######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011289 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قاعدة في المحبة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011289 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11289 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11289 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد رشاد سالم #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # قاعدة في المحبة # تأليف: شيخ الإسلام ابن تيمية # تحقيق: محمد رشاد سالم # بسم الله الرحمن الرحيم على الله توكلي ### | فصل في الحب والبغض # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله ~~وعلى آله وصحبه وسلم تسليما # أما بعد فهذه قاعدة عظيمة في المحبة وما يتعلق بها من جمع الإمام العلامة ~~شيخ الإسلام بركة الأنام بقية السلف الكرام أبى العباس أحمد بن الشيخ شهاب ~~الدين عبد الحليم بن الشيح مجد الدين أبى البركات عبد السلام ابن تيمية رضي ~~الله عنه وأرضاه # قال رضي الله عنه: فصل في الحب والبغض والمحمود من ذلك والمذموم وأصل كل ~~فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة فهو أصل كل فعل ومبدؤه كما أن البغض ~~والكراهة مانع وصاد لكل ما انعقد بسببه ومادته فهو أصل كل ترك إذا فسر ~~الترك بالأمر الوجودي كما يفسره بذلك أكثر أهل النظر # وإذا عني بالترك مجرد عدم الفعل فعدم الفعل تارة يكون لعدم مقتضيه من ~~المحبة والإرادة ولوازمهما وقد يكون لوجود مانعه من البغض والكراهة وغيرهما # PageV01P007 # فأما وجود الفعل فلا يكون إلا عن محبة وإرادة حتى دفعه للأمور التي ~~يكرهها ويبغضها هو لما في ذلك من المحبوب أو اللذة يجدها بالدفع فيقال شفى ~~صدره وقلبه والشفاء والعافية بمحبوب # والمحبة والإرادة تكون إما بواسطة وإما بغير واسطة مثل فعله للأشياء التي ~~يكرهها كشرب الدواء والمكروه وفعل الأشياء المخالفة لهواه وصبره ونحو ذلك # فإن هذه الأمور وإن كانت مكروهة من بعض الوجوه فإنما يفعل أيضا لمحبة ~~وإرادة وإن لم تكن المحبة لنفسها بل المحبة لملازمها فإنه يحب العافية ~~والصحة المستلزمة لإرادة شرب الدواء ويحب رحمة الله ونجاته من عذابه ~~المستلزم لإرادة ترك ما يهواه كما قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى} فلا يترك ms001 الحي ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه لكن ~~يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة كما يفعل ما يكرهه لما محبته أقوي من ~~كراهة ذلك وكما يترك ما يحبه لما كراهته أقوي من محبة ذلك # ولهذا كانت المحبة والإرادة أصلا للبغض والكراهة وعلة لها ولازما مستلزما ~~لها من غير علة # وفعل البغض في العالم إنما هو لمنافاة المحبوب ولولا وجود المحبوب لم يكن ~~البغض بخلاف الحب للشيء فإنه قد يكون لنفسه لا لأجل منافاته للبغض وبغض ~~الإنسان وغضبه مما يضاد وجود محبوبه ومانع ومستلزم لا يكره عليه ونجد قوة ~~البغض للنافي أشد وأحوط # PageV01P008 # ولهذا كان رأس الإيمان الحب في الله والبغض في الله وكان من أحب لله ~~وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان # فالمحبة والإرادة أصل في وجود البغض والكراهة والأصل في زوال البغيض ~~المكروه فلا يوجد البغض إلا لمحبة ولا يزول البغيض إلا لمحبة # فالمحبة أصل كل أمر موجود وأصل دفع كل ما يطلب الوجود ودفع ما يطلب ~~الوجود أمر موجود لكنه مانع من وجود ضده فهو أصل كل موجود من بغيض ومانع ~~ولوازمهما # وهذا القدر الذي ذكرناه من أن المحبة والإرادة أصل كل حركة في العالم فقد ~~بينا في القواعد وغيرها أن هذا يندرج فيه كل حركة وعمل فإن ما في الأجسام ~~من حركه طبعية فإنما أصلها السكون فإنه إذا خرجت عن مستقرها كانت بطبعها ~~تطلب مستقرها وما فيها من حركة قسرية فأصلها من القاسر القاهر فلم تبق حركة ~~اختيارية إلا عن الإرادة # والحركات إما إرادية وإما طبعية وإما قسرية لأن الفاعل المتحرك إن كان له ~~شعور بها فهي الإرادية وإن لم يكن له شعور فإن كانت على وفق طبع المتحرك ~~فهي الطبعية وإن كانت على خلاف ذلك فهي القسرية # وبينا أن ما السموات والأرض وما بينهما من حركة الأفلاك والشمس والقمر ~~والنجوم وحركة الرياح والسحاب والمطر والنبات وغير ذلك فإنما هو بملائكة ~~الله تعالى الموكلة بالسموات والأرض الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون # PageV01P009 ### | المحبة ms002 التي أمر الله بها هي عبادته وحده # ... # كما قال تعالى: {فالمدبرات أمرا} {فالمقسمات أمرا} وكما دل الكتاب والسنة ~~على أصناف الملائكة وتوكلهم بأصناف المخلوقات # ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره فليس لهم من الأمر شيء بل كم ~~من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضي {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما ~~كان ربك نسيا. رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل ~~تعلم له سميا} وإذا كان كذلك فجميع تلك المحبات والإرادات والأفعال ~~والحركات هي عبادة لله رب الأرض والسموات كما قد بيناه في غير هذا الموضع # وإذا كان كذلك فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها وخلق خلقه لأجلها ~~هي ما في عبادته وحده لا شريك له إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل. # والمحبة لما كانت جنسا لأنواع متفاوتة في القدر والوصف كان أغلب ما يذكر ~~منها في حق الله ما يختص به ويليق به مثل العبادة والإنابة ونحوهما فإن ~~العبادة لا تصلح إلا لله وحده وكذلك الإنابة # وقد تذكر المحبة المطلقة لكن تقع فيها الشركة كما قال تعالى: {ومن # PageV01P010 # الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله} # ولهذا كان هذا الحب أعظم الأقسام المذمومة في المحبة كما أن حب الله أعظم ~~الأنواع المحمودة بل عبادة الله وحده لا شريك له هي أصل السعادة ورأسها ~~التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها وعبادة إله آخر من دونه هو أصل الشقاء ~~ورأسه الذي لا يبقي في العذاب إلا أهله # فأهل التوحيد الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يبقي منهم في ~~العذاب أحد والذين اتخذوا من دونه أندادا يحبونهم كحبه وعبدوا غيره هم أهل ~~الشرك الذين قال الله تعالى فيهم {إن الله لا يغفر أن يشرك به} # وجماع القرآن هو الأمر بتلك المحبة ولوازمها والنهي عن هذه المحبات ms003 ~~ولوازمها وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين وذكر قصص أهل النوعين # وأصل دعوة جميع المرسلين 0 قولهم {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} وعلى ~~ذلك قاتل من قاتل منهم المشركين كما قال خاتم الرسل: "أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" , قال الله تعالى {شرع ~~لكم # PageV01P011 # من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} . # ولهذا قال في الحديث المتفق عليه في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان" وفي رواية في الصحيح: "لا يجد ~~طعم الإيمان إلا من كان فيه ثلاث أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ~~وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه ~~الله كما يكره أن يلقي في النار" # وفي الصحيح عن أنس أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي ~~بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" # وفي صحيح البخاري أن عمر قال يا رسول الله: "والله لأنت أحب إلى من كل ~~شيء إلا من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من # PageV01P012 # نفسك قال فو الذي بعثك بالحق لأنت أحب إلى من نفسي قال الآن يا عمر". # ولهذا ورد في فضل هذه الكلمة شهادة أن لا إله إلا الله من الدلائل ما ~~يضيق هذا الموضع عن ذكره وهى أفضل الكلام وما فيها من العلم والمحبة أفضل ~~العلوم والمحبات كالحديث الذي في السنن أفضل الذكر لا إله ألا الله # والآية المتضمنة لها أعظم آية في القرآن كما في صحيح مسلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لأبى بن كعب: "يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله ~~أعظم ms004 قال {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قال فضرب بيده صدري وقال ليهنك ~~العلم أبا المنذر". # وإذا كانت كل حركة فأصلها الحب والإرادة من محبوب مراد لنفسه # PageV01P013 # لا يحب لغيره إذ لو كان كل شيء محبوبا لغيره لزم الدور أو التسلسل والشيء ~~قد يحب من وجه دون وجه وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده ولا ~~تصلح الإلهية إلا له ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. # والإلهية المذكورة في كتاب الله هي العبادة والتأله ومن لوازم ذلك أن ~~يكون هو الرب الخالق وأما ما يظنه طوائف من أهل الكلام أن الألوهية هي نفس ~~الربوبية وأن ما ذكر في القرآن من نفي إله آخر والأمثال المضروبة البينة ~~فالمقصود به نفي رب يشركه في خلق العالم كما هو عادتهم في كتب الكلام فهذا ~~قصور وتقصير منهم في فهم القرآن وما فيه من الحجج والأمثال أتوا فيه من جهة ~~أن مبلغ علمهم هو ما سلكوه من الطريقة الكلامية فاعتقدوا أن المقصودين واحد ~~وليس كذلك بل القرآن ينفي أن يعبد غير الله أو أن يتخذه إلها فيحبه ويخضع ~~له محبة الإله وخضوعه كما بينت ذلك عامة آيات القرآن مثل قوله تعالى {ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا} ولهذا قال الخليل {لا أحب الآفلين} # ومن المعلوم أن كل حي فله إرادة وعمل بحسبه وكل متحرك فأصل حركته المحبة ~~والإرادة ولا صلاح للموجودات إلا أن يكون كمال محبتها وحركتها لله تعالى ~~كما لا وجود لها إلا أن يبدعها الله # PageV01P014 # ولهذا قال تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ولم يقل لعدمتا إذ ~~هو قادر على أن يبقيها على وجهة الفساد لكن لا يمكن أن تكون صالحة إلا أن ~~يعبد الله وحده لا شريك له فإن صلاح الحي إنما هو صلاح مقصوده ومراده وصلاح ~~الأعمال والحركات بصلاح إرادتها ونياتها # ولهذا كان من أجمع الكلام وأبلغه قوله: "إنما الإعمال بالنيات وإنما لكل ~~امرئ ما نوى" وهذا يعم كل عمل وكل ms005 نية # فكل عمل في العالم هو بحسب نية صاحبه وليس للعامل إلا ما نواه وقصده ~~وأحبه وأراده بعمله ليس في ذلك تخصيص ولا تقييد كما يظنه طوائف من الناس ~~حيث يحسبون أن النية المراد به النية الشرعية المأمور بها فيحتاجون أن ~~يحصروا الأعمال بالأعمال الشرعية فإن النية موجودة لكل متحرك كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "أصدق الأسماء الحارث وهمام" فالحارث ~~هو العامل الكاسب والهمام هو القاصد المريد وكل إنسان متحرك بإرادته حارث ~~همام # PageV01P015 # كما بينا أن المحبة والإرادة أصل كل عمل فكل عمل في العالم فعن إرادة ~~ومحبة صدر # ولهذا كانت المحبة والإرادة منقسمة إلى محبوب لله وغير محبوب كما أن ~~العمل والحركة منقسم كذلك # وإذا كان كذلك فالمحبة لها آثار وتوابع سواء كانت صالحة محمودة نافعة أو ~~كانت غير ذلك لها وجد وحلاوة وذوق ووصال وصدود ولها سرور وحزن وبكاء # والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو ~~السعادة والضارة هي التي تجلب لصاحبها ما يضره وهو الشقاء # ومعلوم أن الحي العالم لا يختار أن يحب ما يضره لكن يكون ذلك عن جهل وظلم ~~فإن النفس قد تهوي ما يضرها ولا ينفعها وذلك ظلم منها لها وقد تكون جاهلة ~~بحالها به بأن تهوي الشيء وتحبه بلا علم منها بما في محبته من المنفعة ~~والمضرة وتتبع هواها وهذا حال من اتبع هواه بغير علم # وقد يكون عن اعتقاد فاسد وهو حال من اتبع الظن وما تهوي نفسه وكل ذلك من ~~أمور الجاهلية وإن كان كل من جهلها وظلمها لا يكاد يخلو عن شبهة يشتبه بها ~~الحق وشهوه هي في الأصل محمودة إذا وضعت في محلها كحال الذي يحب لقاء قريبه ~~فإن هذا محمود وهو أصل صلة الرحم التي هي شجنة من الرحمن # PageV01P016 # لكن إذا اتبع هواه حتى خرج عن العدل بين ذوي القربى وغيرهم كان هذا ظلما ~~كما قال تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} وقال تعالى: {كونوا ~~قوامين ms006 بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} # وكذلك الذي يحب الطعام والشراب والنساء فإن هذا محمود وبه يصلح حال بني ~~آدم ولولا ذلك لما استقامت نفس الأنساب ولا وجدت الذرية ولكن يجب العدل ~~والقصد في ذلك كما قال تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} وكما قال تعالى: ~~{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك ~~فأولئك هم العادون} # فإذا تجاوز حد العدل وهو المشروع صار ظالما عاديا بحسب ظلمه وعدوانه # وقد ذكرنا في مواضع أن المشروع والنافع والصالح والعدل والحق والحسن ~~أسماء متكافئة مسماها واحد بالذات وإن تنوعت صفاته بمنزلة أسماء الله ~~الحسني فأسماؤه تعالى وأسماء كتابه ودينه ونبيه مسمي كل صنف من ذلك واحد ~~وإن تنوعت صفاته فكل عمل صالح هو نافع لصاحبه وبالعكس وكل نافع صالح فهو ~~مشروع وبالعكس وكل ما كان صالحا مشروعا فهو حق وعدل وبالعكس # PageV01P017 # ولكن الناس قد يدركون أحد النعتين فيستدلون به على وجود الآخر مثل أن ~~يعلم أن الله أمر بهذا الفعل وشرعه فيعلم من هذا وجوب كونه طاعة لله ورسوله ~~وذلك الفعل بعينه يجب أن يكون عملا صالحا وهو النافع وأن يكون حقا وعدلا ~~وهذا استدلال بالنص وقد يعلم كون الشيء صالحا أو عدلا أو حسنا ثم يستدل ~~بذلك على كونه مشروعا وهو الاستدلال بالاستصلاح والاستحسان والقياس على كون ~~مشروعا # وهذه الطريقة فيها خطر عظيم والغلط فيها كثير ولخفاء صفات الأعمال ~~وأحوالها عنها وأن العالم بذلك كما ينبغي ليس هو إلا رسول الله # فالاستدلال بالمصالح التي قد يقال لها المصالح المرسلة هو الذي يرى الشيء ~~مصلحة وليس في الشرع ما ينفيه فيستدل بالمصلحة على أنه من الشريعة # والاستحسان أن يرى الشيء حسنا فيستدل بحسنه على أنه من الشرع # والعدل أن يرى للشيء نظيرا وشبيها فيستدل على حكمه بحكم نظيره وشبيهه ~~وليس هذا موضع الكلام في ذلك # لكن أعلم الناس من كان رأيه واستصلاحه واستحسانه وقياسه موافقا للنصوص ~~كما قال مجاهد أفضل العبادة الرأي الحسن وهو ms007 اتباع السنة ولهذا قال تعالى: ~~{ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} # PageV01P018 # ولهذا كان السلف يسمون أهل الآراء المخالفة للسنة والشريعة في مسائل ~~الاعتقاد الخبرية ومسائل الأحكام العملية أهل الأهواء لأن الرأي المخالف ~~للسنة جهل لا علم فصاحبه ممن اتبع هواه بغير علم # ولهذا يذكر الله في القرآن من يتبع هواه بغير علم ويذم من يتبع هواه بغير ~~هدي من الله كما قال تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} وقال ~~تعالى: {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين} # وكل من اتبع هواه اتبعه بغير علم إذ لا علم بذلك إلا بهدي الله الذي بعث ~~الله به رسله كما قال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ~~ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} ~~ولهذا ذم الله الهوى في مواضع من كتابه # واتباع الهوى يكون في الحب والبغض كقوله تعالى {يا داود إنا جعلناك خليفة ~~في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن ~~الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} فهنا يكون ~~اتباع الهوى هو ما يخالف الحق في الحكم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن ~~يكن غنيا أو فقيرا فالله # PageV01P019 # أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا} فهنا يكون اتباع الهوى فيما يخالف القسط من الشهادة ~~وغيرها والحق هو العدل واتباع الهوى في خلاف ذلك هو من الظلم # وقد نهى رسول الله عن اتباع أهواء الخلق وقال تعالى: {ولن ترضى عنك ~~اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت ~~أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير} فنهاه عن ~~اتباع أهواء الذين أوتوا ms008 الكتاب بعد ما جاءه من العلم # وكذلك قال تعالى: في الآية الأخرى {ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من ~~العلم} وقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد ~~الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} # وقال تعالى: {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا ~~تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وهم بربهم يعدلون} # فقد نهاه عن اتباع أهواء المشركين واتباع أهواء أهل الكتاب وحذره أن ~~يفتنوه عما أنزل الله إليه من الحق وذلك يتضمن النهي عن اتباع أهواء أحد في ~~خلاف شريعته وسنته وكذا أهل الأهواء من هذه الأمة # PageV01P020 # وقد بين ذلك في قوله تعالى {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا ~~تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين ~~بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين} فقد أمره في هذه الآية باتباع الشريعة ~~التي جعله عليها ونهاه عن اتباع ما يخالفها وهي أهواء الذين لا يعلمون # ولهذا كان كل من خرج عن الشريعة والسنة من أهل الأهواء كما سماهم السلف # وقال تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} # وقال تعالى: {اأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} # وقال تعالى: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم} # وقال تعالى: {قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} إلى قوله {قل فأتوا ~~بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين. فإن لم يستجيبوا لك ~~فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} # PageV01P021 # وقال تعالى: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين ~~أوتوا ms009 العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم. والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} # فذكر الذين أوتوا العلم وهم الذين يعلمون أن ما أنزل إليه من ربه الحق ~~ويفقهون ما جاء به وذكر المطبوع على قلوبهم فلا يفقهون إلا قليلا الذين ~~اتبعوا أهوائهم يسألونهم ماذا قال الرسول آنفا وهذه حال من لم يفقه الكتاب ~~والسنة بل يستشكل ذلك فلا يفقهه أو قرأه متعارضا متناقضا وهي صفة المنافقين # ثم ذكر صفة المؤمنين فقال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم} زيادة الهدي وهو ~~ضد الطبع على قلوب أولئك وآتاهم تقواهم وهو ضد اتباع أولئك الأهواء # فصاحب التقوى ضد صاحب الأهواء كما قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى} وقال تعالى: {إذ جعل الذين كفروا في ~~قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها} # ولما كانت كل حركة وعمل في العالم فأصلها المحبة والإرادة وكل محبة ~~وإرادة لا يكون أصلها محبة الله وإرادة وجهه فهي باطلة فاسدة كان كل عمل # PageV01P022 # لا يراد به وجهه باطلا فأعمال الثقلين الجن والإنس منقسمة منهم من يعبد ~~الله ومنهم من لا يعبده بل قد يجعل معه إلها آخر وأما الملائكة فهم عابدون ~~لله # وجميع الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم والجن والبهائم فهي من عمل ~~الملائكة وتحريكها لما في السماء والأرض وما بينهما فجميع تلك الحركات ~~والأعمال عبادات لله متضمنة لمحبته وإرادته وقصده وجميع المخلوقات عابدة ~~لخالقها إلا ما كان من مردة الثقلين وليست عبادتها إياه قبولها لتدبيره ~~وتصريفه وخلقه فإن هذا عام لجميع المخلوقات حتى كفار بني آدم فلا يخرج أحد ~~عن مشيئته وتدبيره وذلك بكلمات الله التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستعيذ بها فيقول: "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر" ~~وهذا من عموم ربوبيته وملكه # وهذا الوجه هو الذي أدركه كثير من أهل النظر والكلام حتى فسروا ما في ms010 ~~القرآن والحديث من عبادة الأشياء وسجودها وتسبيحها بذلك وهم غالطون في هذا ~~التخصيص شرعا وعقلا أيضا # فإن المعقول الذي لهم يعرفهم أن كل شيء وكل متحرك وأن كان له مبدأ فلا بد ~~له من غاية ومنتهى كما يقولون لها علتان فاعلية وغائية والذي # PageV01P023 # ذكروه إنما هو من جهة العلة الفاعلية وبعض المخلوقين كذلك يجعلونه من جهة ~~العلة الغائية وهذا غلط # فلا يصلح أن يكون شيء من المخلوقات علة فاعلية ولا غائية إذ لا يستقل ~~مخلوق بأن يكون علة تامة قط ولهذا لم يصدر عن مخلوق واحد شيء قط ولا يصدر ~~شيء في الآثار إلا عن اثنين من المخلوقات كما قد بينا هذا في غير هذا ~~الموضوع # وكذلك لا يصلح شيء من المخلوقات أن يكون علة غائية تامة إذ ليس في شيء من ~~المخلوقات كمال مقصود حتى من الأحياء فالمخلوقات بأسرها يجتمع فيها هذان ~~النقصان أحدهما أنه لا يصلح شيء منها أن تكون علة تامة لا فاعلية ولا غائية ~~والثاني أن ما كان فيها علة فله علة سواء كان علة فاعلية أو غائية # فالله سبحانه رب كل شيء ومليكه وهو رب العالمين لا رب لشيء من الأشياء ~~إلا هو وهو إله كل شيء وهو في السماء إله وفي الأرض إله وهو الله في ~~السموات وفي الأرض لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا وما من إله إلا الله ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا # فعبادة المخلوقات وتسبيحها هو من جهة إلاهيته سبحانه وتعالى وهو الغاية ~~المقصودة منها ولها # PageV01P024 # وأما في الشرع فإن الله فصل بين هذا وبين هذا فقال تعالى: {ألم تر أن ~~الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له ~~من مكرم إن الله يفعل ما يشاء} # فهذا السجود الذي فصل بين كثير من الناس الذي يفعلونه وكثير من الناس ~~الذين لا يفعلونه طوعا وهم الذين حق عليهم العذاب ليس ms011 هو ما يشترك فيه جميع ~~الناس من خلق الله وربوبيه الله تعالى إياهم وتدبيرهم # وكذلك فصل بين الصنفين في قوله تعالى {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من ~~في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون} # وكذلك في قوله {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم ~~بالغدو والآصال} # وهو سبحانه ذكر في الآية الأخرى سجود المخلوقات إلا الكثير من الناس لأنه ~~ذكر الطوع فقط كما ذكر في التي قبلها أديان الناس فقال تعالى: {إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل ~~بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد} فتضمنت هذه الآية حال ~~المخلوقات إلا الجن فإنهم لم يذكروا باللفظ الخاص # PageV01P025 # لكنهم يندرجون في الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين فإنهم كما ~~قالوا {منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا} # وقد ذكر طائفة من أهل العربية أنهم يدخلون في لفظ الناس أيضا # وقال سبحانه {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين ~~والشمائل سجدا لله وهم داخرون. ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من ~~دابة والملائكة وهم لا يستكبرون. يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} # وفي الصحيحين حديث أبي ذر في سجود الشمس تحت العرش إذا غابت # وقال تعالى: {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات ~~كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون} وقال تعالى: {سبح لله ما ~~في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} {سبح لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وهو العزيز الحكيم} {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو # PageV01P026 # العزيز الحكيم} {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس ~~العزيز الحكيم} {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير} {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} # قال تعالى: {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ms012 ~~ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون} # وقال تعالى: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~يسجدون} # وقال تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون. فإن استكبروا فالذين ~~عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} # وقال تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ~~ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} {فأما الذين آمنوا ~~بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما} # وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إدا. تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا. وما ينبغي ~~للرحمن أن يتخذ ولدا. إن كل من في السماوات والأرض # PageV01P027 ### | أهل الطبع المتفلسفة لايشهدون الحكمة الغائية من المخلوقات # ... # إلا آتي الرحمن عبدا. لقد أحصاهم وعدهم عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا} # وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون. لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى وهم من خشيته مشفقون. ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ~~كذلك نجزي الظالمين} # وقال تعالى: {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال. ويسبح ~~الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم ~~يجادلون في الله وهو شديد المحال} # وقالت الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} # وقال تعالى: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والأشراق. والطير محشورة ~~كل له أواب} # فأما كثير من الناس وأهل الطبع المتفلسفة وغيرهم فيعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا ويأخذون بظاهر من القول يرون ظاهر الحركات والأعمال التي للموجودات ~~ويرون بعض أسبابها القريبة وبعض حكمها وغاياتها القريبة أن ذلك هو العلة ~~لها فاعلا وغاية كما يذكرونه في تشريح الإنسان وأعضائه وحركاته # PageV01P028 ### | أهل الكلام ينكرون ms013 طبائع الموجودات وما فيها من القوى والأسباب # ... # الباطنة والظاهرة وما يذكرونه من القوي التي في الأجسام التي هي تكون بها ~~الحركة وما يذكرونه من كل شيء # ومن ذلك ذكرهم الطبيعة التي في الإنسان والقوة الجاذبة والهاضمة الغاذية ~~والدافعة والمولدة وغير ذلك وأن الرئة تروح على القلب لفرط حرارته وأن ~~الدماغ أبرد من القلب إلى غير ذلك من الأسباب والحكم التي فيها من شهود ما ~~في مخلوقات الله من الأسباب والحكم ما هو عبرة لأولي الأبصار # لكن يقع الغلط من إضافة هذه الآثار العظيمة إلى مجرد قوة في جسم ولا ~~يشهدون الحكمة الغائية من هذه المخلوقات وأن ذلك هو عبادة ربها سبحانه ~~وتعالى # وقد يعارضهم كلهم طوائف من أهل الكلام فينكرون طبائع الموجودات وما فيها ~~من القوي والأسباب ويدفعون ما أرى الله عباده من آياته في الآفاق وفي ~~أنفسهم مما شهد به في كتابه من أنه خلق هذا بهذا كقوله {فأنزلنا به الماء ~~فأخرجنا به من كل الثمرات} وقوله {فأحيا به الأرض بعد موتها} # وكلا الطائفتين قد لا يعلمون ما فيها من الحكمة التي هي عبادة ربها وهذا ~~هو المقصود الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب بل إنما يتنازعون في # PageV01P029 # فاعل هذه الأمور وما يتعلق بتوحيد الربوبية كما قدمناه وأما شهادة غاية ~~هذه الأمور وما يتعلق بتوحيد الإلهية فقد لا يهتدون له ولهذا كان في طرقهم ~~من الضلالات والجهالات ما هو مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول # لكن أهل العلم في إضافة جميع الحوادث إلى خلق الله ومشيئته وربوبيته أصح ~~عقلا ودينا ومن أدخل في ذلك كل شيء حتى أفعال الحيوان فهو المصيب الموافق ~~للسنة والعقل وهم متكلمة أهل الإثبات الذين يقررون أن الله خالق كل شيء ~~وربه ومليكه # بخلاف القدرية الذين أخرجوا عن ذلك أفعال الحيوان وبخلاف أهل الطبع ~~والفلسفة الذين يخرجون عن ذلك عامة الكائنات من العلل المولدات وكلاهما ~~باطل كما بين في غير هذا الموضع # ولهذا تجد هؤلاء إذا تكلموا في الحركات التي بين السماء والأرض مثل ms014 حركة ~~الرياح والسحاب والمطر وحدوث المطر من الهواء الذي بين السماء والأرض تارة ~~ومن البخار المتصاعد من الأرض تارة كما ذكر ذلك أيضا غير واحد من السلف وهو ~~حق مشهود بالأبصار كما يخلق الولد في بطن أمه من المني وكما يخلق الشجر من ~~الحب والنوى فشهدوا بعض الأسباب المرئية وجهلوا أكثر الأسباب وأعرضوا عن ~~الخالق المسبب لذلك كله وعما جاء في ذلك من عبادته وتسبيحه والسجود له الذي ~~هو غاية حكمته # فإن خلق الله سبحانه للسحاب بما فيه من المطر من هذا البحر وبخار الأرض ~~كخلقه للحيوان والنبات والمعدن من هذه الأمور # PageV01P030 # ومعلوم أن المني جسم صغير مشابه لهذا الذي في الحيوان من الأعضاء المكسوة ~~والمتنوعة في أقدارها وصفاتها وحكمها وغاياتها هل يقول عاقل إن هذا مضاف ~~إلى عرض وصفة حال في جسم صغير أو يضاف هذا إلى ذلك الجسم الصغير هذا من ~~أفسد الأمور في بديهة العقل # ومعلوم أنه لا نسبة إلى خلق هذا من هذا وإلي ما يصنعه بنو آدم من الصور ~~التي يصنعونها من المداد مثل الكتابة بالمداد ونسيج الثياب من الغزل وصنعة ~~الأطعمة والبنيان من موادها وهم مع ذلك لم يخلقوا المواد ولا يفنونها وإنما ~~غايتهم حركة خاصة تعين على تلك الصورة ثم لو أضاف مضيف هذه الكتابة إلى ~~المداد لكان الناس جميعا يستجهلونه ويستحمقونه فالذي يضيف خلق الحيوان ~~والنبات إلى مادتها أو ما في مادتها من الطبع أليس هو أحمق وأجهل وأظلم ~~وأكفر # وكذلك خلق السحاب والمطر من الهواء والبخار هو كذلك إضافة الزلزلة إلى ~~احتقان البخار وإضافة حركة الرعد إلى مجرد اصطكاك أجرام السحاب إلى غير ذلك ~~من الأسباب التي ضلوا فيها ضلالا مبينا حيث جعلوها هي العلة التامة فاعلا ~~ولم يعرفوا الغاية فجهلوا الوضعين ونازعهم طوائف من الناس فيما يوجد من ~~الأسباب والقوي التي في الطباع وذلك أيضا جهل # وإذا كانت المحبة والإرادة أصل كل عمل وحركة وأعظمها في الحق محبة الله ~~وإرادته بعبادته وحده لا شريك له وأعظمها في الباطل أن يتخذ ms015 الناس من # PageV01P031 ### | المحبة والإرادة أصل كل دين، معاني كلمة الدين # ... # دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ويجعلون له عدلا وشريكا علم أن المحبة ~~والإرادة أصل كل دين سواء كان دينا صالحا أو دينا فاسدا فإن الدين هو من ~~الأعمال الباطنة والظاهرة والمحبة والإرادة أصل ذلك كله والدين هو الطاعة ~~والعبادة والخلق فهو الطاعة الدائمة اللازمة التي قد صارت عادة وخلقا بخلاف ~~الطاعة مرة واحدة ولهذا فسر الدين بالعادة والخلق ويفسر الخلق بالدين أيضا ~~كما في قوله تعالى {وإنك لعلى خلق عظيم} قال ابن عباس على دين عظيم وذكره ~~عنه سفيان بن عيينة وأخذه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة وبذلك فسراه # وكذلك يفسر بالعادة كما قال الشاعر: # أهذا دينه أبدا وديني # منه الديدن يقال هذا ديدنه أي عادته اللازمة فإن ديدن من دان بمنزلة صلصل ~~من صل وكبكب من كب هو تضعيف له والمضعف قد يكون مشددا وقد يكون حرف لين وهم ~~يعاقبون في كلامهم # PageV01P032 # كثيرا بين الحرف المشدد وحرف المثل كما يقال تقضي البازي وتقضض ويقال ~~تسرر وتسري # ودان يكون من الأعلى القاهر ويكون من المطيع يقال دنته فدان أي قهرته فذل ~~كما قال: # هو دان الرباب إذا كرهوا الدي ... ن دراكا بعزة وصيال # ويقال في الأعلى كما تدين تدان وأما دين المطيع فيستعمل متعديا ودائما ~~ولازما يقال دنت الله ودنت لله ويقال فلان لا يدين الله دينا ولا يدين لله ~~لأن فيه معني الطاعة والعبادة ومعني الذل فإذا قيل دان الله فهو قولك أطاع ~~الله وأحبه وإذا قيل دان لله فهو كقولك ذل لله وخشع لله # وقد ذكرت أن أسم العبادة يتناول غاية الحب بغاية الذل وهكذا الدين # PageV01P033 # الذي يدين به الناس في الباطن والظاهر لا بد فيه من الحب والخضوع بخلاف ~~طاعتهم للملوك ونحوهم فإنها قد تكون خضوعا ظاهرا فقط # والله سبحانه وتعالى سمي يوم القيامة يوم الدين كما قال {مالك يوم الدين} ~~وهو كما روى عن ابن عباس وغيره من السلف "يوم يدين الله العباد بأعمالهم ms016 إن ~~خيرا فخيرا وإن شرا فشرا" وذلك يتضمن جزاءهم وحسابهم # فلهذا من قال هو يوم الحساب ويوم الجزاء فقد ذكر بعض صفات الدين قال ~~تعالى: {كلا بل تكذبون بالدين. وإن عليكم لحافظين.