق عندهم ثم مع ~~مجيء الخبر فكثير منهم وافقه أما في جنس الفساق مطلقا فيجوزون أن يدخل ~~جميعهم الجنة ويجوزون أن يدخل جميعهم النار ويجوزون أن يدخل بعضهم كما ~~يقوله من يقوله ممن وافق الشيعة والأشعرية كالقاضي أبي بكر لأن القرآن عنده ~~لم يدل على شيء والأخبار أخبار آحاد بزعمه فلا يحتج بها في ذلك وأما جمهور ~~المنتسبين إلى السنة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم ~~فيقطعون بان الله يعذب بعض أهل الذنوب بالنار ويعفو عن بعضهم كما قال تعالى ~~@QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ فهذا فيه ~~الإخبار بانه يغفر ما دون الشرك وأنه يغفر لمن يشاء لا لكل أحد لكن هل ~~الجزاء والثواب والعقاب مبني على الموازنة بالحكمة والعدل كما اخبر الله ~~بوزن الأعمال أو يغفر ويعذب بلا سبب ولا حكمة ولا اعتبار الموازنة فيه ~~لهؤلاء قولان فمن جوز ذلك فانه يجوز عندهم أن يعذب الله من هو من أبر الناس ~~وأكثرهم طاعات وحسنات على سيئة صغيرة عذابا أعظم من عذاب أفسق الفاسقين ~~ويجوز عندهم أن يغفر لأفسق الفاسقين من المسلمين وأعظمهم كبائر كل ذنب ~~ويدخله الجنة ابتداء مع تعذيبهم ذلك في النار على صغيرة ولهذا قال جمهور ~~الناس عن هؤلاء إنهم لا ينزهون الرب على السفه والظلم بل يصفونه بالأفعال ~~التي يوصف بها المجانين والسفهاء فان المجنون والسفيه ms114 قد يعطي مالا عظيما ~~لمن ليس هو له بأهل وقد PageV01P106 يعاقب عقوبة عظيمة من هو أهل للإكرام ~~والإحسان والرب تعالى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وخير الراحمين والحكمة ~~وضع الأشياء مواضعها والظلم وضع الشيء في غير موضعه ومن تدبر حكمته في ~~مخلوقاته ومشروعاته رأى ما يبهر العقول فانه مثلا خلق العين واللسان ~~ونحوهما من الاعضاء لمنفعة وخلق الرجل والظفر ونحو ذلك لمنفعة فلا تقتضي ~~الحكمة أن يستعمل العين واللسان حيث يستعمل اليد والرجل والظفر ولا أن ~~يستعمل الرجل واليد حيث يستعمل العين واللسان وهذا من حكمته موجود في أعضاء ~~الانسان وسائر الحيوان والنبات وسائر المخلوقات فكيف يجوز في حكمته وعدله ~~ورحمته في من هو دائما يفعل ما يرضيه من الطاعات والعبادات والحسنات وقد ~~نظر نظرة منهيا عنها أن يعاقبه على هذه النظرة بما يعاقب به أفجر الفساق ~~وأن يكون أفجر الفساق في أعلى عليين وهو سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ~~لكن لا يشاء إلا ما يناسب حكمته ورحمته وعدله كما لا يشاء ويريد إلا ما علم ~~أنه سيكون فلو قيل هل يجوز أن يشاء ما علم أنه لا يكون لم يجر ذلك باتفاقهم ~~لمناقضة علمه والعلم يطابق المعلوم فكيف يشاء ما يناقض حكمته ورحمته وعدله ~~وبسط هذه الامور له مواضع متعددة # والمقصود أن هؤلاء لما احتاجوا إلى إثبات النبوات اضطربوا في صفة النبي ~~وما يجوز عليه وفي الآيات التي بها يعلم صدقه فجوزوا أن يرسل الله من يشاء ~~بما يشاء لا يشترطون في النبي إلا أن يعلم ما أرسل به لأن تبليغ الرسالة ~~بدون العلم ممتنع ومن جوز منهم تكليف ما لا يطاق مطلقا يلزمه جواز أن يأمره ~~الله بتبليغ رسالة لا يعلم ما هي وجوزوا من جهة العقل ما ذكره القاضي أبو ~~بكر أن يكون الرسول فاعلا للكبائر إلا أنه لا بد أن يكون عالما بمرسله لكن ~~ما علم بالخبر أن الرسول لا يتصف به علم من جهة الخبر فقط لا لأن الله منزه ~~عن إرسال ظالم أو ms115 مرتكب للفواحش أو مكاس أو مخنث أو غير ذلك فانه لا يعلم ~~نفي شيء من ذلك بالعقل لكن بالخبر وهم في السمعيان عمدتهم الإجماع وأما ~~الاحتجاج بالكتاب والسنة فأكثر ما يذكرونه تبعا للعقل أو الاجماع والعقل ~~والاجماع مقدمان عندهم على PageV01P107 الكتاب والسنة فلم يعتمد القاضي أبو ~~بكر وأمثاله في تنزيه الانبياء لا على دليل عقلي ولا سمعي من الكتاب والسنة ~~فان العقل عنده لا يمنع أن يرسل الله من شاءاذ كان يجوز عنده على الله فعل ~~كل ما يقدر عليه وإنما اعتمد على الإجماع فما أجمع المسلمون عليه أنه لا ~~يكون في النبي نزه عنه ثم ذكر ما ظنه إجماعا كعاداته وعادات أمثاله في نقل ~~إجماعات لا يمكن نقلها عن واحد من الصحابة ولا ثلاثة من التابعين ولا أربعة ~~من الفقهاء المشهورين كدعواه الاجماع على أن الصلاة في الدار المغصوبة ~~مجزئة مع قوله إن العقل يحيل أن يكون مأمورا به فيدعي الاجماع على براءة ~~المأمور من فعل ما أمر به لكونه فعل ما نهي عنه ولأهل الكلام والرأي من ~~دعوى الإجماعات التي ليست صحيحة بل قد يكون فيها نزاع معروف وقد يكون إجماع ~~السلف على خلاف ما ادعوا فيه الاجماع ما يطول ذكره هنا وقد ذكرنا قطعة من ~~الاجماعات الفروعية حكاها طائفة من أعيان العلماء العالمين بالاختلاف مع ~~أنها منتقضة وفيها نزاع ثابت لم يعرفوه وقد يكون غيرهم حكى الاجماع على ~~نقيض قولهم وربما كان من السلف كقول الشافعي ما اعلم أحدا قبل شهادة العبد ~~وقبله من الصحابة أنس بن مالك يقول ما أعلم أحد رد شهادة العبد وكدعوى ابن ~~حزم الاجماع على إبطال القياس وأكثر الأصوليين يذكرون الاجماع على إثبات ~~القياس وبسط هذا له موضع آخر # ( فصل ) ولما أرادوا إثبات معجزات الانبياء عليهم السلام وأن الله سبحانه ~~لا يظهرها على يد كاذب مع تجويزهم عليه فعل كل شيء فنفوا منعا فقالوا لو ~~جاز ذلك لزم أن لا يقدر على تصديق من ادعى النبوة وما لزم منه نفي القدرة ~~كان ms116 ممتنعا فهذا هو المشهور عن الأشعري وعليه اعتمد القاضي أبو بكر وابن ~~فورك والقاضي أبو يعلى وغيرهم وهو مبني على مقدمات أحدها أن النبوة لا تثبت ~~الا بما ذكروه من المعجزات وأن الرب لا يقدر على إعلام الخلق بأن هذا نبي ~~إلا بهذا الطريق وأنه لا يجوز أن يعلموا ذلك ضرورة وان اعلام الخلق بان هذا ~~نبي بهذا الطريق PageV01P108 ممكن فلو قيل لهم لا نسلم أن هذا ممكن على ~~قولكم فانكم إذا جوزتم عليه فعل كل شيء وارادة كل شيء لم يكن فرق بين أن ~~يظهرها على يد صادق أو كاذب ولم يكن ارسال رسول يصدقه بالمعجزات ممكنا على ~~أصلكم ولم يكن لكم حجة على جواز إرسال الرسول وتصديقه بالمعجزات إذ كان لا ~~طريق عندهم إلا خلق المعجز وهذا إنما يكون دليلا اذا علم أنه إنما خلقه ~~لتصديق الرسول وأنتم عندكم لا يفعل شيئا لشيء ويجوز عليه فعل كل شيء وسلك ~~طائفة منهم طريقا آخر وهي طريقة أبي المعالي وأتباعه وهو أن العلم بتصديقه ~~لمن أظهر على يديه المعجز علم ضروري وضربوا له مثلا بالملك وهذا صحيح اذا ~~منعت أصولهم فان هذه تعلم اذا كان المعلم بصدق رسوله ممن يفعل شيئا لحكمة ~~فاما من لا يفعل شيئا لشيء فكيف يعلم أنه خلق هذه المعجزات لتدل على صدقه ~~لا لشيء آخر ولم لا يجوز أن يخلقها لالشيء على أصلهم وقالوا أيضا ما ذكره ~~الأشعري المعجز علم الصدق ودليله فيستحيل وجوده بدون الصدق فيمتنع وجوده ~~على يد الكاذب وهذا كلام صحيح لكن كونه علم الصدق مناقض لاصولهم فانه إنما ~~يكون علم الصادق اذا كان الرب منزها عن ان يفعله على يد الكاذب أو علم ~~بالاضطرار أنه إنما فعله لتصديق الصادق أو أنه لا يفعله على يد كاذب وإذا ~~علم بالاضطرار تنزهه عن بعض الأفعال بطل أصلهم # ( فصل ) والمعتزلة قبلهم ظنوا أن مجرد كون الفعل خارقا للعادة هو الآية ~~على صدق الرسول فلا يجوز ظهور خارق إلا لنبي والتزموا طردا لهذا انكار أن ms117 ~~يكون للسحر تأثير خارج عن العادة مثل أن يموت ويمرض بلا مباشرة شيء وأنكروا ~~الكهانة وأن تكون الجن تخبر ببعض المغيبات وأنكروا كرامات الاولياء فاتى ~~هؤلاء فأثبتوا ما أثبته الفقهاء وأهل الحديث من السحر والكهانة والكرامات ~~لكن قيل لهم فميزوا بين هذا وبين المعجزات فقالوا لا فرق في نفس الجنس وليس ~~في جنس مقدورات الرب ما يختص بالانبياء لكن جنس خرق العادة واحد فهذا اذا ~~اقترن بدعوى النبوة وسلم عن المعارضة عند تحدي الرسول بالمثل فهو دليل فهي ~~عندهم لم تدل لكونها في نفسها وجنسها دليلا بل اذا PageV01P109 استدل بها ~~المدعي للنبوة كانت دليلا وإلا لم تكن دليلا ومن شرط الدليل سلامته عن ~~المعارضة وهي عندهم غاية الفرق فاذا قال المدعي للنبوة ائتوا بمثل هذه ~~الآية فعجزوا كان هذا هو المعجز المختص بالنبي وإلا فيجوز عندهم أن تكون ~~معجزات الرسول من جنس ما للسحرة والكهان من الخوارق اذا استدل بها الرسول ~~فالحجة عنده مجموع الدعوى والخارق لا الخارق وحده والاعتبار بالسلامة عن ~~المعارض بل قد لا يشترطون أن يكون خارقا للعادة لكن يشترطون أن لايعارض ~~وعجز الناس عن المعارضة مع أنه معتاد لا خارق للعادة فالاعتبار عندهم ~~بشيئين باقترانه بالدعوى وتحديه لمن دعاهم أن يأتوا بمثله فلا يقدرون قالوا ~~وخوارق الأنبياء يظهر مثلها على يد الساحر والكاهن والصالح ولا تدل على ~~النبوة لأنه لم يدعها قالوا ولو ادعى النبوة أحد من أهل هذه الخوارق مع ~~كذبه لم يكن بد من أن الله يعجزه عنها فلا يخلقها على يده أو يقيض له من ~~يعارضه فتبطل حجته واذا قيل لهم لم قلتم ان الله لا بد أن يفعل هذا وهذا ~~وعندكم يجوز عليه كل شيء ولا يجب عليه فعل شيء ولا يجب منه فعل شيء قالوا ~~لأنه لو لم يمنعه من ذلك أو يعارضه بآخر لكان قد أتى بمثل ما يأتي به النبي ~~الصادق فتبطل دلالة آيات الانبياء فاذا قيل لهم وعلى أصلكم يجوز أنه تبطل ~~دلالتها وعندكم يجوز عليه فعل كل ms118 شيء أجابوا بالوجهين المتقدمين إما لزوم ~~أنه ليس بقادر أو أن الدلالة معلومة بالاضطرار وقد عرف ضعفهما ثم هنا ~~يلزمهم شيء آخر وهو أنه لم قلتم إن المعجز الذي يدل به على صدق الانبياء ما ~~ذكرتموه من مجرد كونه خارقا مع الدعوى وعدم المعارضة فان هذا يقال إنه باطل ~~من وجوه # ( أحدها ) أنه إذا كان ما يأتي به النبي يأتي به الساحر والكاهن لكان ~~أولئك يعارضون وهذا لا يعارض فالاعتبار إذن بعدم المعارضة فقولوا لكل من ~~ادعى النبوة وقال معجزتي أن لا يدعيها غيري فهو صادق أو لا يقدر غيري على ~~دعواها فهو صادق أو أفعل أمرا معتادا من الأكل والشرب واللباس ومعجزتي أن ~~لا يفعله غيري أو لا يقدر غيري على فعله فهو صادق فالتزموا هذا وقالوا ~~المنع من المعتاد PageV01P110 كإحداث غير المعتاد وعلى هذا فلو قال الرسول ~~معجزتي أني أركب الحمار أو الفرس أو آكل هذا الطعام أو ألبس هذا الثوب أو ~~أعدو إلى ذلك المكان وأمثال ذلك وغيره لا يقدر على ذلك كان هذا آية دعواه ~~وهذا لا ضابط له فان ما يعجز عنه قوم دون قوم لا ينضبط ولكن هذا يفسد قول ~~من فسرها بخرق العادة فان العادات تختلف وقد ذكروا هذا وقالوا المعجزة عند ~~كل قوم ما كان خرقا لعادتهم وقالوا يشترط أن تكون خارقة لعادة من دعاهم وان ~~كان معتادا لغيرهم وقالوا إذا كان المدعي كذابا فان الله يقيض له من يعارضه ~~من أهل تلك الصناعة أو يمنعه من القدرة عليها وهذا وجه ثان يدل على فساد ما ~~أصلوه هم والمعتزلة # ( الوجه الثالث ) المعارضة بالمثل أن يأتي بحجة مثل حجة النبي وحجته ~~عندهم مجموع دعوى النبوة والاثبات بالخارق فيلزم على هذا أن تكون المعارضة ~~بأن يدعي غيره النبوة ويأتي بالخارق وعلى هذا فليست معارضة الرسول بأن ~~يأتوا بالقرآن أو عشر سور أو سورة بل أن يدعي أحدهم النبوة ويفعل ذلك وهذا ~~خلاف العقل والنقل ولو قال الرسول لقريش لا يقدر أحد منكم أن يدعي ms119 النبوة ~~ويأتي بمثل القرآن وهذا هو الآية وإلا فمجرد تلاوة القرآن ليس آية بل قد ~~يقرأه المتعلم له فلا تكون آيه لأنه لم يدع النبوة ولو ادعاها لكان الله ~~ينسيه إياه أو يقيض له من يعارضه كما ذكرتم لكانت قريش وسائر العلماء ~~يعلمون أن هذا باطل # ( الرابع ) أنه إذا كان اعتمادكم على عدم المعارضة فقولوا ما قاله غيركم ~~وهو أن آية سلامة ما يقوله من التناقض وأن كل من ادعى النبوة وكان كاذبا ~~فلا بد أن يتناقض أو يقيض الله له من يقول مثل ما قال وأما السلامة من ~~التناقض من غير دعوى النبوة فليست دليلا فهذا خير من قولكم فانه قد علم أن ~~كل ما جاء من عند غير الله فانه لا بد أن يختلف ويتناقض وما جاء من عند ~~الله لا يتناقض كما قال تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QE@ وأما دعوى الضرورة فمن ادعى الضرورة في شيء دون شيء مع ~~تماثلهما وعدم الفرق بينهما في نفس الأمر كانت دعواه مردودة بل كذبا فان ~~وجود العلم الضروري بشيء PageV01P111 دون شيء لا بد أن يكون لفرق إما في ~~المعلوم وإما في العالم وإلا فاذا قدر تساوي المعلومات وتساوي حال العالم ~~بها لم يعلم بالضرورة أحد المتماثلين دون الآخر # ( الخامس ) انه لا بد أن تكون الآية التي للنبي أمرا مختصا بالانبياء فان ~~الدليل مستلزم للمدلول عليه فآية النبي هي دليل صدقه وعلامة صدقه وبرهان ~~صدقه فلا توجد قط إلا مستلزمة لصدقه وقد ادعوا أن آيات صدقهم التي تكون ~~منفكة عن صدقهم تكون لساحر وكاهن ورجل صالح ولمدعي الإلهية لكن لا تكون لمن ~~يكذب في دعوى النبوة فجوزوا وجود الدليل مع عدم المدلول عليه إلا اذا ادعى ~~المدلول عليه كاذب واستدلوا على ذلك بأن الساعة تخرق عندها خوارق ولا تدل ~~على صدق أحد ولو ادعى مدع النبوة مع تلك الخوارق لدلت قالوا فعلم أن جنس ما ~~هو معجز يوجد بدون صدق النبي لكن مع دعوى النبوة ms120 لا يوجد إلا مع الصدق ~~والآية عندهم الدعوى والخارق والصدق هو المدلول عليه فلا يكون ذلك كذلك إلا ~~مع هذا وأما وجود الخارق مجردا عن الدعوى فليس بدليل ولا فرق عندهم بين ~~خارق وخارق وخارق معتاد عند قوم دون قوم وليس لهم ضابط في العادات ولسائل ~~أن يقول جميع ما يفعله الله من الآيات في العالم فهو دليل على صدق الانبياء ~~ومستلزم له وإن كانت الآيات معتادة لجنس الانبياء أو لجنس الصالحين الذين ~~يتبعون الانبياء فهي مستلزمة لصدق مدعي النبوة فانها إذا لم تكن إلا لنبي ~~أو من يتبعه لزم أن يكون من أحد القسمين والكاذب في دعوى النبوة ليس واحدا ~~منهما فالتابع للانبياء الصالح لا يكذب في دعوى النبوة قط ولا يدعيها إلا ~~وهو صادق كالانبياء المتبعين لشرع موسى فاذا كان آية نبي إحياء الله الموتى ~~لم يمتنع أن يحي الله الموتى لنبي آخر أو لمن يتبع الانبياء كما قد أحيي ~~الميت لغير واحد من الانبياء ومن تبعهم وكان ذلك آية على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ونبوة من قبله إذا كان إحياء الموتى مختصا بالانبياء ~~وأتباعهم وكذلك ما يفعله الله من الآيات والعقوبات بمكذبي الرسل كتغريق ~~فرعون وإهلاك قوم عاد بالريح الصرصر العاتية وإهلاك قوم صالح بالصيحة ~~وأمثال ذلك فان هذا جنس لم يعذب به إلا من كذب PageV01P112 الرسل فهو دليل ~~على صدق الرسل وقد يميت الله بعض الناس بأنواع معتادة من البأس كالطواعين ~~ونحوها لكن هذا معتاد لغير مكذبي الرسل أما ما عذب الله به مكذبي الرسل ~~فمختص بهم ولهذا كان من آيات الله كما قال @QB@ وآتينا ثمود الناقة مبصرة ~~فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا @QE@ وكذلك ما يحدثه من أشراط ~~الساعة كظهور الدجال ويأجوج ومأجوج وظهور الدابة وطلوع الشمس من مغربها بل ~~والنفخ في الصور وغير ذلك هو من آيات الانبياء فانهم أخبروا به قبل ان يكون ~~فكذبهم المكذبون فاذا ظهر بعد مئين أو ألوف من السنين كما أخبروا به كان ~~هذا من آيات ms121 صدقهم ولم يكن هذا إلا لنبي أو لمن يخبر عن نبي والخبر عن ~~النبي هو خبر النبي ولهذا كان وجود ما أخبر به الرسول من المستقبلات من ~~آيات نبوته إذا ظهر المخبر به كما كان أخبر فيما مضى عرف صدقه فيما أخبر به ~~إذ كان هذا وهذا لا يمكن أن يخبر به إلا نبي أو من أخذ عن نبي وهو لم يأخذ ~~عن أحد من الانبياء شيئا فدل على نبوته ولهذا يحتج الله له في القرآن بذلك ~~كما بسط في غير هذا الموضع وأخبار الكهان فيها كذب كثير والكاهن قد عرف أنه ~~يكذب كثيرا مع فجوره قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل ~~على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ والكهانة جنس معروف ~~ومعروف أن الكاهن يتلقى عن الشيطان ولا بد من كذبهم وفجورهم والنبي لا يكذب ~~قط ولا يكون إلا برا تقيا فالفرق بينهما ثابت في نفس صفاتهما وأفعالهما ~~وآياتهما لا يقول عاقل إن مجرد ما يفعله الكاهن هو دليل إن اقترن بصادق ~~وليس بدليل إذا لم يقترن بصادق وانه متى ادعاه كاذب لم يظهر على يده وهذا ~~أيضا باطل # ويظهر بالوجه السادس وهو أنه قد ادعى جماعة من الكذابين النبوة وأتوا ~~بخوارق من جنس خوارق الكهان والسحرة ولم يعارضهم أحد في ذلك المكان والزمان ~~وكانوا كاذبين فبطل قولهم إن الكذاب إذا أتى بمثل خوارق السحرة والكهان فلا ~~بد أن يمنعه الله ذلك الخارق أو يقيض له من يعارضه وهذا كالاسود العنسي ~~الذي ادعى النبوة باليمن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم واستولى على ~~اليمن وكان معه PageV01P113 شيطان سحيق ومحيق وكان يخبر بأشياء غائبة من ~~جنس أخبار الكهان وما عارضه أحد وعرف كذبه بوجوه متعددة وظهر من كذبه ~~وفجوره ما ذكره الله بقوله @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على ~~كل أفاك أثيم @QE@ وكذلك مسيلمة الكذاب وكذلك الحارث الدمشقي ومكحول الحلبي ~~وبابا الرومي لعنة الله عليهم وغير هؤلاء كانت معهم شياطين كما هي مع ms122 ~~السحرة والكهان # ( السابع ) أن آيات الأنبياء ليس من شرطها استدلال النبي بها ولا تحديه ~~بالإتيان بمثلها بل هي دليل على نبوته وان خلت عن هذين القيدين وهذا كإخبار ~~من تقدم بنبوة محمد فانه دليل على صدقه وان كان هو لم يعلم بما أخبروا به ~~ولا يستدل به وأيضا فما كان يظهره الله على يديه من الآيات مثل تكثير ~~الطعام والشراب مرات كنبع الماء من بين أصابعه غير مرة وتكثير الطعام ~~القليل حتى كفى أضعاف من كان محتاجا اليه وغير ذلك كله من دلائل النبوة ولم ~~يكن يظهرها للاستدلال بها ولا يتحدى بمثلها بل لحاجة المسلمين اليها وكذلك ~~إلقاء الخليل في النار إنما كان بعد نبوته ودعائه لهم إلى التوحيد # ( الثامن ) أن الدليل الدال على المدلول عليه ليس من شرط دلالته استدلال ~~أحد به بل ما كان النظر الصحيح فيه موصولا إلى علم فهو دليل وان لم يستدل ~~به أحد فالآية أدلة وبراهين تدل سواء استدل بها النبي أو لم يستدل وما لا ~~يدل اذا لم يستدل به لا يدل إذا استدل به ولا ينقلب ما ليس بدليل دليلا اذا ~~استدل به مدع لدلالته # ( التاسع ) أن يقال آيات الانبياء لا تكون إلا خارقة للعادة ولا تكون مما ~~يقدر أحد على معارضتها فاختصاصها بالنبي وسلامتها عن المعارضة شرط فيها بل ~~وفي كل دليل فانه لا يكون دليلا حتى يكون مختصا بالمدلول عليه ولا يكون ~~مختصا إلا اذا سلم عن المعارضة فلم يوجد مع عدم المدلول عليه مثله وإلا اذا ~~وجد هو أو مثله PageV01P114 بدون المدلول لم يكن مختصا فلا يكون دليلا لكن ~~كما أنه لا يكفي مجرد كونه خارقا بعادة أولئك القوم دون غيرهم فلا يكفي ~~أيضا عدم معارضة أولئك القوم بل لا بد أن يكون مما لم يعتده غير الانبياء ~~فيكون خارقا لعادة غير الانبياء فمتى عرف أنه يوجد لغير الانبياء بطلت ~~دلالته ومتى عارض غير النبي النبي بمثل ما أتى به بطل الاختصاص وما ذكره ~~المعتزلة وغيرهم كابن حزم من ms123 أن آيات الانبياء مختصة بهم كلام صحيح لكن ~~كرامات الاولياء هي من دلائل النبوة فانها لا توجد إلا لمن اتبع النبي ~~الصادق فصار وجودها كوجود ما أخبر به النبي من الغيب وأما ما يأتي به ~~السحرة والكهان من العجائب فتلك جنس معتاد لغير الانبياء وأتباعهم بل الجنس ~~معروف بالكذب والفجور فهو خارق بالنسبة إلى غير أهله وكل صناعة فهي خارقة ~~عند غير أهلها ولا تكون آية وآيات الانبياء هي خارقة لغير الانبياء وان ~~كانت معتادة للانبياء # ( العاشر ) أن آيات الانبياء خارجة مقدور من أرسل الانبياء اليه وهم الجن ~~والانس فلا تقدر الانس والجن أن يأتوا بمثل معجز الانبياء كما قال تعالى ~~@QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ وأما الملائكة فلا تضر قدرتهم على مثل ~~ذلك فان الملائكة انما تنزل على الانبياء لا تنزل على السحرة والكهان كما ~~أن الشياطين لاتتنزل على الانبياء والملائكة لا تكذب على الله فاذا كانت ~~الآيات من أفعال الملائكة مث أخبارهم للنبي عن الله بالغيب ومثل نصرهم له ~~على عدوه وإهلاكهم له نصرا وهلاكا خارجين عن العادة كما فعلته الملائكة يوم ~~بدر وغيره وكما فعلت بقوم لوط وكما فعلت بمريم والمسيح ونحو ذلك وكاتيانهم ~~لسليمان بعرش بلقيس فقد روي أن الملائكة جاءته به وهي أقدر من الجن لم يكن ~~هذا خارجا عما اعتاده الانبياء بل هذا ليس لغير الانبياء فلا يقال ان غير ~~الانبياء اعتادوه فنقضت عادتهم بل هذا لم يعتده إلا الانبياء وهو مناقض ~~لجنس عادات الآدميين بمعنى انه لا يوجد فيما PageV01P115 اعتاده بنو آدم في ~~جميع الأصناف غير الانبياء كما اعتادوا العجائب من السحر والكهانة ~~والصناعات العجيبة وما يستعينون عليه بالجن والانس والقوى الطبيعية مثل ~~الطلاسم وغيرها فكل هذا معتاد معروف لغير الانبياء وهؤلاء جعلوا الطلاسم من ~~جنس المعجزات وقالوا لو أتى بها نبي لكانت آية له واذا أتى بها من لم يدع ~~النبوة جاز وان ادعاها كاذب سلبه الله علمها ms124 أو قيض له من يعارضه وهذا قول ~~قبيح فانه لو جعل شيء من معجزات الانبياء وآياتهم من جنس ما يأتي به ساحر ~~أو كاهن أو مطلسم أو مخدوم من الجن لاستوى الجنسان ولم يكن فرق بين ~~الأنبياء وبين هؤلاء ولم يتميز بذلك النبي من غيره وهذا مما عظم غلط هؤلاء ~~فيه فلم يعرفوا خصائص النبي وخصائص آياته كما أن المتفلسفة أبعد منهم عن ~~الايمان فجعلوا للنبوة ثلاث خصائص حصول العلم بلا تعلم وقوة نفسه المؤثرة ~~في هيولي العالم وتخيل السمع والبصر وهذه الثلاثة توجد لكثير من عوام الناس ~~ولم يفرقوا بين النبي والساحر إلا بأن هذا بر وهذا فاجر والقاضي أبو بكر ~~وأمثاله يجعلون هذا الفرق سمعيا والفرق الذي لا بد منه عندهم الاستدلال بها ~~والتحدي بالمثل وكل من هؤلاء وهؤلاء أدخلوا مع الانبياء من ليس بنبي ولم ~~يعرفوا خصائص الانبياء ولا خصائص آياتهم فلزمهم جعل من ليس بنبي نبيا أو ~~جعل النبي ليس بنبي اذ كان ما ذكروه في النبوة مشتركا بين الانبياء وغيرهم ~~فمن ظن أنه يكون لغير الانبياء قدح في الانبياء أن يكون هذا هو دليلهم ~~بوجود مثل ما جاءوا به لغير النبي ومن ظن أنه لا يكون إلا لنبي إذا رأى من ~~فعله من متنبئ كاذب وساحر وكاهن ظن أنه نبي والايمان بالنبوة أصل النجاة ~~والسعادة فمن لم يحقق هذا الباب اضطرب عليه باب الهدى والضلال والايمان ~~والكفر ولم يميز بين الخطأ والصواب ولما كان الذين اتبعوا هؤلاء وهؤلاء من ~~المتأخرين مثل أبي حامد والرازي والآمدي وأمثالهم هذا ونحوه مبلغ علمهم ~~بالنبوة لم يكن لها في قلوبهم من العظمة ما يجب لها فلا يستدلون بها على ~~الامور العلمية الخبرية وهي خاصة النبي وهو الاخبار عن الغيب والانباء به ~~فلا PageV01P116 يستدلون بكلام الله ورسوله على الإنباء بالغيب التي يقطع ~~بها بل عمدتهم ما يدعونه من العقليات المتناقضة ولهذا يقرون بالحيرة في آخر ~~عمرهم كما قال الرازي % نهاية إقدام العقول عقال % وأكثر سعي العالمين ضلال ~~% % وأرواحنا في وحشة ms125 من جسومنا % وحاصل دنيانا أذى ووبال % % ولم نستفد من ~~بحثنا طول عمرنا % سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا % # لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا ~~تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات @QB@ إليه يصعد ~~الكلم الطيب @QE@ @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ واقرأ في النفي @QB@ ~~ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ ومن جرب مثل تجربتي عرف ~~مثل معرفتي # ( الوجه الحادي عشر ) أن آيات الانبياء مما يعلم العقلاء أنها مختصة بهم ~~ليست مما تكون لغيرهم فيعلمون أن الله لم يخلق مثلها لغير الانبياء وسواء ~~في آياتهم التي كانت في حياة قومهم وآياتهم التي فرق الله بها بين أتباعهم ~~وبين مكذبيهم بنجاة هؤلاء وهلاك هؤلاء ليست من جنس ما يوجد في العادات ~~المختلفة لغيرهم وذلك مثل تغريق الله لجميع أهل الأرض إلا لنوح ومن ركب معه ~~في السفينة فهذا لم يكن قط في العالم نظيره وكذلك إهلاك قوم عاد إرم ذات ~~العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد مع كثرتهم وقوتهم وعظم عماراتهم التي ~~لم يخلق مثلها في البلاد ثم أهلكوا بريح صرصر عاتية مسخرة سبع ليال وثمانية ~~أيام حسوما حتى صاروا كلهم كأنهم أعجاز نخل خاوية ونجا هود ومن اتبعه فهذا ~~لم يوجد نظيره في العالم وكذلك قوم صالح أصحاب مدائن ومساكن في السهل ~~والجبل وبساتين أهلكوا كلهم بصيحة واحدة فهذا لم يوجد نظيره في العالم ~~وكذلك قوم لوط أصحاب مدائن متعددة رفعت إلى السماء ثم قلبت بهم وأتبعوا ~~بحجارة من السماء تتبع شاذهم ونجا لوط وأهله إلا امرأته أصابها ما أصابهم ~~فهذا لم يوجد نظيره في العالم وكذلك قوم فرعون وموسى جمعان PageV01P117 ~~عظيمان ينفرق لهم البحر كل فرق كالطود العظيم فيسلك هؤلاء ويخرجون سالمين ~~فاذا سلك الآخرون انطبق عليهم الماء فهذا لم يوجد نظيره في العالم فهذه ~~آيات تعرف العقلاء عموما أنها ليست من جنس ما يموت به بنو آدم وقد يحصل ~~لبعض الناس طاعون ولبعضهم جدب ونحو ذلك وهذا مما اعتاده الناس وهو ms126 من آيات ~~الله من وجه آخر بل كل حادث من آيات الله تعالى ولكن هذه الآيات ليست من ~~جنس ما اعتيد وكذلك الكعبة فانها بيت من حجارة بواد غير ذي زرع ليس عندها ~~أحد يحفظها من عدو ولا عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها فليس عندها رغبة ~~ولا رهبة ومع هذا فقد حفظها بالهيبة والعظمة فكل من يأتيها يأتيها خاضعا ~~ذليلا متواضعا في غاية التواضع وجعل فيها من الرغبة أن يأتيها الناس من ~~أقطار الأرض محبة وشوقا من غير باعث دنيوي وهي على هذه الحال من ألوف من ~~السنين وهذا مما لا يعرف في العالم لبنية غيرها والملوك ينبون القصور ~~العظيمة فتبقى مدة ثم تهدم لا يرغب أحد في بنائها ولا يرهبون من خرابها ~~وكذلك ما بني للعبادات قد تتغير حاله عى طول الزمان وقد يستولي العدو عليه ~~كما استولى على بيت المقدس والكعبة لها خاصة ليست لغيرها وهذا مما حير ~~الفلاسفة ونحوهم فانهم يظنون أن المؤثر في هذا العالم هو حركات الفلك وأن ~~ما بني وبقي فقد بني بطالع سعيد فحاروا في طالع الكعبة اذ لم يجدوا في ~~الاشكال الفلكية ما يوجب مثل هذه السعادة والفرح والعظمة والدوام والقهر ~~والغلبة وكذلك ما فعل الله بأصحاب الفيل لما قصدوا تخريبها قال تعالى @QB@ ~~ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول @QE@ قصدها جيش عظيم ومعهم ~~الفيل فهرب أهلها منهم فبرك الفيل وامتنع من المسير إلى جهتها واذا وجهوه ~~إلى غير جهتها توجه ثم جاءهم من البحر طير أبابيل أي جماعات في تفرقة فوجا ~~بعد فوج رموا عليهم حصى هلكوا به كلهم فهذا مما لم يوجد نظيره في العالم ~~فآيات الانبياء هي أدلة وبراهين على صدقهم والدليل يجب أن يكون مختصا ~~بالمدلول عليه لا يوجد PageV01P118 مع عدمه لا يتحقق الدليل إلا مع تحقق ~~المدلول كما أن الحادث لا بد له من محدث فيمتنع وجود حادث بلا محدث ms127 ولا ~~يكون المحدث إلا قادرا فيمتنع وجود الاحداث من غير قادر والفعل لا يكون الا ~~من عالم ونحو ذلك فكذلك ما دل على صدق النبي يمتنع وجوده إلا مع كون النبي ~~صادقا ولم يجعلوا آيات الانبياء تدل دلالة عقلية مستلزمة للمدلول ولا تدل ~~بجنسها ونفسها بل قال بعضهم قد تدل وقد لا تدل وقال آخرون تدل مع الدعوى ~~ولا تدل مع عدم الدعوى وهذا يبطل كونها دليلا وآخرون أرادوا تحقيق ذلك ~~فقالوا تدل دلالة وضعية من جنس دلالة اللفظ على مراد المتكلم تدل إن قصد ~~الدلالة ولا تدل بدون ذلك فهي تدل مع الوضع دون غيره فيقال لهم وما يدل على ~~قصد المتكلم هو أيضا دليل مطرد يمتنع وجوده بدون المدلول ودلالته تعلم ~~بالعقل فجميع الادلة تعلم بالعقل دلالتها على المدلول فان ذلك اللفظ إنما ~~يدل اذا علم أن المتكلم أراد به هذا المعنى وهذا قد يعلم ضرورة وقد يعلم ~~نظرا فقد يعلم قصد المتكلم بالضرورة كما يعلم أحوال الانسان بالضرورة فيفرق ~~بين حمرة الخجل وصفرة الوجل وبين حمرة المحموم وصفرة المريض بالضرورة وقد ~~يعلم نظرا واستدلالا كما يعلم أن عادته إذا قال كذا أن يريد كذا وانه لا ~~ينقض عادته إلا اذا بين ما يدل على انتقاضها فيعلم هذا كما يعلم سائر ~~العاديات مثل طلوع الشمس كل يوم والهلال كل شهر وارتفاع الشمس في الصيف ~~وانخفاضها في الشتاء ومن هذا سنة الله في الفرق بين الانبياء وأتباعهم وبين ~~مكذبهم قال تعالى @QB@ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف ~~كان عاقبة المكذبين @QE@ وقال تعالى @QB@ فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن ~~تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا @QE@ وقال تعالى @QB@ أفلم ~~يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ وقال تعالى @QB@ وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ~~ذلك لذكرى لمن كان ms128 له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد @QE@ فان هذه العجائب ~~والآيات التي للانبياء PageV01P119 تارة تعلم بمجرد الاخبار المتواترة وان ~~لم نشاهد شيئا من آثارها وتارة تشاهد بالعيان آثارها الدالة على ما حدث كما ~~قال تعالى @QB@ وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا @QE@ وقال تعالى @QB@ وإنكم لتمرون عليهم ~~مصبحين وبالليل أفلا تعقلون @QE@ وقال تعالى @QB@ إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين وإن كان أصحاب الأيكة ~~لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين @QE@ أي لبطريق موضح متبين لمن ~~مر به آثارهم وهذا الاخبار كانت منتشرة متواترة في العالم وقد علم الناس ~~أنها آيات للانبياء وعقوبة لمكذبيهم لهذا كانوا يذكرونها عند نظائرها ~~للاعتبار كما قال مؤمن آل فرعون @QB@ يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم ~~الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما ~~للعباد @QE@ وقال شعيب @QB@ ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما ~~أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد @QE@ والقرآن ~~آيته باقية على طول الزمان من حين جاء به الرسول تتلى آيات التحدي به ويتلى ~~قوله @QB@ فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين @QE@ @QB@ فأتوا بعشر سور ~~مثله @QE@ و @QB@ بسورة من مثله @QE@ ويتلى قوله @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا @QE@ فنفس إخبار الرسول بهذا في أول الامر وقطعه بذلك مع علمه بكثرة ~~الخلق دليل على أنه كان خارقا يعجز الثقلين عن معارضته وهذا لا يكون لغير ~~الانبياء ثم مع طول الزمان قد سمعه الموافق والمخالف والعرب والعجم وليس في ~~الامم من أظهر كتابا يقرأه الناس وقال انه مثله وهذا يعرفه كل أحد وما من ~~كلام تكلم به الناس وان كان في أعلى طبقات الكلام لفظا ومعنى إلا وقد قال ~~الناس نظيره وما يشبهه ويقاربه سواء كان شعرا أو خطابة أو كلاما في العلوم ~~والحكمة ms129 والاستدلال والوعظ والرسائل وغير ذلك وما وجد من ذلك شيء إلا ووجد ~~ما يشبهه ويقاربه والقرآن مما يعلم الناس عربهم وعجمهم أنه لم يوجد ~~PageV01P120 له نظير مع حرص العرب وغير العرب على معارضته فلفظه آية ونظمه ~~آية وإخباره بالغيوب آية وأمره ونهيه آية ووعده ووعيده آية وجلالته وعظمته ~~وسلطانه على القلوب آية واذا ترجم بغير العربي كانت معانيه آية كل ذلك لا ~~يوجد له نظير في العالم واذا قيل إن التوراة والإنجيل والزبور لم يوجد لها ~~نظير أيضا لم يضرنا ذلك فإنا قلنا إن آيات الانبياء لا تكون لغيرهم وان ~~كانت لجنس الانبياء كالإخبار بغيب الله فهذه آية يشتركون فيها وكذلك إحياء ~~الموتى قد كان آية لغير واحد من الانبياء غير المسيح كما كان ذلك لموسى ~~وغيره وليس المقصود هنا ذكر تفضيل بعض الانبياء على بعض بل المقصود أن جنس ~~الانبياء متميزون عن غيرهم بالآيات والدلائل الدالة على صدقهم التي يعلم ~~العقلاء أنها لم توجد لغيرهم فيعلمون أنها ليست لغيرهم لاعادة ولا خرق عادة ~~بل اذا عبر عنها بأنها خرق عادة وبأنها من العجائب فالأمر العجيب هو الخارج ~~عن نظائره وخارق العادة ما خرج عن الامر المعتاد فالمراد بذلك أنها خارجة ~~عن الامر المعتاد لغير الانبياء وأنها من العجائب الخارجة عن النظائر فلا ~~يوجد نظيرها لغير الأنبياء واذا وجد نظيرها سواء كان أعظم منها أو دونها ~~لنبي فذلك توكيد لها أنها من خصائص الانبياء فان الانبياء يصدق بعضهم بعضا ~~فآية كل نبي لجميع الانبياء كما أن آيات أتباعهم آيات لهم أيضا وهذا أيضا ~~من آيات الانبياء وهو تصديق بعضهم لبعض فلا يوجد من أصحاب الخوارق العجيبة ~~التي تكون بغير الانبياء كالسحرة والكهنة واهل الطبائع والصناعات الا من ~~يخالف بعضهم بعضا فيما يدعو اليه ويأمر به ويعادي بعضهم بعضا وكذلك أتباعهم ~~اذا كانوا من أهل الاستقامة فما أتى به الاول من الآيات فهو دليل على نبوته ~~ونبوة من يبشر به وما أتى به الثاني فهو دليل على نبوته ونبوة من يصدقه ms130 ممن ~~تقدم فما أتى به موسى والمسيح وغيرهما من الآيات فهي آيات لنبوة محمد ~~لإخبارهم بنبوته فكان هذا الخبر مما دلت آياتهم على صدقه وما أتى به محمد ~~من الآيات فهو دليل على إثبات جنس الانبياء مطلقا وعلى نبوة كل من سمي في ~~القرآن خصوصا اذا كان هذا مما أخبر به PageV01P121 محمد صلى الله عليه وسلم ~~عن الله ودلت على صدقه فيما يخبر به عن الله وحينئذ فاذا قدر أن التوراة أو ~~الانجيل أو الزبور معجز لما فيه من العلوم والإخبار عن الغيوب والامر ~~والنهي ونحو ذلك لم ينازع في ذلك بل هذا دليل على نبوتهم صلوات الله عليهم ~~وعلى نبوة من أخبروا بنبوته ومن قال إنها ليست بمعجزة فان أراد ليست معجزة ~~من جهة اللفظ والنظم كالقرآن فهذا ممكن وهذا يرجع فيه إلى أهل اللغة ~~العبرانية وأما كون التوراة معجزة من حيث المعاني لما فيها من الإخبار عن ~~الغيوب أو الأمر والنهي فهذا لا ريب فيه ومما يدل على أن كتب الانبياء ~~معجزة ان فيها الإخبار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بمدة ~~طويلة وهذا لا يمكن علمه بدون إعلام الله لهم وهذا بخلاف من أخبر بنبوته من ~~الكهان والهواتف فان هذا إنما كان عند قرب مبعثه لما ظهرت دلائل ذلك ~~واسترقته الجن من الملائكة فتحدثت به وسمعته الجن من أتباع الانبياء فالنبي ~~الثاني اذا كان قد أخبر بما هو موجود في كتاب النبي الاول وقد وصل اليه من ~~جهته لم يكن آية له فان العلماء يشاركونه في هذا وأما اذا أخبر بقدر زائد ~~لم يوجد في خبر الأول أو كان ممن لم يصل إليه خبر نبي غيره كان ذلك آية له ~~كما يوجد في نبوة أشعيا وداود وغيرهما من صفات النبي مالا يوجد مثله في ~~توراة موسى فهذه الكتب معجزة لما فيها من أخبار الغيب الذي لا يعلمه إلا ~~نبي وكذلك فيها من الامر والنهي والوعد والوعيد ما لا يأتي به إلا نبي أو ~~تابع ms131 نبي وما أتى أتباع الانبياء من جهة كونهم أتباعا لهم مثل أمرهم بما ~~أمروا به ونهيهم عما نهوا عنه ووعدهم بما وعدوا به ووعيدهم بما يوعدون به ~~فانه من خصائص الانبياء والكذاب المدعي للنبوة لا يأمر بجميع ما أمرت به ~~الانبياء وينهى عن كل ما نهوا عنه فان ذلك يفسد مقصوده وهو كاذب فاجر شيطان ~~من أعظم شياطين الانس والذي يعينه على ذلك من أعظم شياطين الجن وهؤلاء لا ~~يتصور أن يأمروا بما أمرت به الانبياء وينهوا عما نهوا عنه لأن ذلك يناقض ~~مقصودهم بل وان أمروا بالبغض في ابتداء الامر من يخدعونه ويربطونه فلا بد ~~أن يناقضوا فيأمروا بما نهت عنه الانبياء ولا يوجبوا ما أمرت به الانبياء ~~كما جرى مثل ذلك لمن ادعى النبوة من الكذابين ولمن أظهر موافقة الانبياء ~~وهو في PageV01P122 الباطن من المنافقين كالملاحدة الباطنية الذين يظهرون ~~الاسلام والتشيع ابتداء ثم إنهم يستحلون الشرك والفواحش والظلم ويسقطون ~~الصلاة والصيام وغير ذلك مما جاءت به الشريعة فمن أظهر خلاف ما أبطن وكان ~~مطاعا في الناس فلا بد أن يظهر من باطنه ما يناقض ما أظهره فكيف بمن ادعى ~~النبوة وأظهر انه صادق على الله وهو في الباطن كاذب على الله بل من أظهر ~~خلاف ما أبطن من آحاد الناس يظهر حاله لمن خبره في مدة فان الجسد مطيع ~~للقلب والقلب هو الملك المدبر له كما قال صلى الله عليه وسلم ألا ان في ~~الجسد مضغة اذا صلحت صلح لها سائر الجسد واذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا ~~وهي القلب فاذا كان القلب كاذبا على الله فاجرا كان ذلك أعظم الفساد فلا بد ~~أن يظهر الفساد على الجوارح وذلك الفساد يناقض حال الصادق على الله وقد بسط ~~هذا في غير هذا الموضع وذكر أن آيات الانبياء الدالة على صدقهم كثيرة ~~متنوعة وان النبي الصادق خير الناس والكاذب على الله شر الناس وبينهما من ~~الفروق مالا يحصيه إلا الله فكيف يشتبه هذا بهذا بل لهذا من دلائل صدقه ms132 ~~ولهذا من دلائل كذبه مالا يمكن إحصاؤه وكل من خص دليل الصدق بشيء معين فقد ~~غلط بل آيات الانبياء هي من آيات الله الدالة على أمره ونهيه ووعده ووعيده ~~وآيات الله كثيرة متنوعة كآيات وجوده ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته ~~سبحانه وتعالى والقرآن مملوء من تفصيل آياته وتصريفها وضرب الامثال في ذلك ~~وهو يسميها آيات وبراهين وقد ذكرنا الفرق بين الآيات والمقاييس الكلية التي ~~لا تدل الا على أمر كلي في غير هذا الموضع # ( الوجه الثاني عشر ) أن ما يأتي به الساحر والكاهن وأهل الطبائع ~~والصناعات والحيل وكل من ليس من أتباع الانبياء لا يكون إلا من مقدور الانس ~~والجن فما يقدر عليه الانس من ذلك هو وأنواعه والحيل فيه كثير وما يقدر ~~عليه الجن هو من جنس مقدور الانس وإنما يختلفون في الطريق فان الساحر قد ~~يقدر على أن يقتل انسانا بالسحر أو يمرضه أويفسد عقله أو حسه وحركته وكلامه ~~بحيث لا يجامع أو لا يمشي أو لا يتكلم ونحو ذلك وهذا كله مما يقدر الانس ~~على مثله لكن بطرق PageV01P123 أخرى والجن يطيرون في الهواء وعلى الماء ~~ويحملون الأجسام الثقيلة كما قال العفريت لسليمان @QB@ أنا آتيك به قبل أن ~~تقوم من مقامك @QE@ وهذا الجنس يكون لمن هو دون الانس والجن من الحيوان ~~كالطيور والحيتان والانس يقدر على جنسه ولهذا لم يكن هذا الجنس آية لنبي ~~لوجوده لغير الانبياء فكثير من الناس تحمله الجن بل شياطين الجن وتطير به ~~في الهواء وتذهب به إلى مكان بعيد كما كان العفريت يحمل عرش بلقيس من اليمن ~~إلى مكان بعيد ونحن نعرف من هؤلاء عددا كثيرا وليسوا صالحين بل فيهم كفار ~~ومنافقون وفساق وجهال لا يعرفون الشريعة والشياطين تحملهم وتطير بهم من ~~مكان إلى مكان وتحملهم إلى عرفات فيشهدون عرفات من غير إحرام ولا تلبية ولا ~~طواف بالبيت وهذا الفعل حرام والجهال يحسبون أنه من كرامات الصالحين فتفعله ~~الجن بمن يحب ذلك مكرا به وخديعة أو خدمة لمن يستخدمهم من هؤلاء الجهال ~~بالشريعة ms133 وان كان له زهد وعبادة وكذلك الجن كثيرا ما يأتون الناس بما ~~يأخذونه من أموال الناس من طعام وشراب ونفقة وماء وغير ذلك وهو من جنس ما ~~يسرقه الانسي ويأتي به إلى الانسي لكن الجن تأتي بالطعام والشراب في مكان ~~العدم ولهذا لم يكن مثل هذا آية لنبي وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يضع يده في الماء فينبع الماء من بين أصابعه وهذا لا يقدر عليه لا إنس ولا ~~جن وكذلك الطعام القليل يصير كثيرا وهذا لا يقدر عليه لا الجن ولا الانس ~~ولم يأت النبي صلى الله عليه وسلم قط بطعام من الغيب ولا شراب وإنما كان ~~هذا قد يحصل لبعض أصحابه كما أتى خبيب بن عدي وهو أسير بمكة بقطف من عنب ~~وهذا الجنس ليس من خصائص الانبياء ومريم عليها السلام لم تكن نبية وكانت ~~تؤتى بطعام فان هذا قد يكون من حلال فيكون كرامة يأتي به إما ملك وإما جني ~~مسلم وقد يكون حراما فليس كل ما كان من آيات الانبياء يكون كرامة للصالحين ~~وهؤلاء يسوون بين هذا وهذا ويقولون الفرق هو دعوى النبوة والتحدي بالمثل ~~وهذا غلط فان آيات الانبياء التي دلت على نبوتهم هي أعلى مما يشتركون فيه ~~هم وأتباعهم مثل الاتيان بالقرآن ومثل الإخبار بأحوال الانبياء المتقدمين ~~وأممهم والإخبار بما يكون يوم PageV01P124 القيامة وأشراط الساعة ومثل ~~إخراج الناقة من الأرض ومثل قلب العصا حية وشق البحر ومثل أن يخلق من الطين ~~كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وتسخير الجن لسليمان لم يكن ~~مثله لغيره لكن من الجن المؤمنين من يعاون المؤمنين ومن الجن الفساق ~~والكفار من يعاون الفساق كما يعاون الانس بعضهم بعضا فإما طاعة مثل طاعة ~~سليمان فهذا لم يكن لغير سليمان ومحمد صلى الله عليه وسلم أعطي أفضل مما ~~أعطي سليمان فانه أرسل إلى الجن وأمروا أن يؤمنوا به ويطيعوه فهو يدعوهم ~~إلى عبادة الله وطاعته لا يأمرهم بخدمته وقضاء حوائجه كما كان سليمان ~~يأمرهم ولا يقهرهم باليد ms134 كما كان سليمان يقهرهم بل يفعل فيهم كما يفعل في ~~الانس فيجاهدهم الجن المؤمنون ويقيمون الحدود على منافقيهم فيتصرف فيهم ~~تصرف العبد الرسول لا تصرف النبي الملك كما كان سليمان يتصرف فيهم ~~والصالحون من أمته المتبعون له يتبعونه فيما كان يأمر به الانس والجن ~~وآخرون دون هؤلاء قد يستخدمون بعض الجن في مباحات كما قد يستخدمون بعض ~~الانس وقد يكون ذلك مما ينقص دينهم لا سيما ان كان بسبب غير مباح وآخرون شر ~~من هؤلاء يستخدمون الجن في أمور محرمة من الظلم والفواحش فيقتلون نفوسا ~~بغير حق ويعينونهم على ما يطلبونه من الفاحشة كما يحضرون لهم امرأة أو صبيا ~~أو يجذبونه اليه وآخرون يستخدمونهم في الكفر فهذه الامور ليست من كرامات ~~الصالحين فان كرامات الصالحين هو ما كان سببه الايمان والتقوى لا ما كان ~~سببه الكفر والفسوق والعصيان وأيضا فالصالحون سابقوهم لا يستخدمونهم إلا في ~~طاعة الله ورسوله ومن هو دون هؤلاء لا يستخدمهم إلا في مباح وأما استخدامهم ~~في المحرمات فهو حرام وان كانوا إنما خدموه لطاعته لله كما لو خدم الانس ~~رجلا صالحا لطاعته لله ثم استخدمهم فيما لا يجوز فهذا بمنزلة من أنعم عليه ~~بطاعته نعمة فصرفها إلى معصية الله فهو آثم بذلك وكثير من هؤلاء يسلب تلك ~~النعمة ثم قد يسلب الطاعة فيصير فاسقا ومنهم من يرتد عن دين الاسلام فطاعة ~~الجن للانسان ليست أعظم من طاعة الانس بل الانس أجل وأعظم وأفضل وطاعتهم ~~أنفع واذا كان المطاع من الانس قد يطاع في طاعة الله فيكون محمودا مثابا ~~PageV01P125 وقد يطاع في معصية الله فيكون مذموما آثما فكذلك المطاع من ~~الجن الذي يطيعه الناس والمطاع من الانس قد يكون مطاعا لصلاحه ودينه وقد ~~يكون مطاعا لملكه وقوته وقد يكون مطاعا لنفعه لمن يخدمه بالمعاوضة فكذلك ~~المطاع من الجن قد يطاع لقول وملك محمود أو مذموم ثم الملك اذا سار بالعدل ~~حمد وإن سار بالظلم فعاقبته مذمومة وقد يهلكه أعوانه فكذلك المطاع من لجن ~~اذا ظلمهم أو ظلم ms135 الانس بهم أو بغيرهم كانت عاقبته مذمومة وقد تقتله الجن ~~أو تسلط عليه من الانس من يقتله وكل هذا واقع نعرف من ذلك من الوقائع ما ~~يطول وصفه كما نعرف من ذلك من وقائع الانس ما يطول وصفه وليس آيات الانبياء ~~في شيء من هذا الجنس ونبينا صلى الله عليه وسلم لما أسري به من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الاقصى إنما أسري به ليرى من آيات ربه الكبرى وهذا هو ~~الذي كان من خصائصه أن مسراه كان هذا كما قال تعالى @QB@ أفتمارونه على ما ~~يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس @QE@ قال ابن عباس هي ~~رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة اسري به فهذا الذي كان ~~من خصائصه ومن أعلام نبوته وأما مجرد قطع تلك المسافة فهذا يكون لمن تحمله ~~الجن وقد قال العفريت لسليمان @QB@ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك @QE@ ~~وحمل العرش من القصر من اليمن إلى الشام أبلغ من ذلك @QB@ قال الذي عنده ~~علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك @QE@ فهذا أبلغ من قطع ~~المسافة التي بين المسجدين في ليلة ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضل من الذي ~~عنده علم من الكتاب ومن سليمان فكأن الذي خصه الله به أفضل من ذلك وهو أنه ~~أسري به في ليلة ليريه من آياته فالخاصة ان الإسراء كان ليريه من آياته ~~الكبرى كما @QB@ رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى @QE@ فهذا ما حصل مثله لا لسليمان ولا ~~لغيره والجن وان قدروا على حمل بعض الناس في الهواء فلا يقدرون على إصعاده ~~إلى السماء واراءته آيات ربه الكبرى فكان ما آتاه الله محمدا خارجا ~~PageV01P126 عن قدرة الجن والانس وانما كان الذي صحبه في معراجه جبريل الذي ~~اصطفاه الله لرسالته والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ms136 وكان المقصود ~~من الإسراء أن يريه ما رآه من آياته الكبرى ثم يخبر به الناس فلما أخبر به ~~كذب به من كذب من المشركين وصدق به الصديق وأمثاله من المؤمنين فكان ذلك ~~ابتلاء ومحنة للناس كما قال @QB@ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس @QE@ أي محنة وابتلاء للناس ليتميز المؤمن عن الكافر وكان فيما ~~أخبرهم به أنه رأى الجنة والنار وهذا مما يخوفهم به قال تعالى @QB@ ونخوفهم ~~فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا @QE@ والرسول لما أخبرهم بما رآه كذبوه في ~~الإسراء وأنكروا أن يكون أسري به إلى المسجد الاقصى فلما سألوه عن صفته ~~فوصفه لهم وقد علموا أنه لم يره قبل ذلك وصدقه من رآه منهم كان ذلك دليلا ~~على صدقه في المسرى فلم يمكنهم مع ذلك تكذيبه فيما لم يروه وأخبر الله ~~تعالى بالمسرى إلى المسجد الاقصى لأنهم قد علموا صدقه في ذلك بما أخبرهم به ~~من علاماته فلا يمكنهم تكذيبه في ذلك وذكر أنه رأى من آيات ربه الكبرى ولم ~~يعين ما رآه وهو جبريل الذي رآه في صورته التي خلق عليها مرتين لأن رؤية ~~جبريل هي من تمام نبوته ومما يبين ان الذي أتاه بالقرآن ملك لا شيطان كما ~~قال في سورة إذا الشمس كورت @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين مطاع ثم أمين @QE@ ثم قال @QB@ وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق ~~المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو ~~إلا ذكر للعالمين @QE@ # ( فصل ) ومما يبين ضعف طريقة هؤلاء أنهم قالوا المعجزات لا تدل بجنسها ~~على النبوة بل يوجد مثل المعجز من كل وجه ولا يدل على النبوة كأشراط الساعة ~~وكما يوجد للسحرة والكهان والصالحين من الخوارق التي تماثل آيات الانبياء ~~فيما زعمه هؤلاء قالوا لكن الفرق أن هذا يدعي النبوة ويحتج بها ويتحداهم ~~بالمثل فلا يقدر أحد على معارضته وأولئك لو ادعوا النبوة لمنعهم الله منها ~~وان كانوا قبل ذلك غير ممنوعين منها أو لقيض ms137 لهم من يعارضهم ولو عارضوا بها ~~نبيا لمنعهم الله إياها ليسلم دليل النبوة قالوا والمعجز انما يدل دلالة ~~وضعية بالجعل والقصد كدلالة الألفاظ PageV01P127 والعقد والخط والعلامات ~~التي يجعلها الناس بينهم فيقال لهم هذه الأمور كلها انما تدل إذا تقدم علم ~~المدلول بها أن الدال جعلها علامة كما يوكل الرجل وكيلا ويجعل بينه وبينه ~~علامة إما وضع يده على ترقوته وإما وضع خنصره وإما وضع يده على رأسه فمن ~~جاء بهذه العلامة علم أن موكله أرسله فأما إذا لم يتقدم ذلك لم تكن دلالة ~~جعلية وضعية اصطلاحية وآيات الانبياء لما لم تتقدم قبلها من الرب مواضعة ~~بينه وبين العباد قالوا هي تشبه ما إذا قال الرجل لموكله والرسول لمرسله ~~انك أرسلتني إلى هؤلاء القوم فان كنت أرسلتني فقم واقعد ليعلموا انك ~~أرسلتني فاذا قام وقعد عقب طلب الرسول علم الحاضرون أنه قام وقعد ليعلمهم ~~أنه رسوله وان كان بدون طلبه قد يقوم ويقعد لأمور أخرى فيقال لهم هنا لما ~~علم الحاضرون انتفاء داع يدعوه إلا قصد التصديق علموا أنه قصد تصديقه ولهذا ~~لو جوزوا قيامه لحاجة عرضت أو لحية أو عقرب وقعت في ثيابه أو لغير ذلك لم ~~يجعلوا ذلك دليلا والسبر والتقسيم مما يعلم به الدليل وان لم يقصده الدليل ~~حتى أن الرجل المشهور إذا خرج في غير وقت خروجه المعتاد فقد يعرف كثير من ~~الناس لاي شيء خرج لعلمهم بانتفاء غيره وأن خروجه له مناسب وان لم يكن هنا ~~أحد طلب الاستدلال فخروج الانسان عن عادته قد يكون لاسباب فاذا اقترن بسبب ~~صالح وعلم انتفاء غيره علم أنه لذاك السبب وهذا إنما يكون ممن يفعل لداع ~~يدعوه والرب تعالى عندهم لا يفعل لداع يدعوه فلزمهم إما إبطال أصلهم وإما ~~إبطال هذه الدلالة وايضا فيقال لهم بل الدليل دل لجنسه وهو هذا الفعل الذي ~~لم يفعل إلا لهذا الطلب ومتى وجد هذا كان جنسه دليلا وليست الدعوى جزءا من ~~الدليل بل طلب الاعلام بهذا الفعل مع الفعل هو الدليل ولهذا ms138 لو قال فافعل ~~ما يدل على صدقي وقام وقعد لم يدل على صدقه بخلاف ما إذا قال فقم واقعد ولو ~~قال فأظهر ما يدل على صدقي فلا بد أن يظهر ما يدل جنسه أنه دليل كقول أو خط ~~أو غير ذلك أو خلعة تختص بمثل ذلك ففرق بين أن يطلب فعلا معينا أو دليلا ~~مطلقا وهو إذا طلب فعلا معينا كقيام أو وضع يد على الرأس أو صلاة ركعتين أو ~~غير ذلك من الأفعال دل على PageV01P128 صدقه وان كان ذلك معتادا له أن ~~يفعله فليس من شرط دلالته أن يخرج عن عادته لكن شرط دلالته أن يعلم أنه ~~فعله لأجل الاعلام بحيث لا يكون هناك سبب داع غير الأعلام وحينئذ فهو دال ~~لجنسه وكذلك يقال الرب إذا خرق العادة لمدعي الرسالة عقب مطالبته بآية علم ~~أن الله لم يخلق تلك الأدلة على صدقه فهذا يدل وهذا انما يتم مع كون الرب ~~يفعل شيئا لأجل شيء آخر وحينئذ فقد يكون من شرط الدليل مطالبة الطالب بدليل ~~لا أن نفس الدعوى هي جزء الدليل وفرق بين طلبه من الرب آية أو طلبهم منه ~~آية وبين الدعوى فاظهار ما يظهره الرب عقب طلبهم أو طلبه قد يقال فيه أن ~~الطلب جزء الدليل وأنه لو أظهره بدون الطلب لم يدل وأما نفس دعوى النبوة ~~فليست جزءا وعلى هذا فاذا قدر أنه يفعل ذلك عند طلبه أو طلب غيره آية دل ~~على صدقه لكن هذا يكون إذا علم أنه لم يفعله إلا لإعلام أولئك بصدقه وهذا ~~لا يكون إلا بأن يتميز جنس ما دل به عن غيره ولا يجوز أن يدل مع وجود مثله ~~من غير دلالة بل متى قدر وجود مثله من غير دلالة بطل كونه دليلا ولو كانت ~~الدعوى جزءا من الدليل لكانت المعارضة لا تكون إلا مع دعوى النبوة فلو أتوا ~~بمثل القرآن من غير دعوى النبوة لم يكونوا عارضوه وهذا خلاف ما في القرآن ~~وخلاف ما أجمع المسلمون بل العقلاء والله ms139 أعلم وهم يسمون ما يكون بقصد ~~الدال كالكلام دليلا وضعيا فالأقوال والأفعال التي يقصد بها الدلالة كالعقد ~~وما يجعله الرجل علامة ونحو ذلك يسمونه دليلا وضعيا ويسمون ما يدل مطلقا ~~دليلا عقليا والأجود أن يقال جميع الأدلة عقلية بمعنى أن العقل إذا تصورها ~~علم أنها تدل فان الدليل هو ما يكون النظر الصحيح فيه مفضيا إلى العلم ~~بالمدلول عليه وإنما يكون النظر الصحيح لمن يعقل دلالة الدليل فمن لم يعقل ~~كون الدليل مستلزما للمدلول لم يستدل به ومن عقل ذلك استدل به فهو يدل بصفة ~~هو في نفسه عليها لا بصفة هي في المستدل لكن كونه عقليا يرجع إلى أن ~~المستدل علمه بعقله وهذا صفة في المستدل لا فيه أو الأجود أن يقال الدليل ~~قد يدل بمجرده وقد يدل بقصد الدال على دلالته فالاول لا يحتاج إلى قصد ~~الدلالة كما تقول النحاة أن الأصوات تدل بالطبع وتدل بالوضع فالذي يدل ~~بالطبع كالنحنحة PageV01P129 والسعال والبكاء ونحو ذلك من الاصوات وهذا ليس ~~كلاما وحينئذ فما يدل بقصد الدال أحق بالدل الة ودل الته أكمل ولهذا كانت ~~دلالة الكلام على مقصود المتكلم وهي دلالة سمعية أكمل من جميع أنواع الأدلة ~~على مراده وهو البيان الذي علمه الله الانسان وامتن بذلك على عباده فمنها ~~ما يدل بمجرده ومنها ما يدل بقصد الدال فاذا انضم اليه ما يعرف أنه قصد ~~الدلالة دل فالدليل هنا في الحقيقة قصد الدال للدلالة وهي دلالة لا تنتقض ~~اذا لم يجوز عليه الكذب وإنما الذي دل به على قصده هو دل بجعله دليلا لم ~~يدل بمجرده فهو دليل بالاختيار لا بمجرده فالاقوال والافعال التي يقصد بها ~~الدلالة تدل باختيار الدال بها لا بمجردها ودلالتها تعلم بالعقل وقد تفتقر ~~من العقل إلى أكثر مما يفتقر اليه العقلي المجرد لانها تحتاج إلى أن يعلم ~~قصد الدال ولكن ما يحصل بها من الدلالة أوضح وأكثر كالكلام وعلى هذا فاذا ~~أريد تقسيمها إلى عقلي ووضعي أي إلى عقلي مجرد والى وضعي يحتاج مع العقل ms140 ~~إلى قصد من الدال فهو تقسيم صحيح فدال يعلم بمجرد العقل وهذا لا يحتاج مع ~~العقل إلى السمع أو غيره وحينئذ فاذا قيل في السمعيات انها ليست عقلية أي ~~لا يكفي فيها مجرد العقل بل لا بد من انضمام السمع اليه وكذلك ذكر الرازي ~~وغيره أن السمع المحض لا يدل لا بد من العقل وهذا صحيح فان العقل شرط في ~~جميع العلوم التي تختص بالعقلاء والله أعلم ومما يلزم أولئك ان ما كان يظهر ~~على يد النبي صلى الله عليه وسلم في كل وقت من الاوقات ليس دليلا على نبوته ~~لأنه لم يكن كلما ظهر شيء من ذلك احتج به وتحدى الناس بالاتيان بمثله بل لم ~~ينقل عنه التحدي إلا في القرآن خاصة ولا نقل التحدي عن غيره من الانبياء ~~مثل موسى والمسيح وصالح ولكن السحرة لما عارضوا موسى أبطل معارضتهم وهذا ~~الذي قالوه يوجب أن لا تكون كرامات الأولياء من جملة المعجزات وقد ذكر غير ~~واحد من العلماء أن كرامات الاولياء معجزات لنبيهم وهي من آيات نبوته وهذا ~~هو الصواب كقصة أبي مسلم الخولاني وغيره مما جرى لهذه الامة من الآيات ومثل ~~ما كان يظهر على أيدي الحواريين وعلى يد موسى وأتباعه لأنه جعل التحدي ~~بالمثل جزءا من دليله وآيته فلا يكون دليلا حتى يتحداهم بالمثل بل قد علم ~~أن نفس استدلال المستدل PageV01P130 بالدليل يوجب اختصاصه بالمدلول عليه ~~وكل من أتى بآية هي دليل وبرهان وحجة فقد علم أنه يقول انها مستلزمة ~~للمدلول عليه لا يوجد مع عدمه فلا يمكن أحدا أن يعارضها فيأتي بمثلها مع ~~عدم المدلول عليه وهؤلاء جعلوا من جملة الدليل دعوى النبوة والاحتجاج به ~~والتحدي بالمثل ثلاثة أشياء وهذه الثلاثة هي أجزاء الدليل ودعوى النبوة هو ~~الذي تقام عليه البينة والذي تقام عليه الحجة ليس هو جزءا من الحجة والدعوى ~~تسمى مدلولا عليها ونفس المدعي يسمى مدلولا عليه وثبوت المدعي يسمى مدلولا ~~عليه والعلم بثبوته يسمى مدلولا عليه فهنا دعوى النبوة وهنا النبوة المدعاة ~~قبل ms141 أن يعلم ثبوتها وهنا ثبوتها في نفس الامر وهنا علم الناس بثبوتها وكذلك ~~سائر الدعاوي فمن ادعى تحريم النبيذ المتنازع فيه فهنا دعواه التحريم ونفس ~~التحريم هل هو ثابت أم منتف وثبوت التحريم في نفس الامر والعلم بالتحريم ~~وكذلك من أدعى حقا عند الحاكم فهنا دعواه الحق وهنا نفس المدعي وهو ~~استحقاقه ذلك الحق وهنا ثبوت هذا الاستحقاق في نفس الامر وهنا العلم ~~باستحقاقه فالبينة والحجة يجب أن يقارن المدلول عليه الذي هو المدعي وثبوته ~~في نفس الامر سواء ادعاه مدع أو لم يدعه وسواء علمه عالم أو لم يعلمه فان ~~الدليل مستلزم لحرمة النبيد واستحقاق الحق وثبوت الحرمة في نفس الامر ~~يستلزم للحرمة وأما مجرد الحرمة المتصورة فليست مستلزمة لوجودها في نفس ~~الامر بل قد يتصور في الأذهان مالا يوجد في الاعيان والله أعلم # ( فصل ) وقد ذكر القاضي أبو بكر ان من المثبتة المجيزين للكرامات من أجاب ~~عن حجة النفاة بأن