######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000376 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية :: مواضيع عقدية محددة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: التوسل والوسيلة #META# 030.LibURI :: JK_000376 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: زهير الشاويش #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتب الإسلامي #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1390 - 1970 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة PageV01P001 * بسم الله الرحمن الرحيم * # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة ~~بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فهدى به من الضلالة وبصر ~~به من العمى وأرشد به من الغي وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ~~فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد ربه حتى ~~أتاه اليقين من ربه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما ففرق بين الحق ~~والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي وطريق أهل الجنة وطريق أهل النار ~~وبين أوليائه وأعدائه فالحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ~~ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله وقد أرسله الله إلى الثقلين الجن والإنس ~~فعلى كل أحد أن يؤمن به وبما جاء به ويتبعه في باطنه وظاهره والإيمان به ~~ومتابعته هو سبيل الله وهو دين الله وهو عبادة الله وهو طاعة الله وهو طريق ~~أولياء الله وهو الوسيلة التي أمر الله بها عباده في قوله @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة @QE@ فابتغاء الوسيلة إلى ~~الله إنما يكون لمن توسل إلى الله بالإيمان بمحمد وأتباعه # وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد في كل حال باطنا وظاهرا ~~في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته في مشهده ومغيبه لا يسقط ~~التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من الأحوال بعد قيام ~~الحجة عليه ولا بعذر من الأعذار ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من ~~هوانه وعذابه إلا التوسل بالإيمان به وبطاعته وهو صلى الله عليه وسلم شفيع ~~الخلائق صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون فهو أعظم ~~الشفعاء PageV01P005 قدرا وأعلاهم جاها عند الله وقد قال تعالى عن موسى ~~@QB@ وكان عند ms001 الله وجيها @QE@ وقال عن المسيح @QB@ وجيها في الدنيا ~~والآخرة @QE@ ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم جاها من جميع الأنبياء ~~والمرسلين لكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع بهما من شفع له الرسول ودعا له فمن ~~دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه كما كان أصحابه ~~يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما # ولفظ ( التوسل ) في عرف الصحابة كانوا يستعملونه في هذا المعنى والتوسل ~~بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به وأما بدون الإيمان به فالكفار ~~والمنافقون لا تغني عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة ولهذا نهي عن الاستغفار ~~لعمه وأبيه وغيرهما من الكفار ونهي عن الاستغفار للمنافقين وقيل له @QB@ ~~سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم @QE@ ولكن ~~الكافر يتفاضلون في الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان في الأيمان قال تعالى ~~@QB@ إنما النسيء زيادة في الكفر @QE@ فإذا كان في الكفار من خف كفره بسبب ~~نصرته ومعونته فإنه تنفعه شفاعته في تخفيف العذاب عنه لا في إسقاط العذاب ~~بالكلية كما في صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب أنه قال قلت يا رسول ~~الله فهل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال نعم هو في ضحضاح ~~من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار وفي لفظ أن أبا طالب كان ~~يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ذلك قال نعم وجدته في غمرات من نار فأخرجته ~~إلى ضحضاح وفيه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه ~~أبو طالب فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ ~~كعبيه يغلي منهما دماغه وقال إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل ~~بنعلين من نار يغلي منهما دماغه وكذلك ينفع دعاؤه لهم بأن لا يجعل عليهم ~~العذاب في الدنيا كما كان صلى الله عليه وسلم يحكي [ أن ] نبيا من الأنبياء ~~ضربه قومه وهو يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وروى أنه ms002 دعا بذلك أن ~~اغفر لهم فلا تعجل عليهم العذاب في الدنيا قال تعالى @QB@ ولو يؤاخذ الله ~~الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى @QE@ ~~PageV01P006 وأيضا فقد يدعوا لبعض الكفار بأن يهديه الله أو يرزقه فيهديه ~~أو يرزقه كما دعا لأم أبي هريرة حتى هداها الله وكما دعا لدوس فقال اللهم ~~اهد دوسا وائت بهم فهداهم الله وكما روى أبو داود أنه استسقى لبعض المشركين ~~لما طلبوا منه أن يستسقي لهم فاستسقى لهم وكان ذلك إحسانا منه إليهم يتألف ~~به قلوبهم كما كان يتألفهم بغير ذلك # وقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاها عند الله ~~لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه ولا شفاعة أعظم من شفاعته لكن دعاء ~~الأنبياء وشفاعتهم ليس بمنزلة الإيمان بهم وطاعتهم فإن الإيمان بهم وطاعتهم ~~توجب سعادة الآخرة والنجاة من العذاب مطلقا وعاما فكل من مات مؤمنا بالله ~~ورسوله مطيعا لله ورسوله كان من أهل السعادة قطعا ومن مات كافرا بما جاء به ~~الرسول كان من أهل النار قطعا # وأما الشفاعة والدعاء فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع ~~فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا ~~تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاها فلا شفيع أعظم من محمد صلى الله ~~عليه وسلم ثم الخليل إبراهيم وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما ~~قال تعالى عنه @QB@ ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب @QE@ ~~وقد كان صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداء بابراهيم ~~وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى @QB@ ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما ~~تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم @QE@ ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال @QB@ وما ~~كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو ~~لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم وما كان الله ms003 ليضل قوما بعد إذ هداهم ~~حتى يبين لهم ما يتقون @QE@ وثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه ~~آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول أبوه فاليوم لا ~~أعصيك PageV01P007 فيقول إبراهيم يا رب أنت وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون ~~وأي خزي أخزى من أبي الأبعد فيقول الله عز وجل إني حرمت الجنة على الكافرين ~~ثم يقال انظر ما تحت رجليك فينظر فاذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى ~~في النار فهذا لما مات مشركا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره ~~وقد قال تعالى للمؤمنين @QB@ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ~~إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا ~~بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم ~~لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك ~~أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك ~~أنت العزيز الحكيم @QE@ فقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يتأسوا بابراهيم ~~ومن اتبعه إلا في قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك فإن الله لا يغفر أن يشرك ~~به # وكذلك سيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي ~~واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم ~~يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر ~~الموت وثبت عن أنس في الصحيح ان رجلا قال يا رسول الله أين أبي قال في ~~النار فلما قفا دعاه فقال ان أبي وأباك في النار وثبت أيضا في الصحيح عن ~~أبي هريرة ms004 لما أنزلت هذه الآية @QB@ وأنذر عشيرتك الأقربين @QE@ دعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال يا بني كعب بن لؤي ~~أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني ~~عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا ~~بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني ~~PageV01P008 لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلاها وفي ~~رواية عنه يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله فإني لا أغني عنكم من الله ~~شيئا يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب ~~لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا ~~يا فاطمة بنت رسول الله سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا وعن ~~عائشة لما نزلت @QB@ وأنذر عشيرتك الأقربين @QE@ قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب لا أملك لكم من ~~الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم وعن أبي هريرة قال قام فينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خطيبا ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال لا ألفين ~~أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني ~~فأقول لا أملك لك شيئا قد ابلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على ~~رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك ~~لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول ~~الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم ~~القيامة على رقبته شاة لها ثغاء فيقول يا رسول الله أغثني فاقول لا أملك لك ~~شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على ms005 رقبته رقاع تخفق فيقول ~~يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك أخرجاه في الصحيحين ~~وزاد مسلم لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول ~~يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك وفي البخاري عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ولا يأتي أحدكم يوم PageV01P009 القيامة بشاة ~~يحملها على رقبته لها ثغاء فيقول يا محمد فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت ~~ولا يأتي أحدكم ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول يا محمد فأقول لا أملك ~~لك شيئا قد بلغت وقوله هنا صلى الله عليه وسلم لا أملك لك من الله شيئا ~~كقول إبراهيم لأبيه @QB@ لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء @QE@ # وأما شفاعته ودعاؤه للمؤمنين فهي نافعة في الدنيا والدين باتفاق المسلمين ~~وكذلك شفاعته للمؤمنين يوم القيامة في زيادة الثواب ورفع الدرجات متفق ~~عليها بين المسلمين وقد قيل إن بعض أهل البدعة ينكرها وأما شفاعته لأهل ~~الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين بإحسان وسائر أئمة ~~المسلمين الأربعة وغيرهم وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ~~والزيدية وقال هؤلاء من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها وعند ~~هؤلاء ما ثم إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار ومن يدخل النار فلا يدخل ~~الجنة ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب وأما الصحابة والتابعون ~~لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة وغيرهم فيقرون بما تواترت به الأحاديث ~~الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يخرج من النار قوما بعد أن ~~يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم يخرجهم بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ويخرج ~~آخرين بشفاعة غيره ويخرج قوما بلا شفاعة # واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى @QB@ واتقوا يوما لا تجزي نفس ~~عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل @QE@ وبقوله @QB@ ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة @QE@ وبقوله @QB@ من قبل أن يأتي يوم لا ~~بيع ms006 فيه ولا خلة ولا شفاعة @QE@ وبقوله @QB@ ما للظالمين من حميم ولا شفيع ~~يطاع @QE@ وبقوله @QB@ فما تنفعهم شفاعة الشافعين @QE@ # وجواب أهل السنة أن هذا لعله يراد به شيئان أحدهما أنها لا تنفع المشركين ~~كما قال تعالى في نعتهم @QB@ قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ~~وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين @QE@ PageV01P010 فهؤلاء نفي عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم ~~كانوا كفرا والثاني أنه يراد بذلك نفي الشفاعة التي أثبتها أهل الشرك ومن ~~شابههم من أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند ~~الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه كما يشفع الناس بعضهم عند بعض ~~فيقبل المشفوع اله شفاعة شافع لحاجته اليه رغبة ورهبة وكما يعامل المخلوق ~~بالمعاوضة فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء ~~والصالحين ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها ويقولون هؤلاء خواص الله فنحن ~~نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا كما يتوسل إلى الملوك بخواصهم ~~لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك وقد ~~يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة ~~فأنكر الله هذه الشفاعة فقال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ~~@QE@ وقال @QB@ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ وقال عن الملائكة @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون @QE@ ~~وقال @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير @QE@ @QB@ ~~ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ وقال تعالى @QB@ ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون ~~الله بما لا يعلم ms007 في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع لعلهم يتقون @QE@ وقال تعالى @QB@ الله الذي خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ~~ولا شفيع أفلا تتذكرون @QE@ PageV01P011 وقال تعالى @QB@ ولا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما ~~نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما ~~كنتم تزعمون @QE@ وقال تعالى @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات ~~والأرض ثم إليه ترجعون وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن ~~له الرحمن ورضي له قولا @QE@ وقال صاحب يس @QB@ وما لي لا أعبد الذي فطرني ~~وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم ~~شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون @QE@ # فهذه الشفاعة التي أثبتها المشركون للملائكة والأنبياء والصالحين حتى ~~صوروا تماثيلهم وقالوا استشفاعنا بتماثيلهم استشفاع بهم وكذلك قصدوا قبورهم ~~وقالوا نحن نستشفع بهم بعد مماتهم ليشفعوا لنا إلى الله وصوروا تماثيلهم ~~فعبدوهم كذلك وهذه الشفاعة أبطلها الله ورسوله وذم المشركين عليها وكفرهم ~~بها قال الله تعالى عن قوم نوح @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا @QE@ PageV01P012 قال ابن ~~عباس وغيره هؤلاء قوم صالحون كانوا في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ~~ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم وهذا مشهور في كتب التفسير والحديث وغيرها ~~كالبخاري وغيره وهذه أبطلها النبي صلى الله ms008 عليه وسلم وحسم مادتها وسد ~~ذريعتها حتى لعن من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلي فيها وإن كان ~~المصلي فيها لا يستشفع بهم ونهى عن الصلاة إلى القبور وأرسل علي بن أبي ~~طالب فأمره أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه ولا تمثالا إلا طمسه ومحاه ولعن ~~المصورين وعن أبي الهياج الأسدي قال لي علي بن أبي طالب إني لأبعثك على ما ~~بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا ~~مشرفا إلا سويته ولا صورة إلا طمستها أخرجه مسلم PageV01P013 & فصل & # ولفظ ( التوسل ) قد يراد به ثلاثة أمور يراد به أمران متفق عليهما بين ~~المسلمين أحدهما هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته ~~والثاني دعاؤه وشفاعته وهذا أيضا نافع يتوسل به من دعا له وشفع فيه باتفاق ~~المسلمين ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتد يستتاب فإن ~~تاب وإلا قتل مرتدا ولكن التوسل بالإيمان به وبطاعته هو أصل الدين وهذا ~~معلوم بالاضطرار من دين الإسلام للخاصة والعامة فمن أنكر هذا المعنى فكفره ~~ظاهر للخاصة والعامة وأما دعاؤه وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك فمن أنكره ~~فهو ايضا كافر لكن هذا أخفى من الأول فمن أنكره عن جهل عرف ذلك فإن أصر على ~~إنكاره فهو مرتد # أما دعاؤه وشفاعته في الدنيا فلم ينكره أحد من أهل القبلة وأما الشفاعة ~~يوم القيامة فمذهب أهل السنة والجماعة وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان ~~وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم أن له شفاعات يوم القيامة خاصة وعامة ~~وأنه يشفع فيمن يأذن الله له أن يشفع فيه من أمته من أهل الكبائر ولا ينتفع ~~بشفاعته إلا أهل التوحيد المؤمنون دون أهل الشرك ولو كان المشرك محبا له ~~معظما له لم تنقذه شفاعته من النار وإنما ينجيه من النار التوحيد والإيمان ~~به ولهذا لما كان أبو طالب وغيره يحبونه ولم يقروا بالتوحيد الذي جاء به لم ~~يمكن أن يخرجوا من النار بشفاعته ولا بغيرها وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ms009 ~~أنه قال قلت يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة فقال أسعد ~~الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه وعنه ~~PageV01P014 في صحيح مسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل نبي ~~دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة يوم القيامة فهي ~~نائلة ان شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا وفي السنن عن ~~عوف بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني آت من عند ربي ~~فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن ~~مات لا يشرك بالله شيئا وفي لفظ قال من لقي الله لا يشرك به شيئا فهو في ~~شفاعتي # وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين ~~والآخرين دينا غيره وبه أرسل الله الرسل وأزل الكتب كما قال تعالى @QB@ ~~واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة @QE@ ~~وقد ذكر الله عز وجل عن كل من الرسل أنه افتتح دعوته بأن قال لقومه @QB@ ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره @QE@ وفي المسند عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا ~~شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن ~~تشبه بقوم فهو منهم # والمشركون من قريش وغيرهم الذين أخبر القرآن بشركهم واستحل النبي صلى ~~الله عليه وسلم دماءهم وأموالهم وسبى حريمهم وأوجب لهم النار كانوا مقرين ~~بأن الله وحده خلق السموات والأرض كما قال @QB@ ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله ms010 بل أكثرهم لا يعلمون @QE@ وقال ~~@QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ~~فأنى يؤفكون @QE@ وقل @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون ~~لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله ~~قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم ~~تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ما اتخذ ~~الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون @QE@ PageV01P015 # وكان المشركون الذين جعلوا آلهة أخرى مقرين بأن آلهتهم مخلوقة ولكنهم ~~يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه كما قال تعالى @QB@ ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون ~~الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم ~~بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار @QE@ وكانوا ~~يقولون في تلبيتهم % لبيك لا شريك لك % إلا شريكا هو لك % تملكه وما ملك % # وقال تعالى @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من ~~شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعقلون بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل ~~الله وما لهم من ناصرين فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ بين سبحانه بالمثل ~~PageV01P016 الذي ضربه لهم أنه ms011 لا ينبغي أن يجعل مملوكه شريكه فقال هل لكم ~~مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء يخاف أحدكم مملوكه ~~كما يخاف بعضكم بعضا فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ~~ترضون لي مالا ترضونه لأنفسكم وهذا كما كانوا يقولون له بنات فقال تعالى ~~@QB@ ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن ~~لهم النار وأنهم مفرطون @QE@ وقد قال تعالى @QB@ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل ~~وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم ~~يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله ~~المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم @QE@ # والمشركون الذين وصفهم الله ورسوله صنفان قوم نوح وقوم إبراهيم فقوم نوح ~~كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم وقوم ~~إبراهيم كان اصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر وكل من هؤلاء وهؤلاء ~~يعبدون الجن فإن الشياطين قد تخاطبهم وتعينهم على أشياء وقد يعتقدون أنهم ~~يعبدون الملائكة وإن كانوا في الحقيقة إنما يعبدون الجن فإن الجن هم الذين ~~يعينونهم ويرضون بشركهم قال تعالى @QB@ ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون @QE@ والملائكة لا تعينهم على الشرك لا في ~~المحيا ولا في الممات ولا يرضون بذلك ولكن الشياطين قد تعينهم وتتصور لهم ~~في صور الآدميين فيرونهم بأعينهم ويقول أحدهم أنا إبراهيم أنا المسيح أنا ~~محمد أنا الخضر أنا أبو بكر أنا عمر أنا عثمان أنا علي أنا الشيخ فلان وقد ~~يقول بعضهم عن بعض هذا هو النبي فلان أو هذا هو الخضر ويكون أولئك كلهم جنا ~~يشهد بعضهم لبعض والجن كالإنس فمنهم الكافر ومنهم الفاسق ومنهم العاصي ~~وفيهم الجاهل العابد فمنهم من يحب شيخا فيتزيا في صورته PageV01P017 ويقول ~~أنا فلان ويكون ذلك في برية ومكان قفر فيطعم ذلك الشخص طعاما ويسقيه شرابا ~~أو ms012 يدله على الطريق أو يخبره ببعض الأمور الواقعة الغائبة فيظن ذلك الرجل ~~أن نفس الشيخ الميت أو الحي فعل ذلك وقد يقول هذا سر الشيخ وهذه وقيقته ~~وهذه حقيقته أو هذا ملك جاء على صورته وإنما يكون ذلك جنيا فإن الملائكة لا ~~تعين على الشرك والإفك والإثم والعدوان وقد قال الله تعالى @QB@ قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن ~~عذاب ربك كان محذورا @QE@ قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون الملائكة ~~والأنبياء كالعزير والمسيح فبين الله تعالى أن الملائكة والأنبياء عباد ~~الله كما أن الذين يعبدونهم عباد الله وبين أنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ~~ويتقربون إليه كما يفعل سائر عباده الصالحين # والمشركون من هؤلاء قد يقولون إنا نستشفع بهم أي نطلب من الملائكة ~~والأنبياء أن يشفعوا فاذا أتينا قبر أحد طلبنا منه أن يشفع لنا فاذا صورنا ~~تمثاله والتماثيل إما مجسدة وإما تماثيل مصورة كما يصورها النصارى في ~~كنائسهم قالوا فمقصودنا بهذه التماثيل تذكر أصحابها وسيرهم ونحن نخاطب هذه ~~التماثيل ومقصودنا خطاب أصحابها ليشفعوا لنا إلى الله فيقول أحدهم يا سيدي ~~فلانا أو يا سيدي جرجس أو بطرس أو يا ستي الحنونة مريم أو يا سيدي الخليل ~~أو موسى بن عمران أو غير ذلك اشفع لي إلى ربك وقد يخاطبون الميت عند قبره ~~أو يخاطبون الحي وهو غائب كما يخاطبونه لو كان حاضرا حيا وينشدون قصائد ~~يقول احدهم فيها يا سيدي PageV01P018 فلانا أنا في حسبك أنا في جوارك اشفع ~~لي إلى الله سل الله لنا أن ينصرنا على عدونا سل الله أن يكشف عنا هذه ~~الشدة أشكو إليك كذا وكذا فسل الله أن يكشف هذه الكربة أو يقول أحدهم سل ~~الله أن يغفر لي ومنهم من يتأول قوله تعالى @QB@ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما @QE@ ~~ويقولون إذا طلبنا منه الاستغفار بعد ms013 موته كنا بمنزلة الذين طلبوا ~~الاستغفار من الصحابة ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان ~~وسائر المسلمين فإن أحدا منهم لم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~موته أن يشفع له ولا سأله شيئا ولا ذكر ذلك في أحد من أئمة المسلمين في ~~كتبهم وإنما ذكر ذلك من ذكر من متأخري الفقهاء وحكوا حكاية مكذوبة على مالك ~~رضي الله عنه سيأتي ذكرها وبسط الكلام عليها ان شاء الله تعالى # فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم ~~وفي مغيبهم وخطاب تماثيلهم هو أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير ~~أهل الكتاب وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك ~~والعبادات مالم يأذت به الله تعالى @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ~~ما لم يأذن به الله @QE@ فكان دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي ~~مغيبهم وسؤالهم والاستغاثة بهم والاستشفاع بهم في هذه الحال ونصب تماثيلهم ~~بمعنى طلب الشفاعة منهم هو من الدين الذي لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولا ~~ولا أنزل به كتابا وليس هو واجبا ولا مستحبا باتفاق المسلمين ولا فعله أحد ~~من الصحابة والتابعين ولهم بإحسان ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين وإن ~~كان ذلك مما يفعله كثير من الناس ممن له عبادة وزهد ويذكرون فيه حكايات ~~ومنامات فهذا كله من الشيطان وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت ~~والاستشفاع به والاستغاثة أو يذكر ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين فهذا ~~كله ليس بمشروع لا واجب ولا مستحب باتفاق أئمة المسلمين ومن تعبد بعبادة ~~ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة ~~سيئة لا بدعة حسنة باتفاق ائمة الدين فان الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو ~~مستحب وكثير من الناس يذكرون في هذه PageV01P019 الأنواع من الشرك منافع ~~ومصالح ويحتجون عليها بحجج من جهة الرأي أو الذوق أو من جهة التقليد ~~والمنامات ونحو ذلك # وجواب هؤلاء من طريقين أحدهما الاحتجاج بالنص والاجماع والثاني ms014 القياس ~~والذوق والاعتبار بيان ما في ذلك من الفساد فان فساد ذلك راجح على ما يظن ~~فيه من المصلحة # أما الأول فيقال قد علم بالاضطرار والتواتر في دين الإسلام وباجماع سلف ~~الأمة وأئمتها أن ذلك ليس بواجب ولا مستحب وعلم أنه لم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة ~~والأنبياء والصالحين ويستشفعوا بهم لا بعد مماتهم ولا في مغيبهم فلا يقول ~~أحد يا ملائمة الله اشفعوا لي عند الله سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا ~~أو يهدينا وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين يا نبي الله يا ~~رسول الله ادع الله لي سل الله لي استغفر الله لي سل الله لي أن يغفر لي أو ~~يهديني أو ينصرني أو يعافيني ولا يقل اشكو إليك ذنوبي أو نقص رزقي أو تسلك ~~العدو علي أو أشكو إليك فلانا الذي ظلمني ولا يقول انا نزيلك أنا ضيفك أنا ~~جارك أو أنت تجير من يستجيرك أو أنت خير معاذ يستعاذ به ولا يكتب أحد ورقة ~~ويعلقها عند القبور ولا يكتب أحد محضرا أنه استجار بفلان ويذهب بالمحضر إلى ~~من يعمل بذلك المحضر ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين ~~كما يفعله النصارى في كنائسهم وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور ~~الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام ~~وبالنقل المتواتر وباجماع المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع ~~هذا لأمته وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئا من ذلك بل أهل الكتاب ليس ~~عندهم عن الأنبياء نقل بذلك كما أن المسليمن ليس عندهم عن نبيهم نقل بذلك ~~ولا فعل هذا أحد من أصحاب نبيهم والتابعين لهم باحسان ولا استحب ذلك أحد من ~~ائمة المسلمين لا الأئمة الاربعة ولا غيرهم ولا ذكر أحد من الائمة لا في ~~مناسك الحج ولا غيرها أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عند ~~قبره ms015 أن يفع له أو يدعو لأمته أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا ~~والدين وكان اصحابه يبتلون بأنواع البلاء بعد موته فتارة بالجدب وتارة بنقص ~~الرزق PageV01P020 وتارة بالخوف وقوة العدو وتارة بالذنوب والمعاصي ولم يكن ~~أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ولا قبر الخليل ولا قبر ~~أحد من الأنبياء فيقول نشكو إليك جدب الزمان أو قوة العدو أو كثرة الذنوب ~~ولا يقول سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم بل هذا وما ~~يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين فليست واجبة ~~ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين وكل بدعة ليس واجبة ولا مستحبة فهي بدعة ~~سيئة وهي ضلالة باتفاق المسلمين ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ~~ذلك إذا قام دليل شرعي أنها مستحبة فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول ~~أحد من المسلمين أنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله ومن يتقرب إلى ~~الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع ~~للشيطان وسبيله من سبيل الشيطان كما قال عبد الله بن مسعود خط لنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال هذا سبيل ~~الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ @QB@ وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ # فهذا أصل جامع يجب على كل من آمن بالله ورسوله أن يتبعه ولا يخالف السنة ~~المعلومة وسبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~باحسان باتباع من خالف السنة والإجماع القديم لا يما وليس معه في بدعته ~~إمام من أئمة المسلمين ولا مجتهد يعتمد على قوله في الدين ولا من يعتبر ~~قوله في مسائل الإجماع والنزاع فلا ينخرم الإجماع بمخالفته ولا يتوقف ~~الإجماع على موافقته ولو قدر أنه نازع في ذلك عالم مجتهد لكان مخصوما بما ~~عليه السنة المتواترة باتفاق الائمة ms016 قبله فكيف إذا كان المنازع ممن ليس من ~~المجتهدين ولا معه دليل شرعي وإنما اتبع من تكلم في الدين بلا علم ويجادل ~~في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير بل إن النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~كونه لم يشرع هذا فليس هو واجبا ولا مستحبا فانه قد حرم ذلك وحرم ما يفضي ~~اليه كما حرم PageV01P021 اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد ففي صحيح ~~مسلم عن جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت ~~بخمس إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد فإني أنهاكم عن ذلك وفي الصحيحين عن عائشة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال قبل موته لعن الله اليهود والنصارى اتخذا قبور أنبيائهم مساجد ~~يحذر ما فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا # واتخاذ المكان مسجدا هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها كما تبنى المساجد ~~لذلك والمكان المتخذ مسجدا إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء ~~المخلوقين فحرم صلى الله عليه وسلم أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها ~~كما تقصد المساجد وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده لأن ذلك ~~ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به الدعاء عنده ~~فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده ~~لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه ~~مصلحة راجحة ينهى عنه كما نهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من ~~المفسدة الراجحة وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك وليس في قصد ~~الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات ~~ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات وهو ~~أظهر قولي العلماء لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة ~~وفعل ذوات الأسباب يحتاج اليه في هذه الأوقات ويفوت ms017 إذا لم يفعل فيها فتفوت ~~مصلحتها فأبيحت لما فيها من المصلحة بخلاف مالا سبب له فانه يمكن فعله في ~~غير هذا الوقت فلا يفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة وفيه مفسدة توجب النهي عنه ~~فاذا كان نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك لئلا يفضي ذلك إلى ~~السجود للشمس ودعائها PageV01P022 وسؤالها كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر ~~والكواكب الذين يدعونها ويسألونها كان معلوما أن دعوة الشمس والسجود لها هو ~~محرم في نفسه أعظم تحريما من الصلاة التي نهى عنها لئلا يفضي إلى دعاء ~~الكواكب كذلك لما نهي عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد فنهى عن ~~قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم والسجود لهم لأن دعاءهم ~~والسجود لهم أعظم تحريما من اتخاذ قبورهم مساجد # ولهذا كانت زيارة قبور المسلمين على وجهين زيارة شرعية وزيارة بدعية ~~فالزيارة الشرعية أن يكون مقصود الزائر الدعاء للميت كما يقصد بالصلاة على ~~جنازته الدعاء له فالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه قال الله تعالى في ~~المنافقين @QB@ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره @QE@ فنهى ~~نبيه عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا ~~وهم كافرون فلما نهى عن هذا وهذا لأجل هذه العلة وهي الكفر دل ذلك على ~~انتفاء هذا النهي عند انتفاء هذه العلة ودل تخصيصهم بالنهي على أن غيرهم ~~يصلي عليه ويقام على قبره إذ لو كان هذا غير مشروع في حق أحد لم يخصوا ~~بالنهي ولم يعلل ذلك بكفرهم ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين ~~والقيام على قبورهم من السنة المتواترة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ~~على موتى المسلمين وشرع ذلك لأمته وكان إذا دفن الرجل من أمته يقوم على ~~قبره ويقول سلوا له التثبيت فانه الآن يسئل رواه أبو داود وغيره وكان يزور ~~قبور أهل البقيع والشهداء بأحد ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول ~~أحدهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله ~~تعالى ms018 بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا والمستاخرين نسأل الله لنا ولكم ~~العافية الله لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال السلام ~~عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون والأحاديث في ذلك صحيحة ~~معروفة فهذه الزيارة لقبور المؤمنين مقصودها الدعاء لهم وهذه غير الزيارة ~~المشتركة التي تجوز في قبور الكفار كما ثبت في صحيح مسلم وأبي داود ~~والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أنه قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبر أمه فبكى PageV01P023 وبكى من حوله ثم قال استأذنت ربي في أن أستغفر ~~لها فلا يأذن لي فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها ~~تذكركم الآخرة فهذه الزيارة التي تنفع في تذكير الموت تشرع ولو كان المقبور ~~كافرا بخلاف الزيارة التي يقصد بها الدعاء للميت فتلك لا تشرع إلا في حق ~~المؤمنين # وأما الزيارة البدعية فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج أو ~~يطلب منه الدعاء والشفاعة أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب ~~للدعاء فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند غيره ~~وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك ولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين ~~من غير أن يقص دعاءهم والدعاء عندهم مثل أن يتخذ قبورهم مساجد لكان ذلك ~~محرما منهيا عنه ولكان صاحبه متعرضا لغضب الله ولعنته كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وقال ~~قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا وقال ~~ان من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ~~فإني أنهاكم عن ذلك فاذا كان هذا محرما وهو سبب لسخط الرب ولعنته فكيف بمن ~~يقصد دعاء الميت والدعاء عنده ms019 وبه واعتقد أن ذلك من أسباب الشرك في قوم نوح ~~وعبادة الأوثان في الناس قال ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على ~~الإسلام ثم ظهر الشرك بسبب تعظيمهم قبور صالحيهم وقد استفاض عن ابن عباس ~~وغيره في صحيح البخاري وفي كتب التفسير وقصص الأنبياء في قوله تعالى @QB@ ~~وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ ~~ان هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم ~~صوروا تماثيلهم فعبدوهم قال ابن عباس ثم صارت هذه الأوثان في قبائل العرب # وقد أحدث قوم من ملاحدة الفلاسفة الدهرية للشرك شيئا آخر ذكروه في زيارة ~~القبور كما ذكر ذلك ابن سينا ومن أخذ عنه كصاحب الكتب المضنون بها وغيرها ~~ذكروا معنى الشفاعة على أصلهم فانهم لا يقرون بأن PageV01P024 الله خلق ~~السموات والأرض في ستة ايام ولا أنه يعلم الجزئيات ويسمع أصوات عباده ويجيب ~~دعاءهم فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ليست كما يعرفه أهل الإيمان من ~~أنها دعاء يدعوا به الرجل الصالح فيستجيب الله دعاءه كما أن ما يكون من ~~إنزال المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم بل هم يزعمون أن ~~المؤثر في حوادث العالم هو قوى النفس أو الحركات الفلكية أو القوى الطبيعية ~~فيقولون إن الإنسان إذا أحب رجلا صالحا قد مات لا سيما إن زار قبره فانه ~~يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت فيما يفيض على تلك الروخ المفارقة من ~~العقل الفعال عندهم أو النفس الفلكية يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة ~~من غير أن يعلم الله بشيء من ذلك بل وقد لا تعلم الروح المستشفع بها بذلك ~~ومثلوا ذلك بالشمس اذا قابلها مرآة فانه يفيض على المرآة من شعاع الشمس ثم ~~إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض عليها من تلك المرآة وإن قابل تلك المرآة ~~حائط أو ماء فاض عليه من شعاع تلك المرآة فهكذا الشفاعة عندهم وعلى هذا ~~الوجه ينتفع الزائر عندهم وفي هذا القول من أنواع الكفر ms020 مالا يخفى على من ~~تدبره ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من ~~أسباب ضلال بني آدم وجعل القبور أوثانا هو أول الشرك ولهذا يحصل عند القبور ~~لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن انه من الميت وقد ~~يكون من الجن والشياطين مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلمه ~~وعانقه وهذا يرى عند قبور الأنبياء وغيرهم وانما هو شيطان فان الشيطان ~~يتصور بصور الإنس ويدعي أحدهم أنه النبي فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذبا في ~~ذلك # وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره وهي كثيرة جدا ~~والجاهل يظن أن ذلك الذي رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلمه هو المقبور أو ~~النبي أو الصالح