######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000976 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: القواعد النوارنية الفقهية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه :: الكتب الجامعة لأصول الفقه :: كتب أصول الفقه الإسلامي #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: القواعد النورانية #META# 030.LibURI :: JK_000976 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد حامد الفقي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المعرفة #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1399 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # القواعد النورانية الفقهية # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه ثقتي وهو حسبي ونعم الوكيل # قال الشيخ الإمام العالم العامل القدوة رباني الأمة ومحيي السنة العلامة ~~شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية ~~الحراني قدس الله روحه ونور ضريحه # الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد خاتم ~~المرسلين وإمام المهتدين وعلى آله أجمعين $ فصل # أما العبادات فأعظمها الصلاة والناس آما أن يبتدئوا مسائلها بالطهور ~~لقوله صلى الله عليه وسلم ( ( مفتاح الصلاة الطهور ) ) كما رتبه أكثرهم ~~وأما بالمواقيت التي تجب بها الصلاة كما فعله مالك وغيره # فأما الطهارة والنجاسة فنوعان من الحلال والحرام في اللباس ونحوه تابعان ~~للحلال والحرام في الأطعمة والأشربة # ومذهب أهل الحديث في هذا الأصل العظيم الجامع وسط بين مذهب العراقيين ~~والحجازيين فإن أهل المدينة مالكا وغيره يحرمون من الأشربة كل مسكر كما صحت ~~بذلك النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة وليسوا في الأطعمة ~~كذلك بل الغالب عليهم فيها عدم التحريم PageV01P001 فيبيحون الطيور مطلقا ~~وان كانت من ذات المخالب ويكرهون كل ذي ناب من السباع وفي تحريمها عن مالك ~~روايتان وكذلك في الحشرات عنه هل هي محرمة أو مكروهة روايتان وكذلك البغال ~~والحمير وروي عنه أنها مكروهة أشد من كراهة السباع وروى عنه أنها محرمة ~~بالسنة دون تحريم الحمير والخيل أيضا يكرهها لكن دون كراهة السباع # وأهل الكوفة في باب الأشربة مخالفون لأهل المدينة ولسائر الناس ليست ~~الخمر عندهم إلا من العنب ولا يحرمون القليل من المسكر إلا أن يكون خمرا من ~~العنب أو أن يكون من نبيذ التمر أو الزبيب النيء أو يكون من مطبوخ عصير ~~العنب إذا لم يذهب ثلثاه وهم في الأطعمة في غاية التحريم حتى حرموا الخيل ~~والضباب وقيل إن أبا حنيفة يكره الضب والضباع ونحوها # فأخذ أهل الحديث في الأشربة بقول أهل المدينة وسائر أهل الأمصار موافقة ~~للسنة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في التحريم وزادوا ms001 ~~عليهم في متابعة السنة وصنف الإمام أحمد كتابا كبيرا في الأشربة ما علمت ~~أحدا صنف أكبر منه وكتابا أصغر منه وهو أول من أظهر في العراق هذه السنة ~~حتى إنه دخل بعضهم بغداد فقال هل فيها من يحرم النبيذ فقالوا لا إلا أحمد ~~بن حنبل دون غيره من الأئمة وأخذ فيها بعامة السنة حتى إنه حرم العصير ~~والنبيذ بعد ثلاث وان لم يظهر فيه شدة متابعة للسنة المأثورة في ذلك لان ~~الثلاث مظنة ظهور الشدة غالبا والحكمة هنا مما تخفى فأقيمت المظنة مقام ~~الحكمة حتى إنه كره الخليطين إما كراهة تنزيه أو تحريم على اختلاف ~~الروايتين عنه وحتى اختلف قوله في الانتباذ في الأوعية هل هو مباح أو محرم ~~أو مكروه لان أحاديث النهي كثيرة جدا وأحاديث النسخ قليلة فاختلف اجتهاده ~~هل تنسخ تلك الأخبار المستفيضة بمثل هذه الأخبار التي لا تخرج عن كونها ~~أخبار آحاد ولم يخرج البخاري منها شيئا PageV01P002 # وأخذوا في الأطعمة بقول أهل الكوفة لصحة السنن عن النبي صلى الله عليه و ~~سلم بتحريم كل ذي ناب من السباع و كل ذي مخلب من الطير و تحريم لحوم الحمر ~~لأن النبي صلى الله عليه و سلم أنكر على من تمسك في هذا الباب بعدم وجود نص ~~التحريم في القرآن حيث قال ( ( لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه ~~الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول بيننا و بينكم هذا القرآن فما ~~وجدنا فيه من حلال استحللناه و ما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا و إني ~~أوتيت الكتاب و مثله معه وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه و سلم كما حرم ~~الله تعالى ) ) و هذا المعنى محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه # و علموا أن ما حرمه رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما هو زيادة تحريم ~~ليس نسخا للقرآن لأن إنما دل على أن الله لم يحرم إلا الميتة و الدم و لحم ~~الخنزير PageV01P003 وعدم التحريم ms002 ليس تحليلا و إنما هو بقاء للأمر على ما ~~كان و هذا قد ذكره الله في سورة الأنعام التي هي مكية باتفاق العلماء ليس ~~كما ظنه أصحاب مالك و الشافعي أنها من آخر القرآن نزولا و إنما سورة ~~المائدة هي المتأخرة و قد قال الله فيها @QB@ أحل لكم الطيبات @QE@ فعلم أن ~~عدم التحريم المذكور في سورة الأنعام ليس تحليلا و إنما هو عفو فتحريم رسول ~~الله رافع للعفو ليس نسخا للقرآن # لكن لم يوافق أهل الحديث الكوفيين على جميع ما حرموه بل أحلوا الخيل لصحة ~~السنن عن النبي صلى الله عليه و سلم بتحليلها يوم خيبر و بأنهم ذبحوا على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فرسا و أكلوا لحمه و أحلوا الضب لصحة ~~السنن عن النبي صلى الله عليه و سلم بأنه قال ( ( لا أحرمه ) ) و بأنه أكل ~~على مائدته وهو ينظر ولم ينكر على من أكله و غير ذلك مما جاءت فيه الرخصة ~~PageV01P004 # فنقصوا عما حرمه أهل الكوفة من الأطعمة كما زادوا على أهل المدينة في ~~الأشربة لأن النصوص الدالة على تحريم الأشربة المسكرة أكثر من النصوص ~~الدالة على تحريم الأطعمة # و لأهل المدينة سلف من الصحابة و التابعين في استحلال ما أحلوه أكثر من ~~سلف أهل الكوفة في استحلال المسكر و المفاسد الناشئة من المسكر أعظم من ~~مفاسد خبائث الأطعمة و لهذا سميت الخمر أم الخبائث كما سماها عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه و غيره و أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلد شاربها فإنه لم ~~يحد فيها أحد من أهل العلم إلا ما بلغنا عن الحسن البصري بل قد أمر صلى ~~الله عليه و سلم بقتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة و إن كان الجمهور ~~على أنه منسوخ و نهى النبي PageV01P005 صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه عن ~~تخليل الخمر و أمر بشق ظروفها و كسر دنانها و إن كان قد اختلفت الرواية عن ~~أحمد هل هذا باق أو منسوخ # ولما ms003 كان الله سبحانه و تعالى إنما حرم الخبائث لما فيها من الفساد إما ~~في العقول أو الأخلاق أو غيرها ظهر على الذين استحلوا بعض المحرمات من ~~الأطعمة أو الأشربة ممن النقص بقدر ما فيها من المفسدة و لولا التأويل ~~لاستحقوا العقوبة # ثم إن الإمام أحمد و غيره من علماء الحديث زادوا في متابعة السنة على ~~غيرهم بأن أمروا بما أمر الله به ورسوله مما يزيل ضرر بعض المباحات مثل ~~لحوم الإبل فإنها حلال بالكتاب و السنة و الإجماع و لكن فيها من القوة ~~الشيطانية ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ( ( إنها جن خلقت ~~من جن ) ) و قد قال صلى الله عليه و سلم فيما رواه أبو داود ( ( الغضب من ~~الشيطان و إن الشيطان من النار PageV01P006 وإنما تطفئ النار بالماء فإذا ~~غضب أحدكم فليتوضأ ) ) فأمر بالتوضؤ من الأمر العارض من الشيطان فأكل لحمها ~~يورث قوة شيطانية تزول لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء من ~~لحمها كما صح ذلك عنه من غير وجه من حديث جابر بن سمرة و البراء بن عازب و ~~أسيد بن الحضير و ذي الغرة و غيرهم فقال مرة توضئوا من لحوم الإبل و لا ~~توضئوا من لحوم الغنم و صلوا في مرابض الغنم و لا تصلوا في معاطن الإبل فمن ~~توضأ من لحومها اندفع عنه ما يصيب المدمنين لأكلها من غير وضوء كالأعراب من ~~الحقد و قسوة القلب التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله المخرج ~~عنه في الصحيحين إن الغلظة و قسوة القلوب في الفدادين أصحاب الإبل و إن ~~السكينة في أهل الغنم # و اختلف عن أحمد هل يتوضأ من سائر اللحوم المحرمة على روايتين بناء ~~PageV01P007 على أن الحكم مختص بها أو أن المحرم أولى بالتوضؤ منه من ~~المباح الذي فيه نوع مضرة # و سائر المصنفين من أصحاب الشافعي و غيره وافقوا أحمد على هذا الأصل و ~~علموا أن من اعتقد أن هذا منسوخ بترك الوضوء مما ms004 مست النار فقد أبعد لأنه ~~فرق في الحديث بين اللحمين ليتبين أن العلة هي الفارقة بينهما لا الجامع # و كذلك قالوا بما اقتضاه الحديث من أنه يتوضأ منه نيئا و مطبوخا و لأن ~~هذا الحديث كان بعد النسخ و لهذا قال في لحم الغنم و إن شئت فلا تتوضأ و ~~لأن النسخ لم يثبت إلا بالترك من لحم غنم فلا عموم له و هذا معنى قول جابر ~~كان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار فإنه رآه يتوضأ ثم رآه أكل ~~لحم غنم و لم يتوضأ و لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم صيغة عامة في ~~ذلك و لو نقلها لكان فيه نسخ للخاص بالعام الذي لم يثبت شموله لذلك الخاص ~~عينا و هو أصل لا يقول به أكثر المالكية و الشافعية و الحنبلية # هذا مع أن أحاديث الوضوء مما مست النار لم يثبت أنها منسوخة بل قد قيل ~~إنها متأخرة و لكن أحد الوجهين في مذهب أحمد أن الوضوء منها مستحب ليس ~~بواجب و الوجه الآخر لا يستحب # فلما جاءت السنة بتجنب الخبائث الجسمانية و التطهر منها كذلك جاءت بتجنب ~~الخبائث الروحانية و التطهر منها حتى قال صلى الله عليه وسلم ( ( إذا قام ~~أحدكم من الليل فليستنشق بمنخريه من الماء فإن الشيطان يبيت على خيشومه ) ) ~~و قال ( ( إذا قام أحدكم من نوم الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ~~ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده ) ) فعلل الأمر بالغسل PageV01P008 ~~بمبيت الشيطان على خيشومه فعلم أن ذلك سبب للطهارة من غير النجاسة الظاهرة ~~فلا يستبعد أن يكون هو السبب لغسل يد القائم من نوم الليل # و كذلك نهي عن الصلاة في أعطان الإبل و قال إنها جن خلقت من جن كما ثبت ~~عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال ( ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة و الحمام ~~) ) وقد روي عنه ( ( أن الحمام بيت الشيطان ) ) وثبت عنه أنه لما ارتحل عن ~~المكان الذي ناموا فيه عن ms005 صلاة الفجر قال ( ( إنه مكان حضرنا فيه الشيطان ) ~~) # فعلل صلى الله عليه وسلم الأماكن بالأرواح الخبيثة كما يعلل بالأجسام ~~الخبيثة و بهذا يقول أحمد و غيره من فقهاء الحديث و مذهبه الظاهر عنه أن ما ~~كان مأوى للشياطين كالمعاطن و الحمامات حرمت الصلاة فيه و ما عرض الشيطان ~~فيه كالمكان الذي ناموا فيه عن الصلاة كرهت فيه الصلاة # و الفقهاء الذين لم ينهوا عن ذلك إما لأنهم لم يسمعوا هذه النصوص سماعا ~~تثبت به عندهم أو سمعوها و لم يعرفوا العلة فاستبعدوا ذلك عن القياس ~~فتأولوه # و أما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة خلاف هذه المسائل و ~~أنهم لم يكونوا يتوضئون من لحوم الإبل فقد غلط عليهم و إنما توهم ذلك لما ~~نقل عنهم أنهم لم يكونوا يتوضئون مما مست النار و إنما المراد أن أكل ما مس ~~النار ليس هو سببا عندهم لوجوب الوضوء و الذي أمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الوضوء من لحوم الإبل ليس سببه مس النار كما يقال كان فلان لا ~~يتوضأ من مس الذكر و إن كان يتوضأ منه إذا خرج منه مذي # و من تمام هذا أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم و ~~غيره PageV01P009 من حديث أبي ذر وأبي هريرة رضي الله عنهما وجاء من حديث ~~غيرهما أنه يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة والحمار وفرق النبي صلى الله ~~عليه وسلم بين الكلب الأسود والأحمر والأبيض بأن الأسود شيطان وصح عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( ( إن الشيطان تفلت على البارحة ليقطع صلاتي ~~فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية ن سواري المسجد ) ) الحديث فأخبر أن ~~الشيطان أراد أن يقطع عليه صلاته فهذا أيضا يقتضي أن مرور الشيطان يقطع ~~الصلاة فلذلك اخذ أحمد بذلك في الكلب الأسود واختلف قوله في المرأة والحمار ~~لأنه عارض هذا الحديث حديث عائشة لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى ~~وهي في قبلته وحديث ابن عباس رضى ms006 الله عنهما لما اجتاز على أتانه بين يدي ~~بعض الصف والنبي صلى الله عليه وسلم يصلى بأصحابه بمنى مع أن المتوجه أن ~~الجميع يقطع وأنه يفرق بين المار واللابث كما فرق بينهما في الرجل في كراهة ~~مروره دون لبثه في القبلة إذا استدبره المصلى ولم يكن متحدثا وأن مروره ~~ينقص ثواب الصلاة دون اللبث # واختلف المتقدمون من أصحاب أحمد في الشيطان الجنى إذا علم بمروره هل يقطع ~~الصلاة والأوجه أنه يقطعها بتعليل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبظاهر ~~قوله يقطع صلاتي لأن الأحكام التي جاءت بها السنة في الأرواح الخبيثة من ~~الجن وشياطين الدواب في الطهارة والصلاة في أمكنتهم وممرهم ونحو ذلك قوية ~~في الدليل نصا وقياسا ولذلك اخذ بها فقهاء الحديث ولكن مدرك PageV01P010 ~~علمها آثرا هو لأهل الحديث ومدركه قياسا هو في باطن الشريعة وظاهرها دون ~~التفقه في ظاهرها فقط # ولو لم يكن في الأئمة من استعمل هذه السنن الصحيحة النافعة لكان وصمة على ~~الأمة ترك مثل ذلك والأخذ بما ليس بمثله لا أثرا ولا رأيا # ولقد كان أحمد رحمه الله يعجب ممن يدع حديث الوضوء من لحوم الإبل مع صحته ~~التي لا شك فيها وعدم المعارض له ويتوضأ من مس الذكر مع تعارض الأحاديث فيه ~~وأن أسانيدها ليست كأحاديث الوضوء من لحوم الإبل ولذلك أعرض عنها الشيخان ~~البخاري ومسلم وإن كان أحمد على المشهور عنه يرجح أحاديث الوضوء من مس ~~الذكر لكن غرضه أن الوضوء من لحوم الإبل أقوى في الحجة من الوضوء من مس ~~الذكر # وقد ذكرت ما يبين أنه أظهر في القياس منه فإن تأثير المخالطة أعظم من ~~تأثير الملامسة ولهذا كان كل نجس محرم الأكل وليس كل محرم الأكل نجسا # وكان أحمد يعجب أيضا ممن لا يتوضأ من لحوم الإبل ويتوضأ من الضحك في ~~الصلاة مع أنه أبعد عن القياس والأثر والأثر فيه مرسل قد ضعفه أكثر الناس ~~وقد صح عن الصحابة ما يخالفه # والذين خالفوا أحاديث القطع للصلاة لم يعارضوها إلا بتضعيف بعضهم ms007 وهو ~~تضعيف من لم يعرف الحديث كما ذكر أصحابه أو بأن عارضوها بروايات ضعيفة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ( لا يقطع الصلاة شيء ) ) PageV01P011 ~~أو بما روى في ذلك عن الصحابة وقد كان الصحابة مختلفين في هذه المسألة أو ~~برأي ضعيف لو صح لم يقاوم هذه الحجة خصوصا مذهب أحمد # فهذا أصل في الخبائث الجسمانية والروحانية # وأصل آخر وهو أن الكوفيين قد عرف تخفيفهم في العفو عن النجاسة فيعفون من ~~المغلظة عن قدر الدرهم البغلى ومن المخففة عن ربع المحل المتنجس # والشافعي بإزائهم في ذلك فلا يعفو عن النجاسات إلا عن أثر الاستنجاء ~~وونيم الذباب ونحوه ولا يعفو عن دم ولا عن غيره إلا عن دم البراغيث ونحوه ~~مع أنه ينجس أرواث البهائم وأبوالها وغير ذلك فقوله في النجاسات نوعا وقدرا ~~أشد أقوال الأئمة الأربعة # ومالك متوسط في نوع النجاسة وفي قدرها فإنه لا يقول بنجاسة الأرواث ~~والأبوال مما يؤكل لحمه ويعفو عن يسير الدم وغيره # وأحمد كذلك فإنه متوسط في النجاسات فلا ينجس الأرواث والأبوال ويعفو عن ~~اليسير من النجاسة التي يشق الإحتراز عنا حتى إنه في إحدى الروايتين عنه ~~يعفو عن يسير روث البغل والحمار وبول الخفاش وغير ذلك مما يشق الإحتراز عنه ~~بل يعفو في إحدى الروايتين عن اليسير من الروث والبول من كل حيوان طاهر كما ~~ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في شرح المذهب وهو مع ذلك يوجب اجتناب النجاسة في ~~الصلاة في الجملة من غير خلاف عنه لم يختلف قوله في ذلك كما اختلف أصحاب ~~مالك ولو صلى بها جاهلا أو ناسيا لم يجب عليه الإعادة في أصح الروايتين ~~كقول مالك كما دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما خلع نعليه في ~~أثناء الصلاة لأجل الأذى الذي فيهما ولم يستقبل الصلاة ولما صلى الفجر فوجد ~~في ثوبه نجاسة أمر بغسلها ولم يعد الصلاة PageV01P012 والرواية الأخرى تجب ~~الإعادة كقول أبي حنيفة والشافعي # و أصل آخر في إزالتها فمذهب أبي حنيفة تزال بكل ms008 مزيل من المائعات و ~~الجامدات و الشافعي لا يرى إزالتها إلا بالماء حتى ما يصيب أسفل الخف و ~~الحذاء و الذيل لا يجزئ فيه إلا الغسل بالماء و حتى نجاسة الأرض # و مذهب أحمد فيه متوسط فكل ما جاءت به السنة قال به يحوز في الصحيح عنه ~~مسحها بالتراب و نحوه من النعل و نحوه كما جاءت به السنة كما يجوز مسحها من ~~السبيلين فإن السبيلين بالنسبة إلى سائر الأعضاء كأسفل الخف بالنسبة إلى ~~سائر الثياب في تكرر النجاسة على كل منها # و اختلف أصحابه في أسفل الذيل هل هو كأسفل الخف كما جاءت به السنة و ~~استوائها للأثر في ذلك و القياس إزالتها عن الأرض بالشمس و الريح يجب ~~التوسط فيه # فإن التشديد في النجاسات جنسا و قدرا هو دين اليهود و التساهل هو دين ~~النصارى و دين الإسلام هو الوسط فكل قول يكون فيه شيء من هذا الباب يكون ~~أقرب إلى دين الإسلام # و أصل آخر وهو اختلاط الحلال بالحرام كاختلاط المائع الطاهر بالنجس فقول ~~الكوفيين فيه من الشدة مالا خفاء به # و سر قولهم إلحاق الماء بسائر المائعات و أن النجاسة إذا وقعت في مائع لم ~~PageV01P013 يمكن استعماله إلا باستعمال الخبث فيحرم الجميع مع أن تنجيس ~~المائع غير الماء الآثار فيه قليلة # و بإزائهم مالك و غيره من أهل المدينة فإنهم في المشهور لا ينجسون الماء ~~إلا بالتغير و لا يمنعون من المستعمل ولا غيره مبالغة في طهورية الماء مع ~~فرقهم بينه و بين غيره من المائعات # و لأحمد قول كمذهبهم لكن المشهور عنه التوسط بالفرق بين قليله و كثيره ~~كقول الشافعي # و اختلف قوله في المائعات غير الماء هل يلحق بالماء أولا يلحق به كقول ~~مالك و الشافعي أو يفرق بين الماء و غير الماء كخل العنب على ثلاث روايات # و في هذه الأفوال من التوسط أثرا و نظرا ما لا خفاء به مع أن قول أحمد ~~الموافق لقول مالك راجح في الدليل # و أصل آخر ms009 وهو أن للناس في أجزاء الميتة التي لا رطوبة فيها كالشعر و ~~الظفر و الريش مذاهب هل هو طاهر أو نجس ثلاثة أقوال # أحدها نجاستها مطلقا كقول الشافعي و رواية عن أحمد بناء على أنها جزء من ~~الميتة # و الثاني طهارتها مطلقا كقول أبي حنيفة و قول في مذهب أحمد بناء على أن ~~الموجب للنجاسة هن الرطوبات و هي إنما تكون فيما يجري فيه الدم و لهذا حكم ~~بطهارة مالا نفس له سائلة فما لا رطوبة فيه من الأجزاء بمنزلة مالا نفس له ~~سائلة # و الثالث نجاسة ما كان فيه حس كالعظم إلحاقا له باللحم اليابس و عدم ~~نجاسة ما لم يكن فيه إلا النماء كالشعر إلحاقا له بالنبات # و أصل آخر وهو طهارة الأحداث التي هي الوضوء و الغسل فإن مذهب فقهاء ~~الحديث استعملوا فيها من السنن ما لا يوجد لغيرهم و يكفي المسح على ~~PageV01P014 الخفين وغيرها من اللباس و الحوائل فقد صنف الإمام أحمد كتاب ~~المسح على الخفين و ذكر فيه من النصوص عن النبي صلى الله عليه و سلم و ~~أصحابه في المسح على الخفين و الجوربين و على العمامة بل على خمر النساء ~~كما كانت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم و غيرها تفعله و على ~~القلانس كما كان أبو موسى و أنس يفعلانه ما إذا تأمله العالم علم فضل علم ~~أهل الحديث على غيرهم مع أن القياس يقتضي ذلك اقتضاءا ظاهرا و إنما توقف ~~عنه من توقف من الفقهاء لأنهم قالوا بما بلغهم من الأثر و جبنوا عن القياس ~~ورعا # و لم يختلف قول أحمد فيما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم كأحاديث ~~المسح على العمائم و الجوربين و التوقيت في المسح و إنما اختلف قوله فيما ~~جاء عن الصحابة كخمر النساء و كالقلانس الدنيات # و معلوم أن في هذا الباب من الرخصة التي تشبه أصول الشريعة و توافق ~~الآثار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم # و اعلم أن ms010 كل من تأول في هذه الأخبار تأويلا مثل كون المسح على العمامة ~~مع بعض الرأس هو المجزئ و نحو ذلك لم يقف على مجموع الأخبار و إلا فمن وقف ~~على مجموعها أفادته علما يقينا بخلاف ذلك # و أصل آخر في التيمم فإن أصح حديث فيه حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه ~~المصرح بأنه يجزئ ضربة واحدة للوجه والكفين وليس في الباب حديث يعارضه من ~~جنسه وقد أخذ به فقهاء الحديث أحمد وغيره وهذا أصح من قول PageV01P015 من ~~قال يجب ضربتان والى المرفقين كقول أبي حنيفة والشافعي في الجديد أو ضربتان ~~إلى الكوعين # وأصل آخر في الحيض والاستحاضة فإن مسائل الاستحاضة من أشكل أبواب الطهارة ~~وفي الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنن سنة في المعتادة أنها ترجع ~~إلى عادتها وسنة في المميزة أنها تعمل بالتمييز وسنة في المتحيرة التي ليست ~~لها عادة ولا تتميز بأنها تتحيض غالب عادات النساء ستا أو سبعا وأن تجمع ~~بين الصلاتين إن شاءت # فأما السنتان الأولتان ففي الصحيح وأما الثالثة فحديث حمنة بنت جحش رواه ~~أهل السنن وصححه الترمذي وكذلك قد روى أبو داود وغيره في سهلة بنت سهيل بعض ~~معناه # وقد استعمل أحمد هذه السنن الثلاث في المعتاد المميزة والمتحيرة فإن ~~اجتمعت العادة والتمييز قدم العادة في أصح الروايتين كما جاء في أكثر ~~الأحاديث # فأما أبو حنيفة فيعتبر العادة إن كانت ولا يعتبر التمييز ولا الغالب بل ~~إن لم تكن عادة إن كانت مبتدأة حيضها حيضة الأكثر وإلا حيضة الأقل # ومالك يعتبر التمييز ولا يعتبر العادة ولا الأغلب فإن لم يعتبر العادة ~~ولا الأغلب فلا يحيضها بل تصلى أبدا إلا في الشهر الأول فهل تحيض أكثر ~~الحيض أو عادتها وتستظهر ثلاثة أيام على روايتين # والشافعي يستعمل التمييز والعادة دون الأغلب فإن اجتمع قدم التمييز وإن ~~عدم صلت أبدا واستعمل من الاحتياط في الإيجاب والتحريم والإباحة ما فيه ~~مشقة عظيمة علما وعملا # فالسنن الثلاث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم ms011 في هذه الحالات ~~الفقهية استعملها فقهاء الحديث ووافقهم في كل منها طائفة من الفقهاء ~~PageV01P016 $ فصل # وأما إذا ابتدؤا الصلاة بالمواقيت ففقهاء الحديث قد استعلموا في هذا ~~الباب جميع النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات الجواز ~~وأوقات الاختيار # فوقت الفجر ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس ووقت الظهر من ~~الزوال إلى مصير ظل كل شيء مثله سوى في الزوال ووقت العصر إلى اصفرار الشمس ~~على ظاهر مذهب أحمد ووقت المغرب إلى مغيب الشفق ووقت العشاء إلى منتصف ~~الليل على ظاهر مذهب أحمد وهذا بعينه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو وروي أيضا من حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث من قوله في ~~المواقيت الخمس أصح منه وكذلك صح معناه من غير وجه من فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم في المدينة من حديث أبي موسى وبريدة رضى الله عنهما وجاء مفرقا ~~في عدة أحاديث وغالب الفقهاء إنما استعملوا غالب ذلك # فأهل العراق المشهور عنهم أن العصر لا يدخل وقتها حتى يصير ظل كل شئ ~~مثليه وأهل الحجاز مالك وغيره ليس للمغرب عندهم إلا وقت واحد $ فصل # وكذلك نقول بما جاءت به السنة والآثار من الجمع بين الصلاتين في السفر ~~والمطر والمرض كما في حديث المستحاضة وغير ذلك من الأعذار # ونقول بما دل عليه الكتاب والسنة والآثار من أن الوقت وقتان وقت اختيار ~~وهو خمس مواقيت ووقت اضطرار وهو ثلاث مواقيت ولهذا أمرت الصحابة ~~PageV01P017 كعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وغيرهما الحائض إذا طهرت قبل ~~الغروب أن تصلي الظهر والعصر وإذا طهرت قبل الفجر أن تصلي المغرب والعشاء ~~وأحمد موافق في هذه المسائل لمالك رحمه الله وزائد عليه بما جاءت به الآثار ~~والشافعي رحمه الله هو دون مالك في ذلك وأبو حنيفة أصله في الجمع معروف ~~وكذلك أوقات الاستحباب فإن أهل الحديث يستحبون الصلاة في ms012 أول الوقت في ~~الجملة إلا حيث يكون في التأخير مصلحة راجحة كما جاءت به السنة فيستحبون ~~تأخير الظهر في الحر مطلقا سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين ويستحبون تأخير ~~العشاء ما لم يشق # وبكل ذلك جاءت السنن الصحيحة التي لا دافع لها وكل من الفقهاء يوافقهم في ~~البعض أو الأغلب # فأبو حنيفة يستحب التأخير إلا في المغرب والشافعي يستحب التقديم مطلقا ~~حتى في العشاء على أحد القولين وحتى في الحر إذا كانوا مجتمعين وحديث أبي ~~ذر الصحيح فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالإبراد وكانوا مجتمعين $ ~~فصل # وأما الأذان الذي هو شعار الإسلام فقد استعمل فقهاء الحديث كأحمد ~~PageV01P018 فيه جميع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحسن أذان بلال ~~وإقامته وأذان أبي محذورة وإقامته وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم علم أبا محذورة الأذان مرجعا وفي صحيح مسلم الإقامة مشفوعة ~~وثبت في الصحيحين أن بلالا أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة وفي السنن أنه ~~لم يكن يرجع # فرجح أحمد أذان بلال لأنه الذي كان يفعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~دائما قبل أذان أبي محذورة وبعده إلى أن مات واستحسن أذان أبي محذورة ولم ~~يكرهه وهذا أصل مستمر له في جميع صفات العبادات أقوالها وأفعالها يستحسن كل ~~ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير كراهة لشئ منه مع علمه بذلك ~~واختياره للبعض أو تسويته بين الجميع كما جوز القراءة بكل قراءة ثابتة وإن ~~كان قد اختار بعض القراءة مثل أنواع الأذان والإقامة وأنواع التشهدات ~~الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم كتشهد ابن مسعود وأبي موسى وابن عباس ~~وغيرهم وأحبها إليه تشهد ابن مسعود لأسباب متعددة # منها كونه أصحها وأشهرها # ومنها كونه محفوظ الألفاظ لم يختلف في حرف منه # ومنها كون غالبها يوافق ألفاظه فيقتضي أنه هو الذي كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يأمر به غالبا # وكذلك أنواع الاستفتاح والإستعاذة المأثورة وإن اختار بعضها # وكذلك مواضع رفع ms013 اليدين في الصلاة ومحل وضعهما بعد الرفع وصفات التحميد ~~المشروع بعد التسميع # ومنها صفات الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإن اختار بعضها # ومنها أنواع صلاة الخوف يجوز كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من غير ~~كراهة PageV01P019 # ومنها أنواع تكبيرات العيدين يجوز كل مأثور وإن استحب بعضه # ومنها التكبير على الجنائز يجوز على المشهور التربيع والتخميس والتسبيع ~~وإن اختار التربيع # وأما بقية الفقهاء فيختارون بعض ذلك ويكرهون بعضه فمنهم من يكره الترجيع ~~في الأذان كأبي حنيفة ومنهم من يكره تركه كالشافعي ومنهم من يكره شفع ~~الإقامة كالشافعي ومنهم من يكره إفرادها حتى صار الأمر بأتباعهم إلى نوع ~~جاهلية فصاروا يقتتلون في بعض بلاد المشرق على ذلك حمية جاهلية مع أن ~~الجميع حسن قد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بإفراد ~~الإقامة وأمر أبا محذورة بشفعها وإنما الضلالة حق الضلالة أن ينهي أحد عما ~~أمر به النبي صلى الله عليه وسلم $ فصل # فأما صفة الصلاة فمن شعائرها مسألة البسملة # فإن الناس اضطربوا فيها نفيا وإثباتا في كونها آية من القرآن وفي قراءتها ~~وصنفت من الطرفين مصنفات يظهر في بعض كلامها نوع من جهل وظلم مع أن الخطب ~~فيها يسير وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها فمن عائر الفرقة والاختلاف الذي ~~نهينا عنه إذ الداعي لذلك هو ترجيح الشعائر المفرقة بين الأمة وإلا فهذه ~~المسائل من أخف مسائل الخلاف جدا لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعار ~~الفرقة # فأما كونها آية من القرآن فقالت طائفة كمالك ليست من القرآن إلا في سورة ~~النمل والتزموا أن الصحابة أودعت المصحف ما ليس من كلام الله على سبيل ~~التبرك # وحكى طائفة من أصحاب أحمد هذا رواية عنه وربما اعتقد بعضهم أنه مذهبه ~~PageV01P020 وقالت طائفة منهم الشافعي ما كتبوها في المصحف بقلم المصحف مع ~~تجريدهم للمصحف عما ليس من القرآن إلا وهي من السورة مع أدلة أخرى # وتوسط أكثر فقهاء الحديث كأحمد ومحققي أصحاب أبي حنيفة فقالوا كتابتها في ms014 ~~المصحف تقتضي أنها من القرآن للعلم بأنهم لم يكتبوا فيه ما ليس بقرآن لكن ~~لا يقتضي ذلك أنها من السورة بل تكون أية مفردة أنزلت في أول كل سورة كما ~~كتبها الصحابة سطرا مفصولا كما قال ابن عباس كان لا يعرف فصل السورة حتى ~~ينزل بسم الله الرحمن الرحيم # فعند هؤلاء هي آية من كتاب الله في أول كل سورة كتبت في أولها وليست من ~~السورة وهذا هو المنصوص عن أحمد في غير موضع ولم يوجد عنه نقل صريح بخلاف ~~ذلك وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره وهو أوسط الأقوال وأعدلها # وكذلك الأمر في تلاوتها في الصلاة طائفة لا تقرؤها لا سرا ولا جهرا كمالك ~~والأوزاعي وطائفة تقرؤها جهرا كأصحاب ابن جريج والشافعي والطائفة الثالثة ~~المتوسطة جماهير فقهاء الحديث مع فقهاء أهل الرأي يقرءونها سرا كما نقل عن ~~جماهير الصحابة مع أن أحمد يستعمل ما روى عن الصحابة في هذا الباب فيستحب ~~الجهر بها لمصلحة راجحة حتى إنه نص على أن من صلى بالمدينة يجهر بها قال ~~بعض أصحابه لأنهم كانوا ينكرون على من يجهر بها ويستحب للرجل أن يقصد إلى ~~تأليف هذه القلوب بترك هذه المستحبات لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من ~~مصلحة فعل مثل هذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت لما ~~رأى في إبقائه من تأليف القلوب وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة ~~في السفر ثم صلى خلفه متما وقال الخلاف شر # وهذا وإن كان وجها حسنا فمقصود أحمد أن أهل المدينة كانوا لا يقرءونها ~~فيجهر بها ليبين أن قراءتها سنة كما جهر ابن عباس بقراءة أم الكتاب على ~~PageV01P021 الجنازة وقال لتعلموا أنها سنة وكما جهر عمر بالاستفتاح غير ~~مرة وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالآية أحيانا في صلاة الظهر ~~والعصر ولهذا نقل عن أكثر من روى عنه الجهر بها من الصحابة المخافتة فكأنهم ~~جهروا لإظهار أنهم يقرءونها كما جهر بعضهم بالإستعاذة أيضا # والإعتدال في كل ms015 شئ استعمال الآثار على وجهها فإن كون النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يجهر بها دائما وأكثر الصحابة لم ينقلوا ذلك ولم يفعلوه ~~ممتنع قطعا وقد ثبت عن غير واحد منهم نفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يعارض ذلك خبر ثابت إلا وهو محتمل وكون الجهر بها لا يشرع بحال مع أنه قد ~~ثبت عن غير واحد من الصحابة نسبة للصحابة إلى فعل المكروه وإقراره مع أن ~~الجهر في صلاة المخافتة يشرع لعارض كما تقدم وكراهة قراءتهم مع ما في ~~قراءتها من الآثار الثابتة عن الصحابة المرفوع بعضها إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكون الصحابة كتبوها في المصحف وأنها كانت تنزل مع السورة فيه ما ~~فيه مع أنها إذا قرئت في أول كتاب سليمان فقراءتها في أول كتاب الله في ~~غاية المناسبة # فمتابعة الآثار فيها الإعتدال والائتلاف والتوسط الذي هو أفضل الأمور # ثم مقدار الصلاة يختار فيه فقهاء الحديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~التي كان يفعلها غالبا وهي الصلاة المعتدلة المتقاربة التي يخفف فيها ~~القيام والقعود ويطيل فيها الركوع والسجود ويسوي بين الركوع والسجود وبين ~~الإعتدال منهما كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مع كون قراءته في ~~الفجر بما بين الستين إلى المائة آية وفي الظهر بنحو الثلاثين آية وفي ~~العصر والعشاء على النصف من ذلك مع أنه قد كان يخفف عن هذه الصلاة لعارض ~~كما قال صلى الله عليه وسلم ( ( إني لأدخل في الصلاة وإني أريد أن أطيلها ~~فأسمع بكاء الصبي PageV01P022 فأخفف لما أعلم من وجد أمه به ) ) كما أنه قد ~~يطيلها عن ذلك لعارض كما قرأ صلى الله عليه وسلم في المغرب بطولى الطوليين ~~وهى الأعراف # ويستحب إطالة الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية ويستحب أن يمد في ~~الأوليين ويحذف في الأخريين كما رواه سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعامة فقهاء الحديث على هذا # ومن الفقهاء من لا يستحب أن يطيل الاعتدال من الركوع ms016 والسجود ومنهم من ~~يراه ركنا خفيفا بناء على أنه يشرع تابعا لأجل الفصل لا أنه مقصود # ومنهم من يسوى بين الركعتين الأوليين # ومنهم من يستحب ألا يزيد الإمام في تسبيح الركوع والسجود على ثلاث ~~تسبيحات إلى أقوال أخر قالوها $ فصل # في بيان ما أمر الله به ورسوله من إقامة الصلاة وإتمامها والطمأنينة فيها # قال الله تعالى في غير موضع من كتابه @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه ~~الخير منوعا إلا المصلين @QE@ وقال تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين ~~هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم PageV01P023 @QB@ أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين @QE@ وقالت ~~تعالى @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون ~~غيا @QE@ وقال تعالى @QB@ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا @QE@ وقال تعالى @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى وقوموا لله قانتين @QE@ وسيأتي ببيان الدلالة في هذه الآيات # وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين وأخرج أصحاب السنن أبو داود والترمذي ~~والنسائي وابن ماجة وأصحاب المسانيد كمسند أحمد وغير ذلك من أصول الإسلام ~~عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد ~~فدخل رجل ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع الرجل فصلى كما كان صلى ثم سلم ~~عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك السلام ثم قال ارجع فصل فإنك ~~لم تصل حتى فعل ذلك ثلاث مرات فقال الرجل والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا ~~فعلمني قال إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم ms017 اركع ~~حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم اجلس ~~حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها وفي رواية للبخاري إذا قمت إلى ~~الصلاة فاسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر واقرأ بما تيسر معك من القرآن ~~ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ~~ساجدا ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى ~~تستوى قائما ثم افعل ذلك في صلاتك كلها PageV01P024 # و في رواية له ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تستوي قائما و باقيه ~~مثله و في رواية و إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك و ما انتقصت من هذا فإنما ~~انتقصته من صلاتك # وعن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أن رجلا دخل المسجد فذكر الحديث و قال ~~فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى ~~يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر و يحمد الله عز و جل و يثني عليه و يقرأ ~~بما شاء من القرآن ثم يقول الله أكبر ثم يركع حتى يطمئن راكعا ثم يقول الله ~~أكبر ثم يرفع رأسه حتى يستوي قائما ثم يسجد حتى يطمئن ساجدا ثم يقول الله ~~أكبر ثم يرفع رأسه حتى يستوي قاعد ثم يقول الله أكبر ثم يسجد حتى تطمئن ~~مفاصله ثم يرفع رأسه فيكبر فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته و في رواية إنها لا ~~تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله عز و جل فيغسل وجهه و يديه ~~إلى المرفقين و يمسح برأسه و رجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله و يحمده ثم ~~يقرأ من القرآن ما أذن له و تيسر و ذكر نحو اللفظ الأول و قال ثم يكبر ~~فيسجد فيمكن وجهه و ربما قال جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله و تسترخي ثم ~~يكبر فيستوي قاعدا على مقعدته و يقيم صلبه فوصف الصلاة ms018 هكذا أربع ركعات حتى ~~فرغ ثم قال لا تتم صلاة لأحدكم حتى يفعل ذلك رواه أهل السنن أبو داود و ~~النسائي و ابن ماجه و الترمذي و قال حديث حسن و الروايتان لفظ أبي داود # و في رواية ثالثة له قال إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر ثم اقرأ بأم ~~القرآن و بما شاء الله أن تقرأ فإذا ركعت فضع راحتك على ركبتيك و امدد ظهرك ~~و قال إذا سجدت فمكن لسجودك فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى وفي رواية ~~أخرى قال إذا أنت قمت في صلاتك فكبر الله عز و جل ثم اقرأ ما تيسر عليك من ~~القرآن و قال فيه فإذا جلست في وسط PageV01P025 الصلاة فاطمئن و افترش فخذك ~~اليسرى ثم تشهد ثم إذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك وفي رواية أخرى قال ~~فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأتم ثم كبر فإن كان معك قرآن فاقرأ به و إلا ~~فاحمد الله عز و جل و كبره و هلله و قال فيه و إن انتقصت منه شيئا انتقصت ~~من صلاتك # فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر ذلك المسيء في صلاته بأن يعيد الصلاة و ~~أمر الله و رسوله إذا أطلق كان مقتضاه الوجوب و أمره إذا قام إلى الصلاة ~~بالطمأنينة كما أمره بالركوع و السجود و أمره المطلق على الإيجاب # و أيضا قال له فإنك لم تصل فنفى أن يكون عمله الأول صلاة و العمل لا يكون ~~منفيا إلا إذا انتفى شيء من واجباته فأما إذا فعل كما أوجبه الله عز و جل ~~فإنه لا يصح نفيه لانتفاء شيء من المستحبات التي ليست بواجبة # و أما ما يقوله بعض الناس إن هذا نفي للكمال كقوله لا صلاة لجار المسجد ~~إلا في المسجد فيقال له نعم هو لنفي الكمال لكن لنفي كمال الواجبات أو لنفي ~~كمال المستحبات # فأما الأول فحق و أما الثاني فباطل لا يوجد مثل ذلك في كلام الله عز و جل ~~و لا في ms019 كلام رسوله قط و ليس بحق فإن الشيء إذا كملت واجباته فكيف يصح نفيه # و أيضا فلو جاز لجاز نفي صلاة عامة الأولين و الآخرين لأن كمال المستحبات ~~من أندر الأمور # و على هذا فما جاء من نفي الأعمال في الكتاب و السنة فإنما هو لانتفاء ~~PageV01P026 بعض واجباته كقوله تعالى [ 4 65 ] @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ~~@QE@ و قوله تعالى [ 24 47 ] @QB@ ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم ~~يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين @QE@ و قوله تعالى [ 59 15 ~~] @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا @QE@ الآية و ~~قوله [ 24 62 ] @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا ~~معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه @QE@ الآية و نظائر ذلك كثيرة # و من ذلك قوله صلى الله عليه و سلم ( ( لا إيمان لمن لا أمانة له ) ) و ( ~~( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) ) و ( ( لا صلاة إلا بوضوء ) ) # و أما قوله لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد فهذا اللفظ قد قيل إنه لا ~~يحفظ عن النبي صلى الله عليه و سلم و ذكر عبد الحق الإشبيلي أنه رواه ~~بإسناد كلهم ثقات و بكل حال فهو مأثور عن علي رضي الله عنه و لكن نظيره في ~~السنن عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ( ( من سمع النداء ثم لم يجب ~~من غير عذر فلا صلاة له ) ) # و لا ريب أن هذا يقتضي أن إجابة المؤذن المنادي و الصلاة في جماعة من ~~الواجبات كما ثبت في الصحيح أن ابن أم مكتوم قال يا رسول الله إني رجل شاسع ~~الدار و لي قائد لا يلائمني فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي PageV01P027 ~~قال هل تسمع النداء قال نعم قال ما أجد لك رخصة # لكن إذا ترك هذا الواجب فهل يعاقب عليه و يثاب على ما فعله من الصلاة أم ~~يقال ms020 إن الصلاة باطلة عليه إعادتها كأنه لم يفعلها # هذا فيه نزاع بين العلماء # و على هذا قوله صلى الله عليه و سلم إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك و ما ~~انتقصت من هذا فإنما انتقصت من صلاتك # فقد بين أن الكمال الذي نفي هو هذا التمام الذي ذكره النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإن التارك لبعض ذلك قد انتقص من صلاته بعض ما أوجبه الله فيها و كذلك ~~قوله في الحديث الآخر فإذا فعل هذا فقد تمت صلاته # و يؤيد هذا أنه أمره بأن يعيد الصلاة و لو كان المتروك مستحبا لم يأمره ~~بالإعادة و لهذا يؤمر مثل هذا المسيء بالإعادة كما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذا لكن لو لم يعد و فعلها ناقصة فهل يقال إن وجودها كعدمها بحيث ~~يعاقب على تركها أو يقال إنه يثاب على ما فعله و يعاقب على ما تركه بحيث ~~يجبر ما تركه من الواجبات بما فعله من التطوع هذا فيه نزاع و الثاني أظهر ~~لما روى أبو داود و ابن ماجة عن أنس بن حكيم الضبي قال خاف رجل من زياد أو ~~ابن زياد فأتى المدينة فلقي أبا هريرة رضي الله عنه قال فنسبني فانتسبت له ~~فقال يا فتى ألا أحدثك حديثا قال قلت بلى يرحمك الله قال يونس فأحسبه ذكره ~~عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من ~~أعمالهم الصلاة قال يقول ربنا عز وجل لملائكته وهو أعلم انظروا في صلاة ~~عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة و إن كان انتقص منها شيئا ~~قال انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال أتموها من تطوعه ثم تؤخذ ~~الأعمال على ذلكم و في لفظ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~PageV01P028 صلى الله عليه وسلم ( ( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة ~~من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح و أنجح و ms021 إن فسدت فقد خاب و خسر فإن انتقص ~~من فريضته شيئا قال الرب انظروا هل لعبدي من تطوع فكمل به ما انتقص من ~~الفريضة ثم يكون سائر أعماله على هذا ) ) رواه الترمذي و قال حديث حسن # و روى أيضا أبو داود و ابن ماجة عن تميم الداري رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى قال ثم الزكاة مثل ذلك ثم تؤخذ الأعمال على ~~حسب ذلك # و أيضا فعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( ( لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع و السجود ) ) ~~رواه أهل السنن الأربعة و قال الترمذي حديث حسن صحيح # فهذا صريح في أنه لا تجزئ الصلاة حتى يعتدل الرجل من الركوع و ينتصب من ~~السجود فهذا يدل على إيجاب الاعتدال في الركوع و السجود # و هذه المسألة و إن لم تكن هي مسألة الطمأنينة فهي تناسبها و تلازمها # و ذلك أن هذا الحديث نص صريح في وجوب الاعتدال فإذا وجب الاعتدال لإتمام ~~الركوع و السجود فالطمأنينة فيهما أوجب # و ذلك أن قوله يقيم ظهره في الركوع و السجود أي عند رفعه رأسه منهما فإن ~~إقامة الظهر تكون من تمام الركوع و السجود لأنه إذا ركع كان الركوع من حين ~~ينحني إلى أن يعود فيعتدل و يكون السجود من حين الخرور من القيام أو القعود ~~إلى حين يعود فيعتدل فالخفض و الرفع هما طرفا الركوع و السجود و تمامهما ~~فلهذا قال يقيم صلبه في الركوع و السجود # و يبين ذلك أن وجوب هذا من الاعتدالين كوجوب إتمام الركوع و السجود و هذا ~~كقوله في الحديث المتقدم ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه حتى تطمئن PageV01P029 ~~مفاصله و تسترخي ثم يكبر فيستوي قاعدا على مقعدته و يقيم صلبه فأخبر أن ~~إقامة الصلب في الرفع من السجود لا في حال الخفض # و الحديثان المتقدمان بين فيهما وجوب هذين الاعتدالين ووجوب الطمأنينة ~~لكن قال في الركوع و السجود ms022 و القعود حتى تطمئن راكعا و حتى تطمئن ساجدا و ~~حتى تطمئن جالسا و قال في الرفع من الركوع حتى تعتدل قائما و حتى تستوي ~~قائما لأن القائم يعتدل و يستوي و ذلك مستلزم الطمأنينة # و أما الراكع و الساجد فليسا منتصبين و ذلك الجالس لا يوصف بتمام ~~الاعتدال و الاستواء فإنه قد يكون فيه انحناء إما إلى أحد الشقين ولا سيما ~~عند التورك و إما إلى أمامه لأن أعضاءه التي يجلس عليها منحنية غير مستوية ~~و معتدلة مع أنه قد روى ابن ماجة أنه صلى الله عليه و سلم قال في الرفع من ~~الركوع حتى تطمئن قائما # و عن علي بن شيبان الحنفي قال خرجنا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فبايعناه و صلينا خلفه فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلاته يعني ~~صلبه في الركوع و السجود فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال يا ~~معشر المسلمين لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع و السجود رواه الإمام ~~أحمد و ابن ماجة وفي رواية للإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه و سجوده # و هذا يبين أن إقامة الصلب هي الاعتدال في الركوع كما بيناه و إن كان ~~طائفة من العلماء من أصحابنا و غيرهم فسروا ذلك بنفس الطمأنينة و احتجوا ~~بهذا الحديث على ذلك وحده لا على الاعتدالين و على ما ذكرناه فإنه يدل ~~عليهما # و روى الإمام أحمد في المسند عن أبي قتادة رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( ( أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته قالوا ~~PageV01P030 يا رسول الله كيف يسرق من صلاته قال لا يتم ركوعها و لا سجودها ~~) ) أو قال ( ( لا يقيم صلبه في الركوع و السجود ) ) وهذا التردد في اللفظ ~~ظاهره أن المعنى المقصود من اللفظين واحد و إنما شك في اللفظ كما في نظائر ~~ذلك # و أيضا ms023 فعن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن نقرة الغراب و افتراش السبع و أن يوطن الرجل المكان في المسجد ~~كما يوطن البعير أخرجه أبو داود و النسائي و ابن ماجة # و إنما جمع بين الأفعال الثلاثة و إن كانت مختلفة الأجناس لأنه يجمعها ~~مشابهة البهائم في الصلاة فنهى عن مشابهة فعل الغراب و عما يشبه فعل السبع ~~و عما يشبه فعل البعير و إن كان نقر الغراب أشد من ذينك الأمرين لما فيه من ~~أحاديث أخر و في الصحيحين عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه و سلم قال ( ( اعتدلوا في الركوع و السجود ولا يبسطن أحدكم ذراعيه ~~انبساط الكلب ) ) لا سيما وقد بين في حديث آخر أنه من صلاة المنافقين و ~~الله تعالى أخبر في كتابه أنه لن يقبل عمل المنافقين # فروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( ( تلك صلاة المنافق يمهل حتى إذا كانت الشمس بين قرني شيطان قام فنقر ~~أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ) ) فأخبر أن المنافق يضيع وقت الصلاة ~~المفروضة و يضيع فعلها و ينقرها فدل ذلك على ذم هذا و هذا و إن كان كلاهما ~~تاركا للواجب # و ذلك حجة واضحة في أن نقر الصلاة غير جائز و أنه من فعل من فيه نفاق و ~~النفاق كله حرام و هذا الحديث حجة مستقلة بنفسها وهو مفسر لحديث قبله و قال ~~الله تعالى @QB@ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا @QE@ و هذا ~~وعيد شديد لمن ينقر في صلاته فلا يتم ركوعه و سجوده بالاعتدال و الطمأنينة ~~PageV01P031 و المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن الأمثال ~~فإن الصلاة قوت القلوب كما أن الغذاء قوت الجسد فإذا كان الجسد لا يتغذى ~~باليسير من الأكل فالقلب لا يقتات ms024 بالنقر في الصلاة بل لا بد من صلاة تامة ~~تقيت القلوب # و أما ما يرويه طوائف من العامة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلا ~~ينقر في صلاته فنهاه عن ذلك فقال لو نقر الخطاب من هذه نقرة لم يدخل النار ~~فسكت عنه عمر فهذا لا أصل له و لم يذكره أحد من أهل العلم فيما بلغني لا في ~~الصحيح و لا في الضعيف و الكذب ظاهر عليه فإن المنافقين قد نقروا أكثر من ~~ذلك وهم في الدرك الأسفل من النار # و أيضا فعن أبي عبد الله الأشعري الشامي قال صلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأصحابه ثم جلس في طائفة منهم فدخل رجل فقام يصلي فجعل يركع و ينقر في ~~سجوده و رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه فقال ترون هذا لو مات مات ~~على غير ملة محمد ينقر صلاته كما ينقر الغراب الرمة إنما مثل الذي يصلي ولا ~~يتم ركوعه و ينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا تمرة أو تمرتين لا تغنيان ~~عنه شيئا فأسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار و أتموا الركوع و السجود قال ~~أبو صالح فقلت لأبي عبد الله الأشعري من حدثك بهذا الحديث قال أمراء ~~الأجناد خالد بن الوليد و عمرو بن العاص و شرحبيل بن حسنة و يزيد بن أبي ~~سفيان كل هؤلاء يقولون سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو بكر بن ~~خزيمة في صحيحه بكماله و روى ابن ماجة بعضه # و أيضا ففي صحيح البخاري عن أبي وائل عن زيد بن وهب أن حذيفة بن اليمان ~~رضي الله عنه رأى رجلا لا يتم ركوعه و لا سجوده فلما قضى صلاته دعاه و قال ~~له حذيفة ما صليت و لو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله PageV01P032 ~~عليها محمدا صلى الله عليه وسلم و لفظ أبي وائل ما صليت و أحسبه قال لو مت ~~مت على غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم ms025 # و هذا الذي لم يتم صلاته إنما ترك الطمأنينة أو ترك الاعتدال أو ترك ~~كلاهما فإنه لا بد أن يكون قد ترك بعض ذلك إذ نقر الغراب و الفصل بين ~~السجدتين بحد السيف و الهبوط من الركوع إلى السجود لا يمكن أن ينقص منه مع ~~الإيتان بما قد يقال إنه ركوع أو سجود و هذا الرجل كان يأتي بما قد يقال له ~~ركوع وسجود لكنه لم يتمه و مع هذا قال له حذيفة ما صليت فنفى عنه الصلاة ثم ~~قال لو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم ~~و على غير السنة و كلاهما المراد به هنا الدين و الشريعة ليس المراد به فعل ~~المستحبات فإن هذا لا يوجب هذا الذم و التهديد فلا يكاد أحد يموت على كل ما ~~فعله النبي صلى الله عليه وسلم من المستحبات و لأن لفظ الفطرة و السنة في ~~كلامهم هو الدين و الشريعة و إن كان بعض الناس اصطلحوا على أن لفظ السنة ~~يراد به ما ليس بفرض إذ قد يراد بها ذلك كما في قوله صلى الله عليه و سلم ( ~~( إن الله فرض عليكم صيام رمضان و سننت لكم قيامه ) ) فهي تتناول ما سنه من ~~الواجبات أعظم مما سنه من التطوعات كما في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه قال إن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى و إن هذه الصلوات ~~في جماعة من سنن الهدى و إنكم لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في ~~بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم و لقد رأينا و ما يتخلف ~~عنها إلا منافق معلوم النفاق و منه قوله صلى الله عليه وسلم ( ( عليكم ~~بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها و عضوا عليها ~~بالنواجذ ) ) ولأن الله سبحانه و تعالى أمر في كتابه PageV01P033 بإقامة ~~الصلاة و ذم المصلين الساهين عنها المضيعين لها فقال تعالى في غير موضع ms026 ~~@QB@ وأقيموا الصلاة @QE@ و إقامتها تتضمن إتمامها بحسب الإمكان كما سيأتي ~~في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال أقيموا الركوع و السجود فإني أراكم ~~من بعد ظهري و في رواية أتموا الركوع و السجود و سيأتي تقرير دلالة ذلك # و الدليل على ذلك من القرآن أنه سبحانه و تعالى قال @QB@ وإذا ضربتم في ~~الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ~~@QE@ فأباح الله القصر من عددها و القصر من صفتها و لهذا علقه بشرطين السفر ~~و الخوف فالسفر يبيح قصر العدد فقط كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( ~~إن الله وضع عن المسافر الصوم و شطر الصلاة ) ) ولهذا كانت سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المتواترة التي اتفقت الأمة على نقلها عنه أنه كان يصلي ~~الرباعية في السفر ركعتين و لم يصلها في السفر أربعا قط ولا أبو بكر ولا ~~عمر رضي الله عنهما لا في الحج و لا في العمرة و لا في الجهاد و الخوف يبيح ~~قصر صفتها كما قال الله تعالى في تمام الكلام @QB@ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ~~ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ~~@QE@ فذكر صلاة الخوف وهي صلاة ذات الرقاع إذ كان العدو في جهة القبلة و ~~كان فيها أنهم كانوا يصلون خلفه فإذا قام إلى الثانية فارقوه و أتموا ~~لأنفسهم الركعة الثانية ثم ذهبوا إلى مصاف أصحابهم كما قال @QB@ فإذا سجدوا ~~فليكونوا من ورائكم @QE@ فجعل السجود لهم خاصة فعلم أنهم يفعلونه منفردين ~~ثم قال @QB@ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك @QE@ فعلم أنهم يفعلونه # وفي هذه الصلاة تفريق المأمومين و مفارقة الأولين للإمام و قيام الآخرين ~~قبل سلام الإمام و يتمون لأنفسهم ركعة ثم قال تعالى [ 4 103 ] @QB@ فإذا ~~قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا ~~الصلاة @QE@ PageV01P034 فأمرهم بعد الأمن بإقامة الصلاة و ذلك يتضمن ms027 ~~الإتمام و ترك القصر منها الذي أباحه الخوف و السفر فعلم أن الأمر بالإقامة ~~يتضمن الأمر بإتمامها بحسب الإمكان # و أما قوله في صلاة الخوف @QB@ فأقمت لهم الصلاة @QE@ فتلك إقامة و إتمام ~~في حال الخوف كما أن الركعتين في السفر إقامة و إتمام كما ثبت في الصحيح عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال صلاة السفر ركعتان و صلاة الجمعة ركعتان و ~~صلاة الفطر ركعتان تمام من غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم و ~~هذا يبين ما رواه مسلم و أهل السنن عن يعلى بن أمية قال قلت لعمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه إقصار الناس الصلاة اليوم و إنما قال الله عز وجل @QB@ إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا @QE@ و قد ذهب ذلك اليوم فقال عجبت مما عجبت ~~منه فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( ( صدقة تصدق الله بها ~~عليكم فاقبلوا صدقته ) ) فإن المتعجب ظن أن القصر مطلقا مشروط بعدم الأمن ~~فبينت السنة أن القصر نوعان كل نوع له شرط # و ثبتت السنة أن الصلاة مشروعة في السفر تامة لأنه بذلك أمر الناس ليست ~~مقصورة في الأجر و الثواب و إن كانت مقصورة في الصفة و العمل إذ المصلى ~~يؤمر بالإطالة تارة و يؤمر بالاقتصار تارة # و أيضا فإن الله تعالى قال [ 4 103 ] @QB@ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ~~إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا @QE@ و الموقوت قد فسره السلف ~~بالمفروض و فسروه بما له وقت و المفروض هو المقدر المحدد فإن التوقيت و ~~التقدير و التحديد و الفرض ألفاظ متقاربة و ذلك يوجب أن الصلاة مقدرة محددة ~~مفروضة موقوتة و ذلك في زمانها و أفعالها و كما أن زمانها محدود فأفعالها ~~أولى أن تكون محدودة موقوتة وهو يتناول تقدير عددها بأن جعله خمسا و جعل ~~PageV01P035 بعضها أربعا في الحضر و اثنتين في السفر و بعضها ثلاثا و بعضها ~~اثنتين في الحضر و السفر و تقدير عملها أيضا و لهذا يجوز عند العذر ms028 الجمع ~~المتضمن لنوع من التقديم و التأخير في الزمان كما يجوز أيضا القصر من عددها ~~ومن صفتها بحسب ما جاءت به الشريعة و ذلك أيضا مقدر عند العذر كما هو مقدر ~~عند غير العذر و لهذا فليس للجامع بين الصلاتين أن يؤخر صلاة النهار إلى ~~الليل أو صلاة الليل إلى النهار و صلاتي النهار الظهر و العصر و صلاتي ~~الليل المغرب العشاء و كذلك أصحاب الأعذار الذين ينقصون من عددها و صفتها و ~~هو موقوت محدود ولا بد أن تكون الأفعال محدودة الابتداء والانتهاء فالقيام ~~محدود بالانتصاب بحيث لو خرج عن حد المنتصب إلى حد المنحنى الراكع باختياره ~~لم يكن قد أتى بحد القيام # ومن المعلوم أن ذكر القيام الذي هو القراءة أفضل من ذكر الركوع و السجود ~~و لكن نفس عمل الركوع و السجود أفضل من عمل القيام و لهذا كان عبادة بنفسه ~~و لم يصح في شرعنا إلا لله بوجه من الوجوه و غير ذلك من الأدلة المذكورة في ~~غير هذا الموضع # وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن هذه الأفعال مقدرة محدودة بقدر التمكن منها ~~فالساجد عليه أن يصل إلى الأرض وهو غاية التمكن ليس له غاية دون ذلك إلا ~~العذر وهو من حين انحنائه أخذ في السجود سواء سجد من قيام أو من قعود ~~فينبغي أن يكون ابتداء السجود مقدرا بذلك بحيث يسجد من قيام أو قعود لا ~~يبكون سجوده من انحناء فإن ذلك يمنع كونه مقدرا محدودا بحسب الإمكان ومتى ~~وجب ذلك وجب الاعتدال في الركوع وبين السجدتين # وأيضا ففي ذلك إتمام الركوع والسجود # وأيضا فأفعال الصلاة إذا كانت مقدرة وجب أن يكون لها قدر وذلك هو ~~الطمأنينة فإن من نقر نقر الغراب لم يكن لفعله قدر أصلا فإن قدر الشيء ~~ومقداره فيه زيادة على أصل وجوده ولهذا يقال للشيء الدائم ليس له قدر ~~PageV01P036 فإن القدر لا يكون لأدنى حركة بل لحركة ذات امتداد # وأيضا فإن الله عز وجل أمرنا بإقامتها والإقامة أن تجعل قائمة والشيء ms029 ~~القائم هو المستقيم المعتدل فلا بد أن تكون افعال الصلاة مستقرة معتدلة ~~وذلك إنما يكون بثبوت أبعاضها واستقرارها وهذا يتضمن الطمأنينة فإن من نقر ~~نقر الغراب لم يقم السجود ولا يتم سجوده إذا لم يثبت ولم يستقر وكذلك ~~الراكع # يبين ذلك ما جاء في الصحيحين عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام ~~الصلاة ) ) وأخرجاه من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضى الله ~~عنة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( أتموا الصفوف فإني أراكم من ~~خلف ظهري ) ) وفي لفظ أقيموا الصفوف وروى البخاري من حديث حميد عن أنس قال ~~أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( ( أقيموا ~~صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهرى وكان أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه ~~وبدنه ببدنه ) ) # فإذا كان تقويم الصف وتعديله من تمامها وإقامتها بحيث لو خرجوا عن ~~الاستواء والاعتدال بالكلية حتى يكون رأس هذا عند النصف الأسفل من هذا لم ~~يكونوا مصطفين ولكانوا يؤمرون الإعادة وهم بذلك أولى من الذي صلى خلف الصف ~~وحده فأمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة فكيف بتقويم أفعالها ~~وتعديلها بحيث لا يقيم صلبه في الركوع والسجود # ويدل على ذلك وهو دليل مستقل في المسألة ما أخرجاه في الصحيحين عن شعبة ~~عن قتادة عن أنس رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ( أقيموا ~~الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من بعدي وفي رواية من بعد ظهري إذا ركعتم ~~وسجدتم ) ) وفي رواية للبخاري عن همام عن قتادة عن أنس PageV01P037 رضى ~~الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( ( أتموا الركوع والسجود ~~فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من بعد ظهري إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم ) ) ~~ورواه مسلم من حديث هشام الدستوائي وابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضى ~~الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ms030 قال ( ( أتموا الركوع والسجود ~~ولفظ ابن أبي عروبة أقيموا الركوع والسجود فإني أراكم وذكره ) ) # فهذا يبين أن إقامة الركوع والسجود توجب إتمامها كما في اللفظ الآخر ~~وأيضا فأمر لهم بإقامة الركوع والسجود يتضمن السكون فيهما إذ من المعلوم ~~أنهم كانوا يأتون بالانحناء في الجملة بل الأمر بالإقامة يقتضي أيضا ~~الإعتدال فيهما وإتمام طرفيهما وفي هذا رد على من زعم أنه لا يجب الرفع ~~فيهما وذلك أن هذا أمر للمأمومين خلفه ومن المعلوم أنه لم يكن يمكنهم ~~الإنصراف قبله # وأيضا فقوله تعالى [ 2 238 ] @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وقوموا لله قانتين @QE@ أمر بالقنوت للقيام لله والقنوت دوام الطاعة لله عز ~~وجل سواء كان في حال الانتصاب أو في حال السجود كما قال تعالى [ 9 39 ] ~~@QB@ أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ~~@QE@ وقال تعالى [ 4 34 ] @QB@ فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ~~@QE@ وقال [ 31 33 ] @QB@ ومن يقنت منكن لله ورسوله @QE@ [ 2 116 ] وقال ~~@QB@ وله من في السماوات والأرض كل له قانتون @QE@ # فإذا كان ذلك كذلك فقوله تعالى @QB@ وقوموا لله قانتين @QE@ إما أن يكون ~~أمرا لإقامة الصلاة مطلقا كما في قوله [ 4 135 ] @QB@ كونوا قوامين بالقسط ~~@QE@ فيعم أفعالها ويقتضي الدوام في أفعالها وإما أن يكون المراد به قيام ~~المخالف للقعود فهذا يعم ما قبل الركوع وما بعده ويقتضي الطول وهو القنوت ~~المتضمن للدعاء كقنوت النوازل وقنوت الفجر عند من يستحب المداومة عليه ~~PageV01P038 # وإذا ثبت وجود هذا ثبت وجوب الطمأنينة في سائر الأفعال بطريق الأولى # ويقوى الوجه الأول حديث زيد بن أرقم الذي في الصحيحين عنه قال كان أحدنا ~~يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة فنزلت @QB@ وقوموا لله قانتين @QE@ قال ~~فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام حيث أخبر أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة ~~ومعلوم أن السكوت عن خطاب الآدميين واجب في جميع الصلاة فاقتضى ذلك الأمر ~~بالقنوت في جميع الصلاة ودل الأمر للقنوت على السكوت عن مخاطبة الناس لأن ~~القنوت هو دوام الطاعة فالمشتغل لمخاطبة العباد ms031 تارك للاشتغال بالصلاة التي ~~هي عبادة الله وطاعته فلا يكون مداوما على طاعته ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما سلم عليه ولم يرد بعد أن كان يرد ( ( إن في الصلاة لشغلا ) ) ~~فأخبر أن في الصلاة ما يشغل المصلى عن مخاطبة الناس و هذا هو القنوت فيها ~~وهو دوام الطاعة ولهذا جاز عند جمهور العلماء تنبيه الناسي لما هو مشروع ~~فيها من القراءة و التسبيح لأن ذلك لا يشغله عنها ولا ينافي القنوت فيها # و أيضا فإنه سبحانه قال [ 15 32 ] @QB@ إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ~~ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون @QE@ فأخبر أنه لا ~~يكون مؤمنا إلا من سجد إذا ذكر بالآيات و سبح بحمد ربه # و معلوم أن قراءة القرآن في الصلاة هي تذكير بالآيات و لذلك وجب السجود ~~مع ذلك و قد أوجب خرورهم سجدا وأوجب تسبيحهم بحمد ربهم و ذلك يقتضي وجوب ~~التسبيح في السجود وهذا يقتضي وجوب الطمأنينة و لهذا PageV01P039 قال طائفة ~~من العلماء من أصحاب أحمد و غيرهم إن مقدار الطمأنينة الواجبة مقدار ~~التسبيح الواجب عندهم # و الثاني أن الخرور هو السقوط و الوقوع و هذا إنما يقال فيما يثبت و يسكن ~~لا فيما لا يوجد منه سكون على الأرض و لهذا قال الله [ 22 36 ] @QB@ فإذا ~~وجبت جنوبها @QE@ و الوجوب في الأصل هو الثبوت و الاستقرار # و أيضا فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال لما نزلت [ 56 96 ] @QB@ فسبح ~~باسم ربك العظيم @QE@ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( اجعلوها في ~~ركوعكم ) ) ولما نزلت [ 1 87 ] @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ قال ( ( ~~اجعلوها في سجودكم ) ) رواه أبو داود و ابن ماجة # فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجعل هذين التسبيحين في الركوع و السجود و ~~أمره على الوجوب و ذلك يقتضي وجوب ركوع و سجود تبعا لهذا التسبيح و ذلك هو ~~الطمأنينة # ثم إن من الفقهاء من قد يقول التسبيح ليس بواجب و هذا القول يخالف ظاهر ms032 ~~الكتاب و السنة فإن ظاهرهما يدل على وجوب الفعل و القول جميعا فإذا دل دليل ~~على عدم وجوب القول لم يمنع وجوب الفعل # و أما من يقول بوجوب التسبيح فيستدل لذلك بقوله تعالى [ 39 50 ] @QB@ ~~وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب @QE@ و هذا أمر بالصلاة كلها كما ~~ثبت في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال كنا جلوسا ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال إنكم سترون ~~ربكم كما ترون هذا القمر لا تضارون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على ~~صلاة قبل طلوع الشمس و قبل غروبها فافعلوا ثم قرأ @QB@ وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل الغروب @QE@ # و إذا كان الله عز و جل قد سمى الصلاة تسبيحا فقد دل ذلك على وجوب ~~PageV01P040 التسبيح كما أنه لما سماها قياما في قوله تعالى [ 2 72 ] @QB@ ~~قم الليل إلا قليلا @QE@ دل على وجوب القيام و كذلك لما سماها قرآنا في ~~قوله تعالى [ 17 78 ] @QB@ وقرآن الفجر @QE@ دل على وجوب القرآن فيها و لما ~~سماها ركوعا و سجودا في مواضع دل على وجوب الركوع و السجود فيها # و ذلك أن تسميتها بهذه الأفعال دليل على أن هذه الأفعال لازمة لها فإذا ~~وجدت الصلاة وجدت هذه الأفعال فتكون من الأبعاض اللازمة كما أنهم يسمون ~~الإنسان بأبعاضه اللازمة له فيسمونه رقبة و رأسا و وجها و نحو ذلك كما في ~~قوله تعالى [ 3 58 ] @QB@ فتحرير رقبة @QE@ ولو جاز وجود الصلاة بدون ~~التسبيح لكان الأمر بالتسبيح لا يصلح أن يكون أمرا بالصلاة فإن اللفظ حينئذ ~~لا يكون دالا على معناه ولأعلى ما يستلزم معناه # و أيضا فإن الله عز وجل ذم عموم الإنسان و استثنى إلا المصلين الذين هم ~~على صلاتهم دائمون قال تعالى [ 23 - 19 70 ] @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا ~~مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم ~~دائمون @QE@ و السلف من الصحابة و ms033 من بعدهم قد فسروا الدائم على الصلاة ~~بالمحافظ على أوقاتها و بالدائم على أفعالها بالإقبال عليها و الآية تعم ~~هذا و هذا فإنه قال @QB@ على صلاتهم دائمون @QE@ و الدائم على الفعل هو ~~المديم له الذي يفعله دائما فإذا كان هذا فيما يفعل في الأوقات المتفرقة هو ~~أن يفعله كل يوم بحيث لا يفعله تارة و يتركه أخرى و سمي ذلك دواما عليه ~~فالدوام على الفعل الواحد المتصل أولى أن يكون دواما و أن تتناول الآية ذلك ~~و ذلك يدل على وجوب إدامة أفعالها لأن الله عز و جل ذم عموم الإنسان و ~~استثنى المداوم على هذه الصفة فتارك إدامة أفعالها يكون مذموما من الشارع و ~~الشارع لا يذم إلا على ترك واجب أو فعل محرم # و أيضا فإنه سبحانه و تعالى قال @QB@ إلا المصلين الذين هم على صلاتهم ~~دائمون @QE@ فدل ذلك على أن المصلي قد يكون دائما على صلاته و قد لا يكون ~~دائما عليها PageV01P041 و أن المصلي الذي ليس بدائم مذموم و هذا يوجب ذم ~~من لا يديم أفعاله المتصلة و المنفصلة و إذا وجب دوام أفعالها فذلك هو نفس ~~الطمأنينة فإنه يدل على وجوب إدامة الركوع و السجود و غيرهما و لو كان ~~المجزئ أقل مما ذكر من الخفض وهو نقر الغراب لم يكن ذلك دواما و لم يجب ~~الدوام على الركوع و السجود وهما أصل أفعال الصلاة # فعلم أنه كما تجب الصلاة يجب الدوام عليها المتضمن للطمأنينة و السكينة ~~في أفعالها # و أيضا فقد قال الله تعالى [ 2 45 ] @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها ~~لكبيرة إلا على الخاشعين @QE@ # و هذا يقتضي ذم غير الخاشعين كقوله تعالى [ 20 143 ] @QB@ وما جعلنا ~~القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن ~~كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله @QE@ و قوله تعالى [ 13 42 ] @QB@ كبر ~~على المشركين ما تدعوهم إليه @QE@ # فقد دل كتاب الله عز و جل على من كبر عليه ما يحبه الله و أنه ms034 مذموم بذلك ~~في الدين مسخوط منه ذلك و الذم أو السخط لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محرم ~~و إذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع # فمن المعلوم أن الخشوع المذكور في قوله تعالى @QB@ وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين @QE@ لا بد أن يتضمن الخشوع في الصلاة فإنه لو كان المراد الخشوع ~~خارج الصلاة لفسد المعنى إذ لو قيل إن الصلاة لكبيرة إلا على من خشع خارجها ~~و لم يخشع فيها كان يقتضي أنها لا تكبر على من لم يخشع فيها و تكبر على من ~~خشع فيها و قد انتفى مدلول الآية فثبت أن الخشوع واجب في الصلاة # و يدل على وجوب الخشوع فيها أيضا قوله تعالى [ 11 - 1 23 ] @QB@ قد أفلح ~~المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم ~~للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون ~~الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون @QE@ PageV01P042 أخبر سبحانه و تعالى ~~أن هؤلاء هم الذين يرثون فردوس الجنة و ذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم و قد ~~دل هذا على وجوب هذه الخصال إذ لو كان فيها ما هو مستحب لكانت جنة الفردوس ~~تورث بدونها لأن الجنة تنال بفعل الواجبات دون المستحبات و لهذا لم يذكر في ~~هذه الخصال إلا ما هو واجب و إذا كان الخشوع في الصلاة واجبا فالخشوع يتضمن ~~السكينة و التواضع جميعا # و منه حديث عمر رضي الله عنه حيث رأى رجلا يعبث في صلاته فقال لو خشع قلب ~~هذا لخشعت جوارحه أي لسكنت و خضعت و قال تعالى [ 39 49 ] @QB@ ومن آياته ~~أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت @QE@ فأخبر أنها ~~بعد الخشوع تهتز و الاهتزاز حركة و تربو و الربو الارتفاع # فعلم أن الخشوع فيه سكون و انخفاض ms035 و لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول في حال ركوعه ( ( اللهم لك ركعت و بك آمنت و لك أسلمت خشع لك سمعي و ~~بصري و مخي و عقلي و عصبي ) ) رواه مسلم في صحيحه فوصف نفسه بالخشوع في حال ~~الركوع لأن الراكع ساكن متواضع و بذلك فسرت الآية ففي التفسير المشهور الذي ~~يقال له تفسير الوالبي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما و قد ~~رواه المصنفون في التفسير كأبي بكر بن المنذر و محمد بن جرير الطبري و ~~غيرهما من حديث أبي صالح عبد الله بن صالح عن معاوية بن أبي صالح عن علي ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس قوله تعالى @QB@ في صلاتهم خاشعون @QE@ يقول ~~خائفون ساكنون و رووا في التفاسير المسندة PageV01P043 كتفسير ابن المنذر و ~~غيره من حديث سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد خاشعون قال السكون فيها قال و ~~كذلك قال الزهري و من حديث هشام عن مغيرة عن إبراهيم النخعي قال الخشوع في ~~القلب و قال ساكنون قال الضحاك الخشوع الرهبة لله و روى عن الحسن خائفون و ~~روى ابن المنذر من حديث أبي عبد الرحمن المقبري حدثنا المسعودي حدثنا أبو ~~سنان أنه قال في هذه الآية @QB@ الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ قال الخشوع ~~في القلب وأن يلين كنفه للمرء المسلم وأن لا تلفت في صلاتك وفي تفسير ابن ~~المنذر أيضا ما في تفسير إسحاق بن راهويه عن روح حدثنا سعيد عن قتادة @QB@ ~~الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ قال الخشوع في القلب و الخوف و غض البصر في ~~الصلاة و عن أبي عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مختار القرآن @QB@ في ~~صلاتهم خاشعون @QE@ أي لا تطمح أبصارهم ولا يلتفتون وقد روى الإمام أحمد في ~~كتاب الناسخ و المنسوخ من حديث ابن سيرين ورواه إسحاق بن راهويه في التفسير ~~و ابن المنذر أيضا في التفسير الذي له رواه من حديث الثوري حدثني خالد عن ~~ابن سيرين قال كان النبي صلى ms036 الله عليه وسلم يرفع بصره إلى السماء فأمر ~~بالخشوع فرمى ببصره نحو مسجده أي محل سجوده قال سفيان و حدثني غيره عن ابن ~~سيرين أن هذه الآية نزلت في ذلك @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون @QE@ قال هو سكون المرء في صلاته قال معمر و قال الحسن خائفون وقال ~~قتادة الخشوع في القلب و منه خشوع البصر و خفضه و سكونه عند تقليبه في ~~الجهات كقوله تعالى [ 8 - 6 54 ] @QB@ فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر ~~خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقول ~~الكافرون هذا يوم عسر @QE@ و قوله [ 44 - 43 70 ] @QB@ يوم يخرجون من ~~الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم ~~الذي كانوا يوعدون @QE@ PageV01P044 و في القراءة الأخرى @QB@ خشعا أبصارهم ~~@QE@ وفي هاتين الآيتين وصف أجسادهم بالحركة السريعة حيث لم يصف بالخشوع ~~إلا أبصاره بخلاف آية الصلاة فإنه وصف بالخشوع جملة المصلين بقوله تعالى ~~@QB@ الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ و قوله نعالى @QB@ وإنها لكبيرة إلا ~~على الخاشعين @QE@ # وقال تعالى [ 43 - 42 68 ] @QB@ يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة @QE@ # و من ذلك خشوع الأصوات كقوله تعالى [ 20 108 ] @QB@ وخشعت الأصوات للرحمن ~~@QE@ وهو انخفاضها و سكونها و قال تعالى [ 42 45 - 44 ] @QB@ وترى الظالمين ~~لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل وتراهم يعرضون عليها خاشعين من ~~الذل ينظرون من طرف خفي @QE@ وقال تعالى [ 5 - 2 88 ] @QB@ وجوه يومئذ ~~خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية @QE@ و هذا يكون يوم ~~القيامة وهذا هو الصواب من القولين بلا ريب كما قال في القسم الآخر [ 10 - ~~8 88 ] @QB@ وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية @QE@ وقال تعالى [ ~~21 73 - 72 ] @QB@ ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين ~~وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة وكانوا لنا عابدين @QE@ # و إذا كان الخشوع في ms037 الصلاة واجبا وهو متضمن للسكون و الخشوع فمن نقر نقر ~~الغراب لم يخشع في سجوده و كذلك من لم يرفع رأسه من الركوع و يستقر قبل أن ~~ينخفض لم يسكن لأن السكون هو الطمأنينة بعينها فمن لم يطمئن لم يسكن ~~PageV01P045 و من لم يسكن لم يخشع في ركوعه ولا في سجوده ومن لم يخشع كان ~~آثما عاصيا وهو الذي بيناه # و يدل على وجوب الخشوع في الصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم توعد ~~تاركيه كالذي يرفع بصره إلى السماء فإنه حركته و رفعه وهو ضد حال الخاشع ~~فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( ما ~~بال أقوام يرفعون أبصارهم في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك فقال لينتهن عن ذلك ~~أو لتخطفن أبصارهم ) ) وعن جابر بن سمرة قال دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المسجد و فيه ناس يصلون رافعي أبصارهم إلى السماء فقال ( ( لينتهين ~~رجال يشخصون أبصارهم إلى السماء أو لا ترجع إليهم أبصارهم ) ) الأول في ~~البخاري و الثاني في مسلم و كلاهما في سنن أبي داود و النسائي و ابن ماجة # و قال محمد ابن سيرين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع بصره في ~~الصلاة فلما نزلت هذه الآية @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون @QE@ لم يكن يجاوز بصره موضع سجوده رواه الإمام أحمد في كتاب الناسخ ~~و المنسوخ # فلما كان رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع حرمه النبي صلى الله عليه ~~وسلم و توعد عليه # وأما الالتفات لغير حاجة فهو ينقص الخشوع ولا ينافيه فلهذا كان ينقص ~~الصلاة كما روى البخاري وأبو داود والنسائي عن عائشة رضى الله عنها قالت ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في الصلاة فقال هو ~~اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد # وروى أبو داود والنسائي عن أبي الأحوص عن أبى ذر رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( لا يزال الله ms038 مقبلا على العبد وهو في ~~صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه ) ) وأما لحاجة فلا بأس به كما روى ~~أبو داود عن سهل بن الحنظلية قال ثوب بالصلاة يعني صلاة الصبح PageV01P046 ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب قال أبو داود ~~وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس وهذا كحمله أمامة بنت أبى العاص ~~بن الربيع من زينب بنت رسول الله وفتحه الباب لعائشة ونزوله من المنبر لما ~~صلى بهم يعلمهم وتأخره في صلاة الكسوف وإمساكه الشيطان وخنقه لما أراد أن ~~يقطع صلاته وأمره بقتل الحية والعقرب في الصلاة وأمره برد المار بين يدي ~~المصلى ومقاتلته وأمره النساء بالتصفيق وإشارته في الصلاة وغير ذلك من ~~الأفعال التي تفعل لحاجة ولو كانت لغير حاجة كانت من العبث المنافي للخشوع ~~المنهي عنه في الصلاة # ويدل على ذلك أيضا حارواه تميم الطائي عن جابر بن سمرة رضى الله عنه قال ~~دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس رافعوا أيديهم قال الراوي ~~وهو زهير بن معاوية وأراه قال في الصلاة فقال مالي أراكم رافعي أيديكم ~~كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة رواه مسلم وأبو داود والنسائي ورووا ~~أيضا عن عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة رضى الله عنه قال كنا إذا ~~صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه ~~ومن عن يساره فلما صلى قال ما بال أحدكم يومئ بيده كأنها أذناب خيل شمس ~~إنما يكفي أحدكم أو ألا يكفي أحدكم أن يقول هكذا وأشار بإصبعه يسلم على ~~أخيه من عن يمينه ومن عن شماله وفي رواية قال أما يكفي أحدكم أو أحدهم أن ~~يضع يده على ففخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله ولفظ مسلم ~~صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا السلام ~~عليكم فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما ms039 شأنكم تشيرون ~~بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يؤمى ~~بيده # فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسكون في الصلاة وهذا يقتضي ~~PageV01P047 السكون فيها كلها والسكون لا يكون إلا بالطمأنينة فمن لم يطمئن ~~لم يسكن فيها وأمره بالسكون فيها موافق لما أمر الله تعالى به من الخشوع ~~فيها وأحق الناس باتباع هذا هم أهل الحديث # ومن ظن أن نهيه عن رفع الأيدي هو النهى عن رفعها إلى منكبه حين الركوع ~~وحين الرفع منه وحمله على ذلك فقد غلط فإن الحديث جاء مفسرا بأنهم كانوا ~~إذا سلموا في الصلاة سلام التحليل أشاروا بأيديهم إلى المسلم عليهم من عن ~~اليمين ومن عن الشمال # ويبين ذلك قوله مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس والشمس جمع ~~شموس وهو الذي تقول له العامة الشموص وهو الذي يحرك ذنبه ذات اليمين وذات ~~الشمال وهى حركة لا سكون فيها # وأما رفع الأيدي عند الركوع وعند الرفع بمثل رفعها عن الاستفتاح فذلك ~~مشروع باتفاق المسلمين فكيف يكون الحديث نهيا عنه # وقوله اسكنوا في الصلاة يتضمن ذلك ولهذا صلى بعض الأئمة الذين لم يكونوا ~~يرون هذا الرفع إلى جنب عبد الله بن المبارك فرفع ابن المبارك يديه فقال له ~~أتريد أن تطير فقال إن كنت أطير في أول مرة فأنا أطير في الثانية وإلا فلا ~~وهذا نقض لما ذكره من المعنى # وأيضا فقد تواترت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهذا الرفع ~~فلا يكون نهيا عنه ولا يكون ذلك الحديث معرضا بل لو قد تعارضنا فأحاديث هذا ~~الرفع كثيرة متواترة ويجب تقديمها على الخبر الواحد لو عارضها وهذا الرفع ~~فيه سكون فقوله اسكنوا في الصلاة لا ينافي هذا الرفع كرفع الاستفتاح وكسائر ~~أفعال الصلاة بل قوله اسكنوا يقتضي السكون في كل بعض من أبعاض الصلاة وذلك ~~يقتضي وجوب السكون في الركوع والسجود والاعتدالين PageV01P048 # فيبن هذا أن السكون مشروع في جميع أفعال الصلاة بحسب الإمكان ولهذا يسكن ~~فيها في ms040 الانتقالات التي منتهاها إلى الحركة فإن السكون فيها يكون بحركة ~~معتدلة لا سريعة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في المشى إليها وهى حركة ~~إليها فكيف بالحركة فيها فقال ( ( إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها تسعون ~~وائتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ) ) # وهذا أيضا دليل مستقل في المسألة فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ~~وائتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ) ) رواه ~~البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه قال أبو داود وكذلك قال الترمذي وابن ~~أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ومعمر وشعيب ابن أبي حمزة عن الزهري وما فاتكم ~~فأتموا وقال ابن عينية عن الزهري فاقضوا قال محمد بن عمر عن أبي سلمة عن ~~أبي هريرة رضى الله عنه وجعفر بن أبي ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة فأتموا ~~وابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم فأتموا وروى أبو داود عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ( ائتوا الصلاة وعليكم السكينة فصلوا ما ~~أدركتم واقضوا ما سبقكم ) ) قال أبو داود وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة ~~رضى الله عنه وليقض وكذلك قال أبو رافع عن أبي هريرة وأبو ذر رضى الله عنه ~~روى عنه فأتموا واقضوا اختلف عنه # فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالسكينة حال الذهاب إلى ~~الصلاة ونهى عن السعي الذي هو إسراع في ذلك لكونه سببا للصلاة فالصلاة أحق ~~أن يؤمر فيها بالسكينة وينهى فيها عن الاستعجال # فعلم أن الراكع والساجد مأمور بالسكينة منهي عن الاستعجال بطريق الأولى ~~والأخرى لا سيما وقد أمره بالسكينة بعد سماع الإقامة الذي يوجب عليه الذهاب ~~إليها ونهاه أن يشتغل عنها بصلاة تطوع وإن أفضى ذلك إلى فوات PageV01P049 ~~بعض الصلاة فأمره بالسكينة و أن يصلي ما فاته منفردا بعد سلام الإمام و جعل ~~ذلك مقدما على الإسراع إليها و هذا يقتضي شدة النهي ms041 عن الاستعجال إليها ~~فكيف فيها # يبين ذلك ما روى أبو داود عن أبي ثمامة الحناط عن كعب بن عجرة قال إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ( إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج ~~عامدا إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة ) ) فقد نهاه صلى الله عليه ~~وسلم في مشيه إلى الصلاة عما نهاه عنه في الصلاة من الكلام و العمل له ~~منفردا فكيف يكون حال المصلي نفسه في ذلك المشي و غير ذلك فإذا كان منهيا ~~عن السرعة و العجلة في المشي مأمورا بالسكينة و إن فاته بعض الصلاة مع ~~الإمام حتى يصلي قاضيا له فأولى أن يكون مأمورا بالسكينة فيها # و يدل على ذلك أن الله عز و جل أمر في كتابه بالسكينة و القصد في الحركة ~~و المشي مطلقا فقال [ 9 31 ] @QB@ واقصد في مشيك واغضض من صوتك @QE@ و قال ~~تعالى [ 25 63 ] @QB@ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما @QE@ قال الحسن و غيره بسكينة و وقار فأخبر أن عباد ~~الرحمن هم هؤلاء فإذا كان مأمورا بالسكينة و الوقار في الأفعال العادية ~~التي هي من جنس الحركة فكيف الأفعال العبادية ثم كيف بما هو فيها من جنس ~~السكون كالركوع و السجود فإن هذه الأدلة تقتضي السكينة في الانتقال كالرفع ~~و الخفض و النهوض و الانحطاط و أما نفس الأفعال التي هي المقصود بالانتقال ~~كالركوع نفسه و السجود نفسه و القيام و القعود أنفسهما و هذه هي من نفسها ~~سكون فمن لم يسكن فيها لم يأت بها و إنما هو بمنزلة من أهوى إلى القعود و ~~لم يأت به كمن مد يده إلى الطعام ولم يأكل منه أو وضعه على فيه و لم يطعمه # و أيضا فإن الله تعالى أوجب الركوع و السجود في الكتاب و السنة وهو ~~PageV01P050 واجب بالإجماع لقوله تعالى [ 22 77 ] @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~اركعوا واسجدوا واعبدوا @QE@ و قوله تعالى [ 42 68 ] @QB@ يوم يكشف عن ساق ~~ويدعون ms042 إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون ~~إلى السجود وهم سالمون @QE@ وقوله تعالى [ 21 20 84 ] @QB@ فما لهم لا ~~يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون @QE@ وقوله تعالى [ 15 32 ] @QB@ ~~إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون @QE@ و قوله تعالى [ 19 96 ] @QB@ واسجد واقترب @QE@ و قوله تعالى ~~[ 18 22 ] @QB@ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه ~~العذاب @QE@ # فدل على أن الذي لا يسجد لله من الناس قد حق عليه العذاب و قوله [ 26 76 ~~] @QB@ ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا @QE@ و قوله تعالى [ 15 98 ] ~~@QB@ فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين @QE@ و قوله تعالى [ 48 77 ] @QB@ وإذا ~~قيل لهم اركعوا لا يركعون @QE@ و قوله تعالى [ 5 55 ] @QB@ إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون @QE@ # و إذا كان الله عز وجل قد فرض الركوع و السجود لله في كتابه كما فرض أصل ~~الصلاة فالنبي صلى الله عليه و سلم هو المبين للناس ما نزل إليهم و سنته ~~تفسر الكتاب و تبينه و تدل عليه و تعبر عنه و فعله إذا خرج امتثالا لأمر أو ~~تفسيرا لمجمل كان حكمه حكم ما امتثله و فسره و هذا كما أنه صلى الله عليه ~~وسلم لما كان يأتي في كل ركعة بركوع واحد وسجودين كان كلاهما واجبا و كان ~~هذا امتثالا منه لما أمر الله به من الركوع و السجود و تفسيرا لما أجمل ~~ذكره في القرآن و كذلك المرجع إلى سنته في كيفية السجود و قد كان يصلي ~~الفريضة و النافلة و الناس يصلون على عهده و لم يصل قط إلا بالاعتدال عن ~~الركوع و السجود و بالطمأنينة في أفعال الصلاة كلها قد نقل ذلك كل من نقل ~~صلاة PageV01P051 الفريضة و النافلة و الناس يصلون على عهده و ms043 لم يصل قط ~~إلا بالاعتدال عن الركوع و السجود و بالطمأنينة و كذلك كانت صلاة أصحابه ~~على عهده و هذا يقتضي وجوب السكون و الطمأنينة في هذه الأفعال كما يقتضي ~~وجوب عددها وهو سجودان مع كل ركوع # و أيضا فإن مداومته على ذلك في كل صلاة كل يوم مع كثرة الصلوات من أقوى ~~الأدلة على وجوب ذلك إذ لو كان غير واجب لتركه ولو مرة ليبين الجواز أو ~~ليبين جواز تركه بقوله فلما لم يبين لا بقوله و لا بفعله جواز ترك ذلك مع ~~مداومته عليه كان ذلك دليلا على وجوبه # و أيضا فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري أنه قال لمالك بن ~~الحويرث و صاحبه إذا حضرت الصلاة فأذنا و أقيما و ليؤمكما أكبركما و صلوا ~~كما رأيتموني أصلي فأمرهم أن يصلوا كما رأوه يصلي # و ذلك يقتضي أنه يجب على الإمام أن يصلي بالناس كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يصلي لهم و لا معارض لذلك و لا مخصص فإن الإمام يجب عليه ما لا ~~يجب على المأموم و المنفرد # و قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن سهل بن سعد أنه قال ~~لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على المنبر و كبر و كبر الناس ~~معه وراءه وهو على المنبر ثم رجع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم ~~عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس فقال يا أيها الناس إنما صنعت ~~هذا لتأتموا بي و لتعلموا صلاتي وفي سنن أبي داود و النسائي عن سالم البراد ~~قال أتينا عقبة بن عمرو الأنصاري أبا مسعود فقلنا له حدثنا عن صلاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقام بين أيدينا في المسجد فكبر فلما ركع وضع يديه ~~على ركبتيه و جعل أصابعه أسفل من ذلك و جافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء ~~منه ثم قال سمع الله لمن حمده فقام حتى ms044 استقر كل شيء منه PageV01P052 ثم ~~كبر و سجد ووضع كفه على الأرض ثم جافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه ثم ~~رفع رأسه فجلس حتى استقر كل شيء منه ففعل ذلك أيضا ثم صلى أربع ركعات مثل ~~هذا الركعة فصلى صلاته ثم قال هكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي # وهذا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنهم كانوا لا يصلون إلا مطمئنين و ~~إذا رأى بعضهم من لا يطمئن أنكر عليه و نهاه و لا ينكر واحد منهم على ~~المنكر لذلك و هذا إجماع منهم على وجوب السكون و الطمأنينة في الصلاة قولا ~~و فعلا ولو كان ذلك غير واجب لكانوا يتركونه أحيانا كما كانوا يتركون ما ~~ليس بواجب # و أيضا فإن الركوع و السجود في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين ~~انحنائه و حين وضع وجهه على الأرض فأما مجرد الخفض و الرفع عنه فلا يسمى ~~ذلك ركوعا ولا سجودا و من سماه ركوعا و سجودا فقد غلط على اللغة فهو مطالب ~~بدليل من اللغة على أن هذا يسمى راكعا وساجدا حتى يكون فاعله ممتثلا للأمر ~~و حتى يقال إن هذا الأمر المطالب به يحصل الامتثال فيه بفعل ما يتناوله ~~الاسم فإن هذا لا يصح حتى يعلم أن مجرد هذا يسمى في اللغة ركوعا و سجودا ~~وهذا مما لا سبيل إليه ولا دليل عليه فقائل ذلك قائل بغير علم في كتاب الله ~~وفي لغة العرب و إذا حصل الشك هل هذا ساجد أو ليس بساجد لم يكن ممتثلا ~~بالاتفاق لأن الوجوب معلوم و فعل الواجب ليس بمعلوم كمن يتيقن وجوب صلاة أو ~~زكاة عليه و يشك في فعلها # وهذا أصل ينبغي معرفته فإنه يحسم مادة المنازع الذي يقول إن هذا يسمى ~~ساجدا و راكعا في اللغة فإنه قال بلا علم و لا حجة و إذا طولب بالدليل ~~انقطع و كانت الحجة لمن يقول ما نعلم براءة ذمته إلا بالسجود و الركوع ~~المعروفين PageV01P053 ثم يقال ms045 لو وجد استعمال لفظ الركوع و السجود في لغة ~~العرب بمجرد ملاقاة الوجه للأرض بلا طمأنينة لكان المعفر خده ساجدا و لكان ~~الراغم أنفه وهو الذي لصق أنفه بالرغام وهو التراب ساجدا لا سيما عند ~~المنازع الذي يقول يحصل السجود بوضع الأنف دون الجبهة من غير طمأنينة فيكون ~~نقر الأرض بالأنف سجودا و معلوم أن هذا ليس من لغة القوم كما أنه ليس من ~~لغتهم تسمية نقرة الغراب و نحوها سجودا ولو كان كذلك لكان يقال للذي يضع ~~وجهه على الأرض ليمص شيئا على الأرض أو يعضه أو ينقله و نحو ذلك ساجدا # و أيضا فإن الله أوجب المحافظة و الإدامة على الصلاة و ذم إضاعتها و ~~السهو عنها فقال في أول سورة المؤمنين @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين ~~هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ~~فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ~~والذين هم على صلواتهم يحافظون @QE@ و قد سبق بيان أن هذه الخصال واجبة و ~~كذلك في سورة سأل سائل قال @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا ~~وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين في ~~أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من ~~عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم بشهاداتهم قائمون ~~والذين هم على صلاتهم يحافظون @QE@ فذم الإنسان كله إلا ما استثناه فمن لم ~~يكن متصفا بما استثناه كان مذموما كما في قوله تعالى PageV01P054 [ 3 - 1 ~~103 ] @QB@ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ و قال تعالى [ 19 69 ] @QB@ فخلف من ~~بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ms046 الشهوات فسوف يلقون غيا @QE@ و قال تعالى ~~@QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون @QE@ و قال تعالى [ 2 238 ] ~~@QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين @QE@ # و هذه الآيات تقتضي ذم من ترك شيئا من واجبات الصلاة و إن كان في الظاهر ~~مصليا مثل أن يترك الوقت الواجب أو يترك تكميل الشرائط و الأركان من ~~الأعمال الظاهرة و الباطنة و بذلك فسرها السلف ففي تفسير عبد بن حميد و ~~ذكره عن ابن المنذر في تفسيره من حديث عبد حدثنا روح عن سعيد عن قتادة @QB@ ~~والذين هم على صلواتهم يحافظون @QE@ على وضوئها و مواقيتها و ركوعها و روى ~~أبو بكر بن المنذر في تفسيره من حديث أبي عبد الرحمن عن عبد الله قال قيل ~~لعبد الله إن الله أكثر ذكر الصلاة في القرآن @QB@ الذين هم على صلاتهم ~~دائمون @QE@ و @QB@ الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ و @QB@ والذين هم على ~~صلاتهم يحافظون @QE@ فقال عبد الله ذلك على مواقيتها فقالوا ما كنا نرى ذلك ~~يا أبا عبد الرحمن إلا الترك قال تركها كفر و روى سعيد بن منصور حدثنا أبو ~~معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق في قول الله @QB@ والذين هم على ~~صلاتهم يحافظون @QE@ قال على مواقيتها فقالوا ما كنا نرى ذلك يا أبا عبد ~~الرحمن إلا الترك قال تركها كفر و روى من حديث سعيد بن أبي مريم @QB@ الذين ~~هم عن صلاتهم ساهون @QE@ بتضييع ميقاتها و روى عن أبي ثور عن ابن جريج في ~~قوله @QB@ والذين هم على صلاتهم يحافظون @QE@ المكتوبة و التي في سأل سائل ~~التطوع و هذا قول ضعيف PageV01P055 $ فصل # و أما القدر المشروع للإمام فهي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~في صحيح البخاري عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث أنه قال إذا حضرت الصلاة ~~فليؤذن لكم أحدكم و ليؤمكم أكبركم ثم صلوا كما رأيتموني أصلي # و أما القيام ففي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقرأ في ms047 الفجر بق و القرآن المجيد و نحوها و كانت صلاته بعد إلى تخفيف ~~أي يجعل صلاته بعد الفجر خفيفة كما في صحيح مسلم أيضا عنه قال كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك ~~و في الصبح أطول من ذلك وفي الصحيحين عن أبي برزة الأسلمي قال كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصلي الهجير التي تدعونها الأولى لحين تدحض الشمس ~~و يصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة و الشمس حية قال ~~الراوي و نسيت ما قال في المغرب و كان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها ~~العتمة و كان يكره النوم قبلها و الحديث بعدها و كان ينفتل من صلاة الغداة ~~حين يعرف الرجل جليسه وكان يقرأ فيها بالستين إلى المئة وعن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه قال حزرنا قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر ~~و العصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأولتين من الظهر قدر ثلاثين أية قدر ~~آلم السجدة و حزرنا قيامه في الأولتين من العصر على قدر الآخرتين من الظهر ~~و حزرنا قيامه في الآخرتين من العصر على النصف من ذلك رواه مسلم و أبو داود ~~و النسائي و في الصحيحين و غيرهما عن جابر بن سمرة قال قال عمر لسعد بن أبي ~~وقاص لقد شكاك الناس في كل شيء حتى في الصلاة قال أما أنا فأمد في الأوليين ~~و أحذف الأخريين و لا آلو PageV01P056 ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال ذاك الظن بك يا أبا إسحاق وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي ~~سعيد رضي الله عنه قال لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع ~~فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يأتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة ~~الأولى مما يطيلها وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي وائل قال خطبنا عمار بن ياسر ~~يوما فأوجز و أبلغ فقلنا يا أبا ms048 اليقظان لقد أبلغت و أوجزت فلو كنت تنفست ~~فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن طول صلاة الرجل و قصر ~~خطبته مئنة في فقهه فأطيلوا الصلاة و أقصروا الخطبة إن من البيان لسحرا # وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال كنت أصلي مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم الصلوات فكانت صلاته قصدا أي وسطا # و فعله الذي سنه لأمته هو من التخفيف الذي أمر به الأئمة إذ التخفيف من ~~الأمور الإضافية فالمرجع في مقداره إلى السنة و ذلك كما خرجاه في الصحيحين ~~عن جابر رضي الله عنه قال كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~يرجع فيؤمنا وقال مرة ثم يرجع فيصلي بقومه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال مرة العشاء فصلى معاذ مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء يؤم قومه ~~فقرأ البقرة فاعتزل رجل من القوم فصلى فقيل نافقت فقال ما نافقت فأتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال إن معاذا يصلي معك ثم يرجع فيؤمنا يا رسول الله ~~إنما نحن أصحاب نواضح و نعمل بأيدينا و إنه جاء يؤمنا فقرأ سورة البقرة ~~فقال أفتان أنت يا معاذ اقرأ بكذا اقرأ بكذا قال أبو الزبير @QB@ سبح اسم ~~ربك الأعلى @QE@ @QB@ والليل إذا يغشى @QE@ وفي رواية للبخاري عن جابر رضي ~~الله عنه قال أقبل رجل بناضحين و قد جنح الليل فوافق معاذا يصلي و ذكره ~~نحوه فقال في آخره فلولا صليت بسبح باسم ربك الأعلى و الشمس و ضحاها و ~~الليل إذا يغشى فإنه يصلي وراءك الضعيف و الكبير و ذو الحاجة PageV01P057 # وفي الصحيحين عن أبي مسعود رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا ~~فما رأيت رسول الله غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ قال أيها الناس إن ~~منكم منفرين فأيكم أم الناس فليوجز فإن وراءه الكبير ms049 و الضعيف و ذا الحاجة ~~وفي رواية فإن فيهم الضعيف و الكبير وفي رواية فليخفف فإن فيهم المريض و ~~الضعيف و ذا الحاجة # وفي صحيح البخاري من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~إني لأقوم إلى الصلاة و أنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز ~~كراهية أن أشق على أمه # و أما مقدار بقية الأركان مع القيام فقد أخرجا في الصحيحين عن شريك ابن ~~عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ما صليت وراء إمام قط ~~أخف صلاة و لا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية عن شريك عنه ~~وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتتن أمه # و أخرجا فيهما من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة و يكملها وفي لفظ يوجز ~~الصلاة و يتم # و أخرجا أيضا عن أبي قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إني لأدخل في الصلاة و أنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي ~~فأتجوز من صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه رواه مسلم من حديث ثابت ~~عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي ~~مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة # وروى مسلم أيضا عن أنس رضي الله عنه قال ما صليت خلف أحد أوجز صلاة ولا ~~أتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم و كانت صلاته متقاربة PageV01P058 و ~~صلاة أبي بكر متقاربة فلما كان عمر رضي الله عنه مد في صلاة الصبح و عن ~~قتادة عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أخف ~~الناس صلاة في تمام # فقول أنس رضي الله عنه ما صليت وراء إمام قط أخف ولا أتم ms050 صلاة من رسول ~~الله يريد أنه صلى الله عليه وسلم كان أخف الأئمة صلاة و أتم الأئمة صلاة و ~~هذا لاعتدال صلاته و تناسبها كما في اللفظ الآخر و كانت صلاته معتدلة و في ~~اللفظ الآخر كانت صلاته متقاربة لتخفيف قيامها و قعودها و تكون أتم صلاة ~~لإطالة ركوعها و سجودها و لو أراد أن يكون نفس الفعل الواحد كالقيام هو أخف ~~وهو أتم لناقض ذلك و لهذا بين التخفيف الذي كان يفعله إذا بكى الصبي وهو ~~قراءة سورة قصيرة و بين أن عمر بن الخطاب مد في صلاة الصبح و إنما مد في ~~القراءة فإن عمر رضي الله عنه كان يقرأ في الفجر بسورة يونس و سورة هود و ~~سورة يوسف # و الذي يبين ذلك ما رواه أبو داود في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام و ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمد قام حتى نقول ~~قد أوهم ثم يكبر و يسجد و كان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم كما ~~أخرجا في الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال إني لا آلو أن أصلي ~~بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا قال ثابت فكان أنس يصنع ~~شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول ~~القائل قد نسي و للبخاري من حديث شعبة عن ثابت قال قال أنس رضي الله عنه ~~ينعت لنا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم و كان يصلي فإذا رفع رأسه من ~~الركوع حتى يقول القائل قد نسي # فهذه أحاديث أنس الصحيحة تصرح أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي ~~PageV01P059 كان يوجزها و يكملها و التي كانت أخف الصلاة و أتمها أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان يقوم فيها من الركوع حتى يقول القائل ms051 إنه قد نسي و يقعد ~~بين السجدتين حتى يقول القائل قد نسي و إذا كان في هذا يفعل ذلك فمن ~~المعلوم اتفاق المسلمين و السنة المتواترة أن الركوع و السجود لا ينقصان عن ~~هذين الاعتدالين بل كثير من العلماء يقول لا يشرع و لا يجوز أن يجعل هذين ~~الاعتدالين بقدر الركوع و السجود بل ينقصان عن الركوع و السجود وفي ~~الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم قال غلب على الكوفة رجل قد سماه زمن ابن ~~الأشعث و سماه غندر في رواية مطر بن ناجية فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن ~~يصلي بالناس فكان يصلي فإذا رفع رأسه من الركوع قام و قدر ما أقول اللهم ~~ربنا لك الحمد ملء السموات و ملء الأرض و ملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء ~~و المجد لا مانع لما أعطيت و لا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ~~قال الحكم فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى قال سمعت البراء بن عازب يقول ~~كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامه و ركوعه و إذا رفع رأسه من ~~الركوع و سجوده و ما بين السجدتين قريبا من السواء قال شعبة فذكرته لعمرو ~~بن مرة فقال قد رأيت عبد الرحمن ابن أبي ليلى فلم تكن صلاته هكذا و لفظ مطر ~~عن شعبة كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم و سجوده و بين السجدتين و إذا ~~رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام و القعود قريبا من السواء وهو في الصحيح ~~و السنن من حديث هلال بن أبي حميد عن ابن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال ~~رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه فركوعه فاعتداله بعد ~~ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته ما بين التسليم و الانصراف قريبا ~~من السواء # و يشهد لهذا ما رواه مسلم و أبو داود و النسائي عن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله ms052 عليه وسلم كان يقول حين يرفع رأسه من ~~الركوع PageV01P060 سمع الله لمن حمد اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات و ~~ملء الأرض و ملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء و المجد أحق ما قال العبد و ~~كلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت و لا معطي لما منعت و لا ينفع ذا الجد منك ~~الجد # و قوله أحق ما قال العبد هكذا هو في الحديث وهو خبر مبتدأ محذوف و أما ما ~~ذكره بعض المصنفين من الفقهاء و الصوفية من قوله حق ما قال العبد فهو تحريف ~~بلا نزاع بين أهل العلم بالحديث و السنة ليس له أصل في الأثر و معناه أيضا ~~فاسد فإن العبد يقول الحق و الباطل و أما الرب سبحانه و تعالى فهو يقول ~~الحق و يهدي السبيل كما قال تعالى @QB@ فالحق والحق أقول @QE@ # و أيضا فليست الصلاة مبنية إلا على الثناء على الله عز وجل # و روى مسلم و غيره عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات ~~و ملء الأرض و ملء ما بينهما و ملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء و المجد ~~أحق ما قال العبد و كلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت و لا معطي لما منعت ولا ~~ينفع ذا الجد منك الجد # وروى مسلم و غيره عن عبد الله بن أبي أوفى قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع يقول سمع الله لمن حمد اللهم ربنا لك ~~الحمد ملء السموات و ملء الأرض و ملء ما شئت من شيء بعد # وفي رواية أخرى لمسلم زاد بعد هذا أنه كان يقول اللهم طهرني من الذنوب و ~~الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس # فإن قيل فإذا كانت هذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي اتفق ~~الصحابة رضي الله عنهم على ms053 نقلها عنه و قد نقلها أهل الصحاح و السنن و ~~المسانيد من هذه الوجوه وغيرها و الصلاة عمود الدين فكيف خفي ذلك على طائفة ~~من PageV01P061 فقهاء العراق وغيره حتى لم يجعلوا الاعتدال من الركوع ~~والقعود بين السجدتين من الأفعال المقارنة للركوع والسجود ولا استحبوا في ~~ذلك ذكرا أكثر من التحميد يقول ربنا لك الحمد حتى إن بعض المتفقهة قال إذا ~~طال ذلك طولا كثيرا بطلت صلاته # قيل سبب ذلك وغيره أن الذي مضت به السنة أن الصلاة يصليها المسلمين ~~الأمراء وولاة الحرب فوالى الجهاد هو كان أمير الصلاة على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وما بعد ذلك إلى أثناء دولة بني العباس ~~والخليفة هو الذي يصلى بالناس الصلوات الخمس والجمعة لا يعرف المسلمون غير ~~ذلك وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما سيكون بعده من تغير الأمراء حتى ~~قال سيكون من بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ~~واجعلوا صلاتكم معهم نافلة فكان من هؤلاء من يؤخرها عن وقتها حتى يضيع ~~الوقت المشروع فيها أن بعضهم كان لا يتم التكبير أى لا يجهر بالتكبير في ~~انتقالات الركوع وغيره ومنهم من لا يتم الاعتدالين وكان هذا يشيع في الناس ~~فيربو في ذلك الصغير ويهرم فيه الكبير حتى إن كثيرا من خاصة الناس لا يظن ~~السنة إلا ذلك فإذا جاء أمراء أحيوا السنة عرف ذلك كما رواه البخاري في ~~صحيحه عن قتادة عن عكرمة قال صليت خلف شيخ بمكة فكبر اثنين وعشرين تكبيرة ~~فقلت لابن عباس إنه لأحمق فقال ثكلتك أمك سنة أبي القاسم صلى الله عليه ~~وسلم # وفي رواية أبي بشر عن عكرمة قال رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض و ~~رفع و إذا قام و إذا وضع فأخبرت ابن عباس فقال أو ليس تلك صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا أم لك وهذا يعني به أن ذلك الإمام كان يجهر بالتكبير ~~فكان الأئمة الذين يصلي خلفهم عكرمة لا يفعلون ذلك ms054 و ابن عباس لم يكن إماما ~~حتى يعرف ذلك منه فأنكر ذلك عكرمة حتى أخبره ابن عباس و أما نفس التكبير ~~فلم يكن يشتبه أمره على أحد و هذا كما أن عامة PageV01P062 الأئمة ~~المتأخرين لا يجهرون بالتكبير بل يفعل ذلك المؤذن و نحوه فيظن أكثر الناس ~~أن هذه هي السنة ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه ليست هي السنة بل هم متفقون ~~على ما ثبت عندهم بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤذن و غيره ~~من المأمومين لا يجهرون بالتكبير دائما كما أن بلالا لم يكن يجهر بذلك خلف ~~النبي صلى الله عليه وسلم لكن إذا احتيج إلى ذلك لضعف صوت الإمام أو بعد ~~المكان فهذا قد احتجوا لجوازه بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يسمع ~~الناس التكبير خلف النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه حتى تنازع الفقهاء في ~~جهر المأموم لغير حاجة هل يبطل صلاته أم لا # ومثل ذلك ما أخرجاه في الصحيحين و السنن عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ~~قال صليت خلف علي بن أبي طالب أنا و عمران بن حصين فكان إذا سجد كبر و إذا ~~رفع رأسه كبر و إذا نهض من الركعتين كبر فلما قضي الصلاة أخذ عمران بن حصين ~~بيدي فقال قد ذكرني هذا بصلاة محمد صلى الله عليه وسلم أو قال لقد صلى بنا ~~صلاة محمد صلى الله عليه وسلم و لهذا لما جهر بالتكبير سمعه عمران و مطرف ~~كما سمعه غيرهما # و مثل هذا ما في الصحيحين و السنن أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه ~~كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة و غيرها يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يسجد ~~ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يقوم من الجلوس من الثنتين يفعل ذلك في ~~كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة ثم يقول حين ينصرف و الذي نفسي بيده إني ~~لأقربكم شبها بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ms055 كانت هذه لصلاته حتى ~~فارق الدنيا # وهذا كان يفعله أبو هريرة رضي الله عنه لما كان أميرا على المدينة فإن ~~معاوية كان يعاقب بينه و بين مروان بن الحكم في إمارة المدينة فيولي هذا ~~تارة و يولي هذا تارة و كان مروان يستخلف و كان أبو هريرة يصلي بهم بما هو ~~أشبه PageV01P063 بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاة مروان و غيره ~~من أمراء المدينة # و قوله في المكتوبة و غيرها يعني ما كان من النوافل مثل قيام رمضان كما ~~أخرجه البخاري من حديث الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث و أبي ~~سلمة أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة و غيرها ~~في رمضان و غيره فيكبر حين يقوم و يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده ~~ثم يقول ربنا لك الحمد و ذكر نحوه # و كان الناس قد اعتادوا ما يفعله غيره فلم يعرفوا ذلك حتى سألوه كما رواه ~~مسلم من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة أن أبا هريرة رضي الله عنه كان ~~يكبر في الصلاة كلما رفع ووضع فقلت يا أبا هريرة ما هذا التكبير قال إنها ~~لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم # و هذا كله معناه جهر الإمام بالتكبير و لهذا كانوا يسمونه إتمام التكبير ~~لما فيه من إتمامه برفع الصوت و فعله في كل خفض و رفع # يبين ذلك أن البخاري ذكر في باب التكبير عند النهوض من الركعتين قال وكان ~~ابن الزبير يكبر في نهضته ثم روى البخاري من حديث فليح ابن سليمان عن سعيد ~~بن الحارث قال صلى لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود و ~~حين سجد و حين رفع و حين قام من الركعتين و قال هكذا رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم أردفه البخاري بحديث مطرف قال صليت أنا و عمران بن حصين ~~خلف على بن أبي طالب رضي ms056 الله عنه فكان إذا سجد كبر و إذا رفع كبر و إذا ~~نهض من الركعتين كبر فلما سلم أخذ عمران بن حصين بيدي فقال لقد صلى بنا هذا ~~صلاة محمد صلى الله عليه وسلم أو قال لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله ~~عليه وسلم # فهذا يبين أن الكلام إنما هو في الجهر بالتكبير و أما أصل التكبير فلم ~~يكن مما يخفى على أحد و ليس هذا أيضا مما يجهل هل يفعله الإمام أم لا يفعله ~~PageV01P064 فلا يصح لهم نفيه عن الأئمة كما لا يصح نفي القراءة في صلاة ~~المخافتة و نفي التسبيح في الركوع و السجود و نفي القراءة في الركعتين ~~الآخرتين و نحو ذلك و لهذا استدل بعض من كان لا يتم بالتكبير و لا يجهر به ~~بما روي عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه أنه صلى مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم و كان لا يتم التكبير رواه أبو داود و البخاري في التاريخ ~~الكبير و قد حكى أبو داود الطيالسي أنه قال هذا عندنا باطل و هذا إن كان ~~محفوظا فلعل ابن أبزي صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم في مؤخر المسجد و ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم صوته ضعيفا فلم يسمع تكبيره فاعتقد أنه لم ~~يتم التكبير و إلا فالأحاديث المتواترة عنه بخلاف ذلك فلو خالفها كان شاذا ~~لا يلتفت إليه ومع هذا فإن كثيرا من الفقهاء المتأخرين يعتقدون أن إتمام ~~التكبير هو نفس فعله ولو سرا و أن علي بن أبي طالب و أبا هريرة و غيرهما من ~~الأئمة إنما أفادوا الناس نفس فعل التكبير في الانتقالات و لازم هذا أن ~~عامة المسلمين ما كانوا يعرفون أن الصلاة لا يكبر في خفضها و لا رفعها # و هذا غلط بلا ريب ولا نزاع بين من يعرف كيف كانت الأحوال ولو كان المراد ~~التكبير سرا لم يصح نفي ذلك ولا إثباته فإن المأموم لا يعرف ذلك من إمامه ~~ولا يسمي ms057 ترك التكبير بالكلية تركا لأن الأئمة كانوا يكبرون عند الافتتاح ~~دون الانتقالات و ليس كذلك السنة بل الأحاديث المروية تبين أن رفع الإمام و ~~خفضه كان في جميعها التكبير وقد قال إسحاق بن منصور قلت لأحمد بن حنبل ما ~~الذي نقصوا من التكبير قال إذا انحط إلى السجود من الركوع و إذا أراد أن ~~يسجد السجدة الثانية من كل ركعة # فقد بين الإمام أحمد أن الأئمة لم يكونوا يتمون التكبير بل نقصوا التكبير ~~في الخفض من القيام ومن القعود وهو كذلك والله أعلم لأن الخفض يشاهد ~~PageV01P065 بالأبصار فظنوا لذلك أن المأموم لا يحتاج إلى أن يسمع تكبيرة ~~الإمام لأنه يرى ركوعه و يرى سجوده بخلاف الرفع من الركوع و السجود فإن ~~المأموم لا يرى الإمام فيحتاج أن يعلم رفعه بتكبيره # و يدل على صحة ما قاله أحمد من حديث ابن أبزي أنه صلى خلف النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلم يتم التكبير و كان لا يكبر إذا خفض هكذا رواه أبو داود ~~الطيالسي عن شعبة عن الحسن بن عمران عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه # و قد ظن أبو عمر بن عبد البر كما ظن غيره أن هؤلاء السلف ما كانوا يكبرون ~~في الخفض و الرفع و جعل ذلك حجة على أنه ليس بواجب لأنهم لا يقرون الأمة ~~على ترك واجب حتى إنه قد روي عن ابن عمر أنه كان يكبر إذا صلى وحده في ~~الفرض و أما التطوع فلا قال أبو عمر لا يحكي أحمد عن ابن عمر إلا ما صح ~~عنده إن شاء الله # قال و أما رواية مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكبر في الصلاة كلما ~~خفض و رفع فيدل ظاهرها على أنه كذلك كان يفعل إماما و غير إمام قلت ما روى ~~مالك لا ريب فيه و الذي ذكره أحمد لا يخالف ذلك و لكن غلط ابن عبد البر ~~فيما فهم من كلام أحمد فإن كلامه إنما كان في التكبير ms058 دبر الصلاة أيام ~~العيد الأكبر لم يكن التكبير في الصلاة و لهذا فرق أحمد بين الفرض و النفل ~~فقال أحب إلي أن يكبر في الفرض دون النفل ولم يكن أحمد ولا غيره يفرقون في ~~تكبير الصلاة بين الفرض و النفل بل ظاهر مذهبه أن تكبير الصلاة واجب في ~~النفل كما أنه واجب في الفرض و إن قيل هو سنة في الفرض قيل هو سنة في النفل ~~فأما التفريق بينهما فليس قولا له ولا لغيره # وأما الذي ذكره عن ابن عمر في تكبيره دبر الصلاة إذا كان منفردا فهو ~~PageV01P066 مشهور عنه وهي مسألة نزاع بين العلماء مشهورة وقد قال ابن عبد ~~البر لما ذكر حديث أبي سلمة أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يصلي لهم فيكبر ~~كلما خفض و رفع فلما انصرف قال و الله إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال ابن عبد البر إن الناس لم يكونوا كلهم يفعلون ذلك و ~~يدل عيه مارواه ابن أبي ذئب في موطئه عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أنه قال ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن و تركهن ~~الناس كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا و كان يقف قبل القراءة هنيهة ~~يسأل الله من فضله و كان يكبر كلما رفع و خفض قلت هذه الثلاثة تركها طائفة ~~من الأئمة و الفقهاء ممن لا يرفع اليدين ولا يوجب التكبير ومن لا يستحب ~~الاستفتاح و الاستعاذة ومن لا يجهر من الأئمة بتكبير الانتقال # قال و قد قال قوم من أهل العلم إن التكبير إنما هو إيذان بحركات الإمام و ~~شعار للصلاة و ليس بسنة إلا في الجماعة أما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا ~~يكبر و لهذا ذكر مالك هذا الحديث و حديث ابن شهاب عن علي بن حسين قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الصلاة كلما خفض و رفع فلم تزل تلك ~~صلاته حتى ms059 لقي الله عز وجل و حديث ابن عمر و جابر رضي الله عنهم أنهما كانا ~~يكبران كلما خفضا و رفعا في الصلاة فكان جابر يعلمهم ذلك قال فذكر مالك هذه ~~الأحاديث كلها ليبين لك أن التكبير من سنن الصلاة # قلت ما ذكره مالك فكما ذكره و أما ما ذكره ابن عبد البر من الخلاف فلم ~~أجده ذكر لذلك أصلا إلا ما ذكره أحمد عن علماء المسلمين أن التكبير مشروع ~~في الصلوات و إنما ذكر ذلك مالك و غيره و الله أعلم لأجل ما كره من فعل ~~الأئمة الذين كانوا لا يتمون التكبير و قد قال ابن عبد البر روى ~~PageV01P067 ابن وهب أخبرني عياض بن عبد الله الفهري أن عبد الله بن عمر ~~كان يقول لكل شيء زينة و زينة الصلاة التكبير و رفع الأيدي فيها وإذا كان ~~ابن عمر يقول ذلك فكيف يظن به أنه لا يكبر إذا صلى وحده هذا لا يظنه عاقل ~~بابن عمر # قال ابن عبد البر وقد روى عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وقتادة ~~وغيرهم انهم كانوا لا يتمون التكبير وذكر ذلك أيضا عن القاسم وسعيد بن جبير ~~وروى عن أبي سلمة عن أبي هريرة انه كان يكبر هذا التكبير ويقول إنها لصلاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهذا يدل على أن التكبير في كل خفض ورفع ~~كان الناس قد تركوه وفي ترك الناس له من غير نكير من واحد منهم ما يدل على ~~أن الأمر محمول عندهم على الإباحة قلت لايمكن أن يعلم إلا ترك الجهر به ~~فأما ترك الإمام التكبير سرا فلا يجوز أن يدعى تركه إن لم يصل الإمام إلى ~~فعله فهذا لم يقله أحد من الأئمة ولم يقل أحد إنهم كانوا يتركون في كل خفض ~~ورفع بل قالوا كانوا لا يتمونه ومعنى لا يتمونه لا ينقصونه ونقصه عدم فعله ~~في حال الخفض كما تقدم من كلامه وهو نقص بترك رفع الصوت به أو نقص له بترك ~~ذلك ms060 في بعض المواضع وقد روى ابن عبد البر عن أنس بن مالك رضى الله عنة قال ~~صليت خلف رسول الله صلى عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم ~~فكلهم كان يكبر إذا رفع رأسه وإذا خفض قال وهذا معارض لما روى عن عمر انه ~~كان لا يتم التكبير وروى عن سعيد بن عبد العزيز عن الزهرى قال PageV01P068 ~~قلت لعمر بن عبد العزيز ما منعك أن تتم التكبير و هذا عاملك عبد العزيز ~~يتمه فقال تلك صلاة الأول و أبى أن يقبل مني # قلت و إنما خفي على عمر بن عبد العزيز و على هؤلاء الجهر بالتكبير كما ~~خفي ذلك على طوائف من أهل زماننا و قبله ما ذكره أبي شيبة أخبرنا جرير عن ~~منصور عن إبراهيم قال أول من نقص التكبير زياد # قلت زياد كان أميرا في زمن عمر فيمكن أن يكون ذلك صحيحا و يكون زياد قد ~~سن ذلك حين تركه غيره و روى عن الأسود بن يزيد عن أبي موسى الأشعري قال لقد ~~ذكرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إما نسيناها و ~~إما تركناها عمدا و كان يكبر كلما رفع و كلما وضع و كلما سجد # و معلوم أن الأمراء بالعراق الذين شاهدوا ما عليه أمراء البلد وهم أئمة ~~ولم يبلغهم خلاف ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا من شاهدوهم من ~~أهل العلم و الدين لا يعرفون غير ذلك فظنوا أن ذلك هو من أصل السنة و حصل ~~بذلك نقصان في وقت الصلاة و فعلها فاعتقدوا أن تأخير الصلاة أفضل من ~~تقديمها كما كان الأئمة يفعلون ذلك و كذلك عدم إتمام التكبير وغير ذلك من ~~الأمور الناقصة عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان ابن ~~مسعود يتأول في بعض الأمراء الذين كانوا على عهده أنهم من الخلف الذين قال ~~الله تعالى فيهم @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا ms061 @QE@ فكان يقول كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير و ~~يهرم فيها الكبير إذا ترك فيها شيء قيل تركت السنة فقيل متى ذلك يا أبا عبد ~~الرحمن فقال ذلك إذا ذهب علماؤكم و قلت فقهاؤكم و التمست الدنيا بعمل ~~الآخرة و تفقه لغير الدين و كان عبد الله بن مسعود يقول أيضا أنا من غير ~~الدجال أخوف عليكم من الدجال أمور تكون من كبرائكم PageV01P069 فأيما رجل ~~أو امرأة أدرك ذلك الزمان فالسمت الأول فالسمت الأول # ومن هذا الباب أن عمر بن عبد العزيز لما تولى إمارة المدينة في خلافة ~~الوليد بن عمه و عمر هذا هو الذي بنى الحجرة النبوية إذ ذاك صلى خلفه أنس ~~بن مالك رضي الله عنه فقال ما رواه أبو داود و النسائي عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه ما صليت وراء أحد بعد رسول برسول الله صلى الله ع عليه وسلم من ~~هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز قال فخررنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي ~~سجوده عشر تسبيحات وهذا كان في المدينة مع أن أمراءها كانوا أكثر محافظة ~~على السنة من أمراء بقية الأمصار فإن الأمصار كانت تساس برأي الملوك و ~~المدينة إنما كانت تساس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحو هذا و ~~لكن كانوا قد غيروا أيضا ببعض السنة و من اعتقد أن هذا كان في خلافة عمر بن ~~عبد العزيز فقد غلط فإن أنس بن مالك رضي الله عنه لم يدرك خلافة عمر بن عبد ~~العزيز بل مات قبل ذلك بسنتين # وهذا يوافق الحديث المشهور الذي في سنن أبي داود و الترمذي و ابن ماجة عن ~~عون بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( ( إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات سبحان ربي العظيم وذلك ~~أدناه ) ) و إذا سجد فليقل سبحان ربي الأعلى ثلاثا و ذلك أدناه قال أبو ~~داود هذا مرسل عون لم يدرك عبد ms062 الله بن مسعود و كذلك قال البخاري في تاريخه ~~وقال الترمذي ليس إسناده بمتصل عون ابن عبد الله لم يدرك ابن مسعود عون هو ~~من علماء الكوفة المشهورين وهو من أهل بيت عبد الله PageV01P070 وقيل إنما ~~تلقاه من علماء أهل بيته فلهذا تمسك الفقهاء بهذا الحديث في التسبيحات لما ~~له من الشواهد حتى صاروا يقولون في الثلاث إنها أدنى الكمال أو أدنى الركوع ~~و ذلك يدل على أن أعلاه أكثر من هذا # فقول من يقول من الفقهاء إن السنة للإمام أن يقتصر على ثلاث تسبيحات من ~~أصل الشافعي و أحمد رضي الله عنهما و غيرهم هو من جنس قول من يقول من السنة ~~أن لا يطيل الاعتدال بعد الركوع أو أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت أو نحو ~~ذلك فإن الذين قالوا هذا ليس معهم أصل يرجعون إليه من السنة أصلا بل ~~الأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة في الصحاح و السنن ~~و المسانيد وغيرها تبين أنه صلى الله عليه وسلم كان يسبح في أغلب صلاته ~~أكثر من ذلك كما تقدم دلالة الأحاديث عليه و لكن هذا قالوه لما سمعوا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أم أحدكم الناس فليخفف و إذا صلى لنفسه ~~فليطول ما شاء ولم يعرفوا مقدار التطويل ولا علموا التطويل الذي نهى عنه ~~لما قال لمعاذ أفتان أنت يا معاذ فجعلوا هذا برأيهم قدرا للمستحب ومن ~~المعلوم أن مقدار الصلاة واجبها ومستحبها لا يرجع فيه إلى غير السنة فإن ~~هذا من العلم الذي لم يكله الله و رسوله إلى آراء العباد إذ النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يصلي بالمسلمين في كل يوم خمس صلوات و كذلك خلفاؤه الراشدون ~~الذين أمرنا بالاقتداء بهم فيجب البحث عما سنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا ينبغي أن يوضع فيه حكم بالرأي و إنما يكون اجتهاد الرأي فيما لم ~~تمض به سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يعمد