######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011288 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قاعدة في الانغماس في العدو وهل يباح #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011288 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11288 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11288 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: أبو محمد أشرف بن عبد المقصود #META# 041.EdNUMBER :: الأولى 1422هـ - 2002م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: أضواء السلف #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة المصنف # الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل الله ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~تسليما كثيرا. # أما بعد: # الحاجة إلى هذه المسألة. ### | 1- # فهذه مسألة يحتاج إليها المؤمنون عموما، والمجاهدون منهم خصوصا، وإن كان1 ~~الإيمان لا يتم إلا بالجهاد2. ### | 2- # وكما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} ~~(الحجرات: من الآية15) . ### | 3- # ولكن الجهاد يكون للكفار والمنافقين أيضا. ### | 4- # كما قال تعالى: {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} (التوبة: من ~~الآية73) . PageV01P017 # جهاد النفس والمال ### | 5- # ويكون الجهاد ب: النفس والمال1. ### | 6- # كما قال تعالى: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} (التوبة: من ~~الآية41) 2. ### | 7- # ويكون ب: غير ذلك وبنفقة. ### | 8- # لما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من جهز غازيا ~~فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا" 3. PageV01P018 # جهاد اليد والقلب واللسان ### | 9- # ويكون الجهاد ب: اليد والقلب واللسان. ### | 10- # كما قال صلى الله عليه وسلم: "جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم ~~وأموالكم" 1. ### | 11- # وكما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "إن بالمدينة لرجالا ما ~~سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر" 2. PageV01P019 ### | 12- # فهؤلاء كان جهادهم بقلوبهم ودعائهم. ### | 13- # وقد قال تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما} (النساء:95) . ### | 14- # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الساعي1 على الصدقة بالحق كالمجاهد في ~~سبيل الله" 2. PageV01P020 ### | 15- # وقال أيضا: "المجاهد من جاهد نفسه في الله"1. ### | 16- # كما قال: "المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هاجر ~~ما نهى الله عنه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" 2. ### | 17- # والجهاد في سبيل ms01 الله أنواع متعددة ... 3 PageV01P021 ### | 18- # ... سبيل الله، ويفرق بينهما النية وإتباع الشريعة. # الغزو غزوان ### | 19- # كما في "السنن" عن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الغزو ~~غزوان: # فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة واجتنب الفساد؛ كان ~~نومه [ونبهه] 1 كله أجر. # وأما من غزا فخر ورياء وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض؛ فإنه لم يرجع ~~بالكفاف" 2. PageV01P022 ### | 20- # وفي "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله ~~الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية؟ فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل ~~لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" 1. ### | 21- # وقد قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} (البقرة: من ~~الآية193) . PageV01P023 ### | عنوان المسألة وصور لها ### | 22- # وهذه المسألة هي في: "الرجل أو الطائفة يقاتل منهم أكثر من ضعفيهم2 إذا ~~كان في قتالهم منفعة للدين، وقد غلب على ظنهم أنهم يقتلون". # الصورة الأولى ### | 23- # كالرجل: يحمل وحده على صف الكفار ويدخل فيهم. # ويسمي العلماء ذلك: "الانغماس في العدو"؛ فإنه يغيب فيهم كالشيء ينغمس ~~فيه فيما يغمره. PageV01P023 # الصورة الثانية ### | 24- # وكذلك الرجل: يقتل بعض رؤساء الكفار بين أصحابه. # مثل أن يثب عليه جهرة إذا اختلسه، ويرى أنه يقتله ويغتفل1 بعد ذلك. # الصورة الثالثة ### | 25- # والرجل: ينهزم أصحابه فيقاتل وحده أو هو وطائفة معه العدو وفي ذلك نكاية2 ~~في العدو، ولكن يظنون أنهم يقتلون. ### | 26- # فهذا كله جائز عند عامة علماء الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم3. # اتفاق المذاهب الأربعة على جواز هذه الصورة ### | 27- # وليس في ذلك إلا خلافا شاذا4. PageV01P024 # نص الشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومالك على الجواز ### | 28- # وأما الأئمة المتبعون ك: "الشافعي"1 و"أحمد"2 وغيرهما3 فقد نصوا على جوز ~~ذلك. ### | 29- # وكذلك: هو مذهب: # - "أبي