وغيرهما والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان ويتبين ذلك بأمور ~~أحدهما أن يقرأ آية الكرسي بصدق فاذا قرأها تغيب ذلك الشخص أو ساخ في الأرض ~~أو احتجب ولو كان رجلا صالحا أو ملكا أو جنيا مؤمنا لم تضره آية الكرسي ~~وإنما تضر الشياطين كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة لما قال له الجني ~~اقرأ آية الكرسي إذا أويت إلى فراشك PageV01P025 فانه لا يزال عليك من الله ~~حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدقك وهو ~~كذوب ومنها أن يستعيذ بالله من الشياطين ومنها أن يستعيذ بالمعوذة الشرعية ~~فان الشياطين كانت تعرض للأنبياء في حياتهم وتريد أن تؤذيهم وتفسد عبادتهم ~~كما جاءت الجن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشعلة من النار تريد أن تحرقه ~~فأتاه جبريل بالمعوذة المعروفة التي تضمنها الحديث المروي عن أبي التياح ~~أنه قال سأل رجل عبد الرحمن بن خنبش وكان شيخا كبيرا قد أدرك النبي صلى ~~الله عليه وسلم كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كادته الشياطين ~~قال تحدرت عليه من الشعاب والأودية وفيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن ~~يحرق بها رسول الله صلى ms021 الله عليه وسلم قال فرعب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا محمد قل قال ما أقول قال قل أعوذ ~~بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ~~ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما يخرج من الأرض ومن ~~شر ما ينزل فيها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق يطرق إلا طارقا ~~يطرق بخير يا رحمن قال فطفئت نارهم وهزمهم الله عز وجل وثبت في الصحيحين عن ~~أبي هريرة أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عفريتا من الجن جاء ~~يفتك بي البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله عز وجل منه فذعته أردت أن ~~آخذه فأربطه إلى سارية من المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه كما ثم ذكرت قول ~~سليمان عليه السلام @QB@ رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ~~@QE@ فرده الله تعالى خاسئا وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يصلي فأتاه الشيطان فأخذه صلى الله عليه وسلم فصرعه فخنقه قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى وجدت برد لسانه على يدي ولولا دعوة سليمان لأصبح ~~ذلك موثقا حتى يراه الناس أخرجه النسائي واسناده على شرط البخاري كما ذكر ~~أبو عبد الله المقدسي في مختاره الذي هو خير من صحيح الحاكم وعن أبي سعيد ~~PageV01P026 الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي صلاة الصبح ~~وهو خلفه فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال لو رأيتموني وإبليس ~~فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين الإبهام ~~والتي تليها ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد ~~يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد ~~قليفعل رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه وفي صحيح مسلم عن أبي ~~الدرداء أنه قال قام رسول الله صلى ms022 الله عليه وسلم يصلي فسمعناه يقول أعوذ ~~بالله منك ثم قال ألعنك بلعنة الله ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما ~~فرغ من صلاته قلنا يا رسول الله سمعناك تقول شيئا في الصلاة لم نسمعك تقوله ~~قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله ~~في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة ~~فاستأخر ثم أردت أن آخذه ولولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ~~ولدان المدينة فاذا كانت الشياطين تأتي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~لتؤذيهم وتفسد عبادتهم فيدفعهم الله تعالى بما يؤيد به الأنبياء من الدعاء ~~والذكر والعبادة ومن الجهاد باليد فكيف من هو دون الأنبياء فالنبي صلى الله ~~عليه وسلم قمع شياطين الإنس والجن بما أيده الله تعالى من أنواع العلوم ~~والأعمال ومن أعظمها شياطين الإنس والجن بما أيده الله تعالى من أنواع ~~العلوم والأعمال ومن أعظمها الصلاة والجهاد وأكثر أحاديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الصلاة والجهاد فمن كان متبعا للأنبياء ونصره الله سبحانه بما ~~نصر به الأنبياء وأما من ابتدع دينا لم يشرعوه فترك ما أمروا به من عباد ~~الله وحده لا شريك له واتباع نبيه فيما شرعه لأمته وابتدع الغلو في ~~الأنبياء والصالحين والشرك بهم فان هذا يتلعب به الشياطين قال تعالى @QB@ ~~إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ PageV01P027 # ومنها أن يدعو الرائي بذلك ربه تبارك وتعالى له الحال ومنها أن يقول لذلك ~~الشخص أانت فلان ويقسم عليه بالأقسام المعظمة ويقرأ عليه قوارع القرآن إلى ~~غير ذلك من الأسباب التي تضر الشياطين # وهذا كما أن كثيرا من العباد يرى الكعبة تطوف به ويرى عرشا عظيما وعليه ~~صورة عظيمة ويرى أشخاصا تصعد وتنزل فيظنها الملائكة ويظن أن تلك الصورة هي ~~الله تعالى وتقدس ويكون ذلك شيطانا وقد ms023 جرت هذه القصة لغير واحد من الناس ~~فمنهم من عصمه الله وعرف أنه الشيطان كالشيخ عبد القادر في حكايته المشهورة ~~حيث قال كنت مرة في العبادة فرأيت عرشا عظيما وعليه نور فقال لي يا عبد ~~القادر أنا ربك وقد حللت لك ما حرمت على غيرك قال فقلت له أأنت الله الذي ~~لا إله إلا هو إخسأ يا عدو الله قال فتمزق ذلك النور وصار ظلمة وقال يا عبد ~~القادر نجوت مني بفقهك في دينك وعلمك وبمنازلاتك في أحوالك لقد فتنت بهذه ~~القصة سبعين رجلا فقيل له كيف علمت أنه الشيطان قال بقول لي حللت لك ما ~~حرمت على غيرك وقد علمت أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا تنسخ ولا تبدل ~~ولأنه قال أنا ربك ولم يقدل أن يقول أنا الله الذي لا إله إلا أنا # ومن هؤلاء من اعتقد أن المرئي هو الله وصار هو وأصحابه يعتقدون أنهم يرون ~~الله تعالى في اليقظة ومستندهم ما شاهدوه وهم صادقون فيما يخبرون به ولكن ~~لم يعلمون أن ذلك هو الشيطان وهذا قد وقع كثيرا لطوائف من جهال العباد يظن ~~أحدهم أنه يرى الله تعالى بعينه في الدنيا لأن كثيرا منهم أرى ما ظن أنه ~~الله وإنما هو شيطان وكثير منهم رأى من ظن أنه نبي أو رجل صالح أو الخضر ~~وكان شيطانا وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~رآني في المنام فقد رآني حقا فان الشيطان لا يتمثل في صورتي فهذا في رؤية ~~المنام لأن الرؤية في المنام تكون حقا وتكون من الشيطان فمنعه الله أن ~~يتمثل به في المنام وأما في اليقظة فلا يراه أحد يعبنه في الدنيا فمن ظن أن ~~المرئي هو الميت فانما أتي من جهله ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد من الصحابة ~~والتابعين لهم باحسان PageV01P028 # وبهض من رأى هذا أو صدق من قاله إنه رآه اعتقد أن الشخص الواحد يكون ~~بمكانين في حالة واحدة فخالف صريح المعقول ومنهم ms024 من يقول هذه رقيقة ذلك ~~المرئي أو هذه روحانيته أو هذا معناه لشكل ولا يعرفون أنه جني تصور بصورته ~~ومنهم من يظن أنه ملك والملك يتميز عن الجني بأمور كثيرة والجن فيهم الكفار ~~والفساق والجهال وفيهم المؤمنون المتبعون لمحمد صلى الله عليه وسلم تسليما ~~فكثير ممن لم يعرف أن هؤلاء جن وشياطين يعتقدهم ملائكة وكذلك الذين يدعون ~~الكواكب وغيرها من الأوثان تتنزل على أحدهم روح يقول هي روحانية الكواكب ~~ويظن بعضهم أنه من الملائكة وإنما هو من الجن والشيطين يغوون المشركين # والشياطين يوالون من يفعل ما يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان فتارة ~~يخبرونه ببعض الأمور الغائبة ليكاشف بها وتارة يؤذون من يريد أذاه بقتل ~~وتمريض ونحو ذلك وتارة يجلبون له من يريد من الإنس وتارة يسرقون له ما ~~يسرقونه من أموال الناس من نقد وطعام وثياب وغير ذلك فيعتقد أنه من كرامات ~~الأولياء وإنما يكون مسروقا وتارة يحملونه في الهواء فيذهبون به إلى مكان ~~بعيد فمنهم من يذهبون به إلى مكة عشية عرفة ويعودون به فيعتقد هذا كرامة مع ~~أنه لم يحج حج المسلمين لا أحرم ولا لبى ولا طاف بالبيت ولا بين الصفا ~~والمروة ومعلوم أن هذا من أعظم الضلال ومنهم من يذهب إلى مكة ليطوف بالبيت ~~من غير عمرة شرعية فلا يحرم إذا حاذى الميقات ومعلوم أن من اراد نسكا بمكة ~~لم يكن له أن يجاوز الميقات إلا محرما ولو قصدها لتجارة أو لزيارة قريب له ~~أو طلب علم كان مأمورا أيضا بالإحرام من الميقات وهل ذلك واجب أو مستحب فيه ~~قولان مشهوران للعلماء وهذا باب واسع ومنه السحر والكهانة وقد بسط الكلام ~~على هذا في غير هذا الموضع PageV01P029 # وعند المشركين عباد الأوثان ومن ضاهاهم من النصارى ومبتدعة هذه الأمة في ~~ذلك من الحكايات ما يطول وصفه فإنه ما من أحد يعتاد دعاء الميت والاستغاثة ~~به نبيا كان أو غير نبي إلا وقد بلغه من ذلك ما كان من أسباب ضلاله كما أن ~~الذين يدعونهم في مغيبهم ويستغيثون ms025 بهم فيرون من يكون في صورتهم أو يظنون ~~أنه في صورتهم ويقول أنا فلان ويكلمهم ويقضي بعض حوائجهم فإنهم يظنون أن ~~الميت المستغاث به هو الذي كلمهم وقضى مطلوبهم وإنما هو من الجن والشياطين ~~ومنهم من يقول هو ملك من الملائكة والملائكة لا تعين المشركين وإنما هم ~~شياطين أضلوهم عن سبيل الله # وفي مواضع الشرك من الوقائع الحكايات التي يعرفها من هنالك ومن وقعت له ~~ما يطول وصفه وأهل الجاهلية فيها نوعان نوع يكذب بذلك كله ونوع يعتقد ذلك ~~كرامات لأولياء الله فالأول يقول إنما هذا خيال في أنفسهم لا حقيقة له في ~~الخارج فإذا قالوا ذلك لجماعة بعد جماعة فمن رأى ذلك وعاينه موجودا أو ~~تواتر عنده ذلك عمن رآه موجودا في الخارج وأخبره به من لا يرتاب في صدقه ~~كان هذا من أعظم أسباب ثبات هؤلاء المشركين المبتدعين المشاهدين لذلك ~~والعارفين به بالأخبار الصادقة ثم هؤلاء المكذبون لذلك متى عاينوا بعض ذلك ~~خضعوا لمن حصل له ذلك وانقادوا له واعتقدوا أنه من أولياء الله مع كونهم ~~يعلمون أنه لا يؤدي فرائض الله حتى ولا الصلوات الخمس ولا يجتنب محارم اله ~~لا الفواحش ولا الظلم بل يكون من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى التي وصف ~~الله بها أولياءه في قوله تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ فيرون من هو من أبعد الناس عن ~~الإيمان والتقوى له من المكاشفات والتصرفات الخارقات ما يعتقدون أنه من ~~كرامات أولياء الله المتقين فمنهم من يرتد عن الإسلام وينقلب على عقبيه ~~ويعتقد فيمن لا يصلي بل ولا يؤمن PageV01P030 بالرسل بل يسب الرسل ويتنقص ~~بهم أنه من أعظم أولياء الله المتقين ومنهم من يبقى حائرا مترددا شاكا ~~مرتابا يقدم إلى الكفر رجلا وإلى الإسلام أخرى وربما كان إلى الكفر أقرب ~~منه إلى الإيمان وسبب ذلك أنهم استدلوا على الولاية بما لا يدل عليها فإن ~~الكفار والمشركين والسحرة والكهان معهم من الشياطين من يفعل بهم أضعاف ~~أضعاف ms026 ذلك قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك ~~أثيم @QE@ وهؤلاء لا بد أن يكون فيهم كذب وفيهم مخالفة للشرع ففيهم من ~~الإثم والإفك بحسب ما فارقوا أمر الله ونهيه الذي بعث به نبيه صلى الله ~~عليه وسلم وتلك الأحوال الشيطانية نتيجة ضلالهم وشركهم وبدعتهم وجهلهم ~~وكفرهم وهي دلالة وعلامة على ذلك والجاهل الضال يظن أنها نتيجة إيمانهم ~~وولايتهم لله تعالى وأنها علامة ودلالة على إيمانهم وولايتهم لله سبحانه ~~وذلك أنه لم يكن عنده فرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كما قد ~~تكلمنا على ذلك في مسئلة ( الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) ولم ~~يعلم أن هذه الأحوال التي جعلها دليلا على الولاية تكون للكفار من المشركين ~~وأهل الكتاب أعظم مما تكون للمنتسبين إلى الإسلام والدليل مستلزم للمدلول ~~مختص به لا يوجد بدون مدلوله فإذا وجدت للكفار والمشركين وأهل الكتاب لم ~~تكن مستلزمة للإيمان فضلا عن الولاية ولا كانت مختصة بذلك فامتنع أن تكون ~~دليلا عليه # وأولياء الله هم المؤمنون المتقون وكراماتهم ثمرة إيمانهم وتقواهم لا ~~ثمرة الشرك والبدعة والفسق وأكابر الأولياء إنما يستعملون هذه الكرامات ~~بحجة للدين لا لحاجة للمسلمين والمقتصدون قد يستعملونها في المباحات وأما ~~من استعان بها في المعاصي فهو ظالم لنفسه متعد حد ربه وإن كان سببها ~~الإيمان والتقوى فمن جاهد العدو فغنم غنيمة فأنفقها في طاعة الشيطان فهذا ~~المال وإن ناله بسبب عمل صالح فإذا أنفقه في طاعة الشيطان كان وبالا عليه ~~فكيف إذا كان سبب الخوارق الكفر والفسوق والعصيان وهي تدعو إلى كفر آخر ~~وفسوق وعصيان ولهذا كان أئمة هؤلاء معترفين بأن أكثرهم يموتون على غير ~~الإسلام ولبسط هذه الامور موضع آخر PageV01P031 # والمقصود هنا أن من أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند ~~الأوثان كإخبار عن غائب أو أمر يتضمن قضاء حاجة ونحو ذلك فإذا شاهد أحدهم ~~القبر انشق وخرج منه شيخ بهي عانقه أو كلمه ظن أن ذلك هو النبي المقبور ~~والقبر لم ينشق وإنما الشيطان مثل ms027 له ذلك كما يمثل لاحدهم أن الحائط انشق ~~وأنه خرج منه صورة إنسان ويكون هو الشيطان تمثل له في صورة إنسان وأراه أنه ~~خرج من الحائط # ومن هؤلاء من يقول لذلك الشخص الذي رآه قد خرج من القبر نحن لا نبقى في ~~قبورنا بل من حين يقبر أحدنا يخرج من قبره ويمشي بين الناس ومنهم من يرى ~~ذلك الميت في الجنازة يمشي ويأخذه بيده إلى أنواع أخرى معروفة عند من ~~يعرفها وأهل الضلال إما أن يكذبوا بها وإما أن يظنوها من كرامات أولياء ~~الله ويظنون أن ذلك الشخص هو نفس النبي أو الرجل الصالح أو ملك على صورته ~~وربما قالوا هذا روحانيته أو رقيقته أو سره أو مثاله أو روحه تجسدت حتى قد ~~يكون من يرى ذلك الشخص في مكانين فيظن أن الجسم الواحد يكون في الساعة ~~الواحدة في مكانين ولا يعلم أن ذلك حين تصور بصورته ليس هو ذلك الإنسي # وهذا ونحوه مما يبين أن الذين يدعون الأنبياء والصالحين بعد موتهم عند ~~قبورهم من المشركين الذين يدعون غير الله كالذين يدعون الكواكب والذين ~~اتخذوا الملائكة والنبيين أربابا قال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله ~~الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن ~~كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما ~~لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له @QE@ PageV01P032 ومثل هذا كثير في القرآن ينهى أن يدعى غير الله لا من ~~الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم فان هذا شرك ms028 أو ذريعة إلى الشرك بخلاف ما ~~يطلب من أحدهم في حياته من الدعاء والشفاعة فانه لا يفضي إلى ذلك فان أحدا ~~من الأنياء والصالحين لم يعبد في حياته بحضرته فانه ينهى من يفعل ذلك بخلاف ~~دعائهم بعد موتهم فان ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وكذلك دعاؤهم في مغيبهم هو ~~ذريعة إلى الشرك فمن رأى نبيا أو ملكا من الملائكة وقال له ادع لي لم يفض ~~ذلك إلى الشرك به بخلاف من دعاه في مغيبه فان ذلك يفضي إلى الشرك به كما قد ~~وقع فان الغائب والميت لا ينهى من يشرك بل إذا تعلقت بدعائه وشفاعته أفضى ~~ذلك إلى الشرك به فدعي وقصد مكان قبره أو تمثاله أو غيره ذلك كما قد وقع ~~فيه المشركون ومن ضاهاهم من أهل الكتاب ومبتدعة المسلمين ومعلوم أن ~~الملائكة تدعو للمؤمنين وتستغفر لهم كما قال تعالى @QB@ الذين يحملون العرش ~~ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل ~~شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا ~~وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت ~~العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز ~~العظيم @QE@ وقال تعالى @QB@ تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة ~~يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم ~~والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل @QE@ # فالملائكة يستغفرون للمؤمنين من غير أن يسألهم أحد وكذلك ما روي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء والصالحين يدعو ويشفع للأخيار من ~~أمته هو من هذا الجنس هم يفعلون ما أذن الله لهم فيه بدون سؤال أحد ~~PageV01P033 وإذا لم يشرع دعاء الملائكة لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء ~~والصالحين ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة وإن كانوا يدعون ويشفعون ~~لوجهين أحدهما أن ما أمرهم الله به من ذلك هم يفعلونه وإن لم يطلب منهم وما ~~لم ms029 يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم فلا فائدة في الطلب منهم الثاني أن ~~دعاءهم وطلب الشفاعة منهم في هذه الحال يفضي إلى الشرك بهم ففيه هذه ~~المفسدة فلو قدر أن فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة فكيف ولا مصلحة فيه ~~بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم فإنه لا مفسدة فيه فإنهم ينهون عن ~~الشرك بهم بل فيه منفعهة وهو أنهم يثابون ويؤجرون على ما يفعلونه حينئذ من ~~نفع الخلق كلهم فإنهم في دار العمل والتكليف وشفاعتهم في الآخرة فيها إظهار ~~كرامة الله لهم يوم القيامة # وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجبا على ~~السائل ولا مستحبا بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة إليه والتوكل ~~عليه وسؤال الخلق في الاصل محرم لكنه أبيح للضرورة وتركه توكلا على الله ~~أفضل قال تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ أي ارغب ألى الله ~~تعالى لا إلى غيره وقال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون @QE@ ~~فجعل الإيتاء لله والرسول لقوله تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا @QE@ فأمرهم بإرضاء الله ورسوله وأما في الحسب فأمرهم أن ~~يقولوا @QB@ حسبنا الله @QE@ لا أن يقولوا حسبنا الله ورسوله ويقولوا @QB@ ~~إنا إلى الله راغبون @QE@ لم يأمرهم أن يقولوا إنا لله ورسوله راغبون ~~فالرغبة إلى الله وحده كما قال تعالى في الآية الأخرى @QB@ ومن يطع الله ~~ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ فجعل الطاعة لله والرسول ~~وجعل الخشية والتقوى لله وحده وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس ~~يا غلام إني معلمك كلمات احفظ الله PageV01P034 يحفظك احفظ الله تجده تجاهك ~~تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت ~~فاستعن بالله جف القلم بما أنت لاق فلو جهدت الخليقة على أن يضروك لم يضروك ~~إلا بشيء كتبه الله عليك فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل ms030 ~~فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وهذا الحديث معروف مشهور ~~ولكن قد يروى مختصرا وقوله إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ~~هو من أصح ما روي عنه وفي المسند لأحمد أن أبا بكر الصديق كان يسقط السوط ~~من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه ويقول إن خليلي أمرني أن لا اسأل الناس ~~شيا وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع طائفة ~~من أصحابه واسر إليهم كلمة خفية أن لا تسألوا الناس شيئا قال عوف فلقد رأيت ~~بعض أولئك النفر يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه وفي الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير ~~حساب وقال هم الذين لا يسترفون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ~~فمدح هؤلاء بأنهم لا يسترقون أي لا يطلبون من أحد أن يرقيهم والرقية من جنس ~~الدعاء فلا يطلبون من أحد ذلك وقد روي فيه ولا يرقون وهو غلط فإن رقياهم ~~لغيرهم ولأنفسهم حسنة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي نفسه ولغيره وهذا ~~مأمور به فإن الأنبياء كلهم سألوا الله ودعوه كما ذكر الله ذلك في قصة آدم ~~وإبراهيم وموسى وغيرهم وما يروى أن الخليل لما ألقي في المنجنيق قال له ~~جبريل سل قال حسبي من سؤالي عمله بحالي ليس له غسناد معروف وهو باطل بل ~~الذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال حسبي الله ونعم الوكيل قال ابن ~~عباس قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد حين قال لهم الناس @QB@ ~~إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم @QE@ وقد روي أن جبريل قال هل لك من حاجة ~~قال أما PageV01P035 إليك فلا وقد ذكر هذا الإمام أحمد وغيره وأما سؤال ~~الخليل لربه عز وجل فهذا مذكور في القرآن في غير موضع فكيف يقول حسبي من ~~سؤالي علمه بحالي والله بكل شيء عليم وقد أمر العباد بأن يعبدوه ms031 ويتوكلوا ~~عليه ويسألوه لأنه سبحانه جعل هذه الأمور أسبابا لما يرتبه عليها من إثابة ~~العابدين وإجابة السائلين وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه فعلمه ~~بأن هذا محتاج أو هذا مذنب لا ينافي أن يأمر هذا بالتوبة والاستغفار ويأمر ~~هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التي تقضي بها حاجه كما يأمر هذا بالعبادة ~~والطاعة التي بها ينال كرامته ولكن العبد قد يكون مأمورا في بعض الأوقات ~~بما هو أفضل من الدعاء كما روي في الحديث من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته ~~أفضل ما أعطي السائلين وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين قال ~~الترمذي حديث حسن غريب # وأفضل العبادات البدنية الصلاة وفيها القراءة والذكر والدعاء وكل واحد في ~~موطنه مأمور به ففي القيام بعد الاستفتاح يقرأ القرآن وفي الركوع والسجود ~~ينهى عن قراءة القرآن ويؤمر بالدعاء كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ~~في آخر الصلاة ويأمر بذلك والدعاء في السجود حسن مأمور به ويجوز الدعاء في ~~القيام أيضا وفي الركوع وإن كان جنس القراءة والذكر أفضل فالمقصود أن سؤال ~~العبد لربه السؤال المشروع حسن مأمور وقد سأل الخليل وغيره قال تعالى عنه ~~@QB@ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ~~ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم ~~يشكرون ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ~~ولا في السماء الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي ~~لسميع الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر ~~لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذ يرفع ~~إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ~~ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا ~~إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا ms032 منهم يتلو عليهم آياتك ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم @QE@ PageV01P036 # وكذلك دعاء المسلم لأخيه حسن مأمور به وقد ثبت في الصحيح عن أبي الدرداء ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من رجل يدعة لأخيه بظهر الغيب إلا ~~وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به آمين ولك بمثله ~~أي بمثل ما دعوت لأخيك به # وأما سؤال المخلوق أن يقضي حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به بخلاف سؤال ~~العلم فإن الله أمر بسؤال العلم كما في قوله تعالى @QB@ فاسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ~~فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا ~~من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وهذا لأن العلم ~~يجب بذله فمن سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ~~وهو يزكو على التعليم لا ينقص بالتعليم كما تنقص الأموال بالبذل ولهذا يشبه ~~بالمصباح وكذلك من له عند غيره حق من عين أو دين كالأمانات مثل الوديعة ~~والمضاربة لصاحبها أن يسألها ممن هي عنده وكذلك مال الفيء وغيره من الأموال ~~المشتركة التي يتولى قسمتها ولي الأمر للرجل أن يطلب منه كما يطلب حقه من ~~الوقف والميراث والوصية لأن المستولي يجب عليه ادار الحق إلى مستحقه ومن ~~هذا الباب سؤال النفقة لمن تجب عليه وسؤال المسافر الضيافة لمن تجب عليه ~~كما استطعم موسى والخضر أهل القرية وكذلك الغريم له أن يطلب دينه ممن هو ~~عليه وكل واحد من المتعاقدين له أن يسال الآخر أداء حقه إليه فالبائع يسأل ~~الثمن والمشتري يسأل المبيع PageV01P037 ومن هذا الباب قوله تعالى @QB@ ~~واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام @QE@ # ومن السؤال ما لا يكون مأمورا به والمسئول بإجابة السائل قال تعالى @QB@ ~~وأما السائل فلا تنهر @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين في أموالهم حق معلوم ~~للسائل والمحروم @QE@ وقال تعالى @QB@ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ~~@QE@ ومنه الحديث إن ms033 أحدكم ليسألني المسألة فيخرج بها يتأبطها نارا وقوله ~~اقطعوا عني لسان هذا # وقد يكون السؤال منهيا عنه نهي تحريم أو تنزيه وإن كان المسئول مأمورا ~~بإجابة سؤاله فالنبي صلى الله عليه وسلم كان من كماله أن يعطي السائل وهذا ~~في حقه من فضائله ومناقبه وهو واجب أو مستحب وإن كان نفس سؤال السائل منهيا ~~عنه ولهذا لم يعرف قط أن الصديق ونحوه من أكابر الصحابة سألوه شيئا من ذلك ~~ولا سألوه أن يدعو لهم وإن كانوا يطلبون منه أن يدعو للمسلمين كما اشار ~~عليه عمر في بعض مغازيه لما استأذنوه في نحر بعض ظهرهم فقال عمر يا رسول ~~الله كيف بنا إذا لقينا العدو غدا رجالا جياعا ولكن إن رأيت أن تدعو الناس ~~ببقايا أزوادهم فتجمعها ثم تدعو الله بالبركة فإن الله يبارك لنا في دعة تك ~~وفي رواية فإن الله سيغيثنا بدعائك وإنما كان سأله ذلك بعض المسلمين كما ~~سأله الأعمى أن يدعو الله له ليرد عليه بصره وكما سألته أم سليم أن يدعوا ~~الله لخادمه أنس وكما سأله أبو هريرة أن يدعو الله ان يحببه وأمه إلى عباده ~~المؤمنين ونحو ذلك # وأما الصديق فقد قال الله فيه وفي مثله @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ~~ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف ~~يرضى @QE@ وقد ثبت في الصحاح PageV01P038 عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم ~~إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذا من أهل الأرض ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا فلم يكن في الصحابة أعظم منة من الصدق في نفسه ~~وماله # وكان أبو بكر إنما يعمل هذا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاء من مخلوق ~~فقال تعالى @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من ~~نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى @QE@ فلم يكن لأحد عند ~~الصديق نعمة تجزى فإنه كان مستغنيا يكسبه وماله عن كل أحد والنبي صلى الله ~~عليه وسلم كان ms034 له على الصديق وغيره نعمة الإيمان والعلم وتلك النعمة لا ~~تجزى فإن أجر الرسول فيها على الله كما قال تعالى @QB@ وما أسألكم عليه من ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين @QE@ وأما علي وزيد وغيرهما فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان له عندهم نعمة تجزى فإن زيدا كان مولاه فأعتقه قال ~~تعالى @QB@ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك @QE@ ~~وعلي كان في عيال النبي صلى الله عليه وسلم لجدب أصاب أهل مكة فأراد النبي ~~صلى الله عليه وسلم والعباس التخفيف عن أبي طالب من عياله فأخذ النبي صلى ~~الله عليه وسلم عليا إلى عياله وأخذ العباس جعفرا إلى عياله وهذا مبسوط في ~~موضع آخر والمقصود هنا أن الصديق كان أمن الناس في صحبته وذات يده لأفضل ~~الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لكونه كان ينفق ماله في سبيل الله ~~كاشترائه المعذبين ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا في خاصة نفسه ~~لا إلى أبي بكر ولا غيره بل لماقال له في سفر الهجرة إن عندي راحلتين فخذ ~~إحداهما قال النبي صلى الله عليه وسلم بالثمن فهو افضل صديق لأفضل نبي وكان ~~من كماله أنه لا يعمل ما يعمله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاء من ~~أحد من الخلق لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم # ومن الجزاء أن يطلب الدعاء قال تعالى عمن أثنى عليهم @QB@ إنما نطعمكم ~~لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا @QE@ PageV01P039 والدعاء جزاء كما ~~في الحديث من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه به ~~فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه وكانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بصدقة ~~تقول للرسول اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا لنا ويبقى ~~أجرنا على الله وقال بعض السلف إذا قال لك السائل بارك الله فيك فقل وفيك ~~بارك الله فمن عمل خيرا مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبيا أو رجلا صالحا ~~أو ملكا من ms035 الملوك أو غنيا من الأغنياء فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ~~ذلك خالصا لله يبتغي به وجه الله لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا ~~غيره لا من نبي ولا رجل صالح ولا من الملائكة فإن الله أمر العباد كلهم أن ~~يعبدوه مخلصين له الدين # وهذا هو دين الإسلام الذي بهث الله به الأولين والأخرين من الرسل فلا ~~يقبل من أحد دينا غيره قال تعالى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ وكان نوح وإبراهيم وموسى والمسيح وسائر ~~أتباع الأنبياء عليهم السلام على الإسلام قال نوح @QB@ وأمرت أن أكون من ~~المسلمين @QE@ وقال عن إبراهيم @QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه ~~نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه ~~أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله ~~اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ وقال موسى @QB@ يا قوم إن ~~كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين @QE@ وقالت السحرة @QB@ ربنا ~~أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين @QE@ وقال يوسف @QB@ توفني مسلما وألحقني ~~بالصالحين @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا @QE@ وقال عن الحواريين @QB@ وإذ أوحيت ~~إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون @QE@ ~~PageV01P040 ودين الاسلام مبنيى على أصلين أن نعبد الله وحده لا شريك له ~~وأن نعبده بما شرعه من الدين وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر ~~استحباب فيعبد في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان فلما كانت شريعة ~~التوراة محكمة كان العاملون بها مسلمين وكذلك شريعة الانجيل # وكذلك في أول الاسلام لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت ~~المقدس كانت صلاته إليه من الاسلام ولما أمر بالتوجه إلى الكعبة كانت ~~الصلاة إليها من الاسلام والعدول عنها إلى الصخرة خروجا عن دين الاسلام فكل ~~من لم يعبد الله بعد مبعث محمد ms036 صلى الله عليه وسلم بما شرعه الله من واجب ~~ومستحب فليس بمسلم ولا بد في جميع الواجبات والمستحبات أن تكون خالصة لله ~~رب العالمين كما قال تعالى @QB@ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ وقال تعالى @QB@ تنزيل الكتاب ~~من الله العزيز الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له ~~الدين ألا لله الدين الخالص @QE@ فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة ~~والمستحبة كالإيمان بالله ورسوله والعبادات البدنية والمالية ومحبة الله ~~ورسوله والاحسان إلى عباد الله بالنفع والمال هو مأمور بأن يفعله خالصا لله ~~رب العالمين لا يطلب من مخلوق عليه جزاء لا دعاء ولا غير دعاء فهذا مما لا ~~يسوغ أن يطلب عليه جزاء لا دعاء ولا غيره # وأما السؤال المخلوق غير هذا فلا يجب بل ولا يستحب إلا في بعض المواضع ~~ويكون المسئول مأمورا بالاعطاء قبل السؤال واذا كان المؤمنون ليسوا مأمورين ~~بسؤال المخلوقين فالرسول أولى بذلك صلى الله عليه وسلم فإنه أجل قدرا وأغنى ~~بالله عن غيره فان سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد مفسدة الافتقار إلى غير ~~PageV01P041 الله وهي من نوع الشرك ومفسدة إيذاء المسئول وهي من نوع ظلم ~~الخلق وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة ~~وقد نزه الله رسوله عن ذلك كله وحيث أمر الامة بالدعاء له فذاك من باب ~~أمرهم بما ينتفعون به كما يأمرهم بسائر الواجبات والمستحبات وإن كان هو ~~ينتفع بدعائهم له فهو أيضا ينتفع بما يأمرهم به من العبادات والأعمال ~~الصالحة فانه ثبت عنه في الصحيح أنه قال من دعا إلى هدى كان له من الأجر ~~مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~هو الداعي إلى ما تفعله أمته من الخيرات فما يفعلونه له فيه من الأجر مثل ~~أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم ms037 شيء ولهذا لم تجر عادة السلف بأن يهدوا ~~إليه ثواب الأعمال لأن له مثل ثواب أعمالهم بدون الاهداء من غير أن ينقص من ~~ثوابهم شيء وليس كذلك الأبوان فإنه ليس كل ما يفعله الولد [ يكون ] للوالد ~~مثل أجره وإنما ينتفع الوالد بدعاء الولد ونحوه مما يعود نفعه إلى الأب كما ~~قال في الحديث الصحيح إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية ~~وعلم يتنفع به وولد صالح يدعو له فالنبي صلى الله عليه وسلم فيما يطلبه من ~~امته من الدعاء طلبه طلب أمر وترغيب ليس طلب سؤال فمن ذلك أمره لنا بالصلاة ~~والسلام عليه فهذا قد أمر الله به في القرآن بقوله @QB@ صلوا عليه وسلموا ~~تسليما @QE@ # والأحاديث عنه في الصلاة والسلام معروفة ومن ذلك أمره بطلب الوسيلة ~~والفضيلة والمقام المحمود كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم ~~صلوا عليه فانه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة ~~فانها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وارجو أن أكون أنا ذلك ~~العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة وفي صحيح ~~البخاري عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال حين سمع ~~النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة ~~والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما PageV01P042 محمودا الذي وعدته إنك ~~لا تخلف الميعاد حلت له شفاعتي يوم القيامة فقد رغب المسلمين في أن يسألوا ~~الله له الوسيلة وبين أن من يسألها له حلت له شفاعته يوم القيامة كما أنه ~~من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا فان الجزاء من جنس العمل # ومن هذه الباب الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذب وصححه وابن ماجه ~~أن عمر بن الخطاب استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له ثم ~~قال ms038 لا تنسنا يا أخي في دعائك فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من عمر أن ~~يدعو له كطلبه أن يصلي عليه ويسلم عليه وأن يسأل الله له الوسيلة والدرجة ~~الرفيعة وهو كطلبه أن يعمل سائر الصالحات فمقصوده نفع المطلوب منه والاحسان ~~اليه وهو صلى الله عليه وسلم أيضا ينتفع بتعليمهم الخير وأمرهم به وينتفع ~~أيضا بالخير الذي يفعلونه من الاعمال الصالحة ومن دعائهم له ومن هذا الباب ~~قول القائل إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي قال ما شئت قال ~~الربع قل ما شئت وإن زدت فهو خير لك قال النصف قال ما شئت وإن زدت فهو خير ~~لك قال الثلثين قال ما شئت واذا زدت فهو خير لك قال اجعل لك صلاتي كلها قال ~~إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك رواه أحمد في مسنده والترمذي وغيرهما وقد بسط ~~الكلام عليه في جواب المسائل البغدادية فان هذا كان له دعاء يدعو به فاذا ~~جعل مكان دعائه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كفاه الله ما اهمه من ~~امر دنياه وآخرته فانه كلما صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا وهو لو دعا ~~لآحاد المؤمنين لقالت الملائكة آمين ولك بمثل فدعاؤه للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أولى بذلك # ومن قال لغيره من الناس ادع لي أو لنا وقصده أن ينتفع ذلك المأمور ~~بالدعاء وينتفع هو أيضا بأمره ويفعل ذلك المأمور به كما يأمره بسائر فعل ~~الخير PageV01P043 فهو مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤتم به ليس هذا من ~~السؤال المرجوح وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك ~~والاحسان اليه فهذا ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك بل هذا هو ~~من السؤال المرجوح الذي تركه إلى الرغبة إلى الله ورسوله أفضل من الرغبة ~~إلى المخلوق وسؤاله وهذا كله من سؤال الأحياء السؤال الجائز المشروع # وأما سؤال الميت فليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب بل ولا مباح ولم يفعل ~~هذا قط أحد من ms039 الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا استحب ذلك أحد من سلف ~~الأمة لأن ذلك فيه مفسدة راجحة وليس فيه مصلحة راجحة والشريعة إنما تأمر ~~بالمصالح الخالصة أو الراجحة وهذا ليس فيه مصلحة راجحة بل إما أن يكون ~~مفسدة محضة أو مفسدة راجحة وكلاهما غير مشروع # فقد تبين أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من طلب الدعاء من غيره هو ~~من باب الإحسان إلى الناس الذي هو واجب أو مستحب وكذلك ما أمر به من الصلاة ~~على الجنائز ومن زيارة قبور المؤمنين والسلام عليهم والدعاء لهم هو من باب ~~الإحسان إلى الموتى الذي هو واجب أو مستحب فإن الله تعالى أمر المسلمين ~~بالصلاة والزكاة فالصلاة حق الحق في الدنيا والآخرة والزكاة حق الخلق ~~فالرسول أمر الناس بالقيام بحقوق الله وحقوق عباده بأن يعبدوا الله لا ~~يشركوا به شيئا ومن عبادته الإحسان إلى الناس حيث أمرهم الله سبحانه به ~~كالصلاة على الجنائز وكزيارة قبور المؤمنين فاستحوذ الشيطان على أتباعه ~~فجعل قصدهم بذلك الشرك بالخالق وايذاء المخلوق فإنهم إذا كانوا إنما يقصدون ~~السلام عليهم ولا الدعاء لهم كما يقصد بالصلاة على الجنائز كانوا بذلك ~~مشركين وكانوا مؤذين ظالمين لمن يسألونه وكانوا ظالمين لأنفسهم فجمعوا بين ~~أنواع الظلم الثلاثة # فالذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعابد في المعاش ~~والمعاد وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم ~~وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد فان الله تعالى أمر المؤمنين ~~بعبادته والإحسان إلى عباده كما قال تعالى @QB@ واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى @QE@ PageV01P044 وهذا أمر بمعالي ~~الأخلاق وهو سبحانه يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها وقد روي عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق رواه الحاكم في صحيحه وقد ~~ثبت عنه في الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال اليد العليا خير من اليد ~~السفلى وقال اليد العليا هي المعطية واليد السفلى هي السائلة وهذا ثابت عنه ~~في الصحيح فأين الاحسان ms040 إلى عباد الله من ايذائهم بالسؤال والشحاذة لهم ~~وأين التوحيد للخالق بالرغبة اليه والرجاء له والتوكل عليه والحب له من ~~الاشراك به بالرغبة إلى المخلوق والرجاء له والتوكل عليه وأن يحب كما يحب ~~الله وأين صلاح العبد في عبودية الله والذل له والافتقار اليه من فساده في ~~عبودية المخلوق والذل له والافتقار اليه # فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة ~~التي تصلح أمور أصحابها في الدنيا والآخرة ونهى عن الأنواع الثلاثة التي ~~تفسد أمور أصحابها ولكن الشيطان يأمر بخلاف ما يأمر به الرسول قال تعالى ~~@QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن ~~اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس ~~له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون @QE@ ~~وذكر الرحمن هو الذكر الذي أنزل الله على رسوله الذي قال فيه @QB@ إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ وقال تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ PageV01P045 وقد قال تعالى @QB@ المص ~~كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما ~~أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون @QE@ وقد ~~قال تعالى @QB@ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ~~وويل للكافرين من عذاب ms041 شديد @QE@ وقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من ~~نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور @QE@ # فالصراط المستقيم هو ما بعث الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بفعل ~~ما أمر وترك ما حظر وتصديقه فيما أخبر لا طريق إلى الله إلا ذلك وهذا سبيل ~~أولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين وجند الله الغالبين وكل ما خالف ~~ذلك فهو من طرق أهل الغي والضلال وقد نزه الله تعالى نبيه عن هذا وهذا فقال ~~تعالى @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو ~~إلا وحي يوحى @QE@ وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول في صلاتنا @QB@ اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~@QE@ وقد روى الترمذي وغيره عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون قال الترمذي حديث صحيح وقال ~~سفيان ابن عيينة كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن ~~فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى وكان غير واحد من السلف يقول احذروا ~~فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فان فتنتهما فتنة لكل مفتون فمن عرف ~~PageV01P046 الحق ولم يعمل به أشبه اليهود الذين قال الله فيهم @QB@ ~~أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون @QE@ ~~ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك أشبه النصارى الذين قال الله فيهم ~~@QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ فالأول من الغاوين ~~والثاني من الضالين فإن الغي اتباع الهوى والضلال عدم الهدى قال تعالى @QB@ ~~واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من ~~الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض ms042 واتبع هواه فمثله كمثل ~~الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ~~فاقصص القصص لعلهم يتفكرون @QE@ وقال تعالى @QB@ سأصرف عن آياتي الذين ~~يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل ~~الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا ~~بآياتنا وكانوا عنها غافلين @QE@ ومن جمع الضلال والغي ففيع شبه من هؤلاء ~~وهؤلاء نسأل الله أن يهدينا وسائر إخواننا صراط الذين أنعم عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا PageV01P047 & فصل ~~& # إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه يجب أن ~~تعرف معانيه ويعطى كل ذي حق حقه فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ~~ومعناه وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك ويعرف ما أحدثه ~~المحدثون في هذا اللفظ ومعناه فان كثيرا من اضطراء الناس في هذا الباب هو ~~بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا ~~يعرف في هذا الباب فصل الخطاب # فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة @QE@ وفي قوله تعالى @QB@ قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك ~~كان محذورا @QE@ فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته ~~وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات ~~فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب وما ~~ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا ~~فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب وأصل ذلك ~~الإيمان بما جاء به الرسول فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو ~~التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول لا وسيلة لأحد إلى ms043 الله الا ذلك # والثاني لفظ الوسيلة في الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم سلوا ~~الله لي الوسيلة فانها درجة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ~~أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة وقوله ~~من PageV01P048 قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة ~~القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إنك لا ~~تخلف الميعاد حلت له الشفاعة فهذه الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ~~وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من ~~عباد الله وهو يرجو أن يكون ذلك العبد وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول ~~واخبرنا أن من سأل له الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء ~~من جنس العمل فلما دعوا للنبي صلى الله عليه وسلم استحقوا أن يدعو هو لهم ~~فإن الشفاعة نوع من الدعاء كما قال إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها ~~عشرا # وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوجب به في كلام الصحابة ~~فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين ~~يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن ~~يعتقد فيه الصلاح # وحينئذ فلفظ التوسل به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ويراد به معنى ثالث ~~لم ترد به سنة فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء فأحدهما هو ~~أصل الايمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته والثاني دعاؤه ~~وشفاعته كما تقدم فهذان جائزان بإجماع المسلمين ومن هذا قول عمر ابن الخطاب ~~اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم ~~نبينا فاسقنا أي بدعائه وشفاعته وقوله تعالى @QB@ وابتغوا إليه الوسيلة ~~@QE@ أي القربة إليه بطاعته وطاعة رسوله طاعته قال تعالى @QB@ من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله @QE@ فهذا التوسل الأأول هو أصل الدين وهذا لا ينكره ~~أحد من المسلمين وأما التوسل بدعائه وشفاعته كما قال عمر فانه ms044 توسل بدعائه ~~لا بذاته ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس ولو كان التوسل ~~هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس فلما عدلوا عن التوسل به إلى ~~التوسل بالعباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته بخلاف التوسل الذي ~~هو الايمان به والطاعة له فانه مشروع دائما PageV01P049 # فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان أحدها التوسل بطاعته فهذا فرض لا يتم ~~الايمان إلا به والثاني التوسل بدعائه وشفاعته وهذا كان في حياته ويكون يوم ~~القيامة يتوسلون بشفاعته والثالث التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته ~~والسؤال بذاته فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا ~~في حياته ولا بعد مماته لا عند قبره ولا غير قبره ولا يعرف هذا في شيء من ~~الادعية المشهورة بينهم وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة ~~وموقوفة أو عن من ليس قوله حجة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى وهذا هو ~~الذي قال أبو حنيفة وأصحابه إنه لا يجوز ونهوا عنه حيث قالوا لا يسأل ~~بمخلوق ولا يقول أحد أسالك بحق أنبيائك قال أبو الحسين القدوري في كتاب ~~الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهة وقد ذكر هذا غير واحد ~~من أصحاب أبي حنيفة قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال قال أبو حنيفة لا ~~ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك أو بحق ~~خلقك وهو قول أبي يوسف قال أبو يوسف بمقعد العز من عرشه هو الله فلا أكره ~~هذا وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام ~~والمشعر الحرام قال القدوري المسألة بخلقه لا تجوز لاه لا حق للخلق على ~~الخالق فلا تجوز وفاقا وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه من الله لا سأل ~~بمخلوق له معنيان أحدهما هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم على ~~الخالق أولى وأحرى وهذا بخلاف إقسامه سبحانه بمخلوقاته كالليل إذا يغشى ms045 ~~والنهار إذا تجلى والشمس وضحاها والنازعات غرقا والصافات صفا فان إقسامه ~~بمخلوقاته يتضمن من ذكر آياته الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته ما يحسن ~~معه إقسامه بخلاق المخلوق فان إقسامه بالمخلوقات شرك بخالقها كما في السنن ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف بغير الله فقد أشرك وقد صححه ~~الترمذي وغيره وفي لفظ فقد كفر وقد صححه الحاكم وقد ثبت عنه في الصحيحين ~~أنه قال من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت وقال لا تحلفوا بآبائكم فان ~~الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم وفي الصحيحين عنه أنه قال من حلف باللات ~~والعزى PageV01P050 فليقل لا إله إلا الله وقد اتفق المسلمون على أنه من ~~حلف بالمخلوقات المحترمة أو بما يعتقدد هو حرمته كالعرش والكرسي والكعبة ~~والمسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والملائكة ~~والصالحين والملوك ويوف المجاهدين وترب الأنبياء والصالحين وأيمان السذق ~~وسراويل الفتوة وغير ذلك لا ينعقد يمينه ولا كفارة في الحلف بذلك # والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في ~~مذهب الشافعي وأحمد وقد حكي إجماع الصحابة على ذلك وقيل هي مكروهة كراهة ~~تنزيه والاول أصح حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد الله ابن عباس وعبد الله ~~بن عمر لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي [ من ] أن أحلف بغير الله صادقا وذلك ~~لأن الحلف بغير الله شرك والشرك أعظم من الكذب وإنما يعرف النزاع في الحلف ~~بالأنبياء فعن أحمد في الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم روايتان إحداهما لا ~~ينعقد اليمين به كقول الجمهور مالك وأبي حنيفة والشافعي والثانية ينعقد ~~اليمين به واختار ذلك طائفة من أصحابه كالقاضي وأتباعه وابن المنذر وافق ~~هؤلاء وقصر أكثر هؤلاء النزاع في ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ~~وعدي ابن عقيل هذا الحكم إلى سائل الأنبياء وإيجاب الكفارة بالحلف بمخلوق ~~وإن كان نبيا قول ضعيف في الغاية مخالف للاصول والنصوص فالإقسام به على ~~الله والسؤال به بمعنى الإقسام هو من هذا الجنس ms046 # وأما السؤال بالمخلوق إذا كانت فيه باء السبب ليست باء القسم وبينهما فرق ~~فان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإبراز القسم وثبت عنه في الصحيحين أنه ~~قال إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره قال ذلك لما قال انس بن ~~النضر ك أتكسر ثنية الربيع قال لا والذي بعثك بالحق لاتكسر سنها فقال يا ~~أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم وعفوا فقال صلى الله عليه وسلم إن من عباد ~~الله من لو أقسم على الله لأبره وقال رب اشعث أغبر مدفوع بالأبواب ~~PageV01P051 لو أقسم على الله لأبره رواه مسلم وغيره وقال ألا أخبركم بأهل ~~الجنة كل ضعيف متضف لو أقسم على الله لأبره ألا أخبركم بأهل النار كل عتل ~~جواظ مستكبر وهذا في الصحيحين وكذلك [ حديث ] أنس بن النضر والآخر من أفراد ~~مسلم وقد روي في قوله إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره أنه قال ~~منهم البراء بن مالك وكان البراء إذا اشتدت الحرب بين المسلمين والكفار ~~يقولون يا براء أقسم على ربك فيقسم على الله فينهزم الكفار فلما كانوا على ~~قنطرة بالسوس قالوا يا براء أقسم على ربك فقال يا رب اقسمت عليك لما منحتنا ~~أكتافهم وجعلتني أول شهيد فأبر الله قسمه فانهم العدو واستشهد البراء بن ~~مالك يومئذ وهذا هو أخو أنس بن مالك قتل مائة رجل مبارزة غير من شرك في دمه ~~وحمل يوم مسيلمة على ترس ورمى به إلى الحديقة حتى فتح الباب # والإقسام به على الغير أن يحلف المقسم على غيره ليفعلن كذا فان حنثه ولم ~~يبر قسمه فالكفارة على الحالف لا على المحلوف عليه عند عامة الفقهاء كما لو ~~حلف على عبده أو ولده أو صديقه ليفعلن شيئا ولم يفعله فالكفارة على الحالف ~~الحانث وأما قوله سألته بالله أن تفعل كذا فهذا سؤال وليس بقسم وفي الحديث ~~من سألكم بالله فأعطوه ولا كفارة على هذا إذا لم يجب سؤاله ولاخلق كلهم ~~يسألون الله مؤمنهم وكافرهم وقد ms047 يجيب الله دعاء الكفار فإن الكفار يسألون ~~الله الرزق فيرزقهم ويسقيهم وإذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه ~~فلما نجاهم إلى البر أعرضوا وكان الإنسان كفورا # وأما الذين يقسمون على الله فيبر قسمهم فإنهم ناس مخصوصون # فالسؤال كقول السائل لله أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع ~~السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد ~~الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأسألك بكل اسم هو لك سميت به ~~نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته احدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب ~~PageV01P052 عندك فهذا سؤال الله تعالى بأسمائه وصفاته وليس ذلك إقساما ~~عليه فإن أفعاله هي مقتضى اسمائه وصفاته فمغفرته ورحمته من مقتضى اسمه ~~الغفور الرحيم وعفوه من مقتضى اسمه العفو ولهذا لما قالت عائشة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول قال قولي اللهم إنك عفو تحب ~~العفو فاعف عني وهدايته ودلالته من مقتضى اسمه الهادي وفي الأثر المنقول عن ~~أحمد ابن حنبل أنه أمر رجلا أن يقول يا دليل الحيارى دلني على طريق ~~الصادقين واجعلني من عبادك الصالحين وجميع ما يفعل الله بعبده من الخير من ~~مقتضى اسمه الرب ولهذا يقال في الدعاء يا رب يا رب كما قال آدم @QB@ ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ وقال نوح ~~@QB@ رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن ~~من الخاسرين @QE@ وقال إبراهيم @QB@ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي ~~زرع @QE@ وكذلك سائر الأنبياء وقد كره مالك وابن أبي عمران من أصحاب أبي ~~حنيفة وغيرهما أن يقول الداعي يا سيدي وقالوا قل كما قالت الأنبياء رب رب ~~واسمه الحي القيوم يجمع أصل معاني الأسماء والصفات كما قد بسط هذا في غير ~~هذا الموضع ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله إذا اجتهد في الدعاء # فإذا سئل المسئول بشيء والباء ms048 للسبب سئل بسبب يقتضي وجود المسئول فإذا ~~قال أسألك بان لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض كان كونه ~~محمودا منانا بديع السموات والأرض يقتضي أن يمن على عبده السائل وكونه ~~محمودا هو يوجب أن يفعل ما يحمد عليه وحمد العبد له سبب إجابة دعائه ولهذا ~~أمر المصلي أن يقول سمع الله لمن حمده أي استجاب الله دعاء من حمده فالسماع ~~هنا بمعنى الإجابة والقبول كقوله صلى الله عليه وسلم أعوذ بك من علم لا ~~ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع أي لا يستجاب ومنه ~~قول الخليل في آخر دعائه @QB@ إنك سميع الدعاء @QE@ PageV01P053 ومنه قوله ~~تعالى @QB@ وفيكم سماعون لهم @QE@ وقوله @QB@ ومن الذين هادوا سماعون للكذب ~~سماعون لقوم آخرين لم يأتوك @QE@ أي لم يأتك أولئك الاقوام ولهذا أمر ~~المصلي أن يدعو بعد حمد الله بعد التشهد المتضمن الثناء على الله سبحانه ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن رآه يصلي ويدعو ولم يحمد ربه ولم يصل ~~على نبيه فقال عجيل هذا ثم دعاء فقال إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله ~~والثناء عليه وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم وليدع بعد بما شاء أخرجه ~~أبو داود والترمذب وصححه وقال عبد الله ابن مسعود كنت أصلي والنبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر وعمر معه فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم بالصلاة ~~على نبيه ثم دعوت لنفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم سل تعطه رواه ~~الترمذي وحسنه فلفظ السمع يراد به إدراك الصوت ويراد به معرفة المعنى مع ~~ذلك ويراد به القبول والإستجابة مع الفهم قال تعالى @QB@ ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم @QE@ ثم قال @QB@ ولو أسمعهم @QE@ على هذه الحال التي هم ~~عليها لم يقبلوا الحق ثم @QB@ لتولوا وهم معرضون @QE@ فذمهم بأنهم لا ~~يفهمون القرآن ولو فهموه لم يعملوا به # وإذا قال السائل لغيره أسألك بالله فإنما سأله بإيمانه بالله وذلك سبب ~~لإعطاء من سأله ب فانه سبحانه يحب الإحسان إلى الخلق ms049 لا سيما إن كان ~~المطلوب كف الظلم فانه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم وأمره أعظم الأسباب في ~~حض الفاعل فلا سبب أولى من أن يكون مقتضيا لمسببه من أمر الله تعالى وقد ~~جاء في حديث رواه أحمد في مسنده وابن ماجه عن عطية العوفي عن أبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في ~~دعائه وأسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ~~ولا رياء ولا سمعة ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك فإن كان هذا صحيحا ~~بحق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين له أن يثيبهم وهو حق أوجبه على ~~نفسه لهم كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذي جعله سببا لإجابة الدعاء ~~كما في قوله تعالى @QB@ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من ~~فضله @QE@ PageV01P054 وكما يسأل بوعده لأن وعده يقتضي إنجاز ما وعده ومنه ~~قول المؤمنين @QB@ ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم ~~فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار @QE@ ~~وقوله @QB@ إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري @QE@ ويشبه هذا مناشدة ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر حيث يقول اللهم أنجز لي ما وعدتني وكذلك ~~ما في التوراة أن الله تعالى غضب على بني إسرائيل فجعل موسى يسأل ربه ويذكر ~~ما وعد به إبراهيم فإنه سأله بسابق وعده لإبراهيم # ومن السؤال بالأعمال الصالحة سؤال الثلاثة الذين أووا إلى غار فسأل كل ~~واحد منهم بعمل عظيم أخلص فيه لله لأن ذلك العمل مما يحبه الله ويرضاه محبة ~~تقتضي إجابة صاحبة هذا سأل ببره بوالديه وهذا سأل بعفته التامة وهذا سأل ~~بأمانته وإحسانه وكذلك كان ابن مسعود يقول وقت السحر اللهم أمرتني فأطعتك ~~ودعوتني فأجبتك وهذا سحر فاغفر لي ومنه حديث ابن عمر أنه كان يقول على ~~الصفا اللهم إنك قلت وقولك الحق @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ وإنك لا تخلف ms050 ~~الميعاد ثم ذكر الدعاء المعروف عن ابن عمر أنه كان يقوله على الصفا # فقد تبين أن قول القائل اسألك بكذا نوعان فان الباء قد تكون للقسم وقد ~~تكون للسبب فقد تكون قسما به على الله وقد تكون سؤالا بسببه فأما الاول ~~فالقسم بالمخلوقات لا يجوز على المخلوق فكيف على الخالق وأما الثاني وهو ~~السؤال المعظم كالسؤال بحق الانبياء فهذا فيه نزاع وقد تقدم عن أبي حنيفة ~~وأصحابه أنه لا يجوز ذلك فنقول قول السائل لله تعالى أسألك بحق فلان وفلان ~~من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم أو بجاه فلان أو بحرمة فلان يقتضي ~~أن هؤلاء لهم عند الله جاه وهذا صحيح فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة وجاه ~~وحرمة يقتضي أن يرفع الله درجاتهم ويعظم أقدارهم ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا ~~مع أنه سبحانه قال @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ PageV01P055 ~~ويقتضي أيضا أن من اتبعهم واقتدى بهم فما سن له الاقتداء بهم فيه كان سعيدا ~~ومن أطاع أمرهم الذي بلغوه عن الله كان سعيدا ولكن ليس نفس مجرد قدرهم ~~وجاههم مما يقتضي إجابة دعائه إذا سأل الله بهم حتى يسأل الله بذلك بل ~~جاههم ينفعه اذا اتبعهم وأطاعهم فيما أمروا به عن الله أو تأسى بهم فيما ~~سنوه للمؤمنين وينفعه أيضا إذا دعوا له وشفعوا فيه فأما إذا لم يكن منهم ~~دعاء ولا شفاعة ولا منه سبب يقتضي الإجابة لم يكن متشفعا بجاههم ولم يكن ~~سؤاله بجاههم نافعا له عند الله بل يكون قد سأل بأمر أجنبي عنه ليس سببا ~~لنفعه ولو قال الرجل لمطاع كبير أسألك بطاعة فلان لك وبحبك له على طاعتك ~~وبجاهه عندك الذي أوجبته طاعته لك لكان قد سأله بأمر أجنبي لا تعلق له به ~~فكذلك إحسان الله إلى هؤلاء المقربين ومحبته لهم وتعظيمه لأقدارهم مع ~~عبادتهم له وطاعتهم إياه ليس في ذلك ما يوجب إجابة دعاء من يسأل بهم وإنما ~~يوجب إجابة دعائه بسبب منه لطاعته لهم أو سبب منهم لشفاعتهم له فإذا انتفى ~~هذا ms051 وهذا فلا سبب # نعم لو سأل الله الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ومحبته له وطاعته له ~~واتباعه له لكان قد سأله بسبب عظيم يقتضي إجابة الدعاء بل هذا أعظم الأسباب ~~والوسائل والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن شفاعته في الآخرة تنفع أهل ~~التوحيد لا أهل الشرك وهي مستحقة لمن دعا له بالوسيلة كما في الصحيح أنه ~~قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فانه من صلى علي مرة ~~صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فانها درجة في الجنة لا تنبغي ~~إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو ذلك العبد فمن سأل الله لي ~~الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة وفي الصحيح أن أبا هريرة قال له أي ~~الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة قال من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ~~فبين صلى الله عليه وسلم أن أحق الناس بشفاعته يوم القيامة من كان أعظم ~~توحيدا وإخلاصا لأن التوحيد جماع الدين والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك من يشاء فهو سبحانه لا يشفع عنده إلا بإذنه فإذا شفع محمد صلى الله ~~عليه وسلم حد له ربه حدا فيدخلهم الجنة وذلك بحسب ما يقوم بقلوبهم من ~~التوحيد والإيمان وذكر صلى الله عليه وسلم أنه PageV01P056 من سأل الله له ~~الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم القيامة فبين أن شفاعته تنال باتباعه بما جاء ~~به من التوحيد والإيمان وبالدعاء الذي سن لنا أن ندعو له به وأما السؤال ~~بحق فلان فهو مبني على اصلين أحدهما ماله من الحق عند الله والثاني هل نسأل ~~الله بذلك كما نسأل بالجاه والحرمة أما الأول فمن الناس من يقول للمخلوق ~~على الخالق حق يعلم بالعقل وقاس المخلوق على الخالق كما يقول ذلك من يقوله ~~من المعتزلة وغيرهم ومن الناس من يقول لا حق للمخلوق على الخالق بحال لكن ~~يعلم ما يفعله بحكم وعده وخبره كما يقول ذلك من يقوله من أتباع ms052 جهم ~~والاشعري وغيرهما ممن ينتسب إلى السنة ومنهم من يقول بل كتب الله على نفسه ~~الرحمة لم يوجب ذلك مخلوق عليه ولا يقاس بمخلوقاته بل هو بحكم رحمته وحكمته ~~وعدله كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم كما قال في الحديث الصحيح ~~الإلهي يا عبادي غني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ~~وقال تعالى @QB@ كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ وقال تعالى @QB@ وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين @QE@ وفي الصحيحين عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده قلت الله ورسوله أعلم قال حقه ~~عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله ~~إذا فعلوا ذلك قال حقهم عليه أن لا يعذبهم فعلى هذا القول لأنبيائه وعباده ~~الصالحين عليه سبحانه حق أوجبه على نفسه مع إخباره وعلى الثاني يستحقون ما ~~أخبر بوقوعه وإن لم يكن ثم سبب يقتضيه # فمن قال ليس للمخلوق على الخالق حق يسأل به كما روي أن الله تعالى قال ~~لداود وأي حق لآبائك علي فهو صحيح إذا أريد بذلك أنه ليس للمخلوق عليه حق ~~بالقياس والاعتبار على خلقه كما يجب للمخلوق على المخلوق وهذا كما يظنه ~~جهال العباد من أن لهم على سبحانه حقا بعبادتهم وذلك PageV01P057 أن النفوس ~~الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه يصير له على الله حق من جنس ما ~~يصير للمخلوق على المخلوق كالذين يخدمون ملوكهم وملاكهم فيجلبون لهم منفعة ~~ويدفعون عنهم مضرة ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازاة على ذلك ويقول له ~~عند جفاء أو إعراض يراه منه ألم أفعل كذا يمن عليه بما يفعله معه وإن لم ~~يقله بلسانه كان ذلك في نفسه وتخيل مثل هذا في حق الله تعالى من جهل ~~الإنسان وظلمه ولهذا بين سبحانه أن عمل الإنسان يعود نفعه عليه وأن الله ~~غني عن الخلق كما في قوله تعالى @QB@ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها @QE@ وقوله تعالى @QB@ من عمل صالحا ms053 فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك ~~بظلام للعبيد @QE@ وقوله تعالى @QB@ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى ~~لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ ومن شكر فإنما ~~يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم @QE@ وقال تعالى في قصة موسى عليه ~~السلام @QB@ لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد وقال موسى إن ~~تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني ~~عن العالمين @QE@ وقد بين سبحانه أنه المان بالعمل فقال تعالى @QB@ يمنون ~~عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان إن كنتم صادقين @QE@ وقال تعالى @QB@ واعلموا أن فيكم رسول الله لو ~~يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ~~ونعمة والله عليم حكيم @QE@ وفي الحديث الصحيح الغلهي يا عبادي إنكم لن ~~تبلغوا ضرب فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي إنكم تخطئون بالليل ~~والنهار وأنا أغفر PageV01P058 الذنوب جميعا ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم ~~يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ~~منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ~~كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن ~~أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان ~~منهم مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر # وبين الخالق تعالى والمخلوق من الفروق مالا يخفى على من له أدنى بصيرة ~~منها أن الرب تعالى غني بنفسه عما سواه ويمتنع أن يكون مفتقرا إلى غيره ~~بوجه من الوجوه والملوك وسادة العبيد محتاجون إلى غيره حاجة ضرورية ms054 ومنها ~~أن الرب تعالى وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويرضى ويفرح بتوبة التائبين فهو ~~الذي خلق ذلك وييسره فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته وهذا ظاهر ~~على مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقرون بأن الله هو المنعم على عباده ~~بالإيمان بخلاق القدرية والمخلوق قد يحصل له ما يحبه بفعل غيره ومتها أن ~~الرب تعالى أمر العباد بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم كما قال قتادة إن الله ~~لم يأمر العباد بما أمرهم لحاجته اليهم ولا ينهاهم عنه بخلا عليهم بل أمرهم ~~بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم بخلاف المخلوق الذي يأمر غيره بما يحتاج اليه ~~وينهاه عما ينهاه بخلا عليه وهذا أيضا ظاهر على مذهب السلف وأهل السنة ~~الذين يثبتون حكمته ورحمته ويقولون إنه لم يأمر العباد إلا بخير ينفعهم ولم ~~ينههم إلا عن شر يضرهم بخلاف المجبرة الذين يقولون إنه قد يأمرهم بما يضرهم ~~وينهاهم عما ينفعهم ومنها أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ~~وهو المنعم بالقدرة والحواس وغير ذلك مما به يحصل العلم والعمل الصالح وهو ~~الهادي لعباده فلا حول ولا قوة إلا به ولهذا قال أهل الجنة @QB@ الحمد لله ~~الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا ~~بالحق @QE@ PageV01P059 وليس يقدر المخلوق على شيء من ذلك ومنها أن نعمه ~~على عباده أعظم من أن تحصى فلو قدر أن العبادة جزاء النعمة لم تقم العبادة ~~بشكر قليل منها فكيف والعبادة من نعمته أيضا ومنها ان العباد لا يزالون ~~مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته فلن يدخل أحد الجنة بعمله وما من أحد إلا ~~وله ذنوب يحتاج فيها إلى مغفرة لها @QB@ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ~~ترك على ظهرها من دابة @QE@ وقوله صلى الله عليه وسلم لن يدخل أحد منكم ~~الجنة بعمله لا يناقض قوله تعالى @QB@ جزاء بما كانوا يعملون @QE@ فإن ~~النفي نفي بباء المقابلة والمعارضة كما يقال بعت هذا بهذا وما أثبت أثبت ~~بباء السبب فالعمل لا يقابل الجزاء وإن ms055 كان سببا للجزاء ولهذا من ظن أنه ~~قام بما يجب عليه وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه فهو ضال كما ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لن يدخل أحد الجنة ~~بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة ~~منه وفضل وروي بمغفرته ومن هذا أيضا الحديث الذي في السنن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو ~~غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم الحديث # ومن قال بل للمخلوق على الله حق فهو صحيح إذا أراد به الحق الذي أخبر ~~الله بوقوعه فان الله صادق لا يخلف الميعاد وهو الذي أوجبه على نفسه بحكمته ~~وفضله ورحمته وهذا المستحق لهذا الحق إذا سأل الله تعالى به يسأل الله ~~تعالى إنجاز وعده أو يسأله بالاسباب التي علق الله بها المشيئات كالأعمال ~~الصالحة فهذا مناسب وأما غير المستحق لهذا الحق إذا سأله بحق ذلك الشخص فهو ~~كما سأله بجاه ذلك الشخص وذلك سؤال بأمر أجنبي عن هذا السائل لم يسأله بسبب ~~يناسب إجابة دعائه وأما سؤال الله بأسمائه وصفاته التي تقتضي ما يفعله ~~بالعباد من الهدى والرزق والنصر فهذا أعظم ما يسأل الله تعالى به فقول ~~المنازع لا يسأل بحق الأنبياء فانه لا حق للمخلوق على الخالق ممنوع فانه قد ~~ثبت في الصحيحين حديث معاذ الذي تقدم إيراده وقال تعالى @QB@ كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة @QE@ PageV01P060 @QB@ وكان حقا علينا نصر المؤمنين @QE@ فيقال ~~للمنازع الكلام في هذا في مقامين أحدهما في حق العباد على الله والثاني في ~~سؤاله بذلك الحق أما الأول فلا ريب أن الله تعالى وعد المطيعين بأن يثيبهم ~~ووعد السائلين بأن يجيبهم وهو الصادق الذي لا يخلف الميعاد قال الله تعالى ~~@QB@ وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا @QE@ @QB@ وعد الله لا يخلف الله ~~وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ @QB@ فلا تحسبن الله مخلف ms056 وعده رسله ~~@QE@ فهذا مما يجب وقوعه بحكم الوعد باتفاق المسلمين وتنازعوا هل عليه واجب ~~بدون ذلك على ثلاثة أقوال كما تقدم قيل لا يجب لأحد عليه حق بدون ذلك وقيل ~~بل يجب عليه واجبات ويحرم عليه محرمات بالقياس على عباده وقيل هو أوجب على ~~نفسه وحرم على نفسه فيجب عليه ما أوجبه على نفسه ويحرم عليه ما حرمه على ~~نفسه كما ثبت في الصحيح من حديث أبي ذر كما تقدم والظلم ممتنع منه باتفاق ~~المسلمين لكن تنازعوا في الظلم الذي لا يقع فقيل هو الممتنع وكل ممكن أ ~~يفعله لا يكون ظلما لأن الظلم إما التصرف في ملك الغير وإما مخالفة الأمر ~~الذي يجب عليه طاعه وكلاهما ممتنع منه وقيل بل ما كان ظلما من العباد فهو ~~ظلم منه وقيل الظلم وضع الشيء في غير موضعه فهو سبحانه لا يظلم الناس شيئا ~~قال تعالى @QB@ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما @QE@ ~~قال المفسرون هو أن يحمل عليه سيئات غيره ويعاقب بغير ذنبه والهضم أن يهضم ~~من حسناته وقال تعالى @QB@ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ~~ويؤت من لدنه أجرا عظيما @QE@ @QB@ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم @QE@ # أما المقام الثاني فانه يقال ما بين الله ورسوله أنه حق للعباد على الله ~~فهو حق لكن الكلام في السؤال بذلك فيقال إن كان الحق الذي سأل به سببا ~~لإجابة السؤال حسن السؤال به كالحق الذي يجب لعابديه وسائليه وأما إذا ~~PageV01P061 قال السائل بحق فلان وفلان فأولئك إذا كان لهم عند الله حق أن ~~لا يعذبهم وأن يكرمهم بثوابه ويرفع درجاتهم كما وعدهم بذلك وأوجبه على نفسه ~~فليس في استحقاق أولئك ما استحقوه من كرامة الله ما يكون سببا لمطلوب هذا ~~السائل فان ذلك استحق ما استحقه بما يسره الله له من الإيمان والطاعة وهذا ~~لا يستحق ما استحقه ذلك فليس في إكرام الله لذلك سبب يقتضي إجابة هذا وإن ~~قال السبب هو شفاعته ودعاؤه فهذا حق ms057 إذا كان قد شفع له ودعا له وإن لم يشفع ~~له ولم يدع له لم يكن هناك سبب وإن قال السبب هو محبتي له وإيماني به ~~وموالاتي له فهذا سبب شرعي وهو سؤال الله وتوسل اليه بايمان هذا السائل ~~ومحبته لله ورسوله وطاعته لله ورسوله لكن يجب الفرق بين المحبة لله والمحبة ~~مع الله فمن أحب مخلوقا كما يحب الخالق فقد جعله ندا لله وهذه المحبة تضره ~~ولا تنفعه وأما من كان الله أحب إليه مما سواه وأحب أنبياءه وعباده ~~الصالحين له فحبه لله تعالى هو أنفع الأشياء والفرق بين هذين من أعظم ~~الأمور فإن قيل إذا كان التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته على وجهين تارة ~~يتوسل بذلك إلى ثوابه وجنته ( وهذا أعظم الوسائل ) وتارة يتوسل بذلك في ~~الدعاء كما ذكرتم نظائره فيحمل قول القائل أسألك بنبيك محمد على أنه أراد ~~إني أسألك بإيماني به وبمحبته وأتوسل اليك بإيماني به ومحبته ونحو ذلك وقد ~~ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع قيل من أراد هذا المعنى فهو مصيب في ذلك بلا ~~نزاع وإذا حمل على هذا المعنى لكلام من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~مماته من السلف كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين وعن الإمام أحمد وغيره ~~كان هذا حسنا وحينئذ فلا يكون في المسألة نزاع ولكن كثير منالعوام يطلقون ~~هذا اللفظ ولا يريدون هذا المعنى فهؤلاء الذين أنكر عليهم من أنكر وهذا كما ~~أن الصحابة كانوا يريدون بالتوسل به بالتوسل PageV01P062 بدعائه وشفاعته ~~وهذا جائز بلا نزاع ثم إن أكثر الاس في زماننا لا يريدون هذا المعنى بهذا ~~اللفظ # فإن قيل فقد يقول الرجل لغيره بحق الرحم قيل الرحم توجب على صاحبها حقا ~~لذي الرحم كما قال الله تعالى @QB@ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ~~@QE@ وقال النبي صلى الله عليه وسلم الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله ~~الله ومن قطعها قطعه الله وقال لما خلق الله الرحم تعلقت بحقوي الرحم وقالت ~~هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال ms058 ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من ~~قطعك قالت بلى قد رضيت وقال صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى أنا الرحمن ~~خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته وقد روي ~~عن علي انه كان إذا سأله ابن أخيه بحق جعفر أبيه أعطاه لحق جعفر على علي ~~وحق ذي الرحم باق بعد موته كما في الحديث أن رجلا قال يا رسول الله هل بقي ~~من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما قال نعم الدعاء لهما والاستغفار لهما ~~وانفاذ وعدهما من بعدهما وصلة رحمك التي لا رحم لك إلا من قبلهما وفي ~~الحديث الآخر حديث ابن عمر إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن ~~يولي فصلة أقارب الميت وأصدقائه بعد موته هو من تمام بره # والذي قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء من أنه لا يجوز أن يسأل ~~الله تعالى بمخلوق لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك يتضمن شيئين كما تقدم ~~أحدهما الإقسام على الله سبحانه وتعالى وهذا منهي عنه عند جماهير العلماء ~~كما تقدم كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر باتفاق العلماء ~~والثاني السؤال به فهذا يجوزه طائفة من الناس ونقل في ذلك آثار من بعض ~~PageV01P063 السلف وهو موجود في دعاء كثير من الناس لكن ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك كله ضعيف بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يظن ~~ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة إلا حديث الأعمي الذي علمه أن يقول اسألك ~~وأتوجه إليك بنبينك محمد نبي الرحمة وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه فإنه صريح ~~في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته وهو طلب من النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يقول اللهم شفعه في ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا ~~له النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك مما يعد من آيات النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولو توسل ms059 غيره من العميان الذين لم يدع لهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله # ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين ~~والأنصار وقوله اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا ~~نتوسل اليك بعم نبينا يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه ~~وشفاعته لا السؤال بذاته إذ لو كان هذا مشروعا لم يعدل عمرو المهاجرين ~~والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس وساغ النزاع في السؤال ~~بالأنبياء والصالحين دون الإقسام بهم لان بين السؤال والإقسام فرقا فان ~~السائل متضرع ذليل يأل بسبب يناسب الإجابة والمقسم أعلى من هذا فإنه طالب ~~مؤكد طلبه بالقسم والمقسم لا يقسم إلا على ما يرى أنه يبر قسمه فابرار ~~القسم خاص ببعض العباد وأما إجابة السائلين فعام فإن الله يجيب دعوة المضطر ~~ودعوة المظلوم وإن كان كافرا وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ما من داع يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله ~~بها إحدى ثلاث خصال إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له من الخير مثلها ~~وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا يا رسول الله إذن نكثر قال الله أكثر # وهذا التوسل بالأنبياء بمعنى السؤال بهم وهو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه ~~وغيرهم إنه لا يجوز ليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك فضلا أن يجعل ~~هذا من مسائل السبب فمن نقل عن مذهب مالك أنه PageV01P064 جوز الترسل به ~~بمعنى الإقسام به أو السؤال به فليس معه في ذلك نقل عن مالك وأصحابه فضلا ~~عن أن يقول مالك إن هذا سب للرسول أو تنقص به بل المعروف عن مالك أنه كره ~~للداعي أن يقول يا سيدي سيدي وقال قل كما قالت الأنبياء يا رب يا رب يا ~~كريم وكره أيضا أن يقول يا حنان يا منان فانه ليس بمأثور عنه فإذا كان مالك ~~يكره مثل هذا الدعاء ms060 إذ لم يكن مشروعا عنده فكيف يجوز عنده أن يسأل الله ~~بمخلوق نبيا كان أوبي غيره وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام الرمادة لم ~~يسألوا الله بمخلوق لا نبي ولا غيره بل قال عمر اللهم إنا كنا إذا أجدبنا ~~نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون وكذلك ~~ثبت عن ابن عمر وأنس وغيرهما أنهم كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم واستسقائه لم ينقل عن أحد منهم أنه كان في حياته ~~صلى الله عليه وسلم سأل الله تعالى بمخلوق لا بد ولا بغيره لا في الاستسقاء ~~ولا غيره وحديث الأعمى سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى فلو كان السؤال به ~~معروفا عند الصحابة لقالوا لعمر ان السؤال والتوسل به أولى من السؤ ~~الوالتوسل بالعباس فلم نعدل عن الأمر المشروع الذي كنا نفعله في حياته وهو ~~التوسل بأفضل الخلق إلى أن نتوسل ببعض أقاربه وفي ذلك ترك السنة المشروعة ~~وعدول عن الأفضل وسؤال الله تعالى بأضعف السببين مع القدرة على أعلاهما ~~ونحن مضطرون غاية الاضطرار في عام الرمادة الذي يضرب به المثل في الجدب ~~والذي فعله عمر فعله مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين ~~فتوسلوا بيزيد بن الأسود الجرشي كما توسل عمر بالعباس وكذلك ذكر الفقهاء