ms063 إلى شيء مضت ~~به سنة فيرد بالرأي و القياس # ومما يبين هذا أن التخفيف أمر نسبي إضافي ليس له حد في اللغة ولا في ~~العرف إذ قد يستطيل هؤلاء ما يستخفه هؤلاء و يستخف هؤلاء ما يستطيله ~~PageV01P071 هؤلاء فهو أمر يختلف باختلاف عادات الناس و مقادير العبادات ~~ولا في كل من العبادات التي ليست شرعية # فعلم أن الواجب على المسلم أن يرجع في مقدار التخفيف و التطويل إلى السنة ~~و بهذا يتبين أن أمره صلى الله عليه وسلم بالتخفيف لا ينافي أمره بالتطويل ~~أيضا في حديث عمار الذي في الصحيح لما قال إن طول صلاة الرجل و قصر خطبته ~~مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة و أقصروا الخطبة و هناك أمرهم بالتخفيف ولا ~~منافاة بينهما فإن الإطالة هنا بالنسبة إلى الخطبة و التخفيف هناك بالنسبة ~~إلى ما فعل بعض الأئمة في زمانه من قراءة البقرة في العشاء الآخرة ولهذا ~~قال فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء # فبين أن المنفرد ليس لطول صلاته حد تكون به الصلاة خفيفة بخلاف الإمام ~~لأجل مراعاة المأمومين فإن خلفه السقيم و الكبير و ذو الحاجة و لهذا مضت ~~السنة بتخفيفها عن الإطالة إذا عرض للمأمومين أو بعضهم عارض كما قال صلى ~~الله عليه وسلم إني لأدخل الصلاة و أنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي ~~فأخفف لما أعلم من وجد أمه و بذلك علل النبي صلى الله عليه وسلم فيما تقدم ~~من حديث ابن مسعود # وكذلك في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف و الكبير ~~PageV01P072 و ذا الحاجة و إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء وفي رواية فإن فيهم ~~السقيم و الشيخ الكبير و ذا الحاجة # و لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصرها أحيانا عما كان يفعل غالبا ~~كما روى مسلم في صحيحه عن عمرو بن حريث رضي الله عنه قال كأني أسمع صوت ~~النبي صلى الله ms064 عليه وسلم يقرأ في صلاة الغداة @QB@ فلا أقسم بالخنس الجوار ~~الكنس @QE@ وروى أنه قرأ في صلاة الفجر في بعض أسفاره بسورة الزلزلة و كان ~~يطولها أحيانا حتى ثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أم الفضل ~~بنت الحارث سمعته وهو يقرأ @QB@ والمرسلات عرفا @QE@ فقالت يا بنى لقد ~~أذكرتنى بقراءتك هذه السورة أنها لآخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ بها في المغرب وفي الصحيحين عن محمد ابن جبير بن مطعم عن أبيه ~~أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بالطور في المغرب وفي ~~البخاري والسنن عن مروان بن الحكم قال قال لى زيد بن ثابت مالك تقرأ في ~~المغرب بقصار المفصل وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرا في المغرب ~~بطولي الطوليين قال قلت ما طولى الطوليين قال الأعراف # فهذه الأحاديث من أصح الأحاديث وقد ثبت فيها أنه كان يقرأ في المغرب تارة ~~بالأعراف وتارة بالطور وتارة بالمرسلات مع اتفاق الفقهاء على أن القراءة في ~~المغرب سنتها أن تكون أقصر نم القراءة في الفجر فكيف تكون القراءة في الفجر ~~وغيرها # ومن هذا الباب ما روى وكيع عن منصور عن إبراهيم النخعي قال كان أبو عبيدة ~~بن عبد الله بن مسعود يطيل القيام بقدر الركوع فكانوا يعيبون ذلك عليه قال ~~أبو محمد بن حزم العيب على من عاب عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعول ~~على من لا حجة فيه PageV01P073 قلت قد تقدم فعل أبي عبيدة الذي في الصحيح ~~وموافقته لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهؤلاء الذين عابوا عليه كانوا ~~من أهل الكوفة الذين في زمن الحجاج وفتنة ابن الأشعث لم يكونوا من الصحابة ~~ولا عرف أنهم من أعيان التابعين وإن كان قد يكون فيهم من أدرك ابن مسعود ~~فابن بن مسعود لم يكن هو الإمام الراتب في زمنه بل الإمام الراتب كان غيره ~~وابن بن مسعود أقرب إلى متابعة أبيه من هؤلاء المجهولين # فهؤلاء الذين أنكروا ms065 على أبي عبيدة إنما أنكروا عليه لمخالفته العادة ~~التي اعتادوها وإن خالفت السنة النبوية ولكن ليس هذا الإنكار من الفقهاء # يبين ذلك أن أجل فقيه أخذ عنه إبراهيم النخعي هو علقمة وتوفى قبل فتنة ~~ابن الأشعث التي صلى فيها أبو عبيدة بن عبد الله فإن علقمة توفى سنة إحدى ~~أو اثنتين وستين في أوائل إمارة يزيد وفتنة ابن الأشعث كانت في إمارة عبد ~~الملك وكذلك مسروق قيل إنه توفى قبل السبعين أيضا وقيل فيهما كما قيل في ~~مسروق ونحوه # فتبين أن أكابر الفقهاء من أصحاب عبد الله بن مسعود لم يكونوا هم الذين ~~أنكروا ذلك مع أن من الناس إذا سمع هذا الإطلاق صرفه إلى إبراهيم النخعي ~~وقد عرفت أن المشهور أن علقمة يظن أن إبراهيم وأمثاله أنكروا ذلك وهم رأوا ~~ذلك وهم أخذوا العلم عن عبد الله ونحوه فقد تبين أن الأمر ليس كذلك # آخر ما وجد في الأصل والحمد لله رب العالمين $ فصل # وأما السلام من الصلاة فالمختار عند مالك ومن تبعه من أهل المدينة تسليمة ~~واحدة في جميع الصلاة فرضها ونقلها المشتملة على الأركان الفعلية أو على ~~ركن واحد وعند أهل الكوفة تسليمتان في جميع ذلك وافقهم الشافعي PageV01P074 # والمختار في المشهور عن أحمد أن الصلاة الكاملة المشتملة على قيام وركوع ~~وسجود يسلم منها تسليمتان وأما الصلاة بركن واحد كصلاة الجنازة وسجود ~~التلاوة وسجود الشكر فالمختار فيها تسليمة واحدة كما حاءت أكثر الآثار بذلك ~~فالخروج من الأركان الفعلية المتعددة بالتسليم المتعدد ومن الركن الفعلي ~~المفرد بالتسليم المفرد فإن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت معتدلة فما ~~طولها أعطى كل جزء منها حظه من الطول وما خففها أدخل التخفيف على عامة ~~أجزائها $ فصل # فأما صلاة الجماعة فاتبع أهل الحديث ما دل عليه الكتاب و السنة و أقوال ~~الصحابة من وجوبها مع عدم العذر و سقوطها بالعذر و تقديم الأئمة بما قدم به ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا ~~في القراءة ms066 سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ففرق ~~بين العلم بالكتاب و العلم بالسنة كما دل عليه الحديث و إنما يكون ترجيح ~~بعض الأئمة على بعض إذا استووا في المعرفة بإقام الصلاة على الوجه المشروع ~~و فعلها على السنة وفي دين الإمام الذي يخرج به المأموم عن نقص الصلاة خلفه ~~فإذا استويا في كمال الصلاة منهما و خلفهما قدم الأقرأ ثم الأعلم بالسنة و ~~إلا ففضل الصلاة في نفسها مقدم على صفة إمامهم وما يحتاج إليه من العلم و ~~الدين فيها مقدم على ما يستحب من ذلك و غيره # وقد يقول بعض العلماء هي سنة مؤكدة وقد يقول آخرون هي فرض على الكفاية ~~ولهم في تقديم الأئمة خلاف # و يأمر بإقامة الصفوف فيها كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من سننها ~~الخمس وهي تقويم الصفوف و رصها و تقاربها و سد الأول فالأول PageV01P075 و ~~توسيط الإمام حتى ينهى عما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة ~~المنفرد خلف الصف و يأمره بالإعادة كما أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ~~في حديثين ثابتين عنه أمر فيهما المنفرد خلف الصف بالإعادة كما أمر المسيء ~~في صلاته بالإعادة و كما أمر المسيء في وضوءه الذي ترك فيه موضع ظفر من ~~قدمه لم يمسه الماء بالإعادة # فهذه المواضع دلت على اشتراط الطهارة و الاصطفاف في الصلاة و الإتيان ~~بأركانها # و الذين خالفوا حديث المنفرد خلف الصف كأبي حنيفة و مالك و الشافعي منهم ~~من لم يبلغه الحديث أو لم يثبت عنده و الشافعي رآه معارضا بكون الإمام يصلي ~~وحده و بكون مليكة جدة أنس صلت خلفهم و بحديث أبي بكرة لما ركع دون الصف # و أما أحمد فأصله في الأحاديث إذا تعارضت في قضيتين متشابهتين غير ~~متماثلتين أنه يستعمل كل حديث على وجهه ولا يضرب أحدهما بالآخر فيقول في ~~مثل هذه المرأة إذا كانت مع النساء صلت بينهن و أما إذا كانت مع الرجال لم ~~تصل ms067 إلا خلفهم و إن كانت وحدها لأنها منهية عن مصافة الرجال فانفرادها عن ~~الرجال أولى بها من مصافتهم كما أنها إذا صلت بالنساء صلت بينهن لأنه أستر ~~لها كما يصلي إمام العراة بينهم و إن كانت سنة الرجل الكاسي إذا أم أن ~~يتقدم بين يدي الصف # و نقول إن الإمام لا يشبه المأموم فإن سنته التقدم لا المصافة و سنة ~~المؤتمين الاصطفاف نعم يدل انفراد الإمام و المرأة على جواز انفراد الرجل ~~المأموم لحاجة وهو ما إذا لم يحصل له مكان يصلي فيه إلا انفرادا فهذا قياس ~~قول أحمد و غيره ولأن واجبات الصلاة و غيرها تسقط بالأعذار فليس الاصطفاف ~~إلا بعض واجباتها فسقط بالعجز في الجماعة كما يسقط غيره فيها وفي سنن ~~PageV01P076 الصلاة ولهذا كان تحصيل الجماعة في صلاة الخوف و المرض و ~~نحوهما مع استدبار القبلة و العمل الكثير و مفارقة الإمام ومع ترك المريض ~~القيام أولى من أن يصلوا وحدانا ولهذا ذهب بعض أصحاب أحمد إلى أنه يجوز ~~تقديم المؤتم على إمامه عند الحاجة كحال الزحام و نحوه و إن كان لا يجوز ~~لغير حاجة وقد روى في بعض صفات صلاة الخوف ولهذا سقط عنده و عند غيره من ~~أئمة السنة ما يعتبر للجماعة من عدل الإمام و حل البقعة و نحو ذلك للحاجة ~~فجوزوا بل أوجبوا فعل صلوات الجمعة و العيدين و الخوف و المناسك و نحو ذلك ~~خلف الأئمة الفاجرين وفي الأمكنة المغصوبة إذا أفضى ترك ذلك إلى ترك الجمعة ~~و الجماعة أو إلى فتنة في الأمة و نحو ذلك كما جاء في حديث جابر رضي الله ~~عنه لا يؤمن فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه أو سوطه لأن غاية ~~ذلك أن يكون عدل الإمام واجبا فيسقط بالعذر كما سقط كثير من الواجبات في ~~جماعة الخوف بالعذر # ومن اهتدى لهذا الأصل وهو أن نفس واجبات الصلاة تسقط بالعذر و كذلك ~~الواجبات في الجماعات و نحوها فقد هدى لما جاءت به السنة من التوسط ms068 بين ~~إهمال بعض واجبات الشريعة رأسا كما قد يبتلى به بعضهم وبين الإسراف في ذلك ~~الواجب حتى يفضي إلى ترك غيره من الواجبات التي هي أوكد منه عند العجز عنه ~~و إن كان ذلك الأوكد مقدورا عليه كما قد يبتلى به آخرون فإن فعل المقدور ~~عليه من ذلك دون المعجوز عنه هو الوسط بين الأمرين # وعلى هذا الأصل تنبني مسائل الهجرة و العزم التي هي أصل مسألة الإمامة ~~بحيث لا يفعل ولا تسع القدرة # و كان أحمد في المنصوص عنه و طائفة من أصحابه يقولون بجواز اقتداء ~~المفترض PageV01P077 بالمتنقل للحاجة كما في صلاة الخوف وكما لو كان ~~المفترض غير قارئ كما في حديث عمرو بن سلمة و معاذ و نحو ذلك و إن كان لا ~~يجوزه لغير حاجة على إحدى الروايتين عنه فأما إذا جوزه مطلقا فلا كلام و إن ~~كان من أصحابه من لا يجوزه بحال # فصارت الأقوال في مذهبه و غير مذهبه ثلاثة و المنع مطلقا هو المشهور عن ~~أبي حنيفة و مالك كما أن الجواز مطلقا هو قول الشافعي # و يشبه هذا مفارقة المأموم إمامه قبل السلام فعنه ثلاث روايات أوسطها ~~جواز ذلك للحاجة كما تفعل الطائفة الأولى في صلاة الخوف وكما فعل الذي طول ~~عليه معاذ صلاة العشاء الآخرة لما شق عليه طول الصلاة و الرواية الثانية ~~المنع مطلقا كقول أبي حنيفة و الرواية الثالثة الجواز مطلقا كقول الشافعي و ~~لهذا جوز أحمد في المشهور عنه أن المرأة تؤم الرجل لحاجة مثل أن تكون قارئة ~~وهم غير قارئين فتصلي بهم التراويح كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأم ~~ورقة أن تؤم أهل دارها و جعل لها مؤذنا و تتأخر خلفهم و إن كانوا مأمومين ~~بها للحاجة وهو حجة لمن يجوز تقدم المأموم لحاجة هذا مع ما روى عنه صلى ~~الله عليه وسلم من قوله لا تؤمن امرأة رجلا و أن المنع من إمامة المرأة ~~بالرجال قول عامة العلماء # و لهذا الأصل استعمل أحمد ما استفاض ms069 عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله ~~في الإمام إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون و أنه علل ذلك بأنه يشبه قيام ~~الأعاجم بعضهم لبعض فسقط عن المأمومين القيام لما في القيام من المفسدة ~~التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم من مخالفة الإمام و التشبه ~~بالأعاجم في القيام له و كذلك عمل أئمة الصحابة بعده لما اعتلوا فصلوا ~~قعودا و الناس خلفهم قعود كأسيد بن الحضير # و لكن كره هذا لغير الإمام الراتب إذ لا حاجة إلى نقص الصلاة في الائتمام ~~PageV01P078 به و لهذا كرهه أيضا إذا مرض الإمام الراتب مرضا مزمنا لأنه ~~يتعين حينئذ انصرافه عن الإمامة و لم ير هذا منسوخا بكونه صلى الله عليه ~~وسلم في مرضه صلى في أثناء الصلاة قاعدا وهم قيام لعدم المنافاة بين ما أمر ~~به و بين ما فعله و لأن الصحابة فعلوا ما أمر به بعد موته مع شهودهم لفعله ~~فيفرق بين القعود من أول الصلاة و القعود في أثنائها إذ يجوز الأمران جميعا ~~إذ ليس في الفعل تحريم للمأمور به بحال مع ما في هذه المسائل من الكلام ~~الدقيق الذي ليس هذا موضعه و إنما الغرض التنبيه على قواعد الشريعة التي ~~تعرفها القلوب الصحيحة التي دل عليها قوله تعالى @QB@ فاتقوا الله ما ~~استطعتم @QE@ و قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما ~~استطعتم و أنه إذا تعذر جمع الواجبين قدم أرجحهما و سقط الآخر بالوجه ~~الشرعي و التنبيه على ضوابط من مآخذ العلماء # | فصل # في انعقاد صلاة المأموم بصلاة الإمام # الناس فيه على ثلاثة أقوال # أحدها أنه لا ارتباط بينهما و أن كل امرئ يصلي لنفسه و فائدة الائتمام في ~~تكثير الثواب بالجماعة وهذا هو الغالب على أصل الشافعي لكن قد عورض بمنعه ~~اقتداء القارئ بالأمي و الرجل بالمرأة و إبطال صلاة المؤتم بمن لا صلاة له ~~كالكافر و المحدث و في هذه المسائل كلام ليس هذا موضعه # ومن الحجة فيه قول النبي صلى ms070 الله عليه وسلم في الأئمة إن أحسنوا فلكم ~~ولهم و إن أساءوا فلكم و عليهم # و القول الثاني أنها منعقدة بصلاة الإمام فرع عليها مطلقا فكل خلل حصل في ~~صلاة الإمام يسري إلى صلاة المأموم لقوله صلى الله عليه وسلم الإمام ضامن و ~~على هذا فالمؤتمن بالمحدث الناسي لحدثه يعيد كما يعيد إمامه وهذا مذهب ~~PageV01P079 أبي حنيفة و رواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب حتى اختار بعض ~~هؤلاء كمحمد بن الحسن أن لا يأتم المتوضئ بالمتيمم لنقص طهارته عنه # و القول الثالث أنها منعقدة بصلاة الإمام بها لكن إنما يسري النقص إلى ~~صلاة المأموم مع عدم العذر منهما فأما مع العذر فلا يسري النقص فإذا كان ~~الإمام يعتقد طهارته فهو معذور في الإمامة و المأموم معذور في الائتمام ~~وهذا قول مالك و أحمد و غيرهما و عليه ينزل ما يؤثر عن الصحابة في هذه ~~المسألة و هو أوسط الأقوال كما ذكرنا في نفس صفة الإمام الناقص أن حكمه مع ~~الحاجة يخالف حكمه مع عدم الحاجة فحكم صلاته كحكم نفسه # وعلى هذا أيضا ينبني اقتداء المؤتم بإمام قد ترك ما يعتقده المأموم من ~~فرائض الصلاة إذا كان الإمام متأولا تأويلا يسوغ كأن لا يتوضأ من خروج ~~النجاسات من غير السبيلين ولا من مس الذكر و نحو ذلك فإن اعتقاد الإمام هنا ~~صحة صلاته كاعتقاده صحتها مع عدم العلم بالحدث وأولى فإنه هناك تجب عليه ~~الإعادة و هذا أصل نافع أيضا # و يدل على صحة هذا القول ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يصلون لكم فإن أصابوا فلكم و ~~لهم و إن أخطأوا فلكم و عليهم فهذا نص في أن الإمام إذا أخطأ كان درك خطأه ~~عليه لا على المأمومين فمن صلى معتقدا لطهارته و كان محدثا أو جنبا أو كانت ~~عليه نجاسة و قلنا عليه الإعادة للنجاسة كما يعيد من الحدث فهذا الإمام ~~مخطئ في هذا الإعتقاد فيكون ms071 خطؤه عليه فيعيد صلاته و أما المأمومون فلهم ~~هذه الصلاة و ليس عليهم من خطئه شيء كما صرح به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم و هذا نص في إجزاء صلاتهم # و كذلك لو ترك الإمام بعض فرائض الصلاة بتأويل أخطأ فيه عند المأموم مثل ~~أن يمس ذكره و يصلي أو يحتجم و يصلي أو يترك قراءة البسملة أو يصلي ~~PageV01P080 و عليه نجاسة لا يعفي عنها عند المأموم و نحو ذلك فهذا الإمام ~~أسوأ أحواله أن يكون مخطئا إن لم يكن مصيبا فتكون هذه الصلاة للمأموم و ليس ~~عليه من خطأ إمامه شيء و كذلك روى أحمد و أبو داود عن عقبة بن عامر رضي ~~الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أم الناس فأصاب ~~الوقت و أتم الصلاة فله و لهم ومن انتقص من ذلك شيئا فعليه و لا عليهم لكن ~~لم يذكر أبو داود و أتم الصلاة فهذا الانتقاص يفسره الحديث الأول أنه الخطأ ~~و مفهوم قوله و إن أخطأ فعليه و لا عليهم أنه إذا تعمد لم يكن كذلك و ~~لاتفاق المسلمين على أن من يترك الأركان المتفق عليها لا ينبغي الصلاة خلفه ~~$ فصل # و أما القنوت فالناس فيه طرفان ووسط منهم من لا يرى القنوت إلا قبل ~~الركوع و منهم من لا يراه إلا بعده # و أما فقهاء أهل الحديث كأحمد و غيره فيجوزون كلا الأمرين لمجيء السنة ~~الصحيحة بهما و إن اختاروا القنوت بعد الركوع لأنه أكثر و أقيس فإن سماع ~~الدعاء مناسب لقول العبد سمع الله لمن حمد فإنه يشرع الثناء على الله قبل ~~دعائه كما بينت فاتحة الكتاب على ذلك أولها ثناء و آخرها دعاء # و أيضا فالناس في شرعه في الفجر على ثلاثة أقوال بعد اتفاقهم على أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قنت في الفجر منهم من قال هو منسوخ فإنه قنت ثم ~~ترك كما جاءت به الأحاديث الصحيحة ومن قال المتروك هو الدعاء على أولئك ms072 ~~الكفار فلم يبلغه ألفاظ الحديث أو بلغته فلم يتأملها فإن في الصحيحين عن ~~عاصم الأحول قال سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن القنوت هل كان قبل ~~الركوع أو بعد الركوع فقال قبل الركوع قال فإن فلانا أخبرني PageV01P081 ~~أنك قلت بعد الركوع قال كذب إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~الركوع أراه كان بعث قوما يقال لهم القراء زهاء سبعين رجلا إلى قوم مشركين ~~دون أولئك وكان بينهم وبين رسول الله عهد فقنت صلى الله عليه وسلم شهرا ~~يدعو عليهم وكذلك الحديث الذي رواه أحمد والحاكم عن الربيع بن أنس عن أنس ~~بن مالك رضى الله عنه أنه قال ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت ~~حتى فارق الدنيا جاء لفظه مفسرا أنه ما زال يقنت قبل الركوع # والمراد هنا بالقنوت طول القيام لا الدعاء كذلك جاء مفسرا # ويبينه ما جاء في الصحيحين عن محمد بن سيرين قال قلت لأنس بن مالك رضى ~~الله عنه قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح قال نعم بعد ~~الركوع يسيرا فأخبر أن قنوته كان سرا وكان بعد الركوع فلما كان لفظ القنوت ~~هو إدامة الطاعة سمى كل تطويل في قيام أو ركوع أو سجود قنوتا كما قال تعالى ~~@QB@ أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما @QE@ ولهذا لما سئل ابن عمر ~~رضى الله عن القنوت الراتب قال ما سمعنا ولا رأينا وهذا قول ومنهم من قال ~~بل القنوت سنة راتبة حيث قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت وروى ~~عنه أنه ما زال يقنت حتى فارق الدنيا وهذا قول الشافعي PageV01P082 # ثم من هؤلاء من استحبه في جميع الصلوات لما صح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قنت فيهن وجاء ذلك من غير وجه في المغرب والعشاء الآخرة والظهر ~~لكن لم يرو أحد انه قنت قنوتا راتبا بدعاء معروف فاستحبوا أن يدعو فيه ~~بقنوت الوتر الذي علمه النبي صلى الله عليه ms073 وسلم للحسن بن على وهو اللهم ~~اهدني فيمن هديت إلى آخره # وتوسط آخرون من فقهاء الحديث وغيرهم كأحمد وغيرهم فقالوا قد ثبت أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قنت للنوازل التي نزلت به من العدو في قتل أصحابه أو ~~حبسهم ونحو ذلك فإنه قنت مستنصرا كما استسقى حين الجدب فاستنصاره عند ~~الحاجة كاسترزاقه عند الحاجة إذ بالنصر والرزق قوام أمر الناس كما قال ~~تعالى @QB@ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف @QE@ وكما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( ( وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم واستغفارهم ~~) ) وكما قال في صفات الأبدال ( ( بهم ترزقون وبهم تنصرون ) ) وكما ذكر ~~الله هذين النوعين في سورة الملك وبين أنهما بيده سبحانه وتعالى في قوله ~~@QB@ أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في ~~غرور أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور @QE@ ثم ترك ~~القنوت جاء مفسرا أنه صلى الله عليه وسلم تركه لزوال ذلك PageV01P083 السبب ~~وكذلك كان عمر رضى الله عنه إذا أبطأ خبر عليه جيوش السلمين قنت وكذلك على ~~رضى الله عنه قنت لما حارب من حارب من الخوارج وغيرهم # قالوا وليس الترك نسخا فإن الناسخ لا بد أن ينافي المنسوخ وإذا فعل ~~الرسول ص = أمرا لحاجة ثم تركه لزالها لم يكن ذلك نسخا بل لو تركه تركا ~~مطلقا لكان ذلك يدل على جواز الفعل والترك لا على النهي عن الفعل # قالوا ونعلم قطعا أنه لم يكن يقنت قنوتا راتبا فإن مثل هذا مما تتوفر ~~الهمم والدواعي على نقله فإنه لم ينقل أحد من الصحابة قط أنه دعا في قنوته ~~في الفجر ونحوها إلا لقوم أو على قوم ولا نقل أحد منهم قط أنه قنت دائما ~~بعد الركوع ولا أنه قنت دائما يدعو قبله وأنكر غير واحد من الصحابة القنوت ~~الراتب فإذا علم هذا علم قطعا أن ذلك لم يكن كما يعلم أن حى على خير العمل ~~لم يكن من الأذان ms074 الراتب وإنما فعله بعض الصحابة لعارض تحضيضا للناس على ~~الصلاة # فهذا القول أوسط الأقوال وهو أن القنوت مشروع غير منسوخ لكنه مشروع ~~للحاجة النازلة لا سنة راتبة # وهذا أصل آخر في الواجبات والمستحبات كالأصل الذي تقدم فيما يسقط بالعذر ~~فإن كل واحد من الواجبات والمستحبات الراتبة يسقط بالعذر العارض بحيث لا ~~يبقى لا واجبا ولا مستحبا كما سقط بالسفر والمرض والخوف كثير من الواجبات ~~والمستحبات وكذلك أيضا قد يجب أو يستحب للأسباب العارضة مالا يكون واجبا ~~ولا مستحبا راتبا # فالعبادات في ثبوتها وسقوطها تنقسم إلى راتبة وعارضة وسواء في ذلك ثبوت ~~الوجوب أو الاستحباب أو سقوطه وإنما تغلط الأذهان من حيث تجعل العارض راتبا ~~أو تجعل الراتب لا يتغير بحال ومن اهتدى للفرق بين المشروعات الراتبة ~~والعارضة انحلت عنه هذه المشكلات انحلالا كثيرا PageV01P084 # | فصل # وأما القراءة خلف الإمام # فالناس فيها طرفان ووسط منهم من يكره القراءة خلف الإمام حتى يبلغ بها ~~بعضهم إلى التحريم سواء في ذلك صلاة السر والجهر وهذا هو الغالب على أهل ~~الكوفة ومن اتبعهم كأصحاب أبي حنيفة ومنهم من يؤكد القراءة خلف الإمام حتى ~~يوجب قراءة الفاتحة وإن سمع الإمام يقرأ وهذا هو الجديد من قولى الشافعي ~~وقول طائفة معه ومنهم من يأمر بالقراءة في صلاة السر وفي حال سكتات الإمام ~~في صلاته الجهرية وللبعيد الذي لا يسمع الإمام وأما للقريب الذي يسمع قراءة ~~الإمام فيأمرونه بالإنصات لقراءة إمامه إقامة للاستماع مقام التلاوة وهذا ~~قول الجمهور كمالك وأحمد وغيرهم من فقهاء الأمصار وفقهاء الآثار وعليه يدل ~~عمل أكثر الصحابة وتتفق عليه أكثر الأحاديث # وهذا الاختلاف شبيه باختلافهم في صلاة المأموم هل هي مبنية على صلاة ~~الإمام أم كل واحد منهما يصلى لنفسه كما تقدم التنبيه عليه فأصل أبي حنيفة ~~أنها داخلة فيها ومبنية عليها مطلقا حتى إنه يوجب الإعادة على المأموم حيث ~~وجبت الإعادة على الإمام # واصل الشافعي أن كل رجل يصلى لنفسه لا يقوم مقامة لا في فرض ولا سنة ~~ولهذا أمر المأموم بالتسميع وأوجب ms075 عليه القراءة ولم يبطل صلاته بنقص صلاة ~~الإمام إلا في مواضع مستثناة كتحمل الإمام عن المأموم سجود السهو وتحمل ~~القراءة إذا كان المأموم مسبوقا وإبطال صلاة القارئ خلف الأمي ونحو ذلك # وأما مالك وأحمد فإنها عندهما مبنية عليها من وجه دون وجه كما ذكرنا من ~~الاستماع للقراءة في حال الجهر والمشاركة في حال المخافتة ولا يقول المأموم ~~عندها سمع الله لمن حمده بل يحمد جوابا لتسميع الإمام كما دلت عليه ~~PageV01P085 النصوص الصحيحة وهى مبنية عليها فيما يعذران فيه دون ما لا ~~يعذران كما تقدم في الإمامة # | فصل # وأما الصلوات في الأحوال العارضة # كالصلاة المكتوبة في الخوف والمرض والسفر ومثل الصلاة لدفع البلاء عند ~~أسبابه كصلوات الآيات في الكسوف ونحوه أو الصلاة لاستجلاب النعماء كصلاة ~~الاستسقاء ومثل الصلاة على الجنازة ففقهاء الحديث كأحمد وغيره متبعون لعامة ~~الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في هذا الباب فيجوزون في صلاة ~~الخوف جميع الأنواع المحفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويختارون قصر ~~الصلاة في السفر إتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم فأنه لم يصل في ~~السفر قط رباعية إلا مقصورة ومن صلى أربعا لم يبطلوا صلاته لأن الصحابة ~~أقروا من فعل ذلك بل منهم من يكره ذلك ومنهم من لا يكرهه وإن رأى تركه أفضل ~~وفي ذلك عن أحمد روايتان # وهذا بخلاف الجمع بين الصلاتين فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما لم ~~يفعله إلا مرات قليلة فإنهم يستحبون تركه إلا عند الحاجة إليه اقتداء ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم حين جد به السير حتى اختلف عن أحمد هل يجوز ~~الجمع للمسافر النازل الذي ليس بسائر أم لا ولهذا كان أهل السنة مجمعين على ~~جواز القصر مختلفون في جواز الإتمام ومجمعون على جواز التفريق بين الصلاتين ~~مختلفون في جواز الجمع بينهما # ويجوزون جميع الأنواع الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة ~~الكسوف # فأصحها وأشهرها أن يكون في كل ركعة ركوعان وفي الصحيح أيضا في كل ركعة ~~ثلاث ركوعات ms076 وأربعة ويجوزون حذف الركوع الزائد كما جاء PageV01P086 عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويطيلون السجود فيها كما صح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويجهرون فيها بالقراءة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكذلك الاستسقاء يجوزون الخروج إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء والدعاء ~~كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ويجوزون الخروج والدعاء بلا صلاة ~~كما فعله عمر رضى الله عنه بمحضر من الصحابة ويجوزون الاستسقاء بالدعاء ~~تبعا للصلوات الراتبة كخطبة الجمعة ونحوها كما فعله النبي صلى الله عليه ~~وسلم # وكذلك الجنازة فإن اختيارهم أنه يكبر عليها أربعا كما ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه أنهم كانوا يفعلونه غالبا ويجوز على المشهور عند ~~أحمد التخميس في التكبير ومتابعة الإمام في ذلك لما ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كبر خمسا وفعله غير واحد من الصحابة مثل على بن أبي طالب ~~وغيره ويجوز أيضا على الصحيح عنده التسبيع ومتابعة الإمام فيه لما ثبت عن ~~الصحابة أنهم كانوا يكبرون أحيانا سبعا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولما في ذلك من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم # | فصل # الأصل الثاني الزكاة # وهم أيضا متبعون فيها لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه آخذين بأوسط ~~الأقوال الثلاثة أو بأحسنها في السائمة فاخذوا في أوقاص الإبل بكتاب الصديق ~~رضى الله عنه ومتابعيه المتضمن أن في الإبل الكثيرة في أربعين بنت لبون وفي ~~كل خمسين حقة لأنه آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ~~الكتاب الذي فيه استئناف الفريضة بعد مائة وعشرين فإنه متقدم على هذا لأن ~~استعمال عمرو بن حزم على نجران كان قبل موته بمدة وأما كتاب الصديق فإنه ~~صلى الله عليه وسلم كتبه ولم يخرجه إلى العمال حتى أخرجه أبو بكر ~~PageV01P087 # وتوسطوا في المعشرات بين أهل الحجاز وأهل العراق فإن أهل العراق كأبي ~~حنيفة يوجبون العشر في كل ما أخرجت الأرض إلا القصب ونحوه في القليل ~~والكثير منه ms077 بناء على أن العشر حق الأرض كالخراج ولهذا لا يجمعون بين العشر ~~والخراج وأهل الحجاز لا يوجبون العشر إلا في النصاب المقدر بخمسة أوسق ~~ووافقهم عليه أبو يوسف ومحمد ولا يوجبون من الثمار إلا في التمر والزبيب ~~وفي الزروع في الأقوات ولا يوجبون في عسل ولا غيره والشافعي على مذهب أهل ~~الحجاز # وأما أحمد وغيره من فقهاء الحديث فيوافقون في النصاب قول أهل الحجاز لصحة ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا ~~يوجبون الزكاة في الخضراوات لما في الترك من عمل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخلفائه والأثر عنه لكن يوجبها في الحبوب والثمار التي تدخر وإن لم تكن ~~تمرا أو زبيبا كالفستق والبندق جعلا للبقاء في المعشرات بمنزلة الحول في ~~الماشية والجرين فيفرق بين الخضراوات وبين المدخرات وقد يلحق بالموسق ~~الموزونات كالقطن على إحدى الروايتين لما في ذلك من الآثار عن الصحابة رضى ~~الله عنهم # ويوجبها في العسل لما فيه من الآثار التي جمعها هو وإن كان غيره لم تبلغه ~~إلا من طريق ضعيفة وتسوية بين جنس ما أنزله الله من السماء وما أخرجه من ~~الأرض # ويجمعون بين العشر والخراج لأن العشر حق الزرع والخراج حق الأرض وصاحبا ~~أبي حنيفة قولمها هو قول أحمد أو قريب منه # وأما مقدار الصاع والمد ففيه ثلاثة أقوال # أحدها أن الصاع خمسة أرطال وثلث والمد ربعه وهذا قول أهل الحجاز في ~~الأطعمة والمياه وقصة مالك مع أبي يوسف فيه مشهورة وهو قول الشافعي وكثير ~~من أصحاب أحمد أو أكثرهم PageV01P088 # والثاني أنه ثمانية أرطال والمد ربعه وهو قول أهل العراق في الجميع # والقول الثالث أن صاع الطعام خمسة أرطال وثلث وصاع الطهارة ثمانية أرطال ~~كما جاء بكل واحد منهما الأثر فصاع الزكوات والكفارات وصدقة الفطر هو ثلثا ~~صاع الغسل والوضوء وهذا قول طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ممن جمع بين ~~الأخبار المأثورة في هذا الباب لمن تأمل الأخبار الواردة في ذلك # ومن أصولها أن أبا حنيفة ms078 أوسع في إيجابها من غيره فإنه يوجب في الخيل ~~السائمة المشتملة على الآثار ويوجبها في كل خارج من الأرض ويوجبها في جميع ~~أنواع الذهب والفضة من الحلى المباح وغيره ويجعل الركاز المعدن وغيره فيوجب ~~فيه الخمس لكنه لا يوجب ما سوى صدقة الفطر والعشر إلا على مكلف ويجوز ~~الاحتيال لإسقاطها واختلف أصحابه هل هو مكروه أم لا فكرهه محمد ولم يكرهه ~~أبو يوسف وأما مالك والشافعي فاتفقا على أنه لا يشترط لها التكليف بما في ~~ذلك من الآثار الكثيرة عن الصحابة # ولم يوجبها في الخيل ولا في الحلى المباح ولا في الخارج إلا ما تقدم ذكره ~~وحرم مالك الاحتيال لإسقاطها وأوجبها مع الحيلة وكره الشافعي الحيلة في ~~اسقاطها # وأما أحمد فهو في الوجوب بين أبي حنيفة ومالك كما تقدم في المعشرات وهو ~~يوجبها في مال المكلف وغير المكلف # واختلف قوله في الحلى المباح وإن كان المنصور عند أصحابه أنه لا يجب ~~وقوله في الاحتيال كقول مالك يحرم الاحتيال لسقوطها ويوجبها مع الحيلة كما ~~دلت عليه سورة نون وغيرها من الدلائل # والأئمة الأربعة وسائر الأمة إلا من شذ متفقون على وجوبها في عرض التجارة ~~سواء كان التاجر مقيما أو مسافرا وسواء كان متربصا وهو PageV01P089 الذي ~~يشتري التجارة وقت رخصها ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر أو مدبرا كالتجار ~~الذين في الحوانيت سواء كانت التجارة بزا من جديد أو لبس أو طعاما من قوت ~~أو فاكهه أو أدم أو غير ذلك أو كانت آنية كالفخار ونحوه أو حيوانا من رقيق ~~أو خيلا أو بغالا أو حميرا أو غنما معلوفة أو غير ذلك فالتجارات هي أغلب ~~أموال أهل الأمصار الباطنة كما أن الحيوانات الماشية هى أغلب الأموال ~~الظاهرة $ فصل # ولا بد في الزكاة من الملك # واختلفوا في اليد فلهم في زكاة ما ليس في اليد كالدين ثلاثة أقوال # أحدها أنها تجب في كل دين وكل عين وإن لم تكن تحت يد صاحبها كالمنصوب ~~والضال والدين المجحود وعلى معسر أو مماطل وانه يجب تعجيل الإخراج ms079 مما يمكن ~~قبضه كالدين على الموسر وهذا أحد قولى الشافعي وهو أقواهما $ فصل # والناس في إخراج القيم في الزكاة ثلاثة أقوال # أحدها أنه يجزئ بكل حال كما قاله أبو حنيفة # والثاني لا يجزئ بحال كما قاله الشافعي # والثالث أنه لا يجزئ إلا عند الحاجة مثل من يجب عليه شاة في الإبل وليست ~~عنده ومثل من يبيع عنبه ورطبه قبل اليبس # وهذا هو المنصوص عن أحمد صريحا فإنه منع من إخراج القيم وجوزه في مواضع ~~للحاجة لكن من أصحابه من نقل عنه جوازه فجعلوا عنه في إخراج القيمة روايتين ~~واختاروا المنع لأنه المشهور عنه كقول الشافعي وهذا القول PageV01P090 أعدل ~~الأقوال كما ذكرنا مثله في الصلاة فإن الأدلة الموجبة للعين نصا وقياسا ~~كسائر أدلة الوجوب ومعلوم أن مصلحة وجوب العين قد يعارضها أحيانا في القيمة ~~من المصلحة الراجحة وفي العين من المشقة المنتفية شرعا # | فصل # وأما الأفصل الثالث فالصيام # وقد اختلفوا في تبييت نيته على ثلاثة أقوال # فقالت طائفة منهم أبو حنيفة أنه يجزئ كل صوم فرضا كان أو نفلا بنية قبل ~~الزوال كما دل عليه حديث عاشوراء وحديث النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل ~~على عائشة فلم يجد طعاما فقال إني إذا صائم # وبإزائها طائفة أخرى منهم مالك قالت لا يجزئ الصوم إلا مبيتا من الليل ~~فرضا كان أو نفلا على ظاهر حديث حفصة وابن عمر الذي يروي مرفوعا وموقوفا لا ~~صيام لمن يبيت الصيام من الليل # وأما القول الثالث فالفرض لا يجزئ إلا بتبييت النية كما دل عليه حديث ~~حفصة وابن عمر لأن جميع الزمان يجب فيه الصوم والنية لا تنعطف على الماضي ~~وأما النفل فيجزئ بنية من النهار كما دل عليه قوله إني إذا صائم كما أن ~~الصلاة المكتوبة يجب فيها من الأركان كالقيام والاستقرار على الأرض ما لا ~~يجب في التطوع توسيعا من الله على عباده في طرق التطوع فإن أنواع التطوعات ~~دائما أوسع من أنواع المفروضات وصومهم يوم عاشوراء إن كان واجبا فإنما وجب ~~عليهم من ms080 النهار لأنهم لم يعلموا قبل ذلك وما رواه بعض الخلافيين المتأخرين ~~أن ذلك كان في رمضان فباطل لا اصل له # وهذا أوسط الأقوال وهو قول الشافعي وأحمد واختلف قولهما هل يجزئ التطوع ~~بنية بعد الزوال والأظهر صحته كما نقل عن الصحابة PageV01P091 # واختلف أصحابهما في الثواب هل هو ثواب يوم كامل أو من حين نواه والمنصوص ~~عن أحمد أن الثواب من حين النية # وكذلك اختلفوا في التعيين وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره # أحدها أنه لا بد من نية رمضان فلا تجزئ نية مطلقة ولا معينة لغير رمضان ~~وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين اختارها كثير من الصحابة # والثاني انه يجزئ بنية مطلقة ومعنية لغيره كمذهب أبي حنيفة ورواية محكية ~~عن أحمد # والثالث انه يجزئ بالنية المطلقة دون نية التطوع أو القضاء أو النذر وهو ~~رواية عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه $ فصل # واختلفوا في صوم يوم الغيم وهو ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ~~ليلة الثلاثين من شعبان فقال قوم يجب صومه بنية من رمضان احتياطا وهذه ~~الرواية عن أحمد وهى التي اختارها أكثر متأخرى أصحابه وحكوها عن أكثر ~~متقدميهم بناء على ما تأولوه من الحديث وبناء على أن الغالب على شعبان هو ~~النقص فيكون الأظهر طلوع الهلال كما هو الغالب فيجب بغالب الظن # وقالت طائفة لا يجوز صومه من رمضان وهذه رواية عن أحمد اختارها طائفة من ~~أصحابه كابن عقيل والحلواني وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي استدلالا بما ~~جاء من الأحاديث وبناء على أن الوجوب لا يثبت بالشك # وهناك قول ثالث وهو أنه يجوز صومه من رمضان ويجوز فطره والأفضل صومه من ~~وقت الفجر ومعلوم أنه لو عرف وقت الفجر الذي يجوز طلوعه جاز له الإمساك ~~والأكل وإن أمسك وقت الفجر فإنه لا معنى لاستحباب PageV01P092 الإمساك لكن ~~وأكثر نصوص أحمد تدل على هذا القول وأنه كان يستحب صومه ويفعله لا أنه ~~يوجبه وإنما أخذ في ذلك بما نقله عن الصحابة في مسائل ابنه ms081 عبد الله والفضل ~~بن زياد القطان وغيرهم أخذ بما نقله عن عبد الله بن عمر ونحوه والمنقول ~~عنهم أنهم كانوا يصومون في حال الغيم لا يوجبون الصوم وكان غالب الناس لا ~~يصومون ولم ينكروا عليهم الترك # وإنما لم يستحب الصوم في الصحو بل نهى عنه لأن الأصل والظاهر عدم الهلال ~~فصومه تقديم لرمضان بيوم وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك # واختلف الرواية عنه هل يسمى يوم الغيم يوم شك على روايتين وكذلك اختلف ~~أصحابه في ذلك # وأما يوم الصحو عنده فيوم شك أو يقين من شعبان ينهى عن صومه بلا توقف ~~وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره فإن المشكوك في وجوبه كما ~~لو شك في وجوب زكاة أو كفارة أو صلاة أو غير ذلك لا يجب فعله ولا يستحب ~~تركه بل يستحب فعله احتياطا فلم تحرم أصول الشريعة الاحتياط ولم توجب بمجرد ~~الشك # وأيضا فإن أول الشهر كأول النهار ولو شك في طلوع النهار لم يجب عليه ~~الإمساك ولم يحرم عليه الإمساك بقصد الصوم ولأن الإغمام أول الشهر كالإغمام ~~بالشك بل ينهى عن صوم يوم الشك لما يخاف من الزيادة في الفرض # وعلى هذا القول يجتمع غالب المأثور عن الصحابة في هذا الباب فإن الجماعات ~~الذين صاموا منهم كعمر وعلى ومعاوية وغيرهم لم يصرحوا بالوجوب PageV01P093 ~~وغالب الذين أفطروا لم يصرحوا بالتحريم ولعل من كره الصوم منهم إنما كرهه ~~لمن يعتقد وجوبه خشية إيجاب ما ليس بواجب كما كره من كره منهم الاستنجاء ~~بالماء لمن خيف عليه أن يعتقد وجوبه وكما أمر طائفة منهم من صام في السفر ~~أن يقضي لما ظنوه به من كراهة الفطر في السفر فتكون الكراهة عائدة إلى حال ~~الفاعل لا إلى نفس الاحتياط بالصوم فإن تحريم الصوم أو إيجابه كلاهما فيه ~~بعد عن أصول الشريعة والأحاديث المأثورة في الباب إذا تؤملت إنما يصرح ~~غالبها بوجوب الصوم إكمال العدة كما دل بعضها على الفعل قبل الإكمال أما ~~الإيجاب قبل الإكمال للصوم ms082 ففيها نظر # فهذا القول المتوسط هو الذي يدل عليه غالب نصوص أحمد # ولو قيل بجواز الأمرين واستحباب الفطر لكان عن التحريم والإيجاب يؤثر عن ~~الصديق أنهم كانوا يأكلون مع الشك في طلوع الفجر لكن $ فصل وأما الحج ~~فأخذوا فيه بالسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفته ~~وأحكامه # وقد ثبت بالنقل المتواتر عند الخاصة من علماء الحديث من وجوه كثيرة في ~~الصحيحين وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم لما حج حجة الوداع أحرم هو ~~والمسلمون من ذي الحليفة فقال من شاء أن يهل بعمرة فليفعل ومن شاء أن يهل ~~بحجة فليفعل ومن شاء أن يهل بعمرة وحجة فليفعل فلما قدموا وطافوا بالبيت ~~وبين الصفا والمروة أمر جميع المسلمين الذين حجوا معه أن يحلوا من إحرامهم ~~ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدى فإنه لا يحل حتى PageV01P094 يبلغ الهدى ~~محله فراجعه بعضهم في ذلك فغضب وقال أنظروا ما أمرتكم به فافعلوه وكان هو ~~صلى الله عليه وسلم قد ساق الهدى فلم يحل من إحرامه ولما رأى كراهة بعضهم ~~للإحلال قال لو استقبلت من أمري مااستدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة ~~ولولا أن معي الهدى لأحللت وقال أيضا إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى ~~أنحر فحل المسلمون جميعهم إلا النفر الذين ساقوا الهدى منهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعلى بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله فلما كان يوم التروية ~~احرم المحلون بالحج وهم ذاهبون إلى منى فبات بهم تلك الليلة بمنى وصلى بهم ~~فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم سار بهم إلى نمرة على طريق ضب ~~ونمرة خارجة عن عرنة من يمانيها وغربيها ليست من الحرم ولا من عرفة فنصبت ~~له القبة بنمرة وهناك كان ينزل خلفاؤه الراشدون بعده وبها الأسواق وقضاء ~~الحاجة والأكل ونحو ذلك فلما زالت الشمس ركب وهو ومن ركب معه وسار المسلمون ~~إلى المصلى ببطن عرنة حيث قد بنى المسجد وليس هو من الحرم ولا من عرفة ~~وإنما هو برزخ ms083 بين المشعرين الحلال والحرام هناك بينه وبين الموقف نحو ميل ~~فخطب بهم خطبة الحج على راحلته وكان يوم الجمعة ثم نزل فصلى بهم الظهر ~~والعصر مقصورتين مجموعتين ثم سار والمسلمون معه إلى الموقف بعرفة عند الجبل ~~المعروف بجبل الرحمة واسمه إلال على وزن هلال وهو الذي تسميه العامة عرفة ~~فلم يزل هو والمسلمون في الذكر والدعاء إلى أن غربت الشمس فدفع بهم إلى ~~مزدلفة فصلى المغرب والعشاء بعد مغيب الشفق قبل حط الرحال حيث نزلوا ~~بمزدلفة وبات بها حتى طلع الفجر فصلى بالمسلمين الفجر في أول وقتها مغلسا ~~بها زيادة على كل يوم ثم وقف عند قزح وهو جبل مزدلفة الذي يسمى المشعر ~~الحرام وإن كانت مزدلفة كلها هي المشعر الحرام المذكور في القرآن فلم يزل ~~واقفا بالمسلمين إلى أن أسفر جدا ثم دفع بهم حتى قدم منى فاستفتحها برمى ~~جمرة العقبة ثم رجع PageV01P095 إلى منزله بمنى فحلق رأسه ثم نحر ثلاثا ~~وستين بدنه من الهدى الذي ساقه وأمر عليا فنحر الباقي وكان مائة بدنة ثم ~~أفاض إلى مكة فطاف طواف الإفاضة وكان قد عجل ضعفة أهل بيته من مزدلفة قبل ~~طلوع الفجر فرموا الجمرة بليل ثم أقام بالمسلمين أيام منى الثلاث يصلى بهم ~~الصلوات الخمس مقصورة غير مجموعة يرمي كل يوم الجمرات الثلاث بعد زوال ~~الشمس يفتتح بالجمرة الأولى وهى الصغرى وهى الدنيا إلى منى والقصوى من مكة ~~ويختم بجمرة العقبة ويقف بين الجمرتين الأولى والثانية وبين الثانية ~~والثالثة وقوفا طويلا بقدر سورة البقرة يذكر الله ويدعو فإن المواقف ثلاث ~~عرفة ومزدلفة ومنى ثم أفاض آخر أيام التشريق بعد رمى الجمرات هو والمسلمون ~~فنزل بالمحصب عند خيف بنى كنانة فبات هو والمسلمون فيه ليلة الأربعاء وبعث ~~تلك الليلة عائشة مع أخيها عبد الرحمن لتعتمر من التنعيم وهو أقرب أطراف ~~الحرم إلى مكة من طريق أهل المدينة وقد بنى بعده هناك مسجد سماه الناس مسجد ~~عائشة لأنه لم يعتمر بعد الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه أحد ms084 ~~قط إلا عائشة لأجل أنها كانت قد حاضت لما قدمت وكانت معتمرة فلم تطف قبل ~~الوقوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ~~اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة ثم ودع ~~البيت هو والمسلمون ورجعوا إلى المدينة ولم يقم بعد أيام التشريق ولا اعتمر ~~أحد قط على عهده عمرة يخرج فيها من الحرام إلى الحل إلا عائشة وحدها # فأخذ فقهاء الحديث كأحمد وغيره بسنته في ذلك كله وإن كان منهم ومن غيرهم ~~من قد يخالف بعض ذلك بتأويل تخفى عليه فيه السنة # فمن ذلك أنهم استحبوا للمسلمين أن يحجوا كما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه ولما اتفقت جميع الروايات على أنه أمر أصحابه بأن يحلوا من ~~إحرامهم ويجعلوها متعة استحبوا المتعة لمن جمع بين النسكين في سف واحدة ~~وأحرم في أشهر الحج PageV01P096 كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعلموا أن من أفرد الحج واعتمر عقبه من الحل وإن قالوا إنه جائز فإنه لم ~~يفعله أحد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عائشة على قول من يقول ~~إنها رفضت العمرة وأحرمت بالحج كما يقول الكوفيون وأما على قول أكثر ~~الفقهاء أنها صارت قارنة فلا عائشة ولا غيرها فعل ذلك # وكذلك علموا أن من لم يسق الهدى وقرن بين النسكين لا يفعله وإن قال ~~أكثرهم كأحمد وغيره إنه جائز فإنه لم يفعله أحد على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا عائشة على قول من قال إنها كانت قارنة # ولم يختلف أئمة الحديث فقهاء وعلماء كأحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نفسه لم يكن مفردا للحج ولا كان متمتعا تمتعا حل به من إحرامه ومن قال ~~من أصحاب أحمد إنه تمتع وحل من إحرامه فقد غلط وكذلك من قال إنه لم يعتمر ~~في حجته فقد غلط # وأما من توهم من بعض الفقهاء أنه اعتمر بعد حجته كما يفعله المختارون ~~للأفراد إذا ms085 جمعوا بين النسكين فهذا لم يروه أحد ولم يقله أحد أصلا من ~~العالمين بحجته صلى الله عليه وسلم فأنه لا خلاف بينهم أنه صلى الله عليه ~~وسلم لا هو ولا أحد من أصحابه اعتمر بعد الحج إلا عائشة ولهذا لا يعرف موضع ~~الإحرام بالعمرة إلا بمساجد عائشة حيث لم يخرج أحد من الحرم إلى الحل فيحرم ~~بالعمرة إلا هى ولا كان صلى الله عليه وسلم أيضا قارنا قرانا طاف فيه ~~طوافين وسعى سعيين فإن الروايات الصحيحة كلها تصرح بأنه إنما طاف بالبيت ~~وبين الصفا والمروة قبل التعريف مرة واحدة # فمن قال من أصحاب أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد شيئا من هذه ~~المقالات فقد غلط # وسبب غلطه ألفاظ مشتركة سمعها في ألفاظ الصحابة الناقلين لحجة ~~PageV01P097 النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد ثبت في الصحاح عن غير واحد ~~منهم عائشة وابن عمر وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم تمتع بالعمرة إلى الحج ~~وثبت أيضا عنهم أنه أفرد الحج وعامة الذين نقل عنهم أنه أفرد الحج ثبت عنهم ~~أنهم قالوا إنه تمتع بالعمرة إلى الحج وثبت عن أنس ابن مالك أنه قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ( لبيك عمرة وحجا ) ) وعن عمر أنه ~~اخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أتاني آت من ربي يعني بوادي ~~العقيق وقال قل عمرة في حجة ولم يحك أحد لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الذي ~~أحرم به إلا عمر وأنس # فلهذا قال الإمام أحمد لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا ~~وأما ألفاظ الصحابة فإن التمتع بالعمرة إلى الحج اسم لكل من اعتمر في أشهر ~~الحج وحج من عامه سواء جمع بينهما بإحرام واحد أو تحلل من إحرامه فهذا ~~التمتع العام يدخل فيه القرآن ولذلك وجب عليه الهدى عند عامة الفقهاء ~~إدخالا له في عموم قوله تعالى @QB@ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر ~~من الهدي @QE@ وإن كان اسم التمتع قد يختص بمن اعتمر ms086 ثم أحرم بالحج بعد ~~قضاء عمرته فمن قال منهم تمتع بالعمرة إلى الحج لم يرد أنه حل من إحرامه ~~ولكن أراد أنه جمع في حجته بين النسكين معتمرا في أشهر الحج لكن لم يبين هل ~~أحرم بالعمرة قبل الطواف بالبيت وبالجبلين أو أحرم بالحج بعد ذلك فإن كان ~~قد أحرم قبل الطوافين فهو قارن بلا تردد وإن كان إنما أهل بالحج بعد الطواف ~~بالبيت وبالجبلين وهو لم يكن حل من إحرامه فهذا يسمى متمتعا لأنه اعتمر قبل ~~الإهلال بالحج ويسمى قارنا لأنه أحرم بالحج قبل إحلاله من العمرة ولهذا ~~يسميه بعض أصحابنا متمتعا ويسميه بعضهم قارنا ويسميه بعضهم بالإسمين وهو ~~الأصوب وهذا التمتع الخاص فأما التمتع العام فيشمله بلا تردد PageV01P098 # ومع هذا فالصواب ما قطع به أحمد من أنه صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج ~~قبل الطواف لقوله لبيك عمرة وحجا ولو كان من حين يحرم بالعمرة مع قوله ~~سبحانه @QB@ فصيام ثلاثة أيام في الحج @QE@ لأن العمرة دخلت في الحج كما ~~قاله النبي صلى الله عليه وسلم # وإذا كانت عمرة التمتع جزءا من حجه فالهدى المسوق لا ينحر حتى يقضي التفث ~~كما قال تعالى @QB@ ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم @QE@ وذلك إشارة إلى ~~الهدي المسوق فإنه نذر ولهذا لو عطب دون محله وجب نحره لأن نحره إنما يكوه ~~عند بلوغه محله وإنما يبلغ محله إذا بلغ صاحبه محله لأنه تبع له وإنما يبلغ ~~صاحبه محله يوم النحر إذ قبل ذلك لا يحل مطلقا لأنه يجب عليه أن يحج بخلاف ~~من اعتمر عمرة مفردة فإنه حل حلا مطلقا # وأما ما تضمنته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المقام بمنى يوم ~~التروية والمبيت بها الليلة التي قبل يوم عرفة ثم المقام بعرنه التي بين ~~المشعر الحرام وعرفة إلى الزوال والذهاب منها إلى عرفة والخطبة والصلاتين ~~في أثناء الطريق ببطن عرنه فهذا كالجمع عليه بين الفقهاء وإن كان كثير من ~~المصنفين لا يميزه وأكثر الناس لا يعرفه لغلبة العادات المحدثة # ومن سنة ms087 رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جمع بالمسلمين جميعهم بعرفة ~~بين الظهر والعصر وبمزدلفة بين المغرب والعشاء وكان معه خلق كثير ممن منزله ~~دون مسافة القصر من أهل مكة وما حولها ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق ~~كل صلاة في وقتها ولا أن يعتزل المكيون ونحوهم فلم يصلوا معه العصر وأن ~~ينفردا فيصلوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين فإن هذا مما يعلم ~~بالاضطرار لمن تتبع الأحاديث أنه لم يكن وهو قول مالك وطائفة من أصحاب ~~الشافعي وأحمد وعليه يدل كلام أحمد # وإنما غفل قوم من أصحاب الشافعي وأحمد عن هذا فطردوا قياسهم في ~~PageV01P099 الجمع واعتقدوا أنه إنما جمع لأجل السفر والجمع للسفر لا يكون ~~إلا لمن سافر ستة عشر فرسخا وحاضروا مكة ليسوا عن عرنة بهذا البعد # وهذا ليس بحق فإنه لو كان جمعه لأجل السفر لجمع قبل هذا اليوم وبعده وقد ~~أقام بمنى أيام التشريق ولم يجمع فيها لا سيما ولم ينقل عنه أنه جمع في ~~السفر وهو نازل إلا مرة واحدة وإنما كان يجمع في السفر إذا جد به السير ~~وإنما جمع لنحو الوقوف لأجل أن لا يفصل بين الوقوف بصلاة ولا غيرها كما قال ~~أحمد أنه يجوز الجمع لأجل ذلك من الشغل المانع من تفرق الصلوات # ومن اشترط في هذا الجمع السفر من أصحاب أحمد فهو أبعد عن أصوله من أصحاب ~~الشافعي فإن أحمد يجوز الجمع لأمور كثيرة غير السفر حتى قال القاضي أبو ~~يعلى وغيره تفسيرا لقول أحمد إنه يجمع لكل ما يبيح ترك الجماعة فالجمع ليس ~~من خصائص السفر وهذا بخلاف القصر فإنه لا يشرع إلا للمسافر # وبهذا قال أكثر الفقهاء كالشافعي وأحمد إن قصر الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى ~~وأيام التشريق لا يجوز إلا للمسافر الذي يباح له القصر عندهم طردا للقياس ~~واعتقادا أن القصر لم يكن إلا للسفر بخلاف الجمع حتى أمر أحمد وغيره أن ~~الموسم لا يقيمه أمير مكة لأجل قصر الصلاة # وذهب طوائف من أهل المدينة وغيرهم منهم مالك وطائفة ms088 من أصحاب الشافعي ~~وأحمد كأبي الخطاب في عبادته الخمس إلا أنه يقصر المكيون وغيرهم وأن القصر ~~هناك لأجل النسك # والحجة مع هؤلاء أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من صلى ~~خلفه بعرنه ومزدلفة ومنى من المكيين أن يتموا الصلاة كما أمرهم أن يتموا ~~لما كان يصلى بهم بمكة أيام فتح مكة حين قال لهم أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ~~PageV01P100 # فإنه لو كان المكيون قد قاموا لما صلوا خلفه الظهر فأتموها أربعا ثم لما ~~صلوا العصر قاموا فأتموها أربعا ثم لما صلوا خلفه عشاء الآخرة قاموا ~~فأتموها أربعا ثم كانوا مدة مقامه بمنى يتمون خلفه لما أهمل الصحابة نقل ~~مثل هذا # ومما قد يغلط فيه الناس اعتقاد بعضهم أنه يستحب صلاة العيد بمنى يوم ~~النحر حتى قد يصليها بعض المنتسبين إلى الفقه أخذا فيه بالعمومات اللفظية ~~أو القياسية وهذه غفلة عن السنة ظاهرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخلفاءه لم يصلوا بمنى عيدا قط وإنما صلاة العيد بمنى هي جمرة العقبة فرمى ~~جمرة العقبة لأهل الموسم بمنزلة صلاة العيد لغيرهم ولهذا استحب أحمد أن ~~تكون صلاة أهل الأمصار وقت النحر بممنى ولهذا خطب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم النحر بعد الجمرة كان كما يخطب في غير مكة بعد صلاة العيد ورمى الجمرة ~~تحية منى كما أن الطواف تحية المسجد الحرام # ومثل هذا ما قاله طائفة منهم ابن عقيل أنه يستحب للمحرم إذا دخل المسجد ~~الحرام أن يصلى تحية المسجد كسائر المساجد ثم يطوف طواف القدوم أو نحوه ~~وأما الأئمة وجماهير الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم فعلى إنكار هذا أما أولا ~~فلأنه خلاف السنة المتواترة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه فإنهم ~~لما دخلوا المسجد لم يفتتحوا إلا بالطواف ثم الصلاة عقب الطواف # وأما ثانيا فلأن تحية المسجد الحرام هي الطواف كما أن تحية سائر المساجد ~~هي الصلاة # وأشنع من هذا استحباب بعض أصحاب الشافعي لمن سعى بين الصفا و المروة أ ن ~~يصلى ms089 ركعتين بعد السعي على المروة قياسا على الصلاة بعد الطواف وقد أنكر ~~ذلك سائر العلماء من أصحاب الشافعي وسائر الطوائف ورأوا أن هذه بدعة ظاهرة ~~القبح فأن السنة مضت بأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه طافوا ~~PageV01P101 وصلوا كما ذكر الله الطواف والصلاة ثم سعوا ولم يصلوا عقب ~~السعي فاستحباب الصلاة عقب السعي كاستحبابها عند الجمرات أو بالموقف بعرفات ~~أو جعل الفجر أربعا قياسا على الظهر والترك الراتب سنة كما أن الفعل الراتب ~~سنة بخلاف ما كان تركه بعدم مقتض أو فوات شرط أو وجود مانع وحدث بعده من ~~المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن ~~في المصحف وجمع الناس التراويح على إمام واحدا وتعلم العربية وأسماء النقلة ~~للعلم وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات ~~الشرعية إلا به وإنما تركه صلى الله عليه وسلم لفوات شرطه أو وجود مانع # فأما ما تركه من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعا لفعله أو أذن فيه ~~ولفعله الخلفاء بعده والصحابة فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة ويمتنع ~~القياس بمثله وإنجاز القياس في النوع الأول وهو مثل قياس صلاة العيدين ~~والإستسقاء والكسوف على الصلوات الخمس في أن يجعل لها أذان وإقامة كما فعله ~~بعض المروانية في العيدين وقياس حجرته ونحوها من مقابر الأنبياء على بيت ~~الله في الإستلام والتقبيل ونحو ذلك من الأقيسة التي تشبه قياس الذين حكى ~~الله عنهم أنهم قالوا @QB@ إنما البيع مثل الربا @QE@ # و أخذ فقهاء الحديث كالشافعي و أحمد و غيرهما مع فقهاء الكوفة ما عليه ~~جمهور الصحابة و السلف بتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قد ثبت ~~عنه أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة # و ذهب طائفة من السلف من الصحابة و التابعين و أهل المدينة كمالك إلى أن ~~التلبية تنقطع بالوصول إلى الموقف بعرفة لأنها إجابة فتنقطع بالوصول إلى ~~المقصد و سنة رسول الله عليه وسلم هي التي يجب إتباعها # و ms090 أما المعنى فإن الواصل إلى عرفة و إن كان قد وصل إلى هذا الموقف فإنه ~~قد دعي بعده إلى موقف آخر وهو مزدلفة فإذا قضى الوقوف بمزدلفة PageV01P102 ~~فقد دعي إلى الجمرة فإذا شرع في الرمي فقد انقضى دعاؤه ولم يبق مكان يدعى ~~إليه محرما لأن الحلق و الذبح يفعله حيث أحب من الحرم وطواف الإفاضة يكون ~~بعد التحلل الأول # ولهذا قالوا أيضا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه يلبي بالعمرة ~~إلى أن يستلم الحجر و إن كان ابن عمر ومن اتبعه من أهل المدينة كمالك قالوا ~~يلبي إلى أن يصل إلى الحرم فإنه و إن وصل إليه فإنه مدعو إلى البيت # نعم يستفاد من هذا المعنى أنه إنما يلبي حال سيره لا حال الوقوف بعرفة و ~~مزدلفة و حال المبيت بها و هذا مما اختلف فيه أهل الحديث # فأما التلبية حال السير من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى فاتفق من ~~جمع الأحاديث الصحيحة عليه # و اختلف الناس في أكل المحرم لحم الصيد الذي صاده الحلال و ذكاه على ~~ثلاثة أقوال # فقالت طائفة من السلف هو حرام إتباعا لما فهموه من قوله تعالى @QB@ وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما @QE@ و لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من أنه رد لحم الصيد لما أهدى إليه # و قال آخرون منهم أبو حنيفة بل هو مباح مطلقا عملا بحديث أبي قتادة لما ~~صاد الحمار الوحشي و أهدى لحمه للنبي صلى الله عليه وسلم و أخبره بأنه لم ~~يصده له كما جاء في الأحاديث الصحيحة # و قالت الطائفة الثالثة التي فيها فقهاء الحديث بل هو مباح للمحرم إذا لم ~~يصده له المحرم و لا ذبحه من أجله توفيقا بين الأحاديث كما روى جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لحم صيد البر لكم حلال و أنتم حرم ما لم ~~تصيدوه أو يصاد لكم قال الشافعي هذا أحسن حديث في هذا الباب و أقيس و هذا ms091 ~~مذهب مالك و أحمد و الشافعي و غيرهم PageV01P103 # و إنما اختلفوا إذا صيد لمحرم بعينه فهل يباح لغيره من المحرمين على ~~قولين هما وجهان في مذهب أحمد رحمه الله تعالى # | فصل # و أما العقود من المعاملات المالية و النكاحية و غيرهم # فنذكر فيها قواعد جامعة عظيمة المنفعة فإن ذلك فيها أيسر منه في العبادات # فمن ذلك صفة العقود فالفقهاء فيها على ثلاثة أقوال # أحدها أن الأصل في العقود أنها لا تصح إلا بالصيغ و العبارات التي قد ~~يخصها بعض الفقهاء باسم الإيجاب و القبول سواء في ذلك البيع و الإجارة و ~~الهبة و النكاح و الوقف و العتق و غير ذلك وهذا ظاهر قول الشافعي وهو قول ~~في مذهب أحمد يكون تارة رواية منصوصة في بعض المسائل كالبيع و الوقف و يكون ~~تارة رواية مخرجة كالهبة و الإجارة # ثم هؤلاء يقيمون الإشارة مقام العبارة عند العجز عنها كما في الأخرس و ~~يقيمون الكناية أيضا مقام العبارة عند الحاجة و قد يستثنون مواضع دلت ~~النصوص على جوازها إذا مست الحاجة إليها كما في الهدي إذا عطب دون محله ~~فإنه ينحر ثم يصبغ نعله المعلق في عنقه بدمه علامة للناس ومن أخذه ملكه و ~~كذلك الهدية و نحو ذلك لكن الأصل عندهم هو اللفظ لأن الأصل في العقود هو ~~التراضي المذكور في قوله تعالى @QB@ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا @QE@ و المعاني التي في ~~النفس لا تنضبط إلا بالألفاظ التي جعلت لإبانة ما في القلب إذ الأفعال من ~~المعاطاة و نحوها تحتمل وجوها كثيرة و لأن العقود من جنس الأقوال فهي في ~~المعاملات كالذكر و الدعاء في العبادات # و القول الثاني أنها تصح بالأفعال فما كثر عقده بالأفعال كالمبيعات ~~PageV01P104 المحقرات و كالوقف في مثل من بنى مسجدا و أذن للناس في الصلاة ~~فيه أو سبل أرضا الدفن فيها أو بنى مطهرة و سبلها للناس و كبعض أنواع ~~الإجارة كمن دفع ثوبه إلى ms092 غسال أو خياط يعمل بالأجرة أو ركب سفينة ملاح و ~~كالهدية و نحو ذلك فإن هذه العقود لو لم تنعقد بالأفعال الدالة عليها لفسدت ~~أكثر أمور الناس و لأن الناس من لدن النبي صلى الله عليه وسلم و إلى يومنا ~~هذا ما زالوا يتعاقدون في مثل هذه الأشياء بلا لفظ بل بالفعل الدال على ~~المقصود # وهذا هو الغالب على أصول أبي حنيفة وهو قول في مذهب أحمد و وجه في مذهب ~~الشافعي بخلاف المعاطاة في الأموال الجليلة فإنه لا حاجة إليه ولم يجر به ~~العرف # و القول الثالث أن العقود تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل و ~~بكل ما عده الناس بيعا أو إجارة فإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ ~~والأفعال انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال وليس ~~لذلك حد مستقر لا في شرع ولا في لغة بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس كما تنوعت ~~لغاتهم فإن ألفاظ البيع و الإجارة في لغة العرب ليست هي الألفاظ التي في ~~لغة الفرس أو الروم أو الترك أو البربر أو الحبشة بل قد تختلف ألفاظ اللغة ~~الواحدة # ولا يجب على الناس التزام نوع معين من الاصطلاحات في المعاملات ولا يحرم ~~عليهم التعاقد بغير ما يتعاقد به غيرهم إذا كان ما تعاقدوا به دالا على ~~مقصودهم و إن كان قد يستحب بعض الصفات وهذا هو الغالب على أصول مالك و ظاهر ~~مذهب أحمد و لهذا يصحح في ظاهر مذهبه بيع المعاطاة مطلقا و إن كان قد وجد ~~اللفظ من أحدهما والفعل من الآخر بأن يقول خذ هذا بدراهم فيأخذه أو يقول ~~أعطني خبزا بدراهم فيعطيه ما يقبضه أو لم يوجد لفظ من أحدهما بأن يضع الثمن ~~و يقبض جزرة البقل أو الحلواء أو غير ذلك PageV01P105 كما يتعامل به غالب ~~الناس أو يضع المتاع له ليوضع بدله فإذا وضع البدل الذي يرضى به أخذه كما ~~يحكيه التجار عن عادة بعض أهل المشرق فكل ما عده الناس ms093 بيعا فهو بيع و كذلك ~~في الهبة كل ما عده الناس هبة # ومثل تجهيز الزوجة بمال يحمل معها إلى بيت زوجها إذا كانت العادة جارية ~~بأنه عطية لا عارية و كذلك الإجارات مثل ركوب سفينة الملاح المكاري و ركوب ~~دابة الجمال أو الحمار أو البغال المكاري على الوجه الذي اعتقد أنه إجارة و ~~مثل الدخول إلى الحمامات التي يدخلها الناس بالأجر و مثل دفع الثوب إلى ~~غسال أو خياط يعمل بالأجر أو دفع الطعام إلى طباخ أو شواء يطبخ أو يشوي ~~بالأجر سواء شوي اللحم مشروحا أو غير مشروح حتى اختلف أصحابه في الخلع هل ~~يقع بالمعاطاة مثل أن تقول اخلعني بهذه الألف أو بهذا الثوب فيقبض العوض ~~على الوجه المعتاد من أن ذلك رضا منه بالمعاوضة # فذهب العكبريون كأبي حفص العكبري و أبي على بن شهاب إلى أن ذلك خلع صحيح ~~و ذكروا من كلام أحمد ومن قبله من السلف من الصحابة و التابعين ما يوافق ~~قولهم و لعله هو الغالب على نصوصه بل لقد نص على أن الطلاق يقع بالقول و ~~بالفعل و احتج على أنه يقع بالكتاب بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ( إن ~~الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به ) ) قال و ~~إذا كتب فقد عمل # و ذهب البغداديون الذين كانوا في ذلك الوقت كأبي عبد الله بن حامد ومن ~~اتبعهم كالقاضي أبي يعلى ومن سلك سبيله أنه لا تقع الفرقة إلا بالكلام و ~~ذكروا من كلام أحمد ما اعتمدوه في ذلك بناء على أن الفرقة فسخ النكاح و ~~النكاح يفتقر إلى لفظ فكذلك فسخه # و أما النكاح فقال هؤلاء كابن حامد و القاضي و أصحابه مثل أبي الخطاب ~~PageV01P106 و عامة المتأخرين إنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح و التزويج كما ~~قاله الشافعي بناء على أنه لا ينعقد بالكناية لأن الكناية تفتقر إلى نية و ~~الشهادة شرط في صحة النكاح و الشهادة