حنيفة"4. PageV01P025 ### | 30- # و"ملك"1 وغيرهما. PageV01P026 # أدلة الكتاب والسنة والإجماع ### | 31- # ودليل ذلك: الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة PageV01P027 ### | أدلة من الكتاب # ... # الآية الأولى ### | 32- # فقد قال الله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله ~~رؤوف بالعباد} (البقرة:207) . # سبب النزول ### | 33- # وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية1: # أن ms02 صهيبا خرج مهاجرا من مكة إلى المدينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فلحقه المشركون وهو وحده. # فنشل كنانته، وقال: والله لا يأتي رجل منكم إلا رميته. # فأراد قتالهم وحده، وقال: إن أحببتم أن تأخذوا مالي بمكة فخذوه، وأنا ~~أدلكم عليه. # ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"ربح البيع أبا يحي". PageV01P031 ### | 34- # وروى أحمد بإسناده: أن رجلا حمل وحده على العدو فقال الناس: ألقى بيده ~~إلى التهلكة. فقال عمر: كلا بل هذا ممن قال الله فيه: {ومن الناس من يشري ~~نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد} (البقرة:207) .1 ### | 35- # وقوله تعالى: {يشري نفسه} أي يبيع نفسه، فيقال شراه وبيعه سواء، واشتراه ~~وابتاعه سواء، ومنه قوله: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} (يوسف: من ~~الآية20) أي باعوه. # فقوله: {يشري نفسه} أي يبيع نفسه لله تعالى ابتغاء مرضاته وذلك يكون بأن ~~يبذل نفسه فيما يحبه الله ويرضاه، وإن قتل أو غلب على ظنه أنه يقتل. ~~PageV01P032 # الآية الثانية ### | 36- # كما قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة ~~والأنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ~~وذلك هو الفوز العظيم التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون ~~الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله_ وبشر ~~المؤمنين} (التوبة:111-112) . ### | 37- # وهذه الآية وهي قوله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} يدل ~~على ذلك أيضا. # أفضل الشهادة ### | 38- # فإن المشتري يسلم إليه ما اشتراه، وذلك ببذل النفس والمال في سبيل الله ~~وطاعته، وإن غلب على ظنه أن النفس تقتل والجواد يعقر، فهذا من أفضل ~~الشهادة. ### | 39- # لما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيها [أحب] 1 إلى الله من هذه الأيام" يعني ~~أيام العشر. # قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ # قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا ms03 رجل خرج بنفسه وماله ثم PageV01P033 # لم يرجع من ذلك بشيء" 1. ### | 40- # وفي رواية: "يعقر جواده وأهريق دمه" 2. ### | 41- # وفي "السنن" عن عبد الله بن حبشي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي ~~العمل أفضل؟ قال: طول القيام. # قيل: أي الصدقة أفضل؟ قال جهد المقل. # قيل: فأي الهجرة [أفضل؟ قال: من هجر ما حرم الله عليه. # قيل: فأي الجهاد أفضل؟] 3 قال: من جاهد المشركين بنفسه وماله. # قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: من أهريق دمه، وعقر جواده4. PageV01P034 # الآية الثالثة ### | 42- # وأيضا: فإن الله سبحانه قد أخبر1 أنه أمر خليله بذبح ابنه ليبتليه هل ~~يقتل ولده في محبة الله وطاعته؟! ### | 43- # وقتل الإنسان ولده قد يكون أشق عليه من تعريضه نفسه للقتل، والقتال في ~~سبيل الله أحب إلى الله مما ليس كذلك. # امتحان إبراهيم بذبح ابنه ### | 44- # والله أمر إبراهيم بذبح ابنه قربانا؛ ليمتحنه بذلك ولذلك نسخ ذلك عنه لما ~~علم صدق عزمه في قتله؛ فإن المقود لم يكن ذبحه لكن ابتلاء إبراهيم2. ~~PageV01P035 # ابتلاء الله للمؤمنين ببذل أنفسهم ### | 45- # والله تعالى يبتلي المؤمنين ببذل أنفسهم، ليقتلوا في سبيل الله ومحبة ~~رسوله؛ فإن قتلوا كانوا شهداء، وإن عاشوا كانوا سعداء. ### | 46- # كما قال: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} (التوبة: من الآية52) . # PageV01P036 # الآية الرابعة ### | 47- # وقد قال لبني إسرائيل: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم ~~عند بارئكم} (البقرة: من الآية54) . ### | 48- # أي: ليقتل بعضكم بعضا. ### | 49- # فألقى عليهم ظلمة، حتى جعل الذين لم يعبدوا العجل يقتلون الذين عبدوه. ### | 50- # هذا الذي كان في شرع من قبلنا من أمره بقتل بعضهم بعضا1 قد عوضنا الله ~~بخير منه وأنفع، وهو جهاد المؤمنين عدو الله وعدوهم وتعريضهم أنفسهم لأن ~~يقتلوا في سبيله بأيدي عدوهم لا بأيدي بعضهم بعضا، وذلك أعظم درجة وأكثر ~~أجرا. PageV01P037 ### | 51- # وقد قال تعالى: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ~~دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ~~وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما} ~~(النساء:66-68) ms04 . # PageV01P038 # ذم الفرار من الموت ### | 52- # وأيضا: فإن الله أمر بالجهاد في سبيله بالنفس والمال مع أن الجهاد مظنة ~~القتل بل لا بد منه في العادة من القتل. # الآية الخامسة ### | 53- # فقال تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس} إلى قوله: {في ~~بروج مشيدة} النساء:77-78) . # الآية السادسة ### | 54- # وقال تعالى: {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد ~~الله مسؤولا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا ~~تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد ~~بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} (الأحزاب:15-17) . ### | 55- # فأخبر سبحانه: # * أن الفرار من الموت أو القتل لا ينفع بل لا بد أن يموت العبد وما أكثر ~~من يفر فيموت أو يقتل، وما أكثر من ثبت فلا يقتل1. # * ثم قال: ولو عشتم لم تمتعوا إلا قليلا ثم تموتوا. # * ثم أخبر أنه لا أحد يعصمهم من الله؛ إن أراد أن يرحمهم أو يعذبهم، ~~فالفرار من طاعته لا ينجيهم. PageV01P039 # * وأخبر أنه ليس لهم من دون الله ولي ولا نصير. # مايوجبه الجبن من الفرار هو من الكبائر ### | 56- # وقد بين في كتابه: أن ما يوجبه الجبن من الفرار هو من الكبائر الموجبة ~~للنار1، فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء ~~بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} (الأنفال:15-16) . PageV01P040 ### | 57- # فأخبر أن الذين يخافون العدو خوفا منعهم من الجهاد منافقون فقال: ~~{ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو ~~مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون) (التوبة:56-57) . ### | 58- # وفي "الصحيحين" عن النبي أنه عد الكبائر؛ فذكر: "الشرك بالله وعقوق ~~الوالدين، والسحر واليمين الغموس وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". # وذكر منها: "الفرار من الزحف في الصفين"1. ### | 59- # وعن أبي هريرة ms05 رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "شر ما ~~في المرء: شح هالع، أو جبن خالع"2. PageV01P041 ### | أدلة من السنة # ... # فمن وجوه كثيرة: # عدد الكفار في بدر بقدر المسلمين ثلاث مرات ### | 60- # أن المسلمين يوم بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر وكان عدوهم بقدرهم ثلاث ~~مرات أو أكثر1، وبدر أفضل الغزوات وأعظمها. ### | 61- # فعلم: أن القوم يشرع لهم أن يقاتلوا من يزيدون على ضعفهم، ولا فرق في ذلك ~~بين الواحد والعدد، فمقاتلة الواحد لثلاثة كمقاتلة الثلاثة للعشرة. # المسلمون في أحد كانوا ربع الكفار ### | 62- # وأيضا: فالمسلمون يوم أحد كانوا نحو من ربع العدو؛ فإن العدو كانوا ثلاثة ~~آلاف أو نحوها2، وكان المسلمون نحو السبعمائة أو قريبا منها3. PageV01P045 # المسلمون في الخندق دون الألفين والأحزاب عشرة آلاف ### | 63- # وأيضا: فالمسلمون يوم الخندق كان العدو بقدرهم مرات، كان أكثر من عشرة ~~آلاف1، وهم الأحزاب الذين تحزبوا عليهم من قريش وحلفائها وأحزابها الذين ~~كانوا حول مكة وغطفان2 وأهل نجد واليهود الذين نقضوا العهد وهم بنو قريظة ~~جيران3 أهل المدينة، وكان المسلمون بالمدينة دون الألفين. # حمل الرجل وحده على العدو وبمرأى النبي صلى الله عليه وسلم ### | 64- # وأيضا: فقد كان الرجل وحده على عهد النبي صلى الله عليه وسلم4 يحمل على ~~العدو بمرأى من النبي صلى الله عليه وسلم، وينغمس فيهم، فيقاتل حتى يقتل ~~وهذا كان مشهورا بين المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه. ~~PageV01P046 # قصة خبيب بن عدي وأصحابه ### | 65- # وقد روى البخاري في صحيحه1 عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عشرة رهط عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر ~~بن الخطاب2. # فنطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة 3 بين عسفان4 ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال ~~لهم بنو لحيان5. # فنهذوا إليهم بقريب من مائة رجل رام. وفي رواية: مائتي رجل. فاقتفوا ~~آثارهم، حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه فقالوا: هذا تمر يثرب 6. ~~PageV01P047 # فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى موضع. # وفي رواية: إلى فدفد1- أي: مكان مرتفع ms06 - وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: ~~انزلوا فأعطوا أيديكم ولكم العهد والميثاق، لا يقتل منكم أحد. # مقتل عاصم بن ثابت في جملة سبعة من أصحابه # فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم! أما أنا فو الله فلا أنزل على ذمة كافر، ~~اللهم أخبر عنا نبيك صلى الله عليه وسلم. # فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة2. # فنزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد ابن الدثنة ورجل ~~آخر. # غدر الكفار بالثلاثة الآخرين # فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم3 فربطوهم بها. # قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم لي بهؤلاء أسوة؛ يريد ~~القتلى. # فجرروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم، فقتلوه، وانطلقو PageV01P048 # وقوع خبيب وزيد بن الدثنة في الأسر # بخبيب وزيد ابن الدثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر. # فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيبا، وكان خبيب هو قتل ~~الحارث بن عمرو يوم بدر. # ولبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله. # تورع خبيب عن الغدر وقتل أولاد المشركين # فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها1، فأعارته فدرج بنيلها وهي ~~غافلة حتى أتاه2 مجلسه على فخذه والموسى بيده؛ قالت: ففزعت فزعة عرفها ~~خبيب. # فقال: تخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك؟ # كرامة لخبيب # قالت: والله ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب، فو الله لقد وجدته يوما يأكل ~~قطفا من عنب3 في يده، وإنه لموثق في الحديد وما بمكة4 من ثمر. # وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبا. PageV01P049 # فلما خرجوا به من الحرم1 ليقتلوه في الحل. # خبيب أول من سن الركعتين عند القتل # قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين. # فتركوه فركع ركعتين. # فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، اللهم أحصهم عددا، ~~واقتلهم بددا2 ولا تبقي منهم أحدا. قال: # فلست أبالي حين أقتل مسلما # ... على أي جنب كان لله مصرعي # وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع3 # ثم قام إليه أبو سروعة عقبة ابن الحارث فقتله، وكان خبيب هو سن ms07 لكل مسلم ~~قتل صبرا الصلاة4. PageV01P050 # وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم يوم أصيبوا خبرهم. # وبعث ناس من قريش إلى عاصم حين حدثوا أنه قد قتل أن يؤتى بشيء منه يعرف، ~~وكان قتل رجلا من عظمائهم. # حماية الله لجسد عاصم ابن ثابت من المشركين # فبعث الله لعاصم مثل الظلة [من الدبر] فحمته1 من رسولهم فلم يقدروا على ~~أن يقطعوا من لحمه شيئا2"3. PageV01P051 # وجه الدلالة من قصة خبيب وأصحابه ### | 66- # فهؤلاء عشرة أنفس قاتلوا أولئك المائة أو المائتين، ولم يستأسروا لهم حتى ~~قتلوا منهم سبعة. ثم لما استأسروا الثلاثة امتنع الواحد من إتباعهم حتى ~~قتلوه. # من فضائل عاصم ### | 67- # وهؤلاء من فضلاء المؤمنين وخيارهم؛ وعاصم هذا هو جد عاصم بن عمر 1، وعاصم ~~بن محمد جد عمر بن عبد العزيز؛ فإن عمر بن الخطاب كان قد نهى الناس أن يشوب ~~أحد اللبن بالماء للبيع2. ### | 68- # كذلك في مراسيل الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك3. ~~PageV01P052 ### | 69- # لأنه يفضي إلى غش لا يعلم به المشتري؛ فإن البائع وإن أخبر المشتري بأنه ~~مغشوش؛ ولكنه لا يتميز قدر الغش ولهذا نهى العلماء عن مثل ذلك1. ### | 70- # فبينما عمر ذات ليلة يعس2 إذ سمع امرأة تقول لأخرى: قومي فشوبي اللبن. # فقالت: إن أمير المؤمنين قد نهى عن ذلك؟! # فقالت: وما يدري أمير المؤمنين؟ # فقالت: لا والله لا نطيعه في العلانية ونعصيه في السر. # فعلم عمر على [الباب] 3 فلما أصبح سأل عن أهل ذلك البيت فإذا به "أهل بيت ~~عاصم" هذا أمير المؤمنين المستشهد والمرأة المطيعة إبنته فخطبها وتزوجها4. ### | 71- # وقد روي: أنه زوجها ابنه عاصم هذا. وإن كان عمر قبل ذلك تزوج ابنة عاصم ~~هذا فولدت له عاصم ابنه، وصدق عمر بن عبد العزيز من ذرية عاصم. PageV01P053 # دليل آخر من السنة ### | 72- # وأيضا: ففي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عجب ربنا من رجلين: # رجل ثار عن وطائه من بين حيه أهله إلى صلاته. # فيقول الله عز وجل لملائكته: انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه ومن ~~أهله ms08 وحيه إلى صلاته، رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي. # ورجل غزا في سبيل الله عز وجل، فانهزم مع أصحابه، فعلم ما عليه في ~~الإنهزام وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه. # فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي ~~حتى أهريق دمه" 1. ### | 73- # فهذا رجل انهزم هو وأصحابه ثم رجع وحده فقاتل حتى قتل. PageV01P054 # وجه الدلالة من الحديث ### | 74- # وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله يعجب منه؛ [و] 1 عجب الله من ~~الشيء يدل على عظم قدره، وأنه لخروجه عن نظائره يعظم درجته ومنزلته. ### | 75- # وهذا يدل على: أن مثل هذا العمل محبوب لله مرضي لا يكتفى فيه بمجرد ~~الإباحة والجواز؛ حتى يقال: وإن جاز مقاتلة الرجل حيث يغلب على ظنه أنه ~~يقتل فترك ذلك أفضل. ### | 76- # بل الحديث يدل على: أن ما فعله هذا يحبه الله ويرضاه ومعلوم أن مثل هذا ~~الفعل يقتل الرجل فيه كثيرا أو غالبا، وإن كان ذلك لتوبته من الفرار ~~المحرم؛ فإنه مع هذه التوبة جاهد هذه المجاهدة الحسنة. ### | 77- # قال الله تعالى: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} (النحل:110) . ### | 78- # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" 2. ~~PageV01P055 ### | 79- # فمن فتنه الشيطان عن طاعة الله ثم هجر ما نهى الله عنه وجاهد وصبر كان ~~داخلا في هذه الآية. ### | 80- # وقد يكون هذا في شريعتنا عوضا عما أمر به بنو اسرائيل في شريعتهم لما ~~فتنوا بعبادة العجل بقوله: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} (البقرة: من ~~الآية54) . ### | 81- # وقال تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم ~~الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} إلى قوله: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا ~~أنفسكم أو اخرجوا من دياركم} (النساء: 64-66) . ### | 82- # وذلك يدل على: أن التائب قد يؤمر بجهاد تعرض به نفسه للشهادة. # شبهات وجوابها وتوضيح لمعاني بعض الآيات ### | 83- # فإن قيل: قد قال الله تعالى: {إن يكن منكم عشرون ms09 صابرون يغلبوا مائتين ~~وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا} إلى قوله: {الآن خفف الله ~~عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين} (لأنفال: 65، 66) # PageV01P056 ### | 84- # وقد قالوا: إن ما أمر به من مصابرة الضعف1 في هذه الآية ناسخ لما أمر به ~~قبل ذلك من مصابرة عشرة الأمثال2. ### | 85- # قيل: هذا أكثر ما فيه أنه لا تجب المصابرة لما زاد على الضعف ليس في ~~الآية أن ذلك لا يستحب ولا يجوز. PageV01P057 ### | 86- # وأيضا: فلفظ الآية إنما هو خبر عن النصر مع الصبر وذلك يتضمن وجوب ~~المصابرة للضعف ولا يتضمن سقوط ذلك عما زاد عن الضعف مطلقا بل يقتضي أن ~~الحكم فيما زاد على الضعفين بخلافه فيكون أكمل فيه، فإذا كان المؤمنون ~~ظالمين لم تجب عليهم أن يصابروا أكثر من ضعفيهم، وأما إذا كانوا هم ~~المظلومين وقتالهم قتال وقع عن أنفسهم فقد تجب المصابرة كما وجبت عليهم ~~المصابرة يوم أحد ويوم الخندق مع أن العدو كانوا أضعافهم. ### | 87- # وذم الله المنهزمين يوم أحد والمعرضين عن الجهاد يوم الخندق في سورة آل ~~عمران والأحزاب؛ بما هو ظاهر معروف. PageV01P058 ### | 88- # وإذا كانت الآية لا تبقي وجوب المصابرة ما زاد على الضعفين في كل حال، ~~فإنه لا يبقى الاستحباب الجواز مطلقا أولى وأحرى. # آية أخرى وتوضيح معناها الصحيح ### | 89- # فإن قيل: قد قال الله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة: ~~من الآية195) . وإذا قاتل الرجل في موضع فغلب على ظنه أنه يقتل فقد ألقى ~~بيده إلى التهلكة. ### | 90- # [قيل] 1: تأويل الآية على هذا غلط! # إنكار الصحابة على من يتأول معنى الآية خطأ ### | 91- # ولهذا ما زال الصحابة والأئمة ينكرون على من يتأول الآية على ذلك كما ~~ذكرنا2: أن رجلا حمل وحده على العدو فقال الناس: ألقى بيده إلى التهلكة. # إنكار عمر # فقال عمر بن الخطاب: كلا ولكنه ممن قال الله فيه: {ومن الناس من يشري ~~نفسه ابتغاء مرضات الله} (البقرة: من الآية207) . # إنكار أبي أيوب الأنصاري ### | 92- # وأيضا: فقد روى أبو ms10 داود والنسائي والترمذي من حديث يزيد بن أبي حبيب - ~~عالم أهل مصر من التابعين – عن أسلم أبي عمران قال: " غزونا من المدينة ~~نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ~~ملصقو PageV01P059 # ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو؛ فقال الناس: لا إله إلا الله، ~~يلقي بيديه إلى النهلكة؟! # فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، ~~فأنزل الله عز وجل: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ~~(البقرة: من الآية195) . # فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد، ~~قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية ~~". # قال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"1 # من فضائل أبي أيوب الأنصاري ### | 93- # وأبو أيوب من أجل السابقين الأولين من الأنصار قدرا وهو الذي نزل النبي ~~صلى الله عليه وسلم في بيته لما قدم مهاجر من مكة إلى المدينة، ورهط بنو2 ~~النجار هم خير دور الأنصار كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقبره ~~بالقسطنطينية. PageV01P060 ### | 94- # قال مالك: "بلغني أن أهل القسطنطينية إذا أجذبوا كشفوا عن قبره فيسقون"1. # إنكار أبي أيوب على من جعل المنغمس في العدو ملقيا بيده إلى التهلكة ### | 95- # وقد أنكر أبو أيوب على من جعل المنغمس في العدو ملقيا بيده إلى التهلكة ~~دون المجاهدين في سبيل الله ضد ما يتوهمه هؤلاء الذين يحرفون كلام الله عن ~~مواضعه، فإنهم يتأولون الآية على ما فيه ترك الجهاد في سبيل الله. # توضيح معنى الآية بما قبلها من الآيات ### | 96- # والآية إنما هي أمر بالجهاد في سبيل الله، ونهي عما يصد عنه، والأمر في ~~هذه الآية ظاهر كما قال عمر وأبو أيوب وغيرهما من سلف الأمة؛ وذلك أن الله ~~قال قبل هذه الآية: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن ~~الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ~~والفتنة أشد من القتل} ms11 (البقرة: 190-191) . PageV01P061 ### | 97- # وقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان ~~إلا على الظالمين} إلى قوله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ~~فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن ~~الله مع المتقين وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} (البقرة:193-195) . ### | 98- # فهذه الآيات كلها في الأمر بالجهاد في سبيل الله وإنفاق المال في سبيل ~~الله، فلا تناسب ما يضاد ذلك عن النهي عما يكمل به الجهاد وإن كان فيه ~~تعريض للنفس للشهادة، إذ الموت لا بد منه، وأفضل الموت موت الشهداء. ### | 99- # فإن الأمر بالشيء لا يناسب النهي عن إكماله، ولكن المناسب لذلك النهي عما ~~يضل عنه؛ والمناسب لذلك: ما ذكر في الآية من النهي عن العدوان، فإن الجهاد ~~فيه البلاء للأعداء؛ والنفوس قد لا تقف عند حدود الله بل تتبع أهواءها في ~~ذلك، فقال: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} (البقرة: من الآية190) . ### | 100- # فنهى عن العدوان، لأن ذلك أمر بالتقوى، والله مع المتقين كما قال: {فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله ~~مع المتقين} (البقرة: من الآية194) . # PageV01P062 ### | 101- # وإذا كان الله معهم1 نصرهم وأيدهم على عدوهم فالأمر بذلك أيسر، كما يحصل ~~مقصود الجهاد به. ### | 102- # وأيضا فإنه في أول الآية قال: {وأنفقوا في سبيل الله} وفي آخرها قال: ~~{وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} (البقرة: 195) . # إمساك المال والبخل هو التهلكة ### | 103- # فدل على ذلك ما رواه أبو أيوب من أن إمساك المال والبخل عن إنفاقه في ~~سبيل الله واشتغال به هو التهلكة. ### | 104- # وأيضا: فإن أبا أيوب أخبر بنزول الآية في ذلك؛ لم يتكلم فيها برأيه، وهذا ~~من ثاني روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حجة يجب إتباعها. # من أسباب التهلكة والهلاك ### | 105- # وأيضا: فإن التهلكة والهلاك لا يكون إلا بترك ما أمر الله به أو فعل ما ~~نهى الله عنه. PageV01P063 # من أسباب الذل في الدنيا وقهر العدو ### | 106- # فإذا ترك ms12 العباد الذي أمروا به، واشتغلوا عنه بما يصدهم عنه؛ من عمارة ~~الدنيا هلكوا في دنياهم بالذل1 وقهر العدو لهم، واستيلائه على نفوسهم ~~وذراريهم وأموالهم، ورده لهم عن دينهم، وعجزهم حينئذ عن العمل بالدين، بل ~~وعن عمارة الدنيا وفتور هممهم عن الدين، بل وفساد عقائدهم فيه. ### | 107- # قال تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة: من الآية217) . ### | 108- # إلى غير ذلك من المفاسد الموجودة في كل أمة لا تقاتل عدوها سواء كانت ~~مسلمة أو كافرة. ### | 109- # فإن كل أمة لا تقاتل فإنها تهلك هلاكا عظيما باستيلاء PageV01P064 # العدو عليها وتسلطه على النفوس والأموال. # ترك الجهاد يوجب الهلاك ### | 110- # وترك الجهاد يوجب الهلاك في الدنيا كما يشهده الناس وأما في الآخرة فلهم ~~عذاب النار. # المؤمن لا ينظر إلا إحدى الحسنيين ### | 111- # وأما المؤمن المجاهد؛ فهو كما قال تعالى: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى ~~الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا ~~إنا معكم متربصون} (التوبة:52) . # فأخبر أن المؤمن لا ينظر إلا إحدى الحسنيين: إما النصر والظفر وإما ~~الشهادة والجنة، فالمؤمن المجاهد إن [حيا] 1 حي حياة طيبة، وإن قتل فما عند ~~الله خير للأبرار2. PageV01P065 ### | 112- # وأيضا: فإن الله قال في كتابه: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات} ~~(البقرة: من الآية154) . ### | 113- # وقال في كتابه: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون} (آل عمران:169) . ### | 114- # فنهى المؤمنين أن يقولوا للشهيد أنه ميت. ### | 115- # قال العلماء: وخص الشهيد بذلك؛ لئلا يظن الإنسان أن الشهيد يموت فيفر عن ~~الجهاد خوفا من الموت. # وصف الشهادة تهلكة بهتان عظيم ### | 116- # وأخبر الله أنه حي مرزوق؛ وهذا الوصف يوجد أيضا لغير الشهيد من النبيين ~~والصديقين وغيرهم لكن خص الشهيد بالنهي لئلا ينكل1 عن الجهاد لفرار النفوس ~~من الموت، فإذا كان هو سبحانه قد نهى عن تسميته ميتا واعتقاده ميتا؛ لئلا ~~يكون ms13 ذلك منفرا عن الجهاد فكيف يسمي الشهادة تهلكة واسم الهلاك أعظم تنفيرا ~~من اسم الموت. ### | 117- # فمن قال قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة: من الآية195) . # يراد به الشهادة في سبيل الله فقد افترى على الله بهتانا عظيما!! ~~PageV01P066 # الذي يقاتل العدو مع غلبة ظنه أنه يقتل قسمان ### | 118- # وهذا الذي يقاتل العدو مع غلبة ظنه أنه يقتل قسمان: # أحدهما: أن يكون هو طالب للعدو. فهذا الذي ذكرناه # والثاني: أن يكون العدو قد طلبه، وقتاله قتال اضطرار. فهذا أولى وأوكد. ### | 119- # ويكون قتال هذا: إما دفعا عن