من ~~أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم أنه يتوسل في الاستسقاء بدعاء أهل الخير ~~والصلاح قالوا وان كان من اقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل ~~اقتداء بعمر ولم يقل أحد من أهل العلم إنه يسأل الله تعالى في ذلك لا بنبي ~~ولا بغير نبي وكذلك من نقل عن مالك أنه جوز سؤال الرسول أو غيره بعد موتهم ~~أو نقل ذلك عن إمام من أئمة المسلمين غير مالك كالشافعي PageV01P065 وأحمد ~~وغيرهما فقد كذب عليهم ولكن بعض الجهال ينقل هذا عن مالك ويستند إلى حكاية ~~مكذوبة عن مالك ولو كانت صحيحة لم يكن التوسل الذي فيها هو هذا بل هو ~~التوسل بشفاعته يوم القيامة ولكن ms061 من الناس من يحرف نقلها وأصلحا ضعيف كما ~~سنبينه ان شاء الله تعالى والقاضي عياض لم يذكرها في كتابه في باب زيارة ~~قبره بل ذكر هناك ما هو معروف عن مالك وأصحابه وإنما ذكرها في سياق أن حرمة ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته ~~وذلك عند ذكره وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه وذكر عن مالك أنه سئل عن أيوب ~~السختياني فقال ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه قال وحج حجتين فكنت ~~أرمقه فلا أسمع منه غير أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى ~~أرحمه فلما رأيت منه ما رأيت واجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه ~~وقال مصعب بن عبد الله كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير ~~لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه فقيل له يوما في ذلك فقال لو رأيتم ما ~~رأيت لما أنكرتم علي ما ترون لقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء ~~لا نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا يبكي حتى نرحمه ولقد كنت أرى جعفر بن محمد ~~وكان كثير الدعابة والتبسم فاذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر ~~لونه وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة ولقد ~~اختلفت اليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال إما مصليا وإما صامتا ~~وإما يقرأ القرآن ولا يتكلم فيما لا يعنيه وكان من العلماء والعباد الذين ~~يخشون الله ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده ~~النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع ولقد رأيت الزهري ~~وكان لمن أهنأ الناس وأقربهم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه ms062 وسلم فكأنه ~~ما عرفك ولا عرفته ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين ~~فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس ~~ويتركوه # وهذا كله نقله القاضي عياض من كتب أصحاب مالك المعروفة ثم ذكر الحكاية ~~بإسناد غريب منقطع رواها عن غير واحد إجازة قالوا حدثنا أبو PageV01P066 ~~العباس أحمد بن عمر بن دلهات قال حدثنا أبو الحسن علي بن فهر ثنا أبو بكر ~~محمد بن أحمد بن الفرح ثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب ثنا يعقوب بن ~~إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا ابن حميد قال ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا ~~في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا ~~ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله أدب قوما فقال @QB@ لا ترفعوا أصواتكم ~~فوق صوت النبي @QE@ الآية ومدح قوما فقال @QB@ إن الذين يغضون أصواتهم عند ~~رسول الله @QE@ الآية وذم قوما فقال @QB@ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~@QE@ الآية وإن حرمته ميتا كحرمته حيا فاستكان لها أبو جعفر فقال يا أبا ~~عبد الله أستقبل القبلة وأدعوا أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله ~~يوم القيامة بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله قال الله تعالى @QB@ ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله ~~توابا رحيما @QE@ # قلت وهذه الحكاية منقطعة فان محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكا لا يما ~~في زمن أبي جعفر المنصور فان أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة ~~وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومائة وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان ~~وأربعين ومائتين ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع ~~أبيه وهو مع هذا ضعيف عند أكثر اهل الحديث كذبه أبو زرعة وابن وارة وقال ~~صالح بن محمد الأسدي ما رأيت أحدا أجرأ على الله منه ms063 وأحذق بالكذب منه وقال ~~يعقوب بن شبيبة كثير المناكير وقال النسائي ليس بثقة وقال ابن حبان ينفرد ~~عن الثقات بالمقلوبات وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب وتوفي سنة ~~اثنتين وأربعين ومائتين وآخر من روى عن مالك على الاطلاق هو أبو حذيفة أحمد ~~بن إسماعيل السهمي توفي سنة تسع وخمسين ومائتين وفي الاسناد أيضا من لا ~~يعرف حاله وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من اصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه ~~ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف ~~إلا من جهته هذا إن PageV01P067 ثبتت عنه وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل ~~هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه بل إذا روى عنه ~~الشاميون كالوليد بن مسلم ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء وإنما ~~يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه ~~من وجوه رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث # مع أن قوله وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة ~~إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة وهذا هو التوسل بشفاعته يوم ~~القيامة وهذا حق كما جاءت به الأحاديث الصحيحة حين يأتي الناس يوم القيامة ~~آدم ليشفع لهم فيردهم آدم إلى نوح ثم يردهم نوح إلى إبراهيم وابراهيم إلى ~~موسى وموسى إلى عيسى ويردهم عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فانه كما قال ~~أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ~~ولا فخر ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه ( أحدها ) قوله أستقبل ~~القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله وأدعو فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ~~ووسيلة أبيك آدم فان المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من ~~الصحابة والتابعين أن الداعي إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد ~~أن يدعو لنفسه فانه يستقبل القبلة ويدعو في مسجد ولا يستقبل ms064 القبر ويدعو ~~لنفسه بل إنما يستقبل القبر عند السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ~~والدعاء له هذا قول أكثر العلماء كمالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد ~~وغيرهم وعند أصحاب أبي حنيفة لا يستقبل القبر وقت السلام عليه أيضا ثم منهم ~~من قال يجعل الحجرة على يساره وقد رواه ابن وهب عن مالك ويسلم عليه ومنهم ~~من قال بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه وهذا هو المشهور عندهم ومع هذا فكره ~~مالك أن يطيل القيام عند القبر لذلك قال القاضي عياض في المبسوط عن مالك ~~قال لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ولكن يسلم ويمضي ~~قال وقال نافع كان ابن عمر يسلم على القبر رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى ~~القبر فيقول السلام على النبي صلى الله عليه وسلم السلام على أبي بكر ~~السلام على أبي ثم ينصرف ورؤي واضعا يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~من المنبر ثم وضعها على وجهه قال وعن ابن أبي قسيط والقعنبي PageV01P068 ~~كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جلسوا جسوا برمانة ~~المنبر التي تلقاء القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون قال وفي الموطأ ~~من رواية يحيى بن يحيى الليثي أنه كان يعني ابن عمر يقف على قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر وعند ~~ابن القاسم والقعنبي ويدعو لأبي بكر وعمر قال مالك في رواية ابن وهب يقول ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وقال في المبسوط ويسلم على أبي ~~بكر وعمر قال أبو الوليد الباجي وعندي أن يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بلفظ الصلاة ولأبي بكر وعمر بلفظ السلام لما في حديث ابن عمر من الخلاف ~~وهذا الدعاء يفسر الدعاء المذكور في رواية ابن وهب قال مالك في رواية ابن ~~وهب إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى ~~القبلة ويدنو ويسلم ms065 ولا يمس القبر فهذا هو السلام عليه والدعاء له بالصلاة ~~عليه كما تقدم تفسيره وكذلك كل دعاء ذكره أصحابه كما ذكر ابن حبيب في ~~الواضحة وغيره قال وقال مالك في المبسوط وليس يلزم من دخل المسجد وخرج من ~~أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء وقال في أيضا ولا بأس لمن قدم ~~من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ~~ويدعو له ولأبي بكر وعمر قيل له فان ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ~~ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو ~~الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة فقال مالك لم ~~يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما ~~أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلوا ذلك ~~ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده قال أبو القاسم ورأيت أهل المدينة إذا ~~خرجوا منها أو دخلوا أتوا القبر فسلموا قال ولذلك رأي قال أبو الوليد ~~الباجي ففرق بين أهل المدينة PageV01P069 والغرباء لأن الغرباء قصدوا لذلك ~~وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم قال وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اللهم ال تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على ~~قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قال وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~تجعلوا قبري عيدا قال ومن كتاب أحمد بن شعبة فيمن وقف بالقبر لا يلتصق به ~~ولا يمسه ولا يقف عنده طويلا وفي العتبية يعني عن مالك يبدأ بالركوع قبل ~~السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وأحب مواضع التنقل فيه مصلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم حيث العمود المخلق وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف ~~قال والتنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في البيوت # فهذا قول مالك وأصحابه وما نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم يكونوا يقصدون ~~القبر إلا ms066 للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له وقد كره مالك ~~إطالة القيام لذلك وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه ~~وإنما يفعل ذلك الغرباء ومن قدم من سفر أو خرج له فانه تحية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فانما يدعوا في مسجده مستقبل ~~القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل عن أحد ~~من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فكيف بدعائه لنفسه # وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته ~~فهذا لم يفعله أحد من السلف ومعلوم أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعا ~~لفعله الصحابة والتابعون وكذلك السؤال به فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته فدل ~~ذلك على أن ما في الحكاية والمنقطعة من قوله استقبله واستشفع به كذب على ~~مالك مخالف لأقواله وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم التي يفعلها مالك ~~وأصحابه ونقلها سائر العلماء إذا كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء ~~لنفسه فضلا عن أن يستقبله ويستشفع به يقول له يا رسول الله اشفع لي أو ادع ~~لي أو يشتكي إليه المصائب في الدين والدنيا الذين لا يطلب منه أو من غيره ~~من الموتى من الأنبياء والصالحين أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا ~~إليهم المصائب فان هذا كله من فعل النصارى PageV01P070 وغيرهم من المشركين ~~ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة ليس هذا من فعل السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ولا مما أمر به أحد من أئمة ~~المسلمين وإن كانوا يسلمون عليه إذ كان يسمع عليه السلام من القريب ويبلغ ~~سلام البعيد وقد احتج أحمد وغيره بالحديث الذي رواه أحمد وأبو داود بإسناد ~~جيد من حديث حيوة بن شريح المصري حدثنا أبو صخر عن يزيد بن عبد الله بن ~~قسيط عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms067 أنه قال ما من أحد يسلم ~~علي إلأا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام # وعلى هذا الحديث اعتمد الأئمة في السلام عليه عند قبره صلوات الله وسلامه ~~عليه فان أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها في الدين ~~ولهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئا منها وإنما يرويها من يروي الضعاف ~~كالدارقطني والبزار وغيرهما وأجود حديث فيها ما رواه عبد الله بن عمر ~~العمري وهو ضعيف والكذب ظاهر عليه مثل قوله من زارني بعد مماتي فكأنما ~~زارني في حياتي فان هذا كذبه ظاهر مخالف لدين المسلمين فان من زاره في ~~حياته وكان مؤمنا به كان من أصحابه لا سيما إن كان من المهاجرين إليه ~~المجاهدين معه وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تسبوا أصحابي ~~فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصفيه ~~اخرجاه في الصحيحين والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال ~~مأمور بها واجبة كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه فكيف بعمل ليس ~~بواجب باتفاق المسلمين بل ولا شرع السفر اليه بل هو منهي عنه # وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه والسفر إلى المسجد الأقصة للصلاة فيه ~~فهو مستحب والسفر إلى الكعبة للحج فواجب فلو سافر أحد السفر الواجب ~~والمستحب لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا اليه في حياته فكيف ~~بالسفر المنهي عنه وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات ~~الله وسلامه عليه أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي ~~PageV01P071 بنذره بل ينهى عن ذلك ولو نذر السفر إلى مسجده والمسجد الأقصى ~~للصلاة ففيه قولان للشافعي أظهرهما عنه يجب ذلك وهو مذهب مالك وأحمد ~~والثاني لا يجب وهو مذهب أبي حنيفة لأن من أصله أنه لا يجب من النذر إلا ما ~~كان واجبا بالشرع وإتيان هذين المسجدين ليس واجبا بالشرع فلا يجب بالنذر ~~عنده وأما الأكثرون فيقولون هو طاعة لله ms068 وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي ~~الله فلا يعصه وأما السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين فلا يجب ~~بالنذر عند أحد منهم لأنه ليس بطاعة فكيف يكون من فعل هذا كواحد من أصحابه ~~وهذا مالك كره أن يقول الرجل زرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واستعظمه وقد قيل إن ذلك ككراهية زيارة القبور وقيل لأن الزائر أفضل من ~~المزور وكلاهما ضعيف عند أصحاب مالك والصحيح أن ذلك لأن لفظ زيارة القبر ~~مجمل يدخل فيها الزيارة البدعية التي هي من جنس الشرك فإن زيارة قبور ~~الأنبياء وسائر المؤمنين على وجهين كما تقدم ذكره زيارة شرعية وزيارة بدعية ~~فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم كما يقصد الصلاة على ~~أحدهم إذا مات فيصلي عليه صلاة الجنازة فهذه الزيارة الشرعية والثاني أن ~~يزورها كزيارة المشركين وأهل البدع لدعاء الموتى وطلب الحاجة منهم أو ~~لاعتقاده أن الدعاء عند قبر أحدهم أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت أو أن ~~الإقسام بهم على الله وسؤاله سبحانه بهم أمر مشروع يقتضي إجابة الدعاء فمثل ~~هذه الزيارة بدعة منهي عنها فإذا كان لفظ الزيارة مجملا يحتمل حقا وباطلا ~~عدل عنه إلى لفظ لا لبس فيه كلفظ السلام عليه ولم يكن لأحد أن يحتج على ~~مالك بما روي في زيارة قبره أو زيارته بعد موته فان هذه كلها أحاديث ضعيفة ~~بل موضوعة لا يحتج بشيء منها في أحكام الشريعة # والثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض ~~الجنة هذا هو الثابت في الصحيح ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال قبري وهو صلى ~~الله عليه وسلم حين قال هذا القول لم يكن قد قبر بعد صلوات الله وسلامه ~~عليه ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة إنما تنازعوا في موضع PageV01P072 ~~دفنه ولو كان هذا عندهم لكان نصا في محل النزاع ولكن دفن في حجرة ms069 عائشة في ~~الموضع الذي مات فيه بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه ثم لما وسع ~~المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك وكان نائبه على المدينة عمر بن عبد ~~العزيز أمره أن يشتري الحجر ويزيدها في المسجد وكانت الحجر من جهة المشرق ~~والقبلة فزيدت في المسجد ودخلت حجرة عائشة في المسجد من حينئذ وبنوا الحائط ~~البراني مسنما محرفا فانه ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي أنه ~~قال صلى الله عليه وسلم لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها لأن ذلك يشبه ~~السجود لها وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله تعالى وكما نهى عن اتخاذها ~~مساجد نهى عن قصد الصلاة عندها وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة والدعاء ~~لله سبحانه والدعاء له فمن قصد قبور الأنبياء والصالحين لأجل الصلاة ~~والدعاء عندها فقد قصد نفس الحرام الذي سد الله ورسوله ذريعته وهذا بخلاف ~~السلام المشروع حسبما تقدم # وقد روى سفيان الثوري عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن ~~مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله ملائكة سياحين في الأرض ~~يبلغوني عن أمتي السلام رواه النسائي وأبو حاتم في صحيحه وروي نحوه عن أبي ~~هريرة فهذا فيه أن سلام البعيد تبلغه الملائكة وفي الحديث المشهور الذي ~~رواه أبو الاشعث الصنعاني عن أوس بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أكثروا علي من الصلاة في كل يوم جمعة فان صلاة أمتي تعرض علي يومئذ ~~فمن كان أكرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة وفي مسند الإمام أحمد حدثنا ~~شريح حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم ~~قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فان صلاتكم تبلغني ورواه أبو داود قال القاضي ~~عياض وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه ms070 وسلم من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا أبلغته وهذا قد ~~رواه محمد بن مروان السدي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وهذا ~~PageV01P073 هو السدي الصغير وليس بثقة وليس هذا من حديث الأعمش وروى أبو ~~يعلى الموصلي في مسنده عن موسى بن محمد بن حبان عن أبي بكر الحنفي حدثنا ~~عبد الله بن نافع حدثنا العلاء بن عبد الرحمن سمعت الحسن بن علي قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا في بيوتكم ولا تتخذوا قبورا ولا تتخذوا ~~بيتي عيدا صلوا علي وسلوا فان صلاتكم وسلامكم يبلغني وروى سعيد بن منصور في ~~سننه أن عبد الله بن حسين بن حسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلا يكثر ~~الاختلاف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا هذا إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فان صلاتكم ~~تبلغني فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء وروى هذا المعنى عن علي ابن ~~الحسين زين العابدين عن أبيه عن علي بن أبي طالب ذكره أبو عبد الله محمد بن ~~عبد الواحد المقدسي الحافظ في مختاره الذي هو أصح من صحيح الحاكم وذكر ~~القاضي عياض عن الحسن بن علي قال إذا دخلت فسلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا بيتي عيدا ولا تتخذوا ~~بيوتكم قبورا وصلوا علي حيث كنتم فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم # ومما يوهن هذه الحكاية أنه قال فيها ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة ~~أبيك آدم إلى يوم القيامة إنما يدل على أنه يوم القيامة تتوسل الناس ~~بشفاعته وهذا حق كما تواترت به الأحاديث لكن إذا كان الناس يتوسلون بدعائه ~~وشفاعته يوم القيامة كما كان أصحابه يتوسلون بدعائه وشفاعته في حياته فانما ~~ذاك طلب لدعائه وشفاعته فنظير هذا و كانت الحكاية صحيحة أن يطلب منه الدعاء ~~والشفاعة في الدنيا عند قبره ومعلوم ms071 ان هذا لم يأمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا سنه لأمته ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا ~~استحسنه أحد من أئمة المسلمين لا مالك ولا غيره من الأئمة فكيف يجوز أن ~~ينسب إلى مالك مثل هذا الكلام الذي لا يقوله إلا جاهل لا PageV01P074 يعرف ~~الأدلة الشرعية ولا الأحكام المعلومة بأدلتها الشرعية مع علو قدر مالك وعظم ~~فضيلته وإمامته وتمام رغبته في اتباع السنة وذم البدع وأهلها وهل يأمر بهذا ~~أو يشرعه إلا مبتدع فلو لم يكن عن مالك قول يناقض هذا لعلم أنه لا يقول مثل ~~هذا # ثم قال في الحكاية استقبله واستشفع به فيشفعك الله والاستشفاع به معناه ~~في اللغة أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم القيامة وكما كان ~~أصحابه يستشفعون به ومنه الحديث الذي في السنن أن اعرابيا قال يا رسول الله ~~جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا فانا نستشفع بالله عليك ~~ونستشفع بك على الله فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في ~~وجوه أصحابه وقال ويحك أتدري ما تقول شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع ~~به على أحد من خلقه وذكر تمام الحديث فأنكر قوله نستشفع بالله عليك ومعلوم ~~أنه لا ينكر أن يسأل المخلوق بالله أو يقسم عليه بالله وإنما أنكر أن يكون ~~الله شافعا إلى المخلوق ولهذا لم ينكر قوله ونستشفع بك على الله فانه هو ~~الشافع المشفع # وهم لو كانت الحكاية صحيحة إنما يجيئون اليه لأجل طلب شفاعته صلى الله ~~عليه وسلم ولهذا قال في تمام الحكاية @QB@ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك ~~@QE@ الآية وهؤلاء إذا شرع لهم أن يطلبوا منه الشفاعة والاستغفار بعد موته ~~فاذا أجابهم فانه يستغفر لهم واستغفاره لهم دعء منه وشفاعة أن يغفر الله ~~لهم وإذا كان الاستشفاع منه طلب شفاعته فانما يقال في ذلك استشفع به فيشفعه ~~الله فيك لا يقال فيشفعك الله فيه وهذا معروف الكلام ولغة النبي صلى الله ~~عليه ms072 وسلم وأصحابه وسائر العلماء يقال شفع فلان في فلان فشفع فيه # فالمشفع الذي يشفعه المشفوع اليه هو الشفيع المستشفع به لا السائل الطالب ~~من غيره أن يشفع له فان هذا ليس هو الذي شفع فمحمد صلى الله عليه وسلم هو ~~الشفيع المشفع ليس المشفع الذي يستشفع به ولهذا يقول في دعائه يا رب شفعني ~~فيشفعه الله فيطلب من الله سبحانه أن يشفعه لا أن يشفع طالبي شفاعته فكيف ~~يقول واستشفع به فيشفعك الله # وايضا فان طلب شفاعته ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس ~~PageV01P075 مشروعا عند أحد من أئمة المسلمين ولا ذكر هذا أحد من الأئمة ~~الأربعة وأصحابهم القدماء وإنما ذكر هذا بعض المتأخرين ذكروا حكاية عن ~~العتبي أنه رأى أعرابيا أتى قبره وقرأ هذه الآية أنه رأى في المنام أن الله ~~غفر له وهذا لم يذكره أحد من المجتهدين من أهل المذاهب المتبوعين الذين ~~يفتي الناس بأقوالهم ومن ذكره لم يذكر عليها دليلا شرعيا ومعلوم أنه لو كان ~~طلب دعائه وشفاعته واستغفاره عند قبره مشروعا لكان الصحابة والتابعون لهم ~~بإحسان أعلم بذلك وأسبق إليه من غيرهم ولكان أئمة المسلمين يذكرون ذلك وما ~~أحسن ما قال مالك لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها قال ولم يبلغني ~~عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك فمثل هذا الأمام كيف يشرع ~~دينا لم ينقل عن أحد السلف ويأمر الأمة بأن يطلبوا الدعاء والشفاعة ~~والاستغفار بعد موت الأنبياء والصالحين منهم عند قبورهم وهو أمر لم يفعله ~~أحد من سلف الأمة # ولكن هذا اللفظ الذي في الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون ~~لفظ الشفاعة في معنى التوسل فيقول أحدهم اللهم إنا نستشفع إليك بفلان وفلان ~~أي نتوسل به ويقولون لمن توسل في دعائه بنبي أو غيره قد تشفع به من غير أن ~~يكون المستشفع به شفع له ولا دعاء له بل وقد يكون غائبا لم يسمع كلامه ولا ~~شفع له وهذا ليس هو لغة النبي صلى الله عليه ms073 وسلم وأصحابه وعلماء الأمة بل ~~ولا هو لغة العرب فان الاستشفاع طلب الشفاعة والشافع هو الذي يشفع السائل ~~فيطلب له ما يطلب من المسئول المدعو المشفوع اليه وأما الاستشفاع بمن لم ~~يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد لا يعلم بسؤاله فليس هذا استشفاعا لا ~~في اللغة ولا في كلام من يدري ما يقول نعم هذا سؤال به ودعاؤه ليس هو ~~استشفاعا به ولكن هؤلاء لا غيروا اللغة كما غيروا الشريعة وسموا هذا ~~استشفاعا أي سؤالا بالشافع صاروا يقولون استشفع به فيشفعك أي يجيب سؤالك به ~~وهذا مما يبين أن هذه الحكاية وضعها جاهل بالشرع واللغة وأين لفظها من لفظ ~~مالك # نعم قد يكون أصلها صحيحا ويكون مالك قد نهى عن رفع الصوت في مسجد الرسول ~~اتباعا للسنة كما كان عمر ينهى عن رفع الصوت في مسجده PageV01P076 ويكون ~~مالك أمر بما أمر الله به من تعزيزه وتوقيره ونحو ذلك مما يليق بمالك أن ~~يأمر به ومن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعادتهم في الكلام وإلا حرف الكلم عن مواضعه فان ~~كثيرا من الناس ينشأ على اصطلاح قوم وعادهم في الألفاظ ثم يجد تلك الألفاظ ~~في كلام الله أو رسوله أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة ~~بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادتهواصطلاحه ويكون مراد الله ورسوله ~~والصحابة خلاف ذلك # وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم ~~وآخرون يعتمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معاني أخر مخالفة لمعانيهم ~~ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم ويقولون إما موافقون ~~للأنبياء وهذا موجود في كلام كثير من الملاحدة المتفلسفة والإسماعيلية ومن ~~ضاهاهم من ملاحدة المتكلمة والمتصوفة مثل من وضع المحدث والمخلوق والمصنوع ~~على ما هو معلول وإن كان عنده قديما أزليا ويسمى بذلك الحدوث الذاتي ثم ~~يقول نحن نقول إن العالم محدث وهو مراده ومعلوم أن لفظ المحدث بهذا ~~الاعتبار ليس ms074 لغة أحد من الأمم وإنما المحدث عندهم ما كان بعد أن لم يكن # وكذلك يضعون لفظ الملائكة على ما يثبتونه من العقول والنفوس وقوى النفس ~~ولفظ الجن والشياطين على بعض قوى النفس ثم يقولون نحن نثبت ما أخبرت به ~~الأنبياء وأقر به جمهور الناس من الملائكة والجن والشياطين ومن عرف مراد ~~الأنبياء ومرادهم علم بالاضطرار أن هذا ليس هو ذاك مثل أن يعلم مرادهم ~~بالعقل الأول وأنه مقارن عندهم لرب العالمين أزلا وأبدا وأنه مبدع لكل ما ~~سواه أو بتوسطه حصل كل ما سواه والعقل الفعال عندهم عنه يصدر كل ما تحت فلك ~~القمر ويعلم بالاضطرار من دين الأنبياء أنه ليس من الملائكة عندهم من هو رب ~~كل ما سوى PageV01P077 الله ولا رب كل ما تحت فلك القمر ولا من هو قديم ~~أزلي أبدي لم يزل ولا يزال ويعلم أن الحديث الذي يروى أول ما خلق الله ~~العقل حديث باطل عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لو كان حقا لكان حجة ~~عليهم فان لفظه أول ما خلق الله العقل بنصب الأول على الظرفية فقال له أقبل ~~فأقبل ثم قال أدبر فأدبر فقال وعزتي ما خلقت خلقا أكرم علي منك فبك آخذ وبك ~~أعطي وبك الثواب وبك العقاب وروى لما خلق الله العقل فالحديث لو كان ثابتا ~~كان معناه أنه خاطب العقل في أول أوقات خلقه وأنه خلق قبله غيره وأنه تحصل ~~به هذه الأمور الأربعة لا كل المصنوعات والعقل في لغة المسلمين مصدر عقل ~~يعقل عقلا يراد به القوة التي بها يعقل وعلوم وأعمال تحصل بذلك لا يراد بها ~~قط في اللغة جوهر قائم بنفسه فلا يمكن أن يراد هذا المعنى بلفظ العقل مع ~~أنا قد بينا في مواضع أخر فساد ما ذكروه من جهة العقل الصريح وأن ما ذكروه ~~من المجردات والمفارقات ينتهي أمرهم فيه إلى إثبات النفس التي تفارق البدن ~~بالموت وإلى إثبات ما تجرده النفس من المعقولات القائمة بها فهذا منتهى ما ~~يثبتونه من الحق ms075 في هذا الباب والمقصود هنا أن كثيرا من كلام الله ورسوله ~~يتكلم به من يسلك مسلكهم ويريد مرادهم لا مراد الله ورسوله كما يوجد في ~~كلام صاحب الكتب المضنون بها وغيره مثل ما ذكره في اللوح المحفوظ حيث جعله ~~النفس الفلكية ولفظ القلم حيث جعله العقل الأول ولفظ الملكوت والجبروت ~~والملك حيث جعل ذلك عبارة عن النفس والعقل ولفظ الشفاعة حيث جعل ذلك فيضا ~~يفيض من الشفيع على المستشفع وإن كان الشفيع قد لا يدري وسلك في هذه الأمور ~~ونحوها مسالك ابن سينا كما قد بسط في موضع آخر PageV01P078 # والمقصود هنا ذكر من يقع ذلك منه من غير تدبر منه للغة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم كلفظ القديم فانه في لغة الرسول الت يجاء بها القرآن خلاف الحديث ~~وإن كان مسبوقا بغيره كقوله تعالى @QB@ حتى عاد كالعرجون القديم @QE@ وقال ~~تعالى عن إخوة يوسف @QB@ تالله إنك لفي ضلالك القديم @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون @QE@ وهو عند أهل الكلام ~~عبارة عما لم يزل أو عما لم يسبقه وجود غيره إن لم يكن مسبوقا بعدم نفسه ~~ويجعلونه إذا أريد به هذا من باب المجاز ولفظ الحديث في لغة القرآن مقابل ~~لفظ القديم في القرآن وكذلك لفظ الكلمة في لغة القرآن والحديث وسائر لغة ~~العرب انما يريد به الجملة التامة كقوله صلى الله عليه وسلم كلمتان حبيبتان ~~إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان ~~الله العظيم وقوله إن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا ~~الله باطل ومنه قوله تعالى @QB@ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا @QE@ وقوله تعالى @QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم @QE@ الآية وقوله تعالى @QB@ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة ~~الله هي العليا @QE@ وأمثال ذلك ولا يوجد لفظ الكلام في لغة العرب إلا بهذا ~~المعنى والنحاة اصطلحوا على أن يسموا الإسم وحده والفعل والحرف كلمة ثم ~~يقول بعضهم وقد يراد بالكلمة ms076 الكلام فيظن من اعتاد هذا أ هذا هو لغة العرب ~~وكذلك لفظ ذوي الأرحام في الكتاب والسنة يراد به الأقارب من جهة الأبوين ~~فيدخل فيهم العصبة وذوو الفروض وإن شمل ذلك من لا يرث بفرض ولا تعصيب ثم ~~صار ذلك في اصطلاح الفقهاء اسما لهؤلاء دون غيرهم فيظن من لا يعرف إلا ذلك ~~أن هذا هو المراد بهذا اللفظ في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة ونظائر هذا ~~كثيرة # ولفظ التوسل والاستشفاع ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة PageV01P079 ~~الرسول وأصحابه ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم والعلم يحتاج إلى ~~نقل مصدق إلى نقل مصدق ونظر محقق والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى ~~معرفة بثبوت لفظ ومعرفة دلالته كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله ~~فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية # ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة بأن الله أمرنا أن نصلي على النبي ونسلم ~~عليه في كل مكان فهذا مما اتفق عليه المسلمون وكذلك رغبنا وحضنا في الحديث ~~الصحيح على ان نسأل الله له الوسيلة والفضيلة وأن نبعثه مقاما محمودا الذي ~~وعده فهذه الوسيلة التي شرع لنا أن نسألها الله تعالى كما شرع لنا أن نصلي ~~عليه ونسلم عليه هي حق له كما أن الصلاة عليه والسلام حق له صلى الله عليه ~~وسلم والوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها إليه هي التقرب إلى الله بطاعته ~~وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله أن نبتغيها غليه هي التقرب إلى اله بطاعته ~~وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله وهذه الوسيلة لا طريق لنا إليها ~~إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان به وطاعته وهذا التوسل به ~~فرض على كل أحد وأما التوسل بدعائه وشفاعته كما يأله الناس يوم القيامة أن ~~يشفع لهم وكما كان الصحابة يتوسلون بشفاعته في الاستسقاء وغيره مثل توسل ~~الأعمي بدعائه حتى رد الله عليه بصره بدعائه وشفاعته فهذا نوع ثالث هو من ~~باب قبول الله دعاءه وشفاعته لكرامته عليه فمن شفع له الرسول صلى ms077 الله عليه ~~وسلم ودعا له فهو بخلاف من لم يدع ولم يشفع به ولكن بعض الناس ظن أن توسل ~~الصحابة به كان بمعنى أنهم يقسمون به ويسألون به فظن هذا مشروعا مطلقا لكل ~~أحد في حياته ومماته وظنوا أن هذا مشروعا في حق الأنبياء والملائكة بل وفي ~~الصالحين وفيمن يظن فيهم الصلاح وإن لم يكن صالحا في نفس الأمر وليس في ~~الأحاديث المرفوعة في ذلك حديث في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها ~~في الأحاديث لا في الصحيحين ولا كتب السنن ولا المسانيد المعتمدة كمسند ~~الإمام أحمد وغيره وإنما يوجد في الكتب التي عرف أن فيها كثيرا من الأحاديث ~~الموضوعة المكذوبة التي يختلقها الكذابون بخلاف من قد يغلط في PageV01P080 ~~الحديث ولا يعتمد الكذب فإن هؤلاء توجد الرواية عنهم في السنن ومسند الإمام ~~أحمد ونحوه بخلاف من يعتمد الكذب فإن أحمد لم يرو في مسنده عن أحد من هؤلاء ~~ولهذا تنازع الحافظ أبو العلاء الهمداني والشيخ أبو الفرج ابن الجوزي هل في ~~المسند حديث موضوع فأنكر الحافظ أبو العلاء أن يكون في المسند حديث موضوع ~~وأثبت ذلك أبو الفرج وبين أن فيه أحاديث قد علم أنها باطلة ولا منافاة بين ~~القولين فإن الموضوع في اصطلاح أبي الفرج هو الذي قام دليل على أنه باطل ~~وإن كان المحدث به لم يعتمد الكذب بل غلط فيه ولهذا روى في كتابه في ~~الموضوعات أحاديث كثيرا من هذا النوع وقد نازعه طائفة من العلماء في كثير ~~مما ذكره وقالوا إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل بل بينوا ثبوت بعض ذلك ~~لكن الغالب على ما ذكره في الموضوعات أنه باطل باتفاق العلماء وأما الحافظ ~~أبو العلاء وأمثاله فإنما يريدون بالموضوع المختلق المصنوع الذي تعمد صاحبه ~~الكذب والكذب كان قليلا في السلف # أما الصحابة فلم يعرف ولله الحمد من تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما لم يعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة كبدع الخوارج والرافضة ~~والقدرية والمرجئة فلم يعرف ms078 فيهم أحد من هؤلاء الفرق ولا كان فيهم من قال ~~إنه أتاه الخضر فإن خضر موسى مات كما بين هذا في غير هذا الموضع والخضر ~~الذي كان يأتي كثيرا من الناس إنما هو جني تصور بصورة إنسي أو إنسي كذاب ~~ولا يجوز أن يكون ملكا مع قوله أنا الخضر فإن الملك لا يكذب وإنما يكذب ~~الجني والإنسي وأنا أعرف ممن أتاه الخضر وكان جنيا مما يطول ذكره في هذا ~~الموضع وكان الصحابة أعلم من أن يروج عليهم هذا التلبيس وكذلك لم يكن فيهم ~~من جملته الجن إلى مكة وذهبت به إلى عرفات ليقف بها كما فعلت ذلك بكثير من ~~الجهال والعباد وغيرهم ولا كان فيهم من تسرق الجن أموال الناس وطعامهم ~~وتأتيه به فيظن أن هذا من باب الكرامات على ذلك في مواضع # وأما التابعون فلم يعرف تعمد الكذب في التابعين من أهل مكة والمدينة ~~والشام والبصرة بخلاف الشيعة فإن الكذب معروف فيهم وقد عرف الكذب بعد هؤلاء ~~في طوائف وأما الغلط فلا يسلم منه أكثر الناس بل في الصحابة PageV01P081 من ~~قد يغلط أحيانا وفيمن بعدهم ولهذا كان فيما صنف أحاديث يعلم أنها غلط وإن ~~كان جمهور متون الصحيحين مما يعلم أنه حق فالحافظ أبو العلاء يعلم أنها غلط ~~والإمام أحمد نفسه قد بين ذلك وبين أنه رواها لتعرف بخلاف ما تعمد صاحبه ~~الكذب ولهذا نزه أحمد مسنده عن أحاديث جماعة يروي عنهم أهل السنن كأبي داود ~~والترمذي مثل مشيخة كثير ابن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن ~~جده وإن كان أبو داود يروي في سننه منها فشرط أحمد في مسنده أجود من شرط ~~أبي داود في سننه # والمقصود أن هذه الأحاديث التي تروى في ذلك من جنس أمثالها من الأحاديث ~~الغريبة المنكرة بل الموضوعة التي يرويها من يجمع في الفضائل والمناقب الغث ~~السمين كما يوجد مثل ذلك فيما يصنف في فضائل الأوقات وفضائل العبادات ~~وفضائل الأنبياء والصحابة وفضائل البقاع ونحو ذلك فإن الأبواب فيها أحاديث ms079 ~~صحيحة وأحاديث حسنة وأحاديث ضعيفة وأحاديث كذب موضوعة ولا يجوز أن يعتمد في ~~الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة لكن أحمد بن حنبل ~~وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال مالم يعلم أنه ثابت إذا ~~لم يعلم أنه كذب وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي وروي في فضله ~~حديث لا يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقا ولم يقل أحد من الأئمة إنه ~~يجوز أن يجعل الشيء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف ومن قال هذا فقد خالف ~~الإجماع # وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شيء إلا بدليل شرعي لكن إذا علم تحريمه ~~وروي حديث في وعيد الفاعل له ولم يعلم أنه كذب جاز أن يرويه ويجوز أن يروى ~~في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو ~~رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله # وهذا كالإسرائيليات يجوز أن يروى منها ما لم يعلم أنه كذب للترغيب ~~والترهيب فيما علم أن الله أمر به في شرعنا ونهى عنه في شرعنا فأما أن يثبت ~~شرعا لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم ولا كان أحمد ~~بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة ومن ~~نثل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط ~~PageV01P082 عليه ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن ~~الحديث ينقسم إلى نوعين صحيح وضعيف والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا ~~يحتج به وإلى ضعيف حسن كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى مرض مخوف يمنع ~~التبرع من رأس المال وإلى ضعف خفيف لا يمنع من ذلك # وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام صحيح وحسن وضعيف هو أبو عيسى ~~الترمذي في جامعه والحسن عنده ما تعددت طرقه ولم يكن في رواته متهم وليس ~~بشاذ فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ms080 ضعيفا ويحتج به ولهذا مثل أحمد الحديث ~~الضعيف الذي يحتج به بحديث عمرو بن شعيب وحديث إبراهيم الهجري ونحوهما وهذا ~~مبسوط في موضعه # والأحاديث التي تروى في هذا الباب وهو السؤال بنفس المخلوقين هي من ~~الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج ~~بها ولا اعتمد عليها مثل الحديث الذي يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة ~~عن أبيه عن جده أن أبا بكر الصديق أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني ~~أتعلم القرآن ويتفلت مني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل اللهم ~~إني أسألك بمحمد نبيك وبإبراهيم خليلك وبموسى نجيك وعيسى روحك وكلمتك ~~وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد وبكل وحي أوحيته وقضاء ~~قضيته وذكر تمام الحديث وهذا الحديث ذكره رزين بن معاوية العبدري في جامعه ~~ونقله ابن الأثير في جامع الأصول ولم يعزه لا هذا ولا هذا إلى كتاب من كتب ~~المسلمين لكنه قد رواه من صنف في عمل يوم وليلة كابن السني وأبي نعيم وفي ~~مثل هذه الكتب احاديث كثيرة موضوعة لا يجوز الاعتماد