كراما كاتبين. يعلمون ما ~~تفعلون. إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم. يصلونها يوم الدين. وما ~~هم عنها بغائبين. وما أدراك ما يوم الدين. ثم ما أدراك ما يوم الدين. يوم ~~لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} # وقال تعالى: {فلولا إن كنتم غير مدينين.ترجعونها إن كنتم صادقين} أي ~~مقهورين ومدبرين ومجزيين # PageV01P034 ### | لابد لكل طائفة من بني آدم دين يجمعهم # ... # وإذا كان كل عمل عن محبة وإرادة والترك يكون عن بغض وكراهة وكل أحد همام ~~حارث له حب وبغض لا يخلو الحي عنهما وعمله يتبع حبه وبغضه ثم قد يكون ذلك ~~في أمور هي له عادة وخلق وقد يكون في أمور عارضة لازمة علم أن كل طائفة من ~~بني آدم لا بد لهم من دين يجمعهم إذ لا غني لبعضهم عن بعض وأحدهم لا يستقل ~~بجلب منفعته ودفع مضرته فلا بد من اجتماعهم وإذا اجتمعوا فلا بد أن يشتركوا ~~في اجتلاب ما ينفعهم كلهم مثل طلب نزول المطر وذلك محبتهم له وفي دفع ما ~~يضرهم مثل عدوهم وذلك بغضهم له فصار ولا بد أن يشتركوا في محبة شيء عام ~~وبغض شيء عام وهذا هو دينهم المشترك العام # وإما اختصاص كل منهم بمحبة ما يأكله ويشربه وينكحه وطلب ما يستره باللباس ~~فهذا يشتركون في نوعه لا في شخصه بل كل منهم يحب نظير ما يحبه الآخر لا ~~عينه بل كل منهم لا ينتفع في أكله وشربه ونكاحه ولباسه بعين ما ينتفع به ~~الآخر بل بنظيره # وهكذا هي الأمور السماوية في الحقيقة فإن عين المطر الذي ينزل في أرض هذا ~~ليس هو عين الذي ينزل في أرض هذا ولكن نظيره ولا عين الهواء البارد الذي ~~يصيب جسد أحدهم قد لا يكون نفس عين الهواء البارد الذي يصيب جسد الآخر ms017 بل ~~نظيره # PageV01P035 ### | الدين هو التعاهد والتعاقد # ... # لكن الأمور السماوية تقع مشتركة عامه ولهذا تعلق حبهم وبغضهم بها عامة ~~مشتركة بخلاف الأمور التي تتعلق بأفعالهم كالطعام واللباس فقد تقع مختصة ~~وقد تقع مشتركة # وإذا كان كذلك فالأمور التي يحتاجون إليها يحتاجون أن يوجبوها على أنفسهم ~~والأمور التي تضرهم يحتاجون أن يحرموها على نفوسهم وذلك دينهم وذلك لا يكون ~~إلا باتفاقهم على ذلك وهو التعاهد والتعاقد # ولهذا جاء في الحديث: "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له". # فهذا هو من الدين المشترك بين جميع بني آدم من التزام واجبات ومحرمات وهو ~~الوفاء والعهد وهذا قد يكون باطلا فاسدا إذا كان فيه مضرة لهم راجحة على ~~منفعته وقد يكون دين حق إذا كانت منفعة خاصة أو راجحة # كما قال تعالى: {قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون.ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي ~~دين} # وقال تعالى: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} # PageV01P036 # وقال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب} # و ### | الدين الحق هو طاعة الله وعبادته # كما بينا أن الدين هو الطاعة المعتادة التي صارت خلقا وبذلك يكون المطاع ~~محبوبا مرادا إذ أصل ذلك المحبة والإرادة # ولا يستحق أحد أن يعبد ويطاع على الإطلاق إلا الله وحده لا شريك له ورسله ~~وأولو الأمر أطيعوا لأنهم يأمرون بطاعة الله كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث المتفق عليه "من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد ~~أطاعني ومن عصاني فقد عصي الله ومن عصي أميري فقد عصاني" # وأما العبادة فلله وحده ليس فيها واسطة فلا يعبد العبد إلا الله وحده كما ~~قد بينا ذلك في مواضع وبينا أن كل عمل لا يكون غايته إرادة الله وعبادته ~~فهو عمل فاسد غير صالح باطل غير حق أي لا ms018 ينفع صاحبه # PageV01P037 # وقد قال سبحانه {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} # وقال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} # وقال تعالى: {ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} # وقال تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين} # وقال تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من يرد الله به خيرا ~~يفقهه في الدين". # وقال تعالى: {لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت # PageV01P038 ### | كل دين سوى الإسلام باطل # ... # أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه} # وهو الدين الحق الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له وطاعته وطاعة رسوله ~~هو الإسلام العام الذي لا يقبل الله دينا غيره # كما قال تعالى: {إن الدين عند الله الأسلام} وقال تعالى: {ومن يبتغ غير ~~الأسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} # وقال تعالى: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها وإليه يرجعون} # وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه} # وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} # فإذا كان لا بد لكل آدمي من اجتماع ولا بد في كل اجتماع من طاعة ودين وكل ~~دين وطاعة لا يكون لله فهو باطل فكل دين سوي الإسلام فهو باطل # وأيضا فلا بد لكل حي من محبوب هو منتهى محبته وإرادته وإليه تكون حركة ~~باطنه وظاهره وذلك هو إلهه ms019 ولا يصلح ذلك إلا لله وحده لا شريك له فكل ما ~~سوي الإسلام فهو باطل # PageV01P039 # لابد في كل دين من شيئين: العقيدة والشريعة ... ، تنوع الناس في المعبود ~~والعبادة # ... # والمتفرقون أيضا فيه الذين أخذ كل منهم ببعضه وترك بعضه وافترقت أهواؤهم ~~قد بريء الله ورسوله منهم # ولا بد في كل دين وطاعة ومحبة من شيئين أحدهما الدين المحبوب المطاع وهو ~~المقصود المراد # والثاني نفس صورة العمل التي تطاع ويعبد بها وهو السبيل والطريق والشريعة ~~والمنهاج والوسيلة # كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} قال ~~أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال إن العمل إذا كان خالصا ~~ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون ~~خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة # فهكذا كان الدين يجمع هذين الأمرين المعبود والعبادة والمعبود اله واحد ~~والعبادة طاعته وطاعة رسوله فهذا هو دين الله الذي ارتضاه كما قال تعالى: ~~{ورضيت لكم الأسلام دينا} وهو دين المؤمنين من الأولين والآخرين وهو الدين ~~الذي لا يقبل الله من أحد غيره لأنه دين فاسد باطل كمن عبد من لا تصلح ~~عبادته أو عبد بما لا يصلح أن يعبد به # ثم مع اشتراك الأولين والآخرين في هذا الدين فيتنازعون في كل منهما فإن ~~الله سبحانه له الأسماء الحسني وله المثل الأعلى فقد تعرف هذه الأمة من ~~أسمائه # PageV01P040 # وصفاته ما لا تعرف به الأمة الأخرى فهم مشتركون في عبادة نفسه وإن تنوعوا ~~فيما عرفوه وعبدوه به من أسمائه وصفاته # وقد رفع الله بعضهم فوق بعض درجات فهذا تنوعهم في المعبود وكذلك حالهم في ~~معرفة اليوم الآخر # وأما تنوعهم في العبادة والطاعة من الأقوال والأفعال فإنهم متنوعون في ~~ذلك أيضا # وقد قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} # وقال تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين ~~لا يعلمون} # وقال تعالى: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ms020 ينازعنك في الأمر} # وقال تعالى: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام} # وقال تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} # وهذان الأصلان قد جاءت شريعتنا فيهما بأنواع فجاءت في أسماء الله وصفاته ~~بأنواع وجاءت في صفات العبادات بأنواع والأصل الأول ينضم إليه اليوم الآخر ~~وما جاء في نعته من الأسماء والصفات والوعد والوعيد # PageV01P041 ### | ذم الله التفرق والاختلاف في الكتاب والسنة # ... # وهذه الأصول الثلاثة وهي الإيمان بالله وباليوم الآخر والعمل الصالح هي ~~الموجبة للسعادة في كل ملة كما قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} والشرع ما جاءت به الرسل وهو الأصل ~~الرابع # فإن هذه الأصول الأربعة متلازمة والتفرق في ذلك بالأمر في بعضه والنهي عن ~~بعض هو من التفرق والاختلاف الذي ذمه الكتاب والسنة من المختلفين # وقال تعالى: {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} # وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} # وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات} # ولهذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم لما اختلفوا في القراءة وقال "كلاهما ~~محسن" # PageV01P042 # وقال " إن القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرؤوا منه ما تيسر" وكذلك غضب لما ~~تنازعوا في القدر وأخذوا يعارضون بين الآيات معارضة تفضي إلى الإيمان ببعض ~~دون بعض # وهذا التفرق والاختلاف يوجب الشرك وينافي حقيقة التوحيد الذي هو إخلاص ~~الدين كله لله كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا} {ولا تكونوا من ~~المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} # فإقامة وجهة الدين حنيفا وعبادة الله وحده لا شريك له وذلك يجمع الإيمان ~~بكل ما أمر الله به وأخبر به أن يكون الدين كله لله # PageV01P043 # ثم قال الله تعالى {ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا} وذلك أنه إذا كان الدين كله لله حصل الإيمان والطاعة ms021 لكل ما أنزله ~~وأرسل به رسله وهذا يجمع كل حق ويجمع عليه كل حق # وإذا لم يكن كذلك فلا بد أن يكون لكل قول ما يمتازون به مثل معظم مطاع أو ~~معبود لم يأمر الله بعبادته وطاعته ومثل قول ودين ابتدعوه لم يأذن الله به ~~ولم يشرعه فيكون كل من الفريقين مشركا من هذا الوجه # وأيضا ففي قلوب بني آدم محبة وإرادة لما يتألهونه ويعبدونه وذلك هو قوام ~~قلوبهم وصلاح نفوسهم كما أن فيهم محبة وإرادة لما يطعمونه وينكحونه وبذلك ~~تصلح حياتهم ويدوم شملهم وحاجتهم إلى التأله أعظم من حاجتهم إلى الغذاء فإن ~~الغذاء إذا فقد يفسد الجسم وبفقد التأله تفسد النفس ولن يصلحهم إلا تأله ~~الله وعبادته وحده لا شريك له وهي الفطرة التي فطروا عليها كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "كل مولود يولد على الفطرة ~~فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه". # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ~~ربه أنه قال: "إنني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما ~~أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا". # لكن أكثر الشرك في بني آدم بإيجاد إله آخر مع الله ودان بذلك كثير منهم ~~في أنواع كثيرة # PageV01P044 ### | يقول بعض المتفلسفة إن المقصود بالدين مجرد المصلحة الدنيوية # ... # فصار كل طائفة من بني آدم لا بد لهم من دين لهذين الأمرين لحاجة نفوسهم ~~إلى الإله الذي هو محبوب مطلوب لذاته ولأنه ينفع ويضر ولحاجتهم إلى التزام ~~ما يحبونه من الحاجات ويدفعونه من المضرات # وهم مشركون في المحبة للأمور المنزلة أعيانها وأنواعها فهم مشركون في ~~محبة الإله الذي يعبدونه وتعظيمه ومحبة من يبلغ عنه ما يختص به ومحبة ~~أوامره ونواهيه مشركين في محبة غير ذلك ومشركون أيضا في محبة جنس ما ~~التزموه من الواجبات والمحرمات العامة التي هي جلب المنفعة لهم جميعا ودفع ~~المضرة عنهم جميعا # فهذه المحبة هي المحبة الدينية كحب الدين الذي هم عليه ms022 حقا كان أو باطلا ~~وكذلك محبة ما يعين على ذلك ويوصل إليه لأجل ذلك فهي أيضا محبة دينية # وليس المقصود بالدين الحق مجرد المصلحة الدنيوية من إقامة العدل بين ~~الناس في الأمور الدنيوية كما يقوله طوائف من المتفلسفة في مقصود النواميس ~~والنبوات أن المراد بها مجرد وضع ما يحتاج إليه معاشهم في الدنيا من ~~القانون العدلي الذي ينتظم به معاشهم لكن هذا قد يكون المقصود في أديان من ~~لم يؤمن بالله ورسوله من اتباع الملوك المتفلسفة ونحوهم مثل قوم نوح ونمرود ~~وجنكيزخان وغيرهم # PageV01P045 # فإن كل طائفة من بني آدم محتاجون إلى التزام واجبات وترك محرمات يقوم بها ~~معاشهم وحياتهم الدنيوية وربما جعلوا مع ذلك ما به يستولون به على غيرهم من ~~الأصناف ويقهرونه كفعل الملوك الظالمين مثل جنكيزخان # فإذا لم يكن مقصود الدين والناموس الموضوع إلا جلب المنفعة في الحياة ~~الدنيا ودفع المضرة فيها فليس لهؤلاء في الآخرة من خلاق ثم إن كان مع ذلك ~~جعلوه ليستولوا به على غيرهم من بني آدم ويقهرونهم كفعل فرعون وجنكيزخان ~~ونحوهما فهؤلاء من أعظم الناس عذابا في الآخرة # كما قال تعالى: {نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون. إن ~~فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ~~ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} # وقد قص الله سبحانه قصة فرعون في غير موضع من القرآن وكان هو وقومه على ~~دين لهم من دين الملوك كما قال تعالى: في قصة يوسف {ما كان ليأخذ أخاه في ~~دين الملك إلا أن يشاء الله} وهذا الملك كان فرعون يوسف وكان قبل فرعون ~~موسى وفرعون اسم لمن يملك مصر من القبط وهو اسم جنس كقيصر وكسري والنجاشي ~~ونحو ذلك # وهؤلاء المتفلسفة الصابئة المبتدعة من المشائين ومن سلك مسلكهم من ~~المنتسبين إلى الملل في المسلمين واليهود والنصارى يجعلون الشرائع ~~والنواميس # PageV01P046 # والديانات من هذا الجنس لوضع قانون تتم به مصلحة الحياة الدنيا ولهذا لا ~~يأمرون فيها بالتوحيد وهو عبادة الله وحده ولا بالعمل للدار ms023 الآخرة ولا ~~ينهون فيها عن الشرك بل يأمرون فيها بالعدل والصدق والوفاء بالعهد ونحو ذلك ~~من الأمور التي لا تتم مصلحة الحياة الدنيا إلا بها ويشرعون التأله ~~للمخلصين والمشركين # وقد تكلمت على أقسام الديانات في غير هذا الموضع وبينت الطبعي والملي ~~والشرعي وإنما جاء ذكر هذا هنا مطردا # ولهذا يقيمون النواميس بأنواع من الحيل والسحر والطلسمات كما وضعوه في ~~كتب ذلك ويقولون في بعض الطيالسم هذا يصلح لوضع النواميس كما تواصت ~~القرامطة والباطنية وكما كان يفعله سحرة فرعون وغيرهم وآثارهم موجودة بذلك ~~إلى اليوم وكما يفعله المشركون من الترك والهند في بلادهم # PageV01P047 # والمتفلسفة الصابئة تجعل ذلك جنسا لما بعثت به الرسل من الآيات ويجعلون ~~موسى والسحرة والذين عارضوه من جنس واحد # وهؤلاء كما قال تعالى: فيهم {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلاق} هم مقرون بأن منفعة ذلك لا تكون في الآخرة وإنما يرجون منفعته في ~~الدنيا وإن كان فيه بلوغ بعض الأعراض من رئاسة أو شهوة # فهو كما قال الله تعالى {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} إذ ما فيه من ~~المضرة يربو على ما فيه من الخير قال الله تعالى: {ولو أنهم آمنوا واتقوا ~~لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} ولهذا كان ما نهي عنه من هذا ~~الجنس إنما هو لكون الضرر فيه أغلب من المنفعة فأما ما ينفع الناس فلم ينه ~~الله عنه # ولهذا لما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم الرقى قال: "من استطاع أن ~~ينفع أخاه فليفعل وقال لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك". # PageV01P048 ### | فصل الحب أصل كل عمل والتصديق بالمحبة هو أصل الإيمان # ... # وذكر البخاري في صحيحه في استخراج السحر عن قتادة قال قلت لسعيد بن ~~المسيب رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر قال لا بأس به إنما ~~يريدون الإصلاح فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه # فصل # وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل وهو أصل الأعمال الدينية وغيرها ms024 ~~وأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق ~~الله ورسوله فالتصديق بالمحبة هو أصل الإيمان وهو قول وعمل كما قد بين في ~~غير هذا الموضع # ومعلوم أن قوة المحبة لكل محبوب يتفاوت الناس فيها تفاوتا عظيما # PageV01P049 # ويتفاوت حال الشخص الواحد في محبة الشيء الواحد بحيث يقوي الحب تارة ~~ويضعف تارة بل قد يتبدل أقوي الحب بأقوى البغض وبالعكس # قال تعالى: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا ~~بما جاءكم من الحق} إلى قوله {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ~~إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا ~~بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} وإبراهيم هو ~~إمام الحنفاء الذين يحبهم الله ويحبونه وهو خليل الله # وقال تعالى: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي ~~إلا رب العالمين} # وقال تعالى: أيضا {لا أحب الآفلين} وقال بعد ذلك {إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} # وقد قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله} # ولا ريب أن محبة المؤمنين لربهم أعظم المحبات وكذلك محبة الله لهم هي ~~محبة عظيمة جدا كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "يقول الله تعالى من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب ~~إلى عبدي # PageV01P050 ### | تأويل طوائف من المسلمين للمحبة تأويلات خاطئة # ... # بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ~~فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ~~ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني ~~لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض ~~نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه". # وقد تأول الجهمية ومن اتبعهم ms025 من أهل الكلام محبة الله لعبده على أنها ~~الإحسان إليه فتكون من الأفعال # وطائفة أخرى من الصفاتية قالوا هي إرادة الإحسان وربما قال كلا من ~~القولين بعض المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم # وسلف الأمة وأئمة السنة على إقرار المحبة على ما هي عليه # وكذلك محبة العبد لربه يفسرها كثير من هؤلاء بأنها إرادة العبادة له ~~وإرادة التقرب إليه لا يثبتون أن العبد يحب الله # وسلف الأمة وأئمة السنة ومشايخ المعرفة وعامة أهل الإيمان متفقون على ~~خلاف قول هؤلاء المعطلة لأصل الدين بل هم متفقون على أنه لا يكون شيء من ~~أنواع المحبة أعظم من محبة العبد ربه # كما قال تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا لله} وقال # PageV01P051 # تعالى {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} وقال تعالى: {قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} فلم يرض إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليهم ~~من الأهلين والأموال حتى يكون الجهاد في سبيل الله الذي هو من كمال الإيمان # قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} ولهذا وصف الله ~~المحبين له الذين يحبهم هو بالجهاد فقال تعالى: {من يرتد منكم عن دينه فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون ~~في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} # وأما ### | تنازع الناس في لفظ العشق # فمن الناس من أهل التصوف والكلام وغيرهم من أطلق هذا اللفظ في حق الله ~~كما روي عبد الواحد بن زيد فيما يؤثره عن أحد أنبياء الله أنه قال عشقني ~~وعشقته # PageV01P052 ### | منكرو لفظ العشق لهم من جهة اللفظ مأخذان ومن جهة المعنى مأخذان، المأخذ الأول من جهة اللفظ # ... # وقال هؤلاء العشق هو المحبة الكاملة التامة وأولي الناس بذلك هو الله ~~فإنه هو الذي يجب أن يحب أكمل محبة وكذلك هو ms026 يحب عبده محبة كاملة # ولو قيل أن العشق هو منتهى المحبة أو أقصاها أو نحو ذلك فهذا المعني حق ~~من العبد فإنه يحب ربه منتهي المحبة وأقصاها والله يحب عبده مثل إبراهيم ~~ومحمد صلي الله عليها وسلم تسليما أقصي محبة تكون لعباده ومنتهاها وهما ~~خليلا الله # كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله قد ~~اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا" وقال: "لو كنت متخذا من أهل الأرض ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله". # وذهب طوائف من أهل العلم والدين إلى إنكار ذلك في حق الله ولا ريب أن هذا ~~اللفظ ليس مأثورا عن أئمة السلف # والذين أنكروه لهم من جهة اللفظ مأخذان ومن جهة المعنى مأخذان # أما من جهة اللفظ فإن هذا اللفظ ليس مأثورا عن السلف وباب الأسماء ~~والصفات يتبع فيها الألفاظ الشرعية فلا نطلق إلا ما يرد به الأثر # PageV01P053 # والأولون يستدلون بمثل قول عبد الواحد بن زيد ونحوه # وهؤلاء يقولون هذا من الإسرائيليات التي لا يجوز الاعتماد عليها في شرعنا ~~فإن ثبوت مثل هذا الكلام عن الله لا يعلم إلا من جهة نبينا صلي الله عليه ~~وسلم وذلك غير مأثور عنه ونحن لا نصدق بما ينقل عن الأنبياء المتقدمين إلا ~~أن يكون عندنا ما يصدقه كما لا نكذب إلا بما نعلم أنه كذب وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ~~ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وإما يحدثوكم بحق فتكذبوه" وهذا ~~الوجه يقتضي الامتناع من الإطلاق إلا عند الجزم بتحريمه في جميع الشرائع ### | المأخذ الثاني # أن المعروف من استعمال هذا اللفظ في اللغة إنما هو في محبة جنس النكاح ~~مثل حب الإنسان الآدمي مثله ممن يستمتع به من امرأة # PageV01P054 # أو صبي فلا يكاد يستعمل هذا اللفظ في محبة الإنسان لولده وأقاربه ووطنه ~~وماله ودينه وغير ذلك ولا في محبته لآدمي لغير صورته مثل محبة الآدمي لعلمه ~~ودينه وشجاعته ms027 وكرمه وإحسانه ونحو ذلك بل المشهور من لفظ العشق هو محبة ~~النكاح ومقدماته فالعاشق يريد الاستمتاع بالنظر إلى المعشوق وسماع كلامه أو ~~مباشرته بالقبلة والحس والمعانقة أو الوطء وإن كان كثير من العشاق لا يختار ~~الوطء بل يحب تقبيل ومعانقة موطوءته فهو يحب مقدمات الوطء وكم ممن اشتغل ~~بالوسيلة عن المقصود # ثم لفظ العشق قد يستعمل في غير ذلك إما على سبيل التواطؤ فيكون حقيقة في ~~القدر المشترك وإما على سبيل المجاز # لكن استعماله في محبة الله إما أن يفهم أو يوهم المعني الفاسد وهو أن ~~الله يحب ويحب كما تحب صور الآدميين التي نستمتع بمعاشرتها ووطئها وكما تحب ~~الحور العين التي في الجنة # وهذا المعني من أعظم الكفر وإن كان قد بلغ إلى هذا الكفر الاتحادية الذين ~~يقولون إنه عين الموجودات ويقولون ما نكح سوي نفسه وهو الناكح والمنكوح # PageV01P055 ### | المأخذ المعنوي قيل إن العشق فساد في الحب والإرادة # ... # وكذلك الذين يقولون بالحلول العام والذين يقولون بالاتحاد في صور معينة ~~أو بحلوله فيها كما يقوله الغالية من النصارى والرافضة وغالية النساك فإن ~~هؤلاء يصفونه بما يوصف به البشر من النكاح تعالى الله عما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولو يكن له كفوا أحد # ومن هؤلاء من يعشق الصور الجميلة ويزعم أنه يتجلي فيها وأنه إنما يحب ~~مظاهر جماله وقد بسطنا الكلام في كفرهم وضلالهم في غير هذا الموضع فمن زعم ~~أن الله يحب أو يعشق وأشار إلى هذا المعني فهو أعظم كفرا من اليهود ~~والنصارى # وأما المأخذ المعنوي فهو أن العشق هل هو فساد في الحب والإرادة أو فساد ~~في الإدراك والمعرفة قيل إن العشق هو الإفراط في الحب حتى يزيد على القصد ~~الواجب فإذا أفرط كان مذموما فاسدا مفسدا للقلب والجسم كما قال تعالى: ~~{فيطمع الذي في قلبه مرض} فمن صار مفرطا صار مريضا كالإفراط في الغضب ~~والإفراط في الفرح وفي الحزن # وهذا الإفراط قد يكون في محبة الإنسان لصورته وقد يكون ms028 في محبته لغير ذلك ~~كالإفراط في حب الأهل والمال والإفراط في الأكل والشرب وسائر أحوال # PageV01P056 ### | وقيل إن العشق فساد في الإدراك والتخيل والمعرفة # ... # الإنسان وهذا المعني ممتنع في حق الله من الجهتين فإن الله لا يحب محبة ~~زيادة على العدل ومحبة عبادة المؤمنين له ليس لها حد تنتهي إليه حتى تكون ~~الزيادة إفراطا وإسرافا ومجاوزة للقصد بل الواجب أن يكون الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما # كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاث من كن فيه ~~وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يجب ~~المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه منه كما ~~يكره أن يلقى في النار" وفي رواية في الصحيح: "لا يجد عبد حلاوة الإيمان ~~حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" إلى آخره وقال:" والذي نفسي ~~بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" # وفي الصحيح أن عمر قال له يا رسول الله والله لأنت أحب إلى من كل شيء إلا ~~من نفسي فقال: " لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فلأنت أحب إلى من ~~نفسي قال الآن يا عمر" # وقد تقدم دلالة القرآن على هذا الأصل بقوله تعالى {قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره} # وقيل أن العشق هو فساد في الإدراك والتخيل والمعرفة فإن العاشق يخيل # PageV01P057 # له المعشوق على خلاف ما هو به حتى يصيبه ما يصيبه من داء العشق ولو أدركه ~~على الوجه الصحيح لم يبلغ إلى حد العشق وإن حصل له محبة وعلاقة # ولهذا يقول الأطباء العشق مرض وسواسي شبيه بالمالنخوليا فيجعلونه من ~~الأمراض الدماغية التي تفسد التخيل كما يفسده المالنخوليا # وإذا كان الأمر كذلك امتنع في حق الله من الجانبين فإن الله ms029 بكل شيء عليم ~~وهو سميع بصير مقدس منزه عن نقص أو خلل في سمعه وبصره وعلمه والمحبون له ~~عباده المؤمنون الذين آمنوا به وعرفوه بما تعرف به إليهم من أسمائه وآياته ~~وما قذفه في قلوبهم من أنوار معرفته فليست محبتهم إياه عن اعتقاد فاسد # لكن قد يقال إن كثيرا ممن يكون فيه نوع محبة الله قد يكون معها اعتقاد ~~فاسد إذ الحب يستتبع الشعور لا يستلزم صريح المعرفة لا سيما من كان من ~~عقلاء المجانين الذين عندهم محبة لله وتأله وفيهم فساد عقل فهؤلاء قد يصيب ~~أحدهم ما يصيب العشاق في حق الله ومعهم حب شديد ونوع من الاعتقاد الفاسد # وكثيرا ما يعتري أهل المحبة من السكر والفناء أعظم ما يصيب السكران ~~بالخمر والسكران بالصور كما قال تعالى: في قوم لوط {لعمرك إنهم لفي سكرتهم ~~يعمهون} فالحب له سكر أعظم من سكر الشراب كما قيل # PageV01P058 # سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى أفاقة من به سكران # ومعلوم أنه في حال السكر والفناء تنقص المعرفة والتميز ويضطرب العقل ~~والعلم فيحصل في ضمن ذلك من الاعتقادات والتخيلات الفاسدة ما هو من جنس ~~العشق الذي فيه فساد الاعتقاد # وهؤلاء محمودون على ما معهم من محبة الله والأعمال الصالحة والإيمان به ~~وأما ما معهم من اعتقاد فاسد وعمل فاسد لم يشرعه الله ورسوله فلا يحمدون ~~على ذلك لكن إن كانوا مغلوبين على ذلك بغير تفريط منهم ولا عدوان كانوا ~~معذورين وإن كان ذلك لتفريطهم فيما أمروا به وتعديهم حدود الله فهم مذنبون ~~في ذلك مثل ما يصيب كثيرا ممن يهيج حبه عند سماع المكاء والتصدية والأشعار ~~الغزلية فتتولد لهم أنواع من الاعتقادات والإرادات التي فيها الحق والباطل ~~وقد يغلب هذا تارة وهذا تارة # فباب محبة الله ضل فيه فريقان من الناس فريق من أهل النظر والكلام ~~والمنتسبين إلى العلم جحدوها وكذبوا بحقيقتها # وفريق من أهل التعبد والتصوف والزهد أدخلوا فيها من الاعتقادات والإرادات ~~الفاسدة ما ضاهوا بها المشركين # فالأولون يشبهون المستكبرين وهؤلاء يشبهون المشركين # ولهذا ms030 يكون الأول في أشباه اليهود ويكون الثاني في أشباه النصارى # وقد أمرنا الله تعالى أن نقول {اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} # PageV01P059 ### | فصل:كل محبة وبغضة يتبعها لذة وألم، للذات ثلاثة أجناس،الأول: اللذة الحسية والثاني: اللذة الوهمية # ... # فصل # ومن المعلوم أن كل محبة وبغضة فإنه يتبعها لذة وألم ففي نيل المحبوب لذة ~~وفراقه يكون فيه ألم وفي نيل المكروه ألم وفي العافية منه تكون فيه لذة ~~فاللذة تكون بعد إدراك المشتهى والمحبة تدعو إلى إدراكه # فالمحبة العلة الفاعلة لإدراك الملائم المحبوب المشتهي واللذة والسرور هي ~~الغاية # واللذات الموجودة في الدنيا ثلاثة أجناس فجنس بالجسد تارة كالأكل والنكاح ~~ونحوهما مما يكون بإحساس الجسد فإن أنواع المأكول والملبوس يباشرها الجسد # وجنس يكون مما يتخيله ويتوهمه بنفسه ونفس غيره كالمدح له والتعظيم له ~~والطاعة له فإن ذلك لذيذ محبوب له كما أن فوات الأكل والشرب يؤلمه وأكل ما ~~يضره يؤلمه وكذلك فوات الكرامة بحيث لا يكون له قدر عند أحد ولا منزلة ~~يؤلمه كما يؤلمه ترك الأكل والشرب ويؤلمه الذم والإهانة كما يؤلمه الأكل ~~والشرب الذي يضره # فالمأكول والمنكوح هي أجساد تنال بالجسد يتلذذ بوجودها ويتألم بفقدها ~~ولحصول ما يضر منها وأما الكرامة فهي في النفوس إذا كانت النفوس # PageV01P060 ### | الثالث: اللذة العقلية # ... # ملائمة له وموافقة له بأن يعتقد فيه ما يسره ويوافقه بالمحبة والتعظيم ~~كان ذلك مما يوجب لذته ولذته بإدراكه ذلك الملائم من الناس ومدحهم المظهر ~~لاعتقادهم ومن طاعتهم وموافقتهم المظهرة لمحبتهم وتعظيمهم # والجنس الثالث أن يكون ما يعلمه بقلبه وروحه وبعقله كذلك كالتذاذه بذكر ~~الله ومعرفته ومعرفة الحق وتألمه بالجهل إما البسيط وهو عدم الكلام والذكر ~~وإما المركب وهو اعتقاد الباطل كما يتألم الجسد بعدم غذائه تارة وبالتغذي ~~بالمضار أخري # كذلك النفس تتألم بعدم غذائها وهو موافقة الناس وإكرامهم تارة وبالتغذي ~~بالضد وهو مخالفتهم وإهانتهم فكذلك القلب يتألم بعدم غذائه وهو العلم الحق ~~وذكر الله تارة والتغذي بالضد وهو ذكر الباطل واعتقاده أخري # قال النبي صلى ms031 الله عليه وسلم: "إن كل أحد يحب أن تؤتي مأدبته وإن مأدبة ~~الله هي القرآن". # PageV01P061 # وهذه اللذات الثلاث اللذات الحسية والوهمية والعقلية وقد علمت أن كل ما ~~خلقه الله في الحي من قوي الإدراك والحركة فإنما خلقه لحكمة وفي ذلك من جلب ~~المنفعة للحي ودفع المضرة عنه ما هو من عظيم نعم الله عليه # والله سبحانه بعث الرسل لتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويلها وتغييرها ~~وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط والله شرع من الدين ما فيه ~~استعمال هذه القوي على وجه العدل والاعتدال الذي فيه صلاح الدنيا والآخرة # ومن المعلوم أن قوي الحركة في الجسد التي هي حركات طبعية متى لم تكن على ~~وجه الاعتدال وإلا فسد الجسد وكذلك قوي الإدراك والحركة التي فيه وفي النفس ~~متى لم تكن على وجه الاعتدال وإلا فسد الجسد والحركة الطبعية ليس فيها حس ~~ولا إرادة وهذه لا تكون عن حركة إرادية كما تقدم لكن لا يكون ذلك في نفس ~~المتحرك بطبعه كحركة الغذاء قبل أن يصرفه الخارج من السبيلين وغير ذلك # PageV01P062 ### | شرع الله من اللذات ما فيه صلاح حال الإنسان وجعل اللذة التامة في الآخرة # ... # والله سبحانه قد شرع من هذه اللذات ما فيه صلاح حال الإنسان في الدنيا ~~وجعل اللذة التامة بذلك في الدار الآخرة كما أخبر الله بذلك على ألسن رسله ~~بأنها هي دار القرار وإليها تنتهي حركة العباد # واللذة هي الغاية من الحركات الإرادية فتكون الغاية من اللذات عند الغاية ~~من الحركات ولا يخالف ما يوجد في الوسيلة والطريق فإن الموجود فيها من ~~اللذات بقدر ما يعين على الوصول إلى المقصود التام وكل لذة وإن جلت هي في ~~نفسها مقصودة لنفسها إذ المقصود لنفسه هو اللذة لكن من اللذات ما يكون عونا ~~على ما هو أكثر منه أيضا فيكون مقصودا لنفسه بقدره ويكون مقصودا لغيره بقدر ~~ذلك الغير وهذا من تمام نعمة الله على عباده وكل ما يتنعمون به إذا ~~استعملوه على وجه العدل الذي شرعه أوصلهم به إلى ms032 ما هو أعظم نعمة منه # ولذات الجنة أيضا تتضاعف وتتزايد كما يشاء الله تعالى فإن الله يقول كما ~~ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "أعددت لعبادي الصالحين ما ~~لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" وقد قال الله تعالى في كتابه ~~{فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} # PageV01P063 ### | غلط المتفلسفة ومن اتبعهم في أمر اللذات # ... # ولهذا بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين مبشرين بنعمة الله التامة في جنته ~~لمن أطاعهم فاتبع الذكر الذي أنزل عليهم واستعمل القسط الذي بعثوا به ~~ومنذرين بتعظيمهم عقاب الله لمن أعرض عن ذلك وعصاهم فكان من الظالمين # قال تعالى: {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى} وقال تعالى: {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} # وقد غلطت المتفلسفة من الصابئة والمشركين ونحوهم ومن حذا حذوهم ممن صنف ~~في أصناف هذه اللذات كالرازي وغيره في أمر هذه اللذات في الدنيا والآخرة ~~حتى جرهم ذلك الغلط إلى الدين الفاسد في الدنيا بالاعتقادات الفاسدة ~~والعبادات والزهادات الفاسدة وإلي التكذيب بحقيقة ما أخبر الله به على ألسن ~~رسله من وعده ووعيده فصاروا تاركين لما ينفعهم من لذات الدنيا معرضين عما ~~خلقوا له من لذات الآخرة ومعتاضين عن ذلك بأخذ ما يضرهم مما يظنون أنه لذة ~~في الدنيا أو موصل للذة في الدنيا وهم في ذلك {إن # PageV01P064 ### | ضل النصارى كذلك في أمر اللذات، اليهود أعلم لكنهم غواة قساة # ... # يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} فجهلوا ~~المقاصد والوسائل فكانوا ضالين يقصدون ما ينفعهم ويلذهم وهم لا يعرفون عين ~~مقصودهم ولا الطريق إليه وصار عامتهم غواة منهمكين في اللذات التي تضرهم # والنصارى ضارعوهم في بعض ذلك حين كذبوا بكثير مما وعدوا به في الآخرة ms033 من ~~اللذات وضلوا بما ابتدعوه من العبادات فكانوا ضالين كما قال تعالى: {ولا ~~تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} ولهذا ~~يغلب على عوامهم الغي واتباع شهوات الغي إذ لم يحرموا عليهم شيئا من ~~المطاعم والمشارب # وأما اليهود فهم أعلم بالمقصود وطريقه لكنهم غواة قساة مغضوب عليهم # ويتبين ذلك بأصلين أحدهما أنهم اعتقدوا أن اللذات الحسية والوهمية ليست ~~لذات في الحقيقة وإنما هي دفع آلام وربما حسنوا العبارة فقالوا ليس المقصود ~~بها التنعم وإنما المقصود بها دفع الألم بخلاف اللذات العقلية الروحانية ~~فإنها هي اللذات فقط وهي المقصودة لذاتها فقط وعن هذا يدفعون أن تكون ~~للنفوس بعد مفارقة الدنيا لذات حسية أو وهمية وإنما يكون لها لذات روحانية ~~فقط # PageV01P065 ### | نفصيل مقالة الفلاسفة في اللذة # ... # ثم إن من دخل مع أهل الملل منهم وافق المؤمنين بإظهاره للإقرار بما جاءت ~~به الرسل وقال إن ما أخبرت به الرسل من الوعد والوعيد إنما هو أمثال مضروبة ~~لتفهم العامة المعاد الروحاني وما فيه من اللذة والألم الروحانيين وربما ~~يغرب بعضهم فأثبت اللذات الخيالية بناء على أن النفوس يمكن أن يحصل لها من ~~إشراق الأفلاك عليها ما يحصل لها به من اللذة ما هو من أعظم اللذات ~~الخيالية التي قد يقولون هي أعظم من الحسية # الأصل الثاني أن اللذات العقلية التي أقروا بها لم تحصل لهم ولم يعرفوا ~~الطريق إليها بل ظنوا أن ذلك إنما هو إدراك الوجود المطلق بأنواعه وأحكامه ~~وطلبوا اللذة العقلية في الدنيا بما هو من هذا النمط من الأمور العقلية ~~وتكلموا في الإلهيات بكلام حقه قليل وباطله كثير فكانوا طالبين للذة ~~العقلية التي أثبتوها بالأغذية الفاسدة التي تضر وتؤلم أكثر من طلبها ~~بالأغذية النافعة بل كانوا فاقدين لغذائها الذي لا صلاح لها إلا به وهو ~~إخلاص الدين لله بعبادته وحده لا شريك له فإن هذا هو خاصة النفس التي خلقت ~~له لا تصلح إلا به ولا تفسد فسادا مطلقا مع وجوده قط بل من بات ms034 وهو يعلم ~~أنه لا إله إلا الله دخل الجنة # كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم ~~أنه قال من وجوه متعددة من # PageV01P066 # حديث عثمان بن عفان وأبي ذر ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وعتبان بن مالك ~~وعبادة بن الصامت وغيرهم ولا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد بل يخرج من ~~النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان أو مثقال شعيرة من إيمان أو ~~مثقال ذرة من إيمان # وقد تكلمت على رسالة المبدأ والمعاد التي صنفها أبو علي بن سينا وزعم أن ~~فيها من الأسرار المخزونة من فلسفتهم بما يناسب هذا مما ليس هذا موضعه ~~وبينت ما دخل عليهم من الجهل والكفر في ذلك من وجوه بينة من لغاتهم ~~ومعارفهم التي يفقهون بها ويعلمون صحة ما عليه أهل الإيمان بالله ورسوله ~~وبطلان ما هم عليه مما يخالف ذلك من الحقيقة وإن زعموا أنهم موافقون لأهل ~~الإيمان # نعم هم مؤمنون ببعض وكافرون ببعض كما قد بينت أيضا مراتب ما معهم ومع ~~غيرهم من الكفر والإيمان في غير هذا الموضع وذكرت ما كفروا به مما خالفوا ~~به الرسل وما آمنوا به مما وافقوهم فيه # PageV01P067 ### | فصل: حب الله أصل التوحيد العملي # ... # فأن الله أمرنا بالعدل وأمرنا أن نعدل بين الأمم كما قال تعالى: لرسوله ~~{وأمرت لأعدل بينكم} وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} ~~وقال تعالى: {وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} # فصل # وإذا كان أصل الإيمان العملي هو حب الله تعالى ورسوله وحب الله أصل ~~التوحيد العملي وهو أصل التأليه الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له فإن ~~العبادة أصلها أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع وهذا هو الإسلام # وأعظم الذنوب عند الله الشرك به وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء والشرك منه جليل ودقيق وخفي وجلي # كما ms035 في الحديث الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه يا رسول الله إذا كان أخفى من دبيب النمل فكيف نصنع به؟ أو كما ~~قال فقال: "ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من قليله وكثيرة قل اللهم إني ~~أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم". # PageV01P068 ### | أصل الإشراك العملي بالله الإشراك في المحبة، المؤمنون يحبون لله ويبغضون لله # ... # فمعلوم أن أصل الإشراك العملي بالله الإشراك في المحبة قال تعالى: {ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله} فأخبر أن من الناس من يشرك بالله فيتخذ أندادا يحبونهم كما يحبون الله ~~وأخبر أن الذين آمنوا أشد حبا لله من هؤلاء والمؤمنون أشد حبا لله من هؤلاء ~~لأندادهم ولله فإن هؤلاء أشركوا بالله في المحبة فجعل المحبة مشتركة بينه ~~وبين الأنداد والمؤمنون أخلصوا دينهم لله الذي أصله المحبة لله فلم يجعلوا ~~لله عدلا في المحبة بل كان الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما ومحبة الرسول ~~هي من محبة الله وكذلك كل حب في الله وهو الحب لله # كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاث من كن فيه ~~وجد حلاوة الإيمان" وفي رواية في الصحيح: "لا يجد حلاوة الإيمان إلا من كان ~~فيه ثلاث خصال أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا ~~يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن ~~يلقي في النار". # ولهذا في الحديث: "من أحب لله وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله # PageV01P069 # فقد استكمل الإيمان" وفي الأثر ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما ~~أشدهما حبا لصاحبه لأن هذه المحبة من محبة الله وكل من كانت محبته لله أشد ~~كان أفضل". # وخير الخلق محمد رسول الله وخير البرية بعده إبراهيم كما ثبت ذلك في ~~الحديث الصحيح وكل منهما خليل الله # والخلة تتضمن كمال ms036 المحبة ونهايتها ولهذا لم يصلح لله شريك في الخلة بل ~~قال صلي الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "لو كنت متخذا من أهل الأرض ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله" وفي لفظ: "أنا أبرأ إلى ~~كل خليل من خلته". # فمحبة ما يحبه الله لله من الأعيان والأعمال من تمام محبة الله وهو الحب ~~في الله ولله وإن كان كثير من الناس يغلط في معرفة كثير من ذلك أو وجوده ~~فيظن في أنواع من المحبة أنها محبة الله ولا تكون لله ويظن وجود المحبة لله ~~في أمور ولا تكون المحبة لله موجودة بل قد يعتقد وجود المحبة لله وتكون ~~معدومة وقد يعتقد في بعض الحب أنه لله ولا يكون لله كما يعتقد وجود العلم ~~أو العبادة # PageV01P070 # أو غير ذلك من الصفات في بعض الأشخاص والأحوال ولا يكون ثابتا وقد يعتقد ~~في كثير من الأعمال أنه معمول لله ولا يكون لله # فمحبة ما يحبه الله من الأعمال الباطنة والظاهرة وهي الواجبات والمستحبات ~~إذا أحببت لله كان ذلك من محبة الله ولهذا يوجب ذلك محبة الله لعبده # وكما في الحديث الصحيح عن الله تعالى: "من عادى لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي ~~يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي ~~يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء ~~أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له ~~منه". # وكذلك محبة كلام الله وأسمائه وصفاته كما في الحديث الصحيح في الذي كان ~~يصلي بأصحابه فيقرأ {قل هو الله أحد} إما أن يقرأها وحدها أو يقرأ بها مع ~~سورة أخري فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم فقال: ~~"سلوه لم يفعل ذلك فقال لأني أحبها ms037 فقال أن حبك إياها أدخلك الجنة". # PageV01P071 ### | محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه، الذنوب تنقص من محبة الله # ... # وكذلك محبة ملائكة الله وأنبيائه وعباده الصالحين كما كان عبد الله بن ~~عمر يدعو بالمواقف في حجه فيقول: اللهم اجعلني أحبك وأحب ملائكتك وأنبياءك ~~وعبادك الصالحين اللهم حببني إليك وإلي ملائكتك وأنبيائك وعبادك الصالحين # بل محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات كما قال تعالى: {قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} فإن اتباع رسوله ~~هو من أعظم ما أوجبه الله تعالى على عباده وأحبه وهو سبحانه أعظم شيء بغضا ~~لمن لم يتبع رسوله فمن كان صادقا في دعوى محبة الله اتبع رسوله لا محالة ~~وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما # والذنوب تنقص من محبة الله تعالى بقدر ذلك لكن لا تزيل المحبة لله ورسوله ~~إذا كانت ثابتة في القلب ولم تكن الذنوب عن نفاق كما في صحيح البخاري عن ~~عمر بن الخطاب حديث حمار الذي كان يشرب الخمر وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقيم عليه الحد فلما كثر ذلك منه لعنه رجل فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلمصلى الله عليه وسلم # PageV01P072 # "لا تلعنه فإنه يجب الله ورسوله" , وفيه دلالة على أنا منهيون عن لعنة ~~أحد بعينه وإن كان مذنبا إذا كان يحب الله ورسوله فكما أن المحبة الواجبة ~~تستلزم لفعل الواجبات وكمال المحبة المستحبة تستلزم لكمال فعل المستحبات ~~والمعاصي تنقض المحبة وهذا معنى قول الشبلي لما سئل عن المحبة فقال ما غنت ~~به جارية فلان # تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا محال في القياس شنيع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن أحب مطيع # وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا ~~يسرق السارق حيث يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" وقد ~~تكلمنا على هذا في غير هذا الموضع # PageV01P073 # والمقصود هنا أن نفرق بين الحب في الله ولله الذي هو داخل في محبة الله ms038 ~~وهو من محبته وبين الحب لغير الله الذي فيه شرك في المحبة لله كما قال ~~تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} فإن هؤلاء ~~يشركون بربهم في الحب عادلون به جاعلون له أندادا وأولئك أخلصوا دينهم لله ~~فكان حبهم الذي هو أصل دينهم كله لله وهذا هو الذي بعث بالله الرسل وأنزل ~~به الكتب وأمر بالجهاد عليه # كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} وقال تعالى: ~~{قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا} # وقد علم أن محبة المؤمنين لربهم أشد من محبة هؤلاء المشركين لربهم ~~ولأندادهم ثم إن اتخاذ الأنداد هو من أعظم الذنوب كما في الصحيح عن عبد ~~الله بن مسعود: "قال قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا ~~وهو خلقك قلت ثم أي قال ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك # PageV01P074 # قلت ثم أي قال ثم أن تزني بحليلة جارك فأنزل الله تصديق ذلك {والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون} " فدعاء إله آخر مع الله هو اتخاذ ند من دون الله يحبه كحب الله إذ ~~أصل العبادة المحبة # والمحبة وإن كانت جنسا تحته أنواع فالمحبوبات المعظمة لغير الله قد أثبت ~~الشارع فيها اسم التعبد كقوله في الحديث الصحيح: "تعس عبد الدرهم تعس عبد ~~الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن ~~أعطي رضي وإن منع سخط". # فسمي هؤلاء الأربعة الذين إن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا لأنها محبتهم ~~ومرادهم عبادا لها حيث قال عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد ~~الخميصة # PageV01P075 ### | مراتب العشق، ذكر الله العشق في القرآن عن المشركين # ... # فإذا كان الإنسان مشغوفا بمحبة بعض المخلوقات لغير الله الذي يرضيه وجوده ~~ويسخطه عدمه كان فيه من التعبد بقدر ms039 ذلك ولهذا يجعلون العشق مراتب مثل ~~العلاقة ثم الصبابة ثم الغرام ويجعلون آخره التتيم والتتيم التعبد وتيم ~~الله هو عبد الله فيصير العاشق لبعض الصور عبدا لمعشوقه # والله سبحانه إنما ذكر هذا العشق في القرآن عن المشركين فإن العزيز ~~وامرأته وأهل مصر كانوا مشركين كما قال لهم يوسف عليه الصلاة والسلام {إني ~~تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون. واتبعت ملة آبآئي ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله ~~علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون. يا صاحبي السجن أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار.ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآبآؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا ~~إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} # وقال تعالى: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم ~~به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف ~~مرتاب. الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله ~~وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} # وقال تعالى: {وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد ~~شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين} # PageV01P076 ### | المتولون لشيطان هم الذين يحبون ما يحبه # ... # وأما يوسف عليه السلام فإن الله ذكر أنه عصمه بإخلاصه الدين لله وقال ~~تعالى: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء والفحشاء ~~ومن السوء عشقها ومحبتها ومن الفحشاء الزنا وقد يزني بفرجه من لا يكون ~~عاشقا وقد يعشق من لا يزني بفرجه والزنا بالفرج أعظم من الإلمام بصغيرة ~~كنظرة وقبلة. # وأما الإصرار على العشق ولوازمه من النظر ونحوه فقد يكون أعظم من الزنا ~~الواحد بشيء كثير والمخلصون يصرف الله عنهم السوء ms040 والفحشاء ويوسف عليه ~~السلام كان من المخلصين حيث كان يعبد الله لا يشرك به شيئا وحيث توكل على ~~الله واستعان به كما قال تعالى: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين. فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم} # وهذا تحقيق قوله تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم. إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه ~~على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} # فأخبر سبحانه أن المتوكلين على الله ليس للشيطان عليهم سلطان وإنما ~~سلطانه على المتولين له والمتولي من الولاية وأصله المحبة والموافقة كما أن ~~العداوة أصلها البغض والمخالفة فالمتولون له هم الذين يحبونه ما يحبه ~~الشيطان ويوافقه فهم مشركون به حيث أطاعوه وعبدوه بامتثال أمره كما قال ~~تعالى: # PageV01P077 # {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين. وأن ~~اعبدوني هذا صراط مستقيم} # والشياطين شياطين الإنس والجن والعبادة فيها الرغبة والرهبة قال تعالى: ~~{ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين. قال أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين. قال فاخرج منها فإنك رجيم. وإن عليك ~~لعنتي إلى يوم الدين. قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال فإنك من ~~المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم. قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك ~~منهم المخلصين. قال فالحق والحق أقول. لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين} فأقسم الشيطان {لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين} # وقد أخبر الله أنه ليس له سلطان على هؤلاء فقال في الحجر {فاخرج منها ~~فإنك رجيم. وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين. قال رب بما أغويتني لأزينن لهم ~~في الأرض ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين} قال تعالى: {إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} # وقوله {إلا من اتبعك من الغاوين} استثناء منقطع في أقوى القولين إذ ~~العباد هم العابدون لا المعبودون كما قال تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون ~~على الأرض هونا} ms041 # PageV01P078 ### | عباد الله المخلصون ليس للشيطان عليهم سلطان # ... # وقال تعالى: {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} # وقال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين. يا عباد لا خوف ~~عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين} # وقال تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} # وقال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} # وقال تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} # وإذا كان عباد الله المخلصون ليس له عليهم سلطان وأن سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون وقد أقسم أن يغويهم إلا عباد الله المخلصين ~~وأخبر الله أن سلطانه ليس على عباد الله بل على من اتبعه من الغاوين # والغي اتباع الأهواء والشهوات وأصل ذلك أن الحب لغير الله كحب الأنداد ~~وذلك هو الشرك قال الله تعالى فيه {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين ~~هم به مشركون} فبين أن صاحب الإخلاص مادام صادقا في إخلاصه فإنه يعتصم من ~~هذا الغي وهذا الشرك وإن الغي هو يضعف الإخلاص ويقوي هواه الشرك فأصحاب # PageV01P079 ### | العشاق يتولون الشيطان ويشركون به # ... # العشق الذي يحبه الشيطان فيهم من تولي الشيطان والإشراك به بقدر ذلك لما ~~فاتهم من إخلاص المحبة لله والإشراك بينه وبين غيره في المحبة حتى يكون فيه ~~نصيب من اتخاذ الأنداد وحتى يصيروا عبيدا لذلك المعشوق فيفنون فيه ويصرحون ~~بأنا عبيد له فيوجد في هذا الحب والهوى واقتراف ما يبغضه الله وما حرمه من ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن يشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا وأن يقولوا على الله ما لا يعلمون فيوجد فيه من الشرك ~~الأكبر والأصغر ومن قتل النفوس بغير حق ومن الزنا ومن الكذب ومن أكل المال ~~بالباطل إلى غير ذلك ما ينتظم هذه الأصناف التي يكرمها الله تعالى لأن أصله ~~أن يكون حبه كحب الله وهو من ترك إخلاص المحبة ومن الإشراك بينه وبين غيره ~~أو من جعل المحبة لغير الله فإذا عمل موجب ذلك كان ذلك هو ms042 اتباع الهوى بغير ~~هدي من الله # وفي الأثر ما تحت أديم السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوي متبع قال ~~تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا. أم تحسب أن أكثرهم ~~يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} # ولهذا لا يبتلي بهذا العشق إلا من فيه نوع شرك في الدين وضعف إخلاص لله ~~وسبب هذا ما ذكره بعضهم فقال إنه ليس شيء من # PageV01P080 # المحبوبات يستوعب محبة القلب إلا محبة الله أو محبة بشر مثلك أما محبة ~~الله فهي التي خلق لها العباد وهي سعادتهم وقد تكلمنا عليها في غير هذا ~~الموضع # وأما البشر المتماثل من ذكر أو أنثي فإن فيه من المشاكلة والمناسبة ما ~~يوجب أن يكون لكل شيء من الحب نصيب من المحبوب يستوعبه حبه ولهذا لا يعرف ~~لشيء من المحبوبات التي تحب لغير الله من الاستيعاب ما يعرف لذلك حتى يزيل ~~العقل ويفقد الإدراك ويوجب انقطاع الإرادة لغير ذلك المحبوب ويوجب مرض ~~الموت وإنما يعرض هذا كله لضعف ما في القلب من حب الله وإخلاص الدين له ~~عبادة واستعانة فيكون فيه من الشرك ما يسلط الشيطان عليه حتى يغويه هذا ~~بهذا الغي الذي فيه من تولي الشيطان والإشراك به ما يتسلط به الشيطان # ولهذا قد يطيع هذا المحب لغير الله محبوبه أكثر مما يطيع الله حتى يطلب ~~القتل في سبيله كما يختار المؤمن القتل في سبيل الله وإذا كان محبوبه مطيعه ~~من وجه وعبدا له فهو أولي بأن يكون هو مطيعه وعبدا له من وجه آخر # وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "شارب الخمر كعابد وثن" ومر علي # PageV01P081 # رضي الله عنه بقوم يلعبون بالشطرنج فقال ما هذه التماثيل التي أنتم لها ~~عاكفون وأظنه قلب الرقعة # وذلك أن الله جمع بين الخمر والميسر وبين الأنصاب والأزلام في قوله تعالى ~~{يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن ms043 يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} # مع أن الخمر إذا سكر بها الشارب كان سكره يوما أو قريبا من يوم أو بعض ~~يوم وأما سكر الشهوة والمحبة الفاسدة من العشق ونحوه فسكره قوي دائم قال ~~تعالى: في قوم لوط {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} # فكيف إذا خرج عن حد السكر إلى حد الجنون بل كان الجنون المطبق لا الحمق ~~كما أنشد محمد بن جعفر في كتاب اعتلال القلوب قال أنشدني الصيدلاني # قالت جننت على رأسي فقلت لها ... العشق أعظم مما بالمجانين # PageV01P082 ### | يوقع الشيطان العدواة بين المؤمنين بالعشق # ... # العشق ليس يفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين # وقال الآخر: # سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران # فصاحبه أحق بأن يشبه بعابد الوثن والعاكفين على التماثيل يعملونها على ~~صورة آدمي # وقد قال سبحانه وتعالى: {وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها ~~عن نفسه قد شغفها حبا} أي شغفها حبه أي وصل حبه إلى شغاف القلب وهي جلدة في ~~داخله فهذا يكون قد اتخذ ندا يحبه كحب الله # وإذا كان الشيطان يريد أن يوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة فالعداوة والبغضاء التي يريد أن ~~يوقعها بالعشق وصده عن ذكر الله وعن الصلاة بذلك أضعاف غيره كما قد تكلمنا ~~عليه في غير هذا الموضع وبينا أن جميع المعاصي يجتمع فيها هذان الوصفان وأن ~~ذكر ذلك في الخمر والميسر اللذين هما من أواخر المحرمات ينبه على ما في ~~غيرهما من ذلك مما حرم قبلهما كقتل النفوس بغير حق والفواحش ونحو ذلك # ومما يبين هذا أن الفواحش التي أصلها المحبة لغير الله سواء كان المطلوب ~~المشاهدة أو المباشرة أو الإنزال أو غير ذلك هي في المشركين أكثر منها في # PageV01P083 # المخلصين ويوجد فيهم ما لا يوجد في المخلصين لله # قال الله تعالى {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ~~ينزع ms044 عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ~~إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون. وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على ~~الله ما لا تعلمون. قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه ~~مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون. فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} ~~فأخبر سبحانه أنه جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وهو قوله تعالى ~~{أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} وقال ~~تعالى: {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} # وإذا كان سلطانه على أوليائه الذين تولوه والذين هم به مشركون وهم الذين ~~لا يؤمنون بالله وقال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين} فيكون هؤلاء هم الغاوين وهم الذين قال الشيطان لأغوينهم أجمعين ~~إلا عبادك منهم المخلصين # ولهذا أخبر سبحانه عن أوليائه أنهم {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون} فأخبر عن أولياء الشيطان وهم الذين يتولونه والذين هم به مشركون ~~أنهم إذا فعلوا فاحشة احتجوا بالتقليد # PageV01P084 # لأسلافهم وزعموا مع ذلك أن الله أمرهم بها فيتبعون الظن في قولهم إن الله ~~أمرهم بها وما تهوي الأنفس في تقليد أسلافهم وأتباعهم # وهذا الوصف فيه بسط كثير لكثير من المنتسبين إلى القبلة من الصوفية ~~والعباد والأمراء والأجناد والمتكلمة والمتفلسفة والعامة وغيرهم يستحلون من ~~الفواحش ما حرمه الله ورسوله وأصله العشق الذي يبغضه الله # وكثير منهم يجعل ذلك دينا ويري أنه يتقرب بذلك إلى الله إما لزعمه أنه ~~يزكي النفس ويهديها وإما لزعمه أنه يجمع بذلك قلبه على آدمي ثم ينتقل إلى ~~عبادة الله وحده وإما لزعمه أن الصور الجميلة مظاهر الحق ومشاهده وربما ~~اعتقد حلول الرب فيها واتحاده بها ومنهم من يخص ذلك بها ومنهم من يقول ~~بإطلاق وهؤلاء إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ms045 عليها آباءنا والله أمرنا بها # وكل هؤلاء فيهم من الإشراك بقدر ذلك ولهذا يظهر الافتتان بالصور وعشقها ~~فيمن فيهم شرك كالنصارى والرهبان والمتشبهين بهم من هذه الأمة من كثير من ~~المتفلسفة والمتصوفة الذين يفتنون بالأحداث وغيرهم فتجد فيهم قسطا عظيما من ~~اتخاذ الأنداد من دون الله يحبونهم كحب الله إما تدينا وإما شهوة وإما جمعا ~~بين الأمرين ولهذا تجد بين أغنيائهم وفقرائهم وبين ملوكهم وأمرائهم تحالفا ~~على اتخاذ أنداد من دون الله من هذين الوجهين # ولهذا تجدهم كثيرا ما يجتمعون على سماع الشعر والأصوات التي تهيج الحب ~~المشترك الذي يجتمع فيه محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الصلبان ومحب الأخوان ~~ومحب الأوطان ومحب المردان ومحب النسوان # PageV01P085 # وهذا السماع هو سماع المشركين كما قال تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت ~~إلا مكاء وتصدية} # وسبب ما ذكرنا أن الله خلق عباده لعبادته التي تجمع محبته وتعظيمه فإذا ~~كان في القلب ما يجد حلاوته من الإيمان والتوحيد له احتاج إلى أن يستبدل ~~بذلك ما يهواه فيتخذ إلهه هواه فيتخذ الشيطان وذريته أولياء من دون الله ~~وهم لهم عدو بئس للظالمين بدلا # ولهذا كان هذا ونحوه من تبديل الدين وتغيير فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} وقال تعالى: {ومن يشرك بالله فقد ضل ~~ضلالا بعيدا. إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا. لعنه ~~الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا. ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} # قال تعالى: {لا تبديل لخلق الله} ونفس ما خلقه الله لا تبديل له لا يمكن ~~أن توجد المخلوقات على غير ما يخلقه الله عليها ولا أن تخلق على غير الفطرة ~~التي خلقها الله عليها لكن بعض الخلق قد يغير بعضها كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلمصلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة ms046 بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء". # PageV01P086 ### | أصل العبادة المحبة والشرك فيها أصل الشرك # ... # ومما يبين ذلك أن أصل العبادة هي المحبة وأن الشرك فيها أصل الشرك كما ~~ذكره الله في قصة إمام الحنفاء إبراهيم الخليل حيث قال {فلما جن عليه الليل ~~رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين} وقال في القمر {لئن لم ~~يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} فلما أفلت الشمس قال {يا قوم إني بريء ~~مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين} # ولهذا تبرأ إبراهيم من المشركين وممن أشركوا بالله قال {قال أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون. أنتم وآباؤكم الأقدمون. فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} وقال ~~تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا ~~برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} # ومما يوضح ذلك أنه قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} وقال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير} فأمر ~~بالجهاد حتى لا تكون فتنة وحتى يكون الدين كله لله فجعل المقصود عدم كون ~~الفتنة ووجود كون الدين كله لله وناقض بينهما فكون الفتنة ينافي كون الدين ~~لله وكون الدين لله ينافي كون # PageV01P087 # الفتنة والفتنة قد فسرت بالشرك فما حصلت به فتنة القلوب ففيه شرك وهو ~~ينافي كون الدين كله لله # و ### | الفتنة جنس تحته أنواع من الشبهات # والشهوات وفتنة الذين يتخذون من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله من ~~أعظم الفتن ومنه فتنة أصحاب العجل كما قال تعالى: {قال فإنا قد فتنا قومك ~~من بعدك وأضلهم السامري} قال موسى {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي ~~من تشاء} وقال تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} # قيل لسفيان بن عيينة إن أهل الأهواء يحبون ما ms047 ابتدعوه من أهوائهم حبا ~~شديدا فقال أنسيت قوله تعالى {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله} وقوله تعالى {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} أو كلاما ~~هذا معناه وكل ما أحب لغير الله فقد يحصل به من الفتنة ما يمنع أن يكون ~~الدين لله # وعشق الصور من أعظم الفتن وقد قال تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} ~~ولهذا قال سبحانه وتعالى {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا} # وقد قال سبحانه {ألم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين} # PageV01P088 ### | فصل: محبة الله توجب المجاه\ة في سبيله، موادة عدو الله تنافي المحبة # ... # ومما يبين ذلك أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت ~~فقال: "أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده" , فأنكر عليه أن جعله ندا لله ~~في هذه الكلمة التي جمع فيها بينه وبين الله في المشيئة إذ مشيئة العبد ~~تابعة لمشيئة الله فلا يكون شريكه لما يعلم أن كون الشيء ندا لله قد يكون ~~بدون أن يعبد العبادة التامة فإن ذلك الرجل ما كان يعبد رسول الله تلك ~~العبادة # فصل # وبهذا يتبين أن محبة الله توجب المجاهدة في سبيله قطعا فإن من أحب الله ~~وأحبه الله أحب ما يحبه الله وأبغض ما يبغضه الله ووالي من يواليه الله ~~وعادي من يعاديه الله لا تكون محبة قط إلا وفيها ذلك بحسب قوتها وضعفها فإن ~~المحبة توجب الدنو من المحبوب والبعد عن مكروهاته ومتى كان مع المحبة نبذ ~~ما يبغضه المحبوب فإنها تكون تامة # وأما موادة عدوه فإنها تنافي المحبة قال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم # PageV01P089 # أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الأيمان وأيدهم بروح منه} ~~فأخبر أن ms048 المؤمن الذي لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما ~~في الحديث المتفق عليه والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ~~ولده ووالده والناس أجمعين لا تجده موادا لمن حاد الله ورسوله فإن هذا جمع ~~بين الضدين لا يجتمعان ومحبوب الله ومحبوب معاديه لا يجتمعان # فالمحب له لو كان موادا لمحاده لكان محبا لاجتماع مراد المتحادين ~~المتعاديين وذلك ممتنع ولهذا لم تصلح هذه الحالة إلا لله ورسوله فإنه يجب ~~على العبد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ولا يكون مؤمنا إلا ~~بذلك ولا تكون هذه المحبة مع محبة من يحاد الله ورسوله ويعاديه أبدا فلا ~~ولاء لله إلا بالبراءة من عدو الله ورسوله # وأما المؤمنون الذين قد يقاتل بعضهم بعضا فأولئك ليسوا متحادين من كل وجه ~~فإن مع كل منهما من الإيمان ما يحب عليه الآخر وإن كان يبغضه أيضا فيجتمع ~~فيهما المحبة والبغضة وكذلك كل منهما لا يجب أن تكون جميع أفعاله موافقة ~~لمحبة الله وجميع أفعال الآخر موافقة لبغض الله بل لا بد أن يفعل أحدهما ما ~~لا يحبه الله وإن لم يبغضه ولا بد أن يكون في الآخر أيضا ما يحبه الله إذ ~~هو مؤمن فيجب أن يعطي كل واحد من المحبة بقدر إيمانه ولا يجب أن يحب من ~~أحدهما ما لا يحبه وإن كان لا يبغضه بل ولا يحب من واحدهما ما كان خطأ # PageV01P090 ### | محبة الله ورسوله درجتين: زاجبة ومستحبة # ... # أو ذنبا مغفورا وإن كان لا يبغض على ذلك فلا يحب إلا ما أحبه الله ورسوله ~~فيحب ما كان من اجتهاده من عمل صالح # وهذا الذي ذكرناه أمر يجده الإنسان من نفسه ويحسه أنه إذا أحب الشيء لم ~~يحب ضده بل يبغضه فلا يتصور اجتماع إرادتين تامتين للضدين لكن قد يكون في ~~القلب نوع محبة وإرادة لشيء ونوع محبة وإرادة لضده فهذا كثير بل هو غالب ~~على بني آدم لكن لا يكون واحد منهما تاما فإن المحبة ms049 والإرادة التامة توجب ~~وجود المحبوب المراد مع القدرة فإذا كانت القدرة حاصلة ولم يوجد المحبوب ~~المراد لم يكن الحب والإرادة تامة وكذلك البغض التام يمنع وجود البغيض مع ~~القدرة فمتي وجد مع إمكان الامتناع لم يكن البغض تاما # ومن هنا يعرف أن قول النبي صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم: "لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب ~~الخمر حين يشربها وهو مؤمن" , على بابه لو كان بغضه لما أبغضه الله من هذه ~~الأفعال تاما لما فعلها فإذا فعلها فإما أن يكون تصديقه بأن الله يبغضها ~~فيه ضعف أو نفس بغضه لما يبغضه الله فيه ضعف وكلاهما يمنع تمام الإيمان ~~الواجب # ومحبة الله ورسوله على درجتين واجبة وهي درجة المقتصدين ومستحبة وهي درجة ~~السابقين # PageV01P091 ### | المحبة الواجبة وهب محبة المقتصدين، المحبة المستحبة وهي محبة السابقين # ... # فالأولى تقتضي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما بحيث لا يحب شيئا ~~يبغضه كما قال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من ~~حاد الله ورسوله} وذلك يقتضي محبة جميع ما أوجبه الله تعالى وبغض ما حرمه ~~الله تعالى وذلك واجب فإن إرادة الواجبات إرادة تامة تقتضي وجود ما أوجبه ~~كما تقتضي عدم الأشياء التي نهي الله عنها وذلك مستلزم لبغضها التام # فيجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله قال تعالى: ~~{ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} # وقال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ~~فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم} # وقال تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ~~ينكر بعضه} # وأما محبة السابقين بأن يحب ما أحبه الله من النوافل والفضائل محبة تامة ~~وهذه حال المقربين الذين قربهم الله إليه فإذا كانت محبة الله ورسوله ~~الواجبة تقتضي بغض ما أبغضه الله ورسوله كما ms050 في سائر أنواع المحبة فإنها ~~توجب بغض # PageV01P092 ### | ترك الجهاد لعدم المحبة التامة وهو دليل النفاق # ... # الضد علم أن الجهاد من موجب محبة الله ورسوله فإن مقصود الجهاد تحصيل ما ~~أحبه الله ودفع ما أبغضه الله # فمن لم يكن فيه داع إلى الجهاد فلم يأت بالمحبة الواجبة قطعا كان فيه ~~نفاق كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ~~مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق". # وكذلك جمع بينهما في قوله تعالى {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله ~~والله لا يهدي القوم الظالمين. الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون. يبشرهم ربهم ~~برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم. خالدين فيها أبدا إن الله عنده ~~أجر عظيم} فقرنه بالمحبة في الآيتين من # PageV01P093 # قوله {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمر} وفي قوله تعالى {فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} فأخبر أن القوم الذين يحبهم الله ورسوله ~~هم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون ~~لومة لائم كما قال تعالى: في الآية الأخرى {أشداء على الكفار رحماء بينهم} ~~فوصفهم بالذلة والرحمة لأوليائه إخوانهم والعزة والشدة على أعدائه أعدائهم ~~وأنهم يجاهدون في سبيل الله # والجهاد من الجهد وهو الطاقة وهو أعظم من الجهد الذي هو المشقة فإن الضم ~~أقوي من الفتح وكلما كانت الحروف أو الحركات أقوي كان المعني أقوي # ولهذا كان الجرح أقوي من الجرح فإن ms051 الجرح هو المجروح نفسه وهو غير الجرح ~~مصدر وهو فعل # وكذلك الكره والمكروه والمكره كما قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره ~~لكم} وقال تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها} # فالجهد نهاية الطاقة والقدرة قال تعالى: {والذين لا يجدون إلا جهدهم} # PageV01P094 ### | انقسام الناس إلى أربعة أقسام # ... # وفي الحديث: "أفضل الصدقة جهد من مقل يسره إلى فقير" ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "الجهاد سنام العمل" فإنه أعلى الإرادات في نهاية القدرة ~~وهذا هو أعلى ما يكون من الإيمان كالسنام الذي هو أعلي ما في البعير وقد ~~يكون بمشقة وقد لا يكون # وأما الجهد فهو المشقة وإن لم يكن تمام القدرة # فالجهاد في سبيل الله تعالى من الجهد وهي المغالبة في سبيل الله بكمال ~~القدرة والطاقة فيتضمن شيئين أحدهما استفراغ الوسع والطاقة والثاني أن يكون ~~ذلك في تحصيل محبوبات الله ودفع مكروهاته والقدرة والإرادة بهما يتم الأمر # وهنا انقسم الناس أربعة أقسام فقوم لهم قدرة ولهم إرادة ومحبة غير # PageV01P095 # مأمور بها فهم يجاهدون ويستعملون جهدهم وطاقتهم لكن لا في سبيل الله بل ~~في سبيل آخر إما محرمة كالفواحش ما ظهر منها وما وبطن والإثم والبغي بغير ~~الحق والإشراك بالله ما لم ينزل به سلطانا والقول على الله بغير علم الحق # وإما في سبيل لا ينفع عند الله مما جنسه مباح لا ثواب فيه لكن الغالب أن ~~مثل هذا كثيرا ما يقترن به من الشبه ما يجعله في سبيل الله أو في سبيل ~~الشيطان. # وقوم لهم إرادة صالحة ومحبة كاملة لله ولهم أيضا قدرة كاملة فهؤلاء سادة ~~المحبين المحبوبين المجاهدين في سبيل الله لا يخافون لومة لائم كالسابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة # والقسم الثالث قوم فيهم إرادة صالحة ومحبة لله قوية تامة لكن قدرتهم ~~ناقصة فهم يأتون بمحبوبات الحق من مقدورهم ولا يتركون مما يقوون عليه شيئا ~~لكن قدرتهم قاصرة ومحبتهم كاملة فهو مع القسم الذي قبله # وما زال في المؤمنين على ms052 عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده من هؤلاء ~~خلق كثير وفي مثل هؤلاء قال النبي صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم: ~~"إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا سلكتم واديا # PageV01P096 # إلا كانوا معكم قالوا وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر" وقال ~~له سعد بن أبي وقاص يا رسول الله الرجل يكون حامية القوم يسهم له مثلما ~~يسهم لأضعفهم فقال: "يا سعد وهل تنصرون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلواتهم ~~واستغفارهم". # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين وقال: ~~"رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" ~~وهذا كثير # PageV01P097 # والقسم الرابع من قدرته قاصرة وإرادته للحق قاصرة وفيه من إرادة الباطل ~~ما الله به عليم فهؤلاء ضعفاء المجرمين ولكن قد يكون لهم من التأثير ~~بقلوبهم نصيب وحظ مع أهل باطلهم كما يوجد في العلماء والعباد والزاهدين من ~~المشركين وأهل الكتاب ومنافقي هذه الأمة ما فيه مضاهاة لعلماء المؤمنين ~~وعبادهم وذلك أن الشيطان جعل لكل شيء من الخلق نظيرا في الباطل فإن أصل ~~الشر هو الإشراك بالله كما أن أصل الخير هو الإخلاص لله # فإن الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وحده لا يشركوا به شيئا وبذلك أرسل ~~الرسل وبه أنزل الكتب كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ~~أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} # و ### | العبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذل # فالعابد محب خاضع بخلاف من يحب من لا يخضع له بل يحبه ليتوسل به إلى ~~محبوب آخر وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم فإن كلا من هذين ليس ~~عبادة محضة وإن كل # PageV01P098 # محبوب لغير الله ومعظم لغير الله ففيه شوب من العبادة كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد ~~القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك ms053 فلا انتقش". # وذلك كما جاء في الحديث: "إن الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل", مع ~~أنه ليس في الأمم أعظم تحقيقا للتوحيد من هذه الأمة ولهذا كان شداد بن أوس ~~يقول: يا نعايا العرب يا نعايا العرب إن أخوف ما أخوف عليكم الرياء والشهوة ~~الخفية قال أبو داود الشهوة الخفية حب الرياسة # وفي حديث الترمذي عن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما ~~ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه" ~~, قال الترمذي حديث حسن صحيح, والحرص يكون على قدر قوة الحب والبغض # وقد قال الله تعالى {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} وروي أن أبا ~~بكر الصديق رضي الله عنه قال للنبي إذا كان # PageV01P099 # الشرك أخفى من دبيب النمل فكيف نتجنبه فقال النبي صلى الله عليه وسلمصلى ~~الله عليه وسلم: "ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من قليله وكثيره قل اللهم ~~إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم ", فأمره مع ~~الاستعاذة من الشرك المعلوم بالاستغفار فإن الاستغفار والتوحيد بهما يكمل ~~الدين # كما قال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات} وقال تعالى: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. ألا ~~تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير. وأن استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه} # وفي الحديث: "إن الشيطان قال أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا ~~الله والاستغفار فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون ~~لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا" , وهذا كذلك فإن من اتخذ إلهه هواه صار ~~يعبد من يهواه وقد زين له سوء عمله فرآه حسنا # قال تعالى: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا ~~أعتدنا جهنم للكافرين نزلا. قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} # وقال تعالى: {وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما ms054 كيد فرعون إلا ~~في تباب} # PageV01P100 # وقال تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم ~~إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب. إذ يقول المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز ~~حكيم} # وقال تعالى: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم دينهم} # وكمال الدين هو أداء الواجبات وترك المحرمات والفعل والترك أصلهما الحب ~~والبغض فإذا ترك مأمورا أو فعل محظورا فإنما هو لنقص الإيمان الذي هو ~~التصديق وحب ما يحبه الله وبغض ما يبغضه الله # والمحبوبات على قسمين قسم يحب لنفسه وقسم يحب لغيره إذ لا بد من محبوب ~~يحب لنفسه وليس شيء شرع أن يحب لذاته إلا الله تعالى وكذلك التعظيم لذاته ~~تارة يعظم الشيء لنفسه وتارة يعظم لغيره وليس شيء يستحق التعظيم لذاته إلا ~~الله تعالى # وكل ما أمر الله أن يحب ويعظم فإنما محبته لله وتعظيمه عبادة لله فالله ~~هو المحبوب المعظم في المحبة والتعظيم المقصود المستقر الذي إليه المنتهي ~~وأما ما سوي ذلك فيحب لأجل الله أي لأجل محبة العبد لله يحب ما أحبه الله # PageV01P101 ### | من أحب شسئا كما يحب الله أو عظمه كما يعظم الله فقد أشرك # ... # فمن تمام محبة الشيء محبة محبوب المحبوب وبغض بغيضه ويشهد لهذا الحديث ~~أوثق عري الإيمان الحب في الله والبغض في الله # وفي السنن: "من أحب لله وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله فقد استكمل ~~الإيمان". # فمن أحب شيئا لذاته أو عظمه لذاته غير الله فذاك شرك به وإن أحبه ليتوصل ~~به إلى محبوب آخر وتعظيم آخر سوى الله فهو من فروع هذا والله سبحانه لم ~~يشرع أن يعبد الإنسان شيئا من دونه أو يتخذ إلها ليتوصل بعبادته كما قال ~~تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون} وقال تعالى: ms055 {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين} # فمن أحب شيئا كما يحب الله أو عظمه كما يعظم الله فقد جعله لله ندا وإن ~~كان يقول إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفي وأنهم شفعاؤنا عند الله # PageV01P102 # قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله} أي يحبونهم كما يحبون الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله منهم لأنهم أخلصوا لله فلم يجعلوا المحبة مشتركة بينه وبين غيره فإن ~~الاشتراك فيها يوجب نقصها والله لا يتقبل ذلك كما في الحديث الصحيح يقول ~~الله تعالى " أنا أغني الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا ~~منه بريء وهو كله للذي أشرك" # فالمؤمن الذي يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما لا بد أن يكون ما ~~أحبه الله ورسوله أحب إليه مما لم يحبه الله ورسوله وأن يبغض ما يبغضه الله ~~ورسوله فلا يكون ذلك البغيض أحب إليه من محبوب الله ورسوله # والحب التام منا مستلزم للإرادة التامة الموجبة للفعل مع القدرة والبغض ~~التام منا مستلزم للكراهة التامة المانعة للقدرة فإذا كان العبد قادرا على ~~محبات الحق ولا يفعلها فلضعف محبتها في قلبه أو وجود ما يعارض الحق مثل ~~محبته لأهله وماله فإن ذلك قد يمنعه عن فعل محبوب الحق # كما قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا} # وقال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من # PageV01P103 # ولده ووالده والناس أجمعين" وقال له عمر: "والله يا رسول الله لأنت أحب ~~إلى من كل شيء إلا من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال ~~فأنت أحب إلى من نفسي قال الآن يا عمر" وهذان الحديثان في الصحيح. # فإن كانت واجبات نقص من درجة المقتصدين من أصحاب ms056 اليمين حتى يتوب أو ~~يمحوها بشيء آخر وإن كانت نوافل فإنها من القرب بحسب ذلك ### | الإنسان لا يفعل الحرام إلا لضعف إيمانه ومحبته # وإذا فعل مكروهات الحق فلضعف بعضها في قلبه أو لقوة محبتها التي تغلب ~~بعضها فالإنسان لا يأتي شيئا من المحرمات كالفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق والشرك بالله مالم ينزل به سلطانا والقول على الله ~~بغير علم إلا لضعف الإيمان في أصله أو كماله أو ضعف العلم والتصديق وإما ~~ضعف المحبة والبغض # لكن إذا كان أصل الإيمان صحيحا وهو التصديق فإن هذه المحرمات يفعلها ~~المؤمن مع كراهته وبغضه لها فهو إذا فعلها لغلبة الشهوة عليه فلا بد أن ~~يكون مع فعلها فيه بغض لها وفيه خوف من عقاب الله عليها وفيه رجاء لأن يخلص ~~من عقابها إما بتوبة وإما حسنات وإما عفو وإما دون ذلك وإلا فإذا لم يبغضها ~~ولم يخف الله فيها ولم يرج رحمته فهذا لا يكون مؤمنا بحال بل هو كافر أو ~~منافق # PageV01P104 # فكل سيئة يفعلها المؤمن لا بد أن تقترن بها حسنات له لكن قوة شهوته ~~للسيئة وما زين له فيها حتى ظن أنها مصلحة له أوجب وقوعها وهو اتباع الظن ~~وما تهوي الأنفس وهذا القدر عارض بعض إيمانه فترجح عليه حتى ما هو ضد لبعض ~~الإيمان فلم يبق مؤمنا الإيمان الواجب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ~~يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". وهو فيما يفعله متبع للشيطان فيما زينه ~~له حتى رآه حسنا وفيما أمره به فأطاعه وهذا من الشرك بالشيطان كما قال ~~تعالى: {فتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} ~~وقال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين. وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} # ولهذا لم يخلص من الشيطان إلا المخلصون لله كما قال تعالى: عن إبليس ~~{ولأغوينهم أجمعين. ms057 إلا عبادك منهم المخلصين} وقال تعالى: {إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} وقال تعالى: {إنه ليس له سلطان على ~~الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم ~~به مشركون} # فإذا كان الشيطان ليس له سلطان إلا على من أشرك به فكل من أطاع الشيطان ~~في معصية الله فقد تسلط الشيطان عليه وصار فيه من الشرك بالشيطان بقدر ذلك # PageV01P105 # والشيطان يوالي الإنسان بحسب عدم إيمانه كما قال تعالى: {إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} وقال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض ~~له شيطانا فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى ~~إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} وقال تعالى: في ~~قصة يوسف عليه السلام {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين} # ويشهد لهذا ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلمصلى ~~الله عليه وسلم: "إن الشيطان ينتصب عرشه على البحر ويبعث سراياه". # فجميع ما نهى الله عنه هو من شعب الكفر وفروعه كما أن كل ما أمر الله به ~~هو من الإيمان والإخلاص لدين الله ولهذا قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله} # لكن قد يكون ذلك شركا أكبر وقد يكون شركا أصغر بحسب ما يقترن به من ~~الإيمان فمتي اقترن بما نهي الله عنه الإيمان لتحريمه وبغضه وخوف # PageV01P106 ### | تزيين الشيطان لكثير من الناس أنواعا من الحرام ضاهوا بها الحلال # ... # العقاب ورجاء الرحمة لم يكن شركا أكبر وأما إن اتخذ الإنسان ما يهواه ~~إلها من دون الله وأحبه كحب الله فهذا شرك اكبر والدرجات في ذلك متفاوتة # وكثير من الناس يكون معه من الإيمان بالله وتوحيده ما ينجيه من عذاب الله ~~وهو يقع في كثير من هذه الأنواع ولا يعلم أنها شرك بل لا يعلم أن الله ~~حرمها ولم تبلغه في ذلك رسالة من عند الله والله تعالى يقول {وما كنا ms058 ~~معذبين حتى نبعث رسولا} فهؤلاء يكثرون جدا في الأمكنة والأزمنة التي تظهر ~~فيها فترة الرسالة بقلة القائمين بحجة الله فهؤلاء قد يكون معهم من الإيمان ~~ما يرحمون به وقد لا يعذبون بكثير مما يعذب به غيرهم ممن كانت عليه حجة ~~الرسالة # فينبغي أن يعرف أن استحقاق العباد للعذاب بالشرك فما دونه مشروط ببلاغ ~~الرسالة في أصل الدين وفروعه ولهذا لما كثر الجهل وانتشر زين الشيطان لكثير ~~من الناس نواعا من المحرمات ضاهوا بها حلال وقد لا يعلمون أنها محرمة بغيضة ~~إلى الله بل قد يظنون أن ذلك محبوب لله مأمور به وقد يظنون أن فيها هذا ~~وهذا وهم في ذلك يتبعون الظن وما تهوي الأنفس وقد يعلمون تحريم ذلك ويظهرون ~~عدم الوجه المحرم خداعا ونفاقا فهؤلاء غير المؤمن الذي يحب الله ورسوله ~~ويأتي بالمحرم معتقدا أنه محرم وهو مبغض له خائف راج # PageV01P107 # وهذه الأمور توجد في الأقسام الثلاثة ونحن نذكر أمثلة ذلك في المحرمات ~~التي ذكرها الله في قوله تعالى {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والأثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون} فالله سبحانه قد حرم الفواحش كما ذكر # وقد قال تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين} فلم تبح إلا المرأة التي هي زوج أو ملك يمين وقد ~~ذكر ما اشترطه في الحلال بقوله {غير مسافحات ولا متخذات أخدان} وقوله {غير ~~مسافحين ولا متخذي أخدان} # كما في الصحيح عن عائشة قالت: "كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء ~~وذكرت أصحاب الرايات وهن المسافحات وأن إلحاق النسب في # PageV01P108 # وطئهن كان بالقافة وذكرت التي يطأها جماعة محصورة وأن الإلحاق كان بتعيين ~~المرأة وذكرت نكاح الاستبضاع وهو غير نكاح ذوات الأخدان وذكرت النكاح ~~الرابع وهو النكاح المعروف الذي أحله