نفسه وماله وأهله ودينه. ### | 120- # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل ~~دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد" 1. # قال الترمذي: "يكون قتاله دفعا للأمر عن نفسه أو عن حرمته"2. ### | 121- # وإن غلب على ظنه أنه يقتل إذا كان القتال يحصل المقصود وإما فعلا لما ~~يقدر عليه من الجهاد، كما ذكرناه عن عاصم بن ثابت وأصحابه3. PageV01P067 # حكم الذي يكره على الكفر فيصبر حتى يقتل ### | 122- # ومن هذا الباب: الذي يكره على الكفر فيصبر حتى يقتل ولا يتكلم بالكفر؛ ~~فإن هذا بمنزلة الذي يقاتله العدو حتى يقتل ولا يستأسر لهم، والذي يتكلم ~~بالكفر بلسانه من قلبه مؤمن بالإيمان بمنزلة المستأسر للعدو1. ### | 123- # فإن كان هو الآمر الناهي ابتداء كان بمنزلة المجاهد ابتداء. ### | 124- # فإذا كان الأول أعز الإيمان وأذل الكفر كان هو الأفضل. ### | 125- # وقد يكون واجبا إذا أفضى تركه إلى زوال الإيمان من القلوب وغلبة الكفر ~~عليها وهي الفتنة، فإن الفتنة أشد من القتل. ### | 126- # فإذا كان بترك القتل يحصل من الكفر ما لا يحصل بالقتل وبالقتل يحصل من ~~الإيمان ما لا يحصل بتركه: ترجح القتل واجبا تارة ومستحبا أخرى. ### | 127- # وكثيرا ما يكون ذلك تخويفا به فيجب الصبر على ذلك. ### | 128- # قال تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن ~~سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة ~~أكبر من القتل ولا يزالون ms14 يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن ~~يرتدد منكم عن دينه PageV01P068 # فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون (البقرة:217) ### | 129- # فأخبر أن الكافرين لا يزالون بقاتلون المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم. ### | 130- # وأخبر أنه من ارتد فمات كافرا خالدا في النار. ### | 131- # ومن هذا ما ذكره الله عن عباده المؤمنين في كتابه: كما قال تعالى: {وقال ~~فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في ~~الأرض الفساد وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم ~~الحساب} إلى قوله: {وقد جاءكم بالبينات من ربكم} (غافر:26- 28) . ### | 132- # وقال تعالى: {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض} ~~إلى قوله: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} ~~(لأعراف: 127، 128) . ### | 133- # وقال تعالى: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا ~~كذبتم وفريقا تقتلون} (البقرة: من الآية87) . ### | 134- # وقال تعالى: {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين # PageV01P069 # بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} (آل ~~عمران:21) . ### | 135- # وقال تعالى: {اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ~~بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} (البقرة: من الآية61) . ### | 136- # وقال تعالى: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت ~~عليهم الذلة أين ما ثقفوا} إلى قوله: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} (آل ~~عمران: 110-112) . # PageV01P070 ### | 137- # وقال تعالى: {قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود} إلى قوله تعالى: {ما ~~يفعلون بالمؤمنين شهود} (البروج: 4-7) . # قصة الغلام والساحر ### | 138- # وقد روى مسلم في صحيحه1 عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "كان ملك فيمن كان قبلكم. وكان له ساحر. # فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت. فابعث إلي غلاما أعلمه السحر. # تعليم ms15 السحر للغلام # فبعث إليه غلاما يعلمه. # تعرف الغلام في طريقه على الراهب # وكان في طريقه، إذا سلك راهب. فقعد إليه وسمع كلامه. # فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه. فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ~~ذلك إلى الراهب؟. فقال: إذا خفت الساحر فقل: حبسني أهلي. وإذا خفت أهلك ~~فقل: حبسني الساحر. # اختبار الغلام أيهما أفضل الساحر أم الراهب # فبينما هو كذلك، إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس. فقال: اليوم أعلم ~~آلساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ PageV01P071 # مقتل الدابة وعلو شأن الغلام # فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل ~~هذه الدابة. حتى يمضي الناس. # فرماها وقتلها. ومضى الناس. # فأتى الراهب فأخبره. فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني. قد بلغ ~~من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي. # وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس [من] سائر الأدواء. # دعاء الغلام لجليس الملك برد البصر فشفي فآمن # وأصبح جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة. # فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني. # فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله عز وجل. فإن أنت آمنت بالله دعوت ~~الله فشفاك فآمن بالله، فشفاه الله عز وجل. # فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس. # فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ # قال: ربي. # قال: ولك رب غيري؟ # PageV01P072 # قال: ربي وربك الله. # جليس الملك يعذب فيدل على الغلام # فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام. فجئ بالغلام. # فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل ~~وتفعل. # فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله عز وجل. # فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب1. # فجئ بالراهب؛ فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى. فدعا بالمنشار. فوضع المنشار ~~في مفرق رأسه. فشقه حتى وقع شقاه. # ثم جئ بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق ~~رأسه. فشقه به حتى وقع شقاه. ms16 # ثم جئ بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك؛ فأبى. فدفعه إلى نفر من أصحابه ~~PageV01P073 # محاولة طرحه من فوق الجبل ونجاته # فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا. فاصعدوا به إلى الجبل. فإذا بلغتم ~~ذروته1، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه. # فذهبوا به فصعدوا به الجبل. فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم ~~الجبل2 فسقطوا. وجاء يمشي إلى الملك. # فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ # قال: كفانيهم الله. # محاولة إغراقه في البحر ونجاته # فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاجعلوه في قرقور3، ثم توسطوا ~~به البحر فإذا رجع عن دينه وإلا فاقذفوه. # فذهبوا به. فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت. # فانكفأت بهم السفينة4 فغرقوا. وجاء يمشي إلى الملك. # فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ # قال: كفانيهم الله. # فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. PageV01P074 # فقال: ما هو؟ # دلالة الغلام للملك لكيفية قتله # قال: أنك تجمع الناس في صعيد1 واحد. وتصلبني على جذع. ثم خذ سهما من ~~كنانتي. ثم ضع السهم في كبد القوس2. ثم قل: باسم الله رب الغلام. ثم ارم. ~~فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني3. # فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع. ثم أخذ سهما من كنانته. ثم وضع ~~السهم في كبد القوس # مقتل الغلام سبب في إيمان الناس وظهور الإيمان # ثم قال: باسم الله رب الغلام. ثم رماه فوقع السهم في صدغه. فوضع يده في ~~صدغه4 في موضع السهم فمات. # فقال الناس: آمنا برب الغلام. PageV01P075 # فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك1. قد آمن ~~الناس. # حفر الأخدود لتحريق المؤمنين # فأمر بالأخدود2 بأفواه السكك3 فخدت. وأضرم فيها النيران. وقال: من لم ~~يرجع عن دينه فأقحموه فيها4. أو قيل له: اقتحم. # غلام يتكلم في المهد ليثبت أمه على الحق # ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست5. # فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق" ### | 139- # ففي هذا الحديث: # أنه قتل جليس الملك والراهب بالمناشير، ولم يرجعا عن الإيمان. ~~PageV01P076 # صبر ms17 أهل الأخدود ### | 140- # وكذلك: أهل الأخدود صبروا على التحريق بالنار ولم يرجعوا عن الإيمان. ### | 141- # وأما الغلام فإنه أمر بقتل نفسه لما علم أن ذلك يوجب ظهور الإيمان في ~~الناس، والذي يصبر يقتل أو يحمل حتى يقتل؛ لأن في ذلك ظهور الإيمان من هذا ~~الباب1. PageV01P077 # مدح من يصبر على الإيمان حتى يقتل ### | 142- # وفي صحيح البخاري1 عن قيس بن أبي حازم عن خباب بن الأرث قال: "شكونا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة؟ قلنا: ألا ~~تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ # فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى ~~بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه ~~عظمه2 [وما] يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر3 حتى يسير ~~الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه4 ولكنكم ~~تستعجلون ". PageV01P078 ### | 143- # وفي رواية1: " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ~~ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت: ألا تدعو الله. # فقعد وهو محمر وجهه فقال: لقد كان من قبلكم يمشط بمشاط الحديد". # وجه الدلالة من الحديث ### | 144- # والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال لهم ذلك آمرا لهم بالصبر على أذى ~~الكفار، وإن بلغوا بهم إلى حد القتل صبرا، كما قتلوا المؤمنين صبرا؛ ومدحا ~~لمن يصبر على الإيمان حتى يقتل. # والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل # تمت بعون الله تعالى في 25 محرم 1319ه PageV01P079 ms18