عليها في الشريعة ~~باتفاق العلماء وقد رواه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب فضائل الأعمال وفي ~~هذا الكتاب أحاديث كثيرة كذب موضوعة ورواه أبو موسى المدينية من ~~PageV01P083 حديث زيد بن الحباب عن عبد الملك بن هارون بن عنترة وقال هذا ~~حديث حسن مع أنه ليس بالمتصل قال أبو موسى ورواه محرز بن هشام عن عبد الملك ~~عن أبيه عن جده عن الصديق رضي الله عنه وعبد الملك ليس بذاك القوي وكان ~~بالري وأبوه وجده ثقتان قلت عبد الملك بن هارون بن عنترة من المعروفين ~~بالكذب قاله يحيى بن معين كذاب وقال السعدي دجال كذب وقال أبو حاتم بن حبان ~~يضع الحديث وقال النسائي متروك وقال البخاري منكر الحديث وقال أحمد بن حنبل ~~ضعيف وقال ابن عدي له أحاديث لا يتابعه عليها أحد وقال الدارقطني هو وأبوه ~~ضعيفان وقال الحاكم في كتاب المدخل عبد ms081 الملك بن هارون بن عنترة الشيباني ~~روى عن أبيه أحاديث موضوعة وأخرجه أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات ~~وقول الحافظ أبي موسى هو منقطع يريد أنه لو كان رجاله ثقات فإن إسناده ~~منقطع # وقد روى عبد الملك هذا الحديث الآخر المناسب لهذا في استفتاح أهل الكذب ~~به كما سيأتي ذكره وخالف فيه عامة ما نقله المفسرون وأهل السير وما دل عليه ~~القرآن وهذا يدل على ما قاله العلماء فيه من أنه متروك إما لتعمده الكذب ~~وإما لسوء حفظه وتبين أنه لا حجة لا في هذا ولا في ذاك # ومثل ذلك الحديث الذي رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن ~~عمر بن الخطاب مرفوعا وموقوفا عليه إنه لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب ~~أسألك بحق محمد لما غفرت لي قال وكيف عرفت محمدا قال لأنك لما خلقتني بيدك ~~ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلأا الله ~~محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك قال صدقت يا ~~آدم ولولا محمد ما خلقتك وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد ~~الله بن مسلم الفهري عن إسماعيل بن سلمة عنه وقال الحاكم وهو أول حديث ~~ذكرته لعبد الرحمن في هذا الكتاب وقال الحاكم هو صحيح ورواه الشيخ أبو بكر ~~الآجري في PageV01P084 الشريعة موقوفا على عمر من حديث عبد الله بن إسماعيل ~~بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم موقوفا ورواه الآجري أيضا من ~~طريق آخر من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه موقوفا عليه وقال حدثنا ~~هارون بن يوسف التاجر حدثنا أبو مروان العثماني حدثني أبو عثمان بن خالد عن ~~عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال من الكلمات التي تاب الله بها ~~على آدم قال اللهم إني أسألك بحق محمد عليك قال الله تعالى وما يدريك ما ~~محمد قال يا رب رفعت رأسي فرأيت ms082 مكتوبا على عرشك لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله فعلمت أنه أكرم خلقك # قلت ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه فانه نفسه قد قال في كتاب ~~المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه ~~أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه قلت ~~وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرا ضعفه أحمد ابن حنبل ~~وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم وقال أبو حاتم بن حبان كان ~~يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل وإسناد ~~الموقوف فاستحق الترك وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما ~~أنكره عليه أئمة العلم بالحديث وقالوا إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة ~~مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث كما صحيح حديث زريب بن ثرملة الذي فيه ذكر ~~وصي المسيح وهو كذب باتفاق أهل المعرفة كما بين ذلك البيهقي وابن الجوزي ~~وغيرهما وكذلك أحاديث كثيرة في مستدركه يصححها وهي عند أئمة أهل العلم ~~بالحديث موضوعة ومنها ما يكون موقوفا يرفعه ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا ~~يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح لكن هو في ~~المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه وإن كان الصواب أغلب عليه وليس فيمن ~~يصح الحديث أضعف من تصحيحه بخلاف أبي حاتم بن حبان السبتي فان تصحيحه فوق ~~تصحيح PageV01P085 الحاكم وأجل قدرا وكذلك تصحيح الترمذي والدارقطني وابن ~~خزيمة وابن منده وأمثالهم فيمن يصحح الحديث فان هؤلاء وإن كان في بعض ما ~~ينقلونه نزاع فهم أتقن في هذا الباب من الحاكم ولا يبلغ تصحيح الواحد من ~~هؤلاء مبلغ تصحيح مسلم ولا يبلغ مسلم تصحيح البخاري بل كتاب البخاري أجل ما ~~صنف في هذا الباب والبخاري من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه وقد ~~ذكر الترمذي أنه لم ير أحدا أعلم بالعلل منه ولهذا كان من عادة البخاري إذا ~~روى حديثا ms083 اختلف في إسناده أو في بعض ألفاظه أن يذكر الاختلاف في ذلك لئلا ~~يغير بذكره له بأنه إنما ذكره مقرونا بالاختلاف فيه ولهذا كان جمهور ما ~~أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعه بخلاف ~~مسلم بن الحجاج فانه نوزع في عدة أحاديث مما يخرجها وكان الصواب فيها مع من ~~نازعه كما روي في حديث الكسوف أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بثلاث ~~ركوعات وبأربع ركوعات كما روي أنه صلى بركوعين والصواب أنه لم يصل إلا ~~بركوعين وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم وقد بين ذلك ~~الشافعي وهو قول البخاري وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه والأحاديث ~~التي فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم ومعلوم أنه لم ~~يمت في يومي كسوف ولا كان له إبراهيمان ومن نقل أنه مات اشر الشهر فقد كذب ~~وكذلك روى مسلم خلق الله التربة يوم السبت ونازعه فيه من هو أعلم منه كيحيى ~~بن معين والبخاري وغيرهما فبينوا أن هذا غلط ليس من كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم والحجة مع هؤلاء فانه قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله ~~تعالى خلق السموات والأرض في ستة ايام وأن آخر ما خلقه هو آدم وكان خلقه ~~يوم الجمعة وهذا الحديث المختلف فيه يقتضي أنه خلق ذلك في الأيام السبعة ~~وقد روى إسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد وكذلك روي أن أبا ~~سفيان لما أسلم طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بأم حبيبة وأن ~~يتخذ معاوية كاتبا وغلطه في ذلك طائفة من الحفاظ PageV01P086 # ولكن جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث تلقوها بالقبول ~~وأجمعوا عليها وهم يعلمون علما قطعيا أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها ~~وبسط الكلام في هذا له موضع آخر # وهذا الحديث المذكور في آدم يذكره طائفة من المصنفين بغير إسناد وما هو ~~من جنسه مع زيادات اخر كما ذكر القاضي عياض ms084 قال وحكى أبو محمد المكي وأبو ~~الليث السمرقندي وغيرهما أن آدم عند معصيته قال اللهم بحق محمد اغفر لي ~~خطيئتي قال ويروى تقبل توبتي فقال الله له من أين عرفت محمدا قال رأيت في ~~كل موضع من الجنة مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله قال ويروى محمد ~~عبدي ورسولي فعلمت أنه أكرم خلقك عليك فتاب عليه وغفر له ومثل هذا لا يجوز ~~أن تبنى عليه الشريعة ولا يحتج به في الدين باتفاق المسلمين فان هذا من جنس ~~الاسرائيليات ونحوها التي لا يعلم صحتها إلا بنقل ثابت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهذه لو نقلها مثل كعب الأحبار ووهب ابن منبه وأمثالهما من ينقل ~~أخبار المبتدأ وقصص المتقدمين عن أهل الكتاب لم يجز أن يحتج بها في دين ~~المسلمين باتفاق المسلمين فكيف إذا نقلها من لا ينقلها لا عن أهل الكتاب ~~ولا عن ثقات علماء المسلمين بل إنما ينقلها عمن هو عند المسلمين مجروح ضعيف ~~لا يحتج بحديثه واضطرب عليه فيها اضطرابا يعرف [ به ] أنه لم يحفظ ذلك ولا ~~ينقل ذلك ولا ما يشبه أحد من ثقات علماء المسلمين الذين يعتمد على نقلهم ~~وإنما هي من جنس ما ينقله إسحاق بن بشر وأمثاله في كتب المبتدأ وهذه لو ~~كانت ثابتة عن الأنبياء لكانت شرعا لهم وحينئذ فكان الاحتجاج بها مبنيا على ~~أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا والنزاع في ذلك مشهور لكن الذي عليه ~~الأئمة وأكثر العلماء أنه شرع لنا مالم يرد شرعنا بخلافه وهذا إنما هو فيما ~~ثبت أنه شرع [ لمن ] قبلنا من نقل ثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أو بما ~~تواتر عنهم لا بما يروى على هذا الوجه فإن هذا لا يجوز أن يحتج به في شرع ~~المسلمين أحد من المسلمين # ومن هذا الباب حديث ذكره موسى بن عبد الرحمن الصنعاني صاحب التفسير ~~PageV01P087 باسناده عن ابن عباس مرفوعا أنه قال من سرع أن يوعيه الله حفظ ~~القرآن وحفظ أصناف فليكتب ms085 هذا الدعاء في إناء نظيف أو في صحف قوارير بعسل ~~وزعفران وماء مطر وليشربه على الريق وليصم ثلاثة أيام وليكن إفطاره عليه ~~ويدعو به في أدبار صلواته اللهم إني أسألك بأك مسئول لم يسأل مثلك ولا يسأل ~~وأسألك بحق محمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيك وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك ~~وذكر تمام الدعاء وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين قال أبو أحمد بن عدي ~~فيه منكر الحديث وقال أبو حاتم ابن حبان دجال يضع الحديث وضع على ابن جريج ~~عن عطاء عن ابن عباس كتابا في التفسير جمعه من كلام الكلبي ومقاتل ويروى ~~نحو هذا دون الصوم عن ابن مسعود من طريق موسى بن إبراهيم المروزي حدثنا ~~وكيع عن عبيدة عن شقيق عن ابن مسعود وموسى بن إبراهيم هذا قال فيه يحيى بن ~~معين كذاب وقال الدارقطني متروك وقال ابن حبان كان مغفلا يلقن فيتلقن ~~فاستحق الترك ويروى هذا عن عنر بن عبد العزيز عن مجاهد بن جبير عن ابن ~~مسعود بطريق أضعف من الأول ورواه أبو الشيخ الأصبهاني من حديث أحمد بن ~~إسحاق الجوهري حدثنا أبو الأشعث حدثنا زهير بن العلاء العتبي حدثنا يوسف بن ~~يزيد عن الزهري ورفع الحديث قال من سره أن يحفظ فليصم سبعة أيام وليكن ~~إفطاره في آخر الأيام السبعة على هؤلاء الكلمات قلت وهذا أسانيد مظلمة لا ~~يثبت بها شيء وقد رواه أبو موسى المديني في أماليه وأبو عبد الله المقدسي ~~على عادة أمثالهم في رواية ما يروى في الباب سواء كان صحيحا أو ضعيفا كما ~~اعتاده أكثر المتأخرين من المحدثين أنهم يروون ما روى به الفضائل ويجعلون ~~العهدة في ذلك على الناقل كما هي عادة المصنفين في فضائل الأوقات والأمكنة ~~والأشخاص والعبادات والعادات كما يرويه أبو الشيخ الأصبهاني في فضائل ~~الأعمال وغيره حيث يجمع أحاديث كثيرة لكثرة روايته وفيها أحاديث كثيرة قوية ~~صحيحة وحسنة وأحاديث كثيرة ضعيفة موضوعة وواهية وكذلك ما يرويه خيثمة بن ~~سليمان في فضائل الصحابة وما يروهي أبو نعيم الأصبهاني ms086 في فضائل الخلفاء في ~~كتاب مفرد وفي أول حلية الأولياء وما يرويه أبو الليث السمرقندي وعبد ~~العزيز الكناني وأبو علي بن PageV01P088 البناء وأمثالهم من الشيوخ وما ~~يرويه أبو بكر الخطيب وأبو الفضل بن ناصر وأبو موسى المديني وأبو القاسم بن ~~عساكر والحافظ عبد الغني وأمثالهم ممن لهم معرفة بالحديث فانهم كثيرا ما ~~يروون في تصانيفهم ما روي مطلقا على عادتهم الجارية ليعرف ما روي في ذلك ~~الباب لا ليحتج بكل ما روي وقد يتكلم أحدهم على الحديث ويقول غريب ومنكر ~~وضعيف وقد لا يتكلم # وهذا بخلاف أئمة الحديث الذين يحتجون به ويبنون عليه دينهم مثل مالك ابن ~~أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وسفيان بن ~~عيينة وعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ~~بن راهويه وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة وابي حاتم وأبي داود ومحمد ~~بن نصر المروزي وابن خزيمة وابن المنذر وداود بن علي ومحمد بن جرير الطبري ~~وغير هؤلاء فان هؤلاء الذي يبنون الاحكام على الأحاديث يحتاجون أن يجتهدوا ~~في معرفة صحيحها وضعيفا وتمييز رجالها # وكذلك الذين تكلموا في الحديث والرجال ليميزوا بين هذا وهذا لأجل معرفة ~~الحديث كما يفعل أبو أحمد بن عدي وأبو حاتم السبتي وأبو الحسن الدارقطني ~~وأبو بكر الاسماعيلي وكما قد يفعل ذلك أبو بكر البيهقي وأبو إسماعيل ~~الأنصاري وأبو القاسم الزنجاني وأبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم ~~وأمثال هؤلاء فان بسط هذه الأمور له موضع آخر ولم نذكر من لا يروي بإسناد ~~مثل كتاب وسيلة المتعمدين لعمر الملا الموصلي وكتاب الفردوس لشهريار ~~الديلمي وأمثال ذلك فان هؤلاء دون هؤلاء الطبقات وفيما يذكرونه من الأكاذيب ~~أمر كبير # والمقصود هنا أنه ليس في هذا الباب حديث واحد مرفوع إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعتمد عليه في مسألة شرعية باتفاق أهل المعرفة بحديثه بل المروي ~~في ذلك إنما يعرف أهل المعرفة بالحديث أنه من الموضوعات إما تعمدا من واضعه ~~وإما ms087 غلطا منه وفي الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة فمنها حديث الأربعة ~~الذين اجتمعوا عند الكعبة وسألوا وهم عبد الله ومصعب ابنا الزبير وعبد الله ~~ابن عمر وعبد الملك بن مروان ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء ~~PageV01P089 ورواه من طريق إسماعيل بن أبان الغنوي عن سفيان الثوري عن طارق ~~بن عبد العزيز عن الشعبي أنه قال لقد رأيت عجبا كنا بفناء الكعبة أنا وعبد ~~الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان فقال ~~القوم بعد أن فرغوا من حديثهم ليقم كل رجل منكم فليأخذ بالركن اليماني ~~وليسأل الله حاجته فانه يعطي من سعة ثم قالوا قم يا عبد الله بن الزبير ~~فانك أول مولود في الإسلام بعد الهجرة فقام فأخذ بالركن اليماني ثم قال ~~اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم أسألك بحرمة وجهك وعرشك وحرمة نبيك ألا ~~تميتني من الدنيا حتى توليني الحجاز ويسلم علي باخلافة ثم جاء فجلس ثم قام ~~مصعب فأخذ بالركن اليماني ثم قال اللهم إنك رب كل شيء واليك يصير كل شيء ~~أسألك بقدرتك على كل شيء ألا تميتني من الدنيا حتى توليني العراق وتزوجني ~~بسكينة بنت الحسين ثم قام عبد الملك بن مروان فأخذ بالركن اليماني ثم قال ~~اللهم رب السموات السبع ورب الأرض ذات النبت بعد الفقر أسألك بما سألك به ~~عبادك المطيعون لأمرك وأسألك بحقك على خلقك وبحق الطائفين حول عرشك إلى ~~آخره # قلت واسماعيل بن أبان الذي روى هذا عن سفيان الثوري كذاب قال أحمد بن ~~حنبل كتبت عنه ثم حدث بأحاديث موضوعة فتركناه وقال يحيى بن معين وضع حديثا ~~على السابع من ولد العباس يلبس الخضرة ( يعني المأمون ) وقال البخاري ومسلم ~~وأبو زرعة والدارقطني متروك وقال الجوزجاني ظهر منه على الكذب وقال أبو ~~حاتم كذاب وقال ابن حبان يضع على الثقات وطارق بن عبد العزيز الذي ذكر أن ~~الثوري روى عنه لا يعرف من هو فان طارق بن عبد العزيز المعروف الذي روى ms088 عنه ~~ابن عجلان ليس من هذه الطبقة # وقد خولف فيها فرواها أبو نعيم الطبراني حدثنا أحمد بن زيد بن الجريش ~~حدثنا أبو حاتم السجستاني حدثنا الأصمعي قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي ~~الزناد عن أبيه قال اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله أبناء الزبير وعبد ~~الله بن عمر فقالوا تمنوا فقال عبد لله بن الزبير أما أنا فأتمنى الخلافة ~~وقال عروة أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم وقال مصعب PageV01P090 أما أنا ~~فأتمنى إمرة العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين وقال عبد ~~الله بن عمر أما أنا فأتمنى المغفرة قال فنال كلهم ما تمنوا ولعل ابن عمر ~~قد غفر له قلت وهذا إسناد خير من ذاك الإسناد باتفاق أهل العلم وليس فيه ~~سؤال بالمخلوقات # وفي الباب حكايات عن بعض الناس أنه رأى مناما قيل له فيه ادع بكذا وكذا ~~ومثل هذا لا يجوز أن يكون دليلا باتفاق العلماء وقد ذكر بعض هذه الحكايات ~~من جمع في الأدعية وروي في ذلك أثر عن بعض السلف مثل ما رواه ابن أبي ~~الدنيا في كتاب مجابي الدعاء قال حدثنا أبو هاشم سمعت كثير بن محمد بن كثير ~~بن رفاعة يقول جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد بن أبجر فحبس بطنه فقال بل ~~داء لا يبرأ قال ما هو قال الدبيلة قال فتحول الرجل فقال الله الله الله ~~ربي لا أشرك به شيئا اللهم إني أتة جه اليك بنبيك محمد نبي الرحمة صلى الله ~~عليه وسلم تسليما يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي قال ~~فحبس بطنه فقال قد برئت ما بك علة # قلت فهذا الدعء ونحوه قد روى أنه دعا به السلف ونقل عن أحمد بن حنبل في ~~منسك المروذي التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء ونهى عنه آخرون ~~فان كان مقصود المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته وبطاعته فلا ~~نزاع بين الطائفتين وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل النزاع وما ms089 ~~تنازعوا فيه يرد إلى الله والرسول وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود يدل ~~على أنه سائغ في الشريعة فان كثيرا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب ~~المخلوقين ويحصل ما يحصل من غرضه وبعض الناس يقصد الدعاء عند الأوثان ~~والكنائس وغير ذلك ويدعو التماثيل التي في الكنائس ويحصل ما يحصل من غرضه ~~وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين ويحصل ما يحصل من غرضه فحصول ~~الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته وإن كان PageV01P091 الغرض مباحا فان ~~ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته والشريعة جاءت بتحصيل ~~المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإلا فجميع المحرمات من الشرك ~~والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد لكن لما ~~كانت مفاسدها راجحة على مصالحها نهى الله ورسوله عنها كما أن كثيرا من ~~الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة لكن لما كانت مصلحته ~~راجحة على مفسدته أمر به الشارع فهذا أصل يجب اعتباره ولا يجوز أن يكون ~~الشيء واجبا أو مستحبا إلا بدليل شرعي يقتضي إيجابه أو استحبابه والعبادات ~~لا تكون إلا واجبة أو مستحبة فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة والدعاء ~~لله تعالى عبادة إن كان المطلوب به أمرا مباحا # وفي الجملة فقد نقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به بخلاف دعاء الموتى ~~والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والاستغاثة بهم والشكوى إليهم ~~فهذا مما لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا رخص ~~فيه أحد من ائمة المسلمين # وحديث الأعمى الذي رواه الترمذي والنسائي هو من القسم الثاني من التوسل ~~بدعائه فان الأعمى قد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بأن يرد ~~الله عليه بصره فقال له إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك فقال بل ادعه فأمره أن ~~يتوضأ ويصلي ركعتبن يقول اللهم إني اسألك بنبيك نبي الرحمة يا محمد يا رسول ~~الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضيها اللهم ففعه في فهذا ms090 توسل ~~بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولهذا قال وشفعه في فسأل الله أن يقبل رسوله فيه وهو دعاؤه # وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه ~~المستجاب وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات فإنه ~~صلى الله عليه وسلم ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره # وهذا الحديث حديث الأمى قد رواه المصنفون في دلائل النبوة كالبيهقي وغيره ~~رواه البيهقي من حديث عثمان بن عمر عن شعبه عن أبي جعفر الخطمي قال سمعت ~~عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن PageV01P092 رجلا ضريرا ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادع الله أن يعافيني فقال له إن شئت ~~أخرت ذلك فهو خير لك وإن شئت دعوت قال فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ~~ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ~~نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فيقضيها اللهم فشفعه ~~في وشفعني فيه قال فقام وقد أبصر ومن هذا الطريق ما رواه الترمذي من حديث ~~عثمان بن عمر ومنها رواه النسائي وابن ماجة أيضا وقال الترمذي هذا حديث حسن ~~صحيح غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي هكذا ~~وقع في الترمذي وسائر العلماء قالوا هو أبو جعفر الخطمي وهو الصواب وأيضا ~~فالترمذي ومن معه لم يستوعبوا لفظه كما استوعبه سائر العلماء بل رووه إلى ~~قوله اللهم شفعه في قال الترمذي حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عثمان بن عمر ~~حدثنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف أن ~~رجلا ضريرالبصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادع الله أن يعافيني قال ~~إن شئت صبرت فهو خير لك قال فادعه قال فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو ~~بهذا الدعاء اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي ms091 الرحمة يا محمد ~~إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقتضي اللهم شفعه في قال البيهقي ~~رويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شعبة قال ففعل ~~الرجل فبرأ قال وكذلك رواه حماد عن سلمة عن أبي جعفر الخطمي قلت ورواه ~~الإمام أحمد في مسنده عن روح بن عبادة كما ذكره البيهقي قال أحمد حدثنا روح ~~بن عبادة حدثنا شعبة عن أبي جعفر المديني سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث ~~عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي ~~الله ادع الله أن يعافيني قال إن شئت أخرت ذلك فهو خير لآخرتك وإن شئت دعوت ~~لك قال لا بل ادع الله لي فأمره أن يتوضأ وأن يصلي ركعتين وأن يدعو بهذا ~~الدعاء اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني ~~أتوجه بك إلى الله في حاجتي هذه PageV01P093 فتقضي لي وتشفعني فيه وشتفعه ~~في قال ففعل الرجل فبرئ ورواه البيهقي أيضا من حديث شبيب بن سعيد الحبطي عن ~~روح بن القاسم عن أبي جعفر المديني وهو الخطمي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ~~عن عثمان بن حنيف قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل ضرير ~~يشتكي إليه ذهاب بصره فقال يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إني ~~أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيجلي عن ~~بصري اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي قال عثمان ابن حنيف والله ما تفرقنا ~~ولا طال الحديث بنا حتى دخل كأنه لم يكن به ضر قط # فرواية شبيب عن روح عن أبي جعفر الخطمي خالفت رواية شعبة وحماد بن سلمة ~~في الإسناد والمتن فان في تلك انه رواه أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة وفي هذه ~~أنه رواه عن أبي ms092 أمامة بن سهل وفي تلك الرواية أنه قال فشفعه في وشفعني فيه ~~وفي هذه وشفعني في نفسي لكن هذا الإسناد له شاهد آخر من رواية هشام ~~الدستوائي عن أبي جعفر # ورواه البيهقي من هذه الطريق وفيه قصة قد يحتج بها من توسل به بعد موته ~~إن كانت صحيحة رواه من حديث اسماعيل بن شبيب بن سعيد الحبطي عن شبيب بن ~~سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المديني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن ~~رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ~~ينظر في حاجته فلقي الرجل عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك فقال له عثمان بن ~~حنيف ائت الميضأ فتوضأ ثم ائت المسجد فصل ركعتين ثم قل اللهم إني اسألك ~~وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي ~~حاجتي ثم اذكر حاجتك ثم رح حتى أروح معك قال فانطلق الرجل فصنع ذلك ثم أتى ~~بعد عثمان بن عفان فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان فأجلسه معه على ~~الطنفسة وقال انظر ما كانت له من حاجة فذكر حاجته فقضاها له ثم إن الرجل ~~خرج من عنده PageV01P094 فلقي عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيرا ما كان ~~ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في فقال عثمان بن حنيف ما كلمته ~~ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وجاءه ضرير وشكا إليه ذهاب ~~بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أو تصبر فقال له يا رسول الله ليس ~~لي قائد وقد شق علي فقال ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إني ~~أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه إلى ربي فيجلي ~~لي عن بصري اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي قال عثمان بن حنيف فولله ما ~~تفرقنا وماطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط ms093 قال ~~البيهقي ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله وساقه من رواية يعقوب بن ~~سفيان عن أحمد بن أبي أمامة بن سهل عن عمه وهو عثمان بن حنيف ولم يذكر ~~إسناد هذه الطرق # قلت وقد رواه النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة من هذه الطريق من حديث ~~معاذ بن هشام عن أبيه عن أبي جعفر عن أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن ~~حنيف ورواه أيضا من حديث شعبة وحماد بن سلمة كلاهما عن أبي جعفر عن عمارة ~~بن خزيمة ولم يروه أحد من هؤلاء لا الترمذي ولا النسائي ولا ابن ماجه من ~~تلك الطريق الغريبة التي فيها الزيادة طريق شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم ~~لكن رواه الحاكم في مستدركه من الطريقين فرواه من حديث عثمان بن عمر حدثنا ~~شعبة عن أبي جعفر المدني سمعت عمارة بن خزيمة يحدث عن عثمان بن حنيف أن ~~رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال # ادع الله أن يعافيني فقال إن شئت أخرت لك ذلك فهو خير لك وإن شئت دعوت ~~قال فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء # اللهم إني أسألك واتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك ~~إلى ربي في حاجتي اللهم فشفعه في وشفعني فيه قال PageV01P095 الحاكم على ~~شرطهما ثم رواه من طريق شبيب بن سعيد الحبطي وعون بن عمارة عن روح بن ~~القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه ~~عثمان بن حنيف أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب ~~بصره وقال يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي فقال ائت الميضأة فتوضأ ثم ~~صل ركعتين ثم قل # اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك ~~إلى ربي فيجلي لي عن بصري اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي قال عثمان فوالله ~~ما تفرقنا ولا ms094 طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأن لم يكن به ضر قط قال ~~الحاكم على شرط البخاري # وشبيب هذا صدوق روى له البخاري ولكنه قد روي له عن روح بن الفرج أحاديث ~~مناكير رواها ابن وهب وقد ظن أنه غلط عليه ولكن قد يقال مثل هذا إذا انفرد ~~عن الثقات الذين هم أحفظ منه مثل شعبة وحماد بن سلمة وهشام الدستوائي ~~بزيادة كان ذلك عليه في الحديث لا سيما وفي هذه الرواية أنه قال فشفعه في ~~وشفعني في نفسي وأولئك قالوا فشفعه في وشفعني فيه ومعنى قوله وشفعني فيه أي ~~في دعائه وسؤاله لي فيطابق قوله وشفعه في # قال أحمد بن عدي ف كتابه المسمى بالكامل في أسماء الرجال ولم يصنف في فنه ~~مثله شبيب بن سعيد الحبطي أبو سعيد البصري التميمي حدث عنه ابن وهب ~~بالمناكير وحدث عن يونس عن الزهري بنسخة الزهري أحاديث مستقيمة وذكر عن علي ~~بن المديني أنه قال هو بصري ثقة كان من اصحاب يونس كان يختلف في تجارة إلى ~~مصر وجاء بكتاب صحيح قال وقد كتبها عن ابنه أحمد بن شبيب وروى عن عدي ~~حديثين عن ابن وهب عن شبيب هذا عن روح بن الفرج أحدهما عن ابن عقيل عن سابق ~~بن ناجية عن ابن سلام قال مر بنا رجل فقالوا إن هذا قد خدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم والثاني عنه عن روح بن الفرج عن عبد الله بن الحسين عن أمه فاطمة ~~حديث دخول المسجد قال ابن عدي كذا قيل في الحديث عن عبد الله بن الحسين عن ~~أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن ~~عدي ولشبيب بن سعيد PageV01P096 نسخة الزهري عنده عن يونس عن الزهري وهو ~~أحاديث مستقيمة وحدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير وأن حديثي روح بن الفرج ~~اللذين أمليتهما يرويهما ابن وهب عن شبيب وكان شبيب بن سعيد إذا روى عنه ~~ابنه أحمد بن شبيب نسخة الزهري ليس هو شبيب بن ms095 سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب ~~بالمناكير التي يرويها عنه ولعل شبيبا بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن ~~وهب م حفظه فيغلط ويهم وأرجو أن لا يعتمد شبيب هذا الكذب # قلت وهذان الحديثان اللذان أنكرهما ابن عدي عليه رواهما عن روح بن القاسم ~~وكذلك هذا الحديث حديث الأعمي رواه عن روح بن القاسم وهذا الحديث مما رواه ~~عنه ابن وهب أيضا كما رواه عنه ابناه لكنه لم يتقن لفظه كما أتقنه ابناه ~~وهذا يصحح ما ذكره ابن عدي فعلم أنه محفوظ عنه وابن عدي أحال الغلط عليه لا ~~على ابن وهب وهذا صحيح إن كان قد غلط وإذا كان قد غلط على روح بن القاسم في ~~ذينك الحديثين أمكن أن يكون غلط عليه في هذا الحديث وروح بن القاسم ثقة ~~مشهور روى له الجماعة فلهذا لم يحيلوا الغلط عليه والرجل قد يكون حافظا لما ~~يرويه عن شيخ وغير حافظ لما يرويه عن آخر مثل إسماعيل بن عياش فيما يرويه ~~عن الحجازيين فإن يغلط فيه بخلاف ما يرويه عن الشاميين ومثل سفيان بن حسين ~~فيما يرويه عن روح بن القاسم إن كان الأمر كما قاله ابن عدي وهذا محل نظر # وقد روى الطبراني هذا الحديث في المعجم من حديث ابن وهب عن شبيب بن سعيد ~~رواه من حديث اصبغ بن الفرج حدثنا عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي ~~عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف ~~عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فلقي ~~عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك فقال له ابن حنيف ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت ~~المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى PageV01P097 ربك عز ~~وجل فيقضي لي حاجتي وتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك فانطلق الرجل فصنع ما ms096 ~~قاله له # ثم أتى باب عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال حاجتك فذكر حاجته ~~فقضاها له # ثم قال له ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة وقال ماكانت لك من حاجة ~~فائتنا # ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له جزاط الله خيرا ما ~~كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في فقال له عثمان بن حنيف والله ~~ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ~~ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أفتصبر فقال يا رسول الله إنه ~~ليس لي قائد وقد شق علي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ائت الميضأة ~~فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات فقال عثمان بن حنيف فوالله ما ~~تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط # قال الطبراني روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر واسمه عمر بن يزيد وهو ثقة ~~تفرد به عثمان عمر عن شعبة قال أبو عبد الله المقدسي والحديث صحيح # قلت والطبراني ذكر تفرده بمبلغ علمه ولم يبلغه رواية روح بن عبادة عن ~~شعبة وذلك إسناد صحيح يبين أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر وطريق ابن وهب هذه ~~تؤيد ما ذكره ابن عدي فانه لم يحرر لفظ الرواية كما حررها ابناه بل ذكر ~~فيها أن الأعمى دعا بمثل ما ذكره عثمان بن حنيف وليس كذلك بل في حديث ~~الأعمى أنه قال اللهم فشفعه في وشفعني فيه أو قال في نفسي هذه لم يذكرها ~~ابن وهب في روايته فيشبه أن يكون حدث ابن وهب من حفظه كما قال ابن عدي فلم ~~يتقن الرواية # وقد روى أبو بكر ابن أبي خيثمة في تاريخه حديث حماد بن سلمة فقال حدثنا ~~مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة أنا أبو جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة ~~عن عثمان بن حنيف أن رجلا أعمى أتى النبي ms097 صلى الله عليه وسلم فقال إني أصبت ~~في بصري فادع الله لي قال اذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك ~~وأتوجه إليك بنبي محمد نبي الرحمة يا محمد إني أستشفع بك على ربي ~~PageV01P098 في رد بصري اللهم فشفعني في نفسي وشفع نبيي في رد بصري وإن ~~كانت حاجة فافعل مثل ذلك فرد الله عليه بصره # قال ابن أبي خيثمة وأبو جعفر هذا الذي حدث عنه حماد بن سلمة اسمه عمير بن ~~يزيد هو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبة ثم ذكر الحديث من طريق عثمان ابن عمر ~~عن شعبة قلت وهذه الطريق فيها فشفعني في نفسي مثل طريق روح بن القاسم وفيها ~~زيادة أخرى وهي قوله وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك أو قال فعل مثل ذلك وهذه ~~قد يقال إنها توافق قول عثمان بن حنيف لكن شعبة وروح بن القاسم أحفظ من ~~حماد بن سلمة واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى ~~وقوله وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك قد يكون مدرجا من كلام عثمان لا من كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم فانه لم يقل وإن كان لك حاجة فعلت مثل ذلك بل قال ~~وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك # وبالجملة فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم تكن فيها حجة وإنما غايتها أن ~~يكون عثمان بن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض فإنه لم يأمره بالدعاء ~~المشروع بل ببعضه وظن أن هذا مشروع بعد موته صلى الله عليه وسلم ولفظ ~~الحديث يناقض ذلك فإن في الحديث أن الأعمى سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يدعو له وأنه علم الأأعمى أن يدعو وأمره في الدعاء أن يقول الله فشفعه في ~~وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم داعيا شافعا له ~~بخلاف من لم يكن كذلك فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في محياه في الدنيا ~~ويوم القيامة إذا شفع لهم وفيه أيضا أنه قال وشفعني فيه # وليس ms098 المراد أن يشفع للنبي صلى الله عليه وسلم في حاجة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وإن كنا مأمورين بالصلاة والسلام عليه وأمرنا أن نسأل الله له ~~الوسيلة ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال من قال إذا سمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة ~~القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له ~~شفاعتي يوم القيامة PageV01P099 وفي مسلم عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي ~~فان من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فانها ~~درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد ~~فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة # وسؤال الأمة له الوسيلة هو دعاء له وهو معنى الشفاعة ولهذا كان الجزاء من ~~جنس العمل فمن صلى عليه صلى عليه الله من سأل الله له الوسيلة المتضمنة ~~لشفاعته شفع له صلى الله عليه وسلم كذلك الأعمى سأل منه الشفاعة فأمره أن ~~يدعو الله بقبول هذه الشفاعة وهو كالشفاعة في الشفاعة فلهذا قال اللهم ~~فشفعه في وشفعني فيه # وذلك أن قبور دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا هو من كرامة ~~الرسول على ربه ولهذا عد هذا من آياته ودلائلا نبوته فهو كشفاعته يوم ~~القيامة في الخلق ولهذا أمر طالب الدعاء أن يقول فشفعه في وشفعني فيه بخلاف ~~قوله وشفعني في نفسي فإن هذا اللفظ لم يروه أحد إلا من هذا الطريق الغريب ~~وقوله وشفعني فيه رواه عن شعبة رجلان جليلان عثمان بن عمر وروح بن عبادة ~~وشعبة أجل من روى هذا الحديث ومن طريق عثمان بن عمر عن شعبة رواه الثلاثة ~~الترمذي والنسائي وابن ماجه # رواه الترمذي عن محمود بن غيلان والنسائي وابن ماجة # ورواه ابن ماجة عن أحمد بن سيار عن عثمان بن ms099 عمر # وقد رواه أحمد في المسند عن روح بن عبادة عن شعبة فكان هؤلاء أحفظ للفظ ~~الحديث مع أن قوله وشفعني في نفسي إن كان محفوظا مثل ما ذكرناه وهو أنه طلب ~~أن يكون شفيعا لنفسه مع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يدع له النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان سائلا مجردا كسائر السائلين # ولا يسمى مثل هذا شفاعة وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان يطلبان ~~أمرا فيكون أحدهما شفيعا للآخر بخلاف مطالب الواحد الذي لم يشفع غيره # فهذه الزيادة فيها عدة علل انفراد هذا بها عن من هو أكبر وأحفظ منه ~~وإعراض أهل السنن عنها واضطراب لفظها وأن راويها عرف له عن روح PageV01P100 ~~هذا أحاديث منكرة ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة فلا حجة ~~فيها إذ الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا ~~يدل على ما فهمه بل على خلافه ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال اللهم ~~فشفعه في وشفعني فيه مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع له كان هذا ~~كلاما باطلا مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره أن يسأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم شيئا ولا أن يقول فشفعه في ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه وإنما ~~أمره ببعضه وليس هناك من النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة ولا ما يظن أنه ~~شفاعة فلو قال بعد موته فشفعه في لكان كلاما لا معنى له ولهذا لم يأمر به ~~عثمان والدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به والذي أمر ~~به ليس مأثورا عن النبي صلى الله عليه وسلم # ومثل هذا لا يثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في حسن ~~العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره من ~~الصحابة عليه وكان ما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم يخالفه لا يوافقه ~~لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها بل ms100 غايتها أن يكون ذلك مما يسوغ ~~فيه الاجتهاد ومما تنازعت فيه الأمة فيجب رده إلى الله والرسول # ولهذا نظائر كثيرة مثل ما كان عمر يدخل الماء في عينيه في الوضوء ويأخذ ~~لأذنيه ماء جديدا وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء ويقول من ~~استطاع أن يطيل غرته فليفعل وروى عنه أنه كان يمسح عنقه ويقول هو موضع الغل # فإن هذا وإن استحبه طائفة من العلماء اتباعا لهما فقد خالفهم في ذلك ~~آخرون وقالوا سائر الصحابة لم يكونوا يتوضئون هكذا والوضوء الثابت عنه صلى ~~الله عليه وسلم الذي في الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد ~~للأذنين ولا غسل ما زاد على المرفقين والكعبين ولا مسح العنق ولا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم من استطاع أن يطيل غرته فليفعل بل هذا من كلام أبي ~~هريرة جاء مدرجا في بعض الأحاديث وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنكم ~~تأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء وكان صلى الله عليه وسلم ~~يتوضأ حتى يشرع في العضد والساق قال أبو هريرة من استطاع أن يطيل غرته ~~فليفعل وظن من ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة وهذا لا معنى له فان الغرة ~~في الوجه لا في اليد والرجل PageV01P101 وإنما في اليد والرجل الحجلة ~~والغرة لا يمكن إطالتها فان الوجه يغسل كله لا يغسل الرأس ولا غرة في الرأس ~~والحجلة لا يستحب إطالتها وإطالتها مثلة # وكذلك ابن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم ~~وينزل مواضع منزله ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ ويصب فضل مائه على شجره ~~صب عليها ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحبا ولم يستحب ذلك ~~جمهور العلماء كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان ~~وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر ولو ~~رأوه مستحبا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به # وذلك لأن المتابعة ms101 أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل فاذا فعل فعلا ~~على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله لى وجه العبادة وإذا قصد تخصيص مكان أو ~~زمان بالعبادة خصصناه بذلك كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة وأن يلتمس ~~الحجر الأسود وأن يصلي خلف المقام وكان يتحرى الصلاة خلف أسطوانة مسجد ~~المدينة وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك وكذلك عرفة ~~ومزدلفة وغيرهما # وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان ويصلي فيه لكونه ~~نزله قاصدا لتخصيصه به بالصلاة والنزول فيه # فاذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين بل هذا ~~من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب كما ثبت بالاسناد الصحيح من ~~حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد قال كان عمر بن الخطاب في ~~سفر فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون صلى فيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال عمر إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار ~~أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض # فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى ~~فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في ~~قصده ليس متابعة بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا ~~بها ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك ففاعل ذلك متشبه بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم في الصورة ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب ~~PageV01P102 # وهذا هو الأصل فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل ~~ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة هل فعلها استحبابا أو ~~لحاجة عارضة تنازعوا فيها وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه ~~هل فعله لأنه كان أسمح بخروجه أو لكونه سنة تنازعوا في ذلك # ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبي صلى الله ms102 عليه وسلم وتعريف ابن ~~عباس بالبصرة وعمرو بن حريث بالكوفة فإن هذا لما لم يفعله سائر الصحابة ولم ~~يكن النبي صلى الله عليه وسلم شرعه لأمته لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة ~~بل غايته أن يقال هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة أو مما لا ينكر على فاعله ~~لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد لا لأنه سنة مستحبة سنها النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأمته أو يقال في التعريف إنه لا بأس به أحيانا لعارض إذا لم يجعل سنة ~~راتبة # وهكذا يقول ائمة العلم في هذا وأمثاله تارة يكرهونه وتارة يسوغون فيه ~~الاجتهاد وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة ولا يقول عالم بالسنة إن هذه ~~سنة مشروعة للمسلمين فان ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع وما سنه خلفاؤه الراشدون فانما سنوه ~~بأمره فهو من سننه ولا يكون في الدين واجبا إلا ما أوجبه ولا حراما إلاما ~~حرمه ولا مستحبا إلا ما استحبه ولا مكروها إلا ما كرهه ولا مباحا إلا ما ~~أباحه # وهكذا في الإباحات كما استباح أبو طلحة أكل البرد وهو صائم واستباح حذيفة ~~السحور بعد ظهور الضوء المنتشر حتى قيل هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع ~~وغيرهما من الصحابة لم يقل بذلك فوجب الرد إلى الكتاب والسنة # وكذلك الكراهية والتحريم مثل كراهة عمر وابنه للطيب قبل الطواف بالبيت ~~وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع أو التمتع مطلقا أو رأى ~~تقدير مسافة القصر بحد حده وأنه لا يقصر بدون ذلك أو رأى أنه ليس للمسافر ~~أن يصوم في السفر ومن ذلك قول سلمان إن الريق نجس وقول ابن عمر أن الكتابية ~~لا يجوز نكاحها وتوريث معاذ ومعاوية للمسلم PageV01P103 من الكافر ومنع عمر ~~وابن مسعود للجنب أن يتيمم وقول علي وزيد وابن عمر في المفوضة إنه لا مهر ~~لها إذا مات الزوج وقول علي وابن عباس في المتوفي عنها الحامل إنها تعتد ms103 ~~أبعد الأجلين وقول ابن عمر وغيره إن المحرم إذا مات بطل إحرامه وفعل به ما ~~يفعل بالحلال وقول ابن عمر وغيره لا يجوز الاشتراط في الحج وقول ابن عباس ~~وغيره في المتوفي عنها ليس عليها لزوم المنزل وقول ابن عمر وابن مسعود إن ~~المبتوتة لها السكنى والنفقة # وأمثال ذلك مما تنازع فيه الصحابة فانه يجب فيه الرد إلى الله والرسول ~~ونظائر هذا كثيرة فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # ومن قال من العلماء قول الصحابي حجة فانا قاله إذا لم يخالفه غيره من ~~الصحابة ولا عرف نص يخالفه ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقرارا على القول ~~فقد يقال إجماع إقراري أنهم اقروه لم ينكره أحد منهم وهم لا يقرون على باطل ~~وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال هو حجة وأما إذا ~~عرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه ~~لم يجزم بأحدهما ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم # وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من ~~المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته من غير أن ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم داعيا له ولا شافعا فيه فقد علمنا أن عمر ~~وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعا بعد مماته كما كان يشرع في حياته بل ~~كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به فلما مات لم يتوسلوا به بل قال عمر ~~في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين ~~والأنصار في عام الرمادة المشهور لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل ~~سمنا حتى يخصب الناس ثم لما استسقى الناس ثم لما استسقى بالناس قال اللهم ~~إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا ms104 نتوسل إليك بعم نبينا ~~فاسقنا فيسقون وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة ولم ينكره أحد مع شهرته ~~وهو من أظهر الاجماعات الاقرارية ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في خلافته ~~لما استسقى بالناس PageV01P104 # فلو كان توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته كتوسلهم في حياته ~~لقالوا كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما ونعدل عن التوسل ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلائف وهو أفضل الوسائل وأعظمها ~~عند الله فلم لم يقل ذلك أحد منهم وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا ~~بدعائه وشفاعته وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره علم أن المشروع ~~عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته # وحديث الأعمى حجة لعمر وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فإنه إنما ~~أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه لا ~~بذاته وقال له في الدعاء قل اللهم شفعه في وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر ~~غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته ولم يأمر بالدعاء المشرع بل ببعضه وترك ~~سائره المتضمن للتوسل بشفاعته كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المخالف لعمر محجوجا بسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان الحديث الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم حجة ~~عليه لا له والله أعلم PageV01P105 & فصل & # وأما القسم الثالث مما يسمى توسلا فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شيئا يحتج به أهل العلم كما تقدم بسط الكلام على ذلك وهو ~~الإقسام على الله عز وجل بالأنبياء والصالحين أو السؤال بأنفسهم فانه لا ~~يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ثابتا لا في ~~الإقسام أو السؤال به ولا في الإقسام أو السؤال بغيره من المخلوقين وإن كان ~~في العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهي عنه فتكون ~~مسألة نزاع كما تقدم بيانه فيرد ما تنازعوا ms105 فيه إلى الله ورسوله ويبدي كل ~~واحد حجته كما في سائر مسائل النزاع وليس هذا من مسائل العقوبات بإجماع ~~المسلمين بل المعاقب على ذلك معتد جاهل ظالم فإن القائل بهذا قد قال ما ~~قالت العلماء والمنكر عليه ليس معه نقل يجب اتباعه لا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا عن الصحابة وقد ثبت أنه لا يجوز القسم بغير الله لا ~~بالأنبياء ولا بغيرهم كما سبق بسط الكلام في تقرير ذلك وقد اتفق العلماء ~~على أنه لا يجوز لأح أن ينذر لغير الله لا لنبي ولا لغير نبي وأن هذا النذر ~~نذر شرك لا يوفى به وكذل الحلف بالقرآن بالمخلوقات لا ينعقد به اليمين ولا ~~كفارة فيه حتى لو حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينعقد يمينه كما تقدم ~~ذكره ولم يجب عليه كفارة عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأبي حنيفة ~~وأحمد في إحدى الروايتين بل نهى عن الحلف بهذه اليمين فاذا لم يجز أن يحلف ~~بها الرجل ولا يقسم بها على مخلوق فكيف يقسم بها على الخالق جل جلاله # وأما السؤال به من غير إقسام به فهذه أيضا مما منع منه غير واحد من ~~العلماء والسنن الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تدل ~~على ذلك PageV01P106 فإن هذا إنما يفعله على أنه قربة وطاع وأنه مما يستجاب ~~به الدعاء وما كان من هذا النوع فإما أن يكون واجبا وإما أن يكون مستحبا ~~وكل ما كان واجبا أو مستحبا في العبادات والأدعية فلا بد أن يشرعه النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأمته فاذا لم يشرع هذا لأمته لم يكن واجبا ولا مستحبا ~~ولا يكون قربة وطاعة ولا سببا لإجابة الدعاء وقد تقدم بسط الكلام على هذا ~~كله فمن اعتقد ذلك في هذا أو في هذا فهو ضال وكانت بدعته من البدع السيئة ~~وقد تبين بالأحاديث الصحيحة وما استقرئ من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخلفائه الراشدين أن هذا لم يكن مشروعا عندهم # وأيضا فقد تبين أنه ms106 سؤال لله تعالى بسبب لا يناسب إجابة الدعاء وأنه ~~كالسؤال بالكعبة والطور والكرسي والمساجد وغير ذلك من المخلوقات ومعلوم أن ~~سؤال الله بالمخلوقات ليس هو مشروعا كما أن الإقسام بها ليس مشروعا بل هو ~~منهي عنه فكما أنه لا يسوغ لأحد أن يحلف بمخلوق فلا يحلف على الله بمخلوق ~~ولا يسأله بنفس مخلوق وإنما يسأل بالأسباب التي تناسب إجابة الدعاء كما ~~تقدم تفصيله لكن قد روي في جواز ذلك آثار واقوال عن بعض أهل العلم ولكن ليس ~~بالمنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ثابت بل كلها موضوعة وأما النقل ~~عن من ليس قوله بحجة فبعضه ثابت وبعضه ليس بثابت والحديث الذي رواه أحمد ~~وابن ماجه وفيه بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا رواه أحمد عن وكيع عن ~~فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~من قال إذا خرج إلى الصلاة اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي ~~هذا فإني لم أخرجه أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك ~~وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة وأن تغفر لي ~~ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له وأقبل ~~الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته # وهذا الحديث هو من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد وهو ضعيف بإجماع أهل ~~العلم وقد روي من طريق آخر وهو ضعيف أيضا ولفظه لا حجة فيه PageV01P107 فإن ~~حق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين أن يثيبهم وهو حق أحقه الله تعالى ~~على نفسه الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم وبإيجابه على نفسه في أحد ~~أقوالهم وقد تقدم بسط الكلام على ذلك وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه في ~~الغار بأعمالهم فإنه سأله هذا ببره العظيم لوالديه وسأله هذا بعفته العظيمة ~~عن الفاحشة وسأله هذا بأدائه العظيم للأمانة لأن هذه الأعمال أمر الله بها ~~ووعد الجزاء لأصحابها فصار هذا كما حكاه عن المؤمنين بقوله ms107 @QB@ ربنا إننا ~~سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار @QE@ وقال تعالى @QB@ كان فريق من ~~عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ~~الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار @QE@ وكان ~~ابن مسعود يقول في السحر اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت وهذا سحر فاغفر ~~لي # وأصل هذا الباب أن يقال الإقسام على الله بشيء من المخلوقات والسؤال له ~~به إما أن يكون مأمورا به إيجابا أو استحبابا أو منهيا عنه نهي تحريم أو ~~كراهة أو مباحا لا مأمورا به ولا منهيا عنه وإذا قيل إن ذلك مأمور به أو ~~مباح فأما أن يفرق بين مخلوق ومخلوق أو يقال بل يشرع بالمخلوقات المعظمة أو ~~ببعضها فمن قال إن هذا مأمور به أو مباح في المخلوقات ججميعها لزم أن يسأل ~~الله تعالى بشياطين الإنس والجن فهذا لا يقوله مسلم فان قال بل يسأل ~~بالمخلوقات المعظمة كالمخلوقات التي أقسم بها في كتابه لزم من هذا أن يسأل ~~بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى والشمس وضحاها والقمر إذا ~~تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما ~~طحاها ونفس وما سواها ويسأل الله تعالى ويقسم عليه بالخنس الجوار الكنس ~~والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس ويسأل بالذاريات ذروا فالحاملات وقرا ~~فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا PageV01P108 ويسأل بالطور وكتاب مسطور في رق ~~منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور ويسأل ويقسم عليه ~~بالصافات صفا وسائر ما أقسم به الله في كتابه فان الله يقسم بما يقسم به من ~~مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته فهي دليل على ربوبيته وألوهيته ووحدانيته ~~وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته وعظمته وعزته فهو سبحانه يقسم بها لأن ~~إقسامه بها تعظيم له سبحانه ونحن المخلوقات ليس لنا ms108 أن نقسم بها بالنص ~~والاجماع بل ذكر غير واحد الاجماع على أنه لا يقسم بشيء من المخلوقات ~~وذكروا إجماع الصحابة على ذلك بل ذلك شرك منهي عنه ومن سأل الله بها لزمه ~~أن يسأله بكل ذكر وأنثى وبكل نفس ألهمها فجورها وتقواها ويسأله بالرياح ~~والسحاب والكواكب والشمس والقمر والليل والنهار والتين والزيتون وطور سينين ~~ويسأله بالبلد الأمين مكة ويسأله حينئذ بالبيت والصفا والمروة وعرفة ~~ومزدلفة ومنى وغير ذلك من المخلوقات ويلزم أن يسأله بالمخلوقات التي عبدت ~~من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والملائكة والمسيح والعزير وغير ذلك ~~مما عبد من دون الله ومما لم يعبد من دونه # ومعلوم أن السؤال لله بهذه المخلوقات أو الإقسام عليه بها من أعظم البدع ~~المنكرة في دين الإسلام ومما يظهر قبحه للخاص والعام ويلزم من ذلك أن يقسم ~~على الله تعالى بالأقسام والعزائم التي تكتب في الحروز والهياكل التي ~~تكتبها الطرقية والمعزمون بل ويقال إذا جاز السؤال والإقسام على الله بها ~~فعلى المخلوقات أولى فحينئذ تكون العزائم والاقسام التي يقسم بها على الجن ~~مشروعة في دين الإسلام وهذا الكلام يستلزم الكفر والخروج من دين الإسلام ~~ومن دين الأنبياء أجمعين # وإن قال قائل بل أنا أسأله أو أقسم عليه بمعظم دون معظم من المخلوقات إما ~~الأنبياء دون غيره كما جوز بعضهم الحلف بذلك أو الأنبياء والصالحين دون ~~غيرهم قيل له بعض المخلوقات وإن كان أفضل من بعض فكلها مشتركة في أنه لا ~~يجعل شيء منها ندا لله تعالى فلا يعبد ولا يتوكل عليه ولا يخشى ولا يتقى ~~ولا يصام له ولا يسجد له ولا يرغب إليه ولا يقسم بمخلوق كما ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من PageV01P109 كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت وقال لا تحلفوا إلا بالله وفي السنن عنه أنه قال من حلف ~~بغير الله فقد أشرك فقد ثبت بالنصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه لا يجوز الحلف بشيء من المخلوقات لا فرق في ذلك ms109 بين الملائكة والأنبياء ~~والصالحين وغيرهم ولا فرق بين نبي ونبي وهذا كما قد سوى الله تعالى بين ~~جميع المخلوقات في ذم الشرك بها وإن كانت معظمة قال تعالى @QB@ ما كان لبشر ~~أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ قالت طائفة من ~~السلف كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فقال تعالى هؤلاء الذين ~~تدعونهم عبادي يرجون إلي كما يتقربون إلي وقد قال تعالى @QB@ ومن يطع الله ~~ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ فبين أن الطاعة لله ~~والرسول فانه من يطع الرسول فقد أطاع الله وبين أن الخشية والتقوى لله وحده ~~فلم يأمر أن يخشى مخلوق ولا يتقي مخلوق وقال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما ~~آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى ~~الله راغبون @QE@ وقال تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ ~~فبين سبحانه وتعالى أنه كان ينبغي لهؤلاء أن يرضوا بما آتاهم الله ورسوله ~~ويقولوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون فذكر ~~الرضا بما آتاه الله ورسوله لأن الرسول هو الواسطة بيننا وبين الله في ~~تبليغ أمره ونهيه وتحليله وتحريمه ووعده ووعيد فالحلال ما حلله الله ورسوله ~~والحرام PageV01P110 ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله ولهذا ~~قال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ فليس ~~لأحد أن يأخذ من الأموال إلا ما أحله الله ورسوله والأموال المشتركة له ~~كمال الفيء والغنيمة والصدقات عليه أن يرضى بما آتاه الله ورسوله منها وهو ~~بمقدار حقه لا يطلب زيادة على ذلك ثم قال تعالى ms110 @QB@ وقالوا حسبنا الله ~~@QE@ ولم يقل ورسوله فإن الحسب هو الكافي والله وحده هو كاف عباده المؤمنين ~~كما قال تعالى @QB@ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين @QE@ أي ~~هو وحده حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هذا هو القول الصواب الذي قاله ~~جمهور السلف والخلف كما بين في موضع آخر والمراد أن الله كاف للرسول ولمن ~~اتبعه فكل من اتبع الرسول فالله كافيه وهاديه وناصره ورازقه ثم قال تعالى ~~@QB@ سيؤتينا الله من فضله ورسوله @QE@ فذكر الإيتاء لله ورسوله لكن وسطه ~~بذكر الفضل فان الفضل لله وحده بقوله @QB@ سيؤتينا الله من فضله ورسوله ~~@QE@ ثم قال تعالى @QB@ إنا إلى الله راغبون @QE@ فجعل الرغبة إلى الله ~~وحده دون الرسول وغيره من المخلوقات # فقد تبين أن الله سوى بين المخلوقات في هذه الأحكام لم يجعل لأحد من ~~المخلوقين سواء كان نبيا أو ملكا أن يقسم به ولا يتوكل عليه ولا يرغب إليه ~~ولا يخشى ولا يتقى وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ # فق تهدد سبحانه من دعا شيئا من دون الله وبين أنهم لا ملك لهم مع الله ~~ولا شركاء في ملكه وأنه ليس له عون ولا ظهير من المخلوقين فقطع تعلق القارب ~~بالمخلوقات رغبة ورهبة وعبادة واستعانة ولم يبق إلا الشفاعة وهي حق لكن قال ~~الله تعالى @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ PageV01P111 ~~وهكذا دلت الأحاديث الصحيحة في الشفاعة يوم القيامة إذا أتى الناس آدم ~~وأولي العزم نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم فيردهم كل واحد إلى الذي ~~بعده إلى أن يأتوا المسيح فيقول اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم ~~من ذنبه وما تأخر قال صلى الله عليه وسلم فيأتوني فاذهب إلى ربي فإذا رأيته ~~خررت ساجدا وأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقال لي ms111 أي محمد ~~ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع قال فيحد لي حد فأدخلهم الجنة وذكر ~~تمام الخبر # فبين المسيح أن محمدا هو الشافع المشفع لأنه عبد غفر الله له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر وبين محمد عبد الله ورسوله أفضل الخلق وأوجه الشفعاء وأكرمهم ~~على الله تعالى أنه يأتي فيسجد ويحمد لا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له فيقال ~~له ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع وذكر أن ربه يحد له حدا فيدخلهم الجنة # وهذا كله يبين أن الأمر كله لله هو الذي يلزم الشفيع بالإذن له في ~~الشفاعة والشفيع لا يشفع إلا فيمن ياذن [ الله له ] ثم يحد للشفيع حدا ~~فيدخلهم الجنة فالأمر بمشيئته وقدرته واختياره وأوجه الشفعاء وأفضلهم هو ~~عنده الذي فضله على غيره واختاره واصطفاه بكمال عبوديته وطاعته وإنابته ~~وموافقته لربه فيما يحبه ويرضاه # وإذا كان الإقسام بغير الله والرغبة إليه وخشيته وتقواه ونحو ذلك هي من ~~الأحكام التي اشتركت المخلوقات فيها فليس لمخلوق أن يقسم به ولا يتقى ولا ~~يتوكل عليه وإن كان أفضل المخلوقات ولا يستحق ذلك أحد من الملائكة والنبيين ~~فضلا عن غيرهم من المشايخ والصالحين # فالسؤال لله تعالى بالمخلوقات إن كان بما أقسم به وعظمه من المخلوقات ~~فيسوغ السؤال بذلك كله وإن لا لم يكن سائغا ولم يجز أن يسأل بشيء من ذلك ~~والتفريق في ذلك بين معظم ومعظم كتفريق من فرق [ فزعم أنه ] يجوز الحلف ~~ببعض المخلوقات دون بعض وكما أن هذا فرق باطل فكذلك الآخر ولو فرق مفرق بين ~~ما يؤمن به وبين ما لا يؤمن به قيل له فيجب الإيمان بالملائكة والنبيين ~~ويؤمن بكل ما أخبر به الرسول مثل منكر ونكير PageV01P112 والحور العين ~~والولدان وغير ذلك أفيجوز أن يقسم بهذه المخلوقات لكونه يجب الإيمان بها أم ~~يجوز السؤال بها كذلك # فتبين أن السؤال بالأسباب إذا لم يكن المسئول به سببا لإجابة الدعاء فلا ~~فرق بين السؤال بمخلوق ومخلوق كما لا فرق بين القسم بمخلوق ومخلوق وكل ذلك ~~غير ms112 جائز فتبين أنه لا يجوز ذلك كما قاله من قاله من العلماء والله أعلم # وأما قوله تعالى @QB@ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا @QE@ فكانت ~~اليهود تقول للمشركين سوف يبعث هذا النبي ونقاتلكم معه فنقتلكم لم يكونوا ~~يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به بل يقولون اللهم ابعث هذا النبي الأمي ~~لنتبعه ونقتل هؤلاء معه هذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير وعليه يدل ~~القرآن فإنه قال تعالى @QB@ وكانوا من قبل يستفتحون @QE@ والاستفتاح ~~الاستنصار وهو طلب الفتح والنصر فطلب الفتح والنصر به هو أن يبعث ~~فيقاتلونهم معه فبهذا ينصرون ليس هو باقسامهم به وسؤالهم به إذ لو كان كذلك ~~لكانوا إذا سألوا أو أقسموا به نصروا ولم يكن الأمر كذلك بل لما بعث الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم نصر الله من آمن به وجاهد معه على من خالفه وما ~~ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به فهو نقل شاذ مخالف ~~للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة له وقد ذكرنا طرفا من ذلك في ( دلائل ~~النبوة ) وفي كتاب ( الاستغاثة الكبير ) # وكتب السيرة ودلائل النبوة والتفسير مشحونة بذلك قال أبو العالية وغيره ~~كان اليهود إذا استنصروا بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يقولون ~~اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نغلب المشركين ونقتلهم ~~فلما بعث الله محمدا ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب وهم يعلمون ~~أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآيات @QB@ فلما ~~جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين @QE@ # وروى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الانصاري عن رجال من قومه ~~قالوا مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه ما كنا نسمع من ~~PageV01P113 رجال يهود وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم ~~علم ليس عندنا وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما ~~يكرهون قالوا لنا قد تقارب زمان نبي يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد ms113 وإرم ~~كثيرا ما كنا نسمع ذلك منهم فلما بعث الله محمدا رسولا من عند الله أجبناه ~~حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم اليه فآمنا به ~~وكفروا به ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات التي في البقرة @QB@ ولما جاءهم ~~كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين @QE@ # ولم يذكر ابن أبي حاتم وغيره ممن جمع كلام مفسري السلف إلا هذا وهذا لم ~~يذكر فيه السؤال به عن أحد من السلف بل ذكروا الأخبار به أو سؤال الله أن ~~يبعثه فروى ابن أبي حاتم عن أبي رزين عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى ~~تعالى @QB@ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا @QE@ قال يستظهرون ~~يقولون نحن نعين محمدا عليهم وليسوا كذلك يكذبون وروي عن معمر عن قتادة في ~~قوله تعالى @QB@ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا @QE@ قال كانوا ~~يقولون إنه سيأتي نبي @QB@ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به @QE@ # وروي بإسناده عن ابن إسحاق حدثنا محمد بن أبي محمد قال أخبرني عكرمة أو ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب كفروا به ~~وجحدوا ما كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور ~~وداود بن سلمة يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك وتخبرونا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته ~~فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا ~~نذكر لكم فأنزل الله تعالى من قولهم @QB@ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق ~~لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروا به فلعنة الله على الكافرين @QE@ PageV01P114 # وروي بإسناده عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال كانت اليهود ms114 تستنصر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يقولون اللهم ابعث هذا النبي ~~الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم فلما بعث الله محمدا ~~ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب وهم يعلموت أنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال الله @QB@ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين @QE@ # وأما الحديث الذي يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس قال كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت ~~يهود فعاذت بهذا الدعاء اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا ~~أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء ~~هزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به فأنزل الله تعالى ~~@QB@ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~@QE@ # وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه وقال أدت الضرورة إلى إخراجه وهذا ~~مما أنكره عليه العلماء فان عبد الملك بن هارون من أضعف الناس وهو عند أهل ~~العلم بالرجال متروك بل كذاب وقد تقدم ما ذكره يحيى بن معين وغيره من ~~الأئمة في حقه # قلت وهذا الحديث من جملتها وكذلك الحديث الآخر الذي يرويه عن أبي بكر كما ~~تقدم ومما يبين ذلك أن قوله تعالى @QB@ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا @QE@ إنما نزلت باتفاق أهل التفسير والسير في اليهود المجاورين ~~للمدينة أولا كبني قينقاع وقريظة والنضير وهم الذين كانوا يحالفون الأوس ~~والخزرج وهم الذين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ثم لما ~~نقضوا العهد حاربهم فحارب أولا بني قينقاع ثم النضير وفيهم نزلت سورة الحشر ~~ثم قريظة عام الخندق فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان فإن هذا من كذب ~~جاهل لم يحسن كيف يكذب ومما يبين ذلك أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان ~~لما دعوا بهذا الدعاء وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا PageV01P115 الكذاب ~~ولو كان ms115 هذا مما وقع لكان مما تتوفر دواعي الصادقين على نقله # ومما ينبغي أن يعلم أن مثل هذا اللفظ لو كان يقتضي السؤال به والإقسام به ~~على الله تعالى لم يكن مثل هذا مما يجوز أن يعتمد عليه في الأحكام لأنه ~~أولا لم يثبت وليس في الآية ما يدل عليه ولو ثبت لم يلزم أن يكون هذا شرعا ~~لنا فإن الله تعالى قد أخبر عن سجود إخوة يوسف وأبويه وأخبر عن الذين غلبوا ~~على أهل الكهف أنهم قالوا @QB@ لنتخذن عليهم مسجدا @QE@ ونحن قد نهينا عن ~~بناء المساجد على القبور ولفظ الآية إنما فيه أنهم كانوا يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وهذا كقوله تعالى @QB@ إن ~~تستفتحوا فقد جاءكم الفتح @QE@ والاستفتاح طلب الفتح وهو النصر ومنه الحديث ~~المأثور أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين أي ~~يستنصر بهم أي بدعائهم كما قال وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم بصلاتهم ~~ودعائهم وإخلاصهم وهذا قد يكون بأن يطلبوا من الله تعالى أن ينصرهم بالنبي ~~المبعوث في آخر الزمان بأن يعجل بعث ذلك النبي إليهم لينتصروا به عليهم لا ~~لأنهم أقسموا على الله وسألوا به ولهذا قال تعالى @QB@ فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروا به فلعنة الله على الكافرين @QE@ فلو لم ترد الآثار التي تدل على أن ~~هذا معنى الآية لم يجز لأحد أن يحمل الآية على ذلك المعنى المتنازع فيه بلا ~~دليل لأنه لا دلالة فيها عليها فكيف وقد جاءت الآثار بذلك # وأما ما تقدم ذكره عن اليهود من أنهم كانوا ينصرون فقد بينا أنه شاذ وليس ~~هو من إلى ثار المعروفة في هذا الباب فان اليهود لم يعرف أنها غلبت العرب ~~بل كانوا مغلوبين معهم وكانوا يحالفون العرب فيحالف كل فريق فريقا كما كانت ~~قريظة حلفاء الأوس وكانت النضير حلفاء الخزرج وأما كون اليهود كانوا ~~ينتصرون على العرب فهذا لا يعرف بل المعروف خلافه والله تعالى قد أخبر بما ~~يدل على ذلك فقال تعالى @QB@ ضربت عليهم الذلة أين ms116 ما ثقفوا إلا بحبل من ~~الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون @QE@ PageV01P116 # فاليهود من حيث ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس لم يكونوا بمجردهم ينتصرون لا على العرب ولا غيرهم وإنما كانوا ~~يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام والذلة ضربت عليهم من حين بعث المسيح عليه ~~السلام فكذبوه قال تعالى @QB@ يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من ~~الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من ~~بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين @QE@ ~~وكانوا قد قتلوا يحيى بن زكريا وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال ~~تعالى @QB@ وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون @QE@ # فاذا لم يكن الصحابة كعمر بن الخطاب وغيره في حياته صلى الله عليه وسلم ~~وبعد موته يقسمون بذاته بل إنما كانوا يتوسلون بطاعته أو بشفاعته فكيف يقال ~~في دعاء المخلوقين الغائبين والموتى وسؤالهم من الأنبياء والملائكة وغيرهم ~~وقد قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ # قالت طائفة من السلف كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالمسيح وعزير ~~وغيرهما فنهى الله عن ذلك وأخبر تعالى أن هؤلاء يرجون رحمة الله ويخافون ~~عذابه ويتقربون إليه وانهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله عنهم ~~وقد قال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين ms117 بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ PageV01P117 # ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قبره مسجدا وأن يتخذ عيدا ~~وقال في مرض موته لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد يحذر ما صنعوا أخرجاه في الصحيحين وقال اللهم لا تجعل قبري ثنا يعبد ~~اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد رواه مالك في موطئه وقال ~~لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ~~ورسوله متفق عليه وقال لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد بل ما شاء الله ثم ~~شاء محمد وقال له بعض الأعراب ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله ندا بل ما ~~شاء الله وحده وقد قال الله تعالى @QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ~~ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا @QE@ وقال تعالى @QB@ إنك ~~لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ وقال تعالى @QB@ ليس لك من ~~الأمر شيء @QE@ وهذا تحقيق التوحيد مع أنه صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق ~~على الله وأعلاهم منزلة عند الله # وقد روى الطبراني في معجمه الكبير أن منافقا كان يؤذي المؤمنين فقال أبو ~~بكر قوموا نستغيث برسول الله من هذا المنافق فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله وفي صحيح مسلم في آخره أنه قال ~~قبل أن يموت بخمس إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك وفي صحيح مسلم أيضا وغيره أنه قال ~~لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد وأبي ~~هريرة وله طرق متعددة عن غيرهما أنه قال PageV01P118 لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى وسئل مالك ms118 عن رجل نذر ~~أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال مالك إن كان أراد القبر فلا ~~يأته وإن أراد المسجد فليأته ثم ذكر الحديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد ذكره القاضي إسماعيل في مبسوطه # ولو حلف حالق بحق المخلوقين لم ينعقد يمينه ولا فرق في ذلك بين الأنبياء ~~والملائكة وغيرهم ولله تبارك وتعال حق لا يشركه فيه أحد لا الأنبياء ولا ~~غيرهم وللأنبياء حق وللمؤمنين حق ولبعضهم على بعض حق فحقه تبارك وتعالى أن ~~يعبدوه لا يشرك به كما تقدم في حديث معاذ ومن عبادته تعالى أن يخلصوا له ~~الدين ويتوكلوا عليه ويرغبوا إليه ولا يجعلوا لله ندا لا في محبته ولا ~~خشيته ولا دعائه ولا الاستعانة به كما في الصحيحين أنه قال صلى الله عليه ~~وسلم من مات وهو يدعو ندا من دون الله دخل النار وسئل أي الذنب أعظم قال أن ~~تجعل لله ندا وهو خلقك وقيل له ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله ندا بل ~~ما شاء الله وحده وقد قال تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ~~@QE@ @QB@ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون ~~@QE@ @QB@ فإياي فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك ~~فارغب @QE@ وقال تعالى في فاتحة الكتاب التي هي أم القرآن @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تخشوا ~~الناس واخشون @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله @QE@ # ولهذا كان المشركون يخوفون إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه قال ~~تعالى @QB@ وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون ~~به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما ~~أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ms119 ينزل به عليكم سلطانا فأي ~~الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ PageV01P119 وفي الصحيحين عن ابن مسعود ~~قال لما نزلت هذه الآية @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم @QE@ شق ~~ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا اينا لم يظلم نفسه فقال لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما ذاك الشرك كما قال العبد الصالح @QB@ يا بني ~~لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يطع الله ~~ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ فجعل الطاعة لله والرسول ~~فانه من يطع الرسول فقد أطاع الله وجعل الخشية والتقوى لله وحده فلا يخشى ~~إلا الله ولا يتقي إلا الله وقال تعالى @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم ~~الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله ~~راغبون @QE@ فجعل سبحانه الإيتاء لله والرسول في أول الكلام وآخره كقوله ~~تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ مع جعله ~~الفضل لله وحده والرغبة إلى الله وحده حسبهم لا شريك له في ذلك وروى ~~البخاري عن ابن عباس في قوله @QB@ حسبنا الله ونعم الوكيل @QE@ قال قالها ~~إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد حين @QB@ قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل @QE@ # وقال تعالى @QB@ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين @QE@ ~~ومعنى ذلك عند جماهير السلف والخلف أن الله وحده PageV01P120 حسبك وحسب من ~~اتبعك من المؤمنين كما بسط ذلك بالأدلة وذلك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ~~هم الوسائط بيننا وبين الله أمره ونهيه ووعده ووعيده # فالحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه ~~الله ورسوله فعلينا أن نحب الله ورسوله ونطيع الله ورسوله ونرضي الله ~~ورسوله قال تعالى @QB@ والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وأطيعوا الله وأطيعوا ms120 الرسول @QE@ وقال تعالى @QB@ من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره @QE@ # وفي الصحيحين عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من كن ~~فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما ومن كان ~~يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه ~~الله منه كما يكره أن يلقى في النار وقد قال تعالى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ~~@QE@ فالإيمان بالله ورسوله والتعزير والتوقير للرسول وتعزيره ونصره ومنعه ~~والتسبيح بكرة وأصيلا لله وحده فإن ذلك من العبادة # والعبادة هي لله وحده فلا يصلي إلا لله ولا يصام إلا لله ولا يحج إلا إلى ~~بيت الله ولا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة لكون هذه المساجد بناها ~~أنبياء الله بإذن الله ولا ينذر إلا لله ولا يحلف إلا بالله ولا يدعي إلا ~~الله ولا يستغاث إلا بالله # وأما ما خلقه الله سبحانه من الحيوان والنبات والمطر ولاسحاب وسائر ~~المخلوقات فلم يجعل غيره من العباد واسطة في ذلك الخلق كما جعل الرسل واسطة ~~في التبليغ بل يخلق ما يشاء بما يشاء من الأسباب وليس في المخلوقات ~~PageV01P121 شيء يستقل بابداع شيء بل لا بد للسبب من أسباب أخر تعاونه ولا ~~بد من دفع المعارض عنه وذلك لا يقدر عليه إلا الله وحده فما شاء الله كان ~~وما لم يشأ لم يكن بخلاف الرسالة فان الرسول وحده كان واسطة في تبليغ ~~رسالته إلى عباده # وأما جعل الهدى في قلوب العباد فهو إلى الله تعالى لا إلى الرسول كما قال ~~الله تعالى @QB@ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل @QE@ وكذلك ms121 دعاء ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واستغفارهم وشفاعتهم هو سبب ينفع إذا جعل ~~الله تعالى المحل قابلا له وإلا فلو استغفر النبي للكفار والمنافقين لم ~~يغفر لهم قال الله تعالى @QB@ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن ~~يغفر الله لهم @QE@ # وأما الرسل فقد تبين أنهم هم الوسائط بيننا وبين الله عز وجل في أمره ~~ونهيع ووعده ووعيده وخبره فعلينا أن نصدقهم في كل ما أخبروا به ونطيعهم ~~فيما