######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012769 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012769 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12769 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12769 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: سليمان بن صالح الغصن #META# 041.EdNUMBER :: الثانية 1418هـ / 1997م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار العاصمة - الرياض #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: 143 #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # /2أ/ بسم الله الرحمن الرحيم # قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رضي الله عنه: # الحمد لله نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تسليما. # PageV01P015 ### | فصل # في الفرق بين عبادات أهل الإسلام، والإيمان، والهدى، والتوحيد، والإخلاص، ~~والعلم، والشرع، المتبعين للأنبياء والمرسلين، وبين عبادات أهل الشرك، ~~والنفاق، والجهل، والضلال، والبدعة، من المشركين، ومن ضاهاهم، من مبتدعة ~~أهل الملل. # فعبادات المسلمين مبنية على أصلين: # أحدهما: أنهم لا يعبدون إلا الله وحده لا شريك له. # والثاني: أنهم يعبدونه بما أمر وشرع لهم من الدين الذي بلغته رسله عنه. # فهم يعبدون الله، لا يشركون به شيئا، ويتقونه، ويطيعون رسله كما أمرتهم ~~الأنبياء بذلك. # قال تعالى: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم ~~عذاب أليم • قال يا قوم إني لكم نذير مبين • أن اعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون} [نوح: 1-3] . # وكذلك ذكر عن هود وصالح وشعيب أنهم قالوا لقومهم: {اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره} [هود: 50] . # وقال عن المسيح: {يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك ~~بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} ~~[المائدة: 72] ، وقال: {وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} ~~[مريم: 36] . # PageV01P016 # /2ب/ وكل من الرسل يقول: {فاتقوا الله وأطيعون} [الشعراء: 108] . # وقال عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول ~~وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} [النور: 47] ، ~~{إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون • ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون} [النور: 51-52] فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية ~~والتقوى لله وحده. # وقال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا ms01 حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} [التوبة: 59] فجعل ~~الإيتاء لله ورسوله. # كما قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: ~~7] إذ كان الحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، ~~والدين ما شرعه الله ورسوله. # وجعل الحسب لله وحده، والرغبة إلى الله وحده، كما قال تعالى: {قل حسبي ~~الله عليه يتوكل المتوكلون} [الزمر: 38] ، وقال: {فإن تولوا فقل حسبي الله ~~لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم} [التوبة: 129] ، وقال: {وإن ~~يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله} [الأنفال: 62] ، وقال: {الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم # PageV01P017 # الوكيل} [آل عمران: 173] . # فالله وحده هو حسب الرسول وجميع المؤمنين، كما قال تعالى: {يا أيها النبي ~~حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} [الأنفال: 64] أي: هو وحده يكفيك، ويكفي ~~من اتبعك. هذا معنى الآية عند جماهير السلف والخلف. # وقوله: {ومن اتبعك} معطوف على محل الكاف وهو منصوب، كما تقول العرب: حسبك ~~وزيدا درهم. # وقال الشاعر: ### | ............................. # فحسبك والضحاك سيف مهند # /3أ/ وهذا هو دين الإسلام الذي لايقبل الله دينا غيره، لا من الأولين ولا ~~الآخرين، وهو أن يعبد الله في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت، فهو المعبود ~~وحده دائما. # قال الله تعالى: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ~~فإياي فارهبون • وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله ~~تتقون} [النحل: 51-52] وواصبا أي: دائما. هكذا قال جمهور المفسرين ~~واللغويين. # ثم قال: {أفغير الله تتقون • وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر ~~فإليه تجأرون • ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم # PageV01P018 # بربهم يشركون • ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون} [النحل: 52-55] ~~. # لكن قد ت ### | تنوع الشرائع # كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أولا إلى البيت (1) المقدس، قبل ~~الهجرة وبعد الهجرة بضعة عشر شهرا، ثم حوله الله، فأمره أن يصلي إلى ~~الكعبة، فتنوعت ms02 الشريعة، وفي كلا الحالين الدين واحد، وهو دين الإسلام، ~~عبادة الله وحده لا شريك له. # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنا معاشر الأنبياء ~~ديننا واحد، الأنبياء إخوة لعلات» يعني: دينهم واحد وإن تنوعت شرائعهم. # قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه} [الشورى: 13] . # وقال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون • منيبين إليه ~~واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين • من الذين /3ب/ فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} [الروم: 30-32] . # وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم • وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون • فتقطعوا أمرهم ~~بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون: 51-53] . PageV01P019 # وكذلك قال في حق الأنبياء: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} ~~[الأنبياء: 92] والأمة قد فسروها بالملة والدين، أي: ملتكم ودينكم واحد، ~~كقوله تعالى: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون • ~~وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 22-23] . # وإذا قيل: المراد به الناس، فالمعنى واحد، أي: ادعوا جميع الناس إلى ~~عبادة الله وحده، كما (قال تعالى: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} ~~[الشورى: 13] ) (1) ، قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] وقال تعالى: {واسأل من ~~أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] ، ~~وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ~~[النحل: 36] ، وقال تعالى: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من ~~عباده أن أنذروا أنه لا إله ms03 إلا أنا فاتقون} [النحل: 2] . # و ### | كل الأنبياء كانوا على الإسلام # ، كما ذكر الله عن نوح أنه قال: {فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري ~~إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} [يونس: 72] . # /4أ/ وقال عن الخليل: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد ~~اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين • إذ قال له ربه أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين • ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 130-132] . PageV01P020 # وقال إبراهيم وإسماعيل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة ~~لك} [البقرة: 128] . # وقال عن موسى: {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} ~~[يونس: 84] . # وقال تعالى عن السحرة الذين آمنوا بموسى إنهم قالوا: {ربنا أفرغ علينا ~~صبرا وتوفنا مسلمين} [الأعراف: 126] . # وقال: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ~~للذين هادوا} [المائدة: 44] . # وقال يوسف الصديق: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] . # وقالت بلقيس: {إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} [النمل: ~~44] . # وقال عن أتباع المسيح: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ~~قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} [المائدة: 111] . # وقال تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم • إن الدين عند الله الإسلام} [آل ~~عمران: 18-19] . # قال قتادة في قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} قال: شهادة أن لا ~~إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، ~~وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، ولا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به. # وقد ذم في كتابه من شرع دينا لم ينزله، أو حلل أو حرم بغير وحي من الله، ~~فقال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ~~[الشورى: 21] . # PageV01P021 # /4ب/ وذم المشركين على أنهم حرموا ما لم يحرمه، وأحلوا ما حرمه، وشرعوا ~~دينا لم ينزله، كما ms04 ذكر ذلك في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما. # فقال تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ~~قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون • قل أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} [الأعراف: ~~28-29] . # وقال تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل ~~هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعلمون • قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير ~~الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون} [الأعراف: 32-33] . # وقد قال في أول السورة: {المص • كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ~~لتنذر به وذكرى للمؤمنين • اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من ~~دونه أولياء قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 1-3] . # PageV01P022 ### | فصل # وأما ### | دين أهل الشرك # ، ومبتدعة أهل الكتاب، فهو دين لم ينزل الله به سلطانا، إما أن يدعوا مع ~~الله غيره من المخلوقات، أو يقولوا (1) : إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله ~~زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. # وإما أن يعبدوه بغير ما أمر وشرع، مما شرعه لهم شركاؤهم، أي الذين جعلوهم ~~شركاء لله. # كما قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم /5أ/ أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون} [التوبة: 31] . # وقال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون • ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} [آل عمران: 79-80] . # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا • أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: ms05 56-57] . أي: الذين ~~يدعوهم المشركون هم يبتغون إلى ربهم PageV01P023 # الوسيلة. # قال ابن عباس ومجاهد: هم عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر ~~والنجوم. # وقال ابن مسعود: كان ناس من الإنس يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجنيون، ~~ولم يعلم الإنس الذين كانوا يعبدونهم بإسلامهم فتمسكوا بعبادتهم فعيرهم ~~الله. # وعلى كل قول ذم سبحانه من يدعوا مخلوقا وذلك المخلوق يعبد الله؛ يتقرب ~~(1) إليه، ويرجوه، ويخافه، فدخل في هذا جميع الملائكة، والأنبياء، ~~والصالحون من الإنس والجن. # فإذا كان المخلوق المعظم المقرب عند الله لا يجوز أن يدعى، فالعصاة لله ~~من شياطين الإنس /5ب/ والجن أولى ألا يدعوا، فقد تضمنت الآية ذم من يدعو ~~غير الله مطلقا. # وبين أن ذلك المدعو لا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله من موضع إلى موضع، ~~وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير • ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 22-23] فبين تعالى أن المخلوق ليس ~~له ملك، ولا شرك في الملك، ولا هو معين لله، ولكن غاية ما عنده الشفاعة، ~~والشفاعة لا تنفع إلا لمن أذن له. # وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~PageV01P024 # هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} [يونس: 18] . # وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع} [الأنعام: 51] . # وقال تعالى: {وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا ~~شفيع} [الأنعام: 70] . # وقال تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} [السجدة: 4] ~~. # وقال تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من ms06 بعد إذنه ذلكم الله ربكم ~~فاعبدوه أفلا تذكرون} [يونس: 3] . # وقال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] . # وقال: {وكم من ملك في السماوات /6أ/ لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26] . # PageV01P025 ### | فصل # و ### | الضلال يدعون إلى دين مجهول، # ليس معهم به سلطان منزل من الله. # قال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون} [الأعراف: 33] . # وقال تعالى: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما ~~كنتم تفترون} [النحل: 56] . # وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون: {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني ~~إلى النار • تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم ~~إلى العزيز الغفار • لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا ~~في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار} [غافر: 41-43] ~~. # وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به ~~علم وما للظالمين من نصير} [الحج: 71] والسلطان: هو الوحي المنزل من الله. # قال تعالى: {أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} ~~[الروم: 35] وقال تعالى: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل ~~الله بها من سلطان} [النجم: 23] . # والدين الذي نزل به الوحي هو الدين الذي شرعه الله عز وجل، وأهل الضلال ~~يتبعون دينا ليس موافقا للشرع المنزل، ولا لهم به علم، بل يتبعون # PageV01P026 # أهواءهم وما يذوقونه ويجدونه في أنفسهم، بغير شرع ولا علم. # ولهذا كان ### | شيوخ أهل المعرفة يوصون باتباع الشرع والعلم # ، /6ب/ ويذمون أهل العبادات الذين لا يتبعون الشرع والعلم، كما قال ~~[تعالى] (1) : {ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به ~~علم وما للظالمين من نصير} [الحج: 71] . # ولهذا طالب الله أهل الضلال بالعلم والسلطان، فقال تعالى: {قل آلذكرين ~~حرم ms07 أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم ~~صادقين} [الأنعام: 143] فبين أن الصادق يكون معه علم بما قاله، فمن لا علم ~~عنده فهو مفتر للكذب على الله. # وقال تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ~~قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59] . # وقال تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ~~لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} [النحل: ~~116] . # وقال تعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين • إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 168-169] . # وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق} [النساء: 171] . # وقال: {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا PageV01P027 # الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ~~ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة ~~خير للذين يتقون أفلا تعقلون • والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا ~~لا نضيع أجر المصلحين} [الأعراف: 169-170] . # # # # PageV01P028 # /7أ/ « ### | ### | فصل # » # والذين يروون الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم نوعان: ثقات، وغير ~~ثقات، وهؤلاء منهم من يتعمد الكذب، وأكثرهم لا يتعمدون الكذب، لكن يؤتى ~~أحدهم من سوء حفظه، والعلماء تكلموا في هؤلاء، وهؤلاء؛ حفظا للدين من ~~الزيادة والنقصان. # وكذلك الذين تكلموا برأيهم، ونظرهم، وفهمهم، وذوقهم، ووجدهم، وكلامهم ~~نوعان: # فما وافق فيه الرسول فهو حق، وما خالفه فهو خطأ، وأكثرهم لم يتعمد الخطأ، ~~بل غلط، ومنهم يتعمد قول غير الحق، مع علمه بأنه غير الحق. # PageV01P029 ### | فصل # وأفضل الخلق بعد الأنبياء، وأكملهم علما، ودينا، واعتصاما بحبل الله، ~~واتباعا لدين الإسلام الذي بعث الله به رسله، هم أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم، وهم خير أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، ms08 كما ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ~~. # وقد أخبر سبحانه أنه رضي عن السابقين الأولين، ورضي عن الذين اتبعوهم إذا ~~اتبعوهم بإحسان. # فقال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه /7ب/ وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} [التوبة: 100] . # وهؤلاء السابقون هم الذين بايعوا تحت الشجرة، وهم الذين أنفقوا من [قبل] ~~(1) ، وقاتلوا قبل الفتح، والفتح هو الحديبية، كما قال تعالى: {لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من PageV01P030 # الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10] . # وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يدخل ~~النار أحد بايع تحت الشجرة» . وفي الصحيحين عن جابر قال: قال لنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: «أنتم خير أهل الأرض» وكنا ألفا ~~وأربعمائة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. وقد وعد الله هؤلاء ~~ومن تبعهم بالحسنى. # وكانت طريقة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم يعبدون الله وحده بما ~~أمرهم به نبيهم؛ فالحلال عندهم ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، ~~يصلون الصلوات الخمس كما أمر الله في مواقيتها جماعة في المساجد، ويصومون ~~شهر رمضان، ويحجون البيت العتيق، ويؤدون الزكاة، ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر، ويجاهدون في سبيل الله، ويعبدون الله بسائر ما أمرهم به نبيهم، ~~ولا يعبدون إلا الله، ولا يدعون غير الله، لا /8أ/ مما في السماء ولا مما ~~في الأرض، لا (1) الملائكة، ولا الكواكب، ولا الأنبياء، ولا تماثيلهم، بل ~~قد علموا أن هذا كله من الشرك الذي حرمه الله ورسوله. # ولا يدعون مخلوقا، لا ملكا، ولا جنيا، ولا بشرا، لا نبيا ولا غير نبي، لا ~~عند قبره، ولا في مغيبه، لا (2) يستعينون إلا بالله، ولا يستنصرون إلا ~~بالله، ولا يتوكلون إلا ms09 على الله، ولا يدعون مخلوقا غائبا، ولا ميتا، ولا ~~يستغيثون به، ولا يشكون إليه، ولا يطلبون منه مغفرة، ولا هدى، ولا نصرا، بل ~~يطلبون هذا كله PageV01P031 # من الله. # ولا يفعلون كما يفعل النصارى فيستشفعون بالملائكة، أو الموتى من الأنبياء ~~والصالحين، عند قبورهم أو غير قبورهم، ولا يقول أحد منهم: يا جبريل، يا ~~ميكائيل، اشفع لي إلى الله، ولا يقول: يا إبراهيم، يا موسى، يا عيسى، اشفع ~~لي إلى الله، كما يفعل النصارى، بل قد علموا أن الغائب لا يطلب منه شيء، ~~والميت لا يطلب منه شيء، وأن الملائكة لا يفعلون إلا ما أمرهم به ربهم، ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى، وكذلك الأنبياء والصالحين، ولكن يطلب من أحدهم في ~~حياته الدعاء والشفاعة، كما كان الصحابة يطلبون من النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك، وكما يطلب الخلق منه الشفاعة يوم القيامة، صلى الله عليه وسلم ~~تسليما. # PageV01P032 ### | فصل # وكانوا يصلون الصلوات الخمس خلف /8ب/ النبي صلى الله عليه وسلم وخلف غيره ~~من الأئمة. # كان لكل دار من دور الأنصار مسجد، ولهم إمام يصلي بهم، إلا في الجمعة ~~والأعياد، فإنهم كانوا يصلون ذلك خلف النبي صلى الله عليه وسلم. هؤلاء أهل ~~المدينة، وكانت المدينة كبيرة ولا سور لها، وإنما هي أماكن متفرقة، كل ~~قبيلة لهم حدائق، ومسجد، ومقبرة، ومساكن يتميزون بها عن القبيلة الأخرى. # واسم المدينة يتناول ذلك كله، لا يخرج عنها إلا الأعراب أهل العمود، كما ~~قال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة} [التوبة: 101] ~~والذين يفلحون الأرض هم من أهل المدينة، وهم الأنصار، ويسمى مسكن القبيلة ~~دارا، ويراد بلفظ الدار: القبيلة نفسها. # وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ المساجد في الدور، وأن تنظف، ~~وتطيب. # وفي الحديث الصحيح: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور» وعير هو: الجبل ~~الذي عند ذي الحليفة، ظهره كظهر العير وهو الحمار، وثور هو: جبل صغير بجنب ~~أحد، وهذا غير جبل ثور الذي بمكة، وقد اشتبه ذلك على بعض العلماء، وقد سمى ~~ذلك كله ms10 مدينة وقال: «إني أحرم ما بين # PageV01P033 # لابتيها» . # واللابة: الأرض التي تركبها حجارة سود، وقال له الأعرابي: ما بين لابتيها ~~أهل بيت أفقر منا. فما بين لابتيها: هو الحرم وهو من المدينة، /9أ/ وهو ما ~~بين عير إلى ثور، وهو بريد في بريد. # وكانوا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسلمون عليه في صلاتهم، كما ~~أمر الله ورسوله، فيقولون في التشهد: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته» ويصلون عليه كما علمهم، مثل أن يقولوا: «اللهم صل على محمد وعلى ~~آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل ~~محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» ، وقد روي: «كما صليت (1) ~~على إبراهيم» وقد روي: «على إبراهيم وآل إبراهيم» . PageV01P034 # وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا» ، ~~وروي مثله في السلام: أنه من سلم عليه مرة، سلم الله عليه عشرا. فهم إذا ~~صلوا عليه وسلموا عليه، صلى الله عليهم وسلم عليهم. # ولم يكن هذا السلام في الصلاة مما يرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيه السلام، إنما كان ذلك إذا حيوه تحية يسمعها، فإذا سلموا عليه رد عليهم ~~السلام، وأما سلام الصلاة فهو كالصلاة عليه، الله هو الذي يصلي عليهم ~~بالمرة الواحدة عشرا، ويسلم عليهم بالمرة الواحدة عشرا. # ولما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم، كانوا على ما كانوا عليه في ~~حياته، هم والتابعون يصلون خلف أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، في مسجده، ~~وخلف /9ب/ غيرهم، لكن هؤلاء الأربعة أموا الناس في مسجده، فأبو بكر وعمر ~~صليا بالناس حتى ماتا، وعثمان صلى بالناس حتى حصر، وعلي صلى بالناس مدة ~~مقامه بالمدينة قبل أن يذهب إلى العراق، وهؤلاء الأربعة بويع لهم في مسجده، ~~ولهذا قال (1) أحمد بن حنبل: كل بيعة كانت بالمدينة فهي خلافة نبوة. # وكان خلفاؤه الراشدون، هم ومن يصلي خلفهم في مسجده، يفعلون بعد موته كما ~~كانوا يفعلون في حياته، يصلون الصلوات الخمس، ms11 وهم في الصلوات يصلون عليه، ~~ويسلمون عليه، ويدعون الله تعالى في الصلاة PageV01P035 # وخارج الصلاة، وقد علموا أن ذلك يكفيهم، ويغنيهم عن غيره، مما لم يأمرهم ~~به النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يشرعه لهم. # وكان صلى الله عليه وسلم لما مات قد دفن في حجرة عائشة، وفيها كان مرضه، ~~وكانت حجر أزواجه شرقي المسجد وقبلته، وهي متصلة بالمسجد، يخرج منها إلى ~~المسجد، وقد ذكرها الله تعالى في قوله: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات: 4] وهي بيوته وبيوت أزواجه، أضافها إليه في ~~قوله: {لا تدخلوا بيوت النبي} [الأحزاب: 35] وإلى أزواجه في قوله: {وقرن في ~~بيوتكن} [الأحزاب: 33] . # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد» وفي طريق أخرى: «غير أنه خشي - أو خشي -[أن يتخذ مسجدا] (1) » . # قالت عائشة: /10أ/ «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدا» وفي ~~لفظ للبخاري: «غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا» . # وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن ~~الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من ~~PageV01P036 # أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور ~~أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني (1) أنهاكم عن ~~ذلك» . # وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: ~~«لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . يحذر ما ~~فعلوا (2) . # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاتل ~~الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وفي رواية لمسلم: ~~«لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ms12 . # وفي المسند وصحيح أبي حاتم أنه قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة ~~وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» . # وفي موطأ مالك عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . PageV01P037 # وفي سنن أبي داود وغيره عن /10ب/ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ~~تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» . # وفي سنن سعيد بن منصور أن عبد الله بن حسن بن حسن بن [علي بن] (1) أبي ~~طالب - وهو أجل الشرفاء الحسنيين في زمن تابعي التابعين - أنه رأى رجلا ~~ينتاب قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا هذا إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم ~~تبلغني» فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء. PageV01P038 # وفي سنن أبي داود وغيره عن أوس بن أوس الثقفي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم ~~معروضة علي» فقالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ - أي ~~بليت - فقال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء» . # وفي النسائي وابن حبان وغيرهما عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «إن لله ملائكة في الأرض سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» . # فقد أخبر أن الصلاة والسلام عليه يصل إليه من البعيد والقريب بقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «صلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» وقوله: «لا ~~تتخذوا قبري عيدا» ، وكذلك السلام يصل إليه من القريب والبعيد بقوله: «إن ~~لله ملائكة سياحين /11/ يبلغوني عن أمتي السلام» فكل مسلم قال في صلاته: ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة [الله] (1) وبركاته؛ وصل ذلك إليه. # وكان أصحابه والتابعون لهم بإحسان يعلمون أن هذا السلام أفضل من السلام ~~عليه عند قبره الذي يرد جوابه، فإن سلام التحية شرك فيه جميع المؤمنين (2) ~~، كما في الحديث: «ما من ms13 رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في PageV01P039 # الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام» . # وأما السلام إذا تعبد (1) به في الصلاة وغيرها فإن هذا السلام قد أمروا ~~به في كل صلاة، وهذا السلام يسلم الله على العبد بكل مرة عشرا، وذلك السلام ~~هو صلى الله عليه وسلم يرد عليهم، كما كان يرد السلام على من سلم عليه في ~~حياته. # وكان الصحابة كلهم يسلمون عليه في كل صلاة، وإنما يأتيه من يأتيه منهم ~~بعض الأوقات فيسلم عليه إذا أتاه، فذاك السلام في الصلاة أمر الله به في كل ~~صلاة، بخلاف هذا، فإنه إنما يشرع عند لقائه، وأجر ذلك أعظم، فإن الله يسلم ~~على العبد بالمرة الواحدة عشرا، وهذا إنما يرد عليه الرسول. # وقد علمهم أيضا إذا دخلوا المسجد أن يقول الرجل: «بسم الله والسلام على ~~رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك» ، وإذا خرج أن ~~يقول: «بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي [ذنوبي وافتح لي ~~أبواب فضلك» . # وكثير من الناس اتخذوا قبور أنبيائهم] (2) /11ب/ أعيادا، وأوثانا، ~~وأشركوا بها PageV01P040 # بعد موتهم، وإلا ففي حياتهم ما كانوا يمكنون أحدا أن يشرك بهم ويتخذهم ~~أربابا. # فلهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان ~~متبعين للتوحيد الذي بعث الله به رسوله، مجتنبين لما نهاهم عنه من الشرك ~~وأسبابه، واتبعوا أمره في منع الناس من قبره، فصار الشرك به، وفهل المنكر ~~عنده، ممتنعا بعد موته، كما كان ممتنعا في حياته. # وهذا من فضائله، وفضائل أمته، فإنه لا نبي بعده، وأمته لا تجتمع على ~~ضلالة، ولو كان قبره بارزا؛ لكان كثير من الجهال يريد أن يتخذه مسجدا، ~~ووثنا، وعيدا، كما فعل ذلك بقبر من ليس مثله، بل ينسب إليه، [تقربا به] (1) ~~، أو طاعة له، لكن دفن في الحجرة محجوبا عن الناس، فلم يقدر أحد (على) (2) ~~أن يشرك به، ولا يتخذه وثنا، ولا يفعل عند قبره منكرا، فصار له خاصة لا ~~يشركه فيها ms14 غيره، فيما يأمر (3) به، وينهى عنه، فإن مسجده أسس على التقوى، ~~والسفر مشروع إليه، [و] (4) العبادة فيه فاضلة، وليس عند قبر غيره مسجد ~~يسافر إليه، بل كثير من تلك المساجد بنيت لأجل القبور، وذلك حرام، وقد لعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك تحذيرا لأمته. # وأما مسجده فهو مؤسس على التقوى، وهو أفضل المساجد بعد المسجد الحرام، ~~وقيل: بل أفضلها مطلقا، والصلاة فيه خير من ألف PageV01P041 # صلاة فيما سواه، والسفر إليه مشروع /12أ/ مستحب. # وأما النهي فإنه لا يمكن أن يفعل عند قبره شيء من المنكر، ولا يتمكن أحد ~~من زيارة قبره، والوصول إليه، كما يتمكن من زيارة قبر غيره، والوصول إليه، ~~حتى يفعل عنده ما يفعل. # وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» ~~فنهاهم عن اتخاذ القبور مساجد كما تقدم، ونهاهم عن الصلاة إليها، فنهاهم أن ~~يجعلوها مساجد، أو قبلة؛ وهذا لأن ### | أصل الشرك # في بني آدم إنما كان من الشرك بأصحاب القبور، فإن أول الشرك كان في قوم ~~نوح. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، وقد ثبت ~~في الصحيح أنهم يقولون يوم القيامة (1) : «يا نوح أنت أول رسول بعثه الله ~~إلى أهل الأرض» . # ولهذا لم يذكر الله في القرآن رسولا قبل نوح، ولا أمة أهلكها الله قبل ~~أمته، وقد قال تعالى في قصته: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا • وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا} ~~[نوح: 23-24] . PageV01P042 # قال طائفة من السلف، منهم محمد بن كعب القرظي: «هذه أسماء قوم صالحين ~~كانوا بين آدم ونوح، فلما ماتوا كان لهم أتباع يقتدون بهم ويأخذون بعدهم ~~بأخذهم (1) في العبادة، فجاءهم إبليس، فقال لهم: لو صورتم صورهم كان أنشط ~~لكم وأشوق إلى العبادة، ففعلوا، ثم نشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس: إن الذين ~~من قبلكم كانوا يعبدونهم. فعبدوهم» . رواه عبد بن حميد في تفسيره عن محمد ~~بن كعب. ms15 # فابتداء عبادة الأوثان /12ب/ كان ذلك، وسميت تلك الصور بهذه الأسماء؛ ~~لأنهم صوروها على صور أولئك القوم من المسلمين. # وذكر البخاري في صحيحه عن عطاء عن ابن عباس قال: صارت الأوثان التي كانت ~~تعبد في قوم نوح، في العرب تعبد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما ~~سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، ~~وأما يعوق فكانت لهمدان، وأمما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع. PageV01P043 # وذكر [ابن جرير] (1) في تفسيره: روى سفيان عن موسى عن محمد بن قيس يعني ~~ابن مخرمة بن نوفل قوله: {لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا} [نوح: 23] قال: كانت أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلما ~~هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون ~~عليها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسخ ~~العلم، عبدت. # وروي عن ابن عباس: أن تلك الأوثان دفنها الطوفان، وطمسها التراب، فلم تزل ~~مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب. # وقد قيل: شابهتها في الأسماء والجنس، ولم تكن أعيان هذه أعيان ~~PageV01P044 # تلك، وكانت للعرب أصنام أخر؛ فاللات لأهل الطائف، والعزى لأهل مكة، ومناة ~~لأهل المدينة. وقد ذكر مثل هذا غير واحد من السلف. # وهذا /13أ/ الذي ذكروه أنه كان ابتداء عبادة الأوثان هو مبدأ الشرك من ~~مبتدعة أهل الملل كالنصارى، فإنهم صوروا تماثيل الصالحين والأنبياء، ~~وقالوا: هذا فعلناه تذكارا لنتذكر بصورهم أحوالهم، فتكون أنشط وأشوق لنا ~~إلى التشبه بهم. ثم صاروا يدعونهم ويطلبون منهم الشفاعة، ويقولون: نحن نطلب ~~من هذه التماثيل أن يشفعوا لنا والمقصود: طلبنا من أصحابها أن يشفعوا لنا. # ولما كان هذا مبدأ الشرك في النصارى، وفي القبور؛ ### | سد النبي صلى الله عليه وسلم ذريعة الشرك # ، ففي صحيح مسلم عن أبي هياج (1) الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ~~«ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أمرني أن لا ~~أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا ms16 تمثالا إلا طمسته» . # فلم يكن على عهد الصحابة، والتابعين، بل وتابعي التابعين، كمالك وأبي ~~حنيفة وغيرهما في ديار الإسلام، قبر يتخذ مسجدا، ولا يصلى إليه، ولا كان في ~~عهدهم في بلاد الإسلام قبر ولا مشهد يسافر إليه، وإنما حدثت المشاهد على ~~القبور بعد القرون الثلاثة، فلم يكن يصلى عندها لله، ولا يقصد الدعاء ~~عندها، فضلا عن أن يكون يقصد أن يدعى صاحبها أو PageV01P045 # يسأل، ويقال: إنا نستشفع به، كما يفعله النصارى، بل لما فتح المسلمون ~~العراق وجدوا ### | قبر دانيال # ، وعنده مصحف، قال أبو العالية: أنا قرأته، /13ب/ وفيه أخباركم، وكان أهل ~~المكان يستسقون به، فكتب فيه أبو موسى إلى عمر، فكتب إليه عمر يقول: احفر ~~بالنهار ثلاثة عشر قبرا، وادفنه بالليل في واحد منها؛ لئلا يفتتن به الناس. # وكان الصحابة رضوان الله عليهم يسافرون إلى المساجد الثلاثة لأجل الصلاة ~~فيها، وللدعاء ونحو ذلك، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ~~والمسجد الأقصى» . # أخرجاه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة. # حتى كان ابن عمر يأتي إلى بيت المقدس فيصلي فيه، ويخرج ولا يشرب فيه ماء، ~~رجاء أن تصيبه دعوة سليمان عليه السلام: اللهم لا يأتي هذا البيت أحد لا ~~يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. # PageV01P046 # ولم يكونوا يتخذون ذلك وقت الحج، بل كانوا يحجون ويأتون إلى بلادهم، وكان ~~عمر يقول: يا أهل الشام شامكم، يا أهل اليمن يمنكم، يا أهل العراق عراقكم. ~~ولكن كانوا يأتون مسجد المدينة والمسجد الأقصى بحسب ما تيسر، ليس لذلك وقت، ~~ومنهم من يتيسر له ذلك وقت الحج. # وكان الصحابة يتحرون متابعة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به، فما ~~فعله على وجه العبادة فعلوا كما فعل، وإذا خص مكانا أو زمانا بالعبادة فيه ~~خصوه هم أيضا بالعبادة، كما كان يخص مشاعر الحج مثل عرفة ومزدلفة /14أ/ ~~ومنى، بما شرع فيها من العبادة، وقد قال لهم: «خذوا ms17 عني مناسككم» فكانوا ~~يقصدون أن يفعلوا كفعله. # وكذلك كان يقصد تخصيص المسجد الحرام، ومسجده، ومسجد قباء؛ فيخصونها، لكن ~~مسجد قباء؛ لم يشرع السفر إليه، ولكن شرع إتيانه من القرب، كما قال: «من ~~تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان له كعمرة» . # وكذلك كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة في مكان من مسجده، ويقول: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى الصلاة فيه عند اسطوانة فيه. # PageV01P047 # وكذلك يعظمون شهر رمضان، وعشر ذي الحجة، ويوم الجمعة، ونحو ذلك مما كان ~~يخصه صلى الله عليه وسلم بالتعظيم. # وما فعله على وجه الاتفاق، مثل سيره في طريق، وصلاته فيه إذا نزل، وصب ~~ماء فضل معه في أصل تحت شجرة، - وكان ابن عمر رضي الله عنه يحب أن يفعل ~~كفعله، وأما أكثر الصحابة فلم يكونوا يقصدون ذلك؛ لأن المتابعة هي أن نفعل ~~كما فعل على الوجه الذي فعل، فلا بد أن نشاركه في القصد والنية فإنما ~~الأعمال بالنيات، فإذا قصد العبادة بالعمل، فقصدنا العبادة به؛ كنا مقتدين، ~~متبعين، متأسين به، وأما إذا لم يقصد به العبادة، بل فعله على وجه الاتفاق ~~لتيسره عليه، فإذا قصدنا العبادة به؛ لم نكن متبعين له - ومشي ناقته في ~~الطريق، وصب ماء فضل من وضوئه في شجرة هناك، ونحو ذلك، هو لم يقصد به مكانا ~~معينا بقصد العبادة بصب الماء /14ب/ في تلك الشجرة دون غيرها، أو قصد ~~العبادة بمشي راحلته (1) في ذلك الجانب دون غيره، بل قصد أن يمس بالماء ما ~~قرب منه من (2) الشجر ولا يضيع، ففعل ما يسره الله له من الفعل، كما كان ~~يأكل ما تيسر، ويلبس ما تيسر، فكان لا يعيب طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإلا ~~تركه، وكان يأكل من تمر مدينته كالرطب، وأما ما لم يوجد فيها فلم يكن ~~يأكله؛ لأنه لم يوجد ولو وجده لأكله، فاتباعه في ذلك أن يأكل الرجل من طعام ~~بلده ما تيسر، لا يقصد من ليس ببلده رطب أن يأكل ms18 الرطب، فإن هذا ليس ~~بمتابعة. # وهذا كما أمر أهل المدينة أن يخرجوا صدقة الفطر صاعا من تمر، أو ~~PageV01P048 # شعير؛ لأنه كان قوتهم، فمن كان قوته القمح فهو مأمور أن يخرج قمحا عند ~~جماهير العلماء - وإن قال بعضهم: إن التمر أفضل - وليس له أن يخرج الشعير ~~عند الجمهور، وفي إخراج التمر نزاع أيضا. # وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه رأى قوما ينتابون مكانا يصلون فيه، فقال: ~~ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسفر، ~~ومكان حل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم [فقال عمر] (1) : أتريدون أن ~~تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، من أدركته الصلاة ~~فيه فليصل وإلا فليذهب. # وهذا نهي عن مثل ما كان يفعله /15أ/ ابن عمر، مع أن ابن عمر لم يكن يقصد ~~لا هو ولا غيره من الصحابة إتيان الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء للعبادة، ~~بل إنما قصد متابعته في صورة الفعل. # وأما الأمكنة التي كان يقيم بها، ويجلس فيها، وينزل بها ليلا ونهارا، ~~والطرق التي كان يسير بها، والمواضع التي كان ينزلها في أسفاره، فلم يكن ~~أحد من الصحابة يقصدها لصلاة فيها ولا دعاء ولا غير ذلك، مثل حجر أزواجه ~~التي كان يقيم بها ليلا ونهارا، فلم يكن أحد منهم يقصد زيارة تلك البقاع، ~~أو الصلاة (2) فيها، أو الدعاء (3) . # وكذلك غار حراء الذي كان يتحنث فيه، وغار ثور الذي كان فيه هو وأبو بكر، ~~وغار المرسلات الذي نزلت عليه فيه {والمرسلات} (4) ، ومثل منزله لما حاصر ~~قريظة والنضير، ومثل طرقه في أسفاره، فلم يكن أحد من الصحابة PageV01P049 # يقصد زيارة هذه الأمكنة، ولا الصلاة فيها، والدعاء، وإذا لم يكونوا ~~يفعلون هذا بالبقاع التي حل بها أفضل الخلق؛ فهم لغيرها أترك، فلم يكن أحد ~~منهم يقصد شيئا من البقاع لا بالشام ولا بغير الشام، إلا المساجد التي ~~للصلاة، لا يقصدون بقعة لكونه نزل بها إبراهيم، أو موسى، أو عيسى، لا ~~بالبيت المقدس، ولا غيره، بل كانوا يسافرون ms19 لإتيان البيت المقدس. # ولما فتحه المسلمون وكان على الصخرة زبالة عظيمة جدا كانت النصارى تهينها ~~بغضا لليهود، فطهرها عمر بن الخطاب، وقال /15ب/ لكعب الأحبار: أين ترى أن ~~أبني مصلى المسلمين؟ قال: خلف الصخرة. قال: يا ابن اليهودية خالطتك يهودية، ~~بل أبنيه في صدر المسجد، فإن لنا صدور المساجد. فبنى مصلى المسلمين في قبلي ~~المسجد - وهو الذي يسميه بعض الناس: الأقصى، والمسجد الأقصى يتناول المسجد ~~كله - ولم يبنه خلف الصخرة؛ لئلا يتشبه المسلمون بمن يصلي إلى الصخرة، مع ~~أنها كانت قبلة منسوخة. # وإبراهيم عليه السلام لما بنى البيت، ودعا الناس إلى الحج، فأمر الله ~~تعالى أن نجيب دعوة إبراهيم، ونفعل كما فعل، فنعبده في الأماكن التي قصد ~~العبادة فيها، ولهذا قال غير واحد من السلف: مقام إبراهيم هو: المشاعر: ~~عرفة، ومزدلفة، ومنى، وإن كان المقام الخاص أخص من غيره، ولهذا صلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ركعتي الطواف عنده، ثم إذا كانت سنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وخلفائه، وأصحابه، وما عليه علماء أمته: أنه لا يسن استلام مقام # PageV01P050 # إبراهيم، ومحمد، صلى الله عليهما، وهما أفضل الخلق؛ فغيرهما أولى أن لا ~~يسن استلام مقامه، فإن الاستلام إنما هو بركن بيت الله عبادة لله، كما أن ~~الطواف إنما هو ببيت الله عبادة لله، لا يكون ببيت مخلوق. # ولم يكن الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، يسافرون إلى قبر الخليل عليه ~~السلام، /16أ/ ولم يكن ظاهرا، بل كان على المغارة بناء، وليس له باب مثل ~~حجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما نقب عليه بابا النصارى الكفار، لما ~~استولوا على تلك البلاد، وجعلوه كنيسة، وعلى مثل ذلك لعنهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم حيث اتخذوا قبور الأنبياء مساجد. # فلم يكن أحد من الصحابة يسافر لزيارة قبر إبراهيم وأهل بيته، وأكثر الناس ~~لم يكونوا يعرفون أن هناك قبر الخليل، ولهذا تنازع الناس فيه، بل كانوا ~~يأتون إلى المسجد الأقصى، ولا يذهبون إلى تلك القرية، وكان ذلك قربه، ولم ~~يكن قبر الخليل ظاهرا يدخل إليه، فإن سليمان ms20 عليه السلام بنى عليه حجرة ~~فكان مسدودا، وليس عليه علامة يعرف بها، وقد قيل: إنه أول ما أظهر في سنة ~~بضع وثلاثمائة في خلافة المقتدر، لما حدث في الإسلام حوادث كثيرة، واستطال ~~الكفار والمنافقون على أهل الإسلام في ذلك الوقت. # والأحاديث التي رويت في ليلة المعراج أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~انزل فصل، فهذا يثرب، أو فهذا طور موسى، أو قبره، أو هذا قبر الخليل، كلها ~~كذب، قد بين الحفاظ كذبها، وإن كان قد خفي حال بعضها على بعض # PageV01P051 # العلماء، بل الذي في الصحيح أنه صلى في بيت المقدس بالأنبياء ولم يصل في ~~غيره، ولهذا كانت الصلاة فيه والسفر إليه للصلاة فيه مستحبة. # وقد اتفق المسلمون على ما هو سنة بينهم، أن من حج البيت فإنه /16ب/ يستحب ~~له أن يستلم الحجر الأسود، ويقبله، وأما اليماني فإنه يستلمه، وتنازعوا في ~~تقبيله، فقيل: يقبله، وقيل: يقبل يمينه التي استلمه بها، وقيل: لا يقبله ~~ولا يقبل يمينه، وهذا أصح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم استلمه واستلم ~~الحجر الأسود، وقبل الحجر، ولم يقبله، وأما الركنان الشاميان فلم يستلمهما ~~ولم يقبلهما. # ومقام إبراهيم الذي قال الله فيه: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ~~[البقرة: 125] لم يستلمه ولم يقبله، واتفق العلماء على أنه لا يستلم ولا ~~يقبل، فإذا كان هذا مقام إبراهيم الذي أمرنا أن نتخذه مصلى، اقتداء ~~بإبراهيم خليله، فمقام لم نؤمر (1) أن نصلي فيه، أولى أن لا نستلمه ولا ~~نقبله، مثل مقامات تضاف إلى إبراهيم، وغيره، بالشام، وغير الشام. # ويقال: في هذا المكان قتل فلان النبي، وبهذا المكان نزل فلان النبي، ونحو ~~ذلك، وتقبل تلك الأمكنة، وتستلم، وتقصد للصلاة فيها، وهذا لو كان صحيحا لم ~~يكن أفضل من المواضع التي صلى فيها النبي PageV01P052 # صلى الله عليه وسلم، مثل حجره التي كان يقيم بها ليلا ونهارا، ومثل ~~الغيران الني حل بها، كغار ثور، وغار حراء، وغير ذلك من البقاع، فإذا لم ~~يكن الصحابة يقصدون هذه البقاع للدعاء والصلاة؛ فغيرها أولى أن لا ms21 يقصد. # وجوانب البيت لا تستلم، ولا تقبل، وقد طاف ابن عباس ومعاوية رضي الله ~~عنهما، فكان معاوية يستلم الأركان الأربعة، فقال له ابن عباس: إن رسول الله ~~/17أ/ صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال له معاوية: ~~ليس من البيت شيء مهجور، فقال له ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة. فسكت معاوية، ووافق ابن عباس لما بين له السنة. # وعلى هذا فقهاء المسلمين قاطبة، فما سوى الكعبة، كالصخرة، وغيرها، لا ~~تستلم، ولا تقبل، كما لا يطاف بها، وليس في الأرض مكان يطاف به إلا الكعبة، ~~كما أنه لا قبلة إلا الكعبة، مع أن الصخرة كانت قبلة، فمن اتخذها اليوم ~~قبلة فهو كافر، والطواف بها، وبأمثالها، أعظم من اتخاذها قبلة؛ فإن الطواف ~~لم يشرع قط إلا بالبيت العتيق، ولا حرم يحرم صيده ونباته إلا حرم مكة، ~~وكذلك حرم المدينة عند الجمهور، ودلت عليه الأحاديث الصحيحة. ووادي وج ~~بالطائف حرم عند الشافعي، لحديث روي فيه، وأكثر العلماء يقولون: ليس بحرم، ~~وضعف أحمد حديثه، وما # PageV01P053 # سوى الثلاث ليس بحرم باتفاق المسلمين، لا البيت المقدس، ولا قبور ~~الأنبياء، ولا غير ذلك. # # # # PageV01P054 ### | ### | فصل # » # ولم يكن أحد من الصحابة يقصد شيئا من القبور، لا قبور الأنبياء ولا ~~غيرهم، لا يصلي عنده ويدعو عنده، ولا يقصده لأجل الدعاء عنده، ولا يقولون: ~~إن الدعاء عنده أفضل، ولا الدعاء عند شيء من القبور مستجاب، بل قد علموا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم /17ب/ لعن من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد ~~لله فيصلى عندها لله، والمصلي لله إنما يدعو الله، ويتضرع له، ويستغيث به، ~~فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن من فعل هذا عندها لئلا يتشبه بمن ~~يقصد دعاءها، فالذي يقصد دعاءها قد فعل نفس الشرك الذي لأجله نهي عن ~~اتخاذها. # ومن العجب أن كثيرا من الناس نهي عن الصلاة //148ب// عندها، ثم يقصدون ~~الدعاء عندها، ويقولون: إنه يستجاب الدعاء هناك، فهل يقول مسلم أو عاقل إن ~~مكانا ms22 نهينا أن نعبد الله فيه بالصلاة لله يكون الدعاء فيه مستجابا، ويكون ~~مقصودا للدعاء؟! وهذا بمثابة من قال: أنا لا أصلي عند طلوع الشمس، وعند ~~غروبها، ولكن أسجد للشمس حينئذ. وهو إنما نهي عن الصلاة لئلا يتشبه بمن ~~يسجد للشمس. # PageV01P055 ### | فصل # ولم يكن أحد من الصحابة والتابعين يسافر إلى قبر، لا قبر نبي، ولا غيره، ~~بل كان عامتهم يأتون المدينة النبوية، ويصلون في مسجده ويسلمون عليه في ~~الصلاة، ويرون ذلك هو غاية المطلوب، فلم يكونوا يذهبون إلى قبره، لم يكن ~~أحد منهم يدخل إلى قبره، لا للسلام، ولا للصلاة، ولا للدعاء، ولا غير ذلك، ~~إلا من دخل على عائشة لأنه بيتها، فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يرد عليه، كما جاء في الحديث. # وأما السلام عليه في المسجد، فهو مثل الصلاة عليه في المسجد (1) ، يفعل ~~في جميع جوانب المسجد، وفي جميع الأرض، واستقبال القبلة به أولى. # وقد اتفق العلماء على أن أهل المدينة /18أ/ لا يستحب لهم ذلك (2) إذا ~~دخلوا و (3) خرجوا أن يأتوا لقبره (4) ، ولكن هل يستحب لهم ذلك إذا قدموا ~~من سفر (5) ، أو يستحب للغرباء، عند الدخول والخروج؟ هذا فيه قولان، لكن قد ~~ساغ بعده (6) ؛ لأن ابن عمر فعله، وتابعه على ذلك كثير من علماء السلف ~~والخلف، وإن [لم] (7) يكن هذا عندهم من السنن المشهورة، إذ كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يأمرهم به كما أمرهم أن يسلموا عليه في الصلاة، بل ~~أخبرهم أنه من سلم عليه رد عليه السلام، وهذا يتناول من (8) سلم عليه من ~~القرب PageV01P056 # في بيته، وأما البعيد فلا يدخل فيه بالاتفاق، لكن من كان في المسجد عند ~~الحائط، هل هو قريب أو بعيد؟ على قولين (1) . # وهكذا أخبرهم عن سائر المؤمنين فقال: «ما من رجل يمر بقبر الرجل كان ~~يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام» . # وكان هو صلى الله عليه وسلم مدفونا في حجرة عائشة، وقد قالت عائشة إنه ~~قال ms23 في مرضه الذي مات فيه (2) : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد» قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ ولكن خشي أن يتخذ ~~مسجدا. # فبينت أنه دفن في الحجرة ولم يظهر قبره؛ لئلا يتخذ مسجدا يصلى عنده، وإن ~~كان المصلي إنما يصلي لله، ويدعو الله، فإنه لعن من يتخذ قبور الأنبياء ~~والصالحين مساجد، ونهى أمته أن يتخذوا القبور مساجد، فإذا كان /18ب/ هو صلى ~~الله عليه وسلم لعن من يصلي عندها لله، ويدعو الله //149أ// - لأن ذلك ~~ذريعة إلى الشرك - فكيف بمن يصلي لها، ويسجد لها، أو يدعوها (3) ، ويستغيث ~~بها، ويطلب منها ما يطلب من رب العالمين، فإن هذا من أعظم الشرك، وجعلها ~~أوثانا وأندادا لله رب العالمين، كما فعل قوم نوح، ومن ضاهاهم من مشركي أهل ~~الكتاب. # ف ### | مقصوده صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام # (4) » بيان حياته، وأنه يسمع السلام من القريب، PageV01P057 # ويبلغ السلام من البعيد، ليس مقصوده أمر الأمة بأن يأتوا إلى القبر ~~ليسلموا عليه عند قبره (1) ، فإنه لم يأمرهم بذلك، إنما أمرهم بالسلام عليه ~~في الصلاة، وذلك أفضل وأكمل له ولهم؛ وذلك لأن سلام التحية مشروع لمن أتى ~~لحاجة كما كانوا يأتونه في حياته فيسلمون عليه، وكذلك من دخل (2) إلى بيته ~~يسلم (3) عليه، وأما أن يقصد إتيانه لأجل رده، فهذا غير مشروع، لا في ~~حياته، ولا بعد موته. # ولهذا اتفقوا على أنه لا يشرع لأهل المدينة إذا دخلوا وخرجوا، ولو كان ~~(4) هذا كالسلام في الصلاة لكان مستحبا لأهل المدينة، ولكن السلام عليه لمن ~~قدم جائز مشروع باتفاق العلماء، وإنما النزاع: هل يستقبل به الحجرة، أو ~~القبلة؟ وهل هو السلام المأمور به في القرآن كالصلاة عليه، أو هو سلام ~~/19أ/ التحية، الذي يشترك فيه جميع المؤمنين، الأحياء، والأموات؟ # وقد تنازع العلماء: هل يكره أن يقال: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ ~~على قولين: فكره ذلك مالك وغيره، بل وكره أن يقال: طواف الزيارة. وللناس ms24 في ~~تعليل ذلك أقوال: # قيل: لأن الزائر أفضل (5) ، وقيل: لكراهة زيارة القبور، وقيل: يكره أن ~~يقال: زرت قبره، ولا يكره أن يقال: زرته، وقيل: لأن زيارة قبره ممتنعة، فإن ~~زيارة قبره إنما تكون إذا دخل إلى بيته، حيث دفن، وهذا ممتنع، وإنما الممكن ~~أن يأتي مسجده، ومسجده يؤتى لكونه مسجدا، لا لأجل القبر، لكن يسلم عليه في ~~مسجده كما كان يسلم عليه في مسجده في حياته؛ PageV01P058 # كان (1) يسلم عليه [فيه] (2) في الصلاة ويسلم (3) عليه سلام التحية، ~~فالسلام المأمور به مشروع فيه باتفاق العلماء، وسلام التحية فيه قولان. # وهل يستقبل القبر أو القبلة؟ [فيه] (4) قولان، ومالك يرى استقبال القبر، ~~وأبو حنيفة يرى استقبال القبلة. # # # PageV01P059 ### | فصل # فإن قيل: إذا كان زيارة قبر غيره مستحبا، ولا يكره أن يقال: زرت قبره، ~~فهو صلى الله عليه وسلم أحق بأن يكون زيارة //155ب// قبره مستحبا، ولا يكره ~~أن يقال: زرت قبره، وقد ثبت لفظ زيارة القبور في كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم، كما في الصحيح: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور /19ب/ فزوروها فإنها ~~تذكركم الآخرة» . وما في الصحيح أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن ~~يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء ~~الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» وفي لفظ: «ويرحم (1) الله ~~المستقدمين منا (2) والمستأخرين» . وثبت في الصحيح أنه خرج إلى أهل البقيع ~~فدعا لهم، وكذلك خرج إلى شهداء أحد. (3) # قيل: الكلام في مقدمتين: # في زيارة سائر القبور، ثم هل هو مثل غيره أو بينه وبين غيره فرق؟ # أما المقدمة الأولى: فقد اختلف العلماء في زيارة القبور على ثلاثة أقوال: ~~PageV01P060 # قيل: إن ذلك مستحب، وهو قول الأكثرين. # وقيل: إنه مباح وليس (1) بمستحب، وهو قول في مذهب مالك وأحمد. # وقيل: بل ذلك منهي عنه، روي هذا عن طائفة من السلف، وهؤلاء يقولون: نهي ~~(2) عن زيارة القبور، ولم يثبت عندنا أنه نسخ ذلك. # وقد اتفق العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أولا عن زيارة ~~القبور، ms25 قيل: لأن ذلك مظنة الشرك، وقيل: لأنه مظنة النياحة. # واختلفوا: هل نسخ ذلك؟ فقال الأكثرون: إنه نسخ، وقيل: لم ينسخ، /20أ/ ~~والذين قالوا: إنه نسخ، قال بعضهم: إنه صيغة افعل بعد حظر، فلا تفيد إلا ~~الإباحة، فإنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها //156أ// فإنها ~~تذكركم الآخرة» وقال الأكثرون: إن زيارتها على الوجه الشرعي مستحبة، وهذا ~~هو الصحيح. # وجماع الأمر، أن زيارة القبور ثلاثة أنواع: # منها: ما هو منهي عنه باتفاق العلماء كالزيارة التي تتضمن محرما، إما (3) ~~من الندب والنياحة المحرمة، وإما من الشرك والبدع المحرمة، فهذان النوعان ~~(4) حرام باتفاق العلماء. # ومنها: ما هو مباح، كزيارة القريب، وإن كان كافرا؛ (5) للرقة عليه، لا ~~للدعاء له، فهذا مثل البكاء على الميت بغير ندب، ولا نياحة، لا (6) بأس به. # والثالث: أنه يزار ليدعى له، كما كان يزور أهل البقيع، والشهداء، وهذا ~~مستحب، لكن لم يقل أحد من العلماء: إنه يستحب السفر إليها لزيارتها، ~~فتنازعوا في زيارتها من المكان القريب: هل هو مستحب، أو PageV01P061 # مكروه، أو مباح؟ ولم يتنازعوا في السفر إليها أنه ليس بمستحب، فإن ~~المسافر إليها إنما يسافر لفعل ما هو منهي عنه من الشرك وغيره، ولهذا ~~يسمونه حجا إليها، لا يسافر أحد لمجرد الدعاء للميت، وإن قدر أنه سافر لذلك ~~فلا تقوم فضيلة الدعاء عند القبر بكلفة السفر الذي هو قطعة من العذاب، تفوت ~~معه مصالح أنفع من ذلك، وهو /20ب/ مظنة المفسدة. # بخلاف المساجد، فإن المسلمين متفقون على أنه يشرع إتيان المساجد من ~~المكان القريب، وإتيانها إما فرض عين، وإما فرض كفاية، أو (1) مستحب، إذا ~~كان يأتيها للعبادة الشرعية، كالصلاة المشروعة فيها، والاعتكاف، والقراءة، ~~وتعلم العلم، وتعليمه، ومع هذا فلا يشرع السفر إليها، بل الأئمة الأربعة ~~وجمهور العلماء متفقون على أنه لو نذر السفر إليها لم يوف بنذره؛ لأن في ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى (2) » . # حتى نص عامة العلماء على أنه لو ms26 نذر السفر إلى مسجد قباء، لم يوف بنذره، ~~وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وأتباعهم، لكن فيه نزاع شاذ في مذهب مالك؛ لأنه ~~نهى عن السفر إلى غير المساجد (3) الثلاثة، وإنما يستحب إتيانه من قريب، ~~مثل أن يكون بالمدينة، فيذهب إليه، كما ثبت في الصحيح عن ابن عمر: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء كل سبت راكبا، وماشيا. # وكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويقوم في قباء يوم السبت؛ لقوله تعالى: ~~{لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} PageV01P062 # [التوبة: 108] //47ب// وهذا يتناول مسجده، ومسجد قباء، ومسجده أحق بذلك ~~من مسجد قباء. # كما ثبت في الصحيح أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: «هو ~~مسجدي هذا» أي: هو أحق بهذا الوصف /21أ/ من غيره، كما قال لأهل الكساء: ~~علي، وفاطمة، وحسن، وحسين: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا» أي: هم أحق بذلك من غيرهم، والحصر يكون حصرا للكمال كما تقول: عبد ~~الله العالم. وإلا فالقرآن يدل على أن مسجد قباء (1) أسس على التقوى، وعلى ~~(2) أن أزواجه من أهل بيته. # وإذا كانت المساجد التي يشرع إتيانها من غير سفر بالنص والإجماع لا يشرع ~~السفر إليها، بل (3) يجب إتيانها (4) ، فما لا يجب إتيانه (5) بالاتفاق، ~~وفي استحبابه نزاع، أولى أن لا يشرع السفر إليها. والجمهور على أن زيارة ~~القبور المأذون فيها نوعان: # نوع يباح في حق الميت الكافر والمسلم، فهذا جائز، لما فيه من تذكر ~~الآخرة، كما ثبت في الصحيح أنه قال: «استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن ~~لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم ~~الآخرة» . PageV01P063 # والنوع الثاني: زيارتها للسلام على الميت، والدعاء له، فهذا مستحب في حق ~~المؤمنين خاصة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا ~~القبور أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ~~وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» وفي رواية: ~~«ويرحم ms27 (1) الله المستقدمين منا والمستأخرين» ، //48أ// وكما ثبت في ~~الصحيح: أنه كان يخرج إلى أهل البقيع فيدعوا لهم ويستغفر لهم، /21ب/ وكما ~~ثبت (عنه) (2) في صحيح البخاري: أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد ~~(3) بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات، فهذه الزيارة من جنس الصلاة ~~على الجنازة، ومن جنس الصلاة على قبر الميت، وهذا مشروع لأهل المصر، وأما ~~سفر الإنسان إلى قبر يصلي عليه، فهذا ليس بمشروع. # ومن هنا يظهر الكلام على المقدمة الثانية، وهي الفرق بين النبي صلى الله ~~عليه وسلم وبين غيره، فيقال: هذا كالفرق بينه وبين غيره في الدفن، فإن سنة ~~المسلمين أن يدفنوا في الصحراء تحت السماء، كما كان هو صلى الله عليه وسلم ~~يدفن أصحابه في البقيع، ولم يدفن أحدا منهم تحت سقف في بيت، ولا بنى على ~~أحد منهم سقفا، ولا حائطا. # بل قد (4) ثبت عنه في الصحيح أنه نهى أن يبنى على القبور (5) ، وهو صلى ~~الله عليه وسلم دفن في بيته، تحت السقف؛ وذلك لما بينته عائشة رضي الله ~~عنها من أنه لو دفن في الصحراء لخيف أن يتخذ قبره مسجدا، فإن عامة الناس ~~لما في قلوبهم من تعظيمه صلى الله عليه وسلم، قد يقصدون الصلاة عنده، بل قد ~~يرون ذلك أفضل لهم من الصلاة في مكان آخر، كما فعل أهل الكتاب حيث اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد، ورأوا الصلاة عندها أفضل PageV01P064 # من الصلاة عند غيرها؛ لما في النفوس من الشرك، والذين يفعلون ذلك /22أ/ ~~يرون أنهم يتقربون بذلك إلى الله تعالى (1) ، وأن ذلك من أفضل أعمالهم، وهم ~~ملعونون، قد لعنهم الله ورسوله، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لعن الله ~~اليهود والنصارى // اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وهم من شرار الناس، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، ~~والذين يتخذون القبور مساجد» . # وفي الصحيحين أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة، وذكر من حسنها وتصاوير فيها، ~~فقال: «إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على ms28 قبره مسجدا، وصوروا ~~فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» ، فلما كان دفنه ~~في بيته من خصائصه؛ لئلا يتخذ قبره مسجدا، فهو صلى الله عليه وسلم قد نهى ~~أن يتخذ قبره عيدا، أي يجتمع عنده في أوقات معتادة، فقال: «صلوا علي حيثما ~~كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» فكذا زيارة قبر غيره من عموم المؤمنين للسلام ~~عليه والدعاء له، لا يفضي إلى أن يتخذ قبره مسجدا، وعيدا، ووثنا، وأما هو ~~صلى الله عليه وسلم فقد دفن في بيته؛ لئلا يتخذ قبره مسجدا. # ومقصود الزيارة في حق غيره إنما هو السلام عليه، والدعاء له، كالصلاة على ~~جنازته، والرسول صلى الله عليه وسلم قد أمرنا أن نسلم عليه في صلاتنا، ~~ونصلي عليه، وصلاتنا وسلامنا يصل إليه حيث كنا، وهذا لم نؤمر به في حق غيره ~~على الخصوص، فغيره إذا /22ب/ زرنا قبره قد يحصل له من دعائنا له ما ~~PageV01P065 # لا يحصل بدون ذلك من غير مفسدة فيه، كالصلاة على جنازته، وأما هو صلى ~~الله عليه وسلم فلا يحصل له بزيارتنا فائدة، بل ولا تمكن زيارة قبره، فإنه ~~دفن في بيته، وحجب قبره عن الناس، وحيل بين الزائر وبين قبره، ف ### | لا يستطيع أحد أن يزور قبره كما تزار سائر القبور، # وإنما يمكن الوصول إلى مسجده، ومسجده مبني قبل القبر، والعبادة فيه عبادة ~~لله في بيته، ليس ذلك زيارة للقبر. # ولهذا لم ينقل عن أحد من السلف أنه تكلم بزيارة قبره فإن ذلك غير ممكن، ~~ولهذا كرهها من كرهها؛ لأن مسماها باطل، وإنما الممكن الصلاة والسلام عليه ~~في مسجده، وذلك مشروع في جميع البقاع، ليس هو من زيارة القبور، فأما إذا ~~صلينا عليه، وسلمنا عليه في مسجده وغيره من المساجد، لم نكن (1) زرنا قبره. ~~(2) # ولكن كثير من المتأخرين صاروا يسمون الدخول إلى مسجده مع السلام عليه عند ~~الحجرة: زيارة لقبره، وهذه تسمية (3) مبتدعة في الإسلام، ومخالفة للشرع، ~~والعقل، واللغة، لكن قد شاعت، وصارت اصطلاحا لكثير من العلماء، وصار منهم ~~من يقول: زيارة ms29 قبره مستحبة بالإجماع، والزيارة /23أ/ المستحبة بالإجماع هي ~~الوصول إلى مسجده، والصلاة والسلام عليه فيه، وسؤال الوسيلة (له) (4) ونحو ~~ذلك، فهذا مشروع بالإجماع في مسجده، فهذه هي الزيارة لقبره المشروعة ~~بالإجماع، فالمعنى المجمع عليه حق، ولكن تسمية ذلك زيارة لقبره هو محل ~~النزاع. # وكذلك تنازعوا: هل يستقبل الحجرة أو يستقبل القبلة؟ كما (قد) (5) ذكر في ~~موضعه. فإنا مأمورون بالصلاة والسلام عليه وسؤال الوسيلة له في كل مكان، ~~وذلك يحصل به أعظم من مقصود الزيار لقبره، لو كانت ممكنة، مع أنها مظنة ~~اتخاذ قبره مسجدا، وعيدا، ولما كانت مظنة اتخاذ قبره عيدا PageV01P066 # ومسجدا؛ حجب قبره عن الناس، ومنعوا من هذه الزيارة، فما بقي يمكن أن يتخذ ~~قبره لا مسجدا، ولا وثنا، ولا عيدا، فلما كان الخير الذي يقصد بزيارة ~~القبور، والمصلحة، يحصل بالصلاة والسلام عليه، وطلب الوسيلة له، في أي ~~مكان، أفضل مما يحصل عند القبور؛ لم يكن في الزيارة فائدة تخص بها، وفيها ~~مفسدة، وهو كونها ذريعة إلى الشرك، فلهذا فرق بنيه وبين غيره، كما نهي عن ~~اتخاذ القبور مساجد، وعن اتخاذ قبره عيدا، مع أن المساجد يعبد الله فيها، ~~لكن إذا كانت على القبور كانت مظنة الشرك. # والصلاة والسلام عليه عند قبره حسن، لكن لو تمكن الناس من ذلك اتخذوه ~~عيدا، وصاروا ينتابونه بجماعاتهم (1) في أوقات كالأعياد، /23ب/ وأفضى ذلك ~~إلى الشرك، فلهذا نهى عنه، ولما نهى عنه منع أصحابه الناس من ذلك، فما بقي ~~أحد يمكنه أن يزور قبره، كما تزار سائر القبور، وإنما يمكن دخول مسجده، ~~وهذا هو الذي يعنيه الناس بزيارة قبره، وهي تسمية غير مطابقة. # وهذا من أحسن ما يعلل به كراهة من كره أن يقال: زرت قبره، فإن الزيارة ~~المعروفة للقبور هي في قبره مما ليس بمقدور، ولا مأمور، بل قد فرق الله بين ~~قبره وبين سائر القبور من جهة المأمور به، ومن جهة المنهي عنه، فقبره عنده ~~مسجده المؤسس على التقوى، الذي شرع للناس السفر إليه، وغيره ليس عند قبره ~~مسجد يسافر إليه، ms30 بل قد يكون عنده مسجد ينهى عنه. وأما النهي: فقبره لا ~~يمكن أحدا أن يفعل عنده منكرا، بل ولا يصل إليه، بخلاف قبر غيره. # وقد كره مالك وغيره أن يقال: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم ~~يكره ذلك PageV01P067 # في حق غيره، وقد علل ذلك بأنواع من العلل، منها: (تعذر) (1) ذلك في قبره، ~~ومنها: أن في (2) إطلاق هذا اللفظ عليه إجمالا يتناول الزيارة البدعية، ~~زيارة أهل الشرك، الذين يزورون القبور للسجود لها، ودعاء أهلها، واتخاذها ~~أوثانا من دون الله، واتخاذها مساجد، وما هو أعظم من اتخاذها مساجد. # وكثير من الناس لا يقصد بزيارة قبور الأنبياء والصالحين إلا مقاصد أهل ~~الشرك، الذين (3) يجعلونهم أوثانا، وأندادا لله، وهم شر من الذين اتخذوها ~~مساجد، فإن أولئك يقصدون /24أ/ أن يصلوا فيها لله، ويدعون الله، وهؤلاء ~~إنما يقصدون دعاءهم، والحج إليهم، فيجعلون صلاتهم، ونسكهم، للمخلوق، لا ~~للخالق. يقصد أحدهم في زيارة قبر من يعظمه ما يقصده الحاج في الحج إلى بيت ~~الله، وما يقصده المصلي الذي يقصد مساجد الله، فالحاج والمصلي مسلم حنيف ~~متبع لملة إبراهيم، قال تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين • قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين • لا شريك له} [الأنعام: 161-163] . # فالمسلم صلاته ونسكه لله، والمشرك يصلي لغير الله، وينسك لغير الله، ~~ويدعو المخلوق، ويستغيث به، ويتضرع إليه، كما يفعل بالخالق، ويحج إلى قبره، ~~كما يحج إلى بيت الخالق، ويسمون ذلك نسكا، ويصنفون كتبا يسمونها: مناسك حج ~~المشاهد، كما صنف محمد بن PageV01P068 # النعمان الملقب بالمفيد، وغيره، مناسك حج المشاهد، ومنهم من يفضل الحج ~~إلى بيوت المخلوقين على الحج إلى بيت الخالق، ويقولون: هذا الحج الأكبر، ~~وحج البيت هو الحج الأصغر، ومن الناس من يقول: وحق النبي الذي تحج المطايا ~~إليه، فيجعلون الحج إلى المخلوق. # ولما كان السفر إلى المساجد الثلاثة مشروعا، والمسجدان الأفضلان في ~~الحرمين: الحرم المكي، والحرم المدني؛ صار الناس يقولون لمن حج إلى ms31 بيت ~~الله: فلان حج الحرمين، فإن السفر المشروع إلى المدينة من جنس الحج /24ب/ ~~المشروع، لكنه مستحب، والمنهي عنه من جنس الحج المنهي عنه، وهذا موجود في ~~المنتسبين إلى السنة والشيعة، ومنهم من يقال له: أتبيع زيارتك لشيخك بحجة، ~~أو ثنتين أو ثلاثة، أو عشر حجج؟ فيقول: لا، ويعتقد أن زيارة شيخه مرة أفضل ~~من عشر حجج. # ومنهم من يحج فيأتي إلى المدينة، ثم يرجع ولا يذهب إلى مكة، ويقول: حصل ~~مقصودي من الحج، ومنهم من إذا سافر إلى مكان يضاف إلى نبي، كالمكان المضاف ~~إلى يوسف بمصر، يحرم إذا ذهب إليه كما يحرم الحاج، ومنهم من يستقبل قبر ~~شيخه إذا صلى، ويستدبر الكعبة، ويقول: هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة ~~العامة، وهذا موجود في كثير من أعيان العباد والزهاد وممن له قصد وعلم. # وأما غير هؤلاء فمنهم من يصلي إلى القبر، ومنهم من يسجد له، # PageV01P069 # ومنهم من يسجد من باب المكان المبني على القبر، ومنهم من يستغني بالسجود ~~لصاحب القبر عن الصلوات الخمس، فيسجدون لهذا الميت ولا يسجدون للخالق، وقد ~~يكون ذلك الميت ممن يظن به الخير، وليس كذلك، كما يوجد مثل هذا في مصر، ~~والشام، والعراق، وغير ذلك. # ومنهم من يطلب من الميت ما يطلب من الله، فيقول: اغفر لي، وارزقني، ~~وانصرني، ونحو ذلك /25أ/ كما يقول المصلي في صلاته لله تعالى، إلى أمثال ~~هذه الأمور التي لا يشك من عرف دين الإسلام أنها مخالفة لدين المرسلين ~~أجمعين، فإنها من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، بل من الشرك الذي قاتل عليه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين، وأن أصحابها إن كانوا يعذرون (1) ~~بالجهل، وأن الحجة لم تقم عليهم، كما يعذر من لم يبعث إليه رسول، كما قال ~~تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] وإلا كانوا مستحقين ~~من عقوبة الدنيا والآخرة ما يستحقه أمثالهم من المشركين، قال تعالى: {فلا ~~تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] وفي الحديث: «إن الشرك في ~~هذه الأمة أخفى من دبيب النمل» . # والذين يؤمنون ms32 بالرسول، إذا تبين لأحدهم حقيقة ما جاء به الرسول، وتبين ~~أنه مشرك، فإنه يتوب إلى الله، ويجدد إسلامه، فيسلم إسلاما يتوب فيه من هذا ~~الشرك، ولم يكن في الصحابة والتابعين من يقصد زيارة أحد لأجل هذا، لا قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا قبر غيره، ولا كان أحد منهم بعد السلام على ~~PageV01P070 # النبي صلى الله عليه وسلم يقف يدعو لنفسه ولغيره، بل ولا كانوا يطيلون ~~القيام عنده للدعاء له، بل كما كان ابن عمر يسلم وينصرف، يقول: /25ب/ ~~السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت (1) ~~، ثم ينصرف، ولما حدث قوم يطيلون القيام يدعون للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أنكر ذلك مالك وغيره من العلماء، وقالوا: هذا بدعة لم يفعلها السلف، ولن ~~يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. # وكان الصحابة إذا أرادوا أن يدعوا، دعوا في المسجد، واستقبلوا القبلة، ~~ودعوا الله في بيته، لا يستقبل أحدهم القبر ويدعو، هذا وهم يدعون الله ~~تعالى وحده، وأما دعاء الرسول، أو طلب الحوائج منه، فهذا لم تكن الصحابة ~~تعرفه البتة، وقد أصابهم ضرورات في الدين والدنيا، مثل الجدب الذي أصابهم ~~عام الرمادة، وغيره، ومثل الخوف الذي كان يصيبهم في قتال الكفار، فيخافون ~~أن ينتصر الكفار على المؤمنين، ومثل الذنوب التي يصيبها من يصيبها منهم. # ولا يعرف عن أحد من الصحابة أنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~موته حاجة، لا زوال الجدب، ولا النصر على العدو، ولا غفران الذنوب، لا ~~يطلبه منه، ولا يشكيه إليه، ولا يقول: ادع الله لنا، /26أ/ بل قد ثبت في ~~الصحيح: أنهم عام الرمادة لما أجدبوا استسقى عمر بالعباس وقال: اللهم إنا ~~كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. ~~فيسقون. PageV01P071 # وكانوا في حياته إذا أجدبوا؛ توسلوا بنبيهم صلى الله عليه وسلم، توسلوا ~~بدعائه، وطلبوا منه أن يستسقي لهم، كما في الصحيح عن ابن عمر قال: ربما ~~ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى ms33 وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل # ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي على المنبر، فما نزل حتى يجيش له ~~ميزاب. # وفي الصحيحين عن أنس قال: جاء أعرابي (1) [فقال: يا رسول الله: هلكت ~~الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يديه وقال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» ، وما في السماء قزعة. ~~فنشأت سحابة من جهة البحر، فمطروا أسبوعا لا يرون فيه الشمس، حتى دخل عليه ~~ذلك الأعرابي - أو غيره - فقال: يا رسول الله: انقطعت السبل، وتهدم ~~البنيان، فادع الله أن يكشفها عنا. فرفع يديه وقال: «اللهم حوالينا ولا ~~علينا، اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية» . فانجابت عن ~~المدينة كما ينجاب الثوب] (2) . # /26ب/ فكانوا في حياته يتوسلون بدعائه، ويستسقون به، فلما مات توسلوا ~~PageV01P072 # بدعاء العباس، واستسقوا به؛ لكونه عمه. # وكذلك الحديث الذي رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم، عن عثمان ~~بن حنيف: أن رجلا أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: ~~ادع الله (1) أن يرد علي بصري. قال: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير ~~لك» قال: فادعه. فأمره أن يتوضأ، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم ~~إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا رسول الله، يا محمد، إني ~~توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في» قال الترمذي: حديث ~~حسن صحيح. # فهذا طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، ليرد الله عليه بصره، ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو هو أيضا ويسأل أن يقبل الله شفاعة ~~نبيه فيه، وقوله: «أتوجه إليك بنبيك» أي: شفاعة نبيك بدعائه، فكان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم شافعا له، وهو سائل قبول شفاعة الرسول، فهذا كان توسل ~~الصحابة به في حياته، فلما مات توسلوا بدعاء غيره، كدعاء العباس، وكما ~~استسقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي. # /27أ/ ولم يكونوا في الاستسقاء وغيره بعد موته ms34 يقولون: اللهم إنا ~~PageV01P073 # نستشفع، أو نتوسل، أو نتوجه؛ لأنه لن (1) يشفع لهم في ذلك، وإنما يتوسل، ~~ويستشفع ويتوجه به، فيما (2) كان شفيعا فيه صلى الله عليه وسلم، ولا طلبوا ~~منه بعد موته أن يشفع لهم، ويدعو لهم، كما تفعله النصارى، فيطلبون الشفاعة ~~من الموتى، الأنبياء وغيرهم، فإن الميت قد انقطع عنه التكليف، ليس هو كالحي ~~الذي يطلب منه ما هو مأمور به من عبادة وطاعة ونفع الغير، فإن الحي إذا طلب ~~منه أن يعين غيره بدعاء، أو شفاعة، أو نفع، أو صدقة، فقد طلب منه ما يأمره ~~الله به من الإحسان، والميت ليس مأمورا بشيء أمر تكليف؛ لانقطاع التكليف ~~بالموت، بل هو بمنزلة أهل الجنة، والملائكة، يفعل ما أريد منه، فما أراده ~~الله منه حصل، سواء طلب ذلك منه الحي أو لم يطلبه، وما لم يرده منه لم ~~يحصل، فليس في سؤال الحي للميت فائدة للحي، ولا للميت، بل فيه شرك بالميت، ~~وإيذاء له، فإن دعاءه يؤذيه، وليس فيه فائدة للحي، بل فيه ظلمه لنفسه، ~~وشركه بربه، وإيذاؤه للميت، ففيه أنواع الظلم الثلاثة. # وهؤلاء الذين يزورون زيارة أهل الشرك والبدع، /27ب/ هم الذين يسافرون إلى ~~قبورهم لذلك، وهو حج لهم، والله سبحانه يحرم أن يحج إلى بيت غيره. ولا يحج ~~إلى جميع بيوته، بل لا يسافر إلا إلى ثلاثة مساجد، والسفر إلى المسجد ~~الحرام للحج (3) واجب، [وإلى] (4) كل واحد من الثلاثة PageV01P074 # سفر إلى بيت الله الذي بناه نبي من أنبيائه، لعبادته، ودعائه. # فهؤلاء إذا زاروا القبور هذه الزيارة المحرمة، فهم منهيون عن ذلك من ~~القرب ومن البعد. # وأما الذين يزورون زيارة شرعية؛ للسلام على أهلها، والدعاء لهم، فهذا هو ~~الذي يفرق فيه بين القريب والبعيد، وهذا قليل جدا أن يقصد بالسفر مجرد ~~السلام، والدعاء للميت. # وقد يأتي الرجل القبر محبة وشوقا لا لقصد سلام، ولا دعاء لله، ولا لقصد ~~دعائه (1) ، فهذا يقال له: إذا صليت وسلمت حيث كنت؛ وصل صلاتك وسلامك، وكان ~~ذلك أنفع لك عند الله، وأحب إلى رسول ms35 الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يحب من ~~(2) يصلي عليه، ويسلم عليه، ويسأل الله له الوسيلة، وهو لا يحب من يخالف ~~أمره، ويفعل ما نهاه عنه، ويتخذ قبره عيدا، ويسافر إليه، كما يسافر إلى ~~بيوت الله الثلاثة، ويطلب منه ما يطلب من الله، ويؤذيه بسؤاله، ورفع صوته. # بل لو كان حيا مأمورا بأن يعطي السائل؛ لكان من لا يسأله أحب إليه، /28أ/ ~~ولكان سؤاله منهيا عنه، إلا لأجل الضرورة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن ~~أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيتأبطها نارا» قالوا: يا رسول الله: ~~فلم تعطهم؟ قال: «يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل» وقال: «من ~~سألنا أعطيناه، ومن لا يسألنا أحب إلينا ممن سألنا» هذا وهو PageV01P075 # مكلف في حياته، قد قيل له: {وأما السائل فلا تنهر} [الضحى: 10] . # وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم فليس هو مكلفا، ولا مأمورا بما كان ~~مأمورا به في الدنيا من إعطاء السائل، وتأمير الأمراء، وأمر الناس، ونهيهم، ~~بل قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ~~الله حتى أتاه اليقين من ربه، ونحن علينا أن نطيعه، فبطاعته تنال سعادة ~~الدنيا والآخرة. # # # # PageV01P076 ### | فصل # ومما يبين الفرق بينه وبين غيره مع ما تقدم: أنا مأمورون أن نسلم عليه في ~~كل صلاة، فنقول: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» وليس هذا ~~لغيره، ومأمورون أن نصلي عليه إذا دعونا، نقدمه في الدعاء على أنفسنا، فإنه ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وفي الصحيح عنه أنه قال: «ما من مؤمن إلا أنا ~~أولى به في الدنيا والآخرة، اقرأوا إن شئتم: {النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم} [الأحزاب: 6] » . # فقد بين أنه أولى بكل مؤمن من نفسه في الدنيا والآخرة، ولا يؤمن عبد ~~/28ب/ حتى يكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، أخرجاه في ~~الصحيحين. وقال له عمر: لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: «لا يا ~~عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال: والله لأنت أحب إلي ms36 من نفسي، قال: ~~«الآن يا عمر» . رواه البخاري. # ونحن أيضا مأمورون بأن نسأل له الوسيلة عند الأذان، كما في الصحيح لمسلم ~~أنه قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم # PageV01P077 # سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد ~~الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه ~~شفاعتي يوم القيامة» . # وفي صحيح البخاري أنه قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة ~~التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا ~~الذي وعدته، إلا حلت عليه شفاعتي يوم القيامة» . # فهذه الأنواع من الأدعية هي حق له علينا نفعله في كل صلاة، وعند كل أذان، ~~وفي كل مكان، وليس هذا لغيره من الأنبياء والصالحين، والمشروع عند القبر ~~إنما هو السلام عليه، فإن هذا مشروع لمن كان يصل إلى قبره، لما كانوا ~~يدخلون على عائشة، كما يشرع السلام على سائر موتى المؤمنين، وأما من لم ~~يدخل إلى قبره، فإن كان بعيدا فقد تعذر عليه هذا السلام، ثم قيل: كل من خرج ~~/29أ/ عن الحجرة فهو بعيد، وقيل: بل القريب إليها كالداخل فيها (1) . # و ### | السلام عليه في الصلاة أفضل، # وأكمل، وأشمل، والسلام عليه في المسجد في غير الصلاة، كما يصلي عليه في ~~المسجد في غير الصلاة، هو مشروع باتفاق العلماء، لكن قيل: إنه يستقبل ~~الحجرة، وهو سلام التحية، وقيل: بل يستقبل القبلة، وإن ذلك ممتنع لا يمكن ~~إلا إذا وصل إلى القبر، وذلك ممنوع منه بالحجاب؛ لأنه يفضي إلى المفسدة، ~~فلهذا PageV01P078 # استغنى بهذا عن ذاك. # ولهذا كان عامة الصحابة يقدمون المدينة على عهد الخلفاء الراشدين، أبي ~~بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، يأتون إلى الخليفة لبعض مصالح المسلمين، ويصلون ~~خلفهم في مسجده، ويسلمون خلفهم في مسجده، ويسلمون عليه في الصلاة، كما شرع ~~لهم ذلك، ولم يكونوا يذهبون إلى قبره لا لسلام، ولا دعاء، ولا غير ذلك، ~~وهذا مما يعلم بالضرورة أنهم لم يكونوا يفعلونه، فإنهم لو فعلوه لنقل نقلا ~~متواترا ms37 لظهور مثل هذا لو فعل في مسجده. # ولهذا اتفق العلماء على أنه لا يشرع لأهل المدينة إذا دخلوا المسجد ~~وخرجوا أن يقفوا عند الحجرة، وإنما رخص من رخص عند السفر لأجل فعل ابن عمر، ~~وللغرباء؛ لأنه كثر في التابعين ما لم يكن مشهورا في الصحابة من الوقوف عند ~~القبر للسلام، وإن كان كثير من التابعين لا يفعلون ذلك، بل إذا سلموا عليه ~~استقبلوا القبلة، كما كان جمهور الصحابة يفعلون، فإن الصحابة لم يكونوا ~~يقفون في المسجد بجانب القبر، ولا كانوا يكثرون من /29ب/ الدخول، بل ولا ~~كانوا يكثرون من الدخول إلى عند القبر، بل دفن في الحجرة، ومنع الناس ~~أصحابه، وغير أصحابه، من الدخول إلى عند قبره، وإنما كان يدخل من يدخل إلى ~~عائشة رضي الله عنها وكانت ناحية في الحجرة عن القبر، وربما طلب منها ~~أحيانا بعض التابعين أن تريه القبر، فتريه إياه، ليعرف السنة في القبور ~~وأنها تكون لاطية، لا مشرفة. # فلما ماتت عائشة، منع الناس منعا عاما، وكان الدخول ممكنا مع وجود الباب، ~~فلما سدت الحجرة، وبني الحائط البراني؛ صار الدخول إلى قبره، والزيارة له ~~كما يزار قبر غيره، غير مقدور، ولا مأمور. # PageV01P079 # ولو كان إتيان قبره لصلاة أو دعاء، أو سلام، أو طلب حوائج، مما سنه لهم؛ ~~لكان يكون باب الحجرة مفتوحا لجميع المسلمين، وكانوا يقصدونه لذلك، كما أن ~~مسجده لما كان إتيانه للصلاة، والدعاء، والسلام عليه، في الصلاة، وغير ~~الصلاة، مشروعا، كان مفتوحا للمسلمين يقصدونه في كل وقت، ويسافرون إليه من ~~الأمصار، ولهذا لما كانت الصلاة عليه بعد الموت، وقبل الدفن، - صلاة ~~الجنازة - مشروعة؛ فتحوا باب الحجرة لجميع الصحابة، فكان كل منهم يدخل ~~فيصلي عليه، ثم يخرج، وصلوا عليه أفذاذا، لم يؤمهم في الصلاة عليه أحد، ~~وعائشة رضي الله عنها في ناحية الحجرة. # فلو كان إتيان قبره بعد دفنه كإتيانه قبل الدفن؛ /30أ/ لكانت الحجرة ~~مشرعة للمسلمين، كلهم يأتي قبره ليفعل ما سنه للمسلمين، فلما اتفق الصحابة ~~على أنهم يدفنونه في الحجرة، ولا يمكن الناس ms38 من الدخول عليه، فلم يمكن ~~أصحابه، ولا غير أصحابه، من الدخول إلى الحجرة إلا صاحبة الحجرة، ومن دخل ~~إليها؛ علم أن إتيان قبره لم يكن مما سنه لهم وأمرهم به، بخلاف السلام عليه ~~في الصلاة، وخارج الصلاة، في مسجده، وغير مسجده، فإنه مما سنه لهم، وأمرهم ~~به، كما أمروا بالصلاة عليه، والسلام عليه من جنس الصلاة عليه، وقد أمروا ~~في القرآن بهذا وهذا، كما قال تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا ~~أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56] . # وهو لم يكتف بأنه لم يأمرهم بإتيان قبره، وزيارته في حجرته، والدعاء ~~عنده، والصلاة؛ بل نهاهم عن ذلك، فقال في مرض موته: «لعن الله اليهود # PageV01P080 # والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ~~ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. # وقال لهم قبل موته بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ~~ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» . # وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» . # وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد» . # ومالك وغيره /30ب/ من أئمة المسلمين علموا أنه لم يأمر بزيارة قبره، فلم ~~يقل: زوروا قبري، ولا رغب في زيارة قبره، بل كل حديث روي في زيارة قبره ~~فإنه ضعيف، بل كذب موضوع، ولهذا لم يرو أئمة المسلمين منها شيئا، ولا ~~اعتمدوا على شيء منها، فلم يخرج أصحاب الصحيح منها شيئا، ولا خرج أهل السنن ~~المعتمدة - كسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي - منها شيئا، ولا روى أحمد ~~بن حنبل وأمثاله في مسنده منها شيئا، ولا مالك، ولا الشافعي، ولا نحوهم، ~~وإنما يرويها مثل الدارقطني، وهو يعلم أنها ضعيفة. # وقد روى البزار في مسنده منها حديث عبيد الله بن عمرو، وهو ضعيف ~~باتفاقهم، ولفظه: «من زارني بعد مماتي كنت له شفيعا يوم القيامة» وعن ابن ~~عمر لفظا آخر. # وهم يروون أنه قال: «من زارني بعد مماتي فكأنما ms39 زارني في # PageV01P081 # حياتي» وهذا انفرد به حفص القاري عن ليث بن أبي سليم، وقد اتفقوا على ~~ضعفه في الحيث، وأنكروا عليه هذا الحديث، وكذلك الأول، أنكروا على من رواه ~~عن عبد الله بن عمر أخي عبيد الله، مع ضعف في عبيد الله، كما قد بسط هذا في ~~مواضع. # وهذا أيضا كذب مخالف لدين الإسلام، فإن الذين كانوا يزورونه (1) في ~~حياته، هم الذين هاجروا /31أ/ إليه، وبايعوه على الإسلام، كالوفود الذين ~~كانوا يقدمون إليه، وأولئك من أصحابه، فلو أنفق الرجل مثل أحد ذهبا، ما بلغ ~~مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان بالأعمال الواجبة لا يصير مثل PageV01P082 # أحدهم فكيف يصير بعمل ليس بواجب، بل ولا مسنون؟ # وأما من يروي أنه قال: من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله ~~الجنة. فهذا أعظم كذبا من غيره، وقد قيل: إن هذا لم يسمع حتى استنقذ ~~المسلمون القدس من أيدي الفرنج، ونقل هذا ابن الصلاح عن شيوخه وغيره، ولم ~~ينقل عن أحد من الصحابة استحباب زيارة قبره، بل قد علم بالنقل المتواتر أنه ~~كان يكون في حجرته، وهم لا يزورون قبره، لا من داخل الحجرة، ولا من خارجها، ~~والعلماء متفقون على أن أهل المدينة لا يزورون قبره إذا دخلوا المسجد ~~وخرجوا منه، ولكن ابن عمر كان يقف عند القبر، ويسلم عليه، وعلى صاحبيه، إذا ~~قدم من سفر، فأخذ بفعل ابن عمر طائفة من العلماء، وآخرون لم يأخذوا بفعله، ~~بل بفعل جمهور الصحابة. # ولا كانوا إذا كانوا مقيمين بالمدينة يزورون القبر ولا يأتونه، لا لدعاء، ~~ولا غيره، بل كانوا يأتون إلى مسجده، وهم في كل صلاة في مسجده، وغير مسجده، ~~يقولون: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله /31ب/ وبركاته، ويصلون عليه، ~~ويسألون له الوسيلة إذا سمعوا الأذان، كما سنه لهم، وهذه المصالح العظيمة ~~يحصل بها أضعاف ما يحصل في زيارة قبره، مع أن # PageV01P083 # ذاك كانوا يخافون أن يصير ذريعة إلى الشرك، واتخاذه مسجدا، وعيدا، ووثنا، ~~وهذا الخوف كان لما كان الدخول إليه ممكنا، ms40 ولما سدوه، ومنعوا الناس من ~~الدخول إليه؛ ما بقي يمكن أحد (1) الزيارة المعروفة، ولا الشرك، ولا اتخاذه ~~وثنا، ولا يقدر أحد أن يصلي إلا إلى مسجده، ومسجده ليس هو قبره وبيته، بل ~~مسجده بني للصلوات الخمس، وغيرها. # وكان يعتكف فيه، ولا يعتكف في بيته، فحكم هذا غير حكم هذا بالنص ~~والإجماع، ولهذا إنما كان ابن عمر يأتي القبر فيسلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وعلى صاحبيه، إذا قدم من سفر، وكانت الحجرة إذ ذاك خارجة عن ~~المسجد، ملاصقة له، وإنما أدخلت في المسجد من (2) خلافة الوليد بن عبد ~~الملك، وأدخلت بعد انقراض الصحابة من المدينة، فإن آخر من مات بها جابر بن ~~عبد الله، وجابر مات سنة بضع وسبعين في خلافة عبد الملك، وابنه الوليد إنما ~~تولى سنة بضع وثمانين، والمسجد أخر بناءه بعد ذلك بمدة، وعبد الله بن عمر ~~مات في خلافة أبيه عبد الملك سنة ثلاث وسبعين عقب فتنة ابن الزبير بمكة. # وكان ابن عمر إنما يسلم عليهم من جهة الرؤوس، من جهة المغرب، إذ كانت جهة ~~القبلة متصلة بغيرها من الحجر، وكان يسلم عليهم على الترتيب، كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هو المقدم إلى ناحية /32أ/ القبلة، وأبو بكر خلفه، وعمر ~~خلف أبي بكر، ورأس أبي بكر عند منكبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأس ~~عمر عند منكبي أبي بكر، كالدرج، هذا أشهر الأقوال. وقيل: إن رؤوسهم مستوية، ~~وقيل: بل اثنان منهما متحاذيان فقط. # ولا يعرف من أين كان ابن عمر يسلم، هل كان يستقبل الحجرة أو PageV01P084 # القبلة؟ والفقهاء متنازعون: # فمنهم من يقول: يستقبل القبلة عند السلام، ويكون عن يسار الحجرة، أو ~~أمامها كما ينقل عن أبي حنيفة. # ومنهم من يقول: بل يستقبل الحجرة، وهؤلاء يقول كثير منهم: إنه يستدبر ~~القبلة، ويستقبل الحجرة، فيأتيهم من جهة وجوههم، ويسلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم ينحرف قليلا إلى جهة الشرق، فيسلم على أبي بكر، ثم ينحرف ~~قليلا فيسلم على عمر، وهذا إنما يجيء ms41 على قول من جعل ترتيبهم كدرج المنبر، ~~وهؤلاء استحبوا هذا؛ لأن قصد التحية من جهة الوجه أحسن، وإذا سلم عليهم من ~~جهة الرؤوس، كما فعل ابن عمر، كان حسنا، ويحصل الترتيب على قول من يقول ~~باستواء الرؤوس. # ولما لم يكن معهم سنة عنه في التحية من خارج بيته، اضطربوا في الوقوف، ~~وأما تحيته من داخل، فإنما كانت ممكنة من جهة القفا، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قبره متصل بالجدار القبلي، فلم يمكن أحدا /32ب/ أن يقف هناك إذا ~~دخل ويسلم عليه، وهذا مما قد يحتج به من يستقبل القبلة فيقول كما لو كان ~~داخل الحجرة، لكن هذه حجة ضعيفة فإن مقتضى هذا أن يسلم عليه خلف الحجرة، ~~وهذا لم يعلم به قائلا. # وكان الصحابة دائما يقصدون المدينة على عهد الخلفاء الراشدين، من الشام، ~~والعراق، ومصر، واليمن، وغيرها، كما تقدم، ولم يشتهر عنهم أنهم كانوا إذا ~~أتوا المسجد فصلوا فيه، وسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ~~يذهبون بعد ذلك إلى قبره، وإنما روي هذا عن ابن عمر، أو عن غيره في قضايا ~~معينة، ولو كان هذا عملا معروفا لعامة الصحابة القادمين، كالصلاة # PageV01P085 # في مسجده؛ لكان هذا ينقل عنهم نقلا شائعا متواترا، لكثرة ما كانوا يقدمون ~~المدينة من الأمصار، أضعاف أضعاف ما يقصدها الناس في هذه الأوقات؛ لأنها ~~كانت دار الخلافة، فجميع أمور أهل الأمصار متعلقة بها، تقصد من جميع ~~النواحي، في جميع العام، ومع هذا فأصحابه أفضل الخلق، وأعلمهم بدينه وما ~~أمرهم به من توحيد الله وحقه، كانوا يفعلون ما أمرهم به وسنه لهم من الصلاة ~~في مسجده، /33أ/ ومن الصلاة والسلام عليه، وطلب الوسيلة له كما أمر. # ولم يكن كل من قدم المدينة ذهب إلى القبر، فلم يكن هذا من عملهم الشائع ~~العام، ولا كانوا يأمرون الناس بذلك؛ لعلمهم أن هذا ليس مما حضهم عليه، ~~ورغبهم فيه، بل نهاهم أن يتخذوا قبره عيدا، ومسجدا، ولعن من يفعل ذلك، ~~فكانوا يفعلون ما أمرهم به دون ما نهاهم ms42 عنه، وما نهاهم عنه من اتخاذ قبره ~~عيدا ومسجدا لم يبق ممكنا البتة، بل لا يقدر أحد على ذلك، ومن استقبل ~~الحجرة إذا سلم عليه لم يقل: إنه اتخذ قبره عيدا ولا مسجدا، فإنه لم يصل ~~إلى قبره البتة، بل إنما فعل ذلك في المسجد. # لكن يقال: هذا الفعل مشروع أم لا؟ وهل هو مما يسن في المسجد أم هو من ~~أحكام المسجد، ليس من أحكام القبر؟ ولكن كثير من الناس ما بقي يعرف زيارة ~~القبر، إلا ما يكون في المسجد، وهو اسم لا يطابق مسماه، بخلاف أهل البدع ~~الذين يقصدون ما نهى عنه، وقد يجعلون ما نهى عنه أفضل مما أمر به، كما ~~فعلته //50ب// النصارى وأشباههم. # ولكن أهل البدع لا يتمكنون من فعل بدعة عند قبره، ولا من الوصول # PageV01P086 # إلى قبره (1) ، ولا يقدر أحد أن يتخذه عيدا ولا مسجدا، ولا وثنا (2) ، ~~ولله الحمد والمنة؛ فهذا ما فعل بقبره قط، بل كان الصحابة يمتنعون منه مع ~~قدرتهم عليه، ومن بعد الصحابة منعوا منه، فلو طلبوا فعله /33ب/ لما قدروا ~~عليه؛ لأن الصحابة أعلم بدينه، وأتبع له. # وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم من سائر المؤمنين إذا زير قبره، فإنه ~~(3) يزار قبره فيوصل إليه، فيسلم (4) عليه، ويدعى له هناك، ومثل هذا لا ~~يشرع في مغيبه، فلم يشرع أن يقال في (5) الصلاة: السلام (6) على فلان ~~وفلان، وإنما قيل على سبيل العموم: «السلام علينا، وعلى عباد الله ~~الصالحين» ، فتبين أنه يحصل لغيره في زيارة قبره من المنفعة ما لا يحصل ~~بدون ذلك، بخلاف الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الذي يحصل له مع عدم ~~الزيارة أكمل، وأفضل، وأنفع. # # # PageV01P087 # //51أ// « ### | فصل # فهذا فرق من جهة انتفاء المصلحة. # وفرق آخر من جهة حصول المفسدة، وهو أن: لفظ الزيارة للقبور (1) قد صار في ~~عرف الناس متناولا للزيارة الشرعية المأمور بها، والبدعية (2) المنهي عنها، ~~بل كثير منهم إذا أطلق زيارة قبور الأنبياء والصالحين، إنما يفهم منها: ~~الزيارة البدعية، المنهي عنها، كاتخاذ قبورهم مساجد، وأعيادا، واتخاذ ms43 ~~قبورهم أوثانا، ومشابهة أهل الكتاب فيما لعنهم عليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وفعل ما نهى عنه الرسول بقوله (3) : «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد، /34أ/ ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» ~~رواه مسلم في صحيحه (4) ، وغيره. # ويقصدون الحج إلى قبورهم، واتخاذ ذلك نسكا، والدعاء، والصلاة لهم، فمنهم ~~من يسجد للقبر، ومنهم من يطلب منه كما يطلب من الله، فيقول: اغفر لي ~~وارحمني، وعامتهم يصلون عنده، ويطلبون منه الدعاء لهم، أو يدعون به، أو ~~يشتكون إليه، ويطلبون منه قضاء الحاجة في الجملة، فيقول هذا (5) : أشكو ~~إليك ذنوبا (6) أنت تعلمها، كأنه يخاطب رب العالمين، ويقول هذا: أشكو إليك ~~ديني وعيالي، //156ب// وهذا يقول (7) : أشكو إليك الجدب، والقحط، ويقول ~~هذا: أشكو إليك ظهور العدو، فيخاطبونه كما يخاطب رب العالمين، ويشتكون (8) ~~إليه ما لا يشتكى إلا إلى الله (9) ، كما قال يعقوب (10) : {إنما أشكو بثي ~~وحزني إلى الله} [يوسف: 86] وكان عمر بن PageV01P088 # الخطاب يقرؤها في الصلاة فيسمع (1) نشيجه من آخر الصفوف. # وقال موسى (2) : اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك ~~المستغاث، [وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك] (3) . # وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم الطائف: «اللهم إليك أشكو ضعف ~~قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي» . # فالأنبياء، وأتباع الأنبياء، إنما كانوا يشتكون إلى الله، وله يدعون، ~~ويتضرعون، وإليه يرغبون، وبهذا أمر الله رسوله (4) ، /34ب/ قال تعالى: ~~{فإذا فرغت فانصب • وإلى ربك فارغب} [الشرح: 7-8] ، وقال تعالى: {ولو أنهم ~~رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله ~~إنا إلى الله راغبون} [التوبة: 59] وقال تعالى عند خوفهم من العدو: {إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} [الأنفال: 9] وقال (5) فيما يصيبهم من الضر: ~~{وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} [النحل: 53] ~~//157أ// وقال (6) : {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير ~~فلا راد لفضله} [يونس: 107] وقال (7) : {قل أفرأيتم (8) ما تدعون من دون ms44 ~~الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل PageV01P089 # هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} [الزمر: 38] . # وقد بين الله (1) كفر النصارى وغيرهم، حيث شبهوا المخلوق بالخالق (2) ، ~~ودعوا المخلوق كما يدعون الخالق، وبين أن من دعا المخلوق - وإن كان نبيا، ~~أو ملكا - فإنه دعا ما لا ينفع، ولا يضر، فقال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا ~~إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي ~~وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما ~~للظالمين من أنصار • لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله ~~إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم • ~~أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله /35أ/ غفور رحيم • ما المسيح ابن ~~مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر ~~كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون • قل أتعبدون من دون الله ما لا ~~يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم} [المائدة: 72-76] . # فبين أن المسيح عليه السلام لا يملك ضرا ولا نفعا (3) . # وقد قال الله لمحمد (4) : {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء ~~الله ولو كنت //149ب// أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} ~~[الأعراف: 188] ، وقال تعالى: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} [الجن: ~~21] ، وقال: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم ~~إني ملك} [الأنعام: 50] . # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ~~المسيح (5) ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» . ~~PageV01P090 # ومن الناس من عصى أمره، وغلا فيه (1) ، فكفر بما جاء به، وبرئ منه وهو ~~يحسب أنه يتبعه، كما ظنت النصارى أنهم يتبعون (2) المسيح بغلوهم فيه، وقد ~~كفروا به، وبرئوا منه. فمن الناس من اعتقد في الرسول ما اعتقدته النصارى في ~~عيسى (3) ، حتى صرحوا ms45 بأنه [هو] (4) الله، وأنه يعلم كل ما يعلمه الله، ~~ويقدر على كل ما يقدر الله عليه، وهذا قاله لي غير واحد