######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000379 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قاعدة في المحبة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: مجموعة ابن تيمية في التزكية والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: قاعدة في المحبة #META# 030.LibURI :: JK_000379 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. محمد رشاد سالم #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة التراث الإسلامي #META# 044.EdPLACE :: القاهرة #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | قاعدة في المحبة للإمام ابن تيمية PageV01P001 # فصل في الحب والبغض $ # بسم الله الرحمن الرحيم على الله توكلي # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله ~~صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسليما # أما بعد فهذه قاعدة عظيمة في المحبة وما يتعلق بها من جمع الإمام العلا ~~مة شيخ الإسلام بركة الأنام بقية السلف الكرام أبى العباس أحمد بن الشيخ ~~شهاب الدين عبد الحليم بن الشيح مجد الدين أبى البركات عبد السلام ابن ~~تيميه رضي الله عنه وأرضاه # قال رضي الله عنه $ فصل في الحب والبغض والمحمود من ذلك والمذموم وأصل كل ~~فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة فهو أصل كل فعل ومبدؤه كما أن البغض ~~والكراهة مانع وصاد لكل ما انعقد بسببه و مادته فهو أصل كل ترك إذا فسر ~~الترك بالأمر الوجودي كما يفسره بذلك أكثر أهل النظر # وإذا عني بالترك مجرد عدم الفعل فعدم الفعل تارة يكون لعدم مقتضيه من ~~المحبة والإرادة ولوازمهما وقد يكون لوجود مانعه من البغض والكراهة وغيرهما ~~PageV01P007 # فأما وجود الفعل فلا يكون إلا عن محبة وإرادة حتى دفعه للأمور التي ~~يكرهها ويبغضها هو لما في ذلك من المحبوب أو اللذة يجدها بالدفع فيقال شفى ~~صدره وقلبه والشفاء والعافية بمحبوب # والمحبة والإرادة تكون إما بواسطة وإما بغير واسطة مثل فعله للأشياء التي ~~يكرهها كشرب الدواء والمكروه وفعل الأشياء المخالفة لهواه وصبره ونحو ذلك # فإن هذه الأمور وإن كانت مكروهة من بعض الوجوه فإنما يفعل أيضا لمحبة ~~وإرادة وإن لم تكن المحبة لنفسها بل المحبة لملازمها فإنه يحب العافية ~~والصحة المستلزمة لإرادة شرب الدواء ويحب رحمة الله ونجاته من عذابه ~~المستلزم لإرادة ترك ما يهواه كما قال تعالي @QB@ وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى @QE@ فلا يترك ms001 الحي ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ~~ويهواه لكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة كما يفعل ما يكرهه لما محبته ~~أقوي من كراهة ذلك وكما يترك ما يحبه لما كراهته أقوي من محبة ذلك # ولهذا كانت المحبة والإرادة أصلا للبغض والكراهة وعلة لها ولازما مستلزما ~~لها من غير علة # وفعل البغض في العالم إنما هو لمنافاة المحبوب ولولا وجود المحبوب لم يكن ~~البغض بخلاف الحب للشيء فإنه قد يكون لنفسه لا لأجل منافاته للبغض وبغض ~~الإنسان وغضبه مما يضاد وجود محبوبه ومانع ومستلزم لا يكره عليه ونجد قوة ~~البغض للنافي أشد وأحوط PageV01P008 # ولهذا كان رأس الإيمان الحب في الله والبغض في الله وكان من احب لله ~~وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان # فالمحبة والإرادة أصل في وجود البغض والكراهة والأصل في زوال البغيض ~~المكروه فلا يوجد البغض إلا لمحبة ولا يزول البغيض إلا لمحبة # فالمحبة أصل كل أمر موجود وأصل دفع كل ما يطلب الوجود ودفع ما يطلب ~~الوجود أمر موجود لكنه مانع من وجود ضده فهو أصل كل موجود من بغيض ومانع ~~ولوازمهما # وهذا القدر الذي ذكرناه من أن المحبة والإرادة اصل كل حركة في العالم فقد ~~بينا في القواعد وغيرها أن هذا يندرج فيه كل حركة وعمل فإن ما في الأجسام ~~من حركه طبعية فإنما أصلها السكون فإنه إذا خرجت عن مستقرها كانت بطبعها ~~تطلب مستقرها وما فيها من حركة قسرية فأصلها من القاسر القاهر فلم تبق حركة ~~اختيارية إلا عن الإرادة # والحركات إما إرادية وإما طبعية وإما قسرية لأن الفاعل المتحرك إن كان له ~~شعور بها فهي الإرادية وإن لم يكن له شعور فإن كانت علي وفق طبع المتحرك ~~فهي الطبعية وإن كانت علي خلاف ذلك فهي القسرية # وبينا أن ما السموات والأرض وما بينهما من حركة الأفلاك والشمس والقمر ~~والنجوم وحركة الرياح والسحاب والمطر والنبات وغير ذلك فإنما هو بملائكة ~~الله تعالي الموكلة بالسموات والأرض الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون PageV01P009 # كما ms002 قال تعالي @QB@ فالمدبرات أمرا @QE@ @QB@ فالمقسمات أمرا @QE@ وكما ~~دل الكتاب والسنة علي أصناف الملائكة وتوكلهم بأصناف المخلوقات # ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره فليس لهم من الأمر شئ بل @QB@ ~~وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن ~~يشاء ويرضى @QE@ و @QB@ وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا ~~وما بين ذلك وما كان ربك نسيا رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر ~~لعبادته هل تعلم له سميا @QE@ وإذا كان كذلك فجميع تلك المحبات والإرادات ~~والأفعال والحركات هي عبادة لله رب الأرض والسموات كما قد بيناه في غير هذا ~~الموضع $ المحبة التي أمر الله بها هي عبادته وحده لا شريك له # وإذا كان كذلك فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها وخلق خلقه لأجلها ~~هي ما في عبادته وحده لا شريك له إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل # والمحبة لما كانت جنسا لأنواع متفاوتة في القدر والوصف كان أغلب ما يذكر ~~منها في حق الله ما يختص به ويليق به مثل العبادة والإنابة ونحوهما فإن ~~العبادة لا تصلح إلا لله وحده وكذلك الإنابة # وقد تذكر المحبة المطلقة لكن تقع فيها الشركة كما قال تعالي @QB@ ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله @QE@ PageV01P010 # ولهذا كان هذا الحب أعظم الأقسام المذمومة في المحبة كما أن حب الله أعظم ~~الأنواع المحمودة بل عبادة الله وحده لا شريك له هي أصل السعادة ورأسها ~~التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها وعبادة إله آخر من دونه هو أصل الشقاء ~~ورأسه الذي لا يبقي في العذاب إلا أهله # فأهل التوحيد الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يبقي منهم في ~~العذاب أحد والذين اتخذوا من دونه أندادا يحبونهم كحبه وعبدوا غيره هم أهل ~~الشرك الذين قال الله تعالي فيهم @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به @QE@ # وجماع القرآن هو الأمر بتلك المحبة ولوازمها ms003 والنهي عن هذه المحبات ~~ولوازمها وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين وذكر قصص أهل النوعين # وأصل دعوة جميع المرسلين 0 قولهم @QB@ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~@QE@ وعلي ذلك قاتل من قاتل منهم المشركين كما قال خاتم الرسل صلى الله ~~عليه وسلم # أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لاإله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم علي الله قال ~~الله تعالي @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه @QE@ PageV01P011 # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه في الصحيحين عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وفي رواية في ~~الصحيح لا يجد طعم الإيمان إلا من كان فيه ثلاث أن يكون الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر ~~بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقي في النار # وفي الصحيح عن أنس أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس ~~أجمعين # وفي صحيح البخاري أن عمر قال يا رسول الله والله لأنت أحب إلى من كل شئ ~~إلا من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من PageV01P012 نفسك قال ~~فوالذي بعثك بالحق لأنت أحب إلى من نفسي قال الآن يا عمر # ولهذا ورد في فضل هذه الكلمة شهادة أن لا إله إلا الله من الدلائل ما ~~يضيق هذا الموضع عن ذكره وهى أفضل الكلام وما فيها من العلم والمحبة أفضل ~~العلوم والمحبات كالحديث الذي في السنن أفضل الذكر لا إله ألا الله # والآية المتضمنة لها أعظم آية في القرآن كما في صحيح مسلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لأبى بن كعب ms004 يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله ~~أعظم قال @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ قال فضرب بيده صدري ~~وقال ليهنك العلم أبا المنذر # وإذا كانت كل حركة فأصلها الحب والإرادة من محبوب مراد لنفسه PageV01P013 ~~لا يحب لغيره إذ لو كان كل شئ محبوبا لغيره لزم الدور أو التسلسل والشيء قد ~~يحب من وجه دون وجه وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده ولا تصلح ~~الإلهية إلا له ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # والإلهية المذكورة في كتاب الله هي العبادة والتأله ومن لوازم ذلك أن ~~يكون هو الرب الخالق وأما ما يظنه طوائف من أهل الكلام أن الألوهية هي نفس ~~الربوبية وأن ما ذكر في القرآن من نفي إله آخر والأمثال المضروبة البينة ~~فالمقصود به نفي رب يشركه في خلق العالم كما هو عادتهم في كتب الكلام فهذا ~~قصور وتقصير منهم في فهم القرآن وما فيه من الحجج والأمثال أتوا فيه من جهة ~~أن مبلغ علمهم هو ما سلكوه من الطريقة الكلامية فاعتقدوا أن المقصودين واحد ~~وليس كذلك بل القرآن ينفي أن يعبد غير الله أو أن يتخذه إلها فيحبه ويخضع ~~له محبة الإله وخضوعه كما بينت ذلك عامة آيات القرآن مثل قوله تعالي @QB@ ~~ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا @QE@ ولهذا قال الخليل @QB@ لا أحب ~~الآفلين @QE@ # ومن المعلوم أن كل حي فله إرادة وعمل بحسبه وكل متحرك فأصل حركته المحبة ~~والإرادة ولا صلاح للموجودات إلا أن يكون كمال محبتها وحركتها لله تعالي ~~كما لا وجود لها إلا أن يبدعها الله PageV01P014 # ولهذا قال تعالي @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ ولم يقل ~~لعدمتا إذ هو قادر علي أن يبقيها علي وجهة الفساد لكن لا يمكن أن تكون ~~صالحة إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له فإن صلاح الحي إنما هو صلاح مقصوده ~~ومراده وصلاح الأعمال والحركات بصلاح إرادتها ونياتها # ولهذا كان من أجمع الكلام وأبلغه قوله صلى الله عليه ms005 وسلم إنما الإعمال ~~بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي وهذا يعم كل عمل وكل نية # فكل عمل في العالم هو بحسب نية صاحبه وليس للعامل إلا ما نواه وقصده ~~وأحبه وأراده بعمله ليس في ذلك تخصيص ولا تقييد كما يظنه طوائف من الناس ~~حيث يحسبون أن النية المراد به النية الشرعية المأمور بها فيحتاجون أن ~~يحصروا الأعمال بالأعمال الشرعية فإن النية موجودة لكل متحرك كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أصدق الأسماء الحارث وهمام فالحارث هو ~~العامل الكاسب والهمام هو القاصد المريد وكل إنسان متحرك بإرادته حارث همام ~~PageV01P015 # كما بينا أن المحبة والإرادة أصل كل عمل فكل عمل في العالم فعن إرادة ~~ومحبة صدر # ولهذا كانت المحبة والإرادة منقسمة إلي محبوب لله وغير محبوب كما أن ~~العمل والحركة منقسم كذلك # وإذا كان كذلك فالمحبة لها آثار وتوابع سواء كانت صالحة محمودة نافعة أو ~~كانت غير ذلك لها وجد وحلاوة وذوق ووصال وصدود ولها سرور وحزن وبكاء # والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو ~~السعادة والضارة هي التي تجلب لصاحبها ما يضره وهو الشقاء # ومعلوم أن الحي العالم لا يختار أن يحب ما يضره لكن يكون ذلك عن جهل وظلم ~~فإن النفس قد تهوي ما يضرها ولا ينفعها وذلك ظلم منها لها وقد تكون جاهلة ~~بحالها به بأن تهوي الشيء وتحبه بلا علم منها بما في محبته من المنفعة ~~والمضرة وتتبع هواها وهذا حال من اتبع هواه بغير علم # وقد يكون عن اعتقاد فاسد وهو حال من اتبع الظن وما تهوي نفسه وكل ذلك من ~~أمور الجاهلية وإن كان كل من جهلها وظلمها لا يكاد يخلو عن شبهة يشتبه بها ~~الحق وشهوه هي في الأصل محمودة إذا وضعت في محلها كحال الذي يحب لقاء قريبه ~~فإن هذا محمود وهو أصل صلة الرحم التي هي شجنة من الرحمن PageV01P016 # لكن إذا اتبع هواه حتى خرج عن العدل بين ذوي القربى وغيرهم كان هذا ظلما ms006 ~~كما قال تعالي @QB@ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى @QE@ وقال تعالي ~~@QB@ كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ~~@QE@ # وكذلك الذي يحب الطعام والشراب والنساء فإن هذا محمود وبه يصلح حال بني ~~آدم ولولا ذلك لما استقامت نفس الأنساب ولا وجدت الذرية ولكن يجب العدل ~~والقصد في ذلك كما قال تعالي @QB@ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا @QE@ وكما قال ~~تعالي @QB@ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى ~~وراء ذلك فأولئك هم العادون @QE@ # فإذا تجاوز حد العدل وهو المشروع صار ظالما عاديا بحسب ظلمه وعدوانه # وقد ذكرنا في مواضع أن المشروع والنافع والصالح والعدل والحق والحسن ~~أسماء متكافئة مسماها واحد بالذات وإن تنوعت صفاته بمنزلة أسماء الله ~~الحسني فأسماؤه تعالي وأسماء كتابه ودينه ونبيه مسمي كل صنف من ذلك واحد ~~وإن تنوعت صفاته فكل عمل صالح هو نافع لصاحبه وبالعكس وكل نافع صالح فهو ~~مشروع وبالعكس وكل ما كان صالحا مشروعا فهو حق وعدل وبالعكس PageV01P017 # ولكن الناس قد يدركون أحد النعتين فيستدلون به علي وجود الآخر مثل أن ~~يعلم أن الله أمر بهذا الفعل وشرعه فيعلم من هذا وجوب كونه طاعة لله ورسوله ~~وذلك الفعل بعينه يجب أن يكون عملا صالحا وهو النافع وأن يكون حقا وعدلا ~~وهذا استدلال بالنص وقد يعلم كون الشيء صالحا أو عدلا أو حسنا ثم يستدل ~~بذلك علي كونه مشروعا وهو الاستدلال بالاسصلاح والاستحسان والقياس على كون ~~مشروعا # وهذه الطريقة فيها خطر عظيم والغلط فيها كثير ولخفاء صفات الأعمال ~~وأحوالها عنها وأن العالم بذلك كما ينبغي ليس هو إلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # فالاستدلال بالمصالح التي قد يقال لها المصالح المرسلة هو الذي يري الشيء ~~مصلحة وليس في الشرع ما ينفيه فيستدل بالمصلحة علي أنه من الشريعة # والاستحسان أن يري الشيء حسنا فيستدل بحسنه علي أنه من الشرع # والعدل أن يري للشيء نظيرا وشبيها فيستدل علي حكمه بحكم نظيره وشبيهه ~~وليس هذا موضع الكلام في ذلك # لكن ms007 أعلم الناس من كان رأيه واستصلاحه واستحسانه وقياسه موافقا للنصوص ~~كما قال مجاهد أفضل العبادة الرأي الحسن وهو اتباع السنة ولهذا قال تعالي ~~@QB@ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق @QE@ ~~PageV01P018 # ولهذا كان السلف يسمون أهل الآراء المخالفة للسنة والشريعة في مسائل ~~الإعتقاد الخبرية ومسائل الأحكام العملية أهل الأهواء لأن الرأي المخالف ~~للسنة جهل لا علم فصاحبه ممن اتبع هواه بغير علم # ولهذا يذكر الله في القرآن من يتبع هواه بغير علم ويذم من يتبع هواه بغير ~~هدي من الله كما قال تعالي @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ~~@QE@ وقال تعالي @QB@ وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين @QE@ # وكل من اتبع هواه اتبعه بغير علم إذ لا علم بذلك إلا بهدي الله الذي بعث ~~الله به رسله كما قال تعالي @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ~~@QE@ ولهذا ذم الله الهوى في مواضع من كتابه # واتباع الهوى يكون في الحب والبغض كقوله تعالي @QB@ يا داود إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ~~إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب @QE@ فهنا ~~يكون اتباع الهوى هو ما يخالف الحق في الحكم قال تعالي @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ~~إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن ~~تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا @QE@ PageV01P019 فهنا يكون ~~اتباع الهوى فيما يخالف القسط من الشهادة وغيرها والحق هو العدل واتباع ~~الهوى في خلاف ذلك هو من الظلم # وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتباع أهواء الخلق وقال تعالي ~~@QB@ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو ~~الهدى ms008 ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا ~~نصير @QE@ فنهاه عن اتباع أهواء الذين أوتوا الكتاب بعد ما جاءه من العلم # وكذلك قال تعالي في الآية الأخرى @QB@ ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من ~~العلم @QE@ وقال تعالي @QB@ احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد ~~الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم @QE@ # وقال تعالي @QB@ قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا ~~فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وهم بربهم يعدلون @QE@ # فقد نهاه عن اتباع أهواء المشركين واتباع أهواء أهل الكتاب وحذره أن ~~يفتنوه عما أنزل الله إليه من الحق وذلك يتضمن النهي عن اتباع أهواء أحد في ~~خلاف شريعته وسنته وكذا أهل الأهواء من هذه الأمة PageV01P020 # وقد بين ذلك في قوله تعالي @QB@ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ~~ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن ~~الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين @QE@ فقد أمره في هذه الآية ~~باتباع الشريعة التي جعله عليها ونهاه عن اتباع ما يخالفها وهي أهواء الذين ~~لا يعلمون # ولهذا كان كل من خرج عن الشريعة والسنة من أهل الأهواء كما سماهم السلف # وقال تعالي @QB@ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ~~@QE@ # وقال تعالي @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ # وقال تعالي @QB@ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ~~ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم @QE@ # وقال تعالي @QB@ قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي ~~موسى من قبل @QE@ إلي قوله @QB@ فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ~~أتبعه إن كنتم صادقين فإن لم ms009 يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن ~~أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ PageV01P021 # وقال تعالى @QB@ ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين ~~أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم @QE@ # فذكر الذين أوتوا العلم وهم الذين يعلمون أن ما أنزل إليه من ربه الحق ~~ويفقهون ما جاء به وذكر المطبوع علي قلوبهم فلا يفقهون إلا قليلا الذين ~~اتبعوا أهوائهم يسألونهم ماذا قال الرسول آنفا وهذه حال من لم يفقه الكتاب ~~والسنة بل يستشكل ذلك فلا يفقهه أو قرأه متعارضا متناقضا وهي صفة المنافقين # ثم ذكر صفة المؤمنين فقال تعالي @QB@ والذين اهتدوا زادهم @QE@ زيادة ~~الهدي وهو ضد الطبع علي قلوب أولئك وآتاهم تقواهم وهو ضد اتباع أولئك ~~الأهواء # فصاحب التقوى ضد صاحب الأهواء كما قال تعالي @QB@ وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى @QE@ وقال تعالي @QB@ إذ جعل ~~الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله ~~وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها @QE@ # ولما كانت كل حركة وعمل في العالم فأصلها المحبة والإرادة وكل محبة ~~وإرادة لا يكون أصلها محبة الله وإرادة وجهه فهي باطلة فاسدة كان كل عمل ~~PageV01P022 لا يراد به وجهه باطلا فأعمال الثقلين الجن والإنس منقسمة منهم ~~من يعبد الله ومنهم من لا يعبده بل قد يجعل معه إلها آخر وأما الملائكة فهم ~~عابدون لله # وجميع الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم والجن والبهائم فهي من عمل ~~الملائكة وتحريكها لما في السماء والأرض وما بينهما فجميع تلك الحركات ~~والأعمال عبادات لله متضمنة لمحبته وإرادته وقصده وجميع المخلوقات عابدة ~~لخالقها إلا ما كان من مردة الثقلين وليست عبادتها إياه قبولها لتدبيره ~~وتصريفه وخلقه فإن هذا عام لجميع المخلوقات حتى كفار بني آدم فلا يخرج أحد ~~عن مشيئته وتدبيره وذلك بكلمات الله التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستعيذ بها فيقول ms010 # أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وهذا من عموم ربو ~~بيته وملكه # وهذا الوجه هو الذي أدركه كثير من أهل النظر والكلام حتى فسروا ما في ~~القرآن والحديث من عبادة الأشياء وسجودها وتسبيحها بذلك وهم غالطون في هذا ~~التخصيص شرعا وعقلا أيضا # فإن المعقول الذي لهم يعرفهم أن كل شيء وكل متحرك وأن كان له مبدأ فلا بد ~~له من غاية ومنتهى كما يقولون لها علتان فاعلية وغائية والذي PageV01P023 ~~ذكروه إنما هو من جهة العلة الفاعلية وبعض المخلوقين كذلك يجعلونه من جهة ~~العلة الغائية وهذا غلط # فلا يصلح أن يكون شيء من المخلوقات علة فاعلية ولا غائية إذ لا يستقل ~~مخلوق بأن يكون علة تامة قط ولهذا لم يصدر عن مخلوق واحد شيء قط ولا يصدر ~~شيء في الآثار إلا عن اثنين من المخلوقات كما قد بينا هذا في غير هذا ~~الموضوع # وكذلك لا يصلح شيء من المخلوقات أن يكون علة غائية تامة إذ ليس في شيء من ~~المخلوقات كمال مقصود حتى من الأحياء فالمخلوقات بأسرها يجتمع فيها هذان ~~النقصان أحدهما أنه لا يصلح شيء منها أن تكون علة تامة لا فاعلية ولا غائية ~~والثاني أن ما كان فيها علة فله علة سواء كان علة فاعلية أو غائية # فالله سبحانه رب كل شيء ومليكه وهو رب العالمين لا رب لشيء من الأشياء ~~إلا هو وهو إله كل شيء وهو في السماء إله وفي الأرض إله وهو الله في ~~السموات وفي الأرض لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا وما من إله إلا الله ~~سبحانه وتعالي عما يقول الظالمون علوا كبيرا # فعبادة المخلوقات وتسبيحها هو من جهة إلاهيته سبحانه وتعالي وهو الغاية ~~المقصودة منها ولها PageV01P024 # وأما في الشرع فإن الله فصل بين هذا وبين هذا فقال تعالي @QB@ ألم تر أن ~~الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له ms011 ~~من مكرم إن الله يفعل ما يشاء @QE@ # فهذا السجود الذي فصل بين كثير من الناس الذي يفعلونه وكثير من الناس ~~الذين لا يفعلونه طوعا وهم الذين حق عليهم العذاب ليس هو ما يشترك فيه جميع ~~الناس من خلق الله وربوبيه الله تعالي إياهم وتدبيرهم # وكذلك فصل بين الصنفين في قوله تعالي @QB@ أفغير دين الله يبغون وله أسلم ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون @QE@ # وكذلك في قوله @QB@ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم ~~بالغدو والآصال @QE@ # وهو سبحانه ذكر في الآية الأخرى سجود المخلوقات إلا الكثير من الناس لأنه ~~ذكر الطوع فقط كما ذكر في التي قبلها أديان الناس فقال تعالي @QB@ إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل ~~بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد @QE@ فتضمنت هذه الآية حال ~~المخلوقات إلا الجن فإنهم لم يذكروا باللفظ الخاص PageV01P025 لكنهم ~~يندرجون في الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين فإنهم كما قالوا ~~@QB@ منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا @QE@ # وقد ذكر طائفة من أهل العربية أنهم يدخلون في لفظ الناس أيضا # وقال سبحانه @QB@ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن ~~اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السماوات وما في ~~الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما ~~يؤمرون @QE@ # وفي الصحيحين حديث أبي ذر في سجود الشمس تحت العرش إذا غابت # وقال تعالي @QB@ ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير ~~صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون @QE@ وقال تعالي @QB@ ~~سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ @QB@ سبح لله ما في ~~السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ @QB@ سبح لله ما في السماوات ~~وما في الأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ PageV01P026 @QB@ يسبح لله ما في ~~السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم @QE@ @QB@ يسبح لله ما ~~في السماوات وما في الأرض له ms012 الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير @QE@ ~~@QB@ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم @QE@ # قال تعالي @QB@ وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن ~~عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون @QE@ # وقال تعالي @QB@ إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~يسجدون @QE@ # وقال تعالي @QB@ ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ~~ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون فإن استكبروا فالذين ~~عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون @QE@ # وقال تعالي @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا @QE@ @QB@ فأما ~~الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه ~~صراطا مستقيما @QE@ # وقال تعالي @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا @QE@ PageV01P027 # وقال تعالي @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين @QE@ # وقال تعالي @QB@ هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ~~ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم ~~يجادلون في الله وهو شديد المحال @QE@ # وقالت الملائكة @QB@ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح ~~بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون @QE@ # وقال تعالي @QB@ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير ~~محشورة كل له أواب @QE@ $ أهل الطبع المتفلسفة لا يشهدون الحكمة الغائية من ~~المخلوقات # فأما كثير من الناس وأهل الطبع المتفلسفة وغيرهم فيعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا ويأخذون بظاهر من ms013 القول يرون ظاهر الحركات والأعمال التي للموجودات ~~ويرون بعض أسبابها القريبة وبعض حكمها وغاياتها القريبة أن ذلك هو العلة ~~لها فاعلا وغاية كما يذكرونه في تشريح الإنسان وأعضائه وحركاته PageV01P028 ~~الباطنة والظاهرة وما يذكرونه من القوي التي في الأجسام التي هي تكون بها ~~الحركة وما يذكرونه من كل شيء # ومن ذلك ذكرهم الطبيعة التي في الإنسان والقوة الجاذبة والهاضمة الغاذية ~~والدافعة والمولدة وغير ذلك وأن الرئة تروح علي القلب لفرط حرارته وأن ~~الدماغ أبرد من القلب إلي غير ذلك من الأسباب والحكم التي فيها من شهود ما ~~في مخلوقات الله من الأسباب والحكم ما هو عبرة لأولي الأبصار # لكن يقع الغلط من إضافة هذه الآثار العظيمة إلي مجرد قوة في جسم ولا ~~يشهدون الحكمة الغائية من هذه المخلوقات وأن ذلك هو عبادة ربها سبحانه ~~وتعالي $ أهل الكلام ينكرون طبائع الموجودات وما فيها من القوي والأسباب # وقد يعارضهم كلهم طوائف من أهل الكلام فينكرون طبائع الموجودات وما فيها ~~من القوي والأسباب ويدفعون ما أرى الله عباده من آياته في الآفاق وفي ~~أنفسهم مما شهد به في كتابه من أنه خلق هذا بهذا كقوله @QB@ فأنزلنا به ~~الماء فأخرجنا به من كل الثمرات @QE@ وقوله @QB@ فأحيا به الأرض بعد موتها ~~@QE@ # وكلا الطائفتين قد لا يعلمون ما فيها من الحكمة التي هي عبادة ربها وهذا ~~هو المقصود الذي بعث الله به الرسل وانزل به الكتب بل إنما يتنازعون في ~~PageV01P029 فاعل هذه الأمور وما يتعلق بتوحيد الربوبية كما قدمناه وأما ~~شهادة غاية هذه الأمور وما يتعلق بتوحيد الإلهية فقد لا يهتدون له ولهذا ~~كان في طرقهم من الضلالات والجهالات ما هو مخالف لصحيح المنقول وصريح ~~المعقول # لكن أهل العلم في إضافة جميع الحوادث إلي خلق الله ومشيئته وربوبيته أصح ~~عقلا ودينا ومن أدخل في ذلك كل شيء حتى أفعال الحيوان فهو المصيب الموافق ~~للسنة والعقل وهم متكلمة أهل الإثبات الذين يقررون أن الله خالق كل شيء ~~وربه ومليكه # بخلاف القدرية الذين أخرجوا عن ذلك أفعال الحيوان وبخلاف ms014 أهل الطبع ~~والفلسفة الذين يخرجون عن ذلك عامة الكائنات من العلل المولدات وكلاهما ~~باطل كما بين في غير هذا الموضع # ولهذا تجد هؤلاء إذا تكلموا في الحركات التي بين السماء والأرض مثل حركة ~~الرياح والسحاب والمطر وحدوث المطر من الهواء الذي بين السماء والأرض تارة ~~ومن البخار المتصاعد من الأرض تارة كما ذكر ذلك أيضا غير واحد من السلف وهو ~~حق مشهود بالأبصار كما يخلق الولد في بطن أمه من المني وكما يخلق الشجر من ~~الحب والنوى فشهدوا بعض الأسباب المرئية وجهلوا أكثر الأسباب وأعرضوا عن ~~الخالق المسبب لذلك كله وعما جاء في ذلك من عبادته وتسبيحه والسجود له الذي ~~هو غاية حكمته # فإن خلق الله سبحانه للسحاب بما فيه من المطر من هذا البحر وبخار الأرض ~~كخلقه للحيوان والنبات والمعدن من هذه الأمور PageV01P030 # ومعلوم أن المني جسم صغير مشابه لهذا الذي في الحيوان من الأعضاء المكسوة ~~والمتنوعة في أقدارها وصفاتها