أوجبوا وأمروا وعلينا أن نصدق بجميع أنبياء الله عز وجل لا نفرق بين ~~أحد منهم ومن سب واحدا منهم كان كافرا مرتدا مباح الدم # وإذا تكلمنا فيما يستحقه الله تبارك وتعالى من التوحيد بينا أن الأنبياء ~~وغيرهم من المخلوقين لا يستحقون ما يستحقه الله تبارك وتعالى من خصائص فلا ~~يشرك بهم لا يتوكل عليهم ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله ولا يقسم على ~~الله بهم ولا يتوسل بهم بذواتهم وإنما يتوسل بالإيمان بهم وبمحبتهم وطاعتهم ~~وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم ومعاداة من عاداهم وطاعتهم فيما أمروا ~~وتصديقهم فيما أخبروا وتحليل ما حللوه وتحريم ما حرموه # والتوسل بذلك على وجهين ( أحدهما ) أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء ~~وإعطاء السؤال كحديث الثلاثة الذين اووا إلى الغار فانهم توسلوا بأعمالهم ~~الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج كربتهم وقد تقدم بيان ذلك ( والثاني ) ~~PageV01P122 التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه فإن الأعمال ~~الصالحة التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم هي الوسيلة التامة إلى ~~سعادة الدنيا والآخرة ومثل هذا كقول المؤمنين @QB@ ربنا إننا سمعنا مناديا ~~ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا ~~سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار @QE@ فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء ومثل ~~ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين في قوله تعالى @QB@ إنه كان فريق من ~~عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين @QE@ وأمثال ~~ذلك كثير # وكذلك التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته فانه يكون على ~~وجهين ( أحدهما ) أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع كما ms122 كان يطلب ~~منه في حياته وكما يطلب منه يوم القيامة حين يأتون آدم ونوحا ثم الخليل ثم ~~موسى الكليم ثم عيسى ثم يأتون محمدا صلوات الله وسلامه عليه وعليهم فيطلبون ~~منه الشفاعة ( والوجه الثاني ) أن يكون التوسل مع ذلك [ بأن ] يسأل الله ~~تعالى بشفاعته ودعائه كما في حديث الأعمى المتقدم بيانه وذكره فانه طلب منه ~~الدعاء والشفاعة فدعا له الرسول وشفع فيه وأمره أن يدعو الله فيقول اللهم ~~إني أسألك وأتوجه إليك به اللهم فشفعه في فأمره أن يسأل الله تعالى قبول ~~شفاعته بخلاف من يتوسل بدعاء الرسول وشفاعة الرسول والرسول لم يدع له ولم ~~يشفع فيه فهذا توسل بما لم يوجد وإنما يتوسل بدعائه وشفاعته من دعا له وشفع ~~فيه ومن هذا الباب قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقت الاستسقاء كما تقدم ~~فان عمر والمسلمين توسلوا بدعاء العباس وسألوا الله تعالى مع دعاء العباس ~~فانهم استشفعوا جميعا ولم يكن العباس وحده هو الذي دعا لهم فصار التوسل ~~بطاعته والتوسل بشفاعته كل منهما يكون مع دعاء المتوسل وسؤاله ولا يكون ~~بدون ذلك فهذه أربعة أنواع كلها مشروعة لا ينازع في واحد منها أحد من أهل ~~العلم والإيمان # ودين الغسلام مبني على أصلين وهما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~PageV01P123 محمدا رسول الله وأول ذلك أن لا تجعل مع الله إلها آخر فلا تحب ~~مخلوقا كما تحب الله ولا ترجوه كما ترجو الله ولا تخشاه كما تخشى الله ومن ~~سوى بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فقد عدل بالله وهو من الذين بربهم ~~يعدلون وقد جعل مع الله إلها آخر وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق ~~السموات والأرض فان مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق السموات ~~والأرض كما قال تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ~~@QE@ وكانوا مع ذلك مشركين يجعلون مع الله آلهة أخرى قال تعالى @QB@ أئنكم ~~لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن ms123 الناس ~~من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ~~@QE@ فصاروا مشركين لأنهم أحبوهم كحبه لأنهم قالوا إن آلهتهم خلقوا كخلقه ~~كما قال تعالى @QB@ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ~~@QE@ وهذا استفهام إنكار بمعنى النفي أي ما جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ~~فانهم مقرون أن آلهتهم لم يخلقوا كخلقه وإنما كانوا يجعلونهم شفعاء ووسائط ~~قال تعالى @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ وقال صاحب يس @QB@ وما لي لا أعبد الذي ~~فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون ~~@QE@ الأصل الثاني أن نعبده بما شرع على ألسنة رسله لا نعبده إلا بواجب أو ~~مستحب والمباح إذا قصد به الطاعة دخل في ذلك والدعاء من جملة PageV01P124 ~~العبادات فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم مع أن هذا أمر ~~لم يأمر به الله ولا رسوله أمر إيحاب ولا استحباب كان مبتدعا في الدين ~~مشركا برب العالمين مبتدعا بدعة ما أنزل الله بها من سلطان فان ذم من خالفه ~~وسعى في عقوبته كان ظالما جاهلا معتديا وان حكم بذلك فقد حكم بغير ما أنزل ~~الله وكان حكمه منقوضا باجماع المسلمين وكان إلى أن يستتاب من هذا الحكم ~~ويعاقب عليه أحوج منه إلى أن ينفذ له هذا الحكم ويعان عليه وهذا كله مجمع ~~عليه من المسلمين ليس فيه خلاف لا بين الائمة الأربعة ولا غيرهم وقد بسط ~~الكلام على هذه الأمور في مجلدات من جملتها مصنف ذكرنا فيه قواعد تتعلق ~~بحكم الحكام وما يجوز لهم الحكم فيه وما لا يجوز وهو مؤلف مفرد يتعلق ~~بأحكام هذا الباب لا يحسن إيراد شيء من فصوله هاهنا لإفراد الكلام في هذا ~~الموضع على قواعد التوحيد ومتعلقاته وسيأتي ms124 إيراد ما اختصر منه وحررت فصوله ~~في ضمن أوراق مفردة يقف عليها المتأمل لمزيد الفائدة ومسيس الحاجة إلى ~~معرفة هذا الأمر المهم وبالله التوفيق # وكنت وأنا بالديار المصرية في سنة إحدى عشرة وسبعمائة قد استفتيت عن ~~التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم فكتبت في ذلك جوابا مبسوطا وقد أحببت ~~إيراده هنا لما في ذلك من مزيد الفائدة فان هذه القواعد المتعلقة بتقرير ~~التوحيد وحسم ماد الشرك والغلو كلما تنوع بيانها ووضحت عباراتها كان ذلك ~~نورا على نور والله المستعان # وصورة السؤال المسئول من السادة العلماء أئمة الدين أن يبينوا ما يجوز ~~وما لا يجوز من الاستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين # وصورة الجواب الحمد لله رب العالمين أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن ياذن ~~الله له في الشفاعة ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه ~~الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين واستفاضت به السنن من أنه صلى الله عليه ~~وسلم يشفع لأهل الكبائر من أمته ويشفع أيضا لعموم الخلق فله صلى الله عليه ~~وسلم شفاعات يختص بها لا يشركه فيها PageV01P125 أحد وشفاعات يشركه فيها ~~غيره من الأنبياء والصالحين لكن ماله فيها أفضل مما لغيره فانه صلى الله ~~عليه وسلم أفضل الخلق وأكرمهم على ربه عز وجل وله من الفضائل الت يميزه ~~الله بها على سائر النبيين ما يضيق هذا الموضع عن بسطه ومن ذلك المقام ~~المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة ~~منها في الصحيحين أحاديث متعددة وفي السنن والمساند مما يكثر عدده # وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين ~~خاصة في بعض الدرجات وبعضهم أنكر الشفاعة مطلقا # وأجمعوا على أن الصحابة كانوا يستشفعون به ويتوسلون به في حياته بحضرته ~~كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا ~~استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك ms125 ~~بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون وفي البخاري أيضا ~~عن ابن عمر أنه قال ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله ~~عليه وسلم يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب % وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ~~% ثمال اليتامى عصمة للأرامل % # والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكره عمر بن الخطاب قد جاء مفسرا ~~في سائر أحاديث الاستسقاء وهو من جنس الاستشفاع به وهو أن يطلب منه الدعاء ~~والشفاعة ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته ونحن نقدمه بين أيدينا شافعا ~~وسائلا لنا بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم # وكذلك معاوية بن أبي سفيان لما أجدب الناس بالشام استسقى بيزيد بن الأسود ~~الجرشي فقال اللهم إنا نستشفع أو نتوسل بخيارنا يا يزيد ارفع يديك فرفع ~~يديه ودعا الناس حتى سقوا ولهذا قال العلماء يستحب أن يستسقى بأهل الدين ~~والصلاح وإذا كانوا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أحسن ~~PageV01P126 # وهذا الاستشفاع والتوسل حقيقته التوسل بدعائه فانه كان يدعو للمتوسل به ~~المستشفع به والناس يدعون معه كما أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم دخل عليه أعرابي فقال يا رسول الله هلكت الأموال ~~وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال ~~اللهم أغثنا اللهم أغثنا وما في السماء قزعة فنشأت سحابة من جهة البحر ~~فمطروا أسبوعالا يرون فيه الشمس حتى دخل الأعرابي أو غيره فقال يا رسول ~~الله انقطعت البل وتهدم البنيان فادع الله يكشفها عنا فرفع يديه وقال اللهم ~~حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية ~~فانجابت المدينة عن كما ينجاب الثوب والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما وفي ~~حديث آخر في سنن أبي داود وغيره أن رجلا قال له إنا نستشفع بك على الله ~~ونستشفع بالله عليك فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤي ذلك في وجوه ~~أصحابه وقال ويحك أتدري ما الله إن الله لا ms126 يستشفع به على أحد من خلقه شأن ~~الله أعظم من ذلك وهذا يبين ان معنى الاستشفاع بالشخص في كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه هو الاستشفاع بدعائه وشفاعته ليس هو السؤال بذاته ~~فانه لو كان هذا السؤال لذاته لكان سؤال الخلق بالله تعالى أولى من سؤال ~~الله بالخلق ولكن لما كان معناه هو الأول أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~قوله نستشفع بالله عليك ولم ينكر قوله نستشفع بك على الله لأن الشفيع يسأل ~~المشفوع إليه أن يقضي حاجة الطالب والله تعالى لا يسأل أحدا من عباده أن ~~يقضي حوائج خلقه وان كان بعض الشعراء ذكر استشفاعه بالله تعالى في مثل قوله ~~% شفيعي إليك الله لا رب غيره % وليس إلى رد الشفيع سبيل % # وكذلك بعض الاتحادية ذكر أنه استشفع بالله سبحانه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكلاهما خطأ وضلال بل هو سبحانه المسئول المدعو الذي يسأله كل من ~~في السموات والأرض ولكن هو تبارك وتعالى يأمر عباده فيطيعونه وكل ~~PageV01P127 من وجبت طاعته من المخلوقين فانما وجبت لأن ذلك طاعة لله تعالى ~~فالرسل يبلغون عن أمره فمن أطاعهم فقد أطاع الله ومن بايعهم فقد بايع الله ~~قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ وأولو الأمر من أهل العلم وأهل ~~الإمارة إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله ورسوله قال صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ~~ومنشطه ومكرهه ما لم يؤمر بمعصية الله فاذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا ~~طاعة وقال صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق # وأما الشافع فسائل لا تجب طاعته في الشفاعة وإن كان عظيما وفي الحديث ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل بريرة أن تمسك زوجها ولا تفارقه ~~لما أعتقت وخيرها النبي صلى الله عليه وسلم فاختارت فراقه وكان زوجها يحبها ~~فجعل يبكي فسألها النبي صلى الله عليه وسلم ms127 أن تمسكه فقالت أتأمرني فقال لا ~~إنما أنا شافع وإنما قالت أتأمرني وقال إنما أنا شافع لما استقر عند ~~المسلمين أن طاعة أمره واجبة بخلاف شفاعته فانه لا يجب قبول شفاعته ولهذا ~~لم يلمها النبي صلى الله عليه وسلم على ترك قبول شفاعته فشفاعة غيره من ~~الخلق أولى أن لا يجب قبولها والخالق جل جلاله أمره أعلى وأجل من أن يكون ~~شافعا إلى مخلوق بل هو سبحانه أعلى شأنا من أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه قال ~~تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ~~كذلك نجزي الظالمين @QE@ دل الحديث المتقدم على أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم يستشفع به إلى الله عز وجل أي يطلب منه الشفاعة في الدنيا والآخرة ~~فأما في الآخرة فيطلب منه الخلق الشفاعة في أن يقضي الله بينهم وفي أن ~~يدخلوا الجنة ويشفع في أهل الكبائر من أمته ويشفع في بعض من يستحق النار أن ~~لا يدخلها ويشفع في بعض من دخلها أن يخرج منها PageV01P128 # ولا نزاع بين جماهير الأئمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين ~~الثواب ولكن كثيرا من أهل البدع والخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعته لأهل ~~الكبائر فقالوا لا يشفع لأهل الكبائر بناء على أن أهل الكبائر عندهم لا ~~يغفر الله لهم ولا يخرجهم من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا غيرها # ومذهب الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وسائر أهل السنة والجماعة أنه ~~صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الكبائر وأنه لا يخلد في النار من أهل ~~الإيمان أحد بل يخرج من النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال ذرة ~~من إيمان لكن هذا الاستسقاء والاستشفاع والتوسل به وبغيره كان يكون في ~~حياته بمعنى أنهم يطلبون منه الدعاء فيدعو لهم فكان توسلهم بدعائه ~~والاستشفاع به طلب شفاعته ms128 والشفاعة دعاء # فأما التوسل بذاته في حضوره أو مغيبه أو بعد موته مثل الاقسام بذاته أو ~~بغيره من الانبياء أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعائهم فليس هذا مشهورا عند ~~الصحابة والتابعين بل عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا ~~استسقوا وتوسلوا واستشفعوا بمن كان حيا كالعباس وكيزيد بن الأسود ولم ~~يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا في هذه الحال بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~لا عند قبره ولا غير قبره بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد بل كانوا ~~يصلون عليه في دعائهم وقد قال عمر اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ~~وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فجعلوا هذا بدلا عن ذاك لما تعذر ان ~~يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه وقد كان من الممكن أن ~~يأتوا إلى قبره ويتوسلوا هناك ويقولوا في دعائهم بالجاه ونحو ذلك من ~~الألفاظ التي تتضمن القسم بمخلوق على الله عز وجل أو السؤال به فيقولون ~~نسألك أو عليك بنبيك ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس # وروى بعض الجهال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سألتم الله ~~فاسألوه بجاهي فان جاهي عند الله عظيم وهذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب ~~المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث ~~مع أن جاهه عند الله تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين وقد أخبرنا ~~PageV01P129 سبحانه عن موسى وعيسى عليهما السلام أنهما وجيهان عند الله ~~فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه ~~الله مما قالوا وكان عند الله وجيها @QE@ وقال تعالى @QB@ إذ قالت الملائكة ~~يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في ~~الدنيا والآخرة ومن المقربين @QE@ فإذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله عز ~~وجل فكيف بسيد ولد آدم صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون ~~وصاحب الكوثر والحوض ms129 المورود الذي آنيته عدد نجوم السماء وماؤه أشد بياضا ~~من اللبن وأحلى من العسل ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا وهو صاحب ~~الشفاعة يوم القيامة حين يتأخر عنها آدم وأولو العزم نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ويتقدم هو إليها وهو صاحب اللواء آدم ~~ومن دونه تحت لوائه وهو سيد ولد آدم وأكرمهم على ربه عز وجل وهو إمام ~~الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا ذو الجاه العظيم صلى الله عليه ~~وسلم # لكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فإنه لا ~~يشفع عنده أحد إلا بإذنه @QB@ إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا @QE@ وقال تعالى @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون ~~عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم ~~إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا ولا نصيرا @QE@ # والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب والله ~~تعالى لا شريك له كما قال سبحانه @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ PageV01P130 # وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن اتخاذ ~~القبور مساجد ولعن من يفعل ذلك ونهى عن اتخاذ قبره عيدا وذلك لأن أول ما ~~حدث الشرك في بني آدم كان في قوم نوح قال ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة ~~قرون كلهم على الإسلام وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض وقد قال تعالى عن قومه أنهم قالوا ~~@QB@ لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد ~~أضلوا كثيرا @QE@ قال غير ms130 واحد من السلف هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم ~~نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم فلما طال عليهم الأمد عبدوهم وقد ذكر ~~البخاري في صحيحه هذا عن ابن عباس وذكر أن هذه الآلهة صارت إلى العرب وسمى ~~قبائل العرب الذين كانت فيهم هذه الأصنام # فلما علمت الصحابة رضوان الله عليهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حسم ~~مادة الشرك بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد وإن كان المصلي يصلي لله عز وجل ~~كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس لئلا يشابه المصلين للشمس وإن كان المصلي ~~إنما يصلي لله تعالى وكان الذي يقصد الدعاء بالميت أو عند قبره أقرب إلى ~~الشرك من الذي لا يقصد إلا الصلاة لله عز وجل لم يكونوا يفعلون ذلك # وكذلك علم الصحابة أن التوسل به إنما هو التوسل بالإيمان به وطاعته ~~ومحبته وموالاته والتوسل بدعائه وشفاعته فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته ~~مجردة عن هذا وهذا فلما لم يفعل الصحابة رضوان الله عليهم شيئا من ذلك ولا ~~دعوا بمثل هذه الأدعية وهم أعلم منا وأعلم بما يحب الله ورسوله وأعلم بما ~~أمر الله به ورسوله من الأدعية وما هو أقرب إلى الإجابة منا بل توسلوا ~~بالعباس وغيره وممن ليس مثل النبي صلى الله عليه وسلم دل عدولهم عن التوسل ~~بالأفضل إلى التوسل بالمفضول أن التوسل المشروع بالأفضل لم يكن ممكنا # وقد قال صلى الله عليه وسلم اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله ~~على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد رواه مالك في موطئه ورواه غيره وفي سنن ~~أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا ~~علي حيثما كنتم فان صلاتكم تبلغني وفي الصحيحين أنه قال في مرض موته لعن ~~الله PageV01P131 اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما ~~فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وفي صحيح ~~مسلم عن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس إني أبرأ ms131 ~~إلى الله أن يكون لي منكم خليل ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا فان الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا إن من كان قبلكم ~~كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ~~وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تطروني كما أطرن ~~النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله # وقد روى الترمذي حديثا صححه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم رجلا أن ~~يدعو فيقول اللهم غني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد يا ~~رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي اللهم شفعه في وروى ~~النسائي نحو هذا الدعاء وفي الترمذي وابن ماجه عن عثمان بن حنيف أن رجلا ~~ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادع الله يعافيني فقال إن شئت ~~دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك فقال فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو ~~بهذا الدعاء اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا رسول ~~الله محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى اللهم شفعه في قال ~~الترمذي هذا حديث حسن صحيح ورواه النسائي عن عثمان بن حنيف ولفظه أن رجلا ~~أعمى قال يا رسول الله ادع الله أن يكشف عن بصري قال فانطلق فتوضأ ثم صل ~~ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد ~~إني أتوجه بك إلى ربي أن يكشف عن بصري اللهم فشفعه في قال فرجع وقد كشف ~~الله عن بصره وقال الإمام أحمد في مسنده حدثنا روح حدثنا شعبة عن عمير بن ~~يزيد الخطمي المديني قال سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن ~~حنيف أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله ادع ~~الله أن يعافيني فقال إن شت أخرت ذلك فهو خير لآخرتك وإن شئت ms132 دعوت لك قال ~~لا بل ادع PageV01P132 الله لي فأمره أن يتوضأ وأن يصلي ركعتين وأن يدعوا ~~بهذا الدعاء اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد ~~إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى اللهم فشفعني فيه وشفعه في قال ~~ففعل الرجل فبرأ # فهذا الحديث فيه التوسل به إلى الله في الدعاء فمن الناس من يقول هذا ~~يقتضي جواز التوسل به مطلقا حيا وميتا وهذا يحتج به من يتوسل بذاته بعد ~~موته وفي مغيبه ويظن هؤلاء أن توسل الأعمى والصحابة في حياته كان بمعنى ~~الإقسام به على الله أو بمعنى أنهم سألوا الله بذاته أن يقضي حوائجهم ~~ويظنون أن التوسل به لا يحتاج إلى أن يدعوا هو لهم ولا إلى أن يطيعوه فسواء ~~عند هؤلاء دعا الرسول لهم أو لم يدع الجميع عندهم توسل به وسواء أطاعوه أو ~~لم يطيعوه ويظنون أن الله يقضي حاجة هذا الذي توسل به بزعمهم ولم يدع له ~~الرسول كما يقضي حاجة هذا الذي توسل بدعائه ودعا له الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إذ كلاهما متوسل به عندهم ويظنون أن كل من سأل الله تعالى بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقد توسل به كما توسل به ذلك الأعمى وأن ما أمر به الأعمى ~~مشروع لهم وقول هؤلاء باطل شرعا وقدرا فلا هم موافقون لشرع الله ولا ما ~~يقولونه مطابق لخلق الله # ومن الناس من يقول هذه قضية عين يثبت الحكم في نظائرها التي تشبهها في ~~مناط الحكم لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل لها والفرق ثابت ~~شرعا وقدرا بين من دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وبين من لم يدع له ولا ~~يجوز أن يجعل أحدهما كالآخر وهذا الأعمى شفع له النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلهذا قال في دعائه اللهم فشفعه في فعلم أنه شفيع فيه ولفظه إن شئت صبرت ~~وإن شئت دعوت لك فقال ادع لي فهو طلب من النبي صلى الله عليه وسلم ms133 أن يدعو ~~له فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ويدعو هو أيضا لنفسه ويقول في ~~دعائه اللهم فشفعه في فدل ذلك على أن معنى قوله أسألك وأتوجه إليك بنبيك ~~محمد أي بدعائه وشفاعته كما قال عمر اللهم انا كنا إذا أجدبنا توسلنا اليك ~~بنبينا فتسقينا فالحديثان معناهما واحد فهو صلى الله عليه وسلم علم رجلا أن ~~يتوسل به في حياته كما ذكر عمر أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا # ثم إنهم بعد موته كانوا يتوسلون بغيره بدلا عنه فلو كان التوسل به حيا ~~PageV01P133 وميتا سواء والمتوسل به الذي دعا له الرسول كمن لم يدع له ~~الرسول لم يعدلوا عن التوسل به وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه وأقربهم ~~إليه وسيلة إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله وكذلك لو كان أعمى توسل به ~~ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون ~~مثل ما فعل الأعمى فعدولهم عن هذا إلى هذا مع أنهم السابقون الأولون ~~المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم باحسان فانهم أعلم منا بالله ورسوله ~~وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وينفع وما لا يشرع ولا ينفع وما ~~يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة مخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات ~~وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن دليل على أن المشروع ما سألوه ~~دون ما تركوه # ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه وذلك أن ~~التوسل به حيا هو من جنس مسألته أن يدعو لهم وهذا مشروع فما زال المسلمون ~~يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته أن يدعو لهم وأما بعد موته ~~فلم يكن الصحابة يطلبون منه الدعاء لا عند قبره ولا عند غير قبره كما يفعله ~~كثير من الناس عند قبور الصالحين يسأل أحدهم حاجته أو يقسم على الله به نحو ~~ذلك وإن كان قد روي في ذلك حكايات عن بعض المتأخرين # بل طلب الدعاء مشروع من كل مؤمن لكل مؤمن حتى قال ms134 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعمر لما استأذنه في العمرة لا تنسنا يا أخي من دعائك ان صح ~~الحديث وحتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب من أويس القرني أن ~~يستغفر للطالب وان كان الطالب أفضل من أويس بكثير وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا ~~علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فانها ~~درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد ~~فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة مع أن طلبه من أمته ~~الدعاء ليس هو طلب حاجة من المخلوق بل هو تعليم لأمته ما ينتفعون به في ~~دينهم وبسبب ذلك التعليم والعمل بما علمهم يعظم الله أجره فانا اذا صلينا ~~عليه مرة صلى الله علينا عشرا وإذا سألنا الله له الوسيلة حلت علينا شفاعته ~~يوم القيامة PageV01P134 # وكل ثواب يحصل لنا على أعمالنا فله مثل أجرنا من غير أن ينقص من أجرنا ~~شيء فانه صلى الله عليه وسلم قال من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور ~~من تبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا وهو الذي دعا لأمته إلى كل خير ~~وكل خير تعمله أمته له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئا # ولهذا لم يكن الصحابة والسلف يهدون اليه ثواب أعمالهم ولا يحجون عنه ولا ~~يتصدقون ولا يقرءون القرآن ويهدون له لأن كل ما يعمله المسلمون من صلاة ~~وصيام وحج وصدقة وقراءة له صلى الله عليه وسلم مثل أجورهم من غير أن ينص من ~~أجورهم شيئا بخلاف الوالدين فليس كل ما عمله المسلم من الخير يكون لوالديه ~~مثل أجره ولهذا يهدي الثواب لوالدين وغيرهما # ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مطيع لربه عز وجل في قوله تعالى ~~@QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ فهو صلى الله ms135 عليه وسلم لا يرغب ~~إلى غير الله وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا ~~بغير حسان هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ~~فهؤلاء من أمته وقد مدحهم بأنهم لا يسترقون والاسترقاء أن يطلب من أحد أن ~~يرقيه والرقية من نوع الدعاء وكان هو صلى الله عليه وسلم يرقي نفسه وغيره ~~ولا يطلب من أحد أن يرقيه ورواية من روي في هذا لا يرقون ضعيفة غلط فهذا ~~مما يبين حقيقة أمره لأمته بالدعاء أنه ليس من باب سؤال المخلوق للمخلوق ~~الذي غيره أفضل منه فان من لا يسأل الناس بل لا يسأل إلا الله أفضل ممن ~~يسأل الناس ومحمد صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم # ودعاء الغائب للغائب أعظم إجابة من دعاء الحاضر لأنه أكمل إخلاصا وأبعد ~~عن الشرك فكيف يشبه دعاء من يدعو لغيره بلا سؤال منه إلى دعاء من يدعو الله ~~بسؤاله وهو حاضر وفي الحديث أعظم الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب وفي صحيح ~~مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب ~~بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به آمين ~~ولك بمثل وذلك أن المخلوق يطلب من المخلوق ما يقدر PageV01P135 المخلوق ~~عليه والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته فلهذا كان طلب الدعاء جائزا كما ~~يطلب منه الاعانة بما يقدر عليه والأفعال التي يقدر عليها # فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يجوز أن يطلب إلا من الله ~~سبحانه لا يطلب ذلك لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم ولا يجوز ~~أن يقال لغير الله اغفر لي واسقنا الغيث وانصرنا على القوم الكافرين أو اهد ~~قلوبنا ونحو ذلك ولهذا روى الطبراني في معجمه أنه كان في زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق قوموا بنا نستغيث برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق ms136 فجاءوا إليه فقال إنه لا يستغاث بي ~~وإنما ستغاث بالله وهذا في الاستعانة مثل ذلك # فأما ما يقدر عليه البشر فليس من هذا الباب وقد قال سبحانه @QB@ إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم @QE@ وفي دعاء موسى عليه السلام اللهم لك الحمد ~~وإليك المشتكى وإليك المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان لا حول ولا قوة ~~إلا بك وقال أبو يزيد البسطامي استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق ~~بالغريق وقال أبو عبد الله القرشي استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة ~~المسجون بالمسجون # وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ # قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء فقال الله تعالى ~~هؤلاء الذين تدعونهم هم عبادي كما أنتم عبادي يرجون رحمتي كما يرجون رحمتي ~~ويخافون عذابي كما يخافون عذابي ويتقربون إلي كما يتقربون إلي فنهى سبحانه ~~عن دعاء الملائكة والأنبياء مع إخباره لنا أن الملائكة يدعون لنا ويستغفرون ~~ومع هذا فليس لنا أن نطلب ذلك منهم وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا ~~أحياء في قبورهم وإن قدر أنهم يدعون للأحياء وإن وردت به آثار فليس لأحد أن ~~يطلب منهم ذلك ولم يفعل ذلك أحد من السلف لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم ~~وعبادتهم من دون الله تعالى بخلاف PageV01P136 الطلب من أحدهم في حياته ~~فانه لا يفضي إلى الشرك ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون ~~بعد الموت هو بالأمر الكوني فلا يؤثر فيه سؤال السائلين بخلاف سؤال أحدهم ~~في حياته فانه يشرع إجابة السائل وبعد الموت انقطع الكليف عنهم # وقال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ فبين سبحانه أن من اتخذ الملائكة ~~والنبيين أربابا فهو كافر ms137 وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون ~~الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك ~~وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ وقال تعالى @QB@ ما من شفيع إلا ~~من بعد إذنه @QE@ وقال تعالى @QB@ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ وقال تعالى عن صاحب يس @QB@ وما لي لا أعبد ~~الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم @QE@ # فالشفاعة نوعان أحدهما الشفاعة التي نفاها الله تعالى وأثبتها المشركون ~~ومن ضاهاهم من جهال هذه الأمة والثاني أن يشفع الشفيع بإذن الله وهذه التي ~~أثبتها الله تعالى لعباده الصالحين ولهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه ~~الخلق الشفاعة يوم القيامة يأتي ويسجد قال فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي ~~PageV01P137 لا أحسنها الآن فيقال أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه ~~واشفع تشفع فإذا أذن له في الشفاعة شفع صلى الله عليه وسلم # قال أهل هذا القول ولا يلزم من جواز التوسل والاستشفاع به بمعنى أن يكون ~~هو داعيا للمتوسل به أن يشرع ذلك في مغيبه وبعد موته مع أنه هو لم يدع ~~للمتوسل به بل الموسل به أقسم به أو سأل بذاته مع كون الصحابة فرقوا بين ~~الأمرين وذلك لأنه في حياته يدعو هو لمن توسل به ودعاؤه هو لله سبحانه أفضل ~~من دعاء الخلق فهو أفضل الخلق وأكرمهم على الله فدعاؤه لمن دعا له وشفاعته ~~له أفضل دعاء مخلوق لمخلوق فكيف يقاس هذا بمن لم يدع له الرسول ولم يشفع له ~~ومن سوى بين من دعا له الرسول ms138 وبين من لم يدع له الرسول وجعل هذا التوسل ~~كهذا التوسل فهو من أضل الناس # وأيضا فانه ليس في طلب الدعاء منه ودعائه هو والتوسل بدعائه ضرر بل هو ~~خير بلا شر وليس في ذلك محذور ولا مفسدة فان أحدا من الأنبياء عليهم السلام ~~لم يعبد في حياته بحضوره فنه ينهى من يعبده ويشرك به ولو كان شركا أصغر كما ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم من سجد له عن السجود له وكما قال لا تقولوا ~~ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد وأمثال ذلك # وأما بعد موته فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزير ~~وغيرهما عند قبورهم وغير قبورهم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فانا أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ~~أخرجاه في الصحيحين وقال اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد وقال لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا # وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان أحدهما أن لا نعبد إلا الله والثاني أن لا ~~نعبده إلا بما شرع لا نعبده بعبادة مبتدعة وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله كما قال تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا @QE@ قال الفضيل بن عياض أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي ما أخلصه ~~وأصوبه قال ان العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ~~ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون PageV01P138 خالصا صوابا والخالص أن يكون ~~لله والصواب أن يكون على السنة وذلك تحقيق قوله تعالى @QB@ فمن كان يرجو ~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا @QE@ # وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول في دعائه اللهم اجعل عملي كله ~~صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا وقال تعالى @QB@ أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ # وفي الصحيحين عن عائشة عن النبي صلى الله عليه ms139 وسلم أنه قال من أحدث في ~~أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وفي لفظ في الصحيح من عمل عملا ليس عليه أمرنا ~~فهو رد وفي الصحيح وغيره أيضا يقول الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك ~~من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك ولهذا قال ~~الفقهاء العبادات مبناها على التوقيف كما في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه ~~قبل الحجر الأسود وقال والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبلتك والله سبحانه أمرنا ~~باتباع الرسول وطاعته وموالاته ومحبته وأن يكون الله ورسوله أحب إلينا مما ~~سواهما وضمن لنا بطاعته ومحبته محبة الله وكرامته فقال تعالى @QB@ قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~وذلك الفوز العظيم @QE@ وأمثال ذلك في القرآن كثير # ولا ينبغي لأحد أن يخرج في هذا عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل ~~عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة وما علمه قال به وما لم يعلمه أمسك ~~عليه ولا يقفو ما ليس له به علم ولا يقول على ما لم يعلم فان الله تعالى قد ~~حرم ذلك كله وقد جاء في الأحاديث النبوية ذكر ما سأل الله PageV01P139 ~~تعالى به كقوله صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله ~~إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم ~~رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه # وقد اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير الله تعالى وهو الحلف ~~بالمخلوقات فلو حلف بالكعبة أو بالملائكة أو بأحد من الشيوخ أو الملوك لم ~~ينعقد يمينه ولا يشرع له ذلك بل ينهى عنه إما نهي تحريم وإما نهي تنزيه ففي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان حالفا فليحلف بالله ~~أو ms140 ليصمت وفي الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف بغير الله فقد ~~أشرك ولم يقل أحد من العلماء المتقدمين إنه ينعقد اليمين به وقد طرد بعض ~~أصحابه كابن عقيل الخلاف في سائر الأنبياء وهذا ضعيف وأصل القول بانعقاد ~~اليمين بالنبي كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنه لا ينعقد اليمين به كاحدى ~~الروايتين عن أحمد وهذا هو الصحيح # وكذلك الاستعاذة بالمخلوقات بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته ~~ولهذا اتج السلف كأحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق فيما احتجوا به ~~بقول النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بكلمات الله التامات قالوا فقد استعاذ ~~بها ولا يستعاذ بمخلوق وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا بأس ~~بالرقى ما لم تكن شركا فنهى عن الرقي التي فيها شرك كالتي فيها استعاذة ~~بالجن كما قال تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ~~فزادوهم رهقا @QE@ ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والأقسام التي يستعملها ~~بعض الناس في حق المصروع وغيره التي تتضمن الشرك بل نهوا عن كل مالا يعرف ~~معناه من ذلك خشية أن يكون فيه شرك بخلاف ما كان من الرقى المشروعة فانه ~~جائز فإذا لا يجوز أن يقسم لا قسما مطلقا ولا قسما على غيره إلا بالله عز ~~وجل # والسائل لله بغير الله إما أن يكون مقسما عليه وإما أن يكون طالبا بذلك ~~السبب كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم وكما يتوسل بدعاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم PageV01P140 والصالحين فان كان إقساما على الله بغيره فهذا لا ~~يجوز وإن كان سؤالا بسبب يقتضي المطلوب كالسؤال بالأعمال التي فيها طاعة ~~الله ورسوله مثل السؤال بالإيمان بالرسول وصحبته وموالاته ونحو ذلك فهذا ~~جائز وإن كان سؤالا بمجرد ذات الأنبياء والصالحين فهذا غير مشروع وقد نهى ~~عنه غير واحد من العلماء وقالوا إنه لا يجوز ورخص فيه بعضهم والأأول أرجح ~~كما تقدم وهو سؤال بسبب لا يفضي حصول المطلوب بخلاف من كان طالباب بالسبب ~~المقتضي لحصول المطلوب ms141 كالطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين وبالأعمال الصالحة ~~فهذا جائز لأن دعاء الصالحين سبب لثواب الله لنا وإذا توسلنا بدعائهم ~~وأعمالنا كنا متوسلين إليه تعالى بوسيلة كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة @QE@ والوسيلة هي الأعمال الصالحة ~~وقال تعالى @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة @QE@ # وأما إذا لم نتوسل اليه سبحانه بدعائهم ولا بأعمالنا ولكن توسلنا بنفس ~~ذواتهم لم يكن نفس ذواتهم سببا يقتضي إجابة دعائنا فكنا متوسلين بغير وسيلة ~~ولهذا لم يكن هذا منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلا صحيحا ولا ~~مشهورا عن السلف وقد نقل في منسك المروذي عن أحمد دعاء فيه سؤال بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وهذا