على النيه غير ممكنة و منعوا من ms094 ~~انعقاد النكاح بلفظ الهبة أو العطية أو غيرهما من ألفاظ التمليك # وقال أكثر هؤلاء كابن حامد و القاضي و المتأخرين إنه لا ينعقد إلا بلفظ ~~العربية لمن يحسنها ومن لم يقدر على تعلمها انعقد بمعناها الخاص بكل لسان و ~~إن قدر على تعلمها ففيه وجهان بناء على أنه مختص بهذين اللفظين و أن فيه ~~ثواب التعبد # وهذا مع أنه ليس منصوصا عن أحمد فهو مخالف لأصوله ولم ينص أحمد على ذلك ~~ولا نقلوا عنه نصا في ذلك و إنما نقلوا قوله في رواية أبي الحرث إذا وهبت ~~نفسها لرجل فليس بنكاح فإن الله تعالى قال @QB@ خالصة لك من دون المؤمنين ~~@QE@ و هذا إنما هو نص على منع ما كان من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو النكاح بغير مهر بل قد نص أحمد في المشهور عنه على أن النكاح ينعقد ~~بقوله لأمته أعتقتك و جعلت عتقك صداقك و بقوله جعلت عتقك صداقك أو صداقك ~~عتقك ذكر ذلك في غير موضع من جواباته # فاختلف أصحابه فأما أبو عبد الله بن حامد فطرد قياسه و قال لا بد مع ذلك ~~من أن يقول تزوجتها أو نكحتها لأن النكاح لا ينعقد قط بالعربية إلا بهاتين ~~الصيغتين # و أما القاضي أبو يعلى و غيره فجعلوا هذه الصورة مستثناة من القياس الذي ~~وافقوا عليه ابن حامد و أن ذلك من صور الاستحسان # و ذكر ابن عقيل قولا في المذهب أنه ينعقد بغير لفظ الإنكاح و التزويج لنص ~~أحمد بهذا وهذا أشبه بنصوص أحمد و أصوله # و مذهب مالك في ذلك شبيه بمذهبه فأن أصحاب مالك اختلفوا هل PageV01P107 ~~ينعقد بغير لفظ الإنكاح و التزويج على قولين و المنصوص عنه إنما هو منع ما ~~اختص به النبي صلى الله عليه وسلم من هبة البضع بغير مهر قال ابن القاسم و ~~إن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظه عن مالك فهو عندي جائز و ما ذكره ~~بعض أصحاب مالك و أحمد من أنه لا ينعقد إلا ms095 بهذين اللفظين بعيد عن أصولهما ~~فإن الحكم مبني على مقدمتين # إحداهما أن ما سوي ذلك كناية وأن الكناية مفتقرة إلى النية و مذهبهما ~~المشهور أن دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة و تقوم مقام إظهار النية ~~و لهذا جعلا الكنايات في الطلاق و القذف و نحوهما مع دلالة الحال كالصريح # و معلوم أن دلالات الأحوال في النكاح معروفة من اجتماع الناس لذلك و ~~التحدث بما اجتمعوا له فإذا قال بعد ذلك ملكتكها لك بألف درهم علم الحاضرون ~~بالاضطرار أن المراد به الانكاح و قد شاع هذا اللفظ في عرف الناس حتى سموا ~~عقده إملاكا و ملاكا و لهذا روى الناس قول النبي صلى الله عليه وسلم لخاطب ~~الواهبة الذي التمس فلم يجد خاتما من حديد رووه تارة أنكحتكها بما معك من ~~القرآن و تارة ملكتكها و إن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه ~~اقتصر على ملكتكها بل إما أنه قالهما جميعا أو قال أحدهما لكن لما كان ~~اللفظان عندهم في مثل هذا الموضع سواء رووا الحديث تارة هكذا و تارة هكذا # ثم تعيين اللفظ العربي في مثل هذا في غاية البعد عن أصول أحمد و نصوصه و ~~عن أصول الأدلة الشرعية إذ النكاح يصح من الكافر و المسلم و هو وإن كان ~~قربة فإنما هو كالعتق و الصدقة و معلوم أن العتق لا يتعين له لفظ لا عربي و ~~لا عجمي و كذلك الصدقة و الوقف و الهبة لا يتعين لها لفظ عربي بالإجماع ~~PageV01P108 ثم العجمي إذا تعلم العربية في الحال قد لا يفهم المقصود من ~~ذلك اللفظ كما يفهمه من اللغة التي اعتادها # نعم لو قيل تكره العقود بغير العربية لغير حاجة كما يكره سائر أنواع ~~الخطاب بغير العربية لغير حاجة لكان متوجها كما قد روي عن مالك و أحمد و ~~الشافعي ما يدل على كراهة اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة وقد ~~ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع # وقد ذكر أصحاب مالك و ms096 الشافعي و أصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل و ~~المتأخرين أنه يرجع في نكاح الكفار إلى عادتهم فما اعتقدوه نكاحا بينهم جاز ~~إقرارهم عليه إذا أسلموا و تحاكموا إلينا إذا لم يكن حينئذ مشتملا على مانع ~~و إن كانوا يعتقدون أنه ليس بنكاح لم يجز الإقرار عليه حتى قالوا لو قهر ~~حربي حربية فوطئها أو طاوعته و اعتقداه نكاحا أقرا عليه و إلا فلا # و معلوم أن كون القول أو الفعل يدل على مقصود العقد لا يختص به المسلم ~~دون الكافر و إنما اختص المسلم بأن الله أمر في النكاح بأن يميز عن السفاح ~~كما قال تعالى @QB@ محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان @QE@ وقال @QB@ ~~محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان @QE@ فأمر بالولي الشهود و نحو ذلك ~~مبالغة في تمييزه عن السفاح و صيانة للنساء عن التشبه بالبغايا حتى شرع فيه ~~الضرب بالدف و الوليمة الموجبة لشهرته و لهذا جاء في الأثر المرأة لا تزوج ~~نفسها فإن البغي هي التي تزوج نفسها و أمر فيه بالإشهاد أو بالإعلان أو ~~بهما جميعا فإنه ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات في مذهب أحمد ومن اقتصر على ~~الإشهاد علله بأن به يحصل الإعلان المميز له عن السفاح و بأنه يحفظ النسب ~~عند التجاحد # فهذه الأمور التي اعتبرها الشارع في الكتاب و السنة و الآثار حكمتها بينة ~~PageV01P109 فأما التزام لفظ مخصوص فليس فيه أثر ولا نظر # وهذه القاعدة الجامعة التي ذكرناها من أن العقود تصح بكل ما دل على ~~مقصودها من قول أو فعل هي التي تدل عليها أصول الشريعة وهي التي تعرفها ~~القلوب وذلك أن الله سبحانه و تعالى قال @QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~@QE@ و قال @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم @QE@ و قال @QB@ وأحل الله البيع ~~@QE@ وقال @QB@ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا @QE@ وقال ~~@QB@ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ وقال @QB@ فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن @QE@ وقال @QB@ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه @QE@ إلى ~~قوله @QB@ إلا أن تكون ms097 تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم وإن كنتم على سفر ولم ~~تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة @QE@ و قال @QB@ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~@QE@ وقال @QB@ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل @QE@ وقال @QB@ يمحق الله الربا ويربي الصدقات @QE@ وقال @QB@ إن ~~المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم @QE@ و قال @QB@ ~~فتحرير رقبة @QE@ وقال @QB@ فطلقوهن لعدتهن @QE@ وقال @QB@ فأمسكوهن بمعروف ~~أو سرحوهن بمعروف @QE@ إلى غير ذلك من الآيات المشروع فيها هذه العقود إما ~~أمرا و إما إباحة و المنهي فيها عن بعضها كالربا فإن الدلالة فيها من وجوه # أحدها أنه اكتفى بالتراضي في البيع في قوله @QB@ إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم @QE@ و بطيب نفس في التبرع في قوله @QB@ فإن طبن لكم عن شيء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا @QE@ فتلك الآية في جنس المعاوضات وهذه الآية في ~~PageV01P110 جنس التبرعات ولم يشترط لفظا معينا ولا فعلا معينا يدل على ~~التراضي وعلى طيب النفس ونحن نعلم بالاضطرار من عادات الناس في أقوالهم و ~~أفعالهم أنهم يعلمون التراضي و طيب النفس بطرق متعددة من الأقوال و الأفعال # فنقول قد وجد التراضي و طيب النفس و العلم به ضروري في غالب ما يعتاد من ~~العقود وهو ظاهر في بعضها و إذا وجد تعلق الحكم بهما بدلالة القرآن و بعض ~~الناس قد يحمله اللد في نصره لقول معين على أن يجحد ما يعلمه الناس من ~~التراضي وطيب النفس فلا عبرة بجحد مثل هذا فإن جحد الضروريات قد يقع كثيرا ~~عن مواطأة وتلقين في الأخبار والمذاهب فالعبرة بالفطرة السليمة التي لم ~~يعارضها ما يغيرها ولهذا قلنا إن الأخبار المتواترة يحصل بها العلم حيث لا ~~تواطؤ على الكذب لأن الفطرة السليمة لا تتفق على الكذب فأما مع التواطؤ ~~والاتفاق فقد يتفق جماعات على الكذب # الوجه الثاني أن هذه الأسماء ms098 جاءت في كتاب الله وسنة رسوله معلقا بها ~~أحكام شرعية وكل اسم فلا بد له من حد فمنه ما يعلم حده باللغة كالشمس ~~والقمر والبر والبحر والسماء والأرض ومنه ما يعلم بالشرع كالمؤمن والكافر ~~والمنافق وكالصلاة والزكاة والصيام والحج وما لم يكن له حد في اللغة ولا في ~~الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس كالقبض المذكور في قوله صلى الله عليه ~~وسلم ( ( من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يقبضه ) ) # ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حدا لا في ~~كتاب الله ولا سنة رسوله ولا نقل عن أحد من الصحابة و التابعين أنه عين ~~للعقود صفة معينة الألفاظ أو غيرها أو قال ما يدل على ذلك من أنها لا تنعقد ~~إلا بالصيغ الخاصة بل قد قيل إن هذا القول مما يخالف الإجماع القديم و أنه ~~من البدع و ليس لذلك حد في لغة العرب بحيث يقال إن أهل اللغة يسمون هذا ~~بيعا ولا يسمون هذا بيعا حتى يدخل أحدهما في خطاب الله ولا يدخل الآخر ~~PageV01P111 بل تسمية أهل العرف من العرب هذه المعاقدات بيعا دليل على أنها ~~في لغتهم تسمى بيعا و الأصل بقاء اللغة و تقريرها لا نقلها و تغييرها فإذا ~~لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف الناس و ~~عاداتهم فما سموه بيعا فهو بيع وما سموه هبة فهو هبة # الوجه الثالث أن تصرفات العباد من الأقوال و الأفعال نوعان عبادات يصلح ~~بها دينهم و عادات يحتاجون إليها في دنياهم فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن ~~العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع # و أما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه و الأصل ~~فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى و ذلك لأن ~~الأمر و النهي هما شرع الله و العبادة لا بد أن يكون مأمور ا بها فما لم ~~يثبت أنه مأمور به كيف ms099 يحكم عليه بأنه محظور و لهذا كان أحمد و غيره من ~~فقهاء أهل الحديث يقولون إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ~~ما شرعه الله و إلا دخلنا في معنى قوله تعالى @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم ~~من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ # و العادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه و إلا دخلنا في ~~معنى قوله @QB@ أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ~~@QE@ و لهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله و ~~حرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله تعالى @QB@ وجعلوا لله مما ذرأ ~~من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان ~~لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ~~وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم ~~دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ~~لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم ~~الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون @QE@ PageV01P112 فذكر ما ~~ابتدعوه من العبادات ومن التحريمات # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال قال الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين و حرمت عليهم ~~ما أحللت لهم و أمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا # وهذه قاعدة عظيمة نافعة و إذا كان كذلك فنقول # البيع و الهبة و الإجارة و غيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في ~~معاشهم كالأكل و الشرب و اللباس فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات ~~بالآداب الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد و أوجبت ما لا بد منه و كرهت ما لا ~~ينبغي و استحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات و مقاديرها و ~~صفاتها # و إذا كان كذلك فالناس يتبايعون و ms100 يستأجرون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة ~~كما يأكلون و يشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة و إن كان بعض ذلك قد ~~يستحب أو يكون مكروها وما لم تحد الشريعة في ذلك حدا فيبقون فيه على ~~الإطلاق الأصلي # و أما السنة و الإجماع فمن تتبع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم و ~~الصحابة من أنواع المبايعات و المؤاجرات و التبرعات علم ضرورة أنهم لم ~~يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين و الآثار في ذلك كثيرة ليس هذا موضعها إذ ~~الغرض التنبيه على القواعد و إلا فالكلام في أعيان المسائل له موضع غير هذا # فمن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى مسجده و المسلمون بنوا ~~المساجد على عهده و بعد موته ولم يأمر أحدا أن يقول وقفت هذا المسجد ولا ما ~~يشبه هذا اللفظ بل قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( من بنى لله مسجدا بنى ~~الله PageV01P113 له بيتا في الجنة ) ) فعلق الحكم بنفس بنائه وفي الصحيحين ~~أنه لما اشترى الجمل من عبد الله بن عمر بن الخطاب قال هو لك يا عبد الله ~~ابن عمر و لم يصدر من ابن عمر قبول وكان يهدي ويهدي له فيكون قبض الهدية ~~قبولها ولما نحر البدنات قال من شاء اقتطع مع إمكان قسمتها فكان هذا إيجابا ~~و كان الاقتطاع هو القبول وكان يسأل فيعطي أو يعطي من غير سؤال فيقبض ~~المعطى و يكون الإعطاء هو الإيجاب و الأخذ هو القبول في قضايا كثيرة جدا ~~ولم يكن يأمر الآخذين بلفظ ولا يلتزم أن يتلفظ لهم بصيغة كما في إعطائه ~~للمؤلفة قلوبهم و للعباس و غيرهم # وجعل إظهار الصفات في المبيع بمنزلة اشتراطها باللفظ في مثل المصراة ~~ونحوها من المدلسات # وأيضا فإن التصرفات جنسان عقود وقبوض كما جمعها النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله ( ( رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى سمحا ~~إذا اقتضى ) ) ويقول الناس البيع والشراء والأخذ والعطاء والمقصود من ~~العقود إنما ms101 هو القبض والاستيفاء فإن المعاقدات تفيد وجوب القبض وجوازه ~~بمنزلة إيجاب الشارع ثم التقابض ونحوه وفاء بالعقود بمنزلة فعل المأمور به ~~في الشرعيات # والقبض ينقسم إلى صحيح وفاسد كالعقد وتتعلق به أحكام شرعية كما تتعلق ~~بالقبض فإذا كان المرجع في القبض إلى عرف الناس وعاداتهم من غير حد يستوي ~~فيه جميع الناس في جميع الأحول والأوقات فكذلك العقود وإن حررت عبارته قلت ~~أحد نوعى التصرفات فكان المرجوع فيه إلى عادة الناس كالنوع الآخر # ومما يلتحق بهذا أن الإذن العرفي في الإباحة أو التمليك أو التصرف ~~PageV01P114 بطريق الوكالة كالإذن اللفظي فكل واحد من الوكالة والإباحة ~~ينعقد بما يدل عليها من قول وفعل والعلم برضي المستحق يقوم مقام إظهاره ~~للرضا # وعلى هذا يخرج مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان بن عفان بيعة ~~الرضوان وكان غائبا وإدخاله أهل الخندق إلى منزل أبي طلحة ومنزل جابر بدون ~~استئذانهما لعلمه أنهما راضيان بذلك ولما دعاه صلى الله عليه وسلم اللحام ~~سادس ستة اتبعهم رجل فلم يدخله حتى استأذن اللحام الداعي وكذلك ما يؤثر عن ~~الحسن البصري أن أصحابه لما دخلوا منزله وأكلوا طعامه قال ذكرتموني أخلاق ~~قوم قد مضوا وكذلك معنى قول أبي جعفر إن الإخوان من يدخل أحدهم يده في جيب ~~صاحبه فيأخذ منه ما شاء # ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمن استوهبه كبة شعر أما ما كان لي و ~~لبني عبد المطلب فقد وهبته لك و كذلك إعطاؤه المؤلفة قلوبهم عند من يقول ~~إنه أعطاهم من أربعة الأخماس # وعلى هذا خرج الإمام أحمد بيع حكيم بن حزم و عروة بن الجعد لما وكله ~~النبي صلى الله عليه وسلم في شراء شاه بدينار فاشترى شاتين و باع إحداهما ~~بدينار # فإن التصرف بغير استئذان خاص تارة بالمعاوضة و تارة بالتبرع و تارة ~~بالانتفاع مأخذه إما إذن عرفي عام أو خاص # | فصل # القاعدة الثانية في المعاقد حلالها وحرامها # و الأصل في ذلك أن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل و ms102 ذم ~~الأحبار و الرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل و ذم اليهود على أخذهم ~~الربا و قد نهوا عنه و أكلهم أموال الناس بالباطل و هذا يعم كل ما يؤكل ~~بالباطل في المعاوضات و التبرعات و ما يؤخذ بغير رضا المستحق و الاستحقاق # و أكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان ذكرهما الله في كتابه هما الربا ~~PageV01P115 و الميسر فذكر تحريم الربا الذي هو ضد الصدقة في آخر سورة ~~البقرة و سور آل عمران و الروم و المدثر و ذم اليهود عليه في سورة النساء و ~~ذكر تحريم الميسر في المائدة # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل ما جمعه الله في كتابه فنهى صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع الغرر كما رواه مسلم و غيره عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه و الغرر هو المجهول العاقبة فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار و ذلك ~~أن العبد إذا أبق أو الفرس أو البعير إذا شرد فإن صاحبه إذا باعه فإنما ~~يبيعه مخاطرة فيشتريه المشتري بدون ثمنه بكثير فإن حصل له قال البائع ~~قمرتني و أخذت مالي بثمن قليل و إن لم يحصل قال المشتري قمرتني و أخذت ~~الثمن مني بلا عوض فيفضي إلى مفسدة الميسر التي هي إيقاع العداوة و البغضاء ~~مع ما فيه من أكل المال بالباطل الذي هو نوع من الظلم ففي بيع الغرر ظلم و ~~عداوة و بغضاء # و ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من بيع حبل الحبلة و الملاقيح و ~~المضامين و من بيع السنين و بيع الثمر قبل بدو صلاحه و بيع الملامسة و ~~المنابذة و نحو ذلك كله من نوع الغرر و أما الربا فتحريمه في القرآن أشد و ~~لهذا قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ~~إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله @QE@ و ذكره ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الكبائر كما خرجاه في الصحيحين عن أبي ms103 هريرة ~~رضي الله عنه و ذكر الله أنه حرم على الذين هادوا طيبات أحلت لهم بظلمهم و ~~صدهم عن سبيل الله و أخذهم الربا و أكلهم أموال الناس بالباطل و أخبر ~~سبحانه أنه يمحق الربا كما يربي الصدقات و كلاهما أمر مجرب عند الناس # و ذلك أن الربا أصله إنما يتعامل به المحتاج و إلا فالموسر لا يأخذ ألفا ~~حالة PageV01P116 بألف و مائتين مؤجلة إذا لم يكن له حاجة لتلك الألف و ~~إنما يأخذ المال بمثله و زيادة إلى أجل من هو محتاج إليه فتقع تلك الزيادة ~~ظلما للمحتاج بخلاف الميسر فإن المظلوم فيه غير معين ولا هو محتاج إلى ~~العقد و قد تخلو بعض صوره عن الظلم إذا وجد في المستقبل المبيع على الصفة ~~التي ظناها و الربا فيه ظلم محقق لمحتاج ولهذا كان ضد الصدقة فإن الله لم ~~يدع الأغنياء حتى أوجب عليهم إعطاء الفقراء فإن مصلحة الغني و الفقير في ~~الدين و الدنيا لا تتم إلا بذلك فإذا أربى معه فهو بمنزلة من له على رجل ~~دين فمنعه دينه و ظلمه زيادة أخرى و الغريم محتاج إلى دينه فهذا من أشد ~~أنواع الظلم و يعظمه لعن النبي صلى الله عليه وسلم آكله وهو الأخذ و موكله ~~وهو المحتاج المعطي الزيادة و شاهديه و كاتبه لإعانتهم عليهم # ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم حرم أشياء مما يخفى فيها الفساد لإفضائها ~~إلى الفساد المحقق كما حرم قليل الخمر لأنه يدعو إلى كثيرها مثل ربا الفضل ~~فإن الحكمة فيه قد تخفى إذا العاقل لا يبيع درهما بدرهمين إلا لاختلاف ~~الصفات مثل كون الدرهم صحيحا و الدرهمين مكسورين أو كون الدرهم مصوغا أو من ~~نقد نافق و نحو ذلك و لذلك خفيت حكمة تحريمه على ابن عباس و معاوية و ~~غيرهما فلم يروا به بأسا حتى أخبرهم الصحابة الأكابر كعبادة بن الصامت و ~~أبي سعيد و غيرهما بتحريم النبي صلى الله عليه وسلم لربا الفضل # و أما الغرر فإنه ثلاثة ms104 أنواع إما المعدوم كحبل الحبلة و بيع السنين و ~~إما المعجوز عن تسليمه كالعبد الآبق و إما المجهول المطلق أو المعين ~~المجهول جنسه أو قدره كقوله بعتك عبدا أو بعتك ما في بيتي أو بعتك عبيدي # فأما المعين المعلوم جنسه و قدره المجهول نوعه أو صفته كقوله بعتك الثوب ~~الذي في كمي أو العبد الذي أملكه و نحو ذلك ففيه خلاف مشهور و تغلب مسألة ~~بيع الأعيان الغائبة و عن أحمد فيه ثلاث روايات إحداهن لا يصح PageV01P117 ~~بيعه بحال كقول الشافعي الجديد و الثانية يصح و إن لم يوصف و للمشتري ~~الخيار إذا رآه كقول أبي حنيفة و قد روي عن أحمد لا خيار له و الثالثة وهي ~~المشهور أنه لا يصح بالصفة ولا يصح بدون الصفة كالمطلق الذي في الذمة و هو ~~قول مالك # و مفسدة الغرر أقل من الربا فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه فإن ~~تحريمه أشد ضررا من ضرر كونه غررا مثل بيع العقار جملة و إن لم يعلم دواخل ~~الحيطان و الأساس و مثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع و إن لم يعلم مقدار ~~الحمل أو اللبن و إن كان قد نهي عن بيع الحمل مفردا و كذلك اللبن عند ~~الأكثرين و كذلك بيع الثمرة بعد بدو صلاحها فإنه يصح مستحق الإبقاء كما دلت ~~عليه السنة و ذهب إليه الجمهور كمالك و الشافعي و أحمد و إن كانت الأجزاء ~~التي يكمل الصلاح بها لم تخلق بعد # و جوز النبي صلى الله عليه وسلم إذا باع نخلا قد أبرت أن يشترط المبتاع ~~ثمرتها فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها لكن على وجه البيع للأصل # فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنا و تبعا ما لا يجوز من غيره # و لما احتاج الناس إلى العرايا رخص في بيعها بالخرص فلم يجوز المفاضلة ~~المتيقنة بل سوغ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة وهو قدر ~~النصاب خمسة أوسق أو ما دون النصاب على اختلاف القولين ms105 الشافعي و أحمد و إن ~~كان المشهور عن أحمد ما دون النصاب # إذا تبين ذلك فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره فإنه أخذ ذلك عن ~~سعيد بن المسيب الذي كان يقال هو أفقه الناس في البيوع كما كان يقال عطاء ~~أفقه الناس في المناسك و إبراهيم أفقههم في الصلاة و الحسن أجمع لذلك كله و ~~لهذا وافق أحمد كل واحد من التابعين في أغلب ما فضل فيه لمن استقرأ ذلك في ~~أجوبته و لهذا كان أحمد موافقا له في الأغلب فإنهما يحرمان PageV01P118 ~~الربا و يشددان فيه حق التشديد لما تقدم من شدة تحريمه و عظم مفسدته و ~~يمنعان الاحتيال له بكل طريق حتى يمنعا الذريعة المفضية إليه و إن لم تكن ~~حيلة و إن كان مالك يبلغ في سد الذرائع ما لا يختلف قول أحمد فيه أو لا ~~يقوله لكنه يوافقه بلا خلاف عنه على منع الحيل كلها # و جماع الحيل نوعان إما أن يضموا إلى أحد العوضين ما ليس بمقصود أو يضموا ~~إلى العقد عقدا ليس بمقصود # فالأول مسألة مد عجوة و ضابطها أن يبيع ربويا بجنسه و معهما أو مع أحدهما ~~ما ليس من جنسه مثل أن يكون غرضهما بيع فضة بفضة متفاضلا و نحو ذلك فيضم ~~إلى الفضة القليلة عوضا آخر حتى يبيع ألف دينار في منديل بألفي دينار # فمتى كان المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلا حرمت مسألة مد عجوة بلا خلاف ~~عند مالك و أحمد و غيرهما و إنما يسوغ هذا من جوز الحيل من الكوفيين و إن ~~كان قدماء الكوفيين يحرمون هذا # و أما إن كان كلاهما مقصودا كمد عجوة و درهم بمد عجوة و درهم أو مدين أو ~~درهمين ففيه روايتان عن أحمد و المنع قول مالك و الشافعي و الجواز قول أبي ~~حنيفة وهي مسألة اجتهاد # و أما إن كان المقصود من أحد الطرفين غير الجنس الربوي كبيع شاة ذات صوف ~~ولبن بصوف أو لبن فأشهر الروايتين عن أحمد الجواز # و ms106 النوع الثاني من الحيل أن يضما إلى العقد المحرم عقدا غير مقصود مثل أن ~~يتواطآ على أن يبيعه بجرزه ثم يبتاع الخرز منه بأكثر من ذلك الذهب أو يوطئا ~~ثالثا على أن يبيع أحدهما عرضا ثم يبيعه المبتاع لمعامله المرابي ثم يبيعه ~~المرابي لصاحبه و هي الحيلة المثلثة أو يقرن بالقرض محاباة في بيع أو إجارة ~~أو مساقاة و نحو ذلك مثل أن يقرضه ألفا و يبيعه سلعة تساوي عشرة بمائتين أو ~~يكريه دارا تساوي ثلاثين بخمسة و نحو ذلك PageV01P119 فهذا ونحوه من الحيل ~~لا تزول به المفسدة التي حرم الله من أجلها الربا و قد ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال لا يحل سلف وبيع ولا ~~شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن و لا بيع ما ليس عندك قال الترمذي حديث ~~حسن صحيح وهو من جنس حيل اليهود فإنهم إنما استحلوا الربا بالحيل و يسمونه ~~المشكند وقد لعنهم الله على ذلك # و قد روى ابن بطة بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( ( لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلون محارم ~~الله بأدنى الحيل ) ) وفي الصحيحين عنه أنه قال ( ( لعن الله اليهود حرمت ~~عليهم الشحوم فجملوها فباعوها و أكلوا ثمنها ) ) وفي السنن عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( ( من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فليس ~~قمارا من أدخل فرسا بين فرسين و قد أمن أن يسبق فهو قمار ) ) وقال صلى الله ~~عليه وسلم فيما رواه أهل السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله # و دلائل تحريم الحيل من الكتاب و السنة و الإجماع و الاعتبار كثيرة ذكرنا ~~منها نحوا من ثلاثين دليلا فيما كتبناه في ذلك و ذكرنا ما يحتج به من ~~يجوزها كيمين أبي أيوب و حديث تمر ms107 خيبر و معاريض السلف و ذكرنا جواب ذلك # ومن ذرائع ذلك مسألة العينة وهو أن يبيعه سلعة إلى أجل ثم يبتاعها منه ~~بأقل من ذلك فهذا مع التواطؤ يبطل البيعين لأنها حيلة وقد روى أحمد و أبو ~~داود بإسنادين جيدين عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~تبايعتم بالعينة و اتبعتم أذناب البقر و تركتم الجهاد في سبيل الله أرسل ~~الله PageV01P120 عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم و إن لم ~~يتواطأ فإنهما يبطلان البيع الثاني سدا للذريعة ولو كانت عكس مسألة العينة ~~من غير تواطؤ ففيه روايتان عن أحمد وهو أن يبيعه حالا ثم يبتاع منه بأكثر ~~مؤجلا و أما مع التواطؤ فربا محتال عليه # ولو كان مقصود المشتري الدرهم و ابتاع السلعة إلى أجل ليبيعها و يأخذ ~~ثمنها فهذا يسمى التورق ففي كراهته عن أحمد روايتان و الكراهة قول عمر بن ~~عبد العزيز و مالك فيما أظن بخلاف المشتري الذي غرضه التجارة أو غرضه ~~الانتفاع أو القنية فهذا يجوز شراؤه إلى أجل بالاتفاق # ففي الجملة أهل المدينة و فقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعا محكما ~~مراعين لمقصود الشريعة و أصولها و قولهم في ذلك هو الذي يؤثر مثله عن ~~الصحابة و تدل عليه معاني الكتاب و السنة # و أما الغرر فأشد الناس فيه قولا أبو حنيفة و الشافعي أما الشافعي فإنه ~~يدخل في هذا الاسم من الأنواع مالا يدخله غيره من الفقهاء مثل الحب و الثمر ~~في قشره الذي ليس بصوان كالباقلاء و الجوز و اللوز في قشره الأخضر و كالحب ~~في سنبله فإن القول الجديد عنده أن ذلك لا يجوز مع أنه قد اشترى في مرض ~~موته باقلاء أخضر فخرج ذلك له قولا و اختاره طائفة من أصحابه كأبي سعيد ~~الاصطخري و روى عنه أنه ذكر له أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ~~الحب حتى يشتد فدل على جواز بيعه اشتداده و إن كان في سنبله فقال ms108 إن صح هذا ~~أخرجته من العام أو كلاما قريبا من هذا و كذلك ذكر أنه رجع عن القول بالمنع # قال ابن المنذر جواز ذلك هو قول مالك و أهل المدينة و عبيد الله ابن ~~الحسن و أهل البصرة و أصحاب الحديث و أصحاب الرأي و قال الشافعي مرة لا ~~يجوز PageV01P121 ثم بلغه حديث ابن عمر فرجع عنه و قال به قال ابن المنذر ~~ولا أعلم أحدا يعدل عن القول به # و ذكر بعض أصحابه له قولين وأن الجواز هو القديم حتى منع من بيع الأعيان ~~الغائبة بصفة و غير صفة متأولا أن بيع الغائب غرر و إن وصف حتى اشترط فيما ~~في الذمة كدين السلم من الصفات و ضبطها ما لم يشترط غيره و لهذا يتعذر أو ~~يتعسر على الناس المعاملة في العين و الدين بمثل هذا القول و قاس على بيع ~~الغرر جميع العقود من التبرعات و المعاوضات فاشترط في أجرة الأجير و فدية ~~الخلع و الكتابة و صلح أهل الهدنة و جزية أهل الذمة ما اشترطه في البيع ~~عينا و دينا ولم يجوز في ذلك جنسا و قدرا و صفة إلا ما يجوز مثله في البيع ~~و إن كانت هذه العقود لا تبطل بفساد أعواضها أو يشترط لها شروط أخر # و أما أبو حنيفة فإنه يجوز بيع الباقلاء و نحوه في القشرين و يجوز إجارة ~~الأجير بطعامه و كسوته و يجوز أن تكون جهالة المهر كجهالة من المثل و يجوز ~~بيع الأعيان الغائبة بلا صفة مع الخيار لأنه يرى وقف العقود لكنه يحرم ~~المساقاة و المزارعة و نحوهما من المعاملات مطلقا و الشافعي يجوز بيع بعض ~~ذلك و يحرم أيضا كثيرا من الشروط في البيع و الإجارة و النكاح و غير ذلك ~~مما يخالف مطلق العقد # و أبو حنيفة يجوز بعض ذلك و يجوز من الوكالات و الشركات مالا يجوزه ~~الشافعي حتى جوز شركة المفاوضة و الوكالة بالمجهول المطلق وقال الشافعي إن ~~لم تكن شركة المفاوضة باطلة فما ms109 أعلم شيئا باطلا # فبينهما في هذا الباب عموم و خصوص لكن أصول الشافعي المحرمة أكثر من أصول ~~أبي حنيفة في ذلك # و أما مالك فمذهبه أحسن المذاهب في هذا فيجوز بيع هذه الأشياء و جميع ما ~~تدعو إليه الحاجة أو يقل غرره بحيث يحتمل في العقود حتى يجوز بيع ~~PageV01P122 المقاتي جملة و بيع المغيبات في الأرض كالجزر و الفجل و نحو ~~ذلك # و أحمد قريب منه في ذلك فإنه يجوز هذه الأشياء و يجوز على المنصوص عنه أن ~~يكون المهر عبدا مطلقا أو عبدا من عبيده و نحو ذلك مما لا يزيد جهالة على ~~مهر المثل و إن كان من أصحابه من يجوز المبهم دون المطلق كأبي الخطاب و ~~منهم من يوافق الشافعي فلا يجوز في المهر و فدية الخلع و نحوهما إلا ما ~~يجوز في المبيع كأبي بكر عبد العزيز و يجوز على المنصوص عنه في فدية الخلع ~~أكثر من ذلك حتى ما يجوز في الوصية و إن لم يجز في المهر كقول مالك مع ~~اختلاف في مذهبه ليس هذا موضعه لكن المنصوص عنه أنه لا يجوز بيع المغيب في ~~الأرض كالجزر و نحوه إلا إذا قلع و قال هذا الغرر شيء ليس يراه كيف يشتريه ~~و المنصوص عنه أنه لا يجوز بيع القثاء و الخيار و الباذنجان و نحوه إلا ~~لقطة لقطة ولا يباع من المقاتي و المباطخ إلا ما ظهر دون ما بطن و لا تباع ~~الرطبة إلا جزة جزة كقول أبي حنيفة و الشافعي لأن ذلك غرر وهو بيع الثمرة ~~قبل بدو صلاحها # ثم اختلف أصحابه فأكثرهم أطلقوا ذلك في كل مغيب كالجزر و الفجل و البصل و ~~ما أشبه ذلك كقول مالك # وقال الشيخ أبو محمد إذا كان مما يقصد فروعه و أصوله كالبصل المبيع أخضر ~~و الكراث و الفجل أو كان المقصود فروعه فالأولى جواز بيعه لأن المقصود منه ~~ظاهر فأشبه الشجر و يدخل ما لم يظهر في البيع تبعا و إن كان معظم ms110 المقصود ~~منه أصوله لم يجز بيعه في الأرض لأن الحكم للأغلب و إن تساويا لم يجز أيضا ~~لأن الأصل اعتياد الشرط و إنما سقط في الأقل التابع # و كلام أحمد يحتمل وجهين فإن أبا داود قال قلت لأحمد بيع الجزر في الأرض ~~قال لا يجوز بيعه إلا ما قلع منه هذا الغرر شيء ليس يراه كيف يشتريه فعلل ~~بعدم الرؤية PageV01P123 # فقد يقال إن لم يره كله لم يبع وقد يقال رؤية بعض المبيع تكفي إذا دلت ~~على الباقي كرؤية وجه العبد # وكذلك اختلفوا في المقاتي إذا بيعت بأصولها كما هو العادة غلبا فقال قوم ~~من المتأخرين يجوز ذلك لأن بيع أصول الخضراوات كبيع الشجر وإذا باع الشجرة ~~وعليها الثمر لم يبد صلاحه جاز فذلك هذا وذكر أن هذا مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي # وقال المتقدمون لا يجوز بحال وهو معنى كلامه ومنصوصه وهو إنما نهى عما ~~يعتاده الناس وليست العادة جارية في البطيخ والقثاء والخيار أن يباع دون ~~عروقه والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع عنده فإن المنصوص عنه في رواية الأثرم ~~وإبراهيم بن الحرث في الشجر الذي عليه ثمر لم يبد صلاحه أنه إن كان الأصل ~~هو مقصوده الأعظم جاز وأما إن كان مقصوده الثمرة فاشترى الأصل معها حيلة لم ~~يحز وكذلك إذا اشترى أرضا وفيها زرع أو شجر مثمر لم يبد صلاحه فإن كانت ~~الأرض هى المقصود جاز دخول الثمر والزرع معها تبعا وإن كان المقصود هو ~~الثمر والزرع فاشترى الأرض لذلك لم يجز وإذا كان هذا قوله في ثمرة الشجر ~~فمعلوم أن المقصود من المقاتي والمباطخ إنما هو الخضراوات دون الأصول التي ~~ليس لها إلا قيمة يسيرة بالنسبة إلى الخضر # وقد خرج ابن عقيل وغيره فيها وجهين # أحدهما جواز بيع المغيبات بناء على إحدى الروايتين عنه في بيع ما لم يره ~~ولا شك انه ظاهر فإن المنع إنما يكون على قولنا لا يصح بيع ما لم يره فإذا ~~صححنا بيع الغائب فهذا من الغائب # والثاني أنه يجوز بيعها مطلقا ms111 كمذهب مالك إلحاقا لها بلب الجوز وهذا ~~القول هو قياس أصول أحمد وغيره لوجهين # أحدهما أن أهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على حقيقتها ~~PageV01P124 ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون العبد برؤية وجهه والمرجع في كل ~~شئ إلى الصالحين من أهل الخبرة به وهم يقرون بأنهم يعرفون هذه الأشياء كما ~~يعرف غيرها مما اتفق المسلمون على جواز بيعه وأوكد # الثاني أن هذا مما تمس حاجة الناس إلى بيعه فإنه إذا لم يبع حتى يقلع حصل ~~على أصحابه ضرر عظيم فإنه قد يتعذر عليهم مباشرة القلع والاستنابة فيه وإن ~~قلعوه جملة فسد بالقلع فبقاؤه في الأرض كبقاء الجوز واللوز ونحوهما في قشره ~~الأخضر # وأحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوزون العرايا مع ما فيها من المزابنة ~~لحاجة المشتري إلى أكل الرطب أو البائع إلى أكل الثمر فحاجة البائع هنا أو ~~سحد بكثير وستقرر ذلك إن شاء الله # وكذلك قياس أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث جواز بيع المقاتي باطنها ~~وظاهرها وإن اشتمل ذلك على بيع معدوم إذا بدا صلاحها كما يجوز بالاتفاق إذا ~~بدا صلاح بعض نخله أو شجره أن يباع جميع ثمرها وإن كان فيها ما لم يصلح بعد # وغاية ما اعتذروا به عن خروج هذا من القياس أن قالوا إنه لا يمكن إفراد ~~البيع لذلك من نخلة واحدة لأنه لو أفرد البسرة بالعقد اختلطت بغيرها في يوم ~~واحد لأن البسرة تصفر في يومها وهذا بعينه موجود في المقتاة # وقد اعتذر بعض أصحاب الشافعي وأحمد عن بيع المعدوم تبعا بأن ما يحدث من ~~الزيادة في الثمرة بعد العقد ليس بتابع للموجود وإنما يكون ذلك للمشتري ~~لأنه موجود في ملكه # والجمهور من الطائفتين يعلمون فساد هذا العذر لأنه يجب على البائع سقى ~~الثمرة ويستحق إبقائها على الشجر بمطلق العقد ولو لم يستحق الزيادة بالعقد ~~لما وجب على البائع ما به تؤخذ فإن الواجب على البائع بحكم البيع توفية ~~المبيع الذي أوجبه العقد لا ما كان من موجبات الملك PageV01P125 # وأيضا فإن الرواية اختلفت ms112 عن أحمد إذا بدا الصلاح في حديقة من الحدائق هل ~~يجوز بيع جميعها أم لا يباع إلا ما صلح منها على روايتين # أشهرهما عنه أنه لا يباع إلا ما بدا صلاحه وهى اختيار قدماء أصحابه كأبي ~~بكر وابن شاقلا # والرواية الثانية يكون بدو الصلاح في البعض صلاحا للجميع وهي اختيار أكثر ~~أصحابه كابن حامد والقاضي ومن تبعها # ثم المنصوص عنه في هذه الرواية أنه قال إذا كان في بستان بعضه بالغ وبعضه ~~غير بالغ بيع إذا كان الأغلب عليه البلوغ فمنهم من فرق بين صلاح القليل ~~والكثير كالقاضي أخيرا وأبي حكيم النهرواني وأبي البركات وغيرهم ممن قصر ~~الحكم بما إذا غلب الصلاح ومنهم من سوى بين الصلاح القليل والكثير كأبي ~~الخطاب وجماعات وهو قول مالك والشافعي والليث وزاد مالك فقال يكون صلاحا ~~لما جاوره من الأقرحة وحكوا ذلك رواية عن أحمد # واختلف هؤلاء هل يكون صلاح النوع كالبرني من الرطب صلاحا لسائر أنواع ~~الرطب على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد # أحدهما المنع وهو قول القاضي وابن عقيل وأبي محمد # والثاني الجواز وهو قول أبي الخطاب # وزاد الليث على هؤلاء فقال صلاح الجنس كالتفاح واللوز يكون صلاحا لسائر ~~أجناس الثمار # ومأخذ من جوز شيئا من ذلك أن الحاجة تدعو إلى ذلك فإن بيع بعض ذلك دون ~~بعض يفضي إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي وهذه علة من فرق بين البستان ~~الواحد والبساتين ومن سوى بينهما فإنه قال المقصود الأمن من العاهة وذلك ~~يحصل بشروع الثمر في الصلاح # ومأخذ من منع ذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ( حتى يبدو صلاحها ) ~~) يقتضي بدو صلاح الجميع PageV01P126 والغرض من هذه المذاهب أن من جوز بيع ~~البستان من الجنس الواحد لبدو الصلاح في بعضه فقياس قوله جواز بيع المقتاة ~~إذا بدا صلاح بعضها والمعدوم هنا فيها كالمعدوم من أجزاء الثمرة فإن الحاجة ~~تدعو إلى ذلك أكثر إذ تفريق الأشجار في البيع أيسر من تفريق البطيخات ~~والقثاءات والخيارات وتمييز اللقطة عن اللقطة لو لم يشق فإنه ms113 أمر لا ينضبط ~~فإن اجتهاد الناس في ذلك متفاوت # والغرض من هذا أن أصول أحمد تقتضي موافقة مالك في هذه المسائل كما قد ~~يروي عنه في بعض الجوابات أو قد خرجه أخرجه أصحابه على أصوله وكما أن ~~العالم من الصحابة والتابعين والأئمة كثيرا ما يكون له في المسألة الواحدة ~~قولان في وقتين فكذلك يكون له في النوع الواحد من المسائل قولان فى وقتين ~~فيجيب في بعض أفرادها بجواب في وقت ويجيب في بعض الأفراد بجواب آخر في وقت ~~آخر وإذا كانت الأفراد مستوية كان له فيها قولان فإن لم يكن بينهما فرق ~~يذهب إليه مجتهد فقالت طائفة منهم أبو الخطاب لا يخرج وقال الجمهور كالقاضي ~~أبي يعلى يخرج الجواب إذا لم يكن هو ممن يذهب إلى الفرق كما اقتضته أصوله ~~ومن هؤلاء من يخرج الجواب إذا رآهما مستويين وإن لم يعلم هل هو ممن يفرق أم ~~لا وإن فرق بين بعض الأفراد وبعض مستحضرا لهما فإن كان سبب الفرق مأخذا ~~شرعيا كان الفرق قولا به وإن كان سبب الفرق مأخذا عاديا أو حسيا ونحو ذلك ~~مما قد يكون أهل الخبرة به أعلم من الفقهاء الذين لم يباشروا ذلك فهذا في ~~الحقيقة لا يفرق بينهما شرعا وإنما هو أمر من أمر الدنيا لم يعلمه العالم ~~فإن العلماء ورثة الأنبياء وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( أنتم أعلم ~~بأمر دنياكم فأما ما كان من أمر دينكم فإلى ) ) # وهذا الاختلاف في عين المسألة أو نوعها من العلم قد يسمى تناقضا أيضا لأن ~~التناقض اختلاف مقالتين بالنفي والاثبات فإذا كان في وقت قد قال إن ~~PageV01P127 هذا حرام وقال في وقت آخر فيه أو في مثله إنه ليس بحرام أو قال ~~ما يستلزم أنه ليس بحرام فقد تناقض قولاه وهو مصيب في كليهما عند من يقول ~~كل مجتهد مصيب وأنه ليس لله في الباطن حكم على المجتهد غير ما اعتقده # وأما الجمهور الذين يقولون إن الله حكما في الباطن علمه في إحدى ~~المقالتين ولم ms114 يعلمه في المقالة التي تناقضها وعدم علمه به مع اجتهاد مغفور ~~له مع ما يثاب عليه من قصده للحق واجتهاد في طلبه ولهذا يشبه بعضهم تعارض ~~الاجتهاد ن العلماء بالناسخ والمنسوخ في شرائع الأنبياء مع الفرق بينهما ~~بأن كل واحد من الناسخ والمنسوج ثابت بخطاب حكم الله باطنا وظاهرا بخلاف ~~أحد قولي العالم المتناقضين # هذا فيمن يتقي الله فيما يقوله مع علمه بتقواه وسلوكه الطريق الراشد # وأما أهل الأهواء والخصومات فهم مع علمه بتقواه وسلوكه الطريق الراشد # وأما أهل الأهواء والخصومات فهم مذمومون في مناقضتهم لأنهم يتكلمون بغير ~~علم ولا حسن قصد لما يجب قصده # وعلى هذا فلازم قول الإنسان نوعان # أحدهما لازم قوله الحق فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه فإن لازم الحق حق ~~ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره ~~وكثير ما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب # والثاني لازم قوله الذي ليس بحق فهذا لا يجب التزامه إذا أكثر ما فيه أنه ~~قد تناقض وقد بينت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين ثم إن عرف من ~~حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه ~~قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه لكونه قد قال ما يلزمه وهو لم يشعر بفساد ~~ذلك القول ولا يلزمه # هذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب هل هو مذهب أو ليس بمذهب هو ~~أجود من إطلاق أحدهما فما كان من اللوازم يرضاه القائل PageV01P128 بعد ~~وضوحه له فهو قوله وما لا يرضاه فليس قوله و إن كان متناقضا وهو الفرق بين ~~اللازم الذي يجب التزامه مع لزوم اللازم الذي يجب ترك الملزوم للزومه فإذا ~~عرف هذا عرف الفرق بين الواجب من المقالات و الواقع منها و هذا متوجه في ~~اللوازم التي لم يصرح هو بعدم لزومها # فأما إذا نفى هو اللزوم لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال وإلا لأضيف إلى ~~كل عالم ms115 ما اعتقدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله لكونه ملتزما لرسالته ~~فلما لم يضف إليه ما نفاه عن الرسول و إن كان لازما له ظهر الفرق بين ~~اللازم الذي لم ينفه و اللازم الذي نفاه ولا يلزم من كونه نص على الحكم ~~نفيه للزوم ما يلزمه لأنه قد يكون عن اجتهادين في وقتين # و سبب الفرق بين أهل العلم و أهل الأهواء مع وجود الاختلاف في قول كل ~~منهما أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد و الاجتهاد وهو مأمور في ~~الظاهر باعتقاد ما قام عنده دليله و إن لم يكن مطابقا لكن اعتقادا ليس ~~بيقيني كما يؤمر الحاكم بتصديق الشاهدين ذوي العدل و إن كانا في الباطن قد ~~أخطأ أو كذبا و كما يؤمر المفتي بتصديق المخبر العدل الضابط أو باتباع ~~الظاهر فيعتقد ما دل عليه ذلك و إن لم يكن ذلك الإعتقاد مطابقا فالاعتقاد ~~المطلوب هو الذي يغلب على الظن مما يؤمر به العباد و إن كان قد يكون غير ~~مطابق و إن لم يكونوا مأمورين في الباطن باعتقاد غير مطابق قط # فإذا اعتقد العالم اعتقادين متناقضين في قضية أو قضيتين مع قصده للحق و ~~اتباعه لما أمر باتباعه من الكتاب والحكمة عذر بما لم يعلمه وهو الخطأ ~~المرفوع عنا بخلاف أصحاب الأهواء فإنهم @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس @QE@ و يجزمون بما يقولونه بالظن و الهوى جزما لا يقبل النقيض مع ~~عدم العلم بجزمه فيعتقدون ما لم يؤمروا باعتقاده لا باطنا ولا ظاهرا و ~~يقصدون ما لم يؤمروا بقصده و يجتهدون اجتهادا لم يؤمروا به فلم يصدر عنهم ~~من PageV01P129 الاجتهاد و القصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه فكانوا ~~ظالمين شبيها بالمغضوب عليهم أو جاهلين شبيها بالضالين # فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق وقد سلك طريقه و أما ~~متبع الهوى المحض فهو من يعلم الحق و يعاند عنه # وثم قسم آخر وهم غالب الناس وهو أن يكون له هوى ms116 وله في الأمر الذي قصد ~~إليه شبهة فتجتمع الشهوة و الشبهة و لهذا جاء في حديث مرسل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( ( إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات و ~~يحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ) ) # فالمجتهد المحض مغفور له أو مأجور و صاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب و ~~أما المجتهد الاجتهاد المركب على شبهة وهوى فهو مسيء وهم في ذلك درجات بحسب ~~ما يغلب و بحسب الحسنات الماحية # و أكثر المتأخرين من المنتسبين إلى فقه أو تصوف مبتلون بذلك # وهذا القول الذي دلت عليه أصول مالك و أصول أحمد و بعض أصول غيرهما هو ~~أصح الأقوال و عليه يدل غالب معاملات السلف و لا يستقيم أمر الناس في ~~معاشهم إلا به و كل من توسع في تحريم ما يعتقده غررا فإنه لا بد أن يضطر ~~إلى إجازة ما حرمه فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة و إما ~~أن يحتال و قد رأينا الناس و بلغتنا أخبارهم فما رأينا أحدا التزم مذهبه في ~~تحريم هذه المسائل ولا يمكنه ذلك و نحن نعلم قطعا أن مفسدة التحريم لا تزول ~~بالحيلة التي يذكرونها فمن المحال أن يحرم الشارع علينا أمرا نحن محتاجون ~~إليه ثم لا يبيحه إلا بحيلة لا فائدة فيها و إنما هي من جنس اللعب # و لقد تأملت أغلب ما أوقع الناس في الحيل فوجدته أحد شيئين إما ذنوب ~~جوزوا عليها بتضييق في أمورهم فلم يستطيعوا دفع هذا الضيق إلا بالحيل فلم ~~تزدهم الحيل إلا بلاء كما جرى لأصحاب السبت من اليهود و كما قال تعالى ~~PageV01P130 @QB@ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم @QE@ ~~وهذا الذنب ذنب عملي و إما مبالغة في التشديد لما اعتقدوه من تحريم الشارع ~~فاضطرهم هذا الإعتقاد إلى الاستحلال بالحيل وهذا من خطأ الاجتهاد و إلا فمن ~~اتقى الله و أخذ ما أحل له و أدى ما أوجب عليه فإن الله لا يحوجه إلى الحيل ~~المبتدعة أبدا ms117 فإنه سبحانه لم يجعل علينا في الدين من حرج و إنما بعث نبينا ~~صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة فالسبب الأول هو الظلم و السبب الثاني ~~هو عدم العلم و الظلم و الجهل هما وصف للإنسان المذكور في قوله تعالى 33 72 ~~@QB@ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا @QE@ # و أصل هذا أن الله سبحانه إنما حرم علينا المحرمات من الأعيان كالدم و ~~الميتة و لحم الخنزير أو من التصرفات كالميسر و الربا و ما يدخل فيهما بنوع ~~من الغرر و غيره لما في ذلك من المفاسد التي نبه الله عليها و رسوله بقوله ~~سبحانه 5 91 @QB@ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في ~~الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون @QE@ فأخبر ~~سبحانه أن الميسر يوقع العداوة و البغضاء سواء كان ميسرا بالمال أو باللعب ~~فإن المغالبة بلا فائدة و أخذ المال بلا حق يوقع في النفوس ذلك و كذلك روى ~~فقيه المدينة من الصحابة زيد بن ثابت رضي الله عنه قال كان الناس على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار فإذا أجدب الناس و حضر ~~تقاضيهم قال المبتاع إنه أصاب الثمر الدمان أصابه مراض أصابه قشام عاهات ~~يحتجون بها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة في ذلك ~~فأما لا فلا تبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر كالمشورة لهم يشير بها لكثرة ~~خصومتهم و اختلافهم و ذكر خارجة بن زيد أن زيدا لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى ~~تطلع الثريا فيتبين الأحمر من الأصفر رواه البخاري تعليقا و أبو داود إلى ~~قوله خصومتهم و روى أحمد في المسند عنه قال قدم رسول الله صلى الله عليه ~~PageV01P131 و سلم المدينة ونحن نتبايع الثمار قبل أن يبدو صلاحها فسمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خصومة فقال ( ( ما هذا فقيل له إن هؤلاء ~~ابتاعوا الثمار يقولون أصابنا الدمان و القشام فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلا تبايعوها حتى ms118 يبدو صلاحها ) ) # فقد أخبر أن سبب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ما أفضت إليه من ~~الخصام و هكذا بيوع الغرر و قد ثبت نهيه عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها في ~~الصحيحين من حديث ابن عمر و ابن عباس و جابر و أنس وفي مسلم من حديث أبي ~~هريرة و في حديث أنس تعليله ففي الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهى قيل و ما تزهى قال ( ( حتى تحمر أو ~~تصفر ) ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( أرأيت إذا منع الله الثمرة ~~بم يأخذ أحدكم مال أخيه ) ) و في رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~بيع الثمر حتى يزهو فقلنا لأنس ما زهوها قال تحمر و تصفر أرأيت إن منع الله ~~الثمرة بم تستحل مال أخيك قال أبو مسعود الدمشقي جعل مالك و الداروردي قول ~~أنس أرأيت إن منع الله الثمرة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أدرجاه فيه ~~و يرون أنه غلط # فهذا التعليل سواء كان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو من كلام أنس ~~فيه بيان أن في ذلك أكل للمال بالباطل حيث أخذه في عقد معاوضة بلا عوض ~~مضمون # و إذا كانت مفسدة بيع الغرر هي كونه مظنة العداوة و البغضاء و أكل ~~الأموال بالباطل فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة قدمت ~~عليها كما أن السباق بالخيل و السهام و الإبل لما كان فيه مصلحة شرعية جاز ~~بالعروض و إن لم يجز غيره بعوض و كما أن اللهو الذي يلهو به الرجل إذا لم ~~يكن فيه منفعة فهو باطل و إن كان فيه منفعة وهو ما ذكره النبي صلى الله ~~عليه PageV01P132 و سلم بقوله كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه ~~بقوسه و تأديبه فرسه و ملاعبته امرأته فإنهن من الحق صار هذا اللهو حقا # و معلوم أن الضرر على الناس بتحريم هذه المعاملات ms119 أشد عليهم مما قد يتخوف ~~فيها من تباغض أو أكل مال بالباطل لأن الغرر فيها يسير كما تقدم و الحاجة ~~إليها ماسة و الحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر و الشريعة جميعها مبنية ~~على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضها حاجة راجحة أبيح المحرم فكيف ~~إذا كانت المفسدة منتفية و لهذا لما كانت الحاجة داعية إلى بقاء الثمر بعد ~~البيع على الشجر إلى كمال الصلاح أباح الشرع ذلك قاله جمهور العلماء كما ~~سنقرر قاعدته إن شاء الله تعالى و لهذا كان مذهب أهل المدينة و فقهاء ~~الحديث أنها إذا تلفت بعد البيع بجائحة هلكت من ضمان البائع كما رواه مسلم ~~في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( لو ~~بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال ~~أخيك بغير حق ) ) وفي رواية لمسلم عنه ( ( أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بوضع الجوائح ) ) و الشافعي رضي الله عنه لما لم يبلغه هذا الحديث و ~~إنما بلغه حديث لسفيان بن عيينة اضطرب فيه أخذ في ذلك بقول الكوفيين إنها ~~تكون من ضمان المشتري لأنه مبيع قد تلف بعد القبض لأن المشتري لم يملك ~~إبقاءه على الشجر وإنما موجب العقد عندهم القبض التخلية بين المشتري و بينه ~~قبض و هذا على أصل الكوفيين أمشى لأن الناجز بكل حال وهو طرد لقياس سنذكر ~~أصله و ضعفه مع أن مصلحة بني آدم لا تقوم على ذلك ومع أني لا أعلم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سنة صريحة بأن المبيع التالف قبل التمكن من القبض يكون ~~من مال البائع و ينفسخ العقد بتلفه إلا حديث الجوائح هذا ولو لم يكن فيه ~~سنة لكان الاعتبار الصريح يوافقه وهو ما نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق فإن المشتري PageV01P133 للثمرة إنما ~~يتمكن من جذادها عند كمالها و نضجها لا عند العقد كما أن ms120 المستأجر إنما ~~يتمكن من استيفاء المنفعة شيئا فشيئا فتلف الثمرة قبل التمكن من استيفاء ~~المنفعة في الإجارة يتلف من ضمان المؤجر بالاتفاق فكذلك في البيع # و أبو حنيفة يفرق بينهما بأن المستأجر لم يملك المنفعة و أن المشتري لم ~~يملك الإبقاء وهذا الفرق لا يقول به الشافعي و سنذكر أصله # فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيعها حتى يبدو صلاحها وفي ~~لفظ مسلم عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( لا تتبايعوا ~~الثمر حتى يبدو صلاحه و تذهب عنه الآفة ) ) و في لفظ لمسلم عنه نهى عن بيع ~~النخل حتى تزهى و عن السنبل حتى يبيض و يأمن العاهة نهى البائع و المشتري و ~~في سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع النخل حتى يحرز من كل عارض # فمعلوم أن العلة ليست كونه كان معدوما فإنه بعد بدو صلاحه و أمنه العاهة ~~يزيد أجزاء لم تكن موجودة وقت العقد و ليس المقصود الأمن من العاهات ~~النادرة فإن هذا لا سبيل إليه إذ قد يصيبها ما ذكره الله عن أهل الجنة ~~الذين 68 17 إلى 18 @QB@ إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون @QE@ وما ~~ذكره في سورة يونس في قوله 10 24 @QB@ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ~~وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن ~~لم تغن بالأمس @QE@ و إنما المقصود ذهاب الآفة التي يتكرر وجودها وهذا إنما ~~تصيب الزرع قبل اشتداد الحب و قبل ظهور النضج في الثمر إذ العاهة بعد ذلك ~~نادرة بالنسبة إلى ما قبله ولأنه لو منع بيعه بعد هذه العاهة لم يكن له وقت ~~يجوز بيعه إلى حين كمال الصلاح و بيع الثمر على الشجر بعد كمال صلاحه متعذر ~~لأنه لا يكمل جملة واحدة و إيجاب قطعه على مالكه فيه ضرر مرب على ضرر الغرر ~~PageV01P134 # فتبين أن رسول الله صلى الله ms121 عليه وسلم قدم مصلحة جواز البيع الذي يحتاج ~~إليه على مفسدة الغرر اليسير كما تقتضيه أصول الحكمة التي بعث بها صلى الله ~~عليه وسلم وعلمها أمته # ومن طرد القياس الذي انعقد في نفسه غير ناظر إلى ما يعارض علته من المانع ~~الراجح أفسد كثيرا من أمر الدين و ضاق عليه عقله و دينه # و أيضا ففي صحيح مسلم عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي ~~الرجل بكره فرجع إليه أبو رافع فقال لم أجد فيها إلا جملا خيارا رباعيا ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم أعطه إياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاء # ففي هذا دليل على جواز الاستسلاف فيما سوى المكيل و الموزون من الحيوان و ~~نحوه كما عليه فقهاء الحجاز و الحديث خلافا لمن قال من الكوفيين لا يجوز ~~ذلك لأن القرض موجب لرد المثل و الحيوان ليس بمثلي و بناء على أن ما سوى ~~المكيل و الموزون لا يثبت في الذمة عوضا عن مال # وفيه دليل على أنه يثبت مثل الحيوان تقريبا في الذمة كما هو المشهور من ~~مذاهبهم خلافا للكوفيين ووجه في مذهب أحمد أنه يثبت بالقيمة # وهذا دليل على أن المعتبر في معرفة المعقود عليه هو التقريب و إلا فيعجز ~~الإنسان عن وجود حيوان مثل ذلك الحيوان لا سيما عند القائلين بأن الحيوان ~~ليس بمثلي و أنه مضمون في الغصب و الإتلاف بالقيمة # و أيضا فقد اختلف الفقهاء في تأجيل الديون إلى الحصاد و الجداد وفيه ~~روايتان عن أحمد أحدهما يجوز كقول مالك و حديث جابر الذي في الصحيح يدل ~~عليه # و أيضا فقد دل الكتاب في قوله تعالى @QB@ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ~~ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة @QE@ PageV01P135 و السنن في حديث بروع ~~بنت واشق و إجماع العلماء على جواز عقد النكاح بدون فرض الصداق و تستحق مهر ~~المثل إذا دخل بها بإجماعهم و ms122 إذا مات عند فقهاء الحديث و أهل الكوفة ~~المتبعين لحديث بروع بنت واشق وهو أحد قولي الشافعي وهو معلوم أن مهر المثل ~~متقارب لا محدود فلو كان التحديد معتبرا في المهر ما جاز النكاح بدونه كما ~~رواه أحمد في المسند عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره وعن بيع اللمس و النجس و ~~إلقاء الحجر فمضت الشريعة بجواز النكاح قبل فرض المهر و أن الإجارة لا تجوز ~~إلا مع تبيين الأجر فدل على الفرق بينهما # و سببه أن المعقود عليه في النكاح وهو منافع البضع غير محدودة بل المرجع ~~فيها إلى العرف فلذلك عوضه الآخر لأن المهر ليس هو المقصود و إنما هو نحلة ~~تابعة فأشبه الثمر التابع للشجر في البيع قبل بدو صلاحه و لذلك لما قدم وفد ~~هوازن على النبي صلى الله عليه وسلم و خيرهم بين السبي و بين المال ~~فاختاروا السبي قال لهم إني قائم فخاطب الناس فقولوا إنا نستشفع برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على المسلمين و نستشفع بالمسلمين على رسول الله و قام ~~فخطب الناس فقال إني قد رددت على هؤلاء سبيهم فمن شاء طيب ذلك ومن شاء فإنا ~~نعطيه عن كل رأس عشر قلائص من أول ما يفيء الله علينا فهذا معاوضة عن ~~الإعتاق كعوض الكتابة بإبل مطلقة في الذمة إلى أجل متقارب غير محدود و قد ~~روى البخاري عن ابن عمر في حديث خيبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتلهم ~~حتى ألجأهم إلى قصرهم و غلبهم على الأرض و الزرع و النخل فصالحوه على أن ~~يجلو منها ولهم ما حملت ركابهم و لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء و ~~البيضاء و الحلقة وهي السلاح و يخرجون منها و اشترط عليهم أن لا يكتبوا و ~~لا يغيبوا شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فهذا مصالحة على مال متميز ~~غير معلوم PageV01P136 وعن ابن عباس قال ms123 صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر و البقية في رجب يؤدونها إلى المسلمين ~~و عارية ثلاثين درعا و ثلاثين فرسا و ثلاثين بعيرا و ثلاثين من كل صنف من ~~أصناف السلاح يغزون بها و المسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان ~~باليمن كيد أو غارة رواه أبو داود # فهذا مصالحة على ثياب مطلقة معلومة الجنس غير موصوفة بصفات المسلم و كذلك ~~عارية خيل و إبل و أنواع من السلاح مطلقة موصوفة عند شرط قد يكون وقد لا ~~يكون # فظهر بهذه النصوص أن العوض عما ليس بمال كالصداق و الكتابة و الفدية في ~~الخلع و الصلح عن القصاص و الجزية و الصلح مع أهل الحرب ليس بواجب أن يعلم ~~كما يعلم الثمن و الأجرة ولا يقاس على بيع الغرر كل عقد على غرر لأن ~~الأموال إما إنها لا تجب في هذه العقود أو ليست هي المقصود الأعظم منها وما ~~ليس هو المقصود إذا وقع فيه غرر لم يفض إلى المفسدة المذكورة في البيع بل ~~يكون أيجاب التحديد في ذلك فيه من العسر و الحرج المنفي شرعا ما يزيد على ~~ضرر ترك تحديده $ فصل # و مما تمس الحاجة إليه من فروع هذا القاعدة ومن مسائل بيع الثمر قبل بدو ~~صلاحه ما قد عمت به البلوى في كثير من بلاد الإسلام أو أكثرها لا سيما دمشق ~~و ذلك أن الأرض تكون مشتملة على غراس و أرض تصلح للزرع و ربما اشتملت مع ~~ذلك على مساكن فيريد صاحبها أن يؤاجرها لمن يسقيها و يزدرعها أو يسكنها مع ~~ذلك فهذا إذا كان فيها أرض و وغراس مما اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال ~~PageV01P137 # أحدها أن ذلك لا يجوز بحال وهو قول الكوفيين و الشافعي وهو المشهور من ~~مذهب أحمد عند أكثر أصحابه # و القول الثاني يجوز إذا كان الشجر قليلا و كان بياض الثلثين أو أكثر و ~~كذلك إذا استكرى دارا فيها نخلات قليلة أو ms124 شجرات عنب و نحو ذلك وهذا قول ~~مالك وعن أحمد كالقولين قال الكرماني قيل لأحمد الرجل يستأجر الأرض فيها ~~نخلات قال أخاف أن يكون استأجر شجرا لم يثمر و كأنه لم يعجبه أظنه أراد ~~الشجر لم أفهم عن أحمد أكثر من هذا # وقد تقدم عنه فيما إذا باع ربويا بجنسه معه من غير جنسه إذا كان المقصود ~~الأكبر هو غير الجنس كشاة ذات صوف أو لبن بصوف روايتان و أكثر أصوله على ~~الجواز كقول مالك فإنه يقول إذا ابتاع عبدا وله مال وكان مقصوده العبد جاز ~~و إن كان المال مجهولا أو من جنس الثمن و لأنه يقول إذا ابتاع أرضا أو شجرا ~~فيها ثمر أو زرع لم يدرك يجوز إذا كان مقصوده الأرض و الشجر # و هذا في البيع نظير مسألتنا في الإجارة فإن ابتياع الأرض بمنزلة ~~اشترائها و اشتراء النخل و دخول الثمرة التي لم تأمن العاهة في البيع تبعا ~~للأصل بمنزلة دخول ثمر النخلات و العنب في الإجارة تبعا # و حجة الفريقين في المنع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من نهيه عن ~~بيع السنين و بيع الثمر حتى يبدو صلاحه كما أخرجا في الصحيحين عن ابن عمر ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى ~~البائع و المبتاع و فيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع الثمرة حتى تشقح قيل و ما تشقح قال تحمار ~~و تصفار و يؤكل منها وفي رواية لمسلم أن هذا التفسير من كلام سعيد ابن ~~المثنى المحدث عن جابر PageV01P138 # وفي الصحيحين عن جابر قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة ~~والمزابنة والمعاومة والمخابرة وفي رواية لهما وعن بيع السنين بدل المعاومة ~~وفيهما أيضا عن زيد بن أبي أنيسة عن عطاء عن جابر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة وأن يشترى النخل حتى يشقه ms125 ~~والإشقاه أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء والمحاقلة أن يباع الحقل بكيل من ~~الطعام معلوم والمزابنة أن يباع النخل بأوساق من التمر والمخابرة الثلث ~~والربع وأشباه ذلك قال زبد قلت لعطاء أسمعت جابرا يذكر هذا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال نعم وفيهما عن أبي البحتري قال سألت ابن عباس عن بيع ~~النخل فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يأكل منه أو ~~يؤكل وحتى يوزن فقلت ما يوزن فقال رجل عنده حتى يحرز وفي مسلم عن أبي هريرة ~~رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( لا تبتاعوا الثمر ~~بالتمر ) ) # وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن بيع ثمر النخل سنين لا يجوز قالوا ~~فإذا أكره الأرض والشجر فقد باعه الثمر قبل أن يخلق وباعه سنة أو سنتين ~~وهذا هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم منع منه مطلقا طردا ~~لعموم القياس ومن جوزه إذا كان قليلا قال الضرر اليسير يحتمل في العقود كما ~~لو ابتاع النخل وعليه ثمر لم يؤبر أو أبر ولم يبد صلاحه فإنه يجوز وإن لم ~~يجز إفراده بالعقد # وهذا متوجه جدا على أصل الشافعي وأحمد وغيرهما من فقهاء الحديث ولكن لا ~~يتوجه على أصل أبي حنيفة لأنه لا يجوز ابتياع الثمر بشرط البقاء ويجوز ~~ابتياعه قبل بدو صلاحه وموجب العقد القطع في الحال فإذا ابتاعه مع الأصل ~~فإنما استحق إبقاءه لأن الأصل ملكه وسنتكلم إن شاء الله على هذا الأصل ~~PageV01P139 و ذكر أبو عبيد أن المنع من إجارة الأرض التي فيها شجر كثير ~~إجماع # و القول الثالث أنه يجوز استئجار الأرض التي فيها شجر و دخول الشجر