قال الأدلة على ضربين عقلية ووضعية فالعقلي يدل لنفسه ~~وجنسه والوضعي يدل مع المواطأة ولا يدل مثله مع عدمها كعقد العشرة وضعف أبو ~~بكر هذا بأن قال لهم أن يقولوا إذا كانت المعجزات تجري مجرى القول فحيث ~~قصدت دلت وعنده أن الأمر ليس كذلك قلت بل هذا القائل أحسن لأنها تدل إذا ~~قصدت بها الدلالة مثل قيام الأمر وقعوده إذا طلب ذلك منه ومثل العلامة التي ~~تكون للشخص إذا جعلها علامة فحيث قصد الدلالة به دل لكن لازم هذا أن لا ~~يكون إلا إذا طلب الاستدلال بها لانفس الدعوى ثم أنه ذكر أن الخارق للعادة ~~PageV01P131 لا بد أن يكون خارقا لعادة جميع المرسل اليهم ثم جوز أن يكون ~~مما اعتاده كثير منهم بشرط أن يمنعهم عن المعارضة فيكون ذلك خرق عادة ثم ~~قال في الكرامات لا يجوز أن تكثر حتى تصير عادة لان من حق المعجز على قولنا ~~وقولهم ان يكون خارقا للعادة فلا تجوز إدامة ظهوره فيصير عادة بل يقع نادرا ~~وقد جوزوا في السحر والكهانة أن ms142 يكون عادة لكن عند دعوى النبوة يمنعهم من ~~المعارضة فكانت الكرامات أولى بذلك هي عادة للصالحين وإذا ادعى النبوة صادق ~~منع من المعارضة فهذا اضطراب آخر وادعى اجماع الأمة على أنها لا تظهر على ~~فاسق ولولا الإجماع لجوز ذلك لانه لا ينقض دليل النبوة فصارت تدل على ~~الولاية بالإجماع على أنها لا تظهر الا على يد نبي أو ولي فبهذا الإجماع ~~يعلم أن من ظهرت على يده هو ولي لله إذا لم يدع النبوة وهذا تناقض من وجهين ~~أحدهما أنهم قد قالوا إنها لا تدل على الولاية لان الولي من مات على ~~الايمان وهذا غير معلوم الثاني أنه يقال اذا جوزت أن يظهر على يد الساحر ~~والكاهن ونحوهما من الكفار ما هو من جنس المعجزات والكرامات وقلت يجب أن لا ~~يستثنى من السحر شيء لا يفعل عنده إلا ما ورد الإجماع والتوقيف على أنه لا ~~يكون بضرب من السحر ولا يفعل عنده كفلق البحر ونحوه فيكون الفرق بين السحر ~~وغيره إنما يعلم بهذا الإجماع ان ثبت والا فعندك يجوز أن يظهر على يد ~~الساحر كل ما يظهر على يد النبي إذا لم يدع النبوة ولا يحتج بذلك إذا ادعى ~~النبوة وعارضه معارض بالمثل فكيف تقول مع هذا إن الخوارق تدل على الولاية ~~بالإجماع وانت تجوز ظهورها على أيدي الكفار من السحرة والكهان فان قال ~~السحر والكهانة كانا قبل الرسول فلما جاء بطلا قيل أنت قد أثبت أن نفسه سحر ~~بعد النبوة وان السحر كان على عهد الصحابة وقتلوا الساحر وذكرت اجماع ~~الفقهاء على أن السحر يكون من المسلمين وأهل الكتاب والساحر ليس بولي لله ~~والسحر عندك هو من جنس الكرامات الجميع خارق للعادة لم يستدل به على النبوة ~~فكيف تقول مع هذا إن الخوارق لا تكون إلا لنبي أو ولي وأنت أثبتها للكفار ~~وهذا كله من جهة أنه أخذ جنس الخوارق مشتركا فجوز أن يكون للنبي وغير النبي ~~مع قوله ان الخارق لا بد أن يكون خارقا لعادة جميع المرسل ms143 اليهم ~~PageV01P132 ولكن عنده هذا يحصل بعدم المعارضة وحينئذ فاشتراط كونه خارقا ~~ومختصا بمقدور الرب باطل وهو قد حكى ان الإجماع على أن المعجز لا بد أن ~~يكون خارقا للعادة فقال اعلموا رحمكم الله أن الكل من سائر الأمم قد شرطوا ~~في صفة المعجز أن يكون خارقا للعادة ثم قال في فصول الكرامات # ( فصل ) ويقال لهم ان من الناس من لا يشترط في الآية المعجزة أن تكون ~~خارقا للعادة وهذا كما ذكر إجماع الناس على أنه لا يدل على صدق النبي الا ~~المعجزات فقال في الاستدلال على انها لو لم تدل لزم عجز القديم إذ لا دليل ~~بقول كل أحد أثبت النبوة على نبوة الرسل وصدقهم الا ظهور المعجزة فهذا ~~إجماع لا خلاف فيه فلو ظهرت على يد المتنبي لبطلت دلالة النبوة ولوجب عجز ~~القديم عن دليل يدل على نبوتهم وهو نفسه قد ذكر في ذلك عدة أقوال في غير ~~هذا الكتاب وأيضا فالاستدلال بالإجماع إنما يكون بعد ثبوت النبوة فلا يحتج ~~على مقدمات دليل النبوة بمجرد الإجماع وهؤلاء إنما أوقعهم في هذه المناقضات ~~أن القدرية يجعلون لربهم شريعة بالقياس على خلقه ويقولون لا يجوز أن يفعل ~~كذا ولا أن يفعل كذا كقولهم لا يجوز أن يضل هذا فإنا لو جوزنا عليه الاضلال ~~لجاز أن يظهر المعجزات على أيدي الكذابين فان غاية ذلك أنه اضلال واذا جاز ~~ذلك لم يبق دليل على صدق الانبياء ولم يفرق بين الصادق والكاذب فعارضهم ~~هؤلاء بأن قالوا يجوز أن يفعل كل ممكن مقدور ليس يجب أن ينزه عن فعل من ~~الأفعال وليس في الممكنات ما هو قبيح أو ظلم أو شيء بل كل ذلك حسن وعدل فله ~~أن يفعله فقيل لهم فجوزوا اظهار المعجزات على أيدي الكذابين ففتقوا لهم ~~فتقا فقالوا هذا يلزم منه عجز الرب عن أن ينصب دليلا يدل على صدق النبي وان ~~كان يمكنه أن يعرف صدقهم بالضرورة فذاك يوجب أن يعرفوا نفسه بالضرورة وهو ~~يرفع التكليف والتحقيق ان اظهار المعجزات الدالة ms144 على صدق الانبياء على يد ~~الكاذب لا يجوز لكن قيل لامتناع ذلك في نفسه كما قاله الأشعري وقيل لأن ذلك ~~يمتنع في حكمة الرب وعدله وهذا أصح فانه قادر على ذلك لكن لو فعله بطلت ~~دلالة المعجز على الصدق وهذا كما أنه قادر على سلب العقول ولو فعل ~~PageV01P133 ذلك لبطلت العلوم وهو سبحانه لو فعل ذلك قادر على تعريف الصدق ~~بالضرورة وقادر على أن لا يعرف بذلك ولا يميز للناس بين الصادق والكاذب ~~لكنه لا يفعل هذا المقدور ونحن نعلم بالاضطرار أنه لا يفعل ذلك وأنه لا ~~يبعث أنبياء صادقين يبلغون رسالته ويأمر الناس باتباعهم ويتوعد من كذبهم ~~فيقوم آخرون كذابون يدعون مثل ذلك وهو يسوي بين هؤلاء وهؤلاء في جميع ما ~~يفرق به بين الصادق والكاذب بل قد علمنا من سنته أنه لا يسوي في دلائل ~~الصدق والكذب بين المحدث الصادق والكاذب والشاهد الصادق والكاذب وبين الذي ~~يعامل الناس بالصدق والكذب وبين الذي يظهر الاسلام صادقا والذي يظهره نفاقا ~~وكذبا بل يميز هذا من هذا بالدلائل الكثيرة كما يميز بين العادل وبين ~~الظالم وبين الأمين وبين الخائن فان هذا مقتضى سنته التي لا تتبدل وحكمته ~~التي هو منزه عن نقيضها وعدله سبحانه بتسويته بين المتماثلات وتفريقه بين ~~المختلفات فكيف يسوي بين أفضل الناس وأكملهم صدقا وبين أكذب الناس وشرهم ~~كذبا فيما يعود إلى فساد العالم في العقول والأديان والأبضاع والأموال ~~والدنيا والآخرة وقول القدري اذا جاز عليه اضلال من أضله جاز عليه اضلال ~~بعض الناس يقال له أولا ليس اظهار المعجزة على أيدي الكذابين من باب ~~الاضلال بل لو ظهرت على يده لكانت لا تدل على الصدق فلم يكن دليلا يفرق بين ~~الصدق والكذب وعدم الدليل يوجب عدم العلم بذلك الدليل لا يوجب اعتقاد نقيضه ~~ولو كان لا يظهرها الا على يد كاذب لكانت إنما تدل على الكذب فالاشتراك بين ~~الصنفين يرفع دلالتها واختصاص أحدهما بها يوجب دلالتها على المختص ويقال ~~ثانيا تجويز اضلال طائفة معينة بمعنى أنه حصل ms145 لهم الضلال لعدم نظرهم ~~واستدلالهم وقصدهم الحق وجعل قلوبهم معرضة عن طلب الحق وقصده وأنها تكذب ~~الصادق ليس هو مثل اضلال العالم كله ورفع ما يعرف به الحق من الباطل بل مثل ~~هذا مثل من قال اذا جاز ان يعمي طائفة من الناس جاز أن يعمي جميع الناس فلا ~~يرى أحد شيئا واذا جاز أن يصم بعض الناس جاز أن يصم جميعهم فلا يسمع أحد ~~شيئا وإذا جاز أن يزمن بعض الناس أو يشل يديه جاز إزمان جميع الناس وإشلال ~~أيديهم حتى PageV01P134 لا يقدر أحد في العالم على شيء ولا بطش بيده واذا ~~جاز أن يجنن بعض الناس جاز أن يجنن جميعهم حتى لا يبقى في الأرض الا مجنون ~~لا عاقل واذا جاز أن يميت بعض الناس جاز أن يميتهم كلهم في ساعة واحدة مع ~~بقاء العالم على ما هو عليه وأن يقال اذا جاز أن يضل بعض الناس عن قبول بعض ~~الحق جاز أن يضله عن قبول لكل حق حتى لا يصدق أحدا في شيء ولا يقبل شيئا ~~لما يقال له فلا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا ينام وان كل من أضل جاز أن ~~يفعل به هذا كله وهذا كله مما يعرف بضرورة العقل الفرق بينهما ومن سوى بين ~~هذا وهذا كان مصابا في عقله وآيات الانبياء هي من هذا الباب فلو لم يميز ~~بين الصادق والكاذب لكان قد بعث أنبياء يبلغون رسالته ويأمرون بما أمر به ~~من أطاعهم سعد في الدنيا والآخرة ومن كذبهم شقي في الدنيا والآخرة وآخرين ~~كذابين يبلغون عنه مالم يقله ويأمرون بما نهى عنه وينهون عما أمر به ومن ~~اتبعهم شقي في الدنيا والآخرة ولم يجعل لأحد سبيلا إلى التمييز بين هؤلاء ~~وهؤلاء وهذا أعظم من أن يقال انه خلق أطعمة نافعة وسموما قاتلة ولم يميز ~~بينهما بل كل ما أكله الناس جاز أن يكون من هذا وهذا ومعلوم أن من جوز مثل ~~هذا على الله فهو مصاب في عقله ثم ان الله ms146 جعل الاشياء متلازمة وكل ملزوم ~~هو دليل على لازمه فالصدق له لوازم كثيرة فان من كان يصدق ويتحرى الصدق كان ~~من لوازمه أنه لا يتعمد الكذب ولا يخبر بخبرين متناقضين عمدا ولا يبطن خلاف ~~ما يظهر ولا يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ولا يخون أمانته ولا يجحد حقا هو ~~عليه إلى أمثال هذه الأمور التي يمتنع أن تكون لازمة الا لصادق فاذا انتفت ~~انتفى الصدق وإذا وجدت كانت مستلزمة لصدقه والكاذب بالعكس لوازمه بخلاف ذلك ~~وهذا لان الإنسان حي ناطق والنطق من لوازمه الظاهرة لبني جنسه ومن لوازم ~~النطق الخبر فانه ألزم له من الامر والطلب حتى قد قيل ان جميع أنواع الكلام ~~يعود إلى الخبر فلزم أن يكون من لوازم الانسان أخباره وظهور أخباره وكثرته ~~وان هذا لا بد من وجوده حيث كان وحينئذ فاذا كان كذابا عرف الناس كذبه ~~لكثرة ما يظهر منه من الخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه من أحوال نفسه وغيره ~~ومما رآه وسمعه وقيل له في الشهادة والغيب ولهذا كل من كان كاذبا ~~PageV01P135 ظهر عليه كذبه بعد مدة سواء كان مدعيا للنبوة أو كان كاذبا في ~~العلم ونقله أو في الشهادة أو في غير ذلك وان كان مطاعا كان ظهور كذبه أكثر ~~لما فيه من الفساد وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاثة ~~لا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ملك ~~كذاب وشيخ زان وعائل مستكبر ويروى وفقير مختال ولهذا كثير من أهل الدول ~~كانوا يتواصون بالكذب وكتمان أمورهم ثم يظهر كالقرامطة ولهذا امتنع اتفاق ~~الناس على الكذاب والكتمان من غير تواطؤ لما جعل الله في النفوس من الداعي ~~إلى الصدق والبيان وجعل الله في القلوب هداية ومعرفة بين هذا وهذا ولم يعرف ~~قط في بني آدم أنه اشتبه صادق بكاذب الا مدة قليلة ثم يظهر الامر وليس هذا ~~كالضلال في أمور خفية ومشتبهة على أكثر الناس فان التمييز بين الصادق ~~والكاذب يظهر ms147 لجمهور الناس وعامتهم بعد مدة ولا يطول اشتباه ذلك عليهم ~~وإنما يشتبه الامر عليهم فيما لم يتعمد فيه الكذب بل أخطأ أصحابه فأخذ عنهم ~~تقليدا لهم وأما مع كون أصحابه يتعمدون الكذب فهذا لا يخفى على عامة الناس # # | ( فصل ) # وقد تقدم ذكر بعض الفروق بين آيات الانبياء وغيرهم وبينها وبين غيرها من ~~الفروق مالا يكان يحصى الاول أن النبي صادق فيما يخبر به عن الكتب لا يكذب ~~قط ومن خالفهم من السحرة والكهان لا بد أن يكذب كما قال @QB@ هل أنبئكم على ~~من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم @QE@ الثاني من جهة ما يأمر به هذا ~~ويفعله ومن جهة ما يأمر به هذا ويفعله فان الانبياء لا يأمرون الا بالعدل ~~وطلب الآخرة وعبادة الله وحده وأعمالهم البر والتقوى ومخالفوهم يأمرون ~~بالشرك والظلم ويعظمون الدنيا وفي أعمالهم الاثم والعدوان الثالث أن السحر ~~والكهانة ونحوهما أمور معتادة معروفة لأصحابها ليست خارقة لعادتهم وآيات ~~الانبياء لا تكون الا لهم ولمن اتبعهم الرابع أن الكهانة والسحر يناله ~~الانسان بتعلمه وسعيه واكتسابه وهذا مجرب عند الناس بخلاف النبوة فانه لا ~~ينالها أحد باكتسابه الخامس أن النبوة لو قدر أنها تنال بالكسب فانما تنال ~~بالاعمال الصالحة والصدق والعدل والتوحيد لا تحصل مع الكذب على من دون الله ~~PageV01P136 فضلا عن أن تحصل مع الكذب على الله فالطريق الذي تحصل به لو ~~حصلت بالكسب مستلزم للصدق على الله فيما يخبر به السادس أن ما يأتي به ~~الكهان والسحرة لا يخرج عن كونه مقدور للجن والانس وهم مأمورون بطاعة الرسل ~~وآيات الرسل لا يقدر عليها لا جن ولا إنس بل هي خارقة لعادة كل من أرسل ~~النبي اليه @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ السابع أن هذه يمكن أن تعارض ~~بمثلها وآيات الانبياء لا يمكن أحدا أن يعارضها بمثلها الثامن أن تلك ليست ~~خارقة لعادات بني آدم بل كل ضرب منها معتاد لطائفة غير الانبياء ms148 فليست ~~معتادة لغير الصادقين على الله ولمن صدقهم التاسع أن هذه لا يقدر عليها ~~مخلوق لا الملائكة ولا غيرهم كانزال القرآن وتكليم موسى وتلك تقدر عليها ~~الجن والشياطين العاشر أنه إذا كان من الآيات ما يقدر عليه الملائكة فان ~~الملائكة لا تكذب على الله ولا تقول لبشر ان الله أرسلك ولم يرسله وانما ~~يفعل ذلك الشياطين والكرامات معتادة في الصالحين منا ومن قبلنا ليست خارقة ~~لعادة الصالحين وهذه تنال بالصلاح بدعائهم وعبادتهم ومعجزات الانبياء لا ~~تنال بذلك ولو طلبها الناس حتى يأذن الله فيها @QB@ قل إنما الآيات عند ~~الله @QE@ @QB@ قل إن الله قادر على أن ينزل آية @QE@ الحادي عشر أن النبي ~~قد تقدمه أنبياء فهو لا يأمر الا بجنس ما أمرت به الرسل قبله فله نظراء ~~يعتبر بهم وكذلك الساحر والكاهن له نظراء يعتبر بهم والثاني عشر أن النبي ~~لا يأمر الا بمصالح العباد في المعاش والمعاد فيأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر فيأمر بالتوحيد والاخلاص والصدق وينهى عن الشرك والكذب والظلم ~~فالعقول والفطر توافقه كما توافقه الانبياء قبله فيصدقه صريح المعقول وصحيح ~~المنقول الخارج عما جاء به والله أعلم & فصل & # ومن تدبر هذا وغيره تبين له أن جميع ما ابتدعه المتكلمون وغيرهم مما ~~يخالف الكتاب والسنة فانه باطل ولا ريب أن المؤمن يعلم من حيث الجملة ان ما ~~خالف الكتاب والسنة فهو باطل لكن كثير من الناس لا يعلم ذلك في المسائل ~~المفصلة لا يعرف ما PageV01P137 الذي يوافق الكتاب والسنة وما الذي يخالفه ~~كما قد أصاب كثير من الناس في الكتب المصنفة في الكلام في أصول الدين وفي ~~الرأي والتصوف وغير ذلك فكثير منهم قد اتبع طائفة يظن أن ما يقولونه هو ~~الحق وكلهم على خطأ وضلال ولقد أحسن الامام أحمد في قوله في خطبته وان كانت ~~مأثورة عمن تقدم # الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون ~~من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون ~~بنور الله ms149 أهل العمى فكم من قتيل لابليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه ~~فما أحسن اثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة ~~وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب محالفون للكتاب مجمعون على ~~مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون ~~بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من ~~فتن المضلين # فهؤلاء أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم كما قال مختلفون في الكتاب ~~مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب وتصديق ما ذكره أنك لا تجد طائفة ~~منهم توافق الكتاب والسنة فيما جعلوه أصول دينهم بل لكل طائفة أصول دين لهم ~~فهي أصول دينهم الذي هم عليه ليس هي أصول الدين الذي بعث الله به رسوله ~~وأنزل به كتابه وما هم عليه من الدين ليس كله موافقا للرسول ولا كله مخالفا ~~له بل بعضه موافق وبعضه مخالف بمنزلة أهل الكتاب الذين لبسوا الحق بالباطل ~~كما قال تعالى @QB@ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا ~~تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ولا تلبسوا ~~الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أهل ~~الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون @QE@ لكن بعض ~~الطوائف أكثر مخالفة للرسول من بعض وبعضها أظهر مخالفة ولكن الظهور أمر ~~نسبي فمن عرف السنة ظهرت له مخالفة من خالفها فقد تظهر مخالفة بعضهم للسنة ~~لبعض الناس لعلمه بالسنة دون من PageV01P138 لا يعلم منها ما يعلمه هو وقد ~~تكون السنة في ذلك معلومة عند جمهور الامة فتظهر مخالفة من خالفها كما تظهر ~~للجمهور مخالفة الرافضة للسنة وعند الجمهور هم المخالفون للسنة فيقولون أنت ~~سنى أو رافضي وكذلك الخوارج لما كانوا أهل سيف وقتال ظهرت مخالفتهم للجماعة ~~حين كانوا يقاتلون الناس وأما اليوم فلا يعرفهم ms150 أكثر الناس وبدع القدرية ~~والمرجئة ونحوهم لا تظهر مخالفتها بظهور هذين وهاتان البدعتان ظهرتا لما ~~قتل عثمان في الفتنة في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وظهرت الخوارق ~~بمفارقة أهل الجماعة واستحلال دمائهم وأموالهم حتى قاتلهم أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب متبعا في ذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم قال الامام ~~أحمد بن حنبل صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه وهذه قد رواها صاحبه مسلم ~~بن الحجاج في صحيحه وروى البخاري قطعة منها واتفقت الصحابة على قتال ~~الخوارج حتى ان ابن عمر مع امتناعه عن الدخول في فرقة كسعد وغيره من ~~السابقين ولهذا لم يبايعوا لأحد الا في الجماعة قال عند الموت ما آسى على ~~شيء إلا على أني لم أقاتل الطائفة الباغية مع علي يريد بذلك قتال الخوارج ~~والا فهو لم يبايع لا لعلي ولا غيره ولم يبايع معاوية الا بعد ان اجتمع ~~الناس عليه فكيف يقاتل احدى الطائفتين وانما أراد المارقة التي قال فيها ~~النبي صلى الله عليه وسلم تمرق مارقة على حين فرقة من الناس يقتلهم أدنى ~~الطائفتين إلى الحق وهذا حدث به أبو سعيد فلما بلغ ابن عمر قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الخوارج وأمره بقتالهم تحسر على ترك قتالهم فكان قتالهم ~~ثابتا بالسنة الصحيحة الصريحة وباتفاق الصحابة بخلاف فتنة الجمل وصفين فان ~~أكثر السابقين الاولين كرهوا القتال في هذا وهذا وكثير من الصحابة قاتلوا ~~إما من هذا الجانب وإما من هذا الجانب فكانت الصحابة في ذلك على ثلاثة ~~اقوال لكن الذي دلت عليه السنة الصحيحة أن علي بن أبي طالب كان أولى بالحق ~~وأن ترك القتال بالكلية كان خيرا وأولى ففي الصحيحين عن أبي سعيد أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال تمرق مارقة على حين فرقة من الاسلام يقتلهم أولى ~~الطائفتين بالحق وقد ثبت عنه أنه جعل القاعد فيها خيرا من القائم والقائم ~~خيرا من الماشي والماشي خيرا من الساعي وانه أثنى على من صالح ولم يثن على ms151 ~~من قاتل ففي البخاري وغيره عن أبي بكرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال عن ~~الحسن ان ابني هذا سيد PageV01P139 وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين ~~فاثنى على الحسن في اصلاح الله به بين الفئتين وفي صحيح مسلم وبعض نسخ ~~البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار تقتلك الفئة الباغية وفي ~~الصحيحين أيضا أنه قال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من ~~خذلهم حتى تقوم الساعة قال معاذ وهم بالشام وفي صحيح مسلم عنه أنه قال لا ~~يزال أهل المغرب ظاهرين لا يضرهم من خذلهم قال أحمد بن حنبل وغيره أهل ~~المغرب أهل الشام أي أنها أول المغرب فان التغريب والتشريق أمر نسبي فلكل ~~بلد غرب وشرق وهو صلى الله عليه وسلم تكلم بمدينته فما تغرب عنها فهو غرب ~~وما تشرق عنها فهو شرق وهي مسامته أول الشام من ناحية الفرات كما أن مكة ~~مسامته لحران وسميساط ونحوهما وتصويب قتالهم ان كان بعد الاصلاح فلم يقع ~~الاصلاح وإن كان عند بغيهم في الاقتتال وان لم يكن اصلاح فهؤلاء البغاة لم ~~يكن في اصحاب علي من يقاتلهم بل تركوا قتالهم إما عجزا وإما تفريطا فترك ~~الاصلاح المأمور به وعلى هذا قوتلوا ابتداء قتالا غير مأمور به ولما صار ~~قتالهم مأمورا به لم يقاتلوا القتال المأمور به بل نكل أصحاب علي عن القتال ~~إما عجزا وإما تفريطا والبغاة المأمور بقتالهم هم الذين بغوا بعد الاقتتال ~~وامتنعوا من الاصلاح المأمور به فصاروا بغاة مقاتلين والبغاة اذا ابتدأوا ~~بالقتال جاز قتالهم بالاتفاق كما يجوز قتال الغواة قطاع الطريق اذا قاتلوا ~~باتفاق الناس فأما الباغي من غير قتال فليس في النص أن الله أمر بقتاله بل ~~الكفار إنما يقاتلون بشرط الحراب كما ذهب اليه جمهور العلماء وكما دل عليه ~~الكتاب والسنة كما هو مبسوط في موضعه والصديق قاتل المرتدين الذين ارتدوا ~~عما كانوا فيه على عهد الرسول من دينه وهم أنواع منهم من آمن بمتنبئ كذاب ~~ومنهم ms152 من لم يقر ببعض فرائض الاسلام التي أقر بها مع الرسول ومنهم من ترك ~~الاسلام بالكلية ولهذا تسمى هذه وأمثالها من الحروب بين المسلمين فتنا كما ~~سماها النبي صلى الله عليه وسلم والملاحم ما كان بين المسلمين والكفار وبسط ~~هذا له موضع آخر والمقصود هنا أن الخوارج ظهروا في الفتنة وكفروا عثمان ~~وعليا ومن والاهما وباينوا المسلمين في الدار وسموا دارهم دار الهجرة ~~وكانوا كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم يقتلون أهل الاسلام ويدعون أهل ~~الاوثان وكانوا أعظم الناس صلاة PageV01P140 وصياما وقراءة كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته ~~مع قراءتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق ~~السهم من الرمية ومروقهم منه خروجهم باستحلالهم دماء المسلمين وأموالهم ~~فانه قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ~~والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه وهم بسطوا في المسلمين أيديهم وألسنتهم ~~فخرجوا منه ولم يحكم علي وأئمة الصحابة فيهم بحكمهم في المرتدين بل جعلوهم ~~مسلمين وسعد بن أبي وقاص وهو أفضل من كان قد بقي بعد علي وهو من أهل الشورى ~~واعتزل في الفتنة فلم يقاتل لا مع علي ولا مع معاوية ولكنه ممن تكلم في ~~الخوارج وتأول فيهم قوله @QB@ وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد ~~الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك ~~هم الخاسرون @QE@ وحدث أيضا طوائف الشيعة الالهية الغلاة فرفع إلى علي منهم ~~طائفة ادعوا فيه الالهية فأمرهم بالرجوع فأصروا فأمهلهم ثلاثا ثم أمر ~~بأخاديد من نار فخدت وألقاهم فيها فرأى قتلهم بالنار وأما ابن عباس فقال لو ~~كنت أنا لم أحرقهم بالنار لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعذب بعذاب ~~الله ولضربت أعناقهم لقوله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه رواه ~~البخاري وأكثر الفقهاء على قول ابن عباس وروي أنه بلغه أن ابن السوداء يسب ms153 ~~أبا بكر وعمر فطلب قتله فهرب منه فاما قتله على السب أو لأنه كان متهما ~~بالزندقة وقيل إنه هو الذي ابتدع بدعة الرافضة وأنه كان قصده افساد دين ~~الاسلام وهذا يستحق القتل باتفاق المسلمين والذين يسبون أبا بكر وعمر فيهم ~~تزندق كالاسماعيلية والنصيرية فهؤلاء يستحقون القتل بالاتفاق وفيهم من ~~يعتقد بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم كالامامية فهؤلاء في قتلهم نزاع ~~وتفصيل مذكور في غير هذا الموضع وتواتر عن علي بن أبي طالب أنه قال خير هذه ~~الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وهذا متفق عليه بين قدماء الشيعة وكلهم ~~كانوا يفضلوا أبا بكر وعمر وانما كان النزاع في علي وعثمان حين صار لهذا ~~شيعة ولهذا PageV01P141 شيعة وأما أبو بكر وعمر فلم يكن أحد يتشيع لهما بل ~~جميع الامة كانت متفقة عليهما حتى الخوارج فانهم يتولونهما وانما يتبرءون ~~من علي وعثمان وروي أن معاوية قال لابن عباس أنت على ملة علي أم عثمان قال ~~لا على ملة علي ولا عثمان أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ~~كل من الشيعتين يذم الآخر بما برأه الله منه فكان بعض شيعة عثمان يتكلمون ~~في علي بالباطل وبعض شيعة علي يتكلمون في عثمان بالباطل والشيعتان مع سائر ~~الامة متفقة على تقديم أبي بكر وعمر قيل لشريك بن عبد الله القاضي أنت من ~~شيعة علي وأنت تفضل أبا بكر وعمر فقال كل شيعة علي على هذا هو يقول على ~~أعواد هذا المنبر خير هذه الامة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر أفكنا نكذبه ~~والله ما كان كذابا وقد روى البخاري في صحيحه من حديث محمد بن الحنفية أنه ~~قال له يا ابت من خير الناس بعد رسول الله فقال يا بني أو ما تعرف قال لا ~~قال أبو بكر قال ثم من قال ثم عمر وهو مروي من حديث الهمدانيين شيعة علي عن ~~أبيه وروي عن علي أنه قال % ولو كنت بوابا على باب الجنة % لقلت لهمدان ~~ادخلي بسلام % # وقد ms154 روي عنه انه قال لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد ~~المفتري وقد ثبت عن علي رضي الله عنه بالاحاديث الثابتة بل المتواترة أنه ~~قتل الغالية كالذين يعتقدون إلهيته بعد أن استتابهم ثلاثا كسائر المرتدين ~~وأنه كان يبالغ في عقوبة من يسب أبا بكر وعمر وأنه كان يقول انهما خير هذه ~~الامة بعد نبيها وهذا مبسوط في مواضع والمقصود هنا أن هاتين البدعتين حدثتا ~~في ذلك الوقت ثم في آخر عصر الصحابة حدثت القدرية وتكلم فيهم من بقي من ~~الصحابة كابن عمر وابن عباس ووائلة بن الاسقع وغيرهم وحدثت أيضا بدعة ~~المرجئة في الايمان والآثار عن الصحابة ثابتة بمخالفتهم وأنهم قالوا ~~الايمان يزيد وينقص كما ثبت ذلك عن الصحابة كما هو مذكور في موضعه وأما ~~الجهمية نفاة الاسماء والصفات فإنما حدثوا في أواخر الدولة الاموية وكثير ~~من السلف لم يدخلهم في الثنتين والسبعين فرقة منهم يوسف ابن أسباط وعبد ~~الله بن المبارك قالوا أصول البدع أربعة الخوارج والشيعة PageV01P142 ~~والقدرية والمرجئة فقيل لهم الجهمية فقالوا ليس هؤلاء من أمة محمد ولهذا ~~تنازع من بعدهم من أصحاب أحمد وغيرهم هل هم من الثنتين والسبعين على قولين ~~ذكرهما عن أصحاب أحمد أبو عبد الله بن حامد في كتابه في الاصول والتحقيق أن ~~التجهم المحض وهو نفي الاسماء والصفات كما يحكي عن جهم والغالية من ~~الملاحدة ونحوهم من نفي اسماء الله الحسنى كفر بين مخالف لما علم بالاضطرار ~~من دين الرسول وأما نفي الصفات مع اثبات الاسماء كقول المعتزلة فهو دون هذا ~~لكنه عظيم أيضا وأما من أثبت الصفات المعلومات بالعقل والسمع وإنما نازع في ~~قيام الامور الاختيارية به كابن كلاب ومن اتبعه فهؤلاء ليسوا جهمية بل ~~وافقوا جهما في بعض قوله وإن كانوا خالفوه في بعضه وهؤلاء من اقرب الطوائف ~~إلى السلف وأهل السنة والحديث وكذلك السالمية والكرامية ونحو هؤلاء يوافقون ~~في جملة أقوالهم المشهورة فيثبتون الاسماء والصفات والقضاء والقدر في ~~الجملة ليسوا من الجهمية والمعتزلة النفاة للصفات وهم ms155 أيضا يخالفون الخوارج ~~والشيعة فيقولون باثبات خلافة الاربعة وتقديم أبي بكر وعمر ولا يقولون ~~بخلود أحد من أهل القبلة في النار لكن الكرامية والكلابية وأكثر الاشعرية ~~مرجئة وأقربهم الكلابية يقولون الايمان هو التصديق بالقلب والقول باللسان ~~والاعمال ليست منه كما يحكى هذا عن كثير من فقهاء الكوفة مثل أبي حنيفة ~~وأصحابه وأما الاشعري فالمعروف عنه وعن أصحابه أنهم يوافقون جهما في قوله ~~في الايمان وأنه مجرد تصديق القلب أو معرفة القلب لكن قد يظهرون مع ذلك قول ~~أهل الحديث ويتأولونه ويقولون بالاستثناء على الموافاة فليسوا موافقين لجهم ~~من كل وجه وإن كانوا أقرب الطوائف اليه في الايمان وفي القدر أيضا فانه رأس ~~الجبرية يقول ليس للعبد فعل البتة والاشعري يوافقه على أن العبد ليس بفاعل ~~ولا له قدرة مؤثرة في الفعل ولكن يقول هو كاسب وجهم لا يثبت له شيئا لكن ~~هذا الكسب يقول أكثر الناس انه لا يعقل فرق بين الفعل الذي نفاه والكسب ~~الذي أثبته وقالوا عجائب الكلام ثلاثة طفرة النظام وأحوال أبي هاشم وكسب ~~الاشعري وأنشدوا PageV01P143 % مما يقال ولا حقيقة عنده % معقوله تدنو إلى ~~الافهام % % الكسب عند الاشعري والحا % ل عند البهشمي وطفرة النظام % # وأما الكرامية فلهم في الايمان قول ما سبقهم اليه أحد قالوا هو الاقرار ~~باللسان وإن لم يعتقد بقلبه وقالوا المنافق هو مؤمن ولكنه مخلد في النار ~~وبعض الناس يحكي عنهم أن المنافق في الجنة وهذا غلط عليهم بل هم يجعلونه ~~مؤمنا مع كونه مخلدا في النار فينازعون في الاسم لا في الحكم وقد بسط القول ~~على منشأ الغلط حيث ظنوا أن الايمان لا يكون الا شيئا متماثلا عند جميع ~~الناس اذا ذهب بعضه ذهب سائره ثم قالت الخوارج والمعتزلة وهو أداء الواجبات ~~واجتناب المحرمات فاسم المؤمن مثل اسم البر والتقى وهو المستحق للثواب فاذا ~~ترك بعض ذلك زال عنه اسم الايمان والاسلام ثم قالت الخوارج ومن لم يستحق ~~هذا ولا هذا فهو كافر وقالت المعتزلة بل ينزل منزلة بين المنزلتين فنسميه ~~فاسقا لا ms156 مسلما ولا كافرا ونقول انه مخلد في النار وهذا هو الذي امتازت به ~~المعتزلة والا فسائر بدعهم قد قالها غيرهم فهم وافقوا الخوارج في حكمه ~~ونازعوهم ونازعوا غيرهم في الاسم وقالت الجهمية والمرجئة بل الأعمال ليست ~~من الايمان لكنه شيئان أو ثلاثة يتفق فيها جميع الناس التصديق بالقلب ~~والقول باللسان أو المحبة والخضوع مع ذلك وقالت الجهمية والاشعرية ~~والكرامية بل ليس إلا شيئا واحدا يتماثل فيه الناس وهؤلاء الطوائف أصل ~~غلطهم ظنهم أن الايمان يتماثل فيه الناس وأنه اذا ذهب بعضه ذهب كله وكلا ~~الامرين غلط فان الناس لا يتماثلون لا فيما وجب منه ولا فيما يقع منهم بل ~~الايمان الذي وجب على بعض الناس قد لا يكون مثل الذي يجب على غيره كما كان ~~الايمان بمكة لم يكن الواجب منه كالواجب بالمدينة ولا كان في آخر الامر كما ~~كان في أوله ولا يجب على أهل الضعف والعجز من الايمان ما يجب على أهل القوة ~~والقدرة في العقول والأبدان بل أهل العلم بالقرآن والسنة ومعاني ذلك يجب ~~عليهم من تفصيل الايمان مالا يجب على من لم يعرف ما عرفوا وأهل الجهاد يجب ~~عليهم من الايمان في تفصيل الجهاد مالا يجب على غيرهم وكذلك ولاة الامر ~~واهل الاموال يجب على كل من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه وأخبر ~~PageV01P144 به مالا يجب على غيره والاقرار بذلك من الايمان ومعلوم أنه وان ~~كان الناس كلهم يشتركون في الاقرار بالخالق وتصديق الرسول جملة فالتفصيل لا ~~يحصل بالجملة ومن عرف ذلك مفصلا لم يكن ما أمر به ووجب عليه مثل من لم يعرف ~~ذلك وايضا فليس الناس متماثلين في فعل ما أمروا به من اليقين والمعرفة ~~والتوحيد وحب الله وخشية الله والتوكل على الله والصبر لحكم الله وغير ذلك ~~مما هو من ايمان القلوب ولا في لوازم ذلك التي تظهر على الابدان واذا قدر ~~أن بعض ذلك زال لم يزل سائره بل يزيد الايمان تارة وينقص تارة كما ثبت ذلك ~~عن أصحاب رسول ms157 الله صلى الله عليه وسلم مثل عمر بن حبيب الخطمي وغيره انهم ~~قالوا الايمان يزيد وينقص كما قد بسط في غير هذا الموضع إذ المقصود هنا أن ~~طوائف أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم ليس فيهم من يوافق الرسول في أصول ~~دينه لا فيما اشتركوا فيه ولا فيما انفرد به بعضهم فانهم وان اشتركوا في ~~مقالات فليس إجماعهم حجة ولا هم معصومون من الاجتماع على خطأ وقد زعم طائفة ~~ان إجماع المتكلمين في المسائل الكلامية كاجماع الفقهاء وهذا غلط بل السلف ~~قد استفاض عنهم ذم المتكلمين وذم أهل الكلام مطلقا ونفس ما اشتركوا فيه من ~~إثبات الصانع بطريقة الاعراض وأنها لازمة للجسم أو متعاقبة عليه فلا يخلو ~~منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها وأن الله ~~يمتنع أن يقال أنه لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته أو يمتنع أن يقال أنه لم ~~يزل فعالا وأنه صار فاعلا أو فاعلا ومتكلما بمشيئته مبتدع في الاسلام أول ~~ما عرف أنه قاله الجهم بن صفوان مقدم الجهمية وأبو الهذيل العلاف مقدم ~~المعتزلة ولهذا طرداه فقالا بامتناع الحوادث في المستقبل وقال الجهم بفناء ~~الجنة والنار وقال أبو الهذيل بانقطاع حركاتهما كما قد بسط فروع هذا الاصل ~~الذي اشتركوا فيه ثم افترقوا بعد ذلك في فروعه فائمتهم كانوا يقولون كلام ~~الله القرآن وغيره مخلوق وكذلك سائر ما يوصف به الرب ليس له صفة قامت به ~~لأن ذلك عرض عندهم لا يقوم الا بجسم والجسم حادث فقالوا القرآن وغيره من ~~كلام الله مخلوق وكذلك سائر ما يوصف به الرب فجاء بعدهم مثل ابن كلاب وابن ~~كرام والاشعري وغيرهم من PageV01P145 شاركهم في أصل قولهم لكن قالوا بثبوت ~~الصفات لله وأنها قديمة لكن منهم من قال لا تسمى أعراضا لان العرض لا يبقى ~~زمانين وصفات الرب باقية كما يقوله الاشعري وغيره ومنهم من قال تسمى أعراضا ~~وهي قديمة وليس كل عرض حادثا كابن كرام وغيره ثم افترقوا في القرآن وغيره ~~من كلام الله ms158 فقال ابن كلاب ومن اتبعه هو صفة من الصفات قديمة كسائر الصفات ~~ثم قال ولا يجوز أن يكون صوتا لانه لا يبقى ولا معاني متعددة فإنها ان كان ~~لها عدد مقدر فليس قدر بأولى من قدر وإن كانت غير متناهية لزم ثبوت معان في ~~آن واحد لا نهاية لها وهذا ممتنع فقال انه معنى واحد وهو معنى آية الكرسي ~~وآية الدين والتوراة والانجيل وقال جمهور العقلاء إن تصور هذا القول تصورا ~~تاما يوجب العلم بفساده وقال طائفة بل كلامه قديم العين وهو حروف أو حروف ~~وأصوات قديمة أزلية مع أنها مترتبة في نفسها وأن تلك الحروف والاصوات باقية ~~أزلا وأبدا وجمهور العقلاء يقولون ان فساد هذا معلوم بالضرورة وهاتان ~~الطائفتان تقولان انه لا يتكلم بمشيئته وقدرته وقال آخرون كالهشامية ~~والكرامية بل هو متكلم بمشيئته وقدرته وكلامه قائم بذاته ولا يمتنع قيام ~~الحوادث لكن يمتنع أن يكون لم يزل متكلما فإن ذلك يستلزم وجود حوادث لا أول ~~لها وهو ممتنع فهذه الأربعة في القرآن وكلام الله هي أقوال المشركين في ~~امتناع دوام كون الرب فعالا بمشيئته أو متكلما بمشيئته # وأما أئمة السنة والحديث كعبد الله بن المبارك واحمد بن حنبل وغيرهما ~~فقالوا لم يزل الرب متكلما اذا شاء وكيف شاء فذكروا أنه يتكلم بمشيئته ~~وقدرته وأنه لم يزل كذلك وهذا يناقض الاصل الذي اشترك فيه المتكلمون من ~~الجهمية والمعتزلة ومن تلقى عنهم فلا هم موافقون للكتاب والسنة وكلام السلف ~~لا فيما اتفقوا عليه ولا فيما تنازعوا فيه ولهذا يوجد في عامة أصول الدين ~~لكل منهم قول وليس في أقوالهم ما يوافق الكتاب والسنة كأقوالهم في كلام ~~الله واقوالهم في ارادته ومشيئته وفي علمه وفي قدرته وفي غير ذلك من صفاته ~~وإن كان بعضهم اقرب إلى السنة والسلف من بعض ولكن قد شاع ذلك بين أهل العلم ~~والدين منهم فكثير من أهل العلم والدين المنتسبين إلى السنة والجماعة من قد ~~يوافقهم على بعض أقوالهم في مسألة القرآن أو PageV01P146 غيرهما اذ كان لا ms159 ~~يعرف الا ذلك القول أو ما هو أبعد عن السنة منه اذ كانوا في كتبهم لا يحكون ~~غير ذلك اذ كانوا لا يعرفون السنة واقوال الصحابة وما دل عليه الكتاب ~~والسنة لا يعرفون الا قولهم وقول من يخالفهم من أهل الكلام ويظنون أنه ليس ~~للامة الا هذان القولان أو الثلاثة وهم يعتمدون في السمعيات على ما يظنونه ~~من الاجماع وليس لهم معرفة بالكتاب والسنة بل يعتمدون على القياس العقلي ~~الذي هو أصل كلامهم وعلى الاجماع واصل كلامهم العقلي باطل والاجماع الذين ~~يظنونه انما هو اجماعهم واجماع نظرائهم من أهل الكلام ليس هو إجماع أمة ~~محمد ولا علمائها والله تعالى إنما جعل العصمة للمؤمنين من أمة محمد فهم ~~الذين لا يجتمعون على ضلالة ولا خطأ كما ذكر على ذلك الدلائل الكثيرة وكل ~~ما اجتمعوا عليه فهو مأثور عن الرسول فإن الرسول بين الدين كله وهم معصومون ~~أن يخطئوا كلهم ويضلوا عما جاء به محمد بل هم يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر فلا يبقى معروف الا أمروا به ولا منكر الا نهوا عنه وهم أمة وسط عدل ~~خيار شهداء الله في الأرض فلا يشهدون الا بحق فإجماعهم هو على علم موروث عن ~~الرسول جاء من عند الله وذلك لا يكون الا حقا وأما من كان إجماعهم على ما ~~ابتدعه رأس من رءوسهم فيجوز أن يكون إجماعهم خطأ اذ ليسوا هم المؤمنين ولا ~~أمة محمد وانما هم فرقة منهم واذا قيل المعتبر من أمة محمد بعلمائها قيل ~~اذا اتفقت علماؤها على شيء فالباقون يسلمون لهم ما اتفقوا عليه لا ~~ينازعونهم فيه فصار هذا اجماعا من المؤمنين ومن نازعهم بعلم فهذا لا يثبت ~~الاجماع دونه كائنا من كان وأما من ليس من أهل العلم فيما تكلموا فيه فذاك ~~وجوده كعدمه وقول من قال الاعتبار بالمجتهدين دون غيرهم وأنه لا يعتبر ~~بخلاف أهل الحديث أو أهل الاصول ونحوهم كلام لا حقيقة له فإن المجتهدين ان ~~أريد بهم من له قدرة على معرفة جميع الأحكام بأدلتها ms160 فليس في الأمة من هو ~~كذلك بل أفضل الأمة كان يتعلم ممن هو دونه شيئا من السنة ليس عنده وإن عني ~~به من يقدر على معرفة الاستدلال على الاحكام في الجملة فهذا موجود في كثير ~~من أهل الحديث والاصول والكلام وإن كان بعض الفقهاء أمهر منهم بكثير من ~~الفروع أو بأدلتها الخاصة أو بنقل الاقوال فيها فقد يكون أمهر منه في معرفة ~~اعيان الادلة كالأحاديث PageV01P147 والفرق بين صحيحها وضعيفها ودلالات ~~الالفاظ عليها والتمييز بين ما هو دليل شرعي وما ليس بدليل وبالجملة العصمة ~~إنما هي للمؤمنين لامة محمد لا لبعضهم لكن اذا اتفق علماؤهم على شيء ~~فسائرهم موافقون للعلماء واذا تنازعوا ولو كان المنازع واحدا وجب رد ما ~~تنازعوا فيه إلى الله والرسول وما أحد شذ بقول فاسد عن الجمهور الا وفي ~~الكتاب والسنة ما يبين فساد قوله وإن كان القائل كثيرا كقول سعيد في أن ~~المطلقة ثلاثا تباح بالعقد فحديث عائشة في الصحيحين يدل على خلافه مع دلالة ~~القرآن أيضا وكذلك غيره وأما القول الذي يدل عليه الكتاب والسنة فلا يكون ~~شاذا وأن القائل به أقل من القائل بذاك القول فلا عبرة بكثرة القائل باتفاق ~~الناس ولهذا كان السلف من الصحابة والتابعين لهم باحسان يردون على من أخطأ ~~بالكتاب والسنة لا يحتجون بالإجماع الا علامة وقد يبعث معه نشابه أو سيفه ~~أو شيئا من السلاح المختص به أو يركبه دابته المختصة به ونحو ذلك مما يعلم ~~الناس أنه قصد به تخصيصه وإن كانت تلك الافعال تفعل مع أمثاله وقد تفعل ~~لغير الرسول ممن يقصد اكرامه وتشريفه لكن هي خارقة لعادته بمعنى أنه لم ~~يعتد أن يفعل ذلك مع عموم الناس ولا يفعله الا مع من ميزه بولاية أو رسالة ~~أو وكالة والولاية والوكالة تتضمن الرسالة فكل من هؤلاء هو في معنى رسوله ~~إلى من ولاه أني قد وليته والى من أرسله بأني أرسلته فهذه عادة معروفة في ~~العلامات والدلائل التي يبين بها المرسل أن هذا رسولي وجنس خرق العادة ms161 لا ~~يستلزم الاكرام بل تخرق عادته بالاهانة تارة وبالاكرام أخرى فقد يخرج ويركب ~~في وقت لم تجر عادته به بل لعقوبة قوم وآيات الرب تعالى قد تكون تخويفا ~~لعبادة كما قال @QB@ وما نرسل بالآيات إلا تخويفا @QE@ وقد يهلك بها كما ~~أهلك أمما مكذبين واذا قص قصصهم قال @QB@ إن في ذلك لآيات @QE@ وكان ~~إهلاكهم خرقا للعادة دل بها على أنه عاقبهم بذنوبهم وتكذيبهم للرسل وأن ما ~~فعلوه من الذنوب مما ينهى عنه ويعاقب فاعله بمثل تلك العقوبة فهذه خرق ~~عادات لاهانة قوم وعقوبتهم لما فعلوه من الذنوب تجري مجرى قوله عاقبتهم ~~لأنهم كذبوا رسولي وعصوه ولهذا يقول سبحانه كلما قص قصة من كذب رسله ~~وعقوبته إياهم يقول @QB@ فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل ~~من مدكر @QE@ PageV01P148 كما يقول في موضع آخر @QB@ إن في ذلك لآيات وإن ~~كنا لمبتلين @QE@ و @QB@ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين @QE@ @QB@ ~~وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم @QE@ واذا كانت تلك العلامات ~~مما جرت عادته انه يفعلها مع من أرسله ويهلك بها من كذب رسله كانت أبلغ في ~~الدلالة وكانت معتادة في هذا النوع وهؤلاء تكلموا بلفظ لم يحققوا معناه وهو ~~لفظة خرق العادة وقالوا العادات تنقسم إلى عامة وخاصة فمنها ما يشترك فيه ~~جميع الناس في جميع الأعصار كالاكل والشرب واتقاء الحر والبرد والخاص منها ~~ما يكون كعادة للملائكة فقط أو للجن فقط أو للانس دون غيرهم قالوا ولهذا صح ~~أن يكون لكل قبيل منهم ضرب من التحدي وخرق لما هو عادة لهم دون غيرهم وحجة ~~عليهم دون ما سواهم ومنها ما يكون عادة لبعض البشر نحو اعتياد بعضهم صناعة ~~أو تجارة أو رياضة في ركوب الخيل والعمل بالسلاح لكن هذه كلها مقدورات ~~للبشر قالوا وآية الرسل لا تكون مقدورة لمخلوق بل لا تكون الا مما ينفرد ~~الله بالقدرة عليه فاذا قالوا هذا ظن الظان أنهم اشترطوا أمرا عظيما ولم ~~يشترطوا شيئا فإنهم قالوا في جنس الأفعال التي لا تقدر الناس الا ms162 على ~~اليسير منها كحمل الجبال ونقلها أن المعجزة هنا إقدارهم على الفعل لا نفس ~~الفعل ورجحوا هذا على قول من يقول نفس الفعل آية لأن جنس الفعل مقدور وليس ~~هذا بفرق طائل فإنه لا فرق بين تخصيصهم بالفعل أو بالقدرة عليه فاذا كان ~~إقدارهم على الكثير الذي لم تجر به العادة معجزة كان نفس الكثير الذي لم ~~تجر به العادة معجزة وهؤلاء عندهم أن قدرة العباد لا تؤثر في وجود شيء ولا ~~يكون مقدورها الا في محلها فهم في الحقيقة لم يثبتوا قدرة فكل ما في الوجود ~~هو مقدور لله عندهم ولهذا عدل أبو المعالي ومن اتبعه كالرازي عن هذا الفرق ~~فلم يشترطوا أن يكون مما ينفرد الرب بالقدرة عليه وإذ كانت جميع الحوادث ~~عندهم كذلك وقالوا ان ما يحصل على يد الساحر والكاهن وعامل الطلسمات وعند ~~الطبيعة الغريبة هو مما ينفرد الرب بالقدرة عليه ويكون آية للنبي وهذا ~~معتاد لغير الانبياء فلم يبق لقولهم خرق للعادة معنى معقول بل قالوا واللفظ ~~للقاضي أبي بكر الواجب على هذا الاصل أن يكون PageV01P149 خرق العادة الذي ~~يفعله الله مما يخرق عادة جميع القبيل الذين تحداهم الرسول بمثله ويحتج به ~~على نبوته فإن أرسل ملكا إلى الملائكة أظهر على يده ما هو خرق لعادتهم وإن ~~أرسل بشرا أرسله بما يخرق عادة البشر وان أرسل جنيا أظهر على يديه ما هو ~~خارق لعادة الجن فيقال السحر والكهانة معتاد للبشر وأنتم تقولون يجوز أن ~~يكون ما يأتي به الساحر والكاهن آية بشرط أن لا يمكن معارضته فلم يبق لكونه ~~خارقا للعادة معنى يعقل عندكم ولهذا قال محققوهم انه لا يشترط في الآيات أن ~~تكون خارقة للعادة كما قد حكينا لفظهم في غير هذا الموضع كما تقدم وانما ~~الشرط أنها لا تعارض وأن تقترن بدعوى النبوة هذان الشرطان هما المعتبران ~~وقد بينا في غير موضع أن كلا من الشرطين باطل والاول يقتضي أن يكون المدلول ~~عليه جزءا من الدليل # وآيات النبوة أنواع متعددة منها ما يكون ms163 قبل وجوده ومنها ما يكون بعد ~~موته ومنها ما يكون في غيبته والمقصود هنا كان هو الكلام على المثال الذي ~~ذكروه وأن ما ضرب من الامثلة على الوجه الصحيح فانه ولله الحمد يدل على صدق ~~الرسول وعلى فساد أصولهم ولكن هم ضربوا مثالا اذا اعتبر على الوجه الصحيح ~~كان حجة ولله الحمد على صدق النبي وعلى فساد ما ذكروه في المعجزات حيث ~~قالوا هي الفعل الخارق للعادة المقترن بدعوى النبوة والاستدلال به وتحدي ~~النبي من دعاهم أن يأتوا بمثله وشرط بعضهم أن يكون مما ينفرد الرب بالقدرة ~~عليه وهذه الاربعة هي التي شرط القاضي أبو بكر ومن سلك مسلكه كابن اللبان ~~وابن شاذان والقاضي أبي يعلى وغيرهم أن يكون مما ينفرد الرب بالقدرة عليه ~~على أحد القولين أو منه ومن الجنس الآخر اذا وقع على وجه يخرق العادة وطريق ~~متعذر على غيرهم مثله على القول الآخر قالوا وهذا لفظ القاضي أبي بكر ~~والثاني أن يكون ذلك الشيء الذي يظهر على أيديهم مما يخرق العادة وينقضها ~~ومتى لم يكن كذلك لم يكن معجزا والثالث أن يكون غير النبي ممنوعا من إظهار ~~ذلك على يده على الوجه الذي ظهر عليه ودعا إلى معارضته مع كونه خارقا ~~للعادة والرابع أن يكون واقعا مفعولا عند تحدي الرسول بمثله وادعائه آية ~~لنبوته وتقريعه بالعجز عنه من خالفه وكذبه PageV01P150 قالوا فهذه هي ~~الشرائط والأوصاف التي تختص بها المعجزات # فيقال لهم الشرط الاول قد عرف أنه لا حقيقة له ولهذا أعرض عنه أكثرهم ~~والثاني أيضا لا حقيقة له فإنهم لم يميزوا ما يخرق العادة مما لا يخرقها ~~ولهذا ذهب من ذهب من محققيهم إلى الغاء هذا الشرط فهم لا يعتبرون خرق عادة ~~جميع البشر بل ما اعتاده السحرة والكهان وأهل الطلاسم عندهم يجوز أن يكون ~~آية إذا لم يعارض وما اعتاده أهل صناعة أو علم أو شجاعة ليس هو عندهم آية ~~وإن لم يعارض فالامور العجيبة التي خص الله بالأقدار عليها بعض الناس لم ~~يجعلوها خرق عادة ms164 والامور المحرمة أو هي كفر كالسحر والكهانة والطلمسات ~~جعلوها خرق عادة وجعلوها آية بشرط أن لا يعارض وهو الشرط الثالث وهو في ~~الحقيقة خاصة المعجزة عندهم لكن كون غير الرسول ممنوعا منه أن اعتبروا أنه ~~ممنوع مطلقا فهذا لا يعلم وإن اعتبروا انه ممنوع من المرسل اليهم فهذا لا ~~يكفي بل يمكن كل ساحر وكاهن أن يدعي النبوة ويقول أنني كذا قالوا لو فعل ~~هذا لكان الله يمنعه فعل ذلك أو يقيض له من يعارضه قلنا من أين لكم ذلك ومن ~~أين يعلم الناس ذلك ويعلمون ان كل كاذب فلا بد أن يمنع من فعل الامر الذي ~~اعتاده هو وغيره قبل ذلك أو أن يعارض والواقع خلاف ذلك فما أكثر من ادعى ~~النبوة أو الاستغناء عن الانبياء وأن طريقه فوق طريق الانبياء وأن الرب ~~يخاطبه بلا رسالة وأتى بخوارق من جنس ما تأتي السحرة والكهان ولم يكن فيمن ~~دعاه من يعارضه # وأما الرابع وهو أن يكون عند تحدي الرسول فبه يحترزون عن الكرامات وهو ~~شرط باطل بل آيات الانبياء آيات وإن لم ينطقوا بالتحدي بالمثل وهي دلائل ~~على النبوة وصدق المخبر بها والدليل مغاير للمدلول عليه ليس المدلول عليه ~~جزءا من الدليل لكن اذا قالوا الدليل هو دعاء الرسول لزمه أن يريهم آية ~~وخلق تلك الآية عقب سؤاله وإن كان ذلك قد يخلقه بغير سؤاله لحكمة أخرى فهذا ~~متوجه فالدليل هو مجموع طلب العلامة مع فعل ما جعله علامة كما ان العباد ~~اذا دعوا الله فأجابهم كان ما فعله إجابة لدعائهم ودليلا على أن الله سمع ~~دعاءهم وأجابهم كما أنهم اذا استسقوه فسقاهم واستنصروه فنصرهم وإن كان قد ~~يفعل ذلك بلا دعاء فلا يكون PageV01P151 هناك دليل على إجابة دعاء فهو دليل ~~على إجابة الدعاء اذا وقع عقب الدعاء ولا يكون دليلا اذا وقع على غير هذا ~~الوجه وكذلك الرسول اذا قال لمرسله أعطني علامة فأعطاه ما شرفه به كان ~~دليلا على رسالته وإن كان قد يفعل ذلك لحكمة أخرى لكن ms165 فعل ذلك عقب سؤاله ~~آية لنبوته هو الذي يختص به وكذلك اذا علم أنه فعله اكراما له مع دعواه ~~النبوة علم أنه قد أكرمه بما يكرم به الصادقين عليه فعلم أنه صادق لأن ما ~~فعله به مختص بالصادقين الابرار دون الكاذبين عليه الفجار وعلى هذا فكرامات ~~الاولياء هي من آيات الانبياء فإنها مختصة بمن شهد لهم بالرسالة وكل ما ~~استلزم صدق الشهادة بنبوتهم فهو دليل على صدق هذه الشهادة سواء كان الشاهد ~~بنبوتهم المخبر بها هم أو غيرهم بل غيرهم إذا أخبر بنبوتهم وأظهر الله على ~~يديه ما يدل على صدق هذا الخبر كان هذا أبلغ في الدلالة على صدقهم من أن ~~يظهر على أيديهم فقد تبين أنه ليس من شرط دلائل النبوة لاقترانه بدعوى ~~النبوة ولا الاحتجاج به ولا التحدي بالمثل ولا تقريع من يخالفه بل كل هذه ~~الامور قد تقع في بعض الآيات لكن لا يجب أن ما لا يقع معه لا يكون آية بل ~~هذا إبطال لاكثر آيات الانبياء لخلوها عن هذا الشرط ثم هو شرط بلا حجة فان ~~الدليل على المدلول عليه هو ما استلزم وجوده وهذا لا يكون الا عند عدم ~~المعارض المساوي أو الراجح وما كان كذلك فهو دليل سواء قال المستدل به ~~ائتوا بمثله وأنتم لا تقدرون على الاتيان بمثله وقرعهم وعجزهم أو لم يقل ~~ذلك فهو اذا كان في نفسه مما لا يقدرون على الاتيان بمثله سواء ذكر المستدل ~~هذا أو لم يذكره لا بذكره يصير دليلا ولا بعدم ذكره تنتفي دلالته وهؤلاء ~~قالوا لا يكون دليلا الا اذا ذكره المستدل وهذا باطل وكذلك الدليل هو دليل ~~سواء استدل به مستدل أو لم يستدل وهؤلاء قالو لا يكون دليل النبوة دليلا ~~الا اذا استدل به النبي حين ادعى النبوة فجعل نفس دعواه واستدلاله ~~والمطالبة بالمعارضة وتقريعهم بالعجز عنها كلها جزءا من الدليل وهذا غلط ~~عظيم بل السكوت عن هذه الامور أبلع في الدلالة والنطق بها لا يقوي الدليل ~~والله تعالى لم يقل ms166 فليأتوا بحديث مثله الا حين قالوا افتراه لم يجعل هذا ~~القول شرطا في الدليل بل نفس عجزهم عن المعارضة هو من تمام الدليل وهم أنما ~~شرطوا ذلك لأن كرامات PageV01P152 الأولياء عندهم متى اقترن بها دعوى ~~النبوة كانت آية للنبوة وجنس السحر والكهانة متى اقترن به دعوى النبوة كان ~~دليلا على النبوة عندهم لكن قالوا الساحر والكاهن لو ادعى النبوة لكان ~~يمتنع من ذلك أو يعارض بمثله وأما الصالح فلا يدعي فكان أصلهم أن ما يأتي ~~به النبي والساحر والكاهن والولي من جنس واحد لا يتميز بعضه عن بعض بوصف ~~لكن خاصة النبي اقتران الدعوى والاستدلال والتحدي بالمثل بما يأتي به فلم ~~يجعلوا لآيات الانبياء خاصة تتميز بها عن السحر والكهانة وعما يكون لآحاد ~~المؤمنين ولم يجعلوا للنبي مزية على عموم المؤمنين ولا على السحرة والكهان ~~من جهة الآيات التي يدل الله بها العباد على صدقه وهذا افتراء عظيم على ~~الانبياء وعلى آياتهم وتسوية بين أفضل الخلق وشرار الخلق بل تسوية بين ما ~~يدل على النبوة وما يدل على نقيضها فإن ما يأتي به السحرة والكهان لا يكون ~~الا لكذاب فاجر عدو لله فهو مناقض للنبوة فلم يفرقوا بين ما يدل على النبوة ~~وعلى نقيضها وبين مالا يدل عليها ولا على نقيضها فإن آيات الانبياء تدل على ~~النبوة وعجائب السحرة والكهان تدل على نقيض النبوة وأن صاحبها ليس ببر ولا ~~عدل ولا ولي لله فضلا عن أن يكون نبيا بل يمتنع أن يكون الساحر والكاهن ~~نبيا بل هو من أعداء الله والانبياء أفضل خلق الله وايمان المؤمنين وصلاحهم ~~لا يناقض النبوة ولا يستلزمها فهؤلاء سووا بين الاجناس الثلاثة فكانوا ~~بمنزلة من سوى بين عبادة الرحمن وعبادة الشيطان والاوثان فإن الكهان ~~والسحرة يأمرون بالشرك وعبادة الاوثان وما فيه طاعة للشيطان والانبياء لا ~~يأمرون الا بعبادة الله وحده وينهون عن عبادة ما سوى الله وطاعة الشياطين ~~فسوى هؤلاء بين هذا وهذا ولم يبق الفرق الا مجرد تلفظ المدعي بأني نبي فإن ~~تلفظ به ms167 كان نبيا وإن لم يتلفظ به لم يكن نبيا فالكذاب المتنبي اذا أتى بما ~~يأتي الساحر والكاهن وقال أنا نبي كان نبيا وقولهم إنه اذا فعل ذلك منع منه ~~وعورض دعوى مجردة فهي لا تقبل لو لم يعلم بطلانها فكيف وقد علم بطلانها وإن ~~كثيرا ادعوا ذلك ولم يعارضهم ممن ادعوه أحد ولا منعوا من ذلك فلزم على قول ~~هؤلاء التسوية بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب وقد قال تعالى @QB@ فمن ~~أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين ~~والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون @QE@ PageV01P153 ولم يفرق ~~هؤلاء بين هؤلاء وهؤلاء ولا بين آيات هؤلاء وآيات هؤلاء وقال تعالى @QB@ ~~وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس وتخفون كثيرا ~~وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وهذا ~~كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين ~~يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل ~~الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا ~~أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ~~آياته تستكبرون ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم ~~وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع ~~بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون @QE@ نسأل الله العظيم أن يهدينا إلى الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~الذين عبدوه وحده لا شريك له وآمنوا بما أرسل به رسله وبما جاءوا به من ~~الآيات وفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد وطريق أولياء ~~الله المتقين وأعداء الله الضالين والمغضوب عليهم فكان ms168 ممن صدق الرسل فيما ~~اخبروا به وأطاعهم فيما أمروا به ولا حول ولا قوة إلا بالله # وهؤلاء يجوزون أن يامر الله بكل شيء وأن ينهى عن كل شيء فلا يبقى عندهم ~~فرق بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب لا من جهة نفسه فإنهم لا يشترطون فيه ~~الا مجرد كونه في الباطن مقرا بالصانع وهذا موجود في عامة الخلق ولا من جهة ~~آياته ولا من جهة ما يأمر به والفلاسفة من هذا الوجه أجود قولا في الانبياء ~~فإنهم يشترطون في النبي اختصاصه بالعلم من غير تعلم وبالقدرة على التأثير ~~الغريب والتخييل ويفرقون بين الساحر والنبي بأن النبي يقصد العدل ويأمر به ~~بخلاف الساحر ولهذا عدل الغزالي في النبوة عن طريق أولئك المتكلمين إلى ~~طريق الفلاسفة PageV01P154 فاستدل بما يفعله النبي ويأمر به على نبوته وهي ~~طريق صحيحة لكن انما أثبت بها نبوة مثل نبوة الفلاسفة وأولئك خير من ~~الفلاسفة من جهة أنهم لما أقروا بنبوة محمد صدقوه فيما أخبر به من أمور ~~الانبياء وغيرهم وكان عندهم معصوما من الكذب فيما يبلغه عن الله فانتفعوا ~~بالشرع والسمعيات وبها صار فيهم من الاسلام ما تميزوا به على أولئك فإن ~~أولئك لا ينتفعون بأخبار الانبياء اذ كانوا عندهم يخاطبون الجمهور بالتخييل ~~فهم يكذبون عندهم للمصلحة ولكن آخرون سلكوا مسلك التأويل وقالوا انهم لا ~~يكذبون ولكن أسرفوا فيه ففي الجملة ظهور الفلاسفة والملاحدة والباطنية على ~~هؤلاء تارة ومقاومتهم لهم تارة لا بد له من أسباب في حكمة الرب وعدله ومن ~~أعظم اسبابه تفريط أولئك وجهلهم بما جاء به الانبياء فالنبوة التي ينتسبون ~~إلى نصرها لم يعرفوها ولم يعرفوا دليلها ولا قدروها قدرها وهذا يظهر من ~~جهات متعددة ولا حول ولا قوة إلا بالله # ( فصل ) قد ذكرنا في غير موضع أن أصول الدين الذي بعث الله به رسوله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قد بينها الله في القرآن أحسن بيان وبين دلائل ~~الربوبية والوحدانية ودلائل أسماء الرب وصفاته وبين دلائل نبوة أنبيائه ~~وبين المعاد بين إمكانه وقدرته عليه ms169 في غير موضع وبين وقوعة بالادلة ~~السمعية والعقلية فكان في بيان الله أصول الدين الحق وهو دين الله وهي أصول ~~ثابتة صحيحة معلومة فتضمن بيان العلم النافع والعمل الصالح الهدى ودين الحق ~~وأهل البدع الذين ابتدعوا أصول دين يخالف ذلك ليس فيما ابتدعوه لا هدى ولا ~~دين حق فابتدعوا ما زعموا أنه أدلة وبراهين على إثبات الصانع وصدق الرسول ~~وإمكان المعاد أو وقوعه وفيما ابتدعوه ما خالفوا به الشرع وكل ما خالفوه من ~~الشرع فقد خالفوا فيه العقل أيضا فإن الذي بعث الله به محمدا وغيره من ~~الانبياء هو حق وصدق وتدل عليه الادلة العقلية فهو ثابت بالسمع والعقل ~~والذين خالفوا الرسل ليس معهم لا سمع ولا عقل كما أخبر الله تعالى عنهم ~~بقوله @QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد ~~جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير ~~وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا ~~لأصحاب السعير @QE@ PageV01P155 وقال تعالى لمكذبي الرسل @QB@ أفلم يسيروا ~~في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ ذكر ذلك بعد قوله @QB@ وإن ~~يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب ~~مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير فكأين من قرية ~~أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد @QE@ ثم قال ~~@QB@ أفلم يسيروا في الأرض @QE@ الآية ثم قال @QB@ وكأين من قرية أمليت لها ~~وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير @QE@ فذكر إهلاك من أهلك وأملاءه لمن أملى ~~لئلا يغتر المغتر فيقول نحن لم يهلكنا وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن ما جاء به الرسول يدل عليه السمع والعقل وهو حق في نفسه ~~كالحكم الذي يحكم به فإنه يحكم بالعدل وهو الشرع فالعدل هو الشرع والشرع هو ~~العدل ولهذا يأمر نبيه ms170 أن يحكم بالقسط وأن يحكم بما أنزل الله والذي أنزل ~~الله هو القسط والقسط هو الذي أنزل الله وكذلك الحق والصدق هو ما أخبرت به ~~الرسل وما أخبرت به فهو الحق والصدق والسلف والأئمة ذموا أهل الكلام ~~المبتدعين الذين خالفوا الكتاب والسنة ومن خالف الكتاب والسنة لم يكن كلامه ~~الا باطلا فالكلام الذي ذمه السلف يذم لانه باطل ولأنه يخالف الشرع ولكن ~~لفظ الكلام لما كان مجملا لم يعرف كثير من الناس الفرق بين الكلام الذي ~~ذموه وغيره فمن الناس من يظن أنهم إنما أنكروا كلام القدرية فقط كما ذكره ~~البيهقي وابن عساكر في تفسير كلام الشافعي ونحوه ليخرجوا أصحابهم عن الذم ~~وليس كذلك بل الشافعي أنكر كلام الجهمية كلام حفص الفرد وأمثاله وهؤلاء ~~كانت منازعتهم في الصفات والقرآن والرؤية لا في القدر وكذلك أحمد بن حنبل ~~خصومه من أهل الكلام هم الجهمية الذين ناظروه في القرآن مثل أبي عيسى محمد ~~بن عيسى برغوث صاحب حسين النجار وأمثاله ولم يكونوا قدرية ولا كان النزاع ~~في مسائل القدر ولهذا يصرح أحمد وأمثاله من السلف بذم الجهمية بل يكفرونهم ~~أعظم من سائر الطوائف وقال عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما ~~أصول أهل PageV01P156 الاهواء أربع الشيعة والخوارج والمرجئة والقدرية فقيل ~~لهم الجهمية فقالوا الجهمية ليسوا من أمة محمد ولهذا ذكر أبو عبد الله بن ~~حامد عن اصحاب أحمد في الجهمية هل هم من الثنتين والسبعين فرقة وجهين ~~أحدهما أنهم ليسوا منهم لخروجهم عن الاسلام وطائفة تظن أن الكلام الذي ذمه ~~السلف هو مطلق النظر والاحتجاج والمناظرة ويزعم من يزعم من هؤلاء أن قوله ~~@QB@ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن @QE@ منسوخ بآية السيف ~~وهؤلاء أيضا غالطون فان الله تعالى قد أخبر عن قوم نوح وابراهيم بمجادلتهم ~~للكفار حتى @QB@ قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا @QE@ وقال عن قوم ~~إبراهيم @QB@ وحاجه قومه @QE@ إلى قوله @QB@ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ~~على قومه @QE@ وذكر محاجة إبراهيم للكافر والقرآن فيه من مناظرة الكفار ~~والاحتجاج عليهم ms171 ما فيه شفاء وكفاية وقوله تعالى @QB@ ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم @QE@ وقوله @QB@ وجادلهم ~~بالتي هي أحسن @QE@ ليس في القرآن ما ينسخهما ولكن بعض الناس يظن أن من ~~المجادلة ترك الجهاد بالسيف وكل ما كان متضمنا لترك الجهاد المأمور به فهو ~~منسوخ بآيات السيف والجهاد والمجادلة قد تكون مع أهل الذمة والهدنة والأمان ~~ومن لا يجوز قتاله بالسيف وقد تكون في ابتداء الدعوة كما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يجاهد الكفار بالقرآن وقد تكون لبيان الحق وشفاء القلوب من ~~الشبه مع من يطلب الاستهداء والبيان وبسط هذا له موضع آخر والمقصود هنا أن ~~المبتدعين الذين ابتدعوا كلاما وأصولا تخالف الكتاب وهي أيضا مخالفة ~~للميزان وهو العدل فهي مخالفة للسمع والعقل كما ابتدعوا في اثبات الصانع ~~إثباته بحدوث الاجسام وأثبتوا حدوث الاجسام بأنها مستلزمة للاعراض لا تنفك ~~عنها قالوا وما لايخلوا عن الحوادث فهو حادث لامتناع لا أول لها فهؤلاء إذا ~~حقق عليهم ما قالوه لم يوجدوا قد أثبتوا العلم بالصانع ولا أثبتوا النبوة ~~ولا أثبتوا المعاد وهذه هي أصول الدين والايمان بل كلامهم في الخلق والبعث ~~المبدأ والمعاد وفي اثبات الصانع ليس فيه تحقيق العلم لا عقلا ولا نقلا وهم ~~معترفون بذلك كما قال الرازي لقد تأملت الطرق الكلامية PageV01P157 ~~والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق ~~طريقة القرآن أقرأ في النفي @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ و @QB@ ولا يحيطون به ~~علما @QE@ وأقرأ في الاثبات @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ @QB@ إليه ~~يصعد الكلم الطيب @QE@ @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ ثم قال ومن جرب مثل ~~تجربتي عرف مثل معرفتي وكذلك الغزالي وابن عقيل وغيرهما يقولون ما يشبه هذا ~~وهو كما قالوا فان الرازي قد جمع ما جمعه من طرق المتكلمين والفلاسفة ومع ~~هذا فليس في كتبه اثبات الصانع كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين جميع ~~ما ذكره في اثبات الصانع وأنه ليس فيه ذلك وليس فيه أيضا اثبات النبوة فان ~~النبوة ms172 مبناها على أن الله قادر وأنه يحدث الآيات لتصدق بها الرسل وليس في ~~كتبه اثبات ان الله قادر ولا مريد بل كلامه فيه تقرير حجج من نفي قدرته ~~وارادته دون الجانب الآخر كما قد بينا ذلك في الكلام على ما ذكره في مسألة ~~القدرة والارادة مع أنه ولله الحمد الادلة الدالة على اثبات الصانع واثبات ~~قدرته ومشيئته تفوق الاحصاء لكن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور # وسبب ذلك إعراضهم عن الفطرة العقلية والشرعة النبوية بما ابتدعه ~~المبتدعون مما أفسدوا به الفطرة والشرعة فصاروا يسفسطون في العقليات ~~ويقرمطون في السمعيات كما قد بين هذا في مواضع وأيضا فإذا عرف أن الله قادر ~~كما قد عرفه غيره فليس عنده في النبوة الا طريق أصحابه الأشعرية الذين ~~سلكوا مسلك الجهمية في أفعال الله تعالى أو طريق الفلاسفة ولهذا يقول من ~~يقول من علماء الزيدية وهم يميلون إلى الاعتزال مع تشيع الزيدية يقولون نحن ~~لا نتكلم في الشافعي فإنه إمام لكن هؤلاء صاروا جهمية يعني القدر فلاسفة ~~والشافعي لم يكن جهميا ولا فيلسوفا وهؤلاء لم يعرفوا آيات الانبياء والفرق ~~بينها وبين غيرها لكن ادعوا ان ما يأتي به الكهان والسحرة وغيرهم قد يكون ~~من آيات الانبياء لكن بشرط أن لا يقدر أحد من المرسل اليهم على معارضته ~~وهذه خاصة المعجز عندهم وهذا فاسد من وجوه كثيرة كما قد بسط في غير هذا ~~الموضع وأما كلامه في المعاد فأبعد PageV01P158 من هذا وهذا كما قد بين ~~ايضا وكذلك كلام من تقدمه من الجهمية وأتباعهم من الأشعرية وغيرهم ومن ~~المعتزلة فإنك لا تجد في كلامهم الذي ابتدعوه لا إثبات الربوبية ولا النبوة ~~ولا المعاد والأشعري نفسه وأتباعه ليس في كتبهم إثبات الربوبية ولا المعاد ~~وكذلك من سلك سبيلهم في أدلتهم من أتباع الفقهاء كالقاضي أبي يعلى وابن ~~عقيل وابن الزاغوني وغيرهم والمعتزلة كذلك أيضا وكذلك الكرامية وقد تأملت ~~كلام أئمة هؤلاء الطوائف كأبي الحسين البصري ونحوه من المعتزلة وكابن ~~الهيضم من الكرامية وكأبي ms173 الحسن نفسه والقاضي أبي بكر وأبي المعالي الجويني ~~وأبي اسحاق الأسفراييني وأبي بكر بن فورك وأبي القاسم القشيري وأبي الحسن ~~التميمي والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وابن الزاغوني غفر الله لهم ورحمهم ~~أجمعين وتأملت ما وجدته في الصفات من المقالات مثل كتاب الملل والنحل ~~للشهرستاني وكتاب مقالات الاسلاميين للأشعري وهو أجمع كتاب رأيته في هذا ~~الفن وقد ذكر فيه ما ذكر أنه مقالة أهل السنة والحديث وأنه يختارها وهي ~~أقرب ما ذكره من المقالات إلى السنة والحديث لكن فيه أمور لم يقلها أحد من ~~أهل السنة والحديث ونفس مقالة أهل السنة والحديث لم يكن يعرفها ولا هو خبير ~~بها فالكتب المصنفة في مقالات الطوائف التي صنفها هؤلاء ليس فيها ما جاء به ~~الرسول وما دل عليه القرآن لافي المقالات المجردة ولا في المقالات التي ~~يذكر فيها الأدلة فإن جميع هؤلاء دخلوا في الكلام المذموم الذي عابه السلف ~~وذموه ولكن بعضهم أقرب إلى السنة من بعض وقد يكون هذا أقرب في بعض وهذا ~~أقرب في مواضع وهذا لكون أصل اعتمادهم لم يكن على القرآن والحديث بخلاف ~~الفقهاء فإنهم في كثير مما يقولونه إنما يعتمدون على القرآن والحديث فلهذا ~~كانوا أكثر متابعة لكن ما تكلم فيه أولئك أجل ولهذا يعظمون من وجه ويذمون ~~من وجه فإن لهم حسنات وفضائل وسعيا مشكورا وخطأهم بعد الاجتهاد مغفور ~~والأشعري أعلم بمقالات المختلفين من الشهرستاني ولهذا ذكر عشر طوائف وذكر ~~مقالات لم يذكرها الشهرستاني وهو أعلم بمقالات أهل السنة وأقرب اليهم وأوسع ~~علما من PageV01P159 الشهرستاني والشهرستاني أعلم باختلاف المختلفين ~~ومقالاتهم من الغزالي ولهذا ذكر لهم في القرآن أربع مقالات وعدد طوائف من ~~أهل القبلة والغزالي حصر أهل العلم الآلهي في أربعة اصناف في الفلاسفة ~~والباطنية والمتكلمين والصوفية فلم يعرف مقالات أهل الحديث والسنة ولا ~~مقالات الفقهاء ولا مقالات أئمة الصوفية ولكن ذكر عنهم العمل وذكر عن بعضهم ~~اعتقادا يخالفهم فيه أئمتهم وأبو طالب أعلم منهما بأقوال الصوفية ومع هذا ~~فلم يعرف مقالة الأكابر كالفضيل بن عياض ms174 ونحوه وأبو الوليد بن رشد الحفيد ~~حصر أهل العلم الآلهي في ثلاثة في الحشوية والباطنية والأشعرية والباطنية ~~عنده يدخل فيهم باطنية الصوفية وباطنية الفلاسفة ومن هنا دخل ابن سبعين ~~وابن عربي فأخذوا مذاهب الفلاسفة وادخلوها في التصوف وأبو حامد يدخل في بعض ~~هذا فإن ابن سينا تكلم في مقالات العارفين بتصوف فاسد ثم ان هؤلاء مع هذا ~~لما لم يجدوا الصحابة والتابعين تكلموا بمثل كلامهم بل ولا نقل ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم صار منهم من يقول كانوا مشغولين بالجهاد عن هذا ~~الباب وأنهم هم حققوا ما لم يحققه الصحابة ويقولون أيضا ان الرسول لم ~~يعلمهم هذا لئلا يشتغلوا به عن الجهاد فانه كان محتاجا اليهم في الجهاد ~~وهكذا يقول من يقول من مبتدعة أهل الزهد والتصوف إذا دخلوا في عبادات منهي ~~عنها ومذمومة في الشرع قالوا كان الصحابة مشغولين عنها بالجهاد وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يخاف أن يشتغلوا بها عن الجهاد واهل السيف قد يظن من ~~يظن منهم أن لهم من الجهاد وقتال الاعداء مالم يكن مثله للصحابة وأن ~~الصحابة كانوا مشغولين بالعلم والعبادة عن مثل جهادهم ومن أهل الكلام من ~~يقول بل الصحابة كانوا على عقائدهم وأصولهم لكن لم يتكلموا بذلك لعدم ~~حاجتهم اليه فهؤلاء جمعوا بين أمرين بين أن ابتدعوا أقوالا باطلة ظنوا أنها ~~هي أصول الدين لا يكون علاما بالدين الا من وافقهم عليها وأنهم علموا ~~وبينوا من الحق مالم يبينه الرسول والصحابة وإذا تدبر الخبير حقيقة ما هم ~~عليه تبين له أنه ليس عند القوم فيما ابتدعوه لا علم ولا دين لا شرع ولا ~~عقل وآخرون لما رأوا ابتداع هؤلاء وأن الصحابة والتابعين لم يكونوا يقولون ~~مثل قولهم ظنوا أنهم كانوا كالعامة الذين لا يعرفون الأدلة والحجج وأنهم ~~كانوا لا يفهمون ما في PageV01P160 القرآن مما تشابه على من تشابه عليه ~~وهموتو أنه اذا كان الوقف على قوله @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ كان ~~المراد أنه لا يفهم معناه الا الله لا ms175 الرسول ولا الصحابة فصاروا ينسبون ~~الصحابة بل والرسول إلى عدم العلم بالسمع والعقل وجعلوهم مثل أنفسهم لا ~~يسمعون ولا يعقلون وظنوا أن هذه طريقة السلف وهي الجهل البسيط التي لا يعقل ~~صاحبها ولا يسمع وهذا وصف أهل النار لا وصف افضل الخلق بعد الانبياء قال ~~ابن مسعود رضي الله عنه من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فان الحي لا ~~يؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الامة قلوبا وأعمقها علما ~~وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه واقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم ~~وتمسكوا بهديهم فانهم كانوا على الهدى المستقيم وقال أيضا ان الله نظر في ~~قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته ~~ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد بعد ~~قلبه فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند ~~الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح وقد ثبت في الصحيحين من ~~غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال خير القرون القرن الذي بعثت ~~فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وقد قال تعالى @QB@ والسابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان @QE@ فرضي عن ~~السابقين مطلقا ورضي عمن اتبعهم باحسان وذلك متناول لكل من اتبعهم إلى يوم ~~القيامة كما ذكر ذلك أهل العلم قال ابن أبي حاتم قرئ على يونس بن عبد ~~الاعلى أخبرنا ابن وهب حدثني عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم في قوله @QB@ ~~والذين اتبعوهم بإحسان @QE@ قال من بقي من أهل الاسلام إلى أن تقوم الساعة ~~وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن الهدى البيان والأدلة والبراهين في القرآن فإن الله ~~تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وأرسله بالآيات البينات وهي الأدلة ~~البينة الدالة على الحق وكذلك سائر الرسل ومن الممتنع أن يرسل الله رسولا ~~يأمر الناس بتصديقه ولا يكون هناك ما يعرفون به صدقه وكذلك من قال إني رسول ~~الله فمن الممتنع ms176 أن يجعل مجرد الخبر المحتمل للصدق والكذب دليلا له وحجة ~~على الناس PageV01P161 هذا لا يظن بأجهل الخلق فكيف بأفضل الناس وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من نبي من الانبياء الا ~~وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا ~~أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة قال تعالى @QB@ إن ~~الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ~~أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون @QE@ فالبينات جمع بينة وهي الادلة ~~والبراهين التي هي بينة في نفسها وبها يتبين غيرها يقال بين الامر أي تبين ~~في نفسه ويقال بين غيره فالبين اسم لما ظهر في نفسه ولما أظهر غيره وكذلك ~~المبين كقوله فاحشة مبينة أي متبينة فهذا شأن الادلة فان مقدماتها تكون ~~معلومة بنفسها كالمقدمات الحسية والبديهية وبها يتبين غيرها فيستدل على ~~الخفي بالجلي والهدى مصدر هداه هدى والهدى هو بيان ما ينتفع به الناس ~~ويحتاجون اليه وهو ضد الضلالة فالضال يضل عن مقصوده وطريق مقصوده وهو ~~سبحانه بين في كتبه ما يهدي الناس فعرفهم ما يقصدون وما يسلكون من الطرق ~~عرفهم أن الله هو المقصود المعبود وحده وأنه لا يجوز عبادة غيره وعرفهم ~~الطريق وهو ما يعبدونه به ففي الهدى بيان المعبود وما يعبد به والبينات ~~فيها بيان الأدلة والبراهين على ذلك فليس ما يخبر به ويأمر به من الهدى ~~قولا مجردا عن دليله ليؤخذ تقليدا واتباعا للظن بل هو مبين بالآيات البينات ~~وهي الأدلة اليقينية والبراهين القطعية وكان عند أهل الكتاب من البينات ~~الدالة على نبوة محمد وصحة ما جاء به أمور متعددة كبشارات كتبهم وغير ذلك ~~فكانوا يكتمونه قال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله @QE@ ~~فإنه كان عندهم شهادة من الله تشهد بما جاء به محمد وبمثله فكتموها وقال ~~تعالى @QB@ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان @QE@ فانزله هاديا للناس وبينات من الهدى ms177 والفرقان فهو يهدي الناس ~~إلى صراط مستقيم يهديهم إلى صراط العزيز الحميد الذي له ما في السماوات وما ~~في الأرض بما فيه من الخبر والأمر وهو بينات دلالات وبراهين من الهدى من ~~الأدلة الهادية المبينة للحق ومن الفرقان المفرق بين الحق والباطل والخير ~~والشر والصدق والكذب والمأمور والمحظور والحلال والحرام PageV01P162 وذلك ~~أن الدليل لا يتم الا بالجواب عن المعارض فالادلة تشتبه كثيرا بما يعارضها ~~فلا بد من الفرق بين الدليل الدال على الحق وبين ما عارضه ليتبين ان الذي ~~عارضه باطل فالدليل يحصل به الهدى وبيان الحق لكن لا بد مع ذلك من الفرقان ~~وهو الفرق بين ذلك الدليل وبين ما عارضه والفرق بين خبر الرب والخبر الذي ~~يخالفه فالفرقان يحصل به التمييز بين المشتبهات ومن لم يحصل له الفرقان كان ~~في اشتباه وحيرة والهدى التام لا يكون الا مع الفرقان فلهذا قال أو لا @QB@ ~~هدى للناس @QE@ ثم قال @QB@ وبينات من الهدى والفرقان @QE@ فالبينات الأدلة ~~على ما تقدم من الهدى وهي بينات من الهدى الذي هو دليل على أن الأول هدى ~~ومن الفرقان الذي يفرق بين البينات والشبهات والحجج الصحيحة والفاسدة ~~فالهدى مثل أن يؤمر بسلوك الطريق إلى الله كما يؤمر قاصد الحج بسلوك طريق ~~مكة مع دليل يوصله والبينات ما يدل ويبين أن ذلك هو الطريق وأن سالكه سالك ~~للطريق لا ضال والفرقان أن يفرق بين ذاك الطريق وغيره وبين الدليل الذي ~~يسلكه ويدل الناس عليه وبين غيرهم ممن يدعي الدلالة وهو جاهل مضل وهذا ~~وامثاله مما يبين أن في القرآن الادلة الدالة للناس على تحقيق ما فيه من ~~الأخبار والاوامر كثير وقد بسط هذا في غير هذا الموضع والمقصود هنا الكلام ~~على النبوة فإن المتكلمين المبتدعين تكلموا في النبوات بكلام كثير لبسوا ~~فيه الحق بالباطل كما فعلوا مثل ذلك في غير النبوات كالإلهيات وكالمعاد ~~وعند التحقيق لم يعرفوا النبوة ولم يثبتوا ما يدل عليها فليس عندهم لا هدى ~~ولا بينات والله سبحانه أنزل في كتبه البينات والهدى فمن ms178 تصور الشيء على ~~وجهه فقد اهتدى اليه ومن عرف دليل ثبوته فقد عرف البينات فالتصور الصحيح ~~اهتداء والدليل الذي يبين التصديق بذلك التصور بينات والله أنزل الكتاب هدى ~~للناس وبينات من الهدى والفرقان والقرآن اثبت الصفات على وجه التفصيل ونفي ~~عنها التمثيل وهي طريقة الرسل جاءوا باثبات مفصل ونفي مجمل وأعداؤهم جاءوا ~~بنفي مفصل وإثبات مجمل فلو لم يكن الحق فيما بينه الرسول للناس وأظهر لهم ~~بل كان الحق في نقيضه للزم أن يكون عدم الرسول خيرا من وجوده إذ كان وجوده ~~لم يفدهم عند هؤلاء علما ولا هدى بل ذكر أقوالا تدل على الباطل PageV01P163 ~~وطلب منهم أن يتعلموا الهدى بعقولهم ونظرهم ثم ينظروا فيما جاء به فأما أن ~~يتأولوه ويحرفوا الكلم عن مواضعه وإما أن يعوضوه فذكرنا هذا ونحوه مما يبين ~~أن الهدى مأخوذ عن الرسول وأنه قد بين للامة ما يجب اعتقاده من أصول الدين ~~في الصفات وغيرها فكان الجواب خطابا مع من يقر بنبوته ويشهد له بأنه رسول ~~الله فلم يذكر فيه دلائل النبوة وذكر أن الشبهات العقلية التي تعارض خبر ~~الرسول باطلة وذكر في ذلك ما هو موجود في هذا الجواب ثم بعد ذلك حدثت أمور ~~أوجبت أن يبسط الكلام في هذا الباب ويتكلم على حجج النفاة ويبين بطلانها ~~ويتكلم على ما أثبتوه من أنه يجب تقديم ما يزعمون أنه معقول على ما علم ~~بخبر الرسول وبسط في ذلك من الكلام والقواعد ما ليس هذا موضعه وتكلم مع ~~الفلاسفة والملاحدة الذين يقولون ان الرسل خاطبوا خطابا قصدوا به التخييل ~~إلى العامة ما ينفعهم لا أنهم قصدوا الاخبار بالحقائق وهؤلاء لم يكن وقت ~~الجواب قصد مخاطبتهم اذ كان هؤلاء في الحقيقة مكذبين المرسل يقولون أنهم ~~كذبوا لما رأوه مصلحة بل كان الخطاب مع من يقر بأن الرسول لا يقول الا الحق ~~باطنا وظاهرا ثم بعد هذا طلب الكلام على تقرير أصول الدين بأدلتها العقلية ~~وان كانت مستفادة من تعليم الرسول وذكر فيها ما ذكر من دلائل النبوة ms179 في ~~مصنف يتضمن شرح عقيدة صنفها شيخ المنظار بمصر شمس الدين الاصبهاني فطلب مني ~~شرحها فشرحتها وذكرت فيها من الدلائل العقلية ما يعلم به أصول الدين وبعدها ~~جاء كتاب من النصارى يتضمن الاحتجاج لدينهم بالعقل والسمع واحتجوا بما ~~ذكروه من القرآن فأوجب ذلك أن يرد عليهم ويبين فساد ما احتجوا به من الأدلة ~~السمعية من القرآن ومن كلام الانبياء المتقدمين وما احتجوا به من العقل ~~وأنهم مخالفون للأنبياء وللعقل خالفوا المسيح ومن قبله وحرفوا كلامهم كما ~~خالفوا العقل وبين ما يحتجون به من نصوص الانبياء وانها هي وغيرها من نصوص ~~الانبياء التي عندهم حجة عليهم لا لهم وبين الجواب الصحيح لمن حرف دين ~~المسيح وهم لم يطالبوا ببيان دلائل نبوة نبينا لكن اقتضت المصلحة أن يذكر ~~من هذا ما يناسبه ويبسط الكلام في ذلك بسطا أكثر من غيره وقلوب كثير من ~~الناس يجول فيها أمر النبوات وما جاءت به الرسل PageV01P164 وهم وإن أظهروا ~~تصديقهم والشهادة لهم ففي قلوبهم مرض ونفاق اذ كان ما جعلوه أصولا لدينهم ~~معارض لما جاءت به الانبياء وهم لم يتعلموا ما جاءت به الانبياء ولم يأخذوا ~~عنهم الدلائل والاصول والبينات والبراهين وإذا وجب أن يؤخذ عن الانبياء ما ~~أخبروا به من أصول الدين ومن تصديق خبرهم مع وجود ما يعارضه فلأن يؤخذ عنهم ~~ما بينوا به تلك العقائد من الآيات والبراهين أولى وأحرى فإنه بهذا يتبين ~~ذاك وإلا فتصديق الخبر متوقف على دليل صحته أو على صدق المخبر به وتصديقه ~~بدون أن يعلم أنه في نفسه حق أو أن المخبر به صادق قول بلا علم والرسول ~~صلوات الله عليه وسلامه قد أرسل بالبينات والهدى بين الأحكام الخبرية ~~والطلبية وأدلتها الدالة عليها بين المسائل والوسائل بين الدين ما يقال وما ~~يعمل وبين اصوله التي بها يعلم أنه دين حق وهذا المعنى قد ذكره الله تعالى ~~في غير موضع وبين أنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ذكر هذا في سورة التوبة والفتح والصف والهدى ms180 هو هدى الخلق إلى الحق ~~وتعريفهم ذلك وإرشادهم اليه وهذا لا يكون الا بذكر الادلة والآيات الدالة ~~على أن هذا هدى والا فمجرد خبر لم يعلم أنه حق ولم يقم دليل على أنه حق ليس ~~بهدي وهو سبحانه اذا ذكر الانبياء نبينا وغيره ذكر انه أرسلهم بالآيات ~~البينات وهي الادلة والبراهين البينة المعلومة علما يقينيا اذ كان كل دليل ~~لا بد أن ينتهي إلى مقدمات بينة بنفسها قد تسمى بديهيات وقد تسمى ضروريات ~~وقد تسمى أوليات وقد يقال هي معلومة بأنفسها فالرسل صلوات الله عليهم بعثوا ~~بالآيات البينات وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من نبي من ~~الانبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي ~~أوتيته وحيا أوحاه الله الي فأرجو أن أكون اكثرهم تابعا يوم القيامة وهو ~~سبحانه اذا خاطب جنس الانس ذكر جنس الانبياء وأثبت جنس ما جاءوا به واذا ~~خاطب أهل الكتاب المقرين بنبوة موسى خاطبهم باثبات نبي بعده كما قال في ~~سورة البقرة في خطابه لبني اسرائيل لما ذكر ما ذكره من أحوالهم مع موسى ~~وذكرهم بإنعامه عليهم وبما فعلوه من السيئات ومغفرته لها قال تعالى @QB@ ~~ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون @QE@ PageV01P165 ثم ذكر محمدا فقال @QB@ ولما ~~جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين بئسما اشتروا ~~به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء ~~من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين @QE@ فذكر سبحانه أنه ~~أرسل المسيح اليهم بالبينات بعد ما أرسل قبله الرسل وأنهم تارة يكذبون ~~الرسل وتارة يقتلونهم وذكر أنه أرسل عيسى بالبينات لأنه جاء بنسخ بعض شرع ~~التوراة بخلاف من قبله ولهذا لم يذكر ms181 ذلك عنهم وقال في موسى إنه أتاه ~~الكتاب لأنهم كانوا مقرين بنبوته ولكن حرفوا كتابه في المعنى باتفاق الناس ~~وحرفوا اللفظ أحيانا وفي بعض المواضع وهو تعالى قد ذكر في غير موضع أنه ~~أرسل موسى بالآيات البينات فقال لما ناجاه @QB@ وألق عصاك فلما رآها تهتز ~~كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون إلا ~~من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء ~~من غير سوء @QE@ في تسع آيات إلى فرعون وقومه انهم كانوا فاسقين وقال في ~~سورة القصص @QB@ يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين اسلك يدك في جيبك ~~تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى ~~فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين @QE@ وقال تعالى @QB@ فأرسلنا عليهم ~~الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما ~~مجرمين @QE@ وقد قال تعالى لما قص قصص الرسل نوح وهود وصالح وشعيب ونصره ~~لهم وإهلاك أعدائهم ثم ذكر الانبياء عموما فقال @QB@ وما أرسلنا في قرية من ~~نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون @QE@ إلى قوله @QB@ ~~أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع ~~على قلوبهم فهم لا يسمعون تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب ~~الكافرين وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين @QE@ ~~PageV01P166 فقد أخبر أن أهل القرى كلهم الذين أهلكهم جاءتهم رسلهم ~~بالبينات ولكن شابه متأخروهم متقدميهم فما كان هؤلاء ليؤمنوا بما كذب به ~~أشباههم كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين وهذا كقوله تعالى @QB@ كذلك ما ~~أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون @QE@ قال تعالى @QB@ ~~ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان ~~عاقبة المفسدين @QE@ فبين سبحانه أنه بعث موسى بآياته وقال في أثناء القصة ms182 ~~@QB@ إني رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد ~~جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل @QE@ فأخبر أنه جاء ببينة من ~~الله أي بآية بينة من الله بدليل من الله وبرهان فهي آية منه وعلامة منه ~~على صدقي واني رسول منه فإن قوله من ربكم متعلق بالرسول وبالآية يقال فلان ~~قد جاء بعلامة من فلان فالعلامة منه والرسول منه والآية منه كما قال @QB@ ~~فذانك برهانان من ربك @QE@ فدل على أن كل واحد من الرسول ومن آيات الرسول ~~هو من الله تعالى قال له فرعون @QB@ إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من ~~الصادقين @QE@ وذكر القصة ومعارضة السحرة له إلى أن قال @QB@ وأوحينا إلى ~~موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ~~فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين ~~رب موسى وهارون قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في ~~المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم ~~لأصلبنكم أجمعين قالوا إنا إلى ربنا منقلبون وما تنقم منا إلا أن آمنا ~~بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين @QE@ فذكر ~~السحرة أنهم آمنوا بآيات ربهم لما جاءتهم وهم من أعلم الناس بالسحر لما ~~علموا أن هذه الآيات آيات من الله كما قال موسى @QB@ قد جئتكم ببينة من ~~ربكم @QE@ إلى قوله @QB@ فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين @QE@ إلى قوله @QB@ ~~فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين @QE@ وليس ~~المراد بالآيات هنا كتابا منزلا فان موسى لما ذهب إلى فرعون PageV01P167 لم ~~تكن التوراة قد نزلت وإنما أنزلت التوراة بعد أن غرق فرعون وخلص ببني ~~اسرائيل فاحتاجوا إلى شريعة يعملون بها قال تعالى @QB@ ولقد آتينا موسى ~~الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى @QE@ ولكن تكذيبهم ~~بآياته إنكارهم أن تكون آية من الله وقولهم ms183 إنها سحر كما أخبر الله تعالى ~~عنهم بقوله @QB@ وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك ~~بمؤمنين @QE@ وكانوا عنها غافلين لم يذكروها ويتأملوا ما دلت عليه من صدق ~~موسى وانه مرسل من الله فالتكذيب ضد التصديق والغفلة عنها ضد النظر فيها ~~ولهذا قيل النظر تجريد العقل عن الغفلات وقيل هو تحديق العقل نحو المرئي ~~والأول هو النظر الطلبي وهو طلب ما يدله على الحق والثاني هو النظر ~~الاستدلالي وهو النظر في الدليل الذي يوصله إلى الحق وهذا الثاني هو الذي ~~يوجب العلم فذمهم على الغفلة عن آياته يتضمن النوعين النظر فيها والتأمل ~~لها والتذكر لها ضد الغفلة عنها وهي آيات معينة فإذا جرد العقل عن الغفلة ~~عنها وصدقه للنظر فيها حصل له العلم بها وقد يحصل العلم بها ولكن يمتنع عن ~~اتباعها لهواه كما قال الله عن قوم فرعون @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ فإن الحق إذا ظهر صار معلوما بالضرورة والآيات ~~والدلائل الظاهرة تدل على لوازمها بالضرورة لكن اتباع الهوى يصد عن التصديق ~~بها واتباع ما أوجبه العلم بها وهذه حال عامة المكذبين مثل مكذبي محمد ~~وموسى وغيرهما فإنهم علموا صدقهما علما يقينيا لما ظهر من آيات الصدق ~~ودلائله الكثيرة لكن اتباع الهوى صد قال تعالى @QB@ فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون @QE@ وقال تعالى عن قوم فرعون @QB@ وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ وقال موسى لفرعون @QB@ لقد علمت ما أنزل ~~هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر @QE@ ولهذا قال @QB@ وكانوا عنها ~~غافلين @QE@ فعلموا أنها حق وغفلوا عنها كما يغفل الانسان عما يعلمه ومنه ~~الغفلة عن ذكر الله تعالى قال تعالى @QB@ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا @QE@ وقال تعالى @QB@ واذكر ربك في نفسك تضرعا ~~وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين @QE@ ~~PageV01P168 وقال تعالى @QB@ إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة ~~الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما ~~كانوا يكسبون @QE@ فذكر ms184 الذين هم عن آياته غافلون هنا كما ذكرهم هناك وهناك ~~وصفهم بالتكذيب بها مع الغفلة عنها وضد الغفلة التذكر والتذكر لآياته ~~سبحانه يوجب العلم بها وحضورها في القلب وهو موجب لاتباعها الا أن يمنعه ~~هوى قال تعالى @QB@ إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو ~~علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون @QE@ فهو سبحانه ~~لو علم فيهم خيرا وهو قصد الحق لأفهمهم لكنهم لا خير فيهم فلو أفهمهم ~~لتولوا وهم معرضون وقال تعالى @QB@ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون ~~وملئه فقال إني رسول رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون ~~وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون @QE@ ~~وقد ذكر الآيات التي هي دلائل النبوة منه في غير موضع غير ما تقدم كقوله ~~تعالى @QB@ فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم ~~قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى إنا قد أوحي إلينا أن ~~العذاب على من كذب وتولى قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ~~ربي ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ~~ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات ~~لأولي النهى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ولقد أريناه ~~آياتنا كلها فكذب وأبى قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك ~~بسحر مثله @QE@ إلى قوله عن السحرة @QB@ لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتهم بينة ما ~~في الصحف الأولى @QE@ فالآيات التي هي دلائل النبوة وبراهينها هي آيات من ~~الله وعلامات منه أنه أرسل الرسول وكما أن الآيات التي هي ms185 كلامه تتضمن ~~إخباره لعباده وأمره ففيها PageV01P169 الإعلام والالزام فكذلك دلائل ~~النبوة هي آيات منه تتضمن إخباره لعباده بأن هذا رسوله وأمره لهم بطاعته ~~ففيها الإعلام والإلزام وكما أن آياته القولية زعم المكذبون أنها ليست ~~كلامه ولا منه بل هي من قول البشر وزعموا أن الرسول افتراها أو من معه أو ~~تعلمها من غيره فكذلك الآيات الفعلية زعم المكذبون أنها ليست آية منه ~~وعلامة ودلالة منه على أن الرسول ورسوله بل مما يفعله الرسول فيكذب وهذه من ~~فعل المخلوقين لكنها عجيبة فهي سحر سحر بها الناس فلم يكن من المكذبين من ~~قال انها من الله ولكن لم يخلقها لنصدقك بها بل خلقها لا لشيء أو خلقها وان ~~كنت كاذبا فإنه قد يخلق مثل هذه على أيدي الكذابين ليضل بها الناس فإن هذا ~~وان كان يقال انه قبيح فانه لا يقبح منه شيء كما أنه لم يكن في المكذبين من ~~قال ان الكلام كلام الله لكنه كذب اذ الكذب وإن كان قبيحا من المخلوق ~~فالخالق لا يقبح منه شيء وهذا لأنه من المعلوم بالفطرة الضرورية لجميع بني ~~آدم ان الله لا يكذب ولا يفعل القبائح فلا يؤيد الكذاب بآيته ليضل بها ~~الناس لكن قالوا ليست آية من الله بل هي سحر من عندك وهم وإن كانوا قد ~~يعلمون أن الله خالق كل شيء ففرق بين ما يفعله البشر ويتوصلون إليه ~~بالاكتساب وبين مالا قدرة لهم على التوصل إليه بسبب من الأسباب وفرق بين ما ~~قد علموا أنه يخلقه لغير تصديق الرسل كالسحر فإنه لم يزل معروفا في بني آدم ~~فقد علموا انه لا يخلقه آية وعلامة لنبي اذ كان موجودا لغير الانبياء ~~معتادا منهم وإن كان عجيبا خارجا عن العادة عند من لم يعرفه بل كان ~~المكذبون يطالبون الرسل بالآيات كقول فرعون @QB@ فأت بآية إن كنت من ~~الصادقين @QE@ وقول قوم صالح له @QB@ إنما أنت من المسحرين ما أنت إلا بشر ~~مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين @QE@ وكانت الانبياء تأتي بالآيات وهي ms186 ~~آيات بينات فيكذبون بها كما يكذب المعاند بالحق الظاهر المعلوم كما قال ~~فرعون إنه ساحر ولما غلب السحرة وآمنوا واعترفوا بأن هذه آية من الله قال ~~لهم فرعون @QB@ إنه لكبيركم الذي علمكم السحر @QE@ @QB@ إن هذا لمكر ~~مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها @QE@ وهذا كذب ظاهر فإن موسى جاء من ~~السام ولم يجتمع بالسحرة إنما فرعون جمعهم ولم يكن دين موسى دين السحرة ولا ~~مقصودة مقصودهم بل هم وهو في غاية التعادي والتباين PageV01P170 وكذلك سائر ~~السحرة والكهنة مع الانبياء من أعظم الناس ذما لهم وأمرا بقتلهم مع تصديق ~~الانبياء بعضهم ببعض وايجاب بعضهم الايمان ببعض وهم يأمرون بقتل من يكذب ~~نبيا ويأمرون بقتل السحرة ومن آمن بهم والسحرة يذم بعضهم بعضا والانبياء ~~يصدق بعضهم بعضا وهؤلاء يأمرون بعبادة الله وحده والصدق والعدل ويتبرءون من ~~الشرك وأهله وهؤلاء يحبون أهل الشرك ويوالونهم ويبغضون أهل التوحيد والعدل ~~فهذان جنسان متعاديان كتعادي الملائكة والشياطين كما قال تعالى @QB@ وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون @QE@ فمن جعل النبي ساحرا ~~أو مجنونا هو بمنزلة من جعل الساحر أو المجنون نبيا وهذا من أعظم الفرية ~~والتسوية بين الاضداد المختلفة وهو شر من قول من يجعل العاقل مجنونا ~~والمجنون عاقلا أو يجعل الجاهل عالما والعالم جاهلا فإن الفرق بين النبي ~~وبين الساحر والمجنون أعظم من الفرق بين العاقل والمجنون والعالم والجاهل ~~وموسى صلوات الله عليه أمر بتصديق من يأتي بعده من الانبياء الصادقين كما ~~أمر بتكذيب الكذابين وأما السحرة فإنه أمر بقتلهم وفي التوراة سأقيم لبني ~~اسرائيل من إخوتهم نبيا مثلك اجعل كلامي على فمه كلكم يسمعون وهذا يقتضي ~~طاعة من يقوم بعده من الانبياء ثم من الناس من يعين هذا فاليهود يقولون هو ~~يوشع والنصارى يقولون هو المسيح وبعض المسلمين يقولون هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم يحتجون على ms187 ذلك بحجج كثيرة قد ذكرت في غير هذا الموضع ومنهم من ~~يقول بل هذا اسم جنس وهو عام في كل نبي يأتي بعده لئلا يكذبوه كما فعلت ~~اليهود وانكروا النسخ وهذا القول أقرب فيدخل في هذا المسيح ومحمد ومن ~~قبلهما من أنبياء بني اسرائيل فان المقصود أمرهم بتصديق الانبياء وطاعتهم ~~وأن الله سبحانه ينزل على الانبياء كلامه فالذي يقولونه هو كلام الله ما ~~سمعوا منه وبسط هذا له موضع آخر وقد بسط القول في أن الناس يعلمون بالضرورة ~~أن الآيات التي يأتي بها الانبياء آيات من الله وعلامة أعلم بها عباده أنه ~~أرسلهم وأمرهم بطاعتهم والذين كذبوا بها كانوا يقولون ليست من الله بل هي ~~سحر أو كهانة أو نحو ذلك PageV01P171 لا يقرون بأنها آية من الله ويقولون ~~مع ذلك قد يخلقها الله لغير التصديق أو يخلقها ليضل بها الخلق أو نحو ذلك ~~فإن بسط هذه الامور له موضع آخر والمقصود هنا أن الرسول بين للناس الادلة ~~والبراهين الدالة على أصول الدين كلها كما قد ذكر سبحانه هذا في مواضع ~~كقوله @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه ~~للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله @QE@ وقوله @QB@ شهر رمضان الذي أنزل ~~فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان @QE@ ومن ذلك قوله تعالى ~~@QB@ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين @QE@ ~~وقد وصف الرسول بذلك في مواضع فذكر هذا في البقرة في دعوة إبراهيم وفي قوله ~~تعالى @QB@ كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم ~~الكتاب والحكمة @QE@ وفي قوله @QB@ واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم ~~من الكتاب والحكمة يعظكم به @QE@ وهنا لم يذكر يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~لحكمة تختص بذلك وذكر هذا في آل عمران في قوله @QB@ لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة @QE@ وقد قال ms188 @QB@ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة @QE@ وهذا شبه الموضع الثالث في البقرة فأخبر في غير موضع عن ~~الرسول أنه يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة فالتلاوة ~~والتزكية عامة لجميع المؤمنين فتلاوة الآيات يحصل بها العلم فإن الآيات هي ~~العلامات والدلالات فاذا سمعوها دلتهم على المطلوب من تصديق الرسول فيما ~~أخبر والإقرار بوجوب طاعته وأما التزكية فهي تحصل بطاعته فيما يأمرهم به من ~~عبادة الله وحده وطاعته فالتزكية تكون بطاعة مرة كما أن تلاوة آياته يحصل ~~بها العلم وسميت آيات القرآن آيات وقيل انها آيات الله كقوله @QB@ تلك آيات ~~الله نتلوها عليك بالحق @QE@ لأنها علامات ودلالات على الله وعلى ما أراد ~~فهي تدل على ما أخبر به وعلى ما أمر به ونهى عنه وتدل أيضا على أن الرسول ~~صادق اذ PageV01P172 كانت مما لا يستطيع الانس والجن أن يأتوا بمثلها وقد ~~تحداهم بذلك كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع وأيضا فهي نفسها فيها من ~~بينات الادلة والبراهين ما يبين الحق فهي آيات من وجوه متعددة ثم قال @QB@ ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة @QE@ وهذا لمن يعلم ذلك منهم وقد يتعلم الشخص منهم ~~بعض الكتاب والحكمة فالكتاب هو الكلام المنزل الذي يكتب والحكمة هي السنة ~~وهي معرفة الدين والعمل به وقد قال تعالى @QB@ وما تغني الآيات والنذر عن ~~قوم لا يؤمنون @QE@ وقال تعالى @QB@ واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا @QE@ ~~ففرق بين الآيات الدالة على العلم التي يعلم بالعقل انها دلائل للرب وبين ~~النذر وهو الإخبار عن المخوف كاخبار الانبياء بما يستحقه العصاة من العذاب ~~فهذا يعلم بالخبر والنذر ولهذا قال @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~@QE@ وأما الآيات فتعلم دلالتها بالعقل والانبياء جاءوا بالآيات والنذر ~~وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ @QB@ بالبينات والزبر @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير @QE@ ~~ومثل هذا كثير يذكر أن جميع الانبياء جاءوا بالآيات التي تعلم دلالتها ~~بالعقل ms189 ولما كان كثير من الناس مقصرين فيما جاء به الرسول قد أخرجوا ما ~~تعلم دلالته بالعقل عن مسمى الشرع تنازع الناس في معرفة الله وتوحيده وأصول ~~الدين هل يجب ويحصل بالشرع أو يجب بالشرع ويحصل بالعقل أو يجب ويحصل بالعقل ~~على ثلاثة أقوال مشهورة لأصحاب الإمام أحمد وغيرهم من أتباع الأئمة الأربعة ~~فطائفة يقولون يجب بالشرع ويحصل به وهو قول السالمية وغيرهم مثل الشيخ أبي ~~الفرج المقدسي وهذا هو الذي حكاه عن أهل السنة من أصحاب أحمد وغيرهم وكذلك ~~من شابههم مثل ابن درباس وابن شكر وغيرهما من أصحاب الشافعي وهو المشهور عن ~~أهل الحديث والفقه الذين يذمون الكلام وهذا مما وقع فيه النزاع بين صدقة بن ~~الحسين الحنبلي المتكلم وبين طائفة من أصحاب أحمد وكذلك بين أبي الفرج بن ~~الجوزي وطائفة منهم أولئك يقولون الوجوب والحصول بالشرع وهؤلاء يقولون ~~الحصول بالعقل والوجوب بالشرع PageV01P173 وقد ذكر الآمدي ثلاثة اقوال في ~~طرق العلم قيل بالعقل فقط والسمع لا يحصل به كقول الرازي وقيل بالسمع فقط ~~وهو الكتاب والسنة وقيل بكل منهما ورجح هذا وهو الصحيح والقول الثاني أنها ~~لا تجب إلا بالشرع لكن يحصل بالعقل وهو قول الأشعري وأصحابه ومن وافقهم ~~كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن عقيل وغيرهم والقول الثالث أنها تحصل ~~بالعقل وتجب به وهو قول من يوجب بالعقل كالمعتزلة والكرامية وغيرهم من ~~أتباع الأئمة كأبي الحسن الآمدي وأبي الخطاب وغيرهم وهو قول طائفة من ~~المالكية والشافعية وعليه أكثر الحنفية ونقلوه عن أبي حنيفة نفسه وقد صرح ~~هؤلاء قبل المعتزلة وقبل أبي بكر الرازي وأبي الخطاب وغيرهم أن من لم يأته ~~رسول يستحق العقوبة في الآخرة لمخالفته موجب العقل وقد ذكرنا في غير هذا ~~الموضع أن أعدل الأقوال أن الأفعال مشتملة على أوصاف تقتضي حسنها ووجوبها ~~وتقتضي قبحها وتحريمها وأن ذلك قد يعلم بالعقل لكن الله لا يعذب أحدا إلا ~~بعد بلوغ الرسالة كما قال @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ ولم ~~يفرق سبحانه بين نوع ونوع وذكرنا أن ms190 هذه الآية يحتج بها الأشعري وأصحابه ~~ومن وافقهم كالقاضي أبي يعلى وأتباعه وهم يجوزون أن الله يعذب في الآخرة ~~بلا ذنب حتى قالوا يعذب أطفال الآخرة فاحتجوا بها على المعتزلة والآية حجة ~~على الطائفتين كما قد بسط في غير هذا الموضع # ( فصل ) وقد ذكر الله تعالى في القرآن الحجة على من أنكر قدرته وعلى من ~~أنكر حكمته فأول ما أنزل الله تعالى @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق ~~الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ~~@QE@ فذكر أنه الأكرم وهو أبلغ من الكريم وهو المحسن غاية الاحسان ومن كرمه ~~أنه علم بالقلم علم الانسان مالم يعلم فعلمه العلوم بقلبه والتعبير عنها ~~بلسانه وأن يكتب ذلك بالقلم فذكر التعليم بالقلم يتناول علم العبارة والنطق ~~وعبارة المعاني والعلوم فإذا كان قد علمه هذه العلوم فكيف يمتنع عليه أن ~~يعلمه ما يأمره به وما يخبره به وبيان ذلك أنه قال في أول السورة @QB@ اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق @QE@ ومعلوم أن من رأى العلقة قطعة ~~من دم فقيل له هذه العلقة يصير منها انسان بعلم كذا PageV01P174 وكذا لكان ~~يتعجب من هذا غاية التعجب وينكره أعظم الانكار ومعلوم أن نقل الانسان من ~~كونه علقة إلى أن يصير انسانا عالما قادرا كاتبا أعظم من جعل مثل هذا ~~الانسان يعلم ما أمر الله به وما أخبر به فمن قدر على أن ينقله من الصغر ~~إلى أن يجعله عالما قارئا كاتبا كان أن يقدر على جعله عالما بما أمر به ~~وبما أخبر به أولى وأحرى وهذا كما استدل على قدرته على اعادة الخلق بقدرته ~~على الابتداء وقد أخبر الله تعالى عن الكفار أنهم تعجبوا من التوحيد ومن ~~النبوة ومن المعاد فقال تعالى @QB@ والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة ~~وشقاق كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص وعجبوا أن جاءهم ~~منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء ms191 ~~عجاب @QE@ فذكر تعجبهم من التوحيد والنبوة وقال تعالى @QB@ أكان للناس عجبا ~~أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم @QE@ وهذا أيضا تعجب من أن أرسل اليهم رجل منهم وقوله @QB@ أكان للناس ~~عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس @QE@ دل على أنه منذر لجنس ~~الناس وأنه من جنس الناس لا يختص به العرب دون غيرهم وان كان أول ما أرسل ~~اليهم وبلسانهم وقال تعالى @QB@ ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر ~~منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد ~~أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون @QE@ وقال تعالى @QB@ بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون ~~وإذا رأوا آية يستسخرون @QE@ فالرسول كان يعجب من تكذيبهم لما جاءهم به من ~~آيات الانبياء وهم يعجبون مما جاء به لكونه خارجا عما اعتادوه من النظائر ~~فإنهم لم يعرفوا قبل مجيئه لا توحيدا ولا نبوة ولا معادا قال @QB@ قل هلم ~~شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع ~~أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون @QE@ ~~وأما حكمته في إرسال بشر فقد ذكر أنه من جنسهم وأنه بلسانهم فهو أتم في ~~الحكمة والرحمة وذكر أنهم لا يمكنهم PageV01P175 الأخذ عن الملك وأنه لو ~~نزل ملكا لكان يجعله في صورة بشر ليأخذوا عنه ولهذا لم يكن البشر يرون ~~الملائكة إلا في صورة الآدميين كما كان جبريل يأتي في صورة دحية الكلبي ~~وكما أتى مرة في صورة أعرابي ولما جاءوا إبراهيم وامرأته حاضرة كانوا في ~~صورة بشر وبشروها باسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قال تعالى @QB@ وما منع ~~الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو ~~كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا ms192 رسولا @QE@ ~~وأما قدرته على تعريف الخلق بأنه نبيه فكما تقدم فإنه إذا كان قادرا على أن ~~يهدي الانسان الذي كان علقة ومضغة إلى أنواع العلوم بأنواع من الطرق انعاما ~~عليه وفي ذلك من بيان قدرته وحكمته ورحمته ما فيه فكيف لا يقدر أن يعرفه ~~صدق من أرسله اليه وهذا أعظم النعم عليه والاحسان اليه والتعريف بهذا دون ~~تعريف الانسان ما عرفه به من أنواع العلوم فإنه إذا كان هداهم إلى ان يعلم ~~بعضهم صدق رسول من أرسله اليه بشر مثله بعلامات يأتي بها الرسول وان كان لم ~~تتقدم مواطأة وموافقة بين المرسل والمرسل اليهم فمن هدى عباده إلى أن ~~يرسلوا رسولا بعلامة ويعلم المرسل إليه أنها علامة تدل على صدقه قطعا فكيف ~~لا يقدر هو أن يرسل رسولا ويجعل معه علامات يعرف بها عباده أنه قد أرسله ~~وهذا كمن جعل غيره قديرا عليما حكيما فهو أولى أن يكون قديرا عليما حكيما ~~فمن جعل الناس يعلمون صدق رسول يرسله بعض خلقه بعلامات يعلم بها المرسل صدق ~~رسوله فمن هدى العباد إلى هذا فهو أقدر على أن يعلمهم صدق رسوله بعلامات ~~يعرفون بها صدقه وإن لم يكن قبل ذلك قد تقدم بينهم وبينه مواطأة # وللناس طرق في دلالة المعجزة على صدق الرسول طريق الحكمة وطريق القدرة ~~وطريق العلم والضرورة وطريق سنته وعادته التي بها يعرف أيضا ما يفعل وهو ~~جنس المواطأة وطريق العدل وطريق الرحمة وكلها طرق صحيحة وكلما كان الناس ~~إلى الشيء أحوج كان الرب به أجود وكذلك كلما كانوا إلى بعض العلم أحوج كان ~~به أجود فإنه سبحانه الأكرم @QB@ الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ~~@QE@ وهو الذي @QB@ خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ وهو @QB@ الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى @QE@ PageV01P176 فكيف لا يقدر أن يهدي عباده إلى أن ~~يعلمون أن هذا رسوله وأن ما جاء به من الآيات آية من الله وهي شهادة من ~~الله له بصدقه وكيف تقتضي حكمته أن يسوي بين الصادق والكاذب فيؤيد الكاذب ~~من ms193 آيات الصدق بمثل ما يؤيد به الصادق حتى لا يعرف هذا من هذا وأن يرسل ~~رسولا يأمر الخلق بالايمان به وطاعته ولا يجعل لهم طريقا إلى معرفة صدقه ~~وهذا كتكليفهم بما لا يقدرون عليه ومالا يقدرون على أن يعلموه وهذا ممتنع ~~في صفة الرب وهو منزه عنه سبحانه فإنه لا يكلف نفسا إلا وسعها وقد علم من ~~سنته وعادته أنه لا يؤيد الكذاب بمثل ما أيد به الصادق قط بل لا بد أن ~~يفضحه ولا ينصره بل لا بد أن يهلكه وإذا نصر ملكا ظالما مسلطا فهو لم يدع ~~النبوة ولا كذب عليه بل هو ظالم سلطه على ظالم كما قال تعالى @QB@ وكذلك ~~نولي بعض الظالمين بعضا @QE@ بخلاف من قال انه أرسله فهذا لا يؤيده تأييدا ~~مستمرا الا مع الصدق لكنه قد يمهله مدة ثم يهلكه كما فعل بمن كذب الرسل ~~أنهم @QB@ يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا @QE@ ولفظ ~~النبي كلفظ الرسول هو في الأصل إنما قيل مضافا إلى الله فيقال رسول الله ثم ~~عرف باللام فكانت اللام تعاقب الإضافة كقوله @QB@ كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا فعصى فرعون الرسول @QE@ وقوله @QB@ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم ~~كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا @QE@ وكذلك اسم ~~النبي يقال نبي الله كما قال @QB@ فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم ~~مؤمنين @QE@ وقيل لهم @QB@ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ~~@QE@ فتقولون يا محمد بل قولوا يا نبي الله يا رسول الله ورسول فعول بمعنى ~~مفعول أي مرسل فرسول الله الذي أرسله الله فكذلك نبي الله هو بمعنى مفعول ~~أي منبأ الله الذي نبأه الله وهذا أجود من أن يقال انه بمعنى فاعل أي منبئ ~~فانه إذا نبأه الله فهو نبي الله سواء أنبأ بذلك غيره أو لم ينبئه فالذي ~~صار به النبي نبيا أن ينبئه الله وهذا مما يبين ما امتاز به عن غيره فإنه ~~إذا كان الذي ينبئه الله كما أن الرسول هو الذي يرسله ms194 الله فما نبأ الله حق ~~وصدق ليس فيه كذب لا خطأ ولا عمدا وما يوحيه الشيطان هو من إيحائه ليس ~~PageV01P177 من إنباء الله فالذي اصطفاه الله لانبائه وجعله نبيا له كالذي ~~اصطفاه لرسالته وجعله رسولا له فكما أن رسول الله لا يكون رسولا لغيره فلا ~~يقبل أمر غير الله فكذلك نبي الله لا يكون نبيا لغر الله فلا يقبل أنباء ~~أحد إلا أنباء الله واذا أخبر بما أنبأ الله وجب الايمان به فإنه صادق ~~مصدوق ليس في شيء مما أنبأه الله به شيء من وحي الشيطان وهذا بخلاف غير ~~النبي فإنه وإن كان قد يلهم ويحدث ويوحى اليه أشياء من الله ويكون حقا فقد ~~يلقي اليه الشيطان أشياء ويشتبه هذا بهذا فإنه ليس نبيا لله كما أن الذي ~~يأمر بطاعة الله غير الرسول وإن كان أكثر ما يأمر به هو طاعة الله فقد يغلط ~~ويأمر بغير طاعة الله بخلاف الرسول المبلغ عن الله فإنه لا يأمر الا بطاعة ~~الله قال تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ وقال تعالى @QB@ وما ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله @QE@ فنبي الله هو الذي ينبئه الله لا ~~غيره ولهذا أوجب الله الايمان بما أوتيه النبيون فقال تعالى @QB@ قولوا ~~آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين @QE@ وليس كل ما أوحي اليه الوحي العام يكون نبيا فإنه قد يوحي ~~إلى غير الناس قال تعالى @QB@ وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون @QE@ وقال تعالى @QB@ وأوحى في كل سماء أمرها ~~@QE@ وقال تعالى عن يوسف وهو صغير @QB@ فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في ~~غيابة ms195 الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذ أوحيت ~~إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي @QE@ وقوله @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا @QE@ يتناول وحي الانبياء وغيرهم كالمحدثين الملهمين كما في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قد كان PageV01P178 في الامم ~~قبلكم محدثون فان يكن في أمتي أحد فعمر منهم وقال عبادة بن الصامت رؤيا ~~المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في منامه فهؤلاء المحدثون الملهمون ~~المخاطبون يوحى اليهم هذا الحديث الذي هو لهم خطاب وإلهام وليسوا بأنبياء ~~معصومين مصدقين في كل ما يقع لهم فإنه قد يوسوس لهم الشيطان بأشياء لا تكون ~~من ايحاء الرب بل من ايحاء الشيطان وإنما يحصل الفرقان بما جاءت به ~~الانبياء فهم الذين يفرقون بين وحي الرحمن ووحي الشيطان فإن الشياطين ~~أعداؤهم وهم يوحون بخلاف وحي الانبياء قال تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ~~ما فعلوه فذرهم وما يفترون @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون @QE@ وقد غلط في النبوة ~~طوائف غير الذين كذبوا بها إما ظاهرا وباطنا وإما باطنا كالمنافق المحض بل ~~الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وإلى من قبله وهم خلق كثير ~~فيهم شعبة نفاق وان لم يكونوا مكذبين للرسول من كل وجه بل قد يعظمونه ~~بقلوبهم ويعتقدون وجوب طاعته في أمور دون أمور وأبعد هؤلاء عن النبوة ~~المتفلسفة والباطنية والملاحدة فإن هؤلاء لم يعرفوا النبوة الا من جهة ~~القدر المشترك بين بني آدم وهو المنام وليس في كلام أرسطو وأتباعه كلام في ~~النبوة والفارابي جعلها من جنس المنامات فقط ولهذا يفضل هو وأمثاله ~~الفيلسوف على النبي وابن سينا عظمها أكثر من ذلك فجعل للنبي ثلاث خصائص ~~أحدها أن ينال العلم بلا تعلم ويسميها القوة القدسية وهي القوة الحدسية ~~عنده والثاني أن يتخيل في نفسه ms196 ما يعلمه فيرى في نفسه صورا نورانية ويسمع ~~في نفسه أصواتا كما يرى النائم في نومه صورا تكلمه ويسمع كلامهم وذلك موجود ~~في نفسه لا في الخارج فهكذا عند هؤلاء جميع ما يختص به النبي مما يراه ~~ويسمعه دون الحاضرين انما يراه في نفسه ويسمعه في نفسه وكذلك الممرور عندهم ~~والثالث أن يكون له قوة يتصرف بها في هيولي العالم باحداث أمور غريبة وهي ~~عندهم آيات الانبياء وعندهم ليس في العالم حادث الا عن قوة نفسانية أو ~~ملكية أو طبعية كالنفس الفلكية والانسانية والأشكال الفلكية والطبائع التي ~~للعناصر PageV01P179 الاربعة والمولدات لا يقرون بأن فوق الفلك نفسه شيء ~~يفعل ويحدث شيئا فلا يتكلم ولا يتحرك بوجه من الوجوه لا ملك ولا غير ملك ~~فضلا عن رب العالم والعقول التي يثبتونها عندهم ليس فيها تحول من حال إلى ~~حال البتة لا بارادة ولا قول ولا عمل ولا غير ذلك وكذلك المبدأ الاول ~~وهؤلاء عندهم جميع ما يحصل في نفوس الانبياء إنما هو من فيض العقل الفعال ~~ثم انهم لما سمعوا كلام الانبياء أرادوا الجمع بينه وبين أقوالهم فصاروا ~~يأخذون ألفاظ الانبياء فيضعونها على معانيهم ويسمون تلك المعاني الالفاظ ~~المنقولة عن الانبياء ثم يتكلمون ويصفون الكتب بتلك الالفاظ المأخوذة عن ~~الانبياء فيظن من لم يعرف مراد الانبياء ومرادهم أنهم عنوا بها ما عنته ~~الانبياء وضل بذلك طوائف وهذا موجود في كلام ابن سينا ومن أخذ عنه وقد ذكر ~~الغزالي ذلك عنهم تعريفا بمذهبهم وربما حذر عنه ووقع في كلامه طائفة من هذا ~~في الكتب المضنون بها على غير أهلها وفي غير ذلك حتى في كتابه الاحياء يقول ~~الملك والملكوت والجبروت ومقصوده الجسم والنفس والعقل الذي أثبتته الفلاسفة ~~ويذكر اللوح المحفوظ ومراده به النفس الفلكية إلى غير ذلك مما قد بسط في ~~غير هذا الموضع وهو في التهافت وغيره يكفرهم وفي المضنون به يذكر ما هو ~~حقيقة مذهبهم حتى يذكر في النبوات عين ما قالوه وكذلك في الإلهيات وهذه ~~الصفات الثلاث التي جعلوها خاصة ms197 الانبياء توجد لعموم الناس بل توجد لكثير ~~من الكفار من المشركين وأهل الكتاب فإنه قد يكون لاحدهم من العلم والعبادة ~~ما يتميز به على غيره من الكفار ويحصل له بذلك حدس وفراسة يكون أفضل من ~~غيره وأما التخييل في نفسه فهذا حاصل لجميع الناس الذين يرون في مناماتهم ~~ما يرون لكن هو يقول أن خاصة النبي أن يحصل له في اليقظة ما حصل لغيره في ~~المنام وهذا موجود لكثير من الناس قد يحصل له في اليقظة ما يحصل لغيره في ~~المنام ويكفيك أنهم جعلوا مثل هذا يحصل للممرور وللساحر ولكن قالوا الساحر ~~قصده فاسد والممرور ناقص العقل فجعلوا ما يحصل للانبياء من جنس ما يحصل ~~للمجانين والسحرة وهذا قول الكفار في الانبياء كما قال تعالى @QB@ كذلك ما ~~أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم ~~طاغون @QE@ PageV01P180 وهؤلاء عندهم ما يحصل للنبي من المكاشفة والخطاب هو ~~من جنس ما يحصل للساحر والمجنون لكن الفرق بينه وبين الساحر أنه يأمر ~~بالخير وذاك يأمر بالشر والمجنون ماله عقل وهذا القدر الذي فرقوا به موجود ~~في عامة الناس فلم يكن عندهم للانبياء مزية على السحرة والمجانين الا ما ~~يشاركهم فيه عموم المؤمنين وكذلك ما أثبتوه من القوة الفعالة المتصرفة هي ~~عندهم تحصل للساحر وغيره وذلك أنهم لا يعرفون الجن والشياطين وقد أخبروا ~~بأمور عجيبة في العالم فأحالوا ذلك على قوة نفس الانسان فما يأتي به ~~الانبياء من الآيات والسحرة والكهان وما يخبر به المصروع والممرور هو عندهم ~~كله من قوة نفس الانسان فالخبر بالغيب هو لاتصالها بالنفس الفلكية ويسمونها ~~اللوح المحفوظ والتصرف هو بالقوة النفسانية وهذا حذق ابن سينا وتصرفه لما ~~أخبر بأمور في العالم غريبة لم يمكنه التكذيب بها فاراد اخراجها على أصولهم ~~وصرح بذلك في إشارته وقال هذه الامور لم نثبتها ابتداء بل لما تحققنا أن في ~~العالم أمورا من هذا الجنس أردنا أن نبين أسبابها وأما أرسطو وأتباعه فلم ~~يعرفوا هذه الامور الغريبة ms198 ولم يتكلموا عليها ولا على آيات الانبياء ولكن ~~كان السحر موجودا فيهم وهؤلاء من أبعد الامم عن العلوم الكلية والالهية فان ~~حدوث هذه الغرائب من الجن واقترانهم بالسحرة والكهان مما قد عرفة عامة ~~الامم وذكروه في كتبهم غير العرب مثل الهند والترك وغيرهم من المشركين ~~وعباد الاصنام وأصحاب الطلاسم والعزائم وعرفوا أن كثيرا من هذه الخوارق هو ~~من الجن والشياطين وهؤلاء الجهال لم يعرفوا ذلك ولهذا كان من اصلهم أن ~~النبوة مكتسبة وكان السهروردي المقتول يطلب أن يكون نبيا وكذلك ابن سبعين ~~وغيره والنبوة الحق هي إنباء الله لعبده ونبي الله من كان الله هو الذي ~~ينبئه ووحيه من الله وهؤلاء وحيهم من الشياطين فهم من جنس المتنبئين ~~الكذابين كمسيلمة الكذاب وأمثاله بل أولئك أحذق منهم فإنهم كانت تأتيهم ~~أرواح فتكلمهم وتخبرهم بأمور غائبة وهي موجودة في الخارج لا في أنفسهم ~~وهؤلاء لا يعرفون مثل هذا ووجود الجن والشياطين في الخارج وسماع كلامهم ~~أكثر من أن يمكن سطر عشره هنا وكذلك صرعهم للانس وتكلمهم على PageV01P181 ~~ألسنتهم والفرق بين النبي والساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار والنبي ~~يأتيه ملك كريم من عند الله ينبئه عن الله والساحر والكاهن انما معه شيطان ~~يأمره ويخبره قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل ~~أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ فلا الخبر كالخبر ولا الامر ~~كالامر ولا مخبر هذا كمخبر هذا ولا آمر هذا كآمر هذا كما أنه ليس هذا مثل ~~هذا ولهذا قال تعالى لما ذكر الذي جاء بالقرآن إلى محمد وأنه ملك منفصل ليس ~~خيالا في نفسه كما يقوله هؤلاء قال تعالى @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة ~~عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين ~~وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر ~~للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ~~@QE@ فالقرآن قول رسول أرسله الله لم ms199 يرسله الشيطان وهو ملك كريم ذو قوة ~~عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين فهو مطاع عند ذي العرش في الملأ الأعلى ~~والشياطين لا يطاعون في السماوات بل ولا يصعدون اليها وابليس من حين أهبط ~~منها لم يصعد اليها ولهذا كان أصح القولين أن جنة آدم جنة التكليف لم تكن ~~في السماء فإن إبليس دخل إلى جنة التكليف جنة آدم بعد إهباطه من السماء ~~وقول الله له @QB@ فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين @QE@ ~~وقوله @QB@ قال اخرج منها مذؤوما مدحورا @QE@ لكن كانت في مكان عال في ~~الأرض من ناحية المشرق ثم لما أكل من الشجرة أهبط منها إلى الأرض كما قد ~~بسط هذا في غير هذا الموضع ولفظ الجنة في غير موضع من القرآن يراد به بستان ~~في الأرض كقوله @QB@ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة @QE@ وقوله @QB@ ~~واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب @QE@ إلى قوله @QB@ ~~كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا @QE@ إلى قوله @QB@ ودخل جنته ~~وهو ظالم لنفسه @QE@ وقوله تعالى @QB@ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء ~~مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة @QE@ الآية إلى قوله @QB@ ~~أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب @QE@ الآية وقوله تعالى @QB@ لقد ~~كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال @QE@ إلى قوله @QB@ وبدلناهم ~~بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل @QE@ PageV01P182 وقوله ~~@QB@ كم تركوا من جنات وعيون @QE@ الآية وقوله @QB@ أتتركون في ما ها هنا ~~آمنين في جنات وعيون @QE@ وجنة الجزاء والثواب التي في السماء لم يدخلها ~~الشيطان بعد أن أهبط من السماء وهو أهبط من السماء لما امتنع من السجود ~~لآدم قبل أن يدخل آدم إلى جنة التكليف التي وسوس له وأخرجه منها وجنة ~~الجزاء مخلوقة أيضا وقد أنكر بعض أهل البدع أن تكون مخلوقة وقال ان آدم لم ~~يدخلها لكونها لم تخلق بعد فأنكر ذلك من أنكره من علماء السنة وقد ذكر أبو ~~العالية وغيره من السلف أن الشجرة التي نهي ms200 عنها آدم كان لها غائط فلما أكل ~~احتاج إلى الغائط وجنة الجزاء ليس فيها هذا لكن الله أعلم بصحة هذا النقل ~~وإنما المقصود أن بعض السلف كان يقول إنها في السماء وبعضهم يقول إنها في ~~مكان عال من الأرض ولفظ الجنة في القرآن قد ذكر فيما شاء الله من المواضع ~~وأريد به جنة في الأرض وجنة الجزاء مخصوصة بمماتهم كقوله @QB@ قيل ادخل ~~الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين @QE@ فإن ~~أرواح المؤمنين تدخل الجنة من حين الموت كما في هذه الآية @QB@ قيل ادخل ~~الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين @QE@ قال ~~تعالى @QB@ وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين ~~إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون @QE@ وقال تعالى ~~لما ذكر أحوال الموتى عند الموت @QB@ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ~~وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن ~~كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم @QE@ وهذا غير ما ذكره ~~في أول السورة من انقسامهم يوم القيامة الكبرى إلى سابقين وأصحاب يمين ~~ومكذبين فانه سبحانه ذكر في أول السورة انقسامهم يوم القيامة الكبرى وذكر ~~في آخرها انقسامهم عند الموت وهو القيامة الصغرى كما قال المغيرة بن شعبة ~~من مات فقد قامت قيامته وكذلك قال علقمة وسعيد بن جبير عن ميت أما هذا فقد ~~قامت PageV01P183 قيامته أي صار إلى الجنة أو النار وإن كان بعد هذا تعاد ~~الروح إلى البدن ويقعد بقبره ومقصودهم أن الشخص لا يستبطئ الثواب والعقاب ~~فهو اذا مات يكون في الجنة أو في النار قال تعالى عن قوم نوح @QB@ مما ~~خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا @QE@ وقال عن آل فرعون @QB@ النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب @QE@ وبسط ~~هذا له ms201 موضع آخر والمقصود هنا الكلام على النبوة فهؤلاء المتفلسفة ما قدروا ~~النبوة حق قدرها وقد ضل بهم طوائف من المتصوفة المدعين للتحقيق وغيرهم وابن ~~عربي وابن سبعين ضلوا بهم فانهم اعتقدوا مذهبهم وتصوفوا عليه ولهذا يقول ~~ابن عربي ان الاولياء أفضل من الانبياء وسائر الاولياء يأخذون عن خاتم ~~الانبياء علم التوحيد وإنه هو يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي ~~يوحي به إلى الرسول فإن الملك عنده هو الخيال الذي في النفس وهو جبريل ~~عندهم وذلك الخيال تابع للعقل فالنبي عندهم يأخذ عن هذا الخيال ما يسمعه من ~~الصوت في نفسه ولهذا يقولون أن موسى كلم من سماء عقله والصوت الذي سمعه كان ~~في نفسه لا في الخارج ويدعي أحدهم أنه أفضل من موسى وكما ادعى ابن عربي أنه ~~أفضل من محمد فانه يأخذ عن العقل الذي يأخذ منه الخيال والخيال عنده هو ~~الملك الذي يأخذ منه النبي فلهذا قال فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه ~~الملك الذي يوحى به إلى النبي قال فإن عرفت هذا فقد حصل لك العلم النافع ~~وبسط الكلام على هؤلاء له مواضع أخر والمقصود هنا الكلام على النبوة فالنبي ~~هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف ~~أمر الله ليبلغه رسالة من الله اليه فهو رسول وأما اذا كان انما يعمل ~~بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول ~~قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته @QE@ وقوله @QB@ من رسول ولا نبي @QE@ فذكر ارسالا يعم ~~النوعين وقد خص أحدهما بأنه رسول فان هذا هو الرسول المطلق الذي أمره ~~بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح وقد ثبت في الصحيح أنه أول رسول بعث ~~إلى أهل الأرض وقد كان قبله أنبياء كشيت وإدريس PageV01P184 وقبلهما آدم ~~كان نبيا مكلما قال ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على ms202 الاسلام ~~فأولئك الانبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين ~~عندهم لكونهم مؤمنين بهم كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلغه ~~العلماء عن الرسول وكذلك أنبياء بني اسرائيل يأمرون بشريعة التوراة وقد ~~يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قصة معينة ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالم ~~الذي يفهمه الله في قضية معنى يطابق القرآن كما فهم الله سليمان حكم القضية ~~التي حكم فيها هو وداود فالانبياء ينبئهم الله فيخبرهم بأمره وبنهيه وخبره ~~وهم ينبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به من الخبر والامر والنهي فإن ~~أرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له ولا بد أن ~~يكذب الرسل قوم قال تعالى @QB@ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون @QE@ وقال @QB@ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبلك @QE@ فان الرسل ترسل إلى مخالفين فيكذبهم بعضهم وقال @QB@ وما أرسلنا ~~من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون ~~حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا ~~يرد بأسنا عن القوم المجرمين @QE@ وقال @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد @QE@ فقوله @QB@ وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول ولا نبي @QE@ دليل على أن النبي مرسل ولا يسمى رسولا عند الاطلاق لانه ~~لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حق ~~كالعلم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الانبياء وليس من ~~شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة فان يوسف كان رسولا وكان على ملة إبراهيم ~~وداود وسليمان كانا رسولين وكانا على شريعة التوراة قال تعالى عن مؤمن آل ~~فرعون @QB@ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به ~~حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا ms203 @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا ~~أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا ~~داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله ~~موسى تكليما @QE@ PageV01P185 والإرسال اسم عام يتناول إرسال الملائكة ~~وإرسال الرياح وإرسال الشياطين وإرسال النار قال تعالى @QB@ يرسل عليكما ~~شواظ من نار ونحاس @QE@ وقال تعالى @QB@ جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة ~~@QE@ فهنا جعل الملائكة كلهم رسلا والملك في اللغة هو حامل الألوكة وهي ~~الرسالة وقد قال في موضع آخر @QB@ الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ~~@QE@ فهؤلاء الذين يرسلهم بالوحي كما قال @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا @QE@ لكن الرسول المضاف إلى ~~الله اذا قيل رسول الله فهم من يأتي برسالة الله من الملائكة والبشر كما ~~قال @QB@ الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس @QE@ وقالت الملائكة @QB@ ~~يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك @QE@ وأما عموم الملائكة والرياح والجن ~~فإن إرسالها لتفعل فعلا لا لتبلغ رسالة قال تعالى @QB@ اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما ~~تعملون بصيرا @QE@ فرسل الله الذين يبلغون عن الله أمره ونهيه هم رسل الله ~~عند الاطلاق وأما من أرسله الله ليفعل فعلا بمشيئة الله وقدرته فهذا عام ~~يتناول كل الخلق كما أنهم كلهم يفعلون بمشيئته وإذنه المتضمن لمشيئته لكن ~~أهل الايمان يفعلون بأمره ما يحبه ويرضاه ويعبدونه وحده ويطيعون رسله ~~والشياطين يفعلون بأهوائهم وهم عاصون لامره متبعون لما يسخطه وان كانوا ~~يفعلون بمشيئته وقدرته وهذا كلفظ البعث يتناول البعث الشرعي كما قال @QB@ ~~هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم @QE@ ويتناول البعث العام الكوني كقوله ~~@QB@ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا ~~خلال الديار ms204 @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيامة من يسومهم سوء العذاب @QE@ فالعام بحكم مشيئته وقدرته والخاص هو ~~أيضا بحكم مشيئته وقدرته PageV01P186 وهو مع ذلك بحكم أمره ورضاه ومحبته ~~وصاحب الخاص من أولياء الله يكرمه ويثبته وأما من خالف أمره فإنه يستحق ~~العقوبة ولو كان فاعلا بحكم المشيئة فإن ذلك لا يغني عنه من الله شيئا ولا ~~يحتج بالمشيئة على المعاصي الا من تكون حجته داحضة ويكون متناقضا متبعا ~~لهواه ليس عنده علم بما هو عليه كالمشركين الذين قالوا @QB@ لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء @QE@ كما قد بسط في غير هذا الموضع ~~والله أعلم # ( فصل ) الدليل الذي هو الآية والبرهان يجب طرده كما تقدم فإنه لو كان ~~تارة يتحقق مع وجود المدلول عليه وتارة يتحقق مع عدمه فإذا تحقق لم يعلم هل ~~وجد المدلول أم لا فإنه كما يوجد مع وجوده يوجد مع عدمه ولهذا كان الدليل ~~إما مساويا للمدلول عليه وإما أخص منه لا يكون أعم من المدلول ولهذا لم يكن ~~للأمور المعتادة دلالة على ما هو أخص كطلوع الشمس والقمر والكواكب لا يدل ~~على صدق أحد ولا كذبه لا مدعي النبوة ولا غيره فإنها توجد مع كذب الكاذب ~~كما توجد مع صدق الصادق لكن يدل على ما هو أعم منها وهو وجود الرب وقدرته ~~ومشيئته وحكمته فان وجود ذاته وصفاته ثابت سواء كانت هذه المخلوقات موجودة ~~أو لم تكن فيلزم من وجود المخلوق وجود خالقه ولا يلزم من عدمه عدم خالقه ~~فلهذا كانت المخلوقات كلها آيات للرب فما من مخلوق إلا وهو آية له هو دليل ~~وبرهان وعلامة على ذاته وصفاته ووحدانيته وإذا عدم كان غيره من المخلوقات ~~يدل على ما دل عليه ويجتمع على المعلوم الواحد من الادلة ما لا يحصيه الا ~~الله وقد يكون الشيء مستلزما لدليل معين فإذا عدم عرف انتفاؤه وهذا مما ~~يكون لازما ملزوما فتكون الملازمة من الطرفين فيكون كل منهما دليلا وإذا ~~قدر انتفاؤه كان ms205 دليلا على انتفاء الآخر كالادلة على الاحكام الشرعية فما ~~من حكم إلا جعل الله عليه دليلا وإذا قدر انتفاء جميع الأدلة الشرعية على ~~حكم علم أنه ليس حكما شرعيا وكذلك ما تتوفر الههم والدواعي على نقله فإنه ~~اذا نقل دل التواتر على وجوده وإذا لم ينقل مع توفر الهمم والدواعي على ~~نقله لو كان موجودا علم أنه لم يوجد كالأمور الظاهرة التي يشترك فيها الناس ~~مثل موت ملك وتبدل ملك PageV01P187 بملك وبناء مدينة ظاهرة وحدوث حادث عظيم ~~في المسجد أو البلد فمثل هذه الامور لا بد أن ينقلها الناس اذا وقعت فإذا ~~لم تنقل نقلا عاما بل نقلها واحد علم أنه قد كذب وهذا مبسوط في غير هذا ~~الموضع وقد بسط في غير هذا الموضع الفرق بين الآية التي هي علامة تدل على ~~نفس المعلوم وبين القياس الشمولي الذي لا يدل الا على قدر كلي مشترك لا يدل ~~على شيء معين اذ كان لا بد فيه من قضية كلية وأن ذلك القياس لا يفيد العلم ~~بأعيان الأمور الموجودة ولا يفيد معرفة شيء لا الخالق ولا نبي من أنبيائه ~~ولا نحو ذلك بل اذا قيل كل محدث فلا بد له من محدث دل على محدث مطلق لا يدل ~~على عينه بخلاف آيات الله فانها تدل على عينه وبينا أن القرآن ذكر ~~الاستدلال بآيات الله وقد يستدل بالقياس الشمولي والتمثيلي لكن دلالة ~~الآيات أكمل وأتم وتبين غلط من عظم دلالة القياس الشمولي المنطقي وأنهم من ~~أبعد الناس عن العلم والبيان وذكرنا أيضا غلط من فضل الشمولي على التمثيلي ~~وأنهما من جنس واحد والتمثيلي أنفع وإنما الآيات تكون أحسن وقد ذكر أبو ~~الفرج بن الجوزي ما ذكره أبو بكر بن الأنباري وغيره في الآيات آيات القرآن ~~مثل قوله @QB@ قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين ~~@QE@ ثلاثة اقوال قال في معنى الآية ثلاثة أقوال أحدها أنها العلامة فمعنى ~~آية علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها وبعدها قال الشاعر % ألا أبلغ لديك ~~بني ms206 تميم % بآية ما يحبون الطعاما % # وقال النابغة % توهمت آيات لها فعرفتها % لستة أعوام وذا العام سابع % # قال وهذا اختيار أبي عبيد قلت أما أن الآية هي العلامة في اللغة فهذا ~~صحيح وما استشهد به من الشعر يشهد لذلك وأما تسمية الآية من القرآن آية ~~لأنها علامة صحيح لكن قول القائل إنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها ~~وبعدها ليس بطائل فإن هذا المعنى الحد والفصل فالآية مفصولة عما قبلها وعما ~~بعدها وليس معنى كونها آية هو هذا وكيف وآخر الآيات آية مثل آخر سورة الناس ~~وكذلك آخر آية من السورة وليس بعدها شيء وأول الآيات آية وليس قبلها شيء ~~مثل أول آية من PageV01P188 القرآن ومن السورة وإذا قرئت الآية وحدها كانت ~~آية وليس معها غيرها وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية يرددها حتى ~~أصبح @QB@ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم @QE@ ~~فهي آية في نفسها لا لكونها منقطعة مما قبلها وما بعدها وأيضا فكونه علامة ~~على هذا الانقطاع قدر مشترك بين جميع الاشياء التي يتميز بعضها عن بعض ولا ~~تسمى آيات والسورة متميزة عما قبلها وما بعدها وهي آيات كثيرة وأيضا ~~فالكلام الذي قبلها منقطع وما قبلها آية فليست دلالة الثانية على الانقطاع ~~بأولى من دلالة الأولى عليه وأيضا فكيف يكون كونها آية علامة للتمييز بينها ~~وبين غيرها والله سماها آياته فقال @QB@ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ~~@QE@ والصواب أنها آية من آيات الله أي علامة من علاماته ودلالة من أدلة ~~الله وبيان من بيانه فان كل آية قد بين فيها من أمره وخبره ما هي دليل عليه ~~وعلامة عليه فهي آية من آياته وهي أيضا دالة على كلام الله المباين لكلام ~~المخلوقين فهي دلالة على الله سبحانه وعلى ما أرسل بها رسوله ولما كانت كل ~~آية مفصولة بمقاطع الآي التي يختم بها كل آية صارت كل جملة مفصولة بمقاطع ~~الآي آية ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقف على رءوس الآي كما نعتت ms207 ~~قراءته @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ ويقف @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ ويقف ~~@QB@ مالك يوم الدين @QE@ ويقف ويسمى أصحاب الوقف وقف السنة لأن كل آية لها ~~فصل ومقطع تتميز به عن الاخرى قال والوجه الثاني أنها سميت آية لأنها جماعة ~~حروف من القرآن وطائفة منه قال أبو عمر الشيباني يقال خرج القوم بآيتهم أي ~~بجماعتهم وأنشدوا % خرجنا من النقبين لاحي مثلنا % بآياتنا نزجي اللقاح ~~المطافلا % # قلت هذا فيه نظر فإن قولهم خرج القوم بآيتهم قد يراد به بالعلامة التي ~~تجمعهم مثل الراية واللواء فإن العادة أن كل قوم لهم أمير تكون له آية ~~يعرفون بها فاذا أخرج الامير آيتهم اجتمعوا اليه ولهذا سمى ذلك علما والعلم ~~هي العلامة والآية ويسمى راية لانه يرى فخروجهم بآيتهم أي بالعلم والآية ~~التي تجمعهم فيستدل به على خروجهم جميعهم فإن الامير المطاع اذا خرج لم ~~يتخلف أحد PageV01P189 بخلاف ما اذا خرج بعض أمرائه وإلا فلفظ الآية هي ~~العلامة وهذا معلوم بالاضطرار من اللغة والاشتراك في اللفظ لا يثبت بأمر ~~محتمل قال والثالث أنها سميت آية لانها عجب وذلك أن قارئها يستدل اذا قرأها ~~على مباينتها لكلام المخلوقين وهذا كما يقول فلان آية من الآيات أي عجب من ~~العجائب ذكره ابن الأنباري قلت هذا القول هو داخل في معنى كونها آية من ~~آيات الله فإن آيات الله كلها عجيبة فإنها خارجة عن قدرة البشر وعما قد ~~يشبه بها من مقدور البشر والقرآن كله عجب تعجبت به الجن كما حكى عنهم تعالى ~~انهم قالوا @QB@ إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك ~~بربنا أحدا @QE@ فإنه كلام خارج عن المعهود من الكلام وهو كما في الحديث لا ~~تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد وكل آية لله خرجت ~~عن المعتاد فهي عجب كما قال تعالى @QB@ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم ~~كانوا من آياتنا عجبا @QE@ فالآيات العلامات والدلالة ومنها مألوف معتاد ~~ومنها خارج عن المألوف المعتاد وآيات القرآن من هذا الباب فالقرآن عجب لا ms208 ~~لأن مسمى الآية هو مسمى العجب بل مسمى الآية أعم ولهذا قال @QB@ كانوا من ~~آياتنا عجبا @QE@ ولكن لفظ الآية قد يخص في العرف بما يحدثه الله وإنها غير ~~المعتاد دائما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ان الشمس والقمر آيتان من ~~آيات الله وانهما لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات ~~الله يخوف بهما عباده وقد قال تعالى @QB@ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن ~~كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا ~~تخويفا @QE@ وفي الحديث الصحيح لما دخلت أسماء على عائشة وهي في الصلاة ~~فسألتها فقالت سبحان الله فقالت آية فأشارت أي نعم وتسمى صلاة الكسوف صلاة ~~الآيات وهي مشروعة في أحد القولين في مذهب أحمد في جميع الآيات التي يحصل ~~بها التخويف كانتثار الكواكب والظلمة الشديدة وتصلى للزلزلة نص عليه كما ~~جاء الأثر بذلك فهذه الآيات أخص من مطلق الآيات وقد قال تعالى @QB@ وما ~~تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين @QE@ وقال صلى الله عليه ~~وسلم ثلاث آيات يتعلمهن خير له من ثلاث خلفات سمان PageV01P190 # ( فصل ) والدليل الذي هو الآية والعلامة ينقسم إلى ما يدل بنفسه وإلى ما ~~يدل بدلالة الدال به فيكون الدليل في الحقيقة هو الدال به الذي قصد أن يدل ~~به وقد جعل ذلك علامة وآية ودليلا والذي يدل بنفسه يعلم أنه يدل بنفسه وان ~~لم يعلم أن أحدا جعله دليلا وان كان في نفس الأمر كل مخلوق قد جعله الله ~~آية ودلالة وهو سبحانه عليم مريد فلا يمكن أن يقال لم يرد بالمخلوقات أن ~~تكون أدلة له ولا أنها ليست دليلا يجعلها أدلة كما قد يطلقه طائفة من ~~النظار ولكن يستدل بها مع عدم النظر في كونها جعلت أدلة كما قد يطلقه اذ ~~كان فيها مقاصد كثيرة غير الدلالة والذي جعلها دليلا وهو الله جعل ذاتها ~~يستدل بها مع قطع النظر عن كونها هي دليلا فما من مخلوق إلا ويمكن ~~الاستدلال به ms209 على الخالق والمحدث نفسه يعلم بصريح العقل أن له محدثا وهذه ~~الأدلة التي تدل بنفسها قد تسمى الأدلة العقلية ويسمى النوع الآخر الادلة ~~الوضعية لكونها انما دلت بوضع واضع والتحقيق أن كلاهما عقلي إذا نظر فيه ~~العقل علم مدلوله لكن هذه تدل بنفسها وتلك تدل بقصد الدال بها فيعلم بها ~~قصده وقصده هو الدال بها كالكلام فإنه يدل بقصد المتكلم به وارادته وهو يدل ~~على مراده وهو يدلنا بالكلام على ما أراد ثم يستدل بارادته على لوازمها فإن ~~اللازم أبدا مدلول عليه بملزومه والآيات التي تدل بنفسها مجردة نوعان منها ~~ما هو ملزوم مدلول عليه بذاته لا يمكن وجود ذاته دون وجود لازمه المدلول ~~عليه مثل دلالة المخلوقات على الخالق ومنها ما هو مستلزم له مدة طويلة أو ~~قصيرة فتدل عليه تلك المدة مثل نجوم السماوات فإنه يستدل بها على الجهات ~~والامكنة وعلى غيرها من النجوم وعلى الزمان ماضيه وغابره ما دام العالم على ~~هذه الصورة قال تعالى @QB@ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا ~~لعلكم تهتدون وعلامات وبالنجم هم يهتدون @QE@ وقال تعالى @QB@ وهو الذي جعل ~~لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ~~@QE@ ثم قال @QB@ وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا ~~الآيات لقوم يفقهون @QE@ ثم قال @QB@ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا @QE@ إلى قوله @QB@ إن في ذلكم لآيات لقوم ~~يؤمنون @QE@ PageV01P191 وقوله @QB@ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ~~وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون وعلامات @QE@ هي علامات ألقاها في الأرض وهذا ~~قول الأكثرين قالت طائفة هي معالم الطرق يستدل بها بالنهار ويستدل بالنجم ~~بالليل وقالت طائفة هي الجبال وهي أيضا مما يستدل به ولهذا سماها الله ~~أعلاما في قوله @QB@ وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان @QE@ أي كالجبال والأعلام جمع علم والعلم ما يعلم به كالعلامة ومنه ~~أعلام الطرق المنصوبة ومنه يقال لدلائل النبوة أعلام النبوة ويقال للراية ~~المرفوعة ms210 انها علم وإنها جعلت علامة لصاحبها وأتباعه والعالم بالفتح مثل ~~الخاتم ما يعلم به كما أن الخاتم ما يختم به وهو بمعنى العالم ويسمى كل صنف ~~من المخلوقات عالما لأنه علم وبرهان على الخالق تعالى بخلاف العالم بالكسر ~~فانه الذي يعلم كالخاتم بالكسر فإنه الذي يختم قال تعالى @QB@ ولكن رسول ~~الله وخاتم النبيين @QE@ لأنه ختمهم كما يسمى الماحي والحاشر والعاقب وقد ~~قرئ وخاتم أي ختموا به فالجبال أعلام وهي علامات لمن في البر والبحر يستدل ~~بها على ما يقاربها من الأمكنة فانه يلزم من وجودها وجوده وهي لا تزال دالة ~~ما دامت موجودة ومدلولها موجودا وهي أثبت من غيرها فقد يكون عندها قرية ~~وسكان فيكون علما عليهم ثم قد تخرب القرية ويذهب السكان فتزول الدلالة ~~لزوال الملزوم وهذا كله مما يبين أن الدليل قد يكون معينا بل الآيات كلها ~~معينة وأن يكون مطابقا ملازما لمدلوله ليس أحدهما أعم من الآخر كالثريا مع ~~الدبران وكالجدي مع بنات نعش ونحو ذلك فتبين غلط من ذكر أنه يحصر الادلة ~~فيقال إما أن يستدل بالعام على الخاص أو بالخاص على العام أو بأحد الخاصين ~~على الآخر والأول هو القياس الشمولي والثاني هو الاستقراء والثالث هو ~~التمثيل وقد بينا ما في هذا الكلام من الغلط في حصره وفي حكم أقسامه فإن ~~هؤلاء المقسمون للأمور العامة كثيرا ما يغلطون في هذا وهذا إذ كان المقسم ~~يجب أن يستوفي جميع الأقسام ولا يدخل فيها ما ليس منها كالحاد وهم يغلطون ~~فيها كثيرا PageV01P192 لعدم إحاطتهم بأقسام المقسوم كما يقسمون أقسام ~~الموجودات أو أقسام مدارك العلم أو أقسام العلوم أو غير ذلك وليس معهم دليل ~~على الحصر الا عدم العلم وحصر الأقسام في المقسوم هو من الاستقراء ثم إذا ~~حكموا على تلك الأقسام بأحكام فقد يغلطون أيضا كما قد ذكر هذا في غير هذا ~~الموضع مثل غلط من حصر الأدلة في هذه الأنواع من أهل المنطق ومن تبعهم وقد ~~بسط هذا في مواضع وذلك مثل قولهم الدليل إما أن ms211 يستدل بالعام على الخاص أو ~~بالخاص على العام أو بأحد الخاصين على الآخر فان الدليل أولا لا يكون قط ~~أعم من المدلول عليه إما مساويا له وإما أخص منه فإن الدليل ملزوم للمدلول ~~عليه والملزوم حيث تحقق تحقق اللازم وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم فحيث ~~تحقق الدليل تحقق المدلول عليه فإذا كان مساويا له أو أخص كان حيث تحقق ~~المدلول كما أنه حيث تحقق ما هو ناطق النطق الذي يختص الانسان تحقق الانسان ~~وتحقق أيضا ما هو أعم من الانسان وهو ثبوت حيوان وجسم حساس تام متحرك ~~بالارادة بمعنى أنه تحقق مطلق هذا الجنس وإلا فلم يوجد شيء أعم من الانسان ~~بمجرد وجوده لكن وجد من صفاته ما يشبه به غيره ويصح اطلاقه عليه وعلى غيره ~~وهو مسمى الجسم والحيوان ونحو ذلك وكذلك إذا وجد آية أو خبر يدل على ~~الايجاب أو التحريم لزم ثبوت الايجاب أو التحريم وقد ثبت الايجاب والتحريم ~~بآية أخرى أو خبر آخر فلهذا قيل الدليل يجب طرده ولا يجب عكسه وإذا كان ~~الدليل لا يكون أعم من المدلول عليه فقولهم إما أن يستدل بالعام على الخاص ~~إنما أرادوا به القياس الشمولي الذي هو مقدمتان صغرى وكبرى كقولنا النبيذ ~~المتنازع فيه مسكر وكل مسكر حرام أو كل مسكر خمر كما ثبت في صحيح مسلم عن ~~ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ~~بين أن المسكر موصوف بأنه خمر وبأنه حرام ولم يقصد القياس الشمولي وهو أن ~~يستدل على أن المسكر حرام فالرسول أجل من هذا شرعا وعقلا صلى الله عليه ~~وسلم فإنه بكلامه تثبت الاحكام وغيره إذا قال كل مسكر خمر أو حرام احتاج أن ~~يستدل عليه وأما هو فيستدل بنفس كلامه والنظم الشمولي المنطقي PageV01P193 ~~لا يوجد في كلام فصيح بل هو طويل لا يحتاج اليه كما قد بسط في مواضع وبين ~~أن الدليل قد يكون مقدمة واحدة وقد يكون مقدمتين وقد يكون ثلاث مقدمات ~~وأربعا وأكثر ms212 بحسب ما يحتاج اليه المستدل الطالب لدلالة نفسه أو الطالب ~~ليدل غيره فإنه قد لا يحتاج الا إلى مقدمة واحدة مثل من عرف أن الخمر حرام ~~لكن لم يعرف أن كل مسكر هو خمر فإذا عرف بالنص أن كل مسكر خمر عرف أن مسكر ~~حرام وكان علمه موقوفا على مقدمة واحدة بخلاف من لم يكن عرف بعد أن الخمر ~~حرام فيحتاج إلى مقدمة ثانية ثم ان كان عرف أن محمدا رسول الله بنصوصه ~~المتواترة كفاه ذلك وإن كان لم يقر بنبوته احتاج إلى مقدمة ثالثة وهو ~~الايمان بأنه رسول الله لا يقول على الله الا الحق ويذكر له من دلائل ~~النبوة وأعلامها ما يعرف به ذلك فيهتدي أن كان طالب علم وتقوم عليه الحجة ~~ان لم يكن كذلك فقول هؤلاء في مثل هذا انا استدللنا بالعام على الخاص لبس ~~عظيم فإن المدلول عليه وهو تحريم النبيذ المتنازع فيه مثلا وان كان أخص من ~~تحريم المسكر والخمر فالدليل ليس هو القضية العامة بل الدليل أن النبيذ ~~المتنازع فيه مسكر وهو احدى المقدمتين وهذه قضية خاصة أخص من مسمى المسكر ~~فإن المسكر يتناول المتفق على تحريمه والمتنازع فيه وهذا هو الحد الاوسط ~~وهو المتكرر في المقدمتين الذي هو محمول في الصغرى موضوع في الكبرى ~~فالاستدلال وقع بإسكاره على أنه خمر ومحرم ومسكر النبيذ المتنازع فيه أخص ~~من مسمى المسكر والخمر والمقدمة الثانية الكبرى وهي قولنا وكل مسكر خمر ~~ليست هي الدليل بل لا بد من الصغرى معها وهي خاصة فالمدلول عليه ان كان ~~تحريم النبيذ المتنازع فيه فهذا انما يدل على تحريمه أنه مسكر وليس اسكاره ~~أعم منه بل يلزم من ثبوت اسكاره ثبوته فان ثبوت الموصوف بدون الصفة ممتنع ~~فاسكاره دل على تحريمه وليس تحريمه أعم من اسكاره بل جنس الاسكار والحرام ~~أعم من هذا المسكر فهذا المحرم لكن هذا العام ليس هو الدليل بدون الخاص بل ~~قوله كل مسكر حرام يدل على تحريم كل مسكر مطلقا من غير تعيين فيكون ms213 الإسكار ~~مستلزما للتحريم والمسكر أخص من الحرام وهذا إستدلال بالخاص على العام ~~فوجود المسكر أخص من وجود الحرام حيث PageV01P194 كان مسكر كان الحرام ~~موجودا وليس اذا كان الحرام موجودا يجب وجود المسكر لان المحرمات كثيرة ~~كالدم والميتة ولحم الخنزير فالحد الأوسط وهو المسكر دل على ثبوت الاعم وهو ~~التحريم من الأخص في الاخص وهو النبيذ المتنازع فيه فالمدلول عليه التحريم ~~وهو أعم من المسكر فهو استدلال بالخاص على العام لكن المعنى العام الكلي لا ~~يوجد في الخارج عاما كليا بل معينا فهو استدلال على نوع من أنواعه وهو ~~التحريم الثابت في النبيذ المتنازع فيه وهذا أخص من مطلق التحريم كما أن ~~مسكره أخص من مطلق المسكر ومن هنا ظنوا أنهم استدلوا بالعام على الخاص حيث ~~استدلوا بتحريم كل مسكر على تحريم هذا المسكر وليس الامر كذلك بل الذي دل ~~على تحريم هذا المسكر ليس هو مجرد القضية العامة الكلية بل لا بد معها من ~~قضية أخص منها جزئية مثل قولنا هذا النبيذ مسكر وبهذا الخاص يعلم ثبوت ذلك ~~لا بمجرد العام والدليل هنا ليس هو أعم من المدلول عليه ولا يمكن ذلك قط ~~وأما قولهم ان الاستدلال بالخاص على العام هو الاستقراء فمجرد الخاص ان لم ~~يستلزم العام لا يدل عليه والمستقرئ ان لم يحصر الافراد لا يعلم أن ذلك ~~المعنى شامل لها فما استدل بخاص على عام بل بعام مثله مطابق له وقولهم في ~~قياس التمثيل انه استدلال بخاص على خاص ليس كذلك فان مجرد ثبوت الحكم في ~~صورة لا يستلزم ثبوته في أخرى ان لم يكن بينهما قدر مشترك ولا يثبت بذلك ~~حتى يقوم دليل على أن ذلك المشترك مستلزم للحكم والمشترك هو الذي يسمى في ~~قياس التمثيل الجامع والوصف والعلة والمناط ونحو ذلك فإن لم يقم دليل على ~~أن الحكم متعلق به لازم له لم يصح الاستدلال وهذا المشترك في قياس التمثيل ~~هو الحد الاوسط في قياس الشمول بعينه فالمعنى في القياسين واحد ولكن ~~التأليف والنظم متنوع ms214 اذا أراد أن يثبت تحريم النبيذ بقياس الشمول قال هذا ~~هو حرام لأنه شراب مسكر فيكون حراما قياسا على المسكر من العنب فالدليل هو ~~المسكر وهو المشترك وهو الحد الاوسط ثم لا يكفي ذلك حتى يبين أن العلة في ~~الاصل هي المشترك فيقول وعصير العنب حرم لكونه مسكرا وهذا الوصف موجود في ~~الفرع الذي هو صورة النزاع فيجب اشتراكهما في التحريم وقوله انه حرام لكونه ~~مسكرا هي المقدمة الكبرى في قياس PageV01P195 الشمول وهي قولنا كل مسكر ~~حرام فثبت أن علة التحريم هي السكر إما بالنص وهو قوله كل مسكر حرام وإما ~~بدلالة القرآن وهو أنه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة ~~وإما بالمناسبة وإما بالدوران وإما بالسبر والتقسيم كما قد عرف في موضعه ~~وهو نظير ما يستدل به على ثبوت القضية الكبرى ثم الدليل قد يكون قطعيا وقد ~~يكون ظنيا لخصوص المادة لا تعلق لذلك بصورة القياس فمن جعل قياس الشمول هو ~~القطعي دون قياس التمثيل فقط غلط كما أن من جعل مسمى القياس هو التمثيل دون ~~الشمول فلم يفهم معناه والذي عليه جمهور العلماء أن كلا منهما قياس قد يكون ~~قطعيا وقد يكون ظنيا وطائفة يقولون اسم القياس لا يستعمل الا في الشمول كما ~~يقوله ابن حزم ومن يقوله من المنطقيين وطائفة يقولون لا يستعمل حقيقة إلا ~~في التمثيل ومن هؤلاء من يقول ليس في العقليات قياس وهذا مبسوط في مواضع ~~والمقصود هنا التنبيه على جنس الادلة وأيضا فالدليل قد يكون مطابقا للمدلول ~~عليه ملازما له ليس أعم منه كالكواكب التي في السماء المتلازمة التي يستدل ~~بكل منها على الآخر وكالناطقية والانسانية التي يستدل بثبوت كل منهما على ~~ثبوت الآخر وهذا خارج عن تقسيمهم فان هذا ليس استدلالا بعام على خاص ولا ~~بخاص على عام ولا بخاص على نظيره بطريق التمثيل بل هو استدلال بأحد ~~المتلازمين على الآخر قد يكونان عامين وخاصين فالكواكب خاصة والعام ~~كالاستدلال بالحيوانية على الحس والحركة الا أنه استدلال بعام على عام ms215 ~~ملازم له وكذلك الاستدلال بكونه جسما على وجود جنس العرض والاستدلال بوجود ~~جنس العرض على وجود جنس الجسم هو استدلال بأحد العامين المتلازمين على ~~الآخر والمقصود هنا أن هذه المعينات كالنجوم والجبال والطرق كلها آيات ~~وأعلام وعلامات على ما هو لازم لها في العادة وكذلك قد يستدل على منزل ~~الشخص بما هو ملازم من دور الجيران والباب وغير ذلك وشجرة هناك وغير ذلك من ~~العلامات التي يذكرها الناس يستدلون بها ويدلون غيرهم بها وسميت الجبال ~~أعلاما لأنها مرتفعة عالية والعالي يظهر ويعلم ويعرف قبل الشيء المنخفض ~~ولهذا يوصف PageV01P196 العالي بالظهور كقوله @QB@ فما اسطاعوا أن يظهروه ~~@QE@ ويقال ظهر الخطيب على المنبر ومنه قوله النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح وأنت الظاهر فليس فوقك شيء فأدخل معنى العلو في اسمه الظاهر ~~لأن الظاهر يعلو والعالي يظهر وكذلك العالي يعرف قبل غيره ومنه قيل عرف ~~الديك أصله فعل بمعنى مفعول أي معروف كما يقال كره بمعنى مكروهه ومنه ~~الأعراف وهي أمكنة عالية بين الجنة والنار وقد قيل في قوله @QB@ وعلامات ~~وبالنجم @QE@ أن العلامات هي النجوم منها ما يكون علامة لا يهتدى به ومنها ~~ما يهتدى به وقول الأكثرين أصح فإن العلامات كلها يهتدى بها ولأنه قال @QB@ ~~وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون وعلامات @QE@ ~~وهذا كله مما ألقاه في الأرض وهو منصوب بألقى أو بفعل من جنسه كما قال ~~بعضهم أي وجعل في الأرض أنهارا لأن الألقاء من جنس الجعل وبسط ما في هذا من ~~إعراب ومعان له مقام آخر والمقصود هنا ذكر العلامات والعلامات يدخل فيها ما ~~تقدم من الرواسي والسبل فإن كونها رواسي وسبلا يسلكها الناس غير كونها ~~علامات والعطف قد يكون لتغاير الصفات مع اتحاد الذات كقوله @QB@ الذي خلق ~~فسوى والذي قدر فهدى @QE@ وأمثاله فكيف اذا كانت العلامات تتناول هذا وغيره ~~فإن الجبال أعلام وهي علامات وكذلك الطرق يستدل بها السالك فيها ولهذا يسمى ~~الطريق إماما لأن السالك يأتم به وكذلك يسمون ما يستدل ms216 به المستدل طريقا ~~ومسلكا ويقال لاصحاب هذا القول عدة طرق ومسالك حتى أطلقوا على ما يصنف من ~~الاحتجاج على مسائل النزاع طريقة لأنه فيه أدلة المصنف على موارد النزاع ~~ومن هذا الباب الاستدلال على المرض بعلامات له والاستدلال بالاصوات فان ~~كانت كلاما كانت الدلالة قصدية إرادية قصد المتكلم أن يدل بها وهي دلالة ~~وضعية عقلية وان كانت غير كلام كانت الدلالة عقلية طبعية كما يستدل ~~بالاصوات التي هي بكاء وانتحاب وضحك وقهقهة ونحنحة وتنخم ونحو ذلك على ~~أحوال المصوت ومن الدلائل الشعائر مثل شعائر الاسلام الظاهرة التي تدل على ~~أن الدار دار الاسلام PageV01P197 كالأذان والجمع والأعياد وفي الصحيحين عن ~~أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم ~~يغز حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك وان لم يسمع أذانا أغار بعدما يصبح هذا ~~لفظ البخاري ولفظ مسلم كان يغير اذا طلع الفجر وكان يستمع الاذان فإن سمع ~~أذانا أمسك وإلا أغار فسمع رجلا يقول الله اكبر فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على الفطرة ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله فقال خرجت من النار ~~وعن عصام المزني قال كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا بعث السرية يقول اذا ~~رأيتم مسجدا أو سمعتم مناديا فلا تقتلوا أحدا رواه أبو داود والترمذي وابن ~~ماجه ومن هذا النوع دلائل الجهات ومنه دلائل القبلة يستدل عليها بالنجوم ~~والشمس والقمر والرياح والطرق وغير ذلك من الدلائل كما قد ذكر الناس ما ~~ذكروه من دلائل القبلة # ( فصل ) والنوع الثاني ما يدل بقصد الدال به كالكلام وكالعقد باليد ~~والاشارة بها أو بالعين أو الحاجب أو غير ذلك من الأعضاء وقد يسمى ذلك رمزا ~~ووحيا وكذلك الخط خط الكتابة بخلاف الاستدلال بآثار خطى الانسان فإن هذا من ~~النوع الاول وكذلك القيافة وهي من النوع الاول وهو الاستدلال بالشبه على ~~النسب وكذلك القائف قد يعرف بالأثر من هو الواطئ وأين ذهب ومن هذا النوع ~~الاميال التي جعلت علامات ms217 على حدود الحرم والاميال تجعل في الطرقات فإنه ~~قصد بها الدلالة على الطريق أي قصد الناس بها ذلك وهذا النوع قسمان منه ما ~~يكون بالاتفاق والمواطأة بين اثنين فصاعدا كما يتفق الرجل مع وكيله على ~~علامة لمن يرسله اليه مثل وضع خنصره في خنصره ومثل وضع يده على ترقوته كما ~~روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذلك علامة مع بعض الناس وكما يجعل ~~الملوك وغيرهم لهم علامات عند بعض الناس من جاء بها عرفوا أنه مرسل من جهته ~~ومن هذا الباب شعائر الناس في الحرب كل طائفة يعرف أصحابها بشعارها ولهذا ~~قال الفقهاء ويجعل لكل طائفة شعارا يتداعون به كما كان للمهاجرين شعار ~~وللانصار شعار ومن هذا الباب الأعلام والرايات للمقدمين فان الراية ترى ~~فيعلم صاحبها وكذلك PageV01P198 العلم يعلم فيعلم صاحبه وقد تميز راية عن ~~راية لما يختص به صاحبها ويسمى ذلك رنكا وقد يكون ذلك اسم الشخص وقد يكون ~~غير ذلك لكن قد اتفق مع غيره على أن هذا علامة وآية له فمتى رؤي استدل به ~~على أنه هو المضاف اليه ذلك العلم ويجعل هذا على الدور والثياب والدواب ~~ومنه الوسم الذي تعلم به إبل الصدقة وإبل الجزية فإن الوسم علامة مقصودة ~~للواسم وأما السيما فهي علامة بنفسها لم يقصدها مثل سيما المؤمنين وسيما ~~المنافقين قال تعالى في المؤمنين @QB@ سيماهم في وجوههم من أثر السجود @QE@ ~~وقال في المنافقين @QB@ فلعرفتهم بسيماهم @QE@ وقال @QB@ عتل بعد ذلك زنيم ~~@QE@ قيل له زنمة من الشر يعرف بها ومنه سيما المؤمنين يوم القيامة التي ~~بها يعرفهم نبيهم وهو أنهم غر محجلين من آثار الوضوء فهذه علامة وآية لكنها ~~من النوع الاول لم يقصد المسلمون أن يتوضئوا ليعرفوا بالوضوء لكن من ~~اللوازم لهم الوضوء للصلاة وقد جعل الله أثر ذلك نورا في وجوههم وأيديهم ~~وليس هذا لغيرهم فإن هذا الوضوء لم يكن لغيرهم والحديث الذي يروى هذا وضوئي ~~ووضوء النبيين من قبلي ضعيف بخلاف الصلاة في المواقيت الخمس فإن الانبياء ~~كانوا يصلون في هذه ms218 المواقيت كما قال هذا وقتك ووقت الانبياء قبلك والوسم ~~والسيما من الوسم متفقان في الاشتقاق الاوسط فان أصل سيما سوما فلما سكنت ~~الواو وانكسر ما قبلها قلبت ياء مثل ميقات وميعاد ونحو ذلك والاسم أيضا من ~~هذا الباب وهو علم على المسمى ودليل عليه وآيه عليه وهذا المعنى ظاهر فيه ~~فلذلك قال الكوفيون انه مشتق من الوسم والسمة وهي العلامة وقال البصريون بل ~~هو مشتق من السمو فإنه يقال في تصغيره سمي لا وسيم وفي جمعه أسماء لا أوسام ~~وفي تصريفه سميت ولا وسمت وكلا القولين حق لكن قول البصريين أتم فإنه مشتق ~~منه على قولهم في الاشتقاق الاصغر وهو اتفاق اللفظين في الحروف وتأليفها ~~وعلى قول الكوفيين هو مشتق منه من الاشتقاق الاوسط وهو اتفاق اللفظين في ~~الحروف لا في ترتيبها كما قلنا في الوسم والسيما والسمو هو العلو والسامي ~~هو العالي والعلو مستلزم للظهور كما تقدم فالعالي ظاهر والظاهر عال ~~PageV01P199 فكان الاسم بعلوه يظهر فيدل على المسمى لأنه يظهر باللسان ~~والخط ويظهر للسمع المسمى فيعرف بالقلب وقد تقدم أنهم يسمون الجبال أعلاما ~~لما فيها من الظهور ودلالة الاسم على مسماه دلالة قصدية فان المسمى يسمى ~~بالاسم ليعرف به المسمى وليدل عليه يقصد به الدلالة على مجرد نفسه كأسماء ~~الأعلام للأشخاص وتارة يقصد به الدلالة على ما في اللفظ من المعنى كالأسماء ~~المشتقة مثل العالم والحي والقادر ومن هذا الباب تسمية المعبودين آلهة ~~سموها بما لا تستحقه كما يسمى الجاهل عالما والعاجز قادرا والكذاب نبيا ~~فلهذا قال تعالى @QB@ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله ~~بها من سلطان @QE@ والنوع الثاني من هذه الدلالة القصدية أن يقصد الدال ~~الدلالة من غير مواطأة مع المستدلين على أنه دليل لكن هم يعلمون أنه قصد ~~الدلالة لعلمهم بأحواله مثل ما يرسل الرجل شيئا من ملابسه المختص به مع شخص ~~فيعلمون أنه أرسلها علامة على أنه أرسله قال سعيد بن جبير عن ابن عباس @QB@ ~~إن في ذلك لآية للمؤمنين @QE@ قال العلامة ms219 تكون بين الرجل وأهله رواه ابن ~~المنذر حدثنا موسى بن هارون حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان ~~عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ورواه ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد ~~يحيى بن سعيد القطان حدثنا أبو اسامة حدثني سفيان عن سماك عن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس @QB@ إن في ذلك لآية @QE@ قال علامة ألم تر إلى الرجل إذا أراد ~~أن يرسل إلى أهله في حاجة أرسل بخاتمه أو ثبوته فعرفوا أنه حق فتارة يرسل ~~خاتمه معه فيعلمون أنه أرسله ليعلموا أنه أرسله إذ كانوا قد علموا أن ~~الخاتم معه وأنه ليس في إرساله مع ذلك الشخص الذي لا يعرفونه مقصود له إلا ~~أن يكون علامة على أنه أرسله اليهم فيصدقونه فيما أخبر عنه وتارة يرسل معه ~~عمامته أو نعليه وقد علموا أنه لا يخلع عمامته ويبعثها مع ذلك الشخص إلا ~~لتكون علامة على صدقه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة الفتح لما ~~كانت راية الخزرج مع سعد بن عبادة وكان فيه حدة وقال لا قريش بعد اليوم ~~اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إنه ~~يخاف منه أن يضع السيف في أهل مكة فقال قولوا PageV01P200 له يعطى الراية ~~لابنه قيس فقيل انه لا يقبل منه فقال هذه عمامتي قولوا له قد أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بذلك فلما رأى عمامته مع من جاء بها علم أنه ليس له في ~~إعطائه عمامته مقصود إلا أن تكون علامة ولم يكن قبل ذلك قد واطأه على ذلك ~~وكذلك لما أعطى أبا هريرة نعليه ليخرج فيبشر الناس بما ذكره له فإنهم إذا ~~أرادوا معه نعليه علموا أنه لم يعطه النعلين إلا علامة وكذلك قد يكون بين ~~الشخص وبين غيره سر لم يطلع عليه المرسل فيقول له اعطني علامة فيقول قل له ~~بعلامة ما تكلمت أنت وهو في كذا وكذا أو ما فعلت أنت وهو كذا وكذا ms220 فيعلم ~~المرسل اليه أن المرسل هو أعلم هذا الرسول بهذا الأمر اذ كان غيره لم يعلمه ~~ويعلم أنه ليس له في إعلامه به مقصود إلا أن يكون علامة له على تصديقه ثم ~~أكثر هذه الآيات التي هي علامات للناس يرسلونها مع من يرسلونه ليعرف صدقه ~~هي قطعية عند المستدل بها المرسل اليه من الأهل والاصدقاء والوكلاء والنواب ~~وغيرهم يأتيهم الرجل بعلامة وهي مستدلة على حيهم فيعلمون قطعا أن هذا جاء ~~من عنده ويعلمون قطعا أنه لم يرسله بتلك العلامة الا ليعلموا صدقه لا يخطر ~~لسعد بن عبادة حين رأى عمامة النبي صلى الله عليه وسلم معهم أنهم أخذوها ~~بغير قصده بأن تكون سقطت منه ونحو ذلك بل قد علم أنها كانت على رأسه وهو ~~راكب في الجيش وقد أرسلها مع هذا وكذلك خاتم الشخص الذي يعلمون أنه لا ينزع ~~خاتمه من يده ويعطيها لغيره ليعبث بها عنه وهو لا يختم بها شيئا إلا لذلك ~~وقد يقع في مثل ذلك احتمالات فيستعمل المستدلون التقسيم فإن الاستدلال ~~مداره على أنه أرسله بالعلامة وأنه إنما أرسله بها ليبين صدقه فقد يعرض في ~~المقدمة الاولى أنه أخذها بغير اختياره أو أن الخاتم سقط منه أو ان كان ~~مسافرا أنه قتل أو مات فقد يقع مثل ذلك وقد يؤخذ خاتم الرجل بغير أمره ~~ويختم به كتابه كما حكى أن مروان فعل مثل ذلك بعثمان والمقدمة الثانية أنه ~~قد يرسله بالخاتم ليختم به شيئا أو ليصلحه ونحو ذلك فإذا عرض مثل هذا ~~الاحتمال وقوى توقفوا وإن عرفوا انتفاء ذلك مثل أن يكون قد ذهب من عندهم ~~PageV01P201 قريبا وليس له ما يختم به ونحو ذلك قطعوا بأنه أرسله علامة ثم ~~بعد هذا قد يعلمون أنه أرسله لكن قد يكذب عليه ولكن العهدة في هذا على ~~المرسل فإن ارسال العلامة هو إعلام منه لهم بأني أرسلته اليكم فهذا الفعل ~~هو مثل هذا القول يجري مجرى إعلامهم وإخبارهم بأنه أرسله وتصديقه في قوله ~~هو أرسلني والإخبار تارة يكون بالقول ms221 وتارة يكون بالعمل كما يعلم الرجل ~~غيره بالاشارة بيده ورأسه وعينه وغير ذلك وان لم يتقدم بينهما مواضعة لكن ~~يعلم قصده ضرورة مثل أن يسأله عن شيء هل كان فيرفع رأسه أو يخفضه أو يشير ~~بيده أو يكون قائما فيشير اليه اجلس أو قاعدا مطلوبا فيشير اليه أن اهرب ~~فقد جاء عدوك أو نحو ذلك من الاشارات التي هي أعمال بالأعضاء وهي تدل دلالة ~~ضرورية تعلم من قصد الدال كما يدل القول وقد تكون أقوى من دلالة القول لكن ~~دلالة القول أعم وأوسع فإنه يدل على الأمور الغائبة وعلى الأمور المعضلة ~~وهذه الأدلة العيانية هي أقوى من وجه ولكن ليس فيها من السعة للمعاني ~~الكثيرة ما في الاقوال # ( فصل ) وخاصة الدليل أن يكون مستلزما للمدلول فكل ما استلزم شيئا كان ~~دليلا عليه ولا يكون دليلا إلا إذا كان مستلزما له ثم دلاله الدليل تعلم ~~كما يعلم لزوم اللازم للملزوم وهذا لا بد أن يعلم بالضرورة أو بدليل ينتهي ~~إلى الضرورة وعلى هذا فآيات الأنبياء هي أدلة صدقهم وهي ما يستلزم صدقهم ~~ويمتنع وجوده بدون صدقهم فلا يمكن أن يكون ما يدل على النبوة موجودا بدون ~~النبوة ثم كونه مستلزما للنبوة ودليلا عليها يعلم بالضرورة أو بما ينتهي ~~إلى الضرورة فآيات الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا تحد بحدود يدخل ~~فيها غير آياتهم كحد بعضهم كالمعتزلة وغيرهم بأنها خرق العادة ولم يعرف ~~مسمى هذه العبارة بل ظن أن خوارق السحرة والكهان والصالحين خرق للعادة ~~فكذبها وحد بعضهم بأنها الخارق للعادة إذا لم يعارضه أحد وجعل هذا فصلا ~~احترز به عن تلك الامور فقال المعجزة هي الخارق المقرون بالتحدي بالمثل مع ~~عدم المعارضة وجوز أن يأتي غير الانبياء بمثل ما أتوا به سواء مع المعارضة ~~وجعل ما يأتي به الساحر والكاهن معجزات مع عدم المعارضة وحقيقة المعجز هذا ~~ما لم يعارض ولا حاجة إلى كونه خارقا للعادة PageV01P202 بل الامور ~~المعتادة إذا لم تعارض كانت آية وهذا باطل قطعا ثم مسيلمة والأسود العنسي ms222 ~~وغيرهما لم يعارضوا ثم يقال ما يعني بعدم المعارضة في ذلك المكان والزمان ~~فالسحرة والكهان لا يعارضون والعنسي ومسيلمة لم يعارضا في مكانهم ووقت ~~اغرائهم وإن قال لا يعارض البتة فمن أين يعلم هذا العدم فإن قيل فما آيات ~~الانبياء قيل هي آيات الانبياء التي تعلم أنها مختصة بالانبياء وأنها ~~مستلزمة لصدقهم ولا تكون إلا مع صدقهم وهي لا بد أن تكون خارقة للعادة ~~خارجة عن قدرة الانس والجن ولا يمكن أحدا أن يعارضها لكن كونها خارقة ~~للعادة ولا تمكن معارضتها هو من لوازمها ليس هو حدا مطابقا لها والعلم ~~بأنها مستلزمة لصدقهم قد يكون ضروريا كانشقاق القمر وجعل العصا حية وخروج ~~الناقة فمجرد العلم بهذه الآيات يوجب علما ضروريا بأن الله جعلها آية لصدق ~~هذا الذي استدل بها وذلك يستلزم أنها خارقة للعادة وأنه لا يمكن معارضتها ~~فهذا من جملة صفاتها لا أن هذا وحده كاف فيها وهذا اذا قال من قال أن فلانا ~~أرسلني اليكم فإنه يأتي بما يعلم أنه علامة والعلامة والدليل والآية حدها ~~أنها تدل على المطلوب وآيات الانبياء تدل على صدقهم وهذا لا يكون الا مع ~~كونها مستلزمة لصدقهم فيمتنع أن تكون معتادة لغيرهم ويمتنع أن يأتي من ~~يعارضهم بمثلها ولا يمتنع أن يأتي نبي آخر بمثلها ولا أن يأتي من يصدقهم ~~بمثلها فان تصديقه لهم يتضمن صدقهم فلم يأت إلا مع صدقهم وقد تكون الآيات ~~تدل على جنس الصدق وهو صدق صاحبها فيلزم صدقه اذا قال أنا نبي ولكن يمتنع ~~أن يكون لكاذب فهذا ونحوه مما تنكشف به حقيقة هذا الباب وهو من أهم الأمور ~~وإذا فسر خرق العادة بأنها خرق لعادات غير الانبياء أي لا يكون لغير جنسهم ~~وجنس من صدقهم وفسر عدم المعارضة بأنه لا يقدر أن يأتي بها من ليس بنبي أو ~~متبع لنبي كان المعنى واحدا واتحدت التفاسير الثلاثة # ( فصل ) والله سبحانه دل عباده بالدلالات العيانية المشهودة والدلالات ~~المسموعة وهي كلامه لكن عامتهم تعذر عليهم أن يسمعوا كلامه منه فأرسل ms223 اليهم ~~بكلامه رسلا وأنزل اليهم كتبا والمخلوق اذا قصد إعلام من يتعذر أن يسمع منه ~~أرسل اليه رسلا وكتب اليه كتبا كما يفعل الناس ولاة الامور وغيرهم يرسلون ~~PageV01P203 الى من بعد عنهم رسولا ويكتبون اليه كتبا ثم انه سبحانه جعل مع ~~الرسل آيات هن علامات وبراهين هي أفعال يفعلها مع الرسل يخصهم بما لا يوجد ~~لغيرهم فيعلم العباد لاختصاصهم بها أن ذلك إعلام منه للعباد وإخبار لهم أن ~~هؤلاء رسلي كما يعلمهم بكلامه المسموع منه ومن رسوله ولهذا قد يعلم برسالة ~~رسول بإخبار رسول أخبر عنه وقد يخبر عن ارساله بكلامه لمن سمع كلامه منه ~~كما أخبر موسى وغيره بالوحي الذي يوحيه اليهم فآيات الانبياء هي علامات ~~وبراهين من الله تتضمن إعلام الله لعباده وإخباره فالدليل وهو الآية ~~والعلامة لا يدل إلا إذا كان مختصا بالمدلول عليه مستلزما له إما مساويا له ~~وأما أخص منه لا يكون أعم منه غير مستلزم له فلا يتصور أن يوجد الدليل بدون ~~المدلول عليه فالآيات التي أعلم الله بها رسالة رسله وصدقهم لا بد أن تكون ~~مختصة بهم مستلزمة لصدقهم فان الإعلام والإخبار بأن هذا رسول وتصديقه في ~~قوله إن الله أرسلني لا يتصور أن يوجد لغير رسول والآيات التي جعلها الله ~~علامات هي أعلام بالفعل الذي قد يكون اقوى من القول فلا يتصور أن تكون آيات ~~الرسول إلا دالة على صدقهم ومدلولها أنهم صادقون لا يجوز أن توجد بدون صدق ~~الرسل البتة وكون الرب أراد بها إعلام عباده بصدقهم وصدقهم بها في إخبارهم ~~أنه أرسلهم وكونها آية وعلامة على صدقهم أمر يعلم كما تعلم دلالة سائر ~~الادلة كما يعلم من الرجل أصدقاؤه ووكلاؤه أنه أرسل هذا بهذه العلامات ~~فتارة يعلم ذلك بالضرورة بعد تصور الامر وتارة يحتاج إلى نظر هل هذه ~~العلامة منه أو من غيره وهل هو أرسله بها أو غيره وهل قصد بها الإعلام ~~والتصديق أم لا وهل يعلم من حال الذاكر أنه أرسله أنه صادق فقد يرسل من ~~يعلمون هم ms224 صدقه وأنه لا يكذب فيعلمون صدقه بمجرد قوله هو أرسلني من غير آية ~~ولا علامة ولهذا إذا قال من صدقه إنه رأى رؤيا صدقه وجزم بصدقه من قد خبر ~~صدقه والرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وكذلك لو أخبر بغير ذلك ~~كما أخبر عمران بن حصين أن الملائكة تسلم عليه فلم يشك الذين أخبرهم في ~~صدقه من غير آية فمن كان يعلم صدق موسى والمسيح ومحمد وغيرهم وأنهم لا ~~يكذبون في أخف الامور فكيف بالكذب على الله إذا أخبرهم أحدهم بما ~~PageV01P204 جاءه من الوحي والرسالة وما غاب من الملائكة فإنه قد يجزم ~~بصدقه من غير آية لا سيما ان كان ما يقوله لهم مما يؤيد صدقه ولهذا لم يكن ~~من شرط الايمان بالانبياء وجود الآيات بل قد يعلم صدقهم بدون ذلك كما قد ~~بين في موضع آخر وتارة يحتاجون إلى العلامة وتارة يعلمون كذبه بأن يذكر عن ~~صاحبهم ما يعلمون هم خلافه ويصفه بما علموا نقيضه وقد يظهر لهم من قصده أنه ~~كذاب ملبس طالب أغراض له إما مال يعطونه أو ولاية يولونه أو امرأة يزوجونه ~~بها أو غير ذلك من أغراض النفوس فيسألونه عن مقصوده فإذا عرفوا مقصوده فقد ~~يعلمون كذبه أو صدقه ومثل هذا كثير في عادات الناس فكثيرا ما يجيء الرجل ~~بما يزعم أنه علامة وتكون مشتركة فيقال له ما تريد فيذكر مراده فيعلمون ~~كذبه فدلائل الصدق والكذب لا تنحصر كدلائل الحب والبغض هي كثيرة جدا وهذا ~~يعرفه من جرب عادات الناس # ( فصل ) فالآيات التي تكون آيات للانبياء هي دليل وبرهان والله تعالى ~~سماها برهانا في قوله لموسى @QB@ فذانك برهانان من ربك @QE@ وهي العصا ~~واليد وسماها برهانا وآيات في مواضع كثيرة من القرآن فحدها حد الدليل ~~والبرهان وهي أن تكون مستلزمة لصدق النبي فلا يتصور أن توجد مع انتفاء صدق ~~من أخبر أن الله أرسله فليس له إلا حالان إما أن يكون الله أرسله فيكون ~~صادقا أو لا يكون أرسله فلا يكون صادقا فآيات الصدق ms225 لا توجد إلا مع أحد ~~النقيضين وهو الصدق لا توجد قط مع الآخر وهو انتفاء الصدق كسائر الادلة ~~التي هي البراهين والآيات والعلامة فإنها لا توجد إلا مع تحقق المدلول عليه ~~لا توجد مع عدمه قط اذ كانت مستلزمة له يلزم من وجود الدليل وجود المدلول ~~عليه فلا يوجد الدليل مع عدم المدلول عليه فلا توجد آياتهم مع عدم صدقهم ~~فيجب أن يتصور هذا الموضع فإنه حق معلوم بعد تصوره لكل العقلاء بالضرورة ~~فلا يمكن أحدا كذب النبي أن يأتي بمثلها فإنه لو أتى بمثلها مع تكذيب النبي ~~لكانت قد وجدت مع قوله اني صادق ومع قول هذا المكذب إنه كاذب فلم تختص ~~بصدقه ولم تستلزمه فلا يلزم إذا قال إني صادق أن يكون صادقا وهذا قد أتى ~~PageV01P205 بمثل ما أتى به وقال انه كاذب ولا يكون إعلاما من الله لعباده ~~وإخبارا لهم بأني أرسلته ولا تصديقا له كما لو قال رجلا إن فلانا أرسلني ~~وجاء بعلامة ذكر أنه خصه بها مثل أن يقول العلامة أنه أعطاني خاتمه فيقول ~~المكذب وأنا أيضا أعطاني خاتمه الأخرى لاصلحها له أو لأختم بها كذا وأنت ~~إنما أعطاك خاتمه لتصلحها أو أن تختم بها فإذا أتى المكذب له بمثل ما أتى ~~به امتنع كونها آية ولكن لو كان قد جاء بالخاتم غيره لأمر آخر أرسله له لم ~~يمتنع ذلك بل قد جرت عادته معهم بأنه من ارسله يرسل معه خاتمه فقد صار ~~ارسال الخاتم عادة له يدل على صدق من أرسله فهو يميز رسله بالخاتم لا يخص ~~بها واحدا منهم وهي عادة منه لرسله ليست لغيرهم لا عادة ولا غير عادة فهذا ~~شأن الآيات والعلامات التي يقصد الدال بها أن يدل بها # ( فصل ) والله تعالى سماها آيات وبراهين وهو اسم مطابق لمسماه مطرد لا ~~ينتقض فلا تكون قط إلا آيات لهم وبراهين وأما تسميتها بخرق العادة فللناس ~~في ذلك ثلاثة أقوال أحدها أن ذلك حد لها مطرد منعكس فكل خرق هو معجزة للنبي ~~فهو ms226 خرق عادة والثاني أن خرق العادة شرط فيها وليس بحد لها فيجب أن تكون ~~خارقة لعادة ولكن ليس كل خارق للعادة يكون آية لنبي كأشراط الساعة بل أن ~~يقع على وجه مخصوص مثل دعوى النبوة والاستدلال بها والتحدي بمثلها مع عجز ~~الناس عن معارضته والقول الثالث أن كونها خارقة للعادة ليس بحد ولا شرط قال ~~القاضي أبو بكر في مناظرته في الكرامات ويقال لهم أيضا إن من الناس من لا ~~يشترط في الآية المعجزة أن تكون خارقة للعادة ويقول إنما تكون آية اذا كانت ~~من فعل الله مع التحدي بمثلها ودعوى النبوة فدلالتها على وجه لا يمكن أن ~~يشترك في ادعائه الصادق والكاذب فإذا ظهرت على هذا الوجه كانت آية لمن فعلت ~~على يده قال المجيبون بهذا ولهذا لم تكن أشراط الساعة آية لاحد وان خرقت ~~العادة اذ لم يكن معها دعوى نبوة ولأن موت زيد عند قول الرسول آيتي أن يميت ~~الله زيدا عند دعائي موته فإذا مات عند دعوته صار ذلك آية له وإن كان فعل ~~الموت في الانسان وغيره من الحيوان معتادا قال ان قالوا لو كان كذلك لكان ~~من قال آيتي PageV01P206 أن تطلع الشمس وتغرب ويأتي الليل والنهار والضياء ~~والظلام وفعل ذلك مع دعواه الرسالة كان آية له وإن لم يكن المفعول من ذلك ~~خارقا للعادة فلما لم يكن كذلك وإن كان واقعا من فعل الله مع دعوى النبوة ~~لكونه غير خارق للعادة بطل ما قلتموه يقال لهم قد أجبنا عن هذا حين قلنا ~~ويكون الواقع من فعل الله مع دعوى النبوة مما لا يشترك فيه الصادق والكاذب ~~ويستوي مع ظهوره دعوى المحق والمبطل وطلوع الشمس وغروبها ولو قال النبي ~~آيتي أن يظلنا السحاب الساعة وتزلزل الأرض وتحدث الامطار بدعوى فحدث ذلك ~~لكان آية له وإن كان مثل ذلك قد يحدث في العصر ويشاهد فإذا قال المتنبي ~~انني معارضه وآيتي في كوني نبيا ظهور مثل ذلك منع منه ولم يحدث قلت هذا ~~الذي ذكروه هو أيضا ms227 خرق للعادة فإن ظهور مثل ذلك على هذا الوجه مما لم تجر ~~به العادة وهو نفسه القاضي أبو بكر في هذا الكتاب كتاب البيان عن الفرق بين ~~المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر والنيرنجيات قد قال قبل هذا باب ~~القول في معنى العادة وانخراقها والعادة التي اذا انخرقت دلت على صدق الرسل ~~والاعتياد للأمر وتفصيل ذلك وتنزيله واعلموا رحمكم الله أن الكل من سائر ~~الامم قد شرطوا في صفة المعجز أن يكون خارقا للعادة وإذا كان ذلك واجبا وجب ~~معرفة هذه العادة ومعرفة انخرافها فقد حكي هنا الإجماع وهناك صرح بالاختلاف ~~وقوى ذلك القول وسبب ذلك اضطرابهم في معنى العادة وانخراقها فان كل قوم ~~يفهمون غير ما يفهمه الآخرون والله تعالى انما سماها آيات وهذا القول الذي ~~ذكره وقواه وهو لا يشترط فيها أن تكون خارقة للعادة هو حقيقة قول القاضي ~~وأمثاله من المتكلمين الأشعرية ومن وافقهم كالقاضي أبي يعلى وأمثاله فإن ~~المعجزات عندهم لا تختص بجنس من الأجناس المقدورات بل خاصتها أن النبي يحتج ~~بها ويتحدى بمثلها فلا يمكن معارضته فاشترطوا لها وصفين أن تكون مقترنة ~~بدعوى النبوة وجعلوا المدلول جزءا من الدليل وأنها لا تعارض وبالاول فرقوا ~~بينها وبين الكرامات وبه وبالثاني فرقوا بينها وبين السحر والكهانة وصرحوا ~~بأن جميع خوارق السحرة والكهان يجوز أن تكون معجزة لنبي لكن إذا كانت معجزة ~~لم تمكن معارضتها فلو ادعى ساحر أو كاهن النبوة لكان الله PageV01P207 ~~يعجزه عن تلك الخوارق التي علم أن غيره من السحرة والكهان يفعل مثلها وليس ~~بنبي وما يأتي به الانبياء من المعجزات جوزوا أن يأتي بمثله الساحر والكاهن ~~إلا ما منع منه السمع للإجماع على أن الساحر لا يقلب العصا حية وهذا الفرق ~~ليس يختص به أحد النوعين ولا ضابط له وصرحوا بأنه لا يستثنى من الخوارق إلا ~~ما انعقد عليه الإجماع وصرحوا بأن العجائب الطبيعية مثل جذب حجر المغناطيس ~~الحديد يجوز أن يكون معجزة لكن بشرط أن لا يعارض وكذلك الطلاسم وكذلك ~~الامور المعتادة يجوز أن ms228 تكون معجزة بشرط أن يمنع غيره منها فتكون المعجزة ~~منع المعتاد فالخاصة عندهم فيها أنها لا تعارض وأنها تقترن بدعوى النبوة ~~وقد يشترطون أن تكون خارقة للعادة لكن يكتفون بمنع المعارض فهو وحده خرق ~~للعادة فلا يشترطون هذا وهذا وقد اشترط القاضي أبو بكر أن يكون مما يختص ~~الرب بالقدرة عليه ولا حقيقة له فإن جميع الحوادث كذلك عندهم وكل ما خرج عن ~~محل قدرة العبد فالرب عندهم مختص بفعله كخوارق السحرة والكهان وحقيقة الامر ~~أنه لا فرق عندهم بين المعجزات والكرامات والسحر والكهانة لكن هذه إذا لم ~~تقترن بدعوى النبوة لم تكن آية وإذا اقترنت بها كانت آية بشرط أن لا تعارض ~~ثم انه لما أثبت النبوة قال انه يجوز على النبي فعل كل شيء من الكبائر الا ~~أن يمنع من ذلك سمع كما قال كل ما كان معجزة للانبياء يجوز أن يأتي به ~~الساحر إلا أن يمنع منه سمع اذ كان في نفس الامر لا فرق بين فعل وفعل بل ~~يجوز من الرب كل شيء فيجوز أن يبعث كل أحد ولا يقيم على نبوته دليلا هذا ~~حقيقة قولهم انه يجوز أن يبعث كل أحد وإنه اذا بعثه لا يقيم دليلا على ~~نبوته بل يلزم العباد بتصديقه بلا دليل يدلهم على صدقه فإن غاية هذا تكليف ~~مالا يطاق وهم يجوزونه وهذا الذي قالوه باطل من وجوه متعددة قد بسطت في غير ~~هذا الموضع منها أنهم جعلوا المدلول عليه وهو اخبارالنبي بنبوته وشهودها ~~وثبوتها جزءا من الدليل قالوا لأنها لو كانت معجزة لجنسها لم تقع الا معجزة ~~والخوارق التي تكون أمام الساعة ليست معجزة لأحد فعلم ان الدليل هو مجموع ~~دعوى النبوة والخارق والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن تلك من آيات الله ~~تعالى PageV01P208 فالخوارق التي لا يقدر عليها العباد كلها آيات الله ~~تعالى وهي دالة على ما تظهر دلالتها عليه تارة تكون تخويفا كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما ms229 لا تنكسفان ~~لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده والتخويف ~~يتضمن الامر بطاعته والنهي عن معصيته وأشراط الساعة آيات على قربها وعلى ~~جزاء الأعمال وهو يتضمن الامر بالطاعة والنهي عن المعصية والثاني أن يقال ~~هي آيات على صدق الانبياء فإنهم أخبروا بها وهي آية على ما اخبروا به وعلى ~~صدقهم وأيضا فإن عامة معجزات الرسول لم يكن يتحدى بها ويقول ائتوا بمثلها ~~والقرآن انما تحداهم لما قالوا إنه افتراه ولم يتحدهم به ابتداء وسائر ~~المعجزات لم يتحد بها وليس فيما نقل تحد إلا بالقرآن لكن قد علم أنهم لا ~~يأتون بمثل آيات الانبياء فهذا لازم لها لكن ليس من شرط ذلك أن يقارن خبره ~~وايضا فمن آيات الانبياء ما كان قبل ولادتهم وقبل إنبائهم وما يكون بعد ~~موتهم فإن الآية دليل على صدق الخبر بأنه رسول الله وهذا الدليل لا يختص لا ~~بمكان ولا زمان ولا يكون هذا الدليل إلا من جنس لا يقدر عليه الإنس كلهم ~~ولا الجن فلا بد أن يكون جنسه معجزا أعجز الانس والجن وأما قولهم خاصة ~~المعجز عدم المعارضة فهذا باطل وإن كان عدم المعارضة لازما له فإن هذا ~~العدم لا يعلم إذ يمكن أن يعارضه من ليس هناك إذا كان مما يعلم أنه معتاد ~~مثل خوارق السحرة والكهان فإنه وإن لم يمكن أن يعارض في هذا الموضع ففي ~~السحرة والكهان من يفعل مثلها مع أنه ليس بنبي ودليل النبوة يمتنع ثبوته ~~بدون النبوة وإذا قالوا الدليل هو مجموع الدعوى والدليل تبين خطأهم وان ~~القوم لم يعرفوا دلائل النبوة ولا اقاموا دليلا على نبوة الانبياء كما لم ~~يقيموا دليلا على وجود الرب فليس في كتبهم ما يدل على الرب تعالى ولا على ~~رسوله مع أن هذا هو المقصود من أصول الدين وايضا فمسيلمة والعنسي لم يكن ~~عندهما من يعارضهما وأيضا فالمعارض ان اعتبروه في المدعوين وهذا مقتضى في ~~خرق العادة وإن العادات تختلف فلكل قوم عادة قالوا فالمعتبر خرق عادة ms230 من ~~أرسل اليهم وعلى هذا فإذا أرسل إلى بني اسرائيل ففعل مالم يقدروا عليه كان ~~آية وإن كان ذلك PageV01P209 مما يقدر عليه العرب ويقدر عليه السحرة ~~والكهان وصرحوا بأن السحر الذي قال الله فيه @QB@ وما يعلمان من أحد حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر @QE@ يجوز أن يكون من معجزات الانبياء اذا لم ~~يعارض وقد قال الرازي أن السمعيات لا يحتج بها لأن دلالتها مشروطة بعدم ~~المعارض العقلي وذلك غير معلوم وكذلك يقال في معجزات هؤلاء إن خاصتها عدم ~~المعارضة فإن اعتبروا أن أحدا من الخلق لا يعارض فهذا لا يعلم وإن اكتفوا ~~بأن لا يعارض في ذلك المكان والزمان فكثير من الصناعات والعجائب والعلوم من ~~هذا الباب وهم لا ينكرون هذا بل يقولون المعجز هو هذا مع دعوى النبوة وقد ~~تبين أن الشيء في نفسه إذا لم يكن دليلا لم يصر دليلا باستدلال المستدل به ~~بل هو في نفسه دليل وإن لم يستدل به اذ كان الدليل هو المستلزم للمدلول ~~فدليل صدق النبي هو يدل على أنه نبي وأن الخبر بنبوته صدق وإن كان هو لا ~~يستدل بذلك ولا يتحدى بمثلها وقد لا يخبر بنبوة نفسه ويكون له دلائل تدل ~~على نبوته كما كانت قبل أن يولد وفي الامكنة البعيدة فتبين أن قول هؤلاء هو ~~أنه لا يعلم ما يستدل به على نبوة الانبياء وهذا اذا انضم إلى أصلهم وهو أن ~~الرب يجوز عليه فعل كل شيء صارا شاهدين بأنه على أصلهم لا دليل على النبوة ~~اذ كان عندهم لا فرق بين فعل من الرب وفعل وعندهم لا فرق بين جنس وجنس في ~~اختصاصه بالانبياء به فليس في أجناس المعقولات ما يكون آية تختص بالانبياء ~~فيستلزم نبوتهم بل ما كان لهم قد يكون عند غيرهم حتى السحرة والكهان وهم ~~أعداؤهم وفرقوا بعدم المعارضة وهذا فرق غير معلوم وهو مجرد دعوى قالوا لو ~~ادعى الساحر والكاهن النبوة لكان الله ينسيه الكهانة والسحر ولكان له من ~~يعارضه لان السحر والكهانة هي ms231 معجزة عندهم وفي هذه الاقوال من الفساد عقلا ~~وشرعا ومن المناقضة لدين الاسلام وللحق ما يطول وصفه ولا ريب أن قول من ~~أنكر وجود هذه الخوارق أقل فسادا من هذا ولهذا يشنع عليهم ابن حزم وغيره ~~بالشناعات العظيمة ولهذا يقيم أكابر فضلائهم مدة يطلبون الفرق بين المعجزات ~~والسحر فلا يجدون فرقا اذ لا فرق عندهم في نفس الامر والتحقيق أن آيات ~~الانبياء مستلزمة للنبوة ولصدق الخبر بالنبوة فلا يوجد إلا مع الشهادة ~~للرسول بأنه PageV01P210 رسول لا يوجد مع التكذيب بذلك ولا مع عدم ذلك ~~البتة وليست من جنس ما يقدر عليه لا الانس ولا الجن فان ما يقدر عليه الانس ~~والجن يفعلونه فلا يكون مختصا بالانبياء ومعنى كونها خارقة للعادة أنها لا ~~توجد إلا للنبوة لا مرة ولا أقل ولا أكثر فالعادة هنا تثبت بمرة والقاضي ~~أبو بكر يقول ان ما فعل مرات يسيرة لا يكون معتادا وفي كلامه في هذا الباب ~~من الاضطراب ما يطول وصفه وهو رأس هؤلاء الذين اتبعوه كالقاضي أبي يعلى ~~وأبي المعالي والرازي والآمدي وغيرهم وما يأتي به السحرة والكهان يمتنع أن ~~يكون آية لنبي بل هو آية على الكفر فكيف يكون آية للنبوة وهو مقدور ~~للشياطين وآيات الانبياء لا يقدر عليها جن ولا إنس وآيات الانبياء آيات ~~لجنسها فحيث كانت آية لله تدل على مثل ما أخبرت به الانبياء وإن شئت قلت هي ~~آيات لله يدل بها على صدق الانبياء تارة وعلى غير ذلك تارة وما يكون للسحرة ~~والكهان لا يكون من آيات الانبياء بل آيات الانبياء مختصة بهم وأما كرامات ~~الاولياء فهي أيضا من آيات الانبياء فإنها إنما تكون لمن تشهد لهم بالرسالة ~~فهي دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوة وأيضا فإن كرامات الاولياء معتادة من ~~الصالحين ومعجزت الانبياء فوق ذلك فانشقاق القمر والإتيان بالقرآن وانقلاب ~~العصا حية وخروج الدابة من صخرة لم يكن مثله للاولياء وكذلك خلق الطير من ~~الطين ولكن آياتهم صغار وكبار كما قال تعالى @QB@ فأراه الآية الكبرى @QE@ ~~فلله تعالى ms232 آية كبيرة وصغيرة وقال عن نبيه محمد @QB@ لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى @QE@ فالآيات الكبرى مختصة بهم وأما الآيات الصغرى فقد تكون ~~للصالحين مثل تكثير الطعام فهذا قد وجد لغير واحد من الصالحين لكن لم يوجد ~~كما وجد للنبي صلى الله عليه وسلم أنه أطعم الجيش من شيء يسير فقد يوجد ~~لغيرهم من جنس ما وجد لهم لكن لا يماثلون في قدره فهم مختصون إما بجنس ~~الآيات فلا يكون لمثلهم كالإتيان بالقرآن وانشقاق القمر وقلب العصا حية ~~وانفلاق البحر وأن يخلق من الطين كهيئة الطير وإما بقدرها وكيفيتها كنار ~~الخليل فإن أبا مسلم الخولاني وغيره صارت النار عليهم بردا وسلاما لكن لم ~~تكن مثل نار إبراهيم في عظمتها كما وصفوها فهو مشارك للخليل في جنس الآية ~~كما هو مشارك في جنس الايمان محبة PageV01P211 الله وتوحيده ومعلوم أن الذي ~~امتاز به الخليل من هذا لا يماثله فيه أبو مسلم وأمثاله وكذلك الطيران في ~~الهواء فإن الجن لا تزال تحمل ناسا وتطير بهم من مكان إلى مكان كالعفريت ~~الذي قال لسليمان @QB@ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك @QE@ لكن قول الذي ~~عنده علم من الكتاب @QB@ أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك @QE@ لا يقدر ~~عليه العفريت ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ليريه الله من ~~آياته الكبرى أمر اختص به بخلاف من يحمل من مكان إلى مكان لا ليريه الله من ~~آياته الكبرى أمر اختص به ولا يعرج إلى السماء فهؤلاء كثيرون وهذا مبسوط في ~~غير هذا الموضع والمقصود هنا أن هؤلاء حقيقة قولهم انه ليس للنبوة آية تختص ~~بها كما أن حقيقة قولهم إن الله لا يقدر أن يأتي بآية تختص بها وإنه لو كان ~~قادرا على ذلك لم يلزم أن يفعله بل ولم يفعله فهذان أمران متعلقان بالرب اذ ~~هو عندهم لا يقدر أن يفعل شيئا لشيء والآية انما تكون آية اذا فعلها لتدل ~~ولو قدر أنه قادر فهم يجوزون عليه فعل كل شيء فيمكن ms233 أنه لم يجعل على صدق ~~النبي دليلا وأما الذي ذكرناه عنهم هنا فإنه يقتضي أنه لا دليل عندهم على ~~نبوة النبي بل كل ما قدر دليلا فإنه يمكن وقوعه مع عدم النبوة فلا يكون ~~دليلا فهم هناك حقيقة قولهم انا لا نعلم على النبوة دليلا وهنا حقيقة قولهم ~~إنه لا دليل على النبوة ولهذا كان كلامهم في هذا الباب منتهاه التعطيل ~~ولهذا عدل الغزالي وغيره عن طريقهم في الاستدلال بالمعجزات لكون المعجزات ~~على أصلهم لا تدل على نبوة نبي وليس عندهم في نفس الامر معجزات وإنما ~~يقولون المعجزات علم الصدق لانها في نفس الامر كذلك وهم صادقون في هذا لكن ~~على اصلهم ليست دليلا على الصدق ولا دليل على الصدق فآيات الأنبياء تدل على ~~صدقهم دلالة معلومة بالضرورة تارة وبالنظر أخرى وهم قد يقولون إنه يحصل ~~العلم الضروري بأن الله صدقه بها وهي الطريقة التي سلكها أبو المعالي ~~والرازي وغيرهما وهي طريقة صحيحة في نفسها لكن تناقض بعض أصولهم فالقدس ليس ~~في آيات الأنبياء لكن في الأقوال الفاسدة التي تنافض ما هو معلوم بالضرورة ~~عقلا وما هو أصل الايمان شرعا ومن عرف تناقضهم في الاستدلال يعرف أن الآفة ~~في فساد قولهم لا في جهة صحة الدلالة فقد PageV01P212 يظهر بلسانه ما ليس ~~في قلبه كالمنافقين الذين يقولون في أول سورة المنافقون @QB@ نشهد إنك ~~لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون @QE@ ~~ولقد صدق الإمام أحمد في قوله علماء الكلام زنادقة وطريقة القرآن فيها ~~الهدى والنور والشفاء سماها آيات وبراهين فآيات الانبياء مستلزمة لصدقهم ~~وصدق من صدقهم وشهد لهم بالنبوة والآيات التي يبعث الله بها انبياء قد يكون ~~مثلها لأنبياء أخر مثل إحياء الموتى فقد كان لغير واحد من الأنبياء وقد ~~يكون إحياء الموتى على يد أتباع الانبياء كما قد وقع لطائفة من هذه الامة ~~ومن أتباع عيسى فإن هؤلاء يقولون نحن إنما أحيى الله الموتى على أيدينا ~~لاتباع محمد أو المسيح فبايماننا بهم وتصديقنا لهم أحيى الله الموتى ms234 على ~~أيدينا فكان إحياء الموتى مستلزما لتصديقه عيسى ومحمدا لم يكن قط مع ~~تكذيبهما فصار آية لنبوتهم وهو أيضا آية لنبوة موسى وغيره من أنبياء بني ~~اسرائيل الذين أحيى الله الموتى على أيديهم وليس مدلول الآيات هو مجرد ~~دعواه أن الله أرسلني وإخباره عن نفسه بذلك لأن ذلك معلوم بالحس لمن سمعه ~~وبالتواتر لمن لم يسمعه بل صدقه في هذا الخبر وهو ثبوت نبوته فالآية ~~مستلزمة لصدقه وثبوت نبوته ومن أخبر غيره عن إرسال الله له وأتى هذا المخبر ~~بآية كانت أيضا آية على صدق هذا المخبر وثبوت نبوة النبي فان من أخبر عن ~~نبوة نبي من الانبياء وأتى بآية على صدقه في خبره كانت تلك آية ودليلا على ~~نبوة النبي وأن إخبار المخبر بنبوته صدق بل كون غيره هو المخبر الآتي ~~بالعلامة أبلغ ولهذا كانت من أعظم آيات النبي إخبار غيره من الانبياء ~~بنبوته فإن قال آخر إنه كذب وأتى بمثل تلك الآية بطلت الدلالة المعينة ولا ~~يلزم من بطلان دليل معين بطلان سائر الأدلة فان الدليل يجب طرده ولا يجب ~~عكسه ولو جاء من قال إن فلانا أرسلني ومعه شخص فصدقه وقال إنه أمرني أن ~~أخبركم بأني رسوله بعلامة كيت وكيت لكان ذلك أبلغ وكل من علم صدق النبي فقد ~~صدقه أنه أن يعلم الناس أن الله يشهد له بالنبوة ويحكم بينه وبين منازعيه ~~بتصديقه وتكذيبهم وذلك بآياته وعلاماته يبين بها أنه مصدق للرسول وقد يصدقه ~~PageV01P213 بكلامه الذي قد بين أنه كلامه فكونه في نفسه آية وعلامة إذ كان ~~لا يمكن الجن والانس أن يأتوا بمثله فهو من أعظم الآيات وبغير ذلك فالآيات ~~كلها شهادة بالنبوة وإخبار بها وتصديق للمخبر فهي تستلزم ثبوت النبوة في ~~نفسها وأن صاحب الآيات قد نبأه الله وأوحى اليه كما أوحي إلى غيره من ~~الانبياء وتستلزم أيضا صدق الإخبار بأنه نبي فهو اذا قال إني نبي كان صادقا ~~وكذلك كل من أخبر بنبوته فإنه يكون صادقا وثبوت الشيء وصدق من أخبر به ~~متلازمان ms235 فكل حق ثابت إذا أخبر به مخبر فهو صادق وكل خبر صادق فقد تحقق ~~مخبره فالخبر الصادق هو ومخبره متلازمان يلزم من صدق الخبر تحقق مخبره ومن ~~تحقق الشيء صدق المخبر به بخلاف الكذب فإنه ومخبره ليسا متلازمين بل الخبر ~~الكذب يوجد مع انتفاء مخبره والمخبر به يتحقق على صفة خلاف ما في الخبر ~~الكاذب فلهذا كانت الآيات والعلامات والدلائل ونحو هذا كما تدل على المدلول ~~وأنه حق ثابت فهي أيضا تدل على صدق من أخبر به كائنا من كان فمن قال اني ~~ابن فلان وقامت بينة بنسبة فهي تثبت صدقه وصدق كل من قال هو ابن فلان وكذلك ~~البينة التي تشهد برؤية الهلال هي تشهد بصدق كل من أخبر بطلوعه وكذلك كل ~~دليل دل على مدلول فهو دليل على صدق كل من أخبر بذلك المدلول عليه وكذلك ~~اذا قال الصادق ان الله أرسلني فهذا خبر منه عن ارسال الله فالآية الدالة ~~على صدقه تدل على صدق كل من قال ان الله أرسله فالآيات الدالة على صدق محمد ~~اذا قال ما أمره الله به في قوله @QB@ قل يا أيها الناس إني رسول الله ~~إليكم جميعا @QE@ هي دالة على صدق كل من قال أشهد أن محمدا رسول الله فجميع ~~آياته وآيات الانبياء الذين أخبروا بنبوته كموسى والمسيح وأنبياء بني ~~اسرائيل وغيرهم كلها آيات ومعجزات تبين صدق كل واحد من المؤمنين به الذين ~~يقول أحدهم أشهد أن محمدا رسول الله سواء قالها مجردة أو قالها في صلاته أو ~~عقب طهارته أو متى ما قالها ليست آيات النبوة دالة على أنه وحده هو الصادق ~~في قوله اني رسول الله اليكم جميعا بل الآيات تصدقه وتصدق كل من شهد له ~~بالرسالة وهكذا سائر الادلة الدالة على مدلول فإنها تدل على صدق من أخبر ~~بذلك المدلول عليه من جميع الخلق وقد عرف أن الدليل لا بد أن PageV01P214 ~~يكون مختصا بالمدلول عليه مستلزما له فآيات الانبياء وسائر أنواع الآيات ~~والأدلة لا تكون مع نقيض المدلول عليه ms236 أي مع عدمه فإنها اذا كانت مع وجوده ~~وعدمه لم تكن دالة على وجوده ولا على عدمه ولم يكن الاستدلال بها على وجوه ~~أولى به من الاستدلال على عدمه كالامور المعتادة التي توجد مع الصادق ~~والكاذب كطلوع الشمس وغروبها فإن هذه لا تدل على صدق أحد ولا كذبه وكذلك ~~خوارق السحرة والكهان هي معتادة مع صدق أحدهم ومع كذبه فلا تدل على الصدق ~~اذ كان كذبهم أكثر من صدقهم كالذين يخبرون بكلمة صدق وعشر كذب قال تعالى ~~@QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع ~~وأكثرهم كاذبون @QE@ فكيف إذا كان مع الصدق مائة كذبة كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان كما روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت سأل ناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسوا بشيء قالوا يا رسول الله فانهم يحدثون ~~أحيانا بالشيء يكون حقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة من ~~الحق يحفظها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من ~~مائة كذبة فيلزم من هذا أن آيات الانبياء لا يكون مثلها لمن يكذبهم وهو ~~الذي يخبر بكذبهم والناس فيهم رجلان إما مصدق وإما مكذب فالمكذب لهم يمتنع ~~أن يأتي بمثل آياتهم ومتى كذب مكذب لمدعي النبوة وأتى بمثل آيته سواء دل ~~على أن تلك ليست من آيات الانبياء ولا تدل على صدق النبي لكن لا يلزم أن ~~تدل على كذبه فإن الدليل المعين إذا بطل لا يستلزم انتفاء المدلول عليه فقد ~~تكون له آيات أخر تدل على نبوته وصدق الصادق وكذب الكاذب يعرف بوجوه كثيرة ~~جدا وكذلك النبوة لها آثار مستلزمة لها بدون إخبار النبي بانه نبي وكذب ~~المتنبي الذي يزين له الشيطان أن يقول إنه نبي له آثار تستلزم انتفاء ~~النبوة وأنه كاذب إما عمدا وإما أن الشيطان قد لبس عليه فإن الخبر عند كثير ms237 ~~من الناس ينقسم إلى صدق وكذب فالمطابق هو الصدق والمخالف هو الكذب وأثبت ~~بعضهم واسطه بين PageV01P215 الصدق والكذب وهو مالم يتعمده الانسان قال ~~فهذا ليس بصدق لأنه غير مطابق وليس بكذب لأن صاحبه لم يتعمد الكذب بل أخطأ ~~ولس كل من أخطأ يقال انه كاذب كالناسي في الصلاة إذا قال صليت أربعا ولم ~~يصل إلا ثلاثا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له ذو اليدين ~~أقصرت الصلاة أم نسيت فقال لم أنس ولم تقصر فقال بلى قد نسيت فقال أكما ~~يقول ذو اليدين قالوا نعم والذي يدل عليه القرآن أن كل من تكلم بلا علم ~~فأخطأ فهو كاذب كالذين حرموا وحللوا وأوجبوا وان كان الشيطان قد زين لهم ~~ذلك وأوهمهم أنه حق ولهذا قال @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل ~~على كل أفاك أثيم @QE@ وهي تتنزل على من يظن أنه يصدقها قال تعالى @QB@ ومن ~~يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ~~ويحسبون أنهم مهتدون @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال الشيطان لما قضي الأمر إن ~~الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم @QE@ وكذلك الذي تدل عليه الشرع أن ~~كل من أخبر بخبر ليس له أن يخبر به وهو غير مطابق فإنه يسمى كاذبا وإن كان ~~لم يتعمد الكذب كقول النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له ان أبا السنابل ~~قال ما أنت بناكحة حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر فقال كذب من قالها إن له ~~لأجرين أنه جاهد مجاهد ولما قال سعد بن عبادة في يوم الفتح اليوم يوم ~~الملحمة اليوم تستحل الحرمة وحكاه أبو سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال كذب سعد ولكن هذا يوم تعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة وكذلك ~~قال عبادة بن الصامت لما قيل له إن أبا محمد يقول الوتر واجب فقال كذب أبو ~~محمد وكذلك ابن عباس لما قيل له إن نوفا يقول إن موسى بني اسرائيل ليس هو ~~موسى الخضر فقال ms238 كذب نوف وأيضا من أخبر الناس خبرا طلب أن يصدقوه فيه وقد ~~نهوا عن تصديقه الا ببينة فإنه أيضا كاذب كما قال تعالى في القرآن @QB@ ~~لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون @QE@ وقال في القاذفين @QB@ فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن ~~الله غفور رحيم @QE@ PageV01P216 وكذلك أن القاذف وإن كان قد رأى الفاحشة ~~بعينه لكنه إذا أخبر بها الناس فهو يطلب منهم أن يصدقوه بمجرد خبره وليس ~~لهم ذلك بل ليس لهم أن يصدقوه حتى يأتي بأربعة شهداء وهو لا يخبر الناس ~~ليكذبوه بل يخبرهم ليعتقدوا ثبوت ما أخبرهم به ويعتقدوا أن المقذوف قد فعل ~~الفاحشة وهم ليس لهم أن يقولوا ذلك إلا بأربعة شهداء فإذا لم يأت بأربعة ~~شهداء فهو عند الله كاذب لأنه أخبر الناس بأن هذا فعل الفاحشة وقال خبرا ~~طلب به تصديقهم وأن يظهر أن هذا فعلها فحقيقية خبره أن هذا فعل فاحشة ظاهرة ~~يرتب عليها هذا بل ان كان فعل شيئا فقد فعله سرا لم يعلم به الناس وقد علم ~~أن الذنب إذا كتم لم يضر الا صاحبه ولكن إذا أعلن فلم ينكر ضر الناس وهذا ~~لم يعلنه وأكثر المسلمين إذا فعل أحدهم فاحشة باطنة تاب منها ومن إعلانها ~~يتشبه الناس بعضهم ببعض في ذلك فلهذا نهى الله عن فعلها وعن التكلم بها ~~صدقا وغير صدق فإنها اذا فعلت وكتمت خف أمرها وإذا أظهرت كان فيها مفاسد ~~كثيرة قال النبي صلى الله عليه وسلم من ابتلي من هذه القاذورات بشيء ~~فليستتر بستر الله فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله وقال كل أمتي ~~معافى الا المجاهدين وإن من المهاجدة ان يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله ~~فيصبح يقول يا فلان فعلت البارحة كذا وكذا فقد نهى الله تعالى صاحبها أن ~~يظهرها ويعلنها فكيف القاذف بخلاف ما اذا أقر بها عند ولي أمر ليقيم ms239 عليه ~~الحد أو يشهد بها نصاب تام لإقامة الحد فذاك فيه منفعة وصلاح وقد يخبر بها ~~بعض الناس سرا لمن يعلمه كيف يتوب ويستفتيه ويستشيره فيما يفعل فعلى ذلك ~~المفتى والمشير أن يكتم عليه ذلك ولا يشيع الفاحشة وبسط هذا له موضع آخر ~~والمقصود هنا أن الناس في من قال اني رسول قسمان إما مصدق وإما غير مصدق ~~فمن ليس بمصدق لا يمكنه أن يأتي بمثل آيات الانبياء سواء قال انه كاذب أو ~~توقف في التصديق والتكذيب وكذلك المؤمنون أتباع الانبياء اذا أتوا بآية ~~كانت دليلا على نبوة النبي الذي اتبعوه فلا يمكن من لا يصدق النبي أن ~~يعارضهم ومتى عارضهم لم تكن من آيات الانبياء ولهذا كان أبو مسلم لما قال ~~له الاسود العنسي أتشهد أني رسول الله قال ما أسمع قال أتشهد أن ~~PageV01P217 محمدا رسول الله قال نعم فألقاه في النار فصارت عليه بردا ~~وسلاما فكرامات الصالحين هي مستلزمة لصدقهم في قولهم ان محمد رسول ولثبوت ~~نبوته فهي من جملة آيات الانبياء وآياتهم وما خصهم الله به لا يكون لغير ~~الانبياء واذا قال القائل معجزات الانبياء وآياتهم وما خصهم الله به فهذا ~~كلام مجمل فانه لا ريب أن الله خص الانبياء بخصائص لا توجد لغيرهم ولا ريب ~~ان من آياتهم ما لا يقدر ان يأتي به غير الانبياء بل النبي الواحد له آيات ~~لم يأت بها غيره من الانبياء كالعصا واليد لموسى وفرق البحر فإن هذا لم يكن ~~لغير موسى وكانشقاق القمر والقرآن وتفجير الماء من بين الأصابع وغير ذلك من ~~الآيات التي لم تكن لغير محمد من الانبياء وكالناقة التي لصالح فإن تلك ~~الآية لم يكن مثلها لغيره وهو خروج ناقة من الأرض بخلاف احياء الموتى فانه ~~اشترك فيه كثير من الانبياء بل ومن الصالحين وملك سليمان لم يكن لغيره كما ~~قال @QB@ رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي @QE@ فطاعة الجن ~~والطير وتسخير الريح تحمله من مكان إلى مكان له ولمن معه لم ms240 يكن مثل هذه ~~الآية لغير سليمان وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من ~~نبي من الانبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان ~~الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ~~وهو من حين أتى بالقرآن وهو بمكة يقرأ على الناس @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا @QE@ فقد ظهر أن من آيات الانبياء ما يختص به النبي ومنها ما يأتي به ~~عدد من الانبياء ومنها ما يشترك فيه الانبياء كلهم ويختصون به وهو الاخبار ~~عن الله بغيبه الذي لا يعلمه الا الله قال @QB@ عالم الغيب فلا يظهر على ~~غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم ~~أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا @QE@ لكن ما ~~يظهر على المؤمنين بهم من الآيات بسبب الايمان بهم فيه قولان قال طائفة ليس ~~ذلك من آياتهم وهذا قول من يقول من شرط المعجزة أن تقارن دعوى النبوة لا ~~تقدم عليها ولا تتأخر عنها كما قاله هؤلاء الذين يجعلون خاصة المعجزة ~~التحدي بالمثل وعدم المعارضة PageV01P218 ولا تكون إلا مع الدعوى كما تقدم ~~وهو قول قد عرف فساده من وجوه والقول الثاني وهو القول الصحيح أن آيات ~~الأولياء هي من جملة آيات الانبياء فإنها مستلزمة لنبوتهم ولصدق الخبر ~~بنبوتهم فإنه لولا ذلك لما كان هؤلاء أولياء ولم تكن لهم كرامات لكن يحتاج ~~أن يفرق بين كرامات الأولياء وبين خوارق السحرة والكهان وما يكون للكفار ~~والفساق وأهل الضلال والغي بإعانة الشياطين لهم كما يفرق بين ذلك وبين آيات ~~الانبياء والفروق بين ذلك كثيرة كما قد بسط في غير هذا الموضع # ( فصل ) فقد تبين أن من آيات الانبياء ما يظهر مثله على اتباعهم ويكون ما ~~يظهر على أتباعهم من آياتهم فان ذلك مختص بمن يشهد بنبوتهم فهو ms241 مستلزم له ~~لا تكون تلك الآيات الا لمن أخبر بنبوتهم وإذا لم يخبر بنبوتهم لم تكن له ~~تلك الآيات وهذا حد الدليل وهو أن يكون مستلزما للمدلول عليه فإذا عدم ~~المدلول عليه عدم الدليل ولهذا من السلف من يأتي بالآيات دلالة على صحة ~~الاسلام وصدق الرسول كما ذكر أن خالد بن الوليد شرب السم لما طلب منه آية ~~ولم يضره # ( فصل ) في معنى خرق العادة وأن الاعتبار أن تكون خارقة لعادة غير ~~الانبياء مطلقا بحيث تختص بالانبياء فلا توجد الا مع الإخبار بنبوتهم وأما ~~إخبار الكهان ببعض الامور الغائبة لإخبار الشياطين لهم بذلك وسحر السحرة ~~بحيث يموت الانسان من السحر أو يمرض ويمنع من النكاح ونحو ذلك مما هو ~~باعانة الشياطين فهذا أمر موجود في العالم كثير معتاد يعرفه الناس ليس هذا ~~من خرق العادة بل هو من العجائب الغريبة التي يختص بها بعض الناس كما يختص ~~قوم بخفة اليد والشعبذة وقوم بالسباحة الغريبة حتى يضطجع أحدهم على الماء ~~وكما يختص قوم بالقيافة حتى يباينوا بها غيرهم وكما يختص قوم بالعيافة ونحو ~~ذلك مما هو موجود ولهذا كان مكذبو الرسل يجعلون آياتهم من جنس السحر وهذا ~~مستقر في نفوسهم أن الساحر ليس برسول ولا نبي كما في قصة موسى لما قالوا ~~@QB@ إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون @QE@ ~~قال تعالى @QB@ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون @QE@ PageV01P219 وهذا لحيرتهم وضلالتهم تارة ينسبون إلى الجنون وعدم ~~العقل وتارة إلى الحذق والخبرة التي ينال بها السحر فان السحر لا يقدر عليه ~~ولا يحسنه كل أحد لكن العجائب والخوارق المقدورة للناس منها ما سببه من ~~الناس بحذقهم في ذلك الفن كما يحذق الرجل في صناعة من الصناعات وكما يحذق ~~الشاعر والخطيب والعالم في شعره وخطابته وعلمه وكما يحذق بعض الناس في رمي ~~النشاب وحمل الرمح وركوب الخيل فهذه كلها قد يأتي الشخص منها بما لا يقدر ~~عليه أهل البلد بل أهل الاقليم ms242 لكنها مع ذلك مقدورة مكتسبة معتاده بدون ~~النبوة قد فعل مثلها ناس آخرون قبلهم أو في مكان آخر فليست هي خارقة لعادة ~~غير الانبياء مطلقا بل توجد معتادة لطائفة من الناس وهم لا يقولون انهم ~~أنبياء ولا يخبر أحد عنهم بأنهم أنبياء ومن هنا دخل الغلط على كثير من ~~الناس فإنهم لما رأوا آيات الانبياء خارقة للعادة لم يعتد الناس مثلها ~~اخذوا مسمى خرق العادة ولم يميزوا بين ما يختص به الانبياء ومن أخبر ~~بنبوتهم وبين ما يوجد معتادا لغيرهم واضطربوا في مسمى هذا الاسم كما ~~اضطربوا في مسمى المعجزات ولهذا لم يسمها الله في كتابه إلا آيات وبراهين ~~فإن ذلك اسم يدل على مقصودها ويختص بها لا يقع على غيرها لم يسمها معجزة ~~ولا خرق عادة وان كان ذلك من بعض صفاتها فهي لا تكون آية وبرهانا حتى تكون ~~قد خرقت العادة وعجز الناس عن الإتيان بمثلها لكن هذا بعض صفاتها وشرط فيها ~~وهو من لوازمها لكن شرط الشيء ولازمه قد يكون أعم منه وهؤلاء جعلوا مسمى ~~المعجزة وخرق العادة هو الحد المطابق لها طردا وعسكا كما أن بعض الناس يجعل ~~اسمها أنها عجائب وآيات الانبياء اذا وصفت بذلك فينبغي أن تقيد بما يختص ~~بها فيقال العجائب التي أتت بها الانبياء وخوارق العادات والمعجزات التي ~~ظهرت على أيديهم أو التي لا يقدر عليها البشر أو لا يقدر عليها الانس والجن ~~أو لا يقدر عليها الا الله بمعنى أنه لا يقدر عليها أحد بحيلة واكتساب كما ~~يقدرون على السحر والكهانة فبذلك تتميز آياتهم عما ليس من آياتهم وإلا فلفظ ~~العجائب قد يدخل فيه بعض الناس الشعبذة ونحوها والتعجب في اللغة يكون من ~~أمر خرج عن نظائره وما خرج عن نظائره فقد خرق تلك العادة المعينة في نظائره ~~فهو أيضا خارق للعادة وهذا شرط في آيات الانبياء أن PageV01P220 لا يكون ~~لها نظير لغير الانبياء ومن يصدقهم فإذا وجد نظيرها من كل وجه لغير ~~الانبياء ومن شهد لهم بالنبوة لم تكن تلك ms243 من آياتهم بل كانت مشتركة بين من ~~يخبر بنبوتهم ومن لا يخبر بنبوتهم كما يشترك هؤلاء وهؤلاء في الطب ~~والصناعات وأما السحر والكهانة فهو من إعانة الشياطين لبني آدم فإن الكاهن ~~يخبره الجن وكذلك الساحر انما يقتل ويمرض ويصعد في الهواء ونحو ذلك باعانة ~~الشياطين له فأمورهم خارجة عما اعتاده الانس باعانة الشياطين لهم قال تعالى ~~@QB@ ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم ~~من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار ~~مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله @QE@ فالجن والانس قد استمتع بعضهم ~~ببعض فاستخدم هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء في أمور كثيرة كل منهم فعل للآخر ما ~~هو غرضه ليعينه على غرضه والسحر والكهانة من هذا الباب وكذلك ما يوجد لعباد ~~الكفار من المشركين وأهل الكتاب ولعباد المنافقين والملحدين من المظهرين ~~للاسلام والمبتدعين منهم كلها باعانة الجن والشياطين لكن الشياطين تظهر عند ~~كل قوم بما لا ينكرونه فإذا كان القوم كفارا لا ينكرون السحر والكهانة كما ~~كانت العرب وكالهند والترك المشركين ظهروا بهذا الوصف لأن هذا معظم عند تلك ~~الأمة وإن كان هذا مذموما عند أولئك كما قد ظهر ذم هؤلاء عند أهل الملل من ~~المسلمين واليهود والنصارى أظهرته الشياطين فيمن يظهر العبادة ولا يكون ~~مخلصا لله في عبادته متبعا للانبياء بل يكون فيه شرك ونفاق وبدعة فتظهر له ~~هذه الامور التي ظهرت للكهان والسحرة حتى يظن أولئك أن هذه من كرامات ~~الصالحين وأن ما هو عليه هذا الشخص من العبادة هو طريق أولياء الله وإن كان ~~مخالفا لطريق الانبياء حتى يعتقد من يعتقد أن لله طريقا يسلكها اليه ~~أولياؤه غير الايمان بالانبياء وتصديقهم وقد يعتقد بعض هؤلاء أن في هؤلاء ~~من هو أفضل من الانبياء وحقيقة الامر أن هؤلاء عارضوا الانبياء كما كانت ~~تعارضهم السحرة والكهان كما عارضت السحرة لموسى وكما كان كثير من المنافقين ~~يتحاكمون إلى بعض الكهان دون النبي صلى الله عليه وسلم ويجعلونه نظير النبي ~~وكان ms244 في العرب عدة من هؤلاء وكان بالمدينة منهم أبو PageV01P221 برزة ~~الاسلمي قبل أن يسلم كان كاهنا وقد قيل ان الذي أنزل الله تعالى فيه @QB@ ~~ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون ~~أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ~~ضلالا بعيدا @QE@ وقد ذكر قصته غير واحد من المفسرين ولما كان الذين ~~يعارضون آيات الانبياء من السحرة والكهان لا يأتون بمثل آياتهم بل يكون ~~بينهما شبه كشبه الشعر بالقرآن ولهذا قالوا في النبي إنه ساحر وكاهن وشاعر ~~مجنون قال تعالى @QB@ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ~~@QE@ فجعلوا له مثلا لا يماثله بل بينهما شبه مع وجود الفارق المبين وهذا ~~هو القياس الفاسد فلما كان الشعر كلاما له فواصل ومقاطع والقرآن آيات له ~~فواصل ومقاطع قالوا شاعر ولكن شتان وكذلك الكاهن يخبر ببعض المغيبات ولكن ~~يكذب كثيرا وهو يخبر بذلك عن الشياطين وعليه من آثارهم ما يدل على أنه أفاك ~~أثيم كما قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك ~~أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ ثم قال @QB@ والشعراء يتبعهم الغاوون ~~ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون @QE@ فذكر سبحانه ~~الفرق بين النبي وبين الكاهن والشاعر وكذلك الساحر لما كان يتصرف في العقول ~~والنفوس بما يغيرها وكان من سمع القرآن وكلام الرسول خضع له عقله ولبه ~~وانقادت له نفسه وقلبه صاروا يقولون ساحر وشتان وكذلك مجنون لما كان ~~المجنون يخالف عادات الكفار وغيرهم لكن بما فيه فساد لا صلاح والانبياء ~~جاءوا بما يخالف عادات الكفار لكن بما فيه صلاح لا فساد قالوا مجنون قال ~~تعالى @QB@ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ~~أتواصوا به بل هم قوم طاغون @QE@ فتارة يصفونه بغاية الحذر والخبرة ~~والمعرفة فيقولون ساحر وتارة بغاية الجهل والغباوة والحمق فيقولون مجنون ~~وقد ضلوا في هذا وهذا كما قال تعالى @QB@ انظر ms245 كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا ~~فلا يستطيعون سبيلا @QE@ فهم بمنزلة السائر في الطريق وقد ضل عنها يأخذ ~~يمينا وشمالا ولا يهتدي إلى السبيل التي تسلك والسبيل التي يجب سلوكها قول ~~الصدق والعمل بالعدل PageV01P222 والكهانة والسحر يناقض النبوة فإن هؤلاء ~~تعينهم الشياطين تخبرهم وتعاونهم بتصرفات خارقة ومقصودهم الكفر والفسوق ~~والعصيان والانبياء تعينهم الملائكة هم الذين يأتونهم فيخبرونهم بالغيب ~~ويعاونونهم بتصرفات خارقة كما كانت الملائكة تعين النبي صلى الله عليه وسلم ~~في مغازية مثل يوم بدر أمده الله بألف من الملائكة ويوم حنين قال @QB@ ويوم ~~حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم ~~وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم ~~تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من ~~يشاء والله غفور رحيم @QE@ وقال تعالى @QB@ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ ~~أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن ~~الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب @QE@ وقد بين سبحانه أن الذي جاء بالقرآن ملك كريم ليس ~~بشيطان فقال @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم ~~أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما ~~هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون @QE@ ولما كانت الانبياء مؤيدة بالملائكة ~~والسحرة والكهان تقترن بهم الشياطين كان من الفروق التي بينهم الفروق التي ~~بين الملائكة والشياطين والمتفلسفة الذين لم يعرفوا الملائكة والجن كابن ~~سينا وأمثاله ظنوا أن هذه الخوارق من قوى النفس قالوا والفرق بين النبي ~~والساحر أن النبي يأمر بالخير والساحر يأمر بالشر وجعلوا ما يحصل للممرور ~~من هذا الجنس اذ لم يعرفوا صرع الجن للانسان وإن الجني يتكلم على لسان ~~الانسان كما قد عرف ذلك الخاصة والعامة وعرفه علماء الأمة ms246 وأئمتها كما قد ~~بسط في غير هذا الموضع والجهمية المجبرة الذين قالوا ان الله قد يفعل كل ~~ممكن مقدور لا ينزهونه عن فعل شيء ويقولون انه يفعل بلا سبب ولا حكمة وهو ~~الخالق بجميع الحوادث لم يفرقوا بين ما تأتي به الملائكة ولا ما تأتي به ~~الشياطين بل الجميع يضيفونه إلى الله على حد واحد ليس في ذلك حسن ولا قبيح ~~عندهم حتى يأتي الرسول فقبل ثبوت PageV01P223 الرسالة لا يميزون بين شيء من ~~الخير والشر والحسن والقبيح فلهذا لم يفرقوا بين آيات الانبياء وخوارق ~~السحرة والكهان بل قالوا ما يأتي به السحرة والكهان يجوز أن يكون من آيات ~~الانبياء وما ياتي به الانبياء يجوز أن يظهر على أيدي السحرة والكهان لكن ~~ان دل على انتفاء ذلك نص أو إجماع نفوه مع أنه جائز عندهم أن يفعله الله ~~لكن بالخبر علموا أنه لم يفعله فهؤلاء لما رأوا ما جاءت به الانبياء وعلموا ~~أن آياتهم تدل على صدقهم وعلموا ذلك اما بضرورة وإما بنظر واحتاجوا إلى ~~بيان دلائل النبوة على أصلهم كان غاية ما قالوا أنه كل شيء يمكن أن يكون ~~آية للنبي بشرط أن يقترن بدعواه وبشرط أن يتحدى بالاتيان بالمثل فلا يعارض ~~ومعنى التحدي بالمثل أن يقول لمن دعاهم ائتوا بمثله وزعموا أنه اذا كان ~~هناك سحرة وكهان وكانت معجزته من جنس ما يظهر على أيديهم من السحر والكهانة ~~فإن الله لا بد أن يمنعهم عن مثل ما كانوا يفعلونه وأن من ادعى منهم النبوة ~~فانه يمنعه من تلك الخوارق أو يقيض له من يعارضه بمثلها فهذا غاية تحقيقهم ~~وفيه من الفساد ما يطول وصفه وطاعة الجن والشياطين لسليمان صلوات الله عليه ~~لم تكن من جنس معاونتهم للسحرة والكهان والكفار وأهل الضلال والغي ولم تكن ~~الآية والمعجزة والكرامة التي أكرمه الله بها هي ما كانوا يعتادونه مع ~~الانس فإن ذلك انما كان يكون في أمور معتادة مثل اخبارهم أحيانا ببعض ~~الغائبات ومثل إمراضهم وقتلهم لبعض الانس كما أن الانسي قد ms247 يمرض ويقتل غيره ~~ثم هم انما يعاونون الانس على الإثم والعدوان إذا كانت الاناسي من أهل ~~الإثم والعدوان يفعلون ما تهواه الشياطين فتفعل الشياطين بعض ما يهوونه قال ~~تعالى @QB@ ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال ~~أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض @QE@ وأما التسخير الذي سخروه ~~لسليمان فلم يكن لغيره من الانبياء فضلا عمن ليس بنبي وقد سأل ربه ملكا لا ~~ينبغي لاحد من بعده فقال @QB@ رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي إنك أنت الوهاب @QE@ قال تعالى @QB@ فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء ~~حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا ~~فامنن أو أمسك بغير حساب @QE@ PageV01P224 وقال تعالى @QB@ ولسليمان الريح ~~عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين ومن ~~الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن ~~الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ~~يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل ~~داود شكرا وقليل من عبادي الشكور فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته ~~إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ~~ما لبثوا في العذاب المهين @QE@ وكذلك ما ذكره من قول العفريت له @QB@ أنا ~~آتيك به قبل أن تقوم من مقامك @QE@ فهذه الطاعة من التسخبر بغير اختيارهم ~~في مثل هذه الاعمال الظاهرة العظيمة ليس مما فعلته بأحد من الانس وكان ذلك ~~بغير أن يفعل شيئا مما يهوونه من العزائم والاقسام والطلاسم الشركية كما ~~يزعم الكفار أن سليمان سخرهم بهذا فنزهه الله عن ذلك بقوله @QB@ واتبعوا ما ~~تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون ~~الناس السحر @QE@ وأما طاعة الجن لنبينا وغيره من الرسل كموسى فهذا نوع آخر ~~فان هذا ms248 طاعتهم فيما أمرهم الله به من عبادته وطاعته كطاعة الانس لنبينا ~~حيث أرسل إلى الطائفتين فدعاهم إلى عبادة الله وحده وطاعته ونهاهم عن ~~معصيته التي بها يستحقون العذاب في الآخرة وكذلك الرسل دعوهم إلى ذلك ~~وسليمان منهم لكن هذا انما ينتفع به منهم من آمن طوعا ومن لم يؤمن فإنه ~~يكون بحسب شريعة ذلك الرسول هل يترك حتى يكون الله هو الذي ينتقم منه أو ~~يجاهد وسليمان كان على شريعة التوراة واستخدامه لمن لم يؤمن منهم هو مثل ~~استخدام الاسير الكافر فحال نبينا مع الجن والانس أكمل من حال سليمان وغيره ~~فإن طاعتهم لسليمان كانت طاعة ملكية فيما يشاء وأما طاعتهم لمحمد فطاعة ~~نبوة ورسالة فيما يأمرهم به من عبادة الله وطاعة الله واجتناب معصية الله ~~فان سليمان كان نبيا ملكا ومحمد صلى الله عليه وسلم كان عبدا رسولا مثل ~~إبراهيم وموسى وسليمان مثل داود ويوسف وغيرهما مع أن داود PageV01P225 ~~وسليمان ويوسف هم رسل أيضا دعوا إلى توحيد الله وعبادته كما أخبر الله أن ~~يوسف دعا أهل مصر لكن بغير معاداة لمن لم يؤمن ولا إظهار مناوأة بالذم ~~والعيب والطعن لما هم عليه كما كان نبينا أول ما انزل عليه الوحي وكانت ~~قريش اذ ذاك تقره ولا تنكر عليه إلى أن أظهر عيب آلهتهم ودينهم وعيب ما ~~كانت عليه آباؤهم وسفه أحلامهم فهنالك عادوه وآذوه وكان ذلك جهادا باللسان ~~قبل أن يؤمر بجهاد اليد قال تعالى @QB@ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ~~فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا @QE@ وكذلك موسى مع فرعون أمره أن ~~يؤمن بالله وأن يرسل معه بني إسرائيل وان كره ذلك وجاهد فرعون بالزامه بذلك ~~بالآيات التي كان الله يعاقبهم بها إلى أن أهلكه الله وقومه على يديه # ( فصل ) فالذين سموا هذه الآيات خوارق العادات وعجائب ومعجزات اذا جعلوا ~~ذلك شرطا فيها وصفة لازمة لها بحيث لا تكون الآيات الا كذلك فهذا صحيح وإن ~~كانت هذه الامور قد تجعل أمرا عاما فتكون متناولة لآيات الانبياء ms249 وغيرها ~~كالحيوان الذي ينقسم إلى انسان وغير انسان وأما اذا جعلوا ذلك حدا لها ~~وضابطا فلا بد أن يقيدوا كلامهم مثل أن يقولوا خوارق للعادات التي تختص ~~الانبياء أو يقولوا خوارق عادات الناس كلهم غير الانبياء فإن آياتهم لا بد ~~أن تخرق عادة كل أمة من الأمم وكل طائفة من الطوائف لا تختص آياتهم بخرق ~~عادة بلد معين ولا من أرسلوا اليه بل تخرق عادة جميع الخلق إلا الانبياء ~~فإنها اذا كانت معتادة للأنبياء مثل الخبر الصادق بغيب الله تعالى الذي لا ~~يعرف إلا من جهتهم فما كان معتادا للانبياء دون غيرهم فهو من أعظم آياتهم ~~وبراهينهم وإن كان معتادا لهم فإن الدليل هو ما يستلزم المدلول عليه فإذا ~~لم يكن ذلك معتادا الا لنبي كان مستلزما للنبوة وكان من أتى به لا يكون إلا ~~نبيا وهو المطلوب بل لو كان مستلزما للصدق ولا يأتي به الا صادق لكان ~~المخبر عن نبوة نبي إما نبوة نفسه أو نبوة غيرها إذا كان كاذبا لم يحصل له ~~مثل ذلك الدليل الذي هو مستلزم للصدق ولا يحصل أيضا لمن كذب بنبوة نبي صادق ~~اذ هو أيضا كاذب وانما يحصل لمن أخبر بنبوة نبي صادق وحينئذ فيكون ذلك ~~الدليل مستلزما للخبر الصادق بنبوة النبي وهذا هو المطلوب PageV01P226 فإن ~~مدلول الآيات سواء سميت معجزات أو غيرها هو الخبر الصادق بنبوة النبي ~~ومدلولها إخبار الله وشهادته بأنه نبي وأن الله أرسله فقول الله @QB@ محمد ~~رسول الله @QE@ وقوله @QB@ إني رسول الله إليكم @QE@ وقول كل مؤمن انه رسول ~~الله كل ذلك خبر عن رسالته وهذا هو مدلول الآيات وقد يكون مدلول الآيات نفس ~~النبوة التي هي مخبر هذا الخبر ويكون الدليل مثل خبر من الأخبار وهذا من ~~جنس الاول فما دل على نفس النبوة دل على صدق المخبر بها وما دل على صدق ~~المخبر بها دل عليها وأما نفس إخبار الرب بالنبوة وإعلامه بها وشهادته بها ~~قولا وعملا فهو إخبار منه بها وهو الصادق في خبره فإخباره هو ms250 دليل عليها ~~فإنه لا يقول الا الحق ولا يخبر الا بالصدق وايضا فهو الذي أنشأ الرسالة ~~وإرساله بكلامه قد يكون إنشاء للرسالة وقد يكون إخبارا عن إرساله كالذي ~~يرسل رسولا من البشر قد يرسله والناس يسمعون فيقول له اذهب إلى فلان فقل له ~~كذا وكذا وقد يرسله بينه وبينه ثم يقول للناس إني قد أرسلته ويرسله بعلامات ~~وآيات يعرف بها المرسل اليه صدقه وكذلك اذا وصفت بأنها معجزات فلا بد أن ~~يعجز كل من ليس بنبي ولم يشهد للنبي بالنبوة فتعجز جميع المكذبين للرسول ~~والشاكين في نبوته من الجن والانس وكذلك إذا قيل هي عجائب والعجب ما خرج عن ~~نظيره فلم يكن له نظير فلا بد أن يكون من العجائب التي لا نظير لها أصلا ~~عند غير الانبياء لا من الجن ولا من الانس فإذا كان ليس لها نظير في شيء ~~آخر فهذا يؤيد أنها من خصائص الانبياء ومن آياتهم فهذا الموضع من فهمه فهما ~~جيدا تبين له الفرقان في هذا النوع فإن كثيرا من الناس يصفها بأنها خوارق ~~ومعجزات وعجائب ونحو ذلك ولا يحقق الفرق بين من يجب أن يخرق عادته ومعجزه ~~ومن لا يجب أن يكون في حقه كذلك فالواجب أن يخرق عادة كل من لم يقر بنبوة ~~الانبياء فلا يكون لمكذب بنبوتهم ولا لشاك وقولنا يخرق عادتهم هو من باب ~~العادة التي تثبت بمرة ليس من شرط فسادها أن تقع غير مرة مع انتفاء الشهادة ~~بالنبوة بل متى وقعت مرة واحدة مع انتفاء الشهادة بالنبوة لم تكن مختصة ~~بشهادة النبوة ولا بالنبوة فلا يجب أن تكون آية وقولنا ولا يجب أن ~~PageV01P227 تخرق عادات الأنبياء ولم نقل ولا يجوز أن تخرق عادات الانبياء ~~بل قد تكون خارقة أيضا لعادات الانبياء وقد خص بها نبي واحد مثل أكثر آيات ~~الانبياء فإن كل نبي خص بآيات لكن لا يجب في آيات الانبياء ان تكون مختصة ~~بنبي بل ولا يجب أن يختص ظهورها على يد النبي بل متى اختصت به وهي ms251 من ~~خصائصه كانت آيه له سواء وجدت قبل ولادته أو بعد موته أو على يد أحد من ~~الشاهدين له بالنبوة فكل هذه من آيات الانبياء والذين قالوا من شرط الآيات ~~أن تقارن دعوى النبوة غلطوا غلطا عظيما وسبب غلطهم أنهم لم يعرفوا ما يخص ~~بالآيات ولم يضبطوا خارق العادة بضابط يميز بينها وبين غيرها بل جعلوا ما ~~للسحرة والكهان هو أيضا من آيات الانبياء إذا اقترن بدعوى النبوة ولم ~~يعارضه معارض وجعلوا عدم المعارض هو الفارق بين النبي وغيره وجعلوا دعواه ~~النبوة جزءا من الآية فقالوا هذا الخارق إن وجد مع دعوى النبوة كان معجزة ~~وإن وجد بدون دعوى النبوة لم يكن معجزة فاحتاجوا لذلك أن يجعلوه مقارنا ~~للدعوى قالوا والدليل على ذلك أن مثل آيات الانبياء يأتي في آخر الزمان إذا ~~جاءت أشراط الساعة ومع ذلك ليس هو من آياتهم وكذلك قالوا في كرامات ~~الأولياء وليس الامر كذلك بل أشراط الساعة هي من آيات الانبياء من وجوه ~~منها أنهم أخبروا بها قبل وقوعها فإذا جاءت كما أخبروا كان ذلك من آياتهم ~~ومنها أنهم أخبروا بالساعة فهذه الاشراط مصدقة لخبرهم بالساعة وكل من آمن ~~بالساعة آمن بالانبياء وكل من كذب الانبياء كذب الساعة قال تعالى @QB@ ~~وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن ~~حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به @QE@ فكل من آمن بالآخرة فقد آمن ~~بالقرآن فاذا جاءت أشراط الساعة كانت دليلا على صدق خبرهم أن الساعة حق وأن ~~القرآن حق وكان هذا من الآيات الدالة على صدق ما جاء به الرسول من القرآن ~~وهو المطلوب فلا يوجد خرق عادة PageV01P228 لجميع الناس إلا وهو من آيات ~~الانبياء وكذلك الذي يقتله الدجال ثم يحييه فيقوم فيقول أنت الأعور الكذاب ~~الذي ms252 أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما ازددت فيك إلا بصيرة ~~فيريد الدجال أن يقتله فلا يقدر على ذلك فهذا الرجل بعد أن قتل وقام يقول ~~للدجال أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والله ما ازددت فيك بهذا القتل إلا بصيرة ثم يريد الدجال أن يقتله فلا يقدر ~~عليه فعجزه عن قتله ثانيا مع تكذيب الرجل له بعد أن قتله وشهادته للرسول ~~محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة هو من خوارق العادات التي لا توجد إلا ~~لمن شهد للأنبياء بالرسالة وهذا الرجل هو من خيار أهل الأرض المسلمين فهذا ~~الخارق الذي جرى فيه هو من خصائص من شهد لمحمد بالنبوة فهو من أعلام النبوة ~~ودلائلها وكونه قتل أولا أبلغ في الدلالة فإن ذلك لم يزغه ولم يؤثر فيه ~~وعلم أنه لا يسلط عليه مرة ثانية فكان هذا اليقين والإيمان مع عجزه عنه هو ~~من خوارق الآيات ومعلوم أن قتله ممكن في العادة فعجزه عن قتله ثانيا هو ~~الخارق للعادة ودل ذلك على أن إحياء الله له لم يكن معجزة للدجال ولا ليبين ~~بها صدقه لكن أحياه ليكذب الدجال وليبين أن محمدا رسول الله وأن الدجال ~~كذاب وأنه هو الأعور الكذاب الذي أنذر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال ~~ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الدجال وسأقول لكم فيه قولا لم يقله ~~نبي لأمته إنه أعور وإن الله ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن ~~قارئ وغير قارئ وفي بعض الأحاديث الصحيحة واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه ~~حتى يموت فذكر لهم آيات ظاهرة يشترك فيها الناس تبين لهم كذبه فيما يدعيه ~~من الربوبية اذ كان كثير من الناس يجوزون ظهور الإله في البشر النصارى وغير ~~النصارى وما يأتي به الدجال إنما يحار فيه ويراه معارضا لآيات الانبياء من ~~لم يحكم الفرقان فقوم يكذبون أن يأتي بعجيب ويقولون ما معه الا التمويه كما ~~قالوا في ms253 السحر والكهانة مثل كثير من المعتزلة والظاهرية كابن حزم وقوم ~~يقولون لما ادعى الإلهية كانت الدعوى معلومة البطلان فلم يظهر الخارق كما ~~يقول ذلك القاضي أبو بكر وطائفة ويدعون أن النصارى اعتقدت في المسيح ~~الإلهية لكونه أتى بالخوارق مع إقراره بالعبودية فكيف بمن يدعي الالهية ~~ولكن هذا الخارق الذي يظهره PageV01P229 الله في هذا الرجل الصالح الذي طلب ~~منه الدجال أن يؤمن به فلم يفعل بل كذبه وقال أنت الأعور الدجال الذي ~~أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم فقتله ثم أحياه الله فقال له أنت ~~الأعورالدجال فكذبه قبل أن قتل وبعد ما أحياه الله وأراد الدجال قتله ثانية ~~فلم يمكن فعجزه عن قتله ثانيا من أعظم الخوارق مع تكذيبه وأما إحياؤه مع ~~تكذيبه له أولا وعجزه ثانيا عن قتله فليس بخارق فهذا إحياء معين معه دلائل ~~معدودة تبين أنه من الآيات الدالة على صدق الرسول لا على صدق الدجال وتبين ~~بذلك أن الآيات جميعها تدل على صدق الأنبياء فان آيات الله مرة أو مرتين أو ~~ثلاثا لا يشترط في ذلك تكرار بل شرطها ان لا يكون لها نظير في العالم لغير ~~الانبياء ومن يشهد بالنبوة ولم يوجد لغيرهم كان هذا دليلا على أنها مختصة ~~بالانبياء ومن أطلق خرق العادة ولم يفسره ويبينه فلم يعرف خاصتها بل ظن أن ~~ما وجد من السحر والكهانة خرق عادة أو ظن أن خرق العادة أن لا يعارضها ~~معارض من المرسل اليهم وكثير من المتنبئين الكذابين أتوا بخوارق من جنس ~~خوارق السحرة والكهان ولم يكن من أولئك القوم من أتى بمثلها لكن قد علم أن ~~في العالم مثلها في غير ذلك المكان أو في غير ذلك الزمان وإنما الخارق كما ~~قال في القرآن @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ ولهذا قال في آيات ~~التحدي @QB@ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ms254 @QE@ وقال في تلك الآية @QB@ فإن لم ~~يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو @QE@ فلم يكتف ~~بعجز المدعوين بل أمرهم أن يدعوا إلى معاونتهم كل من استطاعوا أن يدعوه من ~~دون الله وهذا تعجيز لجميع الخلق الانس والجن والملائكة وقال في البقرة ~~@QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين @QE@ أي ادعوا كل من يشهد لكم فيوافقكم ~~على أن هذا ليس من عند الله ادعوا كل من لم يقر بأن هذا منزل من الله فهذا ~~تعجيز لكل من لم يؤمن به ومن آمن به وبقي في ريب بل قد علم أنه من عند الله ~~وهذا التحدي في البقرة وهي مدنية بعد يونس وهود ولهذا PageV01P230 قال @QB@ ~~وإن كنتم في ريب @QE@ وهناك قال @QB@ أم يقولون افتراه @QE@ فهذا تحد لكل ~~مرتاب وذاك تحد لكل مثل مكذب ولهذا قيل في ذلك @QB@ من استطعتم @QE@ فإنه ~~أبلغ وقيل في هذا @QB@ شهداءكم @QE@ وقد قال بعض المفسرين شهداءكم آلهتكم ~~وقال بعضهم من يشهد أن الذي جئتم به مثل القرآن والصواب أن شهداءهم الذين ~~يشهدون لهم كما ذكره ابن اسحاق باسناده المعروف عن ابن عباس قال شهداءكم من ~~استطعتم من أعوانكم على ما أنتم عليه وقال السدي عن أبي مالك شهداءكم من ~~دون الله أي شركاءكم فإن هؤلاء هم الذين يتصور منهم المعارضة اذا كانوا في ~~ريب منه أما من أيقن أنه من عند الله فانه يمتنع أن يقصد معارضته لعلمه بان ~~الخلق عاجزون عن ذلك والله تعالى شهد لمحمد بما أظهره من الآيات فادعوا من ~~يشهد لكم وهؤلاء يشهدون من دون الله لا يشهدون بما شهد الله به فتكون ~~شهادتهم مضادة لشهادة الله كما قال @QB@ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله ~~بعلمه والملائكة يشهدون @QE@ وقال @QB@ قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن ~~عنده علم الكتاب @QE@ كما قال @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولو العلم @QE@ وقد قلنا يجوز أن ms255 تكون آياتهم خارقة لعادة جميع الخلق الا ~~للنبي لكن لا يجب هذا فيها فإن قيل قد ذكرتم أن آيات الانبياء هي الخوارق ~~التي تخرق عادة جميع الثقلين فلا تكون لغير الانبياء ولغير من شهد لهم ~~بالنبوة وهذا كلام صحيح فصلتم به بين آيات الانبياء وغيرهم بفصل مطرد منعكس ~~بخلاف من قال هي خرق العادة ولم يميز بينها وبين غيرها وتكلم في خرق العادة ~~بكلام متناقض تارة يمنع وجود السحر والكهانة وتارة يجعل هذا الجنس من ~~الآيات ولكن الفرق عدم المعارضة لكن لم يذكروا الفرق في نفس الامر ونفس ~~كونها معجزة وخارقا وآية لماذا كان وما هو الوصف الذي امتازت به حتى صارت ~~آية ودليلا دون غيرها فذكرتم الدليل لكن لم تذكروا الحقيقة التي بها صار ~~الدليل دليلا قيل لا بد أن تكون مما يعجز عنها الانس والجن فان هذين ~~الثقلين بعث اليهم الرسل كما قال تعالى @QB@ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم ~~رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على ~~أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين @QE@ ~~PageV01P231 وقال تعالى @QB@ وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون ~~عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب ~~على الكافرين @QE@ والانس والجن منهم من آمن بالرسل ومنهم من كذبهم فلا بد ~~أن يكون مما لا يقدر عليها جنس الانس والجن ثم الكرامات يخص بها المؤمنين ~~من الطائفتين وأما آيات الأنبياء التي بها تثبت نبوتهم وبها وجب على الناس ~~الإيمان بهم فهي أمر يخص الانبياء لا يكون للاولياء ولا لغيرهم بل يكون من ~~المعجزات الخارقة للعادات الناقضة لعادات جميع الانس والجن غير الانبياء ~~فما كان الإنس أو الجن يقدرون عليه فلا يكون وحده آية للنبي وما تقدر عليه ~~الملائكة فذاك قد يكون من آياتهم لانهم لم يرسلوا إلى الملائكة والملائكة ~~لا تفعل شيئا الا بإذن الله فما تفعله الملائكة معهم فهو بإذن الله وهو ما ~~خص به الانبياء بخلاف الإنس والجن وخاصتها ms256 التي تمتاز بها عن غيرها أن تكون ~~آية ودليلا على نبوتهم فكل ما استلزم نبوتهم فهو آية لهم وما لا يستلزم ~~نبوتهم فليس بآية وليست مختصة بجنس من الموجودات بل تكون في جنس العلم ~~والاخبار بغيب الرب الذي اختص به وتكون في جنس القدرة والتصرف والتأثير في ~~العالم وهي مقدورة للرب فله سبحانه أن يجعلها في أي جنس كان من المقدورات ~~ولهذا تنوعت آيات الانبياء بل النبي الواحد تتنوع آياته فليس القرآن الذي ~~هو قول الله وكلامه من جنس انشقاق القمر ولا هذا وهذا من جنس تكثير الطعام ~~والشراب كنبع الماء من بين الاصابع وهذا كما أن آيات الرب الدالة على قدرته ~~ومشيئته وحكمته وأمره ونهيه لا تختص بنوع فكذلك آيات أنبيائه فهذا مما ~~ينبغي أن يعرف ولكن خاصتها أنها لا تكون إلا مستلزمة لصدق النبي وصدق الخبر ~~بأنه من نبي فلا تكون لمن يكذبه قط ولا يقدر أحد من مكذبي الانبياء أن يأتي ~~بمثل آيات الانبياء وأما مصدقوهم فهم معترفون بأن ما يأتون به هو من آيات ~~الانبياء مع أنه لا تصل آيات الاتباع إلى مثل آيات المتبوع مطلقا وإن كانوا ~~قد يشاركونه في بعضها كاحياء الموتى وتكثير الطعام والشراب فلا يشركونه في ~~القرآن وفلق البحر وانشقاق القمر لأن الله فضل الانبياء على غيرهم ~~PageV01P232 وفضل بعض النبيين على بعض فلا بد أن يمتاز الفاضل بما لا يقدر ~~المفضول على مثله اذ لو أتى بمثل ما أتى لكان مثله لا دونه # ( فصل ) وكثير من هؤلاء مضطربون في مسمى العادة التي تخرق والتحقيق أن ~~العادة أمر إضافي فقد يعتاد قوم مالم يعتده غيرهم فهذه إذا خرقت فليست إلا ~~لصدق النبي لا توجد بدون صدقه والرب تعالى في الحقيقة لا ينقض عادته التي ~~هي سنته التي قال فيها @QB@ سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا @QE@ وقال @QB@ فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله ~~تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا @QE@ وهي التسوية بين المتماثلين والتفريق ~~بين ms257 المختلفين فهو سبحانه إذا ميز بعض المخلوقات بصفات يمتاز بها عن غيره ~~ويختصه بها قرن بذلك من الأمور ما يمتاز به عن غيره ويختص به ولا ريب أن ~~النبوة يمتاز بها الأنبياء ويختصون بها والله تعالى يصطفي من الملائكة رسلا ~~ومن الناس وهو أعلم حيث يجعل رسالته فمن خصه بذلك كان له من الخصائص التي ~~لا تكون لغيره ما يناسب ذلك فيستدل بتلك الخصائص على أنه من أهل الاختصاص ~~بالنبوة وتلك سنته وعادته في أمثاله يميزهم بخصائص يمتازون بها عن غيرهم ~~ويعلم أن أصحابها من ذلك الصنف المخصوص الذين هم الانبياء مثلا ولم تكن له ~~سبحانه عادة بان يجعل مثل آيات الانبياء لغيرهم حتى يقال إنه خرق عادته ~~ونقضها بل عادته وسنته المطردة أن تلك الآيات لا تكون الا مع النبوة ~~والإخبار بها لا مع التكذيب بها أو الشك فيها كما أن سنته وعادته أن محبته ~~ورضاه وثوابه لا يكون إلا لمن عبده وأطاعه وأن سنته وعادته أن يجعل العاقبة ~~للمتقين وسنته وعادته أنه ينصر رسله والذين آمنوا كما قال تعالى @QB@ ولو ~~قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله ~~التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا @QE@ وكل ما يظن أنه خرقه من ~~العادات فله أسباب انخرقت فيها تلك العادات فعادته وسنته لا تتبدل اذ ~~أفعاله جارية على وجه الحكمة والعدل هذا قول الجمهور وأما من لا يثبت سببا ~~ولا حكمة ولا عدلا فإنهم يقولون انه يخرق عادات لا لسبب ولا لحكمة ويجوزون ~~أن يقلب الجبل ياقوتا والبحر لبنا والحجارة آدميين ونحو PageV01P233 ذلك مع ~~بقاء العالم على حاله ثم يقولون مع هذا ولكن نعلم بالضرورة أنه لم يفعل ذلك ~~ويقولون العقل هو علوم ضرورية كالعلوم بجاري العادات وهذا تناقض بين فإنهم ~~اذا جوزوا هذا ولم يعلموا فرقا بين ما يقع منه وما لا يقع كان الجزم بوقوع ~~هذا دون هذا جهلا وغاية ما عندهم ان قالوا يخلق في قلوبنا علم ضروري بأن ms258 ~~هذا لم يقع ويخلق في قلوبنا علم ضروري بأن الله خرق العادة لتصديق هذا ~~النبي فيقال اذا كان قد جعل الله في قلوبكم علما ضروريا كما جعله في قلوب ~~أمثالكم فأنتم صادقون فيما تخبرون به عن أنفسكم من العلم الضروري لكن خطاكم ~~اعتقادكم أن العادات قد ينقضها الله بلا سبب ولا لحكمة فهذا ليس معلوما لكم ~~بالضرورة وخطاكم من حيث جوزتم ان يكون شيئان متساويان من كل وجه ثم يعلم ~~بضرورة أو نظر ثبوت أحدهما وانتفاء الآخر فإن هذا تفريق بين المتماثلين ~~وهذا قدح في البديهيات فإن أصل العلوم العقلية النظرية اعتبار الشيء بمثله ~~وأن حكمه حكم مثله فإذا جوزتم أن يكون الشيئان متماثلين من كل وجه وأن ~~العقل يجزم بثبوت أحدهما وانتفاء الآخر كان هذا قدحا في أصل كل علم وعقل ~~وإذا قلتم ان العادات جميعها سواء وان الله يفعل ما يفعل بلا سبب ولا حكمة ~~بل محض المشيئة مع القدرة رجحتم هذا على هذا وقلتم لا فرق بين قلب الجبال ~~بواقيت والبحار لبنا وبين غير ذلك من العادات وجوزتم أن يجعل الله الحجارة ~~آدميين علماء من غير سبب تغير به المخلوقات كان هذا قدحا في العقل فلا أنتم ~~عرفتم سنة الله المعتادة في خلقه ولا عرفتم خاصة العقل وهو التسوية بين ~~المتماثلين فإنه سبحانه لم يخرق قط عادة الا لسبب يناسب ذلك فلق البحر ~~لموسى وغير ذلك من الآيات التي بعث بها فإن ذلك خلقه ليكون آية وعلامة وكان ~~ذلك بسبب نبوة موسى وانجائه قومه وبسبب تكذيب فرعون ومن جوز أن ذلك البحر ~~أو غيره ينفلق كما انفلق لموسى من غير أن يكون هناك سبب إلهي يناسب ذلك فهو ~~مصاب في عقله ولهذا اضطرب أصحاب هذا القول ولم يكن عندهم ما يفرقون بين ~~دلائل النبوة وغيرها وكانت آيات الانبياء والعلم بأنها آيات ان حققوها على ~~وجهها فسدت أصولهم وإن طردوا أصولهم كذبوا العقل والسمع ولم يمكنهم لا ~~تصديق الانبياء ولا العلم بغير ذلك من PageV01P234 أفعال الله تعالى التي ms259 ~~يفعلها بأسباب وحكم كما قد بسط هذا في موضع آخر # ( فصل ) ودليل الشيء مشروط بتصور المدلول عليه فلا يعرف آيات الانبياء ~~إلا من عرف ما اختص به الانبياء وامتازوا به عمن سواهم والنبوة مشتقة من ~~الانباء والنبي فعيل وفعيل قد يكون بمعنى فاعل أي منبئ وبمعنى مفعول أي ~~منبأ وهما هنا متلازمان فالنبي الذي ينبئ بما أنبأه الله به والنبي الذي ~~نبأه الله وهو منبأ بما أنبأه الله به وما أنبأه الله به لا يكون كذبا وما ~~أنبأ به النبي عن الله لا يكون يطابق كذبا لا خطأ ولا عمدا فلا بد أن يكون ~~صادقا فيما يخبر به عن الله يطابق خبره مخبره لا تكون فيه مخالفة لا عمدا ~~ولا خطأ وهذا معنى قول من قال هم معصومون فيما يبلغونه عن الله لكن لفظ ~~الصادق وإن النبي صادق مصدوق نطق به القرآن وهو مدلول الآيات والبراهين ~~ولفظ العصمة في القرآن جاء في قوله @QB@ والله يعصمك من الناس @QE@ أي من ~~أذاهم فمعنى هذا اللفظ في القرآن هو الذي يحفظه الله عن الكذب خطأ وعمدا ~~والتعبير عن حقائق الايمان بعبارات القرآن أولى من التعبير عنها بغيرها فان ~~ألفاظ القرآن يجب الايمان بها وهي تنزيل من حكيم حميد والأمة متفقة عليها ~~ويجب الاقرار بمضمونها قبل أن تفهم وفيها من الحكم والمعاني مالا تنقضي ~~عجائبه والألفاظ المحدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع ثم قد يجعل اللفظ حجة ~~بمجرده وليس هو قول الرسول الصادق المصدوق وقد يضطرب في معناه وهذا أمر ~~يعرفه من جربه من كلام الناس فالاعتصام بحبل الله يكون بالاعتصام بالقرآن ~~والاسلام كما قال تعالى @QB@ واعتصموا بحبل الله جميعا @QE@ ومتى ذكرت ~~ألفاظ القرآن والحديث وبين معناها بيانا شافيا فإنها تنظم جميع ما يقوله ~~الناس من المعاني الصحيحة وفيها زيادات عظيمة لا توجد في كلام الناس وهي ~~محفوظة مما دخل في كلام الناس من الباطل كما قال @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون @QE@ وقال تعالى @QB@ وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ms260 ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد @QE@ وقال تعالى @QB@ كتاب أحكمت ~~آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير @QE@ وقال @QB@ تلك آيات الكتاب الحكيم ~~@QE@ وفيه PageV01P235 من دلائل الربوبية والنبوة والمعاد مالا يوجد في ~~كلام أحد من العباد ففيه أصول الدين المفيدة لليقين وهي أصول دين الله ~~ورسوله لا اصول دين محدث ورأي مبتدع وقد يكون معصوما على لغة القرآن بمعنى ~~أن الله عصمه من الشياطين شياطين الانس والجن وأن يغيروا ما بعث به أو ~~يمنعوه عن تبليغه فلا يكتم ولا يكذب كما قال تعالى @QB@ عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ~~@QE@ فهو يسلك الوحي من بين يدي الرسول ومن خلفه وهذا في معنى عصمته من ~~الناس فهو المؤيد المعصوم بما يحفظه الله من الإنس والجن حتى يبلغ رسالات ~~ربه كما أمر فلا يكون فيها كذب ولا كتمان ولفظ الإنباء يتضمن معنى الإعلام ~~والإخبار لكنه في عامة موارد استعماله أخص من مطلق الأخبار فهو يستعمل في ~~الإخبار بالامور الغائبة المختصة دون المشاهدة المشتركة كما قال @QB@ ~~وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم @QE@ وقال @QB@ فلما نبأها به ~~قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير @QE@ وقال @QB@ قل هو نبأ عظيم ~~أنتم عنه معرضون @QE@ وقال @QB@ عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه ~~مختلفون @QE@ وقال @QB@ وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب ~~يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا @QE@ وقال @QB@ ~~ولتعلمن نبأه بعد حين @QE@ وقال @QB@ لكل نبإ مستقر @QE@ وقال @QB@ أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين @QE@ إلى قوله @QB@ قال يا آدم أنبئهم ~~بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون @QE@ وقوله @QB@ يعتذرون إليكم إذا ~~رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى ~~الله عملكم ورسوله ثم تردون ms261 إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم ~~تعملون @QE@ فهذا في خطاب المنافقين ولم يقل والمؤمنون لأنهم لم يكونوا ~~يطلعون المؤمنين على ما في بطونهم وهذا بخلاف قوله @QB@ يومئذ تحدث أخبارها ~~بأن ربك أوحى لها @QE@ فإنها أمور مشهودة يعرفها PageV01P236 الناس لكن ~~العجب كون الأرض تخبر بذلك فالعجب في المخبر لا في الخبر كشهادة الأعضاء ~~وقال @QB@ قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ~~نبئوني بعلم إن كنتم صادقين @QE@ وجمع النبي أنبياء مثل ولي وأولياء ووصي ~~وأوصياء وقوي وأقوياء ويشبهه حبيب وأحباء كما قال تعالى @QB@ وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه @QE@ ففعيل اذا كان معتلا أو مضاعفا جمع ~~على أفعلاء بخلاف حكيم وحكماء وعليم وعلماء وهو من النبا وأصله الهمزة وقد ~~قرئ به وهي قراءة نافع يقرأ النبئ لكن لما كثر استعماله لينت همزته كما فعل ~~مثل ذلك في الذرية وفي البرية وقد قيل هو من النبو وهو العلو فمعنى النبي ~~المعلى الرفيع المنزلة والتحقيق أن هذا المعنى داخل في الأول فمن أنبأه ~~الله وجعله منبئا عنه فلا يكون الا رفيع القدر عليا وأما لفظ العلو والرفعة ~~فلا يدل على خصوص النبوة اذ كان هذا يوصف به من ليس بنبي بل يوصف بأنه ~~الأعلى كما قال @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون @QE@ وقراءة الهمز ~~قاطعة بأنه مهموز وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنا نبي ~~الله ولست بنبئ الله فما رأيت له إسنادا لا مسندا ولا مرسلا ولا رأيته في ~~شيء من كتب الحديث ولا السير المعروفة ومثل هذا لا يعتمد عليه واللفظان ~~مشتركان في الاشتقاق الأكبر فكلاهما فيه النون والباء وفي هذا الهمزه وفي ~~هذا الحرف المعتل لكن الهمزة أشرف فإنها أقوى قال سبويه هي نبوة من الخلق ~~تشبه التهوع فالمعنى الذي يدل عليه ويمكن أن تلين فتصير حرفا معتلا فيعبر ~~عنه باللفظين بخلاف المعتل فإنه لا يجعل همزة فلو كان أصله نبي مثل علي ~~ووصي وولي لم يجز أن يقال بالهمز كما لا ms262 يقال علئ ووصيء ووليء بالهمز وإذا ~~كان أصله الهمز جاز تليين الهمزة وإن لم يكثر استعماله كما في لفظ خبئ ~~وخبيئة وأيضا فإن تصريفه أنبأ ونبأ وينبئ بالهمزة ولم يستعمل فيه نبا ينبو ~~وإنما يقال هذا ينبو عنه والماء ينبو عن القدم اذا كان يجفو عنها ويقال ~~النبوة وفي فلان نبوة عنا أي مجانبة فيجب القطع بأن النبي ماخوذ من الإنباء ~~لا من النبوة والله أعلم # ( فصل ) قد تقدم أن للناس في وجه دلالة المعجزات وهي آيات الأنبياء على ~~PageV01P237 نبوتهم طرقا متعددة منهم من قال دلالتها على التصديق تعلم ~~بالضرورة ومنهم من قال تعلم بالنظر والاستدلال وكلا القولين صحيح فإن كثيرا ~~من العلوم في هذا الباب كدلالة الأخبار المتواترة فإنه قد يحصل بالخبر علم ~~ضروري وقد يحصل العلم بالاستدلال وطائفة منهم الكعبي وأبو الحسين البصري ~~وأبو الخطاب أنه نظري والتحقيق أن كلا القولين حق فإنه يحصل بها علم ضروري ~~والادلة النظرية توافق ذلك وكذلك كثير من الادلة والعلامات والآيات من ~~الناس من يعرف استلزامها للوازمها بالضرورة ويكون اللزوم عنده بينا لا ~~يحتاج فيه إلى وسط ودليل ومنهم من يفتقر إلى دليل ووسط يبين له ان هذا ~~الدليل مستلزم لهذا الحكم لازم له ومن تأمل معارف الناس وجد أكثرها من هذا ~~الضرب فقد يجيء المخبر اليهم بخبر فيعرف كثير منهم صدقه أو كذبه بالضرورة ~~لأمور تقترن بخبره وآخرون يشكون في هذا ثم قد يتبين لبعضهم بأدلة وقد لا ~~يتبين وكثير من الناس يعلم صدق المخبر بلا آية البتة بل إذا أخبره وهو خبير ~~بحاله أو بحال ذلك المخبر به أو بهما علم بالضرورة إما صدقه وإما كذبه ~~وموسى بن عمران لما جاء إلى مصر فقال لهارون وغيره ان الله أرسلني علموا ~~صدقه قبل أن يظهر لهم الآيات ولما قال لهارون ان الله قد أمرك أن تؤازرني ~~صدقه هارون في هذا لما يعلم من حاله قديما ولما رأى من تغير حاله الدال على ~~صدقه وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر ms263 حاله لخديجة وغيرها وذهبت به ~~إلى ورقة بن نوفل وكان عالما بالكتاب الأول فذكر له النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما يأتيه علم أنه صادق وقال هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى ~~ياليتني فيها جذعا ياليتني أكون حيا حين يخرجك قومك قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أومخرجي هم قال نعم لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وإن ~~يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا وكذلك النجاشي لما سمع القرآن قال إن هذا ~~والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة وكذلك أبو بكر وزيد بن حارثة ~~وغيرهما علموا صدقه علما ضروريا لما أخبرهم بما جاء به وقرأ عليهم ما أنزل ~~عليه وبقي القرآن الذي قرأه آية وما يعرفون من صدقه وأمانته مع غير ذلك من ~~القرائن يوجب علما ضروريا بأنه صادق وخبر الواحد المجهول من آحاد الناس قد ~~تقترن به القرائن يعرف بها صدقه بالضرورة فكيف PageV01P238 بمن عرف صدقه ~~وأمانته وأخبر بمثل هذا الأمر الذي لا يقوله إلا من هو من أصدق الناس أو من ~~أكذبهم وهم يعلمون أنه من الصنف الأول دون الثاني فإذا كان العلم بصدقه بلا ~~آية قد يكون علما ضروريا فكيف بالعلم بكون الآية علامة على صدقه وجميع ~~الأدلة لا بد أن تعرف دلالتها بالضرورة فإن الأدلة النظرية لا بد أن تنتهي ~~إلى مقدمات ضرورية وأكثر الخلق اذا علموا ما جاء به موسى والمسيح ومحمد ~~علموا صدقهم بالضرورة ولهذا لا يوجد أحد قدح في نبوتهم إلا أحد رجلين إما ~~رجل جاهل لم يعرف أحوالهم واما رجل معاند متبع لهواه وعامة من كذبهم في ~~حياتهم كان معاندا فالرؤساء كذبوهم لئلا تزول رئاستهم أو مأكلتهم والاتباع ~~طاعة لكبرائهم كما أخبر الله بمثل ذلك في غير موضع من القرآن لم يكن ~~التكذيب لقيام حجة تدل على الكذب فإنه يمتنع قيام دليل يدل على الكذب ~~فالمكذب مفتر متكلم بلا علم ولا دليل قطعا وكذلك كل من كذب بشيء من الحق أو ~~صدق بشيء من الباطل يمتنع ms264 أن يكون عليه دليل صحيح فإن الدليل الصحيح يستلزم ~~مدلوله فإذا كان المدلول منتفيا امتنع أن يكون عليه دليل صحيح وكثير من ~~الناس قد يكون شاكا لعدم طلبه العلم وإعراضه عنه فالمكذب متكلم بلا علم ~~قطعا والشاك معرض عن طلب العلم مقصر مفرط ولو طلب العلم تبين له الحق اذا ~~كان متمكنا من معرفة أدلة الحق وأما من لم يصل اليه الدليل ولا يتمكن من ~~الوصول اليه فهذا عاجز وأما الذين سلكوا طريق الحكمة فلهم أيضا مسالك مثل ~~أن يقال ان الله سبحانه وتعالى اذا بعث رسولا أمر الناس بتصديقه وطاعته فلا ~~بد أن ينصب لهم دليلا يدلهم على صدقه فإن ارسال رسول بدون علامة وآية تعرف ~~المرسل اليهم أنه رسول قبح وسفه في صرائح العقول وهو نقص في جميع الفطر وهو ~~سبحانه منزه عن النقائص والعيوب ولهذا ينكر على المشركين أنهم يصفونه بما ~~هو عندهم عيب ونقص لا يرضونه لأنفسهم مثل كون مملوك أحدهم شريكه يساويه فإن ~~هذا من النقائص والعيوب التي ينزهون أنفسهم عنها ويعيبون ذلك على من فعله ~~من الناس فإذا كان هذا عيبا ونقصا لا يرضاه الخلق لانفسهم لمنافاته الحكمة ~~والعدل فإن الحكمة والعدل تقتضي وضع كل شيء موضعه الذي يليق به ويصلح به ~~فلا تكون العين PageV01P239 كالرجل ولا الإمام الذي يؤتم به في الدين ~~والدنيا في آخر المراتب والسفلة من أتباعه في أعلى المراتب فكذلك المالك لا ~~يكون مملوكه مساويا له فإن ذلك يناقض كون أحدهما مالكا والآخر مملوكا ولهذا ~~جاءت الشريعة بأن المرأة لا تتزوج عبدها لتناقض الأحكام فان الزوج سيد ~~المرأة وحاكم عليها والمالك سيد المملوك وحاكم عليه فإذا جعل مملوكها زوجها ~~الذي هو سيدها تناقضت الأحكام فهذا وأمثاله مما يبين أن هذه القضية مستقرة ~~في فطر العقلاء ولهذا قال تعالى @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ~~ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم ~~أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم ms265 بغير علم ~~فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين @QE@ وكذلك كل أحد يعلم بفطرته أن ~~الذكر أفضل من الأنثى وكانت العرب أشد كراهية للبنات من غيرهم حتى كان منهم ~~ن يئد البنات ويدفن البنت وهي حية حتى قال تعالى @QB@ وإذا الموؤودة سئلت ~~بأي ذنب قتلت @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في ~~التراب @QE@ وكانوا لا يورثون الاناث وقد قالت أم مريم @QB@ وليس الذكر ~~كالأنثى @QE@ وكان من الكفار من جعل له الإناث أولادا وشركاء قال تعالى ~~@QB@ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك ~~إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى وما لهم به من ~~علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل ~~وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم ~~يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون @QE@ يعني ساء الحكم حكمهم أي بئس الحكم ~~حكمهم كما يقال بئسما فعل وبئسما حكم حيث حكموا بأن لله البنات ولهم ما ~~يشتهون فهذا حكم جائر كما أن تلك القسمة قسمة جائرة عوجاء فهذا حكمهم بينهم ~~وبين ربهم PageV01P240 وهذا قسمهم يجعلون لانفسهم أفضل النوعين ولربهم أدنى ~~النوعين وهو مثل السوء ولله المثل الأعلى فالواجب أن يكون أفضل الأنواع ~~وأكملها لله وما فيها نقص وعيب فالمخلوق أحق بها من الخالق اذ كان كل كمال ~~في المخلوق فهو من خالقه فيمتنع أن يكون الانقص خلق الاكمل والفلاسفة ~~يقولون بعبارتهم كل كمال في المعلول فهو من العلة وأيضا فالموجود الواجب ~~أكمل من الممكن والقديم أكمل من المحدث والغني أكمل من الفقير فيمتنع اتصاف ~~الأكمل بالنقائص واتصاف الأنقص بالكمالات ولهذا يوصف سبحانه بأنه الأكرم ~~والأكبر ms266 والأعلى وأنه أرحم الراحمين وخير الحاكمين وخير الغافرين وأحسن ~~الخالقين فلا يوصف قط الا بما يوجب اختصاصه بالكمالات والممادح والمحاسن ~~التي لا يساويه فيها غيره فضلا عن أن يكون لغيره النوع الفاضل وله النوع ~~المفضول ولهذا عاب الله المشركين بان @QB@ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا ~~يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون @QE@ فبئس ~~الحكم حكمهم في هذا كما أنه بئس الحكم حكمهم في جعل الذكور لهم والاناث له ~~وساء بمعنى بئس كقوله @QB@ ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا @QE@ أي بئس ~~مثلا مثلهم ولهذا قالوا في قوله @QB@ ساء ما يحكمون @QE@ بئسما يقضون وقال ~~تعالى @QB@ أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون ~~قولا عظيما @QE@ وقال تعالى @QB@ وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور ~~مبين أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن ~~مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ~~وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسألون @QE@ فهذه الطريقة وهي أن ما يستحقه المخلوق من الكمال الذي لا نقص ~~فيه فالخالق أولى به وما ينزه عنه المخلوق من العيوب المذمومة فالخالق ~~تعالى أولى بتنزيهه عن كل عيب وذم وهو سبحانه القدوس السلام الحميد المجيد ~~من ابلغ الطرق البرهانية وهي مستعملة في القرآن في غير موضع فلذلك يقال ~~الواحد من الناس قادر على ارسال رسول PageV01P241 وعلى أن يرسل نشابة ~~وعلامة يعرف المرسل اليهم بها صدقه فكيف لا يقدر الرب على ذلك ثم اذا أرسله ~~اليهم وأمرهم بتصديقه وطاعته ولم يعرفهم أنه رسوله كان هذا من أقبح الامور ~~فكيف يجوز مثل هذا على الله ولو بعثه بعلامة لا تدلهم على صدقه كان ذلك ~~عيبا مذموما فكل ما ترك من لوازم الرسالة اما أن يكون لعدم القدرة واما أن ~~يكون للجهل والسفة وعدم الحكمة والرب ms267 أحق بالتنزيه عن هذا وهذا من المخلوق ~~فإذا أرسل رسولا فلا بد أن يعرفهم أنه رسوله ويبين ذلك وما جعله آية وعلامة ~~ودليلا على صدقه امتنع أن يوجد بدون الصدق فامتنع أن يكون للكاذب المتنبي ~~فان ذلك يقدح في الدلالة فهذا ونحوه مما تعرف به دلالة الآيات من جهة حكمة ~~الرب فكيف اذا انضم إلى ذلك ان هذه سنته وعادته وأن هذا مقتضى عدله وكل ذلك ~~عند التصور التام يوجب علما ضروريا بصدق الرسول الصادق وأنه لا يجوز أن ~~يسوي بين الصادق والكاذب فيكون ما يظهره النبي من الآيات يظهر مثله على يد ~~الكاذب اذ لو فعل هذا لتعذر على الخلق التمييز بين الصادق والكاذب وحينئذ ~~فلا يجوز أن يؤمروا بتصديق الصادق ولا يذموا على ترك تصديقه وطاعته اذ ~~الامر بذلك بدون دليله تكليف مالا يطاق وهذا لا يجوز في عدله وحكمته ولو ~~قدر أنه جائز عقلا فإنه غير واقع # ( فصل ) وقد دل القرآن على أنه سبحانه لا يؤيد الكذاب عليه بل لا بد أن ~~يظهر كذبه وأن ينتقم منه فقال تعالى @QB@ ولو تقول علينا بعض الأقاويل ~~لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين @QE@ ~~ذكر هذا بعد قوله @QB@ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول ~~كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ~~تنزيل من رب العالمين @QE@ ثم قال @QB@ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا ~~منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين @QE@ هذا ~~بتقدير أن يتقول بعض الاقاول فكيف بمن يتقول الرساله كلها وقوله @QB@ ~~لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين @QE@ الوتين عرق في الباطن يقال ~~هو نياط القلب اذا قطع مات الانسان عاجلا وذلك يتضمن هلاكه لو تقول على ~~الله وقوله @QB@ لأخذنا منه باليمين @QE@ PageV01P242 قيل لاخذنا بيمينه ~~كما يفعل بمن يهان عند القتل فيقال خذ بيده فيجر بيده ثم يقتل فهذا هلاك ~~بعزة وقدرة من الفاعل وإهانة وتعجيل هلاك ms268 للمقتول وقيل @QB@ لأخذنا منه ~~باليمين @QE@ أي بالقوة والقدرة فان الميامن أقوى ممن يأخذ بشماله كما قال ~~@QB@ فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر @QE@ وكما قال @QB@ إن بطش ربك لشديد @QE@ ~~لكنه قال @QB@ لأخذنا منه @QE@ ولم يقل لأخذناه فهذا يقوي القول الأول وقال ~~تعالى @QB@ أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح ~~الله الباطل ويحق الحق بكلماته @QE@ فقوله @QB@ ويمح الله الباطل @QE@ عطف ~~جملة على جملة قالوا وليس من جواب الشرط لأنه قال ويحق الحق بالضم وهو ~~معطوف على قوله @QB@ ويمح الله الباطل @QE@ فمحوه للباطل وإحقاقه الحق خبر ~~منه لا بد أن يفعله فقد بين أنه لا بد أن يمحو الباطل ويحق الحق بكلماته ~~فانه اذا أنزل كلماته دل بها على أنه نبي صادق إذا كانت آية له وبين بها ~~الحق من الباطل وهو أيضا يحق الحق ويبطل الباطل بكلماته فإنه إذا أنزل ~~كلماته دل بها على أنه نبي صادق إذا كانت آية له وبين بها الحق من الباطل ~~وهو أيضا يحق الحق ويبطل الباطل بكلماته التي تكون بها الأشياء فيحق الحق ~~بما يظهره من الآيات وما ينصر به أهل الحق كما تقدمت كلمته بذلك كما قال ~~@QB@ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم ~~الغالبون @QE@ وقال @QB@ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا @QE@ وقال @QB@ وصدقت ~~بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين @QE@ وقال تعالى @QB@ أتى أمر الله ~~فلا تستعجلوه @QE@ وأمره يتضمن ما يأمر به وهو الكائن بكلماته وقال تعالى ~~@QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ وكلماته صدق وعدل ~~والعدل وضع الاشياء مواضعها فمن عدله أن يجعل الصادق عليه المبلغ لرسالته ~~حيث يصلح من كرامته ونصره وأن يجعل الكاذب عليه حيث يليق به من اهانته وذله ~~قال تعالى @QB@ إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزي المفترين @QE@ قال أبو قلابة هي لكل مفتر إلى يوم ~~القيامة ومن أعظم الافتراء عليه دعوى النبوة والرسالة PageV01P243 كذبا كما ~~قال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن افترى ms269 على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح ~~إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله @QE@ وذكر في هذا الكلام جميع ~~أصناف الكاذبين الذين يعارضون رسله الصادقين كما ذكر فيما قبله حال ~~الكاذبين في قوله @QB@ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على ~~بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه ~~قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ~~ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ~~ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم ~~يحافظون @QE@ ثم قال @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي ~~إلي ولم يوح إليه شيء @QE@ الآية فان الكاذب إما أن يقول ان غيري أنزل علي ~~وإما أن يقول أنا أصنف مثل هذا القرآن وإذا قال غيري أنزل علي فأما أن ~~يعينه فيقول أن الله أنزله علي وإما أن يقول أوحي ولا يعين من أوحاه فذكر ~~الأصناف الثلاثة فقال @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي ~~إلي ولم يوح إليه شيء @QE@ فهذان نوعان من جنس ثم قال ومن لم يقل أو قال اذ ~~كان هذا معارضا لا يدعي أنه رسول فقال @QB@ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ~~@QE@ وهؤلاء المعارضون قد تحداهم في غير موضع وقال @QB@ قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا @QE@ والرسول أخبر بهذا خبرا تاما في أول الامر وهذا لا يمكن ~~إلا مع قطعه أنه على الحق وإلى الآن لم يوجد أحد أنزل مثل ما أنزل الله ~~قوله @QB@ ومن قال سأنزل @QE@ ولم يقل أقدر أن أنزل فإن قوله سأنزل هو وعد ~~بالفعل وبه يحصل المقصود بخلاف قوله أقدر فانه لا يحصل به غرض المعارض ~~وإنما يحصل إذا فعل فمن وعد بانزال مثل ما أنزل كان من أظلم الناس ms270 وأكذبهم ~~اذ كان قد تبين عجز جميع الثقلين الانس والجن عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~وقوله @QB@ مثل ما أنزل الله @QE@ يقتضي أن كل ما أنزله الله على أوليائه ~~فهو معجز لا يقدر عليه الا الله كالتوراة والانجيل والزبور وهذا حق فإن في ~~ذلك من أنباء الغيب مالا يعلمه الا الله PageV01P244 وفيه أيضا من تأييد ~~الرسل بذلك مالا يقدر على أن يرسل بتلك الرسالة إلا الله فلا يقدر أحد أن ~~ينزل مثل ما أنزل الله على نبيه فيكون به مثل الرسول ولا أن يرسل به غيره # ( فصل ) والاستدلال بالحكمة أن يعرف أولا حكمته ثم يعرف أن من حكمته أنه ~~لا يسوي بين الصادق بما يظهر به صدقه وبأن ينصره ويعزه ويجعل له العاقبة ~~ويجعل له لسان صدق في العالمين والكاذب عليه يبين كذبه ويخذله ويذله ويجعل ~~عاقبته عاقبة سوء ويجعل له لسان الذم واللعنة في العالمين كما قد وقع فهذا ~~هو الواقع لكن المقصود أن نبين أن ما وقع منه فهو واجب الوقوع في حكمته لا ~~يجوز أن يقع منه ضد ذلك فهذا استدلال ببيان أنه يجب أن يقع منه ما يقع ~~ويمتنع أن يقع منه ضده وذلك ببيان أنه حكيم وأن حكمته توجب أن يبين صدق ~~الانبياء وينصرهم ويبين كذب الكاذبين ويذلهم كذلك يفعل بأتباع النبيين ~~وبأعدائهم كما أخبر بذلك في كتابه وبين أن هذا حق عليه يجب أن يفعله ويمتنع ~~أن يفعل ضده كما قال تعالى @QB@ ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجاؤوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين ~~@QE@ وكما قال @QB@ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز @QE@ وقوله ~~لأغلبن قسم أقسم الله عليه فهو جواب قسم تقديره والله لاغلبن أنا ورسلي ~~وهذا يتضمن إخباره بوقوع ذلك وأنه كتب على نفسه ذلك وأمر به نفسه وأوجبه ~~على نفسه فإن صيغة القسم تتضمن التزام ما حلف عليه إما حضا عليه وأمرا به ~~وإما منعا منه ونهيا عنه ولهذا كان في شرع من ms271 قبلنا يجب الوفاء بذلك ولا ~~كفارة فيه وكذلك كان في أول الاسلام ولهذا كان أبو بكر لا يحنث في يمين حتى ~~أنزل الله كفارة اليمين كما ذكرت ذلك عائشة ولهذا أمر أيوب أن يأخذ بيده ~~ضغثا فيضرب به ولا يحنث فإن ذلك صار واجبا باليمين كوجوب المنذور الواجب ~~بالنذر يحتذى به حذو الواجب بالشرع والضرب بالضغث يجوز في الحدود اذا كان ~~المضروب لا يحتمل التفريق كما جاء في الحديث ولو كان في شرعهم كفارة لأغنت ~~عن الضرب مطلقا لكن الإنسان قد يلتزم مالا يعلم عاقبته ثم يندم عليه والرب ~~تعالى عالم بعواقب الامور فلا يحلف على أمر ليفعلنه PageV01P245 إلا وهو ~~يعلم عاقبته واليمين موجبة ولهذا قال تعالى @QB@ كتب الله لأغلبن @QE@ وكتب ~~مثل كتب في قوله @QB@ كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ فهي كتابة تتضمن خبرا ~~وايجابا ومنه قوله تعالى @QB@ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ~~@QE@ وفي الحديث الصحيح الآلهي يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته ~~بينكم محرما فلا تظالموا وقد بسط هذا الأصل في مواضع مثل الكلام في مسألة ~~القدر المختار ومسألة العدل والظلم وغير ذلك فان كثيرا من المتكلمين يقول ~~ان القادر المختار لا يفعل الا بوصف الجواز فيفعل الفعل في حال تردده بين ~~أن يفعل وأن لا يفعل ومنهم من يقول يفعله مع رجحان أن يفعل رجحانا لا ينتهي ~~إلى حد الوجوب وهو قول محمد بن الهيضم الكرامي ومحمود الخوارزمي المعتزلي ~~وبهذا استطال عليهم الفلاسفة فقالوا الرب موجب لأن الممكن لا يقع حتى يحصل ~~المؤثر التام الموجب له والتحقيق أن الرب يخلق بمشيئته وقدرته وهو موجب لكل ~~ما يخلقه بمشيئته وقدرته ليس موجبا بمجرد الذات ولا موجبا بمعنى أن موجبه ~~يقارنه فإن هذا ممتنع فهذان معنيان باطلان وهو قادر يفعل بمشيئته فما شاء ~~كان وما لم يشأ لم يكن فما شاءه وجب كونه وما لم يشأه امتنع كونه ولهذا قال ~~كثير من النظار إن الارادة موجبة للمراد وعلى هذا فقولنا يجوز أن يكون ~~ويجوز ms272 أن لا يكون إنما هو جواز الشيء بمعنى الشك في أيهما هو الواقع وإلا ~~ففي نفس الامر أحدهما هو الواقع ليس في نفس الامر ظنيا مترددا بين الوقوع ~~وعدم الوقوع والامكان الذهني قد يراد به عدم العلم بالامتناع وقد يراد به ~~الشك في الواقع وكلا النوعين عدم علم والامكان الخارجي يراد به أن وجوده في ~~الخارج ممكن لا ممتنع كولادة النساء ونبات الأرض وأما الجزم بالوقوع وعدمه ~~فيحتاج إلى دليل وفي نفس الامر ما ثم الا ما يقع أو لا يقع والواقع لا بد ~~من وقوعه ووقوعه واجب لازم وما لا يقع فوقوعه ممتنع لكن واجب بغيره وممتنع ~~لغيره وهو واجب من جهات من جهة علم الرب من وجهين ومن جهة إرادته من وجهين ~~ومن جهة كلامه من وجهين ومن جهة كتابته من وجهين ومن جهة رحمته ومن جهة ~~عدله أما علمه فما علم انه سيكون فلا بد أن يكون وما علم أنه لا ~~PageV01P246 يكون فلا يكون وهذا مما يعترف به جميع الطوائف إلا من ينكر ~~العلم السابق كغلاة القدرية الذين تبرأ منهم الصحابة ومن جهة أنه يعلم ما ~~في ذلك الفعل من الحكمة فيدعوه علمه إلى فعله أو ما فيه من الفساد فيدعوه ~~إلى تركه وهذا يعرفه من يقر بأن العلم داع ومن يقر بالحكمة ومن جهة إرادته ~~فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ومن جهة حكمته وهي الغاية المرادة ~~لنفسها التي يفعل لأجلها فاذا كان مريدا للغاية المطلوبة لزم أن يريد ما ~~يوجب حصولها ومن جهة كلامه من وجهين من جهة أنه اخبر به وخبره مطابق لعلمه ~~ومن جهة أنه أوجبه على نفسه وأقسم ليفعلنه وهذا من جهة إيجابه على نفسه ~~والتزامه أن يفعله ومن جهة كتابته إياه في اللوح وهو يكتب ما علم أن سيكون ~~وقد يكتب إيجابه والتزامه كما قال @QB@ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي @QE@ ~~وقال @QB@ كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ فهذه عشرة أوجه تقتضي الجزم بوقوع ~~ما سيكون وأن ذلك واجب حتم ms273 لا بد منه فما في نفس الأمر جواز يستوي فيه ~~الطرفان الوجود والعدم وإنما هذا في ذهن الانسان لعدم علمه بما هو الواقع ~~ثم من علم بعض تلك الاسباب علم الواقع فتارة يعلم لأنه أخبر بعلمه وهو ما ~~أخبرت الانبياء بوقوعه كالقيامة والجزاء وتارة يعلم من جهة المشيئة لأنه ~~جرت به سنته الشاملة التي لا تتبدل وتارة يعلم من جهة حكمته كما قد بسط في ~~غير هذا الموضع والحكمة والعدل والرحمة والعادة تعلم بالعقل كما قد عرف من ~~حكمة الرب وعدله وسنته ويستدل بذلك على العلم والخبر والكتاب كما أن العلم ~~والخبر والكتاب يعلم بإخبار الانبياء ويستدل بذلك على العدل والحكمة ~~والرحمة والجهمية المجبرة لا تجزم بثبوت ولا انتفاء إلا من جهة الخبر أو ~~العادة اذ كانوا لا يثبتون الحكمة والعدل والرحمة في الحقيقة كما قد بسط في ~~غير موضع وحكي عن الجهم أنه كان يخرج فينظر الجذمي ثم يقول أرحم الراحمين ~~يفعل هذا يقول أنه يفعل لمحض المشيئة ولو كان يفعل بالرحمة لما فعل هذا ~~وهذا من جهله لم يعرف ما في الابتلاء من الحكمة والرحمة والمصلحة والمجبرة ~~المثبتة للقدر المتبعون لجهم والقدرية النفاة مناقضون لهم كما قد بسط ~~الكلام على ذلك في غير موضع وما زال العقلاء يستدلون بما علموه من صفات ~~الرب على ما PageV01P247 يفعله كقول خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم لما ~~قال لها لقد خشيت على نفسي فقالت كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل ~~الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتصدق الحديث وتكسب المعدوم وتعين على نوائب ~~الحق فاستدلت بما فيه من مكارم الاخلاق ومحاسن الاعمال على أن الله لا ~~يخزيه ومنه قوله تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل ~~أفاك أثيم @QE@ فان الشيطان إنما ينزل على ما يناسبه ويطلبه وهو يريد الكذب ~~والإثم فينزل على من يكون كذلك وبسط هذا له موضع آخر والكلام في النبوة فرع ~~على إثبات الحكمة التي توجب فعل ما تقتضيه الحكمة ويمتنع فعل ما تنفيه ms274 ~~فنقول هو سبحانه وتعالى حكيم يضع كل شيء موضعه المناسب له فلا يجوز عليه ان ~~يسوي بين جنس الصادق والكاذب والعادل والظالم والعالم والجاهل والمصلح ~~والمفسد بل يفرق بين هذه الانواع بما يناسب الصادق العادل العالم المصلح من ~~الكرامة وما يناسب الكاذب الظالم الجاهل المفسد من الهوان كما قال تعالى ~~@QB@ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار @QE@ وقال @QB@ أفنجعل المسلمين كالمجرمين @QE@ وهذا ~~استفهام انكار على من ظن ذلك وهو يتضمن تقرير المخاطبين واعترافهم بان هذا ~~لا يجوز عليه وأن ذلك بين معروف يجب اعترافهم به وإقرارهم به كما يقال لمن ~~ادعى امرا ممتنعا مثل نعم كثيرة في موضع صغير فيقال له أههنا كانت هذه ~~النعم أي هذا ممتنع فاعترف بالحق وإذا ادعى على من هو معروف بالصدق ~~والامانة أنه نقب داره وأخذ ماله قيل له أهذا فعل هذا ومنه قوله @QB@ يا ~~عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ~~@QE@ ونظائره كثيرة وكذلك قوله @QB@ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن ~~نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ~~@QE@ فإن هذا استفهام إنكار على حسب أنه يسوي بين هؤلاء وهؤلاء فبين أن هذا ~~الحساب باطل وأن التسوية ممتنعة في حقه لا يجوز أن يظن به بل من ظن ذلك فقد ~~ظن بربه ظن السوء وذلك ظن أهل الجاهلية الذين يظنون بالله ظن السوء ~~PageV01P248 فمن جوز ذلك على الله فقد ظن بربه ظن السوء وقوله تعالى فيما ~~جرى يوم أحد @QB@ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن ~~الجاهلية @QE@ فسره ابن عباس وغيره بأنهم ظنوا أن الله لم يقدر ما جرى وأنه ~~لا ينصر رسوله فكما أن القدر يجب الايمان به ويعلم أن كل ما كان فقد سبق به ~~علم الرب فكذلك يعلم أنه لا بد أن ينصر رسله والذين آمنوا وكما انه لا يجوز ~~أن يقع ms275 خلاف المقدر فلا يجوز أن لا ينصر رسله والذين آمنوا ومثله قوله ~~تعالى فيما أنزله عام الحديبية لما ظن ظانون أن الرسول وأتباعه لا ينصرون ~~فقال تعالى @QB@ ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين ~~بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم ~~وساءت مصيرا @QE@ وهذا يدل على أن هذا ظن سوء بالله لا يجوز أن يظن به أن ~~يفعل ذلك ومن ينفي الحكمة يقول يجوز عليه فعل كل شيء وليس عنده ظن سوء ~~بالله وإن قيل لما أخبر أنه بنصره كان ضد ذلك ظن سوء لأن خبره لا يقع بخلاف ~~مخبره قيل عن هذا جوابان أحدهما أن هؤلا يلزمهم تجويز إخلاف الوعد عليه لأن ~~هذا من باب الافعال المقدورة وهو يجوزون كل مقدور وإذا قيل إخلاف الوعد ~~قبيح فهم ليس عندهم شيء قبيح ينزهون الرب عنه الثاني أنه إذا علم أنه يفعله ~~ولو بالعلم الضروري فإنما ذاك لأنه واقع ولو قدر أن رجلا ظن أن الله لا ~~يفعل ما سيفعله مما ليس فيه ذم مثل أن يظن أنه يموت بعد شهر لم يقل أن هذا ~~ظن سوء وإنما يكون ظن سوء اذا كان المظنون عيبا قبيحا لا يجوز أن يضاف إلى ~~المظنون به ومنه قوله تعالى @QB@ إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا @QE@ فهذا ذم لمن ~~ظن بالله الظنون ومن ذلك قوله تعالى @QB@ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم ~~كيف تحكمون @QE@ وهذا يقتضي أن هذا ممتنع عليه ومن حكم بجوازه فقد حكم حكما ~~باطلا جائرا ممتنعا كالذين جوزوا أن تكون له بنات وهم يكرهون أن تكون لهم ~~بنات فيجوزون على الله ما هو قبيح عندهم قال تعالى @QB@ ويجعلون لله البنات ~~سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ~~يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ~~ساء ما يحكمون @QE@ PageV01P249 ومما يبين حكمته أن نقول أفعاله ms276 المحكمة ~~المتقنة دلت على علمه وهذا مما وقع الاتفاق عليه من هؤلاء فإنهم يسلمون أن ~~الإحكام والإتقان يدل على علم الفاعل وهذا أمر ضروري عندهم وعند غيرهم وهو ~~من أعظم الادلة العقلية التي يجب ثبوت مدلولها والإحكام والإتقان انما هو ~~أن يضع كل شيء في محله المناسب لتحصل به الحكمة المقصودة منه مثل الذي يخيط ~~قميصا فيجعل الطوق على قدر العنق والكمين على قدر اليدين وكذلك الذي يبني ~~الدار يجعل الحيطان متماثلة ليعتدل السقف والذي يصنع الإبريق يوسع ما يدخل ~~منه الماء ويضيق ما يخرج منه وحكمة الرب في جميع المخلوقات باهرة قد بهرت ~~العقلاء واعترف بها جميع الطوائف والفلاسفة من أعظم الناس إثباتا لها وهم ~~يثبتون العناية والحكمة الغائية وإن كان فيهم من قصر في أمر الارادة والعلم ~~وكذلك المتكلمون كلهم متفقون على إثبات الحكمة في مخلوقاته وإن كانوا في ~~الارادة وفعله لغاية متنازعين وذلك مثلما في خلق الانسان وأدنى ذلك أن ~~العين والفم والاذن فيها مياه ورطوبة فماء العين ملح وماء الفم عذب وماء ~~الأذن مر فان العين شحمة والملوحة تحفظها أن تذوب وهذه أيضا حكمة تمليح ~~البحر فان له سببا وحكمة فسببه سبوخة أرضه وملوحتها فهي توجب ملوحة مائه ~~وحكمتها أنها تمنع نتن الماء بما يموت فيه من الحيتان العظيمة فإنه لولا ~~ملوحة مائه لأنتن ولو أنتن لفسد الهواء لملاقاته له فهلك الناس بفساده وإذا ~~وقع أحيانا قتل خلق كثير فإنه يفسد الهواء حتى يموت بسبب ذلك خلق كثير وماء ~~الأذن مر ليمنع دخول الهوام إلى الأذن وماء الفم عذب ليطيب به ما يأكله فلو ~~جعل الله ماء الفم مرا لفسد الطعام على أكلته ولو جعل ماء الاذن عذبا لدخل ~~الذباب في الدماغ ونظائر هذا كثيرة فلا يجوز أن يفعل بخلاف ذلك مثل أن يجعل ~~العينين في القدمين ويجعل الوجه خشنا غليظا كالقدمين فانه يفسد مصلحة النظر ~~والمشي بل من الحكمة أنه جعل العينين في أعلى البدن في مقدمه ليرى بها ما ~~أمامه فيدري أين يمشي وجعل ms277 الرجل خشنة تصبر على ما تلاقيه من التراب وغيره ~~والعين لطيفة يفسدها أدنى شيء فجعل لها أجفانا تغطيها واهدابا فنقول هذا ~~ومثله من مخلوقات الرب دل على PageV01P250 أنه قد أحكم ما خلقه وأتقنه ووضع ~~كل شيء بالموضع المناسب له وهذا يوجب العلم الضروري أنه عالم فيميز بين هذا ~~وبين هذا حتى خص هذا بهذا وهذا بهذا وهو أيضا يوجب العلم الضروري بأنه أراد ~~تخصيص هذا بهذا وهذا بهذا فدل على علمه وإرادته وهذا مما يسلمونه فنقول ودل ~~أيضا على أنه جعل هذا لهذا فجعل ماء العين والبحر ملحا للحكمة المذكورة ~~وجعل العين في أعلى البدن وجعل لها أجفانا للحكمة المذكورة وكذلك إذا أنزل ~~المطر وقت الحاجة اليه علم أنه أنزله ليحيي به الأرض وكذلك إذا دعاه الناس ~~مضطرين فأنزل المطر علم أنه أنزله ليحيي الأرض لاجابة دعائهم فلا يتصور أن ~~يعلم أنه أراد هذا لهذا ولا يتصور الإحكام والاتقان إلا اذا فعل هذا للحكمة ~~المطلوبة فكان ما علم من إحكامه وإتقانه دليلا على علمه وعلى حكمته أيضا ~~وأنه يفعل لحكمة والذين استدلوا بالاحكام على علمه ولم يثبتوا الحكمة وأنه ~~يفعل هذا لهذا متناقضون عند عامة العقلاء وحذاقهم معترفون بتناقضهم فإنه لا ~~معنى للإحكام إلا الفعل لحكمة مقصودة فإذا انتفت الحكمة ولم يكن فعله لحكمة ~~انتفى الاحكام وإذا انتفى الاحكام انتفى دليل العلم وإذا كان الاحكام ~~معلوما بالضرورة ودلالته على العلم معلومة بالضرورة علم أن حكمته ثابتة ~~بالضرورة وهو المطلوب وأيضا فإذا ثبت أنه عام فنفس العلم يوجب أنه لا يفعل ~~قبيحا ولا يجوز أن يفعل القبيح الا من هو جاهل كما قد بسط في غير هذا ~~الموضع وبين أن العالم يعلم ما الذي يصلح أن يفعل وإن فعل هذا أولى من فعل ~~هذا وإذا كان مريدا للفعل وقد علم أن الفعل على هذا الوجه هو الاصلح امتنع ~~أن يريد الوجه الآخر والانسان لا يريد القبيح الا لنقص علمه ما أن يفعل بلا ~~علم بل لمجرد الشهوة أو يظن خطأ فيظن ms278 أن هذا الفعل يصلح وهو لا يصلح فإنما ~~يقع القبيح في فعله لفعله مع الجهل البسيط أو المركب والرب منزه عن هذا ~~وهذا فيمتنع أن يفعل القبيح وأيضا فإنه قد ثبت أنه مريد وأن الارادة تخصص ~~المراد عن غيره وهذا انما يكون اذا كان التخصيص لرجحان المراد اما لكونه ~~أحب إلى المريد وأفضل عنده فأما اذا ساوى غيره من كل وجه امتنع ترجيح ~~الارادة له فكان اثبات الارادة مستلزما اثبات الحكمة والا لم تكن الارادة ~~فقد تبين ثبوت PageV01P251 حكمته من جهة علمه ومن جهة نفس أفعاله المتقنة ~~المحكمة التي تدل على علمه بالاتفاق وهذه أصول عظيمة من تصورها تصورا جيدا ~~انكشف له حقائق هذا الموضع الشريف وإذا ثبت أنه حكيم وأن حكمته لازمة لعلمه ~~ولازمة لارادته وهما لازمان لذاته كانت حكمته من لوازم ذاته فيمتنع أن يفعل ~~الا لحكمة وبحكمة ويمتنع أن يفعل على خلاف الحكمة ومعلوم بصريح العقل أن ~~العلم خير من الجهل والصدق خير من الكذب والعدل خير من الظلم والاصلاح خير ~~من الافساد ولهذا وجب اتصافه تعالى بالرحمة والعلم والصدق والعدل والاصلاح ~~دون نقيض ذلك وهذا ثابت في خلقه وأمره فكما أنه في خلقه عادل حكيم رحيم ~~فكذلك هو في أمره وما شرعه من الدين فإنه لا يكون الا عدلا وحكمة ورحمة ليس ~~هو كما تقول الجهمية المجبرة ومن اتبعهم من أهل الكلام والرأي أنه يأمر ~~العباد بما لا مصلحة لهم فيه اذا فعلوه وأن ما أمر به لا يجب أن يفعل على ~~حكمة وينكرون تعليل الاحكام أو يقولون أن علل الشرع أمارات محضة فهذا كله ~~باطل كما قد بسط في مواضع بل ما يأمر به مصلحة لا مفسدة وحسن لا قبيح وخير ~~لا فساد وحكمة وعدل ورحمة والحمد لله رب العالمين فإذا قدر رجلان ادعيا على ~~الرب الرسالة أو توليا على الناس أو كانا من عرض الناس أحدهما عام صادق ~~عادل مصلح والآخر جاهل ظالم كاذب مفسد ثم قدر أن ذلك العالم العادل عوقب في ~~الدنيا ms279 والآخرة فاذل في الدنيا وقهر وأهلك وجعل في الآخرة في جهنم وذلك ~~الظالم الكاذب الجاهل أكرم في الدنيا والآخرة وجعل في الدرجات العلى كان ~~معلوما بالاضطرار أن هذا نقيض الحكمة والعدل وهو أعظم سفها وظلما من تعذيب ~~ماء البحر وماء العين فإن هذا غايته موت شخص أو النوع وهذا أقل فسادا من ~~إهلاك خيار الخلق وتعذيبهم وإكرام شرار الخلق وإهانتهم وإذا كان هذا أعظم ~~مناقضة للحكمة والعدل من غيره وتبين بالبراهين اليقينية أن الرب لا يجوز ~~عليه خلاف الحكمة والعدل علم بالاضطرار أن الرب سبحانه لا يسوي بين هؤلاء ~~وهؤلاء فضلا عن أن يفضل الأشرار على الأخيار وهو سبحانه أنكر التسوية فقال ~~@QB@ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون @QE@ PageV01P252 وقال تعالى @QB@ ~~أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون @QE@ وقد جعل من جوز أن الله ~~لا ينصر رسوله والمؤمنين في الدنيا والآخرة ويعذبهم في الآخرة في جهنم وأن ~~الفراعنة يكرمهم في الآخرة والمنازع عنده لا فرق بين هذا وهذا بالنسبة إلى ~~الرب وإلى ارادته وحكمته وعلمه بل انما علم وقوع أحدهما بمجرد الخبر لا ~~لامتناع أحدهما ووجوب الآخر والخبر إنما هو خبر الانبياء وذلك موقوف على ~~العلم بصدقهم وهو يستلزم صدقهم وعلى أصله يمتنع العلم بصدقهم فانه يجوز أن ~~يسوي الله بين الصادق والكاذب على أصله اذ كان يجوز عليه عنده كل مقدور ~~وعنده لا يجوز أن يفعل فعلا لحكمة فلا يجوز على اصله أن يخلق الله آية ليدل ~~به على صدقهم وإذا قال تجوبز ذلك يقتضى أنه لا يقدر على خلق ما به يبين صدق ~~الصادق فلذلك منعت من ذلك لأنه يقضي إلى تعجيزه قيل له انما يفضي إلى عجزه ~~اذا كان خلق دليل الصدق ممكنا وعلى أصلك لا يمكن إقامة الدليل على امكانه ~~فإن الدليل يستلزم المدلول ويمتنع ثبوته مع عدمه وأي شيء قدرته جاز أن ~~يخلقه على أصلك على يد الكاذب وأنت لا تنزهه عن فعل ممكن وإذا ms280 قلت أنزهه عن ~~فعل ممكن يستلزم عجزه كان هذا تناقضا فإن فعل الممكن لا يستلزم العجز بل ~~امتناع الممكن يستلزم العجز وبيان ذلك أن يقال ما خلقه على يد الصادق هو ~~قادر على أن يخلقه على يد الكاذب أم لا فان قلت ليس بقادر فقد أثبت عجزه ~~وان قلت هو قادر على ذلك فالمقدور عندك لا ينزه عن شيء منه وإن قلت هذا ~~المقدور أنزهه عنه لئلا يلزم عجزه كان حقيقة قولك أثبت عجزه لا نفي عجزه ~~فجعلته عاجزا لئلا تجعله عاجزا فجمعت بين النقيضين بين اثبات العجز ونفيه ~~وإنما لزمه هذا لأنه لا ينزه الرب عن فعل مقدور فاستوت المقدورات كلها في ~~الجواز عليه عنده ولم يحكم بثبوت مقدور إلا بالعادة أو الخبر والعادة يجوز ~~انتقاضها عنده والخبر موقوف على العلم بصدق المخبر ولا طريق له إلى ذلك ~~فتبين أن كل من لم ينزه الرب عن السوء والسفه ويصفه بالحكمة والعدل لم ~~يمكنه أن يعلم نبوة نبي ولا المعاد ولا صدق الرب في شيء من الإخبار فهذه ~~طريقة من يجعل وجه دلالة المعجز على صدق الانبياء PageV01P253 لئلا يلزم ~~العجز وأما الطريق الثانية وهي أجود وهي التي اختارها أبو المعالي وأمثاله ~~فهو أن دلالة المعجز على التصديق معلومة بالاضطرار وهذه طريقة صحيحة لمن ~~اعتقد أن يفعل لحكمة وأما إذا قيل انه لا يفعل لحكمة انتفى العلم الاضطراري ~~والامثلة التي يذكرونها كالملك الذي جعل آية لرسوله أمرا خارجا عن عادته ~~انما دلت للعلم بأن الملك يفعل شيئا لشيء فإذا نفوا هذا بطلت الدلالة وكذلك ~~دليل القدرة هو دليل صحيح لكن مع إثبات الحكمة فإنه سبحانه وتعالى قادر على ~~أن يميز بين الصادق والكاذب اذ كان قادرا على أن يهدي عباده إلى ما هو أدق ~~من هذا فهداهم إلى أسهل لكن هذا يستلزم اثبات حكمته ورحمته فمن لم يثبت له ~~حكمة ورحمة امتنع عليه العلم بشيء من أفعاله الغائبة وأيضا فآيات الانبياء ~~تصديق بالفعل فهي تدل اذا علم أن من صدقه الرب ms281 فهو صادق وذلك يتضمن تنزيهه ~~عن الكذب وعلى أصلهم لا يعلم ذلك فإن ما يخلقه من الحروف والأصوات عندهم هو ~~مخلوق من المخلوقات فيجوز أن يتكلم كلاما يدل على شيء وقد أراد به شيئا آخر ~~فإن هذا من باب المفعولات عندهم والكلام النفسي لا سبيل لأحد إلى العلم به ~~فعلى اصلهم يجوز الكذب في الكلام المخلوق العربي وهو الذي يستدل به الناس ~~فلا يبقى طريق إلى العلم بأنه صادق فيما يخلقه من الكلام ولهذا نجد حذاقهم ~~في السمعيات انما يفرون إلى ما علم بالاضطرار من قصد الرسول لا إلى ~~الاستدلال بالقرآن فالقاضي أبو بكر عمدته أن يقول هذا مما وقفنا عليه ~~الرسول وعلمنا قصده بالاضطرار كما يقول مثل ذلك في تخليد أهل النار وفيما ~~علمه من الاحكام اذ كانوا لا يعتمدون على القول المسموع لا خبرا ولا أمرا ~~فهم لا طريق عندهم إلى التمييز بين ما يقع وما لا يقع مثل التمييز بين كونه ~~يثيب المحسن ويعاقب المسيء أو لا يفعله ففي الجملة جميع أفعاله من ارسال ~~الانبياء ومجازاة العباد وقيام القيامة لا طريق لهم إلى العلم بذلك الا من ~~جهة الخبر وطريق الخبر على أصلهم مسدود وهم يعلمون صدق الرسول وصدق خبره ~~معلوم في أنفسهم لكن يناقض أصولهم لكن مع هذا هم واقفة فيما أخبرت به الرسل ~~من الوعيد فضعف علمهم بما أخبرت به الرسل فصاروا في نقص عظيم في علمهم ~~وايمانهم بما اخبرت به الرسل وما أمرت به وفي أصل ثبوت الرسالة هذه ~~PageV01P254 السمعيات وأما العقليات فمدارها على حدوث الجسم وقد عرف فساد ~~أصلهم فيها فهذه أصولهم العقلية والسمعية وهم لا يعلمون أيضا ما يفعله الرب ~~من غير الخبر الا من جهة العادة والعادة يجوز عندهم نقضها بلا سبب ولا ~~لحكمة ويجوزون أن تصبح الجبال بواقيت والبحار زيبقا فإذا احتجوا بالعادات ~~فقيل لهم عندكم يجوز نقضها بلا سبب ولا حكمة أجابوا بأن الشيء قد يعلم ~~جوازه ويعلم بالضرورة أنه لا يقع وهذا أيضا جمع بين النقيضين وهم يقولون ms282 ~~العقل هو العلم بجواز الجائزات وامتناع الممتنعات ووجوب الواجبات كالعلم ~~بأن الجبل لم ينقلب ياقوتا ثم يجعلون هذا من الجائز على أصلهم ليس في ~~الأفعال لا واجب ولا ممتنع بل كل مقدور فإنه جائز الوجود وجائز العدم لا ~~يعلم أحد الطرفين الا بخبر أو عادة لا بسبب يقتضيه ولا حكمة تستلزمه كما ان ~~المرجح له عندهم مجرد الارادة لا بسبب ولا حكمة وإذا علم جواز الشيء وعدمه ~~ولم يعلم ما يوجب أحدهما أمتنع أن يعلم بالضرورة ثبوت أحدهما والناس إنما ~~يعلمون أن الجبال لم تنقلب بواقيت لعلمهم بأن هذا ممتنع وأن الله اذا أراد ~~قلبها بواقيت أحدث أسبابا تقتضي ذلك فأما انقلاب العادة بلا سبب فهذا ممتنع ~~عند العقلاء وجميع ما خرق الله به العادة كان لاسباب تقتضيه ولحكم فعل ~~لاجلها لم يكن ترجيحا بلا مرجح كما يقوله هؤلاء فهذا هذا ولا حول ولا قوة ~~الا بالله ولو لم يتعلق هذا بالايمان بالرسول وبما أخبر به الرسول واحتجنا ~~إلى ان نميز بين الصحيح والفاسد في الادلة والاصول لما ورد على ما قاله ~~هؤلاء من هذه السؤالات لم تكن بنا حاجة إلى كشف الاسرار لكن لما تكلموا في ~~اثبات النبوة صاروا يوردون عليها أسئلة في غاية القوة والظهور ولا يجيبون ~~عنها الا بأجوبة ضعيفة كما ذكرنا كلامهم فصار طالب العلم والإيمان والهدي ~~من عندهم لا سيما إذا اعتقد أنهم أنصار الاسلام ونظاره والقائمون ببراهينه ~~وأدلته إذا عرف حقيقة ما عندهم لم يجد ما ذكروه يدل على ثبوت نبوة الانبياء ~~بل وجده يقدح في الانبياء ويورث الشك فيها أو الطعن فيها وأنها حجة لمكذب ~~الانبياء أعظم مما هي حجة لمصدق الانبياء فافسد طريق الايمان والعلم وانفتح ~~طريق النفاق والجهل لا سيما على من لم يعرف الا ما قالوه والذي يفهم ما ~~قالوه لا يكون PageV01P255 إلا فاضلا قد قطع درجة الفقهاء ودرجة من قلد ~~المتكلمين فيصير هؤلاء إما منافقين وإما في قلوبهم مرض ويظن الظان أنه ليس ~~في الامر على نبوة الانبياء براهين ms283 قطعية ولا يعلم أن هذا انما هو لجهل ~~هؤلاء أصولهم الفاسدة التي بنوا عليها الاستدلال وقدحهم في الآلهية وأنهم ~~لم ينزهوا الرب عن فعل شيء من الشر ولا أثبتوا له حكمة ولا عدلا فكان ما ~~جهلوه من آيات الانبياء إذ كان العلم بآيات الله وما قصه لخلقه من الدلائل ~~والبراهين مستلزما لثبوت علمه وحكمته ورحمته وعدله فإذا انتفى اللازم انتفى ~~الملزوم وهم في الاصل انما قصدوا الرد على القدرية الذين قالوا إن الله لم ~~يشأ كل شيء ولم يخلق أفعال العباد وهو مقصود صحيح لكن ظنوا أن هذا لا يتم ~~إلا بجحد حكمته وعدله ورحمته فغلطوا في ذلك كما أن المعتزلة أيضا غلطوا من ~~جهات كثيرة وظنوا أنه لا تثبت حكمته وعدله ورحمته إن لم يجحد خلقه لكل شيء ~~وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ويجحد اتصافه بالكلام والارادة وغير ذلك ~~من اقوال المعتزلة التي هي من أقوال هؤلاء فإن هؤلاء في الصفات خير من ~~المعتزلة وفي الافعال من بعض الوجوه ولهذا لما ظهر للغزالي ونحوه ضعف طريق ~~الاستدلال بالمعجزات الذي سلكه شيوخه وهو لا يعرف غيره أعرض عنها وذكر أنه ~~إنما علم ثبوت النبوة بقرائن تعجز عنها العبارة وهي علوم ضرورية حصلت له ~~على الطول وجعل الدليل على النبوة هو العلم بنأ ما جاء به حق من غير جهته ~~وهذه طريق صحيحة قد سلك الجاحظ نحوا منها ولكن النبوة التي علمها أبو حامد ~~هي النبوة التي تثبتها الفلاسفة وهي من جنس المنامات ولهذا استدل على ~~جوازها بمبدأ الطب والهندسة ونحو ذلك وأمر النبوة أعظم من هذا بكثير وتلك ~~النبوة موجودة لخلق من الناس فلهذا لا يوجد للنبوة ما تستحقه من التصديق ~~والاحترام ولا يعتمدون عليها في استفادة شيء من العلم الخبري وهي الإنباء ~~بالغيب وهي خاصة النبوة والرازي كلامه في النبوة متردد بين نبوة الفلاسفة ~~ونبوة اصحابه هؤلاء كما ترى وليس في واحد من الطريقين إثبات النبوة التي خص ~~الله بها أنبياءه فلهذا ضعفت معرفة هؤلاء ms284 بالأنبياء وضعف أخذ العلم من ~~طريقهم لا سيما وقد عارضوا كثيرا مما جاء عنهم بالعقليات ودخلوا فيما ~~PageV01P256 هو أبعد عن الهدى والعلم من العقليات والذوقيات التي من سلكها ~~ضل ضلالا بعيدا وإنما ينجو من سلك منها شيئا إذا لطف الله فعرفه السلوك خلف ~~طريق الانبياء فمن لم يهتد بما جاءت به الانبياء فهو أبعد الناس عن الهدى ~~@QB@ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ~~ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ~~فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين ~~@QE@ @QB@ وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين فبأي حديث ~~بعده يؤمنون @QE@ @QB@ وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ~~ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم @QE@ ولهذا اعترف الرازي بهذا في ~~آخر مصنفاته حيث قال ولقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما ~~رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في ~~الاثبات @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ~~وأقرأ في النفي @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ ومن ~~جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وأكثر الانتفاع بكلام هؤلاء هو فيما يثبتونه ~~من فساد أقوال سائر الطوائف وتناقضها وكذلك كلام عامة طوائف المتكلمين ~~ينتفع بكلام كل طائفة في بيان فساد قول الطائفة الاخرى لا في معرفة ما جاء ~~به الرسول فليس في طوائف أهل الاهواء والبدع من يعرف حقيقة ما جاء به ~~الرسول ولكن يعرف كل طائفة منه ما يعرفه فليسوا كفارا جاحدين له وليسوا ~~عارفين به % فلقد عرفت وما عرفت حقيقة % ولقد جهلت وما جهلت خمولا % # وبسط هذه الامور له موضع آخر ولكن نبهنا هنا على طريق الحكمة # ( فصل ) وإذا عرفت حكمة الرب وعدله تبين أنه إنما يرسل من اصطفاه لرسالته ~~واختاره لها كما قال @QB@ الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس @QE@ وكما ~~قال لموسى @QB@ وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى @QE@ وأنه ms285 إذا أبلغ الرسالة ~~وقام بالواجب وصبر على تكذيب المكذبين وأذاهم كما مضت به سنته في ~~PageV01P257 الرسل قال @QB@ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ~~ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون @QE@ وقال تعالى @QB@ ما يقال لك ~~إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم ~~وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب قالت ~~رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما ~~كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ~~ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن ~~الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا ~~سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون وقال الذين ~~كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم ~~لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ~~واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا ~~يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ @QE@ ~~إلى سائر ما أخبر به من أحوال الرسل والرسل صادقون مصدقون من عند الله ~~يخبرون بالحق ويأمرون بالعدل ويدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأهل ~~الكذب المدعون للنبوة ضد هؤلاء كاذبون يأتيهم الشياطين الكاذبون يأمرون بما ~~نهى الله عنه وينهون عما أمر الله به فإنهم لا بد أن يأمروا بتصديقهم ~~واعتقاد نبوتهم وطاعتهم وذلك مما نهى الله عنه ولا بد أن ينهوا عن متابعة ~~من يكذبهم ويعاديهم وذلك مما أمر الله ms286 به فإنه يمتنع في حكمة الرب وعدله أن ~~يسوي بين هؤلاء خيار الخلق وبين هؤلاء شرار الخلق لا في سلطان العلم ~~وبراهينه وأدلته ولا في سلطان النصر والتأييد بل يجب في حكمته أن يظهر ~~الآيات والبراهين الدالة على صدق هؤلاء وينصرهم ويؤيدهم ويعزهم ويبقى لهم ~~سلطان الصدق ويفعل ذلك بمن اتبعهم وان يظهر الآيات المبينة لكذب أولئك ~~ويذلهم PageV01P258 ويخزيهم ويفعل ذلك بمن اتبعهم كما قد وقع في هؤلاء ~~وهؤلاء وقد دل القرآن على الاستدلال بهذا في غير موضع والادلة والبراهين ~~كما تقدم نوعان نوع يدل بمجرده بحيث يمتنع وجوده غير دال كدلالة حدوث ~~الحادث على محدث فهذا يدل بمجرده وان قدر أن أحدا لم يقصد الدلالة به لكن ~~الرب بكل شيء عليم وهو مريد لخلق ما خلقه ولصفاته لكن لا يشترط في ~~الاستدلال بهذا أن يعلم أن دالا قصد أن يدل به والنوع الثاني ما هو دليل ~~بقصد الدال وجعله فهذا لولا القصد وجعله دليلا لم يكن دليلا فهو انما قصد ~~به الدلالة فهذا مقصوده مجرد الدلالة وذلك بمجرده هو الدليل وهذا كالكلام ~~الذي يدل بقصد المتكلم وغير ذلك مثل الاشارة بالرأس والعين والحاجب واليد ~~ومثل الكتابة ومثل العقد ومثل الأعلام التي نصبت على الطرق وجعلت علامة على ~~حدود الأرض وغير ذلك ومن ذلك العلامات التي يبعثها الشخص مع رسوله ووكيله ~~إلى أهله سواء كان قد تواطأ معهم عليها مثل أن يقول علامته أن يضع يده على ~~ترقوته أو يضع خنصره في خنصره ونحو ذلك أو كانت علامة قصد بها الإعلام من ~~غير تقدم مواطأة مثل إعطائه عمامته أو نعليه كما أعطى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عمامته علامة على ولاية قيس بن سعد وعزل أبيه عن الإمارة يوم الفتح ~~وكما أعطى أبا هريرة نعليه علامة على ما أرسله به وكما يعطي الرجل لرسوله ~~خاتمه ونحو ذلك فهذه الدلائل دلت بالقصد والجعل وقد كان يمكن أن لا تجعل ~~دليلا فاذا كانت آيات الانبياء من هذا الجنس فهي إنما تدل مع ms287 قصد الرب إلى ~~جعلها دليلا وجعله لها دليلا بأن يجعل المدلول لازما لها فكل من ظهرت على ~~يده كان نبيا صادقا فإن الدليل لا يكون دليلا إلا مع كونه مستلزما للمدلول ~~فيمتنع أن يكون دليلا اذا وجد معه عدم المدلول أو وجد ضد المدلول فآيات ~~الانبياء الدالة على صدقهم يمتنع وجودها بدون صدق النبي ووجودها مع مدعي ~~النبوة كاذبا أعظم استحالة فإنها اذا كانت ممتنعة مع عدم نبوة صادقة وإن لم ~~تكن هناك نبوة كاذبة فمع الكاذبة أشد امتناعا فهي مستلزمة للنبوة لا تكون ~~مع عدم النبوة البتة والكاذب قد عدمت في حقه النبوة ووجد في حقه ضدها وهو ~~الكذب في دعواها يمتنع كونه نبيا صادقا فيمتنع أن يخلق الرب ما يدل على صدق ~~الانبياء بدون صدقهم لامتناع PageV01P259 وجود الملزوم دون لازمه ومع كذبهم ~~لامتناع وجود الشيء مع ضده والكذب ضد الصدق فيمتنع أن يكون قوله أنا نبي ~~صدقا وكذبا فاذا استلزم الصدق امتنع وجود الكذب وخلق دليل الصدق مع عدم ~~الصدق ممتنع غير مقدور لكن الممكن المقدور أن ما جعله دليلا على الصدق ~~يخلقه بدون الصدق فيكون قد خلقه وليس بدليل حينئذ ويمكن أن يخلق على يد ~~الكاذب ما يدل انه دليل على صدقه وليس بدليل مثل خوارق السحرة والكهان كما ~~كان يجري لمسيلمة والعنسي وغيرهما لكن هذه ليست دليلا على النبوة لوجودها ~~معتادة لغير الانبياء وليست خارقة لعادة غير الانبياء بل هي معتادة للسحرة ~~والكهان فالتفريط ممن ظنها دليلا لا سيما ولا بد أن تكون دليلا على كذب ~~صاحبها فإن الشياطين لا تقترن إلا بكاذب كما قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على ~~من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم @QE@ ولا يجوز أن يظهر الرب ما ~~جعله دليلا للنبوة مع عدم النبوة كما أنه لا يجوز أن يتكلم بالكلام الذي ~~جعله لبيان معان بدون إرادة تلك المعاني بل ذلك ممتنع من وجوه من جهة حكمته ~~ومن جهة عادته ومن جهة عدله ورحمته ومن جهة علمه وإعلامه وغير ذلك كما ms288 قد ~~بسط في مواضع ومن جهة قدرته أيضا فإنه قادر على هدي عبادة وتعريفهم وذلك ~~إنما يكون بتخصيص الصادق بما يستلزم صدقه فاذا ما سوي بين الصادق والكاذب ~~فإنه يمتنع التعريف والممتنع ليس بمقدور فقدرته تقتضي خلق الفرق وقد يقال ~~هو قادر لكن لا يفعل مقدوره فيقال فعله له ممكن ولا يمكن إلا على هذا الوجه ~~فيكون قادرا على هذا الوجه فإن قيل هو قادر ولكن لا يفعله قيل إن أريد أنه ~~يمتنع فهذا باطل وإن أريد أنه يمكن فعله ولكن لا يفعله لم يكن على هذا ~~النفي دليل بل وجوده يدل على أنه فعله وأيضا فأفعال الرب إما واجبة وإما ~~ممتنعة وإذا لم يكن ممتنعا تعين أنه واجب وأنه قد فعله وهذا قد فعله وهذا ~~مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود هنا أن هذا كله يستلزم أن الرب منزه عن ~~أن يفعل بعض الامور الممكنة المقدورة لكون ذلك يستلزم أمرا يناقض حكمته ~~ولكون فعل الشيء لا يكون إلا مع لوازمه وانتفاء أضداده فيمتنع فعله بدون ~~لوازمه أو مع ضده كما يمتنع جعل الدليل دليلا مع وجوده بلا مدلول أو مع ~~وجود PageV01P260 ضد المدلول معه والذين قالوا يجوز منه فعل كل شيء ولا ~~ينزه عن شيء يتعذر على أصلهم وجود دليل جعلي قصدي لا الكلام ولا الفعال ~~فيمتنع على أصلهم كون كلام الرب يدل على مراده أو كون آياته التي قصد بها ~~الدلالة على صدق الانبياء أو غيرهم تدل لأنه يقدر أن يفعل ذلك وغير ذلك كما ~~يقدر أن يظهر على يد الكاذب ما أظهره على يد الصادق وهم يقولون المعجزة هي ~~الخارق المقرون بالتحدي بالمثل وعدم المعارضة وهذا يقدر على إظهاره على يد ~~الصادق فمن سوى بين جميع الامور وجعل إرادته لها سواء لم يفرق بين هذا وهذا ~~فقالوا نحن نستدل على أنه لم يظهرها على يد الكاذب بأنه لو فعل ذلك لبطلت ~~قدرته على تصديق الصادقين بالآيات فإنه إنما يستدل على صدقهم بالآيات فلو ~~أظهرها على يد الكاذب ms289 لم يبق قادرا هذه عمدة أكثرهم وعليها اعتمد القاضي ~~أبو بكر في كتاب المعجزات فيقال لهم هذا لا يبطل قدرته على ذلك ولكن هذا ~~يوجب أنه لم يفعل المقدور فيلزم من ذلك أنه سوى بين الصادق والكاذب ولم ~~يبين صدقه وهذا مقدور ممكن وكل مقدور ممكن فهو عندكم جائز عليه فلم يكن ~~اللازم رفع قدرته بل اللازم أنه لم يفعل مقدوره وهذا جائز عندكم ومما يوضح ~~هذا أن يقال هو قادر على إظهار ذلك على يد الكاذب أم لا فإن قلتم ليس بقادر ~~أبطلتم قدرته وإن قلتم هو قادر فثبت أنه قادر على إظهار ذلك على يد الصادق ~~والكاذب فبقي مشتركا لا يخص أحدهما فلا يكون حينئذ دليلا فمجرد القدرة لم ~~يوجب اختصاص الصادق به وان قلتم لا يقدر على إظهاره على يد الكاذب فقد ~~رفعتم القدرة فأنتم بين أمرين إن أثبتم القدرة العامة فلا اختصاص لها وإن ~~نفيتم القدرة على أحدهما بطل استدلالكم بشمول القدرة وأيضا فالقدرة إنما ~~تكون على ممكن وعلى أصلكم لا يمكن تصديق الصادق فهم استدلوا بمقدمتين ~~وكلاهما باطلة قالوا لو لم يكن دليلا رفع القدرة وهذا باطل بل يلزم أنه لم ~~يفعل المقدور وهذا جائز عندهم فلا يجب عندهم شيء من الأفعال ثم قالوا وهو ~~قادر على ذلك وعلى أصلهم ليس هو بقادر على ذلك فإنهم قالوا يمكنه تصديق ~~الانبياء بالفعل كما يمكنه التصديق بالقول فيقال لهم كلاهما يدل بالقصد ~~والجعل وهذا إنما يكون ممن يقصد أن يفعل الشيء ليدل وعندكم هو لا يفعل شيئا ~~لشيء فيلزم على PageV01P261 أصلكم أن لا يفعل شيئا لاجل أنه يدل به عباده ~~لا فعلا ولا كلاما إذ كان هذا عندكم ممتنعا وهو فعل شيء لمقصود آخر غير ~~فعله واذا كان هذا ممتنعا عندكم لم يكن مقدورا فلا يقدر على أصلكم أن ينصب ~~لعباده دليلا ليدلهم به على شيء بل هذا عندهم فعل لغرض وهو ممتنع عليه وإن ~~قلتم هو وأن لم يقصد أن يفعل شيئا لحكمة لكن قد يفعل ms290 الشيئين المتلازمين ~~فيستدل بأحدهما على الآخر قيل هذا إنما يكون بعد أن يثبت التلازم وأن ~~أحدهما مستلزم للآخر وهذا معلوم فيما يدل بمجرده فإنه يمتنع وجوده بدون ~~لازمه إما ما يدل بالجعل والقصد فيمكن وجوده بدون ما جعل مدلولا له واللزوم ~~إنما يكون بالقصد وهو عندكم يمتنع أن يفعل شيئا لاجل شيء فبطلت الادلة ~~القصدية على أصلكم وهي أخص بالدلالة من غيرها ولهذا لا يكادون يستدلون ~~بكلام الله بل يعتمدون في السمعيات إما على ما علم بالضرورة أو الاجماع ~~وحقيقة الأمر أن الأدلة الجعلية القصدية لا بد فيها من إرادة الرب ومشيئته ~~أن تكون أدلة فلا بد أن يريد أن يجعل هذا الفعل ليدل وهم لا يجوزون أن يريد ~~شيئا لشيء بل كل مخلوق هو عندهم مراد من نفسه لم يرد لغيره فامتنع أن يكون ~~يريد الرب جعل شيء دليلا على أصلهم فتبين أنه على أصلهم غير قادر على نصب ~~ما يقصد به دلالة العباد وهدايتهم وإعلامهم لا قول ولا فعل فبطلت المقدمة ~~الكبرى وبتقدير أن يكون قادرا على ذلك فهو إذا أظهر على يد الكاذب ما يظهر ~~على يد الصادق كان لم يفعل هذا المقدور ولم يجعل ذلك دليلا على الصدق لا ~~يلزم أن لا يكون قادرا فهم اعتمدوا على هذه الحجة وقالوا هذا هذا وهذا هذا ~~فقد تبين أن من لم يثبت حكمة الرب يلزمه نفي إرادته ومشيئته كما تقدم ~~ويلزمه أيضا نفي قدرته على أن يفعل شيئا لشيء فلا يمكنه أن ينصب دليلا ليدل ~~به عباده على صدق صادق ولا كذب كاذب وهم يقولون من فعل شيئا لحكمة دليل على ~~حاجته ونقصه لأنه فعل لغرض والغرض هو الشهوة وذلك يتضمن الحاجة وهذا بعينه ~~يقال في الإرادة أن من أراد فإنما يريد لغرض وشهوة فقولهم بنفي الحكمة ~~يتضمن نفي الارادة ونفي القدرة وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أن من ~~نفى الحكمة يلزمه نفي الارادة ومن نفى الارادة يلزمه نفي فعل الرب ونفي ~~الأحداث ومن نفى ms291 PageV01P262 ذلك يلزمه امتناع حدوث حادث في الوجود وأن ~~أثبات الحكمة لازم لكل طائفة على أي قول قالوه كما قد بسط في غير هذا ~~الموضع إذ المقصود التنبيه على أن أثبات آيات الانبياء والاستدلال بكلام ~~الله وآياته التي أراد أن يدل بها عباده بدون إثبات حكمته ممتنع ولهذا ~~اضطرب كلام من نفى حكمته في آيات الانبياء وفي كلام الرب سبحانه وهي الآيات ~~التي بعثت بها الانبياء القولية والفعلية واضطربوا في الاستدلال على ما ~~جاءت به الانبياء كما قد نبه عليه والله سبحانه وتعالى أعلم # ( فصل ) وأما الاستدلال بسنته وعادته فهو أيضا طريق برهاني ظاهر لجميع ~~الخلق وهم متفقون عليه من يقول بالحكمة ومن يقول بمجرد المشيئة فإنه قد علم ~~عادته سبحانه في طلوع الشمس والقمر والكواكب والشهور والاعوام وعادته في ~~خلق الانسان وغيره من المخلوقات وعادته فيما عرفه الناس من المطاعم ~~والمشارب والأغذية والأدوية ولغات الامم كالعلم بنحو كلام العرب وتصريفه ~~والعلم بالطب وغير ذلك كذلك سنته تعالى في الانبياء الصادقين وأتباعهم ~~وفيمن كذبهم أو كذب عليهم فأولئك ينصرهم ويعزهم ويجعل لهم العاقبة المحمودة ~~والآخرون يهلكهم ويذلهم ويجعل لهم العاقبة المذمومة كما فعل بقوم نوح وبعاد ~~وثمود وقوم لوط واصحاب مدين وفرعون وقومه وكما فعل بمن كذب محمدا من قومه ~~قريش ومن سائر العرب وسائر الامم غير العرب وكما فعل من نصر أنبيائه ~~وأتباعهم قال تعالى @QB@ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم ~~المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون @QE@ وقال @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد @QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك من ~~أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما ~~أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما ~~زادوهم غير تتبيب @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح ~~وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ~~ثم أخذتهم فكيف كان نكير @QE@ وقال تعالى @QB@ أو لم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان ms292 عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض ~~وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله ~~وكانوا بها يستهزؤون @QE@ PageV01P263 وقال تعالى @QB@ أولم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة ~~وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ذلك بأنهم ~~كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ~~ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ~~فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ~~فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر ~~هنالك الكافرون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ~~ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا @QE@ وقال تعالى @QB@ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في ~~الأرض ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة ~~الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون ~~خلافك إلا قليلا @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا ~~إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا ms293 ~~نصيرا @QE@ وقد قيل آية الحاقة وآية الشورى تبين أنه لو افترى عليه لعاقبة ~~فهذه سنته في الكاذبين وحقيقة الاستدلال بسنته وعادته هو اعتبار الشيء ~~بنظيره PageV01P264 وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين وهو ~~الاعتبار المامور به في القرآن كقوله تعالى @QB@ قد كان لكم آية في فئتين ~~التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله ~~يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار @QE@ وقال تعالى @QB@ هو ~~الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن ~~يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ~~وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا ~~أولي الأبصار @QE@ وقال تعالى @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ~~@QE@ وإنما تكون العبرة به بالقياس والتمثيل كما قال ابن عباس في دية ~~الاصابع هن سواء واعتبروها بدية الاسنان فإذا عرفت قصص الانبياء ومن اتبعهم ~~ومن كذبهم وأن متبعيهم كان لهم النجاة والعافية والنصر والسعادة ولمكذبيهم ~~الهلاك والبوار جعل الامر في المستقبل مثلما كان في الماضي فعلم أن من ~~صدقهم كان سعيدا ومن كذبهم كان شقيا وهذه سنة الله وعادته ولهذا يقول ~~سبحانه في تحقيق عادته وسنته وأنه لا ينقضها ولا يبدلها @QB@ أكفاركم خير ~~من أولئكم أم لكم براءة في الزبر @QE@ يقول فاذا لم يكونوا خيرا منهم فكيف ~~ينجون من العذاب مع مماثلتهم لهم هذا بطريق الاعتبار والقياس ثم قال @QB@ ~~أم لكم براءة في الزبر @QE@ أي معكم خبر من الله بأنه لا يعذبكم فنفي ~~الدليلين العقلي والسمعي ثم ذكر قولهم @QB@ نحن جميع منتصر @QE@ وانا نغلب ~~من يغالبنا فقال تعالى @QB@ سيهزم الجمع ويولون الدبر @QE@ وهذا مما أنبأه ~~من الغيب في حال ضعف الاسلام واستبعاد عامة الناس ذلك ثم كان كما أخبر وقد ~~قال للمؤمنين في تحقيق سنته وعادته @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول والذين آمنوا معه متى ms294 نصر الله ألا إن نصر الله قريب @QE@ وقال ~~لمحمد @QB@ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك @QE@ وقال @QB@ كذلك ما ~~أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم ~~طاغون @QE@ وقال تعالى PageV01P265 @QB@ وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا ~~الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم @QE@ وفي الصحيحين ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لتركبن سنن من كان قبلكم ~~حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود ~~والنصارى قال نعم وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ليأخذن أمتي ما أخذ الامم قبلها شبرا بشبر ~~وذراعا بذراع قالوا يا رسول الله فارس والروم قال ومن الناس إلا هؤلاء وفي ~~السنن لما قال به بعض أصحابه أجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال ~~الله أكبر قلتم كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ثم قال انه ~~السنن لتركبن سنن من كان قبلكم وقال تعالى @QB@ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا ~~في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين @QE@ ولهذا احتج من احتج بسنة ~~الله وعادته في مكذبي الرسل كقول شعيب @QB@ ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن ~~يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد ~~@QE@ وقال مؤمن آل فرعون @QB@ يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل ~~دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ كدأب آل فرعون والذين من قبلهم @QE@ والدأب العادة في ~~ثلاثة مواضع قال تعالى @QB@ إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ~~كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب @QE@ قال ابن قتيبة ~~وغيره الدأب العادة ومعناه كعادة آل فرعون ms295 يريد كفر اليهود كل فريق بنبيهم ~~وقال الزجاج هو الاجتهاد أي دأب هؤلاء وهو اجتهادهم في كفرهم وتظاهرهم على ~~النبي كتظاهر آل فرعون على موسى وقال عطاء والكسائي وأبو عبيدة كسنة آل ~~فرعون وقال النضر بن شميل كعادة آل فرعون يريد عادة هؤلاء الكفار في تكذيب ~~الرسل وجحود الحق كعادة آل فرعون وقال طائفة نظم الآية أن الذين كفروا لن ~~تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول النقمة والعقوبة مثل آل فرعون ~~وكفار الامم الخالية أخذناهم PageV01P266 فلن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم وفي تفسير أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس كدأب فرعون قال كصنيع آل ~~فرعون قال ابن أبي حاتم وروى عن مجاهد والضحاك وأبي مالك وعكرمة نحو ذلك ~~قال وروي عن الربيع بن أنس كشبه آل فرعون وعن السدي قال ذكر الذين كفروا ~~كمثل الذين من قبلهم في التكذيب والجحود قلت فهؤلاء جعلوا الشبيه في العمل ~~فإن لفظ الدأب يدل عليه قال الجوهري دأب فلان في عمله أي جد وتعب دأبا ~~ودءوبا فهو دئب وأدأبته أنا والدائبان الليل والنهار قال والدأب يعني ~~بالتسكين العادة والشأن وقد يحرك قال الفراء أصله من دأبت إلا أن العرب ~~حولت معناه إلى الشأن قلت الزجاج جعل ما في القرآن من الدأب الذي هو ~~الاجتهاد والصواب ما قاله الجمهور أن الدأب بالتسكين هو العادة وهو غير ~~الدأب بالتحريك إذا زاد اللفظ زاد المعنى والذي في القرآن مسكن ما علمنا ~~أحدا قرأه بالتحريك وهذا معروف في اللغة يقال فلان دأبه كذا وكذا أي هذا ~~عادته وعمله الملازم له وإن لم يكن في ذلك تعب واجتهاد ومنه قوله تعالى ~~@QB@ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين @QE@ والدائب نظير الدائم والباء والميم ~~متقاربان ومنه اللازب واللازم قال ابن عطية دائبين أي متماديين ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الجمل الذي بكى وأجهش اليه ان هذا الجمل ~~شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه أي تديمه في العمل له والخدمة قال وظاهر الآية أن ~~معناه دائبين في الطلوع والغروب ms296 وما بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى ~~كثرة قال وحكى الطبري عن مقاتل بن حيان يرفعه إلى ابن عباس أنه قال معناه ~~دائبين في طاعة الله قال وهذا قول ان كان يراد به أن الطاعة انقيادهما ~~للتسخير فذلك موجود في طاعة قوله وسخر وإن كان يراد أنها طاعة مقدورة كطاعة ~~العبادة من البشر فهذا بعيد قلت ليس هذا ببعيد بل عليه دلت الادلة الكثيرة ~~كما هو مذكور في مواضع وقالت طائفة منهم البغوي وهذا لفظه دائبين يجريان ~~فيما يعود إلى مصالح عباد الله لا يفتران قال ابن عباس دءوبهما في طاعة ~~الله ولفظ أبي الفرج داءبين في اصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره لا يفتران ~~قال ومعنى الدءوب مرور الشيء على عادة جارية فيه قلت PageV01P267 واذا كان ~~دأبهم هو عادتهم وعملهم الذي كانوا مصرين عليه فالمقصود أن هؤلاء أشبهوهم ~~في العمل فيشبهونهم في الجزاء فيحيق بهم ما حاق بأولئك هذا هو المقصود ليس ~~المقصود التشبيه في الجزاء كقوله @QB@ إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ~~ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون والذين من ~~قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب @QE@ أي فهؤلاء ~~لا تدفع عنهم أموالهم وأولادهم عذاب الله اذا جاءهم كدأب آل فرعون وكذلك ~~قوله @QB@ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ~~وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد @QE@ ~~إلى قوله @QB@ كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين @QE@ فهذا كله يقتضي التشبيه في ~~العذاب وأما الطائفة الاخرى فجعلوا الدأب نفس فعل الرب بهم وعقوبته لهم قال ~~مكي بن أبي طالب الكاف في كدأب في موضع نصب نعت لمحذوف تقديره غيرناهم كما ~~غيروا تغييرا مثل عادتنا في آل فرعون ومثلها الآية الاولى الا أن الاولى ~~العادة في العذاب تقديره فعلنا بهم ذلك فعلا مثل عادتنا في آل فرعون وقد ~~جمع بعضهم بين المعنيين ms297 فقال أبو الفرج كدأب آل فرعون أي كعادتهم والمعنى ~~كذب أولئك فنزل بهم العذاب كما نزل بأولئك قلت الدأب العادة وهو مصدر يضاف ~~إلى الفاعل تارة وإلى المفعول أخرى فاذا أضيف إلى الفاعل كان المعنى كفعل ~~آل فرعون وإذا أضيف إلى المفعول كان المعنى كعادتهم في العذاب والمصائب ~~التي نزلت بهم يقال هذه عادة هؤلاء لما فعلوه ولما يصيبهم وهي عادة الرب ~~وسنته فيهم والتحقيق أن اللفظ يتناول الامرين جميعا وقد تقدم عن الفراء ~~والجوهري أن الدأب العادة والشأن وهذا كقوله @QB@ قد خلت من قبلكم سنن ~~فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين @QE@ روى ابن أبي حاتم ~~بالاسناد المعروف عن مجاهد قد خلت من قبلكم سنن من الكفار والمؤمنين في ~~الخير والشر وعن أبي اسحاق أي قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي ~~والشرك بي عاد PageV01P268 وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين فرأوا مثلات قد مضت ~~مني فيهم فقد فسرت السنن بأعمالهم وبجزائهم قال البغوي معنى الآية قد مضت ~~وسلفت مني فيمن كان قبلكم من الامم الماضية الكافرة بامهالي واستدراجي ~~إياهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلته لاهلاكهم وأدالة أنبيائي ~~فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين أي آخرة المكذبين منهم قال ~~وهذا في حزب واحد يقول فانا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت من ~~نصرة النبي وأوليائه قلت ونظير هذا قوله تعالى @QB@ أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ وقوله @QB@ أو لم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها ~~أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون @QE@ وقوله في الآية الأخرى @QB@ كانوا أكثر منهم وأشد قوة ~~وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما رأوا ms298 بأسنا ~~قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون @QE@ فهذا ~~كله يبين أن سنة الله وعادته مطردة لا تنتقض في إكرام مصدقي الرسل وإهانة ~~مكذبيهم # ( فصل ) آيات الانبياء كما قد عرف هي مستلزمة لثبوت النبوة وصدق المخبر ~~بها والشاهد بها قيلزم من وجودها وجود النبوة وصدق المخبر بها ويمتنع أن ~~تكون مع التكذيب بها وكذب المخبر بها فلا يجوز وجودها لمن كذب الانبياء ولا ~~لمن أقر بنبوة كذاب سواء كان هو نفسه المدعي للنبوة أو ادعى نبوة غيره ~~وهذان الصنفان هما المذكوران في قوله @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ~~@QE@ وهؤلاء كلهم من أظلم الكاذبين كما قال @QB@ فمن أظلم ممن كذب على الله ~~وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين والذي جاء بالصدق وصدق به ~~أولئك هم المتقون @QE@ PageV01P269 فالمخبر بالنبوة مع ثبوتها هو الذي جاء ~~بالصدق وصدق به والمخبر بها مع انتفائها هو الذي كذب على الله والمكذب بها ~~مع ثبوتها هو الذي كذب بالحق لما جاءه فدلائل النبوة هي مستلزمة لصدق من ~~أثبت نبوة هي نبوة حق يمتنع أن تكون لمن نفى هذه أو أثبت نبوة ليست بنبوة ~~وكذلك كل دليل دل على إثبات الصانع دل على صدق المؤمنين به المخبرين بما دل ~~عليه الدليل على كذب من نفى ذلك ويمتنع أن تكون تلك الأدلة دالة على نفي ~~ذلك أو على صدق الخبر بنفي ذلك أو على صدق من جعل صفات الرب ثابتة لغيره ~~وما دل على أن هذه الدار ملك لزيد يدل على صدق المخبر بذلك وكذب النافي له ~~ويمتنع أن يدل مع انتفاء الملك وما دل على علم شخص وعدله فإنه مستلزم لذلك ~~ولصدق المخبر به وكذلك النافي له يمتنع أن يدل على صدق النافي أو يدل مع ~~انتفاء العلم والعدل ms299 فإن ما استلزم ثبوت شيء وصدقه استلزم كذب نقيضه وكان ~~عدم اللازم مستلزما لعدم الملزوم فما كان مستلزما لثبوت النبوة وصدق المخبر ~~بها كان مستلزما لكذب من نفاها فامتنع أن يكون موجودا مع من نفاها وامتنع ~~أن يكون موجودا مع انتفائها فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين فدليل كل ~~مدلول عليه يمتنع ثبوته مع عدم المدلول عليه فانه مستلزم لثبوته فلو وجد مع ~~عدمه للزم الجمع بين النقيضين فما كان دليلا على نبوة شخص فهو دليل على جنس ~~النبوة فإن نبوة الشخص لا تثبت إلا مع ثبوت جنس النبوة فيمتنع وجود ذلك ~~الدليل مع عدم النبوة وثبوت أحد النقيضين مستلزم لنفي الآخر فثبوت صدق ~~المخبر بثبوتها مستلزم لكذب المخبر بانتفائها فهذا أمر عقلي مقطوع به معلوم ~~بالبديهة بعد تصوره في جميع الأدلة أدلة النبوة وغيرها فلا يجوز أن يكون ما ~~دل على النبوة وعلى صدق المخبر بها وكذب المكذب بها دليلا للمكذب بها ولا ~~دليلا مع انتفائها كالمتنبي الذي يدعي النبوة ولا نبوة معه فلا يتصور أن ~~يكون معه ولا مع المصدق بنبوته شيء من دلائل النبوة وأما كون دليل من دلائل ~~النبوة مع المصدق بها كائنا من كان فهذا حق بل هذا هو الواجب فمن صدق بها ~~بلا دليل كان متكلما بلا علم فكل من صدق بالنبوة بعلم فمعه دليل من أدلتها ~~وإخبار أهل التواتر بما جاءت به الانبياء من الآيات PageV01P270 هو من أدلة ~~ثبوتها فكل من آمن بالرسول عن بصيرة فلا بد أن يكون في قلبه علم بأنه نبي ~~حق إما علم ضروري أو علم نظري بدليل من الأدلة والعلوم النظرية مع أدلتها ~~تبقى ضرورية وقد تكون في نفس الامر علوم ضرورية ولا يمكنه التعبير عما يدل ~~عليها كالذي يجده الانسان في نفسه ويعلمه من العلوم البديهية والضرورية ~~وغير ذلك فإن كثيرا من الناس لا يمكنهم بيان الادلة لغيرهم على وجود ذلك ~~عندهم واذا عرف هذا فقولنا دلائل النبوة مختصة بالانبياء لا تكون لغيرهم له ~~معنيان أحدهما أنه ms300 لا يشاركهم فيها من يكذب بنبوتهم لا من يدعي نبوة كاذبة ~~وهذا ظاهر بين فإن الدليل على الشيء لا يكون دليلا على وجوده وعلى عدمه فلا ~~يكون ما يدل النبوة أو غيرها وعلى صدق المخبر بذلك دليلا على كذب المخبر ~~بذلك ولا دليلا على النبوة مع انتفاء النبوة والمعنى الثاني أنها لا توجد ~~إلا مع النبي فهذا إن أريد به أنها لا توجد إلا والنبوة ثابتة فهو صحيح وإن ~~كانت مع ذلك دليلا على نبي فلا يمتنع أن يكون الشيء الواحد دليلا على أمور ~~كثيرة لكن يمتنع أن يوجد مع انتفاء مدلوله فما دل على النبوة قد يدل على ~~أمور أخرى من أمور الرب تبارك وتعالى لكن لا يمكن أن يدل مع انتفاء النبوة ~~أي مع كون النبوة المدلول عليها باطلة لا حقيقة لها ولكن قد يدل مع موت ~~النبي ومع غيبته فان موته وغيبته لا ينفي نبوته وليس من شرط دليل النبي أن ~~يكون موجودا في محل المدلول عليه ولا في مكانه ولا زمانه وقول من اشترط في ~~آيات الأنبياء أن تكون مقترنة بالدعوى في غاية الفساد والتناقض كما قد بسط ~~لا سيما والآيات قد تكون مخلوقة نائية عن النبي وعن مكانه وكذلك سائر ~~الأدلة لا سيما ما يجري مجرى الخبر فالاخبار الدالة على وجود المخبر به لا ~~يجب أن تكون مقارنة المخبر به لا في محله ولا زمانه ولا مكانه وآيات ~~الانبياء هي شهادة من الله وإخبار منه بنبوتهم فلا يجب أن تكون في محل ~~النبوة ولا زمانها ولا مكانها لكن يجوز ذلك فلا يمتنع أن يكون الدليل في ~~محل المدلول عليه أو في مكانه لكن يجوز ذلك فيه فالانسان قد تقوم به أمور ~~تدل على بعض الأمور التي فيه وقد تعلم أموره بخبر غيره وببعض آثاره ~~المنفصلة عنه فاذا أريد بأن آيات الانبياء مختصة بهم وأنها لا تكون لغيرهم ~~أنها لا تكون مع انتفاء النبوة المدلول عليها فهذا صحيح PageV01P271 لأنه ~~يستلزم الجمع بين النقيضين وأما إذا أريد ms301 أنها لا توجد إلا في ذات النبي أو ~~مقترنة بخبره عن نبوته أو في المكان الذي كان فيه أو في الزمان فهذا كله ~~غلط وخطأ ممن ظنه وجهل بين بحقائق الأدلة وان كان من الأدلة وآيات النبوة ~~ما يكون في ذات النبي ويكون مقترنا بقوله إني رسول الله ويكون في المكان ~~الذي هو فيه وفي زمانه فهذا يمكن وهو الواقع فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل وغيره من الانبياء كان في نفس أقوالهم وأفعالهم وصفاتهم وأخلاقهم وسيرهم ~~أمور كثيرة تدل على نبوتهم وكذلك لما قال إني رسول الله أتى مع ذلك بآيات ~~دلت على صدقه وكذلك في مكانه وزمانه ظهر من انشقاق القمر وغيره ما دل على ~~نبوته لكن آيات الانبياء أعم من ذلك كما أن دليل كل شيء أعم من أن يختص ~~بمعنى المدلول وزمانه ومكانه وبهذا يظهر خطأ كثير من الناس في عدم معرفتهم ~~بجنس آيات الانبياء لعدم تحقيقهم جنس الأدلة والبراهين وأن خاصة الدليل أنه ~~يلزم من تحققه تحقق المدلول عليه فقط سواء كان مقارنا للمدلول عليه أو كان ~~حالا في محله أو مجاوزا لمحله أو لم يكن كذلك والنبوة قد قال طائفة من ~~الناس إنها صفة في النبي وقال طائفة ليست صفة ثبوتية في النبي بل هي مجرد ~~تعلق الخطاب الآلهي به بقول الرب إني أرسلتك فهي عندهم صفة إضافية كما ~~يقولونه في الاحكام الشرعية انها صفات اضافية للافعال لا صفات حقيقية ~~والصحيح أن النبوة تجمع هذا وهذا فهي تتضمن صفة ثبوتية في النبي وصفة ~~إضافية هي مجرد تعلق الخطاب الآلهي به بقول الرب إني أرسلتك فهي عندهم صفة ~~إضافية كما يقولونه في الاحكام الشرعية إنها صفات إضافية للأفعال لا صفات ~~حقيقية لكن على الاقوال الثلاثة ليس من شرط أدلتها أن تكون حالة في ذات ~~النبي ولكن يجوز أن تكون لها أدلة قائمة بذات النبي كما كان في محمد صلى ~~الله عليه وسلم عدة أدلة من دلائل النبوة كما هو مبسوط في دلائل نبوته اذ ms302 ~~المقصود هنا الكلام على جنس آيات الانبياء لا على شيء معين لا دليل معين ~~ولا نبي معين فاذا عرف أن دلائل النبوة يمتنع ثبوتها لشخص لا نبوة فيه إذا ~~ادعاها أو ادعيت له كذبا ويمتنع ثبوتها مع المكذب بالنبوة الصادقة وإنها لا ~~توجد إلا والنبوة ثابتة وأنها دليل على صدق المخبر بالنبوة من جميع الخلق ~~فكل من آمن أن محمدا رسول الله فقد أخبر عن نبوته كما أخبر هو عن نبوة ~~PageV01P272 نفسه بما أمره الله به حيث قال @QB@ قل يا أيها الناس إني رسول ~~الله إليكم جميعا @QE@ فهذا الخبر وهو الشهادة بأنه رسول الله إلى الناس ~~جميعا سواء وجد منه أو من غيره هو مدلول عليه بجميع دلائل النبوة فاذا وجد ~~هذا الخبر في غير النبي ووجد ما يدل على صدق هذا الخبر كان ذلك من دلائل ~~النبوة كما وجد هذا في خلق كثير من المؤمنين ومن دلائل النبوة وجود العلم ~~الضروري بخبر أهل التواتر الذين أخبروا بالآيات فهذا العلم الضروري هو ~~بمنزلة المشاهدة للآيات وكذلك ما يوجد لأهل الايمان مما يستلزم صدق خبرهم ~~بأن محمدا رسول كما يوجد لأمته من الآيات الكثيرة عند تحقيق أمره ونصره ~~وطاعته والجهاد عن دينه والذب عنه وبيان ما أرسل به كما وجد أمثال ذلك ~~للصحابة والتابعين وسائر المؤمنين إلى يوم القيامة # ( فصل ) فجميع ما يختص بالسحرة والكهان هو مناقض للنبوة فوجود ذلك يدل ~~على أن صاحبه ليس بنبي ويمتنع أن يكون شيء من ذلك دليلا على النبوة فإن ما ~~استلزم عدم الشيء لا يستلزم وجوده وكذلك ما يأتي به أهل الطلاسم وعبادة ~~الكواكب ومخاطبتها كل ذلك مناقض للنبوة فان النبي لا يكون إلا مؤمنا وهؤلاء ~~كفار فوجود ما يناقض الايمان هو مناقض للنبوة بطريق الأولى وهو آية ودليل ~~وبرهان على عدم النبوة فيمتنع أن يكون دليلا على وجودها وجميع ما يختص ~~بالسحرة والكهان وغيرهم ممن ليس بنبي لا يخرج عن مقدور الانس والجن وأعني ~~بالمقدور ما يمكنهم التوصل اليه بطريق من الطرق فان ms303 من الناس من يقول ان ~~المقدور لا بد أن يكون في محل القدرة وليس هذا هو لغة العرب ولا غيرهم من ~~الأمم لا لغة القرآن والحديث ولا غيرهما وإنما يدعون ذلك من جهة العقل ~~وقولهم في ذلك باطل من جهة العقل لكن المقصود هنا التكلم باللغة المعروفة ~~لغة العرب وغيرهم التي كان نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره يخاطب بها الناس ~~كقوله في الحديث الصحيح لابي مسعود بما ضرب غلامه اعلم أبا مسعود اعلم أبا ~~مسعود لله أقدر عليك منك على هذا فجعل نفس المملوك مقدورا عليه لسيده كما ~~يقول الناس القوة على الضعيف ضعف في القوة ويقولون فلان قادر على فلان ~~وفلان عجز عن فلان PageV01P273 ويقولون فلان ناسج هذا الثوب وبنى هذه الدار ~~ومنه قوله تعالى @QB@ ويصنع الفلك @QE@ فجعل الفلك مصنوعة لنوح ومنه قوله ~~تعالى @QB@ والله خلقكم وما تعملون @QE@ أي والأصنام التي تعملونها ~~وتنحتونها فجعل ما في الاصنام من التأليف معمولا لهم كما جعل تأليف السفية ~~مصنوعا لهم وهذا كثير والمقصود هنا أن ما يأتي به السحرة والكهان ونحوهم هو ~~مما يصنعه الانس والجن لا يخرج ذلك عنهم والانس والجن قد أرسلت اليهم الرسل ~~فآيات الانبياء خارجة عن قدرة الانس والجن لا يقدر عليها لا الانس ولا الجن ~~ولله الحمد والمنة ومقدورات الجن هي من جنس مقدورات الانس لكن تختلف في ~~المواضع فإن الإنسي يقدر على أن يضرب غيره حتى يمرض أو يموت بل يقدر أن ~~يكلمه بكلام يمرض به أو يموت فما يقدر عليه الساحر من سحر بعض الناس حتى ~~يمرض أو يموت هو من مقدور الجن وهومن جنس مقدور الانس ومنعه من الجماع هو ~~من جنس المرض المانع له من ذلك والحب والبغض لبعض الناس كما يفعله الساحر ~~هو من استعانته بالشياطين وهو من جنس مقدور الانس بل شياطين الانس قد ~~يؤثرون من البغض والحب أعظم مما تؤثره شياطين الجن والجن تقدر على الطيران ~~في الهواء وهو من الأعمال والطيور تطير فهو من جنس مقدور الانس لكن ms304 يختلف ~~المحل بأن هؤلاء سيرهم في الهواء والانس سيرهم على الأرض وكذلك المشي على ~~الماء وطي الأرض وهو قطع المسافة البعيدة في زمان قريب هو من هذا الجنس هو ~~مما تفعله الجن وهو مما تفعله الجن ببعض الناس وقد أخبر الله عن العفريت ~~أنه قال لسليمان عن عرش بلقيش وهو باليمن وسليمان بالشام @QB@ أنا آتيك به ~~قبل أن تقوم من مقامك @QE@ ولهذا يوجد كثير من الكفار والفساق والجهال تطير ~~بهم الجن في الهواء وتمشي بهم على الماء وتقطع بهم المسافة البعيدة في ~~المدة القريبة وليس شيء من ذلك من آيات الانبياء ولله الحمد والمنة إذ كان ~~مقدور الانس والجن والاخبار ببعض الامور الغائبة التي يأتي بها الكهان هو ~~أيضا من مقدور الجن فإنهم تارة يرون الغائب فيخبرون به وتارة يسترقون السمع ~~من السماء فيخبرون به وتارة يسترقون وهم يكذبون في ذلك كما أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم عنهم وما تخبر به الانبياء من الغيب لا يقدر عليه إنس ولا ~~جن PageV01P274 ولا كذب فيه وأخبار الكهان وغيرهم كذبها أكثر من صدقها ~~وكذلك كل من تعود الاخبار عن الغائب فاخبار الجن لا بد أن تكذب فإنه من طلب ~~منهم الاخبار بالمغيب كان من جنس الكهان وكذبوا في بعض ما يخبرون به وإن ~~كانوا صادقين في البعض وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ~~عن الكهان فقيل له إن منا قوما يأتون الكهان قال فلا تأتوهم وثبت عنه في ~~الصحيح أنه قال من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما وفي ~~السنن عنه أنه قال من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما ~~زاد والنبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الاقصى لم يكن المقصود مجرد وصوله إلى الاقصى بل المقصود ما ذكره الله ~~بقوله @QB@ لنريه من آياتنا @QE@ كما قال في سورة النجم @QB@ ولقد رآه نزلة ~~أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ ms305 يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ ~~البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى @QE@ وما رآه مختص بالانبياء لا ~~يكون ذلك لمن خالفهم ولا يريه الله تعالى ما أراه محمد حين أسري به وكذلك ~~صلاته بالانبياء في المسجد الاقصى وركوبه على البراق هذا كله من خصائص ~~الانبياء والذين تحملهم الجن وتطير بهم من مكان إلى مكان أكثرهم لا يدري ~~كيف حمل بل يحمل الرجل إلى عرفات ويرجع وما يدري كيف حملته الشياطين ولا ~~يدعونه يفعل ما أمر الله به كما أمر الله به بل قد يقف بعرفات من غير إحرام ~~ولا إتمام مناسك الحج وقد يذهبون به إلى مكة ويطوف بالبيت من غير إحرام اذا ~~حاذى الميقات وذلك واجب في أحد قولي العلماء ومستحب في الآخر فيفوته ~~المشروع أو يوقعونه في الذنب ويغرونه بأن هذا من كرامات الصالحين وليس هو ~~مما يكرم الله به وليه بل هو مما أضلته به الشياطين وأوهمته أن ما فعله ~~قربة وطاعة أو يكون صاحبه له عند الله منزلة عظيمة وليس هو قربة وطاعة ~~وصاحبه لا يزداد بذلك منزلة عند الله فإن التقرب إلى الله انما يكون بواجب ~~أو مستحب وهذا ليس بواجب ولا مستحب بل يضلون صاحبه ويصدونه عن تكميل ما ~~يحبه الله منه من عبادته وطاعته وطاعة رسوله ويوهمونه أن هذا من افضل ~~الكرامات حتى يبقى طالبا له عاملا عليه وهم بسبب اعانتهم له على ذلك قد ~~PageV01P275 استعملوه في بعض ما يريدون مما ينقص قدره عند الله أو وقوعه في ~~ذنوب وإن لم يعرف انها ذنوب فيكون ضالا ناقصا وإن غفر له ذلك لعدم علمه ~~فإنه نقص درجته وخفض منزلته بذلك الذي أوهموه أنه رفع درجته وأعلى منزلته ~~وهذا من جنس ما تفعله السحرة فإن الساحر قد يصعد في الهواء والناس ينظرونه ~~وقد يركب شيئا من الجمادات إما قصبة واما خابية وإما مكنسة وإما غير ذلك ~~فيصعد به في الهواء وذلك أن الشياطين تحمله وتفعل الشياطين هذا ونحوه بكثير ~~من العباد والضلال ms306 من عباد المشركين وأهل الكتاب والضلال من المسلمين ~~فتحملهم من مكان إلى مكان وقد يرى أحدهم بما يركبه إما فرس وإما غيره وهو ~~شيطان تصور له في صورة مركوب وقد يرى أنه يمشي في الهواء من غير مركوب ~~والشيطان قد حمله والحكايات في هذا كثيرة معروفة عند من يعرف هذا الباب ~~ونحن نعرف من هذا أمورا يطول وصفها وكذلك المشي على الماء قد يجعل له الجن ~~ما يمشي عليه وهو يظن أنه يمشي على الماء وقد يخيلون أليه أنه التقى طرفا ~~النهرليعبر والنهر لم يتغير في نفسه ولكن خيلوا اليه ذلك وليس هذا ولله ~~الحمد شيء من جنس معجزات الانبياء وقد يمشي على الماء قوم بتأييد الله لهم ~~وإعانته إياهم بالملائكة كما يحكى عن المسيح وكما جرى للعلاء بن الحضرمي في ~~عبور الجيش ولابي مسلم الخولاني وذلك اعانة على الجهاد في سبيل الله كما ~~يؤيد الله المؤمنين بالملائكة ليس هو من فعل الشياطين والفرق بينهما من جهة ~~السبب ومن جهة الغاية أما السبب فإن الصالحون يسمون الله ويذكرونه ويفعلون ~~ما يحبه الله من توحيده وطاعته فييسر لهم بذلك ما ييسره ومقصودهم به نصر ~~الدين والاحسان إلى المحتاجين وما تفعله الشياطين يحصل بسبب الشرك والكذب ~~والفجور والمقصود به الاعانة على مثل ذلك والجن فيهم مسلم وكافر فالمسلمون ~~منهم يعاونون الانس المسلمين كما يعاون المسلمون بعضهم بعضا والكفار مع ~~الكفار والجن الذين يطيعون الانس وتستخدمهم الانس ثلاثة أصناف أعلاها أن ~~يأمروهم بما أمر الله به ورسله فيأمرونهم بعبادة الله وحده وطاعة رسله فإن ~~الله أوجب على الجن طاعة الرسل كما أوجب ذلك على الانس وقال تعالى @QB@ ~~ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من ~~الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم وكذلك نولي بعض الظالمين ~~بعضا بما كانوا يكسبون يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ~~آياتي وينذرونكم ms307 لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة ~~الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى ~~بظلم وأهلها غافلون ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون @QE@ ~~PageV01P276 فالرسل تكون من الانس إلى الثقلين والنذر من الجن باتفاق ~~العلماء واختلفوا هل يكون في الجن رسل والاكثرون على أنه لا رسل فيهم كما ~~قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى @QE@ ~~وعن الحسن البصري قال لم يبعث الله نبيا من أهل البادية ولا من الجن ولا من ~~النساء ذكره عنه طائفة منهم البغوي وابن الجوزي وقال قتادة ما نعلم أن الله ~~أرسل رسولا قط إلا من أهل القرى لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العمور رواه ~~ابن أبي حاتم وذكره طائفة ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد أرسل إلى ~~الثقلين وقد آمن به من آمن من جن نصيبين فسمعوا القرآن وولوا إلى قومهم ~~منذرين ثم أتوا فبايعوه على الاسلام بشعب معروف بمكة بين الأبطح وبين جبل ~~حراء وسألوه الطعام لهم ولدوابهم فقال لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه أوفر ~~ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم قال النبي صلى الله عليه وسلم فلا ~~تستنجوا بهما فانهما زاد إخوانكم من الجن والاحاديث بذلك كثيرة مشهورة في ~~الصحيح والسنن والمسند وكتب التفسير والفقه وغيرها وقد روى الترمذي وغيره ~~أنه قرأ عليهم سورة الرحمن وهي خطاب للثقلين وقد اتفق العلماء على أن ~~كفارهم يدخلون النار كما أخبر الله بذلك في قوله @QB@ قال ادخلوا في أمم قد ~~خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها @QE@ وقال ~~الله تعالى @QB@ لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين @QE@ وقال @QB@ ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين @QE@ وأما مؤمنوهم فأكثر العلماء على ~~أنهم يدخلون الجنة وقال طائفة بل يصيرون ترابا كالدواب والاول أصح وهو قول ~~الأوزاعي وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد ونقل ذلك عن مالك والشافي وأحمد بن ~~حنبل وهو ms308 قول أصحابهم PageV01P277 واحتج عليه الاوزاعي وغيره بقوله @QB@ ~~ولكل درجات مما عملوا @QE@ بعد ذكره أهل الجنة وأهل النار من الجن والانس ~~كما قال في سورة الأنعام وفي الاحقاف @QB@ ولكل درجات مما عملوا @QE@ بعد ~~ذكر هل الجنة والنار وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم درجات أهل النار تذهب ~~سفولا ودرجات أهل الجنة تذهب صعودا فنبينا صلى الله عليه وسلم هو مع الجن ~~كما هو مع الانس والانس معه إما مؤمن به وإما مسلم له وإما مسالم له وإما ~~خائف منه وكذلك الجن منهم المؤمن به ومنهم المسلم له مع نفاق ومنهم المعاهد ~~المسالم لمؤمني الجن ومنهم الحربي الخائف من المؤمنين وكان هذا أفضل مما ~~أوتيه سليمان فان الله سخر الجن لسليمان تطيعه طاعة الملوك فإن سليمان كان ~~نبيا ملكا مثل داود ويوسف وأما محمد فهو عبد رسول مثل إبراهيم وموسى وعيسى ~~وهؤلاء أفضل من أولئك فأولياء الله المتبعون لمحمد إنما يستخدمون الجن كما ~~يستخدمون الانس في عبادة الله وطاعته كما كان محمد صلى الله عليه وسلم ~~يستعمل الانس لا في غرض له غير ذلك ومن الناس من يستخدم من يستخدمه من ~~الإنس في أمور مباحة كذلك فيهم من يستخدم الجن في أمور مباحة لكن هؤلاء لا ~~يخدمهم الانس والجن الا بعوض مثل أن يخدموهم كما يخدمونهم أو يعينونهم على ~~بعض مقاصدهم وإلا فليس أحد من الانس والجن يفعل شيئا إلا لغرض والانس والجن ~~اذا خدموا الرجل الصالح في بعض أغراضه المباحة فاما أن يكونوا مخلصين ~~يطلبون الاجر من الله وإلا طلبوه منه إما دعاءه لهم وإما نفعه لهم بجاهه أو ~~غير ذلك والقسم الثالث أن يستخدم الجن في أمور محظورة أو بأسباب محظورة مثل ~~قتل نفس وإمراضها بغير حق ومثل منع شخص من الوطء ومثل تبغيض شخص إلى شخص ~~ومثل جلب من يهواه الشخص اليه فهذا من السحر وقد يقع مثله لكثير من الناس ~~ولا يعرف السحر بل يكون موافقا للشياطين على بعض أغراضهم مثل شرك أو بدعة ~~وضلالة أو ظلم ms309 أو فاحشة فيخدمونه ليفعل مايهوونه وهذا كثير في عباد ~~المشركين وأهل الكتاب وأهل الضلال من المسلمين وكثير من هؤلاء لا يعرف أن ~~ذلك من الشياطين بل يظنه من كرامات الصالحين ومنهم من يعرف أنه من الشياطين ~~ويرى أنه بذلك حصل له ملك وطاعة ونيل ما يشتهيه من الرياسة والشهوات وقتل ~~عدوه فيدخل في PageV01P278 ذلك كما تدخل الملوك الظلمة في أغراضهم وليس أحد ~~من الناس تطيعه الجن طاعة مطلقة كما كانت تطيع سليمان بتسخير من الله وأمر ~~منه من غير معارضة كما أن الطير كانت تطيعه والريح قال تعالى @QB@ ولسليمان ~~الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين ~~يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما ~~يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا ~~وقليل من عبادي الشكور @QE@ والجن والانس فيهم المؤمن المطيع والمسلم ~~الجاهل أو المنافق أو العاصي وفيهم الكافر وكل ضرب يميل إلى بني جنسه والذي ~~أعطاه الله تعالى سليمان خارج عن قدرة الجن والانس فإنه لا يستطيع أحد أن ~~يسخر الجن مطلقا لطاعته ولا يستخدم أحدا منهم الا بمعاوضة إما عمل مذموم ~~تحبه الجن وإما قوم تخضع له الشياطين كالاقسام والعزائم فان كل جني فوقه من ~~هو أعلى منه فقد يخدمون بعض الناس طاعة لمن فوقهم كما يخدم بعض الانس لمن ~~أمرهم سلطانهم بخدمته لكتاب معه منه وهم كارهون طاعته وقد يأخذون منه ذلك ~~الكتاب ولا يطيعونه وقد يقتلونه أو يمرضونه فكثير من الناس قتلته الجن كما ~~يصرعونهم والصرع لأجل الزنا وتارة يقولون إنه آذاهم إما بصب نجاسة عليهم ~~وإما بغير ذلك فيصرعون صرع عقوبة وانتقام وتارة يفعلون ذلك عبثا كما يعبث ~~شياطين الانس بالناس والجن أعظم شيطنة وأقل عقلا وأكثر جهلا والجني قد يحب ~~الإنسي كما يحب الأنسي الانسي وكما يحب الرجل المرأة والمرأة الرجل ويغار ~~عليه ويخدمه بأشياء واذا صار مع غيره فقد يعاقبه بالقتل وغيره كل هذا واقع ms310 ~~ثم الذي يخدمونه تارة يسرقون له شيئا من أموال الناس مما لم يذكر اسم الله ~~عليه ويأتونه إما بطعام وإما شراب واما لباس واما نقد وإما غير ذلك وتارة ~~يأتونه في المفاوز بماء عذب وطعام وغير ذلك وليس شيء من ذلك من معجزات ~~الانبياء ولا كرامات الصالحين فإن ذلك انما يفعلونه بسبب شرك وظلم وفاحشة ~~وهو لو كان مباحا لم يجز أن يفعل بهذا السبب فكيف اذا كان في نفسه ظلما ~~محرما لكونه من الظلم والفواحش ونحو ذلك وقد يخبرون بأمور غائبة مما رأوه ~~وسمعوه ويدخلون في جوف الانسان قال النبي صلى الله عليه وسلم ان الشيطان ~~يجري من الانسان مجرى الدم لكن PageV01P279 إنما سلطانهم كما قال الله @QB@ ~~إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ ولما قال الشيطان @QB@ رب بما أغويتني ~~لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ قال ~~الله تعالى @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان @QE@ ثم قال @QB@ إلا @QE@ أي ~~لكن @QB@ من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل ~~باب منهم جزء مقسوم @QE@ فأهل الاخلاص والايمان لا سلطان له عليهم ولهذا ~~يهربون من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ويهربون من قراءة آية الكرسي ~~وآخر سورة البقرة وغير ذلك من قوارع القرآن ومن الجن من يخبر بأمور مستقبلة ~~للكهان وغير الكهان مما يسرقونه من السمع والكهانة كانت ظاهرة كثيرة بأرض ~~العرب فلما ظهر التوحيد هربت الشياطين وبطلت أو قلت ثم انها تظهر في ~~المواضع التي يختفي فيها أثر التوحيد وقد كان حول المدينة بعد أن هاجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم كهان يتحاكمون اليهم وكان أبو بردة بن نيار كاهنا ~~ثم أسلم بعد ذلك وهو من أسلم والاصنام لها شياطين كانت تتراءى للسدنة ~~أحيانا وتكلمهم أحيانا قال أبي بن كعب مع كل صنم جنية وقال ابن عباس في كل ~~صنم شيطان يتراءى للسدنة فيكلمهم والشياطين كما قال الله تقترن بما ms311 يجانسها ~~بأهل الكذب والفجور قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل ~~على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ فكيف يجوز أن يقال إن ~~مثل هذا يكون معجزة لنبي أو كرامة لولي وهذا يناقض الايمان ويضاده ~~والانبياء والاولياء أعداء هؤلاء قال تعالى @QB@ إن الشيطان لكم عدو ~~فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن ~~اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون @QE@ ~~وهذا يظهر الفرق بين إخبار الانبياء عن الغيب ما لا سبيل لمخلوق إلى علمه ~~إلا منه كما قال تعالى @QB@ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا ~~رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا @QE@ PageV01P280 فقوله ~~@QB@ على غيبه @QE@ هو غيبه الذي اختص به وأما ما يعلمه بعض المخلوقين فهو ~~غيب عمن لم يعلمه وهو شهادة لمن علمه فهذا أيضا تخبر منه الانبياء بما لا ~~يمكن الشياطين أن تخبر به كما في إخبار اللمسيح بقوله @QB@ وأنبئكم بما ~~تأكلون وما تدخرون في بيوتكم @QE@ فإن الجن قد يخبرون بما يأكله بعض الناس ~~وبما يدخرونه لكن الشياطين انما تتسلط على من لا يذكر اسم الله كالذي لا ~~يذكر اسم الله اذا دخل فيدخلون معه وإن لم يذكر اسم الله اذا أكل فانهم ~~يأكلون معه وكذلك اذا ادخر شيئا ولم يذكر اسم الله عليه عرفوا به وقد ~~يسرقون بعضه كما جرى هذا لكثير من الناس وأما من يذكر اسم الله على طعامه ~~وعلى ما يجتازه فلا سلطان لهم عليه لا يعرفون ذلك ولا يستطيعون أخذه ~~والمسيح عليه السلام كان يخبر المؤمنين بما يأكلون وما يدخرون مما ذكر اسم ~~الله عليه والشياطين لا تعلم به ولهذا من يكون إخباره عن شياطين تخبره لا ~~يكاشف أهل الايمان والتوحيد وأهل القلوب المنورة بنور الله بل ms312 يهرب منهم ~~ويعترف أنه لا يكاشف هؤلاء وأمثالهم وتعترف الجن والانس الذين خوارقهم ~~بمعاونة الجن لهم أنهم لا يمكنهم أن يظهروا هذه الخوارق بحضرة أهل الايمان ~~والقرآن ويقولون أحوالنا لا تظهر قدام الشرع والكتاب والسنة وإنما تظهر عند ~~الكفار والفجار وهذا لأن أولئك أولياء الشياطين ولهم شياطين يعاونون شياطين ~~المخدومين ويتفقون على ما يفعلونه من الخوارق الشيطانية كدخول النار مع ~~كونها لم تصر عليهم بردا وسلاما فإن الخليل لما ألقى في النار صارت عليه ~~بردا وسلاما وكذلك أبو مسلم الخولاني لما قال له الاسود العنسي المتنبي ~~أتشهد أني رسول الله قال ما أسمع قال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم ~~فأمر بنار فأوقدت له وألقي فيها فجاءوا اليه فوجدوه يصلي فيها وقد صارت ~~عليه بردا وسلاما فقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وأخذه عمر ~~فأجلسه بينه وبين أبي بكر وقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة ~~محمد من فعل به كما فعل بابراهيم وأما اخوان الشياطين فاذا دخلت فيهم ~~الشياطين فقد يدخلون النار ولا تحرقهم كما يضرب أحدهم الف سوط ولا يحس بذلك ~~فإن الشياطين تتلقى ذلك وهذا أمر كثير معروف قد رأينا من ذلك ما يطول وصفه ~~وقد ضربنا نحن من الشياطين في PageV01P281 الانس ما شاء الله حتى خرجوا من ~~الانس ولم يعاودوه وفيهم من يخرج بالذكر والقرآن وفيهم من يخرج بالوعظ ~~والتخويف وفيهم من لا يخرج إلا بالعقوبة كالانس فهؤلاء الشياطين اذا كانوا ~~مع جنسهم الذين لا يهابونهم فعلوا هذه الامور وأما اذا كانوا عند أهل ايمان ~~وتوحيد وفي بيوت الله التي يذكر فيها اسمه لم يجترئوا على ذلك بل يخافون ~~الرجل الصالح أعظم مما يخافه فجار الانس ولهذا لا يمكنهم عمل سماع المكاء ~~والتصدية في المساجد المعمورة بذكر الله ولا بين أهل الايمان والشريعة ~~المتبعين للرسول إنما يمكنهم ذلك في الأماكن التي تأتيها الشياطين كالمساجد ~~المهجورة والمشاهد والمقابر والحمامات والمواخير فالمواضع التي نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ms313 فيها كالمقبرة وأعطان الابل والحمام وغيرها ~~فتكون حال هؤلا فيها أقوى لأنها مواضع الشياطين كالماخور والمزبلة والحمام ~~ونحو ذلك بخلاف الأمكنة التي ظهر فيها الايمان والقرآن والتوحيد التي أثنى ~~الله على أهلها وقال فيهم @QB@ الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة ~~زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ~~يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم في ~~بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ~~لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون ~~يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من ~~فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب @QE@ فهذه أمكنة النور والصالحين ~~والملائكة لا تتسلط عليها الشياطين بكل ما تريد بل كيدهم فيها ضعيف كما أن ~~كيدهم في شهر رمضان ضعيف اذ كانوا فيه يسلسلون لكن لم يبطل فعلهم بالكلية ~~بل ضعف فشرهم فيه على أهل الصوم قليل بخلاف أهل الشراب وأهل الظلمات فإن ~~الشياطين هنالك محالهم وهم يحبون الظلمة ويكرهون النور ولهذا ينتشرون ~~بالليل كما جاء في الحديث الصحيح ولهذا أمر الله بالتعوذ من شر غاسق اذا ~~وقب وخوارق الجن كالإخبار ببعض الامور الغائبة وكالتصرفات الموافقة لأغراض ~~بعض الانس كثيرة معروفة في جميع الامم فقد كانت في العرب PageV01P282 كثيرة ~~وكذلك في الهند وفي الترك والفرس والبربر وسائر الامم فهي أمور معتادة للجن ~~والانس وآيات الانبياء كما تقدم خارجة عن مقدور الانس والجن فإنهم مبعوثون ~~إلى الانس والجن فيمتنع أن تكون آياتهم أمورا معروفة فيمن بعثوا اليه اذ ~~يقال هذه موجودة كثيرا للانس فلا يختص بها الانبياء بل هذه الخوارق هي آية ~~وعلامة على فجور صاحبها وكذبه فهي ضد آيات الانبياء التي تستلزم صدق صاحبها ~~وعدله ولهذا يكون كثير من الذين تخدمهم الشياطين من أهل الشياطين وهذا ~~معروف لكثير ms314 ممن تخدمه الشياطين بل من طوائف المخدومين من يكونون كلهم من ~~هذا الباب كالبويي الذي للترك وأكثر المولهين من هذا الباب وهم يصعدون بهم ~~في الهواء ويدخلون المدن والحصون بالليل والابواب مغلقة ويدخلون على كثير ~~من رؤساء الناس ويظنون أن هؤلاء صالحون قد طاروا في الهواء ولا يعرف أن ~~الجن طارت بهم وهذه الاخوال الشيطانية تبطل أو تضعف إذا ذكر الله وتوحيده ~~وقرئت قوارع القرآن لا سيما آية الكرسي فإنها تبطل عامة هذه الخوارق ~~الشيطانية وأما آيات الانبياء والأولياء فتقوى بذكر الله وتوحيده والجن ~~المؤمنون قد يعينون المؤمنين بشيء من الخوارق كما يعين الانس المؤمنون ~~للمؤمنين بما يمكنهم من الإعانة وما لا يكون إلا مع الإقرار بنبوة الانبياء ~~فهو من آياتهم فوجوده يؤيد آياتهم لا يناقضها مع أن آيات الانبياء التي ~~يدعون اعلى من هذا وأعلى من كرامات الاولياء فإن تلك هي الآيات الكبرى ~~والذين ذكر عنهم إنكار كرامات الاولياء من المعتزلة وغيرهم كأبي اسحاق ~~الاسفراييني وأبي محمد بن أبي زيد وكما ذكر ذلك أبو محمد بن حزم لا ينكرون ~~الدعوات المجابة ولا ينكرون الرؤيا الصادقة فإن هذا متفق عليه بين المسلمين ~~وهو أن الله تعالى قد يخص بعضهم بما يريه من المبشرات وقد كان سعد بن أبي ~~وقاص معروفا باجابة الدعاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم سدد ~~رميته وأجب دعوته وحكاياته في ذلك مشهورة وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال لم يبق بعدي من النبوة الا الرؤيا الصالحة يراها ~~الرجل الصالح أو ترى له وثبت عنه في الصحيح أنه قال ان من عباد الله من لو ~~أقسم على الله لابره ذكر ذلك لما أقسم أنس بن النضر أنه لا تكسر ثنية ~~الربيع PageV01P283 فاستجاب الله ذلك وايضا فإن منهم البراء بن مالك أخو ~~أنس بن مالك وكانوا اذا اشتد الحرب يقولون يا براء أقسم على ربك فيقسم على ~~ربه فينصرون والقسم قيل هو من جنس الدعاء لكن هو طلب مؤكد بالقسم ms315 فالسائل ~~يخضضع ويقول أعطني والمقسم يقول أقسم عليك لتعطيني وهو خاضع سائل لكن من ~~الناس من يدعي له من الكرامات مالا يجوز ان يكون للانبياء كقول بعضهم ان ~~لله عبادا لو شاءوا من الله أن لا يقيم القيامة لما اقامها وقول بعضهم إنه ~~يعطي كن أي شيء أرادة قال له كن فيكون وقول بعضهم لا يعرب عن قدرته ممكن ~~كما لا يعزب عن قدرة ربه محال فانه لما كثر في الغلاة من يقول بالحلول ~~والاتحاد وإلهية بعض البشر كما قاله النصارى في المسيح صاروا يجعلون ما هو ~~من خصائص الربوبية لبعض البشر وهذا كفر وأيضا فإن كثيرا من الناس لا يكون ~~من أهل الصلاح وتكون له خوارق شيطانية كما لعباد المشركين وأهل الكتاب ~~فتتجلى لهم على أنها كرامات فمن الناس من يكذب بها ومنهم من يجعل أهلها من ~~أولياء الله وذلك لأن الطائفتين ظنت أن مثل هذه الخوارق لا يكون إلا ~~لأولياء الله ولم يميزوا بين الخوارق الشيطانية التي هي جنس ما للسحرة ~~والكهان ولعباد المشركين وأهل الكتاب وللمتنبئين الكذابين وبين الكرامات ~~الرحمانية التي يكرم الله بها عباده الصالحين فلما لم يميزوا بين هذا وهذا ~~وكان كثير من الكفار والفجار وأهل الضلال والبدع لهم خوارق شيطانية صار ~~هؤلاء منهم حزبين حزبا قد شاهدوا ذلك وأخبرهم به من يعرفون صدقه فقالوا ~~هؤلاء اولياء الله وحزبا رأوا أن أولئك خارجون عن الشريعة وعن طاعة الله ~~ورسوله فقالوا ليس هؤلاء من الأولياء الذين لهم كرامات فكذبوا بوجود ما رآه ~~أولئك وأولئك قد عاينوا ذلك أو تواتر عندهم فصار تكذيب هؤلاء مثل تكذيب من ~~ينكر السحر والكهانة والجن وصرعهم للانس إذا كذب ذلك عند من رأى ذلك أو ثبت ~~عنده ومن كذب بما تيقن غيره وجوده نقصت حرمته عنه هذا المتيقن وكان عنده ~~إما جاهلا وإما معاندا فربما رد عليه كثيرا من الحق بسبب ذلك ولهذا صار ~~كثير من المنتسبين إلى زهد أو فقر أو تصرف أو وله أو غير ذلك لا يقبلون ~~قولهم ms316 ولا يعبأون بخلافهم لأنهم كذبوا بحق PageV01P284 قد تيقنه هؤلاء ~~وأنكروا وجوده وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وقد يدخلون انكار ذلك في الشرع ~~كما أدخلت المعتزلة ونحوهم إنكار كرامات الأولياء وإنكار السحر والكهانة في ~~الشرع بناء على أن ذلك يقدح في آيات الانبياء فجمعوا بين التكذيب بهذه ~~الامور الموجودة وبين عدم العلم بآيات الانبياء والفرق بينها وبين غيرها ~~حيث ظنوا أن هذه الخوارق الشيطانية من جنس آيات الانبياء وأنها نظير لها ~~فلو وقعت لم يكن للأنبياء ما يتميزون به والذين ردوا على هؤلاء من الأشعرية ~~ونحوهم يشاركونهم في هذا في التسوية بين الجنسين وأنه لا فرق لكن هؤلاء لما ~~تيقنوا وجودها جعلوا الفرق ما ليس بفرق وهو اقترانها بالدعوى والتحدي ~~بمثلها وعدم المعارضة وهم يقولون إنا نعلم بالضرورة أن الرب إنما خلقها ~~لتصديق النبي وهذا كلام صحيح لكنه يستلزم بطلان ما أصلوه من أنه لا يخلق ~~شيئا لشيء وأيضا فاختصاصها بوجود العلم الضروري عندها دون غيرها لا بد أن ~~يكون لأمر أوجب التخصيص وهم يقولون بل قد تستوي الامور ويوجد العلم الضروري ~~ببعضها دون بعض كما قالوا مثل ذلك في العادات انه يجوز انخراقها كلها بلا ~~سبب على أعظم الوجوه كجعل الجبال بواقيت لكن يعلم بالضرورة أن هذا لا يقع ~~فكذلك قالوا في المعجزات يجوز أن يخلقها على يد كاذب إنما خلقها على يد ~~الصادق بما ادعى من العلم الضروري صحيح وأما قولهم إن المعلوم به يماثل ~~غيره فغلط عظيم بل هم لم يعرفوا الفرق بمنزلة العامي الذي أوردت عليه شبهات ~~السوفسطائية فهو يعلم بالضرورة أنها باطلة ولكن لا يعرف الفرق بينها وبين ~~الحق ولكن العامي يقول فيها فساد لا أعرفه لا يقول دلائل الحق كدلائل ~~الباطل وهؤلاء ادعوا الاستواء في نفس الامر فغلطوا غلطا عظيما ولو قالوا ~~بينهما فرق لكنه لم يتخلص لنا لكان قولهم حقا وكانوا قد ذكروا عدم العلم لا ~~العلم بالعدم كما يقول ذلك كثير من الناس يقول ما أعرف الفرق بينهما وذلك ~~أن العلم الضروري يحصل ms317 ببعض الأخبار دون بعض وقد قيل إنا نعلم أنه متواتر ~~بحصول علمنا الضروري به والتحقيق انه اذا حصل له علم ضروري كان قد حصل ~~الخبر PageV01P285 الذي يوجبه لهم وقد لا يحصل لغيرهم والعلم يحصل بعدد ~~المخبرين وبصفاتهم وبأمور أخرى تنضم إلى الخبر ومن جعل الاعتبار بمجرد ~~العدد فقد غلط والأكثرون يقولون العلم الحاصل به ضروري وقيل انه نظري وهو ~~اختيار الكعبي وأبي الحسين وأبي الخطاب والتحقيق أنه قد يكون ضروريا وقد ~~يكون نظريا وقد يجتمع فيه الأمران يكون ضروريا ثم إذا نظر فيه وجد أنه يوجب ~~العلم وكذلك العلم الحاصل عقب الآيات قد يكون ضروريا وقد يكون نظريا وكل ~~نظري فإن منتهاه أنه ضروري ولهذا قال أبو المعالي المرتضى عندنا أن جميع ~~العلوم ضرورية أي بعد حصول أسبابها ولا بد من فرق في نفس الامر بين ما ~~يوجبه العلم ومالا يوجبه وأصل خطأ الطائفتين أنهم لم يعرفوا آيات الانبياء ~~وما خصهم الله به ولم يقدروا قدر النبوة ولم يقدروا آيات الانبياء قدرها بل ~~جعلوا هذه الخوارق الشيطانية من جنسها فإما ان يكذبوا بوجودها وإما أن ~~يسووا بينهما ويدعوا فرقا لا حقيقة له ولهذا يوجد كثير ممن يكذب بهذه ~~الخوارق الشيطانية أن تكون لبعض الاشخاص لما يراه من نقص دينه وعلمه فاذا ~~عاينها بعد ذلك أو ثبتت عنده خضع لذلك الشخص الذي كان عنده إما كافرا وإما ~~ضالا وإما مبتدعا جاهلا وذلك لأنه أنكر وجودها معتقدا أنها لا توجد إلا ~~للصالحين فلما تيقن وجودها جعلها دليلا على الصلاح وهو غالط في الاصل بل ~~هذه من الشياطين من جنس ما للسحرة والكهان ومن جنس ما للكفار من المشركين ~~وأهل الكتاب فإن لمشركي الهند والترك وغيرهم ولعباد النصارى من هذه الخوارق ~~الشيطانية أمورا كثيرة يطول وصفها أكثر وأعظم من أكثر مما يوجد منها لاهل ~~الضلال والبدع من المسلمين وما يوجد منها للمنافقين فإن الشياطين لا تتمكن ~~من إغواء المسلمين وإن كان فيهم جهل وظلم كما تتمكن من إغواء المشركين وأهل ~~الكتاب ولهذا ثنى ms318 في القرآن قصة موسى مع السحرة وذكر ما يقولوه الكفار ~~لانبيائهم فإنه ما جاء نبي صادق قط الا قيل فيه إنه ساحر أو مجنون كما قال ~~تعالى @QB@ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ~~أتواصوا به بل هم قوم طاغون @QE@ وذلك أن الرسول يأتي بما يخالف عاداتهم ~~ويفعل ما يرونه غير نافع ويترك ما يرونه نافعا وهذا فعل المجنون فإن ~~المجنون PageV01P286 فاسد العلم والقصد ومن كان مبلغه من العلم إرادة ~~الحياة الدنيا كان عنده من ترك ذلك وطلب مالا يعلمه مجنونا ثم النبي مع هذا ~~يأتي بأمور خارجة عن قدرة الناس من إعلام بالغيوب وأمور خارقة لعاداتهم ~~فيقولون هو ساحر وهذا موجود في المنافقين الملحدين المتظاهرين بالاسلام من ~~الفلاسفة ونحوهم يقولون ان ما أخبرت به الانبياء من الغيوب والجنة والنار ~~هو من جنس قول المجانين وعندهم خوارقهم من جنس خوارق السحرة والممرورين ~~المجانين كما ذكر ابن سينا وغيره لكن الفرق بينهما أن النبي حسن القصد ~~بخلاف الساحر وأنه يعلم ما يقول بخلاف المجنون لكن معجزات الانبياء عندهم ~~قوى نفسانية ليس مع هذا ولا هذا شيء خارج عن قوة النفس والقاضيان أبو بكر ~~وأبو يعلى ومن وافقهما متوقفون في وجود المخدوم الذي تخدمه الجن قالوا لا ~~يقطع بوجوده وكذلك الكاهن ذكروا فيه القولين قول من يقول إنه المتخرص وقول ~~من يقول إنه مخدوم وهم متوقفون فيه لا يقطعون بوجود مخدوم كاهن كما يقطعون ~~بوجود الساحر لأنه في زمانهم وجد الساحر والقرآن أخبرنا بالسحر في سورة ~~البقرة بخلاف الكاهن فإن القرآن ذكر اسمه ولو تدبروا لعلموا ان الكاهن هو ~~المذكور في قوله @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك ~~أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قيل له ان منا قوما يأتون الكهان قال فلا تأتوهم وسئل عن الكهان ~~وما يخبرون به فأخبر أن الجن تسترق السمع وتخبرهم به فالكتاب والسنة أثبتا ~~وجود الكاهن وأحمد قد ms319 نص على أنه يقتل كالساحر لكن الكاهن إنما عنده أخبار ~~والساحر عنده تصرف بقتل وإمراض وغير ذلك وهذا تطلبه النفوس أكثر وابن صياد ~~كان كاهنا ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم قد خبأت لك خبيئا فقال ~~الدخ فقال اخسأ فلن تعدو قدرك انما أنت من إخوان الكهان ولما قضى في الجنين ~~بغرة قال حمل بن مالك أيودي من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل قتل ذلك ~~يطل فقال إنما أنت من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع فكانوا يسجعون ~~أساجيع وقد رأيت من PageV01P287 هؤلاء شيوخا يسجعون أساجيع كأساجيع الكهان ~~ويكون كثير منها صدقا ولهذا جمع الله بين الكاهن والشاعر في قوله @QB@ وما ~~هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب ~~العالمين @QE@ وكذلك في الشعراء ذكر الكاهن والشاعر بعد قوله @QB@ وإنه ~~لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان ~~عربي مبين @QE@ إلى قوله @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل ~~أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ والرسول في آية الحاقة محمد ~~وقال ايضا @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ~~وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو ~~بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين @QE@ فلما أخبر به أنه ~~قول رسول هو ملك من الملائكة نفى أن يكون قول شيطان ولما أخبر هناك أنه قول ~~رسول من البشر نفى أن يكون قول شاعر أو كاهن فهذا تنزيه للقرآن نفسه ونزه ~~الرسول أن يكون على الغيب بظنين أي متهم وأن يكون بمجنون فالجنون فساد في ~~العلم والتهمة فساد في القصد كما قالوا ساحر أو مجنون وقال في الطور @QB@ ~~فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل ~~تربصوا فإني معكم من المتربصين @QE@ وقد أخبر عن الانبياء قبله أنه @QB@ ما ~~أتى الذين من ms320 قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون @QE@ ولم يقولوا كاهن ~~لأن الكاهن عند العرب هو الذي يتكلم بكلام مسجوع وله قرين من الجن وهذا ~~الاسم ليس بذم عند أهل الكتاب بل يسمون أكثر العلماء بهذا الاسم ويسمون ~~هارون وأولاده الذين عندهم التوراة بهذا الاسم والقدر المشترك العلم ~~بالامور الغائبة والحكم بها فعلماء أهل الكتاب يخبرون بالغيب ويحكمون به عن ~~الوحي الذي أوحاه الله وكهان العرب كانت تفعل ذلك عن وحي الشياطين وتمتاز ~~بأنها تسجع الكلام بخلاف اسم الساحر فإنه اسم معروف في جميع الامم وقد يدخل ~~في ذلك عندهم المخدوم الذي تخبره الشياطين ببعض الامور الغائبة ولكون ~~الساحر يأتي PageV01P288 بالخوارق شبهوا به النبي وقالوا ساحر فدل ذلك على ~~قدر مشترك لكن الفرقان بينهما أعظم كالفرق بين الملائكة والشياطين وأهل ~~الجنة وأهل النار وخيار الناس وشرارهم وهذا أعظم الفروق بين الحق والباطل ~~والكفار قالوا عن الانبياء انهم مجانين وسحرة فكما يعلم بضرورة العقل وجود ~~أعظم الفرق بينهم وبين المجانين وأنهم أعقل الناس وأبعدهم عن الجنون فكذلك ~~يعلم بضرورة العقل أعظم الفرق بينهم وبين السحرة وأنهم أفضل الناس وأبعدهم ~~عن السحر فالساحر يفسد الادراك حتى يسمع الانسان الشيء ويراه ويتصور خلاف ~~ما هو عليه والانبياء يصححون سمع الانسان وبصره وعقله والذين خالفوهم صم ~~بكم عمي فهم لا يعقلون فالسحرة يزيدون الناس عمى وصمما وبكما والانبياء ~~يرفعون عماهم وصممهم وبكمهم كما في الصحيح عن عطاء بن يسار أنه سأل عبد ~~الله بن عمرو روى عبد الله بن سلام أنه قيل له أخبرنا ببعض صفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال انه لموصوف في التوراة ببعض صفته في ~~القرآن @QB@ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا @QE@ وحرزا ~~للاميين انت عبدي سميتك المتوكل لست بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالاسواق ولا ~~تجزي بالسيئة السيئة ولكن تجزي بالسيئة الحسنة وتعفو وتغفر ولن أقبضه حتى ~~أقيم به الملة العوجاء فأفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا بأن ~~يقولوا لا اله الا ms321 الله وهذا مذكور عند أهل الكتاب في نبوة أشعيا ولفظ ~~التوراة قد يراد به جميع الكتب التي نزلت قبل الانجيل فيقال التوراة ~~والانجيل ويراد بالتوراة الكتاب الذي جاء به موسى وما بعده من نبوة ~~الانبياء المتبعين لكتاب موسى قد يسمى هذا كله توراة فإن االتوراة تفسر ~~بالشريعة فكل من دان بشريعة التوراة قيل لنبوته انها من التوراة وكثير مما ~~يعزوه كعب الأحبار ونحوه إلى التوراة هو من هذا الباب لا يختص ذلك بالكتاب ~~المنزل على موسى كلفظ الشريعة عند المسلمين يتناول القرآن والاحاديث ~~النبوية وما استخرج من ذلك كما قد بسط هذا في موضع آخر والمقصود هنا أن ~~الانبياء يفتحون الأعين العمي والآذان الصم والقلوب الغلف والسحرة يفسدون ~~السمع والبصر والعقل حتى PageV01P289 يخيل للانسان الأشياء بخلاف ما هي ~~عليه فيتغير حسه وعقله قال في قصة موسى @QB@ سحروا أعين الناس واسترهبوهم ~~وجاؤوا بسحر عظيم @QE@ وهذا يقتضي أن أعين الناس قد حصل فيها تغير ولهذا ~~قال تعالى @QB@ ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا ~~إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون @QE@ فقد علموا أن السحر يغير ~~الاحساس كما يوجب المرض والقتل وهذا كله من جنس مقدور الانس فإن الانسان ~~يقدر أن يفعل في غيره ما يفسد إدراكه وما يمرضه ويقتله فهذا مع كونه ظلما ~~وشرا هو من جنس مقدور البشر والجني إذا اراد أن يرى قرينه أمورا غائبة سأل ~~عنها مثلها له فاذا سأل عن المسروق أراه شكل ذلك المال وإذا سأل عن شخص ~~أراه صورته ونحو ذلك وقد يظن الرائي أنه رأى عينه وإنما رأى نظيره وقد ~~يتمثل الجني في صورة الإنسي حتى يظن الظان أنه الإنسي وهذا كثير كما تصور ~~لقريش في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم وكان من اشراف بني كنانة قال تعالى ~~@QB@ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني ~~جار لكم @QE@ الآية فلما عاين الملائكة ولى هاربا ولما رجعوا ذكروا ذلك ~~لسراقة فقال والله ما علمت بحربكم حتى ms322 بلغني هزيمتكم وهذا واقع كثيرا حتى ~~انه يتصور لمن يعظم شخصا في صورته فاذا استغاث به أتاه فيظن ذلك الشخص انه ~~شيخه الميت وقد يقول له إنه بعض الانبياء أو بعض الصحابة الاموات ويكون هو ~~الشيطان وكثير من الناس أهل العبادة والزهد من يأتيه في اليقظة من يقول إنه ~~رسول الله ويظن ذلك حقا ومن يرى إذا زار بعض قبور الانبياء أو الصالحين أن ~~صاحب القبر قد خرج اليه فيظن أنه صاحب القبر ذلك النبي أو الرجل الصالح ~~وإنما هو شيطان أتى في صورته إن كان يعرفها وإلا أتى في صورة انسان قال إنه ~~ذلك الميت وكذلك يأتي كثيرا من الناس في مواضع ويقول انه الخضر وإنما كان ~~جنيا من الجن ولهذا لم يجترئ الشيطان على أن يقول لأحد من الصحابة إنه ~~الخضر ولا قال أحد من الصحابة إني رأيت الخضر وإنما وقع هذا بعد الصحابة ~~وكلما تأخر الامر كثر حتى إنه يأتي PageV01P290 اليهود والنصارى ويقول انه ~~الخضر ولليهود كنيسة معروفة بكنيسة الخضر وكثير من كنائس النصارى يقصدها ~~هذا الخضر والخضر الذي يأتي هذا الشخص غير الخضر الذي يأتي هذا ولهذا يقول ~~من يقول منهم لكل ولي خضر وإنما هو جني معه والذين يدعون الكواكب تتنزل ~~عليهم أشخاص يسمونها روحانية الكواكب وهو شيطان نزل عليه لما أشرك ليغويه ~~كما تدخل الشياطين في الاصنام وتتكلم أحيانا لبعض الناس وتتراءى للسدنة ~~أحيانا ولغيرهم أيضا وقد يستغيث المشرك بشيخ له غائب فيحكى الجني صوته لذلك ~~الشيخ حتى يظن أنه سمع صوت ذلك المريد مع بعد المسافة بينهما ثم ان الشيخ ~~يجيبه فيحكي الجني صوت الشيخ للمريد حتى يظن أن شيخه سمع صوته وأجابه وإلا ~~فصوت الانسان يمتنع أن يبلغ مسيرة يوم ويومين وأكثر وقد يحصل للمريد من ~~يؤذيه فيدفعه الجني ويخيل للمريد أن الشيخ هو دفعه وقد يضرب الرجل بحجر ~~فيدفعه عنه الجني ثم يصيب الشيخ بمثل ذلك حتى يقول اني اتقيت عنك الضرب ~~وهذا أثره في وقد يكونون يأكلون طعاما فيصور نظيره ms323 للشيخ ويجعل يده فيه ~~ويجعل الشيطان يده في طعام أولئك حتى يتوهم الشيخ وهم ان يد الشيخ امتدت من ~~الشام إلى مصر وصارت في ذلك الاناء وعمر بن الخطاب لما نادى يا سارية الجبل ~~قال ان لله جندا يبلغونهم صوتي فعلم أن صوته انما يبلغ بما ييسره الله من ~~تبليغ بعض الملائكة أو صالحي الجن فيهتفون بمثل صوته كالذي ينادي ابنه وهو ~~بعيد لا يسمع يا فلا فيسمعه من يريد إبلاغه فينادي يا فلان فيسمع ذلك الصوت ~~وهو المقصود بصوت أبيه وإلا فصوت البشر ليس في قوته أن يبلغ مسافة ايام وقد ~~قلنا أن آيات الانبياء التي اختصوا بها خارجة عن قدرة الجن والانس قال ~~تعالى @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ وأما اذا كانت مما تقدر عليه ~~الملائكة فهذا مما يؤيدها فإن الملائكة لا يطيعون من يكذب على الله ولا ~~يؤيدونه بالخوارق فاذا أيد به كما أيد الله به نبيه والمؤمنين يوم بدر ويوم ~~حنين كان هذا من أعلام صدقه وإنه صادق على الله في دعوى النبوة فإنها ~~PageV01P291 لا تؤيد الكذاب لكن الشياطين تؤيد الكذب والملائكة تؤيد الصدق ~~والتأييد بحسب الايمان فمن كان إيمانه أقوى من غيره كان جنده من الملائكة ~~أقوى وان كان ايمانه ضعيفا كانت ملائكته بحسب ذلك كملك الانسان وشيطانه ~~فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما منكم من أحد ~~إلا وكل به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن قالوا وبك يا رسول الله قال ~~وبي لكن الله أعانني عليه فأسلم وفي حديث آخر فلا يأمرني إلا بخير وهو في ~~صحيح مسلم من وجهين من حديث ابن مسعود ومن حديث عائشة وقال ابن مسعود ان ~~للقلب لمة من الملك ولمة من الشيطان فلمة الملك إيعاد الخير وتصديق بالحق ~~ولمة الشيطان ايعاد بالشر وتكذيب بالحق فاذا كانت حسنات الانسان أقوى أيد ~~بالملائكة تأييدا يقهر به الشيطان وإن ms324 كانت سيئاته اقوى كان جند الشيطان ~~معه أقوى وقد يلتقي شيطان المؤمن بشيطان الكافر فشيطان المؤمن مهزول ضعيف ~~وشيطان الكافر سمين قوي فكما أن الانسان بفجوره يؤيد شيطانه على ملكه ~~وبصلاحه يؤيد ملكه على شيطانه فكذلك الشخصان يغلب أحدهما الآخر لأن الآخر ~~لم يؤيد ملكه فلم يؤيده أو ضعف عنه لأنه ليس معه إيمان يعينه كالرجل الصالح ~~اذا كان ابنه فاجرا لم يمكنه الدفع عنه لفجوره وبسط هذه الامور له موضع آخر # والمقصود هنا الكلام على الفرق بين آيات الانبياء وغيرهم وأن من قال أن ~~آيات الانبياء والسحر والكهانة والكرامات وغير ذلك من جنس واحد فقد غلط ~~ايضا والطائفتان لم يعرفوا قدر آيات الانبياء بل جعلوها من هذا الجنس ~~فهؤلاء نفوه وهؤلاء أثبتوه وذكروا فرقا لا حقيقة له # واذا قال القائل آيات الانبياء لا يقدر عليها إلا الله أو أن الله ~~يخترعها ويبتدئها بقدرته أو أنها من فعل الفاعل المختار ونحو ذلك قيل له ~~هذا كلام مجمل فقد يقال عن كل ما يكون انه لا يقدر عليه إلا الله فإن الله ~~خالق كل شيء وغيره لا يستقل باحداث شيء وعلى هذا فلا فرق بين المعجزات ~~وغيرها وقد يقال لا يقدر عليها إلا PageV01P292 الله أي هي خارجة عن ~~مقدورات العباد فإن مقدوراته على قسمين منها ما يفعله بواسطة قدرة العبد ~~كأفعال العباد وما يصنعونه ومنها ما يفعله بدون ذلك كإنزال المطر فإن أراد ~~هذا القائل أنها خارجة عن مقدور الإنس بمعنى أنه لا يقع منهم لا بإعانة ~~الجن ولا بغير ذلك فهذا كلام صحيح وإن أراد أنه خارج عن مقدورهم فقط وإن ~~كان مقدورا للجن فهذا ليس بصحيح فإن الرسل أرسلوا إلى الانس والجن والسحر ~~والكهانة وغير ذلك تقدر الجن على إيصالها إلى الانس وهي مناقضة لآيات ~~الانبياء كما قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل ~~أفاك أثيم @QE@ وإن أراد أنها خارجة عن مقدور الملائكة والإنس والجن أو أن ~~الله يفعلها بلا سبب فهذا أيضا باطل فمن ms325 أين له أن الله يخلقها بلا سبب ومن ~~أين له أنه لا يخلقها بواسطة الملائكة الذين هم رسله في عامة ما يخلقه فمن ~~أين له أن جبريل لم ينفخ في مريم حتى حملت بالمسيح وقد أخبر الله بذلك وهو ~~وأمه مما جعلهما آية للعالمين قال تعالى @QB@ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين @QE@ وخلق المسيح بلا أب من أعظم الآيات ~~وكان بواسطة نفخ جبريل قال تعالى @QB@ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا ~~سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا @QE@ ~~وكذلك طمس أبصار قوم لوط كان بواسطة الملائكة والذي عنده علم من الكتاب لما ~~قال عفريت من الجن لسليمان @QB@ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني ~~عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك ~~طرفك @QE@ أتته به الملائكة كذلك ذكره المفسرون عن ابن عباس وغيره أن ~~الملائكة أتته به أسرع مما كان يأتي به العفريت وقد أخبر الله تعالى أنه ~~أيد محمدا صلى الله عليه وسلم بالملائكة وبالريح وقال تعالى @QB@ فأرسلنا ~~عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا @QE@ وقال تعالى ~~يوم حنين PageV01P293 @QB@ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل ~~جنودا لم تروها @QE@ وقال تعالى يوم الغار @QB@ فأنزل الله سكينته عليه ~~وأيده بجنود لم تروها @QE@ وقال تعالى @QB@ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني ~~معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب @QE@ وقد ثبت في ~~الصحيح أن الانسان يصوره ملك في الرحم بإذن الله ويقول الملك أي رب نطفة أي ~~رب علقة أي رب مضغة فاذا كان الخلق المعتاد يكون بتوسط الملائكة فإنه يقرر ~~التوحيد بقوله تعالى @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم @QE@ الآيات ثم النبوة ~~بقوله @QB@ وإن كنتم في ms326 ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا @QE@ ثم المعاد ~~وكذلك الانعام يقرر التوحيد ثم النبوة في وسطها ثم يختمها بأصول الشرائع ~~والتوحيد أيضا وهو ملة إبراهيم وهذا مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود أنه ~~قد يبين انفراده بالخلق والنفع والضر والاتيان بالآيات وغير ذلك وإن ذلك لا ~~يقدر عليه غيره قال تعالى @QB@ أفمن يخلق كمن لا يخلق @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى ~~عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل ~~شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ~~وهو على كل شيء وكيل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ~~قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم ~~بحفيظ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون اتبع ما أوحي ~~إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ولو شاء الله ما أشركوا وما ~~جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ~~فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم ~~فينبئهم بما كانوا يعملون وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن ~~بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون @QE@ ~~PageV01P294 ففي هذه الآيات تقرير التوحيد حتى في إنزال الآيات قال @QB@ ~~إنما الآيات عند الله @QE@ وكذلك قوله في العنكبوت @QB@ وقالوا لولا أنزل ~~عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم ~~أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل ~~كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا ~~بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون @QE@ وقال أيضا @QB@ وقالوا لولا ~~نزل عليه آية ms327 من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون @QE@ هذا بعد قوله @QB@ فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما ~~في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من ~~الجاهلين @QE@ وهو أرسله بآيات بان بها الحق وقامت بها الحجة وكانوا يطلبون ~~آيات تعنتا فيظن من يظن أنهم يهتدون بها لكن لا يحصل بها المقصود وقد تكون ~~موجبة لعذاب الاستئصال فتكون ضررا بلا نفع وبين سبحانه أنه قادر على انزال ~~الآيات وأنها ليست إلا عنده وغير أفعال العباد قد اتفق الناس على أنه لا ~~يخلقه الا الله وإنما تنازعوا في أفعال العباد والصواب انها أفعال لهم وهي ~~مخلوقة لله لكن آيات الانبياء لا تكون مما يقدر عليه العبد كما قال @QB@ قل ~~إنما الآيات عند الله @QE@ والملائكة إنما هي سبب من الأسباب كما في خلق ~~المسيح من غير أب فجبريل إنما كان مقدوره النفخ فيها وهذا لا يوجب الخلق بل ~~هو بمنزلة الانزال في حق غير المسيح وكذلك المسيح لما خلق من الطين كهيئة ~~الطير إنما مقدوره تصوير الطين وإنما حصول الحياة فيه فباذن الله يحيي ~~ويميت وهذا من خصائصه ولهذا قال الخليل @QB@ ربي الذي يحيي ويميت @QE@ وفي ~~القرآن في غير مواضع @QB@ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي @QE@ ~~@QB@ وكنتم أمواتا فأحياكم @QE@ @QB@ يحيي الأرض بعد موتها @QE@ @QB@ والله ~~يحيي ويميت @QE@ وما يتولد عن أفعال الملائكة وغيرهم ليسوا مستقلين به بل ~~لهم فيه شركة كطمس ابصار اللوطية وقلب مدينتهم وكذلك النصر إنما يقدرون على ~~القتال كالانس PageV01P295 والنصر هو من عند الله كما قال تعالى @QB@ وما ~~جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله @QE@ ~~والقرآن إنما يقدرون على النزول به لا على إحداثه ابتداء فهم يقدرون على ~~الاتيان بمثله من عند الله وأما الجن والانس فلا يقدرون على الاتيان بمثله ~~لأن الله لا يكلم بمثله الجن والانس ابتداء ولهذا قال @QB@ لا يأتون بمثله ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فأتوا بسورة من مثله ms328 @QE@ وقال @QB@ فأتوا بعشر سور ~~مثله @QE@ وقال @QB@ فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين @QE@ لم يكلفهم ~~نفس الإحداث بل طالبهم بالاتيان بمثله إما إحداثا وإما تبليغا عن الله أو ~~عن مخلوق ليظهر عجزهم من جميع الجهات فقد يقال فنفس أفعال العباد ليست من ~~الآيات إذ كانت مقدورة ومفعولة للعبد وإن كان ذلك بأقدار الله تعالى ولا ~~نفس القدرة على ذلك الفعل فإن المقصود من القدرة هو الفعل بل الآيات خارجة ~~عن مقدور جميع العباد الملائكة والجن والانس وهي أيضا لا تنال بالاكتساب ~~فإن الإنس والجن قد يقدرون بأسباب مباينة لهم على أمور كما يقدرون على قتل ~~من يقتلونه وإمراضه ونحو ذلك وآيات الانبياء لا يقدر أحد أن يتوصل اليها ~~بسبب والسحر والكهانة مما يمكن التوصل اليه بسبب كالذي يأتي بأقوال وأفعال ~~تحدثه بها الجن فالنبوة لا تنال بكسب العبيد ولا آياتها تحصل بكسب العباد ~~وهذا من الفروق بين آيات الانبياء وبين السحر والكهانة وبينهما فروق كثرة ~~أكثر من عشرة أحدها أن ما تخبر به الانبياء لا يكون الا صدقا وأما ما ~~يخبرهم به من خالفهم من السحرة والكهان وعباد المشركين وأهل الكتاب وأهل ~~البدع والفجور من المسلمين فإنه لا بد فيه من الكذب الثاني أن الانبياء لا ~~تأمر الا بالعدل ولا تفعل الا العدل وهؤلاء المخالفون لهم لا بد لهم من ~~الظلم فإن من خالف العدل لا يكون الا ظلما فيدخلون في العدوان على الخلق ~~وفعل الفواحش والشرك والقول على الله بلا علم وهي المحرمات التي حرمها الله ~~مطلقا كما قال تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون @QE@ PageV01P296 الثالث أن ما يأتي به من يخالفهم ~~معتاد لغير الانبياء كما هو معتاد للسحرة والكهان وعباد المشركين وأهل ~~الكتاب وأهل البدع والفجور وآيات الانبياء هي معتادة أنها تدل على خبر الله ~~وأمره على حكمه فتدل على أنهم أنبياء وعلى صدق من ms329 أخبر بنبوتهم سواء كانوا ~~هم المخبرين أو غيرهم وكرامات الاولياء هي من هذا فإنهم يخبرون بنبوة ~~الانبياء وكذلك أشراط الساعة هي أيضا تدل على صدق الانبياء اذ كانوا قد ~~أخبروا بها فالذي جعله أولئك من كرامات الاولياء وأشراط الساعة ناقضا لآيات ~~الانبياء اذ هو من جنسها ولا يدل عليها فأولئك كذبوا بالموجود وهؤلاء سووا ~~بين الآيات وغيرها فلم تكن في الحقيقة عندهم آية وكانت الآيات عند أولئك ~~منتقضة وأولئك نصروا جهلهم بالتكذيب بالحق وهؤلاء نصروا جهلهم أيضا بقول ~~الباطل فقالوا ان الآية هي المقرونة بالدعوى التي لا تعارض وزعموا أنه لا ~~يمكن معارضة السحر والكهانة اذا جعل آية وأنه اذا لم يعارض كان آية وهو ~~تكذيب بالحق أيضا فإنه قد ادعاه غير نبي ولم يعارض فالطائفتان أدخلت في ~~الآيات ما ليس منها وأخرجت منها ما هو منها فكرامات الاولياء واشراط الساعة ~~من آيات الانبياء وأخرجوها والسحر والكهانة ليس من آياتهم وأدخلوها أو سووا ~~بينها وبين الآيات بل ونوابها الرابع أن آيات الانبياء والنبوة لو قدر أنها ~~تنال بالاكتساب فهي انما تنال بعبادة الله وطاعته فإنه لا يقول عاقل ان ~~أحدا يصير نبيا بالكذب والظلم بل بالصدق والعدل سواء قال ان النبوة جزاء ~~على العمل أو قال انه اذا زكى نفسه فاض عليه ما يفيض على الانبياء فعلى ~~القولين هي مستلزمة لالتزام الصدق والعدل وحينئذ فيمتنع أن صاحبها يكذب على ~~الله فإن ذلك يفسدها بخلاف من خالف الانبياء من السحرة والكهان وعباد ~~المشركين وأهل البدع والفجور من أهل الملل واهل الكتاب والمسلمين فإن هؤلاء ~~تحصل لهم الخوارق مع الكذب والإثم بل خوارقهم PageV01P297 مع ذلك أشد لأنهم ~~يخالفون الانبياء وما ناقض الصدق والعدل لم يكن إلا كذبا وظلما فكل من خالف ~~طريق الانبياء لا بد له من الكذب والظلم اما عمدا واما جهلا وقوله تعالى ~~@QB@ تنزل على كل أفاك أثيم @QE@ ليس من شرطه أن يتعمد الكذب بل من كان ~~جاهلا يتكلم بلا علم فيكذب فان الشياطين تنزل عليه أيضا اذ من أخبر ms330 عن ~~الشيء بخلاف ما هو عليه من غير اجتهاد يعذر به فهو كذاب ولهذا يصف الله ~~المشركين بالكذب وكثير منهم لا يتعمد ذلك وكذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما أفتى أبو السنابل بأن المتوفي عنها الحامل لا تحل بوضع الحمل بل ~~تعتد أبعد الاجلين فقال كذب أبو السنابل أي في قوله بأن المتوفي عنها ~~الحامل لا تحل بوضع الحمل بل تعتد أبعد الاجلين وكذلك لما قال بعضهم ابن ~~الاكوع حبط عمله قال النبي صلى الله عليه وسلم كذب من قالها انه لجاهد ~~مجاهد ونظائره كثيرة فالانبياء لا يقع في إخبارهم عن الله كذب لا عمدا ولا ~~خطأ وكل من خالفهم لا بد أن يقع في خبره عن الله كذب ضرورة فإن خبره اذا لم ~~يكن مطابقا لخبرهم كان مخالفا له فيكون كذبا فالذي تنزل عليه الشياطين اذا ~~ظن واعتقد انهم جاءوا من عند الله وأخبر بذلك كان كاذبا وكذلك اذا قال عما ~~أوحوه اليه إن الله أوحاه اليه كان كاذبا قال تعالى @QB@ وإن الشياطين ~~ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم @QE@ ولما شاع خبر المختار بن أبي عبيد وهو ~~أول من ظهر في الاسلام بالكذب في هذا وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم انه قال يكون في ثقيف كذاب ومبير فكان الكذاب هو المختار بن أبي ~~عبيد وكان يتشيع لعلي ولهذا يوجد الكذب في الشيعة اكثر مما يوجد في جميع ~~الطوائف والمبير هو الحجاج بن يوسف وكان ظالما معتديا وكان يتشيع لعثمان ~~والمختار يتشيع لعلي فذكر لابن عمر وابن عباس امر المختار وقيل لأحدهما إنه ~~يزعم أنه يوحى اليه فقال صدق @QB@ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم @QE@ ~~وقيل للآخر إنه يزعم أنه ينزل عليه فقال صدق @QB@ هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم @QE@ الخامس أن ما يأتي به السحرة والكهان ~~والمشركون وأهل البدع من أهل الملل لا يخرج عن كونه مقدورا للانس والجن ~~PageV01P298 وآيات الانبياء لا يقدر على مثلها لا الانس ولا الجن كما قال ms331 ~~تعالى @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ السادس أن ما يأتي به السحرة ~~والكهان وكل مخالف للرسل تمكن معارضته بمثله وأقوى منه كما هو الواقع لمن ~~عرف هذا الباب وآيات الانبياء لا يمكن أحدا أن يعارضها لا بمثلها ولا بأقوى ~~منها وكذلك كرامات الصالحين لا تعارض لا بمثلها ولا بأقوى منها بل قد يكون ~~بعض آيات أكبر من بعض وكذلك آيات الصالحين لكنها متصادقة متعاونة على مطلوب ~~واحد وهو عبادة الله وتصديق رسله فهي آيات ودلائل وبراهين متعاضدة على ~~مطلوب واحد والادلة بعضها أدل وأقوى من بعض ولهذا كان المشايخ الذين ~~يتحاسدون ويتعادون ويقهر بعضهم بعضا بخوارقه إما بقتل وإمراض وإما بسلب ~~حاله وعزله عن مرتبته وإما غير ذلك خوارقهم شيطانية ليست من آيات الانبياء ~~والاولياء وكثير من هؤلاء يكون في الباطن كافرا منافقا وكثير منهم يموت على ~~غير الاسلام وكثير منهم يكون مسلما مع ظلم يعرف انه ظلم ومنهم من يكون ~~جاهلا يحسب أن ما هو عليه مما أمر الله به ورسوله هذا كما يقع للملوك ~~المتنازعين على الملك من قهر بعضهم لبعض فهذا خارج عن سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين السابع أن آيات الانبياء هي الخارقة ~~للعادات عادات الانس والجن بخلاف خوارق مخالفيهم فإن كل ضرب منها معتاد ~~لطائفة غير الانبياء وآيات الانبياء ليست معتادة لغير الذين يصدقون على ~~الله ويصدقون من صدق على الله وهم الذين جاءوا بالصدق وصدقوا وتلك معتادة ~~لمن يفتري الكذب على الله أو يكذب بالحق لما جاءه فتلك آيات على كذب ~~أصحابها وآيات الانبياء آيات على صدق أصحابها فإن الله سبحانه لا يخلى ~~الصادق مما يدل على صدقه ولا يخلي الكاذب مما يدل على كذبه إذ من نعته ما ~~أخبر به في قوله @QB@ أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على ~~قلبك @QE@ ثم قال خبرا مبتديا @QB@ ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته ms332 ~~@QE@ فهو سبحانه لا بد أن يمحق الباطل ويحق الحق بكلماته وقال تعالى ~~PageV01P299 @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ~~فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون @QE@ كما أخبر في موضع أنه لم يخلق ~~الخلق عبثا ولا سدى وإنما خلقهم بالحق وللحق فلا بد أن يجزي هؤلاء وهؤلاء ~~باظهار صدق هؤلاء وإظهار كذب هؤلاء كما قال @QB@ بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق @QE@ الثامن ان هذه لا يقدر عليها مخلوق فلا تكون ~~مقدورة للملائكة ولا للجن ولا للانس وإن كانت الملائكة قد يكون لهم فيها ~~سبب بخلاف تلك فإنها إما مقدورة للانس أو للجن أو مما يمكنهم التوصل اليها ~~بسبب وأما كرامات الصالحين فهي من آيات الانبياء كما تقدم ولكن ليست من ~~آياتهم الكبرى ولا يتوقف اثبات النبوة عليها وليست خارقة لعادة الصالحين بل ~~هي معتادة في الصالحين من أهل الملل في أهل الكتاب والمسلمين وآيات ~~الانبياء التي يختصون بها خارقة لعادة الصالحين التاسع أن خوارق غير ~~الانبياء والصالحين من السحرة والكهان أهل الشرك والبدع تنال بأفعالهم ~~كعباداتهم ودعائهم وشركهم وفجورهم ونحو ذلك وأما آيات الانبياء فلا تحصل ~~بشيء من ذلك بل الله يفعلها آية وعلامة لهم وقد يكرمهم بمثل كرامات ~~الصالحين وأعظم من ذلك مما يقصد به إكرامهم لكن هذا النوع يقصد به الاكرام ~~والدلالة بخلاف الآيات المجردة كانشقاق القمر وقلب العصا حية وإخراج يده ~~بيضاء والإتيان بالقرآن والإخبار بالغيب الذي يختص الله به فأمر الآيات إلى ~~الله لا إلى اختيار المخلوق والله يأتي بها بحسب علمه وحكمته وعدله ومشيئته ~~ورحمته كما ينزل ما ينزله من آيات القرآن وكما يخلق من يشاء من المخلوقات ~~بخلاف ما حصل باختيار العبد إما لكونه يفعل ما يوجبه أو يدعو الله به ~~فيجيبه فالخوارق التي ليست آيات تارة تكون بدعاء العبد والله تعالى يجيب ~~دعوة المضطر وان كان كافرا لكن للمؤمنين من إجابة الدعاء ما ms333 ليس لغيرهم ~~وتارة تكون بسعيه في أسبابها مثل توجهه بنفسه وأعوانه وبمن يطيعه من الجن ~~والانس في حصولها وأما آيات الانبياء فلا تحصل بشيء من ذلك العاشر أن النبي ~~قد خلت من قبله أنبياء يعتبر بهم فلا PageV01P300 يأمر إلا بما أمرت به ~~الانبياء من عبادة الله وحده والعمل بطاعته والتصديق باليوم الآخر والايمان ~~بجميع الكتب والرسل فلا يمكن خروجه عما اتفقت عليه الانبياء وأما السحرة ~~والكهان والمشركون وأهل البدع من أهل الملل فإنهم يخرجون عما اتفقت عليه ~~الانبياء فكلهم يشركون مع تنوعهم ويكذبون ببعض ما جاء به الانبياء ~~والانبياء كلهم منزهون عن الشرك وعن التكذيب بشيء من الحق الذي بعث الله به ~~نبيا قال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من ~~حقت عليه الضلالة @QE@ وقال تعالى @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد ~~اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق @QE@ وقال تعالى @QB@ ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين @QE@ وقال تعالى @QB@ إن ~~الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ~~ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ~~ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من ms334 الشاهدين @QE@ وقال @QB@ ~~شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم ~~إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب @QE@ PageV01P301 وقال ~~تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون ~~عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ~~كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ وقال تعالى لما ذكر الانبياء @QB@ إن هذه ~~أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون ~~فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون @QE@ قال ~~تعالى @QB@ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ~~ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ فالانبياء يصدق متأخرهم متقدمهم ~~ويبشر متقدمهم بمتأخرهم كما بشر المسيح ومن قبله بمحمد وكما صدق محمد جميع ~~النبيين قبله ولهذا يقول @QB@ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ~~مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما ~~لعنا أصحاب السبت @QE@ وقال @QB@ نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ~~وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا ~~بآيات الله لهم عذاب شديد @QE@ وقال @QB@ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا ~~لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه @QE@ والانبياء وأتباعهم كلهم مؤمنون ~~مسلمون يعبدون الله وحده بما أمر ويصدقون بجميع ما جاءت به الانبياء ومن ~~خالفهم لا يكون الا مشركا ومكذبا ببعض ما أنزل الله وبين الطائفتين فروق ~~كثيرة غير خوارق العادات الحادي عشر أن النبي هو وسائر المؤمنين لا يخبرون ~~إلا بحق ولا يأمرون الا بعدل فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويأمرون ~~بمصالح العباد في المعاش والمعاد لا يأمرون بالفواحش ولا الظلم ولا الشرك ~~ولا القول بغير علم فهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها ms335 لا بتبديلها وتغييرها ~~فلا يأمرون إلا بما يوافق المعروف في العقول الذي تتلقاه القلوب السليمة ~~بالقبول فكما أنهم هم لا يختلفون فلا يناقض بعضهم بعضا بل دينهم وملتهم ~~واحد وإن تنوعت الشرائع فهم أيضا PageV01P302 موافقون لموجب الفطرة التي ~~فطر الله عليها عباده موافقون للادلة العقلية لا يناقضونها قط بل الادلة ~~العقلية الصحيحة كلها توافق الانبياء لا تخالفهم وآيات الله السمعية ~~والعقلية العيانية والسماعية كلها متوافقة متصادقة متعاضدة لا يناقض بعضا ~~بعضا كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع والذين يخالفون الانبياء من أهل ~~الكفر وأهل البدع كالسحرة والكهان وسائر أنواع الكفار وكالمبتدعين من أهل ~~الملل أهل العلم وأهل العبادة فهؤلاء مخالفون للادلة السمعية والعقلية ~~للسماعية والعيانية مخالفون لصريح المعقول وصحيح المنقول كما أخبر الله ~~عنهم بقوله @QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير @QE@ ~~الآية فهؤلاء يخالفون أقوال الانبياء إما بالتكذيب وإما بالتحريف من ~~التأويل وإما بالاعراض عنها وكتمانها فأما أن لا يذكروها أو يذكروا ألفاظها ~~ويقولون ليس لها معنى يعرفه مخلوق كما أخبر الله عن أهل الكتاب أن منهم من ~~يكذب في اللفظ ومنهم من يحرف الكلم في المعنى ومنهم جهال لا يفقهون ما ~~يقرأون قال تعالى @QB@ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم @QE@ إلى قوله @QB@ فويل لهم ~~مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون @QE@ وكذلك هم مخالفون للادلة العقلية ~~فالانبياء كملوا الفطرة وبصروا الخلق كما تقدم في صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ان الله يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ومخالفوهم يفسدون ~~الحس والعقل كما أفسدوا الأدلة السمعية والحس والعقل بهما تعرف الأدلة ~~والطرق ثلاثة الحس والعقل والخبر فمخالفوا الانبياء أفسدوا هذا وهذا وهذا ~~أما إفسادهم لما جاء عن الانبياء فظاهر وأما إفسادهم للحس والعقل فإنهم ~~قسمان قسم أصحاب خوارق حسية كالسحرة والكهان وضلال العباد وقسم أصحاب كلام ~~واستدلال بالقياس والمعقول وكل منهما يفسد الحس والعقل أما أصحاب الحال ~~الشيطاني فقد عرف أن السحر يغير الحس والعقل حتى يخيل إلى الانسان الشيء ~~بخلاف ما هو وكذلك ms336 سائر الخوارق الشيطانية لا تأتي إلا مع نوع فساد في الحس ~~أو العقل كالمولهين الذين لا تأتيهم إلا مع زوال عقولهم وآخرين لا تأتيهم ~~إلا في الظلام وآخرين تتمثل لهم الجن في صورة الانس فيظنون أنهم إنس أو ~~يرونهم PageV01P303 مثال الشيء فيظنون أن الذي رأوه هو الشيء نفسه أو ~~يسمعونهم صوتا يشبه صوت من يعرفونه فيظنون أنه صوت ذلك المعروف عندهم وهذا ~~كثير موجود في أهل العبادات البدعية التي فيها نوع من الشرك ومخالفة ~~للشريعة وأما أصحاب الكلام والمقال البهتاني فإنهم بنوا أصولهم العقلية ~~واصول دينهم الذي ابتدعوه على مخالفة الحس والعقل فأهل الكلام أصل كلامهم ~~في الجواهر والأعراض مبني على مخالفة الحس والعقل فانهم يقولون إنا لا نشهد ~~بل ولا نعلم في زماننا حدوث شيء من الأعيان القائمة بنفسها بل كل ما نشهد ~~حدوثه بل كل ما حدث من قبل أن يخلق آدم إنما تحدث أعراض في الجواهر التي هي ~~باقية لا تستحيل قط بل تجتمع وتتفرق والخلق عندهم الموجود في زماننا انما ~~هو جمع وتفريق لا ابتداع عين وجوهر قائم بنفسه ولا خلق لشيء قائم بنفسه لا ~~انسان ولا غيره وإنما يخلق أعراضا ويقولون ان كا ما تشاهده من الأعيان ~~فإنها مركبة من جواهر كل جوهر منها لا يتميز يمينه عن شماله وهذا مخالفة ~~للحس والعقل كالاول ويقول كثير منهم إن الاعراض لا تبقى زمانين ويقولون انه ~~لا يفنى ويعدم في زماننا شيء من الأعيان بل كما لا يحدث شيء من الأعيان لا ~~يفنى شيء من الأعيان فهذا أصل علمهم ودينهم ومعقولهم الذي بنوا عليه حدوث ~~العالم واثبات الصانع وهو مخالف للحس والعقل ويقول الذين يثبتون الجوهر ~~الفرد ان الفلك والرحى وغيرهما يتفكك كلما استدار ويقول كثير منهم إن كل ~~شيء فإنه يمكن رؤيته وسمعه ولمسه إلى غير ذلك من الامور التي جعلوها أصول ~~علمهم ودينهم وهي مكابرة الحس والعقل # والمتفلسفة أضل من هؤلاء فانهم يجعلون ما في الذهن ثابتا في الخارج ~~فيدعون أن ما يتصوره العقل من ms337 المعاني الغائبة الكلية موجودة في الجواهر ~~قائمة بأنفسها إما مجردة عن الاعيان وإما مقترنة بها وكذلك العدد والمقدار ~~والخلاء والدهر والمادة يدعون وجود ذلك في الخارج وكذلك ما يثبتونه من ~~العقول والعلة الاولى الذي يسميه متأخروهم واجب الوجود وعامة ما يثبتونه من ~~العقليات إنما PageV01P304 يوجد في الذهن فالذي لا ريب في وجوده نفس ~~الانسان وما يقوم بها ثم ظنوا ما يقوم بها من العقليات موجودا في الخارج ~~فكان افسادهم للعقل أعظم كما أن افساد المتكلمين للحس أعظم مع أن هؤلاء ~~المتفلسفة عمدتهم هي العلوم العقلية والعقليات عندهم أصح من الحسيات وأولئك ~~المتكلمون أصول علمهم هي الحسيات ثم يستدلون بها على العقليات وبسط هذه ~~الامور له موضع آخر # والمقصود هنا التنبيه على أن من خالف الانبياء فإنه كما أنه مكذب لما ~~جاءوا به من النبوة والسمع فهو مخالف للحس والعقل فقد فسد عليه الأدلة ~~العقلية والنقلية والله سبحانه وتعالى أعلم PageV01P305 ms338