وحكمها وغاياتها هل يقول عاقل إن هذا مضاف ~~إلي عرض وصفة حال في جسم صغير أو يضاف هذا إلي ذلك الجسم الصغير هذا من ~~أفسد الأمور في بديهة العقل # ومعلوم أنه لا نسبة إلي خلق هذا من هذا وإلي ما يصنعه بنو آدم من الصور ~~التي يصنعونها من المداد مثل الكتابة بالمداد ونسيج الثياب من الغزل وصنعة ~~الأطعمة والبنيان من موادها وهم مع ذلك لم يخلقوا المواد ولا يفنونها وإنما ~~غايتهم حركة خاصة تعين علي تلك الصورة ثم لو أضاف مضيف هذه الكتابة إلي ~~المداد لكان الناس جميعا يستجهلونه ويستحمقونه فالذي يضيف خلق الحيوان ~~والنبات إلي مادتها أو ما في مادتها من الطبع أليس هو أحمق وأجهل وأظلم ~~وأكفر # وكذلك خلق السحاب والمطر من الهواء والبخار هو كذلك إضافة الزلزلة إلي ~~احتقان البخار وإضافة حركة الرعد إلي مجرد اصطكاك أجرام السحاب إلي غير ذلك ~~من الأسباب التي ضلوا فيها ضلالا مبينا حيث جعلوها هي العلة التامة فاعلا ~~ولم يعرفوا الغاية فجهلوا الوضعين ونازعهم طوائف من الناس فيما يوجد من ms015 ~~الأسباب والقوي التي في الطباع وذلك أيضا جهل # وإذا كانت المحبة والإرادة أصل كل عمل وحركة وأعظمها في الحق محبة الله ~~وإرادته بعبادته وحده لا شريك له وأعظمها في الباطل أن يتخذ الناس من ~~PageV01P031 $ المحبة والإرادة أصل كل دين # دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ويجعلون له عدلا وشريكا علم أن المحبة ~~والإرادة أصل كل دين سواء كان دينا صالحا أو دينا فاسدا فإن الدين هو من ~~الأعمال الباطنة والظاهرة والمحبة والإرادة أصل ذلك كله والدين هو الطاعة ~~والعبادة والخلق فهو الطاعة الدائمة اللازمة التي قد # | معاني كلمة الدين # صارت عادة وخلقا بخلاف الطاعة مرة واحدة ولهذا فسر الدين بالعادة والخلق ~~ويفسر الخلق بالدين أيضا كما في قوله تعالي @QB@ وإنك لعلى خلق عظيم @QE@ ~~قال ابن عباس علي دين عظيم وذكره عنه سفيان بن عيينة وأخذه الإمام أحمد عن ~~سفيان بن عيينة وبذلك فسراه # وكذلك يفسر بالعادة كما قال الشاعر % أهذا دينه أبدا وديني % $ # ومنه الديدن يقال هذا ديدنه أي عادته اللازمة فإن ديدن من دان بمنزلة ~~صلصل من صل وكبكب من كب هو تضعيف له والمضعف قد يكون مشددا وقد يكون حرف ~~لين وهم يعاقبون في كلامهم PageV01P032 كثيرا بين الحرف المشدد وحرف المثل ~~كما يقال تقضي البازي وتقضض ويقال تسرر وتسري # ودان يكون من الأعلى القاهر ويكون من المطيع يقال دنته فدان أي قهرته فذل ~~كما قال % هو دان الرباب اذا كرهوا الدي % ن دراكا بعزة وصيال % # ويقال في الأعلى كما تدين تدان وأما دين المطيع فيستعمل متعديا ودائما ~~ولازما يقال دنت الله ودنت لله ويقال فلان لا يدين الله دينا ولا يدين لله ~~لأن فيه معني الطاعة والعبادة ومعني الذل فإذا قيل دان الله فهو قولك أطاع ~~الله وأحبه وإذا قيل دان لله فهو كقولك ذل لله وخشع لله # وقد ذكرت أن أسم العبادة يتناول غاية الحب بغاية الذل وهكذا الدين ~~PageV01P033 الذي يدين به الناس في الباطن والظاهر لا بد فيه من الحب ~~والخضوع بخلاف طاعتهم للملوك ونحوهم فإنها ms016 قد تكون خضوعا ظاهرا فقط # والله سبحانه وتعالي سمي يوم القيامة يوم الدين كما قال @QB@ مالك يوم ~~الدين @QE@ وهو كما روى عن ابن عباس وغيره من السلف يوم يدين الله العباد ~~بأعمالهم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا وذلك يتضمن جزاءهم وحسابهم # فلهذا من قال هو يوم الحساب ويوم الجزاء فقد ذكر بعض صفات الدين قال ~~تعالي @QB@ كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم ~~عنها بغائبين وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك ~~نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله @QE@ # وقال تعالي @QB@ فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين @QE@ ~~أي مقهورين ومدبرين ومجزيين PageV01P034 $ لا بد لكل طائفة من بني آدم من ~~دين يجمعهم # وإذا كان كل عمل عن محبة وإرادة والترك يكون عن بغض وكراهة وكل أحد همام ~~حارث له حب وبغض لا يخلو الحي عنهما وعمله يتبع حبه وبغضه ثم قد يكون ذلك ~~في أمور هي له عادة وخلق وقد يكون في أمور عارضة لازمة علم أن كل طائفة من ~~بني آدم لا بد لهم من دين يجمعهم إذ لا غني لبعضهم عن بعض وأحدهم لا يستقل ~~بجلب منفعته ودفع مضرته فلا بد من اجتماعهم وإذا اجتمعوا فلا بد أن يشتركوا ~~في اجتلاب ما ينفعهم كلهم مثل طلب نزول المطر وذلك محبتهم له وفي دفع ما ~~يضرهم مثل عدوهم وذلك بغضهم له فصار ولا بد أن يشتركوا في محبة شيء عام ~~وبغض شيء عام وهذا هو دينهم المشترك العام # وإما اختصاص كل منهم بمحبة ما يأكله ويشربه وينكحه وطلب ما يستره باللباس ~~فهذا يشتركون في نوعه لا في شخصه بل كل منهم يحب نظير ما يحبه الآخر لا ~~عينه بل كل منهم لا ينتفع في أكله وشربه ونكاحه ولباسه بعين ما ينتفع به ~~الآخر بل بنظيره # وهكذا هي الأمور السماوية في الحقيقة فإن ms017 عين المطر الذي ينزل في أرض هذا ~~ليس هو عين الذي ينزل في أرض هذا ولكن نظيره ولا عين الهواء البارد الذي ~~يصيب جسد أحدهم قد لا يكون نفس عين الهواء البارد الذي يصيب جسد الآخر بل ~~نظيره PageV01P035 # لكن الأمور السماوية تقع مشتركة عامه ولهذا تعلق حبهم وبغضهم بها عامة ~~مشتركة بخلاف الأمور التي تتعلق بأفعالهم كالطعام واللباس فقد تقع مختصة ~~وقد تقع مشتركة # | الدين هو التعاهد والتعاقد # وإذا كان كذلك فالأمور التي يحتاجون إليها يحتاجون أن يوجبوها علي أنفسهم ~~والأمور التي تضرهم يحتاجون أن يحرموها علي نفوسهم وذلك دينهم وذلك لا يكون ~~إلا باتفاقهم علي ذلك وهو التعاهد والتعاقد # ولهذا جاء في الحديث لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له # فهذا هو من الدين المشترك بين جميع بني آدم من التزام واجبات ومحرمات وهو ~~الوفاء والعهد وهذا قد يكون باطلا فاسدا إذا كان فيه مضرة لهم راجحة علي ~~منفعته وقد يكون دين حق إذا كانت منفعة خاصة أو راجحة # كما قال تعالي @QB@ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ~~ولي دين @QE@ # وقال تعالي @QB@ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك @QE@ PageV01P036 # وقال تعالي @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب @QE@ ~~$ الدين الحق هو طاعة الله وعبادته # والدين الحق هو طاعة الله وعبادته كما بينا أن الدين هو الطاعة المعتادة ~~التي صارت خلقا وبذلك يكون المطاع محبوبا مرادا إذ أصل ذلك المحبة والإرادة # ولا يستحق أحد أن يعبد ويطاع علي الإطلاق إلا الله وحده لا شريك له ورسله ~~وأولو الأمر أطيعوا لأنهم يأمرون بطاعة الله كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث المتفق عليه من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد ~~أطاعني ومن عصاني فقد عصي الله ومن عصي ms018 أميري فقد عصاني # وأما العبادة فلله وحده ليس فيها واسطة فلا يعبد العبد إلا الله وحده كما ~~قد بينا ذلك في مواضع وبينا أن كل عمل لا يكون غايته إرادة الله وعبادته ~~فهو عمل فاسد غير صالح باطل غير حق أي لاينفع صاحبه PageV01P037 # وقد قال سبحانه @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ # وقال تعالي @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله @QE@ # وقال تعالي @QB@ ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم @QE@ # وقال تعالي @QB@ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين @QE@ # وقال تعالي @QB@ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم @QE@ # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال # من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين # وقال تعالي @QB@ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ~~ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون @QE@ PageV01P038 # وقال تعالي @QB@ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه @QE@ # وهو الدين الحق الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له وطاعته وطاعة رسوله ~~هو الإسلام العام الذي لا يقبل الله دينا غيره # كما قال تعالي @QB@ إن الدين عند الله الإسلام @QE@ وقال تعالي @QB@ ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ # وقال تعالي @QB@ أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها وإليه يرجعون @QE@ # وقال تعالي @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه @QE@ # وقال تعالي @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء @QE@ ~~$ كل دين سوي الإسلام باطل # فإذا كان لا بد لكل آدمي من اجتماع ms019 ولا بد في كل اجتماع من طاعة ودين وكل ~~دين وطاعة لا يكون لله فهو باطل فكل دين سوي الإسلام فهو باطل # وأيضا فلا بد لكل حي من محبوب هو منتهى محبته وإرادته وإليه تكون حركة ~~باطنه وظاهره وذلك هو إلهه ولا يصلح ذلك إلا لله وحده لا شريك له فكل ما ~~سوي الإسلام فهو باطل PageV01P039 # والمتفرقون أيضا فيه الذين أخذ كل منهم ببعضه وترك بعضه وافترقت أهواؤهم ~~قد بريء الله ورسوله منهم $ لا بد في كل دين من شيئين العقيدة والشريعة أو ~~المعبود والعبادة # ولا بد في كل دين وطاعة ومحبة من شيئين أحدهما الدين المحبوب المطاع وهو ~~المقصود المراد # والثاني نفس صورة العمل التي تطاع ويعبد بها وهو السبيل والطريق والشريعة ~~والمنهاج والوسيلة # كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالي @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ ~~قال أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال إن العمل إذا كان ~~خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى ~~يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون علي السنة # فهكذا كان الدين يجمع هذين الأمرين المعبود والعبادة والمعبود اله واحد ~~والعبادة طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا هو دين الله الذي ~~ارتضاه كما قال تعالي @QB@ ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ وهو دين المؤمنين ~~من الأولين والآخرين وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد غيره لأنه دين ~~فاسد باطل كمن عبد من لا تصلح عبادته أو عبد بما لا يصلح أن يعبد به $ تنوع ~~الناس في المعبود وفي العبادة # ثم مع اشتراك الأولين والآخرين في هذا الدين فيتنازعون في كل منهما فإن ~~الله سبحانه له الأسماء الحسني وله المثل الأعلى فقد تعرف هذه الأمة من ~~أسمائه PageV01P040 وصفاته ما لا تعرف به الأمة الأخرى فهم مشتركون في ~~عبادة نفسه وإن تنوعوا فيما عرفوه وعبدوه به من أسمائه وصفاته # وقد رفع الله بعضهم فوق بعض درجات فهذا تنوعهم في المعبود وكذلك ms020 حالهم في ~~معرفة اليوم الآخر # وأما تنوعهم في العبادة والطاعة من الأقوال والأفعال فإنهم متنوعون في ~~ذلك أيضا # وقد قال تعالي @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ # وقال تعالي @QB@ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون @QE@ # وقال تعالي @QB@ لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر ~~@QE@ # وقال تعالي @QB@ ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام @QE@ # وقال تعالي @QB@ ولكل وجهة هو موليها @QE@ # وهذان الأصلان قد جاءت شريعتنا فيهما بأنواع فجاءت في أسماء الله وصفاته ~~بأنواع وجاءت في صفات العبادات بأنواع والأصل الأول ينضم إليه اليوم الآخر ~~وما جاء في نعته من الأسماء والصفات والوعد والوعيد PageV01P041 # وهذه الأصول الثلاثة وهي الإيمان بالله وباليوم الآخر والعمل الصالح هي ~~الموجبة للسعادة في كل ملة كما قال تعالي @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ والشرع ما جاءت به الرسل وهو الأصل ~~الرابع $ ذم الله التفرق والاختلاف في الكتاب والسنة # فإن هذه الأصول الأربعة متلازمة والتفرق في ذلك بالأمر في بعضه والنهي عن ~~بعض هو من التفرق والاختلاف الذي ذمه الكتاب والسنة من المختلفين # وقال تعالي @QB@ وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ # وقال تعالي @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء @QE@ # وقال تعالي @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات @QE@ # ولهذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم لما اختلفوا في القراءة وقال كلاهما ~~محسن PageV01P042 # وقال إن القرآن نزل علي سبعة أحرف فاقرؤوا منه ما تيسر وكذلك غضب لما ~~تنازعوا في القدر وأخذوا يعارضون بين الآيات معارضة تفضي إلي الإيمان ببعض ~~دون بعض # وهذا التفرق والاختلاف يوجب الشرك وينافي حقيقة التوحيد الذي هو إخلاص ~~الدين كله لله كما قال تعالي @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا @QE@ @QB@ ولا ~~تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم ms021 ~~فرحون @QE@ # فإقامة وجهة الدين حنيفا وعبادة الله وحده لا شريك له وذلك يجمع الإيمان ~~بكل ما أمر الله به وأخبر به أن يكون الدين كله لله PageV01P043 # ثم قال الله تعالي @QB@ ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا @QE@ وذلك أنه إذا كان الدين كله لله حصل الإيمان والطاعة لكل ~~ما أنزله وأرسل به رسله وهذا يجمع كل حق ويجمع عليه كل حق # وإذا لم يكن كذلك فلا بد أن يكون لكل قول ما يمتازون به مثل معظم مطاع أو ~~معبود لم يأمر الله بعبادته وطاعته ومثل قول ودين ابتدعوه لم يأذن الله به ~~ولم يشرعه فيكون كل من الفريقين مشركا من هذا الوجه # وأيضا ففي قلوب بني آدم محبة وإرادة لما يتألهونه ويعبدونه وذلك هو قوام ~~قلوبهم وصلاح نفوسهم كما أن فيهم محبة وإرادة لما يطعمونه وينكحونه وبذلك ~~تصلح حياتهم ويدوم شملهم وحاجتهم إلي التأله أعظم من حاجتهم إلى الغذاء فإن ~~الغذاء إذا فقد يفسد الجسم وبفقد التأله تفسد النفس ولن يصلحهم إلا تأله ~~الله وعبادته وحده لا شريك له وهي الفطرة التي فطروا عليها كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه كل مولود يولد علي الفطرة فأبواه ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ~~ربه أنه قال إنني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما ~~أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا # لكن أكثر الشرك في بني آدم بإيجاد إله آخر مع الله ودان بذلك كثير منهم ~~في أنواع كثيرة PageV01P044 # فصار كل طائفة من بني آدم لا بد لهم من دين لهذين الأمرين لحاجة نفوسهم ~~إلي الإله الذي هو محبوب مطلوب لذاته ولأنه ينفع ويضر ولحاجتهم إلي التزام ~~ما يحبونه من الحاجات ويدفعونه من المضرات # وهم مشركون في المحبة للأمور المنزلة أعيانها وأنواعها فهم مشركون في ~~محبة الإله الذي يعبدونه وتعظيمه ومحبة من يبلغ عنه ما ms022 يختص به ومحبة ~~أوامره ونواهيه مشركين في محبة غير ذلك و مشركون أيضا في محبة جنس ما ~~التزموه من الواجبات والمحرمات العامة التي هي جلب المنفعة لهم جميعا ودفع ~~المضرة عنهم جميعا # فهذه المحبة هي المحبة الدينية كحب الدين الذي هم عليه حقا كان أو باطلا ~~وكذلك محبة ما يعين علي ذلك ويوصل إليه لأجل ذلك فهي أيضا محبة دينية $ ~~يقول بعض المتفلسفة إن المقصود بالدين مجرد المصلحة الدنيوية # وليس المقصود بالدين الحق مجرد المصلحة الدنيوية من إقامة العدل بين ~~الناس في الأمور الدنيوية كما يقوله طوائف من المتفلسفة في مقصود النواميس ~~والنبوات أن المراد بها مجرد وضع ما يحتاج إليه معاشهم في الدنيا من ~~القانون العدلي الذي ينتظم به معاشهم لكن هذا قد يكون المقصود في أديان من ~~لم يؤمن بالله ورسوله من اتباع الملوك المتفلسفة ونحوهم مثل قوم نوح ونمرود ~~وجنكيزخان وغيرهم PageV01P045 # فإن كل طائفة من بني آدم محتاجون إلي التزام واجبات وترك محرمات يقوم بها ~~معاشهم وحياتهم الدنيوية وربما جعلوا مع ذلك ما به يستولون به علي غيرهم من ~~الأصناف ويقهرونه كفعل الملوك الظالمين مثل جنكيزخان # فإذا لم يكن مقصود الدين والناموس الموضوع إلا جلب المنفعة في الحياة ~~الدنيا ودفع المضرة فيها فليس لهؤلاء في الآخرة من خلاق ثم إن كان مع ذلك ~~جعلوه ليستولوا به علي غيرهم من بني آدم ويقهرونهم كفعل فرعون وجنكيزخان ~~ونحوهما فهؤلاء من أعظم الناس عذابا في الآخرة # كما قال تعالي @QB@ نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن ~~فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ~~ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين @QE@ # وقد قص الله سبحانه قصة فرعون في غير موضع من القرآن وكان هو وقومه علي ~~دين لهم من دين الملوك كما قال تعالي في قصة يوسف @QB@ ما كان ليأخذ أخاه ~~في دين الملك إلا أن يشاء الله @QE@ وهذا الملك كان فرعون يوسف وكان قبل ~~فرعون موسى وفرعون اسم لمن يملك مصر من القبط ms023 وهو اسم جنس كقيصر وكسري ~~والنجاشي ونحو ذلك # وهؤلاء المتفلسفة الصابئة المبتدعة من المشائين ومن سلك مسلكهم من ~~المنتسبين إلي الملل في المسلمين واليهود والنصارى يجعلون الشرائع ~~والنواميس PageV01P046 والديانات من هذا الجنس لوضع قانون تتم به مصلحة ~~الحياة الدنيا ولهذا لا يأمرون فيها بالتوحيد وهو عبادة الله وحده ولا ~~بالعمل للدار الآخرة ولا ينهون فيها عن الشرك بل يأمرون فيها بالعدل والصدق ~~والوفاء بالعهد ونحو ذلك من الأمور التي لا تتم مصلحة الحياة الدنيا إلا ~~بها ويشرعون التأله للمخلصين والمشركين # وقد تكلمت علي أقسام الديانات في غير هذا الموضع وبينت الطبعي والملي ~~والشرعي وإنما جاء ذكر هذا هنا مطردا # ولهذا يقيمون النواميس بأنواع من الحيل والسحر والطلسمات كما وضعوه في ~~كتب ذلك ويقولون في بعض الطيالسم هذا يصلح لوضع النواميس كما تواصت ~~القرامطة والباطنية وكما كان يفعله سحرة فرعون وغيرهم وآثارهم موجودة بذلك ~~إلي اليوم وكما يفعله المشركون من الترك والهند في بلادهم PageV01P047 # والمتفلسفة الصابئة تجعل ذلك جنسا لما بعثت به الرسل من الآيات ويجعلون ~~موسى والسحرة والذين عارضوه من جنس واحد # وهؤلاء كما قال تعالي فيهم @QB@ ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة ~~من خلاق @QE@ هم مقرون بأن منفعة ذلك لا تكون في الآخرة وإنما يرجون منفعته ~~في الدنيا وإن كان فيه بلوغ بعض الأعراض من رئاسة أو شهوة # فهو كما قال الله تعالي @QB@ ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم @QE@ إذ ما ~~فيه من المضرة يربو علي ما فيه من الخير قال الله تعالي @QB@ ولو أنهم ~~آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون @QE@ ولهذا كان ما ~~نهي عنه من هذا الجنس إنما هو لكون الضرر فيه أغلب من المنفعة فأما ما ينفع ~~الناس فلم ينه الله عنه # ولهذا لما عرض علي النبي صلى الله عليه وسلم الرقي قال من استطاع أن ينفع ~~أخاه فليفعل وقال لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك PageV01P048 # وذكر البخاري في صحيحه في استخراج السحر عن قتادة قال قلت لسعيد بن ms024 ~~المسيب رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر قال لا بأس به إنما ~~يريدون الإصلاح فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه # | الحب أصل كل عمل والتصديق بالمحبة هو أصل الإيمان # فصل وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل وهو أصل الأعمال الدينية ~~وغيرها وأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله كما ان اصل الأقوال الدينية ~~تصديق الله ورسوله فالتصديق بالمحبة هو أصل الإيمان وهو قول وعمل كما قد ~~بين في غير هذا الموضع # ومعلوم أن قوة المحبة لكل محبوب يتفاوت الناس فيها تفاوتا عظيما ~~PageV01P049 ويتفاوت حال الشخص الواحد في محبة الشيء الواحد بحيث يقوي الحب ~~تارة ويضعف تارة بل قد يتبدل أقوي الحب بأقوى البغض وبالعكس # قال تعالي @QB@ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد ~~كفروا بما جاءكم من الحق @QE@ إلي قوله @QB@ قد كانت لكم أسوة حسنة في ~~إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ~~كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ~~@QE@ وإبراهيم هو إمام الحنفاء الذين يحبهم الله ويحبونه وهو خليل الله # وقال تعالي @QB@ أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو ~~لي إلا رب العالمين @QE@ # وقال تعالي أيضا @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ وقال بعد ذلك @QB@ إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين @QE@ # وقد قال تعالي @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ # ولا ريب أن محبة المؤمنين لربهم أعظم المحبات وكذلك محبة الله لهم هي ~~محبة عظيمة جدا كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال يقول الله تعالي من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب ~~إلي عبدي PageV01P050 بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ~~ويده التي يبطش بها ms025 ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي ~~يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ~~ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه # وقد تأول الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام محبة الله لعبده علي أنها ~~الإحسان إليه فتكون من الأفعال # وطائفة أخري من الصفاتية قالوا هي إرادة الإحسان وربما قال كلا من ~~القولين بعض المنتسبين إلي السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم # وسلف الأمة وأئمة السنة علي إقرار المحبة علي ما هي عليه # وكذلك محبة العبد لربه يفسرها كثير من هؤلاء بأنها إرادة العبادة له ~~وإرادة التقرب إليه لا يثبتون أن العبد يحب الله # وسلف الأمة وأئمة السنة ومشايخ المعرفة وعامة أهل الإيمان متفقون علي ~~خلاف قول هؤلاء المعطلة لأصل الدين بل هم متفقون علي أنه لا يكون شيء من ~~أنواع المحبة أعظم من محبة العبد ربه # كما قال تعالي @QB@ والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ وقال PageV01P051 ~~تعالي @QB@ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه @QE@ وقال تعالي @QB@ قل إن ~~كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره @QE@ فلم يرض إلا بأن يكون الله ورسوله أحب ~~إليهم من الأهلين والأموال حتى يكون الجهاد في سبيل الله الذي هو من كمال ~~الإيمان # قال تعالي @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ ولهذا وصف ~~الله المحبين له الذين يحبهم هو بالجهاد فقال تعالي @QB@ من يرتد منكم عن ~~دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم @QE@ # واما تنازع الناس في لفظ العشق فمن الناس من أهل التصوف والكلام وغيرهم ~~من أطلق هذا اللفظ في حق الله كما روي عبد الواحد بن زيد فيما يؤثره عن أحد ~~أنبياء الله ms026 أنه قال عشقني وعشقته PageV01P052 # وقال هؤلاء العشق هو المحبة الكاملة التامة وأولي الناس بذلك هو الله ~~فإنه هو الذي يجب أن يحب أكمل محبة وكذلك هو يحب عبده محبة كاملة # ولو قيل أن العشق هو منتهى المحبة أو أقصاها أو نحو ذلك فهذا المعني حق ~~من العبد فإنه يحب ربه منتهي المحبة وأقصاها والله يحب عبده مثل إبراهيم ~~ومحمد صلي الله عليها وسلم تسليما أقصي محبة تكون لعباده ومنتهاها وهما ~~خليلا الله # كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال إن الله قد ~~اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وقال # لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل ~~الله # وذهب طوائف من أهل العلم والدين إلي إنكار ذلك في حق الله ولا ريب أن هذا ~~اللفظ ليس مأثورا عن أئمة السلف $ منكرو لفظ العشق لهم من جهة اللفظ مأخذان ~~ومن جهة المعني مأخذان # والذين أنكروه لهم من جهة اللفظ مأخذان ومن جهة المعني مأخذان $ المأخذ ~~الأول من جهة اللفظ # أما من جهة اللفظ فإن هذا اللفظ ليس مأثورا عن السلف وباب الأسماء ~~والصفات يتبع فيها الألفاظ الشرعية فلا نطلق إلا ما يرد به الأثر ~~PageV01P053 # والأولون يستدلون بمثل قول عبد الواحد بن زيد ونحوه # وهؤلاء يقولون هذا من الإسرائيليات التي لا يجوز الاعتماد عليها في شرعنا ~~فإن ثبوت مثل هذا الكلام عن الله لا يعلم إلا من جهة نبينا صلي الله عليه ~~وسلم وذلك غير مأثور عنه ونحن لا نصدق بما ينقل عن الأنبياء المتقدمين إلا ~~أن يكون عندنا ما يصدقه كما لا نكذب إلا بما نعلم أنه كذب وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن ~~يحدثوكم بباطل فتصدقوه وإما يحدثوكم بحق فتكذبوه وهذا الوجه يقتضي الامتناع ~~من الإطلاق إلا عند الجزم بتحريمه في جميع الشرائع $ المأخذ الثاني # المأخذ الثاني أن المعروف من استعمال هذا اللفظ في اللغة إنما هو في ms027 محبة ~~جنس النكاح مثل حب الإنسان الآدمي مثله ممن يستمتع به من امرأة PageV01P054 ~~أو صبي فلا يكاد يستعمل هذا اللفظ في محبة الإنسان لولده وأقاربه ووطنه ~~وماله ودينه وغير ذلك ولا في محبته لآدمي لغير صورته مثل محبة الآدمي لعلمه ~~ودينه وشجاعته وكرمه وإحسانه ونحو ذلك بل المشهور من لفظ العشق هو محبة ~~النكاح ومقدماته فالعاشق يريد الاستمتاع بالنظر إلي المعشوق وسماع كلامه أو ~~مباشرته بالقبلة والحس والمعانقة أو الوطء وإن كان كثير من العشاق لا يختار ~~الوطء بل يحب تقبيل ومعانقة موطوءته فهو يحب مقدمات الوطء وكم ممن اشتغل ~~بالوسيلة عن المقصود # ثم لفظ العشق قد يستعمل في غير ذلك إما علي سبيل التواطؤ فيكون حقيقة في ~~القدر المشترك وإما علي سبيل المجاز # لكن استعماله في محبة الله إما أن يفهم أو يوهم المعني الفاسد وهو أن ~~الله يحب ويحب كما تحب صور الآدميين التي نستمتع بمعاشرتها ووطئها وكما تحب ~~الحور العين التي في الجنة # وهذا المعني من أعظم الكفر وإن كان قد بلغ إلى هذا الكفر الاتحادية الذين ~~يقولون إنه عين الموجودات ويقولون ما نكح سوي نفسه وهو الناكح والمنكوح ~~PageV01P055 # وكذلك الذين يقولون بالحلول العام والذين يقولون بالاتحاد في صور معينة ~~أو بحلوله فيها كما يقوله الغالية من النصارى والرافضة وغالية النساك فإن ~~هؤلاء يصفونه بما يوصف به البشر من النكاح تعالي الله عما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولو يكن له كفوا أحد # ومن هؤلاء من يعشق الصور الجميلة ويزعم أنه يتجلي فيها وأنه إنما يحب ~~مظاهر جماله وقد بسطنا الكلام في كفرهم وضلالهم في غير هذا الموضع فمن زعم ~~أن الله يحب أو يعشق وأشار إلي هذا المعني فهو أعظم كفرا من اليهود ~~والنصارى # وأما المأخذ المعنوي فهو أن العشق هل هو فساد في الحب والإرادة أو فساد ~~في الإدراك والمعرفة قيل إن العشق هو الإفراط في الحب حتى يزيد علي القصد ~~الواجب فإذا أفرط كان مذموما فاسدا مفسدا ms028 للقلب والجسم كما قال تعالي @QB@ ~~فيطمع الذي في قلبه مرض @QE@ فمن صار مفرطا صار مريضا كالإفراط في الغضب ~~والإفراط في الفرح وفي الحزن # وهذا الإفراط قد يكون في محبة الإنسان لصورته وقد يكون في محبته لغير ذلك ~~كالإفراط في حب الأهل والمال والإفراط في الأكل والشرب وسائر أحوال ~~PageV01P056 الإنسان وهذا المعني ممتنع في حق الله من الجهتين فإن الله لا ~~يحب محبة زيادة علي العدل ومحبة عبادة المؤمنين له ليس لها حد تنتهي إليه ~~حتى تكون الزيادة إفراطا وإسرافا ومجاوزة للقصد بل الواجب أن يكون الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما # كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث من كن فيه ~~وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يجب ~~المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه منه كما ~~يكره أن يلقي في النار وفي رواية في الصحيح لا يجد عبد حلاوة الإيمان حتى ~~يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما إلي آخره وقال والذي نفسي بيده لا ~~يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين # وفي الصحيح أن عمر قال له يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا ~~من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فلأنت أحب إلي من ~~نفسي قال الآن يا عمر # وقد تقدم دلالة القرآن علي هذا الأصل بقوله تعالي @QB@ قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره @QE@ $ وقيل إن العشق فساد في الإدراك والتخيل ~~والمعرفة # وقيل أن العشق هو فساد في الإدراك والتخيل والمعرفة فإن العاشق يخيل ~~PageV01P057 له المعشوق علي خلاف ما هو به حتى يصيبه ما يصيبه من داء العشق ~~ولو أدركه على الوجه الصحيح لم يبلغ إلي حد العشق وإن حصل ms029 له محبة وعلاقة # ولهذا يقول الأطباء العشق مرض وسواسي شبيه بالمالنخوليا فيجعلونه من ~~الأمراض الدماغية التي تفسد التخيل كما يفسده المالنخوليا # وإذا كان الأمر كذلك امتنع في حق الله من الجانبين فإن الله بكل شيء عليم ~~وهو سميع بصير مقدس منزه عن نقص أو خلل في سمعه وبصره وعلمه والمحبون له ~~عباده المؤمنون الذين آمنوا به وعرفوه بما تعرف به إليهم من أسمائه وآياته ~~وما قذفه في قلوبهم من أنوار معرفته فليست محبتهم إياه عن اعتقاد فاسد # لكن قد يقال إن كثيرا ممن يكون فيه نوع محبة الله قد يكون معها اعتقاد ~~فاسد إذ الحب يستتبع الشعور لا يستلزم صريح المعرفة لا سيما من كان من ~~عقلاء المجانين الذين عندهم محبة لله وتأله وفيهم فساد عقل فهؤلاء قد