من هؤلاء، وحكوه عن ~~شيوخ لهم كبار، وهم يرون هذا من علوم الأسرار التي لا يطلعون عليها إلا ~~الخواص، وهم يعتقدون /35ب/ هذا في شيوخهم أيضا، وهؤلاء غير الغالين (5) من ~~الشيعة الذين يعتقدون الإلهية فيه، وفي علي [بن أبي طالب] (6) ، وطائفة من ~~أهل بيته، ومنهم من يعتقد الإلهية في بني عبيد الله القداح، كالحاكم، ~~وأمثاله. وثم (7) طائفة من الشيوخ يعتقدون في العارفين الكمل اتحاد الحق ~~بهم، وأنه [تعالى] (8) هو الذي يتكلم على ألسنتهم وأن الموحد هو الموحد، ~~وينشدون: # ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد # //150أ// توحيد من يخبر (9) عن نعته ... عارية أبطلها الواحد # توحيده إياه توحيده ... ونعت من ينعته لاحد (10) PageV01P091 # وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أنه قد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق ~~على صحته عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «لتسلكن سنن ~~من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» قالوا: يا ~~رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن» . # وهو صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد ~~في الله حق جهاده (1) ، وبين (2) الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والرشد ~~(3) من الغي، وحذر أمته هذه الأمور، ونهاهم عنها وعما يدعو إليها، وما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين، قال تعالى: {فإن تولوا (4) فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين} ~~[النور: 54] . PageV01P092 # /36أ/ « ### | فصل # //حاشية 51أ// فهذان فرقان من جهة حصول المصلحة، وانتفاء المفسدة. # وفرق ثالث: أن زيارة غيره ممكنة؛ لبروز قبره، وإمكان مشاهدته، والوصول ~~إليه، وهو صلى الله عليه وسلم لا يقدر أحد أن يصل إلى قبره، لا لما يشرع ~~عند قبر غيره ولا لما ينهى عنه، بل منعوا من الجميع، كما دفنوه في ms46 حجرته ~~دون غيره؛ سدا للذريعة، فهو صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ بيته (1) ~~عيدا، ومسجدا، وروي أنه إنما دفن في الحجرة بسنته، وأن أبا بكر روى لهم عنه ~~أن الله لم يقبض نبيا إلا حيث يدفن (2) ، فرفعوا فراشه، ودفنوه تحتها ~~بأمره، باتفاق أصحابه، بأمره على (3) جعل قبره محجوبا غير بارز، بخلاف غيره ~~من المؤمنين. # //150أ// ومن الفروق (4) بينه وبين غيره: أنه صلى الله عليه وسلم قد ثبت ~~عنه في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، أنه قال: «لا تشد الرحال ~~إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» ورواه // ~~أهل السنن، والمسند، من غير هذه الطرق أيضا مثل حديث بصرة بن أبي بصرة الذي ~~رواه مالك، وأبو داود، وأحمد، وغيرهم، ولفظه: «لا تعمل PageV01P093 # المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» . # فكان في (1) هذا بيان أن ### | السفر إلى غير المساجد الثلاثة غير مشروع # ، كما اتفق على ذلك السلف والأئمة، فإن قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد» استثناء مفرغ، فإما أن يكون التقدير: لا تشد إلى مسجد إلا إلى ~~هذه الثلاثة، وإما أن يكون التقدير: لا تشد إلى مكان مطلقا /36ب/ من ~~الأمكنة التي تقصد، وتعظم، ويسافر لأجلها. # فأما السفر لتجارة، أو جهاد أو طلب علم، أو زيارة أخ في الله، أو صلة ~~رحم، ونحو (2) ذلك، فإنها لم تدخل في الحديث؛ لأن تلك لا يقصد فيها مكان ~~معين، بل المقصود ذلك المطلوب حيث كان صاحبه، ولهذا لم يفهم أحد من هذا هذه ~~الأمور. # بخلاف السفر إلى البقاع المعظمة كطور موسى، وكقبور الأنبياء، والصالحين، ~~فإن الصحابة، والتابعين، والأئمة، فهموا دخولها في هذا الحديث، ولم يكن في ~~السلف من ينكر دخولها في الحديث، ودخولها على أحد وجهين: إن قيل: إن ~~المستثنى منه: جنس البقاع المعظمة، فقد دخلت هذه، وإن قيل: إن المستثنى ~~منه: هو المساجد، فلا ريب أنه إذا لم يشرع السفر إلى المساجد، فلا يشرع إلى ~~هذه بطريق الأولى؛ فإن المساجد أفضل البقاع، كما ثبت في الصحيح أن النبي ms47 ~~صلى الله عليه وسلم قال: «أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى ~~الله الأسواق» رواه مسلم. # والمساجد يؤمر بقصدها، ويسافر إلى بعضها، ويجب السفر إلى PageV01P094 # بعضها، فإذا كانت لا يشرع السفر منها إلى غير الثلاثة، فغير المساجد أولى ~~أن لا يشرع السفر إليها، ولهذا /37أ/ لم يقل أحد من علماء المسلمين إنه ~~يسافر إلى زيارة القبور، ولا يسافر إلى المساجد، وإنما حكي عن بعضهم العكس، ~~فحكي عن الليث بن سعد أنه قال: إذا نذر السفر إلى سائر المساجد، وفى بنذره. ~~وعن محمد بن مسلمة من أصحاب مالك أنه قال ذلك في مسجد قباء. # ولم يقل أحد من أئمة المسلمين إنه من نذر السفر إلى قبر نبي أو غير نبي ~~وفى بنذره، بل نصوا على أنه لا يوفي بنذره، ليس بين الأئمة الأربعة وغيرهم ~~من نظرائهم خلاف في ذلك، بل كلهم متفقون على أنه من نذر السفر إلى قبر نبي ~~- أي نبي كان - أو قبر صالح، أنه لا يوفي بنذره. # ومالك رحمه الله إذا كان قد نص على ذلك في قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسائر الأئمة يوافقونه وهم أولى بذلك منه، فإن مذهب مالك وأحمد: أنه من نذر ~~السفر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، أو المسجد الأقصى؛ وجب عليه ~~الوفاء بنذره، وهو أحد قولي الشافعي، والقول الآخر له وهو مذهب أبي حنيفة: ~~أنه لا يجب الوفاء إلا إذا نذر المشي إلى الكعبة، فيذهب في حج أو عمرة. # فهؤلاء إذا لم يوجبوا السفر إلى مسجد المدينة، والمسجد الأقصى، مع أنهما ~~سفران مشروعان مستحبان بنص الرسول (1) صلى الله عليه وسلم واتفاق الأئمة، ~~فأن لا يوجبونه إذا نذر السفر لزيارة القبر بطريق الأولى، /37ب/ فإن أصل ~~أبي حنيفة أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان (2) جنسه واجبا بالشرع، والسفر إلى ~~مسجد المدينة، والأقصى، ليس من جنسه ما هو واجب بالشرع. PageV01P095 # لكن مالك، وأحمد، ومن وافقهما كالشافعي في أحد قوليه، لما كانوا يوجبون ~~الوفاء بنذر كل طاعة، سواء كان من ms48 جنسها ما هو واجب بالشرع، أو لم يكن، فمن ~~نذر السفر إلى مسجد الرسول مقصوده الصلاة فيه، فعليه أن يوفي بنذره، ومن ~~نذر السفر إلى المدينة، فهذا مجمل، قد يكون مقصوده الصلاة في مسجده، وقد ~~يكون مقصوده زيارة أهل البقيع، أو شهداء أحد، أو زيارة مسجد قباء، أو بعض ~~المزارات، أو مجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فلهذا صرح هؤلاء ~~بأنه لا يوفي بنذره، إلا إذا كان مقصوده الصلاة في مسجده، فمن قصد غير ذلك، ~~من زيارة قبره، أو غير زيارة قبره، لم يوف بنذره. قالوا: لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» وقال: «لا تشد ~~الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» وإعمال المطي إلى غير المساجد أولى بالنهي. # فإذا كان مقصوده بإعمال المطي: زيارة (1) قبره، أو قبور أهل البقيع، أو ~~شهداء أحد، أو مسجد قباء، فهو منهي عن هذا السفر، /38أ/ وما كان منهيا عنه ~~لم يكن قربة، فلا يجب بالنذر باتفاق المسلمين، لكن إذا نذر لله معصية: فهل ~~عليه كفارة يمين؟ فيه قولان للعلماء مشهوران، وظاهر مذهب أحمد: أن عليه ~~كفارة يمين، وكذلك مذهب أبي حنيفة، وطائفة من أصحاب الشافعي إذا قصد بالنذر ~~اليمين، وظار مذهب الشافعي أنه لا شيء عليه، وهو مذهب مالك. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» أو «لا ~~تعمل المطي» هو نهي عن ذلك عند السلف، والعلماء المتقدمين، ما علمت بينهم ~~نزاعا أن هذا نهي عن السفر، وهو قول مالك، وأصحابه، والمتقدمين (2) من ~~أصحاب الشافعي، وأحمد، والصيغة نص في ذلك، PageV01P096 # كما في قوله: {لا تضار والدة بولدها} [البقرة: 233] . وقوله: {فمن فرض ~~فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة: 197] ، وقوله: {وإن ~~(1) تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} [البقرة: 279] ، ونظائره ~~كثيرة، كقوله: «لا يبيع حاضر لباد» . # ثم من الناس من يقول: أصل هذه الصيغة الخبر، لكن لما تعذر ذلك فيها؛ حملت ~~على النهي. ومنهم من يقول: ms49 بل النهي له صيغ متعددة، منها: صيغة: لا تفعل، ~~بالجزم، لكن هذه يسميها النحاة: صيغة النهي، وأما: لا تفعل، بالرفع، فهذه ~~لا تختص بالنهي، بل قد يراد بها النهي، وقد يراد بها غير النهي، وكذلك ~~القولان في مثل قوله: {والوالدات يرضعن} [البقرة: 233] . # لكن الناس متفقون على أن مثل هذه الصيغة إذا لم تكن خبرا كانت أمرا ~~ونهيا، وقال /38ب/ طائفة من متأخري أصحاب الشافعي، وأحمد: إن هذا ليس بنهي، ~~بل هو نفي؛ لكونه مشروعا، قالوا: وهذا يوجب أن يكون مباحا، لا مستحبا، ولا ~~مكروها، ولا محرما، ولهذا بنى هؤلاء على هذا: أنه إذا سافر إلى غير الثلاثة ~~قصر الصلاة؛ لأنه مباح. # وهكذا قال طائفة من أصحاب مالك، كابن عبد البر، وابن بطال، قالوا: الحديث ~~محمول على أنه لا يجب بالنذر إلا هذه الثلاثة، فلو نذر شيئا لم يجب، وهذه ~~الثلاثة تجب بالنذر، وإن كان المسجدان مستحبين، فاقتضى الحديث عندهم: أن ~~المستحب يجب بالنذر، وغير PageV01P097 # الثلاثة: لا تجب بالنذر، فلا يكون مستحبا، هذا معنى الحديث عندهم. # وأما أولئك الذين يقولون إنه منهي عنه، فمن قال: إن السفر المنهي عنه لا ~~تقصر الصلاة فيه، فإنه لا تقصر الصلاة في مثل هذا، كما صرح بذلك من صرح به ~~منهم، مثل ابن عقيل، وغيره، وكل من يوافقه على الأصلين يوفقه على ذلك، ~~فأصحاب مالك، والشافعي، الذين يوافقونه على أن هذا محرم، وعلى أن المحرم لا ~~تقصر فيه الصلاة، يوافقونه على أنه لا تقصر فيه الصلاة. # والصحيح قول السلف والجمهور، وأن هذا نهي منه صلى الله عليه وسلم وذلك أن ~~الصيغة صيغة خبر، وقد علم أنه لم يرد /39أ/ صيغة الخبر (1) ، فتعين أن يحمل ~~على النهي، هذا إذا روي بصيغة الخبر، «لا تشد» بالضم، وأما إذا روي بصيغة ~~النهي: «لا تشد الرحال» ، و «لا تعمل المطي» لم يبق فيه شبهة، وهذا كقوله: ~~{لا تضار والدة بولدها} [البقر: 233] على قراءة من قرأ بالرفع عطفا على ~~قوله: {لا تكلف نفس إلا وسعها} [البقرة: 233] فإن هذه صيغة خبر، ms50 ومعناه ~~النهي، كقراءة من قرأ: {لا تضار} بفتح الراء، فإن هذا نهي، لكنه فتح الراء ~~لالتقاء الساكنين، كما في قوله: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] ~~وفي قوله: {من يرتد منكم عن دينه} [المائدة: 54] . وفي الآية الأخرى: {ومن ~~يرتدد منكم عن دينه} [البقرة: 217] وكذلك قوله: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ~~ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة: 197] أي: لا تجادلوا (2) في الحج، ~~وقول من قال: لم ينه عن ذلك، وإنما نفى استحبابه؛ غلط من وجوه: # منها: أن يقال: معلوم أن من سافر إلى مسجد غير الثلاثة، أو بقعة معظمة، ~~فإنما يفع ذلك متقربا به، ولا يفعله على أنه مباح مستوي PageV01P098 # الطرفين، فإذا كان هذا عند صاحب الشرع ليس بمستحب، كما قد ذكرتم أنه ~~أراده، لزم أن من فعله معتقدا أنه مستحب، يطلب فيه الأجر، مخالف عاص لصاحب ~~الشرع، وهو منهي عن السفر بهذه النية، فقولكم متناقض حيث قلتم: إنه نفى ~~الاستحباب، ولم ينه عنه، مع أن الذين يفعلونه، يفعلونه لأنه مستحب عندهم، ~~وهم ينهون عن هذا، /39ب/ فإن الرسول إذا قال إنه غير مستحب، كان قد نهى ~~أمته أن يظنوا أنه مستحب، أو يعملوه على أنه مستحب، فإذا كانوا لا يفعلونه ~~إلا لأنه مستحب عندهم، وقد نهاهم عن هذا، فقد نهاهم عن فعله. # فإذا قلتم: لم ينههم مع ذلك، جمعتم بين النقيضين، فحقيقة قولكم: إنه ~~نهاهم وهو لم ينههم. # ولهذا كان الذين ينازعون هؤلاء يحتجون عليهم بما سلموه من أنه ليس ~~بمستحب، والذين يفعلونه إنما يفعلونه لأنه مستحب، فيجعلون قولهم: إنه غير ~~منهي عنه، يقتضي أنه مستحب، لكن القول باستحبابه إلزام لهم، ونفي استحبابه ~~نص قولهم، ولازم المذهب ليس بمذهب، لكن إذا كان فاسدا دل على فساد المذهب، ~~فلما كان قولهم يستلزم الاستحباب، مع أنهم نفوا الاستحباب، ولا بد لهم من ~~ذلك وإلا عطلوا النص؛ كان قولهم متناقضا. # ومنها: أن صيغة النفي، إذا لم يرد بها النفي، كانت نهيا، هذا هو المعهود ~~في الخطاب، كما أن صيغة الخبر إذا ms51 لم يرد بها الخبر كانت أمرا، كقوله: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228] . {والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] أما كون صيغة النفي ~~يراد بها الإباحة، ونفي الاستحباب، فهذا غير معلوم في خطاب الشارع، فالحمل ~~عليه حمل لكلامه على غير لغته المعروفة، ولسانه الذي خاطب به الناس. # PageV01P099 # /40أ/ ومنها: أن هذا القول محدث لم يقله أحد من سلف المسلمين وأئمتهم. # ومنها: أن السفر إلى غير الثلاثة إذا كان مباحا مستوي الطرفين مع أن ~~أصحابه يتخذونه قربة وطاعة، فإما أن يقال: إنهم يثابون، أو لا يثابون، فإن ~~قيل: إنهم يثابون، فالمباح الذي ليس بمستحب لا ثواب فيه، وأيضا فتلك مخالفة ~~محضة للحديث، وإن قيل: إنهم لا يثابون مع أنهم لم يسافروا لمصلحة دنيوية، ~~فقد سافروا سفرا لا ينفعهم في دينهم ولا دنياهم، وهم يعتقدون أنهم يثابون، ~~ويؤجرون، ومثل هذا لا يكون إلا منهيا عنه، لا يكون مباحا مستوي الطرفين. # ومنها: أن السفر إلى البقاع المعظمة هو من جنس الحج، ولهذا يسمونها: حجا، ~~ويسمون أعمالها: مناسك، ويسمون الكتب المصنفة في ذلك: مناسك حج المشاهد، ~~ويقول بعض الناس: وحق النبي الذي تحج إليه المطايا. # ولكل أمة بقاع يعظمونها، يحجون (1) إليها، وكانوا في الجاهلية يحجون إلى ~~بيوت الأصنام، وفي حديث أمية بن أبي الصلت لما اجتمع بالراهب، وأخبره أنه ~~سوف يبعث نبي من العرب، فطمع أن يكون هو إياه، فقال له الراهب: إنه من أهل ~~بيت تحجه العرب، قال: فقلت له: ونحن معشر ثقيف فينا بيت تحجه العرب، قال: ~~إنه ليس منكم، إنه من إخوانكم /40ب/ من قريش. فقال (2) : فينا بيت تحجه ~~العرب؛ وهو اللات المذكور في القرآن في قوله: {أفرأيتم اللات والعزى} ~~[النجم: 19] وكانوا يسمونها: الربة، وقرأ طائفة من السلف: اللات، بالتشديد، ~~وقال طائفة من السلف: إنه كان يلت السويق للحجاج، فلما مات عكفوا على قبره. ~~PageV01P100 # وأهل الكتاب يحجون إلى كنائسهم، ومنه قيل في قصة الفيل: إن صاحب الفيل ~~أبرهة بنى كنيسة وأراد أن يصرف حج العرب إليها، فأحدث فيها ms52 بعض العرب، فجعل ~~السفر إلى الكنيسة حجا كالسفر إلى الكعبة. # والمقصود أنهم كانوا يسمون السفر إلى مثل هذا: حجا، إذ الحج في اللغة هو ~~القصد إلى معظم، كما قال: # وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا # ومشركو الهند يحجون إلى السمناة، والنصارى يحجون إلى بيت لحم والقمامة، ~~وإنما يقصدون المكان الذي ولد فيه المسيح، والمكان الذي صلب فيه، فإنما ~~عظموا تلك البقعة لأجل المخلوق. # PageV01P101 # وهكذا الذين يسافرون لزيارة المقابر، والمشاهد التي يعظمونها هي عندهم ~~مثل الحج، بل أعظم من الحج، ويسمونها الحج الأكبر، ويرون أن مرة واحدة منها ~~أفضل من حجات إلى مكة، ويدعون عندها، ويتضرعون، ويخشعون، كما يفعله ~~المسلمون في بيوت الله، ومشاعره، أو أعظم من ذلك، أو دون ذلك، كما كان ~~المشركون يعظمون آلهتهم مثلما يعظمون الله، وقد يفضلونها على الله، /41أ/ ~~كما قال تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا ~~لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله ~~فهو يصل إلى شركائهم} [الأنعام: 136] ، وقال تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون ~~من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} [الأنعام: 108] . # ومثل هؤلاء موجودون في زماننا، يكون شيخ أحدهم في صدره أعظم من الله، ~~بحيث يسب الله ويشتمه إذا فعل بشيخه مكروها، كما جرى مثل هذا لطائفة بعد ~~طائفة، ومن سب شيخه حاربه، ومن سب الله سالمه، ويحلف بالله ويكذب، ولا ~~يستجرئ (1) أن يكذب إذا حلف بشيخه. # وإذا كان السفر إلى البقاع المعظمة من جنس الحج فالرسول صلى الله عليه ~~وسلم نهى أن نسافر سفرا يشبه الحج إلا إلى هذه المساجد، فالمسجد الحرام ~~يكون السفر إليه واجبا تارة، ومستحبا أخرى، والمسجدان الآخران يستحب السفر ~~إليهما، فهذا هو المشروع من هذا الجنس، وما سوى ذلك غير مشروع، وما كان حجا ~~غير مشروع فلا يكون إلا محرما، كالحج إلى بيت لحم، والقمامة، وسمناة، وغير ~~ذلك. # فإن قيل: هذه أوثان. قيل: والقبور قد اتخذت أوثانا، وأصل الشرك ~~PageV01P102 # هو من تعظيم القبور، ms53 وقد قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري ~~وثنا يعبد» وقد استجاب الله دعاءه، فلم يتخذ - ولله الحمد - قبره وثنا ~~يعبد، ولا يمكن أن يفعل عنده ما هو دون هذا وذريعة إليه /41ب/ مما نهى عنه، ~~فلا يستطيع أحد أن يفعل عند قبره منكرا، ولا يزوره الزيارة المشروعة في ~~غيره، بل قد منعوا من ذلك سدا للذريعة، وإنما يمكن الوصول إلى مسجده. # وقد يظن الظان أن ما يفعل في المسجد هو عند قبره، وهو غلط، المسجد مسجد ~~قبل قبره، وليس شيء من المسجد من بيته، ولا من قبره، فلا يستطيع أحد أن ~~يفعل هناك خيرا، أو شرا، إلا في مسجده، وأما في بيته فلا يستطيع أحد أن ~~يفعل فيها (لا) (1) خيرا، ولا شرا، ولكن يتوهم أكثرهم أن هذا زيارة لقبره، ~~وإنما زار مسجده، لم يزر قبره، ولا فعل هناك شيئا (2) يختص بالقبور، بل لم ~~يفعل هناك إلا ما يمكن فعله في غير القبور. # ومن توهم أن الذي فعله.. فعله عند قبره؛ فهو غالط، وقيل له: ما الحد ~~الفاصل بين قبره وغير قبره؟ أترى من فعل في الجانب الغربي من المسجد شيئا، ~~فهو أيضا عند قبره؟ فإن قال: نعم، كان كل من صلى في المسجد صلى عند القبر، ~~وهو قد نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وإن قال: لا، قيل له: فقبره وسط المسجد، ~~فإن حد حدا بذراع، أو باع، أو رمح؛ كان متحكما، فعلم أنه ليس أحد ينهى في ~~المسجد عند قبره، ولا زار أحد منهم قبره، ولا وصل إلى قبره. # ولهذا لم يكن أحد من السلف يطلق على شيء من ذلك أنه زيارة لقبره، وقد كره ~~كثير من العلماء أن يقال: زرنا قبره، ولا ريب /42أ/ أن هذا باطل، لم يزر ~~قبره أحد قط، ولكن الذين أطلقوا ذلك أرادوا به الدخول إلى المسجد بحيث يكون ~~قريبا من قبره، ولم يذكروا في ذلك حدا PageV01P103 # فاصلا، كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع. # فالحمد لله الذي حفظ قبره ms54 عن أن يتخذ مسجدا، أو وثنا، أو عيدا، ولم يمكن ~~أحدا أن يدخل إلى قبره بالكلية، بل سد هذا الباب، وأما غيره فقد يتخذ قبره ~~مسجدا، ويتخذ وثنا، وليس على الأنبياء والصالحين الذين فعل ذلك بغير رضاهم ~~درك، فإنهم يكرهون ذلك، ويتأذون بما يفعل عندهم، وهذا كما أن من عبد المسيح ~~وغيره لا إثم عليه بما فعله به غيره بغير إذنه. # لكن كان أهل الكتاب قبلنا يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد، كما ~~أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ونبينا عصمه الله أن يتخذ قبره مسجدا، ~~كما عصم أمته أن تجتمع على ضلالة، فإن الأمم قبلنا كانوا إذا ضلوا أرسل ~~الله نبيا يبين ضلالهم، ومحمد (1) صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء لا نبي ~~بعده فلو اتخذ قبره - والعياذ بالله - مسجدا، وجعل وثنا؛ لكان ذلك من أعظم ~~ظهور الضلال والشرك في أمته، وهي آخر الأمم، وقد عصمها الله أن تجتمع على ~~ضلالة، ولهذا يوجد من هو دونه من أهل بيته، والمشايخ، عند قبره، أو قبر ~~منسوب إليه، وهو كذب، من اتخاذه وثنا ومسجدا، ما لا يوجد عند قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم عصمة من الله، ورحمة، /42ب/ وعناية، بمحمد، وأمته، ~~والمتبعين لسنته. PageV01P104 ### | فصل # فلما كان السفر إلى غير المساجد الثلاثة غير مشروع، وليس عند قبر غيره ~~مسجد يشرع السفر إليه، كان السفر إلى قبر غيره، أو إلى مسجد عند قبر غيره، ~~غير مشروع، بل منهيا عنه، ولم يكن في ذلك شبهة. هذا إذا قدر أن ذلك القبر ~~صحيح، أما قبور الأنبياء، فقالت طائفة، منهم مالك بن أنس: لا يعرف قبر نبي، ~~إلا قبر نبينا خاصة، وقال هؤلاء: لا يعرف قبر الخليل ولا غيره. # وطائفة أخرى قد يعرفون بعض القبور كقبر الخليل عليه السلام، لكن من هؤلاء ~~من يثبت أمورا مكذوبة، مثل قبر نوح الذي بقرية الكرك بجبل لبنان، وغيره من ~~القبور المضافة إلى الأنبياء، فإنها كذب بلا ريب، وإن كان قبر الخليل ~~صحيحا، وكذلك قبور غير الأنبياء كثير منها كذب، ms55 أو مختلف فيه، مثل ما يقال: ~~إن بدمشق قبر أم سلمة، أو أم حبيبة، أو غيرهما من أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أو قبر أبي بن كعب، أو أويس القرني. # وقد اتفق أهل العلم (1) على أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن دفن ~~بالبقيع، إلا ميمونة، ولم يسافر منهن امرأة إلى غير الحج، إلا عائشة لما ~~خرجت إلى البصرة، وأم حبيبة لم تقدم إلى الشام إلى أخيها معاوية، ولكن ~~/43أ/ كان بالشام امرأة من الأنصار يقال لها أم سلمة: أسماء بنت يزيد بن ~~PageV01P105 # السكن، وكان إذا حدث عنها شهر بن حوشب يقول: حدثتني أم سلمة، فيظن الجهال ~~لاشتراك الاسم أنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم. # وكذلك قبر خالد الذي عند حمص، قالوا إنما هو قبر خالد بن يزيد بن معاوية، ~~وأما خالد بن الوليد فمات بالحجاز في خلافة عمر بن الخطاب، ولم يكن بحمص، ~~ومثل هذا كثير. # وذلك أن معرفة هذه القبور لم تكن من الدين، فإن أصحابها يترحم عليهم، ~~ويدعى (1) لهم إذا ذكروا، وإن لم تعرف قبورهم، والذين يقصدون قبورهم، إنما ~~يقصدونها للشرك، واتخاذها مساجد، وأوثانا، فلا يقصدونها لما أمر الله به ~~ورسوله، بل لما نهي عنه، فلذلك عمى الله أخبارها، فلا يكاد يصح منها إلا ما ~~شاء الله. # ومن أشهرها قبر علي بن أبي طالب، ولا ريب عند أهل العلم أنه ليس بقبر ~~علي، وإنما دفن علي في قصر الإمارة بالكوفة، ودفن معاوية بقصر الإمارة ~~بدمشق، ومعاوية الذي دفن بمقبرة باب الصغير هو معاوية PageV01P106 # ابن يزيد بن معاوية، ودفن عمرو بن العاص بقصر الإمارة بمصر، لما تحالف ~~الخوارج على قتل هؤلاء الثلاثة، فقتل ابن ملجم علي (1) بن أبي طالب، وجرح ~~صاحب معاوية معاوية (2) ، وبرئ من جرحه، وصاحب عمرو /43ب/ قتل خارجة بن ~~حذافة، وكان قد استخلفه عمرو في الصلاة، وقال: أردت عمرا (3) وأراد الله ~~خارجة، فدفن الثلاثة في قصر الإمارة؛ لئلا ينبشهم الخوارج، وبسط هذا له ~~موضع آخر. # والمقصورد هنا أن السفر لما كان غير ms56 مشروع إلى غير المساجد الثلاثة، كان ~~السفر إلى مشهد، أو مسجد غير الثلاثة، غير مشروع بلا شبهة، وأما نبينا صلى ~~الله عليه وسلم فإن السفر مشروع إلى مسجده، والحجرة التي دفن فيها كانت ~~بجنب مسجده إلى زمن الوليد بن عبد الملك، فلما كان في زمنه أمر بأن تشترى ~~الحجر وكانت شرقي (4) المسجد وقبليه، فأمر أن تشترى وتزاد في المسجد، وكان ~~نائبه على المدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز، فتولى عمارة المسجد، وبنى ~~على الحجرة جدارا وجعله مسنما محرفا؛ لئلا يصلي أحد إلى الحجرة؛ لما ثبت في ~~صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P107 # أنه قال: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» . # فلما كان السفر إلى مسجده مشروعا، مستحبا، وقبره قد صار في مسجده، صار في ~~زيارة قبره من الاشتباه ما ليس في قبر غيره، فلهذا كره مالك وغيره أن يقال: ~~زرت قبره؛ لئلا يظن أن السفر إلى هناك لأجل زيارة قبره، ولهذا ظهر