######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011817 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: النبوات #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011817 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11817 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11817 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد العزيز بن صالح الطويان #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1420هـ/2000م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الأول ### | مقدمة # ... # مقدمة # إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ~~[آل عمران، 102] . # {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان ~~عليكم رقيبا} [النساء، 1] . # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ~~ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب،70-71] ~~. # أما بعد: # فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في ~~النار1. PageV01P005 # ثم أما بعد: فإن الله تعالى لم يخلق عباده عبثا، ولم يتركهم سدى، بل أرسل ~~إليهم أنبياءه ورسله واسطة بينه وبينهم يبلغونهم أوامره ونواهيه، ويبينون ~~لهم طريق الهدى من الضلال. # فتبارك القائل: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} ~~[المؤمنون، 115] ، {أيحسب الأنسان أن يترك سدى} [القيامة، 36] . # وبعثة الرسل فضل منه - جل وعلا - ومنة يمتن بها على عباده المؤمنين. # قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين} [آل عمران، 164] . # وفي بعثة الرسل إنذار منه - تبارك وتعالى - لبني آدم، كي لا تكون لهم حجة ~~على الله بعد الرسل، فيقيم عليهم الحجة بإرسال المرسلين، ولا يقولوا بعدها: ~~ما جاءنا مبشرون ولا منذرون. # قال تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل} [النساء، 165] . # إذ من سنته تعالى أن لا يعذب أحدا حتى يقيم عليه الحجة، وفي إرسال ~~المرسلين - عليهم الصلاة والسلام - إقامة للحجة. # قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى ms001 نبعث رسولا} [الإسراء، 15] . # وموضوع النبوات من أعظم أبواب العقيدة؛ إذ الإيمان برسل الله - تبارك ~~وتعالى - أحد أركان الإيمان الستة، فلا يصح إيمان العبد حتى يؤمن بالله، ~~وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. # PageV01P006 # والنبوة هي الطريق لمعرفة محاب الله ومساخطه، وأوامره ونواهيه، وما يقرب ~~إليه، وما يبعد عن رحمته. # لذلك اقتضت حكمته - جل وعلا - أن يرسل أنبياءه ورسله لإرشاد الخلق، ~~وتوضيح الحق، وبيان الشريعة والدين، وما يضمن السعادة في الدارين. # وقد من الله علي إذ وفقني في مرحلة الماجستير لاختيار رسالة نافعة - بإذن ~~الله - درست فيها جهود علم من أعلام أهل السنة في عصرنا في تقرير عقيدة سلف ~~هذه الأمة - رحمهم الله - ألا وهو الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي - ~~رحمة الله عليه. # وقد كانت هذه الرسالة ذات أثر مبارك علي - بحمد الله؛ إذ وصلتني بكتب ~~أعلام السلف، فعشت معها وقتا طيبا مباركا، ووجدت في قراءتها لذة ما بعدها ~~لذة. # ومن أشهر من ارتبطت صلتي بهم من كتب هؤلاء الأعلام: شيخ الإسلام ابن ~~تيمية - رحمه الله، الذي جدد الله - تبارك وتعالى - به الدين في أواخر ~~القرن السابع، وأوائل القرن الثامن الهجري. # وقد من الله به على المسلمين، وجعله عونا لمن اتبع منهج سيد المرسلين، ~~وشوكة في حلوق المخالفين، ونصرة لهذا الدين، ينفي عنه تحريف الغالين، ~~وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ كما قال سيد الأنبياء والمرسلين صلى ~~الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف ~~الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"1. PageV01P007 # وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ~~لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"1. # ولا شك أن علم الأعلام، وشيخ الإسلام - رحمه الله - من هذه الطائفة ~~المنصورة؛ فقد حمل أمانة العلم، وبلغها بكل صدق وإخلاص، وجاهد بلسانه وقلمه ~~ويده، وأوذي بسبب صدعه بالحق وحرصه على هداية الخلق، وامتحن بسبب عقيدته، ~~وضيق عليه ونفي من بلدته، وهو رغم ذلك كله غير مبال، لا يخاف في الله لومة ~~لائم، ms002 حتى توفاه الله - تعالى - معتقلا، لم يخش من سلطان الباطل أو يظهر من ~~جلده على باطله مللا. وقد ذهب عصره ومضى إلى الرب خصومه، ومات من كانوا ~~يكيدون به، لكن لم يمت علمه ولم ينطفئ نوره بل بقي شعلة تنير الطريق لسالكي ~~الطريق المستقيم؛ طريق الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك ~~رفيقا. PageV01P008 # وقد طبقت شهرة شيخ الإسلام الآفاق، ووضع الله لكتبه القبول، ونهل الناس ~~من معينها الرقراق. # ومن تلكم الكتب: كتاب ((النبوات)) الذي يعتبر من أفضل ما كتب في موضوعه، ~~فقد بين فيه مؤلفه - رحمه الله - مفهوم النبوة، والمعجزة، والكرامة، وذكر ~~الفرق بينها، وبين خوارق السحرة والكهان ومدعي النبوة والولاية وأشباههم من ~~أصحاب الأحوال الشيطانية. # وقد عرض - رحمه الله - موضوع النبوة في شقين: # أورد في الأول منهما: منهج أهل السنة في النبوات، من خلال عرض أقوالهم. # ورد في الثاني منهما: على المخالفين في النبوة؛ من المنكرين، وأهل البدع، ~~والفرق الضالة، وذلك من خلال ذكر أصول دينهم العقلية التي أصلوها مخالفة ~~لأصول الرسول صلى الله عليه وسلم.. وقد هدم تلك الأصول بمعوله، فانهارت ~~بأصحابها بقوة الله وحوله. # وكتاب ((النبوات)) نادر في بابه، بل لست مبالغا إن قلت: لا يوجد لأهل ~~السنة والجماعة كتاب على شاكلته ومنواله. # لذلك تظهر الحاجة إلى تحقيقه، والعناية به، وإبرازه في أحسن صورة. # وقد طبع هذا الكتاب طبعات عدة، إلا أنه لم يلق من العناية التامة ما يليق ~~به وبمؤلفه الذي أعده؛ فلم تصحح ألفاظه، أو توثق نصوصه، أو يفسر غامضه، أو ~~يشرح مشكله. # لذلك شمرت عن ساعد الجد، وبذلت في تحقيقه الجهد، وتوخيت خدمة الكتاب ~~مستعينا بالرحمن، الذي هو ثقتي، وبه المستعان، وعليه التكلان. # PageV01P009 # وفي الختام: أحمد الله - تعالى - وأثني عليه الخير كله، فله الفضل ~~والنعمة والثناء الجميل الحسن، أحمده على توفيقه، وأشكره على تسهيله ~~وتيسيره في إتمام تحقيق هذا الكتاب، فلولا إعانته لي لما استطعت إخراجه في ~~هذه الصورة، ولولا تفضله علي لما استطعت بذل ما بذلته من جهد، فله الحمد ~~أولا وآخرا، وله الشكر ms003 ظاهرا وباطنا، أعانني على خدمته وتحقيقه، وتصحيحه ~~وتوثيقه، حتى خرج في صورته هذه. # فهذا هو كتاب ((النبوات)) وهذا تحقيقي له، فإن وفقت وأصبت فمن الله وله ~~الحمد والمنة، وإن قصرت أو أخطأت فذلك من نفسي، وعذري أني قد بذلت الوسع ~~والطاقة. # ولئن فارقني الصواب في موضع، فإني لأرجو أن لا يفوتني الأجر من الله ~~المطلع على الضمائر، العالم بالسرائر، وهو سبحانه يغفر الزلة، ويتجاوز عن ~~التقصير والهفوة، إنه جواد كريم، وهو بعباده رؤوف رحيم. # وإني لأستغفر الله وأتوب إليه من كل ذنب وخطيئة. # وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. # PageV01P010 # أسباب اختياري لهذا الكتاب # تقدمت في ثنايا الصفحات السابقة دوافع كثيرة حدت بي إلى التشبث بكتاب شيخ ~~الإسلام ((النبوات)) ، ولا شك أنها حوافز على تحقيق هذا الكتاب الجليل. # وها أنا ذا أجمل هذه الحوافز والدوافع، مع دوافع أخرى في النقاط التالية: ### | 1- # إن كتاب ((النبوات)) من الكتب التي تقرر حقيقة النبوة، وتبين مفهومها وفق ~~منهج سلفنا الصالح - رحمهم الله - وترد على المخالفين - شأنه في ذلك شأن ~~كتب شيخ الإسلام - رحمه الله - الأخرى التي تقرر عقيدة السلف الصالح، وترد ~~على من خالفهم، فهو من الكتب السلفية المهمة التي لا يستغنى عنها. ### | 2- # كون مؤلفه - رحمه الله - من كبار علماء السلف المشهود لهم بالسبق، ~~والرسوخ في العلم في أصول الدين وفروعه، وله قدم صدق، وجهاد وصبر ومصابرة ~~في نصرة الحق. ### | 3- # كثرة العبارات الغامضة، والألفاظ الصعبة، والموضوعات الشائكة التي يصعب ~~فهمها في هذا الكتاب، فهو بحاجة إلى خدمة لتوضيح عباراته وشرح ألفاظه. # وهذا قد لمسته بنفسي من بعض طلبة العلم المهتمين بكتب هذا الإمام، إذ ~~صرحوا أنهم يجدون صعوبة في الاستفادة منه، بخلاف كتبه الأخرى. # PageV01P011 ### | 4- # ندرة الكتب المؤلفة في النبوات، وطرق إثباتها، والرد على المخالفين، على ~~منهج السلف الصالح - رحمهم الله تعالى. # لذا فإن إخراج هذا الكتاب العظيم في صورة طيبة يسد ثغرة كبيرة، ويثري ~~المكتبة الإسلامية، لما فيه من بيان سبيل المؤمنين، وتحذير من طرق الضالين. # ولقد قرأت كتبا، ورسائل ألفت ms004 حول موضوع النبوات، والمعجزات، والكرامات، ~~فوجدت أكثر ما فيها نقولات من كتب المخالفين، سلم الناقل منها بها، وظنها ~~من أقوال أهل السنة والجماعة. وما ذلك إلا لانتشارها، وكثرتها، وشهرة ~~مؤلفيها. مع ندرة الكتب المؤلفة على منهج أهل السنة والجماعة. # وكتاب شيخ الإسلام - رحمه الله - هذا - يرد على أمثال هذه الأقوال، ويحذر ~~منها، ويناقش أصحابها، ويبين أن هذه الأقوال بنيت على أصول تخالف دين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. ### | 5- # إن أقوال من رد عليهم شيخ الإسلام - رحمه الله - تعالى لا زالت تعشعش بين ~~أظهرنا، ولا زال محبوها ومعتنقوها يعملون على إذكاء نارها، وإبقاء سعيرها. # ولا ريب أن إخراج هذا الكتاب في صورة طيبة يساعد على إطفاء هذه النار ~~وإخماد جذوتها، أو وقف انتشارها. # والله أسأل أن يجعل خدمتي له ذخرا يوم ألقاه، وأن يغفر لمؤلفه، ويحسن ~~عاقبته ومثواه. # PageV01P012 # الخطة التي سرت عليها # شرعت بالعمل في هذا الكتاب مستعينا بالله تعالى - وهو خير معين - وقد ~~قسمت العمل إلى قسمين: # القسم الأول: الدراسة. # وفيه ثلاثة مباحث:? # المبحث الأول: مدخل لدراسة موضوع الكتاب، وما ألف فيه. # وفيه ثمانية مطالب: # المطلب الأول: حقيقة النبوة. # المطلب الثاني: الحكمة من بعث الرسل. # المطلب الثالث: وظائف الرسل. # المطلب الرابع: أقوال الناس في النبوة. # المطلب الخامس: الإيمان بالأنبياء ركن من أركان الإيمان. # المطلب السادس: الإسلام دين جميع الأنبياء. # المطلب السابع: المعجزات. # المطلب الثامن: ما ألف في النبوات. # المبحث الثاني: التعريف بالمؤلف. # وفيه مطلبان: # المطلب الأول: حياة المؤلف الشخصية. # PageV01P013 # وفيه أربع مسائل: # المسألة الأولى: اسمه ونسبه. # المسألة الثانية: ولادته، ونشأته، وأسرته. # المسألة الثالثة: صفاته الخلقية. # المسألة الرابعة: صفاته الخلقية. # المطلب الثاني: حياة المؤلف العلمية. # وفيه سبع مسائل: # المسألة الأولى: نشأته العلمية. # المسألة الثانية: أبرز شيوخه. # المسألة الثالثة: أشهر تلاميذه. # المسألة الرابعة: أشهر مؤلفاته. # المسألة الخامسة: اهتمام الشيخ بالتأليف في جانب العقيدة. # المسألة السادسة: علماء توقعوا الذيوع والانتشار لكتب شيخ الإسلام رحمه ~~الله بعد موته. # المسألة السابعة: الأيام الأخيرة لشيخ الإسلام، ووفاته. # المبحث الثالث: دراسة الكتاب. # وفيه مطلبان: # المطلب الأول: التعريف ms005 بالكتاب. # وفيه أربع مسائل: # المسألة الأولى: تحقيق اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى مؤلفه، وتاريخ ~~تأليفه. # PageV01P014 # المسألة الثانية: سبب تأليف الكتاب. وفيه ترجمة موجزة للباقلاني، وتعريف ~~بكتابه "البيان". # المسألة الثالثة: منهج شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه. # المسألة الرابعة: مصادر المؤلف في كتابه. # المطلب الثاني: التعريف بالمخطوط، ووصفه، وعملي في الكتاب. # القسم الثاني: تحقيق نص الكتاب. # ثم الفهارس. # PageV01P015 # كلمة شكر وتقدير # أحمد الله سبحانه وتعالى على توفيقه، وأشكره على إعانته على إتمام هذا ~~العمل، فله الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ويرضى، وكما ينبغي ~~لجلال وجهه وعظيم سلطانه. # وانطلاقا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يشكر الله من لا يشكر ~~الناس"1، فإني أتقدم بالشكر الجزيل، والعرفان الجميل إلى الجامعة ~~الإسلامية، ممثلة بمديرها معالي الدكتور صالح بن عبد الله العبود. # كما أتقدم بالشكر والثناء إلى القائمين على كلية الدعوة وأصول الدين، ~~وإلى رئيس قسم العقيدة فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن سعد السحيمي، على ما ~~أبدوه من عناية بالعلم وطلابه، سائلا الله العلي القدير أن يثيبهم أحسن ~~الإثابة، ويجزيهم خير الجزاء. # كما أنه من الواجب علي أن أتقدم بفائق التقدير والاحترام، ووافر الثناء ~~والشكر، وعظيم المودة والامتنان إلى فضيلة شيخي وأستاذي، فضيلة الأستاذ ~~الدكتور أحمد بن عطية بن علي الغامدي الذي أحاطني برعايته، وأولاني اهتمامه ~~طيلة عشر سنوات أشرف علي خلالها في رسالتي الماجستير والدكتوراه، كان فيها ~~نعم المعلم والموجه والمؤدب؛ أحسن معاملتي، واهتم بي، وصبر علي، وأتحفني ~~بتوجيهاته، وجاد علي بملاحظاته القيمة التي كان لها أكبر الأثر في إظهار ~~هذا الكتاب بمظهره الذي هو عليه. فأسأل الله الحي القيوم أن يجزيه أفضل ما ~~جزى معلما عن PageV01P016 # تلاميذه، وأن يثيبه عني حسن الثواب في الدارين، ويجعل ذلك في ميزان ~~حسناته، إنه جواد كريم. # كما أشكر جميع من أسدى إلي نصحا، أو مشورة، راجيا من الله أن يجزيهم ~~الجزاء الحسن. # وفي الختام: أرجو من الله العلي القدير أن يعمنا بدعوة شيخ الإسلام - ~~رحمه الله - والتي كان يكررها دائما1، وهي قوله: ms006 "فنسأل الله العظيم أن ~~يهدينا إلى صراط مستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين الذين عبدوه وحده لا شريك له، وآمنوا بما أرسل به رسله، ~~وبما جاءوا به من الآيات، وفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي ~~والرشاد، وطريق أولياء الله المتقين وأعداء الله الضالين والمغضوب عليهم، ~~فكان ممن صدق الرسل فيما أخبروا به، وأطاعهم فيما أمروا به، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله"2. # وكان يقول - رحمه الله: "اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا ~~تمكر بنا، واهدنا ويسر الهدى لنا، اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، لك ~~أواهين، لك مخبتين، إليك راغبين، إليك راهبين، لك مطاويع. ربنا تقبل ~~توباتنا، واغسل حوباتنا، وثبت حججنا، واهد قلوبنا، واسلل سخيمة صدورنا"3. # كما يقول - رحمه الله: "فنسأل الله العظيم أن يجعلنا من المتبعين له، ~~المؤمنين به، وأن يحيينا على سنته، ويتوفانا عليها، لا يفرق بيننا وبينها، ~~PageV01P017 # إنه سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب ~~العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين"1. ~~PageV01P018 ### | الباب الأول ### | المبحث الأول: مدخل لدراسة موضوع الكتاب وما ألف فيه ### | المطلب الأول: حقيقة النبوة # ... # المطلب الأول: حقيقة النبوة. # النبوة واسطة بين الخالق والمخلوق في تبليغ شرعه وسفارة بين الملك ~~وعبيده، ودعوة من الرحمن الرحيم - تبارك وتعالى - لخلقه ليخرجهم من الظلمات ~~إلى النور، وينقلهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. # فهي نعمة مهداة من الله - تبارك وتعالى - إلى عبيده، وفضل إلهي يتفضل بها ~~عليهم. هذا في حق المرسل إليهم. # أما في حق المرسل نفسه، فهي امتنان من الله يمن بها عليه، واصطفاء من ~~الرب له من بين سائر الناس، وهبة ربانية يختصه الله بها من بين الخلق كلهم. # والنبوة لا تنال بعلم ولا رياضة، ولا تدرك بكثرة طاعة أو عبادة، ولا تأتي ~~بتجويع النفس أو إظمائها كما يظن من في عقله بلادة. # وإنما هي محض فضل إلهي، ومجرد اصطفاء رباني، وأمر اختياري؛ فهو جل وعلا ~~كما أخبر عن نفسه: ms007 {يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [البقرة، ~~105] . # فالنبوة إذا لا تأتي باختيار النبي، ولا تنال بطلبه. # ولذلك لما قال المشركون: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين # PageV01P019 # عظيم} ، أجابهم الرب تبارك وتعالى: {أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} [الزخرف، 30-31] . # فالله تعالى هو الذي يقسم ذلك، ويتفضل به على من يشاء من الناس، ويصطفي ~~من يشاء من عباده، ويختار من يشاء من خلقه. ما كانت الخيرة لأحد غيره، وما ~~كان الاجتباء لأحد سواه. # والإيمان بالنبوة هو الطريق الموصل إلى معرفة الله ومحبته، والمسلك ~~المفضي إلى رضوان الله وجنته، والسبيل المؤدي إلى النجاة من عذاب الله، ~~والفوز بمغفرته. # يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: "والإيمان بالنبوة أصل ~~النجاة والسعادة، فمن لم يحقق هذا الباب اضطرب عليه باب الهدى والضلال، ~~والإيمان والكفر، ولم يميز بين الخطأ والصواب"1. # وحاجة العباد إلى الإقرار بالنبوة أشد من حاجتهم إلى الهواء الذي ~~يتنسمونه، وإلى الطعام الذي يأكلونه، وإلى الشراب الذي يشربونه؛ إذ من فقد ~~أحد هؤلاء خسر الدنيا، أما من عدم الإقرار بالنبوة فخسارته أشد وأنكى، إذ ~~خسر الدنيا والآخرة - عياذا بالله تعالى. # قال شيخ الإسلام - رحمه الله: ودلائل النبوة من جنس دلائل الربوبية، فيها ~~الظاهر والبين لكل أحد؛ كالحوادث المشهودة؛ فإن الخلق كلهم محتاجون إلى ~~الإقرار بالخالق، والإقرار برسله" 2. # ولا شك أن معرفة الله، والإيمان به، وعبادته، ومعرفة رسوله، وطاعته، ~~يحتاجها كل مخلوق مكلف. PageV01P020 # ومن حكمة الله تعالى أنه كلما كان الناس إلى معرفة شيء أحوج، فإنه - جل ~~وعلا - يجعله سهلا ميسرا غير ذي عوج1. # ولحاجة الناس إلى معرفة النبوة، والإقرار بالرسول، فقد وضحها المولى - جل ~~وعلا - في كتابه توضيحا أعظم من أن يشرح في هذا المقام، إذ الشرح يطول. # يقول شيخ الإسلام: "فتقرير النبوات من القرآن الكريم أعظم من أن يشرح في ~~هذا المقام، إذ ذلك هو عماد الدين، وأصل الدعوة النبوية، وينبوع كل خير، ~~وجماع كل هدى"2. # ولشيخ ms008 الإسلام - رحمه الله - كلام رائع نفيس يجمل فيه ما قدم بيانه، يقول ~~فيه: "فإن الله - سبحانه - جعل الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ~~ينفعهم وما يضرهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وبعثوا جميعا ~~بالدعوة إلى الله، وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان حالهم بعد الوصول ~~إليه. # فالأصل الأول يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر، وذكر أيام الله في ~~أوليائه وأعدائه، وهي القصص التي قصها على عباده، والأمثال التي ضربها لهم. # والأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع، والأمر والنهي والإباحة، وبيان ما ~~يحبه الله وما يكرهه. # والأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخر، والجنة والنار، والثواب ~~والعقاب. # وعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر، والسعادة والفلاح موقوفة ~~عليها، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل، فإن العقل لا يهتدي إلى ~~PageV01P021 # تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها، من حيث ~~الجملة، كالمريض الذي يدرك وجه الحاجة إلى الطب ومن يداويه، ولا يهتدي إلى ~~تفاصيل المرض وتنزيل الدواء عليه. # وحاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطب؛ فإن آخر ما ~~يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان، وأما إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها ~~مات قلبه موتا لا ترجى الحياة معه أبدا، أو شقي شقاوة لا سعادة معها أبدا. ~~فلا فلاح إلا باتباع الرسول"1. # ويقول أيضا - رحمه الله: "والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف ~~الرسول بها، وهي أشرف العلوم، وأشرف الأعمال. فكيف يشتبه الصادق فيها ~~بالكاذب"2. PageV01P022 ### | المطلب الثاني: الحكمة من بعث الرسل ### | 1- # الأنبياء والرسل هم صفوة الخلق، ومصطفوا الحق، وحاجة الخلق إليهم ماسة ~~ليبلغوهم ما يحبه الله ويرضاه، وما يغضب منه ويأباه. # وكثير من العصاة والمنحرفين ضلوا في متاهات الشقاوة. هذا مع وجود ~~الأنبياء - عليهم السلام - فكيف تكون الحال لو لم يرسل الله تعالى رسلا ~~مبشرين ومنذرين. # فالرسل بعثوا يهذبون العباد، ويخرجونهم من عبادة العباد إلى عبادة رب ~~العباد، ويحررونهم من رق عبودية المخلوق، إلى حرية عبادة رب الأرباب الذي ~~أوجدهم من العدم، وسيفنيهم بعد ms009 الوجود، ويبعثهم بعد # PageV01P022 # الفناء، ليكونوا إما أشقياء، وإما سعداء. # فلو ترك الناس هملا دون إنذار وتخويف، لعاشوا عيشة ضنكا، في جاهلية ~~جهلاء، وضلالة عمياء، وعادات منحرفة، وأخلاق فاسدة، مجتمع غاب القوي فيهم ~~يأكل الضعيف، والشريف فيهم يذل الوضيع، وهكذا.. فاقتضت حكمته جل وعلا أن لا ~~يخلق عباده سدى، ولا يتركهم هملا، # قال تعالى: {أيحسب الأنسان أن يترك سدى} [القيامة، 36] . # ومن رحمته - جل وعلا - بهم أن من عليهم إذ بعث فيهم رسلا مبشرين ومنذرين ~~يتلون عليهم آيات ربهم، ويعلمونهم ما يصلحهم، ويرشدونهم إلى مصدر سعادتهم ~~في الدنيا والآخرة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. ### | 2- # إن الغاية العظمى التي أوجد الله الخلق لأجلها هي عبادته، وتوحيده، وفعل ~~محابه، واجتناب مساخطه، قال تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} ~~[الذاريات، 56] . # ولا يستطيع الإنسان أن يعرف حقيقة العبادة؛ من فعل ما يحبه الله ويرضاه، ~~وترك ما يكرهه الله ويأباه، إلا عن طريق الرسل الذين اصطفاهم الله من خلقه، ~~وفضلهم على العالمين، وجعلهم مبرئين من كل عيب مشين، وكل خلق معيب، وأيدهم ~~بالمعجزات والحجج والبراهين، وأنزل عليهم البينات والهدى، وعرفهم به، ~~وأمرهم أن يدعوا الناس إلى عبادته وحده حق العبادة. ### | 3- # إقامة الحجة على البشر بإرسال الرسل، كما قال تعالى: {رسلا مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما} ~~[النساء، 165] ، وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء، ~~15] ، وقال تعالى: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} [طه، 134] . # PageV01P023 # فالله - سبحانه - وتعالى أرسل الرسل؛ ليقطع دابر الكافرين، فلا يعتذروا ~~عن كفرهم بعدم مجيء النذير، وليعلم علم ظهور، وإلا فهو تعالى يعلم - بالعلم ~~الأزلي - من يطيعه ممن يعصيه، وليقيم على عباده الحجة الدامغة، فيحيى من حي ~~عن بينة، ويهلك من هلك عن بيان وبرهان. ### | 4- # إن الناس لا يدركون بعقولهم كثيرا من الغائبات؛ مثل معرفة أسماء الله ~~وصفاته، ومعرفة الملائكة والجن والشياطين، ومعرفة ما أعد الله للطائعين في ~~دار ms010 رضوانه وكرامته، وما أعد للعاصين في دار سخطه وإهانته. # لذا فإن حاجتهم إلى من يعلمهم هذه الحقائق، ويطلعهم على هذه المغيبات ~~ضرورية. # وقد امتدح الله تعالى عباده الذين يؤمنون بالغيب، فقال تعالى: {الم ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة، 13] . # فلو لم يبعث الله الرسل، لما عرف الناس هذه الأمور الغيبية، ولما آمنوا ~~إلا بما يدركونه بحواسهم. # فسبحان الخلاق العليم الذي من على عباده ببعثة الأنبياء والمرسلين. ### | 5- # الخلق بحاجة إلى القدوة الحسنة، ممن كملهم الله بالأخلاق الفاضلة، وعصمهم ~~من الشبهات والشهوات النازلة. # والأنبياء هم نبراس الهدى، ومصابيح الدجى، يقتدي بهم الخلق، ويتخذون من ~~سيرتهم وحياتهم قدوة يسيرون على منوالهم حتى يصلوا إلى دار السلام، ويحطوا ~~رحالهم في ساحة رب الأنام. # فالرسل هم قدوة الأتباع، والأسوة الحسنة لمن أطاع، في العبادات، ~~والأخلاق، والمعاملات، والاستقامة على دين الله. # PageV01P024 # قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} [الأحزاب، 21] . ### | 6- # الرسل عليهم السلام جاءوا لإصلاح النفوس، وتزكيتها، وتطهيرها، وتحذيرها ~~من كل ما يرديها. # فقد بعثوا لدلالة الخلق على الطريق المستقيم، وإرشادهم إلى المنهجالقويم، ~~وتوجيههم نحو الأخلاق الحميدة، وتنفيرهم من المساوئ الذميمة، قال تعالى: ~~{هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [الجمعة، 2] . # وقد أوضح شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - حاجة العباد إلى بعثة المرسلين ~~في مواضع شتى من كتبه. # فمن ذلك قوله: "والرسالة ضرورية للعباد، لا بد لهم منها، وحاجتهم إليها ~~فوق حاجتهم إلى كل شيء. والرسالة روح العالم، ونوره، وحياته. فأي صلاح ~~للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور، والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت ~~عليه شمس الرسالة. وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من ~~حياتها وروحها، فهو في ظلمة، وهو من الأموات. قال تعالى: {أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها} ms011 [الأنعام، 122] ، فهذا وصف المؤمن، كان ميتا في ظلمة الجهل، فأحياه ~~الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نورا يمشي به في الناس. وأما ~~الكافر فميت القلب في الظلمات"1. PageV01P025 # وقال - رحمه الله - أيضا: "والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ~~ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح ~~له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة؛ فإن الإنسان مضطر إلى الشرع؛ فإنه ~~بين حركتين؛ حركة يجلب بها ما ينفعه، وحركة يدفع بها ما يضره. والشرع هو ~~النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره. والشرع نور الله في أرضه، وعدله بين ~~عباده، وحصنه الذي من دخله كان آمنا. وليس المراد بالشرع التمييز بين الضار ~~والنافع بالحس، فإن ذلك يحصل للحيوانات العجم؛ فإن الحمار والجمل يميز بين ~~الشعير والتراب. بل التمييز بين الأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده؛ ~~كنفع الإيمان والتوحيد والعدل والبر والتصديق والإحسان والأمانة والعفة ~~والشجاعة والحلم والصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام، ~~وبر الوالدين، والإحسان إلى المماليك والجار، وأداء الحقوق، وإخلاص العمل ~~لله، والتوكل عليه، والاستعانة به، والرضا بمواقع القدر به، والتسليم ~~لحكمه، والانقياد لأمره، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وخشيته في الغيب ~~والشهادة، والتقرب إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه واحتساب الثواب عنده، ~~وتصديقه، وتصديق رسله في كل ما أخبروا به، وطاعته في كل ما أمروا به، مما ~~هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته، وفي ضد ذلك شقاوته ومضرته في دنياه ~~وآخرته. ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش ~~والمعاد. فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منة عليهم أن أرسل إليهم رسله، ~~وأنزل عليهم كتبه، وبين لهم الصراط المستقيم. ولولا ذلك لكانوا بمنزلة ~~الأنعام والبهائم، بل أشر حالا منها. فمن قبل رسالة الله واستقام عليها، ~~فهو من خير البرية، ومن ردها وخرج # PageV01P026 # عنها فهو من شر البرية، وأسوأ حالا من الكلب والخنزير والحيوان البهيم"1. # وهذا ما وضحه شيخ الإسلام - رحمه الله - بقوله: "وليست حاجة أهل الأرض ~~إلى ms012 الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر والرياح والمطر، ولا كحاجة الإنسان ~~إلى حياته، ولا كحاجة العين إلى ضوئها، والجسم إلى الطعام والشراب، بل أعظم ~~من ذلك، وأشد حاجة من كل ما يقدر ويخطر بالبال. فالرسل وسائط بين الله وبين ~~خلقه في أمره ونهيه، وهم السفراء بينه وبين عباده"2. # فاضطرار العباد إلى المرسلين لا يعادله اضطرار، وحاجتهم إلى المبشرين ~~والمنذرينلا تماثلها حاجة.. # وللعلامة ابن القيم - رحمه الله - كلام نفيس يشبه كلام شيخه شيخ الإسلام ~~- رحمه الله - ولا عجب! فكلاهما يصدر عن مشكاة واحدة. # يقول - رحمه الله: "فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا ~~في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على ~~التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضي الله البتة إلا على أيديهم. فالطيب من ~~الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاؤوا به؛ فهم الميزان الراجح ~~الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، ~~وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال. # فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح ~~إلى حياتها. فأي ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها ~~بكثير. PageV01P027 # وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين، فسد قلبك، وصار ~~كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة. فحال العبد عند مفارقة قلبه لما ~~جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي. وما لجرح ~~بميت إيلام 1. PageV01P028 ### | المطلب الثالث: وظائف الرسل # للرسل عليهم الصلاة والسلام وظائف كثيرة، أجمل بعضها في النقاط التالية: ### | 1- # غايتهم العظمى، ووظيفتهم الكبرى، وهدفهم الأسمى: دعوة الناس إلى عبادة ~~الله وحده، وخلع عبادة ما سواه. # قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} [النحل، 36] . # وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون} [الأنبياء 25] . ### | 2- # تبليغ الشريعة الربانية إلى الناس. # قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن ms013 لم تفعل فما ~~بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} ~~[المائدة، 67] . ### | 3- # تبيين ما أنزل من الدين. # قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون} [النحل، 44] . # PageV01P028 ### | 4- # دلالة الأمة إلى الخير وتبشيرهم بالثواب المعد إن فعلوه، وتحذيرهم من ~~الشر وإنذارهم بالعقاب المعد إن اقترفوه. # قال تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~وكان الله عزيزا حكيما} [النساء، 165] . ### | 5- # إصلاح الناس بالقدوة الطيبة، والأسوة الحسنة في الأقوال والأعمال. # قال تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إن هو إلا ذكرى للعالمين} [الأنعام، 90] . # وقال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} [الأحزاب، 21] . ### | 6- # إقامة شرع الله بين العباد وتطبيقه. # قال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ~~ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون} [المائدة، 49] . ### | 7- # شهادة الرسل على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوهم البلاغ المبين. # قال تعالى: {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا ~~على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} ~~[النحل، 89] . # وقال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا} [البقرة، 143] . # فهذه بعض وظائف المرسلين، التي تزيدهم شرفا إلى شرفهم، وفضلا إلى فضلهم، ~~ويكفيهم فخرا أنهم يبلغون عن رب العالمين. # فسبحان من خصهم بهذه الرتبة العلية، ومنحهم هذه الوظيفة السنية، واصطفاهم ~~واختارهم من بين سائر عباده، ليقوموا بهذه الخدمة المرضية. # PageV01P029 ### | المطلب الرابع: أقوال الناس في النبوة # تنوعت أقوال الناس في النبوة # أولا: قول أهل السنة والجماعة: # وقالوا: إن النبي يختص بصفات ميزه الله بها على غيره، وبصفات فضله بها ~~بعد البعثة لم تكن موجودة فيه من قبل. # يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: "والله سبحانه قد أخبر أنه ms014 ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس. # والاصطفاء: افتعال من التصفية، كما أن الاختيار: افتعال من الخيرة، ~~فيختار من يكون مصطفى. وقد قال: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام، ~~124] ، فهو أعلم بمن يجعله رسولا ممن لم يجعله رسولا. ولو كان كل الناس ~~يصلح للرسالة لامتنع هذا. وهو عالم بتعيين الرسول، وأنه أحق من غيره ~~بالرسالة، كما دل القرآن على ذلك ... - إلى أن قال: والله سبحانه اتخذ ~~رسولا فضله بصفات أخرى لم تكن موجودة فيه من قبل إرساله، كما كان يظهر لكل ~~من رأى موسى وعيسى ومحمدا من أحوالهم وصفاتهم بعد النبوة، وتلك الصفات غير ~~الوحي الذي ينزل عليهم، فلا يقال إن النبوة مجرد صفة إضافية كأحكام الأفعال ~~كما تقوله الجهمية"1. PageV01P030 # وقال - رحمه الله - في موضع آخر: "الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فالنبي يختص بصفات ميزه الله بها على ~~غيره، وفي عقله ودينه، واستعد بها لأنيخصه الله بفضله ورحمته، # كما قال تعالى: {أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} [الزخرف، 31] "1. # ثانيا: النبوة عند الجهمية والأشاعرة: # جوز الجهمية والأشاعرة بعثة كل مكلف، بناء على أصلهم: إن الله يجوز أن ~~يفعل كل ممكن. ولكنهم قيدوا إطلاقهم هذا بقولهم: إن النبي لا يكون فاجرا. ~~وهذا - أي: كون النبي غير فاجر - عندهم لم يعلم بالعقل - على حد زعمهم -بل ~~علم بالسمع2. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: "فهؤلاء يجوزون بعثة كل مكلف، ~~والنبوة عندهم مجرد إعلامه بما أوحاه إليه. # والرسالة مجرد أمره بتبليغ ما أوحاه إليه. # وليست النبوة عندهم صفة ثبوتية، ولا مستلزمة لصفة يختص بها، بل هي من ~~الصفات الإضافية، كما يقولون مثل ذلك في الأحكام الشرعية"3. # قال الشهرستاني - وهو من كبار علماء الأشاعرة: "النبوة ليست صفة راجعة ~~إلى نفس النبي، ولا درجة يبلغ إليها أحد بعلمه ... "4. PageV01P031 # وقال سيف الدين الآمدي - وهو من كبار علمائهم أيضا: "وليست النبوة هي ~~معنى يعود إلى ذات من ذاتيات النبي، ولا إلى ms015 عرض من أعراضه استحقها بكسبه ~~وعلمه.."1. # فليست النبوة إذا عند الأشاعرة صفة ثبوتية، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ~~رحمه الله، وكما تقدم من كلام بعض أئمتهم. # وهم - أعني: الأشاعرة لم يميزوا بين معجزات الأنبياء وكرامات أتباعهم، ~~وبين خوارق السحرة والكهان. # قال شيخ الإسلام - رحمه الله - عنهم: "وقالوا: وخوارق الأنبياء يظهر ~~مثلها على يد الساحر والكاهن والصالح، ولا يدل على النبوة، لأنه لم يدعيها. ~~قالوا: ولو ادعى النبوة أحد من أهل الخوارق مع كذبه، لم يكن بد من أن الله ~~يعجزه عنها، فلا يخلقها على يده، أو يقيض له من يعارضه فتبطل حجته"2. # وقال - رحمه الله: "ولهذا يقيم أكابر فضلائهم مدة يطلبون الفرق بين ~~المعجزات والسحر، فلا يجدون فرقا؛ إذ لا فرق عندهم في نفس الأمر. والتحقيق: ~~أن آيات الأنبياء مستلزمة للنبوة، ولصدق الخبر بالنبوة، فلا يوجد إلا مع ~~الشهادة للرسول بأنه رسول، لا يوجد مع التكذيب بذلك"3. # مع أن التمييز بين ما للأنبياء وأتباعهم، وبين ما للسحرة والكهان ومن على ~~شاكلتهم، من أشرف العلوم. # إلا أنهم لم يوفقوا في هذا الباب. PageV01P032 # ثالثا: النبوة عند المعتزلة والشيعة: # يذهب المعتزلة إلى أن إرسال الرسل واجب على الله - سبحانه وتعالى - بناء ~~على أصلهم في التحسين والتقبيح العقليين. ولذلك يقول القاضي عبد الجبار ~~المعتزلي: "قال مشيختنا: إن البعثة متى حسنت وجبت" 1. # وقد رد عليهم شيخ الإسلام - رحمه الله - وبين أن إرسال الله تعالى لرسله ~~هو بفضله سبحانه. وكما أن هدايته لهم بفضله، فكذلك الثواب والجزاء هو بمنته ~~وفضله، وإن كان أوجب ذلك على نفسه، كما حرم الظلم عليها. # قال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام، 54] ، وقال تعالى: ~~{وكان حقا علينا نصر المؤمنين} [الروم، 47] . # فهو واقع لا محالة، وواجب بحكم إيجابه ووعده؛ لأن الخلق لا يوجبون على ~~الله شيئا، أو يحرمون عليه شيئا، بل هم أعجز من ذلك، وأقل من ذلك، وكل نعمة ~~منه فضل، وكل نقمة منه عدل2. # أما عن موقف المعتزلة من النبوة: هل هي صفة ثابتة قائمة بنفس النبي، أو ms016 ~~صفة إضافية؟ # فيؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أنهم يجعلونها صفة ثبوتية. # يقول شيخ الإسلام - رحمه الله: "وكثير من القدرية المعتزلة والشيعة ~~وغيرهم من يقول بأصله في التعديل والتجوير، وأن الله لا يفضل شخصا على شخص ~~إلا بعمله، يقول: إن النبوة، أو الرسالة جزاء على عمل متقدم؛ فالنبي فعل من ~~الأعمال الصالحة ما استحق به أن يجزيه الله بالنبوة" 3. PageV01P033 # ويحكي - رحمه الله - قولهم عن النبوة: أن "صفاتها ثابتة بدون الخطاب، ~~والخطاب مجرد كاشف بمنزلة الذي يخبر عن الشمس والقمر والكواكب بما هي متصفة ~~به" 1. # رابعا: النبوة عند المتفلسفة وصوفيتهم: # أبعد المتفلسفة وصوفيتهم النجعة في هذا الباب، وانزلقوا منزلقا خطيرا حين ~~زعموا أن النبوة فيض يفيض على الإنسان بحسب استعداده، ونفوا أن ينزل الملك ~~بالوحي على النبي، وزعموا أنه مجرد خطاب يسمعه الشخص، كما يسمع النائم ~~الخطاب. # يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: "وأما المتفلسفة القائلون بقدم ~~العالم وصدوره عن علة موجبة، مع إنكارهم أن الله - تعالى - يفعل بقدرته ~~ومشيئته، وأنه يعلم الجزئيات، فالنبوة عندهم: فيض يفيض على الإنسان بحسب ~~استعداده، وهي مكتسبة عندهم. # ومن كان متميزا في قوته العلمية بحيث يستغني عن التعليم، وشكل في نفسه ~~خطاب يسمعه كما يسمع النائم، وشخص يخاطبه كما يخاطب النائم - وفي العملية - ~~بحيث يؤثر في العنصريات تأثيرا غريبا - كان نبيا عندهم. # وهم لا يثبتون ملكا مفضلا يأتي بالوحي من الله - تعالى - ولا ملائكة، بل ~~ولا جنا يخرق الله بهم العادات للأنبياء إلا قوى النفس. وقول هؤلاء وإن كان ~~شرا من أقوال كفار اليهود والنصارى، وهو أبعد الأقوال عما جاءت به الرسل، ~~فقد وقع فيه كثير من المتأخرين الذين لم يشرق عليهم نور النبوة من المدعين ~~للنظر العقلي، والكشف الخيالي الصوفي، وإن كان غاية هؤلاء PageV01P034 # الأقيسة الفاسدة، والشك، وغاية هؤلاء الخيالات الفاسدة والشطح"1. # خامسا: النبوة عند الباطنية: # اعتبر الباطنية النبوة نوعا من أنواع السياسة العادلة التي وضعت لمصلحة ~~العامة، مع عدم إيمانهم بأحوالها مطلقا، بل آمنوا ببعض، وكذبوا ببعض. # يقول شيخ الإسلام - رحمه ms017 الله - عنهم: "يجعلون الملك بمنزلة المذاهب ~~والسياسات التي يسوغ اتباعها، وأن النبوة نوع من السياسة العادلة التي وضعت ~~لمصلحة العامة في الدنيا. # فإن هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من ~~أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، ~~ويكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال. وهؤلاء يكذبون بالنبوة تكذيبا ~~مطلقا، بل هم يؤمنون ببعض أحوالها، ويكفرون ببعض الأحوال. وهم متفاوتون ~~فيما يؤمنون به، ويكفرون به من تلك الخلال، فلهذا يلتبس أمرهم بسبب تعظيمهم ~~للنبوات على كثير من أهل الجهالات" 2. # ولا ريب أن بعد هذه الفرق عن الصواب، وكثرة اختلافها، يتناسب طردا مع ~~بعدها عن كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. # فكلما كانت الفرقة إلى الكتاب والسنة أقرب، كان الصواب فيها أكثر. # وكلما كانت الفرقة عن الكتاب والسنة أبعد، كان الاختلاف فيها أكثر. # فالكتاب والسنة هما الضابط لذلك كله. PageV01P035 # وقد بين شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - ذلك في كلمة رائعة قال فيها: ~~"ولهذا كل طائفة كانت إلى النبوات أقرب، كانت أقل اختلافا، وكلما كثر بعدها ~~كثر اختلافها. # فالمتفلسفة لما كانوا أبعد من أهل الكلام عن النبوات، كانوا أكثر ~~اختلافا؛ فإن لهم من الاختلاف في الطبيعيات والرياضيات ما لا يكاد يحصيه ~~إلا الله. # وأما اختلافهم في الإلهيات فأعظم. # والشيعة لما كانوا من أجهل الطوائف المنسوبين إلى الملة، كانوا أكثر ~~اختلافا من جميع الطوائف. # ثم المعتزلة أكثر اختلافا من المثبتة للصفات والقدر. # ثم المثبتة المتكلمون فيهم من الاختلاف ما لا يوجد في أهل العلم بالسنة ~~المحضة والحديث وأقوال السلف؛ فإن هؤلاء أبعد الطوائف عن الاختلاف في ~~أصولهم؛ لأنهم أكثر اعتصاما بالكتاب والسنة من غيرهم. وبطريقتهم تنحل ~~الإشكالات الواردة على طريقة غيرهم" 1. # وبين - رحمه الله - هذه الحقيقة الثابتة في موضع آخر بقوله: "وإذا تدبر ~~العاقل، وجد الطوائف كلها كلما كانت الطائفة إلى الله ورسوله أقرب، كانت ~~بالقرآن والحديث أعرف وأعظم عناية، وإذا كانت عن الله وعن رسوله أبعد، كانت ~~عنهما أنأى، حتى تجد ms018 في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ~~ربما ذكرت عنده آية فقال: لا نسلم صحة الحديث. وربما قال لقوله عليه ~~السلام: كذا.. وتكون آية من كتاب الله. # وقد بلغنا من ذلك عجائب، وما لم يبلغنا أكثر" 2. PageV01P036 ### | المطلب الخامس: الإيمان بالأنبياء من أركان الإيمان # الإيمان بأنبياء الله ورسله ركن من أركان الإيمان، فلا يتحقق إيمان العبد ~~حتى يؤمن بجميع الأنبياء، ويصدق بأن الله تعالى أرسلهم لهداية البشر، ~~وإرشاد الخلق، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأنهم بلغوا ما أنزل ~~إليهم من ربهم البلاغ المبين، فبلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا ~~الأمة، وجاهدوا في الله حق جهاده. # قال الله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا ~~غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة، 285] . # وقال تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين} [البقرة، 177] . # وفي الصحيح من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوما بارزا للناس، إذ أتاه رجل وهو جبريل يمشي، فقال: يا ~~رسول الله ما الإيمان؟ قال: " أن تؤمن بالله وملائكته ورسله ولقائه وتؤمن ~~بالبعث الآخر" 1. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: "ولا بد في الإيمان أن يؤمن ~~العبد بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويؤمن بكل رسول أرسله، وكل ~~كتاب أنزله"2. PageV01P037 # والإيمان بأنبياء الله تعالى لا يتم حتى يؤمن العبد بجميعهم من غير حصر، ~~من قصهم الله علينا، ومن لم يقصصهم؛ فقد أخبرنا جل وعلا أن هناك أنبياء لم ~~يقصصهم علينا، قال تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ~~ومنهم من لم نقصص عليك} [غافر، 78] . # يقول شيخ الإسلام - رحمه الله: "فنؤمن بما سمى الله في كتابه من رسله، ~~ونؤمن بأن لله سواهم رسلا وأنبياء لا يعلم أسماءهم إلا الذي أرسلهم، ونؤمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإيمانك به غير إيمانك بسائر الرسل؛ إيمانك ~~بسائر الرسل: إقرارك بهم، ms019 وإيمانك بمحمد: إقرارك به وتصديقك إياه دائبا على ~~ما جاء به، فإذا اتبعت ما جاء به أديت الفرائض، وأحللت الحلال، وحرمت ~~الحرام، ووقفت عند الشبهات، وسارعت في الخيرات"1. # وقال - رحمه الله - أيضا: "من أطاع رسولا واحدا فقد أطاع جميع الرسل، ومن ~~آمن بواحد منهم فقد آمن بالجميع، ومن عصى واحدا منهم فقد عصى الجميع، ومن ~~كذب واحدا منهم فقد كذب الجميع؛ لأن كل رسول يصدق الآخر ويقول: إنه رسول ~~صادق، ويأمر بطاعته. فمن كذب رسولا فقد كذب الذي صدقه، ومن عصاه فقد عصى من ~~أمر بطاعته"2. PageV01P038 ### | المطلب السادس: الإسلام دين جميع الأنبياء # وكل واحد من الأنبياء والرسل عليهم السلام يقول لقومه: {اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره أفلا تتقون} [المؤمنون، 23] . # فهم متفقون على الدعوة إلى التوحيد الخالص، والنهي عن الشرك. فالغاية ~~التي بعثوا من أجلها: إفراد الله تعالى بالعبادة، والنهي عن جميع الموبقات؛ ~~من الكفر، والفسوق، والعصيان. # والشرائع كلها تدعو إلى هذه الغاية العظيمة؛ إذ هي مهمة جميع الرسل، من ~~لدن نوح عليه السلام، إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. # يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: "فهذا دين الأولين والآخرين من ~~الأنبياء وأتباعهم، هو دين الإسلام؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له. ~~وعبادته تعالى في كل زمان ومكان بطاعة رسله - عليهم السلام - فلا يكون ~~عابدا له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله، كالذين قال فيهم: {أم لهم شركاء ~~شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى،21] . فلا يكون مؤمنا به ~~إلا من عبده بطاعة رسله، ولا يكون مؤمنا به ولا عابدا له إلا من آمن بجميع ~~رسله، وأطاع من أرسله إليه، فيطاع كل رسول إلى أن يأتي الذي بعده، فتكون ~~الطاعة للرسول الثاني"1. PageV01P039 ### | المطلب السابع: المعجزات # النبوة هي أصل المعجزة. # والولاية هي أصل الكرامة. # فلا تحصل المعجزة الخارقة للعادة - التي هي أصل الكرامة في الجنس - إلا ~~مع النبوة الصادقة، كما أن الكرامة الخارقة للعادة لا تحصل للولي إلا ~~بمتابعته لشرع نبيه. # فالمعجزة إذا ms020 دليل على النبوة الصادقة. # والكرامة دليل على صدق الشاهد بالنبوة الصادقة. # وجامعهما: آية الله الخارقة الدالة على النبوة الصادقة. # فهما من جنس واحد. # ولكن لا يلزم من هذا أن تكون المعجزة والكرامة متساويتين في الحد ~~والحقيقة؛ فآيات الله لا يحاط بها علما، كما أنه - جل وعلا - لا يحيطون به ~~علما إلا بما شاء سبحانه وتعالى. # ومن آيات الله تعالى ما هي آيات كبرى، ومنها ما هي آيات صغرى. # فالآيات الكبرى لا تكون إلا للأنبياء والمرسلين، وهي التي وجب على الناس ~~الإيمان بمقتضاها، وهي التي يطلق عليها اسم المعجزات. # والآيات الصغرى لا تصل إلى درجة سابقتها، ولا تبلغ مبلغها في الحد ولا في ~~الحقيقة، وهي التي يطلق عليها اسم الكرامات. # ولما كانت الآيات الكبرى والصغرى من جنس واحد، وكان من خواصهما خرق ~~العادة، كان من الواجب أن يكون خرق العادة فيهما مخالف لسنن الطبيعة، وخواص ~~المادة، وقانون الأسباب والمسببات، # PageV01P040 # لا سيما في المعجزات التي هي الدلائل اليقينية على صدق الرسل؛ فإن رتبة ~~الرسالة ذات شأن عظيم؛ إذ هي الواسطة بين الخالق والمخلوق، والعابد ~~والمعبود، وعليها تترتب سعادة المصدقين، وشقاوة المكذبين في كلتا الدارين1. # وفضل معرفة المعجزات، والتمييز بينها وبين ما للسحرة والكهان من الخوارق ~~عظيم، وتعلم ذلك من أشرف العلوم. # يقول شيخ الإسلام - رحمه الله: "فإن الكلام في المعجزات وخصائصها، والفرق ~~بينها وبين غيرها من أشرف العلوم، وأكثر أهل الكلام خلطوا فيه تخليطا ليس ~~هذا موضعه" 2. # ويقول - رحمه الله: "الفرق بين النبي والساحر أعظم من الفرق بين الليل ~~والنهار"3. # ويقول - رحمه الله - أيضا: "فهذا الموضوع من فهمه فهما جيدا تبين له ~~الفرقان في هذا النوع؛ فإن كثيرا من الناس يصفها بأنها خوارق ومعجزات ~~وعجائب، ونحو ذلك، ولا يحقق الفرق بين ما يجب أن يخرق عادته ومعجزه، ومن لا ~~يجب أن يكون في حقه كذلك"4. PageV01P041 # والمعجزات طريق من طرق إثبات الصانع، ومعرفة صدق الرسول، كما قال شيخ ~~الإسلام - رحمه الله: "المعجزات قد يعلم بها ثبوت الصانع وصدق الرسول ~~معا"1. # ودلالتها على إثبات ms021 الصانع، وصدق الرسول تأتي بينة واضحة في أحايين ~~كثيرة. # يقول شيخ الإسلام - رحمه الله: "إن دلائل النبوة من جنس دلائل الربوبية، ~~فيها الظاهر والبين لكل أحد، كالحوادث المشهودة؛ فإن الخلق كلهم محتاجون ~~إلى الإقرار بالخالق والإقرار بالرسالة"2. # ويقول - رحمه الله: "والكلام في النبوة فرع على إثبات الحكمة التي يوجب ~~فعل ما تقتضيه الحكمة، ويمتنع فعل ما تنفيه، فتقول: هو سبحانه وتعالى حكيم ~~يضع كل شيء في موضعه المناسب له، فلا يجوز عليه أن يسوي بين جنس الصادق ~~والكاذب.."3. # لذا وجبت العناية بمعرفة ذلك، والتفريق بين معجزات الأنبياء وكرامات ~~الصالحين، وبين خوارق السحرة والكهان والمشعوذين. PageV01P042 ### | المطلب الثامن: ما ألف في النبوات: # ألف الناس - في القديم والحديث - في النبوات، والكرامات، والرسل، ~~والرسالات، ودلائل النبوات، وغير ذلك مما يتصل بموضوع النبوات الكتب ~~الكثيرة. # وها أنا ذا أذكر بعضا منها. ### | 1- # ((البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر ~~والنارنجات)) : تأليف القاضي أبي بكر الباقلاني. ### | 2- # ((دلائل النبوة)) : تأليف إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني. ### | 3- # ((دلائل النبوة)) : تأليف أبي نعيم الأصبهاني. ### | 4- # ((دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة)) : تأليف أبي بكر أحمد بن ~~الحسين البيهقي. ### | 5- # ((حياة الأنبياء صلوات الله عليهم بعد وفاتهم)) : تأليف البيهقي. تحقيق ~~د/ أحمد بن عطية الغامدي. ### | 6- # ((دلائل النبوة)) : تأليف أبي بكر جعفر بن محمد الفريابي. ### | 7- # ((تثبيت دلائل النبوة)) : تأليف القاضي عبد الجبار الهمذاني. ### | 8- # ((إثبات النبوات)) : تأليف أبي يعقوب السجستاني. مخطوط، صورته في دار ~~الكتب المصرية، برقم 26984 / ب علم الكلام. ### | 9- # ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) : تأليف القاضي عياض اليحصبي. ### | 10- # ((عصمة الأنبياء)) : تأليف محمد بن عمر الفخر الرازي. ### | 11- # ((النبوات وما يتعلق بها)) : تأليف الفخر الرازي. # PageV01P043 ### | 12- # ((الصارم المسلول على شاتم الرسول)) : تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية - ~~رحمه الله. ### | 13- # ((المعجزة وكرامات الأولياء)) : تأليف شيخ الإسلام - رحمه الله. ### | 14- # ((أعلام النبوة)) : تأليف أبي الحسن علي بن محمد الماوردي. ### | 15- # ((تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء)) : تأليف جلال الدين السيوطي. ### | 16- # ((تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء)) : تأليف علي بن أحمد ~~البستي الأموي، المعروف بابن حمير. ### | 17- # ((الدين والدولة في إثبات ms022 نبوة النبي صلى الله عليه وسلم)) : تأليف علي ~~بن زين الطبري. ### | 18- # ((الوحي المحمدي)) : تأليف محمد رشيد رضا. ### | 19- # ((الوحي المحمدي)) : تأليف محمود عبد الوهاب فايد. ### | 20- # ((ختم النبوة في ضوء القرآن والسنة)) : تأليف أبي الأعلى المودودي. ### | 21- # ((النبوة عند ابن تيمية ورده على المخالفين)) رسالة جامعية: تأليف سعيد ~~إبراهيم مرعي خليفة. ### | 22- # ((النبوة والرسالة)) (رسالة جامعية) : إعداد مغفور عثمان. ### | 23- # ((خوارق العادات في القرآن الكريم)) رسالة جامعية: تأليف عبد الرحمن ~~إبراهيم الحميضي. ### | 24- # ((حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته في ضوء الكتاب والسنة)) رسالة ~~جامعية: تأليف محمد بن خليفة بن علي التميمي. ### | 25- # ((الأولياء والكرامات)) : تأليف أبي السمح محمد عبد الظاهر. ### | 26- # ((علامات النبوة)) : تأليف عبد الملك علي الكليب. ### | 27- # ((عقيدة ختم النبوة بالنبوة المحمدية)) : تأليف د/أحمد سعد حمدان ~~الغامدي. # PageV01P044 ### | 28- # ((من معجزات الرسول)) : تأليف عبد العزيز المحمد السلمان. ### | 29- # ((النبوة والأنبياء في ضوء القرآن)) : تأليف أبي الحسن علي الحسني ~~الندوي. ### | 30- # ((النبوة عند الفلاسفة الإسلاميين)) رسالة جامعية: تأليف أنور بن عيسى ~~السليم. ### | 31- # ((دراسات في النبوة والرسالة)) : تأليف عبد العزيز بن إبراهيم العسكر. ### | 32- # ((الصحيح المسند من دلائل النبوة)) : تأليف مقبل بن هادي الوادعي. ### | 33- # ((دلائل النبوة المحمدية في ضوء المعارف الحديثة)) : تأليف محمود مهدي ~~استانبولي. ### | 34- # ((مقارنة بين الغزالي وابن تيمية في النبوة)) : تأليف د/ محمد رشاد سالم. ### | 35- # ((نبوءات الرسول صلى الله عليه وسلم ما تحقق منها وما لم يتحقق)) : تأليف ~~محمد ولي الله الندوي ### | 36- # ((نبوءات المصطفى)) : تأليف نشأت المصري. ### | 37- # ((النبأ العظيم)) : تأليف محمد عبد الله دراز. ### | 38- # ((نبوة محمد من الشك إلى اليقين)) : تأليف د/ فاضل السامرائي. ### | 39- # ((نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن)) : تأليف د/ حسن ضياء الدين ~~عتر. ### | 40- # ((نظرات في النبوة)) : تأليف صلاح الدين محيميد. ### | 41- # ((آيات الإيمان بالرسل)) : تأليف عبد المنعم أحمد تعيلب. ### | 42- # ((بشارات الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم)) : تأليف عبد الوهاب عبد ~~السلام طويلة. ### | 43- # ((البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل)) : تأليف أحمد حجازي السقا. ### | 44- # ((بشائر النبوة الخاتمة)) : تأليف رؤوف شلبي. ### | 45- # ((بشرية المسيح ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم في نصوص كتب العهدين)) رد ~~على شبه المنصرين والمستشرقين: ms023 تأليف أحمد محمد عبد القادر ملكاوي. # PageV01P045 ### | 46- # ((عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم)) : تأليف محمد أبو النور ~~الحديدي. ### | 47- # ((النبوة والأنبياء)) : تأليف محمد علي الصابوني. ### | 48- # ((الرسل والرسالات)) : تأليف عمر سليمان الأشقر. ### | 49- # ((مع الأنبياء في القرآن الكريم)) : تأليف عفيف عبد الفتاح طبارة. ### | 50- # ((الإسلام ونبي الإسلام)) : تأليف محمد بن رزق الطرهوني. ### | 51- # ((الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام)) : تأليف أحمد عز الدين ~~البيانوني. ### | 52- # ((أدعياء النبوة الكاذبة في الإسلام)) : تأليف يحيى محمد زاهر الحارثي. ### | 53- # ((أدعياء النبوة)) : تأليف سوسن الجبار. ### | 54- # ((خصائص المصطفى صلى الله عليه وسلم بين الغلو والجفاء)) : رسالة جامعية، ~~تأليف الصادق محمد إبراهيم. # PageV01P046 ### | المبحث الثاني: التعريف بالمؤلف. # تالله إن المرء ليستشعر نقصه، ويدرك بعد الغاية، وعلو النهاية، حين يفكر ~~في الكتابة عن هذا العلم الشهير، والعالم الكبير، والبطل النحرير. # رجل أشهر من نار على علم، ومن المعلوم أن النار تخبو وتهمد، إلا أن نور ~~هذا العلم يزداد ويتمدد. # رجل جعل الله له ذكرا في العالمين، فأحبه الأولون، واشتغل بعلمه الآخرون، ~~وانشغل الناس في الكتابة عنه، حتى لكأنهم أدركوا أن ذكر الناس لهم قرين ~~بذكره، فبلغ ما كتب عنه أكثر من مائة كتاب، هذا ما علم1، أما ما لم يعلم ~~فعلمه عند رب العباد. # والإنسان حين يريد أن يكتب عن هذا الرجل يقدم رجلا، ويؤخر أخرى. # فالرجل قمة سامقة، وذروة شاهقة. # فعن ماذا يكتب؟ # أيكتب عن منهجه في تقرير عقيدة السلف والرد على من خالفهم؟ # أم يكتب عن جهاده وصبره ومصابرته؟ PageV01P047 # أم يكتب عن جهوده في نشر الدعوة السلفية؟ # أم..؟ أم..؟ ... ؟ # موضوعات شتى يقف المرء أمامها متحيرا. # ولكن ما لا يدرك كله، لا يترك جله.. # هذا على الرغم من كثرة من كتب عنه، وترجم له، ودرس جوانب حياته. # وكما - أسلفت - لعل الحافز على الكتابة رغبتي في أن أذكر معه، وأسأل ربي ~~أن يحشرني معه. # PageV01P048 ### | المطلب الأول: حياة المؤلف الشخصية # وفيه مسائل: # المسألة الأولى: اسمه ونسبه: # هو شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، تقي الدين، أبو العباس أحمد بن شهاب الدين ~~أبي المحاسن عبد الحليم بن مجد الدين أبي ms024 البركات عبد السلام ابن أبي محمد ~~عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي ابن عبد الله بن ~~تيمية الحراني النميري. # فهو ينتسب إلى قبيلة عربية نمرية؛ من بني نمير الذين يرجع نسبهم إلى قيس ~~عيلان من مضر1. # أما عن سبب تسمية عائلته بآل تيمية: # فقد قيل إن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء، فرأى هناك طفلة، فلما ~~رجع وجد امرأته قد ولدت له بنتا، فقال يا تيمية، يا تيمية. PageV01P048 # وقيل إن أم جده محمد كانت تسمى تيمية، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعرف ~~بها1. # المسألة الثانية: ولادته، ونشأته، وأسرته: # ولد شيخ الإسلام - رحمه الله - يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول، وقيل: ~~ثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة 661? بحران2؛ وهي بلدة في الجزيرة بين ~~العراق والشام3. # وقد عاش شيخ الإسلام في مسقط رأسه مع والديه ست سنوات. # وبعد اجتياح التتار للعالم الإسلامي، خربت حران، فهاجر أهلها، ومنهم آل ~~تيمية إلى دمشق. # ويحدثنا ابن عبد الهادي عن قصة سفر آل تيمية إلى دمشق، وحرصهم على العلم، ~~ومحافظتهم على الكتب، فيقول: "فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلة لعدم ~~الدواب، فكاد العدو يلحقهم، ووقفت العجلة، فابتهلوا إلى الله، واستغاثوا ~~به، فنجوا وسلموا، وقدموا دمشق سنة 667?"4. # وقد استوطنوا دمشق، واشتهرت عائلتهم بالعلم: # فجده أبو البركات مجد الدين عبد السلام: كان فقيها محدثا أصوليا نحويا، ~~من العلماء الأعلام5. PageV01P049 # ووالده شهاب الدين عبد الحليم: كان عالما فاضلا من علماء عصره1. # قال عنه الحافظ الذهبي: "صار شيخ حران وحاكمها وخطيبها بعد موت والده"2. # وذكر الحافظ ابن كثير: "أن له كرسيا للدراسة والتعليم والوعظ، وأنه تولى ~~مشيخة دار الحديث السكرية، وبها كان سكنه، مات سنة 682"3. # وأخوه شرف الدين عبد الله: كان من العلماء، وكان ممن دافع عن شيخ ~~الإسلام، وامتحن بسببه4. # وكذلك أخوه زين الدين عبد الرحمن: كان زاهدا عابدا، كما أنه كان تاجرا، ~~وكان يخدم الشيخ - رحمه الله - وسجن معه في سجن القلعة5. # وأخوه لأمه بدر الدين أبو القاسم ms025 محمد بن خالد الحراني: كان عالما فقيها ~~إماما تولى التدريس عن أخيه تقي الدين6. # وهناك العديد من مشاهير آل تيمية، من هذه الأسرة الكريمة التي عرف عنها ~~الاشتغال بالعلم رجالا ونساء7. PageV01P050 # فشيخ الإسلام - رحمه الله - نشأ في وسط هذا الجو العلمي؛ بين جد فقيه ~~محدث أصولي، ووالد صاحب علوم مختلفة ومعارف شتى، وإخوة اشتهروا بالفضل ~~والعلم. # فكان لهذا الجو العلمي تأثيره على شخصيته العلمية، مع ما وهبه الله من ~~حافظة قوية، وسرعة بديهة، وذكاء مفرط، ومحافظة على الوقت منذ نعومة أظفاره. # المسألة الثالثة: صفاته الخلقية: # كان - رحمه الله تعالى - أبيض اللون، أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، ~~شعره إلى شحمة أذنيه، كأن عينيه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما ~~بين المنكبين، جهوري الصوت، فصيحا، سريع القراءة، تعتريه حدة لكن يقهرها ~~بالحلم1. # المسألة الرابعة: صفاته الخلقية: # اتصف شيخ الإسلام - رحمه الله - بصفات عظيمة؛ من الأخلاق، والمروءة، ~~والكرم، والإيثار، والحلم، والتعبد، والزهد، وصدق الصلة بالله، فلم يكن ~~يخاف من غيره، أو يرهب من سواه. # قال الحافظ الذهبي - رحمه الله - عنه: "كان إماما متبحرا في علوم ~~الديانة، صحيح الذهن، سريع الإدراك، سيال الفهم، كثير المحاسن، موصوفا بفرط ~~الشجاعة والكرم، فارغا عن شهوات المأكل والملبس والجماع، لا لذة له في غير ~~نشر العلم وتدوينه والعمل بمقتضاه"2. PageV01P051 # وقال الحافظ الذهبي أيضا: "كان محافظا على الصلاة والصوم، معظما للشرائع ~~ظاهرا وباطنا، لا يؤتى من سوء فهم؛ فإن له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم؛ ~~فإنه بحر زخار، ولا كان متلاعبا بالدين، ولا ينفرد بمسائله بالتشهي، ولا ~~يطلق لسانه بما اتفق، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس، ويبرهن، ويناظر ~~أسوة بمن تقدمه من الأئمة، فله أجر على أخطائه، وأجران على إصابته. لم أر ~~مثله في ابتهاله واستغاثته، وكثرة توجهه ... وإنه بحر لا ساحل له، وكنز لا ~~نظير له، ولكن ينقمون عليه أخلاقا وأفعالا، وكل أحد يؤخذ من قوله ~~ويترك.."1. # وقال أيضا: "وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أداه ~~إليه اجتهاده، وحدة ذهنه، وسعة ms026 دائرته في السنن والأقوال. مع ما اشتهر عنه ~~من الورع، وكمال الفكرة، وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم لحرمات ~~الله ... فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقائع شامية ومصرية، وكم من نوبة ~~قد رموه عن قوس واحد، فينجيه الله، فإنه دائم الابتهال لله، كثير ~~الاستغاثة، قوي التوكل، ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يدعو منها بكيفية ~~وجعية"2. # وقد كان - رحمه الله - صبورا على مر الكلام، عدلا في المخاطبة.. يقول عن ~~نفسه: "فإن الناس يعلمون أني من أطول الناس روحا وصبرا على مر الكلام، ~~وأعظم الناس عدلا في المخاطبة لأقل الناس، دع لولاة الأمر"3. PageV01P052 # أما عن شدة ذكائه، واتقاد حافظته، فقد قال جمال الدين السرمري في أماليه: ~~"ومن عجائب زماننا في الحفظ: ابن تيمية، كان يمر بالكتاب مرة مطالعة، فينقش ~~في ذهنه، وينقله من مصنفاته بلفظه ومعناه. وحكى بعضهم عنه أنه قال: من ~~سألني مستفيدا حققت له، ومن سألني متعنتا ناقضته، فلا يلبث أن ينقطع فأكفى ~~مؤنته"1. # ومن أقواله - رحمه الله تعالى -: # "لن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه؛ فإن رجلا شكى إلى أحمد بن ~~حنبل خوفه من بعض الولاة، فقال: لو صححت لم تخف أحدا؛ أي خوفك من أجل زوال ~~الصحة من قلبك". # ولما وشي به إلى السلطان الناصر خاطبه قائلا: إنني أخبرت أنك قد أطاعك ~~الناس، وأن في نفسك أخذ الملك، فلم يكترث به. بل قال له بنفس مطمئنة، وقلب ~~ثابت، وصوت عال سمعه كثير ممن حضر: "أنا أفعل ذلك! والله إن ملكك وملك ~~المغل2 لا يساوي عندي فلسين". فتبسم السلطان لذلك، وأجابه في مقابلته بما ~~أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة: إنك والله لصادق، وإن الذي وشي بك ~~إلي كاذب3. PageV01P053 # ولما خوف - رحمه الله - قال: "أنا من أي شيء أخاف؟ فإن قتلت كنت من أفضل ~~الشهداء، وكان ذلك سعادة في حقي، يترضى بها علي إلى يوم القيامة، ويلعن ~~الساعي في ذلك إلى يوم القيامة؛ فإن جميع أمة محمد يعلمون أني أقتل على ~~الحق الذي بعث الله ms027 به رسوله. وإن حبست فوالله إن حبسي لمن أعظم نعم الله ~~علي. وليس لي ما أخاف الناس عليه؛ لا مدرسة، ولا إقطاع، ولا مال، ولا ~~رئاسة، ولا شيء من الأشياء"1. # وكان - رحمه الله - من أشجع الناس، وأقواهم قلبا، فما رؤي أحد أثبت جأشا ~~منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه، كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ~~ولسانه ويده، ولا يخاف لومة لائم2. # قال الذهبي عن شجاعته: "وأما شجاعته فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه ~~أكابر الأبطال، فلقد أقامه الله في نوبة غازان3، والتقى أعباء الأمر بنفسه، ~~وقام وقعد، وطلع وخرج، واجتمع بالملك مرتين، PageV01P054 # وبقطلوشاه1 وببولاي2. وكان قبجق3 يتعجب من إقدامه وجرأته على المغول. وله ~~حدة قوية تعتريه في البحث، حتى كأنه ليث حرب"4. # وقال عنه ابن عبد الهادي: "ولقد أخبرني حاجب من الحجاب الشاميين؛ أمير من ~~أمرائهم ذو دين متين، وصدق لهجة معروف في الدولة قال: قال لي الشيخ يوم ~~اللقاء ونحن بمرج الصفر5 وقد تراءى الجمعان: PageV01P055 # يا فلان أوقفني موقف الموت. قال: فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون ~~كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم. ثم قلت: يا سيدي هذا ~~موقف الموت، وهذا العدو قد أقبل تحت هذه الغبرة المنعقدة، فدونك وما تريد. ~~قال: فرفع طرفه إلى السماء، وأشخص ببصره، وحرك شفتيه طويلا، ثم انبعث وأقدم ~~على القتال ... ثم حال القتال بيننا والالتحام، وما عدت رأيته حتى فتح الله ~~ونصر"1. # وأما عن إيثاره غيره على نفسه، مع فقره: # فيقول تلميذه البزار - رحمه الله - عن ذلك: "كان - رضي الله عنه - مع شدة ~~تركه للدنيا، ورفضه لها، وفقره فيها، وتقلله منها، مؤثرا بما عساه يجده ~~منها، قليلا كان أو كثيرا، جليلا أو حقيرا، لا يحتقر القليل فيمنعه ذلك عن ~~التصدق به، ولا الكثير فيصرفه النظر إليه عن الإسعاف به. فقد كان يتصدق حتى ~~إذا لم يجد شيئا نزع بعض ثيابه المحتاج إليه فيصل به الفقير، وكان يستفضل ~~من قوته القليل الرغيف والرغيفين فيؤثر بذلك على نفسه. وربما خبأها في كمه. ms028 ~~ويمضي ونحن معه لسماع الحديث، فيراه بعضنا وقد دفعه إلى فقير، مستخفينا، ~~يحرص أن لا يراه أحد.. وكان إذا ورد عليه فقير وآثر المقام عنده يؤثره عند ~~الأكل بأكثر قوته الذي جعل برسمه"2. # وأما هيئته ولباسه: # فقد كان - رضي الله عنه - متوسطا في لباسه وهيئته، لا يلبس فاخر الثياب ~~بحيث يرمق ويمد النظر إليه، ولا أطمارا أو ثياب غليظة تشهر حال لابسها، ولا ~~يميز عن عامة الناس بصفة خاصة يراه الناس فيها من عالم وعابد. PageV01P056 # بل كان لباسه وهيئته كغالب الناس ومتوسطهم. # ولم يكن يلزم نوعا واحدا من اللباس فلا يلبس غيره، بل كان يلبس ما اتفق ~~وحصل، ويأكل ما حضر. وكانت بذاذة الإيمان عليه ظاهرة، لا يرى متصفا في ~~عمامة، ولا لباس، ولا مشية، ولا قيام، ولا جلوس، ولا يتهيأ لأحد يلقاه، ولا ~~لمن يرد عليه من بلد1. # وأما كرمه: # فقد كان مجبولا على الكرم، لا يتطبعه، ولا يتصنعه، بل هو له سجية. وما شد ~~على دينار ولا درهم قط بل كان مهما قدر على شيء من ذلك يجود به كله. وكان ~~لا يرد من يسأله شيئا يقدر عليه من دراهم، ولا دنانير، ولا ثياب، ولا كتب، ~~ولا غير ذلك. # وكان - رحمه الله - لا يرد أحدا يسأله شيئا من كتبه، بل يأمره أن يأخذ هو ~~بنفسه ما يشاء منها. # وكان ينكر إنكارا شديدا على من يسأل شيئا من كتب العلم التي يملكها ~~ويمنعها من السائل، ويقول: ما ينبغي أن يمنع العلم ممن يطلبه2. # أما عفوه عمن ظلمه، ومسامحته لمن عاداه، حتى بعد القدرة عليه: # فقد قال تلميذه ابن عبد الهادي - رحمه الله: "سمعت الشيخ تقي الدين ابن ~~تيمية - رحمه الله - يذكر أن السلطان لما جلس بالشباك، أخرج من جيبه فتاوى ~~لبعض الحاضرين في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم. قال: ففهمت مقصوده، وأن ~~عنده حنقا شديدا عليهم لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر PageV01P057 # ركن الدين بيبرس الجاشنكير. فشرعت في مدحهم، والثناء عليهم، وشكرهم، وأن ~~هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في ms029 دولتك. أما أنا فهم في حل من حقي، ومن ~~جهتي، وسكنت ما عنده عليهم. قال: فكان القاضي زين الدين ابن مخلوف قاضي ~~المالكية يقول بعد ذلك: ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نبق ممكنا في السعي ~~فيه، ولما قدر علينا عفا عنا"1. # ولعل ابن مخلوف هذا هو الذي كنى عنه ابن كثير ب"أحد خصوم شيخ الإسلام) ، ~~ونقل قوله عن شيخ الإسلام - رحمه الله: "ما رأينا مثل ابن تيمية، حرضنا ~~عليه، فلم نقدر عليه، وقدر علينا، فصفح عنا وحاجج عنا"2. # وقال الشيخ - رحمه الله - قبيل وفاته للوزير، لما اعتذر إليه عن نفسه، ~~والتمس منه أن يعفو عما بدر منه في حقه من تقصير أو غيره: "إني قد أحللتك ~~وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق ... وقال ما معناه: إني قد أحللت ~~السلطان الملك الناصر من حبسه إياي لكونه فعل ذلك مقلدا غيره معذورا، ولم ~~يفعله لحظ نفسه، بل لما بلغه مما ظنه حقا من مبلغه، والله يعلم أنه بخلافه. ~~وقد أحللت كل واحد مما كان بيني وبينه، إلا من كان عدوا لله ورسوله"3. ~~PageV01P058 ### | المطلب الثاني: حياة المؤلف العلمية # وفيه مسائل: # المسألة الأولى: نشأته العلمية: # يحدثنا ثلاثة من تلاميذ الشيخ - رحمه الله - عن جده واجتهاده في طلب ~~العلم، وحرصه عليه. # فيقول تلميذه البزار - رحمه الله: "ولم يزل منذ إبان صغره مستغرق الأوقات ~~في الجد والاجتهاد. وختم القرآن صغيرا، ثم انشغل بحفظ الحديث والفقه ~~والعربية حتى برع في ذلك، مع ملازمة مجالس الذكر، وسماع الأحاديث والآثار. ~~ولقد سمع غير كتاب عن غير شيخ من ذوي الروايات الصحيحة. أما دواوين الإسلام ~~الكبار ك ((مسند أحمد)) و ((صحيح البخاري)) ، ومسلم، و ((جامع الترمذي)) ، ~~و ((سنن أبي داود السجستاني)) ، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني؛ فإنه - ~~رحمه الله ورضي عنهم وعنه - سمع كل واحد منها عدة مرات. وأول كتاب حفظه في ~~الحديث ((الجمع بين الصحيحين)) للإمام الحميدي. وقل كتاب من فنون العلم إلا ~~وقف عليه، وكان الله قد خصه بسرعة الحفظ، وإبطاء النسيان، لم يكن ms030 يقف على ~~شيء، أو يستمع لشيء غالبا إلا ويبقى على خاطره؛ إما بلفظه أو معناه. وكان ~~العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره.."1 # وقال تلميذه ابن عبد الهادي - رحمه الله: "..وشيوخه الذين سمع منهم أكثر ~~من مائتي شيخ. وسمع ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) مرات، وسمع PageV01P059 # الكتب الستة الكبار، والأجزاء، ومن مسموعاته: ((معجم الطبراني الكبير)) . ~~وعني بالحديث، وقرأ، ونسخ، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، ~~وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمل ~~كتاب سيبويه حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالا كليا حتى حاز فيه ~~قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك.. هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة. ~~فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه"1. # وقال تلميذه الحافظ الذهبي - رحمه الله: "نشأ - يعني الشيخ تقي الدين ~~رحمه الله - في تصون تام، وعفاف، وتأله وتعبد، واقتصاد في الملبس والمأكل. ~~وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، ويناظر ويفحم الكبار، ويأتي بما يتحير ~~منه أعيان البلد في العلم. فأفتى وله تسع عشرة سنة، بل أقل. وشرع في الجمع ~~والتأليف من ذلك الوقت، وأكب على الاشتغال، ومات والده، وكان من كبار ~~الحنابلة وأئمتهم، فدرس بعده وظائفه وله إحدى وعشرون سنة. واشتهر أمره، ~~وبعد صيته في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز في الجامع على كرسي من ~~حفظه، فكان يورد المجلس ولا يتلعثم. وكذا كان الدرس بتؤدة وصوت جهوري ~~فصيح"2. # ونقل الذهبي عن بعض العلماء قوله في شيخ الإسلام: "ألفيته ممن أدرك من ~~العلوم حظا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظا. إن تكلم في التفسير فهو حامل ~~رايته، وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر PageV01P060 # بالحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالنحل والملل لم ير أوسع من ~~نحلته، ولا أرفع من درايته. برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من ~~رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه"1. # وقال الذهبي - رحمه الله - أيضا: "ولقد نصر ms031 السنة المحضة، والطريقة ~~السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات ~~أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها"2. # وبذلك نرى شيخ الإسلام رحمه الله قد استحق هذا اللقب بجدارة؛ فهو شيخ ~~الإسلام حقا، وعلم الأعلام صدقا. # المسألة الثانية: أبرز شيوخه: # حرص الشيخ - رحمه الله - على تلقي العلم من الصغر، ولذلك أخذ عن كثير من ~~الشيوخ، حتى قال ابن عبد الهادي: "إن شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي ~~شيخ"3. # ومن أبرزهم: ### | 1- # زين الدين أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي. ### | 2- # ابن أبي اليسر. ### | 3- # الكمال بن عبد. ### | 4- # ابن عساكر الجد. ### | 5- # أصحاب الخشوي. PageV01P061 ### | 6- # الجمال يحيى بن الصيرفي. ### | 7- # أحمد بن أبي الخير الحداد. ### | 8- # القاسم الأربلي. ### | 9- # فخر الدين بن البخاري. ### | 10- # الكمال عبد الرحيم. ### | 11- # أبو القاسم بن علان. ### | 12- # أحمد بن شيبان. ### | 13- # شمس الدين بن أبي عمر. ### | 14- # إبراهيم بن الدرجي. # وخلق كثير1. # المسألة الثالثة: أشهر تلاميذه: ### | 1- # محمد بن أحمد بن عبد الهادي. ### | 2- # محمد بن أبي بكر، ابن قيم الجوزية. ### | 3- # محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. ### | 4- # محمد بن مفلح بن محمد المقدسي. ### | 5- # إسماعيل بن عمر بن كثير. ### | 6- # عمر بن علي البزار. PageV01P062 ### | 7- # أحمد بن حسن بن عبد الله بن قدامه. ### | 8- # محمد بن شاكر الكتبي. ### | 9- # سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصري البغدادي. ### | 10- # عمر بن مظفر الوردي المصري الحلبي. ### | 11- # عمر بن سعد الله الحراني. ### | 12- # محمد بن المنجا التنوخي الدمشقي. # وغيرهم 1. # المسألة الرابعة: أشهر مؤلفاته: # لقد كان شيخ الإسلام - رحمه الله - حريصا على نشر مذهب السلف الصالح ~~وتدوينه؛ من الأصول والفروع، وتقرير معتقدهم الصحيح، والرد على المخالفين؛ ~~من المتكلمين، والفلاسفة، والرافضة، والمتصوفة، والباطنية. # وأكثر مؤلفاته في الأصول والعقائد، والرد على أهل البدع والأهواء. # وقد ذكر كلاما في أحد كتبه، كأنه يرد على من يسأل عن سبب كثرة تأليفه في ~~الأصول والعقائد، وتقرير مذهب السلف بذكر القواعد، فقال - رحمه الله تعالى: ~~"فإن هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد، وحسم مادة الشرك والغلو، كلما ~~تنوع بيانها، ووضحت عباراتها، كان ذلك نورا على نور، والله المستعان"2. ~~PageV01P063 # فكثرة ترداد القواعد يزيدها وضوحا، ms032 وتنوع البيان يوضح العبارات. # وتصانيفه - رحمه الله - كثيرة في الأصول والقواعد، وغير ذلك، ولا يقدر ~~على إحصائها، حتى إن تلميذه - وهو من ألصق الناس به - يقول عنها: "وأما ~~مؤلفاته ومصنفاته، فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها، أو يحضرني جملة ~~أسمائها، بل هذا لا يقدر عليه غالبا أحد؛ لأنها كثيرة جدا، وكبارا وصغارا، ~~وهي منشورة في البلدان، فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه"1. # وقال الحافظ ابن رجب - رحمه الله: "وأما تصانيفه - رحمه الله - فهي أشهر ~~من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر، سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها ~~البلاد والأمصار. وقد جاوزت حد الكثرة فلا يمكن لأحد حصرها، ولا يتسع هذا ~~المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها) 2. # ومن أهم ما كتب الشيخ - رحمه الله - في العقيدة - وهو المطبوع منها: ### | 1- # ((منهاج السنة النبوية)) . ### | 2- # ((شرح الأصفهانية)) . ### | 3- # ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) . ### | 4- # ((درء تعارض العقل والنقل)) . ### | 5- # ((الاستقامة)) . ### | 6- # ((بيان تلبيس الجهمية)) . ### | 7- # ((الرد على المنطقيين)) . ### | 8- # ((بغية المرتاد)) . ### | 9- # ((كتاب الصفدية)) . PageV01P064 ### | 10- # ((قاعدة في المعجزات والكرامات)) . ### | 11- # ((الرسالة القبرصية)) . ### | 12- # ((الرسالة البعلبكية)) . ### | 13- # ((الرسالة المراكشية)) . ### | 14- # ((الرسالة المدنية)) . ### | 15- # ("شرح حديث النزول)) . ### | 16- # ((شرح حديث ((فحج آدم موسى)) )) . ### | 17- # ((الإيمان الكبير)) . ### | 18- # ((الإيمان الأوسط)) . ### | 19- # ((اقتضاء الصراط المستقيم)) . ### | 20- # ((التدمرية)) . ### | 21- # ((الحموية)) . ### | 22- # ((تفسير آيات أشكلت)) . ### | 23- # ((تفسير سورة الإخلاص)) . ### | 24- # ((العبودية)) . ### | 25- # ((قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)) . # وقد صنف الإمام ابن القيم - رحمه الله - فهرسا بأسماء كتب ابن تيمية، ~~أوصل عددها إلى (321) ما بين رسالة وكتاب كبير1. PageV01P065 # فشيخ الإسلام - رحمه الله - جمع بين غزارة العلم، وعمق الفهم، وشدة ~~الذكاء، والإحاطة بعلوم الشريعة والمعارف الفكرية، والنظريات، والمسائل ~~الكلامية. واستقرأ، واستوعب ما ألفه من كان قبله، فحوى تلك العلوم، ونقلها ~~إلينا بفهم ثاقب، وعقيدة صائبة، فأكثر - رحمه الله - من الإنتاج والتأليف. # ومؤلفات شيخ الإسلام - رحمه الله - من الصعب حصرها وجمعها. # حتى قال الذهبي - رحمه الله: "جمعت مصنفات شيخ الإسلام تقي الدين أبي ~~العباس أحمد بن تيمية - رضي الله عنه - فوجدته ألف مصنف، ثم رأيت له أيضا ~~مصنفات أخر"1. # وقال ابن عبد الهادي - رحمه الله - بعد أن ذكر أسماء كثير من ms033 كتب شيخ ~~الإسلام - رحمه الله: "وله من الأجوبة والقواعد شيء كثير غير ما تقدم ذكره، ~~يشق ضبطه وإحصاؤه، ويعسر حصره واستقصاؤه. وسأجتهد إن شاء الله تعالى في ضبط ~~ما يمكنني ضبطه من مؤلفاته في موضع آخر غير هذا، وأبين ما صنفه منها بمصر، ~~وما ألفه منها بدمشق، وما جمعه وهو في السجن، وأرتبه ترتيبا حسنا غير هذا ~~الترتيب بعون الله تعالى وقوته ومشيئته. # قال الشيخ أبو عبد الله2: لو أراد الشيخ تقي الدين - رحمه الله - أو غيره ~~حصرها - يعني مؤلفات الشيخ - لما قدروا لأنه ما زال يكتب. وقد من الله عليه ~~بسرعة الكتابة، وكان يكتب من حفظه من غير نقل. PageV01P066 # وأخبرني غير واحد أنه كتب مجلدا لطيفا في يوم، وكتب غير مرة أربعين ورقة ~~في جلسة وأكثر. وأحصيت ما كتبه وبيضه في يوم فكان ثمان كراريس في مسألة من ~~أشكل المسائل. # وكان يكتب على سؤال الواحد مجلدا. # وأما جواب يكتب فيه خمسين ورقة، وستين، وأربعين، وعشرين فكثير. # وكان يكتب الجواب، فإن حضر من يبيضه، وإلا أخذ السائل خطه وذهب. # ويكتب قواعد كثيرة في فنون من العلم في الأصول والفروع والتفسير وغير ~~ذلك، فإن وجد من نقله من خطه، وإلا لم يشتهر، ولم يعرف، وربما أخذه بعض ~~أصحابه، فلا يقدر على نقله، ولا يرده إليه، فيذهب. # وكان كثيرا ما يقول: قد كتبت في كذا وكذا. ويسئل عن الشيء، فيقول: قد ~~كتبت في هذا، فلا يدرى أين هو. فيلتفت إلى أصحابه ويقول: ردوا خطي وأظهروه ~~لينقل. فمن حرصهم عليه لا يردونه. ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف ~~اسمه. # فلهذه الأسباب وغيرها تعذر إحصاء ما كتبه وما صنفه. # وما كفى هذا، إلا أنه لما حبس تفرق أتباعه، وتفرقت كتبه، وخوفوا أصحابه ~~من أن يظهروا كتبه، فذهب كل أحد بما عنده وأخفاه، ولم يظهروا كتبه، فبقي ~~هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه أو يهبه، وهذا يخفيه ويودعه، حتى منهم من ~~تسرق كتبه، أو تجحد، فلا يستطيع أن يطلبها، ولا يقدر على تخليصها. فبدون ms034 ~~هذا تتمزق الكتب والتصانيف. ولولا أن الله تعالى لطف وأعان، ومن وأنعم، ~~وجرت العادة في حفظ أعيان كتبه وتصانيفه، لما أمكن لأحد أن يجمعها. ولقد ~~رأيت من خرق العادة في حفظ كتبه، وجمعها، وإصلاح ما فسد منها، ورد ما ذهب ~~منها، ما لو ذكرته لكان عجبا يعلم به # PageV01P067 # كل منصف أن لله عناية به وبكلامه؛ لأنه يذب عن سنة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"1. # وقال - رحمه الله - أيضا: "وللشيخ - رحمه الله - من المصنفات والفتاوى ~~والقواعد والأجوبة والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط، ولا أعلم ~~أحدا من متقدمي الأمة ولا متأخريها جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ~~ولا قريبا من ذلك، مع أن أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثير منها ~~صنفه في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب"2. # وبهذا نعرف غزارة علم الشيخ - رحمه الله - ووفرة ما ألف، وكثرة ما صنف، ~~حتى إن أقرب الناس إليه، ومن صحبه وسبر حاله، لم يستطع حصرها واستيعابها، ~~وكلهم يشير إلى كثرتها في الأقطار، وانتشارها في الأمصار. # وما زال المسلمون - ولله الحمد - ينتفعون بها؛ فقد حفظ الله الكثير منها، ~~ونفع بها، فله الحمد والمنة # وقد جمع الأخ الباحث علي بن عبد العزيز الشبل قوائم ببعض مخطوطات شيخ ~~الإسلام - رحمه الله - من فهارس المكتبات والمجموعات الخطية العامة ~~والخاصة، وأوصل عدد ما جمع إلى (412) مخطوطا ما بين رسالة وكتاب كبير، ~~وأسماها الثبت. وهو مطبوع. # وقد أضاف إليه أيضا قائمة ببعض مخطوطات العلامة ابن القيم رحمه الله. ~~فجزاه الله خيرا. # ولا شك أنه لم يستوف كل الموجود، بل ربما كان ما فقد أكثر. PageV01P068 # المسألة الخامسة: اهتمام شيخ الإسلام - رحمه الله - بالتأليف في جانب ~~العقيدة: # كتب شيخ الإسلام - رحمه الله - في كثير من الفنون، كما يدرك ذلك من اطلع ~~على كتبه، إلا أن العقيدة هي السمة الغالبة في شتى مؤلفاته. # فقد تميزت أغلب كتبه بشرح معتقد السلف الصالح، وتقرير أصولهم، والرد على ~~من خالفهم؛ من ms035 متكلمين، وفلاسفة، وصوفية، ورافضة، وباطنية، وغيرهم من أهل ~~الأهواء والبدع. # وقد ناقش هذه الفرق في شبهاتهم، ومن خلال هذه المناقشات كان ينصر معتقد ~~السلف الصالح، ويعرضه بدلائله العقلية والنقلية، ويرد على من خالفه بأقوى ~~رد، وأفحم حجة. # قال تلميذه الحافظ الذهبي عنه: "عرف أقوال المتكلمين، ورد عليهم، ونبه ~~على خطئهم، وحذر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج، وأبهر براهين"1. # وقال تلميذه البزار عن مؤلفاته: "وقد أبان - بحمد الله تعالى - فيما ألف ~~فيها لكل بصير الحق من الباطل، وأعانه بتوفيقه، حتى رد عليهم بدعهم وآراءهم ~~وخدعهم وأهواءهم مع الدلائل النقلية بالطريقة العقلية، حتى يجيب عن كل شبهة ~~من شبههم بعدة أجوبة جليلة واضحة، يعقلها كل ذي عقل صحيح، ويشهد لصحتها كل ~~عاقل رجيح"2. # ويحدثنا شيخ الإسلام عن نفسه، ويخبرنا عن كثرة المخالفين لمذهب ~~PageV01P069 # أهل السنة في طرق إثبات الصانع، وعن سعة اطلاعه - رحمه الله - على ~~أقوالهم، وعن رده لتلك الجموع العظيمة الكثيرة، وفضحه لهم، وكشفه لعوارهم، ~~فيقول: "وذكرنا عامة طرائق أهل الأرض في إثبات الصانع؛ من المتكلمين ~~والفلاسفة، وطرق الأنبياء صلوات الله عليهم، وما سلكه عامة نظار الإسلام؛ ~~من معتزلي، وكرامي، وكلامي، وأشعري فيلسوف وغيرهم"1. # ويقول - رحمه الله - لخصومه أثناء مناظرتهم له: "أنا أعلم كل بدعة حدثت ~~في الإسلام، وأول من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها"2. # وقد تمنى بعض من ترجم لشيخ الإسلام - رحمه الله - أن لو جعل جهده في ~~تفسير القرآن العظيم، وشرح السنة المطهرة، بدلا من الإكثار من الرد على أهل ~~البدع والأهواء. # يقول الصفدي - رحمه الله: "وضيع الزمان في رده على النصارى، والرافضة، ~~ومن عاند الدين أو ناقضه. ولو تصدى لشرح البخاري، أو لتفسير القرآن العظيم ~~لقلد أعناق أهل العلم بدر كلامه النظيم"3. # وقد تقدم لشيخ الإسلام - رحمه الله - كلام، كأنه رد فيه على أشباه هذه ~~التساؤلات، يقول فيه - رحمه الله تعالى: "فإن هذه القواعد المتعلقة بتقرير ~~التوحيد، وحسم مادة الشرك والغلو، كلما تنوع بيانها، ووضحت عباراتها، كان ~~ذلك نورا على نور، والله المستعان"4. PageV01P070 # وقد أجاب الشيخ - رحمه الله ms036 - تلميذه البزار - رحمه الله - عن هذا ~~الإشكال، حين سأل هذا الأخير شيخه شيخ الإسلام - رحمه الله - عن سبب إكثاره ~~من التأليف في الأصول، وقلة تآليفه في العلوم الأخرى # ومما قاله البزار: "ولقد أكثر - رضي الله عنه - التصنيف في الأصول، فضلا ~~عن غيره من بقية العلوم، فسألته عن سبب ذلك، والتمست منه تأليف نص في الفقه ~~يجمع اختياراته وترجيحاته ليكون عمدة في الإفتاء، فقال لي ما معناه: الفروع ~~أمرها قريب، ومتى قلد المسلم فيها أحد العلماء المقلدين، جاز له العمل ~~بقوله ما لم يتيقن خطأه. وأما الأصول: فإني رأيت أهل البدع والضلالات ~~والأهواء؛ كالمتفلسفة، والباطنية، والملاحدة، والقائلين بوحدة الوجود، ~~والدهرية، والقدرية، والنصيرية، والجهمية، والحلولية، والمعطلة، والمجسمة، ~~والمشبهة، والراوندية، والكلابية، والسليمية1، وغيرهم من أهل البدع قد ~~تجاذبوا فيها بأزمة الضلال، وبان لي أن كثيرا منهم إنما قصد إبطال الشريعة ~~المقدسة المحمدية الظاهرة العلية على كل دين، وأن جمهورهم أوقع الناس في ~~التشكيك في أصول دينهم. ولهذا قل أن سمعت أو رأيت معرضا عن الكتاب والسنة، ~~مقبلا على مقالاتهم إلا وتزندق، أو صار على غير يقين في دينه واعتقاده. ~~فلما رأيت الأمر على ذلك، بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبهتهم ~~وأباطيلهم، وقطع حجتهم وأضاليلهم أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم، ويزيف ~~دلائلهم ذبا عن الملة الحنيفية، والسنة الصحيحة الجلية. ولا والله ما رأيت ~~فيهم أحدا ممن صنف في هذا الشأن وادعى علو المقام، إلا وقد PageV01P071 # ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإسلام. وسبب ذلك: إعراضه عن الحق ~~الواضح المبين، وعن ما جاءت به الرسل الكرام عن رب العالمين، واتباعه طرق ~~الفلسفة في الاصطلاحات التي سموها بزعمهم حكميات وعقليات، وإنما هي جهالات ~~وضلالات، وكونه التزمها معرضا عن غيرها أصلا ورأسا، فغلبت عليه حتى غطت على ~~عقله السليم فتخبط حتى خبط فيها عشواء1، ولم يفرق بين الحق والباطل. وإلا ~~فالله أعظم لطفا بعباده أن لا يجعل لهم عقلا يقبل الحق ويثبته، ويبطل ~~الباطل وينفيه. لكن عدم التوفيق، وغلبة الهوى أوقع ms037 من أوقع في الضلال. وقد ~~جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزانا يزن به العبد الواردات ~~فيفرق به بين ما هو من قبيل الحق، وما هو من قبيل الباطل، ولم يبعث الله ~~الرسل إلا إلى ذوي العقل، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده. فكيف يقال إنه ~~مخالف لبعض ما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى. هذا باطل قطعا، يشهد له ~~كل عقل سليم. لكن: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [سورة النور، ~~الآية 40] .قال الشيخ الإمام - قدس الله روحه -: فهذا ونحوه هو الذي أوجب ~~أني صرفت جل همي إلى الأصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم، وأجبت عنها بما ~~أنعم الله تعالى به من الأجوبة النقلية والعقلية"2. # وهكذا نرى شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - قد أخذ على عاتقه، وأوجب على ~~نفسه الكتابة في أصول الدين، والرد على المخالفين. PageV01P072 # وكأنه بذلك يرشد من قدر على دفع شر المخالفين، وكشف خطرهم، ومحو شبهاتهم ~~وباطلهم، أن هذا الصنيع واجب في حقه كذلك، للذب عن دين رب العالمين، ولنصرة ~~سنة سيد المرسلين. # ولم يقف الأمر عند الكتابة، بل طبق الشيخ رحمه الله العقيدة عمليا، حين ~~كسر عددا من الأحجار التي كانت تعبد من دون الله، وقطع أشجارا كثيرة كان ~~يصرف لها شيء من العبادة. # وقد تحققت فيه دعوة الإمام النووي لما دعا الله قائلا: "اللهم أقم لدينك ~~رجلا يكسر العمود المخلق1، ويخرب القبر الذي في جيروت2"، فكان ذلك على يد ~~شيخ الإسلام - رحمه الله3. # المسألة السادسة: علماء توقعوا الذيوع والانتشار لكتب شيخ الإسلام - رحمه ~~الله - بعد موته: # مؤلفات شيخ الإسلام - رحمه الله - تعالى كتب الله لها الحفظ والانتشار. # وها نحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري، وقد مضى على وفاة شيخ الإسلام ~~- رحمه الله تعالى - نحو سبعة قرون، ولا زالت - بفضل الله وتوفيقه - ~~PageV01P073 # مؤلفاته منتشرة، كثيرة مشتهرة، تنير الدرب للراغب في الهداية، وتوضح ~~السبيل للباحث عن الحقيقة. # ولقد أوضح شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - في كتبه معتقد السلف، ~~وطريقهم، ومنهجهم، ms038 بأقوى حجة، وأوضح برهان. فجزاه الله عن الإسلام ~~والمسلمين خير الجزاء. # ولقد كان تلاميذ الشيخ - رحمه الله - يتواصون فيما بينهم بالعناية بما ~~كتب الشيخ، والنسخ عنه، والمحافظة عليه. # فها هو ذا أحد تلاميذه، وهو الإمام أحمد بن مري الحنبلي يرسل رسالة إلى ~~تلاميذ شيخ الإسلام بعد موته، ويوصيهم بنسخ تآليفه من مسوداته، والاحتفاظ ~~بها، ويبشرهم بالعاقبة الحسنة، ويمنيهم بأن هذه الكتب ستنتشر يوما ما، ~~ويذيع صيتها، فيقول - رحمه الله: "فإن يسر الله تعالى وأعان على هذه الأمور ~~العظيمة صارت إن شاء الله مؤلفات شيخنا ذخيرة صالحة للإسلام وأهله، وخزانة ~~عظيمة لمن يؤلف منها وينقل، وينصر الطريقة السلفية على قواعدها، ويستخرج ~~ويختصر إلى آخر الدهر إن شاء الله تعالى. قال صلى الله عليه وسلم: "لا يزال ~~الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعة الله)) 1، وقال: "لا تزال ~~طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم ~~الساعة"2. والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: {ويخلق ما لا تعلمون} ~~[النحل، 8] . وكما انتفع الشيخ بكلام الأئمة قبله، فكذلك ينتفع بكلامه من ~~بعده - إن شاء الله تعالى. فاتبعوا PageV01P074 # أمر الله، واقصدوا رضى الله بجمع كل ما تقدرون عليه من أنواع المؤلفات ~~الكبار، وأشتات المسائل الصغار، ومن نسخ الفتاوى المتفرقة، وسائر كلامه ~~الذي قد ملئ - ولله الحمد - من الفوائد، والفرائد، والشوارد. فأيقظوا ~~الهمم، وبذلوا الأموال الكثيرة في تحصيل هذا المطلب العظيم الذي لا نظير ~~له. فهذا هو الذي يلزمنا من حيث الأسباب والتمام على رب الأرباب، ومسبب ~~الأسباب، وفاتح الأبواب، الذي يقيم دينه، وينصر كتابه، وسنة نبيه على ~~الدوام، ويثبت من يؤهله لذلك من أنواع الخاص والعام. وكل مجزي في القيامة ~~بعمله، وما ربك بظلام للعبيد. # وقد علم أن الإمام أحمد بن حنبل كان ينهى في حال حياته عن كتابة كلامه ~~ليجمع القلوب على المادة الأصلية العظمى، ولما توفي استدرك أصحابه ذلك ~~الأمر الكبير، فنقلوا علمه، وبينوا مقاصده، وشهروا فوائده، فانتصرت طريقته، ~~واقتفيت آثاره، لأجل ذلك الوجود هو ms039 على هذه الصفة قديما وحديثا. فلا تيأسوا ~~من قبول القلوب القريبة والبعيدة لكلام شيخنا، فإنه ولله الحمد مقبول طوعا ~~وكرها. وأين غايات قبول القلوب السليمة لكلماته، وتتبع الهمم النافذة ~~لمباحثه وترجيحاته. ووالله إن شاء الله ليقيمن الله - سبحانه - لنصر هذا ~~الكلام ونشره وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده، واستحسان عجائبه وغرائبه ~~رجالا هم إلى الآن في أصلاب آبائهم. وهذه سنة الحياة الجارية في عباده ~~وبلاده. والذي وقع من هذه الأمور في الكون لا يحصى عدده غير الله - تعالى. ~~ومن المعلوم أن البخاري مع جلالة قدره أخرج طريدا ثم مات بعد ذلك غريبا، ~~وعوضه الله - سبحانه - عن ذلك بما لا خطر في باله، ولا مر في خياله؛ من ~~عكوف الهمم على كتابه، وشدة احتفالها به، وترجيحها له على جميع كتب السنن، ~~وذلك لكمال صحته، # PageV01P075 # وعظمة قدره، وحسن ترتيبه وجمعه، وجميل نية مؤلفه، وغير ذلك من الأسباب. # ونحن نرجو أن يكون لمؤلفات شيخنا أبي العباس من هذه الوراثة الصالحة نصيب ~~كثير - إن شاء الله تعالى؛ لأنه كان بنى جملة أموره على الكتاب والسنة ~~ونصوص أئمة سلف الأمة، وكان يقصد تحرير الصحة بكل جهده، ويدفع الباطل بكل ~~ما يقدر عليه، لا يهاب مخالفة أحد من الناس في نصر هذه الطريقة، وتبيين هذه ~~الحقيقة، وتسهيل العبارات، وجمع أشتات المتفرقات، والنطق في مضايق الأبواب، ~~بحقائق فصل الخطاب، ما ليس لأكثر المصنفين في أبواب مسائل أصول الدين ~~وغيرها من مسائل المحققين؛ لأنه كان يجعل النقل الصحيح أصله وعمدته في جميع ~~ما يبني عليه، ثم يعتضد بالعقليات الصحيحة التي توافق ذلك وبغيرها ويجتهد ~~على دفع كل ما يعارض ذلك من شبهة المعقولات، ويلتزم حل كل شبهة كلامية ~~وفلسفية"1. # وهذا عالم آخر ينادي بنسخ تآليف شيخ الإسلام من المسودات، والمحافظة ~~عليها، ويبشر بأنها طريق لإعادة مجد الإسلام، فيقول: (شجعوا ابن القيم ينقل ~~لكم ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه لا يعرف أحد أن يقرأ خطه سواه، ~~وهو أعلم تلاميذه بكتبه وآثاره. واعلموا أنه سيصير لهذه الآثار شأن عظيم، ~~وسبب ms040 لإعادة مجد الإسلام، وستكون مرجعا في المستقبل لمعرفة الإسلام ~~الصحيح"2. PageV01P076 # وهذا الحافظ ابن حجر - رحمه الله - يثني على شيخ الإسلام ابن تيمية - ~~رحمه الله - ويشير إلى بقاء تصانيفه، وانتقال تواليفه إلى الأجيال القادمة، ~~فيقول: (وتلقيبه بشيخ الإسلام باق إلى الآن على الألسنة الزكية، وسيستمر ~~غدا ما كان بالأمس، ولا ينكر ذلك إلا من جهل مقداره، وتجنب الإنصاف"1. # وقال الواسطي في رسالة إلى تلاميذ شيخ الإسلام - رحمه الله - يوصيهم ~~بالشيخ وبعلمه، فيقول: (فاشكروا الله الذي أقام لكم في رأس السبعمائة من ~~الهجرة من بين لكم أعلام دينكم، وهداكم الله به وإيانا إلى نهج شريعته، ~~وبين لكم بهذا النور المحمدي ضلالات العباد وانحرافاتهم، فصرتم تعرفون ~~الزائغ من المستقيم، والصحيح من السقيم، وأرجو أن تكونوا أنتم الطائفة ~~المنصورة الذين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم"2. # وقال أحمد بن طرخان الملكاوي (ت 803 ?) عن شيخ الإسلام - رحمه الله: ~~(فوالله إن الشيخ تقي الدين شيخ الإسلام لو دروا ما يقول لرجعوا إلى محبته ~~وولائه"، وقال: (كل صاحب بدعة ومن ينتصر له لو ظهروا لا بد من خمودهم ~~وتلاشي أمرهم. وهذا الشيخ تقي الدين ابن تيمية كلما تقدمت أيامه تظهر ~~كراماته، ويكثر محبوه وأصحابه"3. # فتأمل - يا رعاك الله - كلام هؤلاء الأئمة، وانظر بإمعان وإنصاف فيه، ~~فتجد أنها كانت فراسة صادقة، وحدسا صادقا، وظنا صائبا، وبعد نظر في ~~العواقب. PageV01P077 # فقد توقعوا أن يكتب الله لمؤلفات إمام الأئمة القبول، وأن ينتشر علمه في ~~العرض والطول، وأن تحتاجه الأمة في حاضرها جيلا إثر جيل، وأن يكون سببا في ~~رجعة الأجيال إلى المعتقد الأصيل. # وقد صدقت توقعاتهم، فها نحن - بحمد الله - نحياها؛ فما دعوة الشيخ الإمام ~~المجدد محمد بن عبد الوهاب إلا ثمرة من غرس شيخ الإسلام، خرجت شجرة طيبة في ~~جزيرة العرب، وطاب غراسها، فآتت أكلها بإذن ربها، وتأسست دولة الإسلام على ~~أصلها الثابت، وانتشر خيرها في الأرجاء، وعم في الربوع الرخاء، وانتشر ~~العلم القائم على النور السلفي، وأنشئت المؤسسات الصادرة عن هذا الينبوع ~~الصافي. # وما دور جامعتنا ms041 المباركة - الجامعة الإسلامية - عنا ببعيد، فقد قامت على ~~ذلك المنهج السلفي، واحتضنت أبناء العالم الإسلامي، وغذتهم بلبان العقيدة ~~الصحيحة، فجزى الله القائمين عليها خير الجزاء. # المسألة السابعة: الأيام الأخيرة لشيخ الإسلام، ووفاته: # كان شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - عالما عاملا، نشر الدعوة بكل جد ~~ونشاط، حتى جاء عام 718 ?، فمنعه السلطان فيه من الفتوى في مسألة الحلف ~~بالطلاق بالتكفير، ثم عقد لهذا الغرض مجالس في سنة 719?، وحبس في سجن ~~القلعة فترة، وانتهى الأمر بمنعه - بسبب فتواه - من الفتيا مطلقا. # ثم دبر له أعداؤه مكيدة أخرى؛ إذ وشوا به للسلطان، وقالوا له: إنه يفتي ~~بمنع السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وأوهموا السلطان أن في ذلك تنقصا ~~للأنبياء والمرسلين، وتنقصهم كفر. # وأفتى بذلك طائفة من أهل الأهواء؛ وهم ثمانية عشر نفسا، يرأسهم # PageV01P078 # القاضي الأخنائي المالكي، وأفتى قضاة مصر الأربعة بحبسه، فحبس بقلعة دمشق ~~سنتين وأشهرا. # وقد بقي - رحمه الله - في القلعة يكتب العلم، ويصنفه، ويرسل إلى أصحابه ~~الرسائل1. # قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله: (وفي يوم الاثنين تاسع جمادى الآخرة من ~~عام 728?، أخر ما كان عند الشيخ تقي الدين بن تيمية من الكتب والأوراق ~~والدواة والقلم، ومنع من الكتابة والمطالعة، وحملت كتبه في مستهل رجب إلى ~~خزانة الكتب بالعادلية الكبيرة ... وكان سبب ذلك أنه أجاب لما كان رد عليه ~~التقي ابن الأخنائي المالكي في مسألة الزيارة، فرد عليه الشيخ تقي الدين ~~واستجهله، وأعلمه أنه قليل البضاعة في العلم، فطلع الأخنائي إلى السلطان ~~وشكاه، فرسم السلطان عند ذلك بإخراج ما عنده من ذلك"2. # وقد حدث ابن عبد الهادي عن حال شيخ الإسلام بعد إخراج ما عنده من الكتب، ~~ومنعه من المطالعة والكتابة، فقال: (وأقبل الشيخ بعد إخراجها على العبادة ~~والتلاوة والتذكر والتهجد حتى أتاه اليقين، وختم القرآن مدة إقامته بالقلعة ~~ثمانين أو إحدى وثمانين ختمة، انتهى في آخر ختمة إلى آخر: {اقتربت الساعة} ### | .... # وكانت مدة مرضه بضعة وعشرين يوما. وأكثر الناس ما علموا بمرضه، فلم يفجأ ~~الخلق إلا نعيه"3. PageV01P079 # قال البزار - رحمه الله ms042 - عن آخر أيامه، ووفاته: (ثم إن الشيخ - رضي الله ~~عنه - بقي إلى ليلة الاثنين والعشرين من ذي القعدة الحرام، وتوفي إلى رحمة ~~الله تعالى ورضوانه في بكرة ذلك اليوم، وذلك في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، ~~وهو على حاله مجاهدا في ذات الله، صابرا، محتسبا، لم يجبن، ولم يهلع، ولم ~~يضعف، ولم يتتعتع، بل كان - رضي الله عنه - إلى حين وفاته مشتغلا بالله عن ~~جميع ما سواه. قالوا: فما هو إلا أن سمع الناس بموته، فلم يبق في دمشق من ~~يستطيع المجيء للصلاة عليه وأراده إلا حضر لذلك، وتفرغ له، حتى غلقت ~~الأسواق بدمشق، وعطلت معايشها حينئذ، وحصل للناس بمصابه أمر شغلهم عن غالب ~~أمورهم وأسبابهم، وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك ~~والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام. # قالوا: ولم يتخلف أحد من غالب الناس فيما أعلم، إلا ثلاثة أنفس كانوا قد ~~اشتهروا بمعاندته، فاختفوا من الناس خوفا على أنفسهم، بحيث غلب على ظنهم ~~أنهم متى خرجوا رجمهم الناس فأهلكوهم"1. # وقد صلي على شيخ الإسلام - رحمه الله - صلاة الغائب في غالب أمصار ~~المسلمين، فما من مصر وصلهم خبر موته، إلا وصلوا عليه صلاة الغائب2. # وقد ذكر الحافظ ابن كثير أنه صلي عليه في المدينة النبوية في يوم الجمعة ~~آخر شهر ربيع الآخر من سنة 729?؛ أي بعد قرابة خمسة أشهر من وفاته - رحمه ~~الله3. PageV01P080 # وهكذا عاش شيخ الإسلام - رحمه الله - سبعة وستين عاما حافلة بالجهاد، ~~والنصح للعباد. # وقد ذهب من كاد له وحسده، ونسي الناس من مكر به ورصد له، وبقي علم الشيخ ~~- رحمه الله - وبقيت آثاره، وستستمر - إن شاء الله - ينهل من معينها إلى أن ~~يرث الله الأرض ومن عليها. # رحم الله شيخ الإسلام رحمة واسعة، وجزاه أحسن الجزاء عما ترك للمسلمين من ~~علوم نافعة، وأجزل له المثوبة يوم الدين، ونفعنا بعلمه، ووفقنا لسلوك منهج ~~المتقين. # ورحم الله القائل فيه: # فالله يوسعه برا ويشكر ما ... أبدى لنا معشر القرآن والسنن1. # والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ms043 وآله وصحبه ~~أجمعين. PageV01P081 ### | المبحث الثالث: دراسة الكتاب ### | المطلب الأول: التعريف بالكتاب # ... # المطلب الأول: التعريف بالكتاب. # كتاب ("النبوات)) يبحث في طرق إثبات النبوة، والمعجزة، والكرامة، والفرق ~~بينها وبين خوارق العادات، وفق معتقد أهل السنة والجماعة. # وفيه رد على المخالفين في هذا الباب؛ من أشعرية، ومعتزلة، وفلاسفة، مع ~~ذكر مذاهبهم، وبيان أدلتهم. # وقد فصل شيخ الإسلام - رحمه الله - فيه القول، وأطال النفس: # فعرض أقوال الأشاعرة بالتفصيل، ورد عليها. # واهتم حين عرضه لأقوال الأشاعرة، بأقوال الشخصية الثانية في المذهب ~~الأشعري، ألا وهو القاضي أبو بكر الباقلاني، حيث انتقده في كتابه ~~((البيان)) ، ورد على أقواله، وناقشها، ومحصها، وبين مجانبتها للصواب، وكر ~~على ما بنيت عليه هذه الأقوال من قواعد فنسفها نسفا، ووضح لازمها، والنتيجة ~~التي تفضي إليها، محذرا بذلك منها ومن اعتقادها. # وكتاب ((النبوات)) لم يقتصر على مباحث النبوات، والفروق بين المعجزة ~~والكرامة، وبين ما يظهر على أيدي السحرة والكهان وأمثالهم من خوارق. بل كما ~~هي عادة شيخ الإسلام - رحمه الله، كان يرد على الخصوم، # PageV01P083 # ويبين المضائق والمزالق التي أودت بهم إليها أقوالهم الباطلة، ويوضح ~~المآزق التي أوقعتهم بها أصولهم الهابطة النازلة. # ومن طريقته - رحمه الله - ومنهجه: أنه إذا تعرض لنقد قول ما، أو ناقش ~~مسألة ما، فإنه لا يرد عليها مباشرة، وإنما ينقب عن الأصول التي قامت ~~عليها، والأسس التي صدرت عنها. # وقد نبه شيخ الإسلام - رحمه الله - إلى أن أقوال أهل البدع التي ~~التزموها، وخالفوا فيها الرسول، سببها ما أصلوه من أصول عقلية قياسية ~~مخالفة لأصول الرسول. # فكان هدم هذه الأصول هو غايته، ودكها وما بني عليها من أقوال ومسائل ~~منتهى أمنيته. # لذلك نراه يجهز عليها، ويدفف عليها، ويرسل عليها سهاما صدرت عن بحر علمه ~~الزاخر، فلا تقف في مواجهته، وينقلب أصحابها ما بين خائب وخاسر. # ويورد عليها من الأدلة ما يكون سببا في إبطالها، وبيان مجانبتها للصواب، ~~ومخالفتها لأقوال السلف الصالح، ومجانبتها لفهوم ذوي الألباب. # ومن المسائل التي تعرض لها الشيخ - رحمه الله - في هذا الكتاب: مسألة أن ~~الرسول صلى الله ms044 عليه وسلم قد بين أصول الدين، وأن الأدلة العقلية الصريحة ~~لا تعارض الأدلة النقلية الصحيحة. # وقد انتقد الشيخ - رحمه الله - أصول المبتدعة الشهيرة، التي اتفقوا ~~عليها؛ مثل دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وبين أنها لا وزن لها في ميزان ~~الشرع، بل هي تافهة حقيرة. # وتكلم عن أقوالهم في بقاء المادة، ورد على من يقول بعدم فنائها. # PageV01P084 # وتناول طرق الناس في التمييز بين خوارق العادات، وناقش موقف كل فرقة من ~~هذه الخوارق من حيث النفي والإثبات. # وتكلم عن محبة الله - تعالى، وموقف الناس منها من جافى في إثباتها أو ~~غالى. # وكذلك الاستدلال بحكمة الله وإرادته على النبوة، والاستدلال بسنته - ~~تعالى - وعادته على ذلك، ورد - رحمه الله - على من نفى ذلك فأقحم نفسه في ~~المهالك. # وتكلم عن غنى الله، ورد على المتكلمين والفلاسفة الذين خالفوا أهل السنة ~~والجماعة في ذلك. # وتكلم عن العدالة الإلهية، ورد على من يقول بتعذيب أهل الصلاح، وتنعيم ~~أهل الظلم ردودا واضحة جلية. # وغير ذلك من المباحث المهمة الطريفة الجامعة، التي تناولها الشيخ - رحمه ~~الله - في ثنايا هذا الكتاب ذي البحوث والمسائل النافعة. # المسألة الأولى: تحقيق اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى مؤلفه، وتاريخ ~~تأليفه: # أولا: تحقيق اسم الكتاب: # الاسم الذي على النسخة المخطوطة هو: ("الكلام على النبوات والمعجزات)) . # وقد ذكر الشيخ ابن عبد الهادي - رحمه الله - مؤلفات شيخه شيخ الإسلام - ~~رحمه الله، وعد منها: "قاعدة في تقرير النبوات بالعقل والنقل)) 1. ~~PageV01P085 # وحين ذكر كل من الصفدي، وابن شاكر الكتبي، والآلوسي مؤلفات شيخ الإسلام - ~~رحمه الله - عدوا منها كتاب: "ثبوت النبوات عقلا ونقلا والمعجزات ~~والكرامات") 1. # وكتاب ((النبوات)) الذي بين أيدينا يتحدث عن طرق ثبوت النبوة، والفرق بين ~~خوارق العادات عقلا ونقلا، فهو المقصود - من غير شك - بهذا الاسم. # ولكني أميل إلى إبقاء اسمه ((النبوات)) لعدة أمور، منها: # (1) أن اسم ((النبوات)) ، تدخل فيه المعجزة والكرامة؛ إذ النبوة أصل، ~~والمعجزة فرع عنها. # (2) لا شك أن اسم ((النبوات)) جزء من العنوان، وأنه اختصر من ذاك العنوان ~~الطويل: ((الكلام على النبوات والمعجزات)) ، أو ((قاعدة في ms045 تقرير النبوات ~~بالعقل والنقل)) ، أو ((ثبوت النبوات عقلا ونقلا والمعجزات والكرامات)) ؛ ~~إذ جرت العادة في اختصار الأسماء الطويلة، لأجل الحفظ، وسهولة النطق. # والأمثلة كثيرة عن اختصار أسماء الكتب الطويلة. # (3) من عادة شيخ الإسلام المعروفة في بعض كتبه أنه لا يسميها، وإن سماها، ~~فليس لها اسم ثابت؛ إذ قد تختلف هذه الأسماء حتى في كلام مؤلفها؛ كما حدث ~~في الجواب الصحيح، ودرء التعارض، والتدمرية، ونقض المنطق، ونحوها مما ليس ~~هذا محل بسطه. PageV01P086 # (4) أن بعض رسائل شيخ الإسلام - رحمه الله - ليس لها اسم أطلق عليها من ~~قبله، ومن ذلك رسائله التي كانت إجابات على أسئلة ترد عليه من أمصار ~~المسلمين؛ إذ كانت تسمى بحسب البلدة التي ينتمي إليها السائل، أو أن تلاميذ ~~شيخ الإسلام كانوا يسمونها باسم معين. # (5) قد توافق كل من طبع هذا الكتاب على تسميته باسم ((النبوات)) . وهو ما ~~اشتهر بين الناس أيضا. # فالذي أرجحه - والله أعلم - إبقاء عنوان الكتاب على ما عرف به: ~~((النبوات)) فقط؛ إذ هذا الاسم في صميم الموضوع، وقد تعارف طلبة العلم على ~~إطلاقه، وانتشر بينهم بهذا الاسم. # ولا محذور في إبقائه على هذا الاسم - إن شاء الله، ولو غير لالتبس على ~~الناس، إذ قد يظن أنه كتاب آخر غير كتاب ((النبوات)) المعروف. والله أعلم. # ثانيا: توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه: # هذا الكتاب هو كتاب شيخ الإسلام - رحمه الله - من غير شك، ونسبته إليه ~~قطعية بدلائل يقينية. منها: # (1) الكتاب لم ينسب إلى غير شيخ الإسلام. # بل قد صرح في أول نسخه المخطوطة باسم مؤلفه، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية - ~~رحمه الله - ووضع اسمه على الغلاف كذلك. # (2) إن شيخ الإسلام - رحمه الله - أشار في هذا الكتاب إلى كثير من كتبه ~~المشهورة المعروفة. # وهذا لا يترك محلا للشك في أنه هو المؤلف له - رحمه الله تعالى. # (3) أن المستقرئ للكتاب يدرك أن هذا الكتاب هو كتاب شيخ الإسلام - رحمه ~~الله؛ فالأسلوب هو أسلوبه من حيث العرض، والرد على المخالفين في أصولهم ~~ومذاهبهم وأقوالهم، والاستطراد في بعض المسائل. # PageV01P087 # (4) أن من ms046 ترجم لشيخ الإسلام - رحمه الله - من تلاميذه ذكر هذا الكتاب: ~~كتاب النبوات والمعجزات ضمن مؤلفاته. وهكذا فالكتاب هو كتاب شيخ الإسلام - ~~رحمه الله - إذ عليه نور النبوة الذي هو سمة كتبه الأخرى. # ثالثا: تاريخ تأليف الكتاب: # بعد استقراء هذا الكتاب، ومقارنته بكتب شيخ الإسلام الأخرى، اتضح لي أن ~~كتاب النبوات من أواخر ما كتب شيخ الإسلام - رحمه الله. # وربما لو قلت بأنه ألفه في سجنه الأخير، لما كنت مجانبا للصواب، أو ~~مصادما للحقيقة. # وعلى كل حال: هو أمر تبين لي من خلال الاستقراء، ولا دليل ثابت عليه، فهو ~~لا يعدو كونه مجرد احتمال. # وقد ذكر ابن عبد الهادي أن شيخ الإسلام لبث مقيما بسجن القلعة سنتين ~~وثلاثة أشهر وأياما، ثم توفي إلى - رحمة الله ورضوانه - وما برح في هذه ~~المدة مكبا على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب في الرد على المخالفين، وأن ~~أكثر كتبه كتبها وهو في السجن1. # وذكر ابن عبد الهادي أيضا أن مؤلفاته كانت على ثلاثة أنواع؛ نوع أكمله ~~وبيضه، ثم كتب عنه. ونوع أكمله ولم يبيضه. وجملة كثيرة من كتبه لم يكملها2. # والناظر في كتاب النبوات يرى أن شيخ الإسلام - رحمه الله - ذكر فيه كثيرا ~~من المباحث العقدية، والجزئيات الأصولية؛ فهو كالفهرس لكتبه الأخرى، فيه ~~خلاصة ما كتبه - رحمه الله - في كتبه السابقة. PageV01P088 # وكذا يلاحظ عدم ترتيب معلومات الكتاب، مما يرشد إلى أنه من النوع الثاني ~~من كتب شيخ الإسلام؛ وهي الكتب التي أكملها، ولم يبيضها. # والأمر المهم هو أن شيخ الإسلام - رحمه الله - ذكر في كتاب ((النبوات)) ~~أهم وأشهر كتبه، مما يدل على أنها متقدمة على هذا الكتاب في التأليف. # ومن الكتب التي ذكرها، والتي سأحاول - قدر المستطاع - أن أذكرها مرتبة ~~وفق تسلسل تأليفها الزمني: ### | 1- # ((بغية المرتاد)) ، أو ("السبعينية") . ألفها في الاسكندرية1. ### | 2- # ((شرح الأصفهانية)) . ألفه في مصر2. ### | 3- # ((بيان تلبيس الجهمية)) . ألفه في مصر3. ### | 4- # ((درء تعارض العقل والنقل)) . ألفه بعد رجوعه إلى الشام. وقد رجح الدكتور ~~محمد رشاد سالم أنه ألفه بين سنتي 713-717ه لأسباب ذكرها4. ### | 5- # ((منهاج السنة ms047 النبوية)) . ألفه في الشام؛ لأنه صرح فيه بذكر ((درء تعارض ~~العقل والنقل)) أكثر من مرة5. ### | 6- # ((كتاب الصفدية)) . ألفه بالشام؛ فقد صرح فيه بذكر ((درء تعارض العقل ~~والنقل)) 6. PageV01P089 ### | 7- # ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) . ألفه في دمشق؛ لأنه صرح ~~فيه بذكر كتابه ((منهاج السنة النبوية)) 1، وكتابه ((درء تعارض العقل ~~والنقل)) 2. ### | 8- # ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) . وهو آخر هذه الكتب؛ فقد صرح فيه ~~بذكر ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) 3. # وقد ذكر شيخ الإسلام هذا الكتاب في ((النبوات)) 4؛ مما يرشد إلى أن كتاب ~~النبوات متأخر عنه. ### | 9- # ((الرد على المنطقيين)) . ألفه بعد ((الجواب الصحيح)) ؛ فقد صرح فيه بذكر ~~("الجواب الصحيح)) 5، وذكر فيه ((الصفدية)) 6. # وقد جزم د/ عبد الرحمن الفريوائي أن شيخ الإسلام - رحمه الله - ألف هذا ~~الكتاب - ((الرد على المنطقيين)) - قبل تأليف كتابه ((درء تعارض العقل ~~والنقل)) 7. # وهذا غير صحيح، بل صرح شيخ الإسلام - رحمه الله - في كتابه الرد على ~~المنطقيين بذكر كتابه درء تعارض العقل والنقل في مواضع8. PageV01P090 # وهذا دليل واضح على أن كتاب الرد على المنطقيين متأخر عن درء تعارض العقل ~~والنقل في التأليف # وقد ذكر شيخ الإسلام - رحمه الله - أنه ألف ("الرد على المنطقيين)) في ~~الربوة بدمشق1. # وقال فيه: (وكذلك بينا طرق الناس في إثبات العلم بالنبوات في شرح ~~الأصفهانية، وكتاب الرد على النصارى، وغيرها" 2. # ولو كان شيخ الإسلام - رحمه الله - قد ألف كتاب ((النبوات)) ، لنوه ~~بذكره؛ إذ هو في صميم الموضوع. # ومن الكتب التي ذكرها شيخ الإسلام - رحمه الله - في ((النبوات)) : # تفسير سورة الإخلاص3. # مسألة القادر المختار4. # مسألة العدل والظلم5. # مسألة القدرة والإرادة6. # وبعد هذا العرض الموجز لأشهر مؤلفات الشيخ، تبين لنا بالدلائل القطعية أن ~~كتاب ((النبوات)) مما ألف في الشام، وأنه من آخر ما ألف. # وقد ضمنه - رحمه الله - خلاصة آرائه، وأفكاره، واجتهاداته. PageV01P091 # ومن هنا تأتي أهميته العلمية، ومكانته في التعرف على أقوال شيخ الإسلام - ~~رحمه الله - الأخيرة. # لذلك: إن أتت أقوال للشيخ - رحمه الله - تتعارض مع ما في ((النبوات)) ، ~~فالمعتبر ما في كتاب ((النبوات؛ إذ هو ms048 خلاصة أفكاره، وخاتمة أقواله، وناسخ ~~لما تقدم من آرائه. # فعلى سبيل المثال: ما يتعلق بحياة الخضر عليه السلام: نجد شيخ الإسلام في ~~الفتاوى قد رجح حياة الخضر، ونافح عن ذلك بشدة، وانتقد من يقول بموته. وهذا ~~في ((مجموع الفتاوى)) 1. # أما في كتابه ((النبوات)) : فالأمر بخلاف ذلك؛ إذ مال إلى الرأي القائل ~~بموته، وصرح بأن الشيطان يتمثل في صورة إنسي، ويقول إنه الخضر2. # وكذلك مسألة: هل آدم أهبط من جنة التكليف التي في السماء؟ أم من جنة في ~~الأرض؟ . # نجده في ((مجموع الفتاوى)) يذكر أن في المسألة قولا واحدا لأهل السنة، ~~وهو أنها جنة الخلد. ويذكر أن من قال إنها جنة في الأرض، فهو من المتفلسفة ~~الملحدين، أو من إخوانهم المتكلمين المبتدعين3. # أما في ((النبوات)) : فقد جعل في المسألة قولين، أصحهما أن جنة آدم كانت ~~جنة التكليف، ولم تكن في السماء4. # هذه الأمور، وأمثالها تجعلنا نجزم أن كتاب ((النبوات)) هو خلاصة ~~PageV01P092 # أقوال شيخ الإسلام - رحمه الله، وأوثق آرائه، وزبدة أفكاره التي استقر ~~عليها. # هل الكتاب ناقص، أم لا؟ # أشار بعض الباحثين إلى أن كتاب ((النبوات)) ناقص، ولم يذكروا دليلا على ~~ذلك. # ومن هؤلاء: د/ محمد رشاد سالم رحمه الله في كتابه: ((مقارنة بين الغزالي ~~وابن تيمية)) . # قال - رحمه الله - وهو يتكلم عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (وقد ~~خصص كتابين من كتبه للنبوة؛ ### | 1- # أولهما وأهمهما: كتاب ((الصفدية)) . وقد كتبه للرد على من زعم أن معجزات ~~الأنبياء قوى نفسانية. ### | 2- # والثاني: كتاب ((النبوات)) . ويهتم فيه ابن تيمية بالرد على آراء ~~المتكلمين في مسألة النبوة. وأرجح أن قسما لا يستهان به من الكتاب مفقود"1. # وممن قال بنقصه، ولم يورد دليلا على ذلك: د/ عبد الرحمن المحمود، الذي ~~قال وهو يستعرض مؤلفات شيخ الإسلام - رحمه الله: (النبوات. وهو في الرد على ~~الأشاعرة، ومنهم الباقلاني في مسألة معجزات الأنبياء والفرق بينها وبين ~~الكرامات والخوارق الشيطانية. وهو مطبوع، لكن فيه نقص. ولعل الله أن ييسر ~~مخطوطات هذا الكتاب ليحقق ويخرج بشكل جيد"2. # وأقول: لا أدري ما ms049 هي الأدلة التي استندوا إليها، فخلصوا إلى هذا الرأي، ~~ولا ما هي الأسس التي بنوا عليها، فرجحوا نقصان الكتاب؟ PageV01P093 # ولعل الذي دفعهم إلى هذا القول نظرهم إلى أول الكتاب، وملاحظتهم خلوه من ~~خطبة أو استفتاح، الأمر الذي يخالف عادة المؤلفين. # ويرد عليهم: ### | 1- # أن ذكر الخطبة، أو الاستفتاح ليس عادة مطردة لشيخ الإسلام رحمه الله؛ إذ ~~يوجد من مؤلفات الشيخ ما هو خال من ذلك، ويبدأ به مباشرة بقوله: فصل؛ ~~كصنيعه في كتاب ((النبوات)) . # ومن ذلك - على سبيل المثال لا الحصر - كتاب الرد على الأخنائي، وكتاب ~~معارج الوصول - وهما مما ألفه الشيخ وهو في السجن - وأكثر الرسائل التي ~~احتواها كتاب جامع الرسائل - الذي حققه د/محمد رشاد سالم - وكذلك أغلب ما ~~في مجموع الفتاوى، ومجموعة الرسائل الكبرى. ### | 2- # أضف إلى هذا أن كتاب النبوات لم يخل مما يشبه الاستفتاح؛ إذ في أوله ~~بسملة، وثناء على الله تعالى، ثم عقب بقوله: فصل. ### | 3- # ومما يؤيد ما ذهبت إليه - وهو قولي بأن كتاب ((النبوات)) ليس ناقصا - أن ~~الشيخ رحمه الله لم يشر إلى مسألة تقدمت، إلا وهي في الكتاب. وهذا توصلت ~~إليه بعد استقراء تام لكتاب النبوات. # ولو كان ثمة نقص - كما ادعى البعض - لفقدت بعض المسائل التي أشار الشيخ ~~إلى أنه قد قدم الكلام عنها. ### | 4- # ومما يزيد الأمر يقينا لدي: وجود نسخة مخطوطة كتبت بعد وفاة المؤلف رحمه ~~الله باثنتين وثمانين سنة؛ إذ كتبت في عام 830?، وهي قريبة العهد من عصر ~~المؤلف. # وقد ضمنها ابن زكنون رحمه الله مجموعه الكبير: ((الكواكب الدراري في # PageV01P094 # ترتيب مسند الإمام أحمد)) - وقد ضم هذا المجموع رسائل كثيرة لشيخ الإسلام ~~رحمه الله. # وذكر - أعني ابن زكنون - بداية كتاب النبوات في النصف الأسفل من إحدى ~~الصفحات، حيث سبقه في النصف الأعلى خاتمة كتاب لأحد العلماء. # وحين انتهت المخطوطة، أتبعها بذكر كتاب الصارم المنكي لابن عبد الهادي. # فلم يتقدم مخطوطة النبوات خرم ولا اختزال، بل هي باقية على حالها، كما ~~وضعها ابن زكنون - رحمه الله - بعد اثنتين وثمانين سنة من وفاة شيخ ms050 ~~الإسلام. # وهذه النسخة قد مضى على كتابتها سبع وستمائة سنة، وهي محفوظة في هذا ~~المجموع الكبير الذي حفظ لنا ذخائر من تراث شيخ الإسلام رحمه الله، ومؤلفات ~~تلاميذه رحمهم الله. ### | 5- # إن كتاب ((النبوات)) لم يشر إليه أحد من تلاميذ شيخ الإسلام، باستثناء ~~ابن عبد الهادي، والصفدي. # وأما ابن القيم - رحمه الله: فمع جلالة قدره، وشدة التصاقه بالشيخ، وحرصه ~~على مؤلفاته، وجمعه لأسمائها في فهرس، فإنه لم يذكر كتاب ((النبوات)) . # وهذا يدل على ما ذكرناه سابقا؛ من أن كتاب النبوات من آخر ما ألف شيخ ~~الإسلام - رحمه الله - وأنه مما كتب ولم يبيض. # ولم يشتهر هذا الكتاب عند تلاميذ شيخ الإسلام، بل ولا الخاصة منهم، بل لم ~~يأخذ حظه من الشهرة بين طلبة العلم - كما وقع لكتب # PageV01P095 # شيخ الإسلام الأخرى مبكرا - إلا بعد أن طبع الكتاب طبعته الأولى عام ~~1346?. # وقد بذلت قصارى جهدي؛ من البحث الطويل، وسؤال المختصين، والمكتبات ~~الكبيرة، والمراكز المشهورة عن نسخ للكتاب، فلم أجد من يدلني على نسخة أخرى ~~لهذا الكتاب. # وقد خاطبت الشيخ محمد إبراهيم الشيباني مدير مركز المخطوطات والتراث ~~والوثائق في الكويت، فجاءني منه رد بتاريخ 13/7/1413? بأنه لا يعلم أن ~~للكتاب نسخة أخرى، ووعد بأنه إذا وجد شيئا أثناء بحثه في مكتبات العالم أن ~~يبلغني به، ولم أتلق منه بعد ذلك أي اتصال. # وقد بحثت في مراكز المخطوطات في كل من الجامعة الإسلامية، وجامعة الإمام ~~محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وجامعة أم القرى في مكة المكرمة، وجامعة ~~الملك سعود في الرياض، وجامعة الملك عبد العزيز في جدة، ومركز الملك فيصل ~~للمعلومات في الرياض، ومكتبة الملك فهد الوطنية في الرياض، والمكتبة ~~السعودية في دار الإفتاء في الرياض، فلم أجد لكتاب النبوات أثرا في هذه ~~الأماكن، باستثناء الجامعة الإسلامية؛ إذ يوجد في مكتبة المخطوطات فيها ~~صورة للنسخة الوحيدة الموجودة في المكتبة الظاهرية. # وقد سألت عددا من المهتمين بمؤلفات شيخ الإسلام رحمه الله، فأفادوني ~~بأنهم لا يعلمون بوجود نسخة أخرى للكتاب. # PageV01P096 # المسألة الثانية: سبب تأليف الكتاب. وفيها ms051 ترجمة موجزة للباقلاني، وتعريف ~~بكتابه ((البيان)) . # أولا: سبب تأليف الكتاب: # ألف شيخ الإسلام رحمه الله كتاب النبوات لأمرين؛ عام، وخاص. # أما الأمر العام: فهو: # أ- إبراز معتقد أهل السنة والجماعة في الفرق بين النبي والمتنبي، ومعرفة ~~طرق إثبات النبوة، والفروق بين خوارق العادات. # قال - رحمه الله: (فينبغي أن يتدبر هذا الموضوع، وتفرق هذه الفروق ~~الكثيرة بين آيات الأنبياء وبين ما يشتبه بها، كما يعرف الفرق بين النبي ~~والمتنبي، وبين ما يجيء به النبي وما يجيء به المتنبي. فالفرق حاصل في نفس ~~صفات هذا وصفات هذا، وأفعال هذا وأفعال هذا، وأمر هذا وأمر هذا، وخبر هذا ~~وخبر هذا، وآيات هذا وآيات هذا؛ إذ الناس محتاجون إلى هذه الفروق أعظم من ~~حاجتهم إلى غيره، والله تعالى يبينه وييسره) 1. # وقال رحمه الله: (والفرق بين النبي والساحر أعظم من الفرق بين الليل ~~والنهار"2. # ب- الرد على المخالفين في النبوات، من المتكلمين - أشاعرة ومعتزلة ومن ~~وافقهم - والفلاسفة. # قال شيخ الإسلام - رحمه الله: (إن المتكلمين المبتدعين تكلموا في النبوات ~~بكلام كثير، لبسوا فيه الحق بالباطل؛ كما فعلوا مثل ذلك في غير PageV01P097 # النبوات؛ كالإلهيات، وكالمعاد. وعند التحقيق لم يعرفوا النبوة، ولم ~~يثبتوا ما يدل عليها، فليس عندهم لا هدى ولا بينات"1. # وأما الأمر الخاص الذي ألف شيخ الإسلام - رحمه الله - لأجله كتاب ~~((النبوات)) : # فقد ناقش شيخ الإسلام - رحمه الله - في هذا الكتاب الأشاعرة مناقشة ~~تفصيلية مستفيضة، وذلك من خلال مناقشته لشيخهم الباقلاني في كتابه ~~((البيان)) الذي هو العمدة عند الأشاعرة في مبحث النبوات2. # ويوضح شيخ الإسلام - رحمه الله - أسباب رده على الأشاعرة، فيقول: (لا حول ~~ولا قوة إلا بالله! ولو لم يتعلق هذا بالإيمان بالرسول، وبما أخبر به ~~الرسول، واحتجنا إلى أن نميز بين الصحيح والفاسد في الأدلة والأصول، لما ~~ورد على هؤلاء من هذه السؤالات، ولم تكن بنا حاجة إلى كشف الأسرار، لكن لما ~~تكلموا في إثبات النبوات صاروا يوردون عليها أسئلة في غاية القوة والظهور، ~~ولا يجيبون عنها إلا بأجوبة ضعيفة، كما ذكرنا كلامهم، فصار طالب العلم ms052 ~~والإيمان والهدى من عندهم لا سيما إذا اعتقد أنهم أنصار الإسلام ونظاره ~~والقائمون ببراهينه وأدلته، إذا عرف حقيقة ما عندهم، لم يجد ما ذكروه يدل ~~على ثبوت نبوة الأنبياء، بل وجده يقدح في الأنبياء، ويورث الشك فيهم أو ~~الطعن ... فانسد طريق الإيمان والعلم، وانفتح طريق النفاق والجهل، لا سيما ~~على من لم يعرف إلا ما قالوه. والذي يفهم ما قالوه لا يكون إلا فاضلا قد ~~قطع درجة الفقهاء، PageV01P098 # ودرجة من قلد المتكلمين، فيصير هؤلاء إما منافقين، وإما في قلوبهم مرض. ~~ويظن الظان أنه ليس في الأمر على نبوة الأنبياء براهين قطعية، ولا يعلم أن ~~هذا إنما هو لجهل هؤلاء وأصولهم الفاسدة التي بنوا عليها الاستدلال، وقدحهم ~~في الإلهية، وأنهم لم ينزهوا الرب عن فعل شيء من الشر، ولا أثبتوا له حكمة ~~ولا عدلا ... وهم في الأصل إنما قصدوا الرد على القدرية الذين قالوا: إن ~~الله لم يشأ كل شيء، ولم يخلق أفعال العباد، وهو مقصود صحيح، لكن ظنوا أن ~~هذا لا يتم إلا بجحد حكمته وعدله ورحمته، فغلطوا في ذلك ... "1. # إذا: فالأمر الخاص الذي ألف شيخ الإسلام - رحمه الله - لأجله كتاب ~~النبوات كما مر - هو مناقشة الأشاعرة مناقشة تفصيلية مستفيضة، وذلك من خلال ~~مناقشة شيخهم الباقلاني في كتابه ((البيان)) الذي هو عمدة مذهب الأشاعرة في ~~النبوات. # يقول شيخ الإسلام - رحمه الله - عن القاضي أبي بكر: (وفي كلامه في هذا ~~الباب2 من الاضطراب ما يطول وصفه، وهو رأس هؤلاء الذين اتبعوه؛ كالقاضي أبي ~~يعلى، وأبي المعالي، والرازي، والآمدي، وغيرهم) 3. # وقال أيضا - عن الأشاعرة -: (وجوزوا من جهة العقل ما ذكره القاضي أبو ~~بكر: أن يكون الرسول فاعلا الكبائر، إلا أنه لا بد أن يكون عالما بمرسله ~~... فلم يعتمد القاضي أبو بكر وأمثاله في تنزيه الأنبياء لا على دليل عقلي، ~~ولا سمعي في الكتاب والسنة؛ فإن العقل عنده لا يمنع أن PageV01P099 # يرسل الله من يشاء إذ كان يجوز عنده على الله فعل كل ما يقدر عليه، وإنما ~~اعتمد على الإجماع"1. # وذكر هذا الأمر ms053 الخاص الذي ألف لأجله شيخ الإسلام كتاب ((النبوات)) ، ~~يستلزم من الباحث أن يعرف بالباقلاني، ويعرف بكتابه. # ثانيا: ترجمة الباقلاني، والتعريف بكتابه ((البيان)) . # الباقلاني هو2: القاضي الأصولي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد ابن جعفر ~~بن قاسم البصري ثم البغدادي، ابن الباقلاني. يعد من أكابر أئمة الأشاعرة ~~بعد مؤسسها أبي الحسن الأشعري، عالم بعلوم أهل الكلام، ولم يعرف تاريخ ~~ولادته. # ذكره القاضي عياض في طبقات المالكية، وقال عنه: إليه انتهت رئاسة ~~المالكية في وقته. # وقال عنه الذهبي: وكان يضرب المثل بفهمه وذكائه ... وكان ثقة إماما ~~بارعا، صنف في الرد على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية والكرامية، ~~وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري، وقد يخالفه في مسائل، فإنه من نظرائه وقد ~~أخذ علم النظر عن أصحابه. # مات الباقلاني في ذي القعدة سنة ثلاث وأربع مائة، وصلى عليه ابنه حسن، ~~وكانت جنازته مشهودة. PageV01P100 # ومن أهم مؤلفاته المطبوعة: ### | 1- # ((التمهيد)) ، وسمي ((تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل)) . وقد طبع الكتاب ~~أكثر من طبعة. ### | 2- # ((الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به)) . ### | 3- # كتاب ((البيان)) عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر ~~والنارنجات. # فالباقلاني إذا يعتبر المؤسس الثاني للمذهب الأشعري؛ فهو تلميذ لتلاميذ ~~أبي الحسن الأشعري، فهو قريب العهد به. # وعلى الرغم من أن تلامذة الأشعري كانوا أقوياء وذوي تأثير واسع، إلا أن ~~أحدا منهم لم يبلغ ما وصل إليه الباقلاني. ولعل الفترة التي عاشها الأشعري ~~وتلامذته كان السائد فيها المذهب الكلابي، فكان المذهبان متداخلين. فلما ~~جاء الباقلاني جرد نفسه لنصرة أبي الحسن الأشعري ومذهبه، والعمل على دعمه ~~بأوجه جديدة من الحجج والمناظرات1. هذا عن الباقلاني. # أما كتابه ((البيان)) : فهو العمدة - كما أسلفنا - عند الأشاعرة في ~~النبوات. # وقد أصل فيه مؤلفه أصولا، وقعد قواعد تخالف أصول أهل السنة والجماعة، ~~ولذلك التزم فيه لوازم باطلة. # وقد ناقش شيخ الإسلام - رحمه الله - هذه الأصول، ورد على هذه اللوازم في ~~كتاب النبوات. # ولا بأس من إيراد بعض آراء الباقلاني في كتابه ((البيان)) ، لتتضح ~~الأفكار PageV01P101 # التي ناقشها شيخ الإسلام - رحمه الله - في كتابه ms054 النبوات. ### | 1- # يقول الباقلاني: (المعجزة قد تكون بمعنى منع العادة المألوفة؛ مثل أن ~~يقول: آيتي وحجتي أنني أقوم من مكاني، وأحرك يدي، وأنكم لا تستطيعون مثل ~~ذلك"1. ### | 2- # ويقول أيضا: (وقد اتفق على أنه لا دليل يفصل بين الصادق والكاذب في ادعاء ~~الرسالة، إلا آيات المعجزة.." 2. ### | 3- # قوله: (إن فرض التوحيد والمعرفة واجب من جهة السمع المحض) 3. ### | 4- # يرى الباقلاني أن خوارق الأنبياء قد تقع من غير الأنبياء، ولكن لا تعتبر ~~معجزة؛ لأنه لا يتحدى بها. فليس جنس المعجزة عنده الآية، وإنما هي التحدي ~~وادعاء النبوة. أما الآية فلا تعتبر معجزة لأن غير النبي يأتي بها، ولكن لا ~~يدعي النبوة4. ### | 5- # الفرق بين المعجزة والكرامة هو التحدي، وإلا فالجنس واحد؛ فقد يكون للولي ~~مثل معجزات الأنبياء، إلا أنه لا يتحدى بها5. ### | 6- # يرى أنه لا يستثنى من السحر إلا ما ورد الإجماع والتوقيف على أنه لا يكون ~~بسحر الساحر. ومن الأشياء التي لا يستطيعها الساحر، ويستثنى من فعلها: آيات ~~الأنبياء الكبرى6. PageV01P102 # وبعد: فهذه أهم الأقوال التي وقفت عليها في كتاب البيان تخالف مذهب أهل ~~السنة والجماعة، وقد تصدى لها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بالرد ~~والتفنيد. # وثمة أقوال وآراء عن السحرة وغيرهم، وعن الكرامة، وغير ذلك. # ومن الأمور التي ناقش فيها شيخ الإسلام - رحمه الله - الأشاعرة في كتاب ~~((النبوات)) : تجويزهم على الله تعالى فعل كل شيء، وعدم تنزيهه عن شيء. ~~وهذه من اللوازم التي التزموها، وانبثقت عن أقوالهم المتقدمة. # فيجوز عندهم أن يجعل الله الساحر والكافر والفاسق نبيا، وأن يرسله، ~~ويؤيده بالمعجزات والآيات. # ويجوز عندهم أن لا يميز الله بين الصادق والكاذب، إلا بأن يظهر على يد ~~الأول المعجزات، ويمنع الآخر منها. # ومع تجويزاتهم هذه، نجدهم قد أنكروا حكمة الله، وعدله، ورحمته، فانسد ~~عليهم طريق النبوة. # المسألة الثالثة: منهج شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه ((النبوات)) : # الكتابة عن منهج أي مؤلف في أي كتاب من كتبه فيه نوع من المشقة؛ إذ الأمر ~~يستلزم القراءة المتأنية، والفحص الدقيق، والاستقراء التام. # فما ظنك إن كانت الكتابة عن ms055 منهج شيخ الإسلام الفريد في كتاباته، ~~والمتعمق في تأليفاته، صاحب الكتب التي لا زالت كلماتها نابضة، تجدد - بإذن ~~الله - من الدين ما اندثر، وتظهر - بعون الله - منه ما انطمر، وتحيي من ~~السنن ما أماته أهله وانقبر. # يروى عن الشيخ عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله - أنه قال عن منهج شيخ ~~الإسلام: (شيخ الإسلام يأتي إلى جدار الباطل فيلطمه حتى يعتدل. أما ابن # PageV01P104 # القيم فيأخذ هذا الجدار حجرا حجرا، فيكسرها إلى أشلاء"1. # فشيخ الإسلام - رحمه الله - رجل فريد في نوعه، فريد في تأليفاته، فريد في ~~منهجه، جاء في وقت اندثرت فيه السنة، واشرأبت أعناق أهل البدعة، وباض فيه ~~أهل الأهواء وفرخوا، فقام بنصر دين الله، وجاهد لإعلاء كلمة الله، وكافح من ~~أجل توحيد الله، وإفراده بالعبادة وحده دون سواه. # كتب عنه بعض العلماء حين رآه: (فألفيته ممن أدرك من العلوم حظا، وكاد ~~يستوعب السنن والآثار حفظا. إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في ~~الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر ~~بالنحل والملل لم ير أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من درايته. برز في كل ~~فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه"2. # هذا عن الرجل.. فماذا عن الكتاب؟! . # سبق الحديث عن كتاب النبوات من حيث أهميته، وذكر حينها أن الكتاب من أجمع ~~الكتب، وأشملها، وأن فيه خلاصة آراء صاحبه، وزبدة أفكاره. # وهذا مما يصعب الحديث عن منهج مؤلفه. # ولكن ما لا يدرك جله، لا يترك كله. # وهذا جهد المقل، أتحدث فيه عن منهج شيخ الإسلام - رحمه الله - في كتابه ~~("النبوات") ، مجملا ذلك في النقاط التالية: PageV01P105 ### | 1- # يذكر شيخ الإسلام - رحمه الله - في كتابه أقوال ومذاهب المخالفين من ~~فلاسفة ومتكلمين، ويردها إلى أصولها. # فيوضح الأصول البدعية التي قامت عليها، ويبين مخالفتها لأصول الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، ويذكر اللوازم التي التزمها أصحابها لأجلها، ثم ينقضها، ~~ويرد عليها، وينبه إلى أقوال من طعن فيها أو رد ms056 عليها. # ويجتث هذه الأصول من جذورها، فتنهار الأقوال بأصحابها مع الأسس التي بنوا ~~عليها، وتسوى بهم الأرض، فلا ترى لهم بناء مشيدا. ### | 2- # يكثر - رحمه الله - من الاستطرادات، وبسط الكلام في سرد أدلة الخصم، وذكر ~~حججه. # ولكن ليس ذلك حشوا، بل هو شديد العلاقة بأصل الكلام، حتى إن المنصف يدرك ~~أن ما بسط من الكلام هذا موضعه، ولو ترك ذلك لقلت فائدة من يراجعه. ### | 3- # أما عن طريقته - رحمه الله - في الرد على الخصوم، أو عرض مذهب أهل السنة ~~في المسألة: فإنه قد يوجز تارة، ويحيل على مؤلفاته الأخرى، بقوله: كما قد ~~بسط في غير هذا الموضع، أو: قد بسطناه في موضع آخر، أو: وبسط هذا له موضع ~~آخر، ... وهكذا. أو يطيل النفس في الرد. # وينصر في رده المذهب الحق والقول الصحيح الذي يعتمد على الكتاب والسنة، ~~مدللا له بكلام الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أقوال ~~الصحابة والتابعين؛ من أئمة سلف هذه الأمة المهديين. ### | 4- # يكثر - رحمه الله - من تعضيد كلامه بأقوال العلماء، أو كلام المفسرين، أو ~~أقوال النحويين ليدلل على صحة ما ذهب إليه. # PageV01P106 # فإذا ذكر مسألة ما، استشهد لها بأقوال العلماء، والمختصين من أهل الفنون؛ ~~فإن كانت في التفسير، ذكر بعض أقوال المفسرين، وإن كانت لغوية أورد كلام ~~علماء اللغة والنحويين ... وهكذا. # ومن منهجه - رحمه الله - في تفسير الآيات: أن يفسر القرآن الكريم ~~بالقرآن، والأحاديث النبوية الصحيحة، وأقوال الصحابة والتابعين - فهو تفسير ~~بالمأثور - أو أقوال المفسرين المعروفين. # وهو - رحمه الله - يهتم باللغة العربية، فيجمع شواردها، ويسوق شواهدها، ~~ويعتبرها مصدرا من مصادر تفسير القرآن الكريم. # فتراه يناقش علماء التفسير، وأصحاب المعاجم اللغوية في جوانب كثيرة من ~~تفسيراتهم لبعض الآيات، فيوجه أقوالهم إن أمكن الجمع بينها، ويذكر جوانب ~~الاتفاق، وأطراف الاختلاف. ### | 5- # يورد أدلة الخصوم، ويناقشها بما يجانسها. ### | 6- # يذكر أقوال الناس في المسألة، ويختم بما يراه راجحا، كقوله: والتحقيق: ### | ...... # ويعضد ذلك بالأدلة العقلية، والسمعية، وأقوال العلماء، والتعليل. ### | 7- # يسلك في الكلام مسلكا منهجيا يقرب فيه المعلومات إلى الفهوم؛ كتقسيم ~~الكلام ms057 إلى فصول، أو أنواع، أو أقسام، أو مراتب؛ كي يقرب المعلومة إلى ذهن ~~القارئ فيفهمها. ### | 8- # إذا ذكر أقوال الخصوم، نسب كل قول إلى قائله؛ سواء كان فرقة، أو طائفة، ~~أو شخصا. ### | 9- # يكثر الاستشهاد على المسألة اللغوية من القرآن الكريم. ### | 10- # في حال نقده لقول ما: يسوقه بنصه، أو يذكره مختصرا. # PageV01P107 ### | 11- # يذكر شبه المخالفين، وأدلتهم، وحججهم، والدوافع التي أفضت بهم إلى ~~مقولتهم، ثم يكر عليهم بالرد بكلام داحض لحججهم، كاشف عن عوارهم. ### | 12- # أثناء مناقشة الخصوم: كثيرا ما يشير إلى القواعد الكلية العقلية؛ إذ هي ~~بديهية مسلم بها، وتلزم الخصم، وتفحمه. ### | 13- # في معرض مناقشته رحمه الله للشيخ الباقلاني ذكر أقواله، وذكر قول من ~~يوافقه من أهل المذاهب، أو يخالفه. ### | 14- # قد ينقل - رحمه الله - كلام الباقلاني بنصه من كتابه (البيان) ، أو يعرضه ~~باختصار، أو يذكر خلاصة القول الذي يريد أن يرد عليه. ### | 15- # قد يرد - رحمه الله - على الخصوم، ويستدرك عليهم من عدة وجوه. ### | 16- # إذا انتقد شخصية ما، فإنه يورد خلاصة ما قيل في معتقده، ويعرج على ذكر ~~بعض مخالفاته التي وقع فيها، ويذكر مقدار قربه أو بعده من مذهب أهل السنة ~~والجماعة. ### | 17- # يشير أحيانا إلى بعض ما ورد في الكتب المتقدمة - كالتوراة والإنجيل مما ~~لم يدخله التحريف - ليعضد ما ذهب إليه. ### | 18- # يتحرى الدقة، والأمانة العلمية في النقل؛ فيورد أقوال المخالفين من ~~كتبهم، ويستحضرها عن ظهر قلب؛ فيذكر ما يريد نقله، ويذر ما لا يريد، فيأخذ ~~حاجته من الكلام لا يزيد فيه ولا ينقص، معزوا إلى المخالفين، أو بعض كتبهم. ~~والإنصاف شعاره - رحمه الله - مع المخالفين. وهذا قد شهد به أعداؤه. ### | 19- # التأصيل ووحدة المنهج في مصنفات شيخ الإسلام - رحمه الله - فيفسر بعضها ~~بعضا، فلا يختلف كلامه، مع كثرة مؤلفاته وتنوع مباحثها، مع تباعد أزمنة ~~تأليفها # PageV01P108 # المسألة الرابعة: مصادر المؤلف في كتابه، والكتب التي أوردها، أو أشار ~~إليها فيه: # لا شك أن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - قد أورد الآيات الكثيرة من ~~القرآن الكريم، مستشهدا بها على مسألة، أو رادا بها على قول، أو موضحا ms058 بها ~~قضية. # وثمة كتب كثيرة أخذ منها شيخ الإسلام - رحمه الله - ونقل عنها، أو أشار ~~إليها، ودل عليها في كتابه. # وها أنا ذا أذكرها مستعينا بالرحمن؛ إذ هو ربي وعليه التكلان: ### | 1- # ((صحيح البخاري)) . ### | 2- # ((صحيح مسلم)) . ### | 3- # ((سنن أبي داود)) . ### | 4- # ((سنن النسائي)) . ### | 5- # ((سنن الترمذي)) . ### | 6- # ((سنن ابن ماجه)) . ### | 7- # ((مسند الإمام أحمد)) . ### | 8- # ((مصنف عبد الرزاق)) . ### | 9- # ((تفسير ابن أبي حاتم)) . ### | 10- # ((تفسير الطبري)) . ### | 11- # ((تفسير ابن عطية)) . ### | 12- # ((تفسير أبي روق)) . ### | 13- # ((تفسير البغوي)) . ### | 14- # ((تفسير الوالبي)) . # PageV01P109 ### | 15- # ((زاد المسير لابن الجوزي)) . ### | 16- # ((رسالة إلى أهل الثغر)) : للأشعري. ### | 17- # ((مقالات الإسلاميين)) : للأشعري. ### | 18- # ((اللمع في الرد على أهل الأهواء والبدع)) : للأشعري. ### | 19- # ((نقض اللمع في الرد على أهل البدع)) : للقاضي عبد الجبار. ### | 20- # ((نقض نقض اللمع)) : للباقلاني. ### | 21- # ((شرح اللمع في الرد على أهل البدع)) : للباقلاني. ### | 22- # ((الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانات والسحر والنارنجات)) : ~~للباقلاني. ### | 23- # ((رسالة الإمام أحمد إلى الخليفة المتوكل)) . ### | 24- # ((كتاب خلق أفعال العباد)) : للبخاري. ### | 25- # ((كتاب الملل والنحل)) : للشهرستاني. ### | 26- # ((معراج السالكين)) : للغزالي. ### | 27- # ((إحياء علوم الدين)) : للغزالي. ### | 28- # ((المضنون به على غير أهله)) : للغزالي. ### | 29- # ((تهافت الفلاسفة)) : للغزالي. ### | 30- # ((تهذيب اللغة)) : للأزهري. ### | 31- # ((كتاب الدعاء، أو: شأن الدعاء)) : للخطابي. ### | 32- # ((رسائل إخوان الصفا)) . ### | 33- # ((المطالب العالية)) : للرازي. ### | 34- # ((أقسام اللذات)) : للرازي. ### | 35- # ((كتاب الإحاطة)) : لابن سبعين. # PageV01P110 ### | 36- # ((لوح الأصالة)) : لابن سبعين. ### | 37- # ((كتاب البد)) : لابن سبعين. ### | 38- # ((الرد على ابن سبعين وأهل الوحدة)) : لابن تيمية. وهو المسمى: ((بغية ~~المرتاد، أو السبعينية)) . ### | 39- # ((شرح الأصفهانية)) : لابن تيمية. ### | 40- # ((الجواب الصحيح)) : لابن تيمية. ### | 41- # ((منع تعارض العقل والنقل)) : لابن تيمية. ### | 42- # ((مسألة القادر المختار)) : لابن تيمية. ### | 43- # ((مسألة العدل والظلم)) : لابن تيمية. ### | 44- # ((مسألة القدرة والإرادة)) : لابن تيمية. ### | 45- # ((رسالة في الإجماع)) : لابن تيمية. ### | 46- # ((العدة)) : لأبي يعلى. # PageV01P111 ### | المطلب الثاني: التعريف بالأصل المخطوط # أصل الكتاب نسخة مخطوطة، موجودة ضمن ((الكواكب الدراري)) في المكتبة ~~الظاهرية بدمشق، تحمل رقم 581. ومنه صورة في مكتبة المخطوطات في الجامعة ~~الإسلامية تحمل الرقم 4472 فيلم. # و ((الكواكب الدراري)) جمعه: علاء الدين أبو الحسن علي بن حسين بن عروة ~~المشرقي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن زكنون. # قال عنه الحافظ ابن حجر: "كان زاهدا، عابدا، قانتا، خيرا، لا يقبل من أحد ~~شيئا، ولا يأكل إلا من كسب ms059 يده. مات سنة 837 ?"1. # وقد رتب ابن زكنون في كتابه ((الكواكب)) : أحاديث مسند الإمام أحمد بن ~~حنبل على الأبواب التي وضعها البخاري في صحيحه. # وكتاب ((الكواكب الدراري)) كبير جدا، ضمنه ابن زكنون كثيرا من كتب شيخ ~~الإسلام - رحمه الله؛ مثل: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) ، و ((التوسل ~~والوسيلة)) ، و ((السياسة الشرعية)) ، و ((نقض التأسيس)) ، و ((شرح حديث ~~النزول)) . # أما كتاب ((النبوات)) : فقد ذكر بعضه في المجلد الحادي والعشرين بعد ~~المائة؛ في آخره، من صفحة (221) ، إلى نهاية المجلد صفحة (251) . واشتمل ~~هذا المجلد على الثلث الأول من كتاب النبوات؛ أي حوالي (30) ورقة. ~~PageV01P112 # ثم أكمله في المجلد الثاني والعشرين بعد المائة؛ من أول صفحة في المجلد، ~~إلى صفحة (76) منه، حيث آخر كتاب النبوات. # وكاتب هذه النسخة الفريدة هو: إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي، ~~كتبها عام 830 ?. # والنسخة واضحة الخط، قليلة الأخطاء، بل نادرة الأخطاء، بسبب استدراكات ~~الناسخ؛ فكأنه بعد ما فرغ من كتابتها، أعاد مقابلتها، فكتب ما فاته بين ~~السطرين، أو على حاشية النسخة. # وهذه الاستدراكات كثيرة؛ مما يرشد إلى أن هذه النسخة مراجعة، ومقروءة، ~~ومقابلة على الأصل. # وعلى النسخة بلاغات؛ يقول فيها: بلغ مقابلة بأصله، أو نحو هذه العبارة. # وقد اهتم الناسخ بوضع النقاط في مواضعها. # وعدد أسطر هذه النسخة في كل صفحة ما بين 28 - 30 سطرا. # وعلى المخطوطة ختم: مجاميع المدرسة العمرية1. PageV01P113 # وثمة ملاحظة على النسخة، وقع فيها الناسخ، ولم يشذ عنها، هي اثبات ألف ~~(ابن) في شتى المواضع، حتى ولو كانت بين علمين. # وهذا لم أشر إليه في ثنايا التحقيق لكثرته المفرطة، لذا لزم التنويه عنه ~~هاهنا، وبالله التوفيق. # PageV01P114 # طبعات الكتاب ### | 1- # طبع الكتاب لأول مرة في مصر، في المطبعة المنيرية عام 1346?، عن نسخة ~~أصلية، اعتنى بها صاحب المطبعة: محمد منير آغا الدمشقي، الذي كان له قصب ~~السبق في إخراج كتاب ((النبوات)) من عالم المخطوطات. # وعلى طبعته هذه تعليقات قليلة. # وقد وقعت هذه الطبعة في (300) صفحة. # وقد صورت هذه الطبعة (المنيرية) من قبل دار الفكر ببيروت، ومكتبة الرياض ~~الحديثة، ms060 دون أن يشار إليها. # ول (محمد منير آغا الدمشقي) المجموعة المنيرية، وهي مجموعة نفيسة ضمت ~~كثيرا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله. # فرحم الله صاحب المطبعة المنيرية، وجزاه خير الجزاء على اعتنائه واهتمامه ~~بكتب شيخ الإسلام. ### | 2- # طبع كتاب ((النبوات)) كذلك طبعة أخرى باعتناء الشيخ/ محمد حامد الفقي، في ~~مطبعة دار الفكر ببيروت، دون ذكر لتاريخ الطبع. والذي يظهر أنه صورة من ~~المنيرية. # وطبعته كذلك باعتناء الفقي دار الكتب العلمية ببيروت عام 1402?. ويقع في ~~(454) صفحة. # PageV01P115 ### | 3- # وأخيرا طبع كتاب ((النبوات)) باعتناء محمد عبد الرحمن عوض، طبعته دار ~~الكتاب العربي ببيروت، عام 1405?. # وهذه الطبعة من أقل الطبعات اعتناء، على الرغم من أنه كتب عليها: دراسة ~~وتحقيق. # وقد لاحظت على هذه الطبعة مجموعة من الملاحظات، أذكر بعضها: ### | 1- # أنه أخذ تعليقات محمد منير آغا الدمشقي على الكتاب، وأضافها إلى نفسه. ### | 2- # من ذلك: أنه يعزو الآيات القرآنية إلى غير مواضعها في القرآن الكريم، ~~فأحيانا يعزو إلى سورة أخرى، وكثيرا ما يعزو إلى آية أخرى، أو يكتفي بذكر ~~رقم آية واحدة، مع أن المذكور في المتن أكثر من ذلك1. ### | 3- # أنه انتقد شيخ الإسلام رحمه الله في كثير من الأمور العقدية، وعارضه ~~بإيراد أقوال الفلاسفة، كأنه يؤيدها2. ### | 4- # ترتيب الفقرات عنده مشوش، مما يغير المعنى ويشوهه3. ### | 5- # يخلط أحيانا بين كلام شيخ الإسلام رحمه الله وكلام غيره4. PageV01P116 # عملي في الكتاب # لقد اجتهدت - حسب الوسع والطاقة - في خدمة هذا الكتاب، وإخراجه بهذه ~~الصورة. # ويتلخص عملي بالكتاب في الخطوات التالية: # أولا- تحقيق النص وضبطه، وذلك بالمقابلة بين المخطوطة التي رمزت لها ~~بالرمز ((خ)) ، مع أول طبعة؛ أعني طبعة منير آغا الدمشقي المطبوعة عام 1346 ~~ه والتي رمزت لها بالرمز ((م)) ، وآخر طبعة؛ وهي التي اعتنى بها محمد عبد ~~الرحمن عوض، وطبعت عام 1405? ورمزت لها بالرمز ((ط)) . # فأثبت من النص ما تتفق عليه النسخ، إلا أن يكون خطأ ظاهرا. وإذا وجدت ~~اختلافات بينها، فإني أثبت منها ما أراه صحيحا، حتى وإن خالف الأصل ~~المخطوط، وأشير إلى الفروق الأخرى في الهامش. # ثانيا- عزوت الآيات ms061 القرآنية إلى مواضعها من القرآن الكريم، بذكر اسم ~~السورة، ورقم الآية. # ثالثا- خرجت الأحاديث النبوية من الصحيحين، إن كانت فيهما، أو في أحدهما، ~~وإلا فمن كتب الحديث الأخرى، واجتهدت في نقل حكم لأحد العلماء عليها إن لم ~~تكن في الصحيحين أو في أحدهما. # وكذا خرجت الآثار الواردة. # رابعا- عرفت بالأعلام غير البارزين. # PageV01P117 # خامسا - اجتهدت في تخريج النصوص، وأقوال الفرق، والناس، التي أوردها ~~المؤلف. فنسبت كل قول إلى قائله، وكل مذهب إلى فرقته، حسب الطاقة والوسع. ~~ووثقت أقوال الباقلاني من كتابه ((البيان)) . # سادسا- كل ما قال فيه شيخ الإسلام - رحمه الله - إنه بسطه في مواضع أخرى، ~~أشرت إلى هذه المواضع التي ذكره فيها في كتبه الأخرى. # سابعا- علقت على ما يحتاج إلى توضيح وزيادة بيان. # وطريقتي في ذلك هي: إن كان للشيخ - رحمه الله - في هذه المسألة كلام في ~~كتاب من كتبه، فإني أنقل عنه ما يوضح العبارة، أو يشرح المعنى، أو يزيل ~~اللبس والإشكال إن وقع شيء من ذلك. # وإن لم أجد وضحت المراد بنقل قول أحد العلماء المعتبرين، أو أجتهد في ~~بيان ذلك. # ثامنا- شرحت الألفاظ والمصطلحات الغريبة. # تاسعا- عرفت بالأماكن والبلدان التي وردت. # عاشرا- نسبت أبيات الشعر الواردة في النص إلى قائليها # أحد عشر - عرفت بالطوائف والفرق الواردة في الكتاب. # ثاني عشر - وضعت عناوين جانبية تبرز مباحث الكتاب وجزئياته. # ثالث عشر - وضعت فهارس عامة للكتاب، وهي: ### | 1- # فهرس الآيات القرآنية. ### | 2- # فهرس الأحاديث النبوية. ### | 3- # فهرس الآثار. ### | 4- # فهرس الأعلام المترجم لهم. ### | 5- # فهرس الأماكن والبلدان. # PageV01P118 ### | 6 - # فهرس الفرق والطوائف. ### | 7 - # فهرس المواد والمصطلحات اللغوية والكلامية. ### | 8 - # فهرس الأبيات الشعرية. ### | 9- # فهرس المصادر. ### | 10- # فهرس الموضوعات. # PageV01P119 ### | الباب الثاني: قسم التحقيق ### | فصل في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين. قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية - رحمه الله: # فصل ((في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم)) ((كما سماها الله ~~آيات وبراهين)) # ... [فإن لهم1 طرقا] 2 في التمييز بينها وبين غيرها، وفي وجه دلالتها. # طرق النظار في التمييز بين المعجزة وغيرها # أما الأول: فإن [منهم] 3 ms062 من رأى [أن] 4 [كل ما] 5 يخرج عن الأمر المعتاد، ~~فإنه معجزة؛ وهو الخارق للعادة إذا اقترن بدعوى النبوة. # وقد علموا أن الدليل مستلزم للمدلول، فيلزم أن يكون كل من خرقت له العادة ~~نبيا. PageV01P129 # خوارق السحرة والكهان، وبكرامات الصالحين. # وهذه طريقة أكثر المعتزلة1، وغيرهم؛ كأبي محمد بن حزم2، وغيره3. ~~PageV01P130 # من اشتهر عنهم إنكار المعجزات # بل يحكى هذا القول عن أبي إسحاق الاسفراييني1، وأبي محمد بن أبي زيد2. ~~ولكن كأن في الحكاية عنهما غلطا3 PageV01P131 # وإنما أرادوا الفرق بين الجنسين1. # وهؤلاء يقولون [إن] 2 ما جرى لمريم3، وعند مولد الرسول4 [صلى الله عليه ~~وسلم] ؛ PageV01P132 # فهو إرهاص1؛ أي توطئة، وإعلام بمجيء الرسول، فما خرقت في الحقيقة إلا ~~لنبي. # الرد على من أنكر الكرامات # فيقال لهم: وهكذا الأولياء، إنما خرقت لهم لمتابعتهم الرسول؛ فكما أن ما ~~تقدمه فهو من معجزاته، فكذلك ما تأخر عنه. # وهؤلاء2 يستثنون ما يكون أمام الساعة. # لكن هؤلاء كذبوا بما تواتر من الخوارق لغير الأنبياء. # الرد على من أنكر الكرامات # والمنازع لهم يقول: هي موجودة مشهودة لمن شهدها، متواترة عند كثير من ~~الناس، أعظم مما تواترت عندهم بعض معجزات الأنبياء. وقد شهدها خلق كثير لم ~~يشهدوا معجزات الأنبياء، فكيف يكذبون بما شهدوه، ويصدقون بما غاب عنهم، ~~ويكذبون بما تواتر عندهم أعظم مما تواتر غيره؟! # قول الأشاعرة في الفرق بين المعجزة وغيرها # وقالت طائفة3: بل كل هذا حق، وخرق العادة جائز مطلقا، وكل ما PageV01P133 # خرق لنبي من العادات يجوز أن يخرق لغيره من الصالحين، بل ومن السحرة ~~والكهان. # لكن الفرق أن هذه تقترن بها [دعوى] 1 النبوة؛ وهو التحدي2. # من أصول الأشاعرة # وقد يقولون: إنه لا يمكن أحدا أن يعارضها، بخلاف تلك. وهذا قول من اتبع ~~جهما3 على أصله في أفعال الرب من الجهمية4، وغيرهم؛ حيث جوزوا أن # يفعل كل ممكن5؛ فلزمهم جواز خرق العادات مطلقا على PageV01P134 # يد كل أحد. واحتاجوا مع ذلك إلى الفرق بين النبي وغيره، فلم يأتوا بفرق ~~معقول، بل قالوا: هذا يقترن به التحدي، فمن ادعى ms063 النبوة وهو كاذب، لم يجز ~~أن يخرق الله له العادة أو يخرقها له، ولا [تكون] 1 دليلا على صدقه لما ~~يقترن بها [من ما] 2 يناقض ذلك؛ فان هذين قولان لهم3. # الرد على الأشاعرة # فقيل لهم: لم أوجبتم هذا في هذا الموضع، دون غيره، وأنتم لا توجبون على ~~الله شيئا؟ فقالوا: لأن المعجزة علم الصدق؛ فيمتنع أن يكون لغير صادق4. ~~[فقلنا: المجموع] 5 هو الممتنع؛ وهو خارق العادة، ودعوى النبوة. أو هذان مع ~~السلامة عن المعارض. # فقيل لهم: ولم قلتم أنه علم الصدق على قولكم؟ فقالوا: إما لأنه يفضي منع ~~ذلك إلى عجزه؛ وإما لأنه علم دلالته على الصدق بالضرورة. # فقيل لهم: إنما يلزم العجز، [أن] 6 لو كان التصديق على قولكم ممكنا. وكون ~~دلالتها معلومة بالضرورة؛ هو مسلم، لكنه يناقض أصولكم، ويوجب أن يكون أحد ~~الشيئين معلوما بالضرورة، دون نظيره. وهذا PageV01P135 # ممتنع؛ فإنكم تقولون: يجوز أن يخلق على يد مدعي النبوة، والساحر، ~~والصالح. لكن إن ادعى النبوة، دلت على صدقه، وإن لم يدع النبوة، لم يدل على ~~شيء1، مع أنه لا فرق عند الله بين أن يخلقها على يد مدعي النبوة، وغير مدعي ~~النبوة، بل كلاهما جائز فيه. # فإذا كان هذا مثل هذا: [لم] 2 كان أحدهما دليلا دون الآخر؟ ولم اقترن ~~العلم بأحد المتماثلين دون الآخر؟ ومن أين علمتم أن الرب لا يخرقها مع دعوى ~~النبوة إلا على يد صادق، وأنتم تجوزون على أصلكم كل فعل مقدور3، وخلقها على ~~يد الكذاب مقدور؟!. # الأشاعرة لم يجعلوا بين المعجزات والكرامات فرقا # ثم هؤلاء4 جوزوا كرامات الصالحين، ولم يذكروا بين جنسها5 وجنس كرامات ~~الأنبياء فرق، بل صرح أئمتهم6 [أن كل ما] 7 خرق لنبي، PageV01P136 # يجوز أن يخرق للأولياء؛ حتى معراج محمد1، وفرق البحر لموسى2، وناقة ~~صالح3، وغير ذلك. # ولم يذكروا بين المعجزة والسحر فرقا معقولا، بل قد يجوزون أن يأتي الساحر ~~بمثل ذلك4. لكن بينهما فرق دعوى النبوة، وبين الصالح والساحر، والبر ~~والفجور. # طريقة الفلاسفة في المعجزات # وحذاق5 الفلاسفة الذين تكلموا ms064 في هذا الباب6؛ مثل ابن سينا7، PageV01P137 # [و] 1 هو أفضل طائفتهم، [وهو] 2 أجهل من تكلم في هذا الباب فإنهم جعلوا ~~ذلك كله من قوى النفس، لكن الفرق أن النبي والصالح نفسه طاهرة يقصد الخير، ~~والساحر نفسه خبيثة. # وأما الفرق بين النبي والصالح فمتعذر على قول هؤلاء. # الرد على من فرق بين المعجزة والكرامة بفروق ضعيفة # ومن الناس3 من فرق بين معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء بفروق ضعيفة؛ ~~مثل قولهم: الكرامة يخفيها صاحبها، أو الكرامة لا يتحدى بها. ومن الكرامات ~~ما أظهرها أصحابها؛ كإظهار العلاء بن الحضرمي4 المشي PageV01P138 # على الماء، وإظهار عمر مخاطبة سارية1 على المنبر2، وإظهار أبي ~~PageV01P139 # مسلم1 لما ألقي في النار أنها صارت عليه بردا وسلاما. وهذا بخلاف من ~~يدخلها بالشياطين، فإنه قد يطفئها، إلا أنها لا تصير عليه بردا وسلاما. ~~وإطفاء النار مقدور للإنس والجن. # ومنها: ما يتحدى بها صاحبها أن دين الإسلام حق؛ كما فعل خالد ابن الوليد ~~لما شرب السم2؛ وكالغلام الذي أتى الراهب، وترك الساحر، PageV01P140 # وأمر بقتل نفسه بسهمه باسم ربه، وكان قبل ذلك قد خرقت له العادة فلم ~~يتمكنوا من قتله1. ومثل هذا كثير. # مراتب الخوارق # فيقال المراتب ثلاثة: آيات الأنبياء، ثم كرامات الصالحين، ثم خوارق ~~الكفار والفجار؛ كالسحرة والكهان، وما يحصل لبعض المشركين، وأهل الكتاب، ~~والضلال من المسلمين. # الكرامات سببها اتباع الأنبياء # أما الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها، فتلك ~~خوارقهم من معجزات الأنبياء؛ فإنهم يقولون: نحن إنما حصل لنا هذا باتباع ~~الأنبياء، ولو لم نتبعهم لم يحصل لنا هذا. # فهؤلاء إذا قدر أنه جرى على يد أحدهم ما هو من جنس ما جرى للأنبياء؛ كما ~~صارت النار بردا وسلاما على أبي مسلم2، كما صارت على PageV01P141 # إبراهيم1؛ وكما يكثر الله الطعام والشراب لكثير من الصالحين2؛ كما جرى في ~~بعض المواطن للنبي 3، أو إحياء الله ميتا لبعض الصالحين4 كما أحياه ~~للأنبياء5. # كرامات الأولياء معجزات للأنبياء # فهذه الأمور6 هي مؤكدة لآيات الأنبياء، وهي أيضا من معجزاتهم بمنزلة ما ~~تقدمهم من الإرهاص. # ومع ms065 هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحد قط إلى ~~مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى ~~PageV01P142 # درجاتهم، ولكن قد يشاركونهم في بعضها، كما قد يشاركونهم في بعض أعمالهم. # كرامات الأولياء لا تجعلهم معصومين # وكرامات الصالحين [تدل] 1 على صحة الدين الذي جاء به الرسول، لا تدل على ~~أن الولي معصوم، ولا على أنه يجب طاعته في كل ما يقوله2. # ومن هنا ضل كثير من الناس من النصارى وغيرهم3؛ فإن الحواريين4، وغيرهم ~~كانت لهم كرامات، كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة، فظنوا أن ذلك يستلزم ~~عصمتهم كما يستلزم عصمة الأنبياء، فصاروا يوجبون موافقتهم في كل ما يقولون. # النبي صارت طاعته واجبة بأمور # وهذا غلط؛ فإن النبي وجب قبول كل ما يقول لكونه نبيا [ادعى] 5 النبوة، ~~ودلت المعجزة على صدقه، والنبي معصوم. وهنا المعجزة6 ما دلت على النبوة بل ~~على متابعة النبي وصحة دين النبي، فلا يلزم أن يكون هذا التابع معصوما. من ~~أسباب تأليف الكتاب # ولكن الذي يحتاج إلى الفرقان الفرق بين الأنبياء وأتباعهم، وبين من ~~خالفهم من الكفار والفجار؛ كالسحرة، والكهان، وغيرهم؛ حتى يظهر PageV01P143 # الفرق بين الحق والباطل، وبين ما يكون دليلا على صدق صاحبه؛ كمدعي ~~النبوة، و [بين] 1 ما لا يكون دليلا على صدق صاحبه؛ فإن الدليل لا يكون ~~دليلا حتى يكون مستلزما للمدلول؛ متى وجد وجد المدلول، وإلا فإذا وجد تارة ~~مع وجود المدلول، وتارة مع عدمه [فليس بدليل] 2. # فآيات الأنبياء وبراهينهم لا [توجد] 3 إلا مع النبوة، ولا توجد مع ما ~~يناقض النبوة. # ومدعي النبوة إما صادق، وإما كاذب. # والكذب يناقض النبوة، فلا يجوز أن يوجد مع المناقض لها، مثل ما يوجد ~~معها. وليس هنا شيء مخالف لها؛ [لا موافق] 4، ولا مناقض؛ فإن الكفر، ~~والسحر، والكهانة، كل هذا يناقض النبوة، لا يجتمع هو [و] 5 النبوة. # والناس رجلان: رجل موافق لهم، ورجل مخالف لهم. # فالمخالف مناقض. # الفرق بين جنس آيات الأنبياء وخوارق من خالفهم # وإذا كان كذلك، فيقال: جنس ms066 آيات الأنبياء خارجة عن مقدور البشر، بل وعن ~~مقدور جنس الحيوان. # وأما خوارق مخالفيهم؛ كالسحرة، والكهان؛ فإنها من جنس أفعال الحيوان؛ من ~~الإنس، وغيره من الحيوان، والجن؛ مثل قتل الساحر، وتمريضه لغيره؛ فهذا أمر ~~مقدور، معروف للناس بالسحر، وغير السحر؛ PageV01P144 # وكذلك ركوب المكنسة1، أو الخابية2، أو غير ذلك؛ حتى تطير به، وطيرانه في ~~الهواء من بلد إلى بلد؛ هذا فعل مقدور للحيوان؛ فإن الطير [يفعل] 3 ذلك، ~~والجن تفعل ذلك. وقد أخبر الله أن العفريت قال لسليمان: {أنا آتيك به قبل ~~أن تقوم من مقامك} 4؛ وهذا تصرف في أعراض5 الحي؛ فإن الموت، والمرض، ~~والحركة أعراض، والحيوان يقبل في العادة مثل هذه الأعراض، ليس في هذا قلب ~~جنس إلى جنس، ولا في هذا ما يختص الرب بالقدرة عليه، ولا ما يختص به ~~الملائكة. # وكذلك إحضار ما يحضر من طعام، أو نفقة، أو ثياب، أو غير ذلك من الغيب. ~~[و] 6 هذا [إنما هو] 7 نقل مال من مكان إلى مكان. وهذا تفعله الإنس والجن، ~~لكن الجن تفعله، والناس لا يبصرون ذلك. وهذا بخلاف كون الماء القليل نفسه ~~يفيض حتى يصير كثيرا، بأن ينبع من بين الأصابع من غير زيادة يزادها8. فهذا ~~لا يقدر عليه إنسي ولا جني. PageV01P145 # أخبار الأنبياء لا كذب فيها، بخلاف من خالفهم # وكذلك الإخبار ببعض الأمور الغائبة، مع الكذب في بعض الأخبار. فهذا تفعله ~~الجن / كثيرا مع الكهان1، وهو معتاد لهم، مقدور، بخلاف إخبارهم بما يأكلون، ~~وما يدخرون، مع تسمية الله على ذلك؛ فهذا لا تظهر عليه الشياطين2. ~~PageV01P146 # وبنو إسرائيل كانوا مسلمين يسمون الله1. # وأيضا: فخبر المسيح2، وغيره من الأنبياء ليس فيه كذب قط. والكهان لا بد ~~لهم من الكذب. والرب قد أخبر في القرآن أن الشياطين [تنزل] 3 على بعض ~~الناس، فتخبره ببعض الأمور الغائبة، لكن ذكر الفرق، فقال: {هل أنبئكم على ~~من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} ~~4. # الحكمة من مسرى النبي صلى الله عليه وسلم # وكذلك مسرى الرسول صلى الله ms067 عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى؛ ليريه الرب من آياته5. فخاصة الرسول ليست مجرد قطع هذه المسافة، بل ~~قطعها ليريه الرب من الآيات الغائبة ما يخبر به. فهذا لا يقدر عليه الجن، ~~وهو نفسه لم يحتج بالمسرى على نبوته، بل جعله مما يؤمن به؛ فأخبرهم به ~~ليؤمنوا به. PageV01P147 # والمقصود إيمانهم بما أخبرهم من الغيب الذي رآه تلك الليلة، وإلا فهم ~~كانوا يعرفون المسجد الأقصى، ولهذا قال: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا ~~فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن} 1. # قال ابن عباس [رضي الله عنه] 2: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة أسري به3. وهذا كما قال في الآية: {ولقد رآه نزلة أخرى * ~~عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ ~~البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى} 4. # وكذلك ما يخبر به الرسول من أنباء الغيب؛ قال تعالى: {عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا} 5. فهذا غيب الرب الذي اختص به؛ مثل علمه بما سيكون من تفصيل الأمور ~~الكبار على وجه الصدق، فإن هذا لا يقدر عليه إلا الله. # الفرق بين خبر الرسول وخبر الجن # والجن غايتها أن تخبر ببعض الأمور المستقبلة؛ كالذي يسترقه الجن من ~~السماء6، مع ما في الجن من الكذب، فلا بد لهم من الكذب، والذي يخبرون به هو ~~مما يعلم بالمنامات وغير المنامات، فهو من جنس المعتاد للناس. PageV01P148 # وأما ما يخبر الرسل من الأمور البعيدة الكبيرة مفصلا؛ مثل إخباره: "إنكم ~~تقاتلون الترك، صغار الأعين، ذلف الآنف1، ينتعلون الشعر، كأن وجوههم المجان ~~المطرقة2"3، وقوله: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها ~~أعناق الإبل ببصرى4"5، ونحو ذلك. فهذا لا يقدر عليه جني، ولا إنسي. ~~PageV01P149 # والمقصود أن ما يخبر به غير النبي من الغيب معتاد، معروف نظيره من الجن ~~والإنس، فهو من غيب الله الذي قال فيه: {فلا يظهر على ms068 غيبه أحدا * إلا من ~~ارتضى من رسول} 1. # والآيات الخارقة جنسان: جنس في نوع العلم، وجنس في نوع القدرة2. # أقسام الخوارق # فما اختص به النبي من العلم خارج عن قدرة الإنس والجن، وما اختص به من ~~المقدورات خارج عن قدرة الإنس والجن. # خوارق الجن # وقدرة الجن في هذا الباب3 كقدرة الإنس؛ لأن الجن هم من جملة من دعاه ~~الأنبياء إلى الإيمان، وأرسلت الرسل إليهم؛ قال تعالى: {يا معشر الجن ~~والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا} 4. ~~PageV01P150 # ومعلوم أن النبي إذا دعا الجن إلى الإيمان به، فلا بد أن يأتي بآية خارجة ~~عن مقدور الجن؛ فلا بد أن تكون آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الإنس والجن. # وما يأتي به الكاهن من خبر [الجن] 1 غايته أنه سمعه الجني لما استرق ~~السمع؛ مثل الذي يستمع إلى حديث قوم وهم له كارهون. # وما أعطاه الله سليمان مجموعه يخرج عن قدرة الإنس والجن؛ كتسخير الرياح، ~~والطير. # خوارق الملائكة تختص بالأنبياء وأتباعهم # وأما الملائكة: فالأنبياء لا تدعوا الملائكة إلى الإيمان بهم، بل ~~الملائكة [تنزل] 2 بالوحي على الأنبياء، وتعينهم، وتؤيدهم. فالخوارق التي ~~[تكون] 3 بأفعال الملائكة تختص بالأنبياء وأتباعهم، لا تكون للكفار، ~~والسحرة، والكهان. # ولهذا أخبر الله تعالى أن الذي جاءه بالقرآن ملك لا شيطان؛ فقال: {إنه ~~لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم ~~بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين * وما هو على الغيب بضنين * وما هو بقول ~~شيطان رجيم} 4، وقال: {نزل به الروح الأمين ? على قلبك لتكون من المنذرين} ~~5، وقال: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} 6، وقال: {قل من كان ~~PageV01P151 # عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} 1، وقال: {هل أنبئكم على من ~~تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} 2. # الواجب معرفة الفروق بين آيات الأنبياء وبين من خالفهم # فينبغي أن يتدبر هذا الموضع، وتعرف الفروق الكثيرة بين آيات الأنبياء، ~~وبين ما يشتبه بها؛ كما يعرف الفرق بين النبي، ms069 وبين المتنبي؛ وبين ما يجيء ~~به النبي، وما يجيء به المتنبي. # فالفرق حاصل في نفس صفات هذا، وصفات هذا، وأفعال هذا، وأفعال هذا، وأمر ~~هذا، وأمر هذا، وخبر هذا، وخبر هذا، وآيات هذا، وآيات هذا؛ إذ الناس ~~محتاجون إلى هذا الفرقان أعظم من حاجتهم إلى غيره، والله تعالى يبينه، ~~وييسره. # ولهذا أخبر أنه أرسل رسله بالآيات البينات. وكيف [يشبه] 3 خير الناس بشر ~~الناس. ولهذا لما مثلوا الرسول بالساحر، وغيره، قال تعالى: {انظر كيف ضربوا ~~لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا} 4. # وقد تنازع الناس في الخوارق: هل تدل على صلاح صاحبها، وعلى ولايته لله5؟. # هل الخوارق تدل على صلاح صاحبها أم لا؟ # والتحقيق: أن من كان مؤمنا بالأنبياء،لم يستدل على الصلاح بمجرد ~~PageV01P152 # الخوارق التي قد تكون للكفار والفساق، وإنما يستدل بمتابعة الرجل للنبي؛ ~~فيميز بين أولياء الله وأعدائه بالفروق التي بينها الله ورسوله؛ كقوله: { ~~[ألا] 1 إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون} 2. # وقد علق السعادة بالإيمان والتقوى في عدة مواضع؛ كقوله لما ذكر السحرة: ~~{ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} 3، وقوله ~~عن يوسف: {نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ? ولأجر الآخرة خير ~~للذين آمنوا وكانوا يتقون} 4، وقوله في قصة صالح: {ونجينا الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون} 5 وهذه طريقة الصحابة والسلف. # تنازع الناس في ولاية المعين على قولين # وأما دلالتها على ولاية المعين: فالناس متنازعون؛ هل الولي والمؤمن من ~~مات على ذلك؛ بحيث إذا كان مؤمنا تقيا، وقد علم أنه يموت كافرا، يكون في ~~تلك الحال عدوا لله؟ أو ينتقل من إيمان وولاية إلى كفر وعداوة؟. وهما قولان ~~معروفان6. # فمن قال بالأول؛ فالولي عنده كالمؤمن [عند] 7 من علم أنه يموت ~~PageV01P153 # على تلك الحال، والخوارق لا تدل على ذلك. # ولهذا قال هؤلاء؛ كالقاضي أبي بكر1، وأبي يعلى2، وغيرهما: أنها لا تدل3. # وأما من قال: الولاية تتبدل؛ فالولاية هنا كالإيمان. وقد يعلم أن الرجل ~~مؤمن في الباطن، ms070 تقي بدلائل كثيرة، وقد يطلع الله بعض الناس على خاتمة ~~غيره. فهذا لا يمتنع. # أقوال الناس في الشهادة لمعين بالجنة # لكن هذا مثل الشهادة لمعين بالجنة، وفيها ثلاثة أقوال4: # قيل: لا يشهد بذلك لغير النبي. وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، وعلي ابن ~~المديني، وغيرهم. PageV01P154 # وقيل: يشهد به لمن جاء به نص، إن1 كان [خبرا] 2 صحيحا؛ كمن شهد له النبي ~~بالجنة فقط. وهذا قول كثير من أصحابنا، وغيرهم. # وقيل: يشهد به لمن استفاض عند الأمة أنه رجل صالح3؛ كعمر بن عبد العزيز، ~~والحسن البصري، وغيرهما. # وكان أبو ثور4 يشهد لأحمد بن حنبل بالجنة. # وقد جاء في الحديث الذي في المسند: "يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل ~~النار". قالوا: بماذا يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ"5. # وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة، فأثنوا عليها ~~خيرا، فقال: "وجبت وجبت". ومر عليه بجنازة، فأثنوا عليها شرا، فقال: "وجبت ~~وجبت". فقيل: يا رسول الله! ما قولك: وجبت وجبت؟ قال: PageV01P155 # "هذه الجنازة أثنيتم عليها الخير، فقلت: وجبت لها الجنة. وهذه الجنازة ~~أثنيتم عليها شرا، فقلت: وجبت لها النار. أنتم شهداء الله في الأرض"1. # وفي حديث آخر: "إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت، فقد أحسنت. وإذا ~~سمعتهم يقولون: قد أسأت، فقد أسأت"2. # وسئل عن الرجل: يعمل العمل لنفسه، فيحمده الناس عليه، فقال: "تلك عاجل ~~بشرى المؤمن" 3. # الثناء على رجل يعرف بأسباب # والتحقيق: أن هذا قد [يعلم] 4 بأسباب، وقد يغلب على الظن. ولا يجوز للرجل ~~أن يقول بما لا يعلم؛ ولهذا لما قالت أم العلاء الأنصارية5: لما قدم ~~المهاجرون المدينة اقترعت الأنصار على سكناهم، فصار لنا عثمان بن مظعون6 في ~~السكنى، / فمرض، فمرضناه، ثم توفي، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فدخل، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي PageV01P156 # أن قد أكرمك الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " [وما يدريك] 1 أن ~~الله قد أكرمه؟ ". قالت: لا والله، لا أدري. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ms071 "أما هو فقد أتاه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير. والله ما أدري ~~وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم". قالت: فوالله لا أزكي بعده أحدا أبدا. ~~قالت: ثم رأيت لعثمان [رضي الله عنه] 2 بعد في النوم عينا تجري، فقصصتها ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ذاك عمله"3. # وأما من لم يكن مقرا بالأنبياء، فهذا لا يعرف الولي من غيره؛ إذ الولي لا ~~يكون وليا إلا إذا آمن بالرسل. # لكن قد [تدل] 4 الخوارق على أن هؤلاء على الحق، دون هؤلاء؛ لكونهم من ~~أتباع الأنبياء؛ كما قد [يتنازع] 5 المسلمون والكفار في الدين؛ فيؤيد الله ~~المؤمنين بخوارق تدل على صحة دينهم؛ كما صارت النار على أبي مسلم6 بردا ~~وسلاما؛ وكما شرب خالد السم7، وأمثال ذلك. فهذه الخوارق هي من جنس آيات ~~الأنبياء. # كل ما كان الإنسان أقرب إلى الإسلام فهو أقوى خوارق # وقد يجتمع كفار، ومسلمون، ومبتدعة، وفجار؛ فيؤيد هؤلاء بخوارق تعينهم ~~عليها الجن و [الشياطين] 8، ولكن جنهم وشياطينهم أقرب إلى PageV01P157 # الإسلام؛ فيترجحون بها على أولئك الكفار عند من لا يعرف النبوات؛ كما ~~يجري لكثير من المبتدعة، والفجار، مع الكفار؛ مثل ما يجري للأحمدية1، ~~وغيرهم، مع عباد المشركين البخشية2 قدام التتار3، كانت خوارق هؤلاء أقوى ~~لكونهم كانوا أقرب إلى الإسلام4. PageV01P158 # كلام الغزالي ينفع الفلسفي ويضر المسلم # وعند من هو أحق بالإسلام منهم لا تظهر خوارقهم، بل تظهر خوارق من هو أتم ~~إيمانا منهم. وهذا يشبه رد أهل البدع على الكفار بما فيه بدعة؛ فإنهم وإن ~~ضلوا من هذا الوجه، فهم خير من أولئك الكفار، لكن من أراد أن يسلك إلى الله ~~على ما جاء به الرسول يضره هؤلاء، ومن كان [حائرا] 1 نفعه هؤلاء. بل كلام ~~أبي حامد2 ينفع المتفلسف ويصير أحسن؛ فإن المتفلسف يسلم به إسلام الفلاسفة، ~~والمؤمن يصير به إيمانه مثل إيمان الفلاسفة. وهذا [أردأ] 3 من هذا، بخلاف ~~ذاك. PageV01P159 # أنواع الخوارق # والخوارق ثلاثة أنواع1: # إما أن [تعين] 2 صاحبها على البر والتقوى؛ ms072 فهذه أحوال نبينا ومن اتبعه؛ ~~خوارقهم لحجة في الدين، أو حاجة للمسلمين. # والثاني: أن تعينهم على مباحات؛ كمن [يعينه] 3 الجن على قضاء حوائجه ~~المباحة؛ فهذا متوسط، وخوارقه لا ترفعه ولا تخفضه. وهذا يشبه تسخير الجن ~~لسليمان [عليه السلام] 4. والأول مثل إرسال نبينا إلى الجن يدعوهم إلى ~~الإيمان؛ فهذا أكمل من استخدام الجن في بعض الأمور المباحة؛ كاستخدام ~~سليمان [عليه السلام] 5 لهم في محاريب، وتماثيل، وجفان [كالجواب] 6 وقدور ~~راسيات، [اعملوا آل داود شكرا] 7؛ قال تعالى: {يعملون له ما يشاء من محاريب ~~وتماثيل وجفان [كالجواب] 8 وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من ~~عبادي الشكور} 9، وقال تعالى: {ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير} ~~10. # ونبينا أرسل إليهم يدعوهم إلى الإيمان بالله وعبادته؛ كما أرسل إلى ~~الإنس. فإذا اتبعوه، صاروا سعداء. فهذا أكمل له ولهم من ذاك. PageV01P160 # العبد الرسول أكمل من الملك الرسول # كما أن العبد الرسول أكمل من النبي الملك1. ويوسف، وداود، وسليمان [عليهم ~~السلام] 2 أنبياء ملوك. وأما محمد [صلى الله عليه وسلم] 3 فهو عبد رسول؛ ~~كإبراهيم، وموسى، والمسيح [عليهم السلام] 4. وهذا الصنف أفضل، وأتباعهم ~~أفضل. PageV01P161 # أهل البدع أحوالهم من إعانة الشياطين # والثالث: أن تعينه على محرمات؛ مثل الفواحش، والظلم، والشرك، والقول ~~الباطل؛ فهذا من جنس خوارق السحرة، والكهان، والكفار، والفجار؛ مثل أهل ~~البدع من الرفاعية1، وغيرهم؛ فإنهم يستعينون بها على الشرك، وقتل النفوس ~~بغير حق، والفواحش. وهذه الثلاثة هي التي حرمها الله في قوله: {والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} 2. # ولهذا كانت طريقهم من جنس طريق الكهان، والشعراء، والمجانين - وقد نزه ~~الله نبيه عن أن يكون مجنونا، وشاعرا، وكاهنا3 - فإن إخبارهم4 بالمغيبات عن ~~شياطين تنزل عليهم كالكهان، وأقوى أحوالهم لمؤلهيهم. وهم من جنس المجانين، ~~وقد قال شيخهم: إن أصحاب الأحوال منهم يموتون على غير الإسلام. وأما ~~سماعهم، ووجدهم فهو شعر الشعراء، ولهذا شبههم من رآهم بعباد المشركين؛ ms073 من ~~الهند الذين يعبدون الأنداد. PageV01P162 ### | فصل كل ما يدل علىالنبوة آية وبرهان عليها # وحقيقة الأمر أن ما يدل على النبوة هو آية على النبوة، وبرهان عليها. فلا ~~بد أن يكون مختصا بها، لا يكون [مشتركا] 1 بين الأنبياء وغيرهم؛ فإن الدليل ~~هو مستلزم لمدلوله، لا يجب أن يكون أعم وجودا منه، بل إما أن يكون مساويا ~~له في العموم والخصوص، أو يكون أخص منه. وحينئذ فآية النبي لا تكون لغير ~~الأنبياء. لكن إذا كانت معتادة لكل نبي، أو لكثير من الأنبياء، لم يقدح هذا ~~فيها، فلا يضرها أن تكون معتادة للأنبياء. # وصف الآية بأنها خارقة أو غير خارقة وصف لا ينضبط # وكون الآية خارقة للعادة، أو غير خارقة: هو وصف لم يصفه القرآن، والحديث، ~~ولا السلف. # وقد بينا في غير هذا الموضع أن هذا وصف لا ينضبط2، وهو عديم التأثير؛ فإن ~~نفس النبوة معتادة للأنبياء، خارقة للعادة بالنسبة إلى غيرهم. # إن كون الشخص يخبره الله بالغيب خبرا معصوما هذا مختص بهم، وليس هو ~~موجودا لغيرهم، فضلا عن كونه معتادا. PageV01P163 # معنى الخارق للعادة # فآية النبي لا بد أن تكون خارقة للعادة؛ بمعنى أنها ليست معتادة ~~للآدميين؛ وذلك لأنها حينئذ لا تكون مختصة بالنبي بل مشتركة. # وبهذا احتجوا على أنه لا بد أن تكون خارقة للعادة. لكن ليس في هذا ما يدل ~~على أن كل خارق آية؛ فالكهانة1، والسحر2 هو معتاد للسحرة والكهان، وهو خارق ~~بالنسبة إلى غيرهم؛ كما أن ما يعرفه أهل الطب، والنجوم3، PageV01P164 # والفقه، والنحو هو معتاد لنظرائهم، وهو خارق بالنسبة إلى غيرهم. # الكسوف يعرف بالحساب # ولهذا إذا أخبر الحاسب1 بوقت الكسوف والخسوف2، تعجب الناس؛ [إذ] 3 كانوا ~~لا يعرفون طريقه؛ فليس في هذا ما يختص بالنبي. وكذلك [قراءة] 4 القرآن بعد ~~أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم صارت مشتركة بين النبي وغيره. وأما نفس ~~الابتداء به فهو المختص بالنبي. PageV01P165 # المعجزة تكون من الابتداء مختصة بالنبي # وكذلك ما يرويه من أنباء الغيب عن الأنبياء لما صار مشتركا بين النبي ms074 ~~وغيره، لم يبق [آية] 1، بخلاف الابتداء به. # معنى الكهانة # فالكهانة مثلا: وهو الإخبار ببعض الغائبات عن الجن: أمر معروف عند الناس. ~~وأرض العرب كانت مملوءة من الكهان، وإنما ذهب ذلك بنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم 2. وهم يكثرون في كل موضع نقص فيه أمر النبوة؛ فهم كثيرون في أرض عباد ~~الأصنام، ويوجدون كثيرا عند النصارى، ويوجدون كثيرا في بلاد المسلمين؛ حيث ~~نقص العلم والإيمان بما جاء به الرسول3؛ PageV01P166 # لأن هؤلاء أعداء الأنبياء، والله تعالى قد ذكر الفرق بينهم وبين ~~الأنبياء؛ فقال: {هل أنبئكم على من تنزل [الشياطين] 1 [تنزل] 2 على كل أفاك ~~أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} 3. # فهؤلاء لا بد أن يكون في أحدهم كذب وفجور، وذلك يناقض النبوة. فمن ادعى ~~النبوة، وأخبر بغيوب من جنس أخبار الكهان، كان ما أخبر به خرقا للعادة عند ~~أولئك القوم، لكن ليس خرقا لعادة جنسه من الكهان. # خوارق بعض المتنبئين # وهم إذا جعلوا ذلك آية لنبوته، كان ذلك لجهلهم [بوجود] 4 هذا الجنس لغير ~~الأنبياء؛ كالذين صدقوا مسيلمة الكذاب5، والأسود PageV01P167 # العنسي1، والحارث الدمشقي2، وبابا الرومي3، وغير هؤلاء من PageV01P168 # المتنبئين الكذابين1. وكان هؤلاء [يأتون] 2 بأمور عجيبة خارقة لعادة ~~أولئك القوم، لكن ليست خارقة لعادة جنسهم ممن ليس [بنبي] 3. فمن صدقهم ظن ~~أن هذا مختص بالأنبياء , وكان من جهله بوجود هذا لغير الأنبياء، كما أنهم ~~كانوا يأتون بأمور [تناقض] 4 النبوة5. # آيات الأنبياء لا يعارضها من ليس بنبي # ولهذا يجب في آيات الأنبياء أن لا يعارضها من ليس بنبي، فكل ما عارضها ~~[صادرا م] 6 من ليس من جنس الأنبياء، فليس من آياتهم. # ولهذا طلب فرعون أن يعارض ما جاء به موسى لما ادعى أنه ساحر7؛ فجمع ~~السحرة ليفعلوا مثل ما يفعل موسى، فلا [تبقى] 8 حجته مختصة PageV01P169 # بالنبوة. وأمر? [م موسى] 1 أن يأتوا أولا بخوارقهم، فلما أتت، وابتلعتها ~~العصا التي صارت حية، علم السحرة أن هذا ليس من جنس مقدورهم، فآمنوا إيمانا ~~جازما. # ولما قال لهم فرعون: {ولأصلبنكم في جذوع النخل ms075 ولتعلمن أينا أشد عذابا ~~وأبقى ? قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا} 2. وقالوا: ~~{آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} 3. # فكان من تمام علمهم بالسحر: أن السحر معتاد لأمثالهم، وأن هذا ليس من هذا ~~الجنس، بل هذا مختص بمثل هذا؛ فدل على صدق دعواه. # وفرعون وقومه [بين] 4 معاند وجاهل استخفه فرعون؛ كما قال تعالى: {فاستخف ~~قومه فأطاعوه} 5. # نقد شيخ الإسلام لبعض من عرف المعجزة # فإذا قيل لهم: المعجزة هي الفعل الخارق للعادة، أو قيل: هي الفعل الخارق ~~للعادة المقرون بالتحدي، أو قيل مع ذلك الخارق للعادة: السليم عن المعارضة؛ ~~فكونه خارقا للعادة ليس أمرا مضبوطا. # فإنه إن أريد به أنه لم يوجد له نظير في العالم، فهذا باطل؛ فإن آيات ~~الأنبياء بعضها نظير بعض، بل النوع الواحد منه؛ كإحياء الموتى: هو آية لغير ~~واحد من الأنبياء. # وإن [قيل] 6: إن بعض الأنبياء كانت آيته لا نظير لها؛ كالقرآن، ~~PageV01P170 # والعصا، والناقة، لم يلزم ذلك في سائر الآيات1. # ثم هب أنه لا نظير لها في نوعها، لكن وجد خوارق العادات للأنبياء غير ~~هذا، فنفس خوارق العادات معتاد [جنسه] 2 للأنبياء، بل هو من لوازم نبوتهم، ~~مع كون الأنبياء كثيرين؛ وقد روي أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي3 وما ~~يأتي به كل واحد من هؤلاء، لا يكون معدوم النظير في العالم، [بل ربما كثر ~~نظيره] 4. PageV01P171 # الكلام عن معنى خرق العادة # [وإن عني بكون] 1 المعجزة هي الخارق للعادة: أنها خارقة لعادة أولئك ~~المخاطبين بالنبوة؛ بحيث ليس فيهم من يقدر على ذلك، فهذا ليس بحجة؛ فإن ~~أكثر الناس لا يقدرون على الكهانة، والسحر، ونحو ذلك. # وقد يكون المخاطبون بالنبوة ليس فيهم هؤلاء؛ كما كان أتباع مسيلمة2، ~~والعنسي3، وأمثالهما؛ لا يقدرون على ما يقدر عليه هؤلاء. # والمبرز في فن من الفنون يقدر على ما لا يقدر عليه أحد في زمنه، وليس هذا ~~دليلا على النبوة؛ فكتاب سيبويه4 مثلا مما لا يقدر على مثله عامة الخلق، ~~وليس بمعجز؛ إذ كان ليس مختصا بالأنبياء، ms076 بل هو موجود لغيرهم. وكذلك طب ~~أبقراط5. # بل وعلم العالم الكبير من علماء المسلمين خارج عن عادة الناس، وليس هو ~~دليلا على نبوته. PageV01P172 # وأيضا: فكون الشيء معتادا هو مأخوذ من العود. وهذا يختلف بحسب الأمور؛ ~~فالحائض المعتادة: من الفقهاء من يقول: [تثبت] 1 عادتها بمرة، ومنهم من ~~يقول: بمرتين، ومنهم من يقول: لا [تثبت] 2 إلا بثلاث3. # وأهل كل بلد لهم عادات في طعامهم، ولباسهم، وأبنيتهم، لم يعتدها غيرهم. ~~فما خرج عن ذلك فهو خارق لعادتهم، لا لعادة من اعتاده [غيرهم] 4. # فلهذا لم يكن في كلام الله، ورسوله، وسلف الأمة، وأئمتها وصف آيات ~~الأنبياء بمجرد كونها خارقة للعادة، [ولا يجوز أن يجعل مجرد خرق العادة هو ~~الدليل؛ فإن هذا لا ضابط له، وهو مشترك بين الأنبياء وغيرهم. ولكن إذا قيل: ~~من شرطها أن تكون خارقة للعادة] 5؛ بمعنى أنها لا تكون معتادة للناس فهذا ~~ظاهر يعرفه كل أحد. # القول بأن المعجزة هي الخارقة للعادة ليس كافيا لوجهين # ويعرفون أن الأمر المعتاد؛ مثل الأكل، والشرب، والركوب، والسفر، وطلوع ~~الشمس، وغروبها، ونزول المطر في وقته، وظهور الثمرة في وقتها، ليس دليلا، ~~ولا يدعي أحد أن مثل هذا دليل له؛ فإن فساد هذا ظاهر لكل أحد. # ولكن ليس مجرد كونه خارقا للعادة كافيا لوجهين: # أحدهما: أن كون الشيء معتادا وغير معتاد أمر نسبي إضافي، ليس بوصف مضبوط ~~تتميز به الآية، بل يعتاد هؤلاء ما لم يعتد هؤلاء؛ مثل كونه مألوفا، ~~ومجربا، ومعروفا، ونحو ذلك من الصفات الإضافية. PageV01P173 # الثاني: أن مجرد ذلك مشترك بين الأنبياء وغيرهم. وإذا خص ذلك بعدم ~~المعارضة، فقد يأتي الرجل بما لا يقدر الحاضرون على معارضته، ويكون معتادا ~~لغيرهم كالكهانة، والسحر. وقد يأتي بما لا يمكن معارضته، وليس بآية لشيء؛ ~~لكونه لم يختص بالأنبياء. # وقد يقال في طب [بقراط] 1 ونحو سيبويه2 أنه لا نظير له، بل لا بد أن ~~يقال: إنه مختص بالأنبياء، والطب، والنحو، والفقه. # وإن أتى الواحد بما لا يقدر غيره على نظيره، فليس مختصا بالأنبياء، بل ~~معروف ms077 أن هذا تعلم بعضه من غيره، واستخرج سائره بنظره. # وإذا خص الله طبيبا، أو نحويا، أو فقيها بما ميزه به على نظرائه، لم يكن ~~ذلك دليلا على نبوته، وإن كان خارقا للعادة؛ فإن ما يقوله الواحد من هؤلاء ~~قد علمه بسماع، أو تجربة، أو قياس. # وهي طرق [معروفة] 3 لغير الأنبياء. # والنبي قد علمه الله من الغيب الذي عصمه فيه عن الخطأ ما لم يعلمه إلا ~~نبي مثله. # الآية لا تعرف أنها مختصة بالنبي حتى يعرف جنس النبوة # فإن قيل: فحينئذ لا يعرف أن الآية مختصة بالنبي، حتى [تعرف] 4 النبوة. ~~[قيل] 5: أما بعد وجود الأنبياء في العالم، فهكذا هو. # ولهذا يبين الله عز وجل نبوة محمد في غير موضع باعتبارها بنبوة من ~~PageV01P174 # قبله. [و] 1 تارة يبين أنه لم يرسل ملائكة، بل رجالا من أهل القرى، ليبين ~~أن هذا معتاد معروف، ليس هو أمرا لم تجر به عادة الرب؛ كقوله تعالى: {وما ~~أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} 2؛ ~~كما ذكره في سورة النحل3 والأنبياء4. وقال في يوسف: {وما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون} 5. # فإن الكفار كانوا يقولون: إنما يرسل الله ملكا، أو يرسل مع البشر ملكا؛ ~~كما قال فرعون {أم أنا [خير] 6 من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ~~ألقي عليه [أسورة] 7 من ذهب أو جاء معه الملائكة [مقترنين] 8} 9. # وقال قوم نوح: {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله ~~لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} 10. # وقال مشركو العرب لمحمد: {ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي PageV01P175 # في الأسواق لولا أنزل [إليه] 1 ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو ~~تكون له جنة يأكل منها} 2. # وقال تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا ms078 أبعث ~~الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا} 3. # الآيات الدالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم تقدم له نظراء وقد بشروا ~~به # وقال تعالى: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم ~~لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون} 4؛ بين ~~أنهم لا يطيقون الأخذ عن الملائكة إن لم يأتوا في صورة البشر، ولو جاءوا في ~~صورة البشر لحصل اللبس. # وقال تعالى: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} 5، ~~وكانت العرب لا عهد لها بالنبوة من زمن إسماعيل، فقال الله لهم: {فاسألوا ~~أهل الذكر } 6؛ يعني أهل الكتاب، {إن كنتم لا تعلمون} 7: هل أرسل إليهم ~~رجالا أو ملائكة، ولهذا قال له: {قل ما كنت بدعا من الرسل} 8، وقال: {وما ~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} 9؛ بين أن هذا الجنس من الناس معروف، ~~قد تقدم له نظراء وأمثال. PageV01P176 # وهو سبحانه أمر أن يسأل أهل الكتاب، وأهل الذكر عما عندهم من العلم ~~[بأمور] 1 الأنبياء؛ هل هو من جنس ما جاء به محمد، أو هو مخالف له؛ ليتبين ~~بأخبار أهل الكتاب المتواترة جنس ما جاءت به الأنبياء، وحينئذ فيعرف قطعا ~~أن محمدا نبي، بل هو أحق بالنبوة من غيره. # والثاني: أن يسألوهم عن خصوص محمد، وذكره عندهم. وهذا يعرفه الخاصة منهم، ~~ليس هو معروفا كالأول يعرفه كل كتابي؛ قال تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند ~~الله وكفرتم به [وشهد] 2 شاهد من بني إسرائيل على مثله} 3. # تفسير قوله تعالى: {وشهد شاهد من بني إسرائيل} # وقوله: {شهد شاهد} : ليس المقصود شاهدا واحدا معينا، بل ولا [يحتمل] 4 ~~كونه واحدا. وقول من قال: [إنه] 5 عبد الله بن سلام6 ليس بشيء7؛ فإن هذه ~~نزلت بمكة قبل أن يعرف ابن سلام8، ولكن المقصود PageV01P177 # جنس الشاهد1؛ كما [تقول] 2 قام الدليل. وهو الشاهد الذي يجب تصديقه سواء ~~كان واحدا قد يقترن بخبره ما ms079 يدل على صدقه، أو كان عددا يحصل بخبرهم العلم ~~[بما] 3 تقول؛ فإن [خبرك] 4 بهذا صادق. وقوله: {على مثله} : فإن الشاهد من ~~بني إسرائيل على [مثل] 5 القرآن؛ وهو أن الله بعث بشرا، وأنزل عليه كتابا ~~أمر فيه بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهى فيه عن عبادة ما سواه، وأخبر ~~فيه أنه خلق هذا العالم وحده، وأمثال ذلك. # المشركون ليس معهم دليل سمعي ولا عقلي # وقد ذكر في أول هذه السورة6 التوحيد، وبين أن المشركين ليس معهم على ~~الشرك لا دليل عقلي، ولا سمعي؛ فقال تعالى: { [ما خلقنا] 7 السموات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون قل أرأيتم ~~ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ~~ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ومن أضل ممن يدعو ~~من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا ~~حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين أم يقولون افتراه قل إن ~~افتريته فلا تملكون لي من PageV01P178 # الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور ~~الرحيم قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ~~وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} إلى آخره1. # ومثل ذلك قوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا ~~بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} 2؛ فمن عنده علم الكتاب3 شهد بما في ~~الكتاب الأول4، وهو يوجب تصديق الرسول لأنه يشهد بالمثل5، ويشهد أيضا ~~بالعين6. و [كل] 7 من الشهادتين كافية، فمتى ثبت الجنس8، علم قطعا أن ~~المعين منه. PageV01P179 # وقال تعالى: {فإن كنت في شك مما ms080 أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من ~~قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا ~~بآيات الله فتكون من الخاسرين} 1. وهذا سواء كان خطابا [للرسول] 2 والمراد ~~به غيره، أو خطابا له وهو لغيره بطريق الأولى. [والتقدير] 3 قد يكون معدوما ~~أو ممتنعا4، وهو بحرف (إن) ؛ كقوله: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول ~~العابدين} 5، و {إن كنت قلته فقد علمته} 6؛ والمقصود بيان الحكم على هذا ~~التقدير: إن كنت قلته فأنت عالم به وبما في نفسي، وإن كان له ولد فأنا ~~عابده، وإن كنت شاكا فاسأل إن قدر إمكان ذلك؛ فسؤال الذين يقرءون الكتاب ~~قبله إذا أخبروا، فما عندهم شاهد له، ودليل، وحجة. ولهذا نهى بعد ذلك عن ~~الامتراء7 والتكذيب. PageV01P180 # الآيات التي بتقدير الممتنع بحرف إن كثيرة # وأما تقدير الممتنع بحرف (إن) فكثير، ومن ذلك قوله: {فإن استطعت أن تبتغي ~~نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية} 1، {فإن كان لكم كيد ~~فكيدون} 2، {أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله ~~مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} 3، {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من ~~كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} 4، {فأتوا ~~بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} 5، وقد قال ~~تعالى: {أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} 6، وقال تعالى: ~~{والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} 7، وقال تعالى: {إن ~~الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون ~~سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} 8، وقال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب ~~من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا ~~كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} 9. وهذا كله في ~~السور المكية، والمقصود الجنس. فإذا شهد جنس هؤلاء مع العلم بصدقهم حصل ~~المطلوب. PageV01P181 # شهادة الرسل بنبينا محمد صلى الله عليه ms081 وسلم # لا يقف العلم على شهادة كل واحد واحد؛ فإن هذا متعذر. ومن أنكر، أو قال: ~~لا أعلم، لم يضر إنكاره. وإن قال: بل أعلم عدم ما شهدوا به، علم افتراؤه في ~~الجنس، وعلم في الشخص [إذ] 1 كان لم يحط علما بجميع نسخ الكتب المتقدمة، ~~وما في النبوات كلها، فلا سبيل لأحد من أهل الكتاب أن يعلم انتفاء ذكر محمد ~~في كل نسخة، بكل كتاب من كتب الأنبياء؛ إذ العلم بذلك متعذر. ثم هذه النسخ ~~الموجودة فيها ذكره في مواضع كثيرة، قد ذكر قطعة منها في غير هذا الموضع2. # أعظم شرك المشركين دعوى الشريك لله والولد # وما ينبغي أن يعلم أن أعظم ما كان عليه المشركون قبل محمد، وفي مبعثه: هو ~~دعوى الشريك لله، والولد. والقرآن مملوء من تنزيه الله عن هذين، وتنزيهه عن ~~المثل والولد يجمع كل التنزيه. # فهذا في سورة الإخلاص، وفي سورة الأنعام في مثل قوله: {وجعلوا لله شركاء ~~الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون} 3، ~~وفي سورة [سبحان] 4: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك} 5، وفي سورة الكهف في أولها: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} 6، ~~وفي آخرها: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي PageV01P182 # من دوني أولياء ... [ولا يشرك بعبادة ربه أحدا] 1} 2، وفي مريم تنزيهه عن ~~الولد في أول السورة3، وآخرها4 ظاهر. وعن الشريك: في مثل قصة إبراهيم5، وفي ~~تنزيل6، وغير ذلك. وفي الأنبياء تنزيهه عن الشريك والولد، وكذلك في ~~المؤمنين: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله} 7، وأول الفرقان: ~~{الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك} 8. ~~وأما طه، والشعراء مما بسط فيه قصة موسى. # فالمقصود الأعظم بقصة موسى إثبات الصانع9، ورسالته؛ إذ كان فرعون منكرا. ~~ولهذا عظم ذكرها في القرآن، بخلاف قصة غيره؛ فإن فيها الرد على المشركين ~~المقرين بالصانع، ومن جعل له ولدا من المشركين، وأهل الكتاب10. PageV01P183 # مذهب الفلاسفة الملحدين # ومذهب الفلاسفة ms082 الملحدة1 دائر بين التعطيل، وبين الشرك والولادة؛ كما ~~يقولونه في الإيجاب الذاتي2؛ فإنه أحد أنواع الولادة. وهم ينكرون معاد ~~الأبدان. # وقد قرن بين هذا وهذا3 في الكتاب والسنة في مثل قوله: {ويقول الإنسان ~~أإذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك ~~شيئا} 4، إلى قوله: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} 5. وهذه في سورة مريم ~~PageV01P184 # المتضمنة خطاب النصارى، ومشركي العرب؛ لأن الفلاسفة داخلون فيهم؛ فإن ~~اليونان اختلطوا بالروم، فكان فيها خطاب هؤلاء وهؤلاء. # وفي الصحيحين: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله ~~تعالى: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك. ~~فأما شتمه إياي: فقوله: إني اتخذت ولدا. وأنا الأحد، الصمد، لم ألد، ولم ~~أولد، ولم يكن لي كفوا أحد. وأما تكذيبه إياي: فقوله: لن يعيدني كما بدأني. ~~وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته" رواه البخاري عن ابن عباس1. # ولما كان الشرك أكثر في بني آدم من القول بأن له ولدا، كان تنزيهه عنه ~~أكثر. وكلاهما يقتضي إثبات: (مثل) ، و (ند) من بعض الوجوه؛ فإن الولد من ~~جنس الوالد، ونظير له، وكلاهما يستلزم الحاجة والفقر، فيمتنع وجود قادر ~~بنفسه. # فالذي جعل شريكا، لو فرض مكافئا، لزم افتقار كل منهما. وهو ممتنع. وإن ~~كان غير مكافئ، فهو مقهور. # الولد يتخذه المتخذ للحاجة # والولد يتخذه المتخذ لحاجته إلى معاونته له؛ كما يتخذ المال؛ فإن الولد ~~إذا اشتد أعان والده. # قال تعالى: {قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما ~~في الأرض} 2، وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد PageV01P185 # جئتم شيئا إدا} 1، إلى قوله: {إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن ~~عبدا} 2، وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات ~~والأرض كل له قانتون} 3. # فإن كون المخلوق مملوكا لخالقه، وهو مفتقر إليه من كل وجه، والخالق غني ~~عنه يناقض اتخاذ الولد؛ [لأنه] 4 إنما يكون لحاجته إليه ms083 في حياته، أو ~~ليخلفه بعد موته. والرب غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وهو ~~الحي الذي لا يموت. # والوالد في نفسه [مفتقر] 5 إلى ولد مخلوق، لا حيلة له فيه، بخلاف من ~~يشتري المملوك فإنه باختياره ملكه، ويمكنه إزالة ملكه؛ فتعلقه به من جنس ~~تعلقه بالأجانب. والولادة بغير اختيار الوالد. والرب يمتنع أن يحدث شيء ~~بغير اختياره. # واتخاذ الولد هو عوض عن الولادة لمن لم يحصل له، فهو أنقص في الولادة. # ولهذا من قال بالإيجاب الذاتي بغير مشيئته وقدرته، فقوله من جنس قول ~~القائلين بالولادة الحاصلة بغير الاختيار، بل قولهم شر من قول النصارى ~~ومشركي العرب من بعض الوجوه؛ كما قد بسط الكلام على هذا PageV01P186 # في تفسير {قل هو الله أحد} 1، وغيره2. # جنس النبوة معروف عند الناس # والمقصود: أن الله قال لمحمد: {قل ما كنت بدعا من الرسل} 3، وقال: {وما ~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} 4؛ فبين أن هذا الجنس من الناس معروف، ~~قد تقدم له نظراء، وأمثال؛ فهو معتاد في الآدميين، وإن كان قليلا [في ~~الآدميين] 5. # آيات الأنبياء مختصة بهم وكرامات أتباعهم آيات لهم # وأما من جاءهم رسول [لا] 6 يعرفون قبله رسولا؛ كقوم نوح، فهذا بمنزلة ما ~~يبتديه الله من الأمور، وحينئذ فهو يأتي بما يختص به، مما يعرفون أن الله ~~صدقه في إرساله. فهذا يدل على النوع والشخص، وإن كانت آيات غيره تدل على ~~الشخص؛ إذ النوع قد عرف قبل هذا. # [والمقصود] 7 أن آيته وبرهانه لا بد أن يكون مختصا بهذا النوع، لا يجب أن ~~يختص بواحد من النوع، ولا يجوز أن يوجد لغير النوع. PageV01P187 # وقد قلنا1 أن ما يأتي به أتباع الأنبياء من ذلك هو مختص بالنوع، [فإنا ~~نقول] 2 هذا لا يكون إلا لمن اتبع الأنبياء فصار مختصا بهم. وأما ما يوجد ~~لغير الأنبياء وأتباعهم، فهذا هو الذي لا يدل على النبوة؛ [كخوارق] 3 ~~السحرة، والكهان. # من طعن بالأنبياء وصفهم بالسحر والجنون والشعر # وقد عرف الناس أن السحرة ms084 لهم خوارق، ولهذا كانوا إذا طعنوا في نبوة النبي ~~واعتقدوا علمه، قالوا هو ساحر؛ كما قال فرعون لموسى: {إن هذا لساحر عليم ~~يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون} 4، وقال للسحرة لما آمنوا: ~~{إنه لكبيركم الذيعلمكم السحر} 5، و {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ~~لتخرجوا منها أهلها} 6؛ [و] 7 كل هذا من كذب فرعون، وكانوا يقولون: {يا ~~أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون} 8. # وكذلك المسيح؛ قال تعالى: {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني ~~رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من [بعدي] ~~9 اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} 10. PageV01P188 # وقال تعالى عن كفار العرب: {و [إن] 1 يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} ~~2. # وإن نسبوه إلى عدم العلم، قالوا: مجنون؛ كما قالوا عن نوح: {مجنون ~~وازدجر} 3، وقالوا عن موسى: {قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} 4، ~~وقال عن مشركي العرب: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا ~~الذكر ويقولون إنه لمجنون} 5. # وقد قال تعالى: { [كذلك] 6 ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر ~~أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون} 7. # فالسحر أمر معتاد في بني آدم، كما أن النبوة معتادة فيهم. كما أن العقلاء ~~معتادون في بني آدم، والمجانين معتادون فيهم. # فإذا قالوا عن الشخص: إنه مجنون؛ فإنه يعلم هل هو من العقلاء أو من ~~المجانين بنفس ما يقوله ويفعله. وكذلك يعرف هل هو من جنس الأنبياء، أو من ~~جنس السحرة. # وكذلك لما قالوا عن محمد: إنه شاعر8؛ فإن الشعراء جنس PageV01P189 # معروفون في الناس، وقالوا: إنه كاهن1. # شبهة من قال: القرآن شعر # وشبهة الشعر أن القرآن كلام موزون2، والشعر موزون. # وشبهة الكهانة أن الكاهن يخبر ببعض الأمور الغائبة؛ فذكر الله تعالى ~~الفرق بين هذين، وبين النبي، فقال: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل ~~على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} 3، ثم قال: {والشعراء يتبعهم ~~الغاوون ألم تر ms085 أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا PageV01P190 # يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا} 1، {وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} 2، وقال تعالى: {وما ~~هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون لا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب ~~العالمين} 3. # ولهذا لما عرض الكفار على كبيرهم [الوحيد] 4 أن يقولوا للناس: هو شاعر، ~~ومجنون، وساحر، وكاهن، صار يبين لهم أن هذه أقوال فاسدة، وأن الفرق معروف ~~بينه، وبين هذه الأجناس. # فالمقصود أن هذه الأجناس كلها موجودة في الناس، معتادة، معروفة. وكل واحد ~~منها يعرف بخواصه المستلزمة له، وتلك الخواص آيات له، مستلزمة له. فكذلك ~~النبوة لها خواص مستلزمة لها، تعرف بها، PageV01P191 # وتلك الخواص خارقة لعادة غير الأنبياء، وإن كانت معتادة للأنبياء، فهي لا ~~توجد لغيرهم. فهذا هذا1. والله أعلم. # مدعي النبوة يستعين بالشياطين # فإذا أتى مدعي النبوة بالأمر الخارق للعادة الذي لا يكون إلا لنبي، لا ~~يحصل مثله لساحر، ولا كاهن، ولا غيرهما، كان دليلا على نبوته. وكل من ~~الساحر، والكاهن يستعين بالشياطين؛ فإن الكهان [تنزل] 2 عليهم الشياطين ~~تخبرهم؛ والسحرة تعلمهم الشياطين؛ قال تعالى: {واتبعوا ما تتلو الشياطين ~~على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما ~~أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى [يقولا] 3 إنما ~~نحن فتنة فلا تكفر} 4. # والساحر لا يتجاوز سحره الأمور المقدورة للشياطين؛ كما تقدم بيانه5. # الساحر ومقدرته ومقصده # والساحر كما قال تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} 6،وقال تعالى: {ولقد ~~علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} 7؛ فهم يعلمون أن السحر لا ينفع ~~في الآخرة، ولا يقرب إلى الله، وأن من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق؛ فإن ~~مبناه على الشرك، والكذب، والظلم، مقصود صاحبه الظلم، والفواحش. ~~PageV01P192 # الفرق بين النبي والساحر # وهذا مما يعلم بصريح العقل أنه من السيئات؛ فالنبي لا يأمر به، [ولا ~~يعمله] 1، [وإنما] 2 يستعين على ذلك [صاحبه] 3 بالشرك ms086 والكذب. وقد علم ~~بصريح العقل، مع ما تواتر عن الأنبياء أنهم حرموا الشرك. فمتى كان الرجل ~~يأمر بالشرك، وعبادة غير الله، أو يستعين على مطالبه بهذا، وبالكذب، ~~والفواحش، والظلم، علم قطعا أنه من جنس السحرة، لا من جنس الأنبياء. # وخوارق هذا يمكن معارضتها وإبطالها من بني جنسه، وغير بني جنسه. وخوارق ~~الأنبياء لا يمكن غيرهم أن يعارضها، ولا يمكن أحدا إبطالها، لا من جنسهم، ~~ولا من غير جنسهم؛ فإن الأنبياء [يصدق] 4 بعضهم بعضا، فلا يتصور أن نبيا ~~يبطل معجزة آخر. وإن أتى بنظيرها، فهو يصدقه. # ومعجزة كل منهما آية له، وللآخر5 أيضا؛ كما أن معجزات أتباعهم6 آيات لهم، ~~بخلاف خوارق السحرة؛ فإنها إنما تدل على أن صاحبها ساحر يؤثر آثارا غريبة ~~مما هو فساد في العالم، ويسر بما يفعله من الشرك، والكذب، والظلم، ويستعين ~~على ذلك بالشياطين، فمقصوده الظلم، والفساد، والنبي مقصوده العدل، والصلاح. ~~وهذا يستعين بالشياطين، وهذا بالملائكة. وهذا يأمر بالتوحيد لله، وعبادته ~~وحده لا شريك له، وهذا PageV01P193 # إنما يستعين بالشرك، وعبادة غير الله. وهذا يعظم إبليس وجنوده، وهذا يذم ~~إبليس وجنوده. # الإقرار بوجود الملائكة والجن عام وقد أنكرهما الفلاسفة # والإقرار بالملائكة، والجن عام في بني آدم، لم ينكر ذلك إلا شواذ من بعض ~~الأمم1، ولهذا قالت الأمم المكذبة: {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} 2؛ حتى قوم ~~نوح، وعاد، وثمود، وقوم فرعون. قال قوم نوح: {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن ~~يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة} 3، وقال: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم ~~صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم أن لا ~~تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به ~~كافرون} 4. # وفرعون وإن كان مظهرا لجحد الصانع؛ [فإنه ما] 5 قال: {فلولا ألقي عليه ~~[أسورة] 6 من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} 7 إلا وقد سمع بذكر ~~الملائكة؛ إما معترفا بهم، وإما منكرا لهم. PageV01P194 # فذكر الملائكة، والجن عام في الأمم. # وليس في الأمم أمة تنكر ذلك ms087 إنكارا عاما، وإنما يوجد إنكار ذلك في بعضهم؛ ~~مثل من قد [يتفلسف] 1، فينكرهم لعدم العلم لا للعلم بالعدم. # فلا بد في آيات الأنبياء من أن تكون مع كونها خارقة للعادة أمرا غير ~~معتاد لغير الأنبياء، بحيث لا يقدر عليه إلا الله الذي أرسل الأنبياء، ليس ~~مما يقدر عليه غير الأنبياء، لا بحيلة، ولا عزيمة، ولا استعانة بشياطين، ~~ولا غير ذلك. # من خصائص معجزات الأنبياء # ومن خصائص معجزات الأنبياء: أنه لا يمكن معارضتها. فإذا عجز النوع البشري ~~غير الأنبياء عن معارضتها، كان ذلك أعظم دليل على اختصاصها بالأنبياء، ~~بخلاف ما كان موجودا لغيرها. فهذا لا يكون آية البتة. # الفلاسفة لا يعرفون النبوة # فأصل هذا أن يعرف وجود الأنبياء في العالم، وخصائصهم؛ كما يعلم وجود ~~السحرة، وخصائصهم. ولهذا من لم يكن عارفا بالأنبياء من فلاسفة اليونان، ~~والهند، وغيرهم، لم يكن له فيهم كلام يعرف، كما لم يعرف لأرسطو2، وأتباعه ~~فيهم كلام يعرف، بل غاية من أراد أن يتكلم في ذلك؛ PageV01P195 # كالفارابي1، وغيره أن يجعلوا ذلك من جنس المنامات المعتادة. ولما أراد ~~طائفة؛ كأبي حامد2، وغيره أن يقرروا إمكان النبوة على أصلهم، احتجوا بأن ~~مبدأ الطب، ومبدأ النجوم، ونحو ذلك، كان من الأنبياء؛ لكون المعارف ~~المعتادة لا تنهض بذلك. وهذا إنما يدل على اختصاص من أتى بذلك بنوع من ~~العلم. وهذا لا ينكره عاقل. # وعلى هذا بنى ابن سينا أمر النبوة؛ أنها من قوى النفس، وقوى النفوس ~~متفاوتة3. PageV01P196 # وكل هذا كلام من لا يعرف النبوة، بل هو أجنبي عنها، وهو أنقص ممن أراد أن ~~يقرر أن في الدنيا فقهاء، وأطباء، وهو لم يعرف غير الشعراء؛ فاستدل بوجود ~~الشعراء، على وجود الفقهاء، والأطباء. بل هذا المثال أقرب؛ فإن بعد النبوة ~~عن غير الأنبياء أعظم من بعد الفقيه، والطبيب عن الشاعر، ولكن هؤلاء من ~~أجهل الناس بالنبوة، ورأوا ذكر الأنبياء قد شاع، فأرادوا تخريج ذلك على ~~أصول قوم لم يعرفوا الأنبياء. # فإن قيل: موسى، وغيره كانوا موجودين قبل أرسطو؛ فإن أرسطو كان قبل المسيح ~~بنحو ms088 ثلاثمائة سنة1. # وأيضا فقد قال الله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في ~~الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} 2، وقال: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ~~ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} 3؛ فهذا يبين أن كل أمة قد جاءها ~~رسول، فكيف لم يعرف هؤلاء الرسل؟. # جوابان عن عدم معرفة الفلاسفة الأنبياء # قلت: عن هذا جوابان: # أحدهما: أن كثيرا من هؤلاء لم يعرفوا الرسل؛ كما قال: {ومنهم PageV01P197 # من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} 1، ~~فلم تبق أخبار الرسول وأقواله معروفة عندهم. # الثاني: أنه قال تعالى: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم} 2، فإذا كان الشيطان قد زين لهم أعمالهم، ~~كان في هؤلاء من درست أخبار الأنبياء عندهم، فلم يعرفوها. وأرسطو لم يأت ~~إلى أرض الشام، ويقال: إن الذين كانوا قبله كانوا يعرفون الأنبياء، لكن ~~المعرفة المجملة لا تنفع؛ كمعرفة قريش؛ كانوا قد سمعوا بموسى، وعيسى، ~~وإبراهيم سماعا من غير معرفة بأحوالهم. # وأيضا: فهم وأمثالهم المشاؤون3 أدركوا الإسلام وهم من أكفر الناس بما ~~جاءت [به] 4 الرسل. أما أنهم لا يطلبون معرفة أخبارهم، وما سمعوه: حرفوه، ~~أو حملوه على أصولهم. # وكثير من المتفلسفة هم من هؤلاء. فإذا كان هذا حال هؤلاء في ديار ~~الإسلام، فما الظن بمن كان ببلاد5 لا [يعرف] 6 فيها شريعة نبي، بل طريق ~~معرفة الأنبياء كطريق معرفة نوع من الآدميين خصهم [الله] 7 بخصائص، يعرف ~~ذلك من أخبارهم، واستقراء أحوالهم؛ كما يعرف الأطباء، والفقهاء. ~~PageV01P198 # جنس النبوة يثبت بأحوال الأنبياء السابقين # ولهذا إنما يقرر الرب تعالى في القرآن أمر النبوة وإثبات جنسها بما وقع ~~في العالم؛ من قصة نوح وقومه، وهود وقومه، وصالح وقومه، وشعيب، ولوط، ~~وإبراهيم، وموسى، وغيرهم؛ [فيذكر] 1 وجود هؤلاء، وأن قوما صدقوهم، وقوما ~~كذبوهم. ويبين حال من صدقهم، وحال من كذبهم؛ فيعلم بالاضطرار حينئذ ثبوت ~~هؤلاء2، [ويتبين] ms089 3 وجود آثارهم في الأرض. فمن لم يكن رأى في بلده آثارهم، ~~فليسر في الأرض، ولينظر آثارهم، وليسمع أخبارهم المتواترة. يقول الله ~~تعالى: {وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم ~~لوط وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير فكأين ~~من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ~~أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها ~~لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ويستعجلونك بالعذاب ولن ~~يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون وكأين من قرية أمليت ~~لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} 4. # ولهذا قال مؤمن آل فرعون5 لما أراد إنذار قومه: {يا قوم إني أخاف ~~PageV01P199 # عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما ~~الله يريد ظلما للعباد} 1. # ولهذا لما سمع ورقة بن نوفل2، والنجاشي3، وغيرهما القرآن، قال ورقة بن ~~نوفل: هذا هو الناموس4 الذي كان يأتي موسى5. وقال PageV01P200 # النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى [ليخرج] 1 من مشكاة واحدة2. فكان ~~عندهم علم بما جاء به موسى؛ اعتبروا به، ولولا ذلك لم يعلموا هذا. # وكذلك الجن لما سمعت القرآن، ولوا إلى قومهم منذرين، {قالوا يا قومنا إنا ~~سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق ~~مستقيم} 3. # ولما أراد سبحانه تقرير جنس ما جاء به محمد، قال: {إنا أرسلنا إليكم ~~رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولافعصى فرعون الرسول فأخذناه ~~أخذا وبيلا} 4، وقال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله ~~على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ~~[تجعلونه] 5 قراطيس [تبدونها وتخفون] 6 كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ~~آباؤكم قل الله ثم ذرهم في PageV01P201 # خوضهم يلعبون وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم ms090 ~~القرى ومن حولها} 1. # فهو سبحانه يثبت وجود جنس الأنبياء ابتداء؛ كما في السور المكية2 حتى ~~يثبت وجود هذا الجنس، وسعادة من اتبعه، وشقاء من خالفه. # من أقر بجنس الأنبياء يلزمه الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم # ثم [نبوة] 3 عين هذا النبي4 تكون ظاهرة؛ لأن الذي جاء به أكمل مما جاء به ~~جميع الأنبياء. فمن أقر بجنس الأنبياء، كان إقراره بنبوة محمد في غاية ~~الظهور، أبين مما أقر أن في الدنيا نحاة، وأطباء، وفقهاء. فإذا رأى نحو ~~سيبويه، وطب [أبقراط] 5، وفقه الأئمة الأربعة، ونحوهم، كان إقراره بذلك من ~~أبين الأمور. # ولهذا كان من نازع من أهل الكتاب في نبوة محمد إما أن يكون لجهله بما جاء ~~به، وهو الغالب على عامتهم، أو لعناده وهو حال طلاب الرياسة بالدين منهم. # والعرب عرفوا ما جاء به محمد. فلما أقروا بجنس الأنبياء، لم يبق عندهم في ~~محمد شك. PageV01P202 # وجميع ما يذكره الله تعالى في القرآن من قصص الأنبياء، يدل على نبوة محمد ~~بطريق الأولى؛ إذ كانوا من جنس واحد، ونبوته أكمل. فينبغي معرفة هذا، فإنه ~~أصل عظيم1. # ولهذا جميع مشركي العرب آمنوا به، فلم يحتج أحد منهم أن تؤخذ منه جزية. ~~فإنهم لما عرفوا نبوته، وأنه لا بد من متابعته، أو متابعة اليهود والنصارى، ~~عرفوا أن متابعته أولى. # ومن كان من أهل الكتاب: بعضهم آمن به، وبعضهم لم يؤمن جهلا، وعنادا. ~~وهؤلاء كان عندهم كتاب ظنوا استغناءهم به، فلم يستقرئوا أخبار محمد، وما ~~جاء به خالين من [الهوى] 2، بخلاف من لم يكن له كتاب3؛ فإنه نظر في الأمرين ~~نظر خال من الهوى، فعرف فضل ما جاء به محمد على ما جاء به غيره. # ولهذا لا تكاد [توجد] 4 أمة لا كتاب لها يعرض عليها دين المسلمين، ~~واليهود، والنصارى، إلا رجحت دين الإسلام؛ كما يجري لأنواع الأمم التي لا ~~كتاب لها. PageV01P203 # فأهل الكتاب مقرون بالجنس، منازعون في العين1. والمتفلسفة من اليونان ~~والهند منازعون في وجود كمال الجنس، وإن أقروا ببعض صفات الأنبياء، فإنما ms091 ~~أقروا منها بما لا يختص بالأنبياء، بل هو مشترك بينهم وبين غيرهم. # فلم يؤمن هؤلاء 2 بالأنبياء البتة. # هذا هو الذي يجب القطع به3. ولهذا يذكرون معهم ذكر الجنس الخارج عن ~~أتباعهم؛ فيقال: قالت الأنبياء، والفلاسفة، واتفقت الأنبياء، والفلاسفة؛ ~~كما يقال: المسلمون، واليهود، والنصارى4. PageV01P204 # [وقال أيضا رضي الله عنه: ### | فصل] 1 من آيات الأنبياء: نصرهم على قومهم. # وهذا من وجهين: # ومن آياته: نصر الرسل على قومهم. وهذا على وجهين: # الوجه الأول بإهلاك الأمم وإنجاء الرسل وأتباعهم # تارة: يكون بإهلاك الأمم، وإنجاء الرسل وأتباعهم؛كقوم نوح، وهود، وصالح، ~~وشعيب، ولوط، وموسى. ولهذا يقرن الله بين هذه القصص في سورة الأعراف، وهود، ~~والشعراء، ولا يذكر معها قصة إبراهيم2. وإنما ذكر قصة إبراهيم في سورة ~~الأنبياء3، ومريم4، والعنكبوت5، والصافات6؛ فإن هذه السور لم يقتصر فيها ~~على ذكر من أهلك من الأمم. PageV01P205 # بل في سورة الأنبياء كان المقصود ذكر الأنبياء، ولهذا سميت سورة ~~الأنبياء؛ فذكر فيها إكرامه للأنبياء، وإن لم يذكر قومهم؛ كما ذكر قصة ~~داود، وسليمان1، وأيوب2، وذكر آخر الكل: {إن هذه أمتكم أمة واحدة} 3، وبدأ ~~فيها بقصة إبراهيم4؛ إذ كان المقصود ذكر إكرامه للأنبياء قبل محمد ~~وإبراهيم؛ أكرمهم على الله تعالى، وهو خير البرية، وهو [أبو] 5 أكثرهم، إذ ~~ليس هو [أبا] 6 نوح ولوط، لكن لوط من أتباعه7، وأيوب من ذريته؛ بدليل قوله ~~في سورة الأنعام: {ومن ذريته داود وسليمان وأيوب} 8. # وأما سورة مريم: فذكر الله تعالى فيها إنعامه على الأنبياء المذكورين ~~فيها؛ فذكر فيها رحمته زكريا، وهبته يحيى9، وأنه ورث نبوته، وغيرها ~~PageV01P206 # من علم آل يعقوب، وأنه آتاه الحكم صبيا1؛ وذكر بدء خلق عيسى، وما أعطاه ~~الله تعالى من تعليم الكتاب؛ وهو التوراة، والنبوة، وأن الله تعالى جعله ~~مباركا أينما كان، وغير ذلك2؛ وذكر قصة إبراهيم، وحسن خطابه لأبيه، وأن ~~الله تعالى وهبه إسحاق ويعقوب نبيين، ووهبه من رحمته، وجعل له لسان صدق ~~عليا3؛ ثم ذكر موسى، وأنه خصصه الله تعالى بالتقريب والتكليم، [ووهبه] 4 ~~أخاه، وغير ذلك5؛ وذكر إسماعيل، وأنه ms092 كان صادق الوعد6 وكأنه والله أعلم من ~~ذلك أو أعظمه صدقه فيما وعد به أباه من صبره عند الذبح، فوفى بذلك7؛ وذكر ~~إدريس، وأن الله تعالى رفعه مكانا عليا8. ثم قال: {أولئك الذين أنعم الله ~~عليهم} 9. PageV01P207 # وأما سورة العنكبوت: فإنه ذكر فيها امتحانه للمؤمنين، ونصره لهم، وحاجتهم ~~إلى الصبر والجهاد، وذكر فيها حسن العاقبة لمن صبر، وعاقبة من كذب الرسل؛ ~~فذكر قصة إبراهيم لأنها من النمط الأول، ونصرة الله له على قومه1. # وكذلك سورة الصافات قال فيها: {ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ولقد أرسلنا ~~فيهم منذرين فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} 2. وهذا يقتضي أنها عاقبة ~~رديئة؛ إما بكونهم غلبوا وذلوا، وإما بكونهم أهلكوا. ولهذا ذكر فيها قصة ~~إلياس، ولم يذكرها في غيرها، ولم يذكر هلاك قومه، بل قال: {فكذبوه فإنهم ~~لمحضرون إلا عباد الله المخلصين} 3. وإلياس قد روي أن الله تعالى رفعه4، ~~وهذا يقتضي عذابهم في الآخرة؛ فإن إلياس لم PageV01P208 # يقم فيهم، وإلياس المعروف بعد موسى1 من بني إسرائيل، وبعد موسى لم يهلك ~~المكذبين بعذاب الاستئصال. وبعد نوح2 لم يهلك جميع النوع. وقد بعث في كل ~~أمة نذيرا، والله تعالى لم يذكر قط عن قوم إبراهيم3 أنهم أهلكوا، كما ذكر ~~ذلك عن غيرهم، بل ذكر أنهم ألقوه في النار، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، ~~وأرادوا به كيدا، فجعلهم الله الأسفلين الأخسرين. # وفي هذا: # الوجه الثاني إظهار برهان النبي بالحجة والعلم والقدرة # ظهور برهانه، وآيته، وأنه أظهره عليهم بالحجة والعلم، وأظهره أيضا ~~[بالقدرة] 4؛ حيث أذلهم ونصره. [وهذا من جنس المجاهد الذي هزم عدوه، وتلك ~~من جنس المجاهد الذي قتل عدوه] 5. # وإبراهيم بعد هذا لم يقم بينهم، بل هاجر وتركهم. وأولئك الرسل لم يزالوا ~~مقيمين بين ظهراني قومهم حتى هلكوا، فلم يوجد في حق قوم إبراهيم سبب ~~الهلاك؛ وهو إقامته فيهم، وانتظار العذاب النازل. # وهكذا محمد مع قومه لم يقم فيهم، بل خرج عنهم، حتى أظهره الله تعالى ~~عليهم بعد ذلك. # الخليلان هما أفضل الرسل # ومحمد وإبراهيم أفضل الرسل فإنهم إذا علموا ms093 [الدعوة] 6 حصل المقصود. ~~PageV01P209 # وقد يتوب منهم1 من يتوب بعد ذلك؛ كما تاب من قريش من تاب. # وأما حال إبراهيم2: فكانت إلى الرحمة أميل، فلم يسع في هلاك قومه، لا ~~بالدعاء، ولا بالمقام، ودوام إقامة الحجة عليهم. # وقد قال تعالى: {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم} 3. # وكان كل قوم يطلبون هلاك نبيهم [فعوقبوا] 4. # وقوم إبراهيم أوصلوه إلى العذاب، لكن جعله الله [تعالى] 5 عليه بردا ~~وسلاما، ولم يفعلوا بعد ذلك ما يستحقون به العذاب؛ إذ الدنيا ليست دار ~~الجزاء التام، وإنما فيها من الجزاء ما [تحصل] 6 به الحكمة والمصلحة؛ كما ~~في العقوبات الشرعية. # فمن أراد أعداؤه من أتباع الأنبياء أن يهلكوه فعصمه الله7، وجعل صورة ~~الهلاك نعمة في حقه، ولم يهلك أعداءه، بل أخزاهم، ونصره؛ فهو أشبه ~~بإبراهيم8. PageV01P210 # وإذا عصمه من كيدهم، وأظهره حتى صارت الحرب بينه وبينهم سجالا، ثم كانت ~~العاقبة له، فهو أشبه بحال محمد [صلى الله عليه وسلم] 1؛ فإن محمدا سيد ~~الجميع2، وهو خليل الله3؛ كما أن إبراهيم خليله. # والخليلان4: هما أفضل الجميع، وفي طريقتهما من الرأفة والرحمة، ما ليس في ~~طريقة غيرهما. # حكمة الرب تعالى في عقوبته لكل قوم بما يناسبهم # ولم يذكر الله عن قوم إبراهيم دينا غير الشرك، وكذلك عن قوم نوح. # وأما عاد: فذكر عنهم التجبر، وعمارة الدنيا. PageV01P211 # وقوم صالح1: ذكر عنهم الاشتغال بالدنيا عن الدين، لم يذكر عنهم من التجبر ~~ما ذكر عن عاد، وإنما أهلكهم لما عقروا الناقة. # وأما أهل مدين: فذكر عنهم الظلم في الأموال، مع الشرك؛ {قالوا يا شعيب ~~أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} 2. # وقوم لوط ذكر عنهم استحلال الفاحشة، ولم يذكروا بالتوحيد، بخلاف سائر ~~الأمم. وهذا يدل على أنهم لم يكونوا مشركين، وإنما ذنبهم استحلال الفاحشة، ~~وتوابع ذلك. وكانت عقوبتهم أشد؛ إذ ليس في ذلك تدين، بل شر يعلمون أنه شر3. # وهذه الأمور تدل ms094 على حكمة الرب، وعقوبته لكل قوم بما يناسبهم؛ فإن قوم ~~نوح أغرقهم إذ لم يكن فيهم خير يرجى. PageV01P212 ### | فصل في آيات الأنبياء وبراهينهم # معنى آيات الأنبياء # [و] 1 هي الأدلة والعلامات المستلزمة لصدقهم. # الدليل مستلزم للمدلول # والدليل لا يكون إلا مستلزما للمدلول عليه مختصا به، لا يكون مشتركا بينه ~~وبين غيره؛ فإنه يلزم من تحققه تحقق المدلول. وإذا [انتفى] 2 المدلول انتفى ~~هو؛ فما يوجد مع وجود الشيء، ومع عدمه، لا يكون دليلا عليه، بل الدليل ما ~~لا يكون إلا مع وجوده. فما وجد مع النبوة تارة، ومع عدم النبوة تارة، لم ~~يكن دليلا على النبوة، بل دليلها ما يلزم من وجوده وجودها. # اضطراب الناس في دليل النبوة # وهنا اضطرب الناس، فقيل: دليلها جنس يختص بها، وهو الخارق للعادة. فلا ~~يجوز وجوده لغير نبي؛ لا ساحر، ولا كاهن، ولا ولي3؛ كما PageV01P213 # يقول ذلك من يقوله من المعتزلة1، [وغيرهم] 2؛ كابن حزم3، وغيره. # قول الأشاعرة # وقيل: بل الدليل هو الخارق للعادة، بشرط الاحتجاج به على النبوة، والتحدي ~~بمثله. وهذا منتف في السحر، والكرامة؛ كما يقول ذلك من يقوله من متكلمي أهل ~~الإثبات4؛ كالقاضيين أبي بكر5، وأبي يعلى6، وغيرهما. # البيان: كتاب الباقلاني # وقد بسط القاضي أبو بكر7 الكلام في ذلك، في كتابه المصنف8 في الفرق بين ~~المعجزات، والكرامات، والحيل، والكهانات، والسحر، والنيرنجيات9. ~~PageV01P214 # سبب الغلط عند المعتزلة والأشاعرة في دليل النبوة.. # وهؤلاء [وهؤلاء] 1 جعلوا مجرد كونه خارقا للعادة هو الوصف المعتبر. # وفرق بين أن يقال: لا بد أن يكون خارقا للعادة، وبين أن يقال: كونه خارقا ~~للعادة هو المؤثر؛ فإن الأول يجعله شرطا لا موجبا، والثاني يجعله موجبا. # وفرق بين أن يقال: العلم، والبيان، وقراءة القرآن، لا يكون إلا من حي، ~~وبين أن يقال: كونه حيا يوجب أن يكون عالما قارئا. # ومن هنا دخل الغلط على هؤلاء. # ليس في الكتاب والسنة لفظ المعجزة وخرق العادة # وليس في الكتاب والسنة تعليق الحكم بهذا الوصف، بل ولا ذكر خرق العادة، ~~ولا لفظ المعجز، وإنما فيه ms095 آيات وبراهين2، وذلك يوجب اختصاصها بالأنبياء. ~~PageV01P215 # شرط المعجزة عند الأشاعرة # وأيضا: فقالوا في شرطها: أن لا يقدر عليها إلا الله، لا [تكون] 1 مقدورة ~~للملائكة، ولا للجن، ولا للإنس؛ بأن يكون جنسها مما لا يقدر عليه إلا ~~الله2؛ كإحياء الموتى، وقلب العصا حية. # وإذا كانت من أفعال العباد لكنها خارقة للعادة؛ مثل حمل الجبال، والقفز ~~من المشرق إلى المغرب، والكلام المخلوق الذي يقدر على مثله البشر، ففيه لهم ~~قولان: # أحدهما: أن ذلك يصح أن يكون معجزة. # والثاني: أن المعجزة إنما هي إقدار المخلوق على ذلك؛ بأن [يخلق] 3 فيه ~~قدرة [خارجة] 4 عن قدرته المعتادة5. # مناقشة الباقلاني في تعريف المعجزة # وهذا اختيار القاضي أبي بكر6، ومن اتبعه؛ كالقاضي [أبي يعلى] 7. ~~PageV01P216 # وظنوا أن هذا يوجب طرد قولهم أنها لا تكون مقدورة لغير الله، بخلاف القول ~~الأول؛ فإنه تقع فيه شبهة إذ كان الجنس معتادا. وإنما الخارق هو الكثير ~~الخارج عن العادة. # الفرق بين المعجزة وغيرها عند الأشاعرة # وهذا الفرق الذي ذكره ضعيف، فإنه إذا كان قادرا على اليسير، فخرق العادة ~~في قدرته، حتى جعله قادرا على الكثير، فجنس القدرة معتاد مثل جنس المقدور، ~~وإنما خرقت العادة بقدرة خارجة عن العادة؛ كما خرقت بفعل خارج عن القدرة. ~~وعنده أن خلق القدرة خلق لمقدورها، والقدرة عنده مع الفعل، فلا فرق. # وهذا القول، وهو: أن المعجزة لا تكون إلا مقدورة للرب، لا للعباد: قول ~~كثير من أهل الكلام؛ من القدرية1، والمثبتة للقدر، وغيرهم. # دليل الأشاعرة علىامتناع أن تكون هذه الخوارق لغير الله # ثم إنهم لما طولبوا بالدليل على أنه لا يجوز أن تقدر العباد على مثل: ~~إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ونحو ذلك مما ذكروا أنه يمتنع أن ~~يكون مقدورا لغير الله، اعتمدوا في الدلالة على (أن القابل للشيء لا يخلو ~~عنه وعن ضده) ، فلو جاز أن يكون العبد قادرا على هذه الأمور، لوجب أن لا ~~يخلو من ذلك ومن ضده؛ وهو العجز، أو القدرة على ضد PageV01P217 # ذلك الفعل؛ كما يقولونه في فعل العبد: ms096 # المعجزات عند الأشاعرة هي ما تعجز قدرات العباد عنها # إنه إذا لم يقدر على الفعل، فلا بد أن يكون عاجزا، أو قادرا على ضده. # هذا احتجاج من يقول القدرة مع الفعل1، والقدرة عنده لا تصلح للضدين؛ ~~كالأشعرية، فيقول: لا يخلو من القدرة، أو العجز، فهذه مقدمة. # والمقدمة الثانية: ونحن لا نحس من أنفسنا عجزا عن إبراء الأكمه، والأبرص، ~~وإحياء الموتى، ونحو هذه الأمور، لكنا غير قادرين عليها، ولا يجوز أن نقدر ~~عليها. وهؤلاء يقولون: لا يكون الشيء عاجزا إلا عما يصح أن يكون قادرا ~~عليه، [بخلاف ما لا يصح أن يكون قادرا عليه] 2، فلا يصح أن يكون عاجزا عنه. ~~ولهذا قالوا: لا ينبغي أن تسمى هذه معجزات؛ لأن ذلك يقتضي أن الله أعجز ~~العباد عنها، وإنما يعجز العباد عما يصح قدرتهم عليه. هذا3 كلام القاضي أبي ~~بكر، ومن وافقه4. # رد شيخ الإسلام عليهم # وكلا المقدمتين دعوى مجردة لم يقم على واحدة منها حجة. فكيف يجوز أن يكون ~~الفرق بين المعجزة وغيرها مبنيا على مثل هذا الكلام الذي PageV01P218 # ينازعه فيه أكثر العقلاء، ولو كان صحيحا لم يفهم إلا بكلفة، ولا يفهمه ~~إلا قليل من الناس. فكيف إذا كان باطلا. # والذين آمنوا بالرسل لما رأوه، وسمعوه من الآيات، لم يتكلموا بمثل هذا ~~الفرق، بل ولا خطر بقلوبهم. # متأخروا الأشاعرة حذفوا القيد الذي وضعه المتقدمون # ولهذا لما رأى المتأخرون ضعف هذا الفرق؛ كأبي المعالي1، والرازي2، ~~والآمدي3، وغيرهم حذفوا هذا القيد؛ وهو كون المعجزة مما ينفرد الباري ~~بالقدرة عليها، وقالوا: كل حادث، فهو مقدور PageV01P219 # للرب1، وأفعال العباد هي أيضا مقدورة للرب، وهو خالقها، والعبد ليس خالقا ~~لفعله؛ فالاعتبار بكونها خارقة للعادة قد استدل بها على النبوة، وتحدى ~~بمثلها، فلم يمكن أحدا معارضة هذه القيود الثلاثة، وحذفوا ذلك القيد. # كلام الباقلاني في الفرق بين المعجز والسحر # وزعم القاضي أبو بكر أن ما يستدل به على أن المعجزات يمتنع دخولها تحت ~~قدر العباد لا يصح على أصول القدرية. وبسط القول في ذلك بكلام يصح بعضه دون ms097 ~~بعض؛ كعادته في أمثال ذلك2، ثم جعل هذا الفرق: هو الفرق بين المعجزات، وبين ~~السحر، والحيل؛ فقال: وأما على قولنا إن المعجز لا يكون إلا من مقدورات ~~القديم، ومما يستحيل دخوله، ودخول مثله تحت قدر العباد، فإذا كان كذلك، ~~استحال أن يفعل أحد من الخلق شيئا من معجزات الرسل، أو ما هو من جنسها؛ لأن ~~المحتال إنما يحتال ويفعل ما يصح دخوله تحت قدرته، دون ما يستحيل كونه ~~مقدورا له3. # قال: "وأما4 القائلون بأنه يجوز5 أن يكون في6 معجزات الرسل ما يدخل جنسه ~~تحت قدر العباد، وإن لم يقدروا على كثيره، وما يخرق العادة منه، فإنهم7 ~~يقولون: قد علمنا أنه لا حيلة ولا شيء من8 السحر يمكن PageV01P220 # أن يتوصل به الساحر، والمشعبذ1 إلى فعل الصعود في2 السماء، [والطفر] 3 من ~~المشرق إلى المغرب4. [وقفز] 5 الفراسخ الكثيرة، والمشي على الماء، وحمل ~~الجبال الراسيات: هذا6 أمر لا يتم بحيلة محتال ولا [سحر] 7 ساحر8"9. # وتكلم على إبطال قول من قال: إن السحر لا يكون إلا تخييلا، لا حقيقة له، ~~وذكر أقوال العلماء [والآثار عن الصحابة بأن الساحر يقتل بسحره10، # 1 الشعبذة، والشعوذة: اللعب بخفة. يرى الإنسان منه الشيء بغير ما عليه ~~أصله في رأي العين؛ أي يرى ما ليس له حقيقة. والمشعبذ هو المشعوذ. # انظر: لسان العرب 3/495. والمصباح المنير1/314. والقاموس المحيط ص 427. # 2 في البيان: إلى. # 3 في ((م)) ، و ((ط)) : ولا قفز. # والطفر: هو القفز، والوثوب في ارتفاع. وعرف بين المتكلمين: النظرية التي ~~تخالف العقل، والتي اشتهر بها النظام، فيقال: طفرة النظام. انظر القاموس ~~المحيط ص 5. # وسيأتي معنى الطفرة عند النظام. # 4 في البيان: من الشرق إلى الغرب. # 5 في ((م)) ، و ((ط)) : ولا طفر. # 6 في البيان: هذا زعموا. # 7 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) . # 8 في البيان: لا يتم بحيلة ساحر ولا محتال. # 9 البيان للباقلاني ص 73. # 10 ومن آثار الصحابة الدالة على قتل الساحر: PageV01P221 # وقول] 1 أنه يقتل حدا عند ms098 أكثرهم، وقصاصا عند بعضهم2. [ثم قال3 ~~PageV01P222 # [ثم قال1: # فصل القول في الفصل بين المعجز والسحر] 2. # وهو لم يفرق بين الجنسين، بل يجوز أن يكون ما هو معجزة للرسول يظهر على ~~يد الساحر. لكن قال: الفرق: هو (تحدي الرسول3 بالإتيان بمثله، وتقريع ~~مخالفه، بتعذر [مثله] 4 عليه، فمتى وجد الذي5 ينفرد الله بالقدرة عليه6، من ~~غير تحد منه7، واحتجاج لنبوته بظهوره، لم يكن معجزا. وإذا كان8 كذلك، خرج ~~السحر عن أن يكون معجزا ومشبها لآيات الأنبياء9، [و] 10 كان11 ما يظهر عند ~~فعل الساحر، من جنس PageV01P225 # بعض معجزات الرسل، وما يفعله الله1 عند تحديهم به. # غير أن الساحر إذا احتج بالسحر، وادعى به النبوة، أبطله الله بوجهين) 2: # أحدهما: أن ينسيه عمل السحر، أو لا يفعل عند سحره شيئا في المسحور؛ من ~~موت، أو سقم، أو بغض، ولم يخلق فيه الصعود إلى جهة العلو، والقدرة على ~~الدخول في بقرة. فإذا منعه هذه الأسباب بطل السحر3. # والثاني: [أن الساحر] 4 تمكن معارضته؛ فإن أبواب السحر معلومة عند ~~السحرة. فإذا تحدى ساحر بشيء يفعل عند سحره، لم يلبث أن يجد خلقا من السحرة ~~يفعلون مثل فعله، ويعارضونه بأدق وأبلغ مما أورده5 # "والرسول6 إذا ظهر عليه مثل ذلك، وادعاه آية له، قال لهم: هذا آيتي ~~وحجتي، ودليل ذلك: أنكم لا تقدرون على مثله، ولا يفعله الله7 في وقتي هذا، ~~ومع تحدي8 ومطالبتي بمثله عند سحر ساحر، وفعل كاهن. PageV01P226 # وقد كان1 يظهر من سحرتكم وكهانكم، وهي آية لا تظهر2 اليوم على أحد من ~~الخلق، وإن دق سحره، وعظم في الكهانة3 علمه. فإذا ظهر ذلك عليه، وامتنع ~~ظهور مثله على يد ساحر أو كاهن، مع أنه قد كان يظهر4 من قبل، صار هذا5 ~~[خرقا] 6 عادة البشر، وعادة السحرة والكهنة7 خاصة" 8. # قال: ولم يبعد أن يقال: هذه الآية أعظم من غيرها، وأن لها فضل مزية9. ذكر ~~هذا بعد أن قال: فإن قال قائل: فإذا أجزتم أن يكون من عمل السحر ما يفعل ~~الله عنده سقم الصحيح وموته، ms099 ويفعل عنده بغض المحب وحب المبغض، وبغض الوطن ~~والرد إليه من السفر، وضيق الصدر والعجز عن الوطء بالربط والشد الذي ~~[يعمله] 10 السحرة، والصعود في جهة العلو على خيط أو بعض [الآلة] 11. [فما] ~~12 الفصل بين هذا، وبين معجزات الرسل؟ وكيف ينفصل - مع ذلك - المعجزات من ~~السحر؟ ويمكن PageV01P227 # الفرق بين النبي والساحر؟؛ أوليس لو قال نبي مبعوث: إني أصعد على هذا ~~الخيط نحو السماء، وأدخل جوف هذه البقرة وأخرج، وإني أفعل فعلا أفرق به بين ~~المرء وزوجه، وأفعل فعلا أقتل به هذا الحي وأسقم هذا الصحيح. فهل كان يكون ~~ذلك لو ظهر على يده آية ودليلا على صدقه؟ [فما] 1 الفصل إذا بين السحر ~~والمعجز2. # كلام الباقلاني في الفرق بين المعجزة والسحر هو عمدة الأشاعرة # ثم قال في الجواب: يقال له: جواب هذا قريب، وذلك أنا قد بينا في صدر هذا ~~الكتاب3 أن من حق [المعجز أن] 4 لا يكون معجزا، حتى يكون واقعا من فعل الله ~~على وجه خرق عادة البشر، مع تحدي الرسول بالإتيان ... إلى آخر ما كتب5. # قلت: هذا عمدة القوم، ولهذا طعن الناس في طريقهم، وشنع عليهم ابن حزم6 ~~وغيره. # مناقشة شيخ الإسلام لكلام الباقلاني في الفرق بين المعجزة والسحر # وذلك أن هذا الكلام مستدرك من وجوه: # أحدها: أنه إذا جوز أن يكون ما ينفرد الرب بالقدرة عليه على قوله: يأتي ~~به النبي تارة، والساحر تارة، ولا فرق بينهما إلا دعوى النبوة، والاستدلال ~~به، والتحدي بالمثل، فلا حاجة إلى كونه مما انفرد الباري PageV01P228 # بالقدرة عليه، لا سيما وقد ظهر ضعف الفرق بين ما يمتنع قدرة العباد عليه، ~~وما لا يمتنع. ولهذا أعرض المتأخرون عن هذا القيد1. # لا تكون المعجزة عند الأشاعرة إلا إذا استدل بها واقترن بها دعوى نبوة.. # والوجه الثاني: وبه تنكشف حقيقة طريقهم أنه على هذا لم [تتميز] 2 ~~المعجزات بوصف تختص به، وإنما امتازت باقترانها [بدعوى] 3 النبوة. وهذا ~~حقيقة قولهم، وقد صرحوا به4. # فالدليل والبرهان إن استدل به كان دليلا، وإن لم ms100 يستدل به لم يكن دليلا، ~~وإن اقترنت به الدعوى، كان دليلا، وإن لم تقترن به الدعوى، لم يكن دليلا ~~عندهم. ولهذا لم يجعلوا دلالة المعجز دلالة عقلية، بل دلالة وضعية5؛ كدلالة ~~الألفاظ بالاصطلاح. PageV01P229 # وهذا مستدرك من وجوه: # رد شيخ الإسلام عليهم من تسعة وجوه.. # منها: أن كون آيات الأنبياء مساوية في الحد1 والحقيقة [لسحر] 2 السحرة، ~~أمر معلوم الفساد بالاضطرار من دين الرسل. # الثاني: أن هذا من أعظم القدح في الأنبياء، [إذ] 3 كانت آياتهم من جنس ~~سحر السحرة، وكهانة الكهان. # الثالث: أنه على هذا التقدير لا [يبقى] 4 دلالة؛ فإن الدليل ما يستلزم ~~المدلول، ويختص به. فإذا كان مشتركا بينه وبين غيره، لم يبق دليلا. فهؤلاء ~~قدحوا في آيات الأنبياء، ولم يذكروا دليلا على صدقهم. # الرابع: أنه على هذا التقدير يمكن الساحر دعوى النبوة. وقوله: أنه عند ~~ذلك يسلبه الله القدرة على السحر، أو يأتي بمن يعارضه5: دعوى مجردة؛ فإن ~~المنازع يقول: [لا نسلم] 6 أنه إذا ادعى النبوة فلا بد أن يفعل الله ذلك، ~~لا سيما على أصله؛ وهو: أن الله يجوز أن يفعل كل مقدور7، وهذا مقدور للرب ~~فيجوز أن يفعله. وادعى أن ما يخرق العادة من الأمور PageV01P230 # الطبيعية، والطلسمات1، هي كالسحر. # فقال: ولأجل ذلك لم تلتبس آيات الرسل بما يظهر من جذب حجر المغناطيس2، ~~وما يوجد ويكون عند كتب الطلسمات3. قال: وذلك أنه لو ابتدأ نبي بإظهار حجر ~~المغناطيس، لوجب أن يكون ذلك آية له. ولو أن أحدا أخذ هذا الحجر، وخرج إلى ~~بعض البلاد، وادعى أنه آية له عند من لم يره، ولم يسمع به، لوجب أن ينقضه ~~الله عليه بوجهين. # أحدهما: أن يؤثر دواعي خلق من البشر إلى حمل جنس تلك الحجارة إلى ذلك ~~البلد. وكذلك سبيل الزناد الذي يقدح النار، وتعرفه العرب4. وكذلك سبيل ~~الطلسمات التي يقال أنها تنفي الذباب، والبق، والحيات5. PageV01P231 # والوجه الآخر: أن لا يفعل الله عند ذلك ما كان يفعله من قبل1، فيقال: هذه ~~دعوى مجردة. # ومما يوضح ذلك: # الباقلاني ms101 جعل حجر المغناطيس والطلسمات من جنس معجزات الأنبياء.. والرد ~~عليه # الوجه الخامس: وهو أن جعل قدح الزناد، وجذب حجر المغناطيس، والطلسمات من ~~جنس معجزات الأنبياء، وأنه لو بعث نبي ابتداء، وجعل ذلك آية له، جاز ذلك: ~~غلط عظيم، وعدم علم بقدر معجزات الأنبياء وآياتهم. وهذا إنما أتاهم حيث ~~جعلوا جنس الخارق هو الآية2؛ كما فعلت المعتزلة. وأولئك3 كذبوا بوجود ذلك ~~لغير الأنبياء، وهؤلاء4 ما أمكنهم تكذيب ذلك؛ لدلالة الشرع، والأخبار ~~المتواترة، والعيان على وجود حوادث [من هذا النوع] 5، فجعلوا [الفرق] 6 ~~افتراق الدعوى، والاستدلال، والتحدي [دون الخارق] 7. ومعلوم أن ما ليس ~~بدليل PageV01P232 # لا يصير دليلا بدعوى المستدل أنه دليل. # الذين ادعوا النبوة ظهرت لهم خوارق ولم يعارضهم أحد # وقد بسط الكلام في ذلك، وجوز أن [تظهر] 1 المعجزات على يد كاذب2، إذا خلق ~~الله مثلها على يد من يعارضه؛ فعمدته سلامتها من المعارضة بالمثل، مع أن ~~المثل عنده موجود، وآيات الأنبياء لها أمثال كثيرة لغير الأنبياء، لكن ~~يقول3 إن من ادعى الإتيان؛ فإما أن لا يظهرها الله على يديه، وإما أن ~~[يقيض] 4 من يعارضه بمثلها. هذا عمدة القوم، وليس فرقا حقيقيا بين النبي ~~والساحر، وإنما هو مجرد دعوى. # وهذا يظهر ب الوجه السادس: وهو أن من الناس من ادعى النبوة5، وكان كاذبا، ~~وظهرت على يده بعض هذه الخوارق، فلم يمنع منها، ولم يعارضه أحد، بل عرف أن ~~هذا الذي أتى به ليس من آيات الأنبياء، وعرف كذبه بطرق متعددة؛ كما في قصة ~~الأسود العنسي، ومسيلمة الكذاب، [والحارث] 6 الدمشقي، وبابا الرومي، وغير ~~هؤلاء7 ممن ادعى النبوة. فقولهم: إن الكذاب لا يأتي بمثل هذا الجنس، ليس ~~كما ادعوه8. PageV01P233 # الباقلاني منع من ظهور الخارق على يد الكذاب # الوجه السابع: أنه إنما أوجب أن لا يظهر الله الخوارق على يد الكذاب؛ لأن ~~ذلك يفضي إلى عجز الرب. وهذه عمدة الأشعري في أظهر قوليه1، وهي المشهورة ~~عند قدمائهم2، وهي التي سلكها القاضي أبو يعلى، ونحوه. # قال القاضي أبو بكر: فإن قال قائل من ms102 القدرية3: [فلم] 4 لا يجوز أن يظهر ~~المعجزات على يد مدعي النبوة ليلبس بذلك على العباد، ويضل به عن الدين، ~~وأنتم تجوزون خلقه الكفر في قلوب الكفار، وإضلالهم. [فما] 5 الفصل بين ~~إضلالهم بهذا، وبين إضلالهم بإظهار المعجزات على يد الكاذبين؟ # قال: فيقال لمن سأل عن هذا من القدرية: الفصل بين الأمرين ظاهر معلوم، ~~وقد نص القرآن والأخبار بأنه يضل ويهدي6، ويختم على القلوب، والأسماع، ~~والأبصار7. PageV01P234 # فأما مطالبتهم بالفرق بين إضلال العباد بهذه الضروب1 من الأفعال، وبين ~~إضلالهم بإظهار المعجزات على أيدي الكذابين؟ فجوابه: أنا لم نحل إضلالهم ~~بهذا الضرب لأنه إضلال عن الدين، أو لقبحه من الله لو وقع، أو لاستحقاقه ~~الذم عليه - تعالى عن ذلك، أو لكونه ظالما لهم بالتكليف مع هذا الفعل. كل ~~ذلك باطل محال من تمويههم، وإنما أحلناه لأنه يوجب عجز القديم عن تمييز ~~الصادق من الكاذب. # وتعريفنا الفرق بين النبي والمتنبي من جهة الدليل؛ إذ لا دليل [بقول] 2 ~~كل أحد أثبت النبوة على نبوة الرسل وصدقهم، إلا [ظهورا لأعلام] 3 المعجزة ~~على أيديهم، أو خبر من ظهرت المعجزة على يده عن نبوة آخر مرسل. فهذا إجماع ~~لا خلاف فيه؛ فلو أظهر الله على يد المتنبي الكاذب ذلك، لبطلت دلائل ~~النبوة، وخرجت المعجزات عن كونها دلالة على صدق الرسول، ولوجب لذلك عجز ~~القديم عن الدلالة على صدقهم. # ولما لم يجز عجزه، وارتفاع قدرته عن بعض المقدورات، لم يجز لذلك ظهور ~~المعجزات على أيدي الكذابين، بخلاف خلق الكفر في قلوب الكافرين4. # متأخروا الأشاعرة سلكوا طريق الضرورة في معرفة صدق النبي # قلت: هذا عمدة القوم. والمتأخرون عرفوا ضعف هذا، فلم يسلكوه؛ كأبي ~~المعالي5، والرازي، وغيرهما. بل سلكوا الجواب الآخر: وهو أن PageV01P235 # العلم بالصدق عند المعجز يحصل ضرورة، فهو علم ضروري1. [وبين] 2 ضعف هذا ~~الجواب، مع أنه يحتج به، وقال: فهذا هذا من وجوه: # أحدها: أن يقال: إن كان الأمر كما زعمتم، فإنما يلزم العجز إذا كان خلق ~~الدليل الدال على صدقهم جنسه لا يدل، بل ms103 جنسه يقع مع عدم النبوة، ولم يبق ~~عندكم جنس من الأدلة [يختص] 3 النبوة. # فلم قلتم: إن تصديقهم والحال هذه ممكن؟ # ولا ينفعكم هنا الاستدلال بالإجماع ونحوه من الأدلة السمعية؛ لأن كلامكم ~~مع منكري النبوات. فيجب أن [تقيموا] 4 عليهم كون المعجزات دليلا على صدق ~~النبي. # وأما من أقر بنبوتهم بطريق غير طريقكم، فإنه لا يحتاج إلى كلامكم. فإذا ~~قال لكم منكروا النبوة: لا نسلم إمكان طريق يدل على صدقهم، لم يكن معكم ما ~~يدل على ذلك. # وقد أورد هذا السؤال، وأجاب عنه: بأنه يمكنه تصديقهم بالقول، والمعجزات ~~تقوم مقام التصديق بالقول، بل التصديق بالفعل أوكد. وضرب المثل بمدعي ~~الوكالة، إذا قال: قم، أو اقعد، ففعل ذلك عند استشهاد وكيله؛ فإن العقلاء ~~كلهم يعلمون أنه أقام تلك الأفعال مقام القول. # قلت: وهذا يعود إلى الاحتجاج بالطريقة الثانية؛ وهي العلم بالتصديق ~~ضرورة، فلا حاجة إلى طريقة المعجزات. PageV01P236 # الثاني: أنه يمكن أن يخلق علما ضروريا بصدقهم. وقد سلم القاضي أبو بكر1 ~~ذلك، لكن قال: إذا اضطررنا إلى العلم بصدق مدعي النبوة، وأنه أرسله إلينا، ~~كان في ضمن هذا العلم اضطراره لنا إلى العلم بذاته، وإلى أنه قد أرسل مدعي ~~النبوة. وإذا علمنا ذلك اضطرارا، لم يكن للتكليف بالعلم بصدقه وجها، وخرجنا ~~بذلك عن أن نكون مكلفين [للعلم] 2 بالدين. وهذا كلام يؤدي إلى خروجنا عن حد ~~المحنة والتكليف. # فيقال له: إذا حصل العلم الضروري بوجود الخالق [وبصدق] 3 رسوله، كان ~~التكليف بالإقرار بالصانع، وعبادته وحده لا شريك له، وبتصديق رسله، وطاعة ~~أمره. وهذا هو الذي أمرت به الرسل؛ أمرت الخلق أن يعبدوا الله وحده، وأن ~~يطيعوا رسله، ولم يأمروا جميع الخلق بأن يكتسبوا علما نظريا بوجود الخالق، ~~وصدق رسله. لكن من جحد الحق أمروه بالإقرار به، وأقاموا الحجة عليه، وبينوا ~~معاندته، وأنه جاحد للحق الذي يعرفه. وكذلك الرسول كانوا يعلمون أنه صادق ~~ويكذبونه. فليتدبر هذا الموضع؛ فإنه موضع عظيم. # حكمة الله تمنع ظهور المعجزات على يد الكذاب # الوجه الثالث: أن يقال: نحن ms104 نسلم أن المعجزات تدل على الصدق، وأنه لا ~~يجوز إظهارها على يد الكاذب، لكن هو4 لأن الله [ميزه] 5 عن ذلك، وأن حكمته ~~تمنع ذلك، ولا يجوز عليه كل فعل ممكن، وأنتم مع PageV01P237 # تجويزكم عليه كل ممكن1، يلزمكم تجويز خلق المعجزة على يد الكاذب، فما علم ~~بالعقل والإجماع من امتناع ظهورها على يد الكاذب يدل على فساد أصلكم. # الرد على من قال لا دليل على صدق الأنبياء إلا المعجزات # الوجه الرابع: أن يقال: لم قلتم أنه لا دليل على صدقهم إلا المعجزات2، ~~وما ذكرتم من الإجماع على ذلك لا يصح الاستدلال به لوجهين: # أحدهما: أنه لا إجماع في ذلك، بل كثير من الطوائف يقولون: إن صدقهم بغير ~~المعجزات. # الثاني: إنه لا يصح الاحتجاج بالإجماع في ذلك؛ فإن الإجماع إنما يثبت بعد ~~ثبوت النبوة، والمقدمات التي يعلم بها النبوة لا يحتج عليها بالإجماع، ~~وقولكم: لا دليل سوى المعجز: مقدمة ممنوعة. # وذكر عن الأشعري أنه ذكر جوابا آخر، فقال: وأيضا فإن قول القائل: ما ~~أنكرتم من جواز إظهار المعجزات على أيدي الكذابين: قول متناقض، والله على ~~كل شيء قدير. ولكن ما طالب السائل بإجازته محال، لا تصح القدرة عليه، ولا ~~العجز عنه؛ لأنه بمنزلة كونه أظهر المعجزات على أيديهم؛ فإنه أوجب أنهم ~~صادقون؛ لأن المعجز دليل على الصدق، ومتضمن له. # وقوله: مع ذلك أنهم كاذبون: نقض لقوله: أنهم صادقون قد ظهرت المعجزات على ~~أيديهم. فوجب إحالة هذه المطالبة، وصار هذا بمثابة قول PageV01P238 # من قال: ما أنكرتم من صحة1 ظهور الأفعال المحكمة الدالة على علم فاعلها، ~~والمتضمنة لذلك من جهة الدليل، من الجاهل بها في أنه قول باطل متناقض، فيجب ~~إذا كان الأمر كذلك استحالة ظهور المعجزات على يد الكاذبين، واستحالة ثبوت ~~قدرة قادر عليه. وكيف يصح على هذا الجواب أن يقال: ما أنكرتم [وزعمتم أنه] ~~2 من فعل المحال الذي لا يصح حدوثه، وتناول القدرة له [هو من قبيل الجائز] ~~3 قياسا على صحة خلق الكفر، وضروب الضلال التي يصح حدوثها، وتناول ms105 القدرة ~~لها. # من أصول الأشاعرة تجويزهم على الله فعل كل ممكن وعدم تنزيهه عن شيء.. ~~ويلزمهم على ذلك خلق المعجزة على يد الكذاب # قلت: هذا كلام صحيح إذا علم أنها دليل الصدق، يستحيل وجوده بدون الصدق، ~~والممتنع غير مقدور، فيمتنع أن يظهر على أيدي الكاذبين ما يدل على صدقهم. ~~لكن المطالب يقول: كيف يستقيم على أصلكم [أن يكون] 4 ذلك [دليل] 5 الصدق، ~~وهو أمر حادث مقدور، وكل مقدور يصح عندكم أن يفعله الله، ولو كان فيه من ~~الفساد ما كان؛ فإنه عندكم لا ينزه عن فعل ممكن، ولا يقبح منه فعل؛ فحينئذ ~~إذا خلق على يد الكاذب مثل هذه الخوارق، لم يكن ممتنعا على أصلكم، وهي لا ~~تدل على الصدق البتة على أصلكم، ويلزمكم إذا لم يكن دليل إلهي، ألا يكون في ~~المقدور دليل على صدق مدعي النبوة، فيلزم أن الرب سبحانه لا يصدق أحدا ادعى ~~النبوة6. PageV01P239 # وإذا قلتم: هذا ممكن، بل واقع، ونحن نعلم صدق الصادق إذا ظهرت هذه ~~الأعلام على يده ضرورة1. قيل: فهذا يوجب أن الرب لا يجوز عليه إظهارها على ~~يد كاذب. وهذا فعل من الأفعال هو قادر عليه، وهو سبحانه لا يفعله، بل هو ~~منزه عنه. فأنتم بين أمرين: إن قلتم: لا يمكنه خلقها على يد الكاذب وكان ~~ظهورها ممتنعا، فقد قلتم: أنه لا يقدر على إحداث حادث قد فعل مثله، وهذا ~~تصريح بعجزه. وأنتم قلتم: فليست [بدليل، فلا] 2 يلزم عجزه، فصارت دلالتها ~~مستلزمة لعجزه على أصلكم. وإن قلتم: يقدر، لكنه لا يفعل، فهذا حق، وهو ينقض ~~أصلكم. # وحقيقة الأمر: أن نفس ما يدل على صدق [الصادق] 3 بمجموعه، امتنع أن يحصل ~~للكاذب، وحصوله له ممتنع غير مقدور. # الله قادر على خلق الخوارق على يد الكذاب ولا يفعل لحكمة # وأما خلق مثل تلك الخارقة على يد الكاذب، فهو ممكن، والله سبحانه وتعالى ~~قادر عليه، لكنه لا يفعله لحكمته4؛ كما أنه سبحانه يمتنع عليه أن يكذب، أو ~~يظلم. # الأشاعرة ينفون حكمة الله تعالى # والمعجز ms106 تصديق، وتصديق الكاذب هو منزه عنه، والدال على الصدق قصد الرب ~~تصديق الصادق. وهذا القصد يمتنع حصوله للكاذب؛ فيمتنع جعل من ليس برسول ~~رسولا، وجعل الكاذب صادقا، ويمتنع من الرب PageV01P240 # قصد المحال، وهو غير مقدور، وهو إذا صدق الصادق بفعله علم بالاضطرار ~~والدليل أنه صدقه، وهذا العلم يمتنع حصوله للكاذب. واستشهادكم بالعلم: هو ~~من هذا الباب؛ فأنتم تقولون إن الرب لا يخلق شيئا لشيء1. وحينئذ: فلا يكون ~~قاصدا لما في المخلوقات من الإحكام، PageV01P241 # فلا يكون الإحكام دالا على العلم على أصلكم؛ فإن الإحكام: إنما هو جعل ~~الشيء محصلا للمطلوب؛ بحيث يجعل لأجل ذلك المطلوب. وهذا عندهم لا يجوز؛ ~~فإثباته علمه، وتصديق رسله مشروط بأن يفعل شيئا لشيء. وهذا عندكم لا يجوز، ~~فلهذا يقال: إنكم متناقضون، والله سبحانه وتعالى أعلم. # حقيقة المعجزة على قول الأشاعرة # الوجه الثامن: أن حقيقة الأمر على قول هؤلاء الذين جعلوا المعجزة: ~~الخارق، مع التحدي: أن المعجز في الحقيقة ليس إلا منع الناس من المعارضة ~~بالمثل؛ سواء كان المعجز في نفسه خارقا، أو غير خارق1. وكثير [مما] 2 يأتي ~~به [الساحر] 3 والكاهن أمر معتاد لهم. # وهم يجوزون أن يكون آية للنبي. وإذا كان آية، منع الله الساحر والكاهن من ~~مثل ما كان يفعل، أو قيض له من يعارضه. # وقالوا: هذا أبلغ؛ فإنه منع المعتاد. وكذلك عندهم [أحد] 4 نوعي المعجزات ~~[منعهم] 5 من الأفعال المعتادة. وهو مأخذ من يقول بالصرفة6. PageV01P242 # وإذا كان كذلك، جاز أن يكون كل أمر؛ كالأكل، والشرب، والقيام، والقعود ~~معجزة إذا منعهم أن يفعلوا كفعله، وحينئذ: فلا معنى لكونها خارقا، ولا ~~لاختصاص الرب بالقدرة عليها، بل الاعتبار بمجرد عدم المعارضة. وهم يقرون ~~بخلاف ذلك، والله أعلم. # الوجه التاسع: أنه إذا كانت المعجزة هي مجموع دعوى الرسالة، مع التحدي، ~~فلا حاجة إلى كونه خارقا؛ كما تقدم1، ويجب إذا تحدى بالمثل أن يقول: فليأت ~~بمثل القرآن من يدعي النبوة؛ فإن هذا هو المعجز عندهم، وإلا القرآن مجردا ~~ليس بمعجز؛ فلا يطلب مثل القرآن إلا ممن ms107 يدعي النبوة2؛ كما في الساحر ~~والكاهن إذا ادعى النبوة سلبه الله ذلك، أو PageV01P243 # قيض له من يعارضه. وإذا لم يدع النبوة جاز أن يظهر على يده مثل ما يظهر ~~على يد النبي. فكذلك يلزمهم مثل هذا في القرآن، وسائر المعجزات. والله ~~أعلم. # PageV01P244 ### | فصل في أن الرسول لا بد أن يبين أصول الدين # 1 # وهي البراهين الدالة على أن ما يقوله حق؛ من الخبر، والأمر؛ فلا بد أن ~~يكون قد بين الدلائل على صدقه في كل ما أخبر، ووجوب طاعته في كل ما أوجب ~~وأمر. # ومن أعظم أصول الضلال: الإعراض عن بيان الرسول للأدلة والآيات والبراهين ~~والحجج؛ فإن المعرضين عن هذا؛ إما أن يصدقوه، ويقبلوا قوله، ويؤمنوا به بلا ~~دليل أصلا ولا علم؛ وإما أن يستدلوا على ذلك بغير أدلته # فإن لم يكونوا عالمين بصدقه: فهم ممن يقال له في قبره: ما قولك في هذا ~~الرجل الذي بعث فيكم؟ فأما المؤمن أو الموقن، فيقول: هو عبد الله ورسوله ~~جاءنا بالبينات والهدى، فآمنا به واتبعناه. وأما المنافق أو المرتاب، ~~فيقول: هاه، هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا، فقلته. فيضرب بمرزبة 2 ~~من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل PageV01P245 # شيء، إلا الثقلين12. # وإن استدل على ذلك بغير الآيات والأدلة التي دعا بها الناس، فهو مع كونه ~~مبتدعا3، لا بد أن يخطئ ويضل. # فإن ظن الظان أنه بأدلة4 وبراهين خارجة عما جاء به تدل5 على ما جاء به، ~~فهو6 من جنس ظنه أنه يأتي بعبادات غير ما شرعه توصل إلى مقصوده7. ~~PageV01P246 # "وهذا الظن وقع فيه طوائف من النظار الغالطين1، أصحاب الاستدلال ~~والاعتبار والنظر؛ كما وقع في الظن الأول طوائف من العباد الغالطين2، أصحاب ~~الإرادة والمحبة والزهد"3. # وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة: "خير الكلام كلام الله، ~~وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"4 يتناول هذا ~~وهذا. # وقد أرى الله تعالى عباده الآيات في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى تبين5 لهم ~~أن ما6 قاله فهو حق؛ فإن أرباب العبادة، والمحبة، ms108 والإرادة، والزهد الذين ~~سلكوا غير ما أمروا به، ضلوا كما ضلت النصارى. ومبتدعة # (4) مثل المتكلمين. # (5) مثل المتصوفة. # (6) العبارة في ((خ)) وردت هكذا: "وهذا الظن وقع فيه طوائف من العباد ~~الغالطين أصحاب الإرادة والمحبة والزهد؛ كما وقع في الظن الأول طوائف من ~~النظار الغالطين أصحاب الاستدلال والاعتبار والنظر". # ولعل الصواب ما أثبت نقلا عن ((م)) ، و ((ط)) ؛ لأن الظن المراد في قوله: ~~(وهذا الظن..) هو ظن المتكلمين وأمثالهم ممن أتوا ببراهين وأدلة خارجة عما ~~جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV01P247 # هذه الأمة من العباد، وأرباب النظر، والاستدلال الذين سلكوا # غير دليله وبيانه أيضا ضلوا. قال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} 1. # قول الإمام أحمد: أصول الإسلام أربعة # وفي الكلام المأثور عن الإمام أحمد: أصول الإسلام أربعة2: دال، ودليل، ~~ومبين، ومستدل. فالدال هو الله، والدليل هو القرآن، والمبين هو الرسول؛ قال ~~الله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} 3، والمستدل هم أولوا العلم وأولوا ~~الألباب4 الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم5. # وقد ذكره ابن المني6عن أحمد. وهو مذكور في العدة7 للقاضي أبي يعلى8، ~~وغيرها، إما أن أحمد قاله، أو قيل له، فاستحسنه. PageV01P248 # أهل الكلام يوجبون النظر # ولهذا صار كثير من النظار يوجبون العلم والنظر والاستدلال1، وينهون عن ~~التقليد، ويقول كثير منهم: إن إيمان المقلد لا يصح، أو أنه وإن صح، لكنه ~~عاص بترك الاستدلال، ثم النظر2. # الاستدلال الفاسد الذي أصله المتكلمون # والاستدلال الذي يدعون إليه، ويوجبونه، ويجعلونه أول الواجبات3، ~~PageV01P249 # وأصل العلم: هو نظر واستدلال ابتدعوه، ليس هو المشروع؛ لا خبرا، ولا ~~أمرا. وهو استدلال فاسد لا يوصل إلى العلم؛ فإنهم جعلوا أصل العلم بالخالق ~~هو الاستدلال على ذلك بحدوث الأجسام1، والاستدلال على PageV01P250 # حدوث الأجسام بأنها مستلزمة للأعراض لا يخلو عنها ولا ينفك منها1. ثم ~~استدلوا على حدوث ms109 الأعراض. قالوا: فثبت أن الأجسام مستلزمة للحوادث، لا ~~يخلو عنها، فلا تكون مثلها. # دليل الحوادث # ثم كثير منهم قالوا: وما لم يخل من الحوادث، أو ما لم يسبق الحوادث، فهو ~~حادث2، وظن أن هذه مقدمة بديهية معلومة بالضرورة لا يطلب عليها دليل، وكان ~~ذلك بسبب أن لفظ الحوادث يشعر بأن3 لها ابتداء؛ كالحادث المعين، والحوادث ~~المحدودة4. ولو قدرت ألف ألف PageV01P251 # ألف حادث، فإن الحوادث إذا جعلت مقدرة محدودة، فلا بد أن يكون لها ~~ابتداء1؛ فإن ما لا ابتداء له ليس له حد معين ابتدأ منه، إذ قد قيل لا ~~ابتداء له، بل هو قديم أزلي دائم. ومعلوم أن هذه الحوادث ما لم يسبقها فهو ~~حادث؛ فإنه يكون إما معها، وإما بعدها2. PageV01P252 # وكثير منهم1 يفطن للفرق بين جنس الحوادث، وبين الحوادث المحدودة؛ فالجنس: ~~مثل أن يقال: ما زالت الحوادث توجد شيئا بعد شيء، أو ما زال جنسها موجودا، ~~أو ما زال الله متكلما إذا شاء، أو ما زال الله فاعلا لما يشاء2، أو ما زال ~~قادرا على أن يفعل قدرة يمكن معها اقتران المقدور بالقدرة، لا تكون قدرة ~~يمتنع معها المقدور؛ فإن هذه في الحقيقة ليست قدرة3. ومثل أن يقال في ~~المستقبل: لا بد أن الله يخلق شيئا بعد شيء، PageV01P253 # ونعيم أهل الجنة دائم لا يزول، ولا ينفذ. وقد يقال في النوعين: كلمات ~~الله لا تنفذ، ولا نهاية لها؛ لا في الماضي، ولا في المستقبل، ونحو ذلك1. # فالكلام2 في دوام الجنس وبقائه، وأنه لا ينفذ، ولا ينقضي، ولا يزول، ولا ~~ابتداء له: غير الكلام فيما يقدر محدودا له ابتداء، أو له ابتداء وانتهاء3؛ ~~فإن كثيرا من النظار4 من5 يقول: جنس الحوادث إذا قدر له ابتداء، وجب أن ~~يكون له انتهاء؛ لأنه يمكن فرض تقدمه على ذلك الحد، فيكون أكثر مما وجد، ~~وما لا يتناهى لا يدخله التفاضل؛ فإنه ليس وراء عدم النهاية شيء أكثر منها، ~~بخلاف ما لا ابتداء له ولا انتهاء؛ فإن هذا لا يكون شيء فوقه، فلا يفضي إلى ms110 ~~التفاضل فيما لا يتناهى. وبسط هذا له موضع آخر6. PageV01P254 # المتكلمون جعلوا أصل دينهم النظر في دليل الأعراض وحدوث الأجسام # والمقصود هنا أن هؤلاء جعلوا هذا أصل دينهم وإيمانهم، وجعلوا النظر في ~~هذا الدليل هو النظر الواجب على كل مكلف، وأنه من لم ينظر في هذا الدليل؛ ~~فإما أنه لا يصح إيمانه، فيكون كافرا1 على قول طائفة منهم، وإما أن يكون ~~عاصيا2 على قول آخرين، وإما أن يكون مقلدا لا علم له بدينه، لكنه ينفعه هذا ~~التقليد، ويصير به مؤمنا غير عاص. # الرسول لم يدع الخلق إلى دليل النظر # والأقوال الثلاثة باطلة؛ لأنها مفرعة على أصل باطل، وهو أن النظر الذي هو ~~أصل الدين والإيمان، هو هذا النظر في هذا الدليل؛ فإن علماء المسلمين ~~يعلمون بالاضطرار أن الرسول لم يدع الخلق بهذا النظر، ولا بهذا الدليل؛ لا ~~عامة الخلق، ولا خاصتهم3، فامتنع أن يكون هذا شرطا في الإيمان والعلم. ~~PageV01P255 # وقد شهد القرآن والرسول لمن شهد له من الصحابة وغيرهم بالعلم، وأنهم ~~عالمون بصدق الرسول، وبما جاء به، وعالمون بالله، وبأنه لا إله إلا الله، ~~ولم يكن الموجب لعلمهم هذا الدليل المعين1؛ كما قال تعالى: # {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط ~~العزيز الحميد} 2، وقال: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا ~~العلم قائما بالقسط} 3، وقال: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن ~~هو أعمى} 4. # وقد وصف باليقين والبصيرة في غير موضع؛ كقوله: {وبالآخرة هم يوقنون} 5، ~~وقوله: {أولئك على هدى من ربهم} 6، وقوله: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله ~~على بصيرة أنا ومن اتبعني} 7، وأمثال ذلك. # فتبين أن هذا النظر والاستدلال الذي أوجبه هؤلاء، وجعلوه أصل الدين، ليس ~~مما أوجبه الله ورسوله8. ولو قدر أنه صحيح في نفسه، وأن PageV01P256 # الرسول أخبر بصحته، ولم يلزم من ذلك وجوبه؛ إذ قد يكون للمطلوب أدلة ~~كثيرة. # طعن الرازي وغيره على الجويني # ولهذا طعن الرازي1، وأمثاله2 على أبي المعالي3 في قوله أنه لا يعلم حدوث ms111 ~~العالم إلا بهذا الطريق4، وقالوا: هب أنه يدل على حدوث العالم، فمن أين يجب ~~أن لا يكون ثم طريق آخر. PageV01P257 # وسلكوا هم طرقا أخر. # فلو كانت هذه الطريقة صحيحة عقلا، وقد شهد لها الرسول والمؤمنون الذين لا ~~يجتمعون على ضلالة بأنها طريق صحيحة، لم يتعين، مع إمكان سلوك طرق أخرى1. # كما أنه في القرآن سور وآيات قد ثبت بالنص والإجماع أنها من آيات الله ~~الدالة على الهدى. ومع هذا، فإذا اهتدى الرجل بغيرها، وقام بالواجب، ومات ~~ولم يعلم بها، ولم يتمكن من سماعها، لم يضره؛ كالآيات المكية التي اهتدى ~~بها من آمن ومات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل سائر ~~القرآن. فالدليل يجب طرده، لا يجب عكسه2 PageV01P258 # من أنكر سلوك هذه الطريقة # ولهذا أنكر كثير من العلماء على هؤلاء إيجاب سلوك هذه الطريق، مع تسليمهم ~~أنها صحيحة؛ كالخطابي 12، والقاضي أبي يعلى3، وابن عقيل45، وغيرهم6. ~~PageV01P259 # والأشعري1 نفسه أنكر على من أوجب سلوكها أيضا في رسالته إلى أهل الثغر، ~~مع اعتقاده صحتها2، واختصر منها طريقة ذكرها في أول كتابه المشهور المسمى ب ~~((اللمع)) في الرد على أهل البدع، وقد اعتنى به أصحابه حتى شرحوه شروحا ~~كثيرة. والقاضي أبو بكر3 شرحه، ونقض كتاب عبد الجبار4 الذي صنفه في نقضه، ~~وسماه ((نقض نقض اللمع)) 5. PageV01P260 # دليل الأعراض وحدوث الأجسام يوجب اعتقادات ولوزام باطلة # وأما أكابر أهل العلم من السلف والخلف: فعلموا أنها طريقة باطلة في ~~نفسها، مخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول، وأنه لا يحصل بها العلم ~~بالصانع، ولا بغير ذلك1، بل يوجب سلوكها اعتقادات باطلة توجب2 مخالفة كثير ~~مما جاء به الرسول، مع مخالفة صريح المعقول3؛ كما أصاب من سلكها من ~~الجهمية، والمعتزلة، والكلابية، والكرامية، ومن تبعهم من الطوائف، وإن لم ~~يعرفوا غورها وحقيقتها؛ فإن أئمة هؤلاء الطوائف صار كل منهم يلتزم ما يراه ~~لازما له ليطردها، فيلتزم لوازم4 مخالفة للشرع والعقل، فيجيء الآخر، فيرد ~~عليه، ويبين فساد ما التزمه، ويلتزم هو لوازم أخر لطردها، فيقع أيضا في ~~مخالفة الشرع والعقل. ms112 PageV01P261 # الجهمية التزموا لأجلها نفي الأسماء والصفات # فالجهمية التزموا لأجلها نفي أسماء الله وصفاته، إذ كانت الصفات أعراضا ~~تقوم بالموصوف، ولا يعقل موصوف بصفة إلا الجسم1، فإذا اعتقدوا حدوثه، ~~اعتقدوا حدوث كل موصوف بصفة، والرب تعالى قديم. فالتزموا نفي صفاته. ~~وأسماؤه مستلزمة لصفاته؛ فنفوا أسماءه الحسنى2، وصفاته العلا3. # المعتزلة التزموا نفي الصفات # والمعتزلة استعظموا نفي الأسماء لما فيه من4 تكذيب القرآن تكذيبا ظاهر ~~الخروج عن العقل والتناقض؛ فإنه لا بد من التمييز بين الرب وغيره بالقلب ~~واللسان، فما لا يميز من غيره لا حقيقة له ولا إثبات. وهو حقيقة قول ~~الجهمية؛ فإنهم لم يثبتوا في نفس الأمر شيئا قديما البتة5. PageV01P262 # الفلاسفة قالوا بقدم العالم # كما أن المتفلسفة الذين سلكوا مسلك الإمكان والوجوب1، وجعلوا ذلك بدل ~~الحادث والقديم، لم يثبتوا واجبا بنفسه البتة2، وظهر بهذا فساد عقلهم، ~~وعظيم جهلهم، مع الكفر؛ وذلك أنه يشهد وجود السموات وغيرها. فهذه الأفلاك ~~إن كانت قديمة واجبة، فقد ثبت وجود الموجود القديم الواجب، وإن كانت ممكنة، ~~أو محدثة، فلا بد لها من واجب قديم؛ فإن وجود الممكن بدون الواجب3، والمحدث ~~بدون القديم ممتنع في بداية العقول. فثبت وجود موجود قديم واجب بنفسه على ~~كل تقدير. # فإذا كان ما ذكروه من نفي الصفات عن القديم والواجب يستلزم نفي القديم ~~مطلقا، ونفي الواجب: علم أنه باطل4. PageV01P263 # من نفى صفة لزمه نفي جميع الصفات # وقد بسط هذا في مواضع1، وبين أن كل من نفى صفة مما أخبر به الرسول لزمه ~~نفي جميع الصفات، فلا يمكن القول بموجب أدلة العقول، إلا مع القول بصدق ~~الرسول؛ فأدلة العقول مستلزمة لصدق الرسول2؛ فلا يمكن مع عدم تصديقه القول ~~بموجب العقول، بل من كذبه فليس معه لا عقل، ولا سمع؛ كما أخبر الله تعالى ~~عن أهل النار: # قال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم ياتكم نذير قالوا بلى ~~قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير ~~وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما ms113 كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا ~~لأصحاب السعير} 3، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع4. PageV01P264 # المعتزلة نفوا الصفات وأثبتوا الأسماء # والمقصود هنا أن المعتزلة لما رأوا الجهمية قد نفوا أسماء الله الحسنى، ~~[استعظموا ذلك] 1، وأقروا بالأسماء. ولما رأوا هذه الطريق2 توجب نفي ~~الصفات: نفوا الصفات؛ فصاروا متناقضين؛ فإن إثبات حي، عليم، قدير، حكيم، ~~سميع، بصير، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا حكمة، ولا سمع، ولا بصر: ~~مكابرة للعقل؛ كإثبات مصل بلا صلاة، وصائم بلا صيام، وقائم بلا قيام، ونحو ~~ذلك من الأسماء المشتقة؛ كأسماء الفاعلين، والصفات المعدولة عنها. # ولهذا ذكروا في أصول الفقه3 أن صدق الاسم المشتق4؛ كالحي، والعليم لا ~~ينفك عن صدق المشتق منه؛ كالحياة، والعلم. وذكروا النزاع مع من5 ذكروه من ~~المعتزلة؛ كأبي علي6، وأبي PageV01P265 # هاشم1، # الكلابية أثبتوا الصفات العقلية # فجاء ابن كلاب، ومن اتبعه؛ كالأشعري، والقلانسي2، فقرروا أنه لا بد من ~~إثبات الصفات متابعة للدليل السمعي والعقلي، مع إثبات الأسماء. وقالوا: ~~ليست أعراضا3؛ لأن العرض لا يبقى PageV01P266 # زمانين1، [وصفات الرب باقية2. # من قال: إن العرض لا يبقى زمانين # وسلكوا في هذا الفرق - وهو أن العرض لا يبقى زمانين] 3 - مسلكا أنكره ~~عليهم جمهور العقلاء، وقالوا: إنهم خالفوا الحس وضرورة العقل، وهم موافقون ~~لأولئك4 على صحة هذه الطريقة - طريقة الأعراض - قالوا: وهذه5 تنفي عن الله ~~أن يقوم به حادث، وكل حادث فإنما يكون بمشيئته وقدرته. قالوا: فلا يتصف ~~بشيء من هذه الأمور؛ لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يقوم به فعل اختياري ~~يحصل بمشيئته وقدرته6؛ كخلق العالم، وغيره. # بل منهم من قال: لا يقوم به فعل، بل الخلق هو المخلوق؛ كالأشعري ومن ~~وافقه7. PageV01P267 # ومنهم من قال: بل فعل الرب قديم أزلي، وهو من صفاته الأزلية؛ وهو قول ~~قدماء الكلابية1، وهو الذي ذكره أصحاب ابن خزيمة2 # ما وقع بين ابن خزيمة والكلابية # لما وقع بينه وبينهم بسبب هذا الأصل، فكتبوا عقيدة اصطلحوا عليها3، ~~وفيها: إثبات الفعل القديم الأزلي. # وكان سبب ذلك أنهم كانوا كلابية يقولون: إنه لا يتكلم بمشيئته ms114 وقدرته، بل ~~كلامه المعين لازم لذاته أزلا وأبدا. PageV01P268 # وكان ابن خزيمة وغيره على القول المعروف للمسلمين وأهل السنة: أن الله ~~يتكلم بمشيئته وقدرته، وكان قد بلغه عن الإمام أحمد أنه كان يذم الكلابية، ~~وأنه أمر بهجر الحارث المحاسبي1 لما بلغه أنه على قول ابن كلاب2. وكان ~~يقول: حذروا عن حارث الفقير؛ فإنه جهمي3. واشتهر هذا عن أحمد4. PageV01P269 # وكان بنيسابور1 طائفة من الجهمية والمعتزلة ممن يقولون2 إن القرآن وغيره ~~من كلام الله مخلوق، ويطلقون القول بأنه متكلم بمشيئته وقدرته، ولكن مرادهم ~~بذلك أنه يخلق كلاما بائنا عنه، قائما بغيره؛ كسائر المخلوقات. وكان من ~~هؤلاء من عرف أصل ابن كلاب، فأراد التفريق بين ابن خزيمة وبين طائفة من ~~أصحابه، فأطلعه على حقيقة قولهم3، فنفر PageV01P270 # منه1. وهم كانوا قد بنوا ذلك على أصل ابن كلاب، واعتقدوا أنه لا تقوم به ~~الحوادث بناء على هذه الطريقة؛ طريقة الأعراض. وابن خزيمة شيخهم، وهو ~~الملقب بإمام الأئمة، وأكثر الناس معه، ولكن لا يفهمون حقيقة النزاع؛ ~~فاحتاجوا لذلك إلى ذكر عقيدة لا يقع فيها نزاع بين الكلابية وبين أهل ~~الحديث والسنة؛ فذكروا فيها: أن كلام الله غير مخلوق، وأنه لم يزل متكلما2، ~~وأن فعله أيضا غير مخلوق؛ فالمفعول مخلوق، ونفس فعل الرب له قديم غير ~~مخلوق3. # وهذا قول الحنفية، وكثير من الحنبلية، والشافعية، والمالكية، وهو اختيار ~~القاضي أبي يعلى وغيره في آخر عمره. وبسط هذا له موضع آخر4. PageV01P271 # افتراق الأمة بسبب طريقة الأعراض # والمقصود التنبيه على افتراق الأمة بسبب هذه الطريقة. # ولما عرف كثير من الناس باطن قول ابن كلاب، وأنه يقول: إن الله لم يتكلم ~~بالقرآن العربي، وإن كلامه شيء واحد؛ هو معنى آية الكرسي، وآية الدين1 ~~عرفوا ما فيه من مخالفة الشرع والعقل؛ فنفروا2 عنه، وعرفوا أن هؤلاء ~~يقولون: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، فأنكروه. # وكان ممن أنكر ذلك الكرامية3، وغير الكرامية؛ كأصحاب أبي معاذ ~~PageV01P272 # التومني1، وزهير البابي2، وداود بن3 علي4، وطوائف. فصار كثير من هؤلاء ~~يقولون: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته، فأنكروه، لكن يراعي تلك ms115 الطريقة ~~لاعتقاده صحتها؛ فيقول: إنه لم يكن في الأزل متكلما؛ لأنه إذا PageV01P273 # كان لم يزل متكلما بمشيئته، لزم وجود حوادث لا تتناهى12. # وأصل الطريقة أن هذا ممتنع، فصار حقيقة قول هؤلاء أنه صار متكلما بعد أن ~~لم يكن متكلما. # فخالفوا قول السلف والأئمة، أنه لم يزل متكلما إذا شاء. # وبسط هذه الأمور له موضع آخر3. # ذم السلف للكلام والمتكلمين # والمقصود هنا أن كثيرا من أهل النظر صار ما يوجبونه من النظر والاستدلال ~~ويجعلونه أصل الدين والإيمان هو هذه الطريقة المبتدعة في الشرع، المخالفة ~~للعقل، التي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمها وذم أهلها: # فذمهم للجهمية الذين ابتدعوا هذه الطريقة أولا متواتر مشهور، قد صنف فيه ~~مصنفات4. وذمهم للكلام والمتكلمين مما عني به أهل هذه الطريقة؛ PageV01P274 # كذم الشافعي لحفص الفرد12، الذي كان على قول ضرار بن3 عمرو4. PageV01P275 # وذم أحمد بن حنبل لأبي عيسى؛ محمد بن1 عيسى برغوث23، الذي كان على قول ~~حسين النجار4. وذمهما، وذم أبي يوسف56، PageV01P276 # ومالك1، وغيرهم2 لأمثال هؤلاء الذين سلكوا هذه الطريقة3. # وقد صنف في ذم الكلام وأهله مصنفات أيضا4، وهو متناول لأهل PageV01P277 # هذه الطريقة قطعا. فكان إيجاب النظر بهذا التفسير باطلا قطعا، بل هذا نظر ~~فاسد يناقض الحق والإيمان. # حذاق الطوائف ببينوا فساد طريقة الأعراض # ولهذا صار من يسلك هذه الطريقة1 من حذاق الطوائف يتبين لهم فسادها2؛ كما ~~ذكر مثل ذلك أبو حامد الغزالي3، وأبو عبد الله الرازي4، وأمثالهما5. ~~PageV01P278 # ثم الذي يتبين له فسادها: إذا لم يجد عند من يعرفه من المتكلمين في أصول ~~الدين غيرها بقي حائرا مضطربا1. # الفلاسفة تسلطوا على المتكلمين بسبب فساد طريقة الأعراض # والقائلون بقدم العالم؛ من الفلاسفة، والملاحدة، وغيرهم تبين2 لهم ~~فسادها؛ فصار ذلك من أعظم حججهم على قولهم الباطل؛ فيبطلون قول هؤلاء أنه ~~صار فاعلا، أو فاعلا ومتكلما بمشيئته بعد أن لم يكن3، ويثبتون وجوب دوام ~~نوع الحوادث، ويظنون أنهم إذا أبطلوا كلام أولئك المتكلمين بهذا حصل ~~مقصودهم4. وهم5 أضل وأجهل من أولئك6؛ فإن أدلتهم لا توجب قدم شيء بعينه من ms116 ~~العالم، بل كل ما سوى الله فهو حادث مخلوق كائن بعد أن لم يكن، ودلائل ~~كثيرة غير تلك الطريقة7. PageV01P279 # وإن كان الفاعل لم يزل فاعلا لما يشاء، ومتكلما بما يشاء، وصار كثير من ~~أولئك1 إذا ظهر له فساد أصل أولئك المتكلمين المبتدعين، وليس عنده إلا ~~قولهم، وقول هؤلاء2، يميل إلى قول هؤلاء الملاحدة، ثم قد يبطن ذلك، وقد ~~يظهر لمن يأمنه. # أثر طريقة الأعراض على المتصوفة # وابتلي بهذا كثير من أهل النظر والعبادة والتصوف، وصاروا يظهرون هذا في ~~قالب المكاشفة3، ويزعمون أنهم أهل التحقيق والتوحيد PageV01P280 # والعرفان. فأخذوا من نفي الصفات أن صانع العالم1 لا داخل العالم، ولا ~~خارجه. ومن قول هؤلاء: إن العالم قديم، ولم يروا موجودا سوى العالم، ~~فقالوا: إنه هو الله، وقالوا: هو الوجود المطلق، والوجود واحد، وتكلموا في ~~وحدة الوجود2، وأنه الله بكلام ليس هذا موضع بسطه3. PageV01P281 # ثم لما ظهر أن كلامهم يخالف الشرع والعقل، صاروا يقولون: ثبت1 عندنا في ~~الكشف ما يناقض صريح العقل، ويقولون: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في ~~كلامنا، ومن أراد أن يحصل له هذا العلم اللدني الأعلى، فليترك العقل ~~والنقل2. وصار حقيقة قولهم الكفر بالله، وبكتبه، ورسله، وباليوم الآخر من ~~جنس قول الملاحدة الذين يظهرون التشيع. لكن أولئك لما كان ظاهر قولهم هو ذم ~~الخلفاء كأبي بكر وعمر وعثمان [رضي الله عنهم] 3، صارت وصمة الرفض تنفر ~~عنهم خلقا كثيرا لم يعرفوا باطن أمرهم، وهؤلاء صاروا ينتسبون إلى المعرفة ~~والتوحيد واتباع شيوخ الطرق؛ PageV01P282 # كالفضيل1، وإبراهيم بن أدهم2، والتستري3، والجنيد4، وسهل بن5 عبد الله6، ~~وأمثال هؤلاء ممن له في الأمة لسان صدق، فاغتر بهؤلاء من لم يعرف باطن ~~أمرهم، وهم في الحقيقة من أعظم خلق الله خلافا لهؤلاء المشايخ PageV01P283 # السادة، ولمن هو أفضل منهم من السابقين الأولين، والأنبياء المرسلين1. # وكان من أسباب ذلك أن العبادة والتأله والمحبة ونحو ذلك مما يتكلم فيه ~~شيوخ المعرفة والتصوف أمر معظم في القلوب، والرسل إنما بعثوا بدعاء الخلق ~~إلى أن يعرفوا الله، ويكون أحب إليهم من كل ما ms117 سواه، فيعبدوه ويألهوه، ولا ~~يكون لهم معبود مألوه غيره2. # وقد أنكر جمهور أولئك المتكلمين أن يكون الله محبوبا، أو أنه يحب شيئا، ~~أو يحبه أحد3. وهذا في الحقيقة إنكار لكونه إلها معبودا؛ فإن PageV01P284 # الإله: هو المألوه الذي يستحق أن يؤله ويعبد، والتأله والتعبد: يتضمن ~~غاية الحب بغاية الذل1. # الإلهية: القدرة على الاختراع عند الأشعري # ولكن غلط كثير من أولئك، فظنوا أن الإلهية هي القدرة على الخلق، وأن ~~الإله بمعنى الآله، وأن العباد يألههم الله، لا أنهم هم يألهون الله؛ كما ~~ذكر ذلك طائفة منهم الأشعري وغيره2. # وطائفة ثالثة3 لما رأت ما دل على أن الله يحب أن يكون محبوبا من أدلة ~~الكتاب والسنة، # الذين غلطوا في مسمى المحبة والإرادة # وكلام السلف وشيوخ أهل المعرفة، صاروا يقرون PageV01P285 # بأنه محبوب، لكنه هو نفسه لا يحب شيئا إلا بمعنى المشيئة، وجميع الأشياء ~~مرادة له فهي محبوبة له. وهذه طريقة كثير من أهل النظر والعبادة والحديث؛ ~~كأبي إسماعيل الأنصاري1، وأبي حامد الغزالي، وأبي بكر بن العربي23. ~~PageV01P286 # وحقيقة هذا القول أن الله يحب الكفر، والفسوق، والعصيان، ويرضاه1. وهذا ~~هو المشهور من قول الأشعري وأصحابه2، وقد ذكر أبو المعالي أنه أول من قال ~~ذلك3، وكذلك ذكر ابن عقيل4 أن أول من قال إن الله يحب الكفر والفسوق ~~والعصيان هو الأشعري وأصحابه، وهم قد يقولون لا يحبه دينا، ولا يرضاه دينا، ~~كما يقولون: لا يريده دينا؛ أي لا يريد أن يكون فاعله مأجورا، وأما هو نفسه ~~فهو محبوب له كسائر المخلوقات؛ فإنها عندهم محبوبة له؛ إذ كان ليس عندهم ~~إلا إرادة واحدة PageV01P287 # شاملة لكل مخلوق؛ فكل مخلوق، فهو عندهم محبوب مرضي1. # وجماهير المسلمين يعرفون أن هذا القول معلوم الفساد بالضرورة من دين أهل ~~الملل، وأن المسلمين واليهود والنصارى متفقون على أن الله لا يحب الشرك، ~~ولا تكذيب الرسل، ولا يرضى ذلك، بل هو يبغض ذلك ويمقته ويكرهه؛ كما ذكر ~~الله في سورة بني إسرائيل ما ذكره من المحرمات، ثم قال: {كل ذلك كان سيئه ~~عند ربك مكروها} ms118 2. وبسط هذه الأمور له مواضع أخر3. PageV01P288 # الذين أوجبوا النظر أعرضوا عن طريق الرسول # والمقصود هنا أن الذين أعرضوا عن طريق الرسول في العلم و1العمل وقعوا في ~~الضلال والزلل، وأن أولئك لما أوجبوا النظر الذي ابتدعوه، صارت فروعه ~~فاسدة، إن قالوا إن من لم يسلكها كفر أو عصى2، فقد عرف بالاضطرار من دين ~~الإسلام أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يسلكوا طريقهم، وهم خير ~~الأمة3. وإن قالوا: إن من ليس عنده علم ولا بصيرة بالإيمان، بل قاله تقليدا ~~محضا من غير معرفة يكون مؤمنا، فالكتاب والسنة يخالف4 ذلك. ولو أنهم سلكوا ~~طريقة الرسول، لحفظهم الله من هذا التناقض؛ فإن ما جاء به الرسول جاء من ~~عند الله5، PageV01P289 # وما ابتدعوه جاؤوا به من عند غير الله، وقد قال تعالى: {ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} 1. # وهؤلاء2 بنوا دينهم على النظر، والصوفية بنوا دينهم على الإرادة، وكلاهما ~~لفظ مجمل، يدخل فيه الحق والباطل. # فالحق: هو النظر الشرعي، والإرادة الشرعية. # النظر الشرعي # [فالنظر الشرعي] 3: [هو] 4 النظر فيما بعث به الرسول من الآيات والهدى؛ ~~كما قال: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان} 5. # الإرادة الشرعية والسماع الشرعي والدليل الشرعي # والإرادة الشرعية: إرادة ما أمر الله به ورسوله. والسماع الشرعي: سماع ما ~~أحب الله سماعه كالقرآن. والدليل الذي يستدل به هو الدليل الشرعي، وهو الذي ~~دل الله به عباده، وهداهم به إلى صراط مستقيم6؛ فإنه لما ظهرت البدع، ~~والتبس الحق بالباطل صار اسم النظر، والدليل، والسماع، [والإرادة يطلق على ~~ثلاثة أمور: # إطلاقات النظر والإرادة والسماع والدليل # منهم: من يريد به البدعي دون الشرعي؛ فيريدون بالدليل: ما ابتدعوه من ~~الأدلة الفاسدة، والنظر فيها. ومن السماع والإرادة] 7: ما ابتدعوه من ~~PageV01P290 # اتباع ذوقهم ووجدهم، وما تهواه أنفسهم، وسماع الشعر والغناء الذي يحرك ~~هذا الوجد التابع لهذه الإرادة النفسانية التي مضمونها اتباع ما تهوى ~~الأنفس بغير هدى من الله. # ومنهم: من يريد مطلق الدليل والنظر، ومطلق السماع والإرادة، من غير ms119 ~~تقييدها لا بشرعي ولا ببدعي. فهؤلاء يفسرون قوله: {الذين يستمعون القول} 1: ~~بمطلق القول الذي يدخل فيه القرآن والغناء، ويستمعون إلى هذه وهذا، وأولئك2 ~~يفسرون الإرادة بمطلق المحبة للإله3 من غير تقييدها بشرعي ولا بدعي، ~~ويجعلون الجميع من أهل الإرادة؛ سواء عبد الله بما أمر الله به ورسوله من ~~التوحيد وطاعة الرسول، أو كان عابدا للشيطان مشركا، عابدا بالبدع، وهؤلاء ~~أوسطهم، وهم أحسن حالا من الذين قيدوا ذلك بالبدعي # وأما القسم الثالث: فهم صفوة الأمة، وخيارها المتبعون للرسول علما وعملا، ~~يدعون إلى النظر والاستدلال والاعتبار بالآيات والأدلة والبراهين التي بعث ~~الله بها رسوله، وتدبر القرآن وما فيه من البيان، ويدعون إلى المحبة ~~والإرادة الشرعية؛ وهي محبة الله وحده، وإرادة عبادته وحده لا شريك له بما ~~أمر به على لسان رسوله؛ فهم لا يعبدون إلا الله، ويعبدونه بما شرع وأمر، ~~ويستمعون ما أحب استماعه، وهو قوله الذي قال فيه: {أفلم يدبروا القول} 4، ~~وهو الذي قال فيه: {فبشر عباد الذين يستمعون القول PageV01P291 # فيتبعون أحسنه} 1؛ كما قال: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} 2. ~~وقال: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة ~~وامر قومك يأخذوا بأحسنها} 3. # [والله] 4 سبحانه بين القدرة على الابتداء؛ كقوله: {إن كنتم في ريب من ~~البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير ~~مخلقة لنبين لكم} الآية5، ومثل قوله: {ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج ~~حيا أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} 6 الآية، ومثل قوله: ~~{وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} 7، وغير ذلك. # الاستدلال على الخالق بخلق الإنسان طريق عقلي صحيح # فالاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، وهي طريقة ~~عقلية صحيحة. وهي شرعية؛ دل القرآن عليها، وهدى الناس إليها، وبينها وأرشد ~~إليها. وهي عقلية8؛ فإن نفس كون الإنسان حادثا PageV01P292 # بعد أن لم ms120 يكن، ومولودا ومخلوقا من نطفة، ثم من علقة، هذا لم يعلم بمجرد ~~خبر الرسول، بل هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم؛ سواء أخبر به الرسول، أو لم ~~يخبر. لكن الرسول أمر أن يستدل به، ودل به، وبينه، واحتج به؛ فهو دليل ~~شرعي؛ لأن الشارع استدل به، وأمر أن يستدل به؛ وهو عقلي؛ لأنه بالعقل تعلم ~~صحته. وكثير من المتنازعين في المعرفة هل تحصل بالشرع، أو بالعقل لا ~~يسلكونه. وهو عقلي شرعي، وكذلك غيره من الأدلة التي في القرآن؛ مثل ~~الاستدلال بالسحاب والمطر؛ هو مذكور في القرآن في غير موضع، وهو عقلي شرعي؛ ~~كما قال تعالى: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا ~~تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون} 1؛ فهذا مرئي بالعيون. وقال تعالى: ~~{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} 2، ثم قال: ~~{أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} 3. # فالآيات التي يريها الناس، حتى يعلموا أن القرآن حق، هي آيات عقلية؛ ~~يستدل بها العقل على أن القرآن حق، وهي شرعية؛ دل الشرع عليها، وأمر بها. ~~والقرآن مملوء من ذكر الآيات العقلية التي يستدل بها العقل، وهي شرعية؛ لأن ~~الشرع دل عليها، وأرشد إليها. # ولكن كثير4 من الناس لا يسمي دليلا شرعيا إلا ما دل بمجرد خبر الرسول، ~~وهو اصطلاح قاصر، ولهذا يجعلون أصول الفقه هو لبيان الأدلة PageV01P293 # الشرعية؛ الكتاب، والسنة، والإجماع. والكتاب يريدون به أن يعلم مراد ~~الرسول فقط. والمقصود من أصول الفقه: هو معرفة الأحكام الشرعية العملية؛ ~~فيجعلون الأدلة الشرعية: ما دلت على الأحكام العملية فقط، ويخرجون ما دل ~~بإخبار الرسول عن أن يكون شرعا، فضلا عما دل بإرشاده وتعليمه. ولكن قد ~~يسمون هذا دليلا سمعيا، ولا يسمونه شرعيا، وهو اصطلاح قاصر. والأحكام ~~العملية أكثر الناس يقولون إنها تعلم بالعقل أيضا، وأن العقل قد يعرف الحسن ~~والقبح، فتكون الأدلة العقلية دالة على الأحكام العملية أيضا. # ويجوز أن تسمى شرعية؛ لأن الشرع قررها، ووافقها، أو دل عليها وأرشد ~~إليها؛ كما قيل مثل ms121 ذلك في المطالب الخبرية؛ كإثبات الرب، ووحدانيته، وصدق ~~رسله، وقدرته على المعاد: أن الشرع دل عليها، وأرشد إليها. وبسط هذا له ~~موضع آخر1. PageV01P294 # الأشعري بنى أصول الدين على دليل الحوادث # والمقصود هنا: أن الأشعري بنى أصول الدين في ((اللمع)) ، و ((رسالة ~~الثغر)) على كون الإنسان مخلوقا محدثا، فلا بد له من محدث1، لكون هذا ~~الدليل مذكورا في القرآن، فيكون شرعيا عقليا. # لكنه في نفس الأمر سلك في ذلك طريقة الجهمية بعينها2؛ وهو الاستدلال على ~~حدوث الإنسان بأنه مركب من الجواهر المفردة3، فلم يخل من الحوادث، وما لم ~~يخل من الحوادث فهو حادث؛ فجعل العلم بكون الإنسان محدثا، وبكون غيره من ~~الأجسام المشهودة محدثا إنما يعلم بهذه الطريقة؛ وهو أنه مؤلف من الجواهر ~~المفردة، وهي لا تخلو من اجتماع وافتراق - وتلك أعراض حادثة4 - وما لم ينفك ~~من الحوادث، فهو محدث5. PageV01P295 # وهذه الطريقة أصل ضلال هؤلاء؛ فإنهم أنكروا المعلوم بالحس، والمشاهدة، ~~والضرورة العقلية؛ من حدوث المحدثات المشهود حدوثها، وادعوا أنه إنما يشهد1 ~~حدوث أعراض لا حدوث أعيان، مع تنازعهم في الأعراض. ثم قالوا: والأجسام لا ~~تخلو من الأعراض - وهذا صحيح، ثم قالوا: والأعراض حادثة. فاضطربوا هنا. ثم ~~قالوا: وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. وهذا أصل دينهم، وهو أصل فاسد ~~مخالف للسمع والعقل، كما قد بسط في غير هذا الموضع2. # والمتفلسفة أشد مخالفة للعقل والسمع منهم، لكنهم عرفوا فساد طريقتهم هذه ~~العقلية، فاستطالوا عليهم بذلك، وسلكوا ما هو أفسد منها كطريقة الإمكان ~~والوجوب3؛ كما قد بسط في موضع آخر4؛ # فلبسوا هذا الباطل بالحق الذي جاء به الرسول؛ وهو الاستدلال بحدوث ~~الإنسان وغيره PageV01P296 # من المحدثات التي يشهد حدوثها. فصار في كلامهم حق وباطل، من جنس ما أحدثه ~~أهل الكتاب؛ حيث لبسوا الحق بالباطل، واحتاجوا في ذلك إلى كتمان الحق - ~~الذي جاء به الرسول - الذي يخالف ما أحدثوه، فصاروا يكرهون ظهور ما جاء به ~~الرسول، بل يمنعون عن قراءة الأحاديث وسماعها، وقراءة كلام السلف وسماعه. # ومنهم من يكره قراءة القرآن وحفظه. والذين لا ms122 يقدرون على المنع من ذلك، ~~صاروا يقرأون حروفه، ولا يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله، بل إن ~~اشتغلوا بعلومه اشتغلوا بتفسير من يشركهم في بدعتهم؛ ممن يحرف1 الكلم؛ كلم ~~الله عن مواضعه. والأصل العقلي الحسي الذي به فارقوا العقل والسمع، هو: ~~حدوث ما يشهد حدوثه؛ مثل حدوث الزرع، والثمار، وحدوث الإنسان، وغيره من ~~الحيوان، وحدوث السحاب، والمطر، ونحو ذلك من الأعيان القائمة بنفسها، غير ~~حدوث الأعراض؛ كالحركة، والحرارة، والبرودة، والضوء، والظلمة، وغير ذلك. بل ~~تلك الأعيان التي يسمونها أجساما وجواهر هي حادثة؛ فإنه معلوم أن الإنسان ~~مخلوق من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، وأن الثمار تخلق من الأشجار، وأن ~~الزرع تخلق من الحب، والشجر تخلق من النوى؛ قال # تعالى: {إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من ~~الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر ~~حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون وهو الذي أنشأكم من نفس ~~واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون وهو الذي أنزل من السماء ~~ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن ~~PageV01P297 # النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير ~~متشابه أنظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} 1. # طريقة الجهمية في خلق الإنسان هي تركيب الجواهر لا إحداثها # فهذا الإنسان، والشجر، والزرع المخلوق من مادة قد خلق منها عين قائمة ~~بنفسها، [وهم يقولون: إنما هي من] 2 الجسم3 القائم بنفسه، وهو الجوهر العام ~~في اصطلاحهم، الذي يقولون إنه مركب من الجواهر المفردة4. [وهل الذي خلق من ~~المادة هو] 5 أعيان، أم لم يخلق إلا أعراض قائمة بغيرها، وأما الأعيان فهي ~~الجواهر المفردة، [وتلك لم يخلق منها] 6 شيء في هذه الحوادث، ولكن أحدث ~~فيها جمع وتفريق؛ فكان خلق الإنسان وغيره هو تركيب تلك الجواهر، ms123 وإحداث هذا ~~التركيب لا إحداث تلك الجواهر. وأما حدوث تلك الجواهر فإنما يعلم ~~بالاستدلال، فيستدل عليه بأن الجواهر التي تركبت منها هذه الأجسام لا تخلو7 ~~من اجتماع وافتراق، والاجتماع والافتراق حادث، وما لم يخل من الحوادث فهو ~~حادث. فهذه طريق هؤلاء الجهمية أهل الكلام المحدث. # وأما جمهور العقلاء فيقولون: بل نحن نعلم حدوث هذه الأعيان القائمة ~~بنفسها، لا نقول أنه لم يحدث8 إلا عرض؛ فإن هذا القول يقتضي PageV01P298 # أن تلك الجواهر التي ركب منها آدم باقية لم يزل في كل آدمي منها شيء. ~~وهذا مكابرة؛ فإن بدن آدم لا يحتمل هذا كله، لا يحتمل أن يكون فيه جواهر ~~بعدد ذريته، لا سيما وكل آدمي إنما خلق من مني أبويه. وهم يقولون: تلك ~~الجواهر التي في مني الأبوين باقية بأعيانها في الولد. وهم يقولون: إن ~~الجواهر لا تفنى، بل تنتقل من حال إلى حال. وكثير منهم يقول إنها مستغنية ~~عن الرب بعد أن خلقها. وتحيروا فيما إذا أراد أن يفنيها: كيف يفنيها؟ كما ~~قد ذكر في غير هذا الموضع1؛ إذ المقصود هنا التنبيه على أن أصل الأصول ~~معرفة حدوث الشيء من الشيء؛ كحدوث الإنسان من المني، فهؤلاء ظنوا أنه لا ~~يحدث إلا الأعراض2. # ولهذا لما ذكر أبو عبد الله بن الخطيب الرازي في كتبه (الكبار والصغار) ~~الطرق الدالة على إثبات الصانع لم يذكر طريقا صحيحا، وليس في كتبه وكتب ~~أمثاله طريق صحيح لإثبات الصانع، بل عدلوا عن الطرق العقلية التي يعلمها ~~العقلاء بفطرتهم؛ وهي التي دلتهم عليها الرسل، إلى طرق سلكوها PageV01P299 # مخالفة للشرع والعقل، لا سيما من سلك طريقة الوجوب والإمكان متابعة لابن ~~سينا؛ كالرازي، فإن هؤلاء من أفسد الناس استدلالا كما قد ذكرنا طرق عامة ~~النظار في غير هذا الموضع؛ مثل كتاب منع تعارض العقل والنقل1، وغير ذلك2. # طرق الرازي العقلية في إثبات الصانع # والمقصود هنا أن الرازي ذكر أن ما يستدل به على إثبات الصانع3؛ إما حدوث ~~الأجسام4، وإما حدوث صفاتها5، وإما PageV01P300 # إمكانها1، وإما إمكان صفاتها2، وذكر في بعض ms124 المواضع: وإما الإحكام ~~والإتقان3، لكن الإحكام والإتقان يدل4 على العلم ابتداء، والاستدلال بحدوث ~~الأجسام، وإمكانها، وإمكان صفاتها طرق فاسدة؛ PageV01P301 # فإن [دلالة] 1 حدوثها مبنية2 على امتناع حوادث لا أول لها؛ و [دلالة] 3 ~~إمكانها مبنية4 على أن ما قامت به الصفات يمتنع أن يكون واجبا بنفسه؛ لأنه ~~مركب؛ و [دلالة] 5 إمكان صفاتها مبنية6 على تماثلها، فلا بد لتخصيص7 بعضها ~~بالصفات من مخصص. وهذه كلها طرق باطلة. # قال8: وأما الاستدلال بحدوث الصفات، فهو الاستدلال بحدوث الأعراض9. ~~PageV01P302 # وهذه الطريق1 أجود ما سلكوه من الطرق مع أنها قاصرة؛ فإن مدارها على أنهم ~~لم يعرفوا حدوث شيء من الأعيان، وإنما علموا حدوث بعض الصفات. وهذا يدل على ~~أنه لا بد لها من محدث2. # قال3: وهذا لا ينفي كون المحدث جسما، بخلاف تلك الطرق4. # وهذه الطريق تدل على أن الأعراض؛ كتركيب الإنسان لا بد له من مركب، ولا ~~ينفي بها شيء من قدم الأجسام والجواهر، بل يجوز أن يكون جميع جواهر الإنسان ~~وغيره قديمة أزلية، لكن حدثت5 فيها الأعراض. ويجوز أن يكون المحدث للأعراض ~~بعض أجسام العالم. PageV01P303 # فهذه الطريق لا تنفي أن يكون الرب بعض أجسام العالم. # وتلك باطلة، مع أن مضمونها أن الرب لا يتصف بشيء من الصفات، فهي لا تدل ~~على صانع، وإن دلت على صانع، فليس بموجود، بل معدوم، أو متصف بالوجود ~~والعدم؛ كما قد بسط في غير موضع1. # ولهذا يقول الرازي في آخر مصنفاته2: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج ~~الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة ~~القرآن؛ اقرأ في الإثبات: {إليه يصعد الكلم الطيب} 3، {الرحمن على العرش ~~استوى} 4، واقرأ في النفي: {ليس كمثله شيء} 5، PageV01P304 # {ولا يحيطون به علما} 1. قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي2. # ولما ذكر الرازي الاستدلال بحدث الصفات3؛ كالحيوان، والنبات، والمطر، ذكر ~~أن هذه طريقة القرآن4. # ولا ريب أن القرآن يذكر فيه الاستدلال بآيات الله؛ كقوله: {إن في خلق ~~السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ms125 ~~الناس وما انزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها ~~من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم ~~يعقلون} 5. وهذا مذكور بعد قوله: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن ~~الرحيم} 6، وقبل قوله: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله} 7. # لكن القرآن لم يذكر أن هذه صفات حادثة، وأنه ليس فيها إحداث عين ~~PageV01P305 # قائمة بنفسها، بل القرآن يبين أن في خلق الأعيان القائمة بنفسها آيات، ~~ويذكر الآيات في خلق الأعيان والأعراض؛ كقوله: {إن في خلق السموات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} 1، وهي ~~أعيان. ثم قال: [ {وما أنزل الله من السماء من ماء} ، والماء عين قائمة ~~بنفسها. وقوله:] 2 {فأحيا به الأرض بعد موتها} 3؛ هو ما يخلقه فيها من ~~النبات، وهو أعيان. وكذلك قوله: {وبث فيها من كل دابة} ، وقوله: {وتصريف ~~الرياح} ؛ فالرياح أعيان، وتصريفها أعراض. وقوله: {والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض} ، والسحاب أعيان. {لآيات لقوم يعقلون} 4. # وقد تقدم5 أن أصل الاشتباه في هذا أن خلق الشيء من مادة، هل هو خلق عين، ~~أم إحداث اجتماع [و] 6 افتراق وأعراض فقط. # اختلاف الناس في خلق الشيء هل هو خلق عين، أم إحداث اجتماع وافتراق على ~~ثلاثة أقوال # والناس مختلفون في هذا على ثلاثة أقوال7: فالقائلون بالجواهر المفردة8 من ~~أهل الكلام القائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر الصغار التي قد بلغت من ~~الصغر إلى حد لا يتميز منها جانب عن جانب يقولون: تلك الجواهر باقية تنقلت ~~في الحوادث، ولكن تعتقب عليها الأعراض الحادثة. والاستدلال بالأعراض على ~~حدوث ما يلزمه من الجواهر، ثم PageV01P306 # الاستدلال بذلك على المحدث، غير الاستدلال بحدوث هذه الأعراض على المحدث ~~لها؛ فتلك1 هي طريقة الجهمية المشهورة، وهي التي سلكها الأشعري في كتبه ~~كلها متابعة للمعتزلة2، ولهذا قيل: الأشعرية مخانيث المعتزلة3. # وأما الاستدلال بالحوادث على المحدث، فهي الطريقة المعروفة لكل أحد4، لكن ~~تسمية هذه أعراضا هو تسمية القائلين بالجوهر ms126 الفرد5، مع PageV01P307 # أن الرازي توقف في آخر أمره فيه؛ كما ذكر ذلك في نهاية العقول1. وذكر ~~أيضا عن أبي الحسين البصري2، وأبي المعالي3 أنهما توقفا فيه4. # والمقصود أن القائلين بالجوهر الفرد يقولون: إنما أحدث أعراضا لجمع ~~الجواهر وتفريقها. فالمادة5 التي هي الجواهر المنفردة باقية عندهم ~~بأعيانها، ولكن أحدث صورا هي أعراض قائمة بهذه الجواهر6. PageV01P308 # قول الفلاسفة # وأما المتفلسفة فيقولون: أحدث صورا في مواد باقية كما يقول هؤلاء، لكن ~~[يقولون] 1: أحدث صورا هي جواهر في مادة هي جوهر، وعندهم ثم مادة باقية ~~بعينها، والصور الجوهرية؛ كصورة الماء، والهواء، والتراب، والمولدات تعتقب ~~عليها2. # أقسام الموجودات عند الفلاسفة # وهذه المادة - عندهم3 - جوهر عقلي، وكذلك الصورة المجردة جوهر عقلي4، ~~ولكن الجسم مركب من المادة والصورة5، ولهذا قسموا الموجودات، فقالوا: إما ~~أن يكون الموجود حالا [بغيره] 6، أو محلا، أو مركبا من الحال، والمحل، [أو] ~~7 لا هذا ولا هذا. فالحال في غيره هو الصورة، والمحل هو المادة، والمركب ~~منهما هو الجسم، وما ليس كذلك؛ إن كان متعلقا بالجسم، فهو النفس، وإلا فهو ~~العقل8. # وهذا التقسيم فيه خطأ كثير من وجوه، ليس هذا موضعها9؛ إذ PageV01P309 # المقصود أنهم يقولون أيضا أنه لم يحدث جسما قائما بنفسه، بل إنما أحدث ~~صورة في مادة باقية1. # ولا ريب أن الأجسام بينها قدر مشترك في الطول والعرض والعمق، وهو المقدار ~~المجرد الذي لا يختص بجسم بعينه2، ولكن هذا المقدار المجرد هو في الذهن، لا ~~في الخارج؛ كالعدد المجرد، والسطح المجرد، والنقطة المجردة، وكالجسم ~~التعليمي3؛ وهو الطويل العريض العميق الذي لا يختص بمادة بعينها4. ~~PageV01P310 # فهذه المادة المشتركة التي أثبتوها هي في الذهن، وليس بين الجسمين في ~~الخارج شيء اشتركا فيه بعينه، فهؤلاء جعلوا الأجسام مشتركة في جوهر عقلي، ~~وأولئك جعلوها مشتركة في الجواهر الحسية. وهؤلاء قالوا: إذا خلق كل شيء من ~~شيء، فإنما أحدثت صورة، مع أن المادة باقية بعينها، لكن أفسدت صورة، وكونت ~~صورة. ولهذا يقولون عن ما تحت الفلك: عالم الكون والفساد1. # ولهذا قال ابن رشد2: "إن الأجسام المركبة من ms127 المادة والصورة هي في عالم ~~الكون والفساد، بخلاف الفلك؛ فإنه ليس مركبا من مادة وصورة عند الفلاسفة". # حيرة المتكلمين والفلاسفة في خلق الشيء من مادة # قال3: وإنما ذكر أنه مركب من هذا، وهذا: ابن سينا4. PageV01P311 # [وهؤلاء، وهؤلاء] 1 تحيروا في خلق الشيء من مادة؛ كخلق الإنسان من ~~النطفة، والحب من الحب، والشجرة من النواة، وظنوا أن هذا لا يكون إلا مع ~~بقاء أصل تلك المادة؛ إما الجواهر عند قوم2، وإما المادة المشتركة عند ~~قوم3. وهم في الحقيقة ينكرون أن يخلق الله شيئا من شيء؛ فإنه عندهم لم يحدث ~~إلا الصورة التي هي عرض عند قوم، أو جوهر عقلي عند قوم. وكلاهما لم يخلق من ~~مادة، والمادة عندهم باقية بعينها، لم يخلق، و [لن] 4 يخلق منها شيء. # وقد ذكروا في قوله: {أم خلقوا من غير شيء} 5 ثلاثة أمور: # قال ابن عباس والأكثرون: أم خلقوا من غير خالق، وهو الذي ذكره6 الخطابي7. ~~PageV01P312 # وقال الزجاج1، وابن كيسان2: "أم خلقوا عبثا وسدى، فلا يبعثون، ولا ~~يحاسبون، ولا يؤمرون، ولا ينهون؛ كما يقولون: فعلت هذا من غير شيء؛ أي: ~~لغير علة"3. # وقيل: أم خلقوا من غير مادة؛ أي: من غير أب وأم. ثم من هؤلاء من قال: فهم ~~كالجماد. ومنهم من قال: كالسموات؛ ظنا منه أنها خلقت من غير مادة. ذكر ~~الأربعة أبو الفرج45. # وذكر البغوي6 الوجهين الأولين7. PageV01P313 # قول الفلاسفة في المادة # والذي ذكرناه من قول أولئك المتكلمين والفلاسفة معنى آخر؛ وهو: أن من قال ~~المادة باقية بعينها، وإنما حدث عرض، أو صورة، وذلك لم يخلق من غيره، ولكن ~~أحدث في المادة الباقية. فلا يكون الله خلق شيئا من شيء؛ لأن المادة عندهم ~~لم تخلق. أما المتفلسفة: فعندهم المادة قديمة أزلية باقية بعينها. # قول المتكلمين في الجواهر # وأما المتكلمون: فالجواهر عندهم موجودة، ما زالت موجودة، لكن من قال إنها ~~حادثة من أهل الملل وغيرهم قالوا: يستدل على حدوثها بالدليل، لا أن خلقها ~~معلوم للناس؛ فهو عندهم مما يستدل عليه بالأدلة الدقيقة الخفية، مع ms128 أن ما ~~يذكرونه منتهاه إلى أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. وهو دليل باطل. فلا ~~دليل عندهم على حدوثها. وإذا كانت لم تخلق إذ خلق الإنسان، بل هي باقية في ~~الإنسان، والأعراض الحادثة لم تخلق من مادة، فإذا خلق الإنسان لم [يخلق] 1 ~~من شيء؛ لا جواهره، ولا أعراضه. وعلى قولهم، ما جعل الله من الماء كل شيء ~~حي، ولا خلق كل دابة من ماء، ولا خلق آدم من تراب، ولا ذريته من نطفة، بل ~~نفس الجواهر الترابية باقية بعينها لم تخلق حينئذ، ولكن أحدث فيها أعراض، ~~أو صورة حادثة، وتلك الأعراض ليست من التراب. فلما خلق آدم، لم يخلق شيء من ~~تراب، وكذلك النطفة جواهرها باقية؛ إما الجواهر المنفردة، وإما المادة. ~~والحادث هو عرض، أو صورة في مادة. ولا هذا، ولا هذا خلق من نطفة. وليس ~~قولهم أنه لم يخلق من مادة، معناه أن الخالق أبدعه لا من شيء، وأنهم قصدوا ~~بها تعظيم الخالق، بل الإنسان لا ريب أنه جوهر قائم بنفسه. وعندهم ذلك ~~القائم بنفسه ما زال موجودا، PageV01P314 # لم يخلق إذ خلق الإنسان. والجوهر الحامل لصورته ما زال موجودا أيضا؛ فلم ~~يخلق عند [هؤلاء1 إلا الأعراض] 2، وعند هؤلاء3 إلا صورة مجردة. # المخلوق عند المتكلمين والفلاسفة # وكلاهما ليس هو الإنسان، بل صفة له، أو صورة له. هذا هو المخلوق4 عندهم؛ ~~يخلق الإنسان فقط. # وقد قال تعالى: {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} 5، ~~وقال تعالى: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} 6. فقد أمر الإنسان أن يتذكر ~~أن الله خلقه ولم يك شيئا. والإنسان إذا تذكر إنما يذكر أنه خلق من نطفة. # الجواهر والأعراض عند المتكلمين # وعندهم ما زال جواهر الإنسان شيئا، وذلك الشيء باق، وإنما حدث أعراض لتلك ~~الأشياء. ومعلوم أن تلك الأعراض وحدها ليست هي الإنسان؛ فإن الإنسان مأمور، ~~منهي، حي، عليم، قدير، متكلم، سميع، بصير، موصوف بالحركة والسكون. وهذه ~~صفات الجواهر، والعرض لا يوصف بشيء؛ لا سيما وهم يقولون: العرض لا ms129 يبقى ~~زمانين7. فالمخلوق - على قولهم - لا يبقى زمانين، بل يفنى عقب ما يخلق. # اضطرابهم في البعث # ولهذا اضطربوا في المعاد؛ فإن معرفة المعاد مبنية على معرفة المبدأ، ~~والبعث مبني على الخلق. فقال بعضهم: هو تفريق تلك الأجزاء، ثم جمعها، وهي ~~PageV01P315 # باقية بأعيانها. وقال بعضهم: بل يعدمها، ويعدم الأعراض القائمة بها، ثم ~~يعيدها، وإذا أعادها فإنه يعيد تلك الجواهر التي كانت باقية، إلى أن حصلت ~~في هذا الإنسان. # اضطرابهم في جواهر المأكول إذا أعيدت من الآكل # فلهذا اضطربوا لما قيل لهم: فالإنسان إذا أكله حيوان آخر، فإن أعيدت تلك ~~الجواهر من الأول، نقصت من الثاني، وبالعكس. أما على قول من يقول إنها تفرق ~~ثم تجمع، فقيل له: تلك الجواهر إن جمعت للآكل، نقصت من المأكول، وإن ~~[أعيدت] 1 للمأكول، نقصت من الآكل2. # وأما الذي يقول: تعدم ثم تعاد بأعيانها، فقيل له: أتعدم لما أكلها الآكل، ~~أم قبل أن يأكلها؟ فإن كان بعد أن أكلها؛ فإنها تعاد في الآكل، فينقص ~~المأكول. وإن كان قبل الأكل، فالآكل لم يأكل إلا أعراضا، لم يأكل جواهر. ~~[فهذا] 3 مكابرة. ثم إن المشهور أن الإنسان يبلى ويصير ترابا كما خلق من ~~تراب، وبذلك أخبر الله. فإن قيل: إنه إذا صار ترابا عدمت تلك الجواهر؛ فهو ~~لما خلق من تراب عدمت أيضا تلك الجواهر. فكونهم يجعلون الجواهر باقية في ~~جميع الاستحالات - إلا إذا صار ترابا - تناقض بين، ويلزمهم عليه الحيوان ~~المأكول، وغير ذلك. # وكأن هذا الضلال [أصل] 4 ضلالهم في تصور الخلق الأول، والنشأة ~~PageV01P316 # الأولى التي أمرهم الرب أن يتذكروها ويستدلوا بها على قدرته على ~~الثانية1. قال تعالى: {أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن ~~قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا ~~تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} 2. # والفلاسفة أجود تصورا في هذا الموضع؛ حيث قالوا: تفسد الصورة الأولى وهي ~~جوهر، وتحدث صورة أخرى. فإن هذا أجود من أن يقال: يزول عرض ويحدث عرض. # ولكن الفلاسفة غلطوا في ms130 توهمهم أن هناك مادة باقية بعينها، وإنما تفسد ~~صورتها. # التحقيق في مسألة المادة # والحق أن المادة التي منها يخلق الثاني تفسد، وتستحيل، وتتلاشى، وينشئ ~~الله الثاني ويبتديه، ويخلق3 من غير أن يبقى من الأول شيء؛ لا مادة، ولا ~~صورة، ولا جوهر، ولا عرض. فإذا خلق الله الإنسان من المني، فالمني استحال ~~وصار علقة، والعلقة استحالت وصارت مضغة، والمضغة استحالت إلى عظام وغير ~~عظام. والإنسان بعد أن خلق، خلق كله؛ جواهره وأعراضه، وابتدأه الله ابتداء؛ ~~كما قال تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل ~~نسله من سلالة من ماء مهين} 4، وقال تعالى: {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه ~~من قبل ولم يك شيئا} 5. PageV01P317 # فالإنسان مخلوق، خلق الله جواهره وأعراضه كلها من المني؛ من مادة ~~استحالت، ليست باقية بعد خلقه؛ كما تقول المتفلسفة أن هناك مادة باقية1. # ولفظ المادة مشترك: # فالجمهور يريدون به ما منه خلق، وهو أصله وعنصره. # وهؤلاء يريدون بالمادة جوهر باق، وهو محل للصورة الجوهرية. فلم يخلق ~~عندهم الإنسان من مادة، بل المادة باقية، وأحدث2 صورته فيها؛ كما أن الصور ~~الصناعية؛ كصورة الخاتم، والسرير، والثياب، والبيوت، وغير ذلك إنما أحدث ~~الصانع صورته العرضية في مادة لم تزل موجودة ولم تفسد، ولكن حولت من صفة ~~إلى صفة. فهكذا تقول الجهمية المتكلمة المبتدعة أن الله أحدث صورة عرضية في ~~مادة باقية لم تفسد؛ فيجعلون خلق الإنسان بمنزلة عمل الخاتم، والسرير، ~~والثوب. # والمتفلسفة تقول أيضا: إن مادته باقية لم تفسد؛ كمادة الصورة الصناعية، ~~لكن يقولون: إنه أحدث صورة جوهرية. وهم قد يخلطون ولا يفرقون بين الصور ~~العرضية والجوهرية؛ فإنهم يسمون صورة الإنسان صورة في مادة، وصورة الخاتم ~~صورة في مادة؛ فيكون خلق الإنسان عند هؤلاء وهؤلاء من جنس ما يحدثه الناس ~~في الصور من المواد، ويكون خلقه بمنزلة تركيب الحائط من اللبن. ولهذا قال ~~من قال منهم: إنه يستغني عن الخالق بعد الخلق، كما يستغني الحائط عن ~~البناء. PageV01P318 # والأشعرية عندهم أن البناء، والخياط، وسائر أهل الصنائع لم ms131 يحدثوا في تلك ~~المواد شيئا؛ فإن القدرة المحدثة - عندهم - لا تتعلق إلا بما هو في محلها، ~~لا خارجا عن محلها. ويقولون: إن تلك المصنوعات كلها مخلوقة لله، ليس ~~للإنسان فيها صنع. # وخلق الله على أصلهم: هو إحداث أعراض فيها كما تقدم1. # فينكرون ما يصنعه الإنسان، وهو في الحقيقة مثلما يجعلونه [مخلوقا] 2 ~~للرحمن، وهم لا يشهدون للرحمن إحداثا ولا إفناء، بل إنما يحدث عندهم ~~الأعراض، وهي تفنى بأنفسها، لا بإفنائه، وهي تفنى عقب إحداثها. # إفناء الأعراض والجواهر عند المتكلمين # وهذا لا يعقل، وهم حائرون؛ إذا أراد أن يعدم الأجسام، كيف يعدمها؟. ~~والمشهور - عندهم - أنها تعدم بأنفسها إذا لم يخلق لها أعراضا. فالعرض يفني ~~عندهم بنفسه، والجوهر يفني بنفسه إذا لم يخلق له عرض بعد عرض. هذا في ~~الإفناء. وأما في الإحداث: فإنهم استدلوا على حدوثها بدليل باطل، لو كان ~~صحيحا، للزم حدوث كل شيء من غير محدث. # فحقيقة أصل [أهل] الكلام المتبعين للجهمية: أنه لا يحدث شيئا، ولا يفني ~~شيئا، بل يحدث كل شيء بنفسه، ويفني بنفسه، ويلزمهم جواز أن يكون الرب محدثا ~~أيضا بلا محدث. # وهذه الأصول [هي] 3 أصول دينهم العقلية التي بها يعارضون الكتاب، والسنة، ~~والمعقولات الصريحة، وهي في الحقيقة لا عقل، PageV01P319 # ولا سمع؛ كما حكى [الله] 1 عن من قال: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير} 2. # والخلق يشهدون إحداث الله لما يحدثه، وإفناءه لما يفنيه؛ كالمني الذي ~~استحال، وفني، وتلاشى، وأحدث منه هذا الإنسان؛ وكالحبة التي فنيت، ~~واستحالت، وأحدث منها الزرع؛ وكالهواء الذي استحال، وفني، وحدث منه النار ~~أو الماء؛ وكالنار التي استحالت، وحدث منها الدخان. فهو - سبحانه - دائما ~~يحدث ما يحدثه ويكونه، ويفني ما يفنيه ويعدمه. والإنسان إذا مات وصار ترابا ~~فني وعدم، وكذلك سائر ما على الأرض؛ كما قال: {كل من عليها فان} 3، ثم ~~يعيده من التراب كما خلقه ابتداء من التراب، ويخلقه خلقا جديدا. # ولكن للنشأة الثانية [أحكام] 4 وصفات ليست للأولى. # فمعرفة الإنسان بالخلق الأول، وما يخلقه من ms132 بني آدم وغيرهم من الحيوان، ~~وما يخلقه من الشجر والنبات والثمار، وما يخلقه من السحاب والمطر وغير ذلك: ~~هو أصل لمعرفته بالخلق، والبعث بالمبدأ والمعاد، وإن لم يعرف أن الله يخلقه ~~كله من المني؛ جواهره وأعراضه، وإلا فما عرف أن الله خلقه. ومن ظن أن ~~جواهره لم يخلقها إذ خلقه، بل جواهر المني، وجواهر ما يأكله ويشربه باقية ~~بعينها فيه، لم يخلقها، أو أن مادته التي تقوم بها صورته لم يخلقها إذ ~~خلقه، بل هي باقية أزلية أبدية، لم يكن قد عرف أنه مخلوق محدث. PageV01P320 # والعلماء ينكرون على من يقول إن روح الإنسان قديمة أزلية من المنتسبين ~~إلى الإسلام. # وهؤلاء الذين يقولون1 إن مادة جسمه باقية بعينها، وهي أزلية أبدية، أبعد ~~عن العقل والنقل منهم. وأولئك أنكروا عليهم حيث قالوا: [الإنسان] 2 مركب من ~~قديم ومحدث؛ من لاهوت قديم، وناسوت محدث. # [و] 3 هؤلاء4 جعلوه مركبا من مادة قديمة أزلية، وصورة محدثة، وجعلوا ~~القديم الأزلي فيه أخس ما فيه، وهو المادة؛ فإنها عندهم أخس الموجودات، وهي ~~قديمة أزلية. وأولئك5 جعلوا القديم الأزلي أشرف ما فيه وهي النفس الناطقة. ~~وكلتا الطائفتين وإن كان ضالا؛ فالشريف العالي أولى بالقدم من الخسيس ~~السافل، وهذا أولى بالحدوث. # وأما المتكلمة الجهمية: فهم لا يتصورون ما يشهدونه؛ من حدوث هذه الجواهر ~~في جواهر أخر من مادة، ثم يدعون أن الجواهر جميعها أبدعت ابتداء لا من شيء. ~~وهم لم يعرفوا قط جوهرا أحدث لا من شيء، كما لم يعرفوا عرضا أحدث لا في ~~محل. وحقيقة قولهم: أن الله لا يحدث شيئا من شيء؛ لا جوهرا، ولا عرضا؛ فإن ~~الجواهر كلها أحدثت لا من شيء، والأعراض كذلك. PageV01P321 # والمشهود المعلوم للناس إنما هو إحداثه لما يحدثه من غيره، لا إحداثا من ~~غير مادة، ولهذا قال تعالى: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} 1، ولم يقل ~~خلقتك لا من شيء، وقال تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء} 2، ولم يقل خلق ~~كل دابة لا من شيء، وقال تعالى: {وجعلنا من ms133 الماء كل شيء حي} 3. # الرد على الجهمية # وهذا4 هو القدرة التي تبهر العقول؛ وهو أن يقلب حقائق الموجودات فيحيل ~~الأول ويفنيه ويلاشيه، ويحدث شيئا آخر؛ كما قال: {فالق الحب والنوى يخرج ~~الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} 5، ويخرج الشجرة الحية، والسنبلة ~~الحية، من النواة والحبة الميتة، ويخرج النواة الميتة، والحبة الميتة، من ~~الشجرة والسنبلة الحية؛ كما يخرج الإنسان الحي من النطفة الميتة، والنطفة ~~الميتة من الإنسان الحي. # وعندهم6 لا يخرج حيا من ميت، ولا ميتا من حي؛ فإن الحي والميت إنما هو ~~الجوهر القائم بنفسه؛ فإن الحياة عرض لا يقوم إلا بجوهر، والعرض نفسه لا ~~يقوم بعرض آخر. وإن كان العرض يوصف بأنه حي؛ كما يقال: قد أحييت العلم ~~والإيمان، وأحييت الدين، وأحييت السنة والعدل؛ كما يقال: [أمات] 7 البدعة. ~~PageV01P322 # فهؤلاء1 عندهم لا يخرج جوهرا من جوهر، ولا عرضا من عرض؛ فلا يخرج حيا من ~~ميت، ولا ميتا من حي، بل الجواهر التي كانت في الميت هي بعينها باقية كما ~~كانت، ولكن أحدث فيها حياة لم تكن. # وتلك الحياة لم تخرج من ميت؛ فما أخرج عندهم حي من ميت، ولا ميت من حي، ~~ولهذا ينكرون أن يقلب الله جنسا إلى جنس آخر، ويقولون: الجواهر كلها جنس ~~واحد؛ فإذا خلق النطفة إنسانا، لم يقلب عندهم جنسا إلى جنس، بل نفس الجواهر ~~هي باقية كما كانت. وخاصية الخلق إنما هي بقلب جنس إلى جنس، وهذا لا يقدر ~~عليه إلا الله؛ كما قال تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن ~~الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب ~~شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله ~~لقوي عزيز} 2. # ولا ريب أن النخلة ما هي من جنس النواة، ولا السنبلة من جنس الحبة، ولا ~~الإنسان من جنس المني، ولا المني من جنس الإنسان. وهو يخرج هذا من هذا، ~~وهذا من هذا؛ فيخرج كل جنس من جنس آخر بعيد عن ms134 مماثلته3، و {هذا خلق الله ~~فأروني ماذا خلق الذين من دونه} 4. # وهو سبحانه إذا جعل الأبيض أسود، أعدم ذلك البياض، وجعل موضعه السواد، لا ~~أن الأجسام تعدم تلك المادة [فتحيلها، وتلاشيها، وتجعل] 5 PageV01P323 # منها هذا المخلوق الجديد، ويخلق الضد من ضده؛ كما جعل من الشجر الأخضر ~~نارا، فإذا حك الأخضر بالأخضر، سخن ما يسخنه بالحركة، حتى ينقلب نفس الأخضر ~~فيصير نارا1. وعلى قولهم ما جعل فيه نارا، بل تلك الجواهر باقية بعينها، ~~وأحدث فيها [عرض] 2 لم يكن. # وخلق الشيء من غير جنسه أبلغ في قدرة القادر الخالق سبحانه وتعالى؛ كما ~~وصف نفسه بذلك في قوله: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ~~تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب} 3. ولهذا قال للملائكة: {إني خالق ~~بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} 4، وقال: {ألم ~~نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم ~~القادرون} 5. # ولهذا امتنع اللعين؛كما قال تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا} 6، وقال: {لم أكن لأسجد لبشر ~~خلقته من صلصال من حمإ مسنون} 7. PageV01P324 # وأيضا: فكون الشيء مخلوقا من مادة وعنصر، أبلغ في العبودية من كونه خلق ~~لا من شيء، وأبعد عن مشابهة الربوبية؛ فإن الرب هو أحد، صمد، لم يلد، ولم ~~يولد، ولم يكن له كفوا أحد؛ فليس له أصل وجد منه، ولا فرع يحصل عنه. # فإذا كان المخلوق له أصل وجد منه، كان بمنزلة الولد له، وإذا خلق له شيء ~~آخر، كان بمنزلة الوالد، وإذا كان والدا ومولودا كان أبعد عن مشابهة ~~الربوبية والصمدية؛ فإنه خرج من غيره، ويخرج منه غيره؛ لا سيما إذا كانت ~~المادة التي خلق منها مهينة؛ كما قال تعالى: {ألم نخلقكم من ماء مهين} ms135 1، ~~وقال تعالى {فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب ~~والترائب إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر} 2. # وفي المسند عن [بسر] 3 بن جحاش4 قال: "بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في كفه، فوضع عليها إصبعه، ثم قال: يقول الله تعالى: ابن آدم أنى [تعجزني] ~~5، وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيت بين بردين وللأرض منك ~~وئيد، فجمعت، ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي، قلت أتصدق، وأنى أوان الصدقة"6. ~~PageV01P325 # وكذلك إذا خلق في محل مظلم وضيق؛ كما خلق الإنسان في ظلمات ثلاث، كان ~~أبلغ في قدرة القادر، وأدل على عبودية الإنسان، وذله لربه، وحاجته إليه. # وقد يقول [المعير] 1 للرجل: مالك أصل ولا فصل2، و [لكن] 3 الإنسان أصله ~~التراب، وفصله الماء المهين. # ولهذا لما خلق المسيح من غير أب، وقعت به الشبهة لطائفة4، وقالوا: إنه ~~ابن الله، مع أنه لم يخلق إلا من مادة أمه، ومن الروح التي نفخ فيها؛ كما ~~قال تعالى: {ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} 5، ~~[وقال تعالى أيضا] 6: {فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن ~~كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك [لأهب] 7 لك غلاما زكيا} 8؛ فما خلق من غير ~~مادة [يكون] 9 كالأب له، قد يظن فيه أنه ابن الله، وأن الله خلقه من ذاته. ~~PageV01P326 # فلهذا كانت الأنبياء مخلوقة من مادة لها أصول، ومنها فروع، لها والد ~~ومولود. والأحد الصمد: لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. # وحدوث الشيء لا من مادة، قد يشبه حدوثه من غير رب خالق، وقد يظن أنه حدث ~~من ذات الرب؛ كما قيل مثل ذلك في المسيح، والملائكة أنها بنات الله، لما لم ~~يكن لها [أب] 1، مع أنها مخلوقة من مادة؛ كما ثبت في الصحيح؛ صحيح مسلم عن ~~عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق ~~الجان من مارج من ms136 نار، وخلق آدم مما وصف لكم"2. # ولما ظن طائفة أنها لم تخلق من مادة، ظنوا أنها قديمة أزلية. وأيضا ~~فالدليل الذي احتج به كثير من الناس على أن كل حادث لا يحدث إلا من شيء، أو ~~في شيء؛ فإن كان عرضا لا يحدث إلا [في] 3 محل، وإن كان عينا قائمة بنفسها ~~لم [تحدث] 4 إلا من مادة، فإن الحادث إنما يحدث إذا كان حدوثه ممكنا، وكان ~~يقبل الوجود والعدم، فهو مسبوق بإمكان الحدوث وجوازه، فلا بد له من محل ~~يقوم به هذا الإمكان والجواز. # وقد تنازعوا في هذا: هل الإمكان صفة خارجية، لا بد لها من محل، أو هي حكم ~~عقلي لا يفتقر إلى غير الذهن؟ PageV01P327 # الإمكان نوعان # والتحقيق: أنه نوعان: فالإمكان الذهني: وهو تجويز الشيء، أو عدم العلم ~~بامتناعه، محله الذهن. والإمكان الخارجي المتعلق بالفاعل، أو المحل؛ مثل أن ~~[تقول] 1: يمكن القادر أن يفعل، والمحل؛ مثل أن [تقول] 2: هذه الأرض يمكن ~~أن تزرع، وهذه المرأة يمكن أن تحبل. [و] 3 هذا لا بد له من محل خارجي، فإذا ~~قيل عن الرب: يمكن أن يخلق؛ فمعناه أنه يقدر على ذلك، ويتمكن منه. وهذه صفة ~~قائمة به. # وإذا قيل: يمكن أن يحدث حادث؛ فإن قيل يمكن حدوثه بدون سبب حادث، فهو ~~ممتنع، وإذا كان الحدوث لا بد له من سبب حادث؛ فذاك السبب إن كان قائما ~~بذات الرب، فذاته قديمة أزلية، واختصاص ذلك الوقت بقيام مشيئة، أو تمام ~~تمكن، ونحو ذلك، لا يكون إلا لسبب قد أحدثه قبل هذا في غيره، فلا يحدث حادث ~~مباين إلا مسبوقا بحادث مباين له. # فالحدوث مسبوقا بإمكانه، ولا بد لإمكانه من محل، ولهذا لم يذكر الله قط ~~أنه أحدث شيئا إلا من شيء. والذي يقول إن جنس الحوادث حدثت لا من شيء، هو ~~كقولهم: إنها حدثت بلا سبب حادث، مع قولهم إنها كانت ممتنعة، ثم صارت ~~ممكنة، من غير تجدد سبب، بل حقيقة قولهم أن الرب صار قادرا بعد أن لم يكن، ~~من غير ms137 تجدد شيء يوجب ذلك. # وهذه الأمور كلها من أقوال الجهمية؛ أهل الكلام المحدث المبتدع المذموم، ~~وهو بناء على قولهم: إنه تمتنع حوادث لا أول لها. وهؤلاء وأمثالهم غلطوا ~~فيما جاء به الشرع، وأخبرت به الرسل؛ كما غلطوا في المعقولات؛ فكل واحد مما ~~يسمى شرعا، وعقلا، وسمعا، قد وقع فيه اشتباه. PageV01P328 # معنى الشرع # فالشرع يطلق تارة على ما جاء به الرسول؛ من الكتاب والسنة. هذا هو الشرع ~~المنزل، وهو الحق الذي ليس لأحد خلافه، ويطلق على ما يضيفه بعض الناس إلى ~~الشرع إما بالكذب والافتراء، وإما بالتأويل والغلط، وهذا شرع مبدل لا منزل ~~ولا يجب، بل ولا يجوز اتباعه. # لفظ السنة # وكذلك لفظ السنة: فإن السنة التي يجب اتباعها هي سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والسنة تذكر في الأصول والإعتقادات، وتذكر في الأعمال ~~والعبادات. وكلاهما يدخل فيما أخبر به وأمر به؛ فما أخبر به وجب تصديقه ~~فيه، وما أوجبه وأمر به وجبت طاعته فيه. # ثم كثير من الناس يضيف إلى السنة ما أدخله بعض الناس فيها؛ إما بالكذب، ~~وإما بالتأويل؛ مثل أحاديث كثيرة ضعيفة، بل موضوعة، واستدلالات بأقواله على ~~ما لا يدل عليه، ومثل أقوال أحدثها قوم انتسبوا إلى السنة في بعض الأمور؛ ~~مثل إثبات الصفات، والقدر؛ فإن [المنتسبين] 1 لذلك يضافون إلى السنة؛ لأن ~~نفاة الصفات، والقدر مبتدعة. # وكذلك حب الخلفاء الراشدين، وموالاتهم يضاف أهله إلى السنة؛ لأن الطاعنين ~~فيهم أهل بدعة. # ومثل الإستدلال بالنصوص على موارد النزاع؛ فإن أهل ذلك يضافون إلى السنة؛ ~~لكونهم يقصدون اتباع القرآن والحديث، والمخالفون لذلك الذين يردون الأخبار ~~الصحيحة، أو لا يحتجون بالقرآن مبتدعون. # ثم قد يقول المضافون إلى السنة أشياء ليست من السنة؛ مثل أحاديث كثيرة ~~يروونها في فضائل بعض الصحابة، وهي كذب؛ ومثل [نفي] 2 PageV01P329 # الحكمة والأسباب في مسائل القدر؛ ومثل كلامهم في الأجسام والاعراض، ~~وتناهي الحوادث، ونحو ذلك مما لم يأخذوه عن الرسول. فهذا ليس من السنة، وإن ~~كان أهلها وافقوا السنة في مواضع خالفهم [فيها] 1 من تنازعهم ms138 في هذه ~~المسائل. # فلا يجب إذا كانوا أصابوا حيث وافقوا السنة، أن يصيبوا حيث لم يوافقوها. # وكذلك مسمى العقل؛ فإن مسمى العقل قد مدحه الله في القرآن في غير آية2. # لكن لما أحدث قوم من الكلام المبتدع المخالف للكتاب والسنة - بل وهو في ~~نفس الأمر مخالف للمعقول، وصاروا يسمون ذلك عقليات، وأصول دين، وكلاما في ~~أصول الدين، صار من عرف أنهم مبتدعة ضلال في ذلك ينفر عن جنس المعقول، ~~والرأي، والقياس، والكلام، والجدل. فإذا رأى من يتكلم بهذا الجنس اعتقده ~~مبتدعا مبطلا؛ # وهؤلاء وهؤلاء أدخلوا في مسمى الشرع والعقل ما هو محمود وما هو مذموم # كما أن هؤلاء3 لما رأوا أن جنس المنتسبين إلى السنة والشرع والحديث قد ~~أخطأوا في مواضع، وخالفوا فيها صريح المعقول، وهم يقولون إن السنة جاءت ~~بذلك، صار هؤلاء ينفرون عن جنس ما يستدل في الأصول بالشرع والسنة، ~~PageV01P330 # ويسمونهم حشوية وعامة1. وكل من هؤلاء، وهؤلاء أدخلوا في مسمى الشرع ~~والعقل والسمع ما هو محمود ومذموم. # [ثم هؤلاء قبلوا من مسمى الشرع والسنة عندهم محموده ومذمومه، وخالفوا ~~مسمى العقل محموده ومذمومه] 2. وأولئك قبلوا مسمى العقل عندهم محموده، ~~ومذمومه، [وخالفوا مسمى الشرع محموده ومذمومه] 3. PageV01P331 # فيجب البيان والتفصيل والاستفسار، وبيان الفرقان بين الحق والباطل؛ فإن ~~ذلك يوجب التصديق بما جاء به الشرع المنزل، والسنة الغراء؛ وهو المعقول ~~الحق؛ وهو الكلام الصدق؛ وهو الجدل بالتي هي أحسن؛ ويوجب رد ما أدخل في ~~الشرع والسنة، وليس منها؛ ورد ما سمي معقولا، وهو باطل؛ وسمي كلاما صدقا، ~~وهو كذب؛ وسمي جدلا بالتي هي أحسن، وهو جدل بالباطل بغير علم. # ولهذا حصل من الذين لبسوا الحق بالباطل تبديل لما بدلوه من الدين، وتحريف ~~الكلم عن مواضعه، ومضاهاة لأهل الكتاب مما ذمهم الله عليه. والبخاري في أول ~~كتاب ((خلق أفعال العباد)) : ذكر الرد على المعطلة الذين يبدلون كلام الله ~~من الجهمية، وذكر من كلام السلف والأئمة فيهم ما عرف به مقصودهم1. # التبديل نوعان # والتبديل نوعان: أحدهما: أن يناقضوا خبره. والثاني: أن يناقضوا أمره. فإن ms139 ~~الله بعثه بالهدى ودين الحق، وهو صادق فيما أخبر به عن الله، آمر بما أمر ~~الله به؛ كما قال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} 2. وأهل التبديل [الذين ~~يضيفون إلى دينه وشرعه ما ليس منه، وهم أهل الشرع المبدل] 3: تارة يناقضونه ~~في خبره؛ فينفون ما أثبته، أو يثبتون ما نفاه؛ PageV01P332 # كالجهمية الذين ينفون ما أثبته من صفات الله وأسمائه؛ والقدرية الذين ~~ينفون ما أثبته من قدر الله ومشيئته وخلقه وقدرته؛ والقدرية المجبرة الذين ~~ينفون ما أثبته من عدل الله وحكمته ورحمته، ويثبتون ما نفاه من الظلم ~~والعبث والبخل ونحو ذلك عنه. وأمثال ذلك. # ومسائل أصول الدين عامتها من هذا الباب. # الذين أوجبوا النظر لإثبات الصانع # ثم إنهم أيضا يوجبون ما لم يوجبه، بل حرمه، ويحرمون ما لم يحرمه، بل ~~أوجبه؛ فيوجبون اعتقاد هذه الأقوال والمذاهب المناقضة لخبره، وموالاة ~~أهلها، ومعاداة من خالفها. ويوجبون النظر المعين في طريقهم الذي أحدثوه؛ ~~كما أوجبوا النظر في دليل الأعراض الذي استدلوا به على حدوث الأجسام1، ~~وقالوا: يجب على كل مكلف أن ينظر فيه ليحصل له العلم بإثبات الصانع2، ~~PageV01P333 # قالوا: لأن معرفة الله واجبة، # ولا طريق إليها إلا هذا النظر وهذا الدليل1. # الرسول لم يوجب النظر # ولما علم كثير من موافقيهم2 أن الاستدلال بهذا الدليل لم يوجبه الرسول، ~~خالفوهم في إيجابهم، مع موافقتهم لهم على صحته3. # والتحقيق ما عليه السلف؛ أنه ليس بواجب أمرا، ولا هو صحيح خبرا، بل هو ~~باطل منهي4 عنه شرعا؛ فإن الله تعالى لا يأمر بقول الكذب والباطل، بل ينهى ~~عن ذلك. لكن غلطوا حيث اعتقدوا أنه حق، وأن الدين لا يقوم إلا على هذا ~~الأصل الذي أصلوه. PageV01P334 # الذين ضلوا عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم # كما أن طوائف من أهل العبادة، والزهد، والإرادة، والمحبة، والتصوف سلكوا ~~طرقا1 ظنوا أنه لا يوصل إلى الله إلا بها. ثم منهم من يوجبها ويذم من لم ~~يسلكها، ومنهم من لم ير أن سالكيها أفضل من غيرهم، ويوسع الرحمة؛ لأنه قد ~~علم أن الرسول ms140 والصحابة لم يأمروا بها الناس، مع اعتقادهم أنها طرق صحيحة ~~موصلة إلى رضوان الله. وهي عند التحقيق طرق مضلة إنما توصل إلى رضى ~~الشيطان، وسخط الرحمن؛ كالعبادات التي ابتدعها ضلال أهل الكتاب والمشركين، ~~وخالفوا بها دين المرسلين؛ فهؤلاء في الأحوال البدعية، وأولئك في الأقوال ~~البدعية. # والقول الحق هو القرآن، والحال الحق هو الإيمان؛ كما قال جندب2، وابن ~~عمر: "تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا إيمانا"3. # وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مثل ~~المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب، وريحها طيب. ومثل المؤمن ~~الذي PageV01P335 # لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب، ولا ريح لها. ومثل المنافق الذي ~~يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب، وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا ~~يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر، ولا ريح لها"1. # الناس أربعة أصناف # فالناس أربعة أصناف: صاحب قول قرآني، [وحال إيماني؛ فهم أفضل الخلق. ~~وصاحب قول قرآني] 2، وحال ليس بإيماني. وصاحب حال إيماني، وليس له قول. ومن ~~ليس له لا قول قرآني، ولا حال إيماني. # وكثير من المنتسبين إلى القول، والكلام، والعلم، والنظر، والفقه، ~~والاستدلال ابتدعوا أقوالا تخالف القرآن. وكثير من المنتسبين إلى العمل، ~~والعبادة، والإرادة، والمحبة، وحسن الخلق، والمجاهدة ابتدعوا أحوالا ~~وأعمالا تخالف الإيمان، وصار مع كل طائفة نوع من الحق الذي جاء به الرسول، ~~لكن ملبوس بغيره. وصار كثير من الطائفتين ينكر ما عليه الأخرى مطلقا؛ كما ~~قالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء3. ~~PageV01P336 # وفي كل من الطائفتين شبه من إحدى1 الأمتين؛ ففي المنتسبين إلى العلم إذا ~~لم يوافقوا العلم النبوي ويعملوا به شبه من اليهود2. وفي أهل العمل إذا لم ~~يوافقوا العمل الشرعي، ويعملوا بعلم شبه من النصارى34. وصار كثير من أهل ~~الكلام والرأي ينكرون جنس محبة الله، وإرادته؛ [كما صار كثير من أهل الزهد، ~~والتصوف ينكر جنس العلم، والكلام، والنظر. وأولئك الذين أنكروا محبة الله ~~وإرادته] 5، بنوا ذلك على أصل لهم للقدرية المجبرة6، والنافية؛ وهو: ms141 أن ~~المحبة، والإرادة، والرضا، والمشيئة شيء واحد، ولا يتعلق ذلك إلا بمعدوم؛ ~~وهو إرادة الفاعل أن يفعل ما لم يكن فعله؛ فاعتقدوا أن المحبة، والإرادة لا ~~تتعلق إلا بمعدوم. فالموجود لا يحب، ولا يراد. والقديم الأزلي لا يحب، ولا ~~يراد. والباقي لا يحب، ولا يراد؛ فأنكروا أن يكون الله محبوبا، أو مرادا7. ~~وهم لإنكار PageV01P337 # كونه يحب أبلغ وأبلغ؛ فلا يثبتون إلا مشيئته أن يخلق فقط، وهي لا تتعلق ~~إلا بمعدوم. فأما أن يحب موجودا من خلقه، فهذا باطل عند الطائفتين1. لكن ~~المجبرة يقولون: محبته هي مشيئته، وقد شاء خلق كل شيء، فهو يحب كل شيء2. ~~والنفاة يقولون: محبته هي إرادته إثابة المطيعين؛ وهي مشيئة خاصة3. # والذي جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة، وعليه مشايخ المعرفة، ~~وعموم المسلمين: أن الله يحب، ويحب؛ كما نطق بذلك الكتاب والسنة في مثل ~~قوله: {يحبهم ويحبونه} 4، ومثل قوله: {والذين آمنوا أشد حبا لله} 5، وقوله: ~~{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} 6. # لا يحب لذاته محبة مطلقة إلا الله وحده # بل لا شيء يستحق أن يحب لذاته محبة مطلقة إلا الله وحده. وهذا من معنى ~~كونه معبودا7؛ فحيث جاء القرآن بالأمر بالعبادة، والثناء على أهلها، أو على ~~المنيبين إلى الله، والتوابين إليه، أو الأوابين، أو المطمئنين بذكره، أو ~~المحبين له، ونحو ذلك: فهذا كله يتضمن محبته. وما لا يحب يمتنع8 ~~PageV01P338 # كونه معبودا، ومألوها، [و] 1 مطمأنا بذكره. ومن أطيع لعوض يؤخذ منه، أو ~~لدفع ضرره، فهذا ليس بمعبود ولا إله، بل قد يكون الشخص كافرا، وظالما يبغض، ~~ويلعن، ومع هذا يعمل معه عمل بعوض. فمن جعل العمل لله لا يكون إلا لذلك، ~~فلم يثبت الرب إلها معبودا، ولا ربا محمودا، وهو حقيقة قول النفاة من ~~الجهمية، والقدرية النافية، والمثبتة. والله سبحانه [وتعالى] 2 رغب في ~~عبادته، والعمل له بما ذكره من الوعد، ورهب من الكفر به، والشرك بما ذكره ~~من الوعيد، وهو حق، لكنه لم يقل إن العابد لله، والعامل له لا يحصل ms142 له إلا ~~ما ذكر، بل وقد قال تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} 3. وفي ~~الحديث الصحيح يقول الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا ~~أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذخرا، بله ما أطلعتهم عليه. اقرؤوا إن ~~شئتم: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} 4 5. ~~وقد ثبت في [الحديث] 6 الصحيح عن صهيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"يقول الله: يا أهل الجنة ‍! إن لكم عندي موعدا أريد أن أنجزكموه. فيقولون: ~~ما هو؟ ألم [تبيض] 7 وجوهنا، وتثقل موازيننا، وتدخلنا الجنة، وتجرنا من ~~النار؟ PageV01P339 # قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر ~~إليه، وهي الزيادة"1. # وفي الحديث الذي رواه النسائي: لما صلى عمار، فأوجز، وقال: دعوت في ~~الصلاة بدعاء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم بعلمك2 الغيب، ~~وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة ~~خيرا لي. اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب ~~والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع. ~~وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر ~~إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة. اللهم زينا ~~بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين"3. وروي نحو هذا من وجه آخر4؛ فقد أخبر ~~الصادق المصدوق أنه لم يعط PageV01P340 # أهل الجنة أحب إليهم من النظر إليه. وسن أن يدعى بلذة النظر إلى وجهه ~~الكريم. وأهل الجنة قد تنعموا من أنواع النعيم بالمخلوقات بما هو غاية ~~النعيم، فلما كان نظرهم إليه أحب إليهم من كل أنواع النعيم، علم أن لذة ~~النظر إليه أعظم عند أهل الجنة من جميع أنواع اللذات. # الذين أنكروا محبة الله حزبان الحزب الأول # والجنة فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين؛ فما لذت أعينهم بأعظم من ~~لذتها بالنظر إليه. واللذة تحصل بإدراك المحبوب، فلو ms143 لم يكن أحب إليهم من ~~كل شيء، [ما كان النظر إليه أحب إليهم من كل شيء] 1، وكانت لذته أعظم من كل ~~لذة. والله تعالى وعد عباده المؤمنين بالجنة؛ وهي اسم لدار فيها جميع أنواع ~~اللذات المتعلقة بالمخلوق، وبالخالق؛ كما أن النار اسم لدار فيها أنواع ~~الآلام، لكن غلط من ظن أن التنعيم بالنظر إليه ليس من نعيم أهل الجنة. وصار ~~هؤلاء حزبين: حزبا أنكروا التنعيم بالنظر إليه؛ وهم المنكرون للمحبة2؛ حتى ~~قال أبو المعالي3 ونحوه ممن ينكر محبته أنهم إذا رأوه لم يلتذوا بنفس ~~النظر، بل يخلق لهم لذة ببعض المخلوقات مع PageV01P341 # النظر1. وكذلك قال من شاركهم في التجهم؛ من أهل الوحدة2؛ كابن عربي؛ قال: ~~ما التذ عارف بمشاهدة قط3. وادعى أبو المعالي أن إنكار محبته من أسرار ~~التوحيد4. وهو من أسرار توحيد الجهمية المعطلة المبدلة. وحكي عن ابن عقيل ~~أنه سمع رجلا يقول: أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم. فقال له: هب أن له ~~وجها، أله وجه يلتذ بالنظر إليه5. وهذا بناء على هذا الأصل؛ فإنه وشيخه أبا ~~يعلى، ونحوهما وافقوا الجهمية في إنكار أن يكون الله محبوبا، واتبعوا في ~~ذلك قول أبي بكر بن الباقلاني6 ونحوه ممن ينكر محبة الله، وجعل القول ~~بإثباتها قول الحلولية7. PageV01P342 # الحزب الثاني # [والحزب الثاني] 1 أن طائفة من الصوفية والعباد شاركوا هؤلاء في أن مسمى ~~الجنة لا يدخل فيه النظر إلى الله. وهؤلاء لهم نصيب من محبة الله تعالى ~~والتلذذ بعبادته، وعندهم نصيب من الخوف والشوق والغرام، فلما ظنوا أن الجنة ~~لا يدخل فيها النظر إليه، صاروا يستخفون بمسمى الجنة، ويقول أحدهم: ما ~~عبدتك شوقا إلى جنتك، ولا خوفا من نارك2. # وهم قد غلطوا من وجهين: # الرد عليهم من وجهين # أحدهما: أن ما يطلبونه من النظر إليه والتمتع بذكره ومشاهدته، كل ذلك في ~~الجنة. # الثاني: أن الواحد من هؤلاء لو جاع في الدنيا أياما، أو ألقي في بعض ~~عذابها، طار عقله، وخرج من قلبه كل محبة. # ولهذا قال سمنون3: PageV01P343 # وليس لي في سواك ms144 حظ ... فكيفما شئت فامتحني # ابتلي بعسر البول، فصار يطوف على المكاتب ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب1. # وأبو سليمان2 لما قال: قد أعطيت من الرضا نصيبا لو ألقاني في النار لكنت ~~راضيا3، ذكر أنه ابتلي بمرض، فقال: إن لم يعافني وإلا كفرت، أو نحو هذا. # والفضيل بن عياض ابتلي بعسر البول، فقال: "بحبي لك إلا فرجت عني4. فبذل ~~حبه في عسر البول". # فلا طاقة لمخلوق بعذاب الله، ولا غنى به عن رحمته. PageV01P344 # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: "ما تدعو في صلاتك؟ ". قال: أسأل ~~الله الجنة، وأعوذ به من النار، أما أني لا أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ. ~~فقال: "حولها ندندن" 1. # ودخل على أعرابي قد صار مثل الفرخ، فقال: "هل كنت تدعو الله بشيء؟ ". ~~قال: كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة، فعجله [لي] 2 في الدنيا. ~~فقال: "سبحان الله! إنك لا تستطيعه، ولا تطيقه، [هلا] 3 قلت: اللهم آتنا في ~~الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار"4. # والعدوان في الإرادة، والعبادة، والعمل حصل من إعراضهم عن العلم الشرعي، ~~واتباع الرسول، وقد قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله} 5. PageV01P345 # قال بعضهم: ليس الشأن في أن تحبه، الشأن في أن يكون هو يحبك1. وهو إنما ~~يحب من اتبع الرسول، وإلا فالمشركون وأهل الكتاب يدعون أنهم يحبونه، ~~وأولئك2 غلطوا [بنفي] 3 محبته، وهؤلاء4 أثبتوا محبة شركية، لم يثبتوا محبة ~~توحيدية خالصة5، وقد قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} 6. # أقسام الناس في المحبة # فالأقسام ثلاثة7: أولئك8 معطلة للمحبة، وحقيقة قولهم تعطيل العبادة ~~مطلقا. وهؤلاء9 مشركون في المحبة؛ فهم مشركون في العبادة. أولئك مستكبرون ~~عن عبادته، والكبر لليهود. وهؤلاء مشركون في عبادته، والشرك للنصارى. # لفظ الإسلام # وكل واحد من المستكبرين والمشركين ليسوا مسلمين، بل الإسلام هو الاستسلام ~~لله وحده. ولفظ الإسلام يتضمن الإسلام، ويتضمن PageV01P346 # إخلاصه لله1. وقد ذكر ذلك غير واحد، حتى أهل العربية؛ كأبي بكر ms145 ابن ~~الأنباري2، وغيره. # ومن المفسرين من يجعلهما قولين؛ كما يذكر طائفة منهم البغوي أن المسلم ~~هو: المستسلم لله. وقيل: هو المخلص3. # والتحقيق: أن المسلم يجمع هذا وهذا؛ فمن لم يستسلم له، لم يكن مسلما؛ ومن ~~استسلم لغيره كما يستسلم له، لم يكن مسلما؛ ومن استسلم له وحده، فهو ~~المسلم؛ كما في القرآن: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} 4، وقال: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ~~وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} 5. # والاستسلام له يتضمن الاستسلام [لقضائه] 6، وأمره، [ونهيه] 7؛ فيتناول ~~فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور: {إنه من PageV01P347 # يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} 1. # قال ابن أبي حاتم2: حدثنا عصام3 بن [رواد] 4، [حدثنا] 5 آدم6، عن أبي ~~جعفر7، عن الربيع، عن أبي العالية8 في قوله: {بلى من أسلم وجهه لله} 9؛ ~~يقول: من أخلص لله. قال ابن أبي حاتم: وروي عن الربيع PageV01P348 # نحو ذلك1. وقال: ذكر عن يحيى بن آدم2، حدثنا ابن المبارك3، عن حيوة بن ~~شريح4، عن عطاء بن دينار5، عن سعيد بن جبير6: {من أسلم وجهه} ، قال: دينه7. ~~PageV01P349 # وقال أبو الفرج1: "أسلم: أخلص. وفي الوجه قولان: أحدهما: أنه الدين، ~~والثاني: العمل"2. # وقال البغوي: {أسلم وجهه لله} : أخلص دينه لله، وقيل: أخلص عبادته لله، ~~وقيل: خضع وتواضع لله، وأصل الإسلام: الاستسلام والخضوع، وخص الوجه لأنه ~~إذا جاد بوجهه في السجود، لم يبخل بسائر جوارحه. {وهو محسن} في عمله، قيل: ~~مؤمن، وقيل: مخلص3. # قلت: قول من قال: خضع وتواضع لربه، هو داخل في قول من قال: أخلص دينه، أو ~~عمله، أو عبادته لله؛ فإن هذا إنما يكون إذا خضع له وتواضع له دون غيره؛ ~~فإن العبادة والدين والعمل له لا يكون إلا مع الخضوع له والتواضع، وهو ~~مستلزم لذلك. ولكن أولئك4 ذكروا مع هذا أن يكون هذا الإسلام لله وحده؛ ~~فذكروا المعنيين: الاستلزام، وأن يكون لله. # حقيقة دين االإسلام # [و] 5 قول من ms146 قال: خضع وتواضع لله، يتضمن أيضا أنه أخلص عبادته ودينه ~~لله؛ فإن ذلك يتضمن الخضوع والتواضع لله دون غيره. وأما ذكره [التوجه] 6: ~~فقد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع7، وتبين أن الله ذكر إسلام الوجه ~~له، وذكر إقامة الوجه له في قوله: {فأقم وجهك PageV01P350 # للدين} 1، وذكر توجيه الوجه له في قوله: {إني وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض} 2؛ لأن الوجه إنما يتوجه إلى حيث توجه القلب، والقلب هو الملك، ~~فإذا توجه الوجه نحو جهة كان القلب متوجها إليها، ولا يمكن الوجه أن يتوجه ~~بدون القلب؛ فكان إسلام الوجه، وإقامته، وتوجيهه، مستلزما لإسلام القلب، ~~وإقامته، وتوجيهه. وذلك يستلزم إسلام كله لله، وتوجيه كله لله، وإقامة ~~[كله] 3 [لله] 4. وبسط الكلام على ما يناسب ذلك56. # الذين أنكروا المحبة لهم شبهتان # وهذا حقيقة دين الإسلام7. لكن الذين أنكروا ذلك لهم شبهتان: إحداهما: أن ~~المحبة تقتضي المناسبة8، قالوا: وهي منتفية؛ فلا مناسبة بين المحدث ~~والقديم9. # الشبهة الأولى والرد عليها # فيقال لهم: هذا كلام مجمل. تعنون بالمناسبة: الولادة؟ أو المماثلة؟ ونحو ~~ذلك مما يجب تنزيه الرب عنه؟