يصيب ~~أحدهم ما يصيب العشاق في حق الله ومعهم حب شديد ونوع من الإعتقاد الفاسد # وكثيرا ما يعتري أهل المحبة من السكر والفناء أعظم ما يصيب السكران ~~بالخمر والسكران بالصور كما قال تعالى في قوم لوط @QB@ إنهم لفي سكرتهم ~~يعمهون @QE@ فالحب له سكر أعظم من سكر الشراب كما قيل PageV01P058 % سكران ~~سكر هوى وسكر مدامة % ومتى أفاقة من به سكران % $ # ومعلوم أنه في حال السكر والفناء تنقص المعرفة والتميز ويضطرب العقل ~~والعلم فيحصل في ضمن ذلك من الاعتقادات والتخيلات الفاسدة ما هو من جنس ~~العشق الذي فيه فساد الإعتقاد # وهؤلاء محمودون على ما معهم من محبة الله والأعمال الصالحة والإيمان به ~~وأما ما معهم من اعتقاد فاسد وعمل فاسد لم يشرعه الله ورسوله فلا يحمدون ~~على ذلك لكن إن كانوا مغلوبين على ذلك بغير تفريط منهم ولا عدوان كانوا ~~معذورين وإن كان ذلك لتفريطهم فيما أمروا به وتعديهم حدود الله فهم مذنبون ~~في ذلك مثل ما يصيب كثيرا ممن يهيج حبه عند سماع المكاء والتصدية والأشعار ~~الغزلية فتتولد لهم أنواع من الاعتقادات والإرادات التي فيها الحق والباطل ~~وقد يغلب هذا تارة وهذا تارة # فباب محبة الله ضل فيه فريقان من الناس فريق من ms030 أهل النظر والكلام ~~والمنتسبين إلى العلم جحدوها وكذبوا بحقيقتها # وفريق من أهل التعبد والتصوف والزهد أدخلوا فيها من الاعتقادات والإرادات ~~الفاسدة ما ضاهوا بها المشركين # فالأولون يشبهون المستكبرين وهؤلاء يشبهون المشركين # ولهذا يكون الأول في أشباه اليهود ويكون الثاني في أشباه النصارى # وقد أمرنا الله تعالى أن نقول @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ PageV01P059 $ كل محبة ~~وبغضة يتبعها لذة وألم # $ فصل ومن المعلوم أن كل محبة وبغضة فإنه يتبعها لذة وألم ففي نيل ~~المحبوب لذة وفراقه يكون فيه ألم وفي نيل المكروه ألم وفي العافية منه تكون ~~فيه لذة فاللذة تكون بعد إدراك المشتهى والمحبة تدعو إلى إدراكه # فالمحبة العلة الفاعلة لإدراك الملائم المحبوب المشتهي واللذة والسرور هي ~~الغاية # واللذات الموجودة في الدنيا ثلاثة أجناس فجنس بالجسد تارة كالأكل والنكاح ~~ونحوهما مما يكون بإحساس الجسد فإن أنواع المأكول والملبوس يباشرها الجسد # وجنس يكون مما يتخيله ويتوهمه بنفسه ونفس غيره كالمدح له والتعظيم له ~~والطاعة له فإن ذلك لذيذ محبوب له كما أن فوات الأكل والشرب يؤلمه وأكل ما ~~يضره يؤلمه وكذلك فوات الكرامة بحيث لا يكون له قدر عند أحد ولا منزلة ~~يؤلمه كما يؤلمه ترك الأكل والشرب ويؤلمه الذم والإهانة كما يؤلمه الأكل ~~والشرب الذي يضره # فالمأكول والمنكوح هي أجساد تنال بالجسد يتلذذ بوجودها ويتألم بفقدها ~~ولحصول ما يضر منها وأما الكرامة فهي في النفوس إذا كانت النفوس ~~PageV01P060 ملائمة له وموافقة له بأن يعتقد فيه ما يسره ويوافقه بالمحبة ~~والتعظيم كان ذلك مما يوجب لذته ولذته بإدراكه ذلك الملائم من الناس ومدحهم ~~المظهر لاعتقادهم ومن طاعتهم وموافقتهم المظهرة لمحبتهم وتعظيمهم $ الثالث ~~اللذة العقلية # والجنس الثالث أن يكون ما يعلمه بقلبه وروحه وبعقله كذلك كالتذاذه بذكر ~~الله ومعرفته ومعرفة الحق وتألمه بالجهل إما البسيط وهو عدم الكلام والذكر ~~وإما المركب وهو اعتقاد الباطل كما يتألم الجسد بعدم غذائه تارة وبالتغذي ~~بالمضار أخري # كذلك النفس تتألم بعدم غذائها وهو موافقة الناس وإكرامهم تارة وبالتغذي ~~بالضد ms031 وهو مخالفتهم وإهانتهم فكذلك القلب يتألم بعدم غذائه وهو العلم الحق ~~وذكر الله تارة والتغذي بالضد وهو ذكر الباطل واعتقاده أخري # قال النبي صلى الله عليه وسلم إن كل أحد يحب أن تؤتي مأدبته وإن مأدبة ~~الله هي القرآن PageV01P061 # وهذه اللذات الثلاث اللذات الحسية والوهمية والعقلية وقد علمت أن كل ما ~~خلقه الله في الحي من قوي الإدراك والحركة فإنما خلقه لحكمة وفي ذلك من جلب ~~المنفعة للحي ودفع المضرة عنه ما هو من عظيم نعم الله عليه # والله سبحانه بعث الرسل لتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويلها وتغييرها ~~وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط والله شرع من الدين ما فيه ~~استعمال هذه القوي علي وجه العدل والاعتدال الذي فيه صلاح الدنيا والآخرة # ومن المعلوم أن قوي الحركة في الجسد التي هي حركات طبعية متي لم تكن علي ~~وجه الاعتدال وإلا فسد الجسد وكذلك قوي الإدراك والحركة التي فيه وفي النفس ~~متي لم تكن علي وجه الاعتدال وإلا فسد الجسد والحركة الطبعية ليس فيها حس ~~ولا إرادة وهذه لا تكون عن حركة إرادية كما تقدم لكن لا يكون ذلك في نفس ~~المتحرك بطبعه كحركة الغذاء قبل أن يصرفه الخارج من السبيلين وغير ذلك ~~PageV01P062 $ شرع الله من اللذات ما فيه صلاح حال الإنسان وجعل اللذة ~~التامة في الآخرة # والله سبحانه قد شرع من هذه اللذات ما فيه صلاح حال الإنسان في الدنيا ~~وجعل اللذة التامة بذلك في الدار الآخرة كما أخبر الله بذلك علي ألسن رسله ~~بأنها هي دار القرار وإليها تنتهي حركة العباد # واللذة هي الغاية من الحركات الإرادية فتكون الغاية من اللذات عند الغاية ~~من الحركات ولا يخالف ما يوجد في الوسيلة والطريق فإن الموجود فيها من ~~اللذات بقدر ما يعين علي الوصول إلي المقصود التام وكل لذة وإن جلت هي في ~~نفسها مقصودة لنفسها إذ المقصود لنفسه هو اللذة لكن من اللذات ما يكون عونا ~~علي ما هو أكثر منه أيضا فيكون مقصودا لنفسه بقدره ويكون مقصودا لغيره ms032 بقدر ~~ذلك الغير وهذا من تمام نعمة الله علي عباده وكل ما يتنعمون به إذا ~~استعملوه علي وجه العدل الذي شرعه أوصلهم به إلي ما هو أعظم نعمة منه # ولذات الجنة أيضا تتضاعف وتتزايد كما يشاء الله تعالي فإن الله يقول كما ~~ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أعددت لعبادي الصالحين ما ~~لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر علي قلب بشر وقد قال الله تعالي في كتابه ~~@QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين @QE@ PageV01P063 # ولهذا بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين مبشرين بنعمة الله التامة في جنته ~~لمن أطاعهم فاتبع الذكر الذي أنزل عليهم واستعمل القسط الذي بعثوا به ~~ومنذرين بتعظيمهم عقاب الله لمن أعرض عن ذلك وعصاهم فكان من الظالمين # قال تعالي @QB@ اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى @QE@ وقال تعالي @QB@ فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون @QE@ ~~$ غلط المتفلسفة ومن اتبعهم في أمر هذه اللذات # وقد غلطت المتفلسفة من الصابئة والمشركين ونحوهم ومن حذا حذوهم ممن صنف ~~في أصناف هذه اللذات كالرازي وغيره في أمر هذه اللذات في الدنيا والآخرة ~~حتى جرهم ذلك الغلط إلي الدين الفاسد في الدنيا بالاعتقادات الفاسدة ~~والعبادات والزهادات الفاسدة وإلي التكذيب بحقيقة ما أخبر الله به علي ألسن ~~رسله من وعده ووعيده فصاروا تاركين لما ينفعهم من لذات الدنيا معرضين عما ~~خلقوا له من لذات الآخرة ومعتاضين عن ذلك بأخذ ما يضرهم مما يظنون أنه لذة ~~في الدنيا أو موصل للذة في الدنيا وهم في ذلك @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ PageV01P064 فجهلوا المقاصد ~~والوسائل فكانوا ضالين يقصدون ما ينفعهم ويلذهم وهم لا يعرفون عين مقصودهم ~~ولا الطريق إليه وصار عامتهم غواة منهمكين في اللذات التي تضرهم ms033 $ ضل ~~الانصارى كذلك في أمر اللذات # والنصارى ضارعوهم في بعض ذلك حين كذبوا بكثير مما وعدوا به في الآخرة من ~~اللذات وضلوا بما ابتدعوه من العبادات فكانوا ضالين كما قال تعالي @QB@ ولا ~~تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ ~~ولهذا يغلب علي عوامهم الغي واتباع شهوات الغي إذ لم يحرموا عليهم شيئا من ~~المطاعم والمشارب $ اليهود أعلم لكنهم غواة قساة # وأما اليهود فهم أعلم بالمقصود وطريقه لكنهم غواة قساة مغضوب عليهم # ويتبين ذلك بأصلين أحدهما أنهم اعتقدوا أن اللذات الحسية والوهمية ليست ~~لذات في الحقيقة وإنما هي دفع آلام وربما حسنوا العبارة فقالوا ليس المقصود ~~بها التنعم وإنما المقصود بها دفع الألم بخلاف اللذات العقلية الروحانية ~~فإنها هي اللذات فقط وهي المقصودة لذاتها فقط وعن هذا يدفعون أن تكون ~~للنفوس بعد مفارقة الدنيا لذات حسية أو وهمية وإنما يكون لها لذات روحانية ~~فقط PageV01P065 $ تفصيل مقالة الفلاسفة في اللذة # ثم إن من دخل مع أهل الملل منهم وافق المؤمنين بإظهاره للإقرار بما جاءت ~~به الرسل وقال إن ما أخبرت به الرسل من الوعد والوعيد إنما هو أمثال مضروبة ~~لتفهم العامة المعاد الروحاني وما فيه من اللذة والألم الروحانيين وربما ~~يغرب بعضهم فأثبت اللذات الخيالية بناء علي أن النفوس يمكن أن يحصل لها من ~~إشراق الأفلاك عليها ما يحصل لها به من اللذة ما هو من أعظم اللذات ~~الخيالية التي قد يقولون هي أعظم من الحسية # الأصل الثاني أن اللذات العقلية التي أقروا بها لم تحصل لهم ولم يعرفوا ~~الطريق إليها بل ظنوا أن ذلك إنما هو إدراك الوجود المطلق بأنواعه وأحكامه ~~وطلبوا اللذة العقلية في الدنيا بما هو من هذا النمط من الأمور العقلية ~~وتكلموا في الإلهيات بكلام حقه قليل وباطله كثير فكانوا طالبين للذة ~~العقلية التي أثبتوها بالأغذية الفاسدة التي تضر وتؤلم أكثر من طلبها ~~بالأغذية النافعة بل كانوا فاقدين لغذائها الذي لا صلاح لها إلا به وهو ~~إخلاص الدين لله بعبادته وحده لا ms034 شريك له فإن هذا هو خاصة النفس التي خلقت ~~له لا تصلح إلا به ولا تفسد فسادا مطلقا مع وجوده قط بل من بات وهو يعلم ~~أنه لا إله إلا الله دخل الجنة # كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال من وجوه ~~متعددة من PageV01P066 حديث عثمان بن عفان وأبي ذر ومعاذ بن جبل وأبي هريرة ~~وعتبان بن مالك وعبادة بن الصامت وغيرهم ولا يخلد في النار من أهل التوحيد ~~أحد بل يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان أو مثقال شعيرة ~~من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان # وقد تكلمت علي رسالة المبدأ والمعاد التي صنفها أبو علي بن سينا وزعم أن ~~فيها من الأسرار المخزونة من فلسفتهم بما يناسب هذا مما ليس هذا موضعه ~~وبينت ما دخل عليهم من الجهل والكفر في ذلك من وجوه بينة من لغاتهم ~~ومعارفهم التي يفقهون بها ويعلمون صحة ما عليه أهل الإيمان بالله ورسوله ~~وبطلان ما هم عليه مما يخالف ذلك من الحقيقة وإن زعموا أنهم موافقون لأهل ~~الإيمان # نعم هم مؤمنون ببعض وكافرون ببعض كما قد بينت أيضا مراتب ما معهم ومع ~~غيرهم من الكفر والإيمان في غير هذا الموضع وذكرت ما كفروا به مما خالفوا ~~به الرسل وما آمنوا به مما وافقوهم فيه PageV01P067 # فأن الله أمرنا بالعدل وأمرنا أن نعدل بين الأمم كما قال تعالي لرسوله ~~@QB@ وأمرت لأعدل بينكم @QE@ وقال تعالي @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث ~~الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه @QE@ وقال تعالي @QB@ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط @QE@ # | حب الله أصل التوحيد العملي # فصل # وإذا كان أصل الإيمان العملي هو حب الله تعالي ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~وحب الله أصل التوحيد العملي وهو أصل التأليه الذي هو عبادة الله وحده لا ~~شريك له فإن العبادة أصلها أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع وهذا هو ~~الإسلام # وأعظم الذنوب عند ms035 الله الشرك به وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء والشرك منه جليل ودقيق وخفي وجلي # كما في الحديث الشرك في هذه الأمة أخفي من دبيب النمل فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه يا رسول الله إذا كان أخفي من دبيب النمل فكيف نصنع به أو كما قال ~~فقال ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من قليله وكثيره قل اللهم إني أعوذ بك ~~أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم PageV01P068 $ أصل الإشراك ~~العملي بالله الإشراك في المحبة # فمعلوم أن أصل الإشراك العملي بالله الإشراك في المحبة قال تعالي @QB@ ~~ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله @QE@ فأخبر أن من الناس من يشرك بالله فيتخذ أندادا يحبونهم كما ~~يحبون الله وأخبر أن الذين آمنوا أشد حبا لله من هؤلاء والمؤمنون أشد حبا ~~لله من هؤلاء لأندادهم ولله فإن هؤلاء أشركوا بالله في المحبة فجعل المحبة ~~مشتركة بينه وبين الأنداد والمؤمنون أخلصوا دينهم لله الذي أصله المحبة لله ~~فلم يجعلوا لله عدلا في المحبة بل كان الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما ~~ومحبة الرسول هي من محبة الله وكذلك كل حب في الله وهو الحب لله $ المؤمنون ~~يحبون لله ويبغضون لله # كما في الصحيحين عن النبي انه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وفي ~~رواية في الصحيح # لا يجد حلاوة الإيمان إلا من كان فيه ثلاث خصال أن يكون الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر ~~بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقي في النار # ولهذا في الحديث من أحب لله وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله PageV01P069 ~~فقد استكمل الإيمان وفي الأثر ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما ~~أشدهما حبا لصاحبه لأن هذه المحبة من محبة الله وكل من كانت محبته لله أشد ~~كان أفضل # وخير الخلق محمد ms036 رسول الله صلى الله عليه وسلم وخير البرية بعده إبراهيم ~~كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وكل منهما خليل الله # والخلة تتضمن كمال المحبة ونهايتها ولهذا لم يصلح لله شريك في الخلة بل ~~قال صلي الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا ~~لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله وفي لفظ أنا أبرأ إلي كل خليل ~~من خلته # فمحبة ما يحبه الله لله من الأعيان والأعمال من تمام محبة الله وهو الحب ~~في الله ولله وإن كان كثير من الناس يغلط في معرفة كثير من ذلك أو وجوده ~~فيظن في أنواع من المحبة أنها محبة الله ولا تكون لله ويظن وجود المحبة لله ~~في أمور ولا تكون المحبة لله موجودة بل قد يعتقد وجود المحبة لله وتكون ~~معدومة وقد يعتقد في بعض الحب أنه لله ولا يكون لله كما يعتقد وجود العلم ~~أو العبادة PageV01P070 أو غير ذلك من الصفات في بعض الأشخاص والأحوال ولا ~~يكون ثابتا وقد يعتقد في كثير من الأعمال أنه معمول لله ولا يكون لله # فمحبة ما يحبه الله من الأعمال الباطنة والظاهرة وهي الواجبات والمستحبات ~~إذا أحببت لله كان ذلك من محبة الله ولهذا يوجب ذلك محبة الله لعبده # وكما في الحديث الصحيح عن الله تعالي من عادي لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي ~~يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء ~~أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له ~~منه # وكذلك محبة كلام الله وأسمائه وصفاته كما في الحديث الصحيح في الذي كان ~~يصلي بأصحابه فيقرأ @QB@ قل هو الله أحد @QE@ إما أن يقرأها وحدها أو يقرأ ms037 ~~بها مع سورة أخري فأخبروا بذلك النبي صلي الله عليه وسلم فقال سلوه لم يفعل ~~ذلك فقال لأني أحبها فقال أن حبك إياها أدخلك الجنة PageV01P071 # وكذلك محبة ملائكة الله وأنبيائه وعباده الصالحين كما كان عبد الله بن ~~عمر يدعو بالمواقف في حجه فيقول اللهم اجعلني أحبك وأحب ملائكتك وأنبياءك ~~وعبادك الصالحين اللهم حببني إليك وإلي ملائكتك وأنبيائك وعبادك الصالحين $ ~~محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات # بل محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات كما قال تعالي @QB@ قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ فإن اتباع ~~رسوله هو من أعظم ما أوجبه الله تعالي علي عباده وأحبه وهو سبحانه أعظم شيء ~~بغضا لمن لم يتبع رسوله فمن كان صادقا في دعوى محبة الله اتبع رسوله لا ~~محالة وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما $ الذنوب تنقص من محبة الله # والذنوب تنقص من محبة الله تعالي بقدر ذلك لكن لا تزيل المحبة لله ورسوله ~~إذا كانت ثابتة في القلب ولم تكن الذنوب عن نفاق كما في صحيح البخاري عن ~~عمر بن الخطاب حديث حمار الذي كان يشرب الخمر وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقيم عليه الحد فلما كثر ذلك منه لعنه رجل فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P072 لا تلعنه فإنه يجب الله ورسوله وفيه دلالة علي أنا منهيون ~~عن لعنة أحد بعينه وإن كان مذنبا إذا كان يحب الله ورسوله فكما أن المحبة ~~الواجبة تستلزم لفعل الواجبات وكمال المحبة المستحبة تستلزم لكمال فعل ~~المستحبات والمعاصي تنقض المحبة وهذا معني قول الشبلى لما سئل عن المحبة ~~فقال ما غنت به جارية فلان % تعصي الإله وأنت تزعم حبه % هذا محال في ~~القياس شنيع % % لو كان حبك صادقا لأطعته % إن المحب لمن أحب مطيع % $ # وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم # لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حيث يسرق وهو مؤمن ولا ~~يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وقد تكلمنا علي هذا في ms038 غير هذا الموضع ~~PageV01P073 # والمقصود هنا أن نفرق بين الحب في الله ولله الذي هو داخل في محبة الله ~~وهو من محبته وبين الحب لغير الله الذي فيه شرك في المحبة لله كما قال ~~تعالي @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله @QE@ ~~فإن هؤلاء يشركون بربهم في الحب عادلون به جاعلون له أندادا وأولئك أخلصوا ~~دينهم لله فكان حبهم الذي هو أصل دينهم كله لله وهذا هو الذي بعث بالله ~~الرسل وأنزل به الكتب وأمر بالجهاد عليه # كما قال تعالي @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله @QE@ وقال ~~تعالي @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا @QE@ # وقد علم أن محبة المؤمنين لربهم أشد من محبة هؤلاء المشركين لربهم ~~ولأندادهم ثم إن اتخاذ الأنداد هو من أعظم الذنوب كما في الصحيح عن عبد ~~الله بن مسعود قال قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك قلت ثم أي قال ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك PageV01P074 قلت ثم ~~أي قال ثم أن تزني بحليلة جارك فأنزل الله تصديق ذلك @QB@ والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون @QE@ ~~فدعاء إله آخر مع الله هو اتخاذ ند من دون الله يحبه كحب الله إذ أصل ~~العبادة المحبة # والمحبة وإن كانت جنسا تحته أنواع فالمحبوبات المعظمة لغير الله قد أثبت ~~الشارع فيها اسم التعبد كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح تعس عبد ~~الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا ~~شيك فلا انتقش إن أعطي رضي وإن منع سخط # فسمي هؤلاء الأربعة الذين إن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا لأنها محبتهم ~~ومرادهم عبادا لها حيث قال عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد ~~الخميصة PageV01P075 $ مراتب العشق # فإذا كان الإنسان مشغوفا ms039 بمحبة بعض المخلوقات لغير الله الذي يرضيه وجوده ~~ويسخطه عدمه كان فيه من التعبد بقدر ذلك ولهذا يجعلون العشق مراتب مثل ~~العلاقة ثم الصبابة ثم الغرام ويجعلون آخره التتيم والتتيم التعبد وتيم ~~الله هو عبد الله فيصير العاشق لبعض الصور عبدا لمعشوقه $ ذكر الله العشق ~~في القرآن عن المشركين # والله سبحانه إنما ذكر هذا العشق في القرآن عن المشركين فإن العزيز ~~وامرأته وأهل مصر كانوا مشركين كما قال لهم يوسف عليه الصلاة والسلام @QB@ ~~إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله ~~علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون ~~خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ # وقال تعالي @QB@ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما ~~جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو ~~مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله ~~وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ # وقال تعالي @QB@ وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ~~قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين @QE@ PageV01P076 # وأما يوسف عليه السلام فإن الله ذكر أنه عصمه بإخلاصه الدين لله وقال ~~تعالي @QB@ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين @QE@ فأخبر سبحانه أنه صرف عنه ~~السوء والفحشاء ومن السوء عشقها ومحبتها ومن الفحشاء الزنا وقد يزني بفرجه ~~من لا يكون عاشقا وقد يعشق من لا يزني بفرجه والزنا بالفرج أعظم من الإلمام ~~بصغيرة كنظرة وقبلة # وأما الإصرار علي العشق ولوازمه ms040 من النظر ونحوه فقد يكون أعظم من الزنا ~~الواحد بشيء كثير والمخلصون يصرف الله عنهم السوء والفحشاء ويوسف عليه ~~السلام كان من المخلصين حيث كان يعبد الله لا يشرك به شيئا وحيث توكل علي ~~الله واستعان به كما قال تعالي @QB@ وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم @QE@ # وهذا تحقيق قوله تعالي @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه ~~على الذين يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ $ المتولون للشيطان هم الذين ~~يحبون ما يحبه # فأخبر سبحانه أن المتوكلين علي الله ليس للشيطان عليهم سلطان وإنما ~~سلطانه علي المتولين له والمتولي من الولاية وأصله المحبة والموافقة كما أن ~~العداوة أصلها البغض والمخالفة فالمتولون له هم الذين يحبونه ما يحبه ~~الشيطان ويوافقه فهم مشركون به حيث أطاعوه وعبدوه بامتثال أمره كما قال ~~تعالي PageV01P077 # @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ~~وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم @QE@ # والشياطين شياطين الإنس والجن والعبادة فيها الرغبة والرهبة قال تعالي ~~@QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي ~~إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم ~~الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال ~~فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين @QE@ فأقسم ~~الشيطان @QB@ لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ # وقد أخبر الله أنه ليس له سلطان علي هؤلاء فقال في الحجر @QB@ فاخرج منها ~~فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين @QE@ @QB@ قال رب بما أغويتني ~~لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ قال ~~تعالي @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ # وقوله @QB@ إلا من اتبعك ms041 من الغاوين @QE@ استثناء منقطع في أقوي القولين ~~إذ العباد هم العابدون لا المعبودون كما قال تعالي @QB@ وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا @QE@ PageV01P078 # وقال تعالي @QB@ عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا @QE@ # وقال تعالي @QB@ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين يا عباد لا ~~خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين @QE@ # وقال تعالي @QB@ وأنه لما قام عبد الله يدعوه @QE@ # وقال تعالي @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا @QE@ # وقال تعالي @QB@ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي ~~والأبصار @QE@ $ عباد الله المخلصون ليس للشيطان عليهم سلطان # وإذا كان عباد الله المخلصون ليس له عليهم سلطان وأن سلطانه علي الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون وقد أقسم أن يغويهم إلا عباد الله المخلصين ~~وأخبر الله أن سلطانه ليس علي عباد الله بل علي من اتبعه من الغاوين # والغي اتباع الأهواء والشهوات وأصل ذلك أن الحب لغير الله كحب الأنداد ~~وذلك هو الشرك قال الله تعالي فيه @QB@ إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون @QE@ فبين أن صاحب الإخلاص مادام صادقا في إخلاصه فإنه ~~يعتصم من هذا الغي وهذا الشرك وإن الغي هو يضعف الإخلاص ويقوي هواه الشرك ~~فأصحاب PageV01P079 $ العشاق يتولون الشيطان ويشركون به العشق الذي يحبه ~~الشيطان فيهم من تولي الشيطان والإشراك به بقدر ذلك لما فاتهم من إخلاص ~~المحبة لله والإشراك بينه وبين غيره في المحبة حتى يكون فيه نصيب من اتخاذ ~~الأنداد وحتى يصيروا عبيدا لذلك المعشوق فيفنون فيه ويصرحون بأنا عبيد له ~~فيوجد في هذا الحب والهوي واقتراف ما يبغضه الله وما حرمه من الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن يشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن يقولوا علي الله ما لا يعلمون فيوجد فيه من الشرك الأكبر ~~والأصغر ومن قتل النفوس بغير حق ومن الزنا ومن الكذب ومن أكل المال بالباطل ~~إلي غير ذلك ما ينتظم هذه الأصناف التي يكرمها الله تعالي لأن أصله أن يكون ~~حبه كحب الله ms042 وهو من ترك إخلاص المحبة ومن الإشراك بينه وبين غيره أو من ~~جعل المحبة لغير الله فإذا عمل موجب ذلك كان ذلك هو اتباع الهوي بغير هدي ~~من الله # وفي الأثر ما تحت أديم السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوي متبع قال ~~تعالي @QB@ أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن ~~أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا @QE@ # ولهذا لا يبتلي بهذا العشق ألا من فيه نوع شرك في الدين وضعف إخلاص لله ~~وسبب هذا ما ذكره بعضهم فقال إنه ليس شيء من PageV01P080 المحبوبات يستوعب ~~محبة القلب إلا محبة الله أو محبة بشر مثلك أما محبة الله فهي التي خلق لها ~~العباد وهي سعادتهم وقد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع # وأما البشر المتماثل من ذكر أو أنثي فإن فيه من المشاكلة والمناسبة ما ~~يوجب أن يكون لكل شيء من الحب نصيب من المحبوب يستوعبه حبه ولهذا لا يعرف ~~لشيء من المحبوبات التي تحب لغير الله من الاستيعاب ما يعرف لذلك حتى يزيل ~~العقل ويفقد الإدراك ويوجب انقطاع الإرادة لغير ذلك المحبوب ويوجب مرض ~~الموت وإنما يعرض هذا كله لضعف ما في القلب من حب الله وإخلاص الدين له ~~عبادة واستعانة فيكون فيه من الشرك ما يسلط الشيطان عليه حتى يغويه هذا ~~بهذا الغي الذي فيه من تولي الشيطان والإشراك به ما يتسلط به الشيطان # ولهذا قد يطيع هذا المحب لغير الله محبوبه أكثر مما يطيع الله حتى يطلب ~~القتل في سبيله كما يختار المؤمن القتل في سبيل الله وإذا كان محبوبه مطيعه ~~من وجه وعبدا له فهو أولي بأن يكون هو مطيعه وعبدا له من وجه آخر # وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال شارب الخمر كعابد وثن ومر علي ~~PageV01P081 رضي الله عنه بقوم يلعبون بالشطرنج فقال ما هذه التماثيل التي ~~أنتم لها عاكفون وأظنه قلب الرقعة # وذلك أن الله جمع بين الخمر والميسر وبين الأنصاب والأزلام ms043 في قوله تعالي ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ~~@QE@ # مع أن الخمر إذا سكر بها الشارب كان سكره يوما أو قريبا من يوم أو بعض ~~يوم وأما سكر الشهوة والمحبة الفاسدة من العشق ونحوه فسكره قوي دائم قال ~~تعالي في قوم لوط @QB@ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون @QE@ # فكيف إذا خرج عن حد السكر إلي حد الجنون بل كان الجنون المطبق لا الحمق ~~كما أنشد محمد بن جعفر في كتاب اعتلال القلوب قال أنشدني الصيدلاني % قالت ~~جننت علي رأسي فقلت لها % العشق أعظم مما بالمجانين PageV01P082 % العشق ~~ليس يفيق الدهر صاحبه % وإنما يصرع المجنون في الحين % وقال الآخر % سكران ~~سكر هوي وسكر مدامة % ومتي إفاقة من به سكران % # فصاحبه أحق بأن يشبه بعابد الوثن والعاكفين علي التماثيل يعملونها علي ~~صورة آدمي # وقد قال سبحانه وتعالي @QB@ وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود ~~فتاها عن نفسه قد شغفها حبا @QE@ أي شغفها حبه أي وصل حبه إلي شغاف القلب ~~وهي جلدة في داخله فهذا يكون قد اتخذ ندا يحبه كحب الله $ يوقع الشيطان ~~العداوة والبغضاء بين المؤمنين بالعشق # وإذا كان الشيطان يريد أن يوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة فالعداوة والبغضاء التي يريد أن ~~يوقعها بالعشق وصده عن ذكر الله وعن الصلاة بذلك أضعاف غيره كما قد تكلمنا ~~عليه في غير هذا الموضع وبينا أن جميع المعاصي يجتمع فيها هذان الوصفان وأن ~~ذكر ذلك في الخمر والميسر اللذين هما من أواخر المحرمات ينبه علي ما في ~~غيرهما من ذلك مما حرم قبلهما كقتل النفوس بغير حق والفواحش ونحو ذلك # ومما يبين هذا أن الفواحش التي أصلها المحبة لغير الله سواء كان المطلوب ~~المشاهدة أو المباشرة أو الإنزال أو غير ذلك هي في المشركين أكثر منها في ms044 ~~PageV01P083 المخلصين ويوجد فيهم ما لا يوجد في المخلصين لله # قال الله تعالي @QB@ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من ~~الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ~~ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون ~~على الله ما لا تعلمون قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ~~وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة @QE@ فاخبر سبحانه أنه جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وهو ~~قوله تعالي @QB@ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين ~~بدلا @QE@ وقال تعالي @QB@ إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون @QE@ # وإذا كان سلطانه علي أوليائه الذين تولوه والذين هم به مشركون وهم الذين ~~لا يؤمنون بالله وقال تعالي @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ~~من الغاوين @QE@ فيكون هؤلاء هم الغاوين وهم الذين قال الشيطان لأغوينهم ~~أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين # ولهذا أخبر سبحانه عن أوليائه أنهم @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على ~~الله ما لا تعلمون @QE@ فأخبر عن أولياء الشيطان وهم الذين يتولونه والذين ~~هم به مشركون أنهم إذا فعلوا فاحشة احتجوا بالتقليد PageV01P084 لأسلافهم ~~وزعموا مع ذلك أن الله أمرهم بها فيتبعون الظن في قولهم إن الله أمرهم بها ~~وما تهوي الأنفس في تقليد أسلافهم وأتباعهم # وهذا الوصف فيه بسط كثير لكثير من المنتسبين إلي القبلة من الصوفية ~~والعباد والأمراء والأجناد والمتكلمة والمتفلسفة والعامة وغيرهم يستحلون من ~~الفواحش ما حرمه الله ورسوله وأصله العشق الذي يبغضه الله # وكثير منهم يجعل ذلك دينا ويري أنه يتقرب بذلك إلي الله إما لزعمه أنه ~~يزكي النفس ويهديها وإما لزعمه أنه يجمع بذلك قلبه علي آدمي ثم ينتقل إلي ~~عبادة الله وحده وإما لزعمه أن الصور الجميلة مظاهر ms045 الحق ومشاهده وربما ~~اعتقد حلول الرب فيها واتحاده بها ومنهم من يخص ذلك بها ومنهم من يقول ~~بإطلاق وهؤلاء إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها # وكل هؤلاء فيهم من الإشراك بقدر ذلك ولهذا يظهر الافتتان بالصور وعشقها ~~فيمن فيهم شرك كالنصارى والرهبان والمتشبهين بهم من هذه الأمة من كثير من ~~المتفلسفة والمتصوفة الذين يفتنون بالأحداث وغيرهم فتجد فيهم قسطا عظيما من ~~اتخاذ الأنداد من دون الله يحبونهم كحب الله إما تدينا وإما شهوة وإما جمعا ~~بين الأمرين ولهذا تجد بين أغنيائهم وفقرائهم وبين ملوكهم وأمرائهم تحالفا ~~علي اتخاذ أنداد من دون الله من هذين الوجهين # ولهذا تجدهم كثيرا ما يجتمعون علي سماع الشعر والأصوات التي تهيج الحب ~~المشترك الذي يجتمع فيه محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الصلبان ومحب الأخوان ~~ومحب الأوطان ومحب المردان ومحب النسوان PageV01P085 # وهذا السماع هو سماع المشركين كما قال تعالي @QB@ وما كان صلاتهم عند ~~البيت إلا مكاء وتصدية @QE@ # وسبب ما ذكرنا أن الله خلق عباده لعبادته التي تجمع محبته وتعظيمه فإذا ~~كان في القلب ما يجد حلاوته من الإيمان والتوحيد له احتاج إلي أن يستبدل ~~بذلك ما يهواه فيتخذ إلهه هواه فيتخذ الشيطان وذريته أولياء من دون الله ~~وهم لهم عدو بئس للظالمين بدلا # ولهذا كان هذا ونحوه من تبديل الدين وتغيير فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها قال تعالي @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم @QE@ وقال تعالي @QB@ ومن يشرك ~~بالله فقد ضل ضلالا بعيدا إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا ~~مريدا لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ~~ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله @QE@ # قال تعالي @QB@ لا تبديل لخلق الله @QE@ ونفس ما خلقه الله لا تبديل له ~~لا يمكن أن توجد المخلوقات علي غير ما يخلقه الله عليها ولا أن تخلق علي ~~غير الفطرة التي خلقها الله عليها لكن بعض الخلق قد ms046 يغير بعضها كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد علي الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ~~PageV01P086 $ أصل العبادة المحبة والشرك فيها أصل الشرك # ومما يبين ذلك أن أصل العبادة هي المحبة وأن الشرك فيها أصل الشرك كما ~~ذكره الله في قصة إمام الحنفاء إبراهيم الخليل حيث قال @QB@ فلما جن عليه ~~الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين @QE@ وقال في ~~القمر @QB@ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين @QE@ فلما أفلت الشمس ~~قال @QB@ يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين @QE@ # ولهذا تبرأ إبراهيم من المشركين وممن أشركوا بالله قال @QB@ أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين @QE@ وقال ~~تعالي @QB@ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم ~~إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده @QE@ # ومما يوضح ذلك أنه قال تعالي @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين @QE@ وقال تعالي @QB@ وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ~~@QE@ فأمر بالجهاد حتى لا تكون فتنة وحتى يكون الدين كله لله فجعل المقصود ~~عدم كون الفتنة ووجود كون الدين كله لله وناقض بينهما فكون الفتنة ينافي ~~كون الدين لله وكون الدين لله ينافي كون PageV01P087 الفتنة والفتنة قد ~~فسرت بالشرك فما حصلت به فتنة القلوب ففيه شرك وهو ينافي كون الدين كله لله ~~$ الفتنة جنس تحته أنواع من الشبهات والشهوات # والفتنة جنس تحته أنواع من الشبهات والشهوات وفتنة الذين يتخذون من دون ~~الله أندادا يحبونهم كحب الله من أعظم الفتن ومنه فتنة أصحاب العجل كما قال ~~تعالي @QB@ قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري @QE@ قال موسى ~~@QB@ إن ms047 هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء @QE@ وقال تعالي @QB@ ~~وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم @QE@ # قيل لسفيان بن عيينه إن أهل الأهواء يحبون ما ابتدعوه من أهوائهم حبا ~~شديدا فقال أنسيت قوله تعالي @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله @QE@ وقوله تعالي @QB@ وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ~~@QE@ أو كلاما هذا معناه وكل ما أحب لغير الله فقد يحصل به من الفتنة ما ~~يمنع أن يكون الدين لله # وعشق الصور من أعظم الفتن وقد قال تعالي @QB@ أنما أموالكم وأولادكم فتنة ~~@QE@ ولهذا قال سبحانه وتعالي @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ~~أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا @QE@ # وقد قال سبحانه @QB@ الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين @QE@ PageV01P088 # ومما يبين ذلك أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت ~~فقال أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده فأنكر عليه أن جعله ندا لله في ~~هذه الكلمة التي جمع فيها بينه وبين الله في المشيئة إذ مشيئة العبد تابعة ~~لمشيئة الله فلا يكون شريكه لما يعلم أن كون الشيء ندا لله قد يكون بدون أن ~~يعبد العبادة التامة فإن ذلك الرجل ما كان يعبد رسول الله تلك العبادة # | محبة الله توجب المجاهدة في سبيله # فصل # وبهذا يتبين أن محبة الله توجب المجاهدة في سبيله قطعا فإن من أحب الله ~~وأحبه الله أحب ما يحبه الله وأبغض ما يبغضه الله ووالي من يواليه الله ~~وعادي من يعاديه الله لا تكون محبة قط إلا وفيها ذلك بحسب قوتها وضعفها فإن ~~المحبة توجب الدنو من المحبوب والبعد عن مكروهاته ومتي كان مع المحبة نبذ ~~ما يبغضه المحبوب فإنها تكون تامة $ موادة عدو الله تنافي المحبة # وأما موادة عدوه فإنها تنافي المحبة قال تعالي @QB@ لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم ms048 الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ~~أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ ~~PageV01P089 فأخبر أن المؤمن الذي لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما كما في الحديث المتفق عليه والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون ~~أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين لا تجده موادا لمن حاد الله ورسوله ~~فإن هذا جمع بين الضدين لا يجتمعان ومحبوب الله ومحبوب معاديه لا يجتمعان # فالمحب له لو كان موادا لمحاده لكان محبا لاجتماع مراد المتحادين ~~المتعاديين وذلك ممتنع ولهذا لم تصلح هذه الحالة إلا لله ورسوله فإنه يجب ~~علي العبد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ولا يكون مؤمنا إلا ~~بذلك ولا تكون هذه المحبة مع محبة من يحاد الله ورسوله ويعاديه أبدا فلا ~~ولاء لله إلا بالبراءة من عدو الله ورسوله # وأما المؤمنون الذين قد يقاتل بعضهم بعضا فأولئك ليسوا متحادين من كل وجه ~~فإن مع كل منهما من الإيمان ما يحب عليه الآخر وإن كان يبغضه أيضا فيجتمع ~~فيهما المحبة والبغضة وكذلك كل منهما لا يجب أن تكون جميع أفعاله موافقة ~~لمحبة الله وجميع أفعال الآخر موافقة لبغض الله بل لا بد أن يفعل أحدهما ما ~~لا يحبه الله وإن لم يبغضه ولا بد أن يكون في الآخر أيضا ما يحبه الله إذ ~~هو مؤمن فيجب أن يعطي كل واحد من المحبة بقدر إيمانه ولا يجب أن يحب من ~~أحدهما ما لا يحبه وإن كان لا يبغضه بل ولا يحب من واحدهما ما كان خطأ ~~PageV01P090 أو ذنبا مغفورا وإن كان لا يبغض علي ذلك فلا يحب إلا ما أحبه ~~الله ورسوله فيحب ما كان من اجتهاده من عمل صالح # وهذا الذي ذكرناه أمر يجده الأنسان من نفسه ويحسه أنه إذا أحب الشيء لم ~~يحب ضده بل يبغضه فلا يتصور اجتماع إرادتين تامتين للضدين لكن قد يكون في ~~القلب نوع محبة وإرادة لشيء ونوع ms049 محبة وإرادة لضده فهذا كثير بل هو غالب ~~علي بني آدم لكن لا يكون واحد منهما تاما فإن المحبة والإرادة التامة توجب ~~وجود المحبوب المراد مع القدرة فإذا كانت القدرة حاصلة ولم يوجد المحبوب ~~المراد لم يكن الحب والإرادة تامة وكذلك البغض التام يمنع وجود البغيض مع ~~القدرة فمتي وجد مع إمكان الامتناع لم يكن البغض تاما # ومن هنا يعرف أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني ~~وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو ~~مؤمن علي بابه لو كان بغضه لما أبغضه الله من هذه الأفعال تاما لما فعلها ~~فإذا فعلها فإما أن يكون تصديقه بأن الله يبغضها فيه ضعف أو نفس بغضه لما ~~يبغضه الله فيه ضعف وكلاهما يمنع تمام الإيمان الواجب $ محبة الله ورسوله ~~علي درجتين واجبة ومستحبة # ومحبة الله ورسوله علي درجتين واجبة وهي درجة المقتصدين ومستحبة وهي درجة ~~السابقين PageV01P091 $ المحبة الواجبة وهي محبة المقتصدين # فالأولي تقتضي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما بحيث لا يحب شيئا ~~يبغضه كما قال تعالي @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من ~~حاد الله ورسوله @QE@ وذلك يقتضي محبة جميع ما أوجبه الله تعالي وبغض ما ~~حرمه الله تعالى وذلك واجب فإن إرادة الواجبات إرادة تامة تقتضي وجود ما ~~أوجبه كما تقتضي عدم الأشياء التي نهي الله عنها وذلك مستلزم لبغضها التام # فيجب علي كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله قال تعالي ~~@QB@ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم @QE@ # وقال تعالي @QB@ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ~~فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم @QE@ # وقال تعالي @QB@ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب ~~من ينكر بعضه @QE@ $ المحبة المستحبة وهي محبة السابقين # وأما محبة السابقين بأن يحب ما أحبه الله من النوافل ms050 والفضائل محبة تامة ~~وهذه حال المقربين الذين قربهم الله إليه فإذا كانت محبة الله ورسوله ~~الواجبة تقتضي بغض ما أبغضه الله ورسوله كما في سائر أنواع المحبة فإنها ~~توجب بغض PageV01P092 الضد علم أن الجهاد من موجب محبة الله ورسوله فإن ~~مقصود الجهاد تحصيل ما أحبه الله ودفع ما أبغضه الله $ ترك الجهاد لعدم ~~المحبة التامة وهو دليل النفاق # فمن لم يكن فيه داع إلي الجهاد فلم يأت بالمحبة الواجبة قطعا كان فيه ~~نفاق كما قال تعالي @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من مات ~~ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات علي شعبة من نفاق # وكذلك جمع بينهما في قوله تعالي @QB@ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله ~~والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة ~~منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر ~~عظيم @QE@ فقرنه بالمحبة في الآيتين من PageV01P093 قوله @QB@ قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره @QE@ وفي قوله تعالي @QB@ فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم @QE@ فأخبر أن القوم الذين يحبهم الله ورسوله هم أذلة ~~علي المؤمنين أعزة علي الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ~~كما قال تعالي في الآية الأخرى @QB@ أشداء على الكفار رحماء بينهم @QE@ ~~فوصفهم بالذلة والرحمة لأوليائه إخوانهم والعزة والشدة علي أعدائه أعدائهم ~~وانهم يجاهدون في سبيل الله # والجهاد من الجهد وهو الطاقة وهو أعظم من الجهد الذي ms051 هو المشقة فإن الضم ~~أقوي من الفتح وكلما كانت الحروف أو الحركات أقوي كان المعني أقوي # ولهذا كان الجرح أقوي من الجرح فإن الجرح هو المجروح نفسه وهو غير الجرح ~~مصدر وهو فعل # وكذلك الكره والمكروه والمكره كما قال تعالي @QB@ كتب عليكم القتال وهو ~~كره لكم @QE@ وقال تعالي @QB@ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~@QE@ # فالجهد نهاية الطاقة والقدرة قال تعالي @QB@ والذين لا يجدون إلا جهدهم ~~@QE@ PageV01P094 # وفي الحديث أفضل الصدقة جهد من مقل يسره إلي فقير ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم الجهاد سنام العمل فإنه أعلي الإرادات في نهاية القدرة وهذا ~~هو أعلي ما يكون من الإيمان كالسنام الذي هو أعلي ما في البعير وقد يكون ~~بمشقة وقد لا يكون # وأما الجهد فهو المشقة وإن لم يكن تمام القدرة # فالجهاد في سبيل الله تعالي من الجهد وهي المغالبة في سبيل الله بكمال ~~القدرة والطاقة فيتضمن شيئين أحدهما استفراغ الوسع والطاقة والثاني أن يكون ~~ذلك في تحصيل محبوبات الله ودفع مكروهاته والقدرة والإرادة بهما يتم الأمر ~~$ انقسام الناس إلي أربعة أقسام # وهنا انقسم الناس أربعة أقسام فقوم لهم قدرة ولهم إرادة ومحبة غير $ قوم ~~لهم قدرة وإرادة ومحبة غير مأمور بها PageV01P095 مأمور بها فهم يجاهدون ~~ويستعملون جهدهم وطاقتهم لكن لا في سبيل الله بل في سبيل آخر إما محرمة ~~كالفواحش ما ظهر منها وما وبطن والإثم والبغي بغير الحق والإشراك بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا والقول علي الله بغير علم الحق # وإما في سبيل لا ينفع عند الله مما جنسه مباح لا ثواب فيه لكن الغالب أن ~~مثل هذا كثيرا ما يقترن به من الشبه ما يجعله في سبيل الله أو في سبيل ~~الشيطان 2 $ قوم لهم إرادة صالحة ومحبة كاملة لله وقدرة كاملة # وقوم لهم إرادة صالحة ومحبة كاملة لله ولهم أيضا قدرة كاملة فهؤلاء سادة ~~المحبين المحبوبين المجاهدين في سبيل الله لا يخافون لومة لائم كالسابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلي يوم ms052 القيامة 3 $ ~~قوم فيهم إرادة صالحة ومحبة قوية لكن قدرتهم ناقصة # والقسم الثالث قوم فيهم إرادة صالحة ومحبة لله قوية تامة لكن قدرتهم ~~ناقصة فهم يأتون بمحبوبات الحق من مقدورهم ولا يتركون مما يقوون عليه شيئا ~~لكن قدرتهم قاصرة ومحبتهم كاملة فهو مع القسم الذي قبله # وما زال في المؤمنين علي عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده من هؤلاء ~~خلق كثير وفي مثل هؤلاء قال النبي صلى الله عليه وسلم أن بالمدينة لرجالا ~~ما سرتم مسيرا ولا سلكتم واديا PageV01P096 إلا كانوا معكم قالوا وهم ~~بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر وقال له سعد بن أبي وقاص يا رسول ~~الله الرجل يكون حامية القوم يسهم له مثلما يسهم لأضعفهم فقال يا سعد وهل ~~تنصرون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلواتهم واستغفارهم # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين وقال # رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم علي الله لأبره ~~وهذا كثير PageV01P097 4 $ من قدرته وإرادته للحق قاصرة وفيه إرادة للباطل # والقسم الرابع من قدرته قاصرة وإرادته للحق قاصرة وفيه من إرادة الباطل ~~ما الله به عليم فهؤلاء ضعفاء المجرمين ولكن قد يكون لهم من التأثير ~~بقلوبهم نصيب وحظ مع أهل باطلهم كما يوجد في العلماء والعباد والزاهدين من ~~المشركين وأهل الكتاب ومنافقي هذه الأمة ما فيه مضاهاة لعلماء المؤمنين ~~وعبادهم وذلك أن الشيطان جعل لكل شيء من الخلق نظيرا في الباطل فإن أصل ~~الشر هو الإشراك بالله كما أن أصل الخير هو الإخلاص لله # فإن الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وحده لا يشركوا به شيئا وبذلك أرسل ~~الرسل وبه أنزل الكتب كما قال تعالي @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالي @QB@ ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ $ العبادة تجمع كمال ~~المحبة وكمال الذل # والعبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذل فالعابد محب خاضع بخلاف من يحب من ~~لا يخضع ms053 له بل يحبه ليتوسل به إلي محبوب آخر وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه ~~كما يخضع للظالم فإن كلا من هذين ليس عبادة محضة وإن كل PageV01P098 محبوب ~~لغير الله ومعظم لغير الله ففيه شوب من العبادة كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح # تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس ~~وانتكس وإذا شيك فلا انتقش # وذلك كما جاء في الحديث إن الشرك في هذه الأمة أخفي من دبيب النمل مع أنه ~~ليس في الأمم أعظم تحقيقا للتوحيد من هذه الأمة ولهذا كان شداد بن أوس يقول ~~يا نعايا العرب يا نعايا العرب إن أخوف ما أخوف عليكم الرياء والشهوة ~~الخفية قال أبو داود الشهوة الخفية حب الرياسة # وفي حديث الترمذى عن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما ~~ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء علي المال والشرف لدينه ~~قال الترمذي حديث حسن صحيح والحرص يكون علي قدر قوة الحب والبغض # وقد قال الله تعالي @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ وروي ~~أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إذا كان ~~PageV01P099 الشرك أخفي من دبيب النمل فكيف نتجنبه فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من قليله وكثيره قل اللهم إني ~~أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم فأمره مع الاستعاذة من ~~الشرك المعلوم بالاستغفار فإن الاستغفار والتوحيد بهما يكمل الدين # كما قال تعالي @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات @QE@ وقال تعالي @QB@ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ~~ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه @QE@ # وفي الحديث # إن الشيطان قال أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله ~~والاستغفار فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون لأنهم ~~يحسبون أنهم ms054 يحسنون صنعا وهذا كذلك فإن من اتخذ إلهه هواه صار يعبد من ~~يهواه وقد زين له سوء عمله فرآه حسنا # قال تعالي @QB@ أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا ~~أعتدنا جهنم للكافرين نزلا قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا @QE@ # وقال تعالي @QB@ وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون ~~إلا في تباب @QE@ PageV01P100 # وقال تعالي @QB@ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم ~~إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب إذ يقول المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز ~~حكيم @QE@ # وقال تعالي @QB@ وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ~~ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم @QE@ # وكمال الدين هو أداء الواجبات وترك المحرمات والفعل والترك أصلهما الحب ~~والبغض فإذا ترك مأمورا أو فعل محظورا فإنما هو لنقص الإيمان الذي هو ~~التصديق وحب ما يحبه الله وبغض ما يبغضه الله # والمحبوبات علي قسمين قسم يحب لنفسه وقسم يحب لغيره إذ لا بد من محبوب ~~يحب لنفسه وليس شيء شرع أن يحب لذاته إلا الله تعالي وكذلك التعظيم لذاته ~~تارة يعظم الشيء لنفسه وتارة يعظم لغيره وليس شيء يستحق التعظيم لذاته إلا ~~الله تعالي # وكل ما أمر الله أن يحب ويعظم فإنما محبته لله وتعظيمه عبادة لله فالله ~~هو المحبوب المعظم في المحبة والتعظيم المقصود المستقر الذي إليه المنتهي ~~وأما ما سوي ذلك فيحب لأجل الله أي لأجل محبة العبد لله يحب ما أحبه الله ~~PageV01P101 فمن تمام محبة الشيء محبة محبوب المحبوب وبغض بغيضه ويشهد لهذا ~~الحديث أوثق عري الإيمان الحب في الله والبغض في الله # وفي السنن من أحب لله وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان # فمن أحب شيئا لذاته أو عظمه لذاته غير الله فذاك ms055 شرك به وإن أحبه ليتوصل ~~به إلي محبوب آخر وتعظيم آخر سوي الله فهو من فروع هذا والله سبحانه لم ~~يشرع أن يعبد الإنسان شيئا من دونه أو يتخذ إلها ليتوصل بعبادته كما قال ~~تعالي @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون @QE@ وقال تعالي @QB@ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين @QE@ $ من ~~أحب شيئا كما يحب الله أو عظمه كما يعظم الله فقد أشرك # فمن أحب شيئا كما يحب الله أو عظمه كما يعظم الله فقد جعله لله ندا وإن ~~كان يقول إنما نعبدهم ليقربونا إلي الله زلفي وأنهم شفعاؤنا عند الله ~~PageV01P102 # قال تعالي @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ أي يحبونهم كما يحبون الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله منهم لأنهم أخلصوا لله فلم يجعلوا المحبة مشتركة بينه وبين غيره ~~فإن الاشتراك فيها يوجب نقصها والله لا يتقبل ذلك كما في الحديث الصحيح ~~يقول الله تعالي أنا أغني الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري ~~فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك # فالمؤمن الذي يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما لا بد أن يكون ما ~~أحبه الله ورسوله أحب إليه مما لم يحبه الله ورسوله وأن يبغض ما يبغضه الله ~~ورسوله فلا يكون ذلك البغيض أحب إليه من محبوب الله ورسوله # والحب التام منا مستلزم للإرادة التامة الموجبة للفعل مع القدرة والبغض ~~التام منا مستلزم للكراهة التامة المانعة للقدرة فإذا كان العبد قادرا علي ~~محبات الحق ولا يفعلها فلضعف محبتها في قلبه أو وجود ما يعارض الحق مثل ~~محبته لأهله وماله فإن ذلك قد يمنعه عن فعل محبوب الحق # كما قال تعالي @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا @QE@ # وقال صلى ms056 الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب ~~إليه من PageV01P103 ولده ووالده والناس أجمعين وقال له عمر # والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال لا يا عمر ~~حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فأنت أحب إلي من نفسي قال الآن يا عمر وهذان ~~الحديثان في الصحيح # فإن كانت واجبات نقص من درجة المقتصدين من أصحاب اليمين حتى يتوب أو ~~يمحوها بشيء آخر وإن كانت نوافل فإنها من القرب بحسب ذلك $ الإنسان لا يفعل ~~الحرام إلا لضعف إيمانه ومحبته وإذا فعل مكروهات الحق فلضعف بعضها في قلبه ~~أو لقوة محبتها التي تغلب بعضها فالإنسان لا يأتي شيئا من المحرمات ~~كالفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق والشرك بالله مالم ~~ينزل به سلطانا والقول علي الله بغير علم إلا لضعف الإيمان في أصله أو ~~كماله أو ضعف العلم والتصديق وإما ضعف المحبة والبغض # لكن إذا كان أصل الإيمان صحيحا وهو التصديق فإن هذه المحرمات يفعلها ~~المؤمن مع كراهته وبغضه لها فهو إذا فعلها لغلبة الشهوة عليه فلا بد أن ~~يكون مع فعلها فيه بغض لها وفيه خوف من عقاب الله عليها وفيه رجاء لأن يخلص ~~من عقابها إما بتوبة وإما حسنات وإما عفو وإما دون ذلك وإلا فإذا لم يبغضها ~~ولم يخف الله فيها ولم يرج رحمته فهذا لا يكون مؤمنا بحال بل هو كافر أو ~~منافق PageV01P104 # فكل سيئة يفعلها المؤمن لا بد أن تقترن بها حسنات له لكن قوة شهوته ~~للسيئة وما زين له فيها حتي ظن أنها مصلحة له أوجب وقوعها وهو اتباع الظن ~~وما تهوي الأنفس وهذا القدر عارض بعض إيمانه فترجح عليه حتي ما هو ضد لبعض ~~الإيمان فلم يبق مؤمنا الإيمان الواجب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم # لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ~~يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وهو فيما ms057 يفعله متبع للشيطان فيما زينه له ~~حتى رآه حسنا وفيما أمره به فأطاعه وهذا من الشرك بالشيطان كما قال تعالي ~~@QB@ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا @QE@ ~~وقال تعالي @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم @QE@ # ولهذا لم يخلص من الشيطان إلا المخلصون لله كما قال تعالي عن ابليس @QB@ ~~ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ وقال تعالي @QB@ إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ وقال تعالي @QB@ إنه ليس ~~له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون @QE@ # فإذا كان الشيطان ليس له سلطان إلا علي من أشرك به فكل من أطاع الشيطان ~~في معصية الله فقد تسلط الشيطان عليه وصار فيه من الشرك بالشيطان بقدر ذلك ~~PageV01P105 # والشيطان يوالي الإنسان بحسب عدم إيمانه كما قال تعالي @QB@ إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون @QE@ وقال تعالي @QB@ ومن يعش عن ذكر ~~الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم ~~مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين @QE@ ~~وقال تعالي في قصة يوسف عليه السلام @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ~~إنه من عبادنا المخلصين @QE@ # ويشهد لهذا ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~الشيطان ينتصب عرشه علي البحر ويبعث سراياه # فجميع ما نهي الله عنه هو من شعب الكفر وفروعه كما أن كل ما أمر الله به ~~هو من الإيمان والإخلاص لدين الله ولهذا قال تعالي @QB@ وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ # لكن قد يكون ذلك شركا أكبر وقد يكون شركا أصغر بحسب ما يقترن به من ~~الإيمان فمتي اقترن بما نهي الله عنه الإيمان لتحريمه وبغضه وخوف ~~PageV01P106 العقاب ورجاء الرحمة لم يكن شركا أكبر وأما إن اتخذ الإنسان ما ~~يهواه إلها من دون الله وأحبه ms058 كحب الله فهذا شرك اكبر والدرجات في ذلك ~~متفاوتة # وكثير من الناس يكون معه من الإيمان بالله وتوحيده ما ينجيه من عذاب الله ~~وهو يقع في كثير من هذه الأنواع ولا يعلم أنها شرك بل لا يعلم أن الله ~~حرمها ولم تبلغه في ذلك رسالة من عند الله والله تعالي يقول @QB@ وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ فهؤلاء يكثرون جدا في الأمكنة والأزمنة التي ~~تظهر فيها فترة الرسالة بقلة القائمين بحجة الله فهؤلاء قد يكون معهم من ~~الإيمان ما يرحمون به وقد لا يعذبون بكثير مما يعذب به غيرهم ممن كانت عليه ~~حجة الرسالة # فينبغي أن يعرف أن استحقاق العباد للعذاب بالشرك فما دونه مشروط ببلاغ ~~الرسالة في أصل الدين وفروعه ولهذا لما كثر الجهل وانتشر $ تزيين الشيطان ~~لكثير من الناس أنواعا من الحرام ضاهوا بها الحلال زين الشيطان لكثير من ~~الناس نواعا من المحرمات ضاهوا بها حلال وقد لا يعلمون أنها محرمة بغيضة ~~إلي الله بل قد يظنون أن ذلك محبوب لله مأمور به وقد يظنون أن فيها هذا ~~وهذا وهم في ذلك يتبعون الظن وما تهوي الأنفس وقد يعلمون تحريم ذلك ويظهرون ~~عدم الوجه المحرم خداعا ونفاقا فهؤلاء غير المؤمن الذي يحب الله ورسوله ~~ويأتي بالمحرم معتقدا أنه محرم وهو مبغض له خائف راج PageV01P107 # وهذه الأمور توجد في الأقسام الثلاثة ونحن نذكر أمثلة ذلك في المحرمات ~~التي ذكرها الله في قوله تعالي @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ فالله سبحانه قد حرم الفواحش كما ~~ذكر # وقد قال تعالي @QB@ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين @QE@ فلم تبح إلا المرأة التي هي زوج أو ملك يمين ~~وقد ذكر ما اشترطه في الحلال بقوله @QB@ غير مسافحات ولا متخذات أخدان @QE@ ~~وقوله @QB@ غير مسافحين ولا متخذي أخدان @QE@ # كما في الصحيح عن عائشة ms059 قالت كان النكاح في الجاهلية علي أربعة أنحاء ~~وذكرت أصحاب الرايات وهن المسافحات وأن إلحاق النسب في PageV01P108 وطئهن ~~كان بالقافة وذكرت التي يطأها جماعة محصورة وأن الإلحاق كان بتعيين المرأة ~~وذكرت نكاح الاستبضاع وهو غير نكاح ذوات الأخدان وذكرت النكاح الرابع وهو ~~النكاح المعروف الذي أحله الله # فالشيطان جعل من الحرام ما فيه مضاهاة من للحلال وان سمي باسم آخر لكن ~~المعني فيه اشتراك فالله أباح للرجل امرأته ومملوكته وكل من الرجل والمرأة ~~زوج الآخر فذوات الأخدان بينهن وبين أخدانهن نوع ازدواج