قد يخرج على إحدى الروايتين عنه في جواز القسم به ~~وأعظم العلماء على النهي في الأمرين ولا ريب أن لهم عند الله الجاه العظيم ~~كما قال تعالى في موسى وعيسى عليهما السلام وقد تقدم ذكر ذلك لكن ما لهم ~~عند الله من المنازل والدرجات أمر يعود نفعه إليهم ونحن ننتفع من ذلك ~~باتباعنا لهم ومحبتنا لهم فاذا توسلنا إلى الله تعالى بإيماننا بنبيه ~~ومحبته وموالاته واتباع سنته فهذا من أعظم الوسائل وأما التوسل بنفس ذاته ~~مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته فلا يجوز أن يكن وسيلة فالمتوسل بالمخلوق ~~إذا لم يتوسل بإيمان المتوسل به ولا بطاعته فبأي شيء يتوسل والإنسان إذا ~~توسل إلى غيره PageV01P141 بوسيلة فأما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ~~ذلك مثل أن يقال لأبي الرجل أو صديقه أو من يلزم عليه اشفع لنا عنده وهذا ~~جائز وإما أن يقسم عليه والإقسام على الله تعالى بالمخلوقين لا يجوز ولا ~~يجوز الإقسام على مخلوق بمخلوق وإما أن يسأل بسبب يقتضي المطلوب كما قال ~~الله تعالى @QB@ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام @QE@ وسيأتي بيان ~~ذلك # وقد تبين أن الإقسام على الله بغيره لا يجوز ولا يجوز أن يقسم بمخلوق ~~أصلا وأما التوسل إليه بشفاعته المأذون لهم فجائز والأعمى كان قد طلب ms142 من ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوا له كما طلب الصحابة منه الاستسقاء وقوله ~~أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة أي بدعائه وشفاعته لي ولهذا تمام الحديث ~~اللهم فشفعه في فالذي في الحديث متفق على جوازه وليس هو مما نحن فيه وقد ~~قال تعالى @QB@ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام @QE@ فعلى قراءة ~~الجمهور بالنصب إنما يسألون بالله وحده لا بالرحم وتساؤلهم بالله تعالى ~~يتضمن إقسام بعضهم على بعض بالله وتعاهدهم بالله وأما على قراءة الخفض فقد ~~قال طائفة من السلف هو قولهم أسألك بالله وبالرحم وهذا إخبار عن سؤالهم وقد ~~يقال انه ليس بدليل على جوازه فإن كان دليلا على جوازه فمعنى قوله أسألك ~~بالرحم ليس إقساما بالرحم والقسم هنا لا يسوغ لكن بسبب الرحم أي لأن الرحم ~~توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقا كسؤال الثلاثة لله تعالى بأعمالهم ~~الصالحة وكسؤالنا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته ومن هذا الباب ما ~~روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن ابن أخيه عبد الله ابن جعفر كان ~~إذا سأله بحق جعفر أعطاه وليس هذا من باب الإقسام فإن الإقسام بغير جعفر ~~أعظم بل من باب حق الرحم لأن الله إنما وجب بسبب جعفر وجعفر حقه على علي # ومن هذا الباب الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ~~وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج اشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة ولكن خرجت ~~اتقاء PageV01P142 سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر ~~لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وهذا الحديث في إسناده عطية العوفي ~~وفيه ضعف فإن كان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو من هذا الباا ~~لوجهين # ( أحدهما ) لأن فيه السؤال لله تعالى بحق السائلين وبحق الماشين في طاعته ~~وحق السائلين أن يجيبهم وحق الماشين أن يثيبهم وهذا حق أوجبه الله تعالى ~~وليس للمخلوق ms143 أن يوجب على الخالق تعالى شيئا ومنه قوله تعالى @QB@ كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة @QE@ وقوله تعالى @QB@ وكان حقا علينا نصر المؤمنين @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى ~~بعهده من الله @QE@ وفي الصحيح في حديث معاذ حق الله على عباده أن يعبدوه ~~ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم وفي ~~الصحيح عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك ~~وتعالى أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا ~~تظالموا وإذا كان حق السائلين والعابدين له هو الإجابة والغثابة بذلك فذاك ~~سؤال الله بأفعاله كالاستعاذة بنحو ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم أعوذ ~~برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~على نفسك فالاستعاذة بمعافاته التي هي فعله كالسؤال بإثابته التي هي فعله # ( الوجه الثاني ) أن الدعاء به سبحانه وتعالى والعمل له سبب بحصول مقصود ~~العبد فهو كالتوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين من أمته وقد ~~تقدم أن الدعاء بالنبي صلى الله عليه وسلم والصالح إما أن يكون إقساما به ~~أو سببا به فان كان قوله بحق السائلين عليك إقساما فلا يقسم على الله إلا ~~به وإن كان سببا فهو سبب بما جعله هو سبحانه سببا وهو دعؤه وعبادته فهذا ~~كله يشبه بعضه بعضا وليس في شيء من ذلك دعاء له بمخلوق من غير دعاء منه ولا ~~عما صالح منا # وإذا قال السائل أسألك بحق الملائكة أو بحق الأنبياء وحق PageV01P143 ~~الصالحين ولا يقول لغيره اقسمت عليك بحق هؤلاء فاذا لم يجز له أن يحلف به ~~ولا يقسم على مخلوق به فكيف يقسم على الخالق به وإن كان لا يقسم به وإنما ~~يتسبب به فليس في مجرد ذوات هؤلاء سبب يوجب تحصيل مقصوده ولكن لا بد من سبب ~~منه كالإيمان بالملائكة والأنبياء أو منهم كدعائهم ولكن كثيرا من الناس ~~تعودوا ms144 ذلك كما تعودوا الحلف بهم حتى يقول أحدهم وحقك على الله وحق هذه ~~الشيبة على الله # وإذا قال القائل أسألك بحق فلان أو بجاهه أي أسألك بإيماني به ومحبتي له ~~وهذا من أعظم الوسائل قيل من قصد هذا المعنى فهو معنى صحيح لكن ليس هذا ~~مقصود عامة هؤلاء فمن قال أسالك بإيماني بك وبرسولك ونحو ذلك أو بإيماني ~~برسولك ومحبتي له ونحو ذلك فقد أحسن في ذلك كما قال تعالى في دعاء المؤمنين ~~@QB@ ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا ~~فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الراحمين @QE@ وقال تعالى @QB@ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول ~~فاكتبنا مع الشاهدين @QE@ وكان ابن مسعود يقول اللهم أمرتني فأطعت ودعوتني ~~فأجبت وهذا سحر فاغفر لي ومن هذا الباب حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر ~~فأووا إلى الغار وانطبقت عليهم الصخرة ثم دعوا الله سبحانه بأعمالهم ~~الصالحة ففرج عنهم وهو ما ثبت في الصحيحين # وقال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثنا خالد بن خراش العجلاني وإسماعيل ابن ~~إبراهيم قال حدثنا صالح المري عن ثابت عن أنس قال دخلنا على رجل من الأنصار ~~وهو مريض ثقيل فلم نبرح حتى قبض فبسطنا عليه ثوبه وله أم عجوز كبيرة عند ~~رأسه فالتفت اليها بعضنا وقال يا هذه احتسبي PageV01P144 مصيبتك عند الله ~~فقالت وما ذاك مات ابني قلنا نعم قالت أحق ما تقولون قلنا نعم فمدت يديها ~~إلى الله فقالت اللهم إنك تعلم إني أسلمت وهاجرت إلى رسولك رجاء أن تعقبني ~~عند كل شدة فرجا فلا تحمل علي هذه المصيبة اليوم قال فكشفت الثوب عن وجهه ~~فما برحنا حتى طعمنا معه وروي في كتاب الحلية لأبي نعيم أن دواد قال بحق ~~آبائي عليك إبراهيم واسحاق ويعقوب فأوحى الله تعالى إليه يا داود أي حق ~~لآبائك ms145 علي وهذا وإن لم يكن من الدلالة الشرعية فالإسرائيليات يعتضد بها ~~ولا يعتمد عليها # وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه ~~وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شيء يحقق هذا الأمر أن التوسل به ~~والتوجه به لفظ في إجمال وإشتراك بحسب الاصطلاح فمعناه في لغة الصحابة أن ~~يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته ودعاؤه ~~وشفاعته صلى الله عليه وسلم من أعظم الوسائل عند الله عز وجل وأما في لغة ~~كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى ويقسم عليه بذاته # والله تعالى لا يقسم عليه بشيء من المخلوقات بل لا يقسم بها بحال فلا ~~يقال أقسمت عليك يا رب بملائكتك ولا بكعبتك ولا بعبادك الصالحين كما لا ~~يجوز أن يقسك الرجل بهذه الأشياء بل إنما يقسم بالله تعالى بأسمائه وصفاته ~~ولهذا كان السنة أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته فيقول أسألك بأن لك ~~الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا ~~حي يا قيوم وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد وكذلك قوله اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة ~~من كتابك وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وبكلماتك التامات مع أن هذا الدعاء ~~الثالث في جواز الدعاء به قولان للعلماء قال الشيخ أبو الحسين القدروي في ~~كتابه المسمى بشرح الكرخي قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف قال قال أبو ~~حنيفة لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول بمعاقد العز من ~~عرشك أو بحق خلقك وهو قول PageV01P145 ابي يوسف قال أبو يوسف معقد العز من ~~عرشه هو الله فلا أكره هذا وأكره أن يقول بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت ~~والمشعر الحرام قال القدروي المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للمخلوق على ~~الخالق فلا يجوز يعني وفاقا وهذا من أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما يقتضي ~~المنع أن يسأل ms146 الله بغيره # فان قيل الرب سبحانه وتعالى يقسم بما شء من مخلوقاته وليس لنا أن نقسم ~~عليه إلا به فهلا قيل يجوز أن يقسم عليه بمخلوقاته وأن لا يقسم على مخلوق ~~إلا بالخالق تعالى قيل لأن إقسامه سبحانه بمخلوقاته من باب مدحه والثناء ~~عليه وذكر آياته وإقسامنا نحن بذلك شرك إذا أقسمنا به لحض غيرنا أو لمنعه ~~أو تصديق خبر أو تكذيبه ومن قال لغيره اسألك بكذا فأما أن يكون مقسما فهذا ~~لا يجوز بغير الله تعالى والكفارة في هذا على المقسم لا على المقسم عليه ~~كما صرح بذلك أئمة الفقهاء وإن لم يكن مقسما فهو من باب السؤال فهذا لا ~~كفارة فيه على واحد منهما # فتبين أن السائل لله بخلقه إما أن يكون حالفا بمخلوق وذلك لا يجوز وإما ~~أن يكون سائلا به وقد تقدم تفصيل ذلك وإذا قيل بالله افعل كذا فلا كفارة ~~فيه على واحد منهما وإذا قال أقسمت عليك بالله لتفعلن أو والله لتفعلن فلم ~~يبر قسمه لزمت الكفارة الحالف والذي يدعو بصيغة السؤال فهو من باب السؤال ~~به وأما إذا أقسم على الله تعالى مثل أني قول اقسمت عليك يا رب لتفعلن كذا ~~كما كان يفعل البراء بن مالك وغيره من السلف فقد ثبت في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال رب اشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم ~~على الله لأبره وفي الصحيح أنه قال لما قال أنس بن النضر والذي بعثك بالحق ~~لا تكسر ثنية الربيع فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أنس كتاب الله ~~القصاص فعفا القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله من لو ~~أقسم على الله لأبره وهذا من باب الحلق بالله لتفعلن هذا الأمر فهو إقسام ~~عليه تعالى وليس إقساما عليه بمخلوق # وينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة فان ~~ذلك لا ريب في فضله وحسنه وأنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين ms147 والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا PageV01P146 # وقد تقدم أن ما يذكره بعض العامة من قوله صلى الله عليه وسلم إذا كانت ~~لكم حاجة فاسألوا الله بجاهي حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو في ~~شيء من كتب الحديث وإنما المشروع الصلاة عليه في كل دعاء ولهذا لما ذكر ~~العلماء الدعاء في الاستسقاء وغيره ذكروا الصلاة عليه ولم يذكروا فيما شرع ~~للمسلمين في هذه الحال التوسل به كما لم يذكر أحد من العلماء دعاء عير الله ~~والاستعانة المطلقة بغيره في حال من الأحوال وإن كان بينهما فرق فان دعاء ~~غير الله كفر ولهذا لم ينقل دعاء أحد من الموتى والغائبين لا الأنبياء ولا ~~غيرهم عن أحد من السلف وأئمة العلم وإنما ذكره بعض المتأخرين ممن ليس من ~~ائمة العلم المجتهدين بخلاف قولهم أسألك بجاه نبينا أو بحقه فان هذا مما ~~نقل عن بعض المتقدمين فعله ولم يكن مشهورا بينهم ولا فيه سنة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بل السنة تدل على النهي عنه كما نقل ذلك عن أبي حنيفة وأبي ~~يوسف وغيرهما # ورأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد بن عبد السلام قال لا يجوز أن يتوسل إلى ~~الله بأحد من خلقه إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم إن صح حديث الأعمى ~~فلم يعرف صحته وقد تقدم أن هذا الحديث لا يدل إلا على التوسل بدعائه ليس من ~~باب الإقسام بالمخلوق على الله تعالى ولا من باب السؤال بذات الرسول كما ~~تقدم والذين يتوسلون بذاته لقبول الدعاء وعدلوا عما أمروا به وشرع لهم وهو ~~من أنفع الأمور لهم إلى ما ليس كذلك فان الصلاة عليه من أعظم الوسائل التي ~~بها يستجاب الدعاء وقد أمر الله بها # والصلاة عليه في الدعاء هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والإجماع قال الله ~~تعالى @QB@ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما @QE@ وفي الصحيح عنه أنه قال من صلى علي مرة صلى الله ~~عليه عشرا ms148 وعن فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل ~~PageV01P147 على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه ثم ~~ليصل على النبي ثم ليدع بعده بما شاء رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه ~~والترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث صحيح وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا سمعتم المؤذن ~~فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ثم ~~سلوا الله لي الوسيلة فانها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ~~وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة وفي سنن ~~أبي داود والنسائي عنه أن رجلا قال يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قل كما يقولون فاذا انتهت سل تعطه وفي المسند ~~عن جابر بن عبد الله قال من قال حين ينادي المنادي اللهم رب هذه الدعوة ~~القائمة والصلاة النافة صل على محمد وارض عنه رضا لا سخط بعده استجاب الله ~~له دعوته وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء لا ~~يرد بين الأذان ولغقامة رواه أحمد وأبو داد والترمذي والنسائي وقال الترمذي ~~حديث حسن # وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعتان تفتح فيهما ~~أبواب السماء قلما ترد على داع دعوته عند حصول النداء والصف في سبيل الله ~~رواه أبو داود وفي المسند والترمذي وغيرهما عن الطفيل بن أبي بن كعب عن ~~أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال يا ~~ايها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء ms149 الموت بما فيه قال ~~أبي قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي قال ما ~~شئت قلت الربع قال ماشئت وان زدت فهو خير لك قلت النصف قال ما شئت وإن زدت ~~فهو خير لك قلت الثلثين قال ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت أجعل لك صلاتي ~~كلها قال إذا هذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك وفي لفظ إذا تكفي ~~همك ويغفر ذنبك وقول السائل اجعل لك من صلاتي يعني من دعائي فان الصلاة في ~~اللغة هي الدعاء قال تعالى @QB@ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم @QE@ وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم اللهم صل على آل أبي أوفى وقالت امرأة صل علي يا ~~رسول الله وعلى زوجي فقال صلى الله عليك PageV01P148 وعلى زوجك فيكون مقصود ~~السائل أي يا رسول الله إن لي دعاء أدعو به أستجلب به الخير وأستدفع به ~~الشر فكم أجعل لك من الدعاء قال ما شئت فلما انتهى إلى قوله أجعل لك صلاتي ~~كلها قال له إذا تكفى همك ويغفر ذنبك وفي الرواية الأخرى إذا يكفيك الله ما ~~أهمك من أمر دنياك وآخرتك وهذا غاية ما يدعو به الإنسان من جلب الخيرات ~~ودفع المضرات فان الدعاء فيه تحصيل المطلوب واندفاع المرهوب كما بسط ذلك في ~~مواضعه # وقد ذكر علماء الإسلام وأئمة الدين الأدعية الشرعية وأعرضوا عن الأدعية ~~البدعية فينبغي اتباع ذلك والمراتب في هذا الباب ثلاث # ( إحداها ) أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب سواء كان من الأنبياء ~~والصالحين أو غيرهم فيقول يا سيدي فلان أغثني أو أنا استجير بك أو استغيث ~~بك أو انصرني على عدوي وأعظم من ذلك أن يقول اغفر لي وتب علي كما يفعله ~~طائفة من الجهال المشركين وأعظم من ذلك أن يسجد لقبره ويصلي إليه ويرى ~~الصلاة إليه أفضل من استقبال القبلة حتى يقول بعضهم هذه قبلة الخواص ~~والكعبة قبلة العوام وأعظم من ذلك أن يرى السفر إليه من جنس الحج ms150 حتى يقول ~~إن السفر إليه مرات يعدل حجة وغلاتهم يقولون الزيارة إليه مرة أفضل من حج ~~البيت مرات متعددة ونحو ذلك فهذا شرك بهم وإن كان يقع كثير من الناس في ~~بعضه # ( الثانية ) ان يقال للميت أو الغائب من الانبياء والصالحين ادع الله لي ~~أو ادع لنا ربك أو أسال الله لنا كما تقول النصارى لمريم وغيرها فهذا أيضا ~~لا يستريب عالم أنه جائز وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة ~~وان كان السلام على أهل القبور جائزا ومخاطبتهم جائزة كما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم السلام عليكم ~~أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يغفر الله ~~لنا ولكم PageV01P149 نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ~~ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم وروى أبو عمر بن عبد البر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم ~~عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام وفي سنن أبي داود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى ~~أرد عليه السلام لكن ليس من المشروع أن يطلب من الأموات لا دعاء ولا غيره # وفي موطأ مالك أن ابن عمر كان يقول السلام عليك يا رسول الله السلام عليك ~~يا أبا بكر السلام عليك يا أبه ثم ينصرف وعن عبد الله بن دينار قال رأيت ~~عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويدعو لأبي بكر وعمر وكذلك أنس بن مالك وغيره نقل عنهم أنهم ~~كانوا يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم فاذا أرادوا الدعاء استقبلوا ~~القبلة يدعون الله تعالى لا يدعون مستقبلي الحجرة وإن كان قد وقع في بعض ~~ذلك طوائف من الفقهاء والصوفية والعامة فلم يذهب إلى ms151 ذلك إمام متبع في قوله ~~ولا من له في الأمة لسان صدق عام # ومذهب الأئمة الأربعة مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة ~~الإسلام أن الرجل اذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يدعو ~~لنفسه فانه يستقبل القبلة واختلفوا في وقت السلام عليه فقال الثلاثة مالك ~~والشافعي وأحمد يسقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه وقال أبو حنيفة لا ~~يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم ثم في مذهبه ~~قولان قيل يستدبر الحجرة وقيل يجعلها عن يساره فهذا نزاعهم في وقت السلام ~~وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه يستقبل القبلة لا الحجرة # والحكاية التي تذكر عن مالك أنه قال للمنصور لما سأله عن استقبال الحجرة ~~فأمره بذلك وقال هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم كذب على مالك لها إسناد معروف ~~وهو خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره ~~اسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره مثل ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون ~~القيام مستقبلي الحجرة يدعون لأنفسهم فأنكر مالك ذلك وذكر أنه من البدع ~~التي لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان وقال لا يصلح آخر هذه الأمة ~~إلا ما أصلح أولها PageV01P150 # ولا ريب أن الأمر كما قاله مالك فإن الآثار المتواترة عن الصحابة ~~والتابعين تبين أن هذا لم يكن من عملهم وعادتهم ولو كان استقبال الحجرة عند ~~الدعاء مشروعا لكانوا هم أعلم بذلك وكانوا أسبق إليه من بعدهم والداعي يدعو ~~الله وحده وقد نهى عن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالى ما نهى عن ~~استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي ~~مرثد الغنوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تجلسوا على القبور ولا ~~تصلوا إليها فلا يجوز أن يصلى إلى شيء من القبور لا قبور الأنبياء ولا ~~غيرهم لهذا الحديث الصحيح ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد ~~الصلاة إلى القبر بل هذا من البدع المحدثة وكذلك ms152 قصد شيء من القبور لا سيما ~~قبور الأنبياء والصالحين عند الدعاء وإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء ~~لله تعالى فدعاء الميت نفسه أولى أن لا يجوز كما أنه لا يجوز أن يصلي ~~مستقبله فلأن لا يجوز الصلاة له بطريق الأولى فعلم أنه لا يسأل الميت شيئا ~~لا يطلب منه أن يدعو الله ولا غير ذلك ولا يجوز أن يشكي إليه شيء من مصاب ~~الدنيا والدين ولو جاز أن يشكي إليه ذلك في حياته فإن ذلك في حياته لا يفضي ~~إلى الشرك وهذا يفضي إلى الشرك لأنه في حياته مكلف أن يجيب سؤال من سأله ~~لما له في ذلك من الأجر والثواب وبعد الموت ليس مكلفا بل ما يفعله من ذكر ~~لله تعالى ودعاء ونحو ذلك كما أن موسى يصلي في قبره وكما صلى الأنبياء خلف ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ببيت المقدس وتسبيح أهل الجنة ~~والملائكة فهم يتمتعون بذلك وهم يفعلون ذلك بحسب ما يسره الله لهم ويقدره ~~لهم ليس هو من باب التكليف الذي يمتحن به العباد # وحينئذ فسؤال السائل للميت لا يؤثر في ذلك شيئا بل ما جعله الله فاعلا له ~~هو يفعله وإن لم يسأله العبد كما يفعل الملائكة ما يؤمرون به وهم إنما ~~يطيعون أمر ربهم لا يطيعون أمر مخلوق كما قال سبحانه وتعالى @QB@ وقالوا ~~اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون @QE@ فهم لا يعملون إلا بأمره سبحانه وتعالى # ولا يلزم من جواز الشيء في حياته جوازه بعد موته فان بيته كانت الصلاة ~~فيه مشروعة وكان يجوز أن يجعل مسجدا ولما دفن فيه حرم أن يتخذ مسجدا كما في ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~PageV01P151 قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن ~~كره أن يتخذ مسجدا وفي صحيح مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن ~~من كان قبلكم كانوا يتخذوا القبور مساجد ألا ms153 فلا تتخذوا القبور مساجد فإني ~~أنهاكم عن ذلك وقد كان صلى الله عليه وسلم في حياته يصلي خلفه وذلك من أفضل ~~الأعمال ولا يجوز بعد موته أن يصلي الرجل خلف قبره وكذلك في حياته يطلب منه ~~أن يأمر وأن يفتي وأن يقضي ولا يجوز أن يطلب ذلك منه بعد موته وأمثال ذلك ~~كثيرة # وقد كره مالك وغيره أن يقول الرجل زرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأن هذا اللفظ لم يرد والأحاديث المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة بل كذب ~~وهذا اللفظ صار مشتركا في عرف المتأخرين يراد به ( الزيارة البدعية ) التي ~~في معنى الشرك كالذي يزور القبر ليسأله أو يسأل الله به أو يسأل الله عنده # و ( الزيارة الشرعية ) هي أن يزوره لله تعالى للدعاء له والسلام عليه كما ~~يصلي على جنازته فهذا الثاني هو المشروع ولكن كثيرا من الناس لا يقصد ~~بالزيارة إلا المعنى الأول فكره مالك أن يقول زرت قبره لما فيه من إبهام ~~المعنى الفاسد الذين يقصده أهل البدع والشرك # ( الثالثة ) أن يقال أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك الذي تقدم ~~عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما أنه منهي عنه وتقدم أيضا أن هذا ليس بمشهور ~~عن الصحابة بل عدلوا عنه إلى التوسل بدعاء العباس وغيره # وقد تبين ما في لفظ التوسل من الاشتراك بين ما كانت طائفة من الصحابة ~~تفعله وبين ما لم يكونوا يفعلونه فانه لفظ التوسل والتوجه في عرف الصحابة ~~ولغتهم هو التوسل والتوجه بدعائه وشفاعته ولهذا يجوز أن يتوسل ويتوجه بدعاء ~~كل مؤمن وإن كان بعض الناس من المشايخ المتبوعين يحتج بما يرويه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور أو ~~فاستعينوا بأهل القبور فهذا الحديث كذب مفترى على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإجماع العارفين بحديثه لم يروه أحد من العلماء بذلك ولا يوجد في شيء من ~~كتب الحديث المعتمدة وقد قال @QB@ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده ms154 ~~وكفى به بذنوب عباده خبيرا @QE@ PageV01P152 وهذا مما لم يعلم بالاضطرار من ~~دين الإسلام انه غير مشروع وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عما هو أقرب ~~من ذلك عن اتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك ولعن أهله تحذيرا من التشبه بهم فان ~~ذلك أصل عبادة الأوثان كما قال تعالى @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ~~ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ فان هؤلاء كانوا قوما صالحين في ~~قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروهم ثم اتخذوا الأصنام على ~~صورهم كما تقدم ذكر ذلك عن ابن عباس وغيره من علماء السلف # وهذا الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الشرك هو كذلك في ~~شرائع غيره من الأنبياء ففي التوراة أن موسى عليه السلام نهى بني إسرائيل ~~عن دعاء الأموات وغير ذلك من الشرك وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة الله لمن ~~فعله وذلك أن دين الأنبياء عليهم السلام واحد وإن تنوعت شرائعهم كما في ~~الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يا معشر الأنبياء ~~ديننا واحد وقد قال تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الرسل ~~كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ وهذا هو دين الإسلام الذي ~~لا يقبل الله دينا غيره من الأولين والآخرين كما قد بسط الكلام عليه في غير ~~هذا الموضع PageV01P153 & فصل & # وإذا تبين ما أمر الله ms155 به ورسوله وما نهى عنه ورسوله في حق أشرف الخلق ~~وأكرمهم على الله عز وجل وأرفع الشفعاء منزلة وأعظمهم جاها عند الله تبارك ~~وتعال تبين أن من دونه من الأنبياء والصالحين أولى بأن لا يشرك به ولا يتخذ ~~قبره وثنا يعبد ولا يدعى من دون الله لا في حياته ولا في مماته # ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين مثل أن ~~يقول يا سيدي فلانا أغثني وانصرني وادفع عني أو أنا في حسبك ونحو ذلك بل كل ~~هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين ~~الإسلام وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم لما ~~كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأصنام ~~ويغويهم فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل ~~المكاشفة كما تخاطب الشياطين الكهان وبعض ذلك صدق لكن لا بد أن يكون في ذلك ~~ما هو كذب بل الكذب أغلب عليه من الصدق وقد تقضي الشياطين بعض حاجاتهم ~~وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه فيظن أحدهم أن الشيخ هو الذي جاء من الغيب حتى ~~فعل ذلك أو يظن أن الله تعالى صور ملكا على صورته فعل ذلك ويقول أحدهم هذا ~~سر الشيخ وحاله وإنما هو الشيطان تمثل على صورته ليظل المشرك به المستغيث ~~به كما تدخل الشياطين في الاصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم كما كان ~~ذلك في مشركي العرب وهو اليوم موجود في المشركين من الترك والهند وغيرهم # وأعرف من ذلك وقائع كثيرة في اقوام استغاثوا بي وبغيري في حال غيبتنا ~~عنهم فرأوني أو ذاك الآخر الذي استغاثوا به قد جئنا في الهواء ورفعنا عنهم ~~PageV01P154 ولما حدثوني بذلك بينت لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي ~~وصورة غيري من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى ~~عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين وهذا من أكبر الأسباب التي ~~بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان وكذلك المستغيثون من النصارى ms156 بشيوخهم ~~الذين يسمونهم العلاس يرون أيضا من يأتي على صورة ذلك الشيخ النصراني الذي ~~استغاثوا به فيقضي بعض حوائجهم # وهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيخ وأهل بيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم غاية أحدهم أن يجري له بعض هذه الأمور أو يحكي ~~لهم بعض هذه الأمور فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب هذا العمل ومن هؤلاء ~~من يأتي إلى قبر الشيخ الذي يشرك به ويستغيث به فينزل عليه من الهواء طعام ~~أو نفق أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك كرامة لشيخه وإنما ذلك كله ~~من الشياطين وهذا من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان وقال الخليل عليه ~~السلام @QB@ واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ~~@QE@ كما قال نوح عليه السلام ومعلوم أنالحجر لا يضل كثيرا من الناس إلا ~~بسبب اقتضى ضلالهم ولكن لم يكن أحد من عباد الأصنام يعتقد أنها خلقت ~~السموات والأرض بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب منهم من صورها ~~على صور الأنبياء والصالحين ومنهم من جعلها تماثيل وطلاسم للكواكب والشمس ~~والقمر ومنهم من جعلها لأجل الجن ومنهم من جعلها لأجل الملائكة فالمعبود ~~لهم في قصدهم وهم إنما هو للملائكة والأنبياء والصالحين أو الشمس أو القمر ~~وهم في نفس الأمر يعبدون الشياطين فهي التي تقصد من الإنس أن يعبدوها وتظهر ~~لهم ما يدعوهم إلى ذلك كما قال تعالى @QB@ ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول ~~للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل ~~كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون @QE@ # وإذا كان العابد من لا يستحل عبادة الشياطين أوهموه أنه إنما يدعو ~~الأنبياء والصالحين والملائكة وغيرهم ممن يحسن العابد ظنه به وأما أن كان ~~ممن لا يحرم عبادة الجن عرفوه أنهم الجن وقد يطلب الشيطان الممثل له في ~~صورة الإنسان PageV01P155 أن يسجد له أو أن يفعل به الفاحشة أو أن يأكل ~~الميتة ويشرب الخمر أو أن يقرب لهم الميتة وأكثرهم لا يعرفون ذلك بل يظنون ~~أن ms157 من يخاطبهم إما ملائكة وإما رجال من الجن يسمونهم رجال الغيب ويظنون أن ~~رجال الغيب أولياء لله غائبون عن أبصار الناس وأولئك جن تمثلت بصور الإنس ~~أو رؤيت في غير صور الإنس قال تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ كان الإنس إذا نزل أحدهم بواد يخاف أهله ~~قال أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه وكانت الانس تستعيذ الجن فصار ذلك ~~سببا لطغيان الجن وقالت الإنس تستعذيد بنا وكذلك الرقي والعزائم الأعجمية ~~هي تتضمن أسماء رجال من الجن يدعون ويستغاث بهم ويقسم عليهم بمن يعظمونه ~~فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور وهذا من جنس السحر والشرك قال ~~تعالى @QB@ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن ~~الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت ~~وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ~~ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ~~ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون @QE@ وكثير من هؤلاء يطير في ~~الهواء وتكون الشياطين قد حملته وتذهب به إلى مكة وغيرها ويكون مع ذلك ~~زنديقا يجحد الصلاة وغيرها مما فرض الله ورسوله ويستحل المحارم التي حرمها ~~الله ورسوله وإنما يقترن به أولئك الشياطين لما فيه من الكفر والفسوق ~~والعصيان حتى إذا آمن باله ورسوله وتاب والتزم طاعة الله ورسوله فارقته تلك ~~الشياطين وذهبت تلك الأحوال الشيطانية من الاخبارات والتأثيرات وأنا أعرف ~~من هؤلاء عددا كثيرا بالشام ومصر والحجاز واليمن وأما الجزيرة والعراق ~~وخراسان ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها وبلاد الكفار من ~~المشركين وأهل الكتاب أعظم # وإنما ظهرت هذه الأحوال الشيطانية التي اسبابها الكفر والفسوق والعصيان ~~PageV01P156 بحسب ظهور أسبابها فحيق قوي الإيمان والتوحيد ونور الفرقان ~~والإيمان وظهرت آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال الشيطانية وحيث ظهر ms158 ~~الكفر والفسوق والعصيان قويت هذه الأحوال الشيطانية والشخص الواحد الذي ~~يجتمع فيه هذا وهذا الذي تكون فيه مادة تمده للإيمان ومادة تمده للنفاق ~~يكون فيه من هذا الحال وهذا الحال والمشركون الذين لم يدخلوا في الإسلام ~~مثل البخشية والطونية والبدي ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم الذين ~~يكونون للكفار من الترك والهند والخطا وغيرهم تكون الأحوال الشيطانية فيهم ~~أكثر ويصعد أحدهم في الهواء ويحدثهم بأمور غائبة ويبقى الدف الذ يغني لهم ~~به يمشي في الهواء ويضرب رأس أحدهم اذا خرج عن طريقهم ولا يرون أحدا يضرب ~~له ويطوف الإناء الذي يشربون منهم عليهم ولا يرون من يحمله ويكون أحدهم في ~~مكان فمن نزل منهم عنده ضيفه طعاما يكفيهم ويأتيهم بألوان مختلفة وذلك من ~~الشياطين تأتيه من تلك المدينة القريبة منه أو من غيرها تسرقه وتأتي به ~~وهذه الأمور كثيرة عند من يكون مشركا أو ناقص الإيمان من الترك وغيرهم وعند ~~التتار من هذا أنواع كثيرة # وأما الداخلون في الإسلام اذا لم يحققوا التوحيد واتباع الرسول بل دعوا ~~الشيوخ الغائبين واستغاثوا بهم فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما ~~فيهم مما يرضي الشيطان ومن هؤلاء قوم فيهم عبادة ودين مع نوع جهل يحمل ~~أحدهم فيوقف بعرفات من الحجاج من غير أن يحرم اذا حاذى المواقيت ولا يبيت ~~بمزدلفة ولا يطوف طواف الإفاضة ويظن أنه حصل له بذلك عمل صالح وكرامة عظيمة ~~من كرامات الأولياء ولا يعلم أن هذا من تلاعب الشيطان به فان مثل هذا الحج ~~ليس مشروعا ولا يجوز باتفاق علماء المسلمين ومن ظن أن هذا عبادة وكرامة ~~لأولياء الله فهو ضال جاهل ولهذا لم يكن أحد من الأنبياء والصحابة يفعل بهم ~~مثل هذا فانهم أجل قدرا من ذلك وقد جرت هذه الفضيلة لبعض من حمل هو وطائفة ~~معه من الاسكندرية الى PageV01P157 عرفة فرأى ملائكة تنزل وتكتب أسماء ~~الحجاج فقال كتبتموني قالوا أنت لم تحج كما حج الناس أنت لم تتعب ولم تحرم ~~ولم يحصل لك من الحج الذي يثاب ms159 الناس عليه ما حصل للحجاج وكان بعض الشيوخ ~~قد طلب منه بعض هؤلاء أن يحج معهم في الهواء فقال لهم هذا الحج لا يسقط به ~~الفرض عنكم لأنكم لم تحجوا كما أمر الله ورسوله # ودين الإسلام مبني على أصلين على أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيء وعلى ~~أن يعبد بما شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وهذان هما حقيقة قولنا ~~أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا عبده ورسوله فالإله هو الذي تألهه ~~القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء واجلالا واكراما والله عز ~~وجل له حق لا يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف ~~إلا الله ولا يطاع إلا الله # والرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله تعالى أمره ونهيه وتحليله ~~وتحريمه فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه والرسول صلى الله ~~عليه وسلم واسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده ~~وتحليله وتحريمه وسائر ما بلغه من كلامه وأما في إجابة العاء وكشف البلاء ~~والهداية والإغناء فالله تعالى هو الذي يسمع كلامهم ويرى مكانهم ويعلم سرهم ~~ونجواهم وهو سبحانه قادر على إنزال النعم وإزالة الضر والسقم من غير احتياج ~~منه إلى أن يعرفه أحد أحوال عباده أو يعينه على قضاء حوائجهم والأسباب التي ~~بها يحصل ذلك هو خلقها وسيرها فهو مسبب الأسباب وهو الأحد الصمد الذي لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QB@ يسأله من في السماوات والأرض كل يوم ~~هو في شأن @QE@ فأهل السموات يسألونه وأهل الأرض يسألونه وهو سبحانه لا ~~يشغله سمع كلام هذا عن سمع كلام هذا ولا يغلطه اختلاف أصواتهم ولغاتهم بل ~~يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات وال برمه إلحاح الملحين ~~بل يحب الالحاح في الدعاء # وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم اذا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الأحكام أمر PageV01P158 رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجابتهم كما ms160 قال ~~تعالى @QB@ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج @QE@ @QB@ ويسألونك ~~ماذا ينفقون قل العفو @QE@ @QB@ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير @QE@ إلى غير ذلك من مسائلهم فلما سألوه عنه سبحانه وتعالى قال ~~@QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ فلم يقل ~~سبحانه فقل بل قال تعالى @QB@ فإني قريب أجيب دعوة الداع @QE@ فهو قريب من ~~عباده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث لما كانوا يرفعون ~~أصواتهم بالذكر والدعاء فقال أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون ~~أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم م ~~نعنق راحلته وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدكم إلى صلاته فلا ~~يبصقن قبل وجهه فان الله قبل وجهه ولا عن يمينه فان عن يمينه ملكا ولكن عن ~~يساره وتحت قدمه وهذا الحديث في الصحيح من غير وجه # وهو سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ~~ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته وهو سبحانه غني عن العرش وعن سائر ~~المخلوقات لا يفتقر إلى شيء من مخلوقاته بل هو الحامل بقدرته العرش وحملة ~~العرش # وقد جعل تعالى العالم طبقات ولم يجعل أعلاه مفتقرا إلى اسفله فالسماء لا ~~تفتقر إلى الهواء والهواء لا يفتقر إلى الأرض فالعلي الأعلى رب السموات ~~والأرض وما بينهما الذي وصف نفسه بقوله تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون @QE@ أجل وأعظم وأغنى وأعلى من أن يفتقر إلى شيء بحمل أو غير حمل بل ~~هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد الذي كل ما سواه ~~مفتقر إليه وهو مستغن عن كل ما سواه # وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع قد بين فيه التوحيد الذي بعث الله ~~به رسوله قولا وعملا فالتوحيد القولي مثل سورة الإخلاص @QB@ قل هو الله أحد ~~@QE@ والتوحيد ms161 العملي @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ ولهذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم PageV01P159 يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الفجر وركعتي ~~الطواف وغير ذلك وقد كان أيضا يقرأ في ركعتي الفجر وركعتي الطواف @QB@ ~~قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا @QE@ الآية وفي الركعة الثانية بقوله ~~تعالى @QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن ~~تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون @QE@ فإن هاتين الآيتين فيهما دين الإسلام ~~وفيهما الإيمان القولي والعملي فقوله تعالى @QB@ آمنا بالله وما أنزل إلينا ~~وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط @QE@ إلى آخرها ~~يتضمن الإيمان القولي والإسلام وقوله @QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم @QE@ الآية إلى آخرها يتضمن الإسلام والإيمان ~~العملي فأعظم نعمة أنعمها الله على عباده الإسلام والإيمان وهما في هاتين ~~الآيتين والله سبحانه وتعالى أعلم # فهذا آخر السؤال والجواب الذي أحببت إيراده هنا بألفاظه لما اشتمل عليه ~~من المقاصد المهمة والقواعد النافعة في هذا الباب مع الاختصار فإن التوحيد ~~هو سر القرآن وكتب الإيمان وتنويع العبارة بوجوه الدلالات من أهم الأمور ~~وأنفعها للعباد في مصالح المعاش والمعاد والله أعلم * تم الكتاب ولله الحمد ~~والمنة * PageV01P160 ms162