الله. # فالشيطان جعل من الحرام ما فيه مضاهاة من للحلال وان سمي باسم آخر لكن ~~المعني فيه اشتراك ms059 فالله أباح للرجل امرأته ومملوكته وكل من الرجل والمرأة ~~زوج الآخر فذوات الأخدان بينهن وبين أخدانهن نوع ازدواج واقتران كذلك ولهذا ~~ميز الله بين هذا وهذا # PageV01P109 # وأخفى من ذلك مؤاخاة كثير من الرجال لكثير من النساء أو لكثير من الصبيان ~~وقولهم إن هذه مؤاخاة لله إذا لم تكن المؤاخاة على فعل الفاحشة كذوات ~~الأخدان فهذا الذي يظهرونه للناس الذين يوافقونهم ويقرونهم على ذلك ويرون ~~كلهم أن من أحب صبيا أو امرأة لصورته وحسنه من غير فعل فاحشة فإن هذا محبة ~~لله # فهذا من الضلال والغي وتبديل الدين حيث جعل ما كرهه الله محبوبا لله وهو ~~نوع من الشرك والمحبوب المعظم بذلك طاغوت # وذلك أن اعتقاد أن التمتع بالمحبة والنظر أو نوع من المباشرة إلى المرأة ~~الأجنبية والصبيان هو لله وهو حب في الله كفر وشرك كاعتقاد أن محبة الأنداد ~~حب لله وأن الاجتماع على الفاحشة تعاون على البر والتقوى وأن الإقامة على ~~ذلك بالعبادة هي عبادة لله ونحو ذلك # فاعتقاد أن هذه الأمور التي حرمها الله ورسوله تحريما ظاهرا أنها دين ~~الله ومحبة الله نوع من الشرك والكفر # ثم قد يكون منها من خفيها أشياء تروج على من لم يبلغه العلم كما اشتبه ~~على كثير من العلماء والعباد أن استماع أصوات الملاهي تكون عبادة لله ~~واشتبه على من هو أضعف علما وإيمانا أن التمتع بمشاهدة هذه الصور يكون ~~عبادة لله # ثم بعد هذا الضلال وما فيه من الغي هم أربعة أقسام # PageV01P110 # قوم يعتقدون أن هذا لله ويقتصرون عليه كما يوجد مثل ذلك في كثير من ~~الأجناد والمتنسكة والعامة # وقوم يعلمون أن هذا ليس لله وإنما يظهرون هذا الكلام نفاقا وخداعا لئلا ~~ينكر عليهم وهؤلاء من وجه أمثل لما يرجي لهم من التوبة ومن جهة أخبث لأنهم ~~يعلمون التحريم ويأتون المحرم # وقوم مقصودهم ما وراء ذلك من الفاحشة الكبرى فتارة يكونون من أولئك ~~الظالمين الذين يعتقدون أن هذه المحبة التي لا وطء فيها لله فيفعلون شيئا ~~لله ويفعلون هذا لغير الله ms060 وتارة يكونون من أولئك الغاوين المنافقين الذين ~~يظهرون أن هذه المحبة لله وهم يعلمون أنها للشيطان فيجمع هؤلاء بين هذا ~~الكذب وبين الفاحشة الكبرى وهؤلاء في هذه المخادنة والمؤاخاة يضاهون النكاح ~~فإنه يحصل بين هذين من الاقتران والازدواج ما يشبه اقتران الزوجين ويزيد ~~عليه تارة وينقص عنه تارة وما يشبه اقتران المتحابين في الله والمتآخين في ~~الله لكن الذين آمنوا أشد حبا لله # فالمتحابان في الله يعظم تحابهما ويقوي ويثبت بخلاف هذه المؤاخاة ~~الشيطانية فإنه يترتب عليها أنواع من الفساد ثم هذا قد يظهر وينتشر حتى قد ~~يسمونه زواجا ويقولون تزوج هذا بهذا كما يفعل ذلك بعض المستهزئين # PageV01P111 # بآيات الله من فجار الفساق والمنافقين ويقره الحاضرون على ذلك ويضحكون ~~وربما أعجبهم مثل هذا المزاح # كما أن اعتقاد أن هذه المحبة لله أوجب لمن كان من فجار الفساق والمنافقين ~~أن يقول لهم الأمرد حبيب الله والملتحي عدو الله وذلك يعجبهم ويضحكون منه ~~وحتى اعتقد كثير من المردان أن هذا حق وهو داخل في قول النبي صلى الله عليه ~~وسلمصلى الله عليه وسلم: "إذا أحب الله العبد نادي في السماء يا جبريل إني ~~أحب فلانا". فيصير يعجبه أن يحب ويعتقد الغاوي أنه محبوب # وذلك أن من فقهاء الكوفة من لا يوجب في اللوطية الحد بل التعزير إلا إذا ~~أسرف فيه فإنه يبيح قتله سياسة ومن الفقهاء من يوجب فيه حد الزني كأشهر ~~قولي الشافعي وإحدي الروايتين عن أحمد وقول أبي يوسف ومحمد وأكثر فقهاء ~~الحجاز وأهل الحديث يوجبون قتلهما جميعا كمذهب مالك وظاهر مذهب أحمد # وزعم بعض الفقهاء أن فجور الرجل بمملوكه شبهة في درء الحد وهو موجب ~~للتعزير كما هو أحد القولين في وطء أمته المحرمة عليه برضاع # PageV01P112 # أو محرمته وأيضا فالعقوبة بالقتل إنما تكون في حق البالغ وأما الصبي ~~وأمثاله فيجوز قتله إذا قاتل مع الكفار فأما بمجرد فعله هو بنفسه فلا يقتل ~~بل يعاقب بما يزجره # وكذلك النوع الثاني من الحلال وهو ملك اليمين فإن المرأة قد تملك الرجل ms061 ~~والرجل قد يملك الصبي وقد يكون في هذا الملك نوع من ملك الرجل الأمة فربما ~~استمتعت المرأة بمملوكها بمقدمات النكاح أو بالنكاح مضاهاة لاستمتاع الرجل ~~بمملوكته وربما تأولت القرآن على ذلك واعتقدت أن ذلك داخل في قوله تعالى ~~{أو ما ملكت أيمانهم} كما رفع إلى عمر ابن الخطاب امرأة تزوجت عبدها وتأولت ~~هذه الآية ففرق بينهما وأدبه وقال ويحك إنما هذه للرجال لا للنساء # وكذلك كثير من جهال الترك وغيرهم قد يملك من الذكران من يحبهم ويستمتع ~~بهم وقد يتأول بعضهم على ذلك {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} ومن ~~المعلوم أن هذا كفر بإجماع المسلمين فالاعتقاد بأن الذكران حلال بملك أو ~~غير ملك باطل وكفر بإجماع المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم # PageV01P113 # ثم من هؤلاء من يتأول هذه الآية ومنهم من يتأول {ولعبد مؤمن خير من مشرك} ~~ولا يفرق بين المنكوح والناكح كما سألني مرة بعض الناس عن هذه الآية وكان ~~ممن يقرأ القرآن ويطلب العلم وقد ظن أن معناها إباحة ذكران المؤمنين # وآخرون قد يجتمع بهم من يقول لهم إن في هذه المسألة خلافا ويكذب أئمة ~~المسلمين الذين لا تكون مذاهبهم ظاهرة في بلاده مثل من يكون بأرض الروم ~~فيكذب على مذهب مالك ويقول هو مباح في مذهب مالك ومنهم من يقول هذا مباح ~~للضرورة مثل أن يبقي الرجل أربعين يوما إلى أمثال هذه الأمور التي خاطبني ~~فيها وسألني عنها طوائف من الجند والعامة والفقراء وكان عندهم من هذه ~~الاعتقادات الفاسدة ألوان مختلفة قد صدتهم عن سبيل الله # ومنهم من قد بلغه خلاف بعض العلماء في وجوب الحد في بعض الصور فيظن أن ~~ذلك خلاف في التحريم فربما قال ذلك أو اعتقده ولا يفرق بين الخلاف على الحد ~~المقدر والتحريم وأن الشيء قد يكون من أعظم المحرمات كالدم والميتة ولحم ~~الخنزير وليس فيه حد مقدر # ثم ذلك الخلاف قد يكون قولا ضعيفا فيتولد من ذلك القول الضعيف الذي هو ~~خطأ بعض المجتهدين وهذا الظن الفاسد الذي هو خطأ بعض ms062 الجاهلين ومن الكذب ~~الذي هو فرية بعض الظالمين تبديل # PageV01P114 # الدين وطاعة الشياطين وسخط رب العالمين حتى نقل أن كثيرا من المماليك ~~يتمدح بأنه لا يعرف إلا سيده كما تتمدح الأمة بأنها لا تعرف إلا سيدها ~~وزوجها وكذلك كثير من المردان الأحداث يتمدح بأنه لا يعرف إلا خدينه وصديقه ~~ومؤاخيه كما تتمدح المرأة بأنها لا تعرف إلا زوجها وكذلك كثير من الزناة ~~بالمماليك والأحداث من الصبيان قد يتمدح بأنه عفيف عما سوي خدنه الذي هو ~~قرينه كالزوجة أو عما سوي مملوكه الذي هو قرينه كما يتمدح المؤمن بأنه عفيف ~~إلا عن زوجته أو ما ملكت يمينه # ولا ريب أن الكفر والفسوق والعصيان درجات كما أن الإيمان والعمل الصالح ~~درجات {هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون} وقد قال تعالى: {إنما ~~النسيء زيادة في الكفر} وقال تعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون} وقال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} كما قال تعالى: {يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت} وقال {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ~~ربك طغيانا وكفرا} كما قال تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل ~~إليك} # فالمتخذ خدنا من الرجل والنساء أقل شرا من المسافح لأن الفساد في ذلك أقل ~~والمستخفي بما يأتيه أقل إثما من المجاهر المستعلن كما في الحديث عن # PageV01P115 # النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من ابتلي من هذه القاذورات بشيء ~~فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله" # وقد قال: "من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة". # وفي الحديث: "إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم ~~تنكر ضرت الجماعة". # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل أمتي معافى إلا ~~المجاهرين وإن من المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب وقد ستره الله فيصبح ~~فيتحدث بذنبه ويقول يا فلان فعلت الليلة كيت وكيت" أو كما قال # PageV01P116 # فالإقلال ms063 والاستخفاء خير من هذه الوجوه ولكن قد يقترن بها ما يكون أعظم ~~من بعض المسافحة والمجاهرة وهي المحبة والتعظيم التي توجب محبة ما يحبه ~~الخدن وتعظيم ما يعظمه وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه والاستسرار ~~بذلك والنفاق فيه فقد تكون في هذه الموالاة والمعاداة والنفاق من العدوان ~~والضرر على المسلمين أعظم مما في المجاهرة والمسافحة ويكون ذلك بمنزلة ~~الكافر المعلن كفره وهذا بمنزلة المنافق فأما إذا لم يكن عدوان على الناس ~~وتضييع لحقوقهم لانتفاء المحبة أو لغير ذلك فالأول أخبث وأفحش وتفاوت ~~الشرور في القدر والصفة كثير كما يتفاضل الخير أيضا في القدر والوصف ~~والواجب استعمال الكتاب والسنة في جميع الأمور # ولا ريب أن هذه المخادنة وملك اليمين ونحو ذلك مما فيه اشتراك في محرم ~~مضاد للحلال لا بد أن يتضمن من المباح ما يصير فيه من الشبه بالحلال ومن ~~التمييز عن الحرام ما يكون فيه رواج له إذ الحرام المحض المحض من كل وجه لا ~~يشتبه بالحلال المحض من كل وجه بل بقتني الرجل المملوك لنوع من الاستخدام ~~ويضم إلى ذلك الاستمتاع وقد يكون هذا أغلب في نفسه من # PageV01P117 # الآخر وقد يكون بالعكس وذلك الاستخدام قد يكون مباحا في الشريعة وقد يكون ~~فيه نوع من الظلم والعدوان إما باسترقاق الأحرار وإما باشتراء المماليك ~~لنفسه بالمال المغصوب من بيت المال أو غيره وإما في استخدامهم على وجه ~~الكبرياء والعلو في الأرض بإذلاله لهم في غير طاعة الله وإذلال الناس بهم ~~في غير طاعة الله إلى أمثال ذلك من الوجوه التي يكون فيها من الظلم ~~والعدوان أمور عظيمة وينضم إلى ذلك الفاحشة # وكذلك في المخادنة التي صورتها مؤاخاة قد تكون لأجل الاستئجار لصناعة ~~ونحوها وقد تكون لتعلم صناعة أو كتابة أو قراءة أو علم أو تأديب وتنوير ~~وغير ذلك من الأمور المباحة والمستحبة والواجبة في الدين وقد تكون لكفالة ~~وتربية إما ليتم ذلك الصبي أو غربته أو لقرابة بينهما أو غير ذلك وقد يكون ~~اشتراكا محضا في صناعة أو تجارة أو ms064 بحمل مال أو مجاورة وصلة أو تعلم أو ~~تأدب أو غير ذلك مما يشترك الناس فيه لغير فاحشة بشركة مباحة أو مأمور بها ~~أو منهي عنها ويكون بينهم في ذلك من التعاقد والتحالف ما يكون بين ~~المشتركين في الأمور وقد يسمي ذلك صديقا ورفيقا وسمي بالتركية خوشداشا وغير ~~ذلك وهو من قسم التحالف فيكون بين المشتركين في الحلال والحرام من المعاوضة ~~والمشاركة إما على غير فاحشة وإما # PageV01P118 ### | موقف المؤمن من الشرور والخيرات وما يجب عليه حيالها # ... # معاوضة بتلك فتكون شبهة مع الشهوة فغالب وقوع المحرمات من هذا الباب وقد ~~لبس فبه الحق بالباطل وأشرك فيه الحق بالباطل # والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة كما ~~يعرف الخيرات الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة فيفرق بين أحكام الأمور ~~الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسنة ليقدم ما هو أكثر ~~خيرا وأقل شرا على ما هو دونه ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما ويجتلب ~~أعظم الخيرين بفوات أدناهما فإن من لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في ~~الدين لم يعرف أحكام الله في عباده وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل ~~ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح # وإذا عرف ذلك فلا بد أن يقترن بعلمه العمل الذي أصله محبته لما يحبه الله ~~ورسوله وبغضه لما يبغضه الله ورسوله وما اجتمع فيه الحبيب والبغيض المأمور ~~به والمنهي عنه أو الحلال والمحظور أعطي كل ذي حق حقه ليقوم الناس بالقسط ~~فإن الله بذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل فالعلم بالعدل قبل فعل العدل # فإذا علم وأحب كان من تمامه الجهاد عليه كما قال تعالى: {لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} والعلم # PageV01P119 # هو طريق إلى العمل وسبب كما قيل في قوله تعالى {وآتيناه من كل شيء سببا} ~~أي علما # فالعلم بالخير سبب إلى فعله والعلم بالشر سبب إلى منعه هذا مع حسن النية ~~وإلا فالنفس ms065 الأمارة بالسوء قد يكون علمها بالسوء سبب لفعله وبالخير سبب ~~لمنعه وكذلك الإثم والبغي بغير الحق مثل الخمر الذي اتخذ منه أنواع من ~~المسكرات وقيل إنها حلال وسميت بغير أسماء الخمر وهي من الخمر # وكذلك ظلم العباد في النفوس والأموال والأعراض فيه ما قد سمي حقا وعدلا ~~وشرعا وسياسة وجهادا في سبيل الله وهو من الكفر والفسوق والعصيان ما لا ~~يحصيه إلا الله وكذلك الإشراك بالله بغير حق والقول بما لا يعلم مثل أنواع ~~الغلو في الدين واتخاذ العلماء والعباد أربابا من دون الله والقول بتحريم ~~الحلال وتحليل الحرام وأنواع الإشراك بالمخلوقات عبادة لها واستعانة بها ~~وغلوا فيها وقولا على الله في أسمائه وصفاته وأحكامه ما قد دخل في ذلك من ~~الباطل الذي سمي بأسماء محمودة أو غير مذمومة كالعبادة والزهادة والتحقيق ~~وأصول الدين والفقه والعلم والتوحيد والكلام والفقر والتصوف ما لا يحصيه ~~إلا الله # ومما ينبغي أن يعرف أن كل تبديل يقع في الأديان بل كل اجتماع في العالم ~~لا بد فيه من التحالف وهو الاتفاق والتعاقد على ذلك من اثنين فصاعدا # PageV01P120 ### | بنو آدم لايمكن عيشهم إلا بالتعاقد والتحالف # ... # فإن بني آدم لا يمكن عيشهم إلا بما يشتركون فيه من جلب منفعتهم ودفع ~~مضرتهم فاتفاقهم على ذلك هو التعاقد والتحالف # ولهذا كان الوفاء بالعهود من الأمور التي اتفق أهل الأرض على إيجابها ~~لبعضهم على بعض وإن كان منهم القادر الذي لا يوفي بذلك كما اتفقوا في إيجاب ~~العدل والصدق فإذا اتفقوا وتعاقدوا على اجتلاب الأمر الذي يحبونه ودفع ~~الأمر الذي يكرهونه أعان بعضهم بعضا على اجتلاب المحبوب ونصر بعضهم بعضا ~~على دفع المكروه ولو لم يتعاقدوا بالكلام فنفس اشتراكهم في أمر يوجب عليهم ~~اجتلاب ما يصلح ذلك الأمر المشترك ودفع ما يضره كأهل النسب الواحد وأهل ~~البلد الواحد فإن التناسب والتجاور يوجب التعاون على جلب المنفعة المشتركة ~~ودفع الضرر المشترك # فصار الاشتراك بينهم تارة يثبت بفعلهم وهو التعاقد على ما فيه خيرهم ~~وتارة يثبت بفعل الله تعالى وقد جمع ms066 الله عز وجل هذين الأصلين في قوله ~~تعالى {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} وذكر في هذه السورة الأمور ~~التي بينهم من جهة الخلق وهي من جهة العقود كما قال تعالى: {وهو الذي خلق ~~من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا} # وقال تعالى: {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق. والذين يصلون ما ~~أمر الله به أن يوصل} # PageV01P121 # وقال تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين. الذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} # وإذا كان لا بد في كل ما يشتركون فيه من تحالف وغير تحالف من التعاون على ~~جلب المحبوب والتناصر لدفع المكروه فالمحبوب هو الموالي والمكروه هو ~~المعادي فلا بد لكل بني آدم من ولاية وعداوة ولهذا جميعهم يتمادحون ~~بالشجاعة والسماحة فإن السماحة إعانة على وجود المحبوب بالأموال والمنافع ~~وغير ذلك والشجاعة نصر لدفع المكروه بالقتال وغيره ولا قوام لشيء من أمور ~~بني آدم إلا بذلك ومبني ذلك بينهم على العدل في المشاركات والمعاوضات # فظهر أن جميع أمور بني آدم لا بد فيها من تعاون بينهم ودفع ومنع لغيرهم ~~فلا بد لهم من عقد وقدرة والعقد أصله الإرادة كما قال تعالى: {واتقوا الله ~~الذي تساءلون به} أى يتعاهدون ويتعاقدون والقدرة القدرة # ومعلوم أنه لا بد في كل فعل من إرادة وقدرة والمشتركون لا بد من اتفاقهم ~~في إرادة وفي قدرة فالذي يناله بعضهم من جلب محبوب ودفع مكروه من بعض هو ~~بالإرادة والطوع والذي ينالونه من غيرهم من جلب محبوب ودفع مكروه وهو ~~بالقدرة على ذلك العدو المكروه منه كما أن الوطء بملك النكاح الذي هو عقد ~~أصله الإرادة والطوع وبملك اليمين الذي هو قهر بالقدرة على سبيل الكره ~~واشتراكهم في الجلب والدفع إما أن يكون تبعا لتعاقدهم وإما أن # PageV01P122 ### | التحالف يكون وفقا لشريعة منزلة أو شريعة غير منزلة أو سياسة # ... # يكون بأمر آمر مطاع فيهم فالأول هو التحالف والثاني ما يطاع بغير تحالف ~~سواء كانت طاعته بحق أو بغير حق # فالذي بحق ms067 ما أمر الله بطاعته من أنبياءه وأولي الأمر من المؤمنين وطاعة ~~الوالدين ونحو ذلك وما يجاب به بعضهم إلى مراد بعض بحق فإن ذلك هو معني ~~الطاعة إذ المقصود بها موافقة المطلوب # وأما بغير حق فكطاعة الطواغيت وهو كل ما عظم بباطل # وكل قوم لا تجمعهم طاعة مطاع في جميع أمورهم فلا بد لهم من التعاقد ~~والتحالف فيما لم يأمرهم به المطاع # ولهذا كانت الشريعة المنزلة من عند الله الأفعال فيها التي تجب لله وتجب ~~لبعض الناس على بعض تارة تجب بإيجاب الله وتارة تجب بالعقد كالنذر وكعقود ~~المفاوضات والمشاركات فلا واجب في الشريعة إلا بشرع أو عقد # وإذا لم يكونوا على شريعة منزلة من عند الله فإما أن يكونوا على شريعة ~~غير منزلة أو سياسة وضعها بعض المعظمين فيهم بنوع قدرة وعلم ونحو ذلك وما ~~بقدرة من هذه الأمور الجامعة أوجب التحالف بينهم فإنه لا ينتظم لهم أمر إلا ~~بطاعة آمر متحالفون عليه أو يأمرهم به من يطيعونه ولهذا أنكر التحالف في ~~الأمم الخارجة عن الشريعة وفي الخارجين عنها وفي الأمور التي لا ترد إلى ~~الشريعة وإنما يظهر ذلك حيث تدرس آثار النبوة المطاعة فيتحالف قوم على طاعة ~~ملك أو شيخ أو طاعة بعضهم لبعض في أمور # PageV01P123 # يتفقون عليها ويتحالفون كما كان العرب في جاهليتهم يتحالفون ومنه الحليف ~~الذي يكون في القبيلة فيصير منهم # قال الله تعالى {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل ~~شيء شهيدا} # وقال تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون. ولا تكونوا ~~كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة ~~هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه ~~تختلفون} # وكذلك ما يوجد من التحالف بالتآخي وغير التآخي للملوك والمشايخ وأهل ~~الفتوة ورماة البندق وسائر المتفقين على بعض الأمور هو داخل في هذا وأيمان ~~التعاقد والتحالف ms068 عام لبني آدم وهم في جاهليتهم تارة يتحالفون تحالفا يحبه ~~الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " لقد شهدت حلفا مع عمومتي في دار ~~عبد الله بن جدعان ما يسرني بمثله حمر النعم أو قال ما يسرني حمر النعم وأن ~~أنقضه ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت" # PageV01P124 # وفى مثل هذا ما رواه مسلم عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام ~~إلا شدة". # PageV01P125 # وهذا الحلف يسمي حلف المطيبين كان يقدم إلى مكة من يظلمه بعض أكابرها ~~فيستصرخ فلا ينصره أحد حتى أنشد بعض القادمين # يا آل مكة مظلوم بضاعته ... ببطن مكة بين الركن والحجر # وكان عبد الله بن جدعان من خيارهم فاجتمعت قبائل من قريش في بيته على ~~التحالف للتعاون على العدل ونصر المظلوم ووضعوا أيديهم في قصعة فيها طيب ~~فسمى حلف المطيبين # PageV01P126 # فأما إذا كان القول على الشريعة التي بعث الله بها رسوله في دينهم ~~ودنياهم فإن ذلك يغنيهم عن التحالف إلا عليها فعليها يكون تحالفهم وتعاقدهم ~~وتعاونهم وتناصرهم كما وصف الله به المحبين المحبوبين في قوله تعالى {فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون ~~في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} # وعلي ذلك يبايع المطاعون فيهم من الأمراء والعلماء وغيرهم كما قال أبو ~~بكر الصديق في خطبته للمسلمين أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ~~ورسوله فلا طاعة لي عليكم # PageV01P127 # وبذلك أمر الله ورسوله في طاعة أولى الأمر فقال النبي صلى الله عليه على ~~المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه ما لم يؤمر بمعصية ~~الله فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". # وفى الصحيح أن عبد الله بن عمر كتب بيعته إلى عبد الملك بن مروان لما ~~اجتمع الناس عليه لعبد الله ms069 عبد الملك أمير المؤمنين إني قد أقررت لك ~~بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت وقد أقر بني لما أقررت ~~به فأخبره أنه يعاقده على ما أمر الله به من الطاعة له في طاعة الله بحسب ~~قدرته وهذا واجب عليه بالشرع # PageV01P128 # فهو تعاقد على ما أمر الله بمنزلة نفس الدخول في الإسلام وبيعة النبي صلى ~~الله عليه سلم كما بايعه الأنصار وكما بايعه المسلمون تحت الشجرة وكما كان ~~يبايع المسلمين على السمع والطاعة ويلقنهم فيما استطعتم # وطاعة الرسول واجبة على الخلق بإيجاب الله بمعاقدتهم على ذلك معاقدة على ~~طاعة الله كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} # لكن هذا إنما كان ظاهرا في أيام الخلفاء الراشدين وبعدهم كثرت العقود ~~الموافقة للشريعة تارة والمخالفة لها أخري فلا جرم كان الحكم العام في جميع ~~هذه العقود أنه يجب الوفاء فيها بما كان طاعة لله ولا يجوز الوفاء فيها بما ~~كان معصية لله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة: "ما ~~بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله ~~فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق" وقال: "من نذر أن # PageV01P129 # يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" , وفي السنن: "المسلمون ~~على شرطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا". # فأما أمر الدين وما يحبه الله ويقرب إليه فليس لعقود بنى آدم فيه أثر بل ~~المرجع في ذلك إلى أمر الله ورسوله فلا دين إلا ما أمر الله به ومن اتبع في ~~ذلك عقود بني آدم فهم الذين اتبعوا شركاءهم الذين شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن الله به وهذه حال جميع ما ابتدع من الدين فإن الذي ابتدعه وافقه عليه ~~غيره وحالفه ms070 فاتخذوه دينا فتدين هذا فيه يظهر حال جميع أهل البدع المخالفة ~~للكتاب والسنة وأن الموافقة عليها هي من هذا الباب # PageV01P130 # وأكثر ما ينفق بين المسلمين ما فيه حق وباطل إذ الباطل المحض لا يبقى ~~بينهم وذلك يتضمن التحالف على غير ما أمر الله به والتبديل لدين الله بما ~~لبس من الحق بالباطل وهذه حال اليهود والنصارى وسائر أهل الضلال فإنهم ~~عدلوا عما أمرهم الله باتباعه فلبسوه بباطل ابتدعوه بدلوا به دين الله ~~وتحالفوا على ذلك الذى ابتدعوه # وأما المعاملات في الدنيا فالأصل فيها أنه لا يحرم منها إلا ما حرمه الله ~~ورسوله فلا حرام إلا ما حرم الله ولا دين إلا ما شرعه وإذا لم يحرم إلا ما ~~حرمه الله ورسوله فكأن ما كان بدله بدون التعاقد يجب بالتعاقد فإن العقد ~~يوجب على كل واحد من المتعاوضين والمتشاركين ما أوجبه الآخر على نفسه له ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ### | المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا # ". # وهذا الموضع كثر فيه غلط كثير من الفقهاء بتحريم عقود وشروط لم يحرمها ~~الله كما كثر في الأول غلط كثير من العباد والعلماء بابتداع دين لم يشرعه ~~الله وإيجابه بالتعاقد عليه حتى يوجبون طاعة شخص معين ميت أو حي من العلماء ~~في كل شيء ويحرمون طاعة غيره في كل شيء نازعه فيه لمجرد عقد العامي الذي ~~انتسب إلى هذا دون هذا # وكذلك في المشايخ حتى قد يأمرونه بمخالفه ما تبين له من الشريعة لأجل ~~العقد الذي التزمه للمذهب والطريقة فيشترطون شروطا ليست في كتاب الله ~~ويأمرون بطاعة المخلوق في معصية الخالق وأكثر ذلك يدخله نوع من الاجتهاد # PageV01P131 # الظاهر الذي فيه نوع من اتباع الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى # والواجب في جميع هذه الأمور أن ما يتبين أنه طاعة لله ورسوله وجب اتباعه ~~وما اشتبه على الإنسان حاله سلك فيه مسلك الاجتهاد بحسب قدرته ولا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها واجتهاد العامة هو طلبهم للعلم من ms071 العلماء بالسؤال ~~والاستفتاء بحسب إمكانهم # فإذا كان جميع ما عليه بنو آدم لابد فيه من تعاون وتناصر وفيه ما هو شرك ~~بالله وفيه ما هو قول على الله بغير علم وفيه ما هو إثم وبغى وفيه ما هو من ~~الفواحش علم أنه لابد في الإيمان من التعاون والتناصر على فعل ما يحبه الله ~~تعالى ودفع ما يبغضه الله تعالى وهذا هو الجهاد في سبيله وأن أمر الإيمان ~~لا يتم بدون ذلك كما لا يتم غير الإيمان إلا بما هو من نوع ذلك # فكل المتعاونين المتناصرين يجاهدون ولكن في سبيل الله تارة وفي سبيل غير ~~الله تارة ولا صلاح لبنى آدم إلا بأن يكون الدين كله لله وتكون كلمة الله ~~هى العليا # قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} وهؤلاء ~~الذين تولوا الله فتولاهم الله والذين يدينون لغير الله هم ظالمون بتولى ~~بعضهم بعضا كما قال تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع ~~أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم ~~أولياء بعض والله ولي المتقين} # PageV01P132 # ولا يتم لمؤمن ذلك إلا بأن يجمع بين ما جمع الله بينه ويفرق بين ما فرق ~~الله بينه وهذه حقيقة الموالاة والمعاداة التي مبناها على المحبة والبغضة. # فالموالاة تقتضى التحاب والجمع والمعاداة تقتضى التباغض والتفرق والله ~~سبحانه قد ذكر الموالاة والجمع بين المؤمنين فقولة تعالى {إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} وذكر ~~العداوة بينهم وبين الكفار فقال {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين} ثم ذكر حال المستنصرين بهم فإن الموالاة موجبها ~~التعاون والتناصر # فلا يفرق بين المؤمنين لأجل ما يتميز به بعضهم عن بعض مثل الأنساب ~~والبلدان والتحالف على المذاهب والطرائق والمسالك والصداقات وغير ذلك بل ~~يعطى كل من ذلك حقه كما أمر الله ورسوله ولا يجمع بينهم ms072 وبين الكفار الذين ~~قطع الله الموالاة بينهم وبينه فإن دين الله هو الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعم الله عليهم من النبي والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # والله سبحانه أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط فيحتاج المؤمن إلى معرفة العدل وهو الصراط المستقيم وإلى العمل به ~~وإلا وقع إما في جهل وإما في ظلم # PageV01P133 # وذلك إنما وقع من التبديل والعقود الفاسدة كما ذكرنا من لبس الحق بالباطل ~~حيث صارت المحرمات من الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~والإشراك بالله ما لم ينزل به سلطانا والقول على الله بغير علم قد لبس بها ~~من الحق المأذون فيه ما صارت بسببه شبيهة للحق الحسن وإن كانت مشتملة مع ~~ذلك على الباطل السيئ وإن صار أصحابها بين عمل صالح وآخر سيئ فقوم ينكرون ~~ذلك كله لما علموا فيه من المنكر البغيض وأقوام يقرون ذلك كله لما فيه من ~~المحبوب # وهذه القاعدة قد ذكرناها غير مرة وهي اجتماع الحسنات والسيئات والثواب ~~والعقاب في حق الشخص الواحد كما عليه أهل جماعة المسلمين من جميع الطوائف ~~إلا من شذ عنهم من الخوارج والوعيدية من المعتزلة ونحوهم وغالب المرجئة # فإن هؤلاء ليس للشخص عندهم إلا أن يثاب أو يعاقب محمود من كل وجه أو ~~مذموم من كل وجه وقد بينا فساد هذا في غير هذا الموضع بدلائل كثيرة من ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة وذكرنا أيضا الكلام في الفعل الواحد نوعا وشخصا # والغرض هنا أن هؤلاء الذين لبسوا الحق والباطل حصل في مقابلتهم من أعرض ~~عن الحق والباطل جميعا فصار هؤلاء مذمومين على فعل السيئات # PageV01P134 # محمودين على فعل الحسنات وأولئك يذمون على ترك الحسنات الواجبات ويمدحون ~~على ما قصدوا تركه لله من السيئات # وسبب ذلك أن الإنسان فيه ظلم وجهل فإذا غلب عليه رأى أو خلق استعمله في ~~الحق والباطل جميعا لم يحفظ حدود الله ولهذا يأمر الله بحفظ حدوده # مثال ذلك أن من الناس من يكون في خلقه سماحة ms073 ولين ومحبة فيسمح بمحبته ~~وبتعظيمه ونفعه وماله للحسن الذي يحبه الله ويأمر به كمحبة الله ورسوله ~~وأوليائه المؤمنين والإنفاق في سبيله ونحو ذلك ويسمح أيضا بمحبة الفواحش ~~والإنفاق فيها فتجده يحب الحق والباطل جميعا ويصدق بهما ويعين عليهما # ومنهم من يكون في خلقه قوة فيمتنع من فعل الفواحش ويبغضها ويمتنع مع ذلك ~~من محبة نفع الناس والإحسان إليهم والحلم عن سيئاتهم فتجده يبغض الحق ~~والباطل جميعا ويكذب بهما ولا يعين على واحد منهما بل ربما صد عنهما # وذلك لأن النفس أمارة بالسوء والشيطان يزين للمرء سوء عمله فيراه حسنا ~~وهو متبع هواها وما فيها من العلم والإيمان يدعوه إلى الخير حتى تذهب ~~الحسنات بالسيئات وإنما يفعل من الحسنات ما أقبلت عليه إرادته ومحبته دون ~~ما أبغضته # PageV01P135 ### | فصل، المقصود الأول من كل عمل هو التنعم واللذة # ... # وفي الإنسان قوتان قوة الحب وقوة البغض وإنما خلق ذلك فيه ليحب الحق الذي ~~يحبه الله ويبغض الباطل الذي يبغضه الله وهؤلاء هم الذين يحبهم الله ~~ويحبونه # والنفس تميل إلى الإشراك بحسب الإمكان فإذا غلب على النفوس قوة المحبة ~~لما يناسبها فأحبت الحق فقد تنجذب بسبب ذلك إلى محبة ما يقارنه من الباطل # ومن هنا مال كثير من النساك إلى محبة الأصوات والصور وغير ذلك بسبب ما ~~فيهم من المحبة التي فيها ما هو لله لكن لبسوا فيها الحق بالباطل وكذلك قد ~~يكون الشخص بالمحبة يميل إلى شهوات الغي في بطنه وفرجه وإنفاق الأموال فيها ~~ثم إنه بسبب ما فيه من الحب والدين يحب الحق وأهله ويعظمهم فتجد كثيرا من ~~أهل الشهوات وفيهم من المحبة لله ورسوله ما لا يوجد في كثير من النساك كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم في خمار الذي كان يشرب الخمر كثيرا "لا تلعنه ~~فإنه يحب الله ورسوله" والحديث في صحيح البخاري وغيره # فصل # وإذا كان كل عمل أصله المحبة والإرادة والمقصود منه التنعم بالمراد ~~المحبوب فكل حي إنما يعمل لما فيه تنعمه ولذته فالتنعم هو المقصود الأول من ms074 ~~كل قصد كما أن التعذب والتألم هو المكروه أولا وهو سبب كل بغض وكل # PageV01P136 # حركة امتناع لكن وقع الجهل والظلم في بني آدم فعمدوا إلى الدين الفاسد ~~والدنيا الفاجرة طلبوا بهما النعيم وفي الحقيقة فإنما فيهما ضده # وبيان ذلك أن الأعمال التي يعملها جميع بني آدم إما أن يتخذونها دينا أو ~~لا يتخذونها دينا والذين يتخذونها دينا إما أن يكون الدين بها دين حق أو ~~دين باطل فنقول: ### | النعيم التام هو في الدين الحق # فأهل الدين الحق هم الذين لهم النعيم الكامل كما أخبر الله بذلك في كتابه ~~في غير موضع كقوله {الصراط المستقيم.صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين} . # وقوله عن المتقين المهتدين {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} # وقوله تعالى {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} # وقوله تعالى {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} # PageV01P137 ### | من الخطأ الظن بأن نعيم الدنيا لايكون إلا لأهل الكفر والفجور # ... # وقوله تعالى {إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم} # ووعد أهل الإيمان والعمل الصالح بالنعيم التام في الدار الآخرة ووعد ~~الكفار بالعذاب التام في الدار الآخرة أعظم من أن يذكر هنا وهذا مما لم ~~ينازع فيه أحد من أهل الإسلام # ولكن تذكر هنا نكتة نافعة وهو أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرا من ~~أهل الإيمان والإسلام في الدنيا من المصائب وما يصيب كثيرا من الكفار ~~والفجار في الدنيا من الرياسة والمال وغير ذلك فيعتقد أن النعيم في الدنيا ~~لا يكون إلا لأهل الكفر والفجور وأن المؤمنين ليس لهم في الدنيا ما يتنعمون ~~به إلا قليلا وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة قد تستقر للكفار والمنافقين ~~على المؤمنين وإذا سمع ما جاء في القرآن من أن العزة لله ورسوله وللمؤمنين ~~وأن ms075 العاقبة للتقوى وقول الله تعالى: {وإن جندنا لهم الغالبون} وهو ممن ~~يصدق بالقرآن حمل هذه الآيات على الدار الآخرة فقط وقال أما الدنيا فما نري ~~بأعيننا إلا أن الكفار والمنافقين فيها يظهرون ويغلبون المؤمنين ولهم العزة ~~والنصرة والقرآن لا يرد بخلاف المحسوس ويعتمد على هذا فيما إذا أديل أديل ~~عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين أو الظالمين وهو عند نفسه من أهل ~~الإيمان والتقوى فيرى أن صاحب الباطل قد علا # PageV01P138 # على صاحب الحق فيقول أنا على الحق وأنا مغلوب وإذا ذكره إنسان بما وعده ~~الله من حسن العاقبة للمتقين قال هذا في الآخرة فقط وإذا قيل له كيف يفعل ~~الله بأوليائه مثل هذه الأمور قال يفعل ما يشاء وربما قال بقلبه أو لسانه ~~أو كان حاله يقتضى أن هذا نوع من الظلم وربما ذكر قول بعضهم ما على الخلق ~~أضر من الخالق لكن يقول يفعل الله ما يشاء وإذا ذكر برحمة الله وحكمته لم ~~يقل إلا أنه يفعل ما يشاء فلا يعتقدون أن صاحب الحق والتقوى منصور مؤيد بل ~~يعتقدون أن الله يفعل ما يشاء # وهذه الأقوال مبنية على مقدمتين إحداهما حسن ظنه بدين نفسه نوعا أو شخصا ~~واعتقاد أنه قائم بما يجب عليه وتارك ما نهي عنه في الدين الحق واعتقاده في ~~خصمه ونظيره خلاف ذلك أن دينه باطل نوعا أو شخصا لأنه ترك المأمور وفعل ~~المحظور # والمقدمة الثانية أن الله قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره وقد لا يجعل ~~له العاقبة في الدنيا فلا ينبغي الاغترار بهذا # PageV01P139 ### | المؤمن يطلب نعيم الدنيا والنعيم التام في الآخرة # ... # ومن المعلوم أن العبد وإن أقر بالآخرة فهو يطلب حسن عاقبة الدنيا فقد ~~يطلب ما لا بد منه من دفع الضرر وجلب المنفعة وقد يطلب من زيادة النفع ودفع ~~الضرر ما يظن أنه مباح فإذا اعتقد أن الدين الحق قد ينافي ذلك لزم من ذلك ~~إعراض القلب عن الرغبة في كمال الدين الحق وفي حال السابقين والمقربين بل ~~قد يعرض عن حال ms076 المقتصدين أصحاب اليمين فيدخل مع الظالمين بل قد يكفر ويصير ~~من المرتدين المنافقين أو المعلنين بالكفر وإن لم يكن هذا في أصل الدين كان ~~في كثير من أصوله وفروعه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يصبح الرجل ~~مؤمنا ويمسى كافرا أو يمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا " ~~وذلك إذا اعتقد أن الدين لا يحصل إلا بفساد دنياه ولذلك فإنه يفرح بحصول ~~الضرر له ويرجو ثواب ضياع ما لا بد له من المنفعة # وهذه الفتنة التي صدت أكثر بني آدم عن تحقيق الدين وأصلها الجهل بحقيقة ~~الدين وبحقيقة النعيم الذي هو مطلوب النفوس في كل وقت إذ قد ذكرنا أن كل ~~عمل فلا بد فيه من إرادة به لطلب ما ينعم فهناك عمل يطلب به النعيم ولا بد ~~أن يكون المرء عارفا بالعمل الذي يعمله وبالنعيم الذي يطلبه # PageV01P140 ### | من الخظأ الاعتقاد أن الله ينصر الكفار في الدنيا ولا ينصر المؤمنين # ... # ثم إذا علم هذين الأصلين فلابد أن تكون فيه إرادة جازمة على العمل بذلك ~~وإلا فالعلم بالمطلوب وبطريقه لا يحصلان المقصود إلا مع الإرادة الجازمة ~~والإرادة الجازمة لا تكون إلا مع الصبر ولهذا قال سبحانه وتعالى {والعصر. ~~إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر} وقال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون} # فاليقين هو العلم الثابت المستقر والصبر لابد منه لتحقيق الإرادة الجازمة # والمقدمتان اللتان التي بنيت عليهما هذه البلية مبناهما على الجهل بأمر ~~الله ونهيه وبوعده ووعيده فإن صاحبهما إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق فقد ~~اعتقد أنه فاعل للمأمور تارك للمحظور وهو على العكس من ذلك وهذا يكون من ~~جهله بالدين الحق # وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله في الدنيا بل قد تكون العاقبة في ~~الدنيا للكفار على المؤمنين ولأهل الفجور على أهل البر فهذا من جهله بوعد ~~الله تعالى # PageV01P141 # أما الأول فما أكثر من يترك واجبات لا يعلم بها ولا بوجوبها وما ms077 أكثر من ~~يفعل محرمات لا يعلم بتحريمها بل ما أكثر من يعبد الله بما حرم ويترك ما ~~أوجب وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه وأنه خصمه هو ~~الظالم المبطل من كل وجه ولا يكون الأمر كذلك بل يكون معه نوع من الباطل ~~والظلم ومع خصمه نوع من الحق والعدل # وحبك الشيء يعمي ويصم والإنسان مجبول على محبة نفسه فهو لا يرى إلا ~~محاسنها ومبغض لخصمه فلا يرى إلا مساوئه وهذا الجهل غالبه مقرون بالهوى ~~والظلم فإن الإنسان ظلوم جهول # وأكثر ديانات الخلق إنما هي عادات أخذوها عن آبائهم وأسلافهم وتقليدهم في ~~التصديق والتكذيب والحب والبغض والموالاة والمعاداة # كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} وقال تعالى: ~~{يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا. ~~وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} # وقال تعالى: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا ~~كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من ~~بعدهم لفي شك منه مريب} # وأما الثاني فما أكثر من يظن أن أهل الدين الحق في الدنيا يكونون أذلاء ~~معذبين بما فيه بخلاف من فارقهم إلى طاعة أخري وسبيل آخر ويكذب بوعد الله ~~بنصرهم # PageV01P142 # والله سبحانه قد بين بكتابه كلا المقدمتين فقال تعالى: {إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} # وقال تعالى: في كتابه {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم ~~المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون} # وقال تعالى: في كتابه {إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين ~~من قبلهم} # وقال تعالى: {إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين. كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} # وقال تعالى: في كتابه {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله ms078 والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون} # وذم من يطلب النصرة بولاء غير هؤلاء فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين. فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ~~يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ~~فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين. ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} # وقال تعالى: في كتابه {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما. الذين يتخذون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} # PageV01P143 # وقال تعالى: في كتابه {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} # وقال تعالى: في كتابه {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر ~~أولئك هو يبور} # وقال في كتابه {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله وكفى بالله شهيدا} # وقال تعالى: في كتابه {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من ~~الله وفتح قريب وبشر المؤمنين. يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما ~~قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين} # وقال تعالى: في كتابه {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين ~~كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} # PageV01P144 # وقال تعالى: في كتابه {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا ms079 يجدون ~~وليا ولا نصيرا. سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} # وقال تعالى: في كتابه {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ~~لأول الحشر} إلى قوله تعالى {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله ~~فإن الله شديد العقاب} # وقال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} # وقال تعالى: لما قص قصة نوح وهى نصرة على قومه في الدنيا فقال تعالى: ~~{تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين} # وقال تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك ~~والعاقبة للتقوى} # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا} إلى قوله {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما ~~يعملون محيط} # وقال تعالى: {إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين} { # وقال يوسف وقد نصره الله في الدنيا لما دخل عليه إخوته {قالوا أإنك لأنت ~~يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين} # PageV01P145 # وقال تعالى: في كتابه {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم} # وقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} # وقد روي عن أبى ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لو عمل الناس ~~كلهم بهذه الآية لوسعتهم". رواه ابن ماجه وغيره # وأخبر أن ما يحصل له من مصيبة انتصار العدو وغيرها إنما هو بذنوبهم فقال ~~تعالى: في يوم أحد {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل ~~هو من عند أنفسكم} # وقال تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ms080 إنما استزلهم ~~الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم} # وقال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} # PageV01P146 # وقال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} # وقال تعالى: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم} # وقال تعالى: {أو يوبقهن بما كسبوا} # وذم في كتابه من لا يثق بوعده لعباده المؤمنين وذكر ما يصيب الرسل ~~والمؤمنين فقال تعالى: {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار ~~وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا ~~زلزالا شديدا. وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا. وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ~~ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا ~~فرارا. ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها ~~إلا يسيرا} # وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى ~~نصر الله ألا إن نصر الله قريب} # وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير ~~للذين اتقوا أفلا تعقلون.حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم ~~نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم # PageV01P147 # المجرمين. لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن ~~تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} # ولهذا أمر الله رسوله والمؤمنين باتباع ما أنزل إليهم وهو طاعته وهو ~~المقدمة الأولى وأمرهم بانتظار وعده وهى المقدمة الثانية وأمرنا بالاستغفار ~~والصبر لأنهم لابد أن يحصل لهم تقصير وذنوب فيزيله الاستغفار ولابد مع ~~انتظار الوعد من الصبر فبالاستغفار تتم الطاعة وبالصبر يتم اليقين بالوعد ~~إن كان هذا كله يدخل في مسمى الطاعة والإيمان # قال ms081 تعالى: {واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} # وقال تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى ~~أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين} # وقال تعالى: {فاصبر إن العاقبة للمتقين} # وأمرهم أيضا بالصبر إذا أصابتهم مصيبة بذنوبهم مثل ظهور العدو وكما قال ~~تعالى: في قصة أحد {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. إن ~~يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم ~~الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب # PageV01P148 ### $ ما سبق يتبين بأصلين الأصل الأول: حصول النصر ... # ... # الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} # وأيضا فقد قص سبحانه في كتابه نصره لرسله ولعباده المؤمنين على الكفار في ~~قصة نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وفرعون وغير ذلك وقال تعالى: {لقد كان في ~~قصصهم عبرة لأولي الألباب} وقال تعالى: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ~~ومثلا من الذين خلوا من قبلكم} # وهذا يتبين بأصلين أحدهما أن حصول النصر وغيره من أنواع النعيم لطائفة أو ~~شخص لا ينافي ما يقع في خلال ذلك من قتل بعضهم وجرحه ومن أنواع الأذى وذلك ~~أن الخلق كلهم يموتون فليس في قتل الشهداء مصيبة زائدة على ما هو معتاد ~~لبنى آدم فمن عد القتل في سبيل الله مصيبة مختصة بالجهاد كان من أجهل الناس ~~بل الفتن التي تكون بين الكفار وتكون بين المختلفين من أهل القبلة ليس مما ~~يختص بالقتال فإن الموت يعرض لبني آدم بأسباب عامة وهي المصائب التي تعرض ~~لبني آدم من مرض بطاعون وغيره ومن جوع وغيره وبأسباب خاصة فالذين يعتادون ~~القتال لا يصيبهم أكثر مما يصيب من لا يقاتل بل الأمر بالعكس كما قد جربه ~~الناس # ثم موت الشهيد من أيسر الميتات ولهذا قال سبحانه وتعالى {قل لن ينفعكم ~~الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا. قل من ذا ~~الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو ms082 أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا ولا نصيرا} # PageV01P149 # فأخبر سبحانه أن الفرار من القتل أو الموت لا ينفع فلا فائدة فيه وأنه لو ~~نفع لم ينفع إلا قليلا إذ لا بد من الموت # وأخبر أن العبد لا يعصمه من الله أحد إن أراد به سوءا أو أراد به رحمة ~~وليس له من دون الله ولي ولا نصير فأين نفر من أمره وحكمه ولا ملجأ منه إلا ~~إليه قال تعالى: {ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين} وهذا أمر يعرفه ~~الناس من أهل طاعة الله وأهل معصيته كما قال أبو حازم الحكيم لما يلقي الذي ~~لا يتقي الله من معالجه الخلق أعظم مما يلقاه الذي يتقي الله من معالجة ~~التقوى # والله تعالى قد جعل أكمل المؤمنين إيمانا أعظمهم بلاء كما قيل للنبي أي ~~الناس أشد بلاء قال " الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلي الرجل ~~على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف ~~عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة" # ومن هذا أن الله شرع من عذاب الكفار بعد نزول التوراة بأيدي المؤمنين في ~~الجهاد ما لم يكن قبل ذلك حتى إنه قيل لم ينزل بعد التوراة عذاب عام من ~~السماء للأمم كما قال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا # PageV01P150 # القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} # فإنه قبل ذلك قد أهلك قوم فرعون وشعيب لوط وعاد وثمود وغيرهم ولم يهلك ~~الكفار بجهاد المؤمنين ولما كان موسى أفضل من هؤلاء وكذلك محمد وهما ~~الرسولان المبعوثان بالكتابين العظيمين كما قال تعالى: {إنا أرسلنا إليكم ~~رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} وقال تعالى: {قالوا لولا ~~أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل} إلى قوله {قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه} # وأمر الله هذين الرسولين بالجهاد على الدين وشريعة محمد ms083 أكمل فلهذا كان ~~الجهاد في أمته أعظم منه في غيرهم # قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} # وقال تعالى: {ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض} # وقال تعالى: للمنافقين {ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو ~~بأيدينا} # PageV01P151 # فالجهاد للكفار أصلح من هلاكهم بعذاب سماء من وجوه أحدها أن ذلك أعظم في ~~ثواب المؤمنين وأجرهم وعلو درجاتهم لما يفعلونه من الجهاد في سبيل الله لأن ~~تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله # الثاني أن ذلك أنفع للكفار أيضا فإنهم قد يؤمنون من الخوف ومن أسر منهم ~~وسيم من الصغار يسلم أيضا وهذا من معنى قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس} قال أبو هريرة: "وكنتم خير الناس للناس تأتون بهم في الأقياد ~~والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة" فصارت الأمة بذلك خير أمة أخرجت للناس وأفلح ~~بذلك المقاتلون وهذا هو مقصود الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهذا من ~~معني كون محمد ما أرسل إلا رحمة للعالمين فهو رحمة في حق كل أحد بحسبه حتى ~~المكذبين له هو في حقهم رحمة أعظم مما كان غيره # ولهذا لما أرسل الله إليه ملك الجبال وعرض عليه أن يقلب عليهم الأخشبين ~~قال: "لا استأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا ~~شريك له". # PageV01P152 ### | الأصل الثاني: التنعم إما بالأمو الدنيوية وإما بالأمور ### | الدينية، # 1-الدنيوية # ... # الوجه الثالث أن ذلك أعظم عزة للإيمان وأهله وأكثر لهم فهو يوجب من علو ~~الإيمان وكثرة أهله ما لا يحصل بدون ذلك وأمر المنافقين والفجار بالمعروف ~~ونهيهم عن المنكر هو من تمام الجهاد وكذلك إقامة الحدود # ومعلوم أن في الجهاد وإقامة الحدود من إتلاف النفوس والأطراف والأموال ما ~~فيه فلو بلغت هذه النفوس النصر بالدعاء ونحوه من غير جهاد لكان ذلك من جنس ~~نصر الله للأنبياء المتقدمين من أممهم لما أهلك نفوسهم ms084 وأموالهم # وأما النصر بالجهاد وإقامة الحدود فذلك من جنس نصر الله لما يختص به ~~رسوله وإن كان محمد وأمته منصورين بالنوعين جميعا لكن يشرع في الجهاد باليد ~~ما لا يشرع في الدعاء # وأما الأصل الثاني فإن التنعم إما بالأمور الدنيوية وإما بالأمور الدينية # فأما الدنيوية فهي الحسية مثل الأكل والشرب والنكاح واللباس وما يتبع ذلك ~~والنفسية وهي الرياسة والسلطان # فأما الأولي فالمؤمن والكافر والمنافق مشتركون في جنسها ثم يعلم أن # PageV01P153 # التنعيم بها ليس هو حقيقة واحدة مستوية في بنى آدم بل هم متفاوتون في ~~قدرها ووصفها تفاوتا عظيما # فإن من الناس من يتنعم بنوع من الأطعمة والأشربة الذي يتأذي بها غيره إما ~~لاعتياده ببلده وإما لموافقته مزاجه وإما لغير ذلك # ومن الناس من يتنعم بنوع من المناكح لا يحبها غيره كمن سكن البلاد ~~الجنوبية فإنه يتنعم بنكاح السمر ومن سكن البلاد الشمالية فإنه يتنعم بنكاح ~~البيض # وكذلك اللباس والمساكن فإن أقواما يتنعمون من البرد بما يتأذي به غيرهم ~~وأقواما يتنعمون من المساكن بما يتأذي به غيرهم بحسب العادة والطباع # وكذلك الأزمنة فإنه في الشتاء يتنعم الإنسان بالحر وفي الصيف يتنعم ~~بالبرد # وأصل ذلك أن التنعم في الدنيا بحسب الحاجة إليها والانتفاع بها فكل ما ~~كانت الحاجة أقوي والمنفعة أكثر كان التنعم واللذة أكمل والله قد أباح ~~للمؤمنين الطيبات # فالذين يقتصدون في المآكل نعيمهم بها أكثر من نعيم المسرفين فيها فإن ~~أولئك إذا أدمنوها وألفوها لا يبقي لهذا عندهم كبير لذة مع أنهم قد لا ~~يصبرون عنها وتكثر أمراضهم بسببها # PageV01P154 ### $ 2- الدينية # ... # وأما الدين فجماعه شيئان تصديق الخبر وطاعة الأمر # ومعلوم أن التنعم بالخبر بحسب شرفه وصدقه والمؤمن معه من الخبر الصادق عن ~~الله وعن مخلوقاته ما ليس مع غيره فهو من أعظم الناس نعيما بذلك بخلاف من ~~يكثر في أخبارهم الكذب # وأما طاعة الأمر فإن من كان ما يؤمر به صلاحا وعدلا ونافعا يكون تنعمه به ~~أعظم من تنعم من يؤمر بما ليس بصلاح ولا عدل ولا نافع # وهذا من الفرق ms085 بين الحق والباطل فإن الله سبحانه يقول في كتابه {الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم. والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم. ~~ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ~~كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} # وقال {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه ~~لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} # وتفصيل ذلك أن الحق نوعان حق موجود وحق مقصود وكل منهما ملازم للآخر # فالحق الموجود هو الثابت في نفسه فيكون العلم به حقا والخبر عنه حقا ~~والحق المقصود هو النافع الذي إذا قصده الحي انتفع به وحصل له النعيم # PageV01P155 ### | فصل # ومما يظهر الأمر ما ابتلي الله به عباده في الدنيا من السراء والضراء ~~وقال سبحانه {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن. كلا} # يقول الله سبحانه ليس الأمر كذلك ليس إذا ما ابتلاه فأكرمه ونعمه يكون ~~ذلك إكراما مطلقا وليس إذا ما قدر عليه رزقه يكون ذلك إهانة بل هو ابتلاء ~~في الموضعين وهو الاختبار والامتحان فإن شكر الله على الرخاء وصبر على ~~الشدة كان كل واحد من الحالين خيرا له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن ~~أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له" , وإن لم ~~يشكر ولم يصبر كان كل واحد من الحالين شرا له # PageV01P156 # وقد تنازع الناس فيما ينال الكافر في الدنيا من التنعم هل هو نعمة في حقه ~~أم لا على قولين وكان أصل النزاع بينهم هو النزاع في القدرة # والقدرية الذين يقولون لم يرد الله لكل أحد إلا خيرا له بخلقه وأمره ~~وإنما العبد هو الذي أراد لنفسه الشر بمعصيته وبترك طاعته التي يستعملها ms086 ~~بدون مشيئة الله وقدرته أراد لنفسه الشر # وهؤلاء يقولون ما نعم به الكافر فهو نعمة تامة كما نعم به المؤمن سواء إذ ~~عندهم ليس لله نعمة خص بها المؤمن دون الكافر أصلا بل هما في النعم الدينية ~~سواء وهو ما بينه من أدلة الشرع والعقل وما خلقه من القدرة والألطاف ولكن ~~أحدهما اهتدي بنفسه بغير نعمة أخري خاصة من الله والآخر ضل بنفسه من غير ~~خذلان يخصه من الله وكذلك النعم الدنيوية هي في حقهما على السواء # والذين ناظروا هؤلاء من أهل الإثبات ربما زادوا في المناظرة نوعا من ~~الباطل وإن كانوا في الأكثر على الحق فكثيرا ما يرد مناظر المبتدع باطلا ~~عظيما بباطل دونه ### | تنازع الناس فيما ينال الكافر في الدنيا من التنعم هل هو نعمة في حقه أم لا # ولهذا كان أئمة السنة ينهون عن ذلك ويأمرون بالاقتصاد ولزوم السنة المحضة ~~وأن لا يرد باطل بباطل # PageV01P157 # فقال كثير من هؤلاء ليس لله على الكافر نعمة دنيوية كما ليس له عليه نعمة ~~دينية تخصه إذ اللذة المستعقبة ألما أعظم منها ليست بنعمة كالطعام المسموم ~~وكمن أعطي غيره أموالا ليطمئن ثم يقتله أو يعذبه # قالوا والكافر كانت هذه النعم سببا في عذابه وعقابه كما قال تعالى: {إنما ~~نملي لهم ليزدادوا إثما} # وقال تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين. نسارع لهم في الخيرات ~~بل لا يشعرون} # وقال تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} # وقال تعالى: {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. ~~وأملي لهم إن كيدي متين} # وخالفهم آخرون من أهل الإثبات للقدر أيضا فقالوا بل لله على الكافر نعم ~~دنيوية # والقولان في عامة أهل الإثبات من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم # قال هؤلاء والقرآن قد دل على امتنانه على الكفار بنعمه ومطالبته إياهم ~~بشكرها فكيف يقال ليست نعما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا # PageV01P158 # نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار ms087 البوار. جهنم يصلونها} إلى قوله: {الله ~~الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا ~~لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار} إلى قوله: {وإن ~~تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الأنسان لظلوم كفار} وقال تعالى: {إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا} وكيف يكون كفورا من لم ينعم عليه بنعمه # فالمراد لازم قول هؤلاء أن الكفار لم يحب عليهم شكر الله إذ لم يكن قد ~~أنعم عليهم عندهم وهذا القول يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام فإن الله ~~ذم الإنسان بكونه كفورا غير شكور إذ يقول {إن الأنسان لربه لكنود} وقال ~~تعالى: {ولئن أذقنا الأنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور. ولئن ~~أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور} # وقد قال صالح عليه السلام لقومه {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ~~وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء ~~الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} # وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا} # وقال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من ~~كل مكان فكفرت بأنعم الله} # وقال الأولون قد قال تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم} # PageV01P159 # والكفار لم يدخلوا في هذا العموم فعلم أنهم خارجون عن النعمة وقال تعالى: ~~في خطابه للمؤمنين {كلوا من طيبات ما رزقناكم} وقال تعالى: {واذكروا نعمت ~~الله عليكم إذ كنتم أعداء} {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم ~~به} وقال تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون} # وأما الكفار فخوطبوا بها من جهة ما هي تنعم ولذة وسرور ولم تسم في حقهم ~~نعمة على الخصوص وإنما تسمي نعمة باعتبار أنها نعمة في حق عموم بني آدم لأن ~~المؤمن سعد بها في الدنيا والآخرة والكافر ينعم بها في الدنيا # وذلك أن كفر الكافر نعمة في حق المؤمنين فإنه لولا وجود الكفر والفسوق ~~والعصيان لم ms088 يحصل جهاد المؤمنين للكفار وأمرهم الفساق والعصاة بالمعروف ~~ونهيهم إياهم عن المنكر ولولا وجود شياطين الإنس والجن لم يحصل للمؤمنين من ~~بعض هذه الأمور ومعاداتها ومجاهداتها ومخالفة الهوى فيها ما ينالون به أعلى ~~الدرجات وأعظم الثواب # والإنسان فيه قوة الحب والبغض وسعادته في أن يحب ما يحبه الله ويبغض ما ~~يبغضه الله فإن لم يكن في العالم ما يبغضه ويجاهد أصحابه لم يتم إيمانه ~~وجهاده وقد قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} # PageV01P160 ### | رأي ابن تيمية # ... # قالوا ولو كانت هذه اللذات نعما مطلقة لكانت نعمة الله على أعدائه في ~~الدنيا أعظم من نعمته على أوليائه قالوا ونعمة الله التي بدلوها كفرا هي ~~إنزال الكتاب وإرسال الرسول حيث كفروا بها وجحدوا أنها حق كما قال عليه ~~السلام ألا لا فخر إني