واقتران كذلك ولهذا ~~ميز الله بين هذا وهذا PageV01P109 # وأخفي من ذلك مؤاخاة كثير من الرجال لكثير من النساء أو لكثير من الصبيان ~~وقولهم إن هذه مؤاخاة لله إذا لم تكن المؤاخاة علي فعل الفاحشة كذوات ~~الأخدان فهذا الذي يظهرونه للناس الذين يوافقونهم ويقرونهم علي ذلك ويرون ~~كلهم أن من أحب صبيا أو امرأة لصورته وحسنه من غير فعل فاحشة فإن هذا محبة ~~لله # فهذا من الضلال والغي و تبديل الدين حيث جعل ما كرهه الله محبوبا لله وهو ~~نوع من الشرك والمحبوب المعظم بذلك طاغوت # وذلك أن اعتقاد أن التمتع بالمحبة والنظر أو نوع من المباشرة إلي المرأة ~~الأجنبية والصبيان هو لله وهو حب في الله كفر وشرك كاعتقاد أن محبة الأنداد ~~حب لله وأن الاجتماع علي الفاحشة تعاون علي البر والتقوى وأن الإقامة علي ~~ذلك بالعبادة هي عبادة لله ونحو ذلك # فاعتقاد أن هذه الأمور التي حرمها الله ورسوله تحريما ظاهرا أنها دين ~~الله ومحبة الله نوع من الشرك والكفر # ثم قد يكون منها من خفيها أشياء تروج علي من لم يبلغه العلم كما اشتبه ~~علي كثير من العلماء والعباد أن استماع أصوات الملاهي تكون عبادة لله ~~واشتبه علي من هو أضعف علما وإيمانا أن التمتع بمشاهدة هذه الصور يكون ~~عبادة لله # ثم بعد هذا الضلال وما فيه من الغي هم أربعة أقسام PageV01P110 # قوم يعتقدون أن هذا لله ويقتصرون عليه كما يوجد مثل ذلك في كثير من ms060 ~~الأجناد والمتنسكة والعامة # وقوم يعلمون أن هذا ليس لله وإنما يظهرون هذا الكلام نفاقا وخداعا لئلا ~~ينكر عليهم وهؤلاء من وجه أمثل لما يرجي لهم من التوبة ومن جهة أخبث لأنهم ~~يعلمون التحريم ويأتون المحرم # وقوم مقصودهم ما وراء ذلك من الفاحشة الكبرى فتارة يكونون من أولئك ~~الظالمين الذين يعتقدون أن هذه المحبة التي لا وطء فيها لله فيفعلون شيئا ~~لله ويفعلون هذا لغير الله وتارة يكونون من أولئك الغاوين المنافقين الذين ~~يظهرون أن هذه المحبة لله وهم يعلمون أنها للشيطان فيجمع هؤلاء بين هذا ~~الكذب وبين الفاحشة الكبرى وهؤلاء في هذه المخادنة والمؤاخاة يضاهون النكاح ~~فإنه يحصل بين هذين من الاقتران والازدواج ما يشبه اقتران الزوجين ويزيد ~~عليه تارة وينقص عنه تارة وما يشبه اقتران المتحابين في الله والمتآخين في ~~الله لكن الذين آمنوا أشد حبا لله # فالمتحابان في الله يعظم تحابهما ويقوي ويثبت بخلاف هذه المؤاخاة ~~الشيطانية فإنه يترتب عليها أنواع من الفساد ثم هذا قد يظهر وينتشر حتى قد ~~يسمونه زواجا ويقولون تزوج هذا بهذا كما يفعل ذلك بعض المستهزئين ~~PageV01P111 بآيات الله من فجار الفساق والمنافقين ويقره الحاضرون على ذلك ~~ويضحكون وربما أعجبهم مثل هذا المزاح # كما أن اعتقاد أن هذه المحبة لله أوجب لمن كان من فجار الفساق والمنافقين ~~أن يقول لهم الأمرد حبيب الله والملتحي عدو الله وذلك يعجبهم ويضحكون منه ~~وحتى اعتقد كثير من المردان أن هذا حق وهو داخل في قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم # ( إذا أحب الله العبد نادي في السماء يا جبريل إني أحب فلانا ) فيصير ~~يعجبه أن يحب ويعتقد الغاوي أنه محبوب # وذلك أن من فقهاء الكوفة من لا يوجب في اللوطية الحد بل التعزير إلا إذا ~~أسرف فيه فإنه يبيح قتله سياسة ومن الفقهاء من يوجب فيه حد الزني كأشهر ~~قولي الشافعي وإحدي الروايتين عن أحمد وقول أبي يوسف ومحمد وأكثر فقهاء ~~الحجاز وأهل الحديث يوجبون قتلهما جميعا كمذهب مالك وظاهر مذهب أحمد # وزعم بعض الفقهاء أن فجور ms061 الرجل بمملوكه شبهة في درء الحد وهو موجب ~~للتعزير كما هو أحد القولين في وطء أمته المحرمة عليه برضاع PageV01P112 أو ~~محرمته وأيضا فالعقوبة بالقتل إنما تكون في حق البالغ وأما الصبي وأمثاله ~~فيجوز قتله إذا قاتل مع الكفار فأما بمجرد فعله هو بنفسه فلا يقتل بل يعاقب ~~بما يزجره # وكذلك النوع الثاني من الحلال وهو ملك اليمين فإن المرأة قد تملك الرجل ~~والرجل قد يملك الصبي وقد يكون في هذا الملك نوع من ملك الرجل الأمة فربما ~~استمتعت المرأة بمملوكها بمقدمات النكاح أو بالنكاح مضاهاة لاستمتاع الرجل ~~بمملوكته وربما تأولت القرآن على ذلك واعتقدت أن ذلك داخل في قوله تعالي ~~@QB@ أو ما ملكت أيمانهم @QE@ كما رفع إلي عمر ابن الخطاب امرأة تزوجت ~~عبدها وتأولت هذه الآية ففرق بينهما وأدبه وقال ويحك إنما هذه للرجال لا ~~للنساء # وكذلك كثير من جهال الترك وغيرهم قد يملك من الذكران من يحبهم ويستمتع ~~بهم وقد يتأول بعضهم على ذلك @QB@ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم @QE@ ~~ومن المعلوم أن هذا كفر بإجماع المسلمين فالاعتقاد بأن الذكران حلال بملك ~~أو غير ملك باطل وكفر بإجماع المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم PageV01P113 # ثم من هؤلاء من يتأول هذه الآية ومنهم من يتأول @QB@ ولعبد مؤمن خير من ~~مشرك @QE@ ولا يفرق بين المنكوح و الناكح كما سألني مرة بعض الناس عن هذه ~~الآية وكان ممن يقرأ القرآن ويطلب العلم وقد ظن أن معناها إباحة ذكران ~~المؤمنين # وآخرون قد يجتمع بهم من يقول لهم إن في هذه المسألة خلافا ويكذب أئمة ~~المسلمين الذين لا تكون مذاهبهم ظاهرة في بلاده مثل من يكون بأرض الروم ~~فيكذب على مذهب مالك ويقول هو مباح في مذهب مالك ومنهم من يقول هذا مباح ~~للضرورة مثل أن يبقي الرجل أربعين يوما إلي أمثال هذه الأمور التي خاطبني ~~فيها وسألني عنها طوائف من الجند والعامة والفقراء وكان عندهم من هذه ~~الاعتقادات الفاسدة ألوان مختلفة قد صدتهم عن سبيل الله # ومنهم من قد بلغه خلاف بعض العلماء في ms062 وجوب الحد في بعض الصور فيظن أن ~~ذلك خلاف في التحريم فربما قال ذلك أو اعتقده ولا يفرق بين الخلاف علي الحد ~~المقدر والتحريم وأن الشيء قد يكون من أعظم المحرمات كالدم والميتة ولحم ~~الخنزير وليس فيه حد مقدر # ثم ذلك الخلاف قد يكون قولا ضعيفا فيتولد من ذلك القول الضعيف الذي هو ~~خطأ بعض المجتهدين وهذا الظن الفاسد الذي هو خطأ بعض الجاهلين ومن الكذب ~~الذي هو فرية بعض الظالمين تبديل PageV01P114 الدين وطاعة الشياطين وسخط رب ~~العالمين حتى نقل أن كثيرا من المماليك يتمدح بأنه لا يعرف إلا سيده كما ~~تتمدح الأمة بأنها لا تعرف إلا سيدها وزوجها وكذلك كثير من المردان الأحداث ~~يتمدح بأنه لا يعرف إلا خدينه وصديقه ومؤاخيه كما تتمدح المرأة بأنها لا ~~تعرف إلا زوجها وكذلك كثير من الزناة بالمماليك والأحداث من الصبيان قد ~~يتمدح بأنه عفيف عما سوي خدنه الذي هو قرينه كالزوجة أو عما سوي مملوكه ~~الذي هو قرينه كما يتمدح المؤمن بأنه عفيف إلا عن زوجته أو ما ملكت يمينه # ولا ريب أن الكفر والفسوق والعصيان درجات كما أن الإيمان والعمل الصالح ~~درجات @QB@ هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون @QE@ وقد قال تعالي ~~@QB@ إنما النسيء زيادة في الكفر @QE@ وقال تعالي @QB@ فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم @QE@ وقال تعالي @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ كما قال ~~تعالي @QB@ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت @QE@ وقال @QB@ وليزيدن ~~كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا @QE@ كما قال تعالي @QB@ ~~والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل @QE@ # فالمتخذ خدنا من الرجل والنساء أقل شرا من المسافح لأن الفساد في ذلك أقل ~~والمستخفي بما يأتيه أقل إثما من المجاهر المستعلن كما في الحديث عن ~~PageV01P115 النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من ابتلي من هذه القاذورات ~~بشيء فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ) # وقد قال صلى الله عليه وسلم ( من ستر ms063 مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ~~) # وفي الحديث ( إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم ~~تنكر ضرت الجماعة ) # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( كل أمتي معافى إلا ~~المجاهرين وإن من المجاهرة أن يبيت الرجل علي الذنب وقد ستره الله فيصبح ~~فيتحدث بذنبه ويقول يا فلان فعلت الليلة كيت وكيت ) أو كما قال PageV01P116 # فالإقلال والاستخفاء خير من هذه الوجوه ولكن قد يقترن بها ما يكون أعظم ~~من بعض المسافحة والمجاهرة وهي المحبة والتعظيم التي توجب محبة ما يحبه ~~الخدن وتعظيم ما يعظمه وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه والاستسرار ~~بذلك والنفاق فيه فقد تكون في هذه الموالاة والمعاداة والنفاق من العدوان ~~والضرر على المسلمين أعظم مما في المجاهرة والمسافحة ويكون ذلك بمنزلة ~~الكافر المعلن كفره وهذا بمنزلة المنافق فأما إذا لم يكن عدوان على الناس ~~وتضييع لحقوقهم لانتفاء المحبة أو لغير ذلك فالأول أخبث وأفحش وتفاوت ~~الشرور في القدر والصفة كثير كما يتفاضل الخير أيضا في القدر والوصف ~~والواجب استعمال الكتاب والسنة في جميع الأمور # ولا ريب أن هذه المخادنة وملك اليمين ونحو ذلك مما فيه اشتراك في محرم ~~مضاد للحلال لا بد أن يتضمن من المباح ما يصير فيه من الشبه بالحلال ومن ~~التمييز عن الحرام ما يكون فيه رواج له إذ الحرام المحض المحض من كل وجه لا ~~يشتبه بالحلال المحض من كل وجه بل بقتني الرجل المملوك لنوع من الاستخدام ~~ويضم إلي ذلك الاستمتاع وقد يكون هذا أغلب في نفسه من PageV01P117 الآخر ~~وقد يكون بالعكس وذلك الاستخدام قد يكون مباحا في الشريعة وقد يكون فيه نوع ~~من الظلم والعدوان إما باسترقاق الأحرار وإما باشتراء المماليك لنفسه ~~بالمال المغصوب من بيت المال أو غيره وإما في استخدامهم علي وجه الكبرياء ~~والعلو في الأرض بإذلاله لهم في غير طاعة الله وإذلال الناس بهم في غير ~~طاعة الله إلي أمثال ذلك من الوجوه التي يكون فيها من الظلم والعدوان أمور ~~عظيمة ms064 وينضم إلي ذلك الفاحشة # وكذلك في المخادنة التي صورتها مؤاخاة قد تكون لأجل الاستئجار لصناعة ~~ونحوها وقد تكون لتعلم صناعة أو كتابة أو قراءة أو علم أو تأديب وتنوير ~~وغير ذلك من الأمور المباحة والمستحبة والواجبة في الدين وقد تكون لكفالة و ~~تربية إما ليتم ذلك الصبي أو غربته أو لقرابة بينهما أو غير ذلك وقد يكون ~~اشتراكا محضا في صناعة أو تجارة أو بحمل مال أو مجاورة وصلة أو تعلم أو ~~تأدب أو غير ذلك مما يشترك الناس فيه لغير فاحشة بشركة مباحة أو مأمور بها ~~أو منهي عنها ويكون بينهم في ذلك من التعاقد والتحالف ما يكون بين ~~المشتركين في الأمور وقد يسمي ذلك صديقا ورفيقا وسمي بالتركية خوشداشا وغير ~~ذلك وهو من قسم التحالف فيكون بين المشتركين في الحلال والحرام من المعاوضة ~~والمشاركة إما علي غير فاحشة وإما PageV01P118 معاوضة بتلك فتكون شبهة مع ~~الشهوة فغالب وقوع المحرمات من هذا الباب وقد لبس فبه الحق بالباطل وأشرك ~~فيه الحق بالباطل $ موقف المؤمن من الشرور والخيرات وما يجب عليه حيالها # والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة كما ~~يعرف الخيرات الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة فيفرق بين أحكام الأمور ~~الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسنة ليقدم ما هو أكثر ~~خيرا وأقل شرا علي ما هو دونه ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما ويجتلب ~~أعظم الخيرين بفوات أدناهما فإن من لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في ~~الدين لم يعرف أحكام الله في عباده وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل ~~ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح # وإذا عرف ذلك فلا بد أن يقترن بعلمه العمل الذي أصله محبته لما يحبه الله ~~ورسوله وبغضه لما يبغضه الله ورسوله وما اجتمع فيه الحبيب والبغيض المأمور ~~به والمنهي عنه أو الحلال والمحظور أعطي كل ذي حق حقه ليقوم الناس بالقسط ~~فإن الله بذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل فالعلم بالعدل قبل فعل ms065 العدل # فإذا علم وأحب كان من تمامه الجهاد عليه كما قال تعالي @QB@ لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس @QE@ والعلم PageV01P119 هو طريق إلي ~~العمل وسبب كما قيل في قوله تعالي @QB@ وآتيناه من كل شيء سببا @QE@ أي ~~علما # فالعلم بالخير سبب إلى فعله والعلم بالشر سبب إلى منعه هذا مع حسن النية ~~وإلا فالنفس الأمارة بالسوء قد يكون علمها بالسوء سبب لفعله وبالخير سبب ~~لمنعه وكذلك الإثم والبغي بغير الحق مثل الخمر الذي اتخذ منه أنواع من ~~المسكرات وقيل إنها حلال وسميت بغير أسماء الخمر وهي من الخمر # وكذلك ظلم العباد في النفوس والأموال والأعراض فيه ما قد سمي حقا وعدلا ~~وشرعا وسياسة وجهادا في سبيل الله وهو من الكفر والفسوق والعصيان ما لا ~~يحصيه إلا الله وكذلك الإشراك بالله بغير حق والقول بما لا يعلم مثل أنواع ~~الغلو في الدين واتخاذ العلماء والعباد أربابا من دون الله والقول بتحريم ~~الحلال وتحليل الحرام وأنواع الإشراك بالمخلوقات عبادة لها واستعانة بها ~~وغلوا فيها وقولا علي الله في أسمائه وصفاته وأحكامه ما قد دخل في ذلك من ~~الباطل الذي سمي بأسماء محمودة أو غير مذمومة كالعبادة والزهادة والتحقيق ~~وأصول الدين والفقه والعلم والتوحيد والكلام والفقر والتصوف ما لا يحصيه ~~إلا الله # ومما ينبغي أن يعرف أن كل تبديل يقع في الأديان بل كل اجتماع في العالم ~~لا بد فيه من التحالف وهو الاتفاق والتعاقد علي ذلك من اثنين فصاعدا ~~PageV01P120 $ بنو آدم لا يمكن عيشهم إلا بالتعاقد والتحالف # فأن بني آدم لا يمكن عيشهم إلا بما يشتركون فيه من جلب منفعتهم ودفع ~~مضرتهم فاتفاقهم على ذلك هو التعاقد والتحالف # ولهذا كان الوفاء بالعهود من الأمور التي اتفق أهل الأرض علي إيجابها ~~لبعضهم علي بعض وإن كان منهم القادر الذي لا يوفي بذلك كما اتفقوا في إيجاب ~~العدل والصدق فإذا اتفقوا وتعاقدوا علي اجتلاب الأمر الذي يحبونه ودفع ~~الأمر الذي يكرهونه أعان بعضهم بعضا ms066 علي اجتلاب المحبوب ونصر بعضهم بعضا ~~علي دفع المكروه ولو لم يتعاقدوا بالكلام فنفس اشتراكهم في أمر يوجب عليهم ~~اجتلاب ما يصلح ذلك الأمر المشترك ودفع ما يضره كأهل النسب الواحد وأهل ~~البلد الواحد فإن التناسب والتجاور يوجب التعاون علي جلب المنفعة المشتركة ~~ودفع الضرر المشترك # فصار الاشتراك بينهم تارة يثبت بفعلهم وهو التعاقد علي ما فيه خيرهم ~~وتارة يثبت بفعل الله تعالي وقد جمع الله عز وجل هذين الأصلين في قوله ~~تعالي @QB@ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام @QE@ وذكر في هذه السورة ~~الأمور التي بينهم من جهة الخلق وهي من جهة العقود كما قال تعالي @QB@ وهو ~~الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا @QE@ # وقال تعالي @QB@ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ~~ما أمر الله به أن يوصل @QE@ PageV01P121 # وقال تعالي @QB@ وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل @QE@ # وإذا كان لا بد في كل ما يشتركون فيه من تحالف وغير تحالف من التعاون علي ~~جلب المحبوب والتناصر لدفع المكروه فالمحبوب هو الموالي والمكروه هو ~~المعادي فلا بد لكل بني آدم من ولاية وعداوة ولهذا جميعهم يتمادحون ~~بالشجاعة والسماحة فإن السماحة إعانة علي وجود المحبوب بالأموال والمنافع ~~وغير ذلك والشجاعة نصر لدفع المكروه بالقتال وغيره ولا قوام لشيء من أمور ~~بني آدم إلا بذلك ومبني ذلك بينهم علي العدل في المشاركات والمعاوضات # فظهر أن جميع أمور بني آدم لا بد فيها من تعاون بينهم ودفع ومنع لغيرهم ~~فلا بد لهم من عقد وقدرة والعقد أصله الإرادة كما قال تعالي @QB@ واتقوا ~~الله الذي تساءلون به @QE@ أى يتعاهدون ويتعاقدون والقدرة القدرة # ومعلوم أنه لا بد في كل فعل من إرادة وقدرة والمشتركون لا بد من اتفاقهم ~~في إرادة وفي قدرة فالذي يناله بعضهم من جلب محبوب ودفع مكروه من بعض هو ~~بالإرادة والطوع والذي ينالونه من غيرهم من جلب محبوب ودفع مكروه وهو ~~بالقدرة علي ذلك العدو المكروه ms067 منه كما أن الوطء بملك النكاح الذي هو عقد ~~أصله الإرادة والطوع وبملك اليمين الذي هو قهر بالقدرة علي سبيل الكره ~~واشتراكهم في الجلب والدفع إما أن يكون تبعا لتعاقدهم وإما أن PageV01P122 ~~يكون بأمر آمر مطاع فيهم فالأول هو التحالف والثاني ما يطاع بغير تحالف ~~سواء كانت طاعته بحق أو بغير حق # فالذي بحق ما أمر الله بطاعته من أنبياءه وأولي الأمر من المؤمنين وطاعة ~~الوالدين ونحو ذلك وما يجاب به بعضهم إلي مراد بعض بحق فإن ذلك هو معني ~~الطاعة إذ المقصود بها موافقة المطلوب # وأما بغير حق فكطاعة الطواغيت وهو كل ما عظم بباطل $ التحالف يكون وفقا ~~الشريعة منزلة أو شريعة غير منزلة أو سياسة # وكل قوم لا تجمعهم طاعة مطاع في جميع أمورهم فلا بد لهم من التعاقد ~~والتحالف فيما لم يأمرهم به المطاع # ولهذا كانت الشريعة المنزلة من عند الله الأفعال فيها التي تجب لله وتجب ~~لبعض الناس علي بعض تارة تجب بإيجاب الله وتارة تجب بالعقد كالنذر وكعقود ~~المفاوضات والمشاركات فلا واجب في الشريعة إلا بشرع أو عقد # وإذا لم يكونوا علي شريعة منزلة من عند الله فإما أن يكونوا علي شريعة ~~غير منزلة أو سياسة وضعها بعض المعظمين فيهم بنوع قدرة وعلم ونحو ذلك وما ~~بقدرة من هذه الأمور الجامعة أوجب التحالف بينهم فإنه لا ينتظم لهم أمر إلا ~~بطاعة آمر متحالفون عليه أو يأمرهم به من يطيعونه ولهذا أنكر التحالف في ~~الأمم الخارجة عن الشريعة وفي الخارجين عنها وفي الأمور التي لا ترد إلي ~~الشريعة وإنما يظهر ذلك حيث تدرس آثار النبوة المطاعة فيتحالف قوم علي طاعة ~~ملك أو شيخ أو طاعة بعضهم لبعض في أمور PageV01P123 يتفقون عليها ويتحالفون ~~كما كان العرب في جاهليتهم يتحالفون ومنه الحليف الذي يكون في القبيلة ~~فيصير منهم # قال الله تعالي @QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على ~~كل شيء شهيدا @QE@ # وقال تعالي @QB@ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله ms068 عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا ~~كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة ~~هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه ~~تختلفون @QE@ # وكذلك ما يوجد من التحالف بالتآخي وغير التآخي للملوك والمشايخ وأهل ~~الفتوة ورماة البندق وسائر المتفقين علي بعض الأمور هو داخل في هذا وأيمان ~~التعاقد والتحالف عام لبني آدم وهم في جاهليتهم تارة يتحالفون تحالفا يحبه ~~الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لقد شهدت حلفا مع عمومتي في دار عبد ~~الله بن جدعان ما يسرني بمثله حمر النعم أو قال ما يسرني حمر النعم وأن ~~أنقضه ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت PageV01P124 وفى مثل هذا ما رواه ~~مسلم عن جبير بن مطعم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # لا حلف فى الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة ~~PageV01P125 # وهذا الحلف يسمي حلف المطيبين كان يقدم إلي مكة من يظلمه بعض أكابرها ~~فيستصرخ فلا ينصره أحد حتى أنشد بعض القادمين % يا آل مكة مظلوم بضاعته % ~~ببطن مكة بين الركن والحجر % # وكان عبد الله بن جدعان من خيارهم فاجتمعت قبائل من قريش في بيته علي ~~التحالف للتعاون على العدل ونصر المظلوم ووضعوا أيديهم في قصعة فيها طيب ~~فسمى حلف المطيبين PageV01P126 # فأما إذا كان القول على الشريعة التى بعث الله بها رسوله فى دينهم ~~ودنياهم فإن ذلك يغنيهم عن التحالف إلا عليها فعليها يكون تحالفهم وتعاقدهم ~~وتعاونهم وتناصرهم كما وصف الله به المحبين المحبوبين في قوله تعالى @QB@ ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم @QE@ # وعلي ذلك يبايع المطاعون فيهم من الأمراء والعلماء وغيرهم كما قال أبو ~~بكر الصديق في خطبته للمسلمين أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ~~ورسوله فلا طاعة لى عليكم PageV01P127 # وبذلك أمر الله ورسوله في طاعة أولى ms069 الأمر فقال النبى صلى الله عليه وسلم ~~على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه ما لم يؤمر ~~بمعصية الله فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة وقال النبى صلى الله ~~عليه وسلم إنما الطاعة في المعروف و لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق # وفى الصحيح أن عبد الله بن عمر كتب بيعته إلى عبد الملك بن مروان لما ~~اجتمع الناس عليه لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إنى قد أقررت لك ~~بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت وقد أقر بنى لما أقررت ~~به فأخبره أنه يعاقده على ما أمر الله به من الطاعة له في طاعة الله بحسب ~~قدرته وهذا واجب عليه بالشرع PageV01P128 # فهو تعاقد على ما أمر الله بمنزلة نفس الدخول فى الإسلام وبيعة النبى صلى ~~الله عليه وسلم كما بايعه الأنصار وكما بايعه المسلمون تحت الشجرة وكما كان ~~يبايع المسلمين على السمع والطاعة ويلقنهم فيما استطعتم # وطاعة الرسول واجبة على الخلق بإيجاب الله بمعاقدتهم على ذلك معاقدة على ~~طاعة الله كما قال تعالي @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين @QE@ # لكن هذا إنما كان ظاهرا فى أيام الخلفاء الراشدين وبعدهم كثرت العقود ~~الموافقة للشريعة تارة والمخالفة لها أخري فلا جرم كان الحكم العام في جميع ~~هذه العقود أنه يجب الوفاء فيها بما كان طاعة لله ولا يجوز الوفاء فيها بما ~~كان معصية لله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة ما ~~بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله ~~فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق وقال صلى الله ~~عليه وسلم من نذر أن PageV01P129 يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله ~~فلا يعصه وفي السنن المسلمون على شرطهم ms070 إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا # فأما أمر الدين وما يحبه الله ويقرب إليه فليس لعقود بنى آدم فيه أثر بل ~~المرجع في ذلك إلي أمر الله ورسوله فلا دين إلا ما أمر الله به ومن اتبع في ~~ذلك عقود بنى آدم فهم الذين اتبعوا شركاءهم الذين شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن الله به وهذه حال جميع ما ابتدع من الدين فإن الذي ابتدعه وافقه عليه ~~غيره وحالفه فاتخذوه دينا فتدين هذا فيه يظهر حال جميع أهل البدع المخالفة ~~للكتاب والسنة وأن الموافقة عليها هى من هذا الباب PageV01P130 # وأكثر ما ينفق بين المسلمين ما فيه حق وباطل إذ الباطل المحض لا يبقى ~~بينهم وذلك يتضمن التحالف على غير ما أمر الله به والتبديل لدين الله بما ~~لبس من الحق بالباطل وهذه حال اليهود والنصارى وسائر أهل الضلال فإنهم ~~عدلوا عما أمرهم الله باتباعه فلبسوه بباطل ابتدعوه بدلوا به دين الله ~~وتحالفوا علي ذلك الذى ابتدعوه # وأما المعاملات في الدنيا فالأصل فيها أنه لا يحرم منها إلا ما حرمه الله ~~ورسوله فلا حرام إلا ما حرم الله ولا دين إلا ما شرعه وإذا لم يحرم إلا ما ~~حرمه الله ورسوله فكأن ما كان بدله بدون التعاقد يجب بالتعاقد فإن العقد ~~يوجب على كل واحد من المتعاوضين والمتشاركين ما أوجبه الآخر على نفسه له $ ~~المسلمون علي شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا # وهذا الموضع كثر فيه غلط كثير من الفقهاء بتحريم عقود وشروط لم يحرمها ~~الله كما كثر فى الأول غلط كثير من العباد والعلماء بابتداع دين لم يشرعه ~~الله وإيجابه بالتعاقد عليه حتى يوجبون طاعة شخص معين ميت أو حى من العلماء ~~في كل شئ ويحرمون طاعة غيره في كل شئ نازعه فيه لمجرد عقد العامى الذي ~~انتسب إلي هذا دون هذا # وكذلك في المشايخ حتى قد يأمرونه بمخالفه ms071 ما تبين له من الشريعة لأجل ~~العقد الذى التزمه للمذهب والطريقة فيشترطون شروطا ليست في كتاب الله ~~ويأمرون بطاعة المخلوق في معصية الخالق وأكثر ذلك يدخله نوع من الاجتهاد ~~PageV01P131 الظاهر الذي فيه نوع من اتباع الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم ~~من ربهم الهدى # والواجب في جميع هذه الأمور أن ما يتبين أنه طاعة لله ورسوله وجب اتباعه ~~وما اشتبه علي الإنسان حاله سلك فيه مسلك الاجتهاد بحسب قدرته ولا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها واجتهاد العامة هو طلبهم للعلم من العلماء بالسؤال ~~والاستفتاء بحسب إمكانهم # فإذا كان جميع ما عليه بنو آدم لابد فيه من تعاون وتناصر وفيه ما هو شرك ~~بالله وفيه ما هو قول على الله بغير علم وفيه ما هو إثم وبغى وفيه ما هو من ~~الفواحش علم أنه لابد في الإيمان من التعاون والتناصر علي فعل ما يحبه الله ~~تعالى ودفع ما يبغضه الله تعالى وهذا هو الجهاد في سبيله وأن أمر الإيمان ~~لا يتم بدون ذلك كما لا يتم غير الإيمان إلا بما هو من نوع ذلك # فكل المتعاونين المتناصرين يجاهدون ولكن في سبيل الله تارة وفي سبيل غير ~~الله تارة ولا صلاح لبنى آدم إلا بأن يكون الدين كله لله وتكون كلمة الله ~~هى العليا # قال تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ ~~وهؤلاء الذين تولوا الله فتولاهم الله والذين يدينون لغير الله هم ظالمون ~~بتولى بعضهم بعضا كما قال تعالى @QB@ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ~~ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن ~~الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين @QE@ PageV01P132 # ولا يتم لمؤمن ذلك إلا بأن يجمع بين ما جمع الله بينه ويفرق بين ما فرق ~~الله بينه وهذه حقيقة الموالاة والمعاداة التي مبناها علي المحبة والبغضة # فالموالاة تقتضى التحاب والجمع والمعاداة تقتضى التباغض والتفرق والله ~~سبحانه قد ذكر الموالاة والجمع بين المؤمنين فقولة تعالي @QB@ إنما وليكم ~~الله ورسوله والذين آمنوا ms072 الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ~~@QE@ وذكر العداوة بينهم وبين الكفار فقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين @QE@ ثم ذكر حال المستنصرين بهم فإن ~~الموالاة موجبها التعاون والتناصر # فلا يفرق بين المؤمنين لأجل ما يتميز به بعضهم عن بعض مثل الأنساب ~~والبلدان والتحالف علي المذاهب والطرائق والمسالك والصداقات وغير ذلك بل ~~يعطى كل من ذلك حقه كما أمر الله ورسوله ولا يجمع بينهم وبين الكفار الذين ~~قطع الله الموالاة بينهم وبينه فإن دين الله هو الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # والله سبحانه أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط فيحتاج المؤمن إلي معرفة العدل وهو الصراط المستقيم وإلى العمل به ~~وإلا وقع إما في جهل وإما في ظلم PageV01P133 # وذلك إنما وقع من التبديل والعقود الفاسدة كما ذكرنا من لبس الحق بالباطل ~~حيث صارت المحرمات من الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~والإشراك بالله ما لم ينزل به سلطانا والقول علي الله بغير علم قد لبس بها ~~من الحق المأذون فيه ما صارت بسببه شبيهة للحق الحسن وإن كانت مشتملة مع ~~ذلك علي الباطل السيئ وإن صار أصحابها بين عمل صالح وآخر سيئ فقوم ينكرون ~~ذلك كله لما علموا فيه من المنكر البغيض وأقوام يقرون ذلك كله لما فيه من ~~المحبوب # وهذه القاعدة قد ذكرناها غير مرة وهي اجتماع الحسنات والسيئات والثواب ~~والعقاب في حق الشخص الواحد كما عليه أهل جماعة المسلمين من جميع الطوائف ~~إلا من شذ عنهم من الخوارج والوعيدية من المعتزلة ونحوهم وغالب المرجئة # فإن هؤلاء ليس للشخص عندهم إلا أن يثاب أو يعاقب محمود من كل وجه أو ~~مذموم من كل وجه وقد بينا فساد هذا في غير هذا الموضع بدلائل كثيرة من ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة وذكرنا أيضا الكلام في الفعل ms073 الواحد نوعا وشخصا # والغرض هنا أن هؤلاء الذين لبسوا الحق والباطل حصل في مقابلتهم من أعرض ~~عن الحق والباطل جميعا فصار هؤلاء مذمومين على فعل السيئات PageV01P134 ~~محمودين علي فعل الحسنات وأولئك يذمون على ترك الحسنات الواجبات ويمدحون ~~علي ما قصدوا تركه لله من السيئات # وسبب ذلك أن الإنسان فيه ظلم وجهل فإذا غلب عليه رأى أو خلق استعمله في ~~الحق والباطل جميعا لم يحفظ حدود الله ولهذا يأمر الله بحفظ حدوده # مثال ذلك أن من الناس من يكون في خلقه سماحة ولين ومحبة فيسمح بمحبته ~~وبتعظيمه ونفعه وماله للحسن الذي يحبه الله ويأمر به كمحبة الله ورسوله ~~وأوليائه المؤمنين والإنفاق في سبيله ونحو ذلك ويسمح أيضا بمحبة الفواحش ~~والإنفاق فيها فتجده يحب الحق والباطل جميعا ويصدق بهما ويعين عليهما # ومنهم من يكون في خلقه قوة فيمتنع من فعل الفواحش ويبغضها ويمتنع مع ذلك ~~من محبة نفع الناس والإحسان إليهم والحلم عن سيئاتهم فتجده يبغض الحق ~~والباطل جميعا ويكذب بهما ولا يعين علي واحد منهما بل ربما صد عنهما # وذلك لأن النفس أمارة بالسوء والشيطان يزين للمرء سوء عمله فيراه حسنا ~~وهو متبع هواها وما فيها من العلم والإيمان يدعوه إلي الخير حتى تذهب ~~الحسنات بالسيئات وإنما يفعل من الحسنات ما أقبلت عليه إرادته ومحبته دون ~~ما أبغضته PageV01P135 # وفي الإنسان قوتان قوة الحب وقوة البغض وإنما خلق ذلك فيه ليحب الحق الذي ~~يحبه الله ويبغض الباطل الذي يبغضه الله وهؤلاء هم الذين يحبهم الله ~~ويحبونه # والنفس تميل إلي