في ~~الإجارة مطلقا وهذا قول ابن عقيل و إليه مال حرب الكرماني هذا القول ~~كالإجماع من السلف و إن كان المشهور عن الأئمة المتبوعين خلافه فقد روى ~~سعيد بن منصور ورواه عنه حرب الكرماني في مسائله قال حدثنا عباد بن عباد بن ms126 ~~هشام بن عروة عن أبيه أن أسيد بن حضير توفي و عليه ستة آلاف درهم فدعا عمر ~~غرماءه فقبلهم أرضه سنين و فيها النخل و الشجر # و أيضا فإن عمر بن الخطاب ضرب الخراج على أرض السواد و غيرها فأقر الأرض ~~التي فيها النخل و العنب في أيدي أهل الأرض و جعل على كل جريب من جرب الأرض ~~السواد و البيضاء خراجا مقدرا و المشهور أنه جعل على جريب العنب عشرة دراهم ~~و على جريب النخل ثمانية دراهم و على جريب الرطبة ستة دراهم و على جريب ~~الزرع درهما و قفيزا من طعام # و المشهور عند مالك و الشافعي و أحمد أن هذه ا لمخارجة تجري مجرى ~~المؤاجرة و إنما لم يؤقته لعموم المصلحة و أن الخراج أجرة الأرض فهذا بعينه ~~إجارة الأرض السوداء التي فيها شجر وهو مما أجمع عليه عمر و المسلمون في ~~زمانه و بعده و لهذا تعجب أبو عبيد في كتاب الأموال من هذا فرأى أن هذه ~~المفاصلة تخالف ما علمه من مذاهب الفقهاء # و حجة ابن عقيل أن إجارة الأرض جائزة و الحاجة إليها داعية ولا يمكن ~~إجارتها إذا كان فيها شجر إلا بإجارة الشجر و ما لا يتم الجائز إلا به فهو ~~جائز لأن المستأجر لا يتبرع بسقي الشجر و قد لا يساقى عليها # وهذا كما أن مالكا و الشافعي كان القياس عندهما أنه لا تجوز المزارعة ~~فإذا ساقى العامل على شجر فيها بياض جوزا المزارعة في ذلك البياض تبعا ~~للمساقاة فيجوزه مالك إذا كان دون الثلث كما قال في بيع الشجر تبعا للأرض ~~وكذلك PageV01P140 الشافعي يجوزه إذا كان البياض قليلا لا يمكن سقي النخل ~~إلا بسقيه و إن كان كثيرا و النخل قليلا ففيه لأصحابه وجهان # هذا إذا جمع بينهما في عقد واحد و سوى بينهما في الجزء المشروط كالثلث و ~~الربع فأما إن فاضل بين الجزءين ففيه وجهان لأصحابه وكذلك إن فرق بينهما في ~~عقدين و قدم المساقاة فيه وجهان فأما إن ms127 قدم المزارعة لم تصح المزارعة وجها ~~واحدا # فقد جوز المزارعة التي لا تجوز عندهما تبعا للمساقاة فكذلك يجوز إجارة ~~الشجر تبعا لإجارة الأرض # وقول ابن عقيل هو قياس أحد وجهي أصحاب الشافعي بلا شك و لأن المانعين من ~~هذا هم بين محتال على جوازه و مرتكب لما يظن أنه حرام و صابر و متضرر فإن ~~الكوفيين احتالوا على الجواز تارة بأن يؤجر الأرض فقط و يبيحه ثمر الشجر ~~كما يقولون في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها يبيعه إياها مطلقا أو بشرط القطع ~~بجميع الأجرة و يبيحه إبقاءها وهذه الحيلة منقولة عن أبي حنيفة و الثوري و ~~غيرهما و تارة بأن يكريه الأرض بجميع الأجرة و يساقيه على الشجر بالمحاباة ~~مثل أن يساقيه على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك # وهذه الحيلة إنما يجوزها من يجوز المساقاة كأبي يوسف و محمد و الشافعي في ~~القديم فأما أبو حنيفة فلا يجوزها بحال و كذلك الشافعي إنما يجوزها في ~~الجديد في النخل و العنب فقد اضطروا في هذه المعاملة إلى أن تسمى الأجرة في ~~مقابلة منفعة الأرض و يتبرع له إما بإعراء الشجر و إما بالمحاباة في ~~مساقاتها # و لفرط الحاجة إلى هذه المعاملة ذكر بعض من صنف في إبطال الحيل من أصحاب ~~الإمام أحمد هذه الحيلة فيما يجوز من الحيل أعني حيلة المحاباة في المساقاة ~~و المنصوص عن أحمد و أكثر أصحابه إبطال هذه الحيلة بعينها كمذهب مالك و ~~غيره PageV01P141 # و المنع من هذه الحيل هو الصحيح قطعا لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لا يحل سلف و بيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم ~~يضمن ولا بيع ما ليس عندك رواه الأئمة الخمسة أحمد و أبو داود و النسائي و ~~الترمذي و ابن ماجة وقال الترمذي حديث حسن صحيح فنهى صلى الله عليه وسلم عن ~~أن يجمع بين سلف و بيع فإذا جمع بين سلف و إجارة فهو جمع بين سلف ms128 و بيع أو ~~مثله وكل تبرع يجمعه إلى البيع و الإجارة مثل الهبة و العارية و العرية و ~~المحاباة في المساقاة و المزارعة و المبايعة و غير ذلك هي مثل القرض # فجماع معنى الحديث أن لا يجمع بين معاوضة و تبرع لأن ذلك التبرع إنما كان ~~لأجل المعاوضة لا تبرعا مطلقا فيصير جزءا من العوض فإذا اتفقا على أنه ليس ~~بعوض جمعا بين أمرين متنافيين فإن من أقرض رجلا ألف درهم وباعه سلعة تساوي ~~خمسمائة بألف لم يرض بالاقتراض إلا بالثمن الزائد للسلعة و المشتري لم يرض ~~ببذل ذلك الثمن الزائد إلا لأجل الألف التي اقترضها فلا هذا باع بيعا بألف ~~ولا هذا أقرض قرضا محضا بل الحقيقة أنه أعطاه الألف و السلعة بألفين فهي ~~مسألة مد عجوة فإذا كان المقصود أخذ ألف بأكثر من ألف حرم بلا تردد وإلا ~~خرج على الخلاف المعروف و هكذا من أكرى الأرض التي تساوي مائة بألف وأعراه ~~الشجر و رضي من ثمرها بجزء من ألف جزء فمعلوم بالاضطرار أنه إنما تبرع ~~بالثمرة لأجل الألف التي أخذها و إن المستأجر إنما بذل الألف لأجل الثمرة ~~فالثمرة هي المقصود المعقود عليه أو بعضه فليست الحيلة إلا ضربا من اللعب ~~وإلا فالمقصود المعقود عليه ظاهر # و الذين لا يحتالون أو يحتالون وقد ظهر لهم فساد هذه الحيلة بين أمرين ~~إما أن يفعلوا ذلك للحاجة و يعتقدوا أنهم فاعلون للمحرم كما رأينا عليه ~~أكثر الناس و إما أن يتركوا ذلك و يتركوا تناول الثمار الداخلة في هذه ~~المعاملة فيدخل PageV01P142 عليهم من الضرر و الإضرار ما لا يعلمه إلا الله ~~و إن أمكن أن يلتزم ذلك واحد أو اثنان فما يمكن المسلمين التزام ذلك إلا ~~بفساد الأموال الذي لا تأتي به شريعة قط فضلا عن شريعة قال الله فيها 22 78 ~~@QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ وقال تعالى @QB@ يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ وقال تعالى @QB@ يريد الله أن يخفف عنكم ~~@QE@ وفي الصحيحين إنما ms129 بعثتم ميسرين و يسروا ولا تعسروا ليعلم اليهود أن ~~في ديننا سعة فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعا # و الغرض من هذا أن تحريم مثل هذا مما لا يمكن الأمة التزامه قط لما فيه ~~من الفساد الذي لا يطاق فعلم أنه ليس بحرام بل هو أشد من الأغلال و الآصار ~~التي كانت على بني إسرائيل ووضعها الله عنا على لسان محمد صلى الله عليه ~~وسلم ومن استقرأ الشريعة في مواردها و مصادرها وجدها مبنية على قوله تعالى ~~@QB@ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه @QE@ وقوله @QB@ فمن اضطر في ~~مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم @QE@ فكل ما احتاج الناس إليه في ~~معاشهم ولم يكن سببه معصية هي ترك واجب أو فعل محرم لم يحرم عليهم لأنهم في ~~معنى المضطر الذي ليس بباغ و لا عاد وإن كان سببه معصية كالمسافر سفر معصية ~~اضطر فيه إلى الميتة و المنفق للمال في المعاصي حتى لزمته الديون فإنه يؤمر ~~بالتوبة و يباح له ما يزيل ضرورته فيباح له الميتة يقضي عنه دينه من الزكاة ~~و إن لم يتب فهو الظالم لنفسه المحتال و حاله كحال الذين قال الله فيهم ~~@QB@ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك ~~نبلوهم بما كانوا يفسقون @QE@ و قوله @QB@ فبظلم من الذين هادوا حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم @QE@ وهذه قاعدة عظيمة ربما ننبه إن شاء الله عليها # وهذا القول المأثور عن السلف الذي اختاره ابن عقيل هو قياس أصول أحمد و ~~بعض أصول الشافعي وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لوجوه متعددة بعد ~~PageV01P143 الأدلة الدالة على نفي التحريم شرعا و عقلا فإن دلالة هذه إنما ~~تتم بعد الجواب عما استدل به أصحاب القول الأول # الوجه الأول ما ذكرناه من فعل عمر في قصة أسيد بن الحضير فإنه قبل الأرض ~~و الشجر الذي فيها بالمال الذي كان للغرماء وهذا عين مسألتنا ولا يحمل ذلك ~~على أن النخل ms130 و الشجر كان قليلا فإنه من المعلوم أن حيطان أهل المدينة كان ~~الغالب عليها الشجر و أسيد بن الحضير كان من سادات الأنصار و مياسيرهم ~~فبعيد أن يكون الغالب على حائطه الأرض البيضاء ثم هذه القصة لا بد أن تشتهر ~~ولم يبلغنا أن أحدا أنكرها فيكون إجماعا و كذلك ما ضربه من الخراج على ~~السواد فإن تسميته خراجا يدل على أنه عوض عما ينتفعون به من منفعة الأرض و ~~الشجر كما يسمي الناس اليوم كراء الأرض لمن يغرسها خراجا إذا كان على كل ~~شجرة شيء معلوم ومنه قوله @QB@ أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير @QE@ ومنه ~~خراج العبد فإنه عبارة عن ضريبة يخرجها لسيده من ماله فمن اعتقد أنه ثمن أو ~~عوض مستقل بنفسه فمعلوم أنه لا يشبه غيره و إنما جوزه الصحابة ولا نظير له ~~لأجل الحاجة الداعية إليه و الحاجة إلى ذلك موجودة في كل أرض فيها شجر ~~كالأرض المفتتحة سواء # فإنه إن قيل يمكن المساقاة أو المزارعة قيل وقد كان يمكن عمر المساقاة و ~~المزارعة كما فعل في أثناء الدولة العباسية إما في خلافة المنصور و إما ~~بعده فإنهم نقلوا أرض السواد من الخراج إلى المقاسمة التي هي المساقاة و ~~المزارعة # و إن قيل إنه يمكن جعل الكراء بإزاء الأرض و التبرع بمنفعة الشجر أو ~~المحاباة فيها قيل قد كان يمكن عمر ذلك فالقدر المشترك بينهما ظاهر # و أيضا فإنا نعلم قطعا أن المسلمين ما زالت لهم أرضون فيها شجر بل هذا ~~غالب على أموال أهل الأمصار و نعلم أن السلف لم يكونوا كلهم يعمرون أرضهم ~~PageV01P144 بأنفسهم ولا غالبهم و نعلم أن المساقاة و المزارعة لا تتيسر في ~~كل وقت لأنها تفتقر إلى عامل أمين و ما كل أحد يرضى بالمساقاة ولا كل من ~~أخذ الأرض يرضى بالمشاركة فلا بد أن يكونوا قد كانوا يكرون الأرض السوداء ~~ذات الشجر و معلوم أن الاحتيال بالتبرع أمر بارد لم يكن السلف من الصحابة و ~~التابعين يفعلونه فلم يبق إلا أنهم ms131 كانوا يفعلون كما فعل عمر بمال أسيد بن ~~الحضير و كما يفعله غالب المسلمين من تلك الأزمنة وإلى اليوم # فإذا لم ينقل عن السلف أنهم حرموا هذا الإجارة ولا أنهم أمروا بحيلة ~~التبرع مع قيام المقتضى لفعل هذه المعاملة علم قطعا أن المسلمين كانوا ~~يفعلونها من غير نكير من الصحابة و التابعين فيكون فعلها كان إجماعا منهم # ولعل الذين اختلفوا في كراء الأرض البيضاء أو المزارعة لم يختلفوا في ~~كراء الأرض السوداء ولا في المساقاة لأن منفعة الأرض ليس فيها طائل بالنسبة ~~إلى منفعة الشجر # فإن قيل فقد قال حرب الكرماني سئل أحمد عن تفسير حديث ابن عمر القبالات ~~ربا قال هو أن يتقبل القرية فيها النخل و العلوج قيل فإن لم يكن فيها نخل ~~وهي أرض بيضاء قال لا بأس إنما هو الآن مستأجر قيل فإن فيها علوجا قال فهذا ~~هو القبالة المكروهة قال حرب حدثنا عبيد الله ابن معاذ حدثنا أبي حدثنا ~~سعيد عن جبلة سمع ابن عمر يقول القبالات ربا قيل الربا فيما يجوز تأجيله ~~إنما يكون في الجنس الواحد لأجل الفضل فإذا قيل في الأجرة أو الثمن أو ~~نحوها إنه ربا مع جواز تأجيله فلأنه معاوضة بجنسه متفاضلا لأن الربا إما ~~ربا النساء و ذلك لا يكون إلا فيما يجوز تأجيله و إما ربا الفضل و ذلك لا ~~يكون إلا في الجنس الواحد فإذا انتفى ربا النساء الذي هو التأخير لم يبق ~~إلا ربا الفضل الذي هو الزيادة في الجنس الواحد وهذا يكون إذا كان التقبل ~~بجنس مغل الأرض مثل أن يقبل الأرض التي فيها PageV01P145 نخل بثمر فيكون ~~المزابنة وهذا مثل اكتراء الأرض بجنس الخارج منها إذا كان مضمونا في الذمة ~~مثل أن يكتريها ليزرع فيها حنطة بحنطة معلومة ففيه روايتان عن أحمد إحداهما ~~أنه ربا كقول مالك وهذا مثل القبالة التي كرهها ابن عمر لأنه ضمن الأرض ~~للحنطة بحنطة تكون أكثر أو أقل فيظهر الربا # فالقبالات التي ذكر ابن عمر أنها ربا هو أن يضمن ms132 الأرض التي فيها النخل و ~~الفلاحون من جنس مغلها مثل أن يكون لرجل قرية فيها شجر و أرض وفيها فلاحون ~~يعملون تغل له ما تغل من الحنطة و التمر بعد أجرة الفلاحين أو نصيبهم ~~فيضمنها رجل منه بمقدار معلوم من الحنطة و التمر و نحو ذلك فهذا مظهر ~~تسميته بالربا فأما ضمان الأرض بالدراهم و الدنانير فليس من باب الربا ~~بسبيل ومن حرمه فهو عنده من باب الغرر # ثم إن أحمد لم يكره ذلك إذا كانت أرضا بيضاء لأن الإجارة عنده جائزة و إن ~~كانت الأجرة من جنس الخارج على إحدى الروايتين لأن المستأجر يعمل في الأرض ~~بمنفعته وماله فيكون المغل بكسبه بخلاف ما إذا كان فيها العلوج وهم الذين ~~يعالجون العمل فإنه لا يعمل فيها شيئا لا بمنفعته ولا بماله بل العلوج ~~يعملونها وهو يؤدي القبالة ويأخد بدلها فهو طلب الربح في مبادلة المال من ~~غير صناعة ولا تجارة وهذا هو الربا ونظير هذا ما جاء به عن أنه ربا وهو ~~اكتراء الحمام والطاحون والفنادق ونحو ذلك مما لا ينتفع المستأجر به فلا ~~يتجر فيه ولا يصطنع فيه وإنما يكتريه ليكويه فقط فقد قيل هو ربا # والحاصل أنها لم تكن ربا لأجل النخل ولا لأجل الأرض إذا كانت PageV01P146 ~~بغير جنس المغل وإنما كانت ربا لأجل العلوج وهذه الصورة لا حاجة إليها فإن ~~العلوج يقومون بها فتقبيلها لآخر مراباة له ولهذا كرهها أحمد وإن كانت ~~بيضاء إذا كان فيها العلوج # وقد استدل حرب الكرماني على المسألة بمعاملة النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأهل خيبر على أرضها بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعمروها من ~~أموالهم وذلك أن هذا في المعنى إكراء للأرض منهم ببعض ما يخرج منها مع ~~إكراء الشجر بنصف ثمره فقياس عليه إكراء الأرض والشجر بشئ مضمون لأن إعطاء ~~الثمر لو كان بمنزلة بيعه لكان إعطاء بعضه بمنزلة بيعه وذلك لا يجوز وهذه ~~المسألة لها أصلان # الأصل الأول أنه متى كان بين الشجر أرض أو ms133 مساكن دعت الحاجة إلى كرائهما ~~جميعا فيجوز لأجل الحاجة وإن كان في ذلك غرر يسير لا سيما إن كان البستان ~~وقفا أو مال يتيم فإن تعطيل منفعته لا يجوز وإكراء الأرض أو المسكن وحده لا ~~يقع في العادة ولا يدخل أحد في إجارته على ذلك وإن اكتراه اكتراه بنقص كثير ~~عن قيمته ومالا يتم المباح إلا به فهو مباح فكل ما ثبت إباحته بنص أو إجماع ~~وجب إباحة لوازمه إذا لم يكن في تحريمها نص ولا إجماع وإن قام دليل يقتضي ~~تحريم لوازمه ومالا يتم اجتناب المحرم إلا باجتنابه فهو حرام فهنا يتعارض ~~الدليلان # وفي مسألتنا قد ثبت إباحة كراء بالسنة واتفاق الفقهاء المتبوعين بخلاف ~~دخول كراء الشجر فإن تحريمه مختلف فيه ولا نص فيه # و أيضا فمتى أكريت الأرض وحدها وبقي الشجر لم يكن المكترى مأمونا على ~~الثمر فيفضي إلى اختلاف الأيدي وسوء المشاركة كما إذا بدا الصلاح في نوع ~~واحد يخرج على هذا القول مثل قول الليث بن سعد إذا بدا الصلاح في جنس وكان ~~في بيعه متفرقا ضرر جاز بيع جميع الأجناس وبه فسر تفريق الصفقة ولأنه إذا ~~أراد أن يبيع الثمر بعد ذلك لم يجد من يشتري الثمرة إذا PageV01P147 كانت ~~الأرض و المساكن لغيره إلا بنقص كثير ولأنه إذا أكرى الأرض فإن شرط عليه ~~سقي الشجر و السقي من جملة المعقود عليه صار المعوض عوضا و إن لم يشرط عليه ~~السقي فإذا سقاها إن ساقاه عليها صارت الإجارة لا تصح إلا بمساقاة و إن لم ~~يساقه لزم تعطيل منفعة المستأجر فيدور الأمر بين أن تكون الأجرة بعض ~~المنفعى أو لا تصح الإجارة إلا بمساقاة أو بتفويت منفعة المستأجر ثم إن حصل ~~للمكري جميع الثمرة أو بعضها ففي بيعها مع أن الأرض و المساكن لغيره نقص ~~للقيمة في مواضع كثيرة # فيرجع الأمر إلى أن الصفقة إذا كان في تفريقها ضرر جاز الجمع بينهما في ~~المعاوضة و إن لم يجز إفراد كل منهما لأن حكم الجمع يخالف حكم ms134 التفريق ~~ولهذا وجب عند أحمد و أكثر الفقهاء على أحد الشريكين إذا تعذرت القسمة أن ~~يبيع مع شريكه أو يؤاجر معه إن كان المشترك منفعة لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة ~~عدل فأعطى شركاءه حصصهم و عتق عليه العبد و إلا فقد عتق عليه ما عتق أخرجاه ~~في الصحيحين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقويم العبد كله و بإعطاء ~~الشريك حصته من القيمة و معلوم أن قيمة حصته مفردة دون حصته من قيمة الجميع ~~فعلم أن حقه في نصف النصف و إذا استحق ذلك بالإعتاق فبسائر أنواع الإتلاف ~~أولى و إنما يستحق بالإتلاف ما يستحق بالمعاوضة فعلم أنه يستحق بالمعاوضة ~~نصف القيمة و إنما يمكن ذلك عند بيع الجميع فيجب قسمة العين حيث لا ضرر ~~فيها فإن كان فيها ضرر قسمت القيمة # فإذا كنا قد أوجبنا على الشريك بيع نصيبه لما في التفريق من نقص قيمة ~~شريكه فلأن يجوز بيع الأمرين جميعا إذا كان في تفريقهما ضرر أولى و لذلك ~~جاز بيع الشاة مع اللبن الذي في ضرعها و إن أمكن تفريقهما بالحلب و إن كان ~~بيع اللبن وحده لا يجوز PageV01P148 # وعلى هذا الأصل فيجوز متى كان مع الشجر منفعة مقصودة كمنفعة أرض للزرع أو ~~بناء للسكن و أما إن كان المقصود هو الثمر فقط و منفعة الأرض أو المسكن ~~ليست جزءا من المقصود و إنما دخلت لمجرد الحيلة كما قد يفعل في مسائل مد ~~عجوة لم يجئ هذا الأصل # الأصل الثاني أن يقال إكراء الشجر للاستثمار يجري مجرى إكراه الأرض ~~للازدراع و استئجار الظئر للرضاع وذلك أن الفوائد التي تستحق مع بقاء ~~أصولها تجري مجرى المنافع و إن كانت أعيانا وهي ثمر الشجر و لبن الآدميات و ~~البهائم و الصوف و الماء العذب فإنه كلما خلق من هذه شيء فأخذ خلق الله ~~بدله مع بقاء الأصل كالمنافع سواء و لهذا جرت في ms135 الوقف و العارية و ~~المعاملة بجزء من النماء مجرى المنفعة فإن الوقف لا يكون إلا فيما ينتفع به ~~مع بقاء أصله فإذا جاز وقف الأرض البيضاء أو الرباع لمنفعتها فكذلك وقف ~~الحيطان لثمرتها ووقف الماشية لدرها وصوفها ووقف الآبار و العيون لمائها ~~بخلاف ما يذهب بالانتفاع كالطعام و نحوه فلا يوقف # و أما باب العارية فيسمون إباحة الظهر إفقارا يقال أفقره الظهر و ما أبيح ~~لبنه منيحة وما أبيح ثمره عرية و غير ذلك عارية و شبهوا ذلك بالقرض الذي ~~ينتفع به المقترض ثم يرد مثله ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم منيحة ~~لبن أو منيحة ورق فاكتراء الشجر لأن يعمل عليها و يأخذ PageV01P149 ثمرها ~~بمنزلة استئجار الظئر لأجل لبنها و ليس في القرآن إجارة منصوصة إلا إجارة ~~الظئر في قوله سبحانه 65 6 @QB@ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن @QE@ # ولما اعتقد بعض الفقهاء أن الإجارة لا تكون إلا على منفعة ليست عينا ورأى ~~جواز إجارة الظئر قال المعقود عليه هو وضع الطفل في حجرها و اللبن دخل ضمنا ~~و تبعا كنقع البئر و هذا مكابرة للعقل و الحس فإنا نعلم بالاضطرار أن ~~المقصود بالعقد هو اللبن كما ذكره الله بقوله @QB@ فإن أرضعن لكم @QE@ و ضم ~~الطفل إلى حجرها إن فعل فإنما هو وسيلة إلى ذلك و إنما العلة ما ذكرته من ~~أن الفائدة التي تستخلف مع بقاء أصلها تجري مجرى المنفعة و ليس من البيع ~~الخاص فإن الله لم يسم العوض إلا أجرا لم يسمه ثمنا وهذا بخلاف ما لو حلب ~~اللبن فإن لا يسمى المعاوضة عليه حينئذ إلا بيعا لأنه لم يستوف الفائدة من ~~أصلها كما يستوفي المنفعة من أصلها # فلما كان للفوائد العينية التي يمكن فصلها عن أصلها حالان حال تشبه فيه ~~المنافع المحضة وهي حال اتصالها و استيفاء المنفعة و حال تشبه في الأعيان ~~المحضة وهي حال انفصالها و قبضها كقبض الأعيان فإذا كان صاحب الشجر هو الذي ~~يسقيها و يعمل عليها حتى تصلح الثمرة ms136 فإنما يبيع ثمرة محضة كما لو كان هو ~~الذي يشق الأرض و يبذرها و يسقيها حتى يصلح الزرع فإنما يبيع زرعا محضا و ~~أن كان المشتري هو الذي يجد و يحصد كما لو باعها على الأرض و كان المشتري ~~هو الذي ينقل و يحول و لهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في النهي ~~عن بيع الحب حتى يشتد وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه فإن هذا بيع محض للثمرة ~~و الزرع و أما إذا كان المالك يدفع الشجرة إلى المكري حتى يسقيها و يلقحها ~~و يدفع عنها الأذى فهو بمنزلة دفعه الأرض إلى من يشقها و يبذرها و يسقيها و ~~لهذا سوى بينهما في المساقاة و المزارعة فكما أن كراء الأرض ليس ~~PageV01P150 ببيع لزرعها فكذلك كراء الشجرة ليس ببيع لثمرها بل نسبة كراء ~~الشجر إلى كراء الأرض كنسبة المساقاة إلى المزارعة هذا معاملة من النماء ~~وهذا كراء بعوض معلوم فإذا كانت هذه الفوائد قد ساوت المنافع في الوقف ~~لأصلها وفي التبرعات بها وفي المشاركة بجزء من نمائها وفي المعاوضة عليها ~~بعد صلاحها فكذلك تساويها في المعاوضة على استفادتها و تحصيلها ولو فرق ~~بينهما بأن الزرع إنما يخرج بالعمل بخلاف الثمر فإنه يخرج بلا عمل كان هذا ~~الفرق عديم التأثير بدليل المساقاة و المزارعة و ليس بصحيح فإن للعمل ~~تأثيرا في الإثمار كماله تأثير في الإنبات و مع عدم العمل عليها قد يعدم ~~الثمر و قد ينقص فإن من الشجر ما لو لم يسق لم يثمر ولو لم يكن للعمل عليه ~~تأثير أصلا لم يجز دفعه إلى عامل بجزء من ثمره ولم يجز في مثل هذه الصورة ~~إجارته قبل بدو صلاحه فإن بيع محض للثمرة لا إجارة للشجر و يكون كمن أكرى ~~أرضه لمن يأخذ منها ما ينبته الله بلا عمل أحد أصلا قبل وجوده # فإن قيل المقصود بالعقد هنا غرر لأنه قد يثمر قليلا وقد يثمر كثيرا # يقال مثله في إكراء الأرض فإن المقصود بالعقد غرر أيضا على ms137 هذا التقدير ~~فإنه قد ينبت قليلا وقد ينبت كثيرا # و إن قيل المعقود عليه هناك التمكن من الازدراع لا نفس الزرع النابت # قيل المعقود عليه هنا التمكن من الاستثمار لا نفس الثمر الخارج و معلوم ~~أن المقصود فيهما إنما هو الزرع و الثمر و إنما يجب العوض بالتمكن من تحصيل ~~ذلك كما أن المقصود باكتراء الدار إنما هو السكنى و إن وجب العوض بالتمكن ~~من تحصيل ذلك # فالمقصود في اكتراء الأرض للزرع إنما هو نفس الأعيان التي تحصد ليس ~~كاكترائها للسكنى أو البناء فإن المقصود هناك نفس الانتفاع بجعل الأعيان ~~فيها # وهذا بين عند التأمل لا يزيده البحث عنه إلا وضوحا PageV01P151 # فظهر به أن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من بيع الثمرة قبل ~~زهوها و بيع الحب قبل اشتداده ليس هو إن شاء الله إكراؤها لمن يحصل ثمرتها ~~و زرعها بعمله و سقيه ولا هذا داخل في نهيه لفظا ولا معنى # يوضح ذلك أن البائع لثمرتها عليه تمام سقيها و العمل عليها حتى يتمكن ~~المشتري من الحصاد فإن هذا من تمام التوفية و مؤنه التوفية على البائع ~~كالكيل و الوزن و أما المكري لها لمن يخدمها حتى تثمر فهو كمكري الأرض لمن ~~يخدمها حتى تنبت ليس على المكري عمل أصلا و إنما عليه التمكين من العمل ~~يحصل به الثمر و الزرع # ولكن يقال طرد هذا أن يجوز إكراء البهائم لمن يفعلها و يسقيها و يحتلب ~~لبنها # قيل إذا جوزنا على إحدى الروايتين أن تدفع الماشية إلى من يعلفها و ~~يسقيها بجزء من درها و نسلها جاز دفعها إلى من يعمل عليها لدرها بشيء من ~~مضمون # و إن قيل فهلا جاز إجارتها لاحتلاب لبنها كما جاز إجارة الظئر أن ترضع ~~بعمل صاحبها للغنم لأن الظئر هي التي ترضع الطفل فإذا كانت هي التي توفي ~~المنفعة فنظيره أن يكون المؤجر هو الذي يوفي منفعة الإرضاع و حينئذ فالقياس ~~جوازه ولو كان لرجل غنم فاستأجر غنم رجل ليرضعها لم يكن ms138 هذا ممتنعا و أما ~~إن كان المستأجر هو الذي يحلب اللبن أو هو الذي يستوفيه فهذا مشتر اللبن ~~ليس مستوفيا لمنفعة ولا مستوفيا للعين بعمل وهو شبيه باشتراء الثمرة و ~~احتلابه كقطافها وهو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لا يباع ~~لبن في ضرع بخلاف ما لو استأجرها لأن يقوم عليها و يحتلب لبنها فهذا نظير ~~اكتراء الأرض و الشجر PageV01P152 # هذا إذا أكرى الأرض و الشجر أو الشجرة وحدها لأن يخدمها و يأخذ الثمرة ~~بعوض معلوم فإن باعه الثمرة فقط و أكراه الأرض للسكنى فهنا لا يجيء إلا ~~الأصل الأول المذكور عن ابن عقيل و بعضه عن مالك و أحمد في إحدى الروايتين ~~إذا كان الأغلب هو السكنى وهو أن الحاجة داعية إلى الجمع بينهما فيجوز في ~~الجمع ما لا يجوز في التفريق كما تقدم من النظائر وهذا إذا كان كل واحد من ~~السكنى و الثمرة مقصود كما يجري في حوائط دمشق فإن البستان يكتري في المدة ~~الصيفية للسكنى فيه وأخذ ثمره من غير عمل على الثمرة أصلا بل العمل على ~~المكري المضمن # وعلى ذلك الأصل فيجوز و إن كان الثمر لم يطلع بحال سواء كان جنسا واحدا ~~أو أجناسا متفرقة كما يجوز مثل ذلك في القسم الأول فإنه إنما جاز لأجل ~~الجمع بينه و بين المنفعة وهو في الحقيقة جمع بين بيع و إجارة بخلاف القسم ~~الأول فإنه قد يقال هو إجارة لأن مؤنة توفية الثمر هنا على المضمن و بعمله ~~يصير ثمرا بخلاف القسم الأول فإنه إنما يصير مثمرا بعمل المستأجر و لهذا ~~يسميه الناس ضمانا إذ ليس هو بيعا محضا و لا إجارة محضة فسمى باسم الالتزام ~~العام في المعاوضات و غيرها وهوالضمان كما يسمي الفقهاء مثل ذلك في قوله ~~ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه و كذلك يسمى القسم الأول ضمانا أيضا لكن ذلك ~~يسمى إجارة وهذا إذا سمي إجارة أو اكتراء فلأن بعضه إجارة أو اكتراء وفيه ~~بيع أيضا # فأما إن كانت ms139 المنفعة ليست مقصودة أصلا و إنما جاءت لأجل جداد الثمرة مثل ~~أن يشتري عنبا أو بلحا و يريد أن يقيم في الحديقة لقطافه فهذا لا يجوز قبل ~~بدو صلاحه لأن المنفعة إنما قصدت هنا لأجل الثمر فلا يكون الثمر تابعا لها ~~ولا يحتاج إلى إجارتها إلا إذا جاز بيع الثمر بخلاف القسم الذي قبله فإن ~~المنفعة PageV01P153 إذا كانت مقصودة احتاج إلى استئجارها و احتاج مع ذلك ~~إلى اشتراء الثمرة ولا يتم غرضه من الانتفاع إلا بأن يكون له ثمرة يأكلها ~~فإن مقصوده الانتفاع بالسكنى في ذلك المكان والأكل من الثمر الذي فيه و ~~لهذا إذا كان المقصود الأعظم هو السكنى و الشجر قليل مثل أن يكون في الدار ~~نخلات أو غريس عنب و نحو ذلك فالجواز هنا مذهب مالك و قياس أكثر نصوص أحمد ~~و غيره و إن كان المقصود مع السكنى التجارة في الثمر وهو أكثر من منفعة ~~السكنى فالمنع هنا أوجه منه في التي قبلها كما فرق بينهما مالك و أحمد و إن ~~كان المقصود السكنى و الأكل فهو شبيه بما لو قصد السكنى و الشرب من البئر ~~وإن كان ثمن المأكول أكثر فهنا الجواز فيه أظهر من التي قبلها ودون الأولى ~~على قول من يفرق و أما على قول ابن عقيل المأثور عن السلف فالجمع جائز كما ~~قررناه لأجل الجمع فإن اشترط مع ذلك أن يحرث له المضمن مقتاة فهو كما لو ~~استأجر أرضا من رجل للزرع على أن يحرثها المؤجر فقد استأجر أرضه و استأجر ~~منه عملا في الذمة وهذا جائز كما لو استكرى منه جملا أو حمارا على أن يحمل ~~المؤجر للمستأجر عليه متاعه وهذه إجارة عين و إجارة على عمل في الذمة إلا ~~أن يشترط عليه أن يكون هو الذي يعمل العمل فيكون قد استأجر عينين # ولو لم تكن السكنى المقصودة و إنما المقصود ابتياع ثمرة في بستان ذي ~~أجناس و السقي على البائع فهذا عند الليث يجوز وهو قياس القول الثالث الذي ~~ذكرناه ms140 عند أصحابنا و غيرهم و قررناه لأن الحاجة إلى الجمع بين الجنسين ~~كالحاجة إلى الجمع بين بيع الثمرة و المنفعة و ربما كان أشد فإنه قد لا ~~يمكن بيع كل جنس عند بدو صلاحه فإنه في كثير من الأوقات لا يحصل ذلك وفي ~~بعضها إنما يحصل بضرر كثير و قد رأيت من يواطئ المشتري على ذلك ثم كلما ~~صلحت ثمرة يقسط عليها بعض الثمن وهذا من الحيل الباردة التي لا تخفى حالها ~~كما تقدم وما يزال العلماء و المؤمنون ذوو الفطر السليمة ينكرون تحريم ~~PageV01P154 مثل هذا مع أن أصول الشريعة تنافي تحريمه لكن ما سمعوه من ~~العمومات اللفظية و القياسية التي اعتقدوا شمولها من قول العلماء الذين ~~يدرجون هذا في العموم هو الذي أوجب ما أوجب وهو قياس ما قررناه من جواز بيع ~~المقتاة جميعها بعد بدو صلاحها لأن تفريق بعضها متعسر أو متعذر كتعسر تفريق ~~الأجناس في البستان الواحد و إن كانت المشقة في المقتاة أوكد و لهذا جوزها ~~من منع الأجناس كمالك # فإن قيل هذه الصورة داخلة في عموم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ~~الثمر حتى يبدو صلاحه بخلاف ما إذا أكراه الأرض والشجر ليعمل عليه فإنه كما ~~قررتم ليس بداخل في العموم لأنه إجارة لمن يعمل لا بيع لمعين وأما هذا فبيع ~~للثمرة فيدخل في النهى فكيف تخالفون النهى # قلنا الجواب عن هذا كالجواب عما يجوز بالسنة والإجماع من ابتياع الشجر مع ~~ثمره الذي لم يبد صلاحه وابتياع الأرض مع زرعها الذي لم يشتد حبه وما ~~نصرناه من ابتياع المقاتي مع أن بعض خضرها لم يخلق وجواب ذلك بطريقين # أحدهما أن يقال إن النهى لم يشمل بلفظه هذه الصورة لأن نهيه صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع الثمر انصرف إلى البيع المعهود عند المخاطبين وما كان ~~مثله لأن لام التعريف تنصرف إلى ما يعرفه المخاطبون فإن كان هنالك شخص ~~معهود أو نوع معهود انصرف الكلام إليه كما انصرف اللفظ إلى الرسول المعين ~~في قوله ms141 تعالى 24 62 @QB@ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ~~@QE@ وفي قوله @QB@ فعصى فرعون الرسول @QE@ وإلى النوع المخصوص نهيه عن بيع ~~الثمر فإنه لا خلاف بين المسلمين أن المراد بالثمر هنا الرطب دون العنب ~~وغيره وإن لم يكن المعهود شخصيا ولا نوعيا انصرف إلى PageV01P155 وتعريف ~~المضاف إليه فالبيع المذكور للثمر هو بيع الثمر الذي يعهدونه دخل كدخول ~~القرن الثاني والثالث فيما خاطب به الرسول أصحابه # ونظير هذا ما ذكره أحمد في نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بول الرجل في ~~الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه فحمله على ما كان معهودا على عهده ~~من المياه الدائمة كالأبيار والحياض التي بين مكة والمدينة فأما المصانع ~~الكبار التي لا يمكن نزحها التي أحدثت بعده فلم يدخله في العموم لوجود ~~الفارق المعنوي وعدم العموم اللفظي # يدل على عدم العموم في مسألتنا أن في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهى قيل و ما ~~تزهى قال تحمر و تصفر وفي لفظ نهى عن بيع الثمر حتى يزهو ولفظ مسلم نهى عن ~~بيع ثمر النخل حتى يزهو ومعلوم أن ذلك هو ثمر النخل كما جاء مقيدا لأنه هو ~~الذي يزهو فيحمر أو يصفر و إلا فمن الثمار ما يكون نضجها بالبياض كالتوت و ~~التفاح و العنب الأبيض و الإجاص الأبيض الذي يسميه أهل دمشق الخوخ و الخوخ ~~الأبيض الذي يسمى الفرسك و يسميه الدمشقيون الدراق أو باللين بلا تغير لون ~~كالتين و نحوه و لذلك جاء في الصحيحين عن جابر قال نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن بيع الثمرة حتى تشقح قيل و ما تشقح قال تحمار و تصفار و يؤكل منها ~~وهذه الثمرة هي الرطب و كذلك في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( لا تبتاعوا الثمار حتى يبدو صلاحها ~~ولا تبتاعوا التمر بالتمر ) ) و ms142 التمر الثاني هو الرطب بلا ريب فكذلك الأول ~~لأن اللفظ واحد وفي صحيح مسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تبتاعوا التمر حتى يبدو صلاحه و تذهب عنه الآفة وقال بدو صلاحه حمرته و ~~صفرته فهذه الأحاديث التي فيها لفظ التمر PageV01P156 # و أما غيرها فصريح في النخل كحديث ابن عباس المتفق عليه نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يأكل منه أو يؤكل منه وفي رواية لمسلم ~~عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو و ~~عن السنبل حتى يبيض و يأمن العاهة نهى البائع و المشتري و المراد بالنخل ~~ثمره بالاتفاق لأنه صلى الله عليه وسلم قد جوز اشتراء النخل المؤبر مع ~~اشتراط المشتري لثمرته # فهذه النصوص ليست عامة عموما لفظيا في كل ثمرة في الأرض و إنما هي عامة ~~لفظا لكل ما عهده المخاطبون و عامة معنى لكل ما كان في معناه و ما ذكرنا ~~عدم تحريمه ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معناه فلم يتناوله دليل الحرمة ~~فيبقى على الحل وهذا وحده دليل على عدم التحريم وبه يتم ما نبهنا عليه أولا ~~من أن الأدلة النافية للتحريم من الأدلة الشرعية و الاستصحابية تدل على ذلك ~~لكن بشرط نفي الناقل المغير و قد بينا انتفاءه # الطريق الثاني أن نقول وإن سلمنا العموم اللفظي لكن ليست هي مراده بل هي ~~مخصوصة بما ذكرناه من الأدلة التي تخص مثل هذا العموم فإن هذا العموم مخصوص ~~بالسنة و الإجماع في الثمر التابع لشجره حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~من ابتاع نخلا لم يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع أخرجاه من حديث ~~ابن عمر فجعلها للمبتاع إذا اشترطها بعد التأبير و معلوم أنها حينئذ لم يبد ~~صلاحها ولا يجوز بيعها مفردة و العموم المخصوص بالنص أو الإجماع يجوز أن ~~يخص منه صورة في معناه عند جمهور الفقهاء من سائر الطوائف و يجوز أيضا ~~تخصيصه ms143 بالإجماع و بالقياس القوي وقد ذكرنا من آثار السلف ومن المعاني ما ~~يخص مثل هذا لو كان عاما أو بالاشتداد بلا تغير لون كالجوز و اللوز فبدو ~~الصلاح في الثمار متنوع تارة يكون بالرطوبة بعد اليبس وتارة باليبس بعد ~~الرطوبة و تارة بتغير لونه بحمرة أو صفرة أو بياض و تارة لا يتغير ~~PageV01P157 # و إذا كان قد نهى عن بيع الثمر حتى يحمر أو يصفر علم أن هذا اللفظ لم ~~يشمل جميع أصناف الثمار و إنما يشمل ما تأتي فيه الحمرة و الصفرة وقد جاء ~~مقيدا أنه النخل # فتدبر ما ذكرناه في هذه المسألة فإنه عظيم المنفعة في هذه القصة التي عمت ~~بها البلوى وفي نظائرها و انظر في عموم كلام الله و رسوله لفظا و معنى حتى ~~تعطيه حقه و أحسن ما تستدل به على معناه آثار الصحابة الذين كانوا أعلم ~~بمقاصده فإن ضبط ذلك يوجب توافق أصول الشريعة و جريها على الأصول الثابتة ~~المذكورة في قوله تعالى 7 157 @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~@QE@ # و أما نهيه صلى الله عليه وسلم عن المعاومة الذي جاء مفسرا في رواية أخرى ~~بأنه بيع السنين فهو والله أعلم مثل نهيه عن بيع حبل الحبلة إنما نهى أن ~~يبتاع المشتري الثمرة التي يستثمرها رب الشجرة و أما اكتراء الأرض و الشجرة ~~حتى يستثمرها فلا يدخل هذا في البيع المطلق و إنما هو نوع من الإجارة # و نظير هذا ما تقدم من حديث جابر في الصحيح من أنه نهى عن كراء الأرض و ~~أنه نهى عن المخابرة و أنه نهى عن المزارعة و أنه قال لا تكروا في الأرض ~~فإن المراد بذلك الكراء الذي كانوا يعتادونه كما جاء مفسرا وهي المخابرة و ~~المزارعة التي كانوا يعتادونها فنهاهم عما كانوا يعتادونه من الكراء أو ~~المعاومة الذي يرجع حاصله إلى بيع الثمرة قبل أن تصلح و إلى المزارعة ~~المشروط فيها جزء معين ms144 # وهذا نهى عما فيه مفسدة راجحة هذا نهى عن الغرر في جنس البيع وذاك نهى عن ~~الغرر في جنس الكراء العام الذي يدخل فيه المساقاة و المزارعة و قد بين في ~~كل منهما أن هذه المبايعة وهذه المكاراة كانت تفضي إلى الخصومة PageV01P158 ~~والشنآن وهو ما ذكره الله في حكمة تحريم الميسر بقوله 5 91 @QB@ إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر @QE@ $ فصل # و من القواعد التي أدخلها قوم من العلماء في الغرر المنهي عنه أنواع من ~~الإجارات و المشاركات كالمساقاة و المزارعة و نحو ذلك # فذهب قوم من الفقهاء إلى أن المساقاة و المزارعة حرام باطل بناء على أنها ~~نوع من الإجارة لأنها عمل بعوض و الإجارة لا بد أن يكون الأجر فيها معلوما ~~لأنها كالثمن ولما روى أحمد عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن استئجار الأجير حتى يتبين له أجره و عن النجش و اللمس و إلقاء الحجر و ~~أن العوض في المساقاة و المزارعة مجهول لأنه قد يخرج الزرع و الثمر قليلا و ~~قد يخرج كثيرا وقد يخرج على صفات ناقصة وقد لا يخرج فإن منع الله الثمرة ~~كان استيفاء عمل العامل باطلا وهذا قول أبي حنيفة وهو أشد الناس قولا ~~بتحريم هذا # و أما مالك و الشافعي فالقياس عندهما ما قاله أبو حنيفة إدخالا لذلك في ~~الغرر لكن جوزا منه ما تدعو إليه الحاجة # فجوز مالك و الشافعي في القديم المساقاة مطلقا لأن كراء الشجر لا يجوز ~~لأنه بيع للثمر قبل بدو صلاحه و المالك قد يتعذر عليه سقي شجره و خدمته ~~فيضطر إلى المساقاة بخلاف المزارعة فإنه يمكنه كراء الأرض بالأجر المسمى ~~فيغنيه ذلك عن المزارعة عليه تبعا لكن جوزا من المزارعة ما يدخل في ~~المساقاة تبعا فإذا كان بين الشجر بياض قليل جازت المزارعة عليه تبعا ~~للمساقاة # و مذهب مالك أن زرع ذلك البياض للعامل بمطلق العقد فإن شرطاه بينهما جاز ~~وهذا إذا لم يتجاوز الثلث ms145 # و الشافعي لا يجعله للعامل لكن يقول إذا لم يمكن سقي الشجر إلا بسقيه ~~PageV01P159 جازت المزارعة عليه و لأصحابه في البياض إذا كان كثيرا أكثر من ~~الشجر وجهان # وهذا إذا جمعهما في صفقة واحدة فإن فرق بينهما في صفقتين فوجهان # أحدهما لا يجوز بحال لأنه إنما جاز تبعا فلا يفرد بعقد # و الثاني يجوز إذا ساقى ثم زارع لأنه يحتاج إليه حينئذ وأما إذا قدم ~~المزارعة لم يجز وجها واحدا وهذا إذا كان الجزء المشروط فيهما واحدا كالثلث ~~و الربع فإن فاضل بينهما ففيه وجهان # وروى عن قوم من السلف منهم طاووس والحسن وبعض الخلف المنع من إجارتها ~~بالأجرة المسماة وإن كانت دراهم أو دنانير # وروى حرب عن الأوزاعي أنه سئل هل يصلح اكتراء الأرض فقال اختلف فيه ~~فجماعة من أهل العلم لا يرون باكترائها بالدينار والدرهم بأسا وكره ذلك ~~آخرون منهم وذلك لأن ذلك في معنى بيع الغرر لأن المستأجر يلتزم الأجرة بناء ~~على ما يحصل له من الزرع وقد لا ينبت الزرع فيكون بمنزلة اكتراء الشجرة ~~لاستثمارها وقد كان طاووس يزارع ولأن المزارعة أبعد عن الغرر من المؤاجرة ~~لأن المتعاملين في المزارعة إما أن يغنما جميعا أو يغرما جميعا فتذهب منفعة ~~بدن هذا وبقره ومنفعة أرض هذا وذلك أقرب إلى العدل من أن يحصل أحدهما على ~~شيء مضمون ويبقى الآخر تحت الخطر إذ المقصود بالعقد هو الزرع لا القدرة على ~~حرث على الأرض وبذرها وسقيها # وعذر الفريقين مع هذا القياس ما بلغهم من الآثار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من نهيه عن المخابرة وعن كراء الأرض كحديث رافع بن خديج وحديث جابر ~~فعن نافع أن ابن عمر كان يكرى مزارعه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من إمارة معاوية ثم حدث عن رافع بن خديج ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراءالمزارع فذهب ابن عمر إلى رافع ~~فذهبت معه فسأله فقال نهى النبي صلى الله PageV01P160 عليه وسلم ms146 عن كراء ~~المزارع فقال ابن عمر قد علمت أنا كنا نكري مزارعنا بما على الأربعاء وشئ ~~من التبن أخرجاه في الصحيحين وهذا لفظ البخاري ولفظ مسلم حتى بلغه في آخر ~~خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها نهي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فدخل عليه وأنا معه فسأله فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن ~~كراء المزارع فتركها ابن عمر بعد فكان إذا سئل عنها بعد قال زعم رافع بن ~~خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها وعن سالم بن عبد الله بن ~~عمر أن عبد الله بن عمر كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري ~~كان ينهى عن كراء الأرض فلقيه عبد الله فقال يا ابن خديج ماذا تحدث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في كراء الأرض قال رافع بن خديج لعبد الله سمعت ~~عمى وكانا قد شهدا بدرا يحدثان أهل الدار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن كراء الأرض قال عبد الله لقد كنت أعلم في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن الأرض تكري ثم خشى عبد الله أن يكون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أحدث في ذلك شيئا لم يعلمه فترك كراء الأرض رواه مسلم وروى البخاري ~~قول عبد الله الذي في آخره عن رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع قال ظهير ~~لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا رافقا فقلت وما ذاك ~~ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق قال دعاني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال ما تصنعون بمحاقلكم فقلت نؤاجرها يا رسول الله على الربيع ~~أو على الأوسق من التمر أو الشعير قال فلا تفعلوا ازرعوها أو ازرعوها أو ~~أمسكوها قال رافع قلت سمعا وطاعة أخرجاه في الصحيحين وعن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( من كانت له أرض فليزرعها ms147 أو ليمنحها أخاه ~~فإن أبى فليمسك أرضه ) ) أخرجاه وعن جابر بن عبد الله قال كانوا يزرعونها ~~بالثلث أو الربع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من PageV01P161 كانت له ~~أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن لم يفعل فليمسك أرضه أخرجاه وهذا لفظ ~~البخاري ولفظ مسلم كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذ الأرض ~~بالثلث أو الربع بالماذيانات فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~فقال من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه فإن لم يمنحها ~~أخاه فليمسكها وفي رواية الصحيح ولا يكريها وفي رواية في الصحيح نهى عن ~~كراء الأرض # وقد ثبت أيضا في الصحيحين عن جابر قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة وفي رواية في الصحيحين عن زيد ابن ~~أبي أنيسة عن عطاء عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~المحاقلة والمزابنة والمخابرة وأن يشترى النخل حتى يشقه والإشقاه أن يحمر ~~أو يصفر أو يؤكل منه شئ والمحاقلة أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم ~~والمزابنة أن يباع النخل بأوساق من التمر والمخابرة الثلث والربع وأشباه ~~ذلك قال زيد قلت لعطاء بن أبي رباح أسمعت جابرا يذكر هذا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال نعم # فهذه الأحاديث قد يستدل بها من ينهى عن المؤاجرة والمزارعة لأنه نهى عن ~~كرائها والكراء يعمها لأنه قال فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن لم يفعل ~~فليمسكها فلم يرخص إلا في أن يزرعها أو يمنحها لغيره ولم يرخص في المعارضة ~~عنه لا بمؤاجرة ولا بمزارعة # ومن يرخص في المزارعة دون المؤاجرة يقول الكراء هو الإجارة أو المزارعة ~~الفاسدة التي كانوا يفعلونها بخلاف المزارعة الصحيحة التي ستأتي أدلتها ~~والتي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل بها أهل خيبر وعمل بها الخلفاء ~~الراشدون وسائر الصحابة من بعده يؤيد ذلك أن ابن عمر الذي ترك كراء الأرض ~~لما حدثه رافع كان يروي PageV01P162 حديث أهل خيبر رواية من ms148 يفتي به وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة ~~وجميع ذلك من أنواع الغرر والمؤاجرة أظهر في الغرر من المزارعة كما تقدم # ومن يجوز المؤاجرة دون المزارعة يستدل بما رواه مسلم في صحيحه عن ثابت ~~ابن الضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر ~~بالمؤاجرة وقال لا بأس بها فهذا صريح في النهى عن المزارعة والأمر ~~بالمؤاجرة ولأنه سيأتي عن رافع بن خديج الذي روى الحديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه لم ينههم النبي صلى الله عليه وسلم عن كرائها بشيء معلوم ~~مضمون وإنما نهاهم عما كانوا يفعلونه من المزارعة # وذهب جميع فقهاء الحديث الجامعون لطرقه كلهم كأحمد بن حنبل وأصحابه كله ~~من المتقدمين والمتأخرين وإسحاق بن راهويه وأبي بكر بن أبي شيبة وسليمان بن ~~دواد الهاشمي وأبي خيثمة زهير بن حرب وأكثر فقهاء الكوفيين كسفيان الثوري ~~ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة والبخاري ~~صاحب الصحيح وأبي داود وجماهير فقهاء الحديث من المتأخرين كابن المنذر وابن ~~خزيمة والخطابي وغيرهم وأهل الظاهر وأكثر أصحاب أبي حنيفة إلى جواز ~~المزارعة والمؤاجرة ونحو ذلك اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسنة خلفائه وأصحابه وما عليه السلف وعمل جمهور المسلمين وبينوا معاني ~~الأحاديث التي يظن اختلافها في هذا الباب # فمن ذلك معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر وهو وخلفاؤه من بعده ~~إلى أن أجلاهم عمر فعن ابن عمر قال عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل ~~خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع أخرجاه وأخرجا أيضا عن ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أهل خيبر على أن يعملوها ويزرعوها ولهم ~~شطر ما خرج منها هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم لما PageV01P163 افتتحت خيبر ~~سألت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم فيها على أن يعملوا على ~~نصف ما خرج منها من الثمر والزرع فقال ms149 رسول الله صلى الله عليه وسلم أقركم ~~فيها على ذلك ما شئنا وكان الثمر على السهمان من نصف خيبر فيأخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الخمس وفي رواية مسلم عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها ~~من أموالهم وللرسول صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها وعن ابن عباس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر أهلها على النصف نخلها وأرضها رواه ~~الإمام أحمد وابن ماجة وعن طاوس أن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع فهو يعمل ~~به إلى يومك هذا رواه ابن ماجة وطاوس كان بالمين وأخذ عن أصحاب معاذ الذين ~~باليمن من أعيان المخضرمين وقوله وعمر وعثمان أي كنا نفعل كذلك على عهد عمر ~~وعثمان فحذف الفعل لدلالة الحال عليه لأن المخاطبين كانوا يعلمون أن معاذا ~~خرج من اليمن في خلافة الصديق وقدم الشام في خلافة عمر ومات بها في خلافته ~~قال البخاري في صحيحه وقال قيس ابن مسلم عن أبي جعفر يعني الباقر ما ~~بالمدينة دار هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع قال وزارع علي وسعد ابن ~~مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل ~~عمر وآل علي وابن سيرين وعامل عمر الناس على انه إن جاء عمر بالبذر من عنده ~~فله الشطر وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا وهذه الآثار التي ذكرها البخاري قد ~~رواها غير واحد من المصنفين في الآثار # فإذا كان جميع المهاجرين كانوا يزرعون والخلفاء الراشدون وأكابر الصحابة ~~والتابعين من غير أن ينكر ذلك منكر لم يكن إجماع أعظم من هذا بل إن كان في ~~الدنيا إجماع فهو هذا لا سيما وأهل بيعة الرضوان جميعهم زارعوا PageV01P164 ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده إلى أن أجلا عمر اليهود إلى ~~تيماء # وقد تأول من ms150 أبطل المزارعة و المساقاة ذلك بتأويلات مردودة مثل أن قال ~~كان اليهود عبيدا للنبي صلى الله عليه وسلم و المسلمين فجعلوا ذلك مثل ~~المخارجة بين العبد و سيده # و معلوم بالنقل المتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم و لم ~~يسترقهم حتى أجلاهم عمر و لم يبعهم ولا مكن أحدا من المسلمين من استرقاق ~~أحد منهم # ومثل أن قال هذه معاملة مع الكفار فلا يلزم أن تجوز مع المسلمين وهذا ~~مردود فإن خيبر كانت قد صارت دار إسلام وقد أجمع المسلمون أنه يحرم في دار ~~الإسلام بين المسلمين و أهل العهد ما يحرم بين المسلمين من المعاملات ~~الفاسدة ثم إنا قد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل بين المهاجرين و ~~الأنصار و أن معاذ بن جبل عامل على عهده أهل اليمن بعد إسلامهم على ذلك و ~~أن الصحابة كانوا يعاملون بذلك و القياس الصحيح يقتضي جواز ذلك مع عمومات ~~الكتاب و السنة المبيحة أو النافية للحرج ومع الاستصحاب و ذلك من وجوه # أحدها أن هذه المعاملة مشاركة ليست مثل المؤاجرة المطلقة فإن النماء ~~الحادث يحصل من منفعة أصلين منفعة العين التي لهذا كبدنه وبقره و منفعة ~~العين التي لهذا كأرضه و شجره كما تحصل المغانم بمنفعة أبدان الغانمين و ~~خيلهم و كما يحصل مال الفيء بمنفعة أبدان المسلمين من قوتهم و نصرهم بخلاف ~~الإجارة فإن المقصود فيها هو العمل أو المنفعة فمن استأجر لبناء أو خياطة ~~أو شق الأرض أو بذرها أو حصاد فإذا وافاه ذلك العمل فقد استوفى المستأجر ~~مقصوده بالعقد و استحق الأجير أجره و لذلك يشترط في الإجارة اللازمة أن ~~يكون العمل مضبوطا كما يشترط مثل ذلك في المبيع وهنا منفعة بدن العامل و ~~بدن بقره وحديده هو مثل منفعة أرض المالك و شجره ليس مقصود واحد منهما ~~PageV01P165 استيفاء منفعة الآخر و إنما مقصودهما جميعا ما يتولد من اجتماع ~~المنفعتين فإن حصل نماء اشتركا فيه و إن لم يحصل نماء ذهب على كل منهما ms151 ~~منفعته فيشتركان في المغنم و في المغرم كسائر المشتركين فيما يحدث من نماء ~~الأصول التي لهم وهذا جنس من التصرفات يخالف في حقيقته و مقصوده و حكمه ~~الإجارة المحضة وما فيه من شوب المعاوضة من جنس ما في الشركة من شوب ~~المعاوضة # فإن التصرفات العدلية في الأرض جنسان معاوضات و مشاركات فالمعاوضات ~~كالبيع و الإجارة و المشاركات شركة الأملاك و شركة العقد و يدخل في ذلك ~~اشتراك المسلمين في مال بيت المال و اشتراك الناس في المباحات كمنافع ~~المساجد و الأسواق المباحة و الطرقات وما يحيا من الموات أو يوجد من ~~المباحات و اشتراك الورثة في الميراث و اشتراك الموصى لهم و الموقوف عليهم ~~في الوصية و الوقف و اشتراك التجار و الصناع شركة عنان أو أبدان ونحو ذلك ~~وهذان الجنسان هما منشأ الظلم كما قال تعالى عن داود عليه السلام 38 24 ~~@QB@ وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم @QE@ # و التصرفات الأخرى هي الفضلية كالقرض و العارية و الهبة و الوصية وإذا ~~كانت التصرفات المبنية على المعادلة هي معاوضة أو مشاركة فمعلوم قطعا أن ~~المساقاة و المزارعة و نحوهما من جنس المشاركة ليسا من جنس المعاوضة المحضة ~~و الغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال الباطل وهنا لا يأكل ~~أحدهما مال الآخر لأنه لم ينبت الزرع فإن رب الأرض يأخذ منفعة الآخر إذ هو ~~لم يستوفها ولا ملكها بالعقد ولا هي مقصوده بل ذهبت منفعة بدنه كما ذهبت ~~منفعة أرض هذا ورب الأرض لم يحصل له شيء حتى يكون قد أخذه و الآخر لم يأخذ ~~شيئا وبخلاف بيوع الغرر وإجارة الغرر فإن أحد المتعاوضين بأخذ شيئا والآخر ~~يبقى تحت الخطر فيفضي إلى ندم أحدهما و خصومتهما PageV01P166 وهذا المعنى ~~نتف في هذه المشاركات التي مبناها على المعادلة المحضة التي ليس فيها ظلم ~~البتة لا في غرر ولا في غير غرر # ومن تأمل هذا تبين له مأخذه هذه الأصول وعلم ms152 أن جواز هذه أشبه بأصول ~~الشريعة و أعرف في العقول و أبعد عن كل محذور من جواز إجارة الأرض بل ومن ~~جواز كثير من البيوع و الإجارات المجمع عليها حيث هي مصلحة محضة للخلق بلا ~~فساد و إنما وقع اللبس فيها على من حرمها من إخواننا الفقهاء بعد ما فهموه ~~من الآثار من جهة أنهم اعتقدوا هذا إجارة على عمل مجهول لما فيها من عمل ~~بعوض و ليس كل من عمل لينتفع بعمله يكون أجيرا كعمل الشريكين في المال ~~المشترك و عمل الشريكين في شركة الأبدان و كاشتراك الغانمين في المغانم و ~~نحو ذلك مما لا يعد ولا يحصى نعم لو كان أحدهما يعمل بمال يضمنه له الآخر ~~لا يتولد من عمله كان هذا إجارة # الوجه الثاني أن هذه من جنس المضاربة فإنها عين تنمو بالعمل عليها فجاز ~~العمل عليها ببعض نمائها كالدراهم و الدنانير و المضاربة جوزها الفقهاء ~~الفقهاء كلهم اتباعا لما جاء فيها عن الصحابة رضي الله عنهم مع أنه لا يحفظ ~~فيها بعينها سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولقد كان أحمد يرى أن يقيس ~~المضاربة على المساقاة و المزارعة لأنها تبتت بالنص فتجعل أصلا يقاس عليه و ~~إن خالف فيها من خالف و قياس كل منهما على الآخر صحيح فإن من ثبت عنده جواز ~~أحدهما أمكنه أن يستعمل فيه حكم الآخر لتساويها # فإن قيل الربح في المضاربة ليس من عين الأصل بل الأصل يذهب و يجيء بدله ~~فالمال المقسم حصل بنفس العمل بخلاف الثمر و الزرع فإنه من نفس الأصل # قيل هذا الفرق فرق في الصورة وليس له تأثير شرعي فإنا نعلم بالاضطرار أن ~~المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل و منفعة رأس المال ولهذا ~~PageV01P167 يرد إلى رب المال مثل رأس ماله و يقتسمان الربح كما أن العامل ~~يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم و ليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى ~~من إضافته إلى منفعة مال هذا # ولهذا فالمضاربة التي تروونها ms153 عن عمر إنما حصلت بغير عقد لما أقرض أبو ~~موسى الأشعري لابني عمر من مال بيت المال فتحملاه إلى أبيهما فطلب عمر جميع ~~الربح لأنه رأى ذلك كالغصب حيث أقرضهما ولم يقرض غيرهما من المسلمين و ~~المال مشترك و أحد الشركاء إذا اتجر في المال المشترك بدون إذن الآخر فهو ~~كالغاصب في نصيب الشريك و قال له ابنه عبد الله الضمان كان علينا فيكون ~~الربح لنا فأشار عليه بعض الصحابة بأن يجعله مضاربة # وهذه الأقوال الثلاثة في مثل هذه المسألة موجودة بين الفقهاء وهي ثلاثة ~~أقوال في مذهب أحمد وغيره هل يكون ربح من اتجر بمال غيره بغير إذنه لرب ~~المال أو للعامل أولهما على ثلاثة أقوال و أحسنها و أقيسها أن يكون مشتركا ~~بينهما كما قضى به عمر لأن النماء متولد عن الأصلين # و إذا كان أصل المضاربة الذي اعتمدوا قد عليه راعوا فيه ما ذكرناه من ~~الشركة فأخذ مثل الدراهم يجري مجرى عينها ولهذا سمى النبي صلى الله عليه ~~وسلم و المسلمون بعده القرض منيحة يقال منيحة ورق ويقول الناس أعرني دراهمك ~~يجعلون رد مثل الدراهم مثل رد عين العارية و المقترض انتفع بها وردها و ~~سموا المضاربة قراضا لأنها في المقابلات نظير القرض في التبرعات # ويقال أيضا لو كان ما ذكروه من الفرق مؤثرا لكان اقتضاءه لتجويز المزارعة ~~دون المضاربة أولى من العكس لأن النماء إذ حصل مع بقاء الأصلين كان أولى ~~بالصحة من حصوله مع ذهاب أحدهما و إن قيل الزرع نماء الأرض دون البدن فقد ~~يقال و الربح نماء العامل دون الدراهم أو بالعكس وكل هذا PageV01P168 باطل ~~بل الزرع يحصل بمنفعة الأرض المشتملة على التراب و الماء و الهواء و منفعة ~~بدن العامل و البقر والحديد # ثم لو سلم أن بينها وبين المضاربة فرقا فلا ريب أنها بالمضاربة أشبه منها ~~بالمؤاجرة لأن المؤاجرة المقصود فيها هو العمل و يشترط أن يكون معلوما و ~~الأجرة مضمونة في الذمة أو عين معينة وهنا ليس المقصود إلا النماء ms154 ولا ~~يشترط معرفة العمل و الأجرة ليست عينا ولا شيئا في الذمة و إنما هي بعض ما ~~يحصل من النماء و لهذا متى عين فيها شيء معين فسد العقد كما تفسد المضاربة ~~إذا شرطا لأحدهما ربحا معينا أو أجرة معلومة في الذمة وهذا بين في الغاية ~~فإذا كانت بالمضاربة أشبه منها بالمؤاجرة جدا والفرق الذي بينها وبين ~~المضاربة ضعيف والذي بينهما وبين المؤاجرة فروق غير مؤثرة في الشرع و العقل ~~و كان لا بد من إلحاقها بأحد الأصلين و إلحاقها بما هي به أشبه أولى وهذا ~~أجلى من أن يحتاج فيه إلى إطناب # الوجه الثالث أن نقول لفظ الإجارة فيه عموم و خصوص فإنها على ثلاث مراتب # أحدها أن يقال لكل من بذل نفعا بعوض فيدخل في ذلك المهر كما في قوله ~~تعالى @QB@ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن @QE@ وسواء كان العمل هنا ~~معلوما أو مجهولا وكان الآخر معلوما أو مجهولا لازما أو غير لازم # المرتبة الثانية الإجارة التي هي جعالة وهو أن يكون النفع غير معلوم لكن ~~العوض مضمونا فيكون عقدا جائزا غير لازم مثل أن يقول من رد علي عبدي فله ~~كذا فقد يرده من كان بعيدا أو قريبا # الثالثة الإجارة الخاصة وهي أن يستأجر عينا أو يستأجره على عمل في الذمة ~~بحيث تكون المنفعة معلومة فيكون الأجر معلوما و الإجارة لازمة وهذه ~~PageV01P169 الإجارة التي تشبه البيع في عامة أحكامه و الفقهاء المتأخرون ~~إذا أطلقوا الإجارة أو قالوا باب الإجارة أرادوا هذا بالمعنى # فيقال المساقاة و المزارعة و المضاربة و نحوهن من المشاركات على نماء ~~يحصل من قال هي إجارة بالمعنى الأعم أو العام فقد صدق ومن قال هي إجارة ~~بالمعنى الخاص فقد أخطأ و إذا كانت إجارة بالمعنى العام التي هي الجعالة ~~فهنالك إن كان العوض شيئا مضمونا من عين أو دين فلا بد أن يكون معلوما وأما ~~إن كان العوض مما يحصل من العمل جاز أن يكون جزءا شائعا فيه كما لو قال ~~الأمير في الغزو ms155 من دلنا على حصن كذا فله منه كذا فحصول الجعل هناك مشروط ~~بحصول المال مع أنه جعالة محضة لا شركة فيه فالشركة أولى و أحرى ويسلك في ~~هذا طريقة أخرى فيقال الذي دل عليه قياس الأصول أن الإجارة الخاصة يشترط ~~فيها أن يكون العوض غررا قياسا على الثمن فأما الإجارة العامة التي لا ~~يشترط فيها العلم بالمنفعة فلا تشبه هذه الإجارة لما تقدم فلا يجوز إلحاقها ~~بها فتبقى على الأصل المبيح # فتحرير المسألة أن المعتقد لكونها إجارة يستفسر عن مراده بالإجارة فإن ~~أراد الخاصة لم يصح و إن أراد العامة فأين الدليل على تحريمها إلا بعوض ~~معلوم فإن ذكر قياسا بين له الفرق الذي لا يخفى على غير فقيه فضلا عن ~~الفقيه ولن تجد إلى أمر يشمل مثل هذه الإجارة سبيلا فإذا انتفت أدلة ~~التحريم ثبت الحال # و يسلك في هذا طريقة أخرى وهو قياس العكس وهو أن يثبت في الفرع نقيض حكم ~~الأصل لانتفاء العلة المقتضية لحكم الأصل فيقال المعنى الموجب لكون الأجرة ~~يجب أن تكون معلومة منتف في باب المزارعة و نحوها لأن المقتضي لذلك أن ~~المجهول غرر فيكون في معنى بيع الغرر المقتضي أكل PageV01P170 المال ~~بالباطل أو ما يذكر من هذا الجنس وهذه المعاني منتفية في الفرع فإذا لم يكن ~~التحريم موجب إلا كذا وهو منتف فلا تحريم # و أما الأحاديث حديث رافع بن خديج و غيره فقد جاءت مفسرة مبينة لنهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن نهيا عما فعل هو و الصحابة في عهده و ~~بعده بل الذي رخص فيه غير الذي نهى عنه فعن رافع بن خديج قال كنا أكثر أهل ~~المدينة مزدرعا كنا نكرى الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض قال مما يصاب ~~ذلك و تسلم الأرض ومما تصاب الأرض و يسلم ذلك فنهينا فأما الذهب و الورق ~~فلم يكن يومئذ رواه البخاري وفي رواية له قال كنا أكثر أهل المدينة حقلا ~~وكان أحدنا يكرى أرضه فيقول هذه القطعة لي وهذه ms156 لك فربما أخرجت ذه ولم تخرج ~~ذه فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية فربما أخرجت هذه كذا ولم ~~تخرج ذه فنهينا عن ذلك ولم ننه عن الورق وفي صحيح مسلم عن رافع قال كنا ~~أكثر أهل الأمصار حقلا قال كنا نكرى الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما ~~أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك و أما الورق فلم ينهنا وفي مسلم أيضا ~~عن حنظلة بن قيس قال سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب و الورق فقال ~~لا بأس به إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بما على الماذيانات و أقبال الجداول و أشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ~~و يهلك هذا و يسلم هذا فلم يكن الناس كراء إلا هذا فلذلك زجر الناس عنه ~~فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به # فهذا رافع بن خديج الذي عليه مدار الحديث يذكر أنه لم يكن لهم على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كراء إلا بزرع مكان معين من الحقل و هذا ~~النوع حرام بلا ريب عند الفقهاء قاطبة و حرموا نظيره في المضاربة فلو اشترط ~~ربح ثوب بعينه لم يجز وهذا الغرر في المشاركات نظير الغرر في المعاوضات ~~PageV01P171 # و ذلك أن الأصل في هذه المعاوضات و المقابلات هو التعادل من الجانبين فإن ~~اشتمل أحدهما على غرر أو ربا دخلها الظلم فحرمها الله الذي حرم الظلم على ~~نفسه و جعله محرما على عباده فإن كان أحد المتبايعين إذا ملك الثمن و بقي ~~الآخر تحت الخطر لم يجز و لذلك حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الثمر قبل ~~بدو صلاحه فكذلك هذا إذا اشترطا لأحد الشريكين مكانا معينا خرجا عن موجب ~~الشركة فإن الشركة تقتضي الاشتراك في النماء فإذا انفرد أحدهما بالمعين لم ~~يبق للآخر فيه نصيب و دخله الخطر و معنى القمار كما ذكره رافع في قوله ~~فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فيفوز أحدهما و ms157 يخيب الآخر وهذا معنى القمار ~~و أخبر رافع أنه لم يكن لهم كراء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا ~~و أنه إنما زجر عنه لأجل ما فيه من المخاطرة و معنى القمار و أن النهي إنما ~~انصرف إلى ذلك الكراء المعهود لا إلى ما يكون فيه الأجرة مضمونة في الذمة ~~وسأشير إن شاء الله إلى مثل ذلك في نهيه عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها و ~~رافع أعلم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أي شيء وقع وهذا والله أعلم هو ~~الذي انتهى عنه عبد الله بن عمر فإنه قال لما حدثه رافع قد علمت أنا كنا ~~نكرى مزارعنا على الأربعاء و بشيء من التبن فبين أنهم كانوا يكرون بزرع ~~مكان معين و كان ابن عمر يفعله لأنهم كانوا يفعلونه على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى بلغه النهي # يدل على ذلك أن ابن عمر كان يروي حديث معاملة خيبر دائما و يفتي به و ~~يفتي بالمزارعة على الأرض البيضاء و أهل بيته أيضا بعد حديث رافع فروى حرب ~~الكرماني قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه حدثنا معتمر بن سليمان سمعت ~~كليب بن وائل قال أتيت ابن عمر فقلت أتاني رجل له أرض و ماء وليس له بذر ~~ولا بقر فأخذتها بالنصف فبذرت فيها بذري و عملت فيها ببقري فناصفته قال حسن ~~وقال حدثنا ابن أخي حزم حدثنا PageV01P172 يحيى بن سعيد حدثنا سعيد بن عبيد ~~سمعت سالم بن عبد الله و أتاه رجل فقال الرجل منا ينطلق إلى الرجل فيقول ~~أجيء ببذري و بقري و أعمل أرضك فما أخرج الله منه فلك منه كذا ولي