من قريش # وكذلك قوله تعالى {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها ~~رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله} هم الذين كفروا بما أنزل الله من الكتاب ~~والرسل وتلك نعمة الله المعظمة وقال تعالى: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} # وحقيقة الأمر أن هذه الأمور فيها من التنعم باللذة والسرور في الدنيا ما ~~لا نزاع فيه ولهذا قال تعالى: {ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق ~~وبما كنتم تمرحون} وقال تعالى: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم # PageV01P161 # الدنيا واستمتعتم بها} وقال تعالى: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم ~~قليلا} وقال تعالى: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل} وقال تعالى: {وما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} وهذا أمر محسوس # لكن الكلام في أمرين أحدهما هل هي نعمة أم لا والثاني أن جنس تنعم المؤمن ~~في الدنيا بالإيمان وما يتبعه هل هو مثل تنعم الكافر أو دونه أو فوقه وهذه ~~هي المسألة المقدمة # فأما الأول فيقال اللذات في أنفسها ليست نفس فعل العبد بل قد تحدث عن ~~فعله ms089 مع سبب آخر كسائر المتولدات التي يخلقها الله تعالى بأسباب منها فعل ~~العبد # لكن اللذات تارة تكون بمعصية من ترك مأمور أو فعل محظور كاللذة الحاصلة ~~بالزنا وبموافقة الفساق وبظلم الناس وبالشرك والقول على الله بغير علم فهنا ~~المعصية هي سبب للعذاب الزائد على لذة الفعل لكن ألم العذاب قد يتقدم وقد ~~يتأخر وهي تشبه أكل الطعام الطيب الذي فيه من السموم ما يمرض أو يقتل ثم ~~ذلك العذاب يمكن دفعه بالتوبة وفعل حسنات أخر لكن يقال تلك اللذة الحاصلة ~~بالمعصية لا تكون معادلة لها ما في التوبة عنها والأعمال الصالحة من المشقة ~~والألم ولهذا قيل ترك الذنب أمر من التماس التوبة وقيل رب شهوة ساعة أورثت ~~حزنا طويلا # PageV01P162 # لكن فعل التوبة والحسنات الماحية قد يوجب من الثواب أعظم من ثواب ترك ~~الذنب أولا فيكون ألم التائب أشد من التارك إذا استويا من جميع الوجوه ~~وثوابه أكثر وكذلك لما يكفر الله به الخطايا من المصائب مرارة تزيد على ~~حلاوة المعاصي # وتارة تكون اللذات بغير معصية من العبد لكن عليه أن يطيع الله فيها ~~فيتجنب فيها ترك مأموره وفعل محظوره كما يؤتاه العبد من المال والسلطان ومن ~~المآكل والمناكح التي ليست بمحرمة # والله سبحانه أمر مع أكل الطيبات بالشكر فقال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} وفي صحيح ~~مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله ليرضى عن العبد أن ~~يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها" وفي الأثر الطاعم ~~الشاكر كالصائم الصابر" , رواه ابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P163 # وقد قال تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} # ولما ضاف النبي صلى الله عليه وسلم أبا الهيثم بن التيهان وجلسوا في الظل ~~وأطعمهم فاكهة ولحما وسقاهم ماء باردا قال هذا من النعيم الذي تسألون عنه # والسؤال عنه لطلب شكره لا لإثم فيه فالله تعالى يطلب من عباده شكر نعمه ~~وعليه أن لا يستعين بطاعته على ms090 معصيته فإذا ترك ما وجب عليه في # PageV01P164 # نعمته من حق واستعان بها على محرم صار فعله بها وتركه لما فيها سببا ~~للعذاب أيضا فالعذاب أستحقه بترك المأمور وفعل المحظور على النعمة التي هي ~~من فعل الله تعالى وإن كان فعله وتركه بقضاء الله وقدره بعلمه ومشيئته ~~وقدرته وخلقه # فأن حقيقة الأمر أنه نعم العبد تنعيما وكان ذلك التنعيم سببا لتعذيبه ~~أيضا فقد اجتمع في حقه تنعيم وتعذيب ولكن التعذيب إنما كان بسبب معصيته حيث ~~لم يؤد حق النعمة ولم يتق الله فيها # وعلى هذا فهذه التنعمات هي نعمة من وجه دون وجه فليست من النعم المطلقة ~~ولا هي خارجة عن جنس النعم مطلقها ومقيدها فباعتبار ما فيها من التنعم يصلح ~~أن يطلب حقها من الشكر وغيرها وينهى عن استعمالها في المعصية فتكون نعمة في ~~باب الأمر والنهي والوعد والوعيد # وباعتبار أن صاحبها يترك فيها المأمور ويفعل فيها المحظور الذي يزيد ~~عذابه على نعمها كانت وبالا عليه وكان أن لا يكون ذلك من حقه خيرا له من أن ~~يكون فليست نعمة في حقه في باب القضاء والقدر والخلق والمشيئة العامة وإن ~~كان يكون نعمة في حق عموم الخلق والمؤمنين وعلى هذا يظهر ما تقدم من خيرات ~~الله فإن ذلك استدراج ومكر وإملاء # وهذا الذي ذكرناه من ثبوت الإنعام بها من وجه وسلبه من وجه آخر مثل ما ~~ذكر الله في قوله تعالى {فأما الأنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه # PageV01P165 # فيقول ربي أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي ~~أهانن.كلا} فإنه قد أخبر أنه أكرمه وأنكر قول المبتلى ربي أكرمن واللفظ ~~الذي أخبر الله به مثل اللفظ الذي أنكره الله من كلام المبتلى لكن المعني ~~مختلف فإن المبتلي اعتقد أن هذه كرامة مطلقة وهي النعمة التي يقصد بها أن ~~النعم إكرام له والإنعام بنعمة لا يكون سببا لعذاب أعظم منها وليس الأمر ~~كذلك بل الله تعالى ابتلاه بها ابتلاء ليتبين هل يطيعه فيها أم يعصيه مع ~~علمه بما ms091 سيكون من الأمرين لكن العلم بما سيكون شيء وكون الشيء والعلم به ~~شيء # وأما قوله تعالى {فأكرمه ونعمه} فإنه تكريم بما فيه من اللذات ولهذا قرنه ~~بقوله {ونعمه} ولهذا كانت خوارق العادات التي تسميها العامة كرامة ليست عند ~~أهل التحقيق كرامة مطلقا بل في الحقيقة الكرامة هي لزوم الاستقامة وهى طاعة ~~الله وإنما هي مما يبتلي الله به عبده فإن أطاعه بها رفعه وإن عصاه بها ~~خفضه وإن كانت من آثار طاعة أخري كما قال تعالى: {وألو استقاموا على ~~الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا. لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا ~~صعدا} # PageV01P166 # وإذا كان في النعمة والكرامة هذان الوجهان فهي من باب الأمر والشرع نعمة ~~يجب الشكر عليها وفي باب الحقيقة القدرية لم تكن لهذا الفاجر بها إلا فتنة ~~ومحنة استوجب بمعصية الله فيها العذاب وهي في ظاهر الأمر أن يعرف حقيقة ~~الباطن ابتلاء وامتحان يمكن أن تكون من أسباب سعادته ويمكن أن تكون من ~~أسباب شقاوته وظهر بها جانب الابتلاء بالمر فإن الله يبتلي بالحلو والمر ~~كما قال تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} وقال {وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} # فمن ابتلاه الله بالمر بالبأساء والضراء والبأس وقدر عليه رزقه فليس ذلك ~~إهانة له بل هو ابتلاء فإن أطاع الله في ذلك كان سعيدا وإن عصاه في ذلك كان ~~شقيا كما كان مثل ذلك سببا للسعادة في حق الأنبياء والمؤمنين وكان شقاء ~~وسببا للشقاء في حق الكفار والفجار # وقال تعالى: {والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} وقال تعالى: {أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء ~~والضراء وزلزلوا} وقال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل ~~المدينة مردوا على # PageV01P167 # النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم} وقال ~~تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} وقال ~~تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} # وكما أن الحسنات وهي المسار الظاهرة التي يبتلي ms092 بها العبد تكون عن طاعات ~~فعلها العبد فكذلك السيئات وهي المكاره التي يبتلي بها العبد تكون عن معاصي ~~فعلها العبد كما قال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك} # وقال تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من ~~عند أنفسكم} # وقال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} # وقال تعالى: {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون ~~بالله} # وقال تعالى: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الأنسان كفور} # ثم تلك المسار التي هي من ثواب طاعته إذا عصي الله فيها كانت سببا لعذابه ~~والمكاره التي هي عقوبة معصيته إذا أطاع الله فيها كانت سببا # PageV01P168 # لسعادته فتدبر هذا لتعلم أن الأعمال بخواتيمها وأن ما ظاهره نعمة هو لذة ~~عاجلة قد تكون سببا للعذاب وما ظاهره عذاب وهو ألم عاجل قد يكون سببا ~~للنعيم وما هو طاعه فيما يرى الناس قد يكون سببا لهلاك العبد برجوعه عن ~~الطاعة إذا ابتلي في هذه الطاعة وما هو معصية فيما يرى الناس قد يكون سببا ~~لسعادة العبد بتوبته منه وتصبره على المصيبة التي هي عقوبة ذلك الذنب # فالأمر والنهي يتعلق بالشيء الحاصل فيؤمر العبد بالطاعة مطلقا وينهي عن ~~المعصية مطلقا ويؤمر بالشكر على كل ما يتنعم به # وأما القضاء والقدر وهو علم الله وكتابه وما طابق ذلك من مشيئته وخلقه ~~فهو باعتبار الحقيقة الآجلة فالأعمال بخواتيمها والمنعم عليهم في الحقيقة ~~هم الذين يموتون على الإيمان # وقد يذكر تنازع الناس في هذا الباب # فالمثبتة للقضاء والقدر من متكلمه أهل الإثبات وغيرهم يلاحظون القدر من ~~علم الله وكتابه ومشيئته وخلقه وقد يعرضون عما جاء به الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد وعن الحكمة العامة وما في تفصيل ذلك من الحكم الخاصة # PageV01P169 # وأما من لم يلاحظ إلا الأمر والنهي والوعد والوعيد فقط من القدرية ومن ~~ضاهاهم في حاله فقد كفر بما وجب عليه الإيمان به من خلق الله وكتابه ~~ومشيئته وتدبيره ms093 لعباده المؤمنين الذين سبقت لهم منه الحجة بتدبير خاص ومن ~~قضائه على الكفار بما هو فيه عدل سبحانه كما في الحديث المرفوع ماض فينا ~~أمرك عدل فينا قضاؤك ولا يظلم ربك أحدا # وإذا عرف أن كل واحد من الابتلاء بالسراء والضراء قد يكون في باطن الأمر ~~مصلحة للعبد أو مفسدة له وأنه إن أطاع الله بذلك كان مصلحة له وإن عصاه كان ~~مفسدة له تبين أن الناس أربعة أقسام منهم من يكون صلاحه على السراء ومنهم ~~من يكون صلاحه على الضراء ومنهم من يصلح على هذا وهذا ومنهم من لا يصلح على ~~واحد منهما # PageV01P170 # والإنسان الواحد قد تجتمع له هذه الأحوال الأربعة في أوقات متعددة أو في ~~وقت واحد باعتبارها أنواع يبتلي بها # وقد جاء في الحديث المرفوع " أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغني ولو ~~أفقرته لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ~~ذلك وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك وذلك أني ~~أدبر عبادي إني بهم خبير بصير" # فكما أن التنعم العاجل ليس بنعمة قي الحقيقة قد يكون في الحقيقة بلاء ~~وشرا باعتبار المعصية فيه والطاعة المتقدمة قد تكون حابطة وسببا للشر ~~باعتبار ما يعقبها من ردة وفتنة فكذلك التألم العاجل قد يكون في الحقيقة ~~خيرا ونعمة والمعصية المتقدمة قد تكون سببا للخير باعتبار التوبة والصبر ~~على ما تعقبه من مصيبة لكن تتبدل الطاعة والمعصية # وهذا يقتضي أن العبد محتاج في كل وقت إلى الاستعانة بالله على طاعته ~~وتثبيت قلبه ولا حول ولا قوة إلا بالله # PageV01P171 ### | حال الإنسان عند السراء والضراء # ... # وذلك أن الإنسان هو كما وصفه الله بقوله تعالى {ولئن أذقنا الأنسان منا ~~رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور. ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ~~ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور} وقال تعالى: {إلا الذين صبروا ~~وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} # فأخبر أنه عند الضراء بعد السراء ييأس من زوالها في ms094 المستقبل ويكفر بما ~~أنعم الله به عليه قبلها وعند النعماء بعد الضراء يأمن من عود الضراء في ~~المستقبل وينسي ما كان فيه بقوله {ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور} على غيره ~~يفخر عليهم بنعمة الله عليه # وقال تعالى: {إن الأنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه الخير ~~منوعا} فأخبر أنه جزوع عند الشر لا يصبر عليه منوع عند الخير يبخل به # وقال تعالى: {إن الأنسان لظلوم كفار} وقال تعالى: {إن الأنسان لربه ~~لكنود} وقال تعالى: {إنه كان ظلوما جهولا} وقال تعالى: {وكان الأنسان ~~قتورا} وقال {وإن مسه الشر فيؤوس قنوط} وقال تعالى: {فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الأنسان كفورا} # PageV01P172 ### | حال المؤمن عندهما # ... # وقد وصف المؤمنين بأنهم صابرون في البأساء والضراء وحين البأس والصابرون ~~في النعماء أيضا بقوله تعالى {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات} والصبر في ~~السراء قد يكون أشد ولهذا قال من قال من الصحابة ابتلينا بالضراء فصبرنا ~~وابتلينا بالسراء فلم نصبر # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من فتنة القبر وشر فتنة ~~الغني وقال لأصحابه: " والله ما الفقر أخشي عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم ~~الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوا فيها كما تنافسوا فيها وتهلككم ~~كم أهلكتهم". # PageV01P173 # فمن لم يتصف بحقيقة الإيمان هو إما قادر وإما عاجز فإن كان قادرا أظهر ما ~~في نفسه بحسب قدرته من الفواحش والإثم والبغي والإشراك بالله والقول عليه ~~بغير علم ومن ترك القسط وترك إقامة الوجه عند كل مسجد ودعاء الله مخلصا له ~~الدين ثم يكون شرهم بحسب كل منهم من حيث نفوسهم وقدرتهم فإن العبد لا يفعل ~~إلا بقدرة وإرادة فمن كان أقدر وأفجر كان أمره أشد كفرعون وأمثاله من ~~الجبارين المتكبرين لا يصبرون عن أهوائهم ولا يتقون الله # وأما المؤمن فإنه مع قدرته يفعل ما أمر الله به من البر والتقوى دون ما ~~نهي عنه من الإثم والعدوان # ثم أولئك الذين لم يتصفوا بحقيقة الإيمان بل فيهم من الفجور كفر أو نفاق ~~أو ms095 فسوق ما فيهم إذا كانوا عاجزين عن إرادتهم لا يقدرون على أهوائهم بنوع ~~من أنواع القدرة تجدهم أذل الناس وأطوع الناس لمن يستعملهم في أغراضهم ~~وأجزع الناس لما أصابهم ذلك أنه ليس في قلوبهم من الإيمان ما يعتاضون به ~~وتستغني به نفوسهم ويصبرون به عما لا يصلح لهم # وهذه حال الأمم البعيدة عن العلم والإيمان كالترك التتار والعرب في ~~جاهليتهم فإنهم أعز الناس إذا قدروا وأذل الناس إذا قهروا # PageV01P174 ### $ المؤمن أرجح في النعيم واللذة من الكافر في الدنيا قبل الآخرة ... # ... # وأما المؤمنون فكما قال تعالى: لهم وقد غلبوا {ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} فهم الأعلون إذا كانوا مؤمنين ولو غلبوا # وقال كعب بن زهير في صفة الصحابة: # ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... يوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا # ولهذا كان المشروع في حق كل ذي إرادة فاسدة من الفواحش والظلم والشرك ~~والقول بلا علم أحد أمرين إما إصلاح إرادته وإما منع قدرته فإنه إذا اجتمعت ~~القدرة مع إرادته الفاسدة حصل الشر # وأما ذو الإرادة الصالحة فتؤيد قدرته حتى يتمكن من فعل الصالحات وذو ~~القدرة الذي لا يمكن سلب قدرته يسعي في إصلاح إرادته بحسب الإمكان # فالمقصود تقوية الإرادة الصالحة والقدرة عليها بحسب الإمكان وتضعيف ~~الإرادة الفاسدة والقدرة معها بحسب الإمكان ولا حول ولا قوة إلا بالله # وهذا مما يظهر به حسن حال المؤمن وترجحه في النعيم واللذة على الكافر في ~~الدنيا قبل الآخرة وإن كانت الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر # PageV01P175 # فأما ما وعد به المؤمن بعد الموت من كرامة الله فإنه تكون الدنيا بالنسبة ~~إليه سجنا وما للكافر بعد الموت من عذاب الله فإنه تكون الدنيا جنة بالنسبة ~~إلى ذلك # وذلك أن الكافر صاحب الإرادة الفاسدة إما عاجز وإما قادر فإن كان عاجزا ~~تعارضت إرادته وقدرته حتى لا يمكنه الجمع بينهما وإن كان قادرا أقبل على ~~الشهوات وأسرف في التذاذه بها ولا يمكنه تركها # ولهذا تجد القوم من الظالمين أعظم الناس فجورا وفسادا وطلبا لما يروحون ~~به ms096 أنفسهم من مسموع ومنظور ومشموم ومأكول ومشروب ومع هذا فلا تطمئن قلوبهم ~~بشيء من ذلك هذا فيما ينالونه من اللذة وأما # PageV01P176 ### | لذات أهل البر أعظم من لذات أهل الفجور # ... # ما يخافونه من الأعداء فهو أعظم الناس خوفا ولا عيشة لخائف وأما العاجز ~~منهم فهو في عذاب عظيم لا يزال في أسف على ما فاته وعلى ما أصابه # وأما المؤمن فهو مع مقدرته له من الإرادة الصالحة والعلوم النافعة ما ~~يوجب طمأنينة قلبه وانشراح صدره بما يفعله من الأعمال الصالحة وله من ~~الطمأنينة وقرة العين ما لا يمكن وصفه وهو مع عجزه أيضا له من أنواع ~~الإرادات الصالحة والعلوم النافعة التي يتنعم بها ما لا يمكن وصفه # وكل هذا محسوس مجرب وإنما يقع غلط أكثر الناس أنه قد أحس بظاهر من لذات ~~أهل الفجور وذاقها ولم يذق لذات أهل البر ولم يخبرها ولكن أكثر الناس جهال ~~كما لا يسمعون ولا يعقلون وهذا الجهل لعدم شهود حقيقة الإيمان ووجود حلاوته ~~وذوق طعمه انضم إليه أيضا جهل كثير من المتكلمين في العلم بحقيقة ما في أمر ~~الله من المصلحة والمنفعة وما في خلقه أيضا لعبده المؤمن من المنفعة ~~والمصلحة فاجتمع الجهل بما أخبر الله به من خلقه وأمره وما أشهده عباده من ~~حقيقة الإيمان ووجود حلاوته مع ما في النفوس من الظلم مانعا للنفوس من عظيم ~~نعمة الله وكرامته ورضوانه موقعا لها في بأسه وعذابه وسخطه # PageV01P177 ### | لما خاض الناس في مسائل القدر ابتد طوائف منهم مقالات مخالفة للكتاب والسنة، بدع القدرية # ... # وذلك أن الناس لما خاضوا في مسائل القدر ولم يخلق الله ويأمر ونحو ذلك ~~بغير هدي من الله فرقوا دينهم وكانوا شيعا # فزعم فريق أنه لا يخلق أحدا من الأشخاص إلا لأجل مصلحة المخلوق ولا يأمره ~~إلا لأن أمره مصلحة له أيضا وإنما العبد هو الذي صرف عن نفسه المصلحة وفعل ~~المفسدة بغير قدرة الرب وبغير مشيئته وهم إنما قصدوا بها تنزيه الرب عن ~~الظلم والعيب ووصفه بالحكمة والعدل والإحسان لكن سلبوه ms097 علمه وقدرته وكتابته ~~وخلقه ونفوا مشيئته وعمومها # فقال قوم منهم إنه لا يعلم ولا يكتب ما يكون من العباد حتى يفعلوه # وقال آخرون بل علم ذلك وعلم أنهم لا يطيعونه ولا يفعلون إلا ما يضرهم ومع ~~هذا فقصد تعريفهم بالخلق والأمر للمنفعة الخالصة الدائمة # فقال لهم الناس من علم أن مقصوده من الخير لا يكون وقد سعي في حصوله ~~بمنتهى قدرته كان من أجهل الفاعلين وأسفههم فنزهوه عن قليل من السفه ~~بالتزام ما هو أكثر منه وزعموا أنه لا يقدر إلا على ما فعل بهم فسلبوه ~~قدرته # PageV01P178 ### | بدع طائفة من أهل الإثبات # ... # فرد على هؤلاء من أهل الإثبات فأثبتوا عموم قدرته وعموم مشيئته وخلقه ~~وعلمه القديم وكل هذا حسن موافق للكتاب والسنة وهو مع تمام الإيمان القدر ~~بعلم الله القديم ومشيئته وخلقه وقدرته على كل شيء لكن ضموا إلى ذلك أشياء ~~ليست من السنة # فإنه من السنة أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وألا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون وأنه يأمر العباد بطاعته ومع هذا يهدي من يشاء ويضل من يشاء كما قال ~~تعالى: {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} # فزعموا مع ذلك أنه يخلق الخلق لا لحكمة في خلقهم ولا لرحمته لهم بل قد ~~يكون خلقهم ليضرهم كلهم وهذا عندهم حكمة فلم ينزهوه عما نزه عنه نفسه من ~~الظلم حيث أخبر أنه إنما يجزي الناس بأعمالهم وأنه لا يزر وازرة وزر أخري ~~وأنه من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما # بل زعما أن كل مقدور عليه فليس بظلم مثل تعذيب الأنبياء والمرسلين وتكريم ~~الكفار والمنافقين وغير ذلك مما نزه الله نفسه عنه فلم يكن الظلم الذي نزه ~~الله نفسه عنه حقيقة عند هؤلاء إذ كل ما يمكن ويقدر عليه فليس بظلم فقوله ~~تعالى {وما الله يريد ظلما للعباد} عندهم لا يريد ما لا يكون ممكنا مقدورا ~~عليه وهو عندهم لا يقدر # PageV01P179 # على الظلم حتى يكون تاركا له وزعموا أنه ms098 قد يأمر العباد بما لا يكون ~~مصلحة لهم ولا لواحد منهم لا يكون الأمر مصلحة ولا يكون فعل المأمور به ~~مصلحة بل قد يأمرهم بما إن فعلوه كان مضرة لهم وإن لم يفعلوه عاقبهم به ~~فيكون العبد فيما يأمره به بين ضررين ضرر إن أطاع وضرر إن عصي ومن كان كذلك ~~كان أمره للعباد مضرة لهم لا مصلحة لهم # وقالوا يأمر بما يشاء وأنكروا أن يكون في الأحكام الشرعية من العلل ~~المناسبة للأحكام من جلب المنافع ودفع المضار ما تبقي الأحكام الشرعية ~~ممكنة به حتى كان منهم من دفع علل الأحكام بالكلية ومنهم من قال العلل مجرد ~~علامات ودلالات على الحكم لأنها أمور تناسب الحكم وتلائمه وهو يجوزون مع ~~هذا ألا يكون للعبد ثواب ومنفعة في فعل المأمور به لكن لما جاءت الشريعة ~~بالوعد قالوا هو موعود بالثواب الذي وعد به وربما قالوا إنه في الآخرة فقط ~~فإن الفعل المأمور به قد لا يكون فيه مصلحة للعباد ولا منفعة لهم بحال ولا ~~يكون فيه تنعم لهم ولا لذة بحال بل قد يكون مضرة لهم ومفسدة في حظهم ليس ~~فيه ما ينفعهم ومعلوم أنه إذا اعتقد المرء # PageV01P180 # أن طاعة الله ورسوله فيها أمراه به قد لا يكون فيها مصلحة له ولا منفعة ~~ولا فيها تنعم ولا لذة ولا راحة بل يكون فيها مفسدة له ومضرة عليه وليس ~~فيها إلا ألمه وعذابه كان هذا من أعظم الصوارف له عن فعل ما أمر الله به ~~ورسوله ثم إن كان ضعيف الإيمان بالوعيد والوعد ترك الدين بالكلية وإن كان ~~مؤمنا بالوعيد صارت دواعيه مترددة بين هذا العذاب وذلك العذاب وإن كان ~~مؤمنا بوعد الآخرة فقط اعتقد أنه لا تكون له في الدنيا مصلحة ولا منفعة بل ~~لا تكون المصلحة والمنفعة في الدنيا إلا لمن كفر أو فسق وعصى # وهذا أيضا وإن كان هو غاية حال هؤلاء فهو مما يصرف النفوس عن طاعة الله ~~ورسوله ويبقي العبد المؤمن متردد الدواعي بين هذا وهذا وهو لا ms099 يخلو من ~~أمرين إما أن يرجح جانب الطاعة التي يستشعر أنه ليس فيها طول عمره له مصلحة ~~ولا منفعة ولا لذة بل عذاب وألم بل مفسدة ومضرة وهذا لا يكاد يصبر عليه أحد # PageV01P181 # وإما أن يرجح جانب المعصية تارة أو تارات أو غالبا ثم إن أحسن أحواله مع ~~ذلك أن ينوي التوبة قبيل موته # ولا ريب إن كان ما قاله هؤلاء حقا فصاحب هذه الحال أكيس وأعقل ممن محض ~~طاعة الله طول عمره إذ أن هذا سلم من عذاب ذلك المطيع في الدنيا ثم إنه ~~بالتوبة أحبط عنه العقاب وأبدل الله سيئاته بالحسنات فصارت جميع سيئاته ~~حسنات فصار ثوابه في الآخرة قد يكون أعظم وأعظم من ثواب ذلك المطيع الذي ~~محض الطاعة ولو كان ثوابه دون ثواب ذلك لم يكن التفاضل بينهم إلا كتفاضل ~~أهل الدرجات في الجنة وهذا مما يختاره أكثر الناس على مكابدة العذاب ~~والشقاء والبلاء بطول العمر إذ هو أمر لا يصبر عليه أحد فإن مصابرة العذاب ~~ستين أو سبعين سنة بلا مصلحة ولا منفعة ولا لذة ليس هو من جبلة الأحياء إذا ~~جوزوا أن لا يكون في شيء من طاعة الله مصلحة ولا منفعة طول عمره # وهؤلاء يجعلون العباد مع الله بمنزلة الأجراء مع المستأجرين كأن الله ~~أستأجرهم طول مقامهم في الدنيا ليعملوا ما لا ينتفعون به ولا فيه لربهم ~~منفعة ليعوضهم مع ذلك بعد الموت بأجرتهم وفي هذا من تشبيه الله بالعاجز ~~الجاهل السفيه ما يجب تنزيه الله عنه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا # PageV01P182 ### | المقالة الصحيحة لأهل السنة والجماعة # ... # والحق الذي يجب اعتقاده أن الله سبحانه إنما أرسل رسوله رحمة للعالمين ~~وان إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة عامة للخلق أعظم من إنزال المطر وإطلاع ~~البذر وإن يحصل بهذه الرحمة ضرر لبعض النفوس # ثم إنه سبحانه كما قال قتادة وغيره من السلف لم يأمر العباد بما أمرهم به ~~لحاجته إليه ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه بل أمرهم بما فيه صلاحهم ~~ونهاهم عما ms100 فيه فسادهم # وفي الحديث الصحيح حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عبادي ~~إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ~~جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ~~فاستهدوني أهدكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي ~~فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقي قلب رجل ~~واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي ~~لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد يسألوني فأعطيت كل ~~إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه ~~المخيط غمسة واحدة يا عبادي إنما هي أعمالكم ترد عليكم فمن وجد خيرا فليحمد ~~الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". # PageV01P183 ### | رفع الله الحرج عن المؤمنين # ... # وقال تعالى: في وصف النبي صلى الله عليه وسلم الأمي {يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم} # وقال تعالى: لما ذكر الوضوء {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} فأخبر أنه لا يريد أن يجعل علينا ~~من حرج فيما أمرنا به وهذه نكرة مؤكدة بحرف من فهي تنفي كل حرج وأخبر أنه ~~إنما يريد تطهيرنا وإتمام نعمته علينا # وقال تعالى: في الآية الأخرى {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم} فقد أخبر أنه ما جعل علينا ~~في الدين من حرج نفيا عاما مؤكدا فمن اعتقد أن فيما أمر الله به مثقال ذرة ~~من حرج فقد كذب الله ورسوله فكيف بمن اعتقد أن المأمور به قد يكون فسادا ~~وضررا لا منفعة فيه ولا مصلحة لنا ولهذا ms101 لما لم يكن فيما أمر الله ورسوله ~~حرج علينا لم يكن الحرج من ذلك إلا من النفاق كما قال تعالى: {فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} # PageV01P184 # وقال الله تعالى فيما أمر به من الصيام {يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر} فإذا كان لا يريد فيما أمرنا به ما يعسر علينا فكيف يريد ما ~~يكون ضررا وفسادا لنا بما أمرنا به إذا أطعناه فيه # ثم إنه يكون قد أخبر أن ### | الإيمان والطاعة خير من الكفر والمعصية للعبد في الدنيا والآخرة # وإن كان لجهله يظن أن ذلك خير له في الدنيا كما يقوله هؤلاء الذين فيهم ~~جهل ونفاق الذين قد يقولون إن المأمور به قد لا يكون فيه للعبد مصلحة ولا ~~منفعة طول عمره بل يكون ذلك في المنهي عنه فقال تعالى: {كتب عليكم القتال ~~وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر ~~لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} # وقال تعالى: عن الذين اتبعوا {ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} إلى ~~قوله {من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} فأخبر أنهم يعلمون ~~أن هذه الأمور لا تنفع بعد الموت بل لا يكون لصاحبها نصيب في الآخرة وإنما ~~طلبوا بها منفعة الدنيا وقد يسمون ذلك العقل المعيشي أي العقل الذي يعيش به ~~الإنسان في الدنيا عيشة طيبة فقال تعالى: {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من ~~عند الله خير لو كانوا يعلمون} فاخبر أن أولياءه الذين آمنوا وكانوا يتقون ~~ينبههم على # PageV01P185 # أن في ذلك ما هو خير لهم مما طلبوه في الدنيا لو كانوا يعلمون فيحصل لهم ~~في الآخرة من الخير الذي هو المنفعة ودفع المضرة ما هو أعظم مما يحصلوه ~~بذلك من خير الدنيا # كما قال تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب ~~برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين} ثم قال {ولأجر ms102 الآخرة خير للذين ~~آمنوا وكانوا يتقون} # وقال تعالى: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا ~~في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. فآتاهم الله ثواب ~~الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} # وقال عن إبراهيم {وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين} # وقد قال تعالى: ما يبين به أن فعل المكروه من المأمور خير من تركه في ~~الدنيا أيضا قال تعالى: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا ~~من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ~~لهم وأشد تثبيتا. وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما. ولهديناهم صراطا ~~مستقيما} # PageV01P186 # وهذا في سياق حال {الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان ~~أن يضلهم ضلالا بعيدا} وهؤلاء منافقون من أهل الكتاب # والمشركون حالهم أيضا شبيه بحال الذين نبذوا كتاب الله وراءهم ظهريا ~~كأنهم لا يعلمون {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} فإن أولئك ~~عدلوا عما في كتاب الله إلى اتباع الجبت والطاغوت والسحر والشيطان وهذه حال ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب الذين يؤمنون بالجبت والطاغوت وحال الذين ~~يتحاكمون إلى الطاغوت من المظهرين للإيمان بالله ورسله فيها من حال هؤلاء # والطاغوت كل معظم ومتعظم بغير طاعة الله ورسوله من إنسان أو شيطان أو شيء ~~من الأوثان # وهذه حال كثير ممن يشبه اليهود من المتفقهه والمتكلمة وغيرهم ممن فيه نوع ~~نفاق من هذه الأمة الذين يؤمنون بما خالف كتاب الله وسنة رسوله من أنواع ~~الجبت والطاغوت والذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير كتاب الله تعالى