الإشراك بحسب الإمكان فإذا غلب علي النفوس قوة المحبة ~~لما يناسبها فأحبت الحق فقد تنجذب بسبب ذلك إلي محبة ما يقارنه من الباطل # ومن هنا مال كثير من النساك إلي محبة الأصوات والصور وغير ذلك بسبب ما ~~فيهم من المحبة التي فيها ما هو لله لكن لبسوا فيها الحق بالباطل وكذلك قد ~~يكون الشخص بالمحبة يميل إلي شهوات الغي في بطنه وفرجه وإنفاق الأموال فيها ~~ثم إنه بسبب ما فيه من الحب والدين ms074 يحب الحق وأهله ويعظمهم فتجد كثيرا من ~~أهل الشهوات وفيهم من المحبة لله ورسوله ما لا يوجد في كثير من النساك كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم في خمار الذي كان يشرب الخمر كثيرا لا تلعنه ~~فإنه يحب الله ورسوله والحديث في صحيح البخاري وغيره $ المقصود الأول من كل ~~عمل هو التنعم واللذة # $ فصل وإذا كان كل عمل أصله المحبة والإرادة والمقصود منه التنعم بالمراد ~~المحبوب فكل حى إنما يعمل لما فيه تنعمه ولذته فالتنعم هو المقصود الأول من ~~كل قصد كما أن التعذب والتألم هو المكروه أولا وهو سبب كل بغض وكل ~~PageV01P136 حركة امتناع لكن وقع الجهل والظلم في بنى آدم فعمدوا إلي الدين ~~الفاسد والدنيا الفاجرة طلبوا بهما النعيم وفي الحقيقة فإنما فيهما ضده # وبيان ذلك أن الأعمال التي يعملها جميع بني آدم إما أن يتخذونها دينا أو ~~لا يتخذونها دينا والذين يتخذونها دينا إما أن يكون الدين بها دين حق أو ~~دين باطل فنقول $ النعيم التام هو في الدين الحق النعيم التام هو في الدين ~~الحق # فأهل الدين الحق هم الذين لهم النعيم الكامل كما أخبر الله بذلك في كتابه ~~في غير موضع كقوله @QB@ الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ # وقوله عن المتقين المهتدين @QB@ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون @QE@ # وقوله تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ~~ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ~~@QE@ # وقوله تعالى @QB@ فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ ~~PageV01P137 # وقوله تعالى @QB@ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم @QE@ # ووعد أهل الإيمان والعمل الصالح بالنعيم التام في الدار الآخرة ووعد ~~الكفار بالعذاب التام في الدار الآخرة أعظم من أن يذكر هنا وهذا مما لم ~~ينازع فيه أحد من أهل الإسلام $ من الخطأ الظن بأن نعيم الدنيا ms075 لا يكون إلا ~~لأهل الكفر والفجور # ولكن تذكر هنا نكتة نافعة وهو أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرا من ~~أهل الإيمان والإسلام في الدنيا من المصائب وما يصيب كثيرا من الكفار ~~والفجار في الدنيا من الرياسة والمال وغير ذلك فيعتقد أن النعيم في الدنيا ~~لا يكون إلا لأهل الكفر والفجور وأن المؤمنين ليس لهم في الدنيا ما يتنعمون ~~به إلا قليلا وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة قد تستقر للكفار والمنافقين ~~علي المؤمنين وإذا سمع ما جاء في القرآن من أن العزة لله ورسوله وللمؤمنين ~~وأن العاقبة للتقوى وقول الله تعالى @QB@ وإن جندنا لهم الغالبون @QE@ وهو ~~ممن يصدق بالقرآن حمل هذه الآيات علي الدار الآخرة فقط وقال أما الدنيا فما ~~نري بأعيننا إلا أن الكفار والمنافقين فيها يظهرون ويغلبون المؤمنين ولهم ~~العزة والنصرة والقرآن لا يرد بخلاف المحسوس ويعتمد علي هذا فيما إذا أديل ~~أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين أو الظالمين وهو عند نفسه من أهل ~~الإيمان والتقوى فيرى أن صاحب الباطل قد علا PageV01P138 على صاحب الحق ~~فيقول أنا علي الحق وأنا مغلوب وإذا ذكره إنسان بما وعده الله من حسن ~~العاقبة للمتقين قال هذا في الآخرة فقط وإذا قيل له كيف يفعل الله بأوليائه ~~مثل هذه الأمور قال يفعل ما يشاء وربما قال بقلبه أو لسانه أو كان حاله ~~يقتضى أن هذا نوع من الظلم وربما ذكر قول بعضهم ما علي الخلق أضر من الخالق ~~لكن يقول يفعل الله ما يشاء وإذا ذكر برحمة الله وحكمته لم يقل إلا أنه ~~يفعل ما يشاء فلا يعتقدون أن صاحب الحق والتقوى منصور مؤيد بل يعتقدون أن ~~الله يفعل ما يشاء # وهذه الأقوال مبنية علي مقدمتين إحداهما حسن ظنه بدين نفسه نوعا أو شخصا ~~واعتقاد أنه قائم بما يجب عليه وتارك ما نهي عنه في الدين الحق واعتقاده في ~~خصمه ونظيره خلاف ذلك أن دينه باطل نوعا أو شخصا لأنه ترك المأمور وفعل ~~المحظور # والمقدمة الثانية أن الله ms076 قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره وقد لا يجعل ~~له العاقبة في الدنيا فلا ينبغى الاغترار بهذا $ المؤمن يطلب نعيم الدنيا ~~والنعيم التام في الآخرة PageV01P139 # ومن المعلوم أن العبد وإن أقر بالآخرة فهو يطلب حسن عاقبة الدنيا فقد ~~يطلب ما لا بد منه من دفع الضرر وجلب المنفعة وقد يطلب من زيادة النفع ودفع ~~الضرر ما يظن أنه مباح فإذا اعتقد أن الدين الحق قد ينافي ذلك لزم من ذلك ~~إعراض القلب عن الرغبة في كمال الدين الحق وفي حال السابقين والمقربين بل ~~قد يعرض عن حال المقتصدين أصحاب اليمين فيدخل مع الظالمين بل قد يكفر ويصير ~~من المرتدين المنافقين أو المعلنين بالكفر وإن لم يكن هذا في أصل الدين كان ~~في كثير من أصوله وفروعه كما قال النبى صلى الله عليه وسلم يصبح الرجل ~~مؤمنا ويمسى كافرا أو يمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا ~~وذلك إذا اعتقد أن الدين لا يحصل إلا بفساد دنياه ولذلك فإنه يفرح بحصول ~~الضرر له ويرجو ثواب ضياع ما لا بد له من المنفعة # وهذه الفتنة التى صدت أكثر بنى آدم عن تحقيق الدين وأصلها الجهل بحقيقة ~~الدين وبحقيقة النعيم الذي هو مطلوب النفوس في كل وقت إذ قد ذكرنا أن كل ~~عمل فلا بد فيه من إرادة به لطلب ما ينعم فهناك عمل يطلب به النعيم ولا بد ~~أن يكون المرء عارفا بالعمل الذى يعمله وبالنعيم الذي يطلبه PageV01P140 # ثم إذا علم هذين الأصلين فلابد أن تكون فيه إرادة جازمة علي العمل بذلك ~~وإلا فالعلم بالمطلوب وبطريقه لا يحصلان المقصود إلا مع الإرادة الجازمة ~~والارادة الجازمة لا تكون إلا مع الصبر ولهذا قال سبحانه وتعالى @QB@ ~~والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر @QE@ وقال تعالي @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ # فاليقين هو العلم الثابت المستقر والصبر لابد منه لتحقيق الإرادة الجازمة # والمقدمتان اللتان التي بنيت عليهما هذه البلية مبناهما ms077 علي الجهل بأمر ~~الله ونهيه وبوعده ووعيده فإن صاحبهما إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق فقد ~~اعتقد أنه فاعل للمأمور تارك للمحظور وهو على العكس من ذلك وهذا يكون من ~~جهله بالدين الحق # وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله في الدنيا بل قد تكون العاقبة في ~~الدنيا للكفار على المؤمنين ولأهل الفجور علي أهل البر فهذا من جهله بوعد ~~الله تعالى $ من الخطأ الإعتقاد أن الله ينصر الكفار في الدنيا ولا ينصر ~~المؤمنين PageV01P141 # أما الأول فما أكثر من يترك واجبات لا يعلم بها ولا بوجوبها وما أكثر من ~~يفعل محرمات لا يعلم بتحريمها بل ما أكثر من يعبد الله بما حرم ويترك ما ~~أوجب وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه وأنه خصمه هو ~~الظالم المبطل من كل وجه ولا يكون الأمر كذلك بل يكون معه نوع من الباطل ~~والظلم ومع خصمه نوع من الحق والعدل # وحبك الشيء يعمي ويصم والإنسان مجبول على محبة نفسه فهو لا يرى إلا ~~محاسنها ومبغض لخصمه فلا يرى إلا مساوئه وهذا الجهل غالبه مقرون بالهوى ~~والظلم فإن الإنسان ظلوم جهول # وأكثر ديانات الخلق إنما هي عادات أخذوها عن آبائهم وأسلافهم وتقليدهم في ~~التصديق والتكذيب والحب والبغض والموالاة والمعاداة # كما قال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا @QE@ # وقال تعالى @QB@ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا ~~كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من ~~بعدهم لفي شك منه مريب @QE@ # وأما الثاني فما أكثر من يظن أن أهل الدين الحق في الدنيا يكونون أذلاء ~~معذبين بما فيه بخلاف من فارقهم إلي طاعة أخري وسبيل آخر ويكذب بوعد الله ~~بنصرهم PageV01P142 # والله سبحانه قد ms078 بين بكتابه كلا المقدمتين فقال تعالى @QB@ إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد @QE@ # وقال تعالى في كتابه @QB@ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم ~~المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون @QE@ # وقال تعالى في كتابه @QB@ إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت ~~الذين من قبلهم @QE@ # وقال تعالى @QB@ إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز @QE@ # وقال تعالى في كتابه @QB@ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ~~فإن حزب الله هم الغالبون @QE@ # وذم من يطلب النصرة بولاء غير هؤلاء فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون ~~فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ~~فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين @QE@ # وقال تعالى في كتابه @QB@ بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين ~~يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله ~~جميعا @QE@ PageV01P143 # وقال تعالى في كتابه @QB@ يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون @QE@ # وقال تعالى في كتابه @QB@ من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر ~~أولئك هو يبور @QE@ # وقال في كتابه @QB@ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله وكفى بالله شهيدا @QE@ # وقال تعالى في كتابه @QB@ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم ~~من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ms079 ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من ~~الله وفتح قريب وبشر المؤمنين يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما ~~قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين @QE@ # وقال تعالى في كتابه @QB@ يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين ~~كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة @QE@ ~~PageV01P144 # وقال تعالى في كتابه @QB@ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا ~~يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا @QE@ # وقال تعالى في كتابه @QB@ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم لأول الحشر @QE@ إلي قوله تعالى @QB@ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ~~ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين @QE@ # وقال تعالى لما قص قصة نوح وهى نصرة علي قومه في الدنيا فقال تعالى @QB@ ~~تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين @QE@ # وقال تعالى @QB@ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك ~~والعاقبة للتقوى @QE@ # وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا @QE@ إلي قوله @QB@ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ~~إن الله بما يعملون محيط @QE@ # وقال تعالى @QB@ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين @QE@ # وقال يوسف وقد نصره الله في الدنيا لما دخل عليه إخوته @QB@ قالوا أئنك ~~لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ PageV01P145 # وقال تعالى في كتابه @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم @QE@ # وقال تعالى @QB@ ومن يتق الله يجعل ms080 له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا @QE@ # وقد روي عن أبى ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # لو عمل الناس كلهم بهذه الآية لوسعتهم # رواه ابن ماجه وغيره # وأخبر أن ما يحصل له من مصيبة انتصار العدو وغيرها إنما هو بذنوبهم فقال ~~تعالي في يوم أحد @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ~~قل هو من عند أنفسكم @QE@ # وقال تعالى @QB@ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم ~~الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم @QE@ # وقال تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ~~@QE@ PageV01P146 # وقال تعالى @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~@QE@ # وقال تعالى @QB@ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم @QE@ # وقال تعالى @QB@ أو يوبقهن بما كسبوا @QE@ # وذم في كتابه من لا يثق بوعده لعباده المؤمنين وذكر ما يصيب الرسل ~~والمؤمنين فقال تعالى @QB@ إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت ~~الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا ~~الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم ~~فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن ~~يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما ~~تلبثوا بها إلا يسيرا @QE@ # وقال تعالى @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى ~~نصر الله ألا إن نصر الله قريب @QE@ # وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ~~أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة ~~خير للذين اتقوا أفلا تعقلون حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد ms081 كذبوا ~~جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين لقد كان في ~~قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ PageV01P147 # ولهذا أمر الله رسوله والمؤمنين باتباع ما أنزل إليهم وهو طاعته وهو ~~المقدمة الأولى وأمرهم بانتظار وعده وهى المقدمة الثانية وأمرنا بالاستغفار ~~والصبر لأنهم لابد أن يحصل لهم تقصير وذنوب فيزيله الاستغفار ولابد مع ~~انتظار الوعد من الصبر فبالاستغفار تتم الطاعة وبالصبر يتم اليقين بالوعد ~~إن كان هذا كله يدخل فى مسمى الطاعة والإيمان # قال تعالى @QB@ واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ~~@QE@ # وقال تعالى @QB@ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى ~~أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين @QE@ # وقال تعالى @QB@ فاصبر إن العاقبة للمتقين @QE@ # وأمرهم أيضا بالصبر إذا أصابتهم مصيبة بذنوبهم مثل ظهور العدو وكما قال ~~تعالى فى قصة أحد @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ~~إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم ~~الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله ~~الذين آمنوا ويمحق الكافرين @QE@ PageV01P148 # وأيضا فقد قص سبحانه فى كتابه نصره لرسله ولعباده المؤمنين على الكفار فى ~~قصة نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وفرعون وغير ذلك وقال تعالى @QB@ لقد كان في ~~قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد أنزلنا إليكم آيات ~~مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم @QE@ # وهذا يتبين بأصلين أحدهما أن حصول النصر وغيره من أنواع النعيم لطائفة أو ~~شخص لا ينافي ما يقع في خلال ذلك من قتل بعضهم وجرحه ومن أنواع الأذى وذلك ~~أن الخلق كلهم يموتون فليس في قتل الشهداء مصيبة زائدة علي ما هو معتاد ~~لبنى آدم فمن عد القتل في سبيل الله مصيبة مختصة بالجهاد كان من أجهل الناس ~~بل الفتن التي تكون بين الكفار وتكون بين المختلفين من أهل ms082 القبله ليس مما ~~يختص بالقتال فإن الموت يعرض لبني آدم بأسباب عامة وهي المصائب التي تعرض ~~لبني آدم من مرض بطاعون وغيره ومن جوع وغيره وبأسباب خاصة فالذين يعتادون ~~القتال لا يصيبهم أكثر مما يصيب من لا يقاتل بل الأمر بالعكس كما قد جربه ~~الناس # ثم موت الشهيد من أيسر الميتات ولهذا قال سبحانه وتعالى @QB@ قل لن ~~ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ~~ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم ~~من دون الله وليا ولا نصيرا @QE@ PageV01P149 # فأخبر سبحانه أن الفرار من القتل أو الموت لا ينفع فلا فائدة فيه وأنه لو ~~نفع لم ينفع إلا قليلا إذ لا بد من الموت # وأخبر أن العبد لا يعصمه من الله أحد إن أراد به سوءا أو أراد به رحمة ~~وليس له من دون الله ولي ولا نصير فأين نفر من أمره وحكمه ولا ملجأ منه إلا ~~إليه قال تعالى @QB@ ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين @QE@ وهذا أمر ~~يعرفه الناس من أهل طاعة الله وأهل معصيته كما قال أبو حازم الحكيم لما ~~يلقي الذي لا يتقي الله من معالجه الخلق أعظم مما يلقاه الذي يتقي الله من ~~معالجة التقوى # والله تعالى قد جعل أكمل المؤمنين إيمانا أعظمهم بلاء كما قيل للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل ~~فالأمثل يبتلي الرجل علي حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن ~~كان في دينه رقة خفف عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي علي الأرض وليس ~~عليه خطيئة # ومن هذا أن الله شرع من عذاب الكفار بعد نزول التوراة بأيدي المؤمنين في ~~الجهاد ما لم يكن قبل ذلك حتى إنه قيل لم ينزل بعد التوراة عذاب عام من ~~السماء للأمم كما قال تعالى @QB@ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا ~~القرون الأولى بصائر ms083 للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون @QE@ PageV01P150 # فإنه قبل ذلك قد أهلك قوم فرعون وشعيب لوط وعاد وثمود وغيرهم ولم يهلك ~~الكفار بجهاد المؤمنين ولما كان موسى أفضل من هؤلاء وكذلك محمد وهما ~~الرسولان المبعوثان بالكتابين العظيمين كما قال تعالى @QB@ إنا أرسلنا ~~إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل @QE@ ~~إلى قوله @QB@ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه @QE@ # وأمر الله هذين الرسولين بالجهاد على الدين وشريعة محمد صلى الله عليه ~~وسلم أكمل فلهذا كان الجهاد في أمته أعظم منه في غيرهم # قال تعالى @QB@ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض @QE@ # وقال تعالى للمنافقين @QB@ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا @QE@ PageV01P151 # فالجهاد للكفار أصلح من هلاكهم بعذاب سماء من وجوه أحدها أن ذلك أعظم في ~~ثواب المؤمنين وأجرهم وعلو درجاتهم لما يفعلونه من الجهاد في سبيل الله لأن ~~تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله # الثاني أن ذلك أنفع للكفار أيضا فإنهم قد يؤمنون من الخوف ومن أسر منهم ~~وسيم من الصغار يسلم أيضا وهذا من معنى قوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس @QE@ قال أبو هريرة وكنتم خير الناس للناس تأتون بهم في الأقياد ~~والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة فصارت الأمة بذلك خير أمة أخرجت للناس وأفلح ~~بذلك المقاتلون وهذا هو مقصود الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهذا من ~~معني كون محمد صلى الله عليه وسلم ما أرسل إلا رحمة للعالمين فهو رحمة في ~~حق كل أحد بحسبه حتى المكذبين له هو في حقهم رحمة أعظم مما كان غيره # ولهذا لما أرسل الله إليه ملك الجبال وعرض عليه أن يقلب عليهم الأخشبين ~~قال لا استأني بهم ms084 لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك ~~له PageV01P152 # الوجه الثالث أن ذلك أعظم عزة للإيمان وأهله واكثر لهم فهو يوجب من علو ~~الإيمان وكثرة أهله ما لا يحصل بدون ذلك وأمر المنافقين والفجار بالمعروف ~~ونهيهم عن المنكر هو من تمام الجهاد وكذلك إقامة الحدود # ومعلوم أن في الجهاد وإقامة الحدود من إتلاف النفوس والأطراف والأموال ما ~~فيه فلو بلغت هذه النفوس النصر بالدعاء ونحوه من غير جهاد لكان ذلك من جنس ~~نصر الله للأنبياء المتقدمين من أممهم لما أهلك نفوسهم وأموالهم # وأما النصر بالجهاد وإقامة الحدود فذلك من جنس نصر الله لما يختص به ~~رسوله وإن كان محمد صلى الله عليه وسلم وأمته منصورين بالنوعين جميعا لكن ~~يشرع في الجهاد باليد ما لا يشرع في الدعاء # وأما الأصل الثاني فإن التنعم إما بالأمور الدنيوية وإما بالأمور الدينية # فأما الدنيوية فهي الحسية مثل الأكل والشرب والنكاح واللباس وما يتبع ذلك ~~والنفسية وهي الرياسة والسلطان # فأما الأولي فالمؤمن والكافر والمنافق مشتركون في جنسها ثم يعلم أن ~~PageV01P153 التنعيم بها ليس هو حقيقة واحدة مستوية في بنى آدم بل هم ~~متفاوتون في قدرها ووصفها تفاوتا عظيما # فإن من الناس من يتنعم بنوع من الأطعمة والأشربة الذي يتأذي بها غيره إما ~~لاعتياده ببلده وإما لموافقته مزاجه وإما لغير ذلك # ومن الناس من يتنعم بنوع من المناكح لا يحبها غيره كمن سكن البلاد ~~الجنوبية فإنه يتنعم بنكاح السمر ومن سكن البلاد الشمالية فإنه يتنعم بنكاح ~~البيض # وكذلك اللباس والمساكن فإن أقواما يتنعمون من البرد بما يتأذي به غيرهم ~~وأقواما يتنعمون من المساكن بما يتأذي به غيرهم بحسب العادة والطباع # وكذلك الأزمنة فإنه في الشتاء يتنعم الإنسان بالحر وفي الصيف يتنعم ~~بالبرد # وأصل ذلك أن التنعم في الدنيا بحسب الحاجة إليها والانتفاع بها فكل ما ~~كانت الحاجة أقوي والمنفعة أكثر كان التنعم واللذة أكمل والله قد أباح ~~للمؤمنين الطيبات # فالذين يقتصدون في المآكل نعيمهم بها أكثر من نعيم المسرفين فيها فإن ~~أولئك ms085 إذا أدمنوها وألفوها لا يبقي لهذا عندهم كبير لذة مع أنهم قد لا ~~يصبرون عنها وتكثر أمراضهم بسببها PageV01P154 # وأما الدين فجماعه شيئان تصديق الخبر وطاعة الأمر # ومعلوم أن التنعم بالخبر بحسب شرفه وصدقه والمؤمن معه من الخبر الصادق عن ~~الله وعن مخلوقاته ما ليس مع غيره فهو من أعظم الناس نعيما بذلك بخلاف من ~~يكثر في أخبارهم الكذب # وأما طاعة الأمر فإن من كان ما يؤمر به صلاحا وعدلا ونافعا يكون تنعمه به ~~أعظم من تنعم من يؤمر بما ليس بصلاح ولا عدل ولا نافع # وهذا من الفرق بين الحق والباطل فإن الله سبحانه يقول في كتابه @QB@ ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ~~ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ~~كذلك يضرب الله للناس أمثالهم @QE@ # وقال @QB@ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ~~جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب @QE@ # وتفصيل ذلك أن الحق نوعان حق موجود وحق مقصود وكل منهما ملازم للآخر # فالحق الموجود هو الثابت في نفسه فيكون العلم به حقا والخبر عنه حقا ~~والحق المقصود هو النافع الذي إذا قصده الحي انتفع به وحصل له النعيم ~~PageV01P155 $ فصل # ومما يظهر الأمر ما ابتلي الله به عباده في الدنيا من السراء والضراء ~~وقال سبحانه @QB@ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا @QE@ # يقول الله سبحانه ليس الأمر كذلك ليس إذا ما ابتلاه فأكرمه ونعمه يكون ~~ذلك إكراما مطلقا وليس إذا ما قدر عليه رزقه يكون ذلك إهانة بل هو ابتلاء ~~في الموضعين وهو الاختبار والامتحان فإن شكر الله على الرخاء وصبر على ~~الشدة كان كل واحد من الحالين خيرا له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يقضى الله للمؤمن ms086 قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته ~~سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له وإن لم يشكر ولم ~~يصبر كان كل واحد من الحالين شرا له PageV01P156 # وقد تنازع الناس فيما ينال الكافر في الدنيا من التنعم هل هو نعمة في حقه ~~أم لا على قولين وكان أصل النزاع بينهم هو النزاع في القدرة # والقدرية الذين يقولون لم يرد الله لكل أحد إلا خيرا له بخلقه وأمره ~~وإنما العبد هو الذي أراد لنفسه الشر بمعصيته وبترك طاعته التي يستعملها ~~بدون مشيئة الله وقدرته أراد لنفسه الشر # وهؤلاء يقولون ما نعم به الكافر فهو نعمة تامة كما نعم به المؤمن سواء إذ ~~عندهم ليس لله نعمة خص بها المؤمن دون الكافر أصلا بل هما في النعم الدينيه ~~سواء وهو ما بينه من أدلة الشرع والعقل وما خلقه من القدرة والألطاف ولكن ~~أحدهما اهتدي بنفسه بغير نعمة أخري خاصة من الله والآخر ضل بنفسه من غير ~~خذلان يخصه من الله وكذلك النعم الدنيوية هي في حقهما علي السواء # والذين ناظروا هؤلاء من أهل الإثبات ربما زادوا في المناظرة نوعا من ~~الباطل وإن كانوا في الأكثر علي الحق فكثيرا ما يرد مناظر المبتدع باطلا ~~عظيما بباطل دونه $ تنازع الناس فيما ينال الكافر في الدنيا من التغم هل هو ~~نعمه في حقه أم لا # ولهذا كان أئمة السنة ينهون عن ذلك ويأمرون بالاقتصاد ولزوم السنة المحضة ~~وأن لا يرد باطل بباطل PageV01P157 # فقال كثير من هؤلاء ليس لله على الكافر نعمة دنيوية كما ليس له عليه نعمة ~~دينية تخصه إذ اللذة المستعقبة ألما أعظم منها ليست بنعمة كالطعام المسموم ~~وكمن أعطي غيره أموالا ليطمئن ثم يقتله أو يعذبه # قالوا والكافر كانت هذه النعم سببا في عذابه وعقابه كما قال تعالى @QB@ ~~إنما نملي لهم ليزدادوا إثما @QE@ # وقال تعالى @QB@ أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في ~~الخيرات بل لا يشعرون @QE@ # وقال تعالى @QB@ فلما نسوا ما ms087 ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون @QE@ # وقال تعالى @QB@ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~وأملي لهم إن كيدي متين @QE@ # وخالفهم آخرون من أهل الإثبات للقدر أيضا فقالوا بل لله على الكافر نعم ~~دنيوية # والقولان في عامة أهل الإثبات من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم # قال هؤلاء والقرآن قد دل على امتنانه على الكفار بنعمه ومطالبته إياهم ~~بشكرها فكيف يقال ليست نعما قال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها @QE@ PageV01P158 إلى قوله ~~@QB@ الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار ~~@QE@ إلى قوله @QB@ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا @QE@ وكيف ~~يكون كفورا من لم ينعم عليه بنعمه # فالمراد لازم قول هؤلاء أن الكفار لم يحب عليهم شكر الله إذ لم يكن قد ~~أنعم عليهم عندهم وهذا القول يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام فإن الله ~~ذم الإنسان بكونه كفورا غير شكور إذ يقول @QB@ إن الإنسان لربه لكنود @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس ~~كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح ~~فخور @QE@ # وقد قال صالح عليه السلام لقومه @QB@ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ~~وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء ~~الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين @QE@ # وقال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا @QE@ # وقال تعالى @QB@ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا ~~من كل مكان فكفرت بأنعم الله @QE@ # وقال الأولون قد قال تعالى @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ PageV01P159 # والكفار لم يدخلوا في هذا العموم فعلم أنهم خارجون عن النعمة وقال تعالى ~~في خطابه للمؤمنين @QB@ كلوا من طيبات ms088 ما رزقناكم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء @QE@ @QB@ واذكروا نعمة الله عليكم ~~وميثاقه الذي واثقكم به @QE@ وقال تعالى @QB@ كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~واشكروا لله @QE@ # وأما الكفار فخوطبوا بها من جهة ما هي تنعم ولذة وسرور ولم تسم في حقهم ~~نعمة على الخصوص وإنما تسمي نعمة باعتبار أنها نعمة في حق عموم بني آدم لأن ~~المؤمن سعد بها في الدنيا والآخرة والكافر ينعم بها في الدنيا # وذلك أن كفر الكافر نعمة في حق المؤمنين فإنه لولا وجود الكفر والفسوق ~~والعصيان لم يحصل جهاد المؤمنين للكفار وأمرهم الفساق والعصاة بالمعروف ~~ونهيهم إياهم عن المنكر ولولا وجود شياطين الإنس والجن لم يحصل للمؤمنين من ~~بعض هذه الأمور ومعاداتها ومجاهداتها ومخالفة الهوى فيها ما ينالون به أعلى ~~الدرجات وأعظم الثواب # والأنسان فيه قوة الحب والبغض وسعادته في أن يحب ما يحبه الله ويبغض ما ~~يبغضه الله فإن لم يكن في العالم ما يبغضه ويجاهد أصحابه لم يتم إيمانه ~~وجهاده وقد قال تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ ~~PageV01P160 # قالوا ولو كانت هذه اللذات نعما مطلقة لكانت نعمة الله على أعدائه في ~~الدنيا أعظم من نعمته على أوليائه قالوا ونعمة الله التي بدلوها كفرا هي ~~إنزال الكتاب وإرسال الرسول حيث كفروا بها وجحدوا أنها حق كما قال عليه ~~السلام ألا لا فخر إني من قريش # وكذلك قوله تعالى @QB@ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها ~~رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله @QE@ هم الذين كفروا بما أنزل الله ~~من الكتاب والرسل وتلك نعمة الله المعظمة وقال تعالى @QB@ أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين @QE@ # وحقيقة الأمر أن هذه الأمر فيها من التنعم باللذة والسرور في الدنيا ما ~~لا نزاع فيه ولهذا قال تعالى @QB@ بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما ~~كنتم تمرحون @QE@ وقال تعالى @QB@ أذهبتم ms089 طيباتكم في حياتكم @QE@ $ رأي ابن ~~تيميه PageV01P161 @QB@ الدنيا واستمتعتم بها @QE@ وقال تعالى @QB@ وذرني ~~والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا @QE@ وقال تعالى @QB@ ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا ويلههم الأمل @QE@ وقال تعالى @QB@ وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور @QE@ وهذا أمر محسوس # لكن الكلام في أمرين أحدهما هل هي نعمة أم لا والثاني أن جنس تنعم المؤمن ~~في الدنيا بالإيمان وما يتبعه هل هو مثل تنعم الكافر أو دونه أو فوقه وهذه ~~هي المسألة المقدمة # فأما الأول فيقال اللذات في أنفسها ليست نفس فعل العبد بل قد تحدث عن ~~فعله مع سبب آخر كسائر المتولدات التي يخلقها الله تعالى بأسباب منها فعل ~~العبد # لكن اللذات تارة تكون بمعصية من ترك مأمور أو فعل محظور كاللذة الحاصلة ~~بالزنا وبموافقة الفساق وبظلم الناس وبالشرك والقول على الله بغير علم فهنا ~~المعصية هي سبب للعذاب الزائد على لذة الفعل لكن ألم العذاب قد يتقدم وقد ~~يتأخر وهي تشبه أكل الطعام الطيب الذي فيه من السموم ما يمرض أو يقتل ثم ~~ذلك العذاب يمكن دفعه بالتوبة وفعل حسنات أخر لكن يقال تلك اللذة الحاصلة ~~بالمعصية لا تكون معادلة لها ما في التوبة عنها والأعمال الصالحة من المشقة ~~والألم ولهذا قيل ترك الذنب أمر من التماس التوبة وقيل رب شهوة ساعة أورثت ~~حزنا طويلا PageV01P162 # لكن فعل التوبة والحسنات الماحية قد يوجب من الثواب أعظم من ثواب ترك ~~الذنب أولا فيكون ألم التائب أشد من التارك إذا استويا من جميع الوجوه ~~وثوابه أكثر وكذلك لما يكفر الله به الخطايا من المصائب مرارة تزيد على ~~حلاوة المعاصى # وتارة تكون اللذات بغير معصية من العبد لكن عليه أن يطيع الله فيها ~~فيتجنب فيها ترك مأموره وفعل محظوره كما يؤتاه العبد من المال والسلطان ومن ~~المآكل والمناكح التى ليست بمحرمة # والله سبحانه أمر مع أكل الطيبات بالشكر فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون @QE@ وفي ~~صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن ms090 الله ليرضي عن العبد أن ~~يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها وفي الأثر الطاعم ~~الشاكر كالصائم الصابر رواه ابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P163 # وقد قال تعالى @QB@ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم @QE@ # ولما ضاف النبي صلى الله عليه وسلم أبا الهيثم بن التيهان وجلسوا في الظل ~~وأطعمهم فاكهة ولحما وسقاهم ماء باردا قال هذا من النعيم الذي تسألون عنه # والسؤال عنه لطلب شكره لا لإثم فيه فالله تعالى يطلب من عباده شكر نعمه ~~وعليه أن لا يستعين بطاعته على معصيته فإذا ترك ما وجب عليه في PageV01P164 ~~نعمته من حق واستعان بها على محرم صار فعله بها وتركه لما فيها سببا للعذاب ~~أيضا فالعذاب أستحقه بترك المأمور وفعل المحظور على النعمة التي هي من فعل ~~الله تعالى وإن كان فعله وتركه بقضاء الله وقدره بعلمه ومشيئته وقدرته ~~وخلقه # فأن حقيقة الأمر أنه نعم العبد تنعيما وكان ذلك التنعيم سببا لتعذيبه ~~أيضا فقد اجتمع في حقه تنعيم وتعذيب ولكن التعذيب إنما كان بسبب معصيته حيث ~~لم يؤد حق النعمة ولم يتق الله فيها # وعلى هذا فهذه التنعمات هي نعمة من وجه دون وجه فليست من النعم المطلقة ~~ولا هي خارجة عن جنس النعم مطلقها ومقيدها فباعتبار ما فيها من التنعم يصلح ~~أن يطلب حقها من الشكر وغيرها وينهى عن استعمالها في المعصية فتكون نعمة في ~~باب الأمر والنهي والوعد والوعيد # وباعتبار أن صاحبها يترك فيها المأمور ويفعل فيها المحظور الذي يزيد ~~عذابه على نعمها كانت وبالا عليه وكان أن لا يكون ذلك من حقه خيرا له من أن ~~يكون فليست نعمة في حقه في باب القضاء والقدر والخلق والمشيئة العامة وإن ~~كان يكون نعمة في حق عموم الخلق والمؤمنين وعلى هذا يظهر ما تقدم من خيرات ~~الله فإن ذلك استدراج ومكر وإملاء # وهذا الذي ذكرناه من ثبوت الإنعام بها من وجه وسلبه من وجه آخر مثل ما ~~ذكر الله في قوله تعالى @QB@ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ms091 فأكرمه ونعمه ~~فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا ~~@QE@ PageV01P165 فإنه قد أخبر أنه أكرمه وأنكر قول المبتلى ربي أكرمن ~~واللفظ الذي أخبر الله به مثل اللفظ الذي أنكره الله من كلام المبتلى لكن ~~المعني مختلف فإن المبتلي اعتقد أن هذه كرامة مطلقة وهي النعمة التي يقصد ~~بها أن النعم إكرام له والإنعام بنعمة لا يكون سببا لعذاب أعظم منها وليس ~~الأمر كذلك بل الله تعالى ابتلاه بها ابتلاء ليتبين هل يطيعه فيها أم يعصيه ~~مع علمه بما سيكون من الأمرين لكن العلم بما سيكون شيء وكون الشيء والعلم ~~به شيء # وأما قوله تعالى @QB@ فأكرمه ونعمه @QE@ فإنه تكريم بما فيه من اللذات ~~ولهذا قرنه بقوله @QB@ ونعمة @QE@ ولهذا كانت خوارق العادات التي تسميها ~~العامة كرامة ليست عند أهل التحقيق كرامة مطلقا بل في الحقيقة الكرامة هي ~~لزوم الاستقامة وهى طاعة الله وإنما هي مما يبتلي الله به عبده فإن أطاعه ~~بها رفعه وإن عصاه بها خفضه وإن كانت من آثار طاعة أخري كما قال تعالى @QB@ ~~وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ~~ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا @QE@ PageV01P166 # وإذا كان في النعمة والكرامة هذان الوجهان فهي من باب الأمر والشرع نعمة ~~يجب الشكر عليها وفي باب الحقيقة القدرية لم تكن لهذا الفاجر بها إلا فتنة ~~ومحنة استوجب بمعصية الله فيها العذاب وهي في ظاهر الأمر أن يعرف حقيقة ~~الباطن ابتلاء وامتحان يمكن أن تكون من أسباب سعادته ويمكن أن تكون من ~~أسباب شقاوته وظهر بها جانب الابتلاء بالمر فإن الله يبتلي بالحلو والمر ~~كما قال تعالى @QB@ ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون @QE@ وقال ~~@QB@ وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون @QE@ # فمن ابتلاه الله بالمر بالبأساء والضراء والبأس وقدر عليه رزقه فليس ذلك ~~إهانة له بل هو ابتلاء فإن أطاع الله في ذلك كان سعيدا وإن عصاه في ذلك كان ~~شقيا كما كان مثل ذلك سببا للسعادة في حق الأنبياء والمؤمنين وكان شقاء ms092 ~~وسببا للشقاء في حق الكفار والفجار # وقال تعالى @QB@ والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأساء والضراء وزلزلوا @QE@ وقال تعالى @QB@ وممن حولكم من الأعراب ~~منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم ~~مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم @QE@ PageV01P167 وقال تعالى @QB@ ولنذيقنهم ~~من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون @QE@ # وكما أن الحسنات وهي المسار الظاهرة التي يبتلي بها العبد تكون عن طاعات ~~فعلها العبد فكذلك السيئات وهي المكاره التي يبتلي بها العبد تكون عن معاصي ~~فعلها العبد كما قال تعالى @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك @QE@ # وقال تعالى @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل ~~هو من عند أنفسكم @QE@ # وقال تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ~~@QE@ # وقال تعالى @QB@ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون ~~بالله @QE@ # وقال تعالى @QB@ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور @QE@ # ثم تلك المسار التي هي من ثواب طاعته إذا عصي الله فيها كانت سببا لعذابه ~~والمكاره التي هي عقوبة معصيته إذا أطاع الله فيها كانت سببا PageV01P168 ~~لسعادته فتدبر هذا لتعلم أن الأعمال بخواتيمها وأن ما ظاهره نعمة هو لذة ~~عاجلة قد تكون سببا للعذاب وما ظاهره عذاب وهو ألم عاجل قد يكون سببا ~~للنعيم وما هو طاعه فيما يري الناس قد يكون سببا لهلاك العبد برجوعه عن ~~الطاعة إذا ابتلي في هذه الطاعة وما هو معصية فيما يري الناس قد يكون سببا ~~لسعادة العبد بتوبته منه وتصبره على المصيبة التي هي عقوبة ذلك الذنب # فالأمر والنهي يتعلق بالشيء الحاصل فيؤمر العبد بالطاعة مطلقا وينهي عن ~~المعصية مطلقا ويؤمر بالشكر على كل ما يتنعم به # وأما القضاء والقدر وهو علم الله وكتابه وما طابق ذلك من مشيئته وخلقه ms093 ~~فهو باعتبار الحقيقة الآجلة فالأعمال بخواتيمها والمنعم عليهم في الحقيقة ~~هم الذين يموتون على الإيمان # وقد يذكر تنازع الناس في هذا الباب # فالمثبتة للقضاء والقدر من متكلمه أهل الإثبات وغيرهم يلاحظون القدر من ~~علم الله وكتابه ومشيئته وخلقه وقد يعرضون عما جاء به الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد وعن الحكمة العامة وما في تفصيل ذلك من الحكم الخاصة PageV01P169 # وأما من لم يلاحظ إلا الأمر والنهي والوعد والوعيد فقط من القدرية ومن ~~ضاهاهم في حاله فقد كفر بما وجب عليه الإيمان به من خلق الله وكتابه ~~ومشيئته وتدبيره لعباده المؤمنين الذين سبقت لهم منه الحجة بتدبير خاص ومن ~~قضائه على الكفار بما هو فيه عدل سبحانه كما في الحديث المرفوع ماض فينا ~~أمرك عدل فينا قضاؤك ولا يظلم ربك أحدا # وإذا عرف أن كل واحد من الابتلاء بالسراء والضراء قد يكون في باطن الأمر ~~مصلحة للعبد أو مفسدة له وأنه إن أطاع الله بذلك كان مصلحة له وإن عصاه كان ~~مفسدة له تبين أن الناس أربعة أقسام منهم من يكون صلاحه على السراء ومنهم ~~من يكون صلاحه على الضراء ومنهم من يصلح على هذا وهذا ومنهم من لا يصلح على ~~واحد منهما PageV01P170 # والإنسان الواحد قد تجتمع له هذه الأحوال الأربعة في أوقات متعددة أو في ~~وقت واحد باعتبارها أنواع يبتلي بها # وقد جاء في الحديث المرفوع أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغني ولو أفقرته ~~لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن ~~من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك وذلك أني أدبر عبادي ~~إني بهم خبير بصير # فكما أن التنعم العاجل ليس بنعمة قي الحقيقة قد يكون في الحقيقة بلاء ~~وشرا باعتبار المعصية فيه والطاعة المتقدمة قد تكون حابطة وسببا للشر ~~باعتبار ما يعقبها من ردة وفتنة فكذلك التألم العاجل قد يكون في الحقيقة ~~خيرا ونعمة والمعصية المتقدمة قد تكون سببا للخير باعتبار التوبة والصبر ~~علي ما تعقبه من ms094 مصيبة لكن تتبدل الطاعة والمعصية # وهذا يقتضي أن العبد محتاج في كل وقت إلي الاستعانة بالله علي طاعته ~~وتثبيت قلبه ولا حول ولا قوة إلا بالله PageV01P171 $ حال الإنسان عند ~~السراء والضراء # وذلك أن الإنسان هو كما وصفه الله بقوله تعالي @QB@ ولئن أذقنا الإنسان ~~منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ~~ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور @QE@ وقال تعالي @QB@ إلا الذين ~~صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير @QE@ # فأخبر أنه عند الضراء بعد السراء ييأس من زوالها في المستقبل ويكفر بما ~~أنعم الله به عليه قبلها وعند النعماء بعد الضراء يأمن من عود الضراء في ~~المستقبل وينسي ما كان فيه بقوله @QB@ ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور @QE@ ~~علي غيره يفخر عليهم بنعمة الله عليه # وقال تعالي @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا @QE@ فأخبر أنه جزوع عند الشر لا يصبر عليه منوع عند الخير يبخل به # وقال تعالي @QB@ إن الإنسان لظلوم كفار @QE@ وقال تعالي @QB@ إن الإنسان ~~لربه لكنود @QE@ وقال تعالي @QB@ إنه كان ظلوما جهولا @QE@ وقال تعالي @QB@ ~~وكان الإنسان قتورا @QE@ وقال @QB@ وإن مسه الشر فيؤوس قنوط @QE@ وقال ~~تعالي @QB@ فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا @QE@ ~~PageV01P172 # وقد وصف المؤمنين بأنهم صابرون في البأساء والضراء وحين البأس والصابرون ~~في النعماء أيضا بقوله تعالي @QB@ إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات @QE@ ~~والصبر في السراء قد يكون أشد ولهذا قال من قال من الصحابة ابتلينا بالضراء ~~فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من فتنة القبر وشر فتنة ~~الغني وقال لأصحابه والله ما الفقر أخشي عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم ~~الدنيا كما بسطت علي من كان قبلكم فتتنافسوا فيها كما تنافسوا فيها وتهلككم ~~كم أهلكتهم PageV01P173 # فمن لم يتصف بحقيقة الإيمان هو إما قادر وإما عاجز فإن كان قادرا أظهر ما ~~في نفسه بحسب قدرته من الفواحش والإثم والبغي والإشراك بالله والقول عليه ~~بغير علم ومن ترك ms095 القسط وترك إقامة الوجه عند كل مسجد ودعاء الله مخلصا له ~~الدين ثم يكون شرهم بحسب كل منهم من حيث نفوسهم وقدرتهم فإن العبد لا يفعل ~~إلا بقدرة وإرادة فمن كان أقدر وأفجر كان أمره أشد كفرعون وأمثاله من ~~الجبارين المتكبرين لا يصبرون عن أهوائهم ولا يتقون الله # وأما المؤمن فإنه مع قدرته يفعل ما أمر الله به من البر والتقوى دون ما ~~نهي عنه من الإثم والعدوان # ثم أولئك الذين لم يتصفوا بحقيقة الإيمان بل فيهم من الفجور كفر أو نفاق ~~أو فسوق ما فيهم إذا كانوا عاجزين عن إرادتهم لا يقدرون علي أهوائهم بنوع ~~من أنواع القدرة تجدهم أذل الناس وأطوع الناس لمن يستعملهم في أغراضهم ~~وأجزع الناس لما أصابهم ذلك أنه ليس في قلوبهم من الإيمان ما يعتاضون به ~~وتستغني به نفوسهم ويصبرون به عما لا يصلح لهم # وهذه حال الأمم البعيدة عن العلم والإيمان كالترك التتار والعرب في ~~جاهليتهم فإنهم أعز الناس إذا قدروا وأذل الناس إذا قهروا PageV01P174 # وأما المؤمنون فكما قال تعالي لهم وقد غلبوا @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين @QE@ فهم الأعلون إذا كانوا مؤمنين ولو غلبوا # وقال كعب بن زهير في صفة الصحابة % ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم % يوما ~~وليسوا مجازيعا إذا نيلوا % $ # ولهذا كان المشروع في حق كل ذي إرادة فاسدة من الفواحش والظلم والشرك ~~والقول بلا علم أحد أمرين إما إصلاح إرادته وإما منع قدرته فإنه إذا اجتمعت ~~القدرة مع إرادته الفاسدة حصل الشر # وأما ذو الإرادة الصالحة فتؤيد قدرته حتى يتمكن من فعل الصالحات وذو ~~القدرة الذي لا يمكن سلب قدرته يسعي في إصلاح إرادته بحسب الإمكان # فالمقصود تقوية الإرادة الصالحة والقدرة عليها بحسب الإمكان وتضعيف ~~الإرادة الفاسدة والقدرة معها بحسب الإمكان ولا حول ولا قوة إلا بالله $ ~~المؤمن أرجح في النعيم واللذة من الكافر في الدنيا قبل الآخرة وإن كانت ~~الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر # وهذا مما يظهر به حسن حال المؤمن وترجحه في النعيم واللذة ms096 علي الكافر في ~~الدنيا قبل الآخرة وإن كانت الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر PageV01P175 # فأما ما وعد به المؤمن بعد الموت من كرامة الله فإنه تكون الدنيا بالنسبة ~~إليه سجنا وما للكافر بعد الموت من عذاب الله فإنه تكون الدنيا جنة بالنسبة ~~إلي ذلك # وذلك أن الكافر صاحب الإرادة الفاسدة إما عاجز وإما قادر فإن كان عاجزا ~~تعارضت إرادته وقدرته حتى لا يمكنه الجمع بينهما وإن كان قادرا أقبل علي ~~الشهوات وأسرف في التذاذه بها ولا يمكنه تركها # ولهذا تجد القوم من الظالمين أعظم الناس فجورا وفسادا وطلبا لما يروحون ~~به أنفسهم من مسموع ومنظور ومشموم ومأكول ومشروب ومع هذا فلا تطمئن قلوبهم ~~بشيء من ذلك هذا فيما ينالونه من اللذة وأما PageV01P176 ما يخافونه من ~~الأعداء فهو أعظم الناس خوفا ولا عيشة لخائف وأما العاجز منهم فهو في عذاب ~~عظيم لا يزال في أسف علي ما فاته وعلي ما أصابه # وأما المؤمن فهو مع مقدرته له من الإرادة الصالحة والعلوم النافعة ما ~~يوجب طمأنينة قلبه وانشراح صدره بما يفعله من الأعمال الصالحة وله من ~~الطمأنينة وقرة العين ما لا يمكن وصفه وهو مع عجزه أيضا له من أنواع ~~الإرادات الصالحة والعلوم النافعة التي يتنعم بها ما لا يمكن وصفه $ لذات ~~أهل البر أعظم من لذات أهل الفجور # وكل هذا محسوس مجرب وإنما يقع غلط أكثر الناس أنه قد أحس بظاهر من لذات ~~أهل الفجور وذاقها ولم يذق لذات أهل البر ولم يخبرها ولكن أكثر الناس جهال ~~كما لا يسمعون ولا يعقلون وهذا الجهل لعدم شهود حقيقة الإيمان ووجود حلاوته ~~وذوق طعمه انضم إليه أيضا جهل كثير من المتكلمين في العلم بحقيقة ما في أمر ~~الله من المصلحة والمنفعة وما في خلقه أيضا لعبده المؤمن من المنفعة ~~والمصلحة فاجتمع الجهل بما أخبر الله به من خلقه وأمره وما أشهده عباده من ~~حقيقة الإيمان ووجود حلاوته مع ما في النفوس من الظلم مانعا للنفوس من عظيم ~~نعمة الله وكرامته ورضوانه موقعا لها في ms097 بأسه وعذابه وسخطه PageV01P177 $ ~~لما خاض الناس في مسائل القدر ابتدع طوائف منهم مقالات مخالفة للكتاب ~~والسنة بدع القدرية # وذلك أن الناس لما خاضوا في مسائل القدر ولم يخلق الله ويأمر ونحو ذلك ~~بغير هدي من الله فرقوا دينهم وكانوا شيعا # فزعم فريق أنه لا يخلق أحدا من الأشخاص إلا لأجل مصلحة المخلوق ولا يأمره ~~إلا لأن أمره مصلحة له أيضا وإنما العبد هو الذي صرف عن نفسه المصلحة وفعل ~~المفسدة بغير قدرة الرب وبغير مشيئته وهم إنما قصدوا بها تنزيه الرب عن ~~الظلم والعيب ووصفه بالحكمة والعدل والإحسان لكن سلبوه علمه وقدرته وكتابته ~~وخلقه ونفوا مشيئته وعمومها # فقال قوم منهم إنه لا يعلم ولا يكتب ما يكون من العباد حتى يفعلوه # وقال آخرون بل علم ذلك وعلم أنهم لا يطيعونه ولا يفعلون إلا ما يضرهم ومع ~~هذا فقصد تعريفهم بالخلق والأمر للمنفعة الخالصة الدائمة # فقال لهم الناس من علم أن مقصوده من الخير لا يكون وقد سعي في حصوله ~~بمنتهى قدرته كان من أجهل الفاعلين وأسفههم فنزهوه عن قليل من السفه ~~بالتزام ما هو أكثر منه وزعموا أنه لا يقدر إلا علي ما فعل بهم فسلبوه ~~قدرته PageV01P178 $ بدع طائفة من أهل الإثبات # فرد علي هؤلاء من أهل الإثبات فأثبتوا عموم قدرته وعموم مشيئته وخلقه ~~وعلمه القديم وكل هذا حسن موافق للكتاب والسنة وهو مع تمام الإيمان القدر ~~بعلم الله القديم ومشيئته وخلقه وقدرته علي كل شيء لكن ضموا إلي ذلك أشياء ~~ليست من السنة # فإنه من السنة أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وألا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون وأنه يأمر العباد بطاعته ومع هذا يهدي من يشاء ويضل من يشاء كما قال ~~تعالي @QB@ والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ # فزعموا مع ذلك أنه يخلق الخلق لا لحكمة في خلقهم ولا لرحمته لهم بل قد ~~يكون خلقهم ليضرهم كلهم وهذا عندهم حكمة فلم ينزهوه عما نزه عنه نفسه من ~~الظلم حيث أخبر أنه إنما ms098 يجزي الناس بأعمالهم وأنه لا يزر وازرة وزر أخري ~~وأنه من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما # بل زعما أن كل مقدور عليه فليس بظلم مثل تعذيب الأنبياء والمرسلين وتكريم ~~الكفار والمنافقين وغير ذلك مما نزه الله نفسه عنه فلم يكن الظلم الذي نزه ~~الله نفسه عنه حقيقة عند هؤلاء إذ كل ما يمكن ويقدر عليه فليس بظلم فقوله ~~تعالي @QB@ وما الله يريد ظلما للعباد @QE@ عندهم لا يريد ما لا يكون ممكنا ~~مقدورا عليه وهو عندهم لا يقدر PageV01P179 علي الظلم حتي يكون تاركا له ~~وزعموا أنه قد يأمر العباد بما لا يكون مصلحة لهم ولا لواحد منهم لا يكون ~~الأمر مصلحة ولا يكون فعل المأمور به مصلحة بل قد يأمرهم بما إن فعلوه كان ~~مضرة لهم وإن لم يفعلوه عاقبهم به فيكون العبد فيما يأمره به بين ضررين ضرر ~~إن أطاع وضرر إن عصي ومن كان كذلك كان أمره للعباد مضرة لهم لا مصلحة لهم # وقالوا يأمر بما يشاء وأنكروا أن يكون في الأحكام الشرعية من العلل ~~المناسبة للأحكام من جلب المنافع ودفع المضار ما تبقي الأحكام الشرعية ~~ممكنة به حتي كان منهم من دفع علل الأحكام بالكلية ومنهم من قال العلل مجرد ~~علامات ودلالات علي الحكم لأنها أمور تناسب الحكم وتلائمه وهو يجوزون مع ~~هذا ألا يكون للعبد ثواب ومنفعة في فعل المأمور به لكن لما جاءت الشريعة ~~بالوعد قالوا هو موعود بالثواب الذي وعد به وربما قالوا إنه في الآخرة فقط ~~فإن الفعل المأمور به قد لا يكون فيه مصلحة للعباد ولا منفعة لهم بحال ولا ~~يكون فيه تنعم لهم ولا لذة بحال بل قد يكون مضرة لهم ومفسدة في حظهم ليس ~~فيه ما ينفعهم ومعلوم أنه إذا اعتقد المرء PageV01P180 أن طاعة الله ورسوله ~~فيها أمراه به قد لا يكون فيها مصلحة له ولا منفعة ولا فيها تنعم ولا لذة ~~ولا راحة بل يكون فيها مفسدة له ومضرة عليه وليس فيها إلا ألمه وعذابه ms099 كان ~~هذا من أعظم الصوارف له عن فعل ما أمر الله به ورسوله ثم إن كان ضعيف ~~الإيمان بالوعيد والوعد ترك الدين بالكلية وإن كان مؤمنا بالوعيد صارت ~~دواعيه مترددة بين هذا العذاب وذلك العذاب وإن كان مؤمنا بوعد الآخرة فقط ~~اعتقد أنه لا تكون له في الدنيا مصلحة ولا منفعة بل لا تكون المصلحة ~~والمنفعة في الدنيا إلا لمن كفر أو فسق وعصي # وهذا أيضا وإن كان هو غاية حال هؤلاء فهو مما يصرف النفوس عن طاعة الله ~~ورسوله ويبقي العبد المؤمن متردد الدواعي بين هذا وهذا وهو لا يخلو من ~~أمرين إما أن يرجح جانب الطاعة التي يستشعر أنه ليس فيها طول عمره له مصلحة ~~ولا منفعة ولا لذة بل عذاب وألم بل مفسدة ومضرة وهذا لا يكاد يصبر عليه أحد ~~PageV01P181 # وإما أن يرجح جانب المعصية تارة أو تارات أو غالبا ثم إن أحسن أحواله مع ~~ذلك أن ينوي التوبة قبيل موته # ولا ريب إن كان ما قاله هؤلاء حقا فصاحب هذه الحال أكيس وأعقل ممن محض ~~طاعة الله طول عمره إذ أن هذا سلم من عذاب ذلك المطيع في الدنيا ثم إنه ~~بالتوبة أحبط عنه العقاب وأبدل الله سيئاته بالحسنات فصارت جميع سيئاته ~~حسنات فصار ثوابه في الآخرة قد يكون أعظم وأعظم من ثواب ذلك المطيع الذي ~~محض الطاعة ولو كان ثوابه دون ثواب ذلك لم يكن التفاضل بينهم إلا كتفاضل ~~أهل الدرجات في الجنة وهذا مما يختاره أكثر الناس على مكابدة العذاب ~~والشقاء والبلاء بطول العمر إذ هو أمر لا يصبر عليه أحد فإن مصابرة العذاب ~~ستين أو سبعين سنة بلا مصلحة ولا منفعة ولا لذة ليس هو من جبلة الأحياء إذا ~~جوزوا أن لا يكون في شيء من طاعة الله مصلحة ولا منفعة طول عمره # وهؤلاء يجعلون العباد مع الله بمنزلة الأجراء مع المستأجرين كأن الله ~~أستأجرهم طول مقامهم في الدنيا ليعملوا ما لا ينتفعون به ولا فيه لربهم ~~منفعة ليعوضهم مع ذلك بعد الموت ms100 بأجرتهم وفي هذا من تشبيه الله بالعاجز ~~الجاهل السفيه ما يجب تنزيه الله عنه سبحانه وتعالي عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا PageV01P182 $ المقالة الصحيحة لأهل السنة والجماعة # والحق الذي يجب اعتقاده أن الله سبحانه إنما أرسل رسوله رحمة للعالمين ~~وان إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة عامة للخلق أعظم من إنزال المطر وإطلاع ~~البذر وإن يحصل بهذه الرحمة ضرر لبعض النفوس # ثم إنه سبحانه كما قال قتادة وغيره من السلف لم يأمر العباد بما أمرهم به ~~لحاجته إليه ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه بل أمرهم بما فيه صلاحهم ~~ونهاهم عما فيه فسادهم # وفي الحديث الصحيح حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم يا عبادي إني ~~حرمت الظلم علي نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم جائع ~~إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني ~~أهدكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا ~~عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا علي أتقي قلب رجل واحد منكم ~~ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا ~~علي أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد يسألوني فأعطيت كل إنسان منهم ~~مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط ~~غمسة واحدة يا عبادي إنما هي أعمالكم ترد عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ~~ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه PageV01P183 $ رفع الله الحرج عن ~~المؤمنين # وقال تعالي في وصف النبي الأمي @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ~~ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم @QE@ # وقال تعالي لما ذكر الوضوء @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ~~يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون @QE@ فأخبر أنه لا يريد أن ~~يجعل علينا من حرج فيما ms101 أمرنا به وهذه نكرة مؤكدة بحرف من فهي تنفي كل حرج ~~وأخبر أنه إنما يريد تطهيرنا وإتمام نعمته علينا # وقال تعالي في الآية الأخرى @QB@ وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم ~~وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم @QE@ فقد أخبر أنه ما جعل ~~علينا في الدين من حرج نفيا عاما مؤكدا فمن اعتقد أن فيما أمر الله به ~~مثقال ذرة من حرج فقد كذب الله ورسوله فكيف بمن اعتقد أن المأمور به قد ~~يكون فسادا وضررا لا منفعة فيه ولا مصلحة لنا ولهذا لما لم يكن فيما أمر ~~الله ورسوله حرج علينا لم يكن الحرج من ذلك إلا من النفاق كما قال تعالي ~~@QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ PageV01P184 وقال الله تعالي فيما أمر ~~به من الصيام @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ فإذا كان ~~لا يريد فيما أمرنا به ما يعسر علينا فكيف يريد ما يكون ضررا وفسادا لنا ~~بما أمرنا به إذا أطعناه فيه $ الإيمان والطاعة خير من الكفر والمعصية ~~للعبد في الدنيا والآخرة # ثم إنه يكون قد أخبر أن الإيمان والطاعة خير من الكفر والمعصية للعبد في ~~الدنيا والآخرة وإن كان لجهله يظن أن ذلك خير له في الدنيا كما يقوله هؤلاء ~~الذين فيهم جهل ونفاق الذين قد يقولون إن المأمور به قد لا يكون فيه للعبد ~~مصلحة ولا منفعة طول عمره بل يكون ذلك في المنهي عنه فقال تعالي @QB@ كتب ~~عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا ~~شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون @QE@ # وقال تعالي عن الذين اتبعوا @QB@ ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان @QE@ ~~إلي قوله @QB@ من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون @QE@ فأخبر ~~أنهم يعلمون أن هذه الأمور لا تنفع بعد الموت بل لا يكون لصاحبها نصيب في ~~الآخرة وإنما طلبوا بها منفعة ms102 الدنيا وقد يسمون ذلك العقل المعيشي أي العقل ~~الذي يعيش به الإنسان في الدنيا عيشة طيبة فقال تعالي @QB@ ولو أنهم آمنوا ~~واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون @QE@ فاخبر أن أولياءه ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون ينبههم على PageV01P185 أن في ذلك ما هو خير لهم ~~مما طلبوه في الدنيا لو كانوا يعلمون فيحصل لهم في الآخرة من الخير الذي هو ~~المنفعة ودفع المضرة ما هو أعظم مما يحصلوه بذلك من خير الدنيا # كما قال تعالي @QB@ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب ~~برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين @QE@ ثم قال @QB@ ولأجر الآخرة خير ~~للذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ # وقال تعالي @QB@ وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ~~وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ~~ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين @QE@ # وقال عن إبراهيم @QB@ وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين @QE@ # وقد قال تعالي ما يبين به أن فعل المكروه من المأمور خير من تركه في ~~الدنيا أيضا قال تعالي @QB@ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو ~~اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان ~~خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا ~~مستقيما @QE@ PageV01P186 # وهذا في سياق حال @QB@ الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا @QE@ وهؤلاء منافقون من أهل الكتاب # والمشركون حالهم أيضا شبيه بحال الذين نبذوا كتاب الله وراءهم ظهريا ~~كأنهم لا يعلمون @QB@ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان @QE@ فإن ~~أولئك عدلوا عما في كتاب الله إلي اتباع الجبت والطاغوت والسحر والشيطان ~~وهذه حال الذين أوتوا نصيبا من الكتاب الذين يؤمنون بالجبت والطاغوت وحال ~~الذين يتحاكمون إلي الطاغوت من المظهرين للإيمان بالله ورسله فيها من حال ~~هؤلاء # والطاغوت كل معظم ومتعظم بغير ms103 طاعة الله ورسوله من إنسان أو شيطان أو شيء ~~من الأوثان # وهذه حال كثير ممن يشبه اليهود من المتفقهه والمتكلمة وغيرهم ممن فيه نوع ~~نفاق من هذه الأمة الذين يؤمنون بما خالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم من أنواع الجبت والطاغوت والذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير كتاب ~~الله تعالي وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم # وقال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم ~~جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا @QE@ PageV01P187 أي هؤلاء ~~لم يقصدوا ما فعلوه من العدل عن طاعة الله ورسوله إلي اتباع ما اتبعوه من ~~الطاغوت إلا لما ظنوه من جلب منفعة لهم ودفع مضرة عنهم مثل طلب علم وتحقيق ~~كما يوجد في صنف المتكلمة ومثل طلب أذواق ومواجيد كما يوجد في صنف المتعبدة ~~ومثل طلب شهوات ظاهرة وباطنة كما يوجد في صنف الذين يريدون العلو