منه كذا ~~قال لا بأس به ونحن نصنعه و هكذا أخبر أقارب رافع ففي البخاري عن رافع قال ~~حدثني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيما ينبت على الأربعاء أو بشيء يستثنيه صاحب الأرض فنهانا النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك ms158 فقيل لرافع فكيف بالدينار و الدرهم فقال ليس بأس بالدينار ~~و الدرهم وكان الذي نهى عنه من ذلك ما لو نظر فيه ذو الفهم بالحلال و ~~الحرام لم يجزه لما فيه من المخاطرة وعن أسيد بن ظهير قال كان أحدنا إذا ~~استغنى عن أرضه أعطاها بالثلث والربع و النصف و يشترط ثلاث جداول و القصارة ~~و ما سقى الربيع و كان العيش إذ ذاك شديدا و كان يعمل فيها بالحديد و ما ~~شاء الله و يصيب منها منفعة فأتانا رافع بن خديج فقال أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ينهاكم عن الحقل ويقول من استغنى عن أرضه فليمنحها أخاه أو ~~ليدع رواه أحمد و ابن ماجة و روى أبو داود قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~زاد أحمد و ينهاكم عن المزابنة و المزابنة أن يكون الرجل له المال العظيم ~~من النخل فيأتيه الرجل فيقول أخذته بكذا و كذا و سقا من تمر و القصارة ما ~~سقط من السنبل و هكذا أخبر سعد بن أبي وقاص و جابر فأخبر سعد أن أصحاب ~~المزارع في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يكرون مزارعهم بما ~~يكون على السواقي من الزرع و ما سعد بالماء مما حول البئر فجاءوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فاختصموا في ذلك فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يكروا ذلك و قال اكروا بالذهب و الفضة رواه أحمد و أبو داود و النسائي ~~فهذا صريح في الإذن بالكراء بالذهب والفضة و أن النهي إنما كان عن اشتراط ~~زرع مكان معين و عن جابر رضي الله عنه قال كنا نخابر على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بنصيب PageV01P173 من القصري ومن كذا فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه أو فليدعها رواه ~~مسلم # فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين رووا عنه النهي قد أخبروا ~~بالصورة التي نهى عنها و العلة التي نهى ms159 من أجلها و إذا كان قد جاء في بعض ~~طرق الحديث أنه نهى عن كراء المزارع مطلقا فالتعريف للكراء المعهود بينهم و ~~إذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم لا تكروا المزارع فإنما أراد الكراء ~~الذي يعرفونه كما فهموه من كلامه وهم أعلم بمقصوده و كما جاء مفسرا عنه أنه ~~رخص في غير ذلك الكراء و كما يشبه ذلك ما قرن به النهي من المزابنة و نحوها ~~و اللفظ و إن كان في نفسه مطلقا فإنه إذا كان خطابا لمعين في مثل الجواب عن ~~سؤال أو عقب حكاية حال ونحو ذلك فإنه كثيرا ما يكون مقيدا بمثل حال المخاطب ~~كما لو قال المريض للطبيب إن به حرارة فقال له لا تأكل الدسم فإنه يعلم أن ~~النهي مقيد بتلك الحال # و ذلك أن اللفظ المطلق إذا كان له مسمى معهود أو حال يقتضيه انصرف إليه و ~~إن كان نكرة كالمتبايعين إذا قال أحدهما بعتك بعشرة دراهم فإنها مطلقة في ~~اللفظ ثم لا ينصرف إلا إلى المعهود من الدراهم فإذا كان المخاطبون لا ~~يتعارفون بينهم لفظ الكراء إلا كذلك الذي كانوا يفعلونه ثم خوطبوا به لم ~~ينصرف إلا إلى ما يعرفونه وكان ذلك من باب التخصيص العرفي كلفظ الدابة إذا ~~كان معروفا بينهم أنه الفرس أو ذوات الحافر فقال لا تأتني بدابة لم ينصرف ~~هذا المطلق إلا إلى ذلك ونهى النبي صلى الله عليه وسلم لهم كان مقيدا ~~بالعرف و بالسؤال وقد تقدم ما في الصحيحين عن رافع بن خديج وعن ظهير بن ~~رافع قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( ( ما تصنعون بمحاقلكم ~~قلت نؤاجرها بما على الربيع وعلى الأوسق من التمر PageV01P174 و الشعير قال ~~لا تفعلوا ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها ) ) # فقد صرح بأن النهي وقع عما كانوا يفعلونه وأما المزارعة المحضة فلم ~~يتناولها النهي ولا ذكرها رافع و غيره فيما يجوز من الكراء لأنها والله ~~أعلم عندهم جنس آخر غير الكراء المعتاد فإن الكراء اسم لما ms160 وجب فيه أجرة ~~معلومة إما عين و إما دين فإن كان دينا في الذمة مضمونا فهو جائز و كذلك إن ~~كان عينا من غير الزرع و أما إن كان عينا من الزرع لم يجز # فأما المزارعة بجزء شائع من جميع الزرع فليس هو الكراء المطلق بل هو شركة ~~محضة إذ ليس جعل العامل مكتريا للأرض بجزء من الزرع بأولى من جعل المالك ~~مكتريا للعامل بالجزء الآخر و إن كان من الناس من يسمي هذا كراء أيضا فإنما ~~هو كراء بالمعنى العام الذي تقدم بيانه فأما الكراء الخاص الذي تكلم به ~~رافع وغيره فلا و لهذا السبب بين رافع أحد نوعي الكراء الجائز و بين النوع ~~الآخر الذي نهوا عنه ولم يتعرض للشركة لأنها جنس آخر # بقي أن يقال فقول النبي صلى الله عليه وسلم من كانت له أرض فليزرعها أو ~~ليمنحها أخاه و إلا فليمسكها أمر إذا لم يفعل واحدا من الزرع و المنيحة أن ~~يمسكها و ذلك يقتضي المنع من المؤاجرة و من المزارعة كما تقدم # فيقال الأمر بهذا أمر ندب و استحباب لا أمر أيجاب أو كان أمر أيجاب في ~~الابتداء لينزجروا عما اعتادوه من الكراء الفاسد وهذا كما أنه صلى الله ~~عليه وسلم لما نهاهم عن لحوم الحمر الأهلية قال في الآنية التي كانوا ~~يطبخون فيها أهريقوا ما فيها و اكسروها وقال صلى الله عليه وسلم في آنية ~~أهل الكتاب حين سأله عنها أبو ثعلبة الخشني إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها ~~و إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء وذلك لأن النفوس إذا اعتادت المعصية ~~فقد لا تنفطم عنها انفطاما جيدا إلا بترك ما يقاربها من المباح كما قيل لا ~~يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يجعل بينه و بين الحرام حاجزا من PageV01P175 ~~الحلال كما أنها أحيانا لا تترك المعصية إلا بتدريج لا بتركها جملة # فهذا يقع تارة و هذا يقع تارة و لهذا يوجد في سنة النبي صلى الله عليه ~~وسلم لمن خشي منه النفرة عن الطاعة ms161 الرخصة له في أشياء يستغني بها عن ~~المحرم و لمن وثق بإيمانه و صبره النهي عن بعض ما يستحب له تركه مبالغة في ~~فعل الأفضل ولهذا يستحب لمن وثق بإيمانه و صبره من فعل المستحبات البدنية و ~~المالية كالخروج عن جميع ماله مثل أبي بكر الصديق ما لا يستحب لمن لم يكن ~~حاله كذلك كالرجل الذي جاءه ببيضة من ذهب فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته ثم ~~قال يذهب أحدكم فيخرج ماله ثم يجلس كلا على الناس # يدل على ذلك ما قدمناه من رواية مسلم الصحيحة عن ثابت بن الضحاك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة و أمر بالمؤاجرة وقال لا بأس بها وما ~~ذكرناه من رواية سعد بن أبي وقاص أنه نهاهم أن يكروا بزرع موضع معين وقال ~~كروا بالذهب و الفضة و كذلك فهمته الصحابة فإن رافع ابن خديج قد روى ذلك ~~وأخبر أنه لا بأس بكرائها بالذهب و الفضة و كذلك فقهاء الصحابة كزيد بن ~~ثابت و ابن عباس ففي الصحيحين عن عمرو بن دينار قال قلت لطاووس لو تركت ~~المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها قال أي عمرو ~~إني أعطيهم و أعينهم و إن أعلمهم أخبرني يعني ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم ينه عنه ولكن قال أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه ~~خرجا معلوما وعن ابن عباس أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرم ~~المزارعة و لكن أمر أن يرفق بعضهم ببعض رواه مسلم مجملا و الترمذي وقال ~~PageV01P176 حديث حسن صحيح فقد أخبر طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما دعاهم إلى الأفضل وهو التبرع قال وأنا أعينهم و أعطيهم و ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق الذي منه واجب وهو ترك الربا و الغرر ~~ومنه مستحب كالعارية و القرض و لهذا لما كان التبرع بالأرض بلا أجرة من باب ~~الإحسان كان المسلم ms162 أحق به فقال لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن ~~يأخذ عليه خرجا معلوما وقال من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه أو ~~ليمسكها فكان الأخ هو الممنوح ولما كان أهل الكتاب ليسوا من الإخوان عاملهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم يمنحهم لا سيما و التبرع إنما يكون عن فضل ~~غني فمن كان محتاجا إلى منفعة أرضه لم يستحب له المنيحة كما كان المسلمون ~~محتاجين إلى منفعة أرض خيبر وكما كان الأنصار محتاجين في أول الإسلام إلى ~~أرضهم حيث عاملوا عليها المهاجرين وقد توجب الشريعة التبرع عند الحاجة كما ~~نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي ~~دفت ليطعموا الجياع لأن إطعامهم واجب فلما كان المسلمون محتاجين إلى منفعة ~~الأرض و أصحابها أغنياء عنها نهاهم عن المعاوضة ليجودوا بالتبرع ولم يأمرهم ~~بالتبرع عينا كما نهاهم عن الادخار فإن من نهى عن الانتفاع بماله جاد ببذله ~~إذ لا يترك بطالا وقد ينهى النبي صلى الله عليه وسلم بل الأئمة عن بعض ~~أنواع المباح في بعض الأحوال لما في ذلك من منفعة المنهي كما نهاهم في بعض ~~المغازي و أما ما رواه جابر من نهيه صلى الله عليه وسلم عن المخابرة فهذه ~~هي المخابرة التي نهى عنها و اللام لتعريف العهد ولم تكن المخابرة عندهم ~~إلا ذلك # يبين ذلك ما في الصحيح عن ابن عمر قال كنا لا نرى بالخبر بأسا حتى كان ~~عام أول فزعم رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه فتركناه من أجله ~~PageV01P177 فأخبر ابن عمر أن رافعا روى النهي عن الخبر وقد تقدم معنى حديث ~~رافع قال أبو عبيد الخير بكسر الخاء بمعنى المخابرة والمخابرة المزارعة ~~بالنصف والثلث والربع وأقل وأكثر وكان أبو عبيد يقول لهذا سمى الأكار خيبرا ~~لأنه يخابر على الأرض والمخابرة هي المؤاكرة # وقد قال بعضهم أصل هذا من خيبر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرها ~~في أيديهم على النصف فقيل خابرهم ms163 أي عاملهم في خيبر وليس هذا بشيء فإن ~~معاملته بخيبر لم ينه عنها قط بل فعلها الصحابة في حياته وبعد موته وإنما ~~روى حديث المخابرة رافع بن خديج وجابر وقد فسرا ما كانوا يفعلونه والخبير ~~هو الفلاح سمى بذلك لأنه يخبر الأرض # وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى الفرق بين المخابرة والمزارعة فقالوا ~~المخابرة هي المعاملة على أن يكون البذر من العامل والمزارعة على أن يكون ~~البذر من المالك قالوا والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة لا ~~المزارعة # وهذا أيضا ضعيف فإنا قد ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم ما في الصحيح ~~من أنه نهى عن المزارعة كما نهى عن المخابرة وكما نهى عن كراء الأرض وهذه ~~الألفاظ في أصل اللغة عامة لموضع نهيه وغير موضع نهيه وإنما اختصت بما ~~يفعلونه لأجل التخصيص العرفي لفظا وفعلا ولأجل القرينة اللفظية وهي لام ~~العهد وسؤال السائل وإلا فقد نقل أهل اللغة أن المخابرة هي المزارعة و ~~الاشتقاق يدل على ذلك $ فصل # والذين جوزوا المزارعة منهم من اشترط أن يكون البذر من المالك وقالوا هذه ~~في المزارعة فإما إن كان البذر من العامل لم يجز وهذا إحدى الروايتين عن ~~أحمد اختارها طائفة من أصحابه وأصحاب مالك والشافعي حيث يجوزون المزارعة ~~وحجة هؤلاء قياسها على المضاربة وبذلك احتج أحمد PageV01P178 أيضا قال ~~الكرماني قيل لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رجل دفع أرضه إلى الأكار ~~على الثلث و الربع قال لا بأس بذلك إذا كان البذر من رب الأرض و البقر و ~~الحديد و العمل من الأكار يذهب فيه مذهب المضاربة # ووجه ذلك أن البذر هو أصل الزرع كما أن المال هو أصل الربح فلا بد أن ~~يكون البذر ممن له الأصل ليكون من أحدهما العمل و من الآخر الأصل # و الرواية الثانية عنه لا يشترط ذلك بل يجوز أن يكون البذر من العامل وقد ~~نقل عنه جماهير أصحابه أكثر من عشرين نفسا أنه يجوز أن يكرى أرضه بالثلث و ms164 ~~الربع كما عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر # فقالت طائفة من أصحابه كالقاضي أبي يعلى إذا دفع أرضه لمن يعمل عليها ~~ببذره بجزء من الزرع للمالك فإن كان على وجه الإجارة جاز و إن كان على وجه ~~المزارعة لم يجز و جعلوا هذا التفريق تقريرا لنصوصه لأنهم رأوا في عامة ~~نصوصه صرائح كثيرة جدا في جواز كراء الأرض بجزء من الخارج منها و رأوا أن ~~هذا هو ظاهر مذهبه عندهم من أنه لا يجوز في المزارعة أن يكون البذر من ~~المالك كالمضاربة ففرقوا بين باب المزارعة و المضاربة وباب الإجارة # وقال آخرون منهم أبو الخطاب معنى قوله في رواية الجماعة يجوز كراء الأرض ~~ببعض الخارج منها أراد به المزارعة و العمل من الأكار قال أبو الخطاب و ~~متبعوه فعلى هذه الرواية إذا كان البذر من العامل فهو مستأجر للأرض ببعض ~~الخارج منها و إن كان من صاحب الأرض فهو مستأجر للعامل بما شرط له قال فعلى ~~هذا ما يأخذه صاحب البذر يستحقه ببذره وما يأخذه من الأجرة يأخذه بالشرط # وما قاله هؤلاء من أن نصه على المكاري ببعض الخارج هو المزارعة على أن ~~يبذر الأكار هو الصحيح ولا يحتمل الفقه إلا هذا و أن يكون نصه على جواز ~~المؤاجرة المذكورة يقتضي جواز المزارعة بطريق الأولى وجواز هذه PageV01P179 ~~المعاملة مطلقا هو الصواب الذي لا يتوجه غيره أثرا و نظرا وهو ظاهر نصوص ~~أحمد المتواترة عنه و اختيار طائفة من أصحابه # و القول الأول قول من اشترط أن يبذر رب الأرض وقول من فرق بين أن يكون ~~إجارة أو مزارعة هو في الضعف نظير من سوى بين الإجارة الخاصة و المزارعة أو ~~أضعف # أما بيان نص أحمد فهو أنه إنما جوز المؤاجرة ببعض الزرع استدلالا بقصة ~~معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر و معاملته لهم إنما كانت مزارعة ~~لم تكن بلفظ الإجارة فمن الممتنع أن أحمد لا يجوز ما فعله النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا بلفظ الإجارة ms165 و يمنع فعله باللفظ المشهور # و أيضا فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم شارط أهل خيبر على ~~أن يعملوها من أموالهم كما تقدم ولم يدفع إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذرا فإذا كانت المعاملة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانوا ~~يبذرون فيها من أموالهم فكيف يحتج بها أحمد على المزارعة ثم يقيس عليها إذا ~~كانت بلفظ الإجارة ثم يمنع الأصل الذي احتج به من المزارعة التي بذر فيها ~~العامل و النبي صلى الله عليه وسلم قد قال لليهود نقركم فيها ما أقركم الله ~~لم يشترط مدة معلومة حتى يقال كانت إجارة لازمة لكن أحمد حيث قال في إحدى ~~الروايتين إنه يشترط كون البذر من المالك فإنما قاله متابعة لمن أوجبه ~~قياسا على المضاربة و إذا أفتى العالم بقول لحجة ولهما معارض راجح لم ~~يستحضر حينئذ ذلك المعارض الراجح ثم لما أفتى بجواز المؤاجرة بثلث الزرع ~~استدلالا بمزارعة خيبر فلا بد أن يكون في خيبر كان البذر عنده من العامل و ~~إلا لم يصح الاستدلال فإن فرضنا أن أحمد فرق بين المؤاجرة بجزء من الخارج و ~~بين المزارعة ببذر العامل كما فرق بينهما طائفة من أصحابه فمستند هذا الفرق ~~ليس مأخذا شرعيا فإن أحمد لا يرى اختلاف أحكام العقود باختلاف العبارات ~~PageV01P180 كما يراه طائفة من أصحابه الذين يجوزون هذه المعاملة بلفظ ~~الإجارة و يمنعونها بلفظ المزارعة و كذلك يجوزون بيع ما في الذمة بيعا حالا ~~بلفظ البيع و يمنعونه بلفظ السلم لأنه يصير سلما حالا و نصوص أحمد و أصوله ~~تأبى هذا كما قدمناه عنه في مسألة صيغ العقود فإن الاعتبار في جميع ~~التصرفات القولية بالمعاني لا بما يحمل على الألفاظ كما شهد به أجوبته في ~~الأيمان و النذور و الوصايا و غير ذلك من التصرفات و إن كان هو قد فرق ~~بينهما كما فرق طائفة من أصحابه فيكون هذا التفريق رواية عنه مرجوحة ~~كالرواية المانعة من الأمرين # و أما الدليل على جواز ms166 ذلك فالسنة و الإجماع و القياس # أما السنة فما تقدم من معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر على أن ~~يعتملوها من أموالهم ولم يدفع إليهم بذرا ولما عامل المهاجرون و الأنصار ~~على أن البذر من عندهم قال حرب الكرماني حدثنا محمد بن نصر حدثنا حسان بن ~~إبراهيم عن حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن حكيم أن عمر بن ~~الخطاب أجلى أهل نجران و أهل فدك و أهل خيبر و استعمل يعلى بن منية فأعطى ~~العنب و النخل على أن لعمر الثلثين و لهم الثلث و أعطى البياض يعني بياض ~~الأرض على إن كان البذر و البقر و الحديد من عند عمر فلعمر الثلثان و لهم ~~الثلث وإن كان منهم فلعمر الشطر ولهم الشطر فهذا عمر رضي الله عنه و يعلى ~~بن منية عامله صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عمل في خلافته بتجويز ~~كلا الأمرين أن يكون البذر من رب الأرض وأن يكون من العامل وقال حرب حدثنا ~~أبو معن حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن الحارث بن حصيرة الأزدي عن صخر بن ~~الوليد عن عمرو بن صليع بن محارب قال جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال إن ~~فلانا أخذ أرضا فعمل فيها و فعل فدعاه فقال ما هذه الأرض التي أخذت فقال ~~أرض أخذتها أكرى أنهارها PageV01P181 و أعمرها و أزرعها فما أخرج الله من ~~شيء فلي النصف وله النصف فقال لا بأس بهذا فظاهره أن البذر من عنده ولم ~~ينهه علي عن ذلك ويكفي إطلاق سؤاله و إطلاق علي الجواب # و أما القياس فقد قدمنا أن هذه المعاملة نوع من الشركة ليست من الإجارة ~~الخاصة و إن جعلت إجارة فهي من الإجارة العامة التي تدخل فيها الجعالة و ~~السبق والرمي وعلى التقديرين فيجوز أن يكون البذر منهما و ذلك أن البذر في ~~المزارعة ليس من الأصول التي ترجع إلى ربها كالثمن في المضاربة بل البذر ~~يتلف كما تتلف المنافع و ms167 إنما ترجع الأرض أو بدن البقرة و العامل فلو كان ~~البذر مثل رأس المال لكان الواجب أن يرجع مثله إلى مخرجه ثم يقتسمان الفضل ~~و ليس الأمر كذلك بل يشتركان في جميع الزرع فظهر أن الأصول فيها من أحد ~~الجانبين هي الأرض بمائها و هوائها و بدن العامل و البقر و اكتراء الحرث و ~~البقر يذهب كما تذهب المنافع و كما تذهب أجزاء من الماء و الهواء والتراب ~~فيستحيل زرعا و الله سبحانه يخلق الزرع من نفس الحب التراب و الماء و ~~الهواء كما يخلق الحيوان من ماء الأبوين بل ما يستحيل في الزرع من أجزاء ~~الأرض أكثر مما يستحيل من الحب و الحب يستحيل فلا يبقى بل يفلقه الله و ~~يحيله كما يحيل أجزاء الماء و الهواء و كما يحيل المني و سائر مخلوقاته من ~~الحيوان و المعدن و النبات وقع ما وقع من رأي كثير من الفقهاء اعتقدوا أن ~~الحب و النوى في الزرع و الشجر هو الأصل و الباقي تبع حتى قضوا في مواضع ~~بأن يكون الزرع و الشجر لرب النوى و الحب مع قلة قيمته و لرب الأرض أجرة ~~أرضه # و النبي صلى الله عليه وسلم إنما قضى بضد هذا حيث قال من زرع في أرض قوم ~~بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته فأخذ أحمد و غيره من ~~PageV01P182 فقهاء الحديث بهذا الحديث و بعض من أخذ به يرى أنه خلاف القياس ~~و أنه من صور الاستحسان وهذا لما انعقد في نفسه من القياس المتقدم وهو أن ~~الزرع تبع للبذر و الشجر تبع للنوى وما جاءت به السنة هو القياس الصحيح ~~الذي تدل عليه الفطرة فإن إلقاء الحب في الأرض بمنزلة إلقاء المني في الرحم ~~سواء ولهذا تبع الولد الآدمي أمه في الحرية و الرق دون أبيه ويكون الجنين ~~البهيم لمالك الأم دون مالك الفحل الذي نما عن عسبه و ذلك لأن الأجزاء التي ~~استمدها من الأم أضعاف الأجزاء التي استمدها من الأب و ms168 إنما للأب حق ~~الابتداء فقط ولا ريب أنه مخلوق منهما جميعا و كذلك الحب و النوى فإن ~~الأجزاء التي خلق منها الشجر و الزرع أكثرها من التراب و الماء و الهواء ~~وقد يؤثر ذلك في الأرض فيتضعف بالزرع فيها لكن لما كانت هذه الأجزاء تستخلف ~~دائما فإن الله سبحانه لا يزال يمد الأرض بالماء و الهواء و بالتراب إما ~~مستحيلا من غيره و إما بالموجود ولا يؤثر في الأرض نقص الأجزاء الترابية ~~شيئا إما للخلف بالاستحالة و أما للكثرة لهذا صار يظهر أن أجزاء الأرض في ~~معنى المنافع بخلاف الحب و النوى الملقى فيها فإنه عين ذاهبة غير مستخلفة ~~ولا يعوض عنها لكن هذا القدر لا يوجب أن يكون البذر هو الأصل فقط فإن ~~العامل هو و بقره لا بد له مدة العمل من قوت و علف يذهب أيضا ورب الأرض لا ~~يحتاج إلى مثل ذلك ولذلك اتفقوا على أن البذر لا يرجع إلى ربه كما يرجع في ~~القراض و لو جرى عندهم مجرى الأصول لرجع # فقد تبين أن هذه المعاملة اشتملت على ثلاثة أشياء أصول باقية وهي الأرض ~~بدن العامل و البقر و الحديد و منافع فانية و أجزاء فانية أيضا وهي البذر و ~~بعض أجزاء الأرض و بعض أجزاء العامل وبقره فهذه الأجزاء الفانية كالمنافع ~~الفانية سواء فتكون الخيرة إليهما فيمن يبذل هذه الأجزاء و يشتركان على أي ~~وجه شاءا ما لم يفض إلى ما نهى عن النبي صلى الله عليه وسلم من PageV01P183 ~~أنواع الغرر أو الربا و أكل المال بالباطل ولهذا جوز أحمد سائر أنواع ~~المشاركات التي تشبه المساقاة والمزارعة مثل أن يدفع دابته أو سفينته أو ~~غيرهما إلى من يعمل عليها والأجرة بينهما $ فصل # وهذا الذي ذكرناه من الإشارة إلى حكمة بيع الغرر وما يشبه ذلك يجمع 8 ~~اليسر في هذه الأبواب فإنك تجد كثيرا ممن تكلم في هذه الأمور إما أن يتمسك ~~بما بلغه من ألفاظ يحسبها عامة أو مطلقة أو بضرب من القياس المعنوي ms169 أو ~~الشبهى فرضى الله عن أحمد حيث يقول ينبغى للمتكلم في الفقه أن يجتنب هذين ~~الأصلين المجمل والقياس وقال أيضا أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل ~~والقياس ثم هذا التمسك يفضى إلى مالا يمكن اتباعه ألبتة # ومن هذا الباب بيع الديون دين السلم وغيره وأنواع من الصلح والوكالة وغير ~~ذلك ولولا أن الغرض ذكر قواعد كلية تجمع أبوابا لذكرنا أنواعا من هذا $ فصل # القاعدة الثالثة في العقود والشروط فيها فيما يحل منها ويحرم وما يصح ~~منها ويفسد ومسائل هذه القاعدة كثيرة جدا # والذى يمكن ضبطه فيها قولان أحدهما أن يقال الأصل في العقود والشروط فيها ~~ونحو ذلك الحظر إلا ماورد الشرع باجازته فهذا قول أهل الظاهر وكثير من أصول ~~أبي حنيفة تنبنى على هذا وكثير من أصول الشافعي وطائفة من أصول أصحاب مالك ~~وأحمد فإن أحمد قد يعلل أحيانا بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس ~~كما قاله في إحدى الروايتين في وقف الإنسان على نفسه وكذلك طائفة من أصحابه ~~قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد ويقولون ما خالف مقتضى ~~العقد فهو باطل أما أهل الظاهر فلم يصححوا PageV01P184 لا عقد ولا شرطا إلا ~~ما ثبت جوازه بنص أو إجماع وإذا لم يثبت جوازه أبطلوه واستصحبوا الحكم الذى ~~قبله وطردوا ذلك طردا جاريا لكن خرجوا في كثير منه إلى أقوال ينكرها عليهم ~~غيرهم # وأما أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنه يصحح في العقود شروطا يخالف مقتضاها في ~~المطلق وإنما يصحح الشرط في المعقود عليه إذا كان العقد مما يمكن فسخه ~~ولهذا أبطل أن يشترط في البيع خيار ولا يجوز عنده تأخير تسليم المبيع بحال ~~ولهذا منع بيع العين المؤجرة وإذا ابتاع شجرة عليها ثمر للبائع فله مطالبته ~~بإزالته وإنما جوز الإجارة المؤخرة لأن الإجارة عنده لا توجب الملك إلا عند ~~وجود المنفعة أو عتق العبد المبيع أو الانتفاع به أو أن يشترط المشترى بقاء ~~الثمر على الشجر وسائر الشروط التي يبطلها غيره ولم يصحح في النكاح شرطا ms170 ~~أصلا لأن النكاح عنده لا يقبل الفسخ ولهذا لا ينفسخ عنده بعيب أو إعسار أو ~~نحوهما ولا يبطل بالشروط الفاسدة مطلقا وإنما صحح أبو حنيفة خيار الثلاثة ~~الأيام للأثر وهو عنده موضع استحسان # والشافعي يوافقه على أن كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل لكنه يستثني ~~مواضع للدليل الخاص فلا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث ولا استثناء منفعة ~~المبيع و نحو ذلك مما فيه تأخير تسليم المبيع حتى منع الإجارة المؤخرة لأن ~~موجبها وهو القبض لا يلي العقد ولا يجوز أيضا ما فيه منع المشتري من التصرف ~~المطلق إلا العتق لما فيه من السنة و المعنى لكنه يجوز استثناء المنفعة ~~بالشرع كبيع العين المؤجرة على الصحيح في مذهبه و كبيع الشجر مع استيفاء ~~الثمرة مستحقة البقاء و نحو ذلك و يجوز في النكاح بعض الشروط دون بعض ولا ~~يجوز اشتراطها دارها أو بلدها ولا أن يتزوج عليها ولا يتسرى ويجوز اشتراط ~~حريتها و إسلامها و كذلك سائر الصفات المقصودة على الصحيح من مذهبه كالجمال ~~و نحوه وهو ممن يرى فسخ النكاح بالعيب و الإعسار و انفساخه بالشروط التي ~~PageV01P185 تنافيه كاشتراط الأجل و الطلاق و نكاح الشغار بخلاف فساد المهر ~~و نحوه # و طائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول لكنهم ~~يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي كالخيار أكثر من ثلاث و كاستثناء البائع ~~منفعة المبيع و اشتراط المرأة على زوجها أن لا ينقلها و لا يزاحمها بغيرها ~~ونحو ذلك من المصالح فيقولون كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو باطل إلا إذا ~~كان فيه مصلحة المتعاقدين # وذلك أن نصوص أحمد تقتضي أنه جوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه ~~الشافعي فقد يوافقونه في الأصل و يستثنون للمعارض أكثر مما استثنى كما قد ~~يوافق هو أبا حنيفة في الأصل و يستثني أكثر مما يستثني للمعارض # وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر و يتوسعون في الشروط أكثر منهم ~~لقولهم بالقياس و المعاني و آثار الصحابة و لما يفهمونه من ms171 معاني النصوص ~~التي ينفردون بها عن أهل الظاهر و عمدة هؤلاء قصة بريرة المشهورة وهو ما ~~خرجاه في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت جاءتني بريرة فقالت كاتبت ~~أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني فقلت إن أحب أهلك أن أعدها لهم ~~و يكون ولاؤك لي فعلت فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها فجاءت ~~من عندهم و رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فقالت إني قد عرضت ذلك عليهم ~~فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~خذيها و اشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق ففعلت عائشة ثم قام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد ما ~~بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله ~~فهو باطل و إن كان مائة شرط قضاء الله أحق و شرط الله أوثق و إنما الولاء ~~لمن أعتق وفي رواية للبخاري اشتريها فأعتقيها و ليشترطوا ما شاءوا فاشترتها ~~فأعتقتها و اشترط أهلها ولاءها PageV01P186 فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~الولاء لمن أعتق و إن اشترطوا مائة شرط وفي لفظ شرط الله أحق و أوثق وفي ~~الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن عائشة أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية ~~لتعتقها فقال أهلها نبيعكها على أن ولائها لنا فذكرت ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال لا يمنعنك ذلك فإنما الولاء لمن أعتق وفي مسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال أرادت عائشة أن تشتري جارية فتعتقها فأبى أهلها إلا ~~أن يكون لهم الولاء فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( ( لا ~~يمنعك ذلك فإنما الولاء لمن أعتق ) ) # ولهم من هذا الحديث حجتان # إحداهما قوله ( ( ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ) ) فكل شرط ~~ليس في القرآن ولا في الحديث ولا في الإجماع فليس في كتاب الله ms172 بخلاف ما ~~كان في السنة أو في الإجماع فإنه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع ~~السنة و الإجماع # ومن قال بالقياس وهم الجمهور قالوا إذا دل على صحته القياس المدلول عليه ~~بالسنة أو بالإجماع المدلول عليه بكتاب الله فهو في كتاب الله # و الحجة الثانية أنهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على ~~اشتراط الولاء لأن العلة فيه كونه مخالفا لمقتضى العقد و ذلك لأن العقود ~~توجب مقتضياتها بالشرع فيعتبر تغييرها تغييرا لما أوجبه الشرع بمنزلة تغيير ~~العبادات وهذا نكتة القاعدة وهي أن العقود مشروعة على وجه فاشتراط ما يخالف ~~مقتضاها تغيير للمشروع و لهذا كان أبو حنيفة و مالك و الشافعي في أحد ~~القولين لا يجوزون أن يشترط في العبادات شرطا يخالف مقتضاها فلا يجوزون ~~للمحرم أن يشترط الإحلال بالعذر متابعة لعبد الله بن عمر حيث كان ينكر ~~الاشتراط في الحج و يقول أليس حسبكم سنة نبيكم وقد استدلوا PageV01P187 على ~~هذا الأصل بقوله تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ وقوله @QB@ ومن ~~يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون @QE@ # قالوا فالشروط و العقود التي لم تشرع تعد لحدود الله و زيادة في الدين # و ما أبطله هؤلاء من الشروط التي دلت النصوص على جوازها بالعموم أو ~~بالخصوص قالوا ذلك منسوخ كما قاله بعضهم في شروط النبي صلى الله عليه وسلم ~~مع المشركين عام الحديبية أو قالوا هذا عام أو مطلق فيخص بالشرط الذي في ~~كتاب الله # و احتجوا أيضا بحديث يروى في حكاية عن أبي حنيفة و ابن أبي ليلى وشريك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع و شرط وقد ذكره جماعة من المصنفين في ~~الفقه ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث وقد أنكره أحمد و غيره من العلماء ~~وذكروا أنه لا يعرف و أن الأحاديث الصحيحة تعارضه و أجمع الفقهاء المعروفون ~~من غير خلاف أعلمه عن غيرهم أن اشتراط صفة في المبيع و نحوه كاشتراط كون ~~العبد كاتبا أو صانعا أو اشتراط طول الثوب أو ms173 قدر الأرض ونحو ذلك شرط صحيح # القول الثاني أن الأصل في العقود و الشروط الجواز و الصحة ولا يحرم منها ~~و يبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه و إبطاله نصا أو قياسا عند من يقول به و ~~أصول أحمد المنصوص عنه أكثرها يجري على هذا القول و مالك قريب منه لكن أحمد ~~أكثر تصحيحا للشروط فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا للشروط منه # وعامة ما يصححه أحمد من العقود و الشروط فيها يشتبه بدليل خاص من أثر أو ~~قياس لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعا من الصحة ولا يعارض ذلك بكونه شرطا ~~يخالف مقتضى العقد أولم يرد به نص وكان قد بلغه في العقود و الشروط من ~~الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم و الصحابة ما لا تجده عند PageV01P188 ~~غيره من الأئمة فقال بذلك وبما في معناه قياسا عليه وما اعتمده غيره في ~~إبطال الشروط من نص فقد يضعفه أو يضعف دلالته و كذلك قد يضعف ما اعتمدوه من ~~قياس وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب و السنة التي سنذكرها في ~~تصحيح الشروط كمسألة الخيار أكثر من ثلاث مطلقا فمالك يجوزه بقدر الحاجة و ~~أحمد في إحدى الروايتين عنه يجوز شرط الخيار في النكاح أيضا و يجوزه ابن ~~حامد و غيره في الضمان و نحوه و يجوز أحمد استثناء بعض منفعة الخارج من ~~ملكه في جميع العقود و اشتراط قدر زائد على مقتضاها عند الإطلاق فإذا كان ~~لها مقتضى عند الإطلاق جوز الزيادة عليه بالشرط و النقص منه بالشرط ما لم ~~يتضمن مخالفة الشرع كما سأذكره إن شاء الله # فيجوز للبائع أن يستثني بعض منفعة المبيع كخدمة العبد و سكنى الدار و نحو ~~ذلك إذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك الغير اتباعا لحديث ~~جابر لما باع النبي صلى الله عليه وسلم جمله و استثنى ظهره إلى المدينة # و يجوز أيضا للمعتق أن يستثني خدمة العبد مدة حياته أو حياة السيد أو ~~غيرهما اتباعا لحديث ms174 سفينة لما أعتقته أم مسلمة و اشترطت عليه خدمة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما عاش # و يجوز على عامة أقواله أن يعتق أمته و يجعل عتقها صداقها كما في حديث ~~صفية و كما فعله أنس بن مالك وغيره وإن لم ترض المرأة كأنه أعتقها و استثنى ~~منفعة البضع لكنه استثناها بالنكاح إذ استثناؤها بلا نكاح غير جائز بخلاف ~~منفعة الخدمة # ويجوز أيضا للواقف إذا وقف شيئا أن يستثني منفعته و غلته جميعها لنفسه ~~مدة حياته كما روي عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك و روي فيه حديث مرسل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهل يجوز وقف الإنسان على نفسه فيه عنه روايتان ~~PageV01P189 و يجوز أيضا على قياس قوله استثناء بعض المنفعة في العين ~~الموهوبة و الصداق و فدية الخلع و الصلح عن القصاص و نحو ذلك من أنواع ~~إخراج الملك سواء كان بإسقاط كالعتق أو بتمليك بعوض كالبيع أو بغير عوض ~~كالهبة # و يجوز أحمد أيضا في النكاح عامة الشروط التي للمشترط فيها غرض صحيح لما ~~في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ( إن أحق الشروط أن ~~توفوا به ما استحللتم به الفروج ) ) ومن قال بهذا الحديث قال إنه يقتضي أن ~~الشروط في النكاح أوكد منها في البيع و الإجارة وهذا مخالف لقول من يصحح ~~الشروط في البيع دون النكاح فيجوز أحمد أن تستثني المرأة ما يملكه الزوج ~~بالإطلاق فتشترط أن لا تسافر معه و لا تنتقل من دارها و تزيد على ما يملكه ~~بالإطلاق فتشترط أن تكون مخلية به فلا يتزوج عليها ولا يتسرى # و يجوز على الرواية المنصوصة عنه المصححة عند طائفة من أصحابه أن يشترط ~~كل واحد من الزوجين في الآخر صفة مقصودة كاليسار و الجمال ونحو ذلك و يملك ~~الفسخ بفواته وهو من أشد الناس قولا بفسخ النكاح و انفساخه فيجوز فسخه ~~بالعيب كما لو تزوج عليها وقد شرطت عليه أن لا يتزوج عليها و بالتدليس كما ~~لو ظنها حرة فطهرت أمة ms175 و بالخلف بالصفة على الصحيح كما لو شرط الزوج أن له ~~مالا فظهر بخلاف ما ذكر و ينفسخ عنده بالشروط الفاسدة المنافية لمقصوده ~~كالتوقيت و اشتراط الطلاق وهل يبطل بفساد المهر كالخمر و الميتة و نحو ذلك ~~فيه عنه روايتان إحداهما نعم كنكاح الشغار وهو رواية عن مالك و الثانية لا ~~ينفسخ لأنه تابع وهو عقد مفرز كقول أبي حنيفة و الشافعي # وعلى أكثر نصوصه يجوز أن يشترط على المشتري فعلا أو تركا في المبيع مما ~~هو مقصود للبائع أو للمبيع نفسه وإن كان أكثر متأخري أصحابه لا يجوزون من ~~ذلك إلا العتق وقد يروى ذلك عنه لكن الأول أكثر في كلامه ففي PageV01P190 ~~جامع الخلال عن أبي طالب سألت أحمد عن رجل اشترى جارية فشرط أن يتسرى بها ~~تكون جارية نفيسه يحب أهلها أن يتسرى بها ولا تكون للخدمة قال لا بأس به و ~~قال مهنا سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى من رجل جارية فقال له إذا أردت ~~بيعها فأنا أحق بها بالثمن الذي تأخذها به مني قال لا بأس به ولكن لا يطؤها ~~ولا يقربها وله فيها شرط لأن ابن مسعود قال لرجل لا تقربنها ولأحد فيها شرط ~~وقال حنبل حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن ~~عبد الله بن عبيد الله بن عتبة أن ابن مسعود اشترى جارية من امرأته و شرط ~~لها إن باعها فهي لها بالثمن الذي اشتراها به فسأل ابن مسعود عن ذلك عمر بن ~~الخطاب فقال لا تنكحها وفيها شرط وقال حنبل قال عمي كل شرط في فرج فهو على ~~هذا و الشرط الواحد في البيع جائز إلا أن عمر كره لابن مسعود أن يطأها لأنه ~~شرط لامرأته الذي شرط فكره عمر أن يطأها وفيها شرط وقال الكرماني سألت أحمد ~~عن رجل اشترى جارية وشرط لأهلها أن لا يبيعها ولا يهبها فكأنه رخص فيه و ~~لكنهم إن اشترطوا له إن باعها فهو أحق بها بالثمن فلا ms176 يقربها يذهب إلى حديث ~~عمر بن الخطاب حين قال لعبد الله بن مسعود # فقد نص في غير موضع على أنه إذا أراد البائع بيعها لم يملك إلا ردها إلى ~~البائع بالثمن الأول كالمقابلة وأكثر المتأخرين من أصحابه على القول المبطل ~~لهذا ردها إلى الشرط وربما تأولوا قوله جائز إي العقد جائز و بقية نصوصه ~~تصرح بأن مراده الشرط أيضا و اتبع في ذلك القصة المأثورة عن عمر و ابن ~~مسعود و زينب امرأة عبد الله ثلاثة من الصحابة و كذلك اشتراط المبيع فلا ~~يبيعه ولا يهبه أو يتسراها و نحو ذلك مما فيه تعيين لمصرف واحد كما روى عمر ~~بن شبه في أخبار عثمان أنه اشترى من صهيب دارا و شرط أن يقفها على صهيب و ~~ذريته من بعده PageV01P191 # و جماع ذلك أن الملك يستفاد به تصرفات متنوعة فكما جاز بالإجماع استثناء ~~بعض المبيع و جوز أحمد و غيره استثناء بعض منافعه جوز أيضا استثناء بعض ~~التصرفات # وعلى هذا فمن قال هذا الشرط ينافي مقتضى العقد قيل له أينافي مقتضى العقد ~~المطلق أو مقتضى العقد مطلقا فإن أراد الأول فكل شرط كذلك و إن أراد الثاني ~~لم يسلم له و إنما المحذور أن ينافي مقصود العقد كاشتراط الطلاق في النكاح ~~أو اشتراط الفسخ في العقد فأما إذا شرط ما يقصد بالعقد لم ينافي مقصوده هذا ~~القول هو الصحيح بدلالة الكتاب و السنة و الإجماع و الاعتبار مع الاستصحاب ~~و عدم الدليل المنافي # أما الكتاب فقال الله تعالى 5 1 @QB@ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ~~@QE@ و العقود هي العهود وقال تعالى @QB@ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا ~~قربى وبعهد الله أوفوا @QE@ و قال تعالى @QB@ وأوفوا بالعهد إن العهد كان ~~مسؤولا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون ~~الأدبار وكان عهد الله مسؤولا @QE@ فقد أمر سبحانه بالوفاء بالعقود وهذا ~~عام و كذلك أمر بالوفاء بعهد الله و بالعهد وقد دخل في ذلك ما عقده المرء ~~على نفسه بدليل ms177 قوله @QB@ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل @QE@ فدل على أن ~~عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه وإن لم يكن الله قد أمر بنفس ذلك ~~المعهود عليه قبل العهد كالنذر و البيع و إنما أمر بالوفاء به و لهذا قرنه ~~بالصدق في قوله @QB@ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ~~@QE@ لأن العدل في القول خبر يتعلق بالماضي و الحاضر و الوفاء بالعهد يكون ~~في القول المتعلق بالمستقبل كما قال تعالى @QB@ ومنهم من عاهد الله لئن ~~آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به ~~وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ~~ما وعدوه وبما كانوا يكذبون @QE@ وقال PageV01P192 سبحانه @QB@ واتقوا الله ~~الذي تساءلون به والأرحام @QE@ قال المفسرون كالضحاك وغيره تساءلون به ~~تتعاهدون وتتعاقدون وذلك لأن كل واحد من المتعاقدين يطلب من الآخر ما أوجبه ~~العقد من فعل أو ترك أو مال أو نفع ونحو ذلك وجمع سبحانه في هذه الآية ~~وسائر السورة أحكام الأسباب التي بين بني آدم المخلوقة كالرحم والمكسوبة ~~كالعقود التي يدخل فيها الصهر وولاية مال اليتيم ونحو ذلك وقال سبحانه @QB@ ~~وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من ~~بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم @QE@ والأيمان جمع يمين وكل عقد ~~فإنه يمين قيل سمى بذلك لأنهم كانوا يعقدونه بالمصافحة باليمين يدل على ذلك ~~قوله @QB@ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا ~~عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين فإذا انسلخ ~~الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم ~~كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور ~~رحيم وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ~~ذلك بأنهم قوم لا يعلمون كيف يكون للمشركين عهد عند ms178 الله وعند رسوله إلا ~~الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله ~~يحب المتقين كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة @QE@ والإل ~~هو القرابة والذمة العهد وهما المذكوران في قوله @QB@ تساءلون به والأرحام ~~@QE@ إلى قوله @QB@ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة @QE@ فذمهم الله على ~~قطيعة الرحم ونقض الذمة إلى قوله @QB@ وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم @QE@ ~~وهذه نزلت في كفار مكة لما صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ~~ثم نقضوا العهد بإعانة بني بكر على خزاعة وأما قوله سبحانه @QB@ براءة من ~~الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين @QE@ فتلك عهود جائزة لا لازمة ~~PageV01P193 فإنها كانت مطلقة وكان مخيرا بين إمضائها ونقضها كالوكالة ~~ونحوها ومن قال من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم إن الهدنة لا تصلح إلا مؤقتة ~~فقوله مع أنه مخالف لأصول أحمد يرده القرآن وترده سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في أكثر المعاهدين فإنه لم يوقت معهم وقتا فأما من كان من عهده ~~موقتا فلم يبح له نقضه بدليل قوله @QB@ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله ~~يحب المتقين @QE@ وقال @QB@ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين @QE@ وقال @QB@ وإما تخافن ~~من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء @QE@ فإنما أباح النبذ عند ظهور أمارات ~~الخيانة لأن المحذور من جهتهم وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لم ~~تقولون ما لا تفعلون @QE@ الآية و جاء أيضا في صحيح مسلم عن أبي موسى ~~الأشعري إن في القرآن الذي نسخت تلاوته سورة كانت كبراءة @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون @QE@ فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون ~~عنها يوم القيامة وقال تعالى @QB@ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون @QE@ ~~في سورتي المؤمنون و المعارج وهذا من صفة المستثنين من الهلع المذموم بقوله ~~@QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ms179 منوعا إلا ~~المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل ~~والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ~~ربهم غير مأمون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون @QE@ هذا يقتضي وجوب ذلك لأنه لم يستثن من المذموم ~~إلا من اتصف بجميع ذلك ولهذا لم يذكر فيها إلا ما هو واجب و كذلك في سورة ~~المؤمنين قال في أولها @QB@ أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون @QE@ فمن لم يتصف بهذه الصفات لم يكن من الوارثين لأن ظاهر الآية ~~PageV01P194 الحصر فإن إدخال الفصل بين المبتدأ و الخبر يشعر الحصر و من لم ~~يكن من وارثي الجنة كان معرضا للعقوبة إلا أن يعفو الله عنه و إذا كانت ~~رعاية العهد واجبة فرعايته هي الوفاء به ولما جمع الله بين العهد و الأمانة ~~جعل النبي صلى الله عليه وسلم ضد ذلك صفة المنافق في قوله إذا حدث كذب و ~~إذا وعد أخلف و إذا عاهد غدر و إذا خاصم فجر و عنه كان على خلق من نفاق ~~فطبع المؤمن ليس الخيانة ولا الكذب وما زالوا يوصون بصدق الحديث و أداء ~~الأمانة وهذا عام وقال تعالى @QB@ وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل @QE@ فذمهم على نقض ~~عهد الله و قطع ما أمر الله بصلته لأن الواجب إما بالشرع و إما بالشرط الذي ~~عقده المرء باختياره وقال أيضا @QB@ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون ~~الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء ~~الحساب والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا من ما رزقناهم ~~سرا وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن ~~يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من ~~كل باب سلام ms180 عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار والذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم ~~اللعنة ولهم سوء الدار @QE@ و قال @QB@ أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ~~بل أكثرهم لا يؤمنون @QE@ و قال @QB@ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن أهل الكتاب من إن ~~تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت ~~عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله ~~الكذب وهم يعلمون بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين @QE@ ~~PageV01P195 وقال @QB@ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ~~أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم @QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون @QE@ # و الأحاديث في هذا كثيرة مثل ما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( أربع من كن فيه كان منافقا ومن كانت فيه ~~خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب و إذا وعد أخلف و ~~إذا عاهد غدر و إذا خاصم فجر ) ) وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة ) ) وفي ~~صحيح مسلم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكل غادر لواء عند ~~استه يوم القيامة وفي رواية وفي رواية ( ( لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف ~~به بقدر غدرته ألا ولا غادر أعظم غدرة من أمير عامة ) ) وفي صحيح مسلم عن ~~بريدة ms181 بن الحصيب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على ~~جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله و فيمن معه من المسلمين خيرا ثم قال ~~اغزوا باسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا و لا تغلوا ولا ~~تغدروا ولا تمثلوا و لا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم ~~إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم و كف عنهم الحديث ~~فنهاهم عن الغدر كما نهاهم عن الغلول # وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب لما سأله هرقل عن صفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم هل يغدر فقال لا يغدر و نحن معه في مدة لا ندري ~~ما هو صانع فيها قال ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا إلا هذه الكلمة ~~PageV01P196 و قال هرقل في جوابه سألتك هل يغدر فذكرت أنه لا يغدر و كذلك ~~الرسل لا تغدر فجعل هذا صفة لازمة للمرسلين # وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن ~~أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج فدل على استحقاق الشروط ~~بالوفاء و أن شروط النكاح أحق بالوفاء من غيرها # و روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر و رجل ~~باع حرا ثم أكل ثمنه و رجل استأجر أجيرا فاستوفى منه و لم يعطه أجره فذم ~~الغادر و كل من شرط شرطا ثم نقصه فقد غدر # فقد جاء الكتاب و السنة بالأمر بالوفاء بالعهود و الشروط و المواثيق و ~~العقود و بأداء الأمانة و رعاية ذلك و النهي عن الغدر و نقض العهود و ~~الخيانة و التشديد على من يفعل ذلك # و لما كان الأصل فيها الحظر و الفساد إلا ما أباحه الشرع لم يجز أن يؤمر ~~بها مطلقا و يذم من نقضها و غدر ms182 مطلقا كما أن قتل النفس لما كان الأصل فيه ~~الحظر إلا ما أباحه الشرع أو أوجبه لم يجز أن يؤمر بقتل النفس و يحمل على ~~القدر المباح بخلاف ما كان جنسه واجبا كالصلاة و الزكاة فإنه يؤمر به مطلقا ~~و إن كان لذلك شروط و موانع فينهى عن الصلاة بغير طهارة وعن الصدقة بما يضر ~~النفس ونحو ذلك و كذلك الصدق في الحديث مأمور به وإن كان قد يحرم الصدق ~~أحيانا لعارض و يحج السكوت أو التعريض # و إذا كان جنس الوفاء و رعاية العهد مأمورا به علم أن الأصل صحة العقود و ~~الشروط إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره و حصل به مقصوده و مقصود ~~العقد هو الوفاء به فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهود دل على أن الأصل ~~فيها الصحة و الإباحة PageV01P197 و قد روى أبو داود و الدارقطني من حديث ~~سليمان بن بلال حدثنا كثير ابن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما ~~أو حرم حلالا و المسلمون على شروطهم و كثير بن زيد قال يحيى بن معين في ~~رواية هو ثقة و ضعفه في رواية أخرى # وقد روى الترمذي و البزار من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ~~المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ( الصلح جائز ~~بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما ) ) قال الترمذي حديث حسن ~~صحيح وروى ابن ماجة منه الفصل الأول لكن كثيرا ابن عمرو ضعفه الجماعة و ضرب ~~أحمد على حديثه في المسند فلم يحدث به فلعل تصحيح الترمذي له لروايته من ~~وجوه وقد روي أبو بكر البزار أيضا عن محمد بن عبد الرحمن السلماني عن أبيه ~~عن أبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على شروطهم ما وافق ~~الحق وهذه الأسانيد وإن كان الواحد ms183 منها ضعيفا فاجتماعها من طرق يشد بعضها ~~بعضا # وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب و السنة وهو حقيقة المذهب فإن ~~المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله ولا يحرم ما أباحه الله فإن شرطه ~~حينئذ يكون مبطلا لحكم الله و كذلك ليس له أن يسقط ما أوجبه الله و إنما ~~المشترط له أن يكون يوجب بالشرط ما لم يكن واجبا بدونه فمقصود الشروط وجوب ~~مالم يكن واجبا ولا حراما وعدم الإيجاب ليس نفيا للإيجاب حتى يكون المشترط ~~مناقضا للشرع وكل شرط صحيح فلا بد أن يفيد وجوب ما لم يكن واجبا فإن ~~المتبايعين يجب لكل منهما على الآخر من الإقباض ما لم يكن واجبا و يباح ~~أيضل لكل منهما ما لم يكن مباحا ويحرم على كل منهما ما لم يكن حراما وكذلك ~~كل من المتآجرين والمتناكحين وكذلك إذا اشترط صفة في المبيع أو رهنا أو ~~اشترطت PageV01P198 المرأة زيادة على مهر مثلها فإنه يجب ويحرم ويباح بهذا ~~الشرط ما لم يكن كذلك # وهذا المعنى هو الذي أوهم من اعتقد أن الأصل فساد الشروط قال لأنها إما ~~تبيح حراما أو تحرم حلالا أو توجب ساقطا أو تسقط واجبا وذلك لا يجوز إلا ~~بإذن الشارع وأوردت شبهة عند بعض الناس حتى توهم أن هذا الحديث متناقض وليس ~~كذلك بل كل ما كان حراما بدون الشرط فالشرط لا يبيحه كالربا وكالوطء في ملك ~~الغير وكثبوت الولاء لغير المعتق فإن الله حرم الوطء إلا بملك نكاح أو ملك ~~يمين فلو أراد رجل أن يعير أمته لآخر للوطء لم يجز له ذلك بخلاف إعارتها ~~للخدمة فإنه جائز وكذلك الولاء فقد نهى النبي صلى لله عليه وسلم عن بيع ~~الولاء وعن هبته وجعل الله الولاء كالنسب يثبت للمعتق كما يثبت النسب ~~للوالد وقال صلى الله عليه وسلم ( ( من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير ~~مواليه فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا ~~عدلا ) ) وأبطل الله ما كانوا عليه في ms184 الجاهلية من تبنى الرجل ابن غيره ~~وانتساب المعتق إلى غير مولاه فهذا أمر لا يجوز فعله بغير شرط فلا يبيح ~~الشرط منه ما كان حراما وأما ما كان مباحا بدون اشرط فالشرط يوجبه كالزيادة ~~في المهر والثمن والرهن وتأخير الاستيفاء فإن الرجل له أن يعطي المرأة وله ~~أن يتبرع بالرهن وبالإنظار ونحو ذلك فإذا شرطه صار واجبا وإذا وجب فقد حرمت ~~المطالبة التي كانت حلالا بدونه لأن المطالبة لم تكن حلالا مع عدم الشرط ~~فإن الشارع لم يبح مطالبة المدين مطلقا فما كان حلالا وحراما مطلقا فالشرط ~~لا يغيره # وأما ما أباحه الله في حال مخصوصة ولم يبحه مطلقا فإذا حوله الشرط عن تلك ~~الحال لم يكن الشرط قد حرم ما أحله الله وكذلك ما حرمه الله في حال ~~PageV01P199 مخصوصة ولم يحرمه مطلقا لم يكن الشرط قد أباح ما حرمه الله وإن ~~كان بدون الشرط يستصحب حكم الإباحة والتحريم لكن فرق بين ثبوت الإباحة ~~والتحريم بالخطاب وبين ثبوته بمجرد الاستصحاب # فالعقد والشرط يرفع موجب الاستصحاب لكن لا يرفع ما أوجبه كلام الشارع ~~وآثار الصحابة توافق ذلك كما قال عمر رضى الله عنه مقطع الحقوق عند الشروط # وأما الاعتبار فمن وجوه أحدها أن العقود والشروط من باب الأفعال العادية ~~والأصل فيها عدم التحريم فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل ذلك على التحريم ~~كما أن الأعيان الأصل فيها عدم التحريم وقوله @QB@ وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم @QE@ عام في الأعيان والأفعال وإذا لم يكن حراما لم تكن فاسدة وكانت ~~صحيحة # وأيضا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط إلا ما ثبت حله ~~بعينه وسنبين إن شاء الله معنى حديث عائشة وأن انتفاء دليل التحريم دليل ~~على عدم التحريم فثبت بالاستصحاب العقلي وانتفاء الدليل الشرعي عدم التحريم ~~فيكون فعلها إما حلالا وإما عفوا كالأعيان التي لم تحرم وغالب ما يستدل به ~~على أن الأصل في الأعيان عدم التحريم من النصوص العامة والأقيسة الصحيحة ~~والاستصحاب العقلي وانتفاء الحكم لانتفاء دليله فإنه ms185 يستدل به على عدم ~~تحريم العقود والشروط فيها سواء سمى ذلك حلالا أو عفوا على الاختلاف ~~المعروف بين أصحابنا وغيرهم فإن ما ذكره الله في القرآن من ذم الكفار على ~~التحريم بغير شرع منه سببه تحريم الأعيان ومنه ما سببه تحريم الأفعال كما ~~كانوا يحرمون على المحرم لبس ثيابه والطواف فيها إذا لم يكن احمسيا ~~ويأمرونه بالتعري إلا أن يعيره احمسى ثوبه ويحرمون عليه الدخول تحت سقف كما ~~كان الأنصار يحرمون إتيان الرجل امرأته في فرجها إذا كانت PageV01P200 ~~مجنبة ويحرمون الطواف بالصفا والمروة وكانوا مع ذلك قد ينقضون العهود التي ~~عقدوها بلا شرع فأمرهم الله سبحانه في سورة النحل وغيرها بالوفاء بها إلا ~~ما اشتمل على محرم # فعلم أن العهود يجب الوفاء بها إذا لم تكن محرمة وإن لم يثبت حلها بشرع ~~خاص كالعهود التي عقدوها في الجاهلية وأمر بالوفاء بها وقد نبهنا على هذه ~~القاعدة فيما تقدم وذكرنا أنه لا يشرع إلا ما شرعه الله ولا يحرم إلا ما ~~حرمه الله لأن الله ذم المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله ~~وحرموا ما لم يحرمه الله فإذا حرمنا العقود والشروط التي تجري بين الناس في ~~معاملاتهم العادية بغير دليل شرعي كنا محرمين ما لم يحرمه الله بخلاف ~~العقود التي تتضمن شرع دين لم يأذن به الله فإن الله قد حرم أن يشرع من ~~الدين مما لم يأذن به فلا يشرع عبادة إلا بشرع الله ولا يحرم عادة إلا ~~بتحريم الله والعقود في المعاملات هي من العادات يفعلها المسلم والكافر وإن ~~كان فيها قربة من وجه آخر فليست من العبادات التي يفتقر فيها إلى شرع ~~كالعتق والصدقة # فإن قيل العقود تغير ما كان مشروعا لأن ملك البضع أو المال إذا كان ثابتا ~~على حال فعقد عقدا أزاله عن تلك الحال فقد غير ما كان مشروعا بخلاف الأعيان ~~التي لم تحرم فإنه لا يعتبر في إباحتها # فيقال لا فرق بينهما وذلك أن الأعيان إما أن تكون ملكا لشخص ms186 أو لا تكون ~~فإن كانت ملكا فانتقالها بالبيع إلى غيره لا يغيرها وهو من باب العقود وإن ~~لم تكن ملكا فملكها بالاستيلاء ونحوه هو فعل من الأفعال مغير لحكمها بمنزلة ~~العقود # وأيضا فإنها قبل الزكاة محرمة فالزكاة الواردة عليها بمنزلة العقد الوارد ~~على المال فكما أن أفعالنا في الأعيان من الأخذ والزكاة الأصل فيه الحل وإن ~~غير PageV01P201 حكم العين فكذلك أفعالنا في الملاك في العقود ونحوها الأصل ~~فيها الحل وإن غيرت حكم الملك # وسبب ذلك أن الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع وملك البضع ~~الثابت بالنكاح نحن أحدثنا أسباب تلك الأحكام والشارع أثبت الحكم لثبوت ~~سببه منا لم يثبته ابتداء كما أثبت إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات ~~المبتدأة فإذا كنا نحن المثبتين لذلك الحكم ولم يحرم الشارع علينا رفعه لم ~~يحرم علينا رفعه فمن اشترى عينا فالشارع أحلها له وحرمها على غيره لإثباته ~~سبب ذلك وهو الملك الثابت بالبيع وما لم يحرم الشارع عليه ورفع ذلك فله أن ~~يرفع ما أثبته على أى وجه احب ما لم يحرمه الشارع عليه كمن أعطى رجلا مالا ~~فالأصل أن لايحرم عليه التصرف فيه وإن كان مزيلا للملك الذي أثبته المعطى ~~ما لم يمنع مانع وهذا نكتة المسألة التي يتبين بها مأخذها وهو أن الأحكام ~~الجزئية من حل هذا المال لزيد وحرمته على عمرو لم يشرعها الشارع شرعا جزئيا ~~وإنما شرعها شرعا كليا مثل قوله @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ ~~وقوله @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ وقوله @QB@ فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء @QE@ وهذا الحكم الكلي ثابت سواء وجد هذا البيع المعين أو لم يوجد ~~فإذا وجد بيع معين أثبت ملكها معينا فهذا المعين سببه فعل العبد فإذا رفعه ~~العبد فإنما رفع ما أثبته هو بفعله لا ما أثبته الله من الحكم الجزئي إنما ~~هو تابع لفعل العبد سببه فقط لأن الشارع أثبته ابتداء # وإنما توهم بعض الناس أن رفع الحقوق بالعقود والفسوخ مثل نسخ الأحكام ~~وليس كذلك فإن الحكم المطلق لا يزيله إلا الذي ms187 أثبته وهو الشارع وأما هذا ~~المعين فإنما ثبت لأن العبد ادخله في المطلق فإدخاله في المطلق إليه فكذلك ~~إخراجه إذ الشارع لم يحكم عليه في المعين بحكم أبدا مثل أن يقول هذا الثوب ~~بعه أو لا تبعه أو هبه أو لا تهبه وإنما حكمه على المطلق الذي إذا أدخل فيه ~~المعين على حكم المعين PageV01P202 # فتدبر هذا وفرق بين تغيير الحكم المعين الخاص الذي أثبته العبد بإدخاله ~~في المطلق وبين تغيير الحكم العام الذي أثبته الشارع عند وجود سببه من ~~العبد وإذا ظهر أن العقود لا يحرم منها إلا ما حرمه الشارع فإنما وجب ~~الوفاء بها لإيجاب الشارع الوفاء بها مطلقا إلا ما خصه الدليل على أن ~~الوفاء بها من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل والعقلاء جميعهم وقد ~~أدخلها في الواجبات العقلية من قال بالوجوب العقلي ففعلها ابتداء لا يحرم ~~إلا بتحريم الشارع والوفاء بها وجب لإيجاب الشارع إذن ولإيجاب العقل أيضا # وأيضا فإن الأصل في العقود رضى المتعاقدين وموجبها هو ما أوجباه على ~~أنفسهما بالتعاقد لأن الله قال في كتابه العزيز @QB@ إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم @QE@ وقال @QB@ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ~~@QE@ فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه فدل على أنه سبب له ~~وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب فدل على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم وإذا ~~كان طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق فكذلك سائر التبرعات قياسا عليه ~~بالعلة المنصوص التي دل عليها القرآن وكذلك قوله @QB@ إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم @QE@ لم يشترط في التجارة إلا التراضي وذلك يقتضي أن التراضي هو ~~المبيح للتجارة وإذا كان كذلك فإذا تراضى المتعاقدان بتجارة أو طابت نفس ~~المتبرع بتبرع ثبت حله بدلالة القرآن إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله ~~كالتجارة في الخمر ونحو ذلك # وأيضا فإن العقد له حالان حال إطلاق وحال تقييد ففرق بين العقد المطلق ~~وبين المعنى المطلق من العقود فإذا قيل هذا شرط ينافي ms188 مقتضى العقد فإن أريد ~~به ينافي العقد المطلق فكذلك كل شرط زائد وهذا لا يضره وإن أريد ينافى ~~مقتضى العقد المطلق والمقيد احتاج إلى دليل على ذلك وإنما يصح هذا إذا نافى ~~مقصود العقد فإن العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع PageV01P203 صوره ~~وشرط فيه ما ينافي ذلك المقصود فقد جمع بين المتناقضين بين إثبات المقصود ~~ونفيه فلا يحصل شئ ومثل هذا الشرط باطل بالاتفاق بل هو مبطل للعقد عندنا # والشروط الفاسدة قد تبطل لكونها تنافي مقصود الشارع مثل اشتراط الولاء ~~لغير المعتق فإن هذا لا ينافي مقتضى العقد ولا مقصوده الملك والعتق قد يكون ~~مقصودا للعقد فإن اشتراء العبد لعتقه يقصد كثيرا فثبوت الولاء لا ينافي ~~مقصود العقد وإنما ينافي كتاب الله وشرطه كما بينه النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقوله ( ( كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ) ) فإذا كان الشرط منافيا ~~لمقصود العقد كان العقد لغوا وإذا كان منافيا لمقصود الشارع كان مخالفا لله ~~ورسوله فأما إذا لم يشتمل على واحد منهما فلم يكن لغوا ولا اشتمل على ما ~~حرمه الله ورسوله فلا وجه لتحريمه بل الواجب حله لأنه عمل مقصود للناس ~~يحتاجون إليه إذا لولا حاجتهم إليه لما فعلوه فإن الإقدام على الفعل مظنة ~~الحاجة إليه ولم يثبت تحريمه فيباح لما في الكتاب والسنة مما يرفع الحرج # وأيضا فإن العقود والشروط لا تخلوا إما أن يقال لا يحل ولا يصح إن لم يدل ~~على حلها دليل شرعي خاص من نص أو إجماع أو قياس عند الجمهور كما ذكرناه من ~~القول الأول أو يقال لا تحل وتصح حتى يدل على حلها دليل سمعى وإن كان عاما ~~أو يقال تصح ولا تحرم إلا يحرمها الشارع بدليل خاص أو عام # والقول الأول باطل لأن الكتاب والسنة دلا على صحة العقود والقبوض التي ~~وقعت في حال الكفر وأمر الله بالوفاء بها إذا لم يكن فيها بعد الإسلام شيء ~~محرم فقال سبحانه في آية الربا @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ms189 ~~ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين @QE@ فأمرهم بترك ما بقى لهم من الربا في ~~الذمم ولم يأمرهم برد ما قبضوه بعقد الربا بل مفهوم الآية الذي اتفق العمل ~~عليه PageV01P204 يوجب أنه غير منهي عنه ولذلك فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أسقط عام حجة الوداع الربا الذي في الذمم ولم يأمرهم برد المقبوض وقال ~~صلى الله عليه وسلم ( ( أيما قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم وأيما قسم ~~أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام ) ) وأقر الناس على أنكحتهم التي عقدوها ~~في الجاهلية ولم يستفصل هل عقد به في عدة أو غير عدة بولى