وسنة ~~رسوله # وقال تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا. فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم # PageV01P187 ### | معنى المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مماته # ... # رحيما} فدعاهم سبحانه بعد ما فعلوه من النفاق إلى التوبة وهذا ms103 من كمال ~~رحمته بعباده يأمرهم قبل المعصية بالطاعة وبعد المعصية بالاستغفار وهو رحيم ~~بهم في كلا الأمرين بأمره لهم بالطاعة أولا برحمته وأمرهم بالاستغفار من ~~رحمته فهو سبحانه رحيم بالمؤمنين الذين أطاعوه أولا والذين استغفروه ثانيا # فإذا كان رحيما بمن يطيعه والرحمة توجب إيصال ما ينفعهم إليهم ودفع ما ~~يضرهم عنهم فكيف يكون المأمور به مشتملا على ضررهم دون منفعتهم # معني المجيء إلى الرسول بعد مماته # وقوله فجاؤوك المجيء إليه في حضوره معلوم كالدعاء إليه وأما في مغيبه ~~ومماته فالمجيء إليه كالدعاء إليه والرد إليه قال تعالى: {وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول} وهو الرد والمجيء إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة ~~وكذلك المجيء إليه لمن ظلم نفسه هو الرجوع إلى ما أمره به فإذا رجع إلى ما ~~أمره به فإن الجائي إلى الشيء في حياته ممن ظلم نفسه يجيء إليه داخلا في ~~طاعته راجعا عن معصيته كذلك في مغيبه ومماته # واستغفار الله موجود في كل مكان وزمان وأما استغفار الرسول فإنه أيضا # PageV01P189 # يتناول الناس في مغيبه وبعد مماته فإنه أمر بأن يستغفر للمؤمنين ~~والمؤمنات وهو مطيع لله فيما أمره به والتائب داخل في الإيمان إذ المعصية ~~تنقص الإيمان والتوبة من المعصية تزيد في الإيمان بقدرها فيكون له من ~~استغفار النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ذلك # فأما مجيء الإنسان إلى الرسول عند قبره وقوله استغفر لي أو سل لي ربك أو ~~ادعو لي أو قوله في مغيبه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ادع لي أو ~~استغفر لي أو سل لي ربك كذا وكذا فهذا لا أصل له ولم يأمر الله بذلك ولا ~~فعله واحد من سلف الأمة المعروفين في القرون الثلاثة ولا كان ذلك معروفا ~~بينهم ولو كان هذا مما يستحب لكان السلف يفعلون ذلك ولكان ذلك معروفا فيهم ~~بل مشهورا بينهم ومنقولا عنهم فإن مثل هذا إذا كان طريقا إلى غفران ms104 السيئات ~~وقضاء الحاجات لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على فعله وعلى نقله لا سيما ~~فيمن كانوا أحرص الناس على الخير فإذا لم يعرف أنهم كانوا يفعلون ذلك ولا ~~نقله أحد عنهم علم أنه لم يكن مما يستحب ويؤمر به # PageV01P190 # بل المنقول الثابت عنه ما أمر الله به النبي صلى الله عليه وسلم من نهيه ~~عن اتخاذ قبره عيدا ووثنا وعن اتخاذ القبور مساجد # وأما ما ذكره بعض الفقهاء من حكاية العتبي عن الأعرابي الذي أتي قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا خير البرية إن الله يقول {ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم} وإني قد جئت وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ~~وأمره أن يبشر الأعرابي فهذه الحكاية ونحوها مما يذكر في قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقبر غيره # PageV01P191 # من الصالحين فيقع مثلهما لمن في إيمانه ضعف وهو جاهل بقدر الرسول وبما ~~امر به فإن لم يعف عن مثل هذا لحاجته وإلا اضطرب إيمانه وعظم نفاقه فيكون ~~في ذلك بمنزلة المؤلفة بالعطاء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما قال: ~~" إني لأتألف رجالا بما في قلوبهم من الهلع والجزع وأكل رجالا إلى ما جعل ~~الله في قلوبهم من الغني والخير" مع أن أخذ ذلك المال مكروه لهم فهذه أيضا ~~مثل هذه الحاجات # وأما المشروع الذي وردت به سنته فهو دعاء المسلم ربه متوسلا به لا دعاؤه ~~في مماته ومغيبه وهو أن يفعل كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم علم رجلا أن يقول: " اللهم إني أسألك وأتوسل إليك ~~بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد يا نبي الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي # PageV01P192 ### | على المؤمن أن يحب ما أحب الله ويبغض ما أبغضه الله ويرضى بما قدره الله # ... # ليقضيها اللهم شفعه في" وذلك أن الله يقول {من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه} وقال تعالى: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} ثم قال تعالى: {فلا ~~وربك ms105 لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما} # فأقسم بنفسه على أنه نفي إيمان من لم يجمع أمرين تحكيمه فيما شجر بينهم ~~ثم أن لا يجد في نفسه حرجا وهذا يوجب أنه ليس في أمره ونهيه ما يوجب الحرج ~~لمن امتثل ذلك فإن حكمه لا بد فيه من أمر ونهي وإن كان فيه إباحة أيضا فلو ~~كان المأمور به والمنهي عنه مضرة للعبد ومفسدة وألما بلا لذة راجحة لم يكن ~~العبد ملوما على وجود الحرج فيما هو مضرة له ومفسدة # ولهذا لم يتنازع العلماء أن الرضا بما أمر الله به ورسوله واجب محبب لا ~~يجوز كراهة ذلك وسخطه وأن محبة ذلك واجبة بحيث يبغض ما أبغضه الله # PageV01P193 # ويسخط ما أسخطه الله من المحظور ويحب ما أحبه ويرضي ما رضيه الله من ~~المأمور # وإنما تنازعوا في الرضا بما يقدره الحق من الألم بالمرض والفقر فقيل هو ~~واجب وقيل هو مستحب وهو أرجح والقولان في أصحاب الإمام احمد وغيرهم وأما ~~الصبر على ذلك فلا نزاع أنه واجب # وقد قال تعالى: في الأول {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا ~~وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون. ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} # فجعل من المنافقين من سخط فيما منعه الله إياه ورسوله وحضهم بأن يرضوا ~~بما آتاهم الله ورسوله والذي آتاه الله ورسوله يتناول ما أباحه دون ما حظره ~~ويدخل في المباح العام ما أوجبه وما أحبه # وإذا كان الصبر على الضراء ونحو ذلك مما أوجبه الله وأحبه كما أوجب الشكر ~~على النعماء وأحبه كان كل من الصبر والشكر مما يجب محبته وعمله فيكون ما ~~قدر للمؤمن من سراء معها شكر وضراء معها صبرا خيرا له كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد ~~إلا للمؤمن أن ms106 أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان # PageV01P194 ### | ### | فصل # ، جميع الحركات ناشئة عن الإرادة والاختيار # ... # خيرا له" وإذا كان خيرا فالخير هو المنفعة والمصلحة الذي فيه النعيم ~~واللذة كما تقدم # فيكون كل مقدور قدر للعبد إذا عمل فيه بطاعة الله ورسوله خيرا له وإنما ~~يكون شرا لمن عمل بمعصية الله ورسوله ومثل ذلك فهو بحسبه ونيته بلاء قد ~~يعمل فيه بطاعة الله وقد يعمل فيه بمعصية الله فلا يوصف بواحد من الأمرين # فصل # وإذا كان كل حركة في الوجود فلا تخلو من أن تكون إرادية أو طبعية أو ~~قسرية وتبين أن الطبيعة والقسرية فرع وتبع للإرادية فثبت أن جميع الحركات ~~ناشئة عن الإرادة والاختيار وذلك يبطل أن يضاف خلق شيء من المخلوقات إلى ~~الطبع الذي في الأجسام مثل أن يكون الخالق للأجنة في الأرحام هو طبع أو ~~الخالق للنبات هو طبع لأن الطبع لا يكون مبدءا لحركة # PageV01P195 # الجسم وانتقال أصله إلا إذا أخرج عن طبعه بغير طبعه كما يجمع بين الأجسام ~~بالمزج والخلط فتنتقل عن مراكزها ومحالها المخالف لمقتضي طبعها وعند ~~التحقيق يعود الطبع إلى أنه ليس فيها سبب للحركة عن حالها وسكونها فيكون ~~الطبع بمنزلة السكون وعدم الحركة أو أمرا وجوديا منافيا للحركة فالحركة ~~الواردة عليها مخالفة له والطبع جمود وهي تنتقل عن إرادة وحركة فعلم بطلان ~~إصابة شيء من الحوادث العرضية عن مجرد الطبع الذي في الموات فكيف بالحوادث ~~الجوهرية # والإرادة والاختيار مستلزمة للحياة والعلم كما أن الحياة أيضا مستلزمة ~~للعلم وللإرادة بل وللإرادة والحركة كما قرر ذلك عثمان بن سعيد وغيره من ~~أئمة السنة # PageV01P196 # وكما أن الحركة مستلزمة للإرادة والحياة فالحياة أيضا مستلزمة للحركة ~~والإرادة ولهذا كان أعظم آية في القرآن {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ~~فالاسم الحي مستلزم لصفاته وأفعاله وهو من أعظم البراهين العقلية على ثبوت ~~صفات الكمال والمصحح لها والمستلزم ثبوتها ونفي نقيضها كالعلم والكلام ~~والسمع والبصر وغير ذلك كما هو مبين في موضعه ### | فصل # قال الله تعالى {يا ms107 أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ~~بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين. فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دآئرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في ~~أنفسهم نادمين. ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين. يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم ~~عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لآئم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم.إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين # PageV01P197 ### | أصل الموالاة الحب وأصل المعادة البغض # ... # يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين ~~آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} # وأصل الموالاة هي المحبة كما أن أصل المعاداة البغض فإن التحاب يوجب ~~التقارب والاتفاق والتباغض يوجب التباعد والاختلاف وقد قيل المولي من الولي ~~وهو القرب وهذا يلي هذا أي هو يقرب منه # والعدو من العدواء وهو البعد ومنه العدوة والشيء إذا ولي الشيء ودنا منه ~~وقرب إليه اتصل به كما أنه إذا عدي عنه ونأي عنه وبعد منه كان ماضيا عنه # فأولياء الله ضد أعدائه يقربهم منه ويدنيهم إليه ويتولاهم ويتولونه ~~ويحبهم ويرحمهم ويكون عليهم منه صلاة وأعداؤه يبعدهم ويلعنهم وهو إبعاد منه ~~ومن رحمته ويبغضهم ويغضب عليهم وهذا شأن المتوالين والمتعادين فالصلاة ضد ~~اللعنة والرحمة والرضوان ضد الغضب والسخط والعذاب ضد النعيم # قال تعالى: في حق الصابرين {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون} # PageV01P198 # وقال تعالى: في حق المنافقين {عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم ~~وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} # وقال تعالى: في حق المجاهدين {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم ~~فيها نعيم مقيم} # وقال تعالى: في قاتل المؤمن متعمدا {فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} # والمتلاعنان ms108 يقول الرجل في الخامسة {أن لعنت الله عليه إن كان من ~~الكاذبين} وذلك يكون قاذفا وقد قال تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} وتقول المرأة ~~في الخامسة {أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} لأنه إذا كان صادقا ~~كانت زانية فاستحقت الغضب الذي هو ضد الرحمة ولهذا قال تعالى: {الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} فنهي عن الرأفة بهما في دين الله # والمؤمن يغار والله يغار وغيرة الله أعظم كما قد استفاض عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الصحيح من غير وجه أنه قال " لا أحد أغير من الله من أجل ~~ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن" # PageV01P199 # وفي بعض الأحاديث الصحاح: "لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني ~~أمته " وفي بعضها: "إن الله يغار وغيرته أن يأتي العبد ما حرم عليه". # والغيرة فيها من البغض والغضب ما يدفع به الإنسان ما غار منه فالزنا وإن ~~كان صادرا عن الشهوة والمحبة منهما أو من أحدهما فإن ذلك مقابل بضرورة ~~التنزه عن الفواحش والتورع عن المحرمات فأمر الله أن # PageV01P200 # لا تأخذنا بهما رأفة في دين الله فنهانا عن أن تكون منا رأفة تدفع العذاب ~~عنهما فضلا عن أن يكون محبة لذلك الفعل ولهذا أخبرنا به بأنه لا يحب ذلك ~~أصلا فقال تعالى: {إن الله لا يأمر بالفحشاء} وما لا يأمر به لا أمر إيجاب ~~ولا أمر استحباب لا يحبه قال لوط عليه السلام: {قال إني لعملكم من القالين} ~~والقلي بغضه وهجره والأنبياء أولياء الله يحبون ما يحب الله ويبغضون ما ~~يبغض # وربما قيل القلي أشد البغض فالله سبحانه يبغض ذلك وهو سبحانه يبغض كل ما ~~نهي عنه كما أنه يحب كل ما أمر به بل الغيرة مستلزمة لقوة البغض إذ كل من ~~يغار يبغض ما غار منه وليس كل من يبغض شيئا ms109 يغار منه فالغيرة أحض وأقوي # ولا ريب أن المرأة المزوجة الزانية استحقت الغضب لشيئين لأجل ما في الزنا ~~من التحريم ولأنها اعتدت فيه على الزوج فأفسدت فراشة ولهذا كان للزوج إذا ~~قذف امرأته ولم يأت بأربعة شهداء أن يلاعنها لما له في ذلك من الحق ولأنه ~~مظلوم إذا كان صادقا وعليه في زناها من الضرر ما يحتاج إلي # PageV01P201 # دفعه بما شرعه الله كالمقذوف الذي له أن يستوفي حد القذف من القاذف الذي ~~ظلمه في عرضه فكذلك الزوج له أن يستوفي حد الفاحشة من البغي الظالمة له ~~المعتدية عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق الرجل على امرأته: ~~"وأن لا يوطئن فرشكم من تكرهونه" فلهذا كان له أن يقذفها ابتداء وقذفها إما ~~مباح له وأما واجب عليه إذا احتاج إليه لنفي النسب ويضطرها بذلك إلى أحد ~~أمرين إما أن تعترف فيقام عليها الحد فيكون قد استوفي حقه وتطهرت هي أيضا ~~من الجزاء لها والنكال في الآخرة بما حصل وإما أن تبوء بغضب الله عليها ~~وعقابه في الآخرة الذي هو أعظم من عقاب الدنيا فإن الزوج مظلوم معها ~~والمظلوم له استيفاء حقه إما في الدنيا وإما في الآخرة قال الله تعالى # PageV01P202 # {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} بخلاف غير الزوج فإنه ~~ليس له حق الافتراش فليس له قذفها ولا أن يلاعن إذا قذفها لأنه غير محتاج ~~إلى ذلك مثل الزوج ولا هو مظلموم في فراشها لكن يحصل بالفاحشة من ظلم غير ~~الزوج ما لا يحتاج إلى اللعان فإن في الفاحشة إلحاق عار بالأهل والعار يحصل ~~بمقدمات الفاحشة # فإذا لم تكن الفاحشة معلومة بإقرار ولا بينة كان عقوبة ما ظهر منها كافيا ~~في استيفاء الحق مثل الخلوة والنظر ونحو ذلك من الأسباب التي نهي الله عنها ~~وهذا من محاسن الشريعة # وكذلك كثيرا ما يقترن بالفواحش من ظلم غير الزانيين فإن إذا حصل بينهما ~~محبة ومودة فاحشة كان ذلك موجبا لتعونهما على أغراضهما فيبقى كل منهما يعين ms110 ~~الآخر على أغراضه التي يكون فيها ظلم الناس فيحصل العدوان والظلم للناس ~~بسبب اشتراكهما في القبيح وتعاونهما بذلك على الظلم كما جرت العادة في ~~البغي من النساء والصبيان أن خدنه أو المسافح به يحصل له منه من الإكرام ~~والعطاء والنصر والمعاونة ما يوجب استطالة ذلك الفاجر بترك حقوق الخلق ~~والعدوان عليهم # PageV01P203 # وأيضا فإن محبته له قد تحمل الطالب الراغب على أخذ أموال الناس بغير حق ~~ليعطيه ذلك وتحمله أيضا على ترك حقوق الناس وقطيعة رحمه لأجل ذلك الشخص ~~فإنه لا يمكن الجمع بين الأمرين ويحمله أيضا على الانتصار له بالعدوان # ففي الجملة المحبة توجب موافقة المحب للمحبوب فإذا كانت المحبة فاسدة لا ~~يحبها الله ولا يرضاها إذا لم يتعد ضررها للاثنين تكون العقوبة لهما حقا ~~لله لكن هي في الغالب بل في اللازم يتعدى ضررها إلى الناس فإن كل واحد من ~~الشخصين عليه حقوق للناس وهو ينهى عن العدوان عليهم فإذا تحابا وتعاونا لم ~~يتمكن كل منهما من القيام بحقوق الناس واحتاج إلى أن يعتدي عليهم # ولا ينبغي للإنسان أن يعتبر بظاهر ما يقال إن الإنسان إذا فعل فاحشة فإن ~~الإثم عليه خاصة وليس ذلك بظلم للغير فإن ذلك إنما هو في الفاحشة المحضة ~~مثل الزنا المحض الذي لم يتعلق به حق الغير فإما زنا الزوجة ففيه ظلم ~~بالاتفاق كما بيناه # وكذلك المحبة والعشق الفاسد فإن هذا أعظم ضررا من الزنا مرة واحدة # PageV01P204 # فإن الرجل إذا زنا مرة أو مرتين حصل غرضه وكذلك المرأة ثم إنه قد يكون ~~بعوض من أحدهما للآخر وقد لا يكون فربما كان فيه ظلم للغير # وأما المحبة والعشق فإن ذلك مستلزم للعدوان على غيرهما في العادة فإن ~~المحبة توجب أن يعطي المحبوب من المنافع والأموال ما يوجب حرمان الغير ~~والعدوان عليه ويوجب من الانتصار للمحبوب والدفع عنه ما فيه أيضا ترك حق ~~الغير والعدوان عليه ألا تري أن الرجل إذا أحب غير امرأته أو المرأة إذا ~~أحبت غير زوجها قصر كل منهما في حقوق الآخر ms111 واعتدي عليه بل إذا أحب الرجل ~~امرأة أو صبيا قصر في حقوق أهله وأصدقائه ممن له عليه حق بل وظلمهم أيضا ~~كما يظلم غيرهم لأجله وهذا سوى ما في ذلك من حق الله الذي يوجب غليظ عقابه ~~وإن كان الرجل العاقل قد يقوم من الحقوق بما يمكن ويدع الظلم بحسب الإمكان ~~إلا أن هذا مظنة وسبب لذلك وهذا مما يوجب تحير الرجل وتردده وتلومه إلى ~~الحق تارة وإلى الباطل أخرى وهذا مرض عظيم كما ذكر الله تعالى ذلك في قوله ~~{فيطمع الذي في قلبه مرض} وأما ما في ذلك من ظلم كل منهما لنفسه ولخدنه ~~فذاك ظاهر لكنهما ظلما أنفسهما فهما الظالمان المظلومان وأما الغير فظلماه ~~بغير رضاه ولا اختياره # وكذلك ما تفضي إليه هذه المحبة الباطلة من ظلم كل منهما للآخر إما بقتله ~~وإما بتعذيبه بغير الحق وإما منعه من الاتصال بالناس وفعل ما يختار # PageV01P205 # من مصلحة وغيرها ففيها هذه المفاسد كلها وأكبر منها لكن ذلك ظلم منهما ~~لأنفسهما مبدؤه المحبه الفاسدة # ولهذا أمر سبحانه أن لا تأخذنا بهما رأفه في دين الله فإن الرأفة والرحمة ~~توجب أن توصل للمرحوم ما ينفعه وتدفع عنه ما يضره وإذا رأف بهما أحد لأجل ~~ما في قلوبهما من الشهوة والمحبة وغير ذلك وترك عذابهما كان ذلك جالبا لما ~~يضرهما ودافعا لما ينفعهما فإن ذلك مرض في قلوبهما والمريض الذي يشتهي ما ~~يضره ليس دواؤه إعطاءه المشتهي الضار بل دواؤه الحمية وإن آلمته وإعطاؤه ما ~~ينفعه وتعويضه عن ذلك الضار بما أمر مما لا يضر # فهكذا أهل الشهوات الفاسدة وإن أضرمت قلوبهم نار الشهوة ليس رحمتهم ~~والرأفة بهم تمكينهم من ذلك أو ترك عذابهم فإن ذلك يزيد # PageV01P206 # بلاءهم وعذابهم والحرارة التي في قلوبهم مثل حرارة المحموم متى مكن ~~المحموم مما يضره ازداد مرضه أو انتقل إلى مرض شر منه # فهذه حال أهل الشهوات بل تدفع تلك الشهوة الحلوة بضدها والمنع من ~~موجباتها ومقابلتها بالضد من العذاب المؤلم ونحوه الذي يخرج المحبة من ~~القلب ms112 كما قيل: # فإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب # فإذا كان يحصل بالمحبة ونيل الشهوة أمر مما يزيد ألمه على لذتها انكفت ~~النفس وكذلك إذا حصل بدله أمر لذيذ أطيب منه اغتاظت النفس فاللذيذ يترك لما ~~يرجح عليه من لذيذ وأليم كما أن الأليم محتمل لما يرجح عليه من لذيذ وأليم ~~وإذا تكافئا تقابلا فلم يغلب أحدهما الآخر بل تبقي الأمور على ما هو عليه ~~إذا استوت الدواعي والصوارف واحتمال الأليم وفوت اللذيذ وإن كان فيه مرارة ~~فذلك يدفع به ما هو أمر منه ويجلب به ما هو أرجح منه من الحلو # ولكن هذا من محبة بني آدم وفتنتهم التي لا بد منها وهي محالفة الأهواء ~~فلا تقوم مصلحة أحد من بني آدم بدون ذلك أبدا لا مصلحة دنياه ولا مصلحة ~~دينه كما قال إبراهيم الحربي أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك ~~بالنعيم ولا بد من الصبر في جميع الأمور قال تعالى: {والعصر. إن # PageV01P207 # الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر} # فلا بد من التواصي بالحق والصبر إذ أن أهل الفساد والباطل لا يقوم باطلهم ~~إلا بصبر عليه أيضا لكن المؤمنون يتواصون بالحق والصبر وأولئك يتواصون ~~بالصبر على باطلهم كما قال قائلهم {أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا ~~لشيء يراد} # فالتواصي بالحق بدون الصبر كما يفعله الذين يقولون آمنا بالله فإذا أوذي ~~أحدهم في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله والذين يعبدون الله على حرف فإن ~~أصاب أحدهم خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا ~~والآخرة # والتواصي بالصبر بدون الحق كقول الذين قالوا أن امشوا واصبروا على آلهتكم ~~كلاهما موجب للخسران وإنما نجا من الخسران الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وهذا موجود في كل من خرج عن هؤلاء من أهل ~~الشهوات الفاسدة وأهل الشبهات الفاسدة أهل الفجور وأهل البدع # وما ذكرناه من أن المحبة الفاسدة توجب ظلم المتحابين لأنفسهما ms113 # PageV01P208 ### | فصل، تقسيم العلم إلى فعلي وانفعالي # ... # ولغيرهما موجود في كل محبة يبغضها الله كمحبة الأنداد والشركاء من دونه ~~قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله} وقال تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} وكمحبة ~~أهل الشهوات لجنس الفواحش ومحبة أهل الظلم والقائلين على الله ما لا يعلمون ~~فإن المحبة توجب تعاون المتحابين واتفاقهما فلا بد أن يبغضا ويعاديا من ~~يبغض ذلك منهما ويخالفهم فيه # ومعلوم أن كل مؤمن فإنه يبغض ما يبغضه الله ويحب ما يحبه الله فلا بد أن ~~يكون التحاب الذي يبغضه الله موجبا لنوع بغض المؤمنين بحسبه # فصل # قد كتبت في غير هذا الموضع أن الناس وإن تنازعوا في العلم هل هو صفة ~~انفعالية تابعة للمعلوم كما قد يطلقه كثير من أهل الكلام أو هو صفة فعلية ~~مؤثرة في المعلوم كما يقوله طوائف من المتفلسفة # فإن الصواب أنه ينقسم إلى النوعين جميعا فمنه ما هو تابع للمعلوم غير ~~مؤثر فيه بحال وهو العلم النظري القولي الخبري المحض كعلمنا بما لا تأثير ~~لنا في وجوده كالعلم بالخالق سبحانه وتعالى وملائكته وكتبه وأنبيائه وسائر ~~مخلوقاته # ومنه ما هو فعلي له تأثير في المعلوم كعلمنا بأفعالنا الاختيارية وما ~~يترتب عليها من حصول منفعة ودفع مضرة # PageV01P209 ### | علم الرب بأفعال عباده الصالحة والسيئة يستلزم حبه للحسنات وبغضه للسيئات # ... # وهذا التقسيم ثابت في علم الله تعالى فإنه يعلم نفسه ويعلم مخلوقاته أيضا ~~والأول علم بموجود والثاني علم بمقصود # لكن العلم بالموجود المستغني عن أفعالنا يتبع العلم به حبه تارة وبغضه ~~أخري فيكون العلم به سببا لأفعال لنا متعلقة به فيكون هذا العلم الانفعالي ~~فعليا مؤثرا من هذا الوجه وعلمنا بالحسنات والسيئات التي في أفعال غيرنا من ~~هذا الوجه # وعلم الرب سبحانه بأفعال عباده الصالحة والسيئة مستلزم أيضا حبه للحسنات ~~وبغضه للسيئات والعلم بالمقصود من أفعالنا وإن كان مؤثرا في المعلوم وهو ~~سبب في حصوله فلا يكون إلا بعد علم بأمور موجودة أوجب قصدا ms114 أو اختيارا لتلك ~~الأفعال فإن الفعل الاختياري يتبع الإرادة والإرادة تتبع المراد فلا بد أن ~~يتصور الفاعل المراد قبل قصد الفعل الذي هو سبب إليه كما يقال آخر الفكرة ~~أول العمل وتسمي العلة الغائية فلا بد من تصور ذلك المراد وأن يكون ما ~~يترتب على الفعل من لذة تجلب منفعة وتدفع مضرة فاللذة مشروطة بالإحساس ~~باللذيذ والإنسان لا يفعل ابتداء لطلب لذيذ إلا أن يكون قد أحسه قبل ذلك ~~فأحبه واشتهاه واشتاق إليه وذلك علم بأمر موجود تابع للمعلوم تبعه علم بأمر ~~مقصود تابع للعلم وإن كانت اللذة # PageV01P210 ### | الإرادة والمحبة ينقسمان أيضا إلى فعليتين وانفعاليتين # ... # قد تحصل ابتداء لا عن شوق كمن يذوق الشيء الطيب الذي لم يكن يعرفه فيحبه ~~بعد ذلك لكن هذا لم يتقدم منه طلب وفعل في حصول هذا المحبوب بخلاف من ذاقه ~~ابتداء فأحبه ثم سعي في تحصيل نظائر ما حصل له ابتداء # فقد تبين أن كلا العلمين الفعلي والانفعالي مستلزم للآخر وكذلك علم الرب ~~سبحانه وتعالى بنفسه مستلزم لعلمه بصفاته وأفعاله ومفعولاته وهو سبحانه ~~يحمد نفسه ويثني عليها فلا نحصي ثناء عليه بل هو كما أثني على نفسه وعلمه ~~بأفعاله ومفعولا ته مستلزم لعلمه بنفسه وعلمه بالمخلوقات وأفعالها يتبعه ~~حبه وبغضه وأمره ونهيه وعلمه بما يفعله بعباده من ثواب وعقاب وغير ذلك تابع ~~لعلمه بما هي عليه وقد تكلمنا على نحو هذا في غير هذا الموضع # وإنما المقصود في هذا المكان أن هذا التقسيم الوارد في العلم يرد نحوه في ~~الإرادة والمحبة ونحو ذلك # فإن الإرادة والمحبة تنقسم أيضا إلى فعلية مؤثرة في المراد المحبوب وهي ~~إرادة الفعل وحبه وإن كان المراد المحبوب تابعا مفعولا معدوما وقد ظن بعض ~~الناس أن الإرادة والمحبة ليست إلا هذا النوع حتى قال لا تتعلق الإرادة ~~والمحبة إلا بالمعدوم دون الموجود وبالمحدث دون القديم وهذا قول طوائف من ~~أهل الكلام وأكثر هؤلاء هم أكثر القائلين بأن العلم لا يكون إلا انفعاليا # PageV01P211 # فيجعلون العلم لا يتعلق في الحقيقة إلا بمعلوم ms115 متبوع كالموجود ويجعلون ~~الإرادة لاتتعلق إلا بمراد تابع كالمفعول المعدوم # وتنقسم إلى انفعاليه تابعه للمراد المحبوب ليست مؤثرة في وجوده أصلا بل ~~يكون المحبوب المراد موجودا بدون الإرادة وإنما يحب المحب ذلك الموجود ~~ويريده ويقال في كثير من أنواع ذلك يهواه ويعشقه ونحو ذلك من العبارات # وهذا القسم في الحقيقة هو الأصل في القسم الأول كما قد تكلمنا عليه في ~~بعض القواعد المتقدمة من سنين وذكرنا أن العلم والإرادة إنما يتعلق أولا ~~بالموجود وأن تعلقه بالمعدوم تابع لتعلقه بالموجود وذكرنا أن الإنسان لا ~~يحب الشيء ويريده حتى يكون له به شعور أو إحساس أو معرفة ونحو ذلك ويكون مع ~~ذلك بنفسه إليه ميل وفيها له حب وكل واحد من هاتين الفرقتين في فطرته ~~وجبلته المعرفة والمحبة ولهذا كان كل مولود يولد على الفطرة فطرة الإسلام ~~وهي عبادة الله وحده وأصل ذلك معرفته ومحبته والنفس لا تحس العدم المحض ~~وإنما تعرف العدم بنوع من القياس المقدر على الوجود كما يقدر في نفسه جبل ~~ياقوت وبحر زئبق فنزل ذلك مما علمه من الجبل ومن الياقوت ثم ينفي # PageV01P212 ### | الحب يتبع الإحساس والإحساس يكون بموجود لابمعدوم # ... # ذلك المقدر في ذهنه أن يكون موجودا في الخارج وهو لم يحكم على نفيه حتى ~~صار موجودا في نفسه وجودا تقديريا # فإذا كان الحب يتبع الإحساس والإحساس لا يكون إلا بموجود ما فإن ما يحب ~~لا يكون إلا بموجود وأيضا فإن الإحساس لا يكون أولا إلا لموجود فكذلك الحب ~~في نفسه لا يكون إلا لموجود أو محبوب وإن كان يحب وجود المعدوم فهو لاشيء ~~وما ليس بشيء لا يكون محبوبا وإن كان يحب وجود المعدوم ويريده فلا بد أن ~~يكون قبل ذلك قد ذاقه والتذ به موجودا حتى أحبه بعد ذلك أو ذاق والتذ ~~بنظيره أو بما يشبهه كما ذلك في العلم وهذا مذكور في غير هذا الموضع # ولا يرد على هذا ما يوجد من بكاء الصبي حين يولد قبل أن يذوق طعم اللبن ~~فإذا ذاق اللبن التذ ms116 به وسكن فإن الصبي قبل ذوقه اللبن لم يكن يحبه ويشتهيه ~~ولكن يجد ألم الجوع فيبكي من ذلك الألم فلما ذاق اللبن ووجد لذته وأنه أذهب ~~ألم الجوع أحبه من حينئذ صار يشتهيه ويحبه وهكذا كل # PageV01P213 ### | الأمور الغائبة لاتعرف ولاتحب ولا تبغض إلا بنوع من القياس والتمثيل # ... # من جاع فإنه لا يشتهي شيئا معينا إلا أن يكون ذاقه قبل ذلك ولكن يجد طلبا ~~لما يزيل به ألم الجوع ولهذا إذا حضر عنده ماقد ذاقه قبل ذلك ومالم يذقه ~~قبل ذلك اشتاق إلى الأول وأحبه وكان شوقه إلى الثاني ومحبته إياه مشروطا ~~بذوقه إياه وسماع وصفه ممن يخبره فإن سماع الوصف يورث المحبة والشوق كما ~~يورث العلم كما قيل: # والأذن تعشق قبل العين أحيانا # لكون النفس ذاقت طعم الحب لما هو من نظير لذلك أو شبيه به ولو من وجه ~~بعيد فكما أن الشيء لا يتصور إلا بعد الحس به أو بما فيه شبه به من بعض ~~الوجوه فكذلك لا يحب كذلك # ولهذا ضربت الأمثال للتعريف والترغيب والترهيب فإن الأمور الغائبة عن ~~المشاهدة والإحساس لا تعرف وتحب وتبغض إلا بنوع من التمثيل والقياس سواء ~~كان الغائب أكمل في الصفات المطلوبة المشتركة كالموعود به من أمر الجنة ~~والنار وكما يصف به الرب نفسه سبحانه وتعالى أو ما كان دون ذلك كما مثل من ~~الأمور بما هو أكمل منه # ومن هنا ضل من ضل من الصابئة المتفلسفة ومن أضلوه من أهل الملل حيث ظنوا ~~أن ما وصف الله به من الجنة والنار إنما هي أمثال مضروبة لتفهيم المعاد ~~الروحاني من غير أن تكون حقائق وضل من رد عليهم من نفاة أهل الكلام كما # PageV01P214 # أصاب الفريقين مثل ذلك في أمر النفس الناطقة حيث تقابلوا بالنفي والإثبات ~~وحيث اتفق الفريقان على مثل هذا الضلال في صفات ذي الجلال فخاضوا في باب ~~الإيمان بالله واليوم الآخر خوضا ليس هذا موضع بسط الكلام فيه وإن كان كل ~~ذي مقالة فلا بد أن تكون في مقالته شبهة من ms117 الحق ولولا ذلك لما راجت ~~واشتبهت # وإن كانت الإرادة والمحبة تنقسم إلى متبوعة للمراد تكون له كالسبب الفاعل ~~وإلي تابعة للمراد يكون هو لها كالسبب الفاعل وتكون عنه كالمسبب المفعول ~~وهذا هو الأصل # وإذا علم أن جميع حركات العالم صادرة عن محبة وإرادة ولا بد للمحبة ~~والإرادة من سبب فاعل يكون هو المحبوب المراد علم بذلك أنه لا بد لجميع ~~الحركات من إله يكون المعبود المقصود المراد المحبوب لها وأنها دالة على ~~الإله الحق من هذا الوجه وأنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وهذا غير ~~هذا الوجه الذي دلت منه على ربوبيته وقد بسطنا الكلام على ذلك في مواضع ~~متعددة إذ هو أجل العلم الإلاهي وأشرفه وإنما كان المقصود هنا التنبيه علب ~~أن الإرادة نوعان كالعلم والله أعلم PageV01P215 ms118