والذين ~~يتبعون شهوات الغي # قال تعالي @QB@ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا @QE@ أي ضلوا عن ~~مطلوبهم الذي هو جلب المنفعة ودفع المضرة فإن ذلك إنما هو في طاعة الله ~~ورسوله دون اتباع الطاغوت فإذا عاقبهم الله بنقيض مقصودهم في الدنيا ~~فأصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم قالوا ما أردنا بما فعلناه إلا إحسانا أي ~~أردنا الإحسان إلي نفوسنا لا ظلمها وتوفيقا أو جمعا بين هذا وهذا لتجتمع ~~الحقائق والمصالح # قال تعالي @QB@ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم @QE@ من الاعتقادات ~~الفاسدة والإرادات الفاسدة الظن وما تهوي الأنفس @QB@ فأعرض عنهم وعظهم وقل ~~لهم في أنفسهم قولا بليغا @QE@ # ثم قال تعالي @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا ~~رحيما @QE@ PageV01P188 فدعاهم سبحانه بعد ما فعلوه من النفاق إلى التوبة ~~وهذا من كمال رحمته بعباده يأمرهم قبل المعصية بالطاعة وبعد المعصية ~~بالاستغفار وهو رحيم بهم في كلا الأمرين بأمره لهم ms104 بالطاعة أولا برحمته ~~وأمرهم بالاستغفار من رحمته فهو سبحانه رحيم بالمؤمنين الذين أطاعوه أولا ~~والذين استغفروه ثانيا # فإذا كان رحيما بمن يطيعه والرحمة توجب إيصال ما ينفعهم إليهم ودفع ما ~~يضرهم عنهم فكيف يكون المأمور به مشتملا علي ضررهم دون منفعتهم $ معني ~~المجيء إلي الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مماته # وقوله فجاؤوك المجيء إليه في حضوره معلوم كالدعاء إليه وأما في مغيبه ~~ومماته فالمجيء إليه كالدعاء إليه والرد إليه قال تعالي @QB@ وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول @QE@ وقال تعالي @QB@ فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ وهو الرد والمجيء إلى ما بعث به من الكتاب ~~والحكمة وكذلك المجيء إليه لمن ظلم نفسه هو الرجوع إلى ما أمره به فإذا رجع ~~إلي ما أمره به فإن الجائي إلى الشيء في حياته ممن ظلم نفسه يجيء إليه ~~داخلا في طاعته راجعا عن معصيته كذلك في مغيبه ومماته # واستغفار الله موجود في كل مكان وزمان وأما استغفار الرسول فإنه أيضا ~~PageV01P189 يتناول الناس في مغيبه و بعد مماته فإنه أمر بأن يستغفر ~~للمؤمنين والمؤمنات وهو مطيع لله فيما أمره به والتائب داخل في الإيمان إذ ~~المعصية تنقص الإيمان والتوبة من المعصية تزيد في الإيمان بقدرها فيكون له ~~من استغفار النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ذلك # فأما مجيء الإنسان إلي الرسول صلى الله عليه وسلم عند قبره وقوله استغفر ~~لي أو سل لي ربك أو ادعو لي أو قوله في مغيبه يا رسول الله ادع لي أو ~~استغفر لي أو سل لي ربك كذا وكذا فهذا لا أصل له ولم يأمر الله بذلك ولا ~~فعله واحد من سلف الأمة المعروفين في القرون الثلاثة ولا كان ذلك معروفا ~~بينهم ولو كان هذا مما يستحب لكان السلف يفعلون ذلك ولكان ذلك معروفا فيهم ~~بل مشهورا بينهم ومنقولا عنهم فإن مثل هذا إذا كان طريقا إلي غفران السيئات ~~وقضاء الحاجات لكان مما تتوفر الهمم والدواعي علي فعله وعلي نقله لا سيما ms105 ~~فيمن كانوا أحرص الناس علي الخير فإذا لم يعرف أنهم كانوا يفعلون ذلك ولا ~~نقله أحد عنهم علم أنه لم يكن مما يستحب ويؤمر به PageV01P190 # بل المنقول الثابت عنه ما أمر الله به النبي صلى الله عليه وسلم من نهيه ~~عن اتخاذ قبره عيدا ووثنا وعن اتخاذ القبور مساجد # وأما ما ذكره بعض الفقهاء من حكاية العتبي عن الأعرابي الذي أتي قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا خير البرية إن الله يقول @QB@ ولو أنهم ~~إذ ظلموا أنفسهم @QE@ وإني قد جئت وأنه رأي النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المنام وأمره أن يبشر الأعرابي فهذه الحكاية ونحوها مما يذكر في قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقبر غيره PageV01P191 من الصالحين فيقع مثلهما لمن في ~~إيمانه ضعف وهو جاهل بقدر الرسول وبما امر به فإن لم يعف عن مثل هذا لحاجته ~~وإلا اضطرب إيمانه وعظم نفاقه فيكون في ذلك بمنزلة المؤلفة بالعطاء في حياة ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ( إني لأتألف رجالا بما في قلوبهم من ~~الهلع والجزع وأكل رجالا إلي ما جعل الله في قلوبهم من الغني والخير ) مع ~~أن أخذ ذلك المال مكروه لهم فهذه أيضا مثل هذه الحاجات # وأما المشروع الذي وردت به سنته فهو دعاء المسلم ربه متوسلا به لا دعاؤه ~~في مماته ومغيبه وهو أن يفعل كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم علم رجلا أن يقول ( اللهم إني أسألك وأتوسل إليك ~~بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد يا نبي الله إني أتوسل بك إلي ربي في حاجتي ~~PageV01P192 ليقضيها اللهم شفعه في ) وذلك أن الله يقول @QB@ من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ وقال تعالي @QB@ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~@QE@ ثم قال تعالي @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ # فأقسم بنفسه علي أنه نفي إيمان من لم يجمع أمرين تحكيمه فيما ms106 شجر بينهم ~~ثم أن لا يجد في نفسه حرجا وهذا يوجب أنه ليس في أمره ونهيه ما يوجب الحرج ~~لمن امتثل ذلك فإن حكمه لا بد فيه من أمر ونهي وإن كان فيه إباحة أيضا فلو ~~كان المأمور به والمنهي عنه مضرة للعبد ومفسدة وألما بلا لذة راجحة لم يكن ~~العبد ملوما علي وجود الحرج فيما هو مضرة له ومفسدة $ علي المؤمن أن يحب ما ~~أحب الله ويبغض ما أبغضه الله ويرضي بما قدره الله # ولهذا لم يتنازع العلماء أن الرضا بما أمر الله به ورسوله واجب محبب لا ~~يجوز كراهة ذلك وسخطه وأن محبة ذلك واجبة بحيث يبغض ما أبغضه الله ~~PageV01P193 ويسخط ما أسخطه الله من المحظور ويحب ما أحبه ويرضي ما رضيه ~~الله من المأمور # وإنما تنازعوا في الرضا بما يقدره الحق من الألم بالمرض والفقر فقيل هو ~~واجب وقيل هو مستحب وهو أرجح والقولان في أصحاب الإمام أحمد وغيرهم وأما ~~الصبر علي ذلك فلا نزاع أنه واجب # وقد قال تعالي في الأول @QB@ ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها ~~رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون @QE@ # فجعل من المنافقين من سخط فيما منعه الله إياه ورسوله وحضهم بأن يرضوا ~~بما آتاهم الله ورسوله والذي آتاه الله ورسوله يتناول ما أباحه دون ما حظره ~~ويدخل في المباح العام ما أوجبه وما أحبه # وإذا كان الصبر على الضراء ونحو ذلك مما أوجبه الله واحبه كما أوجب الشكر ~~على النعماء وأحبه كان كل من الصبر والشكر مما يجب محبته وعمله فيكون ما ~~قدر للمؤمن من سراء معها شكر وضراء معها صبرا خيرا له كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد ~~إلا للمؤمن أن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان ~~PageV01P194 خيرا ) و إذا ms107 له وإذا كان خيرا فالخير هو المنفعة والمصلحة ~~الذي فيه النيعم وال كما تقدم # فيكون كل مقدور قدر للعبد إذا عمل فيه بطاعة الله ورسوله خيرا له وإنما ~~يكون شرا لمن عمل بمعصية الله ورسوله ومثل ذلك فهو بحسبه ونيته بلاء قد ~~يعمل فيه بطاعة الله وقد يعمل فيه بمعصية الله فلا يوصف بواحد من الأمرين $ ~~جميع الحركات ناشئة عن الإرادة والاختيار # $ فصل وإذا كان كل حركة في الوجود فلا تخلو من أن تكون إرادية أو طبعية ~~أو قسرية وتبين أن الطبيعة والقسرية فرع وتبع للإرادية فثبت أن جميع ~~الحركات ناشئة عن الإرادة والاختيار وذلك يبطل أن يضاف خلق شيء من ~~المخلوقات إلي الطبع الذي في الأجسام مثل أن يكون الخالق للأجنة في الأرحام ~~هو طبع أو الخالق للنبات هو طبع لأن الطبع لا يكون مبدءا لحركة PageV01P195 ~~الجسم وانتقال أصله إلا إذا أخرج عن طبعه بغير طبعه كما يجمع بين الأجسام ~~بالمزج والخلط فتنتقل عن مراكزها ومحالها المخالف لمقتضي طبعها وعند ~~التحقيق يعود الطبع إلي أنه ليس فيها سبب للحركة عن حالها وسكونها فيكون ~~الطبع بمنزلة السكون وعدم الحركة أو أمرا وجوديا منافيا للحركة فالحركة ~~الواردة عليها مخالفة له والطبع جمود وهي تنتقل عن إرادة وحركة فعلم بطلان ~~إصابة شيء من الحوادث العرضية عن مجرد الطبع الذي في الموات فكيف بالحوادث ~~الجوهرية # والإرادة والاختيار مستلزمة للحياة والعلم كما أن الحياة أيضا مستلزمة ~~للعلم وللإرادة بل وللإرادة والحركة كما قرر ذلك عثمان بن سعيد وغيره من ~~أئمة السنة PageV01P196 # وكما أن الحركة مستلزمة للإرادة والحياة فالحياة أيضا مستلزمة للحركة ~~والإرادة ولهذا كان أعظم آية في القرآن @QB@ الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم @QE@ فالاسم الحي مستلزم لصفاته وأفعاله وهو من أعظم البراهين ~~العقلية علي ثبوت صفات الكمال والمصحح لها والمستلزم ثبوتها ونفي نقيضها ~~كالعلم والكلام والسمع والبصر وغير ذلك كما هو مبين في موضعه $ فصل # قال الله تعالي @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم ms108 منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في ~~أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم ~~عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون @QE@ PageV01P197 $ أصل الموالاة الحب وأصل المعاداة ~~البغض # وأصل الموالاة هي المحبة كما أن أصل المعاداة البغض فإن التحاب يوجب ~~التقارب والاتفاق والتباغض يوجب التباعد والاختلاف وقد قيل المولي من الولي ~~وهو القرب وهذا يلي هذا أي هو يقرب منه # والعدو من العدواء وهو البعد ومنه العدوة والشيء إذا ولي الشيء ودنا منه ~~وقرب إليه اتصل به كما أنه إذا عدي عنه ونأي عنه وبعد منه كان ماضيا عنه # فأولياء الله ضد أعدائه يقربهم منه ويدنيهم إليه ويتولاهم ويتولونه ~~ويحبهم ويرحمهم ويكون عليهم منه صلاة وأعداؤه يبعدهم ويلعنهم وهو إبعاد منه ~~ومن رحمته ويبغضهم ويغضب عليهم وهذا شأن المتوالين والمتعادين فالصلاة ضد ~~اللعنة والرحمة والرضوان ضد الغضب والسخط والعذاب ضد النعيم # قال تعالي في حق الصابرين @QB@ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك ~~هم المهتدون @QE@ PageV01P198 # وقال تعالي في حق المنافقين @QB@ عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ~~ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا @QE@ # وقال تعالي في حق المجاهدين @QB@ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم ~~فيها نعيم مقيم @QE@ # وقال تعالي في قاتل المؤمن متعمدا @QB@ فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما @QE@ # والمتلاعنان يقول الرجل في الخامسة @QB@ أن لعنة الله عليه إن كان من ~~الكاذبين ms109 @QE@ وذلك يكون قاذفا وقد قال تعالي @QB@ إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم @QE@ وتقول ~~المرأة في الخامسة @QB@ أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين @QE@ لأنه ~~إذا كان صادقا كانت زانية فاستحقت الغضب الذي هو ضد الرحمة ولهذا قال تعالي ~~@QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما ~~رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر @QE@ فنهي عن الرأفة ~~بهما في دين الله # والمؤمن يغار والله يغار وغيرة الله أعظم كما قد استفاض عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الصحيح من غير وجه أنه قال لا أحد أغير من الله من أجل ~~ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن PageV01P199 وفي بعض الأحاديث الصحاح ~~لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته وفي بعضها إن الله يغار ~~وغيرته أن يأتي العبد ما حرم عليه # والغيرة فيها من البغض والغضب ما يدفع به الإنسان ما غار منه فالزنا وإن ~~كان صادرا عن الشهوة والمحبة منهما أو من أحدهما فإن ذلك مقابل بضرورة ~~التنزه عن الفواحش والتورع عن المحرمات فأمر الله أن PageV01P200 لا تأخذنا ~~بهما رأفة في دين الله فنهانا عن أن تكون منا رأفة تدفع العذاب عنهما فضلا ~~عن أن يكون محبة لذلك الفعل ولهذا أخبرنا به بأنه لا يحب ذلك أصلا فقال ~~تعالى @QB@ إن الله لا يأمر بالفحشاء @QE@ وما لا يأمر به لا أمر إيجاب ولا ~~أمر استحباب لا يحبه قال لوط عليه السلام @QB@ إني لعملكم من القالين @QE@ ~~والقلي بغضه وهجره والأنبياء أولياء الله يحبون ما يحب الله ويبغضون ما ~~يبغض # وربما قيل القلي أشد البغض فالله سبحانه يبغض ذلك وهو سبحانه يبغض كل ما ~~نهي عنه كما أنه يحب كل ما أمر به بل الغيرة مستلزمة لقوة البغض إذ كل من ~~يغار يبغض ما غار منه وليس كل من يبغض شيئا يغار منه فالغيرة أحض وأقوي # ولا ريب أن المرأة المزوجة الزانية استحقت الغضب ms110 لشيئين لأجل ما في الزنا ~~من التحريم ولأنها اعتدت فيه على الزوج فأفسدت فراشة ولهذا كان للزوج إذا ~~قذف امرأته ولم يأت بأربعة شهداء أن يلاعنها لما له في ذلك من الحق ولأنه ~~مظلوم إذا كان صادقا وعليه في زناها من الضرر ما يحتاج إلي PageV01P201 ~~دفعه بما شرعه الله كالمقذوف الذي له أن يستوفي حد القذف من القاذف الذي ~~ظلمه في عرضه فكذلك الزوج له أن يستوفي حد الفاحشة من البغي الظالمة له ~~المعتدية عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق الرجل على امرأته ~~وأن لا يوطئن فرشكم من تكرهونه فلهذا كان له أن يقذفها ابتداء وقذفها إما ~~مباح له وأما واجب عليه إذا احتاج إليه لنفي النسب ويضطرها بذلك إلى أحد ~~أمرين إما أن تعترف فيقام عليها الحد فيكون قد استوفي حقه وتطهرت هي أيضا ~~من الجزاء لها والنكال في الآخرة بما حصل وإما أن تبوء بغضب الله عليها ~~وعقابه في الآخرة الذي هو أعظم من عقاب الدنيا فإن الزوج مظلوم معها ~~والمظلوم له استيفاء حقه إما في الدنيا وإما في الآخرة قال الله تعالى ~~PageV01P202 @QB@ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم @QE@ بخلاف ~~غير الزوج فإنه ليس له حق الافتراش فليس له قذفها ولا أن يلاعن إذا قذفها ~~لأنه غير محتاج إلى ذلك مثل الزوج ولا هو مظلموم في فراشها لكن يحصل ~~بالفاحشة من ظلم غير الزوج ما لا يحتاج إلى اللعان فإن في الفاحشة إلحاق ~~عار بالأهل والعار يحصل بمقدمات الفاحشة # فإذا لم تكن الفاحشة معلومة بإقرار ولا بينة كان عقوبة ما ظهر منها كافيا ~~في استيفاء الحق مثل الخلوة والنظر ونحو ذلك من الأسباب التي نهي الله عنها ~~وهذا من محاسن الشريعة # وكذلك كثيرا ما يقترن بالفواحش من ظلم غير الزانيين فإن إذا حصل بينهما ~~محبة ومودة فاحشة كان ذلك موجبا لتعونهما على أغراضهما فيبقى كل منهما يعين ~~الآخر على أغراضه التي يكون فيها ظلم الناس فيحصل العدوان والظلم للناس ~~بسبب ms111 اشتراكهما في القبيح وتعاونهما بذلك على الظلم كما جرت العادة في ~~البغي من النساء والصبيان أن خدنه أو المسافح به يحصل له منه من الإكرام ~~والعطاء والنصر والمعاونة ما يوجب استطالة ذلك الفاجر بترك حقوق الخلق ~~والعدوان عليهم PageV01P203 # وأيضا فإن محبته له قد تحمل الطالب الراغب على أخذ أموال الناس بغير حق ~~ليعطيه ذلك وتحمله أيضا على ترك حقوق الناس وقطيعة رحمه لأجل ذلك الشخص ~~فإنه لا يمكن الجمع بين الأمرين ويحمله أيضا على الانتصار له بالعدوان # ففي الجملة المحبة توجب موافقة المحب للمحبوب فإذا كانت المحبة فاسدة لا ~~يحبها الله ولا يرضاها إذا لم يتعد ضررها للاثنين تكون العقوبة لهما حقا ~~لله لكن هي في الغالب بل في اللازم يتعدى ضررها إلى الناس فإن كل واحد من ~~الشخصين عليه حقوق للناس وهو ينهى عن العدوان عليهم فإذا تحابا وتعاونا لم ~~يتمكن كل منهما من القيام بحقوق الناس واحتاج إلى أن يعتدي عليهم # ولا ينبغي للإنسان أن يعتبر بظاهر ما يقال إن الإنسان إذا فعل فاحشة فإن ~~الإثم عليه خاصة وليس ذلك بظلم للغير فإن ذلك إنما هو في الفاحشة المحضة ~~مثل الزنا المحض الذي لم يتعلق به حق الغير فإما زنا الزوجة ففيه ظلم ~~بالاتفاق كما بيناه # وكذلك المحبة والعشق الفاسد فإن هذا أعظم ضررا من الزنا مرة واحدة ~~PageV01P204 فإن الرجل إذا زنا مرة أو مرتين حصل غرضه وكذلك المرأة ثم إنه ~~قد يكون بعوض من أحدهما للآخر وقد لا يكون فربما كان فيه ظلم للغير # وأما المحبة والعشق فإن ذلك مستلزم للعدوان على غيرهما في العادة فإن ~~المحبة توجب أن يعطي المحبوب من المنافع والأموال ما يوجب حرمان الغير ~~والعدوان عليه ويوجب من الانتصار للمحبوب والدفع عنه ما فيه أيضا ترك حق ~~الغير والعدوان عليه ألا تري أن الرجل إذا أحب غير امرأته أو المرأة إذا ~~أحبت غير زوجها قصر كل منهما في حقوق الآخر واعتدي عليه بل إذا أحب الرجل ~~امرأة أو صبيا قصر في حقوق أهله ms112 وأصدقائه ممن له عليه حق بل وظلمهم أيضا ~~كما يظلم غيرهم لأجله وهذا سوى ما في ذلك من حق الله الذي يوجب غليظ عقابه ~~وإن كان الرجل العاقل قد يقوم من الحقوق بما يمكن ويدع الظلم بحسب الإمكان ~~إلا أن هذا مظنة وسبب لذلك وهذا مما يوجب تحير الرجل وتردده وتلومه إلى ~~الحق تارة وإلى الباطل أخرى وهذا مرض عظيم كما ذكر الله تعالى ذلك في قوله ~~@QB@ فيطمع الذي في قلبه مرض @QE@ وأما ما في ذلك من ظلم كل منهما لنفسه ~~ولخدنه فذاك ظاهر لكنهما ظلما أنفسهما فهما الظالمان المظلومان وأما الغير ~~فظلماه بغير رضاه ولا اختياره # وكذلك ما تفضي إليه هذه المحبة الباطلة من ظلم كل منهما للآخر إما بقتله ~~وإما بتعذيبه بغير الحق وإما منعه من الاتصال بالناس وفعل ما يختار ~~PageV01P205 من مصلحة وغيرها ففيها هذه المفاسد كلها وأكبر منها لكن ذلك ~~ظلم منهما لأنفسهما مبدؤه المحبه الفاسدة # ولهذا أمر سبحانه أن لا تأخذنا بهما رأفه في دين الله فإن الرأفة والرحمة ~~توجب أن توصل للمرحوم ما ينفعه وتدفع عنه ما يضره وإذا رأف بهما أحد لأجل ~~ما في قلوبهما من الشهوة والمحبة وغير ذلك وترك عذابهما كان ذلك جالبا لما ~~يضرهما ودافعا لما ينفعهما فإن ذلك مرض في قلوبهما والمريض الذي يشتهي ما ~~يضره ليس دواؤه إعطاءه المشتهي الضار بل دواؤه الحمية وإن آلمته وإعطاؤه ما ~~ينفعه وتعويضه عن ذلك الضار بما أمر مما لا يضر # فهكذا أهل الشهوات الفاسدة وإن أضرمت قلوبهم نار الشهوة ليس رحمتهم ~~والرأفة بهم تمكينهم من ذلك أو ترك عذابهم فإن ذلك يزيد PageV01P206 بلاءهم ~~وعذابهم والحرارة التي في قلوبهم مثل حرارة المحموم متي مكن المحموم مما ~~يضره ازداد مرضه أو انتقل إلي مرض شر منه # فهذه حال أهل الشهوات بل تدفع تلك الشهوة الحلوة بضدها والمنع من ~~موجباتها ومقابلتها بالضد من العذاب المؤلم ونحوه الذي يخرج المحبة من ~~القلب كما قيل % فإني رأيت الحب في القلب والأذى % إذا اجتمعا لم يلبث الحب ms113 ~~يذهب % # فإذا كان يحصل بالمحبة ونيل الشهوة أمر مما يزيد ألمه علي لذتها انكفت ~~النفس وكذلك إذا حصل بدله أمر لذيذ أطيب منه اغتاظت النفس فاللذيذ يترك لما ~~يرجح عليه من لذيذ وأليم كما أن الأليم محتمل لما يرجح عليه من لذيذ وأليم ~~وإذا تكافئا تقابلا فلم يغلب أحدهما الآخر بل تبقي الأمور علي ما هو عليه ~~إذا استوت الدواعي والصوارف واحتمال الأليم وفوت اللذيذ وإن كان فيه مرارة ~~فذلك يدفع به ما هو أمر منه ويجلب به ما هو أرجح منه من الحلو # ولكن هذا من محبة بني آدم وفتنتهم التي لا بد منها وهي محالفة الأهواء ~~فلا تقوم مصلحة أحد من بني آدم بدون ذلك أبدا لا مصلحة دنياه ولا مصلحة ~~دينه كما قال إبراهيم الحربي أجمع عقلاء كل أمة علي أن النعيم لا يدرك ~~بالنعيم ولا بد من الصبر في جميع الأمور قال تعالي @QB@ والعصر إن الإنسان ~~لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ~~@QE@ PageV01P207 # فلا بد من التواصي بالحق والصبر إذ أن أهل الفساد والباطل لا يقوم باطلهم ~~إلا بصبر عليه أيضا لكن المؤمنون يتواصون بالحق والصبر وأولئك يتواصون ~~بالصبر علي باطلهم كما قال قائلهم @QB@ أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا ~~لشيء يراد @QE@ # فالتواصي بالحق بدون الصبر كما يفعله الذين يقولون آمنا بالله فإذا أوذي ~~أحدهم في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله والذين يعبدون الله علي حرف فإن ~~أصاب أحدهم خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب علي وجهه خسر الدنيا ~~والآخرة # والتواصي بالصبر بدون الحق كقول الذين قالوا أن امشوا واصبروا علي آلهتكم ~~كلاهما موجب للخسران وإنما نجا من الخسران الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وهذا موجود في كل من خرج عن هؤلاء من أهل ~~الشهوات الفاسدة وأهل الشبهات الفاسدة أهل الفجور وأهل البدع # وما ذكرناه من أن المحبة الفاسدة توجب ظلم المتحابين لأنفسهما ~~PageV01P208 ولغيرهما موجود في كل محبة يبغضها الله كمحبة الأنداد والشركاء ~~من دونه قال ms114 تعالي @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ وقال تعالي @QB@ وأشربوا في قلوبهم ~~العجل بكفرهم @QE@ وكمحبة أهل الشهوات لجنس الفواحش ومحبة أهل الظلم ~~والقائلين علي الله ما لا يعلمون فإن المحبة توجب تعاون المتحابين ~~واتفاقهما فلا بد أن يبغضا ويعاديا من يبغض ذلك منهما ويخالفهم فيه # ومعلوم أن كل مؤمن فإنه يبغض ما يبغضه الله ويحب ما يحبه الله فلا بد أن ~~يكون التحاب الذي يبغضه الله موجبا لنوع بغض المؤمنين بحسبه # | تقسيم العلم إلي فعلي وانفعالي # فصل # قد كتبت في غير هذا الموضع أن الناس وإن تنازعوا في العلم هل هو صفة ~~إنفعالية تابعة للمعلوم كما قد يطلقه كثير من أهل الكلام أو هو صفة فعلية ~~مؤثرة في المعلوم كما يقوله طوائف من المتفلسفة # فإن الصواب أنه ينقسم إلي النوعين جميعا فمنه ما هو تابع للمعلوم غير ~~مؤثر فيه بحال وهو العلم النظري القولي الخبري المحض كعلمنا بما لا تأثير ~~لنا في وجوده كالعلم بالخالق سبحانه وتعالي وملائكته وكتبه وأنبيائه وسائر ~~مخلوقاته # ومنه ما هو فعلي له تأثير في المعلوم كعلمنا بأفعالنا الاختيارية وما ~~يترتب عليها من حصول منفعة ودفع مضرة PageV01P209 # وهذا التقسيم ثابت في علم الله تعالي فإنه يعلم نفسه ويعلم مخلوقاته أيضا ~~والأول علم بموجود والثاني علم بمقصود # لكن العلم بالموجود المستغني عن أفعالنا يتبع العلم به حبه تارة وبغضه ~~أخري فيكون العلم به سببا لأفعال لنا متعلقة به فيكون هذا العلم الانفعالي ~~فعليا مؤثرا من هذا الوجه وعلمنا بالحسنات والسيئات التي في أفعال غيرنا من ~~هذا الوجه $ علم الرب بأفعال عباده الصالحة والسيئة يستلزم حبه للحسنات ~~وبغضه للسيئات # وعلم الرب سبحانه بأفعال عباده الصالحة والسيئة مستلزم أيضا حبه للحسنات ~~وبغضه للسيئات والعلم بالمقصود من أفعالنا وإن كان مؤثرا في المعلوم وهو ~~سبب في حصوله فلا يكون إلا بعد علم بأمور موجودة أوجب قصدا أو اختيارا لتلك ~~الأفعال فإن الفعل الاختياري يتبع الإرادة والإرادة تتبع المراد فلا بد ms115 أن ~~يتصور الفاعل المراد قبل قصد الفعل الذي هو سبب إليه كما يقال آخر الفكرة ~~أول العمل وتسمي العلة الغائية فلا بد من تصور ذلك المراد وأن يكون ما ~~يترتب علي الفعل من لذة تجلب منفعة وتدفع مضرة فاللذة مشروطة بالإحساس ~~باللذيذ والإنسان لا يفعل ابتداء لطلب لذيذ إلا أن يكون قد أحسه قبل ذلك ~~فأحبه واشتهاه واشتاق إليه وذلك علم بأمر موجود تابع للمعلوم تبعه علم بأمر ~~مقصود تابع للعلم وإن كانت اللذة PageV01P210 قد تحصل ابتداء لا عن شوق كمن ~~يذوق الشيء الطيب الذي لم يكن يعرفه فيحبه بعد ذلك لكن هذا لم يتقدم منه ~~طلب وفعل في حصول هذا المحبوب بخلاف من ذاقه ابتداء فأحبه ثم سعي في تحصيل ~~نظائر ما حصل له ابتداء # فقد تبين أن كلا العلمين الفعلي والانفعالي مستلزم للآخر وكذلك علم الرب ~~سبحانه وتعالي بنفسه مستلزم لعلمه بصفاته وافعاله ومفعولاته وهو سبحانه ~~يحمد نفسه ويثني عليها فلا نحصي ثناء عليه بل هو كما أثني علي نفسه وعلمه ~~بأفعاله ومفعولا ته مستلزم لعلمه بنفسه وعلمه بالمخلوقات وأفعالها يتبعه ~~حبه وبغضه وأمره ونهيه وعلمه بما يفعله بعباده من ثواب وعقاب وغير ذلك تابع ~~لعلمه بما هي عليه وقد تكلمنا علي نحو هذا في غير هذا الموضع # وإنما المقصود في هذا المكان أن هذا التقسيم الوارد في العلم يرد نحوه في ~~الإرادة والمحبة ونحو ذلك $ الإرادة والمحبة ينقسمان أيضا إلي فعليتين ~~وانفعاليتين # فإن الإرادة والمحبة تنقسم أيضا إلي فعلية مؤثرة في المراد المحبوب وهي ~~إرادة الفعل وحبه وإن كان المراد المحبوب تابعا مفعولا معدوما وقد ظن بعض ~~الناس أن الإرادة والمحبة ليست إلا هذا النوع حتي قال لا تتعلق الإرادة ~~والمحبة إلا بالمعدوم دون الموجود وبالمحدث دون القديم وهذا قول طوائف من ~~أهل الكلام وأكثر هؤلاء هم أكثر القائلين بأن العلم لا يكون إلا انفعاليا ~~PageV01P211 فيجعلون العلم لا يتعلق في الحقيقة إلا بمعلوم متبوع كالموجود ~~ويجعلون الإرادة لاتتعلق إلا بمراد تابع كالمفعول المعدوم # وتنقسم إلي انفعاليه تابعه ms116 للمراد المحبوب ليست مؤثرة في وجوده أصلا بل ~~يكون المحبوب المراد موجودا بدون الإرادة وإنما يحب المحب ذلك الموجود ~~ويريده ويقال في كثير من أنواع ذلك يهواه ويعشقه ونحو ذلك من العبارات # وهذا القسم في الحقيقة هو الأصل في القسم الأول كما قد تكلمنا عليه في ~~بعض القواعد المتقدمة من سنين وذكرنا أن العلم والإرادة إنما يتعلق أولا ~~بالموجود وأن تعلقه بالمعدوم تابع لتعلقه بالموجود وذكرنا أن الإنسان لا ~~يحب الشيء ويريده حتى يكون له به شعور أو إحساس أو معرفة ونحو ذلك ويكون مع ~~ذلك بنفسه إليه ميل وفيها له حب وكل واحد من هاتين الفرقتين في فطرته ~~وجبلته المعرفة والمحبة ولهذا كان كل مولود يولد علي الفطرة فطرة الإسلام ~~وهي عبادة الله وحده وأصل ذلك معرفته ومحبته والنفس لا تحس العدم المحض ~~وإنما تعرف العدم بنوع من القياس المقدر علي الوجود كما يقدر في نفسه جبل ~~ياقوت وبحر زئبق فنزل ذلك مما علمه من الجبل ومن الياقوت ثم ينفي ~~PageV01P212 ذلك المقدر في ذهنه أن يكون موجودا في الخارج وهو لم يحكم علي ~~نفيه حتى صار موجودا في نفسه وجودا تقديريا $ الحب يتبع الإحساس والإحساس ~~يكون بموجود لا بمعدوم # فإذا كان الحب يتبع الإحساس والإحساس لا يكون إلا بموجود ما فإن ما يحب ~~لا يكون إلا بموجود وأيضا فإن الإحساس لا يكون أولا إلا لموجود فكذلك الحب ~~في نفسه لا يكون إلا لموجود أو محبوب وإن كان يحب وجود المعدوم فهو لاشيء ~~وما ليس بشيء لا يكون محبوبا وإن كان يحب وجود المعدوم ويريده فلا بد أن ~~يكون قبل ذلك قد ذاقه والتذ به موجودا حتى أحبه بعد ذلك أو ذاق والتذ ~~بنظيره أو بما يشبهه كما ذلك في العلم وهذا مذكور في غير هذا الموضع # ولايرد علي هذا ما يوجد من بكاء الصبي حين يولد قبل أن يذوق طعم اللبن ~~فإذا ذاق اللبن التذ به وسكن فإن الصبي قبل ذوقه اللبن لم يكن يحبه ويشتهيه ~~ولكن يجد ألم ms117 الجوع فيبكي من ذلك الألم فلما ذاق اللبن ووجد لذته وأنه أذهب ~~ألم الجوع أحبه من حينئذ صار يشتهيه ويحبه وهكذا كل PageV01P213 من جاع ~~فإنه لا يشتهي شيئا معينا إلا أن يكون ذاقه قبل ذلك ولكن يجد طلبا لما يزيل ~~به ألم الجوع ولهذا إذا حضر عنده ماقد ذاقه قبل ذلك ومالم يذقه قبل ذلك ~~اشتاق إلي الأول وأحبه وكان شوقه إلي الثاني ومحبته إياه مشروطا بذوقه إياه ~~وسماع وصفه ممن يخبره فإن سماع الوصف يورث المحبة والشوق كما يورث العلم ~~كما قيل والأذن تعشق قبل العين أحيانا # لكون النفس ذاقت طعم الحب لما هو من نظير لذلك أو شبيه به ولو من وجه ~~بعيد فكما أن الشيء لا يتصور إلا بعد الحس به أو بما فيه شبه به من بعض ~~الوجوه فكذلك لا يحب كذلك $ الأمور الغائبة لا تعرف ولا تحب وتبغض إلا بنوع ~~من القياس والتمثيل # ولهذا ضربت الأمثال للتعريف والترغيب والترهيب فإن الأمور الغائبة عن ~~المشاهدة والإحساس لا تعرف وتحب وتبغض إلا بنوع من التمثيل والقياس سواء ~~كان الغائب أكمل في الصفات المطلوبة المشتركة كالموعود به من أمر الجنة ~~والنار وكما يصف به الرب نفسه سبحانه وتعالي أو ما كان دون ذلك كما مثل من ~~الأمور بما هو أكمل منه # ومن هنا ضل من ضل من الصابئة المتفلسفة ومن أضلوه من أهل الملل حيث ظنوا ~~أن ما وصف الله به من الجنة والنار إنما هي أمثال مضروبة لتفهيم المعاد ~~الروحاني من غير أن تكون حقائق وضل من رد عليهم من نفاة أهل الكلام كما ~~PageV01P214 أصاب الفريقين مثل ذلك في أمر النفس الناطقة حيث تقابلوا ~~بالنفي والإثبات وحيث اتفق الفريقان علي مثل هذا الضلال في صفات ذي الجلال ~~فخاضوا في باب الإيمان بالله واليوم الآخر خوضا ليس هذا موضع بسط الكلام ~~فيه وإن كان كل ذي مقالة فلا بد أن تكون في مقالته شبهة من الحق ولولا ذلك ~~لما راجت واشتبهت # وإن كانت الإرادة والمحبة تنقسم إلي متبوعة ms118 للمراد تكون له كالسبب الفاعل ~~وإلي تابعة للمراد يكون هو لها كالسبب الفاعل وتكون عنه كالمسبب المفعول ~~وهذا هو الأصل # وإذا علم أن جميع حركات العالم صادرة عن محبة وإرادة ولا بد للمحبة ~~والإرادة من سبب فاعل يكون هو المحبوب المراد علم بذلك أنه لا بد لجميع ~~الحركات من إله يكون المعبود المقصود المراد المحبوب لها وأنها دالة علي ~~الإله الحق من هذا الوجه وأنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وهذا غير ~~هذا الوجه الذي دلت منه علي ربوبيته وقد بسطنا الكلام علي ذلك في مواضع ~~متعددة إذ هو أجل العلم الإلاهي وأشرفه وإنما كان المقصود هنا التنبيه علب ~~أن الإرادة نوعان كالعلم والله أعلم PageV01P215 ms119