أو بغير ولى ~~بشهود أو بغير شهود ولم يأمر أحدا بتجديد نكاح ولا بفراق امرأته إلا أن ~~يكون السبب المحرم موجودا حين الإسلام كما أمر غيلان بن سلمة الثقفي الذي ~~أسلم وتحته عشر نسوة أن يمسك أربعا ويفارق سائرهن وكما أمر فيروزا الديلمي ~~الذي أسلم وتحته أختان أن يختار إحداهما ويفارق في الأخرى وكما أمر الصحابة ~~من أسلم من المجوس أن يفارقوا ذوات المحارم ولهذا اتفق المسلمون على أن ~~العقود التي عقدها الكفار يحكم بصحتها بعد الإسلام إذا لم تكن محرمة على ~~المسلمين وإن كان الكفار لم يعقدوها بإذن الشارع ولو كانت العقود عندهم ~~كالعبادات لا تصح إلا بشرع لحكموا بفسادها أو بفساد ما لم يكن أهله ~~مستمسكين فيه بشرع # فإن قيل فقد اتفق فقهاء الحديث وأهل الحجاز على أنها إذا عقدت على وجه ~~محرم في الإسلام ثم أسلموا بعد زواله ولم يؤمروا باستئنافها لأن الإسلام ~~يجب ما قبله فليس ما عقدوه بغير شرع دون ما عقدوه مع تحريم الشرع وكلاهما ~~عندكم سواء # قلنا ليس كذلك بل ما عقدوه مع التحريم إنما يحكم بصحته إذا اتصل به ~~التقابض وأما إذا أسلموا قبل التقابض فإنه يفسخ بخلاف ما عقدوه يغير شرع ~~فإنه لا يفسخ لا قبل القبض ولا بعده ولم أر الفقهاء من أصحابها وغيرهم ~~اشترطوا في النكاح القبض بل سووا بين الإسلام قبل الدخول وبعده ms190 لأن نفس عقد ~~النكاح يوجب أحكاما بنفسه وإن لم يحصل به القبض من المصاهرة PageV01P205 ~~ونحوها كما أن نفس الوطء يوجب أحكاما وإن كان بغير نكاح فلما كان كل واحد ~~من العقد والوطء مقصودا في نفسه وإن لم يقترن بالآخر أقرهم الشارع على ذلك ~~بخلاف الأموال فإن المقصود بعقودها هو التقابض فإذا لم يحصل التقابض لم ~~يحصل مقصودها فأبطلها الشارع لعدم حصول المقصود # فتبين بذلك أن مقصود العباد من المعاملات لا يبطله الشارع إلا مع التحريم ~~لأنه لا يصححه إلا بتحليل # وأيضا فإن المسلمين إذا تعاقدوا بينهم عقودا ولم يكونوا يعلمون لا ~~تحريمها ولا تحليلها فإن الفقهاء جميعهم فيما أعلمه يصححونها إذا لم ~~يعتقدوا تحريمها وإن كان العاقد لم يكن حينئذ يعلم تحليلها لا باجتهاد ولا ~~بتقليد ولا يقول أحد لا يصح العقد إلا الذي يعتقد العاقد أن الشارع أحله ~~فلو كان إذن الشارع الخاص شرطا في صحة العقود لم يصح عقد إلا بعد ثبوت إذنه ~~كما لو حكم الحاكم بغير اجتهاد فإنه آثم وإن كان قد صادف الحق # وأما إن قيل لا بد من دليل شرعي يدل على حلها سواء كان عاما أو خاصا فعنه ~~جوابان # أحدهما المنع كما تقدم والثاني أن نقول قد دلت الأدلة الشرعية العامة على ~~حل العقود والشوط جملة إلا ما استثناه الشارع وما عرضوا به سنتكلم عنه إن ~~شاء الله فلم يبقى إلا القول الثالث وهو المقصود # وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( ( أيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ~~وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ) ) فالشرط يراد به المصدر ~~تارة والمفعول أخرى وكذلك الوعد والخلف ومنه قولهم درهم ضرب الأمير والمراد ~~به هنا والله أعلم المشروط لا نفس التكلم ولهذا قال ( ( وإن كان مائة شرط ) ~~) أى وإن كان قد شرط مائة شرط وليس المراد تعديد التكلم بالشرط وإنما ~~المراد تعديد الشروط والدليل على ذلك قوله PageV01P206 ( ( كتاب الله أحق ~~وشرط الله أوثق ) ) أى كتاب الله أحق من هذا الشرط وشرط ms191 الله أوثق منه وهذا ~~إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه بأن يكون المشروط مما حرمه ~~الله تعالى # وأما إذا كان المشروط مما لم يحرمه الله فلم يخالف كتاب الله وشرطه حتى ~~يقال كتاب الله أحق وشرط الله أوثق فيكون المعنى من اشترط أمرا ليس في حكم ~~الله ولا في كتابه بواسطة وبغير واسطة فهو باطل لأنه لا بد أن يكون المشروط ~~مما يباح فعله بدون الشرط حتى يصح اشتراطه ويجب بالشرط ولما لم يكن في كتاب ~~الله أن الولاء لغير المعتق أبدا كان هذا المشروط وهو ثبوت الولاء لغير ~~المعتق شرطا ليس في كتاب الله فانظر إلى المشروط إن كان أصلا أو حكما فإن ~~كان الله قد أباحه جاز اشتراطه ووجب وإن كان الله لم يبحه لم يجز اشتراطه ~~فإذا شرط الرجل أن لا يسافر بزوجته فهذا المشروط في كتاب الله لأن كتاب ~~الله يبيح أن لا يسافر بها فإذا شرط عدم السفر فقد شرط مشروطا مباحا في ~~كتاب الله # فمضمون الحديث أن المشروط إذا لم يكن من الأفعال المباحة أو يقال ليس في ~~كتاب الله أى ليس في كتاب الله نفيه كما قال سيكون أقوام يحدثونكم بما لا ~~تعرفون أنتم ولا آباؤكم أى بما تعرفون خلافه وإلا فما لا يعرف كثير # ثم نقول إذا لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن العقود والشروط التي لم ~~يبحها الشارع تكون باطلة بمعنى أنه لا يلزم بها شئ لا إيجاب ولا تحريم فإن ~~هذا خلاف الكتاب والسنة بل العقود والشروط المحرمة قد يلزم بها أحكام فإن ~~الله قد حرم عقد الظهار في نفس كتابه وسماه منكرا من القول وزورا ثم إنه ~~أوجب به على من عاد الكفارة ومن لم يعد جعل في حقه مقصود التحريم من ترك ~~الوطء أو ترك العقد وكذا النذر فإن النبي صلى الله عليه PageV01P207 وسلم ~~نهى عن النذر كما ثبت عنه من حديث أبي هريرة و ابن عمر فقال إنه لا يأتي ~~بخير ثم ms192 أوجب الوفاء به إذا كان طاعة في قوله صلى الله عليه وسلم من نذر أن ~~يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه # فالعقد المحرم قد يكون سببا لإيجاب أو تحريم نعم لا يكون سببا لإباحة كما ~~أنه لما نهى عن بيوع الغرر و عن عقد الربا وعن نكاح ذوات المحارم ونحو ذلك ~~لم يستفد المنهي عنه الاستباحة لأن المنهي عنه معصية و الأصل في المعاصي ~~أنها لا تكون سببا لنعمة الله و رحمته و الإباحة من نعمة الله و رحمته و إن ~~كانت قد تكون سببا للإملاء و لفتح أبواب الدنيا لكن ذلك قدر ليس بشرع بل قد ~~يكون سببا لعقوبة الله و الإيجاب و التحريم قد يكون عقوبة كما قال الله ~~تعالى @QB@ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم @QE@ وإن كان ~~قد يكون رحمة أيضا كما جاءت شريعتنا الحنيفية # و المخالفون في هذه القاعدة من أهل الظاهر و نحوهم قد يجعلون كل ما لم ~~يؤذن فيه إذن خاص فهو عقد حرام و كل عقد حرام فوجوده كعدمه و كلا المقدمتين ~~ممنوعة كما تقدم # وقد يجاب عن هذه الحجة بطريقة ثانية إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أراد الشروط التي لم يبحها وإن كان لم يحرمها باطلة فنقول # قد ذكرنا ما في الكتاب و السنة والآثار من الأدلة الدالة على وجوب الوفاء ~~بالعهود و الشروط عموما و أن المقصود هو وجوب الوفاء بها وعلى هذا التقدير ~~فوجوب الوفاء بها يقتضي أن تكون مباحة فإنه إذا وجب الوفاء بها لم تكن ~~باطلة و إذا لم تكن باطلة كانت مباحة وذلك لأن قوله ليس في كتاب الله إنما ~~يشمل ما ليس في كتاب الله لا بعمومه ولا بخصوصه وإنما دل كتاب الله على ~~إباحته بعمومه فإنه في كتاب الله لأن قولنا هذا في كتاب الله يعم ما هو فيه ~~بالخصوص أو بالعموم و على هذا معنى قوله تعالى @QB@ ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء @QE@ PageV01P208 وقوله @QB@ ولكن ms193 تصديق الذي بين يديه @QE@ ~~وقوله @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ على قول من جعل الكتاب هو ~~القرآن وأما على قول من جعل اللوح المحفوظ فلا يجيء ههنا # يدل على ذلك أن الشرط الذي بينا جوازه بسنة أو إجماع صحيح بالاتفاق فيجب ~~أن يكون في كتاب الله وقد لا يكون في كتاب الله بخصوصه لكن في كتاب الله ~~الأمر باتباع السنة و اتباع سبيل المؤمنين فيكون في كتاب الله بهذا ~~الاعتبار لأن جامع الجامع جامع و دليل الدليل دليل بهذا الاعتبار # يبقى أن يقال على هذا الجواب فإذا كان كتاب الله أوجب الوفاء بالشروط ~~عموما فشرط الولاء داخل في العموم # فيقال العموم إنما يكون دالا إذا لم ينفعه دليل خاص فإن الخاص يفسر العام ~~وهذا المشروط قد نفاه النبي صلى الله عليه وسلم بنهيه عن بيع الولاء وعن ~~هبته وقوله ( ( من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنه الله و ~~الملائكة و الناس أجمعين ) ) و دل الكتاب على ذلك بقوله تعالى @QB@ ما جعل ~~الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ~~وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي ~~السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في ~~الدين ومواليكم @QE@ فأوجب علينا دعاءه لأبيه الذي ولده دون من تبناه و حرم ~~التبني ثم أمر عند عدم العلم بالأب بأن يدعي أخاه في الدين ومولاه كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة ( ( أنت أخونا و مولانا ) ) وقال ~~صلى الله عليه وسلم ( ( إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه ~~تحت يده فليطعمه مما يأكل و ليكسه مما يلبس ) ) # فجعل سبحانه الولاء نظير النسب و بين سبب الولاء في قوله @QB@ وإذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه @QE@ فبين أن سبب الولاء هو الإنعام ~~بالإعتاق كما أن سبب النسب هو الإنعام بالإيلاد فإذا كان قد حرم الانتقال ~~PageV01P209 عن المنعم بالإيلاد فكذلك يحرم ms194 الانتقال عن المنعم بالأعتاق ~~لأنه في معناه فمن اشترط على المشتري أن يعتق و يكون الولاء لغيره فهو كمن ~~اشترط على المستنكح أنه إذا أولد كان النسب لغيره # و إلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه و سلم في قوله ( ( إنما ~~الولاء لمن أعتق ) ) # و إذا كان كتاب الله قد دل على تحريم هذا المشروط بخصوصه و عمومه لم يدخل ~~في العهود التي أمر الله بالوفاء بها لأنه سبحانه لا يأمر بما حرمه مع أن ~~الذي يغلب على القلب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد إلا المعنى الأول ~~وهو إبطال الشروط التي تنافي كتاب الله و التقدير من اشترط شيئا لم يبحه ~~الله فيكون المشروط قد حرمه لأن كتاب الله قد أباح عموما لم يحرمه أو من ~~اشترط ما ينافي كتاب الله بدليل قوله ( ( كتاب الله أحق و شرط الله أوثق ) ~~) فإذا ظهر أن لعدم تحريم العقود و الشروط جملة و صحتها أصلان الأدلة ~~الشرعية العامة و الأدلة العقلية التي هي الاستصحاب و انتفاء المحرم فلا ~~يجوز القول بموجب هذه القاعدة في أنواع المسائل و أعيانها إلا بعد الاجتهاد ~~في خصوص ذلك النوع أو المسألة هل ورد من الأدلة الشرعية ما يقتضي التحريم ~~أم لا # أما إذا كان المدرك الاستصحاب و نفي الدليل الشرعي فقد أجمع المسلمون ~~وعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد و يفتي بموجب هذا ~~الاستصحاب و النفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة إذا كان من أهل ذلك فإن ~~جميع ما أوجبه الله و رسوله وحرمه الله ورسوله مفسر لهذا الاستصحاب فلا ~~يوثق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن هو من أهل ذاك و أما إذا كان ~~المدرك هو النصوص العامة فالعام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز ~~التمسك به إلا بعد البحث عن تلك المسألة هل هي من المستخرج أو من المستبقي ~~وهذا أيضا لا خلاف فيه و إنما اختلف العلماء في العموم الذي لم ms195 يعلم تخصيصه ~~أو علم تخصيص صور معينة فيه هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل PageV01P210 ~~البحث عن المخصص المعارض له فقد اختلف في ذلك أصحاب الشافعي و أحمد و ~~غيرهما و ذكروا عن أحمد فيه روايتين و أكثر نصوصه على أنه لا يجوز لأهل ~~زمانه و نحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة و أقوال ~~الصحابة و التابعين و غيرهم وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب و غيره ~~فإن الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن ~~مقتضاه فإذا غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه وهذا الغلبة ~~لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض سواء جعل عدم ~~المعارض جزءا من الدليل فيكون الدليل هو الظاهر المجرد عن القرينة كما ~~يختاره من لا يقول بتخصيص الدليل ولا العلة من أصحابنا و غيرهم أو جعل ~~المعارض باب المانع للدليل فيكون الدليل هو الظاهر لكن القرينة مانعة ~~لدلالته كما يقوله من يقول بتخصيص الدليل و العلة من أصحابنا و غيرهم و إن ~~كان الخلاف في ذلك إنما يعود إلى اعتبار عقلي أو إطلاق لفظي أو اصطلاح جدلي ~~لا يرتفع إلى أمر علمي أو فقهي # فإذا كان كذلك فالأدلة النافية لتحريم العقود و الشروط و المثبتة لحلها ~~مخصوصة بجميع ما حرمه الله و رسوله من العقود و الشروط فلا ينتفع بهذه ~~القاعدة في أنواع المسائل إلا مع العلم بالحجج الخاصة في ذلك النوع فهي ~~بأصول الفقه التي هي الأدلة العامة أشبه منها بقواعد الفقه التي هي الأحكام ~~العامة # نعم من غلب على ظنه من الفقهاء انتفاء المعارض في مسألة خلافية أو حادثة ~~انتفع بهذه القاعدة فنذكر من أنواعها قواعد حكمية مطلقة # فمن ذلك ما ذكرناه من أنه يجوز لكل من أخرج عينا من ملكه بمعاوضة كالبيع ~~و الخلع أو تبرع كالوقف و العتق أن يستثني بعض منافعها مما لا يصلح فيه ~~القربة كالبيع فلا بد أن يكون المستثنى ms196 معلوما لما روى البخاري و أبو داود ~~و الترمذي و النسائي عن جابر قال بعته يعني بعيره من النبي صلى الله ~~PageV01P211 عليه وسلم و اشترطت حملانه إلى أهلي و إن لم يكن كذلك كالعتق و ~~الوقف فله أن يستثني خدمة العبد ما عاش سيده أو عاش فلان و يستثني غلة ~~الوقف ما عاش الواقف # ومن ذلك أن البائع إذا شرط على المشتري أن يعتق العبد صح ذلك في ظاهر ~~مذهب الشافعي و أحمد و غيرهما لحديث بريرة و إن كان عنهما قول بخلافه # ثم هل يصير العتق واجبا على المشتري كما يجب العتق بالنذر بحيث يفعله ~~الحاكم إذا امتنع أم يملك البائع الفسخ عند امتناعه من العتق كما يملك ~~الفسخ بفوات الصفة المشروطة في المبيع على وجهين في مذهبهما ثم الشافعي و ~~طائفة من أصحاب أحمد يرون هذا خارجا عن القياس لما فيه من منع المشتري من ~~التصرف في ملكه بغير العتق و ذلك مخالف لمقتضى العقد فإن مقتضاه الملك الذي ~~يملك صاحبه التصرف مطلقا # قالوا و إنما جوزته السنة لأن الشارع له إلى العتق تشوف لا يوجد في غيره ~~و لذلك أوجب فيه السراية مع ما فيه من إخراج ملك الشريك بغير اختياره و إذا ~~كان مبناه على التغليب و السراية و النفوذ في ملك الغير لم يلحق به غيره ~~فلا يجوز اشتراط غيره # و أصول أحمد و نصوصه تقتضي جواز شرط كل تصرف فيه مقصود صحيح و إن كان فيه ~~منع من غيره قال ابن القاسم قيل لأحمد الرجل يبيع الجارية على أن يعتقها ~~فأجازه فقيل له فإن هؤلاء يعني أصحاب أبي حنيفة يقولون لا يجوز البيع على ~~هذا الشرط قال لم لا يجوز قد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم بعير جابر و ~~اشترط ظهره إلى المدينة و اشترت عائشة بريرة على أن تعتقها فلم لا يجوز هذا ~~قال و إنما هذا شرط واحد و النهي إنما هو عن شرطين قيل له فإن شرط شرطين ~~أيجوز قال ms197 لا يجوز PageV01P212 # فقد نازع من منع منه و استدل على جوازه باشتراط النبي صلى الله عليه وسلم ~~ظهر البعير لجابر و بحديث بريرة و بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى ~~عن شرطين في بيع مع أن حديث جابر فيه استثناء بعض منفعة المبيع وهو نقص ~~لموجب العقد المطلق و اشتراط العتق فيه تصرف مقصود مستلزم لنقص موجب العقد ~~المطلق # فعلم أنه لا يفرق بين أن يكون النقص في التصرف أو في المملوك و استدلاله ~~بحديث الشرطين دليل على جواز هذا الجنس كله ولو كان العتق على خلاف القياس ~~لما قاسه على غيره ولا استدل عليه بما يشمله و غيره # وكذلك قال أحمد بن الحسين بن حسان سألت أبا عبد الله عمن اشترى مملوكا و ~~اشترط هو حر بعد موتي قال هذا مدبر فجوز اشتراط التدبير كالعتق و لأصحاب ~~الشافعي في شرط التدبير خلاف صحح الرافعي أنه لا يصح # و كذلك جوز اشتراط التسري فقال أبو طالب سألت أحمد عن رجل اشترى جارية ~~بشرط أن يتسرى بها تكون نفيسة يحب أهلها أن يتسرى بها ولا تكون للخدمة قال ~~لا بأس به فلو كان التسري للبائع و للجارية فيه مقصود صحيح جوزه # وكذلك جوز أن يشترط بائع الجارية و نحوها على المشتري أنه لا يبيعها لغير ~~البائع و أن البائع يأخذها إذا أراد المشتري بيعها بالثمن الأول كما رووه ~~عن عمر و ابن مسعود و امرأته زينب # وجماع ذلك أن المبيع الذي يدخل في مطلق العقد بأجزائه و منافعه يملكان ~~اشتراط الزيادة عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( من باع نخلا قد ~~أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ) ) فجوز للمشتري اشتراط زيادة ~~على موجب العقد المطلق وهو جائز بالإجماع و يملكان اشتراط النقص منه ~~بالاستثناء كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثنيا إلا أن تعلم فدل ~~على جوازها إذا PageV01P213 علمت و كما استثنى جابر ظهر بعيره إلى المدينة # و قد أجمع المسلمون فيما أعلمه على ms198 جواز استثناء الجزء الشائع مثل مثل أن ~~يبيعه الدار إلا ربعها أو ثلثها و استثناء الجزء المعين إذا أمكن فصله بغير ~~ضرر مثل أن يبيعه ثمر البستان إلا نخلات بعينها أو الثياب أو العبيد أو ~~الماشية التي قد رأياها إلا شيئا منها قد عيناه # و اختلفوا في استثناء بعض المنفعة كسكنى الدار شهرا أو استخدام العبد ~~شهرا أو ركوب الدابة مدة معينة أو إلى بلد بعينه مع اتفاق الفقهاء ~~المشهورين و أتباعهم و جمهور الصحابة على أن ذلك قد يقع كما إذا اشترى أمة ~~مزوجة فأن منفعة بضعها التي يملكها الزوج لم تدخل في العقد كما اشترت عائشة ~~بريرة و كانت مزوجة لكن هي اشترتها بشرط العتق فلم تملك التصرف فيها إلا ~~بالعتق و العتق ينافي نكاحها فلذلك كان ابن عباس رضي الله عنهما وهو ممن ~~روى حديث سريره يرى أن بيع الأمة طلاقها مع طائفة من الصحابة تأويلا لقوله ~~تعالى @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ قالوا فإذا ~~ابتاعها أو اتهبها أو ورثها فقد ملكتها يمينه فتباح له ولا يكون ذلك إلا ~~بزوال ملك الزوج و احتج بعض الفقهاء على ذلك بحديث بريرة # فلم يرض أحمد هذه الحجة لأن ابن عباس رواه و خالفه و ذلك و الله أعلم لما ~~ذكرته من أن عائشة لم تملك بريرة ملكا مطلقا # ثم الفقهاء قاطبة و جمهور الصحابة على أن الأمة المزوجة إذا انتقل الملك ~~فيها ببيع أو هبة أو إرث أو نحو ذلك وكان مالكها معصوم الملك لم يزل عنها ~~ملك الزوج و ملكها المشتري و نحوه إلا منفعة البضع # ومن حجتهم أن البائع نفسه لو أراد أن يزيل ملك الزوج لم يمكنه ذلك ~~فالمشتري الذي هو دون البائع لا يكون أقوى منه ولا يكون الملك الثابت ~~للمشتري أتم من البائع و الزوج معصوم لا يجوز الاستيلاء على حقه بخلاف ~~المسبية PageV01P214 فإن فيها خلافا ليس هذا موضعه لكون أهل الحرب تباح ~~دماؤهم و أموالهم و كذلك ما ملكوه من الأبضاع ms199 # و كذلك فقهاء الحديث و أهل الحجاز متفقون على أنه إذا باع شجرا قد بدا ~~ثمره كالنخل المؤبر فثمره للبائع مستحق الإبقاء إلى كمال صلاحه فيكون ~~البائع قد استثنى منفعة الشجر إلى كمال الصلاح و كذلك 3 بيع العين المؤجرة ~~كالدار و العبد عامتهم يجوزه و يملكه المشتري دون المنفعة التي للمستأجر # فقهاء الحديث كأحمد و غيره يجوزون استثناء بعض منفعة العقد كما في صور ~~الوفاق و كاستثناء بعض أجزاءه معينا و مشاعا و كذلك يجوزون استثناء بعض ~~أجزائه معينا إذا كانت العادة جارية بفصله كبيع الشاة و استثناء بعضها سواء ~~قطعها من الرأس و الجلد و الأكارع و كذلك الإجارة فإن العقد المطلق يقتضي ~~نوعا من الانتفاع في الإجارات المقدرة بالزمان كما لو استأجر أرضا للزرع أو ~~حانوتا لتجارة فيه أو صناعة أو أجير لخياطة أو بناء و نحو ذلك فإنه لو زاد ~~على موجب العقد المطلق أو نقص عنه فإنه يجوز بغير خلاف أعلمه في النكاح فإن ~~العقد المطلق يقتضي ملك الاستمتاع المطلق الذي يقتضيه العرف حيث شاء و متى ~~شاء فينقلها إلى حيث شاء إذا لم يكن فيه ضرر إلا ما استثناه من الاستمتاع ~~المحرم الذي هو مهر المثل و ملكها للاستمتاع في الجملة فإنه لو كان مجبوبا ~~أو عنينا ثبت لها الفسخ عند السلف و الفقهاء و المشاهير و لو آلى منها ثبت ~~لها فراقه إذا لم يفئ بالكتاب و الإجماع و إن كان من الفقهاء من لا يوجب ~~عليه الوطء و قسم الابتداء بل يكتفي بالباعث الطبيعي كمذهب أبي حنيفة و ~~الشافعي و رواية عن أحمد فإن الصحيح من وجوه كثيرة أنه يجب عليه الوطء و ~~القسم كما دل عليه الكتاب و السنة و آثار الصحابة و الاعتبار و قيل يتقدر ~~الوطء الواجب بمرة كل أربعة أشهر اعتبارا بالإبلاء و يجب إن يطأها بالمعروف ~~كما ينفق عليها بالمعروف فيه خلاف في مذهب أحمد و غيره و الصحيح الذي يدل ~~PageV01P215 عليه أكثر نصوص أحمد و عليه ms200 أكثر السلف أن ما يوجبه العقد لكل ~~واحد من الزوجين على الآخر كالنفقة و الاستمتاع و المبيت للمرأة و ~~كالاستمتاع للزوج ليس بمقدر بل المرجع في ذلك إلى العرف كما دل عليه الكتاب ~~في مثل قوله تعالى @QB@ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف @QE@ و السنة في مثل ~~قوله صلى الله عليه وسلم لهند ( ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) ) و إذا ~~تنازع الزوجان فيه فرض الحاكم باجتهاده كما فرضت الصحابة مقدار الوطء للزوج ~~بمرات معدودة ومن قدر من أصحاب أحمد الوطء المستحق فهو كتقدير الشافعي ~~النفقة إذ كلاهما تحتاجه المرأة و يوجبه العقد و تقدير ذلك ضعيف عند عامة ~~الفقهاء بعيد عن معاني الكتاب و السنة و الاعتبار و الشافعي إنما قدره طردا ~~للقاعدة التي ذكرناها عنه من نفيه للجهالة في جميع العقود قياسا على المنع ~~من بيع الغرر فجعل النفقة المستحقة بعقد النكاح مقدرة طردا لذلك وقد تقدم ~~التنبيه على هذا الأصل # وكذلك يوجب العقد المطلق سلامة الزوج من الجب و العنة عند عامة الفقهاء و ~~كذلك يوجب عند الجمهور سلامتها من موانع الوطء كالرتق و سلامتها من الجنون ~~و الجذام و البرص و كذلك سلامتها من العيوب التي تمنع كماله كخروج النجاسات ~~منه أو منها ونحو ذلك في أحد الوجهين في مذهب أحمد و غيره دون الجمال و نحو ~~ذلك و موجبه كفاءة الرجل أيضا دون ما زاد على ذلك # ثم لو شرط أحد الزوجين في الآخر صفة مقصودة كالمال و الجمال و البكارة ~~ونحو ذلك صح ذلك و ملك المشترط الفسخ عند فواته في أصح الرواية عند أحمد أو ~~أصح وجهي أصحاب الشافعي و ظاهر مذهب مالك و الرواية الأخرى لا يملك الفسخ ~~إلا في شرط الحرية و الدين وفي شرط النسب على هذه الرواية وجهان سواء كان ~~المشترط هو المرأة في الرجل أو الرجل في المرأة بل اشتراط المرأة في الرجل ~~أوكد باتفاق الفقهاء من أصحاب أحمد و غيرهم و ما ذكره بعض أصحاب أحمد بخلاف ~~ذلك لا ms201 أصل له PageV01P216 # و كذلك لو اشترط بعض الصفة المستحقة بمطلق العقد مثل أن يشترط الزوج أنه ~~مجبوب أو عنين أو المرأة أنها رتقاء أو مجنونة صح هذا الشرط باتفاق الفقهاء ~~فقد اتفقوا على صحة الشرط الناقص عن موجب العقد و اختلفوا في شرط الزيادة ~~عليه في هذا الموضع كما ذكرته لك فإن مذهب أبي حنيفة أنه لا يثبت للرجل ~~خيار عيب ولا شرط في النكاح و أما المهر فإنه لو زاد على مهر المثل أو نقص ~~جاز بالاتفاق # كذلك يجوز أكثر السلف أو كثير منهم و فقهاء الحديث و مالك في إحدى ~~الروايتين أن ينقص ملك الزوج فتشترط عليه أن لا ينقلها من بلدها أو من ~~دارها و أن يزيدها على ما تملكه بالمطلق صرفوا عليها نفسه فلا يتزوج عليها ~~ولا يتسرى وعند طائفة من السلف و أبي حنيفة و الشافعي و مالك في الرواية ~~الأخرى لا يصح هذا الشرط لكنه له عند أبي حنيفة و الشافعي أثر في تسمية ~~المهر # و القياس المستقيم في هذا الباب الذي عليه أصول أحمد و غيره من فقهاء ~~الحديث أن اشتراط الزيادة على مطلق العقد و اشتراط النقص جائز ما لم يمنع ~~منه الشرع فإذا كانت الزيادة في العين أو المنفعة المعقود عليها و النقص من ~~ذلك ما ذكرت فالزيادة في الملك المستحق بالعقد و النقص منه كذلك فإذا شرط ~~على المشتري أن يعتق العبد أو يقف العين على البائع أو غيره أو أن يقضي ~~بالعين دينا عليه لمعين أو غير معين أو أن يصل به رحمه ونحو ذلك فهو اشتراط ~~تصرف مقصود و مثله التبرع المفروض و التطوع # و أما التفريق بين العتق و غيره بما في العتق من الفضل الذي يتشوفه ~~الشارع فضعيف فإن بعض أنواع التبرعات أفضل منه فإن صلة ذي الرحم المحتاج ~~أفضل منه كما نص عليه أحمد فإن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أعتقت ~~PageV01P217 جارية لها فقال النبي صلى الله عليه سلم ( ( لو تركتيها ~~لأخوالك لكان ms202 خيرا لك ) ) و لهذا لو كان للميت أقارب لا يرثون كانت الوصية ~~لهم أولى من الوصية بالعتق وما أعلم في هذا خلافا وإنما أعلم الاختلاف في ~~وجوب الوصية لهم فإن فيه عن أحمد روايتين إحداهما تجب كقول طائفة من السلف ~~و الخلف و الثانية لا تجب كقول الفقهاء الثلاثة و غيرهم ولو وصى لغيرهم ~~دونهم فهل تسري تلك الوصية على أقاربه دون الموصي له أو يعطى ثلثها للموصى ~~له و ثلثاها لأقاربه كما تقسم التركة بين الورثة و الموصى له على روايتين ~~عن أحمد و إن كان المشهور عند أكثر أصحابه هو القول بنفوذ الوصية فإذا كان ~~بعض التبرعات أفضل من العتق لم يصح تعليله باختصاصه بمزيد الفضيلة # و أيضا فقد يكون المشروط على المشتري أفضل كما لو كان عليه دين لله من ~~زكاة أو كفارة أو نذر أو دين لآدمي فاشترط عليه وفاء دينه من ذلك المبيع أو ~~اشترط المشتري على البائع وفاء الدين الذي عليه من الثمن ونحو ذلك فهذا ~~أوكد من اشتراط العتق # و أما السرية فإنما كانت لتكميل الحرية وقد شرع مثل ذلك في الأموال وهو ~~حق الشفعة فإنها شرعت لتكميل الملك للمشتري لما في الشركة من الضرار ونحن ~~نقول شرع ذلك في جميع المشاركات فيمكن الشريك من المقاسمة فإن أمكن قسمة ~~العين و إلا قسمنا ثمنها إذا طلب أحدهما ذلك فتكميل العتق نوع من ذلك إذ ~~الشركة تزول بالقسمة تارة و بالتكميل أخرى # و أصل ذلك أن الملك هو القدرة الشرعية على التصرف بمنزلة القدرة الحسية ~~فيمكن أن تثبت القدرة على التصرف دون تصرف شرعا كما يثبت ذلك حسا و لهذا ~~جاء الملك في الشرع أنواعا كما أن القدرة تتنوع أنواعا فالملك التام يملك ~~فيه التصرف في الرقبة بالبيع و الهبة و يورث عنه و يملك التصرف في منافعه ~~بالإعارة و الإجارة و الانتفاع و غير ذلك ثم قد يملك الأمة المجوسية ~~PageV01P218 أو المحرمات عليه بالرضاع فلا يملك منهن الاستمتاع و يملك ~~المعاوضة عليه بالتزويج ms203 بأن يزوج المجوسية المجوسي مثلا و قد يملك أم الولد ~~ولا يملك بيعها ولا هبتها ولا تورث عنه عند جماهير المسلمين و يملك وطأها و ~~استخدامها باتفاقهم و كذلك تملك المعاوضة على ذلك بالتزويج و الإجارة عند ~~أكثرهم كأبي حنيفة و الشافعي و أحمد # و يملك المرهون و يجب عليه مؤونته ولا يملك من التصرف ما يزيل حق المرتهن ~~لا ببيع و لا هبة و في العتق خلاف مشهور # و العبد المنذور عتقه و الهدي و المال الذي قد نذر الصدقة بعينه و نحو ~~ذلك مما استحق صرفه إلى القربة قد اختلف فيه الفقهاء من أصحابنا و غيرهم هل ~~يزال ملكه عنه بذلك أم لا و كلا القولين خارج عن قياس الملك المطلق فمن قال ~~لم يزل ملكه عنه كما قد يقوله أكثر أصحابنا فهو ملك لا يملك صرفه إلا إلى ~~الجهة المعينة بالإعتاق أو النسك أو الصدقة وهونظير العبد المشترى بشرط ~~العتق أو الصدقة أو الصلة أو الفدية المشتراة بشرط الإهداء إلى الحرم ومن ~~قال زال ملكه عنه فإنه يقول هو الذي يملك عتقه و إهداءه و الصدقة به وهو ~~أيضا خلاف قياس زوال الملك في غير هذا الموضع و كذلك اختلاف الفقهاء في ~~الوقف على معين هل يصير الموقوف ملكا لله أو ينتقل إلى الموقوف عليه أو ~~يكون باقيا على ملك الواقف على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد و غيره # وعلى كل تقدير فالملك الموصوف نوع مخالف لغيره من الملك في البيع أو ~~الهبة و كذلك ملك الموهوب له حيث يجوز للوهب الرجوع كالأب إذا وهب لابنه ~~عند فقهاء الحديث كالشافعي و أحمد نوع مخالف لغيره حيث سلط غير المالك على ~~انتزاعه منه و فسخ عقده # و نظيره سائر الأملاك في عقد يجوز لأحد المتعاقدين فسخه كالمبيع بشرط ~~PageV01P219 عند من يقول انتقل إلى المشتري كالشافعي و أحمد في أحد قوليهما ~~وكالمبيع إذا أفلس المشتري بالثمن عند فقهاء الحديث و أهل الحجاز وكالمبيع ~~الذي ظهر فيه عيب أو فوات ms204 صفة عند جميع المسلمين فهنا في المعاوضة و التبرع ~~يملك العقد انتزاعه و ملك الأب لا يملك انتزاعه و جنس الملك يجمعهما و كذلك ~~ملك الابن في مذهب أحمد وغيره من فقهاء الحديث الذي اتبعوا فيه معني الكتاب ~~و صريح السنة # و طوائف من السلف يقولون هو مباح للأب مملوك للابن بحيث يكون للأب ~~كالمباحات التي تملك بالاستيلاء و ملك الابن ثابت عليه بحيث يتصرف فيه ~~تصرفا مطلقا فإذا كان الملك يتنوع أنواعا وفيه من الإطلاق و التقييد ما ~~وصفته و ما لم أصفه لم يمتنع أن يكون ثبوت ذلك مفوضا إلى الإنسان يثبت منه ~~ما رأى فيه مصلحة له و يمتنع من إثبات ما لا مصلحة له فيه و الشارع لا يحظر ~~على الإنسان إلا ما فيه فساد راجح أو محض فإذا لم يكن فيه فساد أو كان ~~فساده مغمورا بالمصلحة لم يحظره أبدا $ فصل # القاعدة الرابعة أن الشرط المتقدم على العقد بمنزلة المقارن له في ظاهر ~~مذهب فقهاء الحديث أحمد و غيره و مذهب أهل المدينة مالك و غيره وهو قول في ~~مذهب الشافعي نص عليه في صداق السر و العلانية و نقلوه إلى شرط التحليل ~~المتقدم و غيره و إن كان المشهور من مذهبه و مذهب أبي حنيفة أن المتقدم لا ~~يؤثر بل يكون كالوعد المطلق عندهم يستحب الوفاء به وهو قول في مذهب أحمد قد ~~يختاره في بعض المواضع طائفة من أصحابه كاختيار بعضهم أن التحليل المشروط ~~قبل العقد لا يؤثر إلا أن ينويه الزوج وقت العقد وقول طائفة PageV01P220 ~~كثيرة بما نقلوه عن أحمد من أن الشرط المتقدم على العقد في الصداق لا يؤثر ~~و إنما يؤثر تسميته في العقد ومن أصحاب أحمد طائفة كالقاضي أبي يعلى يفرقون ~~بين الشرط المتقدم الرافع لمقصود العقد و المقيد له فإن كان رافعا ~~كالمواطأة على كون العقد تلجئة أو تحليلا أبطله و إن كان مقيدا له كاشتراط ~~كون المهر أقل من المسمى لم يؤثر فيه لكن المشهور في نصوص ms205 أحمد و أصوله وما ~~عليه قدماء أصحابه كقول أهل المدينة أن الشرط المتقدم كالشرط المقارن فإذا ~~اتفقا على شيء و عقد العقد بعد ذلك فهو مصروف إلى المعروف بينهما مما اتفقا ~~عليه كما ينصرف الدرهم و الدينار في العقود إلى المعروف بينهما وكما أن ~~جميع العقود و إنما تنصرف إلى ما يتعارفه المتعاقدان # | فصل # القاعدة الخامسة في الأيمان و النذور # قال الله تعالى @QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات ~~أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو ~~العليم الحكيم @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن ~~تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم لا يؤاخذكم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم والله غفور حليم للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا ~~فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم @QE@ و قال تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن ~~الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي ~~أنتم به مؤمنون لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو ~~تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك @QE@ PageV01P221 # و فيها قواعد عظيمة لكن تحتاج إلى تقديم مقدمات نافعة جدا في هذا الباب و ~~غيره # المقدمة الأولى أن اليمين تشتمل على جملتين جملة مقسم بها و جملة مقسم ~~عليها و مسائل الأيمان إما في حكم المحلوف به و إما في حكم المحلوف عليه # فأما المحلوف به فالأيمان التي يحلف بها المسلمون مما قد يلزم بها حكم ~~ستة أنواع ليس لها سابع # أحدها اليمين بالله و ما في معناها مما فيه التزام كفر على تقدير الحنث ~~كقوله هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا على ما فيه من الخلاف بين الفقهاء # الثاني ms206 اليمين بالنذر الذي يسمى نذر اللجاج و الغضب كقوله علي الحج لا ~~أفعل كذا أو إن فعلت كذا فعلي الحج أو مالي صدقة إن فعلت كذا و نحو ذلك # الثالث اليمين بالطلاق # الرابع اليمين بالعتاق # الخامس اليمين بالحرام كقوله الحل علي حرام لا أفعل كذا # السادس الظهار كقوله أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا # فهذا مجموع ما يحلف به المسلمون مما فيه حكم # فأما الحلف بالمخلوقين كالحلف بالكعبة أو قبر الشيخ أو بنعمة السلطان أو ~~بالسيف أو بحياة أحد من المخلوقات فما أعلم بين العلماء خلافا أن هذه ~~اليمين مكروهة منهي عنها و أن الحلف بها لا يوجب حنثا ولا كفارة وهل الحلف ~~بها محرم أو مكروه كراهة تنزيه فيه قولان في مذهب أحمد و غيره PageV01P222 ~~أصحهما أنه محرم ولهذا قال أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وغيره أنه إذا قال ~~أيمان المسلمين تلزمني إن فعلت كذا لزمه اليمين بالله والنذر والطلاق ~~والعتاق والظهار ولم يذكر الحرام لأن يمين الحرام ظهار عند أحمد وأصحابه ~~فلما كان موجبها واحد عندهم دخل الحرام في الظهار ولم يدخلوا النذر في ~~اليمين بالله وإن جاز أن يكفر يمينه بالنذر لأن موجب الحلف بالنذر المسمى ~~بنذر اللجاج والغضب عند الحنث هو التخيير بين التكفير وبين فعل المنذور ~~وموجب اليمين بالله هو التكفير فقط فلما اختلف موجهما جعلوهما يمينين # نعم إذا قالوا بالرواية الأخرى عن أحمد وهو أن الحلف بالنذر موجبه ~~الكفارة فقط دخلت اليمين بالنذر في اليمين بالله # و أما اختلافهم و اختلاف غيرهم من العلماء في أن مثل هذا الكلام هل ينعقد ~~به اليمين أو لا ينعقد فسأذكره إن شاء الله تعالى و إنما غرضي هنا حصر ~~الأيمان التي يحلف بها المسلمون # و أما أيمان البيعة فقالوا أول من أحدثها الحجاج بن يوسف الثقفي و كانت ~~السنة أن الناس يبايعون الخلفاء كما بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعقدون البيعة كما يعقدون عقد البيع و النكاح و نحوهما إما أن يذكروا ~~الشروط التي يبايعون ms207 عليها ثم يقولون بايعناك على ذلك كما بايعت الأنصار ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة فلما أحدث الحجاج ما أحدث من الفسق ~~كان من جملته أن حلف الناس على بيعتهم لعبد الملك بن مروان بالطلاق و ~~العتاق و اليمين بالله صدقة المال فهذه الأيمان الأربعة هي كانت أيمان ~~البيعة القديمة المبتدعة ثم أحدث المستخلفون عن الأمراء و الملوك و غيرهم ~~أيمانا كثيرة أكثر من ذلك وقد تختلف فيها عاداتهم ومن أحدث ذلك فعليه إثم ~~ما ترتب على هذه الأيمان من الشر # المقدمة الثانية أن تخرج اليمين عن هاتين الصيغتين فالأول كقوله ~~PageV01P223 و الله لا أفعل كذا أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا أو الحل علي ~~حرام لا أفعل كذا أو علي الحج لا أفعل كذا و الثاني كقوله إن فعلت كذا فأنا ~~يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو إن فعلت كذا فامرأتي طالق أو إن ~~فعلت كذا فعلي الحج أو فما لي صدقة و لهذا عقد الفقهاء لمسائل الأيمان ~~بابين أحدهما باب تعليق الطلاق بالشروط فيذكرون فيه الحلف بصيغة الجزاء كإن ~~و إذا و متى أشبه ذلك و إن دخل فيه صيغة القسم ضمنا و تبعا و الباب الثاني ~~باب جامع الأيمان مما يشترك فيه اليمين بالله و الطلاق و العتاق و غير ذلك ~~فيذكرون فيه الحلف بصيغة القسم و إن دخلت صيغة الجزاء ضمنا و تبعا # و مسائل أحد البابين مختلطة بمسائل الباب الآخر لاتفاقهما في المعنى ~~كثيرا أو غالبا و لذلك كان طائفة من الفقهاء كأبي الخطاب و غيره لما ذكروا ~~في كتاب الطلاق باب تعليق الطلاق بالشروط أردفوه بباب جامع الأيمان و طائفة ~~أخرى كالخرقى و القاضي أبي يعلى و غيرهما إنما ذكروا باب جامع الأيمان في ~~كتاب الأيمان لأنه به أمس و نظير هذا الباب حد القذف منهم من يذكره عند باب ~~اللعان لاتصال أحدهما بالآخر و منهم من يؤخره إلى كتاب الحدود لأنه به أخص # و إذا تبين أن لليمين صيغتين صيغة ms208 القسم و صيغة الجزاء فالمقدم صيغة ~~القسم مؤخر في صيغة الجزاء و المؤخر في صيغة الجزاء مقدم في صيغة القسم و ~~الشرط المنفي في صيغة الجزاء مثبت في صيغة القسم فإنه إذا قال الطلاق ~~يلزمني لا أفعل كذا فقد حلف بالطلاق أن لا يفعل فالطلاق مقدم و الفعل مؤخر ~~منفي ولو حلف بصيغة الجزاء لقال إن فعلت كذا فامرأتي طالق فكان تقدم الفعل ~~مثبتا و تأخر الطلاق منفيا كما أنه في القسم قدم الحكم PageV01P224 و أخر ~~الفعل و بهذه القاعدة تنحل مسائل كثيرة من مسائل الأيمان # فأما صيغة الجزاء فهي جملة فعلية في الأصل فإن أدوات الشرط لا يتصل بها ~~في الأصل إلا الفعل و أما صيغة القسم فتكون فعلية كقوله أحلف بالله أو ~~تالله أو و الله و نحو ذلك و تكون اسمية كقوله لعمر الله لأفعلن و الحل علي ~~حرام لأفعلن # ثم هذا التقسيم ليس من خصائص الأيمان التي بين العبد و بين الله بل غير ~~ذلك من العقود التي تكون بين الآدميين تارة تكون بصيغة التعليق الذي هو ~~الشرط و الجزاء كقوله في الجعالة من رد عبدي الآبق فله كذا وقوله في السبق ~~من سبق فله كذا و تارة بصيغة الجزم و التحقيق إما صيغة خبر كقوله بعت و ~~زوجت و إما صيغة طلب كقول بعني و اخلعني # المقدمة الثالثة و بها يظهر مسائل الأيمان و نحوها أن صيغة التعليق التي ~~تسمى صيغة الشرط و صيغة المجازاة تنقسم إلى ستة أنواع لأن الحالف إما أن ~~يكون مقصوده وجود الشرط فقط أو وجود الجزاء فقط أو وجودهما و إما أن لا ~~يقصد وجود واحد منهما بل يكون مقصوده عدم الشرط فقط أو عدم الجزاء فقط أو ~~عدمهما فالأول بمنزلة كثير من صور الخلع و الكتابة و نذر التبرر و الجعالة ~~و نحوها فإن الرجل إذا قال لامرأته إن أعطيتني ألفا فأنت طالق أو فقد خلعتك ~~أو قال لعبده إن أديت ألفا فأنت حر أو قال إن رددت عبدي ms209 الآبق فلك ألف درهم ~~أو قال إن شفى الله مريضي أو سلم مالي الغائب فعلي عتق كذا أو الصدقة بكذا ~~فالمعلق قد لا يكون مقصوده إلا أخذ المال و رد العبد و سلامة النفس و المال ~~و إنما التزم الجزاء على سبيل العوض كالبائع الذي إنما مقصوده أخذ الثمن و ~~التزم أداء المبيع على سبيل العوض # فهذا الضرب هو شبيه بالمعاوضة في البيع و الإجارة و كذلك إذا كان قد جعل ~~الطلاق عقوبة لها مثل أن يقول إذا ضربت أمتي فأنت طالق أو إن PageV01P225 ~~خرجت من الدار فأنت طالق فإنه في الخلع عوضها بالتطليق عن المال لأنها تريد ~~الطلاق وهنا عوضها عن بعضيتها بالطلاق # و أما الثاني فمثل أن يقول لامرأته إذا طهرت فأنت طالق أو يقول لعبده إذا ~~مت فأنت حر أو إذا جاء رأس الحول فأنت حر أو فمالي صدقة و نحو ذلك من ~~التعليق الذي هو توقيت محض فهذا الضرب هو بمنزلة المنجز في أن كل واحد ~~منهما قصد الطلاق و العتاق و إنما أخره إلى الوقت المعين بمنزلة تأجيل ~~الدين و بمنزلة من يؤخر التطليق من وقت إلى وقت لغرض له في التأخير لا لعوض ~~ولا لحلف على طلب أو خبر و لهذا قال الفقهاء من أصحابنا و غيرهم إذا حلف ~~أنه لا يحلف بالطلاق مثل أن يقول والله لا أحلف بطلاقك أو إن حلفت بطلاقك ~~فعبدي حر أو فأنت طالق وأنه إذا قال إن دخلت أو إن لم تدخلي و نحو ذلك مما ~~فيه معنى الحض أو المنع فهو حالف ولو كان تعليقا محضا كقوله إذا طلعت الشمس ~~فأنت طالق أو أنت طالق إن طلعت الشمس فاختلفوا فيه قال أصحاب الشافعي ليس ~~بحالف وقال أصحاب أبي حنيفة و القاضي في الجامع هو حالف # و أما الثالث وهو أن يكون مقصوده وجودهما فمثل الذي قد آذته المرأة حتى ~~أحب طلاقها و استرجاع الفدية منها فيقول إن أبرأتيني من صداقك أو من نفقتك ~~فأنت طالق وهو يريد ms210 كلا منهما # و أما الرابع وهو أن يكون مقصوده عدم الشرط لكنه إذا وجد لم يكره الجزاء ~~بل يحبه أو لا يحبه ولا يكرهه فمثل أن يقول لامرأته إن زنيت فأنت طالق أو ~~إن ضربت أمي فأنت طالق و نحو ذلك من التعليق الذي يقصد فيه عدم الشرط و ~~يقصد وجود الجزاء عند وجوده بحيث إذا زنت أو إذا ضربت أمه يجب أن يفارقها ~~لأنها لا تصلح له فهذا فيه معنى اليمين و فيه معنى التوقيت فإنه منعها من ~~الفعل و قصد إيقاع الطلاق عنده كما قصد PageV01P226 إيقاعه عند أخذ العوض ~~منها أو عند طهرها أو عند طلوع الهلال # و أما الخامس وهو أن يكون مقصوده عدم الجزاء و تعلقه بالشرط لئلا يوجد و ~~ليس له غرض في عدم الشرط فهذا قليل كمن يقول إن أصبت مائة رمية أعطيتك كذا # و أما السادس وهو أن يكون مقصودهما عدم الشرط و الجزاء و إنما تعلق ~~الجزاء بالشرط ليمتنع وجودهما فهو مثل نذر اللجاج و الغضب و مثل الحلف ~~بالطلاق و العتاق على حض أو منع أو تصديق أو تكذيب مثل أن يقال له تصدق على ~~فلان أو أصلح بين فلان و فلان أو حج في هذه السنة فيقول إن تصدقت عليه ~~فعليه صيام كذا أو فامرأته طالق أو فعبيده أحرار أو يقول إن لم أفعل كذا و ~~كذا فعلي نذر كذا أو امرأتي طالق أو عبدي حر أو يحلف على غيره ممن يقصد ~~منعه كعبده و نسيبه و صديقه ممن يحضه على طاعته فيقول له إن فعلت أو إن لم ~~تفعلي فعلي كذا أو فامرأتي طالق أو فعبيدي أحرار و نحو ذلك # فهذا نذر اللجاج و الغضب و ما أشبهه من الحلف بالطلاق و العتاق يخالف في ~~المعنى نذر التبرر و التقرب و ما أشبهه من الخلع و الكتابة فإن الذي يقول ~~إن سلمني الله أو سلم مالي من كذا أو إن أعطاني الله كذا فعلي أن أتصدق أو ~~أصوم أو ms211 أحج قصده حصول الشرط الذي هو الغنيمة أو السلامة و قصد أن يشكر ~~الله على ذلك بما نذره و كذلك المخالع و المكاتب قصده حصول العوض و بذل ~~الطلاق و العتاق عوضا عن ذلك # و أما النذر في اللجاج و الغضب فكما إذا قيل له افعل كذا فامتنع من فعله ~~ثم قال إن فعلته فعلي الحج أو الصيام فهنا مقصوده أن لا يكون الشرط ثم إنه ~~لقوة امتناعه ألزم نفسه إن فعله بهذه الأمور الثقيلة عليه ليكون لزومها له ~~إذا فعل مانعا له من الفعل و كذلك إذا قال إن فعلته فامرأتي طالق أو فعبيدي ~~أحرار إنما مقصوده الامتناع و التزم بتقدير الفعل ما هو PageV01P227 شديد ~~عليه من فراق أهله و ذهاب ماله ليس غرض هذا أن يتقرب إلى الله بعتق أو صدقة ~~ولا أن يفارق امرأته و لهذا سمى العلماء هذا نذر اللجاج و الغضب مأخوذا من ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ( ~~( والله لا يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي الكفارة ~~التي فرض الله عليه ) ) # فصورة هذا النذر صورة نذر التبرر في اللفظ و معناه شديد المباينة لمعناه ~~ومن هذا نشأت الشبهة التي سنذكرها في هذا الباب إن شاء الله تعالى على ~~طائفة من العلماء و بهذا يتبين فقه الصحابة الذين نظروا إلى معاني الألفاظ ~~لا إلى صورها # إذا تبينت هذه الأنواع الداخلة في قسم التعليق فقد علمت أن بعضها معناه ~~معنى اليمين بصيغة القسم و بعضها ليس معناه معنى اليمين بصيغة القسم فمتى ~~كان الشرط المقصود حضا على فعل أو منعا منه أو تصديقا لخبر أو تكذيبا كان ~~الشرط مقصود العدم هو و جزاؤه كنذر اللجاج والغضب و الحلف بالطلاق على وجه ~~اللجاج و الغضب # القاعدة الأولى أن الحالف بالله سبحانه قد بين الله حكمه بالكتاب و السنة ~~و الإجماع # أما الكتاب فقال تعالى @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما ms212 كسبت قلوبكم والله غفور حليم @QE@ و قال @QB@ قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم @QE@ و قال @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ~~@QE@ PageV01P228 و أما السنة ففي الصحيحين عن عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال له ( ( يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك ~~إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها و إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها و ~~إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير و كفر عن يمينك ~~) ) # فبين له النبي صلى الله عليه وسلم حكم الأمانة الذي هو الإمارة و حكم ~~العهد الذي هو اليمين و كانوا في أول الإسلام لا مخرج لهم من اليمين قبل أن ~~تشرع الكفارة و لهذا قالت عائشة كان أبو بكر لا يحنث في يمين حتى أنزل الله ~~كفارة اليمين و ذلك لأن اليمين بالله عقد بالله فيجب الوفاء به كما يجب في ~~سائر العقود و أشد لأن قوله أحلف بالله و أقسم بالله و أولي الله و نحو ذلك ~~في معنى قوله أعقد بالله لهذا عدي بحرف الإلصاق الذي يستعمل في الربط و ~~العقد فينعقد المحلوف عليه بالله كما تنعقد إحدى اليدين بالأخرى في ~~المعاقدة و لهذا سماه الله سبحانه عقدا في قوله @QB@ ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان @QE@ فإذا كان قد عقدها بالله فإن الحنث فيها نقض لعهد الله ~~و ميثاقه لولا ما فرضه الله من التحلة و لهذا سمي حلها حنثا و الحنث هو ~~الإثم في الأصل فالحنث فيها سبب للإثم لولا الكفارة الماحية و إنما الكفارة ~~منعته أن يوجب إثما # و نظير الرخصة في كفارة اليمين بعد عقدها الرخصة أيضا في كفارة الظهار ~~بعد أن كان الظهار في الجاهلية و أول ms213 الإسلام طلاقا و كذلك الإيلاء كان ~~عندهم طلاقا فإن هذا جار على قاعدة وجوب الوفاء بمقتضى اليمين فإن الإيلاء ~~إذا أوجب الوفاء بمقتضاه من ترك الوطء صار الوطء محرما و تحريم الوطء ~~تحريما مطلقا مستلزم لزوال الملك الذي هو الطلاق و كذلك الظهار إذا أوجب ~~التحريم فالتحريم مستلزم لزوال الملك فإن الزوجة لا تكون محرمة على الإطلاق ~~و لهذا قال سبحانه وتعالى @QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي ~~مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ ~~PageV01P229 و التحلة مصدر حللت الشيء تحليلا و تحلة كما يقال كرمته تكريما ~~و تكرمة وهذا المصدر يسمى به المحلل نفسه الذي هو الكفارة فإن أريد المصدر ~~فالمعنى فرض الله لكم تحليل اليمين وهو حلها الذي هو خلاف العقد أو الحل و ~~لهذا استدل من استدل من أصحابنا و غيرهم كأبي بكر بن عبد العزيز بهذه الآية ~~على التكفير قبل الحنث لأن التحلة لا تكون بعد الحنث فإنه بالحنث تنحل ~~اليمين و إنما تكون التحلة إذا أخرجت قبل الحنث لتتحلل اليمين و إنما هي ~~بعد الحنث كفارة لأنها كفرت ما في الحنث من سبب الإثم لنقض عهد الله # فإذا تبين أن ما اقتضته اليمين من وجوب الوفاء بها رفعه الله عن هذه ~~الأمة بالكفارة التي جعلها بدلا من الوفاء في جملة ما رفعه عنها من الأخبار ~~التي نبه عليها بقوله تعالى @QB@ ويضع عنهم إصرهم @QE@ فالأفعال ثلاثة إما ~~طاعة و إما معصية و إما مباح فإذا حلف ليفعلنه مباحا أو ليتركنه فهنا ~~الكفارة مشروعة بالإجماع و كذلك إذا كان المحلوف عليه فعل مكروه أو ترك ~~مستحب وهو المذكور في قوله تعالى @QB@ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن ~~تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم @QE@ # و أما إن كان المحلوف عليه ترك واجب أو فعل محرم فهنا لا يجوز الوفاء به ~~بالاتفاق بل يجب التكفير عند عامة العلماء # و أما قبل أن تشرع الكفارة فكان الحالف على مثل هذا ms214 لا يحل له الوفاء ~~بيمينه ولا كفارة له ترفع عنه مقتضى الحنث بل يكون عاصيا معصية لا كفارة ~~فيها سواء وفى أم لم يف كما لو نذر معصية عند من لم يجعل في نذره كفارة و ~~إن كان المحلوف عليه فعل طاعة غير واجبة $ فصل # فأما الحالف بالنذر الذي هو نذر اللجاج و الغضب مثل أن يقول إذا فعلت ~~PageV01P230 كذلك فعلى الحج أو فمالي صدقة أو فعلى صيام يريد بذلك أن يمنع ~~نفسه عن الفعل أو أن يقول إن لم أفعل كذل فعلى الحج ونحوه فمذهب أهل العلم ~~من أهل مكة والمدينة والبصرة والكوفة أنه يجزيه كفارة يمين وهو قول فقهاء ~~الحديث كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم وهذا هو إحدى الروايتين عن ~~أبي حنيفة وهو الرواية المتأخرة عنه # ثم اختلف هؤلاء فأكثرهم قالوا هو مخير بين الوفاء بما نذره وبين كفارة ~~يمين وهذا قول الشافعي والمشهور عن أحمد ومنهم من قال بل عليه الكفارة عينا ~~كما يلزمه ذلك في اليمين بالله وهو الرواية الأخرى عن أحمد وقول بعض أصحاب ~~الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة في الرواية الأخرى وطائفة بل يجب الوفاء بهذا ~~النذر # وقد ذكروا أن الشافعي سئل عن هذه المسألة بمصر فأفتى فيها بالكفارة فقال ~~له السائل يا أبا عبد الله هذا قولك فقال قول من هو خير منى عطاء ابن أبي ~~رباح وذكروا أن عبد الرحمن بن القاسم حث ابنه في هذه اليمين فأفتاه بكفارة ~~يمين بقول الليث بن سعد وقال إن عدت أفتيك بقول مالك وهو الوفاء به ولهذا ~~يفرع أصحاب مالك مسائل هذه اليمين على عمومات الوفاء بالنذر كقوله صلى الله ~~عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه لأنه حكم جائز معلق بشرط فوجب عند ~~ثبوت شرطه كسائر الأحكام والأول هو الصحيح والدليل عليه مع ما سنذكره إن ~~شاء الله من دلالة الكتاب والسنة ما اعتمده الإمام أحمد وغيره # قال أبو بكر الأثرم في مسائله سألت أبا عبد الله عن رجل قال ماله في ms215 رتاج ~~الكعبة قال كفارة يمين واحتج بحديث عائشة قال وسمعت أبا عبد الله يسأل عن ~~الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله أو الصدقة بالملك أو نحو هذه اليمين فقال ~~إذا حنث فكفارة يمين إلا أنى لا أحمله على الحنث ما لم يحنث قال له لا يفعل ~~قيل لأبي عبد الله فإذا حنث كفر قال نعم قيل له PageV01P231 أليس كفارة ~~يمين قال نعم قال وسمعت أبا عبد الله يقول في حديث ليلى بنت العجماء حين ~~حلفت بكذا وكذا كل مملوك لها حر فأفتيت بكفارة يمين فاحتج بحديث ابن عمر ~~وابن عباس حين أفتيا فيمن حلف بعتق جاريته وأيمان فقال أما الجارية فعتق ~~قال الأثرم حدثنا الفضل بن دكين حدثنا حسن عبد الله بن أبي نجيح عن عطاء عن ~~عائشة قالت من قال مالي في رتاج الكعبة وكل مالي فهو هدى وكل مالي في ~~المساكين فليكفر عن يمينه # وقال حدثنا عارم بن الفضل حدثنا معتمر بن سلميان قال قال أبي حدثنا بكر ~~بن عبد الله أخبرني أبو رافع قال قالت مولاتى ليلى بنت العجماء كل مملوك ~~لها محرر وكل مال لها هدى هى يهودية وهي نصرانية إن لم تطلق امرأتك أو تفرق ~~بينك وبين امرأتك قال فأتيت زينب بنت أم سلمة وكانت إذا ذكرت امرأة ~~بالمدينة فقيهة ذكرت زينب قال فأتيتها فجاءت معي إليها فقالت في البيت ~~هاروت وماروت قالت يا زينب جعلني الله فداك إنها قالت كل مملوك لها محرر ~~وكل مال لها هدى وهى يهودية وهى نصرانية فقالت يهودية ونصرانية خلى بين ~~الرجل وامرأته فأتيت حفصة أم المؤمنين فأرسلت إليها فأتتها فقالت يا أم ~~المؤمنين جعلني الله فداك إنها قالت كل مملوك محرر وكل مال لها هدى وهى ~~يهودية وهى نصرانية فقالت يهودية ونصرانية خلى بين الرجل وبين امرأته قال ~~فأتيت عبد الله بن عمر فجاء معي إليها فقام على الباب فسلم فقالت بأبي أنت ~~وبأبي أبوك فقال أمن حجارة أنت أم من حديد أنت أم من أى شئ أنت ms216 أفتتك زينب ~~وأفتتك أم المؤمنين فلم تقبلي فتياهما قالت يا أبا عبد الرحمن جعلني الله ~~فداءك إنها قالت كل مملوك لها حر وكل مال لها هدى وهى يهودية وهى نصرانية ~~فقال يهودية ونصرانية كفري عن يمينك وخلى بين الرجل وبين امرأته ~~PageV01P232 قال الأثرم حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا عمران عن قتادة عن ~~زرارة ابن أوفى أن امرأة سألت ابن عباس أن امرأة جعلت بردها عليها هديا إن ~~لبسته فقال ابن عباس أفي غضب أم في رضى قالت في غضب قال إن الله تعالى لا ~~يتقرب إليه بالغضب لتكفر عن يمينها وقال حدثني ابن الطباع حدثنا أبو بكر بن ~~عياش عن العلاء بن المسيب عن يعلى بن نعمان عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما سئل عن الرجل جعل ماله في المساكين فقال أمسك عليك مالك وأنفقه على ~~عيالك واقض به دينك وكفر عن يمينك وروى الأثرم عن أحمد قال حدثنا عبد ~~الرزاق أنبأنا ابن جريج قال سئل عطاء عن رجل قال على ألف بدنه قال يمين وعن ~~رجل قال على ألف حجة قال يمين وعن رجل قال مالي هدى قال يمين وعن رجل قال ~~مالي في المساكين قال يمين وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة ~~عن الحسن وجابر بن زيد في الرجل يقول إن لم أفعل كذا وكذا فأنا محرم بحجة ~~قالا ليس الإحرام إلا على من نوى الحج يمين يكفرها وقال أحمد حدثنا عبد ~~الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال يمين يكفرها وقال حرب الكرمانى ~~حدثنا المسيب بن واضح حدثنا يوسف بن السفر عن الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح ~~قال سألت ابن عباس عن الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله الحرام قال إنما ~~المشي على من نواه فأما من حلف في الغضب فعليه كفارة يمين # وأيضا فإن الاعتبار في الكلام بمعنى الكلام لا بلفظه وهذا الحالف ليس ~~مقصوده قربة الله وإنما مقصوده الحض على فعل أو المنع منه وهذا معنى ms217 اليمين ~~فإن الحالف يقصد الحض على فعل شئ أو المنع منه ثم إذا علق ذلك الفعل بالله ~~تعالى أجزأته الكفارة فلأن تجزيه إذا علق به وجوب عبادة أو تحريم مباح ~~بطريق الأولى لأنه إذا علقه بالله ثم حنث كان موجب PageV01P233 حنثه أنه قد ~~هتك أيمانه بالله حيث لم يف بعهده وإذا علق به وجوب فعل أو تحريمه فإنما ~~يكون موجب حنثه ترك واجب أو فعل محرم ومعلوم أن الحنث الذي موجبه خلل في ~~التوحيد أعظم مما موجبه معصية من المعاصي فإذا كان الله قد شرع الكفارة ~~لإصلاح ما اقتضي الحنث فساده في التوحيد ونحو ذلك وجبره فلأن يشرع لإصلاح ~~ما اقتضى الحنث فساده في الطاعة أولى وأحرى # وأيضا فإنا نقول إن موجب صيغة القسم مثل موجب صيغة التعليق والنذر نوع من ~~اليمين وكل نذر فهو يمين فقول الناذر لله على أن أفعل بمنزلة قوله أحلف ~~بالله لأفعلن موجب هذين القولين التزام الفعل معلقا بالله # والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم النذر حلفة فقوله إن فعلت ~~كذا فعلى الحج لله بمنزلة قوله إن فعلت كذا فوالله لأحجن # وطرد هذا انه اذا حلف ليفعلن برا لزمه فعله ولم يكن له ان يكفر فإن حلفه ~~ليفعلنه نذر لفعله # وكذلك طرد هذا أنه إذا نذر ليفعلن معصية أو مباحا فقد حلف على فعلها ~~بمنزلة ما لو قال والله لأفعلن كذا ولو حلف بالله ليفعلن معصية أو مباحا ~~لزمته كفارة يمين وكذلك لو قال على لله أن أفعل كذا # ومن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يفرق بين البابين $ فصل # فأما اليمين بالطلاق أو العتاق في اللجاج و الغضب فمثل أن يقصد بها حضا ~~أو منعا أو تصديقا أو تكذيبا مثل قوله الطلاق يلزمني لأفعلن كذا أو لا فعلت ~~كذا أو إن فعلت كذا فعبيدي أحرار أو إن لم أفعله فعبيدي أحرار فمن ~~PageV01P234 قال من الفقهاء المتقدمين إن نذر اللجاج و الغضب يجب فيه ~~الوفاء فإنه يقول هنا يقع الطلاق و العتاق أيضا ms218 و أما الجمهور الذين قالوا ~~في نذر اللجاج والغضب تجزيه الكفارة فاختلفوا هنا مع أنه لم يبلغني عن ~~الصحابة في الحلف بالطلاق كلام و إنما بلغنا الكلام فيها عن التابعين ومن ~~بعدهم لأن اليمين به محدثة لم تكن تعرف في عصرهم و لكن بلغنا عن الصحابة ~~الكلام في الحلف بالعتق كما سنذكره إن شاء الله # فاختلف التابعون ومن بعدهم في اليمين بالطلاق و العتاق فمنهم من فرق بينه ~~و بين اليمين بالنذر وقالوا إنه يقع الطلاق و العتاق بالحنث ولا تجزيه ~~الكفارة بخلاف اليمين بالنذر هذا رواية عوف عن الحسن وهو قول الشافعي و ~~أحمد في الصريح المنصوص عنه و إسحاق بن راهويه و أبي عبيد و غيرهم # فروى حرب الكرماني عن معتمر بن سليمان عن عوف عن الحسن قال PageV01P235 ~~كل يمين و إن عظمت ولو حلف بالحج و العمرة و إن جعل ماله في المساكين ما لم ~~يكن طلاق امرأة في ملكه يوم حلف أو عتق غلام في ملكه يوم حلف فإنما هي يمين ~~وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يقول لابنه إن ~~كلمتك فامرأتي طالق و عبدي حر فقال لا يقوم هذا مقام اليمين و يلزمه ذلك في ~~الغضب و الرضا و قال سليمان بن داود يلزمه الحنث في الطلاق و العتاق وبه ~~قال أبو خيثمة قال إسماعيل حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق عن معمر بن ~~إسماعيل بن أمية عن عثمان بن حاضر الحميري أن امرأة حلفت بمالها في سبيل ~~الله أو في المساكين و جاريتها حرة إن لم تفعل كذا و كذا فسألت ابن عمر و ~~ابن عباس فقالا أما الجارية فتعتق و أما قولها في المال فإنها تزكي المال ~~قال أبو إسحاق إبراهيمم الجوزجاني الطلاق و العتق لا يحلان في هذا محل ~~الأيمان ولو كان المجزئ فيها مجزئا في الأيمان لوقع على الحالف بها إذا حنث ~~كفارة وهذا مما لا يختلف الناس فيه أن لا كفارة فيها # قلت أخبر ms219 أبو إسحاق بما بلغه من العلم في ذلك فإن أكثر مفتي الناس في ذلك ~~الزمان من أهل المدينة و أهل العراق أصحاب أبي حنيفة و مالك كانوا لا يفتون ~~في نذر اللجاج و الغضب إلا بوجوب الوفاء لا بالكفارة و إن كان أكثر ~~التابعين مذهبهم فيها الكفارة حتى إن الشافعي لما أفتى بمصر بجواز الكفارة ~~كان غريبا بين أصحابه المالكية وقال له السائل يا أبا عبد الله هذا قولك ~~فقال قول من هو خير مني قول عطاء بن أبي رباح فلما أفتى فقهاء الحديث ~~كالشافعي و أحمد و إسحاق و أبي عبيد و سليمان بن داود و ابن أبي شيبة و علي ~~المديني و نحوهم في الحلف بالنذر بالكفارة و فرق من فرق بين ذلك و بين ~~الطلاق و العتاق لما سنذكره صار الذي يعرف قول هؤلاء و قول أولئك لا يعلم ~~خلافا في الطلاق و العتاق و إلا فسنذكر الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى عن ~~الصحابة PageV01P236 و التابعين ومن بعدهم وقد اعتذر أحمد عما ذكرناه عن ~~الصحابة في كفارة العتق بعذرين # أحدهما انفراد سليمان التيمي بذلك # و الثاني معارضته بما رواه عن ابن عمر و ابن عباس أن العتق يقع من غير ~~تكفير وما وجدت أحدا من العلماء المشاهير بلغه في هذه المسألة من العلم ~~المأثور عن الصحابة ما بلغ أحمد فقال المروزي قال أبو عبد الله إذا قال كل ~~مملوك له حر فيعتق عليه إذا حنث لأن الطلاق و العتق ليس فيهما كفارة و قال ~~ليس يقول كل مملوك لها حر في حديث ليلى بنت العجماء حديث أبي رافع أنها ~~سألت ابن عمر و حفصة و زينب و ذكرت العتق فأمروها بالكفارة إلا التيمي و ~~أما حميد و غيره فلم يذكروا العتق قال سألت أبا عبد الله عن حديث أبي رافع ~~قصة حلف مولاته ليفارقن امرأته و أنها سألت ابن عمر و حفصة فأمروها بكفارة ~~يمين قلت فيها شيء قال نعم أذهب إلى أن فيه كفارة ms220 يمين قال أبو عبد الله ~~ليس يقول فيه كل مملوك إلا التيمي قلت فإذا حلف بعتق مملوكه فحنث قال يعتق ~~كذا يروي عن ابن عمر و ابن عباس أنهما قالا الجارية تعتق ثم قال ما سمعناه ~~إلا من عبد الرزاق عن معمر قلت فإبش إسناده قال معمر عن إسماعيل عن عثمان ~~بن حاضر عن ابن عمر و ابن عباس وقال إسماعيل ابن أمية و أيوب ابن موسى وهما ~~مكيان و قد فرقا بين الحلف بالطلاق و العتق و الحلف بالنذر لأنهما لا ~~يكفران و اتبع ما بلغه في ذلك عن ابن عمر و حفصة و زينب مع انفراد التيمي ~~بهذه الزيادة وقال صالح ابن أحمد قال أبي و إذا قال جاريتي حرة إن لم أصنع ~~كذا و كذا قال قال ابن عمر و ابن عباس تعتق و إذا قال كل مالي في المساكين ~~لم يدخل فيه جاريته PageV01P237 فإن هذا لا يشبه هذا ألا ترى أن عمر فرق ~~بينهما العتق و الطلاق لا يكفران و أصحاب أبي حنيفة يقولون إذا قال الرجل ~~مالي في المساكين إنه يتصدق به على المساكين و إذا قال مالي على فلان صدقة ~~و فرقوا بين قوله إن فعلت كذا فمالي صدقة أو فعلي الحج و بين قوله فامرأته ~~طالق أو فعبدي حر بأنه هناك وجب القول وجوب الصدقة و الحج لا وجود الصدقة و ~~الحج # فإذا اقتضى الشرط وجوب ذلك كانت الكفارة بدلا عن هذا الواجب كما تكون ~~بدلا عن غيره من الواجبات كما كانت في أول الإسلام بدلا عن الصوم الواجب و ~~الإطعام بدلا عن الصوم عن العاجز عنه و كما تكون بدلا عن الصوم الواجب في ~~ذمة الميت فإن الواجب إذا كان في الذمة أمكن أن يخير بأدائه و أداء غيره # و أما العتق و الطلاق فإن موجب الكلام وجودهما فإذا وجد الشرط وجد العتق ~~و الطلاق و إذا وقعا لم يرتفعا بعد وقوعهما لأنهما لا يقبلان الفسخ بخلاف ~~ما لو قال إن فعلت ms221 كذا فلله علي أن أعتق فإنه هنا لم يعلق العتق و إنما علق ~~وجوبه بالشرط فيخير بين فعل هذا الإعتاق الذي أوجبه على نفسه و بين الكفارة ~~التي هي بدلا عنه ولهذا لو قال إذا مت فعبدي حر عتق بموته من غير حاجة إلى ~~الإعتاق ولم يكن له فسخ هذا التدبير عند الجمهور إلا قولا للشافعي و رواية ~~أحمد وفي بيعه الخلاف المشهور ولو وصى بعتقه فقال إذا مت فأعتقوه كان له ~~الرجوع في ذلك كسائر الوصايا وكان بيعه هنا و إن لم يجز كبيع المدبر # ذكر أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة في تاريخه أن المهدي لما رأى ~~ما أجمع عليه رأي أهل بيته من العهد عزم على خلع عيسى و دعاهم إلى البيعة ~~لموسى فامتنع عيسى من الخلع و زعم أن عليه أيمانا تخرجه من أملاكه و تطلق ~~نساءه فأحضر له المهدي ابن علاثة و مسلم ابن خالد الزنجي و جماعة من ~~الفقهاء PageV01P238 فأفتوه بما يخرجه عن يمينه و اعتاض مما يلزمه في يمينه ~~بما ذكره ولم يزل به إلى أن خلع نفسه و بويع للمهدي و لموسى الهادي بعده # و أما أبو ثور فقال في العتق المعلق على وجه اليمين يجزئه كفارة يمين ~~كنذر اللجاج و الغضب لأجل ما تقدم من حديث ليلى بنت العجماء التي أفتاها ~~عبد الله بن عمر و حفصة أم المؤمنين و زينب ربيبة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بكفارة يمين في قولها إن لم أفرق بينك و بين امرأتك فكل مملوك لي محرر ~~وهذه القصة هي مما اعتمده الفقهاء المستدلون في مسألة نذر اللجاج والغضب ~~لكن توقف أحمد و أبو عبيد عن العتق فيها لما ذكرته من الفرق و عارض أحمد ~~ذلك و أما الطلاق فلم