الفرق ~~بين السفر إلى مدينته، والسفر إلى غيرها، فالسفر إليها للصلاة في مسجده ~~مستحب، والسلام /44أ/ عليه حينئذ حسن، يسلم عليه في مسجده، ويصلي عليه إما ~~مستقبل القبلة، وإما مستقبل الحجرة، كما فعل ذلك من فعله من الصحابة. # وليس كذلك قبر غيره، فإنه لا يشرع السفر إلى المدينة التي هو بها بحال، ~~إذ ليس فيها مسجد من المساجد الثلاثة، فالمسافر إلى تلك المدائن لزيارة ~~مسجد، أو قبر، ظالم لنفسه، مخالف للشرع، بخلاف المسافر إلى مدينة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فإنه مطيع لربه، متقرب إليه، متبع للشريعة، ثم يفصل بين ~~المشروع وغير المشروع، كما أن زيارة القبور التي في البلد مشروعة ثم تنقسم ~~زيارتها إلى مشروعة وغير مشروعة (1) ، بخلاف السفر إلى مشهد، أو مسجد غير ~~الثلاثة، فإنه كله غير مشروع، ولا تقسيم (2) (فيه) (3) . # ولهذا تنازع الفقهاء المتأخرون من أصحاب أحمد وغيرهم في قصر الصلاة في ~~السفر إلى القبور، على أربعة أوجه: # قيل: لا تقصر بحال، وقيل: تقصر بكل حال، وقيل: لا تقصر إلا في ms57 السفر إلى ~~قبر نبينا. # وقيل: يقصر فيه، وفي السفر إلى سائر الأنبياء، وهذا قول قاله بعض الشيوخ ~~الذين أدركناهم، وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم استثني لكونه نبيا، فعدى ~~ذلك إلى غيره، وليس كذلك، وإنما استثني؛ لأن السفر إلى مدينته سفر ~~PageV01P108 # إلى مسجده، وذلك سفر مشروع تقصر فيه الصلاة، أو جعل ذلك من /44ب/ (جعل ~~من) (1) خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، كما قيل [في] (2) الحلف به، فعن ~~أحمد رواية أنه تنعقد اليمين به، اختارها كثير من أصحابه كالقاضي أبي يعلى ~~وغيره، وعدى ابن عقيل ذلك إلى سائر الأنبياء. # لكن الصواب الذي عليه جمهور العلماء، مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، ~~وغيرهم: هو الرواية الأخرى، أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق، لا النبي، ولا غير ~~النبي، فقد يكون من استثنى من السفر إلى المقابر: السفر إلى قبر نبينا، سلك ~~هذا المسلك. # وكذلك ما ذكره ابن كج من أصحاب الشافعي، فإنه قال: إذا نذر أن يزور قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فعندي أنه يلزمه الوفاء، وجها واحدا، ولو نذر أن ~~يزور قبر غيره فوجهان، نقله صاحب الروضة، ولكن الصواب أن الاستثناء إنما هو ~~لأن السفر إلى مسجده مشروع تقصر فيه الصلاة باتفاق المسلمين. # والعلماء المصنفون في المناسك يذكرون السفر إلى مسجده، والصلاة فيه، ~~ويذكرون مع ذلك زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم (والسلام عليه) (3) ، ~~على الوجه المشروع، ومنهم من يقول أشياء باجتهاده، أو لما ظنه صحيحا من ~~الأحاديث، والحكايات، وإن كان ذلك لا أصل له، لكن جميع العلماء متفقون على ~~أنه يستحب لمن أتى المدينة أن يصلي في مسجده، ويسلم عليه، لم يقل أحد من ~~العلماء أنه يستحب السفر لمجرد زيارة قبره، PageV01P109 # والرجوع بلا صلاة في مسجده، فهذا لم يقله أحد من العلماء، وعامة الحجاج ~~لا بد أن يصلوا في مسجده، /45أ/ ثم يسلموا عليه. # فهذا فرق بين هذا السفر إلى بلده وبين السفر إلى سائر المدائن غير ~~مدينته، فهذا مشروع في الجملة بالنص والإجماع، بخلاف السفر إلى مدينة غيره، ~~لكن ms58 من كان عالما بالشريعة إنما يقصد السفر إلى مسجده، وهؤلاء الذين لا ~~يسافرون إلى قبر أحد، ولا يدعون إلا الله، وإذا زاروا القبور زاروها على ~~الوجه المشروع، فيقصدون الدعاء للموتى، كما يقصدون بالصلاة على جنائزهم، ~~فمقصودهم عبادة الخالق والدعاء للمخلوق، وأهل الجهل مقصودهم الشرك بالخالق، ~~وظلم أنفسهم، وظلم المخلوق. # فالزيارة الشرعية فيها القيام بحق الخالق تعالى، وبحق المزور، وبحق ~~الإنسان نفسه، ففيها توحيد الله، وهو حقه، كما في الصحيحين أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لمعاذ: «أتدري ما حق الله على عباده؟» قال: الله ورسوله ~~أعلم. قال: «حقه عليهم أن يعبدوه لا (1) يشركوا به شيئا، أتدري ما حق ~~العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «حقهم عليه ~~أن لا يعذبهم» . # وحق المزور: الدعاء له، كالصلاة على جنازته، وذلك سبب لزيادة الرحمة، ~~والإحسان، والرضوان، والزائر يحصل له من الأجر والثواب على عبادة الله ~~والإحسان إلى عباده ما يستحقه لقيامه بحق الله وحق خلقه. # وأما الزيارة البدعية ففيها ظلم الإنسان نفسه، وظلم المزور، والظلم في حق ~~الله، ف {إن الشرك لظلم عظيم} ، /45ب/ والمزور لا ينتفع بها بل يتأذى، ~~ويتضرر، فإن سؤاله ما لم يؤمر بطلبه منه، لا سيما مع رفع الأصوات عنده، ~~PageV01P110 # والشرك به، مما يؤذيه، وهذا معروف بالأدلة الشرعية، وبكشوفات أهل ~~البصائر، مما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وأما الزائر فإنه ظلم نفسه بتفريطه ~~في حق الله، وحق عباده، وتعديه حدود الله، والشرك بالخالق، وظلم المخلوق. # ثم الزيارة الشرعية هي من الصراط المستقيم، الذي بعث الله به رسوله، وهو ~~واحد، وأما الزيارات البدعية فهي أنواع مختلفة من جنس سبل الشيطان، قال عبد ~~الله بن مسعود: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، وخط خطوطا عن ~~يمينه وشماله فقال: «هذا سبيل الله، وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو ~~إليه» ثم قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله} [الأنعام: 153] . # ولهذا كان المتبعون لشرعته وسنته - وهو سبيل الله ms59 - متفقين، وأما أهل ~~السبل الشيطانية فمتفرقون، كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت ~~الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون • منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من ~~المشركين • من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} ~~[الروم: 30-32] . # وهكذا أهل /46أ/ الزيارات البدعية، منهم من يطلب من المزور دعاءه وسؤاله ~~لربه، واستغفاره، واستنصاره، ودعاءه له بالرزق، وشفاعته، ونحو ذلك، وهذا ~~وإن كان قد ذكر بعضه طائفة من العلماء، وجعلوا قوله: {ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا # PageV01P111 # الله توابا رحيما} [النساء: 64] يتناول من يأتيه بعد الموت، فيطلب منه ~~الاستغفار له، كما كان أصحابه يطلبون منه الاستغفار في حياته، وذكروا في ~~ذلك حكاية لبعض الأعراب، ومناما (1) رآه العتبي، وقيل: بل رآه محمد بن حرب ~~الهلالي، وهم مختلفون في الشعر المذكور فيها، فجمهور الأئمة لم يستحبوا ~~ذلك، وإنما ذكره بعض أصحابهم، ولم يكن الصحابة يفعلون مثل هذا، ولا هو أيضا ~~معروف عن التابعين، ومعلوم أن كل واحد من المسلمين يطلب مغفرة الله، وهو ~~مأمور بالاستغفار، فإنه لا يغفر الذنوب إلا الله، قال تعالى: {والذين إذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب ~~إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} [آل عمران: 135] . # وفي حديث الاستفتاح الذي في الصحيح عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «اللهم أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي، ~~فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، /46ب/ واهدني لأحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي ~~لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف عني PageV01P112 # سيئها إلا أنت» . # وفي حديث ركوب الدابة الذي رواه أهل السنن عن علي بن أبي طالب أيضا، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتي بدابة ليركبها إذا وضع رجله في ~~الركاب قال: «بسم الله» ثم إذا استوى على ظهرها قال: ms60 «الحمد لله» ثلاثا. ثم ~~يقول: {سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين • وإنا إلى ربنا ~~لمنقلبون} [الزخرف: 13-14] ثم يكبر ثلاثا، ويحمد الله ثلاثا، ثم يقول: «لا ~~إله إلا أنت، سبحانك، ظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» ~~ثم يضحك ويقول: «ألا تسألوني مم ضحكت؟ إن الرب ليعجب إذا قال عبده: اغفر ~~لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا ~~أنا» . # وكان أصحابه في حياته يأتيه أحدهم فيطلب منه أن يستغفر له كثيرا، وقد قال ~~تعالى في المنافقين: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا ~~رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون • سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} [المنافقون: 5-6] . # وقد قال تعالى في حق [غير] (1) المنافقين: {فاعف عنهم /47أ/ واستغفر لهم ~~وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] . PageV01P113 # وقال تعالى: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: 19] ، وقال: ~~{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا ~~الله توابا رحيما} [النساء: 64] . # والمؤمنون شرع لهم أن يستغفر بعضهم لبعض، وكان الصحابة أيضا يستغفرون ~~للرسول، ففي الحديث الصحيح أن الأنصار قالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي ~~صناديد نجد ويدعنا. وفي الحديث الآخر، أن عبد الله بن سرجس قال: غفر الله ~~لك يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولك» . فقالوا: استغفر ~~لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ولكم، ثم قرأ قوله: {واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: 19] . # فلما مات لم يكن الصحابة (1) يأتون قبره فيقولون: استغفر لنا. كما كانوا ~~يأتونه في حياته، وكذلك لما أجدبوا لم يأتوا إلى قبره فقالوا: ادع الله ~~لنا. كما كانوا في حياته إذا أجدبوا أتوا إليه فقالوا: ادع الله لنا، بل ~~كانوا هم يدعون الله، ويستسقون تارة بالعباس، وتارة بيزيد بن الأسود ~~الجرشي، فيقولون له: ادع لنا، ويقولون: اللهم إنا نتوسل (2) به، ~~PageV01P114 # أي بدعائه وشفاعته، وكثيرا من الأوقات لا يستسقون ms61 الله بأحد، بل يدعون ~~الله تعالى. # وكذلك في الاستنصار، كانوا في حياته يقولون: يا رسول الله، ألا تدعو لنا، ~~ألا تستنصر لنا؟ وأما بعد موته فلم يكونوا يفعلون ذلك، بل كانوا هم يدعون ~~الله تعالى، ويستنصرونه، يقتدون (1) به، وكان عمر لما غزا النصارى يقنت ~~عليهم في الصلاة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت على الكفار، وكان ~~عمر يدعو بدعاء يناسب ذلك فيقول: اللهم عذب /47ب/ كفرة أهل الكتاب، الذين ~~يصدون عن سبيلك، ويبدلون دينك، ويكذبون رسولك. ونحو ذلك، كما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقنت يدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار، ويدعو بدعاء يناسب ذلك ~~مثل قوله: «اللهم نج (2) الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ~~ربيعة، والمستضعفين من PageV01P115 # المؤمنين» ومثل قوله: «اللهم العن رعلا، وذكوان، وعصية» . # وكذلك لما استسقى [عمر] (1) بالعباس قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك ~~فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون. رواه البخاري في ~~صحيحه. # وكان توسلهم به في حياته توسلا بدعائه، وشفاعته، واستسقائه لهم، فلما مات ~~لم يطلبوا ذلك منه بعد موته، ولا قالوا: ادع لنا، بل توسلوا بدعاء العباس. # فإن قيل: فقد روي أن رجلا أتى إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم عام ~~الرمادة، فقال: يا رسول الله، هلكت أمتك، فادع الله لنا، فرأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم في المنام وقال: ائت عمر فقل: عليك بالكيس، ومره أن يستسقي ~~بالناس، واستسقى عمر فسقي الناس. PageV01P116 # قيل: هذه الحكاية حجة على المنازع، فإن هذا الرجل لما طلب منه، ما قال ~~له: أنا أدعو لكم، بل أمرهم بما شرعه لهم، وسنه لهم، وهو أنهم يدعون الله، ~~ويستسقون به. وفي الحكاية أنه قال /48أ/ له: قل لعمر: عليك بالكيس، أي ~~بالاستقامة، فلما قال لعمر قال: ما آلو جهدي. # فهذا فيه أنه أمرهم بطاعة الله ورسوله وأمرهم بالاستسقاء، وهذا هو شرعه ~~الذي شرعه لهم في حياته، فلم يأمرهم بعد الموت إلا بما أمرهم في حياته، ~~وهذا الرجل الذي قال له: ادع لأمتك، ms62 مجهول، ما هو من المهاجرين، والأنصار، ~~الذين يقتدى بهم، ويكفيك أنه لم يأت أحد منهم إلى قبره يطلب منه الدعاء إلا ~~رجل مجهول، لا يعرف، فأما المهاجرون والأنصار الذين هم أعلم الناس بدينه، ~~وأتبعهم له، فلم يأت أحد إليه، ولم يطلب منه الدعاء، ثم هذا الطالب للدعاء ~~لم يعط طلبته (1) ، ولا قال: أنا أدعو لكم، بل قال: أطيعوا أمري، وادعوا ~~أنتم الله يجيبكم. # وهذا هو الحق الذي بعثه الله به، فإن سعادة الدنيا والآخرة في طاعته، ~~واتباعه، والاقتداء به، وفعل ما أمر، وترك ما حظر، وموالاة أوليائه، ~~ومعاداة أعدائه، وتحليل ما حلل، وتحريم ما حرم، وتصديقه في كل ما أخبر به ~~عن الله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وغير ذلك من أنباء ~~PageV01P117 # الغيب، بل هو الصادق المصدوق في كل ما يخبر به، وهو الذي لا {ينطق عن ~~الهوى • إن هو إلا وحي يوحى} ، وقد استأذنه عبد الله بن عمرو في أن يكتب ما ~~يسمع منه، وقال له بعض قريش: إن رسول الله /48ب/ صلى الله عليه وسلم يتكلم ~~في الغضب والرضا، فقال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج من بينهما إلا حق ~~(1) » . # ولو كان قد شرع للمسلمين أن يطلبوا منه الاستغفار، والاستنصار، ~~والاستسقاء، وغير ذلك من أنواع الأدعية، والرغبات، كما كانوا يطلبون ذلك ~~منه في حياته، وكما يطلب منه الخلق يوم القيامة أن يشفع لهم، لكان أمره ~~بذلك معروفا، منقولا عنه، كما نقل سائر ما أمرهم به، فإنه قد قال: «ما تركت ~~شيئا يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا شيئا يبعدكم من النار إلا ~~وقد حدثتكم به (2) » وقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها ~~بعدي إلا هالك» . PageV01P118 # وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب ~~جناحيه في السماء إلا ذكر لنا (1) منه علما. # فلو كان سن لهم أن يطلبوا منه الأدعية بعد موته لكان هذا معروفا عندهم ~~منقولا عنه، ولكان أصحابه أعلم بذلك من غيرهم، وهم أطوع له، وأتبع لسنته، ms63 ~~فكانوا بعد موته يأتون قبره فيطلبون منه أن يدعو لهم بالمغفرة، ويدعو لهم ~~بالهداية، ويدعو لهم بالنصر، ويدعو لهم بالرزق، ويدعو لهم بقضاء الديون، ~~ويدعو لهم بكشف الضر، وغير ذلك كما كان بعضهم /49أ/ يطلب منه الدعاء في ~~حياته، مع أن أجلائهم كأبي بكر وأمثاله قد تعلموا منه أنهم لا يسألون إلا ~~الله، ولا يدعون إلا الله، فكان الصديق يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد: ~~ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئا. رواه أحمد في ~~المسند. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا ~~استعنت فاستعن بالله» . وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك: أنه بايع رهطا من ~~أصحابه، وأسر إليهم كلمة خفية: «أن لا (2) تسألوا الناس شيئا» . قال: فلقد ~~PageV01P119 # رأيت بعض أولئك النفر يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه. # وقد ثبت في الحديث المتفق على صحته أنه قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ~~ألفا بغير حساب؛ هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم ~~يتوكلون» . فهؤلاء لا يقولون لأحد: ارقنا، وقد كان جماعة يأتون إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويطلبون منه الرقية ويطلبون ذلك من بعض أصحابه، وهذا ~~وإن كان جائزا لكن أولئك لا يسألون إلا الله، فدرجتهم أعلى، وأما بعد موته، ~~فلم يكن الصحابة يطلبون منه ما كانوا يطلبون منه في حياته، لا من دعاء، ولا ~~من غير دعاء البتة، ولا كان السلف في القرون الثلاثة يأتون إلى قبر أحد من ~~الأنبياء، والصالحين، يطلبون منه حاجة، ولا دعاء، ولا غيره، ولا يسافرون ~~إلى قبره، بل إذا /49ب/ زاروا قبور المؤمنين كان مقصودهم الدعاء لهم ~~كالصلاة على جنائزهم، لا دعاؤهم، ولا الدعاء بهم. # فتبين أن قول جمهور العلماء الذين لا يستحبون أن يطلب منه بعد موته ~~استغفار، ولا غيره، هو المشروع الذي كان عليه الصحابة. # وأيضا فلو شرع أن يطلب من الميت الدعاء، والشفاعة، كما كان يطلب منه في ~~حياته؛ كان ذلك مشروعا ms64 في حق الأنبياء، والصالحين، فكان يسن أن يأتي الرجل ~~قبر الرجل الصالح، نبيا كان، أو غيره، فيقول # PageV01P120 # ادع لي بالمغفرة، والنصر، والهدى، والرزق، اشفع لي إلى ربك، فيتخذ الرجل ~~الصالح شفيعا بعد الموت، كما يفعل ذلك النصارى، وكما تفعل كثير من مبتدعة ~~المسلمين، وإذا جاز طلب هذا منه، جاز أن يطلب ذلك من الملائكة، فيقال: يا ~~جبريل، يا ميكائيل، اشفع لنا إلى ربك، ادع لنا. # ومعلوم أن هذا ليس من دين المسلمين، ولا دين أحد من الرسل، لم يسن أحد من ~~الأنبياء للخلق أن يطلبوا من الصالحين الموتى، والغائبين، والملائكة، دعاء، ~~ولا شفاعة، بل هذا أصل الشرك، فإن المشركين إنما اتخذوهم شفعاء، قال تعالى: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم /50أ/ في السماوات ولا في الأرض} [يونس: ~~18] . # وقال: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ~~ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم ~~وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام: 94] . # وقال تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26] . # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير • ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 22-23] . # وقال: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ~~ولا شفيع} [الأنعام: 51] . # PageV01P121 # وقال: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} (1) [السجدة: 4] . # وقال: {يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه} [يونس: 3] . # فهذه الشفاعة التي كان (2) المشركون يثبتونها أبطلها القرآن في غير موضع، ~~وهي كشفاعة ms65 المخلوق عند المخلوق بغير إذنه، فإن هذا الشافع شريك للمشفوع ~~إليه، فإنه طلب منه ما لم يكن يريد أن يفعله، فيحتاج لقضاء /50ب/ حق (3) ~~الشفيع أن يفعله، فالشفيع بغير إذن المشفوع إليه شريك له، والله تعالى لا ~~شريك له، ولهذا قال: {له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده ~~إلا بإذنه} [البقرة: 255] . # فلو شفع أحد بغير إذنه شفاعة نافعة مقبولة كان شريكا له، وهو سبحانه لا ~~يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وهذا من وجهين: # أحدهما: أنه هو الذي يخلق أفعال العباد، فلا يفعل أحد شيئا إلا بمشيئته. # والثاني: وهو المقصود: أن الملائكة، والأنبياء، لا يشفعون عنده إلا ~~بإذنه، فلا تكون شفاعتهم مقبولة نافعة إلا إذا كانت بإذنه، وما وقع بغير ~~إذنه لم يقبل، ولم ينفع، وإن كان الشفيع عظيما، فالكفار، والمنافقون، لا ~~يغفر لهم ولو استغفرت لهم الأنبياء، كما في قصة آزر أبي الخليل، وفي ~~PageV01P122 # قصة الاستغفار للمنافقين، وفي دعاء نوح لابنه، وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم ~~يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم ~~الآخرة» . # ومعلوم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الشفعاء، وسيد ولد آدم، وأكرم ~~الخلق على ربه، وأعظمهم جاها عنده في الدنيا والآخرة، وهو صاحب لواء الحمد، ~~آدم فمن دونه تحت لوائه يوم القيامة، وهو صاحب المقام المحمود؛ وهو الشفاعة ~~التي يرغب إليه فيها الأولون والآخرون. # /51أ/ ففي الصحيحين من حديث أنس قال: حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم، فيقولون: اشفع ~~لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بنوح (1) ، فيأتون نوحا فيقول: لست ~~لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله، فيأتون (2) موسى، فيقول: لست لها، ~~ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته، فيأتون (3) عيسى، فيقول: لست لها، ~~ولكن عليكم بمحمد، فيأتوني فأقول: أنا لها، فأنطلق، فأستأذن على ربي، فيؤذن ~~لي، فأقوم ms66 بين يديه، فأحمده بمحامد لا أقدر عليها الآن، يلهمنيها الله، ثم ~~أخر ساجدا، فيقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، ~~فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو ~~شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق، فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك ~~المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقول لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل ~~تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في ~~قلبه مثقال حبة من خردل من PageV01P123 # إيمان فأخرجه منها، فأنطلق، فأفعل، ثم أعود إلى ربي أحمده بتلك المحامد، ~~ثم أخر له ساجدا، /51ب/ فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل ~~تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في ~~قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، ~~فأنطلق، فأفعل» . # وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله الناس يوم ~~القيامة فيهتمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا ~~هذا، قال: فيأتون آدم، فيقولون: أنت آدم، أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ ~~فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من ~~مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم - فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي (1) ربه ~~منها - ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، قال: فيأتون ~~نوحا فيقول: لست هناكم - فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي (2) ربه منها - ~~ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست ~~هناكم، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله، وأعطاه التوراة، قال: فيأتون موسى، ~~فيقول: لست هناكم - ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي (3) ربه منها - /52أ/ ~~(ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لست هناكم) (4) ولكن ائتوا ~~محمدا، عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: فيأتوني، فأستأذن على ربي، ms67 فيؤذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجدا، ~~فيدعني ما شاء الله، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، قل يسمع، اشفع تشفع، فأرفع ~~رأسي، فأحمد ربي بتحميد PageV01P124 # يعلمنيه ربي، ثم أشفع فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم ~~أعود فأقع ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع يا محمد، قل ~~يسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع ~~فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، قال: فلا أدري في الثالثة ~~أو الرابعة قال: فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن» قال ~~قتادة: أي وجب عليه الخلود. # وفي حديث أبي هريرة: «يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد ~~واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم ~~والكرب ما لا يطيقون، وما لا يحتملون، ويقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما ~~أنتم فيه، ألا ترون ما قد بلغكم، ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم؟ ~~فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم أنت أبو ~~البشر، خلقك الله /52ب/ بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، ~~اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول ~~آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ~~وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، ~~فيأتون نوحا، فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله: ~~عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد ~~بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده ~~مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي، (1) PageV01P125 # اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم، فيقولون (1) : أنت نبي الله وخليله ~~من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ms68 ترى ما قد ~~بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب ~~بعده مثله - وذكر كذباته - نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، ~~فيأتون موسى، فيقولون: يا موسى أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وبتكليمه ~~على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ ~~فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب /53أ/ ~~بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، ~~اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمت الناس ~~في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ~~ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب غضبا لم ~~يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، - ولم يذكر ذنبا - اذهبوا إلى غيري، ~~اذهبوا إلى محمد، فيأتوني، فيقولون: يا محمد أنت رسول الله، وخاتم ~~الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ~~ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا ~~لربي، ثم يفتح الله علي، ويلهمني من محامده، وحسن الثناء عليه، شيئا لم ~~يفتحه لأحد قبلي، ثم قال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع ~~رأسي، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا محمد، أدخل الجنة من أمتك من لا ~~حساب عليه، من باب (2) الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ~~ذلك من الأبواب، PageV01P126 # والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة ~~وهجر، أو كما بين مكة وبصرى» . # فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه إذا أتى لا يبدأ /53ب/ بالشفاعة؛ لقوله ~~تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] بل يبدأ بالسجود ~~لربه، والحمد له، والثناء عليه، فإن الله يسمع لمن حمده، كما قال ms69 على لسان ~~نبيه: «سمع الله لمن حمده» . # والحمد أحق ما قال العبد، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع ~~رأسه من الركوع: «ربنا ولك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، ~~وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك ~~عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» ، ~~أي: تحميدك، والثناء عليك، وتمجيدك، أحق ما قال العبد. # وهو أول ما أنطق الله به آدم، وهو الذي أمرنا أن نفتتح به كل كلام، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو ~~أجذم» . # فلهذا ابتدأ بالسجود وما يفتحه الله عليه من محامده لربه، فإذا سجد وحمد ~~قيل له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، وإذا شفع حد له حدا ~~فيدخلهم الجنة، فالرب عز وجل يأذن فيمن شاء (1) ، PageV01P127 # وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أنه قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد ~~الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن ~~هذا الحديث أحد أولى منك؛ /54أ/ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس ~~بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قبل نفسه» . # فأهل التوحيد المخلصون لله هم أحق الناس بشفاعته صلى الله عليه وسلم، فمن ~~كان لا يدعو إلا الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا ~~يدعو (1) مخلوقا، لا ملكا، ولا بشرا، لا نبيا، ولا صالحا، ولا غيرهما، كان ~~أحق بشفاعته ممن يدعوه، أو يدعو غيره من المخلوقين، فإن هؤلاء مشركون، ~~والشفاعة إنما هي لأهل التوحيد. # وإذا كان كذلك فالذين يدعون المخلوقين، ويطلبون من الموتى، والغائبين، من ~~الملائكة، والبشر، الدعاء، والشفاعة، هم أبعد عن الشفاعة فيهم، والذين لا ~~يدعون إلا الله هم أحق بالشفاعة لهم، والله تعالى قد جعل الملائكة يدعون، ~~ويستغفرون لأهل التوحيد، فقال تعالى: {الذين يحملون العرش ومن ms70 حوله يسبحون ~~بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ~~فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم • ربنا وأدخلهم جنات عدن ~~التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم • ~~وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم} [غافر: ~~7-9] وقال تعالى: {والملائكة يسبحون /54ب/ بحمد ربهم ويستغفرون لمن في ~~الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم} [الشورى: 5] . PageV01P128 # وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الملائكة تصلي ~~على أحدكم ما دام في مصلاه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ما لم يحدث» . # وقد قال تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور} [الأحزاب: 43] . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس ~~الخير» وفي حديث آخر: «إنه ليستغفر له كل شيء حتى حيتان البحر» . # ف ### | الناس إذا فعلوا ما أمروا به فتح الله عليهم أبواب رحمته # من ملائكته وغير ملائكته، وقد روي أن أعمال الأحياء تعرض على الموتى، ~~وأنهم إن وجدوا شيئا استغفروا لصاحبه، وروي أن أعمال الأمة تعرض على الرسول ~~كذلك، كما رواه الطبري عن أبي هريرة قال: «إن أعمالكم تعرض على أقربائكم من ~~موتاكم، فإن رأوا خيرا فرحوا به، وإن رأوا شرا كرهوه، وإنهم يستخبرون الميت ~~إذا أتاهم من مات بعدهم، حتى إن الرجل ليسأل عن امرأته: أزوجت أم لا؟ وحتى ~~إن الرجل ليسأل عن الرجل، فإذا قيل قد مات، [قال] (1) : هيهات، ذهب (2) ! ~~فإن لم يحسوه (3) PageV01P129 # عندهم قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية (1) » . # و [قد جاء] (2) عن السلف الخلاف [في] (3) تأويل قوله: «ما أن[تم بأسمع] ~~(4) لما أقول منهم» [وهذا] (5) مبسوط في جوابي عن الأرواح، فأما علم ~~الأموات بأحوال الأحياء ففيه آثار كثيرة، مثل ما رواه أبو حاتم في صحيحه عن ~~أبي أيو [ب الأنصاري] (6) ، وأما استغفارهم لهم فما يحضرني إسناده، وكذلك ~~ما يروى أن الرسول يستغفر لهم ما أع[رف ms71 له إسنادا] (7) ... (8) فهذا إن كان ~~ثابتا ففيه استغفار الرسول والصالحين (9) بأمر ربهم، كما تستغفر الملائكة ~~هنا، فما أمروا به لا حاجة إلى طلبه منهم، وما لم /55أ/ يؤمروا به لا ~~يفعلونه وإن طلب منهم، فإنهم لا يشفعون إلا بإذنه. # وحينئذ فلا فائدة في طلب الدعاء، والشفاعة، لا من الملائكة، ولا من ~~الأموات، الأنبياء والصالحين، ومن طلب (ذلك) (10) منهم؛ فتح أبواب الشرك، ~~فإنه إذا اعتقد الناس أن ما طلب من الميت، أو الملك، من دعاء، وشفاعة، ~~بذله، طلبوا ذلك؛ لكثرة حاجات الخلق، لا سيما إذا اعتقد ما PageV01P130 # يقوله المشركون الذين يقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ~~يقولون: هؤلاء خواص الرب فنحن نتقرب إليه بهم كما نتقرب إلى الملوك ~~بخواصهم، فكما أن آحاد الرعية لا تصلح أن تخاطب السلطان، بل يدخل على خواصه ~~حتى يخاطبوه له، كذلك نحن لا يصلح لنا أن نطلب من الله، بل نطلب من خواصه ~~أن يسألوه، وإذا أقدمنا على الطلب منه كان ذلك سوء أدب عليه، واجتراء عليه، ~~كما يكون ذلك سوء أدب على الملوك، واجتراء عليهم، فهذه من أعظم شبه ~~المشركين الذين قال الله فيهم: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] أي: يقولون: ما نعبدهم. # وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] فهؤلاء دعوا الملائكة، والأنبياء، والصالحين، ~~وقد رد الله على هؤلاء في غير موضع /55ب/ من القرآن، ورسل الله كلهم ردوا ~~على هؤلاء، وهذا الذي ذكروه من قياس الله على خلقه، قياس فاسد، وضربوا لله ~~مثل السوء، والله له المثل الأعلى، وذلك أن الملوك هم عاجزون عن أمور ~~الرعية، إن لم يكن لهم من يعاونهم، بل من يدفع عنهم الضرر، عجزوا وقهروا، ~~وهم أيضا لا يعلمون من أحوال الرعية إلا ما طولعوا به، وأيضا فهم لا يحسنون ~~إلى الرعية إلا لرغبة، أو رهبة. # والله سبحانه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وهو أرحم الراحمين، فهو ~~يعلم ms72 السر وأخفى، فلا يحتاج إلى من يعرفه بحاجته، بل هو يعلم حاجته، وهو ~~وحده يدبر أمر السموات والأرض، ليس له ظهير، ولا وزير، ولا معين (1) ، ولا ~~مشير، قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من PageV01P131 # دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم (1) ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} [سبأ: 22] . # وقال تعالى: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} [الإسراء: 111] فهو سبحانه لم يوال ~~عباده من ذل ليعتز بهم، كما يوالي الملوك لأوليائهم. قال مجاهد: لم يذل ~~فيحتاج (2) إلى ولي يتعزز به. # بل هو سبحانه يوالي المؤمنين فضلا منه /56أ/ ورحمة، وإحسانا، وهو سبحانه ~~الصمد، الذي كل ما سواه فقير إليه، وهو غني عن كل ما سواه، وهو سبحانه أرحم ~~الراحمين، وخير الحاكمين، وهو نعم الوكيل لمن توكل عليه، ونعم المولى، ونعم ~~النصير. # وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لله أرحم بعباده من ~~الوالدة بولدها» فهو سبحانه رحمته وسعت كل شيء، فقد كتب على نفسه الرحمة، ~~فهو أعلم بحال عبده من كل أحد، وهو أقدر على نفعه وأنفع من كل أحد، بل لا ~~يقدر أحد إلا بإقداره، وهو أرحم به من كل أحد، وهذا بخلاف الملوك، وقد قال ~~تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: ~~186] ، وقد روي أن بعض الناس قالوا: يا رسول الله، ربنا قريب فنناجيه، أو ~~بعيد فنناديه، فأنزل الله هذه الآية. PageV01P132 # وهو سبحانه سميع الدعاء، أي يجيب الدعاء، كما يقول المصلي في الصلاة: سمع ~~الله لمن حمده، أي استجاب الله دعاء من حمده، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ~~اللهم ربنا ولك الحمد، يسمع الله لكم» ، فإن الله قال على لسان نبيه: «سمع ~~الله لمن حمده» . # ومنه قول الخليل عليه السلام: {إن ربي لسميع ms73 الدعاء} [إبراهيم: 39] وقوله ~~تعالى: {وإن اهتديت فبما يوحي /56ب/ إلي ربي إنه سميع قريب} [سبأ: 50] وهذا ~~كما في قوله: {سماعون للكذب أكالون للسحت} [المائدة: 42] وقوله: {سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك} [المائدة: 41] أي: يستجيبون لهم، وقابلون منهم، وكذلك ~~{سماعون للكذب} أي: قابلوه، ومصدقوه، ولم يرد السمع المجرد، فإن المؤمن ~~أيضا يسمع الصدق والكذب، لكن لا يقبله، بخلاف من أكل السحت؛ فإنه يسمع ~~الكذب، وهو كما يقال: فلان يسمع لفلان، ومن فلان، أي: يقبل منه قوله، ~~ويطيعه. # فهو سبحانه لا يقاس به غيره، ولا يمثل به سواه، إذ ليس كمثله شيء، ~~والمشركون ضربوا له أمثالا من خلقه، فجعلوا لله ندا، ومثلا، والقرآن مملوء ~~من ذم هؤلاء، ولعنهم، وتكفيرهم، قال تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم ~~أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم # PageV01P133 # من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم (1) يكفرون • ويعبدون من دون ~~الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون • فلا ~~تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النحل: 72-74] وقوله: ~~{رزقا} {شيئا} ، قيل هو مفعول المصدر، وقيل هو بدل منه، وقد قال تعالى: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] . # وفي الصحيحين /57أ/ عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ ~~قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» قلت: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك خشية ~~أن يطعم معك» قلت: ثم أي؟ قال: «ثم أن تزاني بحليلة جارك» وأنزل الله تصديق ~~ذلك: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ولا يزنون} [الفرقان: 68] . # والمشركون، مشركو العرب، لم يكونوا يعتقدون أن المخلوقات، كالملائكة، ~~والأنبياء، والشمس، والقمر، أو الكواكب، وتماثيلهم، شاركت الرب في خلق ~~العالم، بل كانوا معترفين بأن الله خلق ذلك وحده، كما أخبر الله عنهم في ~~غير موضع، كقوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ~~ليقولن الله} [العنكبوت: 61] . # وقوله: {قل لمن الأرض ms74 ومن فيها إن كنتم تعلمون • سيقولون لله قل أفلا ~~تذكرون • قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم • سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون • قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون • ~~سيقولون لله (2) قل فأنى تسحرون} [المؤمنون: 84-89] . PageV01P134 # ومثل هذا في القرآن كثير، لكن كانوا يتخذونهم شفعاء يتقربون بهم إلى ~~الله، كما قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] . # وقال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى} [الزمر: 3] . # وقال: {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون (1) • ~~/57ب/ فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك ~~إفكهم وما كانوا يفترون} [الأحقاف: 27-28] . # وقال صاحب يس: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون • أأتخذ من دونه ~~آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون • إني إذا لفي ~~ضلال مبين • إني آمنت بربكم فاسمعون} [يس: 22-24] . وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا التنبيه على أن الشرك أنواع: # فنوع منه يتخذونهم شفعاء يطلبون منهم الشفاعة والدعاء من الموتى ~~والغائبين، ومن تماثيلهم. # ونوع يتقربون بهم إلى الله. # ونوع يحبونهم لا لشيء، بل كما قال الله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه} [الجاثية: 23] يهوى أحدهم شيئا فيتخذه إلها من غير أن يقصد منه نفعا ~~ولا ضرا، كما يحصل لأهل الغي هوى في أمور لا تنفعهم، والله سبحانه هو الذي ~~يستحق أن يحب لذاته ويعبد لذاته دون ما سواه، وهؤلاء جعلوا لله أندادا، كما ~~قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من PageV01P135 # دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: ~~165] . # وهذه الأنواع الثلاثة كانت في مشركي العرب وغيرهم، /58أ/ ممن يقر بأن ~~الله خالق السموات والأرض، وأنهما محدثتان، ليستا قديمتين، وأما ### | شرك القائلين بقدم العالم # فهو نوع آخر: # منهم من يعبد الكواكب، ويطلب منها، وتنزل عليه شياطين يقولون: ms75 إنها ~~روحانية الكوكب، وهذا الشرك يقع من القائلين بأنها مخلوقة محدثة، ومن ~~القائلين [بعدم] (1) حدوثها. # وقوم آخرون يقولون: إنه بنفس توجههم إلى ما يدعونه ويحبونه يحصل مقصودهم، ~~وإن كان ذلك المدعو لا يعرف أن هذا دعاه ولا توجه إليه، وهذا قول المتفلسفة ~~كابن سينا، وصاحب الكتب المضنون (2) بها، ونحوهم، ويقولون: إذا توجه ~~الإنسان إلى ما يتوجه إليه من أرواح الموتى فإنه يفيض عليه ما يفيض من غير ~~علم من ذلك الشفيع، وشبهوا ذلك بشعاع الشمس، فإنه يظهر في المرآة، ثم ينعكس ~~على ما يقابلها من حائط، أو ماء، من غير شعور من المرآة. # وذلك أن هؤلاء عندهم أن الله لا يعلم الجزئيات، ولا يحدث في العالم شيئا، ~~وعندهم تأثير دعاء بني آدم كله من هذا الباب، وهو أن الداعي إذا جمع همه، ~~وتوجه نحو ما يدعوه؛ قويت نفسه حتى حصل بها المطلوب من غير أن يكون الله ~~علم بذلك، والمؤثر عندهم /58ب/ هو النفس، فالنفس الفلكية عندهم هي الحركة ~~للفلك، وجميع الحوادث عنها، PageV01P136 # والنفس الإنسانية هي المؤثرة في خوارق الأنبياء، والسحرة، وغيرهم، وما ~~يحصل بالدعاء، والشفاعة، هو عندهم من تأثير نفس الداعي المستشفع، لكن ~~بتوجهها إلى ذلك حصل لها قوة، ثم قد يفيض عليها ما (1) يفيض، إما من نفس ~~المستشفع به، وإما من غيره. # ولهذا يأمر مثل هؤلاء أن يجمع الإنسان همته على أي شيء كان، ويقولون: لو ~~أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به، وقد يأمرون بالعشق ليجتمع قلب العاشق ~~على شيء، وإن كان ذلك المعشوق لا ينفع، ولا يضر، وكذلك يعبدون ما لا ينفع، ~~ولا يضر، فمقصودهم جمع الهمة على شيء، حتى تثبت النفس، ويزول تفرقها، ~~وتشتتها، وهذا كما يرصد أصحاب البرابي (2) صورة من الصور مدة، وكذلك غيرهم ~~من عباد الأصنام، فإذا اجتمعت الهمة على ذلك الشيء، وتفرغ القلب لما يلقى ~~فيه، تمكن منه الشيطان، فألقى في قلوبهم ما يلقيه، وتمثل لهم، وقضى بعض ~~حوائجهم، والمتفلسفة الذين لا يعرفون الجن، يقولون: هذا كله من /59أ/ قوى ~~النفس. # ولكن ms76 جمهور الناس الذين قد عرفوا حقيقة الأمر، يعرفون أن الشياطين تفعل ~~من ذلك ما لا تفعل النفس، وهؤلاء قد يذكرون الله، ومقصودهم بذكرهم جمع ~~قلوبهم، وتفريغها لما يرد عليها، فليس مقصودهم عبادته تبارك وتعالى. # وهذا موجود في كثير من أهل زماننا، كما كان بعض الناس يقول لمريديه: توجه ~~إلى قلبك وقل: لا إله إلا الله، وليس المقصود الذكر، إنما المقصود أن يجتمع ~~قلبك، فإذا اجتمع قلبه تنزلت عليه الشياطين، فيخيل إليه أنه صعد إلى ~~السماء، وألوان أخر، ويقول أحدهم: حصل لك ما لم يحصل لموسى بن عمران، ولا ~~لمحمد ليلة المعراج، وشخص PageV01P137 # آخر من كبارهم كان يقول: لا فرق بين قولك: يا حجر يا حجر، وبين قولك: يا ~~حي يا قيوم، يعني أن المقصود بكليهما (1) جمع الهمة، فهذا وأمثاله من أسرار ~~هؤلاء المشركين. # ومن هؤلاء من يدعو بعض الكواكب، أو بعض الموتى من الأنبياء، والصالحين، ~~أو بعض الملائكة، أو بعض الأوثان، فيرى صورا، إما صورة بشر، وإما غير صورة ~~بشر، فإنهم يرون أنواعا من الصور تخاطبهم، وتقضي بعض حوائجهم، فيقولون: هذه ~~روحانية الكوكب، أو سر الشيخ، أو رفيقته، أو نحو ذلك، وإنما ذلك شيطان ~~يضلهم كما /59ب/ كانت الشياطين تضل عباد الأوثان، وإلى اليوم، وكانت ~~الشياطين تكلمهم أحيانا من الأصنام، وأحيانا يرونها، قال ابن عباس رضي الله ~~عنه: في كل صنم شيطان يتراءى (2) للسدنة فيتكلمون. وقال أبي بن كعب رضي ~~الله عنه: مع كل صنم جنية. # وهذا باب واسع، وكل من كان به أعرف، إذا عرف ما جاءت به الرسل، وعرف ما ~~في القرآن من التوحيد العظيم، والعناية العظيمة بذلك، ومذمة الشرك على ~~اختلاف أنواعه؛ عرف بعض قدر ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وتبين له ~~كثرة الشرك في بني آدم، الذين لا يعرفون، بل يظنون أن العرب كانوا يعتقدون ~~في آلهتهم أنها شاركت الله في الخلق، وهذا من غاية الجهل والكذب بمن يظنه ~~بهم، وذلك لأن الشرك الذي كانوا فيه قد وقع هو وأمثاله في نوع منه، ms77 وهو لا ~~يعرف أنه الشرك، يعتقد أن التوحيد هو الإقرار بأن الله خالق كل شيء، لم ~~يشاركه في الخلق أحد، فهذا عنده PageV01P138 # غاية التوحيد، كما تجد ذلك في كلام كثير من الناس من متكلميهم، وعبادهم، ~~فإذا رأى هذا هو التوحيد؛ كان الشرك عنده ما يناقض ذلك. # وقد علم بالتواتر، وإجماع المسلمين، ونص القرآن،: أن العرب كانوا مشركين، ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى التوحيد، ونهاهم عن الشرك، وكان ~~هذا من /60أ/ أعظم أسباب معاداتهم له، ولمن آمن به، فيظن هذا الذي لم يعرف ~~حقيقة الأمر، أن ذلك الشرك، أنهم جعلوا آلهتهم شركاء لله في خلق السموات ~~والأرض، وإنزال المطر، وخلق النبات، ونحو ذلك. # ولو كان هذا يفهم القرآن، ويعرف ما كانت عليه العرب، ويعرف التوحيد، ~~والشرك؛ لتبين له أن ما يقر به من التوحيد كان المشركون (1) يقرون به أيضا، ~~وهم مع هذا مشركون؛ حيث أحبوا غير الله كما يحبون الله، وحيث دعوا غير ~~الله، وجعلوه شفيعا لهم، وحيث عبدوا غير الله يتقربون بعبادته إلى الله، ~~فهذا وأمثاله كان شركهم، مع إقرارهم بأن الله خالق كل شيء، وأنه لا خالق ~~غيره، ولهذا قال عمر بن الخطاب: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ ~~في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. # فمعرفة المسلم بدين الجاهلية هو مما يعرفه بدين الإسلام، الذي بعث الله ~~به رسله، وأنزل به كتبه، ويعرف الفرق بين دين المسلمين الحنفاء أهل التوحيد ~~والإخلاص، أتباع الأنبياء، ودين (2) غيرهم، ومن لم يميز بين هذا وهذا فهو ~~في جاهلية، وضلال، وشرك، وجهل، ولهذا ينكر هؤلاء ما كان عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه، من [إخلاص] (3) الدين لله، إذ ليست لهم به خبرة من ~~جهة النقل، ولا لهم فهم في القرآن، يعرفون به PageV01P139 # /60ب/ توحيد القرآن، ولا لهم معرفة بحقيقة الإيمان والتوحيد الذي أرسل ~~الله به رسله، وأنزل به كتبه، فليس لهم علم لا بالقرآن، ولا بالإيمان، ولا ~~بأحوال الناس، وما نقل من أخبارهم، ومعرفة هذا من أهم ms78 الأمور، وأنفعها، ~~وأوجبها، وهذه جملة لها بسط، مضمونها: معرفة ما بعث الله به الرسول، وما ~~جاء به الكتاب والسنة. # وهؤلاء المشركون على اختلاف أصنافهم، كلهم عاقبتهم عاقبة سوء في الدنيا ~~والآخرة، فإن الشياطين مقصودهم إضلالهم، وإغواؤهم، فيخونونهم أحوج ما ~~يكونون إليهم، ويخبرونهم بأكاذيب كما يفعلون بالسحرة والكهان، ولهذا ~~يقترنون بأهل الكذب، والفجور، قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ~~(1) • تنزل على كل أفاك أثيم} [الشعراء: 221-222] . # ودعواهم أن النفس هي المؤثرة، دعوى باطلة، فتضعف أنفسهم في آخر الأمر، ~~ويتبين (لهم) (2) عجزها عن التأثير، وهم لم يعبدوا الله وحده، بل علقوا ~~أنفسهم بغيره، و {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون • إن الله يعلم ما ~~يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم • وتلك الأمثال /61أ/ نضربها للناس ~~وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 41-43] {ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: 31] {واتخذوا ~~من دون الله (3) آلهة ليكونوا لهم عزا • كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون ~~عليهم ضدا} [مريم: 81-82] . # وكل من كان أعظم علما، وإيمانا؛ كان أقوم بالتوحيد، وأتبع PageV01P140 # للسنة، وأبعد عن الشرك، والبدعة، فإن التوحيد، والسنة، هو الإسلام، وهو ~~حقيقة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فالشهادة ~~الأولى تحقيق التوحيد، والشهادة الثانية تحقيق الرسالة، التي توجب اتباع ~~شريعته، وأن نعبد الله بما أمر به، وشرعه، دون ما نهى عنه، أو لم يشرعه، ~~قال أبو العالية في قوله: {فوربك لنسألنهم أجمعين • عما كانوا يعملون} ~~[الحجر: 92-93] قال: هما خلتان يسأل عنهما كل أحد (1) : ماذا (2) كنتم ~~تعبدون؟ وبماذا أجبتم الرسل؟ # ولهذا كان الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، قائمين بهاتين الشهادتين، لم ~~نجد أحدا منهم يأمر بدعاء أهل القبور، ولا بالسفر إليهم، بل هم كما قال ~~الله: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} [الأنعام: 162] . # والصلاة هي دعاء الله، دعاء عبادة، ودعاء مسألة، فإذا قصد صاحب ms79 القبر، ~~لأن يدعى، دعاء عبادة أو دعاء مسألة؛ فقد صارت الصلاة له، وإذا قصد السفر ~~إليه؛ فقد جعل النسك له. # ولهم حديث مشهور بينهم سألني عنه /61ب/ غير واحد من أعيان الشيوخ وكبراء ~~الناس، فكانوا يعتمدون عليه، وهو قوله: إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب ~~القبور. وقد بينت لمن سألني عنه مرة بعد مرة، أن هذا كذب منكر، ليس هو في ~~شيء من كتب المسلمين المعتمدة في PageV01P141 # الحديث، ولا ذكره أحد من علماء الإسلام، ولا إمام من أئمة المسلمين، ~~وإنما هذا الحديث من الأكاذيب التي وضعت ليقام (1) بها دين أهل الشرك، كما ~~يقولون: لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به. وإنما يحسن الظن بالأحجار ~~المشركون الذين قال الله فيهم: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم ~~لها واردون} [الأنبياء: 98] وقال تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها ~~الناس والحجارة} [التحريم: 6] . # فهؤلاء يجعلون ما يجعلونه من صلاتهم، ونسكهم، لغير الله رب العالمين، وإن ~~كانوا أيضا قد يصلون، وينسكون لله، فهم يشركون، كما يوجد كثير من الداخلين ~~في الإسلام من يصلي الصلوات الخمس وعنده صنم يعبده، وطائفة من المنتسبين ~~إلى العلم، والعبادة، يصلون الخمس مع المسلمين، ثم يصعد أحدهم فيدعو بعض ~~الكواكب، إما عطارد، وإما الزهرة، وإما غيرهما. # وهؤلاء الضلال هم الذين إذا ذكر النهي عن دعاء أهل القبور، والحج إليهم؛ ~~تراهم (2) ينكرون، وقد يجعلون هذا قدحا، وسبا (3) ، /62أ/ وتنقصا ~~بالصالحين، وبالأنبياء، لكن ليس معهم حجة شرعية بالأمر بالسفر إلى هؤلاء، ~~فيسكتون على غيظ، فإذا ذكر هذا النهي عاما في حق النبي صلى الله عليه وسلم ~~وغيره من الأنبياء، وبين أن السنة أن يسافر إلى مسجده للصلاة فيه، ويسلم ~~عليه، وغيره ليس عنده مسجد يسافر إليه، فلهذا كان السفر إلى مدينته مأمورا ~~به؛ أخذوا يصدون، ويشنعون، ويقولون: هذا سب للنبي PageV01P142 # صلى الله عليه وسلم، وتنقص له، ويسعون في عقوبة من نهى عن ذلك، بما ~~يمكنهم من قتل، وغيره، وليس معهم علم مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، ومن بعدهم ms80 من أئمة المسلمين، لا الأربعة ولا غيرهم، ولا إيمان ~~بحقيقة ما جاء به الرسول، بل يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا، وما ~~ليس لهم به علم، وما للظالمين من نصير. # وهم بين جاهل، أو متبع لهواه، أو جامع بين الأمرين، وكثير منهم ليس قصده ~~تعظيم الرسول، بل تعظيم ما يدعو إليه من الشرك بشيوخه، وغير شيوخه، ولكن ~~جعل الرسول عمدة له يحتج به في الظاهر، وهو في الباطن لا يوجب تصديق الرسول ~~في كل ما أحبه، وطاعته في كل ما أوجب وأمر به، بل قد يوالي أعداءه، ويحسن ~~حالهم، مع ظهور مخالفتهم للرسول، وقد يجوز أن /62ب/ يكون للأولياء وغيرهم ~~إلى الله طريق غير اتباع الرسول. # وفيهم من يجعل متابعة الرسول للعامة، وأما الذين هم عنده خاصة فأولئك ~~يأخذون عن الله بلا واسطة الرسول، فلا يحتاجون إليه، وفيهم من يصرح بأن ~~شيوخه، وطريقهم، أفضل من متابعة الرسول، ومنهم من (1) يقول: إن أهل الصفة ~~كانوا أفضل من الرسول، وإن الرسول كان يزورهم لبركتهم، وإنهم لم يأذنوا له، ~~وقالوا له: اذهب إلى من أرسلت إليه، حتى اشتكى إلى ربه، فقال: اذهب إليهم ~~بأدب (2) ، فلما أتى قبلوه! # وكثير منهم يرى قتال الرسول، ويرون أن أهل الصفة قاتلوه لما انهزم أصحابه ~~يوم أحد، أو يوم حنين، وأنهم تحيزوا إلى الكفار، فقال لهم: تدعوني، ~~وتذهبون؟! فقالوا: نحن مع الله، من كان الله معه كنا معه! PageV01P143 # إلى أمثال هذه الكفريات، وأمثالها. # وكل ما ذكرته فقد شافهني به غير واحد من هؤلاء، منهم من كان يعتقده، ~~ومنهم من أخبر به عن شيوخه، حتى إنه كان من أعيان شيوخهم من سألني مرة عن ~~هذا، فقلت له: هذا كفر، لم يكن أحد من الصحابة يقاتل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، بل كان المتخلف عن الجهاد المتعين مذموما، بل منافقا، كالذين تخلفوا ~~عن غزوة تبوك، فقال لي: /63أ/ فقد يكون جائزا في بعض المذاهب الأربعة، وأنت ~~لم تعرفها كلها. فقلت له: ويحك! هذا لا يتعلق بالمذاهب، بل ms81 هذا يعرفه كل من ~~يعرف الرسول وأصحابه، وأهل (1) المذاهب الأربعة وسائر المسلمين عندهم أن من ~~قال هذا فإنه كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. # ومن هؤلاء من يكون متفلسفا، معظما في الباطن لمن يخالف الأنبياء من ~~الفلاسفة، ويكون على رأي الملاحدة الباطنية، يعاونهم تارة، ويعاون الكفار ~~المشركين (2) المظهرين للشرك تارة، فهو عون للكفار، أو المنافقين. # وهؤلاء قد يفضلون زيارة القبور، والاستشفاع بهم، على الحج؛ لأنه عندهم ~~إذا زار القبر، وتوجه إلى الميت، فاض عليه من روحه كما ذكروا ذلك في ~~الشفاعة، وأما الحج فعندهم أن الله لا يسمع دعاء الحجاج، ولا يعلم ~~بأشخاصهم، وجزئياتهم، إذا كان يعلم الكليات دون الجزئيات، ومنهم من يقول: ~~إنه لا يقوم به علم لا بالكليات ولا بالجزئيات، بل العلم عنده نفس ~~المعلومات. # وهؤلاء يعتقدون في الشريعة أنها سياسة للعامة، وأن ما أخبر به الرسول من ~~أنباء الغيب عن الله، وعن اليوم الآخر، فإنما هو تخييل قصد به نفع العامة، ~~من غير أن يكون ذلك مطابقا للأمر، وهؤلاء عندهم /63ب/ أنه لا PageV01P144 # يستفاد من خبر الله ورسوله عن الغيب علم، وهؤلاء باطنية الشيعة الإمامية، ~~وأولئك أيضا لهم غلو في أهل المقابر، والصلاة لهم، والحج إليهم، ويتظاهرون ~~بأن الحج إلى مشهد علي، أو غيره، هو الحج الأكبر، وينادون علانية إذا ~~سافروا إلى هذه الزيارة: إلى الحج الأكبر. # وهؤلاء وأمثالهم كما وصف الله المشركين، وأشباههم، يجعلون قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ترسا، ويطلقون القول به مجملا، ولا يختارون التفصيل بين ~~الزيارة الشرعية، والبدعية؛ فإنه بالتفصيل يظهر ضلالهم، وشركهم، وكذبهم، ~~فيظهرون ألفاظا مجملة، وينكرون التفصيل الفارق بين الزيارة الشرعية، ~~والبدعية، ولكن يكذبون فيما يضيفونه إلى الناهي عن الزيارة البدعية، ~~فيضيفون إليه أنه منهي مطلقا عن هذا الجنس، حتى يروج بذلك تلبيسهم، وهذا من ~~مشابهة أهل الكتاب، قال تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} إلى قوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل ~~وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 40-42] وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لم ms82 ~~تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون • يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل ~~وتكتمون (1) الحق وأنتم تعلمون} [آل عمران: 70-71] . # /64أ/ ومن استقرأ أحوال الناس رأى أن عامة من ينتصر للبدع مظهرا أنه ينصر ~~الرسول، هو بالعكس، ليس له في نصر (2) الله، ورسوله، والجهاد في سبيله، سعي ~~مشكور، ولا مقام مذكور، بل هم معرضون عن الجهاد المأمور به، وعن نصر (3) ~~كتاب الله، ودينه، ورسوله، وكثير منهم هو محاد لله ورسوله، يكذب بما أخبر ~~به الرسول، وينفي ما أثبته، ويثبت ما نفاه، ويأمر بما نهى عنه، وينهى عما ~~أمر به. PageV01P145 # وكثير منهم، أو أكثرهم، يفعل ذلك ضلالا، وجهلا، وظنا أنه على الحق، كمن ~~يرى أن المتفلسفة هم الذين حققوا العلم الإلهي بالبرهان، وأن ما جاء به ~~الرسول إنما هو تخييل لنفع العامة، أو يرى أن ما يقوله النفاة والجهمية من ~~نفي الصفات، هو الحق الذي تقوم عليه الأدلة العقلية، بخلاف ما دل عليه ~~الكتاب والسنة، فإنه ليس فيه الحق الذي تقوم عليه الأدلة العقلية، ثم قد ~~يقولون: إن الرسول قصد به معاني، ولم يقصد به (1) ما دلت عليه، ولم يقصد ~~بهذا الخطاب البيان للناس، وإنما قصد أنهم إذا رأوه مخالفا للعقل عرفوا ~~الله بطريق العقل، ثم استخرجوا لهذا الخطاب أنواع التأويلات، وقد يقولون: ~~إن الرسول لم يكن يعلم معاني ما أنزل عليه، وما خاطب به الخلق من القرآن، ~~والحديث، الذي ذكر فيه هذه الصفات. # /64ب/ وكمن يرى أن الشيوخ الذين (2) يعظمهم هو، ويجعلهم أهل المعرفة، ~~والتحقيق، وأعلى أولياء الله، وصل إليهم من جهة الله بلا واسطة ما لا يصل ~~إلى الرسول، فمعرفة مقاصدهم، وعلومهم، هي أفضل عندهم من معرفة معاني الكتاب ~~والسنة. # وفيهم طوائف يستحلون الفواحش، وقتل النفوس التي تخالفهم، والشرك بالله، ~~إلى أمثال هذه الأمور، وأصحابها يظنون أنهم على حق، كالنصارى، وأمثالهم من ~~أهل الضلال، قال تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون • قل ~~أمر ms83 ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما ~~بدأكم تعودون • فريقا هدى وفريقا PageV01P146 # حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم ~~مهتدون} [الأعراف: 28-30] . # وقال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن} أي: عن الذكر الذي أنزله، وهو ~~القرآن {نقيض له شيطانا فهو له قرين • وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون ~~أنهم مهتدون • حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس ~~القرين • ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} [الزخرف: ~~36-39] . # ومن هؤلاء من يعظم متبوعه عن أن يكون مطيعا للرسول، متبعا له، ويعظم بعض ~~المخلوقين /65أ/ من نبي، أو غيره، أن يكون عبدا لله، فإذا ذكر عن المخلوق ~~ما يستحقه من العبودية قالوا: هذا شتمه، كما تقوله النصارى لمن قال: إن ~~المسيح عبد (1) ، يقولون: هذا قد سب المسيح، وتنقصه، وشتمه. # وقد ذكر أهل التفسير أن وفد نجران قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت ~~بعثت بشتم المسيح، تقول: هو عبد لله (2) ، وليس بعبد. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «إنه ليس بعار بعيسى أن يكون عبدا لله» ، فأنزل الله تعالى: {يا ~~أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ~~ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون ~~له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا • لن يستنكف ~~المسيح} أي: لم يأنف ولن يتعظم (3) {أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا • فأما الذين ~~آمنوا PageV01P147 # وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا ~~واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون [الله] (1) وليا ولا ~~نصيرا} [النساء: 171-173] . # وفي الصحيحين /65ب/ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تطروني كما ~~أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: ms84 عبد الله ورسوله» وقال ~~أيضا: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من [كان قبلكم] (2) الغلو في ~~الدين» . # وقد نهى سبحانه وتعالى عن الغلو، في سورة النساء، والمائدة، وقد أخبر في ~~الحديث الصحيح أنه سيكون في أمته من يشبه اليهود والنصارى، وقال: «لتأخذن ~~أمتي مآخذ الأمم قبلها، شبرا بشبر، وذراعا بذراع» قيل: يا رسول الله، فارس ~~والروم؟ قال: «ومن الناس إلا هؤلاء؟» . # وقال أيضا: «لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ~~ضب لدخلتموه» قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» . وكلا ~~الحديثين في الصحيحين. # ف ### | الغلاة في هذه الأمة يشبهون النصارى # ، كالغلاة في بعض أهل البيت، ومن يدعي أنه من أهل البيت، كالإسماعيلية، ~~وكالغلاة في بعض المشايخ، فهؤلاء، وهؤلاء، فيهم شبه بالنصارى، يجعلون قول ~~الحق والعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة فيمن يغلون فيه: سبا، وشتما، ~~PageV01P148 # وتنقصا، كالنصارى، وبسط هذه الأمور له مواضع أخر، وإنما المقصود التنبيه ~~على [هذه] (1) الجمل ليعرف /66أ/ الإنسان الفرق بين ما جاء به الرسول، وبين ~~ما يشبه به وليس منه، فيعرف شريعة الرسول التي قال الله فيها: {ثم جعلناك ~~على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون • إنهم لن ~~يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين} ~~[الجاثية: 18-19] . # فأمة محمد صلى الله عليه وسلم - ولله الحمد والمنة - لا تجتمع على ضلالة، ~~بل لا يزال فيهم من هو قائم بالحق إلى أن تقوم الساعة، فلهذا لا يزال في ~~أمته من يفرق بين الطريق الشرعية، والبدعية، ويميز ما جاء به الرسول مما ~~قاله غيره، فإذا طلب المسلم أن يتبع الرسول أمكنه ذلك؛ لوجود من يعرف هذا ~~من الأمة، بخلاف النصارى، وأهل البدع، فإن النصارى لما كثرت فيهم البدع، ~~واشتهرت، وقل العلم فيهم، صار يتعذر - أو يتعسر - عليهم الفرق بين ما أمر ~~به المسيح، وبين ما أمر به غيره، بل هذا خلط بهذا، وصار بأيديهم كتب فيها ~~هذا المختلط الذي لبس فيه الحق بالباطل. ms85 # وهكذا أهل البدع كالذين يوجبون اتباع غير الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~شيخ، أو إمام، أو غير ذلك، تجد عندهم أمورا منقولة عن شيخهم، أو إمامهم، أو ~~عن علي رضي الله عنه، /66ب/ أو غيره، وفيها حق وباطل، ولا يمكنهم التمييز ~~بين (2) حقها وباطلها، وتجدهم يروون أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يعرفون صدقها من كذبها. # وهكذا عامة ### | أهل البدع، لا يميزون بين الحديث الصحيح وغير الصحيح، # لكن ما وافق آراءهم وأهواءهم كان هو الحق عندهم، وإن كان PageV01P149 # راويه قد اختلقه على الرسول، وما خالف ذلك دفعوه. # بخلاف أهل السنة، وعلماء الأمة، الذين يقصدون متابعة الرسول، والاستنان ~~بسنته، والعمل بشريعته، وتحقيق ما جاء به من حقائق الإيمان، التي أصلها في ~~القلوب وفروعها ونتائجها على الجوارح، فإن هؤلاء يميزون بين ما قاله الرسول ~~وقاله غيره، وما نقل عن الرسول فيميزون بين الصدق منه والكذب، والصحيح ~~والضعيف، ويعتبرون أحوال سلف الأمة وأئمتها، ثم لهم فقه وفهم لما جاء به ~~الرسول، يختصون به عن غيرهم، ولهم أحوال وأعمال امتازوا بها عن غيرهم. # فهؤلاء الذين قال الله فيهم: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من ~~تحتها /67أ/ الأنهار خالدين فيها (1) رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب ~~الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22] . # وقال تعالى: {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} [المائدة: 54] . # وقد يحتجون بحكايات عن بعض المتقدمين فيها ما هو كذب على المنقول عنه، ~~مثل حكاية يروونها عن الشافعي أنه قال: إذا كانت لي إلى الله حاجة ذهبت إلى ~~قبر أبي حنيفة، وسألته (2) به، أو نحو هذا، والشافعي PageV01P150 # رضي الله عنه هو ممن حذر ms86 الشرك بالقبور، ونهى عن البناء عليها، وحذر مما ~~حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم من الفتنة بها، وقد ذكر ذلك أصحابه، حتى ~~أبو إسحاق في تهذيبه، وغيره، والشافعي رضي الله عنه لم يكن يقصد قبر أحد من ~~الأنبياء والصحابة ليدعوه، ويسأل الله به، فكيف خص بذلك أبا حنيفة؟ ولم يكن ~~على عهد الشافعي لما أتى بغداد قبر (1) يزار هذه الزيارة، ولا كان بها مشهد ~~البتة، وكذلك كان بعد موت الشافعي في تمام عمر الإمام أحمد رضي الله عنه، ~~لم يكن ببغداد مشهد ظاهر، ولا قبر يزار للدعاء به ولا للدعاء عنده، لا قبر ~~معروف، ولا موسى بن جعفر، ولا غيرهما، بل هذه /67ب/ كلها حدثت بعد ذلك، لا ~~سيما لما تغيرت أحوال الإسلام في المائة الرابعة. # والحكاية التي تروى عن بعضهم أنه قال: قبر معروف، الترياق المجرب. إن ~~كانت صحيحة عمن نقلت عنه فإنه إنما قال ذلك بعد PageV01P151 # موت الإمام أحمد لا في حياته، ولو كان من القبور ما هو ترياق مجرب؛ لكانت ~~قبور المهاجرين، والأنصار، والخلفاء الراشدين، والأنبياء، أولى بذلك من قبر ~~معروف وأمثاله ... (1) # /68أ/ وكثير من هؤلاء، بل أكثرهم، ليس اعتمادهم فيما هم عليه من الشرك ~~والبدعة على الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة، بل على ما يرونه ويسمعونه ~~من الخوارق، وبعضها صدق، وبعضها كذب، وبعضها يكون خيالا في أنفسهم، وبعضها ~~يكون موجودا في الخارج، كما كان يحصل للمشركين، منهم من يسمع كلاما وخطابا ~~عند من يشرك به، إما الصنم، وإما القبر، وإما التمثال، ومنهم من يرى صورة ~~إنسان أو غير إنسان، ومنهم من يخبر ببعض الأمور الغائبة، ومنهم من يعطى بعض ~~أغراضه، فيؤتى ببعض ما يشتهيه من الصور، أو المال، أو يقتل بعض من يعاديه، ~~وهذه الأمور هي من الشياطين، وهي من جنس السحر، والكهانة، فيظن كثير منهم ~~أن هذا من باب الكرامات. # وكثير منهم يعتقد أن في الإنس قوما صالحين أولياء لله لا يزالون غائبين ~~عن أبصار الخلق يسميهم: رجال الغيب، ورجال الغيب هم الجن، كما ms87 قال تعالى: ~~{وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} [الجن: 6] ~~كانت الإنس تستعيذ بالجن، فازدادت الجن طغيانا وكفرا، وقالوا: قد عبدتنا ~~الإنس، واحتاجت إلينا. # والتعازيم والأقسام التي فيها شرك هي من هذا الباب، لكن من هذه الأمور ما ~~قد عرفت العامة أنه من الجن، ومنها ما قد اشتبه، مثل ما يرى عند قبور ~~الأنبياء، /68ب/ والصالحين، من شفاء مريض، أو حصول طعام من الغيب، ونحو ~~ذلك، فيظن أنه معجزة أو كرامة، لأجل عكوفه، ودعائه لصاحب القبر. ~~PageV01P152 # فيقال لهذا: معجزات الأنبياء مختصة بهم وبمن اتبعهم من المؤمنين، لا يجوز ~~أن يكون لمن كفر بهم من المعجزات مثل ما لهم، فإن معجزاتهم هي آيات نبوتهم، ~~وبرهان رسالتهم، والدليل يجب أن يكون مختصا (1) بالمدلول عليه، فلو كان لمن ~~كذبهم مثل ما لهم لم يكن ذلك دليلا، ولهذا طلب أعداؤهم أن يعارضوهم فيأتوا ~~بمثل ما أتوا به، كما فعلت السحرة بموسى، وكما قصد بعض الناس أن يعارض ~~القرآن، ولو أتوا بمثل ما أتت به الأنبياء لانتصروا. # فلو أن السحرة أتوا بمثل ما أتى به موسى لم يكن موسى قد جاء بآية، بل من ~~تمام آيات الأنبياء أن المكذبين لهم لا يقدرون على مثلها، ولهذا لما ظهر ~~للسحرة أن ما أتى به موسى لا يمكنهم أن يأتوا بمثله، وليس من جنس السحر؛ ~~آمنوا به، وقالوا: {آمنا برب العالمين • رب موسى وهارون} [الشعراء: 47-48] ~~وقالوا لفرعون: {لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت ~~قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا • إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما ~~أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى} [طه: 72-73] . # ولهذا /69أ/ تحدى الرسول المكذبين أن يأتوا بمثل هذا القرآن، تحداهم ~~بمثله، ثم بعشر سور، ثم بسورة، وقال: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: ~~88] وقد بسط الكلام على هذا في مواضع. # فإن الكلام في المعجزات، وخصائصها، والفرق بينها ms88 وبين غيرها، PageV01P153 # من أشرف العلوم، وأكثر أهل الكلام خلطوا فيه تخليطا ليس هذا موضعه. # والمقصود هنا أن ما كان من المعجزات والكرامات يكون مختصا بالأنبياء ~~وأتباعهم المؤمنين، ولهذا لم يكن ما يأتي به الساحر والكاهن من المعجزات ~~والكرامات، فإن هذا يكون للكفار، وما يوجد للمشركين بالقبور وغيرها هو من ~~هذا النوع المشترك، فالكفار من المشركين والنصارى يستغيثون بشيوخهم الموتى، ~~والغائبين، ويرون من أتاهم في الهواء راكبا، أو غير راكب، وقال: إنه ~~المستغاث به، إما جرجس، وإما غيره، حتى قالوا لبعض علماء النصارى: فهذا ~~جرجس يستغيث به جماعة في وقت واحد، وكل منهم يراه، فقال: ذاك (1) ملك يأتي ~~في صورته. فكثير من المنتسبين إلى الإسلام يستغيث بشيخه، ويرى من جاء ~~راكبا، أو طائرا في الهواء، أو غير ذلك؛ فيظنه (2) شيخه. وقد يأتي في صورته ~~إن كان يعرف صورة شيخه فيظن هذا شيخه. # وهذا قد وقع لخلق كثير، ووقع لغير واحد من أصحابنا معي، لكن لما حكوا لي ~~أنهم رأوني بينت لهم أني لم أكن إياه، وإنما كان شيطانا تصور في صورتي ~~ليضلهم، فسألوني: لم لا يكون ملكا؟ قلت: لأن الملائكة لا تجيب المشركين، ~~وأنت استغثت بي فأشركت. # والشيوخ الذين لا علم لهم، منهم من يخيل له الشيطان صوت المستغيث به، ~~ويجيبه، /69ب/ فيخيل الشيطان للمستغيث صوت الشيخ، ويوهم كلا منهما أنه سمع ~~صوت الآخر. # والمؤمن إذا نادى غيره وهو في مكان بعيد لمصلحة - كما قال عمر: يا سارية ~~الجبل، قال عمر: فإن لله جندا تبلغهم صوتي - فلله جند من PageV01P154 # أنصار المؤمنين تبلغهم صوت المؤمن (1) ، وكذلك كان عمر قد أرسل جيشا فجاء ~~بشير (2) بالفتح، وشاع الخبر في الناس، فسألهم عمر: من أين لكم هذا؟ ~~فقالوا: رأينا راكبا أخبر بذلك. فقال: هذا أبو الهيثم من الجن، بريد ~~المؤمنين، وسيأتي بريد الإنس، فأتاهم بريد الإنس بعد أيام. # فهؤلاء الجن كانوا مؤمنين مجاهدين في سبيل الله، والجن كالإنس: فيهم ~~المسلم، والكافر، والكتابي، والمشرك، كما قال تعالى: {وأنا منا الصالحون ~~ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا} ms89 [الجن: 11] . # فمن أعان منهم مشركا، أو أعان على الشرك؛ كان كافرا، لم يكن مؤمنا، وهم ~~شياطين الجن الذين يضلون الإنس، و «الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» ، ~~كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. # ولهذا يقتل الساحر بسحره، وإنما يقتل بتوسط الجن، وكذلك أيضا قد يحصل ~~الشفاء بنوع من أفعالهم فيأتون إلى من يدعوه الكفار في صورة، أو قبر، أو ~~نحو ذلك، فيفعلون ما يحصل به زوال ذلك المرض، حتى يظن ذلك الضال أنه ببركة ~~شركه (3) ، وهو من إضلال الشياطين، PageV01P155 # [و] (1) كما يوجد لدعاة القبور، والمشركين (بها) (2) ، والحجاج إليها، من ~~هذا النوع، يوجد أكثر منه للنصارى، والمشركين، فعلم (3) أن هذا ليس من باب ~~المعجزات، والكرامات، ومن المستفيض /70أ/ في بلاد الهند أن الميت يأتي بعد ~~موته، فيحدثهم، ويرد ودائع، ويقضي ديونا، ثم يذهب، وهو شيطان جاء في صورته. # والشيطان يضل كثيرا من الناس بمثل هذا، حتى إنه يقول لقرينه: أنت بعد ~~الموت تغسل نفسك، أو: أنت تغيث من يأتي إلى قبرك، فيقول الشيخ لأصحابه: لا ~~يغسلني أحد، أنا أغسل نفسي، ويرون بعد الموت أنه قد جاء في صورته وغسل ~~نفسه، فيظنون أنه هو، وإنما هو الشيطان (4) جاء في صورته، وكذلك قد يجيئون ~~إلى [قبره] (5) ، فيجدون دراهم، أو غير ذلك، فيظنونه منه، وإنما هو من ~~الشيطان. # وهذا باب واسع قد بسط في مواضع، ومن لم يفرق بين أولياء الرحمن وأولياء ~~الشيطان فما عرف حقيقة الإيمان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور. # و ### | أنفع ما للإنسان: الاعتصام بالكتاب والسنة، # فإن السنة مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، ثم إن رزقه ~~الله بصيرة، وكشف له الحقائق؛ يتبين له ببصائر الإيمان وحقائقه ما يصدق ~~الشريعة الظاهرة، وأن الله هدى الخلق بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الصراط ~~المستقيم، وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، وفرق به بين الهدى والضلال، ~~والغي والرشاد، والحق والباطل، وطريق الجنة وطريق النار، [و] ms90 (6) بين ~~أوليائه وأعدائه، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما، وجزاه عنا أفضل ~~PageV01P156 # ما جزى نبيا عمن أرسل إليه (1) . # وإن لم تنكشف له الحقائق الباطنة كفاه اعتصامه بالشريعة الظاهرة، وحصل له ~~النجاة، ونال من السعادة بقدر ما اتبع فيه الرسول: {قالت الأعراب آمنا قل ~~لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ~~ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم • إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 14-15] والله أعلم. (2) # # # PageV01P157 # الحمد لله رب العالمين. PageV00P000 ms91