؛ فإن الشيء PageV01P351 # ينسب إلى أصله بأنه ابن فلان، وإلى فرعه بأنه أبو فلان، وإلى نظيره بأنه ~~مثل فلان. ولما سأل المشركون النبي صلى الله عليه وسلم عن نسب ربه1، أنزل ~~الله تعالى: {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا ~~أحد} 2؛ فلم يخرج من شيء، ولا يخرج منه شيء، ولا له مثل. # فإن عنيتم هذا، لم نسلم أن المحبة لا بد فيها من هذا. وإن أردتم ~~بالمناسبة أن يكون المحبوب متصفا بمعنى يحبه المحب، فهذا لازم المحبة، ~~والرب متصف بكل صفة تحب. وكل ما يحب فإنما هو منه؛ فهو أحق بالمحبة من كل ~~محبوب. وإذا كان الإنسان يحب الملائكة، وهم من غير جنسه، لما اتصفوا به من ~~الصفات الحميدة؛ فالسبوح القدوس رب الملائكة والروح الذي كل ما اتصفت به ~~الملائكة وغيرهم، فهو من جوده وإحسانه، وهو العزيز الرحيم، إذ كان المخلوق ms147 ~~كثيرا ما يتصف بالعزة دون الرحمة، أو تكون فيه رحمة بلا عزة. وهو سبحانه: ~~العزيز، الرحيم، الغفور، الودود، المجيد. # معنى اسم الودود # والودود: فعول من الود. وقال شعيب: {إن ربي رحيم ودود} 3، وقال تعالى: ~~{وهو الغفور الودود} 4؛ فقرنه بالرحيم في موضع، وبالغفور في موضع. ~~PageV01P352 # قال أبو بكر بن1 الأنباري2: الودود معناه: المحب لعباده؛ من قولهم: وددت ~~الرجل أوده [ودا، وودا، وودا] 3، ويقال: وددت الرجل [ودادا، وودادا، ~~وودادة] 4. # وقال الخطابي5: "هو اسم مأخوذ من الود، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون ~~فعولا في محل مفعول؛ كما قيل: رجل هيوب بمعنى مهيب، وفرس ركوب بمعنى مركوب. ~~والله سبحانه [وتعالى] 6 مودود في قلوب أوليائه، لما [يتعرفونه] 7 من ~~إحسانه إليهم8. والوجه الآخر: [أن يكون بمعنى الواد] 9؛ أي أنه يود عباده ~~الصالحين؛ بمعنى أنه يرضى عنهم، ويتقبل أعمالهم10. [ويكون] 11 معناه أن ~~يوددهم إلى خلقه؛ كقوله: {سيجعل لهم الرحمن ودا} 12 "13. PageV01P353 # الأدلة على أن الله يحب عباده ويحبونه # قلت: قوله: {سيجعل لهم الرحمن ودا} 1 فسروها بأنه يحبهم، ويحببهم إلى ~~عباده2؛ كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أحب ~~الله العبد نادى: يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادى في ~~السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في ~~الأرض". وقال في البغض مثل ذلك3. # وقال عبد [بن] 4 حميد5: أنبأ عبيد الله بن موسى6، عن ابن أبي PageV01P354 # ليلى1، عن الحكم2، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {سيجعل لهم الرحمن ودا} ~~3، قال: "يحبهم، ويحببهم"4. ورواه ابن أبي حاتم أيضا5. # وقال عبد: أخبرني شبابة6، عن ورقاء7، عن ابن أبي نجيح8، عن مجاهد9: ~~{سيجعل لهم الرحمن ودا} ، قال: "يحبهم، ويحببهم إلى المؤمنين"10. ~~PageV01P355 # أخبرنا1 عبد الرزاق2، عن الثوري3، عن مسلم4، عن مجاهد، عن ابن عباس: ~~{سيجعل لهم الرحمن ودا} ، قال: محبة5. # وهذا فيه إثبات حبه لهم، بعد أعمالهم؛ بقوله: {سيجعل لهم الرحمن ودا} ، ~~وهو نظير قوله: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ms148 الله} 6؛ فهو يحبهم ~~إذا اتبعوا الرسول. ونظير قوله في الحديث الصحيح: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر ~~به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها"7. PageV01P356 # وكذلك قوله: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} 1. {إن الله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين} 2. {إن الله يحب المتقين} 3. {إن الله يحب الذين يقاتلون ~~في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} 4. # وهذه الآيات وأشباهها تقتضي أن الله يحب أصحاب هذه الأعمال؛ فهو يحب ~~التوابين، وإنما يكونون توابين بعد الذنب، ففي هذه الحال يحبهم. وهذا مبني ~~على الصفات الاختيارية5، فمن نفاها6 رد هذا كله. # من نفى الصفات الاختيارية لهم في المحبة قولان # ولهم7 قولان: أحدهما: أن المحبة قديمة؛ فهو يحبهم في الأزل إذا علم ~~PageV01P357 # أنهم يموتون على حال [مرضية] 1، ويقولون: إن الله يحب الكفار في حال ~~كفرهم إذا علم أنهم يموتون على الإيمان، ويبغض المؤمن إذا علم أنه يرتد. ~~هذا قول ابن كلاب2، ومن [تبعه] 3. ثم منهم من يفسر المحبة بالإرادة4، ومنهم ~~من يقول: هي صفة زائدة على الإرادة5. والقول الثاني: يجعلون هذا من باب ~~الفعل؛ فالمحبة عندهم: إحسانه إليهم، PageV01P358 # والإحسان عندهم ليس فعلا قائما به، بل بائنا عنه1. # والكتاب، والسنة، وأقوال السلف والأئمة، والأدلة العقلية إنما تدل على ~~القول الأول2، كما قد بسط في غير هذا الموضع3؛ إذ المقصود هنا [ذكر اسمه ~~(الودود) ، والأكثرون على ما ذكره] 4 ابن الأنباري5، وأنه فعول بمعنى فاعل؛ ~~أي هو الواد، كما قرنه بالغفور؛ وهو الذي يغفر، وبالرحيم؛ وهو الذي يرحم. # قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي6، ثنا عيسى بن جعفر؛ قاضي الري7، ثنا سفيان ~~في قوله: {إن ربي رحيم ودود} 8، قال: محب. وقال9: PageV01P359 # قرئ على يونس1: ثنا ابن وهب2، قال: وقال ابن زيد3: قوله: (الودود) ، قال: ~~الرحيم. وقد ذكر4 فيه [قولين] 5؛ القول الأول رواه من تفسير الوالبي6 ~~PageV01P360 # عن ابن عباس قوله: (الودود) ، قال: الحبيب1. والثاني: قول ابن زيد: ~~الرحيم2. وما ذكره الوالبي [أنه] 3 الحبيب، قد يراد به ms149 المعنيان؛ أنه يحب، ~~ويحب4؛ فإن الله يحب من يحبه، وأولياؤه يحبهم ويحبونه. PageV01P361 # والبغوي ذكر الأمرين، فقال: وللودود معنيان؛ [أنه] 1 يحب المؤمنين، وقيل: ~~هو بمعنى المودود؛ أي محبوب المؤمنين2. # وقال3 أيضا في قوله: {وهو الغفور الودود} 4: أي المحب لهم، وقيل: معناه ~~المودود؛ كالحلوب، والركوب؛ بمعنى المحلوب والمركوب، وقيل: يغفر، ويود أن ~~يغفر، وقيل: المتودد إلى أوليائه بالمغفرة5. # قلت: هذا اللفظ معروف في اللغة أنه بمعنى الفاعل6؛ كقول النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] : "تزوجوا الودود الولود"7. وفعول بمعنى فاعل كثير؛ كالصبور، ~~والشكور، وأما بمعنى مفعول، فقليل. وأيضا: فإن سياق القرآن يدل على ~~PageV01P362 # أنه1 أراد أنه هو الذي يود عباده؛ كما أنه هو الذي يرحمهم ويغفر لهم؛ فإن ~~شعيبا قال: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود} 2؛ فذكر رحمته ~~ووده؛ كما قال تعالى: {وجعل بينكم مودة ورحمة} 3. وهو أراد وصفا يبين لهم ~~أنه سبحانه يغفر الذنب، ويقبل على التائب؛ وهو كونه ودودا؛ كما قال: {إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} 4. وقد ثبت في الصحاح من غير وجه عن ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] أن الله يفرح بتوبة التائب أشد من فرح من فقد ~~راحلته بأرض دوية5 مهلكة، ثم وجدها بعد اليأس6. PageV01P363 # فهذا الفرح منه بتوبة التائب يناسب محبته له، ومودته له. وكذلك قوله في ~~الآية الأخرى: {وهو الغفور الودود} 1، فإنه مثل قوله: {وهو الرحيم الغفور} ~~2. # وأيضا: فإن كونه مودودا؛ أي محبوبا، يذكر على الوجه الكامل الذي يتبين ~~اختصاصه به؛ مثل: [اسم] 3 الإله؛ فإن الإله: المعبود هو مودود بذلك، ومثل ~~اسمه الصمد، ومثل ذي الجلال والإكرام، ونحو ذلك4. # وكونه مودودا ليس بعجيب، وإنما العجب: جوده، وإحسانه؛ فإنه يتودد إلى ~~عباده، كما جاء في الأثر: "يا عبدي! كم أتودد إليك بالنعم، وأنت تتمقت إلي ~~بالمعاصي، ولا يزال ملك كريم يصعد إلي منك بعمل سيء"5. وفي # الصحيحين عن النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه قال: يقول الله تعالى: "من ~~PageV01P364 # تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ms150 ~~ومن أتاني يمشي أتيته هرولة"1. # وجاء في تفسير اسمه الحنان، المنان: أن الحنان: الذي يقبل على من أعرض ~~عنه. # معنى الحنان والمنان # والمنان: الذي يجود بالنوال قبل السؤال2. # وأيضا: فمبدأ الحب والود منه، لكن اسمه الودود يجمع المعنيين؛ كما قال ~~الوالبي عن ابن عباس: أنه الحبيب3؛ وذلك أنه إذا كان يود عباده، فهو مستحق ~~لأن يوده العباد بالضرورة. ولهذا من قال إنه يحب المؤمنين، قال: إنهم ~~يحبونه؛ فإن كثيرا من الناس يقول إنه محبوب، وهو PageV01P365 # لا يحب شيئا مخصوصا، لكن محبته بمعنى مشيئته العامة1. ومن الناس من قال: ~~أنه لا يحب، مع أنه يثبت محبته للمؤمنين. # القسمة في المحبة رباعية # فالقسمة في المحبة رباعية؛ فالسلف وأهل المعرفة أثبتوا النوعين؛ قالوا: ~~إنه يحب، ويحب. والجهمية والمعتزلة تنكر الأمرين2. ومن الناس من قال: إنه ~~يحبه المؤمنون، وأما هو، فلا يحب شيئا دون شيء. ومنهم من عكس فقال: بل هو ~~يحب المؤمنين، مع أن ذاته لا يحب3؛ كما PageV01P366 # يقولون أنه يرحم، ولا يرحم. فإذا قيل: إن الودود بمعنى الواد، لزم أن ~~يكون مودودا، بخلاف العكس. فالصواب القطع بأن الودود هو الذي يود، وإن كان ~~ذلك متضمنا؛ لأنه يستحق أن يود، ليس هو بمعنى الودود فقط. # ولفظ الوداد بالكسر هو مثل الموادة والتواد، وذاك يكون من الطرفين؛ ~~كالتحاب. وهو سبحانه لما جعل بين الزوجين مودة ورحمة، كان كل منهما يود ~~الآخر ويرحمه. # وهو سبحانه كما ثبت في الحديث الصحيح أرحم بعباده من الوالدة بولدها1، ~~وقد بين الحديث الصحيح أن فرحه بتوبة التائب أعظم من فرح الفاقد ماله ~~ومركوبه في مهلكة، إذ أوجدهما بعد اليأس2. وهذا الفرح [يقتضي] 3 أنه أعظم ~~مودة لعبده المؤمن من المؤمنين بعضهم لبعض. كيف، وكل ود في الوجود فهو من ~~فعله. فالذي جعل الود في القلوب هو أولى بالود؛ كما قال ابن عباس، ومجاهد، ~~وغيرهما4 في قوله: {سيجعل لهم الرحمن ودا} 5؛ قال: يحبهم، ويحببهم6. وقد دل ~~الحديث PageV01P367 # الذي في الصحيحين1 على أن ما يجعل من المحبة في قلوب الناس هو ms151 بعد أن ~~يكون هو قد أحبه، وأمر جبريل أن ينادي بأن الله يحبه. فنادى جبريل في ~~السماء أن الله يحب فلانا فأحبوه2. وبسط هذا له موضع آخر3. # وفي مناجاة بعض الداعين: ليس العجب من حبي لك مع حاجتي إليك، العجب من ~~حبك لي مع غناك عني4. # وفي أثر آخر: يا عبدي! وحقي إني لك محب، فبحقي عليك كن لي محبا5. # وروي: يا داود حببني إلي عبادي، وحبب عبادي إلي؛ مرهم بطاعتي فأحبهم، ~~وذكرهم آلائي فيحبوني؛ فإنهم لا يعرفون مني إلا الحسن الجميل6. # وهو سبحانه كما قال؛ كل ما خلقه، فإنه من نعمه على عباده. ولهذا يقول: ~~{فبأي آلاء ربكما تكذبان} 7. والخير بيديه، لا يأتي بالحسنات إلا ~~PageV01P368 # هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ ولا ~~منجا منه إلا إليه. # ووده سبحانه هو لمن تاب إليه وأناب إليه؛ كما قال: {إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} 1، وقال: {إن الله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين} 2؛ فلا يستوحش أهل الذنوب، وينفرون منه كأنهم حمر مستنفرة؛ ~~فإنه ودود رحيم بالمؤمنين، يحب التوابين، ويحب المتطهرين. # ولهذا قال شعيب: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود} 3، ~~وقال هنا: {وهو الغفور الودود} 4؛ فذكر (الودود) في الموضعين لبيان مودته ~~للمذنب إذا تاب إليه، بخلاف القاسي الجافي الغليظ الذي لا ود فيه. # الشبهة الثانية لمن ينكر المحبة # والحجة الثانية لهم: قالوا: إن الإرادة والمحبة لا تتعلق إلا بمعدوم يراد ~~فعله؛ فإنه لو جاز أن يراد الموجود، وأن يراد القديم، لجاز أن يكون العالم ~~قديما مع كونه مرادا مقدورا؛ كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة5؛ فإن ~~القائلين أنه موجب بذاته والعالم قديم؛ منهم من يصفه PageV01P369 # بالإرادة؛ كأبي البركات1، وغيره؛ قالوا: ومن المعلوم بالاضطرار للعقلاء ~~إذ قالوا: هذا الأمر حصل بالإرادة أن يكون محدثا، كائنا بعد أن لم يكن، ~~ولهذا لا يجوز أن يقال إن قدرته ومشيئته تعلقت بوجوده، ولا ببقائه، ولا ~~بكونه حيا، ومن قال إن صفاته قديمة الأعيان، ms152 لا يقول إن كلامه وإرادته حصلت ~~بإرادته وقدرته. # فيقال: هذا الذي قالوه، صحيح. لكن هنا نوعان؛ # أحدهما: إرادة أن يفعل الشيء ويكون. فهذه لا تكون إلا مع حدوثه. # والثانية: محبة نفس ذاته، من غير أن يفعل في الذات شيء. فهذه التي تتعلق ~~بالموجود، والباقي، والقديم. وإرادة الفعل تابعة لهذه؛ فإنه لولا أن تكون ~~الإرادة متعلقة بنفس الشيء الموجود، امتنع أن يراد إيجاده؛ فإن من أراد ~~[أن] 2 يبني بيتا ليسكنه، إنما مراده نفس البيت لسكناه والانتفاع، وإنما ~~البناء وسيلة إلى ذلك. لولا إرادة الغاية المقصودة بالذات لم ترد الوسيلة. ~~وإذا بناه، فهو مريد له بعد البناء، ولهذا يكره خرابه وزواله. وكذلك من ~~أراد أن يلبس ثوبا، فلبسه، فهو في حال اللبس مريد له. فمن أراد إحداث أمر ~~وفعله، كانت إرادة فعله لغاية مقصودة بعد الفعل، هي العلة [الغائية] 3. ~~PageV01P370 # والفعل المطلوب لغاية، لفاعله إرادتان: إرادة الفعل، وإرادة الغاية. ~~وهذه1 هي الأصل، وتلك2 تبع لهذه. # والإرادة إرادة لا تتعلق بالمعدوم من جهة كونه معدوما، بل تتعلق بوجود ~~الفعل، لكن يمتنع أن يراد فعله إلا إذا كان معدوما3. # فالعدم شرط في إرادة فعله، ولهذا جعل من جملة علل الفعل. # ولهذا كان جماهير العقلاء مطبقين على أن كل مفعول فهو حادث، وكل ما أريد ~~أن يفعل فإنه يكون حادثا، وكل ما تعلقت المشيئة والقدرة بفعله فهو حادث. # ثم من الناس من يقول: هذا مختص بكونه مفعولا بالاختيار، وإلا إذا كان ~~معلولا لعلة موجبة، لم يلزم حدوثه. # وهو غلط. بل كل ما فعل، فلا يكون إلا محدثا؛ سواء كان ذلك ممكنا، أو ~~ممتنعا. بل نفس كونه مفعولا مستلزم حدوثه، ونفس تصور PageV01P371 # العلم بكونه مفعولا يوجب العلم بحدوثه، وإن لم يخطر بالبال كونه مفعولا ~~بالقدرة والاختيار1. # ثم قد يقال: ما من مفعول إلا وهو مفعول بالاختيار. والقديم إذا قدر فاعلا ~~بلا مشيئة، كان ذلك ممتنعا. والموجب بالذات إذا قيل هو موجب بذاته المتصفة ~~بمشيئته وقدرته لما يشاؤه، و [هذا] 2 حق، وهو مستلزم لكونه فاعلا بمشيئته ms153 ~~وقدرته. وأما موجب بلا مشيئة، أو موجب يقارنه موجب، فهذان باطلان، وبهما ضل ~~من ضل من االمتفلسفة القائلين بقدم الفلك ونفي الصفات. ولكن: من أراد إحداث ~~شيء وأحدثه، لم يجب أن تنقطع إرادته، بل قد يكون مريدا له ما دام موجودا، ~~ولولا أنه مريد لوجوده لما فعله. فكل ما شاء الله وجوده، فهو مريد إحداثه ~~وبقاءه ما دام باقيا. وأما الإرادة والمحبة المتعلقة بالقديم: فليست إرادة ~~فعل فيه، بل هي محبة ذاته. وكل إرادة ومحبة، فلا بد أن تنتهي إلى محبوب ~~لذاته. وكل فاعل بالإرادة، فإرادته تستلزم محبة عامة لأجلها فعل3. # فالحب أصل وجود كل موجود، والرب تعالى يحب نفسه. ومن لوازم [حبه] 4 نفسه: ~~أنها محبة مريدة لما يريد أن يفعله، وما أراد فعله، فهو يريده لغاية يحبها؛ ~~فالحب هو العلة الغائية التي لأجله كان كل شيء. PageV01P372 # الفلاسفة يصفون الله بالابتهاج والفرح # والمتفلسفة يصفونه بالابتهاج و [الفرح] 1؛ كما جاءت به النصوص النبوية، ~~لكنهم يقصرون في معرفة هذا وأمثاله من الأمور الإلهية؛ فإنهم يقولون: اللذة ~~إدراك الملائم من حيث هو ملائم، وهو مدرك لذاته بأفضل إدراك2؛ فهو أفضل ~~مدرك لأفضل مدرك بأفضل [إدراك] 3. # تقصير الفلاسفة في ذلك من ثلاثة أوجه # وقد قصروا في ذلك من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن اللذة والفرح والسرور والبهجة ليس هو مجرد الإدراك، بل هو حاصل ~~عقب الإدراك؛ فالإدراك موجب له، ولا بد في وجوده من محبة. فهنا ثلاثة أمور: ~~محبة، وإدراك لمحبوب، ولذة تحصل بالإدراك. وهذا في اللذات الدنيوية الحسية ~~وغيرها؛ فإن الإنسان يشتهي الحلو ويحبه، فإذا ذاقه التذ بذوقه، والذوق هو ~~الإدراك4. وكذلك في لذات قلبه يحب الله؛ فإنه إذا ذكره، وصلى له، وجد حلاوة ~~ذلك؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "جعلت قرة عيني في الصلاة"5. # وأهل الجنة إذا تجلى لهم، فنظروا إليه، قال: فما أعطاهم شيئا أحب إليهم ~~من النظر إليه6. PageV01P373 # والله أعلم12. PageV01P374 ### | فصل1 # في تمام القول في محبة الله # 2، # وانقسام المراد إلى ما يراد لذاته، وإلى ما يراد لغيره3 # تابع: الوجه ms154 الأول في الرد على الفلاسفة # ثم4 ذلك الغير لا بد أن يكون مرادا لذاته، فالمراد لذاته لازم لجنس ~~الإرادة، والإرادة لازمة لجنس الحركة؛ فإن الحركة [الطبيعية5،و] 6 القسرية7 ~~مستلزمة للحركة الإرادية8. والحركة الإرادية مستلزمة لمراد PageV01P375 # لذاته. فكان جنس الحركات الموجودة في العالم مستلزمة للمراد لذاته؛ وهو ~~المعبود الذي يستحق العبادة لذاته؛ وهو الله لا إله إلا هو1، فلو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا. وكل عمل لا يراد به وجهه، فهو باطل. وكل عامل لا ~~يكون [عمله] 2 لله، بل لغيره، وهو المشرك؛ فإنه كما قال تعالى: {فكأنما خر ~~من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} 3؛ فإن قوام الشيء ~~بطبيعته الخاصة به؛ فالحي قوامه بطبيعته المستلزمة لحركته الإرادية، ~~وقوامها بالمراد لذاته، فإذا لم يكن حركتها لإرادة المعبود لذاته، لم يكن ~~لنفسه قوام، بل بقيت ساقطة، خارة؛ كما ذكر الله تعالى. ولهذا يهوي في ~~الهاوية؛ وهو ذنب لا يغفر؛ لأنه فسد الأصل؛ كالمريض الذي فسد قلبه، لا ينفع ~~مع ذلك إصلاح أعضائه. PageV01P376 # لفظ الدعاء في القرآن # ولفظ دعاء الله في القرآن1 يراد به دعاء العبادة، ودعاء [المسألة] 2؛ ~~فدعاء العبادة يكون الله هو المراد به، فيكون الله هو المراد. ودعاء ~~المسألة يكون المراد منه3؛ كما في قول المصلي: {إياك نعبد وإياك نستعين} 4؛ ~~فالعبادة إرادته، والاستعانة وسيلة إلى العبادة إرادة المقصود، وإرادة ~~الاستعانة إرادة الوسيلة إلى المقصود، ولهذا قدم قوله: {إياك نعبد} ، وإن ~~كانت لا تحصل إلا بالاستعانة؛ فإن العلة الغائية مقدمة في التصور والقصد، ~~وإن كانت مؤخرة في [الوجود] 5 والحصول، وهذا إنما يكون لكونه هو المحبوب ~~لذاته. # لكن المراد به محبة مختصة به على سبيل الخضوع له والتعظيم، وعلى سبيل ~~تخصيصها به؛ فيعبر عنها بلفظ الإنابة، والعبادة، ونحو ذلك؛ [إذ] 6 كان لفظ ~~المحبة (جنس عام) ، يدخل فيه أنواع كثيرة، فلا يرضى لله PageV01P377 # بالقدر المشترك، بل إذا ذكر من يحب غير الله، قال تعالى: {والذين آمنوا ~~أشد حبا لله} 1، وإذا ذكر محبتهم لربهم، ذكرت محبته لهم، وجهادهم؛ ms155 كما في ~~قوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} 2، وفي مثل قوله: ~~{أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله} 3. ولهذا كانت القلوب [تطمئن ~~بذكره] 4؛ كما قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} 5؛ فتقديم المفعول ~~يدل على أنها لا تطمئن إلا بذكره، [و] 6 هو تعالى إذا ذكر وجلت، فحصل لها ~~اضطراب ووجل لما [تخافه] 7 من [دونه] 8، و [تخشاه] 9 من فوات نصيبها منه. ~~فالوجل إذا ذكر حاصل بسبب من الإنسان، وإلا فنفس ذكر الله يوجب الطمأنينة؛ ~~لأنه هو المعبود لذاته، والخير كله منه؛ قال تعالى: {نبئ عبادي أني أنا ~~الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} 10، وقال تعالى: {اعلموا أن ~~الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} 11. وقال علي رضي الله عنه: "لا ~~يرجون PageV01P378 # عبد إلا ربه، ولا يخافن عبد [إلا] 1 ذنبه)) 2؛ فالخوف الذي يحصل عند ~~ذكره، هو بسبب [من] 3 العبد، وإلا فذكر الرب نفسه يحصل الطمأنينة والأمن؛ ~~فما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك؛ كما قال ذلك ~~المريض الذي سئل: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله، وأخاف ذنوبي. فقال [النبي صلى ~~الله عليه وسلم] 4: "ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه ~~الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف" 5. # ولم يقل بذكر الله توجل القلوب، كما قال: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} ~~6، بل قال: {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} 7، ثم قال: {وإذا تليت عليهم آياته ~~زأدتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} 8. وإنما يتوكلون عليه لطمأنينتهم إلى ~~كفايته، وأنه سبحانه حسب من توكل عليه؛ يهديه، وينصره، PageV01P379 # ويرزقه بفضله، ورحمته، وجوده. فالتوكل [عليه] 1 يتضمن الطمأنينة إليه، ~~والاكتفاء به عما سواه. # وكذلك قال في الآية الأخرى: {فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون} 2، فهم مخبتون. والمخبت: المطمئن الخاضع لله. والأرض ~~[الخبت] 3: [المطمئنة] 4. # روى ms156 ابن أبي حاتم من حديث ابن مهدي، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح: {وبشر ~~المخبتين} ، قال: المطمئنين5. وعن الضحاك: المتواضعين6؛ فوصفهم بالطمأنينة ~~مع الوجل، كما وصفهم هناك بالتوكل عليه مع الوجل، وكما قال في وصف القرآن: ~~{تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} 7. ~~فذكر أنه بعد الاقشعرار تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله؛ فذكره بالذات ~~يوجب الطمأنينة، وإنما الاقشعرار والوجل عارض بسبب ما في نفس الإنسان من ~~التقصير في حقه، والتعدي لحده؛ فهو كالزبد مع ما ينفع الناس: الزبد يذهب ~~جفاء، وما ينفع الناس يمكث في الأرض. PageV01P380 # فالخوف مطلوب لغيره، ليدعو النفس إلى فعل الواجب، وترك المحرم. وأما ~~الطمأنينة بذكره، وفرح القلب به، ومحبته، فمطلوب لذاته. ولهذا يبقى معهم ~~هذا في الجنة، فيلهمون التسبيح، كما يلهمون النفس1. # اللذات عند الفلاسفة ثلاث # والمتفلسفة2 رأوا اللذات في الدنيا ثلاثة3: حسية، ووهمية، PageV01P381 # وعقلية. والحسية في الدنيا غايتها دفع الألم. والوهمية خيالات [وأضغاث] ~~1، واللذة الحقيقية هي العلم. فجعلوا جنس العلم غاية، وغلطوا من وجوه: ~~أحدها: أن العلم بحسب المعلوم، فإذا كان المعلوم محبوبا تكمل النفس بحبه، ~~كان العلم به كذلك. وإن كان مكروها، كان العلم به لحذره، ودفع ضرره؛ كالعلم ~~بما يضر الإنسان من شياطين الإنس والجن. فلم يكن المقصود نفس العلم، بل ~~المعلوم. ولهذا قد يقولون: سعادتها في العلم بالأمور الباقية2، وأنها تبقى ~~ببقاء معلومها. ثم يظنون أن الفلك والعقول والنفوس أمور باقية، وأن بمعرفة ~~هذه تحصل سعادة النفس. وأبو حامد في مثل ((معراج السالكين)) ، ونحوه، يشير ~~إلى هذا3؛ فإن كلامه برزخ بين المسلمين وبين الفلاسفة؛ ففيه فلسفة مشوبة ~~بإسلام، وإسلام مشوب بفلسفة4، # الغزالي بين المسلمين والفلاسفة # ولهذا PageV01P382 # كان في كتبه؛ كالإحياء، وغيره يجعل المعلوم بالأعمال، والأعمال كلها إنما ~~غايتها هو العلم فقط1، وهذا حقيقة قول هؤلاء الفلاسفة2، وكان يعظم الزهد3 ~~جدا، ويعتني به أعظم من اعتنائه بالتوحيد الذي جاءت به الرسل؛ وهو عبادة ~~الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه؛ فإن هذا التوحيد يتضمن ms157 محبة ~~الله وحده، وترك محبة المخلوق مطلقا، إلا إذا أحبه [لله] 4، فيكون داخلا في ~~محبة الله، بخلاف من يحبه مع الله؛ فإن هذا شرك. # وهؤلاء المتفلسفة إنما يعظمون تجريد النفس عن الهيولي5، وهي PageV01P383 # المادة، وهي البدن، وهو الزهد في أغراض البدن، و [هو] 1 الزهد في الدنيا. ~~وهذا ليس فيه إلا تجريد النفس عن الاشتغال بهذا؛ فتبقى النفس فارغة؛ فيلقي ~~إليها الشيطان ما يلقيه، ويوهمه أن ذلك من علوم المكاشفات والحقائق2، ~~وغايته وجود مطلق، هو في الأذهان، لا في الأعيان3. # الغزالي جعل السلوك إلى الله ثلاثة منازل # ولهذا جعل أبو حامد السلوك إلى الله ثلاثة منازل، بمنزلة السلوك4 ~~PageV01P384 # إلى مكة؛ فإن السالك إليها له ثلاثة أصناف من الشغل: # الأول: تهيئة الأسباب؛ كشراء الزاد، والراحلة، وخرز الراوية1. # والآخر: السلوك، ومفارقة الوطن، بالتوجه إلى الكعبة، منزلا بعد منزل. # والثالث: الاشتغال بأركان الحج، ركنا بعد ركن، ثم بعد النزوع2 عن لبسة ~~الإحرام، وطواف الوداع، استحق التعرض للملك، والسلطنة. قال: فالعلوم ~~ثلاثة3: قسم يجري مجرى سلوك البوادي، وقطع العقبات؛ وهو تطهير الباطن عن ~~كدورات الصفات، وطلوع تلك [العقبة] 4 الشامخة التي عجز عنها الأولون ~~والآخرون، إلا الموفقون. # قال5: فهذا سلوك للطريق، وتحصيل علمه6؛ كتحصيل علم جهات الطريق، ومنازله. ~~وكما لا يغني علم المنازل وطريق البوادي دون سلوكها، فكذا لا يغني علم ~~تهذيب الأخلاق دون مباشرة التهذيب. لكن المباشرة دون العلم، غير ممكن. # قال: وقسم ثالث يجري مجرى نفس الحج وأركانه؛ وهو العلم بالله، وصفاته، ~~وملائكته، وأفعاله، وجميع ما ذكرناه في تراجم علم المكاشفة. PageV01P385 # قال: وها هنا نجاة وفوز بالسعادة. والنجاة حاصلة لكل سالك للطريق، إذا ~~كان غرضه المقصد؛ وهو السلامة. وأما الفوز بالسعادة: فلا ينالها إلا ~~العارفون؛ فهم المقربون المنعمون في جوار الله بالروح، والريحان، وجنة ~~نعيم1. # وأما الممنوعون دون ذروة الكمال، فلهم النجاة والسلامة؛ كما قال تعالى: ~~{فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب ~~اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين} 2. # وقال: وكل من لم يتوجه إلى ms158 المقصد، أو انتهض إلى جهته لا على قصد ~~الامتثال بالأمر والعبودية، بل لغرض عاجل، فهو من أصحاب الشمال، ومن ~~الضالين؛ فله نزل من حميم وتصلية جحيم. # قال: واعلم أن هذا هو الحق اليقين عند العلماء الراسخين في العلم؛ أعني ~~أنهم أدركوه بمشاهدة من الباطن. ومشاهدة الباطن أقوى وأجل من مشاهدة ~~الأبصار3، وترقوا فيه عن حد التقليد إلى الاستبصار4. PageV01P386 # تعليق شيخ الإسلام على كلام الغزالي # قلت: وكلامه من هذا الجنس كثير، ومن لم يعرف حقيقة مقصده [يهوله] 1 مثل ~~هذا الكلام؛ لأن صاحبه يتكلم بخبرة ومعرفة بما يقوله، لا بمجرد تقليد ~~لغيره. لكن الشأن فيما خبره، هل هو حق مطابق. ومن سلك مسلك المتكلمين؛ ~~الجهمية، والفلاسفة، ولم يكن عنده خبرة بحقائق ما بعث به رسله، وأنزل به ~~كتبه، بل ولا بحقائق الأمور عقلا وكشفا، فإن هذا الكلام غايته. # [و] 2 أما من عرف حقيقة ما جاءت به الرسل، أو عرف مع ذلك بالبراهين ~~العقلية والمكاشفات الشهودية صدقهم فيما أخبروا؛ فإنه يعلم غاية مثل هذا ~~[الكلام] 3، وأنه إنما ينتهي إلى التعطيل4. # ولهذا ذاكرني مرة شيخ جليل له معرفة، وسلوك، وعلم في هذا، فقال: كلام أبي ~~حامد يشوقك، فتسير خلفه، منزلا بعد منزل، فإذا هو ينتهي إلى لا شيء5. ~~PageV01P387 # وهذا الذي جعله هنا الغاية، وهو: معرفة الله، وصفاته، وأفعاله، وملائكته، ~~قد ذكره في ((المضنون به على غير أهله)) 1، وهو فلسفة محضة. قول المشركين ~~من العرب خير منه، دع قول اليهود والنصارى. بل قوم نوح، وهود، وصالح، ~~ونحوهم كانوا يقرون بالله، وبملائكته، وصفاته، وأفعاله، خيرا من هؤلاء. ~~[لكن] 2 لم يقروا بعبادته وحده لا شريك له، ولا بأنه أرسل رسولا من البشر. # حقيقة قول الفلاسفة في أصول الدين # [وهذا حقيقة قول] 3 هؤلاء؛ فإنهم لا يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ~~ولا يثبتون حقيقة الرسالة، بل النبوة عندهم فيض من جنس المنامات4. # وأولئك الكفار ما كانوا ينازعون في هذا الجنس؛ فإن هذا الجنس موجود لجميع ~~بني آدم، ومع هذا فقد أخبر الله تعالى ms159 عنهم أنهم كانوا يقرون بالملائكة؛ ~~كما قال: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود PageV01P388 # إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو ~~شاء ربنا لأنزل ملائكة} 1. وقال [قوم] 2 نوح: {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد ~~أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا ~~الأولين} 3. بل فرعون قال لموسى: {أم أنا خير من هذا [الذي] 4 هو مهين ولا ~~يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ~~فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين} 5. # والعبادات كلها عندهم مقصودها تهذيب الأخلاق. والشريعة سياسة مدنية. ~~والعلم الذي يدعون الوصول إليه لا حقيقة لمعلومه في الخارج6. # والله أرسل رسوله بالإسلام والإيمان بعبادة الله وحده، وتصديق الرسول ~~فيما أخبر؛ فالأعمال عبادة الله، والعلوم تصديق الرسول. وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر تارة بسورتي الإخلاص7، وتارة: {قولوا ~~PageV01P389 # آمنا بالله وما أنزل إلينا} 1 الآية؛ فإنها تتضمن الإيمان، والإسلام. ~~وبالآية من آل عمران: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم} 23. # فلاسفة الصوفية الذين تأثروا بكلام الغزالي # [والذين] 4 سلكوا خلف أبي حامد، أو ضاهوه في السلوك؛ كابن سبعين، وابن ~~عربي، صرحوا بحقيقة ما وصلوا إليه، وهو أن الوجود PageV01P390 # واحد1، وعلموا أن أبا حامد لا يوافقهم على هذا، فاستضعفوه، و [نسبوه] 2 ~~إلى أنه مقيد بالشرع والعقل3. # وأبو حامد بين علماء المسلمين، وبين علماء الفلاسفة. علماء المسلمين ~~يذمونه على ما شارك فيه الفلاسفة مما يخالف دين الإسلام. والفلاسفة يعيبونه ~~على ما بقي معه من الإسلام، وعلى كونه لم ينسلخ [منه] 4 بالكلية إلى قول ~~الفلاسفة. # ذم ابن رشد للغزالي # ولهذا كان الحفيد ابن رشد5 ينشد فيه: # يوما يمان إذا ما جئت ذا يمن وإن لقيت معديا فعدناني6 PageV01P391 # ذم القشيري للغزالي # وأبو نصر القشيري1، وغيره [ذموه] 2 على الفلسفة، وأنشدوا فيه [أبياتا] 3 ~~معروفة، يقولون فيها: # برئنا إلى الله من معشر # بهم مرض ms160 من كتاب الشفا4 # وكم قلت يا قوم أنتم على # شفا حفرة ما لها من شفا # فلما استهانوا بتعريفنا # رجعنا إلى الله حتى كفا # فماتوا على دين [رسطالس] 5 # وعشنا على سنة المصطفى6 ذم العلماء له # ولهذا كانوا يقولون: أبو حامد قد أمرضه الشفاء7. PageV01P392 # وكذلك الطرطوشي1، والمازري2، وابن عقيل3، وأبو البيان4، PageV01P393 # وابن حمدين1، ورفيق أبي حامد؛ أبو نصر المرغيناني2، وأمثال PageV01P394 # هؤلاء1 لهم كلام كثير في ذمه على ما دخل فيه من الفلسفة. ولعلماء الأندلس ~~في ذلك مجموع كبير. # مراتب الناس عند ابن سبعين # ولهذا لما سلك خلفه ابن عربي2، وابن سبعين3، كان ابن سبعين في كتاب [ ~~((البد)) ] 4 وغيره، يجعل الغاية هو المقرب؛ وهو نظير المقرب PageV01P395 # في كلام أبي حامد، ويجعل المراتب خمسة: أدناها الفقيه، ثم المتكلم، ثم ~~الفيلسوف، ثم الصوفي الفيلسوف؛ وهو السالك، ثم المحقق1. # عقائد ابن عربي # وابن عربي له أربع عقائد2: الأولى: عقيدة أبي المعالي وأتباعه مجردة عن ~~حجة. والثانية: تلك العقيدة مبرهنة بحججها الكلامية. والثالثة: عقيدة ~~الفلاسفة؛ ابن سينا وأمثاله الذين يفرقون بين الواجب والممكن. والرابعة: ~~التحقيق الذي وصل إليه؛ وهو [أن] 3 الوجود واحد4. وهؤلاء يسلكون مسلك ~~الفلاسفة الذي ذكره أبو حامد في ميزان PageV01P396 # العمل؛ وهو: أن الفاضل له ثلاث عقائد: عقيدة مع العوام يعيش بها في ~~الدنيا؛ كالفقه مثلا. وعقيدة مع الطلبة يدرسها لهم؛ كالكلام. والثالثة: ~~[سر] 1 لا يطلع عليه أحد إلا الخواص2. PageV01P397 # المضنون به على غير أهله فلسفة محضة # ولهذا صنف الكتب المضنون بها على غير أهلها، وهي فلسفة محضة، سلك فيها ~~مسلك ابن سينا1. ولهذا يجعل اللوح المحفوظ هو النفس الفلكية2 إلى أمور أخرى ~~قد بسطت في غير هذا الموضع، ذكرنا ألفاظه بعينها في مواضع؛ منها: الرد على ~~ابن سبعين وأهل الوحدة، وغير ذلك3؛ فإنه لما انتشر الكلام في مذهب أهل ~~الوحدة، وكنت لما دخلت إلى مصر بسببهم، ثم صرت في الإسكندرية، جاءني من ~~فضلائهم من يعرف حقيقة أمرهم4، وقال: إن كنت تشرح لنا كلام هؤلاء، وتبين ~~مقصودهم، ثم تبطله، وإلا فنحن ms161 لا نقبل منك كما لا نقبل من غيرك؛ # سبب تأليف بغية المرتاد السبعينية # فإن هؤلاء لا يفهمون كلامهم. فقلت: نعم! أنا أشرح لك ما شئت من كلامهم؛ ~~PageV01P398 # مثل كتاب [البد] 1، والإحاطة2 لابن سبعين، وغير ذلك. فقال لي: لا، ولكن ~~((لوح الأصالة)) 3؛ فإن هذا يعرفون، وهو في رؤوسهم. فقلت له: هاته. فلما ~~أحضره شرحته له شرحا بينا، حتى تبين له حقيقة الأمر، وأن هؤلاء ينتهي أمرهم ~~إلى الوجود المطلق، فقال: هذا حق. وذكر لي أنه تناظر اثنان؛ متفلسف سبعيني، ~~ومتكلم على مذهب ابن التومرت4، فقال PageV01P399 # ذاك: نحن شيخنا يقول بالوجود المطلق1. PageV01P400 # وقال الآخر: ونحن كذلك إمامنا. # قلت له: والمطلق في الأذهان لا في الأعيان. فتبين له ذلك، وأخذ يصنف في ~~الرد عليهم1. # ابن تومرت يقول بالوجود المطلق # ولم أكن أظن ابن التومرت يقول بالوجود المطلق، حتى وقفت بعد هذا على ~~كلامه المبسوط2، فوجدته كذلك، وأنه كان يقول: الحق PageV01P401 # حقان؛ الحق المقيد، والحق المطلق؛ وهو الرب. وتبينت أنه لا يثبت شيئا من ~~الصفات، ولا ما يتميز به موجود عن موجود؛ فإن ذلك يقيد شيئا من الإطلاق. # وسألني هذا1 عما يحتجون به من الحديث؛ مثل الحديث المذكور في العقل، وأن ~~أول ما خلق الله تعالى العقل2، ومثل حديث: كنت كنزا لا PageV01P402 # أعرف، فأحببت أن أعرف1، وغير ذلك؟ فكتبت له جوابا مبسوطا، وذكرت أن هذه ~~الأحاديث موضوعة، وأبو حامد وهؤلاء لا يعتمدون على هذا، وقد نقلوه إما من ~~رسائل إخوان الصفا2، أو من كلام أبي حيان PageV01P403 # التوحيدي1، أو من نحو ذلك2. # وهؤلاء في الحقيقة من جنس الباطنية الإسماعيلية3، لكن أولئك PageV01P404 # يتظاهرون بالتشيع والرفض، وهؤلاء غالبهم يميلون إلى التشيع، ويفضلون ~~عليا1. ومنهم من يفضله بالعلم الباطن، ويفضل أبا بكر2 في العلم الظاهر؛ ~~كأبي الحسن [الحرالي] 3، وفيه نوع من مذهب الباطنية الإسماعيلية، لكن لا ~~يقول بوحدة الوجود مثل هؤلاء، ولا أظنه يفضل غير الأنبياء عليهم؛ فهو أنبل ~~من هؤلاء من وجه، لكنه ضعيف المعرفة بالحديث، والسير، وكلام الصحابة ~~والتابعين؛ فيبني له أصولا على أحاديث موضوعة، ويخرج ms162 كلامه من تصوف، ~~وعقليات، وحقائق. وهو PageV01P405 # خير من هؤلاء، وفي كلامه أشياء حسنة صحيحة، وأشياء كثيرة باطلة، والله ~~سبحانه [وتعالى] 1 أعلم. # الوجه الثاني من أوجه الرد على الفلاسفة # الثاني: أن صلاح النفس في محبة المعلوم المعبود؛ وهي عبادته، لا في مجرد ~~علم ليس فيه ذلك، وهم جعلوا غاية النفس التشبه بالله على حسب الطاقة2، ~~وكذلك جعلوا حركة الفلك للتشبه به3. وهذا ضلال عظيم؛ فإن جنس PageV01P406 # التشبه يكون بين [اثنين] 1 مقصودهما واحد؛ كالإمام والمؤتم به. # وليس الأمر هنا كذلك. بل الرب هو معبود لذاته، وهو يعرف نفسه، ويحب نفسه، ~~ويثني على نفسه، والعبد نجاته وسعادته في أن يعرف ربه، ويحبه، ويثني عليه. ~~والتشبه به: أن يكون هو [محبوبا لنفسه] 2، مثنيا بنفسه على نفسه. وهذا فساد ~~في حقه، وضار به. والقوم أضل من اليهود والنصارى، بل ومن مشركي العرب؛ فإنه ~~ليس الرب عندهم؛ لا رب العالمين وخالقهم؛ ولا إلههم ومعبودهم. # ومشركو العرب كانوا يقرون بأنه خالق كل شيء، وما سواه مخلوق له محدث. ~~وهؤلاء الضالون لا يعترفون بذلك؛ كما قد بسط في غير هذا الموضع3. # الوجه الثالث من أوجه الرد على الفلاسفة # والوجه الثالث: أنهم يظنون أن ما عندهم هو علم بالله. وليس كذلك، بل هو ~~جهل. # والرازي لما شاركهم4 في بعض أمورهم صار حائرا معترفا بذلك؛ PageV01P407 # لما ذكر أقسام اللذات1، وأن اللذة العقلية هي الحق؛ وهي لذة العلم، وأن ~~شرف العلم بشرف المعلوم؛ وهو الرب، وأن العلم به ثلاث مقامات: العلم ~~بالذات، والصفات، والأفعال. قال: وعلى كل مقام عقدة؛ فالعلم بالذات فيه أن ~~وجود الذات: هل هو زائد عليها أم لا؟ وفي الصفات: هل الصفات زائدة على ~~الذات أم لا؟ وفي الأفعال: هل الفعل مقارن أم لا؟. ثم قال: ومن الذي وصل ~~إلى هذا الباب؟ أو من الذي ذاق من هذا الشراب؟ # نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه ms163 قيل وقالوا # لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ~~ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: {الرحمن ~~على العرش استوى} 2، {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} 3، واقرأ ~~في النفي: {ليس كمثله شيء} 4، {ولا يحيطون به علما} 5. ومن جرب مثل تجربتي، ~~عرف مثل معرفتي6. PageV01P408 # السعادة العلم بالله وما يقرب إليه.. # فالسعادة هو أن يكون العلم المطلوب هو العلم بالله وما يقرب إليه، ويعلم ~~أن السعادة في أن يكون الله هو المحبوب المراد المقصود، ولا يحتجب بالعلم ~~عن المعلوم؛ كما قال ذلك الشيخ العارف للغزالي لما قال له: أخلصت أربعين ~~صباحا، فلم يتفجر لي شيء! فقال: يا بني أنت أخلصت للحكمة، لم يكن الله هو ~~مرادك، والإخلاص لله أن يكون الله هو مقصود المرء ومراده، فحينئذ تتفجر ~~ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه؛ كما في حديث مكحول عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "من أخلص لله أربعين صباحا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على ~~لسانه"12. PageV01P409 # ولهذا تقول العامة: قيمة كل امرئ ما يحسن1، والعارفون يقولون: قيمة كل ~~امرئ ما يطلب2، وفي الإسرائيليات: يقول الله تعالى: "إني لا أنظر إلى كلام ~~الحكيم، وإنما أنظر إلى همته"3. # فالنفس لها قوة الإرادة مع الشعور، وهما متلازمان. وهؤلاء لحظوا شعورها ~~وأعرضوا عن إرادتها. وهي تتقوم بمرادها، لا بمجرد ما [تشعر] 4 به؛ فإنها ~~تشعر بالخير والشر، والنافع والضار، ولكن لا يجوز أن يكون مرادها ومحبوبها ~~إلا ما يصلحها وينفعها؛ وهو الإله المعبود الذي لا يستحق العبادة غيره، وهو ~~الله لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # العلم الحق ما أخبرت به الرسل # ثم مع هذا يكون العلم حقا، وهو ما أخبرت به الرسل؛ فالعلم الحق هو ما ~~أخبروا به، والإرادة النافعة إرادة ما أمروا به؛ وذلك عبادة الله وحده لا ~~شريك له؛ فهذا هو السعادة، وهو الذي اتفقت عليه الأنبياء كلهم؛ فكلهم دعوا ~~إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذلك إنما يكون بتصديق ms164 رسله [وطاعتهم] 5. # السعادة متتضمنة للأصلين # فلهذا كانت السعادة متضمنة لهذين الأصلين: الإسلام، والإيمان؛ عبادة الله ~~وحده، وتصديق رسله؛ وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن PageV01P410 # محمدا رسول الله، قال تعالى: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين} 1؛ قال أبو العالية2: هما خصلتان يسأل عنهما كل أحد؛ يقال: لمن ~~كنت تعبد، وبماذا أجبت المرسلين3. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع4. والله ~~أعلم. # واتبع لها أسعد الناس في الدنيا والآخرة، وخير القرون القرن الذين شاهدوه ~~مؤمنين به وبما يقول؛ إذ كانوا أعرف الناس بالفرق بين الحق الذي جاء به ~~وبين ما يخالفه، وأعظم محبة لما جاء به وبغضا لما خالفه، وأعظم جهادا عليه. ~~فكانوا أفضل ممن بعدهم في العلم، والدين، والجهاد؛ أكمل علما بالحق ~~والباطل؛ وأعظم محبة للحق وبغضا للباطل؛ وأصبر على متابعة الحق، واحتمال ~~الأذى فيه، وموالاة أهله، ومعاداة أعدائه. واتصل بهم ذلك [إلى] 5 القرن ~~الثاني، والثالث، فظهر ما بعث به من الهدى ودين PageV01P411 # الحق على كل دين في مشارق الأرض ومغاربها؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ~~"زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها"1. # وكان لا بد أن يظهر في أمته ما سبق به القدر، واقتضته نشأة البشر من نوع ~~من التفرق والاختلاف، كما كان فيما غبر. لكن كانت أمته صلى الله عليه وسلم ~~خير الأمم، فكان الخير فيهم أكثر منه في غيرهم، والشر فيهم أقل منه في ~~غيرهم؛ كما يعرف ذلك من تأمل حالهم وحال بني إسرائيل قبلهم. # وبنو إسرائيل هم الذين قال الله فيهم: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ~~والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات ~~من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر ~~فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ~~وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين} 2، وقال ms165 لهم موسى: {يا ~~قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم ~~يؤت أحدا من العالمين} 3. PageV01P412 # خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم # فإذا كان بنو إسرائيل الذين فضلهم الله على العالمين في تلك الأزمان، ~~وكانت هذه الأمة خيرا منهم، كانوا خيرا من غيرهم بطريق الأولى. فكان مما ~~خصهم الله به أنه لا يعذبهم بعذاب عام؛ لا من السماء، ولا بأيدي الخلق؛ فلا ~~يهلكهم بسنة عامة، ولا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم؛ كما كان يسلط ~~على بني إسرائيل عدوا يجتاحهم، حتى لا يبقى لهم دين قائم منصور، ومن لا ~~يقبل منهم يبقى مقهورا تحت حكم غيرهم. بل لا تزال في هذه الأمة طائفة ظاهرة ~~على الحق إلى يوم القيامة1، ولا يجتمعون على ضلالة2؛ فلا [تزال] 3 فيهم أمة ~~يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم ~~المفلحون4. # وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سألت ~~ربي PageV01P413 # ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني [عن] 1 واحدة؛ سألت ربي أن لا يسلط عليهم ~~عدوا من غيرهم فيجتاحهم، فأعطانيها؛ وسألته أن لا يهلكهم بسنة عامة، ~~فأعطانيها؛ وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها" 2. # معنى البأس # وهذا البأس نوعان؛ أحدهما: الفتن التي تجري عليهم. والفتنة ترد على ~~القلوب، فلا [تعرف] 3 الحق، ولا [تقصده] 4؛ فيؤذي بعضهم بعضا بالأقوال ~~والأعمال. والثاني: أن يعتدي أهل الباطل منهم على أهل الحق منهم، فيكون ذلك ~~محنة في حقهم، يكفر الله بها سيئاتهم، ويرفع بالصبر عليها درجاتهم، وبصبرهم ~~وتقواهم لا يضرهم كيد الظالمين لهم، بل تكون العاقبة للتقوى، ويكونون من ~~أولياء الله المتقين، وحزب الله المفلحين، وجند الله الغالبين؛ إذا كانوا ~~من أهل الصبر واليقين؛ ف {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} ~~5. والمتعدي منهم إما أن يتوب الله عليه كما تاب على إخوة يوسف بعد عدوانهم ~~عليه، وآثره الله عليهم بصبره وتقواه؛ كما قال لما قالوا: {أئنك لأنت يوسف ~~قال أنا يوسف وهذا ms166 أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا ~~تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} 6. PageV01P414 # وكما فعل سبحانه بقادة الأحزاب الذين كانوا عدوا لله وللمؤمنين، وقال ~~فيهم: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} 1، ثم قال: {عسى الله أن يجعل بينكم ~~وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم} 2؛ وفي هذا ما دل ~~على أن الشخص قد يكون عدوا لله، ثم يصير وليا لله، مواليا لله ورسوله ~~والمؤمنين؛ فهو سبحانه يتوب على من تاب، ومن لم يتب فإلى الله إيابه، وعليه ~~حسابه. وعلى المؤمنين أن يفعلوا معه ومع غيره ما أمر الله به ورسوله؛ من ~~قصد نصيحتهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن ~~المنكر؛ كما أمر الله ورسوله، لا اتباعا للظن وما تهوى الأنفس، حتى [يكون] ~~3 من خير أمة أخرجت للناس؛ يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون ~~بالله. وهؤلاء يعلمون الحق ويقصدونه، ويرحمون الخلق، وهم أهل صدق وعدل؛ ~~أعمالهم خالصة لله، صواب موافقة لأمر الله؛ كما قال تعالى: {ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا} 4. قال [الفضيل] 5 بن عياض6، وغيره: أخلصه، وأصوبه؛ والخالص أن ~~يكون لله؛ والصواب أن يكون على السنة7. PageV01P415 # دين الإسلام # وهو كما قالوا؛ فإن هذين الأصلين هما دين الإسلام الذي ارتضاه الله؛ كما ~~قال: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ~~واتخذ الله إبراهيم خليلا} 1؛ فالذي أسلم وجهه لله: هو الذي يخلص نيته لله، ~~ويبتغي بعمله وجه الله. والمحسن: هو الذي يحسن عمله؛ فيعمل الحسنات. ~~والحسنات: هي العمل الصالح. والعمل الصالح: هو ما أمر الله به ورسوله؛ [من] ~~2 واجب ومستحب. فما ليس من هذا ولاهذا، ليس من الحسنات، والعمل الصالح، فلا ~~يكون فاعله محسنا. # وكذلك قال لمن قال: {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} 3، قال: ~~{تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من ms167 أسلم وجهه لله وهو ~~محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} 4. وقد قال تعالى: ~~{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} 5. # الإسلام دين جميع الأنبياء # والإسلام هو دين جميع الأنبياء والمرسلين ومن اتبعهم من الأمم؛ كما أخبر ~~الله بنحو ذلك في غير موضع6 من كتابه؛ فأخبر عن نوح7، PageV01P416 # وإبراهيم، وإسرائيل1 [عليهم السلام] 2 أنهم كانوا مسلمين. وكذلك عن أتباع ~~موسى3، وعيسى4 [عليهما السلام] 5، وغيرهم6. # معنى الإسلام # والإسلام هو أن يستسلم لله، لا لغيره؛ فيعبد الله ولا يشرك به شيئا، ~~ويتوكل عليه وحده، ويرجوه، ويخافه وحده، ويحب الله المحبة التامة، لا يحب ~~مخلوقا كحبه لله، بل يحب لله، ويبغض لله، ويوالي لله، ويعادي لله. فمن ~~استكبر عن عبادة الله لم يكن مسلما، ومن عبد مع الله غيره لم يكن مسلما. ~~وإنما تكون عبادته بطاعته؛ وهو طاعة رسله؛ [فمن] 7 يطع الرسول فقد أطاع ~~الله8؛ فكل رسول بعث بشريعة، فالعمل بها في وقتها PageV01P417 # هو دين الإسلام. وأما ما بدل منها فليس من دين الإسلام. وإذا نسخ منها ما ~~نسخ لم يبق من دين الإسلام؛ كاستقبال بيت المقدس في أول الهجرة بضعة عشر ~~شهرا، ثم الأمر باستقبال الكعبة1؛ وكلاهما في وقته دين الإسلام، فبعد النسخ ~~لم يبق دين الإسلام إلا أن يولي المصلي وجهه شطر المسجد الحرام2. # فمن قصد أن يصلي إلى غير تلك الجهة، لم يكن على دين الإسلام؛ لأنه يريد ~~أن يعبد الله بما لم يأمره. وهكذا كل بدعة تخالف أمر الرسول؛ إما أن تكون ~~من الدين المبدل الذي ما شرعه الله قط، أو من المنسوخ الذي نسخه الله بعد ~~شرعه؛ كالتوجه إلى بيت المقدس. فلهذا كانت السنة في الإسلام كالإسلام في ~~الدين؛ هو الوسط؛ كما قد شرح هذا في غير موضع3. PageV01P418 # والمقصود هنا أنه إذا رد ما تنازع فيه الناس إلى الله والرسول؛ سواء كان ~~في الفروع أو [الأصول] 1، كان ذلك خيرا وأحمد عاقبة؛ كما قال تعالى: {يا ~~أيها الذين ms168 آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} 2. وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى ~~الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم} 3. # وفي صحيح مسلم عن عائشة، [أن] 4 النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام ~~[يصلي] 5 من الليل يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات ~~والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ~~اهدني لما [اختلف] 6 فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط ~~مستقيم"7. PageV01P419 # أهل السنة # وهذه حال أهل العلم والحق والسنة؛ يعرفون الحق الذي جاء به الرسول؛ وهو ~~الذي اتفق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول؛ ويدعون إليه؛ ويأمرون به نصحا ~~للعباد، وبيانا للهدى والسداد. ومن خالف ذلك لم يكن لهم معه هوى، ولم ~~يحكموا عليه بالجهل، بل [حكمه] 1 إلى الله والرسول؛ فمنهم من يكفره الرسول، ~~ومنهم من يجعله من أهل الفسق أو العصيان، ومنهم من يعذره ويجعله من أهل ~~الخطأ المغفور. والمجتهد من هؤلاء المأمور بالاجتهاد، يجعل له أجرا على فعل ~~ما أمر به من الاجتهاد، وخطؤه مغفور له؛ كما دل الكتاب2. # أهل البدع # وأما أهل البدع: فهم أهل أهواء وشبهات، يتبعون أهواءهم فيما يحبونه ~~ويبغضونه، ويحكمون بالظن والشبه؛ فهم يتبعون الظن وما تهوى PageV01P420 # الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. فكل فريق منهم قد أصل لنفسه أصل دين ~~[صنعه] 1؛ إما برأيه وقياسه الذي يسميه عقليات؛ وإما بذوقه وهواه الذي ~~يسميه ذوقيات2؛ وإما بما يتأوله من القرآن، ويحرف فيه الكلم عن مواضعه، ~~ويقول إنه إنما يتبع القرآن كالخوارج3؛ وإما بما يدعيه في الحديث والسنة ~~ويكون كذبا وضعيفا كما يدعيه الروافض4؛ من PageV01P421 # النص ms169 والآيات. وكثير ممن يكون قد وضع دينه برأيه أو ذوقه يحتج من القرآن ~~بما يتأوله على غير تأويله، ويجعل ذلك حجة لا عمدة، وعمدته في الباطن على ~~رأيه، كالجهمية والمعتزلة في الصفات والأفعال، بخلاف مسائل الوعد والوعيد1؛ ~~فإنهم قد يقصدون متابعة النص. PageV01P422 # البدع نوعان # فالبدع نوعان: نوع كان قصد أهلها متابعة النص والرسول، لكن غلطوا في فهم ~~النصوص، وكذبوا بما يخالف ظنهم من الحديث ومعاني الآيات؛ كالخوارج، وكذلك ~~الشيعة المسلمين، بخلاف من كان منافقا زنديقا1 يظهر التشيع، وهو في الباطن ~~لا يعتقد الإسلام. وكذلك المرجئة قصدوا اتباع الأمر والنهي، وتصديق الوعيد ~~مع الوعد. # ولهذا قال عبد الله بن المبارك2، ويوسف بن أسباط3، وغيرهما إن الثنتين ~~وسبعين فرقة4 أصولها أربعة: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والقدرية. ~~PageV01P423 # الجهمية أصل دينهم المعقول # وأما الجهمية النافية للصفات، فلم يكن أصل دينهم اتباع الكتاب والرسول1؛ ~~فإنه ليس في الكتاب والسنة نص واحد يدل على قولهم، بل نصوص الكتاب والسنة ~~متظاهرة بخلاف قولهم، وإنما يدعون التمسك بالرأي المعقول. وقد بسط القول ~~على بيان فساد حججهم العقلية، وما يدعيه بعضهم من السمعيات، وبين أن ~~المعقول الصريح موافق للمنقول الصحيح في بطلان قولهم، لا مخالف له2. # الكلام في أفعال الرب تعالى # والمقصود هنا: الكلام في أفعال الرب؛ فإن الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم ~~صاروا يسلكون فيه بأصل أصل بالمعقول، و [يجعلونه] 3 العمدة، وخاضوا في ~~لوازم القدر برأيهم المحض، فتفرقوا فيه تفرقا عظيما، وظهر بذلك حكمة نهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأمته عن التنازع في القدر، مع أن المتنازعين كان ~~كل منهما يدلي بآية، لكن كان ذلك يفضي إلى إيمان كل طائفة ببعض الكتاب دون ~~البعض، فكيف إذا كان المتنازعون [عمدتهم] 4 رأيهم. PageV01P424 # أحاديث النهي عن التنازع في القدر # والحديث رواه أهل المسند والسنن [مفصلا] 1، ورواه مسلم2 مجملا عن عبد ~~الله بن رباح الأنصاري أن عبد الله بن عمرو قال: هجرت3 إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوما، فسمع [أصوات] 4 رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا صلى ~~الله ms170 عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم ~~باختلافهم في الكتاب". # وقال الإمام أحمد في المسند: [ثنا] 5 أبو معاوية، [حدثنا] 6 داود ابن أبي ~~هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده7 قال: خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر. قال: فكأنما يفقأ في وجهه حب ~~الرمان من الغضب. قال: فقال: "ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك ~~من كان قبلكم" قال8: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم أشهده، ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده". وهذا حديث محفوظ من ~~[رواية] 9 عمرو بن شعيب. وقد رواه ابن ماجه PageV01P425 # من حديث أبي معاوية1. # وكتب أحمد في رسالته إلى المتوكل2 هذا الحديث. وجعل يقول في مناظرته لهم ~~يوم الدار في المحنة: إنا قد نهينا عن أن نضرب كتاب الله بعضه ببعض3. # وروى هذا المعنى: الترمذي من حديث أبي هريرة4، وقال: PageV01P426 # حديث حسن غريب. # شبهة من ينكر صفات الله # قال1: وفي الباب الذي [فررت] 2 منه؛ فإنه لما قيل: إن له حياة، وعلما، ~~وقدرة، وإرادة، وغضبا، ورضي، ونحو ذلك، قلت: هذا يستلزم أن يكون موافقا ~~للمخلوق في مسمى هذه الأسماء. وهذا تشبيه3. فقيل لك4: هذا يلزم مثله في ~~الذات؛ فإن قيل بتعطيل الذات5، فذلك يستلزم ما فررت منه؛ من ثبوت جسم قديم ~~حامل للأعراض والحركات. وإذا كان هذا لازما لك على تقدير نفي الذات كما ثبت ~~أنه لازم على تقدير إثباتها، كان لازما على تقدير النقيضين؛ النفي ~~والإثبات. وما كان كذلك لم يمكن PageV01P427 # نفيه. و [أما] 1 نحن فقد بينا أن اللازم على تقدير إثباتها لا محذور فيه، ~~وإنما المحذور لازم على تقدير نفيها. وهذا قد بسط في غير هذا الموضع2. # مناقشة من ينفي الحكمة # والمقصود هنا: أنه يقال لهؤلاء3 الذين ينفون الحكمة، ثم الإرادة، ~~PageV01P428 # ثم الفعل في الأفعال نظير ما قيل لأولئك1 في الصفات، ويجعل مبدأ الكلام ~~من الإرادة في ms171 الموضعين2. فيقال لمن أثبتها، ونفى الحكمة من المنتسبين إلى ~~إثبات القدر3، والمنتسبين إلى أهل السنة والجماعة: لم نفيتم الحكمة؟ فإذا ~~قالوا: لأنا لا نعرف من يفعل [لحكمة] 4 إلا من يفعل PageV01P430 # لغرض يعود إليه. وهذا لا يكون إلا فيمن يجوز عليه اللذة، والألم، ~~والانتفاع، والضرر، والله منزه عن ذلك1. فيقال لهم ما قاله نفاة الإرادة2، ~~وأنتم لا تعقلون إرادة إلا فيمن يجوز عليه اللذة والألم والانتفاع والضرر، ~~وقد قلتم أن الله تعالى مريد؛ فإما أن تطردوا أصلكم النافي، فتنفوا ~~الإرادة؛ أو المثبت، فتثبتوا اللذة، وإلا، فما المفرق3؟ فإذا قال نفاة ~~الإرادة4: فلهذا نفينا الإرادة؛ كما رجحه الرازي في المطالب العالية5، ~~واحتج به الفلاسفة. قيل لهم: فانفوا أن يكون فاعلا، فإنكم لا تعلمون فاعلا ~~غير مقهور إلا بإرادة، ولا يعقلون ما يفعل ابتداء إلا بإرادة، أو فاعلا ~~حياء إلا بإرادة، أو فاعلا مطلقا إلا بإرادة6. PageV01P431 # فإن قال أتباع أرسطو1: PageV01P432 # فلهذا قلنا إنه لا يفعل شيئا1، وليس بموجب بذاته شيئا، لكن قلنا: ~~PageV01P433 # إن الفلك يتشبه به، أو قال من هو أعظم تعطيلا منهم: فلهذا نفينا الأول ~~بالكلية، ولم [نثبت] 1 علة تفعل، ولا علة يتشبه بها. قيل لهم2: فهذه ~~الحوادث مشهودة، وحركة الكواكب، والشمس، والقمر مشهودة، فهذه الحركات ~~الحادثة، وغيرها من الحوادث؛ مثل السحاب، والمطر، والنبات، والحيوان، ~~والمعدن، وغير ذلك مما يشهد حدوثه؛ أحدث بنفسه من غير أن يحدثه محدث قديم، ~~أو لا بد للحوادث من محدث قديم؟ # فإن قالوا: بل حدث كل حادث بنفسه، من غير أن يحدثه أحد3: كان هذا ظاهر ~~الفساد، يعلم بضرورة العقل أنه في غاية المكابرة، ونهاية السفسطة، مع لزوم ~~ما فروا منه؛ فإنهم فروا من أن يكون ثم فاعل محدث، وقد أثبتوا فاعلا محدثا، ~~لكن جعلوا كل حادث هو يحدث بنفسه ويفعلها؛ فجعلوا ما ليس بشيء يجعل الشيء، ~~وجعلوا المعدوم يحدث الموجود؛ فلزمهم ما فروا منه من إثبات فاعل، مع ما ~~لزمهم من الكفر العظيم، وغاية الجهل، وغاية فساد العقل. PageV01P434 # وإن قالوا: بل كل محدث يحدثه ms172 محدث، وللمحدث محدث1. قيل لهم: هذا أيضا ~~ممتنع في صريح العقل؛ فإن التسلسل في الفاعل ممتنع بصريح العقل واتفاق ~~العقلاء2؛ فإنه كلما كثر ما يقدر أنه حادث، كان PageV01P435 # أحوج إلى القديم. فليس في تقدير حوادث لا [تتناهى] 1 ما يوجب استغناءها ~~عن القديم، بل إذا كان المحدث الواحد لا بد له [من] 2 محدث غيره، فمجموع ~~الحوادث أولى بالافتقار إلى محدث لها خارج عنها كلها؛ فإن المحدث لمجموعها ~~يمتنع أن يكون واحدا منها؛ فإنه يلزم أن يحدث نفسه، ويمتنع أن يكون المجموع ~~أحدث المجموع؛ فإن الشيء لا يحدث نفسه. # والمجموع هي الآحاد الحادثة وهيئتها الاجتماعية، وتلك الهيئة محتاجة إلى ~~[المجموع الذي] 3 هو كل واحد، واحد. والمجموع ليس إلا الآحاد واجتماعها، ~~وكل ذلك مفتقر إلى محدث مباين لها؛ فلا بد للحوادث من قديم ليس بحادث4 # ثم يقال لهم: إذا قدر تسلسل الفاعلين، وأن ما كان محدثا له محدث، وهلم ~~جرا. فهذا فيه إثبات ما فررتم منه؛ وهو أن هذا المحدث فعل هذا، وهذا فعل ~~هذا. لكن أثبتم ما لا يتناهى من ذلك في آن واحد، فركبتم ما فررتم منه، مع ~~لزوم هذه الجهالات التي تقتضي غاية فساد العقل، PageV01P436 # والكفر [بالسمع] 1. وإذا كان المحذور يلزمهم على تقدير أن يكون الحادث ~~أحدث نفسه، أو أحدث كل حادث [حادثا] 2 آخر، مع فساد هذين، تبين أنه لا ~~ينفعه إنكار القديم. وإن قال3: بل أقر بالمحدث القديم. قيل: فقد أقررت بفعل ~~القديم للمحدث، وإذا ثبت أن القديم فعل المحدث، وأنت لا تعلم فاعلا [إلا ~~لجلب] 4 منفعة، أو دفع مضرة5. قيل له: [فما] 6 كان جوابك عن هذا، كان جوابا ~~عن كونه يفعل بإرادته7. PageV01P437 # وقيل لمثبت الإرادة1: ما كان جوابك عن هذا، كان جوابا عن حكمته؛ فقد بين ~~أن من نفى الحكمة، فلا بد أن ينقض قوله، ويلزمه مع التناقض نفي الصانع، وهو ~~مع نفي الصانع تناقضه أشد. # والمحذور الذي فر منه ألزم، فلم يغن عنه فراره من إثبات الحكمة إلا زيادة ~~الجهل والشر. ms173 وهكذا يقال لمن نفى حبه، ورضاه، وبغضه، وسخطه2. # وهذا مقام شريف من تدبره وتصوره تبين له أنه لا بد من الإقرار بما جاء به ~~الرسول، وأنه هو الذي يوافق صريح المعقول، وأن من خالفه، فهو ممن لا يسمع، ~~ولا [يعقل، وهو] 3 أسوأ حالا ممن فر من الملك العادل الذي يلزمه [بطعام] 4 ~~امرأته وأولاده، والزكاة الشرعية، إلى بلاد ملكها ظالم ألزمه بإخراج أضعاف ~~ذلك لخنازيره وكلابه، مع قلة الكسب في بلاده. و [بمنزلة] 5 من فر من معاشرة ~~أقوام أهل صلاح وعدل ألزموه ما يلزم PageV01P438 # واحدا منهم من الأمور المشتركة إذ كانوا مقيمين، أو مسافرين؛ ان يخرج ~~مثلما يخرجه الواحد منهم. فكره هذا، وفر إلى بلد، فألزمه أهلها بأن ينفق ~~عليهم ويخدمهم، وإلا قتلوه وما أمكنه الهرب منهم. # فمن فر من حكم الله ورسوله أمرا وخبرا، [أو] 1 ارتد عن الإسلام، أو بعض ~~شرائعه خوفا من محذور في عقله، أو عمله، أو دينه، أو دنياه، كان ما يصيبه ~~من الشر أضعاف ما ظنه شرا في اتباع الرسول. قال تعالى: {ألم تر إلى الذين ~~يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما انزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى ~~الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا ~~قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك ~~صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن ~~أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم ~~وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ~~لوجدوا الله توابا رحيما فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} 2. PageV01P439 ### | فصل1 مناقشة من ينفي المحبة والحكمة والإرادة # ويقال لهم: لم فررتم من إثبات المحبة، والحكمة، والإرادة، والفعل؟ فإن ~~قالوا: لأن ذلك ms174 لا يعقل إلا في حق من يلتذ، ويتألم، وينتفع، ويتضرر. والله ~~منزه عن ذلك2. قيل للفلاسفة: فأنتم تثبتون أنه مستلذ، PageV01P440 # مبتهج، فهذا غير محذور عندكم1. وإن قلتم: لأن ذلك2 يستلزم لذة ~~PageV01P441 # حادثة. قيل لكم: في حلول الحوادث قولان، وليس معكم في النفي إلا ما يدل ~~على نفي الصفات مطلقا؛ كدليل التركيب1. وقد عرف فساده من وجوه2. # وقيل للجهمية3 والمعتزلة: إن أردتم أن ذلك يقتضي حاجته إلى PageV01P442 # العباد، وأنهم يضرونه أو ينفعونه1، فهذا ليس بلازم. ولهذا كان الله منزها ~~عن ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الإلهي: "يا ~~عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني"2. # فالله أجل من أن يحتاج إلى عباده لينفعوه، أو يخاف منهم أن يضروه. وإذا ~~كان المخلوق العزيز لا يتمكن غيره من قهره، فمن له العزة جميعا، وكل عزة ~~فمن عزته أبعد عن ذلك. وكذلك الحكيم المخلوق إذا كان PageV01P443 # لا يفعل بنفسه ما يضرها، فالخالق جل جلاله أولى أن لا يفعل ذلك لو كان ~~ممكنا. فكيف إذا كان ممتنعا. # قال تعالى: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا ~~[يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة] 1 ولهم عذاب عظيم} 2. وقال ~~تعالى: {وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن [كانوا] 3 أنفسهم يظلمون} 4. # فقد بين أن العصاة لا يضرونه، ولا يظلمونه، كعصاة المخلوقين؛ فإن مماليك ~~السيد، وجند الملك، وأعوان الرجل، وشركاءه إذا عصوه فيما يأمرهم ويطلبه ~~منهم، فقد يحصل له بذلك ضرر في نفسه، أو ماله، أو عرضه، أو غير ذلك. وقد ~~يكون ذلك ظلما له. # والله تعالى لا يقدر أحد على أن يضره ولا يظلمه. وإن كان الكافر على ربه ~~ظهيرا، فمظاهرته على ربه، ومعاداته له، ومشاقته، ومحاربته، عادت عليه ~~بضرره، وظلمه لنفسه، وعقوبته في الدنيا والآخرة. # وأما النفع فهو سبحانه غني عن الخلق، لا يستطيعون نفعه [فينفعوه] 5؛ فما ~~أمرهم به إذا لم يفعلوه، لم ms175 يضروه6 بذلك؛ كما قال تعالى: {ولله على ~~PageV01P444 # الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} ~~1، وقال: {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم} 2، وقال: ~~{إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى} 3. # وإن أردتم أنه [هو] 4 سبحانه لا يريد، و [لا] 5 يفعل ما يفرح به، ويسر ~~به، ويجعل عباده المؤمنين يفعلون ما يفرح به، فمن أين لكم هذا6؟ ~~PageV01P445 # وإن سمى هذا لذة، فالألفاظ المجملة التي قد يفهم منها معنى فاسد إذا لم ~~ترد في كلام الشارع لم [نكن] 1 محتاجين إلى إطلاقها؛ كلفظ (العشق) . وإن ~~أريد به المحبة التامة، وقد أطلق بعضهم2 على الله أنه يعشق، ويعشق، وأراد ~~به أنه يحب، ويحب محبة تامة، فالمعنى صحيح، واللفظ فيه نزاع. واللذة يفهم ~~منها لذة الأكل، والشرب، والجماع؛ كما يفهم من العشق المحبة الفاسدة، ~~والتصور الفاسد، ونحو ذلك مما يجب تنزيه الله عنه؛ فإن الذين قالوا لا يجوز ~~وصفه بأنه يعشق؛ منهم من قال: لأن العشق هو الإفراط في المحبة، والله تعالى ~~لا إفراط في حبه. ومنهم من قال: لأن العشق لا يكون إلا مع فساد التصور ~~للمعشوق، وإلا فمع صحة التصور لا يحصل إفراط في الحب. وهذا المعنى لا يمدح ~~فاعله؛ فإن من تصور في الله ما هو منزه عنه، فهو مذموم على تصوره، ولوازم ~~تصوره. ومنهم من قال: لأن الشرع لم يرد بهذا اللفظ، وفيه إبهام، وإيهام، ~~فلا يطلق. وهذا أقرب. وآخرون ينكرون محبة الله، وأن يحب ويحب؛ كالمعتزلة، ~~والجهمية، ومن وافقهم من الأشعرية3، وغيرهم، فهؤلاء يكون الكلام ~~PageV01P446 # معهم في كونه يحب، ويحب؛ كما نطق به الكتاب والسنة في مثل [قوله] 1: ~~{فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} 2، لا في لفظ العشق. # لفظ اللذة فيه إبهام وإيهام # كذلك لفظ اللذة فيه إبهام، وإيهام، والشرع لم يرد بإطلاقه، ولكن استفاض ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يفرح ms176 بتوبة التائب أعظم من فرح من وجد ~~راحلته بعد أن فقدها، وأيس منها في مفازة مهلكة، [يائس] 3 من الحياة ~~والنجاة من تلك الأرض، ومن وجود مركبه، ومطعمه، ومشربه، ثم وجد ذلك بعد ~~اليأس؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فكيف تجدون فرحه بدابته"؟ . قالوا: ~~عظيما يا رسول الله. قال: " [لله] 4 أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته"5. # وقد نطق الكتاب والسنة بأنه يحب المتقين6، والمحسنين7، والصابرين8، ~~والتوابين والمتطهرين9، والذين يقاتلون في سبيله صفا PageV01P447 # كأنهم بنيان مرصوص1، وأنه يرضى عن المؤمنين2. فإذا كنتم نفيتم حقيقة الحب ~~والرضى لأن ذلك يستلزم اللذة بحصول المحبوب. قيل لكم3: إن كان هذا لازما، ~~فلازم الحق حق. وإن لم يكن لازما بطل نفيكم4. والفرح في الإنسان هو لذة ~~تحصل في قلبه بحصول محبوبه. # وقد جاء أيضا وصفه تعالى بأنه يسر في الأثر، والكتب المتقدمة5؛ وهو مثل ~~لفظ الفرح6. PageV01P448 # صفة الضحك والبشبشة # وأما الضحك: فكثير في الأحاديث1. ولفظ البشبشة جاء أيضا أنه يتبشبش ~~للداخل إلى المسجد؛ كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم2. PageV01P449 # وجاء في الكتاب والسنة ما يلائم ذلك ويناسبه شيء كثير1. # فيقال لمن نفى ذلك: لم نفيته؟ ولم نفيت هذا المعنى؛ وهو وصف كمال لا نقص ~~فيه؟ ومن يتصف به أكمل ممن لا يتصف به؟ وإنما النقص فيه أن يحتاج فيه إلى ~~غيره، والله تعالى لا يحتاج إلى أحد في شيء، بل هو فعال لما يريد. لكن ~~القدرية قد يشكل هذا على قولهم؛ فإن العباد عندهم مستقلون بإحداث فعلهم، ~~ولكن هذا مثل إجابة دعائهم، وإثابتهم على أفعالهم، ونحو ذلك مما فيه أن ~~أفعالهم تقتضي أمورا يفعلها هو. وهم لا [يفرون] 2 من كونه [يجب] 3 عليه ~~أشياء، وأنه يفعل ما يجب عليه؛ فيكون العبد قد جعله مريدا لما لم يكن مريدا ~~له. وحينئذ فإذا كان العباد يجعلونه مريدا عندهم، فالقول في لوازم الإرادة، ~~كالقول فيها. وهذا إما أن يدل على [فساد] 4 قولهم في القدر، وهو الصواب. ~~وإما أن يقولوا: إن مثل ذلك ms177 جائز على الله، وجائز أن يجعله العبد مريدا ~~بدون مشيئته لذلك، وبدون أن يكون هو الذي شاء ذلك من العبد، فيلزمهم في ~~لوازمها ما يلزمهم فيها. # وأما على قول المثبتة5: فكل ما يحدث، فهو بمشيئته، وقدرته، فما ~~PageV01P450 # جعله أحد مريدا فاعلا، بل هو الذي يحدث كل شيء، ويجعل بعض الأشياء سببا ~~لبعض. # فإن قال نافي المحبة، والفرح، والحكمة، ونحو ذلك1: هذا يستلزم حاجته إلى ~~المخلوق. ظهر فساد قوله. # وإن قيل: إن ذلك إن كان وصف كمال، فقد كان فاقدا له، وإن كان نقصا، فهو ~~منزه عن النقص. قيل له: هو كمال حين اقتضت الحكمة حدوثه، وحدوثه [قبل] 2 ~~ذلك قد يكون نقصا في الحكمة، أو يكون ممتنعا غير ممكن؛ كما يقال في نظائر ~~ذلك3. PageV01P451 # وتمام البسط في هذا الأصل مذكور في غير هذا الموضع1. # والمقصود هنا التنبيه على لوازم ذلك؛ فإن نفاة ذلك2 نفوا أن يكون في ~~الممكن فعل ينزه عنه، فليس عندهم فعل يحسن منه، وفعل ينزه عنه. # الحسن والقبح عند الأشاعرة # بل [عندهم] 3 تقسيم الأفعال؛ أفعال الرب والعبد إلى حسن وقبيح، لا يكون ~~عندهم إلا بالشرع. وذلك لا يرجع إلى صفة في الفعل، بل الشارع عندهم يرجح ~~مثلا على مثل4. والحسن والقبيح إنما يعقل إذا كان الحسن ملائما PageV01P452 # للفاعل؛ وهو الذي يلتذ به، والقبيح ينافيه؛ وهو الذي يتألم به. والحسن، ~~والقبح في أفعال العباد بهذا الاعتبار متفق على جوازه. وإنما النزاع في ~~كونه يتعلق به المدح والثواب. وهذا في الحقيقة يرجع إلى الألم واللذة. # فلهذا سلم الرازي في آخر عمره ما ذكره في كتاب1 [أقسام اللذات] 2 إن ~~الحسن والقبح العقليين [ثابتان] 3 في أفعال العباد دون الرب4، PageV01P453 # إذا كان معناهما يؤول إلى اللذة والألم. # الحسن والقبح عند المعتزلة # والمعتزلة أثبتوا حسنا وقبحا عقليين في فعل القادر مطلقا، سواء كان ~~قديما، أو محدثا. وقال1: الحسن: ما للقادر فعله. و [القبيح ما] 2 ليس له ~~فعله. وقالوا: إن ذلك ثابت بدون كونه مستلزما للذة والألم. كما ادعوا ثبوت ms178 ~~حكمته للفاعل القادر، ولا تعود إليه، ولا يستلزم اللذة؛ فادعوا ما هو ~~PageV01P455 # خلاف الموجود والمعقول1. ولهذا تسلط عليهم النفاة2، فكان حجتهم عليهم أن ~~يثبتوا أن هذا أمر لا يعقل إلا مع اللذة والألم. ثم يقولون: وذلك في حق ~~الله محال. فحجتهم مبنية على مقدمتين: أن الحسن والقبح والحكمة مستلزم للذة ~~والألم، وذلك في حق الله محال. PageV01P456 # والمعتزلة منعوا المقدمة الأولى، فغلبوا معهم. والمقدمة الثانية جعلوها ~~محل وفاق1، وهي مناسبة لأصول المعتزلة؛ لكونهم ينفون الصفات؛ فنفي الفعل ~~القائم به أولى على أصلهم، ونفي مقتضى ذلك أولى على أصلهم. وهذه المقدمة ~~التي اشتركوا فيها [تقتضي] 2 نفي كونه مريدا، ونفي كونه فاعلا، ونفي حدوث ~~شيء من الحوادث؛ كما أن نفي الصفات يقتضي نفي [شيء] 3 قائم بنفسه موصوف ~~بالصفات. # فنفي اتصافه بالصفات يستلزم أن لا يكون في الوجود شيء يتصف بصفة، ونفي ~~فعله، وإحداثه يقتضي أن لا يكون في الوجود شيء حادث؛ فكان ما نفوه مستلزما ~~نهاية السفسطة4، وجحد الحقائق. ولهذا كان من PageV01P457 # وافق هؤلاء على نفي محبة الله لما أمر به من الصوفية، يلزمهم تعطيل الأمر ~~والنهي، وأن لا [ينفى] 1 إلا القدر [العام] 2. # وقد التزم ذلك طائفة من محققيهم3، وكان نفي الصفات يستلزم نفي [الذات] 4، ~~وأن لا يكون [موجودان] 5، أحدهما واجب قديم خالق، والآخر ممكن، أو محدث، أو ~~مخلوق. وهكذا التزمه طائفة من محققيهم؛ وهم القائلون بوحدة الوجود، و ~~[هؤلاء] 6 يقولون [بكون] 7 العبد أولا يشهد الرفق بين الطاعة والمعصية، ثم ~~يشهد طاعة بلا معصية، ثم لا طاعة ولا معصية، بل الوجود واحد8، فالذين ~~أثبتوا الحسن والقبح في الأفعال، PageV01P458 # وأن لها صفات تقتضي ذلك، قالوا بما قاله جمهور العقلاء من المسلمين ~~وغيرهم. # قال أبو الخطاب1: "هذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين2، لكن تناقضوا، فلم ~~يثبتوا لازم ذلك، فتسلط عليهم النفاة. والنفاة لما نفوا الحسن والقبح في ~~نفس الأمر3، قالوا4: لا فرق في ما يخلقه الله، [وبما يأمر] 5 به بين فعل ~~وفعل، وليس في نفس الأمر حسن، ولا قبيح، ولا ms179 صفات توجب ذلك. واستثنوا ما ~~يوجب اللذة والألم، لكن اعتقدوا ما اعتقدته المعتزلة أن هذا لا يجوز إثباته ~~في حق الرب. وأما في حق العبد: فظنوا أن الأفعال لا [تقتضي] 6 إلا لذة ~~وألما في الدنيا. وأما كونها مشتملة PageV01P459 # على صفات تقتضي لذة وألما في الآخرة، [فذاك] 1 عندهم باطل، ولم يمكنهم أن ~~يقولوا إن الشارع يأمر بما فيه لذة مطلقا، و [ينهى] 2 عما فيه ألم مطلقا. # وكون الفعل يقتضي ما يوجب اللذة، هو عندهم من باب التولد3. PageV01P460 # معنى الكسب عند االأشاعرة # وهم لا يقولون به، بل قدرة العبد عندهم لا [تتعلق] 1 إلا بفعل في محلها، ~~مع أنها عند شيخهم2 غير مؤثرة في المقدور، ولا يقول أن العبد فاعل في ~~الحقيقة، بل كاسب3. PageV01P461 # ولم يذكروا بين الكسب والفعل فرقا معقولا، بل حقيقة قولهم قول جهم: إن ~~العبد لا قدرة له، ولا فعل، ولا كسب1. # والله عندهم فاعل فعل العبد، وفعله هو نفس مفعوله؛ فصار الرب عندهم فاعلا ~~لكل ما يوجد من أفعال العباد. ويلزمهم أن يكون هو الفاعل للقبائح، وأن يتصف ~~بها على قولهم إنه يوصف بالصفات الفعلية القائمة بغيره. PageV01P462 # وقد تناقضوا في هذا الموضع1 [فجعلوه] 2 متكلما بكلام يقوم بغيره، وجعلوه ~~عادلا ومحسنا بعدل وإحسان يقوم بغيره؛ كما قد بسط في غير هذا الموضع3. # وحينئذ فما بقي يمكنهم أن يفرقوا بين ممكن وممكن من جميع الأجناس؛ أي ~~يقولوا: هذا يحسن من الرب فعله، وهذا ينزه عنه. بل يجوز عندهم أن يفعل كل ~~ممكن مقدور. # معنى الظلم عند الأشاعرة # والظلم عندهم هو فعل ما نهى المرء عنه، أو التصرف في ملك الغير4. وكلاهما ~~ممتنع في حق الله. فأما أن PageV01P463 # يكون هناك أمر ممكن مقدور، وهو منزه عنه، فهذا عندهم لا يجوز. # من أصول الأشاعرة # فلهذا جوزوا عليه كل ما يمكن، ولا ينزهونه عن فعل لكونه قبيحا، أو نقصا، ~~أو مذموما، ونحو ذلك1. بل يعلم ما يقع وما لا يقع بالخبر؛ أي بخبر الرسول ~~كما علم بخبره المأمور والمحظور، ms180 والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، أو ~~بالعادة مع أن العادة يجوز انتقاضها عندهم. لكن قالوا: قد يعلم بالضرورة ~~عدم ما يجوز وقوعه، من غير فرق؛ لا في الوجود، ولا في العلم بين ما علموا ~~انتفاءه، وما لم يعلموه؛ إذ كان أصل قولهم هو جواز التفريق بين المتماثلين ~~بلا سبب. فالإرادة القديمة عندهم ترجح مثلا على مثل بلا سبب في خلق الرب ~~وفي أمره. وكذلك عندهم قد يحدث في قلب العبد علما ضروريا بالفرق بين ~~المتماثلين بلا سبب. فلهذا قالوا: إن الشرع لا يأمر وينهى لحكمة2. # ولم يعتمدوا على المناسبة، وقالوا: علل الشرع أمارات3؛ كما قالوا: إن ~~أفعال العباد أمارة على السعادة والشقاء فقط4، من غير أن يكون PageV01P464 # في أحد الفعلين معنى يناسب الثواب أو العقاب1. # ومن أثبت المناسبة من متأخريهم؛ كأبي حامد2 ومن تبعه. قالوا: عرفنا ~~بالاستقراء أن المأمور به تقترن به مصلحة العباد؛ وهو حصول ما ينفعهم، ~~والمنهي عنه تقترن به المفسدة، فإذا وجد الأمر والنهي علم وجود PageV01P465 # قرينه الذي علم بعادة الشرع من غير أن يكون الرب أمر به لتلك المصلحة، ~~ولا نهى عنه لتلك المفسدة. # وجمهورهم وأئمتهم على أنه يمتنع أن يفعل لحكمة. # لكن الآمدي قال: إن ذلك جائز غير واجب؛ فلم يجعله واجبا، ولا ممتنعا1. ~~PageV01P466 ### | فصل عدل الله وحكمته وتعليل أفعاله # وهذا الأصل1 دخل في جميع أبواب الدين؛ أصوله، وفروعه؛ في PageV01P467 # خلق الرب لما يخلقه، ورزقه، وإعطائه، ومنعه، وسائر ما يفعله تبارك ~~وتعالى، ودخل في أمره، ونهيه، وجميع ما يأمر به، وينهى عنه. ودخل في ~~المعاد؛ فعندهم1 يجوز أن يعذب الله جميع أهل العدل والصلاح والدين، ~~والأنبياء والمرسلين بالعذاب الأبدي، وأن ينعم جميع أهل الكذب والظلم ~~والفواحش بالنعيم الأبدي. لكن بمجرد الخبر عرفنا أنه لا يفعل هذا2. ويجوز ~~عندهم أن يعذب من لا له ذنب أصلا بالعذاب الأبدي3. # حكم أطفال المشركين # بل هذا واقع عند من يقول بأن أطفال الكفار يعذبون في النار مع آبائهم4؛ ~~فإنهم كلهم يجوزون تعذيبهم؛ إذ كان عندهم يجوز تعذيب كل PageV01P468 # حي العذاب ms181 المؤبد بلا ذنب، ولا غرض، ولا حكمة1. # لكن: هل يقع هذا في أطفال المشركين؟ منهم من جزم بوقوعه؛ كالقاضي أبي ~~يعلى ومن وافقه2. ومنهم من توقف لعدم الدليل السمعي PageV01P469 # عنده، لا لمانع عقلي؛ كالقاضي أبي بكر1، ونحوه2. وليس عندهم من أفعال ~~الله ما ينزهونه عنه، أو ما [تقتضي] 3 الحكمة وجوده، بل يجوز عندهم أن يفعل ~~كل ممكن، ويجوز أن لا يفعل شيئا من الخير4. # لكن إذا أخبر أنه يفعل شيئا، أو أنه لا يفعله، علم أنه واقع، أو غير واقع ~~بالخبر. ويجوز عندهم أن يعذب من لا ذنب له، ومن هو أبر الناس وأعدلهم ~~وأفضلهم عذابا مؤبدا لا يعذبه أحدا من العالمين. ويجوز أن ينعم شر الخلق من ~~شياطين الإنس والجن نعيما في أعلى درجات الجنة، لا ينعم مثله [لمخلوق] 5، ~~لكن لما أخبر بأن المؤمنين يدخلون الجنة، والكفار يدخلون النار، علم ما ~~يقع6، مع أنه لو وقع ضده لم يكن بينهما فرق عندهم، ثم مع مجيء [الخبر] 7 ~~فكثير منهم وافقه. أما في جنس الفساق مطلقا، [فيجوزون] 8 أن يدخل جميعهم ~~الجنة، ويجوزون أن يدخل جميعهم النار، ويجوزون أن يدخل بعضهم؛ كما يقوله من ~~يقوله [من واقفة] 9 الشيعة، والأشعرية؛ PageV01P470 # كالقاضي أبي بكر1؛ لأن القرآن عنده لم يدل على شيء، والأخبار أخبار آحاد ~~[بزعمه] 2، فلا يحتج بها في ذلك. # وأما جمهور المنتسبين إلى السنة من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ~~حنيفة، وغيرهم: فيقطعون بأن الله يعذب بعض أهل الذنوب بالنار، ويعفو عن ~~بعضهم3؛ كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء} 4، فهذا فيه الإخبار بأنه يغفر5 ما دون الشرك، وأنه يغفره لمن يشاء، ~~لا لكل أحد. # لكن: هل الجزاء، والثواب، والعقاب مبني على الموازنة بالحكمة والعدل؛ كما ~~أخبر الله بوزن الأعمال6، أو يغفر ويعذب بلا سبب، ولا حكمة، ولا اعتبار ~~الموازنة فيه؟ PageV01P471 # لهؤلاء قولان: فمن جوز ذلك فإنه يجوز عندهم أن يعذب الله من هو أبر الناس ~~وأكثرهم طاعات وحسنات على ms182 سيئة صغيرة عذابا أعظم من عذاب أفسق الفاسقين. ~~ويجوز عندهم أن يغفر لأفسق الفاسقين من المسلمين وأعظمهم كبائر كل ذنب، ~~ويدخله الجنة ابتداء، مع تعذيب ذلك في النار على صغيرة1. # ولهذا قال جمهور الناس2 [عن هؤلاء] 3: إنهم لا ينزهون الرب [عن] 4 السفه ~~والظلم، بل يصفونه بالأفعال التي يوصف بها المجانين PageV01P472 # والسفهاء؛ فإن المجنون والسفيه قد [يعطي] 1 مالا عظيما لمن ليس هو له ~~بأهل. وقد يعاقب عقوبة عظيمة [لمن] 2 هو أهل للإكرام والإحسان. # تنازع الناس في معنى الظلم # والرب تعالى أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وخير الراحمين. والحكمة وضع ~~الأشياء مواضعها، والظلم وضع الشيء في غير موضعه3. # ومن تدبر حكمته في مخلوقاته، ومشروعاته4 رأى ما يبهر العقول؛ فإنه ~~PageV01P473 # مثلا خلق العين، واللسان، ونحوهما من الأعضاء لمنفعة، وخلق الرجل، ~~والظفر، ونحو ذلك لمنفعة، فلا تقتضي الحكمة أن يستعمل العين واللسان حيث ~~يستعمل اليد والرجل والظفر، ولا أن يستعمل الرجل واليد حيث يستعمل العين ~~واللسان. وهذا من حكمته موجود في أعضاء الإنسان، وسائر الحيوان، والنبات، ~~وسائر المخلوقات. فكيف يجوز في حكمته، وعدله، ورحمته في من هو دائما يفعل ~~ما يرضيه من الطاعات، والعبادات، والحسنات، وقد نظر نظرة منهيا عنها، أن ~~يعاقبه على هذه النظرة بما يعاقب به أفجر الفساق، [وأن يكون أفجر الفساق] 1 ~~في أعلى عليين، وهو سبحانه يفعل ما يشاء، ويحكم ما [يريد] 2. # لكن لا يشاء إلا ما يناسب حكمته، ورحمته، وعدله، كما لا يشاء ويريد إلا ~~ما علم أنه سيكون. # فلو قيل: هل يجوز أن يشاء ما علم أنه لا يكون؟ لم [يجز] 3 ذلك باتفاقهم4، ~~لمناقضة علمه. والعلم يطابق المعلوم. فكيف يشاء ما يناقض حكمته، ورحمته، ~~وعدله. وبسط هذه الأمور له مواضع متعددة5. PageV01P474 # اضطراب الأشاعرة في النبوات # والمقصود أن هؤلاء1 لما احتاجوا إلى إثبات النبوات اضطربوا في صفة النبي، ~~وما يجوز عليه، وفي الآيات التي بها يعلم صدقه؛ فجوزوا أن يرسل الله من ~~يشاء بما يشاء، لا يشترطون في النبي إلا أن يعلم ما أرسل به2؛ لأن ms183 تبليغ ~~الرسالة بدون العلم ممتنع. ومن جوز منهم تكليف ما لا يطاق مطلقا3، يلزمه ~~جواز أن يأمره الله بتبليغ رسالة لا يعلم ما هي. PageV01P475 # القول بتكليف ما لا يطاق. # وجوزوا من جهة العقل ما ذكره القاضي أبو بكر: أن يكون الرسول فاعلا ~~للكبائر1، إلا أنه لا بد أن يكون عالما بمرسله. لكن ما علم بالخبر أن ~~الرسول لا يتصف به، علم من جهة الخبر فقط، لا لأن الله منزه عن PageV01P476 # إرسال ظالم، أو مرتكب للفواحش، أو مكاس، أو مخنث، أو غير ذلك؛ فإنه لا ~~يعلم نفي شيء من ذلك بالعقل، لكن بالخبر. # وهم في السمعيات عمدتهم الإجماع1. # عمدة الأشاعرة في السمعيات # وأما الاحتجاج بالكتاب والسنة، فأكثر ما يذكرونه تبعا للعقل أو الإجماع. ~~والعقل والإجماع مقدمان عندهم على الكتاب والسنة2. # لم يعتمد الباقلاني في تنزيه الأنبياء على دليل عقلي ولا سمعي # فلم يعتمد القاضي أبو بكر3 وأمثاله في تنزيه الأنبياء [لا] 4 على دليل ~~عقلي، ولا سمعي من الكتاب والسنة؛ فإن العقل عنده لا يمنع أن يرسل الله من ~~شاء؛ إذ كان يجوز عنده على الله فعل كل ما يقدر عليه. وإنما اعتمد على ~~الإجماع؛ فما أجمع المسلمون عليه أنه لا يكون في النبي نزه عنه، ثم ذكر ما ~~ظنه إجماعا؛ كعاداته، وعادات أمثاله في نقل إجماعات5 لا يمكن PageV01P477 # نقلها عن واحد من الصحابة، ولا ثلاثة من التابعين، ولا أربعة من الفقهاء ~~المشهورين؛ كدعواه الإجماع على أن الصلاة في الدار المغصوبة مجزئة1، مع ~~قوله أن العقل يحيل أن يكون مأمورا به؛ فيدعي الإجماع على براءة المأمور من ~~فعل ما أمر به، لكونه فعل ما نهي عنه. PageV01P478 # ولأهل الكلام والرأي من دعوى [الإجماعات] 1 التي ليست صحيحة، بل قد يكون ~~فيها نزاع معروف، وقد يكون إجماع السلف على خلاف ما ادعوا فيه الإجماع ما ~~يطول ذكره هنا. # وقد ذكرنا قطعة من الإجماعات الفروعية التي حكاها طائفة من أعيان العلماء ~~العالمين بالاختلاف2، مع أنها منتقضة، وفيها نزاع ثابت لم يعرفوه. وقد يكون ~~غيرهم ms184 حكى الإجماع على نقيض قولهم. وربما كان من السلف؛ كقول الشافعي: ما ~~أعلم أحدا قبل شهادة العبد3. # وقبله من الصحابة: أنس بن مالك؛ يقول: ما أعلم أحدا رد شهادة العبد4. # وكدعوى ابن حزم الإجماع [على إبطال] 5 القياس6. # وأكثر الأصوليين يذكرون الإجماع على إثبات القياس. # وبسط هذا له موضع آخر7. PageV01P479 ### | فصل طريقة الأشاعرة في إثبات المعجزات # ولما أرادوا1 إثبات معجزات الأنبياء عليهم السلام، وأن الله سبحانه لا ~~يظهرها على يد كاذب، مع تجويزهم عليه فعل كل شيء2، [فتقوا فتقا] 3، فقالوا: ~~لو جاز ذلك، لزم أن لا يقدر على تصديق من ادعى النبوة. وما لزم منه نفي ~~القدرة كان ممتنعا. فهذا هو المشهور عن الأشعري، وعليه اعتمد القاضي أبو ~~بكر، [وابن فورك] 4، والقاضي أبو يعلى، [وغيرهم] 56. PageV01P480 # وهو مبني على مقدمات.: # أحدها: أن النبوة لا تثبت إلا بما ذكروه من المعجزات1، وأن الرب لا يقدر ~~على إعلام الخلق بأن هذا نبي إلا بهذا الطريق، وأنه لا يجوز أن يعلموا ذلك ~~ضرورة، وأن إعلام الخلق بأن هذا نبي بهذا الطريق ممكن. # فلو قيل لهم: لا نسلم أن هذا ممكن على قولكم، فإنكم إذا جوزتم عليه فعل ~~كل شيء، وإرادة كل شيء، لم يكن فرق بين أن يظهرها على يد صادق، أو كاذب، ~~ولم يكن إرسال رسول [يصدقه] 2 بالمعجزات ممكنا على أصلكم، ولم يكن لكم حجة ~~على جواز إرسال الرسول وتصديقه بالمعجزات؛ إذ كان لا طريق عندهم إلا خلق ~~المعجز. وهذا إنما يكون دليلا إذا علم أنه إنما خلقه لتصديق الرسول. وأنتم ~~عندكم لا يفعل شيئا لشيء، ويجوز عليه فعل كل شيء.3. PageV01P481 # وسلك طائفة منهم طريقا آخر؛ وهي طريقة أبي المعالي1، وأتباعه؛ وهو أن ~~العلم بتصديقه لمن أظهر على يديه المعجز علم ضروري. # وضربوا له مثلا بالملك2. # وهذا صحيح إذا منعت أصولهم؛ فإن هذه تعلم إذا كان المعلم بصدق رسوله ممن ~~يفعل شيئا لحكمة. فأما من لا يفعل شيئا لشيء، فكيف يعلم أنه خلق هذه ~~المعجزة لتدل على صدقه لا لشيء آخر؟ ولم ms185 لا يجوز أن يخلقها لا لشيء على ~~أصلهم3. # وقالوا أيضا ما ذكره الأشعري: المعجز: علم الصدق، ودليله؛ فيستحيل وجوده ~~بدون الصدق، فيمتنع وجوده على يد الكاذب4. PageV01P482 # وهذا كلام صحيح، لكن كونه: علم الصدق، مناقض لأصولهم؛ فإنه إنما يكون علم ~~الصادق إذا كان الرب منزها عن أن يفعله على يد الكاذب، أو علم بالاضطرار ~~أنه إنما فعله لتصديق الصادق، أو أنه لا يفعله على يد الكاذب. # وإذا علم بالاضطرار تنزهه عن بعض الأفعال بطل أصلهم1. PageV01P483 ### | فصل تعريف المعجزة عند الأشاعرة # والمعتزلة قبلهم1 ظنوا أن مجرد كون الفعل [خارقا] 2 للعادة، هو الآية على ~~صدق الرسول، فلا يجوز ظهور خارق إلا لنبي. والتزموا طردا لهذا: إنكار أن ~~يكون للسحر تأثير خارج عن العادة؛ مثل أن يموت ويمرض بلا مباشرة شيء. ~~وأنكروا الكهانة، وأن تكون الجن تخبر ببعض المغيبات، وأنكروا كرامات ~~الأولياء3. PageV01P484 # فأتى هؤلاء1، فأثبتوا ما أثبته الفقهاء، وأهل الحديث من السحر، والكهانة، ~~والكرامات. # تعريف المعجزة عند الأشاعرة # لكن: قيل لهم: فميزوا بين هذا، وبين المعجزات؟. فقالوا: لا فرق في نفس ~~الجنس. وليس في جنس مقدورات الرب ما يختص بالأنبياء. لكن جنس خرق العادة ~~واحد، فهذا إذا اقترن بدعوى النبوة، وسلم عن المعارضة عند تحدي الرسول ~~بالمثل، فهو دليل2. # فهي عندهم لم تدل؛ [لكونها] 3 في نفسها وجنسها دليلا4. بل إذا ~~PageV01P485 # استدل بها المدعي للنبوة كانت دليلا1، [وإلا2 لم تكن دليلا] 3. ومن شرط ~~الدليل سلامته عن المعارضة؛ وهي عندهم غاية الفرق. فإذا قال المدعي للنبوة: ~~ائتوا بمثل هذه الآية، فعجزوا؛ كان هذا هو المعجز المختص بالنبي، وإلا ~~فيجوز عندهم أن تكون معجزات الرسول من جنس ما للسحرة والكهان4 من الخوارق، ~~إذا استدل بها الرسول5. # فالحجة عنده: مجموع الدعوى والخارق، لا الخارق وحده. والاعتبار بالسلامة ~~عن المعارض6. # بل قد لا يشترطون أن يكون خارقا للعادة، لكن يشترطون أن لا يعارض. وعجز ~~الناس عن المعارضة مع أنه معتاد [لا] 7 خارق للعادة. فالاعتبار عندهم ~~بشيئين: باقترانه بالدعوى، وتحديه لمن دعاهم أن يأتوا [بمثله] 8، فلا ~~يقدرون9. ms186 PageV01P486 # قالوا: وخوارق الأنبياء يظهر مثلها على يد الساحر، والكاهن، والصالح، ولا ~~يدل على النبوة؛ لأنه لم يدعها. قالوا: ولو ادعى النبوة أحد من أهل هذه ~~الخوارق، مع كذبه، لم يكن بد من أن الله يعجزه عنها؛ فلا يخلقها على يده، ~~أو يقيض له من يعارضه، فتبطل حجته1. # مناقشة شيخ الإسلام للأشاعرة في تعريف المعجزة # وإذا قيل لهم: لم قلتم: إن الله لا بد أن يفعل هذا [أو] 2 هذا؛ وعندكم ~~يجوز عليه كل شيء؟ ولا يجب عليه فعل شيء؟ ولا يجب منه فعل شيء؟ # قالوا: لأنه لو لم يمنعه من ذلك، أو يعارضه بآخر، [لكان] 3 قد أتى بمثل ~~ما يأتي به النبي الصادق؛ فتبطل دلالة آيات الأنبياء4. # فإذا قيل لهم: وعلى أصلكم يجوز أنه [يبطل] 5 دلالتها، وعندكم يجوز عليه ~~فعل كل شيء؟ أجابوا بالوجهين المتقدمين: إما لزوم أنه ليس بقادر، أو أن ~~الدلالة [معلومة] 6 بالاضطرار، وقد عرف ضعفهما. PageV01P487 # ثم هنا يلزمهم شيء آخر؛ وهو أنه: لم قلتم أن المعجز الذي يدل به على صدق ~~الأنبياء، ما ذكرتموه؛ من مجرد كونه خارقا مع الدعوى وعدم المعارضة1؛ فإن ~~هذا يقال: إنه باطل من وجوه: # أحدها: أنه إذا كان ما يأتي به النبي يأتي به الساحر والكاهن، لكان ~~أولئك2 يعارضون، وهذا3 لا يعارض؛ فالاعتبار إذن بعدم المعارضة. فقولوا: كل ~~من ادعى النبوة، [وقال] 4: معجزتي أن لا يدعيها غيري، فهو صادق. أو: لا ~~يقدر غيري على دعواها، فهو صادق، أو: أفعل أمرا معتادا؛ من الأكل، والشرب، ~~واللباس، ومعجزتي: أن لا يفعله غيري، أو: لا يقدر غيري على فعله، فهو صادق. # فالتزموا هذا، وقالوا: المنع من المعتاد كإحداث غير المعتاد5. وعلى هذا: ~~فلو قال الرسول: [معجزتي] 6 [أن] 7 أركب الحمار، أو الفرس، أو آكل هذا ~~الطعام، أو ألبس هذا الثوب، أو أعدو8 إلى ذلك المكان، وأمثال ذلك. وغيره لا ~~يقدر على ذلك؛ كان هذا آية [دعواه] 9. PageV01P488 # وهذا لا ضابط له؛ فإن ما يعجز عنه قوم دون قوم لا ينضبط. ولكن هذا ms187 يفسد ~~قول من فسرها بخرق العادة1؛ فإن العادات تختلف. # وقد ذكروا2 هذا، وقالوا: المعجزة عند كل قوم ما كان خرقا لعادتهم3. ~~وقالوا: يشترط أن تكون [خارقة] 4 لعادة من دعاهم، وإن كان معتادا لغيرهم. ~~[وقالوا: إذا] 5 كان المدعي كذابا؛ فإن الله [يقيض] 6 له من يعارضه من أهل ~~تلك الصناعة، أو يمنعه من القدرة عليها7. # وهذا وجه ثان يدل على فساد ما أصلوه8؛ هم، والمعتزلة9. PageV01P489 # المعجزة عند الأشاعرة دعوى النبوة وعدم المعارضة وليست الآية بجنسها ~~معجزة # الوجه الثالث: أن المعارضة بالمثل: أن يأتي بحجة مثل حجة النبي. وحجته ~~عندهم: مجموع دعوى النبوة، والإثبات بالخارق. فيلزم على هذا أن تكون ~~المعارضة بأن يدعي غيره1 النبوة، ويأتي بالخارق. # وعلى هذا فليست معارضة الرسول بأن يأتوا بالقرآن، أو عشر سور، أو سورة. ~~[بل] 2 أن يدعي أحدهم النبوة، ويفعل ذلك3. وهذا خلاف العقل والنقل. ولو قال ~~الرسول لقريش: لا يقدر أحد منكم أن يدعي النبوة، ويأتي بمثل القرآن وهذا هو ~~الآية. وإلا فمجرد تلاوة القرآن ليس آية. بل قد يقرأه المتعلم له، فلا تكون ~~آية؛ لأنه لم يدع النبوة. ولو ادعاها، لكان الله [ينسيه] 4 إياه، أو يقيض ~~له من يعارضه5؛ كما ذكرتم6 لكانت قريش، وسائر [العقلاء] 7 يعلمون أن هذا ~~باطل. # الكاذب لابد أن يتناقض # الرابع: أنه إذا كان اعتمادكم على عدم المعارضة، فقولوا ما قاله غيركم؛ ~~وهو: أن آية سلامة ما يقوله من التناقض وأن كل من ادعى النبوة، وكان كاذبا، ~~فلا بد أن يتناقض، أو يقيض الله له من يقول مثل ما قال. وأما السلامة من ~~التناقض من غير دعوى النبوة فليست دليلا. فهذا خير من قولكم؛ فإنه قد علم ~~أن كل ما جاء من عند غير الله، فإنه لا بد أن يختلف PageV01P490 # ويتناقض، وما جاء من عند الله لا يتناقض؛ كما قال تعالى: {ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} 1. # وأما دعوى الضرورة2: فمن ادعى الضرورة في شيء دون شيء مع تماثلهما3، وعدم ~~الفرق بينهما ms188 في نفس الأمر، كانت دعواه مردودة، بل كذبا؛ فإن وجود العلم ~~الضروري بشيء دون شيء، لا بد أن يكون لفرق؛ إما في المعلوم، وإما في ~~العالم. وإلا فإذا قدر تساوي المعلومات، وتساوي حال العالم [بها، لم] 4 ~~يعلم بالضرورة أحد المتماثلين دون الآخر. # آيات النبي مختصة بالأنبياء # الخامس: أنه لا بد أن تكون الآية التي للنبي أمرا مختصا بالأنبياء؛ فإن ~~الدليل مستلزم للمدلول عليه. فآية النبي هي دليل صدقه، وعلامة صدقه، وبرهان ~~صدقه، فلا توجد قط إلا مستلزمة لصدقه. وقد ادعوا5 أن آيات صدقهم تكون منفكة ~~عن صدقهم تكون لساحر، وكاهن، ورجل صالح، ولمدعي الإلهية، لكن لا تكون لمن ~~يكذب في دعوى النبوة؛ فجوزوا وجود الدليل مع عدم المدلول عليه6، إلا إذا ~~ادعى المدلول عليه كاذب. PageV01P491 # واستدلوا على ذلك بأن الساعة تخرق عندها خوارق، ولا تدل على صدق أحد. ولو ~~ادعى [مدع] 1 النبوة مع تلك الخوارق لدلت2. قالوا: فعلم أن جنس ما هو معجز ~~يوجد بدون صدق النبي. لكن مع دعوى النبوة لا يوجد إلا مع الصدق3. # والآية عندهم: الدعوى، والخارق. والصدق هو: المدلول عليه فلا يكون ذلك ~~كذلك إلا مع هذا4. # وأما وجود الخارق مجردا عن الدعوى، فليس بدليل. ولا فرق عندهم بين خارق ~~وخارق، وخارق معتاد عند قوم دون قوم. وليس لهم ضابط في العادات. # ما يفعله الله من الآيات دليل على صدق الرسل.. # ولسائل أن يقول: جميع ما يفعله الله من الآيات في العالم، فهو دليل على ~~صدق الأنبياء، ومستلزم له. وإن كانت [الآيات] 5 معتادة لجنس الأنبياء، أو ~~لجنس الصالحين [الذين] 6 يتبعون الأنبياء، فهي مستلزمة لصدق مدعي النبوة؛ ~~فإنها إذا لم تكن إلا لنبي، أو من يتبعه، لزم أن يكون من أحد القسمين. ~~والكاذب في دعوى النبوة ليس واحدا منهما؛ فالتابع للأنبياء الصالح لا يكذب ~~في دعوى النبوة قط، ولا يدعيها إلا وهو صادق؛ كالأنبياء المتبعين لشرع ~~موسى. فإذا كان آية نبي: إحياء الله الموتى، لم PageV01P492 # يمتنع أن يحيي الله الموتى لنبي آخر، أو ms189 لمن يتبع الأنبياء؛ كما قد أحيى ~~الميت لغير واحد من الأنبياء ومن [اتبعهم] 1، وكان ذلك آية على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، ونبوة من قبله، إذ كان إحياء الموتى مختصا بالأنبياء، ~~وأتباعهم2. PageV01P493 # إهلاك أعداء الرسل دليل على صدقهم # وكذلك ما يفعله الله من الآيات، والعقوبات بمكذبي الرسل؛ كتغريق فرعون1، ~~وإهلاك قوم عاد بالريح الصرصر2 العاتية3، وإهلاك قوم صالح بالصيحة4، وأمثال ~~ذلك5؛ فإن هذا جنس لم يعذب به إلا من كذب الرسل. فهو دليل على صدق الرسل. # وقد يميت الله بعض الناس بأنواع معتادة من البأس؛ كالطواعين6، ونحوها. ~~لكن هذا معتاد لغير مكذبي الرسل. أما ما عذب الله به مكذبي الرسل، فمختص ~~بهم. PageV01P494 # ولهذا كان [مختصا بهم، وكان] 1 من آيات الله كما قال: {وآتينا ثمود ~~الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} 2. # أشراط الساعة من آيات الأنبياء ودليل على صدقهم # وكذلك ما يحدثه من أشراط الساعة3؛ كظهور الدجال، ويأجوج ومأجوج، وظهور ~~الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، بل والنفخ في الصور، وغير ذلك؛ هو من آيات ~~الأنبياء؛ [فإنهم] 4 أخبروا به قبل أن يكون، فكذبهم المكذبون، فإذا ظهر بعد ~~[مئين] 5، أو ألوف من السنين، كما أخبروا به كان هذا من آيات صدقهم، ولم ~~يكن هذا [إلا] 6 لنبي، أو لمن يخبر عن نبي. والخبر عن النبي: هو خبر النبي. ~~ولهذا كان وجود ما أخبر به الرسول من المستقبلات من آيات نبوته إذا ظهر ~~المخبر به كما كان أخبر. [وخبره عما مضى آية لمن عرف صدقه] 7 فيما أخبر به ~~إذ كان هذا8. وهذا لا يمكن أن يخبر به إلا نبي، أو من أخذ عن نبي. ~~PageV01P495 # وهو1 لم يأخذ عن أحد من الأنبياء شيئا؛ فدل على نبوته. ولهذا يحتج الله ~~له في القرآن بذلك؛ كما قد بسط في غير هذا الموضع2. # الكاهن والفرق بينه وبين النبي # وأخبار الكهان فيها كذب كثير، والكاهن قد عرف أنه يكذب كثيرا، مع فجوره؛ ~~قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على ms190 كل أفاك أثيم يلقون ~~السمع وأكثرهم كاذبون} 3. والكهانة جنس معروف، ومعروف أن الكاهن يتلقى عن ~~الشيطان، ولا بد من كذبهم، وفجورهم. والنبي لا يكذب قط، ولا يكون [إلا] 4 ~~برا تقيا. فالفرق بينهما ثابت في نفس صفاتهما، وأفعالهما، وآياتهما؛ لا ~~يقول عاقل إن مجرد ما يفعله الكاهن هو دليل إن اقترن بصادق، وليس بدليل إذا ~~لم يقترن بصادق، وأنه متى ادعاه كاذب لم يظهر على يده. وهذا أيضا باطل. # كثير من الكذابين أتوا بخوارق وادعوا النبوة ولم يعارضوا # ويظهر بالوجه السادس: وهو أنه قد ادعى جماعة من الكذابين النبوة، وأتوا ~~بخوارق من جنس خوراق الكهان والسحرة، ولم يعارضهم أحد في ذلك المكان ~~والزمان، وكانوا [كاذبين] 5؛ فبطل قولهم إن الكذاب إذا أتى بمثل خوارق ~~السحرة والكهان، فلا بد أن يمنعه الله ذلك الخارق، أو يقيض له من يعارضه6. ~~PageV01P496 # وهذا كالأسود العنسي1 الذي ادعى النبوة باليمن في حياة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، واستولى على اليمن، وكان معه [شيطانان] 2؛ سحيق، ومحيق. وكان ~~يخبر بأشياء غائبة من جنس أخبار الكهان، وما عارضه أحد. وعرف كذبه بوجوه ~~متعددة، وظهر من كذبه، وفجوره؛ ما ذكره الله بقوله: {هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم} 3. # وكذلك مسيلمة الكذاب4. # وكذلك الحارث الدمشقي5، ومكحول الحلبي6، وبابا الرومي7، PageV01P497 # لعنة الله عليهم، وغير هؤلاء؛ كانت معهم شياطين كما هي مع السحرة ~~والكهان. # آيات الأنبياء ليس من شرطها التحدي بها # السابع: أن آيات الأنبياء ليس من شرطها استدلال النبي بها، ولا تحديه ~~بالإتيان بمثلها، بل هي دليل على نبوته، وإن خلت عن هذين القيدين. # وهذا كإخبار من تقدم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه دليل على صدقه، ~~وإن كان هو لم يعلم بما أخبروا به، ولا يستدل به. # آيات الأنبياء قد تكون لحاجة المسلمين # وأيضا: فما كان يظهره الله على يديه من الآيات؛ مثل تكثير الطعام والشراب ~~مرات؛ كنبع الماء من بين أصابعه غير مرة، وتكثير الطعام القليل حتى كفى ~~أضعاف أضعاف من كان محتاجا إليه، ms191 وغير ذلك؛ [كلها] 1 من دلائل النبوة2، ولم ~~يكن يظهرها للاستدلال بها، ولا يتحدى بمثلها، بل لحاجة المسلمين إليها3. ~~PageV01P498 # آية إبراهيم كانت بعد نبوته # وكذلك إلقاء الخليل في النار، إنما كان بعد نبوته، ودعائه لهم إلى ~~التوحيد1. # آيات الأنبياء أدلة وبراهين سواء استدلوا بها أو لم # الثامن: إن الدليل الدال على المدلول عليه، ليس من شرط دلالته استدلال ~~أحد به، بل ما كان النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم، فهو دليل، وإن لم يستدل ~~به أحد؛ فالآيات أدلة وبراهين تدل سواء استدل به النبي، أو لم يستدل. وما ~~لا يدل إذا لم يستدل به لا يدل إذا استدل به، ولا ينقلب ما ليس بدليل دليلا ~~إذا استدل به [مدع] 2 لدلالته. # آيات الأنبياء لا تكون إلا خارقة للعادة ولا يقدر أحد على معارضتها # التاسع: أن يقال: آيات الأنبياء لا تكون إلا خارقة للعادة، ولا تكون مما ~~يقدر [أحد] 3 على معارضتها. فاختصاصها بالنبي، وسلامتها عن المعارضة شرط ~~فيها، بل وفي كل [دليل] 4؛ فإنه لا يكون دليلا حتى يكون مختصا [بالمدلول] 5 ~~عليه، ولا يكون مختصا إلا إذا سلم عن PageV01P500 # المعارضة1، فلم يوجد مع عدم المدلول عليه مثله. وإلا إذا وجد [هو أو ~~مثله] 2 بدون المدلول، لم يكن مختصا؛ فلا يكون دليلا. لكن كما أنه لا يكفي ~~مجرد كونه خارقا لعادة أولئك القوم دون غيرهم، فلا يكفي أيضا عدم معارضة ~~أولئك القوم، بل لا بد أن يكون مما لم يعتده غير الأنبياء؛ فيكون خارقا ~~لعادة غير الأنبياء. فمتى عرف أنه يوجد لغير الأنبياء بطلت دلالته، ومتى ~~عارض غير النبي النبي بمثل ما أتى به، بطل الاختصاص. # كرامات الأولياء من دلائل النبوة # وما ذكره المعتزلة، وغيرهم؛ كابن حزم: من أن آيات الأنبياء مختصة بهم ~~كلام صحيح3. لكن كرامات الأولياء هي من دلائل النبوة؛ فإنها لا توجد إلا ~~لمن اتبع النبي الصادق4، فصار وجودها كوجود ما أخبر به PageV01P501 # النبي من الغيب. وأما ما يأتي به السحرة، والكهان من العجائب؛ فتلك جنس ~~معتاد ms192 لغير الأنبياء وأتباعهم، بل [لجنس معروفين] 1 بالكذب، والفجور؛ فهو ~~خارق بالنسبة إلى غير أهله. وكل صناعة فهي خارقة عند غير أهلها، ولا تكون ~~آية. # وآيات الأنبياء هي خارقة لغير الأنبياء، وإن كانت [معتادة للأنبياء] 2. # آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الثقلين # العاشر: إن آيات الأنبياء خارجة عن مقدور من أرسل الأنبياء إليه؛ وهم ~~الجن والإنس؛ فلا تقدر الإنس3 والجن أن يأتوا بمثل معجز الأنبياء؛ كما قال ~~تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} 4. وأما الملائكة فلا تضر قدرتهم على مثل ~~ذلك؛ فإن الملائكة إنما تنزل على الأنبياء لا تنزل على السحرة، والكهان؛ ~~كما أن الشياطين لا [تتنزل] 5 على الأنبياء. # الملائكة تنزل على الأنبياء والشياطين تنزل على الكذابين # والملائكة لا تكذب على الله، فإذا كانت الآيات من أفعال الملائكة؛ مثل ~~إخبارهم للنبي عن الله بالغيب، ومثل نصرهم له على عدوه، وإهلاكهم له6 نصرا ~~وهلاكا خارجين عن العادة؛ كما فعلته الملائكة يوم بدر وغيره7، وكما فعلت ~~PageV01P502 # بقوم لوط1، وكما فعلت بمريم والمسيح2، ونحو ذلك؛ وكإتيانهم لسليمان بعرش ~~بلقيس؛ فقد روي أن الملائكة جاءته به وهي أقدر من الجن3،لم يكن هذا خارجا ~~عما اعتاده الأنبياء، بل هذا ليس لغير الأنبياء، فلا يقول إن غير الأنبياء ~~اعتادوه فنقضت عادتهم، بل هذا لم يعتده إلا PageV01P503 # الأنبياء، وهو مناقض لجنس عادات الآدميين؛ بمعنى أنه لا يوجد فيما اعتاده ~~بنو آدم في جميع الأصناف غير الأنبياء؛ كما اعتادوا العجائب من السحر، ~~والكهانة، والصناعات العجيبة، وما يستعينون عليه بالجن والإنس والقوى ~~الطبيعية؛ مثل الطلاسم1 [وغيرها؛ فكل هذا معتاد معروف لغير الأنبياء. ~~وهؤلاء جعلوا الطلاسم] 2 من جنس المعجزات، وقالوا3: لو أتى بها نبي لكانت ~~[آية له] 4، وإذا أتى بها من لم يدع النبوة جاز، وإن ادعاها كاذب سلبه الله ~~علمها، أو قيض له من يعارضه. وهذا قول قبيح؛ فإنه لو جعل شيء من معجزات ~~الأنبياء وآياتهم من جنس ما يأتي به ساحر، أو كاهن، ms193 أو مطلسم، أو5 مخدوم من ~~الجن لاستوى الجنسان، ولم يكن فرق بين الأنبياء وبين هؤلاء، ولم يتميز بذلك ~~النبي من غيره. وهذا مما عظم غلط هؤلاء فيه فلم يعرفوا خصائص النبي، وخصائص ~~آياته. # الفلاسفة جعلوا للنبوة ثلاث خصائص # كما أن المتفلسفة أبعد [منهم] 6 عن الإيمان؛ فجعلوا للنبوة ثلاث ~~PageV01P504 # خصائص: حصول [العلم] 1 بلا تعلم2، وقوة نفسه المؤثرة في هيولي العالم، ~~وتخيل السمع والبصر3. وهذه الثلاثة توجد لكثير من عوام الناس. PageV01P505 # ولم يفرقوا1 بين النبي والساحر إلا بأن هذا بر، وهذا فاجر. والقاضي أبو ~~بكر2 وأمثاله يجعلون هذا الفرق سمعيا3. # والفرق الذي لا بد منه عندهم: الاستدلال بها، والتحدي بالمثل4. # وكل من هؤلاء5، وهؤلاء6 أدخلوا مع الأنبياء من ليس [بنبي] 7، ولم يعرفوا ~~خصائص الأنبياء، ولا خصائص آياتهم؛ فلزمهم جعل من ليس PageV01P506 # بنبي نبيا، أو جعل النبي ليس بنبي؛ إذ كان ما ذكروه في النبوة مشتركا بين ~~الأنبياء وغيرهم. # فمن [ظن] 1 أنه يكون لغير الأنبياء، قدح في الأنبياء أن [يكون] 2 هذا هو ~~دليلهم بوجود مثل ما جاءوا به لغير النبي. ومن ظن أنه لا يكون إلا لنبي، ~~إذا رأى من فعله من متنبئ كاذب، وساحر، وكاهن ظن أنه نبي. # والإيمان بالنبوة أصل [النجاة] 3 والسعادة. فمن لم يحقق هذا الباب اضطرب ~~عليه باب الهدى والضلال، والإيمان والكفر، ولم يميز بين الخطأ والصواب. # ولما كان الذين اتبعوا هؤلاء وهؤلاء من المتأخرين4؛ مثل أبي حامد5، ~~والرازي، والآمدي، وأمثالهم: هذا، ونحوه مبلغ علمهم بالنبوة، لم يكن لها في ~~قلوبهم من العظمة ما يجب لها؛ فلا يستدلون بها على الأمور العلمية الخبرية؛ ~~وهي خاصة النبي؛ وهو الإخبار عن الغيب، والإنباء به؛ فلا يستدلون بكلام ~~الله ورسوله على الإنباء بالغيب التي يقطع بها، بل عمدتهم ما يدعونه من ~~العقليات المتناقضة. PageV01P507 # ولهذا يقرون بالحيرة في آخر عمرهم؛ كما قال الرازي: # نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن ms194 جمعنا فيه قيل وقال # لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي [عليلا] 1، ~~ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: {إليه ~~يصعد الكلم الطيب} 2، {الرحمن على العرش استوى} 3. وأقرأ في النفي: {ليس ~~كمثله شيء} 4، {ولا يحيطون به علما} 5. ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل ~~معرفتي6. # آيات الأنبياء مختصة بهم.. # الوجه الحادي عشر: إن آيات الأنبياء مما يعلم العقلاء أنها مختصة بهم، ~~ليست مما تكون لغيرهم؛ فيعلمون أن الله لم يخلق مثلها لغير الأنبياء. وسواء ~~في آياتهم التي كانت في حياة قومهم، وآياتهم التي فرق الله بها بين أتباعهم ~~وبين مكذبيهم؛ بنجاة هؤلاء، وهلاك هؤلاء، ليست من جنس ما يوجد في العادات ~~المختلفة لغيرهم7؛ PageV01P508 # وذلك: مثل تغريق الله لجميع أهل [الأرض] 1 إلا لنوح، ومن ركب معه في ~~السفينة؛ فهذا لم يكن قط في العالم نظيره2. # إنجاء الله الرسل ومن معهم وإهلاك مكذبيهم من آياتهم # وكذلك: إهلاك قوم عاد إرم3 ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، مع ~~كثرتهم، وقوتهم، وعظم عماراتهم التي لم يخلق مثلها في البلاد، ثم أهلكوا ~~بريح صرصر عاتية مسخرة سبع ليال وثمانية أيام حسوما؛ حتى صاروا كلهم كأنهم ~~أعجاز نخل خاوية4. ونجا هود ومن اتبعه؛ فهذا لم يوجد نظيره في العالم. # وكذلك: قوم صالح؛ أصحاب مدائن، ومساكن في السهل والجبل، وبساتين؛ أهلكوا ~~كلهم بصيحة واحدة5؛ فهذا لم يوجد نظيره في العالم. PageV01P509 # وكذلك: قوم لوط؛ أصحاب مدائن متعددة، رفعت إلى السماء، ثم قلبت بهم، ~~وأتبعوا بحجارة من السماء، تتبع شاذهم1، ونجا لوط وأهله، إلا امرأته أصابها ~~ما أصابهم؛ فهذا لم يوجد نظيره في العالم. # وكذلك: قوم فرعون وموسى جمعان عظيمان، ينفرق لهم البحر كل فرق كالطود ~~العظيم؛ فيسلك هؤلاء، ويخرجون سالمين؛ فإذا سلك الآخرون انطبق عليهم ~~الماء2؛ فهذا لم يوجد نظيره في العالم. # فهذه آيات تعرف العقلاء عموما أنها ليست من جنس ما يموت به بنو آدم. وقد ~~يحصل لبعض الناس طاعون، ولبعضهم جدب، ونحو ذلك. وهذا مما اعتاده الناس؛ وهو ms195 ~~من آيات الله من وجه آخر، بل كل حادث من آيات [الله] 3 تعالى. # ولكن هذه الآيات ليست من جنس ما اعتيد. # الكعبة لها خاصية ليست لغيرها # وكذلك الكعبة فإنها بيت من حجارة بواد غير ذي زرع4، ليس عندها أحد يحفظها ~~من عدو، ولا عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها؛ فليس عندها رغبة ولا ~~رهبة. ومع هذا فقد حفظها بالهيبة والعظمة؛ فكل من يأتيها يأتيها خاضعا، ~~ذليلا، متواضعا في غاية التواضع. وجعل فيها من الرغبة ما PageV01P510 # يأتيها الناس من أقطار الأرض محبة، وشوقا، من غير باعث دنيوي. وهي على ~~هذه الحال من ألوف من السنين؛ وهذا مما لا يعرف في العالم لبنية غيرها. ~~والملوك يبنون القصور العظيمة فتبقى مدة، ثم تهدم، لا يرغب أحد في [بنائها] ~~1، ولا يرهبون من خرابها. # وكذلك ما بني للعبادات قد [يتغير] 2 حاله على طول الزمان، وقد يستولي ~~العدو عليه؛ كما استولى [على] 3 بيت المقدس. # والكعبة لها خاصية ليست لغيرها. # وهذا مما حير الفلاسفة ونحوهم؛ فإنهم يظنون أن المؤثر في هذا العالم هو ~~حركات الفلك، وأن ما بني وبقي فقد بني بطالع [سعيد] 4؛ فحاروا في طالع ~~الكعبة، إذ لم يجدوا في الأشكال الفلكية ما يوجب مثل هذه السعادة، [والعزة] ~~5، والعظمة، والدوام، والقهر، والغلبة6. # وكذلك ما [فعله] 7 الله بأصحاب الفيل لما قصدوا تخريبها8؛ قال تعالى: ~~{ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم ~~طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف PageV01P511 # مأكول} 1؛ قصدها جيش عظيم، ومعهم الفيل، فهرب أهلها منهم، فبرك الفيل، ~~وامتنع من المسير إلى جهتها، وإذا وجهوه إلى غير جهتها توجه. ثم جاءهم من ~~البحر طير أبابيل؛ أي جماعات في تفرقة؛ فوجا بعد فوج، رموا عليهم حصى هلكوا ~~به كلهم. فهذا [مما] 2 لم يوجد نظيره في العالم3. # الدليل يستلزم المدلول # فآيات الأنبياء هي أدلة وبراهين على صدقهم. والدليل يجب أن يكون مختصا ~~بالمدلول عليه، لا يوجد مع عدمه، لا [يتحقق] 4 الدليل إلا مع تحقق ms196 المدلول؛ ~~كما أن الحادث لا بد له من محدث؛ فيمتنع وجود حادث بلا محدث، ولا يكون ~~المحدث إلا قادرا؛ فيمتنع وجود الأحداث من غير قادر، والفعل لا يكون إلا من ~~عالم ونحو ذلك؛ فكذلك ما دل على صدق النبي، يمتنع وجوده إلا مع كون النبي ~~صادقا. # الأشاعرة لم يجعلوا المعجزة تدل دلالة عقلية ولا تدل بجنسها # ولم يجعلوا آيات الأنبياء تدل دلالة عقلية مستلزمة للمدلول5، ولا [تدل] 6 ~~[بجنسها] 7 ونفسها8، بل قال بعضهم9: قد تدل، وقد PageV01P512 # لا تدل. وقال آخرون: تدل مع الدعوى، ولا تدل مع عدم الدعوى1. وهذا يبطل ~~كونها دليلا2. # وآخرون3 أرادوا تحقيق ذلك، فقالوا: تدل [دلالة] 4 وضعية من جنس دلالة ~~اللفظ على مراد المتكلم؛ تدل أن قصد الدلالة، ولا تدل بدون ذلك؛ فهي تدل مع ~~الوضع دون غيره5. # رد شيخ الإسلام عليهم # فيقال لهم: وما يدل على قصد المتكلم، هو أيضا دليل مطرد، يمتنع وجوده ~~بدون المدلول، ودلالته تعلم بالعقل؛ فجميع الأدلة تعلم بالعقل دلالتها على ~~المدلول؛ فإن ذلك اللفظ إنما يدل إذا علم أن المتكلم أراد به هذا المعنى. ~~وهذا قد يعلم ضرورة، وقد يعلم نظرا؛ فقد يعلم قصد المتكلم بالضرورة؛ كما ~~يعلم أحوال الإنسان بالضرورة؛ فيفرق بين حمرة الخجل، وصفرة الوجل، وبين ~~حمرة المحموم، وصفرة المريض بالضرورة6. وقد يعلم نظرا واستدلالا؛ كما يعلم ~~أن عادته إذا قال كذا: أن يريد كذا، وأنه لا ينقض عادته إلا إذا بين ما يدل ~~على انتقاضها؛ فيعلم هذا، كما يعلم سائر العاديات؛ مثل طلوع الشمس كل يوم، ~~والهلال كل شهر، وارتفاع الشمس في الصيف، وانخفاضها في الشتاء. PageV01P513 # سنة الله في الفرق بين الأنبياء وبين مكذبيهم # ومن هذا سنة الله في الفرق بين الأنبياء وأتباعهم، وبين مكذبهم؛ قال ~~تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين} 1، وقال تعالى: {فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله ~~تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا} 2، وقال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب ms197 يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور} 3، وقال تعالى: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم ~~أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ~~أو ألقى السمع وهو شهيد} 4. # فإن هذه العجائب والآيات التي للأنبياء، تارة تعلم بمجرد الأخبار ~~المتواترة، وإن لم نشاهد شيئا من آثارها، وتارة نشاهد بالعيان آثارها ~~الدالة على ما حدث؛ كما قال تعالى: {وعادا [وثمود] 5 وقد تبين لكم من ~~مساكنهم} 6، وقال تعالى: {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} 7، وقال تعالى: ~~{وإنكم لتمرون عليهم [مصبحين وبالليل أفلا تعقلون] 8} 9، وقال تعالى: {إن ~~في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك PageV01P514 # لآية للمؤمنين وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم [وإنهما] 1 ~~لبإمام مبين} 2؛ أي لبطريق موضح، [متبين] 3 لمن مر به آثارهم. # وهذه الأخبار كانت منتشرة متواترة في العالم، وقد علم الناس أنها آيات ~~للأنبياء، وعقوبة لمكذبيهم، ولهذا كانوا يذكرونها عند نظائرها للاعتبار؛ ~~كما قال مؤمن آل فرعون: {يا قوم إني أخاف [عليكم] 4 مثل يوم الأحزاب مثل ~~دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد} 5، ~~وقال شعيب: {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو ~~قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد} 6. # القرآن الكريم معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الخالدة. # والقرآن [آيته] 7 باقية على طول الزمان، من حين جاء به الرسول تتلى آيات ~~التحدي به. ويتلى قوله: {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} 8، و {فأتوا ~~بعشر سور مثله} 9، و {بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون [الله] 10} 11، ~~ويتلى قوله: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} 12. PageV01P515 # فنفس إخبار الرسول بهذا في أول الأمر، وقطعه بذلك، مع علمه بكثرة الخلق، ~~دليل على أنه كان خارقا يعجز الثقلين عن [معارضته] 1. وهذا لا يكون ms198 لغير ~~الأنبياء. # ثم مع طول الزمان، قد سمعه الموافق، والمخالف، والعرب، والعجم. وليس في ~~الأمم [من] 2 أظهر كتابا يقرأه الناس، وقال إنه مثله. وهذا يعرفه كل أحد. # وما من كلام تكلم به الناس وإن كان في أعلى طبقات الكلام لفظا ومعنى، إلا ~~وقد قال الناس نظيره، وما يشبهه ويقاربه؛ سواء كان شعرا، أو خطابة، أو ~~كلاما في العلوم، [والحكم] 3 والاستدلال، والوعظ، والرسائل، وغير ذلك. وما ~~وجد من ذلك شيء، إلا ووجد ما يشبهه ويقاربه. # والقرآن مما يعلم الناس؛ عربهم، وعجمهم أنه لم يوجد له نظير، مع حرص ~~العرب، وغير العرب على معارضته؛ فلفظه آية، ونظمه آية، وإخباره بالغيوب ~~آية، وأمره ونهيه آية، ووعده ووعيده آية، وجلالته وعظمته وسلطانه على ~~القلوب آية4. وإذا ترجم بغير العربي5 كانت PageV01P516 # معانيه آية. كل ذلك لا يوجد له نظير في العالم1. # وإذا قيل إن التوراة، والإنجيل، والزبور، لم يوجد لها نظير أيضا2، لم ~~يضرنا ذلك؛ فإنا قلنا: إن آيات الأنبياء لا تكون لغيرهم، وإن كانت لجنس ~~الأنبياء؛ كالإخبار بغيب الله؛ فهذه آية يشتركون فيها، وكذلك إحياء الموتى ~~قد كان آية [لغير] 3 واحد من الأنبياء غير المسيح؛ كما كان ذلك لموسى4، ~~وغيره5. PageV01P517 # جنس الأنبياء مميزون عن غيرهم بالآيات # وليس المقصود هنا ذكر تفضيل بعض الأنبياء على بعض، بل المقصود أن جنس ~~الأنبياء متميزون عن غيرهم بالآيات، والدلائل [الدالة] 1 على صدقهم، التي ~~يعلم العقلاء إنها لم توجد لغيرهم؛ [فيعلمون أنها ليست لغيرهم] 2؛ لا عادة، ~~ولا خرق عادة، بل إذا عبر عنها بأنها خرق عادة، وبأنها من العجائب، فالأمر ~~العجيب هو الخارج عن نظائره. وخارق العادة ما خرج عن الأمر المعتاد؛ ~~[فالمراد بذلك أنها خارجة عن الأمر المعتاد لغير الأنبياء] 3، وأنها من ~~العجائب الخارجة عن النظائر، فلا يوجد نظيرها [لغير الأنبياء. وإذا وجد ~~نظيرها] 4؛ سواء كان أعظم منها، أو دونها لنبي؛ فذلك توكيد لها أنها من ~~خصائص الأنبياء؛ [فإن الأنبياء يصدق5 بعضهم بعضا، فآية كل نبي آية لجميع6 ~~الأنبياء] 7؛ كما أن آيات أتباعهم آيات ms199 لهم أيضا. وهذا أيضا من آيات ~~الأنبياء، وهو تصديق بعضهم لبعض؛ فلا يوجد من أصحاب الخوارق العجيبة التي ~~تكون لغير الأنبياء؛ كالسحرة، والكهنة، وأهل الطبائع، والصناعات إلا من ~~يخالف بعضهم بعضا [فيما يدعو] 8 إليه ويأمر به، ويعادي بعضهم بعضا. وكذلك ~~أتباعهم إذا كانوا من أهل الاستقامة؛ فما أتى به الأول من الآيات، فهو دليل ~~على نبوته، PageV01P518 # ونبوة من يبشر به1، وما أتى به الثاني فهو دليل على نبوته ونبوة من يصدقه ~~ممن تقدم2؛ فما أتى به موسى، والمسيح، وغيرهما من الآيات، فهي آيات لنبوة ~~محمد لإخبارهم بنبوته، فكان هذا الخبر مما دلت آياتهم على صدقه. # وما أتى به محمد من الآيات، فهو دليل على إثبات جنس الأنبياء مطلقا، وعلى ~~نبوة كل من سمي في القرآن، خصوصا [إذا] 3 كان هذا مما أخبر به محمد صلى ~~الله عليه وسلم عن الله، ودلت آياته على صدقه فيما يخبر به عن الله. وحينئذ ~~فإذا قدر أن التوراة، أو الإنجيل، أو الزبور معجز لما فيه من العلوم ~~والإخبار عن الغيوب، والأمر والنهي، ونحو ذلك، لم ينازع في ذلك، بل هذا ~~دليل على نبوتهم صلوات الله عليهم، وعلى نبوة من أخبروا بنبوته. # ومن قال: إنها ليست بمعجزة4. فإن أراد ليست معجزة من جهة اللفظ والنظم؛ ~~كالقرآن، فهذا ممكن. وهذا يرجع إلى أهل اللغة العبرانية. # هل الكتب السابقة معجزة، أم لا؟ # وأما كون التوراة معجزة من حيث المعاني لما فيها من الإخبار عن الغيوب، ~~أو الأمر والنهي. فهذا لا ريب فيه. ومما يدل على أن كتب الأنبياء معجزة: أن ~~فيها الإخبار بنبوة محمدصلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بمدة طويلة. وهذا ~~لا يمكن علمه بدون إعلام الله لهم. وهذا بخلاف من أخبر PageV01P519 # بنبوته من الكهان والهواتف؛ فإن هذا إنما كان عند قرب مبعثه لما ظهرت ~~دلائل ذلك، واسترقته الجن من الملائكة، فتحدثت به، وسمعته الجن من أتباع ~~الأنبياء. # فالنبي الثاني إذا كان قد أخبر بما هو موجود في كتاب النبي الأول، وقد ~~وصل إليه ms200 من جهته، لم يكن آية له؛ فإن العلماء يشاركونه في هذا. # وأما إذا أخبر بقدر زائد لم يوجد في خبر الأول، أو كان ممن لم يصل إليه ~~خبر نبي غيره، كان ذلك آية له؛ كما يوجد في نبوة أشعيا، وداود، وغيرهما من ~~صفات النبي ما لا يوجد مثله في توراة موسى1. # فهذه الكتب معجزة لما فيها من أخبار الغيب الذي لا يعلمه إلا نبي، وكذلك ~~فيها من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ما لا يأتي به إلا نبي، أو تابع ~~نبي. وما أتى أتباع الأنبياء من جهة كونهم أتباعا لهم، مثل أمرهم بما أمروا ~~به، ونهيهم عما نهوا عنه، ووعدهم بما وعدوا به، ووعيدهم بما [يوعدون] 2 به؛ ~~فإنه من خصائص الأنبياء. PageV01P520 # مدعي النبوة لا يأمر بما تأمر به الأنبياء ولا ينهى عما نهوا عنه # والكذاب المدعي للنبوة لا يأمر بجميع ما أمرت به الأنبياء، وينهى عن كل ~~ما نهوا عنه؛ فإن ذلك يفسد مقصوده، وهو كاذب، فاجر، شيطان من أعظم شياطين ~~الإنس، والذي يعينه على ذلك من أعظم [شياطين] 1 الجن. # وهؤلاء لا يتصور أن يأمروا بما أمرت به الأنبياء، وينهوا عما نهوا عنه؛ ~~لأن ذلك يناقض مقصودهم، بل وإن أمروا بالبعض في ابتداء الأمر، [من] 2 ~~يخدعونه، ويربطونه، فلا بد أن يناقضوا، [فيأمروا] 3 [بما] 4 نهت عنه ~~الأنبياء، ولا يوجبوا ما أمرت به الأنبياء؛ كما جرى مثل ذلك لمن ادعى ~~النبوة من الكذابين، ولمن أظهر موافقة الأنبياء، وهو في الباطن من ~~المنافقين؛ كالملاحدة الباطنية5 الذين يظهرون الإسلام والتشيع ابتداء، ثم ~~إنهم يستحلون الشرك، والفواحش، والظلم، ويسقطون الصلاة، والصيام، وغير ذلك ~~مما جاءت به الشريعة. فمن أظهر خلاف ما أبطن، وكان مطاعا في الناس، فلا بد ~~أن يظهر من باطنه ما يناقض ما أظهره. PageV01P521 # فكيف بمن ادعى النبوة، وأظهر أنه صادق على الله، وهو في الباطن كاذب على ~~الله. بل من أظهر خلاف ما أبطن من آحاد الناس، يظهر حاله لمن خبره في مدة؛ ~~فإن الجسد مطيع للقلب، والقلب ms201 هو الملك المدبر له؛ كما قال [النبي] 1 صلى ~~الله عليه وسلم: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت، [صلح] 2 لها سائر الجسد، ~~وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب "3. # فإذا كان القلب كاذبا على الله، فاجرا، كان ذلك أعظم الفساد، فلا بد أن ~~يظهر الفساد على الجوارح، وذلك الفساد يناقض حال الصادق على الله. وقد ~~[بسط] 4 هذا في غير هذا الموضع5. # آيات الأنبياء كثيرة ومتنوعة # [وذلك] 6 أن آيات الأنبياء الدالة على صدقهم كثيرة متنوعة7، وأن النبي ~~الصادق خير الناس، والكاذب على الله شر الناس8، وبينهما من PageV01P522 # الفروق ما لا يحصيه إلا الله، فكيف يشتبه هذا بهذا. بل لهذا من دلائل ~~صدقه، ولهذا من دلائل كذبه ما لا يمكن إحصاؤه. وكل من خص دليل الصدق بشيء ~~معين فقط، غلط. بل آيات الأنبياء هي من آيات الله الدالة على أمره ونهيه، ~~ووعده ووعيده. # وآيات الله كثيرة متنوعة؛ كآيات وجوده، ووحدانيته، وعلمه، وقدرته، ~~وحكمته، ورحمته سبحانه وتعالى. والقرآن مملوء من تفصيل آياته، وتصريفها، ~~وضرب الأمثال في ذلك، وهو يسميها آيات وبراهين1. وقد ذكرنا الفرق بين ~~الآيات، والمقاييس الكلية التي لا تدل [إلا] 2 على أمر كلي في غير هذا ~~الموضع3. # ما يأتي به السحرة والكهان فهو من مقدور الإنس والجن # الوجه الثاني عشر: إن ما يأتي به الساحر، والكاهن، وأهل الطبائع، ~~والصناعات، والحيل، وكل من ليس من أتباع الأنبياء، لا يكون إلا من مقدور ~~الإنس والجن؛ فما يقدر عليه الإنس من ذلك هو وأنواعه، والحيل فيه كثير. وما ~~يقدر عليه الجن هو من جنس مقدور الإنس، وإنما يختلفون في الطريق؛ فإن ~~الساحر قد يقدر على أن يقتل إنسانا بالسحر، أو يمرضه، أو يفسد عقله، أو ~~حسه، وحركته، وكلامه؛ بحيث لا يجامع، أو لا يمشي، أو لا يتكلم ونحو ذلك. ~~وهذا كله مما يقدر الإنس على مثله، لكن بطرق أخرى. والجن يطيرون في الهواء، ~~وعلى الماء، ويحملون الأجسام PageV01P523 # الثقيلة؛ كما قال العفريت1 لسليمان: {أنا آتيك به قبل أن ms202 تقوم من مقامك} ~~2. # جنس مقدور الجن # وهذا الجنس يكون لمن هو دون الإنس والجن من الحيوان؛ كالطيور، والحيتان. ~~والإنس يقدر على جنسه، ولهذا لم يكن هذا الجنس آية لنبي لوجوده لغير ~~الأنبياء. فكثير من الناس تحمله الجن، بل شياطين الجن، وتطير به في الهواء، ~~وتذهب به إلى مكان بعيد؛ كما كان العفريت يحمل عرش بلقيس من اليمن، إلى ~~مكان بعيد. # خوارق أولياء الشيطان # ونحن نعرف من هؤلاء عددا كثيرا، وليسوا صالحين، بل فيهم كفار، ومنافقون، ~~وفساق، وجهال، لا يعرفون الشريعة3، والشياطين تحملهم، وتطير بهم من مكان ~~إلى مكان، وتحملهم إلى عرفات؛ فيشهدون عرفات من غير إحرام، ولا تلبية، ولا ~~طواف بالبيت. وهذا الفعل حرام. والجهال يحسبون أنه من كرامات الصالحين، ~~فتفعله الجن بمن يحب ذلك مكرا به، وخديعة، أو خدمة لمن يستخدمهم من هؤلاء ~~الجهال بالشريعة، وإن كان له زهد وعبادة. وكذلك الجن كثيرا ما يأتون الناس ~~بما يأخذونه من أموال الناس؛ من طعام، وشراب، ونفقة، وماء، وغير ذلك؛ وهو ~~من جنس ما يسرقه الإنسي ويأتي به إلى الإنسي، لكن الجن تأتي بالطعام ~~والشراب في مكان العدم. PageV01P524 # آيات الأنبياء لا يقدر على مثلها الجن والإنس # ولهذا لم يكن مثل هذا آية لنبي، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع ~~يده في الماء، فينبع الماء من بين أصابعه1. وهذا لا يقدر عليه؛ لا إنس، ولا ~~جن. وكذلك الطعام القليل يصير كثيرا2، وهذا لا يقدر عليه؛ لا الجن، ولا ~~الإنس. ولم يأت [النبي] 3 [صلى الله عليه وسلم] 4 قط بطعام من الغيب، ولا ~~شراب5، وإنما كان هذا قد يحصل لبعض أصحابه؛ كما أتى خبيب بن عدي6 وهو أسير ~~بمكة بقطف من عنب7. وهذا الجنس ليس من خصائص الأنبياء. ومريم عليها السلام ~~لم تكن نبية، وكانت تؤتى [بطعام8. فإن هذا قد يكون PageV01P525 # من حلال، فيكون كرامة؛ يأتي] 1 به إما ملك، وإما جني مسلم. وقد يكون ~~حراما. فليس كل ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامة للصالحين. # ليس كل ما كان ms203 من آيات الأنبياء يكون كرامة للصالحين # وهؤلاء2 يسوون بين هذا وهذا، ويقولون: الفرق هو دعوى النبوة والتحدي ~~بالمثل3. وهذا غلط فإن آيات الأنبياء [عليهم السلام] 4 التي دلت على ~~نبوتهم، هي أعلى مما يشتركون فيه، هم وأتباعهم؛ مثل الإتيان بالقرآن؛ ومثل ~~الإخبار بأحوال الأنبياء المتقدمين، وأممهم، والإخبار بما يكون يوم ~~القيامة، وأشراط الساعة؛ ومثل إخراج الناقة من الأرض5؛ ومثل قلب العصا ~~حية6، وشق البحر7؛ ومثل أن [يخلق] 8 من الطين PageV01P526 # كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله1. وتسخير الجن لسليمان2 لم ~~يكن مثله لغيره. # لكن من الجن المؤمنين من يعاون المؤمنين، ومن الجن الفساق، والكفار من ~~يعاون الفساق؛ كما يعاون الإنس بعضهم بعضا3. فأما طاعة مثل طاعة سليمان، ~~فهذا لم يكن لغير سليمان [عليه السلام] 4. # رسولنا صلى الله عليه وسلم أعطي أفضل مما أعطي سليمان صلى الله عليه وسلم # ومحمد صلى الله عليه وسلم أعطي أفضل مما أعطي سليمان [عليه السلام] 5؛ ~~فإنه أرسل إلى الجن، وأمروا أن يؤمنوا به، ويطيعوه6؛ فهو يدعوهم إلى عبادة ~~الله، وطاعته، لا يأمرهم بخدمته، وقضاء حوائجه؛ كما كان سليمان يأمرهم، ولا ~~يقهرهم باليد؛ كما كان سليمان يقهرهم، بل [يفعل] 7 فيهم كما [يفعل] 8 في ~~الإنس، فيجاهدهم الجن والمؤمنون، ويقيمون الحدود على منافقيهم، فيتصرف فيهم ~~تصرف العبد الرسول، لا تصرف النبي PageV01P527 # الملك1؛ كما كان سليمان يتصرف فيهم. # أنواع استخدام الجن. # والصالحون من أمته، المتبعون له يتبعونه فيما كان يأمر به الإنس والجن. ~~وآخرون دون هؤلاء قد يستخدمون بعض الجن في مباحات؛ كما قد يستخدمون بعض ~~الإنس. وقد يكون ذلك مما ينقص دينهم، لا سيما إن كان بسبب غير مباح. وآخرون ~~شر من هؤلاء يستخدمون الجن في أمور محرمة؛ من الظلم، والفواحش، فيقتلون ~~نفوسا بغير حق، ويعينونهم على ما يطلبونه من الفاحشة، كما يحضرون لهم امرأة ~~أو صبيا، أو يجذبونه إليه. وآخرون يستخدمونهم في الكفر. فهذه الأمور ليست ~~من كرامات الصالحين2. # سبب كرامات الأولياء.. # فإن كرامات الصالحين هو ما كان سببه الإيمان، والتقوى، لا ما ms204 كان سببه ~~الكفر، والفسوق، والعصيان. # وأيضا فالصالحون سابقوهم، لا يستخدمونهم إلا في طاعة الله ورسوله. ومن هو ~~دون هؤلاء لا يستخدمهم إلا في مباح. وأما استخدامهم في المحرمات فهو حرام، ~~وإن كانوا إنما خدموه لطاعته لله؛ كما لو خدم الإنس رجلا صالحا لطاعته لله، ~~ثم استخدمهم فيما لا يجوز. فهذا بمنزلة من أنعم عليه بطاعته نعمة، [فصرفها] ~~3 إلى معصية الله، فهو آثم بذلك. PageV01P528 # وكثير من هؤلاء يسلب تلك النعمة، ثم قد يسلب الطاعة؛ فيصير فاسقا. ومنهم ~~من يرتد عن دين الإسلام. # فطاعة الجن للإنسان ليست أعظم من طاعة الإنس، بل الإنس أجل، وأعظم، ~~وأفضل، وطاعتهم أنفع. # وإذا كان المطاع من الإنس قد يطاع في طاعة الله، فيكون محمودا مثابا، وقد ~~يطاع في معصية الله، فيكون مذموما آثما1. فكذلك المطاع من الجن الذي يطيعه ~~الناس. # والمطاع من الإنس قد يكون مطاعا لصلاحه، ودينه. وقد يكون مطاعا لملكه، ~~وقوته. وقد يكون مطاعا [لنفعه] 2 لمن يخدمه بالمعاوضة. فكذلك المطاع من ~~الجن؛ قد يطاع لصلاحه ودينه، وقد يطاع لقوة وملك محمود أو مذموم. ثم الملك ~~إذا سار بالعدل حمد، وإن سار بالظلم، فعاقبته مذمومة، وقد يهلكه أعوانه؛ ~~فكذلك المطاع من الجن، إذا ظلمهم، أو ظلم الإنس بهم، أو بغيرهم، كانت ~~عاقبته مذمومة. وقد [تقتله] 3 الجن، أو تسلط عليه من الإنس من يقتله. وكل ~~هذا واقع نعرف من ذلك من الوقائع ما يطول وصفه، كما [نعرف] 4 من ذلك من ~~وقائع الإنس ما يطول وصفه5. وليس آيات الأنبياء في شيء من هذا الجنس. ~~PageV01P529 # سبب الإسراء والمقصد منه # ونبينا صلى الله عليه وسلم لما أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى، إنما أسري به ليرى من آيات ربه الكبرى. وهذا هو الذي كان من ~~خصائصه: أن مسراه كان هذا؛ كما قال تعالى: {أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه ~~نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى} 1، وقال تعالى: {وما جعلنا ~~الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} 2؛ قال ابن عباس: هي رؤيا عين3 ms205 أريها ~~رسول الله PageV01P530 # صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به1. فهذا الذي كان من خصائصه، ومن أعلام ~~نبوته. # وأما مجرد قطع تلك المسافة، فهذا يكون لمن [يحمله] 2 الجن. وقد قال ~~العفريت لسليمان: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} 3. وحمل [العرش من] 4 ~~القصر من اليمن إلى الشام أبلغ من ذلك5. و {قال الذي عنده علم من الكتاب ~~أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} 6؛ فهذا أبلغ من قطع المسافة التي بين ~~المسجدين في ليلة. # ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضل من الذي عنده علم من الكتاب، ومن سليمان؛ ~~فكان الذي خصه الله به أفضل من ذلك؛ وهو أنه أسرى به في ليلة ليريه من ~~آياته؛ فالخاصة أن الإسراء كان ليريه من آياته الكبرى؛ كما {رآه نزلة أخرى ~~عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر ~~وما طغى} 7 PageV01P531 # فهذا ما حصل مثله؛ لا لسليمان، ولا لغيره. والجن وإن قدروا على حمل بعض ~~الناس في الهواء، فلا يقدرون على إصعاده إلى السماء، و [إراءته] 1 آيات ربه ~~الكبرى؛ فكان ما آتاه الله [محمدا] 2 خارجا عن قدرة الجن والإنس، وإنما كان ~~الذي صحبه في معراجه جبريل الذي اصطفاه الله لرسالته، و {الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا ومن الناس} 3. # وكان المقصود من الإسراء أن يريه ما رآه من آياته الكبرى، ثم يخبر به ~~الناس، فلما أخبر به كذب به من كذب من المشركين، وصدق به الصديق وأمثاله4 ~~من المؤمنين، فكان ذلك ابتلاء ومحنة للناس؛ كما قال: {وما جعلنا الرؤيا ~~التي أريناك إلا فتنة للناس} 5؛ أي محنة وابتلاء للناس؛ ليتميز المؤمن عن ~~الكافر، وكان فيما أخبرهم به أنه رأى الجنة والنار، وهذا مما يخوفهم به؛ ~~قال تعالى: {ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا} 6. # والرسول لما أخبرهم بما رآه كذبوه في نفس الإسراء، وأنكروا أن يكون أسري ~~به إلى المسجد الأقصى، فلما سألوه عن صفته، فوصفه لهم، وقد # علموا أنه لم يره قبل ذلك، ms206 وصدقه من رآه منهم، كان ذلك دليلا PageV01P532 # على صدقه في المسرى، فلم يمكنهم مع ذلك تكذيبه فيما لم يروه، وأخبر الله ~~تعالى بالمسرى إلى المسجد الأقصى؛ لأنهم قد علموا صدقه في ذلك، بما أخبرهم ~~به من علاماته، فلا يمكنهم تكذيبه في ذلك. # وذكر أنه رأى من آيات ربه الكبرى، ولم يعين [ما] 1 رآه؛ [وهو] 2 جبريل ~~الذي رآه في صورته التي خلق عليها مرتين3؛ لأن رؤية جبريل هي من تمام ~~نبوته، ومما يبين أن الذي أتاه بالقرآن ملك، لا شيطان؛ # كما قال في سورة: "إذا الشمس كورت": {إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين مطاع ثم أمين} ، [ثم قال] 4: {وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه ~~بالأفق المبين وما هو على الغيب [بضنين] 5 وما هو بقول شيطان رجيم فأين ~~تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين} 6. PageV01P533 ### | فصل قول الأشاعرة في المعجزات # ومما يبين ضعف طريقة هؤلاء1 أنهم قالوا: المعجزات لا تدل بجنسها على ~~النبوة، بل يوجد مثل المعجز من كل وجه، ولا يدل على النبوة؛ كأشراط الساعة؛ ~~وكما يوجد للسحرة، والكهان، والصالحين من الخوارق التي تماثل آيات الأنبياء ~~فيما زعمه هؤلاء. قالوا: لكن الفرق أن هذا يدعي النبوة، ويحتج بها، ~~ويتحداهم بالمثل، فلا يقدر أحد على معارضته. وأولئك لو ادعوا النبوة، ~~لمنعهم الله منها، وإن كانوا قبل ذلك غير ممنوعين منها، أو لقيض [لهم] 2 من ~~يعارضهم. ولو عارضوا بها نبيا لمنعهم الله إياها، ليسلم دليل النبوة. ~~قالوا: والمعجز إنما يدل دلالة وضعية بالجعل، والقصد؛ كدلالة الألفاظ، ~~[والعقود] 3، والخط، والعلامات التي يجعلها الناس بينهم4. PageV01P534 # تعليق ابن تيمية على قولهم # فيقال لهم: هذه الأمور كلها إنما تدل إذا تقدم علم المدلول بها أن الدال ~~جعلها علامة؛ كما يوكل الرجل وكيلا، ويجعل بينه وبينه علامة؛ إما وضع يده ~~على ترقوته1، وإما وضع خنصره2، وإما وضع يده على رأسه. فمن جاء بهذه ~~العلامة، علم أن موكله أرسله. # [فأما إذا] 3 لم يتقدم ذلك، لم تكن دلالة [جعلية] 4 وضعية اصطلاحية. # وآيات ms207 الأنبياء لم [يتقدم] 5 قبلها من الرب مواضعة بينه وبين العباد. ~~قالوا: هي تشبه ما إذا قال الرجل لموكله، والرسول لمرسله: إنك أرسلتني إلى ~~هؤلاء القوم، فإن كنت أرسلتني، فقم، واقعد ليعلموا أنك أرسلتني. فإذا قام ~~وقعد عقب طلب الرسول، علم الحاضرون أنه قام وقعد ليعلمهم أنه رسوله6. وإن ~~كان بدون طلبه قد يقوم ويقعد لأمور أخرى. # فيقال لهم: هنا لما علم الحاضرون انتفاء [داع] 7 يدعوه، إلا قصد التصديق، ~~علموا أنه قصد تصديقه. ولهذا: لو جوزوا قيامه لحاجة عرضت، أو لحية، أو ~~عقرب، وقعت في ثيابه، أو لغير ذلك، لم يجعلوا ذلك دليلا. PageV01P535 # السبر والتقسيم يعلم به الدليل # و [السبر] 1 والتقسيم2 مما يعلم به الدليل، وإن لم يقصده الدليل؛ حتى إن ~~الرجل المشهور إذا خرج في غير وقت خروجه المعتاد، فقد يعرف كثير من الناس ~~لأي شيء خرج؛ لعلمهم بانتفاء غيره، وأن خروجه له مناسب، وإن لم يكن هنا أحد ~~طلب الاستدلال؛ فخروج الإنسان عن عادته قد [يكون لأسباب] 3؛ فإذا اقترن ~~بسبب صالح، وعلم انتفاء غيره، علم أنه لذاك السبب. وهذا إنما يكون ممن يفعل ~~[لداع] 4 يدعوه. والرب تعالى عندهم5 لا يفعل لداع يدعوه، فلزمهم؛ إما إبطال ~~أصلهم6، وإما إبطال هذه الدلالة7. PageV01P536 # وأيضا: فيقال لهم: بل الدليل دل لجنسه؛ وهو هذا الفعل الذي لم يفعل إلا ~~لهذا الطلب. ومتى وجد هذا كان جنسه دليلا. وليست الدعوى جزءا من الدليل، بل ~~طلب الإعلام بهذا الفعل مع الفعل، هو الدليل. ولهذا لو قال: فافعل ما يدل ~~على صدقي، وقام، وقعد، لم يدل على صدقه، بخلاف ما إذا قال: فقم واقعد. # ولو قال: فأظهر ما يدل على صدقي، فلا بد أن يظهر ما يدل جنسه أنه دليل؛ ~~كقول، أو خط، أو غير ذلك، أو خلعة تختص بمثل ذلك. ففرق بين أن يطلب فعلا ~~معينا، أو دليلا مطلقا. وهو إذا طلب فعلا معينا؛ كقيام، أو وضع يد على ~~الرأس، أو صلاة ركعتين، أو غير ذلك من الأفعال، دل على صدقه، وإن ms208 كان ذلك ~~معتادا له أن يفعله، فليس من شرط دلالته أن يخرج عن عادته، لكن شرط دلالته ~~أن يعلم أنه فعله لأجل الإعلام؛ بحيث لا يكون هناك سبب داع غير الإعلام. ~~وحينئذ فهو دال لجنسه. # وكذلك يقال: الرب إذا خرق العادة لمدعي الرسالة عقب مطالبته بآية، علم أن ~~الله لم يخلق تلك [الأدلة] 1 على صدقه. فهذا يدل، [وهذا] 2 [إنما يتم] 3 مع ~~كون الرب يفعل شيئا لأجل شيء آخر. وحينئذ فقد يكون من شرط الدليل: مطالبة ~~الطالب بدليل، لا أن نفس الدعوى هي جزء الدليل. وفرق بين طلبه من الرب آية، ~~[أو] 4 طلبهم منه آية، وبين الدعوى؛ فإظهار ما يظهره الرب عقب طلبهم، أو ~~طلبه، قد يقال فيه: إن PageV01P537 # الطلب جزء الدليل، وإنه لو أظهره بدون الطلب، لم يدل. وأما نفس دعوى ~~النبوة، فليست جزءا. وعلى هذا: فإذا قدر أنه يفعل ذلك عند [طلبه، أو] 1 طلب ~~غيره آية، [دل] 2 على [صدقه] 3. لكن هذا يكون إذا علم أنه لم يفعله إلا ~~لإعلام أولئك بصدقه. وهذا لا يكون إلا بأن يتميز جنس ما دل به عن غيره. ولا ~~يجوز أن يدل مع وجود مثله من غير دلالة، بل متى قدر وجود مثله من غير ~~دلالة، بطل كونه دليلا. ولو كانت الدعوى [جزءا من الدليل] 4، لكانت ~~المعارضة لا تكون إلا مع دعوى النبوة؛ فلو أتوا بمثل القرآن، من غير دعوى ~~النبوة، لم يكونوا عارضوه. # الأشاعرة يقسمون الأدلة قسمين: # وهذا خلاف ما في القرآن، وخلاف ما أجمع المسلمون، بل العقلاء، والله ~~أعلم. # وهم يسمون ما يكون بقصد الدال؛ كالكلام دليلا وضعيا. فالأقوال والأفعال ~~التي يقصد بها الدلالة؛ كالعقد، وما يجعله الرجل علامة، ونحو ذلك، يسمونه ~~دليلا وضعيا، ويسمون ما يدل مطلقا دليلا عقليا5. PageV01P538 # جميع الأدلة عقلية والرد على تقسيم الأشاعرة # والأجود أن يقال: جميع الأدلة عقلية؛ بمعنى أن العقل إذا تصورها، علم ~~أنها تدل؛ فإن الدليل هو ما يكون النظر الصحيح فيه مفضيا إلى العلم ~~بالمدلول عليه، وإنما يكون ms209 النظر الصحيح، لمن يعقل دلالة الدليل. فمن لم ~~يعقل كون الدليل مستلزما للمدلول، لم يستدل به. # معنى الدليل # ومن عقل ذلك، استدل به؛ فهو يدل بصفة هو في نفسه عليها، لا بصفة هي في ~~المستدل. لكن [كونه] 1 عقليا يرجع إلى أن المستدل علمه بعقله. وهذا صفة في ~~المستدل لا فيه. # الدليل يدل بمجرده وقد يدل بقصد الدال على دلالته # [و] 2 الأجود أن يقال: الدليل قد يدل بمجرده، وقد يدل بقصد الدال على ~~دلالته. فالأول لا يحتاج إلى قصد الدلالة؛ كما [يقول] 3 النحاة: إن الأصوات ~~تدل بالطبع، وتدل بالوضع. فالذي يدل بالطبع؛ كالنحنحة، والسعال، والبكاء، ~~ونحو ذلك من الأصوات. وهذا ليس كلاما. وحينئذ فما يدل بقصد الدال، أحق ~~بالدلالة، ودلالته أكمل. ولهذا كانت [دلالة] 4 الكلام على مقصود المتكلم، ~~وهي دلالة سمعية، أكمل من جميع أنواع الأدلة على مراده؛ وهو البيان الذي ~~علمه الله الإنسان، وامتن بذلك على عباده؛ فمنها ما يدل بمجرده، ومنها ما ~~يدل بقصد الدال. فإذا انضم إليه ما يعرف أنه قصد الدلالة، دل؛ فالدليل هنا ~~في الحقيقة: قصد الدال للدلالة؛ PageV01P539 # وهي دلالة [لا] 1 تنتقض إذا لم يجوز عليه الكذب، وإنما الذي دل به على ~~قصده، هو دل بجعله دليلا، لم يدل بمجرده؛ فهو دليل بالاختيار، لا بمجرده. ~~فالأقوال، والأفعال التي يقصد بها الدلالة تدل باختيار الدال بها، لا ~~بمجردها، ودلالتها تعلم بالعقل، وقد يفتقر من العقل إلى أكثر مما يفتقر ~~إليه العقلي المجرد؛ لأنها تحتاج إلى أن يعلم قصد الدال. ولكن ما يحصل بها ~~من الدلالة أوضح وأكثر؛ كالكلام. وعلى هذا فإذا أريد تقسيمها إلى عقلي ~~ووضعي؛ [أي] 2 إلى عقلي مجرد، وإلى وضعي، يحتاج مع العقل إلى قصد من الدال؛ ~~فهو تقسيم صحيح. فدال يعلم بمجرد العقل، وهذا لا يحتاج مع العقل إلى السمع، ~~أو غيره. # وحينئذ: فإذا قيل في السمعيات: إنها ليست عقلية؛ أي لا [يكفي] 3 فيها ~~مجرد العقل، [بل لا بد] 4 من انضمام السمع إليه. [وعلى هذا قوله: ms210 {فتكون ~~لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} 5] 6. # وكذلك ذكر الرازي وغيره أن السمع المحض لا يدل، [بل لابد] 7 من العقل.3 # وهذا صحيح؛ فإن العقل شرط في جميع العلوم التي تختص بالعقلاء. والله ~~أعلم. PageV01P540 # لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم التحدي إلا في القرآن # ومما يلزم [أولئك أن] 1 ما كان يظهر على يد النبي صلى الله عليه وسلم في ~~كل وقت من الأوقات ليست دليلا على نبوته؛ [لأنه] 2 لم يكن كلما ظهر شيء من ~~ذلك احتج به، وتحدى الناس بالإتيان بمثله، بل لم ينقل عنه التحدي إلا في ~~القرآن خاصة3، ولا نقل التحدي عن غيره من الأنبياء؛ مثل موسى، والمسيح، ~~وصالح4. ولكن السحرة لما عارضوا موسى، أبطل معارضتهم. # وهذا الذي قالوه يوجب أن لا [تكون] 5 كرامات الأولياء من جملة المعجزات. # كرامات الأولياء معجزات لنبيهم # وقد ذكر غير واحد من العلماء أن كرامات الأولياء معجزات لنبيهم6، وهي من ~~آيات نبوته. وهذا [هو] 7 الصواب؛ كقصة أبي مسلم الخولاني8، PageV01P541 # وغيره [مما] 1 جرى لهذه الأمة من الآيات؛ ومثل ما كان يظهر على أيدي ~~الحواريين، وعلى يد موسى وأتباعه2. [لا أنه] 3 جعل التحدي بالمثل جزءا من ~~دليله وآيته، فلا يكون دليلا حتى يتحداهم بالمثل! بل قد علم أن [نفس] 4 ~~استدلال المستدل بالدليل، يوجب اختصاصه بالمدلول عليه، وكل من أتى بآية هي ~~دليل وبرهان وحجة، فقد علم أنه يقول إنها مستلزمة للمدلول عليه، لا يوجد مع ~~عدمه، فلا يمكن أحدا أن يعارضها، فيأتي بمثلها مع عدم المدلول عليه. # أجزاء الدليل على صدق النبي عند الأشاعرة # وهؤلاء5 جعلوا من جملة الدليل: دعوى النبوة، والاحتجاج به، والتحدي ~~بالمثل؛ ثلاثة أشياء6. # وهذه الثلاثة هي أجزاء الدليل. ودعوى النبوة هو الذي تقام عليه البينة، ~~والذي [يقام] 7 عليه الحجة ليس هو جزءا من الحجة. والدعوى تسمى مدلولا ~~عليها، ((ونفس المدعى [يسمى] 8 مدلولا عليه، وثبوت المدعى يسمى مدلولا ~~[عليه] 9)) 10، والعلم بثبوته يسمى مدلولا عليه. PageV01P542 # فهنا دعوى النبوة، وهنا النبوة، ms211 وهنا النبوة المدعاة قبل أن يعلم ثبوتها، ~~وهنا ثبوتها في نفس الأمر، وهنا علم الناس بثبوتها. وكذلك سائر الدعاوي. # فمن ادعى تحريم النبيذ المتنازع فيه؛ فهنا: دعواه التحريم، ونفس التحريم ~~هل هو ثابت أم منتف؟ وثبوت التحريم في نفس الأمر، والعلم بالتحريم. وكذلك ~~من ادعى حقا عند الحاكم؛ فهنا: دعواه الحق، وهنا نفس المدعى؛ وهو استحقاقه ~~ذلك الحق، وهنا ثبوت هذا الاستحقاق في نفس الأمر، وهنا العلم باستحقاقه. ~~فالبينة والحجة [يجب] 1 أن يقارن المدلول عليه؛ الذي هو المدعى، وثبوته في ~~نفس الأمر؛ سواء ادعاه [مدع] 2، أو لم يدعه؛ وسواء علمه عالم، أو لم يعلمه؛ ~~فإن الدليل مستلزم للمدلول عليه؛ مستلزم لحرمة النبيذ، واستحقاق الحق. ~~وثبوت الحرمة في نفس الأمر، مستلزم للحرمة. وأما مجرد الحرمة المتصورة: ~~فليست مستلزمة لوجودها في نفس الأمر، بل قد يتصور في الأذهان ما لا [يوجد] ~~3 في الأعيان. والله أعلم. PageV01P543 ### | فصل كلام الباقلاني في المعجزات ومناقشة شيخ الإسلام له # وقد ذكر القاضي أبو بكر أن من المثبتة المجيزين للكرامات من أجاب عن حجة ~~النفاة، بأن قال: الأدلة على ضربين: عقلية، ووضعية؛ فالعقلي يدل لنفسه ~~وجنسه، والوضعي يدل مع المواطأة، ولا يدل مثله مع عدمها؛ كعقد العشرة. # وضعف أبو بكر هذا، بأن قال لهم أن يقولوا: إذا كانت المعجزات تجري مجرى ~~القول، فحيث قصدت دلت. وعنده أن الأمر ليس كذلك1. # قلت: بل هذا القائل أحسن؛ لأنها تدل إذا قصدت بها الدلالة؛ مثل قيام ~~الأمر، وقعوده إذا طلب ذلك منه؛ ومثل العلامة التي تكون للشخص إذا جعلها ~~علامة؛ فحيث قصد الدلالة به دل. لكن لازم هذا أن لا يكون إلا إذا طلب ~~الاستدلال بها، [لا نفس] 2 الدعوى. # ثم إنه3 ذكر أن الخارق للعادة لا بد أن يكون خارقا لعادة جميع المرسل ~~إليهم4. PageV01P544 # ثم جوز أن يكون مما اعتاده كثير منهم، بشرط أن يمنعهم عن المعارضة، فيكون ~~ذلك خرق عادة1. # ثم قال في الكرامات: لا يجوز أن تكثر حتى تصير عادة؛ لأن من حق المعجز ~~على قولنا ms212 وقولهم أن يكون خارقا للعادة، فلا تجوز إدامة ظهوره فيصير عادة، ~~بل يقع نادرا2. وقد [جوزوا] 3 في السحر والكهانة أن يكون عادة، لكن عند ~~دعوى النبوة يمنعهم من المعارضة، فكانت الكرامات أولى بذلك هي عادة ~~للصالحين، وإذا ادعى النبوة صادق منع من المعارضة4. فهذا اضطراب آخر. # قول الباقلاني الخوارق لاتظهر إلا على يد نبي أو ولي. والرد عليه ... # وادعى إجماع الأمة على أنها لا تظهر على فاسق. ولولا الإجماع لجوز ذلك؛ ~~لأنه لا ينقض دليل النبوة، فصارت تدل على الولاية بالإجماع. على أنها لا ~~تظهر إلا على يد نبي أو ولي. فبهذا الإجماع يعلم أن من ظهرت [على] 5 يده ~~ولي6. # وهذا تناقض من وجهين: # أحدهما: أنهم قد قالوا: إنها لا تدل على الولاية؛ لأن الولي من مات على ~~الإيمان. وهذا غير معلوم. PageV01P545 # الفرق بين المعجزات والسحر عند الأشاعرة # الثاني: أنه يقال: إذا جوزت أن يظهر على يد الساحر، والكاهن، ونحوهما من ~~الكفار ما هو من جنس المعجزات والكرامات، وقلت1: يجب أن لا يستثنى من السحر ~~شيء لا يفعل عنده، إلا ما ورد الإجماع والتوقيف على أنه لا يكون بضرب من ~~السحر، ولا يفعل عنده؛ كفلق البحر ونحوه؛ فيكون الفرق بين السحر وغيره ~~[إنما] 2 يعلم بهذا الإجماع، إن ثبت. وإلا فعندك يجوز أن يظهر على يد ~~الساحر كل ما يظهر على يد النبي إذا لم يدع النبوة، [ويحتج] 3 بذلك إذا ~~ادعى النبوة، وعارضه معارض بالمثل. فكيف [تقول] 4 مع هذا: إن الخوارق تدل ~~على الولاية بالإجماع، وأنت تجوز ظهورها على أيدي الكفار؛ من السحرة، ~~والكهان. # فإن قال: السحر والكهانة كانا قبل الرسول، فلما جاء بطلا. # قيل: أنت قد أثبت أن نفسه سحر بعد النبوة5، وأن السحر كان على عهد ~~الصحابة، وقتلوا الساحر، وذكرت إجماع الفقهاء على أن السحر يكون من ~~المسلمين، وأهل الكتاب6، والساحر ليس [بولي لله] 7. والسحر عندك هو من جنس ~~الكرامات. الجميع خارق للعادة، لم يستدل به على النبوة8. PageV01P546 # فكيف تقول مع هذا: إن الخوارق ms213 [لا تكون] 1 إلا لنبي، أو ولي، وأنت ~~[تثبتها] 2 للكفار3. # وهذا كله من جهة أنه أخذ جنس [الخارق] 4 مشتركا؛ فجوز أن يكون للنبي، ~~وغير النبي، مع قوله: إن الخارق لا بد أن يكون خارقا لعادة جميع ~~PageV01P547 # المرسل إليهم. ولكن عنده هذا يحصل بعدم المعارضة. وحينئذ فاشتراط كونه ~~خارقا، ومختصا بمقدور [الرب] 1 باطل. # وهو قد حكى أن الاجماع على أن المعجز لا بد أن يكون خارقا للعادة، فقال: ~~اعلموا رحمكم الله أن الكل من سائر الأمم قد شرطوا في صفة المعجز أن يكون ~~خارقا للعادة2. # [ثم قال3 في فصول الكرامات] 4: PageV01P548 # [ثم قال1 في فصول الكرامات] 2 ### | فصل3 قول الباقلاني: لايدل على صدق النبي إلا المعجزات ولو لم تدل للزم عجز القديم.. # ويقال لهم: إن من الناس من لا يشترط في الآية المعجزة أن تكون خارقا ~~للعادة. وهذا كما ذكر إجماع الناس على أنه لا يدل على صدق النبي إلا ~~المعجزات4، فقال في الاستدلال على أنها لو لم تدل، لزم عجز القديم؛ إذ لا ~~دليل [لقول] 5 كل أحد أثبت النبوة على نبوة الرسل وصدقهم، إلا ظهور ~~المعجزة. فهذا إجماع لا خلاف فيه. فلو ظهرت على يد المتنبي، لبطلت دلالة ~~النبوة، ولوجب عجز القديم عن دليل يدل على نبوتهم. وهو نفسه قد ذكر في ذلك ~~عدة أقوال في غير هذا الكتاب6. PageV01P549 # وأيضا: فالاستدلال بالإجماع إنما يكون [بعد] 1 ثبوت النبوة، فلا يحتج على ~~مقدمات دليل النبوة بمجرد الإجماع. # سبب عدم ظهور المعجزات على يد الكاذب عند الأشاعرة # وهؤلاء إنما أوقعهم في هذه المناقضات أن القدرية2 يجعلون لربهم شريعة ~~بالقياس على خلقه، ويقولون: لا يجوز أن يفعل كذا، ولا أن يفعل كذا؛ كقولهم: ~~لا يجوز أن يضل هذا، فإنا لو جوزنا عليه الإضلال لجاز أن يظهر المعجزات على ~~أيدي الكذابين؛ فإن غاية ذلك أنه إضلال. وإذا جاز ذلك لم يبق دليل على صدق ~~الأنبياء، ولم يفرق بين الصادق والكاذب. فعارضهم هؤلاء3 بأن قالوا: يجوز أن ~~يفعل كل ممكن مقدور، ليس ms214 يجب أن ينزه عن فعل من الأفعال، وليس في الممكنات ~~ما هو قبيح، أو ظلم، أو سيئ، بل كل ذلك حسن وعدل، فله أن يفعله. فقيل لهم: ~~فجوزوا إظهار المعجزات على [أيدي] 4 الكذابين. ففتقوا لهم فتقا، فقالوا5: ~~هذا يلزم PageV01P550 # منه عجز الرب عن أن ينصب دليلا يدل على صدق النبي، وإن كان يمكنه أن يعرف ~~صدقهم بالضرورة، فذلك يوجب أن يعرفوا نفسه بالضرورة، وهو يرفع التكليف. # قول شيخ الإسلام في عدم ظهور المعجزات على يد الكاذب.. # والتحقيق: أن إظهار المعجزات الدالة على صدق الأنبياء على يد الكاذب لا ~~يجوز، لكن قيل لامتناع ذلك في نفسه؛ كما قاله الأشعري1. وقيل: لأن ذلك ~~يمتنع في حكمة الرب وعدله. وهذا أصح؛ فإنه قادر على ذلك، لو فعله بطلت ~~دلالة المعجز على الصدق2. # وهذا كما أنه قادر على سلب العقول، ولو فعل ذلك لبطلت العلوم. وهو سبحانه ~~لو فعل ذلك قادر على تعريف الصدق بالضرورة، وقادر على أن لا يعرف بذلك، ولا ~~يميز للناس بين الصادق والكاذب، لكنه لا يفعل هذا المقدور. ونحن نعلم ~~بالاضطرار أنه لا يفعل ذلك، وأنه لا يبعث أنبياء PageV01P551 # صادقين يبلغون رسالته ويأمر الناس باتباعهم ويتوعد من كذبهم، فيقوم آخرون ~~كذابون يدعون مثل ذلك، وهو يسوي بين هؤلاء وهؤلاء في جميع ما يفرق به بين ~~الصادق والكاذب. بل قد علمنا من سنته أنه لا يسوي في دلائل الصدق والكذب ~~بين المحدث الصادق، والكاذب، والشاهد الصادق، والكاذب، وبين الذي يعامل ~~الناس بالصدق، والكذب، وبين الذي يظهر الإسلام صادقا، والذي يظهره نفاقا ~~وكذبا، بل يميز هذا من هذا بالدلائل [الكثيرة] 1؛ كما يميز بين العادل وبين ~~الظالم، وبين الأمين وبين الخائن؛ فإن هذا مقتضى سنته التي لا تتبدل، ~~وحكمته التي هو منزه عن نقيضها، وعدله سبحانه بتسويته بين المتماثلات، ~~وتفريقه [بين] 2 المختلفات. فكيف يسوي بين أفضل الناس وأكملهم صدقا، وبين ~~أكذب الناس وشرهم كذبا فيما يعود إلى فساد العالم في العقول، والأديان، ~~والأبضاع، والأموال، والدنيا، والآخرة. # الرد على القدرية في قولهم: ms215 لو جوزنا عليه الإضلال لجاز أن يظهر المعجزات ~~على يد الكاذب # وقول [القدري] 3: إذا جاز عليه إضلال من أضله، جاز عليه إضلال بعض الناس. ~~يقال له: # أولا: ليس إظهار المعجزة على أيدي الكذابين من باب الإضلال. بل لو ظهرت ~~على يده لكانت لا تدل على الصدق، فلم يكن دليلا يفرق به بين الصدق والكذب. ~~وعدم الدليل يوجب عدم العلم بذلك الدليل، لا يوجب اعتقاد نقيضه. ولو كان لا ~~يظهرها إلا على يد كاذب، لكانت إنما تدل على PageV01P552 # الكذب؛ فالاشتراك بين الصنفين يرفع دلالتها، واختصاص أحدهما بها يوجب ~~دلالتها على المختص. # ويقال ثانيا: تجويز إضلال طائفة معينة؛ بمعنى أنه حصل لهم الضلال لعدم ~~نظرهم، واستدلالهم، وقصدهم الحق، وجعل قلوبهم معرضة عن طلب الحق وقصده، ~~وأنها تكذب الصادق: ليس هو مثل إضلال العالم كله، ورفع ما يعرف به الحق من ~~الباطل. بل مثال هذا: مثل من قال: إذا جاز أن [يعمي] 1 طائفة من الناس، جاز ~~أن [يعمي] 2 جميع الناس، فلا يرى أحد شيئا. وإذا جاز أن [يصم] 3 بعض الناس، ~~جاز أن يصم جميعهم، فلا يسمع أحد شيئا. وإذا جاز أن يزمن4 بعض الناس، أو ~~يشل يديه، جاز إزمان جميع الناس، وإشلال أيديهم؛ حتى لا يقدر أحد في العالم ~~على شيء، ولا بطش بيده. وإذا جاز أن يجنن بعض الناس، جاز أن يجنن جميعهم؛ ~~حتى لا يبقى في الأرض إلا مجنون، لا عاقل. وإذا جاز أن يميت بعض الناس، جاز ~~أن يميتهم كلهم في ساعة واحدة، مع بقاء العالم على ما هو عليه. وأن يقال: ~~إذا جاز أن يضل بعض الناس عن قبول بعض الحق، جاز أن يضله عن قبول كل حق؛ ~~حتى لا يصدق أحدا في شيء، ولا يقبل شيئا مما يقال له؛ فلا يأكل، ولا يشرب، ~~ولا يلبس، ولا ينام. وأن كل من أضل جاز أن يفعل به هذا كله. PageV01P553 # وهذا كله مما يعرف بضرورة العقل الفرق بينهما. ومن سوى بين هذا وهذا1، ~~كان مصابا في عقله. # وآيات ms216 الأنبياء هي من هذا الباب؛ فلو لم يميز بين الصادق والكاذب، لكان ~~قد بعث أنبياء يبلغون رسالته، ويأمرون بما أمر به؛ من أطاعهم سعد في الدنيا ~~والآخرة، ومن كذبهم شقي في الدنيا والآخرة، وآخرين كذابين يبلغون عنه ما لم ~~يقله، ويأمرون بما نهى عنه، وينهون عما أمر به، ومن اتبعهم شقي في الدنيا ~~والآخرة، ولم يجعل لأحد سبيلا إلى التمييز بين هؤلاء وهؤلاء. [وهذا] 2 أعظم ~~من أن يقال إنه خلق أطعمة نافعة، وسموما قاتلة، ولم يميز بينهما، بل كل ما ~~أكله الناس، جاز أن يكون من هذا وهذا. ومعلوم أن من جوز مثل هذا على الله، ~~فهو مصاب في عقله. # الله جعل الأشياء متلازمة وكل ملزوم دليل على لازمه.. # ثم إن الله جعل الأشياء متلازمة، وكل ملزوم هو دليل على لازمه؛ فالصدق له ~~لوازم كثيرة؛ فإن من كان يصدق، ويتحرى الصدق، كان من لوازمه أنه لا يتعمد ~~الكذب، ولا يخبر بخبرين متناقضين عمدا، ولا يبطن خلاف ما يظهر، ولا يأتي ~~هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، ولا يخون أمانته، ولا يجحد حقا هو عليه، إلى أمثال ~~هذه الأمور التي يمتنع أن [تكون] 3 لازمة إلا لصادق؛ فإذا انتفت انتفى ~~الصدق، وإذا وجدت كانت مستلزمة لصدقه. والكاذب بالعكس؛ لوازمه بخلاف ذلك؛ ~~وهذا لأن الإنسان حي ناطق، والنطق من لوازمه الظاهرة لبني جنسه. ومن لوازم ~~النطق: الخبر؛ فإنه ألزم له من الأمر، والطلب؛ حتى قد قيل: إن جميع أنواع ~~الكلام PageV01P554 # [تعود] 1 إلى الخبر؛ فلزم أن يكون من لوازم الإنسان إخباره، [وظهور] 2 ~~إخباره، وكثرته، وأن هذا لا بد من وجوده حيث كان. وحينئذ: فإذا كان كذابا ~~عرف الناس كذبه؛ لكثرة ما يظهر منه من [الخبر] 3 عن الشيء بخلاف ما هو ~~عليه، من أحوال نفسه وغيره، ومما رآه، وسمعه، وقيل له في الشهادة والغيب. ~~ولهذا كل من كان كاذبا ظهر عليه كذبه بعد مدة؛ سواء كان مدعيا للنبوة، أو ~~كان كاذبا في العلم ونقله، أو في الشهادة، أو في غير ذلك4. وإن ms217 [كان] 5 ~~مطاعا، كان ظهور كذبه أكثر لما فيه من الفساد. PageV01P555 # [و] 1 في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ثلاثة لا يكلمهم ~~الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، ~~وشيخ زان، وعائل مستكبر ويروى وفقير محتال)) 2. # ولهذا كثير من أهل الدول كانوا يتواصون بالكذب، وكتمان أمورهم، ثم يظهر؛ ~~كالقرامطة3. ولهذا امتنع اتفاق الناس على الكذب، والكتمان، PageV01P556 # من غير تواطؤ؛ لما جعل الله في النفوس من الداعي إلى الصدق والبيان، وجعل ~~الله في القلوب هداية ومعرفة بين هذا وهذا. ولم يعرف قط في بني آدم أنه ~~اشتبه صادق بكاذب إلا مدة قليلة، ثم يظهر الأمر. وليس هذا كالضلال في أمور ~~خفية ومشتبهة على أكثر الناس؛ فإن التمييز بين الصادق والكاذب يظهر لجمهور ~~الناس وعامتهم بعد مدة، ولا يطول اشتباه ذلك عليهم، وإنما يشتبه الأمر ~~عليهم فيما لم يتعمد فيه الكذب، بل أخطأ أصحابه؛ فأخذ عنهم تقليدا لهم. ~~وأما مع كون أصحابه يتعمدون الكذب، [فهو] 1 لا يخفى على عامة الناس. ~~PageV01P557 ### | فصل الفروق بين آيات الأنبياء وغيرها # وقد تقدم1 ذكر بعض الفروق بين آيات الأنبياء وغيرهم. وبينها وبين غيرها ~~من الفروق ما لا يكاد يحصى. # الأول: أن النبي صادق فيما يخبر به عن الكتب، لا يكذب قط. ومن خالفهم من ~~السحرة، والكهان، لا بد أن يكذب؛ كما قال: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ~~* تنزل على كل أفاك أثيم} 2. # الثاني: من جهة ما يأمر به هذا ويفعله، ومن جهة ما يأمر به هذا ويفعله؛ ~~فإن الأنبياء لا يأمرون [إلا] 3 بالعدل، وطلب الآخرة، وعبادة الله وحده، ~~وأعمالهم البر والتقوى. ومخالفوهم يأمرون بالشرك، والظلم، ويعظمون الدنيا، ~~وفي أعمالهم الإثم والعدوان. # الثالث: أن السحر، والكهانة، ونحوهما أمور معتادة معروفة لأصحابها، ليست ~~خارقة لعادتهم. وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن اتبعهم. # الرابع: أن الكهانة والسحر يناله الإنسان بتعلمه، وسعيه، واكتسابه. وهذا ~~مجرب عند الناس. بخلاف النبوة؛ فإنه لا ينالها أحد باكتسابه. PageV01P558 # الخامس: أن النبوة ms218 لو قدر أنها تنال بالكسب، فإنما تنال بالأعمال ~~الصالحة، والصدق، والعدل، والتوحيد. لا تحصل مع الكذب على من دون الله، ~~فضلا عن أن تحصل مع الكذب على الله. فالطريق الذي تحصل به لو حصلت بالكسب ~~مستلزم للصدق على الله فيما يخبر به. # السادس: أن ما يأتي [به] 1 الكهان، والسحرة، لا يخرج عن كونه مقدورا للجن ~~والإنس، وهم مأمورون بطاعة الرسل. وآيات الرسل لا يقدر عليها؛ لا جن، ولا ~~إنس، بل هي خارقة لعادة كل [من] 2 أرسل النبي إليه: {قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا} 3. # السابع: أن هذه يمكن أن تعارض بمثلها. وآيات الأنبياء لا يمكن أحدا أن ~~يعارضها بمثلها. # الثامن: أن تلك ليست خارقة لعادات بني آدم، بل كل ضرب منها معتاد لطائفة ~~غير الأنبياء. وأما آيات الأنبياء: فليست معتادة لغير الصادقين على الله، ~~ولمن صدقهم. # التاسع: أن هذه قد لا يقدر عليها مخلوق؛ لا الملائكة، ولا غيرهم؛ كإنزال ~~القرآن، وتكليم موسى. وتلك تقدر عليها الجن والشياطين. # العاشر: أنه إذا كان من الآيات ما يقدر عليه الملائكة؛ فإن الملائكة لا ~~تكذب على الله، ولا تقول لبشر إن الله أرسلك، ولم يرسله. وإنما يفعل ذلك ~~الشياطين. والكرامات معتادة في الصالحين منا، ومن قبلنا، ليست PageV01P559 # خارقة لعادة الصالحين. وآيات الأنبياء خارقة لعادة الصالحين. وهذه1 تنال ~~بالصلاح؛ بدعائهم، وعبادتهم. ومعجزات الأنبياء لا تنال بذلك. ولو طلبها ~~الناس؛ حتى يأذن الله فيها. {قل إنما الآيات عند الله} 2، {قل إن الله قادر ~~على أن ينزل آية} 3. # الحادي عشر: أن النبي قد تقدمه [أنبياء] 4؛ فهو لا يأمر إلا بجنس ما أمرت ~~به الرسل قبله؛ فله نظراء يعتبر بهم. وكذلك الساحر، والكاهن له نظراء يعتبر ~~بهم. # الثاني عشر: أن النبي لا يأمر إلا بمصالح العباد في المعاش والمعاد؛ ~~فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؛ فيأمر بالتوحيد، والإخلاص، والصدق؛ وينهى ~~عن الشرك، والكذب، والظلم. فالعقول، والفطر توافقه؛ كما توافقه الأنبياء ~~قبله؛ فيصدقه صريح المعقول ms219 وصحيح المنقول الخارج عما جاء به. والله أعلم. ~~PageV01P560 ### | فصل ما يخالف الكتاب والسنة فهو باطل # ومن تدبر هذا1، وغيره، تبين له أن جميع ما ابتدعه المتكلمون، وغيرهم؛ مما ~~يخالف الكتاب والسنة، فإنه باطل. # المبتدعون المخالفون للكتاب والسنة # ولا ريب أن المؤمن يعلم من حيث الجملة أن ما خالف الكتاب والسنة فهو ~~باطل. لكن كثير من الناس لا يعلم ذلك في المسائل المفصلة؛ لا يعرف ما الذي ~~يوافق الكتاب والسنة، وما الذي يخالفه؛ كما قد أصاب [كثيرا] 2 من الناس في ~~الكتب المصنفة في الكلام؛ في أصول الدين، وفي الرأي والتصوف، وغير ذلك؛ ~~فكثير منهم قد اتبع طائفة يظن أن ما يقولونه هو الحق، وكلهم على خطأ وضلال. # خطبة الإمام أحمد # ولقد أحسن الإمام أحمد في قوله في خطبته، وإن كانت مأثورة عمن تقدم3: ~~"الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل PageV01P561 # العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله ~~الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ~~ضال تائه قد هدوه. فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم. ينفون ~~عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين ~~عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة؛ فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون ~~للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب. يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب ~~الله بغير علم. يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما ~~يشبهون عليهم. فنعوذ بالله من فتن المضلين"1. # فهؤلاء أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم، كما قال: مختلفون في الكتاب، ~~مخالفون للكتاب، متفقون على مفارقة الكتاب. PageV01P562 # أهل البدع مخالفون للكتاب والسنة # وتصديق ما ذكره: أنك لا تجد طائفة منهم توافق الكتاب والسنة فيما جعلوه ~~أصول دينهم. بل [لكل] 1 طائفة أصول دين لهم؛ فهي أصول دينهم الذي هم عليه، ~~ليس هي أصول الدين الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه. # وما هم عليه من الدين، ليس كله موافقا للرسول، ms220 ولا كله مخالفا له؛ بل ~~بعضه موافق، وبعضه مخالف؛ بمنزلة أهل الكتاب الذين لبسوا الحق بالباطل؛ كما ~~قال تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي ~~أوف بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول ~~كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ولا تلبسوا الحق ~~بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} 2، وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لم ~~تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} 3. # لكن بعض الطوائف أكثر مخالفة للرسول من بعض، وبعضها أظهر مخالفة. ولكن ~~الظهور أمر نسبي؛ فمن عرف السنة ظهرت له مخالفة من خالفها؛ فقد [تظهر] 4 ~~مخالفة بعضهم للسنة لبعض الناس؛ لعلمه بالسنة دون من لا يعلم منها ما يعلمه ~~هو؛ وقد تكون السنة في ذلك معلومة عند جمهور الأمة؛ فتظهر مخالفة من ~~خالفها؛ كما [تظهر] 5 للجمهور مخالفة الرافضة للسنة. وعند الجمهور هم ~~المخالفون للسنة، فيقولون: أنت سني، أو رافضي؟. PageV01P563 # وكذلك الخوارج: لما كانوا أهل سيف وقتال، ظهرت مخالفتهم للجماعة؛ حين ~~كانوا يقاتلون الناس. وأما اليوم فلا يعرفهم أكثر الناس. # وبدع القدرية، والمرجئة، ونحوهم: لا تظهر مخالفتها بظهور هذين. # ظهور الخوارج # ظهور القدرية والمرجئة # وهاتان البدعتان ظهرتا1 لما قتل عثمان [رضي الله عنه] 2؛ في الفتنة؛ في ~~خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] 3. وظهرت [الخوارج] 4 ~~بمفارقة أهل الجماعة، واستحلال دمائهم وأموالهم؛ حتى قاتلهم5 أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] 6 في ذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم 7. ~~PageV01P564 # الأحاديث في الخوارج # قال الإمام أحمد بن حنبل: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه1. # وهذه2 قد رواها صاحبه مسلم بن الحجاج في صحيحه3، وروى البخاري قطعة ~~منها4. # اتفاق الصحابة على قتال الخوارج # واتفقت الصحابة على قتال الخوارج، حتى إن ابن عمر مع امتناعه عن الدخول ~~في فرقة؛ كسعد5، وغيره من السابقين6. ولهذا لم يبايعوا PageV01P565 # لأحد إلا في الجماعة1قال2 عند الموت: ما آسى على شيء إلا على أني لم ~~أقاتل الطائفة الباغية ms221 مع علي رضي الله عنه3؛ يريد بذلك قتال الخوارج، وإلا ~~فهو لم يبايع؛ لا لعلي، ولا غيره، ولم يبايع معاوية إلا بعد أن اجتمع الناس ~~عليه. فكيف يقاتل إحدى الطائفتين؟ وإنما أراد المارقة التي قال فيها النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "تمرق مارقة على حين فرقة من الناس، يقتلهم أدنى ~~الطائفتين إلى الحق"4. وهذا حدث به أبو سعيد5، فلما بلغ ابن عمر قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الخوارج، وأمره بقتالهم، تحسر على ترك قتالهم. # الصحابة على ثلاثة أقوال في فتنة الجمل وصفين # فكان قتالهم ثابتا بالسنة الصحيحة الصريحة، وباتفاق الصحابة؛ بخلاف فتنة ~~الجمل وصفين6؛ فإن أكثر السابقين الأولين كرهوا القتال في هذا، وهذا. # السنة دلت على أن عليا أولى الطائفتين # وكثير من الصحابة قاتلوا إما من هذا [الجانب] 7، وإما من هذا الجانب؛ ~~فكانت الصحابة في ذلك على ثلاثة أقوال8. PageV01P566 # \لكن الذي دلت عليه السنة الصحيحة أن عليا بن أبي طالب [رضي الله عنه] 1 ~~كان أولى بالحق2، وأن ترك القتال بالكلية كان خيرا وأولى؛ ففي الصحيحين عن ~~أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من ~~الإسلام يقتلهم أولى الطائفتين بالحق"3. وقد ثبت عنه أنه جعل القاعد فيها ~~خيرا من القائم، والقائم خيرا من الماشي، والماشي خيرا من الساعي4، وأنه ~~أثنى على من صالح، ولم يثن على من قاتل؛ ففي البخاري وغيره عن أبي بكرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الحسن: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به ~~بين فئتين من المسلمين"5؛ فأثنى على الحسن في إصلاح الله به بين الفئتين. ~~وفي صحيح مسلم، وبعض نسخ البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم [قال] 6 ~~لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" 7. PageV01P567 # بقاء الطائفة المنصورة إلى يوم القيامة # وفي الصحيحين أيضا أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا ~~يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"1؛ قال معاذ: وهم بالشام. # وفي صحيح مسلم عنه أنه قال: "لا يزال أهل المغرب ms222 ظاهرين لا يضرهم من ~~خذلهم" 2. # أهل المغرب هم أهل الشام # قال أحمد بن حنبل، وغيره: أهل المغرب: أهل الشام3؛ أي أنها أول المغرب؛ ~~فإن التغريب [والتشريق] 4 أمر نسبي؛ فلكل بلد غرب وشرق، وهو صلى الله عليه ~~وسلم تكلم بمدينته؛ فما تغرب عنها فهو غرب، وما تشرق عنها فهو شرق، وهي5 ~~مسامتة أول الشام من ناحية الفرات؛ كما أن مكة مسامتة لحران6، PageV01P568 # و [سميساط] 1، ونحوهما2. # قتال صفين من أي الأنواع كان # [وتصويب قتالهم] 3 إن كان بعد الإصلاح، فلم يقع الإصلاح وإن كان عند ~~بغيهم في الاقتتال. وإن لم يكن إصلاح فهؤلاء البغاة لم [يكن] 4 في أصحاب ~~علي من يقاتلهم، بل تركوا قتالهم؛ إما عجزا، وإما تفريطا؛ فترك الإصلاح ~~المأمور به. # وعلى هذا قوتلوا ابتداء قتالا غير مأمور به، ولما صار قتالهم مأمورا به ~~لم يقاتلوا القتال المأمور به، بل نكل أصحاب علي [رضي الله عنه] 5 عن ~~القتال؛ إما عجزا، وإما تفريطا. PageV01P569 # قتال البغاة # والبغاة المأمور بقتالهم: هم الذين بغوا بعد الاقتتال، وامتنعوا من ~~الإصلاح المأمور به؛ فصاروا بغاة مقاتلين. # والبغاة إذا ابتدءوا [بالقتال] 1 جاز قتالهم بالاتفاق؛ كما يجوز قتال ~~[الغواة] 2 قطاع الطريق إذا قاتلوا باتفاق الناس. فأما الباغي من غير قتال، ~~فليس في النص أن الله أمر بقتاله، بل الكفار إنما يقاتلون بشرط [الحراب] 3؛ ~~كما ذهب إليه جمهور العلماء، وكما دل عليه الكتاب والسنة؛ كما هو مبسوط في ~~موضعه4. # أنواع المرتدين الذين قاتلهم الصديق # والصديق قاتل المرتدين الذين ارتدوا عما كانوا فيه على عهد الرسول من ~~دينه، وهم أنواع: منهم من آمن بمتنبىء [كذاب] 5، ومنهم من لم يقر ببعض ~~فرائض الإسلام التي أقر بها مع الرسول، ومنهم من ترك الإسلام بالكلية6. # ولهذا تسمى هذه وأمثالها من الحروب بين المسلمين فتنا؛ كما سماها ~~PageV01P570 # النبي صلى الله عليه وسلم 1. والملاحم: ما كان بين المسلمين والكفار. # وبسط هذا له موضع آخر2. # الكلام في الخوارج # والمقصود هنا: أن الخوارج ظهروا في الفتنة، وكفروا عثمان وعليا [رضي الله ~~عنهما] 3، ومن ms223 والاهما، وباينوا المسلمين في الدار، وسموا دارهم دار ~~الهجرة4، وكانوا كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم: يقتلون أهل الإسلام، ~~ويدعون أهل الأوثان، وكانوا أعظم الناس صلاة وصياما وقراءة؛ كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، ~~وقراءته مع قراءتهم؛ يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام ~~كما يمرق السهم من الرمية"5. # معنى مروقهم من الدين # ومروقهم منه: خروجهم؛ باستحلالهم دماء المسلمين، وأموالهم؛ فإنه قد ثبت ~~عنه في الصحيح أنه قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر ~~من هجر ما نهى الله عنه"6. وهم بسطوا في المسلمين أيديهم وألسنتهم؛ فخرجوا ~~منه. PageV01P571 # لا يكفر الخوارج # ولم يحكم علي [رضي الله عنه] 1، وأئمة الصحابة فيهم بحكمهم في المرتدين، ~~بل جعلوهم مسلمين. # قول سعد في الخوارج # وسعد بن أبي وقاص، وهو أفضل من كان قد بقي بعد علي [رضي الله عنه] 2، وهو ~~من أهل الشورى، واعتزل في الفتنة؛ فلم يقاتل، لا مع علي، ولا مع معاوية. ~~ولكنه ممن تكلم في الخوارج، وتأول فيهم قوله3: {وما يضل به إلا الفاسقين ~~الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} 4. # إحراق علي لمن ادعى فيه الألوهية # وحدث أيضا طوائف الشيعة الإلهية الغلاة، فرفع إلى علي [رضي الله عنه] 5 ~~منهم طائفة ادعوا فيه الإلهية، فأمرهم بالرجوع، فأصروا، فأمهلهم ثلاثا، ثم ~~أمر بأخاديد من نار فخدت، وألقاهم فيها؛ فرأى قتلهم بالنار6. # اختلاف ابن عباس مع علي في تحريق الزنادقة # وأما ابن عباس: فقال7: لو كنت أنا لم أحرقهم بالنار؛ لنهي [رسول ~~PageV01P572 # الله] 1 صلى الله عليه وسلم أن يعذب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم؛ لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه". رواه البخاري2. وأكثر الفقهاء ~~على قول ابن عباس. # ابن السوداء وإفساده في الدين # وروي أنه بلغه أن ابن السوداء3 يسب أبا بكر وعمر [رضي الله عنهما] 4، ~~فطلب قتله، فهرب منه5. فإما قتله على ms224 السب، أو لأنه كان متهما بالزندقة. ~~PageV01P573 # وقيل: إنه هو الذي ابتدع بدعة الرافضة، وأنه كان قصده إفساد دين ~~الإسلام1. وهذا يستحق القتل باتفاق المسلمين. # حكم من سب أبابكر وعمر # والذين يسبون أبا بكر وعمر [رضي الله عنهما] 2، فيهم [تزندق] 3؛ ~~كالإسماعيلية، والنصيرية؛ فهؤلاء يستحقون القتل بالإتفاق. وفيهم من يعتقد ~~[نبوة] 4 النبي صلى الله عليه وسلم؛ كالإمامية؛ فهؤلاء في قتلهم نزاع، ~~وتفصيل مذكور في غير هذا الموضع5. # وتواتر عن علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] 6 أنه قال: "خير هذه الأمة بعد ~~نبيها أبو بكر ثم عمر"7. # قدماء الشيعة يفضلون أبا بكر وعمر # وهذا متفق عليه بين قدماء الشيعة، وكلهم كانوا يفضلون أبا بكر وعمر [رضي ~~الله عنهما] 8، وإنما كان النزاع في علي وعثمان [رضي الله عنهما] 9 حين صار ~~لهذا شيعة، ولهذا شيعة. وأما أبو بكر وعمر [رضي الله عنهما] 10: فلم يكن ~~أحد يتشيع لهما، بل جميع الأمة كانت متفقة عليهما؛ حتى الخوارج فإنهم ~~يتولونهما، وإنما يتبرءون من علي وعثمان11 [رضي الله عنهما] 12. ~~PageV01P574 # وروي1 أن معاوية قال: لابن عباس: أنت على ملة علي، أم عثمان؟ قال: لا على ~~ملة علي، ولا عثمان، أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # اتفاق شيعة علي وشيعة عثمان على تقديم الشيخين # وكان كل من الشيعيتن يذم الآخر بما برأه الله منه؛ فكان بعض شيعة عثمان ~~يتكلمون في علي بالباطل، وبعض شيعة علي يتكلمون في عثمان بالباطل. ~~والشيعتان مع سائر الأمة متفقة على تقديم أبي بكر وعمر. # قيل لشريك بن عبد الله القاضي2: أنت من شيعة علي، وأنت تفضل أبا بكر ~~وعمر؟! فقال: كل شيعة علي على هذا؛ هو يقول على أعواد هذا المنبر: خير هذه ~~الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر. أفكنا نكذبه! والله ما كان كذابا3. # وقد روى البخاري في صحيحه4 من حديث محمد بن الحنفية، أنه قال له5: يا أبت ~~من خير الناس بعد رسول الله؟ فقال: يا بني أوما تعرف؟ PageV01P575 # قال: لا. قال: أبو بكر. قال: ثم ms225 من؟ قال: ثم عمر. وهو مروي من حديث ~~الهمدانيين؛ شيعة علي، عن أبيه. # وروي عن علي أنه قال: # ولو كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمدان ادخلي بسلام1. # وقد روي عنه2 أنه قال: "لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته ~~حد المفتري". # قتل علي لمن اعتقد إلهيته # وقد ثبت عن علي رضي الله عنه بالأحاديث الثابتة، بل المتواترة أنه قتل ~~الغالية؛ كالذين يعتقدون إلهيته، بعد أن استتابهم ثلاثا كسائر المرتدين، ~~وأنه كان يبالغ في عقوبة من يسب أبا بكر وعمر، وأنه كان يقول إنهما خير هذه ~~الأمة بعد نبيها. وهذا مبسوط في مواضع3. # والمقصود هنا: أن هاتين4 حدثتا في ذلك الوقت5. PageV01P576 # بدعة القدرية حدثت في آخر عهد الصحابة # ثم في آخر عصر الصحابة: حدثت القدرية، وتكلم فيها من بقي من الصحابة؛ ~~كابن عمر1، وابن عباس2 [وواثلة] 3 بن الأسقع، وغيرهم4. # بدعة الإرجاء # وحدثت أيضا بدعة المرجئة في الإيمان. # والآثار عن الصحابة ثابتة بمخالفتهم، وأنهم5 قالوا: الإيمان يزيد وينقص6؛ ~~كما ثبت ذلك عن الصحابة؛ كما هو مذكور في موضعه7. # أصول البدع أربعة # بدعة الجهمية حدثت في أواخر الدولة الأموية # وأما الجهمية نفاة الأسماء والصفات: فإنما حدثوا في أواخر الدولة ~~الأموية8. وكثير من السلف لم يدخلهم في الثنتين وسبعين فرقة؛ منهم: يوسف بن ~~أسباط، وعبد الله بن المبارك؛ قالوا: أصول البدع أربعة: الخوارج، والشيعة، ~~والقدرية، والمرجئة. فقيل لهم: الجهمية؟ فقالوا: ليس هؤلاء من أمة محمد9. ~~PageV01P577 # الجهمية ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة # ولهذا تنازع من بعدهم من أصحاب أحمد، وغيرهم: هل هم من الثنتين وسبعين؟ ~~على قولين؛ ذكرهما عن أصحاب أحمد: أبو عبد الله بن حامد1 في كتابه في ~~الأصول2. # الجهمية ينفون الأسماء والصفات # والتحقيق: أن التجهم المحض؛ وهو نفي الأسماء والصفات؛ كما يحكى عن جهم، ~~والغالية من الملاحدة، ونحوهم ممن نفى أسماء الله الحسنى كفر، بين، مخالف ~~لما علم بالإضطرار من دين الرسول3. # المعتزلة ينفون الصفات # وأما نفي الصفات، مع إثبات الأسماء؛ كقول المعتزلة4: فهو دون [هذا] 5. ~~لكنه عظيم ms226 أيضا. PageV01P578 # الأشاعرة يثبتون الصفات العقلية # وأما من أثبت الصفات المعلومة بالعقل والسمع، وإنما نازع في قيام الأمور ~~الاختيارية [به] 1؛ كابن كلاب، ومن اتبعه2. فهؤلاء ليسوا جهمية، بل وافقوا ~~جهما في بعض قوله، وإن كانوا خالفوه في بعضه. وهؤلاء من أقرب الطوائف إلى ~~السلف وأهل السنة والحديث. # معتقد السالمية والكرامية # وكذلك السالمية3، والكرامية، ونحو هؤلاء يوافقون في جملة أقوالهم ~~المشهورة؛ فيثبتون الأسماء والصفات، والقضاء والقدر في الجملة ليسوا من ~~الجهمية، والمعتزلة النفاة للصفات. وهم أيضا يخالفون الخوارج، PageV01P579 # والشيعة؛ فيقولون بإثبات خلافة الأربعة، وتقديم أبي بكر وعمر، ولا يقولون ~~بخلود أحد من أهل القبلة في النار. # الكرامية والكلابية وأكثر الأشعرية: مرجئة # لكن الكرامية، والكلابية، وأكثر الأشعرية: مرجئة1، وأقربهم الكلابية؛ ~~يقولون: الإيمان: هو التصديق بالقلب، والقول باللسان، والأعمال ليست منه؛ ~~كما يحكى هذا عن كثير من فقهاء الكوفة؛ مثل أبي حنيفة، [وأصحابه] 23. # الأشعري وأصحابه يوافقون جهما في بعض قوله في الإيمان # وأما الأشعري4: فالمعروف عنه، وعن أصحابه: أنهم يوافقون جهما في قوله في ~~الإيمان، وأنه مجرد تصديق القلب، أو معرفة القلب. لكن قد يظهرون مع ذلك قول ~~أهل الحديث، ويتأولونه، ويقولون بالاستثناء على الموافاة؛ فليسوا موافقين ~~لجهم من كل وجه، وإن كانوا أقرب الطوائف إليه في الإيمان، وفي القدر أيضا5؛ ~~فإنه6 رأس الجبرية؛ يقول: ليس للعبد فعل البتة7. PageV01P580 # كسب الأشعري # والأشعري يوافقه1 على أن العبد ليس بفاعل، ولا له قدرة مؤثرة في الفعل، ~~ولكن يقول: هو كاسب2. # جهم يقول بالجبر # وجهم لا يثبت له شيئا، لكن هذا الكسب؛ يقول أكثر الناس: إنه لا يعقل فرق ~~بين الفعل الذي نفاه، والكسب الذي أثبته. وقالوا: عجائب الكلام ثلاثة: ~~[طفرة] 3 النظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري. وأنشدوا4: # عجائب الكلام # مما يقال ولا حقيقة عنده ... معقولة تدنو إلى الأفهام # الكسب5 عند الأشعري والحال6 عن ... د [البهشمي] 7 و [طفرة] 8 النظام ~~PageV01P581 # قول الكرامية في الإيمان لم يسبقوا إليه # وأما الكرامية: فلهم في الإيمان قول ما سبقهم إليه أحد؛ قالوا: هو ~~الإقرار باللسان، وإن لم يعتقد بقلبه. ms227 وقالوا: المنافق هو مؤمن، ولكنه مخلد ~~في النار. وبعض الناس [يحكي] 1 عنهم: أن المنافق في الجنة. وهذا غلط عليهم، ~~بل هم يجعلونه مؤمنا، مع كونه مخلدا في النار؛ فينازعون في الاسم، لا في ~~الحكم. # منشأ الغلط في أقوال أهل البدع في الإيمان # وقد بسط القول2 على منشأ الغلط؛ حيث ظنوا [أن الإيمان] 3 لا يكون إلا ~~شيئا متماثلا عند جميع الناس؛ إذا ذهب بعضه، ذهب سائره. # قول الخوارج والمعتزلة في الإيمان # ثم قالت الخوارج والمعتزلة4: وهو أداء الواجبات، واجتناب المحرمات؛ فاسم ~~المؤمن مثل اسم البر، والتقي؛ وهو المستحق للثواب، فإذا ترك بعض [ذلك] 5 ~~زال عنه اسم الإيمان والإسلام. # ثم قالت الخوارج: ومن لم يستحق هذا ولا هذا فهو كافر. وقالت المعتزلة: بل ~~ينزل منزلة بين المنزلتين؛ فنسميه فاسقا، لا مسلما، ولا كافرا، ونقول: إنه ~~مخلد في النار. وهذا هو الذي امتازت به المعتزلة، وإلا فسائر بدعهم قد ~~قالها غيرهم؛ فهم وافقوا الخوارج في حكمه، ونازعوهم، ونازعوا غيرهم في ~~الاسم. PageV01P582 # قول الجهمية والمرجئة في الإيمان # وقالت الجهمية والمرجئة1: بل الأعمال ليست من الإيمان، لكنه شيئان، أو ~~ثلاثة يتفق فيها جميع الناس: التصديق بالقلب، والقول باللسان، أو المحبة، ~~والخضوع مع ذلك. # وقالت الجهمية والأشعرية والكرامية2: بل ليس إلا شيئا واحدا يتماثل فيه ~~الناس. # أصل غلط أهل البدع في الإيمان ظنهم أن الناس يتماثلون فيه # وهؤلاء الطوائف أصل غلطهم3: ظنهم أن الإيمان يتماثل فيه الناس، وأنه إذا ~~ذهب بعضه، ذهب كله. وكلا الأمرين غلط؛ فإن الناس لا يتماثلون؛ لا فيما وجب ~~منه، ولا فيما يقع منهم، بل الإيمان الذي وجب على بعض الناس قد لا يكون مثل ~~الذي يجب على غيره؛ كما كان [الإيمان بمكة لم يكن الواجب منه كالواجب ~~بالمدينة، ولا كان في آخر الأمر كما كان] 4 في أوله. # ولا يجب على أهل الضعف والعجز من الإيمان، ما يجب على أهل القوة والقدرة ~~في العقول والأبدان5. # بل أهل العلم بالقرآن، والسنة، ومعاني ذلك يجب عليهم من تفصيل الإيمان ما ms228 ~~لا يجب على من لم يعرف ما عرفوا. وأهل الجهاد يجب عليهم من الإيمان في ~~تفصيل الجهاد ما لا يجب على غيرهم. وكذلك ولاة الأمر، PageV01P583 # وأهل الأموال يجب على كل؛ من معرفة ما أمر الله به، ونهى عنه، وأخبر به ~~ما لا يجب على غيره. والإقرار بذلك من الإيمان. # ومعلوم أنه وإن كان الناس كلهم يشتركون في الإقرار بالخالق، وتصديق ~~الرسول جملة، فالتفصيل لا يحصل بالجملة. ومن عرف ذلك مفصلا، لم يكن ما أمر ~~به ووجب عليه، مثل من لم يعرف ذلك. # الناس غير متماثلين في فعل المأمور # وأيضا: فليس الناس متماثلين في فعل ما أمروا به؛ من اليقين، والمعرفة، ~~والتوحيد، وحب الله، وخشية الله، والتوكل على الله، والصبر لحكم الله، وغير ~~ذلك مما هو من إيمان القلوب، ولا [من] 1 لوازم ذلك [التي] 2 تظهر على ~~الأبدان. وإذا قدر أن بعض ذلك زال، لم يزل سائره. بل يزيد الإيمان تارة ~~وينقص تارة؛ كما ثبت ذلك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مثل عمر ~~بن حبيب الخطمي، وغيره؛ أنهم قالوا: الإيمان يزيد وينقص3؛ كما قد بسط في ~~غير هذا الموضع4. # مخالفة أهل البدع لأصول دين الرسول صلى الله عليه وسلم # إذ المقصود هنا: أن طوائف أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم ليس فيهم من ~~يوافق الرسول في أصول دينه لا فيما اشتركوا فيه ولا فيما انفرد به بعضهم. ~~فإنهم وإن اشتركوا في مقالات فليس إجماعهم حجة، ولا هم معصومون من الاجتماع ~~على خطأ. PageV01P584 # وقد زعم طائفة1 أن إجماع المتكلمين في المسائل الكلامية كإجماع الفقهاء. ~~وهذا غلط، بل السلف قد استفاض عنهم ذم المتكلمين، وذم أهل الكلام مطلقا2. # اشتراك أهل البدع في دليل الأعراض # ونفس ما اشتركوا فيه؛ من إثبات الصانع بطريقة الأعراض، وأنها لازمة للجسم ~~أو متعاقبة عليه، فلا يخلو منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع ~~حوادث لا أول لها، وأن الله يمتنع أن يقال إنه لم يزل متكلما بمشيئته بعد ~~أن لم يكن بلا ms229 حدوث حادث، وما يتبع هذا هو أصل مبتدع في الإسلام؛ أول ما ~~عرف أنه قاله الجهم بن صفوان مقدم PageV01P585 # الجهمية1، وأبو الهذيل العلاف مقدم المعتزلة2. # اللوازم التي التزمها أصحاب الدليل # ولهذا طرداه3؛ فقالا بامتناع الحوادث في المستقبل، وقال الجهم بفناء ~~الجنة والنار. وقال أبو الهذيل بانقطاع حركاتهما؛ كما قد بسط فروع هذا ~~الأصل الذي اشتركوا فيه4. # الجهمية والمعتزلة نفوا لأجله الصفات وقالوا بخلق القرآن # ثم افترقوا بعد ذلك في فروعه؛ فأئمتهم كانوا يقولون كلام الله؛ القرآن ~~وغيره مخلوق، وكذلك سائر ما يوصف به الرب ليس له صفة قامت به؛ لأن ذلك عرض ~~عندهم لا يقوم إلا بجسم، والجسم حادث5؛ فقالوا: القرآن وغيره من كلام الله ~~مخلوق، وكذلك سائر ما يوصف به الرب6. PageV01P586 # فجاء بعدهم؛ مثل ابن كلاب، وابن كرام، والأشعري، وغيرهم من شاركهم في أصل ~~قولهم1، لكن قالوا بثبوت الصفات لله، وأنها قديمة2. # قول الأشعري الصفات لا تسمى أعراضا # لكن منهم3 من قال: لا تسمى أعراضا؛ لأن العرض لا يبقى زمانين، وصفات الرب ~~باقية؛ كما يقوله الأشعري وغيره4. PageV01P587 # ومنهم1 من قال: تسمى أعراضا، وهي قديمة، وليس كل عرض حادثا؛ كابن كرام، ~~وغيره2. # قول ابن كلاب في كلام الله # ثم افترقوا في القرآن3، وغيره من كلام الله؛ فقال ابن كلاب ومن اتبعه: ~~[هو] 4 صفة من الصفات، قديمة كسائر الصفات5. ثم قال: ولا يجوز أن يكون ~~صوتا؛ لأنه لا يبقى، ولا معاني متعددة؛ فإنها إن كان لها عدد مقدر فليس قدر ~~بأولى من قدر، وإن كانت غير متناهية، لزم ثبوت معان في آن واحد لا نهاية ~~لها. وهذا ممتنع6. فقال: إنه معنى واحد، هو معنى آية الكرسي، وآية الدين، ~~والتوارة، والإنجيل7. # وقال جمهور العقلاء: إن تصور هذا القول تصورا تاما يوجب العلم بفساده. ~~PageV01P588 # قول السالمية في كلام الله # وقال طائفة1: بل كلامه قديم العين، وهو حروف، أو حروف وأصوات قديمة ~~أزلية، مع أنها مترتبة في نفسها، وأن تلك الحروف والأصوات باقية أزلا ~~وأبدا2. # وجمهور العقلاء يقولون إن فساد هذا معلوم بالضرورة. ms230 # وهاتان الطائفتان3 [تقولان] 4 إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته. # قول الهشامية والكرامية في كلام الله # وقال آخرون؛ كالهشامية والكرامية: بل هو متكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه ~~قائم بذاته، ولا يمتنع قيام الحوادث به، لكن يمتنع أن يكون لم يزل متكلما؛ ~~فإن ذلك يستلزم وجود حوادث لا أول لها وهو ممتنع5. # فهذه الأربعة في القرآن وكلام الله هي أقوال المشركين في امتناع دوام كون ~~الرب فعالا بمشيئته، أو متكلما بمشيئته. PageV01P589 # قول أئمة السنة والحديث في كلام الله تعالى # وأما أئمة السنة والحديث؛ كعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل1، ~~وغيرهما2؛ فقالوا: لم يزل الرب متكلما إذا شاء وكيف شاء؛ [فذكروا] 3 أنه ~~يتكلم بمشيئته وقدرته، وأنه لم يزل كذلك4. # المتكلمون مخالفون للكتاب والسنة # وهذا يناقض الأصل5 الذي اشترك فيه المتكلمون؛ من الجهمية، والمعتزلة، ومن ~~تلقى عنهم؛ فلا هم موافقون للكتاب والسنة وكلام السلف؛ لا فيما اتفقوا ~~عليه، ولا فيما تنازعوا فيه، ولهذا يوجد في عامة أصول الدين لكل منهم قول، ~~وليس في أقوالهم ما يوافق الكتاب والسنة؛ كأقوالهم في كلام الله، وأقوالهم ~~في إرادته ومشيئته، وفي علمه، وفي قدرته، وفي غير ذلك من صفاته6. وإن كان ~~بعضهم أقرب إلى السنة والسلف من بعض. PageV01P590 # المتكلمون في مسألة القرآن لا يعرفون قول أهل السنة # ولكن قد شاع ذلك بين أهل العلم والدين منهم؛ فكثير من أهل العلم والدين ~~المنتسبين إلى السنة والجماعة من قد يوافقهم على بعض أقوالهم في مسألة ~~القرآن، أو غيرها؛ إذ كان لا يعرف إلا ذلك القول، أو ما هو أبعد عن السنة ~~منه؛ إذ كانوا في كتبهم لا يحكون غير ذلك؛ إذ كانوا لا يعرفون السنة، ~~وأقوال الصحابة، وما دل عليه الكتاب والسنة. لا يعرفون [إلا قولهم] 1، وقول ~~من يخالفهم من أهل الكلام، ويظنون أنه ليس للأمة إلا هذان القولان، أو ~~الثلاثة. # المتكلمون يعتمدون على القياس العقلي وعلى الإجماع # وهم يعتمدون في السمعيات على ما يظنونه من الإجماع، وليس لهم معرفة ~~بالكتاب والسنة، بل يعتمدون على القياس العقلي2؛ الذي هو ms231 أصل كلامهم، وعلى ~~الإجماع. PageV01P591 # إجماع المتكلمين إنما هو على ما ابتدعه رأس من رؤوسهم # وأصل كلامهم العقلي باطل، والإجماع الذي يظنونه إنما هو إجماعهم، وإجماع ~~نظرائهم من أهل الكلام، ليس هو إجماع أمة محمد، ولا علمائها. # والله تعالى إنما جعل العصمة للمؤمنين [من] 1 أمة محمد؛ فهم الذين لا ~~يجتمعون على ضلالة ولا خطأ؛ كما ذكر على ذلك الدلائل الكثيرة2. وكل ما ~~اجتمعوا عليه فهو مأثور عن الرسول؛ فإن الرسول بين الدين كله، وهم ~~[معصومون] 3 أن يخطئوا كلهم، ويضلوا عما جاء به محمد. بل هم يأمرون ~~بالمعروف، وينهون عن المنكر؛ فلا يبقى معروف إلا أمروا به، ولا منكر إلا ~~نهوا عنه. # وهم أمة وسط، عدل، خيار، شهداء الله في الأرض؛ فلا يشهدون إلا بحق؛ ~~فإجماعهم هو على علم موروث عن الرسول، جاء من عند الله، وذلك لا يكون إلا ~~حقا. # وأما من كان إجماعهم على ما ابتدعه رأس من رؤوسهم4؛ فيجوز أن يكون ~~إجماعهم خطأ؛ إذ ليسوا هم المؤمنين، ولا أمة محمد، وإنما هم فرقة منهم. ~~PageV01P592 # وإذا قيل: المعتبر من أمة محمد بعلمائها. قيل: إذا اتفقت علماؤها على ~~شيء، فالباقون يسلمون لهم ما اتفقوا عليه، لا ينازعونهم فيه؛ فصار هذا ~~إجماعا من المؤمنين. ومن نازعهم بعلم فهذا لا يثبت الإجماع دونه كائنا من ~~كان. أما من ليس من أهل العلم فيما تكلموا فيه، فذاك وجوده كعدمه. # المجتهدون الذين يعتبر بقولهم # وقول من قال: الاعتبار بالمجتهدين دون غيرهم، وأنه لا يعتبر بخلاف أهل ~~الحديث، أو أهل الأصول، ونحوهم: كلام لا حقيقة له؛ فإن المجتهدين إن أريد ~~بهم من له قدرة على معرفة جميع الأحكام بأدلتها، فليس في الأمة من هو كذلك، ~~بل أفضل الأمة كان يتعلم ممن هو دونه شيئا من السنة ليس عنده. وإن عنى به ~~من يقدر على معرفة الاستدلال على الأحكام في الجملة، فهذا موجود في كثير من ~~أهل الحديث، والأصول، والكلام. وإن كان بعض الفقهاء أمهر منهم بكثير من ~~الفروع، أو بأدلتها الخاصة، أو بنقل الأقوال ms232 فيها؛ فقد يكون أمهر منه في ~~معرفة أعيان الأدلة؛ كالأحاديث، والفرق بين صحيحها وضعيفها، ودلالات ~~الألفاظ عليها، والتمييز بين ما هو دليل شرعي، وما ليس بدليل. # وبالجملة: العصمة إنما هي للمؤمنين لأمة محمد، لا لبعضهم. لكن إذا اتفق ~~علماؤهم على شيء، فسائرهم موافقون للعلماء. وإذا تنازعوا ولو كان المنازع ~~واحدا، وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول. # وما أحد شذ بقول فاسد عن الجمهور، إلا وفي الكتاب والسنة ما يبين فساد ~~قوله، وإن كان القائل كثيرا؛ كقول [سعيد] 1 في أن المطلقة ثلاثا تباح ~~بالعقد2. PageV01P593 # من شذ بقول فاسد عن الجمهور ففي الكتاب والسنة ما يبين فساد قولهم # فحديث عائشة في الصحيحين يدل على خلافه1، مع دلالة القرآن أيضا2. وكذلك ~~غيره. # القول الذي يدل عليه الكتاب والسنة غير شاذ وإن كان القائل به واحدا # وأما القول الذي يدل عليه الكتاب والسنة، فلا يكون شاذا وإن كان القائل ~~به أقل من القائل بذاك القول، فلا عبرة بكثرة القائل باتفاق الناس. # ولهذا كان السلف؛ من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان يردون على من أخطأ ~~بالكتاب والسنة، لا يحتجون بالإجماع إلا علامة. # العلامات والدلائل التي يبين بها المرسل الرسول # وقد يبعث معه نشابه3، أو سيفه، أو شيئا من السلاح المختص به، أو يركبه ~~دابته المختصة به، ونحو ذلك مما يعلم الناس أنه قصد به تخصيصه، وإن # كانت تلك الأفعال [تفعل] 4 مع أمثاله، وقد يفعل لغير الرسول ممن ~~PageV01P594 # يقصد إكرامه وتشريفه، لكن هي خارقة لعادته؛ بمعنى أنه لم يعتد أن يفعل ~~ذلك مع عموم الناس، ولا يفعله إلا مع من ميزه بولاية، أو رسالة، أو وكالة. ~~والولاية والوكالة [تتضمن] 1 الرسالة. فكل من هؤلاء هو في معنى رسوله إلى ~~من ولاه؛ إني قد وليته، وإلى من أرسله بأني أرسلته. فهذه عادة معروفة في ~~العلامات، والدلائل التي يبين بها المرسل أن هذا رسولي # وجنس خرق العادة لا يستلزم الإكرام، بل [يخرق] 2 عادته بالإهانة تارة، ~~وبالإكرام أخرى؛ فقد يخرج ويركب في وقت لم تجر ms233 عادته به، بل لعقوبة قوم. # وآيات الرب - تعالى - قد [تكون] 3 تخويفا لعباده؛ كما قال: {وما نرسل ~~[بالآيات] 4 إلا تخويفا} 5، وقد يهلك بها؛ كما أهلك أمما مكذبين، وإذا قص ~~قصصهم قال: {إن في ذلك لآيات} 6، وكان إهلاكهم خرقا للعادة PageV01P595 # دل بها على أنه عاقبهم بذنوبهم، وتكذيبهم للرسل، وأن ما فعلوه من الذنوب ~~مما ينهى عنه، ويعاقب فاعله بمثل تلك العقوبة. # فهذه خرق عادات لإهانة قوم وعقوبتهم لما فعلوه من الذنوب [تجري] 1 مجرى ~~قوله: عاقبتهم لأنهم كذبوا رسولي وعصوه. # ولهذا يقول سبحانه كلما قص قصة من كذب رسله، وعقوبته إياهم؛ يقول: {فكيف ~~كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} 2؛ كما يقول في موضع ~~آخر: {إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين} 3، و {إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين} 4، و {تركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم} 5. # وإذا كانت تلك العلامات مما جرت عادته أنه يفعلها مع من أرسله، ويهلك بها ~~من كذب رسله، كانت أبلغ في الدلالة، وكانت معتادة في هذا النوع. ~~PageV01P596 # تقسيم الباقلاني للعادات إلى عامة وخاصة # وهؤلاء1 تكلموا بلفظ لم يحققوا معناه؛ وهو لفظة خرق العادة، وقالوا: ~~العادات تنقسم إلى عامة، وخاصة؛ فمنها ما يشترك فيه جميع الناس، في جميع ~~الأعصار؛ كالأكل، والشرب، واتقاء الحر والبرد. والخاص منها ما يكون كعادة ~~للملائكة فقط، أو للجن فقط، أو للإنس دون غيرهم2. # قالوا: ولهذا صح أن يكون لكل قبيل منهم ضرب من التحدي، وخرق لما هو عادة ~~لهم دون غيرهم، وحجة عليهم دون ما سواهم3. # ومنها ما يكون عادة لبعض البشر؛ نحو اعتياد بعضهم صناعة، أو تجارة، أو ~~رياضة في ركوب الخيل، والعمل بالسلاح4. لكن هذه كلها مقدورات للبشر. # قالوا: وآية الرسل لا تكون مقدورة لمخلوق، بل لا تكون إلا مما ينفرد الله ~~بالقدرة عليه5. # فإذا قالوا هذا، ظن الظان أنهم اشترطوا أمرا عظيما. # قول الأشاعرة: المعجز: الإقدار على الفعل لا نفس الفعل # ولم يشترطوا شيئا؛ فإنهم قالوا6 في جنس الأفعال التي لا [يقدر] ms234 7 الناس ~~إلا على اليسير منها؛ كحمل الجبال، ونقلها: إن المعجزة هنا إقدارهم على ~~الفعل، لا نفس الفعل. ورجحوا هذا على قول من يقول: نفس الفعل آية؛ لأن جنس ~~الفعل مقدور. PageV01P597 # نقد شرطهم # وليس هذا بفرق طائل؛ فإنه لا فرق بين تخصيصهم بالفعل، أو بالقدرة عليه. ~~فإذا كان إقدارهم على الكثير الذي لم تجر به العادة معجزة، كان نفس الكثير ~~الذي لم تجر به العادة معجزة. # الأشاعرة أثبتوا للعبد قدرة غير مؤثرة # وهؤلاء عندهم أن قدرة العباد لا تؤثر في وجود شيء، ولا يكون مقدورها إلا ~~في محلها1؛ فهم في الحقيقة لم يثبتوا قدرة؛ فكل ما في الوجود هو مقدور لله ~~عندهم. # الجويني والرازي تركا هذا الشرط في المعجزة # ولهذا عدل أبو المعالي، ومن اتبعه؛ كالرازي عن هذا الفرق2، فلم يشترطوا ~~أن يكون مما ينفرد الرب بالقدرة عليه؛ إذ كانت جميع الحوادث عندهم كذلك. ~~وقالوا3: إن ما يحصل على يد الساحر، والكاهن، وعامل الطلسمات، وعند الطبيعة ~~الغريبة، هو مما ينفرد الرب بالقدرة عليه، ويكون آية للنبي. # وهذا معتاد لغير الأنبياء، فلم يبق لقولهم خرق [للعادة] 4 معنى معقول. # قول الباقلاني: خرق العادة يكون لجميع الذين تحداهم الرسول # بل قالوا - واللفظ للقاضي أبي بكر5: الواجب على هذا الأصل أن يكون خرق ~~العادة الذي يفعله الله مما يخرق جميع القبيل الذين تحداهم الرسول بمثله، ~~ويحتج به على نبوته؛ فإن أرسل ملكا إلى الملائكة، أظهر PageV01P598 # على يده ما هو خرق لعادتهم؛ وإن أرسل بشرا، أرسله بما يخرق عادة البشر؛ ~~وإن أرسل جنيا، أظهر على يديه ما هو خارق لعادة الجن1. # مناقشة الأشاعرة في شروطهم التي اشترطوها للمعجزة # فيقال: السحر، والكهانة معتاد للبشر. وأنتم تقولون2: يجوز أن يكون ما ~~يأتي به الساحر، والكاهن [آية] 3، بشرط أن لا يمكن معارضته. فلم يبق لكونه ~~خارقا للعادة معنى يعقل عندكم. # لهذا قال محققوهم4: [إنه] 5 لا يشترط في الآيات أن تكون خارقة للعادة؛ ~~كما قد حكينا لفظهم في غير هذا الموضع؛ كما تقدم6، وإنما الشرط: أنها لا ms235 ~~تعارض، وأن تقترن بدعوى النبوة7؛ هذان الشرطان هما المعتبران. وقد بينا في ~~غير موضع أن كلا من الشرطين باطل. # والأول: يقتضي أن يكون المدلول عليه جزءا من الدليل. # وآيات النبوة أنواع متعددة؛ منها ما يكون قبل وجوده؛ ومنها ما يكون بعد ~~موته؛ ومنها ما يكون في غيبته8. # والمقصود هنا كان: هو الكلام على المثال الذي ذكروه، وأن ما ضرب من ~~الأمثلة على الوجه الصحيح، فإنه - ولله الحمد - يدل على صدق الرسول، وعلى ~~فساد أصولهم. PageV01P599 # طريق الضرورة لإثبات النبوة # ولكن هم ضربوا مثالا، إذا اعتبر على الوجه الصحيح كان حجة - ولله الحمد - ~~على صدق النبي، وعلى فساد ما ذكروه في المعجزات حيث قالوا1: هي الفعل ~~الخارق للعادة، المقترن بدعوى النبوة والاستدلال به، وتحدي النبي من دعاهم ~~أن يأتوا بمثله. وشرط بعضهم2 أن يكون مما ينفرد الرب بالقدرة عليه. # تعريف المعجزة عند الأشاعرة وشروطها # وهذه الأربعة هي التي شرط القاضي أبو بكر3، ومن سلك مسلكه؛ كابن اللبان4، ~~وابن شاذان5، والقاضي أبي يعلى6، وغيرهم7: أن يكون مما ينفرد الرب بالقدرة ~~عليه على أحد القولين، أو منه ومن الجنس الآخر، إذا وقع على وجه يخرق ~~العادة، وطريق متعذر على غيرهم مثله - على القول الآخر. قالوا وهذا لفظ ~~[القاضي] 8 أبي بكر. PageV01P600 # والثاني: أن يكون ذلك الشيء الذي يظهر على أيديهم مما يخرق العادة، ~~وينقضها. ومتى لم يكن كذلك، لم يكن معجزا. # والثالث: أن يكون غير النبي ممنوعا من إظهار ذلك على يده، على الوجه الذي ~~ظهر عليه، ودعا إلى معارضته، مع كونه خارقا للعادة. # والرابع: أن يكون واقعا مفعولا عند تحدي الرسول بمثله، وادعائه آية ~~لنبوته، وتقريعه بالعجز عنه من خالفه وكذبه. # قالوا: فهذه هي الشرائط، والأوصاف التي تختص بها المعجزات1. # مناقشة شيخ الإسلام للأشاعرة في الشروط التي اشترطوها في المعجزة # فيقال لهم: # الشرط الأول قد عرف أنه لا حقيقة له، ولهذا [أعرض] 2 عنه أكثرهم3. # والثاني أيضا لا حقيقة له؛ فإنهم لم يميزوا ما يخرق العادة مما لا ~~يخرقها. ولهذا ذهب من ذهب ms236 من محققيهم إلى إلغاء هذا الشرط؛ فهم لا يعتبرون ~~خرق عادة جميع البشر، بل ما اعتاده السحرة، والكهان، وأهل الطلاسم عندهم، ~~يجوز أن يكون آية إذا لم يعارض4. وما اعتاده أهل صناعة، أو علم، أو شجاعة ~~ليس هو عندهم آية، وإن لم يعارض. # فالأمور العجيبة التي خص الله بالإقدار عليها بعض الناس، لم يجعلوها خرق ~~عادة. والأمور المحرمة، أو هي كفر؛ كالسحر، والكهانة، والطلسمات: جعلوها ~~خرق عادة، وجعلوها آية، بشرط أن لا يعارض. وهو الشرط الثالث، وهو في ~~الحقيقة خاصة المعجزة عندهم. PageV01P601 # لكن كون غير الرسول ممنوعا منه: إن اعتبروا [أنه] 1 ممنوع مطلقا؛ فهذا لا ~~يعلم. وإن اعتبروا أنه ممنوع من المرسل اليهم؛ فهذا لا يكفي، بل يمكن كل ~~ساحر، وكاهن أن يدعي النبوة، ويقول إنني كذا. # قالوا2: لو فعل هذا، لكان الله يمنعه فعل ذلك، أو يقيض له من يعارضه. # قلنا: من أين لكم ذلك؟ ومن أين يعلم الناس ذلك؟ ويعلمون أن كل كاذب فلا ~~بد أن يمنع من فعل الأمر الذي اعتاده هو وغيره قبل ذلك؟ أو أن يعارض؟ # والواقع خلاف ذلك؛ فما أكثر من ادعى النبوة، أو الاستغناء عن الأنبياء، ~~وأن طريقه فوق طريق الأنبياء، وأن الرب يخاطبه بلا رسالة، وأتى بخوارق من ~~جنس ما تأتي السحرة، والكهان، ولم يكن في من دعاه من يعارضه3. # وأما الرابع: وهو أن يكون عند تحدي الرسول فيه، يحترزون عن الكرامات4. ~~وهو شرط باطل. PageV01P602 # تعريف الدليل # آيات الأنبياء وإن لم يتحدوا بها فهي دلائل على النبوة # بل آيات الأنبياء آيات، وإن لم ينطقوا بالتحدي بالمثل. وهي دلائل على ~~النبوة، وصدق المخبر بها. والدليل مغاير للمدلول عليه، ليس المدلول عليه ~~جزءا من الدليل. لكن إذا قالوا: الدليل هو دعاء الرسول، لزمه أن يريهم آية، ~~وخلق تلك الآية عقب سؤاله. وإن كان ذلك قد يخلقه بغير سؤاله لحكمة أخرى. ~~فهذا متوجه؛ فالدليل هو مجموع طلب العلامة، مع فعل ما جعله علامة؛ كما أن ~~العباد إذا دعوا الله فأجابهم، كان ما فعله إجابة ms237 لدعائهم، ودليلا على أن ~~الله سمع دعاءهم، وأجابهم؛ كما أنهم إذا استسقوه فسقاهم، واستنصروه فنصرهم، ~~وإن كان قد يفعل ذلك بلا دعاء، [فلا يكون هناك دليل على إجابة دعاء. فهو ~~دليل على إجابة الدعاء] 1 إذا وقع عقب الدعاء، ولا يكون دليلا إذا وقع على ~~غير هذا الوجه. # وكذلك الرسول: إذا قال لمرسله: أعطني علامة. فأعطاه ما شرفه به، كان ~~دليلا على رسالته، وإن كان قد يفعل ذلك لحكمة أخرى. لكن فعل ذلك عقب سؤاله، ~~آية لنبوته هو الذي يختص به. # وكذلك إذا علم أنه فعله إكراما له، مع دعواه النبوة، علم أنه قد أكرمه ~~بما يكرم به الصادقين عليه، فعلم أنه صادق؛ لأن ما فعله به مختص بالصادقين ~~الأبرار، دون الكاذبين عليه الفجار. # كرامات الأولياء من آيات الأنبياء # وعلى هذا فكرامات الأولياء هي من آيات الأنبياء2؛ فإنها مختصة بمن شهد ~~لهم بالرسالة، وكل ما استلزم صدق الشهادة بنبوتهم، فهو دليل على صدق هذه ~~الشهادة؛ سواء كان الشاهد بنبوتهم المخبر بها هم، أو PageV01P603 # غيرهم. بل غيرهم إذا أخبر بنبوتهم، وأظهر الله على يديه ما يدل على صدق ~~هذا الخبر، كان أبلغ في الدلالة على صدقهم من أن يظهر على أيديهم. # ليس من شرط دلائل النبوة اقترانها بدعوى النبوة أو التحدي بها # فقد تبين أنه ليس من شرط دلائل النبوة؛ [لا اقترانه] 1 بدعوى النبوة، ولا ~~الاحتجاج به، ولا التحدي بالمثل2، ولا تقريع من يخالفه. بل كل هذه الأمور ~~قد تقع في بعض الآيات، لكن لا يجب أن ما لا يقع معه لا يكون آية، بل هذا ~~إبطال لأكثر آيات الأنبياء؛ [لخلوها] 3 عن هذا الشرط4. PageV01P604 # الدليل ما يستلزم وجود المدلول # ثم هو شرط بلا حجة؛ فإن الدليل على المدلول عليه، هو ما استلزم وجوده. ~~وهذا لا يكون إلا عند عدم المعارض المساوي، أو الراجح. وما كان كذلك، فهو ~~دليل؛ سواء قال المستدل به: ائتوا بمثله، وأنتم لا تقدرون على الإتيان ~~بمثله، وقرعهم وعجزهم. أو لم يقل ذلك. # فهو إذا كان ms238 في نفسه مما لا يقدرون على الإتيان بمثله؛ سواء ذكر المستدل ~~[هذا] 1، أو لم يذكره؛ لا بذكره يصير دليلا، ولا بعدم ذكره تنتفي دلالته. # وهؤلاء قالوا: لا يكون دليلا [إلا] 2 [إذا] 3 ذكره المستدل. وهذا باطل. # وكذلك الدليل، هو دليل؛ سواء استدل به مستدل، أو لم يستدل. وهؤلاء قالوا: ~~لا يكون دليل النبوة دليلا، إلا إذا استدل به النبي حين ادعى النبوة؛ فجعل ~~نفس دعواه، واستدلاله، والمطالبة بالمعارضة، وتقريعهم بالعجز عنها؛ كلها ~~جزءا من الدليل. # وهذا غلط عظيم. بل السكوت عن هذه الأمور أبلغ في الدلالة، والنطق بها لا ~~يقوي الدليل. والله تعالى لم يقل: {فليأتوا بحديث [مثله] 4} 5، إلا حين ~~قالوا: افتراه؛ لم يجعل هذا القول شرطا في الدليل، بل نفس عجزهم عن ~~المعارضة هو من تمام الدليل. PageV01P605 # الأشاعرة يجعلون الفرق بين جنس المعجزات والكرامات وخوارق السحرة: ادعاء ~~النبوة وإلا فالجنس واحد # [وهم] 1 إنما شرطوا ذلك؛ لأن كرامات الأولياء عندهم؛ متى اقترن بها دعوى ~~النبوة، كانت آية للنبوة2؛ وجنس السحر، والكهانة؛ متى اقترن به دعوى ~~النبوة، كان دليلا على النبوة عندهم، لكن قالوا: الساحر، والكاهن لو ادعى ~~النبوة، لكان [يمنع] 3 من ذلك، أو يعارض بمثله4. وأما الصالح: فلا يدعي. # فكان أصلهم: أن ما يأتي به النبي، والساحر، والكاهن، والولي: من جنس ~~واحد، لا يتميز بعضه عن بعض بوصف5، لكن خاصة النبي: اقتران الدعوى، ~~والاستدلال، والتحدي بالمثل بما يأتي به. # فلم يجعلوا لآيات الأنبياء خاصة تتميز بها عن السحر، والكهانة، وعما يكون ~~لآحاد المؤمنين، ولم يجعلوا للنبي مزية على عموم المؤمنين، ولا على السحرة، ~~والكهان من جهة الآيات التي يدل [الله] 6 بها العباد على صدقه. # رد شيخ الإسلام عليهم # وهذا افتراء عظيم؛ على الأنبياء، وعلى آياتهم، وتسوية بين أفضل الخلق، ~~وشرار الخلق. # الساحر والكاهن لا يأتي إلا بالفجور # بل تسوية بين [ما يدل] 7 على النبوة، وما يدل على نقيضها؛ فإن ما يأتي به ~~السحرة، والكهان، لا يكون إلا لكذاب، فاجر، عدو لله؛ فهو مناقض للنبوة. ~~PageV01P606 # من ms239 الفروق بين آيات الأنبياء وبين خوارق السحرة والكهان # فلم يفرقوا بين ما يدل على النبوة وعلى نقيضها، وبين ما لا يدل عليها، ~~ولا على نقيضها؛ فإن آيات الأنبياء تدل على النبوة، وعجائب السحرة، والكهان ~~تدل على نقيض النبوة؛ وإن صاحبها ليس ببر، ولا عدل، ولا ولي لله، فضلا عن ~~أن يكون نبيا. # بل يمتنع أن يكون الساحر، والكاهن نبيا، بل هو من أعداء الله. # والأنبياء أفضل خلق الله، وإيمان المؤمنين، وصلاحهم لا يناقض النبوة، ولا ~~يستلزمها. # الأشاعرة سووا بين الأجناس الثلاثة # فهؤلاء1 سووا بين الأجناس الثلاثة؛ فكانوا بمنزلة من سوى بين عبادة ~~[الرحمن] 2، وعبادة الشيطان والأوثان؛ فإن الكهان، والسحرة يأمرون بالشرك، ~~وعبادة الأوثان، وما فيه طاعة للشيطان. [والأنبياء] 3 لا يأمرون إلا بعبادة ~~الله وحده، وينهون عن عبادة ما سوى الله وطاعة الشياطين. # النبي عند الأشاعرة # فسوى هؤلاء بين هذا وهذا، ولم يبق الفرق إلا مجرد تلفظ المدعي بأني نبي. ~~فإن تلفظ به، كان نبيا، وإن لم يتلفظ به، لم يكن نبيا. # فالكذاب المتنبي إذا أتى بما يأتي الساحر، والكاهن، وقال: أنا نبي، كان ~~نبيا. # وقولهم: إنه إذا فعل ذلك منع منه، وعورض4: دعوى مجردة؛ فهي لا تقبل لو لم ~~يعلم بطلانها. فكيف، وقد علم بطلانها، وأن كثيرا ادعوا ذلك، ولم يعارضهم ~~ممن دعوه أحد، ولا منعوا من ذلك. PageV01P607 # فلزم على قول هؤلاء: التسوية بين النبي الصادق، والمتنبي الكاذب. # وقد قال تعالى: {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في ~~جهنم مثوى للكافرين والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} 1. # ولم يفرق هؤلاء2 بين هؤلاء3 وهؤلاء4، ولا بين آيات هؤلاء، وآيات هؤلاء. # وقال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من ~~شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس [تجعلونه] 5 ~~قراطيس [تبدونها وتخفون] 6 كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل ~~الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق ms240 الذي بين يديه ~~ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم ~~يحافطون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه ~~شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى [إذ] 7 الظالمون في غمرات ~~الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما ~~كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ولقد جئتمونا فرادى ~~كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء PageV01P608 # ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم [أنهم] 1 فيكم شركاء لقد تقطع ~~بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} 2. # فنسأل الله العظيم: أن يهدينا إلى [صراطه] 3 المستقيم؛ صراط الذين أنعم ~~عليهم؛ من [النبيين] 4، والصديقين، والشهداء، والصالحين؛ الذين عبدوه وحده، ~~لا شريك له، وآمنوا بما أرسل به رسله، وبما جاءوا به من الآيات، وفرق بين ~~الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، وطريق أولياء الله المتقين، ~~وأعداء الله الضالين، والمغضوب [عليهم] 5؛ فكان ممن صدق الرسل فيما أخبروا ~~به، وأطاعهم فيما أمروا به. ولا حول ولا قوة إلا بالله. # من أصول الأشاعرة # وهؤلاء6 يجوزون أن يأمر الله بكل شيء، وأن ينهى عن كل شيء؛ فلا يبقى ~~عندهم فرق بين النبي الصادق، والمتنبي الكاذب؛ لا من جهة نفسه؛ فإنهم لا ~~يشترطون فيه إلا مجرد كونه في الباطن مقرا بالصانع7. وهذا موجود في عامة ~~الخلق؛ ولا من جهة [آياته؛ ولا من جهة] 8 PageV01P609 # ما يأمر به1. # والفلاسفة من هذا الوجه أجود قولا في الأنبياء؛ فإنهم يشترطون في النبي ~~اختصاصه بالعلم من غير تعلم، وبالقدرة على التأثير الغريب، والتخييل. ويفرق ~~بين الساحر، والنبي: بأن النبي يقصد العدل، ويأمر به؛ بخلاف الساحر2. # الغزالي عدل إلى طريق الفلاسفة في النبوة # ولهذا عدل الغزالي في النبوة عن طريق أولئك المتكلمين، إلى طريق ~~الفلاسفة؛ فاستدل بما يفعله، ويأمر به، على نبوته3. # وهي طريق صحيحة، لكن إنما أثبت بها نبوة مثل نبوة الفلاسفة4. PageV01P610 # مقارنة بين الأشاعرة والفلاسفة في النبوات # وأولئك1 خير من ms241 الفلاسفة؛ من جهة أنهم لما أقروا بنبوة محمد، صدقوه فيما ~~أخبر به من أمور الأنبياء، وغيرهم، وكان عندهم معصوما من الكذب فيما يبلغه ~~عن الله؛ فانتفعوا بالشرع، والسمعيات. وبها صار فيهم من الإسلام ما تميزوا ~~به على أولئك2؛ فإن أولئك لا ينتفعون بأخبار الأنبياء؛ إذ كانوا عندهم ~~يخاطبون الجمهور بالتخييل؛ فهم يكذبون عندهم للمصلحة3. PageV01P611 # ولكن آخرون1 سلكوا مسلك التأويل، وقالوا: إنهم لا يكذبون. ولكن أسرفوا ~~فيه. # من أسباب ظهور الفلاسفة على المتكلمين # ففي الجملة: ظهور الفلاسفة، والملاحدة، والباطنية على هؤلاء تارة، ~~ومقاومتهم لهم تارة: لا بد له من أسباب في حكمة الرب، وعدله. # ومن أعظم أسبابه: تفريط أولئك2 وجهلهم بما جاء به الأنبياء؛ فالنبوة التي ~~ينتسبون إلى نصرها، لم يعرفوها، ولم يعرفوا دليلها، ولا قدروها قدرها. # وهذا يظهر من جهات متعددة. ولا حول ولا قوة إلا بالله. PageV01P612 ### | المجلد الثاني ### | فصل أصول الدين # ... # فصل أصول الدين # قد ذكرنا في غير موضع1 أن أصول الدين الذي بعث الله به رسوله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم قد بينها في القرآن أحسن بيان، وبين دلائل الربوبية ~~والوحدانية، ودلائل أسماء الرب وصفاته، وبين دلائل نبوة أنبيائه، وبين ~~المعاد بين إمكانه وقدرته عليه في غير موضع، وبين وقوعه بالأدلة السمعية ~~والعقلية؛ فكان في بيان الله أصول الدين الحق؛ وهو دين الله؛ وهي أصول ~~ثابتة، صحيحة، معلومة؛ فتضمن بيان العلم النافع، والعمل الصالح؛ الهدى، ~~ودين الحق. # وأهل البدع الذين ابتدعوا أصول دين يخالف ذلك، ليس فيما ابتدعوه؛ لا هدى، ~~ولا دين حق؛ فابتدعوا ما زعموا أنه أدلة وبراهين على إثبات الصانع، وصدق ~~الرسول، وإمكان المعاد أو وقوعه. # وفيما ابتدعوه ما خالفوا به الشرع. وكل ما خالفوه من الشرع، فقد خالفوا ~~فيه العقل أيضا؛ فإن الذي بعث الله به محمدا، وغيره من الأنبياء: هو حق، ~~وصدق، وتدل عليه الأدلة العقلية؛ فهو ثابت بالسمع، و [بالعقل] 2. ~~PageV02P613 # الذين خالفوا الرسل ليس معهم سمع ولا عقل # والذين خالفوا الرسل ليس معهم [سمع] 1، ولا عقل؛ كما أخبر الله تعالى ~~عنهم بقوله: {كلما ms242 ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد ~~جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير ~~وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا ~~لأصحاب السعير} 2. # وقال تعالى لمكذبي الرسل: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم [قلوب] 3 ~~يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور} 4، ذكر ذلك بعد قوله: {وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم [قوم] 5 ~~نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت ~~للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير فكأين من قرية [أهلكناها] 6 وهي ظالمة ~~فهي [خاوية على] 7 عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد} 8، ثم قال: {أفلم يسيروا ~~في الأرض} الآية9، ثم قال: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها ~~وإلي المصير} 10؛ فذكر إهلاك من أهلك، وأملاه لمن أملى؛ لئلا يغتر المغتر؛ ~~[فيقول] 11: نحن لم يهلكنا. PageV02P614 # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع1. # ما جاء به الرسول يدل عليه السمع والعقل # والمقصود هنا: أن ما جاء به الرسول يدل عليه السمع والعقل، وهو حق في ~~نفسه؛ كالحكم الذي يحكم به؛ فإنه يحكم بالعدل؛ وهو الشرع. فالعدل هو الشرع، ~~والشرع هو العدل. # ولهذا يأمر نبيه أن يحكم بالقسط، وأن يحكم بما أنزل الله. والذي أنزل ~~الله هو القسط، والقسط هو الذي [أنزله] 2 الله. وكذلك الحق، والصدق هو ما ~~أخبرت به الرسل، وما أخبرت به فهو الحق، والصدق. # ذم السلف لأهل الكلام # [والسلف] 3 والأئمة ذموا أهل الكلام المبتدعين؛ الذين خالفوا الكتاب، ~~والسنة4. ومن خالف الكتاب والسنة لم يكن كلامه إلا باطلا؛ فالكلام الذي ذمه ~~السلف يذم لأنه باطل، ولأنه يخالف الشرع5. # الشافعي وأحمد ذما كلام الجهمية # من الناس من ظن أن السلف أنكروا كلام القدرية فقط # ولكن لفظ الكلام لما كان مجملا، لم يعرف كثير من الناس الفرق بين الكلام ~~الذي ذموه، وغيره؛ فمن الناس من يظن ms243 أنهم إنما أنكروا كلام القدرية فقط؛ ~~كما ذكره البيهقي6، PageV02P615 # وابن عساكر1 في تفسير كلام الشافعي، ونحوه؛ ليخرجوا أصحابهم عن الذم، ~~وليس كذلك؛ بل الشافعي أنكر كلام الجهمية؛ كلام حفص الفرد، وأمثاله2، ~~وهؤلاء كانت منازعتهم في الصفات، والقرآن، والرؤية، لا في القدر. وكذلك ~~أحمد بن حنبل خصومه من أهل الكلام هم الجهمية3 PageV02P616 # الذين ناظروه في القرآن؛ مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث؛ صاحب حسين ~~النجار، وأمثاله1. ولم يكونوا قدرية، ولا كان النزاع في مسائل PageV02P617 # القدر. ولهذا يصرح أحمد، وأمثاله من السلف بذم الجهمية، بل يكفرونهم أعظم ~~من سائر الطوائف1. # أصول أهل الأهواء # وقال عبد الله بن المبارك2، ويوسف بن أسباط3، وغيرهما: أصول أهل الأهواء ~~أربع: الشيعة4، والخوارج5، والمرجئة6، PageV02P618 # والقدرية1. فقيل لهم: الجهمية2؟ فقالوا: الجهمية ليسوا من أمة محمد3. ~~ولهذا ذكر أبو عبد الله بن حامد4 عن أصحاب أحمد في الجهمية: هل هم من ~~الثنتين وسبعين فرقة؟ وجهين5؛ أحدهما: أنهم ليسوا منهم؛ لخروجهم عن ~~الإسلام. # السلف لم يذموا جنس الكلام # وطائفة تظن أن الكلام الذي ذمه السلف: هو مطلق النظر، والاحتجاج، ~~والمناظرة6، PageV02P619 # ويزعم من يزعم [من] 1 هؤلاء أن قوله: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي ~~هي أحسن} 2، و {جادلهم بالتي هي أحسن} 3: منسوخ بآية السيف4. PageV02P620 # وهؤلاء أيضا غالطون؛ فإن الله تعالى قد أخبر عن قوم نوح، وإبراهيم ~~بمجادلتهم للكفار؛ حتى: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} 1، وقال ~~عن قوم إبراهيم: {وحاجه قومه} 2، إلى قوله: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ~~على قومه} 3، وذكر محاجة إبراهيم للكافر. # [والقرآن] 4 فيه من مناظرة الكفار، والاحتجاج عليهم ما فيه؛ من [شفاء] 5، ~~وكفاية. # وقوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا ~~منهم} 6، وقوله: {جادلهم بالتي هي أحسن} 7: ليس في القرآن ما ينسخهما، ولكن ~~بعض الناس يظن أن من المجادلة ترك الجهاد بالسيف. وكل ما كان متضمنا لترك ~~الجهاد المأمور به فهو منسوخ بآيات السيف والجهاد. # متى تكون المجادلة؟ # والمجادلة قد [تكون] 8 مع أهل الذمة، والهدنة، والأمان، ومن لا يجوز ms244 ~~قتاله بالسيف، وقد [تكون] 9 في ابتداء الدعوة؛ كما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يجاهد الكفار بالقرآن، وقد [تكون] 10 لبيان الحق، وشفاء القلوب من ~~الشبه، [مع من] 11 يطلب الاستهداء والبيان. PageV02P621 # وبسط هذا له موضع آخر1. # المبتدعة ابتدعوا أصولا تخالف الكتاب # والمقصود هنا: أن المبتدعين الذين ابتدعوا كلاما وأصولا تخالف الكتاب، ~~وهي أيضا مخالفة للميزان؛ وهو العدل؛ فهي مخالفة للسمع، والعقل؛ كما ~~ابتدعوا في إثبات الصانع إثباته بحدوث الأجسام، وأثبتوا حدوث الأجسام بأنها ~~مستلزمة للأعراض لا تنفك عنها. قالوا: وما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث؛ ~~لامتناع حوادث لا أول لها. # فهؤلاء2 إذا حقق عليهم ما قالوه، لم يوجدوا قد [أثبتوا] 3 العلم بالصانع، ~~ولا أثبتوا النبوة، ولا أثبتوا المعاد. وهذه هي أصول الدين والإيمان4. بل ~~كلامهم في الخلق، والبعث؛ المبدأ والمعاد، وفي إثبات الصانع ليس فيه تحقيق ~~العلم لا عقلا، ولا نقلا. PageV02P622 # ندم الرازي وحيرته # [وهم] 1 معترفون بذلك؛ كما قال الرازي: لقد تأملت الطرق الكلامية، ~~والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب ~~الطرق: طريقة القرآن؛ أقرأ في النفي: {ليس كمثله شيء} 2، {ولا يحيطون به ~~علما} 3، وأقرأ في الإثبات: {ليس كمثله شيء} 4، {إليه يصعد الكلم الطيب} 5، ~~{أأمنتم من في السماء} 6. # ثم قال7: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي8. # وكذلك الغزالي9، وابن عقيل10، وغيرهما11 يقولون ما يشبه هذا. PageV02P623 # وهو كما قالوا؛ فإن الرازي قد جمع ما جمعه من طرق المتكلمين والفلاسفة، ~~ومع هذا فليس في كتبه إثبات الصانع؛ كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع1، ~~وبين جميع ما ذكره في إثبات الصانع، وأنه ليس فيه ذلك، وليس فيه أيضا إثبات ~~النبوة2؛ فإن النبوة مبناها على أن الله قادر، وأنه يحدث الآيات لتصدق بها ~~الرسل، وليس في كتبه إثبات أن الله قادر، PageV02P624 # ولا مريد. بل كلامه فيه تقرير حجج من نفى قدرته وإرادته، دون الجانب ~~الآخر؛ كما قد بينا ذلك في الكلام على ما ذكره في مسألة القدرة والإرادة1، ~~مع أنه ولله الحمد ms245 الأدلة الدالة على إثبات الصانع، وإثبات قدرته ومشيئته، ~~تفوق الاحصاء. # لكن من لم يجعل الله له نورا، فما له من نور. # وسبب ذلك إعراضهم عن الفطرة العقلية، و [الشرعة] 2 [النبوية؛ بما ابتدعه ~~المبتدعون مما أفسدوا به الفطرة، والشرعة] 3؛ فصاروا يسفسطون4 في العقليات ~~ويقرمطون5 في السمعيات؛ كما قد بين هذا في PageV02P625 # مواضع1. PageV02P626 # طرق إثبات النبوة عند الرازي # وأيضا فإذا عرف1 أن الله قادر، كما قد عرفه غيره، فليس عنده في النبوة ~~إلا طريق أصحابه الأشعرية2؛ الذين سلكوا مسلك الجهمية3 في PageV02P627 # أفعال الله تعالى، أو طريق الفلاسفة1. # ولهذا يقول من يقول من علماء الزيدية2 وهم يميلون إلى الاعتزال، مع تشيع ~~الزيدية يقولون: نحن لا نتكلم في الشافعي؛ [فإنه إمام] 3. لكن هؤلاء صاروا ~~جهمية4؛ يعني القدرية فلاسفة، والشافعي لم يكن جهميا، ولا فيلسوفا. # المتكلمون لم يعرفوا الفرق بين آيات الأنبياء ومخالفيهم # وهؤلاء5 لم يعرفوا آيات الأنبياء، والفرق بينها وبين غيرها6، لكن ادعوا ~~أن ما يأتي به الكهان، والسحرة، وغيرهم قد يكون من آيات الأنبياء، لكن ~~بشرط: أن لا يقدر أحد من المرسل إليهم على معارضته؛ وهذه خاصة المعجز ~~عندهم7. PageV02P628 # وهذا فاسد من وجوه كثيرة؛ كما قد بسط في [غير] 1 هذا الموضع2. # المتكلمون ليس في كتبهم إثبات الربوبية ولا المعاد # وأما كلامه في المعاد: فأبعد من هذا، وهذا؛ كما قد بين أيضا3؛ وكذلك كلام ~~من [تقدمه] 4؛ من الجهمية، وأتباعهم من الأشعرية، وغيرهم، ومن المعتزلة؛ ~~فإنك لا تجد في كلامهم الذي ابتدعوه؛ لا إثبات الربوبية، ولا النبوة، ولا ~~المعاد. # [والأشعري نفسه، وأتباعه، ليس في كتبهم إثبات الربوبية، ولا المعاد] 5، ~~وكذلك من سلك سبيلهم في أدلتهم6 من أتباع الفقهاء؛ كالقاضي أبي PageV02P629 # يعلى، وابن عقيل، وابن الزاغوني1، وغيرهم. # والمعتزلة كذلك أيضا، وكذلك الكرامية. # وقد تأملت كلام أئمة هؤلاء الطوائف؛ كأبي [الحسين] 2 [البصري] 3، ونحوه ~~من المعتزلة، وكابن [الهيصم] 4 من الكرامية، وكأبي الحسن PageV02P630 # نفسه1، والقاضي أبي بكر، وأبي المعالي الجويني، وأبي إسحاق الاسفرايني، ~~وأبي بكر ابن فورك، وأبي القاسم القشيري، وأبي الحسن التميمي، والقاضي أبي ms246 ~~يعلى، وابن عقيل، وابن الزاغوني غفر الله لهم ورحمهم أجمعين2. وتأملت ما ~~وجدته في الصفات من المقالات؛ مثل كتاب الملل والنحل للشهرستاني، وكتاب ~~مقالات الإسلاميين للأشعري؛ وهو أجمع كتاب رأيته في هذا الفن، وقد ذكر فيه ~~ما ذكر أنه مقالة أهل السنة والحديث، وأنه يختارها، وهي أقرب ما ذكره من ~~المقالات إلى السنة والحديث، لكن فيه أمور لم يقلها أحد من أهل السنة ~~والحديث. ونفس مقالة أهل السنة والحديث لم يكن يعرفها، ولا هو خبير بها؛ ~~فالكتب المصنفة في مقالات الطوائف التي صنفها هؤلاء، ليس فيها ما جاء به ~~الرسول، وما دل عليه القرآن؛ لا في PageV02P631 # المقالات المجردة، ولا في المقالات التي يذكر فيها الأدلة؛ فإن جميع ~~هؤلاء دخلوا في الكلام المذموم الذي عابه السلف وذموه1. # الأشعري أعلم من الشهرستاني بالمقالات والشهرستاني أعلم من الغزالي بها # ولكن بعضهم أقرب إلى السنة من بعض، وقد يكون هذا أقرب في بعض، وهذا أقرب ~~في مواضع؛ وهذا لكون أصل اعتمادهم لم يكن على القرآن والحديث؛ بخلاف ~~الفقهاء؛ فإنهم في كثير مما يقولونه إنما يعتمدون على القرآن والحديث، ~~فلهذا كانوا أكثر متابعة، لكن ما تكلم فيه أولئك أجل، ولهذا يعظمون من وجه، ~~ويذمون من وجه؛ فإن لهم حسنات، وفضائل، وسعيا مشكورا، وخطأهم بعد الاجتهاد ~~مغفور. # والأشعري أعلم بمقالات المختلفين من الشهرستاني؛ ولهذا ذكر عشر طوائف، ~~وذكر مقالات لم يذكرها الشهرستاني2، وهو أعلم بمقالات أهل السنة، وأقرب ~~إليها، وأوسع علما من الشهرستاني. # والشهرستاني أعلم باختلاف المختلفين، ومقالاتهم من الغزالي؛ ولهذا ذكر ~~لهم في القرآن أربع مقالات، وعدد طوائف من أهل القبلة3. # الغزالي حصر أهل العلم الإلهي في أربعة أصناف # والغزالي حصر أهل العلم الإلهي في أربعة أصناف؛ في الفلاسفة، والباطنية، ~~والمتكلمين، والصوفية؛ فلم يعرف مقالات أهل الحديث والسنة، ولا مقالات ~~الفقهاء، ولا مقالات أئمة الصوفية، ولكن ذكر عنهم العمل، وذكر عن بعضهم ~~اعتقادا يخالفهم فيه أئمتهم4. PageV02P632 # والقشيري أعلم بأقوال الصوفية، ومع هذا لم يذكر أقوال أئمتهم1. # وأبو طالب2 أعلم منهما3 بأقوال الصوفية، ومع هذا فلم ms247 يعرف مقالة الأكابر؛ ~~كالفضيل بن عياض، ونحوه4. # ابن رشد حصر أهل العلم الإلهي في ثلاثة أصناف # وأبو الوليد بن رشد الحفيد حصر أهل العلم الإلهي في ثلاثة: في الحشوية، ~~والباطنية، والأشعرية. والباطنية عنده يدخل فيهم باطنية الصوفية، وباطنية ~~الفلاسفة5. # ملاحدة الصوفية # ومن هنا دخل ابن سبعين، وابن عربي؛ فأخذوا مذاهب الفلاسفة، وأدخلوها في ~~التصوف6. PageV02P633 # وأبو حامد يدخل في [بعض] 1 هذا؛ فإن ابن سينا تكلم في مقالات العارفين ~~بتصوف فاسد. # قولهم في الصحابة لأجل أنهم لم يتكلموا بنحو كلامهم # ثم إن هؤلاء2 مع هذا [لما لم] 3 يجدوا الصحابة والتابعين تكلموا بمثل ~~كلامهم، بل ولا نقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، صار منهم من يقول: ~~كانوا مشغولين بالجهاد عن هذا الباب، وأنهم هم حققوا ما لم يحققه الصحابة4. ~~ويقولون أيضا: إن الرسول لم يعلمهم هذا، لئلا يشتغلوا به عن الجهاد؛ فإنه ~~كان محتاجا إليهم في الجهاد5. PageV02P634 # وهكذا يقول من يقول من مبتدعة أهل الزهد، والتصوف1؛ إذا دخلوا في عبادات ~~منهي عنها، ومذمومة في الشرع، قالوا: كان الصحابة مشغولين عنها بالجهاد، ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف أن يشتغلوا بها عن الجهاد. # وأهل السيف قد يظن من يظن منهم أن لهم من الجهاد، وقتال الأعداء ما لم ~~يكن مثله للصحابة، وأن الصحابة كانوا مشغولين بالعلم والعبادة عن مثل ~~جهادهم. # ومن أهل الكلام من يقول: بل الصحابة كانوا على عقائدهم، وأصولهم، لكن لم ~~يتكلموا بذلك؛ لعدم حاجتهم إليه2. # فهؤلاء جمعوا بين أمرين؛ بين أن ابتدعوا أقوالا باطلة ظنوا أنها هي أصول ~~الدين، لا يكون عالما بالدين إلا من وافقهم عليها، وأنهم علموا، وبينوا من ~~الحق ما لم يبينه الرسول والصحابة. # وإذا تدبر الخبير حقيقة ما هم عليه، تبين له أنه ليس عند القوم فيما ~~ابتدعوه؛ لا علم، ولا دين، ولا شرع، ولا عقل. PageV02P635 # وآخرون1 لما رأوا ابتداع هؤلاء، وأن الصحابة والتابعين لم يكونوا يقولون ~~مثل قولهم، ظنوا أنهم كانوا كالعامة الذين لا يعرفون الأدلة والحجج، وأنهم ~~كانوا لا يفهمون ms248 ما في القرآن مما تشابه على من تشابه عليه، وتوهموا أنه ~~إذا كان الوقف على قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} 2؛ كان المراد أنه لا ~~يفهم معناه إلا الله؛ لا الرسول، ولا الصحابة؛ فصاروا ينسبون الصحابة، بل ~~والرسول إلى عدم العلم بالسمع والعقل، وجعلوهم مثل أنفسهم لا يسمعون ولا ~~يعقلون، وظنوا أن هذه طريقة السلف؛ وهي الجهل البسيط3 التي لا يعقل صاحبها ~~ولا يسمع، وهذا وصف أهل النار، لا وصف أفضل الخلق بعد الأنبياء. ~~PageV02P636 # ابن مسعود يحث على التمسك بهدي الصحابة.. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: من كان منكم مستنا، فليستن بمن قد مات؛ فإن ~~الحي لا يؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها ~~علما، وأقلها تكلفا؛ قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا ~~لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم1. PageV02P637 # وقال أيضا: إن الله نظر في قلوب العباد؛ فوجد قلب محمد خير قلوب العباد؛ ~~فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد؛ فوجد ~~قلوب أصحابه خير قلوب العباد بعد قلبه؛ فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على ~~دينه. فما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا، ~~فهو عند الله قبيح1. # فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم # وقد ثبت في الصحيحين، من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"خير القرون: القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"2. # وقد قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان} 3؛ فرضي عن السابقين مطلقا، ورضي عمن اتبعهم PageV02P638 # بإحسان؛ وذلك متناول لكل من اتبعهم إلى يوم القيامة؛ كما ذكر ذلك أهل ~~العلم1. # قال ابن أبي حاتم: قرىء على يونس بن عبد الأعلى: [أنا] 2 ابن وهب، حدثني ~~عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {والذين اتبعوهم بإحسان} 3: قال من بقي ~~من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة4. # وبسط هذا له موضع آخر5. # الهدى والبيان والبراهين في القرآن # والمقصود هنا: أن الهدى، ms249 والبيان، والأدلة، والبراهين في القرآن؛ فإن ~~الله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأرسله بالآيات البينات؛ وهي ~~الأدلة البينة الدالة على الحق، وكذلك سائر الرسل. ومن الممتنع أن يرسل ~~الله رسولا يأمر الناس بتصديقه، ولا يكون هناك ما يعرفون به صدقه. وكذلك من ~~قال إني رسول [الله] 6، فمن الممتنع أن يجعل مجرد الخبر المحتمل للصدق ~~والكذب دليلا له، وحجة على الناس. هذا لا يظن بأجهل الخلق، فكيف بأفضل ~~الناس؟. # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من نبي من ~~الأنبياء، إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر. وإنما كان الذي ~~أوتيته وحيا PageV02P639 # أوحاه الله إلي، [فأرجو] 1 أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" 2. # قال تعالى: {إن الذين يكتمون [ما] 3 [أنزلنا] 4 من البينات والهدى من بعد ~~ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} 5؛ ~~فالبينات: جمع بينة؛ وهي الأدلة والبراهين التي هي بينة في نفسها، وبها ~~يتبين غيرها؛ يقال: بين الأمر: أي تبين في نفسه، ويقال: بين غيره؛ فالبين: ~~اسم لما ظهر في نفسه، ولما أظهر غيره. وكذلك المبين؛ كقوله فاحشة مبينة؛ أي ~~متبينة6. # فهذا شأن الأدلة؛ فإن مقدماتها تكون معلومة بنفسها؛ كالمقدمات الحسية، ~~والبديهية. وبها يتبين غيرها؛ فيستدل على الخفي بالجلي. # والهدى: مصدر هداه هدى، والهدى: هو بيان ما ينتفع به الناس، ويحتاجون ~~إليه، وهو ضد الضلالة؛ فالضال يضل عن مقصوده وطريق مقصوده. PageV02P640 # وهو سبحانه بين في كتبه ما يهدي الناس؛ فعرفهم ما يقصدون، وما يسلكون من ~~الطرق؛ عرفهم أن الله هو المقصود المعبود وحده، وأنه لا يجوز عبادة غيره، ~~وعرفهم الطريق؛ وهو ما يعبدونه به. # ففي الهدى: بيان المعبود، وما يعبد به. والبينات فيها بيان الأدلة ~~والبراهين على ذلك. فليس ما يخبر به، ويأمر به من الهدى قولا مجردا عن ~~دليله ليؤخذ تقليدا واتباعا للظن، بل هو مبين بالآيات البينات؛ وهي الأدلة ~~اليقينية، والبراهين القطعية. # وكان عند أهل الكتاب من البينات الدالة على نبوة محمد، وصحة ما جاء ms250 به ~~أمور متعددة؛ [لبشارات كتبهم] 1، وغير ذلك؛ فكانوا يكتمونه؛ قال تعالى: ~~{ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} 2؛ فإنه كان عندهم شهادة من الله، ~~[تشهد] 3 بما جاء به محمد، وبمثله، [فكتموها] 4. # وقال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان} 5؛ فأنزله هاديا للناس، وبينات من الهدى والفرقان؛ فهو يهدي ~~الناس إلى صراط مستقيم؛ يهديهم إلى صراط العزيز الحميد الذي له ما في ~~السموات وما في الأرض، بما فيه من الخبر والأمر، وهو بينات دلالات، وبراهين ~~من الهدى؛ من الأدلة الهادية المبينة PageV02P641 # للحق، ومن الفرقان المفرق بين الحق والباطل، والخير والشر، والصدق ~~والكذب، والمأمور والمحظور، والحلال والحرام؛ وذلك أن الدليل لا يتم إلا ~~بالجواب عن المعارض؛ فالأدلة تشتبه كثيرا بما يعارضها، فلا بد من الفرق بين ~~الدليل الدال على الحق، وبين ما عارضه؛ [ليتبين أن الذي عارضه باطل. # فالدليل يحصل به الهدى وبيان الحق، لكن لا بد مع ذلك من الفرقان؛ وهو ~~الفرق بين ذلك الدليل، وبين ما عارضه] 1، والفرق بين خبر الرب، والخبر الذي ~~يخالفه. # فالفرقان يحصل به التمييز بين المشتبهات. ومن لم يحصل له الفرقان كان في ~~اشتباه، وحيرة. # الهدى التام لا يكون إلا مع الفرقان # والهدى التام لا يكون إلا مع الفرقان. فلهذا قال أولا: {هدى للناس} ، ثم ~~قال: {وبينات من الهدى والفرقان} ؛ فالبينات: الأدلة على ما تقدم من الهدى؛ ~~وهي بينات من الهدى، الذي هو دليل على أن الأول هدى، ومن الفرقان الذي يفرق ~~بين البينات والشبهات، والحجج الصحيحة والفاسدة. فالهدى: مثل أن يؤمر بسلوك ~~الطريق إلى الله؛ كما يؤمر قاصد الحج [بسلوك] 2 طريق مكة مع دليل يوصله. ~~والبينات: ما يدل، ويبين أن ذلك هو الطريق، وأن سالكه سالك للطريق لا ضال. ~~والفرقان: أن يفرق بين ذاك الطريق وغيره، وبين الدليل الذي يسلكه ويدل ~~الناس عليه، وبين غيرهم ممن يدعي الدلالة، وهو جاهل مضل. PageV02P642 # وهذا، وأمثاله مما يبين أن في القرآن الأدلة الدالة للناس على تحقيق ما ~~فيه من ms251 الأخبار، والأوامر كثير. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع1. # والمقصود هنا: الكلام على النبوة؛ فإن المتكلمين المبتدعين تكلموا في ~~النبوات بكلام كثير لبسوا فيه الحق بالباطل؛ كما فعلوا مثل ذلك في غير ~~النبوات؛ كالإلهيات، وكالمعاد. وعند التحقيق: لم يعرفوا النبوة، ولم يثبتوا ~~ما يدل عليها؛ فليس عندهم لا هدى، ولا بينات. # النبوة عند المتكلمين # والله سبحانه أنزل في كتبه البينات، والهدى؛ فمن تصور الشيء على وجهه، ~~فقد اهتدى إليه؛ ومن عرف دليل ثبوته، فقد عرف البينات. فالتصور الصحيح: ~~اهتداء. والدليل الذي يبين التصديق بذلك التصور: بينات. # والله تعالى أنزل الكتاب هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان. والقرآن ~~أثبت الصفات على وجه التفصيل، ونفى عنها التمثيل؛ وهي طريقة الرسل؛ جاءوا ~~بإثبات مفصل، ونفي مجمل. وأعداؤهم جاءوا بنفي مفصل، وإثبات مجمل2. فلو لم ~~يكن الحق فيما بينه الرسول للناس، PageV02P643 # وأظهر لهم، بل كان الحق في نقيضه، للزم أن يكون عدم الرسول خيرا من ~~وجوده، إذا كان وجوده لم يفدهم عند هؤلاء علما ولا هدى، بل ذكر1 ~~PageV02P644 # أقوالا تدل على الباطل، وطلب منهم أن يتعلموا الهدى بعقولهم ونظرهم، ثم ~~ينظروا فيما جاء به؛ فإما أن يتأولوه ويحرفوا الكلم عن مواضعه، وإما أن ~~[يفوضوه] 1. # ردود شيخ الإسلام على المتكلمين ومنها: نقض التأسيس # فذكرنا هذا ونحوه مما يبين أن الهدى مأخوذ عن الرسول، وأنه قد بين للأمة ~~ما يجب اعتقاده من أصول الدين في الصفات، وغيرها. فكان الجواب خطابا مع من ~~يقر بنبوته، ويشهد له بأنه رسول الله. فلم يذكر فيه دلائل النبوة، وذكر أن ~~الشبهات العقلية التي تعارض خبر الرسول باطلة، وذكر في ذلك ما هو موجود في ~~هذا الجواب. # سبب تأليف درء تعارض العقل والنقل # ثم بعد ذلك حدثت أمور أوجبت أن يبسط الكلام في هذا الباب، و [يتكلم] 2 ~~على حجج النفاة، ويبين بطلانها، و [يتكلم] 3 على ما أثبتوه؛ من أنه يجب ~~تقديم ما يزعمون أنه معقول على ما علم بخبر الرسول. # وبسط في ذلك من الكلام والقواعد ما ليس ms252 [هذا] 4 موضعه5، PageV02P645 # وتكلم مع الفلاسفة والملاحدة الذين يقولون إن الرسل خاطبوا خطابا قصدوا ~~به التخييل إلى العامة1 ما ينفعهم، لا أنهم قصدوا [الإخبار] 2 بالحقائق. # وهؤلاء لم يكن وقت الجواب قصد مخاطبتهم إذ كان هؤلاء في الحقيقة مكذبين ~~للرسل، يقولون إنهم كذبوا لما رأوه مصلحة بل كان الخطاب مع من يقر بأن ~~الرسول لا يقول إلا الحق باطنا وظاهرا، ثم بعد هذا طلب الكلام على تقرير ~~أصول الدين بأدلتها العقلية، وإن كانت مستفادة من تعليم الرسول، وذكر فيها ~~ما ذكر من دلائل النبوة3 في مصنف يتضمن شرح عقيدة صنفها # شيخ النظار بمصر: شمس الدين الأصبهاني4. فطلب مني شرحها، PageV02P647 # فشرحتها، وذكرت فيها من الدلائل العقلية ما يعلم به أصول الدين. # سبب تأليف الجواب الصحيح # وبعدها جاء كتاب من النصارى1 يتضمن الاحتجاج لدينهم بالعقل PageV02P648 # والسمع، واحتجوا بما ذكروه من القرآن؛ فأوجب ذلك أن يرد عليهم، ويبين ~~فساد ما احتجوا به من الأدلة السمعية؛ من القرآن، ومن كلام الأنبياء ~~المتقدمين، وما احتجوا به من العقل، وأنهم مخالفون للأنبياء وللعقل؛ خالفوا ~~المسيح، ومن قبله، وحرفوا كلامهم؛ كما خالفوا العقل، وبين ما يحتجون به من ~~نصوص الأنبياء، وأنها هي وغيرها من نصوص الأنبياء التي عندهم حجة عليهم لا ~~لهم، وبين الجواب الصحيح لمن حرف دين المسيح. وهم لم يطالبوا ببيان دلائل ~~نبوة نبينا، لكن اقتضت المصلحة أن يذكر من هذا ما يناسبه، ويبسط الكلام في ~~ذلك بسطا أكثر من غيره1. # وقلوب كثير من الناس يجول فيها أمر النبوات وما جاءت به الرسل. وهم2 وإن ~~أظهروا تصديقهم3 والشهادة لهم، ففي قلوبهم مرض ونفاق؛ إذ كان ما جعلوه ~~أصولا لدينهم، معارض لما جاءت به الأنبياء4. PageV02P649 # وهم لم يتعلموا ما جاءت به الأنبياء، ولم يأخذوا عنهم الدلائل، والأصول، ~~والبينات، والبراهين. # وإذا وجب أن يؤخذ عن الأنبياء ما أخبروا به من أصول الدين، ومن تصديق ~~خبرهم، مع وجود ما يعارضه، فلأن يؤخذ عنهم ما بينوا به تلك العقائد؛ من ~~الآيات، والبراهين أولى وأحرى؛ فإنه بهذا يتبين ذاك، وإلا ms253 فتصديق الخبر ~~متوقف على دليل صحته، أو على صدق المخبر به. وتصديقه بدون أن يعلم أنه في ~~نفسه حق، أو أن المخبر به صادق: قول بلا علم. # الرسول أرسل بالبينات والهدى # والرسول صلوات الله عليه وسلامه قد أرسل بالبينات والهدى؛ بين الأحكام ~~الخبرية والطلبية، وأدلتها الدالة عليها؛ بين المسائل والوسائل؛ بين الدين؛ ~~ما يقال، وما يعمل؛ وبين أصوله التي بها يعلم أنه دين حق. وهذا المعنى قد ~~ذكره الله تعالى في غير موضع، وبين أنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين [كله] 1؛ ذكر هذا في سورة التوبة2، والفتح3، والصف4. # والهدى: هو هدي الخلق إلى الحق، وتعريفهم ذلك، وإرشادهم إليه. وهذا لا ~~يكون إلا بذكر الأدلة، والآيات الدالة على أن هذا هدى، وإلا فمجرد خبر: لم ~~يعلم أنه حق، ولم يقم دليل على أنه حق: ليس بهدى. PageV02P650 # وهو سبحانه إذا ذكر الأنبياء؛ نبينا وغيره، ذكر أنه أرسلهم بالآيات ~~البينات1؛ وهي الأدلة، والبراهين البينة، المعلومة علما يقينيا؛ إذ كان كل ~~دليل لا بد أن ينتهي إلى مقدمات بينة بنفسها، قد تسمى بديهيات2، وقد تسمى ~~ضروريات3، وقد تسمى أوليات4، وقد يقال: هي معلومة PageV02P651 # بأنفسها؛ فالرسل صلوات الله عليهم بعثوا بالآيات البينات. # إذا خاطب جنس الإنس ذكر جنس الأنبياء # وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من نبي من الأنبياء ~~إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا ~~أوحاه الله إلي، [فأرجو] 1 أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" 2. # وهو سبحانه إذا خاطب جنس الإنس، ذكر جنس الأنبياء3، و [أثبت] 4 جنس ما ~~جاءوا به. وإذا خاطب أهل الكتاب المقرين بنبوة موسى، خاطبهم بإثبات نبي ~~بعده؛ كما قال في سورة البقرة في خطابه لبني إسرائيل لما ذكر ما ذكره من ~~أحوالهم مع موسى، وذكرهم بأنعامه عليهم، وبما فعلوه من السيئات، ومغفرته ~~لها؛ قال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم ms254 رسول بما لا تهوى ~~أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} 5، ثم ذكر محمدا؛ فقال: {ولما ~~جاءهم [كتاب] 6 من عند الله PageV02P652 # مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما ~~عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا ~~بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب ~~على غضب وللكافرين عذاب مهين} 1. # فذكر سبحانه أنه أرسل المسيح إليهم بالبينات، بعدما أرسل قبله الرسل، ~~وأنهم تارة يكذبون الرسل، وتارة يقتلونهم، وذكر أنه أرسل عيسى بالبينات ~~لأنه جاء بنسخ بعض شرع التوراة، بخلاف من قبله2، ولهذا لم يذكر ذلك عنهم. # وقال في موسى إنه آتاه الكتاب؛ لأنهم كانوا مقرين بنبوته، ولكن حرفوا ~~كتابه في المعنى باتفاق الناس، وحرفوا اللفظ أحيانا، وفي بعض المواضع. # وهو تعالى قد ذكر في غير موضع أنه أرسل موسى بالآيات البينات؛ فقال لما ~~ناجاه: {وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا ~~تخف إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور ~~رحيم وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه ~~إنهم كانوا قوما فاسقين} 3، وقال في سورة القصص: {يا موسى أقبل ولا تخف إنك ~~من الآمنين اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك ~~PageV02P653 # من الرهب [فذانك] 1 برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين} 2، وقال تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين} 3. # وقد قال تعالى لما قص قصص الرسل؛ نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب4، ونصره ~~لهم، وإهلاك أعدائهم. ثم ذكر الأنبياء عموما؛ فقال: {وما أرسلنا في قرية من ~~نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون} 5، إلى قوله: {أولم ~~يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على ~~قلوبهم فهم لا يسمعون ms255 تلك القرى نقص [عليك من أنبائها] 6 ولقد جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب ~~الكافرين وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} 7. # فقد أخبر أن أهل القرى كلهم؛ الذين أهلكهم، جاءتهم رسلهم بالبينات، ولكن ~~شابه متأخروهم متقدميهم، فما كان هؤلاء ليؤمنوا بما كذب به أشباههم، كذلك ~~يطبع الله على قلوب الكافرين. وهذا كقوله تعالى: {كذلك ما أتى الذين من ~~قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} 8. PageV02P654 # قال تعالى: {ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} 1؛ فبين سبحانه أنه بعث موسى بآياته. # وقال2 في أثناء القصة: {إني رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على ~~الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل} 3؛ فأخبر أنه ~~جاء ببينة من [الله] 4؛ أي بآية بينة من الله؛ بدليل من الله وبرهان،؛ فهي ~~آية منه، وعلامة منه على صدقي، وأني رسول منه؛ فإن قوله: {من ربكم} : متعلق ~~بالرسول، وبالآية؛ يقال: فلان قد جاء بعلامة من فلان؛ فالعلامة منه، ~~والرسول منه، والآية منه؛ كما قال: {فذانك برهانان من ربك} 5؛ فدل على أن ~~كل واحد؛ من الرسول، ومن آيات الرسول، هو من الله تعالى. # قال له فرعون: {إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين} 6. وذكر ~~القصة، ومعارضة السحرة له، إلى أن قال: {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا ~~هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا ~~صاغرين و [ألقي] 7 السحرة ساجدين قالوا آمنا برب PageV02P655 # العالمين رب موسى وهارون قال فرعون [آمنتم] 1 به قبل أن آذن لكم إن هذا ~~لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين قالوا إنا إلى ربنا منقلبون وما تنقم ~~منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا ~~مسلمين} 2. # فذكر السحرة أنهم ms256 آمنوا بآيات ربهم لما جاءتهم، وهم من أعلم الناس ~~بالسحر؛ لما علموا أن هذه الآيات آيات من الله؛ كما قال موسى: {قد جئتكم ~~ببينة من ربكم} ، إلى قوله: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين} 3، إلى قوله: ~~{فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} 4. # التوراة أنزلت بعد غرق فرعون # وليس المراد بالآيات هنا: كتابا منزلا؛ فإن موسى لما ذهب إلى فرعون لم ~~تكن التوراة قد نزلت، وإنما أنزلت التوراة بعد أن غرق فرعون، وخلص [ببني] 5 ~~إسرائيل6، فاحتاجوا إلى شريعة يعملون بها؛ قال تعالى: {ولقد آتينا موسى ~~الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى} 7. ولكن تكذيبهم ~~بآياته: إنكارهم أن [تكون] 8 آية من PageV02P656 # الله، وقولهم: (إنها سحر) ؛ كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {وقالوا ~~مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين} 1، {وكانوا عنها ~~غافلين} 2؛ لم يذكروها، ويتأملوا ما دلت عليه من صدق موسى، وأنه مرسل من ~~الله. # فالتكذيب: ضد التصديق، والغفلة عنها: ضد النظر فيها. ولهذا قيل: النظر ~~تجريد العقل عن الغفلات، وقيل: هو تحديق العقل نحو المرئي. والأول هو النظر ~~الطلبي؛ وهو طلب ما يدله على الحق، والثاني هو النظر الاستدلالي؛ وهو النظر ~~في الدليل الذي يوصله إلى الحق. وهذا الثاني هو الذي يوجب العلم3. ~~PageV02P657 # فذمهم على الغفلة عن آياته، يتضمن النوعين؛ النظر فيها والتأمل لها. ~~والتذكر لها: ضد الغفلة عنها. # وهي آيات معينة، فإذا جرد العقل عن الغفلة عنها، وحدقه للنظر فيها، حصل ~~له العلم بها. # وقد يحصل العلم بها، ولكن يمتنع عن اتباعها لهواه؛ كما قال الله عن قوم ~~فرعون: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} 1؛ فإن الحق إذا ظهر، ~~صار معلوما بالضرورة. # والآيات، والدلائل الظاهرة تدل على لوازمها بالضرورة. لكن اتباع الهوى ~~يصد عن التصديق بها، واتباع ما أوجبه العلم بها. وهذه حال عامة المكذبين؛ ~~مثل مكذبي محمد وموسى [عليهما السلام] 2، وغيرهما؛ فإنهم علموا صدقهما علما ~~يقينيا؛ لما ظهر من آيات ms257 الصدق، ودلائله الكثيرة. لكن اتباع الهوى صد؛ قال ~~تعالى: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} 3، وقال تعالى ~~عن قوم فرعون: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} 4، وقال موسى ~~لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر} 5، ولهذا ~~قال: {وكانوا عنها غافلين} 6؛ فعلموا أنها حق، وغفلوا عنها؛ كما يغفل ~~الانسان عما يعلمه. PageV02P658 # ومنه الغفلة عن ذكر الله تعالى؛ قال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ~~ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} 1. # وقال تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو ~~والآصال ولا تكن من الغافلين} 2. # وقال تعالى: {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا ~~بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} 3. # فذكر الذين هم عن آياته غافلون هنا؛ كما ذكرهم هناك. وهناك وصفهم ~~بالتكذيب بها، مع الغفلة عنها، وضد الغفلة التذكر. والتذكر لآياته سبحانه ~~وتعالى: يوجب العلم بها، وحضورها في القلب، وهو موجب لاتباعها، إلا أن ~~يمنعه هوى؛ قال تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ~~ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} 4؛ فهو ~~سبحانه لو علم فيهم خيرا؛ وهو قصد الحق، لأفهمهم. لكنهم لا خير فيهم، فلو ~~أفهمهم لتولوا وهم معرضون. # وقال تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب ~~العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون وما نريهم من آية إلا هي ~~أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون} 5. # وقد ذكر أن الآيات التي هي دلائل النبوة منه، في غير موضع غير ما ~~PageV02P659 # تقدم؛ كقوله تعالى: {فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ~~ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى [إنا قد أوحي ~~إلينا] 1 أن العذاب على من كذب وتولى قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي ~~أعطى كل شيء خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال علمها ms258 عند ربي في ~~كتاب لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض [مهدا] 2 وسلك لكم فيها سبلا ~~وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن ~~في ذلك لآيات لأولي النهى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ~~يا موسى فلنأتينك بسحر مثله} ، إلى قوله عن السحرة: {لن نؤثرك على ما جاءنا ~~من البينات} 3، وقال تعالى: {ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ~~ربكم} 4، وقال تعالى: {وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما ~~في الصحف الأولى} 5. # فالآيات التي هي دلائل النبوة، وبراهينها، هي آيات من الله، وعلامات منه ~~أنه أرسل الرسول. # وكما أن الآيات التي هي كلامه تتضمن إخباره لعباده، وأمره لهم؛ ففيها ~~الإعلام والإلزام؛ فكذلك دلائل النبوة هي آيات منه تتضمن إخباره لعباده بأن ~~هذا رسوله، وأمره لهم بطاعته؛ ففيها الاعلام والإلزام. PageV02P660 # الآيات القولية والفعلية # وكما أن آياته القولية: زعم المكذبون أنها ليست كلامه، ولا منه، بل هي من ~~قول البشر، وزعموا أن الرسول افتراها، أو من معه، أو تعلمها من غيره1؛ ~~PageV02P661 # فكذلك الآيات الفعلية1: زعم المكذبون أنها ليست آية منه، وعلامة ودلالة ~~منه على أن الرسول رسوله، بل [مما] 2 يفعله الرسول فيكذب، وهذه من فعل ~~المخلوقين، لكنها عجيبة فهي سحر سحر بها الناس3، فلم يكن من المكذبين من ~~قال: إنها من الله، ولكن لم يخلقها لنصدقك بها، بل خلقها لا لشيء، أو ~~خلقها، وإن كنت كاذبا فإنه قد يخلق مثل هذه على أيدي الكذابين، ليضل بها ~~الناس. فإن هذا وإن كان يقال إنه قبيح، فإنه لا يقبح منه شيء، كما أنه لم ~~يكن في المكذبين من قال: إن الكلام كلام الله، لكنه كذب؛ إذ الكذب وإن كان ~~قبيحا من المخلوق، فالخالق لا يقبح منه شيء، وهذا لأنه من المعلوم بالفطرة ~~الضرورية لجميع بني آدم أن الله لا يكذب، ولا يفعل القبائح؛ فلا ms259 يؤيد ~~الكذاب بآيته ليضل بها الناس، لكن قالوا4: PageV02P662 # ليست آية من الله، بل هي سحر من عندك. وهم [و] 1 إن كانوا قد يعلمون أن ~~الله خالق كل شيء2، ففرق بين ما يفعله البشر، ويتوصلون إليه بالاكتساب، ~~وبين ما لا قدرة لهم على التوصل إليه بسبب من الأسباب، وفرق بين ما قد ~~علموا أنه يخلقه لغير تصديق الرسل؛ كالسحر؛ فإنه لم يزل معروفا في بني آدم، ~~فقد علموا أنه لا يخلقه آية وعلامة لنبي؛ إذ كان موجودا لغير الأنبياء، ~~معتادا منهم، وإن كان عجيبا، خارجا عن العادة عند من لم يعرفه، بل كان ~~المكذبون يطالبون الرسل بالآيات؛ كقول فرعون: فأت بآية إن كنت من ~~الصادقين3، وقول قوم صالح له: {إنما أنت من المسحرين ما أنت إلا بشر مثلنا ~~فأت بآية إن كنت من الصادقين} 4. # وكانت الأنبياء تأتي بالآيات، وهي آيات بينات؛ فيكذبون بها؛ كما يكذب ~~المعاند بالحق الظاهر المعلوم؛ كما قال فرعون: إنه ساحر5. ولما PageV02P663 # غلب السحرة، وآمنوا، واعترفوا بأن هذه آية من الله، قال لهم فرعون: {إنه ~~لكبيركم الذي علمكم السحر} 1، {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا ~~منها أهلها} 2. # وهذا كذب ظاهر؛ فإن موسى جاء من الشام3، ولم يجتمع بالسحرة، إنما فرعون ~~جمعهم، ولم يكن دين موسى دين السحرة، ولا مقصوده مقصودهم، بل هم وهو في ~~غاية التعادي والتباين. # وكذلك سائر السحرة، والكهنة مع الأنبياء من أعظم الناس ذما لهم، وأمرا ~~بقتلهم، مع تصديق الأنبياء بعضهم ببعض، وإيجاب بعضهم الإيمان ببعض. وهم ~~يأمرون بقتل من يكذب نبيا، ويأمرون بقتل السحرة، ومن آمن بهم4. # من الفروق بين الأنبياء والسحرة # والسحرة [يذم] 5 بعضهم بعضا، والأنبياء يصدق بعضهم بعضا، PageV02P664 # وهؤلاء1 يأمرون بعبادة الله وحده، والصدق، والعدل، ويتبرأون من الشرك ~~وأهله. وهؤلاء2 يحبون أهل الشرك، ويوالونهم، ويبغضون أهل التوحيد والعدل. ~~فهذان جنسان، متعاديان؛ كتعادي الملائكة والشياطين؛ كما قال تعالى: {وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما ms260 يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~[يؤمنون] 3 بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} 4. # فمن جعل النبي ساحرا، أو مجنونا، هو بمنزلة من جعل الساحر، أو المجنون ~~نبيا، وهذا من أعظم الفرية، والتسوية بين الأضداد المختلفة، وهو شر من قول ~~من يجعل العاقل مجنونا، والمجنون عاقلا، أو يجعل الجاهل عالما، والعالم ~~جاهلا. # فإن الفرق بين النبي، وبين الساحر والمجنون، أعظم من الفرق بين العاقل ~~والمجنون، والعالم والجاهل5. PageV02P665 # وأما السحرة فإنه أمر بقتلهم. # وفي التوراة: "سأقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيا مثلك، أجعل كلامي على ~~فمه، كلكم يسمعون"1. PageV02P666 # وموسى صلوات الله عليه أمر بتصديق من يأتي بعده من الأنبياء الصادقين؛ ~~كما أمر بتكذيب الكذابين. # وهذا يقتضي طاعة من يقوم بعده من الأنبياء. # ثم من الناس من يعين هذا؛ فاليهود يقولون هو يوشع؛ والنصارى يقولون هو ~~المسيح؛ وبعض المسلمين يقولون: هو محمد صلى الله عليه وسلم يحتجون على ذلك ~~بحجج كثيرة، قد ذكرت في غير [هذا] 1 الموضع2. ومنهم من يقول: بل هذا اسم ~~جنس، وهو عام في كل نبي يأتي بعده لئلا يكذبوه؛ كما PageV02P668 # فعلت اليهود وأنكروا النسخ1. وهذا القول أقرب؛ فيدخل في هذا المسيح، ~~ومحمد2، ومن قبلهما من أنبياء بني إسرائيل؛ فإن المقصود أمرهم بتصديق ~~الأنبياء، وطاعتهم، وأن الله سبحانه ينزل على الأنبياء كلامه، فالذي ~~يقولونه هو كلام الله ما سمعوا منه. # وبسط هذا له موضع آخر3. # وقد بسط القول4 في أن الناس يعلمون بالضرورة أن الآيات التي يأتي بها ~~الأنبياء آيات من الله، وعلامة أعلم بها عباده؛ أنه أرسلهم، وأمرهم ~~بطاعتهم، والذين كذبوا بها كانوا يقولون ليست من الله، بل هي سحر، أو ~~كهانة، أو نحو ذلك، لا يقرون بأنها آية من الله، ويقولون مع ذلك: قد يخلقها ~~الله لغير التصديق، أو يخلقها ليضل بها الخلق، أو نحو ذلك؛ فإن بسط هذه ~~الأمور له موضع آخر5. # الرسول بين للناس الأدلة والبراهين الدالة على أصول الدين # والمقصود هنا: أن الرسول بين للناس الأدلة والبراهين الدالة على أصول ~~الدين كلها؛ كما ms261 قد ذكر سبحانه هذا في مواضع؛ كقوله: {إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم ~~PageV02P669 # الله} 1، وقوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من ~~الهدى والفرقان} 2. # ومن ذلك قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم [يتلو] 3 عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من ~~قبل [لفي] 4 ضلال مبين} 5. # قد وصف الرسول بذلك في مواضع؛ فذكر هذا في البقرة، في دعوة إبراهيم، وفي ~~قوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا [منكم] 6 [يتلو] 7 عليكم آياتنا ~~ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة} 8، وفي قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم ~~وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} 9، وهنا لم يذكر [يتلو] 10 ~~عليهم آياته ويزكيهم؛ لحكمة تختص بذلك، وذكر هذا في آل عمران في قوله: {لقد ~~من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} 1 1. # وقد قال: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} 12، ~~PageV02P670 # وهذا [يشبه] 1 الموضع الثالث في البقرة2. # فأخبر في غير موضع عن الرسول: أنه [يتلو] 3 عليهم آياته، ويزكيهم، ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة4. # فالتلاوة، والتزكية عامة لجميع المؤمنين؛ فتلاوة الآيات [يحصل بها العلم؛ ~~فإن الآيات هي العلامات، والدلالات، فإذا سمعوها دلتهم على المطلوب] 5؛ من ~~تصديق الرسول فيما أخبر، والإقرار بوجوب طاعته؛ وأما التزكية: فهي تحصل ~~بطاعته فيما يأمرهم به من عبادة الله وحده وطاعته. فالتزكية تكون بطاعة ~~أمره؛ كما أن تلاوة آياته يحصل بها العلم، وسميت آيات القرآن آيات، وقيل: ~~إنها آيات الله؛ كقوله: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق} 6؛ لأنها ~~علامات، ودلالات على الله، وعلى ما أراد؛ فهي تدل على ما أخبر به، وعلى ما ~~أمر به ونهى عنه؛ وتدل أيضا على أن الرسول صادق؛ إذ كانت مما لا يستطيع ~~الإنس والجن أن يأتوا بمثلها، وقد تحداهم بذلك؛ كما قد بسط هذا ms262 في غير هذا ~~الموضع7. PageV02P671 # وأيضا: فهي نفسها فيها من بينات الأدلة والبراهين ما يبين الحق؛ فهي آيات ~~من وجوه متعددة. # ثم قال: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} 1، وهذا لمن يعلم ذلك منهم، وقد يتعلم ~~الشخص منهم بعض الكتاب والحكمة. فالكتاب: هو الكلام المنزل الذي يكتب، ~~والحكمة: هي السنة؛ وهي معرفة الدين والعمل به2. وقد قال تعالى: {وما تغني ~~الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} 3، وقال تعالى: {واتخذوا آياتي وما أنذروا ~~هزوا} 4؛ ففرق بين الآيات الدالة على العلم؛ التي يعلم بالعقل أنها دلائل ~~للرب، وبين النذر؛ وهو الإخبار عن المخوف؛ كإخبار الأنبياء بما يستحقه ~~العصاة من العذاب؛ فهذا يعلم بالخبر والنذر؛ ولهذا قال: {وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا} 5. PageV02P672 # وأما الآيات: فتعلم دلالتها بالعقل. # والأنبياء جاؤوا بالآيات والنذر، وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا [نوحي] 1 إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات ~~والزبر} 2، وقال تعالى: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات ~~والزبر والكتاب المنير} 3. ومثل هذا كثير يذكر أن جميع الأنبياء جاءوا ~~بالآيات التي تعلم دلالتها بالعقل4. # الناس في معرفة الله وتوحيده على ثلاثة أقوال # ولما كان كثير من الناس مقصرين فيما جاء به الرسول، قد أخرجوا ما تعلم ~~دلالته بالعقل عن مسمى الشرع5، تنازع الناس في معرفة الله وتوحيده، وأصول ~~الدين: هل يجب ويحصل بالشرع؟ أو يجب بالشرع، ويحصل بالعقل؟ أو يجب، ويحصل ~~بالعقل؟؛ على ثلاثة أقوال مشهورة6 لأصحاب الإمام أحمد، وغيرهم من أتباع ~~الأئمة الأربعة. # القول الأول # فطائفة يقولون: يجب بالشرع، ويحصل به؛ وهو قول السالمية، وغيرهم؛ # مثل الشيخ أبي الفرج المقدسي7. وهذا هو الذي PageV02P673 # حكاه1 عن أهل السنة من أصحاب أحمد، وغيرهم، وكذلك من شابههم؛ مثل ابن ~~درباس2، وابن شكر3، وغيرهما من أصحاب الشافعي4. وهو المشهور عن أهل الحديث، ~~والفقه الذين يذمون الكلام. وهذا مما وقع فيه النزاع بين صدقة بن الحسين ~~الحنبلي المتكلم5، وبين طائفة من أصحاب PageV02P674 # أحمد، وكذلك بين أبي الفرج بن الجوزي، وطائفة منهم؛ أولئك يقولون الوجوب ~~والحصول بالشرع، ms263 وهؤلاء يقولون الحصول بالعقل، والوجوب بالشرع. # وقد ذكر الأمدي1 ثلاثة أقوال في طرق العلم؛ قيل: بالعقل فقط، والسمع لا ~~يحصل به؛ كقول الرازي؛ وقيل: بالسمع فقط؛ وهو الكتاب والسنة؛ وقيل: بكل ~~منهما، ورجح هذا وهو الصحيح. # القول الثاني # والقول الثاني: أنها لا تجب إلا بالشرع، لكن يحصل بالعقل؛ وهو قول ~~الأشعري، وأصحابه، ومن وافقهم؛ كالقاضي أبي يعلى، وابن الزاغوني، وابن ~~عقيل، وغيرهم. # القول الثالث # والقول الثالث: أنها تحصل بالعقل، وتجب به؛ وهو قول من يوجب بالعقل؛ ~~كالمعتزلة، والكرامية، وغيرهم من أتباع الأئمة؛ كأبي الحسن الآمدي، وأبي ~~الخطاب، وغيرهم. وهو قول طائفة من المالكية، والشافعية، وعليه أكثر ~~الحنفية، ونقلوه عن أبي حنيفة نفسه. وقد صرح هؤلاء قبل المعتزلة، وقبل أبي ~~بكر الرازي، وأبي الخطاب، وغيرهم: أن من لم يأته رسول، يستحق العقوبة في ~~الآخرة؛ لمخالفته موجب العقل2. PageV02P675 # أعدل الأقوال في المسألة # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع1: أن أعدل الأقوال: أن الأفعال مشتملة على ~~أوصاف تقتضي [حسنها] 2 ووجوبها، و [تقتضي] 3 قبحها وتحريمها، وأن ذلك قد ~~يعلم بالعقل، لكن الله لا يعذب أحدا إلا بعد بلوغ الرسالة؛ كما قال: {وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا} 4، ولم يفرق سبحانه بين نوع، ونوع، وذكرنا أن ~~هذه الآية يحتج بها الأشعري، وأصحابه، ومن وافقهم؛ كالقاضي أبي يعلى5، ~~وأتباعه، وهم يجوزون أن الله يعذب في الآخرة بلا ذنب؛ حتى قالوا يعذب أطفال ~~الآخرة؛ فاحتجوا بها على المعتزلة، والآية حجة على الطائفتين؛ كما قد بسط ~~في غير هذا الموضع6. PageV02P676 # فصل الحجة على من أنكر قدرة الله وحكمته # وقد ذكر الله تعالى في القرآن الحجة على من أنكر قدرته، وعلى من أنكر ~~حكمته؛ فأول ما أنزل الله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من ~~علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} 1؛ فذكر أنه ~~الأكرم، وهو أبلغ من الكريم2، وهو المحسن غاية الإحسان3. # ومن كرمه: أنه علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم؛ فعلمه العلوم بقلبه، ~~والتعبير عنها بلسانه، وأن ms264 يكتب ذلك بالقلم. PageV02P677 # فذكر التعليم بالقلم يتناول علم العبارة والنطق، وعبارة المعاني والعلوم؛ ~~فإذا كان قد علمه هذه العلوم1، فكيف يمتنع عليه أن يعلمه ما يأمره به، وما ~~يخبره به. # وبيان ذلك: أنه قال في أول السورة: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان ~~من علق} ، ومعلوم أن من رأى العلقة2 قطعة من دم، فقيل له: هذه العلقة يصير ~~منها إنسان يعلم كذا وكذا، لكان يتعجب من هذا غاية التعجب، وينكره أعظم ~~الإنكار. ومعلوم أن نقل الإنسان من كونه علقة إلى أن يصير إنسانا عالما ~~قادرا كاتبا، أعظم من جعل مثل هذا الإنسان يعلم ما أمر الله به، وما أخبر ~~به؛ فمن قدر على أن ينقله من الصغر إلى أن يجعله عالما قارئا كاتبا، كان أن ~~يقدر على جعله عالما بما أمر به، وبما أخبر به أولى وأحرى. # وهذا كما استدل على قدرته على إعادة الخلق، بقدرته على الابتداء3. وقد ~~أخبر الله تعالى عن الكفار أنهم تعجبوا من التوحيد، ومن PageV02P678 # النبوة، ومن المعاد1؛ فقال تعالى: {ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في ~~عزة وشقاق كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص وعجبوا أن جاءهم ~~منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء ~~عجاب} 2؛ فذكر تعجبهم من التوحيد، والنبوة، وقال تعالى: {أكان للناس عجبا ~~أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم} 3، وهذا أيضا تعجب من أن أرسل إليهم رجل منهم، وقوله: {أكان للناس ~~عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} : دل على أنه منذر لجنس الناس، ~~وأنه من جنس الناس لا يختص به العرب دون غيرهم، وإن كان أول ما أرسل إليهم، ~~وبلسانهم، وقال تعالى: {ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال ~~الكافرون هذا شيء عجيب أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد} 4، وقال تعالى: ~~{وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد ms265 أولئك الذين كفروا ~~بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} 5، ~~وقال تعالى: {بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا رأوا آية ~~يستسخرون} 6؛ فالرسول كان يعجب من تكذيبهم PageV02P679 # لما جاءهم به من آيات الأنبياء، وهم يعجبون مما جاء به لكونه خارجا عما ~~اعتادوه من النظائر، فإنهم لم يعرفوا قبل مجيئه؛ لا توحيدا، ولا نبوة، ولا ~~معادا؛ قال تعالى: {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا ~~فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وهم بربهم يعدلون} 1. # الحكمة من جعل الرسول من البشر # وأما حكمته في إرسال بشر: فقد ذكر أنه من جنسهم، وأنه بلسانهم؛ فهو أتم ~~في الحكمة والرحمة2، وذكر أنهم لا يمكنهم الأخذ عن الملك3، وأنه لو نزل ~~ملكا، لكان يجعله في صورة بشر، ليأخذوا عنه4. PageV02P680 # ولهذا لم يكن البشر يرون الملائكة إلا في صورة الآدميين1؛ كما كان جبريل ~~يأتي في صورة دحية الكلبي2، وكما أتى مرة في صورة PageV02P681 # أعرابي1. # ولما جاءوا إبراهيم، وامرأته حاضرة، كانوا في صورة بشر، وبشروها بإسحاق، ~~ومن وراء إسحاق يعقوب2؛ قال تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ~~مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} . # وأما قدرته على تعريف الخلق بأنه نبيه، فكما تقدم3؛ فإنه إذا كان ~~PageV02P682 # قادرا على أن يهدي الإنسان الذي كان علقة، ومضغة إلى أنواع العلوم بأنواع ~~من الطرق إنعاما عليه، وفي ذلك من بيان قدرته، وحكمته، ورحمته، ما فيه، ~~[فكيف] 1 لا يقدر أن يعرفه صدق من أرسله إليه. وهذا أعظم النعم عليه، ~~والإحسان إليه، والتعريف بهذا دون تعريف الإنسان ما عرفه به من أنواع ~~العلوم؛ فإنه إذا كان هداهم إلى أن يعلم بعضهم صدق رسول من أرسله إليه بشر ~~مثله، بعلامات يأتي بها الرسول، وإن كان لم تتقدم مواطأة وموافقة بين ~~المرسل والمرسل إليهم. # طرق الناس في دلالة المعجزة على ms266 صدق الرسول # فمن هدى عباده إلى أن يرسلوا رسولا بعلامة، ويعلم المرسل إليها أنها ~~علامة تدل على صدقه قطعا، فكيف لا يقدر هو أن يرسل رسولا، ويجعل معه علامات ~~يعرف بها عباده أنه قد أرسله. وهذا كمن جعل غيره قديرا، عليما، حكيما، فهو ~~أولى أن يكون قديرا، عليما، حكيما، فمن جعل الناس يعلمون صدق رسول [يرسله ~~بعض خلقه بعلامات يعلم بها المرسل صدق رسوله] 2، فمن هدى العباد إلى هذا، ~~فهو أقدر على أن يعلمهم صدق رسوله بعلامات يعرفون بها صدقه، وإن لم يكن قبل ~~ذلك قد تقدم بينهم وبينه مواطأة3. PageV02P683 # وللناس طرق في دلالة المعجزة على صدق الرسول1: طريق الحكمة، وطريق ~~القدرة، وطريق العلم والضرورة، وطريق سنته وعادته التي بها يعرف أيضا ما ~~[يفعله] 2؛ وهو من جنس المواطأة، وطريق العدل، وطريق الرحمة، وكلها طرق ~~صحيحة. # وكلما كان الناس إلى الشيء أحوج، كان [الرب] 3 به أجود، [وكذلك كلما ~~كانوا إلى بعض العلم أحوج، كان به أجود] 4؛ فإنه سبحانه الأكرم، الذي علم ~~بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وهو الذي خلق PageV02P684 # فسوى، [والذي] 1 قدر فهدى، وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى2. ~~PageV02P685 # فكيف لا يقدر أن يهدي عباده إلى أن يعلموا أن هذا رسوله، وأن ما جاء به ~~من الآيات [أنه] 1 من الله، وهي شهادة من الله له بصدقه، وكيف [تقتضي] 2 ~~حكمته أن يسوي بين الصادق والكاذب؛ فيؤيد الكاذب من آيات الصدق، بمثل ما ~~يؤيد به الصادق؛ [حتى] 3 لا يعرف هذا من هذا، وأن يرسل رسولا يأمر الخلق ~~بالإيمان به وطاعته، ولا يجعل لهم طريقا إلى معرفة صدقه. PageV02P686 # وهذا كتكليفهم بما لا يقدرون عليه، وما لا يقدرون على أن يعلموه. وهذا ~~ممتنع في صفة الرب، وهو منزه عنه سبحانه؛ فإنه لا يكلف نفسا إلا وسعها. # وقد علم من سنته وعادته: أنه لا يؤيد الكذاب، بمثل ما أيد به الصادق [قط] ~~1، بل لا بد أن يفضحه ولا ينصره، بل لا بد أن يهلكه. وإذا نصر ملكا ظالما ms267 ~~مسلطا، فهو لم يدع النبوة، ولا كذب عليه، بل هو ظالم سلطه على ظالم؛ كما ~~قال تعالى: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} 2، بخلاف من قال: إنه أرسله؛ ~~فهذا لا يؤيده تأييدا مستمرا إلا مع الصدق، لكن قد يمهله مدة، ثم يهلكه؛ ~~كما فعل بمن كذب الرسل: {إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم ~~رويدا} 3. # معنى النبي في اللغة # ولفظ النبي كلفظ الرسول4، هو في الأصل إنما قيل مضافا إلى الله؛ فيقال: ~~رسول الله، ثم عرف باللام؛ فكانت اللام تعاقب الإضافة؛ كقوله: {إنا أرسلنا ~~إليكم رسولا شاهدا عليكم كما [أرسلنا] 5 إلى فرعون رسولا فعصى فرعون ~~الرسول} 6، وقوله: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم [كدعاء] 7 بعضكم بعضا قد ~~يعلم الله الذين يتسللون [منكم] 8 لواذا} 9. PageV02P687 # وكذلك اسم النبي؛ يقال نبي الله؛ كما قال: {فلم تقتلون أنبياء الله من ~~قبل إن كنتم مؤمنين} 1، وقيل لهم: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء ~~بعضكم بعضا} 2؛ فتقولون: يا محمد. بل قولوا: يا نبي الله، يا رسول الله. # معنى الرسول في اللغة # ورسول: فعول؛ بمعنى مفعول؛ [أي مرسل؛ فرسول الله: الذي أرسله الله؛ فكذلك ~~نبي الله هو بمعنى مفعول] 3: أي منبأ الله؛ الذي نبأه الله. وهذا أجود من ~~أن يقال: إنه بمعنى فاعل؛ أي منبىء؛ فإنه إذا نبأه الله، فهو نبي [الله] 4؛ ~~سواء أنبأ بذلك غيره، أو لم ينبئه؛ فالذي صار به النبي نبيا: أن ينبئه ~~الله. # وهذا مما يبين ما امتاز به عن غيره؛ فإنه إذا كان الذي ينبئه الله؛ كما ~~أن الرسول هو الذي يرسله الله؛ فما نبأ الله حق، وصدق، ليس فيه كذب؛ لا ~~خطأ، ولا عمدا5؛ وما يوحيه الشيطان: هو من إيحائه، ليس من إنباء ~~PageV02P688 # الله؛ فالذي اصطفاه الله [لإنبائه] 1، وجعله نبيا له؛ كالذي اصطفاه ~~لرسالته، وجعله رسولا له؛ فكما أن رسول الله لا يكون [رسولا] 2 لغيره، فلا ~~يقبل أمر غير الله؛ فكذلك نبي الله لا يكون نبيا لغير الله، فلا يقبل أنباء ~~أحد إلا أنباء الله. # وإذا أخبر بما ms268 أنبأ الله، وجب الإيمان به؛ فإنه صادق مصدوق، ليس في شيء ~~مما أنبأه الله به شيء من وحي الشيطان. وهذا بخلاف غير النبي؛ فإنه وإن كان ~~قد يلهم، ويحدث، ويوحى إليه أشياء من الله، ويكون حقا، فقد يلقي إليه ~~الشيطان أشياء. ويشتبه هذا بهذا؛ فإنه ليس نبيا لله؛ كما أن الذي يأمر ~~بطاعة الله غير الرسول، وإن كان أكثر ما يأمر به هو طاعة الله، فقد يغلط ~~ويأمر بغير طاعة الله، بخلاف الرسول المبلغ عن الله؛ فإنه لا يأمر إلا ~~بطاعة الله؛ قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} 3، وقال تعالى: {وما ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} 4. PageV02P689 # فنبي الله هو [الذي] 1 ينبئه الله، لا غيره. ولهذا أوجب الله الإيمان بما ~~أوتيه النبيون؛ فقال تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} 2، وقال تعالى: {آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله} 3، وقال تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} 4. # وليس كل من أوحي إليه الوحي العام5 يكون نبيا؛ فإنه قد يوحى إلى ~~PageV02P690 # غير الناس؛ قال تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ~~ومن الشجر ومما يعرشون} 1، وقال تعالى: {وأوحى في كل سماء أمرها} 2. وقال ~~تعالى عن يوسف وهو صغير: {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب ~~وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} 3 وقال تعالى: {وأوحينا ~~إلى أم موسى أن أرضعيه} 4، وقال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ~~بي وبرسولي} 5. # وقوله: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا} 6؛ يتناول وحي الأنبياء، ~~وغيرهم؛ كالمحدثين الملهمين؛ كما في الصحيحين عن النبي PageV02P691 # صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في ~~أمتي أحد فعمر ms269 منهم" 1. # وقال عبادة بن الصامت2: رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في منامه3. # معنى المحدث والملهم # فهؤلاء المحدثون الملهمون المخاطبون4 يوحى إليهم هذا الحديث PageV02P692 # الذي هو لهم [خطاب] 1، وإلهام، وليسوا بأنبياء معصومين [مصدقين] 2 في كل ~~ما يقع لهم؛ فإنه قد يوسوس لهم الشيطان بأشياء لا تكون من إيحاء الرب، بل ~~من إيحاء الشيطان، وإنما يحصل الفرقان بما جاءت به الأنبياء؛ فهم الذين ~~يفرقون بين وحي الرحمن ووحي الشيطان؛ فإن [الشياطين] 3 [أعداؤهم] 4، وهم ~~يوحون بخلاف وحي الأنبياء5؛ قال تعالى: {وكذلك PageV02P693 # جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} 1، وقال تعالى: {وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم [لمشركون] 2} 3. # الذين غلطوا في النبوة # الفلاسفة والباطنية والملاحدة من أبعد الطوائف عن النبوة # وقد غلط في النبوة طوائف غير الذين كذبوا بها؛ إما ظاهرا وباطنا، وإما ~~باطنا؛ كالمنافق المحض، بل الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول، ~~وإلى من قبله، وهم خلق كثير فيهم شعبة نفاق، وإن لم يكونوا مكذبين للرسول ~~من كل وجه، بل قد يعظمونه بقلوبهم، ويعتقدون وجوب طاعته في أمور دون أمور. # وأبعد هؤلاء عن النبوة: المتفلسفة، والباطنية، والملاحدة4؛ فإن هؤلاء لم ~~يعرفوا النبوة إلا [من] 5 جهة القدر المشترك بين بني آدم؛ وهو PageV02P694 # المنام، وليس [في] 1 كلام أرسطو وأتباعه كلام في النبوة2، والفارابي ~~جعلها من جنس المنامات فقط، ولهذا يفضل هو وأمثاله الفيلسوف على النبي3. # ابن سينا جعل للنبي ثلاث خصائص # وابن سينا عظمها أكثر من ذلك4؛ فجعل للنبي [ثلاث] 5 خصائص6: PageV02P695 # أحدها: أن ينال العلم بلا تعلم، ويسميها القوة القدسية؛ وهي القوة ~~الحدسية عنده. # والثاني: أن يتخيل في نفسه ما يعلمه؛ فيرى في نفسه صورا نورانية، ويسمع ~~في نفسه أصواتا؛ كما يرى النائم في نومه صورا تكلمه، ويسمع كلامهم، وذلك ~~موجود في نفسه لا في الخارج. فهكذا عند هؤلاء جميع ما يختص به النبي مما ~~يراه ويسمعه دون ms270 الحاضرين، إنما يراه في نفسه ويسمعه في نفسه، وكذلك ~~الممرور1 عندهم2. # والثالث: أن يكون له قوة يتصرف بها في هيولي العالم، بإحداث أمور غريبة؛ ~~وهي عندهم آيات الأنبياء، وعندهم ليس في العالم حادث إلا عن قوة نفسانية، ~~أو ملكية، أو طبعية؛ كالنفس الفلكية3، PageV02P696 # والإنسانية1، والأشكال الفلكية2، والطبائع3 التي للعناصر الأربعة، ~~والمولدات4، لا يقرون بأن فوق الفلك PageV02P697 # [نفسه] 1 شيء يفعل، ولا يحدث شيئا، فلا يتكلم، ولا يتحرك بوجه من الوجوه؛ ~~لا ملك ولا غير ملك، فضلا عن رب العالم. # والعقول التي يثبتونها2 عندهم ليس فيها تحول من حال إلى حال البتة؛ لا ~~بإرادة، ولا قول، ولا عمل، ولا غير ذلك. وكذلك المبدأ الأول3. # النبوة عند الفلاسفة # وهؤلاء عندهم جميع ما يحصل في نفوس [الأنبياء] 4، إنما هو من فيض العقل ~~الفعال5. PageV02P698 # ثم إنهم لما سمعوا كلام الأنبياء، أرادوا الجمع بينه، وبين أقوالهم؛ ~~فصاروا يأخذون ألفاظ الأنبياء، فيضعونها على معانيهم، ويسمون تلك المعاني ~~بتلك الألفاظ المنقولة عن الأنبياء، ثم يتكلمون ويصفون الكتب بتلك الألفاظ ~~المأخوذة عن الأنبياء؛ فيظن من لم يعرف مراد الأنبياء ومرادهم أنهم عنوا ~~بها ما عنته الأنبياء. وضل بذلك طوائف. وهذا موجود في كلام ابن سينا1، ومن ~~أخذ عنه. # الغزالي ربما حذر عن مذهب الفلاسفة وأخذ بأقوالهم # وقد ذكر الغزالي ذلك عنهم تعريفا بمذهبهم، وربما حذر عنه2، ووقع في كلامه ~~طائفة من هذا في الكتب المضنون بها على غير أهلها3، وفي غير ذلك4؛ حتى في ~~كتابه الإحياء5؛ يقول: الملك، والملكوت، PageV02P699 # والجبروت؛ ومقصوده: الجسم، والنفس، والعقل الذي [أثبتته] 1 الفلاسفة2، ~~ويذكر اللوح المحفوظ؛ ومراده به: النفس الفلكية، إلى غير ذلك مما قد بسط في ~~غير هذا الموضع3. # وهو في التهافت4 وغيره: يكفرهم، وفي المضنون به5: يذكر ما هو حقيقة ~~مذهبهم؛ حتى يذكر في النبوات عين ما قالوه6، وكذلك في الإلهيات. # وهذه الصفات الثلاث التي جعلوها خاصة الأنبياء، توجد لعموم الناس، بل ~~توجد لكثير من الكفار؛ من المشركين، وأهل الكتاب؛ فإنه قد PageV02P700 # يكون لأحدهم من العلم والعبادة، ما يتميز به على ms271 غيره من الكفار، ويحصل ~~له بذلك حدس وفراسة يكون أفضل من غيره. # وأما التخييل في نفسه: فهذا حاصل لجميع الناس الذين يرون في مناماتهم ما ~~يرون، لكن هو يقول: إن خاصة النبي أن يحصل له في اليقظة ما حصل لغيره في ~~المنام. # وهذا موجود لكثير من الناس؛ قد يحصل له في اليقظة ما يحصل لغيره في ~~المنام. # ويكفيك أنهم جعلوا مثل هذا يحصل للممرور، وللساحر، ولكن: قالوا: الساحر ~~قصده فاسد، والممرور ناقص العقل، فجعلوا ما يحصل للأنبياء، من جنس ما يحصل ~~للمجانين والسحرة. وهذا قول الكفار في الأنبياء؛ كما قال تعالى: {كذلك ما ~~أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم ~~طاغون} 1. # الفرق بين الرسول والساحر عند الفلاسفة # وهؤلاء عندهم ما يحصل للنبي من المكاشفة2 والخطاب، هو من جنس ما يحصل ~~للساحر والمجنون، لكن الفرق بينه وبين الساحر: أنه يأمر بالخير، وذاك يأمر ~~بالشر3، والمجنون ما له عقل. # وهذا القدر الذي فرقوا به موجود في عامة الناس، فلم يكن عندهم للأنبياء ~~مزية على السحرة والمجانين، إلا ما يشاركهم فيه عموم المؤمنين. PageV02P701 # القوة الفعالة عند الفلاسفة تحصل للساحر # وكذلك ما أثبتوه من القوة الفعالة المتصرفة: هي عندهم تحصل للساحر، ~~وغيره؛ وذلك أنهم لا يعرفون الجن والشياطين، وقد أخبروا بأمور عجيبة في ~~العالم، فأحالوا ذلك على قوة نفس الإنسان، فما يأتي به الأنبياء من الآيات ~~والسحرة والكهان، وما يخبر به المصروع والممرور: هو عندهم كله من قوة نفس ~~الإنسان؛ فالخبر بالغيب: هو لاتصالها بالنفس الفلكية؛ ويسمونها اللوح ~~المحفوظ1. والتصرف: هو بالقوة النفسانية. وهذا حذق ابن سينا وتصرفه، لما ~~أخبر بأمور في العالم غريبة، لم يمكنه التكذيب بها؛ فأراد إخراجها على ~~أصولهم، وصرح بذلك في إشاراته، وقال: هذه الأمور لم نثبتها ابتداء، بل لما ~~تحققنا أن في العالم أمورا من هذا الجنس، أردنا أن نبين أسبابها. # أرسطو وأتباعه لم يعرفوا الأنبياء وآياتهم ولكن السحر موجود فيهم # وأما [أرسطو] 2 وأتباعه: فلم يعرفوا هذه الأمور الغريبة، ms272 ولم يتكلموا ~~عليها ولا على آيات الأنبياء، ولكن كان السحر موجودا فيهم. وهؤلاء من أبعد ~~الأمم عن العلوم الكلية، والإلهية؛ فإن حدوث هذه الغرائب من الجن، ~~واقترانهم بالسحرة والكهان، مما قد عرفه عامة الأمم، وذكروه في كتبهم، غير ~~العرب؛ مثل الهند، والترك، وغيرهم؛ من المشركين، وعباد الأصنام، وأصحاب ~~الطلاسم والعزائم، وعرفوا أن كثيرا من هذه الخوارق هو من الجن والشياطين. ~~وهؤلاء الجهال لم يعرفوا ذلك، ولهذا كان من PageV02P702 # أصلهم أن النبوة مكتسبة، وكان السهروردي المقتول يطلب أن يكون نبيا، ~~وكذلك ابن سبعين، وغيره1. # النبوة الحق # والنبوة الحق: هي [إنباء] 2 الله لعبده، ونبي الله: من كان الله هو الذي ~~ينبئه، ووحيه من الله، وهؤلاء3 وحيهم من الشياطين؛ فهم من جنس المتنبئين ~~الكذابين؛ كمسيلمة الكذاب، وأمثاله. بل أولئك4 أحذق منهم؛ فإنهم كانت ~~تأتيهم أرواح، فتكلمهم وتخبرهم بأمور غائبة، وهي موجودة في الخارج لا في ~~أنفسهم، وهؤلاء لا يعرفون مثل هذا. PageV02P703 # وقائع دخول الجن في الإنس أكثر من أن تحصى # ووجود الجن والشياطين في الخارج وسماع كلامهم أكثر من أن يمكن سطر عشره ~~هنا، وكذلك صرعهم للإنس، وتكلمهم على ألسنتهم. # والفرق بين النبي [و] 1 الساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار. والنبي ~~يأتيه ملك كريم من عند الله ينبئه الله، والساحر والكاهن إنما معه شيطان ~~يأمره ويخبره؛ قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل ~~أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} 2؛ فلا الخبر كالخبر، ولا الأمر ~~كالأمر، ولا مخبر هذا كمخبر هذا، ولا آمر هذا كآمر هذا؛ كما أنه ليس هذا ~~مثل هذا؛ ولهذا قال تعالى لما ذكر الذي جاء بالقرآن إلى محمد وأنه ملك ~~منفصل، ليس خيالا في نفسه، كما يقوله هؤلاء؛ قال تعالى: {إنه لقول رسول ~~كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه ~~بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون ~~إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما ms273 تشاءون إلا أن يشاء ~~الله رب العالمين} 3؛ فالقرآن قول رسول أرسله الله، لم يرسله الشيطان؛ وهو ~~ملك كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين؛ فهو مطاع عند ذي العرش ~~في [الملأ] 4 الأعلى. # أصح الأقوال في جنة آدم صلى الله عليه وسلم # والشياطين لا يطاعون في السموات، بل ولا يصعدون إليها، وإبليس من حين ~~أهبط منها لم يصعد إليها. PageV02P704 # ولهذا كان أصح القولين1: أن جنة آدم جنة التكليف، لم تكن في PageV02P705 # السماء؛ فإن إبليس دخل إلى جنة التكليف؛ جنة آدم بعد [إهباطه] 1 من ~~السماء، وقول الله له: {فاخرج منها فإنك رجيم و [إن] 2 عليك لعنتي إلى يوم ~~الدين} 3، وقوله تعالى: { [اخرج] 4 منها [مذءوما] 5 مدحورا} 6، لكن كانت في ~~مكان عال في الأرض من ناحية [المشرق7] 8، ثم لما أكل PageV02P706 # من الشجرة، أهبط منها إلى الأرض؛ كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع1. # لفظ الجنة في القرآن # ولفظ الجنة في غير موضع من القرآن: يراد به بستان في الأرض؛ كقوله: {إنا ~~بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة} 2، وقوله: {واضرب لهم مثلا رجلين ~~PageV02P707 # جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب} ، إلى قوله: {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم ~~تظلم منه شيئا} ، إلى قوله: {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه} 1، وقوله تعالى: ~~{ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة ~~بربوة} الآية، إلى قوله: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} ~~الآية2، وقوله تعالى: {لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال} ، ~~إلى قوله: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل} ~~3، وقوله: { [كم] 4 تركوا من جنات وعيون} الآية5، وقوله: {أتتركون فيما ~~ههنا آمنين في جنات وعيون} 6. # وجنة الجزاء والثواب التي في السماء لم يدخلها الشيطان بعد أن أهبط من ~~السماء، وهو أهبط من السماء لما امتنع من السجود لآدم، قبل أن يدخل آدم إلى ~~جنة التكليف التي وسوس له، وأخرجه منها7. PageV02P708 # جنة الجزاء مخلوقة والرد على من أنكر ذلك ms274 وجنة الجزاء مخلوقة أيضا. # وقد أنكر بعض أهل البدع1 أن تكون مخلوقة، وقال: إن آدم لم يدخلها؛ لكونها ~~لم تخلق بعد. فأنكر ذلك عليه من أنكره من علماء السنة. # وقد ذكر أبو العالية، وغيره من السلف: أن الشجرة التي نهي عنها آدم كان ~~لها غائط، فلما أكل احتاج إلى الغائط2، وجنة الجزاء ليس فيها هذا. لكن الله ~~أعلم بصحة هذا النقل. # وإنما المقصود: أن بعض السلف كان يقول إنها في السماء، وبعضهم يقول إنها ~~في مكان عال من الأرض. # ولفظ الجنة في القرآن: قد ذكر فيما شاء الله من المواضع، وأريد به جنة في ~~الأرض. # وجنة الجزاء مخصوصة بمماتهم؛ كقوله: {قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي ~~يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} 3؛ فإن أرواح PageV02P709 # المؤمنين تدخل الجنة من حين الموت؛ كما في هذه الآية: {قيل ادخل الجنة ~~قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} 1، قال تعالى: ~~{وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا ~~صيحة واحدة فإذا هم خامدون} 2، وقال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} 3، وقال تعالى لما ذكر أحوال الموتى ~~عند الموت: {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من ~~أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين ~~فنزل من حميم وتصلية جحيم} 4. وهذا غير ما ذكره في أول السورة من انقسامهم ~~يوم القيامة الكبرى إلى سابقين، وأصحاب يمين، ومكذبين؛ فإنه سبحانه ذكر في ~~أول السورة انقسامهم في القيامة الكبرى5، وذكر في آخرها انقسامهم عند ~~الموت؛ وهو القيامة الصغرى6؛ كما قال المغيرة بن شعبة: "من مات فقد قامت ~~قيامته"7، PageV02P710 # وكذلك قال علقمة1، وسعيد بن جبير عن ميت: أما هذا فقد قامت قيامته2؛ أي ~~صار إلى الجنة أو النار. وإن كان بعد هذا تعاد الروح إلى البدن، و [تقعد] 3 ~~بقبره. # الإيمان بنعيم القبر وعذابه ms275 # ومقصودهم: أن الشخص لا يستبطىء الثواب والعقاب؛ فهو إذا مات يكون في ~~الجنة أو في النار4؛ قال تعالى عن قوم نوح: {مما PageV02P711 # [خطاياهم] 1 أغرقوا فأدخلوا نارا} 2، وقال عن آل فرعون: {النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} 3. وبسط ~~هذا له موضع آخر4. PageV02P712 # ملاحدة الصوفية وكلامهم في النبوة # والمقصود هنا: الكلام على النبوة؛ فهؤلاء المتفلسفة ما قدروا النبوة حق ~~قدرها، وقد ضل بهم طوائف من المتصوفة المدعين للتحقيق وغيرهم، وابن عربي، ~~وابن سبعين ضلوا بهم؛ فإنهم اعتقدوا مذهبهم، وتصوفوا عليه، ولهذا يقول ابن ~~عربي: إن الأولياء أفضل من الأنبياء1، وإن الأنبياء وسائر الأولياء يأخذون ~~عن خاتم الأنبياء علم التوحيد، وأنه هو يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ~~الذي يوحي به إلى الرسول؛ فإن الملك عنده هو الخيال الذي في [النفس] 2، وهو ~~جبريل عندهم، وذلك الخيال تابع للعقل؛ فالنبي عندهم يأخذ عن هذا الخيال ما ~~يسمعه من الصوت في نفسه. # ولهذا يقولون: إن موسى كلم من سماء عقله، والصوت الذي سمعه كان في نفسه ~~لا في الخارج، ويدعي أحدهم أنه أفضل من موسى، وكما ادعى ابن عربي أنه أفضل ~~من محمد؛ فإنه يأخذ عن العقل الذي يأخذ منه الخيال، والخيال عنده هو الملك ~~الذي يأخذ منه النبي، فلهذا قال: فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ~~الذي يوحى به إلى النبي، قال: فإن عرفت هذا فقد حصل لك العلم النافع. وبسط ~~الكلام على هؤلاء له مواضع أخر3. PageV02P713 # الفرق بين الرسول والنبي # والمقصود هنا: الكلام على النبوة؛ فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبىء ~~بما أنبأ الله به؛ فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من ~~الله إليه؛ فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو ~~إلى أحد [يبلغه] 1 عن الله رسالة؛ فهو نبي، وليس برسول؛ قال تعالى: {وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} 2، ~~وقوله: {من ms276 رسول ولا نبي} ؛ فذكر إرسالا يعم النوعين، وقد خص أحدهما بأنه ~~رسول؛ فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله؛ ~~كنوح. # وقد ثبت في الصحيح أنه3 أول رسول بعث إلى أهل الأرض4، PageV02P714 # وقد كان قبله أنبياء؛ كشيث1، وإدريس2 عليهما السلام، وقبلهما آدم كان ~~نبيا مكلما3. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح، عشرة قرون كلهم على ~~الإسلام4. PageV02P715 # أنبياء بني إسرائيل يحكمون بالتوراة # فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين ~~الذين عندهم؛ لكونهم مؤمنين بهم؛ كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما ~~يبلغه العلماء عن الرسول. # وكذلك أنبياء [بني] 1 إسرائيل2 يأمرون بشريعة التوراة، وقد يوحى إلى ~~أحدهم وحي خاص في قصة معينة، ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالم الذي يفهمه ~~الله في قضية معنى يطابق القرآن؛ كما فهم الله سليمان [حكم] 3 القضية التي ~~حكم فيها هو وداود4. PageV02P716 # الفرق بين الرسول والنبي # فالأنبياء ينبئهم الله؛ فيخبرهم بأمره، ونهيه، وخبره. وهم ينبئون ~~المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به من الخبر، والأمر، والنهي. فإن أرسلوا إلى ~~كفار يدعونهم إلى توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، ولا بد أن يكذب ~~الرسل قوم؛ قال تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر ~~أو مجنون} 1، وقال: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} 2؛ فإن الرسل ~~ترسل إلى مخالفين؛ فيكذبهم بعضهم. # وقال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى3 إليهم من أهل القرى أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير ~~للذين اتقوا أفلا [تعقلون] 4 حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ~~جاءهم نصرنا فننجي5 من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} 6. ~~PageV02P717 # وقال: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد} 1. # فقوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} 2: دليل على أن النبي مرسل، ~~ولا يسمى رسولا عند الإطلاق؛ لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا ms277 يعرفونه، بل كان ~~يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حق؛ كالعالم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء" 3. # ليس من شروط الرسول أن يأتي بشرع جديد # وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة؛ فإن يوسف كان على ملة إبراهيم، ~~وداود وسليمان كانا رسولين، وكانا على شريعة التوراة4؛ PageV02P718 # قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم ~~في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا} 1، وقال ~~تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا ~~PageV02P719 # إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون ~~وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم ~~عليك وكلم الله موسى تكليما} 1. # الإرسال اسم عام # والإرسال: اسم عام يتناول إرسال الملائكة، وإرسال الرياح، وإرسال ~~الشياطين، وإرسال النار؛ قال تعالى: {يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس} 2، ~~وقال تعالى: {جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة} 3؛ فهنا جعل الملائكة كلهم ~~رسلا. والملك في اللغة: هو حامل الألوكة؛ وهي الرسالة4. وقد قال في موضع ~~آخر: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} 5. # فهؤلاء الذين يرسلهم بالوحي؛ كما قال: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} 6، وقال تعالى: ~~{وهو الذي يرسل الرياح [بشرا] 7 بين يدي رحمته} 8، وقال تعالى: {إنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} 9. PageV02P720 # لكن الرسول المضاف إلى الله: إذا قيل: رسول الله، فهم من يأتي برسالة من ~~الله؛ من الملائكة، والبشر؛ كما قال: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس} 1، وقالت الملآئكة: {يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} 2. # وأما عموم الملائكة، والرياح، والجن: فإن إرسالها [لتفعل] 3 [فعلا] 4، لا ~~[لتبلغ] 5 رسالة، قال تعالى: {اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا} 6. # فرسل الله الذين يبلغون عن الله أمره ونهيه: هي ms278 رسل الله عند الإطلاق. ~~وأما من أرسله الله ليفعل فعلا بمشيئة الله وقدرته: فهذا عام يتناول كل ~~الخلق؛ كما أنهم كلهم [يفعلون] 7 بمشيئته، وإذنه المتضمن لمشيئته، لكن أهل ~~الإيمان يفعلون بأمره، ما يحبه ويرضاه، ويعبدونه وحده، ويطيعون رسله، ~~والشياطين يفعلون بأهوائهم، وهم عاصون لأمره، متبعون لما يسخطه، وإن كانوا ~~يفعلون بمشيئته وقدرته. # وهذا كلفظ [البعث] 8: يتناول البعث الخاص؛ البعث الشرعي؛ PageV02P721 ### | فصل الحجة على من أنكر قدرة الله وحكمته # ... # كما قال: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} 1، ويتناول البعث العام ~~الكوني؛ كقوله: {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ~~فجاسوا خلال الديار} 2، وقال تعالى: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيامة من يسومهم سوء العذاب} 3. # فالعام بحكم مشيئته وقدرته، والخاص هو أيضا [بحكم مشيئته وقدرته] 4، وهو ~~مع ذلك بحكم أمره، ورضاه، ومحبته. # وصاحب الخاص من أولياء الله يكرمه ويثبته، وأما من خالف أمره، فإنه يستحق ~~العقوبة، ولو كان فاعلا بحكم المشيئة؛ فإن ذلك لا يغني عنه من الله شيئا. # ولا يحتج بالمشيئة على المعاصي، إلا من تكون حجته داحضة، ويكون متناقضا، ~~متبعا لهواه، ليس عنده علم بما هو عليه؛ كالمشركين الذين قالوا: {لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} 5؛ كما قد بسط [هذا] 6 في غير ~~هذا الموضع7. والله أعلم. PageV02P622 ### | فصل الدليل هو الآية والبرهان # الدليل الذي هو الآية والبرهان يجب طرده كما تقدم1؛ فإنه لو كان تارة ~~يتحقق مع وجود المدلول عليه، وتارة يتحقق مع عدمه. فإذا تحقق لم يعلم: هل ~~وجد المدلول، أم لا؟ فإنه كما يوجد مع وجوده، [يوجد مع عدمه] 2. # ولهذا كان الدليل3 إما مساويا للمدلول عليه، وإما أخص منه، لا يكون أعم ~~من المدلول. # ولهذا لم يكن للأمور المعتادة دلالة على ما هو أخص؛ كطلوع الشمس، والقمر، ~~والكواكب، لا [تدل] 4 على صدق أحد، ولا كذبه؛ لا مدعي النبوة، ولا غيره؛ ~~فإنها توجد مع كذب الكاذب، كما توجد مع صدق الصادق. # المخلوقات آيات للرب # لكن ms279 [تدل] 5 على ما هو أعم منها؛ وهو وجود الرب، وقدرته، ومشيئته، ~~وحكمته؛ فإن وجود ذاته وصفاته ثابت؛ سواء كانت هذه المخلوقات موجودة، أو لم ~~تكن؛ فيلزم من وجود المخلوق وجود خالقه، ولا يلزم من PageV02P723 # عدمه عدم خالقه؛ فلهذا كانت المخلوقات كلها آيات للرب؛ فما من مخلوق إلا ~~وهو آية له1؛ هو دليل، وبرهان، وعلامة على ذاته وصفاته ووحدانيته. وإذا عدم ~~كان غيره من المخلوقات [تدل] 2 على ما دل عليه، ويجتمع على المعلوم الواحد ~~من الأدلة ما لا يحصيه إلا الله. # كل مخلوق هو علامة على ذاته سبحانه وصفاته ووحدانيته # وقد يكون الشيء مستلزما لدليل معين. فإذا عدم عرف انتفاؤه. وهذا مما يكون ~~لازما ملزوما؛ فتكون [الملازمة] 3 من الطرفين؛ فيكون كل منهما دليلا. ~~PageV02P724 # وإذا قدر [انتفاؤه كان دليلا على] 1 انتفاء الآخر؛ كالأدلة على الأحكام ~~الشرعية؛ فما من حكم إلا جعل الله عليه دليلا. # وإذا قدر انتفاء جميع الأدلة الشرعية على حكم، علم أنه ليس حكما شرعيا2، ~~وكذلك ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله؛ فإنه إذا نقل دل التواتر على ~~وجوده، وإذا لم ينقل مع توفر الهمم والدواعي على نقله لو كان موجودا، علم ~~أنه لم يوجد؛ كالأمور الظاهرة التي يشترك فيها الناس؛ مثل موت ملك، وتبدل ~~ملك، وتبدل ملك بملك، وبناء مدينة ظاهرة، وحدوث حادث عظيم في المسجد أو ~~البلد؛ فمثل هذه الأمور لا بد أن ينقلها الناس إذا وقعت. فإذا لم تنقل نقلا ~~عاما، بل نقلها واحد، علم أنه قد كذب. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع3. # وقد بسط في غير هذا الموضع: الفرق بين الآية التي هي علامة تدل على نفس ~~المعلوم، وبين القياس الشمولي الذي لا يدل [إلا] 4 على قدر كلي مشترك، لا ~~يدل على شيء معين؛ إذ كان لا بد فيه من قضية كلية، وأن ذلك القياس لا يفيد ~~العلم بأعيان الأمور الموجودة، ولا يفيد معرفة شيء؛ لا الخالق، ولا نبي من ~~أنبيائه، ولا نحو ذلك. بل إذا قيل: كل محدث فلا ms280 بد له من [محدث] 5، دل على ~~محدث مطلق، لا يدل على عينه، بخلاف آيات الله؛ فإنها تدل على عينه. ~~PageV02P725 # وبينا أن القرآن ذكر الاستدلال بآيات الله. وقد يستدل بالقياس الشمولي، ~~والتمثيلي، لكن دلالة الآيات أكمل وأتم1. # وتبين غلط من عظم دلالة القياس الشمولي المنطقي، وأنهم من أبعد الناس عن ~~العلم والبيان. # وذكرنا أيضا2 غلط من فضل الشمولي [على] 3 التمثيلي، وأنها من جنس واحد، ~~والتمثيلي أنفع، وإنما الآيات تكون أحسن. # ثلاثة أقوال في معنى الآية # وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي ما ذكره [أبو بكر] 4 ابن الأنباري5، وغيره ~~في الآيات آيات القرآن؛ مثل قوله: {قد [كانت] 6 آياتي تتلى عليكم فكنتم على ~~أعقابكم تنكصون مستكبرين} 7: ثلاثة أقوال؛ قال: "في معنى الآية ثلاثة ~~[أقوال] 8: PageV02P726 # القول الأول # أحدها: أنها العلامة؛ فمعنى آية: علامة؛ لانقطاع الكلام الذي قبلها ~~وبعدها1. # قال الشاعر2: # ألا أبلغ لديك بني تميم ... بآية ما يحبون الطعاما3 PageV02P727 # وقال النابغة1: # توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع2 # قال: وهذا اختيار أبي عبيد3"4. # قلت5: أما أن الآية هي العلامة في اللغة. فهذا صحيح، وما استشهد به من ~~الشعر يشهد لذلك. # وأما تسمية الآية من القرآن آية؛ لأنها علامة: صحيح، لكن قول القائل: ~~إنها علامة؛ لانقطاع الكلام الذي قبلها وبعدها: ليس بطائل؛ فإن هذا المعنى ~~الحد والفصل؛ فالآية مفصولة عما قبلها، وعما بعدها. PageV02P728 # وليس معنى كونها آية هو هذا، وكيف؟ وآخر الآيات آية؛ مثل آخر سورة الناس، ~~وكذلك آخر آية من السورة، وليس بعدها شيء، وأول الآيات آية، وليس قبلها ~~شيء؛ مثل أول آية من القرآن، ومن السورة، وإذا قرئت الآية وحدها، كانت ~~[آية] 1، وليس معها غيرها. # وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية يرددها حتى أصبح2: {إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} 3؛ فهي آية في نفسها، لا ~~لكونها منقطعة مما قبلها وما بعدها. # وأيضا: فكونه علامة على هذا الانقطاع: قدر مشترك بين جميع الأشياء التي ~~يتميز بعضها عن بعض، ولا تسمى آيات. والسورة ms281 متميزة عما قبلها وما بعدها، ~~وهي آيات كثيرة. وأيضا فالكلام الذي قبلها منقطع، وما قبلها آية. فليست ~~دلالة الثانية على الانقطاع بأولى من دلالة الأولى عليه. PageV02P729 # وأيضا: فكيف يكون كونها آية علامة للتمييز بينها وبين غيرها، والله سماها ~~آياته؛ فقال: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق} 1. # والصواب: أنها آية من آيات الله؛ أي علامة من علاماته، ودلالة من أدلة ~~الله، وبيان من بيانه؛ فإن كل آية قد بين فيها من أمره وخبره، ما هي دليل ~~عليه، وعلامة عليه؛ فهي آية من آياته؛ وهي أيضا دالة على كلام الله المباين ~~لكلام المخلوقين؛ فهي دلالة على الله سبحانه، وعلى ما أرسل بها رسوله. # ولما كانت كل آية مفصولة بمقاطع الآي التي يختم بها كل آية، صارت كل جملة ~~مفصولة بمقاطع الآي: آية. # صفة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم.. # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقف على رؤوس الآي؛ كما نعتت قراءته: ~~الحمد لله رب العالمين، وتقف. الرحمن الرحيم، وتقف. مالك يوم الدين، وتقف2. ~~ويسمي أصحاب الوقف: وقف السنة؛ لأن كل آية لها فصل ومقطع تتميز عن الأخرى3. # القول الثاني # قال4: "والوجه الثاني5: أنها سميت آية؛ لأنها جماعة حروف من PageV02P730 # القرآن، وطائفة منه. قال [أبو عمرو] 1 الشيباني2: يقال: خرج القوم ~~بآيتهم؛ أي بجماعتهم، وأنشدوا3: # خرجنا من النقبين لا حي مثلنا بآياتنا ترجى اللقاح المطافلا) 4. # قلت5: هذا فيه نظر؛ فإن قولهم: خرج القوم بآيتهم: قد يراد به بالعلامة ~~التي تجمعهم؛ مثل الراية، واللواء؛ فإن العادة أن كل قوم لهم أمير، [يكون] ~~6 له آية يعرفون [بها] 7، فإذا [أخرج] 8 الأمير آيتهم، PageV02P731 # اجتمعوا إليه. ولهذا سمي ذلك علما. والعلم هي العلامة والآية، ويسمى ~~راية؛ لأنه يرى. فخروجهم بآيتهم: أي بالعلم والآية التي تجمعهم؛ فيستدل ~~[بها] 1 على خروجهم جميعهم؛ فإن الأمير المطاع إذا خرج، لم يتخلف أحد، ~~بخلاف ما إذا خرج بعض امرائه. وإلا، فلفظ الآية: هي العلامة. وهذا معلوم ~~بالإضطرار، والإشتراك في اللفظ، لا يثبت بأمر محتمل. # القول الثالث # قال2: "والثالث: ms282 أنها سميت آية؛ لأنها عجب؛ وذلك: أن قارئها يستدل إذا ~~قرأها على مباينتها لكلام المخلوقين. وهذا كما [تقول] 3: فلان آية من ~~الآيات: أي عجب من العجائب. ذكره ابن الأنباري"4. # قلت5: هذا القول هو داخل في معنى كونها آية من آيات الله؛ فإن آيات الله ~~كلها عجيبة؛ فإنها خارجة عن قدرة البشر، و [عما] 6 قد يشبه بها من مقدور ~~البشر. # والقرآن كله عجب؛ تعجبت به الجن؛ كما حكى عنهم تعالى أنهم PageV02P732 # قالوا: {إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا ~~أحدا} 1؛ فإنه كلام خارج عن المعهود من الكلام، وهو كما في الحديث: لا ~~تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن [كثرة] 2 الرد3. ~~PageV02P733 # وكل آية لله خرجت عن المعتاد، فهي عجب؛ كما قال تعالى: {أم حسبت أن أصحاب ~~الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} 1. # فالآيات: العلامات والدلالة. ومنها: مألوف معتاد، ومنها: خارج عن المألوف ~~المعتاد. # آيات القرآن.. # وآيات القرآن من هذا الباب؛ فالقرآن عجب، لا لأن مسمى الآية هو مسمى ~~العجب، بل مسمى الآية أعم، [ولهذا] 2 قال: {كانوا من آياتنا عجبا} . # معنى الآية في العرف # ولكن لفظ الآية قد يخص في العرف بما يحدثه الله، و [أنها] 3 غير المعتاد ~~دائما؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات ~~الله، و [إنهما] 4 لا تخسفان لموت أحد، ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات ~~الله يخوف بهما عباده"5. # وقد قال تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ~~وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} 6. # وفي الحديث الصحيح: لما دخلت أسماء على عائشة وهي في PageV02P734 # الصلاة، فسألتها فقالت: سبحان الله، فقالت آية؟ فأشارت أي نعم1. # صلاة الكسوف # وتسمى صلاة الكسوف صلاة الآيات2، وهي مشروعة في أحد القولين في مذهب ~~أحمد، في جميع الآيات3 التي يحصل بها PageV02P735 # التخويف1؛ كانتثار الكواكب، والظلمة الشديدة، وتصلى للزلزلة، نص عليه2، ~~كما جاء الأثر بذلك3. # فهذه الآيات أخص ms283 من مطلق الآيات، وقد قال تعالى: {وما تأتيهم من آية من ~~آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} 4، وقال صلى الله عليه وسلم: "ثلاث آيات ~~يتعلمهن [من القرآن] 5 خير له من ثلاث خلفات سمان"6. PageV02P736 ### | فصل الدليل ينقسم إلى قسمين ### | 1- # ما يدل بنفسه ### | 2- # ما يدل بدلالة الدال به # والدليل الذي هو الآية والعلامة ينقسم إلى ما يدل بنفسه، وإلى ما يدل ~~بدلالة الدال به؛ فيكون الدليل في الحقيقة هو الدال به الذي قصد أن يدل به. ~~وقد جعل ذلك علامة وآية ودليلا. # والذي يدل بنفسه1 يعلم أنه يدل بنفسه، وإن لم يعلم أن أحدا جعله دليلا، ~~وإن كان في نفس الأمر كل مخلوق قد جعله الله آية ودلالة. # وهو سبحانه عليم مريد، فلا يمكن أن يقال: لم يرد بالمخلوقات أن تكون أدلة ~~له، ولا أنها ليست دليلا يجعلها أدلة، كما قد يطلقه طائفة من النظار. ولكن ~~يستدل بها مع عدم النظر في كونها جعلت أدلة؛ كما قد يطلقه؛ إذ كان فيها ~~مقاصد كثيرة غير الدلالة. # الأدلة العقلية والأدلة الوضعية # والذي جعلها دليلا؛ وهو الله، جعل ذاتها يستدل بها، مع قطع النظر عن ~~[كونها] 2 هي دليلا؛ فما من مخلوق، إلا ويمكن الاستدلال به على PageV02P737 # الخالق، والمحدث نفسه يعلم بصريح العقل أن له محدثا. # وهذه الأدلة التي [تدل] 1 بنفسها قد تسمى الأدلة العقلية، ويسمى النوع ~~الآخر2 الأدلة الوضعية؛ لكونها إنما دلت بوضع واضع. # والتحقيق: أن كلاهما عقلي، إذا نظر فيه العقل علم مدلوله3. # لكن هذه تدل بنفسها، وتلك تدل بقصد الدال بها؛ فيعلم بها قصده. وقصده هو ~~الدال بها؛ كالكلام؛ فإنه يدل بقصد المتكلم به، وإرادته، وهو يدل على ~~مراده، وهو يدلنا بالكلام على ما أراد، ثم يستدل بإرادته على لوازمها؛ فإن ~~اللازم أبدا مدلول عليه بملزومه. # والآيات التي [تدل] 4 بنفسها مجردة نوعان؛ # منها: ما هو ملزوم مدلول عليه بذاته، لا يمكن وجود ذاته دون وجود لازمه ~~المدلول عليه؛ مثل دلالة المخلوقات على الخالق. PageV02P738 # ومنها: ما هو مستلزم له مدة ms284 طويلة، أو قصيرة؛ [فتدل] 1 عليه تلك المدة؛ ~~مثل نجوم [السموات] 2؛ فإنه يستدل بها على الجهات، والأمكنة، وعلى غيرها من ~~النجوم، وعلى الزمان ماضيه وغابره، ما دام العالم على هذه الصورة؛ قال ~~تعالى: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون ~~وعلامات وبالنجم هم يهتدون} 3، وقال تعالى: {وهو الذي جعل لكم النجوم ~~لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} 4. # ثم قال: {وهو الذي [أنشأكم من نفس واحدة] 5 فمستقر ومستودع قد فصلنا ~~الآيات لقوم يفقهون} 6، ثم قال: {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ~~نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا} ، إلى قوله: {إن في ذلكم [لآيات] 7 لقوم ~~يؤمنون} 8، وقوله: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم ~~تهتدون وعلامات} 9؛ هي علامات ألقاها في الأرض، وهذا قول الأكثرين10؛ قالت ~~طائفة: هي معالم الطرق يستدل بها بالنهار، PageV02P739 # ويستدل بالنجم بالليل؛ وقالت طائفة: هي الجبال، وهي أيضا مما يستدل به1، ~~ولهذا سماها الله أعلاما في قوله: {ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام} 2، ~~{فبأي آلاء ربكما تكذبان} 3؛ أي كالجبال. والأعلام جمع علم، والعلم: ما ~~يعلم به كالعلامة. [ومنه] 4: أعلام الطرق المنصوبة5، ومنه: يقال لدلائل ~~النبوة: أعلام النبوة، ويقال للراية المرفوعة: إنها علم6، وأنها ~~PageV02P740 # جعلت علامة لصاحبها وأتباعه. والعالم [بالفتح] 1 مثل الخاتم2: ما يعلم ~~به؛ كما أن الخاتم ما يختم به، وهو بمعنى العالم3. ويسمى كل صنف من ~~المخلوقات عالما4؛ لأنه علم وبرهان على الخالق تعالى، بخلاف العالم بالكسر؛ ~~فإنه الذي يعلم5؛ كالخاتم بالكسر فإنه الذي يختم6؛ قال تعالى: {ولكن رسول ~~الله وخاتم7 النبيين} 8؛ لأنه ختمهم؛ كما يسمى الماحي، والحاشر، والعاقب9. ~~وقد قرىء: {وخاتم} 10؛ أي ختموا به. PageV02P741 # فالجبال: أعلام1، وهي علامات لمن في البر والبحر، يستدل بها على ما ~~يقاربها من الأمكنة؛ فإنه يلزم من وجودها وجوده، وهي لا تزال دالة ما دامت ~~موجودة، ومدلولها موجودا، وهي أثبت من غيرها؛ فقد يكون عندها قرية وسكان؛ ~~فيكون علما عليهم، ثم قد [تخرب] 2 القرية، ms285 ويذهب السكان؛ فتزول الدلالة ~~لزوال الملزوم. # وهذا كله مما يبين أن الدليل قد يكون معينا، بل الآيات كلها معينة، و ~~[أنه] 3 يكون مطابقا ملازما لمدلوله، ليس أحدهما أعم من الآخر؛ كالثريا4 مع ~~الدبران، وكالجدي مع بنات نعش5، ونحو ذلك. PageV02P742 # فتبين غلط من ذكر أنه يحصر الأدلة1. # فيقال: إما أن يستدل بالعام على الخاص، أو بالخاص على العام، أو ~~PageV02P743 # بأحد الخاصين على الآخر. والأول هو القياس الشمولي1، والثاني هو ~~الاستقراء2، والثالث هو التمثيل3. PageV02P744 # وقد بينا ما في هذا الكلام من الغلط؛ في حصره، وفي حكم أقسامه؛ فإن هؤلاء ~~المقسمين للأمور العامة كثيرا ما يغلطون في هذا وهذا؛ إذ كان المقسم يجب أن ~~يستوفي جميع الأقسام، ولا يدخل فيها ما ليس منها؛ كالحاد1. وهم يغلطون فيها ~~كثيرا؛ لعدم إحاطتهم بأقسام المقسوم؛ كما يقسمون أقسام الموجودات، أو أقسام ~~مدارك العلم، أو أقسام العلوم، أو غير ذلك، وليس معهم دليل على الحصر، إلا ~~عدم العلم. وحصر الأقسام في المقسوم هو من الاستقراء. # ثم إذا حكموا على تلك الأقسام بأحكام فقد يغلطون أيضا؛ كما قد ذكر هذا في ~~غير هذا الموضع2؛ مثل غلط من حصر الأدلة في هذه الأنواع؛ من أهل المنطق، ~~ومن تبعهم. PageV02P745 # وقد بسط هذا في مواضع1. # وذلك: مثل قولهم: الدليل إما أن يستدل بالعام على الخاص، أو بالخاص على ~~العام، أو بأحد الخاصين على الآخر؛ فإن الدليل أولا لا يكون قط أعم من ~~المدلول عليه؛ إما مساويا له، وإما أخص منه؛ فإن الدليل ملزوم للمدلول ~~عليه، والملزوم حيث تحقق، [تحقق] 2 اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى ~~الملزوم؛ فحيث تحقق الدليل، تحقق المدلول عليه3. فإذا PageV02P746 # كان مساويا له، أو أخص، كان حيث تحقق المدلول؛ كما أنه حيث تحقق ما هو ~~ناطق النطق الذي يختص الإنسان، تحقق الإنسان، وتحقق أيضا ما هو أعم من ~~الإنسان؛ وهو ثبوت حيوان، وجسم حساس [نام] 1 متحرك بالإرادة؛ بمعنى أنه ~~تحقق مطلق هذا الجنس، وإلا فلم يوجد شيء أعم من الإنسان بمجرد وجوده، لكن ~~وجد من صفاته ms286 ما يشبه به غيره، ويصح إطلاقه عليه، وعلى غيره؛ وهو مسمى ~~الجسم، والحيوان، ونحو ذلك. # وكذلك إذا وجد آية، [أو خبر] 2 يدل على الإيجاب، أو التحريم، لزم ثبوت ~~الإيجاب أو التحريم. وقد ثبت الإيجاب والتحريم بآية أخرى، أو خبر آخر، ~~فلهذا قيل: الدليل يجب طرده، ولا يجب عكسه3. # و [إذا] 4 كان الدليل لا يكون أعم من المدلول عليه، فقولهم: إما أن يستدل ~~بالعام على الخاص: إنما أرادوا به القياس الشمولي5 الذي هو مقدمتان: صغرى، ~~وكبرى6؛ كقولنا: النبيذ المتنازع فيه مسكر، وكل PageV02P747 # مسكر حرام، أو كل مسكر خمر؛ كما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"1؛ بين أن المسكر ~~موصوف بأنه خمر، وبأنه حرام، ولم يقصد القياس الشمولي؛ وهو أن يستدل على أن ~~المسكر حرام؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم أجل من هذا شرعا وعقلا؛ فإنه ~~بكلامه يثبت الأحكام، وغيره إذا قال: كل مسكر خمر أو حرام، احتاج أن يستدل ~~عليه، وأما هو فيستدل بنفس كلامه. # الدليل قد يكون أكثر من مقدمة # والنظم الشمولي المنطقي لا يوجد في كلام فصيح، بل هو طويل لا يحتاج إليه؛ ~~كما قد بسط في مواضع2، وبين أن الدليل قد يكون مقدمة واحدة، وقد يكون ~~مقدمتين، وقد يكون ثلاث مقدمات، وأربع، وأكثر؛ بحسب ما يحتاج إليه المستدل ~~الطالب لدلالة نفسه، أو الطالب ليدل غيره3؛ فإنه قد لا يحتاج إلا إلى مقدمة ~~واحدة؛ مثل من عرف أن الخمر حرام، لكن لم يعرف أن كل مسكر هو خمر. فإذا عرف ~~بالنص أن كل مسكر PageV02P748 # خمر، عرف أن كل مسكر حرام، وكان علمه موقوفا على مقدمة واحدة، بخلاف من ~~لم يكن عرف بعد أن الخمر حرام؛ فيحتاج إلى مقدمة ثانية. ثم إن كان عرف أن ~~محمدا رسول الله بنصوصه المتواترة، [كفاه ذلك] 1. وإن كان لم يقر بنبوته، ~~احتاج إلى مقدمة ثالثة؛ وهو الإيمان بأنه رسول الله، لا يقول على الله إلا ~~الحق، ويذكر ms287 له من دلائل النبوة وأعلامها ما يعرف به ذلك؛ فيهتدي إن كان ~~طالب علم، و [تقوم] 2 عليه الحجة إن لم يكن. # كذلك: فقول هؤلاء3 في مثل هذا4: أنا استدللنا بالعام على الخاص: # [لبس] 5 عظيم؛ فإن المدلول عليه؛ وهو [تحريم] 6 النبيذ المتنازع فيه ~~مثلا، وإن كان أخص من تحريم المسكر والخمر. # فالدليل ليس هو القضية العامة، بل [هي] 7 الدليل: أن النبيذ المتنازع فيه ~~مسكر؛ وهو إحدى المقدمتين، وهذه قضية خاصة أخص من مسمى المسكر؛ فإن المسكر ~~يتناول المتفق على تحريمه، والمتنازع فيه؛ وهذا هو الحد الأوسط8، وهو ~~المتكرر في المقدمتين الذي هو محمول PageV02P749 # في الصغرى، موضوع في الكبرى؛ فالاستدلال وقع [بإسكاره] 1 على أنه خمر، ~~ومحرم. ومسكر النبيذ المتنازع فيه أخص من مسمى المسكر، والخمر. # والمقدمة الثانية: الكبرى؛ وهي قولنا: وكل مسكر خمر: ليست هي الدليل، بل ~~لا بد من الصغرى معها، وهي خاصة. # فالمدلول عليه إن كان تحريم النبيذ المتنازع فيه، فهذا إنما يدل على ~~تحريمه: أنه مسكر، وليس [إسكاره] 2 أعم منه، بل يلزم من ثبوت [إسكاره] 3، ~~ثبوته؛ فإن ثبوت الموصوف بدون الصفة ممتنع؛ [فإسكاره] 4 دل على تحريمه، ~~وليس تحريمه أعم من [إسكاره] 5، بل جنس [الإسكار] 6 والحرام أعم من هذا ~~المسكر، [وهذا] 7 المحرم. # لكن هذا العام ليس هو الدليل بدون الخاص، بل قوله: كل مسكر حرام: يدل على ~~تحريم كل مسكر مطلقا، من غير تعيين؛ فيكون [الإسكار] 8 مستلزما للتحريم، ~~والمسكر أخص من الحرام. PageV02P750 # aوهذا استدلال بالخاص على العام؛ فوجود المسكر أخص من وجود الحرام، حيث ~~كان [سكر] 1 كان الحرام موجودا، وليس إذا كان الحرام موجودا يجب وجود ~~المسكر؛ لأن المحرمات كثيرة؛ كالدم، والميتة، ولحم الخنزير2. # فالحد الأوسط؛ وهو المسكر دل على ثبوت الأعم؛ وهو التحريم، من الأخص في ~~الأخص؛ وهو النبيذ المتنازع فيه. فالمدلول عليه التحريم، وهو أعم من ~~المسكر؛ فهو استدلال بالخاص على العام، لكن المعنى العام الكلي لا يوجد في ~~الخارج عاما كليا، بل معينا؛ فهو استدلال على ms288 نوع من أنواعه؛ وهو التحريم ~~الثابت في النبيذ المتنازع فيه، وهذا أخص من مطلق التحريم؛ كما أن مسكره ~~أخص من مطلق المسكر. # ومن هنا ظنوا أنهم استدلوا بالعام على الخاص؛ حيث استدلوا بتحريم كل مسكر ~~على تحريم هذا المسكر. وليس الأمر كذلك، بل الذي دل على تحريم هذا المسكر ~~ليس هو مجرد القضية العامة الكلية، بل لا بد معها من قضية أخص منها جزئية؛ ~~مثل قولنا: هذا النبيذ مسكر. وبهذا الخاص يعلم ثبوت ذلك لا بمجرد [العام] ~~3. # والدليل هنا ليس هو أعم من المدلول عليه، ولا يمكن ذلك قط. # وأما قولهم: إن الاستدلال بالخاص على العام، هو الاستقراء4. فمجرد الخاص ~~إن لم يستلزم العام، لا يدل عليه. والمستقرئ إن لم يحصر PageV02P751 # الإفراد، لا يعلم أن ذلك المعنى شامل لها. فما استدل بخاص على عام، [بل ~~بعام] 1 مثله مطابق له. # وقولهم في قياس التمثيل: إنه استدلال بخاص على خاص2، ليس كذلك؛ فإن مجرد ~~ثبوت الحكم في صورة، لا يستلزم ثبوته في أخرى، إن لم يكن بينهما قدر مشترك، ~~ولا يثبت بذلك حتى يقوم دليل على أن ذلك المشترك مستلزم للحكم. # والمشترك3: هو الذي يسمى في قياس التمثيل: الجامع4، والوصف5، والعلة6، ~~والمناط7، ونحو ذلك. فإن لم يقم دليل على أن الحكم متعلق به، لازم له، لم ~~يصح الاستدلال. PageV02P752 # وهذا1 المشترك في قياس التمثيل هو الحد الأوسط في قياس الشمول بعينه. # فالمعنى في القياسين: واحد2، ولكن التأليف والنظم متنوع إذا أراد أن يثبت ~~تحريم النبيذ بقياس الشمول، [قال] 3: هذا هو حرام؛ لأنه شراب مسكر؛ فيكون ~~حراما، قياسا على المسكر من العنب. فالدليل هو المسكر، وهو المشترك، وهو ~~الحد الأوسط. # ثم لا يكفي ذلك حتى يبين أن العلة في الأصل، هي المشترك؛ فيقول: وعصير ~~العنب حرم؛ لكونه مسكرا. وهذا الوصف موجود في الفرع الذي هو صورة النزاع، ~~فيجب اشتراكهما في التحريم. # وقوله: إنه [حرم] 4؛ لكونه مسكرا: هي المقدمة الكبرى في قياس الشمول؛ وهي ~~قولنا: كل مسكر حرام؛ فثبت أن علة التحريم هي [السكر] ms289 5؛ إما بالنص؛ وهو ~~قوله: "كل مسكر حرام"؛ وإما بدلالة القرآن؛ وهو أنه يوقع العداوة والبغضاء، ~~ويصد عن ذكر الله، وعن PageV02P753 # الصلاة؛ وإما بالمناسبة؛ وإما بالدوران1؛ وإما [بالسبر] 2 والتقسيم3؛ كما ~~قد عرف في موضعه4، وهو نظير ما يستدل به على ثبوت القضية الكبرى. # ثم الدليل قد يكون قطعيا، وقد يكون ظنيا؛ لخصوص المادة، لا تعلق لذلك ~~بصورة القياس. فمن جعل قياس الشمول هو القطعي، دون قياس التمثيل [فقد] 5 ~~غلط؛ كما أن من جعل مسمى القياس هو التمثيل، دون الشمول، فلم يفهم معناه. ~~PageV02P754 # والذي عليه جمهور العلماء أن كلا منهما قياس، قد يكون قطعيا، وقد يكون ~~ظنيا1. # وطائفة يقولون: اسم القياس لا يستعمل إلا في الشمول؛ كما يقوله ابن حزم، ~~ومن يقوله من المنطقيين. # وطائفة2 يقولون: لا يستعمل حقيقة إلا في التمثيل، ومن هؤلاء من يقول: ليس ~~في العقليات قياس. # وهذا مبسوط في مواضع3، PageV02P755 # والمقصود [هنا] 1: التنبيه على جنس الأدلة. # وأيضا: فالدليل قد يكون مطابقا للمدلول عليه، ملازما له، ليس أعم منه، ~~ولا أخص منه؛ كالكواكب التي في السماء المتلازمة التي يستدل بكل منها على ~~الآخر؛ وكالناطقية، والإنسانية التي يستدل بثبوت كل منهما على ثبوت الآخر. # وهذا خارج عن تقسيمهم؛ فإن هذا ليس استدلالا بعام على خاص، ولا بخاص على ~~عام، ولا بخاص على نظيره بطريق التمثيل، بل هو استدلال بأحد المتلازمين على ~~الآخر، قد [يكونان] 2 عامين وخاصين؛ فالكواكب خاصة، [والعام] 3 ~~[كالاستدلال] 4 بالحيوانية على الحس والحركة، إلا أنه استدلال بعام على عام ~~ملازم له. وكذلك الاستدلال بكونه جسما على وجود جنس العرض، والاستدلال ~~بوجود جنس العرض على وجود جنس الجسم: هو استدلال بأحد العامين المتلازمين ~~على الآخر. PageV02P756 # والمقصود هنا1: أن هذه المعينات؛ كالنجوم، والجبال، والطرق، وأعلام ~~الطرق: كلها آيات، وأعلام، وعلامات على ما هو لا زم لها في العادة. # وكذلك قد يستدل على منزل الشخص بما هو ملازم؛ من دور الجيران، والباب، ~~وغير ذلك، وشجرة هناك، وغير ذلك من العلامات التي يذكرها الناس يستدلون ~~بها، ويدلون غيرهم ms290 بها. # وسميت الجبال أعلاما؛ لأنها مرتفعة عالية، والعالي يظهر، ويعلم، ويعرف ~~قبل الشيء المنخفض، ولهذا يوصف العالي بالظهور؛ كقوله: { [فما استطاعوا] 2 ~~أن يظهروه} 3، ويقال ظهر الخطيب على المنبر. ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" 4؛ PageV02P757 # فأدخل معنى العلو في اسمه الظاهر؛ لأن الظاهر يعلو، والعالي يظهر. وكذلك ~~العالي يعرف قبل غيره، ومنه قيل: عرف الديك: أصله فعل؛ بمعنى مفعول؛ أي ~~معروف؛ كما يقال: كره؛ بمعنى مكروه، ومنه الأعراف؛ وهي: أمكنة عالية بين ~~الجنة والنار1. وقد قيل في قوله: {وعلامات وبالنجم} 2: إن العلامات هي ~~النجوم؛ منها: ما يكون علامة لا يهتدي به، ومنها: ما يهتدى به3. وقول ~~الأكثرين أصح4؛ فإن العلامات كلها PageV02P758 # يهتدى بها1، ولأنه قد قال: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا ~~وسبلا [لعلكم تهتدون] 2 وعلامات} 3. [فهذا] 4 كله مما ألقاه في الأرض، وهو ~~منصوب ب (ألقى) ، أو بفعل من جنسه؛ كما قال بعضهم؛ أي وجعل في الأرض ~~أنهارا؛ لأن الإلقاء من جنس الجعل5. # وبسط ما في هذا من إعراب و [معان] 6 له مقام آخر. # لفظ العلامات # والمقصود هنا: ذكر العلامات. والعلامات يدخل فيها ما تقدم من الرواسي ~~والسبل؛ فإن كونها رواسي وسبلا يسلكها الناس، غير كونها علامات. والعطف قد ~~يكون لتغاير الصفات مع اتحاد الذات؛ كقوله: {الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى} ~~7، وأمثاله. فكيف إذا كانت العلامات تتناول هذا وغيره؟؛ فإن الجبال أعلام، ~~وهي علامات؛ وكذلك الطرق يستدل بها السالك فيها. ولهذا يسمى الطريق إماما؛ ~~لأن السالك يأتم به. وكذلك يسمون ما يستدل به المستدل طريقا ومسلكا. ويقال: ~~لأصحاب هذا القول PageV02P759 # عدة طرق، ومسالك؛ حتى [أطلقوا] 1 [على] 2 ما يصنف من الاحتجاج على مسائل ~~النزاع: طريقة؛ لأنه فيه أدلة المصنف على موارد النزاع. ومن هذا الباب ~~الاستدلال على المرض بعلامات له، والاستدلال بالأصوات؛ فإن كانت كلاما، ~~كانت الدلالة قصدية إرادية، قصد المتكلم أن يدل بها، وهي دلالة وضعية ~~عقلية؛ وإن كانت غير كلام، كانت الدلالة ms291 عقلية طبعية؛ كما يستدل بالأصوات ~~التي هي بكاء، وانتحاب، وضحك، وقهقهة، ونحنحة، وتنخم، ونحو ذلك، على أحوال ~~المصوت3. # ومن الدلائل: الشعائر؛ مثل شعائر الإسلام الظاهرة، التي [تدل] 4 على أن ~~الدار دار الإسلام؛ كالأذان، والجمع، والأعياد. # وفي الصحيحين: عن أنس - رضي الله عنه قال -: "كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغز حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، وإن لم يسمع ~~أذانا أغار بعدما يصبح". هذا لفظ البخاري5، ولفظ مسلم6: "كان يغير ~~PageV02P760 # إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان؛ فإن سمع أذانا أمسك، وإلا أغار. فسمع ~~رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على ~~الفطرة". ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: "خرجت من النار". # وعن عصام المزني1، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث السرية ~~يقول: "إذا رأيتم مسجدا، أو سمعتم مناديا، فلا تقتلوا أحدا". رواه أبو ~~داود2، والترمذي3، وابن ماجه4. # ومن هذا النوع: دلائل الجهات. ومنه: دلائل القبلة؛ يستدل عليها بالنجوم، ~~والشمس، والقمر، والرياح، والطرق، وغير ذلك من الدلائل؛ كما قد ذكر الناس ~~ما ذكروه من دلائل القبلة. PageV02P761 ### | فصل القسم الثاني الدلالة القصدية # والنوع الثاني1: ما يدل بقصد الدال به؛ كالكلام، وكالعقد باليد، والإشارة ~~بها، أو بالعين، أو الحاجب، أو غير ذلك من الأعضاء - وقد يسمى ذلك رمزا، ~~ووحيا، وكذلك الخط خط الكتابة، بخلاف الاستدلال بآثار خطى الإنسان؛ فإن هذا ~~من النوع الأول، وكذلك القيافة2؛ [و] 3 هي من النوع الأول؛ وهو الاستدلال ~~بالشبه على النسب، وكذلك القايف: قد يعرف بالأثر: من هو الواطىء، وأين ذهب؟ ~~ومن هذا النوع: [الأميال] 4 PageV02P762 # التي جعلت علامات على حدود الحرم، و [الأميال] 1 التي تجعل في الطرقات؛ ~~فإنه قصد بها الدلالة على الطريق؛ أي قصد الناس بها ذلك. # الدلالة القصدية نوعان: # النوع الأول: # وهذا النوع قسمان: منه ما يكون بالاتفاق والمواطأة بين اثنين فصاعدا؛ كما ~~يتفق الرجل مع وكيله على علامة لمن يرسله إليه؛ مثل وضع خنصره في ms292 خنصره2؛ ~~ومثل وضع يده على ترقوته؛ كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذلك ~~علامة مع بعض الناس3؛ وكما يجعل الملوك وغيرهم لهم علامات عند بعض الناس: ~~من جاء بها، عرفوا أنه مرسل من جهته. PageV02P763 # ومن هذا الباب: شعائر الناس في الحرب؛ كل طائفة يعرف أصحابها بشعارها. ~~ولهذا قال الفقهاء: ويجعل لكل طائفة شعار يتداعون به؛ كما كان للمهاجرين ~~شعار1، وللأنصار شعار. # ومن هذا الباب: الأعلام والرايات للمقدمين؛ فإن الراية ترى، فيعلم ~~صاحبها، [وكذلك العلم يعلم، فيعلم صاحبه. وقد تميز راية عن راية لما يختص ~~به صاحبها] 2، ويسمى ذلك رنكا3، [وقد يكون ذلك اسم الشخص] 4، وقد يكون غير ~~ذلك، لكن قد اتفق مع غيره على أن هذا علامة وآية له، فمتى [رؤي] 5 استدل به ~~على أنه هو المضاف إليه ذلك العلم، ويجعل هذا على الدور، والثياب، والدواب. # ومنه: الوسم6 الذي يعلم به إبل الصدقة، وإبل الجزية؛ فإن الوسم علامة ~~مقصودة للواسم. PageV02P764 # لفظ السيما # وأما السيما: فهي علامة بنفسها، لم يقصدها؛ مثل سيما المؤمنين، وسيما ~~المنافقين؛ قال تعالى في المؤمنين: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} 1، ~~وقال في المنافقين: { [فلعرفتهم] 2 بسيماهم} 3، # وقال: {عتل بعد ذلك زنيم} 4؛ قيل: له زنمة من الشر يعرف بها5. # ومنه: سيما المؤمنين يوم القيامة؛ التي بها يعرفهم نبيهم؛ وهو أنهم [غر] ~~6 محجلون من آثار الوضوء7؛ فهذه علامة وآية، لكنها من النوع الأول، لم يقصد ~~المسلمون أن يتوضؤوا ليعرفوا بالوضوء، لكن من اللوازم لهم الوضوء للصلاة، ~~وقد جعل الله أثر ذلك نورا في وجوههم وأيديهم، [وليس هذا لغيرهم؛ فإن هذا ~~الوضوء] 8 لم يكن لغيرهم. والحديث الذي PageV02P765 # يروى: "هذا وضوئي ووضوء النبيين من قبلي" 1: ضعيف2، بخلاف الصلاة في ~~المواقيت الخمس؛ فإن الأنبياء كانوا يصلون في هذه المواقيت؛ كما قال: "هذا ~~وقتك ووقت الأنبياء قبلك"3. # والوسم والسيما: من الوسم؛ متفقان في الاشتقاق الأوسط؛ فإن أصل سيما: ~~سوما. فلما سكنت الواو، انكسر ما قبلها، قلبت ياء؛ مثل: ميقات، وميعاد، ~~ونحو ذلك. PageV02P766 # والاسم أيضا من هذا ms293 الباب، وهو علم على المسمى، ودليل عليه، وآية عليه. ~~وهذا المعنى ظاهر فيه؛ فلذلك قال الكوفيون: [إنه] 1 مشتق من الوسم، والسمة؛ ~~وهي: العلامة. وقال البصريون: بل هو مشتق من السمو؛ فإنه يقال في تصغيره: ~~[سمي] 2، لا وسيم، وفي جمعه: أسماء، لا أوسام، وفي تصريفه: سميت، لا [وسمت] ~~3. # وكلا القولين حق، لكن قول البصريين أتم؛ فإنه مشتق منه على قولهم في ~~الاشتقاق الأصغر؛ وهو: اتفاق اللفظين في الحروف وتأليفها، وعلى قول ~~الكوفيين: هو مشتق منه من الاشتقاق الأوسط؛ وهو: اتفاق اللفظين في الحروف، ~~لا في ترتيبها؛ كما قلنا في الوسم، والسيما. # والسمو: هو العلو، والسامي: هو العالي، والعلو مستلزم للظهور كما تقدم4؛ ~~فالعالي ظاهر، والظاهر عال؛ فكان الاسم بعلوه يظهر، فيدل على المسمى؛ لأنه ~~يظهر باللسان والخط، ويظهر للسمع المسمى، فيعرف بالقلب. # وقد تقدم5 أنهم يسمون الجبال أعلاما، لما فيها من الظهور. # ودلالة الاسم على مسماه دلالة قصدية؛ فإن المسمى يسمى بالاسم، ليعرف به ~~المسمى، وليدل عليه؛ تارة يقصد به الدلالة على مجرد نفسه؛ كالأسماء الأعلام ~~للأشخاص، وتارة يقصد به الدلالة على ما في اللفظ من المعنى؛ كالأسماء ~~المشتقة؛ مثل: العالم، والحي، والقادر. PageV02P767 # ومن هذا الباب: تسمية المعبودين آلهة؛ سموها بما لا [تستحقه] 1؛ كما يسمى ~~الجاهل عالما، والعاجز قادرا، والكذاب نبيا؛ فلهذا قال تعالى: {إن هي إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} 2 # النوع الثاني من الدلالة القصدية # والنوع الثاني من هذه الدلالة القصدية3: أن يقصد الدال الدلالة من غير ~~مواطأة مع المستدلين على أنه دليل، لكن هم يعلمون أن قصد الدلالة؛ لعلمهم ~~بأحواله؛ مثل: ما يرسل الرجل شيئا من ملابسه المختص به مع شخص، فيعلمون أنه ~~أرسلها علامة على أنه أرسله. # قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: {إن في ذلك لآية للمؤمنين} 4: قال: ~~العلامة تكون بين الرجل وأهله. راوه ابن المنذر5: حدثنا موسى بن هارون، ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك، عن سعيد بن جبير، ~~عن ابن ms294 عباس. ورواه ابن أبي حاتم6: ثنا أبو سعيد؛ ابن يحيى بن سعيد القطان، ~~ثنا أبو أسامة، حدثني سفيان، عن سماك، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: {إن ~~في ذلك لآية} : قال: علامة، ألم تر إلى الرجل إذا أراد أن يرسل إلى أهله في ~~حاجة، أرسل بخاتمه، أو بثوبه، فعرفوا أنه حق7؛ PageV02P768 # فتارة يرسل خاتمه معه، فيعلمون أنه أرسله، ليعلموا أنه أرسله؛ إذ كانوا ~~قد علموا [أن] 1 الخاتم معه، وأنه ليس في إرساله مع ذلك الشخص الذي لا ~~يعرفونه مقصود له، إلا أن يكون علامة على أنه أرسله إليهم، فيصدقونه فيما ~~أخبر عنه؛ وتارة يرسل معه عمامته، أو نعليه، وقد علموا أنه لا يخلع عمامته ~~ويبعثها مع ذلك الشخص، إلا لتكون علامة على صدقه؛ كما فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم في غزاة الفتح: لما كانت راية الخزرج مع [سعد] 2 بن عبادة3، وكان ~~فيه حدة، وقال: لا قريش بعد اليوم، اليوم يوم الملحمة، اليوم يستحل الحرمة. ~~قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إنه يخاف منه أن يضع السيف في أهل مكة، فقال: ~~"قولوا له يعطي الراية لابنه قيس". فقال: إنه لا يقبل منه. فقال: "هذه ~~عمامتي، قولوا له: قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك"4. فلما رأى ~~عمامته مع من جاء بها، [علم أنه] 5 ليس له في إعطائه عمامته مقصود إلا أن ~~تكون علامة، ولم يكن قبل ذلك قد واطأه على ذلك. PageV02P769 # وكذلك لما أعطى أبا هريرة نعليه ليخرج فيبشر الناس بما ذكره له1، فإنهم ~~إذا رأوا معه نعليه، علموا أنه لم يعطه [النعلين] 2 إلا علامة. # وكذلك قد يكون بين الشخص وبين غيره سر لم يطلع عليه المرسل، فيقول له: ~~أعطني علامة. فيقول: قل له: بعلامة ما تكلمت أنت وهو في كذا وكذا، أو ما ~~فعلت أنت وهو كذا وكذا؛ فيعلم المرسل إليه أن المرسل هو أعلم هذا الرسول ~~بهذا الأمر؛ إذ كان غيره لم يعلمه، ويعلم أنه ليس له في إعلامه به مقصود ms295 ~~إلا أن يكون علامة له على تصديقه. # ثم أكثر هذه الآيات التي هي علامات للناس يرسلونها مع من يرسلونه ليعرف ~~صدقه: هي قطيعة عند المستدل بها المرسل إليه؛ من الأهل، والأصدقاء، ~~والوكلاء، والنواب، وغيرهم: يأتيهم الرجل بعلامة وهي مستدلة [بصاحبهم] 3؛ ~~فيعلمون قطعا أن هذا جاء من عنده، ويعلمون قطعا أنه لم يرسله بتلك العلامة ~~إلا ليعلموا صدقه. # لا يخطر لسعد بن عبادة حين رأى عمامة النبي صلى الله عليه وسلم معهم أنهم ~~أخذوها بغير قصده؛ بأن [تكون] 4 [وقعت] 5 منه، ونحو ذلك. بل قد علم أنها ~~كانت على رأسه، وهو راكب في الجيش، وقد أرسلها مع هذا. PageV02P770 # وكذلك خاتم الشخص الذي يعلمون أنه لا ينزع خاتمه من يده، ويعطيها لغيره، ~~ليعبث بها عنه، وهو لا يختم بها شيئا إلا لذلك. # وقد يقع في مثل ذلك احتمالات، فيستعمل المستدلون التقسيم؛ فإن الاستدلال ~~مداره على أنه أرسله بالعلامة، وأنه إنما أرسله بها ليبين صدقه؛ فقد يعرض ~~في المقدمة الأولى أنه أخذها بغير اختياره، أو أن الخاتم سقط منه، أو إن ~~كان مسافرا أنه قتل، أو مات؛ فقد يقع مثل ذلك، وقد يؤخذ خاتم الرجل بغير ~~أمره، ويختم به كتابه؛ كما حكي أن مروان1 فعل مثل ذلك بعثمان2. والمقدمة ~~الثانية: أنه قد يرسله بالخاتم ليختم به شيئا، أو ليصلحه، ونحو ذلك. [فإذا ~~عرض مثل هذا الاحتمال وقوي توقفوا] 3، وإن عرفوا انتفاء ذلك؛ مثل: أن يكون ~~قد ذهب من عندهم قريبا، وليس له ما يختم به، ونحو ذلك، قطعوا بأنه أرسله ~~علامة، ثم بعد هذا قد يعلمون أنه أرسله، لكن قد [يكذب] 4 عليه، ولكن العهدة ~~في هذا على المرسل؛ فإن إرسال العلامة هو إعلام منه لهم بأني أرسلته إليكم. ~~فهذا الفعل هو مثل هذا القول، يجري مجرى إعلامهم وإخبارهم بأنه أرسله، ~~وتصديقه في قوله: هو أرسلني. # والإخبار تارة يكون بالقول، وتارة يكون بالعمل؛ كما يعلم الرجل غيره ~~بالإشارة بيده، ورأسه، وعينه، وغير ذلك، وإن لم يتقدم بينهما PageV02P771 # مواضعة، لكن يعلم قصده ضرورة؛ ms296 مثل أن يسأله عن شيء: هل كان؟ فيرفع رأسه، ~~أو يخفضه، أو يشير بيده، أو يكون قائما؛ فيشير إليه: اجلس، أو قاعدا ~~مطلوبا؛ فيشير إليه: أن اهرب، فقد جاء عدوك، أو نحو ذلك من الإشارات التي ~~هي أعمال بالأعضاء؛ وهي تدل دلالة ضرورية، تعلم من قصد الدال، كما يدل ~~القول، وقد [تكون] 1 أقوى من دلالة القول، لكن دلالة القول أعم وأوسع؛ فإنه ~~يدل على الأمور الغائبة، وعلى الأمور المعضلة. # وهذه الأدلة العيانية هي أقوى من وجه، ولكن ليس فيها من السعة للمعاني ~~الكثيرة ما في الأقوال. PageV02P772 ### | فصل الدليل مستلزم للمدلول # [وخاصة] 1 الدليل أن يكون مستلزما للمدلول2. فكل ما استلزم شيئا كان ~~دليلا عليه، ولا يكون دليلا إلا إذا كان مستلزما [له] 3. ثم دلالة الدليل ~~[تعلم] 4، كما يعلم لزوم اللازم للملزوم. وهذا لا بد أن يعلم بالضرورة، أو ~~بدليل ينتهي إلى الضرورة. # وعلى هذا: فآيات الأنبياء هي أدلة صدقهم، وبراهين صدقهم، وهي ما يستلزم ~~صدقهم، ويمتنع وجوده بدون صدقهم؛ فلا يمكن أن يكون ما يدل على النبوة ~~موجودا بدون النبوة. ثم كونه مستلزما للنبوة، ودليلا عليها، يعلم بالضرورة، ~~أو بما ينتهي إلى الضرورة. # فآيات الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا تحد بحدود يدخل فيها غير ~~آياتهم؛ كحد بعضهم كالمعتزلة وغيرهم بأنها5 خرق العادة، ولم يعرف مسمى هذه ~~العبارة، بل ظن أن خوارق السحرة، والكهان، والصالحين: PageV02P773 # خرق للعادة؛ فكذبها1؛ وحد بعضهم2 بأنها3 الخارق للعادة، إذا لم يعارضه ~~أحد. # وجعل4 هذا فصلا احترز به عن تلك الأمور؛ فقال5: المعجزة هي الخارق ~~المقرون بالتحدي بالمثل، مع عدم المعارضة. وجوز أن يأتي غير الأنبياء بمثل ~~ما أتوا به6 سواء مع المعارضة. [وجعل] 7 ما يأتي به الساحر والكاهن معجزات، ~~مع عدم المعارضة. وحقيقة المعجز هذا ما لم يعارض، ولا حاجة إلى كونه خارقا ~~للعادة، بل الأمور المعتادة إذا لم تعارض كانت آية. وهذا باطل قطعا. ثم ~~مسيلمة، والأسود العنسي، وغيرهما، لم يعارضوا8. PageV02P774 # [ثم يقال: ما يعني بعدم المعارضة] 1 في ذلك المكان والزمان؛ ms297 فالسحرة ~~والكهان لا يعارضون، والعنسي، ومسيلمة لم يعارضا في مكانهم، ووقت [إغوائهم] ~~2. # وإن قال: لا يعارض البتة. فمن أين يعلم هذا العدم؟ فإن قيل: فما آيات ~~الأنبياء؟ قيل: هي آيات الأنبياء التي [يعلم] 3 أنها مختصة بالأنبياء، ~~وأنها مستلزمة لصدقهم، ولا تكون إلا مع صدقهم، وهي لا بد أن تكون خارقة ~~للعادة، خارجة عن قدرة الإنس والجن، ولا يمكن أحدا أن يعارضها. لكن كونها ~~خارقة للعادة، ولا تمكن معارضتها: هو من لوازمها ليس هو حدا مطابقا لها. ~~والعلم بأنها مستلزمة لصدقهم قد يكون ضروريا؛ كانشقاق القمر، وجعل العصا ~~حية، وخروج الناقة. # فمجرد العلم بهذه الآيات يوجب علما ضروريا بأن الله جعلها آية لصدق هذا ~~الذي استدل بها، وذلك يستلزم أنها خارقة للعادة، وأنه لا يمكن معارضتها. # فهذا4 من جملة صفاتها، لا أن هذا وحده كاف فيها. # وهذا إذا قال من قال: إن فلانا أرسلني إليكم؛ فإنه يأتي بما يعلم أنه ~~علامة. # والعلامة، والدليل، والآية، حدها: أنها تدل على المطلوب. # وآيات الأنبياء تدل على صدقهم. وهذا لا يكون إلا مع كونها مستلزمة ~~PageV02P775 # لصدقهم؛ فيمتنع أن تكون معتادة لغيرهم، ويمتنع أن يأتي من يعارضهم ~~بمثلها، ولا يمتنع أن يأتي نبي آخر بمثلها، ولا أن يأتي من يصدقهم بمثلها؛ ~~فإن تصديقه لهم يتضمن صدقهم، فلم يأت إلا مع صدقهم. # وقد تكون الآيات تدل على جنس الصدق؛ وهو صدق صاحبها؛ فيلزم صدقه إذا قال: ~~أنا نبي، ولكن يمتنع أن يكون لكاذب. # فهذا ونحوه مما ينكشف به حقيقة هذا الباب1، وهو من أهم الأمور. # وإذا فسر خرق العادة: بأنها خرق لعادات غير الأنبياء؛ أي لا يكون لغير ~~جنسهم، وجنس من صدقهم، وفسر عدم المعارضة: بأنه لا يقدر أن يأتي بها من ليس ~~بنبي، أو متبع لنبي، كان المعنى واحدا، واتحدت التفاسير الثلاثة2. ~~PageV02P776 ### | فصل الله سبحانه دل عباده بالدلالة العيانية والدلالات المسموعة # والله سبحانه دل عباده بالدلالات العيانية المشهودة، والدلالات ~~المسموعة1؛ وهي كلامه. لكن عامتهم تعذر عليهم أن يسمعوا كلامه منه، فأرسل ~~إليهم بكلامه رسلا، وأنزل ms298 إليهم كتبا. # والمخلوق إذا قصد إعلام من يتعذر أن يسمع منه، أرسل إليه رسلا، وكتب إليه ~~كتبا؛ كما يفعل الناس؛ ولاة الأمور، وغيرهم: يرسلون إلى من بعد عنهم رسولا، ~~ويكتبون إليه كتبا. PageV02P777 # ثم إنه سبحانه جعل مع الرسل آيات؛ [هن] 1 علامات وبراهين؛ هي أفعال ~~يفعلها مع الرسل، يخصهم بها، لا [توجد] 2 لغيرهم؛ فيعلم العباد - لاختصاصهم ~~بها - أن ذلك إعلام منه للعباد، وإخبار لهم أن هؤلاء رسلي؛ كما يعلمهم ~~بكلامه المسموع منه، ومن رسوله. # ولهذا قد يعلم برسالة رسول بإخبار رسول أخبر عنه3. وقد يخبر عن إرساله ~~بكلامه، لمن سمع كلامه منه؛ كما أخبر موسى، وغيره بالوحي الذي يوحيه إليهم. # تعريف المعجزة عند شيخ الإسلام # فآيات الأنبياء هي علامات وبراهين من الله، [تتضمن] 4 إعلام الله لعباده ~~وإخباره. [فالدليل] 5؛ وهو الآية، والعلامة: لا تدل إلا إذا كان مختصا ~~بالمدلول عليه، مستلزما له؛ إما مساو له، وإما أخص منه، لا يكون أعم منه ~~غير مستلزم له، فلا يتصور أن يوجد الدليل بدون المدلول عليه. # فالآيات التي أعلم الله بها رسالة رسله، وصدقهم، لا بد أن تكون مختصة ~~بهم، مستلزمة لصدقهم؛ فإن الإعلام والإخبار بأن هذا رسول، وتصديقه في قوله: ~~إن الله أرسلني، لا يتصور أن يوجد لغير رسول. PageV02P778 # والآيات التي جعلها الله علامات: هي إعلام بالفعل الذي قد يكون أقوى من ~~القول، فلا يتصور أن تكون آيات الرسل إلا دالة على صدقهم، ومدلولها أنهم ~~صادقون، لا يجوز أن توجد بدون صدق الرسل البتة. # وكون الرب أراد بها إعلام عباده بصدقهم، وصدقهم بها في إخبارهم أنه ~~[أرسلهم] 1، وكونها آية وعلامة على صدقهم: أمر يعلم؛ كما [تعلم] 2 دلالة ~~سائر الأدلة؛ كما يعلم [من] 3 [الرجل أصدقاؤه] 4، ووكلاؤه أنه [أرسل] 5 هذا ~~بهذه العلامات؛ فتارة يعلم ذلك بالضرورة بعد تصور الأمر، وتارة يحتاج إلى ~~نظر: هل هذه العلامة منه، أو من غيره؟ وهل هو أرسله بها، أو غيره؟ وهل قصد ~~بها الإعلام، [والتصديق، أم لا] 6؟ وهل يعلم من حال الذاكر أنه أرسله ms299 أنه ~~صادق؟ فقد يرسل من يعلمون هم صدقه، وأنه لا يكذب؛ فيعلمون صدقه بمجرد قوله: ~~هو أرسلني، من غير آية، ولا علامة. # ولهذا إذا قال من صدقه: إنه رأى رؤيا: صدقه، وجزم بصدقه من قد خبر7 صدقه. ~~والرؤ يا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة8. PageV02P779 # وكذلك لو أخبر بغير ذلك؛ كما أخبر عمران بن حصين1 أن الملائكة تسلم ~~عليه2، فلم يشك الذين أخبرهم في صدقه، من غير آية. # فمن كان يعلم صدق موسى، والمسيح، ومحمد، وغيرهم، وأنهم لا يكذبون في أخف ~~الأمور، فكيف بالكذب على الله؟ إذا أخبرهم أحدهم بما جاءه من الوحي ~~والرسالة، وما غاب من الملائكة؛ فإنه قد يجزم بصدقه، من غير آية، لا سيما ~~إن كان ما يقوله لهم مما يؤيد صدقه. # ولهذا لم يكن من شرط الإيمان بالأنبياء وجود الآيات، بل قد يعلم صدقهم ~~بدون ذلك؛ كما قد بين في موضع آخر3. # وتارة يحتاجون إلى العلامة، وتارة يعلمون كذبه بأن يذكر عن صاحبهم ما ~~يعلمون هم خلافه، ويصفه بما علموا نقيضه. وقد يظهر لهم من قصده أنه كذاب، ~~ملبس، طالب أغراض له؛ إما مال يعطونه، أو ولاية يولونه، أو PageV02P780 # امرأة يزوجونه بها، أو غير ذلك من أغراض النفوس؛ فيسألونه عن مقصوده، ~~فإذا عرفوا مقصوده، فقد يعلمون كذبه أو صدقه. # ومثل هذا كثير في عادات الناس؛ فكثيرا ما يجيء الرجل بما يزعم أنه علامة، ~~وتكون مشتركة1. فيقال له: ما تريد؟ فيذكر مراده، فيعلمون كذبه. # فدلائل الصدق والكذب لا تنحصر كدلائل الحب والبغض، هي كثيرة جدا، وهذا ~~يعرفه من جرب عادات الناس. PageV02P781 ### | فصل آيات الأنبياء دليل وبرهان # فالآيات التي تكون آيات للأنبياء: هي دليل وبرهان. # والله تعالى سماها برهانا في قوله لموسى: {فذانك برهانان من ربك} 1؛ وهي ~~العصا واليد2. # وسماها برهانا [و] 3آيات في مواضع كثيرة من القرآن4. # فحدها حد الدليل والبرهان؛ وهي أن تكون مستلزمة لصدق النبي، فلا يتصور أن ~~[توجد] 5 مع انتفاء [صدق] 6 من أخبر أن الله أرسله. # فليس له إلا حالان: إما ms300 أن يكون الله أرسله، فيكون صادقا، أو لا يكون ~~أرسله، فلا يكون صادقا. # فآيات الصدق لا توجد إلا مع أحد النقيضين؛ وهو الصدق، لا [توجد] 7 ~~PageV02P782 # قط مع الآخر؛ وهو انتفاء الصدق؛ كسائر الأدلة؛ التي هي: البراهين، ~~والآيات، والعلامة؛ فإنها لا توجد إلا مع تحقق المدلول عليه، لا توجد مع ~~عدمه قط؛ إذ كانت مستلزمة له؛ يلزم من وجود الدليل، وجود المدلول عليه؛ فلا ~~يوجد الدليل مع عدم المدلول عليه؛ فلا توجد آياتهم مع عدم صدقهم. # فيجب أن يتصور هذا الموضع؛ فإنه حق، معلوم بعد تصوره لكل العقلاء ~~بالضرورة، فلا يمكن أحدا كذب النبي أن يأتي بمثلها؛ فإنه لو أتى بمثلها، مع ~~تكذيب النبي، لكانت قد وجدت مع قوله: إني صادق، ومع قول هذا المكذب: إنه ~~كاذب؛ فلم [تختص] 1 بصدقه، ولم تستلزمه؛ فلا يلزم إذا قال: إني صادق، أن ~~يكون صادقا، وهذا قد أتى بمثل ما أتى به، وقال: إنه كاذب. # ولا يكون إعلاما من الله لعباده، وإخبارا لهم: بأني أرسلته، ولا تصديقا ~~له؛ كما لو قال رجل: إن فلانا أرسلني، وجاء بعلامة ذكر أنه خصه بها؛ مثل أن ~~يقول: العلامة أنه أعطاني خاتمه، فيقول المكذب: وأنا أيضا أعطاني خاتمه ~~الأخرى لأصلحها له، أو لأختم بها كذا، وأنت إنما أعطاك خاتمه لتصلحها، أو ~~[تختم] 2 بها. # فإذا أتى المكذب له بمثل ما أتى به، امتنع كونها آية. # ولكن لو كان قد [جاءهم] 3 بالخاتم غيره لأمر آخر أرسله [له] 4، لم ~~PageV02P783 # يمتنع ذلك، بل قد جرت عادته معهم: بأنه من أرسله، يرسل معه خاتمه؛ فقد ~~صار إرسال الخاتم عادة له، يدل على صدق من أرسله؛ فهو يميز رسله بالخاتم، ~~لا يخص بها واحدا منهم، وهي عادة منه لرسله، ليست لغيرهم؛ لا عادة، ولا غير ~~عادة. # فهذا شأن الآيات والعلامات التي يقصد الدال بها أن يدل بها. # PageV02P784 ### | فصل الله تعالى سماها آيات وبراهين ولم يسمها معجزات # ... # فصل الله تعالى سمها آيات وبراهين ولم يسمها معجزات # والله تعالى سماها آيات وبراهين1، وهو ms301 اسم مطابق لمسماه، مطرد لا ينتقض، ~~فلا [تكون] 2 قط إلا آيات لهم وبراهين. # أقوال الناس في تسمية آيات الأنبياء خوارق # وأما تسميتها بخرق العادة: فللناس في ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أن ذلك حد لها مطرد منعكس؛ فكل خرق [هو] 3 معجزة للنبي، فهو خرق ~~عادة4. # والثاني5: أن خرق العادة شرط فيها، وليس بحد لها، فيجب أن [تكون] 6 خارقة ~~لعادة، ولكن ليس كل خارق للعادة يكون آية لنبي؛ PageV02P785 # كأشراط الساعة، بل أن يقع على وجه مخصوص؛ مثل دعوى النبوة، والاستدلال ~~بها، والتحدي بمثلها، مع عجز الناس عن معارضته. # والقول الثالث: أن كونها خارقة للعادة ليس بحد، ولا شرط1. # قال القاضي أبو بكر في مناظرته في الكرامات2: ويقال لهم أيضا: إن من ~~الناس من لا يشترط في الآية المعجزة أن تكون خارقة للعادة، ويقول: إنما ~~[تكون] 3 آية إذا كانت من فعل الله، مع التحدي بمثلها، ودعوى النبوة. ~~فدلالتها على وجه لا يمكن أن يشترك في ادعائه الصادق والكاذب، فإذا ظهرت ~~على هذا الوجه، كانت آية لمن فعلت على يده. قال المجيبون بهذا4، ولهذا لم ~~تكن أشراط الساعة آية لأحد، وإن خرقت العادة؛ إذ لم يكن معها دعوى نبوة، ~~ولأن موت زيد عند قول الرسول: آيتي أن يميت الله زيدا عند دعائي: موته. ~~فإذا مات عند دعوته، صار ذلك آية له، وإن كان فعل الموت في الإنسان وغيره ~~من الحيوان معتادا. # قال5: [أو إن] 6 قالوا: لو كان كذلك، لكان من قال: آيتي أن PageV02P786 # [تطلع] 1 الشمس وتغرب، ويأتي الليل والنهار والضياء والظلام، وفعل ذلك مع ~~دعواه الرسالة، كان آية له، وإن لم يكن المفعول من ذلك خارقا للعادة. فلما ~~لم يكن كذلك، وإن كان [واقعا] 2 من فعل الله مع دعوى النبوة؛ لكونه غير ~~خارق للعادة، بطل ما قلتموه؟ يقال لهم: قد أجبنا عن هذا حين قلنا: ويكون ~~الواقع من فعل الله مع دعوى النبوة، مما لا يشترك فيه الصادق والكاذب، ~~ويستوي مع ظهوره دعوى المحق والمبطل، وطلوع الشمس ms302 وغروبها. # ولو قال النبي: آيتي أن يظلنا السحاب الساعة، و [تزلزل] 3 الأرض، وتحدث ~~الأمطار، بدعوى، فحدث ذلك، لكان آية له. وإن كان مثل ذلك قد يحدث في العصر ~~ويشاهد، فإذا قال المتنبي: [إنني] 4 معارضه، وآيتي في كوني نبيا ظهور مثل ~~ذلك، منع منه ولم يحدث5. PageV02P787 # مناقشة شيخ الإسلام للباقلاني # قلت1: هذا الذي ذكروه، هو أيضا خرق للعادة؛ فإن ظهور مثل ذلك على هذا ~~الوجه مما لم تجر به العادة، وهو نفسه القاضي أبو بكر في هذا الكتاب؛ ~~((كتاب البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل و [الكهانة] 2 ~~والسحر والنيرنجيات)) ، قد قال: قيل: هذا باب القول في معنى العادة ~~وانخراقها، والعادة التي إذا انخرقت دلت على صدق الرسل، والاعتياد للأمر، ~~وتفصيل ذلك وتنزيله3: # اعلموا رحمكم الله4 أن الكل من سائر الأمم قد شرطوا في صفة [المعجز: أن] ~~5 يكون خارقا للعادة. وإذا6 كان ذلك واجبا، وجب معرفة هذه العادة، ومعرفة ~~انخراقها7. PageV02P788 # فقد [حكى] 1 هنا الإجماع، وهناك صرح بالاختلاف2، وقوى ذلك القول. # وسبب ذلك: اضطرابهم في معنى العادة وانخراقها؛ فإن كل قوم يفهمون غير ما ~~يفهمه الآخرون، والله تعالى إنما سماها آيات3. # وهذا القول الذي ذكره وقواه، وهو: لا يشترط فيها أن تكون خارقة للعادة: ~~هو حقيقة قول القاضي4، وأمثاله؛ من المتكلمين الأشعرية، ومن وافقهم؛ ~~كالقاضي أبي يعلى، وأمثاله؛ فإن المعجزات عندهم لا تختص بجنس من الأجناس ~~المقدورات، بل خاصتها أن النبي يحتج بها، ويتحدى بمثلها، فلا يمكن معارضته؛ ~~فاشترطوا لها5 [وصفين] 6: أن تكون مقترنة بدعوى النبوة، وجعلوا المدلول ~~جزءا من الدليل، وأنها لا تعارض. # وبالأول: فرقوا بينها وبين الكرامات. # وبه7 وبالثاني: فرقوا بينها وبين السحر والكهانة. PageV02P789 # وصرحوا بأن جميع خوارق السحرة والكهان يجوز أن تكون معجزة لنبي، لكن إذا ~~كانت معجزة لم تمكن معارضتها. فلو ادعى ساحر أو كاهن النبوة، لكان الله ~~يعجزه عن تلك الخوارق1، قد علم أن غيره من السحرة والكهان يفعل مثلها، وليس ~~بنبي. # وما يأتي به الأنبياء من المعجزات جوزوا أن [يأتي] 2 ms303 بمثله الساحر ~~والكاهن، إلا ما منع منه السمع؛ للإجماع3 على أن الساحر لا يقلب العصا ~~حية4. # وهذا الفرق ليس لما يختص به أحد النوعين، ولا ضابط له. # وصرحوا بأنه لا يستثنى من الخوارق، إلا ما انعقد عليه الإجماع5. # وصرحوا بأن العجائب [الطبيعية] 6؛ مثل جذب حجر المغناطيس الحديد: يجوز أن ~~يكون معجزة، لكن بشرط أن لا يعارض7. # وكذلك الطلاسم، وكذلك الأمور المعتادة: يجوز أن تكون معجزة بشرط أن يمنع ~~غيره منها، فتكون المعجزة منع المعتاد8. # فالخاصة عندهم فيها9: أنها لا تعارض، وأنها تقترن بدعوى النبوة. ~~PageV02P790 # وقد يشترطون أن تكون خارقة للعادة، لكن يكتفون بمنع المعارض1؛ فهو وحده ~~خرق للعادة؛ فلا يشترطون هذا وهذا. # وقد اشترط القاضي أبو بكر أن يكون مما يختص الرب بالقدرة عليه2. # ولا حقيقة له؛ فإن جميع الحوادث كذلك عندهم3، وكل ما [خرج] 4 عن محل قدرة ~~العبد، فالرب عندهم مختص بفعله؛ كخوارق السحرة والكهان5. # وحقيقة الأمر: أنه لا فرق عندهم بين المعجزات والكرامات، والسحر ~~والكهانة، لكن هذه إذا لم تقترن بدعوى النبوة لم [تكن] 6 آية، وإذا اقترنت ~~بها كانت آية، بشرط أن لا تعارض7. # حقيقة قول الأشاعرة في النبوة # ثم إنه8 لما أثبت النبوة، قال: إنه يجوز على النبي فعل كل شيء من ~~PageV02P791 # الكبائر، إلا أن يمنع من ذلك سمع1. كما قال: كل ما كان معجزة للأنبياء، ~~يجوز أن يأتي به الساحر، إلا أن يمنع منه سمع2؛ إذ كان في نفس الأمر لا فرق ~~بين فعل وفعل، بل يجوز من الرب كل شيء؛ فيجوز أن يبعث كل أحد، ولا يقيم على ~~نبوته دليلا3. # هذا حقيقة قولهم: إنه يجوز أن يبعث كل أحد، وأنه إذا بعثه لا يقيم دليلا ~~على نبوته، بل يلزم العباد بتصديقه، بلا دليل يدلهم على صدقه. # تعريف الأشاعرة للمعجزة، ورد شيخ الإسلام عليهم بجوابين # فإن غاية هذا: تكليف ما لا يطاق، وهم يجوزونه4. # وهذا الذي قالوه: باطل من وجوه متعددة، قد بسطت في غير هذا الموضع5. ~~PageV02P792 # منها: أنهم جعلوا المدلول عليه؛ وهو إخبار ms304 النبي بنبوته، وشهودها، ~~وثبوتها: جزءا من الدليل؛ قالوا: لأنها لو كانت معجزة لجنسها، لم تقع إلا ~~معجزة، والخوارق التي تكون أمام الساعة، ليست معجزة لأحد. فعلم أن الدليل ~~هو مجموع دعوى النبوة، والخارق1. # والجواب عن هذا من وجهين: # أحدهما: أن تلك من آيات الله تعالى؛ فالخوارق التي لا يقدر عليها العباد: ~~كلها آيات [لله] 2 تعالى، وهي دالة على ما يظهر دلالتها عليه؛ تارة [تكون] ~~3 تخويفا؛ [كما] 4 قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر آيتان ~~من آيات الله وإنهما لا [ينكسفان] 5 لموت أحد، ولا لحياته، ولكنهما آيتان ~~من آيات الله يخوف الله بهما عباده" 6. # والتخويف يتضمن: الأمر [بطاعته، والنهي] 7 عن معصيته. # وأشراط الساعة آيات على قربها، وعلى جزاء الأعمال، وهو يتضمن الأمر ~~بالطاعة، والنهي عن المعصية8. PageV02P793 # والثاني: أن يقال: هي آيات على صدق الأنبياء؛ فإنهم أخبروا بها، وهي آية ~~على ما أخبروا به، وعلى صدقهم. # عامة معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحدى بها # وأيضا: فإن عامة معجزات الرسول لم يكن يتحدى بها، ويقول ائتوا بمثلها. ~~والقرآن إنما تحداهم لما قالوا إنه [افتراه] 1، ولم يتحداهم به ابتداء، ~~وسائر المعجزات لم يتحد بها، وليس فيما نقل تحد إلا بالقرآن2، لكن قد علم ~~أنهم لا يأتون بمثل آيات الأنبياء. فهذا لازم لها، لكن ليس من شرط ذلك أن ~~يقارن خبره. # آيات الأنبياء منها ما يكون قبل ولادتهم ومنها ما يكون بعد موتهم # وأيضا: فمن آيات الأنبياء ما كان قبل ولادتهم، وقبل أنبيائهم، وما يكون ~~بعد موتهم3؛ فإن الآية [هي] 4 دليل على صدق الخبر بأنه رسول الله، وهذا ~~الدليل لا يختص؛ لا بمكان، ولا زمان، ولا يكون هذا الدليل إلا من جنس لا ~~يقدر عليه الإنس كلهم، ولا الجن، فلا بد أن يكون جنسه معجزا أعجز الإنس ~~والجن. # وأما قولهم: خاصة المعجز عدم المعارضة5: فهذا باطل، وإن كان عدم المعارضة ~~لازما له، فإن هذا العدم لا يعلم، إذ يمكن أن يعارضه من ليس هناك ms305 إذا كان ~~مما يعلم أنه معتاد؛ مثل خوارق السحرة، والكهان؛ فإنه PageV02P794 # وإن لم [يمكن] 1 أن يعارض في هذا الموضع، ففي السحرة والكهان من يفعل ~~مثلها، مع أنه ليس بنبي. # تعريف الأشاعرة لدليل النبوة # ودليل النبوة يمتنع ثبوته بدون النبوة، وإذا قالوا: الدليل هو: مجموع ~~الدعوى، والدليل2: تبين [خطؤهم] 3، وأن القوم لم يعرفوا دلائل النبوة، ولا ~~أقاموا دليلا على نبوة الأنبياء، كما لم يقيموا دليلا على وجود الرب؛ فليس ~~في كتبهم ما يدل على الرب تعالى، ولا على رسوله، مع أن هذا هو المقصود من ~~أصول الدين4. # الأشاعرة لم يقيموا دليلا على ثبوت الأنبياء ووجود الرب تعالى # وأيضا: فمسيلمة، والعنسي: لم يكن عندهما من يعارضهما. # وأيضا: فالمعارض إن اعتبروه في المدعوين، وهذا مقتضى في خرق # العادة، وأن العادات تختلف، فلكل قوم عادة. قالوا5: فالمعتبر خرق عادة من ~~أرسل إليهم. # وعلى هذا: فإذا أرسل إلى بني إسرائيل، ففعل ما لم يقدروا عليه، كان آية، ~~وإن كان ذلك مما يقدر عليه العرب، ويقدر عليه السحرة والكهان. # وصرحوا بأن السحر الذي قال الله فيه: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما ~~نحن فتنة فلا تكفر} 6: يجوز أن يكون من معجزات الأنبياء إذا لم PageV02P795 # يعارض1، وقد قال الرازي: إن السمعيات لا يحتج بها؛ لأن دلالتها مشروطة ~~بعدم المعارض العقلي، وذلك غير معلوم2. # وكذلك يقال في معجزات هؤلاء أن خاصتها عدم المعارضة. فإن اعتبروا أن أحدا ~~من الخلق لا يعارض، فهذا لا يعلم. وإن اكتفوا بأن لا يعارض في ذلك المكان ~~والزمان، فكثير من الصناعات، والعجائب، والعلوم من هذا الباب. وهم لا ~~ينكرون هذا، بل يقولون: المعجز هو هذا، مع دعوى النبوة. # وقد تبين أن الشيء في نفسه إذا لم يكن دليلا، لم يصر دليلا باستدلال ~~المستدل به، بل هو في نفسه دليل، وإن لم يستدل به؛ [إذ] 3 كان الدليل هو ~~المستلزم للمدلول؛ فدليل صدق النبي هو يدل على أنه نبي، وأن الخبر بنبوته ~~صدق، وإن كان هو لا يستدل بذلك، ولا يتحدى بمثلها، ms306 وقد لا يخبره بنبوة ~~نفسه، ويكون له دلائل تدل على نبوته؛ كما كانت قبل أن يولد، وفي الأمكنة ~~البعيدة. # فتبين أن قول هؤلاء [هو] 4: أنه لا يعلم ما يستدل به على نبوة الأنبياء5. ~~PageV02P796 # وهذا إذا انضم إلى أصلهم؛ وهو: أن الرب يجوز عليه فعل كل شيء1، صارا ~~شاهدين: بانه على أصلهم لا دليل على النبوة؛ [إذ] 2 كان عندهم لا فرق بين ~~فعل من الرب وفعل. وعندهم: لا فرق بين جنس وجنس في اختصاصه بالأنبياء به، ~~فليس في أجناس المعقولات ما يكون آية تختص بالأنبياء، فيستلزم نبوتهم. بل ~~ما كان لهم قد يكون [عند غيرهم] 3، حتى للسحرة والكهان، وهم أعداؤهم. فرقوا ~~بعدم المعارضة، وهذا فرق غير معلوم، وهو مجرد دعوى. # الفرق بين النبي والساحر عند الأشاعرة # قالوا: لو ادعى الساحر والكاهن النبوة، لكان الله ينسيه الكهانة والسحر، ~~ولكان له من يعارضه4؛ لأن السحر والكهانه هي معجزة عندهم. # وفي هذه الأقوال من الفساد عقلا وشرعا، ومن المناقضة لدين الإسلام، وللحق ~~ما يطول وصفه. # ولا ريب أن قول من أنكر وجود هذه الخوارق5 أقل فسادا من هذا. # ولهذا يشنع عليهم ابن حزم وغيره بالشناعات العظيمة6. PageV02P797 # الفرق بين المعجزات والسحر عند الأشاعرة # ولهذا يقيم أكابر فضلائهم مدة يطلبون الفرق بين المعجزات والسحر، فلا ~~يجدون فرقا؛ إذ لا فرق عندهم في نفس الأمر1. PageV02P798 # قول شيخ الإسلام في آيات الأنبياء # والتحقيق: أن آيات الأنبياء مستلزمة للنبوة، ولصدق الخبر بالنبوة، فلا ~~يوجد إلا مع الشهادة للرسول بأنه رسول، لا يوجد مع التكذيب بذلك، ولا مع ~~عدم ذلك البتة، وليست من جنس ما يقدر عليه؛ لا الإنس، ولا الجن؛ فإن ما ~~يقدر عليه الإنس والجن يفعلونه، فلا يكون مختصا بالأنبياء. # ومعنى كونها خارقة للعادة: أنها لا توجد إلا للنبوة؛ لا مرة، ولا أقل، ~~ولا أكثر. فالعادة هنا تثبت بمرة. والقاضي أبو بكر يقول: إن ما فعل مرات ~~يسيرة لا يكون معتادا1. PageV02P800 # وفي كلامه في هذا الباب1 من الاضطراب ما يطول وصفه. وهو رأس هؤلاء الذين ~~اتبعوه؛ كالقاضي ms307 أبي يعلى، وأبي المعالي، والرازي، والآمدي، وغيرهم. # وما يأتي به السحرة والكهان، يمتنع أن يكون آية لنبي، بل هو آية على ~~الكفر، فكيف يكون آية للنبوة، وهو مقدور للشياطين؟. # وآيات الأنبياء لا يقدر عليها جن ولا إنس، وآيات الأنبياء آيات لجنسها، ~~فحيث كانت آية لله، تدل على مثل ما أخبرت به الأنبياء، وإن شئت قلت2: هي ~~أيات لله، يدل بها على صدق الأنبياء تارة، وعلى غير ذلك تارة. # وما يكون للسحرة والكهان، لا يكون من آيات الأنبياء، بل آيات الأنبياء ~~مختصة بهم. # الفرق بين المعجزات والكرامات # وأما كرامات الأولياء3: فهي أيضا من آيات الأنبياء؛ فإنها إنما تكون ~~PageV02P801 # لمن [يشهد] 1 لهم بالرسالة، فهي دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوة. # وأيضا: فإن كرامات الأولياء معتادة من الصالحين، ومعجزات الأنبياء فوق ~~ذلك؛ فانشقاق القمر، والإتيان بالقرآن، وانقلاب العصا حية، وخروج الدابة من ~~صخرة2، لم يكن مثله للأولياء؛ وكذلك خلق الطير من PageV02P802 # الطين، ولكن آياتهم صغار، وكبار؛ كما قال الله تعالى: {فأراه الآية ~~الكبرى} 1؛ فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة، وقال عن نبيه محمد: {لقد رأى من ~~آيات ربه الكبرى} 2، فالآيات الكبرى مختصة بهم. # الآيات قسمان: كبرى وصغرى # الآيات الكبرى مختصة بالأنبياء # الآيات الصغرى قد تكون للصالحين # وأما الآيات الصغرى: فقد [تكون] 3 للصالحين؛ مثل تكثير الطعام، فهذا قد ~~وجد لغير واحد من الصالحين4، لكن لم يوجد كما وجد للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه أطعم الجيش من شيء يسير5. فقد يوجد لغيرهم من جنس ما وجد لهم، لكن لا ~~يماثلون في قدره؛ فهم مختصون إما بجنس الآيات فلا يكون لمثلهم؛ كالاتيان ~~بالقرآن، وانشقاق القمر، وقلب العصا حية، وانفلاق البحر، وأن يخلق من الطين ~~كهيئة الطير؛ وإما بقدرها، وكيفيتها؛ كنار الخليل6؛ فإن أبا مسلم ~~[الخولاني] 7، وغيره صارت النار عليهم بردا وسلاما8، لكن PageV02P803 # لم تكن مثل نار إبراهيم في عظمتها كما وصفوها1، فهو مشارك للخليل في جنس ~~الآية؛ كما هو مشارك في جنس الإيمان محبة الله وتوحيده. ومعلوم أن الذي ~~امتاز به الخليل من هذا، ms308 لا يماثله فيه أبو مسلم، وأمثاله. # وكذلك الطيران في الهواء؛ فإن الجن لا تزال تحمل ناسا، وتطير بهم من مكان ~~إلى مكان؛ كالعفريت الذي قال لسليمان: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} ~~2، لكن قول الذي عنده علم من الكتاب: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} ~~3: لا يقدر عليه العفريت. # ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ليريه الله من آياته ~~الكبرى4: أمر اختص به، بخلاف من يحمل من مكان إلى مكان، لا ليريه الله من ~~آياته الكبرى5، أمر اختص به، ولا يعرج إلى السماء. # فهؤلاء كثيرون، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع6. PageV02P804 # نقد شيخ الإسلام للأشاعرة في النبوات # والمقصود هنا: أن هؤلاء حقيقة قولهم: أنه ليس للنبوة آية تختص بها؛ كما ~~أن حقيقة قولهم: أن الله لا يقدر أن يأتي بآية تختص بها، وإنه لو كان قادرا ~~على ذلك، لم يلزم أن يفعله، بل ولم يفعله. فهذان أمران متعلقان بالرب؛ إذ ~~هو عندهم لا يقدر أن يفعل شيئا لشيء1. # والآية إنما تكون آية: إذا فعلها [ليدل] 2. ولو قدر أنه قادر، فهم يجوزون ~~عليه فعل كل شيء؛ فيمكن أنه لم يجعل على صدق النبي دليلا. # وأما الذي ذكرناه عنهم هنا، فإنه يقتضي أنه لا دليل عندهم على نبوة ~~النبي، بل كل ما قدر دليلا، فإنه يمكن وقوعه مع عدم النبوة، فلا يكون ~~دليلا. # فهم هناك3 حقيقة قولهم: إنا لا نعلم على النبوة دليلا. وهنا حقيقة ~~قولهم4: أنه لا دليل على النبوة. PageV02P805 # ولهذا كان كلامهم في هذا الباب1 منتهاه التعطيل. # الغزالي عدل عن طريقة الأشاعرة في الاستدلال بالمعجزات # ولهذا عدل الغزالي وغيره عن طريقهم في الاستدلال بالمعجزات2؛ لكون ~~المعجزات على أصلهم3 لا تدل على نبوة نبي. وليس عندهم في نفس الأمر معجزات، ~~وإنما يقولون: المعجزات علم الصدق؛ لأنها في نفس الأمر كذلك4. # وهم صادقون في هذا، لكن على أصلهم ليست دليلا على الصدق، ولا دليل على ~~الصدق. # فآيات الأنبياء تدل على صدقهم دلالة معلومة بالضرورة تارة، ms309 وبالنظر أخرى. # وهم قد يقولون: إنه يحصل العلم الضروري بأن الله صدقه بها؛ وهي الطريقة ~~التي سلكها أبو المعالي، والرازي، وغيرهما5؛ وهي طريقة صحيحة في نفسها، لكن ~~[تناقض] 6 بعض أصولهم. PageV02P806 # فالقدح ليس في آيات الأنبياء، لكن في الأقوال الفاسدة التي تناقض ما هو ~~معلوم بالضرورة عقلا، وما هو أصل الإيمان شرعا. ومن عرف تناقضهم في ~~الاستدلال يعرف أن الآفة في فساد قولهم، لا في جهة صحة الدلالة؛ فقد يظهر ~~بلسانه ما ليس في قلبه؛ كالمنافقين الذين يقولون: {نشهد إنك لرسول الله ~~والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} 1. # قول الإمام أحمد في علماء الكلام # ولقد صدق الإمام أحمد في قوله: علماء الكلام زنادقة2. # وطريقة القرآن فيها الهدى، والنور، والشفاء؛ سماها آيات، وبراهين. # فآيات الأنبياء مستلزمة لصدقهم، وصدق من صدقهم، وشهد لهم بالنبوة. # الأنبياء قد يتماثلون في الآيات # والآيات التي يبعث الله بها أنبياء، قد يكون مثلها لأنبياء أخر؛ مثل ~~إحياء الموتى؛ فقد كان لغير واحد من الأنبياء3. # وقد يكون إحياء الموتى على يد اتباع الأنبياء؛ كما قد وقع لطائفة من ~~PageV02P807 # هذه الأمة1، ومن اتباع عيسى2؛ فإن هؤلاء يقولون: نحن إنما أحيى الله ~~الموتى على أيدينا؛ [لاتباع محمد، أو المسيح، فبإيماننا بهم، وتصديقنا لهم ~~أحيى الله الموتى على أيدينا] 3، فكان إحياء الموتى مستلزما [لصدق] 4 عيسى، ~~و [محمد] 5، لم يكن قط مع تكذيبهما، فصار آية لنبوتهم، وهو أيضا آية لنبوة ~~موسى، وغيره من أنبياء بني [إسرائيل] 6 الذين أحيي الله الموتى على أيديهم. ~~PageV02P808 # وليس مدلول الآيات هو مجرد دعواه أن الله أرسلني، وإخباره عن نفسه بذلك؛ ~~لأن ذلك معلوم بالحس لمن سمعه، وبالتواتر لمن لم يسمعه، بل صدقه في هذا ~~الخبر؛ وهو ثبوت نبوته. # الآية مستلزمة لصدق النبي وثبوت نبوته # فالآية مستلزمة لصدقه، وثبوت نبوته. ومن أخبر غيره عن إرسال الله له، ~~وأتى هذا المخبر بآية، كانت أيضا آية على صدق هذا المخبر، وثبوت نبوة ~~النبي؛ فإن من أخبر عن نبوة نبي من الأنبياء، وأتى بآية على صدقه ms310 في خبره، ~~كانت تلك آية ودليلا على نبوة النبي، وأن إخبار المخبر بنبوته صدق. بل ~~[كون] 1 غيره هو المخبر، الآتي بالعلامة أبلغ. ولهذا كانت من أعظم آيات ~~النبي: إخبار غيره من الأنبياء بنبوته. # فإن قال آخر: إنه كذب، وأتى بمثل تلك الآية، بطلت الدلالة المعينة، ولا ~~يلزم من بطلان دليل معين، بطلان سائر الأدلة؛ فإن الدليل يجب طرده، ولا يجب ~~عكسه2. # ولو جاء من قال: إن فلانا أرسلني، ومعه شخص، فصدقه، وقال: إنه أمرني أن ~~أخبركم بأنه رسوله بعلامة كيت وكيت، لكان ذلك أبلغ. # وكل من علم صدق النبي، فقد صدقه أنه [ ### | .................. # ] 3 أن يعلم الناس أن الله يشهد له بالنبوة، ويحكم بينه وبين منازعيه ~~بتصديقه وتكذيبهم، وذلك بآياته وعلاماته يبين بها أنه مصدق للرسول. # وقد يصدقه بكلامه الذي قد بين أنه كلامه؛ فكونه في نفسه آية وعلامة؛ ~~PageV02P809 # إذ كان لا يمكن الجن [والإنس] 1 أن ياتوا # بمثله، فهو من أعظم الآيات. # وبغير ذلك؛ فالآيات كلها شهادة بالنبوة، وإخبار بها، وتصديق للمخبر؛ فهي ~~تستلزم ثبوت النبوة في نفسها، وأن صاحب الآيات قد نبأه الله، وأوحى إليه؛ ~~كما أوحى إلى غيره من الأنبياء، وتستلزم أيضا: صدق الإخبار بأنه نبي؛ فهو ~~إذا قال: إني نبي، كان صادقا، وكذلك كل من أخبر بنبوته، فإنه يكون صادقا. # وثبوت الشيء، وصدق من أخبر به: متلازمان؛ فكل حق ثابت، إذا أخبر به مخبر، ~~فهو صادق، وكل خبر صادق، فقد تحقق مخبره. # [فالخبر] 2 الصادق هو ومخبره متلازمان؛ يلزم من صدق الخبر، تحقق مخبره. # ومن تحقق الشيء، صدق المخبر به؛ بخلاف الكذاب، فإنه ومخبره ليسا ~~متلازمين، بل الخبر الكذب يوجد مع انتفاء مخبره، والمخبر به يتحقق على صفة ~~خلاف ما في الخبر الكاذب3. # فلهذا كانت الآيات، والعلامات، والدلائل، ونحو هذا كما تدل على المدلول، ~~وأنه حق ثابت، فهي أيضا تدل على صدق من أخبر به كائنا من كان. # فمن قال: إني ابن فلان، وقامت بينة بنسبه، فهي تثبت صدقه، # وصدق كل من قال: هو ابن فلان. ms311 PageV02P810 # وكذلك البينة التي تشهد برؤية الهلال، وهي تشهد بصدق كل من أخبر بطلوعه. # وكذلك كل دليل دل على مدلول، فهو دليل على صدق كل من أخبر بذلك المدلول ~~عليه. # وكذلك إذا قال الصادق: إن الله أرسلني، فهذا خبر منه عن إرسال الله؛ ~~فالآية الدالة على صدقه، تدل على صدق كل من قال: إن الله أرسله. # فالآيات الدالة على صدق محمد، إذا قال ما أمره الله به في قوله: {قل يا ~~أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} 1، هي دالة على صدق كل من قال: أشهد ~~أن محمدا رسول الله. # فجميع آياته، وآيات الأنبياء الذين أخبروا بنبوته؛ كموسى، والمسيح ~~[عليهما السلام] ، وأنبياء بني إسرائيل، وغيرهم: كلها آيات، ومعجزات [تبين] ~~2 صدق كل واحد من المؤمنين به، الذين يقول أحدهم: أشهد أن محمدا رسول الله؛ ~~سواء قالها مجردة، أو قالها في صلاته، أو عقب طهارته، أو متى ما قالها. # ليست آيات النبوة دالة على أنه وحده هو الصادق في قوله: إني # رسول الله إليكم جميعا، بل الآيات تصدقه، وتصدق كل من شهد له بالرسالة. # وهكذا سائر الأدلة الدالة على مدلول؛ فإنها تدل على صدق من أخبر بذلك ~~المدلول عليه من جميع الخلق. PageV02P811 # وقد عرف أن الدليل لا بد أن [يكون] 1 مختصا بالمدلول عليه، مستلزما له. # فآيات الأنبياء، وسائر أنواع الآيات والأدلة، لا تكون مع نقيض المدلول ~~عليه؛ أي مع عدمه؛ فإنها إذا كانت مع وجوده وعدمه، لم تكن دالة [لا] 2 على ~~وجوده، ولا على عدمه، [ولم يكن الاستدلال به على وجوده، ولا على عدمه] 3، ~~ولم يكن الاستدلال به على وجوده أولى به من الاستدلال على عدمه؛ كالأمور ~~المعتادة التي توجد مع الصادق والكاذب؛ كطلوع الشمس، وغروبها؛ فإن هذه لا ~~تدل على صدق أحد، ولا كذبه. # وكذلك خوارق السحرة والكهان، هي معتادة، مع صدق أحدهم، ومع كذبه؛ فلا تدل ~~على الصدق، [ولا على الكذب، والاستدلال بها على صدقه؛ كالاستدلال بها على ~~كذبه، وهي على الكذب أدل] 4؛ [إذ] 5 كان كذبهم أكثر ms312 من صدقهم؛ كالذين ~~يخبرون بكلمة صدق، وعشرة كذب؛ قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ~~تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع و [أكثرهم] 6 كاذبون} 7، فكيف إذا كان ~~مع الصدق مائة كذبة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان؛ ~~كما روى البخاري في صحيحه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سأل ناس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان، PageV02P812 # فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليسوا بشيء". قالوا: يا رسول ~~الله فإنهم يحدثون أحيانا بشيء يكون حقا. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "تلك الكلمة من الحق يحفظها الجني، فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة، ~~فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة"1. # فيلزم من هذا: أن آيات الأنبياء لا يكون مثلها لمن يكذبهم، وهو الذي يخبر ~~بكذبهم. # والناس فيهم رجلان: إما مصدق، وإما مكذب. فالمكذب لهم يمتنع أن يأتي بمثل ~~آياتهم. ومتى كذب مكذب لمدعي النبوة، وأتى بمثل آيته سواء، دل على أن تلك ~~ليست من آيات الأنبياء، ولا تدل على صدق النبي، لكن لا يلزم أن يدل على ~~كذبه؛ فإن الدليل المعين إذا بطل، لا يستلزم انتفاء المدلول عليه؛ فقد تكون ~~له آيات أخر تدل على نبوته. # وصدق الصادق، وكذب الكاذب يعرف بوجوه كثيرة جدا2. # وكذلك النبوة: لها آثار مستلزمة لها، بدون إخبار النبي بأنه نبي. # وكذب المتنبي الذي يزين له الشيطان أن يقول: إنه نبي، له آثار [تستلزم] 3 ~~انتفاء النبوة، وأنه كاذب؛ إما عمدا، وإما أن الشيطان قد لبس عليه. ~~PageV02P813 # فإن الخبر عند كثير من الناس ينقسم إلى صدق وكذب؛ فالمطابق هو الصدق، ~~والمخالف هو الكذب1. # أثبت بعضهم واسطة بين الصدق والكذب # وأثبت بعضهم واسطة بين الصدق والكذب؛ وهو ما لم يتعمده الإنسان 2؛ قال 3: ~~فهذا ليس بصدق؛ [لأنه] 4 غير مطابق، وليس بكذب؛ لأن صاحبه لم يتعمد الكذب، ~~بل أخطأ. وليس كل من أخطأ يقال: إنه كاذب؛ كالناسي في الصلاة، إذا قال: ~~صليت أربعا، ولم يصل إلا ثلاثا؛ ms313 كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ~~له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ [فقال: "لم أنس، ولم تقتصر". فقال: ~~بلى قد نسيت] 5. فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم6. # كل من تكلم بلا علم فهو كاذب # والذي يدل عليه القرآن: أن كل من تكلم بلا علم، فأخطا، فهو كاذب؛ كالذين ~~حرموا، وحللوا، وأوجبوا، وإن كان الشيطان قد زين لهم ذلك، وأوهمهم أنه حق، ~~ولهذا [قال] 7: {هل أنبئكم على من تنزل PageV02P814 # الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم} 1، وهي تنزل على من يظن أنه يصدقها؛ قال ~~تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم ~~عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} 2، وقال تعالى: {وقال الشيطان لما قضي ~~الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم} 3. # كل من أخبر بخبر غير مطابق فهو كاذب # وكذلك الذي يدل عليه الشرع: أن كل من أخبر بخبر ليس له أن يخبر به، وهو ~~غير مطابق، فإنه يسمى كاذبا، وإن كان لم يتعمد الكذب4؛ كقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما قيل له: إن أبا السنابل5 قال: ما أنت بناكحة، حتى [تمر] 6 ~~عليك أربعة أشهر وعشر. فقال: "كذب أبو السنابل"7. PageV02P815 # ولما قيل له: إن عامر بن الأكوع حبط عمله؛ لأنه قتل نفسه، فقال: ((كذب من ~~قالها، إن له لأجرين، إنه جاهد مجاهد"1. # ولما قال [سعد] 2 بن عبادة في يوم الفتح: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل ~~الحرمة. وحكاه أبو سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كذب سعد، ~~ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة"3. PageV02P816 # وكذلك قال عبادة بن الصامت، لما قيل له: إن أبا محمد1 يقول: الوتر واجب. ~~فقال: كذب أبو محمد2. # وكذلك ابن عباس لما قيل له: إن نوفا3 يقول: إن موسى [عليه السلام] نبي ~~إسرائيل، ليس هو موسى الخضر. فقال: كذب نوف4. PageV02P817 # وأيضا: من أخبر الناس خبرا، طلب أن يصدقوه فيه، وقد نهوا عن تصديقه إلا ~~ببينة، فإنه أيضا كاذب؛ كما ms314 قال تعالى في القرآن: {لولا جاءوا عليه بأربعة ~~شهداء [فإذ] 1 لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} 2. # وقال في القاذفين: {فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ~~وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور ~~رحيم} 3. # وكذلك: إن القاذف، وإن كان قد رأى الفاحشة بعينه، لكنه إذا أخبر بها ~~الناس، فهو يطلب منهم أن يصدقوه بمجرد خبره، وليس لهم ذلك، بل ليس لهم أن ~~يصدقوه حتى يأتي بأربعة شهداء، وهو لا يخبر الناس ليكذبوه، بل يخبرهم ~~ليعتقدوا ثبوت ما أخبرهم به، ويعتقدوا أن المقذوف قد فعل الفاحشة، وهم ليس ~~لهم أن يقولوا ذلك إلا بأربعة شهداء، فإذا لم يأت بأربعة شهداء، فهو عند ~~الله كاذب؛ لأنه أخبر الناس بأن هذا فعل الفاحشة، وقال خبرا طلب به ~~تصديقهم، وإن يظهر أن هذا فعلها. # فحقيقة خبره أن هذا فعل فاحشة ظاهرة يرتب عليها هذا. بل إن كان فعل شيئا، ~~فقد فعله سرا، لم يعلم به الناس. # الذنب إذا كتم لم يضر إلا صاحبه # وقد علم أن الذنب إذا كتم لم يضر إلا صاحبه، ولكن إذا أعلن، فلم ينكر، ضر ~~الناس4. وهذا لم يعلنه. PageV02P818 # وأكثر المسلمين إذا فعل أحدهم فاحشة باطنة، تاب منها ومن إعلانها. ~~[يتشبه] 1 الناس بعضهم ببعض في ذلك. # فلهذا نهى الله عن فعلها، وعن التكلم بها؛ صدقا، وغير صدق؛ فإنها إذا ~~فعلت، وكتمت، خف أمرها، وإذا أظهرت، كان فيها مفاسد كثيرة؛ قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "من ابتلي من هذه القاذورات بشيء، فليستتر بستر الله؛ فإن ~~من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله" 2، وقال: "كل أمتي معافى، إلا ~~المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله، فيصبح ~~يقول: يا فلان فعلت البارحة كذا، وكذا"3. # فقد نهى الله تعالى صاحبها أن يظهرها ويعلنها، فكيف القاذف؟. # بخلاف ما إذا أقر بها عند ولي أمر، ليقيم عليه الحد، أو يشهد بها نصاب ~~تام لإقامة الحد4، فذاك فيه منفعة ms315 وصلاح. # وقد يخبر بها بعض الناس سرا؛ لمن يعلمه كيف يتوب؟ ويستفتيه، ويستشيره ~~فيما يفعل؟ فعلى ذلك المفتي والمشير أن يكتم عليه ذلك، ولا # يشيع الفاحشة. وبسط هذا له موضع آخر5. PageV02P819 # الناس فيمن قال إني رسول قسمان: إما مصدق وإما غير مصدق # والمقصود هنا: أن الناس [في من] 1 قال: [إني] 2 رسول: قسمان: إما مصدق، ~~وإما غير مصدق. # فمن ليس بمصدق: لا يمكنه أن يأتي بمثل آيات الأنبياء؛ سواء قال: إنه ~~كاذب، أو توقف في التصديق والتكذيب. # وكذلك المؤمنون؛ أتباع الأنبياء: إذا أتوا بآية، كانت دليلا على نبوة ~~النبي الذي اتبعوه، فلا يمكن من لا يصدق النبي أن يعارضهم. ومتى عارضهم، لم ~~يكن من آيات الأنبياء. # ولهذا كان أبو مسلم، لما قال له الأسود العنسي: أتشهد أني رسول الله؟ ~~قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمدا رسول؟ قال: نعم. فألقاه في النار، فصارت ~~عليه بردا وسلاما3. # فكرامات الصالحين هي مستلزمة لصدقهم في قولهم: إن محمدا رسول، ولثبوت ~~نبوته. فهي من جملة آيات الأنبياء. # وآياتهم4، وما خصهم الله به، لا يكون لغير الأنبياء5. # وإذا قال القائل: معجزات الأنبياء، وآياتهم، وما خصهم الله به: فهذا كلام ~~مجمل؛ فإنه لا ريب أن الله خص الأنبياء بخصائص، لا توجد لغيرهم. ~~PageV02P820 # بعض الآيات التي يختص بها كل نبي عن غيره من الأنبياء # ولا ريب أن من آياتهم، ما لا يقدر أن يأتي به غير الأنبياء. # بل النبي الواحد له آيات، لم يأت بها غيره من الأنبياء؛ كالعصا، واليد ~~لموسى [عليه السلام] ، وفرق البحر؛ فإن هذا لم يكن لغير موسى1؛ وكانشقاق ~~القمر، والقرآن، وتفجير الماء من بين الأصابع، وغير ذلك2 من الآيات التي لم ~~تكن لغير محمد [عليه الصلاة والسلام] من الأنبياء؛ وكالناقة التي لصالح ~~[عليه السلام] ؛ فإن تلك الآية لم تكن مثلها لغيره؛ وهو خروج ناقة من ~~الأرض3. # بعض الآيات التي اشترك فيها كثير من الأنبياء # بخلاف إحياء الموتى: فإنه اشترك فيه [كثير] 4 من الأنبياء، بل ومن ~~الصالحين5. PageV02P821 # وملك سليمان [عليه السلام] ، لم ms316 يكن لغيره؛ كما قال: {رب اغفر لي وهب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي} 1؛ فطاعة الجن والطير، وتسخير الريح تحمله من ~~مكان إلى مكان؛ له، ولمن معه. [لم] 2 يكن مثل هذه الآية لغير سليمان. # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من نبي من ~~الأنبياء، إلا وقد أوتي من الآيات ما أمن على مثله البشر، وإنما كان الذي ~~أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة"3. # وهو من حين أتى بالقرآن، وهو بمكة يقرأ على الناس: {قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا} 4. PageV02P822 # فقد ظهر أن من آيات الأنبياء ما يختص به النبي، ومنها [ما] 1 يأتي به عدد ~~من الأنبياء، ومنها ما يشترك فيه الأنبياء كلهم ويختصون به؛ وهو الإخبار عن ~~الله بغيبه الذي لا يعلمه إلا الله؛ قال: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن ~~قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} 2. # لكن ما يظهر على المؤمنين بهم من الآيات؛ بسبب الإيمان بهم: فيه قولان: # كرامات الأولياء: هل هي من آيات الأنبياء أم لا فيه قولان: # قال طائفة3: ليس ذلك من آياتهم. وهذا قول من يقول: من شرط المعجزة أن ~~[يقارن] 4 دعوى النبوة، لا يتقدم عليها، ولا يتأخر عنها؛ كما قاله هؤلاء5 ~~الذين يجعلون خاصة المعجزة: التحدي بالمثل، وعدم المعارضة، ولا يكون إلا مع ~~الدعوى، كما تقدم. وهو قول قد عرف فساده من وجوه. # والقول الثاني: وهو القول الصحيح: أن آيات الأولياء هي من جملة آيات ~~الأنبياء6؛ فإنها مستلزمة لنبوتهم، ولصدق الخبر بنبوتهم؛ فإنه لولا ~~PageV02P823 # ذلك، لما كان هؤلاء أولياء، ولم [يكن] 1 لهم كرامات. # لكن يحتاج أن يفرق بين كرامات الأولياء، وبين خوارق السحرة والكهان، وما ~~يكون للكفار، والفساق، وأهل الضلال والغي بإعانة الشياطين لهم؛ ms317 كما يفرق ~~بين ذلك، وبين آيات الأنبياء. # والفروق بين ذلك كثيرة، كما قد بسط في غير هذا الموضع2. PageV02P824 # فصل # فقد تبين أن من آيات الأنبياء ما يظهر مثله على أتباعهم، ويكون ما يظهر ~~على أتباعهم: من آياتهم؛ فإن ذلك مختص بمن يشهد بنبوتهم؛ فهو مستلزم له: لا ~~[تكون] 1 تلك الآيات إلا لمن أخبر بنبوتهم، [وإذا لم يخبر بنبوتهم] 2، لم ~~تكن له تلك الآيات. # وهذا حد الدليل؛ وهو: أن يكون مستلزما للمدلول عليه؛ فإذا وجد الدليل، ~~وجد المدلول عليه، وإذا عدم المدلول عليه، عدم الدليل. # ولهذا من السلف من يأتي بالآيات دلالة على صحة الإسلام، وصدق الرسول3؛ ~~كما ذكر أن خالد بن الوليد شرب السم لما طلب منه آية، ولم يضره4. ~~PageV02P825 ### | فصل خوارق الكهان والسحرة ليست من خوارق العادات وإنما من العجائب الغريبة # ... # فصل # في معنى خرق العادة، وأن الإعتبار أن تكون خارقة لعادة غير الأنبياء ~~مطلقا؛ بحيث [تختص] 1 بالأنبياء، فلا [توجد] 2 إلا مع الإخبار بنبوتهم. # خوارق الكهان والسحرة ليست من خوارق العادات وإنما من العجائب الغريبة # وأما إخبار الكهان ببعض الأمور الغائبة؛ لإخبار الشياطين لهم بذلك، وسحر ~~السحرة؛ بحيث يموت الإنسان من السحر، أو [يمرض] 3، [ويمنع] 4 من النكاح، ~~ونحو ذلك مما هو بإعانة الشياطين: فهذا أمر موجود في العالم، كثير، معتاد، ~~يعرفه الناس، ليس هذا من خرق العادة، بل هو من العجائب الغريبة التي يختص ~~بها بعض الناس؛ كما يختص قوم بخفة اليد، [والشعبذة] 5؛ وقوم بالسباحة ~~الغريبة، حتى يضطجع أحدهم على الماء6؛ وكما يختص قوم بالقيافة7، حتى ~~يباينوا بها غيرهم؛ وكما PageV02P826 # يختص قوم بالعيافة1، ونحو ذلك مما هو موجود. # مكذبوا الرسل يجعلون آيات الرسل من جنس السحر # ولهذا كان [مكذبوا] 2 الرسل يجعلون آياتهم من جنس السحر، وهذا مستقر في ~~نفوسهم: أن الساحر ليس برسول، ولا نبي؛ كما في قصة موسى لما قالوا: {إن ~~[هذا] 3 لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون} 4، قال ~~تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول ms318 إلا قالوا ساحر أو مجنون} 5؛ ~~وهذا لحيرتهم، وضلالتهم؛ تارة ينسبون إلى الجنون، وعدم العقل؛ وتارة إلى ~~الحذق، والخبرة التي [ينال] 6 بها السحر؛ فإن السحر لا يقدر عليه، ولا ~~يحسنه كل أحد، لكن العجائب، والخوارق المقدورة للناس7؛ منها ما سببه من ~~الناس بحذقهم في ذلك الفن؛ كما يحذق الرجل PageV02P827 # في صناعة من الصناعات؛ وكما يحذق الشاعر، والخطيب [في] 1 شعره، وخطابته، ~~وعلمه؛ وكما يحذق بعض الناس في رمي النشاب2، وعمل الرمح، وركوب الخيل. # فهذه كلها قد يأتي الشخص منها بما لا يقدر عليه أهل البلد، بل أهل ~~الإقليم، لكنها مع ذلك مقدورة، مكتسبة، معتادة بدون النبوة، قد فعل مثلها ~~ناس آخرون قبلهم، أو في مكان أخر؛ فليست هي خارقة لعادة غير الأنبياء ~~مطلقا، بل [توجد] 3 معتادة لطائفة من الناس، وهم لا يقولون إنهم أنبياء، ~~ولا يخبر أحد عنهم بأنهم أنبياء. # سبب الغلط في آيات الأنبياء # ومن هنا دخل الغلط على كثير من الناس؛ فإنهم لما رأوا آيات الأنبياء ~~خارقة للعادة، لم يعتد الناس مثلها، أخذوا مسمى خرق العادة4، ولم يميزوا ~~بين ما يختص به الأنبياء، ومن أخبر بنبوتهم، وبين ما يوجد معتادا لغيرهم. # لم يسم الله آيات الأنبياء معجزات وإنما آيات وبراهين # واضطربوا في مسمى هذا الاسم؛ كما اضطربوا في مسمى المعجزات، ولهذا لم ~~يسمها الله في كتابه، إلا آيات، وبراهين؛ فإن ذلك اسم يدل على مقصودها، ~~ويختص بها، لا يقع على غيرها؛ لم يسمها معجزة، ولا خرق عادة، وإن كان ذلك ~~من بعض صفاتها؛ فهي لا تكون آية وبرهانا حتى تكون قد خرقت العادة، وعجز ~~الناس عن الإتيان بمثلها. لكن هذا بعض صفاتها، وشرط فيها، وهو من لوازمها. ~~PageV02P828 # لكن شرط الشيء، ولازمه قد يكون أعم منه1. # وهؤلاء جعلوا مسمى المعجزة وخرق العادة، هو: الحد المطابق لها طردا ~~وعكسا2.كما أن بعض الناس يجعل اسمها أنها عجائب. # وآيات الأنبياء إذا وصفت بذلك، فينبغي أن يقيد بما يختص بها؛ فيقال: ~~العجائب التي أتت بها الأنبياء، وخوارق العادات، والمعجزات التي ظهرت على ms319 ~~أيديهم، أو التي لا يقدر عليها البشر، أو لا يقدر عليها أحد بحيلة واكتساب؛ ~~كما يقدرون على السحر والكهانة، فبذلك تتميز آياتهم عما ليس من آياتهم. # وإلا فلفظ العجائب قد يدخل فيه بعض الناس الشعبذة3 ونحوها. PageV02P829 # معنى التعجب # والتعجب في اللغة يكون من أمر خرج عن نظائره1. وما خرج عن نظائره فقد خرق ~~تلك العادة المعينة في نظائره، فهو أيضا خارق للعادة. # آيات الأنبياء لا نظير لها لغيرهم # وهذا شرط في آيات الأنبياء؛ أن لا يكون لها نظير لغير الأنبياء، ومن ~~يصدقهم. فاذا وجد نظيرها من كل وجه لغير الأنبياء، ومن شهد لهم بالنبوة، لم ~~تكن تلك من آياتهم، بل كانت مشتركة بين من يخبر بنبوتهم، ومن لا يخبر ~~بنبوتهم، كما يشترك هؤلاء وهؤلاء في الطب والصناعات. # السحر والكهانة من إعانة الشياطين لبني آدم # وأما السحر والكهانة: فهو من إعانة الشياطين لبني آدم، فإن الكاهن ~~[تخبره] 2 الجن، وكذلك الساحر إنما يقتل، ويمرض، ويصعد في الهواء، ونحو ~~ذلك، بإعانة الشياطين له؛ فأمورهم خارجة عما اعتاده الإنس بإعانة الشياطين ~~لهم، قال تعالى: {ويوم [يحشرهم] 3 جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ~~وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا [الذي] 4 أجلت ~~لنا قال النار مثواكم خالدين [فيها] 5 إلا ما شاء الله} 6؛ فالجن والإنس قد ~~استمتع بعضهم ببعض, فاستخدم هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء في أمور كثيرة، كل ~~منهم فعل للآخر ما هو غرضه، ليعينه على PageV02P830 # غرضه. والسحر والكهانة من هذا الباب1. # وكذلك ما يوجد لعباد الكفار من المشركين وأهل الكتاب، ولعباد المنافقين ~~والملحدين من المظهرين للإسلام والمبتدعين منهم، كلها بإعانة الجن ~~والشياطين. # الشياطين تظهر عند كل قوم بما لا ينكرونه # لكن الشياطين تظهر عند كل قوم بما لا ينكرونه؛ فإذا كان القوم كفارا لا ~~ينكرون السحر والكهانة؛ كما كانت العرب؛ وكالهند، والترك، والمشركين، ظهروا ~~بهذا الوصف؛ لأن هذا معظم عند تلك الأمة، وإن كان هذا مذموما عند أولئك، ~~كما قد ظهر ذم هؤلاء عند أهل الملل؛ ms320 من المسلمين، واليهود، والنصارى، ~~أظهرته الشياطين فيمن يظهر العبادة، ولا يكون مخلصا لله في عبادته متبعا ~~للأنبياء، بل يكون فيه شرك، ونفاق، وبدعة، فتظهر له هذه الأمور التي ظهرت ~~للكهان والسحرة، حتى يظن أولئك أن هذه من كرامات الصالحين، وأن ما هو عليه ~~هذا الشخص من العادة هو طريق أولياء الله، وإن كان مخالفا لطريق الأنبياء، ~~حتى يعتقد من يعتقد أن لله طريقا يسلكها إليه أولياؤه، غير الإيمان ~~بالأنبياء وتصديقهم، وقد يعتقد بعض هؤلاء أن في هؤلاء من هو أفضل من ~~الأنبياء. # أصحاب الأحوال الشيطانية عارضوا الأنبياء # وحقيقة الأمر: أن هؤلاء عارضوا الأنبياء، كما كانت تعارضهم السحرة ~~والكهان؛ كما عارضت السحرة لموسى، وكما كان كثير من المنافقين يتحاكمون إلى ~~بعض الكهان، دون النبي صلى الله عليه وسلم، ويجعلونه نظير النبي2. ~~PageV02P831 # الكهانة عند العرب # وكان في العرب عدة من هؤلاء1، وكان بالمدينة منهم أبو برزة الأسلمي2 قبل ~~أن يسلم كان كاهنا، PageV02P832 # وقد قيل: [إنه] 1 الذي أنزل الله تعالى فيه: {ألم تر إلى الذين يزعمون ~~أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ~~وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} 2. وقد ذكر ~~قصته غير واحد من المفسرين3. # ولما كان الذين يعارضون آيات الأنبياء من السحرة والكهان لا يأتون بمثل ~~آياتهم، بل يكون بينهما شبه كشبه الشعر بالقرآن؛ ولهذا قالوا في النبي: إنه ~~ساحر، وكاهن، وشاعر مجنون، قال تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا ~~فلا يستطيعون سبيلا} 4؛ فجعلوا له مثلا لا يماثله، بل بينهما شبه، مع وجود ~~الفارق المبين. PageV02P833 # وهذا هو القياس الفاسد؛ فلما كان الشعر كلاما له فواصل ومقاطع، والقرآن ~~آيات له فواصل ومقاطع، قالوا: شاعر. ولكن شتان1. # وكذلك الكاهن؛ يخبر ببعض المغيبات، ولكن يكذب كثيرا، وهو يخبر بذلك عن ~~الشياطين، وعليه من آثارهم ما يدل على أنه أفاك أثيم؛ كما قال تعالى: {هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم ~~كاذبون} ، [ثم] 2 ms321 قال: {والشعراء [يتبعهم الغاوون] 3 ألم تر أنهم في كل واد ~~يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون} 4. # فذكر سبحانه الفرق بين النبي، وبين الكاهن والشاعر. # وكذلك الساحر؛ لما كان يتصرف في العقول النفوس بما يغيرها، وكان من سمع ~~القرآن وكلام الرسول خضع له عقله ولبه، وانقادت له نفسه وقلبه، صاروا ~~يقولون: ساحر، وشتان. # وكذلك مجنون؛ لما كان المجنون يخالف عادات الكفار وغيرهم، لكن بما فيه ~~[فساد لا صلاح - والأنبياء جاؤوا بما يخالف عادات الكفار، لكن بما فيه] 5 ~~صلاح لا فساد، قالوا: مجنون، قال تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من ~~رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون} 6. # فتارة يصفونه بغاية الحذق، والخبرة، والمعرفة؛ فيقولون: ساحر، وتارة ~~بغاية الجهل، والغباوة، والحمق؛ فيقولون: مجنون. PageV02P834 # وقد ضلوا في هذا، وهذا؛ كما قال تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا ~~فلا يستطيعون سبيلا} 1؛ فهم بمنزلة السائر في الطريق، وقد ضل عنها، يأخذ ~~يمينا وشمالا، ولا يهتدي إلى السبيل التي تسلك. # والسبيل التي يجب سلوكها: قول الصدق، والعمل بالعدل. # الأنبياء تعينهم الملائكة والسحرة تعينهم الشياطين # والكهانة والسحر يناقض النبوة؛ فإن هؤلاء2 تعينهم الشياطين؛ تخبرهم، ~~وتعاونهم بتصرفات خارقة، ومقصودهم: الكفر، والفسوق، والعصيان. # والأنبياء تعينهم الملائكة؛ هم الذين يأتونهم، فيخبرونهم بالغيب، ~~ويعاونونهم بتصرفات خارقة؛ كما كانت الملائكة تعين النبي صلى الله عليه ~~وسلم في مغازيه مثل يوم بدر أمده الله بألف من الملائكة3، # ويوم حنين4 قال: {ويوم PageV02P835 # حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم ~~وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم ~~تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من ~~يشاء والله غفور رحيم} 1، وقال تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه ~~الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه [لا تحزن إن الله ~~معنا] 2 فانزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها} 3، وقال تعالى: {إذ ms322 ~~يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب} 4. # وقد بين سبحانه أن الذي جاء بالقرآن ملك كريم، ليس بشيطان، فقال: {إنه ~~لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ~~ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب [بضنين] 5 وما PageV02P836 # هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون} 1. # ولما كانت الأنبياء مؤيدة بالملائكة، والسحرة والكهان تقترن بهم ~~الشياطين، كان من الفروق التي بينهم: الفروق التي بين الملائكة والشياطين. # النبوة عند المتفلسفة # والمتفلسفة الذين لم يعرفوا الملائكة والجن؛ كابن سينا وأمثاله، ظنوا أن ~~هذه الخوارق من قوى النفس، قالوا: والفرق بين النبي والساحر: أن النبي يأمر ~~بالخير، والساحر يأمر بالشر2. وجعلوا ما يحصل [للممرور] 3 من هذا الجنس؛ إذ ~~لم يعرفوا صرع الجن للإنسان، وأن الجني يتكلم على لسان الإنسان، كما قد عرف ~~ذلك الخاصة [والعامة] 4، وعرفه علماء الأمة وأئمتها؛ كما قد بسط في غير هذا ~~الموضع5. PageV02P837 # أصول الجهمية # والجهمية المجبرة الذين قالوا: إن الله قد يفعل كل ممكن مقدور1، ~~PageV02P839 # لا ينزهونه عن فعل شيء، ويقولون: إنه يفعل بلا سبب، ولا حكمة، وهو الخالق ~~لجميع الحوادث؛ لم يفرقوا بين ما تأتي به الملائكة، ولا ما تأتي به ~~[الشياطين، بل] 1 الجميع يضيفونه إلى الله على حد واحد، ليس في ذلك حسن ولا ~~قبيح عندهم2، حتى يأتي الرسول. فقبل ثبوت الرسالة لا يميزون بين شيء من ~~الخير والشر، والحسن والقبيح. # فلهذا لم يفرقوا بين آيات الأنبياء، وخوارق السحرة والكهان، بل قالوا: ما ~~[تأتي] 3 به السحرة والكهان يجوز أن يكون من آيات الأنبياء، وما يأتي به ~~الأنبياء يجوز أن يظهر على أيدي السحرة والكهان4. # لكن إن دل على انتفاء ذلك نص أو إجماع، نفوه، مع أنه جائز عندهم أن يفعله ~~الله، لكن بالخبر علموا أنه لم يفعله. PageV02P840 # فهؤلاء1 لما رأوا ما جاءت به الأنبياء، وعلموا أن آياتهم تدل على صدقهم، ~~وعلموا ذلك؛ إما بضرورة، وإما بنظر، واحتاجوا إلى بيان دلائل ms323 النبوة على ~~أصلهم، كان غاية ما [قالوه] 2: إنه كل شيء يمكن أن يكون آية للنبي، بشرط أن ~~يقترن بدعواه، وبشرط أن يتحدى بالإتيان بالمثل فلا يعارض3. # معنى التحدي # ومعنى التحدي بالمثل: أن يقول لمن دعاهم: ائتوا بمثله4. # وزعموا أنه إذا كان هناك سحرة وكهان، وكانت معجزته من جنس ما يظهر على ~~أيديهم من السحر والكهانة، فإن الله لا بد أن يمنعهم عن مثل ما كانوا ~~يفعلونه، وأن من ادعى منهم النبوة، فإنه يمنعه من تلك الخوارق، أو يقيض له ~~من يعارضه بمثلها5. # فهذا غاية تحقيقهم، وفيه من الفساد ما يطول وصفه. # طاعة الجن لسليمان طاعة ملكية # وطاعة الجن والشياطين لسليمان صلوات الله عليه، لم [تكن] 6 من جنس ~~معاونتهم للسحرة، والكهان، والكفار، وأهل الضلال والغي، ولم تكن الآية، ~~والمعجزة، والكرامة التي أكرمه الله بها، هي ما كانوا يعتادونه مع الإنس؛ ~~فإن ذلك إنما كان يكون في أمور معتادة؛ مثل إخبارهم أحيانا ببعض [الغائبات] ~~7؛ ومثل إمراضهم، وقتلهم لبعض الإنس؛ كما أن PageV02P841 # [الإنسي] 1 قد يمرض ويقتل غيره. ثم هم إنما يعاونون الإنس على الإثم ~~والعدوان، [إذا كانت الإنس2 من أهل الإثم والعدوان] 3، يفعلون ما [يهواه] 4 ~~الشياطين، فتفعل الشياطين بعض ما يهوونه، قال تعالى: {ويوم [نحشرهم] 5 ~~جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا ~~استمتع بعضنا ببعض} 6 # وأما التسخير الذي سخروه لسليمان، فلم يكن لغيره من الأنبياء، فضلا عن من ~~ليس بنبي، وقد سأل ربه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فقال: {رب اغفر لي وهب ~~لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب} 7. # قال تعالى: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء ~~وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} 8. # وقال تعالى: {ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا ~~فيها وكنا بكل شيء عالمين ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك ~~وكنا لهم حافظين} 9. PageV02P842 # وقال تعالى: {ولسليمان الريح غدوها ms324 شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ~~ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب ~~السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ~~اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور فلما قضينا عليه الموت ما دلهم ~~على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا ~~يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} 1. # وكذلك ما ذكره من قول العفريت له: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} 2. # فهذه الطاعة من التسخير: بغير اختيارهم في مثل هذه الأعمال الظاهرة ~~العظيمة، ليس مما فعلته بأحد من الإنس، وكان ذلك بغير أن يفعل شيئا، مما ~~يهوونه؛ من العزائم، والأقسام، والطلاسم الشركية3؛ كما يزعم الكفار أن ~~سليمان سخرهم بهذا، فنزهه الله من ذلك4، بقوله: {واتبعوا ما PageV02P843 # تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر} 1. # طاعة الجن لنبينا طاعة نبوية # وأما طاعة الجن لنبينا وغيره من الرسل؛ [كموسى] 2: فهذا نوع PageV02P844 # آخر؛ فإن هذا طاعتهم فيما أمرهم الله به من عبادته وطاعته؛ كطاعة الإنس ~~لنبينا، حيث أرسل إلى الطائفتين، فدعاهم إلى عبادة الله وحده وطاعته، ~~ونهاهم عن معصيته التي بها يستحقون العذاب في الآخرة، وكذلك الرسل دعوهم ~~إلى ذلك، وسليمان منهم، لكن هذا إنما ينتفع به منهم من آمن طوعا، ومن لم ~~يؤمن، فإنه يكون بحسب شريعة ذلك الرسول: هل يترك حتى يكون الله هو الذي ~~ينتقم منه، أو يجاهد؟. # وسليمان كان على شريعة التوراة1، واستخدامه لمن لم يؤمن منهم، هو مثل ~~استخدام الأسير الكافر. # حال نبينا مع الجن والإنس أكمل من حال سليمان وغيره # فحال نبينا مع الجن والإنس: أكمل من حال سليمان وغيره؛ فإن طاعتهم ~~لسليمان كانت طاعة ملكية فيما يشاء، وأما طاعتهم لمحمد فطاعة نبوة ورسالة ~~فيما يأمرهم به؛ من عبادة الله، وطاعة الله، واجتناب معصية الله؛ فإن ~~سليمان صلى الله عليه وسلم كان نبيا ملكا، ومحمد كان عبدا ms325 رسولا، مثل ~~إبراهيم2 PageV02P845 # [عليهم السلام] 1. # وموسى وسليمان، مثل داود ويوسف عليهم السلام، وغيرهما، مع أن داود ~~وسليمان ويوسف [عليهم السلام] 2 هم رسل أيضا دعوا إلى توحيد الله وعبادته3؛ ~~كما أخبر الله أن يوسف دعا أهل مصر4، لكن بغير معاداة PageV02P846 # لمن لم يؤمن، ولا إظهار مناوأة بالذم والعيب والطعن لما هم عليه؛ كما كان ~~نبينا أول ما أنزل عليه الوحي، وكانت قريش إذ ذاك تقره، ولا ينكر عليه1، ~~إلى أن أظهر عيب آلهتهم ودينهم، وعيب ما [كان] 2 عليه آباؤهم، وسفه ~~أحلامهم، فهنالك عادوه وآذوه، وكان ذلك جهادا باللسان قبل أن يؤمر بجهاد ~~اليد3، قال تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلا تطع الكافرين ~~وجاهدهم به جهادا كبيرا} 4. # وكذلك موسى مع فرعون: أمره أن يؤمن بالله، وأن يرسل معه [بني] 5 إسرائيل، ~~وإن كره ذلك6، وجاهد فرعون بإلزامه بذلك بالآيات التي كان الله يعاقبهم ~~بها، إلى أن أهلكه الله وقومه على يديه. PageV02P847 ### | فصل الذين سموا آيات الأنبياء خوارق لا بد أن يخصوا ذلك بالأنبياء دون غيرهم.. # فالذين سموا هذه الآيات: خوارق للعادات، وعجائب، ومعجزات، إذا جعلوا ذلك ~~شرطا فيها، وصفة لازمة لها، بحيث لا تكون الآيات إلا كذلك، فهذا صحيح1، وإن ~~كانت هذه الأمور قد تجعل أمرا عاما؛ [فتكون] 2 متناولة لآيات الأنبياء، ~~وغيرها؛ كالحيوان3 الذي ينقسم إلى إنسان، وغير إنسان. # وأما إذا جعلوا ذلك حدا لها، وضابطا، فلا بد أن يقيدوا كلامهم؛ مثل أن ~~يقولوا: خوارق [العادات] 4 التي تختص الأنبياء، أو يقولوا: خوارق عادات ~~الناس كلهم غير الأنبياء؛ فإن آياتهم لا بد أن تخرق عادة كل أمة من الأمم، ~~وكل طائفة من الطوائف، لا تختص آياتهم يخرق عادة بلد معين، ولا من أرسلوا ~~إليه، بل تخرق عادة جميع الخلق إلا الأنبياء؛ فإنها إذا كانت PageV02P848 # معتادة للأنبياء؛ مثل الخبر الصادق بغيب الله تعالى الذي لا يعرف إلا من ~~جهتهم. # فما كان معتادا للأنبياء دون غيرهم فهو من أعظم آياتهم وبراهينهم، وإن ~~كان معتادا لهم، فإن الدليل هو: ms326 ما يستلزم المدلول عليه. # فإذا لم يكن ذلك معتادا إلا لنبي، كان مستلزما للنبوة، وكان من أتى به لا ~~يكون إلا نبيا، وهو المطلوب. # بل لو كان مستلزما للصدق، ولا يأتي به إلا صادق، لكان المخبر عن نبوة ~~نبي؛ إما نبوة نفسه، أو نبوة غيرها. # وإذا كان كاذبا، لم يحصل له مثل ذلك الدليل الذي [هو] 1 مستلزم للصدق. # ولا يحصل أيضا لمن كذب بنبوة نبي صادق؛ إذ هو أيضا كاذب، وإنما يحصل لمن ~~أخبر بنبوة نبي صادق. # وحينئذ فيكون ذلك الدليل مستلزما للخبر الصادق بنبوة النبي، وهذا هو ~~المطلوب؛ فإن مدلول الآيات سواء سميت معجزات، أو غيرها، والخبر الصادق ~~بنبوة النبي، ومدلولها: إخبار الله، وشهادته بأنه نبي، وأن الله أرسله؛ ~~فقول الله: {محمد رسول الله} 2، وقوله: {إني رسول الله إليكم} 3، وقول كل ~~مؤمن: إنه رسول الله4؛ كل ذلك خبر عن PageV02P849 # رسالته، وهذا هو مدلول الآيات. # وقد يكون مدلول الآيات نفس النبوة، التي هي مخبر هذا الخبر، ويكون الدليل ~~مثل خبر من الأخبار، وهذا من جنس الأول1. # فما دل على نفس النبوة، دل على صدق المخبر بها، وما دل على صدق المخبر ~~بها، دل عليها2. # وأما نفس إخبار الرب بالنبوة، وإعلامه بها، وشهادته بها؛ قولا، وعملا، ~~فهو إخبار منه بها، وهو الصادق في خبره؛ فإخباره هو دليل عليها؛ فإنه لا ~~يقول إلا الحق، ولا يخبر إلا بالصدق. # وأيضا: فهو الذي أنشأ الرسالة، وإرساله بكلامه قد يكون إنشاء للرسالة، ~~وقد يكون إخبارا عن إرساله؛ كالذي يرسل رسولا من البشر، قد يرسله والناس ~~يسمعون، فيقول له: اذهب إلى فلان فقل له كذا وكذا. وقد يرسله بينه وبينه، ~~ثم يقول للناس: إني قد أرسلته، ويرسله بعلامات وآيات، يعرف بها المرسل إليه ~~صدقه. PageV02P850 # وكذلك: إذا وصفت1 بأنها معجزات، فلا بد أن يعجز كل من ليس بنبي، ولم يشهد ~~للنبي بالنبوة؛ فيعجز جميع المكذبين للرسول، والشاكين في نبوته من الجن ~~والإنس. # وكذلك: إذا قيل: هي عجائب، والعجب2: ما خرج عن نظيره، فلم يكن له نظير، ms327 ~~فلا بد أن يكون من العجائب التي لا نظير لها أصلا عند غير الأنبياء؛ لا من ~~الجن، ولا من الإنس. # [أما إذا] 3 كان [ليست] 4 لها نظير في شيء آخر، فهذا يؤيد أنها من خصائص ~~الأنبياء، ومن آياتهم. # الفرق بين النبي والمتنبئ # فهذا الموضع من فهمه فهما جيدا، تبين له الفرقان في هذا النوع5؛ فإن ~~كثيرا من الناس6 يصفها بأنها خوارق، ومعجزات، وعجائب، ونحو PageV02P851 # ذلك، ولا يحقق الفرق بين من يجب أن يخرق عادته ومعجزه، ومن لا [يجب] 1 أن ~~[تكون] 2 في حقه كذلك. # فالواجب أن يخرق عادة كل من لم يقر بنبوة الأنبياء؛ فلا يكون لمكذب ~~بنبوته و [ليست] 3 لشاك. # وقولنا: يخرق عادتهم، هو من باب العادة التي تثبت بمرة، ليس من شرط ~~فسادها أن تقع غير مرة، مع انتفاء الشهادة بالنبوة. بل متى وقعت مرة واحدة ~~مع انتفاء الشهادة بالنبوة، لم [تكن] 4 مختصة بشهادة النبوة، ولا بالنبوة، ~~فلا يجب أن تكون آية. # وقولنا: ولا يجب أن تخرق عادات الأنبياء، ولم [نقل] 5: ولا يجوز أن تخرق ~~عادات الأنبياء. بل قد تكون خارقة أيضا لعادات الأنبياء. # أنواع آيات الأنبياء # وقد خص بها نبي واحد؛ مثل أكثر آيات الأنبياء6؛ فإن كل نبي خص بايات، لكن ~~لا يجب في آيات الأنبياء أن تكون مختصة بنبي7، بل ولا يجب أن يختص ظهورها ~~على يد النبي، بل متى اختصت به، وهي من PageV02P852 # خصائصه، كانت آية له سواء وجدت قبل ولادته، أو بعد موته، أو على يد أحد ~~من الشاهدين له بالنبوة1، فكل هذه من آيات الأنبياء. # الرد على من قال من شرط آيات الأنبياء أن تقارن دعوى النبوة # والذين قالوا: من شرط الآيات أن تقارن دعوى النبوة2: غلطوا غلطا عظيما، ~~وسبب غلطهم: أنهم لم يعرفوا ما يخص بالآيات، ولم يضبطوا خارق العادة بضابط ~~يميز بينها وبين غيرها، بل جعلوا ما للسحرة والكهان، هو أيضا من آيات ~~الأنبياء، إذا اقترن بدعوى النبوة، ولم يعارضه معارض. # وجعلوا عدم المعارض هو الفارق بين ms328 النبي وغيره، وجعلوا دعواه النبوة جزءا ~~من الآية3، فقالوا: هذا [الخارق] 4 إن وجد مع دعوى PageV02P853 # النبوة، كان معجزة، وإن وجد بدون دعوى النبوة، لم يكن معجزة1، فاحتاجوا ~~لذلك أن يجعلوه مقارنا للدعوى. # قالوا: والدليل على [ذلك: أن مثل] 2 آيات الأنبياء يأتي في آخر الزمان، ~~إذا [جاءت] 3 أشراط الساعة، ومع ذلك ليس هو من آياتهم4. # وكذلك قالوا في كرامات الأولياء5. # أشراط الساعة من آيات الأنبياء # وليس الأمر كذلك، بل أشراط الساعة هي من آيات الأنبياء6، من وجوه؛ # منها: أنهم أخبروا بها قبل وقوعها، فإذا جاءت كما أخبروا، كان ذلك من ~~آياتهم. # ومنها: أنهم أخبروا بالساعة، فهذه الأشراط مصدقة لخبرهم بالساعة، وكل من ~~آمن بالساعة آمن بالأنبياء، وكل من كذب الأنبياء كذب الساعة، قال تعالى: ~~{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم PageV02P854 # إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى ~~إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} 1. # وقال تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم ~~القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به} 2. # فكل من آمن بالآخرة فقد آمن بالقرآن، فإذا جاءت أشراط الساعة، كانت دليلا ~~على صدق [خبرهم أن الساعة حق، وأن القرآن حق، وكان هذا من الآيات الدالة ~~على صدق ما جاء به الرسول] 3؛ من القرآن، وهو المطلوب. # كل ما يكون خرق عادة لجميع الناس فهو من آيات الأنبياء # فلا يوجد خرق عادة لجميع الناس، إلا وهو من آيات الأنبياء4. # وكذلك الذي يقتله الدجال، ثم يحييه، [فيقوم] 5، فيقول: أنت الأعور الكذاب ~~الذي أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما ازددت فيك إلا ~~بصيرة. فيريد الدجال أن يقتله، فلا يقدر على ذلك. # الرجل الذي يقتله الدجال ثم يحييه من آيات الرسول صلى الله عليه وسلم # فهذا الرجل بعد أن قتل وقام، يقول للدجال: أنت الأعور الكذاب، الذي ~~أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما ازددت ms329 فيك بهذا القتل ~~إلا بصيرة. ثم يريد الدجال أن يقتله، فلا يقدر عليه6. PageV02P855 # فعجزه عن قتله ثانيا، مع تكذيب الرجل له بعد أن قتله، وشهادته للرسول ~~محمد بالرسالة، هو من خوارق العادات، التي لا توجد إلا لمن شهد للأنبياء ~~بالرسالة. وهذا الرجل هو من خيار أهل الأرض المسلمين. # فهذا الخارق الذي جرى فيه، هو من خصائص من شهد لمحمد بالنبوة؛ فهو من ~~اعلام النبوة، ودلائلها. # وكونه قتل أولا أبلغ في الدلالة؛ فإن ذلك لم يزغه، ولم يؤثر فيه، وعلم ~~أنه لا يسلط عليه مرة ثانية، فكان هذا اليقين والإيمان، مع عجزه عنه، هو من ~~خوارق الآيات. # ومعلوم أن قتله ممكن في العادة، فعجزه عن قتله ثانيا، هو الخارق للعادة. # ودل ذلك على أن إحياء الله له، لم يكن معجزة للدجال، ولا ليبين بها صدقه، ~~لكن أحياه ليكذب الدجال، وليبين أن محمدا رسول الله، وأن الدجال كذاب، وأنه ~~هو الأعور الكذاب، الذي أنذر به النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "ما من ~~نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الدجال، وسأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي ~~لأمته: إنه أعور، وإن الله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: كافر [ك ف ر] 1، ~~يقرأه كل مؤمن؛ قارىء، وغير قارىء"2. PageV02P856 # وفي بعض الأحاديث الصحيحة: "واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت"1. # فذكر لهم آيات ظاهرة يشترك فيها الناس، تبين لهم كذبه، فيما يدعيه من ~~الربوبية؛ إذ كان كثير من الناس يجوزون ظهور الإله في البشر؛ النصارى2 وغير ~~النصارى3. # وما يأتي به الدجال، إنما يحار فيه، ويراه معارضا لآيات الأنبياء: من لم ~~يحكم الفرقان. # من أنكر خوارق الدجال وقال إنما هي خيال # فقوم يكذبون أن يأتي بعجيب، ويقولون: ما معه إلا التمويه4؛ كما ~~PageV02P857 # قالوا في السحر والكهانة؛ مثل كثير من المعتزلة، والظاهرية؛ كابن حزم1. # وقوم2 يقولون: لما ادعى الإلهية، كانت الدعوى معلومة البطلان، فلم يظهر ~~الخارق؛ كما يقول ذلك القاضي أبو بكر3، وطائفة. ويدعون أن PageV02P858 # النصارى اعتقدت في المسيح الإلهية؛ لكونه أتى بالخوارق، ms330 مع إقراره ~~بالعبودية. فكيف بمن يدعي الإلهية؟ # ولكن هذا الخارق الذي يظهره الله في هذا الرجل الصالح الذي طلب منه ~~الدجال أن يؤمن به، فلم يفعل، بل كذبه، وقال: أنت الأعور الدجال الذي ~~أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم، فقتله، ثم أحياه الله، فقال له: أنت ~~الأعور الدجال، فكذبه قبل أن قتل، وبعد ما أحياه الله، وأراد الدجال قتله ~~ثانية، فلم يمكن. # فعجزه عن قتله ثانيا: من أعظم الخوارق، مع تكذيبه. وأما إحياؤه، مع ~~تكذيبه له أولا، وعجزه ثانيا عن قتله، فليس بخارق. # فهذا إحياء معين، معه دلائل معدودة، تبين أنه من الآيات الدالة على صدق ~~الرسول، لا على صدق الدجال، وتبين بذلك أن الآيات جميعها تدل على صدق ~~الأنبياء؛ فإن آيات الله مرة أو مرتين أو ثلاثا، لا يشترط في ذلك تكرار، بل ~~شرطها: أن لا يكون لها نظير في العالم لغير الأنبياء، ومن يشهد بالنبوة، ~~ولم يوجد لغيرهم، كان [هذا] 1 دليلا على أنها مختصة بالأنبياء. PageV02P859 # ومن أطلق خرق العادة1، ولم يفسره ويبينه، فلم يعرف خاصتها، بل ظن أن ما ~~وجد من السحر والكهانة خرق عادة، أو ظن أن خرق [العادة] 2 أن لا يعارضها ~~معارض من المرسل إليهم. # خوارق المتنبئين من جنس خوارق السحرة # وكثير من المتنبئين الكذابين أتوا بخوارق من جنس خوارق السحرة والكهان، ~~ولم يكن من أولئك القوم من أتى بمثلها، لكن قد علم أن في العالم مثلها، في ~~غير ذلك المكان، أو في غير ذلك الزمان، وإنما الخارق كما قال في القرآن: ~~{قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} 3. # التحدي بالقرآن الكريم # ولهذا قال في آيات التحدي: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} 4، وقال في تلك ~~الآية: {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا ~~هو} 5. # فلم يكتف بعجز المدعوين، بل أمرهم أن يدعوا ms331 إلى معاونتهم كل من استطاعوا ~~أن يدعوه من دون الله. وهذا تعجيز لجميع الخلق؛ الإنس، والجن، والملائكة. # وقال في البقرة: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من ~~مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} 6؛ أي: ادعوا كل ~~PageV02P860 # من يشهد لكم، فيوافقكم على أن هذا ليس من عند الله؛ ادعوا كل من لم يقر ~~بأن هذا منزل من الله، فهذا تعجيز لكل من لم يؤمن به. ومن آمن به، وبقي في ~~ريب، [بل] 1 قد علم أنه من عند الله. # وهذا التحدي في البقرة، وهي مدنية بعد يونس وهود. ولهذا قال: {وإن كنتم ~~في ريب} ، وهناك2 قال: {أم يقولون افتراه} ؛ فهذا3 تحدي لكل مرتاب، وذاك4 ~~تحدي لكل مثل مكذب. ولهذا قيل في ذاك5: {من استطعتم} فإنه أبلغ، وقيل في ~~هذا6: {شهداءكم} . # وقد قال بعض المفسرين7: {شهداءكم} : آلهتكم، وقال بعضهم8: من يشهد أن ~~الذي جئتم به مثل القرآن. # والصواب: أن شهداءهم الذين يشهدون لهم؛ كما ذكره ابن اسحق9 PageV02P861 # بإسناده المعروف عن ابن عباس، قال: {شهداءكم} : من استطعتم من أعوانكم ~~على ما أنتم عليه1. # وقال السدي2، عن أبي مالك: {شهداءكم من دون الله} : أي شركاءكم3؛ فإن ~~هؤلاء هم الذي يتصور منهم المعارضة إذا كانوا في ريب منه. # أما من أيقن أنه من عند الله، فإنه يمتنع أن يقصد معارضته؛ لعلمه بأن ~~الخلق عاجزون عن ذلك. والله تعالى شهد لمحمد بما أظهره من الآيات، فادعوا ~~من يشهد لكم. وهؤلاء يشهدون من دون الله، لا يشهدون بما شهد الله به، فتكون ~~شهادتهم [مضادة] 4 لشهادة الله؛ كما قال: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك ~~أنزله بعلمه والملائكة يشهدون} 5. PageV02P862 # وقال: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} 1. # كما قال: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم} 2. # وقد قلنا: يجوز أن تكون آياتهم خارقة لعادة جميع الخلق، إلا للنبي، لكن ~~لا يجب هذا فيها3. # اعتراض وجواب المؤلف عليه # فإن قيل: قد ذكرتم أن آيات الأنبياء ms332 هي الخوارق التي تخرق عادة جميع ~~الثقلين، فلا تكون لغير الأنبياء، ولغير من شهد لهم بالنبوة. وهذا كلام ~~صحيح فصلتم به بين آيات الأنبياء، وغيرهم بفصل مطرد منعكس4، بخلاف من قال: ~~هي خرق العادة5، ولم يميز بينها وبين غيرها، وتكلم في خرق العادة بكلام ~~متناقض؛ تارة يمنع وجود السحر والكهانة، وتارة يجعل هذا الجنس من الآيات، ~~ولكن الفرق عدم المعارضة. لكن لم يذكروا الفرق في نفس الأمر، ونفس كونها ~~معجزة، وخارقا، وآية: لماذا كان؟ وما هو الوصف الذي امتازت به، حتى صارت ~~آية ودليلا دون غيرها؟ فذكرتم الدليل، لكن لم تذكروا الحقيقة التي بها صار ~~الدليل دليلا. # قيل: لا بد أن تكون مما يعجز عنها الإنس والجن؛ فإن هذين الثقلين بعث ~~إليهم الرسل؛ كما قال تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ~~يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا ~~PageV02P863 # وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} 1. # وقال تعالى: { [وقال لهم خزنتها] 2 ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ~~ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين} 3. # والإنس والجن منهم من آمن بالرسل، ومنهم من كذبهم، فلا بد أن يكون مما لا ~~يقدر عليها جنس الإنس والجن. # ثم الكرامات [يخص] 4 بها المؤمنين من الطائفتين5، وأما آيات الأنبياء ~~التي بها تثبت نبوتهم، وبها وجب على الناس الإيمان بهم، فهي أمر [يخص] 6 ~~الأنبياء، لا يكون للأولياء، ولا لغيرهم، بل يكون من المعجزات الخارقة ~~للعادات الناقضة لعادات جميع الإنس والجن غير الأنبياء. # فما كان الإنس أو الجن يقدرون عليه، فلا يكون وحده آية للنبي. أما ما ~~تقدر عليه الملائكة: فذاك قد يكون من آياتهم؛ لأنهم لم يرسلوا إلى ~~الملائكة7، والملائكة لا تفعل شيئا إلا بإذن الله؛ فما تفعله الملائكة ~~معهم، فهو بإذن الله، وهو ما خص به الأنبياء بخلاف الإنس والجن. ~~PageV02P864 # كل ما استلزم نبوة الأنبياء فهو آية لهم # وخاصتها التي تمتاز بها عن غيرها: أن يكون آية، ms333 ودليلا على نبوتهم؛ فكل ~~ما استلزم نبوتهم، فهو آية لهم، وما لا يستلزم نبوتهم، فليس بآية1، وليست ~~مختصة بجنس من الموجودات، بل تكون في جنس العلم، والإخبار بغيب الرب الذي ~~اختص به، و [تكون] 2 في جنس القدرة، والتصرف، والتأثير في العالم3، وهي ~~مقدورة للرب، فله سبحانه أن يجعلها في أي جنس كان من المقدورات. # تنوع آيات الأنبياء # ولهذا تنوعت آيات الأنبياء، بل النبي الواحد تتنوع آياته، فليس القرآن ~~الذي هو قول الله وكلامه من جنس انشقاق القمر، ولا هذا وهذا من جنس تكثير ~~الطعام، والشراب؛ كنبع الماء من بين الأصابع. # وهذا كما أن آيات الرب الدالة على قدرته، ومشيئته، وحكمته، وأمره، ونهيه، ~~لا تختص بنوع، فكذلك آيات أنبيائه. فهذا مما ينبغي أن يعرف. ولكن خاصتها ~~أنها لا تكون إلا مستلزمة لصدق النبي، وصدق الخبر بأنه نبي4، فلا تكون لمن ~~يكذبه قط. # كرامات الأولياء من آيات الأنبياء الصغرى # ولا يقدر أحد من مكذبي الرسل أن يأتي بمثل آيات الأنبياء، وأما ~~PageV02P865 # مصدقوهم1 فهم معترفون بأن ما يأتون به هو من آيات الأنبياء، مع أنه لا ~~تصل آيات الأتباع إلى مثل آيات المتبوع مطلقا2، وإن كانوا قد يشاركونه في ~~بعضها؛ كإحياء الموتى، وتكثير الطعام، والشراب3؛ فلا يشركونه في القرآن، ~~وفلق البحر، وانشقاق القمر4؛ لأن الله فضل الأنبياء على غيرهم، وفضل بعض ~~النبيين على بعض. فلا بد أن يمتاز الفاضل بما لا يقدر المفضول على مثله؛ إذ ~~لو أتى بمثل ما أتى، لكان مثله، لا دونه. PageV02P866 ### | فصل مسمى العادة # وكثير من هؤلاء1 مضطربون في مسمى العادة التي [تخرق] 2. # والتحقيق: أن العادة أمر إضافي؛ فقد يعتاد قوم ما لم يعتده غيرهم. [فهذه ~~إذا خرقت] 3، فليست لصدق النبي لا توجد بدون صدقه. # والرب تعالى في الحقيقة لا ينقض عادته التي هي سنته، التي قال فيها: {سنة ~~الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} 4، وقال: {فهل ينظرون ~~إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا} 5؛ ~~وهي التسوية ms334 بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين؛ فهو سبحانه إذا ميز ~~بعض المخلوقات بصفات يمتاز بها عن غيره، ويختصه بها، قرن بذلك من الأمور ما ~~يمتاز به عن غيره، ويختص به. # ولا ريب أن النبوة يمتاز بها الأنبياء، ويختصون بها، والله تعالى يصطفي ~~من الملائكة رسلا ومن الناس6، وهو أعلم حيث يجعل PageV02P867 # رسالته1. # فمن خصه بذلك، كان له من الخصائص التي لا تكون لغيره، ما يناسب ذلك؛ ~~فيستدل بتلك الخصائص على أنه من أهل الاختصاص بالنبوة. # وتلك سنته وعادته في أمثاله؛ يميزهم بخصائص يمتازون بها عن غيرهم، ويعلم ~~أن أصحابها من ذلك الصنف المخصوص الذين هم الأنبياء مثلا. # سنة الله وعادته # ولم [تكن] 2 له سبحانه عادة؛ بأن يجعل مثل آيات الأنبياء لغيرهم، حتى ~~يقال: إنه خرق عادته ونقضها، بل عادته وسنته المطردة3 أن تلك PageV02P868 # الآيات لا تكون إلا مع النبوة، والإخبار بها، لا مع التكذيب بها، أو الشك ~~فيها. # كما أن سنته وعادته: [أن محبته، ورضاه، وثوابه لا يكون إلا لمن عبده ~~وأطاعه، وأن سنته وعادته] 1 أن يجعل العاقبة للمتقين2، وسنته وعادته أن ~~ينصر رسله، والذين آمنوا3؛ كما قال تعالى: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا ~~الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا} 4. # وكل ما يظن أنه خرقه من العادات، فله أسباب انخرقت فيها تلك العادات. # فعادته وسنته لا تتبدل؛ إذ أفعاله جارية على وجه الحكمة والعدل. هذا قول ~~الجمهور5. PageV02P869 # الذين ينفون الحكمة يجوزون عليه فعل كل ممكن # وأما من لا يثبت سببا، ولا حكمة، ولا عدلا1: فإنهم يقولون: إنه يخرق ~~عادات، لا لسبب، ولا لحكمة. ويجوزون أن يقلب الجبل ياقوتا، والبحر لبنا، ~~والحجارة آدميين2، ونحو ذلك، مع بقاء العالم على حاله. ثم يقولون مع هذا: ~~ولكن نعلم بالضرورة أنه لم يفعل ذلك3. و [يقولون] 4: العقل هو علوم ~~ضرورية؛كالعلوم بجارى العادات5. # وهذا تناقض بين؛ فإنهم إذا جوزوا هذا، ولم يعلموا فرقا بين ما يقع منه، ~~وما لا يقع، كان ms335 الجزم بوقوع هذا دون هذا جهلا. # وغاية ما عندهم أن قالوا: يخلق في قلوبنا علم ضروري بأن هذا لم يقع، ~~ويخلق في قلوبنا علم ضروري بأن الله خرق العادة لتصديق هذا النبي6. ~~PageV02P870 # تعليق المؤلف على كلامهم # فيقال: إذا كان قد جعل الله في قلوبكم علما ضروريا كما جعله في قلوب ~~أمثالكم، فأنتم صادقون فيما تخبرون به عن أنفسكم من العلم الضروري، لكن ~~خطأكم: اعتقادكم أن العادات قد [ينقضها] 1 الله بلا سبب، ولا لحكمة. فهذا ~~ليس معلوما لكم بالضرورة. # وخطأكم من حيث جوزتم أن يكون شيئان متساويين من كل وجه، ثم يعلم بضرورة، ~~أو نظر ثبوت أحدهما، وانتفاء الآخر. # فإن هذا تفريق بين المتماثلين، وهذا قدح في البديهيات2؛ فإن أصل العلوم ~~العقلية النظرية: اعتبار الشيء بمثله، وإن حكمه حكم مثله3. # فإذا جوزتم أن يكون الشيئان متماثلين من كل وجه، وأن العقل يجزم بثبوت ~~أحدهما وانتفاء الآخر، كان هذا قدحا في أصل كل علم وعقل. # وإذا قلتم: إن العادات جميعها سواء، وإن الله يفعل ما يفعل بلا سبب، ولا ~~حكمة، بل محض المشيئة مع القدرة رجحت هذا على هذا، وقلتم: لا فرق بين قلب ~~الجبال يواقيت، والبحار لبنا، وبين غير ذلك من العادات، وجوزتم أن يجعل ~~الله الحجارة آدميين علماء، من غير سبب تغير به المخلوقات، كان هذا قدحا في ~~العقل؛ فلا أنتم عرفتم سنة الله المعتادة في خلقه، ولا عرفتم خاصة العقل4؛ ~~وهو التسوية بين المتماثلين؛ فإنه سبحانه قط لم يخرق عادة، إلا لسبب يناسب ~~ذلك؛ مثل: PageV02P871 # [فلق] 1 البحر لموسى، وغير ذلك من الآيات التي بعث بها2؛ فإن ذلك خلقه ~~ليكون آية وعلامة؛ وكان ذلك بسبب نبوة موسى، وانجائه قومه، وبسبب تكذيب ~~فرعون. [ومن جوز] 3 أن ذلك البحر، أو غيره ينفلق لموسى، من غير أن يكون ~~هناك سبب إلهي يناسب ذلك، فهو مصاب في عقله. # اضطراب الأشاعرة في التفريق بين آيات الأنبياء وخوارق غيرهم # ولهذا اضطرب أصحاب هذا القول4، ولم يكن عندهم ما يفرقون بين دلائل النبوة ~~وغيرها، ms336 وكانت آيات الأنبياء والعلم بأنها آيات [إن حققوها على وجهها] 5، ~~فسدت أصولهم6، وإن طردوا أصولهم، كذبوا العقل والسمع، ولم يمكنهم؛ لا تصديق ~~الأنبياء، ولا العلم بغير ذلك من أفعال الله تعالى التي يفعلها بأسباب ~~وحكم، كما قد بسط هذا في موضع آخر7. PageV02P872 ### | فصل اشتقاق كلمة النبي # ... # فصل # ودليل الشيء مشروط بتصور المدلول عليه، فلا يعرف آيات الأنبياء إلا من ~~عرف ما اختص به الأنبياء، وامتازوا به عما [سواهم] 1. # اشتقاق كلمة النبي # والنبوة مشتقة من الإنباء. # والنبي فعيل، وفعيل قد يكون بمعنى فاعل؛ أي منبي، وبمعنى مفعول؛ أي ~~منبأ2. # وهما هنا متلازمان؛ فالنبي الذي [ينبىء] 3 بما أنبأه الله به، والنبي ~~الذي نبأه الله، وهو [منبأ] 4 بما أنبأه الله به. # عصمة الأنبياء # وما أنبأه الله به لا يكون كذبا، وما أنبأ به النبي عن الله [لا يكون] 5 ~~يطابق كذبا؛ لا خطأ، ولا عمدا، فلا بد أن يكون صادقا فيما يخبر به عن الله؛ ~~يطابق خبره مخبره، لا تكون فيه مخالفة؛ لا عمدا، ولا خطأ. PageV02P873 # وهذا معنى قول من قال: هم معصومون فيما يبلغونه عن الله1. PageV02P874 # لكن لفظ الصادق، وأن النبي صادق مصدوق: نطق به القرآن1، وهو مدلول الآيات ~~والبراهين. # ولفظ العصمة في القرآن، جاء في قوله: {والله يعصمك من الناس} 2؛ أي من ~~أذاهم3. # فمعنى هذا اللفظ في القرآن: هو الذي يحفظه الله عن الكذب خطأ وعمدا. ~~PageV02P875 # التعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن أولى من غيرها # والتعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن، أولى من التعبير عنها بغيرها؛ ~~فإن ألفاظ القرآن يجب الإيمان بها، وهي تنزيل من حكيم حميد. # والأمة متفقة عليها، ويجب الإقرار بمضمونها قبل أن تفهم، وفيها من الحكم ~~والمعاني ما لا تنقضي عجائبه. # والألفاظ المحدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع. # ثم قد يجعل اللفظ حجة بمجرده، وليس هو قول الرسول الصادق المصدوق، وقد ~~يضطرب في معناه. وهذا أمر يعرفه من جربه من كلام الناس. # فالاعتصام بحبل الله يكون بالاعتصام بالقرآن والإسلام1، PageV02P876 # كما قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا} 1. # ومتى ms337 ذكرت ألفاظ القرآن والحديث، وبين معناها بيانا شافيا، [فإنها] 2 لا ~~[تنتظم] 3 جميع ما يقوله الناس من المعاني الصحيحة، وفيها زيادات عظيمة لا ~~توجد في كلام الناس، وهي محفوظة مما دخل في كلام الناس من الباطل؛ كما قال: ~~{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} 4، وقال تعالى: {وإنه لكتاب عزيز لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} 5، وقال تعالى: ~~{الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} 6، وقال: {تلك آيات ~~الكتاب الحكيم} 7. وفيه من دلائل الربوبية، والنبوة، والمعاد ما لا يوجد في ~~كلام أحد من العباد؛ ففيه أصول الدين المفيدة لليقين8؛ PageV02P877 # وهو أصول دين الله ورسوله، لا أصول دين محدث، ورأي مبتدع. # وقد يكون معصوما على لغة القرآن: بمعنى أن الله عصمه من الشياطين؛ شياطين ~~الإنس والجن، وأن يغيروا ما بعث به، أو يمنعوه عن تبليغه؛ # فلا يكتم، ولا يكذب؛ كما قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ~~إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد ~~أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} 1؛ فهو يسلك الوحي ~~من بين يدي الرسول ومن خلفه. وهذا في معنى عصمته من الناس؛ فهو المؤيد، ~~المعصوم بما يحفظه الله من الإنس والجن، حتى [يبلغ] 2 رسالات ربه كما أمر، ~~فلا يكون فيها كذب ولا كتمان. # لفظ النبي يتضمن معنى الإعلام والإخبار # ولفظ الإنباء: يتضمن معنى الإعلام والإخبار3، لكنه في عامة موارد ~~استعماله أخص من مطلق الإخبار؛ فهو يستعمل في الإخبار بالأمور الغائبة ~~المختصة، دون المشاهدة المشتركة: PageV02P878 # كما قال: {وأنبئكم [بما] 1 تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} 2. # وقال: {فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير} 3. # وقال: {قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون} 4. # وقال: {عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون} 5. # وقال: {وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن ~~أنبائكم ولو كانوا فيكم ما ms338 قاتلوا إلا [قليلا] 6} 7. # وقال: {ولتعلمن نبأه بعد حين} 8. # وقال: {لكل نبأ مستقر} 9. # وقال: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} 10، إلى قوله: {قال يا آدم ~~أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} 11. # وقوله: {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا [لن نؤمن ~~PageV02P879 # لكم] 1 قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى ~~عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} 2؛ فهذا في خطاب المنافقين، ~~ولم يقل: والمؤمنون؛ لأنهم لم يكونوا يطلعون المؤمنين على ما في بطونهم. ~~[وهذا] 3 بخلاف قوله: {يؤمئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها} 4؛ فإنها أمور ~~مشهودة، يعرفها الناس، لكن العجب كون الأرض [تخبر] 5 بذلك، فالعجب في ~~المخبر، لا في الخبر؛ كشهادة الأعضاء6. # وقال: {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ~~نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} 78. # وجمع النبي: أنبياء؛ مثل ولي وأولياء، ووصي وأوصياء، وقوي PageV02P880 # وأقوياء. ويشبهه حبيب وأحباء1؛ كما قال تعالى: {وقالت اليهود والنصارى ~~نحن أبناء الله وأحباؤه} 2. # ف (فعيل) : إذا كان معتلا، أو مضاعفا، جمع على أفعلاء، بخلاف حكيم ~~وحكماء، وعليم وعلماء. # معنى النبي في اللغة # وهو من النبأ. وأصله الهمزة3، وقد قرىء به، وهي قراءة نافع، يقرأ ~~النبيء4، لكن لما كثر استعماله لينت همزته، كما فعل مثل ذلك في: الذرية، ~~وفي البرية5. # وقد قيل: هو من النبوة؛ وهو العلو؛ فمعنى النبي: المعلى، الرفيع ~~المنزلة6. PageV02P881 # والتحقيق: أن هذا المعنى داخل في الأول، فمن أنبأه الله، وجعله منبئا ~~عنه، فلا يكون إلا رفيع القدر عليا. # وأما لفظ العلو والرفعة: فلا يدل على خصوص النبوة؛ إذ كان هذا يوصف به من ~~ليس بنبي، بل يوصف بأنه الأعلى؛ كما قال: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم ~~الأعلون} 1. # هل لفظ النبي مهموز أم لا؟ # وقراءة الهمز2 قاطعة بأنه مهموز. # وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا نبي الله ولست بنبيء ~~الله": فما رأيت له إسنادا؛ ms339 لا مسندا، ولا مرسلا3، ولا رأيته في شيء من كتب ~~الحديث، ولا [السير] 4 المعروفة، ومثل هذا لا يعتمد عليه. # واللفظان5 مشتركان في الاشتقاق الأكبر؛ فكلاهما فيه النون والباء، وفي ~~هذا الهمزة، وفي هذا [الحرف] 6 المعتل. # لكن الهمزة أشرف، فإنها أقوى، قال سيبويه: هي نبوة من الحلق، تشبه ~~التهوع، فالمعنى الذي يدل عليه، ويمكن أن تلين، [فتصير] 7 حرفا معتلا، ~~فيعبر عنه باللفظين، بخلاف المعتل؛ فإنه لا يجعل همزة. PageV02P882 # فلو كان أصله نبي؛ مثل: علي [و] 1 ولي، لم يجز أن يقال بالهمز؛ كما لا ~~يقال: عليء، ووصيء، ووليء - بالهمز -. # وإذا كان أصله الهمز، جاز تليين الهمزة، وإن لم يكثر استعماله؛ كما في ~~لفظ: خبيء وخبيئة. # وأيضا: فإن تصريفه: أنبأ ونبأ، ينبىء وينبىء بالهمزة، ولم يستعمل فيه نبا ~~ينبو، وإنما يقال: النبوة، [و] 2 في فلان نبوة عنا: أي مجانبة. # فيجب القطع بأن النبي مأخوذ من الإنباء، لا من النبوة3. والله أعلم. ~~PageV02P883 ### | فصل دلالة المعجزة على نبوة النبي # قد تقدم1 أن للناس في وجه دلالة المعجزات؛ وهي آيات الأنبياء، على نبوتهم ~~طرقا متعددة: # منهم من قال: دلالتها على التصديق تعلم بالضرورة2. # ومنهم من قال: تعلم بالنظر والاستدلال3. # وكلا القولين صحيح؛ فإن كثيرا من العلوم في هذا الباب؛ كدلالة الأخبار ~~المتواترة، فإنه قد يحصل بالخبر علم ضروري، وقد يحصل العلم بالاستدلال. # وطائفة منهم الكعبي4، وأبو الحسين البصري5، وأبو الخطاب6: أنه نظري. ~~PageV02P884 # والتحقيق: أن كلا القولين حق؛ فإنه يحصل بها علم ضروري، والأدلة النظرية ~~توافق ذلك. # وكذلك كثير من الأدلة - والعلامات، والآيات: # من الناس من يعرف استلزامها للوازمها بالضرورة، ويكون اللزوم عنده بينا، ~~لا يحتاج فيه إلى وسط ودليل. # ومنهم من يفتقر إلى دليل، ووسط يبين له أن هذا الدليل مستلزم لهذا الحكم، ~~وهذا الحكم لازم له. # ومن تأمل معارف الناس وجد أكثرها من هذا الضرب؛ فقد يجيء المخبر إليهم ~~بخبر، فيعرف كثير منهم صدقه أو كذبه بالضرورة، لأمور تقترن بخبره. وآخرون ~~يشكون في هذا. ثم قد [يتبين] 1 لبعضهم بأدلة، ms340 وقد لا يتبين. # كثير من الناس يعلم صدق النبي بلا آية # وكثير من الناس يعلم صدق المخبر بلا آية البتة2، بل إذا أخبره، وهو ~~PageV02P885 # خبير بحاله، أو بحال ذلك [المخبر به] 1، أو بهما، علم بالضرورة: إما ~~صدقه، وإما كذبه. # وموسى بن عمران لما جاء إلى مصر فقال لهارون وغيره: إن الله أرسلني، ~~علموا صدقه، قبل أن يظهر لهم الآيات. ولما قال لهارون: إن الله قد أمرك أن ~~تؤازرني، صدقه هارون في هذا، لما يعلم من حاله قديما، ولما رأى من تغير ~~حاله الدليل على صدقه. # المسلك النوعي # وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر حاله لخديجة، وغيرها، وذهبت به ~~إلى ورقة بن نوفل، وكان عالما بالكتاب الأول، فذكر له النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما يأتيه، علم أنه صادق، وقال: هذا هو الناموس2 الذي كان يأتي موسى، ~~يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أو مخرجي هم؟ ". قال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به ~~إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا3. # وكذلك النجاشي: لما سمع القرآن، قال: إن هذا، والذي جاء به موسى، ليخرج ~~من مشكاة واحدة4. # المسلك الشخصي # وكذلك أبو بكر، وزيد بن حارثة، وغيرهما: علموا صدقه علما ضروريا ~~PageV02P886 # لما أخبرهم بما جاء به، وقرأ عليهم ما أنزل عليه1. وبقي القرآن الذي قرأه ~~آية، وما يعرفون من صدقه وأمانته، مع غير ذلك من القرائن، يوجب علما ضروريا ~~بأنه صادق. # وخبر الواحد المجهول من آحاد الناس، قد تقترن به قرائن، يعرف بها صدقه ~~بالضرورة2. PageV02P887 # فكيف بمن عرف صدقه وأمانته، وأخبر بمثل هذا الأمر، الذي لا يقوله إلا من ~~هو من أصدق الناس، أو من أكذبهم، وهم يعلمون أنه من الصنف الأول دون ~~الثاني؟. # فإذا كان العلم بصدقه بلا آية، قد يكون علما ضروريا. فكيف بالعلم بكون ~~الآية علامة على صدقه. # وجميع الأدلة لا بد أن تعرف دلالتها بالضرورة؛ فإن الأدلة النظرية لا بد ~~أن [تنتهي] ms341 1 إلى مقدمات [ضرورية] 2. وأكثر الخلق إذا علموا ما جاء به ~~موسى، والمسيح، ومحمد، علموا صدقهم بالضرورة. # ولهذا لا يوجد أحد قدح في نبوتهم، إلا أحد رجلين؛ إما رجل جاهل، لم يعرف ~~أحوالهم؛ وإما رجل معاند، متبع لهواه. PageV02P888 # وعامة من كذبهم في حياتهم، كان معاندا؛ فالرؤساء كذبوهم لئلا تزول ~~رئاستهم، أو مأكلتهم. والأتباع طاعة لكبرائهم؛ كما أخبر الله بمثل ذلك في ~~غير موضع من القرآن1، لم يكن التكذيب لقيام حجة تدل على الكذب؛ فإنه يمتنع ~~قيام دليل يدل على الكذب؛ فالمكذب مفتر، متكلم بلا علم، ولا دليل قطعا. # وكذلك كل من كذب بشيء من الحق، أو صدق بشيء من الباطل، يمتنع أن يكون ~~عليه دليل صحيح؛ فإن الدليل الصحيح يستلزم مدلوله. فإذا كان المدلول ~~منتفيا، امتنع أن يكون عليه دليل صحيح. # [و] 2 كثير من الناس قد يكون شاكا، لعدم طلبه العلم، وإعراضه عنه؛ ~~فالمكذب متكلم بلا علم قطعا، والشاك معرض عن طلب العلم، مقصر، مفرط. ولو ~~طلب [العلم] 3 تبين له الحق إذا كان متمكنا من معرفة أدلة الحق. وأما من لم ~~يصل إليه الدليل، ولا يتمكن من الوصول إليه، فهذا عاجز. # طريق الحكمة في معرفة صدق لأنبياء # وأما الذين سلكوا طريق الحكمة4، فلهم أيضا مسالك؛ مثل أن يقال: إن الله ~~سبحانه وتعالى إذا بعث رسولا أمر الناس بتصديقه وطاعته، فلا بد أن ينصب لهم ~~دليلا يدلهم على صدقه؛ فإن إرسال رسول بدون علامة وآية تعرف المرسل إليهم ~~أنه رسول: قبح، وسفه في صرائح العقول، وهو نقص في جميع الفطر. PageV02P889 # وهو سبحانه منزه عن النقائص والعيوب، ولهذا ينكر على المشركين أنهم ~~يصفونه بما هو عندهم عيب ونقص، لا يرضونه لأنفسهم؛ مثل كون مملوك أحدهم ~~شريكه يساويه؛ فإن هذا من النقائص والعيوب التي ينزهون أنفسهم عنها، ~~ويعيبون ذلك على من فعله من الناس. # فإذا كان هذا عيبا ونقصا، لا يرضاه الخلق لأنفسهم؛ لمنافاته الحكمة، ~~والعدل؛ فإن الحكمة والعدل تقتضي وضع كل شيء موضعه الذي يليق به، ويصلح به، ~~فلا تكون ms342 العين كالرجل، ولا الإمام الذي يؤتم به في الدين والدنيا في آخر ~~المراتب، والسفلة من أتباعه في أعلى المراتب. # فكذلك المالك لا يكون مملوكا مساويا له، فإن ذلك يناقض كون أحدهما مالكا، ~~والآخر مملوكا، ولهذا جاءت الشريعة بأن المرأة لا تتزوج عبدها1 لتناقض ~~الأحكام؛ فإن الزوج سيد [المرأة] 2، وحاكم عليها، والمالك سيد [المملوك] 3 ~~وحاكم عليه، فإذا جعل مملوكها زوجها الذي هو سيدها، تناقضت الأحكام. # فهذا وأمثاله مما يبين أن هذه القضية مستقرة في [فطر] 4 العقلاء. # ولهذا قال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من ~~شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} 5؛ ~~PageV02P890 # أي كما يخاف بعضكم بعضا، {كذلك1 نفصل الآيات لقوم يعقلون بل اتبع الذين ~~ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين} 2. # وكذلك كل أحد يعلم بفطرته أن الذكر أفضل من الأنثى3. # وكانت العرب أشد كراهية للبنات من غيرهم، حتى كان منهم من يئد البنات، ~~ويدفن البنت وهي حية4، حتى قال تعالى: {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت} ~~5، وقال تعالى: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من ~~القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب} 6. وكانوا لا ~~يورثون الإناث. PageV02P891 # وقد قالت أم مريم: {وليس الذكر كالأنثى} 1. # وكان من الكفار من جعل له الأناث أولادا وشركاء، قال تعالى: {أفرأيتم ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ~~[ضيزى] 2إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} 3، وقال تعالى: {إن الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة [ليسمون] 4 الملائكة تسمية الأنثى وما لهم [به] 5 من علم ~~إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} 6، وقال تعالى: ~~{ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه ~~في التراب ألا ساء ما يحكمون} 7؛ يعني ساء الحكم ms343 حكمهم؛ أي بئس الحكم ~~حكمهم8، كما يقال: بئس ما فعل، وبئس ما حكم، حيث حكموا بأن لله البنات، ~~ولهم ما يشتهون. # فهذا حكم جائر، [كما أن تلك القسمة جائرة عوجاء. فهذا حكمهم بينهم وبين ~~ربهم، وهذا] 9 قسمهم؛ يجعلون لأنفسهم أفضل النوعين، ولربهم أدنى النوعين، ~~وهو10 مثل السوء، ولله المثل الأعلى. PageV02P892 # فالواجب أن يكون أفضل الأنواع وأكملها لله، [وما فيها نقص] 1 وعيب، ~~فالمخلوق أحق بها من الخالق؛ إذ كان كل كمال في المخلوق فهو من خالقه، ~~فيمتنع أن يكون الأنقص خلق الأكمل2. # والفلاسفة يقولون بعبارتهم: كل كمال في المعلول، فهو من [العلة] 3. # قياس الأولى # وأيضا: فالموجود الواجب، أكمل من الممكن، والقديم أكمل من الحديث، والغني ~~أكمل من الفقير؛ فيمتنع اتصاف الأكمل بالنقائص، واتصاف الأنقص بالكمالات. # إثبات صفة الأكرم والأكبر والأعلى # ولهذا يوصف سبحانه بأنه: الأكرم4، والأكبر5، والأعلى6، وأنه PageV02P893 # أرحم الراحمين1، وخير الحاكمين2، وخير الغافرين3، وأحسن الخالقين4، فلا ~~يوصف قط، إلا بما يوجب اختصاصه بالكمالات، والممادح، والمحاسن التي لا ~~يساويه فيها غيره، فضلا عن أن يكون لغيره النوع الفاضل، وله النوع المفضول. # ولهذا عاب الله المشركين؛ بأن {جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا لله [بزعمهم] 5 وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل ~~إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} 6، فبئس الحكم ~~حكمهم في هذا؛ كما أنه بئس الحكم حكمهم في جعل الذكور لهم، والإناث له. # [وساء: بمعنى بئس؛ كقوله: {ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا} 7] 8؛ أي ~~بئس مثلا مثلهم. # ولهذا قالوا في قوله: {ساء ما يحكمون} : بئسما يقضون9. # وقال تعالى: {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم ~~لتقولون PageV02P894 # قولا عظيما} 1، وقال تعالى: {وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور ~~مبين أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن ~~مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ~~وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ms344 ستكتب شهادتهم ~~ويسألون} 2. # قياس الأولى # فهذه الطريقة - وهو أن ما يستحقه المخلوق من الكمال الذي لا نقص فيه، ~~فالخالق أولى به، وما ينزه عنه المخلوق من العيوب المذمومة، فالخالق تعالى ~~أولى بتنزيهه عن كل [عيب] 3 وذم4، وهو سبحانه القدوس، السلام، الحميد، ~~المجيد - من أبلغ الطرق البرهانية، وهي مستعملة في القرآن في غير موضع5. # فلذلك يقال: الواحد من الناس قادر على إرسال رسول، وعلى أن يرسل نشابة6، ~~وعلامة يعرفه المرسل إليهم بها صدقه. # فكيف لا يقدر الرب على ذلك؟. # ثم إذا أرسله إليهم، وأمرهم بتصديقه وطاعته، ولم يعرفهم أنه رسوله، كان ~~هذا من أقبح الأمور. PageV02P895 # فكيف يجوز مثل هذا على الله؟. # ولو بعثه بعلامة لا تدلهم على صدقه، كان ذلك عيبا مذموما؛ فكل ما ترك من ~~لوازم الرسالة؛ إما أن يكون لعدم القدرة؛ وإما أن يكون للجهل، والسفه، وعدم ~~الحكمة. # والرب أحق بالتنزيه عن هذا، وهذا من المخلوق؛ فإذا أرسل رسولا فلا بد أن ~~يعرفهم أنه رسوله، ويبين ذلك. # وما جعله آية، وعلامة، ودليلا على صدقه، امتنع أن يوجد بدون الصدق؛ ~~فامتنع أن يكون للكاذب المتنبي؛ فإن ذلك يقدح في الدلالة. # دلالة الآيات من جهة حكمة الله سبحانه وتعالى # فهذا ونحوه مما يعرف به دلالة الآيات من جهة حكمة الرب. فكيف إذا انضم ~~إلى ذلك أن هذه سنته وعادته؟ وأن هذا مقتضى عدله؟. # وكل ذلك عند التصور التام، يوجب علما ضروريا يصدق الرسول الصادق، وأنه لا ~~يجوز أن يسوى بين الصادق والكاذب؛ فيكون ما يظهره النبي من الآيات يظهر ~~مثله على يد الكاذب، إذ لو فعل هذا، لتعذر على الخلق التمييز بين الصادق ~~والكاذب1. # وحينئذ: فلا يجوز أن يؤمروا بتصديق الصادق، ولا يذموا على ترك تصديقه ~~وطاعته؛ إذ الأمر بذلك بدون دليله تكليف ما لا يطاق2. وهذا لا يجوز في عدله ~~وحكمته. ولو قدر أنه جائز عقلا، فإنه غير واقع. PageV02P896 ### | فصل سنة الله وعادته في الكذاب أن ينتقم منه ويظهر كذبه # وقد دل القرآن على أنه سبحانه لا يؤيد الكذاب ms345 عليه، بل لا بد أن يظهر ~~كذبه، وأن ينتقم منه، فقال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين} 1، ذكر هذا ~~[بعد] 2 قوله: {فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما ~~هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب ~~العالمين} 3، ثم قال: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه [باليمين] 4 ~~ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين} 5، هذا بتقدير أن يتقول ~~بعض الأقاويل، فكيف بمن يتقول الرسالة كلها. # وقوله: {لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين} : الوتين6: عرق ~~PageV02P897 # في الباطن، يقال: هو [نياط] 1 القلب، وإذا قطع مات الإنسان عاجلا، وذلك ~~يتضمن هلاكه لو تقول على الله. # وقوله: {لأخذنا منه باليمين} : # قيل: لأخذنا بيمينه، كما يفعل بمن يهان عند القتل، فيقال: خذ بيده، فيجر ~~بيده2، ثم يقتل، فهذا هلاك بعزة وقدرة من الفاعل، وإهانة وتعجيل [هلاك] 3 ~~للمقتول. # وقيل: لأخذنا منه باليمين؛ أي: بالقوة، والقدرة؛ فإن الميامن أقوى ممن ~~يأخذ بشماله4، كما قال: {فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر} 5، وكما قال: {إن بطش ~~ربك لشديد} 6. # لكنه قال: {أخذنا منه} ، ولم يقل: لأخذناه. فهذا يقوي القول الأول. # وقال تعالى: {أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك} ~~7. PageV02P898 # [ثم قال] 1: {ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته} 2. # فقوله: {ويمح الله الباطل} : عطف جملة على جملة. قالوا: وليس من جواب ~~الشرط؛ لأنه قال: {ويحق الحق} ب الضم، وهو معطوف على قوله: {ويمح الله ~~الباطل} . فمحوه للباطل، وإحقاقه الحق: خبر منه، لا بد أن يفعله؛ فقد بين ~~أنه لا بد أن يمحو الباطل، ويحق الحق بكلماته؛ فإنه إذا أنزل كلماته، دل ~~بها على أنه نبي صادق؛ إذ كانت آية له، وبين بها الحق من الباطل. وهو أيضا ~~يحق الحق، ويبطل الباطل بكلماته، [فإنه إذا أنزل كلماته، دل بها على أنه ~~نبي صادق؛ إذ كانت آية له، ms346 وبين بها الحق من الباطل. # وهو أيضا يحق الحق، ويبطل الباطل بكلماته] 3 التي تكون بها الأشياء؛ فيحق ~~الحق بما يظهره من الآيات، وما ينصر به أهل الحق، كما تقدمت كلمته بذلك، ~~كما قال: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا ~~لهم الغالبون} 4، وقال: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} 5، وقال: {وصدقت بكلمات ~~ربها وكتبه وكانت من القانتين} 6. # وقال تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} 7، وأمره يتضمن ما يأمر به، ~~PageV02P899 # وهو الكائن بكلماته، وقال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون} 1. # وكلماته صدق وعدل، والعدل: وضع الأشياء [مواضعها] 2. # من عدل الله # فمن عدله: أن يجعل الصادق عليه، المبلغ لرسالته، حيث يصلح من كرامته ~~ونصره، وإن يجعل الكاذب عليه، حيث يليق به من إهانته وذله. قال تعالى: {إن ~~الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي ~~المفترين} 3؛ قال أبو قلابة4: هي لكل مفتر إلى يوم القيامة5. # أصناف الكاذبين الذين يعارضون رسل الله # أعظم الافتراء على الله # ومن أعظم الافتراء عليه: دعوى النبوة والرسالة كذبا، كما قال تعالى: ~~PageV02P900 # {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل الله} 1، وذكر في هذا الكلام جميع أصناف الكاذبين ~~الذين يعارضون رسله الصادقين، كما ذكر فيما قبله حال الكاذبين في قوله: ~~{وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون ~~كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم ~~يلعبون وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن ~~حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون} 2 # ثم قال: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه ~~شيء} 3 الآية؛ # فإن الكاذب إما أن يقول: إن ms347 غيري أنزل علي، وإما أن يقول: أنا أصنف مثل ~~هذا القرآن. # وإذا قال: غيري أنزل علي؛ فأما أن يعينه، فيقول: إن الله أنزله علي؛ وأما ~~أن يقول: أوحي، ولا يعين من أوحاه. # فذكر الأصناف الثلاثة، فقال: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال ~~أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} 4: فهذان نوعان من جنس، ثم قال: {ومن} ، [و] ~~5لم يقل: أو قال؛ إذ كان هذا معارضا لا يدعي أنه رسول، فقال: {ومن قال ~~سأنزل مثل ما أنزل الله} . PageV02P901 # وهؤلاء المعارضون قد تحداهم في غير موضع1، وقال: {قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا} 2. # والرسول أخبر بهذا خبرا تاما في أول الأمر، وهذا لا يمكن إلا مع قطعه أنه ~~على الحق. وإلى الآن لم يوجد أحد أنزل مثل ما أنزل الله. # وقوله: {ومن قال سأنزل} ، ولم يقل: أقدر أن أنزل؛ فإن قوله: {سأنزل} : هو ~~وعد بالفعل، وبه يحصل المقصود؛ بخلاف قوله: أقدر؛ فإنه لا يحصل به غرض ~~المعارض، وإنما يحصل إذا فعل. فمن وعد بإنزال مثل ما أنزل، كان من أظلم ~~الناس وأكذبهم؛ إذ كان قد تبين عجز جميع الثقلين؛ الإنس، والجن، عن أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن. # وقوله: {مثل ما أنزل الله} : يقتضي أن كل ما أنزله الله على أوليائه، فهو ~~معجز، لا يقدر عليه إلا الله؛ كالتوراة، والإنجيل، والزبور. # وهذا حق3؛ فإن في ذلك من أنباء الغيب، ما لا يعلمه إلا الله، وفيه ~~PageV02P902 # أيضا من تأييد الرسل بذلك، ما لا يقدر على أن يرسل بتلك الرسالة إلا ~~الله؛ فلا يقدر أحد أن ينزل مثل ما أنزل الله على [نبيه] 1؛ فيكون به مثل ~~الرسول، ولا أن يرسل به غيره2. PageV02P903 ### | فصل الاستدلال بالحكمة # والاستدلال بالحكمة1: أن يعرف أولا حكمته2، ثم يعرف أن من PageV02P904 # حكمته أنه لا يسوي بين الصادق بما يظهر به صدقه، وبأن ينصره، ويعزه، ~~[ويجعل] 1 [له] 2 العاقبة، ويجعل له لسان صدق في العالمين. والكاذب ms348 عليه: ~~يبين كذبه، ويخذله، ويذله، ويجعل عاقبته عاقبة سوء، ويجعل له لسان الذم ~~واللعنة في العالمين، كما قد وقع. # فهذا هو الواقع، لكن المقصود أن نبين أن ما وقع منه، فهو واجب الوقوع في ~~حكمته، لا يجوز أن يقع منه ضد ذلك. فهذا استدلال ببيان أنه يجب أن يقع منه ~~ما يقع، ويمتنع أن يقع منه ضده، وذلك ببيان أنه حكيم، وأن حكمته توجب أن ~~يبين صدق الأنبياء وينصرهم، ويبين كذب الكاذبين ويذلهم. # وكذلك يفعل باتباع النبيين، وبأعدائهم؛ كما أخبر بذلك في كتابه3، وبين أن ~~هذا حق عليه، يجب أن يفعله، ويمتنع أن يفعل ضده؛ كما قال تعالى: {ولقد ~~أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا ~~وكان حقا علينا نصر المؤمنين} 4، وكما قال: {كتب الله لأغلبن أنا ~~PageV02P906 # ورسلي إن الله [قوي] 1 عزيز} 2. وقوله: {لأغلبن} : قسم أقسم الله عليه، ~~فهو جواب قسم، تقديره: والله لأغلبن أنا ورسلي. # وهذا يتضمن إخباره بوقوع ذلك، وأنه كتب على نفسه ذلك، وأمر به نفسه، ~~وأوجبه على نفسه؛ فإن صيغة القسم يتضمن التزام ما [حلف] 3 عليه؛ إما [حضا] ~~4 عليه، وأمرا به؛ وإما منعا منه، ونهيا عنه. # الوفاء باليمين وكفارته # ولهذا كان في شرع من قبلنا يجب الوفاء بذلك، ولا كفارة فيه5. وكذلك كان ~~في أول الإسلام. # ولهذا كان أبو بكر لا يحنث في يمين، حتى أنزل الله كفارة اليمين، كما ~~ذكرت ذلك عائشة6. # ولهذا أمر أيوب أن يأخذ بيده ضغثا، فيضرب به، ولا يحنث7؛ فإن ذلك صار ~~واجبا باليمين كوجوب المنذور الواجب بالنذر، يحتذى به حذو الواجب بالشرع. ~~PageV02P907 # والضرب بالضغث يجوز في [الحدود] 1 إذا كان المضروب لا يحتمل التفريق؛ كما ~~جاء في الحديث2. # ولو كان في شرعهم3 كفارة، لأغنت عن الضرب مطلقا. # لكن الإنسان قد يلتزم ما لا يعلم عاقبته، ثم يندم عليه، والرب تعالى عالم ~~بعواقب الأمور، فلا يحلف على أمر ليفعلنه، إلا وهو يعلم عاقبته. # واليمين موجبة4، ولهذا قال تعالى: {كتب الله لأغلبن} 5. وكتب: مثل ms349 كتب، ~~في قوله: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} 6؛ فهي كتابة تتضمن خبرا وإيجابا. ~~PageV02P908 # ومنه قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} 1. # وفي الحديث الصحيح الإلهي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته ~~بينكم محرما فلا تظالموا"2. # وقد بسط هذا الأصل في مواضع؛ مثل الكلام في مسألة القادر المختار3، ~~ومسألة العدل والظلم4، وغير ذلك5. # فإن كثيرا من المتكلمين يقول: إن القادر المختار لا يفعل إلا بوصف ~~[الجواز6] 7، فيفعل الفعل في حال تردده بين أن يفعل، وأن لا يفعل. # استطالة الفلاسفة على المتكلمين # ومنهم من يقول: يفعله مع رجحان أن يفعل رجحانا لا ينتهي إلى حد الوجوب8. ~~PageV02P909 # وهو قول محمد بن [الهيصم] 1 الكرامي2، ومحمود الخوارزمي المعتزلي3. # وبهذا استطال عليهم الفلاسفة4، فقالوا: الرب موجب؛ لأن الممكن لا يقع حتى ~~يحصل المؤثر التام الموجب له5. PageV02P910 # والتحقيق: أن الرب يخلق بمشيئته وقدرته، وهو موجب لكل ما يخلقه بمشيئته ~~وقدرته، ليس موجبا بمجرد الذات، ولا موجبا بمعنى أن موجبه يقارنه؛ فإن هذا ~~ممتنع. فهذان معنيان باطلان. وهو قادر يفعل بمشيئته؛ فما شاء كان، وما لم ~~يشأ لم يكن؛ فما شاءه وجب كونه، وما لم يشأ امتنع كونه1. # ولهذا قال كثير من النظار: إن الإرادة موجبة للمراد2. وعلى هذا، فقولنا: ~~يجوز أن يكون، ويجوز أن لا يكون: إنما هو جواز الشيء، بمعنى الشك في أيهما ~~هو الواقع، وإلا ففي نفس الأمر أحدهما هو الواقع، ليس في نفس الأمر [ظنيا] ~~3 مترددا بين الوقوع وعدم الوقوع. # الإمكان الذهني # والإمكان الذهني: قد يراد به عدم العلم بالامتناع، وقد يراد به الشك في ~~الواقع. وكلا النوعين عدم علم. # الإمكان الخارجي # والإمكان الخارجي: يراد به أن وجوده في الخارج ممكن، لا ممتنع4؛ ~~PageV02P911 # كولادة النساء، ونبات الأرض. # وأما الجزم بالوقوع وعدمه، فيحتاج إلى دليل. # وفي نفس الأمر ما ثم إلا ما يقع، أو لا يقع. # والواقع لا بد من وقوعه، ووقوعه واجب لازم. # وما لا يقع فوقوعه ممتنع، لكن واجب بغيره، وممتنع لغيره: # وقوع ما قدره ms350 الله واجب من جهات # وهو واجب من جهات: من جهة علم الرب من وجهين، ومن جهة إرادته من وجهين، ~~ومن جهة كلامه من وجهين، [ومن جهة كتابته من وجهين] 1، ومن جهة رحمته، ومن ~~جهة عدله. # أما علمه: فما علم أنه سيكون، فلا بد أن يكون، وما علم أنه لا يكون، فلا ~~يكون. وهذا مما يعترف به جميع الطوائف، إلا من ينكر العلم السابق؛ كغلاة ~~القدرية2 الذين تبرأ منهم الصحابة. PageV02P912 # ومن جهة أنه يعلم ما في ذلك الفعل من الحكمة: فيدعوه علمه إلى فعله، أو ~~ما فيه من الفساد، فيدعوه إلى تركه. وهذا يعرفه من يقر بأن العلم داع، ومن ~~يقر بالحكمة. # ومن جهة إرادته: فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. # ومن جهة حكمته، وهي الغاية المرادة لنفسها، التي يفعل لأجلها. فإذا كان ~~مريدا للغاية المطلوبة، لزم أن يريد ما يوجب حصولها. # ومن جهة كلامه: من وجهين؛ من جهة أنه أخبر به، وخبره مطابق لعلمه؛ ومن ~~جهة أنه أوجبه على نفسه، وأقسم ليفعلنه. وهذا من جهة إيجابه على نفسه، ~~والتزامه أن يفعله. # ومن جهة كتابته إياه في اللوح: وهو يكتب ما علم أن سيكون. وقد يكتب ~~إيجابه والتزامه؛ كما قال: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} 1، وقال: {كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة} 2. PageV02P913 # فهذه عشرة أوجه1 تقتضي الجزم بوقوع ما سيكون، وأن ذلك واجب [حتم] 2 لا بد ~~منه، فما في نفس الأمر جواز يستوي فيه الطرفان؛ الوجود، والعدم، وإنما هذا ~~في ذهن الانسان، لعدم علمه بما هو الواقع. ثم من علم بعض تلك الأسباب، علم ~~الواقع؛ فتارة يعلم لأنه أخبر بعلمه؛ وهو ما أخبرت به الأنبياء بوقوعه؛ ~~كالقيامة [والجزاء] 3؛ وتارة يعلم من جهة المشيئة؛ لأنه جرت به سنته ~~الشاملة التي لا تتبدل؛ وتارة يعلم من جهة حكمته، كما قد بسط في غير هذا ~~الموضع4. PageV02P914 # الحكمة والعدل والرحمة تعلم بالعقل # والحكمة، والعدل، والرحمة، والعادة تعلم بالعقل، كما قد عرف من حكمة ~~الرب، وعدله، وسنته. # ويستدل بذلك على العلم، والخبر، والكتاب؛ ms351 كما أن العلم، والخبر، والكتاب ~~[يعلم] 1 بأخبار الأنبياء، ويستدل بذلك على العدل، والحكمة، والرحمة. # الجهمية ينكرون الحكمة والعدل والرحمة # والجهمية المجبرة لا تجزم بثبوت، ولا انتفاء، إلا من جهة الخبر، أو ~~العادة؛ إذ كانوا لا يثبتون الحكمة، والعدل، والرحمة في الحقيقة، كما قد ~~بسط في غير موضع2. # وحكي عن الجهم أنه كان يخرج، فينظر الجذمى3، ثم يقول: أرحم الراحمين يفعل ~~هذا4؟. يقول إنه يفعل لمحض المشيئة، ولو كان يفعل بالرحمة لما فعل هذا. # وهذا من جهله لم يعرف ما في الابتلاء من الحكمة، والرحمة، والمصلحة. ~~PageV02P915 # والمجبرة المثبتة للقدر متبعون لجهم1، والقدرية النفاة مناقضون لهم2، كما ~~قد بسط الكلام على ذلك في غير موضع3. # العقلاء يستدلون بصفات الرب على ما يفعله # وما زال العقلاء يستدلون بما علموه من صفات الرب على ما يفعله؛ [كقول] 4 ~~خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال لها: "لقد خشيت على نفسي"، فقالت: ~~"كلا، والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، ~~وتصدق الحديث، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق"5. # فاستدلت بما فيه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال على أن الله لا يخزيه. # ومنه: قوله تعالى: {قل هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك ~~أثيم} 6؛ فإن الشيطان إنما ينزل على ما يناسبه، ويطلبه، وهو يريد ~~PageV02P916 # الكذب والإثم، فينزل على من يكون كذلك. وبسط هذا له موضع آخر1. # الكلام في النبوة فرع على إثبات الحكمة # والكلام في النبوة فرع على إثبات الحكمة التي يوجب فعل ما تقتضيه الحكمة، ~~ويمتنع فعل ما [تنفيه2] 3، [فتقول] 4: هو سبحانه وتعالى حكيم، يضع كل شيء ~~في موضعه المناسب له، فلا يجوز عليه أن يسوي بين جنس [الصادق] 5 والكاذب، ~~والعادل والظالم، والعالم والجاهل، والمصلح والمفسد، بل يفرق بين هذه ~~الأنواع بما يناسب الصادق العادل العالم المصلح من الكرامة، وما يناسب ~~الكاذب الظالم الجاهل المفسد من الهوان؛ كما قال تعالى: {أم نجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} 6، ~~وقال: ms352 {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} 7، وهذا استفهام انكار على من ظن ذلك، ~~وهو يتضمن تقرير المخاطبين، واعترافهم بأن هذا لا يجوز عليه، وأن ذلك بين ~~معروف، يجب اعترافهم به، وإقرارهم به، كما يقال لمن ادعى أمرا ممتنعا؛ مثل ~~نعم كثيرة PageV02P917 # في موضع صغير، فيقال له: أههنا كانت هذه النعم؛ أي هذا ممتنع [فاعترف] 1 ~~بالحق. وإذا ادعى على من هو معروف بالصدق والأمانة أنه نقب داره، وأخذ ~~ماله، قيل له: أهذا فعل هذا؟! . # ومنه: قوله: {يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله} 2، وقوله تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم ~~كانوا يعبدون} 3. ونظائره كثيرة. # ظن السوء بالله تعالى # وكذلك قوله: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا [الصالحات] 4 سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} 5؛ فإن هذا ~~استفهام إنكار على من حسب أنه يسوي بين هؤلاء وهؤلاء؛ فبين أن هذا الحساب ~~باطل، وأن التسوية ممتنعة في حقه، لا يجوز أن يظن به، بل من ظن ذلك، فقد ظن ~~بربه ظن السوء، وذلك ظن أهل الجاهلية الذين يظنون بالله ظن السوء، فمن جوز ~~ذلك على الله، فقد ظن بربه ظن السوء. # وقوله تعالى فيما جرى يوم أحد: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير ~~الحق ظن الجاهلية} 6؛ فسره ابن عباس وغيره: بأنهم ظنوا أن الله لم يقدر ما ~~جرى، وأنه لا ينصر رسوله7. PageV02P918 # فكما أن القدر يجب الإيمان به، ويعلم أن كل ما كان، قد سبق به علم الرب، ~~فكذلك يعلم أنه لا بد أن ينصر رسله والذين آمنوا. وكما أنه لا يجوز أن يقع ~~خلاف المقدر، فلا يجوز أن لا ينصر رسله والذين آمنوا. # ومثله: قوله [تعالى] 1 فيما أنزله عام الحديبية، لما ظن ظانون أن الرسول ~~وأتباعه لا ينصرون، فقال تعالى: {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ~~ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} 2. وهذا يدل على أن هذا ظن سوء بالله، ms353 ~~لا يجوز أن يظن به أنه يفعل ذلك. # ومن ينفي الحكمة3 يقول: يجوز عليه فعل كل شيء، وليس عنده ظن سوء بالله. # جوابان لمن يظن بالله ظن السوء # وإن قيل: لما أخبر أنه ينصره، كان ضد ذلك ظن سوء؛ لأن خبره لا يقع بخلاف ~~مخبره؟ قيل: عن هذا جوابان: # [أحدهما] 4: أن هؤلاء5 يلزمهم تجويز إخلاف الوعد عليه؛ لأن هذا من باب ~~الأفعال المقدورة، وهم يجوزون كل مقدور، وإذا قيل: إخلاف الوعد قبيح، فهم ~~ليس عندهم شيء قبيح ينزهون الرب عنه. PageV02P919 # الثاني: أنه إذا علم أنه يفعله ولو بالعلم الضروري، فإنما ذلك لأنه واقع. ~~ولو قدر أن رجلا ظن أن الله لا يفعل ما سيفعله مما ليس فيه ذم؛ مثل أن يظن ~~أنه يموت بعد شهر، لم يقل إن هذا ظن سوء، وإنما يكون ظن سوء، إذا كان ~~المظنون عيبا قبيحا، لا يجوز أن يضاف إلى المظنون به، ومنه قوله تعالى: {إذ ~~جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر و ~~[تظنون] 1 بالله [الظنونا] 2} 3؛ فهذا ذم لمن ظن بالله [الظنونا] 4 # ومن ذلك: قوله تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون} 5 , ~~وهذا يقتضي أن هذا ممتنع عليه. ومن حكم بجوازه، فقد حكم حكما باطلا جائرا ~~ممتنعا، كالذين جوزوا أن تكون له بنات، وهم يكرهون أن تكون لهم بنات، فيجوز ~~على الله ما هو قبيح عندهم؛ قال تعالى: {ويجعلون [لله] 6 البنات سبحانه ~~ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من ~~القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما ~~يحكمون} 7. # ومما يبين حكمته، أن تقول: أفعاله المحكمة المتقنة دلت على علمه. ~~PageV02P920 # وهذا مما وقع الاتفاق عليه من هؤلاء؛ فإنهم يسلمون أن الإحكام والإتقان ~~يدل على علم الفاعل. # وهذا أمر ضروري عندهم، وعند غيرهم، وهو من أعظم الأدلة العقلية التي يجب ~~ثبوت مدلولها. # معنى الإحكام والإتقان # والإحكام والإتقان إنما هو أن يضع كل ms354 شيء في محله المناسب، لتحصل به ~~الحكمة المقصودة منه؛ مثل الذي يخيط قميصا، فيجعل الطوق على قدر العنق، ~~والكمين على قدر اليدين؛ وكذلك الذي يبني الدار، يجعل الحيطان متماثلة ~~ليعتدل السقف؛ والذي يصنع الابريق يوسع ما يدخل منه الماء، ويضيق ما يخرج ~~منه. # وحكمة الرب في جميع المخلوقات باهرة، قد بهرت العقلاء، واعترف بها جميع ~~الطوائف. # الفلاسفة يثبتون العناية والحكمة الغائية # والفلاسفة من أعظم الناس إثباتا لها، وهم يثبتون العناية، والحكمة ~~الغائية، وإن كان فيهم من قصر في أمر الإرادة والعلم1. PageV02P921 # المتكلمون يثبتون الحكمة في مخلوقات الله # وكذلك المتكلمون1: كلهم متفقون على إثبات الحكمة في مخلوقاته، وإن كانوا ~~في الإرادة، وفعله لغاية، متنازعين؛ وذلك مثلما في خلق الإنسان. وأدنى ذلك ~~أن العين، والفم، والأذن فيها مياه ورطوبة؛ فماء العين مالح، وماء الفم ~~عذب، وماء الأذن مر. # فإن العين شحمة، والملوحة تحفظها أن تذوب. وهذه أيضا حكمة تمليح ماء ~~البحر؛ فإن له سببا وحكمة؛ فسببه سبوخة أرضه وملوحتها؛ فهي توجب ملوحة ~~مائه؛ وحكمتها أنها تمنع نتن الماء بما يموت فيه من الحيتان العظيمة؛ فإنه ~~لولا ملوحة مائه لأنتن، ولو أنتن لفسد الهواء لملاقاته له، فهلك الناس ~~بفساده، وإذا وقع أحيانا، قتل خلق كثير فإنه يفسد الهواء حتى يموت بسبب ذلك ~~خلق كثير. # وماء الأذن مر؛ ليمنع دخول الهوام إلى الأذن. # وماء الفم عذب؛ ليطيب به ما يأكله. PageV02P922 # فلو جعل الله ماء الفم مرا، لفسد الطعام على أكلته، ولو جعل ماء الأذن ~~عذبا، لدخل الذباب في الدماغ. # ونظائر هذا كثيرة، فلا يجوز أن يفعل بخلاف [ذلك] 1؛ مثل أن يجعل العينين ~~في القدمين، ويجعل الوجه خشنا غليظا، كالقدمين؛ فإنه كان يفسد مصلحة النظر ~~والمشي. # بل من الحكمة أنه جعل العينين في أعلى البدن، في [مقدمه] 2 ليرى بها ما ~~أمامه، فيدري أين يمشي. # وجعل الرجل خشنة تصبر على ما تلاقيه من التراب وغيره. # والعين لطيفة يفسدها أدنى شيء، فجعل لها أجفانا تغطيها، و [أهدابا] 3. # إثبات صفة العلم والإرادة والحكمة بالعقل # [فتقول] 4: هذا ومثله ms355 من مخلوقات الرب، دل على أنه قد أحكم ما خلقه، ~~وأتقنه، ووضع كل شيء بالموضع المناسب له5، وهذا يوجب العلم الضروري أنه ~~عالم؛ فيميز بين هذا وبين هذا، حتى خص هذا بهذا، وهذا بهذا. وهو أيضا يوجب ~~[العلم] 6 الضروري بأنه أراد تخصيص هذا بهذا، وهذا بهذا؛ فدل على علمه ~~وإرادته. وهذا مما يسلمونه، فتقول: [ودل] 7 أيضا على أنه جعل هذا لهذا؛ ~~فجعل ماء العين والبحر ملحا للحكمة المذكورة، وجعل العين في أعلى البدن، ~~وجعل لها أجفانا للحكمة المذكورة. PageV02P923 # وكذلك إذا أنزل المطر، وقت الحاجة إليه، علم أنه أنزله ليحيي به الأرض. # وكذلك إذا دعاه الناس مضطرين، فأنزل المطر، علم أنه أنزل ليحيي الأرض ~~لإجابة دعائهم، فلا يتصور أن يعلم أنه أراد هذا لهذا1، ولا يتصور الإحكام ~~والإتقان، إلا إذا فعل هذا للحكمة المطلوبة. # فكان ما علم من إحكامه وإتقانه، دليلا على علمه، وعلى حكمته أيضا، وأنه ~~يفعل لحكمة. # تناقض الفلاسفة الذين يثبتون الأحكام # والذين استدلوا بالإحكام على علمه، ولم يثبتوا الحكمة2، وأنه يفعل هذا ~~لهذا، متناقضون عند عامة العقلاء. وحذاقهم معترفون بتناقضهم؛ فإنه لا معنى ~~للإحكام إلا الفعل لحكمة مقصودة، فإذا انتفت الحكمة، ولم يكن فعله لحكمة، ~~انتفى الإحكام. وإذا انتفى الإحكام، انتفى دليل العلم. # وإذا كان الإحكام معلوما بالضرورة، [ودلالته على العلم معلومة بالضرورة] ~~3، علم أن حكمته ثابتة بالضرورة، وهو المطلوب. # مقتضيات صفة العلم لله # وأيضا فإذا ثبت أنه عالم، فنفس العلم يوجب أنه لا يفعل قبيحا، ولا يجوز ~~أن يفعل القبيح، إلا من هو جاهل، كما قد بسط في غير هذا PageV02P924 # الموضع1، [و] 2 بين أن العالم يعلم ما الذي يصلح أن يفعل، وأن فعل هذا، ~~أولى من فعل هذا. وإذا كان مريدا للفعل، وقد علم أن الفعل على هذا الوجه هو ~~الأصلح، امتنع أن يريد الوجه الآخر. # والإنسان لا يريد القبيح إلا [لنقص] 3 علمه. أما أن يفعل بلا علم، بل ~~لمجرد الشهوة، أو يظن خطأ؛ فيظن أن هذا الفعل يصلح، وهو لا يصلح، فإنما ms356 يقع ~~القبيح في فعله لفعله مع الجهل البسيط أو المركب4. # والرب منزه عن هذا وهذا، فيمتنع أن يفعل القبيح. # إثبات الإرادة يستلزم إثبات الحكمة # وأيضا فإنه قد ثبت أنه مريد، وأن الإرادة تخصص المراد عن غيره، وهذا إنما ~~يكون إذا كان التخصيص لرجحان المراد؛ إما لكونه أحب إلى المريد وأفضل عنده. ~~فأما إذا ساوى غيره من كل وجه امتنع ترجيح الإرادة له، فكان إثبات الإرادة ~~مستلزما إثبات الحكمة5، [وإلا] 6 لم تكن الإرادة. # فقد تبين ثبوت حكمته من جهة علمه، ومن جهة نفس أفعاله المتقنة المحكمة، ~~التي تدل على علمه بالاتفاق. # وهذه أصول عظيمة من تصورها تصورا جيدا، انكشف له حقائق هذا الموضع ~~الشريف7. PageV02P925 # حكمة الله من لوازم ذاته # وإذا ثبت أنه حكيم، وأن حكمته لازمة لعلمه، ولازمة لإرادته، وهما لازمان ~~لذاته، كانت حكمته من لوازم ذاته؛ فيمتنع أن يفعل إلا لحكمة وبحكمة، ويمتنع ~~أن يفعل على خلاف الحكمة. # ومعلوم بصريح العقل أن العلم خير من الجهل، والصدق خير من الكذب، والعدل ~~خير من الظلم، والإصلاح خير من [الإفساد] 1. ولهذا وجب [اتصافه تعالى ~~بالرحمة، والعلم، والصدق] 2، والعدل، والإصلاح، دون نقيض ذلك. # وهذا ثابت في خلقه وأمره؛ فكما أنه في خلقه عادل حكيم رحيم، فكذلك هو في ~~أمره وما شرعه من الدين، فإنه لا يكون إلا عدلا، وحكمة، ورحمة، ليس هو كما ~~تقول الجهمية المجبرة، ومن اتبعهم من أهل الكلام والرأي: إنه يأمر العباد ~~بما لا مصلحة لهم فيه إذا فعلوه، وإن ما أمر به لا يجب أن يفعل على حكمة، ~~وينكرون تعليل الأحكام، أو يقولون إن علل الشرع أمارات محضة3. فهذا كله ~~باطل، كما قد بسط في مواضع4. # البراهين اليقينية على أن الله لا يفعل خلاف الحكمة والعدل ولا يسوي بين ~~الصادق والكاذب # بل ما يأمر به مصلحة لا مفسدة، وحسن لا قبيح، وخير لا فساد، وحكمة وعدل ~~ورحمة، والحمد لله رب العالمين؛ فإذا قدر رجلان ادعيا على الرب الرسالة، أو ~~توليا على الناس، أو كانا من عرض الناس؛ أحدهما ms357 PageV02P926 # عالم صادق عادل مصلح، والآخر جاهل ظالم كاذب مفسد، ثم قدر أن ذلك العالم ~~العادل عوقب في الدنيا والآخرة، فأذل في الدنيا، وقهر، وأهلك، وجعل في ~~الآخرة في جهنم، وذلك الظالم الكاذب الجاهل، أكرم في الدنيا والآخرة، [و] 1 ~~جعل في الدرجات العلى، كان معلوما بالاضطرار أن هذا نقيض الحكمة والعدل، ~~وهو أعظم سفها وظلما من تعذيب ماء البحر وماء العين2؛ فإن هذا غايته موت ~~شخص أو النوع، وهذا أقل فسادا من إهلاك خيار الخلق وتعذيبهم، وإكرام شرار ~~الخلق وإهانتهم. # الأشاعرة يجوزون على الله عقلا أن يسوي بين الصادق والكاذب.. وأن يعذب ~~المؤمنين ولكن بالسمع لا بالعقل # وإذا كان هذا أعظم مناقضة للحكمة والعدل من غيره، وتبين بالبراهين ~~اليقينية أن الرب لا يجوز عليه خلاف الحكمة والعدل، علم بالاضطرار أن الرب ~~سبحانه لا يسوي بين هؤلاء وهؤلاء، فضلا عن أن يفضل الأشرار على الأخيار، ~~وهو سبحانه أنكر التسوية؛ فقال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء [ما يحكمون] 3} 4، ~~وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف [تحكمون] 5} 6. # وقد جعل7 من جوز أن الله لا ينصر رسوله والمؤمنين في الدنيا والآخرة، # ويعذبهم في الآخرة في جهنم، وأن الفراعنة8 يكرمهم في الدنيا PageV02P927 # والآخرة، والمنازع عنده لا فرق بين هذا وهذا بالنسبة إلى الرب وإلى ~~إرادته وحكمته وعلمه، بل إنما علم وقوع أحدهما بمجرد الخبر1، لا لامتناع ~~أحدهما، ووجوب الآخر. PageV02P928 # والخبر إنما هو خبر الأنبياء، وذلك موقوف على العلم بصدقهم، وهو يستلزم ~~صدقهم. # وعلى أصله1 يمتنع العلم بصدقهم؛ فإنه يجوز أن يسوي الله بين الصادق ~~والكاذب على أصله؛ إذ كان يجوز عليه عنده كل مقدور. # وعنده لا يجوز أن يفعل فعلا لحكمة، فلا يجوز على أصله أن يخلق الله آية ~~ليدل بها على صدقهم2. # وإذا قال3: تجويز ذلك يقتضي أنه لا يقدر على خلق ما به يبين صدق الصادق، ~~فلذلك منعت من ذلك لأنه يفضي إلى تعجيزه. # قيل له: إنما يفضي إلى عجزه إذا كان خلق ms358 دليل الصدق ممكنا. وعلى أصلك لا ~~يمكن إقامة الدليل على [إمكانه] 4؛ فإن الدليل يستلزم المدلول، ويمتنع ~~ثبوته مع عدمه، وأي شيء قدرته، جاز أن يخلقه على أصلك على يد الكاذب، وأنت ~~لا تنزهه عن فعل ممكن5. PageV02P929 # وإذا قلت: أنزهه عن فعل ممكن يستلزم عجزه، كان هذا تناقضا؛ فإن فعل ~~الممكن لا يستلزم العجز، بل امتناع الممكن يستلزم العجز. وبيان ذلك أن ~~يقال: ما خلقه على يد الصادق هو قادر على أن يخلقه على يد الكاذب أم لا؟ . # فإن قلت: ليس بقادر، فقد أثبت عجزه. وإن قلت: هو قادر على ذلك، فالمقدور ~~عندك لا ينزه عن شيء منه. وإن قلت: هذا المقدور أنزهه عنه، لئلا يلزم عجزه، ~~كان حقيقة قولك: أثبت عجزه [لئلا أنفي] 1 عجزه؛ فجعلته عاجزا لئلا [تجعله] ~~2 عاجزا، فجمعت بين النقيضين؛ بين إثبات العجز ونفيه. # وإنما لزمه هذا؛ لأنه لا ينزه الرب عن فعل مقدور، فاستوت المقدورات كلها ~~في الجواز عليه عنده، ولم يحكم بثبوت مقدور إلا بالعادة، أو الخبر3. ~~والعادة يجوز انتقاضها عنده4، والخبر موقوف على العلم بصدق المخبر، ولا ~~طريق له إلى ذلك. # فتبين أن كل من لم ينزه الرب عن السوء والسفه، ويصفه بالحكمة والعدل، لم ~~يمكنه أن يعلم نبوة نبي، ولا المعاد، ولا صدق الرب في شيء من الأخبار. ~~PageV02P930 # الطريقة الأولى عند الأشاعرة في دلالة المعجزة # فهذه طريقة من يجعل وجه دلالة المعجز على صدق الأنبياء، لئلا يلزم ~~العجز1. # الطريقة الثانية # وأما الطريق الثانية، وهي أجود، وهي التي اختارها [أبو] 2 المعالي3 ~~وأمثاله. فهو أن دلالة المعجز على التصديق معلوم بالاضطرار. وهذه طريقة ~~صحيحة لمن اعتقد أنه يفعل لحكمة. # وأما إذا قيل: إنه لا يفعل لحكمة، انتفى العلم الاضطراري. والأمثلة التي ~~يذكرونها كالملك الذي [جعل] 4 آية لرسوله أمرا خارجا عن عادته، إنما دلت ~~للعلم بأن الملك يفعل شيئا لشيء، فإذا نفوا هذا بطلت الدلالة5. # دليل القدرة في إثبات النبوة # وكذلك دليل القدرة6: هو دليل صحيح، لكن مع إثبات الحكمة؛ فإنه سبحانه ~~[وتعالى] ms359 7 قادر على أن يميز بين الصادق والكاذب؛ إذ كان PageV02P931 # قادرا على أن يهدي عباده إلى ما هو أدق من هذا، فهداهم إلى أسهل1. # [لكن] 2 هذا3 يستلزم إثبات حكمته ورحمته، فمن لم يثبت له حكمة ورحمة، ~~امتنع عليه العلم بشيء من أفعاله الغائبة. # صفة الكلام لله والكلام النفسي عند الأشاعرة # وأيضا: فآيات الأنبياء تصديق بالفعل، فهي تدل إذا علم أن من صدقه الرب ~~فهو صادق، وذلك يتضمن تنزيهه عن الكذب. وعلى أصلهم لا يعلم ذلك، فإن ما ~~يخلقه من الحروف والأصوات عندهم هو مخلوق من المخلوقات، فيجوز أن يتكلم ~~كلاما يدل على شيء، وقد أراد به شيئا آخر؛ فإن هذا من باب المفعولات عندهم. # والكلام النفسي4 لا سبيل لأحد إلى العلم به. فعلى أصلهم: يجوز ~~PageV02P932 # الكذب في الكلام المخلوق العربي، وهو الذي يستدل به الناس، فلا يبقى طريق ~~إلى العلم بأنه صادق فيما يخلقه من الكلام. # أصول الأشاعرة السمعية # ولهذا تجد حذاقهم في السمعيات1 إنما يفرون إلى ما علم بالاضطرار من قصد ~~الرسول، لا إلى الاستدلال بالقرآن؛ فالقاضي أبو بكر عمدته أن يقول هذا مما ~~وقفنا عليه الرسول، وعلمنا قصده بالاضطرار؛ كما يقول مثل ذلك في تخليد أهل ~~النار2، وفيما علمه من الأحكام؛ إذ كانوا لا يعتمدون PageV02P933 # على القول المسموع؛ لا خبرا، ولا أمرا، فهم لا طريق [عندهم] 1 إلى ~~التمييز بين ما يقع وما لا يقع؛ مثل التمييز بين كونه يثيب المحسن، ويعاقب ~~المسيء، أو لا يفعله. # ففي الجملة: جميع أفعاله؛ من إرسال الأنبياء، ومجازاة العباد، [وقيام ~~القيامة، لا طريق لهم إلى العلم بذلك إلا من جهة الخبر، وطريق الخبر] 2 على ~~أصلهم مسدود3. # وهم يعلمون صدق الرسول، وصدق خبره معلوم في أنفسهم، لكن يناقض أصولهم. # لكن مع هذا هم واقفة فيما أخبرت به الرسل من الوعيد، فضعف علمهم بما ~~أخبرت به الرسل، فصاروا في نقص عظيم؛ في علمهم، وإيمانهم بما أخبرت به ~~الرسل، وما أمرت به، وفي أصل ثبوت الرسالة. هذه السمعيات. # أصول الأشاعرة العقلية # وأما العقليات: ms360 [فمدارها] 4 على حدوث الجسم. وقد عرف فساد PageV02P934 # أصلهم فيها1. فهذه أصولهم العقلية والسمعية. # وهم لا يعلمون أيضا ما يفعله الرب من غير الخبر، إلا من جهة العادة. # العادة # والعادة يجوز عندهم نقضها بلا سبب ولا لحكمة2، ويجوزون أن تصبح الجبال ~~يواقيت، والبحار زيبقا. # فإذا احتجوا [بالعادات] 3، فقيل لهم: عندكم يجوز نقضها بلا سبب ولا حكمة، ~~أجابوا: بأن الشيء قد يعلم جوازه، ويعلم بالضرورة أنه لا يقع. وهذا أيضا ~~جمع بين النقيضين. # العقل عند الأشاعرة # وهم يقولون: العقل هو: العلم بجواز الجائزات، وامتناع الممتنعات4، ووجوب ~~الواجبات؛ كالعلم بأن الجبل لم ينقلب ياقوتا. ثم يجعلون هذا من الجائز، على ~~أصلهم: ليس في الأفعال، لا واجب، ولا ممتنع، بل كل مقدور، فإنه جائز ~~الوجود، وجائز العدم، لا يعلم أحد الطرفين، إلا بخبر، أو عادة، لا بسبب ~~يقتضيه، ولا حكمة تستلزمه. كما أن المرجح له عندهم مجرد الإرادة، لا بسبب ~~ولا حكمة. وإذا علم جواز الشيء وعدمه، ولم يعلم ما يوجب أحدهما، [امتنع] 5 ~~أن يعلم بالضرورة ثبوت أحدهما. PageV02P935 # والناس إنما يعلمون أن الجبال لم تنقلب يواقيت، لعلمهم بأن هذا ممتنع، ~~وأن الله إذا أراد قلبها يواقيت، أحدث أسبابا تقتضي ذلك1. # فأما انقلاب العادة بلا سبب: فهذا ممتنع عند العقلاء. وجميع ما خرق الله ~~به العادة كان لأسباب تقتضيه، ولحكم فعل لأجلها2، لم [تكن] 3 ترجيحا بلا ~~مرجح، كما يقوله هؤلاء، فهذا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. PageV02P936 # الرد على الأشاعرة في النبوات # الأشاعرة يوردون الشبهات ولا يستطيعون الرد عليها # ولو [لم] 1 يتعلق هذا بالإيمان بالرسول، وبما أخبر به الرسول، واحتجنا ~~إلى أن نميز بين الصحيح والفاسد في الأدلة والأصول، لما ورد على ما قاله ~~هؤلاء من هذه السؤالات، لم تكن بنا حاجة إلى كشف الأسرار. لكن: لما تكلموا ~~في إثبات النبوة، صاروا يوردون عليها أسئلة في غاية القوة والظهور، ولا ~~يجيبون عنها إلا بأجوبة ضعيفة2، كما ذكرنا PageV02P937 # كلامهم1، فصار طالب العلم والإيمان والهدى من عندهم، - لا سيما إذا اعتقد ~~أنهم ms361 أنصار الإسلام، [ونظاره] 2، والقائمون ببراهينه وأدلته - إذا عرف ~~حقيقة ما عندهم، لم يجد ما ذكروه يدل على ثبوت نبوة الأنبياء، بل وجده يقدح ~~في الأنبياء، ويورث الشك فيها أو الطعن، وأنها حجة تقدح في الأنبياء، و ~~[تورث] 3 الشك فيها، أو الطعن فيها، وأنها حجة لمكذب الأنبياء أعظم مما هي ~~حجة لمصدق الأنبياء، فانسد طريق الإيمان والعلم، وانفتح طريق النفاق ~~والجهل4، لا سيما على من لم يعرف إلا ما قالوه. PageV02P938 # والذي يفهم ما قالوه، لا يكون إلا فاضلا، قد قطع درجة الفقهاء، ودرجة من ~~قلد المتكلمين، فيصير هؤلاء؛ إما منافقين؛ وإما في قلوبهم مرض، ويظن الظان ~~أنه ليس في الأمر على نبوة الأنبياء براهين قطعية، ولا يعلم أن هذا إنما هو ~~لجهل هؤلاء وأصولهم الفاسدة التي بنوا عليها الاستدلال وقدحهم في الإلهية، ~~وأنهم لم ينزهوا الرب عن فعل شيء من الشر، ولا أثبتوا له حكمة ولا عدلا، ~~فكان ما جهلوه من آيات الأنبياء؛ إذ كان العلم بآيات الله، وما قصه لخلقه ~~من الدلائل والبراهين، مستلزما لثبوت علمه وحكمته ورحمته وعدله، فإذا انتفى ~~اللازم انتفى الملزوم. # وهم في الأصل إنما قصدوا الرد على القدرية الذين قالوا: إن الله لم يشأ ~~كل شيء، ولم يخلق أفعال العباد1. وهو مقصود صحيح، لكن ظنوا أن هذا لا يتم ~~إلا بجحد حكمته، وعدله، ورحمته، فغلطوا في ذلك. # المعتزلة غلطوا من جهات كثيرة # كما أن المعتزلة أيضا غلطوا من جهات كثيرة، وظنوا أنه لا تثبت حكمته، ~~وعدله، ورحمته، إن لم يجحد خلقه لكل شيء، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم ~~يكن، ويجحد اتصافه بالكلام، والإرادة، وغير ذلك من أقوال المعتزلة2، التي ~~هي من أقوال هؤلاء؛ فإن هؤلاء3 في الصفات PageV02P939 # خير من المعتزلة، وفي الأفعال من بعض الوجوه1. # الغزالي ترك طريقة الأشاعرة في الاستدلال بالمعجزات على ثبوت النبوة # ولهذا لما ظهر للغزالي ونحوه [ضعف] 2 طريق الاستدلال بالمعجزات الذي سلكه ~~شيوخه، وهو لا يعرف غيره؛ أعرض [عنها] 3، وذكر أنه إنما علم ثبوت النبوة ~~بقرائن تعجز ms362 عنها العبارة، وهي علوم ضرورية حصلت له على الطول. وجعل الدليل ~~على النبوة هو العلم بأن ما جاء به حق من غير جهته. # وهذه طريق صحيحة قد سلك الجاحظ4 نحوا منها5. PageV02P940 # النبوة التي يثبتها الغزالي هي نبوة الفلاسفة. # ولكن النبوة التي علمها أبو حامد هي النبوة التي [يثبتها] 1 الفلاسفة، ~~وهي من جنس المنامات، ولهذا استدل على جوازها بمبدأ الطب والهندسة، ونحو ~~ذلك2. # وأمر النبوة أعظم من هذا بكثير، وتلك النبوة موجودة لخلق من الناس، فلهذا ~~لا يوجد للنبوة عندهم ما تستحقه من التصديق والاحترام، ولا يعتمدون عليها ~~في استفادة شيء من العلم الخبري، وهي الإنباء بالغيب وهي خاصة النبوة. # الرازي متردد بين نبوة الفلاسفة والأشاعرة # والرازي كلامه في النبوة متردد بين نبوة الفلاسفة، ونبوة أصحابه هؤلاء3، ~~كما ترى4، وليس في واحد من الطريقين إثبات النبوة التي خص الله بها ~~أنبياءه. # فلهذا ضعفت معرفة هؤلاء بالأنبياء، وضعف أخذ العلم من طريقهم، لا سيما ~~وقد عارضوا كثيرا مما جاء عنهم بالعقليات5، ودخلوا فيما هو أبعد عن الهدى ~~والعلم؛ من العقليات، والذوقيات التي من سلكها ضل ضلالا بعيدا. PageV02P941 # وإنما ينجو من سلك منها شيئا إذا لطف الله، فعرفه السلوك [خلف] 1 طريق ~~الأنبياء. # فمن لم يهتد بما جاءت به الأنبياء، فهو أبعد الناس عن الهدى: {تلك آيات ~~الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ويل لكل أفاك ~~أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب ~~أليم وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين} 2، {وإذا ~~قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين فبأي حديث بعده يؤمنون} 3، ~~{وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد ~~هدي إلى صراط مستقيم} 4. # اعتراف الرازي في آخر مصنفاته # ولهذا اعترف الرازي بهذا في آخر مصنفاته، حيث قال: (ولقد تأملت الطرق ~~الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ~~ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: {إليه ms363 يصعد الكلم الطيب} ~~5، {الرحمن على العرش استوى} 6. واقرأ في النفي: {ليس كمثله شيء} 7، {ولا ~~يحيطون به علما} 8. ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي) 9. PageV02P942 # أقوال المخالفين يستفاد منها في بيان فساد قول كل طائفة # [و] 1 أكثر الانتفاع بكلام هؤلاء، هو فيما يثبتونه من فساد أقوال سائر ~~الطوائف وتناقضها. # وكذلك كلام عامة طوائف المتكلمين؛ ينتفع بكلام كل طائفة في بيان فساد قول ~~الطائفة الأخرى، لا في معرفة ما جاء به الرسول2؛ فليس في طوائف أهل الأهواء ~~والبدع من يعرف حقيقة ما جاء به الرسول، ولكن يعرف كل طائفة منه ما يعرفه، ~~فليسوا كفارا جاحدين [به] 3، وليسوا عارفين به. # فلقد عرفت وما عرفت حقيقة ولقد جهلت وما جهلت حمولا # وبسط هذه الأمور له موضع آخر4، ولكن نبهنا هنا على طريق الحكمة. ~~PageV02P943 ### | فصل حكمة الله وعدله في إرسال الرسل # وإذا عرفت حكمة الرب وعدله، تبين أنه إنما يرسل من اصطفاه لرسالته، و ~~[اختاره] 1 لها، كما قال: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} 2، وكما ~~قال لموسى: {وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى} 3، وأنه إذا أبلغ الرسالة، وقام ~~بالواجب، وصبر على تكذيب المكذبين وأذاهم، كما مضت به سنته في الرسل؛ قال: ~~{كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به ~~بل هم قوم طاغون} 4، وقال تعالى: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ~~إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم} 5، وقال تعالى: {ألم يأتكم نبأ الذين من ~~قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي ~~شك مما تدعوننا إليه مريب قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض ~~يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر ~~مثلنا تريدون أن PageV02P944 # تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن ~~إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على ms364 من يشاء من عباده وما كان [لنا أن نأتيكم ~~بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما لنا] 1 [ألا] 2 نتوكل ~~على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل ~~[المتوكلون] 3 وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن ~~خاف مقامي وخاف وعيد واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ~~ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ~~ورائه عذاب غليظ} 4، إلى سائر ما أخبر به من أحوال الرسل. # والرسل صادقون، مصدقون على الله [يخبرون] 5 بالحق، ويأمرون بالعدل، ~~ويدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له. # وأهل الكذب المدعون للنبوة ضد هؤلاء، كاذبون تأتيهم الشياطين. الكاذبون ~~يأمرون بما نهى الله عنه، وينهون عما أمر الله به، فإنه لا بد أن يأمروا ~~[بتصديقهم] 6، واعتقاد نبوتهم، وطاعتهم. وذلك مما نهى الله عنه. ولا بد أن ~~ينهوا عن متابعة من يكذبهم ويعاديهم، وذلك مما أمر الله PageV02P945 # به؛ فإنه يمتنع في حكمة الرب وعدله أن يسوي بين هؤلاء خيار الخلق، وبين ~~هؤلاء شرار الخلق؛ لا في سلطان العلم وبراهينه وأدلته، ولا في سلطان النصر ~~والتأييد، بل يجب في حكمته أن يظهر الآيات والبراهين الدالة على صدق هؤلاء، ~~وينصرهم، ويؤيدهم، ويعزهم، ويبقي لهم [لسان] 1 الصدق، ويفعل ذلك بمن ~~اتبعهم، وأن يظهر الآيات المبينة لكذب أولئك، ويذلهم، ويخزيهم، ويفعل ذلك ~~بمن اتبعهم؛ كما قد وقع في هؤلاء وهؤلاء2. # وقد دل القرآن على الاستدلال بهذا في غير موضع3. # الأدلة والبراهين نوعان # والأدلة والبراهين كما تقدم4 نوعان؛ نوع يدل بمجرده، بحيث يمتنع وجوده ~~غير دال كدلالة حدوث الحادث على محدث، فهذا يدل بمجرده، وإن قدر أن أحدا لم ~~يقصد الدلالة به. لكن الرب بكل شيء عليم، وهو مريد لخلق ما خلقه ولصفاته، ~~لكن لا يشترط في الاستدلال بهذا أن يعلم أن دالا قصد أن يدل به. ms365 # والنوع الثاني5: ما هو دليل بقصد الدال وجعله. [فهذا] 6 لولا القصد وجعله ~~دليلا، لم يكن دليلا، [فهو] 7 [إنما] 8 قصد به الدلالة، فهذا مقصوده مجرد ~~الدلالة، وذلك بمجرده هو الدليل. PageV02P946 # وهذا كالكلام الذي يدل بقصد المتكلم، وغير ذلك؛ مثل الإشارة بالرأس، ~~والعين، والحاجب، واليد؛ ومثل الكتابة؛ ومثل العقد؛ ومثل الأعلام التي نصبت ~~على الطرق، وجعلت علامة على حدود الأرض وغير ذلك1. # ومن ذلك العلامات التي يبعثها الشخص مع رسوله ووكيله إلى أهله؛ سواء كان ~~قد تواطأ معهم عليها؛ مثل أن يقول: علامته أن يضع يده على ترقوته2، أو يضع ~~خنصره في خنصره3، ونحو ذلك، أو كانت علامة قصد بها الإعلام من غير تقدم ~~مواطأة؛ مثل إعطائه عمامته ونعليه؛ كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عمامته علامة على ولاية قيس بن سعد، وعزل أبيه سعد عن الإمارة يوم الفتح4، ~~وكما أعطى أبا هريرة نعليه علامة على ما أرسله به5، وكما يعطي الرجل لرسوله ~~خاتمه، ونحو ذلك. # فهذه الدلائل دلت بالقصد والجعل، وقد كان يمكن أن لا تجعل دليلا. # فإذا كانت آيات الأنبياء من هذا الجنس، فهي إنما تدل مع قصد الرب إلى ~~جعلها دليلا. # وجعله لها دليلا: بأن يجعل المدلول لازما لها؛ فكل من ظهرت على يده، كان ~~نبيا صادقا؛ فإن الدليل لا يكون دليلا إلا مع كونه مستلزما للمدلول، فيمتنع ~~أن يكون دليلا إذا وجد [معه] 6 عدم المدلول، أو وجد ضد المدلول. ~~PageV02P947 # آيات الأنبياء يمتنع وجودها بدون صدق النبي # فآيات الأنبياء الدالة على صدقهم يمتنع وجودها بدون صدق النبي، ووجودها ~~مع مدعي النبوة كاذبا أعظم استحالة؛ فإنها إذا كانت ممتنعة مع عدم نبوة ~~صادقة، - وإن لم تكن هناك نبوة كاذبة -، فمع الكاذبة أشد امتناعا؛ فهي ~~مستلزمة للنبوة لا [تكون] 1 مع عدم النبوة البتة. # والكاذب قد عدمت في حقه النبوة، ووجد في حقه ضدها؛ وهو الكذب في دعواها، ~~يمتنع كونه نبيا صادقا، فيمتنع أن يخلق الرب ما يدل على صدق الأنبياء، بدون ~~صدقهم؛ لامتناع وجود الملزوم ms366 دون لازمه، ومع كذبهم؛ لامتناع وجود الشيء مع ~~ضده. # والكذب ضد الصدق، فيمتنع أن يكون قوله: أنا نبي صدقا وكذبا. فإذا استلزمت ~~الصدق، امتنع وجود الكذب. # يمتنع دليل الصدق مع عدم الصدق # وخلق دليل الصدق مع عدم الصدق، ممتنع غير مقدور، لكن الممكن المقدور: أن ~~ما جعله دليلا على الصدق يخلقه بدون الصدق، فيكون قد خلقه، وليس بدليل ~~[حينئذ. ويمكن أن يخلق على يد الكاذب ما يدل أنه دليل على صدقه، وليس ~~بدليل] 2؛ مثل خوارق السحرة، والكهان؛ كما كان يجري لمسيلمة والعنسي ~~وغيرهما3. # لكن هذه ليست دليلا على النبوة، لوجودها معتادة لغير الأنبياء، وليست ~~خارقة لعادة غير الأنبياء، بل هي معتادة للسحرة والكهان. فالتفريط ممن ظنها ~~دليلا، لا سيما ولا بد أن يكون دليلا على كذب صاحبها؛ فإن PageV02P948 # الشياطين لا تقترن إلا بكاذب؛ كما قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم} 1. # وآيات الأنبياء مع عدم النبوة، كما أن كلام الله بدون إرادة تلك المعاني ~~كل ذلك ممتنع من عدة وجوه # ولا يجوز أن يظهر الرب ما جعله دليلا للنبوة مع عدم النبوة2؛ كما أنه لا ~~يجوز أن [يتكلم] 3 بالكلام الذي جعله لبيان معان، بدون إرادة تلك المعاني4، ~~بل ذلك ممتنع من وجوه؛ من وجه حكمته، ومن جهة عادته، ومن جهة عدله ورحمته، ~~ومن جهة علمه وإعلامه، وغير ذلك، كما قد بسط في مواضع5. PageV02P949 # ومن جهة قدرته أيضا؛ فإنه قادر على هدي عباده وتعريفهم، وذلك إنما يكون ~~بتخصيص الصادق بما يستلزم صدقه، فإذا ما سوى بين الصادق والكاذب، فإنه ~~يمتنع التعريف، والممتنع ليس بمقدور، فقدرته تقتضي خلق الفرق. # وقد يقال: هو قادر، لكن لا يفعل مقدوره. فيقال: فعله له ممكن، ولا يمكن ~~إلا على هذا الوجه، فيكون قادرا على هذا الوجه. # فإن قيل: هو قادر، ولكن لا يفعله. قيل: إن أريد أنه يمتنع، فهذا باطل، ~~وإن أريد أنه يمكن فعله، ولكن لا يفعله، لم يكن على هذا النفي دليل، بل ~~وجوده يدل على أنه ms367 فعله1. # أفعال الرب إما واجبة وإما ممتنعة # وأيضا: فأفعال الرب؛ إما واجبة، وإما ممتنعة. وإذا لم يكن ممتنعا، تعين ~~أنه واجب، وأنه قد فعله2، وهذا قد فعله. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # الله منزه أن يفعل ما يناقض حكمته # والمقصود هنا: أن هذا كله يستلزم أن الرب منزه عن أن يفعل بعض الأمور ~~الممكنة المقدورة3، لكون ذلك يستلزم أمرا يناقض حكمته، ولكون فعل الشيء لا ~~يكون إلا مع لوازمه، وانتفاء أضداده. فيمتنع فعله PageV02P950 # بدون لوازمه، أو مع ضده، كما يمتنع جعل الدليل دليلا مع وجوده بلا مدلول، ~~أو مع وجود ضد المدلول معه. # الأشاعرة يمتنع على أصولهم كلام الرب أن يدل على مراده أو أن آياته تدل ~~على صدق الأنبياء # والذين قالوا: يجوز منه فعل كل شيء، ولا ينزه عن شيء، يتعذر على أصلهم ~~وجود دليل جعلي قصدي؛ لا الكلام، ولا الفعال؛ فيمتنع على أصلهم كون كلام ~~الرب يدل على مراده، أو كون آياته التي قصد بها الدلالة على صدق الأنبياء، ~~أو غيرهم تدل؛ لأنه يقدر أن يفعل ذلك [و] 1 غير ذلك، كما يقدر أن يظهر على ~~يد الكاذب ما أظهره على يد الصادق. # تعريف المعجزة عند الأشاعرة # وهم يقولون: المعجزة هي الخارق المقرون بالتحدي بالمثل وعدم المعارضة2. ~~وهذا يقدر على إظهاره على يد الصادق. # صفة الإرادة # فمن سوى بين جميع الأمور، وجعل إرادته لها سواء، لم يفرق بين هذا وهذا3، ~~فقالوا: نحن نستدل على أنه لم يظهرها على يد الكاذب، بأنه لو PageV02P951 # فعل ذلك، لبطلت قدرته على تصديق الصادقين بالآيات؛ فإنه إنما يستدل على ~~صدقهم بالآيات، فلو أظهرها على يد الكاذب، لم يبق قادرا. # هذه عمدة أكثرهم، وعليها اعتمد القاضي أبو بكر في كتاب المعجزات1. # قدرة الله في عدم المساواة بين الصادق والكاذب # فيقال لهم: هذا لا يبطل قدرته على ذلك2، ولكن هذا يوجب أنه لم يفعل ~~المقدور، فيلزم من ذلك أنه سوى بين الصادق والكاذب، ولم يبين صدقه. وهذا ~~مقدور ممكن، وكل مقدور ممكن فهو عندكم ms368 جائز عليه، فلم يكن اللازم رفع ~~قدرته3، بل اللازم أنه لم يفعل مقدوره. وهذا جائز عندكم. PageV02P952 # ومما يوضح هذا، أن يقال: هو قادر على إظهار ذلك على يد الكاذب، أم لا؟ ~~فإن قلتم: ليس بقادر، أبطلتم قدرته، وإن قلتم: هو قادر، فثبت أنه قادر على ~~إظهار ذلك على يد الصادق والكاذب، فبقي مشتركا1 لا يخص أحدهما، فلا يكون ~~حينئذ دليلا، فمجرد القدرة لم يوجب اختصاص الصادق به. # وإن قلتم: لا يقدر على إظهاره على يد الكاذب، فقد رفعتم القدرة2. # فأنتم بين أمرين؛ إن أثبتم القدرة العامة3، فلا اختصاص لها؛ وإن نفيتم ~~القدرة على أحدهما، بطل [استدلالكم] 4 بشمول القدرة5. # وأيضا: فالقدرة إنما تكون على ممكن. وعلى أصلكم: لا يمكن تصديق الصادق. # الأشاعرة استدلوا بمقدمتين # فهم استدلوا بمقدمتين، وكلاهما باطلة6. # الوا: لو لم يكن دليلا رفع القدرة. وهذا باطل، بل يلزم أنه لم يفعل ~~المقدور. وهذا جائز عندهم. فلا يجب عندهم شيء من الأفعال. # ثم قالوا: وهو قادر على ذلك، وعلى أصلهم: ليس هو بقادر على ذلك، فإنهم ~~قالوا: يمكنه تصديق الأنبياء بالفعل، كما يمكنه التصديق بالقول. فيقال لهم: ~~كلاهما يدل بالقصد والجعل، وهذا إنما يكون ممن PageV02P953 # يقصد أن يفعل الشيء ليدل. وعندكم هو لا يفعل شيئا لشيء؛ فيلزم على أصلكم ~~أن لا يفعل شيئا لأجل أنه يدل به عباده؛ لا فعلا ولا كلاما؛ إذ كان هذا ~~عندكم ممتنعا وهو فعل شيء لمقصود آخر غير فعله. # وإذا كان هذا ممتنعا عندكم، لم يكن مقدورا، فلا يقدر على أصلكم أن ينصب ~~لعباده دليلا ليدلهم به على شيء، بل هذا عندهم فعل لغرض، وهو ممتنع عليه. # وإن قلتم: هو وإن لم يقصد أن يفعل شيئا لحكمة، لكن قد يفعل الشيئين ~~المتلازمين، فيستدل بأحدهما على الآخر. # قيل: هذا إنما يكون بعد أن يثبت التلازم، وأن أحدهما مستلزم للآخر. وهذا ~~معلوم فيما يدل بمجرده؛ فإنه يمتنع وجوده بدون لازمه. أما ما يدل بالجعل ~~والقصد، فيمكن وجوده بدون ما جعل مدلولا له. # واللزوم إنما يكون بالقصد، ms369 وهو عندكم يمتنع أن يفعل شيئا لأجل شيء، فبطلت ~~الأدلة القصدية على أصلكم، وهي أخص بالدلالة من غيرها. # ولهذا لا يكادون يستدلون بكلام الله، بل يعتمدون في السمعيات؛ إما على ما ~~علم بالضرورة أو الإجماع1. PageV02P954 # خلاصة الكلام في الموضوع # وحقيقة الأمر أن الأدلة الجعلية القصدية لا بد فيها من إرادة الرب ~~ومشيئته، أن تكون أدلة، فلا بد أن يريد أن يجعل هذا الفعل ليدل. وهم لا ~~يجوزون أن يريد شيئا لشيء، بل كل مخلوق هو عندهم مراد من نفسه، لم يرد ~~لغيره. فامتنع أن يكون يريد الرب جعل شيء دليلا على أصلهم1. # فتبين أنه على أصلهم غير قادر على [نصب] 2 ما يقصد به دلالة العباد، ~~وهدايتهم، وإعلامهم؛ لا قول، ولا فعل. فبطلت المقدمة الكبرى. وبتقدير أن ~~يكون قادرا على ذلك، فهو إذا أظهر على يد الكاذب ما يظهر على يد الصادق، ~~كان لم يفعل هذا المقدور، ولم يجعل ذلك دليلا على الصدق، لا يلزم أن لا ~~يكون قادرا. # فهم اعتمدوا على هذه الحجة، وقالوا: هذا هذا، وهذا هذا. # من لم يثبت الحكمة يلزمه نفي الإرادة والمشيئة والقدرة # فقد تبين أن من لم يثبت حكمة الرب، يلزمه نفي إرادته ومشيئته كما تقدم3، ~~ويلزمه أيضا نفي قدرته على أن يفعل شيئا لشيء، فلا يمكنه أن ينصب دليلا ~~ليدل به عباده على صدق صادق ولا كذب كاذب. وهم يقولون: من فعل شيئا لحكمة، ~~دليل على حاجته ونقصه؛ لأنه فعل لغرض. PageV02P955 # والغرض هو الشهوة، وذلك يتضمن الحاجة1. # وهذا بعينه يقال في الإرادة2: إن من أراد، فإنما يريد لغرض وشهوة. # فقولهم بنفي الحكمة، يتضمن نفي الإرادة، ونفي القدرة. # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع3، وبين أن من نفى الحكمة، يلزمه [نفي] 4 ~~الإرادة، ومن نفى الإرادة يلزمه نفي فعل الرب، ونفي PageV02P956 # الإحداث. ومن نفى ذلك يلزمه امتناع حدوث حادث في الوجود. وأن إثبات ~~الحكمة لازم لكل طائفة على أي قول قالوه، كما قد بسط في غير هذا الموضع1. # إذ المقصود: التنبيه على أن ms370 إثبات آيات الأنبياء، والاستدلال بكلام الله ~~وآياته التي أراد أن يدل بها عباده بدون إثبات حكمته: ممتنع. # اضطراب كلام من نفى حكمة الله في آيات الأنبياء وفي كلامه # ولهذا اضطرب كلام من نفى حكمته في آيات الأنبياء، وفي كلام الرب سبحانه؛ ~~وهي الآيات التي بعثت بها الأنبياء القولية والفعلية، واضطربوا في ~~الاستدلال على ما جاءت به الأنبياء، كما قد نبه عليه. والله سبحانه وتعالى ~~أعلم2. PageV02P957 ### | فصل الاستدلال بسنة الله وعادته في معرفة النبي الصادق من المتنبئ الكاذب # وأما الاستدلال بسنته وعادته، فهو أيضا طريق برهاني ظاهر لجميع الخلق1. ~~PageV02P958 # وهم متفقون عليه؛ من يقول بالحكمة1؛ ومن يقول بمجرد المشيئة2؛ فإنه قد ~~علم عادته سبحانه في طلوع الشمس، والقمر، والكواكب، والشهور، والأعوام، ~~وعادته في خلق الإنسان، وغيره من المخلوقات، وعادته فيما عرفه الناس؛ من ~~المطاعم، والمشارب، والأغذية، والأدوية، ولغات الأمم؛ كالعلم بنحو كلام ~~العرب وتصريفه، والعلم بالطب وغير ذلك. # سنة الله في نصر الأنبياء وأتباعهم وإهلاك من كذبهم أو كذب عليهم # كذلك سنته تعالى في الأنبياء الصادقين وأتباعهم، وفيمن كذبهم، أو كذب ~~عليهم؛ فأولئك ينصرهم ويعزهم، ويجعل لهم العاقبة المحمودة، والآخرون يهلكهم ~~ويذلهم، ويجعل لهم العاقبة المذمومة3؛ كما فعل [بقوم] 4 نوح، وعاد، وثمود، ~~وقوم لوط، وأصحاب مدين، وفرعون PageV02P959 # وقومه؛ وكما فعل بمن كذب محمدا؛ من قومه قريش، ومن سائر العرب، وسائر ~~الأمم غير العرب؛ وكما فعل [بمن] 1 نصر أنبياءه وأتباعهم؛ # قال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن ~~جندنا لهم الغالبون} 2. # وقال: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد} 3. # وقال تعالى: {تلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ~~ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما ~~جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب} 4 # وقال تعالى: {وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم ~~وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير} ~~5. # وقال تعالى: ms371 {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم [كانوا أشد] 6 منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ~~وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم ~~كان عاقبة الذين أساءوا [السوأى] 7 أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها ~~يستهزئون} 8. PageV02P960 # وقال تعالى: {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف [كان] 1 عاقبة الذين ~~كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم ~~وما كان لهم من الله من واق ذلك [بأنهم] 2 كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب} 3. # وقال تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ~~ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب} 4. # وقال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ~~فلما جاءتهم رسلهم [بالبينات] 5 فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما ~~كانوا [به] 6 يستهزئون فلما رأوا بأسنا [قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما ~~كنا به مشركين فلم [يك] 7 ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا] 8 سنة الله التي ~~قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} 9. # وقال تعالى: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا ~~PageV02P961 # نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} 1. # وقال تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر ~~السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد ~~لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا} 2. # وقال تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون ~~[خلافك] 3 إلا قليلا} 4. # [وقال تعالى] 5: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا ~~غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ms372 ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ~~إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} 6. # وقد قيل: آية الحاقة7، وآية الشورى8 تبين أنه لو افترى عليه [لعاقبه9] ~~10، فهذه سنته في الكاذبين. PageV02P962 # وحقيقة الاستدلال بسنته وعادته: هو اعتبار الشيء بنظيره؛ وهو التسوية بين ~~المتماثلين، والتفريق بين المختلفين؛ وهو الاعتبار المأمور به في القرآن؛ ~~كقوله تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله ~~وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك ~~لعبرة لأولي الأبصار} 1، وقال تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ~~من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} 2، وقال تعالى: {لقد كان ~~في قصصهم عبرة لأولي الألباب} 3. # وإنما تكون العبرة [به] 4 بالقياس والتمثيل؛ كما قال ابن عباس في دية ~~الأصابع: هن سواء5، واعتبروها بدية الأسنان. PageV02P963 # فإذا عرفت قصص الأنبياء، ومن اتبعهم، ومن كذبهم، وأن متبعيهم كان لهم ~~النجاة [والعاقبة] 1 والنصر والسعادة، [ولمكذبهم] 2 الهلاك والبوار، جعل ~~الأمر في المستقبل مثلما كان في الماضي؛ فعلم أن من صدقهم كان سعيدا، ومن ~~كذبهم كان شقيا. وهذه [سنة الله] 3 وعادته. # ولهذا يقول سبحانه في تحقيق عادته وسنته، وأنه لا ينقضها ولا يبدلها: ~~{أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر} 4؛ يقول: فإذا لم يكونوا ~~خيرا منهم، فكيف ينجون من العذاب، مع مماثلتهم لهم، هذا بطريق الاعتبار ~~والقياس، ثم قال: {أم لكم براءة في الزبر} : أي معكم خبر من الله بأنه لا ~~يعذبكم؟؛ فنفى الدليلين: العقلي، والسمعي، ثم ذكر قولهم: نحن جميع منتصر، ~~وإنا نغلب من يغالبنا، فقال تعالى: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} 5، وهذا مما ~~[أنبأ به] 6 من الغيب في حال ضعف الإسلام، واستبعاد عامة الناس ذلك7، ثم ~~كان كما أخبر. PageV02P964 # وقد قال للمؤمنين في تحقيق سنته ms373 وعادته: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} 1، وقال ~~لمحمد: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} 2، وقال: {كذلك ما أتى ~~الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم ~~طاغون} 3، وقال تعالى: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا ~~آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} 4. # وفي الصحيحين: عن [أبي هريرة] 5 [رضي الله عنه] 6، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة حتى لو دخلوا جحر ~~ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: نعم"7. ~~PageV02P965 # وفي الصحيحين: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "ليأخذن أمتي ما أخذ الأمم قبلها شبرا بشبر، وذراعا بذراع. ~~قالوا: يا رسول الله! فارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا هؤلاء"1. # وفي السنن: لما قال له بعض أصحابه: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات ~~أنواط. قال: الله أكبر قلتم كما قال [قوم] 2 موسى: اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة. ثم قال: إنه السنن لتركبن سنن من كان قبلكم" 3. # وقال تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين} 4. # ولهذا احتج من احتج بسنة الله وعادته في مكذبي الرسل5؛ كقول PageV02P966 # شعيب: {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم ~~هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد} 1. # وقال مؤمن آل فرعون: {يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم ~~نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد} 2. # وقال تعالى: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم} 3. # معنى الدأب # والدأب: العادة في ثلاثة مواضع4، قال تعالى: {إن الذين كفروا لن تغني ~~عنهم أموالهم ولا أولادهم من ms374 الله شيئا وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون ~~والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب} 5. # قال ابن قتيبة6 وغيره7: الدأب: العادة، ومعناه: كعادة آل فرعون، يريد كفر ~~اليهود8 كل فريق بنبيهم. PageV02P967 # وقال الزجاج1: هو الاجتهاد، معناه: أي دأب هؤلاء، وهو اجتهادهم في كفرهم ~~وتظاهرهم على النبي، كتظاهر آل فرعون على موسى2. # وقال عطاء3، والكسائي4، وأبو عبيدة5: كسنة آل فرعون6. PageV02P968 # وقال النضر بن شميل1: "كعادة آل فرعون2؛ يريد عادة هؤلاء الكفار في تكذيب ~~الرسل وجحود الحق كعادة آل فرعون". # وقال طائفة3: "نظم الآية: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم عند حلول النقمة والعقوبة، مثل آل فرعون، وكفار الأمم الخالية ~~أخذناهم فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم". # وفي تفسير أبي روق4: عن الضحاك5، عن ابن عباس: {كدأب آل فرعون} : قال: ~~كصنيع آل فرعون6. PageV02P969 # قال ابن أبي [حاتم] 1: وروي عن مجاهد، والضحاك، وأبي مالك، وعكرمة، نحو ~~ذلك2. # قال: وروي عن الربيع بن أنس3 كشبه آل فرعون4. # وعن السدي قال: ذكر الذين كفروا كمثل الذين من قبلهم في [التكذيب] 5 ~~والجحود6. # قلت: فهؤلاء جعلوا الشبيه في العمل؛ فإن لفظ الدأب يدل عليه: # قال الجوهري7: دأب فلان في عمله، أي: جد، وتعب دأبا ودؤوبا، فهو دئب. ~~وأدأبته أنا. والدائبان: الليل والنهار. قال: والدأب يعني بالتسكين: العادة ~~والشأن، وقد يحرك8. PageV02P970 # قال الفراء1: أصله من دأبت، إلا أن العرب حولت معناه إلى الشأن2. # قلت: الزجاج جعل ما في القرآن من الدأب، الذي هو الاجتهاد3. والصواب: ما ~~قاله الجمهور؛ أن الدأب - بالتسكين -: هو العادة، وهو غير الدأب بالتحريك؛ ~~إذا زاد اللفظ زاد المعنى، والذي في القرآن مسكن، ما علمنا أحدا قرأه ~~بالتحريك، وهذا معروف في اللغة؛ يقال: فلان دأبه كذا وكذا: أي هذا عادته ~~وعمله اللازم له، وإن لم يكن في ذلك تعب واجتهاد، ومنه قوله تعالى: {وسخر ~~لكم الشمس والقمر دائبين} 4، والدائب نظير الدائم، والباء والميم ~~متقاربتان؛ ومنه: اللازب واللازم. قال ابن عطية5: "دائبين، أي: متماديين، ~~ومنه قول النبي ms375 صلى الله عليه وسلم لصاحب الجمل الذي بكى وأجهش إليه: "إن ~~هذا الجمل شكى إلي أنك تجيعه وتدئبه6"7؛ أي PageV02P971 # تديمه في العمل [له] 1 والخدمة2". قال3: "وظاهر الآية أن معناه دائبين في ~~الطلوع والغروب، وما بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى كثيرة4"5. # قال6: "وحكى الطبري عن مقاتل بن حيان يرفعه إلى ابن عباس أنه قال: معناه ~~دائبين في طاعة الله" 7. # قال8: "وهذا قول إن كان يراد به أن الطاعة: [انقيادهما للتسخير] 9، فذلك ~~موجود في [طاعة] 10 قوله: [و] 11 {سخر} . وإن كان يراد أنها طاعة [مقدورة] ~~12، كطاعة العبادة من البشر، فهذا [بعيد] 13" 14. PageV02P972 # قلت1: ليس هذا ببعيد، بل عليه دلت الأدلة الكثيرة، كما هو مذكور في ~~مواضع2. # وقالت طائفة، منهم البغوي: وهذا لفظه دائبين يجريان فيما يعود إلى مصالح ~~[عباد] 3 الله لا يفتران. # قال ابن عباس: دؤوبهما في طاعة الله4. # ولفظ أبي الفرج: "دائبين في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، لا ~~يفتران. قال: ومعنى الدؤوب: مرور [الشيء على] 5 عادة جارية فيه"6. # قلت: وإذا كان دأبهم هو عادتهم وعملهم الذي كانوا مصرين عليه، فالمقصود ~~أن هؤلاء أشبهوهم في العمل، فيشبهونهم في الجزاء، فيحيق بهم ما حاق بأولئك. ~~هذا هو المقصود ليس المقصود التشبيه في [الجزاء كقوله] 7: {إن الذين كفروا ~~لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا PageV02P973 # وأولئك هم وقود النار [كدأب] 1 آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا ~~فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب} 2؛ أي فهؤلاء لا [تدفع] 3 عنهم ~~أموالهم وأولادهم عذاب الله إذ جاءهم، كدأب آل فرعون. # وكذلك قوله: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد} 4، [إلى قوله:] 5 {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم ~~فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين} 6. فهذا كله يقتضي ~~التشبيه في العذاب. # وأما الطائفة الأخرى: فجعلوا الدأب نفس فعل الرب بهم، وعقوبته لهم: # قال مكي بن أبي طالب7: ms376 "الكاف [في] 8 (كدأب) في [مواضع] 9 PageV02P974 # نصب نعت لمحذوف تقديره: [غيرناهم] 1 [كما] 2 غيروا تغييرا، مثل عادتنا في ~~آل فرعون. ومثلها الآية الأولى، إلا أن الأولى للعادة في العذاب، تقديره: ~~فعلنا بهم ذلك فعلا مثل عادتنا في آل فرعون"3. # وقد جمع بعضهم بين المعنيين، فقال أبو الفرج: " {كدأب آل فرعون} : أي ~~كعادتهم، والمعنى: [كذب هؤلاء كما] 4 كذب أولئك، فنزل بهم العذاب، كما نزل ~~بأولئك" 5. # قلت: الدأب: العادة، وهو مصدر يضاف إلى الفاعل تارة، وإلى المفعول أخرى، ~~فإذا أضيف إلى الفاعل، كان المعنى: كفعل آل فرعون، وإذا أضيف إلى المفعول، ~~كان المعنى: كعادتهم في العذاب والمصائب التي نزلت بهم؛ يقال: [هذه] 6 عادة ~~هؤلاء لما فعلوه، ولما يصيبهم، وهي عادة الرب وسنته فيهم. # والتحقيق: أن اللفظ يتناول الأمرين [جميعا] 7. # وقد تقدم عن الفراء والجوهري: أن الدأب: العادة والشأن8، وهذا كقوله: {قد ~~خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} 9: ~~PageV02P975 # روى ابن أبي حاتم بالإسناد المعروف عن مجاهد: " {قد خلت من قبلكم سنن} : ~~[من] 1 الكفار، والمؤمنين [في] 2 الخير والشر"3. # وعن أبي إسحاق4: "أي: قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك ~~[بي] 5 عاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، [فرؤوا6 مثلات] 7 قد مضت [مني] ~~8 فيهم" 9؛ فقد فسرت السنن: بأعمالهم وبجزائهم. # قال البغوي: "معنى الآية: قد مضت، وسلفت مني [سنن] 10 فيمن كان قبلكم من ~~الأمم الماضية الكافرة بإمهالي [واستدراجي] 11 إياهم، حتى يبلغ الكتاب فيهم ~~أجلي الذي أجلته لإهلاكهم وإدالة أنبيائي [عليهم] 12، {فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} : أي PageV02P976 # [آخر] 1 المكذبين [منهم] 2. قال: وهذا في [حزب واحد] 3، يقول [عز وجل] 4: ~~فأنا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي [أجلت من] 5 نصرة النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] 6 وأوليائه، وهلاك أعدائه) 7. # قلت: ونظير هذا: قوله تعالى: { [أفلم] 8 يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ~~[يعقلون] 9 بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ms377 القلوب ~~التي في الصدور} 10، وقوله: {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ~~وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن [كانوا] 11 أنفسهم ~~يظلمون} 12، وقوله في الآية الأخرى: {كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في ~~الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما PageV02P977 # رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك ~~الكافرون} 1. # فهذا كله يبين أن سنة الله وعادته مطردة، لا تنتقض في إكرام مصدقي الرسل، ~~وإهانة مكذبيهم2. PageV02P978 ### | فصل آيات الأنبياء يلزم من وجودها وجود الأنبياء # آيات الأنبياء كما قد عرف1 هي مستلزمة لثبوت النبوة، وصدق المخبر بها، ~~والشاهد بها؛ فيلزم من وجودها وجود النبوة، وصدق المخبر بها، ويمتنع أن ~~تكون مع التكذيب بها، وكذب المخبر بها؛ فلا يجوز وجودها لمن كذب الأنبياء، ~~ولا لمن أقر بنبوة كذاب؛ سواء كان هو نفسه المدعي للنبوة، أو ادعى نبوة ~~غيره. # وهذان الصنفان هما المذكوران في قوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} 2. # وهؤلاء كلهم من أظلم الكاذبين، كما قال: {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب ~~بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين} 3، ثم قال: {والذي جاء بالصدق ~~وصدق به أولئك هم المتقون} 4. # فالمخبر بالنبوة مع ثبوتها هو الذي جاء بالصدق وصدق به، والمخبر بها مع ~~انتفائها هو الذي كذب على الله، والمكذب بها مع ثبوتها هو الذي كذب بالحق ~~لما جاءه. PageV02P979 # الدليل مستلزم للمدلول # فدلائل النبوة هي مستلزمة لصدق من أثبت نبوة هي نبوة حق، يمتنع أن تكون ~~لمن نفى هذه، أو أثبت نبوة ليست بنبوة. # وكذلك كل دليل على إثبات الصانع، دل على صدق ms378 المؤمنين به، المخبرين بما ~~دل عليه الدليل، وعلى كذب من نفى ذلك. # ويمتنع أن تكون تلك الأدلة دالة على نفي ذلك، أو على صدق الخبر بنفي ذلك، ~~أو على صدق من جعل صفات الرب ثابتة لغيره. # وما دل على أن هذه الدار ملك لزيد، يدل على صدق المخبر بذلك، وكذب النافي ~~له، ويمتنع أن يدل مع انتفاء الملك. # وما دل على علم شخص وعدله، فإنه مستلزم لذلك، ولصدق المخبر به. وكذلك ~~النافي له يمتنع أن يدل على صدق النافي، أو يدل مع انتفاء العلم والعدل؛ ~~فإن ما استلزم ثبوت شيء وصدقه، استلزم كذب نقيضه، وكان عدم اللازم مستلزما ~~لعدم الملزوم؛ فما كان مستلزما لثبوت النبوة، وصدق المخبر بها، كان مستلزما ~~لكذب من نفاها. فامتنع أن يكون موجودا مع من نفاها، وامتنع أن يكون موجودا ~~مع انتفائها؛ فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين. # فدليل كل مدلول عليه يمتنع ثبوته مع عدم المدلول عليه؛ فإنه مستلزم ~~لثبوته. فلو وجد مع عدمه، للزم الجمع بين النقيضين. # التلازم بين نبوة العين وجنس النبوة # فما كان دليلا على نبوة شخص، فهو دليل على جنس النبوة؛ فإن نبوة الشخص لا ~~[تثبت] 1 إلا مع ثبوت جنس النبوة؛ فيمتنع وجود ذلك الدليل مع عدم النبوة. ~~PageV02P980 # وثبوت أحد النقيضين مستلزم لنفي الآخر؛ فثبوت صدق المخبر بثبوتها، مستلزم ~~لكذب المخبر بانتفائها. # دليل عقلي # فهذا أمر عقلي مقطوع به، معلوم بالبديهة بعد تصوره في جميع الأدلة؛ أدلة ~~النبوة وغيرها1، فلا يجوز أن يكون ما دل على النبوة، وعلى صدق PageV02P981 # المخبر بها، وكذب المكذب بها، دليلا للمكذب بها، ولا دليلا مع انتفائها؛ ~~كالمتنبي الذي يدعي النبوة ولا نبوة معه، فلا يتصور أن يكون معه ولا مع ~~المصدق بنبوته شيء من دلائل النبوة. # وأما كون دليل من دلائل النبوة مع المصدق بها كائنا من كان، فهذا حق، بل ~~هذا هو الواجب. فمن صدق بها بلا دليل، كان متكلما بلا علم. فكل من صدق ~~بالنبوة بعلم فمعه دليل من أدلتها. # العلم الضروري والنظري ms379 # وأخبار أهل التواتر بما جاءت به الأنبياء من الآيات: هو من أدلة ثبوتها؛ ~~فكل من آمن بالرسول عن بصيرة، فلا بد أن يكون في قلبه علم بأنه نبي حق؛ إما ~~علم ضروري1، أو علم نظري2 بدليل من الأدلة. PageV02P982 # والعلوم النظرية مع أدلتها تبقى ضرورية1، وقد تكون في نفس الأمر علوم ~~ضرورية، ولا يمكنه التعبير عما يدل عليها؛ كالذي يجده الإنسان في نفسه ~~ويعلمه من العلوم البديهية والضرورية وغير ذلك؛ فإن كثيرا من الناس لا ~~يمكنهم بيان الأدلة لغيرهم على وجود ذلك عندهم. # وإذا عرف هذا، فقولنا: دلائل النبوة مختصة بالأنبياء لا تكون لغيرهم: له ~~معنيان: # أحدهما: أنه لا يشاركهم فيها من يكذب بنبوتهم، ولا من يدعي نبوة كاذبة. ~~وهذا ظاهر بين؛ فإن الدليل على الشيء لا يكون دليلا على وجوده وعلى عدمه، ~~فلا يكون ما يدل على النبوة أو غيرها، وعلى صدق المخبر بذلك دليلا على كذب ~~المخبر بذلك، ولا دليلا على النبوة مع انتفاء النبوة. # والمعنى الثاني: أنها لا توجد إلا مع النبي. PageV02P983 # فهذا إن أريد به أنها لا توجد إلا والنبوة ثابتة، فهو صحيح، وإن كانت مع ~~ذلك دليلا على نبي، فلا يمتنع أن يكون الشيء الواحد دليلا على أمور كثيرة، ~~لكن يمتنع أن يوجد مع انتفاء مدلوله. # فما دل على النبوة قد يدل على أمور أخرى من أمور الرب تبارك وتعالى، لكن ~~لا يمكن أن يدل مع انتفاء النبوة؛ أي مع كون النبوة المدلول عليها باطلة لا ~~حقيقة لها، ولكن قد يدل مع موت النبي ومع غيبته؛ فإن موته وغيبته لا ينفي ~~نبوته. # وليس من شرط دليل النبي أن يكون [موجودا] 1 في محل المدلول عليه، ولا في ~~مكانه ولا زمانه. # وقول من اشترط في آيات الأنبياء أن تكون مقترنة بالدعوى: في غاية الفساد ~~والتناقض، كما قد بسط2، لا سيما والآيات قد تكون مخلوقة [نائية] 3 عن ~~النبي، وعن مكانه، وكذلك سائر الأدلة، لا سيما ما يجري مجرى الخبر. # فالأخبار الدالة على وجود المخبر به لا يجب ms380 أن تكون مقارنة للمخبر به؛ لا ~~في محله، ولا زمانه، ولا مكانه. # آيات الأنبياء شهادة من الله بنبوتهم # وآيات الأنبياء: هي شهادة من الله، وإخبار منه بنبوتهم، فلا [يجب] 4 أن ~~تكون في محل النبوة، ولا زمانها ولا مكانها، لكن يجوز ذلك؛ فلا يمتنع أن ~~يكون الدليل في محل المدلول عليه، [ولا] 5 في زمانه، [ولا] 6 في ~~PageV02P984 # مكانه، لكن [يجوز] 1 ذلك فيه؛ فالإنسان قد تقوم به أمور تدل على بعض ~~الأمور التي فيه، وقد [تعلم] 2 أموره بخبر غيره، وببعض آثاره المنفصلة عنه. # فإذا أريد بأن آيات الأنبياء مختصة بهم، وأنها لا تكون لغيرهم: أنها لا ~~تكون مع انتفاء النبوة المدلول عليها: فهذا صحيح؛ لأنه يستلزم الجمع بين ~~النقيضين. # وأما إذا أريد أنها لا توجد إلا في ذات النبي، أو مقترنة بخبره عن نبوته، ~~أو في المكان الذي كان فيه، أو في الزمان: فهذا كله غلط وخطأ ممن ظنه، وجهل ~~بين بحقائق الأدلة، إن كان من الأدلة وآيات النبوة ما [يكون] 3 في ذات ~~النبي، ويكون مقترنا بقوله: إني رسول الله، ويكون في المكان الذي هو فيه، ~~وفي زمانه، فهذا يمكن، وهو الواقع؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم، بل وغيره ~~من الأنبياء كان في نفس أقوالهم وأفعالهم وصفاتهم وأخلاقهم [وسيرهم] 4 أمور ~~كثيرة تدل على نبوتهم5. PageV02P985 # وكذلك لما قال: إني رسول الله، [أتى] 1 مع ذلك بآيات دلت على صدقه. # وكذلك في مكانه وزمانه، ظهر من انشقاق القمر وغيره ما دل على نبوته. # لكن آيات الأنبياء أعم من ذلك، كما أن دليل كل شيء أعم من أن يختص بمعنى ~~المدلول وزمانه ومكانه. # وبهذا يظهر خطأ كثير من الناس في عدم معرفتهم بجنس آيات الأنبياء، لعدم ~~تحقيقهم جنس الأدلة والبراهين2. # وإن خاصة الدليل: أنه يلزم من تحققه تحقق المدلول عليه فقط، سواء كان ~~مقارنا للمدلول عليه، أو كان حالا في محله، أو مجاوزا لمحله، أو لم يكن ~~كذلك. # هل النبوة صفة ثبوتية أم لا؟ # والنبوة قد قال طائفة ms381 من الناس: إنها صفة في النبي3. PageV02P986 # وقال طائفة: ليست صفة ثبوتية في النبي، بل [هي] 1 مجرد تعلق الخطاب ~~الإلهي به2؛ يقول الرب: إني أرسلتك، فهي عندهم صفة إضافية كما يقولونه في ~~الأحكام الشرعية إنها صفات إضافية للأفعال لا صفات حقيقية3. PageV02P987 # قول أهل السنة في النبوة # والصحيح: أن النبوة تجمع هذا وهذا1؛ فهي تتضمن صفة ثبوتية في PageV02P988 # النبي1، وصفة إضافية هي مجرد تعلق الخطاب الإلهي، به2. # لكن على الأقوال الثلاثة: ليس من شرط أدلتها أن تكون حالة في ذات النبي، ~~ولكن يجوز أن تكون لها أدلة قائمة بذات النبي، كما كان في محمد صلى الله ~~عليه وسلم عدة أدلة من دلائل النبوة، كما هو مبسوط في دلائل نبوته3؛ إذ ~~المقصود هنا الكلام على جنس آيات الأنبياء، لا على شيء معين، [و] 4 لا دليل ~~معين، ولا نبي معين. # فإذا عرف أن دلائل النبوة يمتنع ثبوتها لشخص لا نبوة فيه إذا ادعاها، أو ~~ادعيت له كذبا، ويمتنع ثبوتها مع المكذب بالنبوة الصادقة، وأنها لا توجد ~~إلا والنبوة ثابتة، وأنها دليل على صدق المخبر بالنبوة من جميع الخلق. ~~PageV02P989 # فكل من آمن [بأن] 1 محمدا رسول الله، فقد أخبر عن نبوته؛ كما أخبر هو عن ~~نبوة نفسه بما أمره الله به؛ حيث قال: {قل يا أيها الناس إني رسول الله ~~إليكم جميعا} 2. # فهذا الخبر؛ وهو الشهادة بأنه رسول الله إلى الناس جميعا، سواء وجد منه، ~~أو من غيره، هو مدلول عليه لجميع دلائل النبوة. # فإذا وجد هذا الخبر في غير النبي، ووجد ما يدل على صدق هذا الخبر، كان ~~ذلك من دلائل النبوة، كما وجد هذا في خلق كثير من المؤمنين. # ومن دلائل النبوة: وجود العلم الضروري بخبر أهل التواتر، الذين أخبروا ~~بالآيات. فهذا العلم الضروري هو بمنزلة المشاهدة [للآيات] 3. # وكذلك ما يوجد لأهل الإيمان مما يستلزم صدق خبرهم بأن محمدا رسول، كما ~~يوجد لأمته من الآيات الكثيرة عند تحقيق [أمره] 4 ونصره وطاعته، والجهاد عن ~~دينه، والذب عنه، وبيان ما أرسل به، ms382 كما وجد أمثال ذلك للصحابة، والتابعين، ~~وسائر المؤمنين إلى يوم القيامة5. PageV02P990 ### | فصل خوارق السحرة والكهان مناقضة للنبوة ولا تخرج عن مقدور الجن والإنس # فجميع ما يختص بالسحرة والكهان هو مناقض للنبوة1، فوجود ذلك يدل على أن ~~صاحبه ليس بنبي. ويمتنع أن [يكون] 2 شيء من ذلك دليلا على النبوة؛ فإن ما ~~استلزم عدم الشيء لا يستلزم وجوده. # وكذلك ما يأتي به أهل الطلاسم3 وعبادة الكواكب4 ومخاطبتها، PageV02P991 # كل ذلك مناقض للنبوة؛ فإن النبي لا يكون إلا مؤمنا، وهؤلاء كفار؛ فوجود ~~ما يناقض الإيمان هو مناقض للنبوة بطريق الأولى، وهو آية، ودليل، وبرهان ~~على عدم النبوة، فيمتنع أن يكون دليلا على وجودها. # وجميع ما يختص بالسحرة والكهان وغيرهم ممن ليس بنبي، لا يخرج عن مقدور ~~الإنس والجن1. وأعني بالمقدور: ما يمكنهم التوصل إليه بطريق من الطرق2؛ فإن ~~من الناس من يقول: إن المقدور لا بد أن يكون في محل القدرة3. PageV02P992 # وليس هذا هو لغة العرب، ولا غيرهم من الأمم؛ لا لغة القرآن والحديث، ولا ~~غيرهما، وإنما يدعون ذلك من جهة العقل. وقولهم في ذلك باطل من جهة العقل. # لكن المقصود هنا التكلم باللغة المعروفة؛ لغة العرب، وغيرهم التي كان ~~نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره يخاطب بها الناس؛ كقوله في الحديث الصحيح ~~لأبي مسعود1 لما ضرب غلامه: "اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، الله أقدر ~~عليك منك على هذا" 2؛ فجعل نفس المملوك مقدورا عليه [لسيده] 3، PageV02P994 # كما يقول الناس: القوة على الضعيف ضعف في القوة، [ويقولون] 1: فلان قادر ~~على فلان، وفلان عاجز عن فلان، ويقولون: فلان ناسج هذا الثوب، و [بنى] 2 ~~هذه الدار. ومنه: قوله تعالى: {ويصنع الفلك} 3؛ فجعل الفلك مصنوعة لنوح. ~~ومنه: قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} 4؛ أي والأصنام التي تعملونها، ~~وتنحتونها؛ فجعل ما في الأصنام من التأليف معمولا لهم، كما جعل تأليف ~~السفينة مصنوعا لهم. وهذا كثير5. # والمقصود هنا: أن ما يأتي به السحرة والكهان ونحوهم، هو مما يصنعه الإنس ~~والجن، لا يخرج ذلك عنهم. والإنس والجن قد أرسلت ms383 إليهم الرسل6، فآيات ~~الأنبياء خارجة عن قدرة الإنس والجن؛ لا يقدر عليها لا الإنس ولا الجن، ~~ولله الحمد والمنة. # مقدورات الجن والإنس # ومقدورات الجن هي من جنس مقدورات الإنس، لكن يختلف في المواضع؛ فإن ~~الإنسي يقدر على أن يضرب غيره حتى يمرض أو يموت، بل يقدر أن يكلمه بكلام ~~يمرض به أو يموت. # فما يقدر عليه الساحر من سحر بعض الناس حتى يمرض أو يموت، هو من مقدور ~~الجن، وهو من جنس مقدور الإنس. PageV02P995 # ومنعه من الجماع هو من جنس المرض المانع له من ذلك. # والحب والبغض لبعض الناس، كما يفعله الساحر، هو من استعانته بالشياطين، ~~وهو من جنس مقدور الإنس. بل شياطين الإنس قد يؤثرون من البغض والحب أعظم ~~مما تؤثره شياطين الجن. # والجن [تقدر] 1 على الطيران في الهواء، وهو من الأعمال. والطيور تطير، ~~فهو من جنس مقدور الإنس. لكن يختلف المحل [بأن] 2 هؤلاء سيرهم في الهواء، ~~والإنس سيرهم على الأرض. # وكذلك المشي على الماء، وطي الأرض؛ وهو قطع المسافة البعيدة في زمان ~~قريب: هو من هذا الجنس، هو مما تفعله الجن، وهو مما تفعله الجن ببعض الناس. ~~وقد أخبر الله عن العفريت أنه قال لسليمان عن عرش بلقيس وهو باليمن وسليمان ~~بالشام: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} 3. ولهذا يوجد كثير من الكفار ~~والفساق والجهال تطير بهم الجن في الهواء، وتمشي بهم على الماء، وتقطع بهم ~~المسافة البعيدة في المدة القريبة. # وليس شيء من ذلك من آيات الأنبياء4، ولله الحمد والمنة؛ إذ كان مقدور ~~الإنس والجن، والإخبار ببعض الأمور الغائبة التي يأتي بها الكهان، هو أيضا ~~من مقدور الجن؛ فإنهم تارة يرون الغائب فيخبرون به، وتارة يسترقون السمع من ~~السماء فيخبرون به، وتارة PageV02P996 # يسترقون وهم يكذبون في ذلك؛ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم1. # وما تخبر به الأنبياء من الغيب، لا يقدر عليه إنس، ولا جن، ولا كذب فيه. # وأخبار الكهان وغيرهم كذبها أكثر من صدقها، وكذلك كل من تعود الإخبار عن ms384 ~~الغائب؛ فأخبار الجن لا بد أن [تكذب] 2، فإنه من طلب منهم الإخبار بالمغيب ~~كان من جنس الكهان، وكذبوه في بعض ما يخبرون به، وإن كانوا صادقين في ~~البعض. # وقد ثبت في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الكهان؟ فقيل له: ~~إن منا قوما يأتون الكهان؟ قال: "فلا يأتوهم" 3. # وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "من أتى عرافا، فسأله عن شيء، لم تقبل له ~~صلاة أربعين يوما"4. PageV02P997 # وفي السنن عنه أنه قال: "من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من ~~السحر زاد ما زاد"1. # والنبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد ~~[الأقصى] 2، لم يكن المقصود مجرد وصوله إلى الأقصى، بل المقصود ما ذكره ~~الله [بقوله] 3: {لنريه من آياتنا} 4، كما قال في سورة النجم: {ولقد رآه ~~نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما ~~زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى} 5. # وما رآه مختص بالأنبياء، لا يكون ذلك لمن خالفهم، ولا يريه الله تعالى ما ~~أراه محمدا حين أسرى به. وكذلك صلاته بالأنبياء في المسجد الأقصى، وركوبه ~~على البراق؛ هذا كله من خصائص الأنبياء. # بعض خوارق الشياطين لأوليائهم # والذين تحملهم الجن، وتطير بهم من مكان إلى مكان، أكثرهم لا يدري كيف ~~حمل، بل يحمل الرجل إلى عرفات، ويرجع، وما يدري كيف حملته الشياطين، ولا ~~يدعونه يفعل ما أمر الله به كما أمر الله به، بل قد يقف بعرفات # من غير إحرام ولا إتمام مناسك الحج، وقد يذهبون به إلى مكة، PageV02P998 # ويطوف بالبيت من غير إحرام إذا حاذى الميقات1. [وذلك] 2 واجب في أحد قولي ~~العلماء، ومستحب في الآخر3، فيفوته المشروع، أو يوقعونه في الذنب، ويغرونه ~~بأن هذا من كرامات الصالحين. # وليس هو مما يكرم الله به وليه، بل هو مما أضلته به الشياطين، وأوهمته أن ~~ما فعله قربة وطاعة4، أو يكون صاحبه له عند الله منزلة عظيمة. PageV02P999 # وليس هو قربة وطاعة، وصاحبه لا ms385 يزداد بذلك منزلة عند الله؛ فإن التقرب ~~إلى الله إنما يكون بواجب أو مستحب، وهذا ليس بواجب ولا مستحب، بل يضلون ~~صاحبه، ويصدونه عن تكميل ما يحبه الله منه؛ من عبادته، وطاعته، وطاعة ~~رسوله، ويوهمونه أن هذا من أفضل الكرامات، حتى يبقى طالبا له، عاملا عليه. # وهم بسبب إعانتهم له على ذلك، قد استعملوه في بعض ما يريدون، مما ينقص ~~قدره عند الله، أو وقوعه في ذنوب، وإن لم يعرف أنها ذنوب؛ فيكون ضالا ~~ناقصا، وإن غفر له ذلك لعدم علمه؛ فإنه نقص درجته، وخفض [منزلته] 1 بذلك ~~الذي أوهموه أنه رفع درجته وأعلا منزلته. # وهذا من جنس ما [يفعله] 2 السحرة؛ فإن الساحر قد يصعد في الهواء والناس ~~ينظرونه، وقد يركب شيئا من الجمادات؛ إما قصبة، وإما خابية، وإما مكنسة3، ~~وإما غير ذلك؛ فيصعد به في الهواء، وذلك أن الشياطين تحمله. # وتفعل الشياطين هذا ونحوه بكثير من العباد والضلال؛ من عباد المشركين، ~~وأهل الكتاب، والضلال من المسلمين؛ [فتحملهم] 4 من مكان إلى مكان. ~~PageV02P1000 # وقد يرى أحدهم بما يركبه إما فرس، وإما غيره، وهو شيطان تصور له في صورة ~~مركوب. # وقد يرى أنه يمشي في الهواء من غير مركوب، والشيطان قد حمله. # والحكايات في هذا كثيرة معروفة عند من يعرف هذا الباب، ونحن نعرف من هذا ~~أمورا يطول وصفها1. PageV02P1001 # وكذلك المشي على الماء: قد [تجعل] 1 له الجن ما يمشي عليه، وهو يظن أنه ~~يمشي على الماء. وقد يخيلون إليه أنه التقى طرفا النهر ليعبر، والنهر لم ~~يتغير في نفسه، ولكن خيلوا إليه ذلك. وليس في هذا - ولله الحمد - شيء من ~~جنس معجزات الأنبياء. # كرامات الصالحين من جهة السبب والغاية # وقد يمشي على الماء قوم بتأييد الله لهم، وإعانته إياهم بالملائكة؛ كما ~~يحكى عن المسيح2، وكما جرى للعلاء بن الحضرمي3، ولأبي مسلم الخولاني في ~~عبور الجيش4، وذلك إعانة على الجهاد في سبيل [الله] 5، كما يؤيد الله ~~المؤمنين بالملائكة، ليس هو من فعل الشياطين. والفرق بينهما؛ من جهة السبب، ~~ومن جهة ms386 الغاية. # أما السبب: فإن الصالحين يسمون الله، ويذكرونه، ويفعلون ما يحبه الله؛ من ~~توحيده، وطاعته، فييسر لهم بذلك ما ييسره، ومقصودهم به: نصر الدين، ~~والإحسان إلى المحتاجين6. PageV02P1002 # وما تفعله الشياطين يحصل بسبب الشرك، والكذب، والفجور1، والمقصود به: ~~الإعانة على مثل ذلك. # والجن فيهم مسلم وكافر، فالمسلمون منهم يعاونون الإنس المسلمين، كما ~~يعاون المسلمون بعضهم بعضا، والكفار مع الكفار. # أصناف طاعة الجن للإنس # والجن الذين يطيعون الإنس، وتستخدمهم الإنس ثلاثة أصناف2: # أعلاها: أن [يأمروهم] 3 بما أمر الله به، ورسله؛ فيأمرونهم بعبادة الله ~~وحده، وطاعة رسله؛ فإن الله أوجب على الجن طاعة الرسل، كما أوجب ذلك على ~~الإنس، وقال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ~~وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ~~قال النار مثواكم خالدين [فيها] 4 إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم وكذلك ~~نولي بعض الظالمين بعضا [بما كانوا يكسبون] 5 يا معشر الجن والإنس ألم ~~يأتكم رسل منكم يقصون عليكم [آياتي] 6 PageV02P1003 # وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ~~وأهلها غافلون ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون} 1؛ فالرسل ~~تكون من الإنس إلى الثقلين، والنذر من الجن باتفاق العلماء2. # هل يكون من الجن رسلا؟! # واختلفوا: هل يكون في الجن رسل؟ والأكثرون على أنه لا رسل فيهم3، كما قال ~~تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} 4. ~~PageV02P1004 # وعن الحسن البصري قال: لم يبعث الله نبيا من أهل البادية، ولا من الجن، ~~ولا من النساء. ذكره عنه طائفة، منهم: البغوي1، وابن الجوزي2. # إسلام الجن واجتماعهم برسول الله صلى الله عليه وسلم # وقال قتادة: ما نعلم أن الله أرسل رسولا قط، إلا من أهل القرى؛ لأنهم ~~كانوا أعلم وأحلم من أهل العمور. رواه ابن أبي حاتم، وذكره طائفة3. # ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم ms387 قد أرسل إلى الثقلين4، وقد آمن به من آمن ~~من جن نصيبين5، فسمعوا القرآن، وولوا إلى قومهم منذرين، ثم أتوا فبايعوه ~~على الإسلام بشعب معروف بمكة6 بين PageV02P1005 # الأبطح1، وبين جبل حراء2، وسألوه الطعام لهم ولدوابهم، فقال: "لكم كل عظم ~~ذكر اسم [الله] 3 عليه أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم"، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم:"فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن" ~~4. # والأحاديث بذلك كثيرة مشهورة5 في الصحيح، والسنن، PageV02P1006 # والمسند، وكتب التفسير والفقه، وغيرها1. # وقد روى الترمذي وغيره أنه قرأ عليهم سورة الرحمن، وهي خطاب للثقلين2. ~~PageV02P1008 # وقد [اتفق] 1 العلماء على أن كفارهم يدخلون النار2، كما أخبر الله بذلك ~~في قوله: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما ~~دخلت أمة لعنت أختها} 3، وقال الله تعالى: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين} 4، وقال: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} 5. PageV02P1009 # أقوال العلماء في مؤمني الجن # وأما مؤمنوهم: فأكثر العلماء على أنهم يدخلون الجنة1. # وقال طائفة: بل يصيرون ترابا كالدواب2. والأول أصح، وهو قول الأوزاعي، ~~وابن أبي ليلى3، وأبي يوسف4، ومحمد5، ونقل ذلك عن مالك، والشافعي، وأحمد بن ~~حنبل، وهو قول أصحابهم6. PageV02P1010 # واحتج عليه الأوزاعي وغيره بقوله: {ولكل درجات مما عملوا} 1، بعد ذكره ~~أهل الجنة وأهل النار، من الجن والإنس2، كما قال في سورة الأنعام، وفي ~~الأحقاف: {ولكل درجات مما عملوا} ، بعد ذكر أهل الجنة والنار3. قال عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم4: درجات أهل النار تذهب سفولا، ودرجات أهل الجنة ~~تذهب صعودا5. # فنبينا صلى الله عليه وسلم هو مع الجن كما هو مع الإنس. [والإنس] 6 معه ~~إما مؤمن به، وإما مسلم له، وإما مسالم له، وإما خائف منه. PageV02P1011 # مراتب الجن وأنواعهم # كذلك الجن منهم المؤمن به، ومنهم المسلم له مع نفاق، ومنهم المعاهد ~~المسالم لمؤمني الجن، ومنهم الحربي الخائف من المؤمنين. وكان هذا أفضل مما ~~أوتيه سليمان؛ فإن الله سخر الجن لسليمان تطيعه طاعة الملوك؛ فإن سليمان ~~كان نبيا ملكا، ms388 مثل داود ويوسف. وأما محمد فهو عبد رسول، مثل إبراهيم وموسى ~~وعيسى1 [عليهم السلام] 2، وهؤلاء أفضل من أولئك. # القسم الأول: المحمود # فأولياء الله المتبعون لمحمد إنما يستخدمون [الجن كما يستخدمون الإنس] 3 ~~في عبادة [الله] 4 وطاعته، كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يستعمل الإنس ~~والجن، لا في غرض له [غير] 5 ذلك. # القسم الثاني: المباح # [و] 6 من الناس من يستخدم من يستخدمه من الإنس في أمور مباحة. كذلك فيهم ~~من يستخدم الجن في أمور مباحة7، لكن هؤلاء لا يخدمهم PageV02P1012 # الإنس والجن إلا بعوض؛ مثل أن يخدموهم كما يخدمونهم، أو يعينونهم على بعض ~~مقاصدهم، وإلا فليس أحد من الإنس والجن يفعل شيئا إلا لغرض. # والإنس والجن إذا خدموا الرجل الصالح في بعض أغراضه المباحة؛ فإما أن ~~يكونوا مخلصين يطلبون الأجر من الله، وإلا طلبوه منه؛ إما دعاؤه لهم، وإما ~~نفعه لهم بجاهه، أو غير ذلك. # القسم الثالث: المذموم # والقسم الثالث: أن يستخدم الجن في أمور محظورة، أو بأسباب محظورة؛ مثل ~~قتل نفس، وإمراضها بغير حق؛ ومثل منع شخص من الوطء؛ ومثل تبغيض شخص إلى ~~شخص؛ ومثل جلب من يهواه الشخص إليه. فهذا من السحر. # وقد يقع مثله لكثير من الناس ولا يعرف السحر، بل يكون موافقا للشياطين ~~على بعض أغراضهم؛ مثل شرك، أو بدعة وضلالة، أو ظلم، أو فاحشة؛ فيخدمونه ~~ليفعل ما يهوونه. # وهذا كثير في عباد المشركين، وأهل الكتاب، وأهل الضلال من المسلمين. # وكثير من هؤلاء لا يعرف أن ذلك من الشياطين، بل يظنه من كرامات الصالحين. # ومنهم من يعرف أنه من الشياطين، ويرى أنه بذلك حصل له ملك، وطاعة، ونيل ~~ما يشتهيه من الرياسة والشهوات، وقتل عدوه؛ فيدخل في # PageV02P1013 # ذلك كما تدخل الملوك الظلمة في أغراضهم1. # وليس أحد من الناس تطيعه الجن طاعة مطلقة، كما كانت تطيع سليمان بتسخير ~~من الله وأمر منه من غير معاوضة، كما أن الطير كانت تطيعه، والريح؛ قال ~~تعالى: {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن ~~الجن ms389 من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ~~يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل ~~داود شكرا وقليل من عبادي الشكور} 2. # والجن [كالإنس] 3، فيهم المؤمن المطيع، والمسلم الجاهل، أو المنافق، أو ~~العاصي، وفيهم الكافر. # وكل ضرب يميل إلى بني جنسه، والذي أعطاه الله تعالى لسليمان خارج عن قدرة ~~الجن والإنس؛ فإنه لا يستطيع [أحد] 4 أن يسخر الجن مطلقا لطاعته، ولا ~~يستخدم [أحدا] 5 منهم إلا بمعاوضة؛ إما عمل مذموم تحبه الجن، وإما قول تخضع ~~له الشياطين؛ كالأقسام، والعزائم6؛ فإن PageV02P1014 # كل جني فوقه من هو أعلى منه، فقد يخدمون بعض [الناس] 1 طاعة لمن فوقهم؛ ~~كما يخدم بعض الإنس لمن أمرهم سلطانهم بخدمته لكتاب معه منه، وهم كارهون ~~طاعته. وقد يأخذون منه ذلك الكتاب ولا يطيعونه، وقد يقتلونه، أو يمرضونه؛ ~~فكثير من الناس قتلته الجن2. # سبب صرع الجن للإنس # كما يصرعونهم، والصرع لأجل الزنا، وتارة يقولون إنه آذاهم؛ إما [بصب ~~نجاسة] 3 عليهم، وإما بغير ذلك؛ فيصرعونه صرع عقوبة وانتقام. # وتارة يفعلون ذلك عبثا؛ كما [يعبث] 4 شياطين الإنس بالناس. # والجن أعظم شيطنة، وأقل عقلا، وأكثر جهلا. والجني قد يحب الإنسي، كما يحب ~~الإنسي الإنسي، وكما يحب الرجل المرأة، والمرأة الرجل، ويغار عليه، ويخدمه ~~بأشياء. وإذا صار مع غيره، فقد يعاقبه بالقتل وغيره. كل هذا واقع5. # ثم الذي يخدمونه تارة يسرقون له شيئا من أموال الناس، مما لم يذكر اسم ~~الله عليه، ويأتونه إما [بطعام] 6، وإما شراب، وإما لباس، وإما نقود، وإما ~~غير ذلك. وتارة يأتونه في المفاوز بماء عذب وطعام وغير ذلك7. PageV02P1015 # خوارق الشياطين سببها الشرك والظلم # وليس شيء من ذلك من معجزات [الأنبياء] 1، ولا كرامات الصالحين؛ فإن ذلك ~~إنما يفعلونه بسبب شرك وظلم وفاحشة. # وهو لو كان مباحا لم يجز أن يفعل بهذا السبب، فكيف إذا كان في نفسه ظلما ~~محرما، لكونه من الظلم، والفواحش، ونحو ذلك. # وقد يخبرون بأمور غائبة مما رأوه وسمعوه، ويدخلون ms390 في جوف الإنسان2؛ قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم"3. ~~PageV02P1016 # لكن إنما سلطانهم كما قال الله: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} 1. # ولما قال الشيطان: {قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} 2، قال الله تعالى: {إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان} ، ثم قال: {إلا [أي: لكن] 3 من اتبعك من الغاوين وإن جهنم ~~لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} 45. PageV02P1017 # الشياطين لا سلطان لهم على أهل الإخلاص وأسباب اندحارهم # فأهل الإخلاص والإيمان لا سلطان له عليهم1. ولهذا يهربون2 من البيت الذي ~~[تقرأ] 3 فيه سورة البقرة4، [ويهربون من قراءة آية الكرسي5، PageV02P1018 # وآخر1 سورة البقرة] 2، وغير ذلك من قوارع القرآن3. # ومن الجن من يخبر بأمور مستقبلة للكهان، وغير الكهان، مما [يسترقونه] 4 ~~من السمع. # والكهانة كانت ظاهرة [كثيرة] 5 بأرض العرب، فلما ظهر التوحيد هربت ~~الشياطين، وبطلت، أو قلت. # الشياطين تظهر في المواضع التي يخفى فيها أثر التوحيد # ثم إنها تظهر في المواضع التي يخفى فيها أثر التوحيد6. PageV02P1019 # وقد كان حول المدينة بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم كهان يتحاكمون ~~إليهم، وكان أبو بردة بن نيار كاهنا، ثم أسلم بعد ذلك، وهو من أسلم1. # والأصنام لها شياطين كانت تتراءى [للسدنة] 2 [أحيانا، وتكلمهم أحيانا. # قال أبي بن كعب: "مع كل صنم جنية"3. # وقال ابن عباس: "في كل صنم شيطان، تتراءى للسدنة] 4 فتكلمهم"5. ~~PageV02P1020 # والشياطين كما قال الله تقترن بما يجانسها؛ بأهل الكذب والفجور، قال ~~تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع ~~وأكثرهم كاذبون} 1. # فكيف يجوز أن يقال: إن مثل هذا يكون معجزة لنبي، أو كرامة لولي؟!. وهذا ~~يناقض الإيمان ويضاده! والأنبياء والأولياء أعداء هؤلاء، قال تعالى: {إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} 2. # وقال تعالى: {ألم أعهد ms391 إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم ~~تكونوا تعقلون} 3. # وهذا يظهر الفرق بين أخبار الأنبياء عن الغيب ما لا سبيل لمخلوق إلى علمه ~~إلا منه، كما قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى ~~من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} 4. # فقوله: {على غيبه} : هو غيبه الذي اختص به. PageV02P1021 # وأما ما يعلمه بعض المخلوقين: فهو غيب عمن لم يعلمه، وهو شهادة لمن علمه. # فهذا أيضا تخبر منه الأنبياء بما لا يمكن الشياطين أن تخبر به، كما في ~~إخبار المسيح بقوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} 1؛ فإن ~~الجن قد يخبرون بما يأكله بعض الناس، وبما يدخرونه، لكن الشياطين إنما ~~تتسلط على من لا يذكر اسم الله؛ كالذي لا يذكر اسم الله إذا دخل، فيدخلون ~~معه، وإن لم يذكر اسم الله إذا أكل، فإنهم يأكلون معه. # وكذلك إذا ادخر شيئا، ولم يذكر اسم الله عليه، عرفوا به، وقد يسرقون ~~بعضه، كما جرى هذا لكثير من الناس2. # وأما من يذكر اسم الله على [طعامه] 3، وعلى ما يختاره، فلا سلطان لهم ~~عليه، لا يعرفون ذلك، ولا يستطيعون أخذه4. PageV02P1022 # والمسيح عليه السلام كان يخبر المؤمنين بما يأكلون وما يدخرون مما ذكر ~~اسم الله عليه، والشياطين لا تعلم به1. # ولهذا من [تكون] 2 أخباره عن شياطين تخبره، لا يكاشف أهل الإيمان ~~والتوحيد، وأهل القلوب المنورة بنور الله، بل يهرب منهم، ويعترف أنه لا ~~يكاشف هؤلاء وأمثالهم. # خوارق الشياطين لأوليائهم لا تظهر أمام أهل القرآن والإيمان # وتعترف الجن والإنس الذين خوارقهم بمعاونة الجن لهم [أنهم] 3 لا يمكنهم ~~أن يظهروا هذه الخوارق بحضرة أهل الإيمان والقرآن، ويقولون: PageV02P1023 # أحوالنا لا تظهر قدام الشرع والكتاب والسنة، وإنما [تظهر] 1 عند الكفار ~~والفجار2؛ وهذا لأن أولئك أولياء الشياطين، ولهم شياطين يعاونون شياطين ms392 ~~المخدومين3، ويتفقون على ما يفعلونه من الخوارق الشيطانية؛ كدخول النار مع ~~كونها لم [تصر] 4 عليهم بردا وسلاما؛ فإن الخليل لما ألقي في النار، صارت ~~عليه بردا وسلاما. # وكذلك أبو مسلم الخولاني، لما [قال] 5 له الأسود العنسي المتنبي: أتشهد ~~أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. ~~فأمر بنار، فأوقدت له، وألقي فيها، فجاءوا إليه، فوجدوه يصلي فيها، وقد ~~صارت عليه بردا وسلاما. فقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأخذه عمر، فأجلسه بينه وبين أبي بكر، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى ~~أراني في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم6. PageV02P1024 # وأما إخوان الشياطين: فإذا دخلت فيهم الشياطين، فقد يدخلون النار، ولا ~~تحرقهم؛ كما يضرب أحدهم ألف سوط، ولا يحس بذلك؛ فإن الشياطين تلتقي ذلك. # طرق خروج الجن من الإنس # وهذا أمر كثير معروف، قد رأينا من ذلك ما يطول وصفه1. وقد ضربنا نحن من ~~الشياطين في الإنس ما شاء الله، حتى خرجوا من الإنس، ولم يعاودوه2. # وفيهم من يخرج بالذكر والقرآن. # وفيهم من يخرج بالوعظ والتخويف. # وفيهم من لا يخرج إلا بالعقوبة؛ كالإنس3. # الشياطين يخافون الرجل الصالح أعظم مما يخافه فجار الإنس # فهؤلاء الشياطين إذا كانوا مع جنسهم، الذين لا يهابونهم، فعلوا هذه ~~الأمور. وأما إذا كانوا عند أهل [إيمان] 4 وتوحيد، وفي بيوت الله التي ~~PageV02P1025 # يذكر فيها اسمه، لم [يجترئوا] 1 على ذلك، بل يخافون الرجل الصالح أعظم ~~مما [يخافه] 2 فجار الإنس. ولهذا لا يمكنهم عمل سماع المكاء والتصدية في ~~المساجد المعمورة بذكر الله، ولا بين أهل الإيمان والشريعة المتبعين ~~للرسول. إنما يمكنهم ذلك في الأماكن التي [يأتيها] 3 الشياطين؛ كالمساجد ~~المهجورة، والمشاهد، والمقابر، والحمامات، والمواخير. # فالمواضع التي نهى النبي [صلى الله عليه وسلم] 4 عن الصلاة فيها؛ ~~كالمقبرة، وأعطان الإبل، والحمام، وغيرها5، فتكون حال هؤلاء فيها أقوى ~~لأنها؛ مواضع الشياطين؛ [كالمجزرة] 6، والمزبلة، والحمام، ونحو ذلك، بخلاف ~~الأمكنة التي ظهر فيها الإيمان والقرآن والتوحيد، التي ms393 أثنى الله على ~~أهلها، وقال فيهم: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها [مصباح] ~~7 PageV02P1026 # المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري [يوقد] 1 من شجرة مباركة زيتونة ~~لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي ~~الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم في بيوت ~~أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما ~~تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ~~والله يرزق من يشاء بغير حساب} 2 # الأماكن والأزمان التي لا تتسلط فيها الشياطين # فهذه أمكنة النور والصالحين والملائكة، لا تتسلط عليها الشياطين بكل ما ~~تريد، بل كيدهم فيها ضعيف، كما أن كيدهم في شهر رمضان ضعيف3؛ إذ كانوا فيه ~~يسلسلون4، لكن لم يبطل فعلهم بالكلية، بل PageV02P1027 # ضعف، فشرهم فيه على أهل الصوم قليل، بخلاف أهل [الشراب] 1، وأهل الظلمات؛ ~~فإن الشياطين هنالك محالهم، وهم يحبون الظلمة، ويكرهون النور، ولهذا ~~ينتشرون بالليل؛ كما جاء في الحديث الصحيح2، ولهذا أمر الله بالتعوذ من شر ~~غاسق إذا وقب3. # وخوارق الجن؛ كالإخبار ببعض الأمور الغائبة؛ وكالتصرفات الموافقة لأغراض # بعض الإنس: كثيرة، [معروفة في جميع الأمم؛ فقد كانت في PageV02P1028 # العرب كثيرة] 1، وكذلك في الهند، وفي الترك، والفرس، والبربر، وسائر ~~الأمم2، فهي أمور معتادة للجن والإنس. # آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الجن والإنس # خوارق الشياطين علامة على فجور أوليائهم # وآيات الأنبياء - كما تقدم3 - خارجة عن مقدور الإنس والجن؛ فإنهم مبعوثون ~~إلى الإنس والجن، فيمتنع أن تكون آياتهم أمورا معروفة فيمن بعثوا إليه؛ إذ ~~يقال: هذه موجودة كثيرا للإنس، فلا يختص بها الأنبياء. بل هذه الخوارق هي ~~آية وعلامة على فجور صاحبها وكذبه، فهي ضد آيات الأنبياء التي تستلزم صدق ~~صاحبها وعدله. # ولهذا يكون كثير من الذين تخدمهم الشياطين من أهل الشياطين. # وهذا معروف لكثير ممن تخدمه الشياطين. # بل من ms394 طوائف المخدومين من يكونون كلهم من هذا الباب؛ [كالبوي] 4 الذي ~~للترك5. PageV02P1029 # وأكثر [المؤلهين] 1 من هذا الباب، وهم يصعدون بهم في الهواء، ويدخلون ~~المدن والحصون بالليل والأبواب مغلقة، ويدخلون على كثير من رؤساء الناس، و ~~[يظنون] 2 أن هؤلاء صالحون قد طاروا في الهواء، ولا يعرف أن الجن طارت بهم. # الفرق بين الأحوال الشيطانية والآيات النبوية # وهذه الأحوال الشيطانية تبطل، أو تضعف، إذا ذكر الله وتوحيده، وقرئت ~~قوارع القرآن؛ لا سيما آية الكرسي؛ فإنها تبطل عامة هذه الخوارق ~~الشيطانية3. # وأما آيات الأنبياء والأولياء [فتقوى] 4 بذكر الله وتوحيده. # والجن المؤمنون قد يعينون المؤمنين بشيء من الخوارق، كما يعين الإنس ~~المؤمنون للمؤمنين بما يمكنهم من الإعانة. # وما لا يكون إلا مع الإقرار بنبوة الأنبياء، فهو من آياتهم. فوجوده يؤيد ~~آياتهم، لا يناقضها. مع أن آيات الأنبياء التي يدعون أعلى من هذا، وأعلى من ~~كرامات الأولياء؛ فإن تلك هي الآيات الكبرى5. PageV02P1030 # الدعوات المجابة والرؤيا الصادقة لا ينكرها أحد # والذين ذكر عنهم إنكار كرامات الأولياء1 من المعتزلة وغيرهم؛ كأبي إسحاق ~~الاسفرايني، وأبي محمد بن أبي زيد؛ وكما ذكر ذلك أبو محمد بن حزم2، لا ~~ينكرون الدعوات المجابة، ولا ينكرون الرؤيا الصادقة؛ فإن هذا متفق عليه بين ~~المسلمين3؛ وهو أن الله تعالى قد يخص بعض عباده بإجابة دعائه أكثر من بعض، ~~ويخص بعضهم بما يريه من المبشرات. وقد كان سعد بن أبي وقاص معروفا بإجابة ~~الدعاء؛ فإن النبي [صلى الله عليه وسلم] 4 قال: "اللهم سدد رميته، وأجب ~~دعوته"5. وحكاياته في ذلك مشهورة6. PageV02P1031 # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لم يبق بعدي من ~~النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له"1. # وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله ~~لأبره"2؛ ذكر ذلك لما أقسم أنس بن النضر أنه لا [تكسر] 3 ثنية الربيع4، ~~[فاستجاب الله ذلك] 5. # [وأيضا: فإن منهم] 6 البراء بن مالك7؛ أخو أنس بن مالك، وكانوا ms395 ~~PageV02P1032 # إذا اشتد الحرب، يقولون: يا براء أقسم على ربك، فيقسم على ربه، فينصرون1. # والقسم: قيل: هو من جنس الدعاء2، لكن هو طلب مؤكد بالقسم. فالسائل يخضع، ~~ويقول: أعطني. والمقسم يقول: عليك لتعطيني، وهو خاضع سائل. # بعض المتصوفة يدعي لنفسه من الكرامات ما لا يجوز أن يكون للأنبياء # لكن من الناس من يدعي له من الكرامات ما لا يجوز أن يكون للأنبياء3؛ ~~PageV02P1033 # كقول بعضهم: إن لله عبادا، لو شاءوا من الله أن لا يقيم القيامة، لما ~~أقامها1. # وقول بعضهم: إنه يعطي كن، أي شيء أراده، قال له: كن، فيكون. # وقول بعضهم: لا يعزب عن قدرته ممكن، كما لا يعزب عن قدرة ربه محال؛ فإنه ~~لما كثر في الغلاة من يقول بالحلول والاتحاد2 وإلهية بعض البشر، كما [قاله] ~~3 النصارى في المسيح، صاروا يجعلون ما هو من خصائص الربوبية لبعض البشر، ~~وهذا كفر. # وأيضا: فإن كثيرا من الناس لا يكون من أهل الصلاح، و [يكون] 4 له خوارق ~~شيطانية، كما لعباد المشركين وأهل الكتاب، فتتجلى لهم على أنها كرامات. فمن ~~الناس من يكذب بها، ومنهم من يجعل أهلها [من] 5 أولياء PageV02P1034 # الله1، وذلك لأن الطائفتين ظنت أن مثل هذه الخوارق لا يكون إلا لأولياء ~~الله، ولم يميزوا بين الخوارق الشيطانية التي هي جنس ما للسحرة، والكهان، ~~ولعباد المشركين، وأهل الكتاب، وللمتنبئين الكذابين، وبين الكرامات ~~الرحمانية التي يكرم الله بها عباده الصالحين. # فلما لم يميزوا بين هذا وهذا، وكان كثير من الكفار، والفجار، وأهل ~~الضلال، والبدع لهم خوارق شيطانية، صار هؤلاء منهم حزبين؛ حزبا قد شاهدوا ~~ذلك، وأخبرهم به من يعرفون صدقه، فقالوا: هؤلاء أولياء الله، وحزبا رأوا أن ~~أولئك خارجون عن الشريعة، وعن طاعة الله ورسوله، فقالوا: ليس هؤلاء من ~~الأولياء الذين لهم كرامات؛ فكذبوا بوجود ما رآه أولئك، وأولئك قد عاينوا ~~ذلك أو تواتر عندهم؛ فصار تكذيب هؤلاء مثل تكذيب من ينكر السحر، والكهانة، ~~والجن، وصرعهم للإنس2، إذا PageV02P1035 # كذب ذلك عند من رأى ذلك، أو ثبت عنده. # ومن كذب بما تيقن ms396 غيره وجوده، نقصت حرمته عند هذا المتيقن، وكان عنده إما ~~جاهلا، و [إما] 1 معاندا، فربما رد عليه كثيرا من الحق بسبب ذلك. # إنكار المعتزلة للكرامات والسحر والكهانة # ولهذا صار كثير من المنتسبين إلى زهد، أو فقر، أو تصوف، أو وله، أو غير ~~ذلك، لا يقبلون قولهم، ولا يعبأون بخلافهم؛ لأنهم كذبوا بحق قد تيقنه ~~هؤلاء، وأنكروا وجوده، وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه. # وقد يدخلون إنكار ذلك في الشرع، كما أدخلت المعتزلة ونحوهم إنكار كرامات ~~الأولياء2، وإنكار السحر والكهانة في الشرع، بناء على أن ذلك يقدح في آيات ~~الأنبياء3؛ فجمعوا بين التكذيب بهذه الأمور الموجودة، وبين عدم ~~PageV02P1036 # العلم بآيات الأنبياء والفرق بينها وبين غيرها؛ حيث ظنوا أن هذه الخوارق ~~الشيطانية من جنس آيات الأنبياء، وأنها نظير لها، فلو وقعت لم يكن للأنبياء ~~ما يتميزون به. # والذين ردوا على هؤلاء1 من الأشعرية ونحوهم، يشاركونهم في هذا في التسوية ~~بين الجنسين2، وأنه لا فرق. # قول الأشاعرة في الخوارق # لكن هؤلاء لما تيقنوا وجودها، جعلوا الفرق ما ليس بفرق؛ وهو اقترانها ~~بالدعوى، والتحدي بمثلها، وعدم المعارضة3. وهم يقولون: إنا نعلم بالضرورة ~~أن الرب إنما خلقها لتصديق النبي4. # وهذا كلام صحيح، لكنه يستلزم بطلان ما أصلوه؛ من أنه لا يخلق شيئا لشيء5. ~~PageV02P1037 # وأيضا: فاختصاصها بوجود العلم الضروري عندها دون غيرها، لا بد أن يكون ~~لأمر أوجب [التخصيص] 1، وهم يقولون: بل قد تستوي الأمور، ويوجد العلم ~~الضروي ببعضها دون بعض2؛ كما قالوا مثل ذلك في العادات: إنه يجوز إنخراقها ~~كلها بلا سبب على أعظم الوجوه؛ كجعل الجبال يواقيت. لكن يعلم بالضرورة أن ~~هذا لا يقع3. فكذلك قالوا في المعجزات: يجوز أن يخلقها على يد كاذب [ ### | ................... # ] 4 إنما خلقها على يد الصادق بما ادعى من العلم الضروري صحيح5وأما ~~قولهم: إن المعلوم به يماثل غيره. فغلط عظيم، بل هم لم يعرفوا الفرق، ~~بمنزلة العامي الذي أوردت عليه شبهات السوفسطائية6؛ فهو يعلم بالضرورة أنها ~~باطلة، ولكن لا يعرف الفرق بينها وبين الحق. ولكن العامي يقول: فيها فساد ~~لا ms397 أعرفه، لا يقول: دلائل الحق كدلائل الباطل. PageV02P1038 # وهؤلاء ادعوا الاستواء في نفس الأمر، فغلطوا غلطا عظيما1، ولو قالوا: ~~بينهما فرق، لكنه لم يتلخص لنا، لكان قولهم حقا، وكانوا قد ذكروا عدم ~~العلم، لا العلم بالعدم؛ كما يقول ذلك كثير من الناس؛ يقول: ما أعرف الفرق ~~بينهما، وذلك أن العلم الضروري يحصل ببعض الأخبار دون بعض. # وقد قيل: إنا نعلم أنه متواتر بحصول علمنا الضروري به2. # والتحقيق: أنه إذا حصل [لهم] 3 علم ضروري، كان قد حصل الخبر الذي يوجبه ~~لهم، وقد لا يحصل لغيرهم. # والعلم يحصل بعدد المخبرين، وبصفاتهم، وبأمور أخرى تنضم إلى الخبر4. ومن ~~جعل الاعتبار بمجرد العدد فقد غلط5. والأكثرون PageV02P1039 # يقولون: العلم الحاصل به ضروري1. وقيل: إنه نظري2. وهو اختيار الكعبي3، ~~وأبي الحسين4، وأبي الخطاب5. # كل علم نظري فمنتهاه أنه ضروري # والتحقيق: أنه قد يكون ضروريا، وقد يكون نظريا، وقد يجتمع فيه الأمران؛ ~~يكون ضروريا، ثم إذا نظر فيه وجد أنه يوجب العلم. وكذلك العلم الحاصل عقب ~~الآيات قد يكون ضروريا، وقد يكون نظريا، وكل نظري فإن منتهاه أنه ضروري6. # ولهذا قال أبو المعالي: المرتضى عندنا أن جميع العلوم ضرورية7؛ أي بعد ~~حصول أسبابها، ولا بد من فرق في نفس الأمر بين ما يوجب العلم، وما لا ~~يوجبه. # أصل خطأ المعتزلة والأشاعرة في الخوارق # وأصل خطأ الطائفتين: أنهم لم يعرفوا آيات الأنبياء، وما خصهم الله به، ~~ولم يقدروا قدر النبوة، ولم يقدروا آيات الأنبياء قدرها، بل جعلوا هذه ~~الخوارق الشيطانية من جنسها؛ فإما أن يكذبوا بوجودها، وإما أن يسووا ~~بينهما، ويدعوا فرقا لا حقيقة له. PageV02P1040 # ولهذا يوجد كثير ممن يكذب [بهذه] 1 الخوارق الشيطانية أن [تكون] 2 لبعض ~~الأشخاص لما يراه من نقص دينه وعلمه، فإذا عاينها بعد ذلك أو ثبت عنده، خضع ~~لذلك الشخص الذي كان عنده: إما كافرا، وإما ضالا، وإما مبتدعا جاهلا، وذلك ~~لأنه أنكر وجودها [معتقدا أنها لا توجد إلا للصالحين، فلما تيقن وجودها] 3، ~~جعلها دليلا على الصلاح. وهو غالط في الأصل، بل هذه ms398 من الشياطين؛ من جنس ما ~~للسحرة والكهان، ومن جنس ما للكفار من المشركين وأهل الكتاب؛ فإن لمشركي ~~الهند والترك وغيرهم، ولعباد النصارى من هذه الخوارق الشيطانية أمورا كثيرة ~~يطول وصفها أكثر وأعظم [من أكثر] 4 مما يوجد منها لأهل الضلال والبدع من ~~المسلمين، وما يوجد منها للمنافقين5؛ فإن الشياطين لا تتمكن من إغواء ~~المسلمين، وإن كان فيهم جهل وظلم، كما [تتمكن] 6 من اغواء المشركين وأهل ~~الكتاب7. PageV02P1041 # ولهذا ثنى في القرآن قصة موسى مع السحرة، وذكر ما يقوله الكفار ~~لأنبيائهم؛ فإنه ما جاء نبي صادق قط، إلا قيل فيه: إنه ساحر أو مجنون؛ كما ~~قال تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ~~أتواصوا به بل هم قوم طاغون} 1، وذلك أن الرسول يأتي بما يخالف عاداتهم، ~~ويفعل ما يرونه غير نافع، ويترك ما يرونه نافعا. وهذا فعل المجنون؛ فإن ~~المجنون فاسد العلم والقصد. ومن كان مبلغه من العلم إرادة الحياة الدنيا، ~~كان عنده من ترك ذلك، وطلب ما لا يعلمه: مجنونا. ثم النبي مع هذا يأتي ~~بأمور خارجة عن قدرة الناس؛ من إعلام بالغيوب، وأمور خارقة لعاداتهم؛ ~~فيقولون: هو ساحر. # الفرق بين النبي والساحر عند الفلاسفة # وهذا موجود في المنافقين الملحدين المتظاهرين بالإسلام؛ من الفلاسفة ~~ونحوهم؛ يقولون: إن ما أخبرت به الأنبياء من الغيوب، والجنة، والنار، هو من ~~جنس قول المجانين2، وعندهم خوارقهم من جنس PageV02P1042 # خوارق السحرة، والممرورين1 المجانين؛ كما ذكر ابن سينا2، وغيره3. لكن ~~الفرق بينهما: أن النبي حسن القصد، بخلاف الساحر، وأنه يعلم ما يقول، بخلاف ~~المجنون4. # لكن معجزات [الأنبياء] 5 عندهم قوى نفسانية، ليس مع هذا ولا هذا شيء خارج ~~عن قوة النفس6. # والقاضيان؛ أبو بكر، وأبو يعلى، ومن وافقهما: متوقفون في وجود المخدوم ~~الذي تخدمه الجن7؛ قالوا: لا يقطع بوجوده. # معنى الكاهن # وكذلك الكاهن: ذكروا فيه القولين؛ قول من يقول: إنه المتخرص؛ ~~PageV02P1043 # وقول من يقول: إنه مخدوم. وهم متوقفون [فيه، لا] 1 يقطعون [بوجود] 2 ~~مخدوم كاهن3، كما يقطعون [بوجود] ms399 4 الساحر؛ [لأنه] 5 في زمانهم وجد الساحر. # والقرآن أخبرنا بالسحر في سورة البقرة6، بخلاف الكاهن؛ فإن القرآن ذكر ~~اسمه، ولو تدبروا لعلموا أن الكاهن هو المذكور في قوله: {هل أنبئكم على من ~~تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} 78. # وفي الصحيح: عن النبي [صلى الله عليه وسلم] 9 أنه قيل له: "إن منا قوما ~~يأتون الكهان. قال: فلا يأتوهم"10. PageV02P1044 # وسئل عن الكهان، وما يخبرون به؟ فأخبر أن الجن [تسترق] 1 السمع، و ~~[تخبرهم] 2 به3. # فالكتاب والسنة أثبتا وجود الكاهن. # وأحمد قد نص على أنه يقتل كالساحر4. # لكن الكاهن إنما عنده أخبار، والساحر عنده تصرف؛ بقتل، وإمراض، وغير ~~ذلك5. وهذا تطلبه النفوس أكثر. # وابن صياد6 كان كاهنا، ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " قد خبأت ~~لك خبيا. فقال: الدخ. فقال: اخسأ، فلن تعدو قدرك" 7، إنما أنت من إخوان ~~الكهان. PageV02P1045 # ولما قضى في الجنين بغرة، قال [حمل بن] 1 مالك2: [أيودى] 3 من لا شرب ولا ~~أكل، ولا نطق ولا استهل، قتل ذلك يطل4. فقال: " إنما أنت من أخوان الكهان"؛ ~~من أجل [سجعه الذي سجع5. # فكانوا يسجعون أساجيع6] 7. # وقد رأيت من هؤلاء شيوخا [يسجعون أساجيع كأساجيع] 8 الكهان، ويكون كثير ~~منها صدقا. PageV02P1046 # ولهذا جمع الله بين الكاهن والشاعر، في قوله: {وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين} 1. # وكذلك في الشعراء: ذكر الكاهن والشاعر بعد قوله: {وإنه لتنزيل رب ~~العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} ~~2، إلى قوله: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون ~~السمع وأكثرهم كاذبون} 3 والرسول في آية الحاقة محمد. # وقال أيضا: {إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ~~وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بظنين وما هو ~~بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين} 4. # فلما ms400 أخبر به أنه قول رسول؛ هو ملك من الملائكة، نفى أن يكون قول شيطان. ~~ولما أخبر هناك أنه قول رسول من البشر، نفى أن يكون قول شاعر، أو كاهن. ~~فهذا تنزيه للقرآن نفسه. # ونزه الرسول أن يكون على الغيب بظنين: أي متهم، وأن يكون بمجنون؛ ~~فالجنون: فساد في العلم، والتهمة: فساد في القصد. كما قالوا: ساحر، أو ~~مجنون. وقال في الطور: {فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر ~~نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين} 5. PageV02P1047 # معنى الكاهن عند العرب # وقد أخبر عن الأنبياء قبله: أنه {ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون} 1، ولم يقولوا: كاهن؛ لأن الكاهن عند العرب: هو الذي ~~يتكلم بكلام مسجوع، وله قرين من الجن2. # وهذا الاسم ليس بذم عند أهل الكتاب، بل يسمون أكثر العلماء بهذا الاسم، ~~ويسمون هارون [عليه السلام] 3 وأولاده الذين عندهم التوراة بهذا [الاسم4] ~~5. # والقدر المشترك: العلم [بالأمور] 6 الغائبة والحكم بها. # اسم الكاهن ليس بذم عند أهل الكتاب # فعلماء أهل الكتاب يخبرون بالغيب، ويحكمون به عن الوحي الذي أوحاه الله. ~~وكهان العرب كانت تفعل ذلك عن وحي الشياطين، وتمتاز بأنها [تسجع] 7 الكلام. ~~PageV02P1048 # بخلاف اسم الساحر؛ فإنه اسم معروف في جميع الأمم. وقد يدخل في ذلك عندهم ~~المخدوم الذي تخبره الشياطين ببعض الأمور الغائبة. # ولكون الساحر يأتي بالخوارق شبهوا النبي [به] 1، وقالوا: ساحر. فدل ذلك ~~على قدر مشترك. # من الفروق بين النبي والساحر # لكن الفرقان بينهما أعظم، كالفرق بين الملائكة والشياطين، وأهل الجنة ~~وأهل [النار] 2، وخيار الناس وشرارهم. وهذا أعظم الفروق بين الحق والباطل3. # والكفار قالوا عن الأنبياء: إنهم مجانين وسحرة4. # [فكما] 5 يعلم بضرورة العقل من وجود أعظم الفرق بينهم وبين المجانين، ~~وأنهم أعقل الناس وأبعدهم عن الجنون، فكذلك يعلم بضرورة العقل أعظم الفرق ~~بينهم وبين السحرة، وأنهم أفضل الناس وأبعدهم عن السحر. # فالساحر يفسد الإدراك، حتى يسمع الإنسان الشيء، ويراه، ويتصور خلاف ما هو ~~عليه6. PageV02P1049 # والأنبياء يصححون سمع ms401 الإنسان، وبصره، وعقله. والذين خالفوهم صم بكم عمي ~~فهم لا يعقلون. # فالسحرة يزيدون الناس عمى، وصمما، وبكما. # صفة النبي عليه الصلاة والسلام في التوراة # والأنبياء يرفعون [عماهم] 1، وصممهم، وبكمهم؛ كما في الصحيح عن عطاء بن ~~يسار2 أنه سأل عبد الله بن عمرو3. وروى عبد الله بن سلام4 أنه قيل له: ~~أخبرنا ببعض صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، فقال: إنه ~~لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: " {يا أيها النبي إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا} 5، وحرزا للأميين. أنت عبدي سميتك المتوكل. ~~PageV02P1050 # لست بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق، ولا [تجزي] 1 بالسيئة السيئة، ~~ولكن [تجزي] 2 بالسيئة الحسنة، [وتعفو وتغفر] 3. ولن أقبضه حتى أقيم به ~~الملة العوجاء؛ فأفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا؛ بأن يقولوا: ~~لا إله إلا الله 4. # وهذا مذكور عند أهل الكتاب في نبوة أشعيا5. PageV02P1051 # المراد بالتوراة # ولفظ التوراة: قد يراد به جميع الكتب التي نزلت قبل الإنجيل؛ فيقال: ~~التوراة، والإنجيل. ويراد بالتوراة: الكتاب الذي جاء به موسى وما بعده من ~~نبوة الأنبياء المتبعين لكتاب موسى، قد يسمى هذا كله توراة؛ فإن التوراة ~~تفسر الشريعة؛ فكل من دان بشريعة التوراة: قيل لنبوته: إنها من التوراة. # وكثير مما يعزوه كعب الأحبار1 ونحوه إلى التوراة، هو من هذا الباب، لا ~~يختص ذلك بالكتاب المنزل على موسى؛ كلفظ الشريعة عند المسلمين: يتناول ~~القرآن، والأحاديث النبوية، وما استخرج من ذلك؛ كما قد بسط هذا في موضع ~~آخر2. # والمقصود هنا: أن الأنبياء يفتحون الأعين العمي، والآذان الصم، والقلوب ~~الغلف. والسحرة يفسدون السمع والبصر والعقل، حتى يخيل للإنسان الأشياء ~~بخلاف ما هي عليه، فيتغير حسه وعقله. قال في قصة PageV02P1052 # موسى: {سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم} 1. وهذا يقتضي أن ~~أعين الناس قد حصل فيها تغير. ولهذا قال تعالى: {ولو فتحنا عليهم بابا من ~~السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} 2، ~~فقد علموا أن السحر يغير الإحساس، كما يوجب المرض والقتل. وهذا كله من ms402 جنس ~~مقدور الإنس؛ فإن الإنسان يقدر [أن] 3 يفعل [في] 4 غيره ما يفسد إدراكه، ~~وما يمرضه ويقتله. فهذا مع كونه ظلما وشرا، هو من جنس مقدور البشر. # الجني يري قرينه نظير الشيء ليس عينه # والجني إذا أراد أن يري قرينه أمورا غائبة سئل عنها، مثلها له. فإذا سئل ~~عن المسروق، أراه شكل ذلك المال. وإذا سئل عن شخص، أراه صورته. ونحو ذلك5. ~~وقد يظن الرائي أنه رأى عينه، وإنما رأى نظيره. # تمثل الجني بصورة الإنسي # وقد يتمثل الجني في صورة الإنسي، حتى يظن الظان أنه الإنسي. وهذا كثير؛ ~~كما تصور لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم6، PageV02P1053 # وكان من أشراف بني كنانة؛ قال تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال ~~لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} 1 الآية. فلما عاين الملائكة ولى ~~هاربا، ولما رجعوا ذكروا ذلك لسراقة، فقال: والله ما علمت بحربكم، حتى ~~بلغتني هزيمتكم2. # وهذا واقع كثيرا، حتى إنه يتصور لمن يعظم شخصا في صورته، فإذا استغاث به، ~~أتاه، فيظن ذلك الشخص أنه شيخه الميت. وقد يقول له: إنه بعض الأنبياء، أو ~~بعض الصحابة الأموات، ويكون هو الشيطان3. PageV02P1054 # وكثيرا من الناس أهل العبادة والزهد من يأتيه في اليقظة، من يقول: إنه ~~رسول الله، ويظن ذلك حقا1. ومن يرى إذا زار بعض قبور الأنبياء أو الصالحين ~~أن صاحب القبر قد خرج إليه، فيظن أنه صاحب القبر ذلك النبي، أو الرجل ~~الصالح، وإنما هو شيطان أتى في صورته إن كان يعرفها، وإلا أتى في صورة ~~إنسان، وقال: إنه ذلك الميت2. PageV02P1055 # تمثل الشيطان بالخضر # وكذلك يأتي كثيرا من الناس في مواضع، ويقول: إنه الخضر1، فاعتقد أنه ~~الخضر، وإنما كان جنيا من الجن2. PageV02P1056 # لم يقل أحد من الصحابة إنه رأى الخضر # ولهذا لم يجترىء الشيطان على أن يقول لأحد من الصحابة: إنه الخضر، ولا ~~قال أحد من الصحابة: إني رأيت الخضر1. وإنما وقع هذا بعد الصحابة. ~~PageV02P1057 # وكلما تأخر الأمر كثر، حتى إنه يأتي اليهود والنصارى، ويقول: إنه ms403 الخضر1. # ولليهود كنيسة معروفة بكنيسة الخضر2. # وكثير من كنائس النصارى يقصدها هذا الخضر. # والخضر الذي يأتي هذا الشخص غير الخضر الذي يأتي هذا. # ولهذا يقول من يقول منهم3: لكل ولي خضر. وإنما هو جني معه4. # والذين يدعون الكواكب5، تتنزل عليهم أشخاص يسمونها روحانية الكواكب6، وهو ~~شيطان نزل عليه لما أشرك، ليغويه. PageV02P1058 # كما تدخل الشياطين في الأصنام، وتكلم أحيانا لبعض الناس، وتتراءى للسدنة ~~أحيانا، ولغيرهم أيضا1. # وقد يستغيث المشرك [بشيخ] 2 له غائب، فيحكي الجني صوته لذلك الشيخ، حتى ~~يظن أنه سمع صوت ذلك المريد مع بعد المسافة بينهما. ثم إن الشيخ يجيبه، ~~فيحكي الجني صوت الشيخ للمريد، حتى يظن أن شيخه سمع صوته وأجابه. وإلا فصوت ~~الإنسان يمتنع أن يبلغ مسيرة يوم، ويومين، وأكثر3. # وقد يحصل للمريد من يؤذيه، فيدفعه الجني، ويخيل للمريد أن الشيخ هو ~~دفعه4. # وقد يضرب الرجل بحجر، فيدفعه عنه الجني، ثم يصيب الشيخ بمثل ذلك، حتى ~~يقول: إني اتقيت عنك الضرب، وهذا أثره في5. # وقد يكونون يأكلون طعاما، فيصور نظيره للشيخ، ويجعل يده فيه، ويجعل ~~الشيطان يده في طعام أولئك، حتى يتوهم الشيخ وهم أن يد الشيخ امتدت من ~~الشام إلى مصر، وصارت في ذلك الإناء6. # مناداة عمر: يا سارية الجبل الجبل # وعمر بن الخطاب لما نادى: يا سارية 7 الجبل، قال: إن لله جندا ~~PageV02P1059 # يبلغونهم صوتي1. فعلم أن صوته إنما يبلغ بما ييسره الله من تبليغ بعض ~~PageV02P1060 # الملائكة، أو صالحي الجن، فيهتفون بمثل صوته؛ كالذي ينادي ابنه، أو غير ~~ابنه، وهو بعيد، لايسمع: يا فلان، فيسمعه من يريد إبلاغه، فينادي: يا فلان، ~~فيسمع ذلك الصوت، وهو المقصود بصوت [أبيه] 1. وإلا فصوت البشر ليس في قوته ~~أن يبلغ مسافة أيام. # وقد قلنا: إن [آيات] 2 الأنبياء التي اختصوا بها خارجة عن قدرة الجن ~~والإنس، قال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} 3. # وأما إذا كانت مما تقدر عليه الملائكة، فهذا مما يؤيدها؛ فإن ms404 الملائكة لا ~~يطيعون من يكذب على الله، ولا يؤيدونه بالخوارق. فإذا أيد به؛ كما أيد ~~PageV02P1061 # الله به نبيه والمؤمنين يوم بدر، ويوم حنين، كان هذا من أعلام صدقه، وأنه ~~صادق على الله في دعوى النبوة؛ فإنها لا تؤيد الكذب، لكن الشياطين تؤيد ~~الكذاب، والملائكة تؤيد الصدق. # التأييد من الملائكة بحسب الإيمان # والتأييد بحسب الإيمان1، فمن كان أقوى من غيره، كان جنده من الملائكة ~~أقوى، وإن كان إيمانه ضعيفا كانت ملائكته بحسب ذلك؛ كملك الإنسان وشيطانه؛ ~~فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما منكم من ~~أحد إلا وكل به قرينه من الملائكة، وقرينه من الجن. قالوا: وبك يا رسول ~~الله. قال: وبي، لكن الله أعانني عليه فأسلم"2. وفي حديث آخر: "فلا يأمرني ~~إلا بخير"3. # وهو في صحيح مسلم من وجهين4؛ من حديث ابن مسعود؛ ومن حديث عائشة. # وقال ابن مسعود: "إن للقلب لمة5 من الملك، ولمة من الشيطان. PageV02P1062 # فلمة الملك: [إيعاد] 1 بالخير، وتصديق بالحق. ولمة الشيطان: إيعاد بالشر، ~~وتكذيب بالحق"2. # فإذا كانت حسنات الإنسان أقوى، أيد بالملائكة تأييدا يقهر به الشيطان، ~~وإن كانت سيئاته أقوى، كان جند الشيطان معه أقوى. وقد يلتقي شيطان المؤمن ~~بشيطان الكافر؛ فشيطان المؤمن مهزول ضعيف، وشيطان الكافر سمين قوي3. # الإنسان بفجوره يؤيد شيطانه على ملكه وبصلاحه يؤيده ملكه على شيطانه # فكما أن الإنسان بفجوره يؤيد شيطانه على ملكه، وبصلاحه يؤيد ملكه على ~~شيطانه، فكذلك الشخصان يغلب أحدهما الآخر؛ لأن الآخر لم يؤيد ملكه، فلم ~~يؤيده، أو [ضعف] 4 عنه؛ لأنه ليس معه إيمان [يعينه] 5؛ كالرجل الصالح إذا ~~كان ابنه فاجرا، لم يمكنه الدفع عنه لفجوره. وبسط هذه الأمور له موضع آخر6. ~~PageV02P1063 # والمقصود هنا: الكلام على الفرق بين آيات الأنبياء وغيرهم، وأن من قال1: ~~إن آيات الأنبياء، والسحر، و [الكهانة] 2، والكرامات، وغير ذلك من جنس ~~واحد، فقد غلط أيضا. # المتكلمون لم يعرفوا قدر آيات الأنبياء # والطائفتان3 لم يعرفوا قدر آيات الأنبياء، بل جعلوها من هذا الجنس؛ ~~فهؤلاء4 نفوه، وهؤلاء5 ms405 أثبتوه وذكروا فرقا لا حقيقة له. # وإذا قال القائل: آيات الأنبياء لا يقدر عليها [إلا الله، أو أن الله ~~يخترعها ويبتدئها بقدرته، أو أنها من فعل الفاعل المختار، ونحو ذلك6. # الرد على الأشاعرة # قيل له: هذا كلام مجمل. فقد يقال عن كل ما يكون آية: لا يقدر عليه إلا ~~الله] 7؛ فإن الله خالق كل شيء، وغيره لا يستقل بإحداث شيء. وعلى هذا: فلا ~~فرق بين المعجزات وغيرها. # وقد يقال: لا يقدر عليها إلا الله: أي هي خارجة عن مقدورات PageV02P1064 # العباد؛ فإن مقدوراته على قسمين: منها ما يفعله بواسطة قدرة العباد؛ ~~كأفعال العباد، وما يصنعونه؛ ومنها ما يفعله بدون ذلك؛ كإنزال المطر1. # فإن أراد هذا القائل: أنها خارجة عن مقدور الإنس؛ بمعنى: أنه لا يقع ~~منهم؛ لا بإعانة الجن، ولا بغير ذلك. فهذا كلام صحيح. # و [إن أراد أنه] 2 خارج عن مقدورهم فقط، وإن كان مقدورا للجن: فهذا ليس ~~بصحيح؛ فإن الرسل أرسلوا إلى الإنس والجن. والسحر والكهانة وغير ذلك تقدر ~~الجن على إيصالها إلى الإنس، وهي مناقضة لآيات الأنبياء؛ كما قال تعالى: ~~{هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم} 3. # وإن أراد أنها خارجة عن مقدور الملائكة والإنس والجن، أو أن الله يفعلها ~~بلا سبب: فهذا أيضا باطل. فمن أين له أن الله يخلقها بلا سبب؟ ومن أين له ~~أنه لا يخلقها بواسطة الملائكة الذين هم رسله في عامة ما يخلقه؟ فمن أين له ~~أن جبريل لم ينفخ في مريم حتى حملت بالمسيح؟ وقد أخبر الله بذلك. # وهو وأمه مما جعلهما آية للعالمين، قال تعالى: {وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} 4. # وخلق المسيح بلا أب من أعظم الآيات، وكان بواسطة نفخ جبريل، PageV02P1065 # قال تعالى: {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك [ليهب] 1 لك غلاما زكيا ~~قالت أنى يكون لي [غلام] 2 ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا} ms406 3. # وقال تعالى: {ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} 4. # وكذلك طمس أبصار قوم لوط كان بواسطة الملائكة. # والذي عنده علم من الكتاب، لما قال [عفريت5 من الجن] 6 لسليمان: {أنا ~~آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من ~~الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} 7؛ أتته به الملائكة؛ كذلك ذكره ~~المفسرون عن ابن عباس وغيره: أن الملائكة أتته به أسرع مما كان يأتي به ~~العفريت8. PageV02P1066 # وقد أخبر الله تعالى أنه أيد محمدا صلى الله عليه وسلم بالملائكة ~~وبالريح، وقال تعالى: {فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما ~~تعملون بصيرا} 1. # وقال تعالى يوم حنين: { [ثم أنزل] 2 الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وأنزل جنودا لم تروها} 3. # وقال تعالى يوم الغار: {فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها} 4. # وقال تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ~~سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} 5. # وقد ثبت في الصحيح: أن الإنسان يصوره ملك في الرحم بإذن الله، ويقول ~~الملك: "أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة"6، فإذا كان الخلق المعتاد ~~يكون بتوسط الملائكة. PageV02P1067 # [وقال] 1 يقرر التوحيد بقوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} 2 ~~الآيات. # ثم النبوة، بقوله: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا [فأتوا] 3 ~~[بسورة] 4} 5. # [ثم المعاد] 6. # وكذلك الأنعام، يقرر التوحيد، ثم النبوة في وسطها، ثم يختمها بأصول ~~الشرائع والتوحيد أيضا، وهو ملة إبراهيم. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع7. # والمقصود: أنه قد بين انفراده بالخلق، والنفع، والضر، والإتيان بالآيات، ~~وغير ذلك، وأن ذلك لا يقدر عليه غيره. قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} ~~8. PageV02P1068 # وقال تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن ~~له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو ms407 خالق ~~كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما ~~أنأ عليكم بحفيظ وكذلك [نصرف] 1 الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون ~~اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ولو شاء الله ما ~~أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ولا تسبوا الذين يدعون ~~من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ~~ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون} 2. # ففي هذه الآيات تقرير التوحيد، حتى في إنزال الآيات، قال: {إنما الآيات ~~عند الله} . # وكذلك قوله في العنكبوت: {وقالوا لولا أنزل عليه آية 3 من ربه قل إنما ~~الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ~~يتلى عليهم إن في ذلك [لرحمة] 4 وذكرى لقوم PageV02P1069 # يؤمنون قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السموات والأرض والذين ~~آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} 1. # وقال أيضا: {وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ~~ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} 2، هذا بعد قوله: {فإن استطعت أن تبتغي ~~نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على ~~الهدى فلا تكونن من الجاهلين} 3. # [و] 4 هو أرسله بآيات بان بها الحق، وقامت بها الحجة، وكانوا يطلبون آيات ~~تعنتا، فيظن من يظن أنهم يهتدون بها، [لكن لا] 5 يحصل بها المقصود، وقد ~~[تكون] 6 [موجبة] 7 لعذاب الاستئصال، فتكون ضررا بلا نفع. وبين سبحانه أنه ~~قادر على إنزال الآيات، وأنها ليست إلا عنده. # لكن آيات الأنبياء لا تكون مما يقدر ms408 عليه العبد، كما قال: {قل إنما ~~الآيات عند الله} 8. # والملائكة إنما هي سبب من الأسباب؛ كما في خلق المسيح [من غير ~~PageV02P1070 # أب، فجبريل إنما كان مقدوره النفخ فيها، وهذا لا يوجب الخلق، [بل] 1 هو ~~بمنزلة الإنزال في حق غير المسيح. # وكذلك المسيح] 2 لما خلق من الطين كهيئة الطير: إنما مقدوره تصوير الطين، ~~[وأما] 3 حصول الحياة فيه: فبإذن الله؛ فإن الله يحيي ويميت، وهذا من ~~خصائصه. # ولهذا قال الخليل: {ربي الذي يحيي ويميت} 4. # وفي القرآن، في غير مواضع: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} 5، ~~[ {وكنتم أمواتا فأحياكم} 6] 7، {ويحيي الأرض بعد موتها} 8، [ {والله يحيي ~~ويميت} 9] 10. PageV02P1071 # وما يتولد عن أفعال الملائكة وغيرهم ليسوا مستقلين به، بل لهم فيه شركة؛ ~~كطمس أبصار اللوطية، وقلب مدينتهم. # وكذلك النصر: إنما] يقدرون] 1 على القتال كالإنس. والنصر هو من عند الله؛ ~~كما قال تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا ~~من عند الله} 2. # [والقرآن إنما يقدرون على النزول به، لا على إحداثه ابتداء، فهم3 يقدرون ~~على الإتيان بمثله من عند الله] 4. # وأما الجن والإنس فلا يقدرون على الإتيان بمثله؛ لأن الله لا يكلم بمثله ~~الجن والإنس ابتداء. # ولهذا قال: {لا يأتون بمثله} 5، وقال تعالى: {فأتوا بسورة من مثله} 6، ~~وقال: {فأتوا بعشر سور مثله} 7، وقال: {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا ~~صادقين} 8، لم يكلفهم نفس الإحداث، بل طالبهم بالإتيان بمثله؛ إما إحداثا، ~~وإما تبليغا عن الله، أو عن مخلوق، ليظهر عجزهم عن جميع الجهات9؛ فقد يقال: ~~فنفس أفعال العباد ليست من الآيات؛ إذ PageV02P1072 # كانت مقدورة ومفعولة للعبد، وإن كان ذلك بإقدار الله تعالى، ولا نفس ~~القدرة على ذلك الفعل؛ فإن المقصود من القدرة هو الفعل. # آيات الأنبياء لا يتوصل إليها بسبب # بل الآيات خارجة عن مقدور جميع العباد؛ الملائكة، والجن، والإنس، وهي ~~أيضا لا تنال بالاكتساب؛ فإن الإنس والجن قد يقدرون بأسباب مباينة لهم على ~~أمور، كما يقدرون على قتل من يقتلونه وإمراضه، ونحو ذلك. # وآيات الأنبياء لا يقدر ms409 أحد أن يتوصل إليها بسبب. # والسحر والكهانة مما يمكن التوصل إليه بسبب؛ كالذي يأتي بأقوال وأفعال ~~تحدثه بها الجن1. # فالنبوة لا تنال بكسب العبيد، ولا آياتها تحصل بكسب العباد2، وهذا ~~PageV02P1073 # من الفروق بين آيات الأنبياء، وبين السحر والكهانة. # من الفروق بين آيات الأنبياء وبين خوارق السحرة والكهان # وبينهما فروق كثيرة، أكثر من عشرة1. # أحدها: أن ما تخبر به الأنبياء، لا يكون إلاصدقا. وأما ما يخبر به من ~~خالفهم؛ من السحرة، [والكهان] 2، وعباد المشركين، وأهل الكتاب، وأهل البدع ~~والفجور من المسلمين؛ فإ نه لابد فيه من الكذب. # [الثاني: أن الأنبياء لا تأمر إلا بالعدل، ولا تفعل إلا العدل] 3. ~~PageV02P1074 # وهؤلاء المخالفون لهم لا بد لهم من الظلم؛ فإن ما خالف العدل لا يكون إلا ~~ظلما؛ فيدخلون في العدوان على الخلق، وفعل الفواحش، والشرك، والقول [على] 1 ~~الله بلا علم؛ وهي المحرمات التي حرمها الله مطلقا؛ كما قال تعالى: {قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لاتعلمون} 2. # الثالث: أن ما يأتي به من يخالفهم: معتاد لغير الأنبياء؛ كما هو معتاد ~~للسحرة، والكهان، وعباد المشركين، وأهل الكتاب، وأهل البدع والفجور. # وآيات الأنبياء هي معتادة أنها تدل: علىخبر الله وأمره، على علمه وحكمه؛ ~~فتدل على أنهم أنبياء، وعلى صدق من أخبر بنبوتهم؛ سواء كانوا هم المخبرين، ~~أوغيرهم. # وكرامات الأولياء هي من هذا؛ فإنهم يخبرون بنبوة الأنبياء. # وكذلك أشراط الساعة: هي أيضا تدل على صدق الأنبياء؛ إذ كانوا قد أخبروا ~~بها. # فالذي جعله أولئك3 من كرامات الأولياء، وأشراط الساعة ناقضا لآيات ~~الأنبياء، إذ هو من جنسها، ولا يدل عليها. # فأولئك4 كذبوا بالموجود، وهؤلاء5 سووا بين الآيات وغيرها، فلم [يكن] 6 في ~~الحقيقة عندهم آية، وكانت الآيات عند أولئك منتقضة. PageV02P1075 # وأولئك1 نصروا جهلهم بالتكذيب بالحق، وهؤلاء2 نصروا جهلهم أيضا بقول ~~الباطل، فقالوا: إن الآية هي المقرونة بالدعوى التي لا تعارض3، وزعموا أنه ~~لا يمكن معارضة السحر والكهانة ms410 إذا جعل آية، وأنه إذا لم يعارض، كان آية4، ~~وهو تكذيب بالحق أيضا؛ فإنه قد ادعاه غير نبي، ولم يعارض5. # فالطائفتان6 أدخلت في الآيات ما ليس منها، وأخرجت منها ما هو منها؛ ~~فكرامات الأولياء، وأشراط الساعة من آيات الأنبياء، وأخرجوها. والسحر ~~والكهانة ليس من آياتهم، وأدخلوها، أو سووا بينها وبين الآيات، بل ~~[ونوابها] 7. # الرابع: إن آيات الأنبياء والنبوة، لو قدر أنها تنال بالاكتساب، فهي إنما ~~تنال بعبادة الله وطاعته؛ فإنه لا يقول عاقل: إن أحدا يصير نبيا بالكذب ~~PageV02P1076 # والظلم، بل بالصدق والعدل؛ سواء قال: إن النبوة جزاء على العمل1، أو قال: ~~إنه إذا زكى نفسه، [فاض] 2 عليه ما يفيض على الأنبياء3. فعلى القولين: هي ~~مستلزمة لالتزام الصدق والعدل. # وحينئذ: فيمتنع أن صاحبها يكذب على الله؛ فإن ذلك يفسدها بخلاف من خالف ~~الأنبياء؛ من السحرة، والكهان، وعباد المشركين، وأهل البدع والفجور؛ من أهل ~~الملل؛ أهل الكتاب، والمسلمين؛ فإن هؤلاء [تحصل] 4 لهم الخوارق، مع الكذب ~~والإثم. بل خوارقهم مع ذلك أشد؛ لأنهم يخالفون الأنبياء. وما ناقض الصدق ~~والعدل، لم يكن إلا كذبا وظلما. # فكل من خالف طريق الأنبياء، لا بد له من الكذب والظلم؛ إما عمدا، وإما ~~جهلا. PageV02P1077 # وقوله تعالى: {تنزل على كل أفاك أثيم} 1: ليس من شرطه أن يتعمد الكذب، بل ~~من كان جاهلا يتكلم بلا علم، فيكذب؛ فإن الشياطين تنزل عليه أيضا؛ إذ من ~~أخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه، من غير اجتهاد يعذر به، فهو كذاب. # ولهذا يصف الله المشركين بالكذب، وكثير منهم لا يتعمد ذلك. # وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أفتى أبو السنابل2: بأن المتوفى ~~عنها الحامل، لا [تحل] 3 بوضع الحمل، بل تعتد أبعد الأجلين. فقال: كذب أبو ~~السنابل4؛ [أي في قوله] 5: بأن المتوفى عنها الحامل لا [تحل] 6 بوضع الحمل، ~~بل تعتد أبعد الأجلين. # وكذلك لما قال بعضهم: ابن الأكوع حبط عمله. قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: كذب من قالها، إنه لجاهد مجاهد7 # ونظائره كثيرة. # فالأنبياء لا يقع في ms411 إخبارهم عن الله كذب؛ لا عمدا، ولا خطأ. # وكل من خالفهم لابد أن يقع في خبره عن الله كذب ضرورة؛ فإن خبره إذا لم ~~يكن مطابقا لخبرهم، كان مخالفا له، فيكون كذبا. PageV02P1078 # فالذي تنزل عليه الشياطين إذا ظن واعتقد أنهم جاؤوا من عند الله، وأخبر ~~بذلك، كان كاذبا. وكذلك إذا قال عما أوحوه إليه: إن الله أوحاه إليه، كان ~~كاذبا؛ قال تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} 1. # ولما شاع خبر المختار بن أبي عبيد2، وهو أول من ظهر في الإسلام بالكذب في ~~هذا، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يكون في ثقيف ~~كذاب ومبير" 3، فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد، وكان PageV02P1079 # يتشيع لعلي. [ولهذا يوجد الكذب في الشيعة أكثر مما يوجد فى جميع الطوئف، ~~والمبير: هو الحجاج بن يوسف1، وكان ظالما معتديا، وكان يتشيع] 2 لعثمان، ~~والمختار يتشيع لعلي، فذكر لابن عمر، وابن عباس أمر المختار، وقيل لأحدهما: ~~إنه يزعم أنه يوحى إليه، فقال: صدق، PageV02P1080 # {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} 1، وقيل للآخر: إنه يزعم أنه ينزل ~~عليه، فقال: صدق، {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم} ~~2. # الخامس: أن ما تأتي به السحرة، والكهان، والمشركون، وأهل البدع؛ من أهل ~~الملل، لا يخرج عن كونه مقدورا للإنس والجن. # وآيات الأنبياء لا يقدر على مثلها؛ لا الإنس ولا الجن؛ كما قال تعالى: ~~{قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} 3. # السادس: أن ما يأتي به السحرة، والكهان، وكل مخالف للرسل تمكن ~~PageV02P1081 # معارضته بمثله، وأقوى منه؛ كما هو الواقع لمن عرف هذا الباب1. وآيات ~~الأنبياء لا يمكن أحدا أن يعارضها؛ لا بمثلها، ولا بأقوى منها. # وكذلك كرامات الصالحين، لا تعارض؛ لا بمثلها، ولا بأقوى منها. بل قد يكون ~~بعضها آيات [أكبر] 2 من بعض. وكذلك آيات الصالحين. لكنها متصادقة، متعاونة ~~على مطلوب واحد؛ وهو عبادة الله، وتصديق رسله. فهي آيات، ودلائل، وبراهين ms412 ~~متعاضده على مطلوب واحد. والأدلة بعضها أدل وأقوى من بعض. # ولهذا كان المشايخ3 - الذين يتحاسدون، ويتعادون، ويقهر بعضهم بعضا ~~بخوارقه؛ إما بقتل وإمراض، وإما بسلب حاله وعزله عن مرتبته، وإما غير ذلك - ~~خوارقهم شيطانية، ليست من آيات الأنبياء والأولياء. # [وكثير] 4 من هؤلاء يكون في الباطن كافرا منافقا. وكثير منهم يموت على ~~غير الإسلام. وكثير منهم يكون مسلما مع ظلم يعرف أنه ظلم، ومنهم من يكون ~~جاهلا يحسب أن ما هو عليه مما أمر الله به ورسوله. وهذا كما يقع للملوك ~~[المتنازعين على] 5 الملك من قهر بعضهم لبعض. فهذا خارج عن سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين. # السابع: أن آيات الأنبياء هي الخارقة للعادات؛ عادات الإنس والجن، بخلاف ~~خوارق مخالفيهم؛ فإن كل ضرب منها معتاد لطائفة غير الأنبياء. PageV02P1082 # وآيات الأنبياء ليست معتادة لغير الذين يصدقون على الله، ويصدقون من صدق ~~على الله؛ وهم الذين جاؤوا بالصدق وصدقوا. وتلك معتادة لمن يفتري الكذب على ~~الله، أو يكذب بالحق [لما جاءه] 1. فتلك آيات على كذب أصحابها، وآيات ~~الأنبياء آيات على صدق أصحابها؛ فإن الله سبحانه لا يخلي الصادق مما يدل ~~على صدقه، ولا يخلي الكاذب مما يدل على كذبه؛ إذ من نعته ما أخبر به في ~~[قوله] 2: {أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك} 3. ~~ثم قال خبرا مبتديا: {ويمحو الله الباطل ويحق الحق بكلماته} 4؛ فهو سبحانه ~~لا بد أن يمحق الباطل، ويحق الحق بكلماته. # وقال تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ~~فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} 5. # كما أخبر في موضع أنه لم يخلق الخلق عبثا ولا سدى، وإنما خلقهم بالحق ~~وللحق6، فلا بد أن يجزي هؤلاء وهؤلاء بإظهار صدق هؤلاء، وإظهار كذب هؤلاء؛ ~~كما قال: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} 7. PageV02P1083 # الثامن: أن هذه لا يقدر عليها مخلوق، ms413 فلا تكون مقدورة للملائكة، ولا ~~للجن، ولا للإنس، وإن كانت الملائكة قد يكون لهم فيها سبب، بخلاف تلك؛ ~~فإنها إما مقدورة للإنس، أو للجن، أو مما يمكنهم التوصل إليها بسبب. # وأما كرامات الصالحين فهي من آيات الأنبياء - كما تقدم1، ولكن ليست من ~~آياتهم الكبرى، ولا يتوقف إثبات النبوة عليها، وليست خارقة لعادة الصالحين، ~~بل هي معتادة في الصالحين من أهل الملل؛ في أهل الكتاب، والمسلمين. # وآيات الأنبياء التي يختصون بها خارقة لعادة الصالحين. # التاسع: أن خوارق غير الأنبياء؛ الصالحين، والسحرة، والكهان، وأهل الشرك ~~والبدع، تنال بأفعالهم؛ كعبادتهم، ودعائهم، وشركهم، وفجورهم، ونحو ذلك. # وأما آيات الأنبياء فلا [تحصل] 2 بشيء من ذلك، بل الله يفعلها آية وعلامة ~~لهم، وقد يكرمهم بمثل كرامات الصالحين، وأعظم من ذلك، مما يقصد به إكرامهم. # لكن هذا النوع يقصد به الإكرام والدلالة، بخلاف الآيات المجردة؛ كانشقاق ~~القمر، وقلب العصا حية، وإخراج يده بيضاء، والإتيان بالقرآن، والإخبار ~~بالغيب الذي يختص الله به. PageV02P1084 # فأمر الآيات إلى الله، لا إلى اختيار المخلوق1، والله يأتي بها بحسب ~~علمه، وحكمته، وعدله، ومشيئته، ورحمته، كما ينزل ما ينزله من آيات القرآن، ~~وكما يخلق من يشاء من المخلوقات، بخلاف ما حصل باختيار العبد؛ إما لكونه ~~يفعل ما يوجبه، أو يدعو الله به فيجيبه. # فالخوارق التي ليست آيات2: تارة تكون بدعاء العبد، والله تعالى يجيب دعوة ~~المضطر [إذا دعاه] 3، وإن كان كافرا. لكن [للمؤمنين] 4 من إجابة الدعاء ما ~~ليس لغيرهم. وتارة تكون بسعيه في أسبابها؛ مثل توجهه بنفسه وأعوانه، وبمن ~~يطيعه من الجن والإنس في حصولها. # وأما آيات الأنبياء: فلا تحصل بشيء من ذلك. PageV02P1085 # العاشر: أن النبي قد خلت من قبله أنبياء يعتبر بهم، فلا يأمر إلا [بما] 1 ~~أمرت به الأنبياء؛ من عبادة الله وحده، والعمل بطاعته، والتصديق باليوم ~~الآخر، والإيمان بجميع الكتب والرسل. فلا يمكن خروجه عما اتفقت [عليه] 2 ~~الأنبياء. # وأما السحرة، والكهان، والمشركون، وأهل البدع من أهل الملل، فإنهم يخرجون ~~عما اتفقت عليه الأنبياء؛ فكلهم يشركون مع تنوعهم، ويكذبون ms414 ببعض ما جاء به ~~الأنبياء. # والأنبياء كلهم منزهون عن الشرك، وعن التكذيب بشيء من الحق الذي بعث الله ~~به نبيا. # قال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون} 3. # وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا [يوحى] 4 إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون} 5. # وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} 6. PageV02P1086 # وقال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} 1. # وقال تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون [فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد ~~اهتدوا] 2 وإن تولوا فإنما هم في شقاق} 3. # وقال تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين} 4. # وقال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك ~~هم الكافرون حقا} 5. # وقال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} 6. # وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين PageV02P1087 # ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} 1. # وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم وأن 2 هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} 3، ثم قال: ~~{فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} 4. # وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: {إن ms415 هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ~~وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا ~~كفران لسعيه وإنا له كاتبون} 5. # وقال تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم ~~قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره ~~عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} 6. # فالأنبياء يصدق متأخرهم متقدمهم، ويبشر متقدمهم بمتأخرهم؛ كما بشر المسيح ~~ومن قبله بمحمد7، وكما صدق محمد جميع النبيين قبله8. PageV02P1088 # ولهذا يقول: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ~~من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت} ~~1. # وقال: { [نزل] 2 عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة ~~والإنجيل} 3. # وقال: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا ~~عليه} 4. # والأنبياء، وأتباعهم، [كلهم] 5 مؤمنون، مسلمون6، يعبدون الله ~~PageV02P1089 # وحده بما أمر، ويصدقون بجميع ما جاءت به الأنبياء. # ومن خالفهم: لا يكون إلا مشركا، ومكذبا ببعض ما أنزل الله. وبين ~~الطائفتين1 فروق كثيرة غير خوارق العادات. # الحادي عشر: أن النبي هو وسائر المؤمنين لا يخبرون إلا بحق، PageV02P1090 # ولا يأمرون إلا بعدل؛ فيأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويأمرون ~~بمصالح العباد في المعاش والمعاد، لا يأمرون بالفواحش، ولا الظلم، ولا ~~الشرك، ولا القول بغير علم. # فهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتبديلها وتغييرها. فلا يأمرون إلا ~~بما يوافق المعروف في العقول، الذي تتلقاه القلوب السليمة بالقبول. # فكما أنهم هم لا يختلفون؛ فلا يناقض بعضهم بعضا، بل دينهم وملتهم واحد ~~وإن تنوعت الشرائع1، فهم أيضا موافقون لموجب الفطرة التي فطر الله عليها ~~عباده، موافقون للأدلة العقلية لا يناقضونها قط. بل الأدلة العقلية الصحيحة ~~كلها توافق الأنبياء لا تخالفهم. # وآيات الله السمعية والعقلية؛ العيانية2 والسماعية كلها متوافقة، ~~متصادقة، متعاضدة، لا يناقض بعضها بعضا؛ كما قد بسط هذا في غير هذا ~~الموضع3. PageV02P1091 # والذين يخالفون الأنبياء؛ من أهل الكفر، وأهل البدع؛ كالسحرة، والكهان، ms416 ~~وسائر أنواع الكفار؛ وكالمبتدعين من أهل الملل؛ أهل العلم، وأهل العبادة: ~~فهؤلاء مخالفون للأدلة السمعية والعقلية؛ للسماعية والعيانية، مخالفون ~~لصريح المعقول، وصحيح المنقول؛ كما أخبر الله عنهم بقوله: {كلما ألقي فيها ~~فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} الآية1. فهؤلاء يخالفون أقوال الأنبياء؛ ~~إما بالتكذيب، وإما بالتحريف من التأويل، وإما بالإعراض عنها وكتمانها؛ ~~فإما لا يذكروها، أو يذكروا ألفاظها، ويقولون: ليس لها معنى يعرفه مخلوق2؛ ~~كما أخبر الله عن أهل الكتاب: أن منهم PageV02P1092 # من يكذب في اللفظ، ومنهم من يحرف الكلم في المعنى، ومنهم جهال لا يفقهون ~~ما يقرؤون؛ قال تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} 1، إلى قوله: {فويل لهم ~~مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} 2. # وكذلك هم مخالفون للأدلة العقلية. # الأنبياء كملوا الفطرة ومخالفوهم أفسدوا الحس والعقل والخبر # فالأنبياء كملوا الفطرة، وبصروا الخلق؛ كما تقدم3 في صفة محمد [صلى الله ~~عليه وسلم] 4: أن الله يفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا. # ومخالفوهم يفسدون الحس والعقل، كما أفسدوا الأدلة السمعية. # والحس والعقل بهما تعرف الأدلة. # والطرق ثلاثة: الحس، والعقل، والخبر. # فمخالفوا الأنبياء أفسدوا هذا، وهذا، وهذا. # أما إفسادهم لما جاء عن الأنبياء: فظاهر. # مخالفوا الأنبياء قسمان: # وأما إفسادهم للحس والعقل: فإنهم قسمان: # قسم أصحاب خوارق حسية؛ كالسحرة، والكهان، وضلال العباد. # وقسم أصحاب كلام واستدلال بالقياس والمعقول. # وكل منهما يفسد الحس والعقل. # أصحاب الحال الشيطاني # أما أصحاب الحال الشيطاني: فقد عرف أن السحر يغير الحس PageV02P1095 # والعقل، حتى يخيل إلى الإنسان الشيء بخلاف ما هو. وكذلك سائر الخوارق ~~الشيطانية، لا [تأتي] 1 إلا مع نوع فساد في الحس والعقل؛ كالمؤلهين الذين ~~لا تأتيهم إلا مع زوال عقولهم، وآخرين لا [تأتيهم] 2 إلا في الظلام، وآخرين ~~[يتمثل] 3 لهم الجن في صورة الإنس، فيظنون أنهم إنس، أو يرونهم مثال الشيء؛ ~~فيظنون أن الذي رأوه هو الشيء نفسه، أو يسمعونهم صوتا يشبه صوت من يعرفونه، ~~فيظنون أنه صوت ذلك المعروف عندهم4. # وهذا كثير موجود في أهل العبادات البدعية التي فيها نوع من الشرك ومخالفة ms417 ~~الشريعة. # أصحاب الكلام والمقال البهتاني # وأما أصحاب الكلام والمقال البهتاني: فإنهم بنوا أصولهم العقلية، وأصول ~~دينهم الذي ابتدعوه على مخالفة الحس والعقل. # أصل كلام أهل الكلام # فأهل الكلام أصل كلامهم في الجواهر والأعراض5 مبني على مخالفة ~~PageV02P1096 # الحس والعقل؛ فإنهم يقولون: إنا لا نشهد، بل ولا نعلم في زماننا حدوث شيء ~~من الأعيان القائمة بنفسها، بل كل ما [يشهد] 1 حدوثه، بل كل ما حدث من قبل ~~أن يخلق آدم إنما [يحدث] 2 أعراض في الجواهر التي هي باقية، لا تستحيل قط، ~~بل تجتمع وتتفرق3. PageV02P1097 # والخلق عندهم - الموجود في زماننا، وقبل زماننا -: إنما هو جمع وتفريق، ~~لا ابتداع عين وجوهر قائم بنفسه1، ولا خلق لشيء قائم بنفسه؛ لا إنسان، ولا ~~غيره، وإنما يخلق أعراضا، ويقولون: إن كل ما نشاهده من الأعيان فإنها مركبة ~~من جواهر، كل جوهر منها لا يتميز يمينه عن شماله2. PageV02P1098 # وهذا مخالفة للحس والعقل كالأول. # قولهم: إن الأعراض لا تبقى زمانين وإنه لا يفنى شيء من الأعيان # ويقول كثير منهم: إن الأعراض لا تبقى زمانين1، ويقولون: إنه لا يفنى ولا ~~يعدم في زماننا شيء من الأعيان، بل كما لا يحدث شيء من الأعيان، [لا يفنى ~~شيء من الأعيان2] 3. # فهذا أصل علمهم، ودينهم، ومعقولهم الذي بنوا عليه حدوث العالم، وإثبات ~~الصانع، وهو مخالف للحس والعقل4. # ويقول الذين يثبتون الجوهر الفرد5: PageV02P1099 # إن الفلك، والرحاء، وغيرهما يتفكك كلما استدار1. ويقول كثير منهم: إن كل ~~شيء فإنه يمكن رؤيته، وسمعه، ولمسه2. # الفلاسفة أضل من المتكلمين فيجعلون ما في الذهن ثابتا في الخارج # إلى غير ذلك من الأمور التي جعلوها أصول علمهم، ودينهم، وهي مكابرة للحس ~~والعقل. # والمتفلسفة أضل من هؤلاء3؛ فإنهم يجعلون ما في الذهن [ثابتا] 4 في ~~الخارج5؛ فيدعون أن ما يتصوره العقل من المعاني الغائبة الكلية ~~PageV02P1101 # موجودة في الجواهر، قائمة بأنفسها؛ إما مجردة عن الأعيان، وإما مقترنة ~~بها. وكذلك العدد، والمقدار، والخلاء، والدهر، والمادة1: يدعون وجود ذلك في ~~الخارج2. # وكذلك ما يثبتونه من العقول، والعلة الأولى الذي يسميه متأخروهم: واجب ms418 ~~الوجود3. # وعامة ما يثبتونه من العقليات، إنما يوجد في الذهن. فالذي لا ريب في ~~وجوده: نفس الإنسان، وما يقوم بها. ثم ظنوا ما يقوم بها من العقليات موجودا ~~في الخارج. # فكان إفسادهم للعقل أعظم، كما أن إفساد المتكلمين للحس أعظم. # الفلاسفة أصول علمهم العقليات والمتكلمون أصول علمهم الحسيات # مع أن هؤلاء المتفلسفة عمدتهم هي العلوم العقلية. والعقليات عندهم أصح من ~~الحسيات. وأولئك المتكلمون أصول علمهم هي الحسيات، ثم يستدلون بها على ~~العقليات. وبسط هذه الأمور له موضع آخر4. PageV02P1102 # والمقصود هنا: التنبيه على أن من خالف الأنبياء، فإنه كما أنه مكذب لما ~~جاءوا به من النبوة والسمع، فهو مخالف للحس والعقل؛ فقد [فسد] 1 عليه ~~الأدلة العقلية والنقلية2. # والله سبحانه وتعالى أعلم. PageV02P1103 ms419