يبلغ أبا ثور فيه أثر فتوقف عنه مع أن القياس عنده ~~مساواته للعتق لكن خاف أن يكون مخالفا للإجماع # و الصواب أن الخلاف في الجميع في الطلاق و غيره كما سنذكره ولو لم ms222 ينقل ~~في الطلاق نفسه خلاف معين لكان فتيا من أفتى من الصحابة في الحلف بالعتاق ~~بكفارة يمين من باب التنبيه على الحلف بالطلاق فإنه إذا كان نذر العتق الذي ~~هو قربة لما خرج مخرج اليمين أجزأت فيه الكفارة فالحلف بالطلاق الذي ليس ~~بقربة إما أن تجزئ فيه الكفارة ولا يجب فيه شيء على قول من يقول نذر غير ~~الطاعة لا شيء فيه و يكون قوله إن فعلت كذا فأنت طالق بمنزلة قوله فعلي أن ~~أطلقك كما كان عند أولئك الصحابة ومن وافقهم قوله فعبيدي أحرار بمنزلة قوله ~~فعلي أن أعتقهم # على أني إلى الساعة لم يبلغني عن أحد من الصحابة كلام في الحلف بالطلاق و ~~ذاك و الله أعلم لأن الحلف بالطلاق لم يكن قد حدث في زمانهم و إنما ابتدعه ~~الناس في زمن التابعين ومن بعدهم فاختلف فيه التابعون ومن بعدهم فأحد ~~القولين أنه يقع به كما تقدم و القول الثاني أنه لا يلزمه الوقوع ذكر عبد ~~الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه أنه كان يقول الحلف PageV01P239 ~~بالطلاق ليس شيئا قلت أكان يراه يمينا قال لا أدري # فقد أخبر ابن طاوس عن أبيه أنه كان لا يراه موقعا للطلاق و توقف في كونه ~~يمينا يوجب الكفارة لأنه من باب نذر ما لا قربة فيه وفي كون مثل هذا يمينا ~~خلاف مشهور وهذا قول أهل الظاهر كداود و أبي محمد بن حزم لكن بناء على أنه ~~لا يقع طلاق معلق ولا عتق معلق # و اختلفوا في المؤجل وهو بناء على ما تقدم من أن العقود لا يصح منها إلا ~~ما ورد نص أو إجماع على وجوبه أو جوازه وهو مبني على ثلاث مقدمات يخالفون ~~فيها # إحداها كون الأصل تحريم العقود # الثانية أنه لا يباح إلا ما كان في معنى النصوص # الثالثة أن الطلاق المؤجل و المعلق لم يندرج في عموم النصوص # و أما المأخذ المتقدم من كون هذا كنذر اللجاج و الغضب و فرقوا بين نذر ~~التبرر ms223 و نذر الغضب فإن هذا الفرق يوجب الفرق بين المعلق الذي يقصد وقوعه ~~عند الشرط و بين المعلق المحلوف به الذي يقصد عدم وقوعه إلا أن يصح الفرق ~~المذكور بين كون المعلق هو الوجود أو الوجوب و سنتكلم عليه # وقد ذكرنا أن هذا القول يخرج على أصول أحمد من مواضع ذكرناها و كذلك هو ~~أيضا لازم لمن قال في نذر اللجاج و الغضب بكفارة كما هو ظاهر مذهب الشافعي ~~و إحدى الروايتين عن أبي حنيفة التي اختارها أكثر متأخري أصحابه و إحدى ~~الروايتين عن ابن القاسم التي اختارها كثير من متأخري المالكية فإن التسوية ~~بين الحلف بالنذر و الحلف بالعتق هو المتوجه و لهذا كان هذا من أقوى حجج ~~القائلين بوجوب الوفاء في الحلف بالنذر فإنهم قاسوه على الحلف بالطلاق و ~~العتاق و اعتقده بعض المالكية مجمعا عليه # و أيضا فإذا حلف بصيغة القسم كقوله عبيدي أحرار لأفعلن أو نسائي ~~PageV01P240 طوالق لأفعلن فهو بمنزلة قوله مالي صدقة لأفعلن و علي الحج ~~لأفعلن # و الذي يوضح التسوية أن الشافعي إنما اعتمد في الطلاق المعلق على فدية ~~الخلع فقال في البويطي وهو كتاب مصري من أجود كتبه و ذلك أن الفقهاء يسمون ~~الطلاق المعلق بسبب طلاقا بصفة و يسمون ذلك الشرط صفة و يقولون إذا وجدت ~~الصفة في زمان البينونة و إذا لم توجد الصفة و نحو ذلك # وهذه التسمية لها وجهان # أحدهما أن هذا الطلاق موصوف بصفة ليس طلاقا مجردا عن صفة فإنه إذا قال ~~أنت طالق في أول السنة أو إذا ظهرت فقد وصف الطلاق بالزمان الخاص فإن الظرف ~~صفة للمظروف و كذلك إذا قال إن أعطيتني ألفا فأنت طالق فقد وصفه بعوضه # و الثاني أن نحاة الكوفة يسمون حروف الجر و نحوها حروف الصفات فلما كان ~~هذا معلقا بالحروف التي قد تسمى حروف الصفات سمي طلاقا بصفة كما لو قال أنت ~~طالق بألف # و الوجه الأول هو الأصل فإن هذا يعود إليه إذ النحاة إنما سموا حروف الجر ~~حروف ms224 الصفات لأن الجار و المجرور يصير في المعنى صفة لما تعلق به # فإذا كان الشافعي و غيره إنما اعتمدوا في الطلاق الموصوف على طلاق الفدية ~~المذكور في القرآن و قاسوا كل طلاق بصفة عليه صار هذا كما أن النذر المعلق ~~بشرط مذكور في قوله @QB@ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ~~ولنكونن من الصالحين @QE@ و معلوم أن النذر المعلق بشرط هو نذر بصفة وقد ~~فرقوا بين النذر المقصود شرطه و بين النذر المقصود عدم شرطه الذي خرج مخرج ~~اليمين فكذلك يفرق بين الطلاق المقصود وصفة كالخلع حيث المقصود فيه العوض و ~~الطلاق المحلوف به الذي يقصد عدمه PageV01P241 و عدم شرطه فإنه انما يقاس ~~بما في الكتاب و السنة ما أشبهه و معلوم ثبوت الفرق بين الصفة المقصودة و ~~بين الصفة المحلوف عليها التي يقصد عدمها كما فرق بينهما في النذر سواء و ~~الدليل على هذا القول الكتاب و السنة و الأثر و الاعتبار # أما الكتاب فقوله سبحانه @QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله ~~مولاكم وهو العليم الحكيم @QE@ # فوجه الدلالة أن الله قال @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ وهذا ~~نص عام في كل يمين يحلف بها المسلمون أن الله قد فرض لهم تحلتها وقد ذكره ~~سبحانه بصيغة الخطاب للأمة بعد تقدم الخطاب بصيغة الإفراد للنبي صلى الله ~~عليه وسلم مع علمه سبحانه بأن الأمة يحلفون بأيمان شتى فلو فرض يمين واحدة ~~ليس له تحلة لكان مخالفة للآية كيف وهذا عام لا يحض منه صورة واحدة لا بنص ~~ولا بإجماع بل هو عام عموما معنويا مع عمومه اللفظي فإن اليمين معقودة فوجب ~~منع المكلف من الفعل فشرع التحلة لهذا العقد مناسب لما فيه من التخفيف و ~~التوسعة وهذا موجود في اليمين بالعتق و الطلاق أكثر منه في غيرهما من أيمان ~~نذر اللجاج و الغضب فإن الرجل إذا حلف بالطلاق ليقتلن النفس أو ليقطعن ms225 رحمه ~~أو ليمنعن الواجب عليه من أداء الأمانة و نحوها فإنه يجعل الطلاق عرضة ~~ليمينه أن يبر و يتقي و يصلح بين الناس أكثر مما يجعل الله عرضة ليمينه ثم ~~إن وفى بيمينه كان عليه من ضرر الدنيا و الآخرة ما قد أجمع المسلمون على ~~تحريم الدخول فيه و إن طلق امرأته ففي الطلاق أيضا من ضرر الدنيا و الدين ~~ما لا خفاء به أما الدين فإنه مكروه باتفاق الأمة مع استقامة حال الزوجين ~~إما كراهة تنزيه أو كراهة تحريم فكيف إذا كانا في غاية الاتصال و بينهما من ~~الأولاد و العشرة ما يجعل في طلاقهما في أمر الدين ضررا عظيما و كذلك ضرر ~~الدنيا كما يشهد به الواقع بحيث لو خير أحدهما بين PageV01P242 أن يخرج من ~~ماله ووطنه وبين الطلاق لاختار فراق ماله ووطنه على الطلاق وقد قرن الله ~~فراق الوطء بقتل النفس ولهذا قال أحمد في إحدى الروايتين متابعة لعطاء إنها ~~إذا أحرمت بالحج فحلف عليها زوجها بالطلاق أنها لا تحج صارت محصرة وجاز لها ~~التحلل لما عليها في ذلك من الضرر الزائد على ضرر الإحصار بالعدو أو القريب ~~منه # وهذا ظاهر فيما إذا قال إن فعلت كذا فعلى أن أطلقك أو أعتق عبيدي فإن هذا ~~في نذر اللجاج والغضب بالاتفاق كما لو قال والله لأطلقنك أو لا أعتقت عبيدي ~~وإنما الفرق بين وجود العتق ووجوبه هو الذي اعتمده المفرقون وسنتكلم عليه ~~إن شاء الله # وأيضا فإن الله تعالى قال @QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم @QE@ وهى تقتضي أنه ما من تحريم لما ~~أحل الله إلا والله غفور لفاعله رحيم به وأنه لا علة تقتضي ثبوت ذلك ~~التحريم لأن قول لا شئ استفهام في معنى النفي والإنكار والتقدير لا سبب ~~لتحريمك ما أحل الله لك والله غفور رحيم فلو كان الحالف بالنذر والعتاق ~~والطلاق على أنه لا يفعل شيئا لا رخصة له لكان هنا سبب يقتضي تحريم الحلال ~~وانتفاء ms226 موجب المغفرة والرحمة عن هذا الفاعل # وأيضا قوله سبحانه @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ~~@QE@ والحجة فيها كالحجة في الأولى وأوفى فإنه قال @QB@ لا تحرموا طيبات ما ~~أحل الله لكم @QE@ PageV01P243 وهذا عام يشمل تحريمها بالأيمان من الطلاق ~~وغيرها ثم يبين وجه المخرج من ذلك بقوله لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته أى فكفارة تعقيدكم أو عقدكم ~~الأيمان وهذا عام ثم قال ذلك كفارة أيمانكم إ ذا حلفتم وهذا عام كعموم قوله ~~واحفظوا أيمانكم # ومما يوضح عمومه أنهم قد أدخلوا الحلف بالطلاق في عموم قوله صلى الله ~~عليه وسلم ( ( من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك ) ) ~~فأدخلوا فيه الحلف بالطلاق والعتاق والنذر والحلف بالله وإنما لم يدخل مالك ~~وأحمد وغيرهما الحلف بالطلاق موافقة لابن عباس لأن إيقاع الطلاق ليس بحلف ~~وإنما الحلف المنعقد ما تضمن محلوفا به ومحلوفا عليه إما بصيغة القسم وإما ~~بصيغة الجزاء أو ما كان في معنى ذلك مما سنذكره إن شاء الله # وهذه الدلالة بينة على أصول الشافعي وأحمد ومن وافقهم في مسألة نذر ~~اللجاج والغضب فإنهم احتجوا على التكفير فيه بهذه الآية وجعلوا قوله تعالى ~~@QB@ تحلة أيمانكم @QE@ و @QB@ كفارة أيمانكم @QE@ عاما في اليمين بالله ~~واليمين بالنذر ومعلوم أن شمول اللفظ لنذر اللجاج والغضب في الحج والعتق ~~ونحوهما سواء # فإن قيل المراد بالآية اليمين بالله فقط فإن هذا هو المفهوم من مطلق ~~اليمين ويجوز أن يكون التعريف بالألف واللام أو الإضافة في قوله @QB@ عقدتم ~~الأيمان @QE@ و @QB@ تحلة ms227 أيمانكم @QE@ منصرفا إلى اليمين المعهود عندهم ~~وهى اليمين بالله وحينئذ فلا يعم اللفظ إلا المعروف عندهم والحلف بالطلاق ~~ونحوه لم يكن معروفا عندهم ولو كان اللفظ عاما فقد علمنا أنه لم يدخل فيه ~~اليمين التي ليست مشروعة اليمين بالمخلوقات فلا يدخل فيه الحلف بالطلاق ~~ونحوه لأنه ليس من اليمين المشروعة لقوله صلى الله عليه وسلم ( ( من كان ~~حالفا فليحلف بالله أو فليصمت # وهنا سؤال ممن يقول كل يمين غير مشروعة فلا كفارة لها ولا حنث ~~PageV01P244 فيقال لفظ اليمين يشمل هذا كله بدليل استعمال النبي صلى الله ~~عليه وسلم والصحابة والعلماء اسم اليمين في هذا كله كقوله صلى الله عليه ~~وسلم ( ( النذر حلفة ) ) وقول الصحابة لمن حلف بالهدى والعتق كفر يمينك ~~وكذلك فهمته الصحابة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما سنذكره ولإدخال ~~العلماء لذلك في قوله صلى الله عليه وسلم ( ( من حلف فقال إن شاء الله فإن ~~شاء فعل وإن شاء ترك ) ) # ويدل على عمومه في الآية أنه سبحانه قال @QB@ لم تحرم ما أحل الله لك ~~@QE@ ثم قال @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ فاقتضى هذا أن نفس ~~تحريم الحلال يمين كما استدل به ابن عباس وغيره وسبب نزول الآية إما تحريمه ~~العسل وإما تحريمه مارية القبطية وعلى كل تقدير فتحريم الحلال يمين على ~~ظاهر الآية وليس يمينا بالله ولهذا أفتى جمهور الصحابة كعمر وعثمان وعبد ~~الله بن مسعود وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم وغيرهم أن تحريم الحلال ~~يمين مكفرة إما كفارة كبرى كالظهار وإما كفارة صغرى كاليمين بالله وما زال ~~السلف يسمون الظهار ونحوه يمينا # وأيضا فإن قوله تعالى @QB@ لم تحرم ما أحل الله لك @QE@ إما أن يراد به ~~لم تحرمه بلفظ الحرام وإما لم تحرمه باليمين بالله ونحوها وإما لم تحرمه ~~مطلقا فإن أريد الأول أو الثالث فقد ثبت تحريمه بغير الحلف بالله يمين فنعم ~~وأن أريد به تحريمه بالحلف بالله فقد سمى الله الحلف بالله تحريما للحلال ~~ومعلوم أن اليمين بالله لم توجب الحرمة ms228 الشرعية لكن لما أوجبت امتناع ~~الحالف من الفعل فقد حرمت عليه الفعل تحريما شرطيا لا شرعيا فكل يمين توجب ~~امتناعه من الفعل فقد حرمت عليه الفعل فيدخل في عموم قوله @QB@ لم تحرم ما ~~أحل الله لك @QE@ # وحينئذ فقوله @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ لا بد أن يعم كل ~~يمين PageV01P245 حرمت الحلال لأن هذا حكم ذلك الفعل فلا يد أن يطابق جميع ~~صوره لأن تحريم الحلال هو سبب قوله @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ ~~وسبب الجواب إذا كان عاما كان الجواب عاما لئلا يكون جوابا عن البعض دون ~~البعض مع قيام السبب المقتضى للتعميم وهكذا التقرير في قوله @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم @QE@ إلى قوله @QB@ ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم @QE@ # وأيضا فإن الصحابة فهمت العموم وكذلك العلماء عامتهم حملوا الآية على ~~اليمين بالله وغيرها # وأيضا فنقول سلمنا أن اليمين المذكورة في الآية المراد بها اليمين بالله ~~وأن ما سوى اليمين بالله لا يلزم بها حكم فمعلوم أن الحلف بصفات الله ~~سبحانه كالحلف به كما لو قال وعزة الله أو لعمر الله أو والقرآن العظيم ~~فإنه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصفات ونحوها عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة ولأن الحلف بصفاته كالاستعاذة بها وإن كانت الأستعاذة لا تكون إلا ~~بالله وصفاته في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ( أعوذ بوجهك ) ) و ( ~~( أعوذ بكلمات الله التامات ) ) و ( ( أعوذ برضاك من سخطك ) ) ونحو ذلك ~~وهذا أمر مقرر عند العلماء # وإذا كان كذلك فالحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو الحلف بصفات الله فإنه ~~إذا قال إن فعلت كذا فعلى الحج فقد حلف بإيجاب الحج عليه وإيجاب الحج حكم ~~من أحكام الله وهو من صفاته وكذلك لو قال فعلى تحرير رقبة وإذا قال فامرأتي ~~طالق وعبدي حر فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه والتحريم من صفات ~~الله كما أن الإيجاب من صفات الله وقد جعل الله ذلك من آياته في قوله @QB@ ~~ولا تتخذوا آيات ms229 الله هزوا @QE@ فجعل حدوده في النكاح والطلاق والخلع من ~~آياته لكنه إذا حلف بالإيجاب والتحريم فقد عقد اليمين لله كما يعقد النذر ~~لله فإن قوله على الحج والصوم PageV01P246 عقد لله ولكن إذا كان حالفا فهو ~~لم يقصد العقد لله بل قصد الحلف به فإذا حنث ولم يف به فقد ترك ما عقده لله ~~كما أنه إذا فعل المحلوف به فقد ترك ما عقده بالله # يوضح ذلك أنه إذا حلف بالله أو بغير الله مما يعظمه بالحلف فإنما حلف به ~~ليعقد به المحلوف عليه ويربطه لأنه لعظمته في قلبه إذا ربط به شيئا لم يحله ~~فإذا حل ما ربطه فقد انقضت عظمته في قلبه وقطع السبب الذي بينه وبينه كما ~~قال بعضهم اليمين العقد على نفسه لحق من له حق ولهذا إذا كانت اليمين غموسا ~~كانت من الكبائر الموجبة للنار كما قال سبحانه @QB@ إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة @QE@ وقال صلى الله ~~عليه وسلم في عد الكبائر فيما روى الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( خمس ليس لهن كفارة الشرك بالله وقتل ~~النفس بغير حق وبهت مؤمن والفرار يوم الزحف ويمين صابرة يقطع بها مالا يغير ~~حق ) ) # وذلك لأنه إذا تعمد أن يعقد بالله ما ليس منعقدا به فقد نقض الصلة التي ~~بينه وبين ربه بمنزلة من أخبر عن الله بما هو منزه عنه أو تبرأ من الله ~~بخلاف ما إذا حلف على المستقبل فإنه عقد بالله فعلا قاصدا لعقده على وجه ~~التعظيم لله لكن أباح الله له حل هذا العقد الذي عقده به كما يبيح له ترك ~~بعض الواجبات لحاجة أو يزيل عنه وجوبها ولهذا قال أكثر أهل العلم إذا قال ~~هو يهودي أو نصراني إن لم يفعل كذا فهى يمين بمنزلة قوله والله لأفعلن لأنه ~~ربط عدم الفعل بكفره الذي هو براءته من الله فيكون قد ربط الفعل بإيمانه ~~بالله وهذا هو ms230 حقيقة الحلف بالله فربط الفعل بأحكام الله من الإيجاب أو ~~التحريم أدنى حالا من ربطه بالله PageV01P247 # يوضح ذلك أنه إذا عقد اليمين بالله فهو عقد لها بإيمانه بالله وهو ما في ~~قلبه من إجلال الله وإكرامه الذي هو حق الله ومثله الأعلى في السموات ~~والأرض كما أنه إذا سبح الله وذكره فهو مسبح له وذاكر له بقدر ما في قلبه ~~من معرفته وعبادته ولذلك جاء التسبيح تارة لاسم الله كما في قوله @QB@ سبح ~~اسم ربك الأعلى @QE@ كما أن الذكر يكون تارة لاسم الله كما في قوله @QB@ ~~واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا @QE@ وكذلك الذكر مع التسبيح في قوله @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا @QE@ فحيث عظم ~~العبد ربه بتسبيح اسمه أو الحلف به أو الاستعاذة به فهو مسبح له بتوسط ~~المثل الأعلى الذي في قلبه من معرفته وعبادته وعظمته ومحبته علما وقصدا ~~وإجلالا وإكراما وحكم الإيمان والكفر إنما يعود إلى ما كسبه قلبه من ذلك ~~كما قال سبحانه @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ~~كسبت قلوبكم @QE@ وكما قال في موضع آخر @QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان @QE@ # فلو اعتبر الشارع ما في لفظ القسم من انعقاده بالإيمان وارتباطه به دون ~~قصد الحلف لكان موجبه أنه إذا حنث يتغير إيمانه بزوال حقيقته كما في قوله ~~صلى الله عليه وسلم ( ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) ) كما أنه إذا ~~حلف على ذلك يمينا فاجرة كانت من الكبائر إذ قد اشترى بها ثمنا قليلا فلا ~~خلاق له في الآخرة ولا يكلمه الله يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم # لكن الشارع علم أن الحالف بها ليفعلن أو لا يفعل ليس غرضه الاستخفاف ~~بحرمة اسم الله والتعلق به كغرض الحالف في اليمين الغموس فشرع له الكفارة ~~لأنه حل هذه العقدة وأسقطها عن لغو اليمين لأنه لم يعقد قلبه شيئا من ~~الخيانة على إيمانه فلا حاجة إلى الكفارة # وإذا ظهر أن موجب اليمين انعقاد الفعل بهذا الإيمان الذي ms231 هو إيمانه بالله ~~PageV01P248 فإذا عدم الفعل كان مقتضاه عدم إيمانه هذا لولا ما شرع الله من ~~الكفارة كما أن مقتضى قوله إن فعلت كذا وجب على كذا أنه عند الحلف يجب ذلك ~~الفعل لولا ما شرع من الكفارة # يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ( من حلف بملة غير الإسلام ~~كاذبا فهو كما قال ) ) أخرجاه في الصحيحين فجعل اليمين الغموس في قوله هو ~~يهودي أو نصراني إن فعل كذا كالغموس في قوله والله ما فعلت كذا إذ هو في ~~كلا الأمرين قد قطع عهده من الله حيث علق الإيمان بأمر معدوم والكفر بأمر ~~موجود بخلاف اليمين على المستقبل # وطرد هذا المعنى أن اليمين الغموس إذا كانت في النذر أو الطلاق أو العتاق ~~وقع المعلق به ولم ترفعه الكفارة كما يقع الكفر بذلك في أحد تولى العلماء ~~وبهذا يحصل الجواب على قولهم المراد به اليمين المشروعة # وأيضا فقوله @QB@ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا ~~بين الناس والله سميع عليم @QE@ فإن السلف مجمعون أو كالمجمعين على أن ~~معناها لا تجعلوا الله مانعا لكم إذا حلفتم به من البر والتقوى والإصلاح ~~بين الناس بأن يحلف الرجل أن لا يفعل معروفا مستحبا أو واجبا أو ليفعلن ~~مكروها حراما أو نحوه فإذا قيل له افعل ذلك أو لا تفعل هذا قال قد حلفت ~~بالله فيجعل الله عرضة ليمينه # فإذا كان الله قد نهى عباده أن يجعلوا نفسه مانعا لهم بالحلف به من البر ~~والتقوى فالحلف بهذه الأيمان إن كان داخلا في عموم الحلف وجب أن لا يكون ~~مانعا وإن لم يكن داخلا فهو أولى أن لا يكون مانعا من باب التنبيه بالأعلى ~~على الأدنى فإنه إذا نهى عن أن يكون هو سبحانه عرضة لأيماننا أن نبر ونتقى ~~فغيره أولى أن نكون منتهين عن جعله عرضة لأيماننا وإذا ثبت أننا منهيون عن ~~أن نجعل شيئا من الأشياء عرضة لأيماننا أن نبر ونتقى PageV01P249 ونصلح بين ~~الناس فمعلوم أن ذلك إنما هو لما ms232 في البر والتقوى والإصلاح مما يحبه الله ~~ويأمر به # فإذا حلف الرجل بالنذر أو بالطلاق أو بالعتاق أن لا يبر ولا يتقي ولا ~~يصلح فهو بين أمرين إن وفى ذلك فقد جعل هذه الأشياء عرضة ليمينه أن يبر ~~ويتقى ويصلح بين الناس وإن حنث فيها وقع عليه الطلاق ووجب عليه فعل المنذور ~~فقد يكون خروج أهله وماله عنه أبعد عن البر والتقوى من الأمر المحلوف عليه ~~فإن أقام على يمينه ترك البر والتقوى وإن خرج عن أهله وماله ترك البر ~~والتقوى فصارت عرضة ليمينه أن يبر ويتقى فلا يخرج عن ذلك إلا بالكفارة وهذا ~~المعنى هو الذي دلت عليه السنة # ففي الصحيحين من حديث همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( ( والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطى ~~كفارته التي افترض الله عليه ) ) ورواه البخاري أيضا من حديث عكرمة عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( من استلج في أهله فهو أعظم ~~إنما ) ) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن اللجاج باليمين في أهل الحالف ~~أعظم إثما من التكفير واللجاج هو التمادي في الخصومة ومنه قيل رجل لجوج إذا ~~تمادى في المخاصمة ولهذا تسمى العلماء هذا نذر اللجاج والغضب فإنه يلج حتى ~~يعقده ثم يلج في الإمتناع من الحنث فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~اللجاج باليمين أعظم إثما من الكفارة وهذا عام في جميع الأيمان # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة ( ( إذا ~~حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك ) ) ~~أخرجاه في الصحيحين وفي رواية في الصحيحين فكفر عن يمينك وائت هو الذي خير ~~وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ( ~~من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه PageV01P250 وليفعل ~~الذي هو خير ) ) وفي رواية ( ( فليأت الذي هو خير ms233 وليكفر عن يمينه ) ) وهذا ~~نكرة في سياق الشرط فيعم كل حلف على يمين كائنا ما كان الحلف فإذا رأى غير ~~اليمين المحلوف عليها خيرا منها وهو أن يكون اليمين المحلوف عليها تركا ~~لخير فيرى فعله خيرا من تركه أو يكون فعلا شر فيرى تركه خيرا من فعله فقد ~~أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه # وقوله هنا على يمين هو والله أعلم من باب تسمية المفعول باسم المصدر سمى ~~الأمر المحلوف عليه يمينا كما سمى المخلوق خلقا والمضروب ضربا والمبيع بيعا ~~ونحو ذلك # وكذلك أخرجا في الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى في قصته وقصة أصحابه لما ~~جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستحملونه فقال ( ( والله ما أحملكم ~~وما عندي ما أحملكم عليه ) ) ثم قال ( ( إني والله إن شاء الله لا أحلف على ~~يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها ) ) وفي رواية في ~~الصحيحين ( ( إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير ) ) # وروى مسلم في صحيحه عن عدى بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~( ( إذا حلف أحدكم على اليمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو ~~خير ) ) وفي رواية لمسلم أيضا ( ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~فليكفرها وليأت الذي هو خير ) ) # وقد رويت هذه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير هذه الوجوه من ~~حديث عبد الله بن عمر وعوف بن مالك الجشمي # فهذه نصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة أنه أمر ( ( من حلف ~~على يمين فرأى غيرها خيرا منها أن يكفر يمينه ويأتي الذي هو خير ) ) ولم ~~يفرق PageV01P251 بين الحلف بالله أو النذر ونحوه ورواه النسائي عن أبي ~~موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( ما على الأرض يمين أحلف ~~عليها فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيته ) ) وهذا صريح في أنه قصد تعميم كل ~~يمين في الأرض وكذلك أصحابه فهموا منه دخول الحلف بالنذر ms234 في هذا الكلام # فروى أبو داود في سنته حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا ~~حبيب بن المعلم عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان ~~بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال إن عدت تسألني القسمة فكل مالي ~~في رتاج الكعبة فقال له عمر إن الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يمين عليك ولا نذر في معصية ~~الرب ولا في قطيعة الرحم ولا فيما لا تملك # فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمر هذا الذي حلف بصيغة ~~الشرط ونذر نذر اللجاج والغضب بأن يكفر عن يمينه وأن لا يفعل ذلك المنذور ~~واحتج بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ( لا يمين عليك ولا ~~نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ولا فيما لا تملك ) ) # ففهم من هذا أن من حلف بيمين أو نذر على معصية أو قطيعة فإنه لا وفاء ~~عليه في ذلك النذر وإنما عليه الكفارة كما أفتاه عمر ولولا أن هذا النذر ~~كان عنده يمينا لم يقل له كفر عن يمينك وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~( ( لا يمين ولا نذر ) ) لأن اليمين ما قصد بها الحض أو المنع والنذر ما ~~قصد به التقرب وكلاهما لا يوفى به في المعصية والقطيعة # وفي هذا الحديث دلالة أخرى وهى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ( لا ~~يمين ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ) ) يعم جميع ما يسمى يمينا ~~أو نذرا سواء كانت اليمين بالله أو كانت بوجوب ما ليس بواجب من الصدقة أو ~~الصيام أو الحج أو الهدى أو كانت بتحريم الحلال كالظهار والطلاق والعتاق ~~PageV01P252 و مقصود النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون نهيه عن فعل ~~المحلوف عليه من المعصية و القطيعة فقط أو يكون مقصوده مع ذلك أنه لا يلزمه ~~ما في اليمين و النذر ms235 من الإيجاب و التحريم # وهذا الثاني هو الظاهر لاستدلال عمر بن الخطاب به فإنه لولا أن الحديث ~~يدل على هذا لم يصح استدلال عمر بن الخطاب به على ما أجاب به السائل من ~~الكفارة دون إخراج المال في كسوة الكعبة و لأن لفظ النبي صلى الله عليه و ~~سلم يعم ذلك كله # و أيضا فمما يبين دخول الحلف بالنذر و الطلاق و العتاق في اليمين و الحلف ~~في كلام الله و رسوله ما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~( ( من حلف على يمين فقال أن شاء الله فلا حنث عليه ) ) رواه أحمد و ~~النسائي و ابن ماجة و الترمذي و قال حديث حسن و لفظ أبي داود قال حدثنا ~~سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ~~( من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى ) ) و رواه أيضا من طريق ~~عبد الوارث عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( ~~من حلف فاستثنى فإن شاء رجع و إن شاء ترك غير حنث ) ) # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( من ~~حلف فقال إن شاء الله لم يحنث ) ) رواه أحمد و الترمذي و ابن ماجة و لفظه ~~فله ثنياه و النسائي وقال فقد استثنى # ثم عامة الفقهاء أدخلوا الحلف بالنذر و بالطلاق و بالعتاق في هذا الحديث ~~وقالوا ينفع فيه الاستثناء بالمشيئة بل كثير من أصحاب أحمد يجعل الحلف ~~بالطلاق لا خلاف فيه في مذهبه و إنما الخلاف فيما إذا كان بصيغة الجزاء و ~~إنما الذي لا يدخل عند أكثرهم هو نفس إيقاع الطلاق و العتاق و الفرق بين ~~إيقاعهما و الحلف بهما ظاهر و سنذكر إن شاء الله قاعدة الاستثناء ~~PageV01P253 # فإذا كانوا قد أدخلوا الحلف بهذه الأشياء في قوله صلى الله عليه وسلم ( ( ~~من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث ms236 عليه ) ) فكذلك يدخل في قوله ( ( ~~من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير و ليكفر عن يمينه ~~) ) فإن كلا اللفظين سواء وهذا واضح لمن تأمله # فإن قوله صلى الله عليه وسلم ( ( من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا ~~حنث عليه ) ) لفظ العموم فيه مثله في قوله ( ( من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها فليأت الذي هو خير و ليكفر عن يمينه ) ) و إذا كان لفظ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حكم الاستثناء هو لفظه في حكم الكفارة وجب أن يكون ~~كل ما ينفع فيه الاستثناء ينفع فيه التكفير وكل ما ينفع فيه التكفير ينفع ~~فيه الاستثناء كما نص عليه أحمد في غير موضع # ومن قال إن الرسول قصد بقوله ( ( من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا ~~حنث عليه ) ) جميع الأيمان التي يحلف بها من اليمين بالله و بالنذر و ~~بالطلاق و بالعتاق و أما قوله ( ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~إلخ ) ) إنما قصد به اليمين بالله أو اليمين بالله و النذر فقوله ضعيف فإن ~~حضور موجب أحد اللفظين بقلب النبي صلى الله عليه وسلم مثل حضور موجب اللفظ ~~الآخر إذ كلاهما لفظ واحد و الحكم فيهما من جنس واحد وهو رافع اليمين إما ~~بالاستثناء و إما بالتكفير # وعند هذا فاعلم أن الأمة انقسمت في دخول الطلاق و العتاق في حديث ~~الاستثناء على ثلاثة أقسام # فقوم قالوا يدخل في ذلك الطلاق و العتاق أنفسهما حتى لو قال أنت طالق إن ~~شاء الله و أنت حر إن شاء الله دخل ذلك في عموم الحديث وهذا قول أبي حنيفة ~~و الشافعي وغيرهما # وقوم قالوا لا يدخل في ذلك الطلاق و العتاق لا إيقاعهما ولا الحلف بهما ~~PageV01P254 لا بصيغة الجزاء ولا بصيغة القسم وهذا أشهر القولين في مذهب ~~مالك و إحدى الروايتين عن أحمد # والقول الثالث أن إيقاع الطلاق و العتاق لا يدخل في ذلك بل يدخل فيه ~~الحلف بالطلاق ms237 و العتاق وهذا الرواية الثانية عن أحمد ومن أصحابه من قال إن ~~كان الحلف بصيغة القسم دخل في الحديث و نفعته المشيئة رواية واحدة وإن كان ~~بصيغة الجزاء ففيه روايتان # وهذا القول الثالث هو الصواب المأثور معناه عن أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم و جمهور التابعين فإن ابن عباس و أكثر التابعين كسعيد بن المسيب ~~و الحسن لم يجعلوا في الطلاق استثناء ولم يجعلوه من الأيمان # ثم قد ذكرنا عن الصحابة و جمهور التابعين أنهم جعلوا الحلف بالصدقة و ~~الهدى و العتاقة و نحو ذلك يمينا مكفرة وهذا معنى قول أحمد في غير موضع لا ~~استثناء في الطلاق و العتاق ليسا من الأيمان # وقال أيضا الثنيا في الطلاق لا أقول بها و ذلك أن الطلاق و العتاق حرفان ~~واقعان # وقال أيضا إنما يكون الاستثناء فيما تكون فيه كفارة و الطلاق و العتاق لا ~~يكفران وهذا الذي قاله ظاهر # و ذلك أن إيقاع الطلاق و العتاق ليسا يمينا أصلا و إنما هو بمنزلة العفو ~~عن القصاص و الإبراء من الدين و لهذا لو قال و الله لا أحلف على يمين ثم ~~إنه أعتق عبيدا له أو طلق امرأته أو أبرأ غريمه من دم أو مال أو عرض فإنه ~~لا يحنث ما علمت أحدا خالف في ذلك # فمن أدخل إيقاع الطلاق و العتاق في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ( من ~~حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث ) ) فقد حمل العام ما لا يحتمله كما ~~أن من أخرج من هذا العام قوله الطلاق يلزمني لأفعلن كذا أو لا أفعله إن ~~PageV01P255 شاء الله أو إن فعلته فامرأتي طالق إن شاء الله فقد أخرج من ~~القول العام ما هو داخل فيه فإن هذا اليمين بالطلاق و العتاق وهما ليسا من ~~الأيمان فإن الحلف بهما كالحلف بالصدقة و الحج و نحوهما و ذلك معلوم ~~بالاضطرار عقلا و عرفا و شرعا و لهذا لو قال و الله لا أحلف على يمين أبدا ms238 ~~ثم قال إن فعلت كذا فامرأتي طالق حنث # وقد تقدم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سموه يمينا و كذلك عامة ~~المسلمين يسمونه يمينا فمعنى اليمين موجود فيه فإنه إذا قال أحلف بالله ~~لأفعلن إن شاء الله فإن المشيئة تعود عند الإطلاق إلى الفعل المحلوف عليه و ~~المعنى إني حالف على هذا الفعل إن شاء الله فعله فإذا لم يفعله لم يكن قد ~~شاءه فلا يكون ملتزما له و إلا فلو نوى عوده إلى الحلف بأن يقصد أني حالف ~~إن شاء الله أن أكون حالفا كان معنى هذا معنى الاستثناء في الإنشاءات ~~كالطلاق و العتاق و على مذهب الجمهور لا ينفعه ذلك و كذلك قوله الطلاق ~~يلزمني لأفعلن كذا إن شاء الله تعود المشيئة عند الإطلاق إلى الفعل فالمعنى ~~لأفعلنه إن شاء الله فعله فمتى لم يفعله لم يكن الله قد شاءه فلا يكون ~~ملتزما للطلاق بخلاف ما لو عنى الطلاق يلزمني إن شاء الله لزومه إياه فإن ~~هذا بمنزلة قوله أنت طالق إن شاء الله # وقول أحمد إنما يكون الاستثناء فيما فيه الكفارة و الطلاق و العتاق لا ~~يكفران كلام حسن بليغ لما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج حكم ~~الاستثناء و حكم الكفارة مخرجا واحدا بصيغة واحدة فلا يفرق بين ما جمعه ~~النبي صلى الله عليه وسلم و لأن الاستثناء إنما يقع لما علق به الفعل فإن ~~الأحكام التي هي الطلاق و العتاق و نحوهما لا تعلق على مشيئة الله بعد وجود ~~أسبابها فإنها واجبة بوجود أسبابها فإذا انعقدت أسبابها فقد شاءها الله و ~~إنما تعلق على المشيئة الحوادث التي قد يشاؤها الله وقد لا يشاؤها من أفعال ~~العباد و نحوها PageV01P256 و الكفارة إنما شرعت لما يحصل من الحنث في ~~اليمين التي قد يحصل فيها الموافقة بالبر تارة و المخالفة بالحنث أخرى ~~فوجوب الكفارة بالحنث في اليمين التي تحتمل الموافقة و المخالفة كارتفاع ~~اليمين بالمشيئة التي تحتمل التعليق و عدم التعليق فكل من حلف ms239 على شيء ~~ليفعله فلم يفعله فإنه إن علقه بالمشيئة فلا حنث عليه و إن لم يعلقه ~~بالمشيئة لزمته الكفارة فالاستثناء و التكفير يتعاقبان اليمين إذا لم يحصل ~~فيها الموافقة # فهذا أصل صحيح يدفع ما وقع في هذا الباب من الزيادة أو النقص على ما ~~أوجبه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم # ثم يقال بعد ذلك قول أحمد و غيره الطلاق و العتاق لا يكفران كقوله وقول ~~غيره لا استثناء فيهما وهذا في إيقاع الطلاق و العتاق أما الحلف بهما فليس ~~تكفيرا لهما و إنما هو تكفير للحلف بهما كما أنه إذا حلف بالصلاة و الصيام ~~و الصدقة و الحج و الهدي و نحو ذلك في نذر اللجاج و الغضب فإنه لم يكفر ~~الصلاة و الصيام و الهدي و الحج و إنما كفر الحلف بهما و إلا فالصلاة لا ~~كفارة فيها و كذلك هذه العبادات لا كفارة فيها لمن يقدر عليها و كما أنه ~~إذا قال إن فعلت كذا فعلي أن أعتق فإن عليه الكفارة بلا خلاف في مذهب أحمد ~~و موافقيه من القائلين بنذر اللجاج و الغضب و ليس ذلك تكفير للعتق و إنما ~~هو تكفير للحلف به # فلازم قول أحمد هذا أنه إذا جعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء كان الحلف ~~بهما تصح فيه الكفارة و هذا موجب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~قدمناه # و أما من لم يجعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء كأحد القولين في مذهب ~~مالك و إحدى الروايتين عن أحمد فهو قول مرجوح # و نحن في هذا المقام إنما نتكلم بتقدير تسليمه و سنتكلم إن شاء الله في ~~مسألة الاستثناء على حدة PageV01P257 # و إذا قال أحمد أو غيره من العلماء إن الحلف بالطلاق و العتاق لا كفارة ~~فيه لأنه لا استثناء فيه لزم من هذا القول أنه لا استثناء في الحلف بهما و ~~أما من فرق من أصحاب أحمد فقال يصح في الحلف بهما الاستثناء ولا يصح فيه ~~الكفارة فهذا الفرق ms240 ما أعلمه منصوصا عليه عن أحمد و لكنهم معذورون فيه من ~~قوله حيث لم يجدوه نص في تكفير الحلف بهما على روايتين # لكن هذا القول لازم على إحدى الروايتين عنه التي ينصرونها ومن سوى ~~الأنبياء يجوز أن يلزم قوله لوازم لا يتفطن للزومها ولو تفطن لكان إما أن ~~يلتزمها أولا يلتزمها بل يرجع عن الملزوم أو لا يرجع عنه و يعتقد أنها غير ~~لوازم # و الفقهاء من أصحابنا و غيرهم إذا خرجوا على قول عالم لوازم قوله و قياسه ~~فإما أن لا يكون نص على ذلك اللازم لا بنفي ولا إثبات أو نص على نفيه و إذا ~~نص على نفيه فإما أن يكون نص على نفي لزومه أو لم ينص فإن كان قد نص على ~~نفي ذلك اللازم و خرجوا عليه خلاف المنصوص عنه في تلك المسألة مثل أن ينص ~~في مسألتين متشابهتين على قولين مختلفين أو يعلل مسألة بعلة ينقضها في موضع ~~آخر كما علل أحمد هنا عدم التكفير بعدم الاستثناء وعنه في الاستثناء ~~روايتان فهذا مبني على تخريج مالم يتكلم بنفي ولا إثبات هل يسمى ذلك مذهبا ~~له أو لا يسمى # و لأصحابنا فيه خلاف مشهور فالأثرم و الخرقي و غيرهما يجعلونه مذهبا له و ~~الخلال و صاحبه و غيرهما لا يجعلونه مذهبا له # و التحقيق أنه قياس قوله فليس بمنزلة المذهب المنصوص عنه ولا هو أيضا ~~بمنزلة ما ليس بلازم قوله بل هو منزلة بين المنزلتين هذا حيث أمكن أن لا ~~يلتزمه # و أيضا فإن الله شرع الطلاق مبيحا له أو آمرا به و ملزما له إذا أوقعه ~~صاحبه و كذلك العتق و كذلك النذر PageV01P258 # و هذه العقود من النذر و الطلاق و العتاق تقتضي وجوب أشياء على العبد أو ~~تحريم أشياء عليه و الوجوب و التحريم إنما يلزم العبد إذ قصده أو قصد سببه ~~فإنه لو جرى على لسانه هذا الكلام بغير قصد لم يلزمه شئ بالاتفاق ولو تكلم ~~بهذه الكلمات مكرها لم يلزمه حكمها عندنا ms241 وعند الجمهور كما دلت عليه السنة ~~وآثار الصحابة لأن مقصوده إنما هو دفع المكروه عنه لم يقصد حكمها ولا قصد ~~التكلم بها ابتداء فكذلك الحالف إذا قال إن لم أفعل كذا فعلى الحج أو ~~الطلاق ليس قصده التزام حج ولا طلاق ولا تكلم بما يوجبه ابتداء وإنما قصده ~~الحض على ذلك الفعل أو منع نفسه منه كما أن قصد المكره دفع المكروه عنه ثم ~~قال على طريق المبالغة في الحض والمنع إن فعلت كذا فهذا لى لازم أو هذا على ~~حرام لشدة امتناعه من هذا اللزوم والتحريم علق ذلك به فقصده منعهما جميعا ~~لا ثبوت أحدهما ولا ثبوت سببه وإذا لم يكن قاصدا للحكم ولا لسببه وإنما ~~قصده عدم الحكم لم يجب أن يلزمه الحكم # وأيضا فإن اليمين بالطلاق بدعة محدثة في الأمة لم يبلغني أنه كان يحلف به ~~على عهد قدماء الصحابة ولكن قد ذكروها في أيمان البيعة التي رتبها الحجاج ~~ابن يوسف وهي تشتمل على اليمين بالله و صدقة المال و الطلاق و العتاق و إني ~~لم أقف إلى الساعة على كلام لأحد من الصحابة في الحلف بالطلاق و إنما الذي ~~بلغنا عنهم الجواب في الحلف بالعتق كما تقدم # ثم هذه البدعة قد شاعت في الأمة و انتشرت انتشارا عظيما ثم لما اعتقد من ~~اعتقد أن الطلاق يقع بها لا محالة صار في وقوع الطلاق بها من الأغلال على ~~الأمة ما هو شبيه بالأغلال التي كانت على بني إسرائيل و نشأ عن ذلك خمسة ~~أنواع من المفاسد و الحيل في الأيمان حتى اتخذوا آيات الله هزوا # وذلك أنهم يحلفون بالطلاق على ترك أمور لا بد لهم من فعلها إما شرعا ~~PageV01P259 و إما طبعا و غالب ما يحلفون بذلك في حال اللجاج و الغضب ثم ~~فراق الأهل فيه من الضرر في الدين و الدنيا ما يزيد على كثير من أغلال ~~اليهود و قد قيل إن الله إنما حرم المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوج غيره لئلا ~~يتسارع الناس إلى الطلاق ms242 لما فيه من المفسدة فإذا حلفوا بالطلاق على الأمور ~~اللازمة أو الممنوعة وهم محتاجون إلى فعل تلك الأمور أو تركها مع عدم فراق ~~الأهل فقد قدحت الأفكار لهم أربعة أنواع من الحيل أخذت عن الكوفيين و غيرهم # الحيلة الأولى في المحلوف عليه فيتؤول لهم خلاف ما قصدوه و خلاف ما يدل ~~على الكلام في عرف الناس و عاداتهم وهذا هو الذي وضعه بعض المتكلمين في ~~الفقه و سموه باب المعاياة و سموه باب الحيل في الأيمان و أكثره مما يعلم ~~بالاضطرار من الدين أنه لا يسوغ في الدين و لا يجوز حمل كلام الحالف عليه و ~~لهذا كان الأئمة كأحمد و غيره يشددون النكير على من يحتال في هذه الأيمان # الحيلة الثانية إذا تعذر الاحتيال في الكلام المحلوف عليه احتالوا للفعل ~~المحلوف عليه بأن يأمروه بمخالعة امرأته ليفعل المحلوف عليه في زمن ~~البينونة و هذه الحيلة أحدث من التي قبلها و أظنها حدثت في حدود المائة ~~الثالثة فإن عامة الحيل إنما نشأت عن بعض أهل الكوفة و حيلة الخلع لا تمشي ~~على أصلهم لأنهم يقولون إذا فعل المحلوف عليه في العدة وقع عليه به الطلاق ~~لأن المعتدة من فرقة ثانية يلحقها الطلاق عندهم فيحتاج المحتال بهذه الحيلة ~~إلى أن يتربص حتى تنقضي العدة ثم يفعل المحلوف عليه و هذا فيه ضرر عليه من ~~جهة طول المدة فصار يفتي بها بعض أصحاب الشافعي و ربما ركبوا معها أحد ~~قوليه الموافق لأشهر الروايتين عن أحمد من أن الخلع فسخ و ليس بطلاق فيصيير ~~الخالع كلما أراد الحنث خلع زوجته و فعل المحلوف عليه ثم تزوجها فإما أن ~~يفتوه بنقص عدد الطلاق أو يفتوه بعدمه # و هذا الخلع الذي هو خلع الأيمان هو شبيه بنكاح المحلل سواء فإن ذلك ~~PageV01P260 عقد عقدا لم يقصده و إنما قصد إزالته و هذا فسخ فسخا لم يقصده ~~و إنما قصد إزالته وهذه حيلة محدثة باردة قد صنف أبو عبد الله بن بطة جزءا ~~في إبطالها و ذكر ms243 عن السلف في ذلك من الآثار ما قد ذكرت بعضه في غير هذا ~~الموضع # الحيلة الثالثة إذا تعذر الاحتيال في المحلوف عليه احتالوا في المحلوف به ~~فيبطلوه بالبحث عن شروطه فصار قوم من المتأخرين من أصحاب الشافعي يبحثون عن ~~صفة عقد النكاح لعله اشتمل على أمر يكون به فاسدا ليرتبوا على ذلك أن ~~الطلاق في النكاح الفاسد لا يقع و مذهب الشافعي في أحد قوليه و أحمد في ~~إحدى روايتيه أن الولي الفاسق لا يصح نكاحه و الفسوق غالب على كثير من ~~الناس فينفق سوق هذه المسألة بسبب الاحتيال لرفع يمين الطلاق حتى رأيت من ~~صنف في هذه المسألة مصنفا مقصوده به الاحتيال لرفع يمين الطلاق ثم تجد ~~هؤلاء الذين يحتالون بهذه الحيلة إنما ينظرون في صفة عقد النكاح و كون ~~ولاية الفاسق لا تصح عند إيقاع الطلاق الذي قد ذهب كثير من أهل العلم أو ~~أكثرهم إلى أنه يقع في الفاسد في الجملة و أما عند الوطء و الاستمتاع الذي ~~أجمع المسلمون على أنه لا يباح بالنكاح الفاسد فلا ينظرون في ذلك و كذلك لا ~~ينظرون في ذلك عند الميراث و غيره من أحكام النكاح الصحيح بل إنما ينظرون ~~إليه فقط عند وقوع الطلاق خاصة وهو نوع من اتخاذ آيات الله هزوا و من المكر ~~في آيات الله و إنما أوجبه الحلف بالطلاق و الضرورة إلى عدم وقوعه # الحيلة الرابعة السريجية في إفساد المحلوف به أيضا لكن لوجود مانع لا ~~لفوات شرط فإن أبا العباس بن سريج و طائفة بعده اعتقدوا أنه إذ 1 قال ~~لامرأته إذا وقع عليك طلاقي أو طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا أنه لا يقع بعد ~~ذلك عليها طلاق أبدا لأنه إذا وقع المنجز لزم وقوع المعلق فإذا وقع المعلق ~~امتنع وقوع المنجز فيفضي وقوعه إلى عدم وقوعه فلا يقع و أما عامة فقهاء ~~الإسلام من جميع الطوائف فأنكروا ذلك بل رأوه من الزلات التي يعلم ~~بالاضطرار كونها PageV01P261 ليست من دين الإسلام حيث قد علم ms244 بالضرورة من ~~دين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الطلاق أمر مشروع في كل نكاح و ~~أنه ما من نكاح إلا و يمكن فيه الطلاق # و سبب الغلط أنهم اعتقدوا صحة هذا الكلام فقالوا إذا وقع المنجز وقع ~~المعلق و هذا الكلام ليس بصحيح فإنه مستلزم وقوع طلقة مسبوقة بثلاث ووقوع ~~طلقة مسبوقه بثلاث ممتنع في الشريعة و الكلام المشتمل على ذلك باطل و إذا ~~كان باطلا لم يلزم من وقوع المنجز وقوع المعلق لأنه إنما يلزم إذا كان ~~التعليق صحيحا # ثم اختلفوا هل يقع من المعلق تمام الثلاث أن يبطل التعليق ولا يقع إلا ~~المنجز على قولين في مذهب الشافعي و أحمد و غيرهما # و ما أدري هل استحدث ابن سريج هذه المسألة للاحتيال على رفع الطلاق أم ~~قالها طردا لقياس اعتقد صحته و احتال بها من بعده لكني رأيت مصنفا لبعض ~~المتأخرين بعد المائة الخامسة صنفه في هذه المسألة و مقصوده بها الاحتيال ~~على عدم وقوع الطلاق و لهذا صاغوها بقولهم إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق ~~قبله ثلاثا لأنه لو قال إذا طلقتك فأنت طالق ثلاثا لم تنفعه هذه الصيغة في ~~الحيلة و إن كان كلاهما في الدور سواء و ذلك لأن الرجل إذا قال لامرأته إذا ~~طلقتك فعبدي حر أو فأنت طالق لم يحنث إلا بتطليق ينجزه بعد هذه اليمين أو ~~يعلقه بعدها على شرط فيوجد فإن كل واحد من المنجز و المعلق الذي وجد شرطه ~~تطليق أما إذا كان قد علق طلاقها قبل هذه اليمين بشرط ووجد الشرط بعد هذه ~~اليمين لم يكن مجرد وجود الشرط ووقوع الطلاق به تطليقا لأن التطليق لا بد ~~أن يصدر عن المطلق ووجود الطلاق بصفة يفعلها غيره ليس فعلا منه فأما إذا ~~قال إذا وقع عليك طلاقي فهذا يعم المنجز و المعلق بعد هذا بشرط و الواقع ~~بعد هذا بشرط تقدم تعليقه PageV01P262 # فصوروا المسألة بصورة قوله إذا وقع عليك طلاقي حتى إذا حلف الرجل بالطلاق ~~لا يفعل ms245 شيئا قالوا له قل إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا فيقول ~~ذلك فيقولون له افعل الآن ما حلفت عليه فإنه لا يقع عليك طلاق # فهذا التسرج المنكر عند عامة أهل الإسلام المعلوم يقينا أنه ليس من ~~الشريعة التي بعث الله بها محمدا صلى الله عليه وسلم إنما نفقه في الغالب ~~ما أحوج كثيرا من الناس إليه من الحلف بالطلاق و إلا فلولا ذلك لم يدخل فيه ~~أحد لأن العاقل لا يكاد يقصد سد باب الطلاق عليه إلا نادرا # الحيلة الخامسة إذا وقع الطلاق و لم يمكن الاحتيال لا في المحلوف عليه ~~قولا ولا فعلا ولا في المحلوف به إبطالا ولا منعا احتالوا لإعادة النكاح ~~بنكاح المحلل الذي دلت عليه السنة و إجماع الصحابة مع دلالة القرآن و شواهد ~~الأصول على تحريمه و فساده ثم قد تولد من نكاح المحلل من الفساد ما لا ~~يعلمه إلا الله كما نبهنا على بعضه في كتاب بيان الدليل على إبطال التحليل ~~و أغلب ما يحوج الناس إلى نكاح المحلل هو الحلف بالطلاق و إلا فالطلاق ~~الثلاث لا يقدم عليه الرجل في الغالب إلا إذا قصده و من قصده لم يترتب عليه ~~عنده من الندم و الفساد ما يترتب على من اضطر إلى وقوعه لحاجته إلى الحنث # فهذه المفاسد الخمسة التي هي الاحتيال على نقض الأيمان و إخراجها عن ~~مفهومها و مقصودها ثم الاحتيال بالخلع و إعادة النكاح ثم الاحتيال بالبحث ~~عن فساد النكاح ثم الاحتيال بمنع وقوع الطلاق ثم الاحتيال بنكاح المحلل في ~~هذه الأمور من المكر و الخداع و الاستهزاء بآيات الله و اللعب الذي ينفر ~~العقلاء عن دين الله و يوجب طعن الكفار فيه كما رأيته في بعض كتب النصارى و ~~غيرهم و يتبين لكل مؤمن صحيح الفطرة أن دين الإسلام منزه عن هذه الخزعبلات ~~التي تشبه حيل اليهود و مخاريق الرهبان و أن أكثر ما أوقع PageV01P263 ~~الناس بها و أوجب كثرة إنكار الفقهاء عليها و استخراجهم لها هو حلف ms246 الناس ~~بالطلاق و اعتقاد وقوع الطلاق عند الحنث لا محالة حتى لقد فرع الكوفيون و ~~غيرهم من فروع الأيمان شيئا كثيرا مبناه على هذا الأصل و كثير من الفروع ~~الضعيفة التي يفرعها هؤلاء و نحوهم كما كان الشيخ أبو محمد المقدسي يقول ~~مثالها مثال رجل بنى دارا حسنة على حجارة مغصوبة فإذا نوزع في استحقاق تلك ~~الحجارة التي هي الأساس فاستحقها غيره انهدم بناؤه فإن تلك الفروع الحسنة ~~إن لم تكن على أصول محكمة و إلا لم يكن لها منفعة # فإذا كان الحلف بالطلاق و اعتقاد لزوم الطلاق عند الحنث قد أوجب هذه ~~المفاسد العظيمة التي قد غيرت بعض أمور الإسلام عند من فعل ذلك وصار في ~~هؤلاء شبه بأهل الكتاب كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مع أن لزوم ~~الطلاق عند الحلف به ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أفتى به أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ولا أحد منهم فيما أعلمه ولا اتفق عليه ~~التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين ولا العلماء بعدهم ولا هو مناسب لأصول ~~الشريعة ولا حجة لمن قاله أكثر من عادة مستمرة استندت على قياس معتضد ~~بتقليد لقوم أئمة علماء محمودين عند الأمة وهم ولله الحمد فوق ما يظن بهم ~~لكن لم نؤمر عند التنازع إلا بالرد إلى الله و إلى رسوله وقد خالفهم فيه من ~~ليس دونهم بل مثلهم أو فوقهم فإنا قد ذكرنا عن أعيان الصحابة كعبد الله بن ~~عمر المجمع على إمامته و فقهه و دينه و أخته حفصة أم المؤمنين و زينب ربيبة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي من أمثل فقيهات الصحابة الإفتاء بالكفارة ~~في الحلف بالعتق و الطلاق ما هو أولى منه و ذكرنا عن طاوس وهو من أفاضل ~~أفاضل علماء التابعين علما و فقها و دينا أنه لم يكن يرى اليمين بالطلاق ~~موقعة له # فإذا كان لزوم الطلاق عند الحنث في اليمين به مقتضيا لهذه المفاسد و حاله ~~في PageV01P264 الشريعة ms247 هذه الحال كان هذا دليلا على أن ما أفضى إلى هذا ~~الفساد لم يشرعه الله ولا رسوله كما نبهنا عليه في ضمان الحدائق لمن يزرعها ~~و يستثمرها و بيع الخضر و نحوها # و ذلك أن الحالف بالطلاق إذا حلف ليقطعن رحمه أو ليعقن أباه أو ليقتلن ~~عدوه المسلم المعصوم أو ليأتين الفاحشة أو ليشربن الخمر أو ليفرقن بين ~~المرء و زوجه و نحو ذلك من كبائر الإثم و الفواحش فهو بين ثلاثة أمور إما ~~أن يفعل هذا المحلوف عليه فهذا لا يقوله مسلم لما فيه من ضرر الدنيا و ~~الآخرة مع أن كثيرا من الناس بل من المفتين إذا رآه قد حلف بالطلاق كان ذلك ~~سببا لتخفيف الأمر عليه و إقامة عذره # و إما أن يحتال ببعض تلك الحيل المذكورة كما استخرجه قوم من المفتين ففي ~~ذلك من الاستهزاء بآيات الله و مخادعته و المكر السيء بدينه و الكيد له و ~~ضعف العقل و الدين و الاعتداء لحدود الله و الانتهاك لمحارمه و الإلحاد في ~~آياته ما لا خفاء به و إن كان من إخواننا الفقهاء من قد يستجيز بعض ذلك فقد ~~دخل من الغلط في ذلك وإن كان مغفورا لصاحبه المجتهد المتقي لله ما فساده ~~ظاهر لمن تأمل حقيقة الدين # و إما أن لا يحتال ولا يفعل المحلوف عليه بل يطلق امرأته كما يفعله من ~~يخشى الله إذا اعتقد وقوع الطلاق ففي ذلك من الفساد في الدين و الدنيا ما ~~لا يأذن به الله ولا رسوله # أما فساد الدين فإن الطلاق منهي عنه مع استقامة حال الزوجين باتفاق ~~العلماء حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( إن المختلعات و المنتزعات هن ~~المنافقات ) ) و قال ( ( أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام ~~عليها رائحة الجنة ) ) # وقد اختلف العلماء هل هو محرم أو مكروه وفيه روايتان عن أحمد وقد ~~استحسنوا جواب أحمد لما سئل عمن حلف بالطلاق ليطأن امرأته وهي حائض ~~PageV01P265 فقال يطلقها ولا يطأها قد أباح الله الطلاق ms248 و حرم وطء الحائض # وهذا الاستحسان يتوجه على أصلين أما على قوله إن الطلاق ليس بحرام و إنما ~~يكون تحريمه دون تحريم الوطء و إلا فإذا كان كلاهما حراما لم يخرج من حرام ~~إلا إلى حرام # و أما ضرر الدنيا فأبين من أن يوصف فإن لزوم الطلاق المحلوف به في كثير ~~من الأوقات يوجب من الضرر ما لم تأت به الشريعة الإسلامية في مثل هذا قط أن ~~المرأة الصالحة تكون في صحبة زوجها الرجل الصالح سنين كثيرة وهي متاعه التي ~~قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم ( ( الدنيا متاع و خير متاعها المرأة ~~المؤمنة إن نظرت إليها أعجبتك و إن أمرتها أطاعتك و إن غبت عنها حفظتك في ~~نفسها و مالك ) ) وهي التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لما ~~سأله المهاجرون ( ( أي المال خير فنتخذه فقال أفضله لسان ذاكر و قلب شاكر و ~~امرأة صالحة تعين أحدكم على إيمانه ) ) رواه الترمذي من حديث سالم بن أبي ~~الجعد عن ثوبان و بينهما من المودة و الرحمة ما امتن الله به في كتابه ~~بقوله @QB@ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل ~~بينكم مودة ورحمة @QE@ فيكون ألم الفراق أشد عليهما من الموت أحيانا و أشد ~~من ذهاب المال و أشد من فراق الأوطان خصوصا إن كان بقلب كل واحد منهما حب و ~~علاقة من صاحبه أو كان بينهما أطفال يضيعون بالفراق و يفسد حالهم ثم يفضي ~~ذلك إلى القطيعة بين أقاربهما ووقوع الشر لما زالت نعمة المصاهرة التي امتن ~~الله بها في قوله @QB@ فجعله نسبا وصهرا @QE@ و معلوم أن هذا من الحرج ~~الداخل في عموم قوله تعالى @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ و من ~~العسر المنفي بقوله @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ # و أيضا فلو كان المحلوف عليه بالطلاق فعل بر و إحسان من صدقة و عتاقة و ~~تعليم علم و صلة رحم و جهاد في سبيل الله و إصلاح ms249 بين الناس و نحو ذلك ~~PageV01P266 من الأعمال الصالحة التي يحبها الله و يرضاها فإنه لما عليه من ~~الضرر العظيم في الطلاق لا يفعل ذلك بل و لا يؤمر به شرعا لأنه قد يكون ~~الفساد الناشئ من الطلاق أعظم من الصلاح الحاصل من هذه الأعمال وهي المفسدة ~~التي أزالها الله بقوله @QB@ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم @QE@ و أزالها ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ( ( لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم عند ~~الله من أن يأتي الكفارة التي فرض الله ) ) # فإن قيل فهو الذي أوقع نفسه في أحد هذه المضرات الثلاث فما كان ينبغي له ~~أن يحلف # قيل ليس في شريعتنا ذنب إذا فعله الإنسان لم يكن له مخرج منه بالتوبة إلا ~~بضرر عظيم فإن الله لم يحمل علينا إصرا كما حمله على الذين من قبلنا فهب أن ~~هذا قد أتى كبيرة من الكبائر في حلفه بالطلاق ثم تاب من تلك الكبيرة فكيف ~~يناسب أصول شريعتنا أن يبقى أثر ذلك الذنب عليه لا يجد منه خرجا وهذا بخلاف ~~الذي ينشئ الطلاق لا بالحلف عليه فإنه لا يفعل ذلك إلا وهو مريد الطلاق إما ~~لكراهته للمرأة أو غضبه عليها و نحو ذلك وقد جعل الله الطلاق ثلاثا فإذا ~~كان إنما يتكلم بالطلاق باختياره ووالى ثلاث مرات متفرقات كان وقوع الضرر ~~في مثل هذا نادرا بخلاف الأول فإن مقصوده لم يكن الطلاق و إنما كان أن يفعل ~~المحلوف عليه أولا يفعله ثم قد يأمره الشرع أو تضطره الحاجة إلى فعله أو ~~تركه فيلزمه الطلاق بغير اختيار له ولا لسببه # و أيضا فإن الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم في باب الأيمان ~~تخفيفها بالكفارة لا تثقيلها بالإيجاب أو التحريم فإنهم كانوا في الجاهلية ~~يرون الظهار طلاقا و استمروا على ذلك في أول الإسلام حتى ظاهر أوس بن ~~الصامت رضي الله عنه من امرأته # و أيضا فالاعتبار بنذر اللجاج و الغضب فإنه ليس بينهما من الفرق إلا ~~PageV01P267 ما ذكرناه و سنبين إن ms250 شاء الله عدم تأثيره و القياس بالفارق ~~أصح ما يكون من الاعتبار باتفاق العلماء المعتبرين # وذلك أن الرجل إذا قال إن أكلت أو شربت فعلي أن أعتق عبدي أو فعلي أن ~~أطلق امرأتي أو فعلي الحج أو فأنا محرم بالحج أو فمالي صدقة أو فعلي صدقة ~~فإنه تجزئة كفارة يمين عند الجمهور كما قدمناه بدلالة الكتاب و السنة و ~~إجماع الصحابة فكذلك إذا قال إن أكلت هذا أو شربت هذا فعلي الطلاق أو ~~فالطلاق لي لازم أو فامرأتي طالق أو فعبيدي أحرار و إن قال علي الطلاق لا ~~أفعل كذا أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا فهو بمنزلة قوله علي الحج لا أفعل ~~كذا و الحج لي لازم لا أفعل كذا و كلاهما يمينان محدثتان ليستا مأثورتين عن ~~العرب ولا معروفتين عند الصحابة و إنما المستأخرون صاغوا من هذه المعاني ~~أيمانا و ربطوا إحدى الجملتين بالأخرى كالأيمان التي كان المسلمون من ~~الصحابة يحلفون بها و كانت العرب تحلف بها لا فرق بين هذا و هذا إلا أن ~~قوله إن فعلت كذا فمالي صدقة يقتضي وجوب الصدقة عند الفعل وقوله مرأتي طالق ~~يقتضي وجود الطلاق فالكلام يقتضي وقوع الطلاق بنفس الشرط و إن لم يحدث بعد ~~هذا طلاقا ولا يقتضي وقوع الصدقة حتى يحدث صدقة # و جواب هذا الفرق الذي اعتمده الفقهاء الفرقون من وجهين # أحدهما منع الوصف الفارق في بعض الأصول المقيس عليها وفي بعض صور الفروع ~~المقيس عليها # و الثاني بيان عدم التأثير # أما الأول فإنه إذا قال إن فعلت كذا فمالي صدقة أو فأنا محرم أو فبعيري ~~هدي فالمعلق بالصفة وجود الصدقة و الإحرام و الهدي لا وجوبها كما أن المعلق ~~في قوله فعبدي حر و امرأتي طالق وجود الطلاق و العتق لا وجوبهما ولهذا ~~اختلف الفقهاء من أصحابنا و غيرهم فيما إذا قال هذا PageV01P268 هدي وهذا ~~صدقة لله هل يخرج عن ملكه أولا يخرج فمن قال يخرج عن ملكه فهو كخروج زوجه و ~~عبده عن ملكه أكثر ms251 ما في الباب أن الصدقة و الهدي يتملكهما الناس بخلاف ~~الزوجة و العبد وهذا لا تأثير له و كذلك لو قال علي الطلاق لأفعلن كذا أو ~~الطلاق يلزمني لأفعلن كذا فهو كقوله علي الحج لأفعلن كذا فهلا جعل المحلوف ~~به هنا وجوب الطلاق لا وجوده كأنه قال إن فعلت كذا فعلي أن أطلق # فبعض صور الحلف بالطلاق يكون المحلوف به صيغة وجوب كما أن بعض صور الحلف ~~بالنذر يكون المحلوف به صيغة وجود # و أما الجواب الثاني فنقول هب أن المعلق بالفعل هنا وجود الطلاق و العتاق ~~و المعلق هناك وجود الصدقة و الحج و الصيام و الإهداء أليس موجب الشرط ثبوت ~~هذا وجوب و ذاك الوجود عند وجود الشرط # فإذا كان عند الشرط لا يثبت ذلك الوجوب بل يجزيه كفارة يمين فكذلك عند ~~الشرط لا يثبت هذا الوجود بل يجزيه كفارة يمين كما لو قال هو يهودي أو ~~نصراني أو كافر إن فعل كذا فإن المعلق هنا وجود الكفر عند الشرط ثم إذا وجد ~~الشرط لم يوجد الكفر بالاتفاق بل يلزمه كفارة يمين ولا يلزمه شيء ولو قال ~~ابتداء هو يهودي أو نصراني أو كافر للزمه الكفر بمنزلة قوله ابتداء عبدي حر ~~و امرأتي طالق وهده البدنة هدي وعلي صوم يوم الخميس ولو علق الكفر بشرط ~~يقصد وجوده كقوله إذا أهل الهلال فقد برئت من دين الإسلام لكان الواجب أن ~~يحكم بكفره لكن لا يتأخر الكفر لأن توقيته دليل على فساد عقيدته # فإن قيل في الحلف بالنذر إنما عليه الكفارة فقط # قيل مثله في الحلف بالعتق و كذلك في الحلف بالطلاق كما لو قال فعلي أن ~~أطلق امرأتي # و من قال إنه إذا قال فعلي أن أطلق امرأتي لا يلزمه شيء فقياس ~~PageV01P269 قوله في الطلاق لا يلزمه شيء ولهذا توقف طاووس في كونه يمينا # و إن قيل إنه يخير بين الوفاء به و التكفير فكذلك هنا يخير بين الطلاق و ~~العتق وبين التكفير فإن وطئ امرأته كان اختيارا منه ms252 للتكفير كما أنه في ~~الظهار يكون مخيرا بين التكفير و بين تطليقها فإن وطئها لزمته الكفارة لكن ~~في الظهار لا يجوز له الوطء حتى يكفر لأن الظهار منكر من القول و زور حرمها ~~عليه و أما هنا فقوله إن فعلت فهي طالق فهو بمنزلة قوله فعلي أن أطلقها أو ~~قال و الله لأطلقنها فإن طلقها فلا شيء عليه و إن لم يطلقها فعليه كفارة ~~يمين # يبقى أن يقال فهل تجب الكفارة على الفور إذا لم يطلقها حينئذ كما لو قال ~~و الله لأطلقنها الساعة و لم يطلقها أو لا تجب إلا إذا عزم على إمساكها أو ~~لا يجب إلا إذا وجد منه ما يدل على الرضا بها من قول أو فعل كالذي يخير بين ~~فراقها و إمساكها لعيب و نحوه و كالمعتقة تحت عبد أو لا يجب بحال حتى يفوت ~~الطلاق قبل الحكم في ذلك كما لو قال فثلث مالي صدقة أو هدي و نحو ذلك # و الأقيس في ذلك أنه مخير بينهما على التراخي ما لم يوجد منه ما يدل على ~~الرضا بأحدهما كسائر أنواع الخيار # | فصل # موجب نذر اللجاج و الغضب على المشهور عندنا أحد شيئين # إما التكفير و إما فعل المعلق ولا ريب أن موجب اللفظ في مثل قوله إن فعلت ~~كذا فعلي صلاة ركعتين أو صدقة ألف أو فعلي الحج أو صوم شهر هو الوجوب عند ~~الفعل فهو مخير بين هذا الوجوب و بين وجوب الكفارة فإذا لم يستلزم الوجوب ~~المعلق ثبت وجوب الكفارة فاللازم له أحد الوجوبين كل منهما ثابت بتقدير عدم ~~الآخر كما في الواجب المخير # و كذلك إذا قال إذا فعلت كذا فعلي عتق هذا العبد أو تطليق هذه ~~PageV01P270 المرأة أو علي أن أتصدق أو أهدي فإن ذلك يوجب استحقاق العبد ~~للإعتاق و المال للتصدق و البدنة للهدي # ولو أنه نجز ذلك فقال هذا المال صدقة و هذه البدنة هدي و علي عتق هذا ~~العبد فهل يخرج عن ملكه بذلك أو يستحق الإخراج ms253 فيه خلاف وهو يشبه قوله هذا ~~وقف # و أما إذا قال هذا العبد حر و هذه المرأة طالق فهو إسقاط بمنزلة قوله ~~برئت ذمة فلان من كذا و من دم فلان أو من قذفي فإن إسقاط حق الدم و المال و ~~العرض من باب إسقاط حق الملك بملك البضع و ملك اليمين # فإذا قال إن فعلت فعلي الطلاق أو فعلي العتق أو فامرأتي طالق أو فعبيدي ~~أحرار و قلنا إن موجبه أحد الأمرين فإنه يكون مخيرا بين وقوع ذلك و بين ~~وجوب الكفارة كما لو قال فهذا المال صدقة أو هذه البدنة هدي # و نظير ذلك ما لو قال إذا طلعت الشمس فعبيدي أحرار و نسائي طوالق و قلنا ~~التخيير إليه فإنه إذا اختار أحدهما كان ذلك بمنزلة اختياره أحد الأمرين من ~~الوقوع أو وجوب التكفير و أمثال ذلك # و أيضا إذا أسلم و تحته أكثر من أربع أو أختان فاختار إحداهما فهذه ~~المواضع التي تكون فيها الفرقة أحد اللازمين إما فرقة معين أو نوع الفرقة ~~لا يحتاج إلى إنشاء طلاق لكن لا يتعين الطلاق إلا بما يوجب تعيينه كما في ~~النظائر المذكورة # ثم إذا اختار الطلاق فهل يقع من حين الاختيار أو من حين الحنث يخرج على ~~نظير ذلك # فلو قال في جنس مسائل نذر اللجاج و الغضب اخترت التكفير أو اخترت فعل ~~المنذور فهل يتعين بالقول أو لا يتعين إلا بالفعل # إن كان التخيير بين الوجوبين تعين بالقول كما في التخيير بين النساء و ~~بين الطلاق و العتق و إن كان بين الفعلين لم يتعين إلا بالفعل كالتخيير ~~PageV01P271 بين خصال الكفارة و إن كان بين الفعل و الحكم كما في قوله إن ~~فعلت كذا فعبدي حر أو امرأتي طالق أو دمي هدر أو مالي صدقة أو بدنتي هدي ~~تعين الحكم بالقول ولم يتعين الفعل إلا بالفعل و الله سبحانه و تعالى أعلم # آخر ما تيسر بحمد الله و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه ms254 و سلم # تم هذا الكتاب بعون الله و منته على يد كاتبه علي بن سليمان آل يحيى في ~~آخر جمادى الأولى سنة 1318 هجرية # الحمد لله وحده و صلى الله و سلم و بارك على من لا نبي بعده عبد الله و ~~رسوله الكريم محمد وعلى آله # أما بعد فقد تم طبع هذه القواعد النفيسة لشيخ الإسلام علم الإعلام الإمام ~~المجتهد و الفقيه المحقق تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية المتوفى سنة ~~728 رحمه الله و غفر لنا و له و جزاه الله عن الإسلام و المسلمين خيرا